لقد منع الكتاب المجيد - تعدد الزوجات -، ولكنه في المقابل أباح - التعدد في النكاح -، وبين المسألتين جدُ فارق في الفعل والمضمون، ونحن بدورنا سنوضح ذلك ما أستطعنا إلى ذلك سبيلا معتمدين على الكتاب ونصوصه ودون الإلتفات إلى ماورد من أخبار وروايات في هذا الشأن .

 ولكن وقبل البدء في شرح وبيان موقف الكتاب المجيد من هذه المسألة، لا بد من التذكير بأن المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة تخوض صراعاً مستديماً متعدد الإتجاهات، من أجل تحديد الموقف القانوني والشرعي والأخلاقي عن نوع الحريات التي تسمح والتي لا تسمح، وعن طبيعة الحقوق وطبيعة النظام الذي يجب أن يسكنون إليه، وأقول: إن التعريفات العتيقة التي تبنتها المدرسة الإسلامية ما عادت تلبي أو تستجيب لكثير من المفاهيم التي أفرزتها حالة وطبيعة التطور المجتمعية في العالم أجمع -، ولم يعد مناسباً في هذا الشأن التركيز فقط على منتجات التراث، مع جُل إحترامنا لذلك التراث، فالتراث مهما بلغ من شاء، فإنه يظل يعبر عن الماضي بما فيه من أفكار ورجال، والماضي لن يستطيع ان يصنع الحاضر بطريقته وبفهمه للأشياء، وإن منتجي التراث رجال لا قدسية لهم ولا معصومية، وما أنتجوه من أفكار يظل في حدوده الخاضعة لبند الصحة والموافقة لكتاب الله والعقل، والتراث في أصله اللغوي جاء من مادة - ورث - الثلاثية الدلالة والأبعاد ومعناه: ما يحصل عليه الوريث من المورث مادياً -، وإلى ذلك أشار النص التالي قال تعالى: [وورث سليمان داوود ..] - النمل 27، والتوريث هنا كل مايتعلق بما هو مادي من متاع وغيره [وليس منه النبوة والحكم، فالأول إصطفاء والثاني إختيار من قبل الناس]، فالنبوة ليست من الأشياء التي تورث لأنها إصطفاء من الله، كذلك الحكم هو إختيار وإنتخاب للحاكم من قبل الناس فلا يصح فيه التوريث أو ولا ية العهد .

والتراث في عمومه مادي يظهر ذلك حتى في قوله تعالى: (وتأكلون التراث أكلاً لما) - الفجر 19، وكل شيء يتعلق الفعل فيه والممارسة من قبل الإنسان فهو مادي ومنه الأفكار، ولهذا يصدق عليها مفهوم - التراث - أيضاً، كالقيم والأخلاق والمبادئ والتي هي في الواقع أشياء مادية يمكن توريثها، وبهذا المعنى يكون كل ما أنتقل أو وصل إلينا من الماضي القريب أو البعيد هو - تراث -، ولعلي أرجح لفظ - وصل إلينا - بدلاً عن أنتقل إلينا، والفرق بينهما واضح: [فأصل الفعل في أنتقل هو من النقل أي الرفع من مكان لمكان أخر، وبالتالي يكون معنى أنتقل إلينا هو ما نُقل إلينا من محل أخر، واما لفظ وصل إلينا أي ما أتصل بنا -، وفي هذه الحالة يكون الوصل أقرب في الدلالة، فما وصل إلينا من الماضي هو ما أتصل بنا منه، شريطة ان يكون له قابلية التأثير والفعل في حياتنا، من حيث التأثير على أفكارنا ومفاهيمنا وتصوراتنا، وحين نفتقد لشرط القابلية في التأثير والفعل، تكون الدعوة للخروج من حالة التقديس الأعمى لما في التراث ومُنتجيه أمراً لازماً، وبنظرنا المتواضع لم تعد كتب التراث من تفاسير وكتب وأخبار مؤدية للغرض، مع كامل الإحترام والتقدير لتلك الثروة ولذلك الجهد الغير مسبوق في زمانه، وهذا يعني إننا بحاجة إلى حركة نقلة تدرب العقل وتؤهله ليواكب عصره (الزماني والمكاني) .

 وهنا ترآنا نعود للتذكير بمقولة لنا مضت في لزوم ووجوب فتح باب الإجتهاد على نحو مختلف عن ذلك الذي ألفناه، والإجتهاد الذي نلح بالطلب عليه هو في فسح مجال أكبر وأوسع للعقل بعيداً عن سلطة الأخبار وما فيها من القيل والقال والنكاية البعيدة عن مضمون عصرنا وزماننا، مع عدم الإلغاء الكامل أو التجاوز الكامل على كل الماضي وكل التراث، فتلك مخاطرة لا نسمح بها ولا نؤيدها، إنما نريد لبعض الماضي الصحيح والتراث الموثق أن يكون جزءاً مما نستأنس به في موضوعاتنا وبحوثنا .

إن موضوعة - حرية الحقوق - جدلية بإمتياز فهي من حيث هي قضية يتصارع فيها الزمان والمكان، ومن هنا تدفعنا هي ذاتها لتصحيح المسار من خلال رؤية جديدة لمعنى - حرية الحقوق -، والسؤال هل تقع - حرية الحقوق - في دائرة الواجبات أم المباحات ؟،

 وطبعاً هنا في مسألتنا يكون الجواب إنها من المباحات فحق الزواج مثلاً ليس واجباً كذلك حق النكاح وحق التبعل، ومفردة زواح ونكاح وتبعل مفردات أستعملها الكتاب المجيد في سياقها حسب الوضع والطبع، وهي مفردات مختلفة المعنى والدلالة ولا يصح الخلط فيها تبعاً لما كان يفعله أهل التراث والأخبار، والخلط منشأه فكرة الترادف التي شاع وغلب أستعمالها في الشعر والأدب، ومن هناك وظفت في لغة الفقة والشرع عبر الشافعي كوسيط مفترض في هذه الفعلة، فوقع الشطط في المعاني وقد تغلب هذا الفكر على من سوآه من خلال سطوة أهل السياسة والحكم .

ففي قضية - التعدد - هيمن الترادف على ما تؤدي إليه الكلمة من ظنون، جاء ذلك بفعل هيمنة وغلبت الذكورية والقبلية التي كانت سائدة ومازالت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فالتعدد موضوعة أرتبطت بالمرأة حين فسر المشرع المرأة كسلعة مما أدى مع الأيام لتجهيل - حق المرأة وحريتها -، والمريب في الأمر إن عامة النساء المسلمات رضين بهذا وأستسلمن له تحت ظل ظروف إقتصادية وإجتماعية ضاغطة، حتى صار التجهيل للحق حكم للشرع والدين بنظر العامة، وعلى ذلك سُنت قوانين الأحوال والحقوق الخاصة بالمرأة،  مع إن هذا التجهيل أساسه رجال دين تراثيين وكهنة وتجار قيم .

وفي هذا المجال تبدو الحاجة ماسة ليس فقط إلى إعادة تقييم ونقد التجربة الدينية لأهل التراث من المرأة، بل إلى إنتاج قواعد فكر وقوانين تحمي المرأة وتنظم حقوق المجتمع، وفي هذا أدعوا الجميع لمراجعة واقعية للكتاب المجيد من غير سطوة وهيمنة أهل التراث وفكره، كما أدعوا إلى إعتماد العقل كأداة منتجة ومستقرئة، وهذه الدعوة لنجعل منها الضابط الذي سيكون حاضراً معنا في كل خطواتنا هنا في هذا البحث، ولا ندعي إننا نريد تجديد الخطاب فهذه ثمة أكذوبة أو هي أفيون جديد للتخدير والإلهاء يميل إليه كهنة السلاطين للخروج من حالة التناقض واللا إتزان السائدة، ما نريده بناء منظومة بحث يمكنها إنتاج معرفة تجعل من الجميع حاضراً فيها غير بعيد عنها، وهذا يكون بالتركيز على بيان المعنى بصيغ قريبة إلى فهم السامع، من غير إطناب أو تضخيم أو تفلسف زائد، كما كان دئب من سبق، وهذا بنظرنا ما نرآه يفيد معنى مفهوم تجديد لغة الحقوق وقواعدها من وحي الكتاب والحياة المعاصرة .

 في قضية - التعدد - وقع الوهم والتدليس فبدلاً من أن يكون - التعدد - في النكاح، أصبح - التعدد - سارياً في الزواج لدى عامة الفقهاء ورجال الدين، وبما إن هذه القضية إشكالية لذلك فسوف نسلط الضوء عليها :

ونتسائل ونقول: هل إن فكرة - التعدد - جائزة أو ممنوعة في الكتاب المجيد ؟، وبما إن هذا السؤال يتموضع بين الجواز والمنع، فإننا نقول: إن قضية - التعدد - أساسها الفهم الخاطئ لما ورد في قوله تعالى: [.. فإنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألاَّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ..] - النساء 3، أعني الفهم الذي تبنى الترادف في فهم المعاني، الفهم الذي جعل من لفظ - أنكحوا - بمثابة أو بمعنى لفظ - تزوجوا -، مع إن الأصل والجذر اللغوي للفظين مختلف، فلفظ - أنكحوا - دال على الإستمتاع الجنسي، وأصله من الفعل الثلاثي - نكح -، وفي (النكاح) الإستمتاع أو المتعة أباح الكتاب المجيد التعدد، ولكنه في (الزواج) منع الكتاب المجيد التعدد، والزواج في الكتاب المجيد كفعل أو كمضمون ممنوع من التعدد وذلك:

 1 - لأن الزواج في وضعه ودلالته هو أوسع مفهوماً من الإستمتاع أو التمتع، ولذلك لا يجوز قصر معناه في النكاح .

2 - كما إن فعل تزوجوا أعتبر في الكتاب المجيد ممنوعاً من الصرف، والخلط بينه وبين فعل أنكحوا هو مخاطرة وفعل خاطئ .

 3 - ثم إن اللفظ في الكتاب المجيد إنما وضع لمعنى محدد معين لا يتعدآه لغيره - .

وحين قلنا: إن إباحة التعدد في (النكاح) إنما بشرط وجود القدرة والإستطاعة، وفي (الزواج) قلنا بالمنع لأن الزواج مرتبط بميثاق قال تعالى: [.. وأخذنا منكم ميثاقاً غليظا] - النساء 21، والميثاق هو إتفاق بين - الذكر والأنثى

- على طريقة الحياة وعن القوامة وعن الإدارة ورعاية الأطفال والضمان، أي إنه إتفاق على تأسيس الأسرة وفي هذا قال الكتاب المجيد بعدم جواز التعدد، قال تعالى: [وإن أردتم إستبدال زوج مكان زوج أخر ..] - النساء 20، بمعنى إن الجمع والتعدد في الأزواج ممنوع وغير ممكن، وهذا مالم يتوفر هدفاً ومضموناً في النكاح، إذ ليس هناك ثمة ميثاق فيه، إنما ينعقد النكاح (المتعة) بإتفاق بين الطرفين (ذكر وأنثى) من غير قيد وفيه يصح التعدد لطبيعته ولما يُراد منه - .

 وكما قلنا: بعدم جواز الترادف في الكتاب المجيد، كذلك نقول لا يجوز التكرار في الكتاب المجيد فعلاً ومضموناً -، ومنه جاء المنع بعدم جواز إسقاط لفظ - الزواج على النكاح -، وعندنا لا يصح الإتفاق مقروناً بهذا اللفظ في حال الزواج، ودليلنا في عدم الجواز ما عليه قواعد اللغة العربية والتي تمنع التكرار والترادف في هذه المسألة، وأما ما ذهب إليه البعض من أقوال في هذا المجال فلا يعتد بها ولا تفيدنا في هذا المقام، لهذا فالواجب يقتضي ضبط معاني الكلمات من خلال الكتاب المجيد ومن دون النظر أو الحاجة إلى هذه الإستعارة التبعية للشعر ومقولاته، بل ولا يجوز جعل ذلك حجة على معاني وألفاظ الكتاب .

 فإن قلتم: ألم ينزل الكتاب المجيد على سبعة أحرف - .

قلنا: إن ذلك ليس صحيحاً وهو وهم وتجني، ذهب إليه من أراد دفع شبهة التحريف في الكتاب المجيد والتي يقول بها البعض - .

ثم إن التعدد في النكاح ورد مضافاً، وليس عدداً صحيحاً بل العدد مضروباً بنفسه، وهو ليس من قبيل العدد الصحيح واحد وأثنين وثلاثة وأربعة، بل هو مثنى وثلاث ورباع، وفي ذلك يكون العدد مضافاً كما ورد في ذكر أجنحة الملائكة، قال تعالى: [..جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع .] - فاطر 1، ولم يقل أثنين وثلاثة وأربعة، لأن العدد هنا دال على الكثرة الممكنة، مع إنه أستخدم العدد الصحيح في قوله تعالى: [سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ..] - الكهف 22، ومنه يتبين إن اللفظ في الكتاب المجيد إنما يوضع بعناية للدلالة على المعنى المُراد والمقصود، ولكي لا يتم الخلط أو تعمد الخلط .

فحين يستعمل لفظ - تزوجوا - يقتصر الفعل والمضمون على الواحد من غير تعدد، وأما في حال علاقة الإستمتاع جعل التعدد ممكناً بحسب القدرة والإستطاعة، وفي علاقة الإستمتاع جعل الكتاب المجيد حد أدنى وحد أقصى، والأدنى يبتدأ بمثنى أي أربعة وينتهي برباع أي ستة عشر، ثم جعل القيد مرتبطا بمفهوم العدالة من جهة الإستمتاع

 قال - وإن خفتم ألاَّ تعدلوا - قال (فواحدة)، وهذا القيد متعلق بالقدرة والإستطاعة وليس بمحل أخر .

 وبما - المتعة - يُثار حولها بعض اللغط، والذي في غالبه جهل في فهم النصوص وعدم التعاطي مع ذلك بروح الواقع، بل وتغليب بعض الأخبار على نصوص الكتاب المجيد، ومن بين أوضح النصوص الدالة على جواز - المتعة - ماورد في قصة النبي موسى في قوله تعالى: [قال إني أريد أن أنكحك إحدى أبنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك ..] - القصص 27، في هذا النص تبدو الدعوة لعلاقة مؤقتة ومشروعة بين ذكر وأنثى في زمن محدد وثمن محدد (نكاح)، هذه العلاقة حسب ظاهر النص جائزة شرعاً، ولم يرد نص في الكتاب بمنع أو إلغاء هذا النوع من النكاح، ولم يجعل هذا النص عقدة النكاح بيد موسى -، مما يدل على أن هذا النوع من الإتفاق والذي يقصد به الإستمتاع المشروط بأجر وزمن يلزم في الحرية الضامنة للطرفين .

يتبع

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

اختلف المسلمون كثيرًا، ولا زالوا يختلفون، في أمر المؤمن العاصي في الدنيا والآخرة، وهل العمل ركن من الإيمان أم لا؟ وافترقوا.

كانت أهم عقائد الخوارج أن الإيمان لا ينفصل عن العمل، فهو ما وقر في القلب وصدقته الجوارح ‏والعمل، وقد قادتهم تلك المقدمة إلى نتيجة خطيرة جعلتهم أول فرقة متطرفة في تاريخ الإسلام، وهي أن ‏الفاسق غير مؤمن، فمرتكب الكبيرة هو كافر بزعمهم، فكفّروا المسلمين ووقعوا في دمائهم، وكان ‏الأزارقة -أتباع نافع بن الأزرق الحنفي- يعتبرون باقي المسلمين مشركين، وديارهم ديار ‏شرك! ولا نجد في أدبيات الخوارج حديث عن توبة صاحب الكبيرة، كما هو الحال عند المعتزلة، وفي ‏هذا فتح لباب المعاصي، وتجاهل للضعف الإنساني، وإغلاق لباب الرحمة في وجوه العباد.

ويذكر ‏الإمام البخاري في صحيحه، في أول باب (قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم) "وكان ابن عمر يراهم ‏شرار خلق الله، وقال: "إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في ‏الكفار، فجعلوها على المؤمنين"‏أهـ. ورواها ابن ‏عبد البر في "الاستذكار" (ج8، ص90) (رقم 10576) من رواية نافع عن ابن عمر. وأقول: ولا زالوا ‏يفعلون، وصدق ابن عباس عندما قال في الخوارج: "يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه".‏

يذكر علي سامي النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص233) "وجد الإمام الحسن ‏بن محمد بن الحنفية، أن الذين قاتلوا جده مستندين إلى أصل ظاهره الصدق وباطنه الإفك، هو (الحكم لله ‏لا لعليّ)، ينشرون أصلًا آخر خطير لقتل المسلمين، وهو أن لا عقد بدون عمل، فنفر لمجادلتهم، ‏وأعلن أنه لا يضر مع الإيمان معصية، وكان يكتب الكتب إلى الأمصار ويعلنها للناس، بأن الطاعات ‏وترك المعاصي ليست من أصل الإيمان حتى يزول الإيمان بزوالها"أهـ. ‏

أما المعتزلة، فمن أصولهم الخمسة، المنزلة بين المنزلتين، وهي منزلة الفاسق في الدنيا عندهم، فهو لا يُسمى مؤمنًا ولا يُعد ‏كافرًا، وكان تعليل المعتزلة ‏لتلك المنزلة الوسطى التي أنزلوها مرتكب الكبيرة أن الإيمان لو كان موجودًا لعصم صاحبه ‏من الكبائر. ورغم أن تعليلهم للأمر كان مصدره ما حكم به العقل من عدم فصل الإيمان عن ‏العمل، فقد رأى المعتزلة في الآيات القرآنية التي حثت على العمل الصالح في القرآن وقرنته ‏بالإيمان أنها دليل على ركنية العمل كجزء من الإيمان، وهناك نصوص دينية يتفق ظاهرها مع ‏قولهم. يقول تعالى: ‏﴿‏إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر‏‏﴾ [العنكبوت:45]. وورد في ‏صحيح البخاري (2475) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ‏‏"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق ‏حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو ‏مؤمن". وعن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: مثله، إلا ‏النهبة. قال الفربري: وجدت بخط أبي جعفر: قال أبو عبد الله: تفسيره: أن يُنزع منه، يريد ‏الإيمان. وللحديث أطراف بصحيح البخاري، أرقام (5578- 6772- 6810).

فالمعتزلة ‏يرون في النصوص التي قرنت الإيمان بالعمل الصالح، وتلك التي على العكس قرنت نفي ‏الإيمان بالعمل الطالح، نصًا على عدم الفصل بين الإيمان والعمل، -بينما الأشاعرة ترى تمييز ‏الآيات بينهما دليلًا على انفصالهما، كما سأوضح لاحقًا-. وكان هذا الأصل من أصول عقيدتهم هو سبب انعزال واصل بن عطاء عن مجلس ‏أستاذه الحسن البصري، وقد تفرّد المعتزلة به، فكان مخالفة من المعتزلة لاعتقاد الخوارج بأن ‏الفاسق غير مؤمن، ومرتكب الكبيرة كافر، ‏والذي على أساسه كفّر الخوارج المسلمين وخاضوا ‏في دمائهم، وكذا كان فيه مخالفة من المعتزلة لأهل السنة والجماعة من ‏الأشاعرة والماتريدية ‏الذين لم يكفروا أصحاب ‏الكبائر، ولم يحكموا بتخليدهم ‏في النار، بل اعتبروهم مؤمنين فاسقين، أمرهم إلى الله. كما خالفوا المرجئة الذين قالوا: لا ‏يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، وحكموا بنجاة كل من نطق بالشهادتين، ‏وكان واصل بن عطاء قد فسَّق كلا فريقيّ حرب الجمل، وفيهم علي والحسن والحسين وابن ‏عباس وعمار بن ياسر من جهة، وعائشة وطلحة والزبير من جهة أخرى!!

بينما أهل السُنة والجماعة الأشاعرة على أن العمل ليس ركنًا من الإيمان. وعدّه ركنًا يوقع في معتقد الخوارج أو المعتزلة. والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:110]. أي أنه تعالى في الآية لا يجعل العمل ركنًا من الإيمان، بل يميز بين الإيمان والعمل، ويجعل كليهما شرطًا للطمع في النجاة الأخروية، مع أنه في آية أخرى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء:48]، أي أن من ضيّع إيمانه لا يجب أن يطمح للنجاة، أما من كان صاحب معصية فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾؛ فهم يعتقدون أن إيمان المسلمين أمره مرجأ إلى الله، ويكفينا إقرار الناس بالإيمان لعدّهم مسلمين في الدنيا، والتعامل معهم على هذا الأساس؛ فتارك العمل مرتكب الكبائر مؤمن في الدنيا، ليس كافرًا كما قالت الخوارج، ولا فاسقًا كما زعمت المعتزلة، وهو مستحق للعقاب في الآخرة، لكن لا نحكم بتخليده في النار كما حكمت الخوارج والمعتزلة، بل أمره إلى الله في الآخرة، كما قال بذلك أبو حنيفة.

وهناك قصة شهيرة تحكي سبب إرجاء أبي حنيفة لأمر تارك العمل من المسلمين، وهي ‏مأثورة عن أبي حنيفة مع جارٍ له فاسق، والذي يُروى أن أبا حنيفة رفض أن يُصلي عليه عندما ‏مات، ثم جاء الجار في المنام لبعض أهل الصلاح ليُخبرهم أن الله قد غفر له، ولمّا سأل الإمام ‏زوجة الرجل عن حاله، أخبرته أنه كان يُطعم الأيتام ويطلب منهم أن يدعوا له؛ فعلم الإمام أن كل ‏مُوحد أمره مرجأ إلى الله، والله أعلم بما خفي من عمله.‏

فإرجاء الأشاعرة هو إرجاء سُنة. ويختلف عن اعتقاد بقية المرجئة، فهؤلاء الأخيرون يقولون: "إن من شهد شهادة الحق، دخل الجنة، وإن عمل أي عمل. وكما لا ينفع مع الشرك حسنة كذلك لا يضر مع التوحيد معصية. وقالوا: إنه لا يدخل النار أبدًا، وإن ركب العظائم وترك الفرائض وعمل الكبائر للكبائر"! ‏وقول المرجئة هذا يفتح الباب على مصراعيه أمام اقتراف المناكر، وما جاء الإسلام إلا لمحاربتها.

لكن للعمل مع ذلك وفقًا لاعتقاد أهل السُنة والجماعة قيمة، وإلا فنحن نغامر بآخرتنا، إن شاء عذبنا الله وإن شاء غفر لنا، ثم أن به تتفاوت مراتبنا في الجنة.

يقول إمام الحرمين الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص399-400) عن اعتقاد الأشاعرة في ‏الإيمان ردًا على من يقول بزيادته ونقصانه: "فإن قيل: فما قولكم في زيادة الإيمان ونقصانه؟ قلنا: إذا ‏حملنا الإيمان على التصديق، فلا يفضل تصديق تصديقًا، كما لا يفضل علم علمًا؛ ومن حمله على ‏الطاعة سرًا وعلنًا؛ فلا يبعد على ذلك إطلاق القول بأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا ‏مما لا نؤثره. فإن قيل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان منهمك في فسقه كإيمان النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: النبي ‏عليه الصلاة والسلام يفضل من عداه باستمرار تصديقه، وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، واختلاج ‏الريب. والتصديق عرض لا يبقى، وهو متوال للنبي عليه الصلاة والسلام، ثابت لغيره في بعض ‏الأوقات، زائل عنه في أوقات الفترات. فيثبت للنبي عليه الصلاة والسلام أعداد من التصديق لا يثبت ‏لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه بذلك أكثر، فلو وُصف الإيمان بالزيادة والنقصان، وأُريد بذلك ما ذكرناه ‏لكان مستقيمًا فاعلموه. فإن قيل: قد أُثر عن سلفكم ربط الإيمان بالمشيئة، وكان إذا سُئل الواحد منهم ‏عن إيمانه، قال: إنه مؤمن إن شاء الله، فما محصول ذلك؟ قلنا: الإيمان ثابت في الحال قطعًا لا شك ‏فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة، إيمان الموافاة؛ فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة، ‏ولم يقصدوا التشكك في الإيمان الناجز"أهـ.

وعلى قدر إعزازي وتقديري لإمام الحرمين الجويني، فقد زادني جوابه تصديقًا بأن الإيمان يزيد وينقص، وليس ثابتًا بالقدر نفسه للجميع، ولكنه يتفاوت باطنًا وليس ظاهرًا، ولا يلزم من ذلك أن أنزع صفة الإيمان عمن شهد شهادة التوحيد كفعل الخوارج، كما لا يلزم منه أن أفتش في ضمائر الناس لاستكشاف قدر إيمانهم. ثم أخيرًا قرأت للنشار في مقدمة تحقيقه لـ "الشامل في أصول ‏الدين" للجويني (ص38) أن "الشافعي كان يؤمن بأن الإيمان تصديق وعمل، وأن الإيمان يزيد ‏وينقص"، علمًا بأن الشافعي موقفه معروف من الخوارج،‏ فأنا مع الشافعي في اعتقاده.

ولكن يبقى السؤال الأكبر: إن كنا نقطع بأن كل موحد هو مؤمن في الدنيا حتى لو ارتكب ‏الكبائر، ولا نخرجه من عداد المؤمنين لأنه نطق الشهادتين وهما عمود الإيمان، ولا مخرج من ‏الإيمان إلا بإنكارهما، فهل الإيمان يزيد وينقص؟ وإن كان العمل ليس ركنًا للإيمان بل هو متميز ‏عنه، فكيف يزيد الإيمان وينقص؟

جاء في "جوهرة التوحيد" للإمام اللقّاني المالكي:

ورُجِّحَتْ زيادةُ الإيمان *** بما تزيدُ طاعةُ الإنسان

ونقصهُ بنقصها *** وقيلَ لا خُلْفَ كذا قد نُقلا

وذكر البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص94) في شأن العمل "العمل شرط كمال –يعني للإيمان- على المختار عند أهل السُنة، فمن أتى بالعمل فقد حصّل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن، لكنه فوّت على نفسه الكمال، إذا لم يكن مع ذلك استحلال أو عناد للشارع أو شك في مشروعيته، وإلا فهو كافر فيما علم من الدين بالضرورة"أهـ. ويضيف (ص100) في شرح البيت الفائت "وقد ذكر المصنف هنا أنه –أي الإيمان- يزيد بزيادته وينقص بنقصه –أي العمل-، ويعني: رجّح جماعة من العلماء، وهم جمهور الأشاعرة القول بزيادة الإيمان؛ لأنه لا معنى لترجيح زيادة الإيمان إلا ترجيح القول بها، ويكون ذلك بسبب زيادة طاعة الإنسان، فالباء سببية، و "ما" مصدرية، والطاعة فعل المأمور به واجتناب المنهي عنه"أهـ.

وأعتقد أن أفضل تشبيه ممكن للإيمان هو بالشجرة، فكما أن الشجرة جذع وأفرع، فالإيمان إقرار وأعمال، فكأن الجذع هو الإقرار، وكأن كل فرع بمثابة عمل، وحتى لو قُطِعت كل فروع الشجرة، فالشجرة لا تزول إلا بقطع جذعها، وكذا الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله وهو الإقرار بالشهادتين، حتى لو لم يعمل صاحبه أي عمل. كما قد تكون شجرة جذعها قوي وأفرعها قليلة، وشجرة كثيرة الفروع وجذعها ضعيف، وهي شجرة المُرائي غير المخلص؛ لذا رُوي عن ساداتنا العُرفاء بالله قول بعضهم: "إن الله يقبل قليل عمل مع الإخلاص، ولا يقبل كثير عمل من غير إخلاص". ولعل تشبيهي هذا يُفسر أن يقع شخص كان كثير الصلاة والصوم وقراءة القرآن فريسة الإلحاد، بينما لا يتطرق حتى الشك لنفس شخص تارك العمل، لأن جذع إيمان هذا الثاني قوي حتى لو عدم الفروع.

ومن الفوائد في هذا الباب ما رواه السُبكي في طبقات الشافعية (ج4، ص259) "تكلم الأستاذ الإسفرايني في كتاب "الحلي في أصول الدين" على قول الشافعي رضي الله عنه الإيمان لا يشركه الشرك والشرك يشركه الشرك، بما حاصله أن الإيمان لو قارنه اعتقاد قدم العالم أو نحوه من الكفران ارتفع بجملته، والكفر كالتثليث مثلًا لو قارنه اعتقاد خروج الشيطان على الرحمن ومغالبته كما يقول المجوس لم يرتفع شركه بالنصرانية بل ازداد شركًا بالمجوسية، وأطال في ذلك. قلت –أي السُبكي-: فيؤخذ منه أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الكفر يزيد وينقص فتأمل ذلك"أهـ.

وهنا يلزمني توضيح فروق هامة بين المنظور السلفي والمنظور الأشعري حول ركنية العمل: المنظور الأشعري قائم على أننا نؤمن به سبحانه، ونطيع ما استطعنا، ونقر بذنوبنا، ونستغفر منها، وهو أرحم الراحمين، فنطمع في رحمته، أما المنظور السلفي فيركز على العمل، فيرون أنهم طالما يُطيعون؛ يصلون ويصومون ويحجون، فهم أهل لنيل رحمته سبحانه. ومن هنا، ولتركيز المنظور السلفي على العمل، فقد يصل الأمر إلى تكفير من لا يقوم به، والإنكار على من يقول أن المؤمن تارك العمل إن شاء الله أدخله في رحمته، لأن نظرتهم إلى المسلم الذي لا يلتزم بأداء العبادات أشبه بالنظرة إلى الربوبي.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيأيا حجر الشحر إلى متى

تسنّ الحديد ولم تُقطَعِ؟

لم يكن بإمكان الغزالي آنذاك بعد أن يقول ما سيقوله الجيلاني عن منازلته لأقدار الحق بالحق للحق، لأنه لم يجتز بعد "طريق الانكسار" حتى نهايته. وإذا كانت تقاليد الصوفية اللاحقة قد أفلحت في إبداع مقارنات عديدة لمنازلات شيوخها، فلأنها وجدت فيها الصدى الروحي لما هو موجود وممكن (الفعل والواجب). بمعنى أنها استطاعت أن توّحد في كلّ واحد تجاربها الفردية العديدة في حقيقة المنازلة. لهذا كان بإمكان الجيلاني أن يقول ما لم يقله الغزالي، وأن تنعكس مع ذلك تجربة الثاني في فكرة الأول. غير أن لهذه المقارنة صداها المعنوي في ثقافة الروح الصوفي، لا واقعية المسار الفعلي للغزالي.

فقد كانت مواجهته للتعليمية الباطنية هي التجسيد الحي لمنازلته الواقعية والممكنة. إذ أدرك في مجراها بأنه ليس الحقيقة هي التي تحدد نظام السياسة، بل السياسة هي التي تدجّن الحقيقة. ومن الممكن أن نعثر على صدى هذا الإدراك الخفي في بعض استنتاجاته في (فضائح الباطنية)، القائلة بأن التعين للإمامة وموافقة الخلق هو لطف من الله في اختيار المرء لخلافته. إذ أن اختيار الخلق في الظاهر هو اختيار الله في الباطن. ولا ينبغي فهم هذه العبارة على أنها تبرير للسلطة في ممارساتها، أو شكل من أشكال إضفاء قدسية التيوقراطية الشاملة عليها. على العكس! إنه عبّر بصورة خفية، أو بصورة غير مباشرة، بما في ذلك في مواقفه وأحكامه الأيديولوجية المناهضة للتعليمية الباطنية عن سعي عقلاني إجماعي إسلامي. وقد حفظته هذه العقلانية من التهشّم وأنقذته من السقوط في مرارة اليأس، بما في ذلك في أشد مراحل انحلاله الروحي وأزمته النفسية الأخلاقية.

لقد كان ارتباط شخصية الغزالي وتطورها الفكري بعالم السياسة جلياً، شأن أغلب رجال الفكر العظام. وترك ذلك بصماته أيضاً في عباراته عن "شكر النعمة" و«إقامة رسم الخدمة للخلفاء والأمراء وغيرها. وبهذا المعنى، فإنه لم يشكل استثناء. وإذا كان بالإمكان الحديث هنا عن استثناء خاص به فهو ذاك الذي استثار الخلافة (السلطة) في طلبها منه تأليف كتاب في الرد على الباطنية حيث وجد في اختياره من بين العالمين لمهمة الذبّ عن الخلافة المستظهرية، استثناء مثيراً للإعجاب والتقدير. فهو يشير في (فضائح الباطنية)، باعتباره الوجه الدفاعي عن (فضائل المستظهرية) إلى هذا الاختيار والتقدير باعتباره وحدة واحدة. وإذا كان الغزالي عادة ما سيذكر (فضايح الباطنية) (بالمستظهري) فليس لكونه أراد التنصّل كلياً مما اقترفه عقله ولسانه ضد معارضيه، بقدر ما أنه وضع الأمور، كما يقال، في نصابها، أي وحّد ما هو موّحد في عباراته: الذب عن المستظهرية من خلال التشهير بفضائح الباطنية التعليمية. فهو يشير في مقدمة كتابه إلى أنه شخصياً كان يرغب في تأليف كتاب في (علوم الدين)  يرد به "شكر النعمة" للخليفة. وإذا كان طلب الخليفة قد استجاب لما في خلجات نفسه، فإن هذا التناغم قد التأم في نسيج التقاليد الكلامية الفِرَقية. بمعنى أنه تضمن في ذاته كل فضائل ورذائل الثقافة الإسلامية الجدلية. فالاستعداد النفسي لتأليف كتاب في "علم الدين" من أجل حظوة الملوك ضد معارضيها، كان في الواقع النتيجة الحتمية لاحتراق الكلمة الجدلية وضمور الروح الأخلاقي، أي كل ما سيهاجمه لاحقاً بقوة نادراً ما نعثر على مثيل لها في الفكر الإسلامي، وبالأخص ما يتعلق منه بالكشف عما أسماه، متتبعاً أثر أبو طالب المكي، بعبارة "علماء السوء". وقد قصد الغزالي بممارسة هؤلاء العلماء أيضاً تجربته الشخصية، أو على الأقل، أنها تتلألأ بين عباراته وانتقاداته اللاذعة في (إحياء علوم الدين) كرنين حاد لأصواته المقموعة في (المستظهري) وغيره من المؤلفات. ومن الممكن العثور على ذلك بجلاء في تلك العبارات العديدة التي ينتقد بها أولئك الذين يسمون سعيهم للجاه والمال في خدمة السلطان، على أنه دفاع عن الدين. حقيقة إنه لم يبتذل ممارسته هذه إلى الدرجة التي يسقط بها إلى حضيض الاحتراف الأيديولوجي الرخيص. لقد كانت خدمته للسلطان هي بمعنى ما أيضاً نتاجاً لعدم حسمه الفكري والشخصي لعلاقة السياسة بالأخلاق، والأخلاق بالحقيقة (العقلية).

فهو يظهر في (المستظهري) كمدّاح للسلطة. حيث ينظر إلى "الأوامر الشريفة النبوية المستظهرية" الموجهة إليه نظرته إلى خادمها. وبهذا يكون تسطيره في الدفاع عن الخلافة هو استجابة لطلب مدفوع الأجر مادياً ومعنوياً. وذلك لأن الطلب الموجّه إليه يحدد له أيضاً مهماته الفكرية ويحجّم بالتالي حدود انتقاداته للتعليمية الباطنية ضمن ما أسماه الطلب بالكشف "عن بدعهم وضلالهم ومكرهم، وإبراز فضايحهم بما ينص إلى هتك أستارهم وكشف أعوارهم"1 ، أي مهمة تنفيذ متطلبات الأيديولوجية السلطوية في أكثر صيغها تحزّباً ودعائية. إلا أن "الفضائح" الباطنية التي ركز الغزالي اهتمامه عليها لم تطمس عقلانيته النقدية. على العكس! إنها، إن أمكن القول، ساهمت في تعميق منظومة التفكير العقلاني. وفي هذا كمن أحد الأسباب الرئيسية في إثارة اصطدام روحه المعرفي والأخلاقي. وليس من المستغرب هنا افتراض فاعلية هذا الاصطدام الداخلي في أعماقه، إذا أخذنا بنظر الاعتبار واقع ابتداء أزمته الروحية، التي أدت به إلى التصوف بعد أشهر قليلة من تأليف هذا الكتاب.

لقد تضمن (فضائح الباطنية) في أعماقه بذور الوعي العقلاني الأيديولوجي والأخلاقي السياسي المتصادم والمعترك، بفعل عدم خضوعه الكلي للحقيقة، وبفعل خضوعه الجزئي للسلطة. فقد شكل هذا التناقض أحد مصادر قلقه الروحي. بل يمكن القول بأن انتقاده للتعليمية الباطنية قد أسدى له خدمة سموه الروحي. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن  مصير الافراد هو بمعنى ما الحصيلة الواقعية لانكسارات حياتهم الفعلية. غير أن ما هو جوهري في حياة ومصير أهل العلم الكبار هو أن هذه التلقائية الوجودية لا تفرضها عشوائية الاجتماع و"فوضى" قوانينه بما في ذلك في أكثر أشكالها وأنماطها تطورا. وتصبح هذه الحقيقة أكثر اقناعا للصوفي بسبب ربطه فكرة المصير بالأزل. فالأزل بالنسبة له ليس نقطة البداية وذلك لأن الأول بالنسبة له هو الآخر. والعكس هو الصحيح. فالأزل بالنسبة له ليس زمنا ساريا بحد ذاته بل هو مسار الحال (الصوفي). فالحال هو الكينونة الوحيدة التي تكشف في ثناياها تذوق حقائق الوجود. آنذاك يفقد الصراع طابعه المفترس. الأمر الذي حدد موقف الصوفية من السلطة والقوة، باعتبارهما أوهاما وأشباحا عابرة لا معنى ولا قيمة لها بمعايير السمو الأخلاقي والروحي. إن هذا الإدراك العميق المبني على رؤية العالم ووحدته ضمن منظومة أخلاقية متكاملة، لم يكن معزولا عن تجارب المتصوفة، وبالأخص تجارب أولئك الذين تحسسوا ذلك بكامل وجودهم، كما كان الحال بالنسبة للغزالي. فقد أوحت هذه التجربة في تذوقها الصوفي للفكرة التي لم يعلنها الغزالي والتي يمكن رؤيتها في مجمل مبادئ منظومته الأخلاقية عن أن الحقيقة ينبغي أن تزيح جانبا تخويل نفسها مسئولية تطبيقها العملي، دون أن يعني ذك في الوقت نفسه رفع شعار الخمول العملي في عالم المتناقضات.

فقد جذبته "فضائح" الباطنية كضالة كان ينشدها، وبغية كان يقصدها، وكيف لا يتسارع إليها، كما يقول هو عن نفسه في مقدمة كتابه، وهو يرى الامتثال والطاعة موجبة مازال الأمر من زعيم الأمة وخليفة الله؟ وقد أقنع نفسه آنذاك بأن ما يقوم به هو ذبّ عن الدين والحق المبين. وإذا كان الغزالي هو المختار بين العالمين، فالإذعان في حقه، كما يقول عن فعله، هو من فروض الأعيان. لقد حشر نفسه في مزالق الوهم الأيديولوجي، ولكن دون أن يفقده ذلك عقلانيته النقدية.

فالتوجه الأيديولوجي لم يقض على عقلانيته، بينما الأخيرة فسحت على الدوام مجالاً لتلألؤ الأنوار الخفية للأخلاق. إذ يمكن القول بأن الغزالي ظل عقلانياً حتى في تلك اللحظات التي كان يتنازل فيها جزئياً، بفعل متطلبات الصراع الايديولوجي (المذهبي الكلامي)، عن وحدة العناصر العقلانية المتجانسة. وهذا ما يبرز بوضوح في تنوع الاحتمالات التي تتضمنها عباراته ومقولاته المؤدلجة، بما في ذلك من حيث إمكانية استعمالها ضده. فعندما يرد على آراء وتأويلات الباطنية التعليمية وبالأخص ما يتعلق منه بصيغة الحروفية والعددية، فإنه يؤكد على إمكانية استعمال الأرقام الأولية من الواحد إلى العشرة بالطريقة المخالفة لاستنتاجات التعليمية الباطنية. بمعنى أننا إذا رأينا شيئاً واحداً، فإننا نستطيع أن نستدل به على عمر بن الخطاب واثنين على محمد وأبي بكر، وثلاثة على محمد وأبي بكر وعمر. وإذا وجدنا سبعة نستدل بها على سبعة خلفاء من بني أمية مبالغة في إرغامهم، كما يقول الغزالي، وإجلالاً لبني العباس عن المعارضة بهم. ويمكننا القول بأن عدد السموات السبع والنجوم السيارة وأيام الأسبوع تدل على معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك والوليد وعمر بن عبد العزيز وهشام ثم السفياني المنتظر2 . وينطبق هذا بالقدر ذاته على كافة آراءه ومواقفه وانتقاداته ذات المنحى الأيديولوجي.

فمن المعروف الدور الذي لعبه تأويل الحروف والأعداد في تاريخ الفلسفة بشكل عام والباطنيات بشكل خاص. فقد ربطت التيارات الباطنية في تأويلاتها الحروف والأعداد. وأرست على هذا التأويل الكثير من مفاهيمها وأحكامها وتصوراتها بل وفلسفتها النظرية والعملية. ولم تخل مساعيها هنا من افتعال كبير احيانا. اذ تمتلك الأرقام أربعة وسبعة، على سبيل المثال، أهمية عقائدية بفعل تطابق الرقم أربعة مع فكرتها عن (السابق والتالي والناطق والأساس) حيث وجدت فيه التعليمة الباطنية التعبير العاكس لشموله المطلق الذي يلف الكون ومظاهر الطبيعة. فالطبائع أربعة (الماء والهواء والتراب والنار) ويقابله في الإنسان (البلغم والدم والصفراء والسوداء) والأمزجة الأربعة (الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة). كما يتوافق مع الجهات الأربع للعالم (شمال وجنوب وشرق وغرب) وفصوله (ربيع وصيف وخريف وشتاء). أما في مجال تأويل الحروف والعدد فقدموا مثال ذلك على تأويل (لا إله إلا الله) على أنها أربع كلمات تدل على في العالم الروحاني على (السابق والتالي= النفس والطبيعة) و(الناطق والأساس= النبي والإمام) ويقابلها في العالم الجسماني الطبائع الأربع وهي ذاتها أيضا سبع (لا إ له إ لا ا لله) الذي يتوافق مع دورات الائمة السبعة والأفلاك السبعة. ومن الممكن الاستفاضة هنا بأمثلة عديدة تجري كلها ضمن نفس السياق. بمعنى ان ما يتغير فيها هو مجال التطبيق والاستعمال. غير إن ذلك لا ينبغي أو يلزم النظر إلى أن مضمون وحقيقة الفلسفة الإسماعيلية ترجع إلى هذا المستوى والنمط في التفكير والتأسيس. أنها مجرد مظاهر للتمثيل وليس حقيقة ومضمون الفلسفة الباطنية والإسماعيلية بشكل خاص. وقد قدم الغزالي هذه الامثلة واستفاض في نقدها من أجل الكشف عما اسماه بفقدان العقل والغلو المذهبي. (يتبع....) 

 

ميثم الجنابي

......................

1- الغزالي: فضائح الباطنية، ص2.

2- الغزالي: فضائح الباطنية، ص26.

 

ميثم الجنابي"عند الشدائد تذهب الاحقاد" 

إن سوء الفهم السائد تجاه مضمون نقد الغزالي للفلاسفة المسلمين ينبع أساسا من تأثير تقاليد وشحنة الصراع الثقافي العقائدي، التي تولدت في مجرى احتكاك الكلام بالفلسفة، والفلسفة بالكلام. فإذا كانت الفلسفة قد اتخذت في تقاليد الكلام ووعيه الخاص هيئة "العلم الدخيل"، فإن ذلك لم يمنع النظر إليها باعتبارها من "علوم الأوائل". مما فسح المجال أمام قبولها "الثقافي" باعتبارها جزءا من الحكمة. وقد تضمن ذلك في الوقت نفسه إمكانية الصدام والاحتدام بسبب تراكم التقاليد الفكرية للكلام والعقائد بمعايير التجارب الثقافية الخاصة. وهذه بدورها من إبداع الإنسان وأحكامه الوضعية. بينما جرى وعي الإسلام وإدراكه على أنه من "ملكوت الرحمة". وبالتالي إلزامه عالم الإنسان الروحي ومساعيه المادية وأحكامه الفقهية بشكل كان يلوي كل ما في العالم بالطريقة التي ينبغي أن ينسجم فيها مع وحدانية الإسلام. إن هذا الاصطدام الذي مّهد له تاريخ طويل من صراع العناصر الثقافية والعقائدية هو الذي اعطى (لتهافت الفلاسفة) إمكانية تحوله إلى "حجة" الدفاع عن الإسلام في صراعه ضد "الزندقة" الفلسفية. أما في الواقع فإن "حجة" (تهافت الفلاسفة) هي من انتاج العوارض العقائدية وغلوّها التقييمي، الذي عادة ما تثيره شهية التبديع والتكفير. بينما كان مضمون (تهافت الفلاسفة) فلسفيا عقليا وبالأخص ما يتعلق منه بتمارين الجدل وحيوية برهان الخلف، الذي وجد طريقه الخاص إلى خلخلة اليقين الإيماني وفكرة اليقين التقليدية نفسها مع ما لازمها من أثر على أزمته الفكرية والروحية. 

وهذا ما يمكننا العثور عليه أيضاً في غياب الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث والأخبار. وفي حالة استعمالها فإنها لا تتعدى كونها وصفاً بلاغياً لا دليلاً برهانياً ولا حجة كلامية[1]. فهو يستند في انتقاده "السلبي" إلى كل التقاليد الجدلية التي أبدعها تاريخ الكلام وتقاليد النقد الإسلامي من الهجاء والتهكم حتى السفسطة العقلية. ومن الممكن رؤية تأثره بأسلوب الباقلاني. ولهذا يمكن فهم الأسباب القائمة وراء استعماله في (تهافت الفلاسفة) آراء المعتزلة والكرامية والواقفية رغم معارضته ونفيه الكثير من آرائهم[2]، أي إمكانية استعمال مختلف آراء وأحكام واستفسارات واعتراضات المدارس الفكرية واتجاهاتها دون التزامه بها أو القناعة بمضمونها، بل بوصفها الخميرة الجدلية للشك. فهو يسير هنا في نفس تقاليد الجدل الكلامي وأساليبه النقدية. غير أنه يتجنب الوقوع في اوحالها الأيديولوجية. فهو يؤكد على أن مهمته لا تقوم في تصنيف وتصفيف الآراء المناهضة للفلاسفة في الأوساط الفكرية السائدة من متكلمين وفقهاء وغيرهم، ولا حتى في الاستناد إلى مذهب معين من مذاهب الفرق الكلامية، أي أنه يستغلها جميعها انطلاقاً من شعار "عند الشدائد تذهب الأحقاد". ولا ينبغي فهم هذا الشعار بمعزل عن فهمه لوظيفة الكلام. حقيقة إن هذا الفهم الأولي مازال مندمجاً في مساعيه النقدية وذلك لأن فهمه لوظيفة الكلام باعتباره علم الدفاع عن عقيدة العوام هو من نتاج المرحلة الصوفية. إلا أن بذوره الأولى قد تجمعت في مجرى انتقاده للفلسفة. فانتقاده إياها كان يحتوي على إمكانية تثوير الكلام وتقاليده المستتبة من جهة، ووضعها أمام المحك النظري الأصعب للبرهنة على صلاحيته من جهة أخرى. إذ لا يعني استعماله لمختلف آراء الكلام وفرقه مع عدم القناعة الشخصية بها سوى سريان أحد العناصر الجوهرية التي ساهمت في اكتشافه لاحقاً خطأ وخطيئة الجدل الكلامي وضعف حججه. وبالتالي أشارت إلى ما فيه من حوافز "إفحام الخصم" و"مكر النفس" التي سيدينها.

غير أن ما اتخذ في وعي الغزالي الصوفي هيئة المكر والإفحام، اتخذ في المسار التاريخي الفعلي لتطوره الشخصي صيغة الجدل العقائدي العقلي، أي كل ما ساهم في إمكانية تطوره الداخلي وحركة مفاهيمه الفكرية. إذ حتى في تلك المرحلة التي يظهر في منظومته مفهوم وممارسة العوام والخواص، وإدراجه (تهافت الفلاسفة) في صنف علوم العوام، فإن ذلك ينبغي أن يفهم على أساس صيرورة أسلوبه النقدي وخصوصية وعي الذات النقدي الصوفي، لا على أساس حقيقة (تهافت الفلاسفة) في تكونه الفكري والحقائق بحد ذاتها. إذ ليس "العام" هنا سوى الدفاع عن وحدة العقيدة بالصيغة التي لا ينبغي أن تؤدي إلى تعارض ظاهري بينها وبين مقومات الشرع. من هنا، فإن الآراء التي تحاول تصوير مؤلفاته السابقة بما في ذلك (تهافت الفلاسفة) على أنها لا تعكس حقيقة أفكاره أو أفكاره الحقيقية، لا تمتلك أي معنى من وجهة النظر التاريخية والفكرية لتطوره الذاتي. إذ أن ذلك يفترض وجود مرحلة لا وجود حقيقي لها في حياته! والغزالي نفسه سيؤكد في (الإملاء) على أنه لا خاصة بدون عامة. وإذا كانت هذه حقيقة في ميدان العلاقات الاجتماعية، فإنها أكثر صحة ودقة في عالم الفكر. فالأخير هو التجلي "الخالص" لهذه العلاقة. وهو لا يعبّر عن تناقض مستعص على الحل، بقدر ما أنه يعكس مستويات متباينة للحقيقة، كما هو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لانعدام التناقض بين معطيات الحساب البسيط والرياضيات المعقدة. والغزالي في تطوره حتى مرحلة (تهافت الفلاسفة) لم يخفِ آراءه الخاصة. كما لم يتكلم عن آراء لا يمكن البوح بها. بل حتى العبارات التي سيكررها في وقت لاحق في كل من (الإحياء) و(جواهر القرآن) و(الإملاء) و(مشكاة النبوة) وغيرها لا تعني وجود منظومة من الأفكار السرية الخالصة أو التي لا يمكن صياغتها نظرياً، بقدر ما أنه يقصد بها بعض الأفكار أو بصورة أدق بعض الحلول التي أرهقت الوعي العقلاني الإسلامي آنذاك، وبالأخص ما يتعلق منها بالقضايا والمعضلات "الخالدة". فقد كان الغزالي حتى هذه المرحلة أسير حرية الفكر العقلاني وزهو الإعجاب المفرط بالجدل وإمكاناته. فهو يبدو كلاعب الشطرنج في تعامله مع أحجاره بحرية هو أسير لها. والغزالي لم يخرج عن إطار لعبة القدر الفكرية هذه. وبالتالي، فإن (تهافت الفلاسفة) لم يكن طارئاً أو إبداعاً موهوماً أو عارضاً عن حقيقة آرائه، بقدر ما أنه كان درجة في تطورها. لقد وضعه "تهافت" الفلاسفة أمام تهافت علم الكلام وتراثه العقلاني، أي أنه أخذ يدرك المحدودية المعرفية لعلم الكلام. وسواء أشار إلى هذه المحدودية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن مما لاشك فيه هو انعكاسها في أسلوب ومنهج انتقاده السلبي للفلسفة. أما إيجابية هذا الأسلوب، فإنها ظهرت كقوة مغتربة ومتشيئة في الوظيفة الخارجية لعلم الكلام، باعتباره حارس عقيدة العوام وإيمانهم.  مما أعطى لانتقاد الفلسفة في آرائه قيمة الحافز العقلاني الجديد لإعادة النظر في تراثه الفكري.إذ أفرز ذلك أهمية الآراء والمناهج الفلسفية بالنسبة له، مما سيجعله في وقت لاحق يعيد النظر بكل قضايا العقيدة الإيمانية ومعضلات الفكر الاجتماعي والسياسي والأخلاقي على أسس "الإيجابية"، التي لم يكن بالإمكان تصورها خارج إطار تراثه السلبي،  أي حصيلة وظيفية الكلام ومنهجية الفلسفة.

فالفكرة الحيادية الأولى، أو بصورة أدق التقييم الإيجابي الأولي لعلوم الفلاسفة، الذي صاغه للمرة الأولى في (مقاصد الفلاسفة) ظل كما هو، أو على الأقل ظل محتفظاً بصيغته العامة في كافة مؤلفاته وأعماله اللاحقة. إذ نرى ذلك في تأكيده على أهمية وضرورية الرياضيات والمنطق والطبيعيات، إضافة إلى تقيمه الرفيع للكثير من آراء الفلاسفة في الاجتماع والسياسة والأخلاق، أي في كل ما هو جوهري في الفلسفة السائدة آنذاك. ففي (مقاصد الفلاسفة) أشار إلى ضرورة وأهمية المنطق والرياضيات[3]. وفي (تهافت الفلاسفة) ركّز على أهمية الرياضيات والمنطق معتبراً محاولات إنكار ضرورتهما أو التقليل من أهميتهما عمل لا معنى له، بل ومناف لحقيقة الدين (الإسلام). وذلك لأن المنطق هو "النظر في آلة الفكر في المعقولات"[4]. وفي (معيار العلم) حاول أن يجعل من المنطق الأداة الضرورية للفقه من خلال التركيز على فكرة استحالة بلوغ الحقيقة دون المنطق. وذلك لأن العلوم النظرية، كما يقول الغزالي، لا توجد عند الإنسان بالفطرة والغريزة. وبالتالي فإن طرق الوصول إلى الحقيقة غير مأمونة "إذ لا كل ظان الوصول إلى شاكلة الصواب آمن من الانخداع بلامع السراب"[5]. ومن هنا سعيه للبرهنة على أن لا قوة للفكر دون المنطق. فالأخير يتخذ بنظره هيئة ميزان البحث والابتكار ومصقل الذهن وشحذ قوة العقل والنقل. فهو بالنسبة لأدلة العقول كالعروض بالنسبة للشعر والنحو بالإضافة إلى الإعراب[6]. أما في (الإحياء) فإنه يورد ذكر الفلاسفة ثلاث مرات، اثنتان بصورة عابرة ومرة بعبارات محددة حال كلامه عن علوم الفلسفة كالهندسة والحساب باعتبارهما من العلوم المباحة والضرورية. وكذلك الحال بالنسبة للمنطق، أي البحث عن وجه الدليل وشروطه، والذي أدخله إلى جانب الإلهيات في علم الكلام، أو البحث عن ذات الله وصفاته. فالفلسفة كما يؤكد الغزالي لم تختلف عن علم الكلام بصدد الإلهيات، بمعنى أنه ليس لها علم خاص أو نمط خاص بالإلهيات، بقدر ما أنها انفردت" بمذاهب عديدة بعضها كفر وبعضها بدعة".

فقد تكلم الغزالي عن تشابه الفلسفة والكلام في قضايا الإلهيات للمرة الاولى في (الإحياء). ومع ذلك يمكن العثور على أجنة هذه الفكرة في (معيار العلم في فن المنطق). إلا أن صياغتها في (الإحياء) تعكس تبلورها الدقيق والعميق من خلال مرورها بتجربته الصوفية وتوليفها الفكري الجديد. وسوف يكرر هذه الفكرة بصيغ عديدة في مؤلفاته الأخرى بما في ذلك في (المستصفى من علم الأصول)، باعتباره آخر كتبه وأكبرها حجما وقيمة. إلا أن تقييمه المتعلق بتشابه علم الكلام والفلسفة في الإلهيات كان نتاجا لنقده الكلامي للفلسفة والفلاسفة بصدد قضايا الإلهيات نفسها. بمعنى توصله إلى قناعة خلوهما من المنطق في الإلهيات. لهذا شدد على انه ليس هناك علم خاص بالإلهيات في الفلسفة، بقدر ما انها مذاهب عديدة موزعة بين الكفر والبدعة. وعند هذا الحد يفترق الكلام والفلسفة بفعل الخصائص الجوهرية المميزة لكل منهما. فإذا كان انتقاد الفلسفة قد أوصله أيضا إلى إدراك الوظيفة الأيديولوجية للكلام، فإن انعكاس ذلك في موقفه من الفلسفة قد جرى من خلال إبراز تباين مذاهب الفلسفة في الإلهيات. أما التشديد على هذا الجانب فيعكس إدراكه المبكر لخلوها من وظيفة الدفاع عن عقيدة العوام. بمعنى أن في علومها الأخرى امكانية كشف الحقائق كما هي. وهو أمر جلي في موقفه وتقييمه للطبيعيات. فبعضها، كما يقول الغزالي، مخالف للشرع والدين الحق، والبعض الآخر ما يبحث في صفات الأجسام وخواصها واستحالتها وتغيرها مما لا يتعارض مع الدين الحق[7].

ولم يقصد الغزالي بمخالفة بعض الطبيعيات للدين والشرع على أن هناك خلاف لازم بينهما. فهو لم يقصد بالطبيعيات هنا سوى ما يتطابق في مضمونه مع الجهل، أي كل ما له صلة بترهل المعرفة وشططها كما هو الحال بالنسبة لعلم الفلك وتدخله بقضايا القضاء والقدر، والكيمياء بالسحر والشعوذة أي كل ما يتعامل بهذا القدر أو ذاك مع "طلاسم" الحياة وشعوذتها "الثقافية". وبهذا المعنى كانت آراء الغزالي أكثر تجانسا في علميتها. فهو من بين المفكرين المسلمين الكبار، الذين اعتبروا محاربة العلم "أفضل الوسائل لمحاربة الدين". ووضع لهذه الفكرة أساسها الفلسفي القائل، بأن معطيات العلوم الطبيعية مستقلة عن قضايا العقائد، وأن فائدتها تقوم أولا وقبل كل شيء في خدمة الإنسان وأغراضه الحياتية.  

 ولا يتنافى ما في (المنقذ من الضلال) مع آراءه ومواقفه وأحكامه السابقة باستثناء طابعها التقييمي العام، الذي يعبّر في الكثير من حوافزه ومظاهره عن إدراكه الجديد لتجربته السابقة. فالغزالي الذي قيّم المنطق عالياً حاول أن يكشف في الوقت نفسه عن عدم تجانس الفلاسفة في استعماله، أي أن انتقاده للفلاسفة لم يكن موجهاً ضد حقائق الفكر الفلسفي، بقدر ما أنه تطرق إلى ما دعاه بتهافتهم، أي عدم تمسكهم المتجانس بما وضعوه في بادئ الأمر كمقدمات أولية. فالآراء الفلسفية من حيث جوهرها مبنية، كما يقول الغزالي، على "الظن والتخمين من غير تحقيق ويقين"[8]. فالإدعاء الذي يقدمه الفلاسفة عن استنادهم إلى المنطق والرياضيات غير صحيح. وإلا فبأي شكل يمكن تفسير اختلافاتهم في الآراء والأحكام والنتائج، كما لم يختلفوا في الأمور الحسابية[9]. ومن هذا المنطلق حاول تطبيق اعتراضاته الجدلية على آراء الفلاسفة بصدد القضايا العقائدية الكبرى.

فقد نظر إلى تباين آراء الفلاسفة وكثرة خلافاتهم على أنه المثال الملموس لغياب التمسك الصارم بالمنطق. وبما أنه كان يدرك الصعوبات العقلية في العلوم النظرية فإنه حاول أن يكشف في الوقت نفسه عن ضعف قابلية المنطق الشكلي في وضع حلول مقنعة لقضايا الوجود والمعرفة والاجتماع والسياسة والفقه والأخلاق. وقد جعله ذلك يتطرف في بعض أحكامه إلى الدرجة التي اعتبر فيها الآراء الفلسفية وصياغاتها النظرية مجرد "استدراج في الحيل". ولهذا السبب اعتبر ادعاء الفلاسفة عن ضرورة الرياضيات والمنطق للفلسفة على أنه مجرد خداع. فالفلسفة بحاجة إلى الرياضيات احتياج الطب أو النحو لها، أو كاحتياج الحساب للطب. فالإدعاء الفلسفي حول الحاجة الماسة للفلسفة بالعلوم  المذكورة  هو كمن يدّعي بأنه لا يمكن معرفة "كون هذه البصلة حادثة ما لم يعرف عدد طبقاتها، ولا يعرف كون هذه الرمانة حادثة ما لم يعرف عدد حباتها"[10].

فهو لم يسعَ هنا فقط لانتزاع احتكار الفلسفة والفلاسفة للمعارف باعتبارها "أم العلوم"، بل وإثبات تهافتها المنطقي من خلال الكشف عن عدم تمسكها المتجانس بمتطلبات المنطق وقواعده. لهذا انتقد بشدة استعمالات الفلاسفة المنطقية، التي حاولوا من خلالها بناء صروحهم المعرفية والوجودية. بينما لم يجد في هذه البنى سوى فرضيات هي أقرب إلى الخيال والوهم من الحقائق، أي معارضتها للوقائع والحقائق كما هي.

والغزالي محق ومصيب عند الحدود التي حاول أن يكشف فيها عن محدودية المعرفة العقلية. بمعنى إدراكه بأن الأحكام العقلية تظل حتى في أقصى حالاتها ودرجاتها المتجانسة أسيرة منطقها الخاص. وبالتالي، فإن استنتاجاتها النهائية تبقى مجرد فرضيات تضفي تصوراتها الخاصة على الواقع. لكن ذلك لا يعني أن الغزالي قد وضع فكرة "الشيء بذاته"، رغم وجود بعض عناصرها في جدله "السلبي" واستنتاجاته عن محدودية المنطق العقلي الفلسفي وعجزه عن تقديم ما يمكنه تجاوز افتراضاته "الوهمية" عن الوجود وغاياته. وسوف تظهر هذه العناصر في وقت لاحق ولكن في اطارها "الإيجابي" ضمن نظريته الأخلاقية. الأمر الذي يكشف بدوره عن أهمية التمادي المتطرف والنقد العقلي للفلسفة في استثارة المساعي الأخلاقية، بوصفه أيضا أسلوب نفي القواعد الشكلية الميتة للمنطق وأحكامه. 

ففي معرض انتقاده ورده على فكرة الفلاسفة عن أبدية العالم والزمان والمكان وبالأخص الفكرة المنسوبة لجالينوس حول أنه لو كانت الشمس مثلاً تقبل الانعدام لظهر منها ذبول في مدة مديدة. وبما أن الارصاد يبرهن على أن مقدارها ظل منذ آلاف السنين كما هو، فإن ذلك يدل على عدم فسادها. بينما حاول الغزالي أن يبرهن استناداً إلى شروط المنطق الشكلي ذاته، عدم دقة  هذا الاستنتاج. فالقضية "الشرطية المتصلة"، أي إن كانت الشمس تفسد فلابد أن يلحقها الذبول، حسب رأي جالينوس، لا تتضمن بنظره برهاناً سليماً، لأنها ذات مقدمة خاطئة. وبالتالي فإن نتيجتها غير لازمة. والقضية (الجملة) يمكن أن تكون أفضل في حالة صياغتها بإضافة شرط آخر وهو "إن كانت تفسد فساداً ذبولياً، فلابد أن تذبل في طول المدة"، أو بصياغة أخرى مثل "لا فساد إلا بطريقة الذبول"، حتى يلزم التالي للمقدم (النتيجة للشرط). وهذا ما لم يوافق عليه الغزالي أيضاً. فالذبول بالنسبة له مجرد أحد وجوه الفساد، وبالتالي فإنه "لا يبعد أن يفسد الشيء وهو على حال كماله"[11]. فهو يصوغ هنا فكرة عميقة تتعدى حدود المنطق الشكلي. ولا يقف عند هذا الحد في جداله الفكري بل ويتقصى مختلف جوانب الظاهرة ومستوياتها، ليس فقط من ناحية المنطق، بل ومن الناحية الواقعية والحسية أيضاً.

 فالإستنتاج القائل بعدم ذبول الشمس وفسادها المبني على معطيات "الحس الساذج" لا يمكن بنظره أن يخدم كبرهان بحد ذاته. فكون الذبول لا يتبين للحس لا يعني انعدامه. إذ لعل الشمس "في الذبول وإلى الآن"[12]. فالحس بنظره "لا يقدر على أن يدرك ذلك لأن تقديره في علم الناظر لا يعرف إلا بالتقريب"[13]. وبالتالي فإن المعرفة الحسية هي معرفة تقريبية قد لا تتطابق مع حقيقة الشيء. وهو يشير إلى أن من الصعب على سبيل المثال رؤية نقصان الذهب أو الياقوتة في غضون مئة سنة ولكنه يحدث. وهذا بدوره يجعله أكثر تدقيقاً في تحديد ضعف الأحكام المنطقية السابقة. بحيث يستنتج بأن من الممكن أن تكون "نسبة ما نقص من الشمس في مدة تاريخ الارصاد كنسبة ما ينقص من الياقوتة في مئة سنة، وذلك لا يظهر للحس"[14].

إن محاولة الغزالي الكشف عن ضعف تجانس الآراء والمواقف والأحكام الفلسفية لم تحشر انتقاداته السلبية في عالم السفسطة، بفعل تلك الحوافز الأولية القائمة وراء حياكة نسيج المنهجية المبنية على معارضة الإشكالات بالإشكالات، أي حوافز الدفاع عن عقائد الإيمان. فانتقاداته لآراء الفلاسفة بصدد القضايا العقائدية الكبرى وبالأخص قضايا حدوث العالم وصفات الصانع (الله) وحشر الأجساد، لم تكن تسعى في محتواها وغاياتها سوى للدفاع عما سيدعوه لاحقاً بعقيدة العوام.

فهو يقف موقف الوسط الذي لا يندفع صوب قناعة الفلاسفة "الظنية" رغم عقلانيتها الظاهرة، ولا صوب القناعة العقائدية (الإيمانية) الساذجة للعوام. فهو لا يهاجم "ما لا يعدم مذهب الفلاسفة فيه أصلاً من أصول الدين". أما الأحكام الدقيقة المتعلقة باكتشافات العلوم فلا تثلب الدين. على العكس! إنها تؤكد صحته! فالأحكام العلمية بصدد الخسوف والكسوف وغيرها بنظره، لا يمكن أن تخص شيئاً من شئون العقيدة. لهذا وجد في مناظرات علماء الدين في محاربة العلم جريمة على الدين وإضعافه[15]. ولهذا السبب أيضاً وقف موقف المعارض الشديد للمحاولات الدينية الساعية لإبطال الحقائق العلمية ومعطياتها الدقيقة (في الحساب والهندسة والطب والفلك وغيرها)، أو محاولة تأويل الآيات والأحاديث بالصيغة التي تفند فيها استنتاجات العلوم الدقيقة والتي "يفرح بها الملاحدة" حسب تعبيره. إذ يسهل عليهم "طريق إبطال الشرع"[16].

لقد أراد من وراء انتقاده لآراء الفلاسفة بصدد مختلف القضايا البرهنة على أن منطقهم لابد وأن يؤدي، في الإلهيات خصوصاً، إلى أخطاء لا تحصى[17]. فالتصورات والأحكام الفلسفية المبنية على الحس لا يمكنها بنظره احتواء حقيقة المطلق. إذ لولا نقصان الآدمي، كما يكتب الغزالي "لما احتاج إلى حواس تحرسه عما يتعرض للتضرر به"[18]. أما المعرفة العقلية فإنها تقف حائرة أمام الله. وليس ذلك بمدهش بحد ذاته من وجهة نظر العقل، كما يقول الغزالي، بل الإعجاب في الأدلة على نفيه. فالعجب "إنما من إعجابهم بأنفسهم وبأدلتهم ومن اعتقادهم أنهم عرفوا هذه الأمور معرفة يقينية مع ما فيها من الخبط والخبال"[19]. فالقضية العقائدية الجوهرية المتعلقة بقدم العالم أو حدوثه شكلت بالنسبة له مقدمة الجدل الإشكالي الواسع، الذي حاول من خلاله إظهار ضعف الأدلة الفلسفية. فهو ينطلق من أنه لا أساس مطلق عند الفلاسفة في رفض الاعتقاد القائل بابتداء العالم من حيث ابتدأ، وأن الوجود قبل ذلك لم يكن مراداً، وأنه في الوقت الذي حدث فيه كان مراداً بفعل الإرادة القديمة (الإلهية). وذلك لأن رفض الفلاسفة إمكانية حدوث العالم بفعل إرادة إلهية قديمة يمكن رده على أساس كثرة القائلين بحدوث العالم، رغم أنه يدرك سذاجة هذا الحكم، انطلاقاً من أن كثرة الأغبياء لا تعني صحة غباواتهم. إلا أن هذا الحكم ينطبق بالقدر ذاته على أصحاب الفكرة المعاكسة. لهذا حاول البحث عن الدليل العقلي الجدلي لمهاجمة فكرة قدم العالم انطلاقاً من أن نفي الفلاسفة حدوث العالم هو مجرد أحكام مبنية على أساس المقارنة النفسية الإنسانية، أي أنهم يماثلون الإرادة الإنسانية بالإرادة الإلهية. فهم يماثلون أو يستبعدون ما هو مشابه لإرادتنا أو ما هو مخالف لها. بينما الاستبعاد لا يمكنه أن يشكل بحد ذاته برهانا. ولا يمكن أن نقارن الإرادة الإلهية بالإرادة الإنسانية. إضافة لذلك، إن قدم العالم بالنسبة للغزالي محال أيضاً، لأنه يفترض ويؤدي إلى إثبات دورات للفلك لا نهاية لأعدادها ولا حصر لآحادها مع أن لها سدساً وربعاً… فهو يحاول استناداً إلى فكرة محدودية حركة الكواكب أن ينظر إلى الحركة ذاتها بوصفها دورة لا غير. ففلك الشمس يدور في سنة واحدة وفلك زحل في ثلاثين سنة والمشتري في اثنتي عشرة سنة. وبالتالي فإن افتراض حركة لانهائية يعني منافاتها للواقع. فاستبعاد حادث عن قديم هو مجرد افتراض ليس له مقوماته العقلية والوجودية. فالاعتراف بحدوث العالم يفرضه "منطق" النظر إلى الحوادث وارتباطاتها. فاستناد الحوادث إلى غير نهاية بنظر الغزالي محال. وهي لابد بالتالي من أن تنتهي في تسلسلها إلى طرف، فيكون هذا الطرف هو القديم[20]. وكل الاعتراضات التي يمكن صياغتها هنا تبقى في محتواها بنظره مجرد تأويلات عقلية ممكنة لا تغير من جوهر الأمر شيئاً. بمعنى أن السؤال الأساسي يظل قائماً وهو إما أن تكون الأشياء قديمة وإما حادثة. وأن "الحركة الدورية الأبدية" التي يقول بها الفلاسفة التي تخلق في مجرى حركتها الحوادث لا تزيل أو تنفي السؤال نفسه، وهو ما إذا كانت هذه الحركة الدورية حادثة أم قديمة؟ فالحركة الدورية بنظره لا يمكنها أن تكون مبدأ الحوادث، وذلك لأن جميع الحوادث بنظره "مخترعة لله أبدا"[21]. فالقديم الحق هو الله وما عداه حادث، أي أن الله مقدم على العالم والزمان، و"أنه كان ولا عالم، ثم كان ومعه عالم"[22]. فالقدم هو انفراده بالوجود. ولا يعني "كان ولا عالَم" سوى وجود ذات الله وعدم ذات العالم فقط. في حين أنه "كان ومعه عالَم" ولا يعني سوى وجود الذاتين فقط. فوجود العالم من حيث وجد وعلى الوصف الذي وجد وفي المكان الذي وجد محدث بالإرادة الإلهية. وليست الإرادة هنا سوى صفة من شأنها تمييز الشيء عن مثله. وبهذا المعنى فإن وجود العالم على ما هو عليه يقع خارج إطار فكرة الإمكان الفلسفية. بمعنى أنه واجب لا ممكن. وبهذا يكون الواجب مستغنياً عن علة[23]. إذ لم يكن وجود العالم "قبل وجوده ممكناً، بل وافق الوجود الإمكان من غير زيادة ولا نقصان" وإن ذلك لا يعني الانتقال من العجز إلى القدرة بالنسبة لله، لأن الوجود لم يكن ممكناً، ولهذا لم يكن مقدوراً. ثم إن امتناع حصول ما ليس بممكن لا يدل على العجز. أما الإجابة عن الكيفية التي تحول بها الامتناع إلى ممكن فإن الغزالي يجيب عليه بإشكالية مقابلة وهي "ولِمَ يستحيل أن يكون ممتنعاً في حال ممكناً في حال آخر؟ وذلك لأن تقدير الإمكانيات التي يطرحها الفلاسفة، لا معنى لها. وذلك لأن الله قديم قادر لا يمتنع عليه الفعل أبداً إن أراده. وليس في هذا القدر ما يوجب إثبات زمان ممتد، إلا أن يضيف الوهم بتلبسه إليه شيئاً آخر"[24].

إن محاولة الغزالي كشف لا يقينية الأحكام الفلسفية بصدد قضايا "الميتافيزيقيا الإلهية" تعكس دون شك مأثرته الكبرى أيضاً رغم توظيفها الأيديولوجي. فقد ساهم في انتزاع القضايا العقائدية المتعلقة بالله وصفاته وقضايا ما بعد الموت من صومعة الأحكام العقلية، باعتبارها قضايا لا يمكن الحكم عليها منطقياً بفعل خروجها عن العقل والمنطق، أي كل ما سيدخله لاحقاً في "طور ما وراء العقل". إلا أن هذه الفكرة  امتصت في صيرورة عناصرها الأولى كل اندفاع النفس الإشكالي المميز لكتاب (تهافت الفلاسفة). إضافة لذلك لم تتأطر هذه الفكرة في منظومة متجانسة لرؤية ماهية العقل وإمكاناته في الحكم على قضايا "الميتافيزيقيا الإلهية". إلا أنها تبلورت في مجرى انتقاده للفلسفة. فالحلول الجازمة للفكر الفلسفي قد استثارت أولاً وقبل كل شيء إشكالية السر القائم وراء القناعة الجازمة، مما أفرز بدوره مشاعر العقلانية في لباسها اللاعقلاني. وليس من الصعب رؤية أثر الكلام وتقاليد العقل والنقل في هذا المضمار. غير أن ذلك يفسر حوافز استمرارية الجدل لا مضمونه. حقيقة إن ذلك لا يعني بأن ما اعترض به على الفلاسفة هنا هو من ابتكاره الخاص. إلا أن تنظيمه للجدل ومنطقة الحجج بروح الإشكالية الفلسفية قد أدى في نهايته إلى نتائج مزدوجة في كل من مساره الفكري العقلي والروحي الأخلاقي.

إذ لا يعني خروج القضايا العقدية الكبرى عن العقل والمنطق لاعقلانيتها، أو عجز العقل عن أن يدلي بآرائه فيها، بما يمكنه أن يشكل الصيغة المناسبة لما أبدعته تقاليد الإسلام عن وحدة المعقول والمنقول. وإن هذه التقاليد يمكنها أن تقتنع بحد "الكفاية" أو ترفعه إلى مصاف "فرض العين"، بينما تبقى كل الإشكاليات "المتهرمنة" في وحدة المعقول والمنقول مثار الجدل غير المتناهي أمام العقل الباحث والشكاك. وعندما تناول آراء الفلاسفة، فإنه كان يدرك دون شك أصولها "الثقافية" غير الإسلامية. ولهذا تعامل معها في الإطار الذي فرضته عليه خلفيته الذهنية والثقافية.  ومكوناتها العقلية والنقلية. لهذا، كان لابد للجدل الإشكالي أن يتخذ تلك الصيغة التي لا يمكن معها الاقتناع بقيم ما جازمة دون أن يضعها أمام فرضيات أخرى مقابلة. غير أن ما أثار الغزالي في (تهافت الفلاسفة) ليس مكونات العقل المجرد وبراهينه، بل نموذج تجليه الفلسفي ومن زاوية الدفاع عن أصول الدين (الإسلامي). لهذا أكد في معرض انتقاده للفلاسفة على أن العقل لا يحيل أفكاراً يحيلها الفلاسفة مثل نهاية المستقبل[25]. وأن استحالة وجود الله أو القول بالمبدأ الأول وأنه عالم مريد قادر يفعل ما يشاء وأمثالها لا تعرف بالضرورة بالعقل ولا نظره[26]. أو ما يقابلها من أفكار الفلاسفة مثل كون السماء شبيهة بالحيوان، بمعنى أنها مما لا ينكر إمكانه ولا يدعي استحالته. غير أن الفلاسفة بنظر الغزالي تعجز عن "معرفة ذلك بدليل العقل"[27]. وهو لم يسعَ من وراء ذلك إلى التقليل أو الانتقاص من شأن العقل، بقدر ما أنه انتقد صيغته التأملية السائدة آنذاك، أو ما دعاه باستنتاجات "التحكم المحض الذي لا مستند له"[28].

إن الصراع الفكري مع الفلاسفة ساهم في بلورة كل تلك العناصر العقلية والشكوك، التي ستشق لنفسها الطريق في أزمته اللاحقة ووعي خروجه منها. فهو لم يرفض ولم يؤيد أسلوب "التحكم المحض" أو الأحكام العقلية بالطريقة التي بلورتها التقاليد الكلامية والفلسفية. فإذا كان علم الكلام قد وقف عند حدود التقليد واجترار حقائقه وأوهامه فإن الفلسفة كانت تفسح المجال الدائم أمام تثليم الإيمان دون أن تعطي بديل اليقين والأمان. والغزالي محق بالقدر الذي مثل فيه نزعة الانتقاد العقلية في بحثها عن الصيغة الأكثر تجانساً في الدليل والبرهان، أي أنه كشف عن عدم تجانس النظريات الفلسفية بغض النظر عن مبادئها الاولية وغاياتها النهائية. وبهذا المعنى فإن انتقاده لها قد جرّد الطريق أمام إمكانية إبداع منظومة أكثر تجانساً في أفكارها وأسسها المكونة حول قضايا العقائد الكبرى والوجود والأخلاق، بحيث تربط في كل واحد ما لم يكن بإمكان الفلاسفة والمتكلمين فعله آنذاك. إلا أن هذا الفعل لم يكن إرادياً أو غائياً، بقدر ما أنه كان النتيجة الملازمة لتجربته الفكرية، بما في ذلك في طبيعة وآثار تعامله مع الفلسفة.

فقد كلفه انتقاد الفلسفة والفلاسفة ثمن الشكوك العقلية التي جعلته يعاني في وقت لاحق من إرهاصات "السفسطة" الحياتية. لكنه صنع في الوقت نفسه مقدمات أسلوب نقد الذات "الفلسفي" (النظري والعملي). فالموقف من الفلسفة وانتقاد قواعدها ومنطلقاتها، أسسها وبراهينها، بداياتها وغاياتها، تضمن في ذاته إرهاصات الرفض الأشد لعلم الكلام نفسه. اما ظهور هذه المعالم في وقت لاحق، فانه يؤكد فرضية صيرورتها المقلقة الأولى وليس نهايتها المحتومة. فعندما أعاد الغزالي النظر بتجربته الفكرية، فإن الفلسفة اتخذت عنده هيئة أخرى تستند في مكوناتها إلى إشكالية (تهافت الفلاسفة) وروحية (الإحياء)، أي كل ما يكشف عن القوة الفاعلة لتقاليد الفكر الفلسفي وأثره على بلورة تهافت العقائدية المرنة بين إشكاليات الشك واليقين ومن ثم انتقاله إلى عالم التصوف.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص148، 178، 289، 290، 307.

[2] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص129-130.

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص3-4.

[4] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص87.

[5] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص26.

[6] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص17.

[7] الغزالي: احياء علوم الدين، ج1، ص22.

[8] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص76.

[9] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص77.

[10] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص84-85.

[11] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص126.

[12] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص126-127.

[13] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص127.

[14] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص127.

[15] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص81.

[16] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص81.

[17] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص202.

[18] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص202.

[19] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص205.

[20] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص107.

[21] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص109.

[22] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص110.

[23] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص117.

[24] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص117.

[25] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص124.

[26] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص152.

[27] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص218.

[28] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص221.

 

 

ميثم الجنابي"على الإنسان أن يبني كلامه على ما يعلم لا على ما يجهل"

(الغزالي) 

لم يكن بإمكان الغزالي شأنه شأن كل شخصية فكرية كبرى أن يعي كل حيثيات تجربته الفردية بصفتها تجربة تاريخية متشعبة الوشائج والصلات. وإذا كان بالإمكان إدراك بعض جوانبها ووحدتها بمعأيير الرؤية الواقعية أو الأخلاقية، فإن كل ما فيها يضمحل في مجرى وعي الذات. فالتجربة الفردية عادة ما تتلاشى في مجرى اعادة تقييم التطور الذاتي بحيث يصبح نسيان "الانكسارات" العميقة فيها الحافز غير المرئي للارتقاء والنمو.  وفيما لو كان بالامكان تصوير تطور الوعي الفردي على اشعة روتنجن لظهرت لنا صورة "مشوهة" في انكساراتها بحيث لا يطيق التمتع بها سوى مفكر جرئ أو فنان مرهف الذوق.

فما يقدمه لنا الغزالي في (المنقذ) هو الصورة المنطقية، الصارمة، المستقيمة لتطور سيرته المعرفية دون أن يغفل في الوقت نفسه رسم تعرجاتها وخفأياها الداخلية. فهو يعكس لنا في الاطار العام اتجاه البحث عن الحقيقة ودورها في تطوره الروحي، أي انه عبّر عما هو جوهري في مساره الفكري والأخلاقي. لقد صوّر تطوره الذاتي على انه عملية معقدة لم ترتبط بظاهرة عابرة أو ثانوية، كما هو مميز لمحاولات تفسير انتقالاته الفكرية وتحوله إلى عالم الصوفية عند الكثيرين من دارسيه وناقديه.

وفيما لو حاولنا تعميم التفاسير التي تناولت انتقاله إلى التصوف، أي تطوره الفكري ككل وخصوصية منظومته النظرية فمن الممكن حصر نماذجها المشهورة في الاطار العام فيما يلي: هناك من اشار إلى واقع انتقاله إلى التصوف دون ان يقدم تفسيراً له، بمعنى انهم تتبعوا مراحل تطوره كما وصفها في (المنقذ من الضلال)[1]. بينما وجد آخرون في انتقاله إلى التصوف نتيجة لتأثير موعظة أخيه الصوفي[2]. في حين بحث آخرون عن سّر ذلك في التربية الصوفية للغزالي في طفولته والتي ستظهر ثمارها في أواخر حياته[3].  بينما وجد آخرون سبب ذلك في "مرضه النفسي" الذي دعاه البعض بمرض الكنظ الذي يميز ذوي الاتجاه الديني المتطرف[4]. في حين وجد القسم الآخر سبب ذلك فيما اسماه بالجبن السياسي خوفا من إرهاب الباطنية الذين اغتالوا رجال الدولة والفكر المناهضين لهم[5]. بينما جمع آخرون بين هذه الاسباب الثلاثة الاخيرة (التربوي والنفسي والسياسي) وراء انتقاله إلى التصوف[6].  في حين حاول البعض الآخر  البحث عن سبب ذلك في تعطش الغزالي لتلبية متطلباته الروحية[7]. بينما وجد قسم آخر سبب ذلك في سعيه المعرفي للبحث عن ملكة أخرى غير العقل وهي كل من الذوق والكشف الصوفيين[8]،  أو للتوفيق بين الدين والعقائد[9].  في حين لم ير البعض في انتقاله للتصوف سوى "تحول من المنهج العقلي إلى المنهج النفسي التجريبي"[10].  بينما وجد البعض الآخر في انتقاله للتصوف تعبيرا شاملا في الرد على ما يمكن دعوته بمتطلبات روح العصر وذلك لأن زمن الغزالي كان تواقا لريّ ظمأ الاطمئنان والسكينة[11].

وبغض النظر عما في هذه التفسيرات من أسس وجوانب جزئية من تطور الغزالي الروحي وإبداعه الفكري إلا أنها تشترك في طابعها الاحادي الجانب في النظر الى مقدمات وأسباب ونتائج انتقاله إلى التصوف. بمعنى أنها تبرز أو تضخم هذا الجانب أو ذاك دون البحث عن وحدة هذه الاسباب (باستثناء فرضية المرض النفسي) وانعكاسها في سيرته. ولعل الضعف المميز لها يقوم في اهمالها الديناميكية الداخلية للفكر الغزالي في تطوره بوصفه سعيا نحو الحقيقة، والذي ارتبط  بمجمل مكونات ومصادر الثقافة المعاصرة له. وعبّر بهذا المعنى، شأن كل تآلف فكري كبير عن أزمة حضارية كبرى ومحاولة حلها في الوقت نفسه.

فالنموذج الذي اشار إلى ظاهرة الانتقال دون تفسيرها لم يقدم اكثر مما اشار له هو في (المنقذ). بينما لا تفسر فرضية تأثره بموعظة اخيه طبيعة الانتقال ومحتواه ولا تكشف عن الخلفية الفكرية الروحية التي يصبح من الممكن معها توقع الفاعلية السحرية لكلمات تقلب مسار المفكر وانتقاله من عالم إلى آخر. اما تأثير تربية الطفولة فذلك مما لا يمكن نكرانه بحق أي مفكر. إلا انها لا تستطيع تفسير آلية انتقاله ولا نموذج بحثه عن الحقيقة ولا تطور عناصر منظومته الفكرية. اضافة لذلك انها تسبغ صفة الجبرية على تطور الشخصية الفكرية وتتعامل مع الذات الإنسانية تعاملها مع حبات القمح. وإذا كان من الممكن التعامل بصورة جدية مع مختلف التفسيرات فإن فرضية المرض العضال تبدو من بين اكثرها ضعفا وابتذالا. والقضية ليست فقط في الفهم الخاطئ لبعض عبارات (المنقذ) بل ولسذاجة التأويل "الطبي" للعبارات التي لم يقصد بها في (المنقذ) سوى التعبير عن حالته وأزمته الفكرية الأخلاقية لا النفسية الفسلجية. اضافة إلى ذلك أن مرضاً عضالاً كهذا لا يمكنه إبداع منظومة فكرية متجانسة، كما لا يمكنه ان يخدم كأساس منطقي وعلمي لتحليل ظاهرة التطور الفكري الروحي. فتطور الغزالي حسب هذه الفرضية يبدو كما لو انه سلسلة أو نتاج لأمراض نفسية مما يجعل من هذا التفسير جزء من ولع الدراسات السيكولوجية لا البحث التاريخي الفلسفي. اما محاولة تفسير ظاهرة انتقاله إلى التصوف استنادا إلى خوفه أو جبنه من ارهاب الباطنية فإنها تعاني من نواقص جدية وتجابه باعتراضات وجيهة من الصعب تذليلها. فالتأثير السياسي من العوامل التي لا يمكن اغفالها أو انكارها في بلورة الشخصية الفكرية وتبدل توجهاتها وأسلوب برهنتها ومواقفها من مختلف القضايا. إلا ان بين تأثير السياسة والجبن السياسي فرق كبير. فالجبن السياسي هو جزء من عناصر انحلال وسقوط الشخصية. ومن الصعب النظر إلى انتقال الغزالي للتصوف على انه انحطاط في الفكر والممارسة. ومن غير الممكن العثور على علاقة عضوية فعلية بين الجبن السياسي والإبداع الفكري الحي. فالجبن السياسي لا يبدع منظومة تآلفية كبرى. وهو في أفضل الأحوال لا يمكنه تجاوز قدرة تلفيق عناصر التبريرية السطحية. ثم ان الجبن السياسي لا يبدع حقائق لأن آليته لا تتضمن حوافز البحث عن الحقيقة.

إن ضعف الأحكام المبنية على ما يسمى بجبنه السياسي باعتباره السبب الفاعل والمؤثر في انتقاله إلى التصوف يقوم في افتقادها للرؤية الموضوعية والتاريخية. فمن الناحية التاريخية (الزمنية) كان مقتل نظام الملك عام 485 للهجرة، أي في الوقت الذي كان الغزالي منهمكا في التدريس في نظامية بغداد. ولم يمنعه ذلك من تأليف كتبه المناهضة للإسماعيلية، وبالاخص كتابه الشهير (فضائح الباطنية). اضافة لذلك ان مهاجمته إياهم ظلت مستمرة حتى في مجرى وما بعد انتقاله للتصوف. كما تجدر الاشارة هنا إلى أن ما بين انتقال الغزالي إلى التصوف ومقتل نظام الملك بضع سنوات، بينما الجبن السياسي، بوصفه "قوة فاعلة"، لا يحتمل هذه الفترة لكي يؤتي ثماره! وإذا كان بالإمكان الحديث عن تهديد من جانب الإسماعيلية للغزالي فقد جرى ذلك من خلال "تهديد" مواقفه وذهنيته الأيديولوجية، الذي لعب أحد الأدوار المهمة في مساره الفكري والروحي والأخلاقي والمعرفي.

 أما التفسيرات التي ربطت انتقاله إلى التصوف بفعل خوضه ارهاصات عالم المعرفة فهو تأكيد سليم الا ان محدوديته تقوم في انه لا يفسر الكيفية التي جرى بها تطور الغزالي في عالم المعرفة، ولا الكيفية التي أدت إلى انتقاله من مملكة العقل إلى مملكة الذوق والمكاشفة، ولا حقيقة العلاقة بين العقل والكشف ولا مضمونها، ولا كيفية انعكاسها وتأثيرها في آرائه اللاحقة، ولا كيفية تأثير الصوفية في تطوره الفكري. فتحقيق الذات و"البحث عن متطلباته الذهنية والروحية" تبقى في مواقف من تطرق اليها خارج اطار ثقافة المرحلة. وهي لا تكشف طبيعة التطور المعرفي وتأثيره في بلورة هذه المتطلبات. والأكثر من ذلك أنها لا توضح طبيعة العلاقة بين هذه المتطلبات ومنطق التطور الموضوعي المعرفي في آرائه. في حين لا تكشف فكرة انتقاله من منهج إلى آخر عن كيفية التعامل اللاحق مع قضايا الفكر وبالتالي تهمل الجوهري في استمرار المكونات العقلية والنفسية الأخلاقية وتآلفهما الجديد. أما تفسير انتقاله بمقولات "روح العصر ومتطلباته" فإنها لا تكشف عن الصلة الداخلية الضرورية في تطور شخصية الغزالي الروحية وإبداعه الفكري، وإلا لكان بإمكان جميع مفكري المرحلة الكبار انذاك ان يصبحوا كالغزالي أو أن تؤدي بهم بالضرورة إلى ابداع ما ابدعه من منظومة.

كل ذلك يضع أمامنا من جديد مهمة التحليل الموضوعي لمجمل العوامل المعقدة لظاهرة انتقاله إلى التصوف والتي لا يمكن ادراك حقيقتها دون تحليل واستيعاب ما يمكن دعوته بتجربته المعرفية - النظرية والعملية- الأخلاقية.

فالغزالي في (منقذه) لا يكشف لنا بصورة مباشرة عن أسباب انتقاله إلى التصوف. إلا انه يلقي الكثير من الأضواء على سيرته التي تعطي لنا امكانية الحكم على ان تحوله هذا كان نتاجا "طبيعيا" لتطوره الفكري - الروحي. أي كل ما قاده لضرورة اعادة النظر الشاملة تجاه كل ما هو قائم من منطلق، وفي ضوء مبادئ الأخلاقية المطلقة.

ففي مجرى تحليل شخصية الغزالى واستقلاله الفكري وسعيه لإدراك الحقائق كما جرى عرضه فيما سبق، يبدو واضحاً أن صيرورة التآلف الصوفي لم تكن عملية عرضية أو إرادية. ومع ذلك فإن هذا لا ينفي ما لشخصيته وقدراته الفردية من دور هائل بهذا الصدد. ولا يمكن ان نكرر ما سبق وان اقتنع هو به من أن ما كان في علم الأزل لا يمكن للمقادير ان تخالفه. وذلك لأن هذه القناعة هي من وحي أو الثقافة اللاهوتية الفلسفية لا حصيلتها التاريخية. والمهمة المطروحة الآن لا تقوم في تتبع جريانه في "سيلان المكر الإلهي"، بل بانتزاعه من حركة افلاك القدر وذرات الوجود الالهي من اجل وضعه في تاريخ الفكر ومنطق تطوره الواقعي.

فتجربته بمقوماتها الكلية هي تجربة وعي الذات النقدية التي ستواجه يوما تأمل نفسها ومصيرها أمام "بحر الصوفية"، أي كل ما بإمكانه ان يتطابق في خيالنا ووعينا المعاصر مع سحرية التنبؤ الرمزي لدعوة استاذه الجويني إياه بالبحر المغرق. إلا أن الاخير تجّسد أولا وقبل كل شيء في ذاته، وثانيا في كيانه التاريخيـ الثقافي. وليس هنا من تناقض. إذ ليست حصيلة الوعي المقارن والخيال المبدع في أيجاد الصلة بين الكلمة العابرة التقيمية - الشاعرية مع المصير الشخصي سوى نتيجة اعادة تقييم ما مضى من وجهة نظر وحدة الحاضر والماضي. فعوضا عن ان يكون مغرقا للآخرين غرق هو في ذاته لكي يصبح بدوره بحرا تضاربت في لججه تقييمات الثقافة اللاحقة.

ولم يكن هذا الواقع معزولا عن تجربة الثقافة اللاحقة في محاولتها استيعاب ظاهرة الغزالى الفريدة، أي ظاهرة التحول والانتقال من مدرسة وميدان إلى آخر والتي عادة ما جرى تحسسها وفهمها بمعايير ومقولات التصورات العادية والنظرية عن ميوعة المواقف وفقدان الثبات الداخلي للشخصية. غير أن هذا الاستنتاج نفسه يحتاج إلى كشف حوافز وأسس هذا التغيير وعدم الثبات. ولا يكفي هنا تتبع حيثيات الفطرة والغريزة التي وضعها الله في جبلته، كما يقول عن نفسه، دون ان يفقد عالمه النفسي لمميزاته الخاصة. وذلك لأن هذه المقدمة في حالة استغلالها الموضوعي لا يمكنها ان تكشف إلا عن الجانب العندي في المعضلة لا المعضلة ذاتها، وعن بعض جوانبها لا جوهرها الحقيقي. فالتغيير الدائم عنده هو اسلوب تطور البحث عن اليقين. وبهذا المعنى ليس التحول والتقلب سوى عوارض ضرورية شكلت بدورها العناصر الجوهرية في صيرورة تآلفه الفكري.

وارتبطت هذه الظاهرة بمجمل الصيرورة الفكرية لذهنية الغزالى ومواقفه من المعرفة في اسلوبها العقلي والمتشكك. وسواء وعى منذ بداية الامر الوحدة الخفية ما بين هذين الاسلوبين ام لا، فإن مما لا شك فيه تمثله لعناصرهما الايجابية في التيارات المتصارعة وخصوصا الاشعرية والمعتزلية. وقد ظل الغزإلى امينا لأسلوب الشك الموصل للحقيقة. وحتى في تلك الحالة التي رفض الشك السلبي في ممارسته الفكرية فان استبداله بمفهوم اليقين لم يكن في مضمونه الجديد سوى الاستمرار المعرفي للشك. إذ لا يقين بلا شك. وهو ما نعثر عليه أيضا في تلك المقدمة المشهورة للبحث عن اليقين كما صاغ نموذجها الأول في (ميزان العمل) عندما قال بإن "الشكوك هي الموصلة إلى الحق. فمن لا يشك لا ينظر. ومن لا ينظر لا يبصر. ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال"[12]. ان هذا الاستنتاج هو عصارة تجربته النقدية العقلية. ‘لا انه حتى هنا لم يحول الشك إلى اسلوب المعرفة بقدر ما نظر اليه باعتباره أحد وسائله الضرورية، أي انه وحّد في كل واحد تجارب الاتجاهات الفكرية في البحث عن الحقيقة مع تجربته الخاصة.

فكون الشك احد وسائل وأساليب المعرفة لم يكن اعترافا غريبا أو انجازا ما خارقا بالنسبة لعلم الكلام والفلسفة، بل ومختلف ميادين المعرفة النظرية التأملية الاخرى. ومن الممكن الاشارة هنا على سبيل المثال إلى الاتجاه المعتزلي وموقفه من الفكرة المنهجية للشك القائلة بضرورة تطهير العقل في اعتراضاته وقناعاته المسبقة وإخضاعه ذاته وأحكامه إلى مبضع التشريح العقلي. فقد اكد ابراهيم النظام (ت- 221 للهجرة) على انه لا يقين قط حتى صار فيه شك. ولم ينتقل احد من اعتقاد إلى آخر حتى يكون بينهما حالة شك. بينما وضع الجاحظ (ت-255 للهحرة) مهمة تعلم "الشك في المشكوك فيه"، واظهر التمايز بين ذهنية الشك العلمي (للخواص) والتقليدية (للعوام). أما ابو هاشم الجبائي (ت- 321 للهجرة) فقد اعتبر الشك ضرورة لكل معرفة، وبداية لكل معرفة حقيقية. فليس النظر أيا كان بدون شك، كما يقول الجبائي، سوى تحصيل حاصل. وتقترب آراء الغزالي بهذا الصدد اقترابا كبيرا من اراء المعتزلة، أو انه ينهل منها باعتبارها احد المصادر الأساسية للثقافة الإسلامية، والتي سيعمقها الفكر اللاحق بما في ذلك جدل الكلام الاشعري- المعتزلي عند الباقلاني والجويني وغيرهما.

ففي استعادته تأمل تجربته الفكرية السابقة برَّز الغزالى أولا وقبل كل شيء إعادة النظر النقدية بها،  أو ما عبر عنه بعبارة "ما قاساه في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق". إن خوضه معاناة البحث عن الحقيقة بين اضطراب الفرق وتبايناتها وصراعاتها العديدة هي العملية الفكرية لسيرته الحياتية التي أدت به إلى رفض التقليد وبالتالي دخوله معترك الثقافة ومعضلاتها الكبرى. فهي العملية التي أدت به في نهاية المطاف إلى الانخراط في "سلوك الطريق" وما آلت اليه من اكتشاف "لباب الحق"، أي كل ما شكل عناصر ديمومة التطور الفكري والسمو الروحي في مجرى صراعه السابق في مدارس الكلام والباطنية والفلسفة. وكذلك في تقييمه لمجرى تجربته الفكرية . فهو لا يدين اتجاه ما دون آخر بقدر ما انه يشير إلى التباين  القائم بين الفرق في وسائل وطرق سعيها لبلوغ الحقيقة، أو ما اطلق عليه عبارة "البحر الذي غرق فيه الأكثرون". ولم تعن هذه العبارة الوصفية في آرائه أيضا سوى الغرق في وهم القناعة العندية، أو الزعم القائل بأنها الفرقة الناجية تماما كما صورها القرآن بعبارة (كل بما لديهم فرحون).

فقد استمد الغزالى مصادر معرفته النظرية من كل ما هو موجود انذاك. ولهذا لم تكن تجربته الفكرية الحياتية كما يقول في (المنقذ) تجربة الجبان الجذور بل المفكر الجسور المتوغل في كل ظلمة والمقتحم لكل مشكلة والمتفحص لكل عقيدة والمستكشف لأسرار مذهب كل طائفة لا لشيء إلا لتمييز المحق عن المبطل والمتسنّن عن المبدع[13]. فهو لا يقف أمام باطني إلا ويجب ان يطلع على باطنيته ولا ظاهري إلا وأراد معرفة حاصل ظاهريته، ولا فيلسوف إلا وقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلم إلا واجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفي إلا وحرص على العثور على سر صوفيته، ولا متعبد إلا ويرغب في معرفة ما تؤدي اليه عبادته وحاصلها، ولا زنديق ومعطل إلا ويتتبعه لمعرفة أسباب الجرأة القائمة في آرائه وأعماله. إن كل ما وضعه في (المنقذ) في عباراته الوجيزة عن تعطشه إلى إدراك حقائق الأمور وسر التباين والخلاف القائم بين الاتجاهات والمدارس هي التي اخضعت تطوره الفكري الروحي إلى تأثير ضغطها الدائم بحيث تركت بصماتها القوية في كل قسمات روحه المعرفي والأخلاقي. فتقريره  عما اسماه بانحلال رابطة التقليد منذ الصبا، أي نبوغ استقلاله النظري لا تكشف عن بساطة هذه العملية واستجلاء آفاقها اللاحقة بقدر ما انها تشير إلى بداية الظاهرة ومجراها العام، أي انها تضعنا أمام الإشكالات الحية للمعرفة في سعيها إلى ادراك حقائق الامور. فإذا كان ديدنه كما يقول عن نفسه هو التعطش لإدراك حقائق الأمور فإن هذا الإدراك لا يمكنه ألا يكون ثمرة التطور الفكري التاريخي. وذلك لأن إدراكه لحقائق الامور لم يكن معزولا عن أساليب ومستوى وصيغ إدراك هذه الحقائق في الاتجاهات والمدارس التي حاول جهده نزع تأثيرها التقليدي عنه.

فهو لم يصل إلى هذه النتيجة بمحض الصدفة وذلك لأن مساره الشخصي مثَّل اتجاه البحث عن الحقيقة. وبما أن هذه الأخيرة كانت هدف وغاية مختلف الطالبين فإنها انتزعت من جهودهم خلاصة تصوراتهم، ومن مداركهم عوالم تأملها، ومن منطقهم اساليب ادراكها. ومأثرة الغزالى تقوم في إدراكه هذا التشعب والتجزئة الكبيرة في إدراك حقائق مختلف الاتجاهات والمدارس. لكنه لم يكن يبحث عن أنصاف الحقائق أو صيغها العندية. لقد وضع أمامه مهمة أيجاد المعيار المطلق للحقيقة. وبغضّ النظر عن إشكالية هذا المعيار والغاية من مسعاه إلا انه شأن المفكرين الكبار وقع ضحية المعرفة وحقائقها النسبية. ومع ذلك فإن بحثه عن الحقيقة المطلقة قد وضع أمامه مهمة البحث عن معيارها المناسب أو ما دعاه بحقيقة العلم، الذي طابقه مع مفهوم العلم اليقيني، أي ذاك الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ،ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك. بل الأمان من الخطأ ينبغي ان يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا لم يورث ذلك شكا وإنكاراً. فإني إذا علمت ان العشرة أكثر من ثلاثة وقال لي قائل "لا بل الثلاثة أكثر من العشرة بدليل اني اقلب هذه العصا ثعبانا وقلبها وشاهدت ذلك منه لم اشك بسببه في معرفتي ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه. فأما الشك فيما علمته فلا"[14]. وفي الواقع ليس هناك من صورة اكثر دقة في تحديد طبيعة العلم الحقيقي (المعرفة اليقينية) مما يتطابق مع مضمون المنطق والمادة، أي كل ما يتطابق في حقيقته مع بديهيات المعرفة المنطقية، أو المعرفة التي يكف بها العالم الخارجي ومظاهره الطارئة عن ان تكون مهددة لماهية المعرفة وحقيقتها. فالمعرفة الحقة بهذا المعنى هي تلك التي تستند إلى ذاتها، المجردة عن ثقل وفاعلية التقليد أيا كان شكله ومضمونه ومستواه وأداته بما في ذلك الذي يبدو خارقا في مظهره للوجود الطبيعي للأشياء (المعجزات). وفي هذا تكمن النتيجة المعرفية التي تنفي في نهاية المطاف أسلوب  الشك بوصفه أداة بلوغها.

إن التطور الفكري للغزالى هو بحد ذاته نموذج للنفي الدائم للشك. فهي العملية التي شكلت حافز وغاية تطوره المعرفي. فالمعرفة اليقينية الضرورية للأمان الروحي لا يمكنها حسب نظره ان توجد بمعزل عن الوجود الإنساني في تجاربه القديمة والمعاصرة. ولهذا انطلق من المادة الاقرب والأكثر التصاقا بالحس، والتي تتضمن في أشكالها ومظاهرها المباشرة الصيغة المقنعة للجميع، أي الحسيات والضروريات. انه يحاول الكشف عما إذا كانت الحسيات والضروريات تمتلك بحد ذاتها من حيث علاقتها بالبحث عن حقائق الأشياء كما هي، طابع اليقين المميز للقناعة التقليدية، وما اذا كانت تمثل مستوى آخر من المعرفة لا يتطابق مع حقيقة العلم. فالتجربة الحسية كما يقول الغزالى هي واسطة وضرورة للمعرفة الأولية. غير أن الشكوك فيها قد أوصلته إلى الاحساس بضعف الأمان في المحسوسات. وذلك لأن المعطيات الحسية عادة ما تتناقض مع معطيات التجربة والمشاهدة. فالناظر يرى الظل واقفاً في حين تكشف معطيات التجربة والمشاهدة عن حركته الدائمة. والحس يرى الكواكب صغيرة بينما الأدلة الهندسية تكشف عن ان بعضها اكبر من الارض.  فالحسيات التي تبدو يقينية الطابع سرعان ما تتحول إلى سراب خادع أمام مبضع العقل. مما يفقد القناعة طابع اليقين الضروري. في حين يظهر العقل مقارنة بها اكثر يقينا وأدق حكما. فالحس يكذبه حاكم العقل إلى الحد الذي لا يمكن معه الدفاع عن يقينية المعطيات التي تقدمها الحواس. وإذا كان الامر كذلك فليس هناك من أمل في اليقين إلا بمعطيات العقل. غير ان العقل بدوره يثير السؤال الخفي حول معيار اليقين فيه، وكذلك مبررات اليقين في الأحكام العقلية.

فيقين العقل في المثال السابق يبدو جليا مقارنة  بمعطيات الحس. من هنا فإن الوقوف عندهما لا يعني في الواقع سوى ردع ما هو عير متناه. وبالتالي، فإن افتراض طور ما وراء العقل لا يرفضه العقل. فالإحساس ذاته من خلال تجريده العقلي يثير الشك باستنتاجات العقل وظاهرية احكامه اليقينية. فما هو يا ترى معيار الثقة بالعقل بحد ذاته ما زالت قناعته مبنية على موقفه المدقق لمعطيات الحس وتفنيدها بعد ان كانت في بادئ امرها تبدو يقينية خالصة؟ فالعقل كذَّب الحواس، ولولا العقل لكانت معطيات الحس معترف بها ويقينية. من هنا استنتاج الغزالى القائل بإمكانية وجود ما وراء العقل تماما كما تقر بإمكانية وجود ما وراء الحس (العقل) باعتباره درجة ارقى. إذ ان عدم تجلي هذا الادراك (طور ما وراء العقل) لا يدل على استحالته[15]. ومما يؤيد ذلك حالة النفس الإنسانية في اليقظة والمنام. فالنفس تؤيد افتراض وجود ما وراء العقل. فالنائم على سبيل المثال يرى أشياء سرعان ما تتحول إلى أخرى زمن اليقظة. والنائم لا يشك في يقينية ما يرى في نومه. وفي حالة اليقظة يعلم بأن  كل ما رآه مجرد تخيلات لا طائل تحتها. وإذا كان الامر كذلك فلم يا ترى يجري رفض افتراض وجود الحالة التي تصبح فيها معطيات العقل وأحكامه مقارنة بما وراء العقل شبيهة بحالة معطيات النوم مقارنة باليقظة؟ فهي الحالة التي تتجاوز طور العقل لتكشف عن محدوديته وضعفه، مثل مستوى العقل مقارنة بالحواس، أو ما تدعوه المتصوفة بحالة الموت. غير انه لا ينبغي فهم هذه الصياغة بعباراتها الظاهرية. وسوف نرى لاحقا بأنه لم يسعَ من وراء ذلك إلى اضعاف اهمية العقل أو التقليل من شأنه كما توهم الكثير ممن بحث في فكر الغزالي، بقدر ما انه اراد ان يبرز ذلك التطور الفعلي العقلي الذي مارسه في سعيه لبلوغ اليقين الحق.

فالغزالى لا يتطرق هنا إلى العقل ومعطياته بالمعنى العلمي التجريبي. لقد تناول في اطروحاته اساسا القضايا العقائدية والفلسفية التي أوصلته إلى فكرة محدودية العقل في قدرته على حلها الجازم واليقيني. وبهذا يكون قد "خلَّص" العقل من بعض محاولاته غير المجدية، دون ان يقع في مستنقع التبرير غير العقلاني. فهو يشير إلى ذلك مرات عديدة بطرق غير مباشرة في (المنقذ) وغيره من الكتابات. فعندما يتناول على سبيل المثال الالهام الصوفي مقارنة بالعقل فإنه لم يقصد بذلك معارضة أحدهما بالآخر، أو وضع الالهام بالضد من العقل كما هو، بقدر ما انه تناولها ضمن اطار دحض الاستنتاجات العقلية اللاهوتية والفلسفية التي أضفت تصوراتها وأحكامها الخاصة عن الله وقضايا الإلهيات الكبرى، أي ان معطيات طور ما وراء العقل أو الالهام الصوفي لا تتعارض مع العقل إلا في صيغته وهويته الجدلية أو المعرفة العقلية النفسية عن الله التي دعتها المتصوفة بالحجب. ولم يقصد  المتصوفة بالمعرفة كحجب أو حجاب المعرفة والعلم سوى حجاب التصورات والأحكام التقليدية والقناعة القبلية (المسبقة). إذ ليس ما وراء العقل سوى الحصيلة الوجدانية المعرفية للتجربة الصوفية التي ترمي في مساعيها صوب حقيقة التوحيد والمطلق كل لباس الماضي التقليدي لتستعيد هوية تمثلها الذاتي كما هي عليه.

غير ان هذه الحصيلة النهائية للصيغة المجردة التي لازمت تطوره المعرفي الروحي لا تمتلك قيمتها الفعلية الواقعية في تآلفه الفكري إلا في الاطار العلمي المنطقي. ودون ان يعني ذلك أيضا تجاهله أو اغفاله عما في ما وراء العقل من خصوصية المنطق الصوفي. إلا ان لهذا المنطق اسراره الخاصة التي تشكل  في كلها عناصر علم المكاشفة. وفي هذا تكمن خصوصية تجربة الغزالى النقدية في التعامل مع سيرته المعرفية ونماذج البحث عن الحقيقة في ثقافة الخلافة والأمم السابقة. وقبل أن يصل الغزالي إلى هذه المحصلة العامة كان لابد له فيما يبدو ان يمر بنفس الطريق الشائك للثقافة الإسلامية في سعيها إلى بلوغ اليقين بعد ان ابتدأت به. وقد حصلت هذه العملية على انكسارها الدرامي في موشور وعيه العقلاني والأخلاقي قبل ان تنصهر لاحقاً في بوتقة الطريق الصوفي. فإذا كانت تجربة البحث عن اليقين العلمي في بداية أمرها هي الصيغة الطبيعية للعقلانية النقدية، فإن اتخاذها من الشك وسيلة لتذليله ذاته كان لا بد وان تضعه كما يقول عن نفسه، على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال، أي كل ما واجهه في غضون شهرين بعد جداله النفسي العقلي الشاك في معقولية العقليات وحسية الحسيات وضرورة الضروريات وإشكالية اليقين. لقد دفعه كل ذلك كما يصف لنا حاله في (المنقذ) إلى المأزق المغلق في المعرفة من خلال التمسك بالمنطق الضروري لبلوغ العلم اليقيني، أي دفع الشك باليقين من خلال الدليل ولا دليل!

لكن هذا الانغلاق الإشكالي في المعرفة سرعان ما إنحلَّ في ذهنية الغزالى من خلال استعادة الوثوق والقبول بالضروريات العقلية، أي العناصر الجوهرية التي ستلازم تطوره الفكري في بحثه عن الحقيقة. ولكن إذا كان هذا الرجوع الأولي للضرورات العقلية قد جرى من خلال الاحتكام غير المباشر لقيم العالم الصوفي، فإن اسلوب تجلياته المباشرة كان من خلال ما دعاه الغزالى "بالقذف النوراني"، أي من خلال القناعة غير المنطقية بمنطقية الضرورات العقلية، أو ما عبر عنه الغزالى بكلمات "بلا نظم دليل وترتيب كلام"، والذي سيجعله لاحقا "مفتاح اكثر المعارف".  اما في الواقع فإن هذه الصياغة ما هي إلا الصيغة الاكثر تجريدية للمعطيات العقلية بمستواها الحدسي. اضافة إلى ذلك ان ما تضمنه (المنقذ) من اعادة استدراج للذاكرة النقدية تجاه تجربته النظرية كان لا بد لها من ان تخترق مسامات كيانه الصوفي. فهو لم يسع من وراء استعراض "سيرته" سوى إلى كشف الطريق الضروري لبلوغ الحقيقة لا غير، لكي يكون مثاله مجرد حافز، كما يقول "لكمال الجد في الطلب حتى ينتهي المرء إلى طلب ما لا يطلب. فإن الأوليات ليست مطلوبة، فإنها حاضرة والحاضر اذا طلب فُقِدَ واختفى. ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب"[16]. فالبديهيات العقلية أولية بمعنى انها موجودة وفي حال طلب البرهنة عليها ستكف عن ان تخضع لمنطق البديهيات. ومع ذلك فإنه حاول تجاوز الحدود العقلية (والتقليدية) للبديهيات وغير البديهيات للتأكد من يقينها المجرد.

فتجربته الذهنية هي تجربة البحث عن الحقيقة وخوض الصراع الفكري والتطور الروحي الذي تجسد في صيغ تطوره المدرسي في اصناف الطالبين للحق. لقد خاض هو غمار البحث عن اليقين الذي كان في حصيلته النهائية النتاج المعقد لوحدة التجربة النظرية (العقلية) والعملية (الأخلاقية). وإذا كانت هذه الوحدة هي الخيط الذي يربط في كل واحد مجرى ومضمون انتقاله إلى التصوف في نظريته عن المكاشفة والمعاملة، فإنها حصلت على انعكاسها الشخصي في (المنقذ من الضلال). فالاخير لا يكشف اساسا إلا عن الصيغة الشخصية التي تعامل بها في مجرى بحثه عن الحقيقة في مدارس واتجاهات وأصناف الطالبين. وإذا كان ميدان هؤلاء الطالبين في ثقافة الخلافة المعاصرة له تتمركز في علوم الكلام ومدارس الباطنية واتجاهات الفلسفة وطرق الصوفية، فان سيرته تعكس نموذج وعيه الثقافي الأصيل في بلوغ حقائق المرحلة، أي انه عبر عن الصيغة النقدية المثلى للبحث عن الحقيقة في مجمل ثقافة العصر وتوليف ابداعها النظري من خلال معاناته الطويلة باعتباره جزء من العملية التلقائية "للسير في طريق الحق". واذا كانت هذه الحصيلة قد تجسدت في نهاية المطاف بأسلوب الانكسار الفردي للإرادة في طريق الحرية فمن الصعب توقع حصولها في مثال الغزالى دون صيرورة تلك العناصر القائمة في ديناميكية تجربته العقلية التي تكونت في مجرى سباحته في "بحر المعرفة".

ان حصره لميدان طالبي الحقيقة في الكلام والباطنية والفلسفة والتصوف كان بمعنى ما موقفا ثقافيا عاما في التعامل مع حصيلة الاصناف أو الاتجاهات الفكرية الكبرى لعصره. إلا ان هذا الموقف يعكس في مساره أيضا نزع التقليدية المميز لتطوره الذي رافق انتقاله في رحاب الثقافة، بوصفه أسلوب الرؤية النقدية الخلاقة لوحدة الأمة في مساعي مدارسها للبحث عن الحقيقة. لقد تعامل مع اتجاهات العصر الكبرى على اساس كونها اصنافا لطالبي الحق والحقيقة. وبالتالي اعطى له ذلك إمكانية خوض غمارها الذي اسهم  مساهمة جوهرية في صيرورة ابداعه التوليفي، أي انه مثّل في هذه العملية الخطوة الجريئة في عصر الانحلال لتجاوز وتذليل عبث السفسطة وفوضى الاباحية (العدمية) وكسر التقليد من اجل اعادة شعلة الوحدة والنظام للوجود الاجتماعي والكينونة الإنسانية على مثال وحدانية الحق.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] Foster F.H. al-Ghazali’s inner secret.Moslem World, vol.23 w/4,p.378.  

والشيئ نفسه يمكن العثور عليه عند مونتغوميري واط وماكدونالد

[2] Trimingham J.S. The Sufi order in Islam, Oxford 1971, p.33.  

[3] الشيخ محمد صادق عرجون: مقتاح شخصية الغزالي. هل شك حجة الاسلام؟ ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده، القاهرة، 1962، ص838.

[4] زكي مبارك: الأخلاق عند الغزالي، القاهرة، 1971، ص63؛ عمر فروخ: رجوع الغزالي الى اليقين، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده) 311-330.

[5] هذا ما يقول به الباحث الكبير فريد جبر

[6] عبد الامير الاعسم: الفيلسوف الغزالي، بيروت، 1981، ص38، 49، 63، 150-151.

[7] جورج قنواتي: الفلسفة، علم الكلام، التصوف، ضمن كتاب (تراث الاسلام، القسم الثاني)، الكويت، 1978، ص344.

[8] عبد الرحمن بدوي: الغزالي ومصادره اليونانية، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص222.

[9] يوسف الشاروني: موازنة بين اراء الغزالي والقديس اوغسطين، صمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص689.

[10] ابو العلا عفيفي: أثر الغزالي في توجيه الحياة العقلية والروحية في الاسلام، ضمن كتاب (ابو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده)، ص739.

[11] Грюнбаум Фон. Классический ислам. М.1988, с.147.

[12] الغزالي: ميزان العمل، ص153.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص78-80.

[14] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص82.

[15] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص85.

[16] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص88.

 

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (37)

في المقال السابق، تم التطرق الى كيفية تطور تفصيلات قصة صلب يسوع الناصري، وكيف تم اضافة تعديلات و تفاصيل جديدة للقصة مع مرور الزمن، من خلال تتبع ذكر القصة في الأناجيل القانونية الأربعة بمراعاة  التسلسل الزمني.

في هذا المقال، سنتناول التأثير الاجتماعي والسياسي على الروايات والأخبار التي تناولت قصة صلب يسوع المسيح، وأثره في تطور تفاصيل هذه القصة مع مرور الزمن، عن طريق تتبع سرديات الأناجيل القانونية، حسب تعاقب زمن تدوينها.

من المعلوم ان قصة الشاب المصلح يسوع وأقواله ومعاجزه و صلبه،كانت تتناقل على شكل حكايات و سرديات شفوية بين أتباعه المؤمنين به، وتنتقل مع الزمن الى مجاميع المؤمنين الجدد الذين ينضمون تدريجيا الى الايمان المستحدث، ثم يقوم هؤلاء ايضا بنقل هذه القصص والحكايات الى مجاميع اخرى من الناس، ويستخدمونها في التشويق والترغيب لغرض جلب أكبر عدد من المنضمين الجدد للايمان المسيحي، وبمرور الزمن ومع اتساع رقعة المنضمين، تزداد الحكايات و تتسع تفاصيلها، مع تضخم عناصر التشويق والتضخيم خصوصا حول الشخصية المحورية التي يقوم عليها الإيمان الجديد!

وقد استمر الامر على هذا المنوال في الثلاثين عاما التي تلت صلب المسيح، حتى بدأ تدوين أول الأناجيل القانونية وهو انجيل مرقس، ومن بعده بحوالي عشر سنوات انجيلي متى و لوقا، الى زمن تأليف اخر الاناجيل القانونية وهو إنجيل يوحنا، الذي يعتقد أنه كتب حوالي عام 95 أي بعد صلب المسيح بفترة تقارب ما بين 60 الى 70 عام

يسوع الناصري وخلال فترة دعوته الاصلاحية الدينية، لم يستجب له من اليهود سوى عدد قليل جدا من الاتباع الذين واصلوا و بحماس نشر دعوته، بعد صلبه، بين اقرانهم اليهود، وجلبوا للدعوة الجديدة بعض الأتباع الجدد من اليهود، ورغم المضايقات و التعسف الذين واجهوه، لكنهم نجحوا في تكوين فرقة يهودية جديدة داخل المجتمع، تؤمن بيسوع المسيح، لكنها كانت في نظر رؤساء و كهنة اليهود مجرد فرقة يهودية ضالة.  

استمر الوضع هكذا لعدة سنوات الى ان حدث تغير دراماتيكي في تطور الأحداث، حين انضم الى الايمان الجديد شاول الطرسوسي، ذلك اليهودي القادم من مدينة طرسوس، والذي كان متطرفا في مواجهة الفرقة اليهودية الضالة!

لقد غير ايمان (شاول) والذي أصبح لاحقا يعرف بأسم (بولس) مجرى الأحداث، حيث قام بتوجيه بوصلة الدعوة للإيمان الناشئ الى المجتمعات الوثنية التي كانت تشكل الجزء الأعظم من سكان الامبراطورية الرومانية وقتذاك، واخرجها الى أوروبا وآسيا الوسطى، بعد أن كان تلاميذ يسوع المسيح يحصرونها على المجتمع اليهودي فقط .

نجح (بولس) الذي كان يتمتع بثقافة عالية، ويجيد اللغة اليونانية، من خلال استثمار ذكائه، وحماسته ونشاطه الكبير، في تحويل أعداد كبيرة من الوثنيين وفي مناطق جغرافية عديدة الى الإيمان الجديد والذي تحول مع مرور الزمن وازدياد الاتباع من فرقة يهودية صغيرة،تتبع تعاليم يسوع المسيح، الى ديانة جديدة تقوم كليا حول شخص يسوع المسيح !

الدين الجديد الذي بدأ عدد أتباعه بالازدياد المضطرد، واخذت رقعة انتشاره تتسع في ارجاء الامبراطورية الرومانية، خرج من الدائرة اليهودية الضيقة، الى فضاء اوسع وارحب، وصار الغالبية من أتباعه هم الوثنيين السابقين، ومعظمهم من مدن الامبراطورية الرومانية و حاملي التابعية الرومانية (مواطنين) كما هو الحال مع بولس الذي اصبح رسولا للامم !

ومع تحول الفرقة اليهودية الصغيرة (الضالة) الى دين جديد يقدس الشاب اليهودي يسوع الناصري،ويضفي عليه تدريجيا صفات الهية، كان من الطبيعي ان يحدث الصدام الفكري والعقدي بين اليهود وبين أتباع الدين الناشئ والذي صار يشكل مواطني الامبراطورية الرومانية الغالبية العظمى من اتباعه.

واجهت الشريحة المجتمعية الجديدة التي أصبحت تمثل القاعدة الشعبية للايمان المسيحي، معضلة سوسيو/ سياسية !

فالشخصية التي يتمحور حولها إيمانهم الجديد، قد تم تعذيبه وإهانته ومن ثم قتله على يد سلطة الدولة التي يدينون لها بالولاء، ويفتخرون بالانتماء إليها، فيسوع المسيح (ابن الله) قد تم صلبه وفق القانون الامبراطوري الروماني، وبقرار من حاكم روماني، وعلى أيدي جنود رومان !!... حيث انه قد تم الحكم عليه كخارج على القانون و محرض على التمرد ضد الدولة الرومانية، و داعيا الى إنشاء مملكة مستقلة لليهود،  لذلك،تم صلبه، وتعليق لوحة على جسده مكتوب عليها

(هذا ملك اليهود) ليكون عبرة لغيره، ولكل من يفكر بمثل هذا التفكير!

وطبعا، لا يمكن إغفال الدور الذي كان لليهود ورؤسائهم من خلال التحريض والوشاية ضد يسوع الناصري!

استمرت العداوة الايمانية بين اليهود الذين رفضوا يسوع وكذبوه وبين المجتمعات التي آمنت به و ألهته، و أخذت بالازدياد مع مرور الزمن، حتى تحولت - في قرون لاحقة - الى صدام دموي نتج عنه مجازر وحشية بحق اليهود، وذلك حين أصبحت الديانة المسيحية هي الديانة الرسمية الوحيدة للامبراطورية الرومانية...وبمرسوم امبراطوري !

ومع ازدياد العداء الإيماني والتنافر العقدي، فقد كان من الطبيعي ان تلقي هذه المؤثرات الاجتماعية بظلالها على عملية تدوين الأناجيل وخصوصا ان اغلبها كانت موجهة الى شريحة اتباع الدين الجديد من مواطني الدولة الرومانية، وكانت مكتوبة بلغتهم، وعلى ايدي اشخاص يحملون ثقافة يونانية واسعة .

وعند البحث في قصة صلب يسوع المسيح، يلاحظ القارئ في الأناجيل القانونية الأربعة، ان هناك محاولة متقصدة وواضحة جدا في تحميل اليهود المسؤولية الكاملة لجريمة صلب المسيح، مع تكثيف الجهد من أجل إيجاد مبررات لإعفاء الحاكم الروماني الذي اصدر امره بعقوبة الصلب من المسؤولية، او على الاقل ايجاد العذر له !

وعند تتبع هذه النقطة في الأناجيل، و تتبع تطورها الزمني، بحسب زمن تأليف كل إنجيل من الأناجيل القانونية، يكتشف القارئ، ان الذين كتبوا تلك الأناجيل، كانوا مهتمين جدا باضافة تفاصيل جديدة مع مرور الزمن، تثبت ادانة اليهود، وتخفف من مسؤولية السلطة الرومانية، من اجل تخفيف عقدة الذنب التي قد تنشأ نتيجة الولاء لسلطة قامت بصلب الرب!

في اقدم الاناجيل القانونية (انجيل مرقس) نجد ان الحاكم الروماني (بيلاطس) لم يكن مقتنعا بتجريم يسوع الناصري، ولكنه رضخ لرغبة اليهود الذين طالبوا بصلبه، لذلك امر بجلد يسوع وصلبه !!! (انجيل مرقس 15)

اما إنجيل (متى) فقد أضاف تفصيلة جديدة، ولكنها مهمة جدا وخطيرة في نفس الوقت !

حيث نجد في الاصحاح  السابع والعشرين، ان الحاكم الروماني (بيلاطس) وبعد ان اخبر اليهود انه لايجد في يسوع الناصري اي ذنب يستحق العقوبة، ومع إصرار اليهود وتحريضهم على صلب يسوع

نجد كاتب الإنجيل يضيف حبكة درامية مهمة جدا، تتمثل في قيام (بيلاطس) بطلب ماء وثم قام وغسل يديه أمام الجموع، ليؤكد لهم أنه بريئ من دم هذا الإنسان البار.. ثم أصدر قراره بجلده وصلبه !!

(فلما راى بيلاطس انه لا ينفع شيئا بل بالحري يحدث شغب اخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلا اني بريء من دم هذا البار ابصروا انتم)  متى 27/24

ولم ينسى كاتب الإنجيل بعد ان قام بتبرئة الحاكم الروماني، بأن يضيف فقرة تؤكد مسؤولية اليهود، بل وحتى ذريتهم!

(فاجاب جميع الشعب وقالوا دمه علينا وعلى أولادنا!!!)  متى 27/25

وعند الذهاب الى انجيل ( لوقا) نجد كاتب الاناجيل ينفرد باضافة تطورات وتفاصيل جديدة للقصة، من اجل ابراز نفس الغرض، وهو إلقاء اللوم والمسؤولية على اليهود، حيث نجد ايضا في الاصحاح الثالث والعشرين،ان (بيلاطس) مقتنع ببراءة يسوع الناصري، وعندما عرف انه من (الجليل) قام بارساله الى حاكم الجليل (هيرودس) الذي تصادف وجوده في أورشليم بذلك الوقت !!

الحاكم الضيف، لم يجد،كذلك، ان يسوع قد اقترف جريمة او ذنب، فاكتفى بضربه واهانته، وارجعه الى بيلاطس !

وهنا، نجد بيلاطس، يحاول جاهدا، ولثلاث مرات،ان يقنع جموع اليهود، بإطلاق سراح يسوع البريء حسب رأيه، ولكن اليهود،كانت ترتفع أصواتهم بالمطالبة بصلب يسوع، فاضطر الحاكم الروماني (المسكين) الى النزول على رغبة اليهود، فقام باطلاق سراح (باراباس) المدان بقضية شغب وأمر بصلب يسوع الذي كان يجده بريئا !!

اما اخر الأناجيل القانونية تدوينا (إنجيل يوحنا) فقد تطرق الى نفس القصة في اصحاحين (18 و 19)

وقام باضافة تفاصيل وبهارات جديدة لزيادة الحبكة!!... ولو ان بعضها كان يشي بالطرافة والغرابة !!

حيث نجد الحاكم (بيلاطس) يقوم بدور يشبه المفاوض، بين يسوع المتواجد داخل دار الولاية، وبين رؤساء اليهود الذين بقوا خارج تلك الدار، لذلك اضطر بيلاطس للذهاب والمجيئ ثلاث مرات بينهما، ومع ذلك، فشل في إقناع اليهود !!

رغم انه وبعد حوار مطول مع يسوع،بقي مقتنعا ببرائته، وأراد إطلاق سراحه، لكن اليهود أصروا على إطلاق (باراباس)

وهنا نجد ان كاتب انجيل(يوحنا) ابتكر لنا فكرة جديدة وقوية !!... وهي تهديد اليهود لبيلاطس والتلميح له بأنهم سيتهمونه بعصيان القيصر، لذلك خاف بيلاطس !!... وقرر النزول عند رغبتهم !!

(من هذا الوقت كان بيلاطس يطلب ان يطلقه ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين ان اطلقت هذا فلست محبا لقيصر كل من يجعل نفسه ملكا يقاوم قيصر) يوحنا 12/19

هذا التطور المستمر في تحديث و تغيير تفاصيل قصة الحكم بالصلب على يسوع المسيح، يعكس لنا بشكل واضح الأثر الاجتماعي وكذلك السياسي على مخيلة المؤمنين بالمسيحية في زمنها المبكر، والذي انعكس على سرديات نصوص الأناجيل، التي هي بطبيعة الحال، انعكاس لطريقة تفكير هؤلاء المؤمنين ونظرتهم الى الأمور، ومحاولتهم لتصوير الحدث التاريخي وفق الطريقة التي تشيطن خصومهم في العقيدة، وبنفس الوقت، تزيل العنت واللوم عن السلطة التي ينتمون لها

وبذلك خرجت لنا نصوص الأناجيل، بقراءة للتاريخ تقوم على الرؤية الايمانية للمسيحيين الاوائل، اكثر مما هي قراءة حقيقية لمجريات الأحداث التاريخية.

وهذا الأمر تؤكده أيضا، صورة الحاكم الروماني (بيلاطس) في المخيال المسيحي في الفترة المبكرة، حيث اننا نجد بعض الأخبار تشير إلى أن هذا الحاكم القاسي القلب والذي كان يحتقر اليهود، ويبطش بهم،قد  تاب من فعلته، بل يوجد هناك كتاب زائف اسمه أعمال بيلاطس (يرجع إلي القرن الرابع أو الخامس الميلادي) يبرر بيلاطس من كل لوم، ويؤكد أنه اعترف أن يسوع هو ابن الله!!.

كما توجد حتى اليوم كتب أخري باسم أعمال بيلاطس تختلف فيما بينها في بعض التفصيلات، إلا أنها جميعها زائفة. وتزعم إحدى الأساطير أن زوجة بيلاطس صارت مسيحية. ويقال أن بعض الكنائس الشرقية تحتفل بيوم 25 يونيو، تذكارأً لبيلاطس باعتباره قديساً وشهيداً!!!

ورغم ان هذا الرأي يفتقر إلي السند التاريخي، و لايمثل الرأي الرسمي للكنيسة، لكنه بنفس الوقت، يعكس لنا نمطية التفكير لدى المسيحيين الاوائل من غير الأصول اليهودية، والذين كانوا يعتقدون ان تبرئة (بيلاطس) وهو رمز للسلطة الذين هم مواطنوها، سيرفع عنهم عقدة الذنب، الذي سيتم رميه برقبة اليهود ورقاب اجيالهم !!!

 

د. جعفر الحكيم

 

 

ميثم الجنابي"الإنسان إذا كان عالماً ولم يكن له عقل،

سقط جاهه ومرتبته" (الغزالي)

إن الفكر الصوفي قادر على أن يحبك في نسيج خياله اللغوي ما يواجه في واقعيته صعوبة التنفيذ، وذلك لأنه لا يواجه من حيث الجوهر سوى حقائق ذاته. وقد خلّصه ذلك لحد ما من تعقيد وإشكاليات الإضافات المفرطة للعلم والعقل، والتي يفرضها منطقهما بفعل التباين الدائم والمتغير في كمية المعارف وحجم العقول. فهو لم يواجه في مساعيه رغبات البحث عن موازنات الوعي الشرطي، بل للتخلص من قيودها من خلال نزع آهات الأنا العقلية في شكها وتبريرها. وقد أعطى ذلك لتجاربها الفردية معنى يتجاوز حدود ما تفترضه التجربة العقلية. غير أن هذا التجاوز، الذي تنهمك في صياغة عناصره شفرات الطريق الصوفي، أي كل ما يسهم في تسوية الإرادة وتهذيب المعرفة بالشكل الذي ينفي على الدوام تناقض العلم والعمل، لا يتشابه بدوره عند الجميع بفعل تباين تجاربهم الفردية. وأن الميدان الأكثر حساسية وفاعلية لهذا التباين هو ميدان الروح الأخلاقي (العملي). فالمعارف النظرية تمتلك لحد ما مقوماتها في موضوعية الحقيقة، إلا أنها تتناثر في وعي الذات الفردي، باعتبارها كيانات مرئية وغير مرئية يبنى على أساسها تأمل كل ما كان ويكون، أي أنها تشكل البؤر الضرورية لإعادة تكامل المعرفة في الذات من خلال ادراك الحقيقة في الأنا الباحثة عن يقينها. وعندما أبدعت الصوفية تحديدها للعارف (الصوفي) في فكرة "لون الماء لون إنائه" فإنها لم تقصد بذلك تذويب أرواح عارفيها في زجاج وجودها، بل لكشف وحدة حقائقها في تجاربها، أو حقيقتها في حقها أو مصيرها في وجودها.

إن هذا الإبداع الخاص لوحدة الذات العارفة متنوع بقدر تنوع مريديها، ومتباين بقدر تباين عارفيها، ومتعدد بقدر أعدادهم. بمعنى أن وراء كل صوفي تجربة خاصة. ولا تختلف الصوفية هنا أو تتمايز عما هو مميز لتجارب المفكرين النظرية والعملية ككل. فالجميع تتحمل أثقال ماضيها في أوزار حاضرها، أو بصورة أدق، أنه لا حاضر سوى الماضي، تماماً بالقدر الذي يتضمن الماضي في ذاته كل إمكانات المستقبل و«غيوبه. وإذا كانت هذه التعبيرات تتشابه في عبارات الفرق الإسلامية ومدارسها وفي ألسنة خواصها وعوامها، فلأنها كانت تتشارك في معتقداتها حدود معالمها الثقافية، وفي وحيها تجارب فرقها وطرقها ومذاهبها ومدارسها. وصنع ذلك على قدر كل منها مكونات ما يمكن دعوته بطريقها الخاص. فالصوفية تدرك معالم الوحدة المتناقضة للعلم والعمل على أنه أسلوب وجودها المتميز، لأنه في واقعيته ومثاله يتطابق مع طريقها. وقد كان هذا بالقدر ذاته يقلق همم مدارس الإسلام وفرقه، لأنه هو أيضاً أسلوب وجودها. إلا أن انهماكها في عالم الظاهر أدى إلى سيادة أولوية العلم على العمل أو إلى موازاة وجودهما وتواجدهما.

وقد كانت هذه الحصيلة نتيجة طبيعية لتطور المعارف بفعل كميتها، واستمرارية لها بفعل استقلالها النسبي. فالمعارف لا تشكل بحد ذاتها دليلاً على ضرورتها العملية، ولا يعني إتقانها الشكلي تجوهرها في الوعي. وإن هذه الموازاة الخائبة في الوعي كانت وما تزال تشكل أسلوب إبداع الفجوات الدائمة أمام الوحدة. إلا أنها كانت وما تزال تشكل أيضاً الأسلوب الأكثر انتشاراً للمعارف في كميتها ونوعيتها. فهي تبدع أيضاً مثلها في الوجود، إلا أنها لا تتمثل إلا ما تراه مفيداً، أي أن مساعيها العملية هي في أفضل الأحوال مساعي الأنا المستقلة لا الكلّ. وكان بإمكانها أن تنتج ما لا يمكن حصره، وأن تضيّع أكثره دون أن تشعر بأسى كبير، أو كان بإمكانها أن تنظر إلى ذلك نظرتها إلى ما هو عرضة للفقدان. وبهذا تكون قد عبّرت أيضاً عن نمط الحياة في مسارها "الطبيعي"، على خلاف التصوف الذي لم يكن بإمكانه أن يعاني من شعور الفقدان، لأن الأخير هو إضافة بفعل امتلائه بما يتصوره بقاء  للباقي. وإن كل ذلك يبقى، إن أمكن القول، من إرهاصات التأمل المتعالي لما يمكنه أن يكون موضوعاً للاستقراء المنطقي الجاف. بينما في واقعيته هو التمثيل الأكثر حيوية لتناقضات المعرفة. وفي فرديته هو التجسيد الأكثر عمقاً لأصالة المعرفة. وفي ما بين تناقضات المعرفة وتحقيق أصالتها في البحث عنها تكمن قيمة التجربة الفردية لإدراك معالم الوحدة المتناقضة بين العلم والعمل كما أبدعتها ثقافة الإسلام.

فقد كانت ثقافة الإسلام في إطارها العام واحدية المنحى. مما أدى إلى أن تضع شخصياتها الكبرى بين قيمها المطلقة وشريعتها المقننة، أي أنها أعطت لتناقضات المعرفة طابعها الخاص بإدغامها في نسيج التجربة الفردية التي يبدعها هذا المفكر أو ذاك في محاولاته فهم حقائق المطلق أو في مساعيه الحثيثة  الباحثة عن الحقيقة. لقد وضعت الثقافة الاسلامية من حيث مرجعياتها الكبرى اهل العلم والمعرفة على الدوام بين محك العلم والعمل، وجعلت من كيانهم الفردي ميدان التجسيد الأمثل لتوحيد فردانية الأصالة وأصالة الفردية. أما قيمة ومحتوى هذا التجسيد، الذي يتطابق في واقعيته مع التجربة الفردية، فإنهما يستمدان أسسهما من خصوصية الثقافة الإسلامية وكيفية انكسارها في المسار المعرفي لأرباب الفكر، وفي المسار العملي لأرباب الذوق. حقيقة إن ذلك لا يعني توازيهما في التاريخ الاجتماعي والوجود الفردي. إلا أنهما صاغا، إن أمكن القول، نماذجهما المثالية في ميادين المعرفة.

فإذا كانت المعرفة العقلية قد حاولت إدراك الوجود والعدم في مقولاتها الصارمة، فإن المعرفة الذوقية (الصوفية) حاولت إدراك الوجود والعدم في أعمالها وآدابها. ولم يكن هذا الخلاف مبدئياً في غاياته، بقدر ما أنه عكس تنوع الثقافة الواحدية في مساعيها. وذلك لأن بلورة شخصية أرباب الفكر والنظر لم تكن حصيلة فعل النزعة الظاهرية أو أن ما أنتجته كان خلاصة نقية لها، وذلك لأن تأكيداً كهذا لا يعكس في الواقع سوى حدود وعيه المباشر. وهو في أفضل الأحوال لا يتجاوز رؤية السكون النسبي في حركة الأشياء. فما وراء ظاهرية الثقافة ومعالم إدراكها لتناسب العلم والعمل تكمن على الدوام صيرورة الباطن الخفية، أي أن الظاهرية تتضمنها كأجزاء فيها. وبهذا تكون قد عبّرت عن مظاهر الوجود في إيجاده. ولا يعني ذلك إهمال انتمائها العميق للمطلق، أو فقدانها لوجدانية الاندماج والتعبير. على العكس! إنها نظرت إلى هذه القضايا كأجزاء في وحدة الدقة الظاهرية، التي يفترضها منطق العقل في رؤيته للظواهر. وهو ما يبرز بجلاء في وطأة العقل النظري لمدارس الإسلام وفرقه الكلامية والفلسفية والفقهية.

إن لهذه الوطأة العقلية أسسها الروحية أيضاً. وهو ما يقابله في عالم الإيمان من معتقدات وإفرازها في خلجات الضمير. وفي هذا التواجد الحي لوطأة العقل والضمير تتبلور وتتداخل وتتصادم وتتناقض عناصر العلم والعمل. وفي مجرى ذلك تتكون شخصية المفكر وتجربته الفردية، أي أنها تعكس في صيرورتها طبيعة التداخل والتحول بين مكونات المعرفة الثقافية والعلم الأخلاقي، باعتبارها المكونات الجوهرية في ثقافة الإسلام آنذاك. إذ لم تتعد تجربة المفكرين في مكوناتها الأساسية حدود المعالم الأساسية التي افترضتها ثقافة الإسلام الواحدية. ولكنها أبدعت ضمن هذه الحدود كل ما تراه ضرورياً، أو أنها على الأقل فسحت المجال أمام تثوير ذاتها لأنها لم تحصر ذاتها في ذاتها، بل في طوفانها بين واجب الوجود والوجود، وبين الأول والآخر، وبين الأزل والأبد، وبين الحلال والحرام، وبين المباح وغير المباح، أي أنها حصرت ذاتها الواعية في قيم مبادئها الكبرى.

حقيقة إن هذا الحصر لم يكن فعلاً إرادياً خالصا بقدر ما أنه ارتبط وتحدد بالصيغة التي نشأ بها إسلام الخلافة وسلطته. ومع ذلك لم يكن الأساس المادي لصرحها السياسي الدولي حاسماً في يوم ما على كمّ أفواه الفكر بلجام قوته. لقد أعطى للفكر حوافز استقلاله النسبي، وقيّده في الوقت نفسه بمتطلبات التطور والتغير. وقد استجاب كل علم في إطار حدوده إلى هذه التحولات على أنها قدره الخاص. واشتركت جميعها في الوقت نفسه بعدم تجاوز ذاتها، أو أنها لم تضع أمام نفسها مهمة اختراق ذاتها، لأنها لم تجد في ذلك أسلوب تعميق معناها. وقد كمنت في ذلك عناصر الإبداع والتقليد.

ففي الوقت الذي أسست فيه لإعادة إنتاج ما هو قائم على أنه مثال حي بفعل حصرها قيمة الوجود فيما بدا لها مطلقاً في "شريعتها"، فإنها أدت أيضاً كنتيجة لهذا الحصر إلى اختمار الروح الدائم. وقد جعلها ذلك ضيقة من وجهة نظر التاريخ السياسي والدولتي والعسكري والحرفي (العلمي والصناعي)، ولانهائية في الوقت نفسه من وجهة نظر التاريخ الروحي والمعنوي. فما كان يقلقها ليس كمية المعارف ومداها بل القيمة والمعنى. لهذا أبدعت فكرة الارتباط ووضعتها في جوهر مساعيها. وبما أن الارتباط هو إما علم أو عمل، فإن الثقافة الظاهرية حاولت تجسيده في العلم (المنطق) والكلمة والبرهان، بينما جسدته ثقافة الباطن في العمل (الأخلاق ومساعي الروح).

وقد كان ذلك خلقاً دائماً لحدود الحرية، التي تكتنز في أعماقها ثروة الرزانة والسكينة، بفعل شعورية انتمائها للمطلق، وفورانها وتمردها بفعل وجدانيتها المتحسسة للعدل والظلم. وقد استمدت تجارب المفكرين، بما في ذلك عند الغزالي، حدودها من حدود الثقافة الإسلامية ذاتها. إنها تحسست وأدركت وتذوقت حقيقة التحرر باعتباره قيوداً إضافية. لهذا فإن مطالبتها بالمزيد كان لابد وأن يؤدي إما إلى استثارة القناعة المفرطة بتقليديتها، وإما إلى شكوك المعرفة الحية، وإما إلى يقين الذوق الفردي. واحتوت هذه الاتجاهات الكبرى على نماذج لا تحصى، أو بصورة أدق على عدد أصحابها. وإذا كانت الثقافة الإسلامية في ممهدات تكونها أكثر اقتراباً من أرضية الوجود التاريخي الفعلي، فليس لكونها استندت إلى ما هو "عقلي" في قرآنها وسنّتها، بل لكونها نشأت كتلقائية صارمة في استجابتها لوحدانيتها. وقد أعطى ذلك لها إمكانية الشكر الدائم لنِعَم أفعالها، أو التوبة لذنوبها، أو الاستغفار لأخطائها.

إنها قيّدت مساعيها بالطريقة التي جعلت من ارتباطاتها بمطلقها الروحي وشريعتها المتغيرة الأسلوب الواقعي لتعديل مسارها المقيد في دروب الحرية. ومن هنا استمرارها الرصين وابتعادها عن مغامرات النفس. وقد كانت هذه القيود العامة في واقعيتها شبيهة بسواحل البحر، أي أنها تمتلك قيمة الثبات وعروة النجاة ومعنى الأمان والاطمئنان فقط في حالة محاذاتها لأمواجه! وبالتالي لا تمتلك حدّها وحقيقتها وجمالها وجلالها بمعزل عنها. إنها أبقت في محيطها كل المكونات الضرورية للحياة وصخبها المخيف وأعطت لكل ذلك معناه الهادئ بفعل نجاحها في تحويل مغامرات الجسد إلى عالم الروح. بينما سلك كل مفكر بطريقته الخاصة هذه المغامرة الثقافية للجسد. لهذا كان لابد له من أن يصطدم بالضرورة بثنائية العلم والعمل في مستوياتها العديدة، أما بمستواها العقلي (العلم والعقل) أو الوجودي (المادي الروحي) أو الأخلاقي، أو بهم جميعاً كما هو الحال عند الغزالي.

إن التحول العميق في مخاض وحدة العلم والعمل لم يشترط بالضرورة مروره بهذه الثلاثية، أو على الأقل أنه لا يفترض وجودها كسلسلة لابد منها. وإذا كانت هذه السلسلة قد ميزت انقلاب الغزالي إلى عالم التصوف، فلأنها تطابقت في واقعيتها مع مراحل تطوره العقلي في عوالم الفقه والكلام والفلسفة. فهي التجربة التي كشفت في مجراها عن محدودية العقل اللاهوتي والفلسفي، وأفرزت في الوقت نفسه قيمة الغائب الأخلاقي الروحي. لهذا شدد لاحقاً على مبدأ ضرورة أن يبني المرء أحكامه على ما يعلم لا على ما يجهل. ولم يعن هذا المبدأ أسلوباً لمنهجية المحاجة العقلية، بل وتعبيراً عن ضرورة وضع الحدود الصارمة للعلاقة بين الأحكام المبنية على المعرفة الذوقية بالأمور وبين تلك التي تضع في أساس حكمها التقييمي جهلها بها.

لقد كان هذا المبدأ حصيلة المعرفة العيانية بالجدل الفكري وأحكامه الجازمة والجائرة، التي عادة ما كانت تبني تصوراتها على ما تجهله حقيقة. لهذا شدد على رفض السلوك الذي يجعل من الغائب وغير الموجود أساسا للحكم ومقولاته. وإذا كان يسعى من وراء ذلك للبرهنة على أهمية الذوق الصوفي، فإنه كان لابد له في مواجهة إمكانية القبول والرفض من أن تبنيها على أساس خاص بها، هو أساس المعرفة المستندة إلى المعلوم والموجود لا إلى الغائب والمجهول.

وفيما لو حاولنا تطبيق هذه الصيغة على شخصية الغزالي ووعيه العملي، أي على تلك العناصر التي ترتبت بأثر نموه الفكري في مجرى وصراعات الفرق الإسلامية ومذاهبها وانكسارها في التجربة العملية، فإن الفقه احتل موقع الميدان الأكثر سعة وحساسية، ليس فقط في تقييد الفكر المجرد وإجباره على التقولب ضمن إطار الأحكام الصارمة بل وفي ذلك القدر الضئيل من حرية الروح الأخلاقي، الذي يعاني من وطأة "الإستقامة الحقوقية". فالآلية الداخلية للفقه الإسلامي، التي تمثلت في مجرى تطورها نتاج الثقافة القائمة عانت في حالات عديدة من "تخمة" الإفراط المعلوماتي، مما جعله كلي القدرة قاسي القلب. فقد أتقن الفقه حنكة المراوغة للدرجة التي استطاع بها قهر كثرة من عمالقة الفكر الإسلامي أمام محاكم السلطة، واستفحلت فيه نتيجة لذلك غريزة الانتقام وداء التشفي ومكر الذات المخدوع. وعمق ذلك فيه نزعات السيطرة وادعاء الشمولية واحتكار الحقيقة، التي أفقدته مع مرور الزمن صفاته العملية الأولية المميزة لمبادئه وبداياته، أي كل ما كان يتطابق في الوعي الأخلاقي مع الورع والتواضع والصلاح والإصلاح والمبدئية والحقيقة. ولعل تجربة الغزالي الفقهية هي أحد النماذج النادرة في الثقافة الإسلامية التي حاولت أن تضع حداً لتبجّح الفقه المعرفي (المعلوماتي) من خلال كشف محدودية وظيفته وسطحية حقيقته، وضيق مضمونه وصخب طنينه، وعابرية أحكامه وقوة أوهامه. فهو من بين الفقهاء الأكثر رفعة. وهو الذي تمرّس في تمارين الفقه للدرجة التي لم يتجرأ أي من معاصريه على مواجهته وجهاً لوجه، بل وتجاوز ذلك الحد الذي كسر بها نفسه بنفسه. وإذا كانت هذه النتيجة قد استثارت حفيظة البعض وتعظيم البعض الآخر، فإنها لم تعط مع ذلك لمشاعر الاتهام الخفية إمكانية القول عنه بأن علمه كان أكثر من عقله، أو أن عقله أكثر من علمه1 .

فالغزالي لم يعانِ من تناقض زيادة أو نقصان العلم والعقل وتناسبهما فيه وعنده. وهو ليس من الشخصيات التي كان بإمكان المؤرخين المسلمين أن يطلقوا عليه، كما تجرءوا بالقول على ابن المقفع (ت- 141 للهجرة)، وابن الريوندي (ت-245-250 للهجرة) وفيما بعد السهروردي المقتول (ت- 586  للهجرة) وغيرهم من أن علومهم أكثر من عقولهم2، أو على الفراهيدي (ت- 170 للهجرة) من أن عقله أكثر من علمه.

إن علوم الغزالي لم تكن أكثر من عقله ولا عقله أكثر من علومه. وقد أظهر ذلك أيضاً في إدراكه الدقيق لهذه العلاقة المتناقضة والضرورية في الوقت نفسه في الوعي والممارسة، مازالت هي القوة الفعلية وراء تطور الذات المفكرة. فتطوره الفكري الروحي ما قبل التصوف هو مثال الحركية الدائمة لزيادة ونقصان العقل والعلم في تناسبهما. وفي مرحلته الصوفية فقط وعى خطورة هذه العلاقة ليس بوصفها قضية فكرية، بل وعملية أخلاقية. لهذا نراه يشدد لاحقا في (نصيحة الملوك)  على أن "الإنسان إذا كان عالماً ولم يكن له عقل سقط جاهه ومرتبته"3. ولم يكن حكمه هذا نابعاً من معاينة ودراسة تجربة الصراعات الفكرية على مثال شخصياتها، بل وأساساً في إعادة تقيم تجربته الشخصية العملية، وخصوصاً في ميدان الفقه.

إن معادلة نقصان وزيادة العقل على العلم والعكس، التي أبدعها الخيال الأدبي في بادئ الأمر، لتتخذ في مواقف الكلام صيغة الاتهام العقائدي، تحولت في أيدي الفقهاء إلى وسيلة قمع "المتهورين" وتبرير النفس. فقد كان الفقهاء في العلم فحولاً لكنهم صغار العقول. لهذا تحسسوا قوة الاتهام الفعالة لمعارضيهم في فكرة زيادة العلم على العقل، وبالتالي إبراز أنفسهم كممثلين حقيقيين لوحدة العلم والعقل. ولم تكن هذه المفارقة الحصيلة الضرورية للفقه، بقدر ما أنها كانت النتاج الطبيعي للتناقضات القائمة في البحث الدائم عن الحقيقة، أي تلك الصراعات الناشئة في مرحلة انحطاط القيم وتضخم المعارف، التي وجدت تعبيرها وتجليها الحاد في تناقض العقل والأخلاق.

فقد وقف الغزالي أمام هذه المفارقة الدائمة المميزة للوجود الإنساني ما لم يبلغ درجة وحدة الحقيقة وحقيقة الوحدة. فالعقل يمكنه أن يكون كونياً، ويمكنه أن يتصور ذاته أو يتضاءل أمام بصيرته، أما في مساعيه وحركته وقوة إبداعه وفي فضائله أو رذائله الطبيعية والاصطناعية، فإنه لا يعاني إلا من عزلته في الصراع مع النفس. وقد وقف الغزالي أمام هذه المفارقة محاولاً إدراك رموزها العامة وحل معضلاتها الخاصة. وإذا كان ذلك مرتبطاً في جانبه الفكري بتجربته النظرية في علوم الكلام والفلسفة، وجانبها السياسي الأخلاقي في صراعه مع الباطنية التعليمية، فإن حساسيتها الأخلاقية الروحية تبلورت أساسا في دهاليز الفقه العقلاني ومكره العملي.

***

ا. د. ميثم الجنابي

....................

1- لهذه الفكرة تقاليدها. وقد بنيت في شقيها على رد فعل الصراعات الفكرية. كما كانت تحتوي على وحدة المتناقضات في الوعي التقييمي. فابن النديم يورد، على سبيل المثال، الكلمات التي قيلت عن أولئك الذين زادت عقولهم على علومهم. وأولئك الذين زادت علومهم على عقولهم. واحتوت هذه المقارنة المفارقة على فكرة عميقة من حيث تحديدها للعلاقة بين العقل والمعرفة بمختلف اصنافها. كما تتضمن هذه العبارة على معنى سبق وإن ابدعته الثقافة الإغريقية الفلسفية عن "أن كثرة العلوم (المعارف) لا تصنع عقلا". غير إن عبارة "علمه أكثر من  عقله" كانت تتضمن في الأغلب إشارة إلى التهور العقلي والجرأة المتشددة. أما الصيغة المعاكسة فقد كانت تحتوي على صيغة الاحترام الظاهري المشبوب بقلق داخلي، والذي لا يخلو بدوره من صدق الانتفاض المبطن. غير إن هذا التقييم بصنفيه اتخذ في تقاليد الصراع والاحتراب الفكري والعقائدي طابعا آخر اتسم في أغلبه بالتكفير والتجريم والاتهام والتبديع وما شابه ذلك، كما كان الحال في الموقف من ابن الريوندي والسهروردي المقتول وغيرهم.   

2- إن لهذا الاتهام أو التقييم لكل من هؤلاء الثلاثة (ابن المقفع وابن الريوندي والسهروردي المقتول) مقدماته الفكرية والسياسية ومضمونه الخاص في ظروف كل منهم. بمعنى إن لكل ترديد لعبارة "إن علمه أكثر من عقله" قيمتها ومضمونها ووظيفتها الخاصة. ففي حالة ابن المقفع لم يكن ذلك معزولا عن الصراعات السياسية والثقافية الضيقة، بينما كان الأمر أكثر تعقيدا في حالة ابن الريوندي بسبب تعّقد وتوّسع وتعمّق كل من العلم والعقل الإسلاميين في ميادينهما المختلفة، وبالأخص في ميدان صراع المذاهب والفِرق الكلامية. فالتقييم أو الاتهام المذكور والمنسوب إلى ابي القاسم البلخي (ت- 317 للهجرة) والذي سيدخل تيار الأحكام القاسية للاعتزال كما هو جلي في كتاب (الانتصار) لابي الحسين الخياط. ففيه نعثر على نقد "تهور" ابن الريوندي و"فظاعة" عقله الجدلي. ولم يكن هذا النقد اعتباطا في الفكر المعتزلي. فقد دافع المعتزلة عن العقل واعتبروا أنفسهم القوة الرائدة في هذا المجال. وبالتالي اعتبروا معارضة أحكامهم العقلية واستنتاجاتهم في أفضل الأحوال خروج على العقل. غير أن ما لم يكن بإمكانهم الاقرار به ذهنيا لم يستطيعوا تطبيقه عمليا، أي انهم فسحوا المجال بمواقفهم هذه "لاقتراف الذنوب العقلية" كما هو الحال في موقفهم من ابن الريوندي. إذ لم يكتفوا بذلك بل ونظروا إلى خاتمة حياته البائسة بنفسية التشفي كما هو جلي في مخاطبة الخياط له بعبارة "فهذا مذهبك وهو قولك القائل بقدم العالم والزمان والاستهزاء بالأديان والأنبياء. ومن اجله نفتك المعتزلة وطردتك من مجالسها وباعدتك عن انفسها حتى حملك الغيظ عليها على ان صرت تنبح كالكلب بإزائها وتكذب على أشياخها. وما ضررت بذلك غير نفسك"(الخياط: كتاب الانتصار، بيروت، 1957، ص123). أما في الواقع فإن لهذه الظاهرة مفارقاتها الخاصة، وفي كلّها شكلت المادة الغنية لثقافة الغزالي الفكرية وحساسيتها الأخلاقية اللاحقة (بعد انتقاله إلى التصوف) في موقفه من الجدل. 

3- الغزالي: التبرك المسبوك في نصيحة الملوك، القاهرة، 1900، ص119.

 

 

ميثم الجنابيأيا حجر الشحر إلى متى

تسنّ الحديد ولم تُقطَعِ؟

إن المهمة السياسية الأيديولوجية القائمة وراء (فضايح الباطنية) لم تتجرد في الوقت نفسه عن "ازدواجيتها" العميقة. بمعنى أنها ظلت تحمل في أعماقها ليس فقط حوافز الدفاع عن السلطة العباسية والبرهنة على أحقيتها في الخلافة، بل وكونها كانت من الناحية التاريخية والفكرية شيئاً ما نسبياً وعابراً مقارنة بأسلوبه الجدلي ومضمونه العقلاني. فقد ساهم مؤلفه هذا، سواء على المستوى الشخصي والاجتماعي والثقافي، في تعميق منظومة وقيم الحرية الفكرية واستقلالية العقل ودحض فكرة السلطوية الروحية وأوهام العصمة واحتكار الحقيقة من جانب أي كان. فهو في دفاعه عن السلطة العباسية، على سبيل المثال، لم يتهاو في أوحال التبرير بالصيغة التي يمكن أن يطوي بها قيمة العقل وفضيلة الاجتهاد وحرية الرأي أو أن يرتضي بالعصمة لخلفاء بني العباس.

لقد عمّقت حذاقة النقد المتصدي لفكرة التعليمية الباطنية عن إمامها (العقائدي والسياسي)، باعتباره العارف بحقائق الأشياء والملزم طاعته والتعلم منه لأجل نيل سعادة الدنيا والآخرة، أسلوب الجدل الفكري. غير أن وجهته كانت أيضا تسير باتجاه خدمة مصالح الإمام العباسي (المستظهر بالله). إن جهود الغزالي النظرية لإبطال فكرة التعليمية الباطنية عن عصمة وأحقية إمامها في مصر آنذاك كانت تحتوي على تمهيد الأساس الأيديولوجي للدفاع عن الخليفة العباسي، باعتباره إماماً للمسلمين. بمعنى أنه لم يقف عند حدود دحض الفكرة الباطنية وكشف "فضائحها"، بل ونفيها بالبديل العباسي من خلال جمع كل ما يمكنه ضمان تأييدها بما في ذلك كثرة المعطيات المباشرة والعادية مثل وجود أغلبية المسلمين والقوة إلى جانب المستظهر بالله وما شابه ذلك. رغم أنه كان يدرك جيداً انعدام الصلة الضرورية واللازمة بين القوة والحق، والكثرة والحقيقة. بل إن انتقاداته الفكرية الشديدة للباطنية حول الإمام الواحد والحق كانت موجهة أساساً من أجل البرهنة على استقلالية وموضوعية الحقيقة وتجردها بالتالي عن عوارض الكميات (أتباعاً ومعارضين). وذلك لأن كثرة الأغبياء والحمقى واتفاقهم على الكلمة، كما أكد الغزالي نفسه، لا يعني حقيقتها وأحقيتهم. إن استعماله هذه الفكرة ضمن سياق الدعاية السياسية لم يعن في الواقع سوى إحدى محاولات إعطاء الخلافة العباسية في شخصية المستظهر بالله شرعية وجودها وصلاح إمامها. ومن هذا المنطلق يمكن فهم استنتاجه القائل "بقدسية" الخلافة العباسية. فقد أكد على أن وصول المستظهر بالله للسلطة لم يكن نتاجاً للحيلة البشرية والمخادعات بل بل "رزقاً إلهياً". بمعنى أن اختياره هو اختيار الله له. غير أن الغزالي مع ذلك لا يجعل من واقع الاختيار مقياساً للحقيقة، بقدر ما أنه يمثل أحد مؤشراتها، أي أنه نظر إلى الاختيار باعتباره مقدمة للبيعة الحقيقية، التي ستصرف لاحقاً "قلوب الخلق لطاعته والانقياد له في الأمر والنهي"[1]. وإذا أتاح الله لامرئ هذا، كما يقول الغزالي، فإنه كان من الله لطفاً في اختياره لخلافته[2].

ومن الممكن القول بأن هذا الاستنتاج الأيديولوجي الملطف للتبريرية الجبرية يعكس في بعض جوانبه خشونة المواجهة الفكرية والسياسية للمرحلة. لهذا حاول أن يعطي له طابعاً سياسياً عقلانياً من خلال تصوير استنتاجه السابق على أنه نموذج معارض لفكرة "النص الإلهي" للتعليمية الباطنية، التي وضعت الاختيار الإلهي قبل الإنساني. في حين وضع الاختيار الإنساني قبل الإلهي، أو بصورة أدق أنه وجد في الاختيار الإنساني تطبيقاً للإلهي، وفي وحدتهما الصيغة المثلى لما ينبغي، أي أنه سعى إلى إيجاد نوع من التجانس الواقعي الممكن بين الإلهي والإنساني في الاختيار السياسي. وقد أدت هذه  الفكرة إلى خلافات جوهرية مع ما يقابلها في التعليمية الباطنية. إلا أن الغزالي حالما حاول إنزال هذا التجانس الممكن إلى ميدان الواقع، فإنه كان لابد من أن ينكسر على موشور الصفات الأساسية، التي ينبغي أن يتحلى بها الإمام (الخليفة). فالغزالي يستند هنا جزئياً إلى تقاليد الكلام السياسي في موقفه من الصفات الأساسية للإمام، إلا أنه أخضعها لمصالح أيديولوجية السلطة، بحيث أدى به ذلك إلى أن يجعلها جزءاً من الصراع لا من مكونات البحث عن الحقيقة. فعندما حاول أن يطبق الصفات المكتسبة الأربع على شخصية الخليفة المستظهر بالله (النجدة والكفاية والورع والعلم)، فإنه ينطلق من أن النجدة ضرورية لإظهار قوة السلطة وحسم الفتن وإقرار النظام. وبما أن الغزالي يصطدم بواقع كون القوة العسكرية ليست بيد الخليفة، بل بيد السلاطين الأتراك وما تنتجه هذه الحالة من انتقادات المعارضة للخليفة بما في ذلك في صفة النجدة، فإنه وجد المخرج المناسب في ازدواجية الانتقاد والتبرير. فهو يشير إلى واقع مخالفة السلاطين والأمراء لأوامر الخليفة ونواهيه. بل إنهم في حركاتهم لا يترددون إلا خلف شهواتهم، وإذا هاج لهم غضب لم يبالوا بالأتباع ولم يعرفوا إلا الرجوع إلى ما جبلوا عليه من طباع السباع[3].

إن الغزالي يصوّر الواقع وينتقده بحذق ضمني، لكنه يحدّه في الوقت نفسه ايديولوجياً على أساس أن ذلك لا يغير من طبيعة الخلافة وشرعيتها، مازال السلاطين أنفسهم "يتقربون إلى الله بنصرته ويعتقدون ويطيعون خلافته". أما عدم الطاعة والتردد إلى الشهوات، فإنها صفة كانت قائمة على الدوام. فالمؤمنون على سبيل المثال، لا يخضعون كلهم بقدر واحد لله. إذ هناك الموافق والمخالف. والسلاطين رغم تنصلهم عن الخضوع أحياناً، فإنهم على الدوام شديدو الحرص على إظهار الطاعة له. ذلك يعني أن هذه الظاهرة المثيرة لانتقادات التعليمية لا تغير من أحقيته في الخلافة. ولنا في ذلك أمثلة كثيرة بما في ذلك مع الإمام علي بن أبي طالب، الذي دفعه تنافر قومه وعدم خضوعهم لرأيه وإتباعهم إياه إلى أن يقول يوماً "لا رأي لمن لا يطاع". وإذا كان الإمام علي يقود العساكر بنفسه، فإنه لم يعد ذلك، حسب نظرية الغزالي، شرطاً من شروط الإمامة. بصيغة أخرى، إنه يجمع مختلف الأدلة من أجل البرهنة على شرعية الخليفة العباسي. وبغض النظر عن طابعها التبريري الجزئي، إلا أنها صبّت في مجال التقاليد الكلامية العقلية، التي جعلت من شدة الكلمة وقوتها الجدلية أسلوب البرهنة على الحق والحقيقة. ويمكننا أن نلحظ هذا الأسلوب أيضاً في كيفية تطبيقه على كافة الصفات الأخرى. فالمستظهر بالله يظهر كما لو أنه أحد ممثلي الورع الإسلامي الكبار. وإذا كان الغزالي يركز على هذه الصفة أكثر من غيرها، فلأنها تستلزم أولاً وقبل كل شيء "معاناتها" الذاتية باعتبارها صفة ذاتية مكتسبة على خلاف النجدة والهداية وغيرهما من الصفات، مما يمكن تقويته بمساعدة المستشارين والأعوان. من هنا فإن تميز المستظهر بالله بالورع هو الذي يعطي للغزالي إمكانية حلّ خياله وعقله قيود الاعتدال، ولكنه يبقى مع ذلك أميناً "لمنطقية" الاستنتاج في تقاليده الثقافية الإسلامية. فهو حالما يستنتج من صفة الورع المميزة للمستظهري أحقيته في الخلافة، فإنه يكون بذلك قد عبّر عن استمرارية التقاليد الإسلامية في موقفها من إحدى أهم الصفات وأكثرها جوهرية في صيرورة كيانه الروحي الأخلاقي. فالورع، كما أفرزته تقاليد الإسلام، هو البؤرة الداخلية التي تلتف حولها طبقات الوعي الأخلاقي. ومنها تشع علامات الحق. وإليها تنجذب قوى الروح الكامنة في القلب والعقل والجوارح. وليس مصادفة أن يجمع في تصويره شخصية الخليفة كل هذه الصفات قائلاً بأن المستظهر بالله هو "إمام الورع والتقوى حتى أوفى على الغاية القصوى. فتميز بمتانة الدين وصفاء العقل واليقين حتى ظهر من أحواله منذ تجمّل صدر الخلافة بجماله من إفاضة الخيرات والعطف على الرعايا، وقطع العمارات التي كانت العادة جارية عليها بالمواظبة عليها. كل ذلك إضراباً عن عمارة الدنيا. هذا وما ظهر من سيرته في خاصة أحواله من لبس الثياب الخشنة واجتناب الترفّه والدعة والمواظبة على العبادات"[4].  كل ذلك في ريعان الشباب، فما بالك يا ترى في حالة مقاربته سن الكمال. إذ أن الهلال إذا رأيت نموه أيقنت أن سيصير بدراً كاملا!

إن الغزالي يدرك صعوبة تحقيق التجلي الواقعي لحقيقة الكمال. وذلك لأن الكمال الحقيقي هو لله فقط. إلا أن عدم تجليه الكامل لا يعني عدم وجوده. وبهذا فإن انتقادات التعليمية الباطنية وغيرهم القائلة بخلو الزمان من الإمامة لافتقاد شرطها في الكمال لا يمتلك أساسه السليم. لهذا حاول جهد الإمكان رد هذه الاعتراضات بالصيغة التي يمكنها أن تعقلن المواقف أو تصوغ مبادئ اعتدالها الواقعي. فعندما يتناول على سبيل المثال، شخصية الخليفة الذي بحوزته كل تلك الأموال والإمكانات الاقتصادية الهائلة، فإنه لا ينساق وراء ما يمكن دعوته بالتبريرية الاقتصادية، بل وراء عقلنة المواقف من خلال التركيز على وحدة الورع والاقتصاد في النفقات من خلال شرعنتها الفقهية الحقوقية. فهو ينطلق من أنه لا عصمة للبشر، بما في ذلك للأنبياء. والإنسان عرضة للزلل. وعلى هذا الأساس حاول أيضاً استعمال فكرة الشافعي حول شرط عدالة الشهادة ليطبقها على الإمامة. فالشافعي يؤكد على أنه لا يمكننا القول عن فرد ما بأنه غير ذي طاعة خالصة إلا في حالة عدم اقترافه معصية مطلقا. ولا يمكننا القول عن فرد ما بأنه عاص كلياً إلا إذا أدركنا أنه لم يقم بطاعة قط. أما في الواقع فإنه ليس هناك إنسان منفكّ عن الخلط بينهما. إلا أن من غلبت الطاعات عنده على المعاصي وأن السيئة تثير عنده شعور الاستياء، والحسنة شعور الاستحسان، فهو يقول الشهادة. وفي استناده إلى هذا الاستخلاص الفقهي، يستنتج مخرجاً سياسياً يقول بأننا لا نشترط في عدالة القضاء إلا ما نشترطه في الشهادة، ولا نشترط في الإمامة إلا ما نشترطه في القضاء[5]. إذ ليس الإمام في نهاية المطاف سوى قاضٍ أكبر. وإذا كان الغزالي قد استطاع إخراج المستظهر بالله يابساً من بلل الانتقادات والاتهامات المعارضة في الصفات الأساسية كالنجدة والورع، فإنه أفلح بقوة أكبر في إظهار لمعانه في صفات العلم والكفاية.  غير أن ما يصوغه هنا هو جزء موجز من قناعته السياسية أيضاً بصدد قضايا الدولة والسلطة. إلا أن الثغرة التي ظلت قائمة على الدوام في منظومته الفكرية ما قبل التصوف تقوم في كمون فاعلية الصراع بين عقلانيته المنطقية وتبريره الايديولوجي، أي كل ما كان يسهم في خلخلة روحه الأخلاقي المعرفي.

ولم يكن ذلك معزولاً عن الصراعات الاجتماعية والسياسية والفتن المذهبية وعلائم انهيار الدولة وانحلال الوحدة وتشوّه القيم وانفلات الأمن. وبهذا المعنى كانت أراءه واحكامه ومواقفه الايديولوجية الوجه الآخر للواقعية العقلانية. فعندما حاول الدفاع عن أحقية المستظهر بالله فإنه يصور حالة الدولة والمجتمع بصورة دقيقة، مشيراً إلى أن صعوده إلى سدة الخلافة بعد سابقه (المقتدي) رافقه "إحداق العساكر بمدينة السلام وازدحام أصناف الجند على حافتها. والزمان زمان الفترة، والدنيا طافحة بالمحن متموجة بالفتن. والسيوف مسلولة في أقطار الأرض. والاضطراب عام في سائر البلاد. لا يسكن فيها أوار الحرب ولا تنفك من الطعن والضرب. وامتدت أطماع الجند إلى الذخائر ففغروا أفواههم نحو الخزائن. وكان يتداعى إلى تغيير الضمائر وثور الأحقاد والضغائن"[6]، أي كل ما كان ينبغي للمستظهر بالله وضع حد له وإعادة ترتيب الأوضاع بالصورة الأفضل. وهو ما استطاع القيام به. لهذا كان دفاع الغزالي عنه هو دفاع عن الوحدة الاجتماعية والسياسية للدولة. كما انه دفاع عقلاني وواقعي في الوقت نفسه. أما التناقضات المظهرية في بعض صياغاته النظرية فإنها لم تكن في الواقع نتاجاً لمعارضة الحقيقة بالمذهبية السياسية، بقدر ما أنها نتاج لمعارضة المذهبية العقائدية بالعقلانية السياسية. وقد أدت هذه العقلانية به إلى أن يقف لاحقا أمام هاوية تأنيب الضمير الأخلاقي. وفي وقت لاحق، فإنه لم يقدم الحقيقة كبشاً لفدائه الشخصي، بل شخصه كبشاً لفداء الحقيقة الأخلاقية، أي كل ما سيظهر بجلاء لا لبس فيه بما في ذلك في تمسكه الدائم بآرائه التي صاغها في (المستظهري) ضد التعليمية الباطنية.

لقد تنازل عما هو دعائي وتبريري في آرائه وأحكامه باعتبارها عوارض للصراعات السياسية. فقد كانت هذه العوارض بمعنى ما محاولات إضافية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لهذا فإنه حالما ستظهر أمام مصيره الشخصي معادلة الحقيقة والسياسة، والعقل والأخلاق فإن حلها الضروري اتخذ صيغة التآلف المعرفي الجديد. فلا عقل وأخلاق، بل عقل أخلاقي. وبهذا يكون قد حافظ، كما هو الحال في موقفه من الكلام والفلسفة، على ما هو إيجابي فيهما. وبهذا يكون قد أضاف إلى صرح تجربته النقدية العقلية تجربة الكلام السياسي، رغم أن تأثير التعليمية الباطنية على آرائه لم يكن محصوراً أساساً في ميدان السياسة بل في استمرار تأثير العقلانية النقدية وظهور قيمة الوعي الأخلاقي. ولم يكن هذا بدوره معزولاً عن آراء الباطنية وأسلوبها التأويلي.

فعلى الرغم من معارضة الغزالي الدائمة لآراء التعليمية الباطنية وأسلوبها التأويلي، إلا أن معارضته جرت أساساً، كما هو الحال بالنسبة لمواقفه من الاتجاهات الفكرية الأخرى، من خلال تطوير وتعميق وعي الذات المعرفي النقدي. ومن الممكن رؤية تأثير المادة الباطنية التعليمية الغزيرة في آرائه بما في ذلك في مرحلته الصوفي، وبالأخص ما يتعلق منها بقضايا النبوة والظاهر والباطن والسمو الأخلاقي والمعرفي وغيرها. وليس مصادفة أن تظهر، على سبيل المثال، إحدى القضايا الجوهرية في التعليمية الباطنية، ألا وهي قضية العلم والتعليم والمعلم في آرائه وتتصدر كتابه الأكبر (الإحياء) كإحدى قضاياه الأساسية وأولها، وباعتبارها مدخلاً لما أراد قوله. إلا أن الخلاف مع التعليمية الباطنية ظل مع ذلك جوهرياً، وبالأخص ما يتعلق منه بمواقفهما المتباينة من التأويل وأساليبه ومضمونه وغايته. لكنه حالما تعامل مع قضايا الفكر الصوفي، فإنه أصطدم بالضرورة بالمخزون المشترك لباطنية الصوفية وباطنية الباطنيات العديدة، بما في ذلك التعليمية بفعل دورها الكبير في صياغة وتعميق تقاليد التأويل واستدراجها خيال وعقل الثقافة في أمثلتها العديدة (الفلسفية واللاهوتية والأدبية المجازية وغيرها). لهذا لم يكن بإمكانه التخلي كلياً عما بدا له مضراً في بادئ الأمر في الفكر الباطني. فقد أدرك في مجرى صياغته أطر وموضوعات تآلفه الفكري الجديد، الصلة الخفية بين أسلوب المعرفة القلبية  (الصوفية) في أحوالها ومقاماتها من تذوق وكشوف ومشاهدات وبين التأويل المفرط للمادة القرآنية والحديث باعتباره نتاجاً وتمرينا للفكر الباطني. وقد انعكس في ذلك إحدى أساليب تطور إدراك الغزالي المعرفي وفكره. وبدون ذلك يصبح من الصعب فهم صيرورة تآلفه اللاهوتي الفلسفي الصوفي باعتباره نفياً لآرائه السابقة أو تطويراً مضموني لها. إذ لم تكن هذه الظاهرة بالنسبة له قضية فكرية خالصة بقدر ما أنها ارتبطت أوثق ارتباط بالموقف النقدي من النفس، والذي أدى إليه تجمع عناصر التناقض الداخلية في وعيه الفردي، أي كل ما استجمع في ذاته تناقضات الواقع ومحاولات الخروج من أزمتها.

فهو لم يرفض تراثه السابق بل استعاده بعمق جديد وآفاق أرحب، مشذباً إياه بالصيغة التي عادة ما ترافق إعادة التقييم النقدية الخالصة. وبدون ذلك يكون من الصعب فهم إشاراته العديدة في مرحلته الصوفية إلى مؤلفاته الأولى (ما قبل التصوف)، بما في ذلك دعواته المتكررة للرجوع إلى هذا الكتاب أو ذاك، أو إلى هذا الفصل والباب منه أو ذاك، بما فيها كتبه الموجهة منها ضد الباطنية. ومن الممكن تفسير هذه الظاهرة جزئياً استناداً إلى "شرعية" الحقيقة القائمة في هذه المؤلفات باعتبارها مؤلفات "ظاهرية" مدافعة عن عقيدة العوام، إلا أن هذا "الدليل" لا يشكل بحد ذاته قيمة جوهرية لا من حيث مضمونه ولا من حيث وظيفته في منظومة الحقائق التي أبدعها في تآلفه الفكري الجديد.

لقد ظلت هذه المؤلفات تحمل الكثير من الحقائق الجوهرية التي تمسّك بها ودافع عنها في مرحلته الصوفية أيضاً. وليس مصادفة، على سبيل المثال، أن يردد في (المنقذ من الضلال) جملة الآراء التي بلورها وعرضها في (المستظهري). فهو يشير إلى ما أسماه بالمستحثّ الخارجي، أي أمر الخلافة في الرد على الباطنية[7]. وكذلك آراؤه الداحضة لفكرة العصمة ودعوته للاجتهاد انطلاقاً من أن النصوص متناهية ولا تستوعب الوقائع غير المتناهية[8]. ويؤكد في الوقت نفسه على الفكرة الرئيسية في انتقاده للباطنية  والمتعلقة بقضية التأويل، وأن ما يصوغه من آراء ومفاهيم تستمد مقوماتها من القرآن ويدعو القارئ في حالة رغبته بالتمعن بآراء الباطنية بالرجوع إلى مؤلفاته العديدة بهذا الصدد مثل كتاب (المستظهري) و(وحجة الحق) و(مفصل الخلاف) و(القسطاس المستقيم). ذلك يعني أن الغزالي لم يرفض في الواقع سوى الفجوة التي كانت تتخلل مسام وعيه العقلاني وغياب فاعلية الروح الأخلاقي، أي كل ما استثار، على خلفية وجوده التاريخي القائم آنذاك، شعور القلق الروحي الذي أبدع حوافز تذليل خلاف العقل والأخلاق. فالسخاء العقلي في منطق "الفضائح" وجفاؤه الأخلاقي كان يحوي في جوانحه على عوالم الكمون الحي لمفارقات الحقيقة العقلية الأخلاقية، أي كل ما تطاير على مسنّ التجربة العملية الأخلاقية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] الغزالي: فضائح الباطنية، ص126.

[2] الغزالي: فضائح الباطنية، ص126.

[3] الغزالي: فضائح الباطنية، ص129.

[4] الغزالي: فضائح الباطنية، ص132.

[5] الغزالي: فضائح الباطنية، ص135.

[6] الغزالي: فضائح الباطنية، ص131-132.

[7] الغزالي: فضائح الباطنية، ص118.

[8] الغزالي: فضائح الباطنية، ص121.

 

ميثم الجنابي"الجنون فنون"

إن الانتقاد العقلاني لمفاهيم التعليمية عن الإمام المعصوم من خلال التركيز على موضوعية الحقيقة قد وضعه أمام إحدى القضايا الكبرى للثقافة الإسلامية، ألا وهي طبيعة العلاقة بين الأخلاق والحقيقة، بين الحقيقة والأيديولوجيا. فالغزالي في مرحلته هذه لم يسعَ لحل هذه القضايا بصورة مستقلة. بمعنى أنه لم يواجهها بوصفها قضاياه الشخصية، بقدر ما أنه واجهها كجزء من مهمات الصراع ضد "الزيغ والباطل" التعليميـ الباطني. لهذا لم يكن بإمكان آرائه هنا أن تتعدى في أفضل الأحوال حدود الدفاع عن العقل واستقلاليته الفكرية ورفض التقليد.

إن لهذه الظاهرة مقدماتها في تقاليد الجدل الكلامي وصراع الفرق الإسلامية. وإذا كان الغزالي قد سار هنا على العموم في تيارها الجارف، فإن مأثرة هذا الانتقاد تقوم في تمظهره بموضوعية التحليل والأحكام بصدد القضايا المثيرة للجدل. لهذا فإنه حالما يتطرق إلى فكرة التعليم، فإنه يؤكد على ضرورتها. ويشدد في الوقت نفسه على أنها لا تستلزم أية عصمة. فالعلوم البرهانية العقلية هي ليست علوماً تقليدية، بينما لا يمكن معرفة حقيقة العصمة إلا بالضرورة أو التقليد. وفي كلتا الحالتين، فإننا لا نستطيع هنا بالدلالة والتدليل سوى اقتراف حماقات لا غير. أما حماقة التعليمية الباطنية، فإنها تقوم في هجومها المستميت ضد العقل وتفضيل تكذيبه. ومنطقياً لا تؤدي هذه المحاولات إلا إلى نفي فكرة العصمة ذاتها. إذ حتى في حالة افتراض إمكانية وجود العصمة والإقرار بقدراتها العملية، بمعنى استطاعة الإمام المعصوم تقديم العلم المطلق في كل شيء، فإن ذلك لا يمكنه تفسير كل من وجود الخلافات أو كيفية القضاء عليها. ولو كان وجوده فعلياً فلم لا يسلك الكل في ربقة التصديق؟ بصيغة أخرى، إنه يحاول من خلال انتقاداته اللاذعة لفكرة العصمة أن يتوصل إلى أن إنكار الرأي والعقل والدعوة للرجوع إلى الإمام المعصوم هي ذاتها قضية مرهقة للمعصوم نفسه ومأزق لا يمكن الخلاص منه. لهذا أكد على أنه إذا كان بالإمكان الإقرار جدلاً بوجود المعصوم كفكرة لها أتباعها في أوساط بعض الفرق الإسلامية وفرق الأديان الأخرى (كل بطريقته الخاصة)، فكيف يمكن يا ترى أن تكون مقنعة لمن لا يقر بوجود الله والأنبياء والمعجزات؟ ومن هنا استنتاجه القائل بضرورة رفض العصمة والمعصوم والدفاع عن حرية الرأي والعقل. فالأخير ليس قادراً على الإقرار بالمعجزة، كما يقول الغزالي، بل وبإمكانه اعتبارها أيضاً مخرقة وسحراً. وبالتالي فبأي معنى يمكن الإقرار أو القناعة بوجود عصمة ما عند فرد ما؟ ولم لا يمكن لهذا الإنسان أو ذاك أن يقلد أو يقتنع بعصمة الآخرين والمعارضين لمن يدّعي العصمة لنفسه؟ ومن هنا بديله القائل بأن الحل الوحيد هنا هو "الأمر بالتفكر والنظر في الدليل" . وبهذا يتحول الرأي والنظر عنده إلى الوسيلة الحقيقية والوحيدة لبلوغ اليقين. أما افتراض إمكانية الثغرات الدائمة في معطيات العقل وأحكامه فهو نتاج السفسطة والجهل العقائدي. إذ أنه يؤدي إلى إبطال العلوم والاعتقادات جميعاً. بل وحتى في هذه الحالة فكيف "يبقى معه وجود التعلم ومعرفة العصمة" .

إن الجدل الفكري الذي خاضه ضد التعليمية الباطنية لم يكن "تمريناً" فكرياً، كما كان الحال في (تهافت الفلاسفة)، رغم احتوائه على بعض القواسم المشتركة فيما سيدعوه في وقت لاحق بالدفاع عن عقيدة العوام، أي أن ما يميزه عن سالفه هو اتجاهه ومضمونه الأيديولوجي العقلاني وهدفه السياسي المباشر. وقد أدى بفعل قوته العقلانية إلى نتائج غاية في التباين من حيث تأثيره على تطوره الفكري الروحي. ففي إجابته على ما إذا كان الإمام المعصوم ضرورياً أم لا، فإنه يتوصل إلى فكرة من حيث استدراجها المنطقي إلى أحكام غاية في الجرأة في دفاعه عن الوحدانية الكلامية الفلسفية، أي تلك الأحكام التي يفترضها منطق العقلانية الصارم. فالفكرة التعليمية الباطنية القائلة بضرورة الإمام المعصوم وبأن غيابه هو فقدان للحق، تتناقض مع الحكمة الإلهية في ترتيب حياة الناس وقيامها على مبادئ الحق هي مقدمة خاطئة. إذ ليس هناك بنظره من حكمة تستلزم من الله خلق إمام معصوم، بل إنه يجوّز خلوّ العالم من نبي استناداً إلى قدرة الله المطلقة. وهو لم يعنِ بذلك سوى "القدرة الإلهية" وحكمتها من افتعال الذهنية المذهبية ومصالح السياسة وبما يتوافق أيضاً مع تجانس نظراته عن حقيقة العدالة والظلم، والحكمة واللاحكمة في الوجود. إذ ليس الظلم حسب عبارة الغزالي سوى وضع الشيء في غير موضعه. ولا يعني ذلك سوى التجريد الاشمل لما يمكنه أن يغطي كل ظواهر الوجود دون أن "يتلوث" بها. من هنا اعتباره لفكرة التعليمية وأمثالها عن ضرورة إرسال الأنبياء والأئمة المعصومين للأمم من أجل إرشادهم، وأن عدم إرسالهم هو مناقضة لأوصاف الكمال الإلهي، مجرد خداع لا غير. بل وحتى في تلك الحالة التي يؤكد فيها على أن الله لا يلزمه في نعوت كماله أن يراعي مصلحة الخلق فإنه لم يسع بذلك لعزله عن مصيرهم بقدر ما أنه سعى للبرهنة على أن التحكم الجزئي والمفتعل بمعطيات العقل في تقرير ما هو واجب وما هو غير واجب على الله، هو وضع الله ووحدانيته المطلقة في قفص الاتهام أمام انتقائية العقل الجدلية ورغبات النفس . إذ أن ذلك يعني فيما يعنيه تقييد العقل ذاته بذاته في هوس يشابه في جنونه فكرة النص والعصمة. غير أن تشديده على هذا الجانب لم يكن يرمي في الواقع إلا لإبراز فساد الفكرة التعليمية الباطنية عن ضرورة الإمام والإمامة. وإذا كان الغزالي يواجه أحياناً لاعقلانية التعليمية بلا عقلانية مناقضة، فلأن ذلك كان نتاجاً لتقاليد الجدل الكلامي من جهة، وأسلوباً لبلوغ الحد  المعقول "للوسط العقلاني" من جهة أخرى، أي أنه الوجه الآخر لتقييد العقل بالعقل. من هنا كلماته القائلة بأن الأمور أعقد مما يبدو لقناعة الذهنية التقليدية عن ضرورة الإمام والنبي، انطلاقاً من أن "صفات الربوبية لا توزن بموازين الظنون. وبهذا يستبين أنه لا يجب بعث نبي ولا نصب إمام" . من هنا فإنه لا معنى "للعهد الأزلي" في تنصيب الإمام مازال ذلك غير ضروري بما في ذلك للنبي. وبغض النظر عن أن التعليمية الباطنية ليست الوحيدة في ادعائها بوجود إمامها المعصوم، إلا أن الغريب في الأمر هو ظنها أن هذه الحماقة، كما يكتب الغزالي، خاصة بها فقط. إذ أن تاريخ الخلافة كما يقول في (فضائح الباطنية) مليء بالأشخاص والحركات التي ادعى كل منها نفسه ممثلاً ليس للعصمة والنبوة، بل وحتى للربوبية. وبهذا المعنى فإنه لا أساس يقيني في ادعاء التعليمية الباطنية، وأحقية معصومها مقارنة بالآخرين.

إن ما يمكن قبوله في اتجاهات التعليمية الباطنية عن الإمامة، حسب نظر الغزالي، هو ادعاؤها بأحقيتها في الخلافة. فهو ادعاء يمكن قبوله عقلاً، لأنه وارد عند الكثير من الاتجاهات الفكرية والسياسية التي يدعي كل منها أفضليته وأحقيته بالخلافة. ثم إن هذا الإدعاء لا بأس به في حالة تركه شرط العصمة والمعرفة المطلقة. آنذاك سيتمظهر الإدعاء في هيئة مشكلة سياسية ومسألة فكرية يمكن التعامل معها على أساس واقعيتها. بمعنى تعاملنا مع مسألة الإمامة باعتبارها قضية بشرية لا إلهية، وحياتية وضعية لا دينية واجبة. فالتجربة التاريخية تبرهن، كما يقول الغزالي، على أن فقدان الإمامة هو هجوم على الأحكام الشرعية وبطلان القضاء وإهدار الدماء. وأن إبطال الإمامة يؤدي بالضرورة إلى الفوضى. وبغض النظر عن رفض بعض المسلمين لضرورتها، إلا أنها محل إجماع الأغلبية. بصيغة أخرى، إن الفرَق العام بين الفِرق بصدد هذه القضية يقوم في أسلوب تعيينها لا في أصلها. وقد أدرك المسلمون هذه الضرورة البالغة في أولى تجاربهم السياسية حيث دعت تجربة السلف الأوائل إلى ضرورة الإمامة. فالنبي محمد مازال مضطجعاً في الموت، بينما الصحابة اجتمعت على اعتقاد أن "الفرض الواجب" يقوم في البيعة ونصب الإمام. بحيث حلوا هذه القضية حتى قبل دفنه. كل ذلك يبرهن على أهميتها في وعيهم السياسي والديني. وبهذا المنحى فُهم ضرورة الإمامة والإمام على أنهما ضمانة للسنّة ودفع الباطل وتقرير الحق . ويتفق الغزالي هنا مع التعليمية الباطنية بضرورة الإمام الواحد. لكنه يختلف عنهم في الأسلوب والمضمون. وينطبق هذا بالقدر ذاته على مختلف القضايا الأساسية الكبرى. فالخلاف في ما بينه وبين التعليمية الباطنية بصدد الإمامة يقوم في تباين مواقفهما منها، وفي تعارض رؤيتهما لأسلوب الإقرار بها، أي كل ما يؤدي في حصيلته إلى تباين رؤية الكيان العام للسلطة والدولة وأيديولوجيتها. ذلك يعني بأنهما يلتقيان في نقاط كثيرة ولكنهما لا يتطابقان في أي مكان. فاتفاقهما الظاهري عن إمامة الواحد يتخلله خلاف داخلي يصل حد التضاد الكامل. وأن هذا التضاد لم يحدده فقط تعارض المصالح السياسية وصراعاتها، بل والرؤية الكلامية الفلسفية لموقع السلطة والإمام في منظومات التعليمية الباطنية ومعارضيها. فالغزالي يتفق، كما هو الحال بالنسبة للتعليمية وأغلبية الفرق الإسلامية، على الصفات الضرورية لما يسمى بشروط الإمامة. إلا أن بحثها وتدقيقها الملموس يؤدي بهما إلى خلافات وصراعات لا تنتهي. وحالما وقف أمام مهمة مهاجمة آراء التعليمية الباطنية، فإنه أدرك، إلى جانب تعقيد القضية الفكري، تعقيدها السياسي. فإذا كانت "سهولة" الجانب الفكري بالنسبة له تستمد مقوماتها من نماذج وتقاليد الجدل الكلامي وأساليبه المتفرعة في الهجوم والهجوم المضاد (كما هو جلي في انتقاده لفكرة النص والعصمة)، فإن التعقيد السياسي يقوم في كونه الأكثر حسماً في واقعيته ووجوده.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابي"الجنون فنون"

وهنا يجدر القول، بأن انتقادات الباطنية للعقل لا تعني رفضها للعقل. فالمنظومات الفلسفية والفكرية للباطنية الإسماعيلية ذات مسحة وعمق عقلي رزين. وبالتالي فإن إهمال الغزالي لهذا الجانب في انتقاداته كان أساساً لاعتبارات النقد السياسي الأيديولوجي، التي ساهمت بدورها في كشف الثغرات الفعلية للاتجاهات الباطنية، بفعل جوهرية فكرة الإمام المعصوم في منظومتها الفكرية. وقد أشار الغزالي بدقة إلى هذه المسألة عندما كتب قائلاً بأنه لولا قولهم بأساسية التعليم وتعارض العقول لما "صنّف هذا الكتاب"[1]، أي (فضايح الباطنية). فقد استندت التعليمية في آن واحد إلى التجربة الواقعية وشدّة الصراعات الفكرية وحوافز الصدامات السياسية. وحاولت من خلالها استبدال العقل الكلامي والفلسفي المعارض لها"بعقل الإمام المعصوم". وفي هذا التناقض حاول الغزالي اكتشاف مأزق التفكير الباطني الإسماعيلي ومفارقاته. فالآراء العامة للتعليمية تشترك في إقرارها بالفكرة القائلة بأن من تتبع العقل وصدّقه ففي تصديقه تكذيبه، وذلك لأنه لابد وله خصم عقلي فيه. وإن جميع المفكرين لهم عقولهم المتماثلة إلا أن أقاويلهم مختلفة كما هو الحال بالنسبة للفلسفي والأشعري والمعتزلي وغيرهم. بينما الحقيقة واحدة ولا كثرة فيها.ومن هنا استنتاجهم بأن الوحدة هي الحق والكثرة هي الباطل، والوحدة مع الإمام والكثرة مع العقول.

غير أن هذه الاستنتاجات التعليمية الباطنية تضع نفسها بالضرورة أمام العقل المستقل، الذي سعت للتقليل من شأنه، أو ما وضعه الغزالي بسؤاله القائل بأي وسيلة بلغ الفكر التعليمي الباطني استنتاجه المذكور؟ هل بالضرورة أم بالنظر؟ وإذا كانت الحالة الأولى مرفوضة بفعل عدم جلائها للجميع، لأنها لا تمتلك طابع البديهة، فإن الثانية هي اعتراف بصحة النظر العقلي. لكن هذا يتعارض مع آراء التعليمية، وذلك لأن مجرد الإقرار بمعرفة خاصة لا يدركها إلا الإمام المعصوم، يعني بأن معرفته إما بالضرورة وإما بالنظر ولا طريق آخر. وفي كلتا الحالتين هو إبطال للمذهب التعليمي الباطني[2].

وقد رد على اعتراض التعليمية الباطنية المتشكك بصحة النظر وبالكيفية التي يتم بها النظر، قائلا، إن كان بالضرورة كما تقول الباطنية فإنه إنكار لهذا الإدعاء بفعل عدم إقرار الجميع بهذه الفكرة وكذلك بفعل تعارض العقول. وإن كان بالنظر لحاله فما هو معيار صحة هذا النظر والخلاف قائم بين الجميع؟ ومع، أقر الغزالي "بشرعية" هذه الأسئلة والاعتراضات ولكن في حالة "إن كانت المعقولات بالموازنات اللفظية"، أي في حالة رفع الجدل السفسطي إلى مصاف البحث عن الحقيقة ومعيارها. ولا يعني هذا بدوره سوى الانطلاق من الواقع ذاته.

فالغزالي يربط في كل واحد حقيقة النظر العقلي بالسلوك. فمن سلك وصل ومن وصل عرف ومن عرف ما سلكه كان هو الطريق. وحتى في حالة الشك، فإن السلوك الوحيد لإزالته هو سلوك جديد آخر من أجل بلوغ الحقيقة. فالمعيار الحقيقي هو الممارسة وليس التقليد والعصمة. ويقدم الغزالي مثالاً غاية في البساطة والإقناع عن أنه فيما لو سألنا شخص ما عن طريق الكعبة فدللناه عليه، وإذا استفسر من أين عرفنا كون هذا هو الطريق بعينه، أجبناه: عرفناه بالسلوك، فإنا سلكناه فوصلنا إلى الكعبة فعرفنا كونه طريقاً. لقد أراد القول بأن التجربة العملية أو الممارسة الواقعية هي معيار حكمنا واستيعابنا للحقيقة النظرية. إلا أنه يدرك تعقيد معيار الممارسة في تطبيقه على كافة الحقائق. فالممارسة ذاتها لا يمكنها أن تحدد على الدوام نهاية الحقائق. فهي بدورها تصنع معضلات الشك المتجدد. وقد أدرك  الغزالي هذه الحقيقة، لهذا حاول أن يوحّد في آن واحد محدودية الممارسة وأحكامها وتطور الحقيقة ضمن هذه المحدودية، أي نسبية الحقائق وجزئيتها بما في ذلك الخطأ. وبهذا حاول أن يكشف عن وحدوية الممارسة في كافة الميادين، رغم تباينها بفعل مستوياتها ونوعيات المنظومات الفكرية وموضوعاتها المختلفة. فإذا كان الطريق إلى الكعبة لا يستلزم سوى المشي من أجل اكتشاف الطريق، فإن طريق الأمور الحسابية من الهندسة والمساحة، يمكنه أن يوصلنا إلى معرفة المجهول بينما يؤدي سلوك طريق الحساب بنا إلى الاعتراف بأن نظر وطريق العقل دليل في الحساب. وينطبق هذا بدوره على العقليات التي يمكن للنظرية أن تكون طريقها. وبهذا المعنى تصبح النظرية طريق النظر العقلي[3].

من كل ما سبق يتضح بأن الغزالي أردا الكشف عن موضوعية الحقيقة، المستقلة عن سفسطات المذاهب. وأن يبرهن في الوقت نفسه على أن سلوك النظر العقلي يمكن أن يبلغ الحقيقة ذاتها في حالة استناده إلى منطق الظاهرة ذاتها وترتيبها العقلي. فالناظر في الهندسة "إذا حصر المقدمات ورتبها على الشكل الواجب، حصل العلم بالنتيجة ضرورة على وجه لا يتمارى فيه. فهكذا جوابنا في المعقولات. فإن المقدمات النظرية، إذا رتّبت على شروطها أفادت العلم بالنتيجة على وجه لا يتمارى فيه، ويكون العلم المستفاد من المقدمات بعد حصولها ضرورياً كالعلم بالمقدمات الضرورية المنتجة له"[4]. إلا أنه يدرك التعقيد الملازم لتطابق أو وحدة المنهج والطريق (السلوك) العملي في بلوغ الحقيقة. وبغض النظر عن تعقيد القضية من حيث إمكانية استيعابها، إلا أنها تبقى سليمة من حيث طابعها المجرد بوصفها الأسلوب العام لإمكانية وتباين وصعوبة بلوغ الحقيقة كما هي. فالمعرفة الحسابية والهندسية على سبيل المثال، معترف بها لأنها ضرورية (بديهية)، أما المعارف العقلية (النظريات العقلية)، فلو كانت مقدماتها بالطريقة المعلومة فلم وقع الخلاف فيها؟ وهو لا يجد في هذا الإحراج "الباطني" قوة منطقية، رغم كونه السؤال الدائم للعقل النظري. لهذا أكد على أن هذا الاعتراض لا يصمد أمام النقد المنطقي العقلي رغم استناده إلى واقع الخلافات القائمة. بمعنى محاولته البرهنة على الطابع الضروري للاستنتاجات العقلية. فاتهام العلوم العقلية استناداً إلى خلافاتها لا يعني بطلان حقائقها. فحتى العلوم الحسابية والهندسية قد دققت حقائقها.. فهي الأخرى تعرف الخطأ دون أن يفقدها ذلك طابعها الضروري. فالعلوم الحسابية والهندسية، كما يقول الغزالي، اختلف فيها جملة وتفصيلاً، كما اختلفوا في هيئة الفلك ومعرفة مقاديرها وهي مبنية على مقدمات حسابية. غير أنها أندر مما هو عليه الحال في العقليات. وسبب ذلك متأتٍ لا من وجود الحقيقة في مكان وفقدانها في آخر. كل ما في الأمر إن الخلاف في الحساب أندر لأنه أظهر، وفي العقليات أكثر لأنها أخفى وأستر. ومع ذلك هناك استنتاجات في العلوم العقلية والحسابية يمكن اعتبارها متساوية في طابعها الضروري، بل لا فرق بينهما. ففي العقليات اتفق الجميع، كما يقول الغزالي، على أن القديم لا يعدم[5].

وقد عمّق هذه الفكرة من أجل البرهنة على موضوعية الحقيقة وإمكانية المعرفة الحقة. فهو يقف في آن واحد ضد حصر مدارك العلوم في الحواس، وإنكار العلوم والمعطيات النظرية (التجريدية العقلية) أو بالعكس. فليست الأولى بنظره سوى سفسطة الحواس، وليست الثانية سوى تشويه المنطق "بالضرورات" المذهبية. وفي كل الأحوال فإن هذا الصراع أبرز مسألة ما إذا كان ذلك يؤدي إلى ضرورة التصديق بمعطيات العقل أو عدم التصديق بها. فالانتقادات السفسطائية التي تنكر ضروريات المعرفة باعتبارها خيالات كما هو الحال بالنسبة لأظهرها، أي معطيات الحس، تبقى بنظره مجرد سفسطات كلامية، أي أنها لا تقدم برهانا منطقياً على التشكيك بالضروريات والعقليات والنظريات. فالعقليات والنظريات حال حصولهما في المقدمات تبقى ضرورية، أما التعليمية فإنها تثير المسألة من منطلق آخر يسعى في نهاية المطاف إلى حصر العقل وإجباره على الاستسلام أمام عصمة الإمام. فالتعليمية لا تطلق القول بإبطال الرأي، وذلك لأن مفكريها يستعملون الأدلة والبراهين على إثبات التعليم. من هنا فإن قولهم ببطلان معطيات العقل ما هو في الواقع سوى نقيض ونقض لآرائهم نفسها. إضافة لذلك إن رفض معطيات العقل واستنتاجاته على أساس الخطأ الوارد فيه لا يعني بنظره سوى قوة العقل لا ضعفه. وذلك لكونها العملية المعرفية العقلية التي تشق لنفسها الطريق في خلافات أتباعه وممثليه في بحثهم عن الحقيقة. من هنا رأى بأنه إذا كان التشكيك بمعطيات العقل مبنياً على أساس خلافات أتباعه، فإن من الممكن مواجهة هذه السفسطة بالتشكيك في حصافة قائلها من خلال الرد عليه والتشكيك فيما إذا كان ما يطرحه هو من أحلام المنام لا من "يقين" اليقظة، أي أن يجري إحراجه بالسؤال عن الكيفية التي يميز هو بها عما إذا كان ما يقوله في النوم أم اليقظة. وإذا أجاب بأنه يدرك ذلك بالضرورة، فإننا يمكن أن نرد عليه بأن الإجابة العقلية في الواقع هي الوحيدة التي يمكنها أن تدرك هذه الضرورة، أي التفرقة بين ما يجوز الغلط فيه من مقدمات وبين ما لا يجوز أيضاً ضرورة[6]. وينطبق هذا بالقدر ذاته على كل الغلط والصواب في مختلف العلوم الأخرى. أما أولئك الذين ينكرون معطيات النظر العقلي كلياً، فإنهم بنظره لم يفهموا معنى النظر العقلي بحد ذاته.

فالأحكام النظرية والعقلية، حسب رأي الغزالي، مبنية على مقدمات منطقية تستند بدورها إلى الحس والتجربة، والتجربة والعقل. من هنا فإن التشكيك بها يستلزم أدلة برهانية، وإلا لكان بإمكان أي كان أن يقول بأن ما يورده أو يعترض عليه هو "مقدمة ضرورية قاطعة". ومن هنا فإن إبطال نظر العقل يعني الوقوع في خلاف لا نهاية له ولا قرار. مما سبق يبدو واضحاً بأن هذه الأدلة التي يقدمها الغزالي تسعى لبناء أسس نظرية يمكن الاستناد عليها للبرهنة على خطأ الفكرة الباطنية التعليمية عن عصمة الإمام القائلة بضرورة التعليم. فهو يتفق مع التعليمية في ضرورة التعليم، إلا أنه يختلف عنها بحصر ضرورته في الإمام المعصوم. فالاستنتاجات التعليمية الباطنية التي تحاول أن تبني في وحدتها هيكل الضرورة المطلقة للإمام المعصوم والتعلم منه استناداً إلى اختلاف العقلاء في ما بينهم، لا تستند بنظره إلى أساس منطقي سليم.  وأن مقدمات هذه الفكرة هي مقدمات خاطئة. وقد عارض الغزالي هذه المقدمات انطلاقاً من تقسيمه للعلوم. فهو ينطلق من أن هناك ما لا يمكن تحصيله إلا بالسماع والتعلم كأخبار الماضي وأحوال الجنة والنار وما شابه ذلك، وبالتالي فإنه لا قيمة هنا لأخبار الآحاد لأنها أخبار ظنية لا يقينية. أما القسم الثاني فهو العلوم النظرية العقلية، التي ليس في فطرة الإنسان ما يمكنه أن يرشده إلى تعلمها، وبالتالي لابد فيه من التعلم لا التقليد، أي تعلم القواعد الأساسية وطرق إدراك الحقائق بغض النظر عن شخصية المعلم سواء كان أفهمهم أو أورعهم، أي تلك المعارف التي لا تحتاج بحد ذاتها إلى معلم "معصوم" مثل الحساب والهندسة وما شابه ذلك. أما القسم الثالث فهو العلوم الشرعية والفقهية، أي معرفة الحلال والحرام والواجب والندب. وهي علوم تبنى أساساً على السماع الذي يورث بدوره العلم والمعرفة. إلا أنها علوم ظنية لا يقينية بفعل العلاقة القائمة بين محدودية النصوص ولا محدودية الوقائع. وبالتالي فلا حاجة هنا، كما يقول الغزالي، لإمام معصوم. من كل ما سبق يتوصل إلى أن رفض المنطق والعقل استناداً إلى خلاف ممثليه وأتباعه شبيه برفض معطيات الرياضيات لخطأ أحدهم فيها. أما معرفة الحق والباطل فإنها تستغني بحد ذاتها عن ضرورة الإمام المعصوم. وذلك لأنه إذا كانت القضايا الجوهرية للفكر الفلسفي والكلامي كقضايا معرفة الله ووجوده وغيرها من القضايا لا تحتاج إلى إمام معصوم، فإن قضايا الشرع والفقه لا تحتاج بدورها إلى أي عصمة بفعل استقلاليتها وخضوعها لأحكام الظن والاجتهاد. فالناس في مواقفهم من هذه القضايا، كما يقول الغزالي، أنواع. منهم المقلدون، الذين يغنيهم تقليدهم عن الإمام المعصوم. ومنهم المتشكك المتأمل، أي أولئك الذين لا يشفيهم إلا الدليل والبرهان القاطع. وبالتالي فإنه لا مفر أمام الإمام "المعصوم" من أجل إثبات عصمته أمام دعوتهم للإيمان به تقليداً أو ضرورة أو تقديم البرهان. ففي الحالة الأولى لا معنى للتقليد إذ لا قيمة له ولا ضرورة. أما في الحالة الثانية، فإنه ملزم بالخضوع لتأمل المتشكك ذاته، لأن البراهين هنا لا تمتلك طابع الضرورة أو اليقين المطلق. بمعنى أن براهينه الممكنة هي كالبراهين الأخرى (العقلية) العديدة. كل ذلك يفقد "العصمة" معناها وضرورتها. وينطبق هذا بجلاء أكبر على القضايا الفقهية. ففي الفقه يوجد ما هو معلوم للجميع كالصلاة والصوم والحج وغيرها، أي ما لا يحتاج إلى معلم معصوم، ومما لا يعرف بصورة قطعية، وما لا نصّ فيه مما يستلزم الإجتهاد. وبالتالي فإن اجتهاد الإمام المعصوم هنا هو الآخر اجتهاد ظني. بمعنى فقدانه العصمة. فهو كإنسان لا يختلف عن الآخرين، وأن ظنه عرضة للخطأ كغيره. فالعصمة في الظنون، كما أراد الغزالي القول، هو صنف من الجنون، إذ أن الأحكام التي يقدمها المعصوم لا بد وأن تستند إلى سماع وهذا غير موجود، أو دليل عقلي كالآخرين، أو تواتر الوحي (مما يتعارض مع النبوة).  وهو مما لا يمكنه أن يكون بفعل استحالة حصر الموجودات (بما في ذلك للنبي نفسه)، بفعل  عدم تناهي الحوادث. ثم إن الشرعيات والفقهيات، حسب نظره، هي أمور وضعية اصطلاحية تختلف باختلاف الأنبياء والعصور والأمم. ثم إن الفقهيات شأنها شأن التجارة والسياسة لابد من الظن فيها، وبالتالي حتمية الاجتهاد[7].

غير أن انتقاده لآراء الباطنية التعليمية يسعى في جوهره إلى تبيان ثغراتها المنطقية والحساسة، وبالأخص ما يتعلق بتضييقها على حرية الرأي والاستقلال الفردي في التعامل مع القضايا الفكرية والسياسية من خلال تحويل الإمام المعصوم إلى حاكم الحقيقة المطلقة. والغزالي يسير هنا في خطى الراديكالية المعرفية التي رفعت حرية الفقيه واستقلاليته الفكرية إلى مصاف الفضيلة الكبرى. متتبعاً تقاليد الإسلام الاجتهادية بالصيغة التي جعلته يجد في أخطاء الاجتهاد أيضاً فضيلة ومغفرة. وقد حدد ذلك بدوره ظهور إحدى المعضلات الاجتماعية السياسية والأخلاقية الكبرى بصدد الموقف من الاجتهاد الظني وفكرة المخطئ  المصيب، أي الكيفية التي يمكن للمخطئ (في اجتهاده) أن يكون مصيباً، لاسيما وأن خطأه قد يكون متعلقاً بقضايا حياتية كبرى؟ وقد رد على هذه الاعتراضات وأمثالها بالصيغة التي لم تجعل منه تبريراً للظلم الممكن، بل للتركيز على حرية الفكر ودحض أفضلية "العصمة" انطلاقاً من واقع خطأ الفقهاء، بما في ذلك إمكانية تعسف بعضهم.

فالغزالي لم يرغب القول بأن رذائل العقل المجتهد أكثر أخلاقية من فضائل التقليد، بقدر ما أنه سعى من خلال إظهار الظن في الفقهيات إلى فسح المجال أمام حرية الرأي. فعندما يتناول فكرة كل مجتهد مصيب، فإنه لم يقصد بذلك سوى ظنية الإصابة لا حقيقتها. وحتى في حالة مساس ذلك بمصالح الناس ومصائرهم، فإن الاجتهادات الظنية تبقى مجرد فرضيات وحلول المصيب فيها واحد. وعلى هذا الأساس حاول البرهنة على عدم إجازة الخلط بين ما يمكن دعوته بالمبدأ المطلق وأشكال تجليه. فخطأ الفقيه لا يعني خطأ المبدأ العام. على العكس، إنه يؤكد ضرورة الاجتهاد مازال الفقه يتعامل مع حياة الناس المتغيرة ومتطلباتها المستجدة. من هنا فإن الخطأ هو في اتباع المجتهد لغيره. فالمقلد لا يمتلك قوة الحقيقة، وأن كل ذلك يبرهن على عدم جدوى العصمة بسبب افتقادها للضرورة في محتواها ومعناها.

وقد دفع جداله مع التعليمية الباطنية هنا حتى نهايته المنطقية، عندما حاول البرهنة على أن الخطأ يصبح أحياناً ضرورة حياتية. وبهذا المعنى فإن تخوف وتخويف التعليمية من وقوع الأخطاء هو مجرد جهل "معقلن"، مازالت الحياة ومقوماتها لا تستند على الدوام إلى ضرورة عقلية ومنطقية. فالمصالح الدنيوية، كما يقول الغزالي، هي مصالح ظنية ولا يمكن التيقن المسبق من نتائجها، أو التخلص من إمكانيات الخطأ فيها ومن أضرارها. وإذا كان الأمر كذلك، وأن الفقهيات الشرعية مبنية على هذا الأساس وأنها تسعى أساساً للإصلاح، فإن الخطأ فيها لا ضرر قاتل فيه.ولهذا اعتبر أن الخطأ في تفاصيل الفقهيات معفو عنه. ووصل في تجانس  آرائه بهذا الصدد ومواقفه إلى الدرجة التي أخذ يخترق فيها إجماع اللاهوت السنيّ من خلال دفاعه عن مرتكب الكبيرة، باعتبارها لا تشكل سبباً موجباً لتخليد العقاب ولا للزومه على وجه لا يقبل العفو. في حين أن الاجتهادات لا أثم على الخطأ فيها[8]. ولهذا نظر إلى الاجتهاد الدائم نظرته إلى أسلوب بلوغ درجة الأئمة.(يتبع...).

***

 ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] الغزالي: فضائح الباطنية، ص31.

[2] الغزالي: فضائح الباطنية، ص51.

[3] الغزالي: فضائح الباطنية، ص52-53.

[4] الغزالي: فضائح الباطنية، ص53.

[5] الغزالي: فضائح الباطنية، ص56.

[6] الغزالي: فضائح الباطنية، ص56-57.

[7] الغزالي: فضائح الباطنية، ص66.

[8] الغزالي: فضائح الباطنية، ص69.

 

ميثم الجنابي "الجنون فنون" 

إن تقييد وتقييم الغزالي للحركة الباطنية بكل اتجاهاتها في مفهوم التعليمية، جعلها في الوقت نفسه سهلة أمام انتقاده العقلاني اللاذع. فهو لا يتحدث عن اتجاه ما محدد في الباطنية، لكنه يقصد في أغلب آرائه ومواقفه النقدية الحركة الإسماعيلية بصيغتها الشعبية العملية. ونعثر على كل ذلك في العبارات التي يوردها عنهم مثل أن "النقل عنهم مختلف"، و"أن أكثر ما حكي عنهم إذا عرض عليهم أنكروه" وما شابه ذلك، أي أننا نقف من حيث الجوهر ليس أمام ظاهرة انتقاد المؤلفات الفكرية والمصادر النظرية الأساسية للإسماعيلية، بل أمام ما نقل عنهم وما حكي عنهم. ويفسر الغزالي هذه الظاهرة بكونهم "لا يخاطبون الخلق بمسلك واحد"[1]. مما جعله حذراً إلى الدرجة التي اعترف بها قائلاً "إن جملة مذهبهم يقتضي لا محالة أن يكون النقل عنهم مضطرباً"[2]. وهو يقدم أكثر من مثال للبرهنة على ذلك. فهو يؤكد على سبيل المثال، أنهم جميعا ينكرون القول بالإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات وإنكار الشرائع إذا نسب إليهم. ثم يضيف إلى ذلك معلقاً، بأن "الذي يصح من معتقدهم فيه، أنهم يقولون لابد من الانقياد للشرع في تكاليفه على التفصيل الذي فصله الإمام من غير متابعة للشافعي وأبي حنيفة وغيرهما"[3]. والغزالي لا يقف ضد ذلك في الفقه، في حالة كونه جزءاً من الاجتهاد. بل على العكس، إنه وقف ضد محاربة الاجتهاد بأية صيغة ظهر وبأي شكل تشكل. إذ لم يجد في تقليد الإمام عوضاً عن تقليد الآخرين أصالة ما تستحق الاحترام والإجلال. لهذا وقف بالضد من تعصب ومحدودية ربط الحقيقة والتكليف بشخص ما دون آخر، أو ربط الحقيقة بالإمام المعصوم أو أي إمام آخر. إلا أننا نعثر في أماكن أخرى من (فضائح الباطنية) على ما يشير إلى قراءته بعض كتبهم وما كتب عنهم، وتصنيف آرائهم إلى الدرجة التي لم يستطيعوا هم أنفسهم أن يصنّفوه. وهو يقصد بذلك أساساً القضايا التي عالجها. وإلا فالمؤلفات الإسماعيلية تتصف بالدقيق والتصنيف المفرط، الذي لا يدانيه من حيث الترتيب الفكري أي من الاتجاهات والمدارس الإسلامية آنذاك. ذلك يعني، أن الغزالي لم يقصد بعبارته تلك سوى تعميم المفاهيم الجوهرية المشتركة للحركات الباطنية. فهو يتكلم عن "المشترك" بينهم، وبالأخص حول أفكارهم عن إبطال الرأي والدعوة إلى التعلم من الإمام المعصوم.كما يشير بوضوح إلى أن ما يهمه في كتابه هذا هو مناقشة آرائهم عن "إبطال الرأي وإثبات التعلم"[4].

فهو يدرك الجوانب العديدة المميزة للفكر الباطني ونظراته إلى الوجود والله والصفات والأفعال ونظرية العقول والأفلاك وغيرها من الأفكار. وهو يؤكد على أن الباطنية غيّرت وحوّرت آراء الفلاسفة وأدلتهم[5]. ولهذا السبب وضع مهمة وخطة مهاجمتهم على ثلاثة مستويات وهي الأمور التي يمكن قبولها، وإلى ما يتعين من الشرع إنكاره، وإلى ما هو منكر ينبغي مهاجمته. ولا يضع الغزالي في المستوى الأخير من آراء الباطنية سوى ما يخص مذهبهم من "إبطال الرأي وإثبات التعليم من الإمام المعصوم"[6]. بصيغة أخرى، إنه يشدد على خصوصية مهمته وغاياتها في الجدل مع الباطنية. لهذا سعى في استعراضه النقدي لآرائها بصدد قضايا الإلهيات ومسألة المعاد والقيامة والنبوة والإمامة وغيرها للكشف عن طابعها الفلسفي، من أجل إحالة القارئ إلى (تهافت الفلاسفة)، ومن أجل إبقاء ما هو مميز للباطنية أمام مبضع الجدل العقلي.

فهو يردد نفس آراء "النقلة" من أن الباطنية تقر بإلهين قديمين، ولكنها أطلقت عليهما تسميات السابق والتالي. وينطبق هذا بدوره على تسميات العقل والنفس (فلسفياً) والقلم واللوح (شرعاً). بينما تؤدي آراؤهم بصدد الصفات والذات الإلهية إلى نفيهما. إذ ليس في الوجود مبدع بنظر الباطنية، حسب عبارة الغزالي، سوى الوجود ذاته، بما في ذلك المعادن والنبات والحيوان والإنسان. وإن هذه الأفكار بنظره هي حصيلة آراء الفلسفة الدهرية والثنوية والمجوسية المصاغة بالعبارات الإسلامية. أما في مجال القضايا اللاهوتية فإن الباطنية حسبما يقول الغزالي، تبدو أكثر تجانساً في"زندقتها". بمعنى اتفاق الاتجاهات الباطنية على إنكار القيامة استناداً إلى آرائها القائلة بأن نظام الطبيعة يدل على الحركة والخلق الدائم والوجود الدائم. وأن القيامة بالتالي ما هي إلا رمزاً لخروج الإمام وقيام قائم الزمان الناسخ المغير للأمر، أي إبطال مفهوم القيامة الديني وتحويله إلى رمز سياسي. وينطبق هذا بدوره على آرائها بصدد قضايا المعاد. فالأفكار الباطنية "المادية" تظهر هنا كتجل متجانس للفكرة الفلسفية الأخلاقية التي توّحد في كل واحد النزعة الطبيعية والروحية الأخلاقية في مفهوم الحياة والموت. بمعنى إقرارها بأنه ليس هناك من حشر ونشر ولا جنة ولا نار بالمعنى المتعارف عليه. إذ ليس المعاد سوى رجوع الكلّ إلى الكلّ، والكلّ إلى أصله. فالإنسان هو وحدة العالم الروحاني والجسماني. فالجسماني يرجع بفعل مكوناته إلى عناصر الوجود الأربع (النار والتراب والهواء والماء)، والروحاني يرجع إلى أصله باعتباره رجوع النفس المدركة العاقلة(الروح) في حالة تزكيتها الحياتية وتغذيتها بغذاء المعارف والعلوم المتلقاة من الأئمة إلى العالم الروحاني. من هنا فكرة الباطنية القائلة بأن كمال النفس في موتها. إذ هو ميدان تحررها من قيود الجسد. لهذا السبب قيل "إن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا". فالنوم هو الموت وفيه يظهر علم ما لا يحصل في اليقظة. وكذلك الحال بالنسبة للموت. فهو يكشف أموراً لم تخطر على قلب البشر. إلا أن هذه الحالة لا تخص غير أولئك الذين تقدّست نفوسهم بالرياضة العملية والعلمية. فكلما تبتعد النفس من الحسيات تقترب وتكون أكثر استعداداً وقوة للعلوم الروحانية، على عكس القوى المغمورة في عالم الطبيعة. واعتبر الغزالي هذه الأفكار مجرد ترديد لآراء الثنوية والفلاسفة الدهرية. بينما وجه انتقاده لها بالطريقة التي حاول فيها البرهنة على افتقادها للعقلانية أو منافاتها للعقل. وذلك لأن بعث الأجسام، كما يقول الغزالي، ليس أكثر صعوبة من خلقها الأول. وهو لا يناقش معضلة الخلق الأول، بقدر ما أنه ينظر إليه كبديهة أولية. فهو لا يهمل فكرة الابتداء لأجل دحض فكرة معقولية الابتداء ولا معقولية الإعادة. ففي استعراضه آراء المتكلمين والفلاسفة ينطلق من المقدمة اللاهوتية القائلة إنه ليس من المستحيل توقع إعادة العلاقة التي خلقها الله بين النفس والجسد. إذ أن لها مثالها في الواقع وهو حال اليقظة بعد النوم. ومن هنا فإن إنكار البعض للمعاد مبني لا على أساس عقلي، بقدر ما أنه مبني على أساس محدودية التجربة. فإنكار البعث مبني على أساس عدم المشاهدة. إذ لو فرضنا أن الإنسان لم يشاهد خلق الإنسان من النطفة، كما يقول الغزالي، وقيل له ذلك لرفض التصديق به. فالإنكار هنا، كما هو الحال في أمور أخرى مشابهة هو مجرد إقرار في القول كل على قدر مشاهدته، لا على طريق معقول في إثبات الاستحالة. إذ أن البعث وإعادة الأجساد ليس مستحيلاً في العقل وجوده وتصوره. فالإنسان يؤمن بخلقه وحياته وموته لأنه رأى ذلك وشاهده. ولا عذر له في رفض البعث سوى عدم المشاهدة.  في حين أن البعث مع ما قبله في ميزان العقل على وتيرة واحدة[7].

لكن إذا كان انتقاده للآراء الباطنية بصدد القضايا المشار إليها أعلاه مبنياً على أساس كشف محدوديتها العقلية، فإن موقفه من  آرائها بصدد قضايا النبوة والإمامة تتخذ منحى آخر. فهو يتناولها أيضاً باعتبارها قضايا معرفية مستقلة، دون أن يعني ذلك كفه عن رؤية حوافزها "الثنوية". فقد نظرت الباطنية للنبي نظرتها إلى شخص فاضت عليه من السابق بواسطة التالي "قوة قدسية صافية"، أي تلك الظاهرة الممكنة من حيث مناسبتها لما يتمتع به أولئك الذين يرون بالمنام ما سيحصل لهم مستقبلاً أو أولئك الذين زكت نفوسهم. إذ ليس النبي سوى ذلك الذي يرى ما يحدث في اليقظة، أي القادر على إدراك الكليات العقلية "عند شروق ذلك النور وصفاء القوة النبوية، كما تطبع مثال المحسوسات في القوة الباصرة من العين عند شروق نور الشمس على سطوح الأجسام الصقيلة"[8]. إذ لا يعني جبرائيل سوى العقل الفائض على النبي ورمزاً إليه، في حين أن القرآن هو التعبير عن المعارف التي فاضت عليه من العقل (جبرائيل). وبهذا المعنى هو كلام الله بإعجاز باعتباره كلاماً مركباً (من حروف وكلمات وصوت)، في حين أن ما يفيض على النبي من العقل (جبرائيل) هو بسيط لا تركيب فيه. لهذا فهو "باطن لا ظهور له". أما كلام النبي وعبارته عنه فهو ظاهرة لا بطون لها[9].

وعلى الرغم من انتقاده الجزئي لهذه المفاهيم واختلافه معها في بعض الجوانب الجوهرية، إلا أنه يؤكد على أن في آراء الباطنية بصدد النبوة مما لا ينكر[10]. ومن هنا فإن الخلاف الذي يتعمق لاحقاً بينه وبين الباطنية بصدد القضايا المتعلقة بالنبوة مرتبط أساساً بموقفه المعارض "لباطنية" الباطنية وهرمية تصوراتها عن النبوة ودعواها عن العصمة الإمامية والنص الإلهي (على الخلافة). إذ جعلت الباطنية من "النص" المعيار الأعلى والوسيلة الشاملة لأحكامها، بينما لا تستند فكرة النص الباطنية إلى أساس متين وحقيقي.  إذ لو كان التواتر حقيقياً، لعرفه الجميع مثلما نعرف عن أخبار الماضي من المعارك والحروب والرجال والبلدان وغيرها. إضافة لذلك أن القائلين بالعصمة اختلفوا أنفسهم في الإمامة والأئمة. بمعنى افتراقهم إلى شيع عديدة ومتصارعة. أما النصوص التي عادة ما تستشهد بها الفرق الباطنية مثل "من كنت مولاه فعلي مولاه" و"أنت مني بمنزلة هارون من موسى ولكن لا نبي بعدي" وغيرها، فإنها لو كانت نصوصاً صريحة لما استجهلها الناس. في حين أننا نعرف جميعاً، كما يقول الغزالي، وبالتواتر عن وجود علي وخلافته. إذ لو كان هذا النص صريحاً دالاً على الخلافة لما كان بالإمكان مخالفته، كما هو الحال بالنسبة للصلاة والصوم والحج. بصيغة أخرى، إنه يحاول البرهنة على أن النص الشيعي الباطني هو مجرد ظن وتأويل لا يتطابق مع الحقيقة. لاسيما وأن فكرة ونفسية النص والإقرار به لم تتفرد به الفرق الشيعية فقط، بل وحتى الأموية والبكرية (التي أقرت بخلافة أبي بكر) ووالراوندية (التي أقرت بخلافة العباس) وغيرهم. فالنصوص هي "ألفاظ محتملة وليس تصريح"[11]. وفيما لو فتح باب التأويل والظن هنا لاشترك الجميع كل حسب قدرته ومشيئته ورغبته بفعل امتلاك الجميع القدرة على ذلك مما أدى إلى استحالة معرفة الحق من غيره.  وذلك لأن الجميع تمتلك القدرة على الخيال.  إضافة لذلك إن الرجوع إلى فكرة النص هو دليل العجز النظري الفكري. فالنفوس "تضطرب بأقصى الإمكان ولا تتعلق بالشبهة إلا عند العجز عن البرهان"[12]. وقد حدد ذلك رفضه لفكرة العصمة باعتبارها فكرة منافية للمنطق والعقل. إذ بأي طريقة يمكن الكشف عن حقيقة العصمة؟ عن طريق العقل والنظر أم عن طريق السماع والخبر؟ فالطريق الأخير ليس له أساس ضروري. أما عن طريق العقل والنظر فإنه يؤدي في منظومة التصورات الباطنية إلى مأزق وتناقض لا يمكن تذليله. فالعقل يرفض فكرة العصمة بحد ذاتها. من هنا تتبعه فكرة العصمة والإمام المعصوم في كافة مستوياتها مثل قضايا العوام والمعجزة والعقل والنظر والتاريخ والتواتر السمعي. وعندما يؤكد على أن من غير الممكن التصديق بالإمام المعصوم ومعجزته فذلك لأن المعجزة الممكنة هنا هي معجزة القرآن فقط. وهو لا يتناول هذه الفكرة هنا إلا من زاوية أهميتها العقائدية. وإلا فهو يدرك شأن الكثيرين من مفكري تلك المرحلة إمكانية إنكار المعجزات. لهذا السبب لم يقر بالتواتر الذي يوجبه العلم الضروري إلا في القرآن[13]. وبهذا يكون قد رفض أي إقرار بأهمية النص والتواتر، باستثناء القرآن. ففي ظاهره هنا يبدو كما لو أنه يسير في إطار الظاهرية المباشرة، بينما تتضمن حقيقة أفكاره حوافز الدفاع عن العقل في التعامل مع قضاياه.  وبالتالي رفض أية معرفة خارج أطرها الواقعية وأسسها العقلية. من هنا هجومه ضد فكرة علم الباطن للإمام المعصوم. فهو لا يقف هنا ضد "العلم الباطني" بقدر ما يقف ضد ما يمكن دعوته "بالأدلجة الباطنية" واحتكار الحقيقة التي يمكن أن تؤدي في قناعتها الذاتية إلى السفسطة المطلقة. وفي محاولته إظهار هذا الجانب لم يسعَ إلا للكشف عن الإمكانية القائمة فيما يمكن دعوته باللامنطقية المغرورة بنفسها. فالفكرة الباطنية القائلة بقدرة الإمام المعصوم على حل كل رموز الباطن لا يمكن فهمها بالنسبة للتابع والمؤيد إلا بالسماع والرؤية. وكلاهما مستحيل بفعل وجودهما داخل قلب الإمام. وإذا كان الأمر كذلك، فما هو يا ترى العائق من أن تكون اللفظة السماعية التي يطلقها الإمام هي مجرد باطن آخر. وتحت كل باطن باطن آخر، وهلمجرا. بل وحتى في حال إنكار الإمام أن يكون تحت هذا "الباطن الأخير" باطن جديد، فلربما يقصد بذلك الرفض والإنكار رمزاً آخر لباطن آخر[14]. وإذا كان الأمر كذلك فمن الممكن توقع إمكانية كذب "الإمام المعصوم" في تأويلاته للقرآن. إذ من المحتمل أن تكون كل تأويلاته لأجل حاجة أو مصلحة محددة أو سر ّمجهول جاز للإمام أن يظهر خلاف ما يضمره أو ضد ما يفهم منه[15]. من هنا يبدو واضحاً بأن الغزالي يسعى أساساً لكشف نقاط الضعف التي سبق وأن أعتبرها صنف من أصناف الجنون.(يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

[1] الغزالي: فضائح الباطنية، ص23.

[2] الغزالي: فضائح الباطنية، ص30.

[3] الغزالي: فضائح الباطنية، ص26.

[4] الغزالي: فضائح الباطنية، ص27.

[5] الغزالي: فضائح الباطنية، ص27.

[6] الغزالي: فضائح الباطنية، ص31.

[7] الغزالي: فضائح الباطنية، ص34.

[8] الغزالي: فضائح الباطنية، ص26.

[9] الغزالي: فضائح الباطنية، ص27.

[10] الغزالي: فضائح الباطنية، ص27.

[11] الغزالي: فضائح الباطنية، ص92.

[12] الغزالي: فضائح الباطنية، ص92.

[13] الغزالي: فضائح الباطنية، ص94.

[14] الغزالي: فضائح الباطنية، ص34.

[15] الغزالي: فضائح الباطنية، ص34.

 

ميثم الجنابي"الجنون فنون" 

إن انتقاد الغزالي للاتجاهات الباطنية في صيغتها الإسماعيلية التعليمية لم يكن وليد الصدفة لا من حيث جانبه الفكري والمذهبي ولا من حيث هويته السياسية. وإذا كان من الممكن القول بأن لهذا التاريخ مقدماته الأولى في ما قبل صعود الإمام علي بن أبي طالب لسدة الخلافة وانهيار نموذجها الراشدي، فإن فاعليتها الحقيقية في استثارة الصراعات والتشنجات القوية في الحركات الشيعية وبينها وبين الفرق الإسلامية الأخرى قد تزامن وتلازم لحد ما مع موت الإمام الصادق (ت – 148 للهجرة). إلا أن ذلك لا يعني أن انتقادات الغزالي وجداله مع الباطنية التعليمية قد جريا في مجرى التقاليد السابقة. فهي بمظهرها لم تختلف كثيراً عما هو مميز للانتقادات السابقة وبالأخص ما يتعلق منها بمساعيها المذهبية السياسية وحوافزها الأيديولوجية السياسية في كشف "فضائح الروافض". غير أن هذا المجرى العام لمسار العناصر السائدة في ثقافة العصر وروحها الجدلية (العقائدية) قد أدى في حالة الغزالي دوراً خاصاً ومتميزاً في تطوره الروحي، بما في ذلك في عملية انتقاله إلى التصوف. فإذا كان كتابه (المستظهري أو فائح الباطنية) يتضمن أحد نماذج، وأحد مراحل شحذ قوته العقلية في نزالها مع خصوم المذهب والسياسة، فإنه يكشف أيضاً عن دوره الخفي في تطويع روح الغزالي لمتطلبات انتقاد الذات ورؤيتها الأخلاقية، أي أن انتقاده للباطنية يكشف عن صيرورة المساعي الحثيثة في أعماق الروح الأخلاقي وتضافرها المعنوي في تعمق أزمته الروحية الكبرى ما قبل انتقاله إلى التصوف. وسوف يشير هو نفسه إلى ذلك في (المنقذ من الضلال) أيضاً، عندما صوّر صراعه مع الباطنية على أنه ميدان أساسي للبحث عن الحقيقة، وبالتالي إحدى مراحل تطوره الفكري الرئيسية. إضافة لذلك، إن أزمته الأخيرة ما قبل التصوف قد تزامنت مع إنجاز كتابه (فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية).

فقد كتب مؤلفه هذا بطلب من الخليفة المستظهر بالله، الذي تولى الخلافة عام 487 للهجرة. ويشير في بعض فقراته إلى خليفة الباطنية (الإسماعيلية) في مصر، أي المستنصر بالله (المتوفى في 17 ذي الحجة عام 487 للهجرة) أما أن أزمته الروحية بدأت في رجب عام 488 للهجرة، فإن ذلك يعني حدوثها بعد ما يقارب الستة أشهر من وقت انتهاء تأليف هذا الكتاب، أي أن من الصعب توقع صدفتها الطارئة. فالغزالي، كما هو واضح من كتاباته الأولية، لم يتعامل مع الباطنية بصورة مباشرة. إنه أدرك جرأة وخطورة الباطنية (الإسماعيلية) السياسية بالنسبة لمصير الخلافة العباسية. ولهذا انهال في انتقاداته اللاذعة على ما يمكن دعوته بأسسها "الجماهيرية"، أي على نموذجها الكلامي السياسي لا الفلسفي العقائدي. وهذا ما يمكن العثور عليه في آرائه التي حاول أن يكشف فيها عن مفارقة الفكر الباطني ككل باعتباره نوعاً من السفسطة والجنون. فالسفسطائي، كما يكتب في (معيار العلم) ينكر المعرفة الكلية، أما الباطنية المعاصرة له، فتشترك مع السفسطائيين في انخداعهم بكثرة الاختلافات بين النظار(المنظرين). حيث بنت على هذا الأساس اعتقادها ببطلان نظر العقل واستبدلته بعصمة الإمام. وهو الاستنتاج الذي اعتبره صنواً للجنون، رغم تأكيده على أن "أحكام الباطنية تجري مجرى الجنون، ولكن لا يسمى جنوناً، والجنون فنون".[1] ولهذا السبب اعتبر مهمة دحض التقليد والعصمة من بين أكثر المهام جوهرية في تفنيد الباطنية التعليمية.

فهو ينطلق في انتقاده للباطنية من واقع تباين الناس في كافة الميادين بما في ذلك في الدين والأخلاق والأحوال (المادية والروحية)، والمواقف النفسية من حب وكره وقبول ورفض، أي إقراره بالتباين الهائل في الوجود. ولم ينظر إلى هذا التباين  كما لو أنه قيمة بحد ذاته، بقدر ما استغله وانطلق منه كخلفية واقعية للصراع ضد الباطنية، وكذلك في دفاعه عن ضرورة الخلاف الفكري أيضاً. بحيث رفعه إلى مصاف الرحمة الإلهية، باعتبارها نتيجته الحتمية. لهذا أكد على أن كل خلاف تستتبعه الرحمة[2].

ولم يقف الغزالي عند حدود رؤية الآثار الأخلاقية والسياسية لآراء الباطنية التقليدية عن الإمامة والعصمة، بل وحاول الكشف عن ضررها المعرفي. من هنا تشديده على أن التقليد ليس صفة للعوام فقط، بل ويمكنه أن يكون صفة الخواص أيضاً، أي عند أولئك الذين اعتقدوا بقدرتهم المستقلة في التحليل والحكم، أو كما قال "عند أولئك الذين سلكوا طريق النظر (العقلي) دون أن يستكملوا فيه رتبة الإستقلال، أولئك الذين يحاولون تقليد من ينسب إلى الفضل والحكمة"[3]. فكم من طوائف، كما يقول الغزالي "رأيتهم اعتقدوا محض الكفر تقليداً لأفلاطون وأرسطوطاليس وجماعة من الحكماء قد اشتهروا بالفضل، ودواعيهم إلى ذلك التقليد وحب التشبه بالحكماء"[4]. وجعل من نقده للاتجاهات الباطنية أسلوب نقده الأساسي ضد فكرة التعليم الباطنية. فهو يؤيد الباطنية في موقفها من ضرورة التعليم، انطلاقاً من أن العلوم النظرية العقلية لا توجد بالفطرة. وبالتالي لا يمكن إدراك براهينها دون التعلم. غير أن التعليم بحد ذاته، كما يقول الغزالي، لا ينبغي أن يتطابق مع تقليد المعلم فيه. فليس الأخير سوى من يقدم طريقة إدراك العلوم، وبالتالي ينبغي للعاقل أن يرجع إلى نفسه فيدركه بنظره، وعند هذا فليكن المعلم من كان[5]. بصيغة أخرى، أنه ينطلق من الإقرار بضرورة التعليم، لكنه يربطه بضرورة معرفة أي من العلم يحتاج إلى معلم ودرجة هذا الاحتياج. وذلك لأن ما هو مهم في التعليم حسب نظره هو الطريقة والأسلوب لا تقليد المعرفة كما هي.ومن هنا اعتباره خطأ الفكرة الباطنية عن ضرورة التعليم كمقدمة لبناء استنتاجاتها "المنطقية"، أي عدم تمسكها بالمنطق السليم وتشويهها المتعمد لقواعده. وذلك "بفعل إطلاقهم مقدمات مهملة غير مفصّلة، تصدق في بعض مقتضياتها دون بعض، مثال القول: إذا اعترفتم بالتعليم فقد اعترفتم بمذهبنا"[6]. إن فكرة كهذه بنظره ليست منافية للمنطق فحسب، بل وتحمل في ذاتها بذور موتها. فطريق التقليد، كما يؤكد الغزالي، مباح إلا أنه غير موثوق به. فالتقليد يمنع المرء من رؤية الحقيقة. وإن كثرة الاتباع لا يعني أحقيتها. فلو اجتمع الكفر بالحماقة والبلادة وقصور النظر في وحدة الكلمة، فإن ذلك لا يدل على أن الحق معهم[7]. إضافة لذلك، إن التقليد ينفي ذاته بذاته حالما يحاول الاستناد إلى أسس منطقية. وذلك لأن المنطق يؤدي بالضرورة إلى نتائج معاكسة لما يريد ويرغب. وحالما أخذ بتطبيق آراءه النقدية بصدد تقليدية الباطنية للإمام المعصوم وفكرة العصمة، فإننا نراه يؤكد على أن العصمة بحد ذاتها لا يمكنها أن تكون دليلاً من دون دليل. وأن المعصوم لا يمكنه مخاطبة الناس من أجل اكتساب ثقتها وتأييدها دون براهين صحيحة ومقنعة. ذلك يعني، أن مصدر القناعة هنا وأسلوبها ليس التقليد والعصمة، بل البراهين والحجج. لأن الجوهري في ذهنية المخاطب هو التعامل مع الدليل لا مع العصمة. ومن هنا فإن العصمة لا تعمل إلا على حيونة الإنسان لأنها تفقده قدرة التفكير المستقل، أو أنها تضع مهمة "تحريره" من خلال تحويله إلى بهيمة. والغزالي يدرك تعقيد النفسية التقليدية في الأوساط الشعبية (مسلمين وغير مسلمين)، أي كل "أولئك الذين لو قطّعوا إرباً لم يدركوا شيئاً في البراهين العقلية"[8]. في حين أنه يغفل التعامل مع "من فارق حيز المقلدين أو عرف أن من التقليد خطر الخطأ فصار لا يقنع به"[9]. وهو يدعو هذا الصنف إلى النظر في خلق السموات والأرض ليعرف به الله، والتفكر في المعجزات ليعرف النبوة.ولم تكن هذه الصيغة الجدلية معزولة عن تقاليد وتأثير علم الكلام وأساليبه الخطابية، باعتباره علم الدفاع عن عقيدة العوام. وسوف يؤكد لاحقاً موقفه من كتابه (فضايح الباطنية)، باعتباره من بين مؤلفات الدفاع عن عقيدة العوام. وفيما لو تركنا جانباً هذه القضية، فإن خصوصية آثارها في شخصية الغزالي تقوم في فعالية دورها الكبير في التحضير لانتقاله إلى عالم الصوفية. وبالأخص فيما لو نظرنا إليها من زاوية تحليله وانتقاده لآراء الباطنية وأسلوبها "التكتيكي" في كسب أتباعها، وفي موقفها من إبطال الرأي والدعوة للإمام المعصوم، وكذلك من زاوية تحليل مقدمات ونتائج الحوافز القائمة وراء تأليف (فضائح الباطنية) ذاته واستنتاجه السياسية.

إن ما يميز (فضائح الباطنية) عن المؤلفات السابقة المعارضة للباطنية، هو تعميقه لإحدى القضايا السياسية والفكرية الجدلية في اتجاهات الباطنية التعليمية، أي عند أولئك الذين يقرّون بضرورة الإمام كمصدر للمعرفة اليقينية. والغزالي لا يناقش في الواقع ومن حيث الجوهر سوى هاتين المسألتين. ومع ذلك، تجدر الإشارة هنا إلى أن الكيان الباطني (الإسماعيلي)، الذي يجادله الغزالي، يستلزم بعض التدقيق، والذي يمكننا الحصول عليه من تسمياته للباطنية وألقابها. فهو يشير إلى ما يدعوه بالألقاب العشر للباطنية، المعبّرة عن مدارسها أو فرقها السبع، وأولها الباطنية وهو لقولهم إن لظواهر القرآن بواطن تجري في الظاهر مجرى اللب من القشر، وإنها رموز وإشارات إلى حقائق خفية. أما الثانية فهي القرامطة، نسبة إلى حمدان بن قرمط، والثالثة الخرمية (الخرمندية) لقّبوا بها تعبيراً عن مذهبهم القائل باللذة والإباحة (إذ الخرمة هي الشيء الملذ المستطاب) وهم أهل الإباحة من المجوسية والداعين إلى ترك بساط التكليف. أما الرابعة فهي البابكية نسبة إلى بابك الخرمي وهي فرقة إباحية أيضاً. أما الإسماعيلية (أو السبعية) نسبة إلى زعيمهم محمد بن اسماعيل بن جعفر، الذي انتهت الإمامة ودورها إليه وهو السابع استناداً إلى آرائهم بأن الإمامة سبعة سبعة وأن أدوارها السبعة في الإمامة تتوافق مع حدوث القيامة وأن تعاقب الأدوار لا نهاية له، إضافة إلى قولها بتأثير الكواكب السبعة (زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر)، أي تأثير ما يدعوه بملحدة التخمين ومذاهب الثنوية في النور. أما السادسة فهي المحّمرة حيث لقّبوا بها لأنهم كانوا يصبغون ملابسهم بالحمرة. والفرقة السابعة والأخيرة هي التعليمية، لقّبوا بها لأن مبدأ مذهبهم إبطال الرأي ودعوة الناس إلى التعلم من الإمام المعصوم. ومستندهم بذلك أن الحق إما يعرف بالرأي وإما بالتعليم. وبما أن الأول خاطئ بفعل اختلاف الآراء وثمرات نظر العقلاء، فإن من الضروري الاعتراف بالإمام المعصوم، الذي ينزلونه كما يقول الغزالي، منزلة النبي.

مما سبق يبدو واضحاً أن الغزالي ردد باختصار ما سبق وأن صاغته تقاليد المعارضة الفكرية للباطنية. وهو لا ينفي ذلك، خصوصاً حال حديثه عن أسباب نشوء الحركات الباطنية. حيث يستند أساساً إلى التصورات المتبلورة في كتابات علم الملل والنحل والكلام والتاريخ، أي حصيلة التصورات التي تسم الباطنية بالغلوّ. ولا يعني ذلك افتقاد هذه التقييمات للدقة من الناحية الفكرية والسياسية أيضاً، كل ما في الأمر أنه حاول أن يجمّع الصورة العامة للباطنية في مختلف العلوم الإسلامية بالصيغة التي يمكنها أن تخدمه في "تبشيع" مظهرها "الإسلامي". وبالتالي إعطاء انتقاده شرعية الدفاع عن عقيدة العوام باسم الدفاع عن الخلافة. لهذا تكلم عما يمكن دعوته بالشخصية العامة للباطنية وأسباب ظهورها بالصيغة التي توافق ما اتفق عليه "نقلة المقالات قاطبة". ولعل محاولته النقدية في توجيه سهامها نحو كشف الأسباب الكامنة وراء نشوء الباطنية وأساليبها السياسية الدعائية هو الشكل الأكثر تعبيرا عن ذلك في إطار ما يمكن دعوته بالصراع الأيديولوجي. ففي استعراضه لأساليب الباطنية في استدراج مؤيديها، يسوق الغزالي كل الدرجات التسع وهي الزرق والتفرّس، أي ضرورة أن يكون الداعي فطناً ذكياً صحيح الحدس صادق الفراسة ومتفطناً للبواطن، وله فيها ثلاثة أمور ينبغي أن يتقنها وهي التمييز بين من يمكن استدراجه ومن يعصي عليه من أجل أن لا يذهب وقته سدى، وأن يكون مستعملاً للحديث ذكي الخاطر في تغيير الظواهر (الآيات) وردها إلى البواطن إما لغوياً أو عددياً أو لمناسبة ما أخرى، وأن يكون بحّاثاً عن مسلك المرء أو معتقده، فمن كان مائلاً إلى التقشف والزهد دعاه إليه ومن كان مائلاً إلى المجون حبّذه إليه ومن كان من أتباع أبي بكر قرر إجماع الناس على خلافته[10]. أما التأنيس فهو العمل على خلق الأنس به عن طريق معرفة القرآن ومهاجمة السلاطين[11]. أما التشكيك فبعد حصول الاستئناس به، وهو جهد الداعي لتغيير اعتقاد المستجيب وزلزلة عقيدته عن طريق التشكيك من خلال الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها بمعقول مثل السبب القائم أو الحكمة القائمة وراء مقدورات الشرائع، وعدد الصلوات، ومعنى الحروف في أوائل السور، وآيات القرآن التي تقول بأبواب الجنة الثمانية وأبواب النار التسعة، ولماذا السموات سبع دون ثمان، والتشكيك في خلق آدم وغيرها[12]. أما التعليق فهو طيّ الجواب عن هذه الشكوك، فإن رآه قليل الفضول تركه، وإن رآه متعطشاً لها أخذ منه الميثاق والحلف، وهو الربط، أي الذي يربط الإنسان بإيمان مغلظة وعهد مؤكدة لا يجسر على المخالفة لها[13]. أما التدليس فهو التدرج في بث أسرار الدعوة إليه مع مراعاة قاعدة المذهب وتعميق فكرة تضارب الآراء وأن السر الحق المكنون عند الإمام المعصوم، وبالتالي تعميق فكرة قشرية الآيات (الظواهر) وعمق البواطن. مع التأكيد على أن الباطل ظاهر جلي والحق عميق ودقيق. وترغيبه في أن الكثير من العلماء والفلاسفة هم من أتباع الباطنية، إلا أنهم يكتمون ذلك، أي إقناعه بقوتهم وسعة انتشارهم[14]. أما التلبيس فهو وضع مقدمات لا تنكر في الظاهر ولا تبطل الباطن، بحيث يؤدي إلى تعميق القناعة بفكرة الظاهر الباطن. أما الخلع فهو إيصاله إلى فكرة فهم المعنى الباطن وعدم التقيد بالعمل الظاهر. أما المسخ فهو السلخ الكامل عن الدين وعن التمسك بشرائعه.

مما سبق يبدو واضحاً بأن الغزالي لا يقدم أي جديد في هذا المضمار. فهو يردد من حيث الجوهر نفس الاتهامات السائدة في الأوساط الإسلامية المعادية للباطنية. بمعنى أنها تكشف وتشير إلى بعض الحقائق دون أن تفي بحقيقة الباطنية. فهو يردد نفس الآراء المنتشرة والقائلة بأن الباطنية ما هي إلا محاولة اتباع الأديان الأخرى الأخذ بالثأر من سيطرة الإسلام والقضاء عليه، أي تصويرها على أنها نتاج المؤامرة المجوسية المزدكية من خلال إغواء الروافض، أو ما يدعوه بإيصالهم إلى الحالة التي يغلق عليهم فيها "باب الرجوع إلى الشرع"[15]. إلا أن هذه السطحية تقوم في طابعها الأيديولوجي لا في مضمونها الواقعي. إذ هي تشير إلى بعض الدلائل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية الدينية التي ولعت بها كتب الكلام حول ما دعته بمحاولات تحطيم الإسلام من الداخل. ففي إشارته إلى الجوانب السياسية والاقتصادية يؤكد على ما أسماه بمحاولة الثأر من جانب "أبناء الأكاسرة والدهاقين المجوس، الذين انقطعت سلطتهم قبل الإسلام" و"أولئك الطامحين إلى السلطة، إلا أنه ليس يساعدهم الزمان"[16]، الذين استغلوا رعاع الروافض والدعوة بعظمة أهل البيت كوسيلة لبلوغ مأربهم[17]. بينما هناك من تأثر بالباطنية وانخرط فيها لأسباب شخصية كحب الذات والرغبة في الإنفراد عن الأمة ودعوى التخصص بمعارف لا يصل إليها الآخرون. في حين أن هناك من "يسلك طريق النظر ولم يستكمل فيه رتبة الاستقلال" مما يحدو به عجزه عن البحث عن عروة اليقين في الإمام المعصوم. بينما تأثر آخرون بالباطنية بفعل التقليد والعيش بين أظهرهم. وفي حالات معينة توافقت بعض آراء الباطنية مع آراء وأفكار "ملحدة الفلاسفة والثنوية والمجبّرة في الدين"، الذين اعتقدوا "أن الشرائع نواميس مؤلفة، وأن المعجزات مخاريق مزخرفة"[18]، أي استغلال الباطنية كواجهة لنشر آرائها الخاصة. بصيغة أخرى، إننا نلاحظ في آرائه محاولة الكشف عن كل العناصر الأساسية للباطنية ومكوناتها الاجتماعية والسياسية والثقافية والشخصية وغيرها. وقد حدد ذلك تقييم الغزالي العام لها باعتبارها مذهباً ظاهره الرفض وباطنه الكفر، بسبب حصرها مدارك العلوم في الإمام المعصوم وتقليل شأن العقل في قدرته على إدراك الحق بصورة مستقلة، وطلب الحق بطريق التعليم (التقليد) على يد الإمام والمعلم المعصوم المستبصر بنور الله والمطلع على جميع أسرار الشرائع والهادي للحق والكاشف عن كافة المشكلات، وأن لكل زمان إمام معصوم لابد منه. (يتبع.....)

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص177.

[2] تستند فكرة الرحمة في الخلاف إلى تعمق الرؤية الواقعية تجاه تباين واختلاف الرؤية والمواقف. بينما أعطى لها الحديث (النبوي) الموضوع (الكاذب) "اختلاف أمتي رحمة" أساسا مزدوجا، بحيث فسح المجال أمام الخلاف من جهة، وأمام اعتباره قيمة كبرى من جهة أخرى. وعلى هذا الأساس كان من الممكن "للإجماع" الثقافي أن يقرّ بتنوع واختلاف مدارس وفرق الإسلام العديدة ومن ثم صراعها الذي كان يبلغ أحيانا حد التكفير والتجريم. وحالما تحول "الاجماع" إلى عنصر من عناصر الروح الفكري السائد، فانه حال دون تعميق عناصر "الرحمة". وظهر ذلك بجلاء في مختلف مظاهر وإشكاليات الفرق المتحاربة والمذاهب المتناحرة. فتطور إدراك الرحمة في الخلاف باعتباره ضرورة، حددته وحدة العناصر المتضادة في الثقافة الإسلامية كالعقل والنقل والبدعة التقليد وغيرها، وكذلك محاولة حلها بالطريقة التي تحافظ على ضرورة الحق وحرية التفكير. ولم يكن من الصعب حل هذه الازدواجية. بينما تباين مرورها، من حيث تعقيده، في دهاليز العلوم الإسلامية المختلفة. ووجدت في حالة الغزالي نموذجها المتميز في محاربة التقليد والبحث عن اليقين. ففي مهاجمته الفلاسفة دفع عناصر الشك العقلي إلى أقصاها من اجل تهشيم الذهنية العقلية التقليدية للفلاسفة ودحض آراءهم القائلة، بإمكانية العقل حل كافة المعضلات العقائدية. بينما دافع عن العقل ضد تقليدية الباطنية مبرهنا على ضرورته عوضا عن "عصمة الإمام". وفي كلتا الحالتين كان حافز البحث عن اليقين مجردا في مساعيه النقدية. إلا أن هذه المساعي استثارت بروز وتجّمع عناصر الرحمة وضرورة الخلاف ومحاربة التقليد وأهمية العقل وضرورة اليقين، أي العناصر  التي تمتلك قيمتها الحية في التذوق الفردي لتجربة الظاهر - الباطن الصوفية.    

[3] الغزالي: فضائح الباطنية، ص21.

[4] الغزالي: فضائح الباطنية، ص21.

[5] الغزالي: فضائح الباطنية، ص58.

[6] الغزالي: فضائح الباطنية، ص60.

[7] الغزالي: فضائح الباطنية، ص84.

[8] الغزالي: فضائح الباطنية، ص62.

[9] الغزالي: فضائح الباطنية، ص88.

[10] الغزالي: فضائح الباطنية، ص12-14.

[11] الغزالي: فضائح الباطنية، ص15.

[12] الغزالي: فضائح الباطنية، ص15-16.

[13] الغزالي: فضائح الباطنية، ص17-18.

[14] الغزالي: فضائح الباطنية، ص19-20

[15] الغزالي: فضائح الباطنية، ص10.

[16] الغزالي: فضائح الباطنية، ص22.

[17] الغزالي: فضائح الباطنية، ص10-11.

[18] الغزالي: فضائح الباطنية، ص21-22.

 

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (40)

قد يخفى على غير العارفين بنصوص العهد الجديد (الكتاب المقدس للاخوة المسيحيين) ان هذا الكتاب، وان كان في مجمله يتضمن السيرة الشخصية ليسوع المسيح، لكنه لا يحتوي إلا النزر اليسير من اقوال وتعاليم المسيح !!

فعند جمع كل أقوال ووصايا المسيح الواردة في أناجيل ورسائل العهد الجديد، لن يخرج من هذه الأقوال سوى ما يعادل الصفحتين فقط من الحجم الطبيعي، بعد حذف المتكرر منها بالطبع.

وفي نفس الوقت نجد ان رسائل بولس الرسول (شاول الطرسوسي)  التي تحتوي على أفكاره وتعاليمه وشروحه التي أصبحت أساسا للعقيدة المسيحية،لاحقا، تشكل ما يعادل أكثر من نصف العهد الجديد! 

وعلى الرغم من قلة أقوال ووصايا يسوع المسيح (نسبيا) في سرديات العهد الجديد، لكن تبقى هذه الأقوال والتعاليم والتوصيات على قدر كبير من الاهمية من الناحية العقدية والاخلاقية وكذلك من ناحية قراءة الواقع واستشراف المستقبل

ولعل من بين أهم الوصايا التي سردتها لنا نصوص الأناجيل والمنسوبة مباشرة ليسوع المسيح، تلك الوصايا والتحذيرات الموجهة لاتباعه وتلاميذه من الأنبياء الكذبة وضرورة الحذر منهم والانتباه لخطورتهم !

فعند قراءة الإصحاح الرابع والعشرين من إنجيل متى،مثلا، نجد السيد المسيح، يحذر(تلاميذه) من الانبياء الكذبة والذين قد يستطيعوا ان يقوموا بآيات وعجائب ويخدعوا حتى (المختارين) لو أمكن !! 

وطلب منهم ان لا يصدقوا ادعاء الكذابين بأن المسيح ظهر لهم هنا او هناك !..او انه ظهر بالبرية او اي مكان آخر،مؤكدا لتلاميذه انه حين يظهر،سيكون ظهوره واضحا للجميع مثل نور البرق الذي يغطي المشارق والمغارب! راجع متى 24

وفي نفس الإنجيل نجد،يسوع المسيح، في الإصحاح السابع، يحذر بشكل لافت جدا، من الانبياء الكذبة الذين ستكون نبؤاتهم الكاذبة بأسم المسيح، وقد شبههم يسوع، بأنهم مثل الذين يرتدون ثياب الحملان،ولكنهم ذئاب بالاصل!

ونجد المسيح يطلب مراقبة ثمار ونتائج أعمال هؤلاء الكذبة للتأكد من كذبهم وادعائهم، حتى لو كانوا يتنبؤن باسم المسيح نفسه، ويعتبرونه هو الرب !!... لانه سوف يتبرأ  منهم ومن أثم أفعالهم وخداعهم للمؤمنين

(كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!)

ان تحذيرات يسوع المسيح لتلاميذه وأتباعه من الانبياء الكذبة،هي انعكاس لاستشراف المسيح للمستقبل، وخطوة احترازية منه لتجنب اثار نتائج الدور التخريبي،الذي قد يسببه هؤلاء الدجالون الذي قد ينجحون بحرف الإيمان كله!

وبنفس الوقت، تعتبر تحذيرات السيد المسيح، تكملة لما تضمنته نصوص العهد القديم حول  الأنبياء الكذبة !

لقد حذر العهد القديم من الأنبياء الكذبة ومن خطورتهم في نصوص عديدة وبشكل مكثف، كما ورد في في سفر التثنية 18

وكذلك في سفر ارميا 14 وايضا سفر حزقيال 13 وغيرها من النصوص العديدة

ومن خلال تلك النصوص، نجد ان العهد القديم وضع علامتين أساسيتين لمعرفة وتمييز الأنبياء الكذبة وهما:

عدم الالتزام بتعاليم الرب ووصاياه التي أوجب الالتزام بها وحفظها كما ورد في الناموس (الشريعة)

والعلامة الثانية هي: ان الأنبياء الكذبة،سوف يفتضحون من خلال ثبوت كذب نبوأتهم حول المستقبل!

ومن أجل معرفة وفرز الأنبياء الكذبة، نحتاج أولا، لمعرفة ما هي النبوة؟ ومن هو الذي يصدق عليه وصف النبي؟

وحسب دائرة المعارف الكتابية المسيحية، فإن النبوة هي (الأخبار عن الله وخفايا مقاصده، وعن الأمور المستقبلية ومصير الشعوب والمدن، والأقدار، بوحي خاص منزل من الله على فم أنبيائه المصطفين)

وبذلك يكون النبي هو (من يتكلم أو يكتب عما يجول في خاطره، دون أن يكون ذلك الشيء من بنات أفكاره، بل هو من قوة خارجة عنه - قوة الله)..لذا وحسب التعريف المسيحي، فان النبي هو الذي يدعي ان تعاليمه وكلامه وارائه هي من الله!

و نظرا لاهمية شخصية شاول الطرسوسي (بولس) في مسيرة تطور الديانة المسيحية، ومحورية آرائه وأفكاره، والتي أصبحت نصوصا مقدسة، وقاعدة اساسية يقوم عليها هيكل تلك الديانة، لذلك، نحتاج الى مقاربة تلك الشخصية من خلال المعايير التي تحدد صفات الانبياء او مدعي الرسالة.

من المفارقات الطريفة، اننا نجد بعض الاخوة المسيحيين، وحتى المتخصصين منهم، عند الحديث عن نبؤة شاول الطرسوسي، نجدهم، ينتفضون، ويعترضون، على اساس ان بولس/شاول رسول وليس نبي !!

والعجيب، انهم يدافعون بهكذا حجة مضحكة، وبنفس الوقت يعتبرون كلام واراء هذا الرجل نصوص مقدسة،تشكل أكثر من نصف الكتاب المقدس لديهم !

ان تكثيف تكرار وصف بولس بالرسول، وتجنب وصفه بالنبي، هو تكتيك ذكي ومدروس اتبعته الكنيسة منذ القرون الاولى من اجل منع وابعاد اي محاولة  لإخضاع بولس لميزان مواصفات النبي الكاذب،التي ذكرها المسيح وكذلك العهد القديم !

وكذلك لمنع حصول اي مقارنة ذهنية لدى اتباعها، بين تحذيرات السيد المسيح من الأنبياء الكذبة،وبين شخصية بولس!

ورغم ان التعريف المسيحي للنبي، ينطبق على بولس وعلى ادعائه ان الرب ظهر له بشكل مباشر!!، والذي يحرص في كل رسائله على التأكيد لاتباعه، انه رسول من الله ومن الرب يسوع، وهما اللذان كلفاه بان يكون رسولا للامم،كما أعلن ذلك بنفسه  !!!...مع التأكيد، دائما،ان أفكاره هي من إلهام الروح القدس وليس منه !!

بل ويذهب الى ابعد من ذلك حيث يؤكد لاتباعه ان الله اختاره واصطفاه وهو في بطن امه !!

(و لكن لما سر الله الذي افرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته ان يعلن ابنه في لأبشر به بين الامم للوقت لم استشر لحما و دما)  غلاطية 15

ان تهرب بعض الاخوة المسيحيين، من إخضاع شاول الطرسوسي(بولس) لمعايير النبوة التي تم تحديدها بشكل صارم

بحجة ان شاول هو رسول وليس نبي!....يثير الاستغراب والتعجب والتساؤل، حيث انهم بهذه الحجة الواهية يكذبون نصوص العهد الجديد نفسه، والتي تشير الى ان شاول كان احد أنبياء العهد الجديد !! كما ورد في سفر الأعمال!

(وَكَانَ فِي أَنْطَاكِيَةَ فِي الْكَنِيسَةِ هُنَاكَ أَنْبِيَاءُ وَمُعَلِّمُونَ: بَرْنَابَا، وَسِمْعَانُ الَّذِي يُدْعَى نِيجَرَ، وَلُوكِيُوسُ الْقَيْرَوَانِيُّ، وَمَنَايِنُ الَّذِي تَرَبَّى مَعَ هِيرُودُسَ رَئِيسِ الرُّبْعِ، وَشَاوُلُ.

وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ،قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ:أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ) اعمال 13

وبعد ان تأكد لنا ومن خلال نص المقدس،وليس الاستنتاج او التخمين،ان هذا الرجل يقع ضمن تصنيف أنبياء العهد الجديد، يحق لنا ان نضع هذه الشخصية، في ميزان المصداقية، وضمن المعايير النصية الكتابية، لنرى هل كان نبيا كاذبا ام لا؟!

ان أهمية هذا التقييم،تبرز لنا، من خلال دراستنا للفترة التي كان يعيش فيها شاول/بولس، حيث كان تراشق الاتهامات بكذب ادعاء النبوة او ادعاء الارسالية للمسيح على أشده بين متصدري المجموعات المسيحية المختلفة وقتذاك!

وقد طالت هذه الاتهامات بولس ايضا، كما اننا نجده كذلك يرمي الاخرين بنفس بالتهمة ذاتها !

و في سفر الرؤيا،نجد في بداية الاصحاح الثاني،،اشارة الى هذا الامر والى ظاهرة الرسل الكاذبين

(أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ،وَأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَحْتَمِلَ الأَشْرَارَ،وَقَدْ جَرَّبْتَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا رُسُلًا،فَوَجَدْتَهُمْ كَاذِبِينَ)

وكما أوضحنا في صدر المقال، فان نصوص العهد القديم، قد حددت بشكل صارم و واضح معيارين مهمين، لتحديد مصداقية الشخص الذي يدعي النبوة او التواصل مع السماء

وعندما نضع بولس/شاول في منطقة المعيار الاول، الخاصة باهمية حفظ وصايا الناموس وعدم مخالفتها

سنكتشف ان هذا الرجل، ليس فقط خالف الناموس، واعتبره لاغيا ولاحاجة له، ولا الى اتباع تعاليم الشريعة، بل تجاوز هذا المدى،واعتبر ان وصايا الناموس ضعيفة وغير نافعة !!

(فانه يصير ابطال الوصية السابقة من اجل ضعفها وعدم نفعها!!) عبرانيين 7|18

وهناك العديد من النصوص الأخرى، منسوبة لبولس، يعتبر فيها وصايا الرب التي جاءت في الناموس غير كافية وأنها غير ملزمة وضعيفة، وان الانسان لا يحتاج لاتباع تلك الوصايا ليتبرر، اذ يكفيه فقط الايمان من اجل ان يتبرر!!

وبذلك تسقط مصداقية ادعاء بولس بالتواصل مع السماء،في الاختبار الأول،المحدد من قبل نصوص العهد القديم!

وعند وضع هذا الرجل في منطقة المعيار الثاني، حيث يتم اختبار تحقق نبوءته في الواقع  كما حدد الكتاب المقدس

حيث يكون عدم تحقق توقعات ذلك النبي دليل على كذب ادعائه التواصل مع السماء

(فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ، فَهُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ، فَلاَ تَخَفْ مِنْهُ) تثنية 18/22

بالنسبة لبولس الرسول، تعتبر واحدة من أهم نبؤاته، هي تلك التوقعات التي بشر فيها اتباعه، بأن قدوم المسيح الثاني هو وشيك جدا،وان وقت رجوعه قد اقترب، وانهم سيشهدون - مع بولس- ذلك الحدث التاريخي المهم، حيث سيلتحق بولس ومعه اتباعه المؤمنين بالمسيح، حين يتم اللقاء بينهم في السماء وعلى السحاب !!!

 (فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ.

لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا.ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ)  تسالونيكي الاولى 4/15

وبطبيعة الحال، توفى بولس، وانتهى جيل معاصريه، ومرت قرابة الالفين عام، ولم يأت المسيح، ولم يحصل لقاء السحاب!

وليس امامنا، والحال هذه، سوى تصنيف تلك النبوءة ضمن التوقعات الخائبة، والتي لايمكن اعتبارها وحيا سماويا، وانما مجرد كلام، بطغيان فم صاحبها كما يشير العهد القديم، لذلك فان مصداقية صاحب ذلك التنبؤ تسقط،مجددا، في الاختبار!!

هذا المقال، سيكتفي فقط، بقياس مصداقية ادعاء بولس تواصله مع السماء والتحدث باسمها، ضمن المعايير والأسس التي وضعها الكتاب المقدس نفسه وبنصوص واضحة ومباشرة، ولن نتطرق الى التناقضات و الأكاذيب والفبركات التي اكتنفنتها اقوال وتعاليم بولس، وهي كثيرة جدا،وتحتاج الى مقال مستقل!!

ان اتهام بولس بالكذب والتلفيق، ليس موضوعا جديدا، ولا فكرة مستحدثة، وإنما هو امر مشهور وقديم منذ زمن هذا الرجل، ولذلك نجد صداه في كتاباته ورسائله التي يحاول فيها وبمواضع عديدة نفي تلك التهمة عن نفسه،والتأكيد لاتباعه بانه هو فقط، من يعطيهم الحقيقة،وان الحق في اقواله، وانه ليس كاذبا !!

(والذي اكتب به اليكم هوذا قدام الله اني لست اكذب فيه) غلاطية 1/20

ومن تتبع رسائل بولس، نلاحظ ان هذا الرجل كان يتبع تكتيك: الهجوم خير وسيلة للدفاع !!

فنجده يطلق نيران الاتهامات بالكذب والضلال،على كل المخالفين لآرائه وتعاليمه !!.خصوصا الذين كانوا يحذرون منه!

بل اننا نجد في رسالته الى غلاطية انه لم يسلم من نيران اتهاماته حتى الرسل من تلاميذ المسيح، بل واصابت حتى الرسول بطرس (كبير التلاميذ) حيث نجد بولس في الاصحاح الثاني يؤشر الى اتهام بطرس بالرياء والنفاق!

ولم يكتفي بولس، بمهاجمة الذين كانوا يحذرون الناس من هرطقاته، او الذين اختلفوا معه، لكنه اخترع طريقة مثيرة وعجيبة من اجل ان يبرر تناقضاته وعدم مصداقية دعاواه!!!

وذلك من خلال الإيحاء لاتباعه، بأنه حتى وان كان يكذب، فانه غير اثم او مدان، لان كذبه هو من اجل اثبات صدق الله!!

وبذلك يكون السيد بولس/شاول قد أسس لبدعة فريدة وعجيبة لازال البعض يتبعها، ويتخذ منها أسلوب ومنهج كرازي!

وهي بدعة الكذب المقدس !!!

(فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟) رومية 3/7

 

د. جعفر الحكيم

 

 ميثم الجنابيإن تاريخ الباطنية الإسلامية بصيغتها الإسماعيلية التعليمية هي بمعنى ما تاريخ "الفضائح" العقلية والأخلاقية. فقد شارك الجميع مؤيدون ومعارضون في إبداع تلك الصورة، التي أذهلت الجميع دون أن تقنع أياً منهم حتى النهاية على أنها الصورة الشافية والوافية، أو عما يمكنه أن يكون لصورتها الواقعية المتكاملة أو المثالية . فبالقدر الذي ارتبط اسم الباطنية الإسلامية بصورة "الغلوّ" الإسلامي، فإن هذا التطرف العارم لم يكن في تاريخيته سوى الرد الأخلاقي المرهف لانتكاسات السياسة في تمثلها لمبادئ الإسلام الكبرى ومساعيه العدلية. وقد جعلها ذلك منذ البداية شفافة القلب في تقبل كل ما لا يمت للواقع بصلة، مازالت يمتلك في ذاتها بعض مقومات "السرّ الباطني" للمثال. وإذا كان مزاج الورع الإسلامي لم يعِ ذاته بالضرورة بمعايير الروح المتسامي، فلأنه كان ملزماً منذ البداية أن يقترب من واقعية الإسلام بفعل قوة عناصره القانونية والعملية. حقيقة إن هذا الاقتراب كان من الناحية الواقعية أيضاً نزوعاً ذاتياً. بمعنى أنه في الوقت الذي استبطن في ذاته مظاهر الصراع فإنه استظهر في ورعه عوالم الاختلاج الباطني. وإذا كان الوعي التاريخي عادة ما يربط ذلك بشخصيات كالحسن البصري وأتباعه وأمثاله، فلأنه أحد نماذجه الجلية. بينما استطاع الوعي التاريخي الإسلامي اللاحق في روحه الباطني وثقافته التأويلية أن يبحث عن شخصياته ورموزه في كل "فضائل" و"رذائل" المسلمين الأوائل.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاستبطان التاريخي للوعي الاجتماعي بشكل عام والسياسي بشكل خاص لابد وأن يدرج في تقاليد التأويل كل ما يمكنه أن يكون مادة للتأمل النظري، أي انه يستبطن الظاهر في المظاهر بسبب انتمائه إلى عالم السياسة المتغيرة. لهذا السبب لا يهتم هذا النمط من التأويل بقيم الأخلاق وإشكالاتها، بما في ذلك في حال إدراجها ضمن تأملاته النظرية. وذلك لأنه يدخلها بوصفها أجزاء متناثرة في فسيفساء خطابه السياسي وخططه العملية. ولا يفعل هذا النط الأيديولوجي في الواقع إلا على جرش كل ما يدخل طاحونته على أمل تحويله إلى مادة عجينه النظري. وبهذا المعنى كان لابد وأن تؤدي "فضائل" و"رذائل" المسلمين الأوائل دور الرموز الضرورية للآراء السياسية والشعارات العملية. ويمكن رؤية ذلك على مثال التأويلات العديدة والمتنوعة لفرق الغلو الإسلامية الأولى وبالاخص الشيعية منها في مواقفها من "فضائل" الأئمة وأصحابهم وأتباعهم و"رذائل" الخلفاء ومن ورائهم من الأتباع، أي مجموعة الفضائل والرذائل السياسية بمعناها الأيديولوجي. ومع ذلك ساهمت هذه الظاهرة السلبية في بلورة تقاليد الباطن والباطنية. ومن ثم مدت الروح الباطني للإسلام بمادة وأساليب وخيال التأويل المفرط. مما ساعد بالتالي على إعادة ترتيب علاقة العقل بالنقل، والتأويل بالتفسير، والأخلاق بالسياسة وغيرها. مما استثار في حصيلته النهائية مهمة البحث الدءوب عن النسب الممكنة في تجليات الروح الباطني، وأبدعت بأثر ذلك كل تلك الأصناف المثيرة للباطنية الإسلامية بما في ذلك "التعليمية" منها.        

 وحالما أخذت هذه الآلية فعلها في تكوين عناصر الذهنية المقارنة والتحليلية، فإنها تكون قد فسحت المجال أيضاً أمام الخيال المبدع في تجلياته العديدة. وبهذا المعنى كانت الباطنية الإسماعيلية (التعليمية) نموذجاً كبيراً لعمل هذه الآلية. إلا أنه النموذج الذي استقل بذاته في ذاته مبدعاً كيانه الخاص، أي أنه استقوى باتجاه بناء استبطانه الداخلي الذي أرهقته وأغنته في الوقت نفسه مساعيه السياسية وإفراطه المذهبي، أي كل ما استثار ولع التشفي والانتقام. ولم تكن هذه العملية وليدة الحسرة الداخلية لمآسي الهزائم السياسية للتشيع، بل ولردود فعلها الظاهرية أيضا. بمعنى أنه لم يكن مجرد تعمّق الباطنية في الالتفاف والدوران الذاتي عن قيم الوجود الكبرى، بل وتعمّق الظاهرية في هجومها ضد "الزندقة" الباطنية.

فقد كانت هذه القضية من حيث محتواها التاريخي جزء من ثقافة الإسلام الروحية والسياسية، أي انها حصيلة الظواهر المعبرة عن روحه الباطني. والمهمة الآن لا تقوم في تتبع هذا التناقض الحي، الذي كان نتاجا ونفيا في الوقت نفسه لواقع الصراع الاجتماعي والسياسي والمذهبي، بل في رسم الصورة العامة لما يمكن دعوته "بالعقل الظاهري" (السنّي) في موقفه من الباطنية التعليمية السابق للغزالي. حقيقة إن ذلك لا يعني خلو الظاهرية من الباطنية، والباطنية من الظاهرية. وسوف اتناول بعض جوانب هذه القضية في مجرى دراسة آراء الغزالي في التفسير والتأويل، والظاهر والباطن، والخواص والعوام وغيرها من القضايا المشابهة. وسوية مع ذلك تجدر الإشارة إلى أن ما تناوله الغزالي وغيره من مفكري تلك المرحلة هو تعبير عن الاستيعاب الفردي في حدوده الثقافية. حيث تبقى كثرة من الحقائق العائمة وراء ثقافة المرحلة في كل من ترابط عقائدها المذهبية وصيغها المنطقية وحدسها المعرفي، أي وراء كل الجدل الفكري بوصفها حقائق ذات قيمة بسبب تعبيرها عن استمرار الخلافات وإمكانية ظهورها المتجدد بما في ذلك في الظروف المعاصرة.   

لقد استثارت الباطنية واستفزت الظاهرية وربطتها في جدل اللاهوت السياسي والسياسة اللاهوتية، مما أدى في حالات كثيرة إلى إبداع مختلف الأساطير والخرافات. حقيقة إن ذلك لم يكن بمعزل عما هو مميز للباطنية بشكل عام والإسماعيلية (التعليمية) بشكل خاص في عالم الخلافة آنذاك. فقد تكلّست التقاليد الباطنية للباطنية (التعليمية) في جدلها اللاهوتي، وتعمّقت في خيالها الفلسفي، واستوطنت في خاصة خواصها. لهذا كانت حصيلتها الظاهرية مجموعة من الإرهاصات الحادة في السياسة. مما حدد طبيعة العلاقة المناهضة للباطنية في الاتجاهات الظاهرية (السنّية) وعلومها وبالاخص في التاريخ والكلام وعلم الملل والنحل، أي تركّزها في قضايا "اللاهوت السياسي" وتفريعاته الكلامية. لاسيما وأنها تمرّست في معارك "الفضائح" الفكرية التي سيرمي الغزالي بدلوه فيها أيضاً. ولكن إذا كانت إسهاماته الجدلية تنصبّ عموماً في نفس الاتجاه الذي أبدعته تقاليد العلوم "السنيّة" في صراعها مع الباطنية، فإن نتائجها في تطوره الروحي مثّلت بمعنى ما مفارقته النظرية (العقلية الأخلاقية) الكبرى.

إننا نقف هنا أمام حالة نموذجية من انكسار "الجمود العقائدي" في أحلامه الكبرى. إذ لا تخلو أية حركة سياسية عقائدية مهما قل شأنها أو كبر من واقع انكسار جمودها في أحلامها. إلا أن ما يميز الباطنية الإسماعيلية (التعليمية) هو أنموذجها المنظومي. بمعنى بناء منظومة باطنية قادرة على أن تشمل كل مكونات الوجود والمجتمع والمعرفة والعقائد. إنها أبدعت منظومة فريدة في مكوناتها من خلال لحم التكلّس اللاهوتي بالخيال الفلسفي. وحاولت جمع مكونات يصعب جمعها، من هنا إبداعها لكل ما هو غريب، أو أنها على الأقل أدرجت كل غرابة الفكر والتفكير في منظومتها بالطريقة التي أصبح من الممكن قبول كل الأساطير على أنها واقع، وكل الحقائق على أنها نماذج حية لمساعيها وغاياتها النهائية. مما انتج بدوره نوع من الاعتزاز المفرط بالقناعة العقائدية الصلبة كالعصمة، واندفاع مبتهج للخيال ومقدرته على إدراج كل ما هو كائن وممكن في هرمها العقائدي والسياسي. وإذا كان لهذا التناقض حيويته الخاصة في الفكر الإسماعيلي، فإن إفرازه الواقعي كان لابد وأن يصدم "العقل الظاهري" باستنتاجاته العملية. إذ تصارع كل منهما مع الآخر متمسكين في الوقت نفسه بنفس الحبل كل من طرفه المقابل دون أن يعي كل منهما إن نقطة الضعف الأساسية ليست في تباين أو شرعية القوى وصلاحيتها، بل في نفسية المنافسة العدائية. وهو استنتاج يستمد مقوماته من النتائج الفعلية التي آل اليها تطورهما كلاهما في الفكر النظري والسياسة العملية.غير أن المأثرة المعرفية والأخلاقية الكبرى لهذا الإدراك يمكن العثور عليها في المسار الشخصي لإبداع الغزالي ومصيره المعرفي الروحي الأخلاقي الفردي.

غير أن المهمة المطروحة الآن لا تتعدى حدود الكشف عن الصيغة التي تبلورت بها عناصر الصراع اللداخلي في ذهنية الغزالي بوصفها النتيجة المترتبة على ما اسميته بسخاء العقل وجفاء الأخلاق، أي الخيبة التي تولدها حيرة المفكر حالما يقف أمام نتائج وحقائق إبداعه النظري وخوائه الروحي، أي تلك النتيجة المميزة لمحترفي الأيديولوجية العقلانيين في حال اندفاعهم العارم صوب هاوية الاحتراف ذاته. فهي الممارسة التي تعمي البصيرة الاخلاقية من رؤية خطوات العقل الجريئة ذاتها. فالفوز الذي يصنع وهم التفوق في جرحه للخصوم من خلال كشف "فضائحهم" يؤدي بالضرورة الى انهماكه غير الواعي في مشاركة الخصوم "قبائحهم". اذ يساهم في شحن الطاقة الجدلية لكنه يثلم في الوقت نفسه قوة اليقين العقلي ويصدئ معادن الروح الأخلاقي. غير ان هذه الرؤية الخاصة من وعي الذات الفردي لا تظهر عند المنتصرين بتلك البساطة التي يمن ملاحظتها في سيماء الخاسرين. الا ان اكتشافها عند الاولئل هو من وحي تداخل البحث عن قوة المعرفة ويقين الاخلاق، أي ما هو اكثرها تعقيدا في صيرورة الفردي والاجتماعي. وقد سار صراع الغزالي وتطوره الروحي ضمن هذا الاطار العام. 

  فقد سبق الغزالي تاريخ طويل من جدل المدارس الكلامية والعلوم الأخرى في مقارعة الباطنية ونقض أنماطها المختلفة. حقيقة إن هذه التسمية عادة ما تتطابق في الوعي الإسلامي وعلومه القائمة آنذاك مع الحركات الشيعية "المتطرفة" والإسماعيلية منها خصوصاً. أما تسمية الباطنية فإنها تعبّر في الأغلب عن تقييم وموقف سلبي لمنهج الباطنية وغاياتها

 

[1]، أي كل ما سيدخل بهذا القدر أو ذاك في أسلوب الغزالي وتقييمه الساعي لكشف "فضائحها". غير أن المهمة الأساسية الآن لا تقوم في تتبع الحيثيات الهائلة لهذه الظاهرة الفريدة والكبيرة في عالم الإسلام آنذاك، بل في تتبع تلك الصورة التي أنتجتها تقاليد العلوم النظرية والتاريخية للمرحلة في مواقفها من الحركة الباطنية في نموذجها الإسماعيلي التعليمي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن انتقاد الغزالي للباطنية لا يشكل ظاهرة استثنائية سواء في منظورها التاريخي أو الفكري رغم بقاء أثرها قوياً في العصور التالية، بحيث شكل مصدراً مهماً لاستعادة وتكرار الانتقاد اللاهوتي والمذهبي ضد مدارس الباطنية (الإسماعيلية).مما أدى بدوره إلى استثارة ردود الباطنية ضد هذه "الإتهامات الباطلة" وأمثالها.

لقد قدمت كتب التاريخ، وعلم الكلام، وعلم الملل والنحل وغيرها من الفنون النظرية والأدبية شواهد لا تحصى عن هذه الصراعات والاتهامات "الباطلة" المتبادلة. ولم يفعل ذلك في الأغلب إلا على تطويع ترسانة الباطن الإسماعيلية لصنع حدود القناعة الجازمة ضد أتباعها ومؤيديها. وإذا كانت هذه الظاهرة متناقضة من حيث مكوناتها وتأثيرها، فلأن ذلك مرتبط بخصوصية الباطنية الإسماعيلية  ومنظومتها اللاهوتية والسياسية. فممارسة التقية والطابع السري للحركة الإسماعيلية على سبيل المثال، شكّلا بحد ذاته مصدراً لقوتها وضعفها في الوقت نفسه. إذ ساعد على تعميق الوعي الذاتي وتطوير فلسفتها استناداً إلى عناصرها الداخلية وتراث الفكر ككل من خلال تجنب الدخول في مهاترات ومناوشات الجدل الضيق، ولكنه أدى في الوقت نفسه إلى نوع من الانغلاق الذاتي والتقوقع والإذابة الدائمة للمكونات الذاتية في الذات. وسوف أكتفي هنا بتحليل المادة التاريخية الفكرية، التي تشكل بحد ذاتها ضمانة أولية ضرورية وكافية لرسم خطوط التقاليد العامة التي سبقت (فضائح) الغزالي في كل من معسكري الباطنية والمعارضة.

فالمؤلفات التاريخية السابقة للغزالي، كما هو الحال عند الطبري(ت- 311 للهجرة)  والمسعودي (ت- 344 للهجرة) والقرطبي (ت- 370 للهجرة) سلطت الكثير من الأضواء على أسباب ظهور الحركات الباطنية وترابطها من خلال التركيز على مقدماتها وقضاياها السياسية. إضافة لذلك حاولت الإشارة، وإن بصورة عابرة، إلى الصلة بين الإسماعيلية والقرامطة. أما كتابات المتأخرين منهم، فقد أخذت تتصف بنوع من العداء والمناهضة الصريحتين للباطنية الإسماعيلية وحركاتها السياسية، مما أدى في حالات عديدة إلى تشويهها المتعمد ونسب آراء ومواقف غريبة إليها، كما هو واضح في كتابات مسكويه (ت- 421 للهجرة) والصابي (ت- 447 للهجرة) ونظام الملك (ت- 485 للهجرة) وابن شداد (ت- 632 للهجرة) وأبو الفدا (ت 732 للهجرة) وغيرهم.

في حين أعار علم الملل والنحل جلّ اهتمامه وبفعل موضوعه ومناهجه الخاصة لدراسة الإسماعيلية وفرقها من زاوية تقاليده في النظر إلى ظهور وتفرق الفرق الإسلامية، كما هو الحال عند الأشعري (ت- 234 للهجرة) والملطي (ت- 377 للهجرة) والبغدادي (ت- 429 للهجرة) وابن حزم (ت- 456 للهجرة) والشهرستاني (ت- 548 للهجرة) وغيرهم[2]. فقد نظر الأشعري على سبيل المثال إلى الإسماعيلية نظرته إلى إحدى الفرق الإسلامية، عارضاً بعض مقالاتها بصدد القضايا المميزة لكتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين).  في حين هاجم البغدادي مدارس الباطنية بشكل عام والإسماعيلية بشكل خاص، حيث اعتبرها من بين فرق الرافضة[3]. فهو ينظر إليها على أنها من فرق الإمامية الرافضة[4]، ويصنفها في الوقت نفسه ضمن الباطنية الغلاة.  من هنا حكمه على الباطنية، باعتبارها من أشد الفرق ضرراً على الإسلام بما في ذلك من اليهود والنصارى والمجوس والدهرية وسائر "أصناف الكفرة". ففضائح الباطنية، كما يقول البغدادي، "أكثر من عدد الرمل والقطر"[5]. لكنه يقدم في الوقت نفسه كثرة من المعطيات عن الفرق الباطنية حيث يدرج فيها كل من الديصانية والقرمطية والمأمونية والخرمية والإسماعيلية. ويشير أيضاً إلى فلاسفتها ومؤلفيها الكبار أمثال الشعراني والترمذي والسجزي والنسفي وأبي حاتم الرازي[6]. ويستند في استعراضه لآرائهم إلى أصحاب المقالات والتواريخ المسلمين. وهو يقصد فيما يبدو كتابات كل من الأشعري والملطي وأبي القاسم البسطي (ت-420 للهجرة) والقاضي عبد الجبار (ت-415 للهجرة) وكذلك الباقلاني وغيرهم، أي دون الاطلاع على مؤلفاتهم الأصلية. ويربط البغدادي ظهور الباطنية بمؤسسي الحركة القرمطية الأوائل كميمون بن ديصان ومحمد بن الحسين (دندان) وحمدان قرمط وأبو سعيد الجنابي، أي كل تلك الشخصيات التي ربطت نفسها، كما يقول البغدادي، بصورة كاذبة بالبيت العلوي من أجل بلوغ مآربها السياسية. بمعنى استناده إلى الفكرة السائدة في كتابات تلك المرحلة ومحاولاتها العديدة في إسدال ستار التعتيم والتشوية المتعمد، دون الالتفات إلى بحث الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ظهور هذه الظاهرة الفريدة والعميقة في تاريخ الثقافة الإسلامية. غير أن ذلك لا ينفي وجود آلية البحث عن علل الأشياء بما في ذلك في علم الكلام، باعتباره منبع الأحكام الكبرى حول الفرق الإسلامية في علم الملل والنحل. وليس من المستغرب في هذه الحالة أن يبحث البغدادي عن أحد أسباب انتشار الفكر الباطني السريع في كل من "جهل العوام" و"مكر الباطنية". بل إنه حاول تطبيق ذلك أيضاً على إبداع مفكري الباطنية الكبار أنفسهم.غير أن السبب الرئيسي في سلسلة أسباب ظهور الباطنية بنظر البغدادي قوم في محاولة الثأر من جانب أحفاد المجوس ضد سيطرة الإسلام! أي من جانب أولئك الذين يميلون إلى دين أسلافهم. وبما أنهم لم يستطيعوا الإعلان عن ذلك جهراً، فإنهم اضطروا إلى أسلوب الباطنية في التأويل، وبالصيغة التي تسمح بإمكانية الدفاع عن الديانة المجوسية وفلسفتها الثنوية. فالثنوية تزعم بأن النور والظلمة صانعان قديمان. وأن النور هو فاعل الخيرات والمنافع، وأن الظلام هو فاعل الشرور، وأن الأجسام ممتزجة من النور والظلمة، وكل واحد منهما يشتمل على الإسطقسات (الطبائع) الأربع (الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة). وأن الأصلان الأولان (النور والظلمة) والطبائع الأربع هم الذين يديرون كل ما في العالم. ويشارك المجوس آراء الثنوية من وجود صانعين، غير أنهم نظروا للصانع الأول على أنه قديم فاعل للخيرات، بينما الآخر على أنه شيطان فاعل الشرور، أي ذات الأفكار التي يمكن رؤيتها عند الباطنية ولكن بصيغتها الإسلامية. فالباطنية تؤكد، كما يقول البغدادي، على أن الله خلق النفس، فهو الأول والنفس هو الثاني، وكلاهما يدبران ما في هذا العالم من الكواكب السبع والطبائع الأربع. ومن هنا إشارة البغدادي إلى أن الأول والثاني المدبران للعالم في الباطنية ما هما إلا قول المجوسية. غير أن الأخيرة تعبّر عنه بكلمات يزدان وأهرمن. وإذ لم يكن بإمكانهم، حسب عبارة البغدادي، إظهار عبادة النيران، فإنهم حاولوا إقناع الخليفة هارون الرشيد (ت- 139 للهجرة) بتجمير المساجد، أي تلك الحيلة التي اكتشفها الرشيد والتي أدت إلى نكبة البرامكة الشهيرة[7].

ويقدم البغدادي صورة فظيعة الملامح عما أسماه بعدمية الباطنية ولا أخلاقيتها، بحيث تربط في كل واحد اللواط وعلم النجوم ومحاربة العبادات الإسلامية وغيرها من الأمور، أي كل تلك الصورة الأيديولوجية المفرطة في شناعتها. وفيما لو جرى اهمال هذه "الفضائح" وطرحها جانباً، باعتبارها جزء من نفسية الابتذال وذهنية العداوة ونظرنا إلى ما يتناوله البغدادي  بالتحليل الموضوعي حال استعراضه آراء أهل الكلام في الباطنية، فإن الظاهرة تبدو أكثر تعقيدا. فهو يشير إلى أن أكثرية المتكلمين تشترك في إقرارها بأن غرض الباطنية هو الدعوة إلى دين المجوس بالتأويلات التي يتأولون بها القرآن والسنّة، استناداً إلى مفهوم الأول والثاني (يزدان وأهرمن). بينما زعم البعض أن الباطنية استمدت مقوماتها من الصابئة الحرانية استناداً إلى ممارستهم كتمان الديانة عن الآخرين وإعلانها إلى المقربين والأتباع. أما البغدادي فإنه يحدّ الباطنية بمفهوم "الدهرية الزنادقة"، الذين يقولون بقِدَم العالم وينكرون الرسل والشرائع[8]. ويستند في حكمه هذا إلى ما قرأه، كما يقول، في رسالة عبيد الله بن الحسين القيرواني إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنابي، والمسماة (بالسياسة والبلاغ الأكيد والناموس الأعظم)، التي تبلور "تكتيك" الباطنية في كيفية التقرب إلى ممثلي وأتباع مختلف فرق الملل والنحل من أجل كسب ودها وتأييدها. وحاول من خلال ذلك إبراز نزعتهم "الدهرية" و«زندقتهم "بالتشديد على ما ينسبه لهم من رد نواميس الأنبياء والقول بقدم العالم"، و"إبطال الثواب والعقاب". و"أنه ليس الجنة إلا الدنيا وليس العذاب إلا اشتغال أصحاب الشرائع بالعبادات"، وأن عبادة أهل الأديان هي لإله لا يعرفونه"[9]. وبالتالي رفضهم المعجزات والملائكة والوحي. إذ ليست الملائكة بنظرهم، كما يقول البغدادي، سوى دعاتهم وليست الشياطين سوى مخالفيهم. أما الأنبياء فهم قوم أحبوا الزعامة. فالنبي بالنسبة لهم هو الناطق والوصي أساسه. وبالتالي فمن يستند إلى تأويل الباطن فهو من الملائكة ومن يعمل بالظاهر فهو من الشياطين. وأدى ذلك بهم إلى تطرف في التأويل بحيث انتزعوا المضمون الحقيقي لما في القرآن والسنّة. فليست الصلاة حسب تأويلاتهم سوى موالاة الإمام، وليس الصوم سوى الإمساك عن إفشاء السر، وليس الزنى سوى الإفشاء بالسر ونكث العهد والميثاق. وبالتالي فإن تشكيك الناس بصحة القرآن والتوراة والإنجيل والدعوة لإبطال الشرائع هو من صلب مهماتهم وغاياتهم النهائية، كما يستنتج البغدادي. إذ لا ملائكة ولا جن ولا آدم ولا الله. وإن ما جاءت به الرسل هو مجرد مخاريق وما كلامهم إلا تناقضات. فعيسى يقول لا أرفع شريعة موسى ويزيلها، ومحمد يستصعب الإجابة عن سؤال وجه إليه عن معنى الروح ويقول "إن الروح من أمر ربي"، وموسى لم يبق له من البرهان على نبوته سوى المخرقة باتقان الحيلة والسحر.  إلا أن خطورة هذه الآراء، حسب نظره، تقوم في أن الباطنية لا تتناولها دفعة واحدة، بل تتبع في ذلك أسلوبها الخاص، الذي بلورته على أساس مفاهيم وممارسات التدرج في المراتب التسع وهي: التفرّس، والتأنيس، والتشكيك، والتعليق، والربط، والتدليس، والتأسيس، والميثاق والعهد، والخلع والسلخ. ومن الممكن العثور على كل ما أورده البغدادي بهذا الصدد عند الغزالي وفي الكتابات المناهضة للباطنية مثلما هو الحال في كتابات حميد بن أحمد المحلي ( ت-652 للهجرة) في كتابه (الحسام البتار في الرد على القرامطة الكفار) وملخصه في كتاب محمد بن الحسن الديلمي في جزئه المخصص "لبيان مذهب الباطنية" في كتابه (قواعد عقائد آل محمد) وغيرها من الكتب. غير أن البغدادي لا يتناول هنا إلا مراتب التفرس والتأنيس والتدليس والتشكيك.

أما ابن حزم فيفسر ظهور الاتجاهات الباطنية انطلاقاً من أسباب "قومية". فهو ينظر إليها باعتبارها رد فعل فارسي ضد السيطرة العربية. إلا أنه لا يضّمن هذه الفكرة مضمونها القومي المعاصر،  بقدر ما أنه يشير إلى بواعثها الفكرية، التي شاطرها في واقع الأمر الكثير من كتاب ومؤلفي تلك المرحلة. بمعنى النظر إلى هذه الحركات بوصفها رد فعل من جانب القوى التي فقدت سيطرتها المادية والروحية.ولهذا اتخذت من الشيعة العلوية في فرقها العديدة، وبسبب معاداتها للسلطات، وسيلة وغلاف لمهاجمة الإسلام[10].  ولا يغير من هذا الحكم شيئاً، كون ابن حزم يضع الإسماعيلية والقرامطة في فرق الباطنية (الشيعية) المجاهرة بترك الإسلام[11]. وهو يقطع إمكانية الجدل منذ البداية عندما يؤكد على أنه لا باطن في القرآن، وأن كل ما فيه ظاهره، وأنه "لا سرّ تحته. كله برهان لا مسامحة فيه"[12]. وبالتالي ليست دعوة الظاهر والباطن سوى مخرقة، إذ لا كتمان في حقيقة الشريعة. إذ ليس هناك من علم خاص تابع للقرابة من النبي. ولا يوجد في القرآن والسنة "سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعى الناس كلهم إليه. ولو كتم شيئاً لما بلّغ"[13]. أما آراء الشهرستاني فقد كانت في حصيلتها صياغة موضوعية محايدة تستعرض آراء الباطنية (الإسماعيلية) العامة.

فقد تبلورت شخصية وآراء الشهرستاني بعد الغزالي، وبالتالي لم يكن بإمكانها أن تكون مصدرا للغزالي أو منهلا من مناهل التقاليد السابقة له. إلا أن آراءه وأحكامه العامة يمكنها تسليط الضوء على بعض الجوانب المهمة بالنسبة لرؤية مضمون النقد الحاد الذي وجهه الغزالي ضد التعليمية الباطنية. فالشهرستاني لم يخض جدل العقائد والاتهام. بل اكتفى بالإشارة إلى انه لميبق بعد استعارضه الفرق الاسلامية سوى فرقة واحدة وهي الباطنية. وعلّق على ذلك قائلا بأن أصحاب التصانيف في المقالات اختلفوا في إدراجهم أو إخراجهم من فرق الإسلام. واعتبرهم الشهرستاني بالجملة فرقة تختلف عن فرق الاسلام الاخرى الاثنتين وسبعين[14]. ولا يمكن إغفال ما في هذا التقييم من معان متعددة. فباستثناء موقفه النقدي الوحيد في نهاية استعراضه لآراء الإسماعيلية، والقائل بأن حصيلة أفكارهم تؤدي إلى سد باب العلم وفتح باب التقليد[15]، فإننا لا نعثر عنده على أي موقف معارض أو نقدي آخر. فهو يستعرض ألقاب الإسماعيلية مشيرا إلى أن أشهرها هو اسم الباطنية استنادا إلى قولهم إن لكل ظاهر باطن، ولكل تنزيل تأويل. أما القابهم الاخرى فتختلف باختلاف المناطق. ففي العراق يطلقون عليهم اسم الباطنية والقرامطة والمزدكية، وفي خراسان التعليمية والملحدة. بينما يطلقون هم على أنفسهم أسم الإسماعيلية[16]. كما يفرّق الشهرستاني بين "باطنية قديمة" خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وأن حصيلة فكرهم تقوم في نفي الصفات حقيقة وتعطيل الذات. أما اصحاب "الدعوة الجديدة" فغنهم تنكبوا الطريقة القديمة حين أظهر الحسن بن الصباح (ت-518 للهجرة) "دعوته وقصر عن الإلتزمات كلامه واستظهر بالرجال وتحصن بالقلاع"[17]. ويمكن لهذه الآراء والأحكام العامة ان تساعد على تدقيق سمية الباطنية والتعليمية، والاتجاه الذي خاض الغزالي الصراع ضده، أي ضد أصحاب "الدعوة الجديدة".

غير أن صورة الباطنية تأخذ بالتغير حال الانتقال إلى ميدان الفلسفة والكلام. وإذا كان جدل العقائد والآراء والأحكام يتخلل كل مسامات الكلام، فإن نظيره الفلسفي عادة ما كان يضمحل في مساعيه التأملية بفعل ابتعادها عن قضايا اللاهوت التقليدي ومماحكة استعماله السياسي والأيديولوجي.غير أن ذلك لا يعني غياب المؤلفات الفلسفية المتصارعة، بما في ذلك داخل الفرقة الباطنية (الإسماعيلية)، كما هو جلي في كتابات النسفي (ت- 331 للهجرة) والسجستاني (ت- 353 للهجرة) ومحاولة توليفهما في كتابات الكرماني (ت- 411 للهجرة). بمعنى أن هذا الجدل كان يسعى للبحث عن تطوير ووحدة الحركة الباطنية الإسماعيلية. لهذا السبب لم يختف هذا الجدل في ما بينهم، كما هو الحال داخل كل الفرق الإسلامية الأخرى.

وما هو مهم ضمن سياق البحث هو مضمون واتجاه التقاليد الفكرية المتبلورة في مجرى صراع الفرق الإسلامية مع الباطنية الإسماعيلية. وإذا كان ميدان العلم الفلسفي "شحيحاً" في هذا المجال، فإن علم الكلام قد امتلأ بمهاترات لا تحصى. وينطبق هذا بقدر أقل على كتابات علم التاريخ والملل والنحل. ومع ذلك فإن هناك تشابهاً كبيراً في التقاليد العامة لهذه العلوم في مواقفها من الباطنية. وفي الوقت نفسه هناك تقاليد مشتركة في ما بين الفرق الإسلامية جميعاً. بمعنى هجوم كل فرقة ضد فرقة ما أو ضد جميع الفرق الأخرى. فمثلما تعرضت المعتزلة، على سبيل المثال، إلى هجوم أغلب الفرق الإسلامية، فإنها هاجمت بدورها الجميع بنفس الحماسة. وينطبق هذا على كل الاتجاهات الإسلامية الكبرى وفرقها العديدة. وبهذا المعنى كان تعرّض الباطنية إلى انتقادات المعتزلة والأشاعرة شيئاً ما طبيعياً، أي كل ما يمكننا العثور عليه في كتابات المعتزلة والأشاعرة مثل القاضي عبد الجبار وأبو القاسم البسطي والباقلاني والجويني وغيرهم.

فعلى الرغم من التشابه النسبي بين المعتزلة والأشاعرة في تقاليدهما الكلامية، إلا أن خلافاتهما الفكرية أدت في حالات عديدة إلى تباين أساليبهما أيضاً في الانتقاد والجدل. لكنهما التقيا في عدائهما للباطنية، تماماً بالقدر الذي ناصبت الباطنية عداءها لهما.

فإذا كانت انتقادات البغدادي تحمل روح التطرف العقائدي والمذهبي، فإن كتابات البسطي تميزت بطابعها الكلامي الفلسفي الجدلي. وبغض النظر عن أن البسطي يشاطر البغدادي فكرة اعتبار الديانة الزرادشتية هي المصدر الفكري الروحي للباطنية الإسماعيلية، إلا أنه يتناول هذه القضية استناداً إلى تحليل ومناقشة آراء المفكرين الإسماعيليين وفلاسفتها الكبار أمثال النسفي والسجستاني وأبي محمد النيسابوري وأبو أيوب القيرواني والقاضي النعمان وغيرهم. وينطبق هذا الأسلوب لحد ما على ما قام به الباقلاني في انتقاداته الجدلية للباطنية في كتابه (كشف الأسرار في الرد على الباطنية). ومن الممكن هنا افتراض أن آراء هذا الكتاب تتشابه من حيث نموذجها العام مع ما وضعه في كتاب (التمهيد). بمعنى تضمنه لأسلوب الكلام العقلي في الجدل وإنجازاته في تتبع وتحليل وانتقاد العقائد والاتجاهات الفكرية والأديان كالفلاسفة والفرق الإسلامية والمجوسية واليهودية والنصرانية والبراهمة. حيث عرّض فرق الشيعة بمختلف اتجاهاتها وفرقها إلى انتقادات تناولت قضايا الإمامة والعصمة والنص والاختيار. وسوف يشير الغزالي في (إحياء علوم الدين) حالما تناول قضية الإمامة قائلاً "قد ذكرنا في كتاب المستظهري المستنبط من كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار تأليف القاضي أبي الطيب في الرد على أصناف الروافض من الباطنية ما يشير إلى وجه المصلحة فيه"[18].

لقد كانت الحصيلة الظاهرية لصراع الغزالي ضد الباطنية التعليمية (الإسماعيلية) تقوم في تعميق وتوسيع الأبعاد السياسية في صراع العقائد، أما حصيلتها الباطنية فتقوم في توسيع فجوة العقل والأخلاق مع ما ترتب عليه من انكسار روحي في شخصيته. الامر الذي حدد تأثير أحد الروافد الكبرى النظرية والعملية في مصيره الفكري كما نراه في انتقاله إلى التصوف وإعادة النظر بإشكالية العقل والأخلاق، السياسة والروح الأخلاقي.

***

ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] يجري الحديث هنا أساسا عن الباطنية(التعليمية)، أي عن تلك الصيغة التي نعثر عليها في كتابات الاتجاهات المعارضة للإسماعيلية. فالباطنية من حيث كونها أسلوبا تختلف عن كونها حركة سياسية ومدرسة عقائدية. وبغض النظر عن وجود قواسم مشتركة بين مختلف أنواع الباطنيات، إلا أن ذلك لا يعني تشابهها. فهناك بون شاسع، على سبيل المثال، بين باطنية الإسماعيلية والتصوف. ومع ذلك هناك تأثير متبادل بينهما. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار اغتراف أغلب مدارس وتيارات الغلو الإسلامي من بحر الباطنية، فإننا نستطيع استشفاف بعض الحوافز الفكرية القائمة وراء القيمة السلبية لتسمية الباطنية عند الاتجاهات "السنيّة". أما في الواقع، فإن أغلب هذه المعارضات هي نتاج الصراع المذهبي وتقاليده السياسية اللاهوتية. وذلك للخطورة الكامنة في أسلوب الباطنية بسبب بطونه واستبطانه الدائم للتأويل، الأمر الذي يؤدي إلى صعوبة استقرار قواعد العقائد، ومن ثم يفسر الأسباب الفكرية والعقائدية واللاهوتية السياسية القائمة وراء عداء واستعداء التيارات السنيّة ضد الباطنية بمختلف أشكالها ومستوياتها وأنواعها.

[2] لقد تناولت هذه الجانب وكثير غيرها مما هو مميز لتقاليد علم الملل والنحل في كتابي (علم الملل والنحل- تقاليد المقالات والأحكام).

[3] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص26.

[4] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص42.

[5] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص213.

[6] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص214.

[7] يمثل هذا النوع من التفسير لأحدى المدارس الفلسفية والسياسية الكبرى عن ضيق أفق شديد بسبب استحواذ عناصر المنهجية العقائدية والمذهبية الضيقة فيه. إذ لا يجد هذا النوع من التفسير في تاريخ الفكر والاجتماع سوى تعبير صادق أو كاذب على معتقداته الخاصة. في حين يستند تقييمه على بعدها أو قربها من تصوراته وأحكامه كما لو أنها "مشكاة" الحقيقة المطلقة.

[8] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص222.

[9] البغدادي: الفرق بين الفرق، ص222-223.

[10] ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنِحل، ج2، ص115.

[11] ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنِحل، ج2، ص116.

[12] ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنِحل، ج2، ص116.

[13] ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنِحل، ج2، ص116.

[14] الشهرستاني: المِلل والنِحل، ج1، ص190.

[15] الشهرستاني: المِلل والنِحل، ج1، ص195.

[16] الشهرستاني: المِلل والنِحل، ج1، ص192.

[17] الشهرستاني: المِلل والنِحل، ج1، ص195.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص141.

 

ميثم الجنابي"عند الشدائد تذهب الأحقاد"

من الصعب استيعاب حقيقة مواقف الغزالي من الفلسفة والفلاسفة وتأثيرهما اللاحق في تطوره الفكري ككل دون إدراك مقدماتها التاريخية الثقافية، وبالأخص تلك التي تبلورت في تقاليد المعارضة الإسلامية للفلسفة. رغم أن هذه المواقف لا تتطابق من حيث قيمتها النظرية وفاعليتها مع مناهضة التفكير الفلسفي وأساليبه بحد ذاته[1].فقد تضمنت آراء الغزالي المعارضة ومواقفه الأولية المتشددة من تيارات الفكر الفلسفي المعاصر له التشكيك بمنطقية البراهين الفلسفية وبدعاوى تمثلها للمعرفة الحقة. بينما استهلكت بأسلوبها الجدلي حوافز الروح الفلسفي من نزوات السفسطة حتى تدقيقات البرهان.

بصيغة أخرى، إن آراءه المناهضة للفلسفات السائدة في عصره (الأرسطية والإفلاطونية والإفلاطونية المحدثة والفيثاغورية وغيرها) ونماذجها الإسلامية لا يعني انقطاعه عن تياراتها أو عدم تأثره بها. وكمن في ذلك أحد الأسباب القائمة وراء الترديد الواسع لكلمات أبي بكر ابن العربي من أن "الغزالي دخل بطن الفلاسفة فأراد أن يخرج فما قدر". غير أن هذه الصيغة لا تعبّر إلا عن مظهر الظاهرة لا حقيقتها.

فالغزالي لم يدخل "بطن الفلاسفة" بقدر ما أن ثقافة الوعي الفلسفي للخلافة قد بلورت آراءه. وبالتالي فإن موقفه المعارض منها وتأثره بأسلوبها كان في الوقت نفسه نتاجاً للتطور الفكري التاريخي ذاته. إلا أن خصوصية مواقفه تقوم في كونه الأول من بين مفكري تلك المرحلة من تجرأ على منازلة تيار فكري متكامل له جذوره القوية في ذهنية الثقافة، وأوراقه المظلة في سمائها الروحي، وأن يعطي لهجومه طابعاً عقلياً منظماً. وفي هذه الظاهرة ينعكس مضمون المفارقة العميقة التي سيصوغها الوعي النقدي الإسلامي اللاحق بعبارته القائلة "إن الغزالي أمرضه الشفاء"[2]. وسواء جرى وعي هذه الكلمة في إطارها الثقافي أم لا، فإن مما لاشك فيه تضمنها حدس الإشارة الخفية في قدرتها على إماطة اللثام عن "مرض" الغزالي الفكري اللاحق ومقدمات "شفائه". وفيما لو تجاوزنا مجازية العبارة، فإن الأزمة التي أبدعها الغزالي في صراعه مع الفلسفة قد صاغت بطريقتها الخاصة قيوده الذاتية، أي أن مهاجمته الفلسفة قد جعلت منه منظومة مفتوحة وأطرقت بذهنه إلى عالم "الإلهيات" الشائك، دافعة إياه نحو تحقيق "منطق الحقيقة" كما هي. وهذا بدوره لم يكن معزلا عما تعرضت له الفلسفة من انتهاك عقائدي ونقدي من قبل المتكلمين، تماما بالقدر الذي جرى تأثرهم بها. أما الصيغة الفعلية لهذه الظاهرة فتقوم في أن ما يسمى بالعداء والخلاف لا يعكس بصورة دقيقة حقيقة المجرى الموضوعي لتطور الفكر الفلسفي والكلامي في عالم الإسلام آنذاك. بمعنى إنها كانت تعكس واقع الصدام والخلاف وليس حقيقة التعامل الفكري. فأغلب الخلافات التي كانت تحدث هي جزء من آلية وتقاليد الخلاف المرافقة لصراع العقل والإيمان. إذ لخلاف المدارس الكلامية والفلسفية أسسه المعرفية والعقائدية أيضا. غير أن ذلك لا يعني تطابق العقل مع الفلسفة، والإيمان مع الكلام. فالكلام هو أيضا فلسفة عقلية، إلا انها إسلامية المعتقد، مما حدد بدوره أوجه ومسار الخلاف الأيديولوجي بينهما، أي كل التقاليد السائدة ما قبل الغزالي. أما الطابع العلني في نقد الغزالي لآراء وأحكام الفلاسفة والفلسفة بشكل عام بصدد قضايا الإلهيات، فإنه يعكس حالة التمثل العميق لتقاليد الصراع بين الكلام والفلسفة. أما حصرها في مجال الإلهيات فقد كان النتاج المرافق لمساعيه الخاص في الكشف عما أسماه بخلل البراهين الفلسفية وضعف تمسكها الدائم بالمنطق الذي تدعيه. الأمر الذي يكشف بدوره عن أهمية المنطق وجوهريته بالنسبة للغزالي، ومن ثم دوره الأساسي في البرهان. أما حصر الجدل في قضايا الإلهيات، فإنه كان يحتوي أيضا على نزوع أيديولوجي، ولكنه مرفوع إلى مستوى الجدل العقلي الرفيع. وقد حددت هذه العملية الشائكة من تداخل العقل والإيمان، والجدل والبرهان، والحقيقة والمعتقد إلى خلخلة العقائدية الصارمة وأسلوبها الأيديولوجي كما كان الحال في شعاره "عند الشدائد تذهب الاحقاد"، ليحل محله لاحقا تأمل الحقيقة خارج احتراب الفرق والمدارس.

استند الغزالي في تجربته النقدية للفلسفة إلى تراث الكلام. لكن ذلك لا يعني أن لعلم الكلام عداء جوهري مع الفلسفة، أو أنه يحمل صفة التناقض الجوهري مع الفلسفة. فالكلام هو الآخر فلسفة. أما الفِرق الكلامية فإنها غاية في التباين والتنوع والاختلاف. ويلتقي بعضها مع الفلسفة ويفترق في كل من المفاهيم والآراء والمواقف والبراهين والحلول. وفي هذا كان يكمن الإحساس المشبوب بالعداء الخشن لما هو مقترن بالتفلسف "المغترب". ومن الصعب الآن القول بأن لهذا الإحساس أطره الثابتة. إلا أنه كان يلتف في أغشية الهذيانات العقائدية، التي أثارت كجزء من أسلوب إعادة إنتاجها، ولع التشفي بكل ما لا يستند إلى معطيات العقائد المتعارف عليها. وإذا كان لهذا التسويف الفكري صلابته في قواعد البنية التقليدية للكلام وموضوعاته الجدلية، فإن ذلك لا يعني غياب مثيلها في التقاليد الفلسفية. من هنا تصادمهما أيضا، بوصفهما أساليب متعارضة في دفاعهما عن "الحقائق". وبما أن الأخيرة كانت في أغلبها "ثقافية" المنزع، فإن منزع الثقافة ألزمهما منطقه السهل ألا وهي المواجهة عندما تقتضي الضرورة، والضرورة في المواجهة من أجل "شرعية" الاستمرار في الوجود. ومع ذلك تجدر الاشارة هنا إلى أنه ليس في تاريخ الفكر والحضارة ما يحتمل الحتمية المطلقة. ففي حصيلته هو نتاج تصادمات لا تحصى. وليس "منطق" المواجهة سوى أحد مظاهر الصدام. ومن السذاجة رفع هذا "المنطق" إلى مصاف الإرادة المدركة لقواه. وفي الوقت نفسه لا يعني ذلك غياب عقلانيته التاريخية. فصيرورة الكلام النظرية لم تكن معزولة عن الفكر الفلسفي أيضا. وبالتالي، فإن لصراعه معها أسسه ومقدماته الثقافية والعقائدية والمعرفية. بمعنى انه يتجاوز قواعد الإدراك السلبي المسبق. وباستثناء تلك الحالات التي تحول فيها الجدل إلى جزء من المهاترات العقائدية الضيقة، بعد أن بلغ تباين وإختلاف الفلسفة والكلام درجة "الاجماع" العام، فإن صراعهما عادة ما كان ينبثق من تلقائية التنافس المميزة لوجود وصراع القوى والمدارس النظرية. الأمر الذي حدد واقع عدم استناد "منطق" المواجهة على إرادة مدركة، مع انه في ذاته إدراك كامل لإرادة الأنا الثقافية - العقائدية. مما حدد لدرجة كبيرة قيمة العقلانية التاريخية في هذا الصراع. وذلك لأنه ألزم الجميع بضرورة التمسك بقواعد "الحقيقة" من أجل إثبات حق الشرعية الوجودية، أي انه اعطى لحوافز البحث عن الحقيقة ومنطقها أداة وقيمة ومعنى لا يمكن تجاهلها. وهو ما نعثر عليه بوضوح في انتقاد الغزالي للفلاسفة وسعيه إلى ما اسماه بكشف تهافتهم المنطقي.

إلا أن ذلك يبقى، إن أمكن القول، من عوارض الغليان الذي تفتعله أحياناً الذهنية العقائدية ونفسية الانتماء المذهبي. وهي في الوقت نفسه عناصر تتخلل بأقدار متباينة جميع المدارس. ولا تفلت منها الشخصيات المفكرة في مجرى تطورها كعناصر ضرورية في تعميق إدراك التجربة الفردية كبحث عن الحقيقة. ولكنها قبل أن تصل إلى هذه الذروة، ينبغي لها أن "تتمتع" بجملة من رذائل الطريق، مازال من المستحيل فرض قواعد الأدب عليها في مسارها الجدلي. وقد تمتع كل من الفلسفة والكلام في مسارهما في عالم الإسلام إلى ما لا يحصى برذائل الجدل، ولكنهما بقيا الكيانين الأرقى في مساعيهما النظرية إلى "الذب عن الحقيقة". وبهذا المعنى فإن صراعهما وخلافهما كان أيضاً يلتقي ويفترق بمدى ملامسته للحقيقة. وبما أن الحقائق الكبرى كانت تدور حول الله أو المطلق، وعقائد الدين كقضايا جوهرية، من هنا اضفاءها على الخلاف تداخلاً من الصعب فرز مكوناته. بمعنى تداخل العقائد والحقيقة، الإيمان والعقل، البرهان والجدل. وفي الوقت الذي كمن في هذا مصدر الخلاف الدائم، فإنه أدى أيضاً إلى إبداع تقاليد مشتركة. وقد انطلق الغزالي من هذه التقاليد المشتركة وخلافاتها. حيث اتخذت الفلسفة في إدراكه) هيئة العلم القائم بحد ذاته إلى جانب علم الكلام، أي كل ما يصوره بعبارة انتقاله في المعارف من الكلام إلى الفلسفة ودراسة علومها.

ولكن ماذا تعني هذه العبارة في تطوره الفكري إن لم تعنِ استمرارية تقاليد علم الكلام في موقفه من الفلسفة وبالتالي هضم العناصر الجديدة في تقاليد وأسلوب الوعي الفلسفي؟ فقد انطلق الغزالي في دراسته العلوم الفلسفية منذ وصوله بغداد للتدريس في نظاميتها، أي أنه اصطدم بها للمرة الأولى كعلم مؤثر في الأوساط الثقافية والعلمية. وساهم في توجهه "المتحزب" وسعيه المتفاني نحو الفلسفة كل من حب البحث عن الحقيقة وضغط عالم الكلام، الذي بلور ثقافته النظرية. والغزالي نفسه يشير إلى أنه "لم ير أحداً من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك"[3]، أي مهمة دراسة الفلسفة والرد عليها من جانب الفقهاء والمتكلمين وأمثالهم من "علماء الإسلام". أما المتكلمون الذين صرفوا عنايتهم للرد على الفلاسفة، فإن كتاباتهم لم تكن بنظره سوى مجموعة لكلمات مبددة ظاهرة التناقض والفساد وقليلة الجدوى بفعل عدم معرفتهم الدقيقة بالعلوم الفلسفية[4]. آنذاك وضع أمام نفسه مهمة دراسة الفلسفة بالشكل الذي يستلزم، في حالة الرد عليها، إتقانها على التمام. وصاغ على هذا الأساس أحد المبادئ المنهجية العميقة والعلمية في النظرة النقدية لدراسة الأفكار ومدارسها. فمن أجل انتقاد هذا العلم أو ذاك يستلزم من الناقد "معرفة منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك، ثم يزيد عليه في معرفته ويتجاوزه بحيث يطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم ذاته"[5].

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا المبدأ الذي بلوره الغزالي في مرحلة متأخرة نسبيا من حياته الفكرية يعكس تضمنه الفعلي على العناصر الأولية المتجمعة في مجرى تطوره الذهني الفقهي والكلامي. ومن الممكن العثور على هذه العناصر في أعماله الفقهية الأولى. أما جانبها الجدلي الشديد فقد ظهر بقوته الكبرى في (تهافت الفلاسفة). فقد انطلق الغزالي هنا من أن السعي لامتلاك ناصية المعرفة هو المقدمة الضرورية لكل نظرة نقدية جدية. ومن ثم نعثر هنا على ازدواجية المساعي للمعرفة الموضوعية والنزوع الأيديولوجي للمواجهة. ولا يوجد في هذه الحالة "فضيحة" فكرية في حال النظر اليها ضمن سياق المرحلة التاريخية وثقافتها ومزاجها العقائدي. بل يمكن تأكيد العكس! بمعنى إن ذلك يتضمن في ذاته على عناصر التثليم الخفية للتشدد العقائدي من خلال تمتين وحدة المعرفة المتكاملة واستقلال الفكر النقدي، والذي نعثر عليه عند الغزالي في العبارة التي بلورها عما اسماه "ببلوغ منهى ذلك العلم من خلال معرفة الأصل الزيادة عليه بالتفوق على صاحب العلم نفسه". ولا يقصد هو هنا كمية المعارف بل أسسها الضرورية في مصادرها الأساسية. ولكن ماذا تعني الزيادة في المعرفة على ممثل العلم نفسه إن لم يعن في الوقت نفسه تمثل حقائق العلم المعنى "من الداخل"؟ وفي الحالة المعنية استلزم ذلك منه أن يكون "فيلسوفا أكثر من الفلاسفة". وبالتالي لم يكن من الصعب رؤية التأثير الكبير للفلسفة في "مصيره" الروحي.

فالغزالي، كما هو جلي، لم يتناول في بادئ الأمر الفلسفة من زاوية صوابها أو خطئها بقدر ما أنه تعامل معها كتيار فاعل في الثقافة السائدة. وإن تناوله للفلسفة جرى في الوقت نفسه تحت ضغط الخلفية النفسية والفكرية التي بلورها علم الكلام في مواقفه المتشعبة منها. فعلم الكلام، حسبما يقول الغزالي، لم يبنِ أحكامه على أسس برهانية. ولم يعرف الفلسفة للدرجة التي يمكن أن ينازلها كندّ لها. وفيما لو طرحنا جانباً ما إذا كان هو مصيباً في معرفته الفلسفة للدرجة التي فاق بها الفلاسفة أنفسهم بحيث استطاع الإطلاع على ما لم يطلعوا عليه منها، فإن أطروحته ذاتها تكشف عن توجه مسبق للرد على الفلاسفة. فهو لم ير من علماء المسلمين من رد عليهم. أما علم الكلام فإنه عجز عن ذلك بفعل ضعف اهتمامه بالعلوم الفلسفية. ولم يقصد هو بذلك سوى ضعف الاستقلال الفكري في تمثل حقائق الفلسفة، أو التقليد السطحي "لقوتها البرهانية".

إلا أن ذلك لا يعطي أي مبرر للفكرة السائدة في أوساط الباحثين والدارسين القدماء والمعاصرين، عن تناقض الكلام والفلسفة أو عن الطابع الدخيل للفلسفة في الثقافة العربية الإسلامية، أو عن أن العرب المسلمين لم يكن بإمكانهم تقبل أي شيء ما خارجي ما لم يخضع خضوعاً كلياً للعقائد الإسلامية ويذاب فيها. إن لهذه الأحكام حقيقتها الجزئية، ولكنها لا تستطيع أن تفسر ظاهرة الثقافة الإسلامية وصراعاتها الداخلية. وذلك لأن ما يميز الثقافة الإسلامية في مراحل نموها الأولى ونضوجها الكبير حتى زمن الغزالي تقوم في اعترافها العام "بعلوم الأوائل". ولا يعني ذلك في مضمونه المعرفي سوى الإقرار باستمرار المعرفة. وبهذا المعنى جرى تقبل الفلسفة من قبل الجميع كجزء من "علوم الأوائل". لاسيما وأن لحب المعرفة تأييده "الشرعي" في الحديث المستحسن عن "طلب العلم ولو في الصين".  بصيغة أخرى، إن تطور الثقافة الإسلامية ذاتها جرى من خلال البحث الصادق "في الآفاق وفي الأنفس". وكان لابد لهذا البحث وحوافزه الصادقة من أن يثير شعور التقبل والنفور، وتقييم الجليل والدخيل، وأحكام التمنطق والتزندق وأمثالها.

وفي هذه العملية المتناقضة لازدواجية وثنائيات الصراع الفكري جرى تصلّب النصل الثقافي لعالم الإسلام. وقد أضفى هذا العالم لمحاته البارقة على كل ما هو "دخيل" دون أن يستفز ذلك مشاعر التحفّز المسبق لإسباغ ألوانه عليه. لقد جرى صهر المعارف في عالم الإسلام، كما لو أنه قدرها المسمى، وتقبل الجميع هذا المصير بين تشنج النقل وابتهاج العقل، وأنين الحشرجة المذهبية وسكرة اللذة المعرفية. وذلك لأن تعمق الحكمة (والفلسفة)، بدا كما لو أنه تعبير عن الحكمة التي يستحكمها كل حسب "ما هو ميسر له". وبهذا تكون الفلسفة (الحكمة) قد تغلغلت في نسيج الثقافة الإسلامية. وإذا كان نتوؤها البارز في صرح المعرفة النظرية قد استثار حفيظة الوعي اللاهوتي، فلأنها عادة ما كانت تمثل النموذج العقلاني الأرقى في صراع العقل والنقل،و الفكر الحر والعقائد الإيمانية. وقد كمن هنا دون شك أحد الأسباب المعرفية الأساسية لصراع الكلام والفلسفة وشكله الثقافي في محورية الصراع حول العقائد الدينية الكبرى.

ولم يشذ انتقاد للغزالي للفلاسفة ولم يخرج عن هذا الاطار العام. على العكس! انه يؤكده بصورة أشد وضوحا وتجانسا. فهو يشاطر الفلاسفة قناعة الدور الجوهري للمنطق في بلوغ العلم اليقيني. كما يدرك أهمية وقيمة العلوم الفلسفية ككل. إلا أن خلافه "المنطقي" معها يبرز في هيئة الدفاع عن عقائد الإيمان الكبرى. اذ لم يكن الجدل الذي خاضه صراعا في ميدان الميتافيزيقيا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل في مجال العقائد الإيمانية. الا أن مجال هذه العقائد كان، بمعنى ما، ميدان الميتافيزيقيا الإسلامية، أو بصورة أدق ميتافيزيقيا الوجود التاريخي الثقافي لإسلام المرحلة. مما اسبغ بدوره غشاء مزدوجا من وحدة المنطق والسفسطة، العقل والشك، الجدل والنقد لأجل الدفاع عن عقائد الاسلام. وقد أدى ذلك في نهاية المطاف إلى إثارة البلبلة الفكرية والصراعات الداخلية الحادة في ذهنية الغزالي وأزماتها التالية.

فعلم الكلام الذي حارب الفلسفة لم يكف هو ذاته عن أن يكون فنا فلسفياً. إضافة لذلك إن الصراع الذي خاضه علم الكلام لم يتمحور ضد العلوم الفلسفية بحد ذاتها، بقدر ما أنه جرى حول بعض الآراء والنظريات الفلسفية. ولم يحصل هذا الصراع على "إجماع" من حيث مشاطرة الآراء أو مخالفتها. بمعنى أن اتجاهات علم الكلام ظلت مختلفة ومتباينة في مواقفها من النظريات المختلفة للفلاسفة بين معارض ومؤيد، تماماً بالقدر الذي يمكن رؤية هذا الخلاف والتعارض بين المدارس الفلسفية نفسها. وسوف يشير الغزالي لاحقاً إلى التشابه الكبير أحياناً بين آراء الفلاسفة والمعتزلة بصدد الكثير من القضايا. في حين سيؤكد في مؤلفاته ما بعد (تهافت الفلاسفة) أن الكثير من آراء الفلاسفة في السياسة والأخلاق والمنطق والطبيعيات تتطابق أو تتفق مع آراء الأنبياء والحكماء والصوفية. ذلك يعني أن مناهضة الغزالي لم تكن موجهة ضد الفلسفة بحد ذاتها بقدر ما أنه واجه وناقش وجادل ودحض آراء واستنتاجات بعض المذاهب الفلسفية، أي كل ما يمكن العثور عليه في حالة تتبع حوافز انتقاده للفلاسفة.

فهو يشير في مقدمة مواقفه العامة من الفلسفة إلى ما أسماه بالتفاوت العظيم في البعد من الحق والقرب منه عند الفلاسفة[6]. وشكل انتقاده للنزعة التقليدية في آراء ونظريات الفلاسفة المسلمين للفكر الأرسطي والأفلاطوني وغيرهما أحد البواعث الجوهرية لسخطه الكبير. لهذا وجد في آرائهم مجرد استبدال لهيبة التقليد العادية للعوام بتقليدية الوعي الفلسفي. وليس من الصعب رؤية التناقض الخاص في هذه العبارة. فالغزالي، كما هو جلي من آرائه، لم يقف ضد "الحق" الفلسفي، بقدر ما أنه حارب نزعة التقليد السائدة وسط "فلاسفة الإسلام"، التي حاولت أن تقدم أغلب إنجازات العلوم الفلسفية للأوائل (الإغريق والرومان) على أنها حقائق مطلقة. وبهذا المعنى كان انتقاده خطوة كبرى إلى الأمام في ميدان تثوير الوعي الفلسفي ذاته. إلا أن محاربته لتقليدية الفلاسفة لم تكن هي ذاتها حرة (مستقلة) من تقليد العقائدية الدينية. وفي هذا كمن أحد التناقضات الحادة في صيرورة آرائه الأولى، أي في تلك المرحلة التي واجه بها الفلاسفة وجهاً لوجه، والتي جعلته يقترب في آن واحد من إدراك محدودية آراءه ومواقفه الكلامية وآراء الفلاسفة ومواقفهم. ومن الممكن القول إنه توصل إلى رؤية الملمس الحاد لحدّيْ محدودية الكلام والفلسفة فيما حوله منذ زمن مبكر نسبياً، أي منذ المحاولات الأولى التي هاجم بها فلاسفة العالم القديم والمعاصرين له.

فالعرض الموضوعي المنسق، الذي يقدمه في (مقاصد الفلاسفة) كان لحد ما تجربة التمرين الفلسفي المستقلة في استيعاب وتنظيم الآراء والنظم الفلسفية، التي سيتأملها بصورة نقدية في (تهافت الفلاسفة). فهو يشير مرات عديدة في (مقاصد الفلاسفة) إلى أن ما يعرضه هو مجرد "بيان مقاصد الفلاسفة"[7].  وفي الوقت الذي يهمل مجادلة آرائهم في الرياضيات، فإنه يؤكد على صحة أغلب آرائهم في المنطق. غير أنه يفرز في آرائهم كل من الإلهيات والطبيعيات على أنها مثيرة للجدل. وفي هذين الجانبين تظهر ذهنية الغزالي النقدية في مواقفها من "تناقضات" الفكر الفلسفي، دون أن يعني ذلك خروجه على العقلانية الفكرية. فهو يدرك صعوبة بل واستحالة حل هذه القضايا سلباً أو إيجاباً استناداً إلى العقل البرهاني وأحكام المنطق، أي كل ما سيولد عنده لاحقاً فجوة الشك المعرفية.

إن هذا الشك العقلي الفلسفي كان بمعنى ما نتيجة لتأزم صراع الكلام والفلسفة،أي في تلك الحالة التي أخذت تتضح  عنده فيها معالم محدودية الكلام وضعف يقينية الأحكام الفلسفية. وبالتالي وضعته أمام ضرورة البحث عن مخرج آخر سيجده لاحقاً في عالم الصوفية، ولكن دون أن يؤدي ذلك إلى قطع الصلة نهائياً بالتيارات الفكرية (الكلامية والفلسفية) السابقة باعتبارها درجات منفية في تجربته الصوفية الجديدة. وهو ما يمكننا العثور عليه في تقييمه تجربته الفكرية عندما يتناول بالتصنيف مؤلفاته المعارضة للفلسفة وبالأخص (تهافت الفلاسفة). فهو يشير في (جواهر القرآن) إلى أن من العلوم ما يعنى بمحاججة الكفار ومجادلتهم. ومنها يتشعب "علم الكلام المقصود لرد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات" والذي "يتكفل به المتكلمون". وهذا العلم شرحه على طبقتين هما الطبقة القريبة، منها (الرسالة القدسية) والطبقة التي فوقها (الاقتصاد في الاعتقاد). ومقصود هذا العلم حراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة. ولا يكون هذا العلم ملياً بكشف الحقائق. وبجنسه يتعلق الكتاب الذي صنفه في (تهافت الفلاسفة)[8].

إن هذه العبارة تثير معضلات فكرية عديدة حول انتقاده للفلاسفة. وما يثير اهتمامنا الآن هو حوافز هذا النقد ونتائجه المؤثرة على تطوره الفكري. فهو يحدد بوضوح دقيق أن ما وضعه في (تهافت الفلاسفة) هو من "جنس" مؤلفات الدفاع عن عقيدة العوام، أي من صنف العلوم التي لا تعتني بالبحث عن الحقائق كما هي. ومن ثم لا يمتلك في ذاته قيمة علمية  معرفية إيجابية. والغزالي نفسه لم ينكر هذا الاستنتاج بما في ذلك في (تهافت الفلاسفة) نفسه ولا في أي من مؤلفاته الأخرى. رغم أنه ظل يكنّ إعجاباً خفياً له يردده بين الحين والآخر، بما في ذلك في مؤلفاته المتأخرة مثل (جواهر القرآن) و(المقصد الأسنى) و(المنقذ من الضلال) وغيرها من الاعمال. ومن الصعب فهم قيمة ولا قيمة (تهافت الفلاسفة) وأهميته الفكرية ولا علميته في الوقت نفسه دون استيعاب ثنائية وازدواجية العوام والخواص في التعامل مع قضايا الفكر والوجود الاجتماعي والعقائدي المميزة لعصره.

إن انتقاده الأولي للفلاسفة، كان يمثل بالنسبة له المواجهة الفكرية ومستواها الأرقى. وإن إدراكه الجزئي لضعف أسلوبه النقدي في (تهافت الفلاسفة) يقوم أساساً في محاولات كشف تقليدية المذاهب الفلسفية وزرع بذور الشك في يقينها الجازم وإبراز ضعفها المنطقي في "قضايا الإلهيات". وفي هذا الميدان الأخير ومنه تظهر الحاجة الملحة للدفاع عن عقيدة العوام، أو بصورة أدق حراستها من "البدع والضلالات"، أي أن هذه الممارسة النقدية ولّدت في أعماقه عناصر الإدراك الأولي عن أن نقده للفلاسفة هو أيضاً جزء من مهمات حراسة عقيدة العوام. ولكن هل يعني ذلك بأن الانتقادات الكلامية ذاتها لا تمتلك صفة الحقيقة و"شرعيتها" مازالت هي من ميدان الدفاع لا الكشف، ومازالت هي في مستوى عقيدة العوام لا الخواص؟ إن الغزالي لا يجيب على هذه الأسئلة بصورة مباشرة. غير أن آراءه  اللاحقة تؤيد هذه الفرضية. بمعنى خلوها المباشر من عناصر البحث عن الحقيقة كما هي، أو عن الحقيقة الإيجابية. فكتاب (تهافت الفلاسفة) لا يبحث عن حقيقة، بل عن تهافت "الحقائق". وفي هذا تكمن أهميته النقدية بالنسبة لتجربته الفكرية واستمرارها في شحذ ذهنه المعرفي.

فقد ظل (تهافت الفلاسفة) يشكل عنصراً ضرورياً في وعي الغزالي، وبالأخص ما يتعلق منه بالجانب العقائدي. إلا أن هذا الأخير لا يتطابق مع معتى الخلو التام من الحقيقة واللاعقلانية. إذ لم يسعَ الغزالي لتحويل عقائديته الإسلامية إلى ميدان "اللاهوت السلبي"، رغم أن اللاهوت اتخذ لحد ما مظهر الوسيلة المباشرة لنقد الفلسفة. وبهذا المعنى يكون قد فسح المجال لانتقادهما كليهما. رغم أن ملامح هذه الظاهرة ظلت جنينية الطابع في (تهافت الفلاسفة). فالغزالي ينتقد ضمنياً هنا علماء الكلام على فطانتهم البتراء وبصيرتهم الحولاء، أي أنه يسعى لإعطاء علم الكلام تجانسه الأوسع والأدق والأعمق في الكيفية التي ينبغي أن يدافع بها عن عقيدة العوام. وفي مجرى هذه العملية  النقدية، أو على الأقل في نهايتها الأولية أخذت تبرز أمام ناظريه البصيرة الحولاء لعلم الكلام نفسه.

لقد كان جهده الأولي منصباً أيضاً من أجل تهذيب الفطانة البتراء للمتكلمين في مواقفهم من الفلاسفة. وحاول ترميم أحجارها من خلال إثبات ضعف يقينية الأحكام الفلسفية. وبهذا يكون قد تغلغل في وعيه الطابع السلبي لكليهما إلى الدرجة التي أصبح هو  نفسه أسير صراعهما غير المجدي. غير أن ذلك لا يعني التقليل من أهمية هذا الصراع. إذ يستحيل توقع الصيرورة الفعلية لكينونة الغزالي خارج هذه "اللاجدوى"، التي انتجها مسار قرون من شحذ همم العداء المتبادل. فقد كان الصراع في أغلبه يحتكم من حيث حوافزه إلى عناصر الثقافة ورموزها المعرفية. الأمر الذي أدى إلى أن يبدع في دهاليزه المظلمة قيم المعرفة الحقة وضغائن الجهل المذهبي والفرقي. وقد أبدع هذا "المأزق" الحي للثقافة الروحية على مثاله دينامكية الوعي الحاد تجاه رؤيته للنفس والأغيار. أما بالنسبة للغزالي فقد كان ذلك أسلوب تطوره الشخصي، أي انكساراته وأزماته و"انقاذه من الضلال". في حين يشكل ذلك بالنسبة للمعرفة أسلوب احتكامها إلى فيصل الحقيقة وأحكام الوهم. وذلك لأن علم الكلام، كما سيقول  الغزالي لاحقاً، هو جدل ملفّق بفعل استناده إلى التقليد وانطلاقه من مسلمات تفتقد هي ذاتها إلى برهان ودليل. أما الفلاسفة فإنهم أيضاً لم يأتوا بجديد. وذلك لأنهم أيضا مقلدون جدد. وبهذا المعنى فإن التقليد الفلسفي لا يختلف في جوهره عن تقليد العوام في الإيمان[9].

إن انتقاد الغزالي للفلاسفة ذو حدين. فهو يسعى من جهة للبرهنة على أنه لا جديد في الفلسفة العربية الإسلامية، ومن جهة أخرى صاغ مهمة تحطيم الهيبة التقليدية لأي كان. فهو ينطلق من أن مصدر "كفر" أغلب فلاسفة الإسلام يقوم في اتباعهم أسماء شهيرة مثل سقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطو. بمعنى التأثير النفسي للغريب والشاذ. في حين أن هذه النزعة المميزة لمتفلسفي الإسلام وفلاسفته، أي أولئك الذين يقتفون الأسماء دون الحقائق ويدعون الترفع عن مسايرة العوام والدهماء، ما هو في الواقع إلا ظن الارتفاع عن التقليد، أو كل ما اعتبره مجرد انتقال "من تقليد الحق إلى تقليد الباطل". فهو من بين أوائل مفكري الإسلام الكبار، الذين حاولوا الكشف عما يمكن دعوته بضعف المناعة الثقافية المميزة لظاهرة التفلسف الإسلامية. وبغض النظر عن التجني النسبي في مواقفه الجدلية هذه من فلاسفة الإسلام، إلا أنه أشار دون شك إلى جانب مهم للغاية فيما يتعلق بالاستقلال الفكري ودوره في تمتين اليقين المعرفي. إنه حاول انتزاع نفسية التقليد المغتربة. فهو لم يقف ضد التفلسف أو التفاعل الثقافي. على العكس! إنه أراد أن يعطي لهذا التفاعل طابع التعامل المعرفي الصادق المبني على أساس إدراك الحقائق ورفض التقليد. وبهذا المعنى فقط ينبغي فهم تشديده على تقليدية الفلاسفة باعتباره انتقال من تقليد الحق إلى تقليد الباطل. وإلا فإن التقليد واحد من حيث انعدام قيمته المعرفية، أو ما صاغه بعبارة أن الانتقال من تقليد إلى تقليد ما هو إلا خرق وخبال[10].

فهو لا يتجاهل حقائق الفكر الفلسفي وإنجازاته ولا يرمي جانباً قيمه الكبرى. فهو يؤكد على ما يسميه "بحسن أصول الفلاسفة ودقة علومهم"[11]. وحدد ذلك أسلوبه النقدي تجاه الفلسفة والفلاسفة. فهو يدرك منذ بداية الأمر طبيعة العناصر السلبية في أسلوب انتقاده للفلاسفة، أي كل ما وضعه في مضمون ومنهجية "مقابلة الإشكالات بالإشكالات". وليست هذه الإشكالية السلبية سوى التعبير الجدلي المناسب لأحد نماذج الشك العقلي، الذي يدفع إلى المقدمة مهمة إظهار "فساد كلام" الخصم. وقد جعل من هذا الأسلوب مقدمة وغاية (تهافت الفلاسفة)، أو ما دعاه "بتكدير مذهبهم" و"إبطال دعواهم بمعرفة القدم"[12]. وقدم على صفحات (تهافت الفلاسفة) أمثلة كثيرة تكشف عن طبيعة أسلوبه النقدي هذا. فالفلاسفة تجيب، على سبيل المثال، عن السؤال المتعلق بسبب حركة الأفلاك التي يجري بعضها من الشرق إلى الغرب وبالعكس مع تساوي الجهات (لاسيما وأن تساوي الجهات يساوي تساوي الأوقات) استناداً إلى فكرتها القائلة بأنه فيما لو دارت الكواكب في اتجاه واحد، فإنه سيكون من غير الممكن تباينها في الأوضاع والمناسبات، في حين أن هذه المناسبات هي مبدأ كل الحدوث في العالم. وعلى الرغم من أن الغزالي لا ينفي اختلاف جهة الحركة وأشكالها، إلا أنه يثير إشكالية التمايز في الجهات والحركات. فإذا كان رأي الفلاسفة يستند إلى الفكرة القائلة بعدم إمكانية تساوي المتقابلة، فإن ذلك، حسب نظره، ليس بأكثر من الاعتراض القائل بأن التقدم والتأخر في وجود العالم متضادان فكيف يمكن تساويهما. وإذا كان الفلاسفة يتمسكون بآرائهم فلم لا يحق لمعارضيهم أن يعتبروا آراءهم هي الأصح[13].

بصيغة أخرى، إن الغزالي يسعى كما هو جلي من مواقفه هذه إلى دحض دعوى الفلاسفة امتلاك ناصية الحقائق أو سلوكها سلوك الحاكم على كل ما هو موجود، لا معارضة الحقائق كما هي. وبهذا المعنى يكون (تهافت الفلاسفة) أحد نماذج الانتقاد العقلي للتراث الفلسفي. وهو في الوقت نفسه تمثل كلامي فلسفي بليغ للعقلانية المؤدلجة، التي حاولت أن تربط في كل واحد إبراز أهمية العقل ومحدوديته أيضاً في قضايا الميتافيزيقيا الإلهية. وبالتالي، فإن انتقاده للفلاسفة هنا هو مجرد اتجاه معارض ضمن الإطار العام للعقلانيات الفكرية، أي محاولة الكشف عن عدم تجانس أو تهافت العقلانية المنطقية للفلاسفة في قضايا الإلهيات. فهو يظهر هنا كفيلسوف ضد الفلاسفة، ومن ثم التجسيد الخاص لما يمكن دعوته بالنقد الفلسفي للفلسفة.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] ما يثير اهتمامي هنا ليس مقدمات وتقاليد الصراع بين علم الكلام والفلسفة، بقدر ما يقوم في الكشف عن خصوصية هذه العلاقة عند الغزالي، بوصفها مقدمة معرفية وثقافية ساهمت في انتقاله إلى التصوف. فقد سعى الغزالي اساسا لدحض آراء الفلاسفة وأحكامهم عن الطابع المنطقي للفلسفة بصدد الإلهيات معتبرا إياها مجرد أحكام نفسية. واستند في مواقفه هذه إلى حصيلة الجدل بين الفلسفة والكلام وبراهينهم وحججهم. وإذا كانت هذه التقاليد "العدائية" الصفة المميزة لثقافة المرحلة ككل، رغم مساعيها الموازية في تأسيس فكرة وأصول الإجماع، فإننا نستطيع استشفاف فاعلية الجدل وراء كل ذلك، أي حول كل ما سيهاجمه الغزالي في وقت لاحق.

[2] والمقصود بذلك تأثره بكتاب (الشفاء) لابن سينا.

[3] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص94.

[4] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص94.

[5] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص94.     

[6] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص65.

[7] الغزالي: مقاصد الفلاسفة، ص3-4.

[8] الغزالي: جواهر القرآن، ص21. تعكس هذه الصيغة إدراك الغزالي لضرورة التمييز الجزئي والنسبي بين كتبه الكلامية (التقليدية) أو ما اسماه بالطبقة القريبة والتي ما فوقها وفي جنسها مثل (تهافت الفلاسفة). وسوف اتناول هذا التمايز من حث خصوصيته وطبيعة تأثيره في قضايا الكلام والفلسفة عند الغزالي.

[9] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص73.

[10] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص74.

[11] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص74.

[12] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص123.

[13] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص106-107.

 

ميثم الجنابي"العمى أقرب إلى السلامة من بصيرة حولاء"

لقد توصلت في الجزء السابق من هذا البحث إلى ما اسميته بالمفارقة الداخلية لازدواجية المعرفة والأخلاق التي ستضعه وجهاً لوجه أمام ممارسته الشخصية، أي التناقض الذي مزق وحدة النسيج الداخلي لفكره وقناعته العقائدية، والذي شكل أحد عناصر انتقاله اللاحق إلى التصوف

فقد كان الغزالي مضطراً تحت ثقل هذه الازدواجية المعرفية والأخلاقية إلى أن يبرر جزئياً ما لا قناعة له به، بل إنه يضطر في إحدى مراحل تطوره إلى أن يؤدلج متطلبات السياسة وأن يؤدي بالتالي مهمة "مدّاح" الدولة الأيديولوجي و"نائحتها المستأجرة"، أي كل ما سيضعه وجهاً لوجه أمام "محاسبة النفس" وتقريعها الذاتي على كل مقترفاتها السابقة بما في ذلك "العلمية" منها. فالحقيقة التي دافع عنها أنقذت سقوطه الأخلاقي. وهذا ما يفسر سبب ذلك "الهجوم الأخلاقي" الذي جعله يخلِّق حتى أدق الحقائق وجودية ونظرية (معرفية). لكنه قبل أن يصل إلى هذه النتيجة كان لابد لسؤال الإشكالية الفكرية أن يبرز في مجرى الازدواجية المذكورة أعلاه. بمعنى كيف يمكن للعلم الذي لا يبحث عن الحقيقة كما هي والمتميز بعناصر التبرير والتقليد أن يكون أسلوباً للدفاع عن عقيدة العوام الإيمانية؟ وكيف يمكن للعقيدة أن تؤيد بأسلوب لا يمتلك بحد ذاته مقدمات قناعته الخاصة دون أن تعرِّض أسسها للهدم والزوال.

وقد كانت هذه الاشكالية الجوهرية إحدى العقبات الفعلية أمام الوعي النقدي لعلم الكلام. وإذا كانت مدارسه السابقة عادة ما تحل هذه الإشكالية من خلال تذليل حدة النزعة النقدية "بالانكسار" داخل المنظومة العقائدية الكبرى ومذاهبها، فإن مأثرة الغزالي هنا تقوم في سعيه لتحطيم بنيتها العامة من خلال سحب البساط من تحت أقدام علم فن الدفاع عن عقيدة العوام نفسه. وقد كانت هذه العملية النتاج الطبيعي للنفي الداخلي المتمرس ضمن تقاليد علم الكلام. الأمر الذي يفسر أيضا تجمع عناصر الفكر النقدي في تجربته الكلامية. وما ترتب عليه من بحث عن نموذج أرقى للمعرفة، والذي وجده في الذوق والمكاشفة. مما أدى إلى الابقاء النسبي على وجود علم الكلام ضمن المفاهيم والأساليب المتعلقة بضرورته للعوام، بوصفه الأسلوب المناسب لاستيعاب عقائد الايمان. وبهذا يكون الغزالي قد كشف بحذقه الفكري عن مقدمات وغايات علم الكلام، وكذلك بداياته ونهاياته وموقعه المناسب في الثقافة الإسلامية ووظيفته العملية. لكن المهمة التي اتناولها هنا تعلق أساسا بقضية الكشف عن الصيغة التي تراكمت بها عناصر الرؤية النقدية لعلم الكلام وتداخلها مع عناصر تجاربه النظرية العقلية ودورها في دفعه صوب الانتقال إلى التصوف.   

إذ من الصعب فهم حقيقة آراء الغزالي وأجوبته بهذا الصدد دون إدراك حوافزها الاجتماعية والسياسية بالدرجة الأولى والعقائدية بالدرجة الثانية. رغم أن ذلك لم يعقه أحياناً بفعل واقعيته الفكرية ومبدئية مقالاته من أن يستبدل هذه المعادلة بأحكام أخرى. إلا أن جوهر القضية يبقى بالنسبة له في الطابع الاجتماعي والسياسي لظاهرة الكلام وتأثيره اللاحق.

فإذا كان قد نظر في بداية أمره إلى الكلام نظرة المتكلمين المحترفين، فإنه أخذ يدرك على خلفية صراعاته المدرسية والمذهبية والعقائدية، جموده وتحجره، الذي اتخذ في الكثير من قسماته الصفات المرادفة والمشابهة لسمات الفقه والفقهاء. إلا أنه لم يرفضهما من حيث كونها علوما أو فنونا، بل رفض تأثيرهما السلبي في صيغته المتعصبة والتقليدية. الأمر الذي يفسر سرّ دعوته إلى ما أسماه "بفقه النفس" لا "فقه الدنيا"، وموقفه المعارض من فكرة قدرة الكلام على شحذ خواطر الإدراك والمعرفة. وإذا كان قد أقر ّالحقيقة الجزئية لهذه الفكرة، فإنه وجد فيها هوساً كهوس تصور شحذ الشطرنج للخواطر بالنسبة لتعميق الإيمان الديني. من هنا يبدو واضحاً بأن ما يثير اهتمامه في هذه القضية هو الوظيفة الاجتماعية والسياسية لعلم الكلام. مما جعله يعترف بضرورته في ذلك الوقت الذي "ثارت فيه البدع وعمت البلوى وأرهقت الحاجة"[1]. ولكن لا بوصفه أداة للمعرفة بل بوصفه أداة أيديولوجية جزئية. لهذا السبب وقف بالضد من تدريسه بالمدارس والجامعات رغم اعترافه بإمكانية ضمه إلى علم من علوم فرض الكفايات، أي الاعتراف بموقعه الذي شغله بفعل التطور التاريخي للعلوم الإسلامية. وقد تضمن ذلك بذاته الاعتراف النسبي بوظيفته الضرورية الجزئية والدائمة ولكن بوصفه أداة خارجية وثانوية وطارئة. وبهذا يكون قد أزال إمكانية الاحتراف الأيديولوجي الرسمي (السياسي) لعلم الكلام. إذ طالب باستقلاله عن الدولة ومؤسساتها. وبهذا المعنى فإن أيديولوجية الكلام هي أيديولوجية الدفاع الحر عن المعتقد لا غير.

فإذا كان الكلام يتقاسم الكثير مما هو مميز للفقه، فإن الأخير يتميز عنه بكونه أداة داخلية ضرورية ودائمة. وإذا كان الكلام يتشابه في مهمته مع الدواء فإن الفقه يتشابه مع الغذاء[2]. إلا أن الغزالي في دفاعه عن وحدة علم الكلام والفقه لم يقصد الفقه السائد في زمنه، ولم يعن بالمتكلم ما هو شائع في عصره، بل أولئك المستقلين في آرائهم عن السلطة المدافعين عن العقيدة المتجردين للعلم المتميزين بالفطنة والذكاء والصلاح والتقوى[3].

وقد أدرك التعقيد الملازم لتكوين هذا النوع من المتكلمين. ومع ذلك وضع هذه المهمة أمام كل من علم الكلام والمتكلمين والسلطة والمتسلطين. أنه اقترح مشروعاً ايديولوجياً سياسياً أخلاقياً ممكناً وضرورياً إلى جانب علم المعرفة الحقة المبني على أساس التجربة الفردية العميقة واليقين المعرفي الأخلاقي. أما "التناقض" الذي يبدو للوهلة الأولى في آرائه بصدد هذه القضية فهو نتاج تناقض توجهاته في المراحل المختلفة لتطوره الفكري الروحي. ومن الصعب أحياناً فصل هذه المراحل بصورة قاطعة مازالت هي في حصيلتها غير المباشرة الخلفية الفاعلة في بلورة تصوراته وأحكامه الكلية. فالغزالي المتكلم الذي دافع عن الكلام لم يعد هو ذاته في مرحلة التصوف. لقد بقيت في ذهنيته حصيلة التقاليد الكلامية. لهذا كان إدراكه وتصويبه لخفاياها وقوتها وضعفها أشد وأقوى. ولهذا أيضاً كان انتقاده للكلام عميقاً. بينما اتصفت رؤيته لفحواه ووظيفته بواقعية حصينة. وهذا ما يبرز بوضوح في موقفه من الكلام كأيديولوجية. فعلى الرغم من أنه نظر إلى الكلام والفقه مثل "حارسان" لإيمان العوام، فإنه أقر بضرورتهما. بمعنى التركيز على طابعهما الوظيفي الاجتماعي السياسي الايديولوجي. وتضمن ذلك في آرائه استيعاباً عميقاً لخلو هذا علم الكلام من حافز البحث عن الحقيقة، بفعل كونه العلم الذي يشقّ لنفسه قنوات في صحراء الوجود، دون البحث عن المياه العذبة في آبار القلب[4].

 إن علم الكلام لا يمكنه، حسب آراء الغزالي، أن يكشف حقائق الأشياء كما هي، بسبب كونه أسيراً للتقليد. بل حتى دليل الاعتقاد في الكلام هو تقليد كالاعتقاد ذاته[5]. بحيث جعله ذلك ينفي كل البهرجة الزائفة لهيبة المتكلمين التقليدية أيا كان ممثلها. وكتب بهذا الصدد قائلاً "ما ينال به الفضل عند الله شيء وما ينال به عند الناس شيء آخر"[6]. وهو لم يقصد بذلك وضع أحدهما بالضد من الآخر بقدر ما أنه أراد أن يكشف عما يمكن دعوته "بالحقيقة التقليدية" و"الحقيقة الإلهية".

فمعاناة علم الكلام هي معاناة التقليد المرهقة للجسد لا للروح. إنها تصدّئ عالم الفكر الحقيقي بفعل إسداء حجاب التقليد، الذي يعيق المتكلم عن رؤية حقائق الأشياء كما هي. فالمتكلم ينطلق من تجميع "الحقائق والمسلمات" وحسن الظن إلى الدرجة التي لا يمكنه رؤية ما هو مخالف لها. إنها الممارسة التي دعاها "بالحجاب العظيم الذي به حجب أكثر المتكلمين والمتعصبين للمذاهب"[7]. وأدى كل ذلك إلى أن "يضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده"[8]. إذ أنهم كفّروا الناس الآخرين لا لشيء إلا لعدم معرفة أو موافقة آرائهم. وقد اعتبر هذا الصنف من المتكلمين من "أشد الناس غلواً وإسرافاً"[9].

وعلى الرغم من إدراك الغزالي في مجرى تجربته الشخصية لأهمية علم الكلام إلا أنه أدرك أيضاً بأنه العلم الذي أوصله إلى مأزق الفنون اللاهوتية. فهو في الوقت الذي ظل فيه أميناً لفكرة ضرورة علم الكلام في الدفاع عن عقيدة العوام، إلا أنه أخضع هذه الفكرة إلى تحويرات حسب مراحل تطوره ومواقفه الملموسة، دون أن يمسّ ذلك مضمونها النهائي. فقد أشار في (الإحياء) إلى أنه زاول علم الكلام وذكر في كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد) القدر المهم منه[10]. وأن هذه الصيغة لا تعكس فقط وعي ارتباطه (في مرحلته الصوفية) بتراثه الكلامي، بل وبإدراكه أهميته العقائدية والمعرفية الجزئية.

فقد ظل علم الكلام في ممارسة الغزالي اللاحقة ضرورياً للعوام باعتباره المستوى المعبّر عن الصيغة الدينية المبسطة التي يمكنها أن تثبت وتعمق الإيمان وأصول الاعتقادات في الوجدان والعمل. لكن علم الكلام لا يمكنه تجاوز هذه الوظيفة العملية رغم أن الغزالي لا ينفي أحياناً الإمكانية الجزئية لعلم الكلام في تثوير "الحقيقة الإلهية". وبهذا المعنى يمكن لعلم الكلام أن يكون ضرورياً، بما في ذلك في مجال دراسته  المتخصصة من أجل حراسة عقيدة العوام لا بلوغ حقيقة اليقين[11]. وقد اضطر نفسه إلى استعمال "لغة الكلام" في تلك الحالات التي كان من الصعب، فيما يبدو، أن يتكلم بلغة "الزندقة" الصوفية. وتمتلك هذه الظاهرة الفعلية أسسها الثقافية ومقدماتها الفكرية وقناعتها العقائدية في مؤلفات الغزالي. من هنا صعوبة حصرها بمواقفه الشخصية فقط أو باعتبارات خارجية طارئة. إن استعماله "لغة" الكلام هو الاستمرار الطبيعي لثقافته الخاصة وتكوّنه فيها. بينما استمدت هذه اللغة نماذجها البيانية ومقوماتها الفكرية مما هو مميز للفكر الصوفي وجوهرية فكرة الخواص فيه بمقابل لغة العوام. بمعنى إن موقفه هذا يستمد مقوماته من قناعته العقائدية وإدراكه الخاص لضرورة التأثير الفعال على العوام باعتبارهم "مادة الإسلام" وأساس الخواص.

فعندما تعرّض لقضية الجبر والاختيار ضمن فكرة التوكل الصوفي فإنه كتب قائلاً "فلنشرح الاختيار بلسان المتكلمين شرحاً وجيزاً"[12]. والقضية هنا ليست فقط في صعوبة فهم اللغة الصوفية ورمزيتها الضرورية، التي يمكن أن تؤدي إلى سوء الفهم ومتعلقاته من إثارة الغوغاء وضلال الاتهام والتكفير وما شابه ذلك، بل وفي تجنّب المتصوفة مناقشة قضية القضاء والقدر باعتبارها سراً من أسرار الله لا يلزم الإفشاء به. وذلك لأن الإفشاء به يؤدي، حسب منطق بعضهم، إلى إبطال الربوبية والنبوة. إضافة لذلك أنها تبلورت كقضية ومعضلة لاهوتية فلسفية أساساً في لغة الكلام وتقاليده. وبشكل عام لا يمكن فهم حقيقة آرائه بهذا الصدد دون الأخذ بنظر الاعتبار ثقافة علم الكلام اللغوية والفكرية التي تطور ضمنها. وقد أشار هو في (المنقذ) إلى أنه استفاد من علم الكلام[13]. غير أن هذه الاستفادة لم تكن أسيرة جانب ما معين دون آخر في تجربته النظرية العقلية الأولى. إذ أن مضمون هذه الاستفادة في جوهرها وتأثيرها اللاحق قام أساساً في تجاوز محدودية الكلام.

فقد أكد في (المنقذ) على أن علم الكلام "وافٍ بمقصوده"، بمعنى أن مهمته هي "حفظ عقيدة أهل السنّة وحراستها عن تشويش أهل البدعة"[14]. إلا "أنه غير وافٍ بمقصوده"[15]. فقد استند علم الكلام، وبفعل وظيفته الاجتماعية السياسية والعقائدية، على نفس المقدمات التي يطرحها الخصوم أو يضطر إلى التسليم بها إما تقليداً أو لإجماع الأمة عليها أو بمجرد القبول عن القرآن والأخبار[16].  في حين أن الهيبة التقليدية وإجماع الأمة وآيات القرآن والآثار والأخبار لا تكفي بحد ذاتها لإثبات حقيقة البرهان، ولا يمكن الاستعاضة بها عنه في إدراك حقائق الأشياء كما هي. فهي تمتلك قيمتها (بالحالة المعنية) للإيمان العقائدي (التقليدي) لا للدفاع عن الحقيقة. فالآيات القرآنية لا تمتلك، بنظر الغزالي، قيمتها المقدسة من حيث كونها مصدراً للقناعة إلا بالمعنى التقليدي الإيماني.

ان لهذا الموقف أسسه النظرية التي أبدعتها الثقافة الإسلامية ككل بما في ذلك تقاليد علم الكلام والمعتزلي شكل خاص. أما مضمونه الملموس عند الغزالي فقد أرتبط بخصائص ومجرى تطور الكلامي والفلسفي وصراعه ضد الباطنية. فقد أوصلته التقاليد العقلانية الكلامية إلى حقيقة بسيطة مفادها أن القرآن للجميع وقدسيته للمسلمين فقط. وإذا كانت هذه التقاليد قد أفرزت قضية "الكلام" و" العلم" الالهيين كمعضلات لاهوتية – فلسفية، فإنها مع ذلك لم يكن بإمكانها التذليل الثقافي للشق القائم بين "كلام الله" المطلق و"كلام الله" الملموس(القرآن). وإذا كانت تقاليد الإسلام الورعة قد اقرت واعترفت "بالكتب المقدسة" لليهودية والنصرانية كجزء من "الكلام" الإلهي، فإنها حلّت هذا الخلاف "المنطقي" بين المطلق المجرد والتاريخي الملموس ضمن تقاليد العقلانية الإسلامية نفسها، أي ربطها إياه بمستوى التطور الإنساني مع إبقاء "السر الإلهي" وراء الحكمة. وقد شارك الغزالي هذه التقاليد غير أن انتقاله إلى التصوف قد وضع هذه القضية وأظهرها بمستوى ومضمون آخر. فعقلانية الكلامية أصبحت جزأ من جدل العوام المتعلمة (المتكلمين). واختفت مهاترات هذا الجدل العقيم حول هذه القضية أمام معضلات "الوجود الحق". وبالتالي لم تعد قضية "الكلام الإلهي" وقدسيته من مواد الجدل اللاهوتي، بل من معضلات السمو الروحي والمعرفي الأخلاقي. واحتوت هذه الحالة على تعبير عميق عن الروحية الصوفية من جهة، ومحاربة التقليد والدعوة للإصلاح من جهة أخرى.

وقد سار علم الكلام في هذا الدهليز الضيق وبضوء قناعته التقليدية ومنطقها السطحي. فالمتكلم أكثر خوضه "في استخراج متناقضات الخصوم ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم"[17]. أنه يمارس ولع تحصيل الحاصل المقنّع بعبارات النقد المعارض، دون تقديم أي بديل إيجابي. فعلم الكلام الذي نشأ بادئ الأمر لاعتبارات اجتماعية سياسية وعقائدية، أخذ يهتم أيضاً بالبحث عن حقائق الأمور متأثراً بالفلسفة من خلال خوضه في البحث عن الأعراض والجواهر وأحكامها. وقد طابق الغزالي في (الاحياء) بين علم الكلام والفلسفة في مواقفهما من قضايا المنطق والإلهيات[18]، أي نفس الفكرة التي يمكن العثور عليها في (المنقذ)، بمعنى تشديده على الدفاع عن حقائق الفلسفة وسعيها للبحث عن حقيقة الأشياء. ومن الممكن رؤية هذه التقييمات وجلائها حالما يجري نزع الغلاف الأيديولوجي وطابعه الهجومي المميز "لإشكالات" (تهافت الفلاسفة). الأمر الذي يشير إلى إدراكه العميق للصلة الخاصة بين علم الكلام والفلسفة. وفيما يخض القضية المعنية (العرض والجوهر) فيمكننا رؤية امثلتها العديدة في كتابه (معيار العلم في فن المنطق)، حين يشير إلى التشابه والتباين بين المتكلمين والفلاسفة تجاهها. فالمتكلمون، كما يقول الغزالي، يطلقون لفظ الجوهر على الجوهر الفرد المتحيز الذي لا ينقسم ويسمون المنقسم جسما. لهذا السبب يرفضون اطلاق كلمة الجوهر على المبدأ الاول[19]. فالجواهر المتحيزة عند المتكلمين هي "كلها ذات جسد واحد، وإنما تختلف اعراضها. إذ للجسم ماهية واحدة وهو كونه مجتزأ مؤتلفا. فكونه حيا معناه قيام العلم والحياة به... أما الفلاسفة فيقولون إن "الجواهر مختلفة بأنفسها باختلاف حدودها. وإن الصفات المقومات لها هيئات الأشياء، التي بتبدل ماهيتها يتبدل جواب ما هو"[20]. كما كشف عن التشابه التباين بين عدد كبير من اصطلاحات وآراء المتكلمين والفلاسفة[21] . ومع ذلك فإن أولئك الذين خاضوا في علم الكلام لم يبلغوا مقصدهم النهائي. وبهذا المعنى فإن علم الكلام لم يصنع، كما يستنتج الغزالي، إلا حيرة جديدة.

ولم يقصد بذلك حيرة المتصوفة، بل حيرة المعرفة العقلية، التي كشفت في ميدان بحثها الكلامي عن أفقها المسدود. وبالتالي، فإن انتقال علم الكلام من مستواه العقائدي الأول إلى ميدان البحث عن حائق الاشياء قد وضعته أمام إشكاليات جدبة. وإذا كان لهذه الظاهرة الفكرية مقدماتها التاريخية ومؤشراتها الدينية الثقافية التي لازمت ظهور وتطور أدلة الكلام وحججه، فإن انتقاله إلى التفلسف مع الابقاء على حوافزه الداخلية الاولية (الدفاع عن عقائد الإيمان والعوام) قد وضعه أمام إحراج الفكر والعقيدة. إلا أن لهذه الحالة الحرجة مخارجها الخاصة وأساليب بدائلها المناسبة. أما في مثال الغزالي فقد اتخذت صيغة "الحيرة" الجديدة. اذ طبق على نفسه نموذج الكلام في هيئته الفلسفية، كما هو جلي في (تهافت الفلاسفة). وليس مصادفة ان يصنّفه لاحقا باعتباره من بين كتبه الكلامية، أي أن أسلوب البحث عن حقائق الاشياء يطرق الكلام الفلسفي قد أدت إلى حيرة وجدت انعكاسها المباشر في أزمته الفكرية الأخيرة، وغير المباشر في انتقاله إلى التصوف

وأشار إلى ذلك بجلاء عندما كتب معبراً عن تجربته المعرفية الشخصية قائلاً بأن المرء "قد يظن أن فائدة الكلام كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه. هيهات! فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف.  لعل التخبط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف. وهذا إذا سمعته من محدّث أو حشوى ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا. فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام. وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود"[22].

إن تجربة الغزالي في تجاوز محدودية علم الكلام هي ليست تجربة شخصية بحتة، بقدر ما أنها ظاهرة تاريخية فكرية. فقد انتقد الغزالي الكلام وتجاوزه باعتباره أحد ممثليه الكبار. بينما كفّ الكلام في وقت لاحق عن أن يشكل قيمة متجددة قادرة على تثوير نفسها. ولم يكن ذلك معزولا عن مأثرته ذاتها في الكشف عن محدودية الكلام وانغلاق آفاق تطوره. مما فسح المجال بدوره أمام تطوير الفلسفة والتصوف الفلسفي. غير أن هذه العملية لم تجر في أثره إلا بمعنى مثالها الفردي ومثاليتها التاريخية ونموذجيتها الفكرية. فالغزالي نفسه لم ينظر إلى تجربته بهذا الصدد على أنها البديل الشامل الوحيد والعلاج المفوض للجميع. لقد أكد على أن الكلام "في حقه لم يكن كافياً، ولدائه لم يكن شافياً"[23]. وبالتالي فإن تجربته التي صاغها في (المنقذ) لم تهدف إلى "الإنكار على من استشفى به. فإن أدوية الشفاء مختلفة باختلاف الداء. وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضر به آخر"[24]. فهو يقف هنا بالضد من تحويل التجربة الفكرية الفردية ونتائجها أياً كانت إلى مثال مطلق وملزم وضروري للجميع. أنه يبدو هنا أكثر تجانساً في مواقفه من عقلانية الكلام، التي ظلت حتى في أشد حالاتها جرأة أسيرة مأزقها التقليدي. في حين أن التجربة الفكرية والعملية قد أقنعته بأنه لا ضرورة للتقليد خارج الأوليات (البديهيات).

لقد دفعت الحصيلة العامة للتطور الفكري العقلاني ووضعت أمام الغزالي مهمة تثوير الكلام من الداخل ونزع قيوده الداخلية. إلا أن هذه الحصيلة أوصلته في الوقت نفسه إلى عدم جدوى هذه المهمة. فالوصول إلى هذه الغاية من وجه الكلام مسدود كما سيقول في (الإحياء). ذلك يعني بأن انسداد علم الكلام افترض أيضاً إمكانية البحث عن حل له في طريق آخر، وعن مخرج له في أسلوب آخر، اتخذا عنده طريق وأسلوب التصوف.

فبالتصوف فقط، كما سيشدد مراراً، يمكن رؤية حقائق الأشياء كما هي عليه، بفعل فاعلية التجربة الفردية وقيمتها، وبفعل ضرورة المعاناة الشخصية وجوهريتها، وبفعل ربطه في كل واحد وحدة الحقائق كما هي عليه، بحيث لا يصبح المفكر فيها أجير الكلمة، بل أسير البحث عن روح المعاني. آنذاك لا حدّ محدود ولا أفق مسدود. آنذاك تصبح حرية المعرفة وحقيقة المطلق القيمة العليا، أي كل ما لم يكن بإمكان المتكلمين رؤيته. وهذا ما يفسر عجز المتكلمين كما يقول، عن استيعاب حقائق الصوفية. وذلك لأن علم الكلام توقف عند حدود قناعته التأملية والجدلية دون أن يرى أو يحاول رؤية ما هو أبعد منها وأعمق وأشمل. وقد حدا ذلك بهم، على سبيل المثال، إلى إنكار الأنس والشوق والمحبة الصوفية لأنهم وجدوا فيها دلائل التشبيه. أما في الواقع فليس التشبيه سوى الصيغة المحوّرة والمنعكسة في دلائل علم الكلام من التثبيت أو التعطيل. فالإنسان يقيس على ما هو مميز له، بينما دلائل الكلام ما هي إلا خيالات فاسدة أو مريضة[25]. فالمتكلمون يجهلون بأن "جمال المدركات بالبصائر أكمل من جمال المبصرات، ولذة معرفتها أغلب على ذوي القلوب"[26]. وقد قدم هنا مثال غلام الخليل (أحمد بن غالب) الذي أنكر على الجنيد (ت-297 للهجرة) وأصحابه حديث الحب والشوق، بينما أقر بالصبر فقط. وعلّق الغزالي على ذلك قائلاً:"وهذا كله كلام ناقص قاصر لم يطلع من مقامات الدين إلا على القشور فظن أنه لا وجود إلا للقشر. فإن المحسوسات وكل ما يدخل في الخيال من طريق الدين قشر مجرد ووراءه اللب المطلوب"[27]. فالحقائق أياً كانت لا يرتبط مضمونها بالجدل الوهمي والتصورات والمسلمات السائدة.

وإذا كان علم الكلام قد بنى صرحه على هذا الأساس، فإن قناعة اليقين فيه (في حالة افتراض وجودها) عرضة للتثلم الدائم. لكن ذلك لا يعني دعوة الغزالي إلى يقين جامد ثابت لا معرفي. على العكس! فهو يجد في كل الأشكال السابقة للمعرفة، بما في ذلك الكلامية، مستويات متباينة ومقبولة لحد ما في بعض أجزائها دون افتراض طابعها اليقيني التام. فالمعرفة بنظره لا يمكنها أن تتناهى بفعل عدم تناهي الله وأفعاله. والكون هو تجلي فعله الدائم. وإمكانات وأساليب إدراكه متفاوتة. من هنا إمكانية بقاء واستمرار الكلام. إلا أن الكلام يقابل في ضرورة بقائه موقع السيف للأنبياء. ولكن من هو الذي يقول بأن السيف أبلغ حجج النبي؟ إن قولاً كهذا ينمّ، كما يستنتج الغزالي، عن عدم فصاحة وضعف إدراك.

لقد أراد القول، بأن الشاعر يمكنه أن يقول بأن السيف أصدق إنباءً من الكتب، إلا أن الشعراء لا تستقيم إلا بتعبيراتهم العوجاء! فالنار الطبيعية لا تستقيم. والشاعر الحق أشد ابتعاداً عن الحق المنطقي. بينما لا يمكن لمظاهر القوة أن تكون بالنسبة لأنبياء المعرفة سوى أمثلة طارئة وعابرة وملموسة للإحساس والخيال لا للبصيرة. وبهذا المعنى ليس "علم الكلام والجدال أبلغ مقام من ظهر منه من العلماء" كما يستنتج الغزالي[28].

إن إدراك الغزالي لمحدودية علم الكلام باعتباره التعبير الأيديولوجي والنموذج الفكري للقوة الخشنة في تعبيرها عن عقائد الإيمان لا يمكنه أن يكون أسلوب السمو والوحدة الحقيقية للكينونة الإنسانية. وبهذا تكون تجربته الكلامية أحد المصادر العقلية النظرية لبلورة نزوعه اللاحق صوب التصوف.

***

 

 ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص98.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص99.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص99

[4] لهذه الفكرة التي يرددها الغزالي كثيرا في كتابه (الإحياء) وغيرها من المؤلفات أسسها العميقة في نظراته المتعلقة بطرق بلوغ الحقيقة واليقين، التي سوف اتناولها في مجرى تحليل نظريته عن المعرفة. إلا أن الشيء الذي ينبغي الإشارة إليه هنا هو ربطه إشكالية الأيديولوجيا والحقيقة ومحاولة تأسيسها النظري.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص94.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص23.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص14.

[8] الغزالي: فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة، ص97.

[9] الغزالي: فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة، ص97.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص247.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص253.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص254.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص77.

[14] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص91.

[15] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص91؟

[16] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص92.

[17] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص92.

[18]  الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص22.

[19] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص231.

[20] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 231).

[21] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص222-231).

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص97,

[23] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص92.

[24] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص93.

[25] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص127.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص340.

[27] الغزالي: اإحياء علوم الدين، ج4، ص340.

[28] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص30.

 

ميثم الجنابي"العمى أقرب إلى السلامة من بصيرة حولاء"

 لقد شكل علم الكلام أحد المصادر الأساسية المكونة لثقافة الغزإلى ونزوعه العقلاني ومقدرته الجدلية. وهي الجوانب التي نعثر على انعكاسها الدقيق في (المنقذ) بما في ذلك من حيث أهميتها بالنسبة لتطور الفكري والروحي. حيث يعتبر علم الكلام أحد مراحل اهتمامه النظري وأحد ميادين نشاطه والمحك المعقد لامتحان سعيه لبلوغ الحقيقة كما هي. وقد استند إلى تراث الكلام العريق في ابداع اساتذته الكبار كالباقلاني والجويني إضافة إلى شيوخ المعتزلة. وبغض النظر عن الانتقادات الشديدة التي وجهها للكلام المعتزلي بما في ذلك في أحد اعماله الفقهية المتأخرة (المستصفى من علم الأصول) إلا انه ظل يكن احتراما لعقلانيته المتألقة، كما نراه أيضا في (فيصل التفرقة) وموقعه في مستويات التأويل والتكفير.

أما موقفه من الكلام وتقاليده في صيرورة نزوعه العقلاني، الذي ساهم في انتقاله إلى التصوف، فمن الصعب توقعه دون وخارج الاعتزال. فالمعتزلة هم أول من أدخل في الثقافة الإسلامية منهجية البحث عن الأسباب والعلل والبحث العقلي تجاه فهم كل شيء. ونعثر على أثر ذلك في تقييم الغزالي لتجربته الفكرية العقلية كما وضعها في (المنقذ) وغوصه في "بحر المعرفة". بل نعثر على ذلك أيضا حتى في آخر أبحاثة الكبرى كما نراها في (المستصفى من علم الأصول) في معرض جدله ونقضه لآراء المعتزلة بصدد الأخلاق. إذ نعثر فيها على محاولة دفع الأخلاق العقلية للمعتزلة إلى اقصى درجة ممكنة. إذ نعثر في اعماقها ليس على تفنيد وجدل العقل اللاهوتي المميز للكلام وتجاربه الشخصية الأولى في مهاجمة آراء المعتزلة. لقد حاول نقض آراءهم ضمن سياق تقاليدهم العقلانية وتقاليد الكلام ككل. لهذا كان نقده ونقضه ومهاجمته إياهم يحمل طابع الاجتهاد العقلي والأخلاقي والروحي. كما نعثر فيه على النفي المبطن وغير المباشر لتقاليد الكلام بحد ذاته

إن تجربة الغزالى في موقفه من علم الكلام وتقاليده هي تجربة إدراك محدوديته المعرفية. فعندما يتناول في احدى مراحل تطوره الصوفي، بعد أن قطع شوطا بعيدا في التخلي عن "هواجس النفس" و"مكر العقل" وإعادة النظر والتصنيف بمؤلفاته السابقة، فإننا نراه يضع اغلبها مثل (تهافت الفلاسفة) و(المستظهري) و(حجة الحق) وغيرها في مصنفات علم الكلام الذي لم يعد بالنسبة له أكثر من "علم الدفاع عن عقيدة العوام"[1]، إي انه مجرد الاستمرار "النظري" لعقائد العوام في الإيمان. ولم يصل إلى إدراك وإعلان محدودية الكلام وطابعه الأيديولوجي (بوصفه فن الدفاع عن عقيدة العوام) إلا في وقت متأخر نسبيا. وما صاغه في (المنقذ) من اعادة النظر في تجربته السابقة تعكس رغم قناعتها الهادئة، المسار المعقد للبحث عن الحقيقة واليقين. فهو يشير إلى قناعته الأولية القائلة بأنه لا مطمع لبلوغ الحق خارج الأصناف الأساسية لطالبي الحقيقة (المتكلمون والباطنية والفلاسفة والمتصوفة). وبهذا فإن نظرته إلى علم الكلام وموقفه منه اتخذ في بداية الأمر صيغة الكيان والمنهج الذي يمكن من خلاله بلوغ الحقيقة. بمعنى، إن موقفه منه في بداية الأمر لم يتصف بالرفض، على العكس! فتربيته بروح الكلام الأشعري وتقاليده قد صنعت منه متكلما رفيع المستوى. وبالتالي، فإن دخوله في دهاليز الكلام لم يتضمن في نزوعه الأولي سوى رغبة بلوغ الحقيقة لا إتقان حلوله الجاهزة. وأن تطوره اللاحق هو الصورة الحية لمتابعة مجرى المعرفة المتعمقة في بحثها عن الحقيقة.

لقد تجمعت عناصر إدراك المحدودية المعرفية لعلم الكلام في مجرى دفاع الغزالي عن معتقداته الكلامية. لهذا ركز في انتقاده لعلم الكلام على كشف أسلوبه الجدلي وبراهينه التي تبتدع "الحقائق" النفسية الأيديولوجية لا حقائق المعرفة المجردة. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن تفحصه النقدي لتجربته الكلامية ذاتها. حقيقة إن إعادة النظر بالكلام اللاهوتي لم تكن عملية فردية أو انعكاسا مباشرا لتجربته الشخصية. فتاريخ الكلام الإسلامي يعرف الكثير من حالات الانقلاب وشواهده من الكلام إلى التصوف والميادين الأخرى. غير أن هذا التاريخ نفسه لا يقدم لنا مثالا نموذجيا كبيرا عن انتقال صوفي إلى الولع بالكلام. وإذا كان بالإمكان استثناء الحارث بن أسد المحاسبي (ت ـ 243  للهجرة) فليس إلا لكونه نتاج المراحل الأولى لمزاوجة الكلام بالزهد الصوفي. وبهذا المعنى يمكنه ان يخدم كمثال للمقارنة مع الغزالى، إلا انه لا يفسر الظاهرة الغزالية.

فقد جرى انتقال الغزالي من الكلام إلى التصوف في وقت بلغ به تطور الكلام مراحل عليا بحيث اتخذ في الكثير من جوانبه هيئة المنظومات النظرية المختلفة من حيث أسس بنائها ومستويات عمقها. بينما كان التصوف يمارس في مدارسه وشخصياته تأمل تراثه الكبير وسعيه نحو المطلق. ومن العبث البحث في هذه العملية عما يمكن دعوته بالتآلف الجديد بين التصوف والسنّة التي تحول بها مخزونه الكلامي إلى ذرات متناثرة في تصوفه العقلاني، كما كان الحال بالنسبة للصيغة العامة المميزة لنموذج المحاسبي. وذلك لأن هذه الفرضية عاجزة عن تفسير حقيقة هذا "الربط" كما أنها لا تستطيع فهم مضمونه ونوعية هذا التصوف. اضافة إلى ذلك إن هذا الافتراض لا يمكنه تسليط الضوء على الكيفية التي كان بإمكان الغزالى ان يوّحد بها انتقاده للكلام (اللاهوتي) الإسلامي ومعتقداته السُّنية، وكذلك رميه إياه في مزبلة الوعي الثقافي باعتباره جهل متحذلق بالمعرفة. أما في الواقع فإن العملية جرت شأن كل ما هو جوهري في الحياة والواقع، أي من خلال نفيه الضروري.

فعلم الكلام الذي شكل أحد مصادر الوعي العقلاني وثقافة البحث عن الأسباب، شحذ قريحة الجدل المعرفي والمذهبي والعقائدي وكذلك أسلوب التبرير والقناعة الشخصية، أي مصدر كل التناقضات الواقعية والممكنة في التفكير العقائدي الاجتماعي والسياسي والميتافيزيقي. وعمَّق في شخصية الغزالى، بسبب "تطرفه" الشديد في ميدان الجدل العقلي، مواجهة حقيقة الإمكانات الفعلية للكلام نفسه، باعتبارها طاقات مفتعلة. مما حدد بالضرورة إعادة النظر بموقع ومضمون ووظيفة الكلام في المعرفة والكينونة الاجتماعية والروحية للأمة.

فالغزالى الذي ولع بالجدل الفكري إلى الدرجة التي أدت به احياناً إلى هاوية السفسطة، قد تمثل في الواقع ليس الاشعرية وخصوصا بصيغتها الباقلانية، بل والاعتزال ومهاترات الفرق الكلامية الأخرى. وإذا كان علم الكلام الإسلامي قد عرف بنماذجه أيضا أسلوب الورع والخشية، فليس إلا عند تلك الشخصيات التي استمدت مثالها الفردي الأخلاقي من بعض ممثلي الإسلام الأول. في حين بقيت في جدالها الفكري ضحية العقائدية والمذهبية الضيقة ومنطقها المقيد لحرية الفكر بين الاتهام والشتيمة وبين التكفير وإباحة الدماء. ولم يجد الفكر العقلاني حرجا في مزاولة ما هو مناهض لمنطق العقل. غير أن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في أن هذا المنطق الجدلي قد حوّل العقل إلى أداة طيعة لتبرير كل استنتاجاته بحيث أصبح من الصعب تحديد ما هو منطقي في الأخلاق وما هو أخلاقي في المنطق، والحقيقة في النقد والنقد في الحقيقة. ومن الممكن العثور على هذا النموذج في كتاب (التمهيد) للباقلاني و(التهافت) للغزالي من حيث تشابههما الكبير في منهجية الجدل. ولم يكن هذا الأسلوب حصيلة التيار الأشعري فقط، بل وجميع تيارات علم الكلام.  فالجاحظ، على سبيل المثال، قد مّثل في بعض سخرياته اللاذعة السفسطة الجارحة للنقد العقلاني. انه استهزأ بكل ما هو موجود إلى الدرجة التي رفع بها "الوضيع" أحيانا إلى أعلى عليين واهبط "الرفيع" إلى اسفل السافلين. لكنه ابقى مع ذلك على جوهرية النزعة الإنسانية العقلانية في أحكامه النهائية. بينما اصيب بالحمى ثم الموت مؤسس الفرقة النجارية الحسين بن محمد النجار (ت ـ 230  لهجرة) بعد ان افحمه النظّام في احدى مناظراته[2]. ولعل تاريخ الكلام الإسلامي يعرف في شخصياته نماذج عديدة في استثارة حفيظة الوعي المقارن والنقدي الذي أحتل فيه الغزالى أيضا أحد امثلته الرفيعة.

فقد تتبع في (تهافت الفلاسفة) أسلوب الجدل الكلامي بحيث اكد فيه على أن انتقاده ودحضه للفلاسفة مبني أساسا على منهجية "مقابلة الإشكالات بالإشكالات" من اجل "اظهار فساد كلامهم". أما براهينه الإيجابية فسوف يسطرها في (قواعد العقائد)[3]. غير أن الغزالى لم يكن بإمكانه آنذاك وعي محدودية هذه الايجابية أو صيغتها النهائية. فإذا كان المقصود (بقواعد العقائد) هي (الرسالة القدسية) التي أدرجها في (الإحياء) فإنه يضعها في (جواهر القرآن) في صنف مؤلفات علم الكلام وطبقاته الدنيا، التي تلي من حيث مستواها مؤلفاته الكلامية الشهيرة مثل (الاقتصاد في الاعتقاد) و(تهافت الفلاسفة)، أي الكتابات التي نظر إليها باعتبارها مؤلفات حجاجية لا تهدف إلى بلوغ الحقيقة كما هي[4]. ذلك يعني، أن الغزالى لم يعِ ويقطع بالمحدودية المعرفية لعلم الكلام إلا في مجرى انتقاله إلى التصوف. وهو ما نعثر عليه بوضوح كامل في (الإحياء). آنذاك أخذت تبرز فكرة افتقاد علم الكلام للحقيقة وأن مهمته هي الدفاع عن عقيدة العوام.

ففي مؤلفاته السابقة (للإحياء) لم تختمر هذه الأحكام النهائية بعد. إلا إننا نعثر فيها على بعض العناصر الجوهرية التي شكلت روافد تجاوزه لمحدودية علم الكلام في مجرى معاناته لقبول حقائق الطريق الصوفي. ففي (تهافت الفلاسفة) يظهر المتكلم باعتباره نموذجا للفطانة البتراء والبصيرة الحولاء. بصيغة أخرى، إن البصيرة الحولاء والفطانة البتراء للمتكلمين رغم توجهها العام لاستثارة الهِّمة الكفاحية للعقائد اللاهوتية ضد "زندقة" الفلاسفة، إلا أنها كانت تتضمن في أعماقها إقرارا بواقع المحدودية الفعلية للفكر الكلامي في كل من جدله العقائدي وفي قابليته للبرهنة على مقالاته ومعتقداته. وفي وقت لاحق، حالما واجه مهمة "تثوير" الذهنية اللاهوتية للمتكلمين التقليديين والفقهاء المتشددين من خلال دعوته إلى إدراك أهمية المنطق، فإنه يكون قد سار في التقاليد العقلانية الصارمة للكلام، التي ألزمته بالوقوف أمام حصيلتها الفكرية الأيديولوجية والمعرفية النظرية ومفاهيمها عن "تكافؤ الأدلة".

فقد عمّق مفهوم تكافؤ الأدلة من الناحية التاريخية، الصراع الفكري وشحذ في الوقت نفسه ذهنية العقلانية الجدلية. لكنه أثار في نفس الوقت حفيظة وتعصب النزعة الضيقة التي افرغت المنطق العقلي من محتواه السليم وقدرته البرهانية. ومن الناحية المنهجية كان هذا المفهوم النتيجة النظرية لاستعصاء حل المعضلات الميتافيزيقية (الإلهيات) بصورة قاطعة ومقبولة للجميع، إلا انه احتوى ضمنيا الاقرار بالصراع في ما بين الحلول النظرية المتعارضة للقضايا الفلسفية الكبرى و"شرعية" وجودها. أما من الناحية المعرفية فهو تعميق لمنهجية برهان الخلف.

إن وحدة وتفاعل التأريخي والنظري والمعرفي بعناصرهم جميعا فسح المجال أمام حرية أوسع للنزوع السوفسطائي. إذ انه صنع في مجرى صراع المدارس الفكرية بشكل عام واللاهوتية الكلامية بشكل خاص، إمكانية الجدل السوفسطائي الذي دخل بدوره كعنصر فعال في التقاليد الكلامية التي واجهها الغزالى في سعيه لحل معضلات الفكر الفلسفي وقضايا الميتافيزيقا والمسائل النظرية العملية للوجود الاجتماعي.

إن خوض الغزالى جدل الكلام اضطره إلى الاستعمال الجزئي لجدلية "تكافؤ الأدلة" أو ما دعاه في (تهافت الفلاسفة) "بمواجهة الإشكالات بالإشكالات". بينما اعتبر نفسه الشخصية المعارضة والمنتقدة والمفندة لمقالات الفلاسفة التي يمكنها ان تستلهم كل حصيلة الجدل الكلامي بغض النظر عن مدارسه عندما رفع شعار "عند الشدائد تذهب الاحقاد". لكنه وضع في الوقت نفسه مشروعه الايجابي القادم الذي اقترح له عنوان (قواعد العقائد).

لقد أدرك الغزالي القوة النسبية لمنهج "تكافؤ الأدلة" في الجدل وضعفها في المعرفة. وهذا ما سيظهر بوضوح في موقفه من مفهوم ونظرية تكافؤ الأدلة، والجدل، وحقيقة المعرفة. فقد شدد في (معيار العلم) الذي كان من حيث مشروعه ومهمته تنفيذا وإثباتا لما سبق وأن استعرضه في (مقاصد الفلاسفة) وقرره في (تهافت الفلاسفة) عن صحة المنطق وضرورته لمختلف ميادين الفكر النظري والعملي. فهو يؤكد على أن الإقرار بتكافؤ الأدلة كنهج في النظر أو كمقدمة فكرية عامة لا يعني في الواقع سوى إمكانية مطابقة المنطق مع السفسطة. بل شدد على أن القول بتكافؤ الأدلة هو نتاج الفكر السوفسطائي[5]. وقد أفرز ذلك في مجرى تطور آرائه وصراعه ضد مناهضي المنطق من المتكلمين والفقهاء، عناصر محاربة الأدلجة الكلامية رغم انه لم يتخلص منها كلياً. وفي الوقت نفسه تعيق أحكام المنطق والعقل. فالذين اقروا بالضرورات المنطقية الأولية كما يكتب الغزالى وزعموا "إن الأدلة متكافئة في النظريات فإنما حملوا عليه ما رأوا من تناقض أدلة فرق المتكلمين وما اعتراهم في بعض المسائل من شبه وإشكالات عسر عليهم حلها فظنوا انها لا حل لها اصلاً. ولم يحملوا ذلك على قصور نظرهم وضلالتهم وقلة درايتهم بطريق النظر، ولم يتحققوا شرائط النظر المنطقي"[6]. ذلك يعني أن الأساس المعرفي لمفهوم تكافؤ الادلة يستند إلى رؤية واقع التناقض في أدلة وآراء الفرق الكلامية وتعارضها وعدم تمكنها من شروط المنطق. وبالتالى، فإن نفي إمكانية إدراك الحقيقة في اطار هذا المفهوم هو نتاج الضعف الخاص. لهذا لا يمكنه ان يشكل اساسا للقول باستحالة بلوغ الحقيقة. فالأمور النظرية هي ليست تناقضات خلف خالصة. وبالتالي، فإن الاستعصاء النظري أو تكافؤ الأدلة في النظريات هو نتاج غياب نظرية شاملة ومتجانسة. بينما استعصاء بلوغ الحقيقة في اطار علم الكلام وتناقض أدلة فرقه فهو نتاج تقليديته وتعصبه العقائدي وطابعه التبريري.

فقد بنى علم الكلام استنتاجاته "المنطقية" كما يقول الغزالي، على مقدمات مشهورة جدلية غير مبرهن عليها. ومن ثم جرى اخذها كمسلمة من حيث استبشاع نقيضها أما لما فيه من مخالفة الجمهور (العوام) وأما لما فيه من مخالفة ظاهر القرآن، أي تلك الحالة "المنطقية" المزيفة التي يمكن ملاحظتها في الكثير من "المقدمات المنطقية" في آراء الناس وأحكامهم المبنية على اساس كراهتها للنقيض لا غير.  فالمقدمة التي يحاول المتكلم أن يبرهن فيها "منطقيا" على فكرة رحمة الله وإنه أرحم الراحمين تستند إلى مادة القياس (الكاذبة) من أن الرحيم لا يؤلم البريء عن الجناية، والله أرحم الراحمين فإذن لا يؤلم بريا عن الجناية. إلا إننا نرى، كما يقول الغزالي، إيلام الله للحيوانات والمجانين وما شابه ذلك. فالقضية هنا ليست في الإيلام والرحمة بقدر ما هي في استيعاب طبيعتها وهويتها. فالرحيم بالنسبة للغزالى هو الذي لا يؤلم من غير فائدة. ولا معنى للرحمة خارج المتناقضات، بل أن وجه التناقض والنقص في الأحكام "المنطقية" للكلام تقوم في أخذها النصوص والكلمات القرآنية أو تصورات العوام كما هي. بمعنى إدراك الرحمة والقسوة (الإلهية) بأنسنتها، في حين أن الغلط القائم هنا يقوم في ترك التأويل في محل وجوبه مما يؤدي إلى تناقض أقيسة المتكلمين. إذ أنهم ألِفوا "هذه الأقيسة من مقدمات مسلمة لأجل الشهرة أو لتواضع المتعصبة لنصرة المذاهب عليها من غير برهان ومن غير كونها أولية واجبة التسليم"[7]. وقد حدد ذلك، كما يستنتج الغزالي، الطابع الضيق والوظيفة التبريرية لعلم الكلام. بل نراه يعتبر العلاقة السائدة بين الفرق الكلامية وتناحرها شبيها بتناحر القبائل[8].

إن ضيق ومحدودية الكلام يقوم في منطقه غير المنطقي وسيادة التقليد والتعصب العقائدي والمذهبي الذي يبرز بوضوح في اتجاهاته الكبرى. فالمتكلم يشكل بحد ذاته منظومة فكرية مغلقة لا يتطرق إليها الشك، ولا تتقبل انتقادات المعرفة العلمية بفعل أسسها وأحكامها القَبلية. فالمعتزلي لا يتقبل وجدانياً ومعرفياً آراء الأشعرية، والأشعري يتعامل مع الآراء المعتزلية بالمزاج نفسه. فهي الظاهرة المميزة لأكثر من لقاهم من المتكلمين، كما قال مرة عن نفسه. أو ما دعاه بأولئك "المترسمين باسم العلم" الذين "لم يفارقوا العوام في أصل التقليد، بل أضافوا إلى تقليد المذاهب تقليد الدليل. فهم في نظرهم لا يطلبون الحق، بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقاً بالسماع والتقليد"[9]. فالكلام بهذا المعنى لا يمكنه أن يؤدي إلى الحقيقة واليقين. وهو يتشابه في الكثير من عناصره الداخلية بالفقه. فأسلوبه الجدلي، كما هو الحال في الفقه، مجرد مشاغبة لا برهان. مما جعله ذلك يستنتج قائلا إن "ما ذكره المتكلمون في مناظراتهم مع الفرق جدليات. وهكذا ما يجري في مناظرات الفقه"[10].

وبغض النظر عن إشكاليات تقييمه لاتجاهات الكلام، إلا أن تقييمه العام القائل بضعفه ونقصه بسبب تعمق وهيمنة عناصر التبرير والأدلجة العقائدية فيه، يبقى دقيقاً للغاية. بل يمكن القول بأنه يشكل أحد أهم إنجازاته النقدية في نزوعها العقلي.

ومما هو جدير بالاهتمام، أن الغزالي في معرض إشارته لهذه الجوانب المميزة لعلم الكلام لا ينفي في الوقت نفسه أهميته الاجتماعية السياسية والدينية العقائدية. فهو يشدد على أهمية علم الكلام باعتباره حارس عقيدة العوام. وأن هذا التناقض القائم بين الطابع العملي الأيديولوجي للكلام ووظيفته العقائدية وبين فقدانه لحوافز البحث عن الحقائق كما هي، له جذوره الواقعية في الصفات "الهرمونية" للثقافة السائدة ومُثلُها الأساسية العامة في وحدة ثنائياتها الكبرى كالخواص والعوام ومختلف نماذجها الأخرى كالتأويل والتفسير، والظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة وغيرها.

إن الشيء الجوهري في موقفه من علم الكلام يقوم في أن هذه الثنائيات العامة التي ابدعتها الثقافة الإسلامية كانت الأسلوب الواقعي لتأسيس وتراكم المعرفة واستمرارها في وحدة التقاليد الثقافية والحضارية. وقد أدرك الغزالي هذه الحقيقة التي توصل اليها بأثر تجربته الشخصية ومحاولات جمعه إياها في توليف نظري وعملي خاص. بمعنى انه حاول توظيفها أيضا في مجال توحيد الأمة والدفاع عن حصيلة وخصوصية ابداعها الثقافي والحضاري. ويمكن الرجوع بهذا الصدد إلى كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد)[11]. اضافة لذلك إن هذه القضية تتسم بقدر كبير من التعقيد والتشابك وبالأخص ما يتعلق منها بعلاقة الفكر النظري بالسياسة، وعلاقة السياسة بالأخلاق، وعلاقة كل ذلك بالشريعة.

لقد نظر إلى علم الكلام باعتباره حصيلة الأدلة التي ينتفع بها للدفاع عن العقائد الإيمانية. إلا أن خروج علم الكلام عن إطار مهمته الأولية وتحوله إما إلى مجادلة مذمومة أو مشاغبة بالتعلق بمتناقضات الفرق والخصوم هو الذي أدى به إلى أن يمتلئ، كما يقول الغزالي، بالترهات والهذيانات[12].  غير أن ذلك لا يعني عرضية علم الكلام. فقد نشأ الكلام كما يؤكد الغزالي، شأن أغلب علوم الدين، بفعل الحاجة. وقد طابق الغزالي هذه "الحاجة" مع مهمة علم الكلام الأيديولوجية، أي في الدفاع عن عقيدة العوام. وبغض النظر عن مفارقة هذه الصياغة، إلا أنها تبقى دقيقة من حيث محتواها. بمعنى أنه نشأ ضد "غوغائية العوام" ولأجلها. ولا تعني هذه الظاهرة وتعبيرها المجرد في أحكامه عن منشأ علم الكلام سوى الصيغة المعبرة عن الصراعات السياسية والانتفاضات الجماهيرية التي رافقت تكوين الدولة الإسلامية وعالم الخلافة الثقافي. وليس بعيداً عن الذاكرة كل تلك الانتفاضات والثورات الكبرى للخوارج والشيعة وأمثالها، التي كانت تكتسب أتباعها ببساطة استناداً إلى بساطة مفاهيمها وتباينها. مما جعل إمكانية الوحدة (الأمة) عرضة للتفتت بفعل "الأدلجة" المتزايدة للنزوع الديني والنصوص السمعية (الإيمانية). وقد كشف الغزالي عن هذه الظاهرة بدقة بليغة عندما أكد على أن ضرورة الرد وظهور الكلام نشأت "على ما ظهر من البدع وتجرؤ العوام مع كل ناعق والمنازعة لهم، والسعي في اجتماع الكلمة على السنّة بعد افتراقها"[13]. وبهذا يمكن القول بأن الغزالي أدرك الطابع السلبي للحاجة بعلم الكلام، أي أنه نظر إليه باعتباره العلم المناهض "للبدع". لكنه لم يقصد بضرورة الرد المميزة للكلام في دفاعه عن إيمان العوام سوى مراحله الأولى.

فالبدعة لا تتطابق في أحكامه مع ما هو سيء ورديء، ولا تتضمن على الدوام فحوى سلبي. فهي عادة ما تظهر بهيئة رد فعل على الحاجة، وبالتالي تتضمن تمثلها الواعي لهذه الحاجة. لكن ذلك قد يتخذ صيغة المظهر السلبي كظهور الحرس بسبب ظهور اللصوص في طريق الحج[14]. إن هذا الفهم الواقعي لترابط الظواهر يعكس الادراك العميق للكيفية التي نشأت فيها العلوم بشكل عام والاجتماعية (الدينية) منها بشكل خاص. فتخصص المعارف يعكس الحاجة الطبيعية للإنسان والجماعة. ومع أن الغزالي لم يتطرق إلى هذه القضايا بصورة محترفة، لكنه بلور الكثير من الآراء والمواقف القيمة بهذا الصدد، والتي حاول من خلالها أن يربط في كل واحد الأبعاد الطبيعية للحاجة بما في ذلك من حيث مقدماتها الاجتماعية والسياسية والحياتية. أما موقفه من علم الكلام فقد ربطه بصيرورة الدولة ومؤسساتها. وتعكس هذه الفكرة العميقة إدراكه الدقيق للطابع الأيديولوجي والوظيفي لعلم الكلام وبالاخص في مراحل نضجه الكبير. وفي هذا يكمن أحد الأسباب التي جعلته يقف منه موقفا نقديا. 

وليس مصادفة أن يضع مرتبة المتكلمين مقارنة بالفقهاء في (جواهر القرآن) كنسبة بدرقة طريق الحج وحراسه إلى الحجاج[15]. وهي ذات الفكرة التي يكررها في (الإملاء)، عندما وصفهم "بخدام الشرع وحراس متبعيه"[16]. أنه يدرك وحدة الأضداد التي حالما تفرز ظاهرتها الجديدة، فإن الحكم الأخلاقي المجرد يفقد جوهريته بفعل انتقال مواقع الإدانة وتقدم وتأخر "الأولويات" العملية فيه.

لقد شغلت هذه القضية وما تزال اهتمام الفكر الفلسفي بمختلف ميادينه ومستوياته. وهي قضية علمية وعملية بقدر واحد. بل نعثر فيها على بؤرة التوتر الدائم في أعماق الإدراك العلمي المجرد والضمير الأخلاقي الصافي. فهي تمثل الوحدة المتآلفة من عالِمية المعرفة وأخلاقية الأخلاق. فإذا كانت المعرفة هي حلقات السلسلة الملازمة لتطور الإدراك العلمي المحددة بحاجات الروح والجسد، فإن أخلاقية الأخلاق هي الأخرى أيضا نتاج الوحدة الخفية لحاجات الروح والجسد. وبالقدر الذي يمكن أن يتحولا كلاهما (المعرفة والأخلاق) إلى "عبيد" للجسد، يمكنهما أن يصبحا "أسياد" الروح. وفيما بينهما تتراوح نسب الرؤية والمواقف في تعاملهما مع "الأولويات". فعلى هذا الاساس جرى بناء نظريات الأخلاق وموقفها المختلفة والمتباينة تجاه أبسط القضايا وأكثرها تعقيدا. فمن الناحية التاريخية شكلت النماذج والاتجاهات والمستويات المتباينة للنظريات والمواقف التعبير "الطبيعي" للتنوع الأخلاقي. أما من الناحية المعرفية فقد شكلت الأسلوب الثقافي للمواقف من "الأولويات" والقيم العليا. ومأثرة الغزالي هنا تقوم في عدم خضوعه لآلية الإدانة أو ولع الأولويات المميز للعقائدية الضيقة والمذهبية المفرطة، بل في التتبع الدقيق لعلاقة المكون التاريخي الثقافي بالمعرفي الأخلاقي.

بعبارة أخرى، إن نشوء علم الكلام وتطوره هو "بدعة ضد البدعة". وقد تضمنت هذه العملية الفكرية التاريخية للنفي مقومات ذاتها. فالبدعة حسب تحديده هي "ما يحلّ ويضعف عقدة الإيمان"، بينما الكلام هو "ما يدفع حيل التحليل والتضعيف. والعارف به يسمى متكلماً". ذلك يعني أن علم الكلام هو العلم الذي يقف ضد تلك "الحيل الفكرية"، التي تحاول ردم العقيدة الإيمانية للعوام "بحيل أخرى". فالكلام يخوض معمعة الحيل وبالضد منها دون أن يتجاوز أسلوبها وحدودها ووظيفتها. فهو يمثل وظيفة  الدفاع "المشرّفة" عن العقيدة الإيمانية للعوام، دون أن يمثل في الوقت نفسه الحقيقة كما هي. الأمر الذي جعله يؤكد على أن علم الكلام حالما أخذ على عاتقه تلبية هذه المهمة، فإنه "لم يعد بدعة، بل أصبح بحكم الضرورة مأذوناً فيه، بل صار من فرض الكفايات"[17]. لهذا السبب وقف موقف المعارض للاتجاهات الإسلامية وممثليها الذين لم يروا في الكلام سوى جوانبه "السوداء".

فعندما تناول القضايا المتعلقة بالمذموم والممدوح في العلوم، فإن مما يلفت الانتباه هو عدم إدراجه الكلام والفلسفة في فلك تقييماته، أي أنه يتجاهلها هنا عمداً. ويمكن فهم مرمى الغزالي من وراء هذا "التغافل" فيما يبدو، باعتباره أسلوباً لنقل الجدل إلى ميدان آخر من أجل إثبات نقص وأحادية الأحكام القييمية المباشرة (الذم والمدح) تجاههما (الكلام والفلسفة). وهذا ما يفسر أيضاً اتجاهه المعارض لمواقف أئمة الفقه المستهجنة لعلم الكلام. فقد بنى الشافعي حكمه المعارض للكلام على أساس إحدى المناقشات التي جرت بينه وبين حفص الفرد (الذي يدعوه الشافعي بحفص القرد) بحيث جعله ذلك يقول "لأن يلقي الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله، خير من أن يلقاه بشيء من علم الكلام. ولقد سمعت من حفص كلاماً لا أقدر أن أحكيه". من هنا حكمه على أصحاب الكلام بأن "يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة". أما أحمد بن حنبل فقد أكد على أنه "لا يصلح صاحب علم الكلام أبداً. ولا تكاد ترى أحداً نظر في علم الكلام إلا وفي قلبه غفل".  ومن هنا حكمه القائل بأن "علماء الكلام زنادقة".  في حين أشار مالك بن أنس إلى "بدعة" علم الكلام وضرره على عقائد الإيمان قائلاً "أرأيت إن جاءه من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم لدين جديد؟".  من هنا حكمه "لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء".  في حين اختصر أبو يوسف القاضي هذه الأحكام والمواقف بعبارة "منطقية" مفادها "من طلب العلم بالكلام تزندق".

وعلى الضد من ذلك وقف علماء الكلام، الذين بنوا مواقفهم وأحكامهم منه على تبيان ضرورته الشرعية. فقد أكدوا، كما يقول الغزالي، على أن لغة الكلام المثيرة للفقهاء، مثل الجوهر والعرض وغيرها هي شيء طبيعي وذلك لأن لكل علم اصطلاحاته الخاصة به بما في ذلك الفقه. إضافة لذلك، ليس هناك من دليل يحرم ضرورة المجادلة. على العكس! إذ أن الفهم والبرهان على معرفة الله والوحدانية هما من صلب القرآن والسنّة. أما انعدام وجود التصانيف الكلامية عند الأوائل فله أسبابه الخاصة، تماماً كما لم يوجد عندهم علم الفقه.

أما الغزالي فإنه لم يؤيد وجهة النظر الأولى ولا الثانية. لقد جعلته أحكامه الواقعية ينظر إلى الظاهرة من منظار آخر يقول بأن إطلاق القول بذمّ علم الكلام أو بحمده في كل حال خطأ. فهناك ما يحرّم لذاته. بمعنى أن علة تحريمه في ذاته كالخمر والميتة. في حين أن هناك ما يحرّم لضرره في حالات أخرى كالعسل الكثير. وعلم الكلام شأنه شأن العلوم الأخرى، له منفعة وفيه مضرة. فمنفعته تقوم في الدفاع عن عقيدة العوام، أما مضرته فتقوم في إثارته الشبهات وتحريكه العقائد وتأديته إلى التعصب. إن هذا الاستنتاج الذي وصل إليه الغزالي يعبّر في أحد ملامحه عن تجربته النظرية (العقلية) في رؤية محدودية علم الكلام وانسداد تطوره. غير أن هذا الجانب "السلبي" في علم الكلام هو النتيجة النهائية للعملية الفكرية التاريخية الطويلة، التي أخذ ينظر إليها من حيث قيمتها المعرفية والعملية (الأخلاقية والسياسية) على أنها من بقايا عالم منصرم، أي النتيجة المنطقية لاستيعاب تجربة الكلام في مجرى تطوره الشخصي، التي جعلته ينظر إليه نظرته لداء مناسب لداء آخر أو لدواء مرّ. وذلك لأن مهمته الأساسية حسب نظره، لا تقوم في معرفة حقائق الأشياء كما هي عليه، بل في الدفاع عن عقيدة العوام[18]. فالكلام يبدو حسب وصفه إياه، كشيخ أدخل في بيته طباخ ماهر وجارية حسناء، أي أنه لا يستطيع هضم ما يقول ولا يتمتع بجمال حقائق الأشياء. فكل ما يقوم به ويسعى إليه ينقلب بالضد منه. والقضية هنا ليست فقط في شيخوخة الكلام، بل وفي اعتقاده بلوغ حقائق الأشياء. أما في الواقع، فإنه لا يختلف في اعتقاده وقناعته عما هو مميز لاعتقادات العوام. فالاختلاف الوحيد في ما بينهما يقوم كما يقول الغزالي، في أن المتكلمين يتقنون "صنعة تلفيق الكلام"[19]، أي أنه يعمق مضمون الفكرة التي سبق وأن تناولها في (الإحياء) من أن الفرق البسيط القائم بين اعتقاد المتكلمين واعتقاد العوام يقوم في أن اعتقاد المتكلم يزيد على العامي في "صنعة الكلام" لا غير[20]. وهي ذات الفكرة التي سيرددها بقوة أكبر في (الإملاء) عندما يؤكد على أن المتكلمين من حيث "صناعة الكلام فقط لم يفارقوا عقود العوام، وإنما فارقوهم بالجدل عن الإنخرام. والجدل علم لفظي وأكثره احتيال وهمي. وهو علم النفس وتخليق الفهم، وليس بثمرة المشاهدة والكشف. ولأجل هذا كان فيه السمين والغث. وشاع في حال النضال إيراد القطعي وما هو حكمه من غلبة الظن وإبداء الصحيح وإلزام مذهب الخصم"[21]. بصيغة أخرى لقد أراد القول، بأن العلم الذي لا يفارق في محتوى عقائده عقائد العوام لا يمكنه أن يكون باحثاً عن حقائق الأشياء. وذلك لأن كل أساليبه الجدلية تستند في جوهرها إلى احتيال الوهم وألاعيب النفس ومكر العقل. فهو يعطي للظن طابع اليقين ومهمته ليس الإقناع بل إحراج الخصم. وبالتالي فإن علماً كهذا لا يمكنه أن يتجاوز حدوده، التي رسمها لنفسه أو ما عبّر عنه الغزالي بكلمات "من أين للنازل طي المنازل!؟" وأدى ذلك إلى ظهور شخصية المتكلم الأجير، الذي يتخذ في الكثير من ملامحه صورة النائحة المستأجرة. وليس مصادفة أن يورد الغزالي كلمات محمد بن ذر، عندما سأله ابنه:

ــ ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد فإذا تكلمت أنت سمعت البكاء من كل جانب؟

ــ يا بني! ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.

وهي ذات المفارقة الداخلية التي ستضعه وجهاً لوجه أمام ممارسته الشخصية، أي التناقض الذي مزق وحدة النسيج الداخلي لفكره وقناعته العقائدية، والذي شكل أحد عناصر انتقاله اللاحق إلى التصوف.(يتبع..)

*** 

ا. د. ميثم الجنابي

....................

[1]  الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21.

[2] ابن النديم: الفهرست، ص268.

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص123.

[4]  الغزالي: جواهر القرآن ودرره، ص21

[5] الغزالي: معيار العلم في المنطق، ص161.

[6] الغزالي: معيار العلم في المنطق، ص162.

[7] الغزالي: معيار العلم في المنطق، ص167.

[8]  الغزالي: ميزان العمل، ص150.

[9] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص77.

[10] الغزالي: ميزان العمل، ص116.

[11] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص8.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص22.

[13] الغزالي: الإملاء، ص29.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص22.   

[15] الغزالي: جواهر القرآن، ص23.

[16] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص29.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص22.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص97؟

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص246.

[20] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص52.

[21] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص29.

 

جعفر الحكيميتداول بعض رابايات اليهود، في معرض السجال العقائدي مع المسيحيين، طرفة تدور حول العلاقة المسيحية - اليهودية

وهذه الطرفة مفادها:

ان مسيحيا طيبا ظهر له الرب!!.. فسأل ذلك المسيحي ربه قائلا:

لماذا يا رب خلقت المورمون؟

فاجابه الرب:

من اجل ان تعرفوا وتقدروا مشاعر اليهود نحوكم!!

قد تبدو هذه الطرفة غير مفهومة لبعض الاعزاء من القراء الكرام، لكني اتمنى ان تكون الفكرة واضحة لديهم عند استكمال قراءة المقال!

في البداية ،نحتاج الى عرض نبذة مختصرة عن طائفة المورمون المسيحية، وهي تعتبر من الطوائف المسيحية التي نشأت حديثا - نسبيا- في امريكا حوالي عام 1830م على يد شخص اسمه (جوزيف سميث) والذي يعتبره أتباع الكنيسة المورمونية ،النبي المؤسس لهذه الطائفة، الآخذة بالازدياد والانتشار ،حيث بلغ افرادها حوالي خمسة عشر مليون مسيحي، يعيش حوالي ستة ملايين منهم في الولايات المتحدة الأمريكية

وإستنادا إلى تاريخ الكنيسة المورمونية فإن منشأ مصطلح المورمون هو نبي كان إسمه النبي مورمون والذي قام بنقش كتاب المورمون على ألواح ذهبية  ثم ظهر على شكل ملاك لمؤسس الكنيسة المورمونية جوزيف سميث في عام 1827 واخبره عن موقع الألواح الذهبية التي تحتوي على نصوص مقدسة ،حيث كانت مخبأة في تل كومورا في مدينة مانشستر بولاية نيويورك، وحسب الرواية التاريخية فإن الألواح كانت تحت حماية ملاك حيث قام جوزيف سميث بتلقي ترجمة الألواح من الملاك وكانت الألواح عبارة عن تأريخ المستوطنين الأوائل لقارة أمريكا تمت كتابته من قبل النبي مورمون، والذي قام بتكليف جوزيف سميث بمهمته النبوية ،ليكون نبيا يعمل على نشر وتصحيح الإيمان المسيحي !

وقد أطلق النبي (سميث) على كنيسته الجديدة أسم (كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة)

ولدى المورمون كتب يعتقدون بأنها مقدسة ،بالاضافة الى العهد القديم والعهد الجديد، ومن أهم تلك الكتب هو (كتاب مورمون)

والذي يعتبرونه التكملة للكتاب المقدس، وبالاضافة الى ذلك ،لديهم أيضا كتب اخرى مقدسة،مثل كتاب(لؤلؤة كثيرة الثمن)

وكتاب ( المبادئ والعهود)... ويعتبرونها اضافات تكميلية للعهد الجديد

يشترك المسيحيون المورمون مع بقية الكنائس المسيحية في بعض أصول الإيمان المسيحي، مثل الاعتقاد بالوهية يسوع المسيح، والتعميد ، وغيرها…. ويختلفون معهم في امور اخرى

يمتاز المسيحيون المورمون بانهم ينشطون في خدمة كنيستهم، وفي الدعوة الى عقيدتهم، وكذلك يمتازون بالتشديد على اهمية الاسرة وترابطها، ولا يقيمون اي علاقات جنسية قبل الزواج، ويعتبرون شرب الخمر والتدخين من المحرمات، ويتميزون كذلك باعتقادهم ان النبوة مستمرة، ولازال لديهم الى الان انبياء يخلف أحدهم الاخر!

يعتبر المورمون أنفسهم جزءا من الديانة المسيحية، ولكن معظم الكنائس المسيحية ترفض ذلك، وتعتبرهم فرقة مهرطقة ضالة، ولا تستند الى الإيمان القويم، وقد حدث الاصطدام مبكرا بين الكنيسة المسيحية وبين المورمون، الذين تعرضوا الى الإضطهاد بسبب عقيدتهم التي لم تلق ترحيبا من أغلبية المسيحيين الذين حاربوهم بشدة وعنف، وكان مصير نبي المورمون، ان اقتيد مع اخيه، ليتم تصفيتهم جسديا!

ان سبب رفض الكنيسة المسيحية لعقيدة المورمون، يمكن تلخيصه بأسباب تعتبر جوهرية لدى الكنيسة مثل اعتقاد المورمون بكتب اضافية الى جانب الكتاب المقدس، وكذلك بسبب خروج المورمون عن ثوابت قانون الايمان المسيحي

والسبب الاهم هو، ان المورمون يتبعون نبي كاذب ادعى ان السماء تواصلت معه، واقنع اتباعه بهرطقات مضللة وبدعة زائفة، تخالف الثوابت الايمانية التي سطرتها نصوص العهد الجديد.

 

ان هذه النظرة التقيمية للكنيسة المسيحية نحو طائفة المورمون، تجعلنا بحاجة الى معاودة قراءة السيناريو التاريخي لتشكلات العقيدة المسيحية نفسها، ومتابعة مراحل تطورها ،والتي ابتدأت تأخذ برادايم الديانة المستقلة، مع بداية مرحلة تدوين النصوص المسيحية المقدسة، حيث كانت باكورتها، رسائل بولس الرسول، وتعليماته، وشروحه للعقيدة الجديدة، والتي أصبحت التأصيل الأساسي للإيمان المسيحي الحالي، واحتلت الحيز الأعظم من مساحة تدوينات العهد الجديد.

ادعى بولس التواصل المباشر مع السماء، من خلال ظهور الرب المسيح له، وكذلك من خلال الوحي والإلهام السماوي الذي يتلقاه ،بشكل مباشر، وبدأ يمارس وظيفته النبوية التي كلفه الرب بها، ويدعو الآخرين الى اتباع الطريق الوحيد للخلاص، من خلال القبول بالعقيدة الجديدة، والتي من ضمن أركانها، التوقف عن العمل بتعليمات التوراة، فلا داعي بعد الان للختان او التقيد بشرائط الاكل والطعام (الكوشر) ...معتبرا ان الخلاص يأتي بالايمان فقط، وليس بالالتزام بالناموس

اضافة الى ذلك، فتح بولس باب الجدل حول طبيعة الإله ووحدانيته، التي تحددها نصوص العهد القديم، وبشكل صارم،على ان الرب هو إله واحد،ليس معه آخر، بينما نجد العقيدة المسيحية تتحدث عن اله معه الهين اخرين ليصبح اله ثلاثي الابعاد

موقف اليهود من الديانة الجديدة في ذلك الوقت، كان تماما ،مثل موقف الكنيسة المسيحية من المورمون، حيث ان اليهود بدأوا يواجهون دعوة جديدة، تخبرهم ان كتابهم المقدس (التاناخ) لم يعد كافيا، وان عليهم التزام الكتاب الجديد!

وان تعليمات الناموس، الذي جاء به نبيهم موسى، واخبرهم ان عليهم الالتزام بها للابد، لم تعد ضرورية ولا حاجة لها!

وانهم معاشر اليهود، وطوال القرون العديدة، لم يكونوا يفهمون حقيقة نصوص كتابهم المقدس، وعليهم ان يتعلموا معنى تلك النصوص وغاياتها من السيد بولس الرسول الذي كلفه الرب بهذه المهمة، من دون شهود على حقيقة ذلك التكليف!

ان رد الفعل الطبيعي لغالبية اليهود، كان تكذيب ادعاءات بولس وجماعته، والالتزام بكتابهم المقدس وتعاليمه، وهو بالمصادفة يشبه تماما نفس مفارقة الرفض المسيحي لادعاءات النبي جوزيف سميث وتعاليمه، والتشبث بالالتزام بالكتاب المقدس، وتعاليم العهد الجديد!

ومن هنا يتضح ان المعايير التي جعلت الكنيسة المسيحية ترفض عقيدة المورمون، وتعتبرهم اتباع بدعة هرطوقية ضالة جاء بها نبي كاذب، هي ، و للمفارقة، نفس المعايير التي جعلت حاخامات اليهود وعلمائهم ، يرفضون العقيدة المسيحية في الحقبة التأسيسية لها، وينظرون لتلك الجماعة الايمانية ورسولهم بولس، بنفس نظرة الكنيسة للمورمون ونبيهم !! 

ان هذه المفارقة التاريخية الطريفة، تجعلنا نفهم حقيقة مشاعر اليهود ونظرتهم تجاه العقيدة المسيحية، وبالتالي تجعلنا نفهم مغزى النكتة اليهودية، المذكورة في صدر المقال ! 

 

د. جعفر الحكيم

في الحلقة الماضية إنتهينا من القول بإن: - شهادة أن محمداً رسول الله، ليس شرطاً في إسلامية المرء ولا هي واجبة في جعل الإنسان مسلماً، ذلك إن الإسلام هو دين الله الذي أرتضاه لعباده وليس هو دين محمد، قال تعالى: - [إن الدين عند الله الإسلام] – آل عمران 19، وبهذا التعريف كان كل أنبياء الله من المسلمين دون إستثناء، وأما هذه الشهادة المتقدمة فلا تعني شيئاً سوى: - الإقرار والإعتراف والقبول بنبوة محمد بن عبدالله وبرسالته وإمامته -، ومن يقر ويعترف ويقبل بذلك فقد أعتبر من - الذين آمنوا -، أي إنه يدخل في حيز ودائرة تلك الجماعة التي ورد ذكرها في مقابل الجماعات الأخرى: [كالذين هادوا والنصارى والصابئين]، فهي إذن صفة تعريف لا صفة تقرير، وهي هكذا وردت في سياقات النصوص .

ومادمنا في سياق البحث عن النبوة، فإننا نقول: - إن النبوة جوهر مستقل بذاته دال على المعرفة اليقينية التي بُعث بها النبي ليكون فاعلاً -، وهذا يعني: - إن جوهر النبوة هو تلك القدرة المودعة فيها موهبةً وإصطفاءاً -، ويكون فعل النبي من خلالها في الطبيعة والواقع مقيداً بماهو ممكن بذاته، وإذا كان ذلك كذلك فهذا يعني: - إن ما يحصل عليه النبي من معرفة لا يدخل في باب القدوة والأسوة -، ولا يمكن تمثله في الواقع، لذلك لم يرد في شأنه: - ولكم في نبي الله أسوة -، بل ورد ذلك في شأن الرسول قال تعالى: - [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] – الأحزاب 21، ذلك لأن العلة المنتجة للنبوة هي غيرها التي أنتجت الرسالة، ولذلك فهي ليست علة يمكن التأسي بها والعمل بموجب قوانينها، ولهذا: - تعلق التصديق بالنبوة لا بسبب علتها المنتجة بل بسبب فعلها في الواقع -، والخطاب الموجه للنبي متضمن في العادة أسماء وصفات وأفعال، تتعلق بالواقع وبالتاريخ وبالغيب، وما يتعلق بالتاريخ والغيب هي تجليات تظهر له بالكشف الغير مألوف، وليس بالكشوفات العادية .

وهنا ندخل بموضوعة هامة ألاَّ وهي علم الغيب أو عالم الغيب: - وهل النبي يعلم ذلك ؟ .

ننطلق هنا أولاً من تعريف الغيب كما ورد في اللسان العربي الذي قال عنه: [إنه كل ما غاب عنك] فيُعدُ غيباً، ومن هنا ذهب أهل الميزان لتبني مفردتي: - الغيب المادي و الغيب المعنوي -، وعرفوا الغيب المادي: - بأنه ذلك الشيء الذي يتعلق بالصورة والهيئة -، وعرفوا الغيب المعنوي: - بأنه ذلك الشيء الخارج عن عالمي الوجود والشهود -، ولكن في الكتاب المجيد جعل الغيب بمعناه المطلق هو لله ومن الله، قال تعالى: - [فقل إنما الغيب لله] – يونس 20، وأداة الحصر - إنما - قد جعلت الغيب ملكية خاصة به تعالى، وبهذا الإعتبار يصح القول: إن علم ُ الغيب أو عالمُ الغيب دائرة مفاتحها عند الله قال: - [وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاَّ هو ..] - الأنعام 59، ولفظ مفاتح ليس جمع مفتاح أي الآلة التي يفتح بها ما أغلق، بل مفاتح جمع مفتح بمعنى الخزائن، ومعنى النص: - إن الله عنده خزائن الغيب التي لا يعلمها أحد سوآه -، أما قوله تعالى: - [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد] - الجن 26، ففيه إطلاق لمفهوم - عالم الغيب - لكن ورود التقييد اللاحق بصيغة الإستثناء المنقطع، يدل على إمكانية تزويد البعض من الغيب، يظهر ذلك في قوله: [إلاَّ من أرتضى من رسول] - الجن 27، والضمير في عبارة - من أرتضى - يعود على الله، و التبعيض والتنكير في قوله - من رسول - وردت كدليل على من حمل الوحي وجاء به من عند الله لمن أصطفاه من الأنبياء

وأداة الحصر أو الإستثناء - إلاَّ - إنما تتحدث عن بعض الغيب الذي يظهره الله لبعض رسله من ملائكته، ويُفهم هذا من إطلاق لفظ - أرتضى - كونه مشعر بذلك، وصيغة أرتضى غير صيغة أصطفى الخاصة بما يُناسب النبوة والأنبياء، وجملة - إلاَّ من أرتضى من رسول - دالة على الملاك الذي أرتضاه الله ليكون حاملاً للوحي، والجملة لا تدل على من يُبلغ وينفذ الأوامر والنواهي والأحكام، (لأن هذه الجزئية ليست من عالم الغيب الذي يتحدث عنه النص)، وكما قلنا: - لا بد أن يكون هذا الملاك الذي أرتضاه الله ليخبر النبي قد أطلعه الله على هذا الغيب -، فمثلاً قصة إبراهيم وقصة لوط وقصة موسى أو قصة عيسى أو قصة مريم وغيرها، بُلغت للنبي بواسطة هذا الرسول الذي أرتضاه الله، فأطلعه على ذلك، ويجب أن نفهم: - إن صيغة الإظهار أو الإطلاع في هذا الباب، (هي تجليات وإيحاءات وليست حروفاً أو كلمات) -، وهذا ظاهر في قوله تعالى: - [فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا * ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا] - الجن 27، 28، وهذه الحتمية أو قل هذه الجبرية تكون مع الرسل الغير مخيرين والغير مجتهدين، الذين وصفهم الكتاب بالقول: [..لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون] - التحريم 6 (وهذه صفات الملائكة) .

لكن الرسول الحاكم الدنيوي يكون فعله وعمله قائماً على الإجتهاد والنظر، وليس فيه جبرا أو تفويضا، إنما فعله وعمله خاضعاً للواقع ومتناسباً مع الطبيعة، بدليل قوله: [لا يكلف الله نفسا إلاَّ وسعها ...] – البقرة 286، ويتعلق هذا بالكيفية والطريقية في تنفيذ الأوامر والنواهي، ونعود لنقول: - إن الإظهار في معناه يكون على شكل وسيلة إيضاح رمزية -، ولكن ماذا نعني بذلك ؟، نعني به إن فعل المضارع يسلك لما جيء به هاهنا، أستخدم كعامل رصد ومتابعة في طريقة فهم الوحي وإيصال معناه، وفي هذا تكون الإشارة هنا بمثابة الضبط والإحكام في عملية الإبلاغ الموكل بنقلها الملائكة للأنبياء .

لذلك قيل: - وهذا فعل وأداة مساعدة في فهم النبي جاء بها الوحي -، ولكن كيف وماهي لغة التخاطب بين الملاك والنبي ؟، لغة التخاطب مرتبطة بحسب طبيعة وكيفية الوحي، ولايمكن الجزم بطبيعة لغة الملائكة إذ ليس هناك لغة معينة ومحددة يمكننا وصفهم بها، إنما اللغة التي نفهمها عنهم هي عبارة عن رموز وإشارات (إيحاءات) تُحاكي عقل النبي ومُقدار فهمه، ومن خلال ذلك تتم عملية إيصال المعنى المطلوب للنبي، والنبي مكلف بوضع هذه المعاني في قوالب لفظية دالة ومناسبة للمعنى المطلوب، ويعني هذا إن ما يحصل عليه النبي من الملائكة هو عبارة عن معاني وليست إلفاظاً وكلمات، لكن النبي فهم هذه المعاني بلغته وصبها في قوالب لفظية مناسبة وبنفس السياقات المطلوبة، وكأن هناك تماهياً وليس تخيلاً في المعاني والألفاظ بين الملائكة والنبي .

يجري هذا وبنفس السياق حتى في النصوص التي نسمع بها انه قال – إنني أنا الله -، أو - لاتخافي ولا تحزني -، أو - قال إنما أنا رسول ربك -، أو - قالوا نحن رسل ربك -، وكأن هذه الصيغ وغيرها وردت بصيغة كلمات وحروف، والحق إنها لم تكن كذلك، أي إنها لم تكن كلمات وحروف ومفردات لفظية، إنما كانت معاني تصورها النبي ووضعها في قوالب لفظية متناسبة معها، وإلى ذلك يُشير صاحب الكفاية في قاعدة التناسب بين الحكم والموضوع، تلك القاعدة المضطردة والتي تجري في كل ماهو متصور وممكن، وفي بيان ذلك والرد عليه قال تعالى: - [وللبسنا عليهم ما يلبسون] - الأنعام 9، أي بالإستحالة في مستوى الهئية والصورة، وهذا القيد يسري حكمه على كل الإطلاقات الواردة في الصيغ المتقدمة (سواء في حكاية إبراهيم وقصة العجل الحنيذ أو لوط وقصة قومه الذين جاوءا يهرعون)، والتي قد يفهم منها ذلك المعنى البعيد .

وبنفس الدليل يمكننا القول: إن لغة الله غير قابلة للتصور، حين نفهم أو نريد منها هذه الكلمات والحروف، وحين يوصف بالمتكلم فالوصف صفة بيان للمخاطب لا تدل على الذات ولا تخبر عنه، وقد قلنا في غير مناسبة (إن صفاته غير ذاته)، وللتوكيد ورد القول التالي: - [.. ليس كمثله شيء ..] - الشورى 11 والكلام عن الذات .

ونعود للقول: - إن النبي لا يعلم الغيب -، وأما ما يحصل عليه من علم فهو معرفة غير مسبوقة يأتي بها الوحي، ومع العلم بهذه المعرفة تصبح حقيقة طبيعية أو علماً طبيعياً، وكل شيء لا يُعلم أو يكون مجهولاً يُعدُ غيباً، ومع العلم به تنتفي عنه صفة الغيب ويصبح واقعاً يُفهم من خلال علله، التي تكون بالفعل قد أصبحت معلومة [ومن هنا نقول: - ليس في كتاب الله غيب -]، وقد دل على ذلك ماقاله الإمام علي عن معنى الغيب في الكتاب، نعم هناك إشارة للغيب كما يظهر في قوله تعالى: - [1 – إن الله عنده علم الساعة، 2 - وينزل الغيث، 3 - ويعلم ما في الأرحام، 4 - وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، 5 - وما تدري نفس بأي أرض تموت ..] - لقمان 34، وقد أختُلف في معنى و مفهوم - علم الساعة –، فمنهم من أعتبر العلم بالساعة دليل على يوم القيامة، والمُراد بيوم القيامة هو قيامة الإنسان التي تكون عند موته مباشرة، ومنهم من أعتبر العلم بالساعة هو العلم بنهاية الكون .

وفي الحالة الأولى: تكون الساعة أو العلم بالساعة حكاية عن موضوعة الموت عن الكيف وعن الزمن، بمعنى إن العلم بكيفية الموت وزمن الموت هو مما أختص الله بعلمه، وبما إن الموت هو قيامة الكائن البشري، فيكون العلم بالساعة بهذا المعنى هو العلم بزمن الموت وكيفيته، يعني العلم بقيامة الإنسان .

وفي الحالة الثانية: يكون العلم بالساعة هو العلم بنهاية الكون، ونهاية الكون مرتبطة بمعرفة العلل المنتجة لهذا الكون، أي العلم بالغاية من وجوده، وفي هذه الحالة تنتفي الغاية من وجود هذا الكون، فينتهي إلى زوال بعد أن يفقد مبررات وجوده، فيكون العلم بالساعة بهذا اللحاظ أيئذاناً بنهاية الكون، ولكي يكون ذلك ممكناً لا بد من عمل وجهد يقوم به - الراسخون في العلم - لمعرفة هذه العلل وغايات وجودها، وهؤلاء وحدهم القادرون على تحليل الكون ومعرفة خفاياه ومعرفة العلة من وجوده، هذه النقطة قال عنها الله إنها من علم الغيب الذي هو من أختصاصه .

والموضوعات الأربعة الأخرى المذكورة في سورة لقمان تقع في تلك الدائرة، أي في دائرة البحث عن العلل المؤدية إليها، وكشف ذلك من مهمات - الراسخون في العلم -، أعني معرفة تلك العلل ممكن في ظل تطور أدوات وآليات البحث العلمي .

ولكن هل النبي هو من - الراسخون في العلم - ؟، في تعريفنا للراسخين في العلم قلنا: إنهم تلك الجماعة التي تعتمد في تحليل الموضوعات على البحث والإستقراء والبرهان، وفي ذلك الطريق يستخدمون أدوات بحث علمية ومعرفية خالصة، وبما إن النبي ليس باحثاً علمياً أو يستخدم أدوات البحث العلمي، لذلك فهو بهذا اللحاظ ليس راسخاً في العلم، إنما هو موجه للعقل لكي يستخدمه ويسخره في المجال العلمي، وإخراجه من دائرة الصمت إلى دائرة الحركة والبحث، وإلى ذلك أشار النص الآتي حين قال: - [إن أستطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلاَّ بسلطان] – الرحمن 33، والكلام فيه عن القابلية وعن الإمكانية ودعوة العقل لإكتشاف المجهول، عن طريق البحث العلمي والنظر من خلال الآليات و الأدوات، والتي بها ومن خلالها يمكنه النفاذ والتحرك، لمعرفة العلل الحاكمة لهذا الكون، وقد أستخدم فعل الأمر - أنفذوا - ولكن بشرط التمكن من معرفة العلل التي من خلالها يتم النفاذ أو المساهمة في عملية النفاذ، وهذا يعني إدراك ما يوافق قانون الطبيعة و الوجود .

يُميز العرفاء في مقولاتهم بين الصورة اليقينية و المعرفة اليقينية، كتلك التي يحصل عليها النبي عن طريق الوحي، فالمعرفة اليقينية هي معرفة بالرموز والإشارات (الإيحاءآت)، والصورة اليقينية سابقة للمعرفة وتظهر عند الكلام عن متلازمة الوحي والنبوة، والإيحاء أو الوحي مشتق في العهد القديم من لفظ - روا - التي تدل على كلمة - روح - في العربية، ومعناها - الريح -، ولها إشتقاقات متعددة في اللغة العبرية، منها الذي:

1 - ورد بمعنى - نسمه - كما في المزمور 135 النص 17 قوله (وليس في أفواههم نسمة) .

2 - ورد بمعنى - نفخ فيه - كما في سفر صموائيل - الأول 30: 12 - قوله (وعادت إليه روحه) أي نُفخ فيه .

3 - ورد بمعنى - قوة - كما في سفر يشوع (2: 11) قوله (ولم يبق في أحد روح) - .

4 - ورد بمعنى - صفة للقدرة - كما في سفر أيوب (32: 8) قوله - لكن في البشر روحاً -، أو كما قال في سفر العدد (26: 18) - إنه رجل فيه روح - .

5 - ورد بمعنى - رأي - كما في سفر العدد (14: 24) قوله - فيما أنه كان له روح آخر - اي رأي آخر أو فكرة أخرى، قال في الأمثال: (1: 23) - فإني أفيض عليكم من روحي - .

6 - ورد بمعنى - نفس الإنسان - كما في سفر الجامعة (3: 19)، قوله - ولكليهما روح واحد - أي نفس واحدة .

7 - ورد بمعنى - جهات العالم - كما في سفر حزقيال (37: 9 و42)، قال - بسبب الرياح التي تهب منها - .

وفي - أشعيا وروحكم نار تأكلكم -، إذن فكلمة (روا) العبرية التي مرت ترجمتها، إنما تعبر عن الروح في كل هذه المعاني المتقدمة، ويظهر ذلك في شرح التوارة البابلية لمعنى روا على أنها الروح أو هي الروح، وبحسب المزمور السابع فالروح ليست واحدة بل هي أرواح متنوعة تكون بحسب الطبيعة والوضع، فمنها العالية ومنها الهابطة ومنها الشريرة ومنها الطيبة، وهذا المعنى يقترب من المعنى الوارد في سورة الشمس النص رقم 8، قوله تعالى: - (ونفس وما سوآها فألهمها فجورها وتقوآها)، ولابد من التذكير هنا بأن اللغة العبرية حين تستعمل المصدر، تستخدمه بصيغة الصفة وهذا شائع جداً ..

ونعود لنقول: - أن لا ملازمة عقلية بين صورة اليقين ومعرفة اليقين -، كذلك لا ملازمة عقلية بين المعرفة وبين طبيعة الذات، ونقصد بالمعرفة تلك التي يحصل عليها النبي بواسطة الوحي، وهذه المعرفة من صفاتها النسبية والمحدودية لكونها تتعلق بموضوعات معينة، ولهذا لا يصدر عنها إلاَّ فعل مخصوص واحد، وحتى يتمكن النبي من هذه المعرفة لا بد أن يكون بينه وبين الملاك شيء مشترك، وهذا الشيء هو الذي يُسهل عليه عملية الفهم والإدراك، ولولا ذلك الشيء المشترك بينهما لما تمكن النبي من فهم إيحاءات الملكوت ورموزه وإشاراته، ولولا ذلك أيضاً لمتنع وجود المعاونة بينهما، ويدخل في ذلك الشيء المشترك الغاية الفاعلة والغاية القابلة والغاية التامة، وشرط وجود أياً من هذه الغايات مرتبط بوجود علة من سنخها لا تنفك عنها ولا تحول .

وتكون النبوة بهذا الوصف معقولة لمن يؤمن بها ولمن هو شاك أو ناف لها، لأن هذا يأتي من طبيعتها أو من خلال ما تتم به في التتالي أو في التبدلات .

وقد أعتبرت المباحث الكلامية هذا الشيء هو - مبدأ اللطف - والذي يعني: - إن وجود النبوة لطف من الله -، وبما إنها كذلك فهي تنقسم عندهم إلى ثلاث معان

أولها: أن يكون اللطف بمعنى التفضل الدال على التقدم على الغير، كما نقول فلان فائز بتفضله على غيره .

وثانيها: أن يكون اللطف بمعنى التفضل أي (الموهبة المجانية)، كقولنا أنا أوليك هذه المكرمة .

وثالثها: أن يكون اللطف بمعنى التفضل عرفان الجميل، كقولنا أنَّا نقابل الفضل بالنعمة .

وثاني هذه المعاني يتوقف على الأول، [فإن هبة شيء ما إلى بعض الناس مجاناً]، إنما ينشأ عن الحب الذي يظفر الموهوب إليه بحظوة عند الواهب، والمعنى الثالث يصدر عن المعنى الثاني، فإن - المنُ يتبع الصنيعة -، وواضح إن الفضل بالمعنيين الأخيرين يوجب في مقابلها شيئاً، وهو في الأول الموهبة المجانية، وفي الثاني عرفان هذه الموهبة، ولكن اللطف بالمعنى الأول فيه فرق بين لطف الله ولطف الإنسان، إذ إن لطف الله بمعنى محبة الله الأزلية التي يحظى بها من قد أصطفاه وقربه، وهذا هو الذي يُبنى على يقين خالص ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

14 ربيع الآخر 1440

 

ميثم الجنابي"أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون؟

ولقد فتنا الذين من قبلهم"

إن التكرار الجديد لغربة الإسلام هي الاستعادة العميقة لمبادئه الحقيقية. كما أنها الدعوة التي تلازم المحافظة على نقاء وقوة الشعلة الأولى و"خلودها" المميزة لبداية الحق في تقرير ذاته. ذلك يعني أن المهمة الأساسية لا تقوم في استعادة محاربة الوثنية الجاهلية، بل محاربة "وثنية" الابتعاد عن المبادئ الأولى. وبهذا يكون الغزالي قد فسح المجال أمام إمكانية الظهور الدائم "للروح المحمدي" في دفاعه عن الإصلاح والتجديد. وقد تضمنت آراء الغزالي جملة من العناصر التي يمكن في حال جمعها وترتيبها أن تولد انطباع الوجود الفعلي لفكرة "الروح المحمدي". غير إن هذه المحاولة تبقى في نهاية المطاف مجرد صيغة مجازية عن حقيقة افكاره ومضمونها الواقعي والتاريخي في نظراته عن "الروح المحمدي". اذ ليس لهذا الروح في منظومته الفكرية سوى أبعاد معنوية محتملة. بمعنى إننا نعثر عنده على صيغة روحية معنوية هي بدورها التعبير الظاهري عما في الفكر الصوفي وتقاليده من ذوق ومشاهدة للمثال الإنساني الإسلامي الأكبر. لاسيما وانه كان بالنسبة للغزالي المثال الواقعي والضروري والحجة التي لابد منها لفكرته الاصلاحية والأخلاقية العملية. وبهذا المعنى فقط يمكن لهذا المثال أن يكون مصدرا لتأسيس القناعة الباطنية وشعارا للعمل الظاهر. من هنا يمكن فهم عثوره في هؤلاء الغرباء على أولئك الذين "يصلحون ما أفسده الناس من سنّة الرسول والذين يحيون ما أماتوه من السنّة"[1]، أي التركيز على مهمة الإصلاح التي نعثر على ملامحها الكبرى في (الإحياء). وسوف تحصل هذه الفكرة على تجسيدها الذاتي في شخصية الغزالي نفسه من حيث إدراكه لذاته باعتباره الكيان الحامل لمهمة الإصلاح والتمثيل الحي لإنجازها التي سبق وأن واجهها النبي محمد قبل خمسة قرون مضت. إلا أن المهمة المطروحة أمامه لم تكن في دعوة الناس للانتقال من الوثنية للإسلام، ومن الشرك للوحدانية، بل لإصلاح ما أفسده الناس وإحياء ما أماتوه (من السنّة). إنها ليست المهمة المحمدية في مواجهة الوثنية (الجاهلية) بل الاستكمال الجديد للوحدانية الإسلامية من خلال استعادة الروح الأخلاقي الأول. إلا أن هذا الإدراك الذاتي لموقعه في سلسلة الإصلاح (المئوي) وفاعلية الإحياء لم تعن في الواقع سوى السير في اتجاه ابداع التآلف الفكري الجديد المستند في أغلب عناصره الجوهرية إلى تراث الخلافة الإسلامية المسبوك في أخلاقية الصوفية ورؤيتها للعالم.

لقد صاغت المتصوفة أكثر من غيرها المقدمات الفكرية المجردة لمحاربة التقليد. وفسحت المجال الكبير أمام حرية الفكر. فعبر تحويلها التجربة الفردية إلى معيار جوهري في استكناه الحقائق تكون قد أرست أسس الإمكانية المجردة لإعادة النظر بكل حقيقة مستتبة. فأفلحت في هذا المجال ما لم تفلح به أي حركة فكرية اجتماعية وسياسية في الخلافة. وفي الواقع ليس هناك من حكم اجتماعي مهما بدا ثورياً أو مغامراً معزول عن التقاليد. إذ ليس هناك من جديد في ميدان الفكر خارج إطار استحداث التقاليد وإعادة إنتاجه من جديد. وبقدر ما ينطبق هذا على العلاقات الاجتماعية والأخلاقية والروحية ينطبق نسبياً أيضا على أساليب التفكير وأحكامه المجردة. فكلاهما يتضمنان عملية النفي الدائمة التي تحول الخوف إلى نظام، والنظام إلى تقليد، والتقليد إلى مثال. ولهذا السبب دعت المتصوفة للرجوع إلى صفاء القلب وإعادة عكس الوجود من خلال إزالة كل ما انطبع فيه من "أدران" الحياة الاجتماعية وتصوراتها وأحكامها وقيمها الشرطية، أي كل المفاهيم التي أدخلها الغزالي في آرائه عن الفطرة الإنسانية كمقدمة لمحاربة التقليد. إلا أنه بالاختلاف عن متصوفة زمانه لم يقف عند حدود عوالم النفس وتنقيتها الدائمة، رغم متابعته إياهم في هذا الشرط باعتباره المقدمة الضرورية لصيرورة الذات العارفة (الصوفية) واستكمال وحدة العمل كشرط للسعادة الحقيقية وغاية الإصلاح والإحياء.

إن تجانس آراء الغزالي في محاربة التقليد منذ بداياته الأولى حتى مرحلة التصوف بما في ذلك دعوته الدائمة للبحث عن الحقيقة لم تقف عند تخوم التجريد، بل تضمنت في ذاتها وجهها الآخر واستمرارها الطبيعي. اذ لم تكن محاربة التقليد بالنسبة له قضية فكرية خالصة، بقدر ما كانت واتخذت في وقت لاحق مضموناً اجتماعيا سياسياً وأخلاقياً عميقاً. فرفضه للتقليد في (ميزان العمل) لم يعد من مقومات الجدل كما هو الحال في مؤلفاته السابقة، بل تحول إلى عنصر من عناصر التثوير الاخلاقي الروحي. فهو يشير إلى أن كثيراً من الناس تناقش وتطالب بالبرهان عن خسارتها درهم واحد ولكنها تأخذ في حالات عديدة مفاهيم كاملة وتقر بها دون أن تطالب ببراهين كافية، بغض النظر عما في هذه المفاهيم من حساسية وأهمية بالنسبة للسلوك الحياتي والروحي[2].

وفي الوقت نفسه كان الغزالي يدرك تعقيد الخروج على التقليد، بمعنى إدراكه لضرورته التاريخية باعتباره بديلاً شاملاً. وهو ما يمكن ملاحظته في مجرى تطور نظراته ومواقفه من مفهوم الفطرة الإنسانية، ومواجهته الآراء التقليدية للمتكلمين والفلاسفة وانتهاءً بدعوته للانتقال من لا تقليدية الفكرة إلى لا تقليدية الممارسة، أي المنظومة الاجتماعية الأخلاقية للكلّ، والتي ستحصل على صيغتها الفكرية من خلال استلهام القناعة التقليدية في ظاهريتها عن الإصلاحي المئوي وتقاليده الإسلامية في الحديث المنسوب للنبي محمد عن ظهور كل قرن من يجدد للأمة دينها. ولم يشذ الغزالي عن تقليدية هذه الصيغة. وهذا بدوره مرتبط بالحقيقة القائلة، بان استمداد النزعة الإصلاحية وبراهينها المنطقية من الروح الأخلاقي المعرفي هو الأسلوب الأكثر عمقا وتـأسيسا في التعامل مع قضايا الوجود الاجتماعي لعصره. لقد بحث الغزالي عما هو جوهري في ميدان الروح الأخلاقي والمعرفي، وبالتالي لم تكن التقليدية الظاهرية في فكرة التجديد المئوية سوى أسلوب تعميق التحرر من التقليد. لاسيما وأن محاربة التقليد والتنقية القلبية (المعرفية - الاخلاقية) هي المقدمة الضرورية والشرط الذي لابد منه لكل عملية إصلاح حقيقية. وهنا نعثر على ما يمكن دعوته بظهور الجديد المتحرر من التقليد بلباس التقليد الظاهري الذي يتطابق من حيث حقيقته مع معنى التقاليد. وبالتالي لا دورية بالمعنى الدقيق للكلمة في الحركة الدورية للإصلاح. تماما كما ان فكرته عن محاربة التقليد تصبح جزء من الرؤية الشاملة للوجود الإنساني، والتي وقف أمام مهمة الرؤية الشاملة للبديل الشامل. ونعثر على ذلك بوضوح في تناوله مختلف القضايا الكبرى لعصره كقضايا الإيمان، والعقل، والسلطة، والأخلاق، ومعنى الوجود والحياة والموت وغيرها، أي كل ما هو عضوي في كينونة النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والروحي القائم آنذاك. وهي القضايا التي سيتناولها من منطلق إحياء ما هو جوهري ومتراكم في حضارة الخلافة من خلال الرجوع إلى المبادئ الأولى.

لقد أراد من وراء ذلك العثور والتمسك "بالعروة الوثقى" أو عين اليقين الذي يمكن أن يعطي له حافز العمل أو قدوة المثال، أي البحث عن التطابق المثالي بين الحاضر والماضي، وبين التاريخ الملموس والمجرد المثالي، والعابر والدائم، أو وحدة الثنائيات والمتناقضات والمتضادات المنفية في المجرى العلمي - العملي. وذلك لأن الرجوع إلى المبادئ الأولية ليس رجوع المقلد الأعمى بل إرجاع الجوهري الحي. فالتاريخ الملموس كما استرعته التقاليد الإسلامية التي تمثلها الغزالي له حدوده الزمنية، والمعرفية، والأخلاقية، والحقوقية. إنه "مزرعة الاخرة"، أو الممر الضروري الذي وعت به مختلف الحركات والمدارس والشخصيات الإسلامية أسلوب وجودها ومعنى حياتها، مما حدد بالتالي مواقفها من مجرياته. فمأثرة الغزالي هنا تقوم في عدم بقائه أسيراً للصراعات الإسلامية اللاهوتية عن الجبر والاختيار وغيرها من معضلات اللاهوت التقليدي بل تعدى حدود الصراع الأشعري ــ المعتزلي إلى الميدان الأوسع والأعمق، أي ميدان القلب الذي يمكن أن تبرز فيه وتتعمق روابط الملك والملكوت والجبروت، والمعرفة والأخلاق، والعلم والعمل والحال، والفناء وفناء الفناء والبقاء. فهو الميدان الذي يمكن احتواء كل ظواهر الوجود، باعتبارها قضاياه الخاصة، ومن ثم النظر اليها بعين البصيرة والتفاعل معها بالهمة الواحدة. بمعنى النظر إليها من منطلق الوحدانية المطلقة التي يتطابق الرجوع فيها إلى المبادئ الأولية مع عملية الانتقال (السريان) من التاريخي إلى المطلق ومنه إلى الملموس. لهذا لم يعن رجوعه إلى مبادئ الأمة الأولية رجوعاً آلياً بسيطاً، بل عملية عميقة المضمون والمغزى استمدت قواها من طبيعة التآلف الفكري الذي غابت عناصره "المتناقضة" وراء وحدة الكلّ. وليست وحدة الكل هنا سوى الاصلاحية الدائمة أو ما دعاه الغزالي بتجديد السنة الدائمة"[3].

لم يكن هذا الرجوع سلفية جامدة مبسطة ومباشرة، بل كان استيعاباً جديداً بروح الإصلاحية العقلانية والأخلاقية المطلقة (الصوفية) لدراسة الواقع وتحديد مهلكاته ومنجياته. وهذا ما يبرز بوضوح على مثال موقفه من مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهو ينظر إلى هذا المبدأ نظرته إلى "قطب الدين الأعظم" و"الهمّ الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين". بل لو طوى بساطه، كما يقول الغزالي، "وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة"[4]. وهنا يشدد الغزالي على أن هذا التعبير يعكس شطح العبارة الصوفية في محاولاتها تذليل ضعف الهموم الخاصة تجاه الهموم الكبرى لأتباع الحق، أي كل ما له علاقة بقضايا الوجود الإنساني وإشكالاته الأخلاقية. فإذا كانت التقاليد الصوفية بدء من التستري قد وضعت فكرة "تعطيل النبوة" في اطار تصورتها عن "سرّ القدر"، فإن تحويرها في مواقف الغزالي العملية من الإرادة الأخلاقية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعكس الكيفية التي جرى من خلالها انكسار ووحدة الأبعاد العقلانية والصوفية في مجرى تطور آراءه عن الإصلاح والإحياء. وضمن هذا السياق يمكن فهم حقيقة موقفه النقدي من الواقع الذي يكشف كل ما فيه عن "إندراس علم وعمل القطب وانمحاق حقيقته ورسمه بالكلية"[5]، أي دلائل تمويت السنّة التي ينبغي "سد ثلمتها اما متكفلا بعملها أو متقلداً لتنفيذها مجدداً لهذه السنّة الدائرة"[6].

وسوف يعطي لفكرة "السنة الدائرة" معانيَ تتعدى حدود زمنها التأريخي الملموس لكي تربط في كل واحد الإصلاح الفردي بالاجتماعي ونقلها من عالم الأخلاق إلى السياسة وبالعكس. إن محاربة التقليد التي أدت في مجرى تطورها إلى خلخلة القناعة الذاتية وتحطيم أسسها المذهبية (الضيقة) كان لابد وأن تؤدي في حالة ملامستها الواقع الاجتماعي والسياسي إلى مواجهة مهمة التعامل معه بمعاييرها الخاصة. وإذا كان التاريخ المنصرم للإصلاحية الإسلامية التي كان نشاط النبي محمد مثالها النموذجي (المجرد والملموس) فإنها اتخذت عنده صيغة الربط الخفية فيما بينهما كصيرورة جديدة لما يمكن دعوته "بالروح المحمدي"، والتي ستحصل في وعي الذات الإصلاحي الإسلامي على أحد تعابيره المفارقة بكلمات: "لو كان بعد النبي نبيٌ لكان الغزالي"، و"كاد الإحياء أن يكون قرآناً".

ولايمكن استيعاب حقيقة المضمون التاريخي لهذه "الصلات" إلا في إطار فهم طبيعة العلاقة بين النموذجي والملموس في التقاليد الإسلامية التي شكلت فيها فكرة النبوة النموذج الأعلى للتمثيل الإنساني في الممارسة (الملموس). إن تحليل هذه الأفكار النموذجية في ثقافة الرمز الإسلامية تكشف عن تمركز وتجوهر الأفكار العقلانية في قالب الأحكام القيميية العليا. وبهذا تكون قد تجاوزت التصورات والأحكام اللاهوتية المباشرة في تعاملها مع رموز الدين الكبرى. فإمكانية الاقرار بوجود نبي بعد النبي محمد هو بحد ذاته "كفر". إلا أن ذلك لم يعق ترديده من جانب أكثر الشخصيات الإسلامية إسلاما وورعا. وينطبق هذا بدوره على مقارنة (الإحياء) بالقرآن. إننا نقف هنا أمام الظاهرة التاريخية الثقافية، التي تصبح فيها قيم الروح العليا مؤشرات نموذجية للاستمرار والتقدم. وفي الحالة المعنية لم تكن هذه الكلمات والمقارنات وليدة الصدفة بقدر ما أنها تعكس المضمون الجديد الذي ادخله الغزالي لعالم الخلافة في أسلوبه غير المباشر في التعامل مع تجربة الإسلام الروحية والفكرية في مجرى القرون الخمسة السابقة له. وهذا ما يفسر أيضا الأسباب التي اعاقت حتى أشد الفلاسفة عقلانية كالفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم من تجاوز القيمة المعرفية والعملية للنبوة ودورها النموذجي في كيان وكينونة الأمة الإسلامية.

 غير أن الغزالي لم ينظر إلى النبوة والنبي كرديف للفيلسوف الأفلاطوني أو الحكيم الارسطي أو مثيلاتها الإسلامية، بل نظر إليهما بروحية التقاليد الصوفية في مواقفها من العارف الكامل. ولم يقف هو هنا عند تخوم الأخلاقية الصوفية الصارمة وعزلتها المتسامية، بل حوّرها في الميدان الأكثر تعقيداً في تعامله مع الواقع، أي ميدان الروح الفعال أو الاصلاح الشامل، والذي يمكن لكل انسان تمثله وتحقيقه. لهذا كان بإمكانه أن يتخذ من شخصه مثال هذه العملية كحلقة في سلسلة "تجديد السنة الدائرة".

قد حاول الكشف عن ذلك في آواخر حياته عندما غادر عزلته راجعاً إلى حلبة الصراع، الذي لم يعد بالنسبة له مجرد رجوع عادي. لهذا لم ينظر إلى رجوعه للتدريس ونشر العلم كرجوع. فالرجوع كما يقول الغزالي هو عُوْد إلى ما كان بينما لا تكرار في الوجود كما سيردد ابن عربي لاحقاً معمقاً فكرة الغزالي ذاتها. فالرجوع ههنا هو شبيه "بالانحصار" بين الأبد والأزل، الذي تتحول فيه الذات الفاعلة بعد ادراكها حقيقة الوجود ومعنى الحياة إلى "قلب بين اصابع الرحمن". ولم تعن هذه الفكرة في آراء الغزالي سوى بلوغ تطابق الغاية والوسيلة في الذات وتذليل استقلالها النسبي في مجرى ووحدة المساعي الحرة. وشكلت هذه النتيجة الفكرية مقدمة القناعة الراسخة للعمل الإصلاحي. من هنا يمكن فهم سبب جعله الرجوع إلى التدريس الحافز الداخلي لكتابة (المنقذ). ولهذا ايضاً يمكن أن نفهم سبب تشديده على إن رجوعه للتدريس في نظامية نيسابور لم يكن رجوعاً عادياً أو بصورة أدق أنه ما رجع. إذ ان الرجوع هو عود إلى ما كان. وعندما يكون قد تغير مضمون كل ما يقوم به فإن مظهر الفعل (الرجوع والتدريس) يصبح هو الآخر مغايراً. اذ لم يعد الفعل (العلمي والتدريسي) بعد الآن نتاج اختياره الضروري بقدر ما انه اصبح تقلبا بين "أصابع الرحمن". ولم تعن هذه الفكرة في مضمونها الصوفي وفي حالة الغزالي بعد الخروج من العزلة سوى وحدة التطابق بين حقيقة الغاية والوسيلة، أو غياب الوسيلة كلياً وذوبانها في رؤية الغاية المتسامية. وعبّر عن هذه الحالة في كلماته القائلة بأن أمنيته وقصده في العمل (التدريس) لم يكن سوى "إصلاح النفس والغير"[7]. فقد شدد الغزالي متتبعا أثر الصوفية وتصوراتها عن سر الروح الاخلاقي. ولم يكن هذا المفهوم الصوفي عن سر الروح من وجهة النظر التاريخية والفكرية ذا بعد واحد. إذ كان هذا المفهوم نتاجا طبيعيا للفكرة الصوفية عن الظاهر والباطن. غير أن التصوف ذلل هذه الثنائية من خلال تأسيس الوحدة التامة والمرنة في علاقة الشريعة بالطريقة وثمرتها الخالصة في الحقيقة. لهذا كان بإمكانه القول بأن القلب لا يدخل في ولاية الفقيه، أو حسب عبارته ليس للفقيه ولاية على القلب، أي انه جرّد الروح الانساني (من ضمير ونية وأفكار وهواجس ووساوس وما شابه ذلك) من خضوعها للأحكام الفقهية للفقهاء. ومن الناحية التاريخية لم تكن هذه الافكار مجرد احتجاج مباشر ضد سلطان فقه السلطة الدينية والدنيوية بل واستمرار معقد لانكسار التصورات الصوفية عن الوحدانية ومبادئها العملية. وبالتالي لم تعد العبارة والكلمة والعمل سوى احد مظاهر وتجليات مستوى تمثل حقيقة الوحدانية في النفس، او وحدة الظاهر والباطن في الوهم والعقل والهواجس والخواطر والأعمال والأفعال، او وحدة الطريقة والشريعة في الحقيقة. وبهذا المعنى كان خروج الغزالي من العزلة فعلا معبر عن حاله لا غير. فهو لم يرجع من الحقيقة للعلم، ومن الطريقة للشريعة، وإلا لأدى ذلك، كما تقول المتصوفة، الى إفساد ارادته. فما هو جوهري في كل ذبك هو تذليل استقلال الظاهر والباطن، والغاية والوسيلة في وحدة الهّم. آنذاك لم يعد للفعل معنى خارج حقيقة السمو الاخلاقي والروحي. من هنا سطحية الاحكام القائلة بتذبذبه وانحرافه وزيغه وما شابه ذلك من احكام فيما يتعلق بسبب رجوعه للعلم والتدريس. فهي أحكام في اغلبها مبنية على الجهل بحقائق الفكرة الصوفية. وليس مصادفة أن يؤسس الغزالي لفكرة إصلاح النفس قبل إصلاح الغير، رغم ربطه الدائم بينهما.  

إن بلوغ الغزالي حالة "القطبية" قد افترضت تلقائية العمل بوحي "مشكاة النبوة" أو نورها المؤيد[8]. بصيغة اخرى، انه لم يعد يعمل إلا بعد مخاض الرؤية اليقينية لحقيقة المرمى. وبهذا ينبغي للعقل أن ينصهر كليا في لحمة المبادئ الأخلاقية المطلقة. فرجوعه إلى معاودة التدريس لم يكن فعلاً ارادياً من جانبه أو من جانب السلطان بل يصبح ذوبانا أو اندماجا خالصا للقضاء والقدر في ضرورة الإصلاح. إلا أن عقلانية الغزالي التي ساهمت في تشذيب الروح النقدي (والمناهض للتقليد) قد تعرضت هي ذاتها إلى تهذيب الشك المعرفي، الذي حالما يعثر على يقينه النهائي في الأخلاق فإنه يعطي بالضرورة لعناصر العقلانية هيئة السمو الروحي ونوازعه الوجدانية الباحثة في كل فعل عن معنى يتجاوز "الأنا" الفردية وكيانها البشري. وإذا كان الغزالي قد شدد مراراً على انه لا معنى لتجاوز بشرية الإنسان، فإن غلبة الافكار المطلقة قد قيدته في حريته الجديدة، أو حررته من قيوده "البشرية" بحيث جعلته ينظر إلى ما هو قائم من زاوية التأمل الكليّ لا من زاوية الانقضاض البهيمي، أي من منطلق الروح والحقيقة لا السياسة والمصلحة. فقد رأى هو اصناف الخلق كما يخبرنا في (المنقذ) وقد ضعف إيمانهم لأسباب يُجملها ببواعث فكرية واجتماعية وأخلاقية عديدة[9].لكنه يرى في الوقت نفسه استعداده النفسي أو ضغط عالم النفس في دعوتها لمهاجمة الفرق من جديد تحت أثر تجربته القديمة وتمكنه الهائل من الصراع ضدها. ذلك يعني أنه كان يتحسس على الدوام ويدرك الصلة الداخلية في تطوره واستمرارية البراهين العقلية والجدلية. إلا ان ما كان يقيده هو عالم النفس بإشعاعه الصوفي. فقد كان يعاني من ضغط عوالم المعرفة ومهمة الإصلاح ووسيلة تجسيده. وهو نفس الصراع الاجتماعي النفسي الأخلاقي بين الغاية والوسيلة الذي ادى في يوم ما إلى إثارة ازمته الروحية الأولى ومرضه النفسي. أما الآن فإن ذلك لم يؤد إلا إلى استثارة التأمل الحزين لما يجري.

لقد تعامل مع معضلات وانحطاط أمته بقدر عال من المسؤولية والاندماج الوجداني. فهو يتحسس عدم اغناء الخلوة والعزلة وقد "عمّ الداء ومرض الاطباء وأشرف الخلق على الهلاك"[10]. وفي الوقت نفسه نراه يواجه النفي الداخلي المستند إلى نفي عالم النفس في براهينه المضادة. فهو يحاور نفسه عن مدى انهماكه في كشف هذه الغمم ومصادمة هذه الظلمات والزمان زمن الركود والدور دور الباطل. أنه يدرك حقيقة الصدام وقوته الذي رغب وعزب عن أن يكون ضحيته المأساوية (المغامرة). لقد أدرك الشقة المثيرة لقلق العقل والضمير، التي يثيرها إدراك ما ينبغي القيام به وعدم توفر الظروف المناسبة لتحقيق ذلك. وقد صوّر كل خلجات ضميره الحرجة وحجج عقله الجدلية في (المنقذ) عندما كتب عن معاتبة نفسه بعبارة "فما تغنيك الخلوة والعزلة وقد عم الداء ومرض الاطباء واشرف الخلق على الهلاك"[11]. في حين رد عليها في نفسه على نفسه:"متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادمة هذه الظلمة، والزمان زمان الفترة والدور دور الباطل. ولو اشتغلت بدعوة الخلق عن طرقهم إلى الحق لعاداك أهل الزمان بأجمعهم. وأنى تقاومهم فكيف تعايشهم؟"[12]. واذا كان صراع النفس العقلية هي الصفة المميزة للمفكرين فلأنها تعكس ذلك التداخل القائم بين أحكام النطق المجردة ورغبات النفس. ومن الصعب تجاوز هذه الصلة اللامرئية بما في ذلك في الصيغ المجردة للفكر والتفكر دون السعي لتمثل الحقيقة الأخلاقية أو تلك التي سيدعوها لاحقاً بالمعرفة الحرة التي لا يقيدها قيد (المصلحة وأمثالها). وإذا كان الغزالي قد أبرز "عجزه" الفردي أمام واقع الركود ودور الباطل، فإنه أدرك في الوقت نفسه قوة عالمه الروحي. فقد استثار وما يزال "خمول" في الظروف العصيبة للخلافة ومأزقها السياسي وتعرضها للهجمات الخارجية على ردود لعل عديدة ومتنوعة في محاولاتها فهم حقيقة موقفه الصامت. وعادة ما يجري التطرق البها بعلامات الاستفهام والاستغراب والتعجب وما شابه ذلك تجاه موقفه الخامل من هجمات الصليبين على عكس هجومه الشرس ضد الإسماعيلية والإسماعيليين. وهو انتقاد له أساسه الفكري والأخلاقي والعقائدي. غير أن القضية أبعد وأعمق من ان يجري حصرها وتقيمها بمعايير المواقف السياسية والنفسية الظاهرية والمسطحة ومن منطلق "متطلبات الساعة". فالغزالي لم يسلك سلوك الجندي المقاتل أو السياسي الماكر أو المتملق والمتسلق الذليل في موقفه من احداث الساعة. لقد كان آنذاك مهموما بالبحث عن الأسباب الجوهرية التي ينبغي توجيه قواه البها من اجل استنهاض وتجديد قوة الأمة وجبروتها. إذ بين المفكر العظيم والسياسي المحنك بون لا يمكن تذليله وتباين لا يمكن القضاء عليه حتى في تلك الحالة التي يجسد فيها السياسي مقدرة المفكر والمفكر مقدرة السياسي. اما بالنسبة للغزالي فانه حاول تجسيد علاقة المفكر بالسياسة في الميدان الأكثر تعقيدا، أي ميدان إبداع وصيانة أسس ومبادئ المتانة الصلدة لقوة الفرد ومناعة الأمة في وحدتها الروحية والإخلاقية. لقد صاغ الغزالي أحد الأسس الكبرى التي ما زالت تمتلك قيمة هائلة لحد الآن، والقائل بأن إمكانيات التحدي والتصدي الناجح لأي عدوان خارجي يفترض استناده الواعي إلى فكرة الحق. بعبارة أخرى، لقد اكسبته عقلانية الفكر وواقعية التصور إدراك الصلة الممكنة والضرورية بين الإصلاح وأداته القائمة في قوة الفكر، كما نراه في عبارته القائلة:"ولا يتم ذلك إلا بزمان مساعد وسلطان متدين قاهر"[13].

وعندما يصور الغزالي جدل النفس والعقل في موقفه من الأمر السلطاني للتدريس في نيسابور، والذي رفضه مراراً فإنه لم يسع من وراء ذلك إلا للكشف عن التطابق والتوافق بين نضوجه اليقيني وإرادته المجردة للمساهمة في الإصلاح وبين الحركة الطوعية المنبعثة من أمر السلطان لدعوته للعمل. وقد اعطى له ذلك إمكانية الحكم على أن ما جرى لم يجر بإرادته الخاصة المقيدة بمطامع النفس و"مكر العقل"، بل بفعل السر الخفي في هذه الحركة التي ترافقت مع حلول القرن الجديد مما اعطى لها قيمة مطلقة. لكن هذه القيمة من حيث كونها فعلا لم تكن مقنعة بحد ذاتها كما هو الحال بالنسبة للسلوك الصوفي، الذي عادة ما يجري امتحانه الدقيق في عالم اليقظة والمنام، أي حالما تصبح القيمة واحدة في الوعي والوهم، وحالما تتحول إلى همّ واحد وغيب يدور وراء الحجج المادية للنفس، يعد تحوله إلى غاية اخلاقية صارمة كما كان حال النبي محمد.

غير أن التطابق بين شخصية الغزالي والنبي محمد في هذا المجال لم يكن تطابقا مضمونيا، بل تطابقاً معنويا. بمعنى انه استمد تصوراته من "نور مشكاة النبوة" في تقاليدها الصوفية. اضافة إلى تصادف الظاهرة التاريخية مع نهاية القرن الهجري التي جعلته يعتقد باستمراره المعنوي الحق في اتباع حقيقة النبوة وآثارها باعتبارها صراعاً من اجل الإصلاح.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن للثقافة التاريخية حدودها المقيدة. ومن الممكن تجاوز هذه القيود إلا أن من الصعب تهشيمها بصورة تامة، خصوصا إذا كانت هذه القيود تمثل في شفافيتها الروحية لمعان الأنوار المغرية. فقد أبدعت الثقافة الإسلامية أنوارها الخاصة شأن الثقافات الكونية الكبرى. لهذا من الصعب اتهامها أو وصفها "بالطفولة" و"الرعونة" في حال اتخاذ بعض مظاهرها هذا الطابع في أعين البصيرة المعاصرة. ولعل فكرة الدورة المئوية للإصلاح بتمثلها الفردي هو من بين نماذجها المتميزة. فإذا كانت الدورة المئوية قوية التأثير بما في ذلك في الزمن الحالي (بل وتبدو اشد تأثيرا بفعل الطابع الحسي للزمن المعاصر في الوعي والثقافة العالمية ككل)، فإن تجسيده الفردي لم يعد قضية مقلقة للوعي الاجتماعي أيا كان مستواه ونموذجه. وإذا كانت الثقافة الإسلامية قد ساهمت واختبرت بمعايير العقائد في مجرى القرون السابقة للغزالي السر المجهول والساحر لفكرة الانبعاث المئوي، فإن ذلك لا يحتوي اطلاقا على ما يمكنه أن يكون نقيصة أو سذاجة للوعي بما في ذلك النظري، بقدر ما انه يعكس أحد ملامح رؤية التقدم والتجديد في الأصالة الثقافية من حيث رؤية ارتباطها بإرثها الخاص. فقد كان العالم آنذاك واسعا بمعايير المكان والزمان، لكنه ضيقا بمعايير النظر الى الله. فالمساحات الشاسعة والأبعاد الزمنية تتضاءل إلى اقصى درجة أمام الملحمة الخاطفة "للرحمة الإلهية" في ثوابها وعقابها. وقد اعطى ذلك للوعي النظري والعادي قيمة روحية في تأمل دوراته السنوية. لقد وجد فيها صيغة لتحدد الحياة وانبعاثها وإحيائها، أي على خلاف العالم المعاصر الذي أصبح ضيقا في الزمان والمكان وواسعا وبعيدا في نظراته الى الله. لقد اصبح كل شيء بالنسبة له لا متناه مما خلّصه منة عقدة تأمل وملاحظة ما بعد الموت. بمعنى انه افتقد لسحر الملحمة الخاطفة لوعي الوحدة. فهو يعيش اللامتناهي في تناهيه الشعوري. من هنا كان الزمن في "دورته" مجرد استعادة جديدة للمشاكل ومقدمة الحلول، وعتبة وعقبة على طريق مليء بالمستجدات.

 ونعثر على كافة هذه الجوانب والقضايا في استشهاداته وتأويله للآيات القرآنية المنبعثة من قناعة الروح الأخلاقي مثل "أحسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا الذين قبلهم"، أي الدعوة للتحدي التي تعي مهمتها استنادا إلى الالهام (الصوفي) لا إلى عوالم الظواهر الخارجية. فهو يظهر في استيعابه للآية بوصفه جزء من الأمة التي لا يمكن ترك مصيرها عرضة للزلل دون أن يتحمل بذلك مسؤولية أمام الله. وهذه بدورها ليست إلا وحدة الإيمان والعمل. وإلا فلا معنى للإيمان ولا قيمة للعمل. تلك الفكرة التي وجد استمرارها في مثال الدعوة القرآنية للنبي محمد في صراعه كما هو موجود في الآية "لقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا حتى اتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله". فالمثال النبوي يتحول في وعيه إلى مثاله الخاص. آنذاك لم يعد بحاجة إلا لقناعة اليقين التي وجد رؤيتها في الآية "انما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب". حينذاك يتخذ النشاط اسم الحق (المطلق) لأنه من تدبيره. أما في الواقع فإن هذه التصورات لم تكن سوى نتاج تقاليد الإسلام الإصلاحية التي بلورتها قرون عديدة. بحيث اتخذت في أحد نماذجها الخلابة هيئة التجديد المئوي بإرجاعها إلى لسان النبي محمد من أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة عام من يجدد لها دينها.

وقد اتخذت حياة الغزالي في الكثير من انعطافاتها صيغة التطابق الظاهري مع الشخصية النبوية لمحمد. فهو ايضاً انتقل في الأربعين من العمر إلى عالم "مشكاة النبوة". فعند النبي محمد بداية النبوة وعند الغزالي بداية العزلة ومهمة الإحياء. وإذا كان التطور التاريخي من الناحية الزمنية قد دفع خروجه للإصلاح عند تخوم القرنين الخامس ـ السادس الهجري فإن التطابق الظاهري بين شخصيته وشخصية النبي محمد قد ولّدت في وعيه إمكانية انصهار الابعاد التاريخية والميتافيزيقية إلى الدرجة التي وجد فيها نفسه ممثل الإصلاح والمجدد للأمة دينها.

لكن ما يميز الغزالي هنا هو كونه ذاته نتاجاً للتقاليد الاجتماعية السياسية والروحية للخلافة التي طابقت في شخصيته فكرة وأهمية الأربعين والمائة. ومن الخطأ البحث في آرائه وسلوكه عما يوحي باستلابه أمام قوة الكلمة أو خضوعه الأعمى للتعاليم الدينية اياً كان مصدرها، بقدر ما كان للتطابق الظاهري مقدماته الفعلية في صيرورة الأنا المجددة التي اختزلت وحدة تطوره (الغزالي) المعرفي والأخلاقي على خلفية التصوف الإسلامي. فالتقاليد هي مقدمة النشاط. لهذا لم ير الغزالي في عودته للتدريس سوى بداية تطبيق الوعد القائل بضرورة التجديد المئوية التي وقعت على عاتقه نهاية 499 ـ بداية 500 هجرية. فالعمل الإصلاحي لم يعد فعلاً طارئاً ولا حتى سعياً ذاتياً محضاً بل فعلاً خلاّقاً يعي ارتباطه بالوجود من خلال الله. فهو لم يعط للإصلاح فعل الحركة التنويرية الظاهرية أو التأثير المباشر أو الانقلاب الحاسم في الوجود الاجتماعي التاريخي، بل فعل السعي الحثيث لبلوغ التطابق الحق بين النية والفعل، والغاية والوسيلة، والباطن والظاهر، والحقيقة والشريعة، اي تذليل كل التناقضات الممكنة في طريق السمو الذاتي، باعتباره الأسلوب الأعمق للإصلاح الحقيقي.

وقد استندت فكرته عن الإصلاح الشامل إلى نظراته في المعرفة والوجود وضرورة وحدة المعرفة والتخلق بأخلاق الله (المطلقة)، أي نظريته عن وحدة الكون ووحدانية الله. لهذا وجد في كل حياته من دخوله بغداد حتى خروجه منها، ومن دخوله العزلة حتى خروجه منها، حلقات في مجرى "الرحمة الإلهية". وليس هو نفسه بالتالي سوى "قلب بين أصابع الرحمن" يحركه كيفما يشاء. ومن ثم فمن الخطأ البحث في هذه الفكرة عن هيمنة الجبرية المفرطة في وعي الذات عند الغزالي. فبين الجبرية كفعل ازلي مخطط له وبين وعي الذات في جبرية الوجود بون شاسع. وقد سار الغزالي في الاتجاه الثاني دون ان يفتقد روح التفاؤل التي سيظهرها لاحقا في موقفه القائل "ليس بالإمكان إبداع أفضل مما كان" دون ان يقيد لا تناهي المممكنات. وفيما بين هذه المتناقضات ظهر وتبلور تآلفه الفكري كمحاولة لرؤية العلاقة بين الوجود والمثال، بوصفهما كلا واحد. مما اعطى لآرائه حتى في اشدها تجريدية مهمة كشف الحقائق لذوي البصيرة، أي إننا نقف أمام احدى المعضلات الجوهرية للوعي الفلسفي ألا وهي قضية وحدة الإصلاح والحقيقة، وللوعي السياسي الاخلاقي بوصفها قضية موقع الإنسان في الكون ومعنى الحياة ومبادئ السلوك والقيم، أي كل ما طبع آراءه ومواقفه من قضايا ومعضلات الأمة الإسلامية وثقافتها.

لقد سعى الغزالي لإبداع نظرية تتجاوز الطابع التقليدي وتلفيقية الحلول السائدة في عصره، من خلال إبراز مقياس ومحك الإخلاص الإنساني. ولم تكن هذه المهمة والغاية سهلة الحل. فالمحاولات العديدة التي بذلها الفكر والمفكرون القدماء لم تتجاوز جزئية الإصلاح في ميادين الاختصاص على عكس الغزالي الذي حاول ربط الإصلاح بمصير الإنسان وكينونته الأخلاقية. وقد اثار ذلك الكثير من المعضلات الفكرية أمامه في مختلف ميادين المعرفة والأخلاق العملية، أي المحاولة التي وضعت نصب اعينها مهمة ايجاد الوحدة الايجابية الفاعلة كما وعاها الغزالي في ثقافة القرون الخمسة السابقة بربط مصادرها الفكرية وعصارتها الذهنية من اجل ابداع تآلف فكري مقبول لطبقات الأمة كل بمستوى فهمه وإدراكه. بمعنى حدة الخاصة والعامة، والباطن والظاهر، والمطلق والنسبي، والعقل والنقل، والحقيقة والشريعة، والتي ظلت تحمل في بعض جوانبها نسبية الموازاة التي لم يذللها فكريا احد آنذاك سوى ابن عربي. فقد انطلق ابن عربي في بدايته من نهاية التجربة الحية للموتى. فما ظهر في (الإحياء) كإحياء لما مات سيظهر في (الفتوحات) كنظرة في الغيب وكوحدة للحي الذي لا يموت. ولربما شكلت كلمات الغزالي في نزعه الأخير: الاخلاص! الاخلاص! التعبير الذاتي الواقف أمام هوة المطلق. وقد سبق له وإن شرح نزعه الاخير في (الإحياء) بعبارة تقول "إن الإخلاص هو مساعدة الحال للمقال، أي أن يكون المرء من أهل لا إله الا الله حالا ومقالا ظاهرا وباطنا حتى يودع الدنيا"[14]. وقد سلك الغزالي حسب هذه الوصية حتى لحظاته الأخيرة. انه وعى مصيره قبل موته بزمن طويل دون أن يفرض مثاله على الآخرين.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.....................................

[1] الغزالي: الإحياء، ج1، ص38.

[2] الغزالي: ميزان العمل، ص16.

[3] الغزالي: الإحياء، ج2، ص306.

[4] الغزالي: الإحياء، ج2، ص306.

[5] الغزالي: الاحياء، ج2، ص306.

[6] الغزالي: الاحياء، ج2، ص306.

[7] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص160.

[8] استعمل هنا مفهوم القطبية بما يتوافق مع معنى الحقيقة الصوفية، أي انه يتطابق مع ما هو مميز للطريقة الصوفية التي تعطي للقطب والقطبية مقامها الخاص في الكيان والكينونة الصوفية والوجود أيضا. ومع انه تناول في أعماله الصوفية فكرة القطب في مجرى تأملاته وتأسيسه لمعنى وحقيقة ونموذج الإنسان الكامل، إلا انه لم يتطرق الى هذا اللقب حوله نفسه، شأن بعض كبار الصوفية. لكنه وعى أو تعامل مع نفسه بوصفه مجددا على رأس المائة السادسة للهجرة. ومن الممكن احتمال تضّمن هذه الحالة على معنى القطب والقطبية، أو انها الوحدة الجديدة للمصلح النبوي (الفلسفي العقلاني) والقطب الصوفي. ووجد ذلك انعكاسه فيما بعد في اقوال ومواقف بعض كبار الصوفية. فقد وصفه ابو الحسن الشاذلي بعبارة "حبر الأمة" الذي باهى به النبي محمد انبياء اليهود والنصارى (موسى وعيسى). بينما شهد له تلميذه ابو العباس المرسي بالصديقية العظمى (السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج4، ص134).

[9] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص154-156.

[10] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157.

[11] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157.

[12] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157-158.

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص157-158.

[14] الغزالي: الإحياء، ج1، ص303.