حوار مفتوح

majed algharbawi14مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق27) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

العصمة والتطهير

ماجد الغرباوي: ثمة اختلاف من زاوية أخرى بين العصمة السلوكية الإرادية، التي يسعى لها المؤمن بنفسه، فيخضع سلوكه وتصرفاته ونواياه للمراقبة والمحاسبة كي يعصم نفسه من المعاصي والموبقات، من وحي إيمانه ويقينه، فتنفتح عليه السماء، وترعاه وتسدده وفقا للسنن القرآنية التي مرَّ ذكرها. وبين عصمة إلهية، يفيض أو يتلطف بها الله على أحد من الناس. الأولى مبادرة شخصية، مرتهنة للتقوى، يشهد لها توازن الفرد سلوكيا. وأما الثانية فشرطها وجود آية صريحة بخصوصه، لأنها مبادرة إلهية، وهكذا بالنسبة للاصطفاء. كما بالنسبة لمريم: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ). التي قد يستفاد منها عصمتها من الذنب، ولو تقديرا من قبل الله. غير أن المهم بالنسبة للبحث أن الآية نص صريح في اصطفائها وتطهيرها بل واصطفائها على نساء العالمين، فالتطهير والاصطفاء قد تحققا فعلا وواقعا. وليس لهذا الاصطفاء شبيه. وهذا القدر لا ينفي العصمة السلوكية لمريم التي أهلتها للاصطفاء والتطهير (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ). وبالتالي ينبغي الاستدلال بآية صريحة لكل من يدعي عصمة الأئمة. وقد مرَّ بنا امتناع العصمة ذاتا، واستشهدنا بجملة آية على عدم ثبوتها للأنبياء، فضلا عن غيرهم. وأما حكم العقل لو كان له حكم فموضوعه الوحي وتبليغ رسالة السماء، فتكون من مختصات الأنبياء المرسلين، وهي قضية سالبة بانتفاء موضوعها بالنسبة لغير المرسلين.

بل حتى آية (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) مشروطة بالاستقامة، حيث جاءت ضمن مصفوفة آيات، تتحدث عن أزواج النبي، فسبقتها وتلتها آيات تملي عليهن أحكاما خاصة بهن، وهي أحكام شديدة، تصادر حرية المرأة، خاصة المكوث في البيوت، لذا جاءت لتخفف وطأة الأحكام وبيان مقاصد التشريع، وهي أن الغاية: "التطهير من الرجس". وبالتالي فالطهارة من الرجس مشروط بالاستقامة والالتزام الفعلي بالتشريعات القرآنية. فالآية على وزان قوله: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ويتم نعمته عليكم)، التي جاءت لبيان مقاصد التشريع. فإذا كان التطهير مساوقا للعصمة فتشمل كل من تمحّض للإيمان قلبا وسلوكا. ولا خصوصية لأحد إلا على أساس (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). وإذا كانت خاصة، فتستدعي قرينة صارفة من سياق الآيات.

ثمة ملاحظة، إن مفهوم أهل البيت عرفا مفهوم شامل، لزوجات النبي وللأبن والبنت والأحفاد. حتى ذهب بعضهم إلى التوسع في مصداق الآية إلى أهل بيت الحرام وهم المتقون، مستدلا بقوله: (ان أولياؤه الا المتقون). وثالث يعتقد أنها شاملة لكل من يصدق عليهم عرفا أهل بيته من أزواجه وأقربائه وهم آل عباس وآل عقيل وآل جعفر وآل على أو النبي وأزواجه. وبالتالي حتى مع إطلاق مفهوم أهل البيت. فلا يمكن استثناء زوجات النبي. فهل هناك من يغامر ويقول أن خديجة بنت خويلد لو كانت طيبة لا تشملها آية التطهير؟ ثم أليس نساء النبي أمهات المؤمنين، (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، فهل هي شاملة باطلاقها لجميع المؤمنين بما فيهم علي وفاطمة والحسن والحسين أم لا؟. ثم كيف يوجه خطابه في هذه الآية لغير زوجاته وهو في صدد بيان مقاصد التشريع لهن خاصة، حيث بدأت مصفوفة الآيات: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ)، ثم يردف في الآيتين التاليتين: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ)، وهي شاملة بإطلاقها لهنّ، ثم يشرع أحكاما خاصة بهن، ويأتي بآية التطهير لبيان مقاصد التشريع، ثم يلحقها بأحكام أخرى. وبالتالي فمقتضى سياق الآيات والفهم اللغوي أن كل من يشملها مفهوم نساء النبي تشملها آية التطهير. ولنا شاهد قرآني يؤكد شمول المفهوم للزوجة: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)، هذا ما قالته زوجة إبراهيم النبي، عندما بشرتها الملائكة بمولد جديد، فكان ردّ الملائكة: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ). فهل يعقل أن نصرف مفهوم أهل البيت هنا عن زوجة إبراهيم وهي المخاطب في رد الملائكة؟. ثم هل نقتصر على بعض المؤمنين في آية (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ويتم نعمته عليكم) التي تبدأ بخطاب عام لهم جميعا؟ أم تبقى على إطلاقها فتشمل زوجات النبي؟. ما لم يتجرد الفرد من قبلياته التراثية والطائفية والأيديولوجية، لا يمكنه إدراك الحقائق القرآنية.

المهم بالنسبة لآية التطهير أنها لا تجزم بتطهير أهل البيت بل جعلته مشروطا بالتمسك بمجموعة التشريعات الخاصة بهم. على خلاف ما جاء في تطهير مريم، الذي هو تطهير منجز، قد تحقق خارجا. بدأت مصفوفة الآيات بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ)، فالخطاب موجه لزوجات النبي خاصة (فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)، فالأجر مشروط بالحسنى والعمل الصالح. (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ)، أيضا مشروطة، (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا)، والشرط واضح، فليس هناك تشريف. (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ)، فالتميز بالتقوى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). ثم تقول مصفوفة الآيات: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُوله)، وهي أحكام ثقيلة على النفس البشرية، فتحتاج لبيان مقاصدها وغاياتها، فجاءت آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، فجاءت لبيان الهدف والغاية الحقيقية. ثم تلتها مباشرة آية (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ). وهكذا الحديث من بدايته إلى نهايتة مع أزواج النبي. فاقصاؤهن من مصاديق الآية، فيه بعد طائفي، لا يطاق مع هذا البيان المستفيض. كما أن التطهير لا يلزم منه العصمة بل أن الآية تقول من يستقم يطهّره الله من الذنوب ومن الرجس، تماما كما في قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ). فالاستقامة تترتب عليها آثار، من باب إن الحسنات يذهبن السيئات. (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ).

تقدم أن الاصطفاء شأن إلهي لغايات محددة، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، فهو ليس تشريفا بل تكليفا لغايات ربانية، كالنبوة والرسالة وما يتعلق بهما، فتكون المهمة السماوية كاشفة عن الاصطفاء: (قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ). بما في ذلك اصطفاء مريم حيث تقول الآية: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)، فاصطفاها الخالق رحماً طاهراً لينفخ فيه من روحه، فيكون عيسى بن مريم، الذي تنتظره مسؤوليات نبوية ورسالية عظيمة. لذا لا دليل لنا على الاصطفاء سوى كتاب الله. ثم قد يلازم الاصطفاء التطهير أو التفضيل أو العصمة، لكن كل هذا ضمن ضابطته القرآنية، لذا عندما تقول الآية: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، فالاصطفاء هنا ليس تشريفا، كي يُخلع على كل من انتسب لهم، بل تكليفا بالنبوة وبالرسالة، فلا يلزم منه أية صفة أخرى كعلم الغيب، وعدم الخطأ والنسيان وغير ذلك من صفات مفارقة للطبيعة البشرية.

والاصطفاء أيضا يصدق على الإمامة القرآنية، فيشترط في صدقيتها وجود آية صريحة بينة لا لبس فيها، تدل عليها كإمامة إبراهيم، التي لم يرفدها الكتاب العزيز بتفصيلات كافية سوى قوله: (إِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). فالإمامة تأتي بعد مرحلة من الاختبار الرباني المباشر، "إذا ابتلى الله ابراهيم بكلمات". لا نعرف ما هي الكلمات التي أتمها، لكنها تبدو على درجة رفيعة من الأهمية اقتضت تنصيبه إماما. ورغم أن ذرية إبراهيم أنبياء، لكن الآية أجابت بشكل عائم: "قال لا ينال عهدي الظالمين". وبالتالي هذا النوع من الإمامة يحتاج لتصريح رباني، فنسبت الظلم للناس لا يمكن رصده من خلال سلوك الإنسان، فقد يجهل من حوله أنه ظالم لنفسه: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)، فظاهر هؤلاء الصلاح، وربما تعلوهم سيماء الإيمان، لكنهم في علم الله "منافقون". من هنا أشترط نصا قرآنيا لثبوت الاصطفاء، لانه يورث الجزم  واليقين، مادام حتى النبي لا يمكنهم الجزم بتزكية أي شخص. لذا تحتاج الإمامة إلى آية صريحة لكل إمام إمام. وهذا مفقود لغير إبراهيم النبي الكريم. وهذه الآية بالذات تؤكد أن الإمامة شأن إلهي، وليس شأنا نبويا أو رسوليا. ولو كان إبراهيم يعلم أن الإمامة شأن نبوي، فلماذا يسأل الباري تعالى: "ومن ذريتي؟"، وهل هناك مثل إبراهيم يشيد القرآن بحكمته ومقامه الرباني (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ). إن دلالات هذه الآيات واضحة (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)؟. وبالتالي وهذه هي النتيجة المهمة، أن أي رواية تتحدث عن الإمامة ينبغي تأويلها في ضوء إمامة إبراهيم، التي تقتضي الانصراف عن الإمامة الإلهية إلى الإمامة السياسية. أو بمعنى التقدم الرتبي. بهذه الطريقة يمكن ضبط المصطلحات، والكف عن توزيع المناصب الإلهية بلا دليل قرآني، لأن كل منصب إلهي، هو ممتنع بذاته، ما دام مفارقا للطبيعة البشرية، فيبقى حتى القاعدة العقلية، ولا يمكن رفع اليد عنها إلا بآية صريحة، لا لبس فيها، تورث العلم واليقين، فحينئذٍ، لا نخصص القاعدة العقلية، لأنها لا تخصص، بل نعيد النظر في فهمنا لتلك الظاهرة التي نحسب أنها مخالفة للطبيعة البشرية، وعندما نعيد النظر فيها سنكتشف مدى صدقيتها وحقيقتها ومدى مطابقتها للواقع.

العصمة في سيرة الأئمة

إن احتمال صدور بعض روايات تراث الغلو عن الإمام المعصوم احتمال ممكن، حيث دأب خطاب التنزية المعتدل، على رمي الغلو باختلاق رواياته، ونفيها عن الأئمة، رغم صحة جملة من أسانيدها. والسبب في نفيها رفض العقل والمنطق لمضامينها، وتنزيها لرموزهم الدينية. فالإمام معصوم، والمعصوم وفقا لخط الاعتدال لا يصدر عنه ما يخالف العقل والقرآن، عكسا لخط الغلو الذي يتخذ من العصمة علة لصدور ما يروى من خوارق وغرائب وكرامات. وهناك جملة من أصحاب الأئمة مصنفون على خط الغلو، وقد ذكرت في مناسبة مناظرة رجل الغلو المعروف المعلى بن خنيس مع عبد الله بن يعفور رجل الاعتدال في حضرة الإمام الصادق حول منزلة الإمام، وهل هو أفضل من الأنبياء؟ وكان الصادق يصغي لهما، لولا انحيازه في نهاية المطاف إلى عبد الله بن يعفور، وقد سجلت ملاحظات عدة في حينها. كيف يتخذ الصادق المعلى من أصحابه؟ ولماذا يسمح بهكذا مناظرات مغالية؟. وغير ذلك. وبالتالي فاحتمال صدور روايات تبالغ في تنزيه الأئمة حد الغلو أمر ممكن بذاته. لكن روايات كثيرة نقلت لنا مواقف صارمة من الغلو، خاصة من قبل الإمام الصادق، منها: (لعن اللّه المغيرة بن سعيد… إنّه كذب على أبي (ع) فسلبه الله الإيمان، وأن قوماً كذبوا عليّ، ما لهم؟! أذاقهم الله حرّ الحديد، فو الله ما نحن إلّا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضرّ ولا نفع وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذّبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله من حجّة، ولا معنا من الله براءة، وإنّا لميتون، ومقبورون، ومنشّرون، ومبعوثون، وموقوفون، ومسؤولون، ويلهم ما لهم لعنهم الله؛ فلقد آذوا الله وآذوا رسوله (ص) في قبره وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي (صلوات الله عليهم)”. (كتاب: اختيار معرفة).

وقبل الإمام الصادق كان الإمام علي يطالب أصحابه: (فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىءَ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُو كُونَ لِرَبٍّ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا،) (خطبة: 216).

وأما الروايات التاريخية التي تنفي أي صفة فوق بشرية لهم فكثيرة، يمكن مراجعتها في مظانها، وقبل هذا وذاك فإن هذا النوع من العصمة منتفٍ عن الأنبياء فكيف بغيرهم، إضافة للامتناع الذاتي لها، كما مرَّ تفصيلا.

الأئمة كغيرهم من البشر مروا بأطوار حياتية مختلفة، وواجهتهم ظروف تتباين في مستوى تحدياتها. وكانوا بشرا يتعامل معهم الصحابة باحترام وتقدير، فكانوا يجالسونهم ويختلفون معهم، ولم يصفوهم بصفة (إمام). وكان الناس يعتبرونهم شيوخ آل محمد، أو علماء آل محمد، وعلماء أبرارا. وترى الشخصية العلمية الكبيرة، زرارة بن أعين مثلا يقول سألت جعفرا وتكلمت مع جعفر. ويقصد الإمام جعفر الصادق، وعندما مات الأخير لم يعرف من هو الإمام التالي وبعث ولده لتقصي الحقائق، لكنه مات قبل عودته. وموقف زرارة الأخير اربك موقف الإمام الرضا، وراح يوجهه بالتقية. أما الآن فالأمر تغير. العقيدة الشيعية كغيرها من العقائد، تطورت تطورا كبيرا، وما يتمسك به الشيعة اليوم نتاج جهود جبارة لمئات السنين، ولم يكن لها أثر في عهد النبي، باستثناء أحاديث الفضائل. فهي تراكم جهود المتكلمين والفقهاء وردود أفعال متلاحقة، وتحديات مستمرة، ونزاعات متواصلة، حتى رست على صيغتها الأخيرة في ظل حراسة عقائدية مشددة، وحصانة منحت مصادرها قدسية رفيعة، ودعم شعبي جارف من خلال طقوس تتناسل وتتسع في ظل تحديات وجودية. فلا يمكن فهم العصمة إلا ضمن سياقاتها التاريخية والسياسية، وحجم التحديات التي واجهت الشيعة، خلال الدولتين الأموية والعباسية، بل ومن جاء بعدهما. فدراسة المدونات التاريخية والكلامية وتاريخ الفِرق والمذاهب شرط لمعرفة طبيعة الأجواء والظروف التي انبثقت في ظلها جملة مفاهيم لم تكن معروفة سابقا كمفهوم العصمة الذي نظّر له هشام بن الحكم حيث كان الظرف السياسي من الصعوبة كاد ينعكس على شخصية الإمام الصادق بسبب رفضه للتحرك المسلح، واستلام السلطة، ثم جاءت مشكلة تحديد الإمام بعد وفاته، فعاش الشيعة ظرفا قلقا جدا، كاد يطيح بمشروع الإمامة برمته، سيما مع عدم ظهور المهدي، الحلم الذي ينتظرونه لإقامة دولة شيعية تعيد لهم الاعتبار، فأنقذت العصمة التي نظّر لها هشام بن الحكم الموقف، وتدارك تداعيات الفجوة التاريخية بين وفاة الصادق والكاظم، الذي من المؤكد قد سمع بها، فسكت عنها، على فرض أنها عصمة سلوكية ليست أكثر، حيث وجد فيها ملجأ للإمساك بما تبقى من الشيعة. بينما العصمة هجرت تاريخيتها، وراحت تخط لها مسارا جديدا، وأصبح لها لوازم عقيدية متعددة.

كان أحمد بن محمد بن عيسى (القمي) وهو فقيه كبير عاصر الإمام الجواد كان يضرب من لا يقول بسهو النبي في الصلاة. فهل ثمة من يتجرأ الآن على أقل من هذا الكلام ولا يُرمى بالانحراف والمروق؟. بل لا يمكن التجرؤ على مقامات وأضرحة وشخصيات مبتدعة فضلا عن مقامات حقيقية أكبر. والأنكى لا يمكنك نقد طقوس وممارسات مبتدعة، لا علاقة لها بالدين وأهل البيت. حتى أصبحت القداسة ما يقدّسه الناس، وليس ما هو مقدّس بذاته. بهذا الشكل تطورت العقيدة الشيعية. ومن يقرأ التاريخ قراءة نقدية موضوعية سيكتشف حجم المعاناة، وسيفهم كيف تم بناء منظومة عقائدية شيعية، وحينئذٍ لكف الناس عن هذا القدر من التقديس الذي ارتفع بأهل البيت إلى مصاف الخالقية، فراح أعداء الشيعة يرمونهم بالشرك ويستبيحون دماءهم. سيما أن أهل البيت يتبرأون ليل نهار من الغلاة وعقائدهم المريبة. الشيعة اليوم مطالبون بالتعامل مع الأئمة برؤية مختلفة، كي يستفيدوا من تجربة تاريخية غنية.

العصمة نتاج أصحاب الأئمة منذ هشام بن الحكم من أصحاب الصادق والكاظم. وقد نقل صاحب البحار في (ج25 ص207): قال حسين ابن سعيد الأهوازي من أصحاب الرضا والجواد عليهم أفضل الصلاة والسلام لا خلاف بين علمائنا في أنهم عليهم السلام معصومون عن كل قبيح مطلقا). فالقائلون بعصمة الأئمة تاريخيا هم بعض أصحاب الأئمة. بينما في روايات الأئمة ما يخالفه، وقد جاء في بعض الروايات: (نحن نذنب ونتوب الى الله). وقد أكد الشيخ محمد آصف المحسني في كتابه مشرعة بحار الأنوار بقوله: (ثم جاء الصدوق والمرتضى والطوسي فذكروا براهين فنية على عصمة الإمام قبله لا يوجد عندنا أي دليل). فالاستدلال والتنظير للمقولات الكلامية الشيعية يمكن نسبته إلى القرنين الرابع والخامس الهجري.

ياتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi13مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق26) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

عصمة الأئمة

ماجد الغرباوي: تقدم أن العصمة السلوكية متاحة لكل فرد وفقا للسنن القرآنية، وهي تعبير آخر عن التقوى، فلا ملازمة بينها وبين الفقاهة والعلم والحكمة والدراية وعلم الغيب. ولا يلزم منها مطلق التزكية، سوى الظاهر من سلوكه، (اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)، (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). ويبقى كل فرد مرهوناً بعمله: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)، (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). وهذا شامل باطلاقه حتى الأنبياء (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا).

 وأما العصمة في التبليغ فهي مقتضى العقل الديني كما هو مقرر عندهم في ضوء فهمهم الخاص لمعنى النبوة والوحي، وقد مرَّ الحديث عنها. لكن الصحيح لا ملازمة عقلية بين التبليغ وعصمة المبلغ مطلقا، بل يبقى الخطأ والنسيان والاشتباه محتمل في سلوكه. التبليغ لا يستوجب عصمة المبلغ، وإذا ثبتت فتثبت من خلال سيرته وسلوكه العام، قبل الوحي، حيث عُرف النبي بصدق الحديث، ثم تأكد لهم ذلك من خلال سيرته وسلوكه وصدق لهجته. فثمة قرائن حالية ومقامية تدل على الأمانة والصدق، وهو معنى العصمة هنا. ولا مانع من وجود لطف يحول دون نسيان الأنبياء واشتباههم بتبليغ الوحي. فحكم العقل الديني بالعصمة يرتكز لقبلياته، وهي صورة مثالية، عززها إيمان تقليدي وعوامل نفسية، خلقت أجواء روحية عالية، بما تمتعت به شخصية الرسول من صفات حميدة وكارزمية (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ). حداً كأن الصحابة يصغون لجبرائيل حينما كان النبي يتلو عليهم آيات الكتاب. فالحكم بعصمة النبي بالتبليغ حكم نفسي، معزز بالقرائن، وليس عقليا، لذا تجد الأمر مختلفا بالنسبة للمنافقين، والذين في قلوبهم مرض، كما يصفهم الكتاب الكريم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ). ومن باب أولى لا يحكم العقل بعصمة أحدٍ خارج دائرة التبليغ، لو سلّمنا ثمة حكم للعقل بخصوصها.

المهم، أن هدف العصمة، إذا اقتضاها العقل، فلضمان أمانة وإخلاص وصدق النبي في التبليغ. أو بعبارة أدق: أن موضوع العصمة هو تبليغ الوحي. ولم ينعقد اجماع خارج دائرة تبليغ الوحي. فالوحي هو المبرر الوحيد لعصمة الأنبياء، وبانتفائه تنتفي العصمة.

مبررات عصمة الأئمة

تأسيسا على ما تقدم: إن عصمة غير الأنبياء، قضية سالبة بانتفاء الموضوع، فلا موضوع يقتضي عصمة أحد من الناس، لعدم المقتضي، لا لوجود مانع. ومقتضي عصمة الرسل هو الوحي، وفقا لعقيدتهم بالنبوة، وقد انقطع بوفاة الرسول. فالكلام عن عصمة الأئمة وفقا للعقيدة الشيعية استطرادا.

لا مانع من تلبّس الإمام بالعصمة السلوكية فهي مرهونة للتقوى ومتاحة لكل فرد، وفقا لسنن الكتاب المجيد، وقد نقل لنا التاريخ صورة ناصعة عن شخصيات ربانية في سلوكها وحكمتها وأخلاقها ومبدئيتها وعلمها وتقواها، وهم أئمة أهل البيت. لكن الكلام حول دليل عصمتهم غير السلوكية، التي اتخذت بعدا ميثيولوجيا، قوامه اللامعقول والخرافة والخروج على العقيدة وقيم الدين والكتاب الكريم.

المبررات الكلامية

طرح علماء الكلام الشيعي مبررات لعصمة الأئمة، يمكن الإشارة إلى ما جاء في كتاب عقائد الإمامية للشيخ محمد رضا المظفر، حيث قال: (ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل ما ظهر منها وما بطن كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي). دون أن يذكر دليلا على المساواة بين النبي والإمام، رغم أنها مسلّمة في العقيدة الشيعية، وفقا لأدلتهم الروائية. وأما وفقا للمنطق القرآني فنحتاج إلى آية صريحة تدل على المطلوب نرفع بها اليد عن القاعدة العقلية الحاكمة في المقام، كما تقدم في مبحث الاصطفاء، باعتباره شأناً إلهياً، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ). فاعطاء الإمام ما للرسول يفتقر للدليل القرآني الصريح، وهو منتفٍ بالضرورة.

وأما التعليل الوارد: (لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي)، فيلاحظ عليه، أولاً: تقدم أن مبرر عصمة النبي هو تبليغ الوحي والرسالة السماوية، وقد انقطع بوفاته، فلا موضوع لها. ثانيا: أن القوامة على الدين لم ترد ضمن مبررات العصمة للنبي، كما أنها ستشمل غير الإمام كالفقيه، ولا أحد يقول بعصمته.

ثم ما المقصود بحفظة الشرع؟ وما المقصود بالقوامين عليه؟، هنا توجد احتمالات:

- المحافظة على الشرع من خلال بيان الأحكام الشرعية. وهذا لا يستدعي العصمة، لأن فقه الأحكام يتأثر بالواقع وبقبليات الفقيه، فيؤثر بها الزمان والمكان، فهي متجددة بطبيعتها، ولا مناص من الاختلاف، لذا عقد الفقهاء بابا لرفع التعارض بين روايات أهل البيت، بعنوان: التعارض والتراجيح. كما أن ألتأسي بهم واتخاذهم قدوة لا يقتضي عصمتهم، بل قوة شخصية الفرد المؤمن أن يعصم نفسه عن ارتكاب المعاصي مع قدرته عليها.

- المقصود بالقوامة على الشرع استمرار التشريع، بعد كتاب الله وسنة نبيه، حداً تكون سيرتهم (قولهم، وفعلهم وتقريرهم)، كسيرة النبي في الحجية، وتكون رواياتهم، مخصصة أومقيدة لآيات الكتاب. وهو متفق عليه، لذا استمر عصر التشريع عندهم حتى نهاية الغيبة الصغرى (329 هـ). لكن تقدم أكثر من مرة أن التشريع منحصر بالله تعالى، وقد أعلن الكتاب الكريم تمامية الدين، بمعنى العقيدة والشريعة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). وإذا أضفنا لها الآيات التي حصرت وظيفة النبي بالتبليغ والتفصيل والبيان، فلا حجية للسيرة النبوية باستثناء ما له جذر قرآني، كتفصيلات الصلاة، ما لم يتطور مفهومها. كما أن الأئمة لم يدعوا التشريع، وكانوا يمارسون دورهم الديني في شرح وبيان واستنباط الأحكام الشرعية، وكانوا يردون على إشكالات صحابتهم ويجيبون على أسئلتهم. ولم يتبادر لأحد منهم وجوب الانصات لهم باعتبارهم مشرعين، وأن ما يقولونه يعتبر نصا شرعيا من  الله تعالى؟. بل جاء في الروايات أن الإمام الباقر اختلف مع والده الإمام السجاد، واختلف الإمام الصادق مع والده الباقر في بعض المسائل الفقهية. والإمام الحسن العسكري أحال الناس على الفقهاء.

العصمة وقدامى العلماء

إن مبررات الشيخ المظفر لوجوب عصمة الأئمة جاءت بعد 12 قرناُ أو يزيد، حيث توفي عام 1964 م. بعد أن تولى علماء الكلام التنظير لها طيلة تلك الفترة، ورفدوها بأدلة عقلية ونقلية وضرورات مذهبية وطائفية وفقهية. فهي خلاصة وعي متأخر عن عصر الأئمة بل وعن عصر أول ظهور لمفهومها على يد المتكلم الشيعي هشام بن الحكم بعد وفاة الإمام الصادق (148 هـ) وبداية حياة الإمام الكاظم. فتحولت إلى قضية عقائدية، وراح أصحاب الأئمة، ينظّرون لها بدوافع أيديولوجية ومذهبية وطائفية، وراحت تمارس سلطتها وتفرض محدداتها. وانتقلت مسؤولية الباحثين من مدارات النقد إلى التأويل، وفقد البحث موضوعيته وتجرده وأفضى إلى فكر كلامي مهمته الدفاع عن العقيدة وترسيخها وليس نقدها وتمحيصها، فتراكمت النصوص عن مختلف المصادر.

بدأ نقرأ أدلة منظّر مفهوم العصمة المتكلم الشيعي هشام بن الحكم، فعندما سأله محمد بن أبي عمير عنها، وهو مجايله، من أصحاب الإمام الكاظم ومشهود له بصحة روايته، أجاب:

(إنّ جميع الّذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها الحرص والحسد والغضب والشّهوة، فهذه منفيّة عنه:

- لا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه؛ لأنّه خازن المسلمين فعلى ماذا يحرص؟

- ولا يجوز أن يكون حسوداً؛ لأنّ الإنسان إنّما يحسد من فوقه وليس فوقه أحد، فكيف يحسد من هو دونه؟

- ولا يجوز أن يغضب لشي‏ءٍ من أمور الدنيا إلّا بأن يكون غضبه لله تعالى؛ فإنّ الله عزّ وجلّ قد فرض عليه إقامة الحدود، وأن لا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتّى يقيم حدود اللّه عزّ وجلّ؛

- ولا يجوز أن يتّبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة؛ لأنّ الله عزّ وجلّ حبّب إليه الآخرة كما حبّب إليه الدنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ينظر إلى الدنيا؛ فهل رأيت أحداً يؤخّر وجهاً حسناً لوجه قبيح، وطعاماً طيّباً لطعام مرّ، وثوباً ليّناً لثوبٍ خشن، ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية؟)

وهذا الاستدلال قائم كما هو واضح على مقدمات مثيولوجية، نتاج عقلية تبجيلية، لا دليل عليها. فلم يستنتج العصمة من خلال الأدلة، بل أقام أدلته للدفاع عنها، فكان منهجه كلاميا وليس عقليا. وكل قضية من قضايا الاستدلال تحتاج إلى دليل مستقل، ولم يذكر شيئا. فمثلا يقول: "لا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه"من أين أتى أنها تحت خاتمه لولا وجود صورة مسبقة مركوزة في ذهنه تصوّر الإمام أن الدنيا تحت خاتمه. ثم يقول: "لأنّه خازن المسلمين فعلى ماذا يحرص؟". وهذه قضية مطلقة، فهل كل من كان خازنا للمسلمين لا يكون حريصا، ومن ثم يكون معصوما بالضرورة؟. وهكذا باقي الفقرات. وبالتالي لم يقدّم هشام بن الحكم دليلا مقنعا على وجوب عصمة الإمام من خلال هذه الأدلة. لكن الفكرة التي بدأ ينظّر لها تطورت علي يد علماء الشيعة.

وله دليل آخر لإثبات عصمة الأئمة، حيث قال كما نقل عن الشهرستاني: (النبي يوحى إليه فينبهه على وجه الخطأ فيتوب منه، والإمام لا يوحى إليه فتجب عصمته). وهو كما ترى، يقيم دليله فوق مقدمات لا دليل عليها، سوى قناعته الشخصية، فهو مطالب أولا بدليل  قرآني صريح يثبت وجود دور إلهي للإمام، وهو مفقود بالضرورة. الإمامة شأن إلهي ولا يمكن لأحد الإدعاء بها بلا دليل قرآني صريح. ثم عليه إبراز أدلة قرآنية صريحة على كل واحد من الأئمة، وهو مفقود أيضا. وتقدم في بحث الاصطفاء والاستيزار ما يكفي من أدلة تؤكد أن المناصب الإلهية شأن إلهي، لا طريق لإثباتها سوى الكتاب الكريم، لأنه يورث الجزم واليقين لنرفع به اليد عن القاعدة العقلية التي تؤكد عدم وقوع الممتنع عقلا خارجا.

وهشام بن الحكم متكلم معروف في زمانه، وكان يقول بالتجسيم، وقد اعتنق المذهب الشيعي فيما بعد، فكرّس جهوده الكلامية لأسطرة الإمام. وقد حاولوا تبرير مواقفه الكلامية من التجسيم، لكنهم فشلوا حتى اعترف الشيخ المفيد ( 413هـ) بذلك، وروى الكشي في رجاله روايات تؤكد مبانيه الكلامية في التجسيد، رغم روايته ما يعارضها من روايات. وقد نقل الشهرستاني في الملل والنحل مناظراته مع أبي الهذيل وغيره، وأكد تبنيه لفكرة التجسيم. وتنظيره للفكر العقدي الشيعي.

تطور مفهوم العصمة

لقد استأثرت العصمة باهتمام علماء الشيعة، خاصة فقهاء ومتكلمي ما بعد الغيبة، حيث ألفت كتب عديدة، وتناولها الجميع خلال بحوثهم الكلامية والروائية. وكنموذج لتطور مفهوم العصمة لدى الشيعة: أولاً: قال الشيخ الصدوق (وفاته 390 هـ) في كتاب الاعتقاد: (اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة صلوات الله عليهم أنهم معصومون مطهّرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبا، لا صغيرا ولا كبيرا، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم). فيبدو من كلامه أنه يتبنى العصمة الجبرية أو التكوينية أو الذاتية، ومؤداها واحد، أن العصمة قدر الإمام، لا خيار له في ذلك. فيصدق عليها استلاب الإرادة كما مرَّ بيانه.

إن أغرب ما في قول الصدوق أنه ساوى بين الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة. علما أن الملائكة عصمتهم ذاتية لتجردهم عن الإرادة (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). كما أن الأنبياء والرسل منصوص على اصطفائهم من قبل الله تعالى، ومهامهم الرسالية تقتضي عصمتهم في التبليغ وفقا لمفهوم المتداول لمعنى الوحي والنبوة. بينما لا يوجد نص يؤكد ثبوت الإمامة الشيعية بأشخاصها، سوى روايات، وهي لا ترث سوى الظن: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا). وأقصد بالإمامة مفهومها الذي وضع الصدوق بموجبه الإمام بمستوى الأنبياء والملائكة. بشكل تكون له وظيفة إلهية ضمن منظومة العقيدة الدينية القرآنية. لا شك أن الروايات تفيد التنزيه وشهادة بنزاهتهم، وهذا لا يصلح أن يكون دليلا علميا نرفع به اليد عن القاعدة العقلية المتقدمة. فالمقصود هنا ليس العصمة السلوكية، بل العصمة الإلهية الربانية التي ترتفع بالإمام إلى مستوى الرسل.

إن منهج الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي، في عقيدته منهج روائي، يعتمد فيه على الأخبار، وما ورد فيها من آراء مغالية بالأئمة وخصائصهم الذاتية. التي ترى وجوب العلم "اللدني" للإمام، ومتى شاء يعلم يعلم، وبأي حقل من حقول المعرفة. وعلم الغيب، ومعرفة جميع اللغات، إلى آخر الصفات التي خلعتها عقيدة الغلو على الإئمة، وهي وليدة مخيال مثيولوجي، يسقط على موضوعه ما يحب ويرغب.

ثانياً: في مقابل الشيخ الصدوق ومنهجه الروائي نقرأ رأيا للمتكلم والفقيه الشيخ المعروف الشيخ المفيد (وفاته 413هـ) في كتابه تصحيح الاعتقاد ردا على الشيخ الصدوق، حيث يقول:

(العصمة من الله تعالى لحججه هي التوفيق واللطف والاعتصام من الحجج بها عن الذنوب والغلط في دين الله تعالى. والعصمة تفضّل من الله تعالى على من علم أنه يتمسك بعصمته. والاعتصام فعل المعتصم، وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له إليه، بل هي الشيء الذي يعلم الله تعالى أنه إذا فعله بعبد من عبيده لم يؤثر معه معصيته له ...).

وهنا تقرأ استدلالا مغايرا، ينتمي في روحه للكتاب الكريم، ملخصه أن العصمة توفيق وتسديد من الله تعالى، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ). فثمة أرضية قوامها الاستقامة والتقوى تؤهل الفرد لمستوى العصمة بمعنى عدم ارتكاب المعاصي. وأما عدم الغلط في دين الله، فالمقصود به العلم والفقاهة، ولا أجد في كلام الشيخ المفيد ارتفاعا أو غلوا بالمعصوم خارج السنن الإلهية، فالعصمة السلوكية، والفقاهة، ممكنة، كما أن الحكمة التي هي مقوم أساس للشخصية المثالية والإنسان الكامل، ممكنة هي الأخرى، بدليل قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). وبهذا نفهم أن مراد المفيد في هذا النص بالذات هي العصمة السلوكية إضافة إلى التسديد والحكمة الإلهية، ولم يغالِ في شخص المعصوم بل يؤكد استعداده للمعصية بطبيعته: (والاعتصام فعل المعتصم، وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له إليه، ...).

فالعصمة عند الشيخ المفيد عصمة اختيارية، يسعى لها الفرد بإرادته، وتتحقق له وفقا للسنن الإلهية. والحقيقة أن من يطمح للاستقامة والعصمة من الذنوب، يعش تجربة روحية عالية، تخلق لديه علاقة جدلية بينه وبين سلوكه الخارجي، فكلما تمسك باستقامته كلما انعكس ذلك على وعيه للأنا بشكل تكرس حالة الالتزام حداً تصبح لديه ملكة وعصمة ذاتية، بفعل المراقبة والعزيمة والتفكير، بالذنب وما يترتب عليه من آثار تنعكس سلبا على علاقته بخالقه، فيعيش حالة توتر، لذا يدرأ تداعيات الندم واللوم بالتقوى والورع عن محارم الله. وبالنتيجة هذه العصمة اختيارية، يسعى لها الإنسان بكامل إرادته، وليس مجبورا عليها، كما يذهب لذلك القائلون بالعصمة التكوينية، التي تعني أن العصمة قدر المعصوم. فهي ليست فعلا إراديا، بل فعل رباني، سببه وجود خصائص ذاتية لدى المعصوم، ودور وجودي وتشريع يتوقف على عصمته. ولا دليل على العصمة الجبرية. بينما الأيات تشهد للعصمة الاختيارية كقوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ)، وهذه الآية صريحة في دلالتها على الاختيار، حيث تخاطب النبي "فإن فعلت"، فهو قادر على الفعل، ويمتنع عن المعصية بإرادته. وأيضا: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)، وهي واضحة في دلالتها على الاختيار، وأكدت إمكانية النبي للتقول لكنه عصم نفسه ولم يتقول.

وقد تابع الشيخ المفيد جمع من علماء الشيعة، كالسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وغيرهما. في مقابل من قال بالعصمة الجبرية أو التكوينية أو الذاتية، وكلها تعني أن المعصوم مجبر على العصمة.                                                                                                                                          

ثالثا: ذهب صاحب تفسير الميزان أن سبب العصمة حصول علم يقيني رادع عن المعصية. ويقصد بالعلم هنا، هو العلم الحضوري، في مقابل العلم الحصولي الكسبي، والفرق بينهما واضح في كتب المنطق. فالعلم الحضوري حضور ذات المعلوم، بينما العلم الحصولي حضور صورة الشيء في الذهن. وقد يكون من الصعب بيان الفوارق، غير أن الشعور بالحب والبغض والخوف، تعتبر من العلم الحضوري. لذا قال في تفسير الميزان: (الأمر الذي تحقق به العصمة نوع من العلم يمنع صاحبه من التلبس بالمعصية والخطأ، وبعبارة أخرى، علم مانع من الضلال). وهذا النوع من العلم لا يتنافى مع الاختيار. واستشهد لهذا العلم بقوله تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ). فثمة علم يجعلك ترى الحقيقة ماثلة أمام عينيك.

وهذا الكلام بعمومه صحيح لكن الأمر لا يتوقف على العلم مجردا عن الإرادة، فثمة من يقتحم الموت بإرادته رغم يقينه أنه سيموت، لا فرق بين المؤمن وغيره، فالاستشهاد من أجل القضايا الوطنية مثلا ليست حكرا على المؤمنين بالله واليوم الآخر.

والخلاصة، لا يختلف القول الثالث عن العصمة الإرادية. فالاتجاه العام للفكر الكلامي الشيعي المعتدل هو عصمة الأئمة عصمة سلوكية إرادية، وما الغلو سوى اتجاه مغير في رؤيته للإمام ومركزيته  ودوره، كما سيأتي بيانه.

لكن ما هو راي الإمام بالعصمة؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi12 (1)مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق25) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

قدسية الصحابة

ماجد الغرباوي: مرَّ أن العصمة بدأت مفهوما بسيطا، أن الرسول مسددٌ أو معصومٌ في تبليغ الوحي، عصمة مفادها: الأمانة والضبط والصدق وعدم الكذب أو الخطأ في تبليغ الوحي، وفق دليل عقلي مرّ ذكره. فالمفهوم كان ناظرا لخصوص الوحي دون ما عداه إلا من باب المقدمة، لتعزيز الثقة به. فتكون العصمة قيمة أخلاقية، تمثّل ذروة الاتزان السلوكي عند تبليغ الوحي، دون سلب قدرته على الخطأ والنسيان بل حتى ارتكاب المعصية: (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ). والسيئة عمل غير صالح، كما هو واضح في آيات أخرى. وماعدا الوحي، كان الصحابة يسألون النبي حينما يُخطئ في قرار إجرائي: "أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟". مثله اعتراض سعد بن معاذ عندما أراد الرسول أن يعقد اتفاقا مع "غطفان" في معركة الأحزاب. فوافقه على رأيه. فكانت الشورى مبدأ في سياسته، باستثناء الوحي. غير أن مفهوم العصمة راح يتطوربعد وفاة الرسول، ليرقى إلى معنى القداسة، والارتفاع بالمعصوم / الخليفة فوق النقد والمساءلة، بفعل حاجات سياسية، اضطرت لها السلطة والمعارضة بعناوين مختلفة كعصمة مطلق سيرة النبي (قوله وفعله وتقريره)، وعدالة الصحابة لدى السنة، كقول عثمان: (لا أخلعُ قميصا ألبسنيه الله) وعصمة الأئمة عند الشيعة. وبالفعل ساهمت هذه العناوين في تحصين الخلفاء، وكان أول توظيف للدين سياسيا. فخرج المفهوم عن المعنى الموضوع له والمستعمل فيه. وهذا مبرر لتحري المعنى الجديد ومراجعته، لوقوعه ضمن النسق العقدي الذي نروم نقده، خلال تفكيك العقل الفقهي. سيما أن كلا الطرفين ارتكز لأدلة عقلية ونقلية في خطابهم التنزيهي. ولا يخفى حجم ما يترتب عليه من آثار شرعية وغيرها.

إذاً سنتحرى صدقية مفهوم العصمة / عدالة الصحابة بمعنى القداسة، قبل أن يتطور على يد غلاة الشيعة إلى مفهوم مفارق للطبيعة البشرية. وهو تطور متوقع ضمن أنظمة أنتاج المعنى، التي تسعى لإضفاء معنى، يكرّس الرصيد الرمزي من خلال تراكم مثيولوجي، داخل مجتمعات مسكونة بالغيب والسحر والخرافة. فنتناول أولا مفهوم عدالة الصحابة، الذي هو معادل موضوعي لعصمة الأئمة. وفي مرتبة سابقة عليها. وينبغي التنبيه أن الانقياد لطاعة الرسول مفترضة قرآنيا، بينما طاعة أولي الأمر مشروطة، كما مرَّ بيانه.

عدالة الصحابة

تعني عدالة الصحابة عصمتهم عن الخطأ، وتكون سُنتهُم حجة شرعية، ملزمة مع فقدان الدليل. وهذا اعتراف غير مباشر بعصمتهم، وإن لم يصرّحوا. وما العصمة سوى امتناع الخطأ فضلا عن ارتكاب المعصية. فلماذا يدان الآخر بقوله بالعصمة ولا يدان من يقول بعدالة الصحابة وهما على درجة واحدة من التقديس؟. فلازم عصمة أئمة أهل البيت هو الإلتزام بأوامرهم ونواهيهم. وهذا هو المهم في فهم العصمة عند تأسيسه من قبل أصحاب الأئمة. وما زاد عليه الغلو لا ينفي القدر المتيقن من حقيقتها. من هنا يتضح مكر المفهوم عندما يتستر على دوره في فرض حقيقته، ويوحي باختلاف دلالتيهما. بينما يفهم كل من المتلقي السني والشيعي من المصطلحين ذات الدلالة. ويتمسك بذات الإلزام. فكلاهما معصوم بمفهومين وتنظيرين مختلفين، حتى وإن كان مستوى الإلزام بينهما مشككا وليس متواطئا. فلا شك في صدق القدر المتيقن. فالحقيقة لا تتغير، ويبقى مفهوم العصمة واحدا، بأي لفظ جاءت. وهذا غلو صريح، لا يمكن للسني التنصل عنه، خاصة إلتزامه بسيرة وسنة الشيخين، مع فقدان الدليل، فهو مصداق واضح في المقام. وقد اشترطت الشورى التي اختارها عمر لانتخاب الخليفة الثالث على الإمام علي التزام بسيرة الشيخين ورفض، بينما وافق عثمان ففاز بها. وهل الشرط سوى عصمتهما والتمسك بسيرتهما مهما كانت أخطاؤهما؟.

ليس النقاش حول المثال والمصداق، فهي كثيرة. بل الكلام حول المفهوم ودلالاته الخارجية، وفهم تزويراته وخداعه ومكره ومراوغاته عندما يفرض حقيقته، ويتستر على دوره في وجودها، وكيفية تكوّن سلطتها. فما زال التراشق بين المذهبين قائما حول العصمة ودلالاتها، ومتى انطباق مفهوم الغلو عليها. وكلاهما يسكت عن مفهوم عدالة الصحابة التي تعني تماما عصمتهم بالفهم المتقدم. فأهل السنة وإن لم يصرحوا بعصمة الصحابة لكنهم عملا يعصمونهم من كل خطأ وزلل. ويبررون سلوكهم مهما كان دمويا، ويَحملون إرتكابهم الخطأ واقترافهم الذنب مهما كان كبيرا، على ترك الأولى والأفضل، وعدم التعمد في معصية الخالق، وغير ذلك من مبررات لا تمت للحقيقة بصلة. ويتمسكون بسيرتهم ويستشهدون بأحاديثهم في كل مناسبة، ويشيدون بفضائلهم بخطاب تنزيهي لا يختلف كثيرا عن الخطاب التنزيهي الشيعي. فهم في أعلى درجات القداسة عملا، مثلهم مثل الأئمة، لكنهم يخدعون المتلقي بالألفاظ. خاصة حينما يتشبثون بأقوال متطرفة حول مفهوم العصمة، لإبعاد الشبهات حول مصداقية مفهوم عدالة الصحابة، بما يشبه الإسقاط. بينما المفهوم الأول للعصمة عند التأسيس لا يعدو كونها عصمة سلوكية إرادية، تعني التسديد والمَنَعَة التي هي لطف إلهي حينما يلتزم المؤمن ويستقيم في سلوكه، وهو ما يتبناه الخط الشيعي المعتدل. فالعصمة السلوكية سنة إلهية – قرآنية، لكل من يستقيم، ولا تختص بشخص دون آخر. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). والجهاد لا يعني القتال هنا، بل مطلق المجاهدة، بقرينة لنهدينهم سبلنا، وهي آية تنطوي على فلسفة عميقة سنتوقف عندها في مناسبة قادمة. (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا). فهي سنن إلهية. وبهذا نفهم أن جميع روايات الفضائل، المختلقة والموضوعة، تقصد عصمة الصحابة، والحيلولة دون نقدهم، ومحاسبتهم. وكل هذا غلو لا يمكن تبريره بأي شكل كان. وإلا هل يمكن لأي سني اليوم أن ينتقد الصحابة ويحاكمهم على سلوكهم ولا يدان من قبل سلطات القضاء والمراجع الدينية السنية؟. فلماذا لا يُسمح لأحد بالنقد لولا الإرتكاز المفهومي لمعنى عدالة الصحابة، فهي تعني عندهم العصمة السلوكية، التي تعني في بعض أبعادها مطلق القداسة، والمنعة الذاتية. وهذا هو القدر المتيقن. (كتاب النص وسؤال الحقيقة)

إن ما نطمح له من خلال البحث تدارك ما يترتب على القول بوجود حقائق دينية مطلقة من تداعيات، قد لا تكون واضحة في القضايا الغيبية التي تكفّل الكتاب الكريم ببيانها. لكنها تتجلى في قضايا دينية أخرى، يشكل القول بإطلاقها خطرا على الدين ومفاهيمه القويمه. ويمكن الاستشهاد بالحديث المشهور: (أصحابي كالنجـــوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، و(إنما أصحابي مثل النجوم فبأيهم أخذتم بقوله اهتديتم). الذي يؤسس لمرجعية مطلق الصحابة في الهداية، فيلتبس الحق بالباطل، وتضيع حقوق الناس في ظل قدسية أسست لها هذه الروايات فأصبحت حقائق نهائية، يؤمن بها العقل التراثي، ويلتزم بمؤداها عملا وسلوكا. رغم أن الصحابي إنسان، يصيب ويخطئ، فكيف يكون هاديا على كل حال وهو بهذه الصفات التي لا استثناء فيها لأحد.

لا يوجد ما يؤكد صحة صدور هذا الحديث بشكل قاطع، ويبقى محتمل الصدور إن لم يكن موضوعا. أي لا يوجد دليل يؤكد صدوره الفعلي عن النبي، لكنه لعب دورا مؤثرا في حينه، وما يزال ضمن أسيجة قداسة الصحابة. ومنطوق الحديث يؤسس لتزكية مطلق الصحابة، وضمان هداية من يتابعهم أو يقتدي بهم في معارفه وسلوكه. وهذا الحديث لا يستثني أحدا. ويشكّل مرجعية لفهم معنى الصُحبة، كقيمة دينية وأخلاقية مستقلة. فيُصنف ضمن الأحاديث السياسية التي انتجتها ماكنة الوضع في زمن بني أمية. لإضفاء شرعية دينية لمن تبقى من الصحابة ومنهم معاوية، المتهم بخروجه على سلطة الخلافة الشرعية. فهو مدان لهذا السبب وفقا لأحاديث الخروج والتمرد على جماعة المؤمنين: (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه).

ما يهمنا في حديث أصحابي كالنجوم مقدار ما تستر عليه النص، حينما ألغى باطلاقه خصوصية الصحابي وبشريته، لتكون الصحبة حصانة ذاتية، لا تضر معها أية تهمة، بل ويجب عدم إدانة سلوكهم مهما كان مخالفا للكتاب الكريم. وهو منطق غريب على الدين: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) غير أن النص الروائي حجب الضابطة القرآنية، عندما وظف تقنياته في بيان حقيقته.

وهذه الرواية من النصوص التأسيسية، التي رسّخت قدسية الصحابة وعصمتهم في ذهن المتلقي. وغدت نهائية ومرجعية يحتكم لها المسلمون. لا يساورهم شك في قدسيتها، فيتغاضون عن الإشكالات، ويتجاوزونها بمزيد من التقديس، حتى يصبح التبرير أداة وحيدة للتخلص من ضغط الحقائق التاريخية، وتشظيات الخصوصية، الملازمة للفرد وهويته، فلا يمكن تجريده من تاريخيته ومن خصوصياته. غير أن النص فرض سلطته ومرجعياته ومحدداته. فأصبحت الرواية أداة لفهم الحقائق التاريخية، تضطره للبحث عن أي مبرر، مهما كانت ضألة احتماله لتبرير سلوك جميع الصحابة. وتجاهل الأحداث الكبيرة وما تركته من تداعيات خطيرة. كما سيحكم بصحة كل حديث ينتهي إلى صحابي بطريق صحيح، دون البحث عن صحة صدوره عن النبي، فكان هذا إيذاناً بتفاقم الوضع ونسبته لرسول الله كذبا وزورا. فهذه الرواية مهّدت لقبول الأحاديث الموضوعة، حيث حل الصحابي محل المقدّس (الله ورسوله). وتحقق هدف السلطة من توظيف النص الديني، والشطب على أخطائها أو تبريرها أخلاقيا. فالحديث تمكن من فرض مرجعيات جديدة للنص المقدّس، وتجاهل شرط صدوره عن الله أو رسوله. أي أنه قام باستبدال مرجعيات شرعية النص. وبات ليس ضروريا التمييز بين ما يرويه الرعيل الأول الملاصق للرسول، والبدوي الذي التقى النبي ساعة واحدة في حياته. وهذه أخطر تداعيات هذا الحديث حينما يراد تصحيحه واعتماده.

والأمر الثاني، أسدل الحديث الستار على ما اقترفه الصحابة، ومنحهم قدسية ذاتية تحول دون إدانتهم أو تجريدهم من نجوميتهم، كهداة ربانيين. فخلاف السقيفة وما ترتب عليها لا يؤثر!، وقتال ما وصفوا بالمرتدين والدماء التي سفكت مع إمكانية التسوية السلمية، لا تضر بعدالتهم!!. والفتوحات التي عبثت بمصداقية الإسلام، فتوحات مباركة، مسددة!!. ودماء الصحابة والتابعين التي سالت على مذبح السلطة في عهد الإمام علي، طهّرتها توبتهم بعد معارك دامية!!. وكل ما صدر من معاوية يُرجأ أمره لله، ولا يجوز مساءلته!. بهذا الشكل فرض الحديث نفسه حقيقة، مررت كل ما يراد تمريره. وهذه هي خطورة الاعتقاد بوجود حقائق دينية مطلقة، لا فرق في ذلك بين الحقائق القرآنية وغيرها. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة)

وقد استمد هذا الخبر وجوده من الآيات التي أثنت على الصحابة. لكن لا يمكن التمسك بإطلاقها، مع عدم تشخيص قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ). ولو ثبت الإطلاق فستدور تزكية الصحابي مدار استقامته، نفيا وإثباتا. فمن مات مستقيما في سلوكه، شملته الآيات كقوله تعالى (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ). ومن انحرف عنها بعد وفاة النبي لا تشمله. ولا يوجد ما يدعو لتبرير سلوك الصحابة مطلقا، والاستماتة في تزكيتهم، ويبقى مصيرهم، كأي إنسان مرهونا بعملهم واستقامتهم. فالاستقامة هي ملاك الثناء والتزكية القرآنية، وليست الصحبة وشخص الصحابي. والأهم أن الثناء لا يعني كفاءة الصحابة سياسيا، ولا يعني أولويتهم في السلطة والحكم، لكن خداع السياسة، مرر هذا الفهم من أجل إمضاء سلوك بعض الخلفاء والحكام. وليس هناك ملازمة بين التقوى والعدالة والكفاءة السياسية، رغم دورهما في تسديد السياسي.

فجميع الآيات التي شهدت للصحابة بالإيمان والعمل الصالح، شهدت على أساس استقامتهم آنذاك، ولا تدل على أكثر من ذلك. ولا يمكن الاستدلال بها على عصمة الصحابي ونفي صدور الخطأ بل وحتى المعصية عنهم، بما في ذلك الخلفاء، فلا ميزة لأحدهم على غيره، من خلال الكتاب الكريم، وقد جاءت الآيات المتقدمة مطلقة.

ثمة ملاحظة أن الأصل وفقا للكتاب الكريم، وما ورد فيه من آيات بشأن الصحابة خاصة الآيات المطلقة هو عدالة الصحابة، فليست العدالة سوى التقوى والإيمان والاستقامة. ولا يمكن الخروج عن الأصل إلا بدليل، كشهادة العدول على ارتكاب المعاصي، أو صدور ما يبعث على الريبة والشك، خاصة في قضايا المال والدماء والأعراض. ثم ينبغي التفريق بين الصحابة، تبعا للكتاب الكريم: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). كما نؤكد ثانية أن مصير الصحابي كغيره من البشر مرتهن لاستقامته، فالآية شاملة للصحابي ما دام على الاستقامة، ولا يفهم من الآية تزكية مطلقة، بحكم آيات أخرى مطلقة ترهن الإنسان إلى عمله: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). فالآية المتقدمة لا تمنح عصمة، بل ترتب أثرى على تقواهم واستقامته، فيكون هو الملاك في تقييم الصحابي بعد وفاة الرسول. والاستقامة مبدأ قرآني شامل للبني وغيره، قال تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

فضائل الصحابة

لا يمكن نفي مطلق ما ورد عن الرسول من روايات الفضائل، فهي استحقاق لكثير من الصحابة، الذين أثنى عليهم الكتاب الكريم (الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .. و الذين رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ). لكن أيضا لا يمكن الموافقة على جميعها، فقد ساهمت ماكنة الإعلام الأموي في نشر روايات موضوعة، كرّست تنزيه الصحابة، وتبرير سلوكهم، ورفعهم فوق النقد والتقويم، فساهمت في خلق وعي تنزيهي، يتغاضى عن الخطأ، وينأى بنفسه عن محاكمة فترة الصحابة وما تخللها من أخطاء في السلطة والحكم، خاصة خلافة الثالث التي أودت إلى قتله بفعل سياسية الولاء، والتفريط بالمال العام من خلال ولاة تنقصهم الكفاءة والتقوى. حتى بات مسلّما لدى الناس أن الصُحبة تدرأ كل ما صدر ويصدر عن الصحابة، بل يصدق أن الصحابي مجتهد، فله حسنتان إن أصاب، وحسنة إذا أخطأ، تقديرا لاجتهاده، وغدا منطق التبرير سيد الموقف في تناول حقبة الخلفاء الراشدين. وبما أن معاوية صحابي فيصدق عليه ما يصدق عليهم، وهو المطلوب لتكريس سلطته، وسيادته بعيدا عن النقد والمحاسبة.

وأما علاقة الصحابة فيما بينهم فكانت لا تخلو من المحاسبة والمراجعة والوقوف بوجه الخليفة حينما يخطئ، وقد عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد عن قيادة الجيش، بعد توليه الخلافة، بينما كان مقربا عند الخليفة الأول. وقد تمرّدوا على أوامر الخليفة الثاني عندما أمرهم بالجهاد وقالوا له (لا سمعاً ولا طاعة)، لأنه ارتدى حلة يمانية تستر بدنه بينما كانت حصة كل فرد من المسلمين أقل من ذلك.

 

...........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

majed algharbawi11مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق24) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

حول عصمة الأنبياء

ماجد الغرباوي: ثمة سؤال مشروع. لماذا لم يتطرق القرآن الكريم لعصمة الأنبياء فضلا عن غيرهم صراحة، اذا كانت العصمة بهذه الدرجة من الأهمية دينيا، ويتوقف عليها حفظ الشريعة؟ حتى بالنسبة لعصمة التبليغ وقفت عنده الآية ولم تتعد الى سلوك النبي الكريم وفعله، فقالت: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ). والآية جاءت ردا على من يشكك بالنبوة وينسب القرآن إلى محمد الإنسان. فأكدت الآية أنه وحي. فهي ليست بصدد بيان عصمة النبي أساسا لكنهم استدلوا بها على عصمته. ولا نسبة جميع أقواله وأفعاله للوحي.

العصمة مفهوم ظهر متأخرا لتحصين سيرة النبي وتجريدها من بشريتها، واتخاذها مصدرا للتشريع. وعند الشيعة جاءت لشرعنة سيرة الأئمة، وتدارك ضعف وإرسال رواياتهم، وتأمين مصدر تشريعي، امتد لأربعة قرون، ليساعد الفقيه على استنباط الأحكام الشرعية، فغدت السيرة مرجعية لكثير من الأحاديث الضعيفة، وأصبحت منصة للروايات الموضوعة والمختلقة. ولا يخفى دور الأخبار في ترسيخ قيم العبودية والاستبداد والانقياد للسلطان الظالم، على حساب قيم الدين ومبادئه وأخلاقه. إضافة لتفصيلات تشريعية لم ترد في الكتاب الكريم. من هنا يجد نقد مفهوم العصمة مبرره، للحد من قدسية النص وهو يمارس سلطته، ويفرض محدداته، وبات مرجعية مطلقة، ومقياسا للحق والحقيقة، بل تم تحجيم العقل واختزاله بالتقليد والانقياد، حتى تعطّل الوعي، وأصبحنا أمة مهووسة بالتراث والماضي، نهمل حاضرنا ونتجاهل مستقبلنا، ونحسب أننا على حق مطلق والآخر على باطل مطلق.

 تحدث القرآن عن الأنبياء ومسيرتهم الطويلة الشاقة. ذكر معاناتهم، وأخلاقهم، وصفاتهم، وما يتمتعون به من مقامات حميدة عند الله لكن لم يذكر العصمة صراحة. فلماذا يتركها لأحاديث الرواة، رغم خطورتها وأهميتها وغرائبيتها وخروجها على المألوف من سنن الكون والحياة؟. إنه سؤال جدير يعود بنا الى القرآن الكريم الذي هو: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ)، وهو بيان لكل ما يخصه من قضايا الدين والعقيدة، وعلى رأسها تأتي عصمة نفر من الناس على مر العصور، فلماذا سكت عنها، ولم يتطرق لها؟ السكوت عودة الى قواعد العقل المطلقة، والتي كما تقدم تنفي وقوع الخارق والمخالف لسنن الكون والحياة، ومن هنا العصمة.

وآية: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)، ليس فيها ما يدل على العصمة بهذا المفهوم، ولو صدقت فهي تخص موردها، ولا يجوز تعميمها، كما مرَّ.

وخلافا للقائلين بعصمة الأنبياء مطلقا، فإن القرآن الكريم ذكر أخطاء الأنبياء صراحة بدون مواربة.. صراحة لا ينفع معها أي تأويل مهما كانت حجته، لتقدم حجية القرآن الكريم على غيره، ولا أجد أحدا يخالف في ذلك من المسلمين، وإنما يؤولون الآيات رغم صراحتها لدوافع عقدية أيديولوجية، كما في قوله تعالى بالنسبة الى آدم:

- (وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ).

- (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا). فكيف لا ينسى المعصوم والآية صريحة في نسيان آدم!.

- وفي قصة يوسف (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ).  

 - وخطأ داود في الحكم (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ).

- وكذلك في قصة النبي سليمان، حيث يظهر عدم علمه بمكان الهدهد، ومقتضى العلم "اللدني، الحضوري" للمعصوم أنه يعلم مكانه، ولا يسأل: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ). ثم لماذا (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ). ولم يثبت عليه شئ؟.

- وأيضا قوله تعالى عنه: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ).

- وأيضا ما بدا من إبراهيم (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِ). وموسى (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) من أجل الإطمئنان، وكان المفروض أنهما معصومان، علمهما "لدني، حضوري وليس كسبي، متى شاءؤا علموا".

- كل ما تقدم من ملاحظات حول عصمة الأنبياء ربما يمكن تأويله، لكن كيف يؤولون ما فعله موسى بهارون وهو يعلم أنه نبي معصوم (وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا)، لا يصدر منه خطأ واشتباه ونسيان، كما يقولون. فكيف يحاسبه ويوبخه بطريقة مفجعة، وهو يستغيث يا ابن أم...! وموسى ماسك برأسه ولحيته. أم أن موسى لا يعتقد بعصمة الأنبياء، حينما اشتد غضبه: (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي،  قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي). أليس موسى كليم الله، ويفترض أنه على درجة عالية من العصمة والكمال فكيف يتصرف بهذه الطريقة، لولا أنه بشر، وقد شعر بالاحباط وفشل مشروعه الدعوي، فكان من حقه كبشر أن يغضب ويتأسف (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي). إن قصة موسى وهارون تعارض أدلة إثبات عصمة الأنبياء مطلقا، فيقتصر على القدر المتيقن، وهو العصمة وعدم وقوع الخطأ في التبليغ، بناء على فهمهم لمعنى الوحي والنبوة، القائم على المرآتية، وأن النبي مجرد واسطة في تبليغ الوحي. أما إذا قدمنا فهما مغايرا لمعنى الوحي، يعطي للنبي دورا أكبر من الوساطة في النقل، وتكون لقبلياته دور في فهم الوحي، حينئذ لا معنى لاشتراط العصمة. فالبحث هنا استطرادا مع الفهم السائد لمعنى الوحي والنبوة ودور الأنبياء فيهما.

- (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا)، وهنا يصرّح القرآن بأن موسى قد نسى. بل في آية أخرى: (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا)، لكنه عاد وسأل العبد الصالح مرتين، وفي كل مرة ينسى تعهده. فكيف لا يمكن للمعصوم أن ينسى؟ وغير هذه من الآيات الدالة على أن الأنبياء بشر، يعتريهم ما يعتري غيرهم من الناس، قد يصدر عنهم الخطأ والنسيان.

وأيضا بالنسبة إلى موسى قوله: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ)، فكيف يكون المعصوم معصوما منذ ولادته حتى مماته؟

النبي محمد والعصمة

من المشاهد القرآنية الواضحة رصد الكتاب الكريم لشخصية النبي محمد،  وهو يمارس فعل النبوة، فنقلت لنا ما كان يعتريه من ردود أفعال، وخلجات نفسية، وما يحدث له من جراء الموقف المعادي للرسالة، ومن ملأ قريش خاصة. فكانت بعض المقاطع تنقل لنا معاناة حقيقية، وهو أمر طبيعي. ولم يترك الوحي الرسول فردا بل كان يسدد وينبّه، ويسدي نصائحه، وتركه بشرا يخوض تجربة النبوة والدعوة لرسالته، بكامل خصائصه البشرية، وكلما أثقلوا عليه بمطالبهم التعجيزية، كان يؤكد لهم: (... سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا)؟!!. ولم تتحدث الآيات عن عصمته وعن خوارقه الذاتية، بل وضعته بذات الصورة البشرية، وأكدت عليه كما في الآية (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا). فالأمر في بداية الآية يؤكد بشريته، بكل ما للمفهوم من دلالة، لكنه افترق عن غيره بالاصطفاء: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). فيحظى بالتسديد الذي هو مفهوم مغاير للعصمة التي تريد أسطرة الفرد، ليفارق طبيعته البشرية. التسديد واضح في آيات الكتاب، كقوله: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)، وغيرها. وهذا دال على بشرية الرسول وخضوعه لقوانينها. وبالتالي القول بأسطورية عصمة الرسول لا دليل عليها، بل ثمة ما يؤكد صدور الخطأ، ولو بمعنى الاشتباه أو تقديم الأولى، فيصدق أنه خطأ بالمفهوم العام. وهناك من الآيات ما يؤكد عدم علمه (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)، (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ). إضافة إلى مجموعة آيات تجسد البعد البشري في شخصية النبي، وربما أقوى الآيات دلالة، قوله تعالى مخاطبا النبي:

- (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ). الآية تؤكد أن النبي كان صاحب إرادة وقرار ورؤية، وكان بإمكانه عدم الخطأ واتخاذ القرار الصائب غير أنه أخطأ. ليس المهم حجم الخطأ لكنه أخطأ حتى اقتضى تنبيهه علناً.

- (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). وهذه الآية تؤكد وجود استعداد للفتنة والافتراء، بينما تنفي العصمة هذا الاستعداد، فهو معصوم منذ ولادته، خاصة مفهوم العصمة لدى الشيعة. والآية واضحة لا مواربة فيها: (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا).

- (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ)، والآية واضحة في دلالتها على إمكانية إرتكاب الخطأ والتقوّل على الله عزوجل، لكنه عصم نفسه، لا لأنه معصوم ذاتيا، وإنما عصمها بإرادته وتقواه. عصمها بإيمانه وورعه. ولو كان معصوما ذاتا أو بالجعل، فلا معنى لأن تقول الآية: (لو تقوّل علينا بعض الأقاويل)، لأن التقوّل سيكون ممتنعا مع افتراض عصمته. وهذه إحدى الآيات التي تنفي العصمة بشكل واضح. فمجرد احتمال التقوّل ينفي العصمة، التي تعني عدم صدور أي خطأ بشكل تلقائي، بل شدة الخطاب تشي بإمكانيته بقوة، وهذا منافٍ للعصمة بداهة.

- (عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَن جَاءهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) فيها ما يؤكد أن النبي بشر يخطأ ويصيب، أو يختار غير الأولى، وقد أدار وجهه عن رجل جاء ليؤمن.

- (وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، والاية تؤكد نسيانه وقعوده معهم (إِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ).

- وأوضح الآيات دلالة آية: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا)، التي تؤكد وقوع الذنب وإمكانية وقوعه، وليس المهم حجمه، سواء كان صغيرا أم كبيرا، المهم وقوعه بما يخالف العصمة الذاتية أو المجعولة. والآية لا تشي بالعصمة السلوكية مستقبلا، وربما تقصد ما ارتكبه قبل البعثة وبعدها الى حين نزول الآية. أو أنك ستكون بمأمن من ارتكاب الذنوب بما تختزن من تقوى، وورع، فعصمتك منها ستكون في سياق القوانين الإلهية، وليس خارجا عنها. لا أن نجعل منك ملاكا نسلبك حرية الاختيار، أو نسلبك قدرة ارتكاب المعاصي، فهذا غير ممكن باعتباره لازما لبشريته. والتقوى لا تقتصر على الأنبياء، بل تشمل مطلق الإنسان: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا)، (ومن يتق الله وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)، فالتقوى تفتح لك آفاقا واسعة، وتجعل لك نورا، لكن ضمن قوانينها، كما شاء الله لها ذلك، لا بمعنى سلب الإرادة والاختيار، بحيث يصدر منه الفعل تلقائيا، كما تصوره مقولات العقيدة عند بعض فرق المسلمين. ويؤكد ذلك أيضا قوله تعالى: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)، فالإيمان كان مقدمة لمضاعفة الهداية ضمن الاسباب الطبيعية.

- (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ)، فالضلال يتنافى مع العصمة، باعتبارها موجّه ذاتي للصواب والخير دون إرادته، والآية تنفي ذلك.

- بل ويؤكد القرآن إنه بشر يوحى إليه، وإنه لا يعلم الغيب (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

- (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

- (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ). وفي هاتين الآيتين تتجلى صورة بشر يتفاعل مع محيطه، بفعل دوافع فطرية، ونوازع وحاجات نفسية. ويخفي أشياء ينبغي له عدم إخفائها.

- (كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ). وهذه صفات بشرية، غير مفارقة لطبيعتها، والمعصوم كما تصوره الخطابات العقدية، كائن مفارق لطبيعته البشرية.

- (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ).

- ولو كان النبي معصوما ذاتا، فما حاجته لان يثبّت الله قلبه، أليس المعصوم كما هو المفترض ثابت الجنان، قوي الإيمان، لا يتخلف عن الأمر الإلهي، فضلا عن ارتكاب المعاصي، بينما نجد القرآن يتعامل مع الرسول كبشر، يحتاج الى تثبيت فؤاده، وتقوية إيمانه، كما في رحلتي الإسراء والمعراج، وغيرهما، بما يعمق يقينه، ويعصم نفسه من الخطأ. فهي تهدي وتوجه سلوكه، وهذا لا يصدق على المعصوم الذي هو مهتدٍ بطبيعته. فلماذا يواصل القرآن رعايته، ولا يصرّح بعصمته؟ ربما سيأتي من يقول إن الرعاية المتواصلة هي معنى العصمة، ونقول: إن الرعاية تؤكد أنه ليس معصوما، بل بشرا بحاجة الى رعاية ربانية متواصلة تتناسب مع مهمته كرسول ونبي، يقوم بأخطر مهمة تاريخية.

- وفي غزوة بدر عندما نزل منزل سأله الخباب بن المنذر: (أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمشورة والمكيدة؟ قال: هو الرأي والحرب، قال هذا ليس لك بمنزل)

- بل واخطأ في قضية تأبير النخيل في المدينة.

- عندما أضل الطريق مع رائده عندما هاجر من مكة الى المدينة. وأساسا لماذا يتخذ رائدا في مسيرته لو كان يعلم الغيب؟ وهذا دليل دامغ على عدم العصمة.

- وهناك من الروايات ما يؤكد سهوه في الصلاة، حتى كان بعض العلماء يعاقب من يقول إن النبي لا يسهو في الصلاة . وهنا استشهد بروايات من التراث الشيعي، لخصوصية العقيدة الشيعية المرتبطة ارتباطا عضويا بالعصمة.

- جاء في بحار الأنوار ج25 ص350 حيث قيل للإمام الرضا وهو الإمام الثامن من الأئمة المعصومين عند الشيعة (إن في الكوفة قوماً يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا – لعنهم الله – إن الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو)

- وقال الشيخ الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه ج1ص234: " إن الغلاة والمفوضة – لعنهم الله – ينكرون سهو النبي  يقولون: لو جاز أن يسهو في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ لأن الصلاة فريضة كما أن التبليغ فريضة.. وليس سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسهونا لأن سهوه من الله عز وجل وإنما أسهاه ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ رباً معبوداً دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو . وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد يقول: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

- وجاء في قضاء الرسول، وهو يخاطب المتخاصمين: (إنّما أنا بشر، وإنّكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئاً، فإنَّما أقطع له قطعة من النار) (أخرجه أبو داود). فلماذا لا يحكم بعلمه للغيب، أو لماذا لا يوظّف علمه اللدني، الحضوري؟ ولماذا يؤكد لهما أنه بشر، أي لا يعلم الغيب؟.

فنخلص إلى نتيجة مهمة أن العصمة بمفهومها الأولى تختص بتبليغ الوحي، وفقا للفهم السائد له، وما عدا آيات الكتاب يبقى الرسول بشرا، يمارس حياته، قد يصيب وقد يخطئ، ولا شك بوجود تسديد ورعاية إلهية، لكن الفرق، وهذا هو المهم، عدم حجية سنته باستثناء ماله جذر قرآني كما مر تفصيلا أكثر من مرة حيث تم تقسيم سيرته على خمسة أقسام، ما له جذر قرآني، وما كان حكما ولائيا اقتضته الظروف الموضوعية، فيكون حجة في حياته، وتنتهي فعليته بوفاته، وأما الروايات الأخلاقية فتكون طاعتها من باب التأسي (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ). وبالتالي لا حجية لما يصدر عنه كبشر له حاجاته ورغباته، ولا حجة لآرائه في الشأن العام والسياسة، فهو يتعامل معها وفقا لاجتهاده ومعطيات الواقع، والاجتهاد يصيب ويخطئ، إلا من باب الاستفادة من تجربته، وقد اشرت أعلاه لبعض الأخطاء أو ترك الأولى.

فثمة ثمرة كبيرة في نقد مفهوم العصمة، تمنع دون التشبث بمطلق السنة كأحكام شرعية. خاصة مع كثرة ما نسب للرسول بهتانا وزورا. والخطأ والنسيان ممكن، بل حتى صدور السيئة فهي ممكنة بدليل قوله تعالى: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا). فأنت يا محمد رسول، وأما سلوكك فأنت مسؤول عنه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق23) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

العصمة الأسطورية

ماجد الغرباوي: مَن قال بعصمة الأنبياء مطلقا، أو الأنبياء والأئمة على الرأي الشيعي، ذكر أدلة عقلية وتشبث بأخرى نقلية، لاثبات عصمتهم، سواء من قال بالعصمة الذاتية، وأن المعصوم خُلق معصوما لا يصدر منه ذنب ولا خطأ ولا سهو ولا نسيان. أو من اعتبرها منّة وجعلا من قبل الله تعالى.

 ونحن بدلا من مناقشة أدلة جدلية وتأويلات طويلة عريضة، سنناقش أولا إمكانية العصمة بذاتها، فهل العصمة بذاتها ممكنة للإنسان أم لا؟ فإذا ثبت عدم إمكانها وعدم وجود جعل شرعي صريح من الله عزوجل فيها، فلا جدوى من التطرق لأدلتهم لوجود طولية بين القضيتين. فمصداقية العصمة مشروطة بإمكانيتها ذاتيا، فتنتفي بانتفاء الشرط، وستنهار تلقائيا، ما لم يتداركها دليل قرآني صريح في جعلها.

ونؤكد لسنا بصدد مناقشة العصمة في التبليغ، لأنها مرتهنة لمعنى الوحي، كما تقدم، ولسنا بصدد الاستدلال على بطلان العصمة السلوكية، لأنها مرتبطة بالتقوى، فهي ممكنة بحد ذاتها، ومتاحة لكل مؤمن يجاهد نفسه طمعا في السمو والقرب من الله تعالى، فيتصف بالورع والتقوى. بل نريد مقاربة المفهوم بمعناه الأسطوري الذي يتمسك به الشيعة بالنسبة لأئمتهم. حيث حصل انزياح في معناها، وصارت تشير لإنسان مفارق للطبيعة البشرية. فهي صورة مضخّمة، هجرت أو تكاد المعنى الموضوع لها، والمستخدمة فيه، أي خصوص العصمة في تبليغ الوحي، وباتت تشير لدلالات أسطورية، غير واقعية. فهل هي صيغة ممكنة أم لا؟

كما لا يخفى أن العقل حينما يحكم بضرورة العصمة في التبليغ، لا تشمل غير النبي، لاختصاصه بالوحي، غير أن العقل الشيعي اقتضى عصمتهم مثلهم مثل الرسولَ (لاَنّ الاَئمة حفظة الشرع، والقوّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلافرق)، كما ذكر الشيخ المظفر أحد علمائهم. والسؤال هل حِفظ الشرع والقيمومة عليه تقتضي عصمتهم؟ وهل يحكم العقل بضرورة ذلك؟ وهل يشمل كل من يقوم مقامهم كالفقهاء مثلا؟.

إن اتساع رقعة العصمة مفهوما ومصداقا حتى شملت الصحابة وأئمة أهل البيت تسببت في تفاقم الكذب على الله ورسوله، حيث غدت الرموز الدينية منصة لشرعنة كل رواية تنسب لهم. مما شكل خطرا على مصداقية الدين. فالروايات الموضوعة تتستر بنسبتها للمعصوم، وتضع الفقيه في أسر القداسة، والانقياد للنص ودلالالته. وعندما نعيد النظر في مفهوم العصمة وضروراتها سنقطع الطريق أمام جميع الروايات الموضوعة. ونسمح للفقيه بنقدها ومحاكمتها، كأي نص، قد يتفق أو يختلف معه. بينما يختزل الإيمان بالعصمة دوره في دائرة الاستنباط، ويكرّس التبعية والانقياد، فيكون أسيرا لسلطة النص ومحدداته، مهما جانب الحقيقة.

وفيما يلي أدلة نفي العصمة الأسطورية، التي تجرّد المعصوم خصائصه البشرية، وتضعه في تناقض مع نص آية: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ). حيث مرَّ أن العصمة في حدها الأدني تعني التقوى والورع والاستقامة، وفي حدها الأقصي مفهوم أسطورة، يجسد كل معاني الغلو.

أدلة نفي العصمة الأسطورية

أولا: الامتناع الذاتي

بدءا نقرر قاعدة عقلية عامة، نرتكز لها في تحديد الموقف العقلي من القضايا المخالفة لسنن الكون والطبيعة البشرية، ومنها العصمة، ومفردات الغلو عامة، التي ترتفع بالفرد بمصاف الخالقية، باعتبارها أمرا يخالف طبيعة الإنسان الذي جُبل على الخطأ والنسيان، بل والمعصية، حتى قال عنه تعالى: (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ)، وسيأتي تفصيل ذلك:

(الممتنع عقلا، لا يُحتمل وقوعه خارجا، سواء كان الامتناع ذاتيا، كشريك الباري. أو لعدم تحقق شرطه كاقتراب النار من الورقة شرط لاحتراقها. أو لطبيعة الشيء وتكوينه، كامتناع صدور المعجزات والخوارق الكونية على يد الإنسان حسب طبعه وتكوينه. وما أكد القرآن وقوعه، يُقتصر فيه على مورده). وهذا تعبير آخر عن قاعدة: (ممتنع الوجود ذاتا لا يمكن وجوده خارجا)، حتى مع امكانية تصوره في الذهن، فليس كل ما يمكن تصوره في الذهن يمكن وقوعه خارجا، لتوقف الوجود الخارجي على شروطه الموضوعية. 

 فكل خارق للعادة، مخالف لسنن الكون والطبيعة البشرية (كالعصمة مثالا)، يمتنع وقوعه خارجا، امتناعا ذاتيا. وهذا حكم عقلي عام لا يقبل الاستثناء. وما أكد القرآن وقوعه رغم امتناعه ذاتا، كمعاجز الأنبياء، ليس بالضرورة استثناء من حكم العقل، لأن أحكامه لا تقبل الاستثناء، فتأكيد وقوعها قرآنيا يكشف عن وجود قوانين وأسباب أخرى مجهولة لنا، لذا لا يجوز تعميمها واتخاذها قاعدة يُستدل بها أو يقاس عليها. وأيضا لا يمكن تصديقها في غير موردها إطلاقا ما دامت مجهولة الأسباب إلا بنص قرآني صريح بخصوصها أيضا، لأنها إحدى شؤونه، باعتباره تبيانا لكل شي، لكن رغم ذلك لا تورث إخباراته العلم واليقين ما لم تكن نصاً في موردها. ولا يكفي الظهور، ما لم تكن صريحة تامة الدلالة، غير مجملة. وما عدا الآيات (كخبر الواحد والشهرة) يبقى ظنا، والظن لا يغني من الحق شيئا. وتصديق الخوارق، كالعصمة ومعاجز الأنبياء يحتاج الى علم وجزم نرفع به اليد عن القاعدة العقلية في موردها، لأسباب نجهلها، لا لأنها استثناء منها. كما أنها قضايا خارقة لا يمكن تصديقها لولا إخبار القرآن بها. كجزء من شؤونه، وما يريده قاله في كتابه ولا مصدر آخر له، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)، أي تبيان لك ما يخصه من موضوعات، وعصمة الأنبياء إحدى موضوعاته بلا ريب لكنه لم يتحدث عنها صراحة. وأما المعاجز كانقلاب العصا حية فهو مستحيل بذاته، وما أكد وقوعه نقتصر فيه على مورده، عصا النبي موسى، ولا نتعدى لغيرها إلا بنص صريح بخصوصه، لشموله باطلاقات أحكام العقل كما تقدم. وكلامنا ليس عن الإمكان الفلسفي (أي ما يقابل الوجوب والامتناع)، وإنما عن الإمكان الوقوعي، وهكذا باقي معاجز الأنبياء.

ولا يخفى أن المعجزة تكون حجة على معاصري الأنبياء والرسل، وليس علينا، ونحن نصدقها ما أخبر به القرآن، أما ذاتا فهي غير قابلة للتصديق عقلا، لأنها مخالفة لسنن الكون وطبيعة الإنسان، لذا جاء في تعريف المعجزة عند علماء الكلام بأنها (أمر خارق للعادة، مطابق للدلالة، يتعذر على الإنسان الإتيان بها).

ينبغي التنبيه، أن الرؤية المتقدمة مشروطة بواقعية القصص القرآني، وأنها ناظرة للتاريخ وتفصيلاته. أما إذا قدمنا تفسيرا يرتبط بالعِظة، كما صرّح الكتاب الكريم، فحينئذٍ، يقدم التفسير الرمزي، وفق ما يرتبط بالدعوة الدينية. فالقرآن يقصد بأحسن القصص ارتباطها بالهدف الكلي، أي العِظة والعِبرة، كما هو صريح الآية: (لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَابِ ..)، (وَكلاُّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ في هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى‏ لِلْمُؤْمِنِين). بينما يختلف التعبير عندما يقصد الواقع: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)، (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)، (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).  وعليه فأدلة النفي الآتية، ستكون في هذا السياق. أي بناء على واقعية القصص القرآني، كما هو السائد لدى الناس وفي التراث الإسلامي.

ثانيا: التنافي بين العصمة والحقيقة البشرية

العصمة أمر خارق لا ينسجم مع طبيعة الإنسان وسنن تكوينه، لأنها تعني: "سلب الإرادة"، لا تسديد الاختيار عندما تكون تكوينية بل وحتى بمعنى المنّة والتفضل من قبل الله. لإن التسديد لا ينفي مطلق عدم الوقوع في الخطأ. وسلب الإرادة يتنافى مع حرية الإنسان، التي هي أمر وجودي. واختياره، الذي هو أساس مسؤوليته: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، وعلى أساسها يحاسب المرء في الآخرة. وعلى أساسها بعث الله الأنبياء، مبشرين ومنذرين، وأوجب على نفسه الثواب والعقاب، كي يكون الإنسان مسؤولا عن عمله بإرادته (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ). فالعصمة بحاجة الى نص قرآني صريح، ما دامت تعني (سلب الإرادة)، يؤكد جعلها لهذا الشخص أو ذاك، وإلا سيبقى حكم العقل ثابتا في عدم تصديق وقوعها لمخالفتها سنن الكون والحياة، خاصة مفهومها في لغة الغلو، التي ترتفع بالمعصوم إلى مصاف الخالقية، وتمنحه جميع صفاته.

 والأمر سيكون أوضح وفق آخر صياغة مفهومية للمصطلح، كما في البحوث الكلامية المتأخرة، حيث افترضت للمعصوم علما "لَدّنيا"، ذاتيا ليس مكتسبا بالطرق المتعارفة. فثمة ملازمة بين العصمة والعلم "اللدني". بشكل يمكن للإمام أن يعلم ما يريد، متى شاء، وأنى شاء، دون أي جهد معرفي. (أنظر: صاحب الميزان وكتاب العصمة للحيدري). وهذا فهم غريب عن الطبيعة البشرية، مخالف لسننها وقوانينها، فلا يمكن تصديقه إطلاقا إلا بنص قرآني صريح في خصوصه، كي نرفع يدنا عن إطلاقات أحكام العقل في هذا المورد بالخصوص، وحينئذٍ ينفتح باب التأويل لتدارك غرائبيته.

ولا دلالة على العلم "اللدني" في قوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)، بقرينة من "لدنا" التي تعني من عندنا، وأيضا كلمة "وعلمناه"، التي تستلزم الكسب.

وهذا لا يتنافى مع القدرة المطلقة (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، لأنها مقيدة بآيات محكمات، لا تلغي الأسباب. (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ).

وما يؤكد مخالفته للسنن البشرية قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)، (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا). وهذا رسول الله وسيد الخلق، والآية بلا شك تنفيه  (تصورا وتصديقا)، أي تنفي كل علم. وكذلك آية المنافقين: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ)، وهذا نفي صريح لعدم علم النبي بهؤلاء المنافقين.  فالعصمة سواء كانت ذاتية أو مجعولة تبقى خاضعة لإطلاقات أحكام العقل المتقدمة، ما لم يدل دليل قرآني صريح عليها.

يمكن تصور إنسان على درجة عالية من التقوى والفقاهة والاعتدال والحكمة، لكن كل هذا لا يخرجه عن طبيعته البشرية، ولا يؤهله لما يسمى بـ"العلم اللدني". بل لا يوجد شيء اسمه (علم لدني)، لأن المعرفة تراكمية، والتفكير عملية عقلية تفاعلية.

ثانيا: انتفاء العصمة بقاعدة الاستصحاب

لا ريب إن الأصل عدم عصمة الإنسان، وعندما نشك بعصمة أحد الناس نستصحب حالته السابقة، ولا نرفع اليد عنها إلا بيقين مثلها .. يقين يورث العلم كي ينقض اليقين السابق، لذا لا يمكن للإمارة (كخبر الواحد) أن تقوم مقامه، لأنها مجرد ظن، والظن لا يغني عن الحق شيئا، رغم أنها تقوم مقام القطع في الأحكام الشرعية، تعبدا لا حقيقة، فتختص بموردها. والعقائد ليست أحكاما شرعيا، وإنما قضايا عقلية. وكل ما موجود من روايات حول عصمة الأنبياء والأئمة هي ظنون لا تغني عن الحق شيئا، فيبقى اليقين السابق وهو عدم عصمة أحد من البشر على حاله. والاستصحاب من القواعد الأصولية المعتمدة لدى الفقهاء الأصوليين، وقد وردت فيه روايات تؤكده. فيكون من باب ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم. وأركان الاستصحاب تامة هنا (يقين سابق وشك لاحق، وحدة القضية، والأثر المترتب عليه)، لا يمكن رفع اليد عن اليقين إلا بيقين مثله، وهو منحصر بوجود دليل قرآني. وأما عقل الإنسان فلا يحكم بوجوب عصمة أحد إلا إذا كان عقلا دينيا، فلا يصدق كونه حكما عقليا حينئذٍ، لأن أحكام العقل مطلقة، كاستحالة اجتماع النقيضين.

ثالثا: العصمة تصادر مفهوم الاقتداء

اقتضت حكمة الله أن يكون الأنبياء بشرا، يمارسون حياتهم الطبيعية، ليكونوا حجة على الناس وقدوة لهم في سلوكهم وفهمهم للدين. وعندما طالب العرب النبي أن يبعث الله لهم ملكا، قال تعالى (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ)، فالرسول يجب أن يكون من سنخ المرسل إليهم، كشرط للاقتداء. وبما أننا بشر اقتضى أن يكون الرسول بشرا مثلنا، في طبيعته وتكوينه، ويبقى الفارق سلوكيا، في درجة التقوى والورع والإخلاص والخشوع لله تعالى. ولو كنا ملائكة لبعث الله لنا ملكا من سنخنا، كي تتم حجته علينا: (قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا). فالكائن المعصوم كما تصوره كتب العقائد لجميع المذاهب الإسلامية، كائن أسطوري، خارج البيئة البشرية، لا يصلح أن يكون قدوة، يتمثل الفرد سلوكه وأخلاقه، (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).

للأسف الشديد لقد خلق مفهوم العصمة من الأنبياء والصالحين كائنات غريبة، يتحد فيها اللاهوت والناسوت، لا هم آلهة، ولا هم بشر .. فيهم كثير من صفات الخالق، وقليل من صفات الإنسان، كائنات معلقة في الهواء، فخسرناهم قدوة حسنة في سلوكنا، ورحنا نصفهم حيث ما نشتهي، ونخلع عليهم كل ما نأمل فيهم، ونسقط عليهم أمنياتنا، خاصة في خضم صراع طائفي امتد بامتداد التاريخ الاسلامي. المعصوم وليد لمخيال خرافي.

رابعا: تنافي العصمة مع هدف الخلق

العصمة بما هي مفهوم أسطوري، خارق في صفاته المفارقة للصفات البشرية، تتنافي مع هدف الخلق، فالقرآن يقول مخاطبا الإنسان: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، والكدح يتطلب سعيا ومثابرة، قد يصيب فيه الإنسان أو يخطئ، وعلى هذا الأساس كتب الله على نفسه الرحمة، والعفو والمغفرة، وفتح أبواب التوبة، لأن الإنسان خطاء بطبيعته. ولا استثناء لأحد، مادامت الآيات القرآنية مطلقة، فكيف يستثنى المعصوم من سنن الخلق؟

خامسا: تنافي العصمة مع المنطق القرآني

مقتضى عصمة غير الرسول من الصحابة عند السنة ولو بمعنى العدالة. والأئمة عند الشيعة، حرمة الرد والتمرد والاعتراض والنقد، مع وجوب الطاعة مطلقا والانقياد التام، بينما أقر الكتاب الكريم بالتنازع، ووضع ضابطة لتسوية الخلافات، بين أولي الأمر، وغيرهم، فقالت الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

سادسا: التناقض بين أقوال المعصومين

إن أحد لوازم العصمة أن المعصوم يعلم الأحكام الواقعية، وبالتالي فيصدق أنه يملك الحقيقة المطلقة، وما يقوله مطابقا للواقع ونفس الأمر، غير أن التعارض بين أقوالهم مثّل مشكلة حقيقية على طول التاريخ، حتى وضع الأصوليون قواعد لرفعها، سمي باب (التعارض والتراجيح)، إضافة إلى تعدد الآراء في المسألة الواحدة، خاصة في تفسير الآيات القرآنية. وهذا يناقض حقيقة العصمة، وشروطها، خاصة الرأي الشيعي، الذي يتعامل مع أقوالهم بنفس المستوى من العصمة، وقد ابتلى بهذه الضابطة العقدية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi10مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق22) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي. 

العصمة.. المفهوم والدلالة

س92: مهدي الصافي: هل هناك نوع من العصمة لآل البيت، أم هم مجرد عباد صالحين؟. وهل يتفق السيد الغرباوي مع اراء السيد محمد حسين فضل الله حول العصمة؟

ج92: ماجد الغرباوي: لا يخفى حجم ما يترتب على العصمة كمبدأ عقدي، نفياً وإثباتاً. خاصة المجتهد وهو يستنبط أحكاما وفتاوى شرعية. فمن يؤمن بها، تقتصر مهمته على تفسير وتأويل وتوجيه أقوال المعصوم دون نقدها أو التشكيك بها، باعتبارها نصوصاً مقدّسة، واجبة الطاعة، وما يقوله وحي: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ)، فتستمد حقيقتها من عصمته. لذا قالوا بحجية مطلق سيرته. بينما يتمادى بالنقد من ينفي العصمة، حداً تسقط عنده قداسة وحجية سيرة الأنبياء. بهذا يتضح "أن القداسة / العصمة سلطة معرفية موجّهة، تحدّ من حرية المجتهد / الباحث / المفكر الديني، وتسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، عندما يفرض محدداته، ومديات الانفتاح والتنقيب. فقد يعتقد الباحث أنه حيادي ويمارس كامل حريته في نقد وتفكيك النصوص المقدّسة، لكن الحقيقة أن إيمانه بعصمة النبي / الإمام / الصحابي، تفرض عليه التحيّز، بشكل تقف قراءته عند حدود التأويل والشرح والبيان، دون النقد، فيخضع لا شعوريا لسلطة النص وقدسيته، باعتباره مطلقا. فمهمة الفقيه مثلا استنباط الأحكام من ذات النص كمرجعية معرفية نهائية لا يطالها النقد، ويُرجع الخطأ إذا وقع للتطبيق أو قصور الفهم، لأن النص الديني لا يتنازل عن عليائه، عصي على النقد والمراجعة، ينتظر من يستنطقه ويكشف مدلولاته دون المساس بقداسته. فتكون قراءته منحازة بالضرورة، يقتصر فيها على اقتناص مداليل تجدد رؤيته وفهمه. والبحث عن مبررات كافية لمواجهة التحديات. من هنا يصدق أن وعي الباحث الديني / الفقيه / المفكر وعي مغلق، دائري، يستفزه نقد المقدّس. ويرابط داخل مدارات النص، مهما كانت قصية، إلا أنه لا يخرج عليه، ولا يشك بصدقيته. فالمعرفة الدينية محدودة الخيارات، لا تخضع للتجربة ومحاكمات العقل. وهذه هي قوة المقدّس وقوة سلطته المعرفية. فالعصمة مجموعة تابوهات، تحد من حرية القراءة". (النص وسؤال الحقيقة).

قبل البدء بتعريف العصمة وحدودها ومصاديقها، نستعين بمثل من التراث الشيعي، لتوضيح فكرة العصمة ودورها في فهم الظواهر والنصوص. ومدى تأثّر الفرد بها نفيا وإثباتا، حيث تختلف زاوية النظر. وكمثال عملي لبيان أثر مفهوم العصمة في تفسير الروايات نضرب مثلا برواية مشهورة عن الإمام الرضا تاسع أئمة أهل البيت، يرددها خطباء المجالس الحسينية في كل مناسبة. والرضا إمام معصوم وفقا للعقيدة الشيعية. وقد عاصر المأمون العباسي، وقَبِل ولاية عهده. جاء فيها، بناء على صحتها:

دخل الشاعر دعبل الخزاعي على الرضا فأنشده قصيدته الخالدة:

مدارسُ آيات خلت من تلاوة  *** ومنزلُ وحيٍ مقفرُ العرصات

تقول الرواية فانهار الإمام من البكاء، هو وعياله الذين ضرب لهم سترا كي يصغوا لإنشاد دعبل. وقبل خروج الشاعر كما ذكرت: (أنفذ إليه الإمام "عليه السلام" جُبَّةَ خزٍّ مع الصرَّة "صرة فيها 100 دينار"، فأخذ دعبل الصرَّة والجُبَّة وانصرف).

وهنا سيختلف تفسير المتلقي وفقا لإيمانه بالعصمة وعدمها. فمن يؤمن بعصمة الإمام يعتبر الرواية دليلا شرعيا على جواز إن لم يكن استحباب، إقامة مجالس العزاء للإمام الحسين، وربما يستفيد منها بعض الفقهاء أحكاما أخرى، لحجية قول الإمام وسيرته. وأيضا يمكن الاستفادة من الرواية جواز الإسراف في نفقات المجالس الحسينية، فما دفعه الرضا لدعبل يعتبر هائلا آنذاك. مع أن الرجل لم يقم بأي عمل سوى أنه أنشد شعرا. بل تذهب بعض التكهنات إلى وجود فلسفة عميقة، وراء تصرف الإمام، وليس هناك إسراف كما يعتقد الناس. والضرورات تبيح المحظورات، كما هو معروف عندهم. وبالتالي فمن يؤمن بالعصمة يعتبر سيرة الإمام (قوله وفعله وتقريره) حجة شرعية، لذا امتد عصر النص لدى الشيعة حتى نهاية الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر، المهدي 329هـ.

وأما من ينفي عصمة الإمام فله تفسير آخر في ضوء الواقع ومعطياته، والأحداث التي رافقت إمامة الرضا. وربما يجرد الحدث من بعده الديني والشرعي. فيعتقد أن الإمام الرضا رجل سياسة، بدليل قبوله ولاية العهد من المأمون العباسي، وكان يحضر مجلسه بلباس يتناسب مع مقامه، أي أنه تلبّسَ بالفعل السياسي والخلافة وأتكيتاتها حقيقة، وليس تقية كما يعتقدون. وكان اختيار المأمون محسوبا سياسيا، فالرجل رمز كبير، وله قاعدة شعبية، وينتمي لبيت معارض سياسيا، طالما أقلق الخلفاء الأمويين والعباسيين. والرضا يعلم بجميع هذه الحيثيات السياسية، فهو بحاجة ماسة لتماسك قاعدته الشعبية التي هي رهان مكانته الدينية والسياسية. وليس كقضية عاشوراء ورمزية الإمام الحسين شيء قادر على رص صفوف الشيعة، ممن اتسمت مواقفهم مع الأئمة بالتذبذب والانشقاق. فيأتي تكريمه لدعبل بهذا الاتجاه، وأيضا شدة بكائه وانهياره. والشاعر أيضا عرف كيف يداعب مشاعره، عندما تحدث عن مظلوميتهم أكثر من فضائلهم. لأنه يعلم جيدا أن هذا ما يريح الإمام، وهو رجل يتكسب بشعره، وكما للسلطة شعراؤها، فكذلك المعارضة. فيصدق عنده أن الإمام لجأ للشعائر لتعويض شرعيته، خاصة الدينية التي مرت بأزمة حقيقية، وموقف صعب مع وقوف الواقفة على أبيه موسى بن جعفر، وعدم الإيمان بإمامته. والواقفة شخصيات فقهية شيعية كبيرة فيها الحسن بن فضّال وعلي بن الحسن بن فضّال، وغيرهما، ولم يستطع الإمام رغم مكانته أن يقلل من قيمتهم العلمية، فحينما سُئل ماذا نفعل بكتب بني فضّال، وبيوتنا ملآى منها،  قال الرضا: "خذوا ما رووا، وذروا ما رأوا".

وبالتالي فثمة فارق تأويلي هائل بين التفسيرين سببه الاعتقاد وعدمه بعصمة الأئمة. فهي سلطة موجهة ومحددة يخضع لها العقل الإيماني، بل ويعيد تشكيل صورة الرمز المعصوم بما يتناسب مع حاجاته النفسية، لتبرير طاعته المطلقة. الغلو يتناسب طرديا مع روح الانقياد والتبعية. كلّما تعمقت روح الانقياد، كلّما تصاعدت وتيرة الغلو. وهذا مكمن الخطر حينما تصبح الخرافة مقياسا للتفاضل، بينما ميزان التفاضل قرآنيا: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). (فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً). وعندما امتدح الرسول الكريم قال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).

العصمة ليست مفهوما عاديا، بل تؤثر في فهم الواقع، وفقاً لزاوية النظر، ومستوى الإيمان وعدم الإيمان بها، حد التقاطع وربما التابين التام. فالاختلاف أمر عادي، وهي كغيرها من المفاهيم المراوغة لا تصد الأسئلة والاستفهامات، ويبقى الباحث يلاحق الحقيقة أينما كانت. لا يقتنع بالأجوبة التبريرية، وينأى عن منطق التبجيل من أجل فهم الواقع وملابساته. الحقيقة تتطلب نقدا وتحليلا لجميع الظواهر، خاصة الأحداث المهمشة، والمستبعدة، كظاهرة الواقفة التي كانت منعطفا تاريخيا، لولا براعة الخطاب الرسمي، وقدرته على مواراة الحدث بتهمة شيوخ الواقفة بسرقة أموال الإمام الكاظم، وعدم تسليمها،  للإمام الرضا، الإمام الشرعي، كما يفهمه ذات الخطاب.

المفهوم والحقيقة

إن صدقية العقائد التي ظهرت بعد وفاة الرسول، تتطلب معرفة ظروف نشأتها، ومسارها التاريخي، وفلسفتها والأجواء الثقافية والسياسية والدينية والفكرية المحيطة بها. فالعقائد والمفاهيم لم تأت من فراغ، بل مهّدت لها ضرورات مذهبية وسياسية. وقد بينت سابقا أسباب ظهور مصطلح (خليفة رسول الله) و(الخلفاء الراشدين). لكن الأمر لا يقتصر عليهما. فمن المفاهيم التي لها ذات الصفات هو مفهوم العصمة عند الشيعة، وهو كما تقدم: معادل موضوعي لمفهومي عدالة الصحابة ورشد الخلفاء، في تقديسه للرموز الدينية والارتفاع بهم فوق النقد والمساءلة. فعندما تسمع بمفهوم العصمة تسأل فورا عن مبرراتها، ودوافع الإيمان بها. فهي أقدر مفهوم على التقديس، ونفي مطلق الخطأ بشكل غرائبي، لا ينتمي للطبيعة البشرية. فينتابك قلق حينما تشك بموقف ما، وليس أمامك سوى التبرير بسبب عصمته. فعندما يؤمن المسلم بعصمة النبي في التبليغ، يجد مبرراتها في خطورة الرسالة وأهمية الحفاظ عليها، كي تصل مباشرة للناس بأمان. فعصمة التبليغ تبغي إلقاء مسؤولية فهم القرآن على المسلمين أنفسهم. لكن حينما تسمع بعصمة أئمة أهل البيت وفقا للمذهب الشيعي، ينتابك الشك مع انقطاع الوحي، فيكون السؤال مبررا جدا.

قد يقال أن العصمة ضرورة لمعالجة الخلل السندي في رواياتهم. باعتبارها روايات مرسلة عن أئمتهم فلا قيمة توثيقية لها بدونها، كما سيأتي. لكنه ليس بإشكال وجيه، لأن الخلل السندي لا يعالج بالعصمة، بمعنى حق التشريع أو استمراره. ومن يصر على عصمتهم لهذا السبب بالذات يعترف بضعف أسانيد روايتهم حدا لا يمكن معالجته إلا بالعصمة، وهذه سلبية خطيرة، تضع المذهب الشيعي في دائرة الشك والارتياب حول مصادره التشريعية. فتنقلب أسانيد الروايات إلى إشكالية معقدة. لذا ثمة طريق أسهل لمعالجتها، أعرضه في محله. فالعصمة فهم قوامه اللامعقول الديني. صحيح أنت تتلقى من إنسان وتتعامل مع بشر كغيره من الناس، لكنك تحتفظ له بحقيقة مغايرة، حقيقة مؤسطرة بفعل خطابات القداسة والتنزيه التي أدمنتها في مرحلة التلقي الأولى.

تعريف العصمة

العصمة لغة: تعني الحفظ والامتناع، كما في قوله تعالى (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ). ويقصد بها أيضا: رِباطُ الزَّوجِيَّة، يحلُّه الزوجُ متى شَاءَ. "وعِصْمة: مصدر إِعتَصَمَ".

وتعني اصطلاحا: مَلكَة أو قوة تعصم الإنسان عن ارتكاب المعاصي. أو كما في المعجم الوسيط (العِصْمَةُ): "مَلَكةٌ إِلهيةٌ تمنَعُ من فعل المعصية والميل إِليها مع القُدْرةِ عليه".

حدود العصمة

اختلف المسلمون في حدود العصمة، بعد اتفاقهم على عصمة النبي في تلقي الوحي وتبليغه، وفقا لقوله تعالى (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). فهل المعصوم معصوم عن ارتكاب كبائر الذنوب أم صغائرها أيضا؟ وهل هو عصمته منذ ولادته حتى مماته أم بعد نبوته إن كان نبياً؟. وذهب بعضهم: بعدم صدور مطلق الذنب صغيرا كان أم كبيرا، بل حتى النسيان والسهو ممتنع عليه. 

واختلفوا حول مصدر العصمة، هل هي مجعولة من قبل الله تعالى، أم هي ذاتية له، فيكون مجبولا عليها؟. بينما توسّع آخرون بمفهومها، وراح بعضهم يفترض لها لوازم، كوجوب الولاية التشريعية للمعصوم، بل وحتى التكوينية. وأضاف آخرون أمورا خارقة لا يمكن للبشر الاتصاف بها، كوجوب العلم اللدني (في مقابل المكتسب أو الكسبي) للإمام المعصوم، ومعرفته كافة اللغات، ومنطق الطير والجن إلى آخر القائمة التي تتشعب باستمرار. وكل هذا خارج الموضوع، وما يهمنا معرفة حقيقة العصمة. نكتفي بمفهومها عند الشيعة بقول الشيخ المظفر في كتابه عقائد الامامية، وهو تعريف معتدل جاء فيه: (ونعتقد ان الاِمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سنّ الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً). وتعليل هذا (لاَنّ الاَئمة حفظة الشرع، والقوّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلافرق). وهناك تعريفات لغيره من علماء الكلام الشيعة. وأما باقي المذاهب الإسلامية فغير معنيين بالإمة وشؤونها.

تنبيهات أولية

1- إن مفهوم العصمة، كما في علم الكلام القديم، وفي كُتب الملل والنحل، يرتكز إلى صورة نمطية للوحي، تختزل النبي بالمرآة العاكسة. أو مجر مراسل، مهمته إيصال رسالته للعالمين. وهذا واضح في استدلالاتهم العقلية على وجوب عصمة الرسول، كقولهم: (إنّه لو جاز عليه السهو والخطأ، لجاز ذلك في جميع أقواله وأفعاله، فلم يبق وثوق باخباراته عن الله تعالى، ولا بالشرائع والاديان، لجواز ان يزيد فيها وينقص سهواً، فتنتفي فائدة البعثة). لكنها قد تفقد قيمتها العقدية حينما نقدم تفسيرا آخر لظاهرة الوحي، تأخذ بنظر الاعتبار قبليات النبي وثقافته في فهم الوحي، فيكون منتجا ثقافيا. فلا يبقى دور للعصمة حينئذٍ، ويكون التفاعل حقيقيا بين الوحي وخلفية النبي، وما يختزن من تصورات وأفكار. وبالتالي فالعقل لا يحكم بعصمة الرسل والأنبياء إلا بناء على التفسير النمطي لمعنى الوحي. والهرمنيوطيقا اليوم تقدم فهما مغايرا لهذه الظاهرة، فهي عندهم تجربة دينية خاصة، والوحي ما يعيه النبي ويفهمه وفق مبادئ أولية كالتوحيد. وهذا لا يقدح بأصل الرسالة، وما تقدمه من مفاهيم وأفكار حول الخالق والكون والإنسان. والكلام في محله.

2- ثمة تفسير عقلائي لمفهوم العصمة، حينما تتقوم بالتقوى والورع والخوف من الله، فتكون ممكنة جدا. بمعنى أن النبي أو الإمام قد نزّه نفسه عن المعاصي، والذنوب كبيرها وصغيرها، فكان معصوما منها، وهذا مصداق للتقوى التي تحدثت عنه آيات كثيرة، ووصفت أصحابها بالمتقين. وهذا الفهم يقول به جملة من العلماء خاصة الشيعة. وهو أمر ممكن بل هدف أساس للإنسان المؤمن. وتسمى بعصمة سلوكية أو تنزيهية. متاحة لكل إنسان، مادامت جهادا داخلية. وحينما تناط بالمؤمن المتقي مسؤوليات دينية، تناط به حينما يتسامى أخلاقيا، وتصبح لديه مَلَكَة تحول دون ارتكاب المعاصي والذنوب. بل أن المجاهدة الداخلية تفتح آفاقا معرفية للمؤمن، بفعل نقاء القلب والسريرة: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). لكن لا يلزم من العصمة السلوكية الأعلمية والفقاهة. فإن لكل واحدة منها أسبابها الطبيعية، ومن باب أولى ليس للعصمة بهذا الفهم حق التشريع. ولا يلزم منها علم الغيب ولا علم "لدني"، (أي علم حضوري، وليس علما حصوليا وكسبيا). ولو ثبت شيء منها للمعصوم بهذه العصمة فبدليل آخر، غير الملازمة. ولا يلزم أن يكون معصوما منذ ولادته، بل معنى لهذا كما سيأتي توضيحه. ويمكن صورة مسبطة لمعنى العصمة، (أن يكون المعصوم أمينا صادقا في نقل الوحي، لا يتعمد الكذب). 

3- ماعدا العصمة السلوكية مفاهيم تطورت بمرور الأيام بفعل حاجات طائفية ونفسية وسياسية، في ظل ثنائية السلطة والمعارضة. بعضها يدخل ضمن اللامعقول الديني، بل وحتى الخرافة. وقد تأثرت أيضا بالتحديات والتنافس الحاد لتعضيد الرأسمال الرمزي للمذاهب والفِرق الدينية.

4- يؤكد الكتاب الكريم أن النبوة لا تخرج النبي عن كونه بشرا، له ما للبشر من خصائص، التي منها وجود استعداد فطري للخطأ والنسيان والسهو، وستأتي الأمثلة. بل أكد الحديث النبوي المعروف "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، باعتبارها قضايا فطرية، تحصل لكل إنسان. فمن الآيات الدالة على هذا قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)، وقوله: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا). في رده على من طلبوا منه معجزات خارقات، فكيف تنسب الخوارق مجانا لغير الله؟وبالتالي حصل انزياح في معنى العصمة، وصارت تشير للإنسان الكامل. أو الإنسان المفارق للطبيعة البشرية، فهي صورة مضخّمة، هجرت أو تكاد المعنى الموضوع لها، والمستخدمة فيه، أي خصوص العصمة في تلقي الوحي وتبليغه، وباتت تشير لدلالات أسطورية، غير واقعية.

5- يتفق السيد محمد حسين فضل الله معهم حول ضرورة العصمة في الوحي والتبليغ، باعتبارها ضرورة عقلية، لكن يختلف معهم حول حكم العقل بعدم سهو المعصوم، فهو لا يرجى ضرورة عقلية لعدم سهوهه. وليس رأيه بل صرح أنه رأي الشيخ الصدوق في القرن الرابع الهجري،  وابوه وأستاذه محمد بن الوليد. ويؤكد (إن أول الغلو نفي السهو عن النبي). وأرى أن رأي السيد فضل الله مع الاتجاه الهرمنيوطيقي في فهم الوحي، غير أنه لم يصرّح تماما، لكنه راح يبين الأدوار المختلفة للرسول، ليخرجه عن كونه مجرد مبلغ للوحي.

ويبقى الأهم معرفة مدى إمكانية العصمة بمفهومها المتداول في علم الكلام القديم، وكتب الملل والنِحل؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق21) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

أولي الأمر

ماجد الغرباوي: رغم أن طاعة أولي الأمر واجبة في الشريعة الإسلامية إلا أنها طاعة مقيّدة، كما في آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). مما يستدعي معرفة طبيعة القضايا المناطة بهم، لتفادي أي إطلاق، يجعل من الآية دليلا شرعيا، لتكرّيس الانقياد، وتغدو فتاواه ذريعة بيد السلطة لقمع المعارضة، ومصادرة حرية الشعب باسم الطاعة الشرعية للولي. بينما يظهر من الآية أن ولاية أولي الأمر تختص في قضايا تحتمل بطبيعتها الاختلاف والتنازع، وتحتاج دائما لمرجعية أعلى لتسويتها. إلا أنهم فسّروها بالشريعة والسُنة النبوية. مما يعني إطلاق يد السلطة مادام ولي الأمر ملتزما ولو ظاهرا بهما، وهذا خلاف ظاهر الأمر اضطرهم الفراغ التشريعي للتمسك به.

إن الآية أعلاه من آيات التشريع، وتشكّل إحدى مرجعيات العقل الفقهي، وما لم نعد النظر في فهمها والكشف عن دلالاتها الحقيقية، وبيان سلطة أولي الأمر، ومرجعيات تسوية النزاعات، تبقى دليلا لشرعنة السلطة، وتزوير الوعي باسم التشريع. من هنا تكتسب أهمية خاصة في نقد العقل الفقهي. ومن يدقق في الآية يجد ثمة ملازمة بين سلطة أولي الأمر والرد إلى الله ورسوله. فهل تتوقف شرعية سلطتهم على وجود الرسول أم يكفي كتاب الله وسنته؟ وهل المقصود خصوص التشريع أم شخص النبي كقائد أعلى؟.   

يقصدون بأولي الأمر، كل من تصدى لشأن من شؤون الأمة. وفي اللغة: (أَوْلَى فلانًا الأَمرَ: جعله واليًا عليه). وأما اصطلاحا كما هو متسالم عندهم، فيقصد به أولياء أمور المسلمين، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية. ويمكن اختزاله إلى: "كل من يتحمّل مسؤولية إدارية"، وبعضهم أضاف لها "أو دينية". وأولي الأمر عند الشيعة خصوص الأئمة الإثني عشر، ومن له نيابة خاصة كالسفراء الأربعة في زمن الغيبة الصغرى. أو من تشمله النيابة العامة، وهم الفقهاء.

والأهم من ولاية أولي الأمر صلاحياتها، في ضوء شرط الآية. ومعرفة القدر الذي يجب على المسلم طاعتهم فيه؟. ذهب الشيعة إلى اختصاص الولاية بالأئمة، ولهم ما للرسول من صلاحيات مطلقة. بينما لا فرق عند السنة بين مؤمن وآخر في الولاية متى تصدى لشأن من شؤون المسلمين، استنادا لإطلاق آية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). شريطة أن تكون طاعته بعدم مخالفة الشريعة، (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). وحدود عدم مخالف الشريعة عدم ارتكاب الفحشاء والمنكر والبغي والظلم: (إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

وكلا الاتجاهين أو التفسيرين كرّس مطلق الطاعة لأولي الأمر، واقتصر الاختلاف على مصاديقها، بين الأئمة ومطلق أولي الأمر، لكن الصلاحيات وشروطها التي تهمنا جدا، تكاد تكون مشتركات تشريعية بين المذاهب. وقد تمادى الفقه السلطاني في شرعنة سلطة أولي الأمر، متجاوزا بذلك القدر المتفق عليه بعدم مخالفة الشريعة، فكانت الفتاوى تحث على الطاعة والانقياد وحرمة التمرّد والعصيان. بل والأكثر أن التراث قد أسس لرؤية ثابتة، راح اللاحقون يقتدون بها، باعتبارها صيغة شرعية، تؤيدها الروايات، وهي أخبار مشكوكة، تتناقض مع أبسط مقومات الشخصية المؤمنة. حتى سوّغ بعضهم ولاية الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على أوامر السلطان الظالم والفاسق، وعدم جواز الخروج عليه، لقمع المعارضة وتبرير سلطة الخليفة. فابن كثير، مثلاً، أكد أن يزيد بن معاوية (إمام فاسق) لكنه يقول مع ذلك: إن (الإمام إذا فسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا...).

الصحابة وأولي الأمر

إن منصب الخلافة / أولي الأمر كان أهم منصب بعد وفاة النبي، اجتمعت فيه وحدة السلطتين الدينية والزمنية، وتم استغلاله وتوظيفه بعد انقضاء عصر الراشدين. والمعروف تاريخيا أن الصحابة اختلفوا بادئ الأمر حول صفة الخليفة، فهل هو خليفة الله أم خليفة رسول الله؟، فاتفقوا على الثاني، ولقبوا الخلفاء بلقب "خليفة رسول الله"، وعضدوه بآية وجوب طاعة أولي الأمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ)، فراح يتبادر من المفهوم وحدة الصلاحيات، وأن وليّ الأمر / الخليفة كرسول الله في ولايته المنصوص عليها قرآنيا، والملزمة شرعا، فتكون مطلقة. فمصطلح "خليفة رسول الله" مرر حزمة مفاهيم كرّست قداستهم وعصمتهم، وإن لم يصرحوا بذلك. لكن مواقف المسلمين ومشاعرهم تؤكد هذا المعنى. وهو تزوير واضح مع عدم وجود دليل صريح، بل الآيات فصّلت بين سلطة وولاية الرسول، التي هي مطلقة، ملزمة، شاملة، وبين سلطة وولاية أولي الأمر، التي هي محدودة، ومقيدة. لا إطلاق لطاعة أولي الأمر في كل ما يفعلون ويقولون ويقررون، بل هم ملزمون بتعاليم الإسلام. وآراؤهم آراء اجتهادية، تفرضها قبلياتهم، وظرفهم، وتنتهي سلطتهم وولايتهم عند أول نزاع حول الصلاحيات التنفيذية. كما ليس هناك دليل على إطلاق هذه الولاية والسلطة بعد وفاة الرسول. رغم وجوب طاعة أولي الأمر، ما دامت وفقا للقانون ولمصلحة البلاد والشعب. لكن الكلام حول وجود دليل شرعي وعدمه، لنكتشف حجم التزوير، سواء كان مقصودا أم لا، غير أنه أثّر، وما زال يؤثر في الوعي السياسي للمسلمين، ويحرّم أية مقاربة نقدية لعهد الراشدين رغم إكتظاظ الأسئلة والاستفهامات والشكوك التي تنتظر إجابات صريحة، حتى وإن انهارت قداسة تلك الفترة التاريخية. بل بقيت بعض القضايا مهمة تئن تحت وطأة الأسئلة والاستفهامات، لا يمكن مقاربتها، خوفا من الطعن بقدسية الصحابة. والدليل أن الآية الكريمة تقصدت استخدام كلمة "تنازعتم"، في تحديد موضوع سلطة وولاية أولي الأمر، كي لا يتبادر لذهن القارئ إطلاق ولايتهم وسلطتهم خارج موضوعها، الذي هو مجموعة صلاحيات إجرائية، يكون النزاع فيها متوقعا عادة. فالآية بصدد ضابطة لحسم النزاعات مع احتمال وقوعها. فطالبتهم بالعودة للنبي الذي منحهم تلك الصلاحيات، فهو أعرف بتسويتها. وأما لفظ الجلالة في الآية فقد جاء لتأكيد سلطة الرسول ووجوب طاعته في هذا الخصوص. ولو كان موضوع الطاعة والسلطة والولاية غير ذلك لأحالت الآية على الكتاب الكريم، باعتباره تبيانا لكل شيء. لذا قلت لا يوجد إطلاق للآية لما بعد وفاة الرسول، أي الجهة المخولة بحسم النزاع. ولا يوجد في الآية ما يستدل به على شرعية أية سلطة أخرى. فنص الآية استخدم تقنيات تعبيرية، حدت من التكهنات حول سلطة وولاية أولي الأمر خارج صلاحياتهم التنفيذية، بل وخارج سلطة الرسول. أي أنهم أولو أمر بإشرافه وتوجيهه، فتنتهي بوفاته. وتبقى لهم ولاية بمعنى الإدارة وتدبير الأمور بتخويل دستوري محدود، لايمنحه حق مصادرة حرية الفرد والجماعة. فالآية رغم سكوتها، قالت كل شيء، وعندما نفكك النص، نكتشف موقف القرآن من أولي الأمر، فليست هناك ثقة مطلقة في الحكم والصلاحيات لأي شخص، مهما كان عدد روايات الفضائل وصحة صدورها. القرآن هو الأصل والأساس، والكل يخضع لمنطق الآية وما تضمره من دلالات وأنساق معرفية وتشريعية.

الآية في أعماقها تتحفظ على السلطة والولاية، لا أنها تشرّع، كما هو المتبادر والمتعارف في تفسيرها. بل تتوجس من تخويل الناس سلطة باسم الدين والتشريع. فلاحظ دقة تعبير الآية في نهايتها: (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، أي أن الآية وضعت في حساباتها إحتمال تمردهم!! والاستبداد بسلطتهم، فحثتهم على الرجوع للرسول لحسم الأمور وعدم التمادي بالسلطة واستغلالها، فـ (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). ولو كانت الآية بصدد تخويل أولي الأمر سلطة ذاتية مطلقة، فلا داعٍ لخاتمتها. فنهاية الآية قرينة على تشخيص المعنى.

وإذا قيل أن المقصود بالتنازع، خصوص النزاع بين الناس وأولي الأمر، وليس بين أولي الأمر أنفسهم. فولايتهم وسلطتهم لا تنخرم بالنزاع، بل تسوّى من خلال الكتاب الكريم وروايات النبي. وهذا الاستدلال ليس ظاهرا، لأن القضايا التي يمكن تسويتها من خلال الآيات والروايات هي القضايا التي يختلف في مفهومها وجعلها، فلا يعبر عنها بالنزاع بل بالاختلاف، وسوء الفهم والتشابه وغيرها من ألفاظ. لكن الآية عبرت بدقة عندما استخدمت مفردة "نزاع". أي نزاع حول شيء يملك أو يخضع لإرادتك، وهي الصلاحيات، سواء وقع النزاع بين أولي الأمر أنفسهم أو بينهم وبين الناس. كما أن طاعة الرسول في الآيات الكريمة طاعة تنفيذية وفي القرارات القيادية، حيث فرضت عليه الظروف وضعا يتطلب طاعة مطلقة، فجعل طاعته امتدادا لطاعته. وفرضت الآية طاعة مشروطة لأولي الأمر الذين يتلقون أوامرهم من النبي القائد، لذات السبب. فالآية ناظرة للقضايا التنفيذية والإجرائية، خاصة أن سياقها العام يتحدث عن المرافعات القضية يكون النزاع فيها متوقعا، ولا يمكن الاستدلال بها على حجية سنّته، بل ولا يوجد ما يدل على ذلك بآية صريحة، والتفصيل في محله. وبالتالي، فسلطة أولي الأمر محدودة وتختص بعهد النبي. فالقراءة النقدية للنص ستضعنا أمام اكتشافات معرفية مهمة، تجعلنا نتوقف في كل رواية تخص السلطة والولاية. فلا ولاية بموجب هذه الآية الكريمة. ويبقى كل حاكم مسؤولا عن سلوكه ومواقفه وقراراته والدماء التي سفكت في عهده، والثروات التي تبددت، والإنسانية التي استباح كرامتها وحيثيتها، وما لحق الدين من تصدع في مفاهيمه وقدسيته. فالآية حتى وإن كانت صريحة لا تعفي الخلفاء عن مسؤولياتهم، فكيف وهي لم تثبت لهم سلطة ولا ولاية. وهذا لا ينفي كما قلت وجوب طاعة أولي الأمر في السلطة باعتبارها ضرورة لضبط الأمن، وسيادة النظام والاستقرار. وكشاهد على ما تقدم، اقرأ الآيات الخاصة بها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). فطاعة الله ذاتية، وله حق الطاعة مطلقا على عباده، وقد جعلها لرسوله في عدد من الآيات، لضرورات اقتضتها الرسالة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)، وهي طاعة مطلقة، بينما طاعة أولي الأمر مقيدة رغم صرامة النصوص المفترضة بالولي: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

من هنا بات واضحا أن مفهوم الخليفة، كرّس الاستبدادين الديني والسياسي من خلال مكره ورمزية مراوغاته، عندما وحّد السلطتين الدينية والسياسية في شخص الخليفة، ومنحه سلطات واسعة، هي ذات سلطات الرسول باعتباره خليفته. فيجب طاعته وعدم الخروج عليه.

النظام الديني للمسلمين مهما اختلفت صيغه هو حكم ثيوقراطي، يكرّس سلطة الحاكم الأعلى ويحرّم الخروج عليه، ويمنحه سلطات واسعة. وهو نظام ينسجم مع القيم القبلية، ويتناغم مع وعي الفرد في نظرته وتقديسه لشيخ العشيرة. بل، كما تقدم، تم قراءة النصوص بوعي قَبَلي، منحاز، كرّس سلطة الاستبداد. وأخضع الشورى التي أكدت عليها الآيات لذات الفهم، فهي غير ملزمة للخليفة بنظرهم، ويبقى الخيار له في اتخاذ القرار النهائي. بينما آيات الشورى واضحة، تلزم النبي بالعزم واتخاذ القرار بعد التشاور، فيكون قرار الشورى ملزما ولو بشكل غير مباشر. لكن جوهر القرار يمثل رأي الشورى، الذي في ضوئه اتخذ النبي قراره. والشورى محصورة في القضايا الإجرائية والتنفيذية التي تتطلب تنوع الخبرات، فتكون ملزمة لحيثية الخبرة والاختصاص وتراكم التجربة، لا مجاملة أو اعتبارا لذات الأشخاص. والفرق كبير وواضح. فتارة نشاور بعض الشخصيات مجاملة لتمرير القرار وعدم الاعتراض عليه من قبل الشخصيات المؤثرة في المجتمع. وتارة نشاور أهل الخبرة ونستفيد من خبراتهم وتجاربهم في اتخاذ القرار. والثاني هو المراد من الآية. غير أن قرارات الخلفاء كانت تطاع باعتبارها تمثل الشرعية، وسلطة الرسول، وما الخليفة سوى خليفة رسول الله في صلاحياته. والحقيقة أن النبي لم يخلف أحدا بنص صريح، واضح لا لبس فيه، ولم يخوّل شخصا بأية سلطة وصلاحيات دينية وغير دينية، بل كان التكليف مقتصرا كما تبين من الآية على حياته حينما كان المرجع المختص شرعا بفض النزاعات، التي قد تحدث بسبب الإجراءات التنفيذية وصلاحياتها المحدودة. فنقل هذه الصلاحيات كاملة لما بعد وفاته، تحتاج لدليل، وهو مفقود، فينبغي وعي مفهوم أولي الأمر بشكل لا يسمح بتمدد الخليفة، بما يوحي وحدة الصلاحيات بينه وبين الصلاحيات النبوية.

وبالفعل طالما أكدت الآيات: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وقد صدق دعواه بالوحي وما نزل عليه من القرآن، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). فسلطته سلطة إلهية حقيقية (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا)، ولم يجعلها لأحد من بعده: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). وبوفاته أنتهت سلطته الدينية، وما لازمها من سلطات سياسية واجتماعية. ولا طاعة مطلقة لأولي الأمر. وهذا هو الواقع، وهذا ما نحتاجه للتمييز بين الإلهي والبشري في شرعية السلطة في ظل تزوير مقصود لحقيقتها.

ثم جاء فقهاء السلطان رسّخوا قدسية الحاكم وسلطته في أذهان الناس فأصبح الخليفة خليفة الله في أرضه، والسلطان حاكم باسم الله. واستماتوا في الذب عن شرعية سلطته، عندما حرّموا الخروج عليه، وفرضوا وجوب طاعته مطلقا عند بعضهم. فأصبح سيف الشرع مسلطاً على كل معارض يتهمهم بالفساد أو الجهل، وقد استخدموا (وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) على نحو يتضارب مع أبعادها المنهجية. وقد ساعد على ذلك فساد رجل الدين ورخص بعض الرواة، فرجل السلطة متهم في تقواه، وورعه، يمكن للحاكم شراء مواقفه.

وبالتالي فولاية أولي الأمر، مرنة تحتمل النزاع والخلاف، وتختص في القضايا الإدارية والتنظيمية، فهي صلاحيات للمحافظة على النظام العام وإدارة شؤون الدولة والمجتمع. ولا تستبطن (أولي الأمر) شرط الفقاهة إطلاقا كي تتعدى للفقيه، ويستمد منها سلطته ويفرض علينا طاعته والانقياد له. فهناك اختلاف جوهري بين ولاية أولي الأمر وولاية الفقيه. ولاية الفقيه قيمومة وتدبير، تسلبك إرادتك، وتفرض عليك طاعة مطلقة للفقيه، غير مشروطة كأولي الأمر. فاحتمال التنازع مع الفقيه غير وارد إطلاقا، بينما القرآن يمنح مساحة للاختلاف رغم أنهم أولو الأمر، وطاعتهم ضرورية لضبط النظام وإدارة شؤون المسلمين، خاصة أمراء الحرب زمن الرسول.

فإذا كانت هناك مسؤولية دينية على رجل الدين فتنحصر بتبليغ الرسالة وإرشاد الناس، وتعليمهم مبادئ وأحكام الإسلام. لكن الأمر خرج عن السيطرة، وتعددت صلاحيات رجل الدين، وأصبحت مرجعيته جزءا لا يتجزأ من كينونة المسلمين. وصار المسؤول الأول عنهم وعن أموالهم ومستقبلهم، بل هو أولى بها منهم قياسا على ولاية الرسول (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم). بينما حتى طاعة الرسول تنسب إلى الله وليس له طاعة من دونه: (وما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن الله).

  

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة الثانية عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق20) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

ماجد الغرباوي: لا يمكن فهم ولاية الفقيه وتطوراتها بمعزل عن مسار التاريخ الشيعي، الذي بدأ موقفا من السلطة، في أول نزاع حولها بين الصحابة، ثم واكبته العقيدة في ظل جدل كلامي بين الفِرق والمذاهب الإسلامية، حول شرعيتها، والمقولات المرتبطة بها، كمفهوم الكافر، الجبر والتفويض، فاعل الكبيرة، الإمامة. ورغم وحدة المعارضة العلوية عامة والشيعية خاصة، لكنها لم تتوحد تماما في رؤيتها العقدية، واتصفت بتوالي انشطاراتها، حول شروط الإمامة ومصاديقها، مع اتفاقهم على بعضها، ذكر ذلك الشهرستاني في الملل والنحل. وأبرزها: الكيسانية والزيدية والإمامية والغلاة والاسماعيلية. غير أن كل فِرقة قد تشظت لاحقا، ولم تحافظ أي منها على تماسكها. وربما يقصد الشهرستاني بالاتفاق خصوص الفِرق الرئيسية في بداية ظهورها، أو ربما بخصوص إمامة الإمام علي. ومن يراجع كتب الملل والنحل يقف على مختلف التفصيلات والاتجاهات العقدية. بعضها تمادى في غلوه، وآخر كان متهاودا، لكن ليس دون مفهوم الإنسان الكامل، حيث يكاد يكون مشتركا بالنسبة للإمام الأول كحد أدنى.

الموقف من السلطة

لم يتخذ الإمام علي موقفا سلبيا من السلطة، وانسجم مع جماعة المسلمين بعد قطيعة دامت ستة أشهر، فيصدق أنه كان حدثا عابرا، غض الطرف عنه رغم شعوره بالغَبن وربما المرارة، فهو الأكفأ، تشهد له مواقفه، وحزمة روايات نبوية تُشيد بفضله، منها قول الرسول: (أقضاكم علي). غير أن المبدأ عنده فوق السلطة والولاية، فلم يشذ عن جماعة المسملين. وكان مستشارا بارزا لدولة الخلافة، وصحابيا جليل القدر والعلم والحكمة، وقد بايعه المسلمون خليفة رابعا لهم بعد مقتل الخليفة الثالث. وهو الوحيد الذي استأثر بالرأي العام، وبايعه الصحابة والتابعون علنا.

ثم عاد النزاع الأول بين الصحابة إلى واجهة الجدل الكلامي في العصر الأموي، لمحاكمة مواقف الصحابة، وأحداث السقيفة، وفق مرجعية جديدة تم التنظير لها في خضم جدل مرير حول شرعية السلطة. فخضعت المقولات والمفاهيم التي تبلورت آنذاك لإكراهات ثنائية السلطة والمعارضة، وتنافس محموم لإثبات شرعية أي الفريقين المتنازعين على الخلافة، فأنتج الجدل مفاهيم جديدة، كمفهوم الإمامة السياسية ثم الإمامة الدينية، وفق شرط النص والتعيين، لسلب الخلافة الرسمية شرعيتها، والاشعار بمظلومية أهل البيت. حتى أصبحت شعارا ضمن نظرية الإمامة، تقوم عليه شرعية الحزب العلوي، الأعم من الشيعة، في مقابل الحزب الأموي. وكان وراء هذه التنظيرات وغيرها متكلمو العلويين قاطبة، بما فيهم أصحاب الأئمة كمؤمن الطاق وهشام بن الحكم وغيرهما. يشهد لذلك اعتبار التولي لأهل البيت والتبري من أعدائهم، فرعا من فروع الدين، بل ذهب بعضهم إلى أنه أصل من أصول الدين، ولا يخفى حجم شحنة الكراهية والتعبئة النفسية التي يتضمنها هذا الشعار، الذي يقصي الآخر، ويصرّ على احتكار الحقيقة، فكأن المشروع السياسي العلوي مشروع طائفي، وليس مشروعا للأمة المسلمة.

أما الموقف العملي للأئمة فكان حياديا تجاه الخلفاء، ولو ظاهرا، وقد نأوا بأنفسهم عن السياسة، بعد استشهاد الإمام الحسين، ومقتل أهل بيته وأصحابه، باستثناء ولاية العهد التي أسندها المأمون للإمام الرضا. وقد تجنبوا العمل الثوري، وركزوا على الجانب العلمي والفقهي، حيث برع الإمامان الباقر والصادق في هذا المجال، وكانت مدرسة الثاني مشهودة بعمقها وسعتها وكثرة علمائها. وبدلا من السعي للحكم، انشغل الأئمة بالتنظير لدولة العدل الإلهي، التي سيقودها المهدي، والتي ستحقق جميع الأهداف الشيعية، حتى اضطروا لرسم صورة مثالية لدولته المرتقبة، تعويضا عن اخفاقاتهم في الوصول إلى السلطة. أي أن الخطاب الإمامي رحّل موضوع السلطة إلى نهاية التاريخ. بهذا الشكل أقنعوا شيعتهم بالتخلي عن فكرة الدولة الشيعية. فمنهم من رابط معهم، ومنهم من تمرّد والتحق بحركات ثورية أخرى، كما حصل مع بعض أصحاب الإمام الصادق. فأصبح هدف أصحاب الأئمة الأساس هو إدانة الخلفاء، وتأكيد غصبية السلطة، ومظلومية أهل البيت، فخاضوا نضالا فكريا وعقديا، وكان من نتائجه التنظير للولاية الدينية، إضافة للولاية السياسية، من أجل إحياء دورها، وعدم ربطها بالسياسة خاصة، فتسقط بسقوطها، بل وصل الأمر للولاية التكوينية. وقد مرَّ تفصيل كل هذا. وأما الاتجاهات الثورية من العلويين فقد استمرت تحركاتهم ضد الدولتين الأموية والعباسية، دون الوصول للخلافة.

إن الموقف الحيادي لأئمة أهل البيت، والتعويل على المهدي في إقامة دولة العدل الإلهي، أو الدولة الشيعية المثالية، قد ساعد على تماسك القواعد الشيعية، التي هي أعداد محدودة آنئذٍ بفعل الاضطهاد والملاحقة. واستمرار خط الإمامة. لكنه من جانب آخر قتل الإرادة السياسية، وأسس لوعي سلبي من السلطة والحكم، ووضعت الشيعة في موقف محرج، بعد تمسك الفقهاء بغصبية السلطة، وعدم شرعيتها خارج ولاية الإمام المعصوم، وتشبثوا بحديث: "كل راية قبل ظهور المهدي فهي راية ضلال". فقطعوا الطريق أمام أي محاولة شيعية للوصول إلى السلطة، وكان مبررهم أن ظهور الإمام مسألة وقت، ثم يباشر مشروع السلطة وحكومة العدل الإلهي بنفسها، أما وقد امتدت الغيبة لعشرات القرون، ومازال الأمل بعيدا، فقد تحولت مسألة السلطة إلى عقدة لدى الاتجهات الثورية، وأصحاب المشاريع السياسية، على العكس من عموم الفقهاء ممن رأوا في هذه المقولات مبررا للتقاعس السياسي. ورغم الرخاء الأمني والسياسي الذي مرَّ به جملة من فقهاء الشيعة في الدولتين البويهية والصفوية، لكنهم لم يشاركوا في السلطة مشاركة فعلية، واكتفوا باستغلال الظرف السياسي لنشر التشيع، وبيان مظلومية أهل البيت، وفضح جرائم الدولتين الأموية والعباسية، والتبشير بدولة المهدي. والاكتفاء بالطقوس والشعائر الحسينية وسيلة لتأكيد الهوية الشيعية.

تجدر الاشارة أن غصبية السلطة إدانة صريحة للخليفة أو السلطان، لكن عندما تقرأ مقدمات الكتب المهداة لهم من  قبل بعض علماء الشيعة تصاب بالحيرة، فالمجلسي صاحب موسوعة البحار مثلا، يرتفع بالسلطان الصفوي منزلة المعصوم، عندما أهدى له كتابه "زاد المعاد"!!!. فهل الأحكام الشرعية مقاسات وفق المصالح الشخصية، أم أن صفة الظلم تتغير عندما يهادن الفقيه السلطان؟. يبدو من سلوكهم أن لديهم رغبة بالسلطة، لولا إكراهات علم الكلام القديم الذي خصها بالإمام المعصوم دون البشر. والغريب الاقتناع بها من قبل علماء الطائفة، دون تفكير في الجانب العملي، فهل يقصدون بغصبية السلطة شمول كل سلطة، بما في ذلك جميع دول العالم؟ والأغرب منهم العلماء المعاصرون. فولاية الفقيه جاءت حلا لمعضلة السلطة وشرعيتها، غير أن ركاكة المباني التي قامت عليها، لا تجعل منها نظرية متماسكة على المدى البعيد، كما أنها كرّست الاستبداد والتبعية باسم الدين، في ظل موجة حقوق الإنسان، والمطالبة بالديمقراطية. إن فكرة غصبية السلطة، موقف من سلطة الخلفاء الأمويين والعباسيين، وليس لها أية أساس شرعي، وقد تقدم مرارا أن السلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية، كي تكتسب شرعيتها من الإمام المعصوم. فمادام ضرورة اجتماعية فهي تخضع لضرورات الواقع، وكيفية اتفاق الناس حول صيغة الحكم وشروطه، فيكون بمنزلة عقد اجتماعي حول السلطة وصلاحياتها، فهي تخصهم بالذات، وهم مصدر شرعيتها، لكن الفكر الإسلامي مازال مرتهنا إما لفكرة الخلافة أو لفكرة الإمامة.

ولم يمر الموقف العقدي الشيعي من شرعية السلطة، وربطها بالإمام، وترحيل دولة العدل الإلهي لآخر الزمان، حيث ظهور المهدي المنتظر، بلا تداعيات، بل أفرزت عقيدة الانتظار من جهة، وحمى التنافس على الرصيد الرمزي للمذاهب والفِرق المتنازعة، ثقافة الغلو، وأسطرة الرموز الدينية، والتشبث بالخرافات، وبقي اللامعقول يمثل جوهر الفكرة الشيعية، خاصة هوية الإمام، ومكانته، وعصمته ودوره ومركزيته. وقد تطور الموقف المغالي الى القول بالولاية التكوينية ومنافسة الخالق في خلقه، كل ذلك لتعزيز الرصيد الرمزي للأئمة، وطرحهم مخلوقات مغايرة للطبيعة البشرية رغم  تأكيد الكتاب الكريم على بشرية الرسول (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا).

لقد أثقل الغلو بمختلف مستوياته الوعي الشيعي، وغدا لا همَّ له سوى الدفاع عن معتقدات، أفرزتها بيئة صراع سياسي محموم، وثنائية السلطة / المعارضة. وبدلا من القطيعة مع الماضي وتراث الفِرق والمذاهب، كرّس الشيعة جهودهم لتعضيد عقيدتهم من خلال مزيد من الطقوس، والاعتناء المبالغ فيه بالأضرحة، والحث على تقديسها، والانفاق السنوي لإحياء التراث، ومراكمة ما تنتجه دور التحقيق، أو ما يضيفه القلم الشيعي، وجميعها لا يخرج عن المقولات الأساسية، باعتبارها حقائق مطلقة، تقتصر مهمته على تعزيز أدلتها، وتفنيد شبهات المعارضة. مع اتخاذ موقف صارم من كل تحرك داخلي مريب يشكك بالعقيدة الشيعية، باعتبارها قراءة ناجزة، ومعطى نهائي غير قابل للنقد والمراجعة. وقد طال التشهير بجميع الرموز الفكرية التي تحدث الخطاب العقدي، وإعادة صياغة بعض مفردات العقيدة بشكل ينسجم مع روح القرآن، ويبتعد عن التطرف والغلو.

نؤكد لا أمل في الاصلاح للوضع الإسلامي عامة، والوضع الشيعي خاصة سوى إعادة النظر في النسق العقدي المألوف والمتداول، وبناء مبادئ عقدية تنسجم مع فهم متجدد للدين، وتأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، ودوره الاستراتيجي في الحياة الدنيا.

الإمام علي ومبادئ الحكم

كان بإمكان الشيعة الركون للإمام علي في تحديد مبادئ السلطة، ونظام الحكم، وشروط الخلافة أو الإمامة، غير أنهم رابطوا في خندق المعارضة التي فرضت عليهم تبني مقولات كلامية، تعزز قدسية أو أسطرة الأئمة، من أجل سلب السلطة الحاكمة شرعيتها، بشكل أصبحت القداسة هدفا مركزيا، وغدت جزءا من البنية العقدية للعقل الشيعي.

لقد أثرت أحداث التاريخ في الذاكرة الشيعية، وباتت جزءا من وعي الذات المسكونة بالمظلومية، وعجزها عن السلطة بسبب قناعات افرزتها ضرورة تاريخية، لا تكف الخطابات الطائفية، عن استعادتها، حتى باتت من ضرورات الرؤية السياسية الشيعية، فكانت ولاية الفقيه أفضل معبّر عن قلق شرعية الحكم. لكن هذا لا يعني أنها صيغة مقدّسة أو صيغة حضارية، فإن مفهوم السلطة وكيفية الترشيح والانتخاب باتت تجري بآليات تتناسب مع الوعي الراهن، وترتكز لمقولات نمت وترعرعت في ظل أجواء سياسية وثقافية مختلفة، يكون الإنسان هو مركز الحياة، وأن حريته مبدأ أساس لا يحق للسلطة السياسية مصادرتها إلا بقدر ما تقتضيه المصلحة العامة، فيعود ما سلب منها عليه بمنفعة أعظم، كالإلتزام بالأنظمة والقوانين المرعية داخل بلده.

إن تأصيل السلطة وفقا للمبادئ التي أرساها الإمام علي من خلال تجربته في السلطة، كانت أفضل صيغة، يمكن أن تكون أساسا لنظام سياسي يحترم القيم السامية، ويؤمن بالشورى والمواطنة، وحقوق الإنسان، بعيدا عن الاستبدادين، الديني والسياسي. لكن الشيعة خسروا عليا الإنسان، واحتاروا بصورة رسمتها ريشة الغلو، فبات يناوب الله في تدبير كونه، ويتولى بدلا عنه رعاياه، على الضد من قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ). فأرهقهم الوعي المغالي، وبات شغلهم الشاغل الرد على مناوئيهم، والانشغال بالعقيدة وترميم ثوابتها، وتعضيدها بالطقوس والشعارات. فالصورة النمطية للإمام علي والأئمة من بعده صورة أفرزتها ثقافة الغلو، وصراع مرير على السلطة، ودعوى احتكار الحقيقة، ومراكمة رصيد رمزي، تمثّل القداسة جوهره، وأسطرة الرموز وقود استمرارها.

يمكن تلخيص مبادئ الإمام علي في السلطة والحكم، من خلال أقواله وتوصياته وسلوكه في السلطة، فهو صاحب تجربة غنية، وقد خاض ثلاثة حروب داخلية. وعندما يحدد مبادئ إنسانية للحكم يحددها عن وعي وحكمة ودراية، وهذه المبادئ، يمكن ايجازها بما يلي:

أولا- مبدأ المواطنة:

حيث يقول: (فَإِنَّهُمْ [الناس] صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ). نهج البلاغة، 53، عهده للأشتر النخعي. والثانية أعم فتكون ركيزة المواطنة عنده على أساس إنساني (نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)، ولا يقصد بالمناظرة تشابه الخلق، بل كان في صدد بيان حقوق الرعية، في عهده لمالك الأشتر عامله على مصر، فيكون لغير المسلم ما للمسلم من حقوق، خاصة مصر، موطن الأقباط. وهذا ما تؤكد مقدمة خطابه، حيث جاء فيها: (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْـمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ). فلا خصوصية للدين، مادامت القضية ترتبط بالمواطنة، التي من الطبيعي فيها تعدد الأديان والمذاهب. وهي حقوق مضمونة دينيا. فالإمام إذاً يفرّق بين الحقوق المدنية، وما يترتب على العقيدة والدين من مؤاخذات. فالثانية مجالها اليوم الآخر، وهي موكولة لله تعالى، وكيفية تعامله معهم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). فما حصل بعد عصر الخلفاء من ممارسات تعسفية ضد أهل الكتاب، صدرت عن فهم ديني إقصائي، لا ينتمي للقيم الإنسانية. عقل مستكين، يجمد على ظواهر النصوص، لا يتحرى مناسبات الحكم والموضوع، ولا يفرق بين القضايا الخارجية والقضايا الحقيقية في مجال الأحكام الشرعية، فيصدق أن مقتل العقل التراثي في منهجه، فهو مُرتهن للروايات الدينية والتاريخية. وبدلاً من نقدها، يتخلى عن عقله ويستميت في الدفاع عنها.

ثانيا- مبدأ المحاسبة:

حيث يقول: (فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىءَ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي). نهج البلاغة، الخطبة 216، ق: حق الوالي وحق الرعية. وهو مبدأ عظيم، اعتمدته الأنظمة الحديثة فساهم في الحد من الظلم والجور والفساد المالي والإداري، إذ كان السلطان / الملك شخصا مقدسا، فوق النقد والمحاسبة، وفوق القانون، بل السلطة تستمد شرعيتها منه. وهي أنظمة بوليسية، شمولية، استبدادية، ليس لها مصداقية حتى مع وجود مجالس نيابية.

ثالثا- مبدأ الشورى:

حيث أكد في كلمة له: (وَإنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالاْنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُل وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ لله رِضىً).. نهج البلاغة الكتاب رقم (6). وبالمفهوم الحديث أنه أناط مهمة تعيين الخليفة الأصلح بالنخبة، دون عامة الناس، وتأتي البيعة لتؤكد شرعيته. ولم يربط الإمامة بنص أو وراثة، بل هي مهمة المسلمين أنفسهم، مما يؤكد أن السلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية في فهم الإمام علي، حيث يقول: (لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر). الخطبة 40، نهج البلاغة.

رابعا- مبدأ العدل وعدم الظلم:

وهو مبدأ أساس في السلطة، وعليه تتوقف سلامة وأمن المجتمع والبلاد، (وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلاَةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ) الخطبة 53، نهج البلاغة. ويقرر (فَإِنَّ في العَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ، فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضيَقُ!)، نهج البلاغة 15. فوضع الجور مقابل العدل، حينما يعجز الحاكم عن إقامة العدل، فإنه سيلجأ للجور والظلم. بل ويعتقد أن للعدل تجليات، وليس مجرد كلام أو إدعاء، فالحكم العادل كما يقول: (قال: وَيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ، بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ، بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ!). نهج البلاغة، الخطبة: 209.

بهذا يتضح أننا أمام مبادئ إنسانية قائمة على العدل والمواطنة والشورى وعدم التفرّد بالحكم مع وجوب المحاسبة، والمساواة بين الحاكم والمواطن العادي. فيمكن للمسلمين، خاصة الشيعة تشييد نظام سياسي وفقها. غير أنهم سجنوا أنفسهم داخل العصر الأول، ضمن مقولات جاءت نتاج وضع استنثائي وإكراهات فرضتها ثنائية السلطة / المعارضة. ولا يمكنهم التحرر منها ما لم يعيدوا النظر في منظومة العقيدة برمتها، وهذا ما نعمل لأجله، من أجل العودة للحياة، والانسجام مع الأنظمة الحديثة، التي سجلت نجاحا فائقا وعلى جميع الأصعدة.

السلطة في وعي الصحابة

إن حيرة الصحابة في تسمية الخليفة، هل هو خليفة الله أو خليفة رسول الله، يؤكد عدم وجود تصوّر عن السلطة في وعي الدائرة الخاصة من الصحابة فضلا عن عامتهم. بل أن الإمام علي تعامل معها على أنها ملك محمد، يجب أن ينتقل لأهل بيته: (وقال: يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم وتدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأننا أهل بيته)، والسلطان هنا بمعنى الملك، لذا يصح انتقاله من بيت لآخر، وهو السائد آنذاك. فالمحاكمات الكلامية فيما بعد تمت وفق مرجعيات تعي معنى السلطة ومؤسساتها، من خلال تجربة الدولتين الأموية والعباسية، لذا اشتد الجدل بين الأطراف الكلامية المتنازعة. بل أن وعي الإمام علي عن السلطة بعد خلافته يختلف عنه بعد وفاة الرسول. فتجربة الصحابة كانت تجربة بدائية، راحت تتطور مع تطور الفتوحات واتساع النشاط التجاري والعسكري. فالنزاع لم يكن حول زعامة دولة، بل حول مشيخة قبلية، لذا ارتكزوا للمبدأ القبلي في حسمها.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الحادية عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق19) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

شرعية السلطة

ماجد الغرباوي: ولاية الفقيه مبنى فقهي، يستمد شرعيته من نظرية الإمامة، التي تعتبر الدولة ضرورة دينية، وأن الأمة بحاجة إلى ولي، يرعى تطبيق الشريعة، ويقيم العدل والقسط، ويتولى شؤون المسلمين، وأن الإمامة نص وتعيين من الله، فتكون السلطة مغتصبة، ما لم تكن بإذن الإمام أو من نصّبه وهو الفقيه الجامع للشرائط. ومن واجب الأخير التصدى للسلطة بحكم وظيفته وأولويته، في زمن غيبة الإمام المهدي، ويكون له ما للمعصوم من سلطة وصلاحيات. وهي نظرية فقهية مستحدثة، تم التنظير لها بقوة بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني أحد منظّري ولاية الفقيه سنة 1979م. فيصدق أنها رؤية اجتهادية للتغلّب على مأزق شرعيتها. ومن ثم شرعنة الأنظمة والقوانين التي تقع خارج أحكام الشريعة. أو كل حكم تقتضيه المصلحة العامة أو منصب الولاية ولم يرد فيه نص شرعي. وهو باب واسع يشمل ما يصدر عن الدولة من قوانين إدارية وسياسية، إضافة للتصرف العام بثروات الشعب والبلاد.

ثم توالت البحوث الفقهية استجابة لحاجة النظام الجديد القائم على مبدأ ولاية الفقيه، وكان للشيخ المنتظري خليفة الخميني قبل عزله، قدمُ السبق حيث أصدر كتاب: "دراسات في ولاية الفقيه.. فقه الدولة الإسلامية" بأربعة أجزاء كبيرة. وهو فقه استدلالي. ثم تلته بحوث الفقهاء، وصدرت مجموعة كتب تدور حول ذات الموضوع. ولعل أبرز من كتب في هذا الخصوص باستثناء الإمام الخميني والشيخ المنتظري، هو كاظم الحائري، علي الخامنئي، آزري قمي، محسن الأراكي، جوادي آملي، محمد علي التسخيري، وآخرون، وجميعهم من عيار آية الله، وآية الله العظمى، في إشارة إلى مستوى الفقاهة والعلم الذي يتمتع به المؤلف. وقد حاولوا الاستدلال على ثبوت ولاية الفقيه في جميع ما يرتبط بشؤون الأمة، وفق ما كان لأئمتهم من خلال أدلة عقلية ونقلية، لا تقاوم النقد الموضوعي.

الأدلة.. رؤية نقدية

بدءا، لا يوجد نص قرآني صريح يمنح الفقيه ولاية، فضلا عن ولاية مطلقة، وكل ما هناك تأويلات قابلة للنقض. كما أن الروايات لا تنهض حتى بمجموعها كدليل معتبر على ثبوت الولاية المطلقة للفقيه، وفقا لمباني الفقهاء والأصوليين الشيعة. والرواية المعتمدة عندهم في هذا المجال ليست صحيحة بمصطلح علوم الحديث بل هي مقبولة. ومعنى الرواية المقبولة أنها رواية فيها ضعف، إما سنداً أو متناً أو كلاهما، لكن الفقهاء اتفقوا على قبولها. وكيف لا يقبلونها وهي تكرّس سلطتهم وتمنحهم صلاحيات واسعة؟؟!!!. لذا سعوا لتوثيقها، وتوظيفها دليلا على نصب الفقيه حاكما من قبل الإمام المهدي. تقول "مقبولة" عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق: (ينظر "الشيعيان المتخاصمان" من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما أستخف بحكم الله وعلينا ردَّ، والراد علينا، كالراد على الله وهو على حد الشرّك بالله..).

والرواية على فرض صحتها وقبولها لا تدل على ثبوت أي ولاية للفقيه سوى إحالة المتخاصمين للقضاء، ووجوب الإلتزام بما يحكم به الحاكم الشرعي، ما دام يتصف بالصفات المذكورة في الرواية. لذا جاء التأكيد من أجل احترام القضاء والإلتزام بأحكامه، وتسوية النزاعات بعيدا عن السلطات الظالمة. فمن يؤمن بولاية الفقيه مضطر لا فقط لقبول هذه الروايات، بل الاستدلال على صحتها، لأنه بحاجة ماسة لتحشيد أدلة وشواهد ووقائع لتعضيد رأيه الفقهي.

وقد اضطر بعضهم للتشبث بدليل عقلي لإثبات ولاية الفقيه بعد أن قطع الأمل في وجود دليل لفظي صريح في المقام، (آية أو رواية). فاستدل عقلا على ثبوت الولاية للفقيه كلازم لوجوب تصديه للسلطة والحكم، فيكون التصدي لها واجبا وبكامل صلاحياتها كي يمارس الفقيه سلطته الشرعية. أو لأنه الأولى إذا توفّرت الشروط اللازمة. لكن من قال إن السلطة والحكم ضرورة دينية؟؟ فهذا أول الكلام وبحاجة إلى دليل صريح وهو منتفٍ. فعلى من يدعي ذلك أن يثبت أولا ضرورة السلطة دينيا ثم يستدل بعد ذلك على أولوية تصدي الفقيه لها؟. أليس عدم الاتفاق دليلا على عدم وجود دليل معتبر يوحّد موقفهم الفقهي والشرعي تجاه هذه المسألة؟ ولو كانت الدولة ضرورة دينية فكيف يسمح الإمام الصادق بنصب المحاكم الشرعية الخاصة بمعزل عن السلطة؟ فقد استدل بعضهم على وجوب قيام دولة إسلامية بوجوب تطبيق الاحكام القضائية وفقا للشريعة الإسلامية، وفي هذه المقبولة ما يؤكد إمكانية التقاضي وتسوية الخلافات بعيدا عن الدوائر الحكومية. بل كانوا يقتصون ويعاقبون دون اعتماد على أنفسهم.

العقل يرفض مطلق الولاية والقيمومة لغير القُصّر كالأطفال والأيتام والمجانين والسفهاء، فكيف يحكم بولاية مطلقة للفقيه؟ إن ولاية الفقيه شأن ديني متى ما دل دليل قطعي على ثبوتها وثبوت صلاحياتها. فمن أين يأتون بدليل والقرآن أهمل عصبيّ الحياة: السياسة والاقتصاد، ولم يذكر سوى مبادئ أخلاقية ومفردات محدودة. كما لم يصرّح الرسول لأحد من بعده سوى روايات وأحاديث تفيد التفضيل. بل أن الأطراف المتنازعة على السلطة يوم السقيفة لم يستدلوا على أفضليتهم وأحقيتهم بآية أو رواية صريحة عن الرسول، بما فيهم الإمام علي، الذي احتج عليهم بنفس المبدأ الذي احتج به المهاجرون على الأنصار، أي مبدأ القرابة من الرسول، وقبل ذلك وهو الأهم أن الجميع يشهد أن الرسول لم يستطع كتابة كتاب لهم بسبب لغط الصحابة واختلافهم. إذاً لا يوجد أي دليل صريح على ولاية الفقيه، وبهذا تتضح هشاشة أدلة القائلين بثبوت الولاية المطلقة للفقيه، بل وحتى الولاية غير المطلقة خارج حدود القّصر، وأمور الحسبة، لعدم وجود دليل لفظي صريح.

كما يرفض العقل والمنطق مفهوم الولاية بمعنى القيمومة وحق التصرف بشؤون الناس، لأنه تجاوز صريح على كرامة الإنسان ومصادرة واضحة لحيثيته. ومع عدم وجود دليل شرعي وعقلي فدون إثبات ولاية الفقيه كما يقول صاحب المكاسب: "خَرط القتاد"!، للدلالة على استحالتها. وتبقى ولاية الفقيه مشروعا لاحتكار السلطة، وشرعنة الاستبداد السياسي، وهذا ترفضه قيم السماء والأرض. فيبقى الأصل، عند الشك في الحكم، عدم ثبوت الولاية لأي شخص، إلا ما دل عليه دليل قطعي السند والدلالة، بل ينبغي أن يكون دليلا قرآنيا صريحيا، لأن الولايتين التكوينية والتشريعية أصالة وبالذات لله تعالى. فتبقى ولاية الأمة على نفسها ثابتة، وقد أقرها الصحابة بعد وفاة الرسول، بما فيهم الإمام علي بن أبي طالب. وهو المبدأ المعتمد راهنا من قبل الدول المتحضرة. وبإمكان أصحاب المشاريع السياسية خوض الانتخابات، دون الحاجة إلى توظيف الدين وتزوير الوعي، وارتهان إرادة الأمة لرأي الفقيه.

إن الرأي الفقهي يخوّل الولي حق التصرّف، والحد من حرية الفرد، وفقا لمبانيه عن الحلال والحرام، ومعنى الطاعة والولاية، فهي صيغ تكرّس الاستبداد بعناوين دينية، لا تصمد أمام النقد الموضوعي، والمرجعيات القرآنية، التي تحمّل الفرد وزر عمله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، فلا تكون طاعته للفقيه وفقا لهذه الآية، منجزة ومعذرة. فهو عندما يفرض عليك طاعة الولي، لايتعهد بتحمل مسؤوليته عنك، بل تبقى مسؤولا عن نفسك، (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

ثم كيف نفسّر عدم وجود نصوص عن أئمة أهل البيت تشرّع الولاية للفقيه، فضلا عن عدم وجود آيات أو روايات عن النبي الكريم؟ هل أهملوا موضوعها وهي بهذه الدرجة من الخطورة؟ وهذا غير ممكن لا أقل بالنسبة للرسول والأئمة من بعده، وفقا للعقيدة الشيعية، وشعورهم بالمسؤولية تجاه الأحكام الشرعية. أو أن المسألة غير مطروحة أساسا فتكون منتفية بانتفاء موضوعها. وبالتالي فهي مسألة مستحدثة، يُنظّر لها وفقا لحاجات الفقيه وتطلعاته السياسية. لهذا لا يتناولها الفقهاء في أبحاثهم الفقهية إلا بشكل محدود كما تقدم. وبالتالي فالدين الحنيف لم يشرّع أية ولاية للفقيه، وإلا لكانت النصوص تترى نظرا لخطورة هذا المنصب.

الولاية ودليل السلطة

قد يعتبر بعضهم ممارسة السلطة من قبل الرسول دليلا كافيا على شرعية الولاية المطلقة للفقيه، وهذه مغالطة، فلا مقايسة بينهما. سلطة الرسول سلطة إلهية، نص القرآن على وجوب طاعته، وهناك آيات يستدلون بها على صحة ولايته مطلقا، رغم تحفظنا على بعض الآراء في هذا الخصوص. ولا دليل على شرعية ولاية الفقيه مطلقا. هذه السعة من الصلاحيات المزعومة تحتاج لدليل صريح واضح وبيّن على شرعيتها. لا ولاية لشخص على آخر سوى الخالق لأصالة ولايته، وقد جعلها للرسول لضرورة النبوة ونشر الرسالة التي اضطرت في زمن النبي محمد إلى خوض معارك مع المشركين والكفار، فنقف عند حدودها، ولا يجوز جعلها لغيره إلا بدليل صريح بخصوصه. وتبقى ولاية الأمة على نفسها ثابتة. وإثبات الولاية بمعنى حق التصرّف لا يوجد ما يدل عليه صراحة إلا بعض التأويلات، وقد مرَّ بيانها، والموقف العلمي منها.

وإذا قيل: إن ملاك جعل الولاية المطلقة للرسول هي السلطة وليس النبوة، فتكون مجعولة للفقيه عند ممارسته لها تلقائيا عندما يكون كفوءا، وقد توفرت فيه الشروط اللازمة. نقول: لا نستطيع الجزم بأن السلطة كانت وراء جعل الولاية، بمعنى حق التصرّف بالأموال والأنفس للرسول، فربما هناك إضافة لممارسة السلطة خصائص ذاتية أو ضرورات آنية هي الملاك الحقيقي لجعلها، وإلا لو كانت السلطة تمام الملاك في جعلها مطلقة للرسول، لجعلها قاعدة، ولم يقيّد ولاية المؤمنين، كما جاء في الآية الكريمة، ولم يطالبهم بالعودة لله وللرسول عند التنازع، كي يستفيد الفقيه من إطلاقها لاثبات ولايته المطلقة. ومادام هذا الاحتمال قائما لا نرفع اليد عن الأصل وهو عدم وجود ولاية لأي شخص على الآخرين ما لم يدل الدليل القطعي سندا ودلالة. أي دليل قرآني بخصوصه، لأن الولاية بهذه الصلاحيات جعل إلهي، ومصدر معرفة أحكام الله هو القرآن الكريم، الذي فيه تبيان كل شيء. أو رواية صحيحة متنا وسندا تورث العلم واليقين، تريد بيان حكم شرعي بخصوصها. وكلاهما مفقود، والمسألة مستحدثة لا يدل عليها أي دليل سوى رغبة في شرعنة السلطة، كي يمارس الفقيه باسم الدين أوسع السلطات، ويقمع بشرعية ولايته كل معارض لسياسته (الراد عليهم كالراد على الله)!!!!. بل أجد في الآية ما ينفي إطلاق الولاية للفقيه، فهي حينما جعلتها للمؤمنين فرضت قيودا، ودلالة القيد واضحة في عدم إطلاقها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). إلا إذا قصدوا بالولاية غير التصرّف بالأموال والأنفس، لكنني سمعت رد الإمام الخميني على رئيس الجمهورية وإمام جمعة طهران آنذاك، السيد علي خامنئي الذي كان يعتقد بأن الولاية: تنسيق بين السلطات الثلاثة، كما نص عليه الدستور الإيراني في طبعته الأولى قبل تعديله بعد وفاة الإمام، وكان يتحدث حول الموضوع في صلاة الجمعة، وفي عصر ذلك اليوم رد الخميني عبر وسائل الإعلام بأن "للولي الفقيه ما للإمام والرسول من ولاية وسلطة"، فتكون مطلقة ومقدّسة لأنها مجعولة من قبل الله تعالى، يقتصر فيها موقف المؤمنين على الطاعة والانقياد، مع حرمة التمرّد والاعتراض. كما سمعت آية الله الشيخ جوادي آملي خطيبا، وهو من كبار علماء إيران، يقول "ولاية الفقيه هي قيمومة، كقيمومة الأب على أبنائه، بما في ذلك القرار السياسي، وما على الشعب سوى الطاعة والانقياد". كما قرأت لافتة لآية الله علي أكبر مشكيني، وهو شخصية لها مقامها العلمي: "ان السلطات والحقوق التي يمتلكها المرشد (خامنئي) هي ذاتها التي كانت للنبي. فبإمكانه أن يفعل ما يشاء بثروة الأمة، بل والثروات التي يمتلكها الأفراد أيضا". وهؤلاء فقهاء الثورة الإيرانية. فنفهم من تصريحاتهم أن القيمومة على الأموال والأنفس، والصلاحيات الواسعة، هي حقيقة الولاية التي هي من لوازم السلطة، سواء كان الولي نبياً أم إماماً أم فقيهاً. وليست الولاية مجرد تدبير أمور المسلمين وإدارة شؤونهم بما تقتضيه مصالحهم، بل هي أوسع وأكبر. والفارق في الحالة الأولى بإمكان الشعب الاعتراض على قرار الولي إذا لم يكن مطابقا للمصلحة العامة، أما في الحالة الثانية فيحرم الاعتراض والتمرّد، لأن الولاية جعل إلهي فتكون مقدسة، يقتصر دور الشعب والأمة على الانقياد. وهو ذات الفارق بين الحكومة الثيوقراطية التي تستمد شرعيتها من الآلهة، والحكومة الديمقراطية التي تستمد شرعيتها من الشعب والانتخابات. لذا لا شرعية للانتخابات في ايران، ما لم تمض من قبل الولي الفقيه، وبإمكانه دستوريا رفض نتائجها، وتعطيل بعض الواجبات الشرعية، كما عطل الإمام الخميني الحج 3 سنوات، بحكم ولايته. وهو فوق القانون والدستور. بعد تعديله، حيث أصبحت ولاية الفقيه "المطلقة"، بعد أن كانت مجردة في طبعته الأولى، ولم يكن بإمكانه ذلك.

الولاية رؤية أخرى

إن امتناع الولاية بمعنى التصرّف بالأموال والأنفس، مبررة عقلا إضافة لامتناعها قرآنا، كما مرَّ تفصيلا. ولو ثبتت للرسول، لا تسري لغيره، فتكون ولاية مرحلية مسددة بالوحي، تنتهي بوفاته بعد انقطاعه. فيصدق أنها ولاية إلهية أكثر منها بشرية. وقد تطرقنا لها استطرادا، باعتبارها واقعا سياسيا في إيران، تسعى الحركات الإسلامية الثورية لاستنساخ تجربتها. ومادامت واقعاً، فمن الطبيعي يدور الجدل حول شرعيتها، سيما مع ندرة القائلين بولاية الفقيه من الفقهاء الشيعة. أما الغالبية المطلقة، فمع غصبية السلطة السياسية في زمن غياب الإمام المهدي، وأن (كل راية قبل المهدي فهي راية ضلال). وتقدم أن ثبوت ولاية الفقيه تتوقف على مقدمات، لايمكن ثبوتها.

وأما المبرر العقلي، فإن ثبوت الولاية للفقيه جدلا لا تخرجه عن كونه بشرا، يتأثر بقبلياته، ويسقط فهمه للدين ورؤيته الكونية ونوازعه الأيديولوجية على قرارات الدولة. ويتخذ موقفا من الآخر المختلف طبقا لما تملي عليه عقيدته، فيندثر التسامح الحقيقي، وتتلاشى المواطنة كمبدأ أساس للعدالة الاجتماعية، ومع انتفائها يقع الظلم والعدوان على أبناء الوطن الواحد، بمختلف الدواعي الدينية وغيرها. وبهذا يتضح أن اتصاف الولي الفقيه بالفقاهة والعدالة والتقوى، التي هي شروط الولاية المجمع عليها، لا تحرر عقل الولي من قبلياته، لأنها تنتمي لبنيته المعرفية، التي ترتكز لمقولات، شديدة التأثير، ترسّبت لا شعوريا في مرحلة التلقي الأولى، ولها أسبقيتها في تأثيث فضائه المعرفي، حداً تخرج عن دائرة الوعي، وتبقى تواصل سلطتها، وفرض محدداتها بفعل الخطابات الأيديولوجية وطقسنة الشعائر. وعندما ترتهن الحقيقة لقناعاته وقبلياته، تنعكس على الواقع، والعلاقات العامة للدولة. ويخسر القرار السياسي والتشريعي حريته، ويصدق أنها دكتاتورية الولي الفقيه. والأخطر سلب الشعب حريته التي هي رهان وجوده، وأساس استقلاليته، على أساسها يتحمل مسؤولياته، وحينما يستلب، يصدق عنه الحساب باعتباره مسيرا لإرادة دينية وليس مختارا، مسؤولا عن خياراته، كما هو المفترض. غير أن المشكلة في أسلمة العبودية، وجعل الطاعة والانقياد ميزانا لقبول الأعمال، في الآخرة. وهذا أشد وطأة وقسوة من الاستبداد، مادام باسم الدين، ويكتسب قدسيته من تأويلات خضعت لموجهات طائفية وأيديولوجية. بل وتلاعب مفضوح بنظام القيم، وسقف الحريات البشرية. بهذا يتضح نحن أمام مفهوم خطير. الشعوب ليست قاصرة كي ينفرد الفقيه بالولاية مهما بلغ من العلم والتقوى، والأمة ليست جاهلة كم يتصور رجل الدين، والأوطان زاخرة بالكفاءات العلمية والإنسانية، ورقي الدولة لم يتوقف يوما على وجود ولي فقيه أو رجل دين. بل أن إقحام الدين يساهم في تزوير الوعي، وضياع الحقوق، وهدر الكرامة الإنسانية.

ليس لنظام ولاية الفقيه مثالا تاريخيا لكن يمكن الارتكاز لمبادئ السياسة والحكم التي أسس لها الإمام علي، ويتجاهلها الفقهاء عمدا.

يأتي الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة العاشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق18) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

شرعية السلطة

ماجد الغرباوي: مثّلت شرعية السلطة في الفقه الشيعي إشكالية، ترتبط بنظرية الإمامة، التي تقوم على النص والتعيين، في مقابل نظرية الخلافة، التي تعتبر البيعة أساسا لشرعية السلطة. وبشكل أوضح، أن مرشح السلطة وفقا لنظرية الإمامة، منصوص عليه بالاسم، من قبل الله تعالى بواسطة النبي، وهو الإمام علي، والأئمة من ولده، ثم تأتي البيعة لتؤكد طاعته لا شرعيته. فالإمام إمام سواء بايعه الناس أم لا. في السلطة أم خارجها. وهنا ثلاثة آراء، بعضهم يرى الإمامة دينية فقط، وآخر قال أنها سياسية فقط، وثالث جمع بينهما. بينما الخليفة وفقا لنظرية الخلافة إفراز للشورى أو إجماع أهل الحل والعقد، على تفصيل في شروطهما، لكن شرعية سلطته وممارسته للحكم تتوقف على بيعة الأمة. ففقهاء الشيعة يرون عدم شرعية سلطة الخلفاء الثلاثة (أبوبكر وعمر وعثمان ومن تلاهم من اعتلى الحكم في كل زمان ومكان). ويحكمون بغصبيتها خارج ولاية الإمام المنصوص. ولا يجدون في سلوك الإمام علي الإيجابي من الخلفاء والخلافة دليلا على شرعيتها، ويفسّرون سلوكه بالتقية، حفاظا على وحدة المسلمين. وهي تأويلات لا يقرها سلوكه في السلطة، حتى وهو يرفع صوته عاليا (إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْر وَعُمَرَ وَعُثْمانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلاَ لِلغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ، وَإنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالاْنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُل وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ لله رِضىً).. نهج البلاغة الكتاب رقم (6).

لا اصلاح إلا باقصاء المقولات الطارئة على الدين. فمازال فقهاء الشيعة يحكمون بغصبية وعدم شرعية السلطة، وعدم جواز استلام رواتبها، باعتبارها أموالاً مجهولة المالك، تستدعي إذنا شرعيا من الفقيه كنائبٍ عن الإمام المهدي صاحب السلطة الشرعية، ليتمكّن الموظف من التصرّف بها. لذا أجاز كبير فقهاء الشيعة في العراق السيد علي السيستاني استلام الراتب نيابة عن فقير، كما جاء في فتواه على موقعه الرسمي!!!: (قد أذنّا لإخواننا المؤمنين "وفقهم الله تعالى لمراضيه" فيما يستلمونه من المؤسّسات الحكوميّة أو المشتركة بالطرق القانونيّة أن يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنيّة التّصدّق عليهم ثمّ يتملّكوه لأنفسهم). فثروات البلد ليست ملكاً للشعب، ولا يحق للدولة التصرّف بها، ولا تحلّ لأحد ولو كانت بدلا عن عمله وكده وتعبه وعرق جبينه، إلا بإذن من الإمام أو من ينوب عنه. هكذا تلقي العقيدة بظلالها على الفقه، حداً يفقد وظيفته الإنسانية، ويكرّس روح التبعية والانقياد والعبودية. وعندما يكون الإمام غائبا، والفقيه المرجع بعيدا عن المسائل الإجرائية، فلك أن تقدّر حجم الفساد المالي في المؤسسات الدينية، والأحزاب السياسية المرتهنة في إرادتها وقراراتها وميزانيتها لها!!!.

إن خطورة هذه الآراء، أنها تكرّس سلطة المرجع في مقابل الدستور والقانون، وتفاقم الولاء الديني على الولاء الوطني. وتسمح بالتحايل على أموال الدولة مجهولة المالك بأية فتوى دينية. الفقيه محكوم بقبليات عقدية لا يمكنه التحرر منها، فيفتى وفقها. وهذا لا ينفي شعوره بالمسؤولية تجاه وطنه، لكنه أسير آرائه الاجتهادية التي ينسى أنها صناعة بشرية. وبهذا نفهم أن الديمقراطية بالنسبة لبعض الفقهاء أفضل الخيارات، رغم غصبية السلطة، كما يرى الشيخ النائيني منظّر الحركة الدستورية.

مصدر السلطة

يعتقد فقهاء المسلمين أن مصدر السلطة / الولاية هو الله تعالى، وهي ثابتة للرسول، وللمؤمنين على تفصيل في مصاديقها وحدودها. إذ ترى النظرية الشيعية أن للإمام علي ما للرسول من سلطات سياسية ودينية باستثناء الوحي، فامتد عصر التشريع عندهم حتى نهاية الغيبة الصغرى (260 - 329 هـ) ويقصد بها غيبة الإمام الثاني عشر، المهدي المنتظر. ومن باب أولى تكون له ولاية مطلقة، أسوة بولاية النبي. ثم تسرى في جميع الأئمة.

وقد وقع الخلاف بينهم: هل للفقيه باعتباره نائبا للإمام ولاية؟ وما هي حدودها؟ وما نسبتها لولاية النبي والأئمة؟ بعد اتفاقهم على ثبوت ولايته على القُصّر ومن لا وليّ له من صغار السن، والأمور الحسبية. غير أن الجدل الفقهي إحتدم بعد ظهور نظرية ولاية الفقيه، بمعنى السلطة واتخاذ القرارات التي تتضمن أوامر ونواهٍ أوسع من القيادة والتخطيط والرعاية للبحث عن شرعيتها، ومدى صدق عنوان الحكم الشرعي عليها، وهل تستوجب الطاعة واستحقاق الثواب والعقاب؟

بعض قال للولي الفقيه ما للإمام والرسول من ولاية، ومنهم من خوّله ما تقتضيه الإدارة والحكم. فتقتصر ولايته على القرار السياسي، وتدبير شؤون الدولة، دون الولاية بمعنى حق التصرّف بالأنفس وأموال الناس. أو بمعنى أدق: تخويله ولاية شرعية تسمح بـ"شرعنة السلطة".

بهذا يتضح أن ثبوت الولاية للفقيه يتوقف على ثبوتها للأئمة، فتدور مدارها ثبوتا وعدما. لذا قال الشيخ الأنصاري،  من كبار علماء الشيعة (1214 هـ - 1281 هـ)، في كتابه "المكاسب" (أن دون ولاية الفقيه "خرط القَتَاد"..) تعبيرا عن استحالتها فقهيا، لعدم وجود دليل يدل عليها، سوى وجهات نظر واستحسانات وآراء اجتهادية تختلف من شخص إلى آخر. وتبقى ولايته محدودة بتدبير شؤون من لا وليَّ له من السفهاء والقصّر. وحتى هذا لا دليل عليه، وربما هناك من هو أكفأ منه في إدارة شؤونهم، وشؤون الناس، وحينئذٍ لا خصوصية للفقيه، سوى فتاواه، وليست قيمومته.

التنظير الفقهي

تاريخيا، أعاد بعضهم جذور ولاية الفقيه إلى بداية الغيبة الصغرى، غير أن أول ممارسة عملية لها بدأت مع المحقق الكركي 1435م، وهو فقيه شيعي، استدعاه الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل الصفوي من لبنان، للمشاركة معه في الحكم بعد أن أمر بوجوب طاعته، باعتباره الفقيه الأصلح الواجب طاعته شرعا وفقا لروايات التراث الشيعي. وكان الشاه حينها يعاني أزمة سياسية بفعل هشاشة الموقف الداخلي، وعدم تماسك قواعده الشعبية، وليس كرجل الدين قادر على قمع المعارضة، فاستجار بالفقيه وفرض طاعته، وقام الفقيه بشرعنة سلطته، وتخويله صلاحيات مطلقة لإدارة الدولة. وكانت الغاية الأساسية والهدف النهائي لكليهما السلطة. فالشاه عيّن الكركي فيها ولياً شرعيا، باعتباره الولي الشرعي المأذون بالتصرّف شرعا، وقام الفقيه بشرعنة سلطة الشاه!!!. فاعترف طهماسب بشرعية سلطة الكركي، على أمل أن يستمد منه شرعيته. وبالفعل أجاز الفقيه السلطان، بعد أن أغدق عليه عطاياه، ونصّبه حاكما شرعيا لمملكته. وبالتالي، وهذا ما يهمنا هنا، أن الفقيه مارس ولايته بقدر "شرعنة" السلطة الصفوية، دون ممارسته لها، باستثناء ولايته على الشأن الديني. وتعني شرعنة السلطة، انقلابا مفهوميا حقيقيا، يجعل من السلطة مشروعة بعد أن كانت مغتصبة، وتترتب عليها آثار عملية منها:

1- ارتفاع غصبية الدولة: حيث يحكم الفقه الشيعي بغصبية كل سلطة خارج ولاية أو إذن الإمام المعصوم، باعتباره صاحب الحق الوحيد في السلطة. ثم بإذن عام منه، كما تقول روايتهم، نصّب الإمام الفقيه للولاية / السلطة (فإني قد جعلته عليكم حاكماً). وهذا ما فعله الشاه طهماسب، الذي اعترف بولاية وشرعية سلطة الفقيه خاصة، فاكتسبت السلطنة شرعية، وبات الحكم مشروعا بعد أن كان مغتصبا. ولما أجازه الفقيه حق ممارسة السلطة، استمد شرعيته منه، فصار يحكم باسم الفقيه، وبهذا ارتفعت مغصوبية السلطة. وارتفعت حرمة ممارستها.

2- شرعية ممارسة السلطة: وإمضاء ممارسات وسلوك السلطان. مهما كان ظالما، خاصة قمع المعارضة باسم الدفاع عن مذهب الفقيه، فتهدر كرامتها، وحصانتها، ويصبح قتل النفس المحترمة واجبا. هكذا يزوّر الفقيه الوعي باسم الدين وحفاظا على شريعة سيد المرسلين!!!. والحقيقة أراد الفقيه تحقيق مصالح طائفية ومذهبية والاستئثار بالسلطة.

3- حصانة الدولة: منح الولي الفقيه حصانة ضد الدولة العثمانية التي استمدت هي الأخرى شرعيتها من مشيخة الإسلام المعادل للولي الفقيه. إذ لم تجد الدولة الصفوية مذهبا قادرا على مقاومة المذهب السني / الدولة العثمانية أجدر من المذهب الشيعي، فتبنته رسميا لقربه من منحى التصوّف الذي اتسمت به الدولة الصفوية منذ تأسيسها على يد صفي الدين الصفوي. وراحت تدعمه من خلال إحياء رموزه، وتقديسهم والاهتمام بالطقوس والمناسبات على حساب قيمه ومبادئه، قبل اختراقه من قبل الغلاة. وبعد ولاية الكركي، أصبح الدفاع عن الدولة الصفوية واجبا شرعيا مقدّسا. مما يؤكد أن الصفويين وظّفوا الفقيه الشيعي لتحقيق مآربهم السياسية، بينما لم يجنِ المذهب الشيعي من انتشاره الذي ساعدت عليه الدولة إلا مزيدا من الطقوس والخرافات وإحياء تراث ميت، كان الشيخ المفيد (وفاته 313هـ)، قد أحرقه وأتلفه. والاهتمام بقدسية الرموز. فواجه سلوك الكركي رفضا من قبل بعض علماء الشيعة كالمحقق الأردبيلي في العراق، والشيخ القطيفي في المدينة، ووجدوا في شرعنة السلطة الصفوية، شرعنة للباطل.

بهذا يكون موقف الكركي من السلطة الوضعية، قد مهّد لظهور نظرية فقهية جديدة، تسمح بممارستها بإذن الفقيه باعتباره منصوبا للولاية من قبل الإمام المعصوم (فإني قد جعلته عليكم حاكماً). وهي خطوة كبيرة، حررت الرأي الشيعي ولو جزئيا من مفهوم غصبية الدولة.

ثم نظّر لها الشيخ أحمد النراقي، مؤلف كتاب "عوائد الأيام" في أصول الفقه والمتوفى عام 1829م، وطبقها الإمام الخميني لأول مرة في إيران عام م1979. والحقيقة أن النراقي قد طوّر النظرية، بعد أن اقتصرت على شرعنة السلطة الوضعية لدى الكركي. ومنح الفقيه ما للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من صلاحيات السلطة والولاية؛ إلا ما دل الدليل الشرعي على خروجه. فالفارق بين الأول والثاني أن الولاية في فهم الكركي تعني إجازة الملك أو السلطان حق إدارة الحكم، باعتبار حرمة ممارستها بدون إذن الفقيه. بينما الولاية لدى النراقي تعني تصدي الفقيه للحكم بنفسه، والتخلي عن "الانتظار". حيث أن السلطة وفقا للنظرية الشيعية مختصة بالإمام، ولا شرعية لأية سلطة قبل ظهوره. الانتظار يعني سلب شرعية السلطة الوضعية، فأحدثت ولاية الفقيه قفزة عقدية، حينما تجاوزت الانتظار ومنحت الفقيه كل ما للرسول والإمام من صلاحيات الولاية على أن يتصدى لها بنفسه، وتكون أوامره ونواهيه مشروعة.

بهذا يتضح أن ولاية الفقيه كمبنى فقهي تتوقف على مقدمات عقدية:

- ثبوت الولاية بمعنى حق التصرّف للرسول.

- ثبوت الولاية للأئمة

- ثبوت أن ولاية الإمام كولاية الرسول.

- ثبوت ولاية الفقيه، بنص قرآني، لأنها أصالة وبالذات لله.

- ثبوت إطلاق ولاية الفقيه.

وجميع هذه المقدمات، تتطلب أدلة قرآنية صريحة، ولا يكفي الاستحسان العقلي لإثباتها. فالاصطفاء كما مرَّ شأن إلهي، يستدعي دليلا قرآنيا صريحا. وثبوت ولاية الإمام فرع ثبوت ولاية الرسول. ولا يكفي كون الإمام علي هو نفس رسول الله، كما ترى العقيدة الشيعية، لعدم ثبوت دلالة آية المباهلة: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ)، ولو تمت جدلا، فلا دليل على وحدة الصلاحيات والمناصب الدينية، لأنها اصفطاء إلهي، تستدعي نصاً قرآنيا صريحا، وهو منتفٍ بالضرورة.

أزمة التشريع

إن إدارة الدولة معنى آخر لممارسة السلطة على الناس، من قبل أي شخص يتصدى للمسؤولية. والإدارة لا تنفك عن وجود أوامر ونواهٍ إدارية ليست ثابتة في أصل التشريع. وقد اختلفوا حول مصدر شرعيتها، هل هو إلهي أم بشري؟. وإذا كان إلهياً، فما هي حدوده وامتدادته؟.

وأما ما كان ثابتا في الشريعة فهو خارج عن الكلام، باعتباره تكليفا شرعيا، يجب امتثاله، يقتصر دور السلطة فيه على تنفيذ الحكم الشرعي. أو تارة يصدر الأمر والنهي من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا ما يقوله الفقه الإسلامي، وعليه هناك اتجاهان، حول مصدر شرعية السلطة، لنعرف ما هو دور الولي الفقيه فيها:

الاتجاه الوضعي:

يعتقد أن الشعب مصدر شرعية السلطة مباشرة، كما في الاستفتاءات، أو بواسطة المجالس النيابية، المخوّلة شعبيا بالتشريع. وهذا الاتجاه لا يعيش أزمة شرعية الأنظمة والقوانين، ولا يعاني شرعية الأوامر والنواهي الإدارية وغيرها. وقد ينكر الدين جملة وتفصيلا، أو يؤمن به علاقة شخصية بين الفرد وربه. وبالتعبير الفقهي هذا الاتجاه يرى ولاية الأمة على نفسها. أو ولاية الشعب على نفسه، وهو مصدر شرعية ما يصدر من أنظمة وقوانين، سواء وافقت أو خالفت الشرائع الدينية. فعندما يشرّع للحرية لا يأخذ بنظر الاعتبار ما هو محرّم شرعا، كشرب الخمر، بل يعتبره شأنا شخصيا، ضمن حرية الفرد. وقد يمنع شربه إذا كان الشعب مع إرادة النهي عنه. فالأوامر والنواهي تأخذ بنظر الاعتبار المصلحة العامة للشعب، رغم ما فيها مصادرتها لحرية الفرد ولو جزئيا، لكنها مصادرة لأجل مصلحة أكبر، كما بالنسبة للأوامر والنواهي المتعلقة بالأمن، فتمنع حيازة السلاح رغم أنه أمر شخصي. لكن ثمة مصلحة تقيّد مصلحة الفرد. وعليه فالشعب هو مصدر شرعية السلطة، من خلال توافقه على مفهومي الخير والشرّ. فالخير ما وافق مصالحه وحقق سعادته، والشرّ ما كان سببا لتعاسته وفرّط في مصالحه. فتكون النظرة براغماتية. وهذا يتفق مع مقولة الحسن والقبح عقليان. 

الاتجاه الديني:

يعتقد هذا الاتجاه، كما تقدّم تفصيلا، أن الولايتين التكوينية والتشريعية، ثابتة لله تعالى، عقلا ونقلا. وهذا أصل أولي متفق عليه، ولا ولاية لأحد على غيره، ما لم يدلّ الدليل القرآني. وعليه لا مشروعية لأي سلطة على البشر من قبل أي شخص. وليس من حق أية جهة مصادرة حرية الفرد وتقييد إرادته. لكن أضافوا: ثبت بالدليل جعل الولاية للرسول والذين آمنوا، الذين حصرهم الشيعة بالإمام علي والأئمة من ولده. بينما تمسّك باقي المذاهب الإسلامية باطلاق الآية، فيكون الإمام علي مصداقا له، وليس مصداقها الوحيد. فهم متفقون على أصل ولاية المؤمنين، ويختلفون في مصاديقها.

ثم وقع الاختلاف حول مصادر الحكم الشرعي لملء الفراغ التشريعي، بعد اتفاقهم على القرآن والسنة. إذ مع تعدد الحوادث واتساع الحياة، تتصاعد الحاجة للحكم الشرعي، وليس في القرآن سوى ما يقارب 500 آية من آيات الأحكام، تزيد أو تنقص قليلا حسب المباني الفقهية. كما أن السُنة النبوية محدودة، أمام المسائل الفقهية المستحدثة.  فاعتبروا الاجماع مصدرا من مصادر الحكم الشرعي، على تفصيل في شروطه، ثم دخل العقل، وقالوا ما حكم به العقل حكم به الشرع. فوقف أهل الحديث على السُنة، ورفضوا غيرها. ثم قالوا بالقياس والمصالح المرسلة. وقد مرَّ تفصيله.

وأما الشيعة فقد امتد عندهم عصر النص حتى نهاية الغيبة الصغرى. وبعدها بدأت مرحلة الاجتهاد. وقد برع المسلمون في علمي الفقه والاصول، الذي هو بمثابة منطق الفقه، لمعرفة  القوانين التي تضبط عملية استنباط الحكم الشرعي. وثم وضعوا قواعد أو ما يعرف عندهم بالأصول العملية لتحديد الموقف العملي من الحكم المشكوك.

كل هذا نحن مازلنا في أجواء النص، وما يرتبط به من قوانين وقواعد أصولية. لكن ماذا عن الأوامر الإدراية في الدولة أو ما يعرف بمنطقة الفراغ التشريعي؟ فأناط السيد محمد باقر الصدر، في كتابه اقتصادنا، منقطة الفراغ بالفقيه، واعتبره الوحيد المعني بملئها، من خلال ما يستنبطه من أحكام وفقا للأدلة النقلية والقواعد الأصولية. وهذا الاتجاه لا يشترط تصدي الفقيه، ويكفي إذنه واعتماد آرائه. في مقابل اتجاه ولاية الفقيه، التي تكتسب فيها القوانين شرعيتها من ولاية الفقيه المتصدى للسلطة.

تجدر الإشارة أن كل ما تقدم يرتبط بنظرية العبودية. وهي ترى "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، ومهمة الفقيه الكشف عنه، وليس للإنسان سوى الطاعة والانقياد. وبالتالي فالتشريع الإلهي يستغرق الحياة كاملة. وهذا لا دليل عليه كما سبق بيانه. كما أن لازم هذه النظرية أن يبقى الفرد مرتهنا للفقيه وفتاواه. حتى وهو يصادر حريته، وحقه الوجودي في ولايته على نفسه.

بينما نظرية الخلافة التي أسعى جادا لتأصيلها فتقوم على أساس العقل ومركزية الإنسان في الحياة، ومسؤليته الشخصية عن مصيره ومستقبله. وأن الخلق خُلق لبيان عظمة الخالق من خلال الإنسان، عندما اعترضت الملائكة على خلقه، فكان الجواب إني أعلم ما لا تعلمون. (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). لأنهم لا يعلمون عن قدراته وإبداعاته وقوة عقله ووعيه، فكان المعوّل عليه في خلافة الأرض،  (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). لذا أحكام الشريعة محدودة في الكتاب الكريم، وحجية السنة تقتصر على ما له جذر قرآني، وختم النبوة تعني مسؤولية الفرد والرهان على عقله. ولا ولاية لأحد على غيره.

وما يعزز هذه النظرية ومركزية الإنسان أن هدف النبوات، أن يقوم الناس بالقسط (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، بشكل يتحوّل إلى سلوك عام، أو مَلكة حقيقية لدى الناس كما في المصطلح المنطقي. دون الارتهان إلى أي شخص. بل أن في ختم النبوة دلالة أكيدة على ما نقول.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق17) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

ماجد الغرباوي: اتضح أن الآية المتقدمة لا تدل على الولاية صراحة، وقد دلت قرائن السياق على إرادة خصوص النصرة، ما لم تُقتطع عن سياقها. وربما دلالة الآية التالية أوضح، وهي خاصة بالنبي، لا تسري لغيره، إلا بدليل قرآني لأنها شأن إلهي وليست شأنا نبويا، وهو مفقود بالضرورة.

وقد اختلفوا حول معنى الولاية، هل المراد بها خصوص الولاية التشريعية؟ أم أن المراد بها حق التصرّف بشكل يملك منهم ما لا يملكون من أنفسهم. فيكون من حق الولي التصرّف بمعزل عن رضاهم وإرادتهم، وكأنه يتصرّف في ملكه؟. والثاني هو الذي يهمنا لتدارك الاستبداد باسم الدين، خاصة أن هذا المعنى ليس له ظهور صريح، وتنفيه بعض الروايات عن سيرة النبي وسلوكه مع أصحابه، فينبغي التماس معنى ينسجم مع الإطار العام للقيم الدينية، وعدم مصادرة الفرد حريته واستقلاله، فهي قيم وجودية، تتوقف عليها مسؤولية الفرد ومصيره. والمسألة لا تقف عند حدود حق التصرّف إنما الأخطر وجوب الطاعة والانقياد وعدم التمرّد، والأمر يمكن تفهمه بالنسبة للرسول، لكن ماذا عن ولاية الفقيه، وهو إنسان يتأثر بقبلياته ويسقط رؤيته الكونية وعقيدته على فهم الدين، فتصبح الفتوى أو الحكم الولائي مرتهناً لإرادة بشرية تتحكم بها أيديولوجية الفقيه، ومصالحه الطائفية والمذهبية. بل حتى من يقف بالولاية عند حدود إدارة شؤون الدولة، وتدبير شؤون المسلمين، ثمة محذور احتكار القرار، والتمرّد على القانون، مهما كانت شرعيته حينما يتعارض مع إرادة الولي الفقيه. ولا تكفي كفاءته وعدله واستقامته وإيمانه وعلمه، رغم أنها شرط صحة الولاية، إلا أن الأمر مرتبط بقبلياته، وتحيزاته التي يسقطها على قراراتها، وهذا مكمن الخطر الذي يمنع من جعلها. الولاية أعم من القضاء والحكم، وأشمل من المواقف والقرارات. فنحن نلاحق دليل الولاية بمعنى القيمومة والتفرّد بالسلطة وحق التصرّف. للتأكد من مدى صدقيته، ومشروعيته كي نتفادى تزوير القيم الدينية، وفضح ألاعيب الفقيه، الذي يصرَّ على حقه في الولاية ويكفي أن ولايته في طول ولاية النبي والإمام بالنسبة للشيعة، فيتوقف ثبوتها وعدمها على ثبوتها لهما أولا، ثم شرعية سريانها لغيره بأدلة قطعية الدلالة والسند، وهي منتفية بالضرورة.

نعود إلى أدلة الولاية:

ثانياً: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ).

وهي ثاني آية استدلوا بها على ولاية الرسول، وحقه بالتصرّف في نفوس وأموال وأعرض المؤمنين، بشكل "يملك منهم ما لا يملكونه من أنفسهم". وحق التصرّف هو معنى الولاية موضوع البحث، فتكون قيمومة مطلقة، تتضمن صلاحيات مفتوحة، تستوجب طاعة الولي والانقياد له، مع حرمة معارضته والتمرّد على أوامره. وقد تبدو الآية صريحة في موردها. لكن هناك من ينفي دلالتها على الولاية مباشرة، ويرى أن كلمة "أَوْلى" ضمن سياق الآية تعطى معنى الأولوية والتقدّم والرجحان، لا معنى التصرّف والتحكّم. وتعني أن المؤمن يفتدي النبي بنفسه، ويقدّمه عليها في كل شيء، فهو نبي الله وخاتم المرسلين وعلى خُلق عظيم، ويشاهدون إخلاصه وتفانيه، ويعايشون بعض لحظات الوحي وهو يهبط عليه، فيتفاعلوا مع الأجواء الروحي، حد اليقين والصدق باصطفائه، وسموه ورفعته، وهذا سبب وجيه لتقديمه على أنفسهم. (فمعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم أنه أولى بهم منهم: ومعنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار الامر بينه وبين ما هو أولى منه. فالمحصل أن ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ والكلاءة والمحبة والكرامة واستجابة الدعوة وانفاذ الإرادة فالنبي أولى بذلك من نفسه. ولو دار الامر بين النبي وبين نفسه في شئ من ذلك كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه)، كما ذهب لذلك العلامة الطباطبائي صاحب الميزان، مثالا لا حصرا. غير أنه استظهر منها معنى الولاية التشريعية، ووجوب طاعة أوامر النبي، حينما تتعارض مع رغبات المؤمنين. وهذا هو الأقرب لروح القرآن ومقتضى الأصل، وعدم سريان الولاية ما لم يدل الدليل الصريح، فالآية لا تصلح دليلا على إرادة خصوص حق التصرّف، بينما الثاني يؤكده السياق والقرائن المتصلة والمنفصلة. فتقتصر الدلالة عليه، ولا تكون بنفسها دليلا قرآنيا على الولاية بمعنى السلطة وحق التصرّف بأموال وأنفس المؤمنين.

ثم إن تخصيص المؤمنين في الآية يؤكد إرادة معنى التقدّم والأولوية، التي تستدعي شخصا مطيعا، مُضحيّا، يتقبل أوامر النبي برحابة صدر وإيمان صادق، وهي صفات المؤمنين: (يُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ). فالتضحية والتنازل عن الحقوق لصالح النبي تعبير عن الحب والإخلاص. (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ). وهذا يعزز أن الإيمان يُعيد تشكيل وعي الفرد ومشاعره، ويخلق دافعا للعمل وفقا للمبادئ التي آمن بها. بل المؤمن في توجّس يبادر لعمل الخير، وكل ما يؤكد صدق إيمانه. وأصدق مصاديق الإيمان طاعة الله ورسوله، والامتثال لأوامره، ورغباته السامية، التي يقصد بها دائما رضا الله. وهذه الصورة تكفي للإيثار وتفضيله على أنفسهم. ومن باب أولى يقبلون أحكامه ولو كان فيها خصاصة أو حيف.

معنى الولاية

هنا احتمالات عدة لمعنى الولاية، ترجيح أحدهما على الآخر مرتهن للقرائن وسياق الآيات، والارتكاز إلى فهم للدين يأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان ومصالحه، ويلتزم بقيم الدين ومبادئه:

1 – الولاية التشريعية:

أي أن الآية بصدد جعل ولاية تشريعية للنبي، فتكون تشريعاته نافذة مهما تعارضت مع إرادة المؤمنين، وهذا معنى أولويته وتقدّمه، وقد ذهب لهذا المعنى عدد من المفسّرين والفقهاء. لكن سبق تفصيلا وبالأدلة الكافية، أن التشريع منحصر بالله تعالى، وله كلا الولايتين، التكوينية والتشريعية، (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)، وليس هناك دليل صريح على جعلهما للنبي، وتبقى وظيفته وفقا لآيات الكتاب بيان وتفصيل ما له جذر قرآني. وهذا لا يسمى تشريعا بالمعنى الاصطلاحي، لأنه بيان وتفصيل اجتهادي وفقا لمقتضيات الحكمة، فتكون أحكاما تاريخية تراعي مصلحة الفرد في إطار الواقع وتطوراته. فالقرآن قد شرّع الصلاة، وترك تفصيلاتها لرؤية النبي واجتهاده. رغم شرعيتها ووجوب الإلتزام بها ما لم يتغير مفهومها، فحينئذِ تتطلب ما يناسبها من تفصيلات. بل بدأت الصلاة بركعتين ثم تطورت.وهذا ربما رؤية جديدة، فتبقى وجهة نظر خاصة. وحينئذٍ فاحتمال التشريع من الولاية منتفٍ بالنسبة لنا. وليس هناك ولاية تشريعية لأحد، وتبقى أحكام الشريعة محدودة، وماعداها اجتهادات وتفصيلات. فيسقط هذا الاحتمال.

وبالتالي لا ريب أن التشريع مختص بالله أصالة، وتتوقف فعلية أي حكم شرعي على نزول الوحي "قل الله يفتيكم"، "قل لا أجد فيما أوحي إليَّ"، (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ)، (فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ)، فيصدق أن "الحكم الشرعي في القرآن يعدُّ شرطاً لحجية سيرة النبي: قولا وفعلا وتقريرا. فتقتصر مهام الرسول على البلاغ والبيان والتفصيل. وهي خطابات ملزمة شرعا، شريطة فعلية موضوعاتها. وهذا هو القدر المتيقن الملزم من السنة في جميع الحقول. وما عدا ذلك يرتهن لدليله القطعي سندا ودلالة، ما دامت لا توجد آية صريحة بجعل الولاية التشريعية لأحد، سوى تأويلات تمت مناقشتها سلفا. وبهذا نخلص إلى نتيجة حول علاقة السُنّة النبوية بالكتاب الكريم: قولا وفعلا وتقريرا، مفادها، توقف الروايات التشريعية على وجود جذر قرآني، كي تكون الرواية مبيّنة أو شارحة أو مفصلة وفقا لاختصاص النبي قرآنيا. لذا فالسنة، كخطابات نبوية، لا تنحصر بالتشريع، ولا يمكن أن تكون جميعها حجة علينا، فهناك عدة مستويات تختلف في درجة إلزامها. وبهذا يتضح، لا دليل على حمل الولاية في آية الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، بل ويتعارض مع اختصاص التشريع بالله تعالى، وعدم جعله للولاية التشريعية لأحد غيره.

 2- الولاية بمعنى حق التصرّف:

وهنا المعنى يتوقف على (أن يكون النبي أولى بكل مؤمن من نفسه على نفسه)، وهذا ليس ظاهرا، فربما مراد الآية أن (النبي أولى بالمؤمنين من بعضهم ببعض) فتدل على وجوب الطاعة (فليس لمؤمن على مؤمن حق التصرّف). وتؤكده سيرة النبي فلم يرو أنه تدخّل في تصرّف في شؤون المسلمين باعتباره وليا عليهم وله حق التصرّف، وفي رواية، أن بعض الصحابة طلبوا منه مرارا أن يسعّر الطعام في المدينة، فرفض، رغم نهيه عن الاحتكار.

3- الولاية بمعنى الطاعة:

أي إذا أراد النبي شيئا، وأمر به، وكان مخالفا لإرادة المؤمن، فأمر النبي مقدّم ومطاع. لا باعتباره وليا كما ذهبوا لذلك، بل لأن أوامره في الإجرائيات واجبة الطاعة باعتباره وليا لأمر المسلمين، ومديرا لشؤونهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ). فهنا لا يوجد أمر تشريعي، بل أمر ولائي باعتباره وليا لا باعتباره قيما وله حق التصرّف. ويتأكد المعنى ضمن سياقها، حيث تقول: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، فيكون له مقام الأبوة كما لأزواجه مقام الأمومة التي تقتضي حرمة الزواج منهن بعد وفاته، دون غيرها كالميراث، وجواز النظر لهنَّ، وعدم وجوب الستر عليهنَّ. فكذلك بالنسبة لولاية النبي على المؤمنين له حق الطاعة عليهم، دون حق التصرّف.

3- الولاية بمعنى المسؤولية:

وهذا الرأي هو الأرجح والأكثر ظهورا في الآية، فيكون معنى الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ذا مستويين:

المستوى الأول: مسوؤلية المؤمنين تجاه النبي وما يتطلبه الموقف، من تضحية وإيثار ومؤازرة، فهو بالنسبة لهم أولى من أنفسهم، ومصالحه وأوامره تقدم على رغبات النفس وتطلعاته.

المستوى الثاني: أن الرسول أولى بمؤازرة المؤمنين وتحمل المسؤولية عنهم، والأجدار في تفادي ما يقع عليهم من حقوق وواجبات. يشهد لذلك نهاية الآية: (وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ في كتاب اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ والمُهاجِرِينَ) حيث قدمت الآية الأنساب على الهجرة في توارث المؤمنين، خصوصا المهاجرين كما في الروايات. فالآية وسياقها يدور حول مستويات الولاية بمعنى المسؤولية تجاه الآخرين، وما يتفرع عليها من استحقاقات عينية وغير عينية للورثة. فيكون النبي أولى من المؤمنين بميراث من لاوارث له، ثم الأنساب. ففي رواية عن قتادة، مشهورة في كتب الحديث لدى الجميع، قال في بعض القراءة (النَّبِيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ)، فالأولوية هي مقتضى الأبوة، ثم رووا ما يؤكد هذا أكثر: وذُكر لنا أنه قال: "أيُّمَا رَجُلٍ تَرَكَ ضياعا فَأنا أوْلَى بِهِ، وَإنْ تَرَكَ مالا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ". وهذه دلالة بليغة على إرادة معنى المسؤولية الأبوية، ولا علاقة لها بالولاية بمعنى حق التصرّف. وهنا ينبغي التنبيه لا نقصد من الرواية تأييد التحريف بل أن جملة (وَهُوَ أبٌ لَهُمْ) تكون تفسيرا وبيانا لمعنى الأولوية في الآية.

فيبقى الأصل عدم ولاية أحد من الناس على غيره سوى من حددتهم الآيات البينات، وهم السفيه واليتيم، وحدودها البلوغ والرشد، والقدرة على تحمل المسؤولية بأنفسهم. وهي قضية عرفية أكثر منها دينية، فجميع المحاكم بالعالم تصدر حكما بتعيين قيّم وولي لهم، ثم  ترتفع ولايته ببلوغه مرحلة الرشد، ذكرا كان أم أنثى.

أما لماذا لا نستفيد منها الولاية بمعنى السلطة، فلأنها تتعارض مع آية الشورى، فتخصصها وفقا لقواعد الجمع العرفي المتعارفة في أصول الفقه. فتختص بقضايا المؤمنين الحقوقية. كما أن الولاية بمعنى السلطة تتطلب رعاية سماوية، وهذه الآية مطلقة، مما يؤكد تخصيصها. والأهم من ذلك عدم وجود دليل صريح على المطلوب.

ثالثا: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)

هذه هي الآية الثالثة التي قد يُفهم منه جعل الولاية للنبي، إذا حُمل القضاء وسلب حرية الاختيار على معنى حق التصرّف. غير أن  الفارق واضح بينه هذه الآية وآية الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسه، فلا يمكن حملها على هذا المعنى، إذ هنا يجب الانصياع لقضاء الرسول، لا باعتباره ولياً، بل لمطابقة حكمه للواقع، واشتماله للمصلحة المطلوبة وفق ملاكات قد لا نعرفها. وليس المقصود بالقضاء هنا خصوص المرافعات القضائية والفصل بين المتخاصمين، لأن تسوية هذا النوع من الخلافات تجري، كما مرَّت الإشارة، وفقا للأدلة والشهود والبينات، ومثالها حكم الزنا في القرآن الذي يتوقف ثبوته على صدق الشهود. وقد ورد عن الرسول الكريم: (إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة).

فالمقصود بالقضاء في الآية أعلاه قرار نبوي، يجب طاعته والالتزام به، رغم تعارضه مع رغبات أطراف القضية. وهي طاعة مفترضة له بموجب آية أطيعوا الله والرسول، وليس ثابتة له بموجب ولاية تستمد شرعيتها من هذه الآية.

ثم إن أسباب النزول تشخّص لنا الموضوع، فتقييد إطلاق الآية، وتجعل منها قضية خارجية محددة، وهذا ما تدل عليه مصفوفة الآيات وما اشتهر عندهم، بأن النبي خطب زينب بنت جحش لربيبه زيد بن حارثة، فرفضت، ثم نزلت الآية فوافقت: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا). ولما طلقها زيد، كان النبي له رغبة فيها وقد اعجبته من قبل، غير أنه كان يقول له: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ). لذا أمرته الآية باعلان خطبته ولا حرج عليه في ذلك شرعا: (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا (38)..). وسبب الحرج كانوا يعتقدون حرمة نكاح زوجات من تبنوا. فهي ليست زوجة ابنه، (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ)، ومحمد ليس أبا لأحد من الناس: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). فالغاية من سرد القصة بيان أن الآية نزلت في قضية محدودة، ورغم أن المورد لا يخصص الوارد، إلا أنه يبين خصائص وشروط الموضوع، الذي تتوقف عليه فعلية الحكم. وليس لأحد حق غير النبي أن يتصرّف بهذه الطريقة، حيث يفرض على المرأة الزواج من شخص لا ترغب به.

وبالتالي لا دلالة للآية على الولاية بمعنى حق التصرّف، ويبقى الأصل عدم ولاية أحد على الآخر، وتبقى الولايتان التكوينية والتشريعية لله، ولم يدل الدليل على جعل أيا منهما لأحد الأنبياء.

الولاية والسياسة

ثمة ملاحظة مهمة، إن عدم ثبوت ولاية للمؤمنين، بمعنى السلطة وحق التصرّف، ومحدودية طاعة أولي الأمر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، دليل على:

-  أن ولاية الرسول، (إن ثبتت) فهي ولاية مرحلية مسددة بالوحي، تنتهي بوفاته بعد انقطاعه. فيصدق أنها ولاية إلهية أكثر منها بشرية، يمكن تنبيهه متى ما أخل بشروطها: كقوله (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)، حيث استخدم النبي صلاحياته عندما إذن لهم، فنبهته الآية فورا، وهذا دليل على خطورة الصلاحيات المفتوحة، مهما كانت منزلة الولي. لذا لا تسري لغيره تحت أية ذريعة. فنخلص أن الولاية الحقيقة إما أنها لله أو مسددة بالوحي، وليست ثمة ولاية خارج هذه الدائرة. بل المنطق القرآني مع الشورى، وعدم الاستبداد: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)، (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه)، والتوكل هنا كناية عن اتخاذ القرار بعد التشاور، فيظهر من الآية أن الشورى ملزمة حينما رتّبت القرار عليها. ثم أليس عدم الإلتزام بالشورى والاقتناع بآرائها استخفاف بالمؤمنين؟ وهذا لا يفعله نبي. خاصة أن الشورى ليست في الأحكام  الشرعية المتوقفة على نزول الوحي، بل في القضايا الإجرائية والتنفيذية، فمن باب أولى تكون الاستشارة من أجل قرار صائب. لكن المفسّر يُسقط نزعته العبودية على فهم النص، ويميل لا شعوريا للتفرّد والاستبداد بحجة أن النبي معصوم مسدد من السماء. وهذا صحيح لكن بحدود، ويبقى الرسول بشرا (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ)، يحتاج للاستشارة، فأمرته الآية بها.

- إن عدم ثبوت ولاية أولي الأمر بمعنى السلطة والقيمومة لا بمعنى الإدارة والتدبير، دليل على أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية، إذ مقتضى كونها ضرورة دينية ثبوت ولاية الولي، وبيان حدودها، وشروطها، وشرعنة سلطته.

- الولاية تتعارض مع منطق الخلافة الذي مرَّ الكلام حوله، والذي نتبناه في مقابل منطق العبودية. فنظرية الخلافة تقتضي مركزية الإنسان، وحريته، واستقلاليته، وعدم خضوعه لمنطق الولاية، كي يمكنه استخلاف الأرض، ويكون مسؤولا عن سلوكه وتصرفاته.

 

وبالتالي يكون البحث في ولاية الفقيه وفقا للنظرية الشيعية، استطرادا،  لعدم ثبوت الولاية للنبي، فمن باب أولى لا تثبت لغيره.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق16) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

مستويات الولاية

ماجد الغرباوي: إن معركة الولاء دليل على خطورته عندما يبقى سائبا، تتحكم به أعراف تكّرس القمع والاستبداد، وتصادر حرية الفرد واستقلاليته. فعمد الكتاب المجيد إلى تفكيكه وإعادة تشكيله وفق رؤية دينية لا تسمح بتداخل الصلاحيات بين الخالق والمخلوق. وتضع حدا لالتباس الإلهي بالبشري. ويُقصد به هنا سلطة ذات صلاحيات مفتوحة، وحق تقرير مصير الغير (فردا أو جماعة) والتصرّف بإرادته. وهي سلطة "السيد" بكل جبروتها وطغيانها واستبدادها وتعسفها، التي سادت مختلف الحضارات، وخضعت لها الشعوب قرونا متمادية، حتى تماهت مع قيمها وأخلاقها، وبقيت مرتهنة لهيمنتها، بفعل ثقافة ثنائية السيد / العبد، فيتعذر عليها التخلي عن ولائها القَبلي ما لم تُهَشَّم بنيته ومقولاته الأساسية وتحل محلها بنية معرفية جديدة، وهي عملية معّقدة، تتطلب وقتا طويلا، وظرفا تربويا لا تنفع معه أجواء المداراة النفسية والتسليم البسيط، ما لم يصل حد اليقين، وكان هذا أحد أسباب قلق الولاء كما مرَّ بيانه. فانتماء الفرد لمنظومة قيم العبودية قبل إسلامه، إنتماء ثقافي يشكّل قوام هويته، وليس فقط إنتماء نَسَبيَاً، يمكن التخلي عنه. الانتماء الثقافي يتحكّم بوعي الفرد ومشاعره وسلوكه وموقفه. والانسلاخ عنه يستدعي ثقافة مغايرة يرتهن لها الوعي.

من زاوية أخرى كان هدف المعركة تفكيك مصادر قوة العدو عبر الإطاحة بالولاء القَبلي. وضمان أمنها بعد ردم بؤر الخيانة والتواطؤ، وإضفاء فهمٍ جديد للمفاهيم الاجتماعية والسياسية، يرفض التبعية الانقياد لغير الله، أو من جُعلت له الولاية، مهما كانت مواصفاته الأخلاقية، ما دام الأمر يتعلّق بحريته التي هي شرط إستقلاليته ومسؤوليته عن أعماله وتصرفاته. وهو حق مكفول يمثّل صدقية وجوده. لا يجوز مصادرتها أكثر من القدر الذي يحقق توازن المجتمع ويضمن أمنه واستقراره، فيعود عليه بالنفع من خلال منفعة الجميع، رغم صدق مفهوم سلب الحرية. أو بالقدر الذي يعتقد التشريع الإلهي، لمن يؤمن به، أنه يعود عليه وعلى المجتمع بمنفعة أكبر، كقوله مثالا لا حصرا: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ). وهذا تحكّم وسلب لحرية الفرد، غير أنه شرط ضمني للإيمان وليس مطلقا. فمن آمن يجب عليه الإلتزام بكل التشريعات والأوامر. أو لا يؤمن إبتداء.

الإيمان موافقة ضمنية على مصادرة بعض حقوقه، ومنها حريته، في مقابل وعود أخروية، لذا يبذل ماله وجهده في سبيل الله، دون مقابل مادي أو تعويض دنيوي. أو الإيمان تنازل لا شعوري عن بعض الحقوق والامتيازات التي منها حرية الفرد المؤمن، بفعل خطابات الترغيب والترهيب، التي استدرجت حرية الفرد. وبالتالي فالنص القرآني استهدف تحرير الوعي من حمولته القبلية، واستعادة حرية الفرد، لكن في سياق رؤية كونية مغايرة، لا تسمح باستعباده، غير أن رجل الدين والخطابات الطائفية والسياسية تخلط الأوراق وتعمل على تزييف الوعي. فنفهم أن الحرية شرط لتحمّل المسؤولية، لذا فعقوبة العبد نصف عقوبة الحر في الشريعة الإسلامية. وهذا مبدأ أساس في فهم النصوص الدينية، ومدى شرعيتها حينما تتقاطع معه. لكن للأسف الشديد التنظيرات الكلامية لا تبالي لمبادئ القرآن، التي يُفترض أن تكون حاكمة على كل قضية كلامية وعقدية، باعتبار فوقيته وقدسيته ومصدر التشريع. بل لا يوجد شيء آخر سواه. وهكذا يتمادى الفقيه في إقصاء القيم الدينية وهو يستنبط الأحكام الشرعية، بفعل منهج يقوم على فصل آيات التشريع، والتعامل معها كل على حدة، شعر بذلك أم لم يشعر. قصده أو لم يقصده.

ثمة هدف أبعد يبرر اهتمام القرآن بالولاء، يقع ضمن صراع الهيمنة بين قيم السماء والأرض. قيم الإيمان وقيم الشرك والكفر كما يصفهما الكتاب الكريم. فلا تكفي شهادة الشهادتين في صدق إيمان المسلم ما لم يتحرر ولاؤه القديم، ويدين بولاء توحيدي، يرفض المهادنة على حساب العقيدة. وهذا معنى أوسع لا يكتفي باحتكار الولاء، ويطمح لهيمنة فكرية وشعورية، يظهر جليا من خلال خطابات الردع، التي تصل حد التهديد، والتخلي عن النبي فضلا عن المؤمنين مع أية مهادنة مع العدو، قد تميل لها نفسه. فنحن أمام مشروع هيمنة يرتكز لمنظومة معرفية وعقدية مختلفة: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ). نفهم من شرط الهيمنة ارتهان السلطة والانقياد والولاء لله، دون الإنسان، وأن حق التصرّف التكويني والتشريعي، بما يحقق غايات الدين والإنسان، بيد الله، فيكون كلا القرارين حكرا عليه: (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). ودلالة الآية واضحة على كليهما، مهما كابر الفهم الديني. ومهما كانت محاولات المشاريع السياسية الدينية التنظيرية، التي تلتف على النصوص القرآنية بالتأويل من أجل شرعنة سلوكياتها ومواقفها.

هذا هو الأصل الأولي، حين الشك بصدقية أية دعوى للولاية بمعنى السلطة وحق التصرّف. فعندما نشك بولاية أحدٍ فالأصل عدمها ما لم يدل الدليل الصريح عليها، فطالما تؤكد الايات على اختصاص الولاية به تعالى، ولعل في الآية ما يؤكد ذلك رغم خصوصية موضوعها، لكنها تكشف عن المطلوب: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلً)، لا أنت ولا غيرك. ليس لك عليهم سبيل، ولا سلطة فوقية قاهرة، ولا يمكن ارتهان القرار السياسي ومصير الشعب لإرادة شخص واحد مهما كانت مواصفاته الأخلاقية ومستوى تقواه وورعه: لأن فلسفة الخَلق قائمة على حرية الفرد، وهو مسؤول عن مصيره الأخروي، الذي سيقف للدفاع عنه: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ،عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). فيجب على الفرد المشاركة في القرار ليكون مسؤولا عن مواقفه. بهذا نفهم أن الصيغة الديمقراطية الحديثة تتطابق مع الأصل الأولي القائم على مسؤولية الفرد عن رأيه السياسي، باسثناء ما هو صريح في النهي، كقوله: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)، والسبيل هو السلطة. وقوله: (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ). والكافر هو خصوص المحارب، فلا يكون ولياً، أي نصيرا ومن باب أولى لا يكون حاكما ووليا له حق التصرف بحكم ولايته.

ضوابط الولاية / السلطة

ثمة ضوابط للولاية، تحديدها يضع لنا ضابطة لفهم حدودها وفعليتها. وما تقدّم من كلام يمثل أصلاً أولياً وفق النظرية الإسلامية، مفاده:

أ - لا ولاية لأحد على غيره مطلقا. (أصالة حرية الفرد)

ب - الولاية أصالة وبالذات لله، تكوينا وتشريعا. (أصالة ولاية الخالق)

ج - لا ترفع اليد عن الأصل الأولي إلا بدليل قرآني صريح دال على جعل الولاية لغيره تعالى.

د - الولاية شأن إلهي، وليس نبويا، ولا يشرك بحكمه أحد.

هـ - الولاية المجعولة مشروطة، وتقدر بقدرها، كما بالنسبة لليتامى وصِغار السن والسفهاء، التي بينت الآيات أحكامها. وبالدلالة الإلتزامية نفهم علتها وسببها الذي هو السفه أو صِغر السن، لذا ترتفع بارتفاعهما: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ .... وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)، فالطفل والسفيه وغير الراشد يحتاج لولاية مؤقتة، فما بال شعب كامل يزخر بالطاقات والكفاءات والابداعات يرتهن إرادته لإرادة شخص الحاكم كما في نظرية ولاية الفقيه، ويكون له حق التصرّف بمصيره وقراره السياسي؟

ولاية الرسول

السؤال: هل مُنحت ولاية بمعنى السلطة لأحد؟، وما هي حدودها؟. وهي مسألة كانت ومازالت موضوعا ساخنا للجدل الكلامي، خاصة الولاية المتفرّعة على ولاية النبي. التي تترتب عليها أحكام شرعية. وبالتالي فإن ثبوتها ونفيها سيؤثر في النسق العقدي المألوف الذي نسعى لاستبداله بمنظومة قيم، ترفض أدلجة الخطاب القرآني، وتوظيفه لأغراض سياسية وطائفية، وتأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، وتقوم على فهم جديد للدين يرتكز للعقل، والصريح من آيات الكتاب، بعيدا عن التراث وحمولته السلبية. وقد قع الكلام بينهم حول جعل الولاية للنبي ومن ثم للمؤمنين أو بعض منهم، وقد استدلوا ببعض الآيات، منها:

أولاً: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

وهي الآية التي استدلوا بظاهرها على ولاية الرسول والمؤمنين. فيكون للنبي ما لله. وما له للمؤمنين، أو خصوص الأئمة عند الشيعة، ثم تنتقل للفقيه بأحد النيابتين، الخاصة أو العامة، بعد تفسيرهم الولاية بـ"السلطة وحق التصرّف والقيمومة والحاكمية، وأنْ يملك منهم الولي ما لا يملكون". وهذا الاستدلال قد يكون تاما خارج سياق الآيات، غير أن نتيجته ستتغير ضمن سياق ما سبقها وما تلاها من آيات. لأن موضوعها جزء من موضوع سياقها القرآني، لا تنفصل عنه، لولا قبليات المفسّر والفقيه التي اقتطعتها لخدمة أهداف أيديولوجية وسياسية ومذهبية وطائفية.

تقول الآيات التالية من سورة المائدة:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (57)..).

في هذه المصفوفة من الآيات سنفهم معنى آخر لمفهوم الولاية الوارد في الآية المتقدمة، لا يسمح بتوظيفها خارج سياقها:

1- تقدم أن الولاء ومشتقاته متعدد في معانيه، فيكون السياق قرينة متصلة على إرادة المعنى الحقيقي من اللفظ. لا يمكن الاستغناء عنه وهدره لصالح أهداف أيديولوجية، سياسية وطائفية. وأي خروج عن السياق يسمح بتوظيفها خارج موضوعها، فتفقد هدف تشريعها والحكمة من نزولها. ولا يصار إلى قرائن منفصلة وخارجية مع وجود قرينة متصلة، كما في هذه الآيات، فتبقى مطلقة، لا تخصصها الروايات، بل تبيّن مصاديقها، كما بالنسبة للذين آمنوا. بل لا يمكن ذلك فربما تمام ملاك الآية في إطلاقها، فكيف تخصص؟

2- الظاهر من سياق الآيات أن المراد بالولاية هو خصوص النصرة، كما هو واضح من موضوع نزولها وما تهدف إليه من تشريعات ومفاهيم دينية جديدة. وهي دعوة صريحة لعدم الوثوق باليهود والنصارى، وعدم اتخاذهم أولياء. أي حلفاء وفقا للعهود والمواثيق المبرمة بين الطرفين، بعد خيانتهم ونقضهم لها. ودعت للتلاحم على أساس إيماني، يكون الله ورسوله والمؤمنون هم الناصر والحليف والظهير والولي والقوة الحقيقية. وبهذا أقصت استراتيجية المعركة، معاهدات أهل الكتاب من حساباتها. ووضعت خطة جديدة تعتمد خصوص المؤمنين لتولي شؤون وإدارة المعركة والمجتمع المدني. والسبب أن صفات المؤمن التي ذكرتها الآية كفيلة بعدم خيانته وتخليه عن المسؤولية، لأن العبادة تعزز التقوى والخشوع والخوف من الله، وهذا ما تحتاجه المسؤولية، لضمان عدم فساد القيادة. ولو كانت الآية بصدد جعل ولاية لهم بمعنى السلطة وحق التصرّف كان ينبغي توظيف ألفاظ دالة على موضوعها، كأن تقول الآية: القوي الأمين من المؤمنين، كما في آية شعيب وموسى، حينما خاطبت أباها بألفاظ دالة على المطلوب، وقالت: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ). ولم تقل يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. فهنا أيضا مناسبات الحكم الموضوع تكون حاكمة.

3- إن جميع مشتقات الولاء في هذه المصفوفة من الآيات دلّت على معنى واحد هو النصرة والتلاحم والتحالف، وقد جاءت متناسقة، واستمرت بذات الاتجاه، حتى قالت: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). والعصمة ضمان للنصرة والمَنَعة، أمام عدوانية أهل الكتاب.

4- تشمل الآية بإطلاقها القيادة وولاية الأمر بصلاحيات محدودة، لكن لا تصل حد التصرّف المطلق وفقا للولي وتقديراته السياسية، بل هي صلاحيات تقتضيها المسؤولية. وتنتهي بانتهاء ولايته. وهذا يختلف عن معنى الولاية التي يقصدونها، فهي ولاية سلطوية يحق للولي بموجبها التصرّف بالغير، ويكون أولى منه بنفسه وماله وعرضه، فيجوز له مثلا فصل زوجته عنه. أو فرض ضريبة مالية عليه خاصة. أو مصادرة أملاكه. أو المغامرة به وبمستقبله وتقرير مصيره والتحكم بالقرار السياسي الذي هو جزء منه، باعتباره جزءا من المجتمع. بل قالوا يحق للولي تعطيل بعض الأحكام الشرعية!!.

5- وضعت الآية ولاية الله ورسوله والمؤمنين على مستوى واحد، دون تفصيل. ولازمه وجوب الولايتين التكوينية والتشريعية للجميع، وهذا لا أحد يقول به، خاصة بالنسبة للمؤمنين، ماعدا الشيعة وفقا لمبانيهم العقدية، حيث جعلوا مصداق المؤمنين واحدا، رغم أنه جاء بصيغة الجمع، وهو الإمام علي، ومنحوه حق الولاية بموجب هذه الآية. وهذا خلاف المنطق القرآني الذي اعتبر الولاية أصالة وبالذات لله تعالى. وولاية غيره تكون مجعولة وليست أصيلة فتحتاج إلى جعل  صريح واضح بين لا لبس فيه ولا تشابه، كي يكون حجة على الجميع.

كما أن آية التنازع لا تسمح بوضع ولاية المؤمنين بمستوى ولاية الله ورسوله، بل يجب مراجعة الله ورسوله في حالات النزاع، وهذا أدل دليل على محدويتها وعدم إطلاقها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

6- يمكن تعزيز معنى النصرة دون غيرها من مفاهيم الولاء والولاية بآية: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). فتكون صفة ضمن مجموعة صفات، منها: أن يتولى بعضهم الآخر. يعينه وينصره ويقوم مقامه إذا اقتضى الأمر. يقدّمه على نفسه وعلى مصالحه، بمعنى الإيثار والتضحية. يتنازل عن حقه لأخيه المؤمن هبة وهدية. وبالتالي لا يظهر من آيات ولاية المؤمنين معنى حق التصرّف، لأن مال المرء ونفسه وعرضه محترم لا يجوز الاعتداء عليه بدون إذن وحق مشروع. والآية ليست بصدد تشريع هذا الحق. ولم يظهر من الآية صراحة منح المؤمنين حق التصرف بغيرهم، سوى تأويلات لا يؤكدها الفهم الصحيح للآيات.

7- لا مبرر لقطع الآية من سياقها وربطها بالآية 67 من نفس السورة كما يرى المفسّرون والفقهاء الشيعة، فكلاهما جاء في ذات السياق حول أهل الكتاب. حيث قطع الاتجاه الكلامي الشيعي الآية وربطها بآية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، ليستدلوا أن الآية الأولى جعلت الولاية للإمام علي حصرا، والآية التالية تحذير للرسول إنْ لم يبلغ هذا الأمر. والقضية برمتها تأويلية اعتمادا على روايات عن النبي، لا يمكن الجزم بصدورها. كما أن مناسبات نزول الآية لا تسمح بهذا التأويل الذي يضعف السياق القرآني. فما هو المبرر أن يضع آية في سياق، ثم يضع تكملتها في سياق آخر؟

أليس مقتضى وحدة الموضوع يتطلب إندراج كلا الآيتين في سياق واحد؟ خاصة وقضية عقدية مهمة وخطيرة، فتحتاج لبيانات قرآنية صريحة واضحة كالنبوة لتكون حجة على الجميع، وقد مر أن الاصطفاء شأن إلهي، يحتاج لدليل قرآني صريح، وهو مفقود هنا بالضرورة.

وبالتالي يمكن ان يكون معنى الولاية ضمن سياق هذه الآية: النصرة والقيادة والتخطيط والتوجيه في القضايا الإجرائية، واتخاذ القراربما تقتضيه المصلحة العامة. فيكون الأحق بها الرسول والمؤمنين ممن وصفتهم الآية الكريمة.

مصداق الآية

وقع الخلاف بين المسلمين حول مصداق المؤمنين الوارد في الآية. وقد دبَّ الخلاف حول جملة الوصف: (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). فهل الآية بصدد مواصفات خاصة، أم تعريف عام بصفات المؤمن المؤهل؟. الآية الكريمة لم تقل شيئا بل قولوها، وقد أخفت دلالاتها ولم تصرّح بأكثر مما قالت ضمن سياقها، رغم أنها مصدر شرعية جعل الولاية بعد الله ورسوله حسب الفرض. وقد لجأ لها الطرفان كشاهد على شرعية أو عدم شرعية السلطة بعد وفاة الرسول، ولعبت القبليات الفكرية والعقائدية دورها في توظيف هذه الآية بالذات. فالشيعة قالوا أنها نزلت بعلي بن أبي طالب خاصة، فهو من تصدّق راكعاً. وقد استعانوا لإثبات دعواهم بروايات لا نعرف عن حقيقتها شيئا لكنها تبقى محتملة وفقا للتصنيف الذي اعتمده للتمييز بين الروايات الصحيحة والمحتملة الصدور. فراحت تصف كل شيء حتى نوع الخاتم حينما تصدق به الإمام علي وهو راكع. وشكل الرجل الفقير، وكيف استعطى وعلي كان في صلاته فدفع إليه زكاته. وكيف دخل النبي، وسأل الفقير، وأشار لعلي وهو يصلي، إلى غير ذلك من تفصيلات تأباها شخصية علي لمن يعرفه، خاصة وهو خاشع في صلاته. فليس للشيعي طريق للجزم بصحة الرواية، لكن خلفيته الفكرية والثقافية صدّقتها، لتكون قرينة على إرادة المطلوب واختصاص الآية بعلي دون غيره. وهذا لا يمنع أن يكون علي مصداقا للآية بل أن سيرته وتاريخه الساطع بالثبات والإيمان والتفاني يضعه على رأس الخط الأول من الصحابة الذين أشاد بهم القرآن.

 وأما السني واتجاه الخلافة، فاعتبر الجملة حالاً لوصف المؤمنين، فهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، أي خاضعون مستسلمون لأمر الباري تعالى، فالتعبير مجازي. والآية تبقى مطلقة، بها تصحح خلافة الخلفاء، بينما الشيعة، جعلوا الخلافة نصا وتعينا بموجب أدلة، تعتبره هذه الآية أحدها.

لسنا مع كلا الرأيين اللذين أسقطا غاياتهم السياسية على تفسير آية (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، وهذا مثال بسيط يبين كيف تلعب خلفية المتلقي دورا معرفيا في فهم النص، واستدراجه لخدمة مصالحهم وأهدافهم. الآية تبقى على إطلاقها، محكومة بآيات أخرى، صريحة، ترفض وضع ولاية غير الله بمستوى ولايته. كما أن مقتضى قوله: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، أن يبقى القرآن مرجعية أولى ونهائية للدين في عقيدته وتشريعاته، وتكون السُنة شارحة ومبينة لما له جذر قرآني، ما لم تكن هناك قرائن متصلة دالة على المعنى في داخل النص. واما العقيدة، فهي إخبارات قرآنية، لا يمكن أن تكون حجة ما لم تكن واضحة بينة صريحة في موردها، والتأويل نقض للغرض، بسبب تعدد احتمالاته، وتأثر كل فرد بقبلياته وأهدافه.

فنخلص أن الآية المتقدمة لا تدلّ على جعل الولاية للرسول والمؤمنين، بل إن سياقها يدل على معانٍ أخرى. ولو دلّت على الولاية، فهي خاصة بالرسول لضرورات تتصل بالرسالة، وتنتهي بوفاته دون الانتقال لغيره، لأن الاصطفاء شأن إلهي كما تقدم تفصيله. وأما بالنسبة للمؤمنين لو ثبتت لهم ولاية ايضا بموجب هذه الآية فهي مقيّدة جدا بآية التنازع المتقدمة. وثمة وجهة نظر سأُبينها في حينها بخصوص هذه الآية وأبين ما هو المراد بوجوب طاعتهم. أما المهم هنا، فإن الآية تشترط رد الخلاف لله ولرسوله، مما يعني سلب ولاية المؤمنين إطلاقها، وقيمومتها على القرار.

وأما الآية الثانية التي استدلوا بها على ثبوت الولاية للرسول ومن ثم للمؤمنين

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com    

 

ماجد الغرباوي3خاص بالمثقف: الحلقة السابعة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق15) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

تقاطع الولاءات

ماجد الغرباوي: إن تحديث الولاء يتوقف على فعلية شرطه الموضوعي، وإرادة جدية في ظل بيئة نوعية تعمل على إعادة تشكيل وعي الفرد، ليُضمَن كلا ولاءيه الديني والقَبلي. إذ تقدّم، أن مسارات الولاء متوازية، قد تلتقي أو تتقاطع في بعض النقاط، لكنها تواصل مسارها، وفق قاعدة تقديم الأهم على المهم. فهشاشة إيمان طيف من المسلمين مبرر آخر لقلق الولاء، يؤكده ارتداد مجموعة من الأعراب بعد وفاة الرسول. لكن بشكل عام نجح الإسلام في كسب الولاء الديني، وتخلى الناس عن معتقداتهم وطقوسهم، وضحّوا من أجل مبادئه، بعضهم بإيمان منقطع النظير (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ)، وآخرون إما انسياقا مع العقل الجمعي، أو طمعا بالغنيمة، إضافة إلى ما يصطلح عليهم القرآن بالمنافقين ممن أظهروا إسلامهم تحت ضغط الانتصارات والمد الإسلامي، غير أن ولاءهم بقي مرتهنا لحلفائهم. كما هناك من يتربص بالدين الجديد كأهل الكتاب. وبعض تضررت مصالحهم، وهم الملأ من قريش وزعماء القبائل. فكانت المعركة لحظة اختبار لقدرة الولاء الجديد على الصمود، خاصة الأعراب. فالتوجس كان مبررا، بفعل سطوته. مما يؤكد هشاشة إيمان شريحة لا بأس بها من أنصاره. عكسا للمعذبين والمحرومين، فهم أصلب عودا وإيمانا ويقينا، لم يرتهن ولاؤهم لأحد بعد تمردهم على أسيادهم ورفضهم لسلطتهم. 

لقد كان القرآن حذرا في مسألة الولاء حينما أعلن أن هدف المعركة إطفاء الفتن، وليس حربا ضد القيم والمشاعر الإنسانية: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). لكن مواصلة الحرب أضطرت النبي تعبئة الأجواء النفسية لسد كل منافذ الخيانة المحتملة، حدا حرّم القرآن على المؤمنين التواد مع أقرب الناس لهم، في إشارة دالة على قلق الولاء، وعمق التوجس، وعدم الوثوق بولاء ذوي الجذر القبلي الراسخ، فهؤلاء لا يمكنهم التخلي عن إلتزاماتهم القبلية، ومشاعرهم تجاه أهلهم وذويهم. فيصدق أنهم مسلمون ما لم تقع الحرب بينهم وبين ذوي القربى فالقطيعة حد استباحة الدماء، ربما لم تكن متوقعة.

المشاعر الدينية تختلف عن غيرها، الأولى عقيدة وطقوس وشعائر تتكيف مع إيمان الفرد، بينما المشاعر الاجتماعية نتاج علاقات عضوية صميمية، تمت حمايتها بنسق من القيم، فالانعطاف ضد الأهل والعشيرة يعتبر خيانة ما بعدها خيانة في الأعراف القبلية، ولعل أهون على الفرد أن يُتهم في دينه ولا يُتهم بولائه، لكن الآية جاءت صاعقة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). وضعت المسلمين بين خيارين لا ثالث لهما، إما إيمان خالص يتجلى موقفا وسلوكا وولاء ومشاعر صادقة. وإما فسوق، يحرمهم رحمة الله. لتكشف الآية عن أجواء نفسية متوترة وقرارات حاسمة استهدفت منظومة القيم.

لا ننسى أن الولاء أول ممارسة إنسانية للفرد، وأول اختبار لنوازعه الفطرية. هو طاقة روحية تتقد، تتفجر توادا وتراحما وحبا وتعاطفا واشتياقاوتلاحما، ونكرانا للذات، وتفضيل الآخر. وهو ميل نفسي، يعبّر عن قلق وجودي، بفعل جسامة المسؤولية تجاه أخيه الإنسان، فكيف يستبيح دمه وإن لم يكن محاربا، وليس له موقف سلبي من الدين الجديد؟. المسألة حساسة جدا اصطدمت بمشاعر إنسانية غريزية هي أساس تماسك الشعوب، واستقرار الأمن والسلم. والدماء تقلب الأجواء إلى ضدها، وتسودها الكراهية والتنابذ، لذا تدارك القرآن مشاعر المسلمين حينما قال: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). غير أن الاستثناء لم ينزع شحنة الغضب والتحريض من الآية الأولى عندما تُقرأ منقطعة عن سياقها القرآني وأسباب نزولها. وقد ارتكزت لها جميع حركات التكفير الديني، حينما شرعنت قتال الآخر بعد تكفيره. فالعنف له جذر قرآني يمكن توظيفه بسهولة، ما لم يتداركه الفهم السليم القائم على مناسبات الحكم والموضوع، وعدم فعلية الحكم مع عدم فعلية موضوعه.

وبالتالي فالولاء في جميع مستوياته ومجالاته مؤثر، باعتباره تجليا سلوكيا لما يختلج في أعماق النفس البشرية من مشاعر ومبادرات لا إرادية، غالبا ما تؤثر على مواقف الإنسان، عندما يتقاطع الموقفان المبدئي والعاطفي، المنبثق عن يقين نفسي، يتغذى على النوازع الفطرية، والمصالح المشتركة، والمشاعر المتبادلة، التي هي سرّ تمسكه بانتمائه وتحققه الوجودي. فالدين كان يطمح لموقف مبدئي رسالي، يتجاوز الموقف العاطفي، وهذا يتطلب مرانا تربويا وطقوسيا. أي يتطلب وقتا طويلا لبرمجة العقل وإعادة تشكيل الوعي. وهذا أحد أسباب القرارت التي قد تبدو بمعزل عن ظرفها الزماني والمكاني صارمة وقاسية. وهذا من أسباب قلق الولاء بفعل حداثة التجربة الإيمانية، وعدم ملامستها لأعماق المسلمين، حد الانسلاخ عن الولاء السابق. أو أن الموقف السلبي من الدين الجديد، لأي سبب كان، هو سبب التوجس منهم.

سلطوية الولاء

ثمة فهم وجودي لعلاقة الأنا بالآخر ضمن مفهوم الولاء، تبدو فيه العلاقة متماهية مع قناعات الفرد، لا يمكنه التجرد منها، مادامت مقوما أساسا لوجوده بمعنى التحقق، لا بمعنى الكينونة. وقد مرّ تفصيلا أن النظام العبودي يقوم على ثنائية: السيد / العبد، بشكل يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر، وينتفي بانتفائه. بشكل لا يعي وجوده إلا من خلاله. وهذا وعي باطني لا شعوري، من وحي حقيقة العبودية التي تتلبسه، وتبقيه مشدودا لقيمها. وبالتالي، فوعي العلاقة وعي للذات من خلال الآخر، حدا يرتهن تحقق وجودها عليه. ويتلاشى وجود الفرد ضمن وجود كلي، يتجلى فيه وجود السيد / الشيخ بقوة، تستلزم قداسته ودونية الآخر. قداسة تدبّر العبد وتملي عليه إرادتها، في سياق استبدادها وجبروتها وهيمنتها التي تلغي عقل العبد وإرادته، وتصادر إنسانيته وفق منطق الغاب، الذي تفرضه أيضا طبيعة الحياة ووحشيتها آنذاك. (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ).

وفقا لهذه النظرة يعتبر الولاء مقوما أساس لتلك الثنائية. ولاء الأدنى للأعلى اعتراف صريح برقيته وعبوديته وحق تدبيره والتصرف به. فانتزاعه من ولائه انتزع لوجوده وانتمائه وهويته. لانه بهذا المعنى يمثل جوهر النظام العبودي. وعليه كما يستمد العبد وجوده من وجود سيده، باعتباره جزءا من منظومة اجتماعية تؤمن بقيم العبودية، فأيضا السيد يستمد شرعيته من انقياد أفراد قبيلته، ممن يدينون له بالطاعة والولاء ويمنحونه حق الولاية والتصرف. فهيمنة السيد لا تتجلى خارج شرطها الوجودي. وأن شرط التمرد والثورة كامن في أعماق المجتمع العبودي، متى وعى ذلك وامتلك زمام المبادرة، والدليل تطور المجتمعات واندثار المجتمع العبودي بهيكليته لا بقيمه، ولم يعد السيد يدعي الإلوهية أو ظلها. وعندما ظهرت قيم العبودية لاحقا ظهرت بلباس ديني، قمع الوعي التحرري وأعاد تشكيل العقل وفقا لشروطه.

وتبقى ذات معادلة العبودية في النظام القَبلي، باستثناء تبادل الأدوار، ووعي أكثر تطورا لمفهوم الشيخ والفرد واستقلالية الأنا. والفرق أن العبد لا يعي وجوده مستقلا عن سيده، لا أن له وجود استقلالي لكنه تابع لوجود سيده، بل العلاقة علاقة تبعية وجودية، مادام وجوده بمعنى التحقق يتوقف على وجود سيده خارجا. بينما يعي الفرد في النظام القبلي استقلاليته، وأحيانا يجازف بالتمرّد على سلطة الشيخ، غير أنه يتدارك تبعات موقفه، ويعود نادما مذعنا. العبد يموت بالاقصاء، بينما يذل الفرد به. وبالتالي فالعلاقة لا تختلف في نتائجها، وتبقى ولاية الشيخ واجبة، بحكم شرفه ومنصبه، وعلى الفرد أن يقدّم له فروض الطاعة، لضمان الاعتراف به. فوعي الذات والآخر يتوقف في كلا النظامين على وعي الولاء كمقوّم أساس للعلاقة، فيعتز ويتمسك به فخرا، خاصة عندما يعيش وسط مجتمع دأبه تقديم الولاء على الكفاءة. بهذا نفهم أن الولاء مؤسس على مبادئ وقيم أخلاقية. وما لم يقم الخطاب الديني بنقدها وتتفكيكها، واستبدالها برؤية عقدية تنسجم مع توجهاته الدينية لا يمكنه ضمان ولاء الفرد.

البعد السلبي للمفهوم

اتضح من خلال تاريخ تطور مفهوم الولاء، أنه مفهوم سلبي، يختزل الفرد ويلغي استقلاليته، وهي محصلة نهائية عندما يحتكر السيد جميع الصلاحيات، ويمنح نفسه حق التصرّف بمصير شعبه. فمفهوم "الولاء" و"الولاية" في النظام العبودي يعني شرعية التصرّف بملكه وضمان الولاء. ووجوب طاعته والانقياد له، فتجريد الشعب من إنسانيته شرط لصحة ثنائية السيد / العبد. أو بالأحرى أن الفرد منزوع الإرادة، فهو رقم يتحكم به سيده، غير قادر على التحكّم بولائه بحكم تبعيته. لا يشعر إلا أنه وجود تابع لوجود سيده.

وهنا ملاحظة دقيقة جدا، ستكون مدار بحثنا، أن ولاية السيد وعبودية الفرد ليستا مجعولتين من قبل جهة ثالثة كي يمكن انتزاعهما. بل القيمومة حق ذاتي، والانقياد واجب صميمي، يستمدان شرعيتهما من ذات العلاقة القائمة على وحدة وجودهما، كما مرَّ بيانه. السيادة تعني الولاية والهيمنة وحق التصرّف. ويقصد بالعبودية تقديم فروض الطاعة الواجبة، وليست هي شيئا آخر سوى انقياد يفرضه "تشيئة" العبد.

ولم يتغير شيء جوهري في ظل النظام القبلي، فطبقة العبيد بقيت ترزح تحت نير العبودية وأحكامه، وظل العبد يعيش وعي الأنا المبتورة، مادام جزءا من متاع الشيخ أوسيده/ مولاه. وأما غير العبيد فبقوا أوفياء لقيم القبيلة التي تمنح الشيخ حق التصرّف بأفرادها، وله الأولية دائما. فالمفهوم استمر مثقلا بذات الحمولة الدلالية رغم استقلالية الأفراد، وقدرتهم على التمرد. وعليه يكون الفرد في كلا النظامين مرتهنا لإرادة السيد أو الشيخ، في إطار قيم اجتماعية، ترتكز إلى مقولات قامت على ثنائية السيد / العبد، وترسّبت لا شعوريا في إبان مرحلة التلقي الأولى فتكتسب مركزية، تمنح الوعي شرعية وجوده، وتفرض عليه محدداتها وسلطتها، حداً لا يمكنه الفكاك منها، حتى مع انفصاله زمانيا أو مكانيا، فلم تعد الجغرافية عاملا أساسا في صدقية الولاء، مادام مقوّما للوعي. وليس طارئا ليتمرد ضده. هو حقيقة وجودية بالنسبة له. وعليه يتطلب التخلي عن الولاء إعادة تشكيل الوعي، من خلال منظومة قيم أخلاقية وفكرية وعقدية مختلفة تضمن الانسلاخ التام، وهي عملية معقّدة تتطلب معايشة جديدة للوعي ضمن ثقافة وبيئة مغايرة، ومجموعة طقوس وممارسات ترسو تدريجيا لتحل في أعماق البنى المعرفية، وما يرتبط بها من مشاعر وأحاسيس. فالعملية  عسيرة، وقد خاض الإسلام معركة من أجل انتزاع الولاء، لغايات بعيدة المدى، تتعلق بالمفهوم وسلطاته، إضافة لمداليله والتزاماته. وهذا سرّ زخم الآيات،  التي أكدت على حصر الولاء بمعنى الولاية والقيمومة والهيمنة والسلطة والتدبير وحق التصرف بالله تعالى أصالة، وتكون ولايته ذاتية، حقيقية، غير مجعولة. ومطلقة لا نسبية، باعتباره خالق السماوات والأرض، وله كلا الولايتين التكوينية والتشريعية. (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). وقدرة الخالقية على التدبير التكويني قدرة فعلية، وليست مرتهنة، وهذا معنى ذاتية ولائه. (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). فلا شريك له فيها، وله حق جعلها لمن يريد، فتثبت بآية صريحة واضحة لا لبس فيها  لخطورة مسؤولياتها وتداعياتها، فهي صلاحيات واسعة، تتضمن حق التصرف، وحق سلب الآخر حريته. فتختص به. والأصل عدم ولاية أحد على غيره إلا إذا دلّ الدليل القرآني عليها، فتكون ولايته مشروطة بحدود جعلها. والكلام هنا دائما من وجهة نظر دينية وقرآنية. والأصل وفقا للقيم الإنسانية حرية الفرد وعدم ولاية أحد على غيره مطلقا، وأي تجاوز من قبل الحاكم السياسي أو الديني فهو تجاوز على حق أصيل للفرد ملازم لوجوده، أعني حريته، وحق أحترام حقوقه، ما لم تقتضِ المصالح المشتركة التنازل جزئيا عنها لضمان أمنه الاجتماعي واستقلاليته.

فنخلص من خلال الآيات أن الولاية، هيمنة وسلطة مطلقة، تفرض شروطها ومحدداتها، التي منها حق التصرّف بالآخر، والتحكم بإرادته ومستقبله، وهي بهذا المعنى منحصرة بالله تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا). فالآية تحصر به الولاية، وتنفيها إلتزاما عن غيره، (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). يذكر هناك قراءتان لكلمة الولاية، بفتح وكسر الواو. فمن قال بكسرها، تعني عنده السلطان والملك، وهو الأقرب لسياقها. ومن قرأها بالفتح فهي تدل على الموالاة لله، على غرار قوله تعالى: (اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا)، (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا)، فيراد بها الولاية في الدين.

ومن الشواهد الدالة على سلب ولاية أي إنسان عدا الله، قوله: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا). (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)، وهذه الآية لا فقط تنفي وتسلب الولاية عن غير الله، بل وتؤكد تفرّده بقراراته بمعنى السلطة. ودلالة الولاية على حق التصرف في (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)، أكثر وضوحا بقرينة الولاية في الدار الآخرة المنحصرة بالله في عدد من الآيات، منها: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم)، فأيضا تكون أصالة له في الحياة الدنيا. وعليه يكون جعل هذا النوع من الولاية مرهونا بمشيئته، يهبها لمن يشاء، بأمر تشريعي (آية قرآنية) صريح، وهذا مفقود بالضرورة سوى تأويلات لا يمكن الجزم بها، مما يقتضي حمل اللفظ على معنى آخر، حيث بلغت معانيه واشتقاقاته اللغوية أكثر من عشرين، كما في كتب المعاجم. أبرزها النصير والظهير والولاية الدينية والرعاية والأولوية والتدبير. كما أن كلمة "مولى" تأتي بمعنى الرب، السيد، العبد، الأخ، إبن العم. وكل معنى من المعاني يظهر من سياق الكلام. و(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا) أي: نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وعنايته.

إن حجم الصلاحيات الملازمة لمفهوم الولاية بمعنى السلطة هي التي تدفع باتجاه الاستفاضة في شرح المفهوم وتحديد دلالته، لأنه مفهوم مرن، قابل للتوظيف، وبالفعل تم بموجبه منح صلاحيات مطلقة للفقيه وفقا لنظرية ولاية الفقيه. والتي ترى أن معنى الولاية هي التصرف والسلطة، في جميع مواردها، فيكون للنبي ما لله. وما له للمؤمنين، أو خصوص الأئمة عند الشيعة، ثم تنتقل للفقيه، وهو المطلوب لإحكام السيطرة على الشعب، والتحكم بقرارته ومصيره باسم الدين. لكن من السهل نقض هذا الاستدلال من خلال الكتاب الكريم، والمعاني الأخرى لمفهوم الولاية ضمن سياقتها، ومناسبات الحكم والموضوع، خاصة بالنسبة لولاية النبي والمؤمنين.

ونؤكد ثانية أن الولاية بمعنى القيمومة وحق التصرف، هي التي تقصدها الآيات التي حصرتها بالله، دون غيرها من المعاني التي بعضها مشترك. والخطاب موجه للإرادة الحرة القادرة على اتخاذ الموقف المناسب، والانسلاخ من الولاء القديم، باعتباره أمرا إراديا ممكنا. أما مستلب الإرادة كطبقة العبيد فغير مشمول بالخطاب، لعدم قدرته على اتخاذ القرار المناسب. لكن حينما يعي ذاته، ويتحرر من سجونه الداخلية، فلا شك في شمول الخطاب له. وأما المتمردون من العبيد، ممن التحق بالدين الجديد، فهولاء استعادوا إرادتهم وحريتهم واتخذوا خطوة جريئة، تحملوا تبعاتها بصبر وإيمان.

يبقىى أن نعرف معنى الولاء المجعول شرعا للنبي والمؤمنين، ومن ثم تحديد مدى شرعية ولاية الفقيه المطلقة التي تعني حق التصرف بالقرار السياسي وبمصير الشعب.

يأتي في الحلقة القادمة

  

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة السادسة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق14) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

المجال التداولي

ماجد الغرباوي: ثمة مبادئ يتخذ منها الفقيه مرجعية أساسية في رؤيته العقدية، ومنهجه في ملء الفراغ التشريعي، بحكم وظيفته. وقد مرَّ الكلام حول مبدأ القريشية والاصطفاء. ونشير هنا للولاء، كمفهوم ملتبس تم توظيفه كأصل ديني، رتبوا عليه أحكاما شرعية، وموقفا من الآخر المختلف دينيا أو طائفيا، وفقا لبعض الاجتهادات. فيتعين بيان مدى شرعية توظيفه والارتكاز له، عندما يكون بمعنى الولاية، لتفادي تزوير الوعي، واستغلال العواطف الدينية لأغراض طائفية. سيما التلاعب في مصاديق آيات الولاء، عبر تفسيرات أيديولوجية يراد لها تعضيد المباني العقائدية للطوائف والمذاهب الدينية. فمثلا عندما تقول الآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، وقع الخلاف حول مصداق الذين آمنوا، رغم إطلاق اللفظ، لتوظيفها دليلا على ولاية هذا الطرف أو ذاك. ولازمها بطلان أية ولاية دينية وسياسية تتعارض معها. وهذه الآية استدل بها الشيعة على أحقية الإمام علي بالخلافة، باعتباره المصداق الوحيد لنزولها، فتكون الخلافة متعينة فيه، ولازمها بطلان خلافة غيره. فالمتكلم الشيعي اختزل مفهوم الولاء بالولاية بمعنى القيمومة والسلطة وصلاحيات مطلقة يستمدها من صلاحيات النبي، الذي يستمد صلاحياته من الله تعالى، لحاجته الماسة لها، في ظل صراع مرير على السلطة، ثم عمد للمصاديق واستدل بروايات أسباب النزول التي عضدت ما يريد. وحينما جاء الفقيه رتب عليها أحكاما الولاء والتبري. بينما حافظ الطرف الثاني على إطلاق الآية واستدل بها على وجوب الولاية لكل من يتصدى لأمور المسلمين، فتشمل بإطلاقها خلافة الخلفاء، بل من باب أولى باعتبارهم صحابة الرسول. وهذه الآية مجرد نموذج، يكشف حجم تداعيات الولاء حينما يخرج عن سياقه. فهو سلاح ذو حدين، قد يعمّق روح المحبة والوئام بين أبناء الأمة الواحدة، وقد يكون سببا للفِرقة والتنابذ والاحتراب. فلسنا أمام مفهوم عادي، يمكن تجاوزه، بل أمام منظومة فكرية وعقائدية ينبثق عنها الولاء، يجب تفكيكها، ونقد مرجعياتها، وإعادة تشكيل المفهوم في إطار قيم الدين والقيم الإنسانية النبيلة.

تاريخ المفهوم

إن المجال التداولي لمفهوم الولاء، يضعه في سياق دلالات لغوية، يقتصر فيها التبادر على معنى النِصرة والولاية أو القيمومة، كمفاهيم مألوفة وشائعة، ضمن النسق الاجتماعي القَبلي، المسكون بالعنف، وتكريس ثقافة "المولى / السيد" و"المولى / العبد". وكلاهما جوهره الولاء. غير أن المجال الدلالي للمفهوم أعمق ضمن سياقات دينية، فيشمل لوازمه، حتى اكتسب أهمية في صراع الهيمنة الأيديولوجية، إبان البعثة النبوية، وتموضع داخل خطوط التحدي لمنظومة العقيدة الإسلامية. ثم وظّفه الخطاب الطائفي لاحقا، ورتّب عليه ثنائية الإيمان والكفر، ارتكازا لمقولتي: (التولي والتبرئ). من هنا سيكون تحري شرعية هذه المقولات وغيرها واجبا، لردم إحدى بؤر اللاتسامح الديني، ومصدرا لنبذ الآخر وتكفيره وحرمانه من حقوقه. فثمة أحكام إقصائية ترتبت على المفهوم لا فقط مجرد رؤية نظرية أو مشاعر إيمانية، ونحن بصدد التعرّف على مرجعيات الفقيه، ومقولاته التي يتكئ عليها في استنباط الأحكام الشرعية، والتي تسببت في تضخم الفتوى والأحكام، وظهور الفقه السلطاني، والحيل الشرعية والالتفاف على قيم الدين، وتدجين الأخلاق، سيما عندما يرتّب أحكاما على المقولتين المتقدمين، تستوجب موقفا دنيويا، وجزاء أخرويا. وما كان للفقيه كل ذلك لولا مرونة النص، فينبغي ضبط دلالاته وشروطه، تفاديا لأي توظيف طائفي، يتعارض مع القيم الدينية والإنسانية.

الولاء لغة واصطلاحا

الولاء لغة: التتابع بغير فاصلة. المحبة والصداقة. وفي مفردات غريب القرآن: (ولي: الولاء والتوالي، أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد. الولاية النصرة). وجاء الأصل اللغوي للكلمة بصياغات واشتقاقات مختلفة: كالولاية، الولي، المولى، ولكل مفردة معنى ضمن سياق الكلام يظهر جليلا في القرآن، فتعددت معانيه، كما أشار في معجم الفروق اللغوية. كالقيمومة والتدبير والصحبة والنصرة والادارة والمحبة وحق التملك والتصرف.

والولاء اصطلاحا: ميل نفسي للتعاطف يستوجب النصرة والوفاء والإخلاص.. ومنحه ولاءه، أي نصره وثَبت معه.

لكن يمكننا صياغة تعريف أعمق دلالة:

 "الولاء: مبدأ أخلاقي يفرض موقفا أيديولوجيا، يستلزم الانحياز والمسؤولية". وعندما يكون مبدأ أخلاقيا سيفرض محدداته، ويصبح قيمة عليا، لا يشترط مطابقته للحق بل الحق ما تمليه قناعته وإرادته، (إنصر أخاك ظالما أو مظلوما).

وعلى صعيد السياسة يعني الولاء: تبني الموقف الحزبي، والعمل وفق مقتضيات مصالحه. والمراد بالولاء الوطني: تكييف الموقف الشخصي مع مقتضيات ومصالح البلد. وهكذا الولاء الديني، يعني التضحية في سبيل مبادئه وقيمه. والولاء الإيماني، تضامن حد الإيثار مع المؤمنين: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ). فيكون في جميع هذه الأصناف موقفا أيديولوجيا ينبثق عن قناعة نفسية، ورؤية محددة لعلاقة الأنا بالآخر، قائمة على تفسير وجودي وأخلاقي. فولاء الفرد ينبثق من حب الذات ومصالحه التي ترتبط بانتمائه ومكانته الاجتماعية والاعتبارية. فيكون ضربا من الإخلاص للنفس، وانحيازا مطلقا لاستقلاليتها ووجودها. فليست ثمة خسارة أو تضحية من طرف واحد، بل ولاء متبادل. أنت تعطي لتنتزع اعترافا رسميا بشخصيتك واعتبارك، في مجتمع تقوم فيه العلاقات العامة على مبدأ الولاء والعصبية القبلية. فهو سعي حثيث لتفادي تداعيات التهميش، الاجتماعية والنفسية.

قلق الولاء

يدشن الدين، أي دين، مشروعه الدعوي بطرح مفاهيم ورؤى مغايرة لما هو مألوف ومتعارف، عن الخالق والكون والإنسان والعقيدة والتشريع، والعلاقات الشخصية والاجتماعية. ويضفي معانٍ جديدة لنسق المفاهيم المتداولة، والتي منها مفهوم الولاء، من خلال سلب شرعية ما يتعارض مع عقيدته، وجعله خالصا لله: (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). وفق فهم جديد للمفهوم يقوم على ذات المبدأ العقدي: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ). لا أن شرعية الثاني تتوقف على سلب شرعية الأول، بل لأن الولاء بمعنى القيمومة والنصرة يكون أصالة وبالذات لله تعالى، باعتباره خالق السماوات والأرض وقادر على كل شيء. فالآية لا تسمح بأي ولاء خارج منظومة التوحيد، وسعت لاسترداده، فتكون ناظرة له باعتباره فعلا إراديا، يمكن للدين إعادة توجيه بوصلته، وإثرائه بدلالات تخدم مقاصده وغاياته. فعندما تقول الآية "ما لكم" تؤكد قدرة الفرد على التصرّف بولائه،  فيكون فعلا إراديا، يبعث على القلق ما لم يحرز ضمانه بشكل مطلق. لذا يأتي اهتمام القرآن بالولاء انسجاما مع رسالته، الهادفة إلى إعادة تشكيل المفاهيم وفق مبدأ توحيدي لضمان ولاء الفرد، يقوم على مركزية الخالق في العبادات، ومركزية الإنسان في التشريعات. وبالفعل أولى المشاعر اهتماما فريدا، وسعى إلى أدلجتها وفق ذات المبدأ، خاصة مشاعر الولاء، التي هي تجلٍ لموقف أيديولوجي مسبق، يستلزم الانحياز والمسؤولية. لذا لم يقتصر الخطاب القرآني على مكافحة ولاء الأديان والثقافات المناوئة لعقيدة التوحيد، بل سعى إلى تعميق الولاء الديني، وحذر من آثار الموروث الثقافي والقَبلي، مما يكشف عن ريبة ومعاناة سببها قلق الولاء لدى حديثي الإسلام، ممن وجدوا أنفسهم في مواجهة آبائهم وأبنائهم وعشيرتهم وجها لوجه. الأخ يقتل أخاه، ويقتل الإبن أباه أوالعكس، وفق معادلة جديدة لم يعهدها الفرد العربي فيبدو قلق الولاء أمراً طبيعيا ما لم ينسلخ الفرد من ولاءاته القديمة. حيث ينتمي لشعوب متخمة بالولاء القَبلي، حدا لا يمكن انتزاعه بسهولة. لأنه أساس تكوينهم العقلي، ومصدر قوتهم وعصبَتِهم. فعملت الآيات على تحديد المفهوم ولوازمه وانعاكساته على التربية وما يترتب عليه من أحكام وتشريعات. واستأثر بمصفوفة آيات، شنت حربا نفسية ضد الآخر. لتكشف عن خوف وتوجس سببه حساسية الولاء وعدم القدرة على الإمساك به خارج إطار قبلياته وظروف نشأته، وهو يقيم علاقة جدلية بينه وبين مشاعر ومواقف الإنسان. فكما يفرض محدداته وسلطته على المشاعر، كذلك تسعى المشاعر لتكييفه وفقا لميولاتها، مهما اختلفت مناشئها. 

دلالات المفهوم

الولاء مفهوم مألوف، قد يبدو بسيطا في دلالاته، غير أنه موارب، ينطوي على فلسفة عميقة، ورؤية فكرية بغض النظر عن مدى صوابها ومطابقتها للواقع. فالولاء  كما تقدم تعريفه موقف أيديولجي، ينبثق عن قناعة نفسية، تتشكل في مرحلة التلقي الأولى، حيث تترسب المعاني والمفاهيم لا شعوريا، وتترعرع المشاعر وما يرافقها من دلالات لغوية ومشاعر نفسية، لتواكب إدراك الطفل ثقافيا ومعرفيا. ورغم بساطتها ونزعتها النفسية اللاشعورية، غير أنها تنتمي لصورة ذهنية، مهما كانت بسيطة وساذجة، تعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية المحيطة به. فترى الذهن ينسج صورا وهمية تتوالد في ظل تفاعلات نفسية تتطور مع كل مناسبة وحدث، وجميعها ترسو لا شعوريا، وتتداخل مع مقولاته الأساسية، وبنية الوعي الأولى، فتكون راسخة، لا تتزعزع، لصعوبة رصدها وتحديد أسبابها لاحقا. وكما تؤثر المشاعر في مواقف الإنسان من الأنا والآخر، وتتحكم بعواطفه، واتجاهات علاقته، فأيضا تتحكم في تكوين الولاء واتجاه بوصلته. فالمشاعر القَبلية تفرز ولاء عصبويا، يتفاعل معها الضمير، الذي هو الآخر وازع نفسي. فتفرز المشاعر الإنسانية ولاء إنسانيا، وتفرز الدينية ولاء يماثلها. وعلى جميع المستويات يعمل الضمير مجسا لقيم الفضيلة حينما تتهاوى أو تضعف، أمام أنانية الإنسان، ومصالحه الشخصية مهما كانت تداعياتها على غيره، فتكون على حساب قيم العدل والفضيلة.

نخلص أن الانقلاب المفاهيمي لقبليات الفرد لا يكفي لتحييد ولائه مطلقا، فضلا عن الرهان عليه، وهذا سرّ قلق الولاء الذي توحي به بعض الآيات وهي تخاطب المؤمنين بنبرة تحذيرية شديدة. لأن الإرادة لا تخضع للعقل دائما، وتفرض حولها يقينا نفسيا تتماهى معه، وقد تستدرج العقل لتحقيق مآربها، رغم أنها لا تستغني عنه، فيكون مثلها مثل جهاز صغير، يعمل بالطاقة الكهربائية، مهمته قطع التيار الكهربائي. فهو يستمد منها طاقة لحركته الذاتية، لكنه يعمل وفقا لنظامه الخاص. فكذا الإرادة، فإنها لا تنثني مهما كانت موضوعية المبررات العقلية، ما دامت تنتمي لمنظومة مختلفة، ترتبط بالجانب الشعوري، وتتأثر باللاشعور والخزين العاطفي والنفسي، وترتكز لليقين الداخلي أكثرمن اليقين العقلي الاستدلالي، فتجد انسجاما تاما معه، فلا تعارضه، بل تتماهى معه، وتنطلق عن قناعة نفسية، خالصة تارة وأخرى مزيجا من اليقينَين العقلي والنفسي. وهذا أحد أسباب قلق الولاء، إذ كيف يمكن سلخ المؤمن من ولاءاته القديمة اللاشعورية، واستبداله بولاء جديد، في المواجهات العسكرية، ضد قومه وأهل بيته؟ ولاؤه الأول نمى وترعرع داخل فضاء النفس وخلجات الروح. وارتبطت به مشاعره ومصالحه، فكيف يمكن للدين الجديد سلخه عنه بهذه السهولة، ما لم تتزعزع قناعاته النفسية فضلا عن عقيدته ومبادئه التي قام عليها الولاء.

وأما السبب الثاني لقلق الولاء هو أولوياته، التي يتقدم بعضها على الآخر، شعوريا ولا شعوريا، ويكون وفاؤه دائما للمشاعر الأصيلة التي اختبر حقيقتها وصدقيتها. فولاؤه أولا لدائرته الخاصة، بيته الذي ترعرع فيه، واستنشق أول مرة بين جدرانه رحيق الحنان والحب والعطف والاهتمام به وبمصالحه ومستقبله. ثم عائلته الأكبر وعشيرته حتى قبيلته على المستوى الاجتماعي. ويتعاطف مع معتقداته الموروثة، قبل أن يعي حقيقتها، ولن يتنازل عنها إلا بالنقد والمراجعة، وتمحيص النفس في كل مناسبة، فقد ارتبطت بها هواجسه ومخاوفه وآماله، وهي نافذته على الغيب والسماء، فكيف يستغنى عنها وقد انعجنت بوجدانه وروحه ومشاعره؟. وعلى صعيد العلاقات الإنسانية، يتضامن مع أترابه ورفاقه، ثم حبيبته. وفي جميع هذه العلاقات يعتبر نفسه ملزما بالولاء، فهو تضحية في مقابل منفعة تحقق مصالح شخصية، بعضها يتوقف عليها وجوده بمعنى التحقق وليس الكينونة. فالولاء مقابل الاعتراف وعدم التهميش، وتعميق الانتماء الاجتماعي، وهي قضايا مصيرية في المجتمعات القبلية، التي يكون الفرد فيها ابن عائلته وبيته وقبيلته، ولا قيمة له خارج منظومة القيم الاجتماعية، فيندفع لا شعوريا لتعزيز انتمائه ووجوده الاجتماعي، كشرط أساس لتأكيد الذات واشباع حاجتها للاعتراف. فينطلق الولاء عن قناعة، ارتبطت بمصالحه ووجوده الاجتماعي. فهو كما يمنح عائلته وقبيلته ولاءه، يكسب اعترافا رسميا به، ويضمن حمايته الاجتماعية والأمنية، في ظل مجتمعات متوحشة، يسودها العنف، وصراعات الهيمنة، فهو بحاجة ماسة لها. حاجة تكبر معه وتتطور. ولا يقتصر الأمر على الانتماء القبلي بل الأمر ذاته في جميع المجتمعات، مهما اختلفت ثقافاتها وتوجهاتها العقدية، ولا يتنازل الفرد عن ولائه، ما لم يضمن بديلا يحقق له مصالح أكبر، من منطلق حب الذات، الذي هو مبدأ فطري. فهو وفقا للمنطق البراغماتي النفعي، قد تحقق من جدواها، فأخذ وأعطى.

 ثمة سبب آخر يجعل الفرد ينحاز لا شعوريا لولاءاته الأصيلة، المتمثلة بالتضامن حد التضحية لأفراد عائلته، فهم الحاضنة العاطفية التي تربى في أجوائها، ونهل من صدق مشاعرها، وتعاطفها معه، فارتوت بالوفاء حد اليقين المطلق، ساعد على ذلك الأعراف والتقاليد الاجتماعية، مما عزز وحدة الولاء. فالدفاع عن أهله دفاع عن نفسه، والدفاع عنهم وفاء لأخلاصهم ومحبتهم ومعروفهم. فهناك ثمن قيمي يجعله مرتهنا في ولائه لهم، وهناك مصالح مشتركة واعتراف متبادل.

كل ما تقدم وغيره يجعل الولاء أمرا فائق الخطورة ما لم يضمنه الدين الجديد، فلا غرابة حينئذٍ في اهتمام الكتاب الكريم بموضوع الولاء، وطريقة معالجته، وإعادة تشكيل مفهومه، ارتكازا لمبدأ الوحدانية، الذي هو قوام الدين الإسلامي. فالولاء خطير في دلالته كما يظهر من الآيات وسياقاتها المختلفة. وكان الولاء قبل البعثة، يمثّل هوية الفرد في النظامين العبودي والقَبلي، وكان يتوقف عليه وجوده وانتماؤه واعتباره الاجتماعي. وثمة ارتباط نفسي ومصيري، يدفعه للتضحية والانتصار لأجله، فكيف يمكن للدين سلخه ومصادرته، ما لم تتشكل قناعة كافية من قبل المؤمنين أنفسهم.

لكن ثمة سبب أهم يتعلق بقلق الولاء، سببه:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق13) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

وعي المفهوم

ماجد الغرباوي: رغم انضباط مفهوم الاصطفاء قرآنيا، غير أنه وظّف لتزوير الوعي، وتكريسه لمصالح طائفية ومذهبية وسياسية، أكثر مما كان عليه قبل الإسلام. ومازالت المجتمعات الدينية أو المسكونة بالغيب، تعاني من تبعات أوهام الحقيقة. وتكمن خطورة المفهوم في دلالاته ولوازمه وما يترتب على الإيمان به من مشاعر وأحاسيس ترتبط بمصيره وآخرته. فهو مفهوم موارب، يبعث على الرهبة والخوف، بفعل صورة مرعبة يرسمها الخطاب الديني، فيخضع الفرد لا إراديا لهيمنتها. وبالتالي يترتب على وعي المفهوم، ما يلي:

- قدسية المُصطَفى: بمعنى تعاليه على النقد والمحاسبة، كلازم للمفهوم في وعي المتلقي.

- حجية سلوكه وأقواله مطلقا: باعتباره مثلا أعلى للكمال الديني – الإنساني.

- ولايته: التي يستمدها من ولاية الله، وفقا لدلالات بعض الآيات. وليس المقصود بالولاية خصوص الولاية السياسية بل الأعم، كولايته على المؤمنين أو أوسع من ذلك.

- وجوب موالاته وعدم خذلانه أو التخلف عنه.

- يكون مقياسا للحق والباطل: وقد ينسب له علم الغيب والتفويض والولاية التكوينية.

هذه هي صورة المُصطفى في أذهان الناس، فهي صورة أسطورية، عززتها نصوص تراثية. والأخطر من تداعيات المفهوم وتوظيفه، أنه لم يعد حكرا على المشيئة الإلهية كما هو صريح القرآن. وغدا حقا نبويا بفعل تأويلات متحيزة لبعض آيات الكتاب. وهذه من أعقد القضايا، ما لم يُقتصر على القرآن مرجعا وحيدا للعقيدة الدينية، كما هو مقتضى آية كمال الدين (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، والدين شامل للعقيدة والشريعة. وإلا ستفقد العقائد ضابطتها القرآنية، وتصل حد الغلو الصريح، والتموضع داخل اللامعقول على حساب العقل. من هنا أجد من الضروري تحديد المفهوم وصلاحياته قرآنيا، للحد من التمادي في توظيفه، واستغلاله من قبل الخطابات الطائفية والسياسية، وما يرتبه الفقيه عليها من فتوى تحت عناوين أولية أو ثانوية. فمن يؤمن بكمال بعض الرموز الدينية يرتّب على إيمانه آثارا عقائدية كالعصمة، التي تستلزم هيمنته على الأحكام الشرعية، وتكون آراؤه حجة مطلقة، وبالتالي يرتّب الفقيه عليها آثارا فقهية واسعة. وهذا مكمن الخطر في دعوى الاصطفاء. لذا وفقا للفهم القرآني لا مصداقية لأي اصطفاء ما لم يدل الدلاليل القرآني عليه، كالأنبياء.

ثمة حقيقة أن الاصطفاء يحول دون التسامح الحقيقي القائم على الاعتراف بالآخر شريكا بالحقيقة والذي يستلزم الاعتراف بحقه في التعبير عن رأيه وعقيدته، لأن المصطفى مصداق للحقيقة. وهذا يدفع باتجاه التعالي على الآخر، من منطلقات إيمانية تنتمي للعقل التراثي، الذي يتخذ من احتكار الحقيقة مبدأ في تعامله مع الآخر، ويرفض التسامح الحقيقي معه، بل يسعى دائما لمصادرته. لذا يقتصر قرآنيا على الأنبياء، ولا يمتد اصطلاحا لغيرهم. وهذا لا ينفي وجود مقامات إيمانية وروحية عالية، لكن الاصطفاء شيء مختلف.

المفهوم قرآنيا

اهتم القرآن بمسألة الاصطفاء، على خلفية الواقع العبادي وارتباطه بالاصطفاء، وما يترتب عليه من التزامات سلطوية، حيث ساهم المفهوم في تزوير الوعي، وشرعنة عبادة غير الله، كالأصنام، فضلا عن الهيمنة السياسية التي استمدت مقوماتها منه. بل أن الاصطفاء مرجعية عقدية على امتداد تاريخ الأديان، بفعل أسطوريته، وقوة دلالالته، وايقاعه النفسي. فالاصطفاء امتياز يقمع التمرد والمعارضة، والمُصطَفِي (الذي يصطفى ويختار) هو الله، بقدسيته وعظمته. فالفرد يكتسب بالاصطفاء ميزة وخصوصية، تفرض محدداتها وسلطتها التي قد تكون مرعبة أو اسطورية، تتفاقم وسط فضاء معرفي - تراثي، وكلما تضخمت صورته كلما اتسعت صلاحيته حدَ الولاية على الأموال والأنفس والكائنات بشكل تدريجي. ومردود هذا التصور استغلال الفرد وطغيان سلطة "الملأ"، ويكفي الوضع المزري للعبيد آنذاك، ممن قامت على أكتفاهم حضارات يفتخر بها الناس، دون تقدير لحجم التضحيات والدماء التي سفكت والأجساد التي سقطت تعبا وإرهاقا، من أجل تمجيد أرباب سياسية، وحماية سلطتهم. من هنا تأتي حساسية الكتاب الكريم تجاه هذا المصطلح فعمد لبيان خصائصه وشروطه بعد أن بين فلسفة احتكاره من قبل الخالق. لكن رغم ذلك مازال الخطابان الطائفي والسياسي، يسعيان للتشبث به لشرعنة سلوكيات وأفعال وعقائد بعيدة عن قيم السماء. وقد سلطت الآيات 73-76 من سورة الحج ما يكفي لفهم مفهوم الاصطفاء ودلالته، وصلاحياته واختصاصه.

الاصطفاء لغة: الاختيار والتفضيل. وأما قرآنيا فالمفهوم يستبطن تفضيلا وتزكية تصل حدَ الكمال، وهي غاية طموح المؤمنين. (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). وهذا سرّ خطورته عندما يوظف في غير محله، وتتفاقم تداعياته، حدا يتخلى الإنسان عن عقله ويعبد حجارة لا تضر ولا تنفع. لذا بدأت مصفوفة آيات سورة الحج بتسفيه منطق العبودية القائم على الجهل والخرافة وانتزاع صفة الاصطفاء عنه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ). فكيف يكون من المصطفين، وهو بحالة بائسة من الضعف والهوان؟. ففي الآية تحدٍ للعقل الجمعي من خلال قضايا حسية وبرهانية.

ثم تولّت الآيتان التاليتان بيان خصائص وفلسفة الاصطفاء، لتضع المؤمنين أمام صورة واضحة، لتحصين الوعي الإيماني، وتفادي أي انزلاق يؤدى إلى استغلاله، فقالت: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ). فيمكن الاستفادة من الآيتين ما يلي:

- حددت الآية مصدر الاصطفاء، بشكل سلبت أية جهة أخرى صلاحيته، ولازمه تكذيب كل دعوى لم يصرّح بها الكتاب الكريم أو لا تنطبق عليها شروطه.

- لا فرق في الاصطفاء بين الملائكة، الذين هم كائنات روحانية، تأتمر بأوامر الله، و(لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وبين الناس، عموم الناس، غير أن الاصطفاء يجرى وفقا لمعايير خاصة، ترتبط بالتزكية وقيم تفاضلية تختص بالرسالات. بدليل قوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ "رُسُلًا"، وبما أن تزكية الملائكة مضمونة، "لا يعصون الله ما أمرهم". فلابد من وجود معيار آخر للتفاضل، يرتبط بالرسالات: "الله يصطفى من الملائكة رسلا". تكون مهمتهم رسالية. فتقدير تكملة الآية: و"يصطفى" من الناس "رسلا". فالرسالات وشؤون النبوات هو غاية الاصطفاء، الذي يرتكز للتزكية والتفاضل في جملة مقومات ذاتية ونفسية قادرة على تحمّل أعباء المسؤوليات بصبر وبصيرة وثبات. فليس كل مؤمن مؤهلا لتلقي الوحي الإلهي: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا). ويقصد بالثقل ثقل المسؤولية النبوية ومختلف تحدياتها.

- ثم بينت الآية الثالثة السبب الرئيس وراء اختصاص الله بالاصطفاء، لأن المفهوم يستبطن "التزكية" و"التفاضل"، وكلاهما أمر نفسي خفي، لا يمكن إدراكه وتحديد مستواه سوى خالق الإنسان، فحتى النبي ومنزلته العظيمة يخاطبه الله بشأن بعض المنافقين ويقول له: أنك لا تعلمهم (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ). دليلا على شدة خفاء القضايا النفسية، فكيف بمسؤولية الرسالات السماوية وما يرتبط بها؟. فالتزكية المطلوبة في الاصطفاء تختص به تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا)، لأنه كما تقول الآية التالية (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). من هنا يطالب القرآن النبي الاعتراف بوهنه وضعفه وعدم علمه بالغيب: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، فربط نفعه وضرره بالمشيئة الإلهية وسلب عن نفسه الإرادة في هذا المجال. كما اعترف بجهله وعدم علمه بالغيب: "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء". لأنه إنسان يندفع فطريا لمراعاة مصالحة، وتفادي كل ضرر، فكيف يعلم الغيب ولا يتفادى الضرر، كالمرض والخوف والجوع والتهديد والمخاطر، وغير ذلك. فالآيات واضحة في بيان سبب اختصاص الاصطفاء بالله تعالى، حيث جاءت تكملة الآية السابقة وما تلاها: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ). لماذا الله وليس غيره؟. تجيب الآية:

ا- إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ،

ب- يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ

ج- وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.

بهذه الخصائص الفريده يمكنه تعالى تحديد مستوى كمال النفس البشرية وقدرتها على تحمّل أعباء رسالات السماء. فمستوى كمال النفس، تزكيتها، وقدرتها على تحمّل أعباء الأمانة الكبرى، هي القيمة التفاضلية التي تم على أساسها الاصطفاء. (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). والنبوات جزء من الأمانة الكبرى.

وبالتالي لا يلزم من الاصطفاء وجود طبيعة بشرية مختلفة، أو أن المصطفى يختلف في طينة خَلقه ونقاء دمه وعنصره، كما يدعي الخطاب العنصري، وخطابات الغلو الديني والقَبلي، لأن الناس خُلقوا من نفس واحدة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). وهذا لا ينفي وجود خصال حميدة تتسم بها بعض القبائل كالكرم والشجاعة، لكن الكلام عن وجود اصطفاء إلهي لقبيلة دون غيرها.

أما لماذا ينسب التفضيل لنفسه؟

والجواب: إن نسبة التفضيل لنفسه لا ينفي شرط المقومات الذاتية. أما التفضيل النهائي فهو شأن إلهي: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ). كما في تكملة الآيات المتقدمة. وأما المقومات الذاتية فتبقى شرطا على أساسه يتم التفضيل النهائي، وهو الغاية من تصريحه أنه: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ). فالعلم ما بين أيديهم وما خلفهم بمعنى الخبرة، والعلم بحقائق الأمور. فلا مصادرة، ولا تناقض.

الاصطفاء والآل

إن ما تقدم لا يمنع أن يتصف قوم من الأقوام بخصائص مشتركة، تؤهلهم للاصطفاء، كما بالنسبة لآل إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ، وهذا ما تشي به آية: (وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ)، لكنها لا تعني شمولها لجميع الأفراد، بعد أن ذكر أسماء الأنبياء منهم فقط. ولو كان للسبب مدخلية في الاصطفاء لصرّح بذلك، فعدم تصريحه ينفي هذا الاحتمال بموجب مقتضيات الحكمة، أن ما يريده يقوله، وما لم يقله لا يريده مادام في مقام التشريع والبيان. فالاصطفاء من قبل الله، لأنهم من "الأخيار"، وإن لم يظهر التعليل واضحا في الآية، لأن الاصطفاء كما تقدم، يتم وفق خصائص ذاتية مرتبطة بالفرد، منها أن يكون من "الأخيار"، وأخرى موضوعية تخص المحيط الثقافي والعقائدي، باعتباره ساحة نشاطه النبوي.

و"الأخيار"، مفهوم عميق، يحيل على تجارب روحية للعارفين بالله، حيث يتوهج الإيمان في أعماق نفوسهم، ويبلغ درجة اليقين وربما عين اليقين، لا تراودهم الشكوك، ولا تثبّط عزيمتهم التحديات، (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا)، فينعكس على سلوكهم ووقارهم، وقوة ثباتهم أمام مغريات الحياة، فالأخيار كلمة أبلغ من الوصف يدركها من يعاشر هؤلاء الناس، ويتعرّف عليهم عن قرب، بل أن سلوكهم وأخلاقهم وإيمانهم شاهد على ذلك، فلديهم استعداد ذاتي يؤهلهم لمنصب الاصطفاء، وكل مؤهل ذاتي يطوّر التجربة الدينية، ويتعهده الله بلطفه وعنايته، وهذا ما تقوله الآية: (وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ). وليس المقصود بالجهاد القتال بل الأعم، وهو مجاهدة النفس وتقويمها بالعمل الصالح. فتجد أوصافهم في قوله تعالى: (وعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا).

كما لا ننسى أثر البيئة الصالحة، ودور الأخلاق والتربية السليمة في خلق جيل متجانس من حيث الصفات الحميدة، والاستواء سلوكيا، خاصة أن العقل الجمعي يلعب دورا فعالا في إثراء التجارب الدينية والأخلاقية. وطالما نشير إلى طيب أخلاق بلدة أو قوم باعتبارها صفة غالبة. فهكذا هم آل عمران وآل ابراهيم، بيئة رحمانية صالحة لانبثاق الانبياء، وسيادة قيم الخير والمحبة والسلام والارتباط بالله خوفا وتقوى وتسليما. فتجد أن إيمانهم فطري سليم، ورؤيتهم الكونية نابعة من تفكيرهم ومن أعماق تجربتهم الروحية وعمق إيمانهم.

يبقى سؤال:

1- هل يترتب على اصطفاء الأنبياء أثر رجعي فيشمل من ينتمي لهم نسبا وهم عشيرتهم وقبيلتهم؟

- وفقا للمدونات التاريخية والمرويات الدينية، إن أشد ما عانىاه الأنبياء خلال مسيرتهم الرسالية هم أقوامهم وعشائرهم والمقربين منهم. وقد عانى النبي من قريش ما لم يعان منه نبي آخر، حتى قال: "ما أوذي نبي مثلي"، وطالما هدأت الآيات من روعه: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلً)، (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا). وكان في مقدمة قريش زعماؤها، وهم عمومة النبي، أبو لهب وأبو سفيان، والملأ من قومه. فكيف يشمل الاصطفاء مَن حارب الله ورسوله؟.. بل كان التواد محرما على أصحابه: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ). بهذا تفهم قيمة الروايات التي تقول باصطفاء قريش وتفضيلهم على غيرهم من الناس، بل كان تفضيلهم وفقا للقيم القَبلية القائمة على الاستبداد والتفرد والتسلط، ومصادرة حقوق الناس واستغلال طبقة العبيد. فالقرآن يكون حاكما على تلك الروايات ويسلبها قيمتها وحجيتها.

2- هل اصطفاء قبائل الأنبياء والمرسلين شرط لاصطفائهم، كما قد يفهم من الروايات الدينية والتاريخية، منقولا عن النبي الكريم. أو باعتباره لازما لها؟. فقد جاء في شرح النووي على صحيح مسلم باب الفضائل قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانه، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم). وقال: (إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً وخيركم نسباً). إلى غير ذلك من روايات تمجد قريش خاصة.

- إذا كان اصطفاء قبائل الأنبياء والمرسلين شرط لاصطفائهم، فلا مبرر لبعثتهم. الاصطفاء مسؤولية رسالية وليس تشريفا، وإن تضمن ذلك. مسؤولية تغيير الواقع، وتقويم أمته وانحرافه. وقد انبثق الأنبياء وأوحي لهم، في داخل بيئات اتصفت بالكفر والشرك كما في المصطلح القرآني. أقوام غوت وطغت وفسقت وظلمت وجارت. فجاءت الرسالات لتطرح دينا جديدا، ينتشل الوعي،ويعيد تشكيل العقل الديني.

3- هل يلزم من اصطفاء النبي اصطفاء أبنائه وأهل بيته؟

- لا ملازمة بينهما، إلا إذا اقتضت الضرورة كما بالنسبة لموسى وهارون، حيث استجاب الله لدعوة موسى واصطفى هارون ليشد به عضده، فوصفته الآية بالرسول: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وصرحت آية أخرى بنبوته: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا). ولا يمكن القياس عليها لأن موسى قد ذهب إلى ربه يلتمسه الاصطفاء لهارون، بعد أن بين الأسباب والضرورات: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي،) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ... قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ)، فنفهم أن الوزارة والإمامة والاصفطاء كلها مناصب مرتبطة بالمشيئة الإلهية، ولم يفوضها لغيره. وبما أنها كذلك فتتوقف على وجود نص قرآني صريح. ولو كانت شأنا نبويا لاتخذ موسى قرارا شخصيا دون الرجوع إلى ربه. لكنه يعلم أن الله لا يشرك بقرارته وأحكامه أحدا: (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا).

بشكل عام للأنبياء ومنهم محمد بن عبد الله شخصيتان، شخصية رسالية وشخصية نسبية. في الشخصية الأولى يكون على مسافة واحدة من الجميع، باعتباره نبيا مرسلا لهم: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). والكلام هنا عن الاصطفاء الإلهي الذي يتطلب التصريح، ولازمه النبوة والمسؤولية الرسالية، وإلا فلا شك أن أخلاق النبي وسلوكه تنعكس على أهل بيته، ويتأثرون به، وترتقي نفوسهم، ويقوى إيمانهم. دون الاصطفاء الإلهي، وهذا واضح في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، فالآية جاءت بعد بيان أحكام مشددة وثقيلة فرضت على نساء النبي وزوجاته، فنزلت لتهدّئ من خواطرهن، وتبيّن فلسفة التشريع بخصوص هذه العائلة المباركة، فربطت التطهير بالاستقامة، ولم تؤسس لتزكية مطلة أو عصمة كما يرى بعض ذلك.

فالاصطفاء الديني مرتبط بالمشيئة الإلهية، ولا يمكن توظيفه لشرعنة أية سلطة سياسية أو دينية أو روحية خارج دائرة الرسالات، وهذا ما تقتضيه، آيات الكتاب الكريم كما تبين آنفا. وبالتالي فالقريشية شرط قَبلي لا علاقة له بالدين، والاصطفاء دائرته الرسالات السماوية وخصوص الأنبياء، كشرط ثانٍ لصدق النبوة بعد الوحي. وكل ما هو خارج هذه الدائرة يحتاج لدليل قرآني بخصوصه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي14خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق12) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

التراث والسلطة

ماجد الغرباوي: يبقى التراث منجزا بشريا يحتفظ بتاريخيته، وعدم تعاليه على النقد والمراجعة، مهما بالغوا في قدسيته. ويبقى مرتهنا في إطلاقه وتأثيره لمتانة مبانيه ومبادئه وأسسه، بما في ذلك الفقه الإسلامي الذي يشتغل على نصوص الكتاب والسنة. وأما على الصعيد العقدي والحقائق التاريخية فلا يمكن الركون له مطلقا، ما لم ترث رواياته العلم واليقين، ودونها المستحيل مع وجود فارق زمني أمده قرابة 15 قرناً، وكثرت الإشكالات التي تحوم حوله، إضافة لمشكلات التدوين والإسناد والنقل الشفاهي الذي سبق مرحلة التدوين بمئة وخمسين عاما أو يزيد. الشك.. قدر التراث، فكيف يكون دليلا على الحقيقة؟. لكن رغم ذلك تجد العقل التراثي مرتهنا له، منقادا لإرادته. لذا فإن نقد التراث مسؤولية لتفكيك سلطته، والكشف عن حقائقه، بعد إلتباس المقدس بالمدنس، والقَبلي بالديني.

إن فضح التراث سيساسهم في ترشيد الوعي، الذي مازال مرتهنا لوقائعه وأحداثه. ومازال الفرد منشدا لماضيه على حساب حاضره ومستقبله، بسبب تزوير الحقيقة وقوة الخطاب المثيولوجي، الذي يؤسس لأسطرة الرموز الدينية والتاريخية، ويضرب حولها أسيجة قدسية قوامها الخرافة واللامعقول، ولم يصمد أمام النقد إلا النزر القليل من مقولاتها. فنطمح لسلب التراث قدسيته وسطوته، من أجل الحقيقة، والعودة إلى الذات لاكتشافها إنسانيا ووجوديا، وتقويمها وفق مقولات عقدية وأخلاقية تستمد صدقيتها من الكتاب الكريم عندما تكون القضية دينية، ومن العقل والقيم الإنسانية عندما تكون دنيوية. إن التحرر من سطوة التراث خطوة أولى للنهوض الحضاري، والتخلص من تبعاته وآثامة وأوزاره. (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وبهذا السياق نسعى للتميز بين ما هو ديني وقَبلي للكشف عن مدى مشروعية المبادئ التي ارتكز لها الفقه السياسي للمسلمين. فثمة جدل لا ينتهي حول شرعية السلطة دون مقاربة المبادئ التي قامت عليها. وعليه، يبقى شرط القريشية في شرعية الخليفة، مبدأ قبليا، عنصريا، كرّسه وجود مهيمن ثقافي يرتهن في وعيه لقيم العشيرة، كان حاضرا بقوة يدفع باتجاه المضي بالبيعة وفق ذات المبدأ القبلي (القريشية وحقها في السلطة والزعامة). من هنا ثمة أسئلة تفرض مشروعيتها حول مشاغل الدين، والإسلام تجاه الثقافة السائدة آنذاك. فالنزعة القبلية واصلت حضورها، على امتداد خلافة المسلمين، وبقي السلطة مرتهنة لقريش، كشرط أساس لمشروعيتها، فكانت السلطة مؤسسة قبلية، تتخللها الشورى، وكانت قريش تتقدم الصحابة حتى في عدد روايات الفضائل ورصيدها الرمزي، الذي هو رصيد قَبلي قبل أن يكون دينيا، ثم كان عثمان ضحية سياسة ولاءات قبلية أحدثت منعطفا حادا في تاريخ المسلمين. ويكفي أن نظام التوريث شاهد على قوة رسوخ العصبية القبلية لدى الدولتين الأموية والعباسية. ويطرح استفهامات عن موقف الدين منه. وأما على صعيد المعارضة فإن نظرية الإمامة الشيعية قائمة على مبدأ التوريث/ أهل بيت النبي / الأئمة من أهل البيت. تختص السلطة بهم، ولا تنتقل لغيرهم، فالنسب له مدخلية في اصطفاء الإمامة.

المسلمون كغيرهم من الشعوب نتاج بيئة توارثت قيم العبودية قرونا مديدة، فهي جزء من تكوين الوعي الجمعي، بشكل يستغرق وعي الذات والآخر. وبشكل يستمد الفرد مشروعية سلطة السيد / الشيخ من ذات النظام. وهنا يجب الإشارة إلى نقطة مهمة تفاديا لأي إلتباس مفهومي. ليس المقصود من نقد قيم القبيلة هيكلها التنظيمي الذي هو جزء من تشكيلات المجتمع، لوجود تباين جوهري بين قيم التنظيم المجردة عن قيم العبودية، والأخرى التي تشكل جوهرها. فالتماسك القبلي أحيانا يلعب دورا إيجابيا في تسوية الخلافات، وتحييد النزاعات، فتكون مواقفه إيجابية، خاصة في مجتمعات تحترم كلمة العشيرة العليا، الصادرة عن شيخها. لكن المشكلة في قيم العبودية وسيادة قيمومة السيد حدا مصادرة إرادة الفرد وإلغاء استقلاليته. فالفارق في طبيعة وعي الذات والآخر، في كلا الحالتين. الثانية يكون الفرد مستلب الوعي دائما، وأما الحالة الأولى فهو رقم مؤثر داخل المعادلة السياسية، من خلال إنسانيته. وما نطمح له انتشال الوعي الديني المرتهن لوعي تاريخي عالق بلحظة الخلاف حول السلطة.

شرعية السلطة تاريخيا

تبقى شرعية السلطة إشكالية، مهما تمادت قيم العبودية والعنف والاستبداد والتسلط، وتبقى السلطة تبحث عن مبررات تضمن بها قناعة الفرد وضمان ولاء المجتمع، خاصة عندما يبدأ الملك / الفرعون بتوسيع دائرة سلطته، حيث يعاني ضمان ولاء الشعوب الجديدة ويشك بإخلاصها، فيلجأ لشرعنة سلطته، بمختلف الأساليب، غير أن خيار المرجعية الميتافيزيقية والميثولوجية تبقى ماثلة، ولها أولوية التفاعل مع مجتمعات مسكونة بالغيب والخرافة والخوف من المجهول والمستقبل، فيعمل الخطاب المثيولوجي على سلب الوعي قدرته النقدية، التي هي خاملة أساسا بفعل البيئة وبدائية الثقافة وغياب النموذج الإنساني المنافس. فشرعنة الميثيولوجية للسلطة المستبدة مرت بمراحل، رافقها عنف وارهاب ومصادرة الفرد جميع حقوقه، وتكريس جهوده لتقديس السلطة بل وعبادة الملك / الفرعون. وقد لعب الكهنة ومثقفو العرش وأروقة السلطان آنذاك دورا خطيرا في تزوير الوعي الديني والثقافي.

ثم في مرحلة جديدة لتطور الوعي البشري، وانتشار الرسالات السماوية، تخلت الشعوب عن عبادة "الملوك الآلهة" التي تجلت في الفراعنة، غير أنها ركنت لمبدأ جديد لشرعنة سلطة الملك / السيد، وهو التدخل المباشر من قبل الله تعالى لاختيار الحاكم أو الملك، أو ما يعرف في الفكر السياسي بنظرية: الحق الإلهي المباشر. فهذه النظرية تعتبر السلطة حقا إلهيا، يمنحه من يشاء، وقد اختار الملك مباشرة، فتكون سلطته سلطة إلهية، يجب طاعتها وحرمة التمرد ضدها، وهي سلطة مقدسة، متعالية لا فرق بينها وبين سلطة الإله من حيث صلاحياتها وقيمومتها على الشعب. ولها حق التصرّف به وفقا لمصالحها. وترى أن الله قد فوّض وخص هؤلاء الحكام بالسلطة، بشكل تقتصر فيه مسؤولية الشعب على طاعتهم وعدم التمرّد على سلطتهم. وليس لأحد محاسبتهم سواه.

غير أن الرؤية العقدية لهذه النظرية تطورت إلى: الحق الإلهي غير المباشر، الذي يعني ضمان رضا الخالق في انتخاب الملك / الحاكم الأعلى، وترى أن هداية الله وراء اختيار الشعب لحاكمه. فيكون مسيّرا لا مخيرا في سلوكه وتصرفاته، ولا يجوز محاسبته على فعل خارج إرادته مهما جانب الحق، وتمادى في ظلمه وطغيانه وجبروته.

وهذه النظريات ضاربة بالقدم، وتجد لها أصداء في النظريات السياسية للمسلمين، كبعض الآراء السنية التي تحرّم الخروج على السلطان مهما تمادى. وتوجب طاعة أولياء الأمر مطلقا، فتمنحه حكما ثيوقراطيا. وأيضا السلطة والإمامة بالنسبة للشيعة نص وتعيين من قبل الله تعالى، وتعني قيمومة الإمام وولايته الكاملة، قياسا على: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، التي تنتقل كافة صلاحياتها بحسب ذات النظرية إلى الإمام، ولهم أدلتهم. ثم تأتي ولاية الفقيه بصلاحيات كاملة من الإمام، وتكتسب نفس قيمومته وولايته المطلقة. فيصدق أن نظرية الإمامة والولاية المطلقة للفقيه نظرية ثيوقراطية مفهوماً ومصداقاً. وهذا هو فهم متكلمي وفقهاء الشيعة. أما الإمام علي فله رأي آخر، حيث كان يرفع صوته عالياً، لقد "بايعني الذي بايع الأوَلين".

وقد سبق عثمان غيره بدعوى الاصطفاء عندما طالبه الصحابة / الثوار التنازل عن الخلافة فقال: (لا أخلعُ قميصا ألبسنيه الله)، وعثمان جاءت به شورى قريشية محسوبة عينها عمر، ولا علاقة لله تعالى بالموضوع، غير أنه أراد تزييف الوعي، من خلال فكرة الاصطفاء التي ترهب السامع، خاصة والقوم مؤمنون، يخشون الله، لكنها لم تنطل. وحدث ما حدث. وهكذا تشبث بهذه الفكرة غير واحد من خلفاء الدولتين الأموية والعباسية.

الاصطفاء

 نخلص أن مشروعية السلطة وفق النظرية الأولى، مشروعية ذاتية تستوجبها الطبيعة الإلهية للملك / الفرعون / السيد. وأما النظريتان الثالثة والثانية فتقومان على مبدأ الاصطفاء، المفعم بدلالاته ورمزيته، ويكفي أنه يختص بالله تعالى، فيكتسب شيئا من قدسيته، وسلطته وولايته. كما أن المفهوم يلعب على البعد المعتّم في المفهوم، فيوحي ثمة خصائص لا يمكن إدراكها، سوى الخالق. فالاعتراض عليه اعتراض على الله وإرادته، وهي حد الكفر به. فإيحاءات المفهوم تربك الوعي البسيط، الذي هو صفة عامة للشعوب البدائية ومازال أحد سمات الوعي الرثي، المكبل بأغلال التراث، والخطابات المثيولوجية.

بهذه الطرق تم شرعنة السلطة، وهي أخطر أنواع تزوير الوعي، يتوقف تفكيكها على نقد مقولاتها وقبلياتها، ليعود المفهوم بدلالات مغايرة وهذا ما فعله الكتاب الكريم، عندما أناط الاصطفاء والتفاضل بالتقوى والعمل الصالح والقدرة على تحمّل النبوة والوحي وتبليغ الرسالة.

الاصطفاء القرآني ليس تشريفا، كما ترى ثقافة العبودية التي سادت العالم قرونا متمادية، وكما يرى الفكر الطائفي فيما بعد، بل تكليفا ومسؤولية وصلاحيات منضبطة بالحق والعدالة، وليست هناك سلطة مطلقة كما يفهم الاتجاه العبودي الاصطفاء. فالتوريث لازم الاصطفاء في الاتجاه الأول لأنه قائم على أساس عنصري، ووجود طبيعة بشرية مختلفة، أو طبيعة يمتزج بها اللاهوت بالناسوت. بينما الاصطفاء القرآني ناظر إلى أبعد من العنصر البشري، إلى التجربة الروحية للشخص المصطفى كاستعداد أولي، يتطور من خلال طاعته وعبادته، حد الذوبان بالوجود المطلق. لذا يشمل الملائكة أيضا: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). فالقرآن طرح مفهوما جديدا، وقطع الطريق أمام دعاوى الاصطفاء، القائمة على أسس عنصرية وتوريثية، بل ونفهم أنه منصب إلهي، يتوقف على مشيئة الله والتصريح به قرآنيا، فيبقى الأصل الأولي عدم ثبوته لأي شخص. كما أن اختصاصه بالنبوة حال دون استغلاله من قبل السياسة، لأنها تقوم على الكفاءة، ثم تأتي التقوى ضمانا للعدالة. فهي لا ترتهن للاصطفاء وإنما تتوقف على سلوك الفرد وقدرته على التحكم بإرادته ومشاعره ومواقفه وفقا للكتاب وأحكامه الشرعية، فهي متاحة لكل إنسان، بل هي هدف العبادات. بينما النبوة شيء يختلف عن السياسة ومشروعيتها، وأمر يتعلق بالنبوة، فالمفهوم القرآني للاصطفاء جاء في سياق صراع الهيمنة بين القيم الجاهلية وقيم التوحيد، كما يصفهما القرآن. فالخطاب القرآني جاء لبيان الخط الموازي دينيا. والمحصلة، ثمة اختلاف جوهري بين المفهوم العبودي أوالقَبلي للاصطفاء، ومفهومه دينيا وقرآنيا. الأول يقوم على التمييز العنصري، بناء على نقاء الدم، واختلاف طينة الخلق. وأما الثاني فهو مفهوم سماوي، يعبّر عن منظومة قيمية قائمة على التوحيد، والطبيعة البشرية التي تتميز بتجربتها الروحية، وقدرتها على التألق، وتحمل المسؤوليات الإلهية. فليس ثمة تشريف، بل مسؤولية ربانية، فلا تشمل إلا من صرّح به الكتاب الكريم.

تقول الآية: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). فـ"من" التبعيض تنفي مدخلية "النَسَب" كقيمة عنصرية، رغم أن بعضهم ذرية بعض، فثمة طبيعة مشتركة بين هؤلاء الأنبياء تؤهلهم للنبوة والاصطفاء والتفضيل. وأيضا قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ،  ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، فأيضا لا تشترط النَسب والقرابة أو الذرية وإلا  فيتعين الإطلاق، غير أن هؤلاء أنبياء يوحى لهم، فنفهم أن الوحي كان أحد أسباب اصطفائهم، لذا لا يبعد ان تكون مريم نبية، لأنها الوحيدة التي تم اصطفاؤها بين نساء العالمين وقد أوحى الله تعالى لها. (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ). وأخيرا فإن آية: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، لا تعني الفوضى في نسبة الاصطفاء فنقتصر على القدر المتيقن. ونحتاج الى تشخيص عالم الغيب والسرائر، لذا قال: (وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ).

وبالتالي الاصطفاء قيمة مطلقة، يتولد عنها الاستبداد، والاستئثار بالسلطة، فهي أخطر مفاهيم شرعنة السلطة، وأقدرها على ضمان ولاء الشعوب. لذا طرح الكتاب مفهوما مغايرا وفق معايير مختلفة، لقطع الطريق أمام استغلاله، وشرعنة سلوكيات لا تمت للعدل والانصاف ومراعاة حقوق الإنسان.

المفهوم الأيديولوجي للاصطفاء

حاولت كل من السلطة والمعارضة توظيف الاصطفاء بطريقتها الخاصة، لتعزيز شرعيتها، من خلال الانتساب للإلهي دون البشري، فكانت نظرية الجبر التي تمسك بها خطاب الاستبداد المتمثل آنذاك بالحكم الأموي بدءا من معاوية ومدرسة علم الكلام القديم، قد ارتكزت للاصطفاء بشكل غير مباشر، حينما احتج معاوية لولم يكن الله راضيا عليه لاستبدله، في مغالطة مفضوحة، تحيل على الاصطفاء، فكأنه يستدل بسكوت الخالق على اصطفائه، وهذا خطأ، لأن الكتاب لم يخول أحدا بنسبة لاصطفاء لأي شخص كان. وأن الله لم يتدخل في اختياره.

وأما المعارضة السياسية فقد تشبثت بمختلف الاساليب، وقد تمسك الشيعة بالاصطفاء ليكون ظهيرا لمبدأ الوصية والنص، وبهذا نجحوا في ترقية مقام الإمامة من إمامة سياسية إلى إمامة دينية ثم إمامة بمعنى الولاية التكوينية وقد مرَّ تفصيل الكلام. ورغم كثرة الروايات، وما تتحدث به نصوص زيارات الأضرحة، نختار نماذج تكفي لتسليط الضوء على طبيعة المفهوم والطينة المختلفة لخلقهم، فالأئمة كانوا وفقا لهذه الروايات أنوارا يطوفون حول العرش، وخُلقوا من طينة مغايرة لطينة البشر، في تعارض واضح لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). وبعض الروايات تقول: (شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا)، فهم طينة مختلفة، وأنهم نور. وفي رواية يقول رسول الله مخاطبا عليا (خلقت أنا وأنت من نور الله تعالى). وهي رواية شيعية.

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، أي الإمام الصادق، أنه قال: (نحن شجرة النبوة ومعدن الرسالة ونحن عهد الله ونحن ذمة الله، لم نزل أنوارا حول العرش نسبح فيسبح أهل السماء لتسبيحنا، فلما نزلنا إلى الأرض سبحنا فسبح أهل الأرض، فكل علم خرج إلى أهل السماوات والأرض فمنا وعنا، وكان في قضاء الله السابق أن لا يدخل النار محب لنا، ولا يدخل الجنة مبغض لنا، لان الله يسأل العباد يوم القيامة عما عهد إليهم ولا يسألهم عما قضى عليهم).

وخلاصة ما تقدم، أن الاصطفاء صفة تفاضلية على أساس روحي إيماني، غير أنهم تشبثوا به لشرعنة السلطة / الخلافة / الإمامة السياسية. وما القريشية سوى معادل موضوعي للاصطفاء، يظهر هذا واضح في تبرير سلطة قريش التي سيأتي ذكرها عند بيان الموقف الإسلامي من قيم القَبيلة. وعندما طرح الكتاب مفهوم الاصطفاء بصيغة مغايرة سلب السلطات السياسية شرعنتها على أساس الاصطفاء. وبالتالي فالقريشية مبدأ قَبلي، لا يمكنه شرعنة السلطة على أساس ديني. وكذلك الاصطفاء مفهوم ديني، روحاني، يرتبط بمشيئة الله وبالقيم المعنوية للإنسان، غاية ما يدل عليه التفاضل على أساس التقوى والقرب من الله تعالى، وليس له أية دلالة على شرعنة السلطة، فليست ثمة ملازمة بين الديني والسياسي بالضرورة، فلا يمكن الارتكاز للاصطفاء مصدرا لشرعية السلطة والخلافة أو ما يعرف بـ"الإمامة السياسية"، التي تستلزم الولاية والقيمومة، ومصادرة الرأي الآخر، ومنع المعارضة. ويبقى أن نعرف موقف الدين الجديد من القيم القبلية الأخرى، التي لا تقل خطورة من هذا المفهوم.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق11) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

قيم التفاضل

ماجد الغرباوي: العبودية، إذاً: استعداد قبل أن تكون قيمة ذاتية للإنسان. وصفة تطرأ على الذات، لا ينتفي وجوده بانتفائها، تتطور بفعل سياقات نفسية ومعرفية وتربوية، تفرض نفسها مهيمنا ثقافيا، يتحكم بمسارات الوعي الفردي والجماعي. تتطلب معالجتها انقلابا في سياقات الوعي، وتأسيسا جديدا للمقولات الأساسية التي ترتكز لها بنية العقل في أدائه. وقد مرَّ الكلام عن وعي الذات والآخر في ظل قيم العبودية، حينما يتوقف وعيها على وجوده، وتصبح الأنا موضوعا لهيمنته واستفزازه، كإفراز طبيعي لأنظمة الهيمنة منذ القدم، حيث تمارس مختلف الظروف عملية تزوير الوعي، وإخماد توهجه، لتكريس روح التلقي والتبعية والانقياد. فسلب الوعي، استراتيجية ضمن منظومة الهيمنة والنظام الاستبدادي - الأبوي. ثم إن استلاب الوعي، كما ذكرت، حالة لا شعورية، يفقد معها الفرد القدرة على إدراك مقاصد الخطاب ومضمراته، لها أسباب ذاتية وموضوعية. ذاتية ترتبط باستعداد الفرد للرضوخ والتبعية أو التمرّد على قيم العبودية مهما كانت قساوة الظروف. وهو استعداد فطري، يرتبط بحالات نفسية تراكمت عبر ظروف طابعها العنف والإرهاب، تحصل بسببها ردة فعل، تضع الفرد في ترقّب وخوف مستمرين، ينتابه قلق وشرود لا إرادي، مع كل حادث مفاجئ. هذا كان واقع مجتمعات ما قبل البعثة، خاصة مجتمع أم القرى ومن حولها. فثمة منظومة كاملة قائمة على ثنائية السيد / العبد، تتحكم بالوعي الجمعي. يتعذر تقويضها. تحتاج إلى مران وتحدٍ مستمرين، مران يقلب معادلات الوعي وثنائياته، سواء في قيم المجتمع العبودي أو القبلي أو النظام الأبوي / البطركي.

لكن يبقى التماهي مع قيم المجتمع مرتهنا لوعي الفرد ورؤيته للأنا والآخر، وحجم ما يترتب عليها من آثار، تؤكد ذاته وانتماءه، وتعزز مكانته واعتباره. فيكون التماهي نسبيا، مهما اختلفت مناشئه. ويتناسب مع قوة مهيمنها الثقافي، وقدرته على التأثير والاستجابة للتحديات. وعندما يربط مصيره بها حداً يلزم من تمرده هدرا لوجوده، يرتبط معها بعلاقة جدلية، وتستأثر بولائه وموالاته. ويغدو مرتهنا لإملاءاتها وإكراهاتها، سواء كانت دينية أم اجتماعية، فثمة مصير مشترك تجعله أشد تعلقا بها، يندفع لحمايتها والذب عنها، ورعاية طقوسها وعاداتها وتقاليدها، مستعينا بإيمان نفسي تكمن أهميته في قدرته على خلاق أجواء نفسية متجددة، تستمد قوتها من نوازعه ومكامن فطرته. فيتوقف على الإلتزام بقيم المجتمع وعاداته وتقاليده انتماء الفرد، وقيمته الاجتماعية، إضافة للآثار النفسية والوجودية المترتبة عليها. فتحقيق الذات وتحقيق طموحاتها، هدف استراتيجي، يتولى رسم خارطته الوجودية، ويتحكم بقناعاته ومواقفه.

المركز والهامش

يدور الناظم القَبلي حول مركزية السيد / الشيخ، وهامشية الأطراف، كما لا تخضع العلاقة بينهما لقيم القبيلة دائما، بل تحددها مصلحة المركز، وتبقى الأطراف تدور مداره، حدَ الاستلاب. مهما تعددت أطراف المجتمع القبلي. فالطبقة الحاكمة أو "الملأ" بالتعبير القرآني، تستأثر بجميع المكاسب والامتيازات، على حساب الهامش، طبقة العبيد، مرورا بالطبقات الأقل رتبة أو شرفا سياديا. فالسيادة والثروات والمواقع الاجتماعية المتقدمة للمركز، لا يشاركه فيها أحد إلا وفقا لضوابط تكرّس مركزيته. وثمة قضايا اعتبارية كالزواج والمصاهرة، لا يسمح بها للطبقات الأدنى. لتكون مظهرا اجتماعيا مميزا وعلامة فارقة للتمايز العنصري. فالقيمة الاعتبارية للمركز قيمة ذاتية، تستمد شرعيتها من النَسَب العائلي وشرف السيادة. فهي الطبقة الحاكمة، صاحبة القرار، ولها حق الولاية والقيمومة، استحقاقا تفرضه منظومة القيم الاجتماعي التي يذعن لها الجميع، ويمنحها ولاءه وإخلاصه. ولا يمكن لأي أحد انتزاع سلطة المركز إلا بالقوة والعنف. فالانتساب للملأ أو طبقة الأسياد يمنح الفرد حصانة ذاتية، ويختص بميزات اجتماعية، ترفع نرجسيته تعاليه على النقد والمراجعة، وربما يكتسب بمرور الأيام قدسية اجتماعية، وليس فقط تعالٍ عنصري. لذا استغرب أسياد قريش من بعثة محمد بن عبد الله رسولا، ولماذا لم ينزل الوحي على شخصيات تعتبر مهمة وعظيمة وفقا للمقاييس القبلية، (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). فالنبي الكريم ليس أقل شأنا نَسَبيا، بل أقل رتبة في سلم التفاضل القَبلي، الذي له حساباته الأخرى، كالرصيد الشخصي من الثروات والعبيد وقوة السلاح والمحاربين والعلاقات المتينة من خلال التحالفات القبلية، والقدرة على حسم المواقف الصعبة.

قد تجتمع السلطتان السياسية والدينية، كما حصل لقريش، حيث كانت تتزعم القبائل العربية، وتتولى رعاية الحجيج، وبيت الأصنام، وتتولى مسؤولية الوفادة والسقاية. مما يعزز مكانتها وسلطتها. لكن لا يلزم من فقدان أحدهما خسارة الأخرى، رغم حجم الآثار المترتبة على الجمع بينهما، لأن القيم القَبلية أصيلة تشارك في تشكيل الوعي الجمعي لأبناء القبيلة، وتمثل قيمة ذاتية بالنسبة "للملأ" منهم. قد تتغير المفاهيم والتصورات الدينية، وقد ينتقل المجتمع من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان بوجود إله واحد لا شريك له، مما يطيح بسلطة تعدد الآلهة ورمزيتها، لكن النظام القبلي، منظومة قيمة، مسؤولة عن هيكلة المجتمع، ورسم حدود اعتبارية بين طبقاته. بل حتى مع الإطاحة بسلطة القبيلة لا يجرد أفرادها من الانتساب لها، هو انتساب تكويني، يحمل رصيدا معنويا ورمزيا كبيرا وفقا لذات القيمة المشتركة بين جميع القبائل. وكلما ذكرت مآثرها وموبقاته، تتردد أصداؤها في أعماقه فيشعر بالفخر أو الخجل. وبالتالي، لا يمكن خلخلة نظام القيم الاجتماعية القائمة على النسب والولاء إلا بقيم جديدة، تعيد تشكيل النظام ومبادئه، كالانتقال للمبدأ الإنساني بدلا من المبدأ القبلي. وهذا لم يتحقق حتى بعد البعثة بل تم تكريس قيم الاستبداد السياسي والحس القَبلي.

أما غير طبقة الأسياد وتحالفاته المتكافئة فترتهن مكانة الفرد لقيمته الاعتبارية التي تتعدد بتعدد روافدها، وتختلف في رصيدها ونسبيتها ورمزيتها، تبعا لثقافة المجتمع وقيمه وأولوياته، فتكون جميع القيم حاكمة بنسب مختلفة. المنطقة العربية قبل الإسلام كانت تسودها قيم، يستمد منها الفرد اعتباره ومكانته، ابتداء بالنَسَب ومنزلته داخل أسوار القبيلة وخارجها، وهي المعيار الأول، وكل القيم الأخرى كالشجاعة والكرم والبلاغة تأتي بعدها، غير أنها ترفد مكانته واعتباره التي على أساسها يحدد علاقته بطبقة الأسياد. وهذه هي الطبقة الوسط بين الملأ، وطبقة العبيد، ممن يتعامل معهم  المركز لا فقط هامش وأطراف، حقها التبعية والانقياد، بل ويجردها من إنسانيتها، التي هي حقيقة الوجود البشري.

القيم السياسية

نخلص إلى نتيجة، "إن جميع القيم والمبادئ تفرض سلطتها ومحدداتها على الوعي، وتمهّد لنظام اجتماعي، يرتهن اعتبار الفرد ومستقبله، ويفرز نظامه السياسي ومنظومته القيمية والأخلاقية". وهذا يشمل المجتمع العربي قبل البعثة. ولكي نقدّم تفسيرا موضوعيا لظاهرة الاستبداد السياسي، والفقه السلطاني، يتعين دراسة آلية قيم المجتمع القبلي، وفلسفة حضورها وقوة تأثيرها. ومن ثم تشخيص متبنياتها ومبادئها، الأسباب الحقيقية وراء شرعنتها، ومدى تأثر المسلمين بها.

لقد أفرزت منظومة القيم السائدة آنذاك مجموعة مبادئ سياسية، كانت وراء ديمومة النظام السياسي - القَبلي، المتمثل بسلّم الوظائف والمسؤوليات والمقامات الاجتماعية، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات، ابتداء من منصب السيادة حتى "التشيّؤ" العبودي مرورا، بالطبقة المحيطة بالشيخ / الزعيم، ابتداء ببطانته الخاصة، وشيوخ القبائل الأقل شأنا، ثم الشاعر، الفارس، وغيرها. وهنا نشير لأهم مقومات النظام، ومبادئه وقيمه:

- يقوم النظام السياسي – القَبلي، على الصعيد النظري، على ثنائية السيد / العبد التي تستدعي جملة حقوق وواجبات وامتيازات. تتولد عنها ثنائيات أخرى. فثمة طبقة الأشراف التي تحتكر جميع الامتيازات، وطبقة سواد الناس، إضافة لطبقة العبيد، الفئة المسحوقة إنسانيا. فهذا النظام يؤسس لنظام أخلاقي، معياري، ترسم حدود المسؤوليات والوجود الفعل لأفراد القبيلة على أساس ما يجب وما لا يجب.

- يمثّل الولاء أحد أهم المرتكزات الأساسية لتماسك القبيلة، وقدرتها على مقاومة التحديات الداخلية والخارجية. ولازمه مصادرة استقلالية الفرد، وحقه في النقد والتمرد. فالولاء ضمان الاعتراف، يتناسب معه طرديا، قوة وضعفا.

- يعتبر الوعي القبلي جزءا من وعي الذات، في علاقتها بالآخر. أي أن هوية الفرد تستمد وجودها من انتسابها القَبلي، حداً تنعدم الفواصل.

 - يتقوّم هذا النظام من الناحية الإجرائية بثنائية المركز / الهامش، التي تفرض شروطها ومحدداتها.

 - تعتبر السلطة وفقا لثنائية المركز / الهامش استحقاقا لقيم الشرف القَبلي، فلا تنتزع إلا بالقوة، وتسمح باستخدام العنف دفاعا عنها. والشرف القَبلي، قيمة اعتبارية، نسبية، مرتهنة لمصادر نشأتها، ومدى قدرتها على الصمود.

- تكرّس ثنائية المركز / الهامش منطق الوصايا، وقيم العبودية والطاعة والانقياد، كلازم لمركزية السلطة الذي يلزم أيضا إقصاء الهامش إلى مدارات الانقياد وتنفيذ الأوامر حد الانسحاق.

- يستبطن الشرف القَبلي، روحا عنصرية، تستدعي التمايز بين طبقات المجتمع، وتكرّس قدسية طبقة الأسياد والأشراف، ولو تقديسا قَبليا.

السلطة ملك عضوض لأشراف القَبيلة، والارتكاز للتوريث مبدأ أساس فيها، من منطلقات عنصرية. رغم محاولات حثيثة جرت فيما بعد، لتفسيره على أساس الكفاءة والجدارة القيادية، أو على أساس الاصطفاء الإلهي.

- التهميش قدر الناس وأفراد القبيلة خارج دائرة "الملأ"، وفقا للمنطق القَبلي الاستبدادي.

- النظام القَبلي، نظام أحادي، لا يقبل المشاركة في القرارات، رغم توظيفه للشورى، وتبقى كلمة الفصل والقرار الأخير لشيخ القبيلة.

- العنف قيمة أصيلة، لحماية الملك، وتدبير الأمن، وتوسيع سلطة النفوذ القَبلي.

من هنا يمكن قراءة نزاع السلطة بين المهاجرين والأنصار من زاوية مختلفة، يمكن في ضوئها تقديم تفسير لرواية النبي "الخلافة أو الإمامة في قريش". التي كانت وراء فرض القريشية شرطا في شرعية خلافة المسلمين.

أولا: أثبتت الوقائع التاريخية، عدم وجود مرجعية نصية (آية أو رواية صحية صريحة مجمع عليها) لتسوية النزاع حول السلطة.

ثانيا: أكد الحدث المزلزل عدم وجود اهتمام مسبق من قبل الرسول بمسألة الدولة والحكم، وعدم وجود تشريعات تخصها، سوى مبادئ وقيم أخلاقية لضبط أدائها.

ثالثا: يستنتج مما تقدم أن السلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية، وشأنا بشريا لا سماويا، تستمد شرعيتها من الشعب. وأن النبوة غير السلطة، وليست من لوازمها، وليس من اختصاصها إقامة دولة وفقا لأيديولوجيتها. فتبقى شأن المؤمنين بها، ونجاحهم في تبني قيم الرسالة السماوية.

رابعا: إن حسم السلطة على أساس قبلي، كان متوقعا، باعتباره نظاما سائدا آنذاك، ولم يتخذ الدين الجديد موقفا سلبيا منه، باستنثاء إعادة تشكيل الولاء على أساس ديني لا قَبلي. من هنا تمت البيعة. وكان الخلاف بين التفاضل القبلي، وليس حول ذات المبدأ.

خامسا: انعقاد البيعة للخليفة الأول وفقا للشرط القريشي، يكشف عن تبنٍ سائد آنذاك لمبادئ وقيم النظام القَبلي. ولم تُطرح مبادئ مغايرة له، بل جميع الترشيحات ارتكزت لذات المبادئ. فالأنصار رشحوا سعد بن عبادة، شيخا قَبليا، ولم يرشح على أساس كفاءته القيادية، وهذا لا يلغي قدراته في هذا الشأن، بل أن ترشيحه يؤكد كفاءته، غير أن المبدأ القبلي هو الأساس فيها، باعتباره رمزا كبيرا في مجتمعه. والمهاجرون حصروها بقريش باعتبار استحقاقها الطبيعي في السلطة، ولا ينبغي لأحد منافستها، وقد عضدت الرواية هذا الاتجاه وانحسم النزاع لصالحها، وغدت القريشية شرطا في شرعية الخلافة. ولم يبتعد علي بن أبي طالب عن المبادئ القبلية عندما طالب بالسلطة واعتزل القوم ستة أشهر، رغم تأكيده المستمر على كفاءته القيادية مستشهدا باعتماد الرسول عليه في كثير من المهام الصعبة. غير أنه أيضا تشبث بالقرابة، وهو مبدأ قبلي، يعتبر التوريث أمرا مشروعا: (لا تخرجوا ملك محمد من عقر داره فتشمت بكم العرب).  فالسلطة ملك!!، إذاً يجب التعامل معها على هذا الأساس، وهكذا تعامل معها المهاجرون أثناء المفاوضات (نحن عشيرته وأولى الناس به). وأما شرط النص والتعيين الذي يتشبث به الفكر السياسي الشيعي راهنا، فقد ظهرمتأخرا، ولم يكن متداولا إطلاقا بعد وفاة الرسول، وحتى مع صحة حديث الغدير لم يفهم منه الصحابة البيعة بمعنى السلطة. وقد مر تفصيل الكلام. ولم تختلف المعارضة السياسية المتمثلة بأبي سفيان، من خلال تحريضه المتواصل لعلي والثورة ضد بيعة المهاجرين، فأيضا كان توجها قَبليا. فراية السلطة التي كانت خفاقة طيلة فترة الخلافة الراشدة والخلافتين الأموية والعباسية هي راية قَبلية بامتياز. وكانت أحد الأسباب وراء ظهور الفقه السلطاني، الذي نظّر فقهيا للاستبداد السياسي، وسعى لشرعنتها.

سادسا: لم تشرّع رواية النبي "الأئمة من قريش"، على فرض صحة صدورها، لشرط القريشية، بل كانت اعترافا بكفاءتها وخبرتها القيادية، وقدرتها على الإمساك بزمام السلطة. فتكون الرواية إرشادية لا تشريعية، من باب النصيحة والإرشاد. وقد أشرت لهذا الاحتمال مسبقا. غير أنها وجهت وجهة سياسية مختلفة.ولو كانت الرواية بصدد تأسيس مبدأ للسلطة، فإن موضوعها لا يحسم برواية أحاطت بها علامات الاستفهام، بل تحتاج إلى تشريعات تتناسب مع حجم مسؤولياتها وخطورتها، وهذا منتفٍ بالضرورة.

سابعا: ساعد السلوك السياسي للخلفاء والقبليات القَبلية للمسلمين آنذاك، على شرعنة قيم الاستبداد والانقياد والتبعية.

الفقه والسلطة

إن التباس القَبلي بالفقهي، والسياسي بالشرعي، الذي كان الفقيه والمتكلم وراءه، كان السبب الأساس وراء تزوير الوعي الديني، وتكريس قيم الاستبداد والعبودية والطاعة والانقياد. ومازال الفقه السلطاني ينظّر لقيمومة السلطة المتمثلة بالفقيه تارة وأخرى مَن يمثله، تزامنا مع فقه الصحوة الإسلامية التي يتلخّص مشروعها السياسي – الديني بإقامة دولة بإشراف الفقيه، مهما كانت تداعياتها على الفرد وحقه في الحرية وتقرير المصير. فوجود الفقيه على رأس السلطة أو بإذنه تعني إلغاء الفرد، تحاشيا لأي تصادم بين البشري والإلهي، الذي هو سلطة مطلقة، تنحصر بالفقيه. وهو وعي أيديولوجي يلتف على الحقائق من خلال صيغ مواربة، تمنح الفقيه سلطات شرعية مطلقة.

إن ما تقدم يكفي لتحديد مصادر السلطة في الفقه الإسلامي، بدأ من شروط الخليفة، التي هي شروط قَبلية لا علاقة للدين بها، إما على أساس التفاضل القَبلي أو على أساس التوريث. ولم يطرح أي مبدأ ديني أو إنساني بديلا، وحينما بدأ الفقيه بالتنظير للسلطة وشرعيتها، قام بشرعنة المبادئ القَبلية أولا. ثم راح يفسّر القرآن وفق قبلياته، حتى وهو يستشهد على صحة تأويله بآيات أخرى. كما أن البيعة، التي ينبغي أن تكون عامة، استطاع الفقه السلطاني قصرها على نخبة قريش، فبيعة الأول مبادرة قريشية خالصة ثم تلاهم الحاضرون انسياقا مع العقل الجمعي. والثاني تم تنصيبه من قبل الأول، والثالث نتاج شورى قريشية. حتى حُصرت هذه الشروط بأهل الحل والعقد، الذين هم قريش فعلا. كما نجح الفقيه في توظيف المفاهيم القرآنية لخدمة السياسة، كآية أولي الأمر، حيث دافع عن وجوب طاعة الخلفاء وعدم التمرد على إرادتهم، رغم أن الآية مشروطة. وأن طاعتهم شُرعت على أساس كفاءتهم القيادية والإدارية وليس مطلقا، وهو ما تشي به آيات أخرى، ومرتكزات قرآنية، تعد من الآيات المحكمات. وهذا الأمر تجده جليا في الفقه السلطاني. فكل من السلطة والمعارضة كانت تدور ضمن مدارات قَبلية / بشرية، يتعين التمرد عليها وسلبها شرعيتها المصطنعة، والتكيف مع الصيغ الحديثة في إدارة السلطة والحكم.

وأقصد بالفقيه مفهوما الأعم من الصحابة والرواة فيما بعد، ممن لعبوا دورا خطيرا في المعادلة السياسية، فيشمل كل من له قدرة تأويلية وتنظيرية في الشأن الديني، وأما الفقيه اصطلاحا فقد تبلور متأخرا، بعد ظهور عصر الفقهاء.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الثانية بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق10) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

الإيمان النفسي

ماجد الغرباوي: لم يكن نزاع الصحابة مجرد صراع سياسي، يمكن تسويته بتقاسم السلطة، بل اتخذ  مسارا آخر، وتحكّمت به مضمرات وعي قَبَلي متجذّر، وقيم كافحت من أجل البقاء. تكيّفت مع الوافد الثقافي والديني، دون المساس بجوهرها أو هدر سلطتها ومحدداتها بانتظار لحظة تصدّرها واجهة المفاوضات. فكانت تتحدى ثم كسبت المعركة. قد يُغتَفر تذبذب ولاء مَن دخل دين الله أفواجا، لكن موقف نخبة الصحابة لا يكف عن طرح الأسئلة، ومدى نجاح الدين في قلب موازين القيم السائدة. باعتباره منظومة قيمية، وتصور شامل للوجود والإنسان، وقد طرح بدائل عن الولاء القَبَلي، رغم عدم اعتراضه على التواصل مع غير المحاربين. فكيف تفوّق مبدأ ينتسب لقيم الجاهلية حسب التصنيف القرآني، على مبدأ ديني سماوي، وواصل حضوره عبر المدونات الكلامية والفقهية والسلوك العام للخلفاء المسلمين، وما زال يفرض محدداته على العقل المسلم والتفكير الحركي؟.

يفترض أن مَن خاض مفاوضات السلطة كان مصداقا لقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَ)، الذي يشير إلى اختلاف نوعي في الإيمان. لكن أين مصداق هذا الإيمان عندما تنهدم قيم الدين على مستوى الولاء لصالح قيم قَبَلية؟ فالخلل إما في بنية الوعي، أو قدرة قيم العبودية على التخفي والحضور في اللحظة الحاسمة؟ وهذا ما نسعى لفهمه كمقدمة لتفسير بعض الظواهر ذات العلاقة بالاستبداد، ومركزيتها في النظريات السياسية للمسلمين والفقه السياسي. بل أن قيم الاستبداد التي تلبّست لباس الدين هي سبب رئيس وراء فشل نظريات الحكم والدولة المنسوبة له. وهي وراء جملة خرافات على مستوى العقيدة، كما سيتضح لاحقا.

ما كان للمبدأ القَبلي أن يتفوّق، لولا وجود خلفية ثقافية تمهّد له باستمرار، وانقياد لا شعوري يتكيف مع كل وافد ليستعيد مركزيته. قد يبدو الأمر طاعة خالصة للنبي عندما انصاع الصحابة لرواية: "الخلافة في قريش"، غير أن ظرفها لا يساعد على قبولها كمسلّمة دينية، فقد ظهرت فجأة، خمدت مع سماعها الأنفاس واستطاع عمر بلباقته كسب الموقف، وتفويت الفرصة من خلال مبايعته لأبي بكر. وقد مرَّ تحديد دلالتها على فرض صحة صدورها، وهل هي أمر مولوي وحكم شرعي ملزم، أم مجرد وجهة نظر غير ملزمة، وقد ناقشتها جميعا. وذكرت لا يمكن أن تكون الرواية ملزمة، ولا يمكن للرسول تزكية أحد، إذ يلزم من تزكيته تبنٍ مطلقٍ لسلوكه ومواقفه، وهذا لا يفعله نبي، فكيف يزكّي قريشاً، كما هو صريح الرواية، خاصة في القضايا السياسية التي لم يورّط نفسه بها، وكان بإمكانه تثقيف الرأي العام بمجموعة أحاديث تتناسب مع خطورتها، فقضية الخلافة ليست مسألة عادية كي تحسمها رواية مرشح رئيس للخلافة!!، شهادته ستكون مجروحة. أو لا أقل تبعث على الريبة، وإن كان صادقا. وبالتالي فثمة ثقافة متوارية، تتحكم بوعي الفرد، ومضمرات تنتمي لقيم العبودية وتكريس الاستبداد توجه العقل الجمعي. فيتعين تحري حقيقته، وحجم تأثيره. والتعرّف على الأسباب الكامنة وراء رسوخه. كيف نفهم ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وأين دور الدين وقيمه؟ وماذا عن موقف الرسول من هذه القيم؟ وكيف واصل الفقه السلطاني والطائفي ترسيخها بمختلف الصيغ الفقهية.

إذاً أمامنا قضيتان، الأولى: ما سرّ رسوخ القيم القَبَلبية التي تمثّل جوهر النظام العبودي القائم على ثنائية سيد / عبد. والقضية الثانية: كيف استطاعت تلك القيم الالتفاف على الدين وتصدّر المشهد السياسي،  حتى غدت القريشية من مسلمات الفقه السياسي للمسلمين؟ وهذا يحيل على المنهج في مكافحة قيم العبودية، وهل كان ضمن استراتيجية الدين ذلك أم لا؟ وأسئلة أخرى.

التلقي اللاشعوري

يتقوّم نظام المعرفة البشرية في إطار استعداداتها الفطرية، بقاعدة معلومات أساسية، تمثّل له مبادئ ومنطلقات وخارطة طريق. ثم تتطور قدراته وإمكانياته من خلال تراكم معلوماتي، تترسّب على شكل طبقات جيولوجية، تُخفي بعضها الأخرى. وتتولى بنفسها بناء أنساقها ومضمراتها ومنظوماتها، عبر مختلف الأنشطة الإدراكية الشعورية واللاشعورية، التي تساهم في بناء مهيمن ثقافي، وتأسيس نطاق مداري لحركة المعلومات، ضمن عمليات عقلية وشرائح مشفرة تمثل مقولات أساسية يرتكز لها في إدراك الحقائق الممكنة، وتوجيه المعلومات والوعي الفردي والجمعي. كما يقوم بتوزيع وتنظيم معارفه واستنتاجاته وأحكامه، فتدب الحياة منذ الطفولة باللاشعور والعقل الباطني، ضمن البنية المعقدة للعقل وطريقة عمله.

إن طبيعة المقولات الأولية التي يرتكز لها العقل في بداية نشاطه، أنها مقولات خام، ترسبت بعيدا عن المحاكمات النقدية، باستثناء حزمة عواطف ومشاعر ترافق معلومات بسيطة، قد تقتصر على إشارة، لمحة، كلمة أو حركة تصدر عن شخص، غير أنها تساهم في برمجة العقل وتعمل لا شعوريا، فتكون راسخة، لا يطالها النقد، لافتقاره إلى رصيد معلوماتي مغاير، وهو مفقود بالضرورة. فالنقد حالة متطورة، يعجز عن إدراك المقولات الأساسية ما لم يمارس الحفر الجيولوجي، في أعماق البنية العقلية والفضاء المعرفي للفرد، واكتشاف خارطة الأنساق المعرفية، وعلاقتها بالجانب الشعوري، وكيفية تحييده.

وكما يمتاز الإنسان بعقله وقوة إدراكه ووعيه، يمتاز أيضا بمشاعر وأحاسيس تشارك فضاءه المعرفي ومخيلته وأداءه اللغوي. تتكيف مع تفكيره وتشارك في عملية تواصله، قد تخضع لسيطرة العقل وقد تتمرد على إرادته وفقا للحالة النفسية التي يمر بها الشخص، لكن بشكل عام يمكن زعزعتها، غير أن مشاعر مرحلة التلقي الطفولي، مشاعر راسخة برسوخ يقينياته، تستمد ثباتها من البيئة والثقافة التي تفرض عليه محدداتها باستمرار، فهو محاصر بثقافة أحادية هي مصدر يقينياته، لذا تستفزها التحرشات النقدية البسيطة. وهذا النوع من التلقي مقوّم أساس لمنظومة القيم والأخلاق والعقائد التي ينسجها العقل في مختلف مراحل التلقي. وهي رد فعل يتناسب مع قبليات الفرد، لا فرق في ذلك بين شخص وآخر، وفقيه وغيره. هذا بالنسبة للانفعالات النفسية.

 وللمشاعر دور يرتبط بنظام اللغة وعلاقتها بالنفس البشرية، فلكل نسق لغوي إيقاعه النفسي والشعوري الذي يساعد على إدراكه، قد يتمثله الفرد أويعيد انتاجه، لذا يقلّد الطفل حركات ومشاعر والديه عندما يردد ذات الجمل والكلمات، وأحيانا ترافقه مدى الحياة. وهي إحدى علامات الانتساب، فيقال هذا يشبه أباه في أسلوب حديثه. وهي أوضح في مراحل الطفولة، لذا تجد القيم والعادات والتقاليد والعقائد راسخة، برسوخ مشاعرها التي تتولى إدارتها وتوجيهها. والمشاعر أقوى من العقل قبل أن تنمو مداركه وتتسع أفاقه ومعرفته. وهذا ينطبق على قيم السيادة والعبودية، في طريقة نموها، ورسوخها، حينما تشكل أنساقها في أعماق النفس البشرية. لأن المعارف العقلية تجريدية لا علاقة لها بالعاطفة، بينما المشاعر حزمة امتدادات تتغلغل في أعماق النفس وترتبط بمكامن الفطرة، ومختلف تمظهراتها، كالخوف والحب والارتياب وغيرها التي يتجاوب معها الكيان البشري برمته. ولها امتداداتها في النفس البشرية، وارتباطها بضمير الفرد، واستعداداته الفطرية، وتتصف بسرعة استجابتها، وتأثيرها على جملة الشبكة العصبية للجسد، فتتجلى على سطحه بأشكال مختلفة، بل وتضغط على منطقة القلب، فكأنها تصدر عنه، لا أنها تصدر عن دماغ الإنسان كما هو الواقع. إذ المعروف علميا أن الجزء الثالث فيه مسؤول عن التركيز والذاكرة والعواطف والمشاعر، كالحب والبغض والخوف والفرح والحزن إلى غير ذلك. فالتلقي العاطفي تلقٍ معقد، مهما حاول الفرد تجاوزه يعود يلقي بظلاله على مشاعر الإنسان، فقد تتظاهر أو تحاول جادا التظاهر بالبغض لشخص عزيز عندك لكن قلبك ينبض حبا، لا يسمح لك بالتمادي. وهنا تكمن خطورة التلقي العاطفي للعقائد والأيديولوجيات وقيم العبودية، وقيم العشيرة، فإنها ستكون راسخة من هذه الناحية، ولسبب آخر يأتي.

كما ترتبط المشاعر بمخيلة الإنسان، وتستجيب لمغامراتها، وتساهم في تنشيطها وخصوبتها، ومنحها صفة الديمومة والبقاء والرسوخ والتألق والتفاعل المستمر مع المحيط الخارجي. والخيال هنا لا يعني نظرة محدودة، تقتصر على اللايقين، درجة دون اليقين المنطقي، بل باعتباره مجالا خصبا للإبداع والعطاء الفكري والمعرفي والأيديولوجي، وفضاء واسعا للتصور، وتشكيل الصور المثالية. فالمشاعر جزء من الفضاء المعرفي، تتولى توجيه التواصل وتحديد إحداثياته وفق معادلة معقدة ترتبط بمنظومة قيمه ومعاييره وأهدافه ورؤيته للواقع والآخر. فتمنح وجوده معنى واعتبارا. ويتوقف عليها انتماؤه وتماسكه الاجتماعي. بل أن جملة من القضايا الميتافيزيقية وغيرها لا حقيقة لها خارج الفضاء المعرفي والذي تشكل المخيلة قوامه. وهي القضايا التي يتعذر الاستدلال عليها حسيا.

وكدليل على قوة التلقي العاطفي ممارسة بعض الناس طقوسا وممارسات لايؤمن بها عقلا، لكن يجد نفسه منساقا معها لا شعوريا، لأن الإدراك  العقلي إدراك مجرد، بينما التلقي العاطفي شبكة من العلاقات، فمن يؤمن بقدسية رمز ديني، يؤمن بلوازمها الميثيولوجية، فليس من السهل التخلي عن عقائده وتصوراتها مهما كانت خرافية لارتباطها الوثيق بمشاعره وحياته ونجاته في اليوم الآخر. فتطوقه الوساوس النفسية وقلق لا شعوري عندما يتحرش بها أو يتخلى عنها. وساوس مصدرها حزمة تصورات موروثة، استقرت في أعماقه، تحكي عن كرامات ومعاجز مزعومة. وقد صوّر القرآن الكريم الإيمان النفسي بالعقيدة بقوله: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ). فالمقدسات والقيم قضايا موروثة تستبد بيقين النفس دون العقل. فكأنهم يقولون: نحن نتاج بيئة ثقافية واجتماعية، وأسارى منظومة قيم ارتبطت بها مكانتنا وحياتنا ومستقبلنا وانتماؤنا. فنحن جزء من أمة، وللأمة عقائدها وثقافتها ومتبنياتها. فالآية تعكس حقيقة الإيمان النفسي ومدى رسوخه. وهذا ينطبق على مختلف القيم، الدينية والاجتماعية.

وبالتالي، لا يمكن انتزاع تصورات وأوهام وعقائد، ترسخت بعيدا عن محاكمات العقل، وتدثرت بعواطف ومشاعر ارتبطت بها مكانتهم وانتماؤهم وهويتهم ومصالحهم ومستقبلهم الاجتماعي.

رؤية قرآنية

لا يتجاهل الخطاب القرآني العقل، عندما يركّز على القلب، كمصدر للمعرفة، وإنما يحيل على مشاعر الناس، فيصف المعاندين: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا)، رغم أن قضية العقيدة قضية عقلية حسب الفرض، غير أن دور المشاعر / القلب أكبر وأقوى، فيصغي ويتأثر المتلقي لأيقاع الخطاب، فقد يتأثر به أو لا يتأثر. قد يرد الاشكال على القرآن الذي يطرحه محمد إركون، حيث يؤاخذه على عدم تأكيده على النظر والتفكير العقلي الاستدلالي وتركيزه على القلب والجانب العاطفي للمخاطب. رغم تأكيد الكتاب الكريم على الدليل: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وكثرة مقارناته الفلسفية، لكن القلب رهان الإيمان، لقوة تأثير الجانب العاطفي. والدين أساسا يبحث عن قلب يصغي، وليس عقلا مجردا يتعامل معه بالأرقام والمعادلات الرياضية، فهو لا يكتفي بالإيمان بالغيب ما لم يترتب عليه أثر نفسي واجتماعي يدفع للعمل الصالح ومواصلة مسيرة الإيمان . يُريد مشاعر تحرك الناس نحو أهدافه الإيمانية والإنسانية. فهي قوام العقل الجمعي، أحد أهم رهانات الدين، وعندما يشرّع الشعائر يطمح لكسب مشاعر الناس عبر الوعي الجمعي (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). ورهان الدين على القلب لا يقف عند حدود القيم الأخلاقية، بل ويراهن على معرفة الفرد، حينما يقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). بل نسب للنفس قضايا فطرية هي من اختصاص العقل، لكن النفس تدركها من خلال أنساقها العاطفية التي تسير بموازاة الأنساق العقلية أو المعرفية بشكل عام، فقال: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها). فربما لا يدرك العقل أو لا يعقل بعض القضايا، بينما يدرك خفاياها قلب مستنير، مفعم بالحيوية والحياة. والقضايا الدينية والروحية، خاصة الميتافيزيقية لا سبيل للإذعان بها سوى مشاعر النفس البشرية، فتجد من يعش مشاهد يوم القيامة كما يصفها القرآن تهتز جوانبه، ويرتعد قلبه، وتتجاوب مشاعره مع إيقاع آياته. بينما يختلف الأمر عندما تقرأ تلك المشاهد بمعزل عن مشاعرك. لكن أليس عدم إدراكها عقليا دليلا على عدم صدقيتها ومطابقتها للواقع، فتكون مجرد أوهام تتعامل معها النفس كحقيقة مطلقة؟ أقول نعم هذا ممكن جدا، فالإنسان يتفاعل مع أوهامه أكثر من تفاعله مع يقينياته العلمية!!. وكلامنا لا عن عقلية أو عدم عقلية القضية بل عن كيفية رسوخ القيم مهما كانت غير إنسانية، وتنتمي لمنظومة قيم العبودية؟.

التلقي العبودي

يقتصر الطفل في بداية حياته على التلقي الحسي حتى تنمو معارفه وتكتمل مداركه ويستقل العقل بإدارة عمليات التفكير المعقدة. وعندما يتلقى الوليد أي معلومة جديدة يتلقاها ضمن حزمة مشاعر، تتجاوب معها أحاسيسه، كانبساط أو انقباض الوجه، أو التوقف والتركيز، وقد تكون ردة الفعل ابتسامة أو دمعة تقفز لا شعوريا من عينيه. ومعنى التلقي الشعوري، تفاعل النفس البشرية في قبولها أو رفضها، ولا تبدو الصورة واضحة في السنين الأولى، غير أنها جلية بعد رسوخ المعارف وتحكم العقل. فالأم مقدسة لأنها أول من امتزجت مشاعر الطفولة البريئة النقية بمشاعرها، وأول من برهنت على صدقها وإخلاصها وتفانيها لأجل ولدها، واستجابتها لكل مطالبه ولو على حساب راحتها. وهكذا يبدأ التراكم المعرفي، وتتشكل القضايا الذهنية التي تعكس الخارج، أو التي يقوم الذهن بتصورها. من جملتها القيم التي تتحكم بالعلاقات الخارجية، حينما يدرك تأثيرها على مكانته، وقدرتها على تعميق إنتمائه وتحقيق ذاته. من هنا تصبح لديه قاعدة أخلاقية توجّه وعيه وعلاقاته، وفق مصالحه الشخصية ومن ثمة الاجتماعية، بشكل يتناسب مع ركيزتي تحقيق الذات وتعميق الانتماء. وكلاهما تعبير آخر عن حب الذات، الذي هو قيمة فطرية، والدافع الأساس وراء حركة الفرد في المجتمع.

ليست القيم الاجتماعية خيارا للإنسان بل هي قَدَره، يبدأ بتمثّلها منذ نعومة أظفاره، بدءا بتلقين مفاهيم الخضوع والاستسلام، والإلتزام بقواعد الاحترام والطاعة والانصياع، كرهان يتوقف عليها ترسيخ الانتماء وتدارك التهميش، الذي يعني هدر اعتباره، جوهر تحققه الوجودي. فالفرد كيان قيمي ترتعد فرائصه دفاعا عندما تتضرر مكانته وحيثيته الاجتماعية، وهو مستعد للتنازل عن مبادئه أو بعضها لضمان وجوده. فمثلا حينما يرتكز المجتمع الى العنف في تسوية الخلافات وانتزاع الحقوق، فإن الاحتكام الى العقل والتسامح، من قبل بعض الأفراد، يصبح جبنا، وعارا، تنهار معه قيمته الاجتماعية، فيشارك لا قناعة بجدوى العنف بل دفاعا عن وجوده، وهروبا من تهمة الجّبن. وهو ليس جبنا وإنما شجاعة فائقة أن يتروى الإنسان في مواقفه، ويتخلى عن العصبية، ويحتكم الى الشرع والعقل والقانون بدلا من العنف والخصام. بل أن بعض القبائل تعتبر عدم السرقة ليلا جبنا، وهو عمل محرم شرعا لكن يمنح الفاعل قيمة اجتماعية، على أساسه يتخذ مواقفه. وكم من حق ضيعته سلطة القيم، وكم من دم أريق تعصبا لها. وكثيرا ما يقوم الإنسان بعمل لا أيمانا وانما من إرضاء للمجتمع ومجاراة لقيمه وتقاليده، حتى وإن لم يستند العمل الى مبدأ عقلي أو شرعي أو قانوني. كما في حالات دفع الاتاوات والغرامات التي تفرضها القبيلة لخدمة الشيخ أو لتسوية خلافات قبلية راحت ضحيتها دماء بريئة (كضريبة الفصل عند العراقيين)، فيجب على كل أبناء القبيلة دفع المبلغ المقرر حتى وإن وقع القتل ظلما وعدوانا، لكنه حكم القيم المستبدة والمهيمنة.

هكذا يبدأ تبني قيم العبودية والاستبداد، كمكون أساس لبنية الوعي الفردي والجماعي، فلا يشعر معها الفرد بالظلم، ولا يتمرد ضدها، لأن تمرّده نقض لوجوده الاعتباري الذي يمثّل القيمة الحقيقية له.

هذه المقدمة كانت ضرورية للتعرف على دور المشاعر في تلقي اللغة، التي من خلالها سنطل على موضوع القيم العبودية في ظل الثقافة الإسلامية.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق9) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

مضمرات الوعي

ماجد الغرباوي: يفترض أن الدين منظومة، هدفها تحرير الفرد من سطوة قيم العبودية، واستعادة عقله وحريته، ما لم يُستغل ويُعاد انتاج قيمها ضمن نسيجه، بيانا أو تفسيرا أو تأويلا. والكلام ليس حول العبودية بما هي مفهوم تصوري، تكسبه الممارسات العبادية دلالة تصديقية. وإنما الكلام عنها على مستويين، الأول: طبيعة الآثار الاجتماعية والسياسية والنفسية والتربوية المترتبة عليها. والثاني: نوع اللوازم البيّنة وغير البيّنة. القريبة والبعيدة. فالعبودية الاختيارية المتولدة عن قناعة دينية،  هي إيمان وإذعان مطلق، وقناعة تامة بقيمها، تنقلب معها مفاهيم الحرية حداً يعيش الإنسان مشاعر مختلفة. فهي قيم أصيلة في المجتمعات القبلية، يتلقاها الفرد بداية الوعي، بل هي ضمن القيم التي تؤسس لوعيه، وتؤصل لقيم فوقية تترتب عليها.

عندما نعود لواقع المسلمين وفقا للفهم المتقدم، نجد ثمة شكوكا حول قدرة الدين على انتزاع الفرد من واقعه، وتحرير قبلياته من أسر مرجعيات ظلت وفية لنظامها المعرفي القائم على ثنائية تكرّس التبعية والانقياد، وتبرر استلاب الوعي. سواء من آمن في زمن البعثة أو بعدها، من داخل الجزيرة العربية أو من خارجها. يشهد لذلك تمسك المهاجرين بمبدأ القريشية لحسم نزاع السلطة بعد وفاة الرسول، حتى أصبحت شرطا في شرعية الخلافة الإسلامية!!. وقد انبرى جملة من الفقهاء لتأصيلها فقهيا، وتعزيزها بروايات عن النبي تؤكد اختصاص القيادة بقريش، وغدت بديهية إسلامية، رغم حمولتها القَبلية والاستبدادية، سوى خلاف بين من يرى صحة خلافة القريشي مطلقا / السُنة، ومن يحصرها بأئمة أهل البيت / الشيعة. فكيف تفوّق مبدأ عنصري قَبَلي، على قيم أصيلة في التفكير الديني حسب الفرض، كوحدة العنصر البشري، ومركزية التقوى في التفاضل بين الناس، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). هل ناقض الدين نفسه وشجع عليه؟ أم أن قبليات المجتمع نجحت في التكيّف مع الوافد الثقافي الجديد؟ أو ربما إغراءات السلطة دفعت باتجاه التشبث بها، لحسم النزاع حولها؟ لكن كيف ينهار الإيمان أو ينقلب على مبادئه؟ أو لم ينقلبوا ولم يرتدوا، لكن الصحابة فهموا أن السلطة أمر مناط بهم، ولهم حرية اختيار من يرونه مناسبا، وبما أن لقريش خصوصية القيادة داخل المجتمعات العربية، فلهم أولوية الحكم، لذا أقر الجميع لهم، واقتصر الخلاف على أيٍ من بيوتات قريش أحق بها؟ لكن ماذا عن الحمولة السلبية في اعتماد المبدأ القبلي؟ وماذا عن حجم تداعياته في تقديم الولاء على الكفاء؟ وشطب الأخطاء وتنزيه سلوك السلطان، وتبرير الظلم والجور والعدوان؟. وماذا عن العقل الفقهي الذي نظّر للبعد الشرعي، على حساب قيم الدين؟

فثمة ظواهر في المدونات الفقهية تلحّ على نقدها، وتحري مرجعياتها، وهناك فقه يكرّس الاستبداد، كالفقه السلطاني عند السُنة، وولاية الفقيه عند الشيعة، التي تمنح الفقيه سلطة مطلقة، يستمدها من نيابته للإمام المهدي، ظل الله في أرضه، من حقه تعطيل الدستور والفرائض، كما حصل في عهد الإمام الخميني، حينما عطّل فريضة الحج لثلاث سنوات بعد توتر العلاقة بين إيران والسعودية. ولم يقف الأمر عند حدود الفقه والتأصيل الفقهي، بل راح علم الكلام ينظّر لعقيدة التنزيه والعصمة المتمثلة بعدالة الصحابة، المعادل الموضوعي للعصمة عند الشيعة، لتعضيد فكرة الاصطفاء، وشرعنتها كأصل عقدي، يواري سوأة قيم العبودية القائمة على الاستبداد، وقمع المعارضة. وقد حشد الطرفان شواهد وتأويلات واستدلالات لدعمها. فكانت روايات الفضائل تترى، وقد وظفوا جميع تقنيات الجرح والتعديل لتمريرها، وتفادي محنة ضعف السند أو كليهما. كما كان تأويل الآيات على أشده، في تنافس امتد لقرون وما يزال يكافح لتكريسها، بينما راحت الخرافات وروايات الكرامات تتولى تخدير الوعي، وتطويعه بما يخدم ثنائية السلطة والمعارضة. ولا يمكن الاستهانة بعدالة الصحابة وعصمة الأئمة على الصعيد الفقهي، فهما ركيزتان أساسيتان في عملية استنباط الأحكام الشرعية. وكانت خلاصة كل هذه الجهود شرعنة الاستبداد، وسلوك الخلفاء، وتبرير سفك الدماء، وهدر الثروات، وترسيخ مبدأ الوراثة في الحكم، وتحصين الرموز تبجيلا وتقديسا، والارتفاع بهم فوق النقد والمراجعة.

وبالتالي فإن سلوك السلطة والمعارضة تاريخيا يبعث على الارتياب، لا يستدعي إذناً شرعيا لتحري صدقيته وحقيقته، ومدى تناغمه مع قيم الدين. حتى مع مدنية السلطة، لأن الدين كان يستبد بمرجعيات الصحابة كما هو المفروض، وعنه تصدر تصوراتهم ومواقفهم وأحكامهم، خاصة مَن ترعرع في أحضان البعثة النبوية، وانتهل من أخلاقها ومبادئها. وليس ثمة ما يمنع النقد والمراجعة، بما في ذلك آيات الفضائل التي تخص الصحابة، بل أن الشكوك مبررة قرآنيا، في ضوء بعض الآيات، التي تجعل من الرِدة والانقلاب على الإيمان أمرا محتملا. لأن اعتناق الدين الجديد، تقويض لقبلياته، وتأسيس قبليات جديدة وفق مفاهيم مختلفة للحياة والموت، والآخرة، والعبادة، والمعبود، والعلاقة بالناس و"الملأ" في مجتمعاتهم. والتخلي عن القبليات ليس سهلا، بل الإيمان معاناة حقيقية، غير أن الأجواء النفسية التي أحاطت بالمسلمين، وتوالي المعارك وما تصاحبها من مشاعر، مهّدت لتوطيد الإيمان. وهذا يختلف عمن يولد في بيئة مسلمة، وينشأ نشأة دينية، حيث يكون إيمانه مكتسبا، يتلقّاه ضمن ثقافته. تصطلح عليه المدونات الفقهية "الإسلام الفطري"، في مقابل "الإسلام الملي". الأول من يولد من أبويين مسلمَين أو أحدهما. فيقتل عندهم إذا ارتد. بينما يستتاب الثاني أولا فإن تاب وإلا قُتل.

إن السلف الصالح سلطة مازالت مؤثرة، تفرض محدداتها على المجتهدين من جميع المذاهب، وهذا مبرر آخر يدعو لتحري ذلك التراث المثقل بقيم العبودية، حداً غدت جزءا من الدين، للتخلص من سطوته وتحرير العقل المسلم من فخاخه وأثقاله. ومن الآيات التي تبرر النقد والمراجعة، قوله تعالى:

- (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ).

- (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ..). التي تؤكد إمكانية الردة مطلقا.

- (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ..)؟. وهي واضحة في فضح قلق الإيمان، وعدم رسوخه كمنظومة فكرية وأخلاقية.

- (.. وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم).

- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ..).

هذه الآيات وغيرها تبدي قلقاً واضحا حيال صدقية الإيمان وضمان ولاء المسلم وعدم ردته عن الدين. فالردة ممكنة، لا تستثني أحدا، يؤكدها خطاب الآية الأخيرة الموجه لخصوص المؤمنين. ومعنى الردة، نكوص الولاء، بسبب ضعف الإيمان، وعدم استقراره حداً: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ). وهي صفة إيمانية، بل وأعلى درجات اليقين في مجتمع يولي العلاقات الاجتماعية قدسية خاصة، لكنه يضحي بها لصالح مبادئه وقيمه الدينية.

فإطلاقات آيات الرِدة المتقدمة، صالحة لتقييد إطلاق آية: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). ومعنى التقييد: استثناء المرتد من إطلاق هذه الآية بالذات. ولازمه شرط الاستقامة وعدم الارتداد في صدقية مصاديقها مستقبلا. فهي صادقة في زمن النزول ما لم يرتد. ومرتهنة لإيمانه وعمله الصالح فيما بعد. فليست ثمة تزكية مطلقة، وإنما تتوقف على فعلية شرطها، أي الاستقامة. وإلا يلزم من إطلاقها شرعية جميع سلوكياتهم، خاصة (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ)، التي تتجاوز مرحلة البعثة وما بعدها، بما يتنافى مع المنطق القرآني، بل ويتنافى مع منطق الحق مطلقا. وهذا أيضا مبرر لتحري سلوك الصحابة ومن تابعهم بإحسان، خاصة وقد تورطوا بالسلطة وسفك الدماء وهدر ثروات المسلمين. فالأمر يختلف عن زمن البعثة، عندما كانوا تحت إشراف وقيادة النبي مباشرة، وكان الوحي يتنزل يحذّر ويفضح، حتى كان أحدهم يخشى أن ينزل فيه قرآنا (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ).

وكقاعدة عامة: يبقى الأصل نزاهة من أشارت لهم الآية، ما لم يدل الدليل القطعي على رِدتهم أو انحرافهم عن الاستقامة القرآنية. وهي ممكنة تؤكدها آية: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ). فنلتزم بنزاهة السابقين الأولين زمن البعثة، وتبقى الرِدة محتملة، وأما بعد وفاته فالجميع يرتهن لسلوكه واستقامته، بل آية "الانقلاب على الأعقاب" تؤكد إمكانية الانقلاب على الإيمان، وهي مطلقة لا تستثني أحداً، وقد نزلت في معركة أُحد، حيث كبار الصحابة آنذاك. وبالتالي فهذا القدر من الشك يؤكد أيضا إمكانية الرِدة، كصيرورة نهائية لقلق الولاء. ولازمه نفي النزاهة والعصمة المطلقة، ويبقى الصحابي هو وسلوكه ومواقفه وقدرته على إدارة الأزمات بما لا يخل بقيم الدين، وضمن فهم إنساني ينأى عن قيم العبودية والاستغلال. وتبقى سيرة الصحابة في دائرة النقد والمراجعة، بحثا عن مرجعياته، المرتبطة بدوافع أيديولوجية وسياسية وقبلية.

نستخلص مما تقدم:

أولاً: إمكانية الارتداد ولو على المدى البعيد، مع نفي العصمة السلوكية، والفكرية للصحابة. فهناك أمران، يرتبط الأول بالبعد النظري / الإيمان في مقابل الرِدة. والثاني يكون موضوعه السلوك / العمل الصالح في مقابل الانحراف السلوكي. والفقهاء يرتّبون حكم  الرِدة علي كليهما، فمن ارتد عن الإسلام إلى الكفر يصدق عليه حكم المرتد. ومن أنكر ضرورة من ضرورات الدين، كالصلاة والصوم وغيرهما يطبق عليه ذات الحكم. فالرِدة أوسع مفهوما من الارتداد عن الدين، بما يشمل سلوك الفرد ومدى إلتزامه بأحكام الشريعة. غير أن الآية لا تفيد هذا الإطلاق بل وتعسف واضح، فنقتصر على القدر المتيقن، وهو الارتداد عن الدين، بمعنى العودة للكفر.

ثانياً: التزكية شهادة حسن سلوك، يتوقف فيها (رضى الله) على إيمان الفرد وعمله الصالح، لذا تكون شاملة لمن اتبعوهم بإحسان كما جاء في سياق الآية، فلا خصوصية لسبقهم سوى الثبات على المبادئ وقوة الإيمان والاستقامة، فتشمل كل من اتصف بهذه الصفات مستقبلا. تؤكده سياقات آيات الكتاب التي ترتهن مصير الفرد بإيمانه وعمله الصالح، قانونا قرآنيا عاما، وردت فيه أكثر من خمسين آية، تربط بين الإيمان والعمل الصالح. وليس في الآية أية دلالة على العصمة الفكرية أو السلوكية أو غيرهما. ولا مرجح لهم دون غيرهم، خاصة بعد وفاة النبي. واعني بالعصمة استبعاد صدور الخطأ في مواقفهم وسلوكهم، خاصة عند ممارسة السلطة والحكم.

ثالثا: الارتداد دليل مرونة قيم العبودية والقَبلية وقدرتها على المراوغة والتخفّي تحت عناوين مشروعة، تجعل من التمسك بقيمها أمرا عباديا، والعبادة لا أنها فقط تطهّرها من الرجس والأدران والعاهات الأخلاقية، بل وتجعل منها أمرا مقدّسا، لا ينطفئ غضب الرب إلا بالانقياد لها.

إذن، فالطريق ممهد لتقصي مدارات قيم العبودية ضمن النسيج الإسلامي (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ). والنفاق أعم من الولاء والتظاهر بالإيمان لتفادي التحديات وتحقيق الأهداف والمصالح الشخصية. فمن لم يتمكن الإسلام منه يبقى وفيا لقيم العبودية، التي هي قيم مجتمعات الجزيرة العربية، بل والمنطقة بأسرها.

الإيمان بمفرده لا يكفي لكبح المتواري من قيم العبودية وهيمنة قيم القبيلة والنظام الأبوي، ما لم تقوّض مقولات البنية المعرفية السابقة، وإعادة تشكيل العقل وفق تأسيس معرفي، يرفض تبريرها تحت أي مبرر، ويرتكز للبرهان والدليل في محاكمة المفاهيم والأفكار، حينئذ فقط يصدق التحوّل الجذري بفعل الإيمان الجديد. فالآيات المتقدمة تؤكد فاعلية المُهيمن الثقافي وفق آلية الضمور والظهور الموارب أو المتستر بقيم الدين الجديد. بل أنه قادر على تكييفها لتكريس مفاهيمه، مستفيدا من مرونة النص الديني، وثرائه الدلالي، فالآيات التي تشيد بالتسليم للخطاب الديني مثلا، تكفي لتمرير قيم العبودية تحت سارية الدين، ما لم يتداركها الوعي، ويعيد قراءتها ضمن سياقاتها القرآنية. فالحديث عن تسرّب قيم العبودية للعقل المسلم حديث مشروع، تؤكده التنظيرات الفقهية للاستبداد، كالفقه السلطاني، بشقيه السني والشيعي (ولاية الفقيه) تحت ذرائع سياسية لا علاقة لها بالتشريع، بل وتتقاطع مع قيم الدين الذي يؤكد على إقامة العدل والانصاف ورفض الظلم والعدوان.

أجد أن مبرر قلق الآيات المتقدمة يحيل لنظام المعرفة البشرية بشكل عام، وقدرة المضمرات العقدية والمقولات التأسيسية، على المراوغة والإلتفاف. فتغدو قيما دينية معقولة بمعيار العقل الديني المندمج بقيم العبودية، دون التجرد من حمولتها الدلالية وتأثيراتها. فروح التلقي المُستَلَب تحافظ على مشروعيتها بانتسابها للدين. والفرق واسع بين تلقٍ مُستَلب يجرد الفرد إرادته، ويصادر حريته، وتلقٍ واعٍ، عقلاني، متوازن ومستنير، يؤكد وجود الفرد وحريته وإرادته.

إفرازات البعثة

أفرزت البعثه النبوية واقعين، قبل وبعد، بينهما فصام عقدي مرير، تراوح بين الكفر والتوحيد، مرورا بالشرك، انعدمت معه احتمالات التسوية العقدية. وانقلب الفصام إلى صراع دموي، امتد لعشر سنوات، هي حياة النبي في المدينة. وقد انتهى بصلح الحديبية ومن ثم دخول مكة، عام الفتح، فدخل الناس في دين الله أفواجا. فثمة مشتركات بين الصحابة، وهناك خصوصية السابقين الأولين، ممن واكب حياة الرسول أو جُلها. وهي خصوصية فرضتها استقامتهم، فيأتي السِبق فضيلة إضافية

وأما المشتركات فهي وحدة الثقافة والبيئة الاجتماعية، وهي بيئة قبلية وأبوية. يسير بموازاتها نسق قيمي، يخص النظام الأبوي الذي يتقوّم بالطاعة والانصياع، وتعززه مقولات تراثية واجتماعية، تكرّس طاعة الأب كقيمة تستمد شرعيتها من مقام الأبوة، لها استحقاقها الذي تحفظ به، وحدة العائلة، الوحدة الأساس بالنسبة للقبيلة، المجتمع. فهناك نسقان يتحكمان بوعي الفرد والمجتمع، النسق القبلي القائم على ثنائية السيد / العبد، والنسق الأبوي المرتكز لثنائية الأب / الإبن. فوشائج الولاء والدم والقرابة تعد بنية فوقية للمجتمع القبلي، تكمن تحتها أنساق مضمرة تغذي البنى الفوقية. لذا لا تتمكن تلك الوشائج منفردة من تحريك المشاعر القبلية، عندما يتحرر الفرد من قبلياته، بل تبدو باهتة، وربما ينقلب ضدها ويرميها بالجاهلية والتوحش، خاصة السلوكيات القبلية السلبية، كدوامة الحروب، والإسراف، وتبرير الغزو والنهب. وما لم ندرك تلك المقولات المؤسسة لبنية العقل القبلي، سيبقى الغموض يلف سياقات وعي ما بعد اعتناق الدين الجديد، الذي كافح من أجل تحرير العقيدة من عبادة الأصنام والأوثان، لكن لم يكافح جادا أو كافح ولم ينجح في قمع الموروث القبلي وقيمه ومبادئه. فثمة أنساق متوارية بقيت تتحين، حتى انطلقت بقوة خلال تسوية الصراع على السلطة، بل لم يتخلص منها الصحابة في زمن الرسول، حدا كان النبي يسعى لكسب قريش، وطمأنتهم، والثناء على صفاتهم الإيجابية فيهم، كما هناك روايات في فضائل قريش، قد تكون موضوعة لكن تبقى محتملة، فاعلة، مؤثرة.

فعندما تقول الآية: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) تؤكد وجود لبس في فهم العلاقة في ضوء الإيمان. فهناك اختلاف في مبادئ العلاقة بين الإيمان بالله ورسوله وعدم الإيمان. وتباين في طبيعة المقولات المؤسسة للعلاقات الاجتماعية. فمن يؤمن يتعين عليه تبني فهماً جديدا، يقوم على القطيعة مع أقرب الناس عندما يكون محاربا لله ولرسوله. بينما العلاقة مع غير المحارب وإن لم يكن مسلما، هي: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). لكن رغم هذا التثقيف استبدت قيم العشيرة والقريشية بالصحابة، واستأثروا بالسلطة، بعد استبعاد الانصار، الذين لم يوص رسول الله بأحد كما أوصى بهم، لحجم تضحياتهم من أجل الرسالة وصاحبها؟

فثمة احتمالات تسلط الضوء على حقيقة تمسك الجميع بمبدأ قبلي، على حساب مبادئ الدين والإنسانية. ولماذا لم يستطع الدين القضاء على قيم العبودية، بل وشرّع لها في أحكام العبيد. وأسئلة أخرى يجب مقاربتها من أجل الحقيقة، واستعادة الإنسان لوعيه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي15خاص بالمثقف: الحلقة المئة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق8) حديثه عن سلطة ومشروعية الفقيه. 

 

 المعرفة واللغة

ماجد الغرباوي: اتضح مما سبق أن استلاب الوعي، انسداد أفق التفكير الإيجابي، بفعل ثقافة أُحادية، ترتهن وعي الفرد / الفقيه وتفرض عليه أسطرة الرموز، وتبعية تقصر وظيفته على تبرير وتأويل وتفسير المرويات الدينية والتاريخية دون نقدها وتفكيكها، ويغدو اللامعقول الديني مصدرا للمعرفة. فليس الاستلاب سوى استعداد، ينمو ويتطور تحت وطأة الموروث الثقافي، وسيادة قيم الاستبداد والنظام البطركي السائد. وقد يخبو بفعل يقظة العقل وقدرته على تشخيص مقاصد الخطاب، بعيدا عن مراوغاته وتقنيته في تبليغ رسالته. وما لم يتحرر الفقيه من قبلياته المؤسسة على مقولات طائفية وأيديولوجية موروثة، لا يتحرر الخطاب الديني، ويواصل تزوير الوعي بفعل انتسابه للدين، وارتهان العقل الجمعي لأوامره وفتاواه. على العكس من يقظة الوعي أو استنارته، حينما يتعامل الفقيه مع التراث وسيرة السلف الصالح برؤية نقدية. يحاكم، ويقارن، ويبحث عن جذور الفكرة، ومدى معقوليتها وقربها من قيم الدين ومبادئه الإنسانية. أي أن شرط استنارة الوعي يقظته، وقدرته على النقد وفقاً لمبادئ ومقدمات عقلية، لاكتشاف ما يتوارى خلف لغة الخطاب، وتحري مقاصده، وما يقبع خلف نسقه. فيقظة الوعي هي الضد النوعي لاستلابه، مفهوما واصطلاحا ودلالة، وعلى صعيد الآثار والتداعيات المترتبة عليهما، ولا مبرر لاستثناء الفقيه باعتبار تخصصه، بل قد تستدرجه غواية النصوص وقداسة التراث وثقافة الانقياد، فيتشبع برثاثة الوعي وهو في قمة تألقه العلمي، فينظّر للعنف والاستبداد ورفض الآخر، وتكريس منطق الوصايا، ومصادرة الإنسان حقوقه، سيما الحقوق الأساسية للمرأة التي صادرها المنطق الذكوري. وشرعنة الخرافة واللامعقول بناء على مقدمات غير علمية ولا عقلية سوى موروثاته وذاكرته المؤسسة على قيم قبلية وطائفية.

إن مكانة الفقيه الدينية والروحية والقيادية والسياسية، تتطلب ملاحقة قبلياته، ونقد مقولاته التي يرتكز لها في استنباط الأحكام واتخاذ المواقف السياسية. فهو سلطة توجه وعي الفرد والعقل الجمعي. سلطة ينقاد لها الناس طواعية، ويستجيب لها العقل الجمعي تلقائيا. لكن ربما كان الفقهاء رغم مكانتهم، وراء تخلّف المسلمين حضاريا، وهذا القدر من الاحتمال يكفي مبررا لنقد العقل الفقهي، وتحري مقولاته الأساسية، وطريقة اشتغالها داخل فضائه المعرفي، ومدارات وعيه بحثا عن حواضن استلابه، الذي يلعب دورا خطيرا في تكريس منطق الانقياد اللاواعي، وتسويغ منطق الوصايا. فالفقيه كغيره يتأثر لا إراديا بقبلياته وثقافته ويقينياته المكتسبة، وتؤثر به ما لم يتولَ تقكيكها ونقدها وإعادة تشكيل وعيه على مبادئ عقلية، وأسس معرفية مختلفة، غير أن المرء غافل عنها، يعتقد بصحتها، وسلامة ثقافته مطلقا، ناسيا دور التلقي والتربية في وجودهما.

من هنا يتعين تحليل العقل الفقهي، وفق نظام اللغة، بما أنه عقل بشري، له تقنيته في تلقي المعرفة وانتاجها، لا فرق بين شخص وغيره. وثمة نظام يتأسس على مقولات مكتسبة، تؤسس لبنية معرفية، تفرض محدداتها على وعي الحقيقة وفهم الواقع. ولا سبيل آخر لإدراك حقائق الأشياء خارج نظام اللغة، حتى المعارف الصوفية أو ما تسمى بالكشفية، التي هي مشاعر متدفقة وأفاق روحية متوهجة، إلا أنها تبقى مقولات مضمرة، يصعب اكتشافها لغموضها وتواريها بفعل أجواء التوصف والعرفان. وعليه فالوعي مرتهن لمقولات راسخة، يصعب تجاوزها بعيدا عن التفكيك والنقد، وهي مرحلة متأخرة عادة، تتطلب شروطا ذاتية وموضوعية، واستنارة عقلية تدفع باتجاه المراجعة.

يولد الإنسان صفحة بيضاء سوى استعداد لاكتساب معارف أولية، تنتظر تراكم لتتطور طرديا مع حجم استيعابه. فتكون حواسه مصدرا أساسا لوعيه. وهي أخطر المراحل. أعني مرحل التلقي اللاشعوري، أو مرحلة التكوين اللاشعوري لقبليات الفرد وعقله. حيث تترسخ فيها الأفكار والعقائد عميقا في قاع اللاوعي، وتواصل تأثيرها، ضمن أنساق معرفية، مضمرة، عصية على الاكتشاف، ما لم تتراجع أو تتطور بفعل التراكم المعرفي، خلال مراحل حياة الإنسان. فقد تتلاشى لتحل محلها معرفة واعية، أو تلازمه مدى الحياة. فالمقولات الأساسية هي المسؤولة عن برمجة العقل ومدارات وعيه، حينما تفرض محدداتها. بها يعمل، ومن خلالها يفهم الواقع، ويدرك حقائق الأشياء. لا غنى له عنها، ولا عمل ممكن بدونها. وهي تراكم معرفي مكتسب من بيئته وثقافة مجتمعه، ترسو لا شعوريا، وتترسخ في غفلة من الوعي، لتعود تتحكم باتجهاته ومداراته.

ويمكن بيان خصائص مرحلة التلقي / الطفولة، كالآتي:

- ينحصر التلقي والتلقين في بداية حياة الإنسان بالحواس الخمسة، فتترسب معارفها لا شعوريا، وترسو عميقا، تتولى برمجة عقله ومدارات وعيه. لكن التلقي استغفال للعقل بعد مرحلة الطفولة، وتبلّد تتوقف يقظته على محفزات ذاتية وموضوعية.

- يلتقط المتلقي في هذه المرحلة جميع المشاعر النفسية والعاطفية والأجواء الروحية المرافقة للمفردة خلال عملية التلقي، سواء كانت إيجابية أو سلبية، بل يلتقط حتى طريقة انفعال المتكلم / الأب / الأم / أو أي فرد آخر. لأن المشاعر ملازمة لحديث الإنسان، والطفل يلتقطها ويتفاعل معها، فتلازم الكلمة في لا وعيه، وعندما يعود لها ينطقها بذات المشاعر المكتسبة، وقد تزيد وتتراكم بفعل تلقٍ جديد.  فالمعرفة تبدأ اكتسابية – نفسية، ثم تترسخ بتشابك العلاقات العاطفية في قاع الوعي. وهذا جلي في العقائد الدينية والتقاليد والأعراف الاجتماعية، فتجد فردا يؤمن بخطأ فكرة دينية عقلا، وربما يصفها بالخرافة، لكنه يستبعد منطق العقل، ويتفاعل معها عندما تحين مناسبتها. فالسبق دليل رسوخ المقولة، سواء كانت دينية أو غيرها، ودليل أنها تحتمي بشبكة مشاعر متداخلة، تحول دون هدرها. وهذا يؤكد أن الجانب العقدي عند الإنسان شعوري أكثر منه عقليا، بل يرضخ العقل لأحكام المشاعر وضروراته، ويتجه للتنظير لمقولات خرافية تماهيا مع مشاعره وإيمانه.

- لا معنى للنقد في مرحلة التلقي، لأنه أيضا يتأسس على مقولات أساسية مغايرة، ولا يعقل الارتكاز لذات المقولة لنقدها، هذا بالنسبة للمعرفة البشرية، فيأتي النقد متأخرا بعد اتساع أفق المعرفة، وتعدد سياقاتها وأنساقها. فيرتكز لنسق معرفي في نقده لنسق آخر، ولا يخفى دور الفطنة وقوة الملاحظة والذكاء والجرأة في ممارسة النقد وخلق روح نقدية متوترة مولعة بالأسئلة. فالتحرر العقلي إذاً يتطلب مرانا على النقد والمراجعة وطرح الأسئلة والاستفهامات وتقويض المألوف والمتعارف ومطاردة ألاعيب الخطاب. من هنا ينزعج الناس حينما يستفز الخطاب النقدي عقائدهم ومورثاتهم، ويربك استقرارهم النفسي القائم على تلك الموروثات الدينية. فهي أساس وجوده وكينونته الاجتماعية، يستميت في الدفاع عنها والتضحية في سبيلها، عندما يتعلق الأمر بالهوية والانتماء الذي يزعزع الاستقرار والطمأنينة. فالدفاع عنها دفاع عن وجوده وهويه وانتمائه، فلا يسمح بهدرها ما لم يتولى نقد الذات بنفسه، ويبدأ بمراجعة قبلياته، ويسمح للعقل بالنقد وفقا لمبادئه. أي أنه يرتكز لأنساق عقلية ومعرفية مغايرة تتصدى لنقد مقولاته الأساسية. في هذه الحالة فقط تبدأ عملية التنوير.

لغة العقل

يمكن تقريب فكرة عمل العقل بلغته، وكيفية تعقله للأشياء، من خلال أجهزة الكومبيوتر التي تحتفظ بلغة خاصة، رمزية ومشفرة، ضمن لغة الكم، والأنساق. فالجهاز لا يفهم ما تكتبه إلا بواسطة لغته، ولا يُجيب كما ما تراه على الشاشة إلا بذات اللغة ثم تظهر النتيجة من خلال اصطفاف الأنساق الكتابية في مرحلة العرض النهائي. ولا يمكن للمبرمج تصميم برنامج ما لم يكن خبيرا بلغة الكومبيوتر. ورغم تعقيد هذا الجهاز وحضوره المذهل، إلا ان فكرته بسيطة، قائمة على دوائر كهربائية (0-1)، هي التي تقوم بتنسيق المعلومات، فقيمة الجهاز بخزينه، وقدرته على استيعاب المعلومات، وسرعة حركة المسح الليزري. فكل معلومة تمر عبر عدد كبير من الدوائر الكهربائية رغم ظهورها للمشاهد بفائق السرعة. ومصداقية هذا الكلام واضحة لمن عاصر أول ظهور الكومبيوتر وسرعته البطيئة، حيث كان استعراض الشاشة يتطلب وقتا طويلا، بسبب قلة الدوائر الكهربائية وضعف قدراتها على المسح المعلوماتي السريع. لكن الأجهزه الحديثة طورت نفسها، وتغلبت على عوائق السرعة الفائقة من خلال تطوير الحزم الكهربائية والضوئية. وهكذا العقل لكنه أكثر تعقيدا. فالحقيقة التي يقدمها جهاز الكمبيوتر وليدة مخزونه المعلوماتي، فهو لا يفكر مثل الإنسان، ولا ينتج معرفة خارج فضائه المعلوماتي إطلاقا. وعندما تكون معلوماته ناقصة لا يعطي نتائج مطابقة، لذا برامج البحث لا تجيب بشكل دقيق إلا إذا عثرت داخل شبكة الانترنيت على معلومات كافية لبناء معلومات جديدة. وخير شاهد برامج الترجمة الانترنيتية الفورية، وعثراتها الكبيرة. فالجهاز قد يعرف المعلومة لكن لا يعرف تركيب الكلام وفق لغتنا. خاصة أن اللغة أنماط ثقافية لا مجرد رصف كلمات غير مفهومه. أنماط تتحكم بها دلالات ثقافية واجتماعية ومشاعر نفسية. وهذا لم تستطع لغة البرمجة تحقيقه لحد الآن، إلا ما يحصل صدفة. حيث أن الترجمة تعمل على مسح معلوماتي، وتنقل النص المطابق بين اللغتين، فعمل الجهاز مقارنة واستنساخ، وليس ترجمة فعلية للكلمات، لذا أصبحت الترجمة سهلة من خلال تصوير الكلام. فتكون وجهته الأولى في المسح وثائق الأمم المتحدة المترجمة لجميع أنحاء العالم حيث تسهل مقارنة النصوص. فتنقل ذات النص المترجم إذا كان ممكنا. لكن الإنسان يتمتع بكل هذه الامتيازات. ويقوم بتأليف النص وفقا لجميع دلالاته، فتأتي الصورة الكتابية مطابقة للصورة الذهنية، مفعمة بالمشاعر والأحاسيس.

وملخص هذا الكلام بطوله، أن الإنسان مرتهن لخزينه المعرفي وقوة مشاعره، وبنيته التي تأسست فوق مقولات مكتسبة، تمثّل يقينياته وثوابته، وتفرض عليه محدداتها، ومسارات تفكيره ومواقفه من الأنا والآخر. فالمعلومات الأولية التي هي أساس المعارف البشرية يتلقاها الفرد لا شعوريا، وترسو عميقا دون معرفة تفصيلاتها، وآلية عملها، حتى وهي تفرض سلطتها عليه، بل لا يستقل بإرادة دونها، ويستفزه كل تحرّش نقدي بها، حتى تكتمل مؤهلاته العقلية، ويصبح قادرا على النقد والتمييز والمساءلة حينئذٍ يمكنه مراجعة جميع يقينياته، وفق أسس عقلية نقدية، خاصة ما له علاقة بالعقيدة والفكر، ومقولات متوارية ينطلق منها التفكير البشري.

وكمثال شاخص، إيمان الناس بقدسية عقائد ورموز دينيه وتاريخية موروثة، موغلة بالقدم، يصعب تأكيد صدقيتها ومطابقتها للواقع، بل ويصعب نفي خرافيتها أو جزءا منها. غير أنها تمثّل بالنسبة لهم حقائق مطلقة، ترتبط بمشاعرهم وثقافتهم وهويتهم وانتمائهم، وليست شيئا خارجا عنهم. والسبب أن التلقي الأول يتولى تأسيس أرضية الفضاء المعرفي للفرد، ثم يقوم العقل بتشييد بنيته فوقه، فهي أساس يقينياته وقبلياته التي تقرر سلوكه ومواقفه، وتحديد استقلاليته، وارتباطه بعقيدته ورموزه وثقافته، فثمة جدل مستمر بينه وبين الواقع، الذي هو انعكاس لثقافته، فتترسخ قناعاته، خاصة عند تحديات الهوية والانتماء (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ). وخصائص هذه المقولات، أنها:

1- تتولى تشكيل الوعي الفردي والعقل الجمعي.

 2- تؤثر في توجيه مشاعر الفرد والمجتمع.

2- تشارك في تشكيل الهوية ورسم حدودها.

3- تكون مصدرا للانتماء الاجتماعي.

تلقي الفقيه

الفقيه كغيره من البشر، يبدأ بالتلقي اللاشعوري ليتماهى مع بيئته الثقافية والاجتماعية. لا يكتفي بترديد ما يسمع وتقليد ما يرى، بل تترسب جميع المفاهيم والصور والمشاعر لا شعوريا، لتؤسس بنيته المعرفية، على شكل يقينيات ومبادئ، من خلالها يمارس العقل دوره في التركيب والاستنتاج وانتزاع المفاهيم والصور الذهنية، وعلى هداها يتحرك الإنسان، يبنى علاقاته ويزاول حياته اليومية، وهي ذاتها تخلق شغف المعرفة، وحب الاستطلاع واكتشاف الحقائق، فيكرر الأطفال تجاربهم مع كل ظاهرة، يدرسون أسبابها ونتائجها، وبهذا الشكل يراكمون خزينا معرفيا، وقاعدة بيانات يمارس في ضوئها العقل دوره في انتاج المعرفة.

والمعرفة الأولية خليط: عادات، تقاليد، مشاعر، مواقف، نصائح، علاقات، تقليد، متابعة، ومنها: العقائد والشعائر والطقوس، المسؤولة عن الوعي الديني مع كل مناسبة يلتقط مفهوما وأحاسيس ترسو عميقا، تتولي برمجة وعيه الديني، وموقفه من الآخر المختلف. والمشاعر راسخة، تتجدد مع كل مناسبة وطقس ديني أو طائفي. بل الطقوس منبع المشاعر الدينية، لذا تفرض الأديان بعض الشعائر، من أجل خلق رأي عام وعقل جمعي يعمق الإيمان لا شعوريا. وبالتالي فعقائد الفقيه عقائد موروثة، مكتسبة لا شعوريا، ومشاعره الدينية تنتمي لمقولات ترسّخت بعيدا عن وعيه وإرادته، فتعمل ضمن أنساق مضمرة جدا، غير أن تأثيراتها تتجلى في سلوكه ومواقفه، وتشارك في تشكيل هويته، وتحديد انتمائه. فهي بالنسبة له يقينيات، ونهائيات، تفرض نفسها سلطة معرفية، تتولى توجيه مسارات سلوكه ووعيه. وعندما تكون المقولة يقينية وسلطة لا يساور الفرد شكا بها مطلقا، ومرجعية نهائية، يحتكم لها لتسوية الشبهات واستبعاد الشكوك. بل تفقد الشكوك مصداقيتها عند أول ممارسة طقوسية، سلوكية أو روحية. فينقلب الموقف من الشك إلى الأدلجة، والدفاع المستميت. ويبدأ الفقيه بمراكمة أدلة كلامية لتعضيد عقائده، دون نقدها. فيكون استلاب الوعي قدره، ما دام الفقيه ينغلق على نسقه العقدي، بعيدا عن المقاربات النقدية، والمراجعة العلمية. أي أن الفقيه حينما يبلغ درجة الاجتهاد يفترض أنه في قمة العقل، هكذا حينما تتابع دراسات أصول الفقه، غير أنه يضرب ستارا حديديا حول عقائده وموروثاته في موقف غريب جدا. يعتبرها مناطق محرمة، مسؤوليته الدفاع عنها، وتبرير خرافيتها، حينما تجافي العقل والمنطق. فالنقد الداخلي غير متصور بالنسبة للفقيه وغيره، لعدم تحقق شرطه، وهو استقلالية مرجعيته، وهذا متعذر لعدم وجود يقينيات مغايرة، وبالتالي يتوقف نقد العقل الفقهي على نقد مقولاته الأساسية ويقينياته، كي يعاد تشكيلها على أسس عقلية، وتعود تعمل كمرجعية نهائية بأنساق معرفية مختلفة، تنتمي للعقل والمنطق السليم.

تتصف المقولات العقائدية بتجذرها وقوة هيمنتها بفعل حاجة الإنسان لرؤية كونية تُطفئ قلقه الوجودي، ومخيال خصب يروي ضمأه الروحي. فتشكّل ركيزة استقراره النفسي، وضمانة لتطلعاته المستقبلية والماورائية، وهي قضية مهمة خاصة النفوس المؤمنة المسكونة بالغيب، بهذا تفرض صدقيتها، وبريادتها التأسيسة تراهن على حقيقتها. فهي مقولات مهيمنة على الوعي، لا يمكن هدر سجونها إلا من خلال وعي مختلف يتولد عن نقد متواصل لتلك العقائد والمقولات. وهذا سبب آخر لتعذر نقد العقيدة وما يرتبط بها من مشاعر وطقوس وعادات وتقاليد.

السيد محمد باقر الصدر (ت 1980م) فقيه كبير، وأصولي بارع، ومفكر وفيلسوف، تشهد له كتبه ومنجزاته ونظرياته، لكنه يتخلى عن النقد، ويلجأ لمنطق التبرير، حينما يناقش قضية المهدي المنتظر في كتابه بحث حول المهدي، فيسوق قضايا ومقدمات كأنها بديهيات، دون مقاربتها أو التحرّش بها نقديا. وهي ظاهرة خطيرة في مجال العقيدة، لا تفسير لها سوى ارتهان العقل الفقهي لنسقه العقدي المنغلق، ورهانه المستمر على استلاب العقل الجمعي. وليس غيره استثناء، من جميع الأديان والمذاهب.

العقل الفقهي، عقل ازدواجي في معاييره. عقل نقدي في أصول الفقه، وتبريري في مجال العقيدة وما يرتبط بها، حد التخريف أحيانا. بل ويطوّع القواعد الرجالية والحديثية لتعضيدها، ويستعين بكل تأويل، لدعمها وحمايتها. وحينما ينغلق الفقيه على نسقه العقدي، ينتج لنا فقها مستلبا، يفرض قناعاته على النص الديني. فاستهداف عقل الفقيه بالنقد يمهّد لتفتيت سلطته القائمة على قبليات أيديولوجية، وإعادة تشكيل العقل الفقهي في ضوء الكتاب الكريم، باعتباره مصدرا للتشريع، ومرجعية العقل للحيلولة دون استبعاد مركزية الإنسان ومصالحه وفق فهم متجدد للدين وفلسفته.

إن نتائج استنباط الأحكام الشرعية تتأثر جدا بعقائد الفقيه وتوجهاته الأيديولوجية والطائفية، فثمة فرق بين ثبوت وعدم ثبوت عدالة الصحابة عند السنة، أو العصمة عند الشيعة. وستختلف وجهة الاجتهاد وتفصيلاته بين من يؤمن بالإمامة ومَن لا يؤمن بها، ومَن يعتقد بنظرية العبودية أو ينكرها. وتتأثر الفتوى باختلاف الآراء حول السُنة النبوية ودورها في التشريع. غير أن الفقيه ينطلق في بحوثه من مسلمات عقائدية موروثة، لا يراوده الشك فيها، بينما ينبغي له أن يبدأ بحوثة بالعقيدة، ويحدد بدقة أدلة ما يؤمن به.

 لا يصدق الفقيه حينما يحرّم التقليد في أصول العقيدة، وسيرميك بالانحراف وربما الكفر حينما تختلف معه حولها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com