حوار مفتوح

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة العاشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق18) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

شرعية السلطة

ماجد الغرباوي: مثّلت شرعية السلطة في الفقه الشيعي إشكالية، ترتبط بنظرية الإمامة، التي تقوم على النص والتعيين، في مقابل نظرية الخلافة، التي تعتبر البيعة أساسا لشرعية السلطة. وبشكل أوضح، أن مرشح السلطة وفقا لنظرية الإمامة، منصوص عليه بالاسم، من قبل الله تعالى بواسطة النبي، وهو الإمام علي، والأئمة من ولده، ثم تأتي البيعة لتؤكد طاعته لا شرعيته. فالإمام إمام سواء بايعه الناس أم لا. في السلطة أم خارجها. وهنا ثلاثة آراء، بعضهم يرى الإمامة دينية فقط، وآخر قال أنها سياسية فقط، وثالث جمع بينهما. بينما الخليفة وفقا لنظرية الخلافة إفراز للشورى أو إجماع أهل الحل والعقد، على تفصيل في شروطهما، لكن شرعية سلطته وممارسته للحكم تتوقف على بيعة الأمة. ففقهاء الشيعة يرون عدم شرعية سلطة الخلفاء الثلاثة (أبوبكر وعمر وعثمان ومن تلاهم من اعتلى الحكم في كل زمان ومكان). ويحكمون بغصبيتها خارج ولاية الإمام المنصوص. ولا يجدون في سلوك الإمام علي الإيجابي من الخلفاء والخلافة دليلا على شرعيتها، ويفسّرون سلوكه بالتقية، حفاظا على وحدة المسلمين. وهي تأويلات لا يقرها سلوكه في السلطة، حتى وهو يرفع صوته عاليا (إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْر وَعُمَرَ وَعُثْمانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلاَ لِلغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ، وَإنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالاْنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُل وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ لله رِضىً).. نهج البلاغة الكتاب رقم (6).

لا اصلاح إلا باقصاء المقولات الطارئة على الدين. فمازال فقهاء الشيعة يحكمون بغصبية وعدم شرعية السلطة، وعدم جواز استلام رواتبها، باعتبارها أموالاً مجهولة المالك، تستدعي إذنا شرعيا من الفقيه كنائبٍ عن الإمام المهدي صاحب السلطة الشرعية، ليتمكّن الموظف من التصرّف بها. لذا أجاز كبير فقهاء الشيعة في العراق السيد علي السيستاني استلام الراتب نيابة عن فقير، كما جاء في فتواه على موقعه الرسمي!!!: (قد أذنّا لإخواننا المؤمنين "وفقهم الله تعالى لمراضيه" فيما يستلمونه من المؤسّسات الحكوميّة أو المشتركة بالطرق القانونيّة أن يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنيّة التّصدّق عليهم ثمّ يتملّكوه لأنفسهم). فثروات البلد ليست ملكاً للشعب، ولا يحق للدولة التصرّف بها، ولا تحلّ لأحد ولو كانت بدلا عن عمله وكده وتعبه وعرق جبينه، إلا بإذن من الإمام أو من ينوب عنه. هكذا تلقي العقيدة بظلالها على الفقه، حداً يفقد وظيفته الإنسانية، ويكرّس روح التبعية والانقياد والعبودية. وعندما يكون الإمام غائبا، والفقيه المرجع بعيدا عن المسائل الإجرائية، فلك أن تقدّر حجم الفساد المالي في المؤسسات الدينية، والأحزاب السياسية المرتهنة في إرادتها وقراراتها وميزانيتها لها!!!.

إن خطورة هذه الآراء، أنها تكرّس سلطة المرجع في مقابل الدستور والقانون، وتفاقم الولاء الديني على الولاء الوطني. وتسمح بالتحايل على أموال الدولة مجهولة المالك بأية فتوى دينية. الفقيه محكوم بقبليات عقدية لا يمكنه التحرر منها، فيفتى وفقها. وهذا لا ينفي شعوره بالمسؤولية تجاه وطنه، لكنه أسير آرائه الاجتهادية التي ينسى أنها صناعة بشرية. وبهذا نفهم أن الديمقراطية بالنسبة لبعض الفقهاء أفضل الخيارات، رغم غصبية السلطة، كما يرى الشيخ النائيني منظّر الحركة الدستورية.

مصدر السلطة

يعتقد فقهاء المسلمين أن مصدر السلطة / الولاية هو الله تعالى، وهي ثابتة للرسول، وللمؤمنين على تفصيل في مصاديقها وحدودها. إذ ترى النظرية الشيعية أن للإمام علي ما للرسول من سلطات سياسية ودينية باستثناء الوحي، فامتد عصر التشريع عندهم حتى نهاية الغيبة الصغرى (260 - 329 هـ) ويقصد بها غيبة الإمام الثاني عشر، المهدي المنتظر. ومن باب أولى تكون له ولاية مطلقة، أسوة بولاية النبي. ثم تسرى في جميع الأئمة.

وقد وقع الخلاف بينهم: هل للفقيه باعتباره نائبا للإمام ولاية؟ وما هي حدودها؟ وما نسبتها لولاية النبي والأئمة؟ بعد اتفاقهم على ثبوت ولايته على القُصّر ومن لا وليّ له من صغار السن، والأمور الحسبية. غير أن الجدل الفقهي إحتدم بعد ظهور نظرية ولاية الفقيه، بمعنى السلطة واتخاذ القرارات التي تتضمن أوامر ونواهٍ أوسع من القيادة والتخطيط والرعاية للبحث عن شرعيتها، ومدى صدق عنوان الحكم الشرعي عليها، وهل تستوجب الطاعة واستحقاق الثواب والعقاب؟

بعض قال للولي الفقيه ما للإمام والرسول من ولاية، ومنهم من خوّله ما تقتضيه الإدارة والحكم. فتقتصر ولايته على القرار السياسي، وتدبير شؤون الدولة، دون الولاية بمعنى حق التصرّف بالأنفس وأموال الناس. أو بمعنى أدق: تخويله ولاية شرعية تسمح بـ"شرعنة السلطة".

بهذا يتضح أن ثبوت الولاية للفقيه يتوقف على ثبوتها للأئمة، فتدور مدارها ثبوتا وعدما. لذا قال الشيخ الأنصاري،  من كبار علماء الشيعة (1214 هـ - 1281 هـ)، في كتابه "المكاسب" (أن دون ولاية الفقيه "خرط القَتَاد"..) تعبيرا عن استحالتها فقهيا، لعدم وجود دليل يدل عليها، سوى وجهات نظر واستحسانات وآراء اجتهادية تختلف من شخص إلى آخر. وتبقى ولايته محدودة بتدبير شؤون من لا وليَّ له من السفهاء والقصّر. وحتى هذا لا دليل عليه، وربما هناك من هو أكفأ منه في إدارة شؤونهم، وشؤون الناس، وحينئذٍ لا خصوصية للفقيه، سوى فتاواه، وليست قيمومته.

التنظير الفقهي

تاريخيا، أعاد بعضهم جذور ولاية الفقيه إلى بداية الغيبة الصغرى، غير أن أول ممارسة عملية لها بدأت مع المحقق الكركي 1435م، وهو فقيه شيعي، استدعاه الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل الصفوي من لبنان، للمشاركة معه في الحكم بعد أن أمر بوجوب طاعته، باعتباره الفقيه الأصلح الواجب طاعته شرعا وفقا لروايات التراث الشيعي. وكان الشاه حينها يعاني أزمة سياسية بفعل هشاشة الموقف الداخلي، وعدم تماسك قواعده الشعبية، وليس كرجل الدين قادر على قمع المعارضة باسم الدين، فاستجار بالفقيه وفرض طاعته، وقام الفقيه بشرعنة سلطته، وتخويله صلاحيات مطلقة لإدارة الدولة. وكانت الغاية الأساسية والهدف النهائي لكليهما السلطة. فالشاه عيّن الكركي فيها ولياً شرعيا، باعتباره الولي الشرعي المأذون بالتصرّف شرعا، وقام الفقيه بشرعنة سلطة الشاه!!!. فاعترف طهماسب بشرعية سلطة الكركي، على أمل أن يستمد منه شرعيته. وبالفعل أجاز الفقيه السلطان، بعد أن أغدق عليه عطاياه، ونصّبه حاكما شرعيا لمملكته. وبالتالي، وهذا ما يهمنا هنا، أن الفقيه مارس ولايته بقدر "شرعنة" السلطة الصفوية، دون ممارسته لها، باستثناء ولايته على الشأن الديني. وتعني شرعنة السلطة، انقلابا مفهوميا حقيقيا، يجعل من السلطة مشروعة بعد أن كانت مغتصبة، وتترتب عليها آثار عملية منها:

1- ارتفاع غصبية الدولة: حيث يحكم الفقه الشيعي بغصبية كل سلطة خارج ولاية أو إذن الإمام المعصوم، باعتباره صاحب الحق الوحيد في السلطة. ثم بإذن عام منه، كما تقول روايتهم، نصّب الإمام الفقيه للولاية / السلطة (فإني قد جعلته عليكم حاكماً). وهذا ما فعله الشاه طهماسب، الذي اعترف بولاية وشرعية سلطة الفقيه خاصة، فاكتسبت السلطنة شرعية، وبات الحكم مشروعا بعد أن كان مغتصبا. ولما أجازه الفقيه حق ممارسة السلطة، استمد شرعيته منه، فصار يحكم باسم الفقيه، وبهذا ارتفعت مغصوبية السلطة. وارتفعت حرمة ممارستها.

2- شرعية ممارسة السلطة: وإمضاء ممارسات وسلوك السلطان. مهما كان ظالما، خاصة قمع المعارضة باسم الدفاع عن مذهب الفقيه، فتهدر كرامتها، وحصانتها، ويصبح قتل النفس المحترمة واجبا. هكذا يزوّر الفقيه الوعي باسم الدين وحفاظا على شريعة سيد المرسلين!!!. والحقيقة أراد الفقيه تحقيق مصالح طائفية ومذهبية والاستئثار بالسلطة.

3- حصانة الدولة: منح الولي الفقيه حصانة ضد الدولة العثمانية التي استمدت هي الأخرى شرعيتها من مشيخة الإسلام المعادل للولي الفقيه. إذ لم تجد الدولة الصفوية مذهبا قادرا على مقاومة المذهب السني / الدولة العثمانية أجدر من المذهب الشيعي، فتبنته رسميا لقربه من منحى التصوّف الذي اتسمت به الدولة الصفوية منذ تأسيسها على يد صفي الدين الصفوي. وراحت تدعمه من خلال إحياء رموزه، وتقديسهم والاهتمام بالطقوس والمناسبات على حساب قيمه ومبادئه، قبل اختراقه من قبل الغلاة. وبعد ولاية الكركي، أصبح الدفاع عن الدولة الصفوية واجبا شرعيا مقدّسا. مما يؤكد أن الصفويين وظّفوا الفقيه الشيعي لتحقيق مآربهم السياسية، بينما لم يجنِ المذهب الشيعي من انتشاره الذي ساعدت عليه الدولة إلا مزيدا من الطقوس والخرافات وإحياء تراث ميت، كان الشيخ المفيد (وفاته 313هـ)، قد أحرقه وأتلفه. والاهتمام بقدسية الرموز. فواجه سلوك الكركي رفضا من قبل بعض علماء الشيعة كالمحقق الأردبيلي في العراق، والشيخ القطيفي في المدينة، ووجدوا في شرعنة السلطة الصفوية، شرعنة للباطل.

بهذا يكون موقف الكركي من السلطة الوضعية، قد مهّد لظهور نظرية فقهية جديدة، تسمح بممارستها بإذن الفقيه باعتباره منصوبا للولاية من قبل الإمام المعصوم (فإني قد جعلته عليكم حاكماً). وهي خطوة كبيرة، حررت الرأي الشيعي ولو جزئيا من مفهوم غصبية الدولة.

ثم نظّر لها الشيخ أحمد النراقي، مؤلف كتاب "عوائد الأيام" في أصول الفقه والمتوفى عام 1829م، وطبقها الإمام الخميني لأول مرة في إيران عام م1979. والحقيقة أن النراقي قد طوّر النظرية، بعد أن اقتصرت على شرعنة السلطة الوضعية لدى الكركي. ومنح الفقيه ما للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من صلاحيات السلطة والولاية؛ إلا ما دل الدليل الشرعي على خروجه. فالفارق بين الأول والثاني أن الولاية في فهم الكركي تعني إجازة الملك أو السلطان حق إدارة الحكم، باعتبار حرمة ممارستها بدون إذن الفقيه. بينما الولاية لدى النراقي تعني تصدي الفقيه للحكم بنفسه، والتخلي عن "الانتظار". حيث أن السلطة وفقا للنظرية الشيعية مختصة بالإمام، ولا شرعية لأية سلطة قبل ظهوره. الانتظار يعني سلب شرعية السلطة الوضعية، فأحدثت ولاية الفقيه قفزة عقدية، حينما تجاوزت الانتظار ومنحت الفقيه كل ما للرسول والإمام من صلاحيات الولاية على أن يتصدى لها بنفسه، وتكون أوامره ونواهيه مشروعة.

بهذا يتضح أن ولاية الفقيه كمبنى فقهي تتوقف على مقدمات عقدية:

- ثبوت الولاية بمعنى حق التصرّف للرسول.

- ثبوت الولاية للأئمة

- ثبوت أن ولاية الإمام كولاية الرسول.

- ثبوت ولاية الفقيه، بنص قرآني، لأنها أصالة وبالذات لله.

- ثبوت إطلاق ولاية الفقيه.

وجميع هذه المقدمات، تتطلب أدلة قرآنية صريحة، ولا يكفي الاستحسان العقلي لإثباتها. فالاصطفاء كما مرَّ شأن إلهي، يستدعي دليلا قرآنيا صريحا. وثبوت ولاية الإمام فرع ثبوت ولاية الرسول. ولا يكفي كون الإمام علي هو نفس رسول الله، كما ترى العقيدة الشيعية، لعدم ثبوت دلالة آية المباهلة: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ)، ولو تمت جدلا، فلا دليل على وحدة الصلاحيات والمناصب الدينية، لأنها اصفطاء إلهي، تستدعي نصاً قرآنيا صريحا، وهو منتفٍ بالضرورة.

أزمة التشريع

إن إدارة الدولة معنى آخر لممارسة السلطة على الناس، من قبل أي شخص يتصدى للمسؤولية. والإدارة لا تنفك عن وجود أوامر ونواهٍ إدارية ليست ثابتة في أصل التشريع. وقد اختلفوا حول مصدر شرعيتها، هل هو إلهي أم بشري؟. وإذا كان إلهياً، فما هي حدوده وامتدادته؟.

وأما ما كان ثابتا في الشريعة فهو خارج عن الكلام، باعتباره تكليفا شرعيا، يجب امتثاله، يقتصر دور السلطة فيه على تنفيذ الحكم الشرعي. أو تارة يصدر الأمر والنهي من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا ما يقوله الفقه الإسلامي، وعليه هناك اتجاهان، حول مصدر شرعية السلطة، لنعرف ما هو دور الولي الفقيه فيها:

الاتجاه الوضعي:

يعتقد أن الشعب مصدر شرعية السلطة مباشرة، كما في الاستفتاءات، أو بواسطة المجالس النيابية، المخوّلة شعبيا بالتشريع. وهذا الاتجاه لا يعيش أزمة شرعية الأنظمة والقوانين، ولا يعاني شرعية الأوامر والنواهي الإدارية وغيرها. وقد ينكر الدين جملة وتفصيلا، أو يؤمن به علاقة شخصية بين الفرد وربه. وبالتعبير الفقهي هذا الاتجاه يرى ولاية الأمة على نفسها. أو ولاية الشعب على نفسه، وهو مصدر شرعية ما يصدر من أنظمة وقوانين، سواء وافقت أو خالفت الشرائع الدينية. فعندما يشرّع للحرية لا يأخذ بنظر الاعتبار ما هو محرّم شرعا، كشرب الخمر، بل يعتبره شأنا شخصيا، ضمن حرية الفرد. وقد يمنع شربه إذا كان الشعب مع إرادة النهي عنه. فالأوامر والنواهي تأخذ بنظر الاعتبار المصلحة العامة للشعب، رغم ما فيها مصادرتها لحرية الفرد ولو جزئيا، لكنها مصادرة لأجل مصلحة أكبر، كما بالنسبة للأوامر والنواهي المتعلقة بالأمن، فتمنع حيازة السلاح رغم أنه أمر شخصي. لكن ثمة مصلحة تقيّد مصلحة الفرد. وعليه فالشعب هو مصدر شرعية السلطة، من خلال توافقه على مفهومي الخير والشرّ. فالخير ما وافق مصالحه وحقق سعادته، والشرّ ما كان سببا لتعاسته وفرّط في مصالحه. فتكون النظرة براغماتية. وهذا يتفق مع مقولة الحسن والقبح عقليان. 

الاتجاه الديني:

يعتقد هذا الاتجاه، كما تقدّم تفصيلا، أن الولايتين التكوينية والتشريعية، ثابتة لله تعالى، عقلا ونقلا. وهذا أصل أولي متفق عليه، ولا ولاية لأحد على غيره، ما لم يدلّ الدليل القرآني. وعليه لا مشروعية لأي سلطة على البشر من قبل أي شخص. وليس من حق أية جهة مصادرة حرية الفرد وتقييد إرادته. لكن أضافوا: ثبت بالدليل جعل الولاية للرسول والذين آمنوا، الذين حصرهم الشيعة بالإمام علي والأئمة من ولده. بينما تمسّك باقي المذاهب الإسلامية باطلاق الآية، فيكون الإمام علي مصداقا له، وليس مصداقها الوحيد. فهم متفقون على أصل ولاية المؤمنين، ويختلفون في مصاديقها.

ثم وقع الاختلاف حول مصادر الحكم الشرعي لملء الفراغ التشريعي، بعد اتفاقهم على القرآن والسنة. إذ مع تعدد الحوادث واتساع الحياة، تتصاعد الحاجة للحكم الشرعي، وليس في القرآن سوى ما يقارب 500 آية من آيات الأحكام، تزيد أو تنقص قليلا حسب المباني الفقهية. كما أن السُنة النبوية محدودة، أمام المسائل الفقهية المستحدثة.  فاعتبروا الاجماع مصدرا من مصادر الحكم الشرعي، على تفصيل في شروطه، ثم دخل العقل، وقالوا ما حكم به العقل حكم به الشرع. فوقف أهل الحديث على السُنة، ورفضوا غيرها. ثم قالوا بالقياس والمصالح المرسلة. وقد مرَّ تفصيله.

وأما الشيعة فقد امتد عندهم عصر النص حتى نهاية الغيبة الصغرى. وبعدها بدأت مرحلة الاجتهاد. وقد برع المسلمون في علمي الفقه والاصول، الذي هو بمثابة منطق الفقه، لمعرفة  القوانين التي تضبط عملية استنباط الحكم الشرعي. وثم وضعوا قواعد أو ما يعرف عندهم بالأصول العملية لتحديد الموقف العملي من الحكم المشكوك.

كل هذا نحن مازلنا في أجواء النص، وما يرتبط به من قوانين وقواعد أصولية. لكن ماذا عن الأوامر الإدراية في الدولة أو ما يعرف بمنطقة الفراغ التشريعي؟ فأناط السيد محمد باقر الصدر، في كتابه اقتصادنا، منقطة الفراغ بالفقيه، واعتبره الوحيد المعني بملئها، من خلال ما يستنبطه من أحكام وفقا للأدلة النقلية والقواعد الأصولية. وهذا الاتجاه لا يشترط تصدي الفقيه، ويكفي إذنه واعتماد آرائه. في مقابل اتجاه ولاية الفقيه، التي تكتسب فيها القوانين شرعيتها من ولاية الفقيه المتصدى للسلطة.

تجدر الإشارة أن كل ما تقدم يرتبط بنظرية العبودية. وهي ترى "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، ومهمة الفقيه الكشف عنه، وليس للإنسان سوى الطاعة والانقياد. وبالتالي فالتشريع الإلهي يستغرق الحياة كاملة. وهذا لا دليل عليه كما سبق بيانه. كما أن لازم هذه النظرية أن يبقى الفرد مرتهنا للفقيه وفتاواه. حتى وهو يصادر حريته، وحقه الوجودي في ولايته على نفسه.

بينما نظرية الخلافة التي أسعى جادا لتأصيلها فتقوم على أساس العقل ومركزية الإنسان في الحياة، ومسؤليته الشخصية عن مصيره ومستقبله. وأن الخلق خُلق لبيان عظمة الخالق من خلال الإنسان، عندما اعترضت الملائكة على خلقه، فكان الجواب إني أعلم ما لا تعلمون. (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). لأنهم لا يعلمون عن قدراته وإبداعاته وقوة عقله ووعيه، فكان المعوّل عليه في خلافة الأرض،  (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). لذا أحكام الشريعة محدودة في الكتاب الكريم، وحجية السنة تقتصر على ما له جذر قرآني، وختم النبوة تعني مسؤولية الفرد والرهان على عقله. ولا ولاية لأحد على غيره.

وما يعزز هذه النظرية ومركزية الإنسان أن هدف النبوات، أن يقوم الناس بالقسط (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، بشكل يتحوّل إلى سلوك عام، أو مَلكة حقيقية لدى الناس كما في المصطلح المنطقي. دون الارتهان إلى أي شخص. بل أن في ختم النبوة دلالة أكيدة على ما نقول.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق17) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

ماجد الغرباوي: اتضح أن الآية المتقدمة لا تدل على الولاية صراحة، وقد دلت قرائن السياق على إرادة خصوص النصرة، ما لم تُقتطع عن سياقها. وربما دلالة الآية التالية أوضح، وهي خاصة بالنبي، لا تسري لغيره، إلا بدليل قرآني لأنها شأن إلهي وليست شأنا نبويا، وهو مفقود بالضرورة.

وقد اختلفوا حول معنى الولاية، هل المراد بها خصوص الولاية التشريعية؟ أم أن المراد بها حق التصرّف بشكل يملك منهم ما لا يملكون من أنفسهم. فيكون من حق الولي التصرّف بمعزل عن رضاهم وإرادتهم، وكأنه يتصرّف في ملكه؟. والثاني هو الذي يهمنا لتدارك الاستبداد باسم الدين، خاصة أن هذا المعنى ليس له ظهور صريح، وتنفيه بعض الروايات عن سيرة النبي وسلوكه مع أصحابه، فينبغي التماس معنى ينسجم مع الإطار العام للقيم الدينية، وعدم مصادرة الفرد حريته واستقلاله، فهي قيم وجودية، تتوقف عليها مسؤولية الفرد ومصيره. والمسألة لا تقف عند حدود حق التصرّف إنما الأخطر وجوب الطاعة والانقياد وعدم التمرّد، والأمر يمكن تفهمه بالنسبة للرسول، لكن ماذا عن ولاية الفقيه، وهو إنسان يتأثر بقبلياته ويسقط رؤيته الكونية وعقيدته على فهم الدين، فتصبح الفتوى أو الحكم الولائي مرتهناً لإرادة بشرية تتحكم بها أيديولوجية الفقيه، ومصالحه الطائفية والمذهبية. بل حتى من يقف بالولاية عند حدود إدارة شؤون الدولة، وتدبير شؤون المسلمين، ثمة محذور احتكار القرار، والتمرّد على القانون، مهما كانت شرعيته حينما يتعارض مع إرادة الولي الفقيه. ولا تكفي كفاءته وعدله واستقامته وإيمانه وعلمه، رغم أنها شرط صحة الولاية، إلا أن الأمر مرتبط بقبلياته، وتحيزاته التي يسقطها على قراراتها، وهذا مكمن الخطر الذي يمنع من جعلها. الولاية أعم من القضاء والحكم، وأشمل من المواقف والقرارات. فنحن نلاحق دليل الولاية بمعنى القيمومة والتفرّد بالسلطة وحق التصرّف. للتأكد من مدى صدقيته، ومشروعيته كي نتفادى تزوير القيم الدينية، وفضح ألاعيب الفقيه، الذي يصرَّ على حقه في الولاية ويكفي أن ولايته في طول ولاية النبي والإمام بالنسبة للشيعة، فيتوقف ثبوتها وعدمها على ثبوتها لهما أولا، ثم شرعية سريانها لغيره بأدلة قطعية الدلالة والسند، وهي منتفية بالضرورة.

نعود إلى أدلة الولاية:

ثانياً: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ).

وهي ثاني آية استدلوا بها على ولاية الرسول، وحقه بالتصرّف في نفوس وأموال وأعرض المؤمنين، بشكل "يملك منهم ما لا يملكونه من أنفسهم". وحق التصرّف هو معنى الولاية موضوع البحث، فتكون قيمومة مطلقة، تتضمن صلاحيات مفتوحة، تستوجب طاعة الولي والانقياد له، مع حرمة معارضته والتمرّد على أوامره. وقد تبدو الآية صريحة في موردها. لكن هناك من ينفي دلالتها على الولاية مباشرة، ويرى أن كلمة "أَوْلى" ضمن سياق الآية تعطى معنى الأولوية والتقدّم والرجحان، لا معنى التصرّف والتحكّم. وتعني أن المؤمن يفتدي النبي بنفسه، ويقدّمه عليها في كل شيء، فهو نبي الله وخاتم المرسلين وعلى خُلق عظيم، ويشاهدون إخلاصه وتفانيه، ويعايشون بعض لحظات الوحي وهو يهبط عليه، فيتفاعلوا مع الأجواء الروحي، حد اليقين والصدق باصطفائه، وسموه ورفعته، وهذا سبب وجيه لتقديمه على أنفسهم. (فمعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم أنه أولى بهم منهم: ومعنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار الامر بينه وبين ما هو أولى منه. فالمحصل أن ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ والكلاءة والمحبة والكرامة واستجابة الدعوة وانفاذ الإرادة فالنبي أولى بذلك من نفسه. ولو دار الامر بين النبي وبين نفسه في شئ من ذلك كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه)، كما ذهب لذلك العلامة الطباطبائي صاحب الميزان، مثالا لا حصرا. غير أنه استظهر منها معنى الولاية التشريعية، ووجوب طاعة أوامر النبي، حينما تتعارض مع رغبات المؤمنين. وهذا هو الأقرب لروح القرآن ومقتضى الأصل، وعدم سريان الولاية ما لم يدل الدليل الصريح، فالآية لا تصلح دليلا على إرادة خصوص حق التصرّف، بينما الثاني يؤكده السياق والقرائن المتصلة والمنفصلة. فتقتصر الدلالة عليه، ولا تكون بنفسها دليلا قرآنيا على الولاية بمعنى السلطة وحق التصرّف بأموال وأنفس المؤمنين.

ثم إن تخصيص المؤمنين في الآية يؤكد إرادة معنى التقدّم والأولوية، التي تستدعي شخصا مطيعا، مُضحيّا، يتقبل أوامر النبي برحابة صدر وإيمان صادق، وهي صفات المؤمنين: (يُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ). فالتضحية والتنازل عن الحقوق لصالح النبي تعبير عن الحب والإخلاص. (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ). وهذا يعزز أن الإيمان يُعيد تشكيل وعي الفرد ومشاعره، ويخلق دافعا للعمل وفقا للمبادئ التي آمن بها. بل المؤمن في توجّس يبادر لعمل الخير، وكل ما يؤكد صدق إيمانه. وأصدق مصاديق الإيمان طاعة الله ورسوله، والامتثال لأوامره، ورغباته السامية، التي يقصد بها دائما رضا الله. وهذه الصورة تكفي للإيثار وتفضيله على أنفسهم. ومن باب أولى يقبلون أحكامه ولو كان فيها خصاصة أو حيف.

معنى الولاية

هنا احتمالات عدة لمعنى الولاية، ترجيح أحدهما على الآخر مرتهن للقرائن وسياق الآيات، والارتكاز إلى فهم للدين يأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان ومصالحه، ويلتزم بقيم الدين ومبادئه:

1 – الولاية التشريعية:

أي أن الآية بصدد جعل ولاية تشريعية للنبي، فتكون تشريعاته نافذة مهما تعارضت مع إرادة المؤمنين، وهذا معنى أولويته وتقدّمه، وقد ذهب لهذا المعنى عدد من المفسّرين والفقهاء. لكن سبق تفصيلا وبالأدلة الكافية، أن التشريع منحصر بالله تعالى، وله كلا الولايتين، التكوينية والتشريعية، (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)، وليس هناك دليل صريح على جعلهما للنبي، وتبقى وظيفته وفقا لآيات الكتاب بيان وتفصيل ما له جذر قرآني. وهذا لا يسمى تشريعا بالمعنى الاصطلاحي، لأنه بيان وتفصيل اجتهادي وفقا لمقتضيات الحكمة، فتكون أحكاما تاريخية تراعي مصلحة الفرد في إطار الواقع وتطوراته. فالقرآن قد شرّع الصلاة، وترك تفصيلاتها لرؤية النبي واجتهاده. رغم شرعيتها ووجوب الإلتزام بها ما لم يتغير مفهومها، فحينئذِ تتطلب ما يناسبها من تفصيلات. بل بدأت الصلاة بركعتين ثم تطورت.وهذا ربما رؤية جديدة، فتبقى وجهة نظر خاصة. وحينئذٍ فاحتمال التشريع من الولاية منتفٍ بالنسبة لنا. وليس هناك ولاية تشريعية لأحد، وتبقى أحكام الشريعة محدودة، وماعداها اجتهادات وتفصيلات. فيسقط هذا الاحتمال.

وبالتالي لا ريب أن التشريع مختص بالله أصالة، وتتوقف فعلية أي حكم شرعي على نزول الوحي "قل الله يفتيكم"، "قل لا أجد فيما أوحي إليَّ"، (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ)، (فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ)، فيصدق أن "الحكم الشرعي في القرآن يعدُّ شرطاً لحجية سيرة النبي: قولا وفعلا وتقريرا. فتقتصر مهام الرسول على البلاغ والبيان والتفصيل. وهي خطابات ملزمة شرعا، شريطة فعلية موضوعاتها. وهذا هو القدر المتيقن الملزم من السنة في جميع الحقول. وما عدا ذلك يرتهن لدليله القطعي سندا ودلالة، ما دامت لا توجد آية صريحة بجعل الولاية التشريعية لأحد، سوى تأويلات تمت مناقشتها سلفا. وبهذا نخلص إلى نتيجة حول علاقة السُنّة النبوية بالكتاب الكريم: قولا وفعلا وتقريرا، مفادها، توقف الروايات التشريعية على وجود جذر قرآني، كي تكون الرواية مبيّنة أو شارحة أو مفصلة وفقا لاختصاص النبي قرآنيا. لذا فالسنة، كخطابات نبوية، لا تنحصر بالتشريع، ولا يمكن أن تكون جميعها حجة علينا، فهناك عدة مستويات تختلف في درجة إلزامها. وبهذا يتضح، لا دليل على حمل الولاية في آية الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، بل ويتعارض مع اختصاص التشريع بالله تعالى، وعدم جعله للولاية التشريعية لأحد غيره.

 2- الولاية بمعنى حق التصرّف:

وهنا المعنى يتوقف على (أن يكون النبي أولى بكل مؤمن من نفسه على نفسه)، وهذا ليس ظاهرا، فربما مراد الآية أن (النبي أولى بالمؤمنين من بعضهم ببعض) فتدل على وجوب الطاعة (فليس لمؤمن على مؤمن حق التصرّف). وتؤكده سيرة النبي فلم يرو أنه تدخّل في تصرّف في شؤون المسلمين باعتباره وليا عليهم وله حق التصرّف، وفي رواية، أن بعض الصحابة طلبوا منه مرارا أن يسعّر الطعام في المدينة، فرفض، رغم نهيه عن الاحتكار.

3- الولاية بمعنى الطاعة:

أي إذا أراد النبي شيئا، وأمر به، وكان مخالفا لإرادة المؤمن، فأمر النبي مقدّم ومطاع. لا باعتباره وليا كما ذهبوا لذلك، بل لأن أوامره في الإجرائيات واجبة الطاعة باعتباره وليا لأمر المسلمين، ومديرا لشؤونهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ). فهنا لا يوجد أمر تشريعي، بل أمر ولائي باعتباره وليا لا باعتباره قيما وله حق التصرّف. ويتأكد المعنى ضمن سياقها، حيث تقول: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، فيكون له مقام الأبوة كما لأزواجه مقام الأمومة التي تقتضي حرمة الزواج منهن بعد وفاته، دون غيرها كالميراث، وجواز النظر لهنَّ، وعدم وجوب الستر عليهنَّ. فكذلك بالنسبة لولاية النبي على المؤمنين له حق الطاعة عليهم، دون حق التصرّف.

3- الولاية بمعنى المسؤولية:

وهذا الرأي هو الأرجح والأكثر ظهورا في الآية، فيكون معنى الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ذا مستويين:

المستوى الأول: مسوؤلية المؤمنين تجاه النبي وما يتطلبه الموقف، من تضحية وإيثار ومؤازرة، فهو بالنسبة لهم أولى من أنفسهم، ومصالحه وأوامره تقدم على رغبات النفس وتطلعاته.

المستوى الثاني: أن الرسول أولى بمؤازرة المؤمنين وتحمل المسؤولية عنهم، والأجدار في تفادي ما يقع عليهم من حقوق وواجبات. يشهد لذلك نهاية الآية: (وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ في كتاب اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ والمُهاجِرِينَ) حيث قدمت الآية الأنساب على الهجرة في توارث المؤمنين، خصوصا المهاجرين كما في الروايات. فالآية وسياقها يدور حول مستويات الولاية بمعنى المسؤولية تجاه الآخرين، وما يتفرع عليها من استحقاقات عينية وغير عينية للورثة. فيكون النبي أولى من المؤمنين بميراث من لاوارث له، ثم الأنساب. ففي رواية عن قتادة، مشهورة في كتب الحديث لدى الجميع، قال في بعض القراءة (النَّبِيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ)، فالأولوية هي مقتضى الأبوة، ثم رووا ما يؤكد هذا أكثر: وذُكر لنا أنه قال: "أيُّمَا رَجُلٍ تَرَكَ ضياعا فَأنا أوْلَى بِهِ، وَإنْ تَرَكَ مالا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ". وهذه دلالة بليغة على إرادة معنى المسؤولية الأبوية، ولا علاقة لها بالولاية بمعنى حق التصرّف. وهنا ينبغي التنبيه لا نقصد من الرواية تأييد التحريف بل أن جملة (وَهُوَ أبٌ لَهُمْ) تكون تفسيرا وبيانا لمعنى الأولوية في الآية.

فيبقى الأصل عدم ولاية أحد من الناس على غيره سوى من حددتهم الآيات البينات، وهم السفيه واليتيم، وحدودها البلوغ والرشد، والقدرة على تحمل المسؤولية بأنفسهم. وهي قضية عرفية أكثر منها دينية، فجميع المحاكم بالعالم تصدر حكما بتعيين قيّم وولي لهم، ثم  ترتفع ولايته ببلوغه مرحلة الرشد، ذكرا كان أم أنثى.

أما لماذا لا نستفيد منها الولاية بمعنى السلطة، فلأنها تتعارض مع آية الشورى، فتخصصها وفقا لقواعد الجمع العرفي المتعارفة في أصول الفقه. فتختص بقضايا المؤمنين الحقوقية. كما أن الولاية بمعنى السلطة تتطلب رعاية سماوية، وهذه الآية مطلقة، مما يؤكد تخصيصها. والأهم من ذلك عدم وجود دليل صريح على المطلوب.

ثالثا: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)

هذه هي الآية الثالثة التي قد يُفهم منه جعل الولاية للنبي، إذا حُمل القضاء وسلب حرية الاختيار على معنى حق التصرّف. غير أن  الفارق واضح بينه هذه الآية وآية الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسه، فلا يمكن حملها على هذا المعنى، إذ هنا يجب الانصياع لقضاء الرسول، لا باعتباره ولياً، بل لمطابقة حكمه للواقع، واشتماله للمصلحة المطلوبة وفق ملاكات قد لا نعرفها. وليس المقصود بالقضاء هنا خصوص المرافعات القضائية والفصل بين المتخاصمين، لأن تسوية هذا النوع من الخلافات تجري، كما مرَّت الإشارة، وفقا للأدلة والشهود والبينات، ومثالها حكم الزنا في القرآن الذي يتوقف ثبوته على صدق الشهود. وقد ورد عن الرسول الكريم: (إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة).

فالمقصود بالقضاء في الآية أعلاه قرار نبوي، يجب طاعته والالتزام به، رغم تعارضه مع رغبات أطراف القضية. وهي طاعة مفترضة له بموجب آية أطيعوا الله والرسول، وليس ثابتة له بموجب ولاية تستمد شرعيتها من هذه الآية.

ثم إن أسباب النزول تشخّص لنا الموضوع، فتقييد إطلاق الآية، وتجعل منها قضية خارجية محددة، وهذا ما تدل عليه مصفوفة الآيات وما اشتهر عندهم، بأن النبي خطب زينب بنت جحش لربيبه زيد بن حارثة، فرفضت، ثم نزلت الآية فوافقت: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا). ولما طلقها زيد، كان النبي له رغبة فيها وقد اعجبته من قبل، غير أنه كان يقول له: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ). لذا أمرته الآية باعلان خطبته ولا حرج عليه في ذلك شرعا: (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا (38)..). وسبب الحرج كانوا يعتقدون حرمة نكاح زوجات من تبنوا. فهي ليست زوجة ابنه، (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ)، ومحمد ليس أبا لأحد من الناس: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). فالغاية من سرد القصة بيان أن الآية نزلت في قضية محدودة، ورغم أن المورد لا يخصص الوارد، إلا أنه يبين خصائص وشروط الموضوع، الذي تتوقف عليه فعلية الحكم. وليس لأحد حق غير النبي أن يتصرّف بهذه الطريقة، حيث يفرض على المرأة الزواج من شخص لا ترغب به.

وبالتالي لا دلالة للآية على الولاية بمعنى حق التصرّف، ويبقى الأصل عدم ولاية أحد على الآخر، وتبقى الولايتان التكوينية والتشريعية لله، ولم يدل الدليل على جعل أيا منهما لأحد الأنبياء.

الولاية والسياسة

ثمة ملاحظة مهمة، إن عدم ثبوت ولاية للمؤمنين، بمعنى السلطة وحق التصرّف، ومحدودية طاعة أولي الأمر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، دليل على:

-  أن ولاية الرسول، (إن ثبتت) فهي ولاية مرحلية مسددة بالوحي، تنتهي بوفاته بعد انقطاعه. فيصدق أنها ولاية إلهية أكثر منها بشرية، يمكن تنبيهه متى ما أخل بشروطها: كقوله (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)، حيث استخدم النبي صلاحياته عندما إذن لهم، فنبهته الآية فورا، وهذا دليل على خطورة الصلاحيات المفتوحة، مهما كانت منزلة الولي. لذا لا تسري لغيره تحت أية ذريعة. فنخلص أن الولاية الحقيقة إما أنها لله أو مسددة بالوحي، وليست ثمة ولاية خارج هذه الدائرة. بل المنطق القرآني مع الشورى، وعدم الاستبداد: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)، (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه)، والتوكل هنا كناية عن اتخاذ القرار بعد التشاور، فيظهر من الآية أن الشورى ملزمة حينما رتّبت القرار عليها. ثم أليس عدم الإلتزام بالشورى والاقتناع بآرائها استخفاف بالمؤمنين؟ وهذا لا يفعله نبي. خاصة أن الشورى ليست في الأحكام  الشرعية المتوقفة على نزول الوحي، بل في القضايا الإجرائية والتنفيذية، فمن باب أولى تكون الاستشارة من أجل قرار صائب. لكن المفسّر يُسقط نزعته العبودية على فهم النص، ويميل لا شعوريا للتفرّد والاستبداد بحجة أن النبي معصوم مسدد من السماء. وهذا صحيح لكن بحدود، ويبقى الرسول بشرا (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ)، يحتاج للاستشارة، فأمرته الآية بها.

- إن عدم ثبوت ولاية أولي الأمر بمعنى السلطة والقيمومة لا بمعنى الإدارة والتدبير، دليل على أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية، إذ مقتضى كونها ضرورة دينية ثبوت ولاية الولي، وبيان حدودها، وشروطها، وشرعنة سلطته.

- الولاية تتعارض مع منطق الخلافة الذي مرَّ الكلام حوله، والذي نتبناه في مقابل منطق العبودية. فنظرية الخلافة تقتضي مركزية الإنسان، وحريته، واستقلاليته، وعدم خضوعه لمنطق الولاية، كي يمكنه استخلاف الأرض، ويكون مسؤولا عن سلوكه وتصرفاته.

 

وبالتالي يكون البحث في ولاية الفقيه وفقا للنظرية الشيعية، استطرادا،  لعدم ثبوت الولاية للنبي، فمن باب أولى لا تثبت لغيره.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق16) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

مستويات الولاية

ماجد الغرباوي: إن معركة الولاء دليل على خطورته عندما يبقى سائبا، تتحكم به أعراف تكّرس القمع والاستبداد، وتصادر حرية الفرد واستقلاليته. فعمد الكتاب المجيد إلى تفكيكه وإعادة تشكيله وفق رؤية دينية لا تسمح بتداخل الصلاحيات بين الخالق والمخلوق. وتضع حدا لالتباس الإلهي بالبشري. ويُقصد به هنا سلطة ذات صلاحيات مفتوحة، وحق تقرير مصير الغير (فردا أو جماعة) والتصرّف بإرادته. وهي سلطة "السيد" بكل جبروتها وطغيانها واستبدادها وتعسفها، التي سادت مختلف الحضارات، وخضعت لها الشعوب قرونا متمادية، حتى تماهت مع قيمها وأخلاقها، وبقيت مرتهنة لهيمنتها، بفعل ثقافة ثنائية السيد / العبد، فيتعذر عليها التخلي عن ولائها القَبلي ما لم تُهَشَّم بنيته ومقولاته الأساسية وتحل محلها بنية معرفية جديدة، وهي عملية معّقدة، تتطلب وقتا طويلا، وظرفا تربويا لا تنفع معه أجواء المداراة النفسية والتسليم البسيط، ما لم يصل حد اليقين، وكان هذا أحد أسباب قلق الولاء كما مرَّ بيانه. فانتماء الفرد لمنظومة قيم العبودية قبل إسلامه، إنتماء ثقافي يشكّل قوام هويته، وليس فقط إنتماء نَسَبيَاً، يمكن التخلي عنه. الانتماء الثقافي يتحكّم بوعي الفرد ومشاعره وسلوكه وموقفه. والانسلاخ عنه يستدعي ثقافة مغايرة يرتهن لها الوعي.

من زاوية أخرى كان هدف المعركة تفكيك مصادر قوة العدو عبر الإطاحة بالولاء القَبلي. وضمان أمنها بعد ردم بؤر الخيانة والتواطؤ، وإضفاء فهمٍ جديد للمفاهيم الاجتماعية والسياسية، يرفض التبعية الانقياد لغير الله، أو من جُعلت له الولاية، مهما كانت مواصفاته الأخلاقية، ما دام الأمر يتعلّق بحريته التي هي شرط إستقلاليته ومسؤوليته عن أعماله وتصرفاته. وهو حق مكفول يمثّل صدقية وجوده. لا يجوز مصادرتها أكثر من القدر الذي يحقق توازن المجتمع ويضمن أمنه واستقراره، فيعود عليه بالنفع من خلال منفعة الجميع، رغم صدق مفهوم سلب الحرية. أو بالقدر الذي يعتقد التشريع الإلهي، لمن يؤمن به، أنه يعود عليه وعلى المجتمع بمنفعة أكبر، كقوله مثالا لا حصرا: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ). وهذا تحكّم وسلب لحرية الفرد، غير أنه شرط ضمني للإيمان وليس مطلقا. فمن آمن يجب عليه الإلتزام بكل التشريعات والأوامر. أو لا يؤمن إبتداء.

الإيمان موافقة ضمنية على مصادرة بعض حقوقه، ومنها حريته، في مقابل وعود أخروية، لذا يبذل ماله وجهده في سبيل الله، دون مقابل مادي أو تعويض دنيوي. أو الإيمان تنازل لا شعوري عن بعض الحقوق والامتيازات التي منها حرية الفرد المؤمن، بفعل خطابات الترغيب والترهيب، التي استدرجت حرية الفرد. وبالتالي فالنص القرآني استهدف تحرير الوعي من حمولته القبلية، واستعادة حرية الفرد، لكن في سياق رؤية كونية مغايرة، لا تسمح باستعباده، غير أن رجل الدين والخطابات الطائفية والسياسية تخلط الأوراق وتعمل على تزييف الوعي. فنفهم أن الحرية شرط لتحمّل المسؤولية، لذا فعقوبة العبد نصف عقوبة الحر في الشريعة الإسلامية. وهذا مبدأ أساس في فهم النصوص الدينية، ومدى شرعيتها حينما تتقاطع معه. لكن للأسف الشديد التنظيرات الكلامية لا تبالي لمبادئ القرآن، التي يُفترض أن تكون حاكمة على كل قضية كلامية وعقدية، باعتبار فوقيته وقدسيته ومصدر التشريع. بل لا يوجد شيء آخر سواه. وهكذا يتمادى الفقيه في إقصاء القيم الدينية وهو يستنبط الأحكام الشرعية، بفعل منهج يقوم على فصل آيات التشريع، والتعامل معها كل على حدة، شعر بذلك أم لم يشعر. قصده أو لم يقصده.

ثمة هدف أبعد يبرر اهتمام القرآن بالولاء، يقع ضمن صراع الهيمنة بين قيم السماء والأرض. قيم الإيمان وقيم الشرك والكفر كما يصفهما الكتاب الكريم. فلا تكفي شهادة الشهادتين في صدق إيمان المسلم ما لم يتحرر ولاؤه القديم، ويدين بولاء توحيدي، يرفض المهادنة على حساب العقيدة. وهذا معنى أوسع لا يكتفي باحتكار الولاء، ويطمح لهيمنة فكرية وشعورية، يظهر جليا من خلال خطابات الردع، التي تصل حد التهديد، والتخلي عن النبي فضلا عن المؤمنين مع أية مهادنة مع العدو، قد تميل لها نفسه. فنحن أمام مشروع هيمنة يرتكز لمنظومة معرفية وعقدية مختلفة: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ). نفهم من شرط الهيمنة ارتهان السلطة والانقياد والولاء لله، دون الإنسان، وأن حق التصرّف التكويني والتشريعي، بما يحقق غايات الدين والإنسان، بيد الله، فيكون كلا القرارين حكرا عليه: (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). ودلالة الآية واضحة على كليهما، مهما كابر الفهم الديني. ومهما كانت محاولات المشاريع السياسية الدينية التنظيرية، التي تلتف على النصوص القرآنية بالتأويل من أجل شرعنة سلوكياتها ومواقفها.

هذا هو الأصل الأولي، حين الشك بصدقية أية دعوى للولاية بمعنى السلطة وحق التصرّف. فعندما نشك بولاية أحدٍ فالأصل عدمها ما لم يدل الدليل الصريح عليها، فطالما تؤكد الايات على اختصاص الولاية به تعالى، ولعل في الآية ما يؤكد ذلك رغم خصوصية موضوعها، لكنها تكشف عن المطلوب: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلً)، لا أنت ولا غيرك. ليس لك عليهم سبيل، ولا سلطة فوقية قاهرة، ولا يمكن ارتهان القرار السياسي ومصير الشعب لإرادة شخص واحد مهما كانت مواصفاته الأخلاقية ومستوى تقواه وورعه: لأن فلسفة الخَلق قائمة على حرية الفرد، وهو مسؤول عن مصيره الأخروي، الذي سيقف للدفاع عنه: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ،عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). فيجب على الفرد المشاركة في القرار ليكون مسؤولا عن مواقفه. بهذا نفهم أن الصيغة الديمقراطية الحديثة تتطابق مع الأصل الأولي القائم على مسؤولية الفرد عن رأيه السياسي، باسثناء ما هو صريح في النهي، كقوله: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)، والسبيل هو السلطة. وقوله: (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ). والكافر هو خصوص المحارب، فلا يكون ولياً، أي نصيرا ومن باب أولى لا يكون حاكما ووليا له حق التصرف بحكم ولايته.

ضوابط الولاية / السلطة

ثمة ضوابط للولاية، تحديدها يضع لنا ضابطة لفهم حدودها وفعليتها. وما تقدّم من كلام يمثل أصلاً أولياً وفق النظرية الإسلامية، مفاده:

أ - لا ولاية لأحد على غيره مطلقا. (أصالة حرية الفرد)

ب - الولاية أصالة وبالذات لله، تكوينا وتشريعا. (أصالة ولاية الخالق)

ج - لا ترفع اليد عن الأصل الأولي إلا بدليل قرآني صريح دال على جعل الولاية لغيره تعالى.

د - الولاية شأن إلهي، وليس نبويا، ولا يشرك بحكمه أحد.

هـ - الولاية المجعولة مشروطة، وتقدر بقدرها، كما بالنسبة لليتامى وصِغار السن والسفهاء، التي بينت الآيات أحكامها. وبالدلالة الإلتزامية نفهم علتها وسببها الذي هو السفه أو صِغر السن، لذا ترتفع بارتفاعهما: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ .... وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)، فالطفل والسفيه وغير الراشد يحتاج لولاية مؤقتة، فما بال شعب كامل يزخر بالطاقات والكفاءات والابداعات يرتهن إرادته لإرادة شخص الحاكم كما في نظرية ولاية الفقيه، ويكون له حق التصرّف بمصيره وقراره السياسي؟

ولاية الرسول

السؤال: هل مُنحت ولاية بمعنى السلطة لأحد؟، وما هي حدودها؟. وهي مسألة كانت ومازالت موضوعا ساخنا للجدل الكلامي، خاصة الولاية المتفرّعة على ولاية النبي. التي تترتب عليها أحكام شرعية. وبالتالي فإن ثبوتها ونفيها سيؤثر في النسق العقدي المألوف الذي نسعى لاستبداله بمنظومة قيم، ترفض أدلجة الخطاب القرآني، وتوظيفه لأغراض سياسية وطائفية، وتأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، وتقوم على فهم جديد للدين يرتكز للعقل، والصريح من آيات الكتاب، بعيدا عن التراث وحمولته السلبية. وقد قع الكلام بينهم حول جعل الولاية للنبي ومن ثم للمؤمنين أو بعض منهم، وقد استدلوا ببعض الآيات، منها:

أولاً: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

وهي الآية التي استدلوا بظاهرها على ولاية الرسول والمؤمنين. فيكون للنبي ما لله. وما له للمؤمنين، أو خصوص الأئمة عند الشيعة، ثم تنتقل للفقيه بأحد النيابتين، الخاصة أو العامة، بعد تفسيرهم الولاية بـ"السلطة وحق التصرّف والقيمومة والحاكمية، وأنْ يملك منهم الولي ما لا يملكون". وهذا الاستدلال قد يكون تاما خارج سياق الآيات، غير أن نتيجته ستتغير ضمن سياق ما سبقها وما تلاها من آيات. لأن موضوعها جزء من موضوع سياقها القرآني، لا تنفصل عنه، لولا قبليات المفسّر والفقيه التي اقتطعتها لخدمة أهداف أيديولوجية وسياسية ومذهبية وطائفية.

تقول الآيات التالية من سورة المائدة:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (57)..).

في هذه المصفوفة من الآيات سنفهم معنى آخر لمفهوم الولاية الوارد في الآية المتقدمة، لا يسمح بتوظيفها خارج سياقها:

1- تقدم أن الولاء ومشتقاته متعدد في معانيه، فيكون السياق قرينة متصلة على إرادة المعنى الحقيقي من اللفظ. لا يمكن الاستغناء عنه وهدره لصالح أهداف أيديولوجية، سياسية وطائفية. وأي خروج عن السياق يسمح بتوظيفها خارج موضوعها، فتفقد هدف تشريعها والحكمة من نزولها. ولا يصار إلى قرائن منفصلة وخارجية مع وجود قرينة متصلة، كما في هذه الآيات، فتبقى مطلقة، لا تخصصها الروايات، بل تبيّن مصاديقها، كما بالنسبة للذين آمنوا. بل لا يمكن ذلك فربما تمام ملاك الآية في إطلاقها، فكيف تخصص؟

2- الظاهر من سياق الآيات أن المراد بالولاية هو خصوص النصرة، كما هو واضح من موضوع نزولها وما تهدف إليه من تشريعات ومفاهيم دينية جديدة. وهي دعوة صريحة لعدم الوثوق باليهود والنصارى، وعدم اتخاذهم أولياء. أي حلفاء وفقا للعهود والمواثيق المبرمة بين الطرفين، بعد خيانتهم ونقضهم لها. ودعت للتلاحم على أساس إيماني، يكون الله ورسوله والمؤمنون هم الناصر والحليف والظهير والولي والقوة الحقيقية. وبهذا أقصت استراتيجية المعركة، معاهدات أهل الكتاب من حساباتها. ووضعت خطة جديدة تعتمد خصوص المؤمنين لتولي شؤون وإدارة المعركة والمجتمع المدني. والسبب أن صفات المؤمن التي ذكرتها الآية كفيلة بعدم خيانته وتخليه عن المسؤولية، لأن العبادة تعزز التقوى والخشوع والخوف من الله، وهذا ما تحتاجه المسؤولية، لضمان عدم فساد القيادة. ولو كانت الآية بصدد جعل ولاية لهم بمعنى السلطة وحق التصرّف كان ينبغي توظيف ألفاظ دالة على موضوعها، كأن تقول الآية: القوي الأمين من المؤمنين، كما في آية شعيب وموسى، حينما خاطبت أباها بألفاظ دالة على المطلوب، وقالت: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ). ولم تقل يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. فهنا أيضا مناسبات الحكم الموضوع تكون حاكمة.

3- إن جميع مشتقات الولاء في هذه المصفوفة من الآيات دلّت على معنى واحد هو النصرة والتلاحم والتحالف، وقد جاءت متناسقة، واستمرت بذات الاتجاه، حتى قالت: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). والعصمة ضمان للنصرة والمَنَعة، أمام عدوانية أهل الكتاب.

4- تشمل الآية بإطلاقها القيادة وولاية الأمر بصلاحيات محدودة، لكن لا تصل حد التصرّف المطلق وفقا للولي وتقديراته السياسية، بل هي صلاحيات تقتضيها المسؤولية. وتنتهي بانتهاء ولايته. وهذا يختلف عن معنى الولاية التي يقصدونها، فهي ولاية سلطوية يحق للولي بموجبها التصرّف بالغير، ويكون أولى منه بنفسه وماله وعرضه، فيجوز له مثلا فصل زوجته عنه. أو فرض ضريبة مالية عليه خاصة. أو مصادرة أملاكه. أو المغامرة به وبمستقبله وتقرير مصيره والتحكم بالقرار السياسي الذي هو جزء منه، باعتباره جزءا من المجتمع. بل قالوا يحق للولي تعطيل بعض الأحكام الشرعية!!.

5- وضعت الآية ولاية الله ورسوله والمؤمنين على مستوى واحد، دون تفصيل. ولازمه وجوب الولايتين التكوينية والتشريعية للجميع، وهذا لا أحد يقول به، خاصة بالنسبة للمؤمنين، ماعدا الشيعة وفقا لمبانيهم العقدية، حيث جعلوا مصداق المؤمنين واحدا، رغم أنه جاء بصيغة الجمع، وهو الإمام علي، ومنحوه حق الولاية بموجب هذه الآية. وهذا خلاف المنطق القرآني الذي اعتبر الولاية أصالة وبالذات لله تعالى. وولاية غيره تكون مجعولة وليست أصيلة فتحتاج إلى جعل  صريح واضح بين لا لبس فيه ولا تشابه، كي يكون حجة على الجميع.

كما أن آية التنازع لا تسمح بوضع ولاية المؤمنين بمستوى ولاية الله ورسوله، بل يجب مراجعة الله ورسوله في حالات النزاع، وهذا أدل دليل على محدويتها وعدم إطلاقها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

6- يمكن تعزيز معنى النصرة دون غيرها من مفاهيم الولاء والولاية بآية: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). فتكون صفة ضمن مجموعة صفات، منها: أن يتولى بعضهم الآخر. يعينه وينصره ويقوم مقامه إذا اقتضى الأمر. يقدّمه على نفسه وعلى مصالحه، بمعنى الإيثار والتضحية. يتنازل عن حقه لأخيه المؤمن هبة وهدية. وبالتالي لا يظهر من آيات ولاية المؤمنين معنى حق التصرّف، لأن مال المرء ونفسه وعرضه محترم لا يجوز الاعتداء عليه بدون إذن وحق مشروع. والآية ليست بصدد تشريع هذا الحق. ولم يظهر من الآية صراحة منح المؤمنين حق التصرف بغيرهم، سوى تأويلات لا يؤكدها الفهم الصحيح للآيات.

7- لا مبرر لقطع الآية من سياقها وربطها بالآية 67 من نفس السورة كما يرى المفسّرون والفقهاء الشيعة، فكلاهما جاء في ذات السياق حول أهل الكتاب. حيث قطع الاتجاه الكلامي الشيعي الآية وربطها بآية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، ليستدلوا أن الآية الأولى جعلت الولاية للإمام علي حصرا، والآية التالية تحذير للرسول إنْ لم يبلغ هذا الأمر. والقضية برمتها تأويلية اعتمادا على روايات عن النبي، لا يمكن الجزم بصدورها. كما أن مناسبات نزول الآية لا تسمح بهذا التأويل الذي يضعف السياق القرآني. فما هو المبرر أن يضع آية في سياق، ثم يضع تكملتها في سياق آخر؟

أليس مقتضى وحدة الموضوع يتطلب إندراج كلا الآيتين في سياق واحد؟ خاصة وقضية عقدية مهمة وخطيرة، فتحتاج لبيانات قرآنية صريحة واضحة كالنبوة لتكون حجة على الجميع، وقد مر أن الاصطفاء شأن إلهي، يحتاج لدليل قرآني صريح، وهو مفقود هنا بالضرورة.

وبالتالي يمكن ان يكون معنى الولاية ضمن سياق هذه الآية: النصرة والقيادة والتخطيط والتوجيه في القضايا الإجرائية، واتخاذ القراربما تقتضيه المصلحة العامة. فيكون الأحق بها الرسول والمؤمنين ممن وصفتهم الآية الكريمة.

مصداق الآية

وقع الخلاف بين المسلمين حول مصداق المؤمنين الوارد في الآية. وقد دبَّ الخلاف حول جملة الوصف: (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). فهل الآية بصدد مواصفات خاصة، أم تعريف عام بصفات المؤمن المؤهل؟. الآية الكريمة لم تقل شيئا بل قولوها، وقد أخفت دلالاتها ولم تصرّح بأكثر مما قالت ضمن سياقها، رغم أنها مصدر شرعية جعل الولاية بعد الله ورسوله حسب الفرض. وقد لجأ لها الطرفان كشاهد على شرعية أو عدم شرعية السلطة بعد وفاة الرسول، ولعبت القبليات الفكرية والعقائدية دورها في توظيف هذه الآية بالذات. فالشيعة قالوا أنها نزلت بعلي بن أبي طالب خاصة، فهو من تصدّق راكعاً. وقد استعانوا لإثبات دعواهم بروايات لا نعرف عن حقيقتها شيئا لكنها تبقى محتملة وفقا للتصنيف الذي اعتمده للتمييز بين الروايات الصحيحة والمحتملة الصدور. فراحت تصف كل شيء حتى نوع الخاتم حينما تصدق به الإمام علي وهو راكع. وشكل الرجل الفقير، وكيف استعطى وعلي كان في صلاته فدفع إليه زكاته. وكيف دخل النبي، وسأل الفقير، وأشار لعلي وهو يصلي، إلى غير ذلك من تفصيلات تأباها شخصية علي لمن يعرفه، خاصة وهو خاشع في صلاته. فليس للشيعي طريق للجزم بصحة الرواية، لكن خلفيته الفكرية والثقافية صدّقتها، لتكون قرينة على إرادة المطلوب واختصاص الآية بعلي دون غيره. وهذا لا يمنع أن يكون علي مصداقا للآية بل أن سيرته وتاريخه الساطع بالثبات والإيمان والتفاني يضعه على رأس الخط الأول من الصحابة الذين أشاد بهم القرآن.

 وأما السني واتجاه الخلافة، فاعتبر الجملة حالاً لوصف المؤمنين، فهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، أي خاضعون مستسلمون لأمر الباري تعالى، فالتعبير مجازي. والآية تبقى مطلقة، بها تصحح خلافة الخلفاء، بينما الشيعة، جعلوا الخلافة نصا وتعينا بموجب أدلة، تعتبره هذه الآية أحدها.

لسنا مع كلا الرأيين اللذين أسقطا غاياتهم السياسية على تفسير آية (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، وهذا مثال بسيط يبين كيف تلعب خلفية المتلقي دورا معرفيا في فهم النص، واستدراجه لخدمة مصالحهم وأهدافهم. الآية تبقى على إطلاقها، محكومة بآيات أخرى، صريحة، ترفض وضع ولاية غير الله بمستوى ولايته. كما أن مقتضى قوله: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، أن يبقى القرآن مرجعية أولى ونهائية للدين في عقيدته وتشريعاته، وتكون السُنة شارحة ومبينة لما له جذر قرآني، ما لم تكن هناك قرائن متصلة دالة على المعنى في داخل النص. واما العقيدة، فهي إخبارات قرآنية، لا يمكن أن تكون حجة ما لم تكن واضحة بينة صريحة في موردها، والتأويل نقض للغرض، بسبب تعدد احتمالاته، وتأثر كل فرد بقبلياته وأهدافه.

فنخلص أن الآية المتقدمة لا تدلّ على جعل الولاية للرسول والمؤمنين، بل إن سياقها يدل على معانٍ أخرى. ولو دلّت على الولاية، فهي خاصة بالرسول لضرورات تتصل بالرسالة، وتنتهي بوفاته دون الانتقال لغيره، لأن الاصطفاء شأن إلهي كما تقدم تفصيله. وأما بالنسبة للمؤمنين لو ثبتت لهم ولاية ايضا بموجب هذه الآية فهي مقيّدة جدا بآية التنازع المتقدمة. وثمة وجهة نظر سأُبينها في حينها بخصوص هذه الآية وأبين ما هو المراد بوجوب طاعتهم. أما المهم هنا، فإن الآية تشترط رد الخلاف لله ولرسوله، مما يعني سلب ولاية المؤمنين إطلاقها، وقيمومتها على القرار.

وأما الآية الثانية التي استدلوا بها على ثبوت الولاية للرسول ومن ثم للمؤمنين

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com    

 

ماجد الغرباوي3خاص بالمثقف: الحلقة السابعة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق15) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

تقاطع الولاءات

ماجد الغرباوي: إن تحديث الولاء يتوقف على فعلية شرطه الموضوعي، وإرادة جدية في ظل بيئة نوعية تعمل على إعادة تشكيل وعي الفرد، ليُضمَن كلا ولاءيه الديني والقَبلي. إذ تقدّم، أن مسارات الولاء متوازية، قد تلتقي أو تتقاطع في بعض النقاط، لكنها تواصل مسارها، وفق قاعدة تقديم الأهم على المهم. فهشاشة إيمان طيف من المسلمين مبرر آخر لقلق الولاء، يؤكده ارتداد مجموعة من الأعراب بعد وفاة الرسول. لكن بشكل عام نجح الإسلام في كسب الولاء الديني، وتخلى الناس عن معتقداتهم وطقوسهم، وضحّوا من أجل مبادئه، بعضهم بإيمان منقطع النظير (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ)، وآخرون إما انسياقا مع العقل الجمعي، أو طمعا بالغنيمة، إضافة إلى ما يصطلح عليهم القرآن بالمنافقين ممن أظهروا إسلامهم تحت ضغط الانتصارات والمد الإسلامي، غير أن ولاءهم بقي مرتهنا لحلفائهم. كما هناك من يتربص بالدين الجديد كأهل الكتاب. وبعض تضررت مصالحهم، وهم الملأ من قريش وزعماء القبائل. فكانت المعركة لحظة اختبار لقدرة الولاء الجديد على الصمود، خاصة الأعراب. فالتوجس كان مبررا، بفعل سطوته. مما يؤكد هشاشة إيمان شريحة لا بأس بها من أنصاره. عكسا للمعذبين والمحرومين، فهم أصلب عودا وإيمانا ويقينا، لم يرتهن ولاؤهم لأحد بعد تمردهم على أسيادهم ورفضهم لسلطتهم. 

لقد كان القرآن حذرا في مسألة الولاء حينما أعلن أن هدف المعركة إطفاء الفتن، وليس حربا ضد القيم والمشاعر الإنسانية: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). لكن مواصلة الحرب أضطرت النبي تعبئة الأجواء النفسية لسد كل منافذ الخيانة المحتملة، حدا حرّم القرآن على المؤمنين التواد مع أقرب الناس لهم، في إشارة دالة على قلق الولاء، وعمق التوجس، وعدم الوثوق بولاء ذوي الجذر القبلي الراسخ، فهؤلاء لا يمكنهم التخلي عن إلتزاماتهم القبلية، ومشاعرهم تجاه أهلهم وذويهم. فيصدق أنهم مسلمون ما لم تقع الحرب بينهم وبين ذوي القربى فالقطيعة حد استباحة الدماء، ربما لم تكن متوقعة.

المشاعر الدينية تختلف عن غيرها، الأولى عقيدة وطقوس وشعائر تتكيف مع إيمان الفرد، بينما المشاعر الاجتماعية نتاج علاقات عضوية صميمية، تمت حمايتها بنسق من القيم، فالانعطاف ضد الأهل والعشيرة يعتبر خيانة ما بعدها خيانة في الأعراف القبلية، ولعل أهون على الفرد أن يُتهم في دينه ولا يُتهم بولائه، لكن الآية جاءت صاعقة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). وضعت المسلمين بين خيارين لا ثالث لهما، إما إيمان خالص يتجلى موقفا وسلوكا وولاء ومشاعر صادقة. وإما فسوق، يحرمهم رحمة الله. لتكشف الآية عن أجواء نفسية متوترة وقرارات حاسمة استهدفت منظومة القيم.

لا ننسى أن الولاء أول ممارسة إنسانية للفرد، وأول اختبار لنوازعه الفطرية. هو طاقة روحية تتقد، تتفجر توادا وتراحما وحبا وتعاطفا واشتياقاوتلاحما، ونكرانا للذات، وتفضيل الآخر. وهو ميل نفسي، يعبّر عن قلق وجودي، بفعل جسامة المسؤولية تجاه أخيه الإنسان، فكيف يستبيح دمه وإن لم يكن محاربا، وليس له موقف سلبي من الدين الجديد؟. المسألة حساسة جدا اصطدمت بمشاعر إنسانية غريزية هي أساس تماسك الشعوب، واستقرار الأمن والسلم. والدماء تقلب الأجواء إلى ضدها، وتسودها الكراهية والتنابذ، لذا تدارك القرآن مشاعر المسلمين حينما قال: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). غير أن الاستثناء لم ينزع شحنة الغضب والتحريض من الآية الأولى عندما تُقرأ منقطعة عن سياقها القرآني وأسباب نزولها. وقد ارتكزت لها جميع حركات التكفير الديني، حينما شرعنت قتال الآخر بعد تكفيره. فالعنف له جذر قرآني يمكن توظيفه بسهولة، ما لم يتداركه الفهم السليم القائم على مناسبات الحكم والموضوع، وعدم فعلية الحكم مع عدم فعلية موضوعه.

وبالتالي فالولاء في جميع مستوياته ومجالاته مؤثر، باعتباره تجليا سلوكيا لما يختلج في أعماق النفس البشرية من مشاعر ومبادرات لا إرادية، غالبا ما تؤثر على مواقف الإنسان، عندما يتقاطع الموقفان المبدئي والعاطفي، المنبثق عن يقين نفسي، يتغذى على النوازع الفطرية، والمصالح المشتركة، والمشاعر المتبادلة، التي هي سرّ تمسكه بانتمائه وتحققه الوجودي. فالدين كان يطمح لموقف مبدئي رسالي، يتجاوز الموقف العاطفي، وهذا يتطلب مرانا تربويا وطقوسيا. أي يتطلب وقتا طويلا لبرمجة العقل وإعادة تشكيل الوعي. وهذا أحد أسباب القرارت التي قد تبدو بمعزل عن ظرفها الزماني والمكاني صارمة وقاسية. وهذا من أسباب قلق الولاء بفعل حداثة التجربة الإيمانية، وعدم ملامستها لأعماق المسلمين، حد الانسلاخ عن الولاء السابق. أو أن الموقف السلبي من الدين الجديد، لأي سبب كان، هو سبب التوجس منهم.

سلطوية الولاء

ثمة فهم وجودي لعلاقة الأنا بالآخر ضمن مفهوم الولاء، تبدو فيه العلاقة متماهية مع قناعات الفرد، لا يمكنه التجرد منها، مادامت مقوما أساسا لوجوده بمعنى التحقق، لا بمعنى الكينونة. وقد مرّ تفصيلا أن النظام العبودي يقوم على ثنائية: السيد / العبد، بشكل يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر، وينتفي بانتفائه. بشكل لا يعي وجوده إلا من خلاله. وهذا وعي باطني لا شعوري، من وحي حقيقة العبودية التي تتلبسه، وتبقيه مشدودا لقيمها. وبالتالي، فوعي العلاقة وعي للذات من خلال الآخر، حدا يرتهن تحقق وجودها عليه. ويتلاشى وجود الفرد ضمن وجود كلي، يتجلى فيه وجود السيد / الشيخ بقوة، تستلزم قداسته ودونية الآخر. قداسة تدبّر العبد وتملي عليه إرادتها، في سياق استبدادها وجبروتها وهيمنتها التي تلغي عقل العبد وإرادته، وتصادر إنسانيته وفق منطق الغاب، الذي تفرضه أيضا طبيعة الحياة ووحشيتها آنذاك. (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ).

وفقا لهذه النظرة يعتبر الولاء مقوما أساس لتلك الثنائية. ولاء الأدنى للأعلى اعتراف صريح برقيته وعبوديته وحق تدبيره والتصرف به. فانتزاعه من ولائه انتزع لوجوده وانتمائه وهويته. لانه بهذا المعنى يمثل جوهر النظام العبودي. وعليه كما يستمد العبد وجوده من وجود سيده، باعتباره جزءا من منظومة اجتماعية تؤمن بقيم العبودية، فأيضا السيد يستمد شرعيته من انقياد أفراد قبيلته، ممن يدينون له بالطاعة والولاء ويمنحونه حق الولاية والتصرف. فهيمنة السيد لا تتجلى خارج شرطها الوجودي. وأن شرط التمرد والثورة كامن في أعماق المجتمع العبودي، متى وعى ذلك وامتلك زمام المبادرة، والدليل تطور المجتمعات واندثار المجتمع العبودي بهيكليته لا بقيمه، ولم يعد السيد يدعي الإلوهية أو ظلها. وعندما ظهرت قيم العبودية لاحقا ظهرت بلباس ديني، قمع الوعي التحرري وأعاد تشكيل العقل وفقا لشروطه.

وتبقى ذات معادلة العبودية في النظام القَبلي، باستثناء تبادل الأدوار، ووعي أكثر تطورا لمفهوم الشيخ والفرد واستقلالية الأنا. والفرق أن العبد لا يعي وجوده مستقلا عن سيده، لا أن له وجود استقلالي لكنه تابع لوجود سيده، بل العلاقة علاقة تبعية وجودية، مادام وجوده بمعنى التحقق يتوقف على وجود سيده خارجا. بينما يعي الفرد في النظام القبلي استقلاليته، وأحيانا يجازف بالتمرّد على سلطة الشيخ، غير أنه يتدارك تبعات موقفه، ويعود نادما مذعنا. العبد يموت بالاقصاء، بينما يذل الفرد به. وبالتالي فالعلاقة لا تختلف في نتائجها، وتبقى ولاية الشيخ واجبة، بحكم شرفه ومنصبه، وعلى الفرد أن يقدّم له فروض الطاعة، لضمان الاعتراف به. فوعي الذات والآخر يتوقف في كلا النظامين على وعي الولاء كمقوّم أساس للعلاقة، فيعتز ويتمسك به فخرا، خاصة عندما يعيش وسط مجتمع دأبه تقديم الولاء على الكفاءة. بهذا نفهم أن الولاء مؤسس على مبادئ وقيم أخلاقية. وما لم يقم الخطاب الديني بنقدها وتتفكيكها، واستبدالها برؤية عقدية تنسجم مع توجهاته الدينية لا يمكنه ضمان ولاء الفرد.

البعد السلبي للمفهوم

اتضح من خلال تاريخ تطور مفهوم الولاء، أنه مفهوم سلبي، يختزل الفرد ويلغي استقلاليته، وهي محصلة نهائية عندما يحتكر السيد جميع الصلاحيات، ويمنح نفسه حق التصرّف بمصير شعبه. فمفهوم "الولاء" و"الولاية" في النظام العبودي يعني شرعية التصرّف بملكه وضمان الولاء. ووجوب طاعته والانقياد له، فتجريد الشعب من إنسانيته شرط لصحة ثنائية السيد / العبد. أو بالأحرى أن الفرد منزوع الإرادة، فهو رقم يتحكم به سيده، غير قادر على التحكّم بولائه بحكم تبعيته. لا يشعر إلا أنه وجود تابع لوجود سيده.

وهنا ملاحظة دقيقة جدا، ستكون مدار بحثنا، أن ولاية السيد وعبودية الفرد ليستا مجعولتين من قبل جهة ثالثة كي يمكن انتزاعهما. بل القيمومة حق ذاتي، والانقياد واجب صميمي، يستمدان شرعيتهما من ذات العلاقة القائمة على وحدة وجودهما، كما مرَّ بيانه. السيادة تعني الولاية والهيمنة وحق التصرّف. ويقصد بالعبودية تقديم فروض الطاعة الواجبة، وليست هي شيئا آخر سوى انقياد يفرضه "تشيئة" العبد.

ولم يتغير شيء جوهري في ظل النظام القبلي، فطبقة العبيد بقيت ترزح تحت نير العبودية وأحكامه، وظل العبد يعيش وعي الأنا المبتورة، مادام جزءا من متاع الشيخ أوسيده/ مولاه. وأما غير العبيد فبقوا أوفياء لقيم القبيلة التي تمنح الشيخ حق التصرّف بأفرادها، وله الأولية دائما. فالمفهوم استمر مثقلا بذات الحمولة الدلالية رغم استقلالية الأفراد، وقدرتهم على التمرد. وعليه يكون الفرد في كلا النظامين مرتهنا لإرادة السيد أو الشيخ، في إطار قيم اجتماعية، ترتكز إلى مقولات قامت على ثنائية السيد / العبد، وترسّبت لا شعوريا في إبان مرحلة التلقي الأولى فتكتسب مركزية، تمنح الوعي شرعية وجوده، وتفرض عليه محدداتها وسلطتها، حداً لا يمكنه الفكاك منها، حتى مع انفصاله زمانيا أو مكانيا، فلم تعد الجغرافية عاملا أساسا في صدقية الولاء، مادام مقوّما للوعي. وليس طارئا ليتمرد ضده. هو حقيقة وجودية بالنسبة له. وعليه يتطلب التخلي عن الولاء إعادة تشكيل الوعي، من خلال منظومة قيم أخلاقية وفكرية وعقدية مختلفة تضمن الانسلاخ التام، وهي عملية معقّدة تتطلب معايشة جديدة للوعي ضمن ثقافة وبيئة مغايرة، ومجموعة طقوس وممارسات ترسو تدريجيا لتحل في أعماق البنى المعرفية، وما يرتبط بها من مشاعر وأحاسيس. فالعملية  عسيرة، وقد خاض الإسلام معركة من أجل انتزاع الولاء، لغايات بعيدة المدى، تتعلق بالمفهوم وسلطاته، إضافة لمداليله والتزاماته. وهذا سرّ زخم الآيات،  التي أكدت على حصر الولاء بمعنى الولاية والقيمومة والهيمنة والسلطة والتدبير وحق التصرف بالله تعالى أصالة، وتكون ولايته ذاتية، حقيقية، غير مجعولة. ومطلقة لا نسبية، باعتباره خالق السماوات والأرض، وله كلا الولايتين التكوينية والتشريعية. (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). وقدرة الخالقية على التدبير التكويني قدرة فعلية، وليست مرتهنة، وهذا معنى ذاتية ولائه. (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). فلا شريك له فيها، وله حق جعلها لمن يريد، فتثبت بآية صريحة واضحة لا لبس فيها  لخطورة مسؤولياتها وتداعياتها، فهي صلاحيات واسعة، تتضمن حق التصرف، وحق سلب الآخر حريته. فتختص به. والأصل عدم ولاية أحد على غيره إلا إذا دلّ الدليل القرآني عليها، فتكون ولايته مشروطة بحدود جعلها. والكلام هنا دائما من وجهة نظر دينية وقرآنية. والأصل وفقا للقيم الإنسانية حرية الفرد وعدم ولاية أحد على غيره مطلقا، وأي تجاوز من قبل الحاكم السياسي أو الديني فهو تجاوز على حق أصيل للفرد ملازم لوجوده، أعني حريته، وحق أحترام حقوقه، ما لم تقتضِ المصالح المشتركة التنازل جزئيا عنها لضمان أمنه الاجتماعي واستقلاليته.

فنخلص من خلال الآيات أن الولاية، هيمنة وسلطة مطلقة، تفرض شروطها ومحدداتها، التي منها حق التصرّف بالآخر، والتحكم بإرادته ومستقبله، وهي بهذا المعنى منحصرة بالله تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا). فالآية تحصر به الولاية، وتنفيها إلتزاما عن غيره، (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). يذكر هناك قراءتان لكلمة الولاية، بفتح وكسر الواو. فمن قال بكسرها، تعني عنده السلطان والملك، وهو الأقرب لسياقها. ومن قرأها بالفتح فهي تدل على الموالاة لله، على غرار قوله تعالى: (اللَّه وَلِيّ الَّذِينَ آمَنُوا)، (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا)، فيراد بها الولاية في الدين.

ومن الشواهد الدالة على سلب ولاية أي إنسان عدا الله، قوله: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا). (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)، وهذه الآية لا فقط تنفي وتسلب الولاية عن غير الله، بل وتؤكد تفرّده بقراراته بمعنى السلطة. ودلالة الولاية على حق التصرف في (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)، أكثر وضوحا بقرينة الولاية في الدار الآخرة المنحصرة بالله في عدد من الآيات، منها: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم)، فأيضا تكون أصالة له في الحياة الدنيا. وعليه يكون جعل هذا النوع من الولاية مرهونا بمشيئته، يهبها لمن يشاء، بأمر تشريعي (آية قرآنية) صريح، وهذا مفقود بالضرورة سوى تأويلات لا يمكن الجزم بها، مما يقتضي حمل اللفظ على معنى آخر، حيث بلغت معانيه واشتقاقاته اللغوية أكثر من عشرين، كما في كتب المعاجم. أبرزها النصير والظهير والولاية الدينية والرعاية والأولوية والتدبير. كما أن كلمة "مولى" تأتي بمعنى الرب، السيد، العبد، الأخ، إبن العم. وكل معنى من المعاني يظهر من سياق الكلام. و(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا) أي: نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وعنايته.

إن حجم الصلاحيات الملازمة لمفهوم الولاية بمعنى السلطة هي التي تدفع باتجاه الاستفاضة في شرح المفهوم وتحديد دلالته، لأنه مفهوم مرن، قابل للتوظيف، وبالفعل تم بموجبه منح صلاحيات مطلقة للفقيه وفقا لنظرية ولاية الفقيه. والتي ترى أن معنى الولاية هي التصرف والسلطة، في جميع مواردها، فيكون للنبي ما لله. وما له للمؤمنين، أو خصوص الأئمة عند الشيعة، ثم تنتقل للفقيه، وهو المطلوب لإحكام السيطرة على الشعب، والتحكم بقرارته ومصيره باسم الدين. لكن من السهل نقض هذا الاستدلال من خلال الكتاب الكريم، والمعاني الأخرى لمفهوم الولاية ضمن سياقتها، ومناسبات الحكم والموضوع، خاصة بالنسبة لولاية النبي والمؤمنين.

ونؤكد ثانية أن الولاية بمعنى القيمومة وحق التصرف، هي التي تقصدها الآيات التي حصرتها بالله، دون غيرها من المعاني التي بعضها مشترك. والخطاب موجه للإرادة الحرة القادرة على اتخاذ الموقف المناسب، والانسلاخ من الولاء القديم، باعتباره أمرا إراديا ممكنا. أما مستلب الإرادة كطبقة العبيد فغير مشمول بالخطاب، لعدم قدرته على اتخاذ القرار المناسب. لكن حينما يعي ذاته، ويتحرر من سجونه الداخلية، فلا شك في شمول الخطاب له. وأما المتمردون من العبيد، ممن التحق بالدين الجديد، فهولاء استعادوا إرادتهم وحريتهم واتخذوا خطوة جريئة، تحملوا تبعاتها بصبر وإيمان.

يبقىى أن نعرف معنى الولاء المجعول شرعا للنبي والمؤمنين، ومن ثم تحديد مدى شرعية ولاية الفقيه المطلقة التي تعني حق التصرف بالقرار السياسي وبمصير الشعب.

يأتي في الحلقة القادمة

  

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة السادسة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق14) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

المجال التداولي

ماجد الغرباوي: ثمة مبادئ يتخذ منها الفقيه مرجعية أساسية في رؤيته العقدية، ومنهجه في ملء الفراغ التشريعي، بحكم وظيفته. وقد مرَّ الكلام حول مبدأ القريشية والاصطفاء. ونشير هنا للولاء، كمفهوم ملتبس تم توظيفه كأصل ديني، رتبوا عليه أحكاما شرعية، وموقفا من الآخر المختلف دينيا أو طائفيا، وفقا لبعض الاجتهادات. فيتعين بيان مدى شرعية توظيفه والارتكاز له، عندما يكون بمعنى الولاية، لتفادي تزوير الوعي، واستغلال العواطف الدينية لأغراض طائفية. سيما التلاعب في مصاديق آيات الولاء، عبر تفسيرات أيديولوجية يراد لها تعضيد المباني العقائدية للطوائف والمذاهب الدينية. فمثلا عندما تقول الآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، وقع الخلاف حول مصداق الذين آمنوا، رغم إطلاق اللفظ، لتوظيفها دليلا على ولاية هذا الطرف أو ذاك. ولازمها بطلان أية ولاية دينية وسياسية تتعارض معها. وهذه الآية استدل بها الشيعة على أحقية الإمام علي بالخلافة، باعتباره المصداق الوحيد لنزولها، فتكون الخلافة متعينة فيه، ولازمها بطلان خلافة غيره. فالمتكلم الشيعي اختزل مفهوم الولاء بالولاية بمعنى القيمومة والسلطة وصلاحيات مطلقة يستمدها من صلاحيات النبي، الذي يستمد صلاحياته من الله تعالى، لحاجته الماسة لها، في ظل صراع مرير على السلطة، ثم عمد للمصاديق واستدل بروايات أسباب النزول التي عضدت ما يريد. وحينما جاء الفقيه رتب عليها أحكاما الولاء والتبري. بينما حافظ الطرف الثاني على إطلاق الآية واستدل بها على وجوب الولاية لكل من يتصدى لأمور المسلمين، فتشمل بإطلاقها خلافة الخلفاء، بل من باب أولى باعتبارهم صحابة الرسول. وهذه الآية مجرد نموذج، يكشف حجم تداعيات الولاء حينما يخرج عن سياقه. فهو سلاح ذو حدين، قد يعمّق روح المحبة والوئام بين أبناء الأمة الواحدة، وقد يكون سببا للفِرقة والتنابذ والاحتراب. فلسنا أمام مفهوم عادي، يمكن تجاوزه، بل أمام منظومة فكرية وعقائدية ينبثق عنها الولاء، يجب تفكيكها، ونقد مرجعياتها، وإعادة تشكيل المفهوم في إطار قيم الدين والقيم الإنسانية النبيلة.

تاريخ المفهوم

إن المجال التداولي لمفهوم الولاء، يضعه في سياق دلالات لغوية، يقتصر فيها التبادر على معنى النِصرة والولاية أو القيمومة، كمفاهيم مألوفة وشائعة، ضمن النسق الاجتماعي القَبلي، المسكون بالعنف، وتكريس ثقافة "المولى / السيد" و"المولى / العبد". وكلاهما جوهره الولاء. غير أن المجال الدلالي للمفهوم أعمق ضمن سياقات دينية، فيشمل لوازمه، حتى اكتسب أهمية في صراع الهيمنة الأيديولوجية، إبان البعثة النبوية، وتموضع داخل خطوط التحدي لمنظومة العقيدة الإسلامية. ثم وظّفه الخطاب الطائفي لاحقا، ورتّب عليه ثنائية الإيمان والكفر، ارتكازا لمقولتي: (التولي والتبرئ). من هنا سيكون تحري شرعية هذه المقولات وغيرها واجبا، لردم إحدى بؤر اللاتسامح الديني، ومصدرا لنبذ الآخر وتكفيره وحرمانه من حقوقه. فثمة أحكام إقصائية ترتبت على المفهوم لا فقط مجرد رؤية نظرية أو مشاعر إيمانية، ونحن بصدد التعرّف على مرجعيات الفقيه، ومقولاته التي يتكئ عليها في استنباط الأحكام الشرعية، والتي تسببت في تضخم الفتوى والأحكام، وظهور الفقه السلطاني، والحيل الشرعية والالتفاف على قيم الدين، وتدجين الأخلاق، سيما عندما يرتّب أحكاما على المقولتين المتقدمين، تستوجب موقفا دنيويا، وجزاء أخرويا. وما كان للفقيه كل ذلك لولا مرونة النص، فينبغي ضبط دلالاته وشروطه، تفاديا لأي توظيف طائفي، يتعارض مع القيم الدينية والإنسانية.

الولاء لغة واصطلاحا

الولاء لغة: التتابع بغير فاصلة. المحبة والصداقة. وفي مفردات غريب القرآن: (ولي: الولاء والتوالي، أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد. الولاية النصرة). وجاء الأصل اللغوي للكلمة بصياغات واشتقاقات مختلفة: كالولاية، الولي، المولى، ولكل مفردة معنى ضمن سياق الكلام يظهر جليلا في القرآن، فتعددت معانيه، كما أشار في معجم الفروق اللغوية. كالقيمومة والتدبير والصحبة والنصرة والادارة والمحبة وحق التملك والتصرف.

والولاء اصطلاحا: ميل نفسي للتعاطف يستوجب النصرة والوفاء والإخلاص.. ومنحه ولاءه، أي نصره وثَبت معه.

لكن يمكننا صياغة تعريف أعمق دلالة:

 "الولاء: مبدأ أخلاقي يفرض موقفا أيديولوجيا، يستلزم الانحياز والمسؤولية". وعندما يكون مبدأ أخلاقيا سيفرض محدداته، ويصبح قيمة عليا، لا يشترط مطابقته للحق بل الحق ما تمليه قناعته وإرادته، (إنصر أخاك ظالما أو مظلوما).

وعلى صعيد السياسة يعني الولاء: تبني الموقف الحزبي، والعمل وفق مقتضيات مصالحه. والمراد بالولاء الوطني: تكييف الموقف الشخصي مع مقتضيات ومصالح البلد. وهكذا الولاء الديني، يعني التضحية في سبيل مبادئه وقيمه. والولاء الإيماني، تضامن حد الإيثار مع المؤمنين: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ). فيكون في جميع هذه الأصناف موقفا أيديولوجيا ينبثق عن قناعة نفسية، ورؤية محددة لعلاقة الأنا بالآخر، قائمة على تفسير وجودي وأخلاقي. فولاء الفرد ينبثق من حب الذات ومصالحه التي ترتبط بانتمائه ومكانته الاجتماعية والاعتبارية. فيكون ضربا من الإخلاص للنفس، وانحيازا مطلقا لاستقلاليتها ووجودها. فليست ثمة خسارة أو تضحية من طرف واحد، بل ولاء متبادل. أنت تعطي لتنتزع اعترافا رسميا بشخصيتك واعتبارك، في مجتمع تقوم فيه العلاقات العامة على مبدأ الولاء والعصبية القبلية. فهو سعي حثيث لتفادي تداعيات التهميش، الاجتماعية والنفسية.

قلق الولاء

يدشن الدين، أي دين، مشروعه الدعوي بطرح مفاهيم ورؤى مغايرة لما هو مألوف ومتعارف، عن الخالق والكون والإنسان والعقيدة والتشريع، والعلاقات الشخصية والاجتماعية. ويضفي معانٍ جديدة لنسق المفاهيم المتداولة، والتي منها مفهوم الولاء، من خلال سلب شرعية ما يتعارض مع عقيدته، وجعله خالصا لله: (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). وفق فهم جديد للمفهوم يقوم على ذات المبدأ العقدي: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ). لا أن شرعية الثاني تتوقف على سلب شرعية الأول، بل لأن الولاء بمعنى القيمومة والنصرة يكون أصالة وبالذات لله تعالى، باعتباره خالق السماوات والأرض وقادر على كل شيء. فالآية لا تسمح بأي ولاء خارج منظومة التوحيد، وسعت لاسترداده، فتكون ناظرة له باعتباره فعلا إراديا، يمكن للدين إعادة توجيه بوصلته، وإثرائه بدلالات تخدم مقاصده وغاياته. فعندما تقول الآية "ما لكم" تؤكد قدرة الفرد على التصرّف بولائه،  فيكون فعلا إراديا، يبعث على القلق ما لم يحرز ضمانه بشكل مطلق. لذا يأتي اهتمام القرآن بالولاء انسجاما مع رسالته، الهادفة إلى إعادة تشكيل المفاهيم وفق مبدأ توحيدي لضمان ولاء الفرد، يقوم على مركزية الخالق في العبادات، ومركزية الإنسان في التشريعات. وبالفعل أولى المشاعر اهتماما فريدا، وسعى إلى أدلجتها وفق ذات المبدأ، خاصة مشاعر الولاء، التي هي تجلٍ لموقف أيديولوجي مسبق، يستلزم الانحياز والمسؤولية. لذا لم يقتصر الخطاب القرآني على مكافحة ولاء الأديان والثقافات المناوئة لعقيدة التوحيد، بل سعى إلى تعميق الولاء الديني، وحذر من آثار الموروث الثقافي والقَبلي، مما يكشف عن ريبة ومعاناة سببها قلق الولاء لدى حديثي الإسلام، ممن وجدوا أنفسهم في مواجهة آبائهم وأبنائهم وعشيرتهم وجها لوجه. الأخ يقتل أخاه، ويقتل الإبن أباه أوالعكس، وفق معادلة جديدة لم يعهدها الفرد العربي فيبدو قلق الولاء أمراً طبيعيا ما لم ينسلخ الفرد من ولاءاته القديمة. حيث ينتمي لشعوب متخمة بالولاء القَبلي، حدا لا يمكن انتزاعه بسهولة. لأنه أساس تكوينهم العقلي، ومصدر قوتهم وعصبَتِهم. فعملت الآيات على تحديد المفهوم ولوازمه وانعاكساته على التربية وما يترتب عليه من أحكام وتشريعات. واستأثر بمصفوفة آيات، شنت حربا نفسية ضد الآخر. لتكشف عن خوف وتوجس سببه حساسية الولاء وعدم القدرة على الإمساك به خارج إطار قبلياته وظروف نشأته، وهو يقيم علاقة جدلية بينه وبين مشاعر ومواقف الإنسان. فكما يفرض محدداته وسلطته على المشاعر، كذلك تسعى المشاعر لتكييفه وفقا لميولاتها، مهما اختلفت مناشئها. 

دلالات المفهوم

الولاء مفهوم مألوف، قد يبدو بسيطا في دلالاته، غير أنه موارب، ينطوي على فلسفة عميقة، ورؤية فكرية بغض النظر عن مدى صوابها ومطابقتها للواقع. فالولاء  كما تقدم تعريفه موقف أيديولجي، ينبثق عن قناعة نفسية، تتشكل في مرحلة التلقي الأولى، حيث تترسب المعاني والمفاهيم لا شعوريا، وتترعرع المشاعر وما يرافقها من دلالات لغوية ومشاعر نفسية، لتواكب إدراك الطفل ثقافيا ومعرفيا. ورغم بساطتها ونزعتها النفسية اللاشعورية، غير أنها تنتمي لصورة ذهنية، مهما كانت بسيطة وساذجة، تعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية المحيطة به. فترى الذهن ينسج صورا وهمية تتوالد في ظل تفاعلات نفسية تتطور مع كل مناسبة وحدث، وجميعها ترسو لا شعوريا، وتتداخل مع مقولاته الأساسية، وبنية الوعي الأولى، فتكون راسخة، لا تتزعزع، لصعوبة رصدها وتحديد أسبابها لاحقا. وكما تؤثر المشاعر في مواقف الإنسان من الأنا والآخر، وتتحكم بعواطفه، واتجاهات علاقته، فأيضا تتحكم في تكوين الولاء واتجاه بوصلته. فالمشاعر القَبلية تفرز ولاء عصبويا، يتفاعل معها الضمير، الذي هو الآخر وازع نفسي. فتفرز المشاعر الإنسانية ولاء إنسانيا، وتفرز الدينية ولاء يماثلها. وعلى جميع المستويات يعمل الضمير مجسا لقيم الفضيلة حينما تتهاوى أو تضعف، أمام أنانية الإنسان، ومصالحه الشخصية مهما كانت تداعياتها على غيره، فتكون على حساب قيم العدل والفضيلة.

نخلص أن الانقلاب المفاهيمي لقبليات الفرد لا يكفي لتحييد ولائه مطلقا، فضلا عن الرهان عليه، وهذا سرّ قلق الولاء الذي توحي به بعض الآيات وهي تخاطب المؤمنين بنبرة تحذيرية شديدة. لأن الإرادة لا تخضع للعقل دائما، وتفرض حولها يقينا نفسيا تتماهى معه، وقد تستدرج العقل لتحقيق مآربها، رغم أنها لا تستغني عنه، فيكون مثلها مثل جهاز صغير، يعمل بالطاقة الكهربائية، مهمته قطع التيار الكهربائي. فهو يستمد منها طاقة لحركته الذاتية، لكنه يعمل وفقا لنظامه الخاص. فكذا الإرادة، فإنها لا تنثني مهما كانت موضوعية المبررات العقلية، ما دامت تنتمي لمنظومة مختلفة، ترتبط بالجانب الشعوري، وتتأثر باللاشعور والخزين العاطفي والنفسي، وترتكز لليقين الداخلي أكثرمن اليقين العقلي الاستدلالي، فتجد انسجاما تاما معه، فلا تعارضه، بل تتماهى معه، وتنطلق عن قناعة نفسية، خالصة تارة وأخرى مزيجا من اليقينَين العقلي والنفسي. وهذا أحد أسباب قلق الولاء، إذ كيف يمكن سلخ المؤمن من ولاءاته القديمة اللاشعورية، واستبداله بولاء جديد، في المواجهات العسكرية، ضد قومه وأهل بيته؟ ولاؤه الأول نمى وترعرع داخل فضاء النفس وخلجات الروح. وارتبطت به مشاعره ومصالحه، فكيف يمكن للدين الجديد سلخه عنه بهذه السهولة، ما لم تتزعزع قناعاته النفسية فضلا عن عقيدته ومبادئه التي قام عليها الولاء.

وأما السبب الثاني لقلق الولاء هو أولوياته، التي يتقدم بعضها على الآخر، شعوريا ولا شعوريا، ويكون وفاؤه دائما للمشاعر الأصيلة التي اختبر حقيقتها وصدقيتها. فولاؤه أولا لدائرته الخاصة، بيته الذي ترعرع فيه، واستنشق أول مرة بين جدرانه رحيق الحنان والحب والعطف والاهتمام به وبمصالحه ومستقبله. ثم عائلته الأكبر وعشيرته حتى قبيلته على المستوى الاجتماعي. ويتعاطف مع معتقداته الموروثة، قبل أن يعي حقيقتها، ولن يتنازل عنها إلا بالنقد والمراجعة، وتمحيص النفس في كل مناسبة، فقد ارتبطت بها هواجسه ومخاوفه وآماله، وهي نافذته على الغيب والسماء، فكيف يستغنى عنها وقد انعجنت بوجدانه وروحه ومشاعره؟. وعلى صعيد العلاقات الإنسانية، يتضامن مع أترابه ورفاقه، ثم حبيبته. وفي جميع هذه العلاقات يعتبر نفسه ملزما بالولاء، فهو تضحية في مقابل منفعة تحقق مصالح شخصية، بعضها يتوقف عليها وجوده بمعنى التحقق وليس الكينونة. فالولاء مقابل الاعتراف وعدم التهميش، وتعميق الانتماء الاجتماعي، وهي قضايا مصيرية في المجتمعات القبلية، التي يكون الفرد فيها ابن عائلته وبيته وقبيلته، ولا قيمة له خارج منظومة القيم الاجتماعية، فيندفع لا شعوريا لتعزيز انتمائه ووجوده الاجتماعي، كشرط أساس لتأكيد الذات واشباع حاجتها للاعتراف. فينطلق الولاء عن قناعة، ارتبطت بمصالحه ووجوده الاجتماعي. فهو كما يمنح عائلته وقبيلته ولاءه، يكسب اعترافا رسميا به، ويضمن حمايته الاجتماعية والأمنية، في ظل مجتمعات متوحشة، يسودها العنف، وصراعات الهيمنة، فهو بحاجة ماسة لها. حاجة تكبر معه وتتطور. ولا يقتصر الأمر على الانتماء القبلي بل الأمر ذاته في جميع المجتمعات، مهما اختلفت ثقافاتها وتوجهاتها العقدية، ولا يتنازل الفرد عن ولائه، ما لم يضمن بديلا يحقق له مصالح أكبر، من منطلق حب الذات، الذي هو مبدأ فطري. فهو وفقا للمنطق البراغماتي النفعي، قد تحقق من جدواها، فأخذ وأعطى.

 ثمة سبب آخر يجعل الفرد ينحاز لا شعوريا لولاءاته الأصيلة، المتمثلة بالتضامن حد التضحية لأفراد عائلته، فهم الحاضنة العاطفية التي تربى في أجوائها، ونهل من صدق مشاعرها، وتعاطفها معه، فارتوت بالوفاء حد اليقين المطلق، ساعد على ذلك الأعراف والتقاليد الاجتماعية، مما عزز وحدة الولاء. فالدفاع عن أهله دفاع عن نفسه، والدفاع عنهم وفاء لأخلاصهم ومحبتهم ومعروفهم. فهناك ثمن قيمي يجعله مرتهنا في ولائه لهم، وهناك مصالح مشتركة واعتراف متبادل.

كل ما تقدم وغيره يجعل الولاء أمرا فائق الخطورة ما لم يضمنه الدين الجديد، فلا غرابة حينئذٍ في اهتمام الكتاب الكريم بموضوع الولاء، وطريقة معالجته، وإعادة تشكيل مفهومه، ارتكازا لمبدأ الوحدانية، الذي هو قوام الدين الإسلامي. فالولاء خطير في دلالته كما يظهر من الآيات وسياقاتها المختلفة. وكان الولاء قبل البعثة، يمثّل هوية الفرد في النظامين العبودي والقَبلي، وكان يتوقف عليه وجوده وانتماؤه واعتباره الاجتماعي. وثمة ارتباط نفسي ومصيري، يدفعه للتضحية والانتصار لأجله، فكيف يمكن للدين سلخه ومصادرته، ما لم تتشكل قناعة كافية من قبل المؤمنين أنفسهم.

لكن ثمة سبب أهم يتعلق بقلق الولاء، سببه:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق13) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

وعي المفهوم

ماجد الغرباوي: رغم انضباط مفهوم الاصطفاء قرآنيا، غير أنه وظّف لتزوير الوعي، وتكريسه لمصالح طائفية ومذهبية وسياسية، أكثر مما كان عليه قبل الإسلام. ومازالت المجتمعات الدينية أو المسكونة بالغيب، تعاني من تبعات أوهام الحقيقة. وتكمن خطورة المفهوم في دلالاته ولوازمه وما يترتب على الإيمان به من مشاعر وأحاسيس ترتبط بمصيره وآخرته. فهو مفهوم موارب، يبعث على الرهبة والخوف، بفعل صورة مرعبة يرسمها الخطاب الديني، فيخضع الفرد لا إراديا لهيمنتها. وبالتالي يترتب على وعي المفهوم، ما يلي:

- قدسية المُصطَفى: بمعنى تعاليه على النقد والمحاسبة، كلازم للمفهوم في وعي المتلقي.

- حجية سلوكه وأقواله مطلقا: باعتباره مثلا أعلى للكمال الديني – الإنساني.

- ولايته: التي يستمدها من ولاية الله، وفقا لدلالات بعض الآيات. وليس المقصود بالولاية خصوص الولاية السياسية بل الأعم، كولايته على المؤمنين أو أوسع من ذلك.

- وجوب موالاته وعدم خذلانه أو التخلف عنه.

- يكون مقياسا للحق والباطل: وقد ينسب له علم الغيب والتفويض والولاية التكوينية.

هذه هي صورة المُصطفى في أذهان الناس، فهي صورة أسطورية، عززتها نصوص تراثية. والأخطر من تداعيات المفهوم وتوظيفه، أنه لم يعد حكرا على المشيئة الإلهية كما هو صريح القرآن. وغدا حقا نبويا بفعل تأويلات متحيزة لبعض آيات الكتاب. وهذه من أعقد القضايا، ما لم يُقتصر على القرآن مرجعا وحيدا للعقيدة الدينية، كما هو مقتضى آية كمال الدين (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، والدين شامل للعقيدة والشريعة. وإلا ستفقد العقائد ضابطتها القرآنية، وتصل حد الغلو الصريح، والتموضع داخل اللامعقول على حساب العقل. من هنا أجد من الضروري تحديد المفهوم وصلاحياته قرآنيا، للحد من التمادي في توظيفه، واستغلاله من قبل الخطابات الطائفية والسياسية، وما يرتبه الفقيه عليها من فتوى تحت عناوين أولية أو ثانوية. فمن يؤمن بكمال بعض الرموز الدينية يرتّب على إيمانه آثارا عقائدية كالعصمة، التي تستلزم هيمنته على الأحكام الشرعية، وتكون آراؤه حجة مطلقة، وبالتالي يرتّب الفقيه عليها آثارا فقهية واسعة. وهذا مكمن الخطر في دعوى الاصطفاء. لذا وفقا للفهم القرآني لا مصداقية لأي اصطفاء ما لم يدل الدلاليل القرآني عليه، كالأنبياء.

ثمة حقيقة أن الاصطفاء يحول دون التسامح الحقيقي القائم على الاعتراف بالآخر شريكا بالحقيقة والذي يستلزم الاعتراف بحقه في التعبير عن رأيه وعقيدته، لأن المصطفى مصداق للحقيقة. وهذا يدفع باتجاه التعالي على الآخر، من منطلقات إيمانية تنتمي للعقل التراثي، الذي يتخذ من احتكار الحقيقة مبدأ في تعامله مع الآخر، ويرفض التسامح الحقيقي معه، بل يسعى دائما لمصادرته. لذا يقتصر قرآنيا على الأنبياء، ولا يمتد اصطلاحا لغيرهم. وهذا لا ينفي وجود مقامات إيمانية وروحية عالية، لكن الاصطفاء شيء مختلف.

المفهوم قرآنيا

اهتم القرآن بمسألة الاصطفاء، على خلفية الواقع العبادي وارتباطه بالاصطفاء، وما يترتب عليه من التزامات سلطوية، حيث ساهم المفهوم في تزوير الوعي، وشرعنة عبادة غير الله، كالأصنام، فضلا عن الهيمنة السياسية التي استمدت مقوماتها منه. بل أن الاصطفاء مرجعية عقدية على امتداد تاريخ الأديان، بفعل أسطوريته، وقوة دلالالته، وايقاعه النفسي. فالاصطفاء امتياز يقمع التمرد والمعارضة، والمُصطَفِي (الذي يصطفى ويختار) هو الله، بقدسيته وعظمته. فالفرد يكتسب بالاصطفاء ميزة وخصوصية، تفرض محدداتها وسلطتها التي قد تكون مرعبة أو اسطورية، تتفاقم وسط فضاء معرفي - تراثي، وكلما تضخمت صورته كلما اتسعت صلاحيته حدَ الولاية على الأموال والأنفس والكائنات بشكل تدريجي. ومردود هذا التصور استغلال الفرد وطغيان سلطة "الملأ"، ويكفي الوضع المزري للعبيد آنذاك، ممن قامت على أكتفاهم حضارات يفتخر بها الناس، دون تقدير لحجم التضحيات والدماء التي سفكت والأجساد التي سقطت تعبا وإرهاقا، من أجل تمجيد أرباب سياسية، وحماية سلطتهم. من هنا تأتي حساسية الكتاب الكريم تجاه هذا المصطلح فعمد لبيان خصائصه وشروطه بعد أن بين فلسفة احتكاره من قبل الخالق. لكن رغم ذلك مازال الخطابان الطائفي والسياسي، يسعيان للتشبث به لشرعنة سلوكيات وأفعال وعقائد بعيدة عن قيم السماء. وقد سلطت الآيات 73-76 من سورة الحج ما يكفي لفهم مفهوم الاصطفاء ودلالته، وصلاحياته واختصاصه.

الاصطفاء لغة: الاختيار والتفضيل. وأما قرآنيا فالمفهوم يستبطن تفضيلا وتزكية تصل حدَ الكمال، وهي غاية طموح المؤمنين. (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). وهذا سرّ خطورته عندما يوظف في غير محله، وتتفاقم تداعياته، حدا يتخلى الإنسان عن عقله ويعبد حجارة لا تضر ولا تنفع. لذا بدأت مصفوفة آيات سورة الحج بتسفيه منطق العبودية القائم على الجهل والخرافة وانتزاع صفة الاصطفاء عنه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ). فكيف يكون من المصطفين، وهو بحالة بائسة من الضعف والهوان؟. ففي الآية تحدٍ للعقل الجمعي من خلال قضايا حسية وبرهانية.

ثم تولّت الآيتان التاليتان بيان خصائص وفلسفة الاصطفاء، لتضع المؤمنين أمام صورة واضحة، لتحصين الوعي الإيماني، وتفادي أي انزلاق يؤدى إلى استغلاله، فقالت: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ). فيمكن الاستفادة من الآيتين ما يلي:

- حددت الآية مصدر الاصطفاء، بشكل سلبت أية جهة أخرى صلاحيته، ولازمه تكذيب كل دعوى لم يصرّح بها الكتاب الكريم أو لا تنطبق عليها شروطه.

- لا فرق في الاصطفاء بين الملائكة، الذين هم كائنات روحانية، تأتمر بأوامر الله، و(لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وبين الناس، عموم الناس، غير أن الاصطفاء يجرى وفقا لمعايير خاصة، ترتبط بالتزكية وقيم تفاضلية تختص بالرسالات. بدليل قوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ "رُسُلًا"، وبما أن تزكية الملائكة مضمونة، "لا يعصون الله ما أمرهم". فلابد من وجود معيار آخر للتفاضل، يرتبط بالرسالات: "الله يصطفى من الملائكة رسلا". تكون مهمتهم رسالية. فتقدير تكملة الآية: و"يصطفى" من الناس "رسلا". فالرسالات وشؤون النبوات هو غاية الاصطفاء، الذي يرتكز للتزكية والتفاضل في جملة مقومات ذاتية ونفسية قادرة على تحمّل أعباء المسؤوليات بصبر وبصيرة وثبات. فليس كل مؤمن مؤهلا لتلقي الوحي الإلهي: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا). ويقصد بالثقل ثقل المسؤولية النبوية ومختلف تحدياتها.

- ثم بينت الآية الثالثة السبب الرئيس وراء اختصاص الله بالاصطفاء، لأن المفهوم يستبطن "التزكية" و"التفاضل"، وكلاهما أمر نفسي خفي، لا يمكن إدراكه وتحديد مستواه سوى خالق الإنسان، فحتى النبي ومنزلته العظيمة يخاطبه الله بشأن بعض المنافقين ويقول له: أنك لا تعلمهم (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ). دليلا على شدة خفاء القضايا النفسية، فكيف بمسؤولية الرسالات السماوية وما يرتبط بها؟. فالتزكية المطلوبة في الاصطفاء تختص به تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا)، لأنه كما تقول الآية التالية (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). من هنا يطالب القرآن النبي الاعتراف بوهنه وضعفه وعدم علمه بالغيب: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، فربط نفعه وضرره بالمشيئة الإلهية وسلب عن نفسه الإرادة في هذا المجال. كما اعترف بجهله وعدم علمه بالغيب: "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء". لأنه إنسان يندفع فطريا لمراعاة مصالحة، وتفادي كل ضرر، فكيف يعلم الغيب ولا يتفادى الضرر، كالمرض والخوف والجوع والتهديد والمخاطر، وغير ذلك. فالآيات واضحة في بيان سبب اختصاص الاصطفاء بالله تعالى، حيث جاءت تكملة الآية السابقة وما تلاها: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ). لماذا الله وليس غيره؟. تجيب الآية:

ا- إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ،

ب- يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ

ج- وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.

بهذه الخصائص الفريده يمكنه تعالى تحديد مستوى كمال النفس البشرية وقدرتها على تحمّل أعباء رسالات السماء. فمستوى كمال النفس، تزكيتها، وقدرتها على تحمّل أعباء الأمانة الكبرى، هي القيمة التفاضلية التي تم على أساسها الاصطفاء. (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). والنبوات جزء من الأمانة الكبرى.

وبالتالي لا يلزم من الاصطفاء وجود طبيعة بشرية مختلفة، أو أن المصطفى يختلف في طينة خَلقه ونقاء دمه وعنصره، كما يدعي الخطاب العنصري، وخطابات الغلو الديني والقَبلي، لأن الناس خُلقوا من نفس واحدة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). وهذا لا ينفي وجود خصال حميدة تتسم بها بعض القبائل كالكرم والشجاعة، لكن الكلام عن وجود اصطفاء إلهي لقبيلة دون غيرها.

أما لماذا ينسب التفضيل لنفسه؟

والجواب: إن نسبة التفضيل لنفسه لا ينفي شرط المقومات الذاتية. أما التفضيل النهائي فهو شأن إلهي: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ). كما في تكملة الآيات المتقدمة. وأما المقومات الذاتية فتبقى شرطا على أساسه يتم التفضيل النهائي، وهو الغاية من تصريحه أنه: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ). فالعلم ما بين أيديهم وما خلفهم بمعنى الخبرة، والعلم بحقائق الأمور. فلا مصادرة، ولا تناقض.

الاصطفاء والآل

إن ما تقدم لا يمنع أن يتصف قوم من الأقوام بخصائص مشتركة، تؤهلهم للاصطفاء، كما بالنسبة لآل إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ، وهذا ما تشي به آية: (وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ)، لكنها لا تعني شمولها لجميع الأفراد، بعد أن ذكر أسماء الأنبياء منهم فقط. ولو كان للسبب مدخلية في الاصطفاء لصرّح بذلك، فعدم تصريحه ينفي هذا الاحتمال بموجب مقتضيات الحكمة، أن ما يريده يقوله، وما لم يقله لا يريده مادام في مقام التشريع والبيان. فالاصطفاء من قبل الله، لأنهم من "الأخيار"، وإن لم يظهر التعليل واضحا في الآية، لأن الاصطفاء كما تقدم، يتم وفق خصائص ذاتية مرتبطة بالفرد، منها أن يكون من "الأخيار"، وأخرى موضوعية تخص المحيط الثقافي والعقائدي، باعتباره ساحة نشاطه النبوي.

و"الأخيار"، مفهوم عميق، يحيل على تجارب روحية للعارفين بالله، حيث يتوهج الإيمان في أعماق نفوسهم، ويبلغ درجة اليقين وربما عين اليقين، لا تراودهم الشكوك، ولا تثبّط عزيمتهم التحديات، (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا)، فينعكس على سلوكهم ووقارهم، وقوة ثباتهم أمام مغريات الحياة، فالأخيار كلمة أبلغ من الوصف يدركها من يعاشر هؤلاء الناس، ويتعرّف عليهم عن قرب، بل أن سلوكهم وأخلاقهم وإيمانهم شاهد على ذلك، فلديهم استعداد ذاتي يؤهلهم لمنصب الاصطفاء، وكل مؤهل ذاتي يطوّر التجربة الدينية، ويتعهده الله بلطفه وعنايته، وهذا ما تقوله الآية: (وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ). وليس المقصود بالجهاد القتال بل الأعم، وهو مجاهدة النفس وتقويمها بالعمل الصالح. فتجد أوصافهم في قوله تعالى: (وعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا).

كما لا ننسى أثر البيئة الصالحة، ودور الأخلاق والتربية السليمة في خلق جيل متجانس من حيث الصفات الحميدة، والاستواء سلوكيا، خاصة أن العقل الجمعي يلعب دورا فعالا في إثراء التجارب الدينية والأخلاقية. وطالما نشير إلى طيب أخلاق بلدة أو قوم باعتبارها صفة غالبة. فهكذا هم آل عمران وآل ابراهيم، بيئة رحمانية صالحة لانبثاق الانبياء، وسيادة قيم الخير والمحبة والسلام والارتباط بالله خوفا وتقوى وتسليما. فتجد أن إيمانهم فطري سليم، ورؤيتهم الكونية نابعة من تفكيرهم ومن أعماق تجربتهم الروحية وعمق إيمانهم.

يبقى سؤال:

1- هل يترتب على اصطفاء الأنبياء أثر رجعي فيشمل من ينتمي لهم نسبا وهم عشيرتهم وقبيلتهم؟

- وفقا للمدونات التاريخية والمرويات الدينية، إن أشد ما عانىاه الأنبياء خلال مسيرتهم الرسالية هم أقوامهم وعشائرهم والمقربين منهم. وقد عانى النبي من قريش ما لم يعان منه نبي آخر، حتى قال: "ما أوذي نبي مثلي"، وطالما هدأت الآيات من روعه: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلً)، (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا). وكان في مقدمة قريش زعماؤها، وهم عمومة النبي، أبو لهب وأبو سفيان، والملأ من قومه. فكيف يشمل الاصطفاء مَن حارب الله ورسوله؟.. بل كان التواد محرما على أصحابه: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ). بهذا تفهم قيمة الروايات التي تقول باصطفاء قريش وتفضيلهم على غيرهم من الناس، بل كان تفضيلهم وفقا للقيم القَبلية القائمة على الاستبداد والتفرد والتسلط، ومصادرة حقوق الناس واستغلال طبقة العبيد. فالقرآن يكون حاكما على تلك الروايات ويسلبها قيمتها وحجيتها.

2- هل اصطفاء قبائل الأنبياء والمرسلين شرط لاصطفائهم، كما قد يفهم من الروايات الدينية والتاريخية، منقولا عن النبي الكريم. أو باعتباره لازما لها؟. فقد جاء في شرح النووي على صحيح مسلم باب الفضائل قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانه، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم). وقال: (إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً وخيركم نسباً). إلى غير ذلك من روايات تمجد قريش خاصة.

- إذا كان اصطفاء قبائل الأنبياء والمرسلين شرط لاصطفائهم، فلا مبرر لبعثتهم. الاصطفاء مسؤولية رسالية وليس تشريفا، وإن تضمن ذلك. مسؤولية تغيير الواقع، وتقويم أمته وانحرافه. وقد انبثق الأنبياء وأوحي لهم، في داخل بيئات اتصفت بالكفر والشرك كما في المصطلح القرآني. أقوام غوت وطغت وفسقت وظلمت وجارت. فجاءت الرسالات لتطرح دينا جديدا، ينتشل الوعي،ويعيد تشكيل العقل الديني.

3- هل يلزم من اصطفاء النبي اصطفاء أبنائه وأهل بيته؟

- لا ملازمة بينهما، إلا إذا اقتضت الضرورة كما بالنسبة لموسى وهارون، حيث استجاب الله لدعوة موسى واصطفى هارون ليشد به عضده، فوصفته الآية بالرسول: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وصرحت آية أخرى بنبوته: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا). ولا يمكن القياس عليها لأن موسى قد ذهب إلى ربه يلتمسه الاصطفاء لهارون، بعد أن بين الأسباب والضرورات: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي،) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ... قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ)، فنفهم أن الوزارة والإمامة والاصفطاء كلها مناصب مرتبطة بالمشيئة الإلهية، ولم يفوضها لغيره. وبما أنها كذلك فتتوقف على وجود نص قرآني صريح. ولو كانت شأنا نبويا لاتخذ موسى قرارا شخصيا دون الرجوع إلى ربه. لكنه يعلم أن الله لا يشرك بقرارته وأحكامه أحدا: (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا).

بشكل عام للأنبياء ومنهم محمد بن عبد الله شخصيتان، شخصية رسالية وشخصية نسبية. في الشخصية الأولى يكون على مسافة واحدة من الجميع، باعتباره نبيا مرسلا لهم: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). والكلام هنا عن الاصطفاء الإلهي الذي يتطلب التصريح، ولازمه النبوة والمسؤولية الرسالية، وإلا فلا شك أن أخلاق النبي وسلوكه تنعكس على أهل بيته، ويتأثرون به، وترتقي نفوسهم، ويقوى إيمانهم. دون الاصطفاء الإلهي، وهذا واضح في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، فالآية جاءت بعد بيان أحكام مشددة وثقيلة فرضت على نساء النبي وزوجاته، فنزلت لتهدّئ من خواطرهن، وتبيّن فلسفة التشريع بخصوص هذه العائلة المباركة، فربطت التطهير بالاستقامة، ولم تؤسس لتزكية مطلة أو عصمة كما يرى بعض ذلك.

فالاصطفاء الديني مرتبط بالمشيئة الإلهية، ولا يمكن توظيفه لشرعنة أية سلطة سياسية أو دينية أو روحية خارج دائرة الرسالات، وهذا ما تقتضيه، آيات الكتاب الكريم كما تبين آنفا. وبالتالي فالقريشية شرط قَبلي لا علاقة له بالدين، والاصطفاء دائرته الرسالات السماوية وخصوص الأنبياء، كشرط ثانٍ لصدق النبوة بعد الوحي. وكل ما هو خارج هذه الدائرة يحتاج لدليل قرآني بخصوصه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي14خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق12) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

التراث والسلطة

ماجد الغرباوي: يبقى التراث منجزا بشريا يحتفظ بتاريخيته، وعدم تعاليه على النقد والمراجعة، مهما بالغوا في قدسيته. ويبقى مرتهنا في إطلاقه وتأثيره لمتانة مبانيه ومبادئه وأسسه، بما في ذلك الفقه الإسلامي الذي يشتغل على نصوص الكتاب والسنة. وأما على الصعيد العقدي والحقائق التاريخية فلا يمكن الركون له مطلقا، ما لم ترث رواياته العلم واليقين، ودونها المستحيل مع وجود فارق زمني أمده قرابة 15 قرناً، وكثرت الإشكالات التي تحوم حوله، إضافة لمشكلات التدوين والإسناد والنقل الشفاهي الذي سبق مرحلة التدوين بمئة وخمسين عاما أو يزيد. الشك.. قدر التراث، فكيف يكون دليلا على الحقيقة؟. لكن رغم ذلك تجد العقل التراثي مرتهنا له، منقادا لإرادته. لذا فإن نقد التراث مسؤولية لتفكيك سلطته، والكشف عن حقائقه، بعد إلتباس المقدس بالمدنس، والقَبلي بالديني.

إن فضح التراث سيساسهم في ترشيد الوعي، الذي مازال مرتهنا لوقائعه وأحداثه. ومازال الفرد منشدا لماضيه على حساب حاضره ومستقبله، بسبب تزوير الحقيقة وقوة الخطاب المثيولوجي، الذي يؤسس لأسطرة الرموز الدينية والتاريخية، ويضرب حولها أسيجة قدسية قوامها الخرافة واللامعقول، ولم يصمد أمام النقد إلا النزر القليل من مقولاتها. فنطمح لسلب التراث قدسيته وسطوته، من أجل الحقيقة، والعودة إلى الذات لاكتشافها إنسانيا ووجوديا، وتقويمها وفق مقولات عقدية وأخلاقية تستمد صدقيتها من الكتاب الكريم عندما تكون القضية دينية، ومن العقل والقيم الإنسانية عندما تكون دنيوية. إن التحرر من سطوة التراث خطوة أولى للنهوض الحضاري، والتخلص من تبعاته وآثامة وأوزاره. (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وبهذا السياق نسعى للتميز بين ما هو ديني وقَبلي للكشف عن مدى مشروعية المبادئ التي ارتكز لها الفقه السياسي للمسلمين. فثمة جدل لا ينتهي حول شرعية السلطة دون مقاربة المبادئ التي قامت عليها. وعليه، يبقى شرط القريشية في شرعية الخليفة، مبدأ قبليا، عنصريا، كرّسه وجود مهيمن ثقافي يرتهن في وعيه لقيم العشيرة، كان حاضرا بقوة يدفع باتجاه المضي بالبيعة وفق ذات المبدأ القبلي (القريشية وحقها في السلطة والزعامة). من هنا ثمة أسئلة تفرض مشروعيتها حول مشاغل الدين، والإسلام تجاه الثقافة السائدة آنذاك. فالنزعة القبلية واصلت حضورها، على امتداد خلافة المسلمين، وبقي السلطة مرتهنة لقريش، كشرط أساس لمشروعيتها، فكانت السلطة مؤسسة قبلية، تتخللها الشورى، وكانت قريش تتقدم الصحابة حتى في عدد روايات الفضائل ورصيدها الرمزي، الذي هو رصيد قَبلي قبل أن يكون دينيا، ثم كان عثمان ضحية سياسة ولاءات قبلية أحدثت منعطفا حادا في تاريخ المسلمين. ويكفي أن نظام التوريث شاهد على قوة رسوخ العصبية القبلية لدى الدولتين الأموية والعباسية. ويطرح استفهامات عن موقف الدين منه. وأما على صعيد المعارضة فإن نظرية الإمامة الشيعية قائمة على مبدأ التوريث/ أهل بيت النبي / الأئمة من أهل البيت. تختص السلطة بهم، ولا تنتقل لغيرهم، فالنسب له مدخلية في اصطفاء الإمامة.

المسلمون كغيرهم من الشعوب نتاج بيئة توارثت قيم العبودية قرونا مديدة، فهي جزء من تكوين الوعي الجمعي، بشكل يستغرق وعي الذات والآخر. وبشكل يستمد الفرد مشروعية سلطة السيد / الشيخ من ذات النظام. وهنا يجب الإشارة إلى نقطة مهمة تفاديا لأي إلتباس مفهومي. ليس المقصود من نقد قيم القبيلة هيكلها التنظيمي الذي هو جزء من تشكيلات المجتمع، لوجود تباين جوهري بين قيم التنظيم المجردة عن قيم العبودية، والأخرى التي تشكل جوهرها. فالتماسك القبلي أحيانا يلعب دورا إيجابيا في تسوية الخلافات، وتحييد النزاعات، فتكون مواقفه إيجابية، خاصة في مجتمعات تحترم كلمة العشيرة العليا، الصادرة عن شيخها. لكن المشكلة في قيم العبودية وسيادة قيمومة السيد حدا مصادرة إرادة الفرد وإلغاء استقلاليته. فالفارق في طبيعة وعي الذات والآخر، في كلا الحالتين. الثانية يكون الفرد مستلب الوعي دائما، وأما الحالة الأولى فهو رقم مؤثر داخل المعادلة السياسية، من خلال إنسانيته. وما نطمح له انتشال الوعي الديني المرتهن لوعي تاريخي عالق بلحظة الخلاف حول السلطة.

شرعية السلطة تاريخيا

تبقى شرعية السلطة إشكالية، مهما تمادت قيم العبودية والعنف والاستبداد والتسلط، وتبقى السلطة تبحث عن مبررات تضمن بها قناعة الفرد وضمان ولاء المجتمع، خاصة عندما يبدأ الملك / الفرعون بتوسيع دائرة سلطته، حيث يعاني ضمان ولاء الشعوب الجديدة ويشك بإخلاصها، فيلجأ لشرعنة سلطته، بمختلف الأساليب، غير أن خيار المرجعية الميتافيزيقية والميثولوجية تبقى ماثلة، ولها أولوية التفاعل مع مجتمعات مسكونة بالغيب والخرافة والخوف من المجهول والمستقبل، فيعمل الخطاب المثيولوجي على سلب الوعي قدرته النقدية، التي هي خاملة أساسا بفعل البيئة وبدائية الثقافة وغياب النموذج الإنساني المنافس. فشرعنة الميثيولوجية للسلطة المستبدة مرت بمراحل، رافقها عنف وارهاب ومصادرة الفرد جميع حقوقه، وتكريس جهوده لتقديس السلطة بل وعبادة الملك / الفرعون. وقد لعب الكهنة ومثقفو العرش وأروقة السلطان آنذاك دورا خطيرا في تزوير الوعي الديني والثقافي.

ثم في مرحلة جديدة لتطور الوعي البشري، وانتشار الرسالات السماوية، تخلت الشعوب عن عبادة "الملوك الآلهة" التي تجلت في الفراعنة، غير أنها ركنت لمبدأ جديد لشرعنة سلطة الملك / السيد، وهو التدخل المباشر من قبل الله تعالى لاختيار الحاكم أو الملك، أو ما يعرف في الفكر السياسي بنظرية: الحق الإلهي المباشر. فهذه النظرية تعتبر السلطة حقا إلهيا، يمنحه من يشاء، وقد اختار الملك مباشرة، فتكون سلطته سلطة إلهية، يجب طاعتها وحرمة التمرد ضدها، وهي سلطة مقدسة، متعالية لا فرق بينها وبين سلطة الإله من حيث صلاحياتها وقيمومتها على الشعب. ولها حق التصرّف به وفقا لمصالحها. وترى أن الله قد فوّض وخص هؤلاء الحكام بالسلطة، بشكل تقتصر فيه مسؤولية الشعب على طاعتهم وعدم التمرّد على سلطتهم. وليس لأحد محاسبتهم سواه.

غير أن الرؤية العقدية لهذه النظرية تطورت إلى: الحق الإلهي غير المباشر، الذي يعني ضمان رضا الخالق في انتخاب الملك / الحاكم الأعلى، وترى أن هداية الله وراء اختيار الشعب لحاكمه. فيكون مسيّرا لا مخيرا في سلوكه وتصرفاته، ولا يجوز محاسبته على فعل خارج إرادته مهما جانب الحق، وتمادى في ظلمه وطغيانه وجبروته.

وهذه النظريات ضاربة بالقدم، وتجد لها أصداء في النظريات السياسية للمسلمين، كبعض الآراء السنية التي تحرّم الخروج على السلطان مهما تمادى. وتوجب طاعة أولياء الأمر مطلقا، فتمنحه حكما ثيوقراطيا. وأيضا السلطة والإمامة بالنسبة للشيعة نص وتعيين من قبل الله تعالى، وتعني قيمومة الإمام وولايته الكاملة، قياسا على: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، التي تنتقل كافة صلاحياتها بحسب ذات النظرية إلى الإمام، ولهم أدلتهم. ثم تأتي ولاية الفقيه بصلاحيات كاملة من الإمام، وتكتسب نفس قيمومته وولايته المطلقة. فيصدق أن نظرية الإمامة والولاية المطلقة للفقيه نظرية ثيوقراطية مفهوماً ومصداقاً. وهذا هو فهم متكلمي وفقهاء الشيعة. أما الإمام علي فله رأي آخر، حيث كان يرفع صوته عالياً، لقد "بايعني الذي بايع الأوَلين".

وقد سبق عثمان غيره بدعوى الاصطفاء عندما طالبه الصحابة / الثوار التنازل عن الخلافة فقال: (لا أخلعُ قميصا ألبسنيه الله)، وعثمان جاءت به شورى قريشية محسوبة عينها عمر، ولا علاقة لله تعالى بالموضوع، غير أنه أراد تزييف الوعي، من خلال فكرة الاصطفاء التي ترهب السامع، خاصة والقوم مؤمنون، يخشون الله، لكنها لم تنطل. وحدث ما حدث. وهكذا تشبث بهذه الفكرة غير واحد من خلفاء الدولتين الأموية والعباسية.

الاصطفاء

 نخلص أن مشروعية السلطة وفق النظرية الأولى، مشروعية ذاتية تستوجبها الطبيعة الإلهية للملك / الفرعون / السيد. وأما النظريتان الثالثة والثانية فتقومان على مبدأ الاصطفاء، المفعم بدلالاته ورمزيته، ويكفي أنه يختص بالله تعالى، فيكتسب شيئا من قدسيته، وسلطته وولايته. كما أن المفهوم يلعب على البعد المعتّم في المفهوم، فيوحي ثمة خصائص لا يمكن إدراكها، سوى الخالق. فالاعتراض عليه اعتراض على الله وإرادته، وهي حد الكفر به. فإيحاءات المفهوم تربك الوعي البسيط، الذي هو صفة عامة للشعوب البدائية ومازال أحد سمات الوعي الرثي، المكبل بأغلال التراث، والخطابات المثيولوجية.

بهذه الطرق تم شرعنة السلطة، وهي أخطر أنواع تزوير الوعي، يتوقف تفكيكها على نقد مقولاتها وقبلياتها، ليعود المفهوم بدلالات مغايرة وهذا ما فعله الكتاب الكريم، عندما أناط الاصطفاء والتفاضل بالتقوى والعمل الصالح والقدرة على تحمّل النبوة والوحي وتبليغ الرسالة.

الاصطفاء القرآني ليس تشريفا، كما ترى ثقافة العبودية التي سادت العالم قرونا متمادية، وكما يرى الفكر الطائفي فيما بعد، بل تكليفا ومسؤولية وصلاحيات منضبطة بالحق والعدالة، وليست هناك سلطة مطلقة كما يفهم الاتجاه العبودي الاصطفاء. فالتوريث لازم الاصطفاء في الاتجاه الأول لأنه قائم على أساس عنصري، ووجود طبيعة بشرية مختلفة، أو طبيعة يمتزج بها اللاهوت بالناسوت. بينما الاصطفاء القرآني ناظر إلى أبعد من العنصر البشري، إلى التجربة الروحية للشخص المصطفى كاستعداد أولي، يتطور من خلال طاعته وعبادته، حد الذوبان بالوجود المطلق. لذا يشمل الملائكة أيضا: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). فالقرآن طرح مفهوما جديدا، وقطع الطريق أمام دعاوى الاصطفاء، القائمة على أسس عنصرية وتوريثية، بل ونفهم أنه منصب إلهي، يتوقف على مشيئة الله والتصريح به قرآنيا، فيبقى الأصل الأولي عدم ثبوته لأي شخص. كما أن اختصاصه بالنبوة حال دون استغلاله من قبل السياسة، لأنها تقوم على الكفاءة، ثم تأتي التقوى ضمانا للعدالة. فهي لا ترتهن للاصطفاء وإنما تتوقف على سلوك الفرد وقدرته على التحكم بإرادته ومشاعره ومواقفه وفقا للكتاب وأحكامه الشرعية، فهي متاحة لكل إنسان، بل هي هدف العبادات. بينما النبوة شيء يختلف عن السياسة ومشروعيتها، وأمر يتعلق بالنبوة، فالمفهوم القرآني للاصطفاء جاء في سياق صراع الهيمنة بين القيم الجاهلية وقيم التوحيد، كما يصفهما القرآن. فالخطاب القرآني جاء لبيان الخط الموازي دينيا. والمحصلة، ثمة اختلاف جوهري بين المفهوم العبودي أوالقَبلي للاصطفاء، ومفهومه دينيا وقرآنيا. الأول يقوم على التمييز العنصري، بناء على نقاء الدم، واختلاف طينة الخلق. وأما الثاني فهو مفهوم سماوي، يعبّر عن منظومة قيمية قائمة على التوحيد، والطبيعة البشرية التي تتميز بتجربتها الروحية، وقدرتها على التألق، وتحمل المسؤوليات الإلهية. فليس ثمة تشريف، بل مسؤولية ربانية، فلا تشمل إلا من صرّح به الكتاب الكريم.

تقول الآية: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). فـ"من" التبعيض تنفي مدخلية "النَسَب" كقيمة عنصرية، رغم أن بعضهم ذرية بعض، فثمة طبيعة مشتركة بين هؤلاء الأنبياء تؤهلهم للنبوة والاصطفاء والتفضيل. وأيضا قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ،  ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، فأيضا لا تشترط النَسب والقرابة أو الذرية وإلا  فيتعين الإطلاق، غير أن هؤلاء أنبياء يوحى لهم، فنفهم أن الوحي كان أحد أسباب اصطفائهم، لذا لا يبعد ان تكون مريم نبية، لأنها الوحيدة التي تم اصطفاؤها بين نساء العالمين وقد أوحى الله تعالى لها. (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ). وأخيرا فإن آية: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، لا تعني الفوضى في نسبة الاصطفاء فنقتصر على القدر المتيقن. ونحتاج الى تشخيص عالم الغيب والسرائر، لذا قال: (وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ).

وبالتالي الاصطفاء قيمة مطلقة، يتولد عنها الاستبداد، والاستئثار بالسلطة، فهي أخطر مفاهيم شرعنة السلطة، وأقدرها على ضمان ولاء الشعوب. لذا طرح الكتاب مفهوما مغايرا وفق معايير مختلفة، لقطع الطريق أمام استغلاله، وشرعنة سلوكيات لا تمت للعدل والانصاف ومراعاة حقوق الإنسان.

المفهوم الأيديولوجي للاصطفاء

حاولت كل من السلطة والمعارضة توظيف الاصطفاء بطريقتها الخاصة، لتعزيز شرعيتها، من خلال الانتساب للإلهي دون البشري، فكانت نظرية الجبر التي تمسك بها خطاب الاستبداد المتمثل آنذاك بالحكم الأموي بدءا من معاوية ومدرسة علم الكلام القديم، قد ارتكزت للاصطفاء بشكل غير مباشر، حينما احتج معاوية لولم يكن الله راضيا عليه لاستبدله، في مغالطة مفضوحة، تحيل على الاصطفاء، فكأنه يستدل بسكوت الخالق على اصطفائه، وهذا خطأ، لأن الكتاب لم يخول أحدا بنسبة لاصطفاء لأي شخص كان. وأن الله لم يتدخل في اختياره.

وأما المعارضة السياسية فقد تشبثت بمختلف الاساليب، وقد تمسك الشيعة بالاصطفاء ليكون ظهيرا لمبدأ الوصية والنص، وبهذا نجحوا في ترقية مقام الإمامة من إمامة سياسية إلى إمامة دينية ثم إمامة بمعنى الولاية التكوينية وقد مرَّ تفصيل الكلام. ورغم كثرة الروايات، وما تتحدث به نصوص زيارات الأضرحة، نختار نماذج تكفي لتسليط الضوء على طبيعة المفهوم والطينة المختلفة لخلقهم، فالأئمة كانوا وفقا لهذه الروايات أنوارا يطوفون حول العرش، وخُلقوا من طينة مغايرة لطينة البشر، في تعارض واضح لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). وبعض الروايات تقول: (شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا)، فهم طينة مختلفة، وأنهم نور. وفي رواية يقول رسول الله مخاطبا عليا (خلقت أنا وأنت من نور الله تعالى). وهي رواية شيعية.

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، أي الإمام الصادق، أنه قال: (نحن شجرة النبوة ومعدن الرسالة ونحن عهد الله ونحن ذمة الله، لم نزل أنوارا حول العرش نسبح فيسبح أهل السماء لتسبيحنا، فلما نزلنا إلى الأرض سبحنا فسبح أهل الأرض، فكل علم خرج إلى أهل السماوات والأرض فمنا وعنا، وكان في قضاء الله السابق أن لا يدخل النار محب لنا، ولا يدخل الجنة مبغض لنا، لان الله يسأل العباد يوم القيامة عما عهد إليهم ولا يسألهم عما قضى عليهم).

وخلاصة ما تقدم، أن الاصطفاء صفة تفاضلية على أساس روحي إيماني، غير أنهم تشبثوا به لشرعنة السلطة / الخلافة / الإمامة السياسية. وما القريشية سوى معادل موضوعي للاصطفاء، يظهر هذا واضح في تبرير سلطة قريش التي سيأتي ذكرها عند بيان الموقف الإسلامي من قيم القَبيلة. وعندما طرح الكتاب مفهوم الاصطفاء بصيغة مغايرة سلب السلطات السياسية شرعنتها على أساس الاصطفاء. وبالتالي فالقريشية مبدأ قَبلي، لا يمكنه شرعنة السلطة على أساس ديني. وكذلك الاصطفاء مفهوم ديني، روحاني، يرتبط بمشيئة الله وبالقيم المعنوية للإنسان، غاية ما يدل عليه التفاضل على أساس التقوى والقرب من الله تعالى، وليس له أية دلالة على شرعنة السلطة، فليست ثمة ملازمة بين الديني والسياسي بالضرورة، فلا يمكن الارتكاز للاصطفاء مصدرا لشرعية السلطة والخلافة أو ما يعرف بـ"الإمامة السياسية"، التي تستلزم الولاية والقيمومة، ومصادرة الرأي الآخر، ومنع المعارضة. ويبقى أن نعرف موقف الدين الجديد من القيم القبلية الأخرى، التي لا تقل خطورة من هذا المفهوم.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق11) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

قيم التفاضل

ماجد الغرباوي: العبودية، إذاً: استعداد قبل أن تكون قيمة ذاتية للإنسان. وصفة تطرأ على الذات، لا ينتفي وجوده بانتفائها، تتطور بفعل سياقات نفسية ومعرفية وتربوية، تفرض نفسها مهيمنا ثقافيا، يتحكم بمسارات الوعي الفردي والجماعي. تتطلب معالجتها انقلابا في سياقات الوعي، وتأسيسا جديدا للمقولات الأساسية التي ترتكز لها بنية العقل في أدائه. وقد مرَّ الكلام عن وعي الذات والآخر في ظل قيم العبودية، حينما يتوقف وعيها على وجوده، وتصبح الأنا موضوعا لهيمنته واستفزازه، كإفراز طبيعي لأنظمة الهيمنة منذ القدم، حيث تمارس مختلف الظروف عملية تزوير الوعي، وإخماد توهجه، لتكريس روح التلقي والتبعية والانقياد. فسلب الوعي، استراتيجية ضمن منظومة الهيمنة والنظام الاستبدادي - الأبوي. ثم إن استلاب الوعي، كما ذكرت، حالة لا شعورية، يفقد معها الفرد القدرة على إدراك مقاصد الخطاب ومضمراته، لها أسباب ذاتية وموضوعية. ذاتية ترتبط باستعداد الفرد للرضوخ والتبعية أو التمرّد على قيم العبودية مهما كانت قساوة الظروف. وهو استعداد فطري، يرتبط بحالات نفسية تراكمت عبر ظروف طابعها العنف والإرهاب، تحصل بسببها ردة فعل، تضع الفرد في ترقّب وخوف مستمرين، ينتابه قلق وشرود لا إرادي، مع كل حادث مفاجئ. هذا كان واقع مجتمعات ما قبل البعثة، خاصة مجتمع أم القرى ومن حولها. فثمة منظومة كاملة قائمة على ثنائية السيد / العبد، تتحكم بالوعي الجمعي. يتعذر تقويضها. تحتاج إلى مران وتحدٍ مستمرين، مران يقلب معادلات الوعي وثنائياته، سواء في قيم المجتمع العبودي أو القبلي أو النظام الأبوي / البطركي.

لكن يبقى التماهي مع قيم المجتمع مرتهنا لوعي الفرد ورؤيته للأنا والآخر، وحجم ما يترتب عليها من آثار، تؤكد ذاته وانتماءه، وتعزز مكانته واعتباره. فيكون التماهي نسبيا، مهما اختلفت مناشئه. ويتناسب مع قوة مهيمنها الثقافي، وقدرته على التأثير والاستجابة للتحديات. وعندما يربط مصيره بها حداً يلزم من تمرده هدرا لوجوده، يرتبط معها بعلاقة جدلية، وتستأثر بولائه وموالاته. ويغدو مرتهنا لإملاءاتها وإكراهاتها، سواء كانت دينية أم اجتماعية، فثمة مصير مشترك تجعله أشد تعلقا بها، يندفع لحمايتها والذب عنها، ورعاية طقوسها وعاداتها وتقاليدها، مستعينا بإيمان نفسي تكمن أهميته في قدرته على خلاق أجواء نفسية متجددة، تستمد قوتها من نوازعه ومكامن فطرته. فيتوقف على الإلتزام بقيم المجتمع وعاداته وتقاليده انتماء الفرد، وقيمته الاجتماعية، إضافة للآثار النفسية والوجودية المترتبة عليها. فتحقيق الذات وتحقيق طموحاتها، هدف استراتيجي، يتولى رسم خارطته الوجودية، ويتحكم بقناعاته ومواقفه.

المركز والهامش

يدور الناظم القَبلي حول مركزية السيد / الشيخ، وهامشية الأطراف، كما لا تخضع العلاقة بينهما لقيم القبيلة دائما، بل تحددها مصلحة المركز، وتبقى الأطراف تدور مداره، حدَ الاستلاب. مهما تعددت أطراف المجتمع القبلي. فالطبقة الحاكمة أو "الملأ" بالتعبير القرآني، تستأثر بجميع المكاسب والامتيازات، على حساب الهامش، طبقة العبيد، مرورا بالطبقات الأقل رتبة أو شرفا سياديا. فالسيادة والثروات والمواقع الاجتماعية المتقدمة للمركز، لا يشاركه فيها أحد إلا وفقا لضوابط تكرّس مركزيته. وثمة قضايا اعتبارية كالزواج والمصاهرة، لا يسمح بها للطبقات الأدنى. لتكون مظهرا اجتماعيا مميزا وعلامة فارقة للتمايز العنصري. فالقيمة الاعتبارية للمركز قيمة ذاتية، تستمد شرعيتها من النَسَب العائلي وشرف السيادة. فهي الطبقة الحاكمة، صاحبة القرار، ولها حق الولاية والقيمومة، استحقاقا تفرضه منظومة القيم الاجتماعي التي يذعن لها الجميع، ويمنحها ولاءه وإخلاصه. ولا يمكن لأي أحد انتزاع سلطة المركز إلا بالقوة والعنف. فالانتساب للملأ أو طبقة الأسياد يمنح الفرد حصانة ذاتية، ويختص بميزات اجتماعية، ترفع نرجسيته تعاليه على النقد والمراجعة، وربما يكتسب بمرور الأيام قدسية اجتماعية، وليس فقط تعالٍ عنصري. لذا استغرب أسياد قريش من بعثة محمد بن عبد الله رسولا، ولماذا لم ينزل الوحي على شخصيات تعتبر مهمة وعظيمة وفقا للمقاييس القبلية، (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). فالنبي الكريم ليس أقل شأنا نَسَبيا، بل أقل رتبة في سلم التفاضل القَبلي، الذي له حساباته الأخرى، كالرصيد الشخصي من الثروات والعبيد وقوة السلاح والمحاربين والعلاقات المتينة من خلال التحالفات القبلية، والقدرة على حسم المواقف الصعبة.

قد تجتمع السلطتان السياسية والدينية، كما حصل لقريش، حيث كانت تتزعم القبائل العربية، وتتولى رعاية الحجيج، وبيت الأصنام، وتتولى مسؤولية الوفادة والسقاية. مما يعزز مكانتها وسلطتها. لكن لا يلزم من فقدان أحدهما خسارة الأخرى، رغم حجم الآثار المترتبة على الجمع بينهما، لأن القيم القَبلية أصيلة تشارك في تشكيل الوعي الجمعي لأبناء القبيلة، وتمثل قيمة ذاتية بالنسبة "للملأ" منهم. قد تتغير المفاهيم والتصورات الدينية، وقد ينتقل المجتمع من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان بوجود إله واحد لا شريك له، مما يطيح بسلطة تعدد الآلهة ورمزيتها، لكن النظام القبلي، منظومة قيمة، مسؤولة عن هيكلة المجتمع، ورسم حدود اعتبارية بين طبقاته. بل حتى مع الإطاحة بسلطة القبيلة لا يجرد أفرادها من الانتساب لها، هو انتساب تكويني، يحمل رصيدا معنويا ورمزيا كبيرا وفقا لذات القيمة المشتركة بين جميع القبائل. وكلما ذكرت مآثرها وموبقاته، تتردد أصداؤها في أعماقه فيشعر بالفخر أو الخجل. وبالتالي، لا يمكن خلخلة نظام القيم الاجتماعية القائمة على النسب والولاء إلا بقيم جديدة، تعيد تشكيل النظام ومبادئه، كالانتقال للمبدأ الإنساني بدلا من المبدأ القبلي. وهذا لم يتحقق حتى بعد البعثة بل تم تكريس قيم الاستبداد السياسي والحس القَبلي.

أما غير طبقة الأسياد وتحالفاته المتكافئة فترتهن مكانة الفرد لقيمته الاعتبارية التي تتعدد بتعدد روافدها، وتختلف في رصيدها ونسبيتها ورمزيتها، تبعا لثقافة المجتمع وقيمه وأولوياته، فتكون جميع القيم حاكمة بنسب مختلفة. المنطقة العربية قبل الإسلام كانت تسودها قيم، يستمد منها الفرد اعتباره ومكانته، ابتداء بالنَسَب ومنزلته داخل أسوار القبيلة وخارجها، وهي المعيار الأول، وكل القيم الأخرى كالشجاعة والكرم والبلاغة تأتي بعدها، غير أنها ترفد مكانته واعتباره التي على أساسها يحدد علاقته بطبقة الأسياد. وهذه هي الطبقة الوسط بين الملأ، وطبقة العبيد، ممن يتعامل معهم  المركز لا فقط هامش وأطراف، حقها التبعية والانقياد، بل ويجردها من إنسانيتها، التي هي حقيقة الوجود البشري.

القيم السياسية

نخلص إلى نتيجة، "إن جميع القيم والمبادئ تفرض سلطتها ومحدداتها على الوعي، وتمهّد لنظام اجتماعي، يرتهن اعتبار الفرد ومستقبله، ويفرز نظامه السياسي ومنظومته القيمية والأخلاقية". وهذا يشمل المجتمع العربي قبل البعثة. ولكي نقدّم تفسيرا موضوعيا لظاهرة الاستبداد السياسي، والفقه السلطاني، يتعين دراسة آلية قيم المجتمع القبلي، وفلسفة حضورها وقوة تأثيرها. ومن ثم تشخيص متبنياتها ومبادئها، الأسباب الحقيقية وراء شرعنتها، ومدى تأثر المسلمين بها.

لقد أفرزت منظومة القيم السائدة آنذاك مجموعة مبادئ سياسية، كانت وراء ديمومة النظام السياسي - القَبلي، المتمثل بسلّم الوظائف والمسؤوليات والمقامات الاجتماعية، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات، ابتداء من منصب السيادة حتى "التشيّؤ" العبودي مرورا، بالطبقة المحيطة بالشيخ / الزعيم، ابتداء ببطانته الخاصة، وشيوخ القبائل الأقل شأنا، ثم الشاعر، الفارس، وغيرها. وهنا نشير لأهم مقومات النظام، ومبادئه وقيمه:

- يقوم النظام السياسي – القَبلي، على الصعيد النظري، على ثنائية السيد / العبد التي تستدعي جملة حقوق وواجبات وامتيازات. تتولد عنها ثنائيات أخرى. فثمة طبقة الأشراف التي تحتكر جميع الامتيازات، وطبقة سواد الناس، إضافة لطبقة العبيد، الفئة المسحوقة إنسانيا. فهذا النظام يؤسس لنظام أخلاقي، معياري، ترسم حدود المسؤوليات والوجود الفعل لأفراد القبيلة على أساس ما يجب وما لا يجب.

- يمثّل الولاء أحد أهم المرتكزات الأساسية لتماسك القبيلة، وقدرتها على مقاومة التحديات الداخلية والخارجية. ولازمه مصادرة استقلالية الفرد، وحقه في النقد والتمرد. فالولاء ضمان الاعتراف، يتناسب معه طرديا، قوة وضعفا.

- يعتبر الوعي القبلي جزءا من وعي الذات، في علاقتها بالآخر. أي أن هوية الفرد تستمد وجودها من انتسابها القَبلي، حداً تنعدم الفواصل.

 - يتقوّم هذا النظام من الناحية الإجرائية بثنائية المركز / الهامش، التي تفرض شروطها ومحدداتها.

 - تعتبر السلطة وفقا لثنائية المركز / الهامش استحقاقا لقيم الشرف القَبلي، فلا تنتزع إلا بالقوة، وتسمح باستخدام العنف دفاعا عنها. والشرف القَبلي، قيمة اعتبارية، نسبية، مرتهنة لمصادر نشأتها، ومدى قدرتها على الصمود.

- تكرّس ثنائية المركز / الهامش منطق الوصايا، وقيم العبودية والطاعة والانقياد، كلازم لمركزية السلطة الذي يلزم أيضا إقصاء الهامش إلى مدارات الانقياد وتنفيذ الأوامر حد الانسحاق.

- يستبطن الشرف القَبلي، روحا عنصرية، تستدعي التمايز بين طبقات المجتمع، وتكرّس قدسية طبقة الأسياد والأشراف، ولو تقديسا قَبليا.

السلطة ملك عضوض لأشراف القَبيلة، والارتكاز للتوريث مبدأ أساس فيها، من منطلقات عنصرية. رغم محاولات حثيثة جرت فيما بعد، لتفسيره على أساس الكفاءة والجدارة القيادية، أو على أساس الاصطفاء الإلهي.

- التهميش قدر الناس وأفراد القبيلة خارج دائرة "الملأ"، وفقا للمنطق القَبلي الاستبدادي.

- النظام القَبلي، نظام أحادي، لا يقبل المشاركة في القرارات، رغم توظيفه للشورى، وتبقى كلمة الفصل والقرار الأخير لشيخ القبيلة.

- العنف قيمة أصيلة، لحماية الملك، وتدبير الأمن، وتوسيع سلطة النفوذ القَبلي.

من هنا يمكن قراءة نزاع السلطة بين المهاجرين والأنصار من زاوية مختلفة، يمكن في ضوئها تقديم تفسير لرواية النبي "الخلافة أو الإمامة في قريش". التي كانت وراء فرض القريشية شرطا في شرعية خلافة المسلمين.

أولا: أثبتت الوقائع التاريخية، عدم وجود مرجعية نصية (آية أو رواية صحية صريحة مجمع عليها) لتسوية النزاع حول السلطة.

ثانيا: أكد الحدث المزلزل عدم وجود اهتمام مسبق من قبل الرسول بمسألة الدولة والحكم، وعدم وجود تشريعات تخصها، سوى مبادئ وقيم أخلاقية لضبط أدائها.

ثالثا: يستنتج مما تقدم أن السلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية، وشأنا بشريا لا سماويا، تستمد شرعيتها من الشعب. وأن النبوة غير السلطة، وليست من لوازمها، وليس من اختصاصها إقامة دولة وفقا لأيديولوجيتها. فتبقى شأن المؤمنين بها، ونجاحهم في تبني قيم الرسالة السماوية.

رابعا: إن حسم السلطة على أساس قبلي، كان متوقعا، باعتباره نظاما سائدا آنذاك، ولم يتخذ الدين الجديد موقفا سلبيا منه، باستنثاء إعادة تشكيل الولاء على أساس ديني لا قَبلي. من هنا تمت البيعة. وكان الخلاف بين التفاضل القبلي، وليس حول ذات المبدأ.

خامسا: انعقاد البيعة للخليفة الأول وفقا للشرط القريشي، يكشف عن تبنٍ سائد آنذاك لمبادئ وقيم النظام القَبلي. ولم تُطرح مبادئ مغايرة له، بل جميع الترشيحات ارتكزت لذات المبادئ. فالأنصار رشحوا سعد بن عبادة، شيخا قَبليا، ولم يرشح على أساس كفاءته القيادية، وهذا لا يلغي قدراته في هذا الشأن، بل أن ترشيحه يؤكد كفاءته، غير أن المبدأ القبلي هو الأساس فيها، باعتباره رمزا كبيرا في مجتمعه. والمهاجرون حصروها بقريش باعتبار استحقاقها الطبيعي في السلطة، ولا ينبغي لأحد منافستها، وقد عضدت الرواية هذا الاتجاه وانحسم النزاع لصالحها، وغدت القريشية شرطا في شرعية الخلافة. ولم يبتعد علي بن أبي طالب عن المبادئ القبلية عندما طالب بالسلطة واعتزل القوم ستة أشهر، رغم تأكيده المستمر على كفاءته القيادية مستشهدا باعتماد الرسول عليه في كثير من المهام الصعبة. غير أنه أيضا تشبث بالقرابة، وهو مبدأ قبلي، يعتبر التوريث أمرا مشروعا: (لا تخرجوا ملك محمد من عقر داره فتشمت بكم العرب).  فالسلطة ملك!!، إذاً يجب التعامل معها على هذا الأساس، وهكذا تعامل معها المهاجرون أثناء المفاوضات (نحن عشيرته وأولى الناس به). وأما شرط النص والتعيين الذي يتشبث به الفكر السياسي الشيعي راهنا، فقد ظهرمتأخرا، ولم يكن متداولا إطلاقا بعد وفاة الرسول، وحتى مع صحة حديث الغدير لم يفهم منه الصحابة البيعة بمعنى السلطة. وقد مر تفصيل الكلام. ولم تختلف المعارضة السياسية المتمثلة بأبي سفيان، من خلال تحريضه المتواصل لعلي والثورة ضد بيعة المهاجرين، فأيضا كان توجها قَبليا. فراية السلطة التي كانت خفاقة طيلة فترة الخلافة الراشدة والخلافتين الأموية والعباسية هي راية قَبلية بامتياز. وكانت أحد الأسباب وراء ظهور الفقه السلطاني، الذي نظّر فقهيا للاستبداد السياسي، وسعى لشرعنتها.

سادسا: لم تشرّع رواية النبي "الأئمة من قريش"، على فرض صحة صدورها، لشرط القريشية، بل كانت اعترافا بكفاءتها وخبرتها القيادية، وقدرتها على الإمساك بزمام السلطة. فتكون الرواية إرشادية لا تشريعية، من باب النصيحة والإرشاد. وقد أشرت لهذا الاحتمال مسبقا. غير أنها وجهت وجهة سياسية مختلفة.ولو كانت الرواية بصدد تأسيس مبدأ للسلطة، فإن موضوعها لا يحسم برواية أحاطت بها علامات الاستفهام، بل تحتاج إلى تشريعات تتناسب مع حجم مسؤولياتها وخطورتها، وهذا منتفٍ بالضرورة.

سابعا: ساعد السلوك السياسي للخلفاء والقبليات القَبلية للمسلمين آنذاك، على شرعنة قيم الاستبداد والانقياد والتبعية.

الفقه والسلطة

إن التباس القَبلي بالفقهي، والسياسي بالشرعي، الذي كان الفقيه والمتكلم وراءه، كان السبب الأساس وراء تزوير الوعي الديني، وتكريس قيم الاستبداد والعبودية والطاعة والانقياد. ومازال الفقه السلطاني ينظّر لقيمومة السلطة المتمثلة بالفقيه تارة وأخرى مَن يمثله، تزامنا مع فقه الصحوة الإسلامية التي يتلخّص مشروعها السياسي – الديني بإقامة دولة بإشراف الفقيه، مهما كانت تداعياتها على الفرد وحقه في الحرية وتقرير المصير. فوجود الفقيه على رأس السلطة أو بإذنه تعني إلغاء الفرد، تحاشيا لأي تصادم بين البشري والإلهي، الذي هو سلطة مطلقة، تنحصر بالفقيه. وهو وعي أيديولوجي يلتف على الحقائق من خلال صيغ مواربة، تمنح الفقيه سلطات شرعية مطلقة.

إن ما تقدم يكفي لتحديد مصادر السلطة في الفقه الإسلامي، بدأ من شروط الخليفة، التي هي شروط قَبلية لا علاقة للدين بها، إما على أساس التفاضل القَبلي أو على أساس التوريث. ولم يطرح أي مبدأ ديني أو إنساني بديلا، وحينما بدأ الفقيه بالتنظير للسلطة وشرعيتها، قام بشرعنة المبادئ القَبلية أولا. ثم راح يفسّر القرآن وفق قبلياته، حتى وهو يستشهد على صحة تأويله بآيات أخرى. كما أن البيعة، التي ينبغي أن تكون عامة، استطاع الفقه السلطاني قصرها على نخبة قريش، فبيعة الأول مبادرة قريشية خالصة ثم تلاهم الحاضرون انسياقا مع العقل الجمعي. والثاني تم تنصيبه من قبل الأول، والثالث نتاج شورى قريشية. حتى حُصرت هذه الشروط بأهل الحل والعقد، الذين هم قريش فعلا. كما نجح الفقيه في توظيف المفاهيم القرآنية لخدمة السياسة، كآية أولي الأمر، حيث دافع عن وجوب طاعة الخلفاء وعدم التمرد على إرادتهم، رغم أن الآية مشروطة. وأن طاعتهم شُرعت على أساس كفاءتهم القيادية والإدارية وليس مطلقا، وهو ما تشي به آيات أخرى، ومرتكزات قرآنية، تعد من الآيات المحكمات. وهذا الأمر تجده جليا في الفقه السلطاني. فكل من السلطة والمعارضة كانت تدور ضمن مدارات قَبلية / بشرية، يتعين التمرد عليها وسلبها شرعيتها المصطنعة، والتكيف مع الصيغ الحديثة في إدارة السلطة والحكم.

وأقصد بالفقيه مفهوما الأعم من الصحابة والرواة فيما بعد، ممن لعبوا دورا خطيرا في المعادلة السياسية، فيشمل كل من له قدرة تأويلية وتنظيرية في الشأن الديني، وأما الفقيه اصطلاحا فقد تبلور متأخرا، بعد ظهور عصر الفقهاء.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الثانية بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق10) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

الإيمان النفسي

ماجد الغرباوي: لم يكن نزاع الصحابة مجرد صراع سياسي، يمكن تسويته بتقاسم السلطة، بل اتخذ  مسارا آخر، وتحكّمت به مضمرات وعي قَبَلي متجذّر، وقيم كافحت من أجل البقاء. تكيّفت مع الوافد الثقافي والديني، دون المساس بجوهرها أو هدر سلطتها ومحدداتها بانتظار لحظة تصدّرها واجهة المفاوضات. فكانت تتحدى ثم كسبت المعركة. قد يُغتَفر تذبذب ولاء مَن دخل دين الله أفواجا، لكن موقف نخبة الصحابة لا يكف عن طرح الأسئلة، ومدى نجاح الدين في قلب موازين القيم السائدة. باعتباره منظومة قيمية، وتصور شامل للوجود والإنسان، وقد طرح بدائل عن الولاء القَبَلي، رغم عدم اعتراضه على التواصل مع غير المحاربين. فكيف تفوّق مبدأ ينتسب لقيم الجاهلية حسب التصنيف القرآني، على مبدأ ديني سماوي، وواصل حضوره عبر المدونات الكلامية والفقهية والسلوك العام للخلفاء المسلمين، وما زال يفرض محدداته على العقل المسلم والتفكير الحركي؟.

يفترض أن مَن خاض مفاوضات السلطة كان مصداقا لقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَ)، الذي يشير إلى اختلاف نوعي في الإيمان. لكن أين مصداق هذا الإيمان عندما تنهدم قيم الدين على مستوى الولاء لصالح قيم قَبَلية؟ فالخلل إما في بنية الوعي، أو قدرة قيم العبودية على التخفي والحضور في اللحظة الحاسمة؟ وهذا ما نسعى لفهمه كمقدمة لتفسير بعض الظواهر ذات العلاقة بالاستبداد، ومركزيتها في النظريات السياسية للمسلمين والفقه السياسي. بل أن قيم الاستبداد التي تلبّست لباس الدين هي سبب رئيس وراء فشل نظريات الحكم والدولة المنسوبة له. وهي وراء جملة خرافات على مستوى العقيدة، كما سيتضح لاحقا.

ما كان للمبدأ القَبلي أن يتفوّق، لولا وجود خلفية ثقافية تمهّد له باستمرار، وانقياد لا شعوري يتكيف مع كل وافد ليستعيد مركزيته. قد يبدو الأمر طاعة خالصة للنبي عندما انصاع الصحابة لرواية: "الخلافة في قريش"، غير أن ظرفها لا يساعد على قبولها كمسلّمة دينية، فقد ظهرت فجأة، خمدت مع سماعها الأنفاس واستطاع عمر بلباقته كسب الموقف، وتفويت الفرصة من خلال مبايعته لأبي بكر. وقد مرَّ تحديد دلالتها على فرض صحة صدورها، وهل هي أمر مولوي وحكم شرعي ملزم، أم مجرد وجهة نظر غير ملزمة، وقد ناقشتها جميعا. وذكرت لا يمكن أن تكون الرواية ملزمة، ولا يمكن للرسول تزكية أحد، إذ يلزم من تزكيته تبنٍ مطلقٍ لسلوكه ومواقفه، وهذا لا يفعله نبي، فكيف يزكّي قريشاً، كما هو صريح الرواية، خاصة في القضايا السياسية التي لم يورّط نفسه بها، وكان بإمكانه تثقيف الرأي العام بمجموعة أحاديث تتناسب مع خطورتها، فقضية الخلافة ليست مسألة عادية كي تحسمها رواية مرشح رئيس للخلافة!!، شهادته ستكون مجروحة. أو لا أقل تبعث على الريبة، وإن كان صادقا. وبالتالي فثمة ثقافة متوارية، تتحكم بوعي الفرد، ومضمرات تنتمي لقيم العبودية وتكريس الاستبداد توجه العقل الجمعي. فيتعين تحري حقيقته، وحجم تأثيره. والتعرّف على الأسباب الكامنة وراء رسوخه. كيف نفهم ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وأين دور الدين وقيمه؟ وماذا عن موقف الرسول من هذه القيم؟ وكيف واصل الفقه السلطاني والطائفي ترسيخها بمختلف الصيغ الفقهية.

إذاً أمامنا قضيتان، الأولى: ما سرّ رسوخ القيم القَبَلبية التي تمثّل جوهر النظام العبودي القائم على ثنائية سيد / عبد. والقضية الثانية: كيف استطاعت تلك القيم الالتفاف على الدين وتصدّر المشهد السياسي،  حتى غدت القريشية من مسلمات الفقه السياسي للمسلمين؟ وهذا يحيل على المنهج في مكافحة قيم العبودية، وهل كان ضمن استراتيجية الدين ذلك أم لا؟ وأسئلة أخرى.

التلقي اللاشعوري

يتقوّم نظام المعرفة البشرية في إطار استعداداتها الفطرية، بقاعدة معلومات أساسية، تمثّل له مبادئ ومنطلقات وخارطة طريق. ثم تتطور قدراته وإمكانياته من خلال تراكم معلوماتي، تترسّب على شكل طبقات جيولوجية، تُخفي بعضها الأخرى. وتتولى بنفسها بناء أنساقها ومضمراتها ومنظوماتها، عبر مختلف الأنشطة الإدراكية الشعورية واللاشعورية، التي تساهم في بناء مهيمن ثقافي، وتأسيس نطاق مداري لحركة المعلومات، ضمن عمليات عقلية وشرائح مشفرة تمثل مقولات أساسية يرتكز لها في إدراك الحقائق الممكنة، وتوجيه المعلومات والوعي الفردي والجمعي. كما يقوم بتوزيع وتنظيم معارفه واستنتاجاته وأحكامه، فتدب الحياة منذ الطفولة باللاشعور والعقل الباطني، ضمن البنية المعقدة للعقل وطريقة عمله.

إن طبيعة المقولات الأولية التي يرتكز لها العقل في بداية نشاطه، أنها مقولات خام، ترسبت بعيدا عن المحاكمات النقدية، باستثناء حزمة عواطف ومشاعر ترافق معلومات بسيطة، قد تقتصر على إشارة، لمحة، كلمة أو حركة تصدر عن شخص، غير أنها تساهم في برمجة العقل وتعمل لا شعوريا، فتكون راسخة، لا يطالها النقد، لافتقاره إلى رصيد معلوماتي مغاير، وهو مفقود بالضرورة. فالنقد حالة متطورة، يعجز عن إدراك المقولات الأساسية ما لم يمارس الحفر الجيولوجي، في أعماق البنية العقلية والفضاء المعرفي للفرد، واكتشاف خارطة الأنساق المعرفية، وعلاقتها بالجانب الشعوري، وكيفية تحييده.

وكما يمتاز الإنسان بعقله وقوة إدراكه ووعيه، يمتاز أيضا بمشاعر وأحاسيس تشارك فضاءه المعرفي ومخيلته وأداءه اللغوي. تتكيف مع تفكيره وتشارك في عملية تواصله، قد تخضع لسيطرة العقل وقد تتمرد على إرادته وفقا للحالة النفسية التي يمر بها الشخص، لكن بشكل عام يمكن زعزعتها، غير أن مشاعر مرحلة التلقي الطفولي، مشاعر راسخة برسوخ يقينياته، تستمد ثباتها من البيئة والثقافة التي تفرض عليه محدداتها باستمرار، فهو محاصر بثقافة أحادية هي مصدر يقينياته، لذا تستفزها التحرشات النقدية البسيطة. وهذا النوع من التلقي مقوّم أساس لمنظومة القيم والأخلاق والعقائد التي ينسجها العقل في مختلف مراحل التلقي. وهي رد فعل يتناسب مع قبليات الفرد، لا فرق في ذلك بين شخص وآخر، وفقيه وغيره. هذا بالنسبة للانفعالات النفسية.

 وللمشاعر دور يرتبط بنظام اللغة وعلاقتها بالنفس البشرية، فلكل نسق لغوي إيقاعه النفسي والشعوري الذي يساعد على إدراكه، قد يتمثله الفرد أويعيد انتاجه، لذا يقلّد الطفل حركات ومشاعر والديه عندما يردد ذات الجمل والكلمات، وأحيانا ترافقه مدى الحياة. وهي إحدى علامات الانتساب، فيقال هذا يشبه أباه في أسلوب حديثه. وهي أوضح في مراحل الطفولة، لذا تجد القيم والعادات والتقاليد والعقائد راسخة، برسوخ مشاعرها التي تتولى إدارتها وتوجيهها. والمشاعر أقوى من العقل قبل أن تنمو مداركه وتتسع أفاقه ومعرفته. وهذا ينطبق على قيم السيادة والعبودية، في طريقة نموها، ورسوخها، حينما تشكل أنساقها في أعماق النفس البشرية. لأن المعارف العقلية تجريدية لا علاقة لها بالعاطفة، بينما المشاعر حزمة امتدادات تتغلغل في أعماق النفس وترتبط بمكامن الفطرة، ومختلف تمظهراتها، كالخوف والحب والارتياب وغيرها التي يتجاوب معها الكيان البشري برمته. ولها امتداداتها في النفس البشرية، وارتباطها بضمير الفرد، واستعداداته الفطرية، وتتصف بسرعة استجابتها، وتأثيرها على جملة الشبكة العصبية للجسد، فتتجلى على سطحه بأشكال مختلفة، بل وتضغط على منطقة القلب، فكأنها تصدر عنه، لا أنها تصدر عن دماغ الإنسان كما هو الواقع. إذ المعروف علميا أن الجزء الثالث فيه مسؤول عن التركيز والذاكرة والعواطف والمشاعر، كالحب والبغض والخوف والفرح والحزن إلى غير ذلك. فالتلقي العاطفي تلقٍ معقد، مهما حاول الفرد تجاوزه يعود يلقي بظلاله على مشاعر الإنسان، فقد تتظاهر أو تحاول جادا التظاهر بالبغض لشخص عزيز عندك لكن قلبك ينبض حبا، لا يسمح لك بالتمادي. وهنا تكمن خطورة التلقي العاطفي للعقائد والأيديولوجيات وقيم العبودية، وقيم العشيرة، فإنها ستكون راسخة من هذه الناحية، ولسبب آخر يأتي.

كما ترتبط المشاعر بمخيلة الإنسان، وتستجيب لمغامراتها، وتساهم في تنشيطها وخصوبتها، ومنحها صفة الديمومة والبقاء والرسوخ والتألق والتفاعل المستمر مع المحيط الخارجي. والخيال هنا لا يعني نظرة محدودة، تقتصر على اللايقين، درجة دون اليقين المنطقي، بل باعتباره مجالا خصبا للإبداع والعطاء الفكري والمعرفي والأيديولوجي، وفضاء واسعا للتصور، وتشكيل الصور المثالية. فالمشاعر جزء من الفضاء المعرفي، تتولى توجيه التواصل وتحديد إحداثياته وفق معادلة معقدة ترتبط بمنظومة قيمه ومعاييره وأهدافه ورؤيته للواقع والآخر. فتمنح وجوده معنى واعتبارا. ويتوقف عليها انتماؤه وتماسكه الاجتماعي. بل أن جملة من القضايا الميتافيزيقية وغيرها لا حقيقة لها خارج الفضاء المعرفي والذي تشكل المخيلة قوامه. وهي القضايا التي يتعذر الاستدلال عليها حسيا.

وكدليل على قوة التلقي العاطفي ممارسة بعض الناس طقوسا وممارسات لايؤمن بها عقلا، لكن يجد نفسه منساقا معها لا شعوريا، لأن الإدراك  العقلي إدراك مجرد، بينما التلقي العاطفي شبكة من العلاقات، فمن يؤمن بقدسية رمز ديني، يؤمن بلوازمها الميثيولوجية، فليس من السهل التخلي عن عقائده وتصوراتها مهما كانت خرافية لارتباطها الوثيق بمشاعره وحياته ونجاته في اليوم الآخر. فتطوقه الوساوس النفسية وقلق لا شعوري عندما يتحرش بها أو يتخلى عنها. وساوس مصدرها حزمة تصورات موروثة، استقرت في أعماقه، تحكي عن كرامات ومعاجز مزعومة. وقد صوّر القرآن الكريم الإيمان النفسي بالعقيدة بقوله: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ). فالمقدسات والقيم قضايا موروثة تستبد بيقين النفس دون العقل. فكأنهم يقولون: نحن نتاج بيئة ثقافية واجتماعية، وأسارى منظومة قيم ارتبطت بها مكانتنا وحياتنا ومستقبلنا وانتماؤنا. فنحن جزء من أمة، وللأمة عقائدها وثقافتها ومتبنياتها. فالآية تعكس حقيقة الإيمان النفسي ومدى رسوخه. وهذا ينطبق على مختلف القيم، الدينية والاجتماعية.

وبالتالي، لا يمكن انتزاع تصورات وأوهام وعقائد، ترسخت بعيدا عن محاكمات العقل، وتدثرت بعواطف ومشاعر ارتبطت بها مكانتهم وانتماؤهم وهويتهم ومصالحهم ومستقبلهم الاجتماعي.

رؤية قرآنية

لا يتجاهل الخطاب القرآني العقل، عندما يركّز على القلب، كمصدر للمعرفة، وإنما يحيل على مشاعر الناس، فيصف المعاندين: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا)، رغم أن قضية العقيدة قضية عقلية حسب الفرض، غير أن دور المشاعر / القلب أكبر وأقوى، فيصغي ويتأثر المتلقي لأيقاع الخطاب، فقد يتأثر به أو لا يتأثر. قد يرد الاشكال على القرآن الذي يطرحه محمد إركون، حيث يؤاخذه على عدم تأكيده على النظر والتفكير العقلي الاستدلالي وتركيزه على القلب والجانب العاطفي للمخاطب. رغم تأكيد الكتاب الكريم على الدليل: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وكثرة مقارناته الفلسفية، لكن القلب رهان الإيمان، لقوة تأثير الجانب العاطفي. والدين أساسا يبحث عن قلب يصغي، وليس عقلا مجردا يتعامل معه بالأرقام والمعادلات الرياضية، فهو لا يكتفي بالإيمان بالغيب ما لم يترتب عليه أثر نفسي واجتماعي يدفع للعمل الصالح ومواصلة مسيرة الإيمان . يُريد مشاعر تحرك الناس نحو أهدافه الإيمانية والإنسانية. فهي قوام العقل الجمعي، أحد أهم رهانات الدين، وعندما يشرّع الشعائر يطمح لكسب مشاعر الناس عبر الوعي الجمعي (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). ورهان الدين على القلب لا يقف عند حدود القيم الأخلاقية، بل ويراهن على معرفة الفرد، حينما يقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). بل نسب للنفس قضايا فطرية هي من اختصاص العقل، لكن النفس تدركها من خلال أنساقها العاطفية التي تسير بموازاة الأنساق العقلية أو المعرفية بشكل عام، فقال: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها). فربما لا يدرك العقل أو لا يعقل بعض القضايا، بينما يدرك خفاياها قلب مستنير، مفعم بالحيوية والحياة. والقضايا الدينية والروحية، خاصة الميتافيزيقية لا سبيل للإذعان بها سوى مشاعر النفس البشرية، فتجد من يعش مشاهد يوم القيامة كما يصفها القرآن تهتز جوانبه، ويرتعد قلبه، وتتجاوب مشاعره مع إيقاع آياته. بينما يختلف الأمر عندما تقرأ تلك المشاهد بمعزل عن مشاعرك. لكن أليس عدم إدراكها عقليا دليلا على عدم صدقيتها ومطابقتها للواقع، فتكون مجرد أوهام تتعامل معها النفس كحقيقة مطلقة؟ أقول نعم هذا ممكن جدا، فالإنسان يتفاعل مع أوهامه أكثر من تفاعله مع يقينياته العلمية!!. وكلامنا لا عن عقلية أو عدم عقلية القضية بل عن كيفية رسوخ القيم مهما كانت غير إنسانية، وتنتمي لمنظومة قيم العبودية؟.

التلقي العبودي

يقتصر الطفل في بداية حياته على التلقي الحسي حتى تنمو معارفه وتكتمل مداركه ويستقل العقل بإدارة عمليات التفكير المعقدة. وعندما يتلقى الوليد أي معلومة جديدة يتلقاها ضمن حزمة مشاعر، تتجاوب معها أحاسيسه، كانبساط أو انقباض الوجه، أو التوقف والتركيز، وقد تكون ردة الفعل ابتسامة أو دمعة تقفز لا شعوريا من عينيه. ومعنى التلقي الشعوري، تفاعل النفس البشرية في قبولها أو رفضها، ولا تبدو الصورة واضحة في السنين الأولى، غير أنها جلية بعد رسوخ المعارف وتحكم العقل. فالأم مقدسة لأنها أول من امتزجت مشاعر الطفولة البريئة النقية بمشاعرها، وأول من برهنت على صدقها وإخلاصها وتفانيها لأجل ولدها، واستجابتها لكل مطالبه ولو على حساب راحتها. وهكذا يبدأ التراكم المعرفي، وتتشكل القضايا الذهنية التي تعكس الخارج، أو التي يقوم الذهن بتصورها. من جملتها القيم التي تتحكم بالعلاقات الخارجية، حينما يدرك تأثيرها على مكانته، وقدرتها على تعميق إنتمائه وتحقيق ذاته. من هنا تصبح لديه قاعدة أخلاقية توجّه وعيه وعلاقاته، وفق مصالحه الشخصية ومن ثمة الاجتماعية، بشكل يتناسب مع ركيزتي تحقيق الذات وتعميق الانتماء. وكلاهما تعبير آخر عن حب الذات، الذي هو قيمة فطرية، والدافع الأساس وراء حركة الفرد في المجتمع.

ليست القيم الاجتماعية خيارا للإنسان بل هي قَدَره، يبدأ بتمثّلها منذ نعومة أظفاره، بدءا بتلقين مفاهيم الخضوع والاستسلام، والإلتزام بقواعد الاحترام والطاعة والانصياع، كرهان يتوقف عليها ترسيخ الانتماء وتدارك التهميش، الذي يعني هدر اعتباره، جوهر تحققه الوجودي. فالفرد كيان قيمي ترتعد فرائصه دفاعا عندما تتضرر مكانته وحيثيته الاجتماعية، وهو مستعد للتنازل عن مبادئه أو بعضها لضمان وجوده. فمثلا حينما يرتكز المجتمع الى العنف في تسوية الخلافات وانتزاع الحقوق، فإن الاحتكام الى العقل والتسامح، من قبل بعض الأفراد، يصبح جبنا، وعارا، تنهار معه قيمته الاجتماعية، فيشارك لا قناعة بجدوى العنف بل دفاعا عن وجوده، وهروبا من تهمة الجّبن. وهو ليس جبنا وإنما شجاعة فائقة أن يتروى الإنسان في مواقفه، ويتخلى عن العصبية، ويحتكم الى الشرع والعقل والقانون بدلا من العنف والخصام. بل أن بعض القبائل تعتبر عدم السرقة ليلا جبنا، وهو عمل محرم شرعا لكن يمنح الفاعل قيمة اجتماعية، على أساسه يتخذ مواقفه. وكم من حق ضيعته سلطة القيم، وكم من دم أريق تعصبا لها. وكثيرا ما يقوم الإنسان بعمل لا أيمانا وانما من إرضاء للمجتمع ومجاراة لقيمه وتقاليده، حتى وإن لم يستند العمل الى مبدأ عقلي أو شرعي أو قانوني. كما في حالات دفع الاتاوات والغرامات التي تفرضها القبيلة لخدمة الشيخ أو لتسوية خلافات قبلية راحت ضحيتها دماء بريئة (كضريبة الفصل عند العراقيين)، فيجب على كل أبناء القبيلة دفع المبلغ المقرر حتى وإن وقع القتل ظلما وعدوانا، لكنه حكم القيم المستبدة والمهيمنة.

هكذا يبدأ تبني قيم العبودية والاستبداد، كمكون أساس لبنية الوعي الفردي والجماعي، فلا يشعر معها الفرد بالظلم، ولا يتمرد ضدها، لأن تمرّده نقض لوجوده الاعتباري الذي يمثّل القيمة الحقيقية له.

هذه المقدمة كانت ضرورية للتعرف على دور المشاعر في تلقي اللغة، التي من خلالها سنطل على موضوع القيم العبودية في ظل الثقافة الإسلامية.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق9) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

مضمرات الوعي

ماجد الغرباوي: يفترض أن الدين منظومة، هدفها تحرير الفرد من سطوة قيم العبودية، واستعادة عقله وحريته، ما لم يُستغل ويُعاد انتاج قيمها ضمن نسيجه، بيانا أو تفسيرا أو تأويلا. والكلام ليس حول العبودية بما هي مفهوم تصوري، تكسبه الممارسات العبادية دلالة تصديقية. وإنما الكلام عنها على مستويين، الأول: طبيعة الآثار الاجتماعية والسياسية والنفسية والتربوية المترتبة عليها. والثاني: نوع اللوازم البيّنة وغير البيّنة. القريبة والبعيدة. فالعبودية الاختيارية المتولدة عن قناعة دينية،  هي إيمان وإذعان مطلق، وقناعة تامة بقيمها، تنقلب معها مفاهيم الحرية حداً يعيش الإنسان مشاعر مختلفة. فهي قيم أصيلة في المجتمعات القبلية، يتلقاها الفرد بداية الوعي، بل هي ضمن القيم التي تؤسس لوعيه، وتؤصل لقيم فوقية تترتب عليها.

عندما نعود لواقع المسلمين وفقا للفهم المتقدم، نجد ثمة شكوكا حول قدرة الدين على انتزاع الفرد من واقعه، وتحرير قبلياته من أسر مرجعيات ظلت وفية لنظامها المعرفي القائم على ثنائية تكرّس التبعية والانقياد، وتبرر استلاب الوعي. سواء من آمن في زمن البعثة أو بعدها، من داخل الجزيرة العربية أو من خارجها. يشهد لذلك تمسك المهاجرين بمبدأ القريشية لحسم نزاع السلطة بعد وفاة الرسول، حتى أصبحت شرطا في شرعية الخلافة الإسلامية!!. وقد انبرى جملة من الفقهاء لتأصيلها فقهيا، وتعزيزها بروايات عن النبي تؤكد اختصاص القيادة بقريش، وغدت بديهية إسلامية، رغم حمولتها القَبلية والاستبدادية، سوى خلاف بين من يرى صحة خلافة القريشي مطلقا / السُنة، ومن يحصرها بأئمة أهل البيت / الشيعة. فكيف تفوّق مبدأ عنصري قَبَلي، على قيم أصيلة في التفكير الديني حسب الفرض، كوحدة العنصر البشري، ومركزية التقوى في التفاضل بين الناس، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). هل ناقض الدين نفسه وشجع عليه؟ أم أن قبليات المجتمع نجحت في التكيّف مع الوافد الثقافي الجديد؟ أو ربما إغراءات السلطة دفعت باتجاه التشبث بها، لحسم النزاع حولها؟ لكن كيف ينهار الإيمان أو ينقلب على مبادئه؟ أو لم ينقلبوا ولم يرتدوا، لكن الصحابة فهموا أن السلطة أمر مناط بهم، ولهم حرية اختيار من يرونه مناسبا، وبما أن لقريش خصوصية القيادة داخل المجتمعات العربية، فلهم أولوية الحكم، لذا أقر الجميع لهم، واقتصر الخلاف على أيٍ من بيوتات قريش أحق بها؟ لكن ماذا عن الحمولة السلبية في اعتماد المبدأ القبلي؟ وماذا عن حجم تداعياته في تقديم الولاء على الكفاء؟ وشطب الأخطاء وتنزيه سلوك السلطان، وتبرير الظلم والجور والعدوان؟. وماذا عن العقل الفقهي الذي نظّر للبعد الشرعي، على حساب قيم الدين؟

فثمة ظواهر في المدونات الفقهية تلحّ على نقدها، وتحري مرجعياتها، وهناك فقه يكرّس الاستبداد، كالفقه السلطاني عند السُنة، وولاية الفقيه عند الشيعة، التي تمنح الفقيه سلطة مطلقة، يستمدها من نيابته للإمام المهدي، ظل الله في أرضه، من حقه تعطيل الدستور والفرائض، كما حصل في عهد الإمام الخميني، حينما عطّل فريضة الحج لثلاث سنوات بعد توتر العلاقة بين إيران والسعودية. ولم يقف الأمر عند حدود الفقه والتأصيل الفقهي، بل راح علم الكلام ينظّر لعقيدة التنزيه والعصمة المتمثلة بعدالة الصحابة، المعادل الموضوعي للعصمة عند الشيعة، لتعضيد فكرة الاصطفاء، وشرعنتها كأصل عقدي، يواري سوأة قيم العبودية القائمة على الاستبداد، وقمع المعارضة. وقد حشد الطرفان شواهد وتأويلات واستدلالات لدعمها. فكانت روايات الفضائل تترى، وقد وظفوا جميع تقنيات الجرح والتعديل لتمريرها، وتفادي محنة ضعف السند أو كليهما. كما كان تأويل الآيات على أشده، في تنافس امتد لقرون وما يزال يكافح لتكريسها، بينما راحت الخرافات وروايات الكرامات تتولى تخدير الوعي، وتطويعه بما يخدم ثنائية السلطة والمعارضة. ولا يمكن الاستهانة بعدالة الصحابة وعصمة الأئمة على الصعيد الفقهي، فهما ركيزتان أساسيتان في عملية استنباط الأحكام الشرعية. وكانت خلاصة كل هذه الجهود شرعنة الاستبداد، وسلوك الخلفاء، وتبرير سفك الدماء، وهدر الثروات، وترسيخ مبدأ الوراثة في الحكم، وتحصين الرموز تبجيلا وتقديسا، والارتفاع بهم فوق النقد والمراجعة.

وبالتالي فإن سلوك السلطة والمعارضة تاريخيا يبعث على الارتياب، لا يستدعي إذناً شرعيا لتحري صدقيته وحقيقته، ومدى تناغمه مع قيم الدين. حتى مع مدنية السلطة، لأن الدين كان يستبد بمرجعيات الصحابة كما هو المفروض، وعنه تصدر تصوراتهم ومواقفهم وأحكامهم، خاصة مَن ترعرع في أحضان البعثة النبوية، وانتهل من أخلاقها ومبادئها. وليس ثمة ما يمنع النقد والمراجعة، بما في ذلك آيات الفضائل التي تخص الصحابة، بل أن الشكوك مبررة قرآنيا، في ضوء بعض الآيات، التي تجعل من الرِدة والانقلاب على الإيمان أمرا محتملا. لأن اعتناق الدين الجديد، تقويض لقبلياته، وتأسيس قبليات جديدة وفق مفاهيم مختلفة للحياة والموت، والآخرة، والعبادة، والمعبود، والعلاقة بالناس و"الملأ" في مجتمعاتهم. والتخلي عن القبليات ليس سهلا، بل الإيمان معاناة حقيقية، غير أن الأجواء النفسية التي أحاطت بالمسلمين، وتوالي المعارك وما تصاحبها من مشاعر، مهّدت لتوطيد الإيمان. وهذا يختلف عمن يولد في بيئة مسلمة، وينشأ نشأة دينية، حيث يكون إيمانه مكتسبا، يتلقّاه ضمن ثقافته. تصطلح عليه المدونات الفقهية "الإسلام الفطري"، في مقابل "الإسلام الملي". الأول من يولد من أبويين مسلمَين أو أحدهما. فيقتل عندهم إذا ارتد. بينما يستتاب الثاني أولا فإن تاب وإلا قُتل.

إن السلف الصالح سلطة مازالت مؤثرة، تفرض محدداتها على المجتهدين من جميع المذاهب، وهذا مبرر آخر يدعو لتحري ذلك التراث المثقل بقيم العبودية، حداً غدت جزءا من الدين، للتخلص من سطوته وتحرير العقل المسلم من فخاخه وأثقاله. ومن الآيات التي تبرر النقد والمراجعة، قوله تعالى:

- (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ).

- (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ..). التي تؤكد إمكانية الردة مطلقا.

- (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ..)؟. وهي واضحة في فضح قلق الإيمان، وعدم رسوخه كمنظومة فكرية وأخلاقية.

- (.. وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم).

- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ..).

هذه الآيات وغيرها تبدي قلقاً واضحا حيال صدقية الإيمان وضمان ولاء المسلم وعدم ردته عن الدين. فالردة ممكنة، لا تستثني أحدا، يؤكدها خطاب الآية الأخيرة الموجه لخصوص المؤمنين. ومعنى الردة، نكوص الولاء، بسبب ضعف الإيمان، وعدم استقراره حداً: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ). وهي صفة إيمانية، بل وأعلى درجات اليقين في مجتمع يولي العلاقات الاجتماعية قدسية خاصة، لكنه يضحي بها لصالح مبادئه وقيمه الدينية.

فإطلاقات آيات الرِدة المتقدمة، صالحة لتقييد إطلاق آية: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). ومعنى التقييد: استثناء المرتد من إطلاق هذه الآية بالذات. ولازمه شرط الاستقامة وعدم الارتداد في صدقية مصاديقها مستقبلا. فهي صادقة في زمن النزول ما لم يرتد. ومرتهنة لإيمانه وعمله الصالح فيما بعد. فليست ثمة تزكية مطلقة، وإنما تتوقف على فعلية شرطها، أي الاستقامة. وإلا يلزم من إطلاقها شرعية جميع سلوكياتهم، خاصة (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ)، التي تتجاوز مرحلة البعثة وما بعدها، بما يتنافى مع المنطق القرآني، بل ويتنافى مع منطق الحق مطلقا. وهذا أيضا مبرر لتحري سلوك الصحابة ومن تابعهم بإحسان، خاصة وقد تورطوا بالسلطة وسفك الدماء وهدر ثروات المسلمين. فالأمر يختلف عن زمن البعثة، عندما كانوا تحت إشراف وقيادة النبي مباشرة، وكان الوحي يتنزل يحذّر ويفضح، حتى كان أحدهم يخشى أن ينزل فيه قرآنا (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ).

وكقاعدة عامة: يبقى الأصل نزاهة من أشارت لهم الآية، ما لم يدل الدليل القطعي على رِدتهم أو انحرافهم عن الاستقامة القرآنية. وهي ممكنة تؤكدها آية: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ). فنلتزم بنزاهة السابقين الأولين زمن البعثة، وتبقى الرِدة محتملة، وأما بعد وفاته فالجميع يرتهن لسلوكه واستقامته، بل آية "الانقلاب على الأعقاب" تؤكد إمكانية الانقلاب على الإيمان، وهي مطلقة لا تستثني أحداً، وقد نزلت في معركة أُحد، حيث كبار الصحابة آنذاك. وبالتالي فهذا القدر من الشك يؤكد أيضا إمكانية الرِدة، كصيرورة نهائية لقلق الولاء. ولازمه نفي النزاهة والعصمة المطلقة، ويبقى الصحابي هو وسلوكه ومواقفه وقدرته على إدارة الأزمات بما لا يخل بقيم الدين، وضمن فهم إنساني ينأى عن قيم العبودية والاستغلال. وتبقى سيرة الصحابة في دائرة النقد والمراجعة، بحثا عن مرجعياته، المرتبطة بدوافع أيديولوجية وسياسية وقبلية.

نستخلص مما تقدم:

أولاً: إمكانية الارتداد ولو على المدى البعيد، مع نفي العصمة السلوكية، والفكرية للصحابة. فهناك أمران، يرتبط الأول بالبعد النظري / الإيمان في مقابل الرِدة. والثاني يكون موضوعه السلوك / العمل الصالح في مقابل الانحراف السلوكي. والفقهاء يرتّبون حكم  الرِدة علي كليهما، فمن ارتد عن الإسلام إلى الكفر يصدق عليه حكم المرتد. ومن أنكر ضرورة من ضرورات الدين، كالصلاة والصوم وغيرهما يطبق عليه ذات الحكم. فالرِدة أوسع مفهوما من الارتداد عن الدين، بما يشمل سلوك الفرد ومدى إلتزامه بأحكام الشريعة. غير أن الآية لا تفيد هذا الإطلاق بل وتعسف واضح، فنقتصر على القدر المتيقن، وهو الارتداد عن الدين، بمعنى العودة للكفر.

ثانياً: التزكية شهادة حسن سلوك، يتوقف فيها (رضى الله) على إيمان الفرد وعمله الصالح، لذا تكون شاملة لمن اتبعوهم بإحسان كما جاء في سياق الآية، فلا خصوصية لسبقهم سوى الثبات على المبادئ وقوة الإيمان والاستقامة، فتشمل كل من اتصف بهذه الصفات مستقبلا. تؤكده سياقات آيات الكتاب التي ترتهن مصير الفرد بإيمانه وعمله الصالح، قانونا قرآنيا عاما، وردت فيه أكثر من خمسين آية، تربط بين الإيمان والعمل الصالح. وليس في الآية أية دلالة على العصمة الفكرية أو السلوكية أو غيرهما. ولا مرجح لهم دون غيرهم، خاصة بعد وفاة النبي. واعني بالعصمة استبعاد صدور الخطأ في مواقفهم وسلوكهم، خاصة عند ممارسة السلطة والحكم.

ثالثا: الارتداد دليل مرونة قيم العبودية والقَبلية وقدرتها على المراوغة والتخفّي تحت عناوين مشروعة، تجعل من التمسك بقيمها أمرا عباديا، والعبادة لا أنها فقط تطهّرها من الرجس والأدران والعاهات الأخلاقية، بل وتجعل منها أمرا مقدّسا، لا ينطفئ غضب الرب إلا بالانقياد لها.

إذن، فالطريق ممهد لتقصي مدارات قيم العبودية ضمن النسيج الإسلامي (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ). والنفاق أعم من الولاء والتظاهر بالإيمان لتفادي التحديات وتحقيق الأهداف والمصالح الشخصية. فمن لم يتمكن الإسلام منه يبقى وفيا لقيم العبودية، التي هي قيم مجتمعات الجزيرة العربية، بل والمنطقة بأسرها.

الإيمان بمفرده لا يكفي لكبح المتواري من قيم العبودية وهيمنة قيم القبيلة والنظام الأبوي، ما لم تقوّض مقولات البنية المعرفية السابقة، وإعادة تشكيل العقل وفق تأسيس معرفي، يرفض تبريرها تحت أي مبرر، ويرتكز للبرهان والدليل في محاكمة المفاهيم والأفكار، حينئذ فقط يصدق التحوّل الجذري بفعل الإيمان الجديد. فالآيات المتقدمة تؤكد فاعلية المُهيمن الثقافي وفق آلية الضمور والظهور الموارب أو المتستر بقيم الدين الجديد. بل أنه قادر على تكييفها لتكريس مفاهيمه، مستفيدا من مرونة النص الديني، وثرائه الدلالي، فالآيات التي تشيد بالتسليم للخطاب الديني مثلا، تكفي لتمرير قيم العبودية تحت سارية الدين، ما لم يتداركها الوعي، ويعيد قراءتها ضمن سياقاتها القرآنية. فالحديث عن تسرّب قيم العبودية للعقل المسلم حديث مشروع، تؤكده التنظيرات الفقهية للاستبداد، كالفقه السلطاني، بشقيه السني والشيعي (ولاية الفقيه) تحت ذرائع سياسية لا علاقة لها بالتشريع، بل وتتقاطع مع قيم الدين الذي يؤكد على إقامة العدل والانصاف ورفض الظلم والعدوان.

أجد أن مبرر قلق الآيات المتقدمة يحيل لنظام المعرفة البشرية بشكل عام، وقدرة المضمرات العقدية والمقولات التأسيسية، على المراوغة والإلتفاف. فتغدو قيما دينية معقولة بمعيار العقل الديني المندمج بقيم العبودية، دون التجرد من حمولتها الدلالية وتأثيراتها. فروح التلقي المُستَلَب تحافظ على مشروعيتها بانتسابها للدين. والفرق واسع بين تلقٍ مُستَلب يجرد الفرد إرادته، ويصادر حريته، وتلقٍ واعٍ، عقلاني، متوازن ومستنير، يؤكد وجود الفرد وحريته وإرادته.

إفرازات البعثة

أفرزت البعثه النبوية واقعين، قبل وبعد، بينهما فصام عقدي مرير، تراوح بين الكفر والتوحيد، مرورا بالشرك، انعدمت معه احتمالات التسوية العقدية. وانقلب الفصام إلى صراع دموي، امتد لعشر سنوات، هي حياة النبي في المدينة. وقد انتهى بصلح الحديبية ومن ثم دخول مكة، عام الفتح، فدخل الناس في دين الله أفواجا. فثمة مشتركات بين الصحابة، وهناك خصوصية السابقين الأولين، ممن واكب حياة الرسول أو جُلها. وهي خصوصية فرضتها استقامتهم، فيأتي السِبق فضيلة إضافية

وأما المشتركات فهي وحدة الثقافة والبيئة الاجتماعية، وهي بيئة قبلية وأبوية. يسير بموازاتها نسق قيمي، يخص النظام الأبوي الذي يتقوّم بالطاعة والانصياع، وتعززه مقولات تراثية واجتماعية، تكرّس طاعة الأب كقيمة تستمد شرعيتها من مقام الأبوة، لها استحقاقها الذي تحفظ به، وحدة العائلة، الوحدة الأساس بالنسبة للقبيلة، المجتمع. فهناك نسقان يتحكمان بوعي الفرد والمجتمع، النسق القبلي القائم على ثنائية السيد / العبد، والنسق الأبوي المرتكز لثنائية الأب / الإبن. فوشائج الولاء والدم والقرابة تعد بنية فوقية للمجتمع القبلي، تكمن تحتها أنساق مضمرة تغذي البنى الفوقية. لذا لا تتمكن تلك الوشائج منفردة من تحريك المشاعر القبلية، عندما يتحرر الفرد من قبلياته، بل تبدو باهتة، وربما ينقلب ضدها ويرميها بالجاهلية والتوحش، خاصة السلوكيات القبلية السلبية، كدوامة الحروب، والإسراف، وتبرير الغزو والنهب. وما لم ندرك تلك المقولات المؤسسة لبنية العقل القبلي، سيبقى الغموض يلف سياقات وعي ما بعد اعتناق الدين الجديد، الذي كافح من أجل تحرير العقيدة من عبادة الأصنام والأوثان، لكن لم يكافح جادا أو كافح ولم ينجح في قمع الموروث القبلي وقيمه ومبادئه. فثمة أنساق متوارية بقيت تتحين، حتى انطلقت بقوة خلال تسوية الصراع على السلطة، بل لم يتخلص منها الصحابة في زمن الرسول، حدا كان النبي يسعى لكسب قريش، وطمأنتهم، والثناء على صفاتهم الإيجابية فيهم، كما هناك روايات في فضائل قريش، قد تكون موضوعة لكن تبقى محتملة، فاعلة، مؤثرة.

فعندما تقول الآية: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) تؤكد وجود لبس في فهم العلاقة في ضوء الإيمان. فهناك اختلاف في مبادئ العلاقة بين الإيمان بالله ورسوله وعدم الإيمان. وتباين في طبيعة المقولات المؤسسة للعلاقات الاجتماعية. فمن يؤمن يتعين عليه تبني فهماً جديدا، يقوم على القطيعة مع أقرب الناس عندما يكون محاربا لله ولرسوله. بينما العلاقة مع غير المحارب وإن لم يكن مسلما، هي: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). لكن رغم هذا التثقيف استبدت قيم العشيرة والقريشية بالصحابة، واستأثروا بالسلطة، بعد استبعاد الانصار، الذين لم يوص رسول الله بأحد كما أوصى بهم، لحجم تضحياتهم من أجل الرسالة وصاحبها؟

فثمة احتمالات تسلط الضوء على حقيقة تمسك الجميع بمبدأ قبلي، على حساب مبادئ الدين والإنسانية. ولماذا لم يستطع الدين القضاء على قيم العبودية، بل وشرّع لها في أحكام العبيد. وأسئلة أخرى يجب مقاربتها من أجل الحقيقة، واستعادة الإنسان لوعيه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي15خاص بالمثقف: الحلقة المئة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق8) حديثه عن سلطة ومشروعية الفقيه. 

 

 المعرفة واللغة

ماجد الغرباوي: اتضح مما سبق أن استلاب الوعي، انسداد أفق التفكير الإيجابي، بفعل ثقافة أُحادية، ترتهن وعي الفرد / الفقيه وتفرض عليه أسطرة الرموز، وتبعية تقصر وظيفته على تبرير وتأويل وتفسير المرويات الدينية والتاريخية دون نقدها وتفكيكها، ويغدو اللامعقول الديني مصدرا للمعرفة. فليس الاستلاب سوى استعداد، ينمو ويتطور تحت وطأة الموروث الثقافي، وسيادة قيم الاستبداد والنظام البطركي السائد. وقد يخبو بفعل يقظة العقل وقدرته على تشخيص مقاصد الخطاب، بعيدا عن مراوغاته وتقنيته في تبليغ رسالته. وما لم يتحرر الفقيه من قبلياته المؤسسة على مقولات طائفية وأيديولوجية موروثة، لا يتحرر الخطاب الديني، ويواصل تزوير الوعي بفعل انتسابه للدين، وارتهان العقل الجمعي لأوامره وفتاواه. على العكس من يقظة الوعي أو استنارته، حينما يتعامل الفقيه مع التراث وسيرة السلف الصالح برؤية نقدية. يحاكم، ويقارن، ويبحث عن جذور الفكرة، ومدى معقوليتها وقربها من قيم الدين ومبادئه الإنسانية. أي أن شرط استنارة الوعي يقظته، وقدرته على النقد وفقاً لمبادئ ومقدمات عقلية، لاكتشاف ما يتوارى خلف لغة الخطاب، وتحري مقاصده، وما يقبع خلف نسقه. فيقظة الوعي هي الضد النوعي لاستلابه، مفهوما واصطلاحا ودلالة، وعلى صعيد الآثار والتداعيات المترتبة عليهما، ولا مبرر لاستثناء الفقيه باعتبار تخصصه، بل قد تستدرجه غواية النصوص وقداسة التراث وثقافة الانقياد، فيتشبع برثاثة الوعي وهو في قمة تألقه العلمي، فينظّر للعنف والاستبداد ورفض الآخر، وتكريس منطق الوصايا، ومصادرة الإنسان حقوقه، سيما الحقوق الأساسية للمرأة التي صادرها المنطق الذكوري. وشرعنة الخرافة واللامعقول بناء على مقدمات غير علمية ولا عقلية سوى موروثاته وذاكرته المؤسسة على قيم قبلية وطائفية.

إن مكانة الفقيه الدينية والروحية والقيادية والسياسية، تتطلب ملاحقة قبلياته، ونقد مقولاته التي يرتكز لها في استنباط الأحكام واتخاذ المواقف السياسية. فهو سلطة توجه وعي الفرد والعقل الجمعي. سلطة ينقاد لها الناس طواعية، ويستجيب لها العقل الجمعي تلقائيا. لكن ربما كان الفقهاء رغم مكانتهم، وراء تخلّف المسلمين حضاريا، وهذا القدر من الاحتمال يكفي مبررا لنقد العقل الفقهي، وتحري مقولاته الأساسية، وطريقة اشتغالها داخل فضائه المعرفي، ومدارات وعيه بحثا عن حواضن استلابه، الذي يلعب دورا خطيرا في تكريس منطق الانقياد اللاواعي، وتسويغ منطق الوصايا. فالفقيه كغيره يتأثر لا إراديا بقبلياته وثقافته ويقينياته المكتسبة، وتؤثر به ما لم يتولَ تقكيكها ونقدها وإعادة تشكيل وعيه على مبادئ عقلية، وأسس معرفية مختلفة، غير أن المرء غافل عنها، يعتقد بصحتها، وسلامة ثقافته مطلقا، ناسيا دور التلقي والتربية في وجودهما.

من هنا يتعين تحليل العقل الفقهي، وفق نظام اللغة، بما أنه عقل بشري، له تقنيته في تلقي المعرفة وانتاجها، لا فرق بين شخص وغيره. وثمة نظام يتأسس على مقولات مكتسبة، تؤسس لبنية معرفية، تفرض محدداتها على وعي الحقيقة وفهم الواقع. ولا سبيل آخر لإدراك حقائق الأشياء خارج نظام اللغة، حتى المعارف الصوفية أو ما تسمى بالكشفية، التي هي مشاعر متدفقة وأفاق روحية متوهجة، إلا أنها تبقى مقولات مضمرة، يصعب اكتشافها لغموضها وتواريها بفعل أجواء التوصف والعرفان. وعليه فالوعي مرتهن لمقولات راسخة، يصعب تجاوزها بعيدا عن التفكيك والنقد، وهي مرحلة متأخرة عادة، تتطلب شروطا ذاتية وموضوعية، واستنارة عقلية تدفع باتجاه المراجعة.

يولد الإنسان صفحة بيضاء سوى استعداد لاكتساب معارف أولية، تنتظر تراكم لتتطور طرديا مع حجم استيعابه. فتكون حواسه مصدرا أساسا لوعيه. وهي أخطر المراحل. أعني مرحل التلقي اللاشعوري، أو مرحلة التكوين اللاشعوري لقبليات الفرد وعقله. حيث تترسخ فيها الأفكار والعقائد عميقا في قاع اللاوعي، وتواصل تأثيرها، ضمن أنساق معرفية، مضمرة، عصية على الاكتشاف، ما لم تتراجع أو تتطور بفعل التراكم المعرفي، خلال مراحل حياة الإنسان. فقد تتلاشى لتحل محلها معرفة واعية، أو تلازمه مدى الحياة. فالمقولات الأساسية هي المسؤولة عن برمجة العقل ومدارات وعيه، حينما تفرض محدداتها. بها يعمل، ومن خلالها يفهم الواقع، ويدرك حقائق الأشياء. لا غنى له عنها، ولا عمل ممكن بدونها. وهي تراكم معرفي مكتسب من بيئته وثقافة مجتمعه، ترسو لا شعوريا، وتترسخ في غفلة من الوعي، لتعود تتحكم باتجهاته ومداراته.

ويمكن بيان خصائص مرحلة التلقي / الطفولة، كالآتي:

- ينحصر التلقي والتلقين في بداية حياة الإنسان بالحواس الخمسة، فتترسب معارفها لا شعوريا، وترسو عميقا، تتولى برمجة عقله ومدارات وعيه. لكن التلقي استغفال للعقل بعد مرحلة الطفولة، وتبلّد تتوقف يقظته على محفزات ذاتية وموضوعية.

- يلتقط المتلقي في هذه المرحلة جميع المشاعر النفسية والعاطفية والأجواء الروحية المرافقة للمفردة خلال عملية التلقي، سواء كانت إيجابية أو سلبية، بل يلتقط حتى طريقة انفعال المتكلم / الأب / الأم / أو أي فرد آخر. لأن المشاعر ملازمة لحديث الإنسان، والطفل يلتقطها ويتفاعل معها، فتلازم الكلمة في لا وعيه، وعندما يعود لها ينطقها بذات المشاعر المكتسبة، وقد تزيد وتتراكم بفعل تلقٍ جديد.  فالمعرفة تبدأ اكتسابية – نفسية، ثم تترسخ بتشابك العلاقات العاطفية في قاع الوعي. وهذا جلي في العقائد الدينية والتقاليد والأعراف الاجتماعية، فتجد فردا يؤمن بخطأ فكرة دينية عقلا، وربما يصفها بالخرافة، لكنه يستبعد منطق العقل، ويتفاعل معها عندما تحين مناسبتها. فالسبق دليل رسوخ المقولة، سواء كانت دينية أو غيرها، ودليل أنها تحتمي بشبكة مشاعر متداخلة، تحول دون هدرها. وهذا يؤكد أن الجانب العقدي عند الإنسان شعوري أكثر منه عقليا، بل يرضخ العقل لأحكام المشاعر وضروراته، ويتجه للتنظير لمقولات خرافية تماهيا مع مشاعره وإيمانه.

- لا معنى للنقد في مرحلة التلقي، لأنه أيضا يتأسس على مقولات أساسية مغايرة، ولا يعقل الارتكاز لذات المقولة لنقدها، هذا بالنسبة للمعرفة البشرية، فيأتي النقد متأخرا بعد اتساع أفق المعرفة، وتعدد سياقاتها وأنساقها. فيرتكز لنسق معرفي في نقده لنسق آخر، ولا يخفى دور الفطنة وقوة الملاحظة والذكاء والجرأة في ممارسة النقد وخلق روح نقدية متوترة مولعة بالأسئلة. فالتحرر العقلي إذاً يتطلب مرانا على النقد والمراجعة وطرح الأسئلة والاستفهامات وتقويض المألوف والمتعارف ومطاردة ألاعيب الخطاب. من هنا ينزعج الناس حينما يستفز الخطاب النقدي عقائدهم ومورثاتهم، ويربك استقرارهم النفسي القائم على تلك الموروثات الدينية. فهي أساس وجوده وكينونته الاجتماعية، يستميت في الدفاع عنها والتضحية في سبيلها، عندما يتعلق الأمر بالهوية والانتماء الذي يزعزع الاستقرار والطمأنينة. فالدفاع عنها دفاع عن وجوده وهويه وانتمائه، فلا يسمح بهدرها ما لم يتولى نقد الذات بنفسه، ويبدأ بمراجعة قبلياته، ويسمح للعقل بالنقد وفقا لمبادئه. أي أنه يرتكز لأنساق عقلية ومعرفية مغايرة تتصدى لنقد مقولاته الأساسية. في هذه الحالة فقط تبدأ عملية التنوير.

لغة العقل

يمكن تقريب فكرة عمل العقل بلغته، وكيفية تعقله للأشياء، من خلال أجهزة الكومبيوتر التي تحتفظ بلغة خاصة، رمزية ومشفرة، ضمن لغة الكم، والأنساق. فالجهاز لا يفهم ما تكتبه إلا بواسطة لغته، ولا يُجيب كما ما تراه على الشاشة إلا بذات اللغة ثم تظهر النتيجة من خلال اصطفاف الأنساق الكتابية في مرحلة العرض النهائي. ولا يمكن للمبرمج تصميم برنامج ما لم يكن خبيرا بلغة الكومبيوتر. ورغم تعقيد هذا الجهاز وحضوره المذهل، إلا ان فكرته بسيطة، قائمة على دوائر كهربائية (0-1)، هي التي تقوم بتنسيق المعلومات، فقيمة الجهاز بخزينه، وقدرته على استيعاب المعلومات، وسرعة حركة المسح الليزري. فكل معلومة تمر عبر عدد كبير من الدوائر الكهربائية رغم ظهورها للمشاهد بفائق السرعة. ومصداقية هذا الكلام واضحة لمن عاصر أول ظهور الكومبيوتر وسرعته البطيئة، حيث كان استعراض الشاشة يتطلب وقتا طويلا، بسبب قلة الدوائر الكهربائية وضعف قدراتها على المسح المعلوماتي السريع. لكن الأجهزه الحديثة طورت نفسها، وتغلبت على عوائق السرعة الفائقة من خلال تطوير الحزم الكهربائية والضوئية. وهكذا العقل لكنه أكثر تعقيدا. فالحقيقة التي يقدمها جهاز الكمبيوتر وليدة مخزونه المعلوماتي، فهو لا يفكر مثل الإنسان، ولا ينتج معرفة خارج فضائه المعلوماتي إطلاقا. وعندما تكون معلوماته ناقصة لا يعطي نتائج مطابقة، لذا برامج البحث لا تجيب بشكل دقيق إلا إذا عثرت داخل شبكة الانترنيت على معلومات كافية لبناء معلومات جديدة. وخير شاهد برامج الترجمة الانترنيتية الفورية، وعثراتها الكبيرة. فالجهاز قد يعرف المعلومة لكن لا يعرف تركيب الكلام وفق لغتنا. خاصة أن اللغة أنماط ثقافية لا مجرد رصف كلمات غير مفهومه. أنماط تتحكم بها دلالات ثقافية واجتماعية ومشاعر نفسية. وهذا لم تستطع لغة البرمجة تحقيقه لحد الآن، إلا ما يحصل صدفة. حيث أن الترجمة تعمل على مسح معلوماتي، وتنقل النص المطابق بين اللغتين، فعمل الجهاز مقارنة واستنساخ، وليس ترجمة فعلية للكلمات، لذا أصبحت الترجمة سهلة من خلال تصوير الكلام. فتكون وجهته الأولى في المسح وثائق الأمم المتحدة المترجمة لجميع أنحاء العالم حيث تسهل مقارنة النصوص. فتنقل ذات النص المترجم إذا كان ممكنا. لكن الإنسان يتمتع بكل هذه الامتيازات. ويقوم بتأليف النص وفقا لجميع دلالاته، فتأتي الصورة الكتابية مطابقة للصورة الذهنية، مفعمة بالمشاعر والأحاسيس.

وملخص هذا الكلام بطوله، أن الإنسان مرتهن لخزينه المعرفي وقوة مشاعره، وبنيته التي تأسست فوق مقولات مكتسبة، تمثّل يقينياته وثوابته، وتفرض عليه محدداتها، ومسارات تفكيره ومواقفه من الأنا والآخر. فالمعلومات الأولية التي هي أساس المعارف البشرية يتلقاها الفرد لا شعوريا، وترسو عميقا دون معرفة تفصيلاتها، وآلية عملها، حتى وهي تفرض سلطتها عليه، بل لا يستقل بإرادة دونها، ويستفزه كل تحرّش نقدي بها، حتى تكتمل مؤهلاته العقلية، ويصبح قادرا على النقد والتمييز والمساءلة حينئذٍ يمكنه مراجعة جميع يقينياته، وفق أسس عقلية نقدية، خاصة ما له علاقة بالعقيدة والفكر، ومقولات متوارية ينطلق منها التفكير البشري.

وكمثال شاخص، إيمان الناس بقدسية عقائد ورموز دينيه وتاريخية موروثة، موغلة بالقدم، يصعب تأكيد صدقيتها ومطابقتها للواقع، بل ويصعب نفي خرافيتها أو جزءا منها. غير أنها تمثّل بالنسبة لهم حقائق مطلقة، ترتبط بمشاعرهم وثقافتهم وهويتهم وانتمائهم، وليست شيئا خارجا عنهم. والسبب أن التلقي الأول يتولى تأسيس أرضية الفضاء المعرفي للفرد، ثم يقوم العقل بتشييد بنيته فوقه، فهي أساس يقينياته وقبلياته التي تقرر سلوكه ومواقفه، وتحديد استقلاليته، وارتباطه بعقيدته ورموزه وثقافته، فثمة جدل مستمر بينه وبين الواقع، الذي هو انعكاس لثقافته، فتترسخ قناعاته، خاصة عند تحديات الهوية والانتماء (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ). وخصائص هذه المقولات، أنها:

1- تتولى تشكيل الوعي الفردي والعقل الجمعي.

 2- تؤثر في توجيه مشاعر الفرد والمجتمع.

2- تشارك في تشكيل الهوية ورسم حدودها.

3- تكون مصدرا للانتماء الاجتماعي.

تلقي الفقيه

الفقيه كغيره من البشر، يبدأ بالتلقي اللاشعوري ليتماهى مع بيئته الثقافية والاجتماعية. لا يكتفي بترديد ما يسمع وتقليد ما يرى، بل تترسب جميع المفاهيم والصور والمشاعر لا شعوريا، لتؤسس بنيته المعرفية، على شكل يقينيات ومبادئ، من خلالها يمارس العقل دوره في التركيب والاستنتاج وانتزاع المفاهيم والصور الذهنية، وعلى هداها يتحرك الإنسان، يبنى علاقاته ويزاول حياته اليومية، وهي ذاتها تخلق شغف المعرفة، وحب الاستطلاع واكتشاف الحقائق، فيكرر الأطفال تجاربهم مع كل ظاهرة، يدرسون أسبابها ونتائجها، وبهذا الشكل يراكمون خزينا معرفيا، وقاعدة بيانات يمارس في ضوئها العقل دوره في انتاج المعرفة.

والمعرفة الأولية خليط: عادات، تقاليد، مشاعر، مواقف، نصائح، علاقات، تقليد، متابعة، ومنها: العقائد والشعائر والطقوس، المسؤولة عن الوعي الديني مع كل مناسبة يلتقط مفهوما وأحاسيس ترسو عميقا، تتولي برمجة وعيه الديني، وموقفه من الآخر المختلف. والمشاعر راسخة، تتجدد مع كل مناسبة وطقس ديني أو طائفي. بل الطقوس منبع المشاعر الدينية، لذا تفرض الأديان بعض الشعائر، من أجل خلق رأي عام وعقل جمعي يعمق الإيمان لا شعوريا. وبالتالي فعقائد الفقيه عقائد موروثة، مكتسبة لا شعوريا، ومشاعره الدينية تنتمي لمقولات ترسّخت بعيدا عن وعيه وإرادته، فتعمل ضمن أنساق مضمرة جدا، غير أن تأثيراتها تتجلى في سلوكه ومواقفه، وتشارك في تشكيل هويته، وتحديد انتمائه. فهي بالنسبة له يقينيات، ونهائيات، تفرض نفسها سلطة معرفية، تتولى توجيه مسارات سلوكه ووعيه. وعندما تكون المقولة يقينية وسلطة لا يساور الفرد شكا بها مطلقا، ومرجعية نهائية، يحتكم لها لتسوية الشبهات واستبعاد الشكوك. بل تفقد الشكوك مصداقيتها عند أول ممارسة طقوسية، سلوكية أو روحية. فينقلب الموقف من الشك إلى الأدلجة، والدفاع المستميت. ويبدأ الفقيه بمراكمة أدلة كلامية لتعضيد عقائده، دون نقدها. فيكون استلاب الوعي قدره، ما دام الفقيه ينغلق على نسقه العقدي، بعيدا عن المقاربات النقدية، والمراجعة العلمية. أي أن الفقيه حينما يبلغ درجة الاجتهاد يفترض أنه في قمة العقل، هكذا حينما تتابع دراسات أصول الفقه، غير أنه يضرب ستارا حديديا حول عقائده وموروثاته في موقف غريب جدا. يعتبرها مناطق محرمة، مسؤوليته الدفاع عنها، وتبرير خرافيتها، حينما تجافي العقل والمنطق. فالنقد الداخلي غير متصور بالنسبة للفقيه وغيره، لعدم تحقق شرطه، وهو استقلالية مرجعيته، وهذا متعذر لعدم وجود يقينيات مغايرة، وبالتالي يتوقف نقد العقل الفقهي على نقد مقولاته الأساسية ويقينياته، كي يعاد تشكيلها على أسس عقلية، وتعود تعمل كمرجعية نهائية بأنساق معرفية مختلفة، تنتمي للعقل والمنطق السليم.

تتصف المقولات العقائدية بتجذرها وقوة هيمنتها بفعل حاجة الإنسان لرؤية كونية تُطفئ قلقه الوجودي، ومخيال خصب يروي ضمأه الروحي. فتشكّل ركيزة استقراره النفسي، وضمانة لتطلعاته المستقبلية والماورائية، وهي قضية مهمة خاصة النفوس المؤمنة المسكونة بالغيب، بهذا تفرض صدقيتها، وبريادتها التأسيسة تراهن على حقيقتها. فهي مقولات مهيمنة على الوعي، لا يمكن هدر سجونها إلا من خلال وعي مختلف يتولد عن نقد متواصل لتلك العقائد والمقولات. وهذا سبب آخر لتعذر نقد العقيدة وما يرتبط بها من مشاعر وطقوس وعادات وتقاليد.

السيد محمد باقر الصدر (ت 1980م) فقيه كبير، وأصولي بارع، ومفكر وفيلسوف، تشهد له كتبه ومنجزاته ونظرياته، لكنه يتخلى عن النقد، ويلجأ لمنطق التبرير، حينما يناقش قضية المهدي المنتظر في كتابه بحث حول المهدي، فيسوق قضايا ومقدمات كأنها بديهيات، دون مقاربتها أو التحرّش بها نقديا. وهي ظاهرة خطيرة في مجال العقيدة، لا تفسير لها سوى ارتهان العقل الفقهي لنسقه العقدي المنغلق، ورهانه المستمر على استلاب العقل الجمعي. وليس غيره استثناء، من جميع الأديان والمذاهب.

العقل الفقهي، عقل ازدواجي في معاييره. عقل نقدي في أصول الفقه، وتبريري في مجال العقيدة وما يرتبط بها، حد التخريف أحيانا. بل ويطوّع القواعد الرجالية والحديثية لتعضيدها، ويستعين بكل تأويل، لدعمها وحمايتها. وحينما ينغلق الفقيه على نسقه العقدي، ينتج لنا فقها مستلبا، يفرض قناعاته على النص الديني. فاستهداف عقل الفقيه بالنقد يمهّد لتفتيت سلطته القائمة على قبليات أيديولوجية، وإعادة تشكيل العقل الفقهي في ضوء الكتاب الكريم، باعتباره مصدرا للتشريع، ومرجعية العقل للحيلولة دون استبعاد مركزية الإنسان ومصالحه وفق فهم متجدد للدين وفلسفته.

إن نتائج استنباط الأحكام الشرعية تتأثر جدا بعقائد الفقيه وتوجهاته الأيديولوجية والطائفية، فثمة فرق بين ثبوت وعدم ثبوت عدالة الصحابة عند السنة، أو العصمة عند الشيعة. وستختلف وجهة الاجتهاد وتفصيلاته بين من يؤمن بالإمامة ومَن لا يؤمن بها، ومَن يعتقد بنظرية العبودية أو ينكرها. وتتأثر الفتوى باختلاف الآراء حول السُنة النبوية ودورها في التشريع. غير أن الفقيه ينطلق في بحوثه من مسلمات عقائدية موروثة، لا يراوده الشك فيها، بينما ينبغي له أن يبدأ بحوثة بالعقيدة، ويحدد بدقة أدلة ما يؤمن به.

 لا يصدق الفقيه حينما يحرّم التقليد في أصول العقيدة، وسيرميك بالانحراف وربما الكفر حينما تختلف معه حولها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يتناول (ق7) حول سلطة ومشروعية الفقيه.

 

المفهوم والدلالة

ماجد الغرباوي: يتوقف تفسير بعض ظواهر التخلف الديني على تحديد دلالة مفاهيم لها علاقة بوعي الفقيه، كمفهوم "استلاب الوعي"، الذي يتسم بقوة إيقاعه داخل فضائه المعرفي، وقدرته على تزوير الوعي حداً تنعدم فيه الفواصل بين المقدّس وغيره، ويلتبس الإلهي بالبشري، وتغدو فتاوى الفقيه أحكاما شرعية مقدّسة رغم بشريتها. وما المدونات الفقهية سوى آراء اجتهادية، جرت وفق قواعد عقلية وأصولية أو اجتهادات شخصية متأثرة بقبليات المجتهد ومختلف توجهاته وعقده النفسية، غير أنها تكتسب شرعيتها من انتسابها له. فاستلاب الوعي يلعب دورا خطيرا في تزييف الوعي، يصعب رصده بعيدا عن النقد والتفكيك، وهذا ما نطمح له خلال البحث، التعرّف على دلالته وحقيقته وتداعياته. فكل ما ذكر حول تعريفه هي تجليات وظواهر لأسباب أعمق نريد تحري جذورها، لانتشال الوعي من كبوته وزيغه، وإعادة تشكيل العقل الفقهي، وفق أسس عقلية – موضوعية، بعيدا عن الأيديولوجيا والتوظيف السياسي والطائفي للدين. واللجوء للعقل ومركزية الإنسان، الذي هو هدف الرسالات.

الاستلاب

الاستلاب لغة: الاستحواذ والأخذ عنوة وبالقوة، من: (استلبَ يستلب، استلابًا، فهو مُستلِب، والمفعول مُستلَب. اِسْتَلَبَ مالَهُ: أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْراً، اِخْتَلَسَهُ. [و] يَعِيشُ حَياةَ اسْتِلابٍ: [أي] حَياةَ خُضُوعٍ واسْتِعْبادٍ بِفِعْلِ ظُرُوفٍ اجْتِماعِيَّةٍ ، اقْتِصادِيَّةِ، أَوْ فِكْرِيَّةٍ، أَوْ سِياسِيَّةِ خَارِجَةٍ عَنْ إِرادَتِهِ، اِسْتِهْواءٌ، إِغْواءٌ). وتأتي من السلب (وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ). ويصدق أن الاستلاب تجريد بالقوة. ورجل مستلب ماله، تم تجريده منه بالقوة.

وهو اصطلاحا: مفهوم سلبي، يستبطن النقد والاستهجان، بفعل الانسلاخ الثقافي، وتلبّس حالة التبعية الثقافية للآخر بشكل عام أو للغرب بشكل خاص. أو الوقوع في أسرها وأسر العقل الجمعي. وأما في الثقافة الغربية، فليس للمفهوم دلالة محددة، فروسو مثلا، يمنحه دلالة سياسية ترتبط بنظرية العقد الاجتماعي، ليُقصد به"تنازل الفرد عن قسط من حريته لسلطة الحاكم". وعند هيغل: "استلاب الوعي يتحقق في لحظة انغماسه في الطبيعة، إذ بذلك يفقد الوعي حريته". وأما فيورباخ فيقصد بالاستلاب: "ارتحال الوعي إلى الماوراء بسبب التدين". وهكذا تطور المفهوم عند ماركس الى الاستلاب بالمعنى الاقتصادي. ويُقصد به أيضا: "التشييء". فيقتضي تعريفه وجود قرينة دالة على المعنى.

والوعي لغة: إدراك حقيقة الشيء. يأتي من: "وعَى يعِي، عِ / عِهْ، وَعْيًا، فهو واعٍ. وعَتِ الأُذُنُ: سَمِعت. وعَى الشّخصُ الأمرَ: أدركه على حقيقته. وعَى الشّخصُ حديثًا : حَفِظهُ وقبِلَهُ وفَهِمَه وتدبَّره" وفي الآية: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ). فهو شيء زائد على السمع. فلا يكفي سماع الكلام ليصدق الوعي بل لا بد من إدراك مقاصده وغاياته، وما لم يصرّح به. والوعي نباهة العقل، ضد الغفلة والبلادة والغباء والبلاهة والخمول.

فيصدق اصطلاحا: "إدراك ما يتستر عليه الخطاب". والإنسان الواعي، إنسان قادر على إدراك مقاصده الحقيقية، بعيدا عن مراوغاته، وتقنيته في توظيف اللغة.

استلاب الوعي

إذاً، يقصد باستلاب الوعي، وفقا لتوظيفاته في الثقافة العربية: "وعي مغلوط، يكرّس دونية الأنا ويدفع باتجاه التبعية للآخر". وقد تم تداوله تزامنا مع مشاريع النهضة، لوصف وإدانة تيارات التغريب، التي دعت لقطيعة معرفية مع التراث والماضي، والالتحاق بالغرب وحضارته الصاعدة. غير أن المورد لا يخصصه، ويمكن توظيفه في مجالات أخرى.

وإذا شئنا تعريفه لغة، فاستلاب الوعي: تجريده. أو استفراغ الوعي من طاقته وحيويته وقدرته على اكتشاف الحقيقة وتشخيص الواقع. ووعي مستلب: وعي قاصر عن إدراك حقيقة الشيء. وبالتالي فدلالة المفهوم دلالة سلبية، لوصف نكوص الوعي وعجزه عن إدراك الحقيقة وملابساتها.

واصطلاحا يعني: "نكوص الوعي في إدراك مقاصد الخطاب وما ينطوي عليه من مضمرات بفعل ظروف خارجة عن إرادته".

وجميعها تعريفات تقريبية، ناقصة، لا تستوفي شرطها المنطقي، ولا تساعد على نقد المدونة الفقهية الذي هو هدفنا أساسا. وقد اكتفت بوصفه دون بيان حقيقته، وهذا لا يكفي لتفكيكه وانتشال الوعي.

إن استلاب الوعي مفهوم عميق، يستمد دلالته من وعي الذات وعلاقتها بالآخر. وما "التبعية" التي يتحدث عنها المفهوم في الحقل الثقافي العربي سوى لازم له. وأما حقيقته وصدقيته، فتتجلى حينما يتوقف وعي الذات على وجود الآخر، وتصبح الأنا موضوعا لهيمنته واستفزازه. كإفراز طبيعي لأنظمة الهيمنة منذ القدم، حيث تمارس مختلف الظروف عملية تزوير الوعي، وقتل توهجه، لتكريس روح التلقي والتبعية والانقياد. فسلب الوعي، استراتيجية ضمن منظومة الهيمنة والنظام الاستبدادي - الأبوي. فيغدو الوعي ملتبسا، مشوشا، مغلوطا، يستجيب لمتطلبات مرحلته. فيصدق تعريف المفهوم: استلاب الوعي: نكوص الوعي بفعل الهيمنة الاستبدادية وتداعياته الخطيرة. بشكل يتوقف وعي الذات على وجود الآخر، وصيرورة الأنا موضوعا لهيمنته، حداً يعيق إدراك مقاصد الخطاب وما ينطوي عليه من مضمرات. فثمة انقلاب مفاهيمي ومعرفي في ظل هيمنة ثقافية وسياسية، تفضي إلى استلاب الوعي، وتتفادي وطأته بتقديس الآخر، فتصبح التبعية قدرا وجوديا ومقولة أساسية، تتولى تشكيل وعي مستلب، يُفقد الفرد حريته واستقلاله، ويرى الآخر ضرورة وجودية، من خلال هيمنته واستبداده ومنطق الوصايا، فتندثر قدرة الوعي على التشخيص الصحيح، وإدراك مراوغات الخطاب. ويلتبس مفهوم الحرية بغيره من المفاهيم الموحية، بما يبرر التبعية والانقياد المرير.

إن استلاب الوعي حالة لا شعورية، يفقد معها الفرد قدرة إدراك مقاصد الخطاب ومضمراته، لها أسباب ذاتية وموضوعية. ذاتية ترتبط باستعداد الفرد للرضوخ والتبعية أو التمرّد على قيم العبودية مهما كانت قساوة الظروف. وهو استعداد فطري، يرتبط بحالات نفسية تراكمت عبر ظروف طابعها العنف والإرهاب، تحصل بسببها ردة فعل، تضع الفرد في ترقب وخوف مستمر، ينتابه قلق وشرود لا إرادي، مع كل حادث مفاجئ.

وأسباب موضوعية يفرضها واقع الاستبداد والهيمنة والعنف والخوف وتزوير الوعي الديني، وما يؤسسه من مفاهيم داخل بنيته المعرفية. فالشخص المتحرر أو الحر، يرى حريته في تحرره وقدرته على وعي الذات بعيدا عن منطق الوصايا والهيمنة. يتولى بنفسه استقلاليته ورسم حدوده. والمقصود بالاستقلال هنا شعور حقيقي باستقلالية الذات. بهذا نفهم ثمة من يعيش تحت سطوة الاستعباد، لكنه يتمتع بحرية، تمكنه من تشخيص الواقع، وكشف ألاعيب خطابات الهيمنة، ورصد سياسة ترويض الوعي حينما تستهدف إنسانية الإنسان وتجريده من حقوقه وحريته، ليعيش حالة التبعية والانقياد، كقدر يحقق وجوده، حداً يرى العبد حريته في عبوديته. وليست الحرية بالنسبة له سوى ديمومة التماهي مع الهيمنة ومنطق الوصايا. فالآخر هو الذي يتولى رسم حدود حريته، حداً تلتبس المفاهيم وتتداخل الأفكار، فيحسب أنه حر وهو سجين عبوديته، وأسير أغلاله، ابتداء من قيود النفس إلى سطوة العقل الجمعي، مرورا بالهيمنة وأخلاقياتها ومحدداتها. فثمة مهيمن ثقافي ساعدت على تشكيله مختلف العوامل. مهيمن يمارس سلطته، ويفرض محدداته على الوعي، يتعذر معه فرز المفاهيم وفق معايير عقلانية وأخلاقية متحررة من قيم العبودية، كالحرية والتبعية والتقديس وغير ذلك.

وعندما تضمحل الذات وجوديا كما في النظام العبودي، أو تتلاشى داخل كيان أكبر كما في النظام القبلي، أو تتضاءل كما في النظام الأبوي / البطركي، تتأثر طرديا بقوة وضعف الآخر، المهيمن / السيد / الشيخ / الأب / أو أي رمز ديني أو سياسي. فالتقديس حدَ التنزيه والتعالي عن النقد يٌعد أيضاً استراتيجية ضمن الأنظمة الثلاثة. فيضطر لتأكيد ذاته وتشكيل يقينياته وفقا لمنطق الوصايا، الذي يستلزم تقديس الآخر وتنزيهه حدَ التعالي على النقد والمراجعة، واقتصار العلاقة على التلقي والانقياد. فالطرفان يتقاسمان مسؤولية تشكيل وعي الفرد والمجتمع، وبناء منظومة الهيمنة. الآخر / الذات المتعالية تمارس سلطتها، وتفرض وصاياها التعسفية. والذات الوضيعة ترضخ لهيمنتها، وتنشغل بتقديسها وتنزيهها. بهذا يتضح أن استلاب الوعي نسق يتأسس داخل البنية المعرفية، يشل قدرة الفرد على إدراك الواقع، إلا من خلال الآخر المهيمن، بشكل يجد نفسه مطوقا به، محاطا به. فليست الهيمنة شيئا آخر سوى منطق الوصايا وتماهي الذات الوضيعة معه. وبما أن استلاب الوعي نسق ثقافي ومعرفي، فلا يمكن انتشال الوعي إلا من خلال نقده وتفكيكه، وإعادة تشكيل وعي قادر على تشخيص الحقيقة، واكتشاف تقنية الخطاب في تمرير رسالته، التي تكرّس عبودية الفرد والتحكم بالوعي الجمعي.

إن كلا من الاستلاب واليقظة حالات نفسية، تستمد وجودها من الاستعداد الفطري لتطور القابليات، وقوة تأثير الوسط الاجتماعي، ودوامة الأنماط الثقافية، فتنمو تدريجيا، وتترسخ في مرحلة التلقي اللامباشر لكل ما يدور حوله من أعراف وتقاليد وعادات، وقيم. وهي مرحلة التأسيس المعرفي، قبل الحكم عليها لاحقا. فالقضايا الفطرية تنحصر بالقابلية والاستعداد، وما عدا ذلك تنشئة وتربية، بما في ذلك الشجاعة والخوف، لذا يمكن معالجة الأخير تربويا.

هذا من الناحية النظرية، أما تاريخيا فإن الإنسان عاش ردحا طويلا جدا، تحت نير الاستعباد والقمع والخوف والارهاب بفعل الظروف القاهرة، فنشأ إحادي الوعي، لا يفهم شيئا عن الحرية، سوى أنه جزء من وجود كلي، تضمحل فيه الذات الوضيعة، وتنعدم فواصلها الوجودية، كما تقدم بيانه. فالحرية تتوقف أولا على وعي استقلالية الذات شعورا وتحققا ووجودا، ومران مستمر لها. وهذا لا يمكن تصوره في مجتمع عبودي، ولا تسمح به الظروف الطبيعية والاجتماعية، فهو محاط بالآخر من كل مكان، فكيف يتنفس حريته وهو لا يعي ذاته وتحققها خارج نطاق الهيمنة؟. وبعد قرون بدأت تدب معالم وعي بسيط، تجلت عبر مجتمع قبلي، أبرز معالمه الجديدة تعدد طبقي بسيط لا يتجاوز تعدد القبائل مع وحدة القيم والمبادئ الحاكمة، لكنه ساعد على وعي استقلالية الذات، وقدرتها على اتخاذ القرار، بحدود الانتقال من بيئة قبلية إلى أخرى، فكان الفرد ينفصل عن قبيلته، ليرتمي فورا في أحضان قبيلة ثانية، تفاديا للتهميش والاهمال،  الذي هو أشد من الموت الأنطلوجي. فقساوة الأعراف القبلية لا تسمح بحرية أوسع.

غير أن هذا القدر من الوعي، يعتبر قفزة في حياة الإنسان، ثم انتعش بعد ظهور الرسالات السماوية، وتأكيد شرائعها على مسؤولية الفرد تجاه أعماله وسلوكه أمام الله تعالى. فالأديان ساهمت في يقظة الوعي، وترشيده بعد انتشاله من براثن أنظمة الهيمنة المطلقة. لكنها حالة مؤقتة، تنطفئ مع غروب صاحب الرسالة، لتبدأ مرحلة التأويل ليرتمي الفرد ثانية في أحضان نظام الهيمنة، ولو بشكل مختلف، من خلال إعادة تشكيل العقل الديني، وتأسيسه وفق قيم الهيمنة، التي هي قبليات رجل الدين اللاشعورية، والتي تتحين الفرص لتؤثر في سياقات الوعي الفردي والعقل الجمعي.

المظهر والتداعيات

ينبغي العلم أن استلاب الوعي يختلف عن عقدة النقص، لأن الأول في تماهٍ مستمر مع منطق الوصايا، والانقياد للذات المتعالية / الرمز / الشيخ / الأب، مقموع داخل نسق فكري وعقيدي، يبرر تبعيته وانقياده له. كما أنه حالة لا شعورية، تترسخ عبر ثقافة البيئة وأعرافها، وتتفاقم بمررور الأيام ما لم يتداركها وعي مستنير، متمرد، يقظ. وهذا لا يتوقف على مستوى علمي أو مقام اجتماعي، بل هي دقة الملاحظة، والشجاعة، وعدم الاستكانة، ونقد متواصل لجميع الظواهر، بعيدا عن التبرير. وقد يراكم الفرد معلومات هائلة غير أنها لا تضيء فضاءه المعرفي، ولا تحفز فيه روح النقد. وبالتالي فالوعي أيضا نسق أخلاقي ومعرفي يقوم على مبادئ إنسانية وأسس عقلية، مقياسها الإنسان كقيمة حقيقية مستقلة بعيدا عن أي تأثير سياسي أو اجتماعي أو ديني.

الوعي فطنة ويقظة، نقد ومراجعة، تأمل وتحرٍ، إدراك حقيقي لمقاصد الخطاب وأهدافه، وتشخيص لرسالته التي يروم تمريرها باستمرار، وترصّد لتداعيات الهيمنة، ومنطقة السلطة، أيا كانت. فالمبادئ التي يقوم عليها الوعي مبادئ إنسانية، عقلانية، تساعد الفرد على تشخيص الواقع مباشرة. أما في استلاب الوعي فإن المفاهيم والمبادئ جميعها ملتبسة، يمارس خطب الهيمنة تزويرها، لتفادي مهارة العقل، وتوثب الوعي.

وأما تداعيات الوعي المستلب خاصة بالنسبة للفقيه، الذي هو موضع البحث، وهدفه الأساس فهي:

- تنزيه الذات المتعالية حدَ القداسة بل والعصمة، كجزء من استراتيجية لتأكيد وجود الذات الوضيعة، وتبرير تبعيتها وانقيادها لمنطق الوصايا وسياسة الهيمنة السادية.

- بناء منظومة أخلاقية ونسق عقدي، يتماهيان مع منطق الوصايا وسياسة الهيمنة، ويضفيان ما يبرر روح الانقياد أخلاقيا ودينيا.

- تستمد الحقيقة صدقيتها من انتسابها للذات المتعالية، لا من أدلتها ومدى انطباقها مع الواقع، وتقتصر مسؤولية الذات الوضيعة على اكتشافها تأويلا. أو التماهي مع منطقها سلوكا.

- رفض النقد والمراجعة، الذي هو جوهر التطور الحضاري، فيصاب المجتمع بالجمود والتخلف والركود، بفعل تبرير الأخطاء والضعف المعرفي، والبحث عن تأويلات تتجاوزها دون المساس بقيمتها وقدسيتها.

- استلاب الوعي، وعي مقلوب يفرض تحيزه مطلقا، فيغدو خطابا آيديولوجيا، قمعيا، يجافي منطق العقل والإنسانية، ويكرّس قيم الاستبداد ودكتاتورية السلطة. يبرر العنف، ولغة الإقصاء. تعلو فيه لغة الموت واستهجان الحياة.

- إعادة انتاج قيم العبودية، لمواكبة العصر، فيسود منطق القوة والاستحواذ، وقمع الإبداع، وتأكيد قيم الذكورية، ومصادرة حرية الفرد، والإمساك بسلوكه من خلال منظومة قيم دينية وفقهية، تحدّ من تطلعاته.

- انقلاب قيم الحق والباطل بما يوافق منطق الهيمنة، ويعزز قدسيتها

- تكريس الخرافة واللامعقول مصدرا للمعرفة، لتبرير منطق التقديس وأسطرة الرموز الدينية خاصة.

- اجترار عقائد وهمية لتخدير الوعي الفردي والجماعي.

- التأكيد على الطقوس والمناسبات المذهبية، لتكوين عقل جمعي يمارس دوره في تزييف الوعي.

- جعل مضمون الرواية مقياسا لصحة وعدم صحة الروايات الدينية والتاريخية، بما يخدم هدف المتلقي، طائفيا أو سياسيا أو مذهبيا.

- تحريف مقاصد النصوص لقمع كل تشكيك بالعقائد الموضوعة، باعتبارها من أخبار الغيب، والإيمان بالغيب شرط لمصداقية إيمان الفرد وفوزه بالآخرة، كقوله تعالى: (الم، ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ). الآية لا تتحدث عن مطلق الغيب، بل خصوص المقولات الغيبية التي لا دليل عليها سوى ما ذكره الكتاب، كالجنة والنار والملائكة والجن. ولا تشمل العقائد الموضوعة. لكن استلاب الوعي يحول دون تشخيصها، فتنطلي على الوعي الرث البسيط.

بهذا يتضح حجم تداعيات استلاب الوعي، وقوة تأثيره في البنية المعرفية وطريقة التفكير عندما تكون العبودية متأصلة لدى بعض الناس، بما فيهم فقهاء، فينحاز للاحتياط في استنباط الأحكام الشرعية. ليس بدافع الخوف والخشية فقط، بل بدافع عميق يفرض عليه الخضوع التام لأجل الخضوع، فلا يهتم بفلسفة الحكم وملاكاته من مصالح ومفاسد، ولا يهمه مصادرة الحكم لقيم  دينية أهم. المهم أن يجد مبررا للطاعة المطلقة. ومرضاة الخالق بالنسبة له عبادة مجرّدة. وبالتالي يصدق التعريف المتقدم للعبودية بأنها: "منظومة قيمية، تكرّس دونية الأنا، بفعل استلاب الوعي أمام الذات المتعالية.

لكن تحاشيا لأي إلتباس، ليس كل تبعية وتبنٍ لقيم أخرى استلابا دائما، فالتبني الواعي دليل الاستنارة، ولا مبرر لإدانة من يتبنى أفكارا ومناهج ونظريات، تساعد على النهوض الحضاري، دون الوقوع في شراك الانقياد الأعمى، بمعنى القطيعة الأبستومولوجية مع التراث مطلقا، وانسلاخ الذات، والتخلي عن نقد الآخر مطلقا. فهنا يصدق استلاب الوعي.

بهذا اتضح أن النقد والمراجعة المستمرة يساعدان على تحرير العقل، واستنارة الوعي، والتخلي عن التلقي اللامسؤول. ورصد اللامعقول والخرافة وقيم العبودية، من خلال تفكيك النصوص، يعزز منطق العقل والعقلانية، وتبني القيم الإنسانية بدلا من قيم العبودية، بما فيها القيم الدينية التي تمت أدلجتها وفقا لتزوير الوعي.

كما نؤكد أن استلاب الوعي لا يختص بفئة دون غيرها، فيشمل كل وعي رث أو متراخٍ، مخدر، لا يألف الشك الذي هو دليل الحقيقة، ولا يؤمن بدليل سوى ما تملي عليه قبلياته. وقد ينتاب استلاب الوعي الفرد وهو في يقظته، عندما يلتبس بالمقدس، وهذا مكمن الخطر بالنسبة للباحثين.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi8مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق6- س91) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي

 

جذور الاستبداد

ماجد الغرباوي: الفتوى تجلٍ لوعي الفقيه وانحيازه اللاشعوري لقبلياته ومصالحه. فمن الخطأ وصفها بالموضوعية والتجرّد التام. بل ولا علاقة لها بالتقوى ومراعاة القواعد العلمية والمنطقية دائما، لأن المعرفة البشرية تخضع لنظام اللغة وآلية اشتغالها داخل فضائه المعرفي، وفهم النص يتأثر بثقافته ومستوى وعيه ويقينياته. لذا يتعين تحري بدايات وعيه ونقد مقولاته التي ترسّبت لا شعوريا ضمن أنساق مضمرة، يصعب اكتشافها وتقويضها إلا بالنقد والتفكيك. وقبليات الفرد ثقافته وما تشتمل عليه من معارف وعادات وتقاليد وعقائد وأعراف وتصورات وأوهام، وما يختزنه العقل الجمعي، والوعي المجتمعي، وكيفية فهم الذات وهويتها، والآخر وحقيقته. وكل واحدة منها تنتمي لنسق معرفي وثقافي قائم على مقولات أساسية ونصوص تأسيسية. وهذا ما نطمح له كمقدمة لمعرفة الأنساق المعرفية للفقيه الموجهة لآرائه الفقهية، وقبل ذلك وعيه للقيم الدينية، ومنظومة العقيدة الإسلامية. من هنا سنركّز على ثقافه وبيئته، لرصد قيمها، ومصدر سلطتها، وتداعياتها على وعي الذات والآخر، وما يترتب عليه من حقوق وواجبات والتزامات.

ثنائية: السيد / العبد

يقوم النظام العبودي على ثنائية: السيد / العبد، بشكل يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر، وينتفي بانتفائه. فيصدق عليهما ما يشبه منطقيا تقابل المتضايفيين، كالأب والإبن. الفوق والتحت. والمتضايفان إصطلاحا: أمران وجوديان، تصور أحدهما يستتبع تصور الآخر. لا يجتمعان من جهة واحدة في وقت واحد، فهو إما سيد أو عبد. وإنما أقول ما يشبه المتضايفين لأن وجود الفرد يضمحل داخل وجود أوسع يمثل ثنائية السيد / العبد، فلا يكون طرفا حقيقا في معادلة المتضايفين. والمقصود هنا مرحلة التصور ووعي الذات، بدءا بمرحلة التلقي القهري التي رست أنساقها لا شعوريا، وترسّخت عميقا داخل البنية المعرفية للفرد والعقل الجمعي. فنحن أمام نظام معرفي، ومنظومة قيم تتحكم بوعيه، سواء كان سيدا أم عبدا. يساعد إدراكها على تفكيك العقل الفقهي لاحقاً، وفهم طريقة اشتغاله، وهذا يستدعي مقاربة الأطر النظرية السائدة آنذاك، وسياقات تطورها. فالتركيز على بدايات الوعي وروافده المعرفية، تقتضيها خطورة دورها في تكوين العقل. وما بعدها مرهون بالوعي وقدرته على محاكمة قبلياته. فهناك مرحلتان: التلقي القهري، والموقف النقدي. تهمنا أولاهما التي تعمل لا شعوريا، وتحرك الفرد ضمن سياقاتها. وأما المرحلة التالية، فهي مرحلة نقد وتقييم تلك المقولات ومن ثم الحكم عليها. فقد تعززها إخفاقات الوعي. أو يفيق ويتدارك ما ترسّب في لا شعوره. فمرحلتا التلقي والحكم، يقابلهما مرحلتا اللاشعور والشعور المعرفي. فنسعى من خلال تفكيك العقل الفقهي، في ضوء مقولات النظام العبودي، للكشف عن تداعياتها، ومدى تأثر العقل الفقهي بها، وذلك أن الفقيه في الوعي الشعبي، واسطة بين الفرد وخالقه من خلال ما يستنبطه من أحكام شرعية، فيتحكم بوعيهم من خلال وعيه، وهذا مكمن الخطر الذي يضغط باتجاه تفكيك العقل الفقهي لتحري حقيقته الدينية والاجتماعية، ومساحات العقل والميتافيزيقيا. فوعي العلاقة بين السيد والعبد ضمن الأطر المعرفية للنظام العبودي، ينعكس لا شعوريا على  وعي الفقيه في فهمه لعلاقة المخلوق بالخالق. بل ويرتّب عليها ذات الإلتزامات والضرورات، كشمول التشريع لجميع مناحي الحياة، بسبب هيمنة الرب حدا يصادر العبد إنسانيته وعقله وإرادته، يقابله عجز حدَ الانسحاق والتشيؤ. فتفكيك العقل الفقهي سيسلب شرعية الآراء والفتاوى الفقهية المؤسسة على مقولات عبودية. ويعود بالوعي الاجتماعي إلى سياقات الفهم القرآني القائمة على رؤية مختلفة لعلاقة الخالق بالمخلوق. علاقة تفوض الإنسان مسؤولية خلافة الأرض، واستخلافها، وتحقيق كل ما يحقق سعادته، ويحمي حقوقه وحرياته. وبالتالي سنتحرى حقيقة مقولات الفقيه، ونفضح بشريتها وانتماءها، ومدى وفائها للعقل والمنطق. فالاجتهاد مفهوما يوحي بمنهج عقلي صارم، غير أن الواقع شيء مختلف، فالفقيه لا يغادر النص، ولا يتخلى عن قبلياته. ويضحي بعقله لصالح النص وإشراطاتها.

ثنائية العلاقة

إن المبدأ الذي تقوم عليه ثنائية السيد / العبد، هو معطى أخلاقي واجتماعي جاهز، لا يخضع للنقد والمراجعة، يتلقاه الفرد ضمن ثقافته وبيئته. يمنح السيد / الملك تفوقا، تفرضه طبيعة مختلفة لخلقه ونقاء دمه. كأن تتجلى فيه طبيعة إلهية، تستلزم عبادته وطاعته، حدَّ التشيؤ والاسترقاق، بشكل يضمحل فيه الفرد ويغدو أداة لتنفيذ إرادة متعالية، يمنحها ولاء مطلقا، وهيمنة تدبيرية، وفق وعي مستلب حدَ التماهي وعدم الشعور بالاغتراب، تقبع خلفه ثقافة تسلب الفرد هويته واستقلاله، فتكون تبعيته قدرا وجوديا، لا شيئا زائدا على وجوده. بل يتوقف وجوده على وجود الآخر، بشكل لا يعي وجوده إلا من خلاله. وهذا وعي باطني لاشعوري، من وحي حقيقة العبودية التي تتلبسه، وتبقيه مشدودا لقيمها. وبالتالي، فوعي العلاقة وعي للذات من خلال الآخر. وعي يتوقف فيه وجود الأنا على غيرها، كالرؤية من خلال المرآة. فلا تمرّد ولا عصيان حينئذٍ، لتوقف الصراع الطبقي على فعلية شروطه. هكذا هو النظام العبودي كأحد مراحل التاريخ البشري. وهو وعي بدائي، خرافي، بسيط، سببه ضعف التجربة البشرية وسذاجة العقل، وارتهان تحقق وجود الذات على الآخر. فلا وجود حقيقي للفرد إلا ضمن وجود كلي، يتجلى فيه وجود السيد بقوة، تستلزم قداسته ودونية الآخر. قداسة تدبّر العبد وتملي عليه إرادتها، في سياق استبدادها وجبروتها وهيمنتها التي تلغي عقل العبد وإرادته، وتصادر إنسانيته وفق منطق الغاب، الذي تفرضه أيضا طبيعة الحياة ووحشيتها آنذاك. (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ).

ثم أفرز تطور التجربة البشرية فيما بعد وعيا مختلفا للعلاقة بين السيد والعبد، وضعت حدا لتبعيته الوجودية، بمعنى التحقق، لا بالمعنى الأنطلوجي. لكنها أبقت على تعالي الذات المقدسة، استجابة لخصائص ذاتية تستوجب سيادتها وهيمنتها. وهي بداية لتشكّل وعي طبقي، لكنه وعي مستلب، يكرّس هيمنة الذات المقدّسة بفعل خصائصها الذاتية، التي هي خصائص إلهية بحكم التجلي أو الاصطفاء. أو لنقاء الدم واختلاف "طينة" الخلق. ومعنى الوعي الطبقي، إمكانية الصراع من حيث القوة والاستعداد، لا من حيث الفعل والتحقق الخارجي، خاصة في بداية الفرز الاجتماعي بين طبقات المجتمع. ويمكن تلخيص ما يتميز به هذا النظام، بما يلي:

- الانقياد للعقل الجمعي والوعي الكلي، بما في ذلك الوعي الديني، حيث يتوحّد الإله الملك / السيد. سلوكا وفعلا وتقريرا. فالإله في العقل الجمعي قوة وقدرة مطلقة ضمن تحيز زمكاني، يتجلى في الملك / السيد (فَقَالَ – أي فرعون - أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ). يقصد بقوله الإيحاء للمتلقي بطبيعته الإلهية، التي تقتضي تبعية الوجود الأضعف للوجود الأقوى. فهو وجود واحد "مشكك"، يتفاوت شدة وضعفا، ابتداء من الأعلى. وهي نظرية وحدة الوجود فيما بعد. فوجود العبد تابع لوجود سيده من حيث وعي الذات والآخر، بشكل يتعذر وعيه لذاته بمعزل عنها. فمنطق العلاقة تحكمه دلالات وإيحاءات الاستبداد المقدس، ومنطق تنزيه الذات المتعالية، واحتقار المحايث، في مختلف تمظهراته الاجتماعية. مما يقتضي احتكار الولاء، والتحكم به وفقا لمقتضيات مصالحها وإرادتها، مهما كانت ظالمة ومتوحشة.

- ثم في المرحلة الثانية (مرحلة التماييز الطبقي، بفعل التطور الاجتماعي والاقتصادي) تم تجريد الملك / السيد من إلوهيته، ومنحه صفة ذاتية، هي نقاء الدماء واختلاف "طينة" الخلق، به يستحق مقام التقديس (أو مقام القرب الإلهي في الخطاب الديني فيما بعد). وهو مقام يتولى الكاهن / مثقف السلطة تثقيف المخيال الشعبي عليه، لينطلق في خلق أساطير وخرافات، تعمق قدسيته، وتضبط سلوك وتوزان طبقة العبيد. وبالتالي فالسيادة إفراز وعي اجتماعي ينتمي لمنظومة قيم العبودية التي تفرض محدداتها على أنساقه المعرفية وطرق تفكيره. ومرد هذه المرحلة إلى وعي أكثر تطورا لمفهوم الإله، وتجرّده عن الخصائص البشرية، كلازم لأسطوريته. فلا تصدق إلوهيته مع السجون البشرية والأسيجة المادية. وهذا لا يمنع تجليه في بعض النفوس البشرية، كما يرى العرفاء والمتصوفة لاحقا.

- في المرحلة الثالثة، مرحلة مع بعد الأديان، بدأ الإنسان / العبد يستعيد إنسانيته تدريجيا، رغم هيمنة قيم العبودية التي واصلت تأثيرها بعد الإسلام، عبر تمظهرات مختلفة، أبرزها التماهي مع الأطروحات السياسية والاجتماعية القبلية. وكان أول اختبار للمسلمين قبولهم مبدأ القرشية في حسم نزاع السلطة بعد وفاة النبي، وهو مبدأ قبلي وليس دينيا أو إنسانيا. وما كان لرواية "الأئمة من قريش" أن تؤثر وتحسم نزاع السلطة لصالح قريش بمفردها لولا وجود أرضية مهدّت لقبولها، وقد مرَّ تفصيل الكلام حولها. واستمرت قريش تواصل سيادتها في السلطة من خلال فرض القرشية شرطا لصحة الخلافة، يقابلها في المعارضة شرط الإمامة.

والسؤال مدى قدرة الأديان عامة والإسلام خاصة على تحرير الفرد من قيم العبودية التي تعني التسليم المطلق، والانقياد وروح التبعية، في ظل خطاب قرآني، ينظّر لطاعة الله ورسوله مطلقا وعلى طاعة أولي الأمر مشروطة، ويثني على تسليم الفرد، ويعاقب كل تمرد ديني وعبادي؟ (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ). وهل حقق  بالفعل هذه المهمة؟ وكيف نفسّر الوعي العبودي ضمن الأطر الدينية والتشريعية؟.

وهو سؤال مشروع، فالعبودية استعداد قبل أن تكون قيمة ذاتية للإنسان. وصفة تطرأ على الذات، فلا ينتفي وجوده بانتفائها، وتبقى استعدادا وقابلية، بفعل سياقات نفسية ومعرفية وتربوية، تفرض نفسها مهيمنا ثقافيا، يتحكم بمسارات الوعي الفردي والجماعي. تتطلب معالجتها إنقلابا في سياقات الوعي، وتأسيسا جديدا للمقولات الأساسية التي ترتكز لها بنية العقل في أدائه.  ولو شئنا تعريف العبودية، نقول:

العبودية: منظومة قيمية، تكرّس دونية الأنا، بفعل استلاب الوعي أمام الذات المتعالية. فهي بهذا المعنى ضد نوعي للحرية، التي تعني الاغتراب داخل منظومة قيم تصادر الفرد حقوقه الوجودية، والإنسانية. وهي بهذا الفهم قوام الأديان وفقا لنظرية العبودية التي مرَّ الحديث حولها مفصّلا، لكن الأمر يختلف وفقا لنظرية الخلافة التي نتبناها، فالإنسان خُلق حرا كي يمارس دوره في الحياة الدنيا (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). وما يبدو في ظاهره خطابا عبوديا، هو خطاب تحرري، يسعى لتحرير الوعي من ربقة عبوديات مصطنعة، من خلال عبادة محررة من الاستغلال والتبعية لغير نداء الضمير الإنساني، إلا أنها تُستغل من قبل حماة الدين ورجاله. فالخطاب الديني لا يكرّس منطق العبودية بمعنى الاستغلال والتبعية لإنسان آخر، بل يسعى لتحرير وعي الفرد والمجتمع، من خلال استبدال أنساقه المعرفية القائمة على العبودية، إلى أنساق تقوم على الإيمان بالمطلق الذي هو الله تعالى، فيتحرر عبرها الوعي المستلب، من خلال طاعة الله والانقياد له، بشكل صحيح، لا كما يريده الفقيه أو رجل الدين. فيمكن تلخيص معالم نظام العبودية، أنه:

- سلطة مطلقة سيادية، تقتضيها خصوصية الخِلقَة والاصطفاء، تختص بها الذات المتعالية.

 - يقابلها وعي مستلب، يكرّس روح التبعية والانقياد. يسلب الفرد إرادته واستقلاليته وعقله وحقه في تقرير مصيره، حداً لا يعي ذاته إلا من خلال سلطة فوقية.

النظام القبلي

كان النظام القبلي يسود الجزيرة العربية وغيرها قبل البعثة، وكان نظاما راسخا، متماسكا، قادرا على مواجهة التحديات، من خلال وشائج القربى والدم والولاء والمصير المشترك. يتقوم بنظامه الاستبدادي، واحتكار السلطة، ويرتكز للقبيلة كوحدة أساسية في تكوين المجتمع، لذا يعد نسخة متطورة عن النظام العبودي، لتبنيه ذات القيم والمبادئ، ولو بشكل أكثر تطورا. وهذا النظام يتقوم بما يلي:

1- تكريس سلطة شيخ القبيلة، وتفرّده بامتيازات سلطوية، استبدادية، يقتضيها الشرف القبلي ومنصب السيادة.

2- اضمحلال الفرد داخل كيان القبيلة، وربط مصيره بمصيرها، حداً لا يعي ذاته إلا من خلال إنتمائه.

وما أنا إلا من غُزَيَّةَ إن غوَتْ * غويتُ وإن ترشُدْ غزيةُ أرشدِ

3- تتقوم العلاقات القبلية بوشائج الدم والقربى والمصير المشترك.

4- يقوم النظام القبلي على الطاعة والانقياد لشيخ القبيلة وقراراته، التي قد يستبد بها أو يشرك من يراه أهلا للتشاور.

5- المجتمع القبلي مجتمع ذكوري، يقصي المرأة حدَ التشيؤ، ومصادرة حريتها وحقوقها وإنسانيتها.

وبالتالي فمصدر قوة القبيلة روح الطاعة والانقياد، أسوة بنظام العبودية رغم اختلافهما من حيث بنية الوعي الفردي والاجتماعي. حيث يعتبر النظام القبلي نسخة متطورة. لكن يبقى الاستبداد وتداعياته الخطيرة، الملازمة للعنف وتمجيد القتل ومنطق القوة، علامة فارقة في كلا النظامين. كلاهما يؤسس لمنطق التبعية والانقياد على مستوى السلوك، ويؤسس للخرافة واللامعقول على مستوى المعرفة والإدراك العقلي.

 النظام الأبوي

تتماسك بنية العائلة، التي هي أصغر وحدة اجتماعية، داخل المجتمع القبلي برابطة القربى، ووحدة النسب، وسيادة سلطة الأب، وفق نظام أبوي / بطركي، هو جزء من نظام شامل، تناط به مهمة تنسيق العلاقة بين الأب / الإبن ضمن أعرافها وتقاليدها. وليست سلطة شيخ القبيلة سوى تراكم نوعي لسلطة الأب. وهي سلطة تقوم على الطاعة وفروض الولاء للأب وشرعته الاستبدادية. وكان منطلق المجتمع في احترام الأب منطقا ذكوريا وعبوديا، يألف التسلّط، وترويض الفرد على الطاعة والانقياد، بعيدا عن العقل والنقد. فالعائلة المسؤول الأول عن تكوين الوعي، وبناء قبلياته الثقافية. تربطها بالمجتمع علاقة جدلية، تعمّق منطق العبودية القائم على شِرعة الأب / الذكر / المستبد، وإلغاء قيمة الفرد وحقه في تقرير مصيره. فالعقل العربي بشكل عام تجلٍ لثقافة مجتمع تهيمن عليه قيم العبودية، (دونية الأنا، وتنزيه الذات المقدسة). ويرفع شعار "الاستبداد المقدّس". وقد واصلت هذه القيم حضورها في الثقافة الإسلامية، ومن خلال العقل الفقهي، رغم الخطاب القرآني الذي سعى لتحرير الوعي من نزعاته القبلية القائمة على الاستبداد، ومصادرة العقل. غير أن إخفاقات الوعي حالت دون إدراك مقاصده، واستغلاله لشرعنة قيم العبودية والاستبداد، وتأكيد شِرعة الذكر على حساب الأنثى.

ولم يتحرش القرآن بقيم المودة والاحترام بين الأب والإبن، لكنه ضبط العلاقة وفق مبادئ إنسانية. بدءا من إشراك الأم مع الأب بالاحترام، والتعريف المستمر بمعاناتها ومكابداتها خلال الحمل. فالاحترام قرآنيا قائم على أساس الشكر ورد الجميل للأبوين: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، وبهذا انتزع الخطاب القرآني المنطق الذكوري من العلاقات العائلية. كما انتزع المنطق الاستبدادي وأبقى على علاقات الاحترام والشكر، دون التحكّم بمصير الأبناء، حينما قال: (وإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). فالقرآن أقام العلاقات العائلية على مبادئ إنسانية وعقلية، بعيدا عن منطق التسلّط والاستبداد. وأكد قيم الأبوة الإنسانية بدلا من قيم الأبوة القبلية الملازمة لشِرعة الذكر، واحتقار الأنثى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ). فالمنطق القبلي منطق استعلائي، يستعلي فيه الذكر بذكوريته، بينما يؤسس القرآن لعلاقة مختلفة، لا فرق في ذلك بين الأب والأم، ولا ميزة لهما تقتضي تسلطهما واستبدادهما، إنما هي علاقات إنسانية، وقد يكون الأبن أجدر من أبيه في قراراته، لذا يكون مسؤولا عن مصيره مباشرة، بينما يخول النظام الأبوي الأب مصير العائلة برمته. قال تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).

فالإسلام قد حافظ على كيان العائلة وتماسكها، وأصّل لعلاقة أبوية على أسس أخلاقية وإنسانية، بعد تجريدها من سطوة الأب وقيم العبودية. فالمبالغة بالاحترام حد تحريم التأفوف وإظهار الضجر من مداراتهم، تعويض نفسي للأبوين، وشكر لجهودهم ومعاناتهم وتضحياتهم، وضمان أخلاقي حينما يتراجع بهم العمر. ومن يراجع آيات الكتاب الكريم يجد اهتمامه بالعائلة كمؤسسة اجتماعية اهتماما ملحوظا. غير أن قيم العبودية وقيم النظام الأبوي استطاعت رغم كثافة الخطاب القرآني، التكيف مع القيم الدينية، واكتسبت شرعيتها من خلال وعي بقى وفيا لجذوره، ويمكن الاستشهاد بمجموعة عقائد ومفاهيم تؤطر العقل الجمعي.

سيأتي بيانها في الحلقة القادمة

  

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق5-س91) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: لقد احتفظ الوعي الجمعي للمسلمين بصورة مثالية للفقيه، ربطت مرجعيته الدينية بالإرادة الإلهية (الله أعلم حيث يجعل رسالته)، وارتفعت به فوق النقد والمساءلة، باعتباره مصدرا للمعرفة الدينية وأحكام الشريعة وموضع أسرارها. وقد عزز الصراع السياسي صورته، ورسختها علاقته بالسلطة، منذ أول تحالف بينهما. فاكتسب شرعية أقوى من خلال قدرته على توظيف الخطاب الديني، وتخصصه في استنباط الحكم الشرعي. فهو سلطة تتحكم بإرادة الناس وموازين القوى. وإرادة تقمع الرأي الآخر، وتصادر حريته، من خلال خطاب رسمي، تفرضه مرجعية نهائية لبيان الحدود الفاصلة بين الحق والباطل. وبين الإيمان والكفر. فتكيّف المجتمع مع إرادتها، وانصاع لتعاليها. فكان الأخطر في علاقة الفرد بالفقيه روح التبعية والانقياد التي اختزلت حريته، وإعادة تشكيل وعيه على الضد من قيم المجتمع المدني الذي نطمح له. فمع وجود فقيه يصادر حرية الرأي ويحتكر الحقيقة، تتضاءل فرص استتبابه، ويبقى المجتمع يألف الاستبداد، ويحنّ لأحضان الدكتاتور، رغم اختلاف المسميات، سواء كانت سياسية أو دينية. ويبقى دائما بانتظار الفقيه ليحدد التكليف الشرعي لجميع حركاته وسكناته ومواقفه بل وحتى مشاعره. وهو تعبير آخر عن ارتهان إرادة الفرد لإرادة الفقيه، وهو سرّ انقسام الولاء، وانحياز الفرد لمرجعياته الدينية على حساب مرجعياته القانونية والدستورية بل وحتى الوطنية. فلا ضمان لولاء مجتمع، شعبه ينتظر رأي الفقيه في وجوب تطبيق قوانينه، وقراراته السياسية. بل أن تقديم الولاء الديني على الولاء الوطني يهدد الأمن والسلم إبان الأزمات السياسية. وقد يمهّد لتمدد القوى الأجنبية التي تتحرك تحت غطاء ديني. إن أحد خصائص المجتمعات الحديثة وجود روح وطنية تفرض على الفرد والمجتمع التزاما كاملا بالقوانين والأنظمة والقرارات، ورقابة ذاتية تحول دون مخالفتها. بينما تتوقف شرعية القانون بالنسبة للشعوب المرتهنة في إرادتها للفقيه ورجل الدين، على رأي الفقيه، فيلتزم بها الفرد، لا بدافع وطني، بل امتثالا لفتواه، لذا لا يتردد بمخالفتها، واستباحة ثروات وطنه، حينما يجد مبررا فقهيا، ولو ضمن عناوين عامة، كـ(غصبية السلطة)، (أموال مجهولة المالك) وغيرهما، مما يعزز الشكوك حول ولائه الوطني.

ما كان للفقيه أن يحقق مركزيته ويحتكر سلطته لولا تداخل الديني بالسياسي، والمقدّس بغير المقدس، والإلهي بالبشري، فالتبس على الناس التمييز بين أحكام الشريعة وأحكام الفقه، التي هي اجتهادات ووجهات نظر، وفهم للنصوص المقدسة، وقراءة تتأثر بقبلياته ومرجعياته وثقافته وبيئته ومصالحه. فتسبب انعدام الفواصل بين المتعالي والمحايث في تعميق مركزية الفقيه وفرض سلطته، باعتبارها تجلٍ لسلطة الدين أو سلطة الشريعة التي هي سلطة إلهية، فترى المكلّف هلعا يخشى مخالفة الفقيه حتى وهو يستهزئ بعقله، ويسلب إنسانيته. فهيمنة الفقيه التفصيلية تركت تداعيات خطيرة، نشير لها لاحقا. تداعيات لا يمكن تداركها ما لم نتحرَ أولاً مدى صدقيته وحدود شرعيته. وما لم نتقصَ جميع العوامل التاريخية والسياسية والطائفية التي ساعدت على تعضيد مركزيته وفرض سلطته. لذا فالمنهج التاريخي يفرض نفسه لفهم هذه الظاهرة، وكيفية تفكيكها، وإعادة تشكيل وعي عقلاني به. والتحليل سيكون منهجنا لفهم حيثيات شرعيته. فثمة تداخل نروم تفكيكه ونحن نقارب الفقيه كمفهوم وكيان وسلطة وإرادة عليا. ومضمر نبغي اختراقه ضمن سياقاته الفقهية. ومهمّش نستدعيه بين الروايات. ونصوص مستبعدة نبغي استدراجها، ومقدّس ندعو لمساءلة حقيقته. وبخلاصة مكثفة، نسعى للكشف عن مساحة المقدّس وغير المقدس في المنجز الفقهي وفتاوى الفقهاء وسلطتهم الروحية، ليكف المتلقي عن الانقياد والتنازل عن عقله وإرادته تحت وهمّ التقديس. لنفضح ألاعيب الفقه في شرعنة اختصاصه بالفتوى وبأموال المسلمين، وفرض ولايته المطلقة عليهم. ونبحث عن مدى مقولاته التي يتشبث بها كـمقولة: (ما من من واقعة ولله فيها حكم). أو الروايات التي تؤسس لسلطته ومرجعيته. كما ينبغي لنا رصد دوره في تكريس روح العبودية والانقياد على حساب مستقبل الفرد وحريته وسعادته.

فالسؤال المُلحّ: هل الفقيه ضرورة؟ وهل يتوقف على وجوده شيء من الدين ومصير الإنسان؟ ومن أين استمد شرعيته وشرعية سلطته وولايته؟ ومن أضفى صفة القداسة على فتاواه وآرائه؟ وأساسا هل من حقه أن يصف الشيء بالحلية والحرمة أو الجواز وعدم الجواز، ونحن نعلم أن الأحكام توقيفية. أي تتوقف على وجود دليل صريح من الله تعالى؟. وهل صدر ما يؤكد سلطة الفقيه، واحتكاره للحقيقة الفقهية؟. وأسئلة جديرة تمس واقعه، ضمن سياقاته التاريخية والمعرفية. فنبدأ بتفكيك العقل الفقهي لتقصي جذوره، ويقينياته، ومدى تأثره بنظام القيم، ومنظومة الأخلاق التي كانت سائدة قبل وبعد البعثة. فثمة سياق تاريخي مهّد لدوره الخطير يجب مقاربته لفهم الحقيقة.

فمن هو الفقيه؟

الفقيه، بدأ من الصحابة، سليل نظام اجتماعي، يكرّس روح التبعية والانقياد لشيخ القبيلة، ويمنحه سلطات مفتوحة، فهو نظام طبقي بامتياز، يصادر حرية الفرد ويختزل وعيه إلى طاعة مطلقة للقبيلة وشيخها. يلغي خصوصية الفرد، ويمنح الأب / الشيخ ولاية وقيمومة، يعتبره الجميع ضرورة لضمان وجود القبيلة ككيان يخضع الجميع لقوانينه وأعرافه وتقاليده. فثمة تماهٍ تام بين الفرد ومنظومة القيم القبلية، وهناك أخلاق تستبد بوعي الفرد وتلازم سيرورته، تمهّد لقبوله، مهما اختلفت تمظهراته. فالنظام القبلي ساعد لا شعوريا، على قبول النظام الديني، المتمثل بالنبوة آنذاك، إذ فرض الكتاب الكريم للرسول سلطات، طمأنت الروح القبلية، وفرض له ولاية أعادت لمنظومة القيم الجاثمة في أعماقها توازنها واستقرارها. بهذا الروح حسمت رواية الأئمة من قريش الموقف السياسي لصالح قريش نهائيا. وقد مرّ بنا مفصلا بيان هذا النظام ودوره الخطير في مصادرة القيم الإنسانية والأخلاقية التي تجلت بإقصاء الأنصار من السلطة رغم مكانتهم في الإسلام وعند رسول الله. ولا ميزة للشيعة عن السنة فكلاهما ينشدان نظاما قبليا قائما على قدسية شيخ العشيرة. ويؤمنان بالوراثة نظاما للسلطة والحكم، هذه هي الحقيقة التي يتستر عليها الجميع بواسطة مصفوفة روايات لا يمكنه الاستدلال على صحة صدورها، أو يلزم منها الدور، فتفقد قيمتها الاستدلالية.

الفقيه يحمل في أعماقه نواة النظام القبلي، ويقوم بتعزيزه لا شعوريا بعد اكتسابه صفة دينية وقدسية. وطبيعة النظام القبلي نظام عبودي، سيّد يخطط ويأمر، وعبد يتلقى وينفّذ. وكلاهما لا يحقق وجوده إلا من خلال الآخر، فيكون بالنسبة له ضرورة يتوقف عليها وجوده وتحققه خارجا، بمعنى رسم حدوده من خلال وعيه ومشاعره. لا من خلال كينونته. فلا يوجد صراع طبقي، ولا توجد إمكانية للثورة، وفقا للفهم الماركسي وقوانين الديالكتيك، سوى تنهدات تتمظهر على شكل تمرد محدود ثم يخبو أو يسلك طريقا آخر، يحمل ذات القيم القبلية، لذلك لتوقف تحقق وجود الفرد على الآخر / السيد / الشيخ. وأغلب قادة الانتفاضات عبر التاريخ الإسلامي شخصيات قبلية قوية، لا تنتمي لطبقة العبيد. ولا أقصد بالعبيد العبودية الظاهرة أو الرق، وإنما أقصد به روحا ووعيا ونظاما أخلاقيا جاثما في أعماق الفرد، ومهيمنا على العقل الجمعي. فلا وجود لقاعدة (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم) فعلا، بل الأحكام محدودة، غير أن متطلبات النظام القبلي يستدعي الاستغراق في التشريع، لضبط سلوك الفرد، والإمساك بوعيه، مع تعزيز مكانة الشيخ / الخليفة / الإمام / السلطان / الفقيه. وبالتالي فدراسة جذور الوعي لدى الفقيه، وتحديد منحدراته يساعد على فهم سيرورة سلطته. فالدين الجديد استبدل الاسماء من شيخ القبيلة إلى نبي / خليفة / إمام / فقيه. وهذا قد لا يكون واقعا بالنسبة للنبي، لكنه استقر في وعي الناس، أن سلطة النبي هي سلطة شيخ القبيلة زائدا قدسية إلهية وأسطورية. لأن معنى الشيخ في الوعي الجمعي، هو صاحب السلطة، المتسلط، الذي يحتكر الامتيازات بفعل خصائصه العنصرية، فهو من طينة أخرى، ومن أقوام وسلالات بشرية خلقوا ليكونوا أسيادا على العالمين، وبهذا المنطق خضعت جميع القبائل لسلطة قريش، وتسيد رجالها على مقدرات المسلمين، بذات السلطة هيمنة الخلافة الراشدة ومن بعدها سلطة الخلفاء في الدولتين الأموية والعباسية، ولما وصلت النوبة للسلطة العثمانية استعانت بالفقيه ومنصب مشيخة الإسلام. ولعل هدف الآية الآتية تذكير الشخص العربي بقيمه التي على أساسها منح شيخ قبيلته ولاء مطلقا، فأرادت أن تقول له أن الأنبياء أحق بالولاء إذا كنت تنظر لنقاء العنصر البشري: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

اشكالية الاجتهاد

الاجتهاد إشكالية قديمة، حيث اختلفوا حول شعريته، بين رفض مطلق لا يحيد عن ظواهر النصوص والروايات، ويعتبر الاجتهاد تدخّلا بشريا في شؤون الشريعة الإلهية. وربما ثمة أسباب أعمق وراء الموقف السلبي من الاجتهاد بشكل عام، والاصرار على التمسك بظواهر النصوص. وربما كانت الخشية من توظيف الاجتهاد لمصالح سياسية، وشرعنة ممارسات غير سليمة وراء الموقف الرافض له. وهو احتمال وجيه لولا أن مصدر الروايات التي تحصنت بها السلطة، وألبت ضد المعارضة، هي روايات أصحاب الحديث. لذا ربما الخوف من توظيف الاجتهاد من قبل المعارضة وراء التحفظ منه، وهو احتمال ممكن جدا، ومقبول وفقا لأحداث التاريخ. ولا استبعد ترهل الوعي الديني ورثاثته، كعامل إضافي وراء رفضه.

وهناك من دافع عنه بعنوان: جواز الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، بناء على مقدمات توارت عن النقد والمراجعة، وغدت مسلّمات يتعامل معها الفقيه والمتلقي. فاستدعاء تلك المقدمات ونقدها لتحديد مدى شرعيتها وبداهتها، كفيل ببيان الحقيقة. غير أن هذا الاتجاه كان وما يزال وراء الثراء الفقهي الكبير، حتى بات علم الفقه يمثّل، كالفلسفة والكلام والتصوف وباقي العلوم، معلما أساسا من معالم تراث المسلمين، الممتد بموازاة تاريخهم السياسي. والاجتهاد أحد مظاهر استخدام العقل في الحضارة الإسلامية، بعد توظيف مقولات المنطق الأرسطي ضمن عمليات استنباط الحكم الشرعي، كالقياس بجميع أشكاله وأقسام القضايا والنسب الأربعة، وغيرها من مباحث الألفاظ، والحدود والتعريفات وضوابط تمييز المفاهيم، إضافة إلى تأثير المقولات الفلسفية على منهج الفقه لدى بعض الفقهاء كأنواع العلل والمقولات العشرة. وهي مقولات عقلية بامتياز. غير أن ضخامة المنجز الفقهي لا تبرر عدم مساءلته ونقد مقولاته، خاصة وقد تفاقمت الفتوى حداً بلغت فتاوى الفقيه الشهير ابن تيمية أكثر من ثلاثين جزءا. وبلغ حد استهزاء الفقيه بالإنسان وعقله أن يكتب الشيخ أبي عمر دبيان بن محمد الدبيان موسوعة أحكام الطهارة 13 جزءا!!!. وهل هناك من لا يعرف كيف يغتسل او يغسل يديه؟ لكنه إذلال للمكلف وضمان عدم تمرّده. هو منطق العبودية الذي يتلبس الفقيه وهو يمارس عملية الاستنباط. وليست باقي المذاهب الإسلامية أقل انتهاكا لعقل الإنسان وحريته. لأن الهدف الأساس للفقه الإمساك بسلوك الفرد، وتحديد مسارات الوعي، لضمان خضوعه لمطلق إرادته في السلطة أو المعارضة، وعدم التمرّد عليه.

اللحظة التاريخية

ثمة ثوابت ونهائيات تخلق أجواء نفسية، تؤثر في وعي الفرد، وتكرّس روح التبعية والانقياد تتطلب نقدا علميا للكشف عن صدقيتها، وحجية أدلتها، ومدى مطابقتها للواقع. وهذا يتطلب عودة لدراسة مسار التطور التاريخي للاجتهاد، كممارسة علمية، مادتها الأولى الآيات والروايات، وجملة من قواعد أصول الفقه.

فوفاة الرسول تعتبر لحظة حاسمة بين زمنين: زمن النص وفهم النص. زمن التلقي المباشر والتفسير ومن ثم التأويل. حيث كان النبي يتلو ما يوحى له بلسانهم ولغتهم وثقافتهم، فيدركون قوله ويمتثلون أوامره، إلا بحدود ما هو غيب يشدهم لمعرفة أسراره، أو مصداق يلتبس عليهم يتحرون حقيقته. وربما إجمال يحتاج لتفصيل، أو غموض يتطلب بيانا. فلا توجد معاناة في فهم النصوص، بل لا حاجة لها والنبي ما ثل أمامهم، يزيدهم إطمئنانا من خلال سيرته وسلوكه. فالصحابة لهم ميزة المباشرة مع النبي، وهذا لا يلغي شروط فهم النص، ودور قبليات المتلقي وثقافته، لذا لم يكونوا على مستوى واحد معرفيا، وثمة تفاوت واضح بينهم. لكن بشكل عام لم تشهد الحقبة الأولى بعد وفاة النبي خلافات كثيرة حول فهم الكتاب، وقرآنية بعض آياته، رغم أن خطورة هذا القليل قد انعكست فيما بعد وبشكل تدريجي على تاريخ المسلمين. فكانت سُنة الصحابة أول نسخة رسمية للدين وللكتاب الكريم، تحولت تدريجيا إلى مقدّس، تضبط حركة التفسير والتأويل، وتؤاخذ من يخالفها ويتمرد عليها. وبكلمة أدق: لقد حجبت آراءهم النصوص التأسيسية، وحلت محلها كمرجعية تفسيرية وتأويلية نهائية، بواسطتها تُقرأ آيات الكتاب وتفهم مضامينه. وتحوّلت إلى نهائيات ويقينات صارمة، غدت سلطة تقمع الرأي الآخر، وتمسك بوعي المسلمين وسلوكهم. وما كان للنسخة الرسمية ديمومة البقاء لولا التنظير الفقهي والأصولي، ولو بصيغ أولية بسيطة، قبل تبلورها واكتسابها حصانة وقدسية، عندما بدأ مفهوم الشرعية يتمدد ليشمل سُنة الصحابة، على أختلاف مباني الفقهاء. وبالتالي فإن شرعية النسخة الرسمية للدين، التي أسس لها الصحابة، واتخذها الفقهاء مرجعية نهائية، مرهونة بمدى صدقيتها، ومطابقتها للواقع. فهل تكفي الصُحبة لشرعية سُنة الصحابة؟ أو هل تفيد الآيات تزكية مطلقة لهم؟ أم أن الأمر مرهون بالاستقامة؟ مرَّ الكلام تفصيلا حول هذا الموضوع، ومناقشة كافة الأدلة التي تُطرح في المقام. وخلاصتها، نفي التزكية المطلقة، ويبقى الشخص رهن عمله وسلوكه، لا فرق بين مَن مات في زمن البعثة أو بعدها، فجميع الصحابة مشمول بشرط الاستقامة.

ثم حتى لو ثبتت التزكية فغاية ما تثبت استقامتهم وتقواهم، ولا تُعنى بعلمهم وفهمهم للدين والكتاب الكريم، ولا تجعل من أقوالهم وسُنتهم حجة مطلقة، لأنها قضية موضوعية، تتوقف حجيتها على وجود دليل صريح، وهو منتفٍ بالضرورة. فالباحث حر في مناقشة سُنتهم، ومحاكمة مواقفهم، والبحث عن مصادر شرعيتها. فلا معنى للإلتزام بمرجعيات لا دليل عليها. فالسؤال عن شرعية النصوص الثانوية سؤال عن حقيقتها وسلطتها قياسا بالنصوص الأولية. وماذا تمثّل بالنسبة لها إذا استبعدنا الوضع والإضافة؟ هل هي: فَهمٌ أم تفسير أم تأويل أم قراءة؟. وإذا كانت هذه الأسئلة غير واضحة جدا بالنسبة لعصر الخلفاء الراشدين، فإنها جلية في نهايته، وبداية عصر التابعين ثم عصر الفقهاء. فسُنة الصحابة لدى المذاهب السنية، وسُنة الأئمة لدى المذاهب الشيعية، تعتبر حجة. بل عند فقهاء المذهب الجعفري الإثني عشري، تخصص وتقيّد آيات الكتاب، مثلها مثل السُنة النبوية.

لقد كان الفقيه هو المتصدي لتطوير عملية فهم وتفسير الكتاب والسنة (النصوص التأسيسية للفهم الديني). ابتداء من مراحله الأولى، حينما اقتصر دوره على ضبط آيات الكتاب وتفسيرها، والدفاع عنها من خلال مروياته عن الرسول، حتى غدا فقيها يمارس عملية استنباط الحكم الشرعي، ويصدر أحكاما وفتاوى شرعية، ثم تطورت سلطته ليكون وليا للمسلمين يتحكم بمصيرهم الديني، وأصبحت آراؤه حدا فاصلا بين الإيمان والكفر. فما هي مبررات سلطته ضمن سياق الاجتهاد كظاهرة تاريخية؟. هذا السؤال سيفتح لنا آفاقا جديدة لفهم مصدر شرعية سلطته الدينية. فربما لا توجد أدلة على ذلك سوى مفهوم الاجتهاد، الذي قد يمارس دوره في فرض حقيقته، بعيدا عن مصداقيته. وسوى منظومة القيم القبلية التي تحث على هيمنة التشريع ومصادرة الحريات، لضبط سلوكيات المجتمع وإخضاعها لنظام معرفي موّحد يضمن ما يصبو له الفقيه والسياسي، في السلطة أو المعارضة.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

 

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة السادس والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4-س91) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

الإلهي والبشري     

ماجد الغرباوي: اتضح أن الخصائص المتقدّمة هي أساس تعالي الأحكام الإلهية، وسبب قداستها حتى مع انكشاف ملاكاتها، لأنها، كما تقدّم، منتزعة من صورة الخالق، في ضوء خطابات الترغيب والترهيب، وصفات العظمة والجبروت. فثمة خلفية تمهّد لتماهٍ مطلق بين الغيب والشهادة، لحظة امتثال التكليف، يستمد وجوده من ايمان الفرد وقوة تجربته الروحية، التي هي مشاعر نفسية تتوهج لحظة انفتاحه على السماء بكل انقياد وتسليم. لحظة لا معنى للعقل والبرهان والاستدلال فيها، حينما يتولى القلب رعايتها وتوظيفها، لحظة عصية على الفهم، متمرّدة، موغلة في اللامعقول، ترتعد فيها مفاصل الملتقي بين يدي الله وهيمنة روح الغيب على مشاعره. وهذه هي ميزة الدين وقدرته على ربط الإنسان بالغيب وما وراء الطبيعة، حداً تنعدم فيه الفواصل بينه وبين الشهادة في لحظة الامتثال. فيغدو الفعل غيبا يتجلى عبر مشاعره، ويتلبس حالة روحية لا يعرف كنهها وحقيقتها، سوى قلق يتأرجح بين الخوف والرجاء. الخوف من غضب الله وسخطه، وأمل بطوف حول مرضاته. فالقلق صفة ملازمة لمشاعر المؤمن، حداً يجعل منه مستعدا لامتثال أي تكليف مهما كان ثمنه باهظا، ويمتثل كل تشريع محتمل، ويستجيب لكل عمل خير برجاء أن يكون مطلوبا، وعلى هذا الوتر لعب الفقهاء، حينما أسسوا ما يعرف عندهم بقاعدة: (التسامح في أدلة السنن). أو ما اسميه قاعدة "وهم الحسنات". فتراه يهجر أعمال الخير التي أكدها الكتاب الكريم في أكثر من خمسين آية، ويعكف على امتثال مضامين روايات، تنأى به عن حقيقة الدين، وتقتل عنده روح الشعور بالمسؤولية، ليعيش أوهام الحقيقة، واكتساب الحسنات المجانية.

وتعني قادة التسامح في أدلة السنن، إلغاء قيمة السند مهما كان ضعيفا، وامتثال مضمون الروايات مهما كانت خرافية ولا معقولة، فكانت السنن دائما على حساب وعي الفرد واهتمامه بمستقبله. لأن الحياة وسعادتها وفقا للمنطق الديني هي حياة مرتهنة لرصيده من الحسنات، لا تقتصر على العمل الصالح، بل تشمل ممارسات وطقوس تنأى عن روح الدين وقيمه ومبادئه. وأمامك كتب الفريقين لتقرأ، كيف تهطل الحسنات، لمجرد قراءة دعاء بسيط، بينما لا تحصل من عملك الصالح سوى عشرة حسنات؟ فما قيمة عشرة حسنات أمام قراءة آية ودعاء، حيث يعطيك الله الف الف حورية، وتبدأ الرواية بسرد خرافي لما تجنيه، لذا فالدنيا لهو ولعب وتفاخر، وما الحياة الحقيقية سوى الأخرة، وطريقها معروف عندهم. فالمؤمن للأسف يعيش حالة استلاب خلال تجربته الدينية، وهذا مكمن الخطر حينما يلتبس البشري بالإلهي، والمقدّس بغيره، وحينما يتعامل المكلف مع فتاوى الفقهاء باعتبارها أحكاما شرعية منصوصا عليها، يطمح لرضا الله من خلالها، فيحرص على الإلتزام بها وتعهدها وامتثالها، وحقيقتها اجتهادات فقهية، ورأي بشري، يراد تمرير شرعيته من خلال نسبته للشريعة الإسلامية. ويتضاعف الخطر في خطابات تزوير الوعي الديني، التي تهدف إلى تكريس مصالح طائفية وسياسية. فثمة فلسفة عميقة وراء تحديدها قرآنيا، والنص على إكتمال الدين، عقيدة وتشريعا، لتفادي أي تداخل بشري بالإلهي، يتسبب بانتكاسة أخلاقية.

نعود للإشكالات المسجّلة على فقه الشريعة وتفرّد رؤيته للحكم وفلسفته، عما هو متداول في منهج استنباط الأحكام الشرعية. وهي إشكالات تفرضها قدسية الأحكام الإلهية، ومخالفتها للمشهور، وموقف المؤمنين بها، منها:

الإشكال الأول: ثمة مساحة متاحة يمكن إملاؤها وفقا لمقتضيات الحكمة، حينما ترتهن شرعية الأحكام إلى ملاكاتها، فتسقط قدسية الحكم الإلهي، التي تعني تعاليه على النقد والمراجعة ومقارنته بالمحايث والبشري. فهو يستمد من مصدره ما يرتفع به خارج حدود التفكير، ذلك الغموض الذي يبعث الرهبة، والسر العصي الذي يعطي بعدا أسطوريا للتجربة الروحية. فربط شرعية الحكم بملاكاته تسمح بنقدها حين انكشافها، ومقارنتها بالواقع وضروراته، فتسقط قدسيتها، وتسلبها مهابتها وهالتها. فكيف تربط شرعية الحكم بملاكاته، وبذات الوقت يحافظ الحكم الإلهي على قدسيته؟

الجواب الأول: إن ربط شرعية الحكم بملاكاته لا يلغي مصدره، ولا يستهين بقدسيته، بل يعني هناك ملاكات (مصالح أو مفاسد) اقتضت تشريعه، فيأتي الخطاب، أمرا أو نهيا، بموازاتها. أو بتعبير فقه الشريعة: ثمة ملاكات تتوقف عليها تحقيق مقاصد الجعل والتشريع اقتضت تشريعها. وقد مرَّ تفصيل الكلام عنها وعن مراحل التشريع، وهناك أيات صرّحت بعللها، وأخرى تشي أجواؤها بها، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). فالتقوى المتوخاة من الصوم هي علة تشريعه، كركيزة أساسية لضمان توازن سلوك الفرد والمجتمع. وأيضا (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ). وقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ). وهكذا جميع الأحكام سواء صرّح القرآن بعلة تشريعها أم لا.

فإرادة التشريع تتوقف على وجود ملاكات، يصدر الحكم بموازاتها، أو يصبح ضربا من العبث، ينأى بالفرد عن دور الخلافة الإنسانية، ويكرّس قيَّم العبودية والانقياد، رغم ما يترتب عليها من آثار والتزامات تتنافى مع حكمة وفلسفة الخلق، وتتعارض مع سياقات الآيات التي تؤكد وجود حكمة وغايات أعمق وراء الخلق، والله غني عن العالمين (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). وتؤكد مقاصدية الخلق: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ).

العبودية تتعارض مع كون الإنسان خليفة، وقد تحمّل مسؤولية الأمانة: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). والظلم هنا لا بسبب جهله وضعفه، لأن الأمانة مهمته الأساسية عندما اختاره الله خليفة، لكن الظلم يقع عليه حينما لا يعرف قدره ودوره وقيمته الوجودية، فكيف تصدر له تشريعات عبثية أو لمجرد اختباره؟ الإنسان هو مركز العالم. وأحد مهام فقه الشريعة انتشاله من شرنقة الفقه وفخاخ الفتاوى، ليتحمّل مسؤولياته الإنسانية، من خلال عقله وتجربته، مستفيدا من قيم الدين، التي هي قيم إنسانية، اقتضاها وجوده الإنساني.

فالأحكام الشرعية كغيرها، تمرّ، كما تقدّم بيانه، بمرحلتين، مرحلة التصوّر أو مرحلة ثبوتها وتشخيص مبررات تشريعها، وطبيعة ملاكاتها. ثم مرحلة إبراز الحكم بصيغة قانونية (مرحلة الإثبات). (ولكل واحد من الأحكام التكليفية الخمسة مبادئ تتفق مع طبيعته، فمبادئ الوجوب هي الإرادة الشديدة، ومن ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في المخالفة. ومبادئ الحرمة هي المبغوضية الشديدة، ومن ورائها المفسدة البالغة إلى درجة نفسها. والاستحباب والكراهة يتولدان عن مبادئ من نفس النوع، ولكنها أضعف درجة بنحو يسمح المولى معها بترك المستحب وبارتكاب المكروه). كما هو رأي السيد محمد باقر الصدر في أصوله. أو بتعبير فقه الشريعة: إن درجة إلزامات الأحكام الشرعية تتناسب طرديا مع حجم ملاكاتها.

الإشكال الثاني: إن ارتهان شرعية الحكم لملاكاته، يلغي خصوصية المشرّع، فماذا يعني اختصاص التشريع بالله كما يؤكد فقه الشريعة؟

الجواب الثاني: المقصود بالتًشريع الذي يختص به الله، خصوص أحكام الشريعة. وهي مجموعة أحكام منصوص عليها قرآنياً، اقتضتها ضرورات واقع ما بعد البعثة. وفيها تجاوز لواقع تشريعي سابق، وتنظير لواقع تشريعي جديد، فهي ناظرة لذلك الواقع، وتخصه بالدرجة الأولى، ويبقى إطلاق كل حكم مرتهن لأدلته وقوة ظهوره وفعلية موضوعه. وهذا العدد من الأحكام قد تمت حمايتها بآية كمال الدين عقديا وتشريعيا، وعدم جعل الولاية التشريعية صريحا لأحد غيره، فيختص بها لأصالته ومقتضى كماله. وهذا فهم مختلف للحكم وفلسفة تشريعه، لا يلغي خصوية المشرّع وقدرته على تشخيص الواقع وملاكاته، حيث تتسم أحكامه بالثبات والإطلاق تبعا لفعلية موضوعاته. فثمة انكشاف تام للواقع ضمن شروطه التاريخية، لا يتحقق لغير الخالق. فالمقصود باختصاص الخالق بالتشريع، خصائصه التي مرّ ذكرها، وقدرة الحكم على فرض سلطته، وخلق دافع ذاتي لامتثاله حد التضحية بالأموال والأنفس واتخاذ كل موقف يستدعيه الحكم، وذلك بفعل قبليات المتلقي وثقافته وما يرتسم في مخيلته عن قدسيته وانتمائه، وحجم ما يترتب عليه من جزاء، وتبعات في حالة مخالفته والتمرد عليه. فهو يدفع أموال زكاته بيقين راسخ، ليعزز رصيده بعشرة أمثاله (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا). ويضحي جهادا في سبيل الله في قبال مصير مثالي: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ). وهذا لا يدانيه أي تشريع بشري. فثمة هدف وراءه يرتبط بفلسفة الخلق ودور الإنسان في الحياة، وخصوصية الجزاء الأخروي، يصدر عن عقيدة راسخة ووعي ديني عميق، مفعم بمشاعر المهابة والقدسية، فاختصاص الخالق بالتشريع اختصاصه بتشريعات نوعية. وهذا ما نخشاه، ونصر على اختصاص التشريع بالله في دائرة الشريعة الإسلامية، والفصل بين الإلهي المتعالي، والاجتهاد المحايث. كي لا تلتبس الحقيقة على المكلف، خاصة حينما ينظر إلى فتوى الفقهاء باعتبارها أحكاما إلهية. فأحكام الشريعة أحكام مقدّسة، هي اختصاص الخالق. لا يصح نسبة غيرها لها، يترتب عليها موقف أخلاقي، يطيح بقيم الدين ومصداقيته حينما يكتشف المكلف حقيقتها، فتذهب آماله أدراج الرياح، وربما يصاب بإحباط، يضع حدا لانتمائه الديني. كمن ينتظر أجر عمله، ثم يكتشف خيبته، لأنه امتثل ما لم يؤمر به، وربما لم يمتثل ما لم يؤمر به.

الإشكال الثالث: لماذا لا تكون مطلق سُنة الرسول حجة أيضا؟.

الجواب الثالث: مرّ الكلام أن الولاية التكوينية للخالق تستلزم ولايته التشريعة، إلا ما دل الدليل على وجوب التبليغ، والبيان، والتفصيل، لتقف مسؤولية الأنبياء على تخوم: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). فثمة ما يعلو على التشريع بالنسبة للإرادة الإلهية، وهو حرية الإنسان، أساس فلسفة خلقه. فتأتي التشريعات لتحفظ توازنه الروحي والسلوكي، وتحقق له العدالة الاجتماعية المطلوبة. وهذا يحتاج كشفا تاما مما منح التشريعات الإلهية حصانة ضد الاختراق، أو جعل أية ولاية تشريعة لغيره. ففلسفة الخلق اقتضت منح الإنسان هامشا واسعا من الحرية، حتى تشريع الأنظمة والقوانين في ضوء الواقع وضروراته. واكتفى الدين مبادئ وقيم صالحة كمرجعيات في عملية سنّها وتشريعها، وفقا لمبدأ العدل وعدم الظلم، ومراعاة الرحمة والسعة. الإنسان وفقا لمنطق القرآن رهان الله مع ملائكته على أساس قدراته على تحميل مسؤولية الرسالة، وقوام المسؤولية حريته واعتماده على عقله وقدراته في خلافة الأرض واستخلافها، والواقع يحتاج إلى مواكبة تشريعية، تستمد شرعيتها من مرجعياتها القائمة على العدل وعدم الظلم (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، فيكون الفيصل بين فعلية الحكم الشرعي وعدم فعليته، فعلية موضوعه، فلا فعلية لحكم لا فعلية لموضوعه، وهنا نحتاج لمواكبة تشريعية، خاصة في مجال فقه المعاملات الشامل لجميع مناحي الحياة الشخصية والاجتماعية ما عدا العبادات. والسنة النبوية فهمٌ لتفصيلات الأحكام في ضوء ذلك الواقع وخصوصياته وضروراته، فلا يمكن هدر السياق التاريخي للروايات النبوية. ثم أن الواقع يتطور، ويدعو لمراعاة ضروراته، فثمة سياق تاريخي متجدد، ينبغي موضعة الأحكام فيه. فلا يمكن أن تكون مطلق السنة النبوية حجة، بل حتى ما هو حجة، يمكن إعادة النظر فيه والبحث عن علل تشريعه وفقا لذلك الواقع، كي تكون العلة مناط التشريع، وعندما تختلف العلة يختلف الحكم. ثم لم يجعل الله ولاية تشريعية لأحد بشكل صريح وواضح، وما أدلة حجية مطلق السنة سوى تأويلات واجتهادات، أملتها مختلف المصالح.

الإشكال الرابع: كيف نغطي حاجة المجتمع للتشريعات القانونية إذا اقتصرنا على الأحكام المنصوص عليها قرآنيا، وما له جذر قرآني من السنة النبوية؟

الجواب الرابع: إن هاجس المشرّع / الله إلتباس الإلهي بالبشري بفعل التزوير، وليست مشكلته مع أصل التشريع خارج دائرة الأحكام الشرعية، إذا كان قائما على العدل والرحمة والسعة ومراعاة الواقع وضروراته، وهي مرتكزات إرادة التشريع. لضمان تحقق ملاكات الجعل التشريعي: التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

إن المشكلة الأساسية في استغلال الأحكام وتوظيفها خارج سياقات التنزيل ومناسباته، فتكرّس لمختلف المصالح، مما يعيق حركة الإنسان ومهامّه الإنسانية، لذا حذّر الكتاب من الإفتاء بغير علم. وكل تشريع ينسب للشريعة ولم ينص عليه الكتاب الكريم، ولم تكن الرواية النبوية شرحا وبيانا وتفصيلا له، يعتبر مصداقا لخطوات الشيطان (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، لأن القدر المتيقن هو استثناء العلم (النص القرآني)، وما عداه، مهما كان نوع الدليل لا يعدو كونه ظنا، والظن لا يغني من الحق شيئا. ثم يردف الكتاب الكريم محذرا: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ).

وبالتالي، فيمكن اعتماد مرجعية العدل والسعة والرحمة ومراعاة الواقع وضروراته في سنّ وتشريع القوانين التي يحتاجها المجتمع. وتقدم أن فقه الشريعة يعتبر ملاكات الأحكام أساس شرعيتها، فكل تشريع في صلاح المجتمع وضبط سلوك الناس، منعا للجريمة والظلم والاستبداد، ومراعاة لأمن الناس ومصالحهم العليا، يعد حكما مستوفيا لشروطه، وشرعيته. وقد أمضت الشريعة الإسلامية البيع والشراء، واستثنت الربا وبيع النسيء، ارتكازا لملاكاتها القائمة على التراضي، لذا لا تجد أحكاما قرآنية تخص أحكام البيع والشراء. كما أهملت السياسة، سوى مبادئ تصلح أن تكون أُطرا لمختلف التشريعات. فملاكات التجارة ملاكات متغيّرة فاكتفت الشريعة بالتراضي لتمريرها وإمضائها. وليس التجارة فقط، فالمجتمع العربي رغم حكومة العنف والقوة لكن تضبط حركته مختلف التشريعات، بعضها ديني، وهناك قبَلي وأخلاقي، وعرفي، وتجاري، وتجاور وعلاقات، وحرب وسلام وديات وقضاء، وغير ذلك، فالإسلام لم يلغها جميعها، بل أمضى بعضها، وهذّب الأخرى، وأعاد توازن ثالثة على أساس العدل ومنع الظلم. وأضاف ما رآه ضرورة لحفظ توزان المجتمع واستتباب الأمن والسلام، كالمطالبة بأربعة  شهود شرطا لثبوت الزنا، وإقامة الحد. فلا يمكن للخالق أن يشرع لواقع متحرك تشريعات مطلقة، فربط فعليتها بفعلية موضوعاتها. وقد راعى مهمة الإنسان ودوره، وضرورة الاعتماد على نفسه. وأمامنا القوانين المدنية الحديثة، التي خلقت أجواء آمنة، وحياة اجتماعية مستقرة وفقا لمركزية العدل، وهذا شاهد على كفاءة الإنسان تشريعا. بينما تعصف بأحكام الفقهاء جملة إشكالات لا يمكنهم تجاوزها بفعل القواعد الأصولية التي أسسوها وفرضوها سلطة توجه وعيهم الفقهي.

وبالتالي يمكن اعتبار التشريعات القرآنية نماذج عملية لتشريع الأحكام، شريطة إدراك مرتكزاتها ومقاصد تشريعها. فتكون أحكاما بشرية تمثّل وجهة نظر فقهية. فالخطر يكمن في نسبتها للشريعة، فينقاد لها المكلّف مدفوعا بالطاعة والانقياد على أمل إحراز مرضاة الله. وبهذا الصدد يمكن تأسيس قواعد أصولية تساعد على تشريع أحكام تمثل وجهة نظر فقهية، فيكون القياس والذوق الفقهي أدوات ماضية، لأنك لا تريد تشريع حكم تنسبه للشريعة، فالفقيه أما أن يقصد معرفة حكم الشريعة، وأحكامها محدودة واضحة بينة ما عدا بعض الإلتباسات، التي يمكن الاستعانة بالسنة الشارح لتحري تفسيرها. وإما أنه بصدد أحكام لتنظيم حياة الناس في مساحة الفراغ التشريع بإمكانه الاستفادة من الأحكام الشرعية نماذج لتشريع معادل لها، يمثل وجهة نظر فقهية وقانونية.

الإشكال الخامس: لا شك بصدقية ملاكات أحكام الشريعة، فهي من لدن خبير عليم، فتأتي مطابقة للواقع، ويبقى دورنا التلقي والتسليم والطاعة، فنمتثلها بكل إيمان وإخلاص، لكن كيف يتسنى لنا ضمان ملاكات مطابقة للواقع بالنسبة للأحكام الوضعية؟.

الجواب الخامس: إن طاعة الأحكام الشرعية قائمة على التسليم، على أساس حكمة المشرّع وعلمه وإحاطته، وما ينكشف منها قد لا يكون علّة حقيقية للتشريع، ورغم ذلك نمتثل لها بحرارة الإيمان (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا). وبالتالي أيضا لا يمكننا اختبار ملاكات أحكام الشريعة سوى تكهنات غالبا، إلا ما انكشف انكشافا تاما أو صرّح القرآن بها. غير أن الأحكام الوضعية تكشف عن ملاكات وأسس تشريعها، فيكون الواقع محكا لصدقيتها، فيمكن تعديلها وفقا لمقتضيات المصلحة العامة، أو مقتضيات الدستور واللوائح القانونية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3-س91) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

التشريعات الإلهية   

ماجد الغرباوي: ثمة سؤال جدير عن شرعية الأحكام بشكل عام، وأحكام الشريعة بشكل خاص تترتب عليه نتائج تتعلق بمستقبل الحكم، وفق الواقع وضروراته. فهل يكتسب الحكم شرعيته من انتسابه لمصدره، كما تذهب لذلك المدونات الفقهية، أم يستمدها من ملاكاته، كما يرى فقه الشريعة؟. وقد يبدو الاختلاف لفظيا. فانتساب الحكم لمصدره انتساب للمطلق، العالم بالملاكات الواقعية للأحكام. وليس الأمر كذلك، فالحكم بالنسبة للأول، ناظر للواقع لكنه لا يرتهن له، ويستقل بأولويته، وإطلاقه وشموليته، منذ لحظة صدوره، التي هي لحظة تعاليه وقدسيته، ويُنظر له من خلال فهم أيديولوجي ينتمي لنظرية العبودية. فيجرّد الحكم من خصوصياته التاريخية وأسباب نزوله. (المورد لا يخصص الوارد) قاعدة، يلتزمون بها، تحرر الحكم من قيود تشريعه الزمانية والمكانية، ليغدو مطلقا، شاملا. فليست ثمة فلسفة وراء الأحكام سوى حق طاعة المولى، بعيدا عن فقه ملاكاته وفلسفة تشريعه. وهي رؤية تنتمي لنظرية العبودية، التي تكرّس الطاعة المطلقة وفقا لقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وتستبعد كل ما يعضّد دور الخلافة الإنسانية.

غير أن فقه الشريعة، الذي نؤسس له في هذه الأبحاث، يؤكد على ملاكات الأحكام ومرتكزات مبادئه مصدرا لشرعيته. فتتوقف فعليتها على فعلية موضوعاتها، ويتاح للعقل تحري الواقع وضروراته، وفق فلسفته وتاريخيته، والأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان ودوره في الحياة، وفقا لنظرية الخلافة التي ينتمي لها فقه الشريعة، والتي تقدّم رؤية مختلفة لهدف التشريع، تنسجم مع مهمته الإنسانية، بعيدا عن منطق العبودية وتكريس الاختبار والفتنة كهدف أساس وراء التشريع. فالحكم بالنسبة لفقه الشريعة ليس منقطعا عن تاريخه، فيقتضى النظر إليه ضمن هذا السياق، فثمة تشريعات سابقة (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ، مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ)، بل أن الشرائع أحكام بشرية قبل نزول الأنبياء، جاءت كضوابط أخلاقية قانونية لتنظيم مختلف العلاقات. فأعادت الشريعة الإسلامية الأحكام إلى نصاباتها وفقا لمنطق العدل والسعة والرحمة، وعدم الظلم والجور، بما يحقق ملاكات الجعل الشرعي، ثم قامت بتعميمها. فهي أحكام حاسمة يتوقف عليها توازن المجتمع، حقوقيا، وروحيا وسلوكيا. وتنطوي على مرجعيات معيارية، في تحيّزها ومبادرتها. فهناك واقع سبق التشريع، فرض منظومته الأخلاقية. واقع قد يكون عادلا وقد يكون ظالما، ينتصر لقيم العبودية، وتفرض على الإنسان العبد واجبات باهظة، بعد شطب إنسانيته، وارتهانها لصالح سيده. أحكام منبثقة عن قيم مجتمع طبقي بغيض، يضحّي بالعبد / الإنسان دائما. فتشريع أحكام المرأة أو الإرث أو الطلاق مثلا، لا ينفي ولا يلغي التشريعات السابقة، لذا أمضت الشريعة أحكام التجارة والبيع، واكتفى الخطاب الديني ببعض المبادئ، كحرمة بيع الربا (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، وأن تكون تجارة عن تراضٍ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ). فالشريعة الإسلامية قوّمت الشرائع السابقة والسائدة آنذاك وفقا لمبدأ العدل، والرحمة. وأضافت ما يواكب الواقع الموضوعي، ويستجيب لضروراته. بهذا تتضح قيمة ما يطرح من إشكالات حول الجذور التوراتية أو القبلية للتشريعات الإسلامية.

وعندما يرتكز الحكم في شرعيته إلى ملاكاته ومرتكزات مبادئه، لا يعني الفوضى، وقد تقدّم في منهج التأصيل العقلي أن مرتكزات مبادئ الأحكام ناظرة إلى مقاصد الجعل الشرعي: (تحقيق التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، المتوخاة من أحكام الشريعة). وكل واحدة من تلك المرتكزات تنفي ضدها، فلا شرعية لأحكام تقوم على الظلم والجور والعدوان، واستعباد وشقاء الانسان. أو مصادرة حريته وحقوقه جزافا. فإرادة التشريع وفقا لهذا المنهج تتأثر بالواقع وضروراته.

ولا يخفى اختلاف المنهجين، فإن التعبّد الصرف يقتضى الإطلاقين الأحوالي والأزماني للحكم، ما لم تنكشف علة تشريعه صراحة. ويكون الفارق بين أحكام الشريعة وغيرها بالنسبة للأول، هو ذات الفارق بين الإلهي والبشري، السماوي والأرضي، المقدّس والمدنس، الديني والوضعي. المطلق والمحدود. بينما شرعية الحكم بالنسبة للثاني منوطة بملاكاته، التي تحقق مقاصد الجعل الشرعي، مما يتيح تحري فعليتها من خلال فعلية موضوعاتها، فقد تسقط بعض التكاليف الشرعية تبعا لاضمحلال فعلية موضوعاتها أو تغيّر شروطها وقيودها. فالفقيه لا يجمد على حرفية النصوص، ويلاحق دلالتها ومضمراتها، لاكتشاف فلسفة تشريعها، وشروط فعليتها، كل ذلك ضمن فلسفة الدين وفلسفة الخلق والوجد الإنساني. غير أن هذا المنهج يثير أسئلة مهمة حول قدسية النص وصرامته، تتطلب إجابات مقنعة. وقبل الإجابة على الإشكالات الواردة، يتعين تحديد مفهوم الشرعية، وعلاقته بمفهوم المشروعية. ما هي معاييرها، ومرجعياتها في تحديدها، وحسم النزاع حولها؟ وكيف  يكتسب الحكم شرعيته من ملاكاته؟

المشروعية: "كل ما يصدر عن جهة يحق لها التشريع"، فتشمل الأحكام الشرعية والأحكام الوضعية المنبثقة عن إرادة شعبية، أو تستند للأنظمة والقوانين المشرَّعَة لحماية الشعب ومختلف مصالحه.

فقد يراد بها خصوص "الشرعي"، وما يترشّح عن مبادئ وأسس دينية، فيصبح السؤال عن مشروعية الحكم سؤالا عن أدلته الشرعية، حيث يتطابق المعنىى اللغوي والاصطلاحي للكلمة. وأخرى يراد بمشروعية الحكم / القرار، قانونيته ودستوريته، فاستناد الحكم للقانون كفيل بمشروعيته. لا فرق بين الأحكام ألإلهيّة والوضعية، لأن الثانية تتأسس على مواد قانونية، صدرت عن جهات مسؤولة عن تشريع الأنظمة والقوانين.

شرعية الحكم: "ما يحقق شرط مصداقيته".

 لأن الحكم: تشريع يقصد به تحقيق غاياته وأهدافه. فيفقد شرعيته عندما ينشد العدالة وهو يشرع للظلم مثلا. ولا شرعية لحكم ما لم تستجب ملاكاته لما يحقق التوزان الروحي والسلوكي بالنسبة للعبادات، ويحقق العدالة الاجتماعية في غيرها. ولا شرعية لحكم يكرّس الظلم والعدوان مهما كانت قوة مصدره. وبشكل أوضح، نحن لا نشك بمشروعية قانون مهمٍ كقانون الضمان الاجتماعي الذي تستفاد منه شرائح واسعة من الشعب مثلا، ونضع اللوم على الجهات الحكومية عند عدم تطبيقه. بينما نلتزم بقانون يكرّس سلطة المستبد رغم ظلمه. فالإلتزام تحت طائل القوة والعنف لا يجعل منه حكما مشروعا. مشروعية الحكم قضية حساسة ومهمة، تتطلب تثقيفا عاما، ليتبصّر الفرد بحقيقة الأحكام التي ينصاع لتطبيقها طواعية أو خوفا، مهما كانت سلطتها، فقد يكون المرء سببا لمصادرة حقوقه وحريته، شعر بذلك أم لم يشعر.

تقدم، لا يمكن تجاهل مصدر النص / الحكم، حينما تترتب عليه حقوق وواجبات، بل النص في هذه الحالة يستمد سلطته من مصدره، إضافة إلى طريقة بنائه وتركيبه وأدائه ودلالاته اللغوية، وطبيعة أوامره ونواهيه. فيستمد سلطته ومركزيته وتأثيره من مؤلف النص أو مشرّع الحكم، وأسلوب الخطاب في التعبير عن مضامينه. فعندما يصدر أمر من السلطات العليا بإمكانك قراءة النص بمعزل عنها، للكشف عن كواليس صدوره، وما يخفيه من تحفظات ومخاوف وتطلعات. لكن لا يمكن تحديد درجة إلزامه بمعزل عن مصدره، فهو يستمدها منه، ومن قدرته على تنفيذ وعوده. وبالتالي فهو مقوّم ذاتي لسلطة النص لا لشرعيته. فشرعية الحكم تغاير سلطته، وهذا مبرر صدور قرارات الردع التي تتضمنها القوانين عادة. والقرآن أيضا يعزز أوامره بعقوبات جزائية رغم تعاليها، ورغم ما تحمله صورة الخالق في وعي المؤمن، إضافة إلى خطابات ترغيبية وترهيبية، تتولى ضمان تطبيقه. فسلطة الحكم الشرعي مجعولة، أما شرعيته فمرتهنة لملاكاته، وقدرتها على تحقق مقاصد الجعل الشرعي، رغم جهلنا بها، فقد ندرك العلل القريبة لها، لكننا نجهل عللها البعيدة، لأننا نؤمن بأن الحكم جزء من منظومة دينية، تتضمن فلسفة الخلق والتشريع، وبيان مهمة الإنسان في الحياة. فنخلص أن شرعية الحكم غير سلطته، واتجاه العبودية يخلط بينهما، فتكون الأحكام مطلقة، لا يؤمن بتوقف فعلية الحكم على فعلية موضوعه، بل أن الأحكام نافذة في إطلاقيها الأزماني والأحوالي.

خصائص التشريعات الإلهيّة

تأسيسا على ما تقدم، تستمد الإحكام الشرعية قوة حضورها من صورة الخالق في وعي المتلقي، بكل عظمته وكبريائه وجبروته، وقد تفقد قيمتها خارج دائرة الإيمان، وربما ترمى التشريعات بالتخلف والتوحّش واللإنسانية. وهو أمر طبيعي لغير المؤمن، وأما بالنسبة له، فإن المشاعر الإيمانية تعمّق سلطة أحكام الشريعة، وتدفع باتجاه طاعتها وعدم التمرد على إرادة الله.  وأما خصائصها، فهي:

1- خصوصية المشرّع:

تتسم الإحكام الإلهية بخصوصية المشرّع، فهو خالق السماوات والأرض، العالم تفصيلا بملاكات الأحكام. الخبير بمصالح العباد، يدرك علاقة الحكم بغيره وبهدف الرسالة والإنسان في الحياة. يعلم خصائص النفس البشرية، وما هي حاجاتها: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). أضافة إلى أن للخالق وفقا للمنطق الإيماني حق التشريع أصالة. فالمؤمن يتلقى الخطابات الدينية ضمن أفق تصوراته عنه وما يترتب على طاعة أوامره. فثمة ثقافة وقبليات تتولى فهم الخطاب الديني، وأحكام الشريعة. فعندما يستجيب المكلف للجهاد في سبيل الله مثلا، ينطلق من المعنى الذي يضفيه الدين على فعل القتال. والمعنى ليس شيئا آخر سوى المخيال الديني، الذي هو نتاج ثقافة وتصورات تراثية، إضافة إلى مستوى الوعي والعوامل النفسية والاجتماعية والسياسية. ويكفي أن خطابات الترغيب في الكتاب الكريم، بلغتها البلاغية، قادرة على تحريك مشاعره، بل وقادرة على إعادة تشكيل وعيه، لتدارك ما يطرأ على إرداته من انهيارات متوقعة بسبب وقع الحرب. وبالتالي فإن إلتزام الفرد بأحكام الشريعة، خاصة العبادية منها، والإلتزام بأحكام وأخلاق المعاملات والعلاقات دون رقيب ما عدا ضميره، يعكس صورة الخالق في وعيه. فالحكم الشريع ليس مجرد حكم، بل حكم إلهي، يتصف بقوة سلطته وحضوره وتأثيره. وهذا سرّ الورع الشديد عند بعض المؤمنين، في مواطن الشبهات.

2- خصوصية التشريع:

تتصف التشريعات الإلهية بالتطابق التام بين الواقع وملاكات الأحكام، حين تشريعها، وعلى المدى البعيد، ما لم يحدث طارئ (عالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ). والدليل أنها قد حققت مصداقيتها تاريخيا، ونجحت في سيادة العدالة والانصاف والرحمة، وتقبلها الناس آنذاك باعتبارها أحكاما مثالية، مقارنة مع غيرها من الشرائع. وهذا يعجز عنه المشرّع الوضعي مهما كان حكيما، خاصة استشراف المستقبل، فتجد تعديل القوانين ديدن الدوائر التشريعية، لأنه محكوم بالواقع وما تفرضه ضروراته. رغم ثبوت بعضها، وعدم تاريخيتها، كالقوانين التي ترتكز للمبادئ الإنسانية، وقيم العدالة. والأمر أوضح على صعيد العبادات، كممارسة روحية، ومشاعر تؤثر في النفس البشرية فتحتاج إلى توازن يحفظ استقرارها، فجاءت بهذا القدر، كحد أدنى وتركت الباب مفتوحا، على مستوى الاستحباب والنَفْل، لتُطفئ ظمأ الأرواح الهائمة، وتروي شغف عشقها للغيب والمطلق. وبالتالي، فثمة تطابق تام بين ملاكات الأحكام والواقع. أو وفقا لفقه الشريعة، هناك تطابق تام بين الإرادة التشريعية وملاكات التشريع. فقدسية الأحكام لا فقط لخصوصية المشرّع  بل لخصوصية التشريع، وواقعية ملاكاته أيضا. غير أنها مشروطة بالواقع وضروراته، فالملاك هو الملاك ما لم يطرأ على موضوعه ما يستوجب عدم فعليته. أو ما يستوجب إعادة النظر في إرادته التشريعية وفقا لفقه الشريعة. وحينما يسقط التكليف فبسبب تغيّر الموضوع لا بسبب ذات الحكم التشريعي. وهذا أحد خواص الحكم الشرعي.

3- قدسيتها وتعاليها:

إن وراء العبادات غايات تتعلق بسلوك الفرد والمجتع، استوجبت خطابات ترغيبية وترهيبية عالية التردد، من أجل تحقيق مقاصدها، وأهمها التقوى، أُسُ ضمان توازن الفرد وعدم طغيانه، وأساس توزان المجتمع. من هنا كان الإيمان شرطا في تحقق أهداف الرسالة وأحكامها الشرعية: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). فسلطة وقدسية ومهابة التشريعات الإلهية لا تغادر قلب المؤمن ومشاعره، فتخلق عنده وازعا ذاتيا لتطبيقها. أي أن خطابات الترغيب والترهيب وصورة الإله في وعي المتلقي تعمل على إعادة تشكيل الحكم الشرعي، ليغادر حالته القانونية المجرّدة، ويتلبس مشاعر روحانية ترافق تطبيقه، وتجعله يعيش قلق المصير الأخروي، فهو بين الرجاء والخوف، حينما يشك بطاعته، ويأكله الندم بعد ارتكابه الذنوب والمعاصي: (لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة). بينما التمرّد صفة ملازمة لتطبيق القوانين الوضعية، ويبقى الفرد وضميره وثقافته. فالأحكام الإلهيّة حالة فريدة، ضمن شرطها الإيماني، الذي يتجاوز أفق الدنيا ليربط الفرد بمصيره الأخروي، وهو شرط يتجدد، وينمو بفعل التفاعل بينه وبين تطبيق الأحكام والإلتزامات بشعائرها الدينية.

4- التشريعات الإلهية جزء من منظومة دينية: تُعنى بفلسفة الخلق والدين والحياة، وتمهّد لمجتمع صالح، مجتمع إنساني، تسوده العدالة والرحمة، فلكل حكم من أحكام الشريعة، علّتان، علة قريبة، قد تصرّح بها الآيات، كالتقوى بالنسبة للصوم، وعلّة بعيدة مرتبطة بمنظومة فكرية وعقيدية وتشريعية شاملة، مركزها الإنسان. وهي علّة مجهولة لنا، تختص بالله تعالى. فلا ريب بتحقق التقوى لدى الصائم حينما يلتزم بحقيقة الصيام، غير أن تشريع متعلق الحكم قد أخذ بنظر الاعتبار دور الدين ومهمة الإنسان في الحياة. بشكل ينسجم الحكم مع منظومة الأحكام الكلية، فتكون مبهمة، يتعذر على الفرد إدراكها حتى على مستوى التخمين، مما دفعني لتقصي مرتكزات مبادئ الحكم، خاصة مرتكزات إرادة التشريع، بدلا من تحري عللها البعيدة، في عملية مراجعة موضوعات الأحكام، في حالة الشك بفعليتها، باعتبارها ناظرة لمقاصد جعل الأحكام. وبالتالي تبقى أحكام الشريعة مقدّسة، ومطلقة، خاصة في أحكام العبادات، ما لم تختل مقاصد الجعل الشرعي: تحقيق التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، بشكل تمتد تداعياته إلى ما هو أبعد من التأثير المحدود / الإنسان أو المجتمع. وليس التجارب الشخصية هي المقياس بل  حينما يكون الخلل ظاهرة تنعكس على السلوك العام، وتؤثر في العقل الجمعي، بشكل تنحصر علة الظاهرة بالشريعة وأحكامها. فمثلا لا يمكن نفي فعلية حكم الصوم بسبب ارتفاع درجات الحرارة فقط، بل يجب تحري الموضوع على مستوى التنمية والنظام العام وحركة المجتمع، إقتصاديا وسياسيا. بينما يمكن بسهولة مراجعة القوانين الوضعية من خلال تطبيقاتها في الواقع.

فحينما تقول الآية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ). فالأذى هو علة الحكم بالاعتزال، إلا انها علة قريبة، قد يتبادر من الأذى خصوص الجسدي، حينما تكون المرأة في وضع خاص، تستهجن الممارسات الجنسية، بسبب تبعاتها الجسدية، غير أن الأذى يحيل إلى معانٍ أعمق، ينظر إلى الجانب النفسي للمرأة وانعكاساته على مزاجها، وحضورها العالي، وعلاقتها بزوجها، وتربية أطفالها، ومستقبل علاقاتها الاجتماعية. فهذه النظرة الواسعة سمة الأحكام الشرعية. والأمر أوضح عندما تقول الآية بعد بيان قسمة الميراث (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا). فقد لا تظهر عدالة القسمة، وقد تُرمى بالإجحاف والظلم، خاصة ما يقع على الأنثى في مقابل الذكر، غير أن الآية تؤكد وجود مصالح بعيدة، لا تعلمونها. الله يعلمها وهو العليم الحكيم.

5 – التشريعات الإلهيّة أحكام مصيرية

يرهن الخطاب القرآني مصير الإنسان في الآخرة بمستوى استجابته وإلتزامه بالأوامر والنواهي. فعقوبة معصية الأحكام الشرعية لا تقتصر على العقوبات الدنيوية، بل هناك مؤاخذات أخروية، يتحدد في ضوئها مصير الإنسان، مما يعمّق سلطتها وأهميتها، وهذا مبرر تقوى وورع المؤمن الملتزم. فطاعة الفرد تصدر عن روح مؤمنة، يحدوها أمل الفوز في دار البقاء. روح متعطّشة للقاء الله ونيل مرضاته. فالخطابات القرآنية، وخصوص خطابات الترغيب والترهيب، تعمد على برمجة مخيال المتلقي، حدا يستهين بالدنيا حينما يجد نفسه ملزما بعمل يتطلب التضحية والفداء، ويخشى معصية الله، كمن يعاقر نارا تتوقد أمامه. وبالتالي فهناك تلازم بين الاستجابة وعدم الاستجابة للأوامر الإلهية في الحياة الدنيا، ومصير الفرد في الحياة الأخرى. وهذا بحد ذاته يجعل الأحكام الإلهية خطيرة، فنقتصر على الصريح في الكتاب الكريم.

وأما الإشكالات الواردة ...

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi4مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2-س91) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: تاريخيا أغلقت مدرسة السنة الاجتهاد على المذاهب المعروفة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، ولم تواصل نشاطها العلمي والاجتهادي، وتحولت إلى مرجعيات، تكرّس مهمة شرح وتأويل آرائها من قبل طلاب العلوم الدينية، دون الخروج كليا على مبانيها. وقد اختلفوا في أسباب ذلك مع اتفاق بعضهم على ضرورته، وقالوا: أن السبب وراء غلق باب الاجتهاد هو التعصّب للمذاهب الإسلامية، أو لخوف المجتهدين من الافتاء، خاصة في ممالأة السلطان الظالم، أو بسبب الكسل العلمي. غير أن فقهاء أهل السنة مازالوا يفتون في المسائل المستحدثة، وأغلب أدلتهم قياس أو استحسان، أو مصالح مرسلة، وغير ذلك من مبانٍ اجتهادية دون الخروج على مذاهبهم الفقهية. وقد ساعدت الحكومات المتعاقبة على انتشار هذه المذاهب دون غيرها، بينما اندثرت مذاهب لا تقل أهمية عنها، لم تحظ برعاية الخلفاء المسلمين، أو لم تواصل رعايتها لها. كمذهب سفيان الثوري والأوزاعي. وأما المذاهب التي ما زالت حية فهي: (الشيعي الإمامي، الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي، الزيدي،الإسماعلي، الأباضي). ولكل منها حضوره المميز في العالم الإسلامي، والجاليات المسلمة في مختلف دول العالم، يمارس دوره في الافتاء، وتوسة خلافات الأحوال الشخصية.

الشيعة والاجتهاد

في مقابل المدارس السنية واصل الشيعة، باستثناء الإخباريين، استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية لمواكبة الواقع وضروراته. وكانت نهاية الغيبة الصغرى للإمام المهدي (329 هـ) إيذاناً بممارسته، رغم حرمة تداول مفهوم الاجتهاد عندهم، تبعا لموقف الإمام الصادق (150 هـ) من اجتهاد مدرسة الرأي، وخصوص أبي حنيفة. غير أن المحقق الحلي المتوفي (676 هـ)، نجح في انتزاع حمولته السلبية وتبيئته، فغدا مألوفا، متداولا، بدلالته الجديدة، التي تعني استنباط الحكم الشرعي من مصادره، وصار صرف اللفظ لمعنى الرأي يحتاج إلى قرينة. والحقيقة أن الاجتهاد بهذا المعنى يعود لعصر أئمة الشيعة، واستمر مع أصحابهم، ومن جاء بعدهم من الفقهاء، لكن يعتبر كتاب عدة الأصول للشيخ الطوسي المتوفي (460 هـ)، انعطافة حقيقية في مجال التأليف الأصولي، ثم واصل الأصوليون أبحاثهم، وباتت مؤلفاتهم تشغل حيزا كبيرا في المكتبة التراثية. وقد ولد علم الأصول من رحم الفقه، وحاجة الفقيه لقواعد علمية يضبط بها اجتهاده، وقد ساعد بالفعل على تراكم الفقه الاستدلالي، وهذا ما تشهد له الموسوعات الفقيه لفقاء الشيعة.

ورغم فتح باب الاجتهاد، وسعة البحوث الفقهية، لكن الفقهاء على صعيد الإفتاء يتحاشون مخالفة المشهور فضلا عن الاجماع، مما يؤكد سطوة السلف وقدسية التراث، فحد هذا التوجه من احتمالات التجديد الفقهي على الصعيد العملي. فتجد المجتهد يفتي على طبق المشهور، ولو من باب الاحتياط، رغم مخالفتها لقناعاته العلمية. فالممارسات الاجتهادية محدودة عندهم، وأحيانا يصدق عليها مفهوم التقليد خاصة. بل أن أغلب البحوث الفقهية استنساخ لآراء السابقين، مع إضافات بسيطة، ووجهات نظر قد لا يصدق عليها مفهوم الاجتهاد، لأن الفقه باستثناء المسائل المستحدثة، بات من العلوم المحترقة، ليس فيه جديد، سوى تكرار لما قاله السلف.

المجتهد من يتحرر من قبلياته، ويباعد بينه وبين سلطة السلف، ويفقه النص من خلال الكتاب والسُنة مباشرة. وهذا لا يعني نبذ التراث مطلقا، فهو ضرورة لدراسة تاريخ الحكم ضمن فتاوى الفقهاء السابقين، ومعرفة الواقع وإملاءاته. لكن ينبغي التحرر من سلطته، وقراءة النص وفقا للواقع ومتطلباته، وماطرأ عليه من متغيرات، بفعل مختلف التطورات الحياتية. كما يشترط أن يكون الفقيه عارفا بضرورات الزمان والمكان، مدركا لفلسفة الحكم، محيطا بتاريخه. وهذا اللون من المجتهدين يصعب العثور عليه. وأغلب الفقهاء ينتمي فلسفيا لمنطق العبودية الذي يكرّس الفتوى، وإغراق الحياة بأحكام تغلق على الفرد منافذ الحرية، وتكبّل حركته وابداعاته. كما لا ننسى النسق العقدي الذي يفرض سلطته بقوة على الفقيه، فهو محاصر بين سلطتي السلف والعقيدة مما يحد من حريته في استنباط الأحكام الشرعية. فتبدو فتاواهم مستنسخة.

لماذا مواصلة الاجتهاد؟

لم يقنع الفقهاء بما ورد في الكتاب الكريم من أحكام الشريعة، فراحوا يتوسلون بالسُنة النبوية يستدرونها لتشريع أحكام جديدة، وتمادوا بإضافة سُنة الصحابة عند السنة، وسُنة الأئمة الإثني عشر عند الشيعة، بدافع تأمين كل ما تحتاجه الحياة من أحكام وفق مقولة: (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم). وهي قاعدة ينقصها الدليل القرآني الصريح، فيفترضونها افتراضا قياسا على نظام الكون وما به من إبداع وكمال. فكما حظي الكون برعاية الباري تعالى، فلا بد من وجود نظام ديني، كامل شامل للحياة. فعمدوا إلى تأويل بعض الآيات، والاستعانة بروايات لتعزيز رؤيتهم. بينما "شمول الشريعة" لكل وقائع الحياة، مقولة نفسية أكثر منها مقولة دينية، ورغبة لدى المسلمين منذ البعثة أن يتولى الدين تدبير شؤونهم، بسبب روح التبعية والانقياد والاتكالية وحب الحلول والأجوبة الجاهزة، فهي رؤى تنتمي لنظرية العبودية في فهم الدين والتشريع، حتى نهاهم القرآن عن التمادي بالسؤال: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم).

وكشاهد على هذا الاتجاه يستدل محمد باقر الصدر وهو فقيه وأصولي لامع (قُتل 1980م) بقوله: (ولما كان الله تعالى عالما بجميع المصالح والمفاسد التي ترتبط بحياة الإنسان في مختلف مجالاته الحياتية فمن اللطف اللائق برحمته أن يشرّع للإنسان التشريع الأفضل وفقا لتلك المصالح والمفاسد في شتى جوانب الحياة، وقد أكدت ذلك نصوص كثيرة وردت عن الأئمة أهل البيت، وخلاصتها: أن الواقعة لا تخلو من حكم). والكلام ليس حول نوع التشريع وقيمة ملاكاته من مصالح ومفاسد، وليس شكاً بلطف الله تعالى، بل الكلام عن وجود أو عدم وجود دليل قرآني صريح على شمول الشريعة لجميع مناحي الحياة (وما يريده المشرّع قاله)، كما يؤكد الصدر في مقدمات الحكمة. فلماذا لا نبحث عن سبب إهماله لجميع وقائع الحياة إلا ما نص الكتاب عليه، فربما هناك هدف أعمق وراء ذلك، خاصة وفق نظرية خلافة الإنسان لا عبوديته؟ القرآن أهمل الأحكام السياسية والاقتصادية سوى مبادئ عامة، وهما عصبا الحياة. على المرء تأمل حكمة الدين، بدلا من التوسل بتوسعة دائرة الشريعة؟.

لقد مرَّ الكلام تفصيلا حول حدود الشريعة في القرآن والسنة، وبينت أن القدر المتيقن من الأحكام الفعلية هي الأحكام الواردة في الكتاب، وما فصّله وبيّنه النبي من آيات الأحكام. وكذلك شرحت مفصّلا أن فعلية الأحكام تتوقف على فعلية موضوعاتها، التي هي الأخرى تتوقف على فعلية شروطها وقيودها. كما بيّنت أن منطق الخلافة ليس مع تمادي التشريع من قبل الفقهاء. فثمة فارق بينهما حول دور الدين والإنسان في الحياة. ولا دليل للفقيه على شمول الشريعة الذي لازمه التصدي لاستنباط أحكام شرعية لملء منطقة الفراغ التشريعي سوى تأويل بعض الآيات لتبرير حجية مطلق السُنة النبوية. وتبقى الأحكام محدودة لهدف وغاية قرآنية مر بيانها. وأما أدلتهم فلا تدل صراحة على المطلوب. فاستدلّت مدرسة أهل الحديث بـ: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا). وقوله: (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا). (بعثت إلى الأحمر والأسود). وكذلك للشيعة أدلتهم الروائية على شمول الشريعة وكمالها، وعدم نقصها:

- عن الإمام الصادق، أنه قال: (إن الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى والله ما ترك الله شيئا يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، ألا وقد أنزله الله فيه).

- وعنه: أيضا أنه قال: (ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة).

- وعنه يصف الجامعة: (فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الارش في الخدش).

- وعن الإمام موسى بن جعفر، أنه قيل له، أكل شيء في كتاب الله وسنة نبيه؟ أو تقولون فيه؟ قال: (بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه).

أما الآيات فهي غير صريحة في المقام، وحجية الروايات تتوقف على حجية قائلها، وهي ضمن العقيدة الشيعية تامة، غير أن للقرآن كلمة الفصل في هذه القضايا، حينما يحدد مهام الرسول ولم يسند له أي دور تشريعي. ويعلن كمال الدين، عقيدة وتشريعا. فالأحكام مرتهنة بأدلتها القرآنية، بناء على اختصاص التشريع بالله، الذي أكدته مرارا بالأدلة، وناقشت الأدلة التي يستدل بها على مطلق حجية السُنة. وقد خُتم التشريع القرآني بختم الدين في آية اليوم أكملت لكم دينكم. وكل هذا مر تفصيله، وناقشت جميع أدلة القائلين بحجية مطلق السُنة. فالشريعة ليست ناقصة، وإنما اكتفت بتشريع عبادات تحقق التوازن الروحي والسلوكي، وهي تشريعات توقيفية، تتوقف على وجود خطاب صريح من الشارع. كما سنَّت تشريعات اجتماعية وقضائية وفق ملاكات تحقق العدالة الاجتماعية. إضافة للوصايا العشرة التي ترتبط بالأخلاق، وهي ذات الوصايا التي أوصى بها الله تعالى الديانات السابقة. وبالتالي لم يترك القرآن باب التشريع مفتوحا، ولم يجعل الولاية التشريعية لأحد صراحة، وما يستدل به من آيات لا علاقة له بالولاية التشريعية، وهذا ما تؤكده الآيتان: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وآية: (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). فكلا الآيتين قد أغلقت باب التشريع، لأن كمال الدين كمال لعقيدته وتشريعاته، وقد فصّلت الكتب السماوية قضايا العقيدة، كما بيّنت تشريعات الأحكام حداً أعلن القرآن كمال الدين، وبكماله اكتملت الشريعة بهذه الحدود، فلا يصدق أنها ناقصة، لكنها غير شاملة لجميع وقائع الحياة. فينتقل الفرد في منطقة الفراغ للعقل مستفيدا من القيم والمبادئ التي اعتمدها الكتاب الكريم لضبط سلوكه وتصرفاته، ليواصل خلافته للأرض. فالفرق كبير بين مفهومي كمال الشريعة وشمولها، فينبغي عدم الخلط بينهما.

وقد حذر الكتاب من مغبة التقوّل على الله تعالى في أحكامه: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).

وبالتالي فحدود الاجتهاد وفقا لمنهج فقه الشريعة، هي حدود الشريعة (الكتاب وما له جذر قرآني من السّنة)، للكشف عن مدى فعلية الأحكام من خلال دراسة فعلية موضوعاتها، أو تطبيق القواعد الكلية على مصاديقها. وأيضا يمكن إعمال رأيه في فقه ما هو ظاهر من النصوص، دون الصريح منها، لترجيح أحد محتملاته التي تتراوح بين الأحكام الشرعية الخمسة (الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الكراهة، الإباحة). وتقع على مسؤوليته تشخيص الروايات، متناً وسنداً، دراسة تفصيلية للتعرف على مواطن ضعفها وغرابتها وشذوذها، ومدى توافقها مع الهدف الأساس للدين والإنسان. وما عدا ذلك يبقى رأيا شخصيا للفقيه لايمكن انتسابه للشريعة كحكم إلهي. لأن أحكامها معدودة، واضحة. كما تقع عليه مسؤولية دراسة تاريخ الأحكام وفلسفتها، وتحري مقاصدها، قياسا بالواقع وضروراته. وتجديد مناهج الاستنباط، والاستفادة من معطيات العلوم الإنسانية، وما أفرزته من نظريات ومناهج لقراءة النص وتأويله. أي أن مسؤولية الفقيه تتعدى الاستنباط البسيط المتوارث إلى ما هو أوسع.

فوارق جوهرية

ثمة فوارق جوهرية أخرى بين اتجاهي / نظريتي الخلافة والعبودية مرّ بيانهما في الحلقتين 79 و80. فوارق حول فلسفة الدين والخَلق، ومركزية الإنسان، ومساحة العقيدة، وحدود الشريعة. وهذا ينعكس على الفقيه ومرجعياته، في استنباط الحكم الشرعي. ونضيف هنا:

- يختلف النسق العقدي لدى اتجاه الخلافة عن المتداول عند اتجاه العبودية، حول حدود الشريعة، وقيمة التراث ومطلق حجيته.

- حق الطاعة للمولى وفقا لمنطق العبودية يشمل "كل ما ينكشف من تكاليف ولو انكشافا احتماليا" فالاحتياط العقلي هو القاعدة الأولية، بينما القاعدة الأولية لدى نظرية الخلافة هي البراءة العقلية، و"قبح العقاب بلا بيان".

- يشكّل النص مرجعية أساسية لدى اتجاه العبودية، حداً تكاد تتلاشى معه فرص العقل إلا بحدود بسيطة. بينما يشغل العقل مساحات واسعة ضمن فقه الشريعة، ابتداء من دراسة تاريخ الحكم وفلسفته، وليس انتهاء بنقده، وتحري مضمراته، مقارنة بالواقع وحاجات الإنسان له. كما يتوقف على العقل دراسة فعلية موضوعات الأحكام التي تتوقف عليها فعلية ذات الحكم الشرعي.

- تكتسب السنة النبوية حجيتها من الجذر القرآني للحكم، فتكون مبيّنة وشارحة ومفصلة. بينما تكون سنة النبي حجة مطلقة على مبنى منطق العبودية.

- الأولوية للأنسان في فتوى الفقيه وفقا لمنطق الخلافة، بينما يجوز الإطاحة بمصالحه عند الثاني. الإنسان مركز التشريع وفقا للاتجاه الأول، فيجب على الفقيه الأخذ بنظر الاعتبار مصالحه في استنباط الأحكام الشرعية. وهذا يتيح للعقل ممارسة دوره في فقه الواقع، وسن تشريعات قائمة على ذات مبادئ الأحكام، وهي مركزية العدل، والسعة والرحمة، والواقع وضروراته.

- يكتسب الحكم شرعيته وفقا لنظرية العبودية، من انتسابه للشريعة، بشكل مباشر كالنص. أو غير مباشر كالسيرة العملية، فنظّر الفقهاء عقديا لتبرير حجية سُنة الصحابة والأئمة. ولازمه لا تاريخية الحكم وإطلاقه، وعدم توقف فعليته على فعلية موضوعه. بينما تتوقف شرعية الحكم وفقا لنظرية الخلافة على ملاكاته وفعلية موضوعه  قدرته على تحقيق العدالة الاجتماعية، في مجال فقه المعاملات الشامل لمختلف مناحي الحياة، باستثناء العبادات، التي هي توقيفية في أصل تشريعها لا في تفصيلاتها. وقد تقدم مفصّلا أن وراء الأحكام ملاكات من مصالح ومفاسد تهم الفرد والمجتمع، وأن تشريع الأحكام قائم على مرتكزات عقلية، وبهذا تكتسب القوانين الوضعية مشروعيتها، متى ما توفرت على مرتكزات مبادئ الأحكام (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). باستثناء القوانين التي تشرعن سلوك السلطان، وتمنحه صلاحيات واسعة، فيها ظلم وجور يتنافى مع منطق العدالة الذي هو جوهر القوانين، من أجل حياة فاضلة يتساوى فيها الناس من حيث الحقوق والواجبات، وتخدم الصالح العام المتضمن لمصلحة الفرد والمجتمع معا. فتشريع الأحكام لا يتوقف على الفقيه مطلقا، وتبقى دائرة الافتاء محدودة بخصوص ما له جذر قرآني. وما زاد على ذلك تكون مرتكزات مبادئ الأحكام أساسا لشرعيتها.

- وفقا لشمول الشريعة، (ما من واقعة الا ولله فيها حكم)، سواء كان بيانا شرعيا "آية أو رواية". أو كان مُدرَكا عقليا. أو لا هذا ولا ذاك بل يكون مجرد استحسان ورأي للفقيه، خاصة عند مدرسة الرأي والاجتهاد، بناء على القول بالتصويب، ومفاده: (أن جميع الفقهاء مصيبون)، رغم اختلاف فتاواهم القائمة على الترجيحات والظنون والاستحسانات، (لأن الله ليس له حكم ثابت عام في مجالات الاجتهاد التي لا يتوفر فيها النص، وإنما يرتبط تعيين الحكم بتقدير المجتهد وما يؤدي إليه رأيه واستحسانه، وهذا هو القول بالتصويب).

- إن مقتضى شمول الشريعة، أن تكون مصدرا وحيدا للتشريع، غير أن الواقع أثبت عجزها عن تلبية جميع ضروراته، حتى اضطرت إيران إلى تعديل الصيغة الدستورية، إلى: "لا يجوز تشريع قانون يتعارض مع أحكام الشريعة". وهذا اعتراف صريح بعجزها عن تلبية ضرورات الواقع، فلا يمكن أن تكون مصدرا وحيدا للتشريع.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1-س87) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

س91: مهدي الصافي: ماذا يقول السيد ماجد الغرباوي في الاجتهاد عند الشيعة؟

ج91: ماجد الغرباوي: الاجتهاد مبدأ أساس لإحياء الشريعة وتكيّفها مع الواقع، وفق شروط وآليات تختص بمَن يعي متطلبات الزمان والمكان من الفقهاء. وللاجتهاد مبررات فرضها جدل النص والواقع، ثم راح يتطور كعلم مختص بالشريعة الإسلامية في مقابل التلمود الذي استفاد منه الفقهاء بحكم التجاور أو تقارب جملة من التشريعات. وبالتدريج تشعب واتسع بفعل طبيعة الأسئلة وتحديات الاتجاهات العقدية، وتعدد مباني الفقهاء، والانفتاح على المنطق والفلسفة، وتطور علم أصول الفقه. وما التراث الفقهي الزاخر إلا ثمرة من ثمراته. وهذا لا يمنع من وجود تداعيات وسلبيات، ما دام الاجتهاد وجهات نظر شخصية، رغم القواعد العقلية التي تتحكم بعملية استنباط الأحكام الشرعية.

والسؤال عن الاجتهاد سؤال عن "التقليد"، وعن مفهومه وتاريخه وشرعيته، وتداعياته على الوعي الجمعي وحركة النهضة الحضارية. إذ لا معنى للاجتهاد ما لم يكن هناك مقلد للمجتهد. وبمرور الأيام اكتسب المفهوم دلالات جدية، ترتبط بالقيادة والاتباع. وهذا ما يميّز علاقة الفرد والمجتمع الشيعي، حيث اتخذ المفهوم أبعادا استمدها من خلفيته العقدية المتصلة بالإمامة، التي منحت الفقيه / المرجع صفة النيابة عن الإمام المعصوم، يقوم مقامه في الإفتاء والتصرف بالأموال / الحقوق الشرعية، وتسوية الخلافات القضائية. فاستأثر بولاء الجميع، وبات مقام المرجعية الدينية مقاما قياديا، يتعدى الإفتاء إلى تدبير الشأن الشيعي، ومواقفه السياسية.

الاجتهاد تاريخيا

الاجتهاد لغة: بذل الجهد للحصول على شيء ما.

واصطلاحا: إما أن يُراد به الرأي الشخصي للمجتهد. أو يراد به: استفراغ الوسع في استنباط الحكم الشرعي من أدلته.

كانت الحاجة للاجتهاد منتفية في زمن البعثة، وكان النبي يجيب على أسئلة واستفتاءات الصحابة مباشرة أو عبر سؤال الوحي: (يسألونك، ويسألونك، ويستفتونك). وكان دليلهم من بعده إما آية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله، الشاملة لقوله وفعله وتقريره، باستثناء اجتهادات محدودة جدا حينما تطرأ مسألة مستحدثة، فكان اتفاقهم يكفي، بعد اليأس من وجود دليل من الكتاب والسُنة. غير أن تطور الحياة، وتوسّع المجتمع، فرض أسئلة جديدة، راحت تتفاقم بمرور الأيام، فنشأت حركة اجتهاد، تتقوم باستنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وهما القدر المتفق عليه بين جميع المذاهب الإسلامية (ما عدا القرآنيين). ثم دخل الاجماع دليلا ثالثا، رغم الاختلاف في تفصيلاته. لكنهم اختلفوا أشد الاختلاف حول العقل وقدرته، كدليل مستقل على الحكم الشرعي أو كاشفا عنه. فهناك اتجاهان رئيسان، حول الموقف من الفراغ التشريعي والعقل:

الأول: موقف عموم المسلمين:

وهم أهل السُنة في مقابل الشيعة. وقد انقسموا إلى اتجاهين، عنهما تفرعت أغلب الاتجاهات والمذاهب الفقهية.

أ – مدرسة الرأي والاجتهاد:

 يرى فقهاء هذه المدرسة أن الأحكام في الكتاب والسنة، لا تستوعب جميع المسائل المستحدثة، مما يعني نقص التشريعات،  فنحتاج إلى أدلة نستعين بها على استنباط الحكم الشرعي، لملء الفراغ التشريعي، بشكل لا تتقاطع في نتائجها مع ما هو مشرّع نصا. فكان هناك الاجتهاد، والاستحسان، والقياس، وهي أدلة تمثل رأيا شخصيا للمجتهد، من خلال حسه الفقاهتي / الفقهي، ومستوى تبحّره في مختلف الأدلة النقلية والعقلية. وقد قررت هذه المدرسة قاعدة فقهية مفادها: "إذا اراد الفقيه استنباط حكم شرعي، ولم يجد نصا يدل عليه في الكتاب أو السنة، رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص". فالاجتهاد بهذا المعنى يُعد دليلا مستقلا على الحكم الشرعي. وهذه المدرسة يتزعمها الفقهية التابعي المعروف أبو حنيفة النعمان المتوفي سنة 150 هـ. وله تنسب مدرسة الرأي عادة. وكانت أدلته في استنباط الحكم الشرعي ستة: "القرآن، السنة، الاجماع، القياس، الاستحسان، العرف". وكلام أبي حنيفة صريح فيما روي عنه: (رُوي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: «آخذ بكتاب الله تعالى، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله أخذت بقول الصحابة، آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب - وعدَّد رجالاً- فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا»..). 

ب – مدرسة الحديث:

تمتاز هذه المدرسة بشدة تمسكها بظواهر النصوص، مع شجبها للاجتهاد والقياس والاستحسان والرأي. ولها ينتسب المذهب الظاهري، الذي أسسه داود بن علي المتوفي 270  هـ، ومن بعده ابن حزم الأندلسي. وهو مذهب يتمسك بظواهر الكتاب والسنة، ويرفض الرأي والقياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع. ويؤكد الشافعي تمسكه بمباني هذه المدرسة أيضا، حينما يقول: (لا يجوز لأحد أن يقول بالاستحسان ... ومن استحسن فقد شرّع). كما لا يرى المصالح المرسلة أصلا شرعيا. ويقول: (ليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حلَّ ولا حُرّم إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة، أو الإجماع أو القياس). ويعني الاجتهاد أو القياس عند محمد بن إدريس الشافعي، المتوفي 204 هـ،: (إلحاق أمر غير منصوص على حكمه، بأمر آخر منصوص على حكمه، لاشتراكه معه في علة الحكم). فأدلة هذه المدرسة تقتصر على الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، والاجماع والقياس بالمعنى الذي طرحه الشافعي.

ولم تقتصر ردود الأفعال ضد مدرسة الرأي على الاتجاه السلفي وأهل الحديث والمذهب الظاهري، والموقف الشيعي فقهيا، بل امتد للجانب الأخلاقي والعقدي، حيث ظهر الاتجاه الأشعري الذي أسقط العقل، وصادر استقلاليته في بعض الأحكام، وقد ذهب الأشعري صراحة إلى أن الحُسن والقُبح شرعيان، لا عقليان. الحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه. وليس للعقل قدرة على التشخيص.

الثاني: موقف خصوص الشيعة:

لم تواجه الشيعة مشكلة فراغ تشريعي بعد وفاة الرسول، حيث استمر عصر التشريع عندهم عبر أئمتهم، بدءا بالإمام علي، ومن ثم ولداه الحسن، والحسين والتسعة من ولد الحسين، آخرهم محمد بن الحسن المهدي، الذي غاب، واستمر التواصل معه عبر أربعة سفراء. وبانتهاء الغيبة الصغرى 329 هـ انتهى عصر النص بالنسبة لهم، وبدأت مرحلة الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية لكن بمفهوم آخر. ومقتضى تواصل عصر التشريع لدى الشيعة، عدم الفرق بين سيرة النبي وسيرة الأئمة (قولا وفعلا وتقريرا)، من حيث حجيتها، (تخصيصاً وتقييداً لآيات الكتاب الكريم). والقضية مرتبطة بعقيدتهم ورؤيتهم لمفهوم العصمة والإمامة ومقام الإمام. فالشريعة بالنسبة لهم ليست محدودة بالكتاب وما ورد عن الرسول بل تشمل سيرة الأئمة: قولا وفعلا وتقريرا. فكانت أحاديثهم أثرى من حيث تنوع مسائلها، خاصة المستحدثة. وعليه يكفي انتهاء سند الرواية إلى أحد الأئمة المعصومين بسند صحيح أو معتبر لتكون حجة على الفقيه، يمكنه الاستدلال بها، ما لم تكن معارضة برواية أخرى. وبهذا انتفت الحاجة للاجتهاد طوال حياة الأئمة. بل أن موقف الأئمة وأصحابهم كان سلبيا جدا من مفهوم الاجتهاد وفقا لمدرسة الرأي التي تعتبره أحد أدلة الفقيه في استنباط الحكم الشرعي، وقد حصلت مواجهات ضارية، تجلت من خلال المناظرات والتأليفات التي كانت تشجب الرأي، حتى بات مفهوم الاجتهاد مثقلا بدلالاته السلبية عبر توالي الأيام. وصار المتبادر منه تحكيم رأي ومزاج المجتهد في استنباط الحكم. وقد استمر الموقف السلبي منه من خلال مؤلفات وكتابات أصحاب الأئمة ومن جاء بعدهم من العلماء والمحدثين، كما هو موقف الشيخ الصدوق في القرن الرابع الهجري، ومن بعده الشيخ المفيد الذي ألف كتابا بهذا الخصوص. وتبنى السيد المرتضى في بداية القرن الخامس الهجري ذات الموقف حينما قال: (إن الاجتهاد باطل، وأن الإمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرأي ولا الاجتهاد)، وتلاه الشيخ الطوسي، توفي460 هـ، بقوله: (أما القياس والاجتهاد فعندنا أنهما ليسا بدليلين، بل محظور في الشريعة استعمالهما). وقال إبن إدريس في كتاب السرائر: (والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا).

وبقي الاجتهاد مفهوما سلبيا عند الشيعة، يُحيل على تحكيم مزاج الفقيه في الحكم الشرعي، وهو بمنزلة الكفر. أو خضوع الحكم الشرعي لرأي الفقيه الشخصي. ولم يتخلصوا من هذا المفهوم حتى مجيئ المحقق الحلي المتوفي سنة 676 هـ، الذي أعطى الاجتهاد معنى جديدا، حيث عرّفه (بذله الجهد في استخراج الأحكام الشرعية). وبشكل عام يتبنى فقهاء الشيعة موقف الإمام الصادق ومن جاء بعده، فهو بالنسبة لهم موقف شرعي لا يمكن التنازل عنه، مهما كانت قناعة الفقيه، ومهما كان مستوى ركونه للاجتهاد بمعنى الرأي، كدليل كاشف عن الحكم الشرعي. لهذا يغمز فقهاء الشيعة باجتهادات ابن الجنيد والاسكافي من علماء القرن الرابع لميولهما للرأي، رغما أنهما من كبار فقهاء الشيعة. وبهذا يتضح هناك موقفان مختلفان من مفهوم الاجتهاد لدى الشيعة الإمامية، هما:

1 – الاتجاه الأخباري:

يعتبر الميرزا محمد أمين الاستربادي المتوفي سنة 1033 هـ مؤسس هذا الاتجاه، وقد ألف كتابا بعنوان: "الفوائد المدنية" بلور فيه أفكاره وبرهن عليها. وهو امتداد لموقف مدرسة الحديث التي اقتصرت مصادرها التشريعية على الكتاب والسنة، ورفضت الاجتهاد والقياس والاستحسان. وقد زاد عليهم الأخباريون الشيعة رفضهم للاجماع باعتباره بدعة سنية. وهم يعتقدون بصحة جميع الروايات الواردة في الأصول الحديثية الشيعية الأربعة: "الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب والاستبصار"، وغيرها من كتب الحديث. وكان موقفهم سلبيا جدا من الفقهاء الأصوليين.

وفي محاولة لشرعنة هذا الاتجاه، أرجع الأخباريون حركتهم لعصر الأئمة، باعتباره اتجاها سائدا إلى عصر الكليني والصدوق.

وقد احتدم الصراع بين الأخباريين والأصوليين في بداية القرن الحادي عشر الهجري، ولم يخبُ إلا في القرن الثالث عشر على يد الشيخ الوحيد البهبهاني، توفى 1205هـ. وقد تزعّم الاتجاه الأخباري، عدد من علماء الشيعة، اشتهروا بموسوعاتهم الحديثية، كالشيخ المجلسي صاحب كتاب البحار (110) أجزاء. والشيخ الحر العاملي صاحب موسوعة وسائل الشيعة (20 أو 30) جزءا حسب الطبعة. وهناك الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق ونعمة الله الجزائري، وغيرهم. وما يهمنا موقف هذا الاتجاه من العقل، فهو يأخذ بالرواية مهما كان ضعفها سندا ومتنا ويطرح الرأي مهما انتسب للفقه والفقاهة، لذا كرّس هؤلاء الخرافة والغلو والتطرف في حب أهل البيت، والعداء من السنة، حدَ التكفير والبراءة منهم. وقدموا النقل على العقل، واقتصروا في فتاواهم على نصوص الروايات. ولا قيمة للعقل ومستقلاته وأحكامه أمام الرواية، مهما كانت ضعيفة السند. فهناك برأيهم عقل كلي هو عقل المعصوم تصدر منه الأحكام، ولازمه أن الحسن والقبح شرعيان وليس عقليين.

2 – الاتجاه الأصولي:

لا يختلف الموقف الرافض لهذا الاتجاه من الاجتهاد بمعنى الرأي، ويرفض بشدة اعتبار القياس والاستحسان من الأدلة الكاشفة عن الحكم الشرعي. وكان المحقق الحلي المتوفي سنة 676 هـ أول من قدم تعريفا جديدا، زعزع به النظرة السلبية لمفهوم الاجتهاد، عندما عرّفه: "الاجتهاد: بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية". وبهذا خرج مفهوما من كونه دليلا على الحكم الشرعي إلى كونه منهجا في استنباط الحكم الشرعي، يعتمد على قضايا نظرية وعقلية، ليست مستفادة من ظواهر النصوص بالضرورة. فالاجتهاد بهذا المعنى ليس مصدرا للحكم بل عملية استنباط الأحكام من مصادرها. ويراد بالاستنباط: (تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا).

وبهذا كسب الأصوليون المعركة وأصبح الاجتهاد ميزة يتصف بها الفقه الشيعي، وقد تمكن فقاؤهم مواصلة استنباط الأحكام الشرعية، بينما عمد الجانب الآخر، المدرسة السنية إلى غلق باب الاجتهاد، والاكتفاء بما صدر عن أئمة المذاهب الإسلامية. وكذلك فعل الأخباريون.

يذكر أن بوادر ظهور القواعد الأصولية لدى المدرسة الشيعية تعود لأيام الأئمة، حيث كانوا يؤسسون لبعض القواعد كالاستصحاب في روايات زرارة بن أعين عن الإمام الصادق مثالا. وهي قواعد ذات مناشىء عقلية. فالبحوث الفقهية لم تكن بمنأى عن العقل ومستقلاته.

الاجتهاد بمعنى الرأي

رغم تحفظي على التشريع خارج حدود الشريعة بشكل عام، لكن الموقف من القياس بمعنى الرأي أجده صارما، يخفي خلفه موقفا أيديولوجيا أكثر منه علميا، فليس العقل الفقهي كالعقل العادي، بل هو مشبع بالفقه، ومعرفة مباني الفقهاء، وخبرة متراكمة بالأخبار، متنا وسندا، وهذا مقتضى من يتصدى للإفتاء من الفقهاء. فعندما يقول المجتهد: "هذا رأيي في المسألة"، يقصد رأيه الفقهي القائم على الأدلة. وبشكل عام جميعهم يعملون آراءهم في عملية الاستنباط بنسب متفاوته. بل أن بعض المتأخرين صريح في ذلك عندما يعتبر (الشمُّ أو الحسُ أو الذوق الفقهي / الفقاهتي)، دليلا على الحكم. فليس الحس الفقهي سوى الاجتهاد بمعنى الرأي. وحقيقته ما يظهر للمجتهد من خلال عقله الفقهي والأصولي، لكن لا يستطيع التعبير عنه على هيئة دليل، فيقول هذا رأيي. أي أن تحليل رأيه الاجتهادي ينتهي إلى أدلة شرعية أو عقلية، ضاربة في أعماقه. فرأي أبي حنيفة بالقياس كما ينقل عنه: (وهو إلحاق فرع بأصل فيه نص بحكم معين من الوجوب أو الحرمة، لوجود علة الحكم في الفرع كما هي في الأصل. والإمام أبو حنيفة يُقدم السنة ولو كان حديثاً مرسلاً على القياس، كما يقدم الحديث الضعيف على القياس) (كتاب: أبو حنيفة النعمان، وهبي سليمان غاوجي، ص135-137).والقياس منصوص العلة متفق عليه، لا أحد يخالف في ذلك. كما بالنسبة للخمر إذا كانت علة تحريمه الإسكار، فيقاس عليه جميع أنواع الخمور، قليله وكثيره، لوجود ذات العلة.

وأيضا بالنسبة للاستحسان، فإن يقصد به: (اختيار أقوى الدليلين في حادثة معينة) (المصدر السابق: ص139-140). فهو يستند إلى دليل، لكنه يرجح أحدهما على الآخر بموجب مرجح أو عدة مرجحات، قد نتفق أو نختلف حولها. باستثناء ما إذا أسند الترجيح استحسانا وفق مذاقه الشخصي وليس الفقهي، فلا شك هنا في تداخل البشري بالشرعي. ولم يسجل التاريخ أن فقيها تصدى للإفتاء بموجب رأيه الشخصي الخالص، بحيث يقول هذا رأي بعيد عن الفقه وأدلته. وما عبارة (رأيي) سوى ترجيح لأحد طرفي القضية بموجب دليل معتبر عنده. وهذا هو المنهج الصحيح، الذي يعتمده الفقهاء قاطبة، خاصة المدرسة الأصولية التي تتبرأ من الاجتهاد بمعنى الرأي، فإن الفقيه الأصولي يعمل رأيه كثيرا.

لست بصدد الدفاع عن القياس والاستحسان، ولست مع التمادي في الإفتاء أساسا، لكن دفعتني الموضوعية لمعرفة حقائق الأمور، فهذه المسألة لا تندثر، وتتجدد في كل وقت وزمان رغم تبعاتها الأيديولوجية، وستستمر ما لم ننقب ونبحث ونكتشف حقائق الأمور من خلال منهج تحليلي، مقارن.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi1مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

تلك حدود الله

ماجد الغرباوي: لقد حذّر القرآن الكريم من المساس بالحدود بشكل يوحي أن أساليب تنفيذ العقوبات جزء من موضوع الحكم: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا)، (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). وهو أهم إشكال يواجه فقه الشريعة عندما يعمد الفقيه لتحري إمكانية إقامة الحدود بأساليب حديثة.

والسؤأل: هل الجلد وقطع اليد مجرد وسائل لتحقيق ملاكات الأحكام، وقطع دابر الجريمة وروح العنف، أم هي جزء من موضوع الحكم؟ فيكون مثلها مثل آية "فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ"، ورواية: (صم للرؤية وأفطر للرؤية)، فهناك من يعتقد أن تحقق الرؤية الشرعية للهلال تتوقف على رؤيته بالعين المجردة، فهي جزء من الموضوع. وآخر يرى أنها مجرد طريق لثبوت الرؤية، فتشمل العين المجردة والعين المسلحة (التلسكوب والحسابات الفلكية). فهل جزاء السارق عقوبة رادعة لجريمته مطلقا، أم لا تسقط عقوبته إلا بقطع يده؟

قبل الإجابة على السؤال، نستعرض الآيات التي استدلوا بها على حرمة المساس بحدود الله، وهي التمسك بظاهر النصوص، فتقطع يد السارق، ويجلد الزاني، ويقتل القاتل. وهو مقتضى منهج الاستدلال التقليدي، الذي يتمسك بظواهر النصوص، مع عدم مراعاة تاريخ النص وفلسفة الحكم الشرعي. وعدم التقيّد بمقاصد الشريعة. ويلزم منه دائما تجريد العقوبات الجسدية من تاريخيتها، لتبقى مطلقة، مهما كان الواقع وضروراته. وتقليد السلف حتى في التعزيرات، التي هي أحكام قضائية، خاضعة لتقدير الحاكم. فالديات والغرامات المالية مثلا تقرر قياسا على ما جاء في الروايات. ويبقى الحاكم أسير أحكام قضائية جاهزة، رغم أن ملاك الحكم هو العدل، وهي قضية نسبية، تتاثر بالواقع وضروراته. بينما يتعامل منهج فقه الشريعة مع الأحكام الشرعية باعتبارها جزءا من المنظومة الإسلامية، فيدرس كل ما له صلة  بالحكم وتاريخه وفلسفته، مع تحري ملاكاته، والمرتكزات  التي قامت عليه.

وهذه الآيات هي:

- (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).

- (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

الحد لغة، كما مرَّ تعريفه: "حاجز بين شيئين، يمنع اختلاط أحدهما بالآخر". فهو خط فاصل لتمييزهما. وقد جاءت كلمة "حد" في الآيتين المتقدمتين مرة  "حدود الله لا تقربوها"، وأخرى، "حدود الله لا تعتدوها". و(حدود الله: ما حَدَّه الله لكم من وجوب طاعته، وأحكامه الشرعية التي بَيَّن تحريمها و تحليلها). فثمة فارق دلالي، ومغايرة في المعنى بين كلمتي: "الاقتراب" و"التعدي". الأولى تحذّر اقتحام المحظور، والثانية تحذّر من التعدي والتجاوز. وعندما نعود إلى سياق الآيتين نجد دقة التعبير واختلاف المعنى بين مدلول الكلمة في الآيتين.

الآية الأولى: جاءت في سياق بيان حدود وقت الصوم، من طلوع الفجر إلى الليل، ثم حذّرت من تناول المفطرات، لذا احتاط الفقهاء بوجوب الإمساك قبل طلوع الفجر، لضمان صحة الصيام. واحتاط آخرون بوجوب الإمساك حتى انقضاء حمرة الأفق بعد مغيب الشمس، للتأكد من انقضاء المدة المخصصة شرعا للصوم، وصدق مفهوم الليل. وهذه التفصيلات تشكل قرينة متصلة على إرادة خصوص الحدود الزمنية للصيام، فلا ينعقد لها إطلاق خارجا. ولا تشمل غيرها من حدود وتعزيرات قضائية. وبعبارة أدق أن خطاب التحذير في الآية ناظر لوقت الصوم ، مما يشكل قرينة متصلة على عدم إرادة غيره من الأحكام، بدليل استخدامه لكلمة "لا تقربوها". فهي مساحة زمنية يحظر فيها تناول المفطرات المفسدة للصوم. وقد جاءت بعد رفع الحظر عن مباشرة النساء ليلة الصيام. ثم حددت وقت الصوم ومنعت من اقترابه، كإجراء احترازي لضمان عدم فساده، من هنا جاء احتياط الفقهاء بالامساك. وهذا تحذير متعارف خاصة في المناطق العسكرية والأمنية حيث تكتب لا فتة: "ممنوع الاقتراب، منطقة محظورة". فهي بصدد بيان ما هو محظور، لا بصدد بيان كيفية إقامة الحدود الشرعية المتعلقة بالقضاء وأحكامه. فتخاطب المسلمين: لكم مواقعة النساء ليلة الصيام بعد أن كان محظورا عليكم. ويجوز لكم الأكل والشرب، دون الاقتراب من وقت الصوم المحدد من طلوع الفجر حتى الليل، (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ).

الآية الثانية: عبّرت بصيغة مختلفة فقالت: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فهي بصدد بيان الحقوق المالية بين الزوجين، التي عبرت عنها الآية بالحدود. فهناك حدود يعتبر تعديها وتجاوزها ظلما، خلاف للعدل والانصاف، وهي:

الحد الأول: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، فالرجل أمام خيارين، لا يجوز معها الظلم والجور، إما عيش مشترك بإحسان، أو طلاق وانفصال باحترام. فالإمساك بمعروف حد العلاقة الزوجية، والتسريح بإحسان حد للطلاق والانفصال. وأي تجاوز لهما يُعد ظلما.

الحد الثاني: مهر المرأة حقها، لا يجوز له أخذه عند طلاقها. (وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا). فإذا طالبها باسترداد المهر فهوظالم لها، وقد تجاوز حدود الله، لأن الطلاق قد صدر منه.

الحد الثالث: إذا ساءت العلاقة بين الطرفين، وخافا أن لا يقيما حدود الله (والمقصود بحدود الله هنا، الإلتزام بالحقوق والواجبات الشرعية)، فيمكنها بذل المهر في مقابل حريتها وطلاقها، وهذا يصدق على المرأة الناشز التي لا تطيق معاشرة زوجها، فتبذل له المهر في مقابل طلاقها. (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ).

فالمراد بـ(فَلاَ تَعْتَدُوهَا)، أي لا تتجاوزوها، وهو ما تفسره الآية التي بعدها: (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

وآية: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا)، ناظرة إلى ما تقدم من حقوق وواجبات، فهي حدود شرعية، نسبها الله له، تعظيما واحتراما، لردع الظلم والعدوان. لأن المرأة قد تستغل وتضعف أمام الرجل، فتهدر حقوقها.

وبالتالي فالآية أجنبية عن إقامة الحدود، وتنفيذ عقوبات الجناة (القاتل، السارق، الزاني). وتختص بأحكام الطلاق، وتنظيم الصيغة القانونية للحقوق والواجبات بين الزوج والزوجة. وهي بصدد ما يجوز وما لا يجوز، فعبرت عنها بالحدود. 

الأحكام القضائية

اتضح أن الآيتين لا علاقة لهما بإقامة الحدود، إلا على القول بإطلاق مفهوم الحدود الشامل لكل حكم قضائي، وحينئذٍ أيضا لا ينعقد إطلاق مع وجود قرائن لفظية متصلة صارفة. فينبغي العودة للقرآن لمعرفة مدى إمكانية استبدال وسائل إقامة الحدود، من العقوبات الجسدية إلى غيرها، بما يحقق هدف الردع عن الجريمة وحماية أمن المجتمع واستقراره.

بعض الآيات لم تحدد كيفية إقامة الحدود والقصاص من الجاني، وتركت الأمر مطلقا: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فالآية سكتت عن طريقة إقامة الحد. قد تقول إن الآية أحالت على ما هو سائد ومرتكز عرفي، فلا داعي للبيان. وهذا غير صحيح فهناك أكثر من أسلوب، قد يكون بعضها أخف وطأة من غيره، رغم أن كلاهما يؤدي ذات وظيفة العقوبة الجسدية. فسكوتها يدل على أن القصد هو إقامة الحد لردع الجريمة، بأي أسلوب تحقق مادام متعارفا، وليس فيه ظلم ولا جور، وأن لا يسرف ولي الدم بالقتل.

وأيضا: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا). وهذه الآية أيضا لم تشر لكيفية إقامة الحد، مع تعدد طرقه، فنكتشف من خلال هذه الآية أن المقصود بالذات هو إقامة الحدود لردع الجريمة، وما الوسائل التي ذكرت إلا طريقا أو مثالا لأساليب سائدة آنذاك.

فالغاية من الجلد هي ردع الجريمة، وإلقاء الرعب في نفوس المؤمنين كي لا يحدثوا أنفسهم بالزنا: (لْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ). فهذه العقوبة وإن كانت عقوبة جسدية لكنها عقوبة تأديبية رادعة بامتياز. ولو توفرت وسيلة أخرى تحقق ذات المضامين والأهداف يمكن استبدالها.

فيمكن إقامة الحد على اليد الباغية بأي أسلوب يردع الجريمة، ويحقق أهداف الأحكام الجزائية من إقامة العدل، واستتباب الأمن، ورد مظالم الناس، وأخذ حقوقهم من الجناة، وقطع دابر المعتدي. وقد كتب الله على نفسه الرحمة، "ورحمته سبقت غضبه" لا يريد الانتقام من عباده، بل يريد لهم الخير والأمن في كنف الدين وتشريعاته: (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا).

السُنّة وتنفيذ العقوبات

لا شك بحجية السُنّة التي هي تفصيل وبيان للكتاب الكريم، غير أنها محكومة بالواقع وضروراته، وكانت عقوبة القتل والقطع والجلد سائدة آنذاك، بل أن الآيات نزلت لتسوية واقع يسوده الظلم والعدوان في المجال القضائي، فيمكن استبدالها إذا حققت ذات الهدف، ما دام القصد من إقامة الحدود قطع دابر الجريمة، وسيادة العدالة، واستتباب الأمن الاجتماعي، من خلال تطبيق الأحكام الشرعية الجزائية، بأي أسلوب كان، فهو مجرد طريق لتحقق الهدف. فعندما تقول الآية: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)، لا تشترط أن يكون الذهاب للحج ماشيا أو على جمل ضامر، بل أشارت له باعتباره الوسيلة المتاحة آنذاك. فالمهم هو أداء فريضة الحج على كل مستطيع، بغض النظر عن نوع وطبيعة وسائل النقل. فعندما خص الجلد والقطع باعتبارهما وسائل سائدة، تحقق هدف العقوبة، وهو درء الجريمة، واستئصال روح العنف والعدوان. والأخذ بنظر الاعتبار الحالة النفسية لصاحب الحق الذي تربو عيناه للقصاص، كي تنطفئ روح الثأر في أعماقه. وهذه قضية مهمة، لذا لا يمكن لأي نظام قضائي اسقاط العقوبات مجانا، خوفا من تنامي روح الثأر، إضافة لصدق الظلم والعدوان، الذي هو قبيح عقلا وشرعا.

وقد تخلت إيران قبل سنين عن العقوبات الجسدية واستبدلتها بالسجن والنفي والغرامات المالية، رغم تمسكها الشديد بتطبيق الشريعة الإسلامية باعتبارها حكومة دينية. وقرارها قرار فقهي قبل أن يكون سياسيا لأن نظام الحكم هو نظام ولاية الفقيه.

خلاصة مهمة

الكلام المتقدم كان حول إمكانية أو عدم إمكانية استبدال أساليب تطبيق الأحكام الشرعية الجزائية. فمن يجمد على ظواهر الآيات، ويرتكز للروايات الدينية والتاريخية مقلدا للسلف، لا يمكنه الخروج عن حرفية النص، ويجب عنده إقامة الحدود كما هو متعارف ومتوارث، وهذا ما تفعله الدول التي تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية. وهو منهج جميع الفقهاء إلا القليل، الذي يخشى التصريح بآرائه. وأما بناء على فقه الشريعة، في ضوء فلسفة الأحكام الشرعية، وفهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة فإن الأمر مختلف، والأحكام تابعة لملاكاتها.

ملاكات الأحكام القضائية

مر أن وراء الأحكام الشرعية قاطبة، مصالح ومفاسد، تستوجب حكما بالوجوب أوالحرمة أو ما بينهما من استحباب وكراهية. غير أن تلك الملاكات مضمرة، لا يمكن الجزم بها، لذا عمدت إلى تقصي مرتكزات مبادئ الحكم الشرعي (الملاك، الإرادة، الجعل) التي بينتها في الحلقة (86)، وهي "مركزية العدالة، السعة والرحمة، الواقع وضروراته". فكل إرادة تشريعية ترتكز لهذه المرتكزات مهما كانت ملاكاتها، من أجل تحقيق ملاكات جعل الحكم الشرعي، وهي: "التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية". والكلام هنا على مستوى الجعل الشرعي، وهي غير مقاصد الشريعة التي ينبغي مراعاتها في استنباط الأحكام الشرعية، وهي مقاصد استقرائية. بينما مقاصد الجعل الشرعي مقاصد عقلية، يحكم بها العقل رغم نسبيتها.

فاتضح مما تقدم:

1- إن درء الجريمة، واستئصال روح العنف، وإطفاء روح الثأر، أهداف أساسية وراء إقامة الحدود والتعزيرات، من أجل مجتمع مستقر وآمن، وما العقوبات الجسدية إلا وسائل لتحقيقها، فيمكن استبدالها بأخرى، شريطة أن تستوفي تلك الملاكات، وتحقق العدالة. فهي مشرعة من باب الرخصة وليست العزيمة. وهذا هو الملاك الأول.

2- تحقيق العدالة في مجال القضاء، وهذا ما أكدته الآية: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). فالحدود التي تحدثت عنها الآيات السابقة قد استوفت ملاك العدالة في نظر الشارع قياسا بالسائد من الحدود التي كانت تتمادى في القصاص من الجاني. وما يؤكد هذا قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا). فالاسراف بالقتل على أثر جريمة قتل هوالشائع آنذاك، وكانت تراق دماء غزيرة من أجل ضحية واحدة، وكان يقاد العبد بالحر، بينما لا يقاد الحر بالعبد، فيذهب دمه هدرا بسبب عبوديته، فثمة ظلم عظيم. فالآية اشترطت العدالة في الأحكام مطلقا فمن الأولى أن تكون أحكام الشريعة الإسلامية مستوفية  لها. فالآية تعطي قانونا عاما لكل من يتصدى للقضاء، خاصة التعزيرات التي تُركت للحاكم والعرف تقدير عقوباتها، كما في تحديد نوع الفداء لمن قتل حيوانا بالحج حيث: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ).

نخلص إلى أن وسائل إقامة الحدود ليس لها أية موضوعية سوى أنها كانت سائدة، وكانت تحقق ملاكات الاحكام، درء الجريمة، وإقامة العدالة، التي تستلزم دفع الظلم، والحد من التمادي في العقوبات. وبالتالي فأية وسيلة تحقق ذات الملاكات والمقاصد الشرعية يمكن اعتمادها. ولم تكن هذه هي العقوبات الوحيدة آنذاك، بل هناك الكي بالنار، وضع الحجر الكبير على صدر الجاني، إلقاؤه على الرمضاء، والتكبيل بالحديد، وضع القيود في رجليه ويديه.

ثم، عندما نتبنى مبدأ الحسن والقبح العقليين، فسيكون الفقيه أكثر حرية في استباط الحكم الشرعي، لمرونة العدالة وتأثرها بالواقع وضروراته، فهي ليست مطلقة دائما، ولا نسبية دائما. والعدل حسن عقلا، لهذا تكتسب الأحكام الوضعية القضائية مصداقيتها من قدرتها على تحقيق العدالة.

كما ينبغي للفقيه مراعاة سمعة الدين ومصلحة الإنسان، حينما يتشبث بالعقوبات الجسدية. في وقت تتباهى شرائع حقوق الإنسان بقدرتها على درء الجريمة بأساليب أكثر كفاءة. فهذه المجتمعات كالمجتمعات الإسلامية كانت ضحية عقوبات جسدية، تتمادى في ظلمها وجورها، غير أنها أدركت أن درء الجريمة، واجتثاث روح العنف أهم من العقوبات الجسدية، فعمدت لأساليب قادرة على تحقق ملاكات الأحكام القضائية، بعيدا عن روح الثأر والانتقام.

وليس تعطيل إقامة الحدود غريبا على المسلمين، فقد عطّل عمر حدَّ السرقة في عام الرمادة، سنة 18 هـ، عندما أصاب الناس قحط شديد، بمرآى ومسمع كبار الصحابة، رغم أنه حد منصوص عليه. بمعنى أنهم تفهَّموا مناسبات الحكم والموضوع، فكأنهم متفقون على شروط إقامة الحدود، ونحن لا ندعو لتعطيلها بل نبحث عن إمكانية استبدال أدوات إجراء الحدّ إلى وسائل حديثة، كالسجن والنفي والغرامات وغير ذلك، بما يحقق ردع الجريمة، ومعاقبة الجاني.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi10مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

مهدي الصافي – كاتب وباحث / أستراليا: تحية للأستاذ ماجد الغرباوي في هذا الحوار الصريح والجريء جدا، حيث لايمكن لأي مذهب إسلامي بما فيه المذهب الإثني عشري أن يقبل بماجاء فيه لأنه يكسر حواجز الصمت الطويلة تجاه المقدس الديني المتزمت الجامد. وبودي أن أطرح بعض الأسئلة ضمن نفس السياق العام للحوار، نعتقد أن المسلم عموما، والشيعي تحديدا لا يجد لها أجوبة شافية منذ قرون. أو لنقل منذ بداية الدولة العباسية. أتمنى أن أسمع رأيك فيها، وشكرا لكم ووفقكم الله في خدمة الإسلام والمجتمع.

س90: مهدي الصافي: ماهو رأي الأستاذ ماجد الغرباوي بالحدود؟. وكيف نثبت أنها وقتية أو ثابتة أم متحركة أو متغيرة؟.

ج90: ماجد الغرباوي: شكرا للأخ الأستاذ الباحث مهدي الصافي مشاركته في الحوار من خلال أسئلته القيمة، والحساسة في ظل قمع ديني مقيت. وأشكر حسن ظنه وثقته. نأمل من خلال الحوار بلورة آراء تساعدنا على النهوض الحضاري.

يبقى الفقه الإسلامي أسير مناهج تكرّس الجمود على حرفية النص، وعدم مراعاة فلسفة التشريع ومقاصد الشريعة وأثر الزمان والمكان في فعلية الأحكام، فتبدو مطلقة، تتعالى على الواقع وضروراته. وقد تعكس نظرة سلبية عن الشريعة في بعدها الإجرائي، مقارنة بلوائح حقوق الإنسان، وما بلغه العالم على صعيد التشريعات.

وليس الأمر كذلك بالنسبة لفقه الشريعة الذي يراعي مصلحة الفرد والمجتمع، وفق فَهمٍ مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. وهو منهج ينتمي لاتجاه التأصيل العقلي، تم التاصيل له هنا، ويمكن اختبار جدارته بالنسبة لتطبيق الأحكام الجزائية والقضائية، من خلال قدرته على الوفاء بمقاصد التشريع، رغم تحرره من أساليب التطبيق التي يصر الفقهاء على حرفيتها. ولنا في الحدود التي هي موضوع السؤال مثالا.

مفهوم الحدود

الحد لغة: "الحاجز بين الشيئين، الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر. يقال: حددت كذا، جعلت له حدا يميّز. وحد الدار ما تميّز به عن غيرها". (و الحد: النهاية التي إذا بلغها المحدودُ له امتنع). فهو خط فاصل بين شيئين للتمييز بينهما. وقد جاءت في القرآن، مرة  حدود الله لا تقربوها، وأخرى، حدود الله لا تعتدوها.

وتعني شرعا: (حدود الله: ما حَدَّه الله لكم من وجوب طاعته، وأحكامه الشرعية التي بَيَّن تحريمها و تحليلها).

والحدود اصطلاحا: مجموع العقوبات التي نصت عليها الشريعة الإسلامية، وقد شدد الكتاب الكريم على تطبيقها بعد إدانة المتهم بالطرق القانونية. وكان الخطاب الديني وما يزال يطالب بتطبيقها، ويحرص على إقامتها كدليل على صدقية تطبيق الشريعة، ويرفض الحياد عن العقوبات الجسدية، من جلد ورجم وقتل بالسيف، أو دفع الديات بالنسبة للتعزيرات، وهي الوسائل التي كانت متبعة آنذاك. لأن الحدود منصوص عليها باستثناء الرجم. غير أن منظمات حقوق الإنسان احتجت وما زالت تحتج على أساليب تطبيق الأحكام وفقا للشريعة الإسلامية، قياسا بشٍرعة حقوق الإنسان، حيث استُبدلت بالغرامات والسجن، والأشغال الشاقة، والإعدام بأساليب مختلفة. فالسؤال عن الحدود في الشريعة الإسلامية سؤال عن إمكانية التخلي عن الأساليب المنصوصة واستبدالها بما هو متعارف راهناً، وفق مبررات شرعية. وهذا يتوقف على معرفة الغاية من تطبيق هذه العقوبات، فهل الغاية من تطبيق العقوبات الواردة في الشريعة الإسلامية قطع دابر الجريمة أم الانتقام من الجاني؟.فإذا كان المراد هو الثاني يجب الإلتزام بحرفية النص. وإلا فهناك متسع لاستبدال أساليب تطبيق العقوبات إذا كانت الغاية قطع دابر الجريمة. فينبغي أولاً تحري مقاصد التشريع في هذه المسألة في ضوء آيات الكتاب، فهي كفيلة ببيان هذه المسألة خاصة.

عندما نراجع آيات التشريع نقرأ عبارات صريحة دالة على الانتقام والنِكال، كما في عقوبة من يقتل حيوانا وهو مُحرم للحج، حيث تختم الآية: (عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ). وأيضا بالنسبة للسرقة: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). وكلا الآيتين تبدو صريحة في الانتقام من الجانيٍ.

كما هناك تحذير من المساس بالحدود، كقوله: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا)، (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). والأكثر من هذا قوله تعالى في سياق بيان الأحكام والحث على التمسك بها: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

وقد تمسك فقهاء المسلمين بهذه الأدلة، وهي صريحة، لا يمكنهم التراجع عنها أو استبدالها كما يتصورون، إلا من خلال حس فقاهتي قادر على فهم فلسفة الأحكام، وتحديد مقاصدها. ويمكن تقديم تفسير مختلف من خلال المنهج في فقه الشريعة الذي نتبناه هنا.

ملاكات الأحكام الشرعية

مرَّ مفصلا أن وراء تشريع كل حكم مَلاك (مصلحة أو مفسدة)، تستوجب إرادة تشريعية تتناسب معها، فالمصحلة الراجحة تستوجب إلزاماً شديدا حدَّ الوجوب، أو دونه فالاستحباب. والمفسدة الشديدة تستوجب نهياً شديدا حدَّ الحرمة المؤكدة، وما دونها هي الكراهة في الفعل. كما مر أيضا، أن الإرادة التشريعية تقوم، وفقا لمقتضيات الحكمة، على مرتكزات، تحقق مقاصد الجعل الشرعي: (التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية)، كما هي رؤيتنا الخاصة لفهم فلسفة الحكم. وهذه المرتكزات هي: (مركزية العدل، السعة والرحمة، الواقع وضروراته). وهذا النوع من الفهم لفلسفة الأحكام يجافي منطق العبودية، ويلتزم منطق الخلافة، التي ترى مركزية الإنسان المكلف من قبل السماء بخلافة الأرض. لذا نحن مع فقه الشريعة، الذي  يرتكز لفهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة، ويسعى للكشف عن فلسفة التشريع، بعد دراسة تاريخ الحكم الشرعي، وما هي مبررات صدوره. وما نوع الأحكام التي كانت سائدة قبل نزول التشريع. فزاوية نظر فقه الشريعة شاملة، تقرأ الحكم ضمن رؤية كاملة للدين والإنسان وفلسفة الأحكام. وأما الفقه المتداول، فهو فقه تجزيئي، يتناول كل مسألة على حدة، بغض النظر عن المسائل الأخرى. ولسنا مع منهج الفقهاء في استنباط الأحكام الذي يتجاهل الواقع وضروراته.

والسؤال المنهجي: هل الغاية من تشريع العقوبات الانتقام من الجناة أم قطع دابر الجريمة، من أجل مجتمع يرفل بالفضيلة، ويسود الأمن والسلام؟.

ليس من السهل الاستدلال على كلا الأمرين من خلال الآيات، لوجود قرائن تصرف المعنى المتبادر من اللفظ. ومن القرائن بعض مداليل الآيات التي تتحدث عن غاية الدين ومقاصد التشريع، لأن المنهج في فقه الشريعة يربط فَهمَ الأحكام بفَهمِ الدين. تقول الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، والمقصود بالحياة في الآية هو استمراريتها وفقا لموازين الحق، وهي مقاصد الجعل الشرعي، التي مرَّ ذكرها. لهذا يؤكد الحق تعالى: (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين). فما دام الله غنيا عن العالمين، ويرجو حياتنا من خلال الإلتزام بما جاء به سيد المرسلين، لذا، ينبغي فَهم تشريعات الحدود في هذا السياق، فيكون القصد منها قطع دابر الجريمة، وليس الانتقام، (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا). وهذا يتضح من مساحات العفو في هذه الأحكام خاصة، فمن يرد الانتقام لا يمنح أية فرصة للعفو، وغليله لا يشفى بأقل من الانتقام المغمّس بالحقد والكراهية، والله غني عن العالمين، وقد خلق الإنسان رحمة. وليس بحاجة للانتقام إلا بالقدر الذي يحقق مقاصد التشريع الأساسية، فتأتي المفردة في سياق خطابات الترهيب التي تتصف بالمبالغة كي تحقق ما ترنو له، من تحذير يحول دون وقوع الجريمة، ومن ثم تطبيق العقوبات الصارمة بحق الجناة. كما أن النكال لغة ليس الانتقام بل العقوبة، كما سيأتي.

المشكلة الأساسية مع الفقهاء أنهم يقرأون القرآن ويستنبطون الأحكام الشرعية من خلال التراث. أي يقرأون ويفهمون القرآن من خلال نصوص ثانوية تحجب عنهم النص الأول، فينصرف عن بعض دلالات الآيات، تحت ضغط سلطة التراث وقداسة رموزه الدينية، حداً يتنازل عن رأيه أمام أبسط رواية في المقام. وعندما نعود للآية بمعزل عن التراث سنكتشف دلالات مهمة تساعد على فهم المطلب. وحينما نتأمل في آيات الحدود، نجد أن قطع دابر الجريمة هو الهدف الأساس من العقوبات، وذلك من خلال مساحة العفو فيها. خذ مثلا:

(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

 وهنا تجد العدل ونفي الظلم أساس الحكم قياسا بواقع اليهود، وطبيعة تطبيق العقوبات آنذاك. فهذه الأحكام كانت متعارفة عندهم، ويمكن تجاوزها والتخفيف عنها. ويبدو من أجواء الآية ما يلي:

المقطع الأول: أن العقوبات قبل نزول هذه الأحكام كانت ظالمة، وربما كان الجاني يُقتل لأبسط إدانة أو جريمة، لذا فرضت الآية عقوبات وفقا لمنطق العدل والانصاف، كما هو واضح من التقابل بين الجريمة وعقوبتها. العين بالعين، السن بالسن وهكذا. وما تجاوزه فهو ظلم.

المقطع الثاني: طرح بديلا عن العقوبات الجسدية، فمن تنازل عن حقه في إقامة الحد وتطبيق العقوبة على الجاني، فإن الله سيجعل عمله كفارة لذنوبه. فكما يتصدق المرء ليكفّر عن ذنبه كذلك من يتنازل عن حقه يُعد كفارة لذنوبه، فيكون موقفه حسنة: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ). ولا شك أن العفو يتنافى مع الانتقام، فمن يرد الانتقام من خلال تطبيق العقوبة لا يتنازل عنها، وبهذه الطريقة، بل يصّر على مقاضاة الجاني وبأقسى العقوبات. فالآية تصلح شاهدا قويا على إرادة درء الجريمة دون الانتقام.

المقطع الثالث: يخص من يرفض العفو ويصر على تطبيق العقوبة الجسدية، فله الحق لكن يجب عليه الإلتزام بها، وإلا سيكون ظالما، (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا). فالقرآن لا يصر على تطبيق العقوبات الجسدية ولا يتهاون باستتباب العدل والانصاف في العقوبات. وعندما طرح العفو بديلا عن العقوبات الجسدية أخذ بنظر الاعتبار أن الإنسان يخطأ، ويعتريه الضعف والانهيار، وقد ينساق لسلوك لا إرادي، غير مقصود، عندما ارتكب الجريمة. فالعفو هنا إجراء مناسب وحكيم، خاصة مع عدم سبق الاصرار. لكن من حق ولي الدم أو المجني عليه أن يأخذ بحق الضحية، ويطالب بتطبيق العقوبة. فالعفو وإسقاط العقوبة الجسدية يأتي بعد شعور الجاني بالندم فالندم يحقق ملاك الحكم، أي قطع دابر الجريمة. وبالتالي فكما يتحقق قطع دابر الجريمة بتطبيق العقوبات الجسدية يتحقق بغيرها.

وفقا لهذه الآية يمكن اكتشاف قانون للعقوبات يقوم على فقه الشريعة وفلسفة الأحكام يخوّل الحاكم الشرعي اتخاذ ما يراه مناسبا لقطع دابر الجريمة على أنْ لا يتجاوز الحد المقرر لتطبيق العقوبات.

الانتقام ولغة الكتاب

إن روح الانتقام لا تتلاءم مع هدف الرسالة في إقامة مجتمع الفضيلة، والله تعالى يقول: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، فينبغي تحري مقاصد الآيات التي استخدمت مفردة الانتقام، بناء على وجود ملاكات، قائمة على العدل والانصاف (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). فينبغي فهم ما ورد فيها من تهديد شديد في سياق خطاب الترهيب، لأن العقوبات الجسدية ليست انتقاما ونكالا، بل لقطع دابر الجريمة من أجل مجتمع فاضل، تختفي فيه النزعات العدوانية، بل أن آية (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) تنفي الانتقام والتشفي، وليس الله متعطشا له، بل هذا لا يتناسب مع مقام الربوبية والكمال المطلق.

 أما الأمثلة، فهي:

1- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ).

- الآية نهت عن قتل حيوان الصيد خلال الإحرام للحج.

- ثم رتّبت أحكاما جزائية على قتل الصيد عمدا على نحو التخيير، وهو مقتضى العدل أن يكفّر عن ذنبه بما يقابله.

- إن غاية العقوبات الجزائية تأديبية (لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ). لأن ما قام به المحِرم جريمة بنظر الشريعة الإسلامية، لأنه في حالة إحرام للحج، فيكون قلبه منشغلا بالعبادة، لا باللهو والصيد. بل أن فعله ينافي العبادة والطاعة. فينبغي تنبيهه بالعقوبة كي يعود لوعيه.

- لكن الآية قدمت العفو عما سلف على العقاب والانتقام، لأن الغاية من العقوبات الجزائية قطع دابر الجريمة، وضبط سلوك الحاج وهو في حالة إحرام، إذ ينبغي أن يكون متوجها لله، لا يصدر منه أي ذنب أو عدوان. ومن يرد الانتقام لا يعفو. فصدور العفو دليل على إرادة قطع دابر الجريمة.

- فإذا التزم الحاج بالأوامر الإلهية ولم يرتكب جريمة ثانية وهو مُحرم، فقد شمله العفو.

- مَن يرتكب الجريمة ثانية، ينقلب حكمه من الجناية إلى الإعتداء على الإرادة الإلهية، فيتغير حكمه.  

- ما دام الانتقام الوارد في الآية غير محدد بعقوبة، فهو في سياق الترهيب، يترك للسامع تصوره وفقا لوعيه، فيكون وقعه أقوى. كما في آيات: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ)، (فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ)، (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ). فالتهديد بالانتقام ليس علة للعقوبات، لأنه قد بينها بقوله: (لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ). وللتهديد هدف أهّم، يضمن به عدم عودة الجاني لارتكاب الجريمة. وهو المطلوب.

2- (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ لَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ).

يعتبر الزنا، في المجتمعات المحافظة، جريمة نكراء تفضي إلى هتك الأعراض وسفك الدماء، وتلوث شرف العائلة، الذي لا يمحى إلا بغسل عارها. فجاءت العقوبة لقطع دابر الجريمة، كفعل احترازي لتدارك تداعياتها النفسية والاجتماعية، والحد من سفك الدماء المحتملة. وقد شرعت الآية الجلد حداً لمطلق جريمة الزنى إذا استوفت شروطها المنصوص عليها في الآية التالية، بغض النظر عن كون الجاني مُحصنا أم غير مُحصن. ولا دليل قرآني على رجم الأول.

والجلد، كالقتل وقطع اليد، أساليب كانت متعارفة، حيث تنعدم الوسائل الحديثة للعقوبات، لا فرق في ذلك بين مجتمع وآخر، بل كان بعضها ينكّل بالجاني ويمثّل به بعد قتله أو إجراء الحد عليه. وكان الهدف من تشريع العقوبة قطع دابر الجريمة، وحماية المجتمع، وليس الانتقام، لذا تعتبر شروط ثبوت الزنا تعجيزية: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، فما لم يشهد أربعة شهداء على وقوع جريمة الزنى بكل تفاصيلها، وخصوص الولوج الفعلي، لا يقام حد الزنى، والحدود تدرأ بالشبهات. ومن يمارس الزنا بهذه الكيفية، شخص متهتك، لا يحترم مشاعر الناس، بل ويهدد أمن المجتمع الذي يسعى لإرساء قيم الفضيلة. وهو مرفوض بهذه الطريقة في جميع المجتمعات، إلا أن تكون مجتمعات حيوانية. فهذه الشروط تكشف عن مدى خطورة انتهاك قيم الشرف في المجتمعات العربية آنذاك، فإنها تترك سمعة سلبية لا تُمحى حتى بعد إقامة الحد على الجناة، فتداركها التشريع بشروط لا تثبت بسهولة خاصة مع تهديد صارم لهم بالجلد إذا ثبت خطأ الشهادة، كل ذلك من أجل إبعاد شبهة الزنا عن الجناة، ودرء حدها، وهي شاملة للزوج والزوجة أيضا: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ). وجاء تعبير الآية بما يؤكد ما تقدم حيث شككت منذ البداية بالمدعي "الذين يرمون أزواجهم".

3- (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). والنكال لغة هي العقوبة، "نكل عن الشيء ضَعُفَ وعجَزَ... وقيد الدابة وحديد اللجام .. ونكلت به إذا فعلت به ما ينكل به غيره". فقطع اليد للسارق كان سائدا قبل الإسلام، لكن الشريعة قننته بشكل يقطع دابر الجريمة ويحمي المجتمع وعدم التمادي بالعقوبة. وليست العملية انتقاما، بل تقطع اليد في شروط مذكوره عندهم، منها أن لا يكون السارق مضطرا، وليست في وقت قحط وعوز ومجاعة.

والغريب أن بعض الفقهاء حكم بوجوب قطع اليد وإن تاب الجاني. وقالوا: أن توبته ستسقط عنه عقوبة الآخرة فقط. وكلامهم لا دليل صريح عليه، وربما لا توجد عقوبة أخروية بعد أن تطهر بالعقوبة الدنيوية. وبعضهم اشترط العفو عنه إذا تاب قبل التمكن منه، قياسا على قوله تعالى بخصوص حكم المفسد في الأرض: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ). وكل هذه الفتاوى من تداعيات تقليد السلف، وعدم الانفتاح على القرآن مباشرة، فالآية واضحة، تقول: (فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ). فمن تاب بعد اقترافه جريمة السرقة، غفر الله ذنبه، وسقط عنه الحد. فإجراء حد السارق بعد توبته يعتبر ظلما. ثم لا دليل على وجود عقاب أخروي إضافة إلى إجراء الحد ما لم يصرح القرآن بذلك، فهناك آيات ترتب حكمين على المجرم، دنيويا وأخرويا، وهذا ليس كذلك.

المهم بالنسبة لنا أن هذه الآية ومن خلال فسحة العفو تؤكد أن الغاية من إجراء الحد هو قطع دابر الجريمة، وليس انتقاما من الجاني.

وبالتالي يمكن استبدال أساليب القصاص بما يخدم الهدف الأساس. يقول تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)، فمن يبغي الانتقام بأحكامه لا يتبنى ويحثّ على العفو كما في هذه الآية التي تبين الحكم، وتدعو للعفو، ولا يشترط شروطا تعجيزية كما بالنسبة للزنا. لأن الخطأ يحصل من الإنسان، والجريمة لها ظروفها. والمهم بالنسبة للدين حماية الإنسان والمجتمع، وحماية حقوقهما وأمنهما. كان بل وما يزال ولي الدم لا يكتفي بقتل القاتل، بل تتواصل عملية الثأر بين القبيلتين. فنزل قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا). فالقصاص في نظر الشريعة النفس بالنفس يشفي غليل ولي الدم، وما زاد يعتبر ظلما وعدوانا: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

لكن ماذا عن الآيات التي تنهى عن الاقتراب من حدود الله؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com