جواد بشارةفرضية ريمان هي إحدى سبع مشاكل عويصة يتعذر حلها في الرياضيات من أكثر من قرن. وهذه المعادلة التي نشرها بيرنهارد ريمان Bernhard Riemann (1826–1866) سنة 1859 هي من الغرابة والصعوبة بمكان جعلت البعض من العلماء يطلق عليها مازحاً صفة " معادلة الله l’équation Dieu" أو الشفرة السرية للكون المرئي le code secret de l’univers، وتقترن بها أيضاً دالة زيتا لريمان fonction zêta de Riemann .  ولقد حاول فطاحل علماء الرياضيات وعلماء الكونيات وعلماء الفلك متضافرين حلها ولم ينجح أحد في ذلك لغاية اليوم والظريف أن مؤسسة كلي للرياضيات la Fondation Clay pour les mathématiques رصدت جائزة مليون دولار لمن يحلها. ومن المؤكد أن حلها من شأنه أن يجعلنا أن نفهم حقيقة الكون المرئي وربما الجواب العلمي القاطع عن وجود أو عدم وجود " الله" فهي أعقد وأكبر من أن تعرف.

1042 شفرة الخلق

وبهذا الصدد تحضرني حادثة تاريخية في التراث الإسلامي تقول أن الإمام علي مر بالقرب من شخص يصلي وفي تكبيرة الآذان يردد الله أكبر من كل شيء، فرد عليه الإمام علي ويحك لقد شيئته وهذا كفر فقولك الله أكبر من كل شيء يعني أن هناك أشياء والله أكبر منها فهو إذن شيء أكبر من الأشياء، فعقب المصلي وماذا أقول يا أمير المؤمنين، رد الإمام علي قل الله أكبر من أن يعرف ـــ بضم العين ــ فكل شيء محسوب بدقة في الكون المرئي لا مكان للصدفة في وجود هذا الكون كما يقول رجال الدين، وأن هناك شيء ما قبل البغ بانغ الانفجار العظيم الذي عد بمثابة البداية العلمية للكون المرئي وإن هذا الـــ " شيء ما" قد يكون معادلة رياضياتية على شكل معلومة حاسوبية أو كود سري " شفرة سرية" تختزن كل ما هو موجود في الكون المرئي المادي قبل انبثاقه مادياً وهذه الشيفرة تتواجد وراء جدار بلانك. فحسب نظرية التعاقب الكوني يصل الكون إلى مرحلة من التوسع يتوقف عندها ومن ثم يبدأ بالانكماش والتقلص إلى النقطة التي انطلق منها والتي تعرف بالفرادة الكونية ومن ثم يبدأ عندها الانفجار العظيم، وهذا دواليك، وبالتالي تتضمن الفرادة المعلومة الحاسوبية الكاملة عن الكون السابق بكل حساباته ومقاييسه وثوابته وقوانينه ومعادلاته لكنها مشفرة في كود سري، وبهذا الصدد كان العالم الفيزيائي هانز باغيل Heinz Pagels قد صرح " أعتقد بأن الكون المرئي عبارة عن رسالة مشفرة، أي كود سري أو شيفرة سرية وإن عمل العلماء يتخلص بفك أسرار هذه الشيفرة". فهي الشيفرة المصدر le code-source لكل ما هو موجود مادياً من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر. فالرياضيات هي التي ستوصلنا إلى الشيفرة الخفية والمصدر اللغزي للكون المرئي. ولقد علق ريمان على ذلك قائلاً " لو أمتلكت ناصية كافة النظريات والفرضيات لكان بإمكاني ربما ببساطة أن أكتشف الأدلة والبراهين والإثباتات بشأن الحقيقة " أي حقيقة الله وحقيقة الكون المرئي. فدالة زيتا هي التي قد تقودنا إلى فرضية الله ومعرفة ما إذا كانت الفرضية لازمة وحتمية أم زائدة.

للخروج من مأزق التناقضات والمفارقات والألغاز التي تحيط بالكون المرئي، وفي نفس الوقت بمفهوم الإله الخالق لهذا الكون المرئي، ينبغي إيجاد الصيغة البديلة المقبولة علمياً ودينياً.

ومن أبرز تلك المفارقات موضوع الصفات . فإله الأديان هو كائن حي عاقل يوصف عادة بأنه كلي المعرفة وكلي القدرة وكلي العلم ويتمتع بالكمال. وكان موضوع الصفات متداولاً بين رجال الدين والفلاسفة في الماضي منذ نشأة الأديان التوحيدية السماوية وموضوعاً للسجالات الكلامية والفلسفية بينهم، فلو كان كلي القدرة فهل بوسعه خلق شيء أثقل من أن يتمكن هو نفسه رفعه؟ وهل كان مرغماً على خلق الكون رغم معرفته المسبقة بعدم كمالية هذا الكون؟ وماذا كان يفعل قبل خلق الكون؟ وإذا كان يعلم بكل شيء في الوجود قبل خلقه وحاضره ومستقبله فلماذا لم يتجنب السلبيات فيه وهي لا تعد ولا تحصى؟ وهل عملية الخلق تمت وفق السيناريو الديني الذي نصت عليه النصوص والكتب المقدسة لا سيما في سفر التكوين أي خلق العالم في ستة أيام، أو بطريقة كن فيكون لحظياً؟ وهو الأمر الذي يتعارض كلياً مع السيناريو العلمي المتعارف عليه عن نشأة الكون المرئي قبل 13.828 مليار سنة إثر حدوث الإنفجار العظيم البغ بانغ؟ وهل الله الديني يتجسد في كينونة مادية كما تقول المسيحية؟ وهل يمتلك مشاعر الشهوة والحقد والغيرة والانتقام والمكر والخوف والإحباط والخيبة واليأس وهي صفات بشرية بالأساس؟ وماهو جنس الله، هل هو ذكر أم أنثى؟ وهل سيرى الناس الله يوم القيامة؟ وهناك أسئلة جوهرية أخرى كثيرة من قبيل كيف ولماذا وأين ومتى، خلق الله الكون، ولم يجد لها البشر أجوبة شافية ووافية وقاطعة ومقنعة وناجعة؟.

نفس التساؤلات والمفارقات والتناقضات تحوم حول الكون ذاتي النشأة وغير المخلوق، من قبيل: من أين جاءت قوانينه وثوابته وقياساته وذلك التنظيم الهائل والدقيق في مكوناته؟ وما سبب حدوث الانفجار العظيم ؟

سبق للمتصوفة في الدين اليهودي الكابالا، وفي الإسلام أيضاً، أن تحدثوا عن " وحدة الوجود" والتي يمكن استلهامها علمياً إذا اعتبرنا أن الوجود برمته هو الموجود الوحيد ولا شيء غيره موجود، وهو المطلق الوحيدة وكل شيء آخر نسبي. والمقصود بالوجود هنا الكون المطلق المكون من عدد لانهائي من الأكوان ومن بينها كوننا المرئي، حسب أطروحة تعدد الأكوان. وكل كون جزئي فيه، في حالة تجدد وتعاقب في وجوده، بين الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وفي حركة دائبة ودائمة. وتلك الأكوان اللامتناهية تشكل نسيج الكون المطلق الذي ليس له بداية ولا نهاية، أزلي، أبدي، سرمدي، لا متناهي في أبعاده، لم يخلقه أحد ولم يخلق أحداً وكل ما هو موجود جزء منه كمثل مكونات وخلايا الجسد البشري حيث لكل مكون وظيفة معينة ومحددة لكي تبقي جسد الإنسان حياً متعافياً وفي حالة تطور دائم يسعى نحو الكمال والتسامي، لأن الكل المطلق حي متسامي، وهي نفس الصفات التي تطلقها الأديان على الله وبالتالي تكون المعادلة أن الكون المطلق هو الله ولكنه لا يقوم بأفعال وتصرفات أضفتها عليه الأديان كالعقاب والثواب والجنة والنار ويوم الحساب أو القيامة والتدخل في شؤون الكائنات في كل صغيرة وكبيرة. فكل الأكوان المرئية والخفية، وبكل ما فيها من مكونات وجسيمات هي خلايا وجسيمات ومكونات أولية لوجوده إذ هو الموجود الوحيد وهو الوجود الذي نحن جزء منه، وهذا ما قصده الحلاج الشهيد عندما صرخ " أنا الحق" .

 

د. جواد بشارة

 

 

جواد بشارةكثيرا ما نسمع رجال الدين يدينون ويعاقبون أشخاصاً بتهمة المس بالذات الإلهية، وعندما يوجه لهم سؤال، ما هي الذات الإلهية؟ وهل الله ذات؟ وهل الله كينونة؟ يعجزون عن الإجابة.

تصدى الكثير من علماء الدين والثيولوجيين والفلاسفة لمناقشة مفهوم" الله" ودخلوا في سجالات حادة ومعارك حامية مع " الملحدين" لدحض أطروحاتهم عن غياب الدليل القاطع عن وجود " الله" وإثباته علمياً وليس فقط من خلال المراوغات الكلامية والتلاعب بالمنطق إلا أن أياً من الخصمين لم ينجح في إثبات نظريته وأطروحته، لا في النفي ولا في الإثبات.

في سنة 1963 نشر العالم الفيزيائي الشهير بول ديراك Paul Dirac نصاً قال فيه: أن الله عالم رياضيات من الطراز الأول واستخدم الرياضيات المتقدمة جداً لكي يبني على أساسها الكون المرئي، ووافق على إن الطبيعة صيغت بلغة الرياضيات كما قال غاليلو غاليله". ومن هنا خرجت " فرضية اللهl’hypothèse Dieu " و" معادلة الله l’équation Dieu" كعلة أولى وسبب أول للتكوين. وهذا يحيلنا لحدث مشهور يعود لسنة 1805 عندما قدم العالم الفرنسي بيير سيمون لابلاس pierre simon de laplace لنابليون الأول المجلد الرابع من دراسته العلمية المعنونة " بحث في الميكانيك السماوي Traité de mécanique céleste، التي أعجب بها الإمبراطور لكنه أردف معلقاً:" أيها العالم الجليل لقد شرحت كل شيء عن الكون لكنني لم أر مكاناً أو دوراً لــ "الله" الخالق، أجاب لابلاس بأدب:" سيدي الله مجرد فرضية لست بحاجة إليها". فلماذا لايكون الله مجرد فرضية رياضياتية؟ أو معادلة رياضياتية فحسب؟ أو حتى مجرد معلومة حاسوبية رقمية بصيغة معادلة كونية تفسر وجود الكون المرئي؟

لم يكن تناول موضع الله والربوبية وماهية الإله في العصور الأولى للأديان السماوية ممنوعاً أو محرماً ففي الإسلام على سبيل المثال لا الحصر، تعرض علم الكلام لهذه المسائل الحساسة بحرية وجرأة، مثل التجسيد والتشبيه والغضب والكره والانتقام والمكر وغيرها من الصفات التي أضفيت على الله في نصوص دينية وردت في القرآن والأحاديث النبوية وكذلك في كتب الأديان السماوية الأخرى كاليهودية والمسيحية، كانت تناقش وتفسر وتأول من قبل علماء الدين والفلاسفة المتدينين، وكذلك إشكالية التقديس ونفي الصفات والاتجاهات فالله لدى الكثير من علماء الكلام منزه عن الاختصاص بالجهات والإتصاف بصفات المحدثات كالتحول والانتقال والقيام والقعود أو الجلوس، مثل نص "ثم استوى على العرش"، أو نفي الشيئية عنه، كما في نص" وليس كمثله شيء" فكل من زعم أن " الله في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك" كما قال الإمام جعفر الصادق. أما الإمام علي فقال" إن ربي لا يوصف بالبعد وهو قريب ولا بالحركة وبقيام ولا انتصاب ولا مجيء ولا ذهاب " فالله في هذه لنصوص لا يحدد بمكان ولا بزمان ولا بهيئة ولا بصفة ولا بمقارنة ولا بحدوث، فهو ليس له وجه ويدين وفوقية ونزول وحركة وانتقال وتجسد . فالموضوعات الإلهية كانت متداولة وتناقش بحرية لارتباطها بمسألة حدوث العالم وخلقه والكون ومنشأه وأصله ومصيره وبالتالي نفي صفة القدم والأزلية عن الكون . فالقديم الذي لم يزل والمتقدم في الوجود على غيره من الموجودات ليس سوى موجد الوجود كما يقول المتصوفة.فالله عند بعض المتكلمين " جوهر substance" وليس " جسم أو كينونة" فلهذا الأخير حيز هو المكان والله لا يحده مكان . يقسم الفارابي الموجودات على نوعين: ممكنة الوجود وواجبة الوجود . فالأول يرتبط وجوده بغيره والثاني يكون وجوده بذاته، وهنا تبرز المعضلة: هل الله ذات وماهي الذات الإلهية؟ وهل الله كله خير؟ وبالتالي ما هو منشأ الشر؟ إذ قيل إنه " الشيطان" فهذا الأخير مخلوق من قبل الله وبالتالي فإن الله هو من غرز فيه نزعة الشر أي إن الله هو المسؤول عن الشر إن لم يكن مصدره المباشر.

كان طرح سؤال: هل الله موجود" مسموحاً به في بدايات الدعوات الدينية، وكان الأنبياء يواجهون تحدي إثبات وجود إلههم الذي يتلقون منه الوحي، لكنه غدا جريمة لا تغتفر على مر التاريخ ومن يطرحه يستحق الموت وبأبشع الطرق وأكثر قسوة ووحشية تنفها المؤسسات الدينية أو السياسية التابعة لها ضد من يتجرأ على طرحه.

الله: بورتريه تجريدية

لقد شوهت عبارة الله أكبر وأصبحت كناية للرعب والجريمة والعنف والإرهاب والوحشية والبطش والقتل بإسم الله الذي أورد في نصوصه المقدسة للأديان التنزيلية السماوية آيات في القتل والتدمير والإبادة والعنف، ولكن هل صحيح أن تلك النصوص تنطق عن الله وهو الذي أرسلها ؟ النصوص الدينية تعمل، من حيث وعت أم لم تع ذلك، على تجسيد وشخصنة الله وتشبيهه بالبشر على اعتبار أنه خلقهم على صورته، فهو مثلهم يغار ويغضب ويفرح ويغضب وينتقم ويعطف ويسامح ويعفو ويكافيء وبيده العقاب والثواب.

فمن هو هذا الله؟ ما هي صفاته؟ ما هي طبيعته؟ ما هي ماهيته؟ ما هو جوهره؟ ما هو دوره؟ هل هو كينونة موجودة في المكان والزمان، أم خارج الزمان والمكان؟ أين يتواجد، وهل هو موجود حقاً؟ متى ظهرت فكرة الإلوهية ولماذا ؟ من الذي ابتكر فكرة الإله الواحد، الأعلى المتسامي الخالق الخالد القادر على كل شيء؟ هل هم اليهود؟ هل هو مذكر أم مؤنث؟ هل يعلم كل ما كان ويكون وسيكون؟ أي يحيط بعلمه الماضي مهما قدم، والحاضر والمستقبل مهما بعد؟ هل إله اليهود والمسيحيين والمسلمين هو نفس الإله وإن اختلفت التسمية؟ ما علاقة إله الأديان التوحيدية بمجمع الآلهة القديمة في عصر الحضارات الأولى السومرية والأكدية والآشورية والبابلية، والفرعونية والإغريقية والهندية والصينية والفارسية؟ من كتب الكتب والنصوص المقدسة التي تحدث عن يهوه والإلوهيم والرب ذو الأقانيم الثلاثة والله الإسلامي؟ ماهي الأوصاف التي أسبغتها الأديان على الله وأسبغتها الفلسفة الربوبية وأخيراً العلم؟ الخ... هناك أسئلة لا تنتهي بخصوص الإله (الله) المطلق الذي أوجد الوجود وعبرت عنه نظرية وحدة الوجود الصوفية. في الحقيقة هناك شبه استحالة للإجابة على أي من هذه الأسئلة على نحو قاطع ومثبت ومبرهن لا يمكن دحضها. فــ " الله" لغز غامض حتى لمن يؤمن به، فما بالك بمن ينكر وجوده.

ظهر الإله Dieu متأخراً في تاريخ البشرية . فالإنسان الموجود على الأرض منذ عدة ملايين من السنين لم يكن يمتلك فكرة واضحة ودقيقة عن شيء أو كينونة تدعى " الله أو الرب أو الخالق" ومن الناحية العلمية تشير التنقيبات الأثرية الآركيولوجية أن أول تمثل لفكرة الإلوهية ظهر قبل حوالي عشرة آلاف سنة . كانت هناك ربات أنثوية déesses سبقت ظهور الإله، أو الآلهة. أما الإله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد، كما يقول المسلمون، والذي يعبد في أركان الأرض اليوم، بفضل الأديان التوحيدية الثلاثة الرئيسية، اليهودية والمسيحية والإسلام، فقد ظهر متأخراً . وأول فكرة توحيدية كانت قد تبلورت في زمن الفراعنة في مصر في القرن الرابع عشر قبل الميلاد تحت حكم الفرعون أمنحتب الرابع Amenhoteb، الذي غير إسمه إلى " أخناتونAkhénaton " إشارة إلى عبادة إله الشمس والذي فرضه الفرعون كإله وحيد " آتون Aton " لكن عبادة الآلهة المتعددة سرعان ما عادت بعد وفاة الفرعون آخناتون، واحتاج الأمر انتظار منتصف الألف الأول قبل الميلاد كي تختبر الديانة التوحيدية في إسرائيل من خلال عبادة يهوه Yahvé، وفي بلاد فارس من خلال عبادة آهورا مازدا Ahura Mazda. فالأقوام البدائية في حقبة ماقبل التاريخ لم يعرفوا مفهوم الإله أو الآلهة . فلا توجد آثار آركيولوجية أحفورية أثرية عن الدين الذي يسير حياة البشر آنذاك. وهي الحقبة التي سبقت التحول العصر الحجري الحديث Néolithique قبل حوالي إثني عشر ألف عام عندما بدأ أسلافنا بالتوطين والاستقرار في بقع أرضية وتأسيس تجمعات على هيئة قرى، تطورت فيما بعد إلى مدن، ولكن توجد بعض المؤشرات التي تسمح لنا بتصور ما عن وجود معتقدات يمكن أن نسميها " دينية" لدى إنسان ماقبل التاريخ. أهم تلك المؤشرات طقوس الموت . ففي وقت ما بدأ البشر بممارسة طقوس تصاحب الموت الأمر الذي لم يقم به باقي الكائنات الحية، وقد عثر على أقدم قبر في فلسطين يعود تاريخه إلى حوالي المائة ألف عام. الهومو سابين Homo Sapiens الإنسان الحديث المنتصب كان يضع جثث موتاه في وضع الجنين في اللحد وبعناية فائقة ويغطيهم باللون الأحمر قبل دفنهم وبجانبهم بعض الأدوات البدائية التي كانوا يستعملونها في الصيد لأنهم ربما كانوا يعتقدون أن أمواتهم سيعودون للحياة وسيحتاجون لتلك الأدوات، وهو تفكير رمزي كان يميز البشر عن باقي الكائنات الحية. فتلك الألوان وتلك الأدوات والأسلحة البدائية، ما هي إلا رموز لاعتقاد أو معتقد بدائي لدى البشر عن ما بعد الموت لكننا لا نستطيع إثبات ذلك.

في البدء كانت هناك الآلهة الإنثوية وفي السبعة آلاف سنة قبل الميلاد ظهرت في الأناضول منصات للقرابين ذات طابع ديني تجرى أمامها مراسم وطقوس دينية بدائية وعليها رسومات لربات تلدن ثيران ثم انتشرت في منطقة المتوسط وفي الهند ايضاً حيث سادت عبادة الربة ــ الأم الكبرى culte de la Grande Déesse – Déesse-Mère التي تمنح الحياة ورمز الخصوبة في الطبيعة بجانب الثور رمز الذكورية والملفت للنظر أن الثور كان دائماً خاضعاً ومستسلماً للربة الأم الأنثوية فهو في وضع أدنى، كما يظهر ذلك بوضوح في الرسومات والتخطيطات التي عثر عليها في التنقيبات الأثرية في منطقة الأناضول وفي بعض مناطق الهند.

لم يكن العبرانيون أول من اختلق فكرة التوحيد كما ورد في كتاب عالم اللغويات والأنثروبولوجيا والمبشر الكاثوليكي فلهيلم شميدت Wilhelm Schmidt في كتابه " أصل فكرة الإله L’Origine de l’idée de Dieu" الصادر سنة 1912 فإنسان ما قبل التاريخ عبد إلهاً واحداً قريب منه داخل الطبيعة وأتخذ أشكال وهيئات مختلفة، قبل أن يبتعد عنه ويغدو مفهوماً تجريدياً ليترك مكانه لآلهة وآلهات متعددة مذكرة ومؤنثة، ومن ثم عاد من جديد في النصوص العبرية أو اليهودية القديمة . ولقد سبق أن طرحت هذه الفكرة، فكرة الانعزال والابتعاد عند إله وادي الرافدين ـــ ميزوبوتاميا، وهو الإله " آنو Anu وبسبب إحاطته بعدد كبير من الآلهة الثانوية المذكرة والمؤنثة حيث نساه البشر وبعد ذلك جاءت تجربة التوحيد اليتيمة الوحيدة في عهد الفرعون توت عنخ امون ولكن بعد موته عاد الناس للتعدد الإلهي بضغط من رهبان الإله آمون Amon ويعتقد أن هذه التجربة أثرت في "موسى" حيث لجأ هو الآخر إلى الإله الواحد المتعالي الذي عبده أجداده من آدم ونوح مروراً بإبراهيم وإسحق الذي أصبح اسمه إسرائيل وإسماعيل ويعقوب والأسباط الإثني عشر الذين أوجدوا القبائل الإثني عشر اليهودية أو العبرية وكان كتاب التوراة اليهودي هو أول من تحدث بالنص عن الإله الواحد، وهو كتاب تم بتجميع خليط من الأساطير والخرافات والسرديات التاريخية لأحداث متخيلة أو مستوحاة من أساطير وخرافات لحضارات قديمة ونصوص وحكم وتنبؤات وقصائد وأدعية وصلوات وترانيم، وتخبرنا الأبحاث التاريخية المعاصرة أن العهد القديم أو التوراة La Bible دون في القرن السابع قبل الميلاد اعتماداً على تراث شفهي ما يجعل حقيقة أبطاله وشخصياته تاريخياً مشكوك فيها وهذا ينطبق على نوح وإبراهيم ــ آبراهام، وموسى نفسه . هناك إشارة تاريخية لمملكة إسرائيل في عهد الفرعون مينبتاح Méneptah حوالي 1200 قبل الميلاد ورد فيها " أن إسرائيل محيت ودمرت ولم يعد فيها بذرة semence. وهناك نص آرامي في القرن التاسع قبل الميلاد ورد فيها ذكر لــ " بيت داود يشهد بوجود مملكة داود حوالي القرن العشر قبل الميلاد. وهي ليس مملكة بالمعنى الحقيقي وإنما شبه مدينة أقرب للقرية منها لحاضرة متطورة ولا يوجد آثر للمعبد الكبير الذي شيده الملك سليمان Salamon إبن دافيد David ــ داود . أشاع اليهود أن التوراة هو كلام الله لكن المنتقدين والمعارضين لهذا الطرح رغم إيمانهم وتدينهم يقولون أنه الله لم يكتبه أو يمليه وإنما هو نتيجة إيحاء أو استلهام رباني جاء لأذهان الأنبياء القدماء وبالتالي يجب تفسيره وتأويله لأنه ليس نصاً منزلاً ومقدساً لأنه ورد في الكثير من النصوص الموضوعة والمؤلفة من قبل البشر وهناك الكثير من التزوير والإضافات فيه. ثم جاء يسوع المسيح ــ عيسى بن مريم ــ كما يسميه المسلمون وكان يهودياً متديناً في صباه وشبابه ومتمسك بالتوراة قبل أن يجهر بنبوته ورسالته المصححة والمكملة للديانة اليهودية . ولقد جمعت آثاره وأقواله وقصته ومقتله في مجموع نصوص سميت بالأناجيل ــ الإنجيل يعني البشارة ــ وهي كثيرة لم تحتفظ المؤسسة الدينية الكنسية منها سوى أربعة هي إنجيل مرقص Marc ومتى Mathieu ولوقا Luc ويوحنا Jean المكونة لكما يعرف بالعهد الجديد المكمل للعهد القديم . ولقد اعتبر عدد كبير من المسيحيين أن يسوع المسيح إله وهو إبن الرب الخالق وقالوا بالأقانيم الثلاثة " الأب والإبن وروح القدس " وأن للمسيح طبيعتان ناسوتية ولاهوتية الأولى بشرية والثانية ربانية،وأضفوا عليه الكثير من المعجزات والأعمال الخارقة للطبيعة كإحياء الموتى والسير على الماء وشفاء المرضى ووصفوه برب المحبة والصفح والتسامح الخ ...

غالباً ما يقدم إله التوارة أنه كلي القدرة وحاضر أو متواجد دوماً في كل مكان وزمان ويتدخل على نحو مباشر في شؤون البشر وتفسر آيات التوراة ما يتعرض له اليهود من مصائب وكوارث بأنه عقاب أرسله الله لهم أو سمح بحدوثه بسبب خطاياهم التي ارتكبوها بحقه، فردياً وجماعياً، مايعني أن هناك تفسير ثيولوجي للشر ومصدره هو الله الخالق للخير والشر معاً والمسيح المنتظر هو المحرر الذي يمتلك قدرات إلهيه ينتظره الشعب اليهودي لكي يحرره من الاحتلالات الأجنبية المتعاقبة عليه .

الإيمان بوجود إله خالق متعالي، يتخذ أشكالاً متنوعة، من الإيمان الفطري أو الاعتقاد الديني، مروراً بالطرح الفلسفي والمنطقي، وانتهاءاً بالفرضيات العلمية. والسؤال الأهم المطروح هو: هل بالإمكان التوصل إلى وجود الله بالعقل وحده؟ شغل هذا السؤال تاريخ الفلسفة برمته لغاية القرن التاسع عشر . منذ العصر الإغريقي الذي يؤشر لبداية التفكير الفلسفي الغربي . كان المفكرون والفلاسفة الإغريق في غالبيتهم يعيشون في عالم متدين تحف به الخرافات والأساطير والمعتقدات المشركة وكانت جهود الفلاسفة التنويريين تصب في محاولات تجاوز تلك المعتقدات الخرافية والتمعن بالمسألة من الناحية العقلية الصرفة. . كان العديد من الفلاسفة القدماء يحترمون الآلهة ولكن ما هو مفهمهم وفهمهم لمفهوم الإله ؟ أول نقطة مشتركة بينهم هي دحض الصفة الأنثروبومورفية anthropomorphique التجسيمية واللاأخلاقية لآلهة الأولمبياد les Dieux de l’Olympe، لأن هذا التصور يجعل الآلهة يشبهون كثيراً البشر مما يفقدهم بعض المصداقية خاصة وإنهم يتصفون بالكثير من صفات وردود أفعال وسلوكيات البشر كالفسوق والعجرفة والتكبر وروحية الانتقام والخداع والمكر والتقلب والخداع ونقض العهود الخ... أي على النقيض من الكمال، فهناك فلاسفة رفضوا هذا النموذج التشبيهي والتجسيمي للإلهة الإغريقية مثل أبيقور Epicure، وآخرون لا يعتقدون حتى بوجود الآلهة مهما كان كمالها، لكن ذلك لم يمنعهم بالاعتقاد بوجود حكمة متعالية شمولية إلهية تحكم العالم ومتجلية من خلال سلوك بعض البشر المتميزين المصطفين. فهناك تيار فكري وفلسفي إغريقي ــ روماني ولد في القرن الرابع قبل الميلاد يعرف أتباعه بالمتحملون stoïciens يعتقدون بوجود كينونة ما بين العالم الدنيوي والعقل الإلهي وهي عقيدة الوجوديين الذين يعتقدون بوحدة الوجود panthéistes ومن أشهر من يتبنون ذلك فيلسوف النهضة باروخ سبينوزا Baruch Spinoza. وقبلهم كان الفلاسفة المشهورين مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو قد أدلوا بدلوهم في مسألة الإلوهية .وكذلك فلاسفة الأفلاطونية الجديدة néoplatoniciens، وعلى رأسهم أفلوطين plotin الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد وهذا الأخير أكد وجود ثلاث مباديء عليا التي ينحدر منها العالم الحسي وهي: الواحد l’Un الذكاء le Noos والروح أو النفس l’Ame . والواحد هو المبدأ العلي الأعلى وهو متسامي وغير قابل للتعريف والتحديد وثابت لايتغير، لا يشيخ ولا يموت، خالد وخير إلى حد الكمال، ومكتفي بذاته. والذكاء أو العقل الأول، ينبثق من الواحد المتسامي حيث تتجلى الحقيقة. والنفس أو الروح تنبثق من الوعي أو العقل الأول ككينونة أو مبدأ للوحدة التي تحرك العالم المحسوس. فهناك " روح العالم الجمعية، وهناك روح جزئية لكل كائن حي، وهذا الطرح يتميز ويختلف عن الطرح التوحيدي الذي جاءت به الأديان التوحيدية الكلاسيكية الثلاثة . وهناك في ذلك الوقت فلاسفة ملحدين لايعتقدون بوجود مبدأ أو كينونة خالقة ربانية أو إلهية عليا athéistes أو لا أدريون agnostiques ويوجد فرق كبير بين إله الفلاسفة الإغريق وإله الأديان التوحيدية لأن هذا الأخير فيه الكثير من الصفات والمزايا البشرية كما نصت على ذلك النصوص المقدسة المنزلة . أما مسألة إثبات وجود الله فهناك عدة حجج وحالات أحدها يسمى بالدليل الأنطولوجي حيث يكون التفكير بالله باعتباره الكائن الأكثر كمالاً من أي كائن آخر في الوجود وبما أنه من الكمال بمكان فهو إذن يوجد أكثر مما كونه لا يوجد فسيترتب على ذلك بالضرورة أنه موجود عقلاً إلا أن هذه الحجة لا تنطلي على المفكرين والمثقفين، ما عدا ديكارت، ولاتقنع أحد سوى المؤمنين الذي لايحتاجون لحجة لإقناع أنفسهم. ولقد حاول عدد من الفلاسفة، وبأسلوب المنطق إثبات وجود الله ومن بينهم لايبنز الذي سعى لتقديم ما يسمى بالبرهان الكوسمولوجي والسبب الكافي الذي يقول لا يوجد شيء بدون سبب ولا علة بدون معلول. من هنا لابد من وجود كائن يسمى الله لضرورة وجوده . وهناك حجة ثالثة قدمها الميتافيزيقيون وتسمى البرهان الفيزيقي الثيولوجي physicothéologique وينطلق من مراقبة ومشاهدة النظام المعقد والذي يقود حتماً إلى ضرورة وجود عقل ذكي خالق ومنظم إذ لا يمكن لهذا النظام أن يكون ثمرة الصدفة.لذلك لا بد من وجود عقل علوي ذكي يكون هو الأصل الموجد للكون. ولقد علق الفيلسوف الفرنسي فولتير قائلاً " الكون يحيرني ولايمكنني أن أقبل بأن هذه الساعة الكونية موجودة بدون ساعاتي صانع لها".

وبعد ظهور نظرية الانفجار العظيم البغ بانغ المبنية على نظرية النسبية العامة لآينشتين انبرى عدد من المثقفين المتشبثين بالإيمان بوجود الله تحت يافطة " التصميم الذكي dessin intelligent" ليجيروا مقولة التنظيم الدقيق للكون وللقوانين الفيزيائية التي تنظمه وتسيره، إلى جانب ظهور الحياة الذكية العاقلة ونشوء جنس البشر وتطوره لا سيما العضو الأكثر تعقيداً فيه ألا وهو الدماغ، وقالوا بأن ذلك يشهد على وجود تصميم ذكي ومصمم خارق لهذا الكون، دون أن يغرقوا في وصفه على غرار الأديان السماوية التي قللت من قيمته دون أن تعي أو تقصد ذلك. وحاول هذا التيار الثقافي والفكري أن يمحو مسلمة الصراع بين الدين والعلم بخصوص مسألة الإله الخالق للكون. ولكن لايوجد في الكون المرئي الجمال والهارمونية والتنظيم الدقيق فقط، بل تزخر الطبيعة بالفوضى والكوارث الطبيعية والمذابح وهيمنة الشر الذي لا يعرف أحد مصدره سوى أنه خالق الكون نفسه إذا آمنا بأن للكون المرئي خالق، أي أن الله هو مصدر الشر وبهذا الصدد علق الفيلسوف لايبنز في كتابه " دراسات وأبحاث في الثيولوجيا الربانية Essais de théodicée ويطرح تساؤله على نحو مباشر وصريح قائلاً:" كيف نفهم، في حالة وجود الله، وإنه إله طيب وخير، وجود هذا الكم الهائل من الشر والسوء والفظاعة والبؤس في الأرض؟ فيما يسخر فولتير من هذا الإله في رائعته كانديدCandide 1759 من خلال شخصية البروفيسور بانغلوس وهو يردد وسط الكوارث والمساويء والشرور أن كل شيء نحو الأحسن في أفضل العوالم الممكنة .وفي التصوف العبري الكابالا هناك أطروحة تقول أن الله بعد أن انتهى من خلق الكون تجرد من إلوهيته وانسحب من العالم لكي يتيح المجال لشيء آخر أن يحدث أو يوجد فبعملية الخلق وافق الله ألا يكون هو كل شيء واختزل كينونته حتى يتيح للعالم أن يفرض نفسه ويمكن لشيء آخر أن يتواجد غيره وبالتالي يوجد الشر بالضرورة في هذا العالم الذي يفتقد للكمال .

أما أبيقور فلقد طرح المشكلة بسخرية قائلاً: إما أن الله أراد استئصال الشر لكنه لم يتمكن لذا فهو عاجز وليس كلي القدرة، وإما هو قادر على استئصال الشر لكنه لا يريد ذلك لذا فهو شرير، أو هو غير قادر على استئصال الشر وغير راغب بذلك، فهو إذن عاجز وشرير وغير كامل، ولو أراد ذلك وكان قادراً عليه، فمن أين إذن أتى الشر ولماذا لم ينهه ويستأصله الله؟ .

فلاسفة عصر الأنوار انتقدوا الأديان بشدة لكن جزءاً كبيراً منهم لم يكن ملحداً ولديه مفهومه الخاص عن الله، فأغلب الربوبيون déistes، على غرار الفلاسفة في العصور القديمة، يؤمنون بوجود " مبدأ علي" خارق وخالق ينظم الكون وليس إلهاً شخصياً يهتم بشعب معين على حساب شعوب أخرى ويظهر نفسه لهم من خلال أنبياء ونصوص مقدسة يؤمنون بالإلوهية théismes. وهكذا تستمر دائرة الصراع بين العلم والدين حول موضوع إثبات وجود أو عدم وجود الله ولقد عبر غاليلو غاليله، ضحية الكنيسة الكاثوليكية بسبب أفكاره وآرائه، قائلاً:" إن العلم والدين يجيبان على سؤالين مطروحين في سياق مختلف ولا يفترض أن يدخلا في معركة أو صراع بينهما فالدين يخبرنا كيف يمكننا أن نذهب إلى السماء في حين أن العلم يخبرنا ما هي أحوال السماء . أما في وسط الإلحاد والملحدين athéisme فكان أول ملحد علني هو الراهب جون ميسليه Jean Meslier وكان فولتير قد نشر وصيته في سنة وفاته 1729 وهو نص معادي للدين بقوة واحتدام تحت عنوان مذكرات وأفكار ومشاعر جون ميسليه وهو عبارة عن دراسة فكرية مطعمة بالبراهين والحجج المنطقية والعقلية التي تنفي وجود إله وإلوهية تتحكم بالعالم والواقع الوحيد الموجود هو الواقع المادي، فمسيليه كان ملحد ومادي في نفس الوقت بعد أن كان رجل دين متعمق بدينه.

حصيلة ذلك أننا مازلنا وسنظل نجهل حقيقة هذا اللغز وهذه الفرضية المسماة " الله" وهل هي ضرورية لوجودنا أم لا لأن الله رغم جهوده في الاتصال بنا عبر أنبيائه ورسله ونصوصه، لم يكشف لنا عن حقيقته وطبيعته وماهيته وصفاته وقدراته إلا من خلال نصوص لا يمكن الجزم أنها صادرة عنه بل ربما وضعها مؤلفون بشر باسمه .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

ميثم الجنابيالفكرة العربية والوعي القومي الذاتي

للفكرة القومية، شأن كل الأفكار الكبرى، لحظتها التأسيسية الأولى. وقد شاءت الصدف أن ترتبط بشخصية الارسوزي (1900-1968). الامر الذي جعل منه فيلسوف الفكرة القومية العربية الأول في العصر الحديث. وليس مصادفة ان تكون فلسفته بهذا الصدد فلسفة شخصية ايضا. فهو الفيلسوف الذائب في الفكرة القومية بوصفه رحيقها الأول. اذ تكاملت في ذاته وإنتاجه الفكري الفلسفي بوصفها رؤية منظومة ونسق يتغلغل في كل انساق وجوده الشخصي والاجتماعي والوطني والقومي والروحي والسياسي[1].

فالطابع الشخصي لفلسفة الارسوزي يبرز أيضا على مثال حياته وموته، اي ان تاريخها النظري يتمثل أيضا تاريخه الشخصي. فقد ولد الارسوزي في بداية القرن العشرين وتوفي بعد الانتكاسة الكبرى الاولى في تاريخه القومي الحديث. بمعنى اننا نعثر في حياته ومماته على تمثل نموذجي لحياة الفكرة العربية من حيث ولادتها وموتها الاول، اي ظهورها وفسادها. وقد كانت تلك الفاجعة الاولى التي سوف تعطي للفقدان قوة الوجدان. بمعنى ان ضياع الارض الفلسطينية المؤقت قد ادى الى اكتشافها الروحي الاوسع. ومن ثم نقلها الى حيز المصدر الدائم في شحن وشحذ الوجدان العربي. مع ما ترتب عليه من اكتشاف اولي لمكر العقل التاريخي العربي وتقوية اقدامه للنهوض الجديد بعد الغيبوية الطويلة في دهاليز الزمن الضائع.

ولكن قبل ان تعاني الفكرة القومية العربية من هذا المخاض الاول، فانها قد عانت ولادتها التاريخية الكبرى في شخصية الارسوزي ومعاناة ابداعه الفكري. فقد تمثل الارسوزي التاريخ الواقعي والفعلي بمعايير الوجع الميافيزيقي للروح الولهان بوهج المعاصرة. وفي هذا يكمن سره الهائج بالبحث في اللغة وعوالمها المافوق تاريخية من اجل بلورة فكرة عن التاريخ. وفي هذا ايضا كانت تكمن المعاناة الروحية العميقة لهذه الفكرة وذبولها الجسدي في دهاليز البحث عن بعث قومي وجد لغوه في اللغة وثرائه في ثرثرته!

فمن الناحية الظاهرية يمكن النظر الى الولع اللغوي والتأويل المفتعل كما لو انه الجامع الذي يجمع فلسفة الارسوزي. فقد جّسد الارسوزي في آرائه وتحليله ومواقفه ومفارقاته حب اللغة في مختلف مستوياته وأنواعه من إعجاب وغرام وحب وهيام وعشق حد الفسق. لهذا نرى فيها وفيما أجهد نفسه واجتهد للبرهنة عليه مجرد أمور بسيطة ومطروقة يمكن وضعها في عبارات "صوتية" قليلة، هي الأكثر رقة وجمالية مثل قوله "مثل الإنسان كمثل الطائر ينبت ريشه بالهمة"، و"الحياة تنشئ بنيانها وبدنها بحسب غايتها في الوجود" وامثالها الكثيرة. بحيث نقف احيانا امام صورة مغرية للخيال عن شخصيته الحكواتية الكبيرة وجمهورها الغفير في احد الجوامع الإسلامية الكبرى، فيما لو انه ولد قبل ألف عام. لكنه ولد بعد الف عام! وبالتالي، فان ما وراء اللغو والثرثرة الظاهرية كانت تكمن وتتفاعل عوالم اللغة الثرية الهائلة والصاخبة بوصفها عوالم التراث والماضي والانا المنسية. بعبارة اخرى، لقد اراد الارسوزي ان يضع هذا الثالوث المغمور على نار الوجد المعاصر لكي تلتهب مكوناته "الخالدة" في وجدان الفكرة القومية الحديثة. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن مخاض التحرر ومعاناة تأسيس الدولة القومية في عالم الفكر وميدان الحياة السياسية.

فقد عايش الارسوزي صعود الفكرة القومية ورؤية ملامحها المتراكمة، كما عايش بالقدر ذاته انحدار المشروع القومي صوب القطرية المحاصرة، وتعرضه اللاحق للتجزئة الثقافية والتهرؤ السياسي. وفيما بين هذه البداية والنهاية تلألأت رؤيته الفلسفية للفكرة القومية العربية، بوصفها معاناة اولية حقيقية كبرى. بحيث تطابق مضمون هذه المعاناة مع كيفية ونوعية الصيغة الاولية لما يمكن دعوته بفلسفة الانا الثقافية. الامر الذي جعل من الارسوزي فيلسوف الأنا القومية الثقافية. ومن ثم احتواء تأسيسه النظري على بوادر الرؤية الاولية لفكرة القومية التلقائية (الروحية). وبالتالي، لم يكن مضمون الرجوع الى ميتافيزيقيا اللغة المتسامية والخالدة عنده سوى محاولة انتشال الفكرة من السقوط والانحدار صوب تجزئتها الى حروف منفصلة لا تستقيم مع حقيقة العربية، والركض وراء جمعها في كلمات بلا عبارة! ذلك يعني، أن الاتجاه صوب ملكوت اللغة كان بالنسبة له اسلوب الرجوع الى الملك العربي المفقود، اي الواقع البائس! لكن مأثرة الاسوزي تقوم في محاولته تحويل البؤس المادي الى بأس روحي. من هنا اصبح السباحة في عالم الملكوت اسلوب تأمل المعنى والوجوب. مع ما ترتب عليه من توحيد العربية النموذجية في حروفها لكلمات النطق والمنطق الروحي للماضي والحاضر والمستقبل.

أصل اللغة وأصل الأنا القومية

من هنا محاولته تأسيس فهمه الجديد لقضية أصل اللغة. اذ نراه يبدأ من تناول القضية - الاشكالية القديمة عما اذا كانت اللغة اصطلاحية (موضوعة من قبل العقل) أو نتاجا للوحي، لكي يؤسس على كيفية حلها فكرته عن القومية العربية. فقد انطلق من المقدمة القائلة، بان ربط اللغة (العريبة) بالغيب تضييق على العقل. كما ان اعتبار اللغة مجموعة من الرموز موضوعة من قبل العقل هو دوران في حلقة مفرغة. وذلك لان هذا القول يفترض وجود عقل كامل. وكيف يمكن ذلك دون كلام (اللغة)؟ ووجد الارسوزي الحل فيما اسماه "بالصدفة السعيدة" في اكتشاف جذر اللغة (العربية). وعثر عليه فيما اسماه بمنهج اللسان العربي بوصفه جذر "اللغة الكونية". مما حدد بدوره طابعها المتميز واصالتها التي ينبغي ان تستعيد هيئتها الاولى بوصفها فكرة قومية اصيلة.

اذ لا يعني منهج اللسان العربي بوصفه جذر اللغة الكونية سوى الصيغة النموذجية التي تعكس اصل وجذر اللغة الطبيعي واستجابته للارادة الانسانية في بلوغ المتسامي[2]. من هنا توحيدها للطبيعة وما وراء الطبيعة، او ما اطلق عليه الارسوزي عبارة "الملأ الاعلى". فاللسان العربي بالنظر إلى نشأته وصناعته هو بدائي وبرئ، كما يقول الارسوزي. وكل كلمة أو قاعدة تحمل طابع عبقريته أيا كانت. فهي مستعارة منه. بمعنى ان دورها التاريخي يقوم في صنع التاريخ الحقيقي للانسانية. من هنا قوله، بان للأمة العربية فضل على الأمم جميعا. فهي ليست مصدر الشعوب السامية فقط، بل واثرها على سير المدنية بإيجاد اللغة اضافة الى إبداع الديانات الإلهية. وذلك لان العربية كانت الأكثر استعداد من بين الشعوب على إيجاد الصورة الصوتية التي هي أصلح للانتشار، وبالتالي تعميم انتشار لغتها. الامر الذي يجعل من اثرها بهذا الصدد اثرا كونيا. الامر الذي يحدد بدوره أهمية دراستها، لما في ذلك من قيمة بالنسبة لالقاء الضوء "على جذور الإنسانية، وعلى العلاقة بين الأقوام في مهد الحضارات"[3]. اما سر هذا الاستعداد والاثر فيكمن فيما دعاه الارسوزي بتفاعل مكونين فيها وهما كل من الأصوات الطبيعية بوصفها جذر الكلام، ومبدأ الاشتقاق.

فقد وجد الارسوزي معنى "اللغة العربية جذورها في الطبيعة"، هو اننا نرى فيها نمو أداة بيانية متكاملة منذ بدء الخليقة ولحد الآن. ولها نماذج لا تحصى، مثل خرير الماء (خرّ، خرب، خرج، خرم). ذلك يعني ان العربية استفادت من خضوع الصوت للإرادة. وهذه بدورها ليست الا إحدى عبارات الهيجان الطبيعية. بعبارة اخرى، انها استفادت من انتقال الصوت عبر المكان، واستعانت بحاسة البصر، واتخذت من الصورة وسيلة لجلاء المعنى، كما يقول الارسوزي[4]. وهنا يكمن سر ما اسماه الارسوزي بالصدفة السعيدة، بمعنى تلاقي الطبيعة والماوراطبيعة في وحدة الارادة. والاخيرة هي المقولة الشاملة للطبيعة والماوراطبيعة، التي تتجلى على افضل شكل في العربية وجذرها الخاص بوصفه منهجا نموذجيا شاملا.

أسس الارسوزي فكرته هذه من خلال البحث عن جذر اللغة في الحياة نفسها. واعتبر ان "جذر اللغة هي الحياة". وذلك لانها تتمثل العلاقة المتبادلة بين وضع الجسد وبين المعنى الذي هو صداه في الوجدان. فوحدة الصوت والخيال في الكلمة العربية يؤدي إلى ظاهرتين او نتيجتين تميزها عن غيرها وهي أولا- فقدان المترادفات، وثانيا – الاختلاف في التطور بين الكلمة العربية وغيرها في اللغات الأخرى. فالأجانب لا يعرفون قراءة ما كتب في لغتهم قبل ألف عام. أما في العربية فان الكلمة هي صورة. وبالتالي، فان الكلمة العربية كالحياة. لهذا لا تصمد الكلمات الشاذة (غير العربية) في العربية فترة طويلة. إنها تنقرض. الامر الذي جعل من الكلمة العربية غير خاضعة للزمن. وان نشوء كلمات جديدة فيها (ومنها) هو استمرار مدرك[5].

ووضع هذه المقدمة في اساس فلسفته للغة العربية. وفيها نعثر على فكرة عميقة تقوم في دعوته لضرورة التوفيق والتجانس بين اللغة والفكر والثقافة القومية. فهو ينطلق في كتابه (العبقرية العربية في لسانها) من أن دراسة البنية الاشتقاقية للعربية يساعدنا على معرفة الكلمة الدخيلة من الأصيلة، وبالتالي يحررنا من الركاكة والهجانة. وهذا بدوره يهدينا أيضا إلى إدراك الشبه بين بنيان البدن وهداية غرائزه في توحيد العلوم الصحية، وبين هذه الحُدُس في بنياننا النفساني وهدايتها في إنشاء ثقافتنا. وبهذا نحصل على نهج أصيل في دراسة حياتنا الفكرية بحيث ينقشع الحجاب المزعوم بين الطبيعة والملأ الأعلى (ما وراء الطبيعة)[6]. مما يوصلنا بدوره إلى "بعث الخيال الأصيل" ومن ثم الوصول إلى ينبوع الحياة بالنسبة للسان، بحيث تتميز هذه المؤسسة المتمتعة بخلود الأمة التي أوجدتها عند بنيان البدن الذي ظل متصلا بالقدر بانغلاق المكان والزمان في وحدانية نموه وخاضعا بهذا الاتصال للتحول"[7]. اما الخلاصة التي توصل اليها الارسوزي بهذا الصدد فتقوم في بلوغ ما اسماه بفكرة "الحياة معنى ينشئ الصور. والخيال من الصور على درجات متفاوتة بالقسمة والعمق تحقيقا للآية الساطعة في صميم الوجود كأني بها تقتات بتجاوبهما تجاوبا صادقا وتنمو"[8].

وفيما لو جرى تحويل هذه العبارة "البيانية" المغلقة الى بيان اللغة العربية الطبيعية(!)، فانها تعني، ان الابداع الحقيقي يفترض الرجوع الى ينبوع الاصالة الذاتية، ولا اصالة بالنسبة للفكرة العربية سوى العمل بمعايير "الخيال الاصيل"، اي الابداع الذاتي الحر والمتحرر من ثقل الزمان (المعاصر) والمكان (الجغرافي الحالي) اللذين جرى انتهاكهما بفعل الخراب الذي تعرض له العرب في مجرى السيطرة العثمانية والكولونيالية الحديثة. فالزمن المعاصر هو زمن ليس عربيا، والمكان العربي هو جغرافية متهرئة. اما العربية من حيث كونها تمثلا ابديا لحقيقة الابد الكامنة في توليف الطبيعية والمارواطبيعة فهو الينبوع الدائم للخلود. والرجوع الدئم اليه يعني الوصول إلى حالة مثلى عن العلاقة بين البيان بالحقيقة من اجل معرفة نهج الحياة الأصيل، كما انه النهج الفني للتحرر من ظروف المكان لبلوغ البصيرة من اجل الاستغناء عن الطبيعة، كما يقول الارسوزي نفسه.

ونعثر على نفس هذا الاتجاه والتأسيس في (رسالة اللغة). فقد أكد فيها أيضا على أفكاره الأساسية بهذا الصدد وبالاخص ما يتعلق بفكرة اللسان العربي باعتباره بنيانا اشتقاقيا وأصوله من الطبيعة، وله أداة بيانية متكاملة وانه بناء مازال كامل حي. وختم ذلك باستنتاج يقول، بأن مفاهيمنا وأصول مؤسساتنا تكمن "في كلماتنا، كمون الحياة في بذور النبات"[9]. وبالتالي فان الرجوع الى اصول تأسيسها الاولية هو اسلوب تاصيل الحاضر والمستقبل. من هنا جوهرية اعادة بناء فلسفة اللغة العربية. فهو يعتقد، بان احد الأسباب التي حالت دون وجود فلسفة لغوية عربية ومن ثم إدراك حقيقتها كما هي يقوم في أن واضعو قواعدها كانوا عجما. مما ادى الى سوء فهم حقيقتها. فالكلمة العربية ليست رمزا يلتصق به المعنى عرضا واتفاقا، كما هي الحال في تعريف الكلمة في اللغات الأوربية، بل أنها صورة تتآلف من صوت وخيال مرئي ومعنى هو قوام تآلفها[10]. وبالتالي، فان اللسان العربي بمبدئه (المعنى) وبتجلياته (الأصوات) لهو على غرار البدن، شجرة سحرية نامية أبدا، جذورها في الملأ الأعلى (الماوراطبيعية) وتجلياتها في الطبيعة[11]. من هنا فاذا كان الأسلوب الأدبي قد لا يخلو من البيان في أية لغة من اللغات، فإن البيان شامل في اللسان العربي (في الكلمة والحروف والحركات والصورة)، على خلاف ما في اللغات الأخرى التي يقتصر فيها البيان على حدود العلاقة بين الفكرة وعبارتها[12]. وذلك لان الكلمة العربية تتألف من ثلاثة مكونات هي صورة صوتية، وخيال مرئي، ومعنى هو قوام تآلفهما، مثل كلمة فقه. فهي فق بوصفها صورة صوتية (من غليان الماء)، اما خيالها المرئي فهو التفتح الداخلي، بينما المعنى هو الحقيقة المتجلية من صميم النفس مستضيئة بنور ذاتها[13]. كل ذلك يجعل من العربية ذات معالم واضحة لا تقبل الالتباس بغيرها. فإذا "كان المعنى يؤلف بين الصورة الصوتية والخيال المرئي في الكلمة، فان الحدس المنطوي في المصدر هو أيضا قوام الرابطة بين المفاهيم العقلية والمدلولات الحسية" كما نراه على سبيلالمثال في نموذج تنبأ ونبي ونبوة[14].

وضع الارسوزي هذه المقدمة في اساس فهم ما يمكن دعوته بالعقل العربي الاصلي بوصفه عقليا نموذجيا. ومن ثم فهو ليس اساسا ضروريا لفهم العقل العربي بل والبشري ككل[15]. وذلك لانه يستند الى ما اسماه الارسوزي بالمنهج الكوني للسان العربي القائم في توحيده الشامل للطبيعة والماوراطبيعة. بعبارة اخرى، ان المهمة التي وضعها الارسوزي بدراسة قواعد اللسان العربي القادرة على كشف تكون العقل البشري أيضا، تهدف اساسا الى ارساء اسس الرؤية النقدية تجاه النفس وتذليل انحرافها عن الاصول. من هنا قوله، بان الانبعاث القومي يفترض إلى جانب الصناعة والعلم، الاهتمام "بتراث الأجداد". الامر الذي جعله يدعو الى البحث عن مصدر الوعي القومي المعاصر في مرحلة الجاهلية. ووضع ذلك في عبارة تقول: "بالعودة إلى جاهليتنا نلتقي مع أصول الثقافة الحديثة، الأصول التي تقوم على الاعتقاد بان النفس تنطوي على مقوماتها. ثم انه يجنبنا مما أورثه التاريخ من حزازات بين المذاهب والأديان"[16]. بينا نراه في بحثه الموسوم (اللسان العربي) يقول، بان المهمة المطروحة أمامنا تقوم في استجلاء آية الأمة العربية بوصفها حقيقة تاريخية، ومن ثم "إنشاء فلسفة عربية يتحول بها ما نسجته الحياة عفوا إلى مستوى من الشعور بحيث نشترك مع العناية في تعيين مصيرنا، ونشترك ونحن أحرار"[17].

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

................

[1] وضع الارسوزي أفكاره في مؤلفاته الأساسية والتأسيسية وبالأخص منها (العبقرية العربية في لسانها)(1943) و(الأخلاق والفلسفة)(1948)، و(والمدنية والثقافة)(1954) و(الأمة العربية)(1955) و(مشاكلنا القومية)(1955-1958) و(صوت العرب في لواء الاسكندرونة)(1961) و(بعث الأمة العربية – اللسان العربي)(1963) و(الجمهورية المثلى) (1964). وغيرها من الكتب، وبالأخص ما يتعلق منها بالفلسفة مثل (رسالة عن النفس)(1953) و(رسالة عن الفلسفة)(1954) و(متى يكون الحكم ديمقراطيا)(1961) وغيرها مما جرى جمعه ونشره في (المؤلفات الكاملة) (أربعة أجزاء) في دمشق عام 1972.

[2] الارسوزي يفرق هنا بين فكرة اللسان واللغة. ويضع هذا الفرق في صلب فكرته عما يدعوه باصالة اللغة العربية ودوها التاريخي. فهي لسان لانها منهج، بينما اللغات الاخرى متأتية من اللغو، اي انها كلمات لا تتوحد في معناه ومخارجها وحدة الطبيعي والماوراطبيعي.

[3] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، دمشق، 1972، ج1، ص54.

[4] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص47.

[5] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص53.

[6] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص62.

[7] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص62.

[8] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص64.

[9] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص233.

[10] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص235.

[11] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص238.

[12] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص238.

[13] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص51.

[14] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص51.

[15] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص54.

[16] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص297.

[17] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص266.

 

 ميثم الجنابي"لا تلتفت إلى ما مال إليه البعض من لا يعرف

 وجوه التأويل ولا يعقل كلام أولي الحكمة"

(الغزالي) 

ان بلوغ الفكر وحدته النموذجية في الكلّ يعكس مخاض الروح التوليفي، بوصفه النفي الواعي لانجازات الأسلاف. وفيها يمكن رؤية الاستعادة التي تستضيء على الدوام بمبدأ وجودها التاريخي. فالكلّ الروحي هو الصيغة المثلى للمبدأ الأول. وإذا كان الغزالي قد توصل في مجرى تجربته النظرية والعملية إلى أن القرآن هو القطب الروحي للكل ّالإسلامي، بفعل تضمنه في ذاته نموذج المساعي الحقيقية صوب الكلّ في التوحيد، فإن توليفة الكلّ الروحي كان لابد لها من أن تؤسس لنفسها في رؤية مكوناته وحقائق صيرورته التاريخية. وهي الصيرورة التي لازمت في ثقافة الإسلام أسلوب الرؤية الظاهرية والباطنية ووحدة التاريخ والروح.

فالقرآن هو مبدأ الوجود التاريخي للروح الإسلامي، تماما بالقدر الذي كان على الدوام ممثل الروح الإسلامي في كلّه. ومن هنا لم تعن وحدة الظاهر والباطن أو تعايشهما سوى الصيغة الإسلامية المناسبة لوحدة التاريخي والروحي، أو الحرية في مساعيها نحو الوحدة الحقة. وقد استلزمت هذه العملية على الدوام شحذ الهمّة النقدية في تأمل ماضيها وحاضرها، ووضع انجازات الماضي على محك التجربة النقدية للتقليد. وهي الصيغة غير المباشرة و"المقلوبة" للاهتمام الكبير والعميق بتجربة السلف. فالأسلاف ليسوا صنم العبودية الإسلامية، بل أثر هيبتها الحرة. بمعنى انهم لا يلزموا بشيء غير تجاربهم العملية. وفيها كانت تتجلى على الدوام العناصر الحية في الذكرى التاريخية أكثر من حيثياتها الواقعية. أما تشذيبها النظري فكان من الممكن أن يحصل على تعبيره المناسب في كل الميادين التي أبدعتها الثقافة الإسلامية بما في ذلك في مواقف الظاهر والباطن المستقلة والمتعايشة، والمتنافسة والمتضادة. باختصار في "الكلّ" الذي حاول الغزالي إرجاعه إلىالقرآ، باعتباره قطب الوجود الأول لتنوع الوحدة الاسلامية. وهي النتيجة التي تفرض نفسها بالضرورة على كل تطور توليفي أصيل باعتباره استظهارا لتجاربها التاريخية الروحية.

ففي هذا الاستظهار الجديد للكلّ الإسلامي كانت تكمن محاولات إظهار باطنه، تماما بالقدر الذي يشكل استبطان مظاهره محاولة توليفه الجديد في الوعي الاجتماعي. وقد حددت هذه النتيجة أيضا أسلوب الرؤية الجديدة للقرآن. فإذا كان مفهوم الكلّ الإسلامي هو النتيجة التي وضعها الغزالي في نظرته عن مركزية القرآن الروحية، فإن ذلك يكون قد حدد أيضا أسلوب تعامله مع النص "المقدس" بالمعنى الذي بلورته تقاليد الكلام والتصوف الإسلامية. بمعنى إدراج الصفة في فلك الذات ودورانها في ما وصفه الغزالي بفكرة اللانهاية في المعنى، أي وضع أسس الحرية الدائمة في التعامل مع الكلّ الروحي في القرآن. وهي الأسس التي أذابتها المتصوفة في آدابها وطريقها لتكتشف في مقاماتها نماذج تجليها المتعالية. وبما انه لا يمكن حدّ هذه النماذج بصورة نهائية بفعل حركتها الدائمة، بوصفها التجلي الإنساني الصوفي "للخلق الدائم"، من هنا تطابقها النسبي مع تجارب السياحة في عالم الحرية الصوفية، أو التقيّد بقيود العبودية للمطلق. وهي ذات الحالة في أوجهها المتنوعة. وبما أن هذه الأوجه تتضمن، إن أمكن القول، تعابير الوحدة الخفية للظاهر والباطن، فإن شكل تجليها في المنظومات الفكرية يعكس أولا قبل كل شيء كيفية تطابق العقل النظري والعملي للشخصية الصوفية[1]. أما في حالة الغزالي فإنها أدت إلى صياغة مواقف متميزة لها جذورها العميقة في تراث الظاهر والباطن ونفيهما في تآلفه الجديد. مما اعطى لها مضمونها الاجتماعي السياسي والأخلاقي المتميز في منظومته الفكرية.

فقد تناول هذه القضية للمرة الأولى في (إحياء علوم الدين). وما قبل ذلك لا نعثر على أي اهتمام جدي بها. والإستثناء الوحيد لظهورها الجزئي نعثر عليه في جدله مع التعليمية في(المستظهري أو فضايح الباطنية) ولكن في ظهورها "السلبي".وهذا بدوره كان نتاجا لتناوله إياها في مجرى الجدل الفكري (الكلامي) ضد الصيغة الأيديولوجية السياسية لآراء الباطنية التعليمية. وبما أن صراعه مع الباطنية التعليمية قد جرى تحت ثقل وأثر العقلانية النقدية الحادة في نزوعها الكلامي، فإنه أدى إلى إبداع عناصر التوليف الخفي في مواقفه من الباطنية وقضية الباطن. فبالقدر الذي فتت في وقت لاحق نزوعه الكلامي الضيق في الانتصار للمذاهب والسلطة، وبالتالي شحذ الروح الاخلاقي بعناصر العقلانية القائمة في نقديته الحادة، فإنه كشف أيضا عن قيمة الباطن في الباطنية من خلال إفناء البنية المتعالية للأيديولوجية الباطنية في تعاملها مع النص في تجربته الصوفية. ولاحقا بالإبقاء عليها في استمرار العقلانية الباحثة عن "حد وسط" بين ظاهر الظاهرية وباطن الباطنية. وهو النفي الذي كان ينبغي له تجاوزهما كلاهما في ما هو ارفع منهما شأنا وغاية، وتأصيلا ودراية.

وتضمن ذلك على غربلة عقلانية الكلام الفلسفية نفسها. فعندما يبدأ بتصنيف أبواب كتابه (إحياء علوم الدين) فإنه ليس مصادفة أن يضع قضايا العلم والتعليم والمعلم في بدايتها، باعتبارها قضايا المدخل العام لمشروعه الفكري الجديد. وبغض النظر عن التباين الواسع بين آرائه وآراء الاسماعيلية بصدد هذه القضايا، إلا انه لا يمكن إغفال جوهريتها بالنسبة لهما كليهما. ففي تعارض آرائهما تكمن وحدتهما الخفية في حوافز إدراكها لضرورة المعلم والتعليم والعلم، أي الوحدة المتناقضة في إدراك أهمية البديل العملي في مشاريع "العلم" والعلماء.

وقد شكلت قضية العلم إحدى القضايا الجوهرية بالنسبة للوعي والثقافة الإسلامية ككل. إذ أحتلت في القرآن مرتبة الوحي الإلهي. ومن الممكن افتراض صداها غير الواعي في صيرورة جوهريتها الثقافية، باعتبارها الخطاب "الأزلي" الأول في "مشروع" تكوينها التاريخي. فقد طالب خطاب الوحي المحمدي نفسه بالتعليم والقراءة. وفي ما بينهما إدراك حقائق المجهول والمعلوم (علّم الإنسان ما لم يعلم). وهو الصدى الذي تجمّع رنينه في تناسق الاهتمام الواسع بعلوم القرآن أولا ثم علوم الأوائل والأواخر. من هنا الأهمية التي اختزنتها الثقافة الإسلامية في وعيها ولا وعيها التاريخي تجاه العلم والتعليم والعلماء. ونعثر على تجليات هذه الأهمية في المخاض العام الأول للسيطرة الإسلامية خارج موطنها "الطبيعي". حيث أصبح الحصول على العلم الحافز الأعظم لتوكيد إسلاميتها. وسوف يحصل هذا الحافز في تقاليد علم الكلام وجدله على مكانه المناسب بصدد قضايا العلم الالهي وصفة العالمِية الإلهية. وكذلك في ثنائية علم فرض العين وفرض الواجب، أي كل ما سيحصل على نماذجه الارفع في التيارات الباطنية بشكل عام والشيعية الإسماعيلية بشكل خاص. حيث تحول العلم الإلهي والنبوي إلى سلسلة الوحدة المعرفية الظاهرية والباطنية في الأئمة الظاهرين والمستورين، الجسمانيين والروحانيين. الأمر الذي أعطى لمهمة تعليمها قيمة عملية سياسية. وقد أدرك الغزالي قيمتها العملية الفعالة الكبرى. من هنا وضعه إياها في مقدمة (إحياء علوم الدين) كمدخل لمشروعه العملي الأخلاقي الإصلاحي. بمعنى نفيه حوافز الإسماعيلية في بديله التوليفي الجديد. 

لكن إذا كانت الإسماعيلية قد صاغت ذلك في مجرى تكونها التاريخي ومنظوماتها الفلسفية، فإن الغزالي حاول إبداعه من خلال التنظيم التوليفي لمكونات التاريخ الإسلامينفسه. وهو الخلاف الذي يمكن رؤية ملامحه في أكثر القضايا اشتراكا في ما بينهما حول بواطن الباطن وتأويلها. لهذا يمكننا رؤية التناغم الخفي بين آراءه ومواقفه من المعرفة والحقيقة (العقل) والهوى (والوجدان)،باعتباره الركون إلى النفس وسكونها الى ما يوافقها. وما يوازيها من آراء ومواقف الاسماعيلية عن تعليمية الإمام. وكذلك آراؤه عن الوحي والإلهام باعتبارهما سماعا مجردا للأنبياء والأولياء أو مشاهدة باطنية للأنبياء كما هو الحال بالنسبة لآراء الاسماعيلية بهذا الصدد. وكذلك فكرته عن السماع المباشر للحديث من النبي، بل وفي جملة من ارائه ومواقفه من النبوة والولاية وغيرها من القضايا التي تلتقي في كثير من جوانبها مع آراء الباطنية الإسماعيلية.

ان لهذا التشابه الجزئي بين آراء الغزالي والباطنية الإسماعيلية مقدماته التاريخية في المجرى العام للتطور الثقافي والفكري الإسلامي. فالاتجاهات الكبرى للفكر الإسلامي هي أيضا كيانات مستقلة. وإلا لاستحال الجدل إلى عراك لا معنى له، أو لأدى ذلك إلى صعوبة تصور خلافها وتوافقها. أما الغزالي فلم يكن بإمكانه تجاهل تراث الإسماعيلية الهائل. وهو أمر لم يتوقف عليه بفعل الصيرورة التاريخية للكلّ الإسلامي في  فرقه وصراعها فيما بينها. وفي الحالة المعنية بين باطنية الإسماعيلية والتصوف. غير أنهما لم يتشابها فتشاكل الأمر! فقد أبدع كل منهما بطريقته الخاصة تأويله الباطني، مستنداً بذلك الى تباين طرقهما في بلوغ حقائق الباطن والظاهر.

ومن الممكن الحديث عن كلّ باطني في الإسلام. لكنه يبقى كلاّ معنويا مرتبطا بالمكانة التي أحتلها القرآن في مركزية الوعي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي والشرعي. وقد بلورت هذه المركزية على مثالها واحدية الثقافة الإسلامية بوصفها نموذجها التاريخي الخاص. الأمر الذي أعطى للروح الباطني إمكانية تجوله في ميدان الظاهر. فقد افترضت مركزية القرآن طابعه الأصولي في العلم والعمل. وقد جعله ذلك أكثر مرونة أمام المستجدات وتأويلاتها المحتملة. وكان من الصعب حصر هذه الإمكانات والتأويلات بسبب تباين المدارك والمعارف، والمشارب والغايات القائمة وراء أفعال وأفكار الأفراد والجماعات. وحدد هذا بدوره كثرة وتنوع ثقافة الياطن و"بواطن الثقافة" نفسها. ومن ثم إمكاناتها العديدة. وفي هذه الإمكانات كانت تختمر رؤية البدائل الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. أما التأسيس الفكري لهذه البدائل فقد ارتبط بالصيغة التي تبلورت فيها إشكاليات الباطن العقائدية والسياسية والفكرية. وهي الإشكاليات التي حددت تعارض وتناقض المشروع الغزالي مع قرينه الإسماعيلي.   

فقد صاغ كل منهما في غضون قرون عديدة (قبل الغزالي) أساليبه ورموزه وأمثلته الهائلة. لهذا لم يكن بإمكان الغزالي التخلي، على الأقل حتى تأليف (إحياء علوم الدين) عما بدا له منفرا في الفكر الباطني الإسماعيلي رغم استمراره في نقده إياه حتى آخر مؤلفاته كما نعثر عليه في (القسطاس المستقيم) و(مشكاة النبوة) و(المنقذ من الضلال). بحيث يمكننا الحديث عن تداخل ثقافي للباطنية الصوفية والإسماعيلية كما هو جلي ومستتر في امتزاج أسلوب الصوفية وأمثلة الإسماعيلية. إذ بإمكاننا القول بأن الغزالي استطاع أن يدمج في كلّ توليفي جديد أسلوب المعرفة القلبية الصوفي ونماذج التأويل الاسماعيلي. وهو أمر يمكن رؤيته في ذوبان "مادة" الإسماعيلية ونماذجها التأويلية للآيات والأحاديث في أساليب الكشف الصوفية عن معانيها. إذ ليس معنى إن "الله يحول بين المرء وقلبه" سوى منعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين أصابع الرحمن[2]. وليس معنى "نسوا الله فأنساهم أنفسهم" سوى أن معرفة النفس تساوي معرفة الله. وليس معنى "وما يعلم جنود ربك إلا هو" سوى  جنود القلب الظاهرة والباطنة[3]. وليس معنى "تفضيل المجاهدين على القاعدين" سوى تفضيل الجهاد الأكبر على الجهاد الأصغر. وليس معنى "الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" سوى صقل القلب بمجاهدة النفس في الوصول إلى حقيقة الحق[4]. وليس معنى "ومن كل شيء خلقنا زوجه" سوى كون الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله فإنه فرد[5].

غير أن تباين أسلوب الغزالي عن الباطنية الإسماعيلية لا ينحصر في ما سبق وإن جرت الإشارة إليه، بل وفي طبيعة اختياره للآيات والأحاديث التي تستعملها الإسماعيلية نفسها. غير أنه من الخطأ تقرير تعارض آرائه مع آرائها على طول الخط. فقد كان بينهما من القواسم المشتركة ما لا يمكن ربطه بإرادة أي منهما. بمعنى وحدة "الرصيد الإسلامي" باعتباره المادة "الخام" للكلّ الروحي الذي سعى الغزالي لإعادة بنائه في مشروعه الإصلاحي. فالخلاف الجوهري بينه وبين الإسماعيلية لم يكن في التأويل والباطن، بل في المنهج والغاية. وهو  خلاف حدد في الأغلب ما سبق وإن أسميته بالكيفية التي تبلورت فيها إشكاليات الباطن العقائدية والسياسية والفكرية لكليهما. فقد كان انتقاد الغزالي للباطنية هو انتقاد نموذجها المتطرف أو صيغتها الغالية وليس رفضه إمكانية استعمال الأسلوب الباطني ومادته. وذلك لأن المادة القرآنية المستبطنة في باطنية الإسماعيلية لم تكن كلية التجانس في "براهينها".  ولم يكن بإمكانها أن تكون  "هجينة" عن لغة الإسلام ونفسيته الثقافية وذلك لأنها استمدت خصائصها من خصائص الانعطافات الحادة في التاريخ الإسلامي نفسه، أي أن "تكامل" الإسماعيلية في مظاهرها لا ينفي تباين باطنياتها في باطنها بفعل الاختلافات الداخلية في ما بين اتجاهاتها وأحزابها.

فالغزالي لم يقف عن حدود انتقاده الباطنية التعليمية بصدد قضايا الظاهر والباطن. ولا يغير من ذلك شيئاً بقاؤها العميق، بما في ذلك في هواجس نقده اللاذع لها بهذا الصدد. فقد حاول اتمام نقده هنا من خلال إبراز هفوات ونواقص الاتجاهات المضادة لها. وبالتالي الكشف عما في الوسط والاعتدال من قيم كبرى بالنسبة لفهم حقائق وحدة الظاهر والباطن. فهو ينتقد من أسرف وأبخل، أي كل من أولئك الذين رفعوا الظواهر كلياً بحيث انتهوا إلى تغيير جميع الظواهر و"حملوا كل القرآن بلسان الحال" كغلاة الصوفية والباطنية التعليمية، وكذلك أولئك الذين "منعوا التأويل كلياً كأصحاب الحديث والحشوية"[6]. أما الاشعرية والمعتزلة والفلاسفة فقد ساروا في مدارج التسلسل الأقرب لحدود الاعتدال في الموقف من وحدة الظاهر والباطن. فقد فتحت الأشعرية باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ونفوا التأويل فيها. أما المعتزلة فأّولوا من صفات الله الرؤية والسمع والبصر، وكذلك المعراج وعذاب القبر والميزان والصراط، إلا انهم اقرّوا بحشر الأجساد واللذات الجسدية في الجنة. في حين زاد الفلاسفة في التأويل على من سبق من المتكلمين بحيث تأّولوا كل ما ورد بصدد الآخرة وردوه إلى آلام ولذّات عقلية وروحانية، وأنكروا حشر الأجساد وقالوا ببقاء النفوس فقط[7].

لقد شكلت الاتجاهات الخمسة المذكرة أعلاه في مواقفها من علاقة الظاهر والباطن بنظر الغزالي، درجات متباينة في إدراكها طبيعة هذه العلاقة. ولم يضع الغزالي هذا "الترتيب" من أجل الدفاع عن "عقيدة السنّة"، بقدر ما انه أراد رفعها إلى مصاف الوسيطة المعقولة. وهو  اعتدال كان يتطابق فكريا مع مساعيه التوليفية باعتبارها نتاجا للإدراك المستجد في أتون الإصلاحية الأخلاقية العقلانية. وليس مصادفة أن تؤدي هذه العملية في مسارها المجرد إلى اقتراب أسلوبه وآرائه في ميدان الظاهر والباطن من توليف اتجاهية الباطنية والفلاسفة واختزال تقاليد الكلام الاشعري والمعتزلي في انجازاته العقلية. مما جعل من وحدة آرائه نموذجا للإسلامية المتسامية عن تحجر وضيق المذاهب وصراعات فرقها الكلامية والفقهية. من هنا دفاعه عن أخلاقية أحمد بن حنبل ومعارضة مواقفه من التأويل، أي أن دفاعه عن أحمد بن حنبل هو دفاع عما في "اقتصاده" التأويلي من دعوة إلى "رعاية صلاح الخلق"، لا تأييدا "لبخله" في التأويل. بمعنى أنه يأخذ عناصر الأخلاقية الحنبلية ويرفض جمودها الفكري. على عكس مواقفه من الاتجاهات الأخرى. بمعنى اخذه ما هو مناسب من أساليب فكرها التأويلي ورفض "مناقبها" السلبية الممكنة في الأخلاق والوجود السياسي للأمة، أي كل ما وضعه في دعوته لضرورة حدّ الاقتصاد بين أغلال أهل التأويل وجمود الحنابلة[8].

فالغزالي يدرك الفرق الدقيق القائم بين طرفي التناقض. وعبّر عنه بفكرة السرّ الذي لا يمكن كشفه دون ضياء النور الإلهي. وقد كان ذلك يعني أيضا انتقاد ولع المتكلمين والفقهاء في فرق الإسلام التقليدية من إدراك حقائقه بالسماع. ولم يقصد بالنور الإلهي هنا سوى نور اليقين، والوحي الذاتي للتجربة الصوفية في مستواها العقلي، أي الوحدة المتآلفة للأخلاقية الصوفية وعقلانية الوسط الفلسفية. من هنا حكمه القائل بأن ما "وافق مشاهدته بنور اليقين للعقل يجري إقراره وما خالف يؤول"[9]. لقد حاول صياغة النظرية العامة لعلاقة الباطن والظاهر استنادا إلى ثنائية الحس والعقل، والمُلك والملكوت. فهو ينطلق من أن للحواس حقائقها، إلا أنها تتسم مع ذلك بنقصان. فالبصر، على سبيل المثال، يبصر غيره ولا يبصر نفسه. وهو يبصر المتناهي ولا يبصر  غير المتناهي، ويبصر الظاهر ولا يبصر الباطن. على عكس العقل الذي يدرك غيره ويدرك نفسه. ويتساوى أمامه القريب والبعيد ويدرك الظاهر والباطن، بل كلّ ما في الوجود في مجاله. فهو يتصرف كما يقول الغزالي، في جميعها ويحكم عليها حكما يقينيا صادقا. فالأسرار الباطنة عنده ظاهرة والمعاني الخفية عنده جلية[10]. وهو الاستنتاج الذي يمتلك رصيده الفكري في تاريخ التصوف الأدبي والذوقي.(يتبع....). 

 

ا. د. ميثم الجنانبي

.............................

[1] ليس من مهمة هذا البحث تناول القضايا المتعلقة بدراسة وتحليل إشكاليات وخصوصية الظاهر والباطن في الفكر الصوفي. وذلك لأن لها تنوع في المستويات وخصوصية في تجليات المعرفة الصوفية. إن ما هو مهم بالنسبة لهذا البحث يقوم في الكشف عما في وحدة المعاني غير المتناهية، باعتباره النموذج الممكن للصوفي في تذليل النفس وقهرها، وتصفية القلب من وحدة الظاهر والباطن. وهو الاسلوب الذي اتبعه الغزالي في التحليل، والصيغة التي سلكها بفعل تطابقها مع مستلزمات "قواعد الطريق" نفسه. أما صياغتها النظرية، فإنها تتباين بأثر تباين مقدمات "الوعي النظري". لهذا كان لابد لها في حالة الغزالي، من أن تتبلور تحت ثقل النفي الصوفي لعقلانيته النقدية في علم الكلام والفلسفة والفقه.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص2.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص5.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص13.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص13

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص203.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص104.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص 104.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص104.

[10] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص52-53.

 

علاء اللامييمتد العصر البرونزي الوسيط بين (2000 – 1550 ق.م).وقد شهد النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد سيطرة حكم الهكسوس على فلسطين خلال القرون (18 وحتى 16ق.م). وفي هذا العصر (حوالي 1900ق.م)، تزعم الرواية التوراتية أن النبي إبراهيم ظهر مع ابن أخيه لوط في فلسطين، مهاجرا إليها من أور الكلدانية جنوب العراق. وفي فلسطين، ولد له ابناه إسماعيل وإسحاق وابنه يعقوب الذي لقب لاحقا بـ "إسرائيل". والحقيقة التي يتفق عليها جميع المتخصصين في الآثار التاريخية القديمة هي انعدام أي أثر أركيولوجي مكتوب أو غير مكتوب، في فلسطين وفي محيطها المصري والعراقي والشامي القديم، يؤكد حصول هذه الهجرة بأي معنى من المعاني.

تبدأ الرواية التوراتية بذكر فلسطين مع ولادة النبي إبراهيم في أور الكلدانية في سنة 1900 ق.م، فيما تتراوح ترجيحات ولادته في مصادر دينية غير تأريخية أخرى بين سنتي 2324 و1850 ق.م، وهجرته إليها حين كان في الخامسة والستين من عمره كما يقول سفر التكوين.

يمكن رسم خط هجرات إبراهيم التوراتية كما يأتي: من أور ← بابل ← حاران ← شكيم "نابلس" ← بيت إيل ← مصر ← بيت إيل ← حبرون "الخليل"← دمشق ← حبرون "الخليل" ← جرار ← بئر السبع ← مريا ← بئر السبع ← حبرون "الخليل".

إن قصة إبراهيم التوراتية بسيطة، وليس فيها ما هو مثير ومهم. إنها ليست سوى رحلات لأسرة صغيرة متوسطة الحال من رعاة الماشية الذين تعج بهم سهول الشرق الجزيري. فقد رحل إبراهيم مع زوجته سارة إلى أرض كنعان، ومعهم ابن أخيه لوط وزوجته، وأقام لفترة قصيرة في مدينة شكيم - نابلس، وبنى مذبحاً للرب. ثم تضيف التوراة أنه اتجه جنوباً بعد ذلك إلى بلدة "بيت إيل" الكنعانية والتي تحمل اسم كبير الإلهة الكنعانية إيل،[1] ووصل إلى النقب في طريقه إلى مصر بعد حدوث مجاعة. وبعد ذلك عاد من مصر إلى جنوب فلسطين، وفي بيت إيل ذاتها انفصل إبراهيم ولوط بسبب امتلاكهما قطعانا كبيرة من الماشية ووجود مراع قليلة ضاقت بها وعليها. وتزعم التوراة أن الرب وعد إبراهيم بأن تكون الأرض الواقعة بين الفرات والنيل له ولنسله. وقد استقر إبراهيم في حبرون "الخليل" حيث اشترى مغارة هناك، وتنقَّل في مناطق كنعان القريبة من الخليل "حبرون" مثل مدينة "جرار" الواقعة جنوب شرقي غزة، وكذلك "مريا" القريبة من القدس في الشمال. وبعد ذلك عاد إلى جنوب فلسطين، وعاد ليستقر في الخليل "حبرون" ليتوفى بها بعد عمر طويل يصل في أقصر الروايات إلى 175 عاما، ويدفن في المغارة التي اشتراها والتي تدعى اليوم "مغارة المكفيلة" الواقعة داخل المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل الفلسطينية.

إن كل هذه المعطيات والمعلومات لم ترد إلا في المصدر التوراتي، ولم يتم العثور على أثر أركيولوجي واحد يعتد به يؤكد وجود النبي إبراهيم وجودا تاريخيا كما أسلفنا. أما ما قيل عن وجود أثر يحمل اسم "إبراهيم" في "ألواح إيبلا" التي قرأها العالم الإيطالي جوفاني بيتيناتو، والمنسوبة الى القرن الخامس عشر ق.م، وزعم أنه عثر فيها على ذكر أسماء الأنبياء التوراتيين ابراهيم واسماعيل وداود، فهذه الألواح لم تحظ بتأكيد أو تأييد علمي رصين، والضجة التي أثارتها في السنوات الأولى لاكتشافها أواسط السبعينات من القرن الماضي بين أوساط المؤيدين لتاريخية التوراة وخصوصا سفر التكوين فيه انطفأت تماما، ولم يعد يهتم بها حتى التوراتيون الباحثون بلهفة عن أي أثر حاسم من هذا النوع.

وكان الباحث بيتر كريغ قد ناقش في كتابه "أوغاريت والعهد القديم" ادعاءات بيتيناتو ونقدها بعمق ودراية وأظهر تناقضها وعدم جديتها فكتب (في سياق عمله على هذه المجموعة الهائلة من النصوص - الإيبلائية - تبين لبيتيناتو أن 80% من هذه النصوص مكتوب باللغة سومرية، و20% مكتوب باللغة الجديدة التي دعاها الكنعانية المبكرة، وهي تشكل أكثر من ثلاثة آلاف رقيم منقوش بالخط المسماري المعروف له في منطقة سومر وأكد "..." ومع قيام بيتيناتو بدراسة محتويات الرُقُم الإيبلائية ، أخذ يطرح العديد من الادعاءات في تصريحاته ومقالاته)[2]. وبعد أن يعرض كريغ ادعاءات بيتيناتو، يركز على ادعائه وجود أسماء علم سامية وردت في التوراة كداود، واسم أحد ملوك إيبلا هو "إيبروم"، المتصل صوتا ولغويا بسلف العبرانيين المدعو "عابر"، إضافة إلى وجود المدن الخمس الواردة في سفر التكوين، سدوم وعمورة وأدمة وصبوئيم وبالع، وبأسماء بعض المدن الفلسطينية كمجدو وأورشليم وأشدود، يلاحظ كريغ أن إبرام قد ارتبط بمدينة حران، وأنه عاش بعد عدة قرون من عصر ازدهار إيبلا.

إنَّ هذه الحقيقية تعني انقطاع الصلة التاريخية والمضمونية بين المسمى إيبروم الإيبلائي وإبراهيم التوراتي! ثم هل كانت التوراة ستسكت لو كانت هناك أية علاقة بين إيبرام اللإيبلائي وإبراهيم التوراتي؟

إن قضية وجود أسماء جزيرية "سامية" من قبيل إبراهيم ويوسف ويعقوب وغيرهم، على آثار من الحضارات القديمة، تتكئ على تفسير أو تحليل وحيد هو التفسير اللفظي، القائم على التقارب الصوتي بين الأسماء كملفوظات صوتية، وليس على أي شيء آخر ذي علاقة بالسياقات التاريخية المعنية بذوي الأسماء وتلك الآثار. وممن سبق أن وقعوا في هذا المطب اللفظي اللاتاريخي المؤرخ فيليب حتي حين ذكر في كتابه "تاريخ سورية ولبنان. ص 160"، وفي معرض كلامه عن رجل من الهكسوس يدعى "يعقوب هار"، (ويعقوب هذا هو حتما يعقوب المعروف في التوراة). ويعلق يوسف سامي اليوسف ساخر على هذا الاستنتاج قائلا (ولماذا "حتما" هذه؟ هل من المحال أن يكون في الدنيا رجلان اسم كل منهما يعقوب؟)[3].

 كما خرج أسد أشقر في استنتاج مشابه حين كتب في كتابه "تاريخ سوريا" (ويبدو ان اليهود، بقيادة يعقوب، قد دخلوا مصر في تلك الحقبة. ص155). وكان الأجدى بأشقر، كما يعلق اليوسف (أن يطرح هذا السؤال: هل كان ثمة يهود على الأرض في أيام الهكسوس؟). واليوسف محق هنا تماما، فالهكسوس ظهروا في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وسيطروا على مصر بعد غزو وتسلل دام خمسين عاما في القرن السابع عشر، وفي تلك الحقبة لم يكن لليهود أو من يزعمون أنهم أسلافهم كالعابيرو والخابيرو أي وجود أو ذكر، حتى ورد ذكرهم للمرة الأولى بعد أربعة قرون تقريبا في إحدى رسائل تل العمارنة حيث أشير الى احتلال الخابيرو لمدينة شكيم الكنعانية سنة 1360 ق.م والتي سيطروا عليها لنصف قرن فقط.

ومن هذا القبيل، أخيرا، ما ذكره الباحث العراقي أحمد سوسة في كتابه " العرب واليهود في التاريخ"، حين كتب ما معناه أن المنقيبين عن الآثار اكتشفوا مكانا يسمى يوسف بعل. وإن يوسف بعل اسم كنعاني ولا يعني سوى أن الساميين قد اجتاحوا مصر وحكموها خلال العصر الذي سمي عصر الهكسوس)[4] وما يقوله سوسة هنا مجرد ترجيح ضعيف، فأصل الهكسوس ما يزال غامضا، وموضوع نقاش وعدم اتفاق بين الباحثين المتخصصين حتى اليوم!

 نعود لما تكتبه كريغ فهو يقول بهذا الصدد إن عددا من الباحثين (رأى في مكتشفات إيبلا وقراءة بيتيناتو المتعجلة لها مجموعة جديدة من المعلومات التي يمكن أن تسوي الجدل الدائر حول تاريخية أو لا تاريخية النبي التوراتي إبراهيم. وللوهلة الأولى بدا أن هذا الاكتشاف يرجح كفة القائلين بتاريخية سفر التكوين، من الإصحاح 12 إلى الإصحاح 50، ولكن المسألة لم تكن على هذه الدرجة من الوضوح "..." وبين عامي 1975 و1980 قامت دعاوى عديدة صدرت عن أناس لم يروا رقُم إيبلا ولا يعرفون قراءة نصوصها أو ترجمة لغتها ولم يضعوا قدما في سورية. وإذا كنا نغفر لبيتيناتو الادعاءات المتسرعة التي تقدم بها بداعي حماسته للاكتشاف الجديد، فإننا لا يمكن ان نغفر لمن سار على خطاه، مثل أحد الباحثين الاستراليين الذي سارع عقب قراءة بيتيناتو إلى طباعة كتيب يدعي فيه أن مدينة إيبلا قدمت أخيرا الدليل القاطع على أن الكتاب المقدس على حق دوما).

ثم ينصح كريغ في كتابه فيقول (إن علينا أن نكون حذرين قبل إصدار أية دعاوى بهذا الخصوص، وقبل أن يمر زمن طويل تصبح فيه هذه المكتشفات معروفة ومقروءة جيدا من قبل الباحثين). ويختم كلامه بطريقة ساخرة فيقول (إنه لمن الخطأ أن نركب أية عربة تذيع الموسيقى وترفع يافطة كتب عليها "إيبلا تؤيد الكتاب المقدس"، وذلك لسببين: الأول هو أن الادعاء بصحة وثيقة ما، اعتمادا على بينة لم تُعاين شخصيا، ولم تدرس بما فيه الكفاية، هو أمر على جانب كبير من الخطورة، وهو كارثي من ناحية أكاديمية، وهو غير مسؤول من المنظار اللاهوتي والديني. أما السبب الثاني فهو أن هذه الدعاوى تتخذ طابع التضليل، وهي تنتمي في جزء منها إلى اتجاه يسود العالم المسيحي المعاصر، ويسعى لوضع اليد على أي شاهد ظاهري شكلي من شأنه دعم الإيمان المسيحي، سواء كان أخشاب سفينة نوح أو رقم مدينة إيبلا أو كفن تورينو. ص 146)[5]. وبعد مرور عقدين من السنوات على كلام كريغ هذا لم يخرج باحث رصين أو مؤسسة علمية مهمة وذات صدقية بأي تأكيد أو تأييد لادعاءات بيتيناتو تلك وتم إهمالها حتى من الباحثين التوراتيين أو المتدينين المسيحيين المتلهفين لأية أدلة كهذه.

 ويشير تقرير صحافي مقتضب، نشر قبل سنوات قليلة، إلى أن بعض تلك المكتشفات الإيبلائية (قد ترجمت من قبل اختصاصيين دوليين قاموا بنشر نتائج قراءاتهم وأبحاثهم في مجلة "دراسات إيبلائية" وفي مجلة "حوليات إيبلا"، وقدموا دراسات مهمة، ردت علمياً، على تلك الادعاءات، عن علاقة إيبلا بالتوراة، ومدن السهل الخمس، وكانت حصيلة الدراسات أن لا علاقة لإيبلا، من قريب ولا من بعيد، لا من حيث الشكل أو المضمون، بالعبرانيين أو التوراة)[6].

وتستمر الرواية التوراتية الدينية في روايتها حتى تبلغ عصر النبي موسى الذي -بحسب رواية التوراة نفسها - قاد بني إسرائيل باتجاه الأرض المقدسة في النصف الأخير من القرن 13 ق.م؛ أي قرب نهايات العصر البرونزي المتأخر، الذي شهد هو، وبداية العصر الحديدي، قيام مملكة داود وسليمان 1004 – 923 ق.م.

وبهدف الاختصار، سأدرج فقرات قليلة من مخطط تزميني "كرونولوجي" طويل جدا وذي طابع رسمي حول تاريخ مزعوم للعبرانيين، اليهود، بني إسرائيل في فلسطين، وقد تعمدت أن أقتبس هذا المخطط الكرونولوجي كما هو - مع بعض التصحيحات اللغوية والاختصار- من موقع وزارة الخارجية "الإسرائيلية"، ليكون أكثر "رسمية" في التعبير عن وجهة نظر الحركة الصهيونية الحديثة ودولتها القائمة اليوم، ثم سنبين تفصيلا كيف دحضت المكتشفات الآثارية العلمية الصلبة والمقنعة هذا المخطط الكرونولوجي الصهيوني الخرافي:

*حوالي 1700ق.م: بداية ״فترة الأجداد״ (المرحلة البطريركية) التي عاش فيها إبراهيم وسارة وهاجر في الجيل الأول، وإسماعيل وإسحاق ورفقة في الجيل الثاني، يعقوب، راحيل، ليئة وعيسـو في الجيل الثالث، يستقدم يوسف أباه وإخوته أواخر هذه الفترة للعيش في مصر بمباركة فرعون (سفر التكوين).

*حوالي 1250 ق.م: الفترة التقريبية للخروج التوراتي أو النزوح من مصر إلى صحراء سيناء، حيث عاش هناك بنو إسرائيل أربعين سنة (سفر الخروج والعدد).

*حوالي 1210 - التأريخ التقريبي ״لغزو״ بني إسرائيل أرض كنعان (سفر يشوع).

715 – يقوم الملك حزقيا بتقوية النظام الديني وتوحيد مملكة يهودا الناجية.

721-586 – تنجح يهودا في البقاء مملكة مستقلة، ومن حين إلى آخر تدفع الجزية للإمبراطوريتين البابلية والمصرية.

587-586 – تفتتح بابل أورشليم وتدمر الهيكل، وتصبح يهودا محافظة بابلية.

إن الأخطاء الفظيعة في هذا المخطط الكرونولوجي لوزارة الخارجية الإسرائيلية كثيرة، ولا تستحق الوقوف عندها لأنها لا تمت بصلة لأي علم من العلوم القديمة أو الحديثة، بل تمت بكل الصلات إلى البروباغندا السياسية والدينية. ولعل من أبرز تلك الأخطاء، أن كاتب التزمين أطلق اسم "أرض إسرائيل" وحذف اسم البلاد الصحيح والمتفق عليه بين الباحثين، وهو "بلاد كنعان"، في فترة تسميها التوراة "حكم القضاة" بين القرن الثاني عشر والحادي عشر ق.م!

كما جمع الكاتب أطلال السامرة الموجودة في قرية سبسطية على بعد 12 كم شمال غرب نابلس، مع أطلال شكيم الموجودة في قرية بلاطة البلد على بعد كيلو متر واحد في الطرف الشرقي لمدينة نابلس الحالية، جمعهما في مدينة واحدة هي السامرة وجعلها عاصمة لمملكة منشقة تدعى إسرائيل.

يمكننا أن نستخلص من المخطط التزميني التوراتي الذي استنسخته الخارجية الإسرائيلية عن التوراة مباشرة، الخلاصات التالية:

*قبل القرن السابع عشر قبل الميلاد، لم يكن للعبرانيين أو اليهود أي وجود في فلسطين التاريخية، التي كانت عامرة بالمدن والتجمعات السكانية الكنعانية آنذاك، وفي القرن الثامن عشر ق.م مرت أسرة النبي إبراهيم بفلسطين في طريقها الى مصر.

*يبدأ الغزو العبراني وفق رواية التوراة لبلاد كنعان في القرن الثاني عشر قبل الميلاد بعد "الخروج من مصر" بأربعين عاما، هي فترة التيه في سيناء، وينتهي عهد "الاتحاد الكونفدرالي غير المتين لاثنتي عشـرة قبيلة" تعيش في مناطق قبلية منفصلة داخل "أرض إسرائيل"!

نلحظ هنا جذور الكذبة التاريخية، فقد أصبحت "أرض كنعان" أو فلسطين التاريخية في الرواية التوراتية والصهيونية المعاصرة فجأة "أرض إسرائيل"، لمجرد أن عدة قبائل، أو ربما أفخاذ من قبيلة مهاجرة، استولت على جزء من تلك الأرض. وقطعا، لا وجود لأي دليل أثري واحد من فلسطين أو مصر أو العراق أو الشام يؤكد أي تفصيل من هذه التفاصيل. أما التوراة نفسها فتعترف - ضمن تناقضاتها التي لا حصر لها - بأن سيطرة "بني بنيامين العبرانيين" على القدس قد تمت، كما يفهم، عن طريق التسلل التدريجي، وليس عن طريق الحرب والغزو، إذْ يقول  سفر القضاة 1: 21، (وَبَنُو بَنْيَامِينَ لَمْ يَطْرُدُوا الْيَبُوسِيِّينَ سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، فَسَكَنَ الْيَبُوسِيُّونَ مَعَ بَنِي بَنْيَامِينَ فِي أُورُشَلِيمَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ)[7]، بعد أن قالت في صفحة أخرى من السفر نفسه إنها أخذت من الكنعانيين بحد السيف (سفر القضاة 1: 8) وَحَارَبَ بَنُو يَهُوذَا أُورُشَلِيمَ وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَشْعَلُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ[8]، وبنيامين ويهوذا أخَوان من الأسرة ذاتها، فهما ابنان ليعقوب بحسب التوراة.

*بين تتويج شاؤول سنة 1020 ق.م، وسقوط دويلة يهوذا سنة 586 ق.م، لا يزيد عمر الدولتين العبرانيتين المزعومتين إسرائيل ويهوذا على ثلاثة قرون وسبعين عاما تقريبا، تتخللها حروب ضارية ضد الفلسطينيين وتنتهي بهزيمتهما العسكرية وتدميرهما من قبل الرافدينيين الجزيريين، الآشوريين فالكلدانيين. وهناك الكثير من الأدلة على أن هاتين الدولتين لم تكونا يهوديتين أو عبرانيتين في القرون الأولى، بل كانتا دولتين كنعانيتين، تهودت إحداهما في القرون الأخيرة من تاريخها، وهي يهوذا "الجنوبية"، وبقيت الدولة الشمالية "إسرائيل" كنعانية وثنية - كما يدل اسمها الحاوي على اسم أكبر آلهة كنعان إيل - منذ بدايتها وحتى سقوطها.

هذا بخصوص النبي إبراهيم التوراتي فماذا بخصوص مقولة "شعب إسرائيل القديم" وكيف فككها العلماء والباحثون المتخصصون وفي طليعتهم توماس.ل. تومسن؟ هذا ما سيكون موضوعا لمقالتنا القادمة. 

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..............................

**هذه المقالة جزء من دراسة مطولة حول الموضوع ستصدر لاحقا في كتاب "نقد الجغرافيا التوراتية ودراسات أخرى".

[1] - صادر الصهاينة في دولة "إسرائيل" هذا الاسم " بيت إيل"  واعتبروه عبرياً ويهودياً، وأطلقوه على مستوطنة أقاموها على أراض فلسطينية مصادرة هي الأخرى شمال شرقي مدينة البيرة.

[2] -  بيتر كريغ  - أوغاريت والعهد القديم – ص 142 و 144 – ترجمة فراس السواح – دار ممدوح عدوان للنشر – ط1 – دمشق 2016.

[3] - يوسف سامي اليوسف – تاريخ فلسطين عبر العصور – ص38 – دار الأهالي – ط1  – دمشق 2000.

[4] - اقتبسه اليوسف – المصدر السابق – ص 38.

[5] - المصدر السابق - ص 147 .

[6] - تقرير إخباري بعنوان " ألواح إيبلا" نشر بتاريخ 27 نيسان 2015 في موقع شبكة الأخبار السورية المتحدة.

[7] - (سفر القضاة 1: 21) وَبَنُو بَنْيَامِينَ لَمْ يَطْرُدُوا الْيَبُوسِيِّينَ سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، فَسَكَنَ الْيَبُوسِيُّونَ مَعَ بَنِي بَنْيَامِينَ فِي أُورُشَلِيمَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ.

[8] - (سفر القضاة 1: 8) وَحَارَبَ بَنُو يَهُوذَا أُورُشَلِيمَ وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَشْعَلُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ.

 

رحيم الساعديبقلم الباحث اليوناني: إيليني لينارداكي

 موقع linke اليوناني

ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي

***

يُعرف معظم المسيحيين - لا سيما من خلال القراءات النبوية التي تُسمع في المعابد الأرثوذكسية وأيضًا من خلال دراساتنا الخاصة - العديد من نبوءات العهد القديم، التي أصبحت أحداثًا في العهد الجديد والتي تثبت كدليل لا يمكن دحضه، ليس فقط في أصولهم الملهمة، ولكن أيضًا في الحقيقة المطلقة عن حياة وتعاليم يسوع المسيح.

على سبيل المثال، فإن قلة من المسيحيين هم الذين لا يعرفون نبوة إشعيا في الفصل 53 من ثمانية قرون قبل وفاء المحدد لتلك النبوءات بوصفها من العاطفة الإلهية، ولكن ما هو غير معروف على نطاق واسع هو أن العديد من الكتاب اليونانيين القدماء تركوا نبوءات مروعة عن يسوع المسيح الذي كان سيأتي إلى العالم ويعاني من أجل خلاصنا.

هذه شظايا نبوية أطلق عليها آباء كنيستنا "خطابًا مألوفًا" وتوجد في جميع الشعوب، يتم نشر البعض منها اليوم أدناه، كرد فعل على أولئك الذين يشككون في مسيحية المسيح، وكذلك تقوية إيماننا جميعًا من قبل المسيحيين الأرثوذكس.

 ويتبين من دراسة مقارنة لتقاليد شعوب العالم المختلفة، ان البشرية جمعاء قبل الميلاد كانت تنتظر مجيء المخلص الذي سيخلص البشرية من الموت وقد تنبأ العالم القديم، بطرق مختلفة، وسوف نشير إلى بعض من شهدوا في المخطوطات والأعمال القديمة.

فسقراط قال في دفاعه: (يا أهل أثينا، في كل حياتكم وأنت نائمون أنتم تدنون من الموت، وقد تمكنت من إيقاظكم من نوم الظلام.  سوف تنامون حتى يأسف الله ويرسل إليكم الشخص الذي سيوقظكم حقًا)

-أفلاطون، اعتذار سقراط -

وأفلاطون كان قد كتب في كتابه القانون (الصديق الذي ظلموا وجلدوا، وضربوا في نهاية المطاف سوف يصلب "كما تحتوي "دولة" أفلاطون على نبوءة تساوي نبوءات أنبياء العهد القديم: فهو يقول (سيتم تجريده من كل شيء ما عدا العدالة، لأنه كان معارضًا بطبيعته ومن دون إدانة أي شخص، سوف يتعرض للخديعة إلى حد كبير ويوصف بانه غير عادل ويتعذب من أجل العدالة، وسوف يمتلئ بالدموع، سوف يكون مشوه الجلد، ومن بين الجروح الكثيرة التي تظهر على وجهه، سوف يستحم، وفي النهاية، بعد كل شر، سيُسم على خشب عالٍ.

والعرافات، أيضا، اللواتي كن من المتنبئات من العصور القديمة اللواتي لديهن القدرة على يتنبأن بالمستقبل ينظر (سقراط في عمل أفلاطون "فيدروس").

في جبل آثوس، توجد أيضًا مخطوطات تحافظ على نبوءات سيبيلوس لمجيء المسيح، على سبيل المثال، في مخطوطة تحت عنوان "النصب التذكاري للرسول المقدس فيليبس" المحفوظة في دير Dochiarios يرد  ما يلي:

(بعد مرور فترة طويلة، سيأتي الانسان إلى هذه الأرض الهادئة ويولد بتضحيات غير محدودة مع حدود إلهية لا تنضب، سوف يستبدل الإنسان وسوف يحسده الناس غير المؤمنين به ويعلقونه ليموت)

وتقول العرافة أيضا (من يفعل كل شيء عن طريق السبب وسوف يشفي كل إنسان، وسوف يكسر الرياح بكلمته، وسوف يطمئن البحر المرتجف، بعد أن مشى بسلام وإيمان وسيقدم الخدين والظهر المطهر بالسياط. بينما هم يصفعونه، سوف يصمت، حتى لا يمكن أن يفهموا من هو، ما هو (الابن)، من أين أتى ليتحدث إلى الموتى، وسوف يرتدي تاج الشوك)

والعرافة ودلفي في هذا العمل الافلاطوني (فيدروس) تتنبأ بالابن العظيم، الذي أظهر المجد  الذي لم يولد، من زوجين اثنين بسبب الجسد، وظهر واستحم في تيارات نهر الأردن)

وتنبأت العرافة في كتاب أفلاطون "Faidos " بالقول (انت لم تتعرف على إلهك، الذي سكب في مجرى الأردن، وطار روحًا لفترة طويلة، هو الذي كان قبل الأرض وكانت نجوم السماء الكاملة مهيمنة بكلمة الأب والروح الطاهرة، ورغم أنه كان قوياً في الجسد، فقد طار سريعًا إلى منزل والده)

 وقد أخرجت الشعوب القديمة الأخرى مثل هذه النبوءات دون أن تقترب بأي حال من الأحوال من دقة نبوءات العهد القديم لتقتصر فقط على الإشارة إلى مجيء المنقذ الذي سوف يسترد العالم.

ومع ذلك، فإن نبوءات الإغريق القدماء تقدم معلومات مفصلة للغاية عن المسيح (مولده من قبل العذراء مريم، طبيعته الإلهية، عجائبه، الصلب، النزول إلى الجحيم وقيامته).  

هذا هو بالضبط ما يعترف به كاتبنا الكنسي العظيم كليمنت الإسكندري (القرن الثاني بعد الميلاد)، والذي صرح صراحة في ستروماتيس (المتفرقات) (٥: ١٣) بوضوح: "أنا مع الإغريق بشكل واضح احتجاجًا على منقذنا"

 

 ................................

الآراء الواردة تمثل وجهة نظر صاحب المقال – د. رحيم الساعدي-

 

محمود محمد عليعُنى الأندلسيون عناية فائقة بجميع أنواع العلوم في تاريخ الحضارة الإسلامية، من علوم الدين واللغة والأدب والنحو والصرف والتاريخ وعلوم الطبيعة والطب والموسيقى والهندسة والرياضة والفلك والمنطق والفلسفة، وكانت علوم الدين واللغة أساساً للتربية العقلية، فكنت لا تجد طبيعياً ولا فيلسوفاً إلا وله علم بالفقه والنحو والشعر.

ولقد ازدهرت دراسة النحو فى الأندلس ؛ حيث كان للنحو مكانة سامية ومنـزلة رفيعة لدى الأندلسيين، فكانوا يعدونه أصلاً من أصول ثقافتهم وكان العالم عندهم لا تكون له قيمة في نظرهم إلا إذا كان بارعاً فى علم النحو ؛ يقول "ابن سعيد المغربى" : "وهم – أى فى الأندلس – كثير، والبحث فيه (أى فى النحو)، وحفظ مذاهبه كمذاهب الفقه، وكل عالم فى أى علم لا يكون متمكناً من علم النحو بحيث لا تخفى عليه الدقائق فليس عندهم بمستحق للتميز ولا سالم من الازدراء".

وكانت بداية الاتجاه النحوي فى الأندلس في منتصف القرن الثاني الهجري، فكان أول مَن جمع بين علوم الدين واللغة " أبو موسى الهوارى" في خلافة "عبد الرحمن بن معاوية"، فلقى الإمام مالكاً وأقرانه من الأئمة، كما لقى الأصمعي وأبا زيد وأقرانهما.

وبدأ النحو فى الأندلس كما بدأ في المشرق عبارة عن قطعة مختارة فى لفظ غريب يشرح، أو مشكلة نحوية توضح على النحو الذى نراه في "أمالى القالي" و"الكامل للمبرد"؛ ثم ألفوا نحواً فى مسائل جزئية، كما فعل "أبو على القالى" نفسه فى "فعلت وأفعلت"، والمقصور والممدود، وكما فعل "ابن القوطية" فى كتابه " الأفعال".

ويعد "جودى بن عثمان"، أول نحوى بالمعنى الدقيق ؛ حيث رحل إلى المشرق وأخذ عن الرياشى، والفراء، روى عن "الكسائي" كتابه واستصحبه معه فى عودته إلى القيروان، غير أنه اتجه إلى قرطبة وسكن فيها بعد قدومه من المشرق، يعد أوّل من أدخل كتاب الكسائي فى الأندلس، كان نحوياً عارفاً أدّب فى قرطبة أولاد الخلفاء، وتصدّر فيها لإفادة الطلاب فى النحو، وألّف كتاباً فيه، توفى سنة ثمان وتسعين ومائة .

وفى مطلع القرن الثالث الهجري تكاثر هؤلاء القراء والمؤدبون، فتميز من بينهم "عبد الملك بن حبيب السلمى" (ت:238)، وكان إماماً فى الفقه والحديث والنحو واللغة. ولكنه كان جامعاً لضروب الثقافة الإسلامية وقد ذكره "ابن الفرضي" في كتاب " طبقات الأدباء " فجعله صدراً فيهم وقال :" انه كان فقيهاً مفتياً نحوياً لغوياً نسابة اخبارياً عروضاً فائقاً شاعراً محسناً مترسلاً حاذقاً .

وخلال هذه الفترة كان النحاة الأندلسيين قد اعتنوا بالنحو الكوفي، وقدموه علي النحو البصري، ولم تكن العناية بالنحو الكوفي من فراغ ؛ بل كان أمر له مبرراته وأسبابه، أهمها هو أن مدرسة البصرة التي أسست النحو قبل مائة عام تقريباً من نشأة مدرسة الكوفة التي كانت قد اكتملت آراؤها النحوية، وتبلورت وأصبحت منتشرة في البلاد. ولما جاء الأندلسيون لطلب النحو من المشارقة، كان النحو الكوفي وقتذاك في بداياته، وكانت الآراء النحوية المطروحة بسيطة غير معقدة تلائم مستواهم العلمي في مجال النحو فأخذوا بها، لسهولتها لذلك كان اهتمامهم بالنحو الكوفي متقدماً علي البصري في البداية .

ومضت السنون والنحو الكوفي يسيطر علي الساحة الأندلسية حتي اشتدت سواعد الأندلسيين ووجدوا أنهم قادرين علي تجاوز النحو المختصر، إلي النحو الآخر، وهو نحو البصرة وقياساته وأحكامه، ليتخلصوا من الفوضى التي يوقعها بعض دعاة النحو الكوفي باعتمادهم الصارم علي قاعدة بمجرد سماع مثال واحد فقط، وهذا الأمر أوجد الاضطراب والفوضى في النحو العربي، وأفسد سماع الكسائي – شيخ المدرسة الكوفية – للشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة وجعله أصلاً يقيس عليه، أفسد النحو العربي، لذلك وجه علماء الأندلس جهودهم نحو البصرة وعلمائها فأخذوا النحو البصري الذي طبع به نحوهم فيما بعد .

ويعد العالم " الأُفشَنيق محمد بن موسى بن هشام"  المتوفى سنة 307هـ،أول من اهتم من الأندلسيين بالنحو البصري ؛ حيث يروي عنه أنه سافر إلى المشرق ولقى "أبا جعفر الدينورى"، وأخذ عنه كتاب سيبويه، وبدأ يقرئه بقرطبة لطلابه.

وفى أواخر القرن الثالث حاول "أبو موسى بن هاشم " المتوفى سنة (307هـ) أن يدخل إلي أرض الجزيرة كتاب سيبويه ؛ وما إن دخل كتاب سيبويه أرض الأندلس إلا وقد ذاع صيته وعمت شهرته، حتي وجد له بين العلماء من يتلقاه شرها، فرحاً بغنمه الجديد، فوجه الكثير من علماء الأندلس جهودهم نحو الكتاب الوافد عليهم من المشرق، وذلك بشرحه أو الاستدراك عليه أو دراسته وتدريسه، وقد بلغ الشغف بكتاب سيبويه مبلغه " حتي كان الناس يتساءلون هل يقرأ كتاب سيبويه، فإن قيل لا، فيقولون : لا يعرف شيئاً.

ولا يلبث " محمد بن يحيى المهلبى الرباحى الجيانى" المتوفى سنة (353هـ)، أن يفتح عصر الاهتمام البالغ فى موطنه بكتاب سيبويه، وكان يعاصره فى قرطبة أبو على القالى الذى نزل الأندلس سنة (330هـ)، وقاد فيها نهضة لغوية ونحوية خصبة.

فقد عرفت الأندلس منذ منتصف القرن الرابع الهجرى، أجيالاً من علماء النحو، ازدهرت بهم قرطبة، وأصبحوا قبلة الطلاب يأخذون عنهم الكتاب، فلم يُطِلّ عصر ملوك الطوائف إلا ومدرسة الأندلس النحوية قد استقرت، وغدا شيوخه يقفون على قدم المساواة مع شيوخ المشرق، وأصبح من النادر أن نعثر على من يطلب العلم عن المشارقة؛ حيث اتضحت معالم الدراسة اللغوية فى الأندلس واكتملت، وشعر الأندلسيون بأن لديهم حظاً موفورا منها، ولا أدل على ذلك من أن أعلام اللغة والنحو فى هذا العصر، وهم "ابن سيدَه "(ت 485هـ) و"ابن الأفليلى" (ت 441هـ) و"ابن سراج" (ت 489هـ) و"أبو الوليد الوقشى" (ت 489هـ) و"الأعلم الشنتمرى" (ت 476هـ) ، وللأعلم الشنتمري شروح عديدة على كتب النحو منها ( النكت )، وهو شرح لكتاب سيبويه وأيضا له شرح لكتاب الجمل للزجاجي . ومن أهم نحويي الأندلس الذين يدين لهم الدرس النحوي إلى يومنا هذا .

وعلى هذا أخذت دراسة النحو تزدهر فى الأندلس منذ عصر ملوك الطوائف، فإذا نحاتها يخالطون جميع النحاة السابقين من بصريين وكوفيين وبغداديين، وإذا هم ينتهجون نهج الآخرين من الاختيار من آراء نحاة الكوفة والبصرة، ويضيفون إلى ذلك اختيارات من آراء البغداديين وخاصة أبا على الفارسى وابن جنى، ولا يكتفون بذلك، بل يسيرون فى اتجاههم من كثرة التعليلات والنفوذ إلى بعض الآراء الجديدة.

ولقد نضج النحو فى القرن السادس الهجري، وذاعت شهرة الأندلسيين فيه. ومن بين هؤلاء ابن السيد البطليوسى (ت 521 هـ)، فكان يقرئ الطلاب فى قرطبة، ثم فى بلنسية النحو، وعنى بكتاب الجمل للزجاجى، و"ابن الباذش الغرناطى" (ت 528 هـ)، الذى كان ذا معرفة واسعة بعلم العربية، وصنف شروحاً على كتب مختلفة للبصريين والبغداديين، و" ابن عطية الغرناطى "، صاحب المحرر الوجيز، والمتوفى (541هـ)، و "أبو القاسم السهيلى"، المتوفى (581هـ) مؤلف نتائج الفكر، وغيره، و" ابن خروف"  (ت:609هـ) وابن عصفور الاشبيلي (ت:669هـ)، صاحب كتاب المقرب والممتع في التصريف وغيرها من الكتب المهمة في مجالي النحو والصرف، ومنهم ابن مالك الطائي الأندلسي (ت672هـ) صاحب الألفية المشهورة في النحو، وله كتب مهمة في النحو منها كتاب التسهيل، الذي نال اهتماماً بالغاً من النحاة فكثرت شروحه والتعليقات عليه . ومنهم أبي حيان الأندلسي (ت745هـ) صاحب المؤلفات المهمة في النحو لعل من أهمها كتاب "التذييل والتكميل في شرح التسهيل"، و"ارتشاف الضَّرَب من لسان العرب" وغيرها، وكان أبو حيان إلى جانب ذلك مفسراً له أهم كتاب في التفسير اللغوي والبلاغي هو ( تفسير البحر المحيط ) الذي يعد بحق بحراً محيطاً وكتاباً موسوعياً في تفسير القران .

وهكذا برز الأندلسيون فى النحو وبرعوا فيه وأحيوا عصر الخليل وسيبويه كما يقول ابن سعيد، ولعل السر فى ذلك هو ما كان لهؤلاء من فطرة عجيبة فى قوة الذاكرة والحفظ التى اعتقد أنها من أثر جمال الطبيعة فى نفوسهم فكانوا فى عناية الاستحضار للمسائل البديهية".

والسؤال الآن : كيف انتقلت الثقافة المنطقية عند نحاة الأندلس؟

كان الانتقال علي مرحلتين : المرحلة الأولي  كانت عن طريق "ابن حزم"، حينما ألف كتابه " التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية،  بيد أن هذه المرحلة لم تكتمل بسبب النـزعة الظاهرية التي كان ابن حزم يعتنقها، الأمر الذي جعلته يدخل الثقافة المنطقية إلي العلوم بشكل جزئي وليس كلي بسبب رفضه للعلل والأقيسة الفقهية والنحوية، وهذا أدي بالكثير من النحاة الأندلسيين خلال القرنين الخامس والسادس إلي الإعراض عنها تماما، ومما عزز هذا الإعراض ثورة ابن مضاء الأندلسي الذي تبني ظاهرية ابن حزم بمحاولته إنكار العلل والأقيسة في النحو المشرقي.

والمرحلة الثانية بدأت بدخول كتب أبي حامد الغزالي المنطقية لأرض جزيرة  الأندلس  عن طريق تلاميذه ومريديه من أمثال أبو بكر بن العربي ومحمد تومرت اللذين أقنعوا الكثير من النحاة الأندلسيين بتبني مشروع الغزالي في مزج المنطق بعلوم المسلمين بدلاً من مشروع ابن حزم الذي أفسدته نزعته الظاهرية والتي أنكرت العوامل والعلل والأقيسة، ووجدوا مؤيدين ومشجعين لذلك من النحاة من أمثال ابن سيدة، وابن السيد البطليوسى، وابن الباذش،  وابن عطية الغرناطى، وأبو القاسم السهيلى، وابن عصفور وصولاً إلي ابن الأزرق (ت:896هـ) في القرن التاسع الهجري.

وعلي ذلك تدور محاور هذا المقال علي النحو التالي :

- موقف ابن جزم من المنطق الأرسطي:

- أدلة ابن حزم لإبطال القياس الفقهي :

-  مبررات نجاح مشروع الغزالي علي حساب مشروع ابن حزم:

- الثقافة المنطقية عند نحاة الأندلس (البطليوسي نموذجاً):-

أولاً- موقف ابن حزم من المنطق الأرسطي:

لو أننا استقرينا موقف مفكري الإسلام من علوم الأوائل، خصوصاً في القرنين الرابع والخامس الهجريين، لوجدنا أن الكثيرين منهم قد ثاروا علي الفلسفة عموماً ، والمنطق علي وجه التخصيص ." وقد ظهر الكفاح ضد المنطق في صورة معارضة خطيرة كل الخطورة، فاعُتبر الاعتراف بطرق البرهان الأرسططالية خطراً علي صحة العقائد الإيمانية، لأن المنطق يهددها تهديداً جدياً كبيراً . وعن هذا الرأي عبر الشعور العام لدي غير المثقفين في هذه العبارة التي جرت مجري المثل :" من تمنطق فقد تزندق ".

وقد بلغ هذا الاتجاه ذروته في السادس والسابع عند " تقي لدين عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح الشهرزوري (643هـ -677هـ)، حينما أصدر فتواه الشهيرة بتحريم المنطق والاشتغال به وبالفلسفة تعلماً وتعليماً ؛ فتساءل : هل أباحه واستباحه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون والسلف الصالحون ؟ وهل يجوز استخدام الاصطلاحات المنطقية أم لا في إثبات الأحكام الشرعية، وهل الأحكام الشرعية مفتقرة إلي ذلك في إثباتها أم لا ؟..وما الواجب علي من تلبس بتعليمه وتعلمه متظاهراً به ؟ وما الذي يجب علي سلطان الوقت في أمره ؟ وإذا وجد في بعض البلاد شخص من أهل الفلسفة معروف بتعلمها وأقرانها والتصنيف فيها – فهل يجب علي سلطان البلد عزله وكفاية الناس شره؟ .

وقد أجاب ابن الصلاح علي هذا بأن :" المنطق مدخل الفلسفة – والفلسفة شر ومدخل الشر شر وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشرع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدون والسلف الصالح وسائر ما يقتدي به .

ثم يجيب ابن الصلاح عن النقطة الثانية من السؤال، وهي استخدام الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الفقهية فيقول :" إنها من المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة، وليس بالأحكام الشرعية افتقار إلي المنطق أصلاً وما يزعمه المنطقي بالمنطق من أمر الحد والبرهان فقائع قد أغني عنها الله كل صحيح الذهن، ولا سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية . ولقد تمت الشريعة وعلومها، وخاض في بحر الحقائق والرقائق علماؤها، حيث لا منطق ولا فلسفة ولا فلاسفة ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه المنطق والفلسفة لفائدة يزعمها فقد خدعه الشطان .

وكان من نتيجة هذه الفتوي تحريم النظر في كتب أصول الفقه التي مزجت فيها الأصول بالمنطق مثل :" البرهان " للجويني، و" المستصفي" للغزالي، وغيرهما من الكتب الأصولية الهامة .

وهناك فتوي لابن الصلاح تثبت هذا تمام الإثبات، فقد سئل عن كتاب من كتب الأصول ليس فيه شئ من علم الكلام ولا من المنطق، ولا ما يتعلق بغير أصول الفقه : هل يحرم الاشتغال به أو يكره ؟ وفي الواقع أن المقصود بهذا السؤال هو الجانب السلبي من المسألة، أي عدم إباحة دراسة كتب الأصول الممزوجة بالمنطق . أجاب ابن الصلاح بأن كتب الأصول إذا خلت من منطق أو فلسفة فمن المعلوم دراستها .

ويستطرد ابن الصلاح فيضمن فتواه بأن علي ولي الأمر أن يخرج معلمي المنطق الأرسطي من المدارس، وأن يعرضهم علي السيف حتي يستتيبوا .

تلك هي عناصر فتوي ابن الصلاح، كان لها من الأثر البالغ في العالم الإسلامي ؛ حيث يأخذ بها كل من خاصموا المنطق والفلسفة بعد ذلك . ونحن نعرف أن أبا الوليد الباجي – خصم ابن حزم المشهور – قد نصب نفسه عدواً للمنطق، وكيف أفتي بعدم جواز قراءته إلا لبيان فساده، فضلاً عن أنه هو الذي نقل إلي أهل الأندلس أن المنطقي ببغداد " مستحقر مستضعف"، وقد ذكر لنا ابن حزم نفسه أنه رأي " طوائف من الخاسرين شاهدهم أيام عنفوان طلبه، وقبل تمكن قواه في المعارف ... كانوا يقطعون بظنونهم الفاسدة، من غير يقين أنتجه بحث موثوق به، علي أن الفلسفة وحدود المنطق منافية للشريعة " ونستنتج من هذه العبارة أن اشتغال ابن حزم بدراسة الفلسفة والمنطق قد بدأ في مرحلة مبكرة من مراحل تطوره الفكري، مما يؤيد قول صاعد الأندلسي :" وكان ابنه الفقيه أبو محمد وزيراً لعبد الرحمن المستظهر ...ثم نبذ هذه الطريقة، وأقبل علي قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن، فعني بعلم المنطق ... وأوغل بعد هذا في الاستكثار من علوم الشريعة ".

وليس بدعاً أن  يكون المنطق من أوائل العلوم التي أقبل علي دراستها ابن حزم ، حيث كان من أهم أغراض المشروع الثقافي لأبن حزم  كما يذهب الكثير من الباحثين هو تأسيس الشرع على القطع، وضبط القواعد المتبعة فى العلوم الدينية، وهو مقصد لا يتأتى إلا بالاستعانة بعلوم الأوائل ومن بينها، وأهمها المنطق من حيث هو أداة ضابطة للتفكير، تضفى عليه الصرامة والدقة الضروريتين للحفاظ على هوية الشرع وعلى كما له وحمايته من خطر الإضافات والزيادات، لا على المستوى الشرعى فحسب، بل حتى على المستوى العقائدي ؛ حيث خطر التأويلات وتهد يدها ممثلاً فى الملل  والنحل التى جنحت عن الإسلام ديناً وسلوكا فى نظرا بن حزم مما يتطلب دعم العقيدة الإسلامية مجسماً فى علوم الأوائل  ؛ وبخاصة المنطق، وذلك من أجل بناء الشرع على القطع ودعم المنقول بالمعقول .  وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

منى زيتون

خطوة جديدة لبلورة مفهوم الموهبة والتعامل مع الموهوبين

تتناول الورقة البحثية بالتوضيح مفهوم الذكاء منذ بدايته على يد بينيه، وكيف اختلفت نظريات الذكاء في الاعتراف بالقدرات الخاصة، وإمكانية تنمية الذكاء العام والعوامل الخاصة، ثم تتناول الورقة مفهوم الموهبة منذ بداية دراسات الموهوبين على يد تيرمان وكيف ارتبط منذ بدايته بمفهوم الذكاء، ثم تتطرق بالشرح والتوضيح لنظرية الذكاءات المتعددة (مفهوم الذكاء كما تنظر إليه النظرية وكيف يربط بين الذكاء بمفهومه التقليدي وبين الموهبة والإبداع- مبادئ نظرية الذكاءات المتعددة والتي يتضح منها الارتباط الذي أصبح يفترضه جاردنر بين الذكاء والموهبة- الذكاءات المتعددة التي أقرها جاردنر والتي حدد من خلالها صور الموهبة والإبداع البشري)، ثم تعرض الباحثة لمدخل الذكاءات المتعددة في التدريس، وكيف أمكن أن يغير من الواقع التربوي خاصة كأسلوب تعامل مع الموهوبين.

وأخيرًا، فإن هذه الورقة البحثية لم تسع إلى التفريق بين مفاهيم التفوق العقلي والعبقرية والموهبة والإبداع (الابتكار)، والتي تتصور الباحثة ضرورة إعادة تحديد تلك المفاهيم في إطار نظرية الذكاءات المتعددة.

مقدمة

لقد كانت فكرة ارتباط الموهبة بالذكاء، أو بالأحرى التوحيد بين مفهوميّ الذكاء والموهبة فكرة قديمة اعتقد فيها كثير من السيكولوجيين، حيث أرجع الكثير من العلماء الموهبة إلى استعدادات في التكوين العقلي للفرد وسماته الشخصية. يذكر عبد الحليم محمود السيد (1971، ص 52) أن لفظ "عبقري" الذي نشأ أصلًا لوصف الشخص المتميز بانتاجه المبدع اُستخدم لوصف الطفل ذو الذكاء المرتفع جدًا. وكان ذلك في إطار النظرة التقليدية للذكاء على أساس كونه قدرة عقلية عامة، ولكن الأمر لم يسلم من وجود آراء معارضة رأت أن الموهبة لا تقتصر فقط على معامل الذكاء IQ، ومع ظهور نظرية الذكاءات المتعددة أعطت تعريفًا جديدًا لمفهوم الذكاء أو بالأحرى الذكاءات بحيث أصبح يُنظر إليها كمواهب عقلية قابلة للتنمية، بالإضافة إلى إسهام النظرية في تحديد مجالات الموهبة بدلًا من التصور القديم للموهبة الذي كان سائدًا في إطار نظريات العامل العام؛ مما أوجد حاجة ملحة لإعادة النظر في كلا المفهومين الذكاء والموهبة والعلاقة بينهما.

كما كان من ثمار نظرية الذكاءات المتعددة ذلك المدخل التدريسي الجديد الذي يتم فيه تنويع الأنشطة التدريسية (الصفية والتقويمية) بما يتلاءم مع الذكاءات المختلفة، والذي أصبح يُعرف باسم مدخل الذكاءات المتعددة في التدريس، ذلك المدخل الذي أصبح طريقة جديدة للتعامل مع الموهوبين في مجالات الموهبة الثمانية، دون الحاجة إلى فصلهم في برنامج تعليمي خاص.

الذكاء

تُرجع جولي فينس (Viens, 2000) وهُوار (Hoerr, 2000) وكارفن (Carvin, n.d.) بداية النظرة التقليدية للذكاء على أساس كونه قدرة عقلية عامة إلى عالم النفس الفرنسي ألفريد بينيه Alfred Binet حين أعد وزميله تيودور سيمون Theodore Simon في بداية القرن العشرين اختبارًا لتحديد الأطفال الذين يُخشى عليهم من الفشل الدراسي وبحاجة لمساعدة إضافية في المدرسة، وكان الاختبار كفئًا لهذا الغرض، ثم اُستخدم الاختبار بعد ذلك كأساس للقياس النفسي للقدرات العقلية أو الذكاء العام للأفراد. ويرى تيلي (Teele, 2000, p. 3 as cited in Ashmore, 2003) فائدة هامة في مدخل القياس النفسي لبينيه وسيمون ذلك أنه أعطى تقديرًا كميًا وحيدًا للذكاء، بينما ترى فينس (Viens, 2000) أن أهمية هذا المدخل تتحدد في أن ذلك التقدير الكمي الذي أعطته اختبارات الذكاء قد حدد لنا كيفية تعريف الذكاء. يوضح كامفاس (Kamphaus, 1993, p. 23) تلك الفكرة بقوله إنه بالرغم من أن جهود بينيه في تطوير أول اختبار للذكاء كانت غالبًا عملية وتجريبية، فقد نظَّرت طبيعة الذكاء.

وتعتبر نظرية العاملين لسبيرمان Spearman خطوة رائدة في استخدام طريقة التحليل العاملي للكشف عن الذكاء والقدرات العقلية المختلفة، حيث توصل سبيرمان باستخدام معادلة الفروق الرباعية إلى وجود عامل عام مشترك بين جميع الاختبارات العقلية يفسر الارتباط الجزئي الموجب بينها، وتتلخص هذه النظرية في أن كل عملية عقلية تتضمن عاملين: عامل عام يشارك في جميع العمليات العقلية؛ أي يشارك في العملية المعينة وغيرها، وعامل خاص أو نوعي يوجد في العملية المعينة بالذات ولا يوجد في غيرها من العمليات العقلية؛ أي أنه يختلف من عملية إلى أخرى، ويرى سبيرمان بهذا الشكل أن العامل العام هو أساس كافة العمليات العقلية، لذلك وحَّد بينه وبين الذكاء واستخدمه فعلًا بهذا المعنى وأطلق عليه الحرف (g) (إبراهيم وجيه، 1985، ص ص 84: 88؛ Smedler and Törestad, 1996, p.344). وبذلك يؤكد سبيرمان على وحدة النشاط العقلي وعدم قابليته للتجزئ، وقد عبر سبيرمان (في خليل معوض، 1979، ص 156) عن ذلك بقوله "إن جميع نواحي النشاط العقلي تشترك في وظيفة أساسية أو مجموعة من الوظائف في حين أن العناصر الأخرى الخاصة تختلف تمام الاختلاف في كل عملية عقلية عنها في غيرها من العمليات". ويشير عبد الرحمن عدس (1999، ص 48) إلى أنه وكنتيجة لمنظور سبيرمان في الذكاء اعتقد العلماء أن الشخص الذي يكون لديه نقص ملحوظ في الذكاء العام لا يمكن أن يكون موهوبًا في أي من المجالات الخاصة. كما يؤكد ماجد مومني (1987، ص 79) على نفس الفكرة بقوله إن لكل شخص مقدارًا ثابتًا من الاستعداد العقلي العام يؤثر في درجة نجاحه في جميع العمليات العقلية التي يحاولها ابتداء من الإدراك الحسي إلى أرقى عمليات التفكير المجرد والابتكار، ولكن هذا الاستعداد العام لا يعمل وحده بل يوجد إلى جانبه استعداد نوعي لكل عملية خاصة، والنجاح في العملية الخاصة يتوقف على الاستعدادين معًا، كذلك اقترح سبيرمان (في فيليب فرنون ، ترجمة 1988، ص 72) أن العامل العام (g) يمثل الطاقة العامة التي تقوم بتنشيط الآليات المختلفة أو وسائل العقل المقابلة للعوامل الخاصة (s)، كما أنه يرى أن العامل العام يعد فطريًا أساسًا بينما العوامل الخاصة مكتسبة. ويرى كامفاس (Kamphaus, 1993, p. 23) أن سبيرمان بذلك يعد أول من عرض النظرية الهرمية في الذكاء Hierarchical Theory of Intelligence حيث يضع في نظريته (g) أو العامل العام في قمة الهرم لأنه القدرة العقلية الأساسية التي تكون مركزة في حل المشكلات، بينما تتطلب كل المهام المعرفية أيضًا عاملًا خاصًا أو (s).

ونلاحظ إنكار سبيرمان وجود العوامل الطائفية –وإن اعترف مع مرور الوقت باحتمال وجود تلك العوامل إلا أنه لم يهتم بها (فؤاد أبو حطب، 1996، ص 76)- . كما لم يهتم كثيرًا بدراسة العوامل الخاصة، وإنما ركز نظريته على العامل العام الذي اعتبره هو نفسه الذكاء، حيث تشير ألفت حقي (1992، ص 88) إلى رأي سبيرمان أن فروق الذكاء بين الأفراد يحددها مقدار ما يمتلكه الواحد منهم من هذا العامل أو ما أسماه بالنشاط العقلي.

ثم جاء ثورنديك Thorndike لينتقد نظرية سبيرمان بشدة، حيث لم يعترف أول الأمر بوجود العامل العام. وأدت أبحاث ثورنديك الأولى (1914) إلى قوله بأن عمل العقل ينبني على عدد كبير من القدرات المستقلة استقلالًا تامًا والمتخصصة تخصصًا كاملًا، ولذلك تبدو نظريته ذرية تقسم الذكاء إلى جزيئات أو قدرات عديدة تأخذ شكل الوصلات العصبية على النحو الذي وصفه في نظريته للتعلم، ولكن بسبب تشابه بعض العمليات العقلية في وظائفها وفيما تتطلبه من قدرات فقد رأى ثورنديك تجميع هذه القدرات في مجموعات متميزة وهي: الذكاء المجرد والذي يشمل القدرات العقلية التي تعالج الألفاظ والمعاني والعمليات الرمزية المختلفة، والذكاء العملي ويشمل القدرات التي تعالج الأشياء المادية والمواد العملية والتي تعتمد عليها الأعمال الفنية والميكانيكية واستخدام وإصلاح الآلات والأجهزة ونحو ذلك، والذكاء الاجتماعي ويشمل القدرات التي تعتمد عليها علاقة الفرد بالآخرين وحسن تكيفه مع الظروف الاجتماعية المختلفة. وربما كان ثورنديك بذلك هو أول من صنف الذكاء إلى أنواع متعددة، وكان ثورنديك يرى أن هذه الأنواع الثلاثة مستقلة عن بعضها نتيجة لاعتقاده بأن القدرات التي تتضمنها منفصلة من الأصل، فقد يكون الفرد على مستوى عال في الذكاء الاجتماعي ولكنه متوسط أو أقل من المتوسط في الذكاء المجرد أو الذكاء العملي، وقد يكون العكس صحيحًا، ولكن نظرًا لأن معاملات الارتباط بين نتائج الاختبارات التي تقيس بعض هذه النواحي ببعض كانت دائمًا موجبة؛ مما يعني وجود نوع من العلاقة بينها وأنها ليست مستقلة تمامًا، فإن ذلك دفع ثورنديك إلى أن يغير موقفه عام (1947) للبحث عن عامل عام تقوم عليه قدراتنا العقلية (سيد خير الله وآخرون، 1984/1985، ص ص 205: 208؛ إبراهيم وجيه، 1985، ص ص 89: 92؛ خليل معوض، 1979 ، ص ص 168: 170).

ولا ينكر طومسون Thomson وجود العامل العام، وإنما يرى ضرورة تفسير الفروق في ضوء العوامل الطائفية، حيث يكون العامل عامًا بالنسبة لمجموعة مستخدمة من الاختبارات بحيث إذا أُضيف إليها عدد آخر من الاختبارات التي لا تشترك في هذا العامل العام فإنه يصبح طائفيًا، أما العامل العام فهو العامل العام بالنسبة للعقل، وهو صورة احتمالية يمكن أن يحدث لو توافرت الاختبارات التي تستغرق نواحي النشاط العقلي المعرفي جميعها (إبراهيم وجيه، 1985، ص ص 93- 94؛ سيد خير الله وآخرون، 1984/1985، ص 208).

وطومسون في ذلك ينتقد نظرية العاملين لسبيرمان في أنها تبالغ في إهمالها للعوامل الطائفية أكثر مما تبالغ في تأكيد وجود العامل العام، ويقرر طومسون اتباع النموذج العلمي للعقل البشري ليشمل العامل العام والعوامل الطائفية والعوامل الخاصة، ويوضح أن العوامل الطائفية أقل شمولًا من العامل العام وأكثر اتساعًا من العوامل الخاصة، وأنها الأساس الذي تقوم عليه القدرات الخاصة كالقدرة الموسيقية والقدرة الرياضية والقدرة الميكانيكية (خليل معوض، 1979، ص ص 170 – 171).

كما كان لأصحاب نظرية العوامل الطائفية الأولية "القدرات العقلية الأولية" باعًا في دراسة الذكاء؛ إذ يفترض أصحاب هذه النظرية وجود عدد من العوامل الأولية التي تدخل بأوزان مختلفة في الاختبارات النفسية، بمعنى أن العامل العددي مثلًا قد يدخل بوزن مرتفع في اختبار العمليات الحسابية بينما يكون له وزن مختلف في اختبار الاستدلال ووزن أقل في اختبار تكملة الجمل.. وهكذا، وهم ينكرون وجود العوامل الخاصة، أما بالنسبة للعامل العام فقد كانت وجهة نظرهم الأولى أنه ليس له إلا أهمية بسيطة للغاية وكان ذلك استنتاجًا من بحث كيلي (Kelley, 1928). وتنسب هذه النظرية عادة لثرستون Thurston والذي اعتمد على منهج التحليل العاملي –الطريقة التي استخدمها سبيرمان وقادته للعامل العام- إلا أن عدم عثوره على ارتباط عام بين الاختبارات التي طبقها في دراساته الأولى أدى إلى إنكاره العامل العام في أول الأمر وتفضيله الاكتفاء بالعوامل الطائفية وحدها، لكن ثبت لثرستون نفسه بعد ذلك ولزملائه وجود ارتباطات عالية بين العوامل الطائفية، وفُسرت هذه الارتباطات العالية على أنها تدل على وجود صفة شائعة بين هذه العوامل أو عامل يجمع بينها هو عامل العوامل. وهذا هو المعنى الذي أعطاه ثرستون للعامل العام (إبراهيم وجيه، 1985، ص ص 94: 99؛ سيد خير الله وآخرون، 1984/1985، ص 209؛ خليل معوض، 1979، ص ص 174: 177). بناءًا عليه يذكر كامفاس (Kamphaus, 1993, p. 25) أن نظرية ثرستون لم تكن هرمية في طبيعتها كما كانت نظرية سبيرمان؛ ذلك أن الذكاء لديه يتكون على الأصح من عدد من العوامل المسماة بالقدرات العقلية الأولية، ومن ثم فإن أداء الفرد في مهمة معرفية محددة لم يكن وظيفة (g) و (s) أو قدرة معرفية خاصة متطلبة للمهمة، بل بالأحرى كان يتم عن طريق القدرات العقلية الأولية المتطلبة لإكمال ناجح للمهمة المعرفية.

وقد وفق سيرل بيرت Burt بين الآراء السابقة في تنظيمه الهرمي للنشاط العقلي، حيث تقوم نظريته على أن أي نشاط عقلي يقوم به الفرد يمكن أن يعتبر محصلة ثلاثة مكونات هي: العامل العام والعوامل الطائفية والعامل الخاص النوعي، إضافة إلى عامل رابع هو عامل الصدفة والخطأ: ويشمل العوامل الداخلية التي تؤثر في الفرد عند قيامه بهذا النشاط العقلي مثل حالته الجسمية والمزاجية والانفعالية (سيد خير الله وآخرون، 1984/ 1985، ص ص 209- 210).

وتعددت بعد ذلك التنظيمات الهرمية للذكاء مثل التنظيم الهرمي عند فيليب فيرنون (Vernon, 1950)، والذي كان يرتكز على تصنيف القدرات إلى عامل عام أعلى الهرم وعوامل خاصة أسفله وبينهما مجموعة من العوامل الطائفية تتدرج من قدرات بسيطة أو صغرى بعد العوامل الخاصة إلى طائفية كبرى تسبق العامل العام في قمة الهرم (خليل معوض، 1979، ص 183؛ فؤاد أبو حطب، 1996، ص 96). وبذا يكون النموذج الهرمي لفيرنون أكثر تفصيلًا للقدرات العقلية؛ إذ بينما وضع العامل العام أو عامل المجموعة الأكبر في قمة الهرم، وبذا يكون متسقًا بشكل كبير مع تنظير سبيرمان، فقد تلاه بعامليّ مجموعة أصغر يتكونان من تشكيلتين: اللفظية/التربوية والمكانية/الميكانيكية داخلهما توجد عوامل خاصة متعددة للذكاء (Kamphaus, 1993, p. 23).

ويوضح إبراهيم وجيه (1985، ص 100) بمزيد من التفصيل العوامل العام والطائفي والخاص، فيذكر أن العامل العام هو الذي يتسع في مداه ليشمل جميع الاختبارات التي تقيس نواحي النشاط العقلي المعرفي، وهو الذي يمكن أن نوحد بينه وبين الذكاء، والعامل الطائفي يمثل الصفة التي تشترك فيها مجموعة من الاختبارات التي تقيس بعض جوانب النشاط العقلي المعرفي ولا تشترك فيها بقية الاختبارات، أو بمعنى آخر أنها خاصة بطائفة معينة من النشاط العقلي المعرفي، أما العامل الخاص فهو يمثل قدرات ضيقة جدًا في انتشارها تمثل نشاط عقلي واحد تكون قاصرة على اختبار معين فحسب ولا توجد في الاختبارات الأخرى.

وبالرغم من أن ديفيد وكسلر Wechsler قد أعد اختبارًا يعرض مقاييس لفظية وغير لفظية "أدائية" – لم تكن أساسًا مصممة لتقييم جانبية وظائف المخ وهو الاستخدام الذي شاع لها بعد ذلك- فإنه قد وضع أهمية كبرى للتركيز على تقييم الذكاء العام، وهو يعرض (1958) نظرة للذكاء تظهره كتفاعل معقد من القدرات التي تنتج السلوك الذكي الذي يعكس العامل العام (g) (Kamphaus, 1993, p. 26).

أما كاتل Cattell فقد افترض وجود بنية هرمية للقدرات العقلية. وظلت أفكاره تنمو وتتطور وتتغير وتتعدل حتى نشر في عام 1963 دراسة حاسمة توصل فيها إلى نتيجة هامة وهي قابلية العامل العام (g) لسبيرمان إلى القسمة إلى عاملين من الدرجة الثانية. أطلق على أحدهما الذكاء السائل fluid (gf) ويتحدد بالاختبارات التي يفترض فيها أنها تقيس المقدرة البيولوجية biological capacity لدى الفرد على اكتساب المعرفة، بينما أطلق على الآخر الذكاء المتبلور crystallized (gc) ويتحدد بالاختبارات التي يفترض فيها أنها تقيس آثار التمدرس schooling والتثقيف acculturation . ويرى كاتل أن الذكاء المتبلور –على عكس الذكاء السائل- لا يتدهور مع التقدم في السن. كما أن التغيرات في نوعية التمدرس وغيرها من العوامل التي تسعى لتنمية الذكاء من خلال تطوير خبرات التعليم والتطبيع تؤثر في هذا النوع من الذكاء أكثر من الذكاء السائل (فؤاد أبو حطب، 1996، ص ص 102- 103). ويمكن القول إن أهمية بحث كاتل تكمن في أنه وجد أن أفكار سبيرمان عن العامل العام وأفكار ثرستون عن القدرات العقلية الأولية لم تكن متناقضة، ومن ثم فقد اقترح نظريته للتوفيق بين النظريتين؛ فالذكاء السائل (gf) في نظرية كاتل يشبه العامل العام لدى سبيرمان حيث يؤثر على كل أنواع حل المشكلة، ويتأثر أكثر بالعوامل الوراثية، وعلى حد تعبيره (1979) "إنه يتدفق مع تعبير غير مقيد في كل مجالات إدراك العلاقة"، بينما يكون الذكاء المتبلور (gc) متعلقًا بنطاق محدد من الخبرة التي تعلمها أو خبرها الفرد بشكل خاص (Kamphaus, 1993, p. 26).

بينما ركز جيلفورد (J. P. Guilford, 1967) (في مصري حنورة، 1997، ص ص 46- 47) في نموذجه للبناء العقلي على أن الذكاء ينبغي أن يُرى كنتاج 150 عملية عقلية (5 عمليات × 6 منتجات × 5 محتويات)، وعرَّف أكثر من 90 قدرة عقلية مختلفة. وقد طور جيلفورد هذا النموذج فيما بعد، وفي آخر مؤلَف له، نُشر سنة 1979، أشار إلى أن البناء العقلي يتضمن 120 عملية عقلية (5 عمليات × 6 منتجات × 4 محتويات). يذكر فؤاد أبو حطب (1996، ص 78) أن جيلفورد قد استطاع أن يثبت احتمال الحصول على معاملات ارتباط صفرية أصيلة بين الاختبارات العقلية، وفي هذا برهان كاف –في رأيه- على عدم وجود العامل العام. حيث يقرر جيلفورد (Guilford, 1977, p.153) (في مصري حنورة، 1997، ص 47) أن معامل الذكاء IQ الذي يرى البعض أنه يقدم تقريرًا شاملًا عن ذكاء الفرد لا يستطيع أن يمدنا وبشكل دقيق بصورة تفصيلية شاملة تغطي كل الاستعدادات أو المواهب العقلية والتي تصل إلى 120 وحدة عقلية، تشير كل منها إلى جانب من جوانب البناء العقلي، كما ذكر أنه من الأفضل أن نقدم للشخص بروفيلًا يحتوي على درجاته في مختلف الاستعدادات المائة والعشرين، حيث قد يكون الشخص متفوقًا في استعدادات ومتخلفًا في أخرى.

وخلال العقود الأخيرة قدم العديد من المنظرين رؤى حديثة أكثر تطورًا واختصارًا من تصور جيلفورد للبناء العقلي، وتتفق في أنه توجد أنواع مختلفة من الذكاءات، من أمثال هؤلاء هوارد جاردنر Howard Gardner الذي قدم نظرية الذكاءات المتعددة Multiple Intelligences عام 1983 في كتابه "أشكال من العقل.. نظرية الذكاءات المتعددة" "Frames of Mind.. The Theory of Multiple Intelligences"، والذي بدت فيه نظريته مختلفة تمامًا عن النظريات العاملية؛ حيث جاءت نظرية جاردنر لتوسع تلك النظرة التقليدية للذكاء، ولتؤكد على أن كل الناس يمتلكون ثمانية أنواع منفصلة من الذكاء (ذكاء لفظي- ذكاء منطقي/رياضي– ذكاء بصري/مكاني– ذكاء جسمي/حركي– ذكاء موسيقي– ذكاء طبيعي– ذكاء تفاعلي– ذكاء شخصي). وبذلك نجده يرفض فكرة أن الذكاء هو قدرة مفردة أو أنه مركب من قدرات منفصلة! ولأول مرة تتحول كلمة الذكاء إلى جمع فتصير ذكاءات، كما أنه لأول مرة يُضمِّن جاردنر نطاقات مثل الموسيقى والقدرات الحركية وقدرة الشخص على فهم ذاته ضمن مفهوم الذكاء؛ ذلك أن جاردنر قد تنبه أخيرًا أن الناس قد يكونون أذكياء في نطاقات عديدة، ويظهر ذلك فيما يستطيعون أن يقوموا به في الحياة، في حين أنه يكون من الممكن ألا يكونوا ناجحين في الدراسة الأكاديمية، كما تنبه أيضًا إلى أن تلك الذكاءات ليست ثابتة، وأنه يمكن تنميتها من خلال التعلم والتدريب.

الموهبة "الإبداع"

منذ بداية القرن العشرين، عندما طور بينيه اختباره للذكاء الذي عرف فيما بعد باسم ستانفورد بينيه، من أجل تحديد درجة ذكاء الأطفال، أصبح هذا الاختبار من أهم الأدوات التي تستخدم للتعرف على الموهوبين. واستمرت درجات الذكاء كجزء من تعريف الموهوبين والكشف عنهم حتى وقتنا الحاضر، مع الاختلاف فقط في تحديد الدرجة الحدية التي تستخدم في تحديد الموهوبين.

بدأت دراسات التعرف على الموهوبين بالدراسة الطولية الرائدة التي قام بها تيرمان (1925)، حيث طبق اختبار ستانفورد بينيه واختبار ذكاء جمعي على عينة بلغت 250 ألف تلميذ وتلميذة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية. واختار التلاميذ الحاصلين على درجة 140 فأكثر من تلاميذ المرحلة الابتدائية، والحاصلين على 135 فأكثر من تلاميذ المرحلة الإعدادية، والذين بلغ عددهم 1500 تلميذ وتلميذة، وسمى هؤلاء المتفوقين في الذكاء بالعباقرة. على أن كثيرًا ممن حصلوا على درجات عالية في الذكاء في دراسة تيرمان لم يحققوا نجاحًا متميزًا في الحياة ولم يقدموا إسهامات مهمة للمجتمع، وبذلك لم يتحقق لديهم الأداء المتميز الذي يستحقون بموجبه وصف العبقرية (عبد الله النافع وآخرون، 2000، ص ص 12- 13).

بالرغم من ذلك فقد كانت هناك ثقة شديدة في مفهوم الذكاء التقليدي وإجراءات قياسه، تلك الثقة التي جعلت "تيرمان" يتحدى بعمله الرائد، علماء النفس والتربية والاجتماع أن ينتجوا إن استطاعوا مفهومًا آخر بنفس كفاية مفهوم "نسبة الذكاء" لتحديد مجموعة من الموهوبين تشتمل على أكثر الطلبة نجاحًا وأحسنهم أداءً في مجال الدراسة، وكذلك –كما كان يعتقد- في مجال العلاقات الإنسانية، وأنواع النشاط الإنساني بوجه عام. هذه الثقة الشديدة في اختبارات الذكاء التقليدية التي تبين أنها لا يمكنها أن توضح جوانب هامة من الامتياز لدى كثير من الأفراد الموهوبين (عبد الحليم محمود، 1971، ص 62).

على أن حصر الموهبة بالذكاء وحده وجد اعتراضات لدى عدد من الباحثين منذ نشر دراسة تيرمان. فقد دعا وتي (1940) إلى توسيع تعريف الموهبة بحيث لا تقتصر على الدرجة المرتفعة من الذكاء العام فقط، وذلك ليشمل "أي طفل لديه أداء متميز في أي مجال من مجالات الحياة بشرط أن يكون هذا الأداء مستمرًا ومثمرًا". وقد اقترح هذا التعريف الموسع لشعوره بأن اختبارات الذكاء لا تستطيع أن تكشف بكفاءة عن التلاميذ الذين لديهم استعدادات وإمكانيات في التعبير والانتاج الابتكاري (عبد الله النافع وآخرون، 2000، ص 13).

وأيدت بحوث جيلفورد ومعاونيه (في عبد الحليم محمود، 1971، ص ص 54- 55) وجود قدرات إبداعية مستقلة عن القدرات العقلية التي تقيسها اختبارات الذكاء، وخاصة بعد ظهور عوامل القدرات الإبداعية –كالأصالة، والمرونة التلقائية والتكيفية، والحساسية للمشكلات والطلاقة- مستقلة عن القدرات التي تمثلها اختبارات الذكاء العام –كالفهم والاستدلال- .

حيث أثبتت الدراسات العاملية لجيلفورد وجود عدد كبير من القدرات التي تسهم في الأداء الإبداعي. يذكر إحسان آدم الطيب وعبد الرحيم دفع السيد (2007، ص ص 55: 59) أنه بالنظر إلى مقياس تورانس (Torrance, 1966) ونموذج بنية العقل لجيلفورد Guliford الذي افترض فيه أن للتفكير التشعيبي (التباعدي) قدرات معينة، وأيضًا بالنظر إلى اختبارات جيلفورد نجد أنها ركزت على المهارات الآتية:

1- الطلاقة Fluency: وتشير هذه المهارة إلى قدرة الفرد على إنتاج أكبر عدد من الأفكار عن موضوع ما في فترة زمنية معينة. وللطلاقة أنواع نذكر منها الطلاقة اللفظية والطلاقة الفكرية وطلاقة الأشكال والطلاقة الترابطية والطلاقة التعبيرية.

2- المرونة Flexibility: وتشير إلى قدرة الفرد على تغيير تفكيره بتغير الموقف الذي يمر فيه بحيث تصدر منه استجابات متعددة لا تنتمي إلى فئة واحدة، أي أن يسلك الفرد أكثر من مسلك للوصول إلى كافة الأفكار أو الاستجابات المحتملة. والمرونة نوعان مرونة تكيفية ومرونة تلقائية.

3- الأصالة Originality: وتشير هذه المهارة إلى قدرة الفرد على إنتاج أفكار أو حلول جديدة غير مألوفة للمشكلة، أي أن الفرد الذي يتصف بهذه المهارة لا يكرر أفكار الآخرين.

4- التفاصيل Elaboratic: وتشير هذه المهارة إلى قدرة الفرد على إعطاء إضافات وزيادات جديدة لفكرة معينة.

5- الحساسية للمشكلات Sensitivity to problems: تشير هذه المهارة إلى قدرة الفرد على سرعة إدراك ما لا يدركه غيره في الموقف المعين من مشكلات أو جوانب ضعف.

ويذكر جيلفورد (Guilford, 1957) (في عبد الحليم محمود، 1971، ص 53) "أنه إذا نظرنا إلى نوع التفكير الذي تستثيره اختبارات الذكاء التقليدية نجد أن معظم المشكلات الموجودة في هذه الاختبارات تتطلب تفكيرًا التقائيًا (تقريريًا) (تقاربيًا)، تعد فيه نتيجة معينة –أو إجابة بعينها- هي الإجابة الوحيدة الصحيحة، وعلى التفكير أن يصب في مسار هذه الإجابة وفي اتجاهها، أما التفكير الإبداعي فهو في أساسه افتراقي (تغييري) (تباعدي)، ويتميز ببحث وانطلاق في اتجاهات متعددة". ففي حين يكون الشخص في إجابته على اختبارات الذكاء غير مطالب بالتحديد أو التأمل أو الاختراع أو الإتيان بحل ظريف، بل يُحتمل أن يصحح الحل –إذا كان طريفًا- على أنه خطأ، يتميز التفكير الإبداعي بالتعامل بطرق ابتكارية طريفة مع الرموز اللغوية والرقمية وعلاقات الزمان والمكان، وهو ما غفلت عنه اختبارات الذكاء الشائعة.

ومع ذلك يرى شتاين Stein (في عبد الحليم محمود، 1971، ص 63) أن هناك مستوى معينًا من الذكاء بمفهومه التقليدي يلزم للإبداع، لكن توافر هذا المستوى من الذكاء لدى شخص معين لا يعني أنه سيصبح مبدعًا، لأنه ليست العبرة بما نملك، وإنما بما نعمل بهذا الذي نملكه.

وهكذا بقي الخلاف قائمًا في تحديد علاقة الذكاء بالموهبة والقدرة على الإبداع والابتكار، ما بين آراء تنظر للذكاء على أنه لا يمثل إلا جزءًا من النشاط العقلي، ومن ثم يتميز عن الموهبة والابتكار، وآراء ترى أن الذكاء هو العامل الأساسي المشترك في تفسير كل أوجه النشاط العقلي؛ ومن ثم يجب استخدام معامل الذكاء في التعرف على الموهوبين، ويمكنني القول إنه دائمًا قد شمل مفهوم الموهبة الفئات الثلاث الآتية:

- الأفراد الذين يحصلون على درجات مرتفعة في اختبارات الذكاء التقليدية –مع الاختلاف في تحديد الدرجة الحدية- التي تركز في أسئلتها على قياس الذكاءين اللفظي/اللغوي والمنطقي/الرياضي.

- الأفراد الذين يستطيعون إعطاء أفكار وحلول جديدة في المواقف، ويحصلون على درجات مرتفعة في اختبارات التفكير الابتكاري.

- الأفراد الذين يظهرون تميزًا في أي من القدرات الخاصة كالقدرة الموسيقية والقدرة الميكانيكية، حتى مع عدم حصول هؤلاء الأفراد على درجات مرتفعة في أي من اختبارات الذكاء أو اختبارات القدرة على التفكير الابتكاري.

واستمر الوضع كذلك حتى ظهور نظرية الذكاءات المتعددة؛ التي غيرت النظرة إلى الذكاء، حيث يمكن القول إن فكرة إعادة النظر في الذكاء وتعدديته التي أوجدتها نظرية جاردنر قد ساعدت على إعادة تعريف الموهبة أو تعدد المواهب في ضوء تعدد الذكاءات.

نظرية الذكاءات المتعددة

في عام 1979 طلبت مؤسسة برنارد فان لير الهولندية The Bernard Van Leer Foundation من جامعة هارفارد Harvard University القيام بإنجاز بحث علمي يستهدف تقييم وضعية المعارف العلمية المهتمة بالإمكانات الذهنية للإنسان، وإبراز مدى تحقيق هذه الإمكانات واستغلالها. في هذا الإطار بدأ فريق من الباحثين من ذوي الاختصاصات المتنوعة في دراسات استغرقت عدة سنوات، وهكذا تم البحث في مجالات التاريخ الإنساني والفلسفي وعلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية، إضافة للقاءات دورية تناولت قضايا تتعلق بمفهوم النمو في مختلف الثقافات البشرية.

وكان هوارد جاردنر Howard Gardner واحدًا من هذا الفريق البحثي بصفته أستاذًا لعلم النفس التربوي، ومن المهتمين بدراسة مواهب الأطفال وأسباب غيابها لدى الراشدين الذين حدثت لهم بعض الحوادث التي تسببت في إحداث تلف بالدماغ (أحمد أوزي، 2003) (Gardner,2003). وقد لاحظ جاردنر شيئًا مختلفًا؛ إذ لم يكن مُفسرًا من خلال نظرة القياس النفسي للذكاء حيث ذكر: "إن الفرصة اليومية للعمل مع الأطفال والبالغين الذين لديهم ضرر بالمخ طبع في ذهني حقيقة واحدة عن الطبيعة الإنسانية وهي: أن الناس لديهم مدى واسع من القدرات، وأن قوة الإنسان في نطاق واحد من الأداء لا تتنبأ بأي قوة في نطاق آخر" (Viens, 2000).

وكان على هوارد جاردنر أن يكتب كتابًا عما توصل إليه عن المعرفة البشرية خلال الاكتشافات في العلوم السلوكية والبيولوجية، وكان هذا الكتاب الذي نُشر لأول مرة عام 1983 هو "أشكال من العقل.. نظرية الذكاءات المتعددة" "Frames of Mind.. The Theory of Multiple Intelligences" ومن هنا وُلدت نظرية الذكاءات المتعددة. وقد ضمّن جاردنر في كتابه الأول سبعة ذكاءات منفصلة هي: الذكاء اللفظي/اللغوي- الذكاء المنطقي/الرياضي– الذكاء البصري/المكاني– الذكاء الجسمي/الحركي– الذكاء الموسيقي– الذكاء التفاعلي– الذكاء الشخصي. ويذكر جاردنر (Gardner, 2003) أنه في عاميّ 1994و 1995 قام بمراجعة الأدلة على وجود ذكاءات جديدة مما جعله يضيف ذكاءً ثامنًا جديدًا إلى قائمة ذكاءاته والذي كان الذكاء الطبيعي، كما كانت تلك الفترة هي بداية التفكير في الذكاء الوجودي –لم يتم ضمه بعد إلى قائمة الذكاءات- .

ومنذ نشأتها حملت تلك النظرية اختلافًا كبيرًا عما قبلها فلم يصبح يدور الحديث حول "إلى أي حد أنت ذكي" بل تحول إلى "في أي مجال أنت ذكي" It is not how smart you are.. It is how you are smart! (McKenzie, 1999b).

الذكاء Intelligence - كما تنظر إليه نظرية الذكاءات المتعددة- :

تضع نظرية الذكاءات المتعددة تعريفًا واسعًا للذكاء، فيعرفه جاردنر (Gardner, 1983 as cited in Kallenbach and Viens, 2001; Gardner, 1983 as cited in Torff and Gardner, 1999, p.140; Gardner, 1983 as cited in Tapping into Multiple Intelligences page, n. d.; Gardner, 1997 in Chekley, 1997; Gardner as cited in McKenzie, 1999a) وجاردنر وهاتش (Gardner and Hatch, 1989 as cited in Brualdi, 1996) بأنه "القدرة على حل المشكلات أو تكوين المنتجات التي تكون ذات قيمة في ثقافة أو أكثر"، كما يذكر جاردنر (ترجمة محمد العقدة، 1997، ص 396) أن الذكاء هو قدرة سيكولوجية (نفسية) وبيولوجية (حيوية) كامنة، وأن هذه القدرة الكامنة يمكن أن تتحقق بدرجات متفاوتة نتيجة عوامل خبراتية وثقافية ودافعية تؤثر على الفرد.

وحديثًا عدّل جاردنر (Gardner, 1999, p.34) تعريف الذكاء ليصبح كالآتي: "هو إمكانية نفس حيوية لمعالجة المعلومات، التي يمكن تنشيطها في بيئة ثقافية؛ لحل المشكلات، أو ابتكار المنتجات ذات القيمة في ثقافة ما".

إن تعريف الذكاء على أنه القدرة على حل المشكلات ليس إسهامًا جديدًا في علم النفس المعرفي يحسب لجاردنر، لكن بالرغم من ذلك فقد ساهمت نظريته في إيضاح هذا التعريف؛ ذلك أنه كثيرًا ما كان يوجه النقد إليه. يذكر سيد خير الله وآخرون (1984/1985، ص 203) "أن هذا التعريف يفترض وجود علاقة بين الذكاء والقدرة على حل المشكلات، رغم أنه لا توجد في الحقيقة قدرة واحدة تقوم بحل جميع أنواع المشكلات، والقدرة على حل مشكلة خاصة تتضمن عوامل خاصة بالمشكلة التي يُراد حلها، وعلى ذلك تختلف القدرة على حل مشكلة رياضية عن القدرة على حل مشكلة بإجراء عملية جراحية. وبصورة عامة يوجد عدد من القدرات قدر ما يوجد من مشكلات". ولقد كان هذا بالطبع النقد الذي وُجه لهذا التعريف في ضوء الاعتقاد بأن الذكاء هو قدرة عامة، لكن من خلال منظور جاردنر للذكاءات المتعددة لا يوجد أي تعارض.

كيف يختلف الذكاء في ضوء هذه النظرية عن التعريف التقليدي للذكاء؟

- تعريف جاردنر يجعل الذكاء في حل مشكلات العالم الحقيقي وصنع المنتجات، فنظرية الذكاءات المتعددة تقوم على فهم كيف تؤثر ذكاءات الناس حقيقة، فهي تضع الذكاء في وضعية ما يستطيع الناس عمله.

- يقترح هذا التعريف تعبيرًا كيفيًا ووصفيًا لمجموعة ذكاءات الفرد أكثر منه تعبيرًا كميًا للقدرة المتكاملة، وهو في ذلك يخالف درجات الذكاء التي يتم الحصول عليها من اختبارات معامل الذكاء (Viens, 2000).

- لأول مرة نجد تعريفًا للذكاء يركز على صنع المنتجات وابتكارها، حيث كانت كل التعريفات السابقة للذكاء تركز على حل المشكلات فقط. وإذا كان موراي وجلفن (Murray & Glivn, 1959) (في إحسان آدم وعبد الرحيم دفع، 2007، ص 31) يعرفان الإبداع بأنه العملية التي ينتج عنها حدوث مركب جديد ذو قيمة، فإننا نرى في تعريف جاردنر للذكاء ما يمثل محاولة للتقريب بين مفهوم الذكاء ومفهوم الموهبة والإبداع. أو لنقل إن تعريف جاردنر يوحد بين مفهوميّ الذكاء والإبداع، أو لعله يوضح فكرة تعددية الإبداع؛ فكما أن الذكاء متعدد فالإبداع أيضًا متعدد، وقديمًا ذكر جيلفورد (Guilford, 1965) أنه لا ينبغي أن ننخدع بوجود إصطلاح واحد يعبر عن الإبداع مما يوهم بأنه يشير إلى شيء واحد، إذ لا يوجد شخصان مبدعان بنفس الطريقة، فبالإضافة إلى الفروق في درجة ما لدى الأفراد من عوامل الإبداع –في المجال الواحد من مجالات النشاط- توجد فروق كيفية في نوع النشاط. كما لاحظ بيرت (Burt, 1962) أنواعًا من العبقرية مختلفة باختلاف المجالات التي يتجلى فيها السلوك الإبداعي.

- الذكاء هو مصطلح لتنظيم ووصف القدرات الإنسانية في علاقتها بالسياقات الثقافية التي تتطور فيها هذه الذكاءات وتستخدم وتعطى معنى (Torff and Gardner, 1999, p.218). فلأول مرة في تعريف للذكاء نجد تركيزًا على تقدير الذكاء في ثقافات مختلفة اعتمادًا على احتياجات الناس الاجتماعية والاقتصادية، فجاردنر يرى ذكاءاته كإمكانيات محتملة عصبية، والتي سوف تنشط أو لا تكون نشطة، اعتمادًا على قيم ثقافية محددة والفرص المتاحة في تلك الثقافة والقرارات الشخصية التي يقوم بها الأفراد والمحيطون بهم. يسوق جاردنر (Gardner,1991 as cited in Carlson- Pickering, 2001) أمثلة على ذلك.. ففي المدارس القديمة كان يتعين على الأفراد أن يحفظوا عن ظهر قلب نصوصًا هامة –دائمًا دينية- إن تلك الأنماط من المهام تكون دليلًا على الحاجة لاستخدام ذكاء الفرد اللغوي، المثال الثاني يضربه جاردنر من غرب أفريقيا حيث توجد مدارس تدرس التلاميذ الممارسات التي سوف يحتاجونها لأداء الطقوس الاحتفالية الأولية وكذلك الحِرف ذات القيمة في مجتمعهم، وأخيرًا فإن التلاميذ في جنوب البحار يجب أن يحفظوا عن ظهر قلب مقادير ضخمة من المعلومات عن النجوم من أجل أن يكونوا قادرين على أن يبحروا في المحيط بأمان.

وترى الباحثة في اهتمام جاردنر بأثر السياق الثقافي الذي يحيا فيه الفرد على الذكاء محاولة أخرى للتقريب بين مفهوم الذكاء ومفهوم الموهبة والإبداع؛ حيث أنه إذا كانت هذه هي المرة الأولى التي يُشار فيها إلى ذلك الأثر في تعريف الذكاء، فقد سبق وأن أشير إليه في الحديث عن الإبداع، حتى بالنسبة لإبداع فرد بذاته. يذكر عبد الحليم محمود (1971، ص 64) أنه يلاحظ أن الأعمال الإبداعية –علمية كانت أو فنية- التي تصدر عن فرد مبدع في ظروف معينة قد تختلف كثيرًا في جوانب الإبداع الأساسية عن أعمال أخرى صدرت عن نفس الشخص في ظروف أخرى.

وتعلق هولمز (Holmes, 2002) على تعريف جاردنر: إن الذكاء هو طريق التعلم لفهم العالم الذي نحيا فيه. الذكاءات أيضًا هي الوسائل التي من خلالها نظهر ما نعرفه، فمن خلالها نحل المشكلات ونساهم في العالم على اتساعه.

مبادئ النظرية

من خلال كتابات جاردنر على سبيل المثال..(Gardner, 1997 in Chekley, 1997; Gardner, 1996 as cited in koch, 1996; Gardner, 2001; Gardner, 2003) وكتابات غيره من علماء النفس (Brualdi, 1996; McKenzie, 1999a; Morris, 2003; Multiple Intelligences for Adult Literacy and Education page, n. d; Tapping into Multiple Intelligences page, n. d.; Torff and Gardner, 1999, pp. 152- 153; Viens, 2000) وإسماعيل الدرديري ورشدي فتحي (2001، ص 81) ومحمد الشيخ (1999، ص 284) تحدد الباحثة المبادئ الأساسية لنظرية الذكاءات المتعددة في:

- الذكاءات متعددة، وليس الذكاء قدرة واحدة عامة أو مكونة من تجمع قدرات منفصلة.

- هذه الذكاءات تحدد الجنس البشري، فهي عالمية.

- كل الناس يمتلكون الذكاءات الثمانية، أو على حد قول جاردنر (Gardner,2003) "الذكاء صفة مميزة لكل البشر". ولا يوجد أحد يستخدم ذكاءً واحدًا فقط فنحن جميعًا نستخدم كل منها في حياتنا اليومية.

- أي من تلك الذكاءات الثمانية ليس أفضل من الذكاءات الأخرى، وكل ذكاء له مجاله الخاص من الخبرة.

- لدى كل شخص تكوين فكري مختلف، فالذكاء بعد يختلف على أساسه البشر –مثل بصمات الأصابع- ، من ثم فإن كل الأفراد يختلفون في بروفيلاتهم الخاصة للقوى والعيوب العقلية، ولا يوجد اثنان –حتى التوائم المتماثلة- يمتلكان نفس بروفيل الذكاءات في نفس اللحظة، فنحن لا نملك نفس القوة في نطاق نفس الذكاء ولا نملك نفس المزيج من الذكاءات، مما يعني أن الفروق لا تكون بين الأفراد فقط Inter- Individual بل في الفرد ذاته أيضًا Intra- Individual. ولابد أن تكون لدى كل شخص ذكاءات مرتفعة وأخرى ضعيفة. وهذا الرأي يماثل ما لاحظه عبد الحليم محمود (1971، ص 65) من أن القاعدة –وليس الاستثناء- أن يكون لدى الشخص المبدع قدرات إبداعية معينة مرتفعة، وقدرات أخرى منخفضة، أما الشخص الذي تكون قدراته الإبداعية جميعها تقريبًا مرتفعة مثل ليوناردو دافنشي إنما يمثل استثناءً نادرًا.

- تقع هذه الذكاءات في أماكن مختلفة من المخ، أي أنها منفصلة تشريحيًا عن بعضها البعض.

- هذه الذكاءات تكون مستقلة نسبيًا؛ فهي مستقلة لعدم ارتباط أي قدرة بوضوح بالقدرات الأخرى، فمعرفة قوة أو ضعف أي فرد في نطاق ذكاء ما لا يمكن أن يكون منبئًا بالقوة أو الضعف في نطاق ذكاء آخر، لكن استقلالها مع ذلك يكون نسبيًا؛ حيث يدعي جاردنر أنها نادرًا ما تعمل وتحدد أثرها بشكل مستقل. على الأصح فإنها تكون مستخدمة بتزامن وبنموذجية وتكمل كل منها الأخرى عندما يطور الأفراد المهارات أو يحلون المشكلات التي تواجههم على أرض الواقع، فاستقلالها التشريحي لا يكون مانعًا للتبادل والمشاركة بل يجعلها تعمل في تناغم لإنتاج ما يمكن تسميته بالسلوك الذكي في الحياة. وترى الباحثة أن رؤية جاردنر للذكاءات باعتبارها قدرات مستقلة تشريحيًا في المخ تعمل بشكل مترابط متكامل يعني أنه يتفق ضمنًا وما ذكره ثورنديك من أن الروابط العصبية بين أجزاء المخ لها دور هام في تحديد مستوى الذكاء.

- الفروق الفردية في الذكاءات تكون نتاجًا مشتركًا لكل من العوامل الوراثية والخبراتية، وفي ذلك يتفق جاردنر في الرأي الذي يفترضه تقريبًا كل الباحثين؛ فخبرات الإنسان تؤثر في الدرجة التي يمكن التعبير بها عن كل ذكاء مثلما تؤثر العوامل الوراثية، فقد يكون لديك أفضل مورثات في العالم لكن إذا لم تتعرض لخبرات موسيقية فإن ذكاءك الموسيقي لن يتطور، كما أنه بينما تكون ذكاءات خاصة متطورة لدى العديد من الأشخاص في ثقافة ما.. لا تكون تلك الذكاءات نفسها متطورة لدى الأفراد في ثقافات أخرى؛ ذلك أن المجتمعات تقدر أنماطًا مختلفة من الذكاءات. بناءً عليه، تضيف هذه النظرية عاملًا ثالثًا رئيسيًا مسهمًا في نمو الذكاء وهو الخلفية الثقافية والتاريخية للفرد، والتي تضم المكان والزمان الذي نشأ فيه الشخص وطبيعة التطورات الثقافية أو التاريخية وحالتها في المجالات المختلفة.

- يجب أن يُفسر الذكاء الإنساني في علاقته بالسياق الثقافي المحيط، فذكاءاتنا تعكس طرقًا مختلفة للتفاعل مع العالم.

- كل ذكاء يتضمن قدرات فرعية أو مظاهر مختلفة.

- باستطاعة كل فرد أن يعبر عن كل ذكاء بأكثر من طريقة، على سبيل المثال فإن كون الفرد أميًا –لا يستطيع القراءة- لا يعني أنه ليس باستطاعته رواية القصص، فكلاهما طريقتان مختلفتان تعبران عن الذكاء اللغوي.

- هذه النظرية لا تقصي أو تستثني أفرادًا، بل تسمح لكل الناس بالمشاركة في المجتمع من خلال قواهم الخاصة وتمنحهم الفرصة كي يكونوا مبدعين.

- يمكن لهذه الذكاءات أن تُنمى وتقوى أو تُتجاهل وتضعف، ويتوقف هذا على توفر الدوافع لدى الفرد والتشجيع/التثبيط من المحيطين به وتوفر/عدم توفر التدريب المناسب، وعليه فإن بروفيل ذكاء الفرد يكون قابلًا للتغير، فنحن نستطيع جميعًا أن نُحسن كل الذكاءات، رغم أن بعض الناس تتحسن بسهولة (بسرعة) في نطاق ذكاء أكثر من الذكاءات الأخرى؛ إما لأن الحياة أعطتهم عقلًا أفضل في ذلك الذكاء أو لأن ثقافتهم أعطتهم معلمًا أفضل.

- معرفة الفرد ببروفيل ذكائه تصل به لمستوى أفضل من الفهم أو لمستوى أعلى من المهارة.

- بما أن الناس جميعًا ليس لديهم نفس الاهتمام ونفس القدرات فنحن لا نتعلم بنفس الطريقة، كما أن العصر الذي نعيشه لا يمكن أن يتعلم الفرد فيه كل شيء يمكن تعلمه.

- يمكن أن نُحسن التعلم بمخاطبة الذكاءات المتعددة لتلاميذنا عن طريق تفهم الأساليب المتنوعة التي يمكن أن يتعلموا بها وأن نحترم اختلافاتنا، لأن مجموعة ذكاءات كل تلميذ تحدد إلى أي مدى تكون السهولة أو الصعوبة للتلميذ ليتعلم المعلومات عندما تُقدم في نسق تعليمي معين، ويمكننا إيجاد العديد من الأنساق التعليمية في الفصل الدراسي الواحد.

 

د. منى زيتون

 

منى زيتونيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله".

للتطرف الديني آثاره على الفرد، وكذا على المجتمع. ومن عجائب التطرف أن أكثر من يحملون ذلك الفكر الساعي لإعادة المجتمع إلى الخلف هم الشباب، رغم أن المفترض أن الشباب هم أكثر عناصر المجتمع رغبة في التجديد! ويمكن تفسير الأمر بأن فكرة معاكسة المتطرف لقيم المجتمع، تجد صداها دائمًا لدى كثيرين من الشباب، الذين يسعون إلى خلق عالم خاص بهم، يختلف عن عالم الكبار، ويتمرد عليه.

ولعل المشكلة الرئيسية في التطرف الديني أنه يبدأ بمظاهر سلوكية ظاهرية مقبولة؛ يتلقى الفرد تعزيزًا عليها من المجتمع لكونها تدينًا، والتدين محمود في مجتمعنا، فالكل يحمد للفرد التزامه في الصلاة وغضه للبصر وغيرها من السلوكيات الظاهرة، ثم عندما يبدأ فكره بالشطط بعد الاعتدال ينعزل عن المجتمع شيئًا فشيئًا، مما يصعب على المحيطين به ملاحظة أن الداء قد بدأ يستشري في بداياته، ولا يلاحظون التغيرات التي طرأت إلا عندما تغدو آثار التطرف ملحوظة، فالحد بين التدين المحمود والتطرف يصعب تحديده. من هنا جاءت خطورة السماح للفكر المتطرف بأن ينمو؛ لأنه قد يصل إلى مرحلة يصعب فيها السيطرة عليه والحد من آثاره.

وتختلف تلك الآثار اختلافًا كبيرًا؛ فقد يسلك المتطرف سلوكًا انعزاليًا بتجنب المجتمع المخالف له قيميًا، أو سلوكًا انفعاليًا يتمثل في كراهية المخالف، أو سلوكًا معرفيًا بتبني قيم جديدة تتفق وتطرفه والدفاع عنها، أو سلوكًا ظاهريًا بالاتجاه إلى العنف لتسويد أفكاره، وكثيرًا ما يصل الفرد المتطرف إلى حد القيام بكل تلك الأصناف من السلوكيات تدريجيًا. أي أن الأمر يبدأ بعدم الاعتراف بالآخر وتجنبه لينتهي بمحاربته، لكن في أحيان كثيرة يقف حد التطرف على أفكار متشددة في عقل المتطرف يكون تأثيرها مقتصرًا عليه وحده أو على المحيطين به فقط، لكن حديثنا في هذه الدراسة الموجزة يتركز على الإرهاب كأعلى درجات التطرف.

الإرهاب للتخلص من المخالف فكريًا والمختلف عقديًا

ينتهي الحال عادة بالمتطرف –إذا ما تابع التدرج في سلم التطرف- إلى تكفير المجتمع عدا جماعته، لكونه مجتمعًا جاهليًا لا يُحكِّم شرع الله، وغالبًا ما يتحول التطرف من فكر أو سلوك فردي، إلى عمل جماعي عدواني له هدف سياسي، في المجتمعات ذات القيم الوسطية التي يعيش فيها المتطرف، ويحاول تغييرها، ويشعر بصعوبة ذلك عن طريق التصادم الفكري، فيقود المجتمع إلى الحرب الداخلية؛ وتتشكل جماعات وخلايا إرهابية لا ينضم لها إلا من تشبع بالأفكار المتطرفة، ويمكن القول إنه يحدث للمتطرف في تلك الحالة انتقال من النظرية إلى التطبيق. لكن العنف والإرهاب يبقى محتملًا وليس أكيدًا اللجوء إليه، لأنه يعني تدمير المتطرف نفسه أو تدمير الآخرين.

يقول ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (ج3، كتاب الجهاد، ص535) : "كُلُّ طَائِفَةٍ خَرَجَتْ عَنْ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهَا بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ تَكَلَّمَتْ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَامْتَنَعُوا عَنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا، وَإِنْ امْتَنَعُوا عَنْ الزَّكَاةِ، وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُؤَدُّوا الزَّكَاةَ، وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَوْ حَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ تَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ، أَوْ الزِّنَا، أَوْ الْمَيْسِرِ، أَوْ الْخَمْرِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الشَّرِيعَةِ وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ الْحُكْمِ فِي الدِّمَاءِ، وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، وَالْأَبْضَاعِ، وَنَحْوِهَا بِحُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَجِهَادِ الْكُفَّارِ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا وَيُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. وَكَذَلِكَ إنْ أَظْهَرُوا الْبِدَعَ الْمُخَالِفَةَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاتِّبَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مِثْلُ: أَنْ يُظْهِرُوا الْإِلْحَادَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، أَوْ التَّكْذِيبَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، أَوْ التَّكْذِيبَ بِقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ أَوْ التَّكْذِيبَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَوْ الطَّعْنَ فِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ أَوْ مُقَاتَلَةِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي طَاعَتِهِمْ الَّتِي تُوجِبُ الْخُرُوجَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ‏﴿‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾‏ [الأنفال: 39]. فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الدِّينِ لِلَّهِ، وَبَعْضُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَجَبَ الْقِتَالُ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ"أهـ.

وكلام ابن تيمية هو ببساطة ما تم تطبيقه على المسلمين في جزيرة العرب في القرن التاسع عشر الميلادي؛ فأُعملت فيهم السيوف باعتبارهم مشركين، وقُتلوا وسُبيت نساؤهم واُستعبد أبناؤهم لأسباب أوهن كثيرًا من عدم تطبيق أركان الإسلام الخمسة، فلا يُسمح بأي خلاف في العقيدة مع هؤلاء إن ملكوا.

تاريخيًا.. حدث الإرهاب في مناطق عديدة من العالم، لكنه اُعتبر مشكلة محلية حتى الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 م عندما هاجم الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد 11/9 أصبح الإرهاب اهتمامًا عالميًا.

ويعد الإرهاب شكلًا من أشكال الجُناح خاصة بالنسبة للأحداث في مرحلة المراهقة والشباب في مقتبل ‏العمر؛ حيث هو انحراف سلوكي، والذي يتمثل في سلوك لا أخلاقي وخارج على القانون ومضاد للمجتمع. ‏وهو من المشكلات النفسية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات المعاصرة بشكل متزايد، والتي تهم علماء ‏الاجتماع وعلماء التربية وعلماء النفس ورجال القانون والأمن.‏

ويمكن القول إنه بمراجعة المقالات التي أُعدت حول ظاهرة الإرهاب لوجدنا أن أغلبها يحوي نظريات عن الإرهاب، والجماعات المنخرطة فيه، إضافة إلى بعض البيانات التي تفتقد إلى الإحصائيات السليمة، وأن القليل جدًا من الدراسات قد أُجريت لتحري الأسس النفسية للإرهاب، ذلك بالرغم من تزايد وتصاعد الحوادث الإرهابية على مستوى العالم؛ ما يجعلنا نعتقد بضرورة وجود متخصصين تخصصًا فرعيًا تحت علم النفس الاجتماعي فيما يسمى "علم نفس الإرهاب".

ما هو الإرهاب؟

بسبب أهمية المشكلة وخطورتها؛ فإنه ووفقًا لـ ‏(وولتر لاكير، 2007) وكوبر ‏‎(Cooper, 1995)‎‏، هناك أكثر من مئة تعريف للإرهاب. ولدى وزارة الخارجية الأميركية‎ ‎تعريفها الخاص، فتحت العنوان ‏‏22 من المادة 2656 من مدونة القانون الأميركي نجد تعريفًا للإرهاب على أنه ‏‎"‎عنف متعمد، مدفوع بدوافع ‏سياسية، ترتكبه ضد أهداف غير مُحاربة، جماعات شبه قومية أو‎ ‎عملاء سريون، المقصود منه عادة هو ‏التأثير على جمهور‎"‎‏. ولقد قيل أكثر مما ينبغي حول عنصر "الأهداف غير المُحاربة"؛ إذ ليس هناك‎ ‎جماعة ‏إرهابية في التاريخ اقتصرت هجماتها على جنود أو رجال شرطة. وماذا سيكون الوضع‎ ‎إذا قامت مجموعة من ‏الرجال المسلحين بمهاجمة رجال شرطة في الصباح ومدنيين في‎ ‎المساء: هل رجال المجموعة إرهابيون، أو ‏هل ينتمون إلى تصنيف مختلف، أو هل يغيّرون‎ ‎طبيعتهم خلال يوم؟‎ ‎‏ ‏

بينما يعرفه مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ‏FBI‏ على أنه: فعل عنيف أو فعل خطير على الحياة ‏الإنسانية؛ لإضافة أو إجبار حكومة أو سكان مدنيين أو أي جزء منها؛ لتعزيز الأهداف السياسية أو ‏الاجتماعية ‎(Cooper, 1995)‎.‏

وتعرفه كرينشو ‏‎(Crenshaw, 2001)‎‏ بأنه نمط تآمري من العدوان؛ لتعديل الاتجاهات والسلوكيات ‏للعديد من المشاهدين. إنه يستهدف القليلين بطريقة تستدعي انتباه الكثيرين. وتضيف أن أفعال الإرهاب لا ‏تشبه نموذجيًا أفعال الحرب، ويبدو أن الإرهابيين يفضلون غير المقاتلين كأهداف لهم، بالرغم من كون ‏التنظيمات الإرهابية تستعير الرموز وبهارج الإجراءات والانضباطات العسكرية.‏

وتذكر موسوعة ويكيبيديا ‏Wikipedia‏ على شبكة الانترنت أنه في الوقت الحاضر لا يوجد تعريف ‏عالمي مقبول للإرهاب. وتشير التعاريف العامة للإرهاب فقط لهؤلاء الذين يتصرفون بقصد خلق الخوف ‏‏(الإرهاب)، مرتكبين لهدف أيديولوجي (مقابل هدف مادي أو هجوم وحيد)، ويستهدفون بتعمد ويتجاهلون أمان ‏غير المقاتلين. كما تذكر الموسوعة أن بعض التعريفات تتضمن أيضًا أفعال العنف غير القانوني أو الحرب ‏غير المألوفة، كذلك تشير إلى أن الإرهاب في الأزمنة الحديثة عادة يشير إلى قتل الناس الأبرياء من قِبل ‏مجموعة خاصة بطريقة تخلق منظرًا إعلاميًا.‏

بينما يرى اريكاك وآخرون‏ ‏‎(Aricak et al., 2008)‎ أن تعريف الإرهاب قد تغير مع الحوادث العالمية المتلاحقة من كونه "فعل ‏عنيف يقوم به مجموعة من الناس المحليين ضد حكومتهم الخاصة من أجل تحقيق مكاسب سياسية" إلى ‏‏"فعل عنيف من مواطني بلد ضد بلد أخرى من أجل تحقيق انتباه سياسي".‏

وفي نوفمبر 2004، وصف تقرير مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة –يُلاحظ أن هذا التقرير لا ‏يشكل قانونًا دوليًا- الإرهاب على أنه: أي فعل قصد أن يسبب الموت أو الأذى الجسماني الخطير للمدنيين ‏أو غير المقاتلين؛ بهدف إخافة سكان أو إرغام حكومة أو منظمة دولية لعمل أو الامتناع عن عمل أي فعل‎.‏

وأحيانًا يكون من الصعب على المشاهد العادي تمييز الحوادث الإرهابية عن غيرها من الحوادث ‏الإجرامية. وترى كرينشو ‎(Crenshaw, 2001)‎ أنه حتى أفضل المقاصد العلمية قد لا تكفي لتمييز الإرهاب من الاحتجاج، وحرب ‏العصابات، وحرب العصابات الحضرية، والفتنة، والعنف الإجرامي، والعسكرية المعدلة، والعنف العمومي، ‏واللصوصية. إن السياسة تتضمن منافسة لتعريف المصطلحات وفرض التفسيرات الخاصة للتأريخ.‏

وفي تحليل أُعد للمخابرات الأمريكية ذُكرت أربعة أنواع من الإرهاب: (القومي الانفصالي- الأصولي ‏الديني- الديني الجديد- الثوري الاجتماعي). ولعل أهمها وأكثرها ارتباطًا بالأذهان هو الإرهاب الأصولي ‏الديني.‏

وترى الكاتبة ضرورة التمييز بين الإرهاب والدفاع عن الحرية اعتمادًا على الأهداف والأفعال؛ وكذلك ‏التمييز بين الإرهاب وبين الانتحار؛ إذ غالبًا ما يُطلق مسمى انتحاريين على الإرهابيين في وسائل الإعلام ‏الغربية؛ ذلك أن الإرهاب ليس مجرد انتحار فردي؛ فالانتحار هو عدوان مُوجه‎ ‎نحو الذات؛ لأن ‏الشخص لا يستطيع لسبب ما أن يوجه عدوانيته باتجاه المجتمع أو باتجاه‎ ‎شخص آخر. ولقد عرَّف عالم ‏الاجتماع دوركهايم الانتحار بأنه: كل حالات الموت التي تنتج‎ ‎بشكل مباشر أو غير مباشر من فعل سلبي أو ‏إيجابي، ينفذه الضحية بنفسه، وهو يعرف أن هذا‎ ‎الفعل يصل إلى هذه النتيجة أي الموت. إن السلوك الانتحاري‎ ‎هو سلسلة الأفعال التي يقوم بها الفرد محاولًا من خلالها تدمير حياته بنفسه، دونما‎ ‎تحريض من آخر أو ‏تضحية لقيمة اجتماعية ما، وتعتبر الأمراض النفسية‎ ‎والاضطرابات العصابية والذهانية من المسببات الرئيسية ‏للانتحار، ولقد أشار فرويد إلى أن الانتحار هو توجيه العدوانية الكامنة بالشخص ضد ذاته، أما الإرهاب ‏فيتضمن توجيه تلك العدوانية نحو المجتمع حتى لو أدى هذا إلى تدمير الذات مع المجتمع، وفقًا للمثل ‏العامي "عليّ وعلى أعدائي"، وغالبًا ما يكون توجيه تلك العدوانية تحت تأثير تحريض، وتحت تأثير التصور ‏بالتضحية من أجل إعلاء قيمة أكبر، غالبًا ما تكون دينية؛ لذا يُعد تعريف الإرهاب وتمييزه عن غيره من ‏الحوادث الإجرامية هو الخطوة الأولى لتحديد سياسة التعامل مع الإرهابيين دون انتهاك حقوق الإنسان.‏

العوامل المسهمة في وصول التطرف إلى درجة الإرهاب

لعل من أكبر العوائق التي تحول ومواجهة ظاهرة التطرف الديني، هو إصرار كل حزب من المختصين، على الحديث عنها، والبحث فيها، من منظورهم فقط، وتجاهل وجود حزم متنوعة من العوامل، أسهمت كل منها في إفراز تلك الظاهرة بكل ما لها من آثار سلبية على الفرد والمجتمع، فالتطرف ظاهرة معقدة، تكثر وتتنوع الأسباب المؤدية إليها، وتتداخل وتتفاعل، حتى يصبح التطرف حقيقة ماثلة.

وينبغي مراعاة أيضًا أن العلاقة بين التطرف وبين كثير من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية هي علاقة تبادلية دائرية، فالخلل في تلك العوامل قد يتسبب في ظهور التطرف الديني في المجتمع، كما أن التطرف بدوره يؤثر في تلك الجوانب، ويحدث بها خللًا أيًا كانت نوعية الخلل تشددًا أو انحلالًا.

إن قرار استخدام أي منظمة أو جماعة للإرهاب شأنه شأن أي قرار سياسي يتأثر باعتبارات نفسية، ومساومة داخل المنظمة، وكذلك بردود الأفعال المنطقية المتوقعة، كما يتأثر ولا شك بالفرص المتاحة لهم، والقيود التي تحددهم، في ضوء أهداف المنظمة. والسؤال هو: ما الذي يدفع بإنسان –غالبًا في مقتبل العمر- إلى كراهية مجتمع والرغبة في تدميره، وإن لحقه مثل هذا التدمير وأصابه؟!

وبالرغم من إدراك الكاتبة أهمية الاتجاه التكاملي في تفسير ظاهرة التطرف، والذي يراعي تعدد المسببات لتلك الظاهرة وتنوعها؛ كونه أكثر الاتجاهات قدرة على تفسير ‏الظاهرة، ومن ثم علاجها والتخفيف من آثارها، فإن حدود الدراسة التي بين أيدينا تُعنى بتحديد العوامل والاعتبارات النفسية التي تُسهم في انخراط الفرد في دائرة الإرهاب، وتنفيذ بعض الأفراد خاصة من صغار السن لتلك الحوادث الإرهابية.

وتعرض الكاتبة لأهم مجموعة من الأسباب النفسية التي قد تؤثر في تشكيل شخصيات المتطرفين، علمًا بأنه قد يرتبط سبب نفسي بسبب اجتماعي أو بسبب ديني، كما أنه يستحيل أن تتسبب كل هذه الأسباب في إحداث التطرف في شخصية واحدة؛ فبعضها يكون متناقضًا، لكن الوعي بهذه المجموعة المتنوعة من الأسباب هام لفهم كيف يمكن أن يتحول شخص سوي إلى شخصية متطرفة.

هل هناك سمات مشتركة ثابتة في شخصية الإرهابيين؟

نظرًا لأهمية الأسباب النفسية المؤثرة في إحداث ظاهرة التطرف، وعدم إعطاء الباحثين العرب الأهمية الكافية لها، فقد تخيرتها الكاتبة لتكون محور هذه الدراسة.

تأسيسًا على نتائج استبيان أجراه دنكان ‏‎(Duncan, 2001)‎‏، بعد ثمانية أيام من تفجيرات 11 سبتمبر ‏‏2001م، فقد رأى بعض المشاركين في الاستبيان أن يكون هناك إمكانية لعمل بروفيل (تخطيط نفسي)، ‏لاستخدامه كوسيلة لتمييز الإرهابيين. لكن السؤال الهام هل هناك حقًا سمات مشتركة في شخصية المتطرفين، خاصة من يلجأون إلى العنف؟؛ فمع تنامي ظاهرة التطرف الديني، كانت هناك محاولات من علماء النفس في الغرب لوضع بروفيل نفسي للإرهابيين، ولكن النتائج كانت إلى حد بعيد محبطة.

ووفقًا لجون هورجان (2008) فهناك إغراء أثّر على نحو كبير على طبيعة واتجاه بعض الأبحاث‎ ‎السابقة -خاصة التي قام ‏بها علماء النفس-، هو افتراض وجود بعض سمات الخصوصية‎ ‎المميزة لدى أعضاء مجموعة إرهابية محددة ‏‏من حيث ما يجعلهم "متشابهين"، بالإضافة‎ ‎إلى ما يُفترض أنه يجعلهم "مختلفين" عن بقيتنا أو على الأقل ‏عن الأشخاص الذين لا‎ ‎ينخرطون في الإرهاب. وقد كان عالم النفس وخبير الإرهاب آريل ميراري مصيبًا في ‏مجادلته بأنه من الأكثر‎ ‎دقة القول بأنه "لم يتم العثور حتى الآن على تركيبة لشخصية الإرهابي، قائمة على‎ ‎تحليل السمات المشتركة الثابتة بين شخصيات الإرهابيين" بدلًا من القول بأنه "لا توجد‎ ‎صورة مركبة لشخصية ‏الإرهابي تتضمن السمات المشتركة الثابتة في شخصياتهم".

ويمكنني الجزم بأن هناك إحباطًا واضحًا في‎ ‎الكثير من دوائر وضع ‏السياسات وتطبيق القانون في الغرب، بشأن التوصل إلى صورة‎ ‎مركبة صحيحة يمكن التعويل عليها ‏للسمات المشتركة بين شخصيات الإرهابيين، ومع ذلك فإن السعي‎ ‎إليها ما زال مستمرًا‎.‎‏ وهو ما يؤكد عليه فيكتوروف ‏‎(Victoroff, 2005)‎‏ من وجود تقارير تمهيدية تقترح أن عوامل ‏اجتماعية ونفسية معدلة تسهم في تكوين العقلية الإرهابية، وأنه يمكن أن يسكن الهجوم الهائل عن طريق بدء ‏الدراسة العلمية التي تأخرت طويلًا للعقليات الإرهابية.

وترى الكاتبة أنه ربما كان من أسباب الفشل حتى الآن في الدوائر الغربية، في العثور على سمات مشتركة للمتطرفين المحتمل قيامهم بأعمال عدائية إرهابية، هو التركيز على البحث عن فروق خارجية ظاهرية بينهم وبين الأشخاص الأسوياء غير المنخرطين في أنشطة متطرفة إرهابية، بينما يجب أن ‏يتم العمل على البحث عن الفروق الداخلية بينهم وبين الأسوياء في السمات النفسية والصفات العقلية والمعتقدات الأيديولوجية، والتي جعلت الإرهابي يفكر ‏ويخطط وينفذ هذا العمل مضحيًا بحياته من أجل تلك المعتقدات، وكذا الفروق في الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها التي تسببت في التحاقه بالجماعات المتطرفة.

كما أنه بالرغم من ذلك الإخفاق الذي أشارت إليه العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية بالغرب، إلا أنه توجد مؤشرات على وجود سمات نفسية ترتبط بشخصية المتطرف أو من لديه استعداد للتطرف، ينبغي دراستها والاهتمام بها. ويمكنني تسمية تلك السمات بعوامل الخطر؛ لكونها ترتبط بزيادة فرص حدوث التطرف، ومن ثم تكون لها أهميتها في التنبؤ بالسلوك المتطرف، لكن يتعين على الأشخاص الذين يعملون في مجال ‏مكافحة الإرهاب ألا يسرفوا في التعويل على تلك الصورة المركبة لشخصية المتطرف حتى لا يقعوا في أخطار التعميم الشامل لعدم التمييز بين: المتدين والمتشدد ومن يلجأ للعنف.

ويمكن تحديد أهم العوامل النفسية التي قد تؤدي للتطرف الديني بوجه عام في:‏

1- النمو غير السوي للشعور الديني

هناك تطورات نمائية متعددة في الجانب الديني تعرض للفرد من طفولته وحتى مراهقته، مُكسبة إياه السواء ‏أو تقوده إلى التطرف.

يقول الله تعالى: ‏﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏﴾‏ [الروم:‏‏30]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يُولد على الفطرة". فكلنا نبدأ حياتنا على فطرة التوحيد الخالص، والطهر والبراءة، ثم يتدرج شعورنا الديني في مراحل النمو المختلفة التي نمر بها، وتكون المظاهر الدينية شكلية في الطفولة المبكرة، لا تتعدى ترديد ألفاظ دون إدراك لمعناها مثل: الله، الملائكة، الأنبياء، ‏الجنة، النار، ثم يتعرف الطفل على بعض المعايير الدينية كالحلال ‏والحرام خلال عملية التنشئة الاجتماعية، ويبدأ في تقليد الكبار في أداء العبادات دون فهم لمعناها؛ مسايرة منه للمجتمع؛ فقط كي يتلقى تعزيزات إيجابية على أدائها. ويُصدِّق الطفل كل ما يخبره به الكبار عن الأمور الدينية، ويفهم أنها أمور محاطة بالقدسية. ثم مع تدرج النمو يبدأ الطفل في طرح الأسئلة الدينية، ويلعب التلقين دورًا هامًا في تكوين أفكار الطفل الدينية، ويتشرب الطفل هذه ‏الأفكار ويتمثلها وتصبح أفكاره الشخصية، ويدافع عنها ويغار عليها، وتحدد سلوكه، وفي مرحلة الطفولة المتأخرة يصبح ‏الدين وسيلة من وسائل التوافق الاجتماعي، فيتأثر الطفل بالبيئة الاجتماعية التي يتربى فيها، ويعرف أن الله ليس ربه وحده، بل هو إله كل الناس. ويعرف ‏الطفل أن الدين يجمع جماعة كبيرة أوسع من أسرته، وأن هناك جماعات أخرى تتبع أديانًا أخرى. وفي الطفولة المتأخرة تصبح فكرة الطفل عن الله أكثر وضوحًا وتمايزًا عن فكرته في طفولته المبكرة. وتختلف فكرة الطفل ‏عن الله اختلافًا بيّنًا من طفل لآخر نتيجة للبيئة الدينية التي تهيمن على سلوك الطفل.‏ في مرحلة الطفولة المتأخرة يكتسب الطفل بعض المفاهيم الدينية، وأهمها معرفة معنى الوحدانية وعدم المثلية لذات الله تعالى.‏

ثم يحدث تحول المراهقة، وهي المرحلة التي سيتحول المراهق بعد ذلك في نهايتها إلى الرشد. وبينما كان الفرد يؤمن في طفولته بالشعائر والطقوس الدينية المختلفة، فإنه في مراهقته يتخفف كثيرًا من هذا الإيمان الشديد، ويتجه بعقله نحو مناقشة الشعائر وفهمها والكشف عن أسبابها ‏وعلّاتها. وسواء كان الاتجاه نحو الدين موجبًا أو سالبًا، فإن الدين ‏يعتبر قوة دافعة خلال فترة المراهقة بصفة خاصة. قد تُشاهد اليقظة الدينية العامة، كما قد ‏يُشاهد الشك، كما قد يُشاهد الإلحاد غير الحقيقي الناشئ عن الرغبة في الاستقلال والتحرر والعدوان على المجتمع، ويُلاحظ أن التنشئة الاجتماعية تلعب دورًا هامًا في تحديد الاتجاه الديني لدى ‏المراهق؛ سواء كان تحمسًا أو شكًا أو إلحادًا.

‏وتتأثر مثيرات المراهق الانفعالية بعلاقته بالدين. يذكر حامد زهران (1999، ص421-422)‏ أنه "‏وفي المراهقة المتأخرة يُشاهد الحماس الديني الذي يصل إلى درجة التطرف، والذي يحل محل الاتجاه ‏الديني التقليدي. ويتلون الحماس الديني بالسمات الغالبة على شخصية المراهق، فهناك التحمس المصحوب ‏بالتحرر من البدع، وقد يصاحب هذا نقد لاذع. وهناك الاندفاع إلى النشاط الخارجي والاجتماعي والديني ‏والانضمام إلى جماعات البر والإحسان (الشخصية المنبسطة)، أو الاقتناع في حماسه بالاقتصار على ‏المستوى الشخصي والتصوف الزائف (الشخصية المنطوية). وقد يسيطر التفكير الخرافي والتفاؤل والتشاؤم ‏والتوسل إلى الأولياء وتعليق الأحجبة. وقد يلجأ البعض إلى الدين كوسيلة لإعلاء الدافع الجنسي، ويكون لدى ‏هؤلاء حساسية مرهفة لأي مخالفة جنسية في المجتمع، وقد يأخذ هذا الحماس الديني شكل عمل جماعي يقوم ‏به المراهقون في شكل جماعات دينية لإقامة دعائم الفضيلة في المجتمع وتحطيم أماكن اللهو والفساد ‏ومهاجمة الإباحية والاختلاط. كما يُشاهد الاتجاه إلى الله في مرحلة المراهقة المتأخرة حيث يشعر المراهق بالذنب المرتبط بانبعاث ‏الدافع الجنسي؛ فيتعلق بالدين، ويتجه إلى الله يتضرع إليه ليعينه على غرائزه، ويخلصه من عذاب نفسه، حتى ‏يتجنب العقاب الداخلي المعنوي. وكلّما اشتد الشعور بالذنب أقبل المراهق على الله متعبدًا لا يترك فرضًا ولا ‏نافلة ليتطهر من الذنب، وإذا هدأ هذا الشعور بالذنب تراخى وقلت ضراعته"أهـ.

بالرغم من ذلك قد تكون مراهقة البعض مراهقة توافقية، وقد ذكر الله تعالى بعض ممن هداهم الله تعالى في سن صغيرة، وعصمهم من تقلبات المراهقة الدينية. قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ‏﴿‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ‏﴾‏ [الأنبياء:‏‏51]. وقال عن يحيى عليه السلام: ‏﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا‏﴾‏ [مريم: 12]. وقال عن أهل الكهف: ‏﴿إِنَّهُمْ فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى‏﴾‏‏ [الكهف:13].‏

وقد استخلص صموئيل مغاريوس ‏(1957)‏ في بحثه على الذكور من المراهقين أربعة أشكال عامة للمراهقة ‏هي: المراهقة المتوافقة- المراهقة الانسحابية المنطوية- المراهقة العدوانية المتمردة- المراهقة المنحرفة. ‏ويمكن وصف تلك الأنماط من المراهقة في علاقتها بالدين بأن نمط المراهقة المتوافقة يتسم بالتوافق والتقبل ‏للمعتقدات الدينية وعدم المعاناة من الشكوك الدينية، وينبع ذلك من التدين السليم والاستقامة، أما نمط المراهقة ‏الانسحابية المنطوية فمن سماتها العامة الاتجاه إلى النزعة الدينية المتطرفة بحثًا عن الراحة النفسية والخلاص ‏من مشاعر الذنب؛ وذلك لتأثرها بالتزمت والرجعية والمغالاة في اتجاهات الأسرة، أما السمات الدينية للمراهقة ‏العدوانية المتمردة فتتضح في الحملات ضد رجال الدين وربما إعلان الشكوك الدينية، وأخيرًا تكون أخطر ‏أنماط المراهقة، وهو نمط المراهقة المنحرفة، والتي تتسم بالجناح والسلوك المضاد للمجتمع والانحلال الخلقي ‏التام‏‏.

وهكذا ندرك من تحليلنا لأنماط المراهقة أثر الدين على التوافق النفسي للمراهق، وهو الأثر الذي يستمر ‏للدين في مراحل الحياة التالية للمراهقة؛ إذ يُحقق الدين التوافق النفسي الصحيح الذي يسعى الفرد إلى بلوغه ‏خلال مراحل حياته؛ فقط لو كان نمط التدين صحيحًا.‏ إن المتطرفين غالبًا ما يبررون أفعالهم في أغلب الأحيان على خلفيات أيديولوجية أو دينية محتجين ‏بأنهم يردون على خطأ أعظم أو يروجون لشيء أعظم. وترى الكاتبة أن النشوء في بيئة يُمجد فيها التشدد ‏وتتم صياغة الشعور الديني لدى الأفراد منذ صغرهم بشكل خاطئ هو من العوامل الرئيسية المسهمة في ‏نشأة وتطور التطرف.‏

2- الرغبة في التميز

ورد عن سيدنا علي بن أبي طالب أنه قال: "قسم ظهري اثنان عالم فاسق، وجاهل متنسك".

والرغبة في التميز هي غريزة إنسانية توجد لدى كل البشر، ترتبط بتحقيق وتقدير الذات والثقة ‏بالنفس، كما تعد تلك الرغبة دافعًا لكثير من السلوكيات الإنسانية التي يمكن تفسيرها في ‏ضوئها. هذا لا يعني أن تكون تلك الرغبة هي الدافع الوحيد وراء السلوكيات نفسها لدى جميع ‏من يسلكونها، فقد تتشابه السلوكيات الإنسانية وتختلف الدوافع إليها، وهذا أعقد ما يخص سلوك ‏الإنسان.‏

وتتعدد المجالات التي يمكن أن يكون الشخص متميزًا فيها، بتعدد ميول البشر واتجاهاتهم ‏وظروفهم وشروطهم، التي تخلقها لهم بيئاتهم الصغيرة، بل ومجتمعاتهم الكبيرة أيضًا.‏

يذكر بوست (2007) أن هناك عددًا وافرًا من الدوافع الفردية لممارسة الإرهاب؛ فهي بالنسبة للبعض، ‏إعطاء‎ ‎شعور بالقوة لمن لا حول ولا قوة لهم؛ ‏واكتساب شعور بالأهمية هو دافع آخرين غيرهم‎.‎

فرغم كونها غريزة إنسانية لا يفتقدها إنسان، ويمكن اعتبارها سرًا من أسرار التفرّد الإنساني، إلا ‏أن الرغبة في التميز تتحول لدى بعض الناس إلى هوس يؤدي إلى سلوكيات قد تدمرهم على أصعدة كثيرة ‏مادية ومعنوية؛ أهمها التطرف، خاصة وكثير من السلوكيات المتطرفة، هي سلوكيات ‏متاحة ومجانية، ولا تكلف من يقوم بها شيئًا، كالتشدد الزائف وإظهار الكراهية للمخالف، مما جعل تلك السوكيات تنتشر في كل الثقافات الفرعية في مجتمعنا، فلم تميز بين الأغنياء ‏والفقراء، والمثقفين والجهلاء، إضافة للانضمام لجماعات متطرفة، ثم ما يلي ذلك الانضمام من التعصب ‏لتلك الجماعة.‏

فالرغبة في التميز تفسر وترتبط بانضمام بعض الناس –بل الكثيرين منهم- إلى الجماعات الدينية، بينما يكون ‏سلوكهم متنافي تمامًا مع الدين، مما يجعل خبر انضمامهم لتلك الجماعات صدمة بكل ‏المقاييس لمن يعرفونهم عن قرب، ولكنهم لا يدركون الدافع الحقيقي وراء هذا السلوك ‏المستغرب من هؤلاء، وأن الأمر لا يعدو رغبة في الانتماء لجماعة تكون لها الغلبة الفكرية ‏والنجاة الأخروية أكثر مما هو إيمان حقيقي بمعتقداتها،‏ فانعزال المتطرفين في جماعة يُظهِر -وكذا يُنمِي- رغبة أعضائها في التميز عمّن سواهم، لحاجة كل منهم إلى الشعور بأنه يحتل مركزًا مرموقًا ‏بين الآخرين، أو الشعور أنه أفضل‎ ‎من الآخرين. أعرف كثيرين جُل ما يعنيهم هو إثبات حديث الفرقة الناجية، بما فيه الفقرة الأخيرة المختلف ‏حول صحتها، وإقناع نفسه والآخرين أنه منها!

وكثير من المتطرفين –خاصة شديديّ التطرف منهم- لمن يعرف حقيقتهم لهم وجه آخر يخفونه خلف تشددهم الزائف، قد يسمح لهم باقتراف كبائر الذنب، مما لا يجرؤ المؤمن البسيط الذي يراهم شيوخًا على مجرد التفكير في اقتراف مثله؛ وتكون صدمته عظيمة فيهم عندما يُكشف عن هؤلاء المتألهين القناع.

هذا ويلعب التعزيز دوره في تقوية تلك الرغبة في التميز، وهو ما يركز عليه المروجون للجماعات الدينية، بل ويمكن استخدامه لإقناع الأعضاء بالانتقال من المشاركة في المظاهرات السلمية إلى القيام بأعمال عنف.

وكما سبق ‏وأوضحنا أن هؤلاء المروجين يسعون إلى تحويل تلك الغريزة الطبيعية إلى حالة من الهوس ‏المرضي الذي يؤدي إلى رفع المستوى الظاهري للثقة بالنفس لدى الفرد، وإن كانت الحقيقة ‏عكس ذلك تمامًا؛ فتحقيق التميز الزائف عن طريق الانتماء لجماعة يُدعى كونها مميزة أو ‏ليس للفرد دور في تميزها إنما يداري الإحساس بالفشل وافتقاد القيمة التي يعاني منها الشخص ‏على المستوى الفردي، فالرغبة الزائفة في التميز فيما لا يعد تميزًا من الأساس إنما هو ‏تعبير عن عدم الثقة في النفس وليس الثقة فيها، ويعد أسلوبًا من أساليب خداع الذات ‏وتعويض النقص ينبغي أن يتغلب عليه الفرد وأن يبحث عما يمكن أن يجعله يتميز حقيقة لا ‏زيفًا.‏

3- النرجسية والكبر

تختلف النرجسية عن الرغبة في التميز، فالنرجسية تعني حب النفس، وهي اضطراب في الشخصية، حيث تتميز بالغرور والتعالي ‏والشعور الزائد بالأهمية. والمستويات العالية من النرجسية تجعل الشخص يميل لإعطاء قيمة ‏عالية لأفعاله وآرائه ظانًا منه أن كل ما يصدر عنه عظيم التأثير في كل من يتعرض له.‏ وهو يرغب أن ينال إعجاب الجميع، كما أنه يفتقر إلى التعاطف مع الآخرين.

ومن سمات المتطرفين دينيًا اغترارهم بعقيدتهم وعملهم واعتقادهم امتلاك مفاتيح الجنة، وأن غيرهم ممن يخالفونهم فكريًا وعقديًا لا شك أقل قدرًا عند الله –هذا في أفضل الأحوال-، بل ويصل بهم الأمر إلى الاقتناع بأنه لولاهم ولولا جماعتهم لضاع الإيمان من الأرض، وأنهم الذين يُعقد عليهم إعادة أمجاد الإسلام.

تذكر ميا بلوم (2008) أن "بعض علماء النفس يرون أن الإرهابيين يعانون عادة من "التضرر النرجسي"، وهو ‏أساسًا‎ ‎تضرر دائم للصورة التي يحملونها عن أنفسهم ولاحترامهم لذاتهم، يكون شديدًا إلى حد‎ ‎إرغام الذات ‏المرفوضة على السعي إلى "هوية إيجابية" جديدة (أي إحراز إحساس‎ ‎‏"بالانتماء" كعضو في جماعة إرهابية)"أهـ. ‏أي أن التضرر النرجسي على المستوى الفردي يكون سببًا في الالتحاق بجماعة متطرفة تغذي النرجسية الجمعية للمتطرفين، مما يتيح للفرد الفرصة لاحتقار البعض ممن هم خارج الجماعة، والتعالي ‏عليهم، وإشباع حاجته إلى الشعور بأنه أفضل‎ ‎منهم.

كما أن النرجسي لديه دائمًا مشاكل في التمييز بين ذاته وبين الآخرين، ويرى في نفسه تشابهًا –قد ‏يكون متوهمًا- بينه وبين من يعجبه منهم، وهو ما لاحظته الكاتبة في المتطرفين حيث ينتقي كل منهم شخصية تاريخية، ويحددها كمثل أعلى ويتوهم تشابهه معها، ويؤثر ذلك في سلوكه أعظم تأثير.

4- الاندفاع الوجداني

يتسم المتطرفون بوصولهم لأقصى درجة في التعبير الانفعالي إزاء المواقف التي يتطرفون معها أو ضدها، وعدم قدرتهم على التوسط في انفعالاتهم أو تحكيم العقل، فيحبون لأقصى درجة ويكرهون لأقصى درجة، ويوافقون لأبعد مدى وكذا يعارضون بشدة. وترتبط تلك السمة بشدة بسمة التعصب.

إننا أمام أشخاص يعانون من الشعور بالنقص، وعدم الثقة في النفس، مما يجعلهم سريعيّ التوتر، شديديّ الاندفاعية الوجدانية، ويفتقدون القدرة على ‏ضبط الذات.

5- الانقياد

نظرًا لأن المتطرف دائمًا ينضم لجماعات دينية فلا بد أن يكون على الاستعداد لقبول فكرة الطاعة العمياء للقائد أو الأمير، وأن يكون مقتنعًا بفكرة الإمارة والخلافة، وعلى استعداد لتنفيذ أي مهمة توكل إليه حتى لو عرَّض حياته أو حياة الأبرياء للخطر؛ فالمتطرف هو شخص انقيادي فقد استقلاليته التي تم القضاء عليها من لحظة انضمامه للجماعة، حتى أنه لا يمكن تفسير تصرفاته بدقة في ضوء ‏مبادئ علم النفس الفردي، بل ينبغي الاستعانة بمبادئ علم النفس الجمعي لتفسير تصرفاته وتصرفات الجماعة ككل.

ويمكن القول إن الانقياد الذي يظهره المتطرفون نحو قيادتهم هو حالة خاصة من اضطراب الشخصية الاعتمادية؛ فالاعتمادية هي اضطراب "فقد الذات"، ويتوقف إحساس المتطرف بقيمته بقدر التضحية، التي قد تكون مبالغًا فيها، لأجل الجماعة التي يستمد قيمته منها. أما الحصول على السمع والطاعة في المقابل فيناسب الشخصية النرجسية، ويوفر لها ما ترغب فيه من شعور بالأهمية.

وعلى العكس من المنقادين فإنه عادة ما تبرز شخصيات استقلالية من بين المتطرفين، إما أن يسعفهم ذكاؤهم ليصبحوا من قادة الجماعة، أو يقعوا في صدام مع القادة وقد ينشقوا عنهم. وعادة تحاول الجهات الأمنية استغلال هؤلاء ممن يبرزون الاستقلالية لشق صفوف الجماعات المتطرفة من الداخل.

6 – الرغبة في الانتقام نتيجة الإذلال والاضطهاد

في كتابه "العالم بدون تغيير" جادل فريدمان ‏‎(Friedman, 2005)‎‏ بأن الناس لديهم تقدير ‏غير كاف ‏للدور الذي يلعبه الإذلال في الإرهاب.‏

كذلك يذكر جيرولد بوست (2007) أن الانتقام قد يكون هو الدافع الرئيسي لممارسة الإرهاب ‏بالنسبة‎ ‎للبعض‎.‎‏

ويؤكد سعيد عبد الله حارب (د.ت) أن للإرهاب أسبابًا أبرزها إحساس الإنسان بالإذلال ‏والقهر،‏ ‏والإحباط واليأس من إحداث التغيير بالحسنى؛ مما يولد العنف ويلغي سيطرة العقول على ‏العضلات؛ فتنطلق ‏كالثور الهائج.‏

ويرى جون هورجان (2008) أن التجارب الشخصية الحقيقية أو ‏المتصورة في مجال الاضطهاد، أو ‏الارتباط العاطفي الوثيق بقضية، تكون متعلقة عادة بمجتمع مضطهد، هي من أهم ‏العوامل المسبقة التي ‏تجعل المرء مهيئًا‎ ‎للانخراط في الإرهاب. ‏

على سبيل المثال، يذكر لانجيليت وشوج ‏‎(Langelett & Schug, 2004)‎‏ أن من أهم ‏الأسباب التي أسهمت ولا ‏زالت تسهم في تأسيس مشكلة الإرهاب –كما يسميانه- في الشرق ‏الأوسط، هو تقسيم فلسطين عام 1948، ‏مما يجعل سلوك الناس في منطقة الشرق الأوسط يبدو ‏لغزًا بالنسبة للعديد من المراقبين الغربيين، ويجعل ‏المشاهد الوحشية وأعمال العنف تنتشر فيها بلا ‏شعور.‏

كذلك لا يغفل أوبراين ‏‎(O'Brien, 2004)‎‏ حدوث انتهاكات في سجن أبي غريب بالعراق ‏وقاعدة ‏جوانتانامو بكوبا، وأن الولايات المتحدة الأمريكية بالرغم من توقيعها على اتفاقيات جنيف ‏الأربع، التي تمنع أي ‏نوع من الإجبار أو التعذيب الجسدي أو النفسي أو أي معاملة لا إنسانية ‏لأسرى الحرب، فإن اتفاقيات جنيف ‏لم تُطبق فيما عُرف باسم "الحرب على الإرهاب" التي شنتها ‏إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن. ‏ولقد كان من دواعي معارضة اعتبار استعمال ‏‏"التعذيب" كطريقة استجواب هي اعتبارها منحدرًا زلقًا يمكن أن ‏يؤدي إلى العديد من الانتهاكات ‏الأخرى.‏

وقد تنبأ يو وكيم ‏‎(Yoo & Kim, 2002)‎‏ بأن الإرهاب الانتحاري وحرب أمريكا ضد أفغانستان، ‏والتوتر ‏التابع في الشرق الأوسط من شأنها أن تخلق نزاعات بين جماعات مختلفة متعارضة ‏الاهتمامات والمصالح.‏ وقد رأينا تحقق ذلك بأعيننا في الجماعات المسلحة التي ظهرت في السنوات الأخيرة في سوريا والعراق وليبيا وسيناء، وعلى رأسها داعش.

وتفسر الكاتبة السبب وراء ذلك بأن التطرف يساعد الفرد على التخلص من مشاعر الكراهية المكبوتة تجاه من قام بالاضطهاد، فهو يستخدم حيلتيّ الإزاحة والإبدال للدفاع عن النفس، وعمن نحبهم، ممن تعرضوا للاضطهاد؛ ومن ثم يقل توتره.

وفي هذا المقام يلفتنا ايلشتين ‏‎(Elshtain, 2003)‎‏ أن هناك ملاحظات لأهمية التمييز بين الإرهابيين ‏وبين المقاتلين ‏من أجل الحرية، والتي تقترح كيفية وصف الناس للهجوم والتي تتعلق بشكل مباشر ‏بكيف يتكلمون عن ‏المهاجمين. وإن كان ينتقد عدم تمييز الناس قتل المقاتلين من الاستهداف ‏المقصود للمواطنين المسالمين.‏

وترى الكاتبة أن ذلك الوصف للإذلال كمنبع أساسي من منابع التطرف والإرهاب إنما ‏ينطبق غالبًا ‏على المقاتلين من أجل الحرية، وليس الإرهابيين الحقيقيين، ولكن مع بقاء الوضع ‏العالمي مشوهًا، ولا يتضح ‏فيه التمييز بين الإرهاب والدفاع عن الحريات، ويُكال الأمر غالبًا بنفس ‏المكيال في كلتا الحالتين، استنادًا إلى ‏الأفعال المتشابهة وليس الأهداف العامة الدافعة إلى ‏الانخراط في تلك الأفعال، فإنه يمكننا الإبقاء على هذا ‏العامل كأحد العوامل النفسية الأساسية المسببة للتطرف.‏

وينبغي أيضًا ملاحظة ارتباط هذا العامل كثيرًا ببعض الممارسات الأمنية الخاطئة التي ترتكبها الحكومات ضد بعض المتطرفين فكريًا غير المتجهين إلى العنف أو حتى المتدينين تدينًا وسطيًا، مما يتسبب في انضمامهم إلى ركب المتطرفين.

7- الإحباط

‏الإحباط هو تعرض المرء للحيلولة دون تحقيقه‎ ‎هدفًا أو ممارسة سلوك له أهمية قصوى بالنسبة له.

يجادل العالم النفسي جوزيف مارجولين بأن‎ ‎الكثير من السلوك الإرهابي هو استجابة لإحباط في ‏احتياجات أو أهداف سياسية‎ ‎واقتصادية وشخصية مختلفة. ويضيف الدكتور راندي بورم: إن الصلة بين ‏الإحباط والعدوان قد يكون توضيحًا رئيسيًا لفهم ‏سبب العنف البشري ‏(ميا بلوم، 2008)‏.

ومن ثم أقول: إن الانضمام لجماعة متطرفة يعطي الفرصة لمن ‏يعاني من‎ ‎إحباطات مختلفة للتعبير عن عدوانه الذي ينتج عن هذه الإحباطات. ولقد سبق وأكد فرويد من قديم أن منع الفرد من إشباع حاجاته يزيد من احتمالية إقدامه على العنف.‏

ويذكر عادل الأشول ‏(1987، ص132) أنه عندما يتعرض الفرد لموقف إحباط إما أن ‏يلجأ إلى الانسحاب والانكفاء على الذات، أو يتحول إلى العدوان. وفي حالات كثيرة لا يتم توجيه ‏العدوان نحو مصدر الإحباط؛ إذ ربما كانت إمكانية رد العدوان غير مكفولة لقوة المعتدي أو لغيبة ‏ماديًا (كسلطة الدولة مثلًا)، وهنا يلجأ الفرد إلى إزاحة العدوان إلى هدف آخر بديل تربطه بالمصدر ‏الأصلي للإحباط روابط قد تكون غير واضحة، وقد تكون مستترة إلا على الفرد نفسه، وربما رباطًا ‏غير عقلاني، وهذا يفسر مظاهر العدوان على أعضاء جماعات الهدف حتى من لم يكن منهم ‏مصدرًا للإحباط، مما يُعرف بكبش الفداء ‏Scapegoat، وعلى الرغم من تحويل العدوان إلى كبش ‏فداء فإن الأساس الحقيقي للإحباط لا يُزال ولا يُمحى، وهكذا فإن العداء يتولد بصورة مستمرة ‏ودائمة، ويُعبر عنه نحو جماعة الأقلية.‏

8- التعصب وعدم احترام حرية الفكر والاعتقاد

تعد مشكلة التعصب، وما يرتبط بها من مفاهيم وقضايا ذات صلة، وأهمها التطرف والإرهاب، من أشد المشكلات ضراوة وتأثيرًا على الإنسان، ولقد بذل علم النفس جهودًا واسعة لفهم طبيعة التعصب وأسبابه.

والتعصب هو سبب للتطرف وهو نتيجة له في آنٍ واحد؛ فالتعصب يعني إعطاء أحكام جامدة بالصحة تجاه فكرة ما، كتعصب الإسلاميين لفكرة "الإسلام هو الحل"، الذي اتخذوه شعارًا لهم لفترة طويلة. كما أن انتماء شخص لجماعة متطرفة يعني بالضرورة تعصبه لأفكارها. ويُعِد التعصب الفرد للشعور والتفكير والإدراك والسلوك بطرق تتفق مع اتجاه التعصب.

والتعصب كسمة نفسية يرتبط بسمة عقلية هي الجمود العقلي، فهو يعمي ويصم ويشوه إدراك الواقع، لأنه يقتضي رفض مناقشة أو تعديل الأحكام، أو التعميم غير المصحوب بدليل تجاه فكرة أو جماعة. ولا يقوم على سند منطقي أو معرفة كافية بالموضوع المتعصب له، وإن كنا نحاول أن نبرره، ويستخدم التعصب كستار لإخفاء ضعف الحكم العقلي بالصحة على الموقف المتعصب له.

وأستطيع أن أقول بأريحية إن أغلب البشر عنصريون ولديهم ما يمكن أن أسميه الهوس بالتفرع الثنائي ‏dichotomania، فهم يحبون التقسيم الثنائي الحدّي فقط. جرّب أن تعرض تقسيمًا ثلاثيًا في أي نطاق وستجد عزوفًا ‏عنه؛‏ فالثنائية تعني الحدّية القطبية. إما أبيض أو أسود، إما مؤمن أو كافر، إما أنك سني أو شيعي، ‏ودائمًا القطب المقابل هو العدو؛ من ليس معنا فهو ضدنا. فالتصنيف الثنائي يكرس للعداوة، بينما تقبل وجود تصنيفات متعددة ثلاثية أو رباعية أو أكثر ‏يمجد التنوع الإنساني، ويصب في النهاية في بحر الإنسانية الذي يوحدهم دون تصنيف، لكن البشر يبحثون عما يقسمهم ويتجاهلون سبب توحدهم "الإنسانية"‏.

والتعصب مرض اجتماعي عضال، وسبب لكثير من الأمراض الاجتماعية، وعلى رأسها التطرف، ولم تنجح كل محاولات علاجه حتى الآن. قرأت مرة مقولة "لقد أصبحت عملية فلق الذرة الآن أسهل من عملية القضاء على التعصب".‏

يُعرِّف عادل عز الدين الأشول (1987، ص ص 120- 121) الاتجاه التعصبي ‏بأنه: "اتجاه يجعل الشخص قبليًا، أو يجعله ميالًا للتفكير والإدراك والإحساس والتصرف بطرق محابية أو غير محابية نحو جماعة معينة، ونحو أعضائها". ويشتمل هذا التعريف على ثلاثة مكونات:

- مكون معرفي: وهي جملة الأحكام المسبقة الأولية التي يكونها الفرد قبل دخوله في موقف تفاعل مع أعضاء جماعة أخرى، مضافًا إليها مجموعة من القوالب النمطية التي كونتها الجماعة الداخلية عن الجماعة الأخرى المتصارعة معها الجماعة الخارجية. وهذه القوالب النمطية تتصف بقدر كبير من الجمود والتعميم والتواتر، حيث تصنف الأفراد وفقًا لخصائص معينة لتعيين هويتهم، ويتفق المدركون على الصفات التي يمتلكها أفراد كل فئة، ويوجد تباين بين السمات التي تنسب وتعزى إليهم والسمات الفعلية التي يتسمون بها فعلًا. كذلك يتضمن المكون المعرفي معتقدات الفرد ومعارفه حول الجماعات الأخرى، والمواقف والأفكار المؤيدة أو المخالفة له.

- مكون انفعالي: وهو جملة المشاعر والانفعالات الموجبة (حب وتعاون وتآلف وإيثار للجماعة الداخلية وأعضائها) أو السالبة (كراهية ونفور وتدابر، وأثره نحو الجماعة أو الجماعات الخارجية المناهضة أو المتصارعة).

- مكون سلوكي: ويقصد به إمكانية التعبير السلوكي عن التعصب من خلال المعاملة التفاضلية أو التباينية أو الطبقية الصريحة لفرد ما بسبب عضويته في جماعة.

ويربط هذه المكونات جميعًا علاقة من الاتساق والتناغم، بحيث أن المعتقدات والانفعالات نحو موضوع ما، أو شخص ما، أو جماعة ما، تحدد إلى درجة كبيرة ما سيكون عليه سلوك الفرد أو الموقف، وعندما يحدث تنافر وعدم اتساق بين أحد هذه المكونات والمكونين الآخرين فإن الفرد يقع فريسة للقلق والاضطراب، مما يدفعه إلى إنكار التعارض أو تعديل أحد المكونات ليتلاءم مع المكونين الآخرين، وهذه النقطة كانت مدخلًا لتعديل الاتجاه التعصبي في العديد من الدراسات.

‏وقد يكون التعصب عرقيًا أو سياسيًا أو دينيًا أو مذهبيًا أو طائفيًا أو طبقيًا. ولا يخفى على أحد الدور الذي يلعبه الإعلام الغربي في إلصاق تهمة التعصب الديني بالمسلمين عمومًا، لتفسير بعض الجرائم الإرهابية التي تمت على يد أبناء تلك الفرقة المتطرفة من المسلمين سواء على أراضي غربية أو في منطقة الشرق الأوسط، لكن هذا لا يلغي حقيقة التصور بأن التعصب الديني والتعصب بوجه عام هو أحد منابع الإرهاب، ومن أهم الأسباب التي تقف وراء العديد من الحوادث الإرهابية في العالم.

يذكر إبراهيم الشافعي (2006، ص 298) أن ‏أغلب الدراسات قد توصلت إلى أن الاتجاه التعصبي هو اتجاه عام، حيث وُجدت معاملات ارتباط دالة موجبة بين درجات الطلاب أفراد العينة في مجالات التعصب موضوع الاهتمام. وقد ساهمت أعمال ملتون روكيش في تدعيم هذا التوجه الذي يرى عمومية الاتجاه التعصبي، حيث يرى أن المعول عليه هو أسلوب اعتقاد الفرد وليس محتوى هذا الاعتقاد، وهذا الأسلوب في تناول المعتقدات بشكل جامد أو مرن، متصلب أو متسامح، عقلاني أو بعيد عن المنطق هو الذي يحدد درجة تعصب الفرد، وهذا الأسلوب هو انعكاس لنسق معتقدات الفرد الذي يميل إلى التناسق والاتساق، مما يفسر لماذا يكون المتعصب في مجال متعصبًا في المجالات الأخرى على وجه الاحتمال. وهذه الرؤية تتفق مع رؤية هارتللي Hartley الذي يرى أن الاتجاه التعصبي العام يعتمد على اتجاه عدائي يكون في البداية نحو موضوع محدد، ولكن يتم تعميقه نحو أعضاء مختلف الجماعات الخارجية، ويستمد أصوله من المحتوى، ويمكن استنتاجه منها، ثم يتحول إلى شكل أو نمط ثابت ومستقر نسبيًا في الشخصية متحولًا إلى سمة مميزة لها، وهذا يفسر عموميته.

9- التشاؤم والانطواء

يذهب بعض الخبراء إلى حد التأكيد على أن معظم المتطرفين هم ممّن يكادون يكونون‎ ‎مصابين بالتوحد أو الانطواء على الذات، وبذلك ينجذبون نحو أيديولوجيات تبسط‎ ‎العالم فاصلة إياه إلى أسود وأبيض، ‏إلى الخير والشر‎.‎ ومن المعروف أن الانطوائي أكثر تحفظًا في وجود الآخرين، ويستمتع بالأنشطة الفردية، واختياره لأقرانه يخضع لتدقيق كبير، ويقوم على قدر كبير من الثقة، وتعمد الجماعات المتطرفة إلى ضمه استغلالًا للثقة التي يضعها في بعض أعضائها، ممن يتقربون إليه؛ بغرض تجنيده وضمه.

ويلاحظ على المتطرفين أيضًا غلبة التفكير التشاؤمي السلبي، مثل: الإكثار من الحديث عن الموت وعذاب القبر ويوم القيامة، كما أن التطرف قد يؤدي إلى مزيد من التشاؤم بسبب تضييق المتطرف على نفسه فيما أحل الله، فتصبح حياته عسيرة بعكس حياة المسلم المعتدل الذي يأخذ من الحياة أطايبها ولا يحرم على نفسه بغير دليل.

كما أدت الظروف السياسية والاقتصادية المتردية في العقود الأخيرة، خاصة بعد ضياع الأمل في التغيير بعد الثورة على نظام مبارك وغيره من الأنظمة العربية الفاسدة، وعدم تحقق أي إنجازات، إلى مزيد من التشاؤم القائم على اليأس من انصلاح الأمور؛ أدى بدوره وسيؤدي إلى مزيد من التطرف.

10- الأنانية وإقصاء الآخرين وسوء الظن بالمخالفين

تُعرف الأنانية بأنها نزعة لدى الفرد لتبني آراء إيجابية نحو ذاته، للدرجة التي تصبح فيها ذاته هي مركز العالم. ويمكن القول إن الإفراط في تقدير الذات والتمركز حولها هو مظهر طفولي طبيعي، ولكنه غير طبيعي وغير صحي في الأكبر عمرًا، الذين من المفترض أن يدركوا مع اضطراد نموهم أنهم جزء من هذا العالم، وليسوا محوره.

والأناني لا يهتم بالقيم كثيرًا، فما يهمه هو إرضاء غروره وتحقيق مصالحه الذاتية وإثبات صحة موقفه، وهذا ما نلحظه في أعضاء الجماعات المتطرفة؛ إذ يسعون إلى الانتصار لجماعتهم بأي وسيلة، سواء دفع الآخرين للتعاطف معهم بالكذب، أو استغلال جهلهم والقيام بغشهم لإثبات صحة موقفهم زورًا، ومن المؤكد أن يلجأوا إلى استخدام القوة إذا ما امتلكوها لحمل الأفراد على الإذعان لهم.

فالمتطرف تمت برمجته على عدم تقبل فكر الآخر والحوار المنطقي معه، ومن ثم هو يقصي الآخر، ولديه شعور عالٍ بالأنانية الفردية والجمعية. والأنانية ترتبط ارتباطًا قويًا بالنرجسية، ويمكن القول إن الأنانية والغرور في إطار الجماعة المتطرفة هي شكل خاص من أشكال النرجسية الاجتماعية.

فتشاؤمهم على المستوى الشخصي، إضافة لأنانيتهم ونرجسيتهم الاجتماعية ينعكسان على نظرتهم للآخرين ممن لا ينتمون لجماعتهم، فيسيئون الظن بهم ويركزون على سيئاتهم وقد ينكرون حسناتهم، فنراهم يشمتون حتى في موت من يرونهم عبادًا عصاة، وتعليقاتهم على وسائط التواصل الاجتماعي حقًا صادمة. ويسترعي الانتباه أن لديهم اضطرابًا معممًا نحو الآخرين فيكونون رأيًا سلبيًا موحدًا تجاههم. ومن ثم ينشأ التطرف عن هذا الإقصاء للآخرين على مستوى الفرد والجماعة وعدم تقريب وجهات النظر.

ويمكن تفسير كثير من سوء ظنهم الدائب والدائم بالآخرين على أنه رغبة منهم في التخلص من مشاعر الإثم‎ تجاه ما يرتكبونه من أخطاء، فيلجأون إلى إسقاط هذا الإثم على الآخرين.

11- الغلظة في التعامل

يختلف الناس ما بين سمحاء ومتذمرين. ومن الصعب أن يتحول الشخص الهيّن الليّن إلى متطرف، فيلزم للتطرف قدر عالي من الغلظة، يبرر لها المتطرفون بأنها غيرة منهم على حرمات الله، وأنهم لا يستطيعون التساهل فيها، وتقتضي منهم مكافحة الفساد والابتداع في الدين، الغلظة مع المفسدين المبتدعين، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان أرفق الناس وأحلمهم، لم يكن يغضب لانتهاك محارم الله! يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

ويحتجون بآية ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏﴾ [التحريم: 9]، ويتناسون أن مثل تلك الآيات التي أمر الله تعالى فيها بالغلظة على الكفار كانت في حال القتال، وينسون سيرته عليه السلام وأحواله مع هؤلاء الكفار والمنافقين، كما ينسون أنه عندما بعث الله موسى وهارون عليهما السلام إلى شر أهل الأرض، قال لهما تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى‏﴾ [طه: 44]. بينما هم يغلظون على عباد الله، وينفرونهم، حتى لو كانوا على صواب في بعض المسائل.

12- بعض الاضطرابات النفسية والذهانية

يذكر جيرولد بوست (2007) أن هناك افتراضًا واسع النطاق بأن صفوف الإرهابيين مليئة بالأفراد ‏المصابين باضطرابات‎ ‎نفسية خطيرة؛ فمن سوى شخص متعصب جن جنونه، سيقتل ضحايا أبرياء باسم ‏قضية ما،‎ ‎وسيصبح بملء إرادته قنبلة بشرية؟‎ ‎ولكن الواقع هو أن الرأي الإجماعي للجنة الخاصة بالجذور ‏النفسية للإرهاب، والتي‎ ‎تم تنظيمها للقمة الدولية حول "الديمقراطية والإرهاب والأمن" التي عُقدت في مدريد في‎ ‎شهر آذار/مارس 2005، هو أن البحث في علم الأمراض النفسية الفردية لفهم سبب انخراط‎ ‎الناس في التطرف و‏الإرهاب عملية محكوم عليها بالفشل المحتّم، وأن التفسيرات على مستوى علم‎ ‎النفس الفردي غير كافية، وفي ‏الحقيقة فقد خلصت اللجنة إلى أننا لن نكون مبالغين إن نحن جزمنا بأن الإرهابيين‎ ‎أشخاص "طبيعيون" ‏نفسيًا، من حيث أنهم ليسوا ذهانيين إكلينيكيًا، وهم ليسوا مكتئبين، ‎وليسوا مصابين باضطراب عاطفي شديد. والواقع أن‎ ‎الجماعات والمنظمات الإرهابية تعزل من بين صفوفها ‏الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات‎ ‎عاطفية، والذين يمثلون مخاطرة أمنية. ‎

لكن بالرغم من صحة ما ذكره بوست بوجه عام، فإنه إضافة للسمات النفسية السابق عرضها فقد تؤدي بعض الاضطرابات النفسية كالقلق والاكتئاب إلى التطرف، ويكون التطرف محاولة لتحويل اتجاه الصراع من داخل النفس إلى صراع مع المجتمع.

كذلك فإن الإصابة بالبارانويا (جنون العظمة) قد تؤدي للتطرف. والبارانويا هو مرض عقلي، يسيطر فيه على المريض مجموعة من المعتقدات غير المنطقية المتمركزة حول أوهام، يصير مقتنعًا بها، لدرجة أن يقتنع أنه مضطهد من الآخرين؛ كونه شخصًا مهمًا؛ ولكونه شخصًا مهمًا فإن بإمكانه توجيه الناس وإرشادهم، وإن لم يستجيبوا له فله أن يقهرهم.

وقد تمثل بعض الاعتقادات المتوهمة ذات الصبغة الدينية خطرًا على الشخص، أو تؤدي بالضرورة إلى التطرف، كاعتقاد الشخص أنه مجدد القرن، أو أنه المهدي المنتظر، أو أنه المسيح، أو أي حالة من حالات ادعاء النبوة، وأحيانًا يكتم الشخص هذا الأمر لكنه يتصرف على أساسه. محمد بن عبد الوهاب زعيم الوهابية كمثال، كان يُطلق على حركته مسمى "دعوة"، وكان يعتبر من عداه هو وأتباعه من المسلمين "مشركين"، وكان يستحل قتالهم باسم "الجهاد"، ويسمي حروبه معهم "غزوات"، ويأخذ نساءهم تحت مسمى "السبي"، وكان يرسل أتباعه لتحطيم قباب القبور مثلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما حطم الأصنام وأرسل من يحطمها.

13- خلل منظمات النفس الثلاث

حدد سيجموند فرويد ثلاث منظمات للنفس الإنسانية، وقرر في ضوء نظريته أن الشخصية الفردية هي نتاج تفاعل تلك المكونات الثلاثة. هذه المكونات هي: (الهو/الهي- الأنا- الأنا الأعلى).

- الهو/الهي: وهو مستودع الغريزة، والرغبات، والحوادث والذكريات التي لم يتم إشباعها في الواقع بفعل القيم والمعايير الاجتماعية. وهو أعمى من الوجهة الاجتماعية، فليس بينه وبين العالم الخارجي صلة مباشرة، ولا يميز بين ما هو صالح وطالح، بل ولا يعنيه التمييز، فهو يسير وفق مبدأ اللذة.

- الأنا: وتمثل الجهاز التنفيذي للشخصية، الذي يتعامل مع الواقع الخارجي وتعمل بمقتضى مبدأ الواقع. وهذا لا يعني أن الأنا تنكر إشباع الرغبات الغريزية الصادرة من الهو، بل تشترط أن يكون هذا الإشباع متسقًا مع القيم والمعايير الاجتماعية.

وتتولى الأنا وظيفة التوفيق بين مطالب الهو ومتطلبات الواقع الخارجي، فكأنه جهاز له عينان؛ عين تطل على الغرائز ورغبات النفس، وعين تطل على معايير المجتمع الخارجي، ثم العمل على التوفيق بينهما في وقت واحد.

- الأنا الأعلى: وتتكون نتيجة احتكاك الفرد وتفاعله مع البيئة الاجتماعية، من خلال الأوامر والنواهي التي يتلقاها الطفل عن والديه، ثم الآخرين ذوي السلطة في المجتمع، وتسير وفقًا لمبدأ ما يجب أن يكون (مبدأ المُثل).

ومع تكون الأنا العليا لدى الفرد منذ طفولته لا يحتاج إلى رقابة خارجية من الآخرين على سلوكه، حيث تقوم الأنا العليا بمهمة الرقابة والضبط على السلوك، فهي تمثل القانون في غياب القانون، وهي الشرطي في غياب رجل الشرطة.

ومن ثم، فشخصية الفرد تتجلى وفقًا للمنظم النفسي المتحكم فيها:

- فمن يحكمهم الهو لا يعبأون بقيم الأنا، ولا مبادئ الأنا الأعلى، ويرغبون فقط في تحقيق رغباتهم وغرائزهم دون وازع.

- ومن يحكمهم الأنا الأعلى يبدو للوهلة الأولى أن سلوكهم أخلاقي، ولكن غالبًا تنشأ عندهم عقدة الشعور بالذنب، وعندما يسلك الفرد بشكل يخالف الأنا العليا يتولد لديه عندئذ الشعور بالذنب، وهذا ما يدفع بالفرد إلى العصاب النفسي.

(فالأنا العليا) عندما تكون قاسية شديدة يكون الفرد من غير الأسوياء، وكذلك عندما تكون ضعيفة متساهلة تسمح (للهو) بالسيطرة، ويبدو هذا في كثرة الآثام والجرائم وكسر القوانين.

- وكلما كانت (الأنا) قوية لدى الفرد، وتمتلك مقدارًا كبيرًا من الطاقة النفسية، أصبح الفرد قادرًا على التغلب على مشاكله، والتكيف مع البيئة التي يعيش فيها. أي أنه بمقدار قوة الأنا واتزانها تتكامل الشخصية.

باختصار، فالمفترض أن تحكمنا الأنا مع بعض سيطرة للأنا الأعلى، وتسمحان معًا بتحقيق رغبات الهو بشكل يتوافق مع قيم المجتمع ومعاييره والمُثل، لكن لا تسمحان لها بأن تحكم الشخصية وإلا أصبح الشخص مجرمًا يخرق القوانين ولا يعبأ بالمبادئ الأخلاقية، كما من المفترض ألا تسمح الأنا للأنا الأعلى بالسيطرة التامة على الشخص وإلا فقد السواء أيضًا، وصار من مهاوييس المتطرفين المتنطعين. وهذا الخلل النفسي مردُّه دائمًا إلى أساليب التربية الخاطئة.

ولا بد من التأكيد على أن أيًا من هذه العوامل التي أسميناها عوامل الخطر، لن يساعد بمفرده في توضيح سبب تحول الناس إلى إرهابيين، إلا أنها تقدم عند أخذها مجتمعة إطارًا عامًا قويًا لفهم سبب انخراط شخص ما بالإرهاب وعدم إقدام شخص آخر على ذلك.

بوجه عام من ينضم للإرهاب؟

تذكر كرينشو (Crenshaw, 2001) أن الإرهاب ليس عنفًا كتليًا أو جماعيًا، لكن بالأحرى نشاط مباشر لمجموعات صغيرة. على أية حال، وبشكل موثوق به، فإن هذه الجماعات –حتى إذا كانت مدعومة من قبل منظمة كبيرة أو حزب سياسي- يكون عدد الفدائيين النشطين الذين ينضمون للإرهاب بها صغير. هذه القلة ربما تُعزل من المجتمع الأوسع. من ناحية أخرى ربما تتصرف كفرع متطرف لحركة اجتماعية أكبر. علاوة على ذلك فإن بعض الحكومات ووكلاءها يمكن أن يزاولوا الإرهاب سواء لقمع معارضة محلية أو لأغراض دولية بشكل أكبر.

بينما تشير موسوعة ويكيبديا Wikipedia إلى أن الإرهاب قد تم مزاولته من قِبل صف واسع من المنظمات السياسية لتعجيل أهدافهم؛ لقد تم مزاولته من قِبل كل من الأحزاب السياسية اليمينية واليسارية، والمجموعات القومية، والمجموعات الدينية، والثوريين، والحكومات القائمة. وأن الأعمال الإرهابية يمكن أن تُنفذ بواسطة أفراد أو مجموعات، وعلى أية حالة، فالصورة الأكثر شيوعًا للإرهاب هي أنه يُنفذ بواسطة خلايا صغيرة وسرية عالية الدافعية لخدمة سبب معين، والعديد من العمليات الأكثر قتلًا مثل تفجيرات 11 سبتمبر وقنابل قطار الأنفاق في لندن خُططت ونُفذت من قِبل مجموعة متقاربة مكونة من أصدقاء مقربين، وأفراد عائلة وشبكات اجتماعية قوية جدًا. هذه المجموعات استفادت من تدفق المعلومات المجاني والاتصالات الكفؤة للنجاح، بينما فشل آخرون.

وتضيف كرينشو (Crenshaw, 2001) أن التنظيم الذي يستخدم الإرهاب ربما يعرِّف الإرهاب كحرب لكسب اعتراف سياسي ومنزلة، واللذين تباعًا يمكن أن يمنحا شرعية تقاومها الحكومات. إن القول بالارتباط في حرب هو تبرير للإرهاب، بالإضافة إلى أنه ادّعاء بالمنزلة القوية، وبقدر ما تكون المجموعة أصغر وأكثر محدودية –على ما يبدو- بقدر ما زادت احتمالية أن تدعو نفسها جيشًا. وبما أن لفظيّ "إرهاب" و"إرهابي" يحملان تضمين نفسي سلبي قوي، فإن الإرهابيين نادرًا ما يُعرِّفون أنفسهم هكذا، وبشكل نموذجي فإنهم يستخدمون مصطلحات تلطيفية أو مصطلحات خاصة بموقفهم مثل الانفصالي، أو المحارب من أجل الحرية، أو المحرر، أو الثوري، أو الحارس، أو شبه العسكري، أو الفدائي، أو الثائر، أو المجاهد، أو أي كلمة ذات معنى مماثل في اللغات والثقافات الأخرى مثل المجاهد والفدائي، والتي تعد كلمات عربية دخلت إلى القاموس الإنجليزي.

التأثيرات النفسية للإرهاب

تنشأ عن الإرهاب بعض التأثيرات النفسية الهامة؛ تذكر موسوعة ويكيبديا Wikipedia أن الهجوم الإرهابي يُنفذ بطريقة تزيد شدة وطول التأثير النفسي؛ ذلك أن كل عمل إرهابي هو "أداء" اُبتكر ليكون له تأثير على العديد من المشاهدين. الإرهابيون يهاجمون أيضًا رموزًا وطنية لإظهار القوة، ولمحاولة هز مؤسسة البلاد أو المجتمع الذي يعارضونه، وأن هذا قد يؤثر سلبًا على الحكومة، بينما يزيد سمعة المنظمة الإرهابية و/أو العقيدة وراء العمل الإرهابي‎‏.

كما تذكر كرينشو (Crenshaw, 2001) أنه ومن بين الأنماط المنظمة والمنظمة من العنف المدني أو الدولي يبرز الإرهاب بقيمته الرمزية والمعبرة العالية؛ ذلك أن التناقض بين سرية التخطيط ورؤية النتائج يجعلانه صادمًا بشكل أكبر، وقد يكون حقيقيًا أن المشاهدين يردون بكل من الإعجاب للتجاسر والاشمئزاز؛ للوحشية اللذين يشتمل عليهما الإرهاب.

وللإرهاب تأثيره على الأطفال والعائلات في جميع أنحاء العالم، خالقًا طلبًا لخدمات صحة عقلية موجهة نحو مساعدة الأشخاص الذين يتحملون المشاعر السيئة بعد الهجمات الإرهابية ‎(Aricak et al., 2008)‎‏.

والمتطرف الذي ينتقل إلى مرحلة العنف لا تعنيه الأزمات النفسية التي تحدث للناجين من الإرهاب ولا لأسر الضحايا، ولا يعنيه دماء الأفراد فهم كفار، وأسوأ ما في الأمر أن تلك المذابح تُرتكب باسم الدين ولإرضاء الله! كما أنه لا يعنيه تدمير بنية المجتمع الكافر لأن الهدم ضرورة على المستويين المادي والمعنوي لإعادة البناء من جديد وفق اعتقادات الجماعة.

ويبقى الأسوأ من عدم الاعتراف بقيم وآراء الآخرين هو محاولة فرض الرأي المتطرف بالقوة. وعند هذا الحد تقريبًا لا يمكن أن تتقاعس دولة عن التصدي للتطرف.

لقد أصبح الإرهاب يعد الآن ظاهرة عالمية، مناظرًا لحالة حرب تؤثر على البشر في جميع أنحاء العالم. وأرى أن دورنا كمربين وعلماء نفس وعلماء اجتماع، يتعاظم في التعامل مع هذه الظاهرة من خلال بحث العوامل التي ساعدت على بروز هذه الظاهرة، والمبادرة بعلاجها علاجًا جذريًا بشكل مخطط ومدروس، وتعليم أبنائنا من أجل أن ينشأوا النشأة الصحيحة التي تبعد عنهم خطر الانغراس في الإرهاب.

 

د. منى زيتون

 

 

مجدي ابراهيموحيث يُرَاد لنا طرح هذا السؤال: ولماذا أختص الصوفية دون غيرهم باستنباط التفسير الإشاري وكيف فهموا دعائمه ممثلةً في ذاتيته الخَاصَّة به وحده، توجد فيه ولا توجد في سواه؟

فإنَّا نجيب من واقع تلك التجربة الروحيّة الحيّة يعيشها الصوفي مع القرآن؛ ففي الواقع أن التصوف يستمد أصوله من شدة التأمل في الآيات القرآنية؛ والعمل بها، واستنباط معانيها فضلاً عن استبطانها ومعايشتها من الداخل واستنطاق الخفي منها؛ فما من موضوع من موضوعاته إلاّ ويرتكز على فهم خاصّ للآيات القرآنية.

يظل الصوفي على الدوام شاعراً بكل حرف من حروف هذا الكتاب العظيم، وبمقتضى قوته الإيمانية يستطيع أن يتحسَّس معانيه عندما يتلوه بتروٍ، وهدوء، وصفاء، وطمأنينة. يُكْثرُ من ترديد آيات الكتاب المبين ترديداً ينقله من حال إلى حال، وفي كل تلاوة صعود في معراج، وفي كل ترديد حضور مع الله. لا يتلو القرآن على غفلة؛ لأن الغفلة عنده تحجب "اللحظة": لحظة غيبته عن الكُلِّ وغيبة الكُلِّ عنه، وتوحُّده مع الكُلِّ وتوحُّد الكُلِّ معه؛ إنها للحْظةٌ من أرقى اللحظات تعرفها القلوب ساعة أن تكون مع كلام الله شاعرة حيّة بخطابات التأنيس.

لا يتلو القرآن على غفلة ولكنه يردده تدبّراً وتفكراً وحضوراً، يستشعر حلاوته ويستحضر إيحاءاته ويتلون في أحواله بتلون الواردات عليه، ومع كل معنى يرد عليه يظل الصوفي في حالاته عارجاً إلى إصابة المعاني الداخلية فيه، مستشعراً آفاقه وأجواء المعاني فيه، قاصداً غاياته العلويّة ومراميه الباطنة، وهو في ذلك كله على يقين من أنه لا يستطيع أن يصل إلى معنى واحد من تلك المعاني الفياضة عليه مواهب ومنناً لدُنِيَّة بغير معونة الله، وبغير فتح من عند الله.

يجلس الصوفي مع الله على بساط الفكرة فيه وفي آياته، يرددها من دخائل روحه وبواطن ضميره، ويتعمق آفاقها الروحيّة المتسعة بسعة الله وعلمه؛ إذْ القرآن كلام الله، والله واسع عليم، فالصوفي ينهج منهج القُرْبة من الله فيتقيه، ففي تقوى الله علوم، وعلوم التقوَى تفاضُ فيضاً من فضل الله من طريق العناية والموهبة والتوفيق.

شَرْطُ الفتوح في القرآن كما قلنا فيما تقدّم هو التخلي عن الدعوى النظريّة، الفكرية والعقلية، والجلوس مع الله مجالس الأدب والمراقبة لا مجالس الغفلة والإدعاء؛ إذْ الجلوس مع الله على بساط الأدب ثم المراقبة يمضي بالمرء إلى التهيؤ لقبول ما يَردُ عليه من الحق حتى يكون الله هو الذي يتولى تعليمه على الكشف والتحقيق.

أي نعم! الله هو الذي يتولى تعليمه (وَاتَّقوا الله وَيُعَلّمَكُم الله). وهل نعيد هنا كلمات ابن عربي لتكون منهجاً لنا حيث قال :" وَنَسْلُكُ طريقة في فهم الكلمة الواردة، وذلك بأن نفرِّغ قلوبنا من النَّظَر الفكري، ونجلس مع الله على بساط الأدب والمراقبة والتهيؤ لقبول ما يَردُ علينا منه حتى يكون الحق يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق".

هذا المنهج ولا شك هو عندي شرط الفتوح في القرآن : التخلي كما قلنا عن الدعوى الفكريّة والعقليّة، والجلوس مع الله مجالس الأدب والمراقبة لا مجالس الغفلة  والادّعاء. منهج الصوفي هو التقوى: (وَاتَّقوا الله وَيُعَلّمَكُم الله).

وكلما وصل إلى معنى منها أو إلى أفق، أزداد يقيناً في تجربته مع الذكر الحكيم بصواب منهجه في التلاوة وطريقه في التعبّد واستنباطاته للإشارة. قراءة القرآن لا تخلو منها تجربة الصوفي؛ إذْ القرآن أصل أصيل في أركان هذه التجربة .. ثم ماذا..؟

يمضي الصوفي ليزاد يقيناً، وكلما كثر مَضَاءَهُ في الفهم وزاد ترديده الباطني لآيات القرآن كثرت بالتالي - من طريق الفتح الإلهي - فيوضات المعاني الواردة عليه وزادت، واتسعت أمامه طرق التأويل. وبعد كثرة الترديد في هدوء وصفاء وطمـأنينة وثقة منه بفضل الله بما شاء أن يفهم - وهو لا يفهم إلا بتوفيق من الله - يحاولُ الصوفي أن يفهم الآيات من داخلها لا من ظاهرها، يسبر غوْرَها ببصيرة مفتوحة على الجناب الإلهي، ويستلهم إدراكاتها من ذاته كيما يقترب شيئاً فشيئاً من أجوائها العليا ومراقيها الصاعدة فتجيء الإشارة لفتة نادرة صافية رائقة متألقة. هذا هو الشعور الديني العميق يستوحيه بل يعايشه كل مؤمن بالله؛ على ديدن اليقين والطمأنينة القلبية، الإيمان المطلق غير محدود.

الصوفي الحق، أو قُل العبد الحق، على قناعة تامة بأن الناس محجوبون بألفاظ القرآن وعباراته عن معانيه الخفيّة الباطنة، ومادامت العبارة حاجبة، فإن الإشارة فيه غائبة عن العبارة، وهو من أجل ذلك، يشرع في فهم القرآن كأنه يتلقّاه لأول مرة، كأن لم يسمع به من قبل، ولم يأخذه عن أحد، ولم يقرأه في السابق إلا في تلك "اللحظة" (التي هى دُعامة تأسيسية لعلم الإشارة الصوفية) والتي انفتحت فيها سريرته الباطنة مع ترديد الآيات ترديداً لم يسبق له من قبل، يقرأه وكأنه يتنزل عليه للمرة الأولى، يفهم آيات القرآن لا من كتب التفاسير ولا من شيوخ عليه سابقين، ولكنه يفهمها بفضل من الله ومعونة، يفهمها بصورة إجماليّة بعد طول النظر وشدة التفكير ومواجهتها للشعور الديني لديه، وبعد كثرة الإمعان الدائم في معرفة المعاني الواردة عليه من تلقاء الجلوس مع الله على بساط الفكرة فيه، والتأدُّب في حضرته. هنالك يستقبل الشعور الديني ما يعز استقباله على النظر العقلي الخالص.

وشرط ذلك كله أن يضع هذه القاعدة نصب عينيه :"إنّ حضور القلب هو روح العبادة، وأقلُ ما يبقى به رمق الروح هو هذا الحضور".

هنالك يقوى الصوفي بقوة ما يرد عليه؛ لأنه يستمد هذه القوة من المدد الذي لا ينضُب ولا يغيض، ويقوى تباعاً ذلك التصوف نفسه - كفن من فنون الأدب والأخلاق في الإسلام، وكحياة روحية وأخلاقية فيه - بمثل هاته الطلاقة الروحيَّة التي لا تعرف قيوداً ولا سدوداً، وليست تحدُّها، من بعدُ، حدود عن مطامحها العليَّة وهِمَمَها الطليقة ومراميها العارجة دوماً في مطالب الكمال.

وبفقدان التدَبُّر في الآيات القرآنية، وبفقدان التعمق الباطني في دلالاتها والتأمل في معانيها، وبفقدان الاستغراق الواصب الدائم في أسرارها ومراميها؛ يفقدُ الصوفي حيويته الباطنية وقوته الروحانيّة، ويذهب ليفتش عن وسائل أخرى لن تغنيه قيد أنملة عن تلك الحيوية الروحية التي كان استمدها قبلاً من شدة العكوف على التأمل في آيات القرآن الكريم. وليس أدلُّ على ذلك من ضعف التصوف في القرون الأخيرة، لقد كان ضعفاً مردَّه إلى فقدان الخصوصية الروحيّة التي تقود إلى معرفة الله من طريق التأمل في آيات القرآن، واستبدالها (أي هذه الخصوصية الروحيّة)؛ بأساليب من التحليق والتطويح والدروشة، والتعلق بالأشخاص وتقديس المخلوقين ونسيان الخالق، بعد الغفلة عن كتابه وذكر آياته ذكر تبتل وانقطاع.

إن اصطناع الوسائل المُوصلة إلى الله أمرُ لا يغني فتيلاً عن التمسك بفهم كتابه عن طريق المجاهدة فيه وبذل الطاقة في استحضار معانيه والتفكير فيه باستمرار وصرف النظر البصير إليه في كل حال، وإحالة كل ما يجري في هذا الكون على الله تعالى بقلب خاشع وبصيرة مفتوحة. أفعجيب بعد ذلك أن يستنبط الصوفي من القرآن إشاراته، وأن يستحضر ذاتيته الخاصَّة، ويتلون مع دعائهما؛ لينصبغ في كل لون من ألوانها بصبغتها الذاتية وطابعها الشخصي؟

وغنيُّ عن البيان؛ أن هنالك فجوة يتأرجح معناها بين"القيم القرآنية" لمَّا أن يكون وجودها مغروساً في القلب، وبين الدلالة الواقعية والتطبيقية لها، إن التطبيق الفوري العامل البناء للعلم بتلك القيم لعنوانٌ دالٌّ على تميزها وجلالها في ذاتها، وفي غيرها؛ أعني في ذات صاحبها نفسه، ذلك العامل البناء المطبق لها، تنشرح بالالتزام بها الصدور ولو كلف الملتزمين بها الطاقات المجهدة في سبيل ذلك الالتزام مهما كان العناء وأياً ما كان؛ فالثمرة لا شك موجودة، بل ومحمودة.

والواقع الذي يصطدم مع النفس أهونُ بكثير من الترك والإهمال: أعني الواقع الذي تتبرم منه النفوس، مع الضيق والنفور أحياناً، ومع الثقل والضجر أحياناً أخرى حين يكون الالتزام مفروضاً عليها من جَرَّاء تلك التطبيقات الفوريَّة للقيم القرآنيَّة هو أهون بكثير من الضياع والإهمال، ولكن لو علمت النفوس أن نفورها وضيقها وضجرها وعزوفها من العمل بتلك القيم، إنمّا هو بالتحقيق - فضلاً عن التجريب - أسباب تعاستها وشقاوتها، وأن إقبالها وصمودها على الإقبال، ولو كانت مُكرهة في البداية على العمل والتطبيق، لهو بالتأكيد السعادة البالغة التي لا وصف لها ولا حد، مهما وصف لك الواصفون وحدّوا لك الوصف بحدودهم وتجاربهم.

غير أن المُحَقَّقَ على الدوام ليس هو في الوصف ولا هو في الأمر بهذه الأعمال تأتي على وجه الكمال، ولكنه يكمن في شيء واحد لا شيء سواه : في "التجربة".

ولستُ أكرر ما سبق أن ذكرته من قبل لمجرّد التكرار وكفى، ولكن لرسوخ هذا المعنى الذي لا نرى له رسوخاً في أنفسنا ولا نجد لمعطياته حضوراً في قلوبنا، وإنْ كان يكفينا منه إحاطة النظر المعزول دوماً عن فعل التجريب.

فإنّ التجربةُ مع كلام الحق تعالى لتقول لك بأبلغ لسان : إن هنالك نوراً علويّاً ينبعث من "كلمات الله"، يدنو منك في لحظات الاتصال، يهيئوها لك فعل الترقي والتطهير، ويعزّ عليك استقباله بغير تطهُّر واستعداد : التصافي شرطه، وأصله موالاة مصدره وخدمته، فلمَّا أن سُئل عنه قال: " نورٌ أنَّىَ أرَاهُ ". الصفاء والاستعداد والتأهب للترقي خصالُ من يريد أن يكون داخل المعيّة لا خارجها، واجتماع الخصال وسائل مُوَصِّلة لكنها ليست الغاية، فالغاية هنالك بعيدة بعيدة، بيد أنها قريبة بل أقرب ما تكون مع الإحسان.

ودوام البقاء مع الوسائل ظلمة حاجبة، والفراغ منه مطلوب في ذاته، ليتفرّغ السرُّ لورود "اللحظة". وإنها للحظة نورانية كاشفة تشع من باطن القلب، ينغمرُ فيها النور ليعطيك من فورك ما لا يخطر لك على بال : يعطيك السلامة في الحِسِّ وفي الذوق وفي الوعي وفي الإدراك. وإذا أدركت اللحظة النورانية العجيبة أدركت السعادة كلها طمأنينة قلبية لم تعد تزلزلك بعدها الزلازل من حولك ولا التهاويل، أدركت الدلالةَ وأدركت القيمةَ وأدركت من عالم القيم القرآنية مُوحيَاتها ممَّا ليس يدركه الغُفْل الجهول.

ليس عبثاً ذلك الذي تحسّه وتستشعر معناه في قلبك، وليس شعورك في هذه"الحالة" باللهو الذي ينقضي معه الزمن أو يقضي هو على الزمن، فلو أنه كان كذلك لكنت في غيبة وحجاب، أي كنت في غيبة عن اللحظة، لكنك في حيرة من أمرك : على أي وصف يمكن أن يكون حالك؟!

لست تجد لورود اللحظات عليك تفسيراً ولا تعليلاً، أنت هاهنا خارج نطاق التفسير والتعليل، أنت معه بكليتك، ومعيّة الكلية لا تستلزم وصفاً ولا تقتضي شرحاً.

الكليَّةُ بقاء تريدُ فيه آملاً من خالص قلبك أن تسكّن الزمن لحظتها، يدوم ولا ينقطع، ولكنه رغماً عنك ينقطع فلا يدوم، وانقطاعه حجاب، مع بقاء اللحظة حاضرة في "عين اليقين".

جَرّب - إنْ شئت - العلاقة مع هذه القيم القرآنية المباركة، بعد أن يكون لك استعداد صادق لتلقيها من أعلى، بوعي مفتوح وبصيرة حاضرة، وأقرأ القرآن قراءة ذَوْق وإيمان لا قراءة عقل مُغْلَق وبصيرة مطموسة، فستجد الأمر إذْ ذَاَكَ بعد التجربة على غير ما يصف لك الواصفون، ولو كنت أنت من أشد الواثقين فيما يقولون لك من أوصاف.

في فعل التجربة؛ تقف وحدك حراً طليقاً على "اللحظة" الرابطة بينك وبين الوجود الحق الذي تمنيته وتمنيت أن تتصل به، وسترى أن هذه اللحظة هى أسعد ساعات السعادة عندك، وإنه لا يدانيها مطلقاً لحظات وجودك الماضية ولا الحاضرة، إنْ استطعت أن تُسَكِّنها فأفعل؛ لأنها اللحظة التي تستشعر فيها الدوام من الأزلية إلى الأبدية، لكأنك وقفت بمفردك على معاينة السرمدية التي لا أول لها ولا آخر، وأنت إذْ ذَاَكَ في سعادة غامرة واتصال روحي عجيب، تنفرد به وحدك ولا يشاركك فيه مخلوق كائناً مَنْ كان!

وما من عجب..! فإنها وقفة شبيهة "بوقفة" النِّفَّري، ومن جرى مجراه من الواقفين عليها من السعداء. هنالك تدرك بالذوق الروحي أن الوجود الواقعي أقل منك وأحقر وأنه دونك، صغير، "كما الهباء في الهواء إنْ فتشته لم تجده شيئاً"؛ لأنك بلغت منزلة ما بلغها أحد من أولئك الذين يتنافسون فيها على كل رخيص، وإنك لأعرف العارفين من هاهنا بفقه اللحظة الحاضرة، تلك التي اتسع لها صدرك فعرفت فيها الكثير من دلالات الوجود ومعانيه، لا بل من حقائقه وخوافيه.

عندها ستعذر الحلاج، إذْ تَبَدَّتْ له شمس الحقيقة فجذبته فصرخ فقال فيها:"أنا الحق"، وعندها سيأخذك العطف على شيخنا أبي يزيد البسطامي لما قال:" سبحاني؛ سبحاني.!! ما أعظم شأني..". كانوا مثلك أصحاب لحظات فارقة، كانوا أهل وقفات في لحظات، بيد أنها كاشفة. شطحوا بعيداً عن معقول الناس، وما هو معقول الناس في عرف الناس؟

الإفلاس..!.. الإفلاس في القيم العلوية : قيم القرآن وقيم الله في كلمات الله.

لا شك كانت تلك "اللحظة" هى التي وسَّعت صدرك وفتحت نوافذ قلبك وجمَّعت همتك كيما تدرك وتعلم من الله ما لا يعلمه أهل الغفلة والحجاب. هنالك فقط متسع لمزيد من المعارف ولعزيز من العلوم، تتلقاها من علو وارتقاء، وأنت من "الحضرة" قريب دان، يكفي أن تتوحد معها لتشعر فيها بالقربة والاتصال. ويا للعجب من السعادة التي تغمر روحك في غيبة الكل عنك وغيبتك عن الكل، وتوحدك مع الكل وتوحد الكل معك!

أعرف الناس من عرف نفسه فيها : اللحظة التي يغيب فيها الكل عنك، ويكون الكل معك. في غيبة الكل تخلي، وفي كون الكل معك تحلياً وتجلياً.

إنّ الله ليتجلى على قلوب عباده في كلامه بخطابات التأنيس؛ ليقتربوا منه، يدنيهم دنو معنى ويرقيهم رقي معنى؛ ليفهموا عنه منه، وهو حين يدنيهم يلحظوا مراقي أنفسهم أو لا يلحظوها، يستشعروا قربها أو لا يستشعروها لكن عروجهم الواصب أبداً لهو لحظة تتفتح فيها نوافذ القلوب وتشرق لاستقبال الحقيقة من قريب، ليس الحقيقة كلها بل قبسٌ منها، هو الشعاع المضيء لظلمة الغفلة والحجاب.

ليس يبلغ مرتبة التفسير الإشاري للقرآن إلا ذلك الذي تجمّعت فيه أشراط الذاتية الخَاصَّة لفهمه وهى أشراط، كما تَقَدَّم، تعتمد المجاهدة وتحويل النفس من جانب في الحياة إلى جانب آخر، ولأن استنباط الإشارة من العبارة القرآنية مَرَدَّه إلى توافر تلك الشروط التي تقدَّمَت الإشارة إليها كدعائم تأسيسية ثم تمثّلها حقيقة لا مجازاً، وفعلاً لا نظراً ؛ لأنها تمثل خوض التجربة مع كلام الله على ديدن التجرّد والصفاء، وطلب القرآن لذاته لا لغرض آخر من أغراض الدنيا أو مطلب من مطالب الحياة.

لم يستطع القيام بهذا التفسير الإشاري إلا طائفة نادرة من أتقياء المسلمين جعلوا علاقاتهم مع الله تجربة حيويّة فاعلة، وليست هى بالنظر المجرّد يخلو من العمل والممارسة، فاستطاعوا من ثمَّ أن يستنبطوا الإشارة من العبارة وأن يستوحوا من كلام الله المعنى والدلالة والقيمة والوجود الروحي الباقي.

ظَهَرَ لنا أن الذاتية الخَاصَّة للقرآن؛ بدعائمها وأركانها وشروط توجهاتها، إنمّا هى أصول تأصيلية للتفسير الإشارى على طريقة أرباب الأحوال والأذواق، وأنه لولا توافر هذه الدعائم والأركان في وجود شخص المُفسر لمَا أستطاع أن يَقْدِم قيد أنملة على استنباط الإشارة من العبارة، وأن فهم الخطاب الإلهي على لسان أهل الحقيقة يحتاج إلى صفاء وتجرد وإخلاص كيما يُدْرك المُفَسّر دعائم تأصيل الإشارة بوصفها ذات نفوذ روحي عجيب.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

جعفر الحكيمتعتبر عقيدة (الماشيح) من ثوابت الأركان الأساسية في الإيمان اليهودي، وهذه العقيدة تتمحور حول شخص الملك القادم والذي سيكون ممسوحا بالزيت المقدس، وينحدر من سلالة الملك داوود عن طريق ابنه الملك سليمان، والذي سيكون ملكا عظيما، من طراز عظمتهما، وسيكون ظهوره وفترة ملكه بداية لمرحلة جديدة للانسانية، تتميز بانتهاء الاضطهاد لليهود، وعودتهم جميعا من الشتات الى الأرض المقدسة، وارتفاع شأنهم على جميع الأمم، التي ستعترف بفضلهم وتفوقهم، وانهم نور العالم، وسوف يفرض هذا الملك الماشيح السلام على جميع الأمم، وتنتهي الحروب، ويقوم ببناء الهيكل الثالث لليهود، ويعيد العمل بتطبيق شريعة التوراة…. وهناك تفاصيل اخرى كثيرة عن هذا الاعتقاد.

طوال فترات التاريخ، ظهر الكثير من الأشخاص الذين ادعوا المسيحانية او التصقت بهم صفة المسيح، وقد تجاوز عدد هؤلاء الأشخاص الخمسين!!....ففي فترة القرن الميلادي الأول فقط، كان هناك سبعة أشخاص ادعوا أنهم المسيح المخلص لليهود، من بينهم يسوع الناصري وقصته معروفة للجميع، وفي النصف الأول من القرن الميلادي الثاني، كان هناك ايضا شخصية مهمة ادعت المسيحانية وهو القائد اليهودي (شمعون بار كوخبا) الذي قاد ثورة يهودية شهيرة وحاول تأسيس مملكة يهودية مستقلة عن الرومان، وايده في ثورته كبار حاخامات اليهود في وقته من أمثال الراباي (يوسف بن عكيفا) وبعد ثلاث سنوات، انتهت تلك الثورة على يد الجيش الروماني، وكان مصير المسيح (بار كوخبا) القتل، كما هو الحال مع أغلب الأشخاص الآخرين الذين سبقوه بادعاء المسيحانية !

في بداية القرن السابع عشر، وعقب اشتداد اجرام وبطش محاكم التفتيش المسيحية في إسبانيا، وتنكيلها الوحشي بغير المسيحيين هناك، كاليهود والمسلمين، كان هناك اسرة لتاجر يهودي، هرب من اسبانيا واستقر بالعيش في مدينة ازمير التركية أيام السلطنة العثمانية، وكان احد ابناء هذه الاسرة، شاب يهودي ذكي و متدين وشغوف بالعلم ومعرفة تعاليم التناخ اسمه (سبتاي تسفي او زيفي) مولود في سنة 1626

كان هذا الشاب اليهودي الذكي، والواسع الاطلاع والعلم، يمتاز بالجرأة والشجاعة، وقوة البيان والحجة، والنشاط الدائب، وصل الى مرتبة (راباي) بوقت مبكر من العمر، يبدو انه كان ايضا يمتلك كاريزما قوية، وشخصية جاذبة ومؤثرة، ويجيد بناء العلاقات، وجمع الأتباع والمريدين!

في تلك الفترة، التي كان اليهود يعانون من الاضطهاد الكنسي المسيحي الوحشي في إسبانيا، كان من الطبيعي في مثل هكذا احوال، ان تتوجه العيون نحو السماء!!!...وترتفع وتيرة الامال في مجيئ المخلص الذي سيوقف عجلة الهلاك والإبادة للشعب اليهودي، وتزداد الأقاويل والتوقعات بقرب حلول وقت ظهور المسيح الملك الخارق القدرات

ويبدو ان الشاب (سبتاي) قد استغل تنامي هذه المشاعر لدى الشعب اليهودي، فاعلن في عام 1648 انه قد نبأته السماء (أصبح نبيا)...وأنه هو المسيح القادم!

بعد هذا الإعلان، بدأت أعداد المصدقين بدعوته تتزايد بسرعة، نتيجة للتفسيرات التي صار يضعها لنصوص التناخ، وللتعاليم الدينية الجديدة التي صار يصدرها، وكذلك نتيجة لتفوقه على حاخامات اليهود الذين عارضوه او شككوا بدعوته

وبعد فترة من النشاط الدعوي الجديد الدؤوب، وبعد أسفار متعددة قام بها المسيح الجديد الى مناطق عديدة من العالم، اصبح هناك الالاف من المصدقين به الذين انضموا الى اتباعه الأخذ عددهم بالازدياد

وصار الكثير منهم يترقب إعلان اللحظة التي سيعود فيها اليهود بصحبة ملكهم المسيح الى ارض الميعاد، وقام الكثير من اليهود ببيع وتصفية أملاكهم، انتظارا لساعة شد الرحال للعودة المظفرة !!!

بعد ازدياد رقعة الاتباع في السلطنة العثمانية، وبعد اشتهار أمر الملك المسيح اليهودي، والضجة التي رافقت ظهوره، قامت السلطات العثمانية، بالقبض عليه، لتدارك خطره، ووأد حركته التي تهدف الى تأسيس مملكة مستقلة في فلسطين الخاضعة في ذلك الوقت للحكم العثماني، فتم تقديم (سبتاي تسفي) الى المحاكمة بتهمة بث الفتنة والفرقة. وقد عقدت له محاكمة كبيرة حضرها كبار المسؤولين في الادارة العثمانية، ويقال ان السلطان العثماني (محمد الرابع) حضر بنفسه المحاكمة من وراء ستار !

واثناء المحاكمة، حدث ما لم يكن بالحسبان ...فقد أعلن المسيح الجديد توبته، وتراجعه عن دعوته، واعتناقه الدين الاسلامي!!...الامر الذي ادى بالسلطان العثماني الى إصدار عفو عنه...بعد ان أصبح مسلما، واتخذ اسما اسلاميا!

وقد حاول الكثيرون تفسير سبب اعلان (سبتاي تسفي) اعتناقه الإسلام، فهناك من قال انه تم تخييره بين الإعدام وبين الإسلام، وهناك من يقول ان المترجم اليهودي أوحى له بهذه الفكرة، وآخرون يعتقدون أنها كانت حركة تكتيكية ذكية منه للتخلص من العقاب ولمواصلة دعوته تحت غطاء الاسلام وبعيدا عن سخط الدولة!!..وهناك تأويلات أخرى

ومهما يكن السبب، يبقى الأهم هو تأثير (حركة النذالة) هذه - كما يقول المصريون- او (الدكة الناقصة) كما يصف العراقيون، على اتباع هذا المسيح الجديد !!

يقول عالم الاجتماع وعلم النفس الأمريكي البروفيسور (ليون فيستغر) في كتابه الماتع والرائع (عندما تفشل النبؤة)

ان كثير من الذين يؤمنون بفكرة ما إيمانا صادقا وعميقا، يصعب عليهم التخلي عن تلك الافكار حتى لو اتضح لهم خطأها، بل ان اغلبهم يصبحون اكثر تمسكا بها، واكثر شراسة بالدفاع عنها، ويحاولون إعادة قراءة الأحداث من جديد، من أجل تركيب تفسيرات وتأويلات، تثبت صحة ما اعتنقوا من إيمان!

وهكذا كان الحال مع الكثير من اتباع هذا المسيح الجديد، فقد حاول المؤمنون به، ان يضعوا تأويلات تفسر تراجع مسيحهم وخذلانه لهم، وتعطيهم اطمئنان نفسي بأنهم لم يكونوا مخطئين، وانهم اتبعوا الإيمان الصائب !

فقال البعض منهم، ان الشخص المسجون ليس هو المسيح المخلص، وانما هو شبه له، القي على الشيطان، وان مسيحهم قد ارتفع الى السماء، وسف يعود قريبا لاستكمال رحلة النصر الى أرض الميعاد !

ومع مرور الوقت، وحتى بعد وفاة (سبتاي تسفي) عام 1676 في ألبانيا، ظل الكثير من أتباعه، متمسكون بإيمانهم بأنه هو المسيح الحقيقي، وصاروا يضعون تأويلات تفسر اعتناقه للإسلام، وأنها جزء من التخطيط الإلهي، من أجل انتصار دعوة ذلك المسيح، وتسيدها على العالم، وان المسيح لم يمت، وإنما ارتفع للسماء ...وسوف يعود مرة أخرى !!

وصار المؤمنون به يهرعون الى النصوص المقدسة لاستخراج اشارات وعلامات تدلل على مصداقية ايمانهم !!

ان دعوة وحركة (سبتاي تسفي)، تعتبر اخر دعوة للمسيحانية، ذات أهمية وصدى واضح، وتأثير ملموس

فلا زال يعتقد بدعوته بعض أتباعه الذين أصبحوا يسمون بيهود (الدونما) وتعني (العائد او التائب) لهم وجود في تركيا، وان كان اغلب اليهود يعتبرونهم خارجين عن اليهودية، وكذلك يعتبرهم بعض المسلمين، من المتسترين بالإسلام !!

 

د. جعفر الحكيم

 

ميثم الجنابيإن حقيقة الإسلام من وجهة نظر محمد عبده، تقوم في توحيد الفضائل والصالحات والنظام، أي الفضيلة والفائدة والقانون. وتشكل هذه القيم الجوهرية الحياة المثلى في مستواها الفردي والاجتماعي والدولتي والثقافي على السواء. من هنا استنتاجه القائل، بأن حقيقة الإسلام ترمي إلى تأسيس حرية الفكر واستقلال العقل وصلاح السجية واستقامة الطبع وإنهاض العزائم إلى العمل. ويمكن تلخيص هذه الغاية من خلال ما يمكن دعوته بالمبادئ الكبرى الضرورية التي ينبغي رؤيتها والعمل بموجبها في الإسلام. كما يمكن حصر هذه المبادئ بخمس يدور الأول منها حول محور الرؤية أو العقيدة البديلة، والثاني حول التفاؤل الدائم، والثالث حول الاجتهاد النظري والعملي، والرابع حول الوحدة المتنوعة، والخامس حول الفكرة العملية.

وابتدأ هذه المحاور بإعادة إجلاء حقيقة الوحدانية الإسلامية المرتكزة على مبادئ التوحيد والتنزيه في الذات والأفعال. ويرمي هذا المحور إلى تذليل الفكرة الوثنية ومعالمها المتنوعة والمتجددة أيضا من خلال القضاء على ما اسماه بجذور الوثنية. إذ ليست الغاية من القضاء على جذور الوثنية سوى "طهارة العقول من الأوهام الفاسدة" و"تنزيه النفوس عن الملكات السيئة" كما يقول محمد عبده.

إن حقيقة التوحيد في فكرة محمد عبده ترمي إلى توحيد العقل والوجدان بالشكل الذي يطهرهما من الرذيلة النظرية والعملية، أو العقلية والأخلاقية. وتفترض هذه الطهارة والتنزيه الارتقاء بالعقل والضمير إلى مصاف إدراك حقيقة الوحدة في الوجود والحكم فيه. وأسس لهذه الفكرة في مجرى تحديده أيضا لفكرة الصفات الإلهية عندما استعرض آراء الكلام والمتكلمين عن حقيقة الذات (الإلهية). إذ وضع الحياة في أوائل الصفات مؤكدا على أن صفات العلم والإرادة تستتبعان صفة الحياة. وذلك لأن الحياة مما يعتبر كمالا للوجود، ومن ثم فهي بحكم ما يتبعها من صفات مصدر النظام والناموس والحكمة[1].

وانطلق محمد عبده بهذا الصدد من أن كل ما في الوجود هو حكمة من حيث إشارته إلى الوحدة والاتفاق في نظام الممكنات. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الحكمة في الحياة تفترض السير في نفس مسار الحكمة الإلهية من خلال رؤية وتحقيق الاتفاق في نظام الممكنات. بمعنى رؤية الاتفاق في البدائل التي قدمتها الرؤية الإسلامية في مجرى نفيها لمختلف ممكنات الوثنية ونظامها الخاص. وليس مصادفة أن يشير محمد عبده إلى أن الإسلام "كشف عن العقل غمة من الوهم فيما يعرض من حوادث الكون الكبير (العالم) والكون الصغير (الإنسان). فقرر أن آيات الله في صنع العالم إنما يجري أثرها على السنن الإلهية التي قدّرها الله في علمه الأزلي لا يغيرها شيء من الطوارئ الجزئية".

وفيما لو استعرضنا هذه الفكرة بمعايير الرؤية العصرية، فإنها ترمز إلى ما يمكن دعوته بالتأويل الأبدي للإسلام تجاه المستجدات والبدائل انطلاقا من أنها تسير رغم الأخطاء والنواقص ضمن مجرى إدراك نظام الممكنات بوصفه حكمة وعدلا. إذ لا تعني إزالة الأوهام من أمام العقل تجاه رؤية التغير والتبدل في عالم الوجود الطبيعي والإنساني سوى تأديته إلى كشف حقيقة "السنّة الإلهية" في الوجود.

ورفع محمد عبده هذه السنّة (القانون) إلى مصاف المبدأ الجوهري القائم في حقيقة الإسلام القائلة، بأن الروح الإلهي يبحث عبر الإنسان عن حقيقة الحكمة والعدل الضروريين للوجود. وهو روح أودعه الله جميع شرائعه، ومن ثم، فإن مهمته تقوم في تصحيح الفكر وتسديد النظر وتأديب الأهواء.

بعبارة أخرى، ليس "الروح الإلهي" هنا سوى الروح الإنساني المترقي في مدارك الإصلاح العقلي والأخلاقي، أو في مدارك تطهير العقل وتنزيه النفس. كما أطلق عليه محمد عبده أيضا عبارة "تصحيح الفكر وتسديد النظر وتأديب الأهواء". بل انه وجد في هذا الروح نعمة "لن يسلبها الله عن الأمم ما دام هذا الروح فيها". ولا يعني ذلك سوى القول بما أسميته بالتفاؤل الأبدي القائم في ضرورة الإصلاح. ومن ثم فإن حقيقة الإصلاح وديمومته على قدر وجود الروح الإنساني المتسامي، كما انه ضمانة بلوغها حقيقة "الروح الإلهي" القائم فيها. وتفسح هذه العبارة المجال أمام إمكانية الإقرار بضرورة وعي الذات بالشكل الذي يجعل من نشاط الأمم صوب تطهيرها العقلي والأخلاقي مقدمة إبداع النظام الحقيقي في وجودها، أي إبداع نظام الوحدة المتنوعة. ووجد محمد عبده في هذه الحالة مبدأ جوهريا في الإسلام، وأسلوبا لحياته في نفس الوقت. ووضع هذه الفكرة في عبارة تقول، بأن الدعوة إلى الوحدة في الدين تفترض الإقرار بالتنوع والاختلاف. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن حقيقة الإسلام تعتبر "التفرق بغي وخروج عن سبيل الحق المبين". وإن الإسلام لم يقف بهذا الصدد عند حدود الوعظ بالكلام والنصيحة بالبيان، بل وشرع شريعة الوفاق وقررها في العمل. وفي الوقت نفسه رفع الإسلام كل امتياز بين الأجناس البشرية وقرر لكل فطرة شرف النسبة إلى الله في الخلقة، وشرف اندراجها في النوع الإنساني. ذلك يعني أن رفض الاختلاف مقرون بابتعاده عن توكيد حقيقة الوحدة المقيدة بالمصالح والمنافع والنظام، أي بالحكمة التي أكثر من يحققها "شريعة" الوفاق.

لكن فكرة الوفاق لا تتضمن في آراء محمد عبده سوى التناسق الأمثل لوجود الأشياء انطلاقا من تمايزها. وعندما طبق هذه الفكرة على الوجود الإنساني ككل، فإنه حاول تذليل أوهام التمايز والتمييز القادرة على صنع مختلف نماذج الوثنية (والعنصرية)، وإحلال فكرة الوفاق المترّقية إلى مصاف الفطرة محلها. بمعنى البحث عن ضرورتها في وحدة الكلّ، أو في ما وضعه محمد عبده بعبارة الإقرار بنسبتها إلى الله والإنسانية.

وتضمنت فكرة محمد عبده المذكورة أعلاه على أبعاد إنسانية رفيعة. إذ احتوت على إقرار ضمني بفكرة التنوع والاختلاف مع ما يرافقها بالضرورة من إقرار بمبدأ الاجتهاد النظري والعملي لتحقيق هذا الوفاق بصورة أفضل وأمثل. واستمد هذه الفكرة أيضا مما في الاجتهاد من ضرورة وغاية متسامية تستجيب لحقيقة الإسلام في فهمه لمعنى الكمال. فالاجتهاد يطلب الكمال، والكمال يفترض الاجتهاد. من هنا قوله، بأن "الكمال في المعقولات مثل الوجود الواجب والأرواح اللطيفة وصفات النفوس البشرية له جمال تشعر به أنفس عارفيه وتنبهر له بصائر لاحظيه"[2]. واعتمد في آرائه هذه على اعتقاده الجازم، بأن حقيقة الإسلام هي نفي للتقليد. وانه أطلق سلطان العقل من كل ما كان يقيده. وهي مقدمة الاختيار، ومن ثم أفعال الإرادة.

فقد دعا الإسلام لتحرير النفس الإنسانية وإطلاق إرادتها من القيود التي كانت تقيدها بإرادة غيره، كما يقول محمد عبده. وحاول بناء هذا المطلب على أساس فهمه لحقيقة الصفات الإلهية، وبالأخص صفة الإرادة. وليس مصادفة أن يتوسع في شرحه لهذه الصفة مقارنة بغيرها من الصفات الأخرى التي أدرجها في رؤيته لقضايا الكلام. وانطلق في فهمه لهذه الصفة من أن "إثبات الصفات الإلهية من الحياة والعلم والقدرة يستلزم إثبات صفة الاختيار". وأعطى لهذا الإثبات بعدا وجوديا وعقليا. وانطلق في منهجه هذا مما اسماه بحكمة النظام في وجود الكون والأشياء. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الكون ومصالحه العظمى التي تقررت له بحكم انه أثر الوجود الواجب الذي هو أكمل الموجودات وأرفعها. فالكمال في الكون "إنما هو تابع لكمال المكون. وإتقان الإبداع إنما هو مظهر لسمو رتبة المبدع. وبهذا الوجود البالغ أعلى غايات النظام تعلق العلم الشامل والإرادة المطلقة"[3]. وهي مقدمة لاهوتية معقولة بمنطق الرؤية الدينية، لكنها لم تسع لتبرير الرذيلة والفضيلة، بل كانت تهدف إلى إقرار التفاؤل المغري للأبعاد السحيقة القائمة في كمال وجود الأشياء. ومن ثم تحويلها إلى نموذج للمحاكاة في العلم والعمل.

فمحمد عبده يقر بأن حقيقة الصفات الإلهية جميعها تؤدي إلى "الكمال والنظام، وهي تجلّ للحكمة". ومن ثم فإن فعل الإنسان الذي رفعه الإسلام إلى مصاف الفرض الواجب يجب أن يتناسق مع حقيقة الأفعال الإلهية بوصفها تجلّ مطلق للكمال والنظام والحكمة. من هنا قوله، بأن الإسلام طالب بالعمل كل من هو قادر عليه، وقرر في نفس الوقت، أن لكل نفس بما كسبت وعليها ما اكتسبت. بعبارة أخرى، انه طالب الجميع بالعمل، ومقياس كل امرئ بما عمل. ولم يقصد محمد عبده بذلك ما هو معروف ومقرور في العبارات الشائعة عن معاملات الحياة العادية، بل وتعداها إلى أبعادها الأوسع. إذ لم يكن قصده بالكسب هنا مجرد فعل الحرية المقيدة بالمشيئة الإلهية الأزلية، ولا الفرض الواجب بمعايير الرؤية المتسامية فحسب، بل والقدر الذي لا بد من إدراكه لكي يكون للوعد والوعيد معناه، وللسعادة معاناتها. فعندما وقف محمد عبده أمام الإشكالية التي أرهقت الكلام الإسلامي حول ماهية وحدود الاختيار والجبر، فإنه اعتبر رأي القائلين بالجبر "هدما للشريعة ومحوا للتكليف وإبطالا لحكم العقل البديهي وهو عماد الدين"[4].

لقد اقترب محمد عبده في رؤيته عن تقرير العلاقة الممكنة بين الجبر والاختيار من أفكار الجويني القائلة، بأن الشريعة الإسلامية ترد الأمور إلى الله، وتقرر أمرين للسعادة الإنسانية، الأول وهو أن الإنسان يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته، والثاني هو قدرة الله باعتبارها المرجع النهائي لجميع الكائنات. ولم ترتق هذه الرؤية من حيث دقتها وإشكالاتها إلى ما وضعه الغزالي في فكرته عن أن في الجبر اختيارا كما في الاختيار جبرا، لكنها استطاعت أن تبقي على هذه الإشكالية ضمن ما يمكن دعوته بعالم الجبروت المترامي بين عوالم الملك والملكوت، أو الغيب والشهادة. وأن تعطي للإنسان الأبعاد الضرورية للتفاؤل والالتزام بأنه لا عبث في الوجود، وإن السعادة مسئولية دائمة تجاه الحياة والموت، والدنيا والآخرة. لكنها معادلة أقرب ما تكون إلى فرضية محكومة بقواعد واضحة مما يفقدها إثارة اللغز وحسم اليقين. لكنها قادرة في نفس الوقت على صنع مرجعيات العمل.

فقد كتب محمد عبده في مجرى وصفه حقيقة أفعال الإنسان يقول، بأنه كيان موهوب بثلاث قوى هي الذاكرة والمتخيلة والمفكرة. وبالقدر الذي يتوقف عليهن سعادته، فإنهن أيضا ينبوع بلاءه[5]. أما أن يكون مصدر السعادة هو نفسه مصدر البلاء، فإن في ذلك إشارة إلى ما في الوجود نفسه من إشكالية وسرّ لا يحلهما سوى البحث عن الاعتدال الأمثل. وهو اعتدال أسس له الإسلام، كما يقول محمد عبده، في محور الرؤية الاجتماعية الداعية للعدل العام. فقد حثّ القرآن على التعلم وإرشاد العامة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفرض للفقراء في أموال الأغنياء حقا معلوما، وأغلق أبواب الشرّ، وسد ينابيع فساد العقل والمال بتحريم الخمر والمقامرة والربا.

وشأن كل اعتدال يرتقي إلى مصاف المرجعية الكبرى في تنظيم الحياة الدينية والدنيوية، والمادية والمعنوية للفرد والجماعة والأمة، يفترض وجود نموذج عملي ملموس. وقد وجده محمد عبده في مثال النبي محمد. بل انه جعل من شخصية النبي محمد مثالا نموذجيا لتأسيس فكرته عن مرجعية الاعتدال في الإسلام. وليس مصادفة أن يفرد لهذه القضية صفحات عديدة من "رسالة التوحيد" كمؤشر على أهميتها بالنسبة لتحقيق ما اسماه بالمحاور الأساسية في رؤية ماهية الدين (الإسلامي) وحقيقته. وانطلق في آرائه هذه من فكرة النافع والضار، والقبيح والحسن، بوصفها المعادلة المكونة لكل حيثيات الوجود البشري. بمعنى انه حاول أن يؤسس هذه المعادلة بمكوناتها المادية (الطبيعية) والمعنوية (الأخلاقية).

فنراه ينطلق من تقييمه العام القائل، بأن الأعمال منها ما هو نافع ومنها ما هو ضار. ومنها ما هو حسن ومنها ما هو قبيح. وبعدها نراه يصنع منها سبيكة عقلانية الرؤية عندما يتوصل إلى أن الحسن كل ما تدوم فائدته وإن كان مؤلما في الحال، بينما القبيح هو كل ما يجرّ إلى إفساد في النظام الخاص وإن عظمت لذته الحاضرة[6]. بعبارة أخرى، أننا نقف أمام رؤية واقعية وعقلانية للحسن والقبيح في حال وضعها ضمن سياق فكرته العامة عن الإصلاح الشامل للمجتمع والدولة والفكر. إذ ربط الحسن بالمفيد والقبيح بالمفسد للنظام. ووضعهما على محك التاريخ وليس الجسد. بمعنى أن حقيقة الحسن والمفيد تقوم في كل ما يخدم مشروع البديل التاريخي لصنع النظام بغض النظر عما فيه من آلام وتعقيد. ووجد في نموذج النبي محمد تجسيدها الفردي والروحي.

فالإصلاح من حيث كونه وحدة نموذجية للمفيد والحسن تفترض على الدوام شخصنتها الواقعية. وانطلق محمد عبده في فكرته هذه من أن الفعل الإنساني بحاجة دائمة إلى قيادة قواه الإدراكية والبدنية لما هو خير له في الحالتين. وأعتبر النبي معينا أصيلا من حيث كونه النموذج الأعلى في تحقيقه. بعبارة أخرى، انه لم يقدم النبي بهيئة صنم ينبغي عبادته، بل معينا على رؤية الصيغة المثلى لقيادة الفعل الإنساني من أجل بلوغ الأحسن والأكثر فائدة للنفس والمجتمع والدولة (النظام).

لقد نظر محمد عبده إلى النبي نظرته إلى نموذج مثالي، لكنه معقول ومقبول في الوقت نفسه في ما يتعلق برؤية الأبعاد "الإلهية" و"الإنسانية" المتوحدة في أفعاله. من هنا قوله، بأن إدراك حقيقة النبوة توصلنا إلى رؤية ما ينبغي ملاحظته "في جانب واجب الوجود من الصفات وما يحتاج إليه البشر كافة من ذلك"[7].

ذلك يعني، إن المهمة الكبرى للنبي تقوم في إيجاد النسبة المعتدلة بين المطلق والعابر، وبين الله والبشر، عبر إنزال صفات المطلق (الله أو واجب الوجود) إلى مستوى النموذج العملي لاحتياجات البشر. من هنا تصنيف محمد عبده لصفات النبي بوصفها جزء من الاعتقاد بالنبوة. وحصر هذه الصفات ضمن فكرة الإقرار بعلو فطرتهم، وصحة عقولهم، وصدقهم، وأمانتهم، وعصمتهم من كل ما يشوه السيرة البشرية، وسلامة أبدانهم، وكون أرواحهم ممدودة بالجلال الإلهي. وما عدا ذلك فهم بشر يعتريهم ما يعتري الإنسان[8].

مما سبق يتضح، بأن حقيقة النبي هي حقيقة الشخصية النموذجية في إدارة شئون النفس والآخرين. وذلك لأنها تفترض في الأساس منظومة قيم تجمع في كل واحد الجسد والروح والعقل والفعل بمعايير الرؤية الإنسانية العليا. فصحة العقل وسلامة الجسد المقرونة بأفعال أخلاقية عملية متسامية من صدق وأمانة وعصمة من الفواحش هو الأساس الذي يحدد أسلوب الاستمداد الدائم من "الجلال الإلهي". ولا يعني ذلك في آراء محمد عبده سوى الاستعداد الدائم على إيجاد النموذج المتسامي في العلم والعمل. إذ لم يجد في هذه المكونات النبوية أمرا معارضا للعقل أو مستحيلا بحد ذاته. على العكس، انه وجد فيه أمرا ضروريا من أجل الإصلاح الدائم. وذلك لأنه لم يجد فيها فعلا تاريخيا عابرا، بل حاجة دائمة يمكن البرهنة عليها بمسلكين، الأول وهو الاعتقاد ببقاء النفس الإنسانية بعد الموت. مما افترض بدوره التمسك بسلوك مقيد بقيم ومعايير تدرك حقيقة الأبدية والعمل بموجبها. والثاني هو مسلك الانطلاق مما اسماه محمد عبده بالطبيعة البشرية. وذلك من خلال بلوغ "الكمال النوعي في إطلاق المدارك من القيود، والمطالب عن النهايات"[9]. حيث تؤسس هذه الفكرة لما يمكن دعوته بضرورة وقيمة الفعل الدائم للإصلاح. إذ لا يعني الكمال النوعي للطبيعة البشرية سوى السير حتى نهاية تحريرها الفعلي التام وعدم وقوفها عند قيود نهائية محددة مهما كان حجمها. لكن هذه العملية غير المتناهية من التحرر وعدم الوقوف عند حد قد تصنع بدورها حمى المنافسة التي تقضي على بواعث الطبيعة البشرية نفسها. من هنا ضرورة فكرة الرسالة النبوية التي تضع لمساعي الكمال معالم للرؤية والعمل.

إذ تبرهن تجارب التاريخ العام على أن فكرة العدل والعقل لا تكفي بحد ذاتها على صنع مجتمع متكامل. بل نعثر فيهما إلى الآن على أحد مصادر الشقاق والخلاف الذي يتعارض مع حب الإنسان لذاته. بينما يفترض حفظ النوع البشري وجود المحبة. من هنا ضرورة وجود قوة أخرى تحفّز وتوجه سلوك الطبيعة البشرية في مجرى سعيها لنيل "كمالها النوعي". وليست هذه القوة سوى النبوة.

فالنبوة تقدم نموذج ما دعاه محمد عبده بالخضوع والاستكانة. ولم يقصد بهما خضوع العبودية واستكانتها الذليلة، بل قصد بها الصيغة المثلى القادرة على تربية النفس والعقل بالشكل الذي يجعلهما قادرين على الفعل بمعايير المحبة. فالنبوة قادرة على تقديم نموذج يستكين له ويخضع كل من المالك والمملوك، والسلطان والصعلوك، والعاقل والجاهل،والفاضل والمفضول بشكل أشبه "ما يكون بالاضطرار منه بالاختيار"[10].

ذلك يعني، إنه أراد تقديم النبوة كنموذج للقوة القادرة على جمع الشتات، والأسلوب الأمثل لتوحيد القوى بالشكل الذي يجعلها طاقة كامنة في "تكامل الطبيعة البشرية". من هنا قوله، بأن "الرسل من الأمم بمنزلة العقول من الأشخاص". وانه لا علاقة للرسل في "تفصيل طريق المعيشة والخوض في وجوه الكسب وتطاول شهوات العقل" لإدراك أسرار الوجود، أي ليس للنبوة علاقة بتنظيم شئون الحياة الخاصة والعامة ونمط الحياة ومباحث الإنسان العقلية واكتشافاته العلمية وما شابه ذلك. وذلك لأنها جزء من مهمات الحياة الطبيعية للبشر.

بل نرى محمد عبده يشدد على انه ليس من وظائف الرسل "ما هو عمل المدرسين ومعلمي الصناعات". كما نراه يقرر بعدم جواز أن يقوم الدين حاجزا بين الإنسان وطلب العلم والمعرفة بأي حال من الأحوال. بل أوجب على الدين أن يكون "باعثا على طلب العرفان، ومطالبا باحترام البرهان". بل وجعل معرفة العوالم فرضا ينبغي بذل ما يستطيع المرء من الجهد فيه.

إن مهمات ووظائف الرسل الكبرى، حسب رؤية محمد عبده، تقوم في إرشاد العقول إلى معرفة الله وما يجب أن يعرف من صفاته، وبيان ما اختلفت عليه عقول الناس وشهواتهم وتنازعت عليه مصالحهم، ووضع حدودا عامة يسهل على الجميع الرجوع إليها في أعمالهم، واحترام حقوق الناس جميعا، وأخيرا تفصيل كل ذلك بالشكل الذي يؤهل الناس نيل "السعادة الأبدية".

ذلك يعني، إن الوظائف الكبرى للرسل تقوم في صنع منظومة من المبادئ العملية العامة القادرة على بناء وحدة ذاتية للفرد والجماعة والأمة تخدم منافعها ومصالحها المادية والروحية. بمعنى تقديم نموذج مثالي عن وحدة الروح والجسد، والعقل والأخلاق، والحياة والمعاد في كل واحد بوصفها المقدمة الضرورية لبلوغ السعادة الحقيقية.

تكشف "رسالة التوحيد" عن الكمون الإصلاحي الديني العميق في فكر الشيخ محمد عبده، وبالأخص ما يتعلق منه بإمكانية ارتقاء الإصلاح إلى تأسيس ما يمكن دعوته بالليبرالية الإسلامية، أي الفكرة التي تقر بجوهرية العقل والعقلانية والمصلحة الاجتماعية والحرية ونبذ التقليد والشريعة الوضعية. وهي أفكار ليست معزولة عن اختمار الفكرة العقلانية والتنويرية والإصلاحية والليبرالية الآخذة في الانتشار النسبي والعميق بين النخب الفكرية والاجتماعية والسياسية آنذاك. بمعنى تكاملها المتراكم ضمن السياق العام لصعود الفكرة الاجتماعية السياسية والإصلاح الشامل وأهمية العلم والحرية والقانون بالنسبة لإعادة بناء النفس.

أما القيمة التاريخية والفكرية والروحية لأراء ومواقف الشيخ محمد عبده فتكمن بقدر واحد في ما يمكن دعوته بمنظومة الرؤية الفكرية وطاقتها الداخلية بوصفها منظومة ذاتية تلقائية. بعبارة أخرى، إن الفكرة الليبرالية الكامنة في الإصلاحية الإسلامية للشيخ محمد عبده تستمد أصولها وحدودها في الوقت نفسه من تراث الأمة العقلي. فإذا كانت الحدود الضيقة في جملة من المواقف مثل فكرته عن أن "العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد الهي"، وإن الدين "أقوى العوامل في أخلاق العامة، بل والخاصة. وسلطانه على نفوسهم أعلى من سلطان العقل الذي هو خاصة نوعهم"، وما شابهها، فإنها تبقى مجرد تصورات وأحكام وليست عناصر فعالة في منظومة الفكرة الإصلاحية. بمعنى أنها تبدو في مظهرها محاصرة بقاعدة التكرار والاجترار للفكرة اللاهوتية عن انه لا دين بلا عقل ولا عقل بلا دين، ولا دين بلا أخلاق ولا أخلاق بلا دين، فإنها تبقى في نهاية المطاف مجرد صيغة تقليدية لها أسسها الذاتية في التقاليد الإسلامية العقلية والأخلاقية المتسامية، التي لم يكن بإمكان الشيخ محمد عبده التحرر منها، لكنها تنحلّ وتتلاشى في تيار الفكرة الإصلاحية العقلانية وجوهرية الاعتدال. لاسيما وأن الشيخ محمد عبده كان يدرك، بأن الدين لا يصنع بالضرورة عقول الأمم، كما انه ليس ضامنا للأخلاق. بل أن اغلب التجارب الكبرى للأمم الحية على امتداد التاريخ تدحض هذه الفرضية الخائبة. إلا أن قيمتها التاريخية في فكر الشيخ محمد عبده تقوم في محاولاتها استنهاض الطاقة العقلية والأخلاقية استنادا إلى تقاليد العرب والمسلمين الذاتية. وهي المقدمة الضرورية لتأسيس الفكرة الإصلاحية والليبرالية أيضا.

فالليبرالية هي أولا وقبل كل شيء تراكم الرؤية العقلانية والإصلاحية بمعايير التجارب الذاتية للأمم من أجل تثبيت فكرة النظام والحرية الوضعية. وهي الفكرة التي تتخلل من حيث الجوهر منظومة الفكرة الخفية الذائبة في "رسالة التوحيد"، بوصفها جزء من البحث عن بدائل نظرية وعملية محتملة كما نراها في أفكاره عن رفضه الشامل للتقليد باعتباره مصدر الباطل والمضرة (العقلية والعملية). من هنا رفعه لمهمة العقل الكبرى بالنسبة للدين والدنيا على السواء، وجوهريته بالنسبة للنظر والعمل. بحيث نراه يرفع من شأن الفلسفة بوصفها أسلوبا معرفيا ومنظومة عملية إلى مصاف الذروة الضرورية بالنسبة للإصلاح ورفض التقليد. ومن وحدتهما أراد تقرير وتأسيس فكرة الإصلاح بوصفها مبدأ جوهريا في الدين الإسلامي، وحقيقة من حقائقه الكبرى. مع ما تحتويه من إمكانية التأسيس التلقائية لاعتبار "الروح الإلهي" روحا إنسانيا مترقيا في مدارك الإصلاح العقلي والأخلاقي، أو في مدارك تطهير العقل وتنزيه النفس. بحيث نراه يضع هذه الفكرة في ما يمكن دعوته بضرورة وعي الذات بالشكل الذي يجعل من نشاط الأمم صوب تطهيرها العقلي والأخلاقي مقدمة إبداع النظام الحقيقي في وجودها، أي إبداع نظام الوحدة المتنوعة. وأنطلق في موقفه هذا من أن الاجتهاد يطلب الكمال، والكمال يفترض الاجتهاد. من هنا اعتباره رأي القائلين بالجبر "هدما للشريعة ومحوا للتكليف وإبطالا لحكم العقل البديهي وهو عماد الدين". من هنا بحثه في شخصية النبي محمد التاريخية والواقعية عن مثال قابل للاستلهام. وبالتالي نفي وتذليل التقاليد اللاهوتية الكسيحة التي جعلت من النبي محمد صنما ينبغي عبادته.

إن الحصيلة الفعلية للأفكار التي بلورها الشيخ محمد عبده في "رسالة التوحيد" ترمي إلى بناء منظومة الإصلاح العقلية والأخلاقية العملية الإسلامية. وفي هذا كانت تكمن بذور ما يمكن دعوته بالليبرالية الإسلامية. بعبارة أخرى، لقد وقفت الفكرة الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده أمام مهمة تحولها النوعي في ميدان العلم والعمل، ومن ثم إمكانية انتقالها صوب منظومة الفكرة الليبرالية الإسلامية. بمعنى الانتقال من "الإسلام الديني" إلى "الإسلام الثقافي"، بوصفها النتيجة الضرورية لرفع مآثر الفكرة الإصلاحية نفسها إلى مصاف المأثرة التاريخية الضرورية بالنسبة لمسار التطور الطبيعي والتلقائي للعالم العربي. وقد كانت تلك الخطوة الجريئة التي خطاها محمد عبده دون أن ينجزها حتى النهاية. لكنها كانت كامنة في الحصيلة النظرية لإبداعه الفكري وسلوكه الشخصي. وليس مصادفة أن تتحول شخصيته إلى مصدر التنوع والاختلاف الشديد عند التيارات الفكرية اللاحقة، دون أن يرتقي أيا منها إلى مصاف الاحتمال العقلاني الأكبر في ما أراد قوله وفعله، أي في ما توصلت إليه الفكرة الإصلاحية الإسلامية بشخصية الأفغاني والكواكبي. 

 

ا. د. ميثم الجنانبي

.......................

[1] محمد عبده: رسالة التوحيد، ص20.

[2]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص36.

[3]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص23.

[4]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص33.

[5]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص40-41.

[6]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص42.

[7]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص43.

[8]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص95

[9]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص53.

[10]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص57.

 

ميثم الجنابيإن الملاذ الأخير لحياة المصلحين يعادل ما اختزنوه في منظومة الفكر ومصيرها التاريخي. ولا تخلو هذه الحالة من مفارقة غريبة حينا ومأساوية حينا آخر. غير أن للحياة والفكرة نهايتهما بوصفها بداية جديدة أو متجددة. من هنا احتمال أفول الفكرة شأن الحياة قبل أن تكتمل في ما يمكنه أن يكون روحا قادرا على الحياة، أو إعادة نسخها أو مسخها بوصفها جزء من "المصير التعيس" لحياة الفرد والفكر على السواء. إذ لا قانون فاعل في هذه الحالة غير مفارقة الوجود والاحتمال الكامنة فيه. وعادة ما يتحسس المفكر الكبير هذه المفارقة عند غروب الحياة أو مشارفتها كما لو انه يتحسس آفاق الرغبة والرهبة القائمة في ما كان ينوي القيام به ويسعى إليه. وقد تكون هي الحالة التي واجهها محمد عبده آخر حياته عندما شدد في سيرته المقطوعة عن أن جميع مواقفه من المجتمع والدولة كانت مهمومة "بروح الدعوة"، رغم كونه لم يكن إماما متبع، ولا رئيسا مطاع. بمعنى انه كان يتحسس ويدرك ويحدس قيمة "الروح" في الدعوة، بوصفها دعوة إصلاحية، أي انه كان يسعى لدفع الفكرة الإصلاحية صوب تكاملها الفلسفي. وليس مصادفة فيما يبدو سعيه أواخر حياته لجمع وتنسيق محاضراته الكلامية في (رسالة التوحيد)، كما لو أنها الملاذ الأخير لروح الدعوة الإصلاحية.

إننا نعثر في المنحى الفكري والغاية النظرية لكتاب (رسالة التوحيد) على محاولة أخيرة لتطويع فكرة التوحيد ضمن سياق رؤيته الإصلاحية، أي تحريرها من الاختمار بمعايير الرؤية السياسية. ومن الصعب القول في ما إذا كان محمد عبده يعي ذلك أم لا، لكن منطق الإصلاحية والنسبة المتكافئة للاعتدال في تفكيره وشخصيته تجعل من هذه الفرضية أمرا محتملا. كما انه احتمال يتصف بقدر كبير من الواقعية حالما نقرأ (رسالة التوحيد) ضمن هذا السياق. فقد تضمنت الصيغة الهادئة "لرسالة التوحيد" بين جوانحها هدوء محمد عبده وسكونه المتراكم في شيخوخته التي أدركت مع مرور الزمن الحقيقة القائلة، بأن الزمن يندثر والتاريخ يبقى. ومن ثم ليس هناك من فكرة جوهرية في تاريخ الإسلام أكثر أهمية من التوحيد. بل هي الفكرة التي شغلت في الواقع كل تفكير جرئ في محاولاته البحث عن علة العلل أو ترابطها في الوجود والزمن، أو استكناه سرّ الحياة ومعناها. ذلك يعني أنها العقدة المتراكمة في كل بحث يرمي إلى بناء منظومة عن الوجود الطبيعي والماوراطبيعي. وليس مصادفة أن يشير محمد عبده في تقديمه "لرسالة التوحيد" إلى انه سلك في ما يكتبه فيها عن "العقائد مسلك السلف، ولم يعبأ في سبر آراء الخلف". وانه ابتعد عن "الخلاف بين المذاهب بُعدَ ممّليه عن أعاصير الشغب"[1].

لقد أراد محمد عبده القول، بأن ما يضعه هنا هو فكر أقرب إلى حالة الإسلام الأول في موقفه من فكرة التوحيد. لهذا لم يعبأ بما سطّره كلام المتأخرين وجدلهم الصاخب. لهذا ابتعد عما كان مميزا لمراحل ونماذج الخلاف ابتعاده هو نفسه عما اسماه بأعاصير الشغب. ولكن ما هو هذا "الشغب" الذي أراد محمد عبده الابتعاد عنه؟ هل هو شغب ما واجهه في مراحل الصراع السياسي الأولى الذي أدى إلى إبعاده عن مصر إلى لبنان؟ فرسالة التوحيد هي نتاج التأمل الهادئ الذي توفر له للمرة الأولى بعد "صخب" الحياة المثير في مصر آنذاك. إذ "أجبره" هذا الهدوء على إفراغ تأملاته في تلك المحاضرات التي ألقاها عام 1303 هجرية وجمعها لاحقا بعد أن أضاعها. فهي دون شك مرحلة ابتعاده عن "أعاصير الشغب" التي جعلته يتمتع بهدوء لبنان الطبيعي، ليكتشف من جديد القيمة الجوهرية في البحث عن مفاهيم الوحدة والاعتدال في الله والكون والوجود والإيمان، أي في كل تلك القضايا التي شكلت لبّ محاضراته المذكورة أعلاه.

فلو نظرنا إلى مستوى محاضراته في قضايا التوحيد، فإنها تبدو عادية للغاية. بمعنى أنها لا تتجاوز في أفضل مستوياتها ما سبق وأن بلورته كتب الكلام الواسعة الانتشار. إلا أن بساطتها وسهولتها استطاعت أن تقرّب تقعير (تعقيد) الكلام القديم وجمود رؤيته ومشاكله التقليدية عبر نقلها إلى أسماع جديدة بعيدة عن صخب الأعاصير السياسية واللاهوتية على السواء.

كما يمكننا أن نلحظ في "رسالة التوحيد" على انعكاس خاص ومستور لما يمكن دعوته بنفسية الانحدار صوب السلفية المتنورة، أو صوب التنوير العقلي للسلفية المجردة من اعتبارات الرؤية السياسية المباشرة. وفيها يمكن رؤية المسار المعتدل لمحمد عبده في مدارج الكلام الإسلامي، أي في مسار الرؤية الإسلامية التي تجعل من أكثر القضايا الخلافية ميدانا للاعتدال النظري والعملي.

إننا نعثر في "رسالة التوحيد" على بعد نظري عملي جديد كان يتمثل الرؤية الإصلاحية الإسلامية بمعايير قادرة على نقل "إسلام السلف" إلى عالم اليوم دون الممرور بأعاصير الشغب. وإذا كانت قيمة التوحيد قد تحولت إلى ميدان اختياره واختباره الجديد، فلأنها شكلت في الوقت نفسه معيار العلم الذي كان يبحث عن ثلاثة محاور كبرى، وهي محور وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفاته وما يجوز أن يوصف به; ومحور الرسل والرسالة وقضاياهما المتعلقة بمضمون كل منهما وما يجب أن يكونا عليه وما يجوز أن ينسب لهما; ومحور إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان[2].

ذلك يعني، انه حاول اختصار مضمون ما اسماه بعلم التوحيد في ثلاث قضايا كبرى وهي الله، والرسول، والوحدانية. وهو اختصار يشير من حيث الجوهر إلى محاولة تطويعها بالشكل الذي يجعلها عقيدة نظرية وعملية في آن واحد. بمعنى انتزاعها من تقاليد علم الكلام التقليدي وإدخالها في علم وعمل المعاصرين بالشكل الذي يحررها من اختلافات الخلف وأعاصير الشغب السياسية. وهي رؤية تنوي أكثر مما تحتمل، إلا أنها معقولة ضمن المسار العام لارتقاء محمد عبده في وجدانه الإصلاحي. بمعنى ارتقاء مداركه اللاهوتية صوب تفعيلها العملي من خلال البحث عن نموذج إنساني أو شخصاني يجعل من "تعالي" المفاهيم أمرا معقولا في المعاصرة.

لكن ذلك لا يعني، بأن محمد عبده استطاع أن يشعل جذوة الكلام المنطقية، ولا ردم هوة الفراغ الهائلة بين التاريخ والمعاصرة، ولا حتى توظيف ما في علم الكلام وتقاليده من مفاهيم قادرة على بلورة منظومة من الأفكار والقيم يمكنها الاندماج في الوعي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي المعاصر. إلا انه استطاع أن يتعامل مع ما وضعه بالشكل الذي يعمّق حسية وعقلية الاعتدال الإسلامي في رؤيته الإصلاحية. لهذا نراه يتكلم عما "يجب" وعما "يجوز" في الموقف من الله والرسول والتوحيد. بعبارة أخرى، إننا لا نعثر في آرائه ومواقفه وكلماته حتى على ما هو محرّم ومكروه وقابل للتكفير وما شابه ذلك من عبارات مميزة لتقاليد الكلام بشكل عام وفرقه الحنبلية بشكل خاص.

إلا أن هذا الابتعاد الواضح عن تقاليد التزمت والجمود المميزة لمراحل الكلام المتأخرة، يعكس بالقدر ذاته إدراكا عميقا لقيمته المعنوية. فالرجوع إلى تقاليد الكلام القديمة هو رجوع إلى كلام الروح والوجدان الفاعلين بمقاييس العقل الإصلاحي. وهو مضمون ما يمكن دعوته بمحاولات محمد عبده إعادة تأسيس قيمة الكلام في الظروف التاريخية الجديدة.

فمن الناحية التاريخية لم يعد لتقاليد الكلام بعدا فكريا معاصرا. كما انه لم يتغلغل في مدارك الوعي والفعل الإسلاميين. وقد يكون الاستثناء الوحيد هنا هو بعض قناعات البيئة التقليدية لعلوم الدين الواسعة الانتشار في مخابئ التقاليد الضيقة. أما من الناحية الفكرية، فإن علم الكلام يحتوي على أعلام وأئمة كبار وفكر نير وأساليب مثيرة للعقل والوجدان. ومن ثم فهو قادر على بعث الروح المعنوي في حال إرجاعه إلى "وهجه" الأول، أي في حال جعله عنصرا من عناصر اليقظة العقلية والانتماء الوجداني لتاريخ عفا عليه الزمن. وتفترض هذه المفارقة نفي الزمن وإرجاع التاريخ إلى عجلات حركته الأولى التي كان علم الكلام أحدها. وليس مصادفة فيما يبدو أن يؤكد محمد عبده على أن علم الكلام كان موجودا قبل الإسلام. إذ ليست حقيقة علم الكلام سوى نوعا من علم تقرير العقائد وبيان ما جاء من النبوات. وقد كان هذا العلم معروفا عند كثير من الأمم، كما يقول محمد عبده[3]. ومن هذه الفكرة يتضح، بأن محمد عبده أراد أن يجد في علم الكلام مشروعا محتملا من مشاريع الرؤية العلمية المتعلقة بقضايا العقائد. ومن ثم لا يعني الاهتمام بعلم الكلام سوى الاهتمام بتقرير نوع العقيدة أو الأيديولوجية للأمة، بوصفها ضرورة لها تاريخها الخاص عند الأمم. أما في تاريخ الإسلام فإنها تراكمت في مجرى صيرورة الإسلام والكلام على السواء.

طبعا، إن محمد عبده لم يرم من وراء ذلك بناء أو تأسيس أيديولوجية كلامية جديدة، لكنه سعى إلى إعادة بناء الكلام الإسلامي بالشكل الذي يجعل من حصيلته النظرية طاقة إضافية بالنسبة لشحذ الرؤية الإصلاحية. ويمكن ملاحظة هذه المهمة على نموذج إبرازه لقيمة العلم العملية في تنسيق وتوفيق العقل والإيمان. فنراه يشير إلى ما اسماه بطرفي النقيض بين منازع العقول في العلم ومضارب الدين في الالتزام بالعقائد وتقريبها من مشاعر القلوب، الذي كان يميزها سابقا. ولا معنى لهذا التنازع والتضاد في حال وضعه ضمن البنية العامة لحقيقة الفكرة الإسلامية حسب قول محمد عبده. وتصبّ هذه الفكرة عموما ضمن الاتجاه المعروف عن إيجاد النسبة المعتدلة بين المعقول والمنقول، أو العقل والشرع، أو الرواية والدراية التي تكَفّل الإسلام رفعها إلى مصاف النموذج الأعلى، كما اعتقد محمد عبده. ويشكل نموذج الرجوع إليه مهمة نظرية وعملية ممكنة من خلال إعادة بناء علم الكلام. وانطلق محمد عبده في تأسيس فكرته هذه من المقدمة القائلة بأن القرآن اتخذ منهجا خاصا به متميزا عما سبقه من الكتب "المقدسة". لهذا لم يطلب محمد عبده التسليم به لمجرد انه جاء بحكايته، ولكنه "أقام الدعوى وبرهن، وحكى مذاهب المخالفين وكرّ عليه بالحجة، وخاطب العقل واستنهض الفكر، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام وإتقان على أنظار العقول وطالبها بالإمكان لتصل بذلك إلى اليقين"[4].

ذلك يعني، إن محمد عبده حاول الجمع في كلّ واحد الحكاية والدراية، أي المنقول والمعقول بالشكل الذي يفترض إقامة الدعوى والبرهان من أجل تأمل نظام الكون ورؤية تناسقه. ووجد في موقفه هذا الأسلوب الأمثل لبلوغ اليقين، أي الحقيقة كما هي. وفي هذا الأسلوب وجد أيضا ما اسماه "بتآخي العقل والدين أول مرة في كتاب مقدس". ويقرر هذا الاستنتاج ما توصل إليه الفكر الإسلامي بمختلف فرقه ومدارسه، والذي لم يرفض أغلب اتجاهاته الكبرى، إن لم يكن جميعا، حق العقل في البرهنة وضرورته بالنسبة لقضايا الإيمان الإسلامي ككل.

وقد سار محمد عبده ضمن الاتجاه الإسلامي الذي يقول، بأن هناك قضايا دينية لا يمكن الاعتقاد بها إلا عن طريق العقل. وأدرج ضمن هذه القضايا مسألة العلم بوجود الله، ومعنى الرسالة (النبوية)، أي القضايا التي أدخلها في "رسالة التوحيد". ذلك يعني انه ادخل إشكاليات ما وراء الطبيعة والتاريخ، بما في ذلك العقائدي منه، ضمن اهتمام العقل ودائرة إحاطته. بل وأندفع صوب إحدى الصيغ العقلانية في تاريخ الفكر الإسلامي القديم القائلة، بأن الدين إن جاء بشيء يعلو على الفهم فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل[5]. ولا يعني ذلك ضمن رؤية محمد عبده سوى إرجاع الدين إلى حدود الرؤية العقلية التي تعطي لأشد قضاياه الإيمانية أبعادا قابلة للإدراك. وهي رؤية كانت تؤسس للاعتدال الإسلامي العقلاني وتسير في الوقت نفسه ضمن تياره العام. من هنا رفضه لتقاليد وأساليب الغلوّ العريقة في تاريخ الإسلام نفسه. إذ وجد في هذه التقاليد خروجا على حقيقة الإسلام وضعها في عبارة تقول، بأن "الغلاة تعدوا حدود الدين باسم الدين"[6]. وقدم نماذج بهذا الصدد، ربط أغلبها بالتيارات الشيعية من سبئية وإسماعيلية وباطنية. حيث وجد فيها مصدرا من مصادر المدارس القائلة بالحلول والدهرية والإفراط في التأويل، وتحويل كل عمل ظاهر إلى باطن. وهو حكم يتسم بالتسطيح، لكنه مفهوم ضمن تقاليد التربية السلفية التي تشبع بها محمد عبده في دراسته الأزهرية الأولى. وليس مصادفة أن يجد في الأشعرية نموذجا أعلى للاعتدال. ومع انه لم يقرر ذلك بصورة مباشرة، إلا أن تأكيده على نموذجية الأشعري الذي سلك "سلوكا وسطا بين موقف السلف وتطرّف من خالفهم" يمكن اعتباره إشارة إلى ما أراد الكشف عنه والبرهنة عليه والدعوة إليه. ومن الممكن استشفاف هذه الفكرة أيضا عبر محاولته توظيف الأشعرية بطريقة "عصرية". بمعنى السير ضمن الخط الوسط بين موقف السلف وتطرّف الخلف (المعاصرين). ونعثر على هذا الوسط في استلهام الفكرة الأشعرية بمختلف مظاهرها واتجاهاتها، وكذلك في رؤيته لضرورة العقيدة وماهيتها المعاصرة وموقع العقل فيها.

فإذا كان من الصعب بالنسبة لمحمد عبده أن يحدد أشخاص "السلف"، فإنه وجد نموذجهم في ما اسماه بأصحاب التقليد. وقد دعاه ذلك للحديث عن "مرض التقليد". وكتب بهذا الصدد يقول، بأن ما يميز أصحاب التقليد هو أنهم "يعتقدون الأمر ثم يطلبون الدليل عليه. ولا يريدونه إلا موافقا لما يعتقدون. فإذا خالف ما يعتقدونه نبذوه واندفعوا في مقاومته حتى إن أدى ذلك إلى جحود العقل برمته". واختصر فكرته هذه في عبارة تقول، بأن "أكثرهم يعتقد فيستدلّ، وقلما نجد بينهم من يستدل ليعتقد"[7]. ذلك يعني، إن الفكرة والأفكار والتفكر بالنسبة لهم هي سلسلة من المعتقدات المقبولة سلفا، وفي حصيلتها وأسلوبها هي مجرد عملية مقلوبة رأسا على عقب. وأنها لا تتعدى كونها اعتقادا يبدأ وينتهي بنفس المقدمة. ووجد في هذا النمط من التفكير أسلوبا لا يؤدي إلا إلى الباطل والمضرة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن التقليد يأتي بالباطل والضار. وبالتالي فهو "مضلة يعذر فيها الحيوان ولا تجمل بحال الإنسان"[8]. ويكشف هذا السجع عن مدى استخفاف محمد عبده بالتقليد من حيث كونه تشويها لموسيقى المعرفة واليقين الحقيقي. في حين إن مهمة المعرفة والدين والعقل بنظره تقوم في الوصول إلى يقين يعتمد على الدليل لا أن يسترسل مع التقليد. ورفع هذا النمط من بلوغ اليقين إلى مصاف المطلب الشرعي المحصن بتأمل تجارب الأمم جميعا. لذا نراه يقول، بأننا أمرنا بالنظر واستعمال العقل، ونُهينا عن التقليد بما حكي عن أحوال الأمم في الأخذ بما عليه آباؤهم[9]. وجعله ذلك يتكلم عن أهمية الفلسفة والفلاسفة من حيث كونهما ممثلين للرؤية العقلية. وأعتبر ذلك فضيلة بحد ذاتها عندما أكد على أن الفلاسفة تستمد آراءها من الفكر المحض. بمعنى أنهم لا ينطلقون في تصوراتهم وأحكامهم وقيمهم من "كتاب مقدس" أيا كان نوعه، بل أعتبر همهّم هو تحصيل العلم والوفاء بما تندفع إليه "رغبة العقل من كشف مجهول أو استكناه معقول"[10]. ووجد في ذلك أمرا يتطابق مع حقيقة الرؤية القرآنية في موقفها من العقل. إذ اعتقد بأنه لم يأخذ عليهم أيا من عقلاء المسلمين طريقهم في النظر، ولا وضع أمام سبيلهم في المعرفة عثرة أو اعتراض، ما دام القرآن نفسه قد رفع من شأن العقل بالشكل الذي جعله نهاية العقول في بلوغ السعادة. وبالتالي فإن تطرف المتأخرين منهم دفعهم إلى "ما وراء الاعتدال، مما أدى إلى سقوط منزلتهم من النفوس ونبذتهم العامة، ولم تحفل بهم الخاصة، فذهب الزمان بما كان ينتظر العالم الإسلامي من سعيهم"[11].

وبغض النظر عن مدى دقة هذا التقرير العام لدور وواقع الفلسفة الإسلامية وإبداعها النظري والعملي في تاريخ الإسلام ككل، إلا أن مضمونه ضمن رؤية محمد عبده الإصلاحية، يقوم في محاولته إبراز قيمة الاعتدال والانتظار العقلاني من الجهد الفلسفي المبذول. وهي فكرة معقولة ضمن الرؤية الإسلامية نفسها التي تجعل من القرآن والسّنة مصدرا جوهريا في رؤيتها لكل شيء. كما أنها الرؤية التي تعتقد بأن نهاية الفلسفة الإسلامية هي النتيجة الطبيعية لخروجها على تقاليد الإسلام بشكل عام. إلا أنها اتخذت عند محمد عبده بعدا واقعيا وعقلانيا ضمن تقاليد الإصلاحية الإسلامية.

لقد أراد محمد عبده أن يعيد اللحمة بالفلسفة بالشكل الذي يجعلها جزء من تقاليد العقل المقبول. ومن ثم إدخال علاقة المعقول والمنقول، أو الشرع والعقل ضمن دائرة الاهتمام التاريخي الحديث، بما يجعلها مرجعية قادرة على صنع الاعتدال المعارض للتقليد السلفي الجامد، والارتماء التام والشامل في أحضان الدنيوية (العلمانية) الأوربية. من هنا اعتباره عداوة العلم والدين نتاجا لانحطاط العالم الإسلامي والثقافة الإسلامية. ونظر إلى هذه العداوة على أنها جزء من تاريخ الفوضى العقلية بسبب انتشار الجهل وسيطرة الجهلة على مقاليد الأمور وابتعادهم عن الرؤية الإسلامية الحقيقية. بل انه وجد في الدعوة لهذه العداوة تقليدا لتقاليد أعرق مما في الإسلام وغريبة عليه في الوقت نفسه. من هنا فكرته عن ضرورة نفي هذه التقاليد من خلال ثلاث أفكار أساسية وهي:

- أن يكون دين الإسلام هو دين التوحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد،

- أن العقل من أشد أعوانه والنقل من أقوى أركانه،

- وما وراء ذلك فنزعات شياطين أو شهوات سلاطين.

لقد أراد محمد عبده من وراء ذلك إرجاع حقيقة الدين الإسلامي إلى مبدأين عبر إرجاع حقيقته إلى فكرة التوحيد، وعدم تفريقها في القواعد أيا كانت. بمعنى ألا تكون معتقدات الفرق أيا كانت، عاملا في الفِرقة من خلال رفعها إلى مصاف الرؤية الوحيدة أو المقدسة. وهو مبدأ ينبغي أن يستند بدوره على وحدة العقل والنقل. بمعنى الاعتماد على تقاليد الأسلاف وإنجازاتهم وذخيرة الفكرة الإسلامية المقبولة بمعايير العقل المتجدد. وما عدا ذلك فهي أهواء عابرة أو شهوات السلطة في محاولاتها فرض رؤيتها على حقيقة الدين (الإسلامي). بحيث جعلته هذه الفكرة يقرّ بإمكانية الشريعة الوضعية الخالصة بوصفها شريعة فاضلة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن معرفة الله واجبة، وأن جميع الفضائل وما يتبعها من الأعمال مفروضة، وأن الرذائل وما يتكون عنها محظورة. وفي حال بلوغ هذه المقدمة يمكن وضع مختلف القوانين ودعوة البشر جميعا للاعتقاد بها. ذلك يعني انه يعيد إنتاج الفكرة الإسلامية حول وحدة العقل والشرع بالشكل الذي يجعلها أكثر "ليبرالية" ضمن تقاليد الفكرة الإسلامية نفسها.

لقد وضع محمد عبده فكرة الشريعة على أساس إدراك حدود الفضيلة والرذيلة. ويمكن تجسيد هذه الرؤية الأخلاقية العقلانية بصيغ مختلفة ومتنوعة. مما يعني إقراره بإمكانية صناعة شريعة فاضلة، لكنها تبقى مع ذلك عاجزة عن صنع شريعة متكاملة في حال عدم اعتمادها على الدين. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد الهي". كما لا يستقل الحيوان في إدراك جميع المحسوسات بحاسة البصر وحدها، بل لا بد معها من السمع لإدراك المسموعات. كذلك الدين هو حاسة عامة تكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادة. والعقل "هو صاحب السلطان في معرفة تلك الحاسة"[12].

من هنا يتضح، بأن محمد عبده يدور في فلك الفكرة القائلة بأنه لا دين بلا عقل ولا عقل بلا دين. ووجد في هذه الفكرة نموذج الاعتدال المطلوب، الذي جعله يقول متتبعا تقاليد الفكرة الإسلامية العقلية، عن أن كل ما يتعارض مع العقل ينبغي تأويله. ولا تتعدى هذه المهمة في الواقع أكثر من توسيع مدى تبعية العقل للإيمان. بمعنى تقييد الحرية العقلية بالشكل الذي يجعلها مقبولة مع الإيمان. وبما أن الإيمان هو "عقل محوّر" حسب معتقدات الفِرق والمدارس، من هنا استحالة تحرره الكامل. لكن الحرية من حيث المفهوم والممارسة هي نسبية في الشكل والمحتوى. فطابعها النسبي يظهر بوضوح تام ضمن معايير الرؤية الدينية. إلا أن قيمتها في مفاهيم محمد عبده تقوم في كونها عملت فعلا على تحرير العقل من قيود الإيمان التقليدي السلفي العادي والجازم. ومع ذلك يبقى الدين في نهاية المطاف الفيصل النهائي في كل شيء وعلى كل قضية. وليس مصادفة أن يعتبر محمد عبده الدين "أقوى العوامل في أخلاق العامة، بل والخاصة. وسلطانه على نفوسهم أعلى من سلطان العقل الذي هو خاصة نوعهم"[13].

إننا نعثر في رؤية محمد عبده المذكورة أعلاه على تقرير لواقع العامة أكثر مما هو تقرير عن إمكانية البدائل ونماذجها العملية المحتملة. وفي هذا تكمن حدود إصلاحيتها الواقعية والعقلانية في آن واحد. ونعثر على هذه الحدود في موقفه الجديد من الدين الذي لم يعد مجرد صيغة بيانية أو إنشائية لعقائد الإيمان، بقدر ما أصبح منظومة من المبادئ النظرية والعملية الهادفة إلى تحقيق ما يمكن دعوته بالحقيقة التاريخية والمعنوية للإسلام. حيث بلور مساعيه بهذا الصدد في فكرته العامة عن الإسلام عندما أعتبر الدين الذي "لم يدع أصلا من أصول الفضائل إلا أتى عليها، ولا أما من أمهات الصالحات إلا أحياها، ولا قاعدة من قواعد النظام إلا قررها".

لقد أراد محمد عبده أن يؤسس لفكرة إقرار الإصلاح بوصفه المبدأ الجوهري في الدين الإسلامي، وحقيقة من حقائقه الكبرى. انه أراد القول، بأن حقيقة الدين الإسلامي هي الإبقاء على كل أصل من أصول الفضائل المتراكمة في التاريخ العالمي. وانه أحيا من الناحية الفعلية والتاريخية أمهات الصالحات المندثرة والمنسية. وبالتالي لا يتعارض في رؤيته مع كل قاعدة قادرة على تثبيت النظام والقانون.

ذلك يعني، إن حقيقة الإسلام من وجهة نظر محمد عبده، تقوم في توحيد الفضائل والصالحات والنظام، أي الفضيلة والفائدة والقانون. وتشكل هذه القيم الجوهرية الحياة المثلى في مستواها الفردي والاجتماعي والدولتي والثقافي على السواء. من هنا استنتاجه القائل، بأن حقيقة الإسلام ترمي إلى تأسيس حرية الفكر واستقلال العقل وصلاح السجية واستقامة الطبع وإنهاض العزائم إلى العمل. ويمكن تلخيص هذه الغاية من خلال ما يمكن دعوته بالمبادئ الكبرى الضرورية التي ينبغي رؤيتها والعمل بموجبها في الإسلام. كما يمكن حصر هذه المبادئ بخمس يدور الأول منها حول محور الرؤية أو العقيدة البديلة، والثاني حول التفاؤل الدائم، والثالث حول الاجتهاد النظري والعملي، والرابع حول الوحدة المتنوعة، والخامس حول الفكرة العملية. (يتبع...).

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.................

[1]  محمد عبده: رسالة التوحيد، دار الكتب العلمية، بيروت، (ب.ت)،ص4.

[2]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص5.

[3]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص5.

[4]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص5-6.

[5]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص6.

[6]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص10.

[7]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص35.

[8]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص14.

[9]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص13.

[10]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص13.

[11]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص12.

[12]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص68.

[13]  محمد عبده: رسالة التوحيد، ص67.

 

 

منى زيتونالآية الكريمة من سورة العاديات المُعنونة للمقال أتت جوابًا للقسم بعد سياق قرآني من مدح الحق سبحانه وتعالى للعاديات.

يقول عز وجل: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)﴾.

وقد اختلفوا في العاديات وهل هي الإبل أم الخيل، وإن كنت أرى الوصف في الآيات لا يكون إلا للخيل، فالإبل لا تضبح، والضبح صوت يخرج عند العَدْو، وما يضبح من الدواب إلا الخيل والكلاب. كما أن الإبل لا تقدح بحوافرها الحجارة عند العَدْو، بينما الخيل تفعل، وقد يتطاير من ذلك شرر النيران، وهذا معنى ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ أي أورت نارًا من قدح حدوات حوافرها الحجارة حتى تثير الغُبار في الجو ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾.

وعليه؛ فالعاديات هي الخيل، وهي الحيوان الوحيد الذي أقسم به تعالى في كتابه العزيز، حتى أنه لم يقسم بالإنسان، وتعدى ذلك بأنه بعد أن أقسم بها، قارن الإنسان بالخيل، فأخبره تعالى أنه كنود، أي كفور جحود، ينسى نِعم ربه، وينبغي له أن ينظر إلى تقدير وطاعة الخيل لسيدها ليتعلم! والعرب كانت ولا زالت تُسمي ذكر الخيل الجواد من جوده وعدم تأخره عن بذل أقصى ما يقدر من جهد تلبية لحاجة سيده.

وأنهى الحق سبحانه السورة القصيرة بتذكير الناس بما ينتظرهم يوم البعث من حساب وجزاء على أعمالهم، فهو سبحانه الخبير الذي لا يخفى عليه شيء من تلك الأعمال.

معضلة وجود الشر

يكثر الملاحدة من إطلاق تساؤلاتهم عن سبب وجود الشرور في العالم طالما يوجد إله رحيم قادر؛ فهل هي موجودة برغبته ومن ثم هو غير رحيم، أم بغير رغبته وهو عاجز عن إزاحتها كونه غير قادر؟! وإله مثله –إن صح أن يوجد بهذه الصفات على زعمهم- لا يستحق أن يُعبد.

والإشكالية ولا شك قديمة، وقد رد عليهم كثير من الفلاسفة والمفكرين عبر العصور. كما كان لعلماء العقيدة المسيحيين والمسلمين ردودهم ومناقشاتهم حول المسألة، وهناك فرع من اللاهوت المسيحي يُعرف بالثيوديسيا Theodicy معني تحديدًا بنقاش أسباب وجود الشر.

ولسيدنا الإمام علي بن أبي طالب مقولة عظيمة وهي "العدل ألّا تتهمه"، يعني بها أن كل ما فعله الله وقدَّره هو من ‏العدل؛ فليس الله بظلام للعبيد، ولكن الإنسان قد لا يدرك الحكمة من وراء كثير مما ‏يحدث في الكون. وهو تعالى مالك الكون يتصرف فيه بما يشاء، ولا يُتصور منه ظلمًا.

ومشكلة الشر التي يعنيها الملاحدة لا تقتصر على أفعال الله تعالى بل تتعداها إلى أفعال العباد، فلماذا تحدث الزلازل والبراكين والأعاصير فتقتل وتدمر، ولماذا يمرض الأبرياء؟، ولماذا يقترف البشر الشرور في حق بعضهم البعض وفي حق باقي المخلوقات؟ وأحيانًا قد يتوسع الملحد أكثر فيرى في سلوك الحيوانات المفترسة الغذائي شرًا يحيق أثره بغيره من الأنواع!

أفعال الله

لا يكف الملحد عن التساؤل عن أسباب حدوث الزلازل والبراكين والأعاصير وغيرها من الكوارث الطبيعية، متناسيًا أنها جزء من المنظومة الكونية بقوانينها المطردة، التي يشهد العلماء أنها مخلوقة على نحو أمثل، وأن توقف حدوث هذه الظواهر فيه إخلال بعمل تلك المنظومة المتكاملة؛ فلو قُدِّر لبركان أن يمتنع عن الانفجار فهذا يعني بقاء الضغط والطاقة الكامنة داخل الكرة الأرضية معرضًا إياها لانفجار.

والمرض والموت لا يرى فيهما الملحد إلا أنهما مناقضان للعافية والحياة، ويفشل تمامًا أن يرى حقيقة أن التغير والتبدل ضرورتان في هذا العالم، وماذا كان يمكن أن يحدث لو بقي كل البشر والحيوانات والنباتات منذ خلق الله الأرض، بل وكل النجوم والكواكب منذ خلق الكون، ولم يتجدد شيء، وصارت تتزايد فقط بلا تناقص، أو بقيت ثابتة دون تزايد أو نقصان؟ فهل هذه هي الرؤية المثالية للعالم الذي يراه الملحد؟! ثم أليس في هذا التصور تعطيل لقوانين الكون التي يزعم الملحد أنها سبب وجوده وليس الله؟!

من أجمل ما قرأت وصف عجوز للدنيا تقول فيه: "سُنيهات رخاء وسُنيهات شقاء، ويوم شبيه بيوم وليلة شبيهة بليلة. يهلك والد ويخلف مولود، فلولا الهالك لامتلأت الدنيا ولولا المولود لم يبق أحد".

والملحد في نظرته تلك شديد الأنانية، فهو في حقيقة الأمر لا يعنيه وفاة من لا يهمه من البشر، بل لو خُيِّر لاختار تجدد الأحياء كما هو الواقع في عالمنا، لكنه فقط أضعف من أن يتحمل فقد أحبته.

أفعال العباد

أفعال العباد تحديدًا كان لها النصيب الأكبر من البحث العقدي لدى المسلمين، المرتبط بمعضلة الشر؛ فأهل السُنة الأشاعرة على أن أفعال العباد يخلقها الله، ومع ذلك فهي كسب العباد. وقد ورد لفظ الكسب في القرآن في 34 موضعًا، منها ‏﴿‏وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

فالأشاعرة ينزهون الله سبحانه أن يجري في ملكه إلا ما يشاء حتى لو كان شرًا، حيث يعتقد  أهل السُنة الأشاعرة أن الله وحده الفاعل على الحقيقة، وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون تكون مخلوقة من الله، وهي مع ذلك كسبهم، لكن المعاصي تكون بعلمه وقضائه ومشيئته تعالى لا بأمره؛ فيكون الفعل خلقًا لله، كسبًا للعبد، حادثًا تحت قدرة الله وبعلمه.

ومعنى الكسب عند الأشعري: أن يكون الفعل بقدرة محدثة؛ فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة، فهو فاعل خالق، ومن وقع منه بقدرة محدثة، فهو مكتسب.

ويرتبط بالاعتقاد في أن العباد يخلقون أفعالهم الاعتقاد في القدر. وكما رفض الأشاعرة عقيدة خلق العباد أفعالهم، فقد رفضوا مذهب القدرية "نُفاة القدر".

يقول الإمام الشافعي:

ما شئتَ كان وإن لم أشأ **** وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن

خلقت البلاد على ما علمت **** ففي العلم يجري الفتى والمسن

على ذا مننت وهذا خذلت **** وهذا أعنت وذا لم تُعن

فهذا سعيد وهذا شقي **** وهذا قبيح وهذا حسن

كذلك رفض الأشاعرة مذهب الجبرية المنكرين للقدرة الحادثة من العباد، فهم يعتقدون أن العبد له كسب، ومن ثم ليس مجبورًا، بل مكتسبًا لأفعاله من طاعة ومعصية، فيتوسطون بين الجبرية والقدرية. يقول السبكي في "طبقات الشافعية" (ج3، ص385-386):

وكذاك كسب الأشعرى وإنه **** صعب ولكن قام بالبرهان

من لم يقل بالكسب مال إلى اعتزال **** أو مقال الجبر ذى الطغيان

يضيف السُبكي: "كسب الأشعرى كما هو مقرر فى مكانه أمر يضطر إليه من ينكر خلق الأفعال وكون العبد مجبرًا، والأول اعتزال والثانى جبر. فكل أحد يثبت واسطة، لكن يعسر التعبير عنها، ويمثلونها بالفرق بين حركة المرتعش والمختار، وقد اضطرب المحققون فى تحرير هذه الواسطة، والحنفية سموها الاختيار. والذى تحرر لنا أن الاختيار والكسب عبارتان عن مُعيَّن واحد، ولكن الأشعرى آثر لفظ الكسب على لفظ الاختيار؛ لكونه منطوق القرآن، والقوم آثروا لفظ الاختيار لما فيه من إشعار قدرة للعبد. وللقاضى أبى بكر مذهب يزيد على مذهب الأشعرى فلعله رأي القوم. ولإمام الحرمين والغزالي مذهب يزيد على المذهبين جميعًا، ويدنو كل الدنو من الاعتزال، وليس هو هو"أهـ.

أما اعتقاد السلفية فيما يخص القضاء والقدر وأفعال العباد، فأن للقدر أربع مراتب، وهي: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وهذه المراتب الأربع كلها لله سبحانه وتعالى، فالله يعلم القدر، وقد كتبه، وكل شيء يجري بمشيئته سبحانه، لكن مشيئة الله تعالى لا تنفي وجود مشيئة للعباد داخلة تحت مشيئة الله. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]، واختيار العبد هو بمشيئة الله تعالى وعلمه وقدرته، فلا يخرج شيء من فعله واختياره عن قدرة الله ومشيئته. أما معنى مرتبة الخلق أن الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء في الكون، ومن ذلك أفعال العباد، فالقدر خيره وشره من الله تعالى، ولكن الإنسان مخيّر والعبد يختار أفعاله، والله يشاؤها ويخلقها كي تُوجد. وهو قول يكاد يطابق قول الأشاعرة في الكسب، ولكن السلفية لم يتفق لهم أن فهموا مراد الأشاعرة بالكسب؛ لذا يرون وجود خلاف، كونهم يعتقدون أن الأشاعرة ينفون قدرة العبد ولا يجعلون لاختياره تأثيرًا، وهو ما لم يقله الأشاعرة.

والعدل هو الأصل الثاني عند المعتزلة، والعدل الإلهي عندهم يرتبط بحرية الإنسان ومسئوليته في خلق أفعاله، لأن من العدل أن يكون الإنسان حرًا ليحاسبه الله، وهذا صحيح، ولكن للمعتزلة ظن متوهم عن وجود خلاف بينهم وبين أهل السُنة في الاعتقاد في وجود حرية للعبد في الاختيار، ولظنهم أن اعتقاد السُنة في خلق الله لأفعال عباده يتنافى مع مسئولية العباد عن تلك الأفعال، وقعوا في نفي أن يكون الله خالقًا لأفعال العباد؛ لأن فيها الشر، ‏والله لا يفعل الشر، ولا يأذن به بزعمهم. من ثم يكون اعتقاد المعتزلة الذين ينزهون الله تعالى عن نسبة الشر إليه، أن أفعال العباد هم يخلقونها لأن فيها الشر؛ إبراءً منهم لله أن يكون مسئولًا عن شرورهم.

ولعل قولهم بأن كل أفعال العباد الخير والشر من خلقهم، كان هربًا من الوقوع في التصنيف الثنوي المجوسي الذي كان قد دخل إلى معتقد بعض المسلمين من بلاد فارس، والقائل بأن الخير من الله والشر من الإنسان. كما يتضح أن اعتقادهم أن العباد يخلقون أفعالهم يرتبط باعتقادهم في القدر.

لكن المسلمين -على اختلاف عقائدهم- لم يجعلوا وجود الشر وحدوث الكوارث في العالم دليلًا على عدم وجود الله كما استدل الملاحدة!

 

الملحدون كالطلبة المشاكسين!

هؤلاء ضاع منهم الهدف واختلت بوصلاتهم حتى لم يعودوا يميزون أنهم على الأرض؛ فكل أسئلتهم الغبية تنطلق من عدم فهم فلسفة الحياة.‏

يتناسون أنهم في دار بلاء وفتنة. يتناسون أن الهدف الرئيس من وجودهم في الحياة الدنيا هو اختبارهم اختبارات متتالية كي يثبتوا جدارتهم بالجنان.

لا يدركون أن الحياة الدنيا مجرد وسيلة انتقال. يتعاملون مع الدنيا كما لو كانت هي حياتهم الوحيدة التي لا حياة غيرها. يتعجلون تلك الجنان فيطلبونها على الأرض؛ إذ يتصورون أن الاستمتاع الدائم في حياتهم على الأرض دون منغصات هي حقهم!

‏﴿‏وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏﴾‏ [فصلت: 35]

يصبحون وحالهم كذلك كطلبة الجامعة الفاشلين الذين يتركون محاضراتهم، ويتغيبون عن امتحاناتهم، ويقضون أوقاتهم في الرحلات والتنزه والتردد على الكافتريا، حتى يضيقون بسبب وجودهم الأساسي في الجامعة؛ وهو تلقي العلم وإثبات جدارتهم واستحقاقهم. فكما لو أنهم موجودون بالأساس في الجامعة ليفرحوا ويمرحوا! فلماذا يزعجونهم بالمحاضرات والامتحانات؟!

يتناسون أنه كما أن الاختبارات الجامعية تطورك حتى تكون جديرًا بالمكانة التي تأمل أن تحصل عليها حال تخرجك بنجاح من الجامعة، فالمحن التي تلاقيها في الحياة الدنيا تفعل بك ليتقرر على أساسها إن كنت تستحق الخلود في الجنان. ولكن هناك من يُصر على محاكمة أفعال الله تعالى وفقًا لمعاييرهم الإنسانية، وتصوير مصاعب الحياة على أنها تعكير لصفو حياتهم ما كان ينبغي أن يُسمح به!

لماذا يوجد شر؟ لماذا يسمح الله بوجود الشر؟

هل يمكن أن يسأل هذا السؤال من يفهم أنه موجود في الحياة الدنيا ليعرف الله ويُختبر إيمانه ثم ‏يُحاسب؟ وكأن أستاذ المادة لا يعرف الإجابة الصحيحة عندما يترك تلميذه يكتب الخاطئة في ورقة إجابته!

الفساد أحد أسباب انتشار الإلحاد

لعل انتشار الفساد في مجتمعاتنا المعاصرة من أهم الأسباب التي أدت لانتشار الإلحاد كأحد جرائره.

ذكرنا أنه من المفترض أننا نُختبر في الحياة وكل منا يُجازى بما يستحق بناءً على جهده فيها، وضعاف الإيمان غالبًا ما يجعلون مدى تحقق العدالة في الدنيا دلالة على حقيقة الحساب والجزاء في الآخرة، ومن ثم فإن انتشار الفساد على الأرض يشكك بعض الناس في الإيمان بالله. ربما لو كان الناس يرون أن كل شخص ينال حقًا ما يستحق لآمنوا جميعًا أن ما يتحملونه من عناء في الدنيا سيكون له مردوده في الآخرة.

ولكننا لا نسمع سوى عن محاربة الفساد؛ فحكامنا فاسدون، واليد غير النظيفة لا تستطيع محاربة الفساد. لا بد أن تكون نظيف اليد وصادقًا أولًا قبل أن تشرع في محاربته، لكن الأمر لا يعدو الادّعاءات.

الدلال (الدلع)!‏ من أهم أسباب الإلحاد

قد يُصدم من يقرأ هذا الكلام. فهل للدلال الزائد علاقة بالإلحاد؟

الكفر لغةً هو الجحود. أوله جحود النِعم، والتي يتبعها جحود الله، وتركيز الإنسان على ما ينقصه وتغافله عما عنده يجعل فقره بين عينيه. وكل منا عنده الكثير، ولكن هناك من يظن أنه يجب أن يحالفه النجاح في كل مساعيه؛ فمن يحوز ذلك؟!

ليس على كل حي إلا أن يسعى طلبًا لحاجاته حتى لو كانت أغلب جهوده مهدرة. ولعل كثيرين لا يدركون أننا نُحاسب ونُجزى في الآخرة على مساعينا في الدنيا وليس فقط على ما حُزناه فعليًا من وراء هذه المساعي. ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾ [النجم: 39-40-41]

والمدقق يرى أن الملاحدة شخصيات ضعيفة تتأوه لأي مصيبة، ليس لديهم جَلَد ولا صبر على النوائب، كلما تمنوا أمنية أو نزلت بهم نازلة ودعوا فلم يُستجب لهم تشككوا!

ربما يظنون الله تعالى سيعاملهم مثلما كانت تدللهم أمهاتهم؛ يهرعون إليهن عندما يتذمرون من شيء أو نقص شيء مستجيبات لطلباتهم!

لم أجد ما حييت شخصًا قوي النفس ضعيف الإيمان؛ لذا فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وإيمانه بالله قوى لا يتزعزع. ربما كانت هذه نظرة جديدة للمعنى الذي ينطوي عليه هذا الحديث، ولهذا أيضًا كان الصبر رأس الإيمان.

 

د. منى زيتون

 

مقدمة: العدالة هدف استراتيجي للأنبياء والأوصياء والمصلحين، كونها مخ مسألة التوحيد، وعماد الاستقرار السياسي والاجتماعي والنفسي على مستوى الفرد. وهي نواة إعمار الأرض واستخراج كل مواهب وقدرات وإبداع البشر في سبيل تحقيق التكامل والسير الوجودي في تطوير القابليات والقدرات البشرية.

وهي قيمة لها بعد إلهي من جهة وبعد إنساني من جهة أخرى، إلا أنها في بعدها الإلهي معصومة على مستوى النظرية والتطبيق، وتبقى في بعدها الإنساني عرضة للخلل التطبيقي وإن عصمت على مستوى التنظير.

وعصمتها على مستوى التنظير تكمن في وجود مرجعيات معرفية نصية لها معصومة، سواء من القرآن أو ما هو موثوق وصحيح على مستوى السند والمتن.

ومن النصوص الحديثية التي تألقت في التنظير لقيمة العدالة على المستوى السياسي الدولتي هو عهد الإمام علي ع إلى مالك الأشتر حينما عينه واليه على مصر.

السند:

العديد من العلماء يصححونه سندا، لكنه ليس صحيحا على جميع النظريات الرجالية والحديثية، وبعضهم يرى أن السند يعاني من أكثر من مشكلة أهمها عدم إمكان توثيق الحسين بن علوان الكلبي، ووفقا لهذا الرأي أن السند الذي يذكر للعهد لا يوجد ما يؤكد أنه ينقل لنا نص العهد الذي في نهج البلاغة، لأن السند لم يذكر نص العهد بينما جاء نص العهد في النهج بدون سند، وبهذا يصعب التأكد من أن تمام فقرات العهد في النهج قد نقلت بالسند الموجود خارج النهج."انتهى إلى هنا هذا الرأي".

إن تركيزنا على العدالة وفقا لتعدد الآراء حول السند سيكون عاما حول نهج الإمام علي عليه السلام، ومجملا بما فيه نص العهد بناء على تصحيح البعض له، وبناء على عدم تنافي أكثر نصوصه مع منهج الإمام ع في العدالة وفق ما نقل من توثيقات تاريخية حول عهد خلافته.

و يأتي الحديث عن العدالة في سياق حقبة زمنية انتقالية بطيئة، يسير فيها الحاضر نحو تبدلات محورية في أنظمة الحكم أو في منهجها، وجل هذه التبدلات يتم رسمها وتخطيطها بإرادات وقوى تدفع باتجاه التفافات على رغبات الشعوب في التحرر وتحديد مصيرها داخليا وذاتيا دون تدخلات خارجية.

هذا فضلا عن التمييز الذي تتصاعد وتيرته تدريجيا وببطئ في الداخل وعلى أساس مذهبي، والذي ستكون مآلاته ومخرجاته كارثية إذا لم يتم معالجتها بشكل جذري وسليم.

لماذا العدالة؟

تعتبر العدالة من المقومات الأساسية بل هي عمود ومحور تحقيق التوحيد الذي بعث الأنبياء والرسل لأجل تحقيقه على الأرض، وكانت أهم وسيلة لتحقيقه هو قيام العدل، والتوحيد ليس مجرد إيمان نظري بوحدانية الخالق، بل هو التزام نفسي وعقلي وسلوكي ومنهجي بالتوحيد سواء على المستوى الآني أو الاستراتيجي، كون نفي الشريك والإقرار بالواحدية الأحدية الوحدانية لله تعالى، نظريا وعمليا له آثاره الدنيوية بل هو محور النظم في الدنيا وبوابته، فهو يحرر الإنسان نفسيا وعقليا من كل أنواع الهيمنة والسلطة والقيد التي تخرج عن دائرة الله وعدالته، وتجعل المثل الأعلى الذي هو الله المرجعية المعيارية في التقييم والنقد والتقويم، بما يصد كل أنواع النزعات السلطوية والاستبدادية وكل محاولات استعباد الإنسان لأخيه الإنسان.

فالتوحيد نظرية حكوماتية إلهية تؤسس لنظام غير استبدادي، يقوم محوره على العدالة، وقلبه ينبض بالرحمة، وأداوته القانونية تطبق بالتساوي على الجميع، وتؤمن بقيمة الإنسان وكرامته.

لذلك حوربت فكرة التوحيد سواء برفضها أو بتشويهها أو بحرفها عن مسارها الدنيوية وتطبيقاتها العملية.

يقول البروفسور كاتاسونوف في أحد لقاءاته: "العبودية هي فعلا، مفهوم متعدد الأبعاد. تعريف العبودية الأول، الحرفي، هو "امتلاك الإنسان". إنسانٌ يمتلك إنسانا آخر، كملكية بموجب القانون. أما البعد الآخر لمفهوم العبودية، فهو العبودية الاجتماعية - الاقتصادية. وهي أن يستخدم شخصٌ شخصا آخر ويستحوذ على حصيلة نشاطه العملي أو الذهني, أي – الاستيلاء على ناتج عمل الغير. والبعد الثالث، هو مفهوم العبودية الأكثر عمقا، أي العبودية الروحية والفكرية. وهي عادات بشرية ما، أو قيم مادية معينة، يتم فرضها على الناس من خلال الهيمنة الإعلامية والتأثير الدعائي النفسي".

لذلك محركات نافذية التوحيد في المجتمع ومنع كل أنواع الاستبداد والعبودية هي العدالة. ووضع منهج للعدالة معياري وسلوكي يعتبر ضابطة مرجعية تضبط أداء الطبقة الحاكمة من جهة، وتضبط مرجعية الجمهور المعيارية في نقدها وتقويمها للسلطة ورجالاتها ليحكمها المنهج لا الشخوص.

طردية العلاقة بين العدالة والكرامة:

في دعوة الأنبياء ورسالة من أرسل منهم يلحظ وبشكل دقيق التركيز على قيمة العدالة وضرورة تحققها، بل كانت الدعوة للتوحيد غالبا ما تقرن بموضوع العدالة لما لهذه القيمية من مدخلية قوية في بناء مفهوم التوحيد بناءً معرفيا في ذهنية المتلقي والقابل.

إذ أن تحقيق العدالة بكافة مصاديقها تتطلب بداية إزالة كل ما تم تحميله من فهم لهذا المصطلح، فهو يشكل المدخل السليم والحقيقي للتوحيد، وأهم ما تحققه العدالة هو رفع الحجب التي فرضتها المسلكيات البشرية نتيجة الفهم البشري المتراكم للنص الديني والذي غالبا ما انحرف عن واقع الأمر، مما أدى إلى حجب الحقيقة وتشويه المفاهيم وتغييب منظومة القيم، مما انعكس بالتالي على السلوك فتشكلت منظومة مفاهيمية بعيدة عن الحقيقة ورست على ضوئها منظومة سلوكية بعيدة عن الواقع، فحجبت الحقيقة وعلى ضوئها حجبت المعارف وألبست العدالة لباس آخر تحكمه الأهواء والاستمزاجات الشخصية.

إن تحقيق العدالة وفق واقع الأمر يعني رفع كل تلك الحجب عن العقل البشري، واستجلاءالمفاهيم وفق دلالاتها واستعمالتها وبناءاتها الصحيحة ليتجلى الأمر بحقيقته بعد ذلك في النفس، لترى الحقيقة فتستقيم الذات وفق أسس العدالة السليمة، وتنعكس عدالة الذات على تحقيق العدالة في الخارج فترتفع الحجب عن كثير من المعارف والعلوم،وتنتظم الحياة تحت عنوان القيم وجوهرها ألا وهي العدالة.

إن العدالة هي مطلب قيمي مهم في المجتمع، لأن مقصد تحقيق العدالة هو تحقيق كرامة الإنسان، وتحقيق كرامة الإنسان مطلب لأداء وظيفته الاستخلافية وفق الرؤية الالهية في الأرض ليقيم المشروع الالهي فيها.

فوفق مقولة العدالة تتحقق الحريات بما يحقق العدالة، وتكون المساواة وفق ما يحقق العدالة، وتنتظم لذلك مجموعة الحقوق والواجبات وفق مطلب تحقيق العدالة، وإذا تحققت هذه القيم في طول مطلب العدالة تحققت بذلك كل مقومات الكرامة الإنسانية وتأهلت النفس لأداء دور الخلافة على الأرض.

فكلما ازداد منسوب العدالة في النفس كلما ازداد في الخارج، كلما انتظمت القيم وبالتالي ارتقت كرامة الانسان، فالعلاقة بين العدالة والكرامة علاقة طردية.

فإذا قلنا نريد أن يرتفع سقف الحريات، تكون الحريات المطلوبة هي تلك التي تحقق العدالة بحيث لا يمكن لهذه الحرية أن تحقق نقيض العدالة بالظلم أو سلب الاخرين لحقهم، فتكون الحرية المطلوبة حرية عادلة، وهكذا المساواة وموضوعة الحقوق.

ولكن هل العدالة المطلوبة هي كما يراها الإنسان وعقله؟

عقل الإنسان محدود، ولا يمكن للمحدود أن يحيط باللامحدود، قد يدرك هذا العقل حسن العدل وقبح الظلم، ويدرك أهمية العدالة في بناء الكرامة الإنسانية، ولكن ماهية العدالة وكيفها لا يمكن أن يدركه إلا بتعليم من الوحي، وهو ما سيصل له العقل إذا أدرك العدالة وأهميتها والتي يعتبر إدراكها مدخلا مهما لادراك التوحيد وعلى ضوء إدراك التوحيد من بوابة العدل، ستبنى منظومة المفاهيم والقيم وفق الرؤية الالهية التي تحقق حتما كرامة الإنسان بما يرتقي به إلى وظيفة.."إني جاعل في الأرض خليفة".

إن السعي نحو الكمال الذي فطر عليه الإنسان هو الداعي العقلي الذي يدفعه دوما لإقامة العدل، والبحث عنه، ولكن تكمن المشكلة في فهم الكمال وآليات تحقيقه ومصاديقه، فكلما ابتعد الانسان عن السماء -إن صح التعبير- كلما ابتعد عن تحقيق العدالة المطلوبة وكلما أصبحت كرامته عرضة للانتهاك.

فرغم السعي التاريخي الحثيث للإنسان نحو تحقيق العدالة في الأرض إلا أننا ما زلنا إلى الآن لم نقم جوهرة القيم )العدالة) ولم نحققها، ولعل أبرز الأسباب في هذا القصور هو الجدل الانساني الذي ينعكس في الواقع الخارجي إلى جدليات متشابكة الأهواء والمصالح ومتناقضة القيم والغايات، وهذا الجدل أدى إلى تشويه مفهوم الكمال بعد الانحراف عن المبدأ والغاية والهدف وبالتالي انحراف آليات تحققه. لذلك كان التشديد على معرفة " من أين وفي أين وإلى أين"، وهي معرفة ترسم خارطة طريق كاملة للإنسان في هذه الدنيا ليحقق هدف الكمال وآليات الوصول اليه.

إن القيم غاية يتطلب تحقيقها وقيامها قيام جوهرها أي العدالة، وهذه الجوهرة تتطلب أن تحقق في ذات الإنسان كي تصبح لها قيامة في الأرض" أقم العدل في نفسك يقوم العدل في أرضك"، فالله لا يغير ما في القوم إلا إذا تغير ما في أنفسهم.

فالعدالة هدف السماء لأهل الأرض لأن بها تستقيم أمور الإنسان ويهتدي إلى الطريق الذي من خلاله تتحقق كرامته لتقوم خلافته ويؤدي بها وظيفته.

العدالة في العهد: تأسيس المنهج

عادة دراسة أي حدث تاريخي أو وثيقة تاريخية تفرض على الباحث دراسة لوازمها، كقائلها ولمن قالها ولماذا قالها وما هدفه، هذا فضلا عن الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة في تلك الوثيقة، حتى يمكن للباحث الخروج بدلالات إجمالية حول تلك الوثيقة أو الحدث.

ووثيقة كالعهد إن صح صدورها عن الإمام، تعتبر من الوثائق التاريخية السياسية والاجتماعية الهامة التي تؤسس لمقومات وسمات إجمالية للعدالة.

وتؤسس لمنهج للحكم والحكام ومن في حاشيتهم، يعتبر منهجا مدخليا ومقدميا هاما لتحقيق العدالة، وهو وسيلة صالحة في تحقيق الهدف، وتضع قيمة للحق وليس للشخوص، بحيث يكون الحق معيارا لتقييم الشخوص، وليس العكس.

وقد ركز العهد في توجيهات الإمام على عدة نواحي فرعية وأساسية كلية، الفروع فيها تصنف تحت كل عنوان كلي وفق تبعيتها له من عدمه:

1- طبقة السلطة ومنظومة الواجبات الوظيفية، ومنظومة الحقوق الخاصة بهذه الطبقة بكل مراتبها، وأسس معيارية مرجعية ضابطة للسلوك وكيفية الاختيار ومجموعة العقوبات الخاصة بالمخالفة.

2- السياسات الاجتماعية، والتنظيم الطبقي للمجتمع، ومناهج السلوك بين الحاكم والرعية وضوابطها ومعاييرها، والعقوبات الخاصة بمخالفة الضوابط والمعايير سواء عقوبات خاصة بالرعية، أو عقوبات خاصة بالطبقة الحاكمة في حال إخلالها بواجباتها وبمنهج تحقيق العدالة في المجتمع.

3- السياسات القضائية، ومعايير الاختيار والضوابط الناظمة، وطرق الحماية والاكتفاء الذاتي، وآليات تحقيق الأمن والعدالة، وعقوبات المخالفة للحاكم والقضاة.

4- السياسات المالية، والنظم الاقتصادية التي تحقق العدالة، وآليات صرف المال من بيت مال المسلمين بما يحقق الاكتفاء والكفاية والرفاه الاجتماعي لكل طبقاته وأفراده، وكيفية حماية المال من الهدر والفساد.

المنهج السياسي في بناء الدولة العادلة:

الوثيقة صادرة من حاكم للدولة الإسلامية هو الإمام علي ع، لمن اختاره كوالي على أحد الأمصار التابعة للدولة، وهنا عدة أبعاد أهمها:

1- الشخصية التي تم اختيارها للحكم هي شخصية مالك الأشتر وهي من الشخصيات التي نقل لنا التاريخ عنها ثباتها وصلابتها في الحق وتطبيق شرع الله، ونزاهتها ومستوى أخلاقياتها العالي الذي عكسته أحداث تاريخية موثقة حول هذه الشخصية، إذا هو شخصية كفوءة لا تنتمى لعائلة الحاكم ولا إلى وجهاء الدولة، بل انتماؤها للحق ومدى القرب منه، (مبدأ الكفاءة لا العصبيات).

2- وأي شخصية تكون قريبة من حاكم ك علي ع، ويتم تكليفها بمهمة من قبل الإمام كمهمة الحكم يلاحظ تشديد الإمام ع على تلك الشخصيات في التوصيات والتوجيهات خاصة التي تتولى مناصب عالية في الدولة (مبدأ التكليف لا التشريف)، حيث تركز توصيات وتوجيهات الإمام على عدة جوانب :

- الجانب النفسي والتركيز على عدالة النفس واعتدالها، وعلى الضبط وفق قواعد الحق والإنصاف.

- الجانب الاجتماعي المتمثل بالشعب والمحيط الخارجي للحاكم، حيث يتم التركيز على المساواة في أدق تفاصيلها، لدرجة طلب الإمام من مالك المساواة في النظر بين الجميع، حتى لا يظن أحدهم بتفاضله على الآخر فيحدث في نفسه أثرا يوهمه بتميزه عن غيره، وعلى تحقيق العدالة الشاملة في كافة مستوياتها، وبناء مجتمع متضامن يشكل نواة الجماعة الصالحة التي تعاضد الأنوية الأخرى المنتمية للدولة الإسلامية، لتشكل بمجموعها الأمة الهادية والمهدية.

- الجانب القضائي الذي يمارس دوره في حل مشاكل الناس، ويفصل في منازعاتهم، وأيضا يستقبل شكاوى الناس عن الحاكم وجهازه وينظر فيها بإنصاف وعدالة، وكيف يجب تحصين جبهة القضاء سواء تحصين ذاتي لأفرادها بتوفير الاكتفاء المادي، واختيار القضاة وفق معايير دقيقة تنظر لتقوى القاضي وانضباطه الشرعي وفق حكم الله لا فقط لشهادته وحصيلته العلمية والخبروية، أو على المستوى الخارجي بتوفير الأمن والحماية والتحصين الذي يقلل من مخاطر الاختراق وشراء الذمم وتحريف الأحكام عن مسار الحق والعدالة.

- الجانب الاقتصادي المتمثل ببيت مال المسلمين، وكيفية الحفاظ على هذه الأمانة، وأهمية نزاهة كف الحاكم في ردع الآخرين عن التسلق على أموال المسلمين.

3- عدم محاباة الإمام لمالك رغم قربه منه، واعتماد معيار. الحق والباطل وتحقيق العدالة وفوقهما رضا الله مرجعية في تقريب هذا الوالي وتثبيته أو عزله وتنحيته بشكل صريح( مبدأ الثواب والعقاب).

4- التركيز على النهوض بوعي الجمهور ليمارس دوره الرقابي على الحاكم وجهازه، ويمارس دوره في المحاسبة أو بشكل أدق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر( الرقابة والتشريع).

العدالة والتمييز: قراءة في الآثار

العدالة:

التشديد على هدف العدالة وإقامتها من قبل جميع من أرسله الله تعالى، بل تركيز الله في القرآن على هذا المبدأ يكشف عن محوريته وأهميته في انتظام الحياة البشرية على الأرض، بل انتظام الكون، كون العدالة لا تقتصر على تعامل الإنسان مع الإنسان، بل العدالة لها مراتب عديدة تحقيقها مجتمعة يحقق ميزان العدالة المطلوب:

1- العدالة الداخل نفسية، وهي وصول الإنسان في صفاته النفسية إلى الاعتدال بحيث يصبح نفسيا لا مفرطا ولا مفرطا، ويمتلك ميزان قويم يقيس وفقه الأمور، وإحراز العدالة النفسية يتطلب مرحلة قبلية منطقية وهي بوابة العدالة النفسية اي اتزان ميزان الأفكار العقلية، والتي تحتاج نظم لمصادر هذه الأفكار ومنبعها، أي نظم لمصادر المعرفة، هذا النظم له بعدين:

- بعد إلهي معصوم ولا محدود يتمثل في القرآن والسنة الموثوقة الصدور.

- بعد بشري غير معصوم ومحدود، يتمثل في العقل والحس والتجربة.

وهذه المرتبة هي مفتاح ومقدمة قاعدية لإحراز مراتب العدالة الفوقية.

2- العدالة السلوكية: وهي المعنية بسلوك الفرد مع محيطه:

- مع نفسه وفق موازين دقيقة أسسنا لها في المرتبة الأولى.

- مع جسده وضبطه وفق ضوابط العقل المنتظمة في معارفها وفق مصادر معتمدة.

- مع الإنسان الآخر سواء كان فردا ارتبط به برابطة حقيقية كالأرحام، أو رابطة حقوقية كالزوجية وباقي صلاته الاجتماعية والدولتية.

- مع الطبيعة والمقصود بها العدالة في التعاطي مع الطبيعة واكتشافاته لها، وكيفية توظيف هذه الطبيعة بما يحقق مبدأ العدالة وعمارة الأرض بالعدل في صالح كمال الإنسان وتكامله.

3- العدالة الوظيفية: وهي المتعلقة بكل موقع يمكن للإنسان أن يتم تنصيبه به، سواء في الأسرة أو في المجتمع أو في الدولة. وهو ما يتطلب إحاطة أشمل في القوانين، والحقوق، والنظم التي من شأنها تحقيق العدالة ومنع الظلم، ولكل وظيفة مرتبة في تحقيق العدالة، فليست العدالة المتحققة في الخارج بمرتبة واحدة، بل لكل مرتبة وظيفية عدالة متعلقة بها وخاصة بمرحلتها.

وتحقيق العدالة في كافة المستويات كفيل بتهيأة قابليات المجتمع جميعا وتوجيهها نحو الأهداف الإلهية، في تحقيق العمارة على الأرض، وتشييد بناء متكامل يفجر طاقات الإنسان العقلية والعملية، ويحقق له القدرة على التكامل وفق مراتب الكمال المختلفة، ويشيع أجواء التعاون على البر، والتنافس في تحقيق الرضا الإلهي، وحتى الرفاه الإنساني، وتوفير فرص واحدة لجميع البشر بما يكفل لهم تفجير طاقاتهم التي أودعها الله تعالى بالتساوي فينا جميعا، ويبقى أمام تساوي الفرص لجميع البشر تحت مظلة العدل، سعي كل إنسان واجتهاده، وحينما يكون هناك تنافس إيجابي سيخلق ذلك عند الجميع الهمة والعزيمة للسعي وسيعلي من مستويات الإرادة في تحقيق ما من شأنه حفظ القيم العليا كالكرامة والحرية والعزة، في مضمار العبودية لله فقط وهو ما يثبت أركان التوحيد في الأرض، كون العدالة تنفي كل أنواع الظلم، بما فيها ظلم الإنسان لنفسه بعبوديته لمثيل له أو لما هو أقل شأن منه.

ستقنن العدالة إدارة الموارد والثروات، وتحد من سلطة الحاكم وحاشيته عليها، بل ستفرض منهجا اقتصاديا مانعا للهدر والفساد والطبقية ومؤسسا للرفاهية والاكتفاء الذاتي وتحقق مبدأ الكفاية. وهذا يعالج كثير من مشاكل الفقر والعوز وعدم تكافؤ الفرص.

التمييز:

التمييز تارة يصب في صالح العدالة، وهو تمييز إيجابي يخلق جو تنافسي تكاملي، ويدفع باتجاه التطور والنهضة، خاصة التمييز على أساس الكفاءة والمرتبة العلمية، كون الله ميز في المراتب بين الأنبياء، ولم يساوي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهذا النوع من التمييز هو من فروع تحقيق العدالة.

وتارة يكون التمييز عقبة في طريق تحقيق العدالة، بل سهم يصيب العدالة في مقتل، وهو التمييز السلبي، الذي يضع معايير قبلية ومذهبية أو عائلية في التمييز بين فرد وآخر، ولا وجود لمعايير مثل الكفاءة والحق والأهلية، بحيث يتم التعاطي مع الفرد وفق معايير ذاتية قائمة على أسس عصبوية بعيدة عن الحق وعن منهج الله تعالى، ويحقق هذا النوع من التمييز فوضى في القيم والمعايير ويكون قاعدة لكل فساد.

فحينما يتم التمييز بين الأفراد، سواء كانوا أفراد في الأسرة، أو المجتمع، أو مؤسسات الدولة، أو في المدرسة، ويكون التمييز سلبيا، فإن ذلك مع التقادم سيخلق عند الذين وقع ضدهم التمييز حالة من الشعور بالغبن، وهو ما يولد شعورا بالظلم يتعاظم إذا ما تم إنصاف هذا الشخص، وبالتالي ستغيب صفة الإنصاف، وتحضر صفة الانتقام وفق مراتبها الخاصة، حيث لكل مرتبة غبن هناك مرتبة انتقام تناسبها، وهو ما يدفع المظلوم لممارسة الظلم ذاته على من ظلمه، لتحقيق الراحة النفسية ورفع شعور الظلم، وحتى لو مارس تمييزا مماثلا بحق مع ظلمه، بحيث تترسخ مع التقادم معايير وقيم جديدة بعيدة كل البعد عن الحق والإنصاف والعدالة، وتدريجيا تنتقل هذه كعدوى في المجتمع، وتصبح مفاهيم العدل مشوهة، بحيث يجد المظلوم ان العدل هو أن تمارس نفس ما مارسه الظالم عليك، تمارسه بحق الظالم لك، ويغيب معيار الإنصاف الذي يعتبر معيارا يعيد ميزان العدالة لنصابه حتى مع وجود بعض الظالمين، فالإنصاف يزيل الحجب عن النفس، ويعدل الشعور النفسي بالظلم، ويمنع تحوله لشعور بالانتقام، بل يضبطه ليكون شعورا يسعى لتحقيق العدل حتى في حق الظالم.

فمثلا: إذا كان الحاكم قام بممارسة تمييزا بين أفراد الشعب، بأن قرب فئة وأعطاها ميزات على حساب فئة أخرى لأسباب مذهبية أو قبلية أو عائلية، وقامت هذه الفئة باستخدام نفوذها في مخالفة القوانين ضد الفئة الأخرى كنوع من الهيمنة والتهميش، فإن الإنصاف يقتضي من الفئة المظلومة، من عدم السعي للانتقام، وعدم ممارسة نفس ما قامت به تلك الفئة في حال أتيحت الفرصة للفئة المظلومة مساحة للقرب من الحاكم. فإذا اخترقت الفئة المقربة من الحاكم قوانين وظلمت بهذه القوانين الفئة المهمشة، فإن ذلك يستدعي من الفئة المهمشة وفق قاعدة الإنصاف، أن تعيد ميزان العدالة لوضعه الطبيعي، وأن لا تستخدم الأدوات المنحرفة التي استخدمتها تلك الفئة لإعادة حقها، والدفاع عن الحق واسترداده لا يبرر استخدام نفس أدوات الظالم أو لا يبرر ظلم الآخرين بحجة استرجاع الحق، كون الحق لا يسترد بالظلم، أو للانتقام من تلك الفئة، بل عليها أن تعيد ميزان الحق والعدالة لينعم الجميع بها، ولمواجهة الفساد والتقليل من انتشاره.

لذلك يعتبر التمييز السلبي على مستوى من الخطورة بحق تحقيق العدالة، لآثاره النفسية والاجتماعية، وتغييبه معيار وقيمة الإنصاف، وبغيابها تحجب النفس عن الحق والعدالة، وتوجه إلى حالة الانتقام المتبادل الذي يغرق المجتمع بالظلم والتفرقة ويشتت جهوده ويشيع الفساد، ويكرس وجود الظالم، ويعيب مبدأ التوحيد على المستوى العملي، وإن بقي مرتكزا نظريا في النفس، لكنه معطل عمليا فلا يحرز الأثر المرجو منه.

بينما الإنصاف معيار يعيد نصاب الأمور إلى ميزان العدل والحق، ويمنع تفاقم الفساد، وتوسيع الهوة بين الأفراد والمجتمعات، ويعيد نصاب النظم وفق أسس سليمة في المجتمعات وفي المؤسسات والأسر.

إن إحراز العدالة النفسية وحضور قيمة الإنصاف التي هي قلب العدالة، يمنع انتشار الأمراض في النفس وفي المجتمع، فهو يمثل ضابطة للحاكم من جهة، وضابطة للمحكومين، ويعلي من منسوب الرقابة لكل جهة على الجهة الأخرى، وفق معيار الحق والباطل، بحيث يخرج من دائرة المعيارية كل أنواع الشخصنات مثل القداسات النابعة من المواقع والانتماءات، والعصبيات وكل نفوذ وظيفي أو موقعي يعمد إلى تجيير نفوذه لصالحه او من ينتمي إليه. بالتالي هو يذيب الحواجز والهواجس، ويبني جسورا للتواصل والتواصي بالحق، لأجل تحقيق العدالة الشاملة.

خلاصة ورؤية:

- إن إشكالية مجتمعنا اليوم هو غياب العدالة، وحضور التمييز السلبي بكل أشكاله، ووهذا دفع بالكثيرين إلى غياب قيمة الإنصاف على مستواهم العقلي والنفسي وبالتالي السلوكي، ومن ثم إشغال المجتمع بخلافات بينية بعيدة كل البعد عن الإشكاليات الحقيقية وملفات الفساد.

- غياب المرجعية المعيارية وفق مبدأ الدليل والحق والباطل، وحضور القداسات الشخصية والانتماءات القبلية والمذهبية كمرجعية معيارية، وبالتالي الانشغال بصراعات لا تنجز شيئا غير الفرقة والكراهية وتقسيم المجتمع، وأخطر آثارها تقويض بنى الدولة، وتكريس الاستبداد، وتغييب العدالة واستحضار كل أنواع الغرائز وحضور مبدأ التوحيد على مستواه النظري أو كفرة عابرة، وغيابها على المستوى العملي بما يعيد مبدأ العبودية بأشكال مختلفة،

- عدم قيام المعنيين من النخب من كافة الطبقات بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق معيار الحق لا المصلحة، وهو ما يكرس من الفساد باسم المصلحة ويشرعنه بحجج نفعية ذاتية آنية يسبب فسادا متراكما على المدى البعيد يضر ببنية المجتمع ككل.

- انقياد أغلب النخب لرغبات ومطالب الجمهور حتى لو كانت خلاف الحق والعدل، مع عدم وجود وعي واقعي وموضوعي عند أغلب طبقات الجمهور، بل تحول الجمهور لنظرية مزرعة البصل، كلهم رؤوس.

- عدم امتلاك منهجية معرفية في تقصي الحقائق وامتلاك المعرفة، والاعتماد غالبا على الشائعات في اتخاذ المواقف، مما يدخل المجتمع دوما في رياح الفتنة، ويشغل المجتمع بشائعات تستنفذ طاقته فيما لا يجب، ويسهل تمرير مشاريع سلطوية بعيدا عن الرقابة والمحاسبة، فغياب معايير قيمية على رأسها العدالة، من خلال مصادرة الحريات وممارسة شتي أنواع التمييز السلبي يؤدي إلى الفوضى المعرفية والحكمية.

رؤية مقترحة:

- تفعيل العمل المدني التوعوي القائم على توعية الأفراد والمجتمع على حقوقه، وعلى أهمية مبدأ العدالة الاجتماعية، ونشر وعي حقوقي يمكّن الشعب من ممارسة دوره في تصحيح مسار النخب والسلطة.

- تفعيل مبدأ الإنصاف لتفويت الفرصة على محاولات تقويض القانون وخلق فجوات بين مكونات المجتمع وقطع جسور التواصل والوحدة. من خلال مبدأ الحق لا يسترد بالظلم. ومبدأ ادفع بالتي هي أحسن، وتفعيل قاعدة ولا يجر منكم شنآن قوم ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، وهذا يفترض أن تقوده النخب من خلال المبادرات إلى تفويت الفرص على الفتن المتنقلة، ومواجهة كل أنواع الإنحرافات والفساد الذي يقوض مبدأ العدالة ويستخدم أدوات ظالمة في حق المختلفين معنا حتى لو قاموا هم باستخدامها في حقنا، ولا يكون ذلك إلا بتصدي النخب لتوعية الناس بكافة الوسائل المتاحة.

- تحديد الأولويات التي على النخب والشعب الانشغال بها لتحقيق العدالة، وهو ما يتطلب عمل ورش توعوية حول ذلك تمكن الشعب من فهم الواقع كما هو لا كما يروج له.

- مد جسور التواصل والحوار مع الجميع ووضع قاعدة مشتركات بين الجميع أساسها العدالة والمساواة.

- كشف رعاة الفتن كشفا توثيقيا أمام الشعب، وتشكيل وحدات عمل تتحرك في المقار الانتخابية في وقت الانتخابات مهمتها كشف مدعي الإصلاح وتوعية الناس.

- تفعيل مبدأ التشبيك بين النخب وبين المؤسسات الفاعلة ووضع برنامج تقويمي لمسار العمل السياسي والاجتماعي.

الإنصاف عين العدل والحرية المنضبطة علة غائية لتحقيق العدل، والعدل بوابة لازمة لتحقيق الكرامة الإنسانية.

 

إيمان شمس الدين

 

ميثم الجنابي"أكثر الخلق يرون كل شيء سواه فيستشهدون عليه بما يرونه.

 والصديقون لا يرون شيئاً سواه فيستشهدون به عليه" (الغزالي)

لقد وقف الغزالي في مجرى تطوره الفكري وتقاليد ثقافة المرحلة أمام المفارقة التاريخية التي صنعته وأعطت له في الوقت نفسه إمكانية تذليلها. فمن الناحية المجردة للظاهرة لا تناقض ولا غرابة في الأمر. بل يمكن تأكيد العكس! بمعنى أنها ظهرت بصيغتها العملية الطبيعية لكل ما هو حي من خلال رمي ما كان وسيلة وجوده ونموه. لكن إذا كان للحي الطبيعي في وجوده الآمه الخاصة، فإن ما يرويه لنا الغزالي في (المنقذ من الضلال) عن معاناته الفكرية النفسية لم تكن سوى الحصيلة المجردة لهذه العملية، التي كان الكلام أحد مصادرها الهامة وروافدها الأساسية.

ومن الصعب تحديد ماهية الكلام وموقعه في تآلفه الفلسفي الصوفي دون تحليل ودراسة الصيغة التي تحول فيها الكلام إلى أسلوب تطوره الفكري وانكساره العقلي التأملي (اللاهوتي) وتذليله في قيم التصوف ومبادئه الكبرى. فقد كان علم الكلام وتقاليده العريقة المقدمة الضرورية لصيرورة علماء الإسلام ومثقفيه. فهو لم يكن على غرار لاهوت القرون الوسطى الأوروبية أسير فئة ما معينة، بل كان إلى حد ما أسلوب تمارين العقل والقريحة. وقد تمتع به المتكلمون أنفسهم والفلاسفة وأصوليو الفقهاء وفطاحل الشعراء، ومبتذلو الساسة وكبار الخلفاء. باختصار لقد كان بمعنى ما الخميرة الروحية والعقائدية التي أخذت منها الشخصيات المختلفة لعالم الإسلام تمارين الجدل العقلي وأسلوب رؤيتها للعالم.

فقد عمّق الكلام الثقة في مقدرات العقل للدرجة المفرطة التي سيكشف الغزالي لاحقا عن زيفها الكبير باعتبارها أوهاماً للنفس. وقبل أن يصل إلى هذه الدرجة كان لابد له من أن يمر بدروب الأوهام من أجل رؤية ماهيتها الخربة وحقيقتها المفسدة للحقيقة. ومن الصعب الاتفاق مع هذه الصيغة كما هي. والقضية هنا ليست فقط في إمكانية مطابقة الوهم لحقائق الأشياء، كما سيردد الغزالي لاحقا، بل ولأن هذا التقييم لا يعبر إلاَ عن انتقاده لأسلوب الكلام في رؤيته للأشياء وسيطرة العقائدية الضيقة فيه. غير أن هذه الحصيلة بحد ذاتها هي عملية معقدة ضمن صيرورة العناصر الفكرية المجردة وانعكاسها غير المباشر في مواقفه الشخصية من أسلوب الكلام نفسه.

فجوهرية الكلام العلمية ــ العقائدية في الثقافة الاسلامية هي التي جعلت منه بالضرورة أحد مصادر ثقافة الغزالي وأسلوب تطوره العقلي. فالكلام الذي تبّطن مهنة الفقيه المحترف قد فعل فعله المزدوج في "صعوده" الاجتماعي والعقلي. انه مثّل درجة ومرحلة هامة في ارتقائه الفكري. فإذا كان الكلام هو أحد الأساليب الأساسية للثقافة الإسلامية، فإن المرور به يصبح من ضروراتها. وبين هذين الخطين المتوازيين للضرورة والثقافة تتكون معالم الكينونة الروحية للمفكرين. ومن الصعب حصر نماذج تجليها الشخصي. إذ هي على عدد مفكريها. إلا أن الشرط الأول لتذليل التناقض الضروري لهذه الكينونة وقوتها يقوم في الاستقلال ومحاربة التقليد. ومأثرة الغزالي التاريخية الكبرى في موقفه من ثقافة الإسلام المعاصرة له ككل والكلام بشكل خاص، تقوم في إدراكه جوهرية هذا الشرط، أي انه اختزل في تجربته النظرية (العقلية) الشخصية كل العمق الثقافي النفسي لتقليدية الوعي العقائدي. وإن ابتداءه بمهاجمة التقليد والبحث عن الفطرة الإنسانية قد تضمن في ذاته الكمون الفكري لمحاربة جدلية الكلام العقائدية وإعلان محدوديته المعرفية.

ومن الطبيعي ألا يتعدى هذا الكمون الفكري النقدي في ملامحه الأولية حدود ومعالم الروح الإسلامي. على العكس! انه كان يفترض في كل فعل يفعله ثواب، وفي كل هجوم يشنه عقاب. ولم تكن هذه الحالة العامة التي كوّنت الغزالي الفقيه المتكلم سوى معالم وجود الخلافة في مكوناتها الإسلامية آنذاك، أي انه عادة ما كان يجري إدراك العالم من خلال مؤشر العقل الجدلي وأوهام النفس. وإذا كان الكلام هو وسيلة هذا العقل وهذه النفس، فإنه يصبح من الواضح امتلاءه بشحنة العداء السلبي. غير أن هذه الظاهرة كانت أيضاً الصيغة العقائدية للوجود الثقافي. بمعنى أنها لم تكن عملية إرادية. وإن مقدمتها تكمن في تلك البدايات الأولى لعلم الكلام القائمة في تجميعه عناصر الدفاع عن عقائد الإسلام بين احتراب الفرق. وكذلك بأثر سيطرة القناعة الجازمة عن النموذج المثالي للفرقة الناجية.

فإذا كان احتراب الفرق الإسلامية في ما بينها يجري ضمن مسار "اختلاف أمتي رحمة"، وأن ثواب الاجتهاد في الخطأ والصواب، أي تعبيره الثقافي عن مسار المعرفة والبحث عن الحقيقة، فإن قيود الفرقة الناجية قد اثقلت هذه المساعي الثقافية بكوابح المساعي العقائدية. وقد تبلور الروح الكلامي للغزالي ونزوعه العقلاني في ظل احتراب هذه المساعي المختلفة. فإذا كان نموذجها الأولي في تجسيد الدفاع عن "الفرقة الحق" قد جرى في ميدان الفقه ومعضلاته "الإسلامية" العديدة، فإن بروزه في الصراع ضد الفلاسفة قد نقله إلى عالم الثقافة الأوسع ومعترك صراع المناهج والحقائق. وإذا كان الفقه وصراعاته لم يسمحا للثقافة الكلامية أن تبرز إلا من خلال جدل ومناقشة المذاهب الإسلامية، فإن الهجوم ضد الفلاسفة قد وضع الثقافة الكلامية أمام محك الصراع الفكري.

حقيقة أن هذا الصراع لم يكن بإمكانه أن يتخطى كلياً رواسب الفقه الظنية. لكنه نقل هذه الظنون وجدلها العقلي إلى ميدان العقائد. مما أعطى لها صيغة الجدل الشكوكي. وبهذا يكون قد فسح المجال أمام تهشيم القناعة الجازمة. إلا أن ذلك لم يكن فعلاً مباشراً. لقد استغرق ذلك منه جهود سنوات من التأمل الفاحص لآراء الفلاسفة المسلمين. 

فهو يتكلم في (المنقذ من الضلال) عن دراسته المتخفية والمتأملة لآراء الفلاسفة في الوقت الذي كان يلقى محاضراته الفقهية في نظامية بغداد. ذلك يعني بأن تزاوج الثقافة الفقهية المنطقية الشكلية ونفسيتها الظنية بقناعة الكلام العقائدية قد ولد شرارة الشك الجدلي الحاد ضد الفلاسفة فـي (تهافت الفلاسفة). فقد حاول الغزالي هنا للمرة الأولى تجميع وتنظيم كل قوى الكلام الجدلية في محاربة الفلاسفة وإبراز "تهافتهم". وافلح إلى درجة كبيرة في اظهار تناقضات الاتجاهات الفلسفية الإسلامية في براهينها بصدد قضايا الإلهيات أو بصورة أدق، الكشف عن لا منطقية منطقها في هذه القضايا. وإذا كانت النوازع الداخلية والمعلنة في انتقاده للفلاسفة تقوم في اظهار تهافتهم، بينما وسيلته في ذلك هي مواجهة الإشكالات بالإشكالات، فإن نتائجها العملية والفكرية اثبتت عما في ضرورة المنطق من أهمية جوهرية. فإذا كان انتقاده موجها من أجل البرهة على تهافت الفلاسفة الناتج عن عدم تمسكهم بقواعد النظرة المنطقية من قضايا الإلهيات، فإن ذلك كان لابد وأن يلزمه بضرورة التمسك بها في كل من الانتقاد والإثبات.

لقد ألزمه انتقاد الفلاسفة إثبات ما هو أجدر وأقوى وأدق في منطقية التحليل والبرهان. ومن الممكن العثور على الإدراك الأولي لهذا التناقض في مقدمة (تهافت الفلاسفة) والتي أقرت بمنهجية النقد السلبي وتأجيل البديل الايجابي. وسوف نرى أهمية المنطق في (معيار العلم في فن المنطق). ومع ذلك لا ينبغي الخلط بين ما كان يحرك الغزالي ويكمن وراء إبداعه الفكري قبل (تهافت الفلاسفة) وما بعده بقليل، وبين ما سيقوله ويكشف عنه في مرحلة التصوف. ومن الصعب الآن القول، بأن الغزالي قد نظر إلى (تهافت الفلاسفة) في مجرى تأليفه على أنه كتاب كلامي لا يمت إلى البحث عن الحقيقة بأية صلة. وذلك لأن حوافز طابعه الهجومي السلبي حددتها مهام الدفاع عن عقائد الاسلام. ولم تكن هذه العقائد بالنسبة له آنذاك خاصة بالعوام فقط. على الرغم من أنه كان يدرك في وقتها المستويات المتباينة لاستيعاب هذه العقائد عند العوام والخواص. إلا أن ذلك لم يغير من كونها عقائد ضرورية مقبولة كما هي. فالتقييمات اللاحقة مثل "عقائد العوام" و"أوهام الكلام" هي من وحي العالم الصوفي وإعادة تقييم التجربة النظرية والعقلية. وبهذا المعنى، فإن الطابع الحجاجي (لتهافت الفلاسفة) لا يغير من واقع سعيه على تأكيد ما ينبغي تأكيده. ولهذا تضمن أيضا في انتقاده السلبي عناصر الافتراض الايجابي، أي أن انتقاده لآراء الفلاسفة في قضايا العقائد قد حدد، على الأقل، موقفه الرافض وخلافه المبدئي. مما استلزم بالضرورة تقديم البديل الفكري، الذي اقترح له آنذاك عنوان (قواعد العقائد). ولا توحي آراء الغزالي آنذاك والنص الضمني الموجود بين دفات انتقاده، بأنه كان يسعى لتقديم بديله الإيجابي في تقاليد أخرى غير تقاليد علم الكلام (الفلسفي). وهو ما يمكننا تلمسه بصورته  الملموسة (الظاهرية) في كتاباته اللاحقة وبالاخص كتاب (الاقتصاد في الاعتقاد). ويتبين ذلك بوضوح أكبر في (إحياء علوم الدين) عندما نظر إلى (الاقتصاد في الاعتقاد) نظرته إلى كتاب كلامي. وإذا كان بالإمكان افتراض كون (الاقتصاد في الاعتقاد) هو الرد الإيجابي على قضايا الخلاف المثارة في (تهافت الفلاسفة)، فإننا لا نستطيع أن نرى فيه توجها يتعدى الصيغة المعتدلة لما ينبغي قوله في قضايا الخلافات الكلامية الإسلامية ذاتها.

وقد كان تأثير هذه الظاهرة مزدوجاً في موقفه من الكلام، وفي تأثيره على مجرى تطوره الفكري بشكل عام والكلامي بشكل خاص. فقد تضمن (الاقتصاد في الاعتقاد) صيغة الرجوع إلى القضايا التقليدية لعلم الكلام وتثبيت مقالاته الجديدة. لكنه من حيث مضمونه لم يكن أكثر من "حل وسط" لقضايا الاعتقاد. وقد كان ذلك يعني من حيث موقعه في منظومة الفكر إعادة الترتيب الخفية والإدراك الأولي لمحدودية الكلام، باعتباره علم الدفاع عن عقائد الإيمان، أي أنه واجه وهن قواه العقائدية بعد خمود حمى الصراع مع الفلاسفة، أو ما عبرت عنه النادرة الصوفية في استلهامها منطق الخيال الرمزي الذى يكشف عن أن النتيجة الحتمية لحجر الشحذ:  هو الانكسار. فكتاب (الاقتصاد في الاعتقاد) لا يعني إلا أوساط الحلول، أو الاعتدال في قضايا العقائد، أي أنها الصيغة الأيديولوجية الدينية المعتدلة وليس الصيغة الضرورية للحقيقة. فالحقيقة لا تعرف الاعتدال والتطرف. وإن جمرة هذه الحقيقة المحترقة تتلألأ تحت رماد اعلان (الاقتصاد في الاعتقاد) "اعتدالا" في الاعتقاد.

وقد أدى ذلك إلى ظهور السؤال المنطقي عن الشيء الجديد الذي يمكن للكلام أن يقدمه خارج إطار هذه العقائد. لهذا نرى، بأن ولع الكلام الهجومي المميز لكتاب (تهافت الفلاسفة) سرعان ما يفسح المجال لهدوء الفكر المميز لكتاب (الاقتصاد في الاعتقاد). إلا أن هذا التحول في المزاج الفكري وهدوئه الظاهري كان يستند على أساس متذبذب، وضع لبناته منهج مواجهة الإشكالات بالإشكالات المميزة لكتاب (تهافت الفلاسفة). وبالتالي فإن الشك الباحث عن منطق في كل "منطق" قد ألزمه بالضرورة تمحيص قواعد العقائد وبراهينها في (الاقتصاد في الاعتقاد)، والتي لم يكن بإمكانها احتلال القناعة الجازمة للكلام وعقائده في منطقية التفكير الفلسفي. وبهذا المعنى، فإن الكلام يلتقى مع الفلسفة في قضايا الالهيات. بمعنى ضعفه المنطقي. ففي (معيار العلم في فن المنطق) الذي كان أحد أجزاء الرد الإيجابي المفترض (لقواعد العقائد) لا نعثر على أي تأييد للكلام. على العكس!إذ تبرز هنا للمرة الأولى عناصر التشديد على افتقاد الكلام والمتكلمين للمنطق. وليس غريبا أن يتناول المتكلمين في معرض انتقاده لنزعة السوفسطائية. وذلك لأنها وجدت في ما اسمته تناقض أدلة فرق المتكلمين أحد أسبابها الأساسية1. في حين وجد سّر "تناقض أكبر أقيسة المتكلمين" في عدم تمسكهم بقواعد المنطق وشروطه2 . لقد تضمن هذا التطور اللاحق لآراء الغزالي إمكانية المقارنة الجدية بين قناعته العقائدية ومستواها المنطقي. فإذا كانت الفلسفة باعتبارها مجموعة لعلوم كثيرة تفتقد إلى تجانسها في "منطق" الإلهيات، فإن ذلك لا يلغي احقيتها في المنطق والرياضيات والأخلاق والسياسة وعلومها الأخرى. وفي حالة مقارنة ذلك بالكلام فما هي يا ترى الأجزاء الأخرى لعلم الكلام التي يمكن أن يحتفظ بها مقارنة بالفلسفة؟ وسوف يجيب من حيث الجوهر ععلى هذا السؤال بالنفي. إلا أن هذا النفي كان حصيلة تجربة طويلة ومتعرجة في دهاليز الفكر النظري والعملي أدت في موقفه من الكلام إلى اعتباره علما لا يحتوي بحد ذاته على حلول عقليّة أو منطقية بما في ذلك تجاه قضايا الإيمان. إلا أنه يمكن أن يؤدي وظيفة المدافع عنها. وقد كمن في هذا التناقض أحد المصادر الفكرية العملية لأزمته الروحية الأخيرة والتي ساهمت في انتقاله إلى عالم الصوفية. بمعنى أنه لم يعد يرى في الكلام سوى العلم الذي يؤدي وظيفة عقائدية أيديولوجية صرف. وقد كمن في ذلك عناصر انتقاده المتعمق للكلام، ابتداء من (تهافت الفلاسفة) وانتهاء بكتاب (إلجام العوام عن علم الكلام).

ولعل مأثرته بهذا الصدد تقوم في أنه استكمل تقاليد "محاربة" الكلام التي بلورها تراث الفكر الإسلامي في اتجاهاته الكبرى. فقد صاغته تقاليد الورع الإسلامي، خصوصاً في تيارها الفقهي عند مالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وأبو حنيفة، في مواقفها المعارضة للكلام ومهاتراته الفكرية. بينما لم تجد الصوفية في الكلام سوى تشقيق للفكر ومجافاة للحقيقة. في حين ألغته الفلسفة باعتباره علما لا علاقة له بالبحث عن الحقيقة. وخصوصية الغزالي في موقفه من الكلام تقوم في أنه استمر بتعميق تقاليد الورع الإسلامي من حيث اكتشافها الطابع التدميري للكلام، وتقاليد التصوف من حيث رؤيتها في الكلام قوة مميتة للروح الأخلاقي، وتقاليد الفلسفة التي تراوحت بين قبوله الأيديولوجي ورفضه الضمني.

إن مأثرة وعمق انتقاده للكلام وكشف محدوديته المعرفية واغترابه عن عالم الإنسان الروحي والأخلاقي تقوم في كونه أحد ممثليه الكبار. إنه وحَّد في ذاته تقاليد مواجهة الكلام. فهو الفقيه الكبير، والمتكلم الحاذق، والفيلسوف الصوفي. إن تقييمه للكلام هو تقييم نموذجي يعبر في حصيلته العامة عن تقييم ثقافة الخلافة تجاه أحد ميادين صيرورتها العقائدية والروحية. فتقييمه للكلام لم يتحدد باختصاص ما معين ولا بجميعها، بل من خلال صيرورة تآلفه الفكري.

ففي الوقت الذي عمق انتقاد الفقه والتصوف للكلام رؤية الغزالي تجاه الكلام بسبب جفاءه للورع، وبعده عن الأخلاق، وانغماسه في الجدل المذهبي المتعصب، فإنه وحَّد ما في تقاليد الكلام والفلسفة من خلال دراستهما النقدية. إذ يشترك الكلام والفلسفة في ضعفهما المنطقي في قضايا الإلهيات. إلا أن لكل منهما في الوقت نفسه حدوده وقيمته الخاصة. فإذا كانت الفلسفة ذات قيمة في منطقيتها وأسلوبها ونتائج بحثها عن الحقيقة، فإنه لم يبق للكلام سوى ما سبق للفلسفة نفسها وأن بلورته في تقاليد مواجهتها الكلام، أي إمكانية قبوله الأيديولوجي ورفضه الفكري (الحقائقي). وبهذا يكون قد أقترب هنا أكثر فأكثر من مواقف الفلاسفة. ففي (تهافت الفلاسفة) استعمل آراء مختلف الاتجاهات الكلامية (كالاشعرية، والمعتزلية والكرامية والمرجئية وغيرهم) في صراعه ضد الفلاسفة، بينما في (الاقتصاد في الاعتقاد) ينحو منحى معتدلا ورزينا في تقييمه للكلام محاولا تخطيه، رغم انغماسه الكبير بعد في تقاليده الاشعرية. (يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

...............

1- الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص162.

2-  الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص167.

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (42)

تطرقنا في مقالات سابقة إلى (قصة قيامة المسيح) وتناولنا تلك القصة من ناحية البحث التاريخي و التأثير السايكوثيولوجي وكذلك تتبعنا نصوص العهد الجديد التي تحدثت عنها، ودرسنا الاختلافات والاضافات التي شهدتها مع مرور الزمن، حيث خضعت تلك القصة للترميم والتطوير المستمر وصولا الى مدونة إنجيل (يوحنا) الذي كان زمن كتابته بعد مرور ما يقارب السبعين عاما على زمان حدوث القصة المزعومة، كما بينا سابقا .

وفي بداية هذا المقال، اود ان اتقدم بالشكر والتقدير للاخوة الاعزاء في قناة (الكرمة) على تناولهم بالبحث احدى المقالات التي تحدثت عن موضوع القيامة وهو المقال الموسوم (قصة قيامة المسيح ..كيف بدأت وكيف تطورت)

فقد اتصل بي قبل أكثر من ثلاث اسابيع احد الاصدقاء من كادر القناة، واخبرني انه سيقوم بمناقشة المقال المذكور في برنامجه، مع ترحيبه باي مشاركة او مداخلة معه على الهواء في وقت إذاعة الحلقة

وقد شكرت الاخ بدوري على اهتمامه ومبادرته الكريمة بالاتصال بي، ونظرا لتزامن وقت بث البرنامج مع وقت عملي، فقد حرصت على مشاهدة كامل الحلقات بعد وضعها على اليوتيوب، والتي وصل عددها الى 3 حلقات

الحلقات الثلاثة كان معظمها مكرسا للرد على فقرة واحدة ذكرتها في المقال وهي الفقرة التالية:

(ورغم إيلاء الكنيسة المسيحية الأهمية العظمى لقصة قيامة يسوع المسيح من الموت، باعتبارها حقيقة ثابتة لا تقبل الشك! واعتبار القبول والتسليم بها، من أهم ضروريات الإيمان القويم الذي يجب على جميع البشر الخضوع له، لتجنب الهلاك في الجحيم الأبدي!!..الا أننا لا نجد لهذه القصة المدعاة اي ذكر او أثر في اي نص تاريخي خارج النصوص الدينية المسيحية)

ويبدو ان الاخوة في الإعداد وفريق الدفاع الخاص بالقناة، قد بذلوا جهدهم من اجل اثبات عدم صدقية الكلام المتقدم، حيث حاولوا حشد أكبر عدد ممكن من النصوص التاريخية والتي بلغت 12 نصا ، وهي نصوص شهيرة من المفروض ان كل باحث في تاريخ المسيحية ، يعرفها ومطلع عليها !!

ومع ذلك ، لم تحوي تلك النصوص التي تم عرضها بالبرنامج على أي ذكر لقصة (قيامة) المسيح، وإنما كانت تشتمل على ذكر شخص المسيح او حادثة صلبه واضطهاد اتباعه وحريق روما وغيرها من الامور الاخرى التي لم يتطرق لها المقال أساسا !!

رغم انهم حاولوا أن يظهروا امام جمهورهم بمظهر الذي جاء (بالذيب من ذيله !!) من خلال اتباع أسلوب يستخدمه طلبة الثانويات ،حين يأتيهم سؤال عن (اذني الفيل) فتجد الطالب الذي لا يملك الاجابة يحاول الظهور أمام المعلم بمظهر الذي يقدم اجابة تملئ ورقة الامتحان ، فيقوم بالكتابة حول (خرطوم الفيل !!!)

والعجيب أيضا، إيراد النص الشهير للمؤرخ (يوسيفيوس) والذي يشكك الكثير من المؤرخين بموثوقية ذلك النص، وقد حاول الاخوة الذين أعدوا الرد ان يدافعوا عن وثاقة ذلك النص والتقليل من شأن الطعون التي أوردها المؤرخون حوله

وسواء كان نص (يوسيفيوس) صحيحا او مدسوسا فهو في الحالتين لا ينفع الاستدلال به، لانه حين ذكر موضوع القيامة، فقد أوردها في سياق ذكر ما يعتقده اتباع المسيح ، وليس من باب الإقرار بحدوث تلك الازعومة !

وأطرف ما جاء في الرد ..حين كانت المحاولة الى اللجوء للمنطق من اجل اثبات موضوع القيامة

حيث وجدنا الجواب يستند الى (عكس المنطق) !!!...ووجدنا المطالبة بأن يقدم اليهود دليلا على (عدم) قيامة المسيح...او ان يأتوا بشاهد ينفي قيامته !!!

ان هكذا اسلوب في الاستدلال فيه من الطرافة واثارة الضحك ما يكفي مؤنة عناء الرد عليه !!

وفي الوقت الذي اكرر فيه شكري للاخوة في القناة لاهتمامهم ومناقشتهم للمقال ، وكذلك لانهم اثبتوا (من دون ان يقصدوا) للقراء ولجمهورهم مصداقية ما جاء فيه حول عدم وجود ذكر تاريخي لقصة القيامة خارج النصوص المسيحية، بنفس الوقت أود التأكيد على الاستعداد للاجابة ومناقشة جميع الاسئلة التي طرحوها من باب (الهجمات المرتدة !!). وأرجو ان تتاح مستقبلا الفرصة للاجابة على كل تلك الاسئلة من خلال نفس المنبر الذي طرحت منه.

وبالعودة الى موضوع المقال ، الذي نحاول فيه مناقشة مخرجات و نتائج قصة القيامة، لابد في البداية من التنبيه الى ان مناقشة اوبحث موضوع ما او قصة معينة لا يعني بالضرورة الايمان بتلك القصة او بمقدماتها و نتائجها، وإنما هي محاولة للتحليل والبحث والتفكيك بين ما هو عقائدي وما هو تاريخي.

في هذا المقال سنحاول مناقشة هل ان عودة يسوع الناصري الى الحياة هو حدث فريد ،ليس له نظير في التاريخ؟

وفي حال افترضنا (جدلا) ان تلك القصة حقيقية (وفرض المحال ليس بمحال) ...فهل هناك ترابط وتلازم بين عودة ذلك الشخص الى الحياة بعد موته وبين اعتباره كائن الهي يستحق العبادة ؟!!

وكذلك سنتتبع النصوص لنرى هل ان قيامة يسوع المزعومة كانت بقدرته الذاتية ام بقدرة الله الخالق؟

النصوص التي تحدثت عن عودة يسوع الناصري الى الحياة بعد موته، احتوت على نقطة مهمة وجديرة بالاهتمام

حيث اكدت العديد منها وبشكل صريح و واضح ومباشر على ان (الله) هو الذي أقام يسوع من الموت، وان يسوع الميت قد قام بارادة الله وقدرته

كما جاء على لسان التلميذ (بطرس) في رسالته الأولى 21/1

(أَنْتُمُ الَّذِينَ بِهِ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَأَعْطَاهُ مَجْدًا، حَتَّى إِنَّ إِيمَانَكُمْ وَرَجَاءَكُمْ هُمَا فِي اللهِ)

وكذلك في سفر أعمال الرسل 10/4

(فليكن معلوما عند جميعكم وجميع شعب اسرائيل انه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه انتم الذي اقامه الله من الاموات.بذاك وقف هذا امامكم صحيحا)

وكذلك في نفس السفر 32/2

(فيسوع هذا اقامه الله ونحن جميعا شهود لذلك)

وقد اكد (بولس) على نفس الامر بشكل صريح وواضح في الرسالة الى غلاطية 1\1

(بولس رسول لا من الناس ولا بانسان بل بيسوع المسيح والله الآب الذي اقامه من الاموات)

وهناك ايضا نصوص عديدة اخرى في ثنايا صفحات العهد الجديد، تشير الى نفس المعنى وتؤكده.

ومن خلال البحث في قصص العهد القديم، نجد ان القيامة من الموت، قد حدثت للعديد من الأشخاص

حيث يروي لنا سفر الملوك الثاني في الاصحاح الثالث عشر العدد 21

ان رجلا ميتا قد عاد الى الحياة ببركة عظام (أليشع)

(وفيما كانوا يدفنون رجلا إذا بهم قد رأوا الغزاة، فطرحوا الرجل في قبر أليشع، فلما نزل الرجل ومس عظام أليشع عاش وقام على رجليه)

ونفس الامر حدث مع (ابن ارملة صرفة صيدا) الذي قام من الموت وعاد للحياة ببركة دعاء النبي (ايليا) كما جاء في سفر الملوك الأول (17- 19\24)

ويروي لنا ،كذلك ، سفر الملوك الثاني في الإصحاح الرابع كيف ان (أليشع) أقام (ابن المرأة الشونمية) من الموت !!

وإذا ذهبنا الى نصوص العهد الجديد، نجد ايضا، العديد من الحكايات التي تتحدث عن قيام بعض الأشخاص من الموت ، والتي من أشهرها قصة قيامة (ليعازر) بعد موته بأربعة أيام،حين تدخل يسوع الناصري،وتضرع الى الله من اجل اقامته

(وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَالَ: أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي،

وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ، لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي».

وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!) يوحنا 11

بالاضافة الى هذه القصة ،نجد في العهد الجديد قصص أخرى ، حول أشخاص قاموا من الموت على يد يسوع الناصري ، بل هناك اشخاص كانت قيامتهم على يد بطرس وكذلك بولس !

ومن هنا يتبين لنا ان حادثة عودة أحد الموتى الى الحياة ،وحسب نصوص الكتاب المقدس نفسه،لم تكن حادثة فريدة ومختصة بيسوع الناصري فقط، وإنما حدثت لاخرين عديدين غيره ، شاءت قدرة الله وإرادته ان تكون عودتهم للحياة اما ببركة دعاء بعض الاشخاص او حتى ببركة عظامهم !

وقد يعترض هنا البعض، ويقول… ان الحوادث المذكورة قام فيها الأموات بعد تدخل اناس ابرار ، بينما في حالة يسوع الناصري،الامر مختلف، لانه قام من دون ان يكون هناك تدخل او دعاء من احد !!

وللاجابة على هذا الاعتراض...نؤكد ان هذه الحالة ليست خاصة بيسوع الناصري فقط، فقد حدثت أيضا لغيره، كما يخبرنا بذلك إنجيل (متى) حين يتحدث عن قيام الاموات من قبورهم ودخولهم لأورشليم أثناء فترة الصلب، حيث كانت قيامة أولئك الأموات أيضا بدون تدخل اي شخص ،وانما تحققا لأمر الله وقدرته

(والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين ،وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين)  متى 27

وقد يبرز اعتراض آخر،مفاده، أن جميع الأشخاص المذكورين من الذين قاموا من الموت قد ماتوا مرة اخرى، بينما يسوع الناصري لم يمت لحد الان وإنما ارتفع الى السماء

ومجددا، تكون الاجابة ايضا، بأن هذه الميزة ليست مختصة بيسوع الناصري فقط!!

وإنما هناك اشخاص اخرين لم يموتوا وتم رفعهم الى السماء، كما هو الحال مع (اخنوخ)

(وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ) سفر التكوين 5\24

حيث نجد (بولس) يفسر هذا النص في الرسالة الى العبرانيين التي ينسبها البعض له، بقوله

(بالايمان نقل اخنوخ لكي لا يرى الموت ولم يوجد لان الله نقله اذ قبل نقله شهد له بانه قد ارضى الله)

ونفس الامر، تكرر مع النبي (ايليا) الذي جاءت عربة ونقلته الى السماء كما يذكر سفر الملوك الثاني في الإصحاح الثاني منه، حيث لازال حيا ، وما زال اليهود يتوقعون رجوعه مرة اخرى.

بعض الاخوة المسيحيين، يحاولون الاستدلال على فردانية قيامة يسوع من خلال الاشارة الى اخبار يسوع نفسه عنها، ويجعلون ذلك دليلا على انه هو الذي أقام نفسه وأنه هو (الله)

وهذا الاستدلال يحمل من السذاجة والسطحية ما يثير العجب والاستغراب !!

لان من المفروض ان يسوع وحسب نصوص العهد الجديد هو (نبي) ومرسل من الله الآب

فاين التفرد في اخباره عن أحداث مستقبلية، في الوقت الذي تمتلئ صفحات الكتاب المقدس بنبوءات كثيرة عن أحداث مستقبلية جاءت على لسان العديد من الأنبياء؟!

مما تقدم، وبعد ان تبين لنا ان قصة قيامة يسوع المسيح، ليست حادثة فريدة من نوعها، بل ان هناك العديد من الأشخاص الذين قاموا ايضا من الموت، وكذلك هناك اشخاص اخرين غير يسوع الناصري، ارتفعوا الى السماء وما زالوا هناك احياء….يأتي السؤال الأهم ..وهو :

مالرابط بين عودة يسوع المسيح الى الحياة وبين اعتباره هو الإله الخالق؟

والجواب هو انه لا يوجد اي تلازم منطقي بين الامرين ، لانه في حال لزوم ان تكون عودة يسوع المسيح الى الحياة بعد موته، او أن يكون ارتفاعه الى السماء، سببا في اضفاء الصفة الالوهية عليه، ففي هذه الحالة يستوجب الأمر أن يشاركه في صفة الالوهية كل الاشخاص الاخرين الذين اشتركوا معه في صفة القيام من الموت أو صفة الارتفاع الى السماء!!... وفي هذه الحالة نحتاج بدلا عن الاعتقاد بالتثليث الى الاعتقاد بالتسديس او التسبيع... وربما حتى التعشير !!!

إن فكرة قيامة يسوع من الموت، وبعد أن تم ربطها بعقائد اخرى مثل عقيدة الفداء وعقيدة الخلاص

اريد لها ان تكون القاعدة الأساس التي يستند عليها الإيمان المسيحي، ورغم ذلك، فإن هذه القصة بما تحمله من تناقضات و بما شهدته من إضافات وتعديلات وتطور خلال الفترة الزمنية التي دونت فيها سرديات العهد الجديد، بقيت هي الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة في منظومة الميثولوجيا المسيحية.

 

د. جعفر الحكيم

 

منى زيتونالجوارح والجهة والانتقال ونحوه لله (1)

نتتبع في الجزء الثاني من المقال تفسيرات سلف الأمة الحقيقيين لبعض من تلك الآيات والأحاديث الموهمة بالتشبيه والتجسيم في حق الله عز وجل، التي أخذت الفرقة المسماة بالسلفية في تفسيرها بظاهر المعنى. على سبيل المثال:

لابن حزم الظاهري في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في الوجه واليد والعين والقدم والتنزل والعزة والرحمة والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، ص347-348) ‏كلام مطول في تأويل الألفاظ الدالة على جوارح ورفض إدخالها في الأسماء والصفات. قال رحمه الله فيما يخص نفي الوجه: "قال الله تعالى: ‏‏﴿‏وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾‏‏ [الرحمن:27]، فذهب المجسمة إلى الاحتجاج بهذا في مذهبهم. وقال الآخرون: وجه الله تعالى إنما يُراد به: الله عز وجل. قال أبو محمد: وهذا هو الحق الذي قام البرهان بصحته، لما أبطلنا من القول بالتجسيم. وقال أبو الهذيل: وجه الله هو الله. قال أبو محمد: وهذا لا ينبغي أن يُطلق، لأنه تسمية، وتسمية الله تعالى لا تجوز إلا بنص، ولكنا نقول: وجه الله ليس هو غير الله تعالى، ولا نرجع منه إلى شيء سوى الله تعالى. برهان ذلك قول الله حاكيًا عمن رضي قوله: ‏﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ‏‏﴾‏‏ [الإنسان: 9]. فصح يقينًا أنهم لم يقصدوا غير الله تعالى به، وقوله عز وجل: ‏﴿‏فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ‏‏﴾‏‏ [البقرة: 115]. إنما معناه: فثم الله تعالى بعلمه وقبوله لمن توجه إليه"أهـ.

وقال الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير الآية: ‏﴿‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ‏‏﴾‏‏ [القصص:88] "والوجه ههنا عبارة عن ذات الشيء ونفسه، وعلى هذا قوله تعالى في السورة التي يذكر فيها الرحمن سبحانه ‏﴿‏وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾‏‏ [الرحمن:27] أي ويبقى ذات ربك. ومن الدليل على ذلك؛ الرفع في قوله ‏﴿‏ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾‏‏ لأنه صفة للوجه الذي هو الذات، ولو كان الوجه ههنا بمعنى العضو المخصوص على ما ظنّه الجهّال، لكان وجه الكلام أن يكون "وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ"، فيكون "ذي" صفة للجملة لا صفة للوجه الذي هو التخاطيط المخصوصة، كما يقول القائل: "رأيت وجه الأمير ذي الطول والإنعام"، ولا يقول "ذا الطول والإنعام"، من صفات جملته لا من صفات وجهه. ويوضح ذلك قوله تعالى في هذه السورة ‏﴿‏تبارك اسم رَبِّكَ ذي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾‏‏ [الرحمن:78]، لمّا كان الاسم غير المسمى وصف سبحانه المضاف إليه، ولمّا كان الوجه في الآية المتقدمة هو النفس والذات، قال تعالى: ‏﴿‏ذُو الْجَلالِ﴾‏‏، ولم يقل "ذي الجلال والإكرام". ويقولون عين الشيء ونفس الشيء على هذا النحو. وقد قيل في ذلك وجه آخر، وهو أن يُراد بالوجه ههنا ما قُصد الله به من العمل الصالح والمتجر الرابح على طريق القُربة وطلب الزلفة، وعلى ذلك قول الشاعر: أستغفرُ الله ذنبًا لستُ محصيه*** ربُ العباد إليه الوجه والعمل. أي إليه تعالى قصد الفعل الذي يُستنزل به فضله، ودرجات عفوه، فأعلمنا سبحانه أن كل شيء هالك إلا وجه دينه الذي يُوصَل إليه منه، ويُستزلف عنده به، ويُجعل وسيلًا إلى رضوانه وسببًا لغفرانه"أهـ.

وأقول: إن من طرائف تلك الفرقة أنهم حين يضطرون إلى التأويل ينسبونه إلى الظاهر! بالرجوع إلى موقع ابن باز لمعرفة رأيه في تفسير الآية ‏‏﴿‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏‏﴾ [القصص:88].‏‏ ‏قال: "على ظاهرها ‏﴿‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏‏﴾‏‏ كل الناس يموتون، إلا الرب جل وعلا فإنه الحي الذي لا يموت، كما قال سبحانه: ﴿‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ‏‏﴾، وقال في معنى قول الله تعالى في سورة الرحمن: ‏﴿‏كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ‏‏﴾‏‏ [الرحمن: 26-27] الظاهر مكان الأرض، وكل ما في الأرض هو فاني. الجبال تُدك، والأشجار والأحجار تذهب، والجن والإنس يموتون، والحيوانات تموت. ما يبقى شيء إلا الله سبحانه وتعالى"أهـ.

وأقول: فهل تفسير وجهه بأنه هو ذاته سبحانه من ظاهر النص -كما يدعي ابن باز- أم من التأويل؟! وبما استدللتم على وجود الوجه إذن وأصررتم أنه من صفاته سبحانه وكفّرتم من أنكروه؟! قال الكوثري في تحقيقه لكتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي (ص 287): "هذه الآية ‏‏﴿‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏‏﴾‏‏ [القصص:88]، نص على أن المراد بالوجه الذات، لا صفة من الصفات، ولا عضو من الأعضاء". ويقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تعليقه على آية [الرحمن:27] (ص302) "لو كان الكلام محمولًا على ظاهره لكان فاسدًا مستحيلًا على قولنا وقول المخالفين، لأنه لا أحد يقول من المشبِّهة والمجسِّمة الذين يثبتون لله سبحانه أبعاضًا مؤلفة وأعضاءً مصرَّفة أن وجه الله تعالى يبقى وسائره يبطل ويفنى، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا"أهـ.

وكذا لم يثبت السلف، ومن تابعهم من كبار أئمة المسلمين، اليد والعين كجوارح إلى الله، كما فعلت السلفية أخذًا بظاهر معاني النصوص، يقول ابن حزم في الفِصل (ج2/باب الكلام في الوجه واليد والعين والقدم والتنزل والعزة ‏والرحمة والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، ص348-349): "‏وقال تعالى: ‏﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏‏﴾‏‏ [الفتح: 10]‏‏، وقال تعالى: ﴿‏لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏‏﴾‏‏ [ص:75]، وقال تعالى: ‏﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا‏‏﴾‏‏ [يس: 71]‏‏، وقال: ‏﴿‏بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ‏‏﴾ ‏[المائدة: 64]‏‏‏، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المقسطون عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين)، فذهبت المجسمة إلى ما ذكرنا مما قد سلف من بطلان قولهم فيه،...، بل نقول إن هذا إخبار عن الله عز وجل، لا يُرجع من ذكر اليد إلى شيء سواه تعالى. ونقر أن لله تعالى -كما قال- يدًا ويدين وأيدي، وعينًا وأعينًا كما قال عز وجل: ‏﴿‏وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي‏‏﴾‏‏، ‏[طه: 39]، وقال تعالى: ‏﴿‏فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾‏‏ ‏[الطور: 48]. ولا يجوز لأحد أن يصف الله تعالى بأن له عينين لأن النص لم يأت بذلك ونقول: إن المراد بما ذكرنا الله عز وجل لا شيء غيره. وقال تعالى حاكيًا عن قول قائل: ‏﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [الزمر:56]‏‏، وهذا معناه فيما يقصد به الله عز وجل، وفي جانب عبادته، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وكلتا يديه يمين، وعن يمين الرحمن)، فهو مثل قوله: ‏‏﴿‏مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ‏‏﴾‏‏ [النساء: 24-25-36]، يريد (وما ملكتم)، ولمّا كانت اليمين في لغة العرب يراد بها الحظ للأفضل كما قال الشماخ: إذا ما راية رُفعت لمجد *** تلقاها عرابة باليمين، يريد أنه يتلقاها بالسعي الأعلى، كان قوله: (وكلتا يديه يمين) أي كل ما يكون منه تعالى من الفضل فهو الأعلى"أهـ. فمذهب ابن حزم الظاهري، وأئمة السلف، إمرار هذه الآيات على ظاهر اللفظ، مع اليقين أن المقصود بها ليس الجوارح، بل هي تعبيرات مما يقتضيه لسان العرب، فكل لفظ من ألفاظ الجوارح عند الإنسان له دلالته البلاغية؛ فاستخدمها الله عز وجل للدلالة على ذاته العليّة في القرآن، الذي نزل بلسانٍ عربي مبين، رغم أنه الأحد الصمد المُنزَّه عن كل تأليف وتبعيض.

وفي تأويل قوله تعالى: ‏﴿‏‏‏‏‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏‏﴾ [الزمر:67]، يقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن": "معنى ‏﴿‏‏‏‏‏قَبْضَتُهُ‏‏﴾ ههنا أي ملك له خالص قد ارتفعت عنه أيدي المالكين من بريته، والمتصرفين فيه من خليقته، وقد ورث تعالى عباده ما كان ملكهم في دار الدنيا من ذلك، فلم يبق ملك إلا انتقل ولا مالك إلا بطل، وقيل أيضًا: معنى ذلك أن الأرض في مقدوره كالذي يقبض عليه القابض، ويستولي عليه كفه، ويجوزه ملكه، ولا يشاركه فيه غيره. ومعنى قوله ‏﴿‏‏‏‏‏وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏‏﴾ أي مجموعات في ملكه، ومضمونات بقدرته، واليمين ههنا بمعنى الملك. يقول القائل: هذا ملك يميني وليس يريد اليمين التي هي الجارحة، وقد يُعبرون عن القوة أيضًا باليمين، فيجوز على هذا التأويل أن يكون معنى قوله تعالى: ‏﴿‏‏‏‏‏مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏‏﴾ أي يجمع أقطارها، ويطوي انتشارها بقوته، كما قال سبحانه: ‏﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ‏‏﴾. وقيل لليمين ههنا وجه آخر، وهو أن يكون بمعنى القسم، لأنه تعالى لما قال في سورة الأنبياء ‏﴿‏‏‏‏‏ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104]، كان التزامه تعالى فعل ما أوجبه على نفسه بهذا الوعد، كأنه قسم أقسم به ليفعلنّ ذلك، فأخبر سبحانه في هذا الموضع من السورة الأخرى إن ‏﴿‏‏‏‏‏َالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏‏﴾ أي بذلك الوعد الذي ألزم نفسه تعالى وجرى مجرى القسم الذي لا بد أن يقع الوفاء به والخروج منه، والاعتماد على القولين المتقدمين أولى"أهـ.

أما البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص312-313) فقد سرد بعض ما ثبت من توقف السلف، ورفض القول بالجارحة كما يقتضي الظاهر، يقول: "أما المتقدمون من هذه الأمة فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيتين والأخبار في هذا الباب مع اعتقادهم بأجمعهم أن الله تبارك وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض". وذكر أقوال بعضهم، من ذلك توقف قتادة عن تفسير قوله تعالى: ‏﴿‏‏‏‏‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏‏﴾ [الزمر: 67]، وقول سفيان بن عُيينة "كل ما وصف الله تعالى من نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته، والسكوت عليه"، وكذا قول عبد الله بن المبارك عن الصفات الخبرية: "أنا أشد الناس كراهية لذلك –أي ذكر الصفة التي ظاهرها الجارحة-، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء جسرنا عليه، وإذا جاءت الأحاديث المستفيضة الظاهرة تكلمنا به"، قلت –أي البيهقي-: "وإنما أراد والله أعلم الأوصاف الخبرية، ثم تكلمهم بها على نحو ما ورد به الخبر لا يجاوزونه"، ثم ذهب البيهقي للحديث عن معنى اليد واليمين ونحوه وفقًا لما قال به العلماء، فقال: "وذهب بعض أهل النظر إلى أن اليمين يُراد به اليد، والكف عبارة عن اليد، واليد لله تعالى صفة بلا جارحة، فكل موضع ذُكرت فيه من كتاب وسُنة صحيحة فالمراد بذكرها تعلقها بالكائن المذكور معها، من الطي والأخذ، والقبض والبسط، والمسح والقبول والإنفاق، وغير ذلك تعلق الصفة الذاتية بمقتضاها من غير مباشرة ولا مماسة، وليس في ذلك تشبيه بحال، وذهب آخرون إلى أن القبضة في غير هذا الموضع قد يكون بالجارحة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وقد يكون بمعنى المُلك والقدرة، وقد يكون بمعنى إفناء الشيء وإذهابه"، ثم ساق من المرويات والأشعار ما يعضد هذا المذهب في تفسير اليمين، وختم: "ليس معنى اليد عندنا الجارحة"أهـ.

وكذا يقول الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره: "القول في تفسيره في تأويل قوله: ‏﴿‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ ‏يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ‏‏﴾‏‏ [المائدة: 64]. قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جرأة اليهود على ربهم، ووصفهم إياه بما ‏ليس من صفته، توبيخًا لهم بذلك، وتعريفًا منه نبيَّه صلى الله عليه وسلم قديمَ جهلهم واغترارهم به، ‏وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم. ‏ويقول تعالى ذكره: "وقالت اليهود"، من بني إسرائيل "يد الله مغلولة"، يعنون: أن خير ‏الله مُمْسَك وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى ذكره في تأديب نبيه ‏صلى الله عليه وسلم: ‏﴿‏وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏‏﴾‏‏ [الإسراء: 29]. ‏وإنما وصف تعالى ذكره "اليد" بذلك، والمعنى العَطاء، لأن عطاء الناس وبذلَ معروفهم ‏الغالبَ بأيديهم. فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا، إذا وصفوه بجود وكرم، أو ‏ببخل وشحّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، كما قال الأعشى في ‏مدح رجل: ‏يَــدَاكَ يَــدَا مَجْـدٍ, فَكَـفٌ مُفِيـدَةٌ ‏*** وَكَـفٌّ إذَا مَـا ضُـنَّ بِـالزَّادِ تُنْفِـقُ. فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى "اليد". ومثل ذلك من كلام العرب ‏في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يُحْصى. فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في ‏كلامهم".

وعن قوله تعالى: ‏‏﴿‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏‏﴾‏‏ [الفتح:10] يؤولها الشريف الرضى في "مجازات القرآن"، فيقول: "اليد ههنا تُعرف على وجوه: أحدها أن يكون المعنى عقد البيعة فوق عقدهم. وقيل: المراد قوة الله تعالى في نُصرة نبيه عليه السلام فوق قوة نصرتهم. وقيل: اليد ههنا بمعنى السلطان والقدرة، كما يقول القائل: فلان تحت يد فلان، أي تحت يد سلطانه وأمره، فيكون المعنى أن سلطان الله تعالى في هذا الأمر فوق سلطانهم وأمره فوق أمرهم. وقيل في ذلك وجه آخر، وهو أن العادة جارية في المبايعات والمعاقدات أن تقع الصفقة بالأيدي من البائع والمشتري، ومن هناك قالوا: صفقة رابحة وصفقة خاسرة، فقيل: ‏﴿‏يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏‏﴾‏‏ ذهابًا إلى هذا المعنى، كأنه سبحانه قال: فالذي أعطاكم الله في هذه المبايعة أعلى مما أعطيتم وأجل وأربح وأفضل"أهـ.

ويقول الإمام الطبري في تفسيره للقرآن: "القول في تأويل قوله تعالى: ‏﴿‏وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ‏‏﴾‏‏ ‏[الذاريات: 47] يقول تعالى ذكره: والسماء رفعناها سقفًا بقوة"، ثم أتبع قائلًا: "وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل"، ونقل تأويل الأيدي بالقوة ‏بالأسانيد عن‎ ‎ابن عباس‎ ‎ومجاهد‎ ‎وقتادة‎ ‎ومنصور وابن زيد وسفيان.‏

ومثلها قوله تعالى: ‏﴿‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ‏‏﴾‏‏ [يس:71]. ويقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسيرها: "والمراد بذكر الأيدي ههنا قسمان من أقسام اليد في اللغة العربية. إما أن تكون بمعنى القوة أو بمعنى تحقيق الإضافة، فكأنه سبحانه يقول: أولم يروا أنا خلقنا لهم أنعامًا اخترعناها بقوة تقديرنا، ومتقن تدبيرنا، أو يكون المعنى أن هذه الأنعام مما تولينا خلقه من غير أن يشاركنا فيه أحد من المخلوقين، لأن المخلوقين قد يعملون سفائن البحر، ولا يعملون سفائن البر المذللة ظهورها، والمحللة لحومها، فهذا وجه فائدة الإضافة في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا‏‏﴾‏‏، والله تعالى أعلم".

ويقول الإمام القرطبي في تفسيره للقرآن: "قوله تعالى: ‏﴿‏فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾‏‏ ‏[الطور: 48]،‏ أي بمرأى ومنظر منا نرى ونسمع ما تقول وتفعل. وقيل: بحيث نراك ونحفظك ونحوطك ونحرسك ونرعاك. والمعنى واحد. ومنه قوله تعالى لموسى عليه السلام: ‏﴿‏وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي‏‏﴾‏‏ ‏[طه: 39]، أي بحفظي وحراستي وقد تقدم"أهـ. وذكر البغوي في تفسير الآية: "‏﴿‏فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾‏‏ أي بمرأىً مِنَّا، قال ابن عباس: نرى ما يُعْمَلُ بك. وقال الزجَّاج: إنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مكروهك"أهـ.

ويقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير قوله تعالى: ‏﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا‏‏﴾ [هود: 37]: "هذه استعارة، ومعناها واصنع الفلك بأمرنا ونحن نرعاك ونحفظك. ليس لله عينًا تلحظ ولا لسانًا يلفظ، وذلك كما يقول القائل: إنا بعين الله، أي بمكان من حفظ الله، ومن كلامهم للظاعن المشيّع والحميم المودّع: صحبتك عين الله، أي رعايته وحفظه". وقال في تفسير قوله تعالى: ‏﴿‏وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي‏‏﴾‏‏ ‏[طه: 39] "والمراد بذلك والله أعلم أن تتربى بحيث أرعاك وأراك، وليس هناك شيء يغيب عن رؤية الله سبحانه، ولكن هذا الكلام يفيد الاختصاص بشدة الرعاية وفرط الحفظ والكلاءة. وقد يجوز أيضًا أن يكون المراد بذكر العين ههنا علمه بمكانه، فقال: ولتُصنع وأنا عالم بما يفعل بك، وكذلك قوله تعالى: ‏﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾‏‏ [القمر: 14]، أي تجري ونحن عالمون بجريها غير خافٍ علينا شيء من تصرفها، وحسن أن تقوم العين مقام العلم، لما كانت العين طريق العلم، وقال تعالى: ‏﴿بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾‏‏ ولم يقل: بعيننا، لما خاطب الجميع على طريق التفخيم والتعظيم"أهـ.

وقال البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص297): "من أصحابنا من حمل العين المذكورة في الكتاب على الرؤية، وقال: قوله: ‏﴿‏وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي‏‏﴾ [طه: 39]‏‏، معناه بمرأى مني، وقوله: ‏﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾ ‏‏‏[الطور: 48] أي بمرأىً مِنَّا، وكذلك قوله: ‏﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا‏‏﴾‏‏ [القمر: 14]. والذي يدل عليه ظاهر الكتاب والسُنة من إثبات العين له صفة لا من حيث الحدقة أولى". أي أن حقيقة رأي البيهقي هو إثباته العين نصًا، مع ترجيح أن المراد بها صفة الإبصار التي لا يختلف عليها أحد من المسلمين كصفة من صفاته عز وجل، وليس أن المراد بها العين الجارحة، وهو ما لا يخدم قول المجسمة، ومثله كثير في كتاب البيهقي.

وذكر ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص74-75): "روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الدجَّال فقال: "ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور". قال العلماء: إنما أراد تحقيق وصفه بأنه لا يجوز عليه النقص، ولم يرد إثبات جارحة، لأنه لا مدح في إثبات جارحة، بل كأنه قال: إن ربكم ليس بذي جوارح يتسلط عليها النقائص، وهذا مثل نفي الولد عنه لأنه يستحيل عليه التجزيء. ولو كانت الإشارة إلى صورة كاملة لم يكن في ذلك دليل على الإلهية ولا القِدم، فإن الكامل في الصورة كثير"أهـ.

وأورد ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص13) أقوال كبار الحنابلة في إثباتهم صفة العين، ورده عليهم. قال: ‏"وقد ذهب القاضي أبو يعلى إلى أن العين زائدة على الذات، وقد سبقه أبو بكر بن خزيمة –وهو حنبلي العقيدة شافعي المذهب- فقال في الآية: لربنا عينان ينظر بهما، وقال ابن حامد: يجب الإيمان أن له عينين. وهذا ابتداع لا دليل لهم عليه، وإنما أثبتوا عينين من دليل الخطاب في قوله صلى الله عليه وسلم (ليس بأعور)، وإنما أُريد نفي النقص عنه تعالى، ومتى ثبت أنه لا يتجزأ لم يكن لما يتخايل من الصفات وجه"أهـ.

وأقول: إنه من الغرائب أنه لا يوجد نص من آية أو حديث يثبت العين بصيغة المُثنى، بينما أثبت السلفية لله عينين، وهذا دليل على توهمهم لله كجسم؛ لأنه ما حملهم على إثبات عينين اثنتين لم تأت بهما النصوص إلا تجسيمهم، وقياسهم لله على مخلوقاته.

ومن تأويل السلف للجنب في الآية الكريمة ‏﴿‏أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [الزمر:56]. يقول الشريف الرضى في "مجازات القرآن": "قد اُختلِف في المراد بالجنب ههنا، فقال قوم: معناه في ذات الله. وقال قوم: معناه في طاعة الله، وفي أمر الله، إلا أنه ذكر الجنب على مجرى العادة في قولهم هذا الأمر صغير في جنب ذلك الأمر أي في جهته، لأنه إذا عُبر عنه بهذه العبارة دلّ على اختصاصه به من وجه قريب من معنى صفته. وقال بعضهم: معنى في جنب الله أي في سبيل الله، أو في الجانب الأقرب إلى مرضاته بالأوصل إلى طاعاته، ولما كان الأمر كله يتشعب إلى طريقين: إحداهما هدى ورشاد، والأخرى غي وضلال، وكل واحد منهما مجانب لصاحبه، أي هو في جانب والآخر في جانب، وكان الجنب والجانب بمعنى واحد، حسُنت العبارة ههنا عن سبيل الله بجنب الله على النحو الذي ذكرناه"أهـ.

ومن تأويل السلف للأصابع، يقول ابن حزم في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في الوجه واليد والعين والقدم والتنزل والعزة ‏والرحمة ‏والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، ص350): "‏وكذلك الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله تعالى)، أي بين تدبيرين ونعمتين من تدبير الله عز وجل ونعمه، إما كفاية تسره، وإما بلاء يأجره عليه. والإصبع في اللغة: النعمة. وقلب كل أحد بين توفيق الله وجلاله، وكلاهما حكمة".

وقد احتجت الفرقة المسماة بالسلفية أيضًا في هذا الباب، بحديث إمساك السموات والأرض على أصابع الذي حكاه الحبر اليهودي للرسول صلى الله عليه وسلم، وقال الراوي إن الرسول ضحك تصديقًا له. رواه الإمام البخاري، والإمام مسلم. وللإمام النووي في "المنهاج" (ج17، ص129-130) شرحٌ مستجاد لهذا الحديث يوضح مذهبيّ الأمة المخالفين لقول من يسمون بالسلفية، يقول: "قوله –أي الحبر- (إن الله يمسك السموات على أصبع والأرضين على أصبع إلى قوله ثم يهزهن). هذا من أحاديث الصفات، وقد سبق فيها المذهبان: التأويل، والإمساك عنه مع الايمان بها مع اعتقاد أن الظاهر منها غير مراد. فعلى قول المتأولين يتأولون الأصابع هنا على الاقتدار، أى خلقها مع عظمها بلا تعب ولا ملل، والناس يذكرون الأصبع فى مثل هذا للمبالغة والاحتقار، فيقول أحدهم بأصبعى أقتل زيدًا، أى لا كُلفة عليّ في قتله، وقيل يُحتمل أن المراد أصابع بعض مخلوقاته، وهذا غير ممتنع، والمقصود أن يد الجارحة مستحيلة –أي مستحيلة في حق الله-. قوله (فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبًا مما قال الحبر تصديقًا له ثم قرأ ‏﴿‏‏‏‏‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏‏﴾ [الزمر: 67]‏‏‏‏‏‏، ظاهر الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم صدّق الحبر فى قوله: إن الله تعالى يقبض السموات والأرضين والمخلوقات بالأصابع، ثم قرأ الآية التى فيها الإشارة إلى نحو ما يقول. قال القاضي: وقال بعض المتكلمين: ليس ضحكه صلى الله عليه وسلم وتعجبه وتلاوته للآية تصديقًا للحبر، بل هو ردّ لقوله، وإنكار وتعجب من سوء اعتقاده، فإن مذهب اليهود التجسيم، ففهم منه ذلك. وقوله (تصديقًا له) إنما هو من كلام الراوي على ما فهم، والأول أظهر"أهـ. وإلى مثل هذا الرأي أشار البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص318).

بينما يُخلِّط القاضي أبو يعلى المجسم الحنبلي –على عادته- فيقول، فيما رواه عنه ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص54-55): "غير ممتنع حمل الخبر على ظاهره في إثبات الأصابع صفات راجعة إلى الذات، لأنّا لا نثبت أصابع هي جارحة ولا أبعاض. ويرد عليه ابن الجوزي: وهذا كلام مخلّط، لأنه إما أن يُثبت جوارح، وإما أن يتأولها. أما حملها على ظاهرها فظاهرها الجوارح. ثم يقول: ليست أبعاضًا. فهذا كلام قائم قاعد، ويضيع الخطاب لمن يقول هذا".

وعن نسبتهم القدم لله تعالى –وحاشاه- وإصرارهم على الأخذ بظاهر الآيات فيما يشبه الترجمة الحرفية في زماننا، فقد خالفوا إجماع سلف الأمة كعادتهم. يقول الطبري: "القول في تأويل قوله تعالى: ‏﴿‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ‏‏﴾‏‏ [القلم: 42]، قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل ‏التأويل: يبدو عن أمر شديد". ‏وذكر الطبري من قال ذلك، وأشهرهم ابن عباس بعدة أسانيد، فروي في إحدى الروايات أنه قال: "هو يوم حرب وشدّة"، وفي رواية أنه قال: "عن أمر عظيم كقول الشاعر: (وقامَتِ الحَرْبُ بنا على ساقٍ)"، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: "حين يُكشف الأمر، وتبدو الأعمال، وكشفه: دخول الآخرة ‏وكشف الأمر عنه". ‏ورواية أخرى عنه يقول: "هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة". وروى الطبري عن إبراهيم أنه قال: "ولا يبقى ‏مؤمن إلا سجد، ويقسو ظهر الكافر فيكون عظمًا واحدًا. –ثم أضاف إبراهيم- ‏وكان ابن عباس يقول: (يكشف عن أمر عظيم، ألا تسمع العرب تقول: ‏وقامَتِ الحَرْبُ بنا على ساق)". وروى الطبري في رواية عن مجاهد، ‏قوله: "‏﴿‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ‎‏‏‏﴾‏‏ قال: شدة الأمر وجدّه؛ -ثم أضاف مجاهد- قال ابن عباس: هي أشد ساعة في يوم ‏القيامة"، وغيرها. كما روى الطبري عن سعيد بن جبير قوله في الكشف عن الساق "قال: ‏عن شدّة الأمر". ‏وروى عن قتادة في قوله: ‏‏﴿‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ‎‏‏‏﴾‏‏ "‏قال: عن أمر فظيع جليل". ورواية أخرى عن قتادة "قال: يوم يكشف عن شدة الأمر". ‏‏وكان ممن رووا ذلك التفسير عن ابن عباس كبار التابعين كأسامة بن زيد وعكرمة وابن حميد وابن المبارك وسفيان والمغيرة وإبراهيم وابن جريج ومجاهد والضحاك، وممن رووه عن قتادة ابن عبد الأعلى وابن ثور ومعمر، فكيف يتجرأ هؤلاء المتأسلفة بعد ذلك بادعاء الانتساب إلى السلف؟!

وذكر الفخر الرازي في تفسيره (ج30، ص94)، "‏‏﴿‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ‎‏‏‏﴾‏‏: في تفسير الساق وجوه. الأول، أنه الشدة، وروي عن ابن عباس أنه أشار إلى معناه في الشعر (وقامت الحرب بنا على ساق)، ثم قال: وهو كرب وشدة، وروى مجاهد عنه قال: هو أشد ساعة في القيامة. ثم قال ابن قتيبة: "أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه، يشمّر عن ساقه، فلا جرم يُقال في موضع الشدة: كشف عن ساقه، واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعمال الساق في الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى، يستحيل أن يكون جسمًا، فحينئذ يجب صرف اللفظ إلى المجاز، واعلم أن صاحب الكشّاف –أي الزمخشري- أورد هذا التأويل في معرض آخر، فقال: الكشف عن الساق مثلٌ في شدة الأمر، فمعنى قوله ‏‏‏﴿‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ‎‏‏‏﴾‏‏ يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم، ولا ساق –يعني أنه لا ساق حقيقية لتُكشف كما هو ظاهر المعنى-، كما تقول للشحيح يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل. وإنما هو مثلٌ في البخل. والقول الثاني، هو قول أبي سعيد الضرير: يوم يُكشف عن أصل الأمر، وساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر، وساق الإنسان، أي يظهر يوم القيامة حقائق الأشياء وأصولها. القول الثالث، يوم يُكشف عن ساق جهنم، أو عن ساق العرش، أو عن ساق ملك مهيب عظيم، واللفظ لا يدل إلا على ساق، فأما أن ذلك الساق ساق أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه. والقول الرابع، وهو اختيار المشبهة، أنه ساق الله، تعالى الله عنه، واعلم أن هذا القول باطل"أهـ.

وروى القرطبي في تفسير قوله تعالى ‏﴿‏أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ‏‏﴾‏‏ ‏[ يونس: 2]‏ "اختُلف في معنى ‏﴿‏قَدَمَ صِدْقٍ‏‏﴾‏‏ فقال ابن عباس: قدم صدق منزل صدق؛ دليله قوله تعالى: ‏﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ‏‏﴾‏‏ [الإسراء: 80]. وعنه أيضًا أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم. وعنه أيضًا ‏﴿‏قَدَمَ صِدْقٍ‏‏﴾‏‏ سبق السعادة في الذكر الأول، وقاله مجاهد. الزجاج: درجة عالية. قال ذو الرمة: (لكم قدر لا ينكر الناس أنها *** مع الحسب العالي طمت على البحر). قتادة: سلف صدق. الربيع: ثواب صدق. عطاء: مقام صدق. يمان: إيمان صدق. وقيل: دعوة الملائكة. وقيل: ولد صالح قدموه. الماوردي: أن يوافق صدق الطاعة الجزاء. وقال الحسن وقتادة أيضًا: هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه شفيع مطاع يتقدمهم؛ كما قال: (أنا فرطكم على الحوض). وقد سُئل صلى الله عليه وسلم فقال: (هي شافعتي توسلون بي إلى ربكم). وقال الترمذي الحكيم: قدمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود. وعن الحسن أيضًا: مصيبتهم في النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عبدالعزيز بن يحيى: ‏﴿‏قَدَمَ صِدْقٍ‏‏﴾‏‏ قوله تعالى: ‏﴿‏إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾‏‏ [الأنبياء: 101] وقال مقاتل: أعمالًا قدموها؛ واختاره الطبري. قال الوضاح: (صل لذي العرش واتخذ قدمًا تنجيك يوم العثار والزلل)، وقيل: هو تقديم الله هذه الأمة في الحشر من القبر وفي إدخال الجنة. كما قال: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المفضي لهم قبل الخلائق). وحقيقته أنه كناية عن السعي في العمل الصالح؛ فكُني عنه بالقدم كما يُكنى عن الإنعام باليد وعن الثناء باللسان. وأنشد حسّان: (لنا القدم العليا إليك وخلفنا *** لأولنا في طاعة الله تابع) يريد السابقة بإخلاص الطاعة، والله أعلم. وقال أبو عبيدة والكسائي: كل سابق من خير أو شر فهو عند العرب قدم؛ يقال: لفلان قدم في الإسلام، له عندي قدم صدق وقدم شر وقدم خير. وهو مؤنث وقد يذكر؛ يقال: قدم حسن وقدم صالحة. وقال ابن الأعرابي: القدم التقدم في الشرف؛ قال العجاج: (زل بنو العوام عن آل الحكم *** وتركوا الملك لملك ذي قدم). وفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لي خمسة أسماء. أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب) يريد آخر الأنبياء؛ كما قال تعالى: ‏﴿‏وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ‏‏﴾ [الأحزاب: 40]".

وكذلك أوّل ابن حزم القدم، ولم يثبتها صفة. يقول ابن حزم في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في الوجه واليد والعين والقدم والتنزل والعزة ‏والرحمة ‏والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، ص349-350): "‏وكذلك صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن جهنم لا تمتليء حتى يضع فيها قدمه)، وصح أيضًا في الحديث: (حتى يضع فيها رجله)، ومعنى هذا ما قد بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر صحيح أخبر فيه أن الله تعالى بعد يوم القيامة يخلق خلقًا يدخلهم الجنة، وأنه يقول للجنة والنار (لكل واحدة منكما ملؤها)، فمعنى القدم في الحديث المذكور: إنما هو كما قال تعالى: ‏﴿‏أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ‏‏﴾‏‏ ‏[يونس: 2]‏. يريد سالف صدق، فمعناه الأمة التي تقدم في علمه تعالى أنه يملأ بها جهنم، ومعنى (رجله) مثل ذلك، لأن الرجل: الجماعة في اللغة، أي يضع فيها الجماعة التي قد سبق في علمه أنه يملأ جهنم بها"أهـ.

وفسر الشريف الرضى في "مجازات القرآن" قوله تعالى: ‏﴿‏أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ‏‏﴾‏‏ ‏[يونس: 2]‏ "المراد بالقدم ههنا السابقة في الإيمان، والتقدم في الإخلاص، والعبارة عن ذلك بلفظ القدم غاية في البلاغة، لأن بالقدم يكون السبق والتقدم، فسُميت قدمًا لذلك، وقال بعضهم إيمانهم في الدنيا هو قدمهم في الآخرة، لأن معنى القدم في العربية الشيء تقدمه أمامك ليكون عدة لك حتى تقدم عليه، وقال بعضهم ذكر القدم ههنا على طريق التمثيل والتشبيه، كما تقول العرب: قد وضع فلان رجله في الباطل، وتخطى إلى غير الواجب، ومعناه أنه انتقل إلى فعل ذلك كما ينتقل الماشي، وإن لم يحرك قدمه ولم ينقل خطاه"أهـ.

وأورد ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص 18) ‏ما قاله أبو يعلى وابن حامد -من مجسمة الحنابلة الأوائل- من أن الساق هي صفة ذاتية، وقد زاد أبو حامد "فمن جحد ذلك كفر". قال ابن الجوزي: "لو تكلم بهذا عامي جلف كان قبيحًا، فكيف من يُنسب إلى العلم، فإن المتأولين أعذر منهم لأنهم يردّون الأمر إلى اللغة، وهؤلاء أثبتوا ساقًا للذات وقدمًا حتى يتحقق التجسيم والصورة"أهـ.

ونسبوا لله نفسًا بسبب أخذهم بالظاهر في تفسير قوله تعالى: ‏﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏﴾‏ [آل عمران: 30]، وقوله تعالى: ‏﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ‏﴾ [المائدة: 116]‏. ردّ ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص15): "قال المفسرون: ويحذركم الله إياه، وقالوا: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، وقال المحقّقون: المراد بالنفس هاهنا الذات، ونفس الشيء ذاته".

وقال الشريف الرضى في "مجازات القرآن" (ص60) في تفسير قوله تعالى حاكيًا عن المسيح عليه السلام: ‏﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ‏﴾ [المائدة: 116] "هذه استعارة لأن القديم تعالى لا نفس له، والمراد تعلم ما عندي، ولا أعلم ما عندك، وتعلم حقيقتي وذاتي، ولا أعلم حقيقتك وذاتك، أو تعلم مغيبي، ولا أعلم مغيبك، فكأن فحوى ذلك؛ تعلم ما أعلم، ولا أعلم ما تعلم"، ويضيف الشريف الرضى "فأما قوله تعالى ‏﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏﴾‏ [آل عمران: 30]، فالمراد بها ويحذركم عقابه، لأنك إذا قلت: احذر فلانًا، فإنما تريد به، احذر أن يصيبك منه ضرر أو تنال منه شرًا، والتحذير في التحقيق إنما هو من نفس الضرر لا من فاعل الضرر، وفي قوله: ‏﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏﴾‏ زيادة فائدة على قوله (ويحذركم عقابه)، كأنه تعالى أراد ما يتولاه هو من العقاب لا ما يوليه بعض العباد، فحصلت في هذا اللفظ مزيّة الاختصاص"أهـ.

كما نسبوا له تعالى روحًا على عكس قول السلف والخلف. قال الألوسي: "‏‏﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] تمثيل لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها، فليس ثمة نفخ ولا منفوخ، أي فإذا أكملت استعداده، وأفضت عليه ما يحيا به من الروح الظاهرة التي هي أمري"أهـ. بينما قال القرطبي في تفسيره (ج12، ص208): "النفخ هو إجراء الريح في الشيء، والروح جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم. وحقيقته إضافة خلق إلى خالق؛ فالروح خلق من خلقه، أضافه إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا، كقوله: أرضي وسمائي وبيتي، وناقة الله، وشهر الله"أهـ. فتأويل القرطبي يرى فيه وجود خلق تُسمى الروح، ولكنها ليست صفة لله، بل مضافة له إضافة تشريف.

وقال الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير قوله تعالى عن المسيح عليه السلام: ‏﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ‏‏﴾ [النساء: 171] "المراد أن الناس ينتفعون بهداه، ويحيون من موت الضلالة برشده، كما تحيا الأجسام بأرواحها وتتصرف بحركاتها"ـ وفي تفسير قوله تعالى: ‏﴿‏وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا‏‏﴾ [الأنبياء:91] "المراد إجراء روح المسيح عليه السلام في مريم عليها السلام كما يجري الهواء بالنفخ، لأنه حصل معها من غير علوق من ذكر ولا انتقال من طبق إلى طبق، فأضاف تعالى الروح إلى نفسه لمزيّة الاختصاص بالتعظيم والاصطفاء والتكريم؛ إذ كان خلقه المسيح عليه السلام من غير توسط مناكحة ولا تقدم ملامسة". كما فسر قوله تعالى ‏﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ‏‏﴾ [يوسف:87] "المراد لا تيأسوا من فرج الله، والروح هو نسيم الريح التي يلذ شميمها ويطيب نسيمها، فشبّه تعالى الفرج الذي يأتي بعد الكُربة، ويُطرق بعد اللزبة بنسيم الريح الذي ترتاح القلوب له وتثلج الصدور به. ومثل ذلك ما جاء به الخبر "الريح من نفس الله" أي من تنفيسه عن خلقه، يريد به أن القلوب تستروح إليها كما يستروح المكروب إلى نفسه"أهـ.

ولا يكتمل التجسيم إلا بادعاء أنه سبحانه وتعالى جسم، وحاشاه، مخالفة لسائر الأمة عدا أسلافهم من المجسمة. في "منهاج السنة" (ج2، ص530-531) يقول ابن تيميّة: "وأمّا لفظ الجسم، فإنّ الجسم عند أهل اللغة، كما ذكره الأصمعي وأبو زيد وغيرهما هو الجسد والبدن. وقال تعالى: ‏﴿‏وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ‏﴾‏‏ [المنافقون: 4]، وقال تعالى: ‏﴿‏وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ‏﴾ ‏‏[البقرة: 247]، فهو يدل في اللغة على معنى الكثافة والغلظ كلفظ الجسد، ثم قد يُراد به نفس الغليظ، وقد يراد به غِلظه فيقال: لهذا الثوب جسم، أي غلظ وكثافة، ويُقال: هذا أجسم من هذا أي أغلظ وأكثف. ثم صار لفظ "الجسم" في اصطلاح أهل الكلام أعم من ذلك، فيسمّون الهواء وغيره من الأمور اللّطيفة جسمًا، وإن كانت العرب لا تسمي هذا جسمًا‏".

ثم يقول (ص532) ‏"‏والنظّار كلهم متّفقون -فيما أعلم- على أنّ الجسم يُشار إليه، وإن اختلفوا في كونه مركبًا من الأجزاء المنفردة، أو من المادة والصورة، أو لا من هذا ولا من هذا".

ثم نجده (ص134-135) يقول: ‏"‏وقد يُراد بالجسم ما يُشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات؛ والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويُشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم قلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد شخص بقوله: "ليس بجسم" هذا المعنى. قيل له: "هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تُقم دليلًا على نفيه‏. وأما اللفظ فبدعة نفيًا وإثباتًا، فليس في الكتاب ولا السُنة ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها إطلاق لفظ "الجسم" في صفات الله تعالى، لا نفيًا ولا إثباتًا. وكذلك لفظ "الجوهر" و "المتحيِّز" ونحو ذلك من الألفاظ التي نازع أهل الكلام المحدث فيها نفياً وإثباتاً"‏.

ويقول (ص562): ‏"‏وهؤلاء المعطلة ينفون نفيًا مفصلًا، ويثبتون شيئًا مجملًا يجمعون فيه بين النقيضين. وأما الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فيثبتون إثباتًا مفصلًا، وينفون نفيًا مجملًا: يثبتون لله الصفات على وجه التفصيل، وينفون عنه التمثيل. وقد عُلِم أن التوراة مملوءة بإثبات الصفات التي يسميها النُفاة تجسيمًا –يعني الجوارح التي توهموها لله تعالى-، ومع هذا فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على اليهود شيئًا من ذلك، ولا قالوا: أنتم مجسِّمون‏".‏ ثم استدل بحديث إمساك الرب للسموات والأرض بالأصابع الذي سبق أن شرحناه عند الرد على فِرية الأصابع.

وملخص كل ما لفّ ودار ابن تيمية ليقوله مواربة –في صفحات مطولة- خوفًا من التصريح به، أن اللغة –في رأيه- لا تمنع من تسمية الله جسمًا، وأن هناك من معاني الجسمية ما هي ثابتة في حق الله تعالى، وقال من ضمن ما قال "النُفاة يعبدون عدمًا"، ويقصد من ينكرون الجوارح، ولكنه فقط يؤكد على أن إنكار الجسمية أو الإثبات لها كلاهما بدعة. وهو فوق ذلك يكذب بادعاء أن سلف الأمة لم ينفوا الجسمية عن الله، ويعترف بتشابه عقيدته مع عقيدة اليهود. وأنا أقول: أشد ما يزعجني فيهم هو إنكارهم المتبجح على من يصفهم بالتجسيم، وهم لا يستبعدون إمكانية أن يكون الله جسمًا بتحقق بعض المعاني! علمًا بأن نفيه التركيب لا يغني شيئًا وهو من تناقضه، لأن وجود الجوارح –كما ادعوها- يقتضي التركيب والتأليف، وكل مركب يفتقر إلى غيره، وهو ما يتنافى مع كونه الرب الغني الأحد.

ذكر الزركشي الشافعي في "تشنيف المسامع" (ج4، ص 648) نقلًا عن صاحب "الخصال" عن الإمام أحمد بن حنبل، الذي يدعي هؤلاء أنه إمامهم، أنه قال: "من قال –الله- جسم لا كالأجسام كـَفَـرَ". وأقول: إن لم يكن هذا نفي صريح من الإمام للجسمية، فماذا عساه يكون؟ ومن تراه المبتدع؟

ويقول الإمام الفخر الرازي في "الإشارة في علم الكلام" (ص96) "اتفقت العقلاء على استحالة كون الباري تعالى جسمًا، إلا جماعة من الحشوية وضعفاء العقول"، وقد توسع الرازي في الرد على هؤلاء من الحنابلة والكرامية في "الإشارة" و "أساس التقديس" وغيرها من كتبه، وساق الحجج العقلية مستدلًا بآيات القرآن، وجمع بين نفي الجسمية، وبين نفي الحيّز والجهة. يقول في "أساس التقديس" (ص30: 32): ‏"﴿‏قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ۝ اللهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏﴾‏ [الإخلاص] اعلم أنه قد اشتُهر في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن ماهية ربه، وعن نعته وصفته، فانتظر الجواب من الله تعالى، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه السورة. إذا عرفت هذا فنقول: هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات؛ لأنه تعالى جعلها جوابًا عن سؤال السائل، وأنزلها عند الحاجة، وذلك يقتضي كونها من المحكمات لا من المتشابهات. وإذا ثبت هذا، وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة يكون باطلًا. فنقول: إن قوله تعالى: ‏﴿أَحَدٌ‏﴾ يدل على نفي الجسمية، ونفي الحيِّز والجهة. أما دلالته على أنه تعالى ليس بجسم، فذلك لأن الجسم أقله أن يكون مركبًا من جوهرين، وذلك ينافي الوحدة، ولما كان قوله ‏﴿أَحَدٌ‏﴾ مبالغة في الواحدية، كان قوله ‏﴿أَحَدٌ‏﴾ منافيًا للجسمية. والأحد كما يُراد به نفي التركيب والتأليف في الذات، فقد يُراد به أيضًا نفي الضد والند. فلو كان تعالى جوهرًا فردًا لكان كل جوهر فرد مثلًا له، وذلك ينفي كونه أحدًا. ثم أكدوا هذا الوجه بقوله تعالى: ‏﴿‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏﴾‏ ولو كان جوهرًا، لكان كل جوهر فرد كفوًا له. فدلت هذه السورة من الوجه الذي قررناه على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر، وإذا ثبت أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر، وجب أن لا يكون في شيء من الأحياز والجهات، لأن كل ما كان مختصًا بحيّز وجهة، فإن كان منقسمًا كان جسمًا –وقد بينا إبطال ذلك-، وإن لم يكن منقسمًا كان جوهرًا فردًا –وقد بينا أنه باطل-، ولما بطل القسمان، ثبت أنه يمتنع أن يكون في جهة أصلًا، فثبت أن قوله تعالى ‏﴿أَحَدٌ‏﴾ يدل دلالة قطعية على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر ولا في حيز وجهة أصلًا"أهـ. وقد رد ابن تيمية على الرازي ردودًا تثبت تجسيمه وتجسيم من هم على نهجه.

ويُفرِّق الفخر الرازي بين الحنابلة والكرامية من حيث انسجام ما يدعون عقليًا. يقول في "أساس التقديس" (ص64): "اعلم أن الحنابلة القائلين بالتركيب والتأليف أسعد حالًا من هؤلاء الكرامية، وذلك لأنهم اعترفوا بكونه مركبًا من الأجزاء والأبعاض، أما هؤلاء الكرامية فإنهم زعموا أنه مشار إليه بحسب الحس، وزعموا أنه غير متناه، ثم زعموا مع ذلك أنه واحد لا يقبل القسمة، فلا جرم صار قولهم قولًا على خلاف بديهة العقل".

وقد جعل السلفية لله تعالى صورة وهو (الباريء المصور!). أورد ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص31) "وقال القاضي أبو يعلى –الحنبلي المجسم-: "يُطلق على الحق تعالى تسمية الصورة لا كالصور كما أطلقنا اسم ذاته". قال ابن الجوزي: وهذا تخليط لأن الذات بمعنى شيء، وأما الصورة فهي هيئة وتخاليط وتأليف، ويفتقر إلى مصور ومؤلف، وقول القائل (لا كالصور) نقض لما قاله، وصار بمثابة من يقول (جسم لا كالأجسام) فإن الجسم ما كان مؤلفًا فإذا قال (لا كالأجسام) نقض ما قال"أهـ.

ويقر الإمام البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص276) بنفس رأي ابن الجوزي من استحالة الصورة على الله. يقول: "الصورة هي التركيب، والمُصوِّر هو المركِّب. قال الله عز وجل: ‏﴿‏يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۝‏ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ۝‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-7-8]، ولا يجوز أن يكون الباري تعالى مصوَرًا ولا أن يكون له صورة؛ لأن الصورة مختلفة، والهيئات متضادة، ولا يجوز اتصافه بجميعها لتضادها، ولا يجوز اختصاصه ببعضها إلا بمخصص، لجواز جميعها على من جاز عليه بعضها، فإذا اختص ببعضها اقتضى مخصصًا خصصه به، وذلك يوجب أن يكون مخلوقًا وهو محال، فاستحال أن يكون مصورًا، وهو الخالق الباريء المصور".

ويقول ابن حزم في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في الوجه واليد والعين والقدم والتنزل والعزة ‏والرحمة ‏والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، ص350-351) ردًا على المجسمة: ‏"وأخبر عليه السلام: أن الله تعالى يبدو للمؤمنين يوم القيامة في غير الصورة التي عرفوه عليها، وهذا ظاهر بيّن، وهو أنهم يرون صورة الحال من الهول، والمخافة غير الذي كانوا يظنون في الدنيا. وبرهان صحة هذا القول: قوله عليه السلام في الحديث المذكور غير الذي عرفتموه بها. وبالضرورة نعلم أننا لا نعلم لله عز وجل في الدنيا صورة أصلًا فصح ما ذكرنا يقينًا. وكذلك القول في الحديث الثابت: (خلق الله آدم على صورته)، فهذه إضافة ملك، يريد الصورة التي تخيرها الله عز وجل ليكون آدم مصورًا عليها، وكل فاضل في طبقته، فإنه ينسب إلى الله عز وجل، ويُضاف إليه. كما نقول بيت الله عز وجل عن الكعبة، والبيوت كلها بيوت الله، ولكن لا يطلق على شيء منها هذا الاسم كما يطلق على المسجد الحرام، وكما نقول في جبريل وعيسى عليهما السلام (روح الله) والأرواح كلها لله تعالى، ملك له، وكما نقول في ناقة صالح عليه السلام: (ناقة الله)، والنوق كلها لله تعالى. فعلى هذا المعنى قيل: على صورة الرحمن. والصور كلها لله، وهي ملك له، وخلق له".

يقول البيجوري في "حاشيته على جوهرة التوحيد" (ص158) في تفسير حديث (إن الله تعالى خلق آدم على صورته): السلف يقولون: صورة لا نعلمها، والخلف يقولون: المراد بالصورة الصفة من سمع وبصر وعلم وحياة، فهو على صفته في الجملة، وإن كانت صفته تعالى قديمة وصفة الإنسان حادثة".

وذكر الإمام تقي الدين الحصني في "دفع شبه من شبه وتمرد" (ص21-22) في حديث (إن ربي أتاني الليلة في أحسن صورة) "رُوي من وجوه كثيرة، فهي أحاديث مختلفة، وليس فيها ما يثبت، مع أن عبد الرحمن لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى وجه التنزل فالمعنى راجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمعنى رأيته على أحسن صفاته، أي من الإقبال والرضا ونحو ذلك"، ثم قال الحصني في حديث (خلق الله آدم على صورته) بعد أن ذكر مآخذًا على رواية الحديث: "الصورة يُعبر بها ويُراد الصفة. تقول هذه صورة هذا الأمر أي صفته، فيكون المعنى خلق الله آدم على صفته من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة، ومع ذلك فالضمير يصح عوده إلى آدم عليه السلام، فالمعنى أن الله عز وجل خلق آدم على صورته التي خلقه عليها تامًا لم ينقله من نطفة إلى علقة كبنيه. قال الإمام أبو سليمان الخطابي، وذكره تغلب في أماليه، وقيل إن الضمير يعود إلى بعض بني آدم، وخلق من العلماء سكتوا عن تفسير هذا الحديث، فالمشبِّه لا متمسك له بهذه الأحاديث لما ذكرناه، وتمسكه بها يدل على جهله وزندقته عافانا الله عز وجل من ذلك".

ومما أصروا على إثباته في حق الله تعالى من صفات أفعال على ظاهرها، الضحك، في مخالفة لكل الأمة التي رأت في النصوص التي روت ضحكه سبحانه وتعالى معنى الرضا والقبول. يروي الإمام البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص432-433) عن أبي سليمان الخطابي، في تفسير حديث "يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة"، قوله: "الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفّهم الفرح، أو يستنفرهم الطرب، غير جائز على الله عز وجل، وهو منفي عن صفاته، وإنما هو مثل ضربه لهذا الصنيع الذي يحل محل العجب عند البشر، فإذا رأوه أضحكهم، ومعناه في صفة الله عز وجل الإخبار عن الرضى بفعل أحدهما، والقبول للآخر، ومجازاتهما على صنيعهما الجنة، مع اختلاف أحوالهما، وتباين مقاصدهما"، ثم روى البيهقي حديثًا مما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما يُذكر فيه الضحك، ثم نقل عن الخطابي أيضًا قوله: "قال البخاري: معنى الضحك الرحمة، قال أبو سليمان: قول أبي عبد الله –يعني البخاري- قريب، وتأويله على معنى الرضى أقرب وأشبه، ومعلوم أن الضحك من ذوي التميز يدل على الرضى والبشر،......"، ثم أتبع بأشعار، وقال أبو سليمان بنفس التأويل في الرواية التي تذكر "عجب الله". قال: "إطلاق العجب لا يجوز على الله سبحانه ولا يليق بصفاته، وإنما معناه الرضى......"أهـ.

أما عن تحييزهم الله تعالى في مكان، وهو خالق المكان. يقول الإمام الفخر الرازي في "أساس التقديس" (ص16) ردًا على المجسمة من الكرامية والحنابلة: "إن جمهور العقلاء المعتبرين اتفقوا على أنه تعالى ليس بمتحيز ولا مختص بشيء من الجهات، وأنه تعالى غير حال في العالم، ولا مباين عنه في شيء من الجهات". ويضيف (ص35) بالاستدلال بجواب موسى عليه السلام على فرعون عن قوله: ‏﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ‏﴾ [الشعراء: 23] على كونه تعالى غير متحيز. يقول الفخر الرازي: "فلفظة ‏﴿‏مَا‏﴾ سؤال عن الماهية، وطلب للحقيقة، فلو كان تعالى متحيزًا لكان الجواب بذكر كونه متحيزًا أولى من الجواب عنه بذكر كونه خالقًا"أهـ. وروى السبكي في "طبقات الشافعية" (ج9، ص42) " قيل ليحيى بن معاذ الرازي: أخبرنا عن الله عز وجل، قال: إله واحد، فقيل له: كيف هو؟ فقال: مالك قادر، فقيل له: أين هو؟ فقال: بالمرصاد. فقال السائل: لم أسألك عن هذا، فقال: ما كان غير هذا كان صفة المخلوق، فأما صفته فما أخبرت عنه"أهـ. وأقول: يحيى الرازي هنا يتبع نهج موسى عليه السلام في الإجابة على أسئلة فرعون عن الله تعالى، فأجابه بما يليق بجلاله تعالى لا وفقًا لأسئلة السائل التي لا تليق للسؤال عن رب.

ويقول ابن حزم في "الفِصل" (ج2/باب الكلام في المكان والاستواء، ص287-288) " قول الله عز وجل يجب حمله على ظاهره ما لم يمنع من حمله على ظاهره نص آخر أو إجماع أو ضرورة حس. وقد علمنا أن كل ما كان في مكان فإنه شاغل لذلك المكان، وماليء له ومتشكل بشكل المكان، أو المكان متشكل بشكله، ولا بد من أحد الأمرين ضرورة، وقد علمنا أن ما كان في مكان فإنه شاغل لذلك المكان، ومتناه بتناهي مكانه، وهو ذو جهات ست أو خمس متناهية في مكانه، وهذه كلها صفات الجسم، فلما صح ما ذكرنا علمنا أن قوله تعالى: ‏﴿‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏‏﴾‏‏ ‏[ق: 16] ، ﴿‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ‏‏﴾‏‏ ‏[الواقعة: 85] ، ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾‏‏ [المجادلة: 7] إنما هو التدبير لذلك والإحاطة به فقط ضرورة لانتفاء ما عدا ذلك"أهـ.

وعلّق الشريف الرضى في "مجازات القرآن" (ص309) على آية النجوى، قائلًا: "ظاهر هذا الكلام محمول على المجاز والاتساع، لأن المراد به إحاطته تعالى بعلم نجوى المتناجين، ومعاريض المتخافتين، فكأنه سبحانه يعلم جميع ذلك، سامع للحوار، وشاهد للسرار، ولو حُمل هذا الكلام على ظاهره لتناقض، ألا ترى أنه تعالى لو كان رابعًا لثلاثة في مكان على معنى قول المخالفين –يعني المجسمة- استحال أن يكون سادسًا لخمسة في غير ذلك المكان إلا بعد أن يفارق المكان الأول، ويصير إلى المكان الثاني، فينتقل كما تنتقل الأجسام، ويجوز عليه الزوال والمقام"أهـ.

ورُوي عن الإمام مالك أنه قال عن الحق سبحانه وتعالى: "كان ولا مكان، وهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان". وأقول: طالما أسقطنا المعنى الظاهر الموهم بالمكان، فلا مناص من التفويض أو التأويل، وهو اتفاق الأمة، لكن السلفية لا ينزهونه تعالى عن شغل المكان!

ومن الآيات التي احتج بها الحنابلة لإثبات شغل الله تعالى للمكان، قوله تعالى: ‏‏﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ‏‏﴾‏‏ [الملك: 16]. يرد ابن الجوزي في "دفع شبهة التشبيه" (ص 25): "قد ثبت قطعًا أن الآية ليست على ظاهرها لأن لفظة (في) للظرفية، والحق سبحانه وتعالى غير مظروف. وإذا منع الحس أن ينصرف إلى مثل هذا بقي وصف العظيم بما هو عظيم عند الخلق"أهـ.

ومثلها قوله تعالى: ‏﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ‏‏﴾ [النور: 39]. قال الشريف الرضى في "مجازات القرآن" في تفسير الآية: "المعنى وجد وعد الله سبحانه عند انتهائه إلى منقطع عمله السيء، فكاله بصواعه، وجازاه بجزائه، وذلك يكون يوم المعاد، وعند انقطاع تكليف العباد. وقد قيل أيضًا إن الضمير في قوله تعالى ‏﴿‏عِندَهُ﴾ يعود إلى الكافر لا إلى عمله، فكأنه تعالى قال: فوجد الله قريبًا منه، أي وجد عقابه مرصدًا له، فأخذه من كثب، وجازاه بما اكتسب، وذلك كقول القائل: الله عند لسان كل قائل، أي يجازيه على قول الحق بالثواب، وعلى قول الباطل بالعقاب، والقولان جميعًا يؤولان إلى معنى واحد"أهـ.

ولأنهم يعتقدون بحلول الله في السماء، وحاشاه تعالى، أخذًا بظاهر معاني النصوص، فلم يكتفوا بنسبة الكلام إلى الله تعالى في قصة كلامه مع سيدنا موسى، بل توهموه بحرف وصوت، طالما يأتي من السماء، رغم أن النص المنقول عن البخاري الذي يحتجون به لم يقطع بنسبة الصوت الذي في السماء إلى الله.

 

د. منى زيتون

 

منى زيتوننظرًا لارتباط العقيدة السلفية بالنسبة الأكبر من الفتن في تاريخ الإسلام القديم والحديث، فما انتشرت عقيدتهم في مكان إلا كثُرت فيه الفتن، وما خبا ذكرهم في موضع إلا واستراح أهله من الفتن؛ فيلزمنا مراجعة مصدر الأصل الأساسي في تلك العقيدة الخاص بصفات الله تعالى، الذي يوحدونه على أساسها؛ لأنه السبب الأول لتكفيرهم باقي فرق المسلمين، ومن ثم فهو أساس من أسس نشأة شجرة التطرف وتناميها؛ فقد تفرد السلفيون بعقيدة من بين هذه الأمة حول صفات الله تعالى، نتيجة طريقتهم الحروفية في الفهم والاستدلال من نصوص الكتاب والسُنة. وسنعرض لتلك المراجعة بالدرجة التي تكفينا لفهم ما يصدر عن تلك الجماعة، فليس الهدف من بحثنا نقد العقيدة السلفية بذاتها، وهناك من كتب القدماء والمحدثين الكثير مما تصدى تفصيليًا لذلك الموضوع.

وأول المراجعة يجب أن تكون للمسمى. للشهيد الدكتور/ محمد سعيد رمضان البوطي كتاب صادر عن دار الفكر بدمشق بعنوان "السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي". يحاول فيه تصحيح التلبيس الذي وقع على عوام الأمة، بإيهامهم أن تلك الفئة المحددة من المسلمين هي المتمسكة بما كان عليه السلف الصالح للأمة في القرون الثلاثة الأولى، وأنهم المتّبِعون لمنهاج السنة النبوية.

هذا التلبيس الحادث مصدره حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ‏روى الإمام البخاري في صحيحه (3650)، عن عمران بن ‏حصين، يقول:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكر بعد ‏قرنه قرنين أو ثلاثًا - ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويَنذُرون ولا يَوفون، ‏ويظهر فيهم السمَن".‏ وأطرافه بالبخاري [2651-6428-6695]. وعلّق مصطفى البغا شارحًا الحديث "أنهم يحبون التوسع في المآكل والمشارب التي هي أسباب السمن، وقيل غير ذلك".

‏         وروى البخاري، (3651) حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله رضي الله عنه،‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم ‏يمينه، ويمينه شهادته".‏ قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.‏ وأطرافه بالبخاري [2652 -6429-6658]. وعلّق مصطفى البغا، أن "هذا كناية عن التسرع في الشهادة والحلف والحرص عليها ولو لم يُطلب إليها، وهو عنوان قلة الورع والمبالاة في الدين".

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، روايات كثيرة مشابهة. ورواه الإمام الترمذي في سننه (2221- 2222-2302-2303-3859).

فبداية المراجعة أن من يُطلقون على أنفسهم مسمى السلفيين، يستغلِّون ذلك المسمى عن طريق ربطه بفكرة الخيرية المُطْلَقة في السلف الصالح، والمتمثل وفقًا للحديث في الصحابة والتابعين ثم من تلاهم من التابعين. ولهذه الفِرقة ادعاءات تطول عن موافقة عقيدتهم وفقههم لعقيدة السلف، علمًا بأنهم لا يكادون يستشهدون بكلمة من المرويات عن الصحابة والتابعين وأئمة السلف، بل يُكثرون النقل من ابن تيمية وغيره من مشائخهم، والتي قد يكون فيها بعض النقول عن السلف، ولا يعودون مباشرة لكتب السلف إلا ما ندر؛ ومن ثم فإنهم في الحقيقة يأخذون برأي مشايخهم الذي غالبًا لا يكون أمينًا في النقل عن السلف، فلا يعرض الخلافات بين الأئمة. والشائع عن مشايخهم حكايتهم الإجماع على ما يلائمهم من آراء، ونقلها لهم على هذا النحو، أو على الأقل تصويب الرأي الذي يوافقهم مهما كان شاذًا، وعوام الفِرقة يُسارعون للأخذ عنهم ظنًا منهم أن هذا ما كان عليه السلف.

وقد عمل هذا الارتباط بين تلك الفئة من المتشددين المتطرفين وبين السلف على تغيير جوهر الإسلام في أذهان العوام من المسلمين وغير المسلمين، فصارت صورة الدين الإسلامي أبعد ما تكون عن كونه رسالة الرحمة التي أرادها الله له، وصار التطرف مرادفًا للتدين لدى كثيرين.

ولن أسرف في ذكر تصنيفات أتباع ذلك المذهب لأعلام الأمة ممن عاشوا في تلك القرون، ومن يعتبرونه ومن لا يعتبرونه من السلف الصالح لسبب بسيط أن هذه تنظيرات لا قيمة لها على أرض الواقع، فحقيقة الأمر أن هؤلاء لا يتبّعون أي من كبار أئمة السلف –على كثرة الاختلافات بينهم في الفروع- ممن عاشوا في القرون الأولى، بما فيهم أئمة المذاهب الأربعة، ولا حتى يتبّعون الإمام أحمد بن حنبل صاحب المذهب الذي يدّعون انتماء فكرهم إليه عقديًا وفقهيًا، فسلفهم الذي يتبعونه في أصولهم العقدية هما المجسمان مقاتل بن سليمان البلخي، ومحمد بن كرام السجستاني‏.

سلفهم الأول، مقاتل بن سليمان

أما مقاتل بن سليمان المتوفي سنة 150هـ، فكان معاصرًا للإمام أبي حنيفة، ويُقال أن أبا حنيفة كتب "الفقه الأكبر" يشرح فيه عقيدة المسلمين لمّا رأى عقيدة مقاتل المجسمة بدأت تنتشر بين أهل العراق. ذكر الذهبي في كتابه "العرش" (ج1، ص125)‏ "نُسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر أنه من المشبّهة، وذكروا أنه هو الذي قال فيه الإمام أبو حنيفة: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان، جهم مُعطِّل، ومُقاتل مشبِّه". وقال ابن حبّان عن مقاتل: "كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي وافق كتبهم، وكان يُشبِّه الرب بالمخلوقات، وكان يكذب في الحديث""أهـ. فبينما غالى جهم في التنزيه حتى عطّل ونفى كل الصفات عنه تعالى، غالى مقاتل في إثبات كل ما اعتقده صفات للباري حتى شبّه.

يقول عنه علي سامي النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص289): "قد اختلفت الأنظار فيه: فذُكر أنه كان مفسرًا سنيًا، وقيل إنه مفسر زيدي، واعتبره الشافعي أكبر مفسر، وأن الناس عيال في التفسير عليه، ولعنه أبو حنيفة. وأجمعت الكتب على أنه كان مشبهًا ومجسمًا، وأنه أخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم تفسيره المشبهي والمجسمي للقرآن، وأنه كان ضعيفًا في الحديث، وأنه قبِل الحشو وضمّنه مذهبه"أهـ.

كما ترجم له الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج7، ص201-202) "قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة! وقال وكيع: كان كذابًا. قال البخاري: مُقاتل لا شيء البتة. وقال الذهبي: أجمعوا على تركه"أهـ. بينما رآه ابن تيمية في "منهاج السنة" (ج1، ص56) يصلح للاعتضاد والمتابعة!

يذكر النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج1، ص290-291) "وموجز القول في مقاتل بن سليمان أنه كان مشبهًا ومجسمًا. وقد احتفظ لنا التاريخ بقطع من تفسيره تثبت تمام الإثبات تشبيهه وتجسيمه، ولا شك أن مضر وكَهْمَس وأحمد الهجيمي –مشبهة الحشوية الذين قالوا أن الله جسم لا كالأجسام، وهو مركب من لحم ودم لا كاللحوم والدماء، وله الأعضاء والجوارح- قد سبقوه أو عاصروه في اعتناق التشبيه، ولكن المذهب يُرد إليه ويُنسب إليه في الأكثر. كانت المقاتلية مدرسة تفسير كبرى برعت بلا شك في التفسير، وقد كان التفسير فنًا جديدًا، ومجالًا للأخذ من مختلف الثقافات. ويبدو أن مقاتلًا كان على معرفة دقيقة بكل ما حوله من تراث، فأخذ ما يوافقه، فتأثر بالديصانية والمرقونية والمزدكية، كما تأثر بالإسرائيليات والمسيحيات، وضمّن كل هذا تفسيره. وهنا نتساءل هل كان تجسيمه فلسفيًا استند على رأي فلسفي؟ أو بمعنى أدق هل تأثر مقاتل بالرواقية، وهي أيضًا تقول أن الوجود جسم، وأن الله جسم؟ إننا نعلم أن الرواقية كانت منتشرة في الفلسفيات الثنوية وبخاصة الديصانية، فهل وصلت إلى أعماق تفسير مقاتل خلال الديصانية أو المزدكية؟ من المحتمل أن هذا قد حدث، ومن المحتمل أن الرجل قد وصل إلى التجسيم خلال تفسير قرآني بحت، مستندًا على الثقافة العامة المنتشرة في خراسان إبان ذلك الوقت وهو يفسر العرشية والكرسية، وأن الله استوى على العرش استواءً ماديًا، واستقر استقرارًا محسوسًا"أهـ. وألفت إلى أن ابن تيمية قد عدّ كَهْمَس من السلف الصالحين في مجموع الفتاوى (ج16، ص35)، كما روى عنه الإمام البخاري حديث (4473) بواسطة أحمد بن الحسن، وهو آخر حديث في كتاب المغازي بصحيحه.

وقد انتقلت مقالات مقاتل للحنابلة عن طريق أبي عاصم خشيش بن أصرم، المتوفي سنة 254هـ، بعد وفاة الإمام أحمد بثلاث عشرة سنة. يذكر الكوثري في مقدمة تحقيقه لـ "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" للملطي (ص5) "أبو عاصم خشيش بن أصرم النسائي –وهو غير الإمام المحدث النسائي- من شيوخ أبي داود وابنه والعسال. كتب كتاب "الاستقامة". وكان ممن سطع نجمه بعد رفع المحنة في فتنة القول بخلق القرآن عند تقريب المتوكل العباسي النقلة. وهو يُعَدّ عندهم ثقة في الرواية، ولكنه متخبط في مسائل الدراية. فيفوه بما ينبذه البرهان الصحيح غير ساكت عما لا يعنيه"أهـ. وابن تيمية ينقل عن أبي عاصم في "منهاج السنة"، ولأن أبا عاصم كان من شيوخ أبي بكر بن أبي داود الناصبي الكذاب الذي تحنبل أواخر القرن الثالث الهجري، وكان سببًا رئيسيًا في محنة الإمام الطبري مع الحنابلة، التي خصصنا لها مقالًا كاملًا، فقد ساهم هذا في نقل مقالات مقاتل التجسيمية إلى من عُرفوا بالحنابلة.

كما ساهم في انتقال اعتقادات مقاتل للحنابلة، روايات نُعيم بن حمَّاد الخزاعي صاحب كتاب "الفتن" المليء بالعجائب والمناكير على حد وصف الذهبي، والذي تربى على يد نوح بن أبي مريم ربيب مقاتل بن سليمان –ونوح أيضًا تتلمذ على أبي حنيفة-. ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج10، ص597) نقلًا عن "تاريخ بغداد" "أن نُعيمًا كان كاتبًا لأبي عصمة –يعني نوحًا-، وكان شديد الرد على الجهمية وأهل الأهواء، ومنه تعلَّم نُعيم، وأن نعيمًا قال: كنتُ جهميًا، فلذلك عرفت كلامهم، فلمّا طلبت الحديث، عرفت أن أمرهم يرجع إلى التعطيل"أهـ. فكأن الرجل قد انتقل من الحال إلى نقيضه، فمن نفي وتعطيل الصفات الثابتة عن الله تعالى كما هو حال الجهمية، إلى إثبات كل ما يجد أمامه في حق الله، والادعاء أنها صفات دون تنزيه كما هو حال المشبِّهة.

ينقل عنه ابن كثير –وهو سلفي العقيدة- في تفسيره لآية الاستواء عن العرش بسورة الأعراف (ج3، ص426-427) "بل الأمر كما قال الأئمة -منهم نُعَيْم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري-: "من شبّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر". ثم يزيد ابن كثير: "وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى"أهـ. وهذا النفي للتجسيم معتاد ممن يثبتون الأبعاض والجوارح وغيرها بعد أن يُثبتوها! ولا يغني مع فساد عقيدتهم شيئًا. والذهبي يثبت في ترجمة نُعيم بالسير (ص610) عقيدته في إثبات ما يُعرف بالصفات الخبرية التجسيمية، ويثني على ذلك، ولا يُستغرب ذلك من الذهبي كونه حنبلي العقيدة مع ميل للتفويض أحيانًا.

ولكن الذهبي يثبت عنه أنه مُختَلف في توثيقه، وقد اتهمه يحيى بن معين عندما كان يحضر مجلسه في مصر بالكذب على ابن المبارك، وترجمته عند الذهبي محشوة بأقوال كثيرين ممن لم يعدّلوه، وكذا يثبت الذهبي في ترجمته لنُعيم في "ميزان الاعتدال" قول أئمة المحدثين فيه أنه كثير التفرد بروايات، وأهم ما ذكره الذهبي في ذلك (ج4، ص269) "قال الأزدي: كان نُعيم ممن يضع الحديث في تقوية السُنة، وحكايات مزورة في ثلب النعمان كلها كذب"أهـ. فالرجل اُتُهِم صراحة بأنه كاذب، يضع الأحاديث التي يُقوي بها ما يعتقده، إضافة إلى كذبه واختراعه حكايات من كيسه عن الإمام أبي حنيفة النعمان ليس لها أصل. ومنها الحديث غير الصحيح الذي أورده أبو عمر ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج2، ص891) (1673)، وذكر أنه لم يصححه أحد، وهو "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها على أمتي فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم، يُحرِّمون ما أحل الله، ويُحلُّون ما حرم الله"أهـ.

وكان نُعيم قد حُمل من مصر إلى بغداد؛ ليُمتحن في فتنة خلق القرآن، ومات مسجونًا. ورغم أنه ومن المؤكد أنه ليس بمنزلة الإمام أحمد بن حنبل، إلا أن موقفه في المحنة، ورفضه الإجابة إلى خلق القرآن قد أعلوا منزلة ما نقله من اعتقادات مقاتل التجسيمية لدى حنابلة بغداد، حتى صارت اعتقاداتهم، والتي نسبوها زورًا للإمام أحمد.

ويروي الذهبي عن ابن تيمية في كتابه "العرش" (ج1، ص126)‏ مدافعًا عن بعض ما ذكروا من مقالات مقاتل الشاذة؛ ولإعجابه حتمًا بباقي المقالات التجسيمية، "قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما مقاتل فالله أعلم بحقيقة حاله. والأشعري ينقل هذه المقالات من كتب المعتزلة، وفيهم انحراف على مقاتل بن سليمان، فلعلهم زادوا في النقل عنه، أو نقلوا عنه، أو نقلوا عن غير ثقة، وإلا فما أظنه يصل إلى هذا الحد. وقد قال الشافعي: من أراد التفسير فهو عيال على مقاتل، ومن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. ومقاتل بن سليمان وإن لم يكن ممن يُحتج به في الحديث -بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة- لكن لا ريب في علمه في التفسير وغيره وإطلاعه، كما أن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء وأنكروها عليه، فلا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه، وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذب عليه قطعًا، وما يبعد أن  يكون النقل عن مقاتل من هذا الباب"أهـ.

سلفهم الثاني، محمد بن كرام السجستاني

أما الكرامية، فهم أتباع محمد بن كرام بن عراق بن حزبة السجستاني، المتوفي سنة 255هـ. ذكر الشهرستاني في "الملل والنحل" (ج1، ص99) "كان ممن يثبت الصفات، إلا أنه ينتهي فيها إلى التجسيم والتشبيه. نصّ على أن معبوده على العرش استقرارًا، وعلى أنه بجهة فوق ذاتًا، وأطلق عليه اسم الجوهر، فقال في كتابه المسمى "عذاب القبر" أنه أحدي الذات أحدي الجوهر، وأنه مماس للعرش من الصفحة العليا، وجوَّز الانتقال والتحول والنزول، ومنهم من قال أنه على بعض أجزاء العرش، وقال بعضهم امتلأ العرش به، وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق ومحاذ للعرش، ثم اختلفوا ......"أهـ.

فاعتقاد الكرامية في صفات الله تعالى يشابه اعتقاد الحنابلة القدماء، غير أنهم خالفوهم في مسألتين، ذكرهما الذهبي في كتابه "العرش" (ج1، ص123)، يقول: "المسألة الأولى: أنهم يبالغون في إثبات الصفات –يعني الجوارح التي أثبتها السلفية في حق الله تعالى-، ويخوضون في شأن الكيفية، ودخل عليهم ذلك من جهة إطلاقهم لألفاظ مبتدعة كلفظ (الجسم) و (المماسة). قالوا عنه تعالى: جسم لكن لا كالأجسام. والمسألة الثانية: أنهم يثبتون الصفات بما فيها أن الله تعالى تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك عندهم حادث بعد أن لم يكن"أهـ.

يوضح الشهرستاني في "الملل والنحل" (ج1، ص100) في شأن المسألة الأولى "أطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه تعالى، والمقاربون منهم قالوا: يعني بكونه جسمًا أنه قائم بذاته، وهذا هو حد الجسم عندهم"أهـ. وأما المسألة الثانية، فقد ذهب الكرامية –متشبهين بالمجوس- إلى تجويز قيام الحوادث بذات الله تعالى. قال الشهرستاني (ج1، ص101) "ومن مذهبهم جميعًا قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى، ومن أصلهم أن ما يحدث في ذاته إنما يحدث بقدرته"أهـ. وقد ردّ عليهم الإمام الجويني والإمام الفخر الرازي، وذكر المؤرخون أن مناظرات الرازي معهم وإثباته استحالة قيام الحوادث بذاته تعالى هي سبب سمّ الكرامية له.

وقد أثبت ابن تيمية في كتابه "منهاج السنة" تقارب الكرامية في العقيدة من السلفية المنتسبة زورًا إلى أحمد بن حنبل، ودافع عنهم، بل وكتب كتابًا أسماه "نقض أساس التقديس"، يرد فيه على الإمام الفخر الرازي! كما ثبت عن ابن تيمية عدم إنكار لفظ الجسمية في حقه تعالى، وأنه لا يمتنع عن وصف الله بأنه يمس ما شاء من خلقه. يقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص134): ‏"‏وقد يُراد بالجسم ما يُشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات؛ والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويُشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم قلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد شخص بقوله: "ليس بجسم" هذا المعنى. قيل له: "هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تُقم دليلًا على نفيه"أهـ‏. وأساس الكذبة التي ادّعاها هو ربط مصطلح الجسم لغويًا بما يُخالف المعروف عنه في لسان العرب، وهذا الربط من ابتكار ابن تيمية. وكان اعتراض ابن تيمية الوحيد على استخدام مصطلح "الجسم" في حق الله تعالى (نفيًا وإثباتًا)، ما ادّعاه من أن ذلك بدعة، ورفض تنزيه الله بنفي أن يكون جسمًا!

ذكر الكوثري في حاشية تحقيقه لـ "التبصير" لأبي المظفر الإسفراييني (ص134) "ابن تيمية يقول في رده على "أساس التقديس" للرازي: "فمن المعلوم أن الكتاب والسُنة والإجماع لم تنطق بأن الأجسام كلها محدثة، وأن الله ليس بجسم، ولا قال ذلك إمام من أئمة المسلمين، فليس في تركي لهذا القول خروج عن الفطرة ولا عن الشريعة"أهـ. ويزيد الكوثري (ص135) "وقال المنبجي صاحب ابن القيم في إثبات المماسة: "قال ابن تيمية: والمعروف عند أئمة أهل السُنة وعلماء أهل الحديث أنهم لا يمتنعون عن وصف الله بأنه يمس ما شاء من خلقه، بل يروون في ذلك الآثار، ويردون على من نفاه". ذكره في الأجوبة المصرية"أهـ. وكما نرى فابن تيمية لا يكتفي بالاتفاق مع معتقد الكرامية، بل ويكذب على أئمة المسلمين.

كذا ثبت عن ابن تيمية تجويزه قيام الحوادث بذات الله. يقول في "منهاج السُنة" (ج2، ص380): "فإن قلتم لنا: قد قلتم بقيام الحوادث بالرب. قالوا لكم: نعم، وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل"أهـ. وهو في هذا الموضع يقرر عقيدته لا عقيدة غيره. ويضيف (ص381) "فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به. قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسُنة تتضمن ذلك مع صريح العقل، وهو قول لازم لجميع الطوائف، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته. ولفظ الحوادث مجمل فقد يُراد به الأمراض والنقائص، والله تعالى منزَّه عن ذلك، كما نزَّه نفسه عن السِنة والنوم واللُغوب، وعن أن يؤوده حفظ السماوات والأرض، وغير ذلك مما هو منزّه عنه بالنص والإجماع. ثم إن كثيرًا من نُفاة الصفات -المعتزلة وغيرهم- يجعلون مثل هذا حجة في نفي قيام الصفات أو قيام الحوادث به مطلقًا، وهو غلط منهم، فإنّ نفي الخاص لا يستلزم نفي العام، ولا يجب إذا نفيت عنه النقائص والعيوب أن ينتفي عنه ما هو من صفات الكمال ونعوت الجلال"أهـ. ومرة أخرى يكذب على أئمة المسلمين بادّعاء أن لا أحد منهم أنكر قيام الحوادث به سبحانه! بينما لم يثبت ذلك إلا سلفه ابن كرام.

والسلفية المعاصرون كإمامهم ابن تيمية، يعتقدون معتقديه الشاذين؛ فهم أقرب للكرامية منهم إلى عقيدة حنابلة بغداد.

ترجم لابن كرام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج11، ص523) قال: ‏"خُذل حتى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها، ثم جالس الجُوَيْباري وابن تميم، ولعلهما قد وضعا مئة ألف حديث". كما ترجم له في "ميزان الاعتدال" (ج4، ص21) قال: "وقد سُجِن بنيسابور لأجل بدعته ثمانية أعوام، ثم أُخرج وسار إلى بيت المقدس، ومات بالشام في سنة خمس وخمسين ومائتين، وعكف أصحابه على قبره مدة"أهـ. ومن هنا يتبين لنا كيف وصلت اعتقاداته لبلاد الشام، فالتقطها المقدسيون والدمشقيون، ومنهم ابن تيمية وتلاميذه، وعبد الغني المقدسي، وغيرهم.

***

كان مقاتل بن سليمان بلخيًا؛ من مدينة بلخ، وتقع حاليًا في حدود أفغانستان، ورغم أصوله الأزدية، والأزد كما هو معروف كانوا من أفصح الناس لسانًا، وأعذبهم بيانًا، إلا أن نشأته في بلاد لا يتكلم أهلها بالعربية لن تتيح له اكتساب تلك الفصاحة وذاك البيان. وكذا فإن ابن كرام نشأ بساجستان، وهي منطقة تاريخية تقع في شرق إيران، وقسم منها يقع جنوب أفغانستان. فالفكر التجسيمي الذي أخذ به من سمّوا أنفسهم بالحنابلة أولًا، ثم سمّاهم ابن تيمية بالسلفية، ونسبهم إلى السلف، إنما ورد على الإسلام من تفسير اثنين من مفسريّ القرآن من وراء بلاد فارس، وربما كان لفهمهما الحرفي للغة العربية –كونهما لم ينشآ على العربية- الدور الأساسي في تفسيرهما لآيات القرآن الذي هو أشبه بالترجمة الحرفية، فالمراد بوجه الله عندهما هو وجه، وكأني بهما لو كانا ينطقان بالإنجليزية لترجماها "the face of Allah". إضافة إلى تأثرهما بالثقافة العامة في بلاد فارس المشبعة بالفلسفات الثنوية والإسرائيليات. وفرق كبير بين تفسير مقاتل وابن كرام، وبين تفسير الطبري والزمخشري –وهو معتزلي- والفخر الرازي للقرآن، وهم أيضًا فُرس، وكذا تفسير القرطبي وهو أندلسي، ولكن الأخيرين أتقنوا اللغة، وتسلّحوا بالبيان، وعرضوا لتفسيرات اللغويين، ونقلوا الشعر لتقرير المعنى، مع العلم بأقوال الصحابة والتابعين، وشتان بين الفريقين.

فهذان هما سلفهما القديم عقديًا، أما سياسيًا فهم أمويو الهوى والمشرب، ونصبهم وكراهيتهم لآل البيت لا تخفى على أحد، حتى وصل الحال بابن تيمية أن يفتي بحرمة شد الرحال لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحكي كذبًا إجماع أئمة المسلمين على هذا، وكان سبب سجنه الأخير الذي مات فيه. ولعل من أوجه التشابه بينهم وبين الأمويين لجوئهم إلى سمْ مخالفيهم، والتشنيع بالأكاذيب عليهم، وسنرى من ذلك الكثير عند مراجعة فتنهم عبر التاريخ.

والسلفية أيضًا إضافة إلى تجسيم وتشبيه الله سبحانه بخلقه بنسبة الجوارح إليه، هم أتباع وتلاميذ مدرسة ابن تيمية وابن عبد الوهاب التي كانت لها مخالفات لجموع المسلمين وأهمها، تقسيم التوحيد وما يقولونه في الألوهية والربوبية، وعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم، وتكفير وتضليل المسلمين ممن لا يتبعون عقيدتهم في الله سبحانه وتعالى، ومن يريد الوقوف على حقيقة ما يعتقدون فعليه بهذين الشيخين فهما إماما المذهب الحقيقيين.

جذور الفكر التجسيمي في الإسلام

ينبغي مع ذلك أن نلفت أن مقاتلًا وابن كرام ليسا أول من قالا بالتجسيم والتشبيه. يذكر النشار في "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" (ج2، ص173) "أجمع مؤرخو الفكر الإسلامي القدامى، شيعة، وسُنة، ومعتزلة، على أن هشام بن الحكم هو أول من قال إن "الله جسم"، وأن مقالة التجسيم في الإسلام إنما تُنسب إليه، فهو أول من أدخلها أو ابتدعها، كما نُسب إليه التشبيه أيضًا. وثمة خلاف بين التجسيم والتشبيه. ونحن نعلم أن مقاتل بن سُليمان نادى أيضًا بالتجسيم، كما نادى بالتشبيه، غير أن مقاتلًا وصل إلى آرائه خلال تفسير القرآن –أي خلال طريق نقلي-، فقد حشا تفسيره بإسرائيليات ومسيحيات وثنويات، انتهى منها إلى تجسيم وتشبيه غليظين. وهذا ما لم يفعله، فيما يبدو، هشام بن الحكم، بل يكاد يكون طريقه في إثبات الجسمية لله طريقًا عقليًا بحتًا"أهـ.

ولهذا الفارق الذي ذكره النشار، إضافة إلى أن هشام كان رأسًا من رءوس الشيعة الإمامية من المعتقدين بعصمة الأئمة وغيرها من اعتقادات الشيعة، أرى أنه لا مجمل اعتقاداته، ولا طريقته الكلامية الفلسفية في إثبات التجسيم ترشحانه ليُعدّ سلفًا للسلفية.

مصطلحات تشنيعية متبادلة!

يدّعي السلفية أنهم يثبتون ما أثبت الله تعالى لنفسه من صفات، علمًا بأنه تعالى لم يثبت ما ادعوا، ويبدو أنهم لا يدركون معنى صفة في اللغة؛ فهل إذا قال الله تعالى "عين الله" هل عينٌ هنا هي صفة؟، وهل كل مضاف صفة؟!، ومن هنا فهم يُطلقون على كل من لا يثبت لله تعالى ما يعتقدون أنها صفات، مصطلح "المُعطِّلة" أو "الجهمية"، كتعريض بهم. والتعطيل هو عدم إثبات الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، ورائده الجهم بن صفوان الترمذي، من ترمذ والتي تقع حاليًا في أوزباكستان على الحدود الأفغانية. وُلد ونشأ في الكوفة. وكان الجهم قد تفرّد باعتقاد مُنكر؛ إذ يقول بنفي صفات الله الأزلية، كالقدرة والإرادة والعلم، لاعتقاده أن الخالق لا تُدرِك صفته العقول من جهة ذاته وإنما يُدرك من جهة آثاره.

والعجيب أن جهم فيما نقله عنه الإمام الأشعري في "مقالات الإسلاميين" (ج2، ص167) قال: "إن الجنة والنار تفنيان وتبيدان، ويفنى من فيهما، حتى لا يبقى إلا الله وحده، كما كان وحده لا شيء معه"أهـ. وأثبت له الشهرستاني نفس هذا الاعتقاد الشاذ، والذي أخذه عنه ابن تيمية، وكان مما أُنكِر عليه. وكان جهم أيضًا أول من قال بخلق القرآن، وهي من عقائد ابن تيمية التي استتيب بسببها في مصر عام 707هـ. فجهم الذي لا يفتر ابن تيمية ومن تلاه من الوهابية عن التعريض به، هو سلف لابن تيمية في بعض عقائده، وإن لم تأخذ عنه الوهابية هذه العقائد.

ولأن السلفية اختلفوا مع الأشاعرة في صفات الله تعالى وإثبات الجوارح إليه، وكذا في إثباتهم جلوس الله ‏على العرش والنزول وغيرها، فمن هنا أسماهم الأشاعرة بالمجسِّمة والمشبِّهة، كعادة أصحاب العقائد الإسلامية فكل فرقة ‏تناكف الفرق الأخرى بإطلاق أسماء مزرية توضح رأيهم في اعتقاداتهم، والتشبيه والتجسيم يعنيان أن يُشبّه الله سبحانه وتعالى بأحد من خلقه، وتُنسب له الجوارح الدالة على الجسمية؛ ذلك أن تُقاس صفات الله على صفات الخلق.

كما يوجد اسم آخر يُطلقه ‏الأشاعرة والماتريدية –بل والمعتزلة- على السلفية وهو: الحشويون. ورُوي في أصل تلك التسمية أن الحشويين هم مجموعة من المسلمين من المتأثرين بعقائد أهل الكتاب، وقد كان هناك عرب في نجد وشمال جزيرة العرب على النصرانية قبل الإسلام، كما تأثر البعض بروايات الأحبار والرهبان الذين أسلموا، وكان جماعة منهم قد قدموا إلى حلقة الحسن البصري، فلمّا رأى منهم خوضهم في أقوال وعقائد أهل الكتاب أجلسهم في حشا الحلقة المتطرف –أي في ناحية بعيدة بطرفها-، كي لا يُفتتن بهم من بالمجلس، فشاع المصطلح، وأصبح يدل على كل من في اعتقاده شيء من عقائد أهل الكتاب من التجسيم والتشبيه. قال الإمام الكوثري في مقدمة تحقيقه لـ "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (ص20): "كان الحسن البصري من جلة التابعين، وممن استمر سنين ينشر العلم في البصرة، ويلازم مجلسه نبلاء أهل العلم، وقد حضر مجلسه يومًا أناس من رعاع الرواة، ولمّا تكلموا بالسقط عنده، قال: رُدّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة، أي جانبها، فسُموا الحشوية، ومنهم أصناف المجسمة والمشبهة"أهـ. ومن أمثلة ذلك أن اعتقاد السلفية التجسيمي لله بأنه جالس على العرش –وحاشاه- إنما هو من عقائد أهل الكتاب.

عقيدتهم المختلطة بعقيدة أهل الكتاب

وقد دخلت عقيدة أهل الكتاب على عقائد بعض المسلمين من خلال سماعهم من الأحبار الذين أسلموا. يقول الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج3، ص489) في ترجمته لكعب الأحبار: "إنه كان يهوديًا فأسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر رضي الله عنه، فجالس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فكان يُحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب، ويأخذ السنن عن الصحابة. وكان حسن الإسلام، متين الديانة، من نبلاء العلماء"أهـ. وقد نقل الذهبي –وهو حنبلي العقيدة- في كتاب "العلو" الكثير من العقائد عن كعب الأحبار وعبد الله بن سلام الصحابي الجليل الحبر الذي أسلم على عهد النبي.

لكن لم يكن جميع من أظهر الإسلام من أصحاب الديانات القديمة حريصًا على تعلم الإسلام بقدر ما أثّروا سلبًا في عقيدة المسلمين؛ فعلّموهم عقيدتهم. ذكر الكوثري في مقدمة تحقيقه لـ "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (ص19) "وكان عدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى وموابذة المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين، ثم أخذوا بعدهم في بث ما عندهم من الأساطير بين من تروج عليهم ممن لم يتهذب بالعلم من أعراب الرواة وبسطاء مواليهم، فتلقفوها منهم ورووها لآخرين بسلامة باطن معتقدين ما في أخبارهم في جانب الله من التجسيم والتشبيه، ومستأنسين بما كانوا عليه من الاعتقاد في جاهليتهم، وقد يرفعونها افتراء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أو خطأ، فأخذ التشبيه يتسرب إلى معتقد الطوائف، ويشيع شيوع الفاحشة"أهـ.

يقول الإمام تقي الدين الحصني في "دفع شبه من شبّه وتمرد" (ص15): "والحاصل من كلام ابن حامد والقاضي –يعني أبا يعلى- وابن الزاغوني –وهم من أشهر الحنابلة الأوائل- من التشبيه والصفات التي لا تليق بجناب الحق سبحانه وتعالى هي نزعة سامرية في التجسيم، ونزعة يهودية في التشبيه، وكذا نزعة نصرانية؛ فإنه لمّا قيل عن عيسى عليه السلام أنه روح الله سبحانه وتعالى، اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم عليها السلام، وهؤلاء وقع لهم الغلط من سوء فهمهم، وما ذاك إلا أنهم سمّوا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات وليس كل مضاف صفة"أهـ.

مراحل دخول التجسيم في عقيدة المسلمين

يلخص الشهرستاني في "المِلل والنِحل" (ج1، ص79-80) تطور ومراحل دخول التجسيم في عقيدة المسلمين. يقول: "اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثُبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام، والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة، ولا يفرّقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا، وكذلك يثبتون صفات جبرية –لعله يقصد خبرية-، مثل اليدين والرجلين والوجه، ولا يؤولون ذلك، إلا أنهم يقولون بتسميتها صفات جبرية، ولمّا كانت المعتزلة ينفون الصفات، والسلف يثبتون، سُمي السلف صفاتية، والمعتزلة مُعطِّلة، فبلغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر، فافترقوا فيه فرقتين، منهم من أوّلها على وجه يحتمل اللفظ ذلك، ومنهم من توقف في التأويل، وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ‏﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ‏‏﴾‏‏ ‏[الشورى:11]، فلا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك إلا أنّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى: ‏﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى‏‏﴾‏‏ [طه:5]، ومثل قوله: ‏﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏‏﴾ [ص:75]، ومثل قوله: ‏﴿وَجَاءَ رَبُّكَ‏‏﴾ [الفجر:22]، إلى غير ذلك، ولسنا مُكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقينًا، ثم إن جماعة من المتأخرين –يعني المجسمة والمشبهة- زادوا على ما قاله السلف، فقالوا: لا بد من إجرائها على ظاهرها، والقول بتفسيرها كما وردت، من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر، فوقعا في التشبيه الصِرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف، ولقد كان التشبيه صرفًا خالصًا في اليهود، لا في كلهم، بل في القرائين منهم؛ إذ أوجدوا في التوراة ألفاظًا تدل على ذلك، ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير، أما الغلو فتشبيه بعض أئمتهم بالإله، تعالى الله وتقدس، وأما التقصير فتشبيه الإله بواحد من الخلق، ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير، ووقعت في الاعتزال، وتخطّت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر، فوقعت في التشبيه"أهـ.

والشهرستاني هنا يؤكد أن عقيدة الشيعة الأوائل كانت تجسيمية قبل أن تتحول للاعتزال، وأن عقيدة أهل السُنة والحديث كانت التأويل أو التفويض، ثم وقعت جماعة منهم في التشبيه والتجسيم بسبب التفسير بظاهر النصوص.

وقد أُطلق اسم الحنابلة، ثم اسم السلفية، على هؤلاء ممن خرجوا على عقيدة ‏الإمام ابن حنبل، وادّعوا أنهم على العقيدة والمذهب الحنبلي، وظهروا دونًا عن أتباع باقي الأئمة ‏بدءًا من القرن الرابع الهجري. فإن كان أهل العصر الأول والعصر الثاني والعصر الثالث هي القرون التي ‏أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فهولاء هم من ظهروا بعدهم، فأحاديث القرون الثلاث ‏الأولى أراها عليهم لا لهم.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيإن الأرواح الكبيرة للمثقفين صيرورة متراكمة في مجرى إدراك القيم السائدة في ظاهر البشر وبواطنهم. وهو إدراك يؤدي بالضرورة إلى نقد الواقع من خلال انتفاضة الجسد واحتجاج العقل. وحالما ترتقي وحدة الانتفاض الحسي والاحتجاج العقلي إلى مصاف الإدراك الأخلاقي، حينذاك يبدأ الروح في احتجاجه الخاص. لكنه خلافا للعقل والجسد، عادة ما يحفر قنواته العميقة صوب بحار الحكمة، أي نحو عوالم بلا أوهام وأهواء، بوصفها المقدمة الضرورية لصنع إرادة فاعلة في عوالم الخيال المبدع.

وعادة ما يتوقف حجم هذه العوالم ونوعها وعمقها ومداها على قدر ما في تاريخ الدولة والأمة من مساع إمبراطورية. فالشخصيات الكبرى هي الوجه الآخر للمساعي الإمبراطورية والنزعة الكونية. فإذا كانت الإمبراطورية الأموية هي نتاج معارك القوى الاجتماعية والسياسية والروحية للخلافة في مجرى القرن التأسيسي الأول، فإن الحسن البصري كان وجهها الآخر.

إننا نعثر فيه على الصفة الفردية والفردانية لإمبراطورية الروح المناهضة لسلطان السلطة المستبدة. وذلك لأنه جسّد بذاته خزين معارك القرن الأول وصراعاته وبحثه عن البدائل، أي كل ما كان يحتدم في أعمق أعماق النفس وأشد مظاهرها بروزا في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة[1]. مما جعل منه في العرف الإسلامي العام أحد المصادر الكبرى للفكرة الإسلامية المتسامية رغم تباين المواقف السياسية منه. وهو أمر طبيعي. فالشخصية الكبرى، التي تنذر نفسها من أجل صنع "الإجماع" عادة ما تصبح أحد مصادر الخلاف الأكبر. كما أنه القربان الروحي الضروري لكي تتكامل الدولة بمعايير الحق والمثقف بمعايير الحقيقة.

فقد جسّد الحسن البصري في ذاته نموذج المثقف المتسامي عن صراع القوى الحزبية ونزوعها الضيق وأوهامها وأهوائها وظنونها الجازمة! مما جعل منه نغما متموجا في دبيب النفس الاجتماعية والعقل الحر والروح الأخلاقي. بحيث جعله على الدوام محل الاحتكاك والحراك، كما جعله قريبا من الجميع وبعيدا عنهم. أما في الواقع فإن القرب والبعد ليسا إلا الصيغة الظاهرية عن حقيقة بعده عن الباطل والخطيئة والرذيلة وقربه من الحق والصواب والفضيلة. لكنه اقتراب وابتعاد فرداني متحرر من أوهام وأهواء العامة والخاصة. ومن الممكن العثور عليه في أحد أجوبته عندما قيل له مرة:

يا أبا سعيد! صليت؟

نعم!

لكن أهل السوق لم يصلوا بعد؟!

ومن يأخذ دينه من أهل السوق؟![2]

بمعنى تمثيله لمسار الرؤية الفردية المسبوكة بمعايير المعاناة الفعلية للحق، أي تمثله للحقيقة القائلة، بأن المعاناة هي التي تجعل الحياة سهلة بسيطة كالماء والهواء والنار والتراب. وذلك لأن الحياة الخالية من معاناة كبرى هي ركود وملل. ومن ثم فهي كآبة قادرة على سحب بريق الرأفة والحنان والرقة والجمال من كل مشاعر الجسد وقلق الوجدان وتأمل العقل. وبالتالي من المكونات الضرورية التي تبعث في الوجود حرارة المعنى وقيمته بالنسبة للمصير والتاريخ على السواء.

وليس مصادفة أن نعثر في أكثر من تقرير مقارن له عن إشارة إلى ما "أدركه"، أي رآه وتحسسه وعاينه وعايشه وتأمله وتفكر به. من هنا كلماته العديدة التي يشير فيها إلى الأسلاف، ولكن بمعايير التجربة الفردية والتأمل الحسي والعقلي، وليس التقليد. إذ نراه مرة يقول "لقد أدركت سبعين بدريا ما كان لباسهم إلا الصوف"[3]. وفي حالة أخرى يقول "أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه، وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا. وكان إذا أراد النوم باشر الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه"[4]. وفي حالة ثالثة يقول "أدركت أقواما كانوا لا يشبعون بأكل احدهم حتى إذا رد نفسه امسك ذائبا ناحلا مقبلا على نية. يعيش عمره كله ما طوي له ثوب قط، ولا أمر أهله بصنعة طعام، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا"[5]. وفي حالة رابعة يقول "لقد رأيت أقواما كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه"[6]. وفي حالة خامسة يقول "لقد أدركت أقواما كانوا أؤمر الناس بالمعروف وآخذهم به، وأنهى الناس عن منكر واتركهم له. ولقد بقينا في أقوام أأمر الناس بالمعروف وأبعدهم منه، وأنهى الناس عن المنكر وأوقعهم فيه. فكيف الحياة مع هؤلاء؟!"[7]. إذ يتمم هذا السؤال من حيث منطقه الداخلي تأمل تجربة الماضي والحاضر بمعايير الإدراك الأخلاقي الذاتي. فالقضية هنا ليست في عدد مرات الإدراك بقدر ما تكمن في نموذجيتها المتكاملة في السؤال المتألم حول كيفية العيش مع هذا القطيع المقطوع عن تجارب الأسلاف الكبرى. ويحتوي هذا السؤال في أعماقه على إجابة، وذلك لأنه سؤال الاستغراب والاندهاش من الكيفية التي يمكن الهبوط بها صوب الحضيض، بينما الحقيقة والحق يفترضان الارتقاء الدائم صوب السمو الروحي.

إننا نقف هنا ليس أمام سؤال يهدف إلى إدراك واقع أو حقيقة بقدر ما نقف أمام سؤال هو تعبير عن صرخة العقل والوجدان المتموجة في أعمق أعماقه بوصفها جزء من معاناة تاريخية أخلاقية كبرى. ويمكن الهبوط بهذه المعاناة إلى ميدان الخشونة المرّة للحياة من أجل تحسسها بمعايير الجسد أيضا، كما نراها في الفكرة التي وضعها مرة في عبارة مباشرة يخاطب بها الإنسان قائلا:"ابن آدم! إنك تموت وحدك! وتدخل القبر وحدك! وتبعث وحدك! وتحاسب وحدك! ابن آدم وأنت المعني وإياك يراد"[8]. وهي حقيقة أقرب إلى البديهة العقلية. لكن مفارقتها المثيرة تقوم في عدم تحسس أغلبية البشر لها، مع أنها أقرب الأشياء إلى جسد الإنسان! مما جعل عبارة الحسن البصري المذكورة أعلاه أشبه ما تكون بحشرجة مصدرها غباء العامة، وصلف الخاصة، وغيبوبة العقل، واندثار اليقين الروحي! من هنا يمكن فهم الاستكمال المبسط والمتمم لفكرة إن الإنسان يموت لوحده ويدفن لوحده، وإن المقصود بكل ذلك هو الإنسان المخاطب (الجميع). بحيث نرى الحسن البصري يصل ضمن هذا السياق، إلى مطابقة ماهية المؤمن مع المحاسبة الذاتية باسم الحق، كما وضعها في عبارته القائلة:"إن المؤمن قوّام على نفسه، يحاسب نفسه لله"[9]. بمعنى خروجه من تقاليد التقليد وشرطية العلاقات والقيم والانطواء على النفس بمعايير الروح المتسامي. وسوف تبدع هذه الحالة لاحقا فكرة وسلوك الخلوة بوصفها طريق التنقية الذاتية للنفس. وهي الحالة التي نعثر على صداها وتأسيسها الأول في السلوك الشخصي للحسن البصري، كما نراها على سبيل المثال في رده على ثابت البناني، الذي أراد مرافقة الحسن إلى الحج بعد أن سمع بذلك. فأجابه الحسن قائلا:"ويحك! دعنا نتعاشر بستر الله علينا. إني أخاف أن نصطحب فَيَرىْ بعضنا من بعض ما نتماقت عليه"[10].

إننا نقف هنا أمام فكرة تعكس نوعية السلوك المتراكم في مجرى المعاناة النقدية للنفس بوصفها محاسبة عسيرة، أو ما اسماه بمحاسبة النفس لله. بمعنى تحررها من قيود الظاهر والتقليد وعرف العوام. وليس مصادفة أن يرفع الحسن البصري هذا السلوك إلى مصاف الفكرة النظرية والعملية تجاه علاقة العقل والنقل أو الدراية والرواية، باعتبارها إحدى إشكاليات الثقافة الكبرى آنذاك. بحيث نسمعه يقول مرة:"إن الله لا يعبأ بصاحب رواية، وإنما يعبأ بذي فهم ودراية"[11]. وأن "من لم يكن له عقل يسومه لم تنفعه كثرة مروياته"[12].

وتعكس هذه الفكرة أولا وقبل كل شيء ما يمكن دعوته بنوعية السلوك الباطني المتراكم في مجرى احتكاك النفس بخشونة الواقع الفعلية و"استحالة" المثال. لكنه تراكم فردي بالضرورة ومحكوم بمعاناة التجربة الذاتية الحرة. من هنا اندفاعها مع كل انغماس في دروبها صوب دهاليز الجنون المرعبة للذهنية المستأنسة بروايات الأسلاف، والمستظرفة بأساطيرهم الوديعة، والمتراخية بقصص الليالي وسردها المغري! وهي نتيجة ليست معزولة عن واقع الحقيقة القائلة، بأن السمو الفردي المحكوم بمعاناة التجربة الذاتية الحرة عادة ما يجعل الشخصية "مجنونة" بمعايير الظاهر والعابر والزمن، و"روحا" بمعايير التاريخ والحقيقة. من هنا مقارنة الزمن العابر بالتاريخ الروحي في العبارة التي تفوه بها مرة عندما قال: "صحبت طوائف لو رأيتموهم لقلتم مجانين! ولو رأوا أخياركم لقالوا ما لهؤلاء من أخلاق!"[13]. ويمكن فك رموز هذه "الصحبة" وأسرارها الواقعية والمعنوية حالما يجري وضعها على محك المطلق بوصفه مصدر الوحي الذاتي والكمال المتحرر من رّق الاغيار، كما ستقول به المتصوفة لاحقا ، أي التحرر من عبودية الغير أيا كان شكله ومحتواه. فعندما قيل له مرة، بأن قوما يحضرون مجلسه ليس بغيتهم إلا تتبع سقطات كلامه وإرهاقه بالسؤال، نراه يبتسم ويقول:"إني حدّثت نفسي بسكنى الجنان ومجاورة الرحمن فطمعت! وما حدّثت نفسي بالسلامة من الناس، لأني علمت أن خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم لم يسلم منهم"[14].

وليس في كلامه هذا شيئا غير حقيقة المحبة المفعمة برائحة التحرر من كل ما لا يمكنه أن يوصل إلى إدراك حقيقة الحق. وذلك لأن حقيقة الحق بالنسبة للحسن البصري تقوم في بلوغ الحكمة. وهذه بدورها ليست شيئا غير "تحديث النفس بسكنى الجنان ومجاورة الرحمن"، بمعنى تجديدها وإصلاحها الدائم بحوار الرحمة الأبدية. لكنها رحمة يستحيل بلوغها دون معاناة التجربة الحرة بوصفها حوارا دائما للروح المتسامي. وقد بلغ الحسن البصري هذه الغاية ووضعها في عبارته القائلة: "إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر، وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة"[15]. كما سيقول عنه أبو نعيم الأصفهاني "مازال الحسن البصري يعي الحكمة حتى نطق بها"[16]. وهو نطق ميز كلمة الحسن البصري وعبارته بوصفها حكمة. لهذا نسمعه يقول:"لسان المؤمن وراء قلبه. إذا أراد أن يتكلم تفكر. فإن كان له تكلم، وإن كان عليه أمسك. وقلب المنافق على طرف لسانه"[17]. ومع ذلك تبقى مقارنة جزئية تعكس الفكرة الأوسع والأعمق والأكثر شمولا لعلاقة اللسان والقلب والحكمة، عندما وضعها في عبارته القائلة:"من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو. ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو. ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو"[18].

إن وحدة الحكمة والتفكر والاعتبار هي الحلقات الضرورية التي تصنع على مثالها سبيكة الأنا الناطقة بالحق. بمعنى صيرورتها التاريخية والذاتية بوصفها تلقائية واحدة وجدت تعبيرها الإسلامي بوحدة الكمية النوعية القائمة في بلوغ الأربعين والنبوة. لهذا نرى المكي وغيره، على سبيل المثال، يقول بأن الحسن البصري ظل "يعي الحكمة أربعين سنة حتى نطق بها"[19]. ويعكس هذا الرقم أولا وقبل كل شيء نمطية التقاليد الإسلامية التي جعلت من الأربعين حدا للنبوة والحكمة. من هنا إجماع الثقافة العامة عنه، بأنه "ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء"[20]. ثم تخصيص ذلك بما يتناسب مع ذوق الثقافة الإسلامية ورؤيتها للعظمة عبر مشابهة كلامه بكلام النبي محمد، كما نراه في العبارة التي يوردها أبو طالب المكي عندما كتب يقول، بأن كلام الحسن البصري "كان يشبه كلام رسول الله"[21]. وبهذا يكون الحسن البصري قد بلغ الدرجة المثلى في العرف التاريخي والروحي للثقافة الإسلامية التي جعلت منه سبيكة حية لتاريخ الأنبياء والحكماء. ويمكننا العثور على هذه الدرجة في العبارة التي وصفته بكلمات:"أن لسانه مثل لسان الأنبياء والحكماء". وليس المقصود بذلك نطق اللسان، بقدر ما كان المقصود به نمط التفكير والأسلوب والغاية. وهو القصد الذي يمكن رؤيته في التحديد الذي قدمه أبو طالب المكي واستعاده الغزالي لاحقا في عباراته القائلة :"لقد كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء وأقربهم هديا من الصحابة. اتفقت الكلمة في حقه على ذلك. وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب، وفساد الأعمال، ووساوس النفوس، والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس"[22]. ذلك يعني أن الحسن البصري هو الكينونة التي جسّدت في ذاتها رحيق الصيرورة الإسلامية الروحية، من خلال توليف تراث الروح المتسامي والتاريخ الواقعي في سلسلة الوحدة الضرورية للتاريخ الفعلي والمثال الواجب.

 من هنا إرتقائه في سماء الثقافة الإسلامية بوصفه أحد مصادرها وأعلامها الكبرى. كما لو انه تجسيد للحقيقة القائلة، بأن الأنبياء حالما تموت تحيى في ذاكرة الأجيال والأمم بما يتناسب وذوقها التاريخي. من هنا شيوع الصيغ العديدة والمتنوعة في مظاهرها والمتوحدة في مضمونها عنه بوصفه صوت التاريخ والحقيقة والروح الأخلاقي للأمة. لهذا قيل عنه، بأنه في الليلة التي مات فيها الحسن البصري شاهد البعض كما لو أن أبواب السماء مفتوحة، وكأن مناديا ينادي "ألا أن الحسن البصري قدم على الله وهو عنه راض"[23]. وهي الصيغة الرمزية المعبرة عما فيه من مفاتيح قادرة على فك مزلاج الوجود بفكرة الرضا الجوهرية للرؤية الإسلامية. إذ ليس الرضا سوى الوحدة المتجانسة للحرية والإرادة في المواقف. ومن ثم لا يعني رضا الله عنه سوى الصيغة اللاهوتية عن قبول التاريخ والروح له بمعايير وحدتهما التي جسدها الحسن البصري نفسه في صيرورته الفردية وكينونته الذاتية. وبالتالي لا تعني انفتاح أبواب السماء سوى الإطلالة الجميلة لاسترقاق السمع إلى صوت الحقيقة والتاريخ والروح الأخلاقي والأمة المتمثل في شخصية الحسن البصري. من هنا قول عبد الرحمن بن زيد عنه:"كان الحسن البصري إذا أمر بشيء كان من أعمل الناس به. وإذا نهى عن شيء كان من أترك الناس له. ولم أر أحدا قط أشبه سريرة بعلانية منه"[24]. وعندما سأل عنه الأمير مسلم بن عبد الملك، أجابه خالد ابن صفوان قائلا "أشبه الناس سريرة بعلانية، وأشبه قولا بفعل. وإن قعد على أمر قام عليه، وإن قام على أمر قعد عليه. وإن أمر بشيء كان أعمل الناس به، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له. رأيته مستغنيا عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه"! عندها قال مسلم:"حسبك يا خالد! كيف يضل قوم هذا فيهم؟!"[25]. من هنا شيوع العبارة القائلة عنه:"كنا نشبهه بهدى إبراهيم الخليل في حلمه وخشوعه ووقاره وسكينته!". بمعنى بلوغه الدرجة التي يمكن وضعه، حسب ذوق لعبارة الإسلامية، في مصدر الفكرة الأخلاقية والروحية المتسامية. وليس مصادفة، كما تروي كتب التاريخ والسير الحادثة الطريفة عن الرغبة الوحيدة والأخيرة لجابر بن زيد، عندما قيل له قبيل موته:

ما تشتهي؟

نظرة إلى الحسن!

فلما دخل عليه الحسن، قالوا له:

هذا الحسن!

يا أخوتاه! الساعة أفارقكم إلى النار أو إلى الجنة![26]

ذلك يعني انه بلغ الحالة التي جعلته عروة اليقين والسعادة المحتملة بالنسبة لأرباب الإرادة الحرة والأخلاق المتسامية، بحيث قال عنه الشعبي:"ما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء إلا مثل الفرس العربي بين المقارف! وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا"[27]. وتشير هذه العبارة إلى تميز الأصيل عن المزيف. ولا معنى لهذا التمايز هنا سوى ما يتعلق بصيرورة الشخصية وأثرها الفعلي بالنسبة للروح الثقافي، التي جعلت الحسن البصري ممثلا لدراما الانتقال العاصف في تاريخ الدولة والأمة والثقافة.

فقد تمثل الحسن البصري تقاليد الرؤية التوحيدية في مرحلة الانتقال الدموية من فكرة الرشد إلى فكرة السلطان، أي الانتقال من براعم الفكرة العامة للدولة والأمة القائمة على جوهرية الاجتهاد العقلي والعملي المحكوم بمعايير وقيم الشريعة الإسلامية إلى أولوية التسلط المتحرر من فكرة القانون العام. من هنا إلغاء فكرة الدولة والأمة بالمعنى الدقيق للكلمة. بحيث حوّل تاريخ الأموية إلى دموية حروب خارجية وداخلية. وجرى تحسس هذه الحالة من جانب المثقفين المسلمين الكبار على أنها خروجا عن منطق الحق وروح الإسلام. وقد يكون الحسن البصري هو أحد أكبر ممثلي هذا التيار الذي تذّوق طعم المرارة القاسية في هذا التحول الدرامي وواجهها بأسلوب متميز في المواقف النظرية والعملية. الأمر الذي جعل منه نموذجا متميزا وأصيلا في تمثل دراما المرحلة ومواجهة رذائلها الهائلة. ووجد ذلك انعكاسه في شخصيته باعتبارها نموذجا فرديا معبرا عن تأمل الثقافة الورعة لنفسها في مراحل صعودها المتشنج وصراعها الدموي. من هنا تحوله إلى أحد المصادر الكبرى للفكرة الصوفية. ومن هنا قول الثقافة الصوفية اللاحقة عنه بأن الحسن البصري هو أحد الثمانية الذين انتهى إليهم الزهد من التابعين. غير أن مأثرته تقوم في رفعه ممارسة الزهد إلى مستوى الرؤية الفلسفية والعملية. من هنا يمكن فهم قول ابو طالب المكي، بأن بداية الزهد "كانت مجالس الحسن البصري يخلو فيها للذكر مع إخوانه وأتباعه من النساك والعباد في بيته مثل مالك بن دينار وثابت البناني[28] وأيوب السخستياني[29] ومحمد بن واسع وفرقد السبخي[30] وعبد الواحد بن زيد[31]. فيقول :هاتوا انشروا النور! فيتكلم عليهم في هذا العلم من علم اليقين والقدرة وفي خواطر القلوب وفساد الأعمال ووسواس النفوس"[32]. وكان هذا النوع من الكلام يبدو "غريبا" آنذاك. بحيث نرى أبو طالب المكي يقول بهذا الصدد:"إن الحسن البصري أول من انتهج سبيل هذا العلم (التصوف) وفتق الألسنة به ونطق بمعانيه وأظهر أنواره وكشف به قناعه. وكان يتكلم بكلام لم يسمعوه من أحد من إخوانه. فقيل له:

يا أبا سعيد! انك تتكلم في هذا العلم بالكلام لم نسمعه من أحد غيرك! فمن أين أخذت هذا؟

من حذيفة بن اليمان!"[33]

وتعكس هذه الإجابة ارتقاء الروح التلقائي في مجرى تأمله التاريخ والحقيقة. وهو ارتقاء ارتقى بالحسن البصري إلى مصاف المعلِّم الأول للروح الإسلامي الإنساني. من هنا استنتاج المكي:"الحسن هو إمامنا في هذا العلم الذي نتكلم به. أثره نقفو، وسبيله نتبع، ومن مشكاته نستضيء. أخذنا ذلك بإذن الله إماما عن إمام إلى أن ينتهي ذلك إليه"[34]. إذ يعكس هذا التقييم أولا وقبل كل شيء الحالة الفعلية لتقاليد الأسلاف والحقيقة والتاريخ الذاتي للأمة التي تمثلها الحسن البصري في مراحل صعودها وتوتر صراعاتها وفتنة احترابها السياسي بسبب خروج السلطة الأموية على قواعد المنطق الشرعي والأخلاقي الكامنة في الفكرة الإسلامية الأولى.

كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بأن خاتمة الحسن البصري قد اختتمت في مواقفها النظرية والعملية منظومة النقد الأخلاقي الشامل لمرحلة الانتقال من الخلافة إلى الملك. إذ جسّد في ذاته ومظهره وحياته ومماته المزاج النقدي تجاه هذا الانتقال ومحاولة تذليله في ميدان الأخلاق العملية والنظرية. وقد لا يكون ذلك معزولا عن البصرة بوصفها "موقد الأجناس" وموطن الاعتدال الديناميكي، مما يجعل من شخصية الحسن البصري بهذا الصدد أنموذجا لتمثل تقاليد المدينة والتاريخ الروحي وقيم العقائد الكبرى. وليس مصادفة أن تظهر في البصرة أغلب المدارس الفكرية الإسلامية الأولى، وكذلك تفرّع مختلف فرق الكلام مثل القدرية والمعتزلة إضافة إلى اتجاهات الزهد والتصوف وغيرهم منه. ولم تكن هذه النتيجة معزولة عما في فكره النظري والعملي وتجربته الذاتية التي رفعها إلى مصاف الحكمة من توحيد خفي وتلقائي لمختلف تقاليد التيارات الإسلامية المعارضة الأولى. من هنا كانت ردود فعله تتسم بقدر واحد من الابتعاد والاقتراب من الجميع، بحيث نعثر فيه على مواجهة نقدية تجاه السلطة والمجتمع والأفراد والجماعات والفرق المختلفة بقدر واحد! وهو نقد اتخذ مساره الخاص من خلال تحويل روافده صوب النفس والغوص في خلجانها والبحث فيها عن كل ما يعيق صفائها الأول. وهي المقدمة الضرورية لنقد الكلّ من خلال عرض النفس على مطالب الحكمة والقيم المتسامية بوصفه محك الاختبار الفعلي للفكر والتفكر والفكرة.

من هنا كان صمت الحسن البصري ونطقه نقدا كليا متكافئا للجميع. بحيث جعل منه ممثل الاحتجاج الأكبر في مرحلة الانتقال العاصفة من الخلافة إلى الملك. إذ كان هذا الاحتجاج يهدف أولا وقبل كل شيء إلى محق الغربة البليدة عن معاناة الأسلاف والتاريخ ومصالح الأمة وتراث الحقيقة. كما لو انه أراد القول، بأنه لا غابرون في التاريخ غير غبار الجهل وخواء العزيمة والخروج على منطق الأخلاق المتسامية. ولا قيمة لهذه المظاهر أمام ما تتوصل إليه الحكمة بوصفها استنطاق النفس الحرة. من هنا كان في احتجاجه أشبه ما يكون بالرمال المتراكمة للكينونة الإسلامية في قدرتها على امتصاص غبار الفتنة وحطامها التي كانت ترمي بها أفعال الأموية الهوجاء على سواحل الحياة الفعلية للروح. كما كان هذا الاحتجاج يكشف في كل مظاهره وخفاياه، لوامعه وملامحه عن ضحالة شواطئ الأموية وأمواجها. كما لو انه أراد القول، بأن الأموية لا يمكنها أن تكون بحر الأرض ولا قمر السماء. لهذا كانت أمواج المد والجزر العارمة تجري في أوهامها، لهذا لم يكن بإمكانها تحسس دور هذه الأمواج وما فيها من حياة وحيوية في صقل قاع الوجود وسماءه.

وفيما لو نقلنا هذه الصيغة البلاغية إلى ميدان الفكر والواقع، فإن حركة المد والجزر التي تزخر بها الحياة لم تكن بالنسبة للحسن البصري، سوى الحركة المتموجة لتناسب العقل والوجدان. الأمر الذي جعل منه الممثل النموذجي لوحدة وتناسب العقل والوجدان في مرحلة الانتقال العاصفة للدولة والمجتمع والثقافة والقيم. فقد حارب الأموية من خلال صياغة نموذج جديد للمعارضة يقوم في تحديد واستخلاص وتجانس موقفه من كل شيء، وفي كل مظاهر الروح والجسد والحياة العامة والخاصة[35]. وكان يصعب إدراج هذه المواقف في ما هو متعارف عليه بالنسبة لحركات المعارضة الأولى من شدة في المواجهة، وتحدي مباشر، ورد فعل في مواجهة سلوك الأموية الدموي بدماء قانية "نقية" من نقد الدينار والدرهم. لهذا وجدوا في مواقفه وكلماته وعباراته مجرد تعبيرا عن "لسان صامت". بحيث وجدت فيه بعض الحركات الشيعية الراديكالية "لسانا خانعا". من هنا قولهم "لولا سيف الحجاج ولسان الحسن البصري، ما قام لبني مروان أمر في الدنيا".

قد يكون ها التقييم الاستثناء الوحيد في تقييم "لسان" الحسن البصري، على خلاف ما هو متعارف عنه. وبالتالي ينبغي فهم عبارة "لولا سيف الحجاج ولسان الحسن البصري لما قامت لبني أمية قائمة!"، بمعايير الحماس الوجداني والمواجهة العنيفة التي كلفت حركات المعارضة السياسية والعسكرية للأموية ضحايا هائلة وعذابات مريرة. من هنا رغبتها في استعادة التقاليد القتالية ولغة البيان الحماسية وبلاغة العبارة القادرة على لسع الجسد الخامل والخائف للاندفاع بقوة الحس والإحساس، والعقل والضمير، والشهامة والمروءة إلى ميدان القتال العلني. إذ كان يصعب على هذه النفسية والذهنية فهم أقوال الحسن البصري المتسامية وتعاليها الغريب في عالم مريب يصعب عليه الاستمتاع بكلمات الرحمة والعفو. غير أن لرجال القدر التاريخي قدرهم في ألسنة العوام. وليس مصادفة فيما يبدو أن تبدع التقاليد العفوية لنزعة العفو المتسامية الرواية المختلقة عن "قبول" الإمام علي بن أبي طالب بقصص الحسن البصري، بعد دخوله البصرة والاستماع إلى خطبائها وقصاصيها. فالمكي يورد في (قوت القلوب) قائلا "لما دخل علي بن أبي طالب البصرة، جعل يخرج القصاص من المسجد ويقول "لا يقص في مسجدنا" حتى انتهى إلى الحسن وهو يتكلم في هذا العلم، فاستمع إليه ثم انصرف ولم يخرجه"[36]. والأغلب أنها رواية مختلقة، وذلك لأن عمر الحسن البصري لم يتجاوز آنذاك في أفضل الأحوال العشرين عاما. من هنا يمكننا القول، بأن هدف هذه الرواية يقوم في تأسيس أو غرس إحدى الصور الرمزية الهادفة إلى كشف ما يمكن دعوته بكلام الحسن البصري بوصفه نموذجا لمنطق الوجدان وليس نطق اللسان. فقد كان لسانه صيغة نقدية تتسامى على احتراب الفِرق مع البقاء ضمن تيار الحقيقة ووجدان الإخلاص الفردي لها. من هنا كان صمته ونطقه تعبيرا عن نقد الكلّ من خلال اختبار النفس، بوصفه أسلوب صيرورة المرجعية الروحية المتسامية في الفرد، وبالتالي صنع فردانية متميزة بين أقرانها. وكانت تلك الصيغة الأولية في تاريخ الثقافة الإسلامية التي حققها الحسن البصري من خلال تأسيس ما يمكن دعوته بفلسفة بكاء الوجود.

لقد أبكى الحسن البصري الوجود فأبكى الجميع. أنه استدّر عطف العوام والخواص من أجل تأمل الرذيلة القائمة في الوجود بوصفها رذيلة كامنة في النفس. وجعل منها مقدمة نقد الكلّ. وبهذا يكون الحسن البصري الفارس الروحي الذي استثار مختلف القوى الجديدة من أجل المشاركة في إحياء وإثراء بكاء الإرادة وقدرها التاريخي الذي وضعت أنغامه وأصواته حركات المعارضة الكبرى للشيعة والخوارج. وهو إحياء وإثراء نقدي. وذلك لأن النقد الأخلاقي الجديد للوجود عند الحسن البصري كان يقوم على فرضية أن الضلال هو ظلال الخطيئة الكامنة في النفس. من هنا كانت فلسفته عن بكاء الوجود ونعيه مبنية على أسس الموقف الفردي المحكوم بقيم الإخلاص للحق والمهّذب بمسالكه. ومن هنا أيضا وحدة بكاء النفس والروح والجسد وتأمله بمعايير السمو الباطني. فالإنسان بالنسبة له نفس وكلّ أخلاقي. وبالتالي ليست الإرادة الحقيقية سوى تحقيق وحدة العلم والعمل بالشكل الذي يجعل منها وحدة لا تجزئة فيها. بمعنى تحريرها من تجزئة الظاهر والباطن، والجزئي والكلي، والغاية والوسيلة وما شابه ذلك. وهو السرّ القائم وراء جعله تعرية النفس أسلوب نقدها الظاهري والباطني. انه أراد فضحها وليس اكتشافها. وهو موقف عملي ونظري لم يكن معزولا عن شخصيته ومعاصرته لمرحلة السيطرة الأموية وما لازمها من سيادة الإكراه، والجبر، والقهر، والقسوة الهمجية، والخروج على الشرعية، وشراء الذمم، واستفحال قوة النفس الغضبية، وصعود الإمبراطورية المتحررة من قيم الرؤية الشرعية وفكرة الدولة، وتفسخ النخبة السياسية(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] ولد الحسن البصري، كما يقول أبو طالب المكي عام 20 للهجرة، قبل يومين من بقية خلافة عمر بن الخطاب. وبهذا تكون ولادته قد رافقت الاستكمال والاستتباب الأول لفكرة الخلافة الإمبراطورية بوصفها جزء من صيرورة الإمبراطورية الثقافية. إذ لم تكن الوحدانية الإسلامية المتغلغلة في فكرة الغزو، سوى الباعث الروحي الكامن في صيرورة ما ادعوه بالخلافة الإمبراطورية. وقد كانت بدورها محكومة في أبعادها السياسية بفكرة الرشد، أي بالقانون والشريعة والانتماء للأمة، وفي أبعادها الدينية بفكرة الأمة الواحدة المتحررة من مختلف مكونات "الجاهلية". ومن ثم، فإنها كانت تحتوي في أعماقها على مرجعيات الروح الثقافي. مما جعل من ولادتها صيرورة مرادفة لبداية القرن التأسيسي للدولة الكبرى (توفي الحسن البصري عام 110 للهجرة). وهو تأسيس كامن في صيرورته الفردية وكينونته الفردانية. ومنهما تراكمت شخصيته الروحية والاجتماعية والسياسية، التي جعلت منه احد ممثلي الاحتجاج المنظومي على خروج الأموية عن صراط الرشاد في إدارة شئون الدولة، والخروج على منطق مرجعياتها الأولى القائمة في أولوية وجوهرية الشريعة والنظام والقانون والأمة وقيم الأخلاق الروحية والعملية.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص174.

[3] الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص23.

[4] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص265.

[5] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص98.

[6] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص134.

[7] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص155.

[8] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص155.

[9] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص157.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص234.

[11] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص199.

[12] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص199.

[13] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص171.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص241.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص425.

[16] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص147.

[17] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص97.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص424

[19] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص150.

[20] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص147.

[21] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص150.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص77.

[23] القشيري: الرسالة القشيرية، ص177.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص391.

[25] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص147-148.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4ن ص465.

[27] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص347.

[28] ثابت البناني – إحدى الشخصيات الأولى التي بلورت أسلوب تنقية الإرادة وهيكلة الروح الأخلاقي والمعرفي من خلال الوسيلة. فهو أول من جعل الصلاة أسلوبا لبلوغ الحق من خلال جعلها وسيلة الأنا الباحثة عن ارتباط وانسجام بالمطلق. وليس مصادفة ألا نعرف عنه أكثر من كونه مصليا عابدا. لهذا قيل عنه "من أراد أن ينظر إلى اعبد أهل زمانه فلينظر إلى ثابت البناني". وقد جعلته هذه الصفة كما يقول انس بن مالك "مفتاحا للخير". فقد قال انس بن مالك مرة:"إن للخير مفاتيح! وإن ثابتا مفتاح من مفاتيح الخير". وهو مفتاح فتح أولا وقبل كل شيء ذاته أمام ذاته من خلال حصر مكونات الروح والجسد وتذويبها في فعل الصلاة الدائمة، أي الخشوع أمام المطلق. من هنا قوله "لا يسمّ عابد أبدا عابدا، وإن كان فيه كل خصلة خير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان – الصوم والصلاة، لأنهما من لحمه ودمه". بعبارة أخرى، إن العبودية الحقيقية لله تفترض التحرر مما غيره من خلال جعل العلاقة بينما تسري في اللحم والدم، أي في كل وجدان الروح والجسد وكل حركة يقوما بها. وليس مصادفة أن يقول البناني إن "الصلاة خدمة الله في الأرض". من هنا كثرة الحالات الغريبة المنقولة عنه، مثل أن يقال عنه، بان ثابت البناني ربما يمشي فلا يمر بمسجد إلا دخل فصلى فيه. ربما مشى معه امرؤ فإذا عاد مريضا بدأ بالمسجد الذي في بيت المريض. فركع ثم يأتي المريض. من هنا قوله "كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة". لقد كانت الصلاة بالنسبة له سريان الروح في الروح. من هنا وحدة وتناغم المكابدة والسعادة فيها، بوصفها المعادلة التي صنعت صيرورته وكينونته. بحيث نراه يحصر رغبته الأبدية والغاية النهائية من وجوده في ديمومة الصلاة. من هنا دعاءه القائل:"اللهم إن كنت أعطيت احد من خلقك أن يصلي لك في قبره فأعطني ذلك". وقد جرى وضع أساطير على أساس هذا الدعاء مثل سماع الناس صلاته في القبر، وسماعهم لتلاوته القرآن وما شابه ذلك. لقد أراد ثابت البناني أن تكون حياته وموته وحدة متجانسة لديمومة العلاقة الوجدانية التامة بالمطلق. وهي العلاقة التي تجعل من موقف المثقف تجاهه كل شيء لوحة مرئية من وراء دموع الوجدان الدافئة. ويمكننا رؤية بعض الملامح الظاهرية لهذه الحالة في التصوير الذي قدمه البعض عنه عندما رسم لنا شخصية البناني الباكية بعبارة:"رأيت ثابتا البناني يبكي حتى أرى أضلاعه تختلف". وقد لا تكون هذه الحالة معزولة عن الأثر السحري الذي تركته عبارة أنس بن مالك الذي قال له مرة:"ما أشبه عينيك بعيني رسول الله"، فما زال يبكي حتى عمشت عيناه. لكنه عمش العيون المعذبة بعذوبة الرؤية الوجدانية التي ترغم المثقف الكبير على مواجهة سيلان الحياة وصلادة البشر! وهي المفارقة التي يواجهها على الدوام بوصفها امتحانه الدائم. وليس مصادفة أن تؤدي به هذه الحالة إلى إمكانية تلف العين. وعندما جاءوا بطبيب يعالجها، فانه قال له:

أعالجها على أن تطيعني!

وأي شيء؟

على أن لا تبكي!

فما خيرهما أن لم تبكيا.

وأبى أن يتعالج! وبنى موقفه هذا على أساس ما أسميته بالعلاقة التي تجعل من موقف المثقف تجاه كل شيء لوحة مرئية من وراء دموع الوجدان الدافئة. كما أنها العلاقة التي تجعله يتعامل مع ما هو موجود وممكن ومحتمل بمعايير الوحدة السارية للروح في كل مكونات ومسام الجسد. لهذا نراه يقول مرة لأصحابه:

إني لأعلم حين يذكرني ربي.

تعلم حين يذكرك ربك؟!

نعم!

متى؟

إذا ذكرته ذكرني! واني لأعلم حين يستجيب لي ربي.

تعلم حين يستجيب لك ربك؟!

نعم!

وكيف تعلم ذلك؟

إذا وجل قلبي واقشعر جلدي وفاضت عيناي وفتح لي في الدعاء!

(انظر، أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص318-233). 

[29] أيوب السختياني – إحدى الشخصيات التأسيسية الأولى للزهد الإسلامي والتصوف العملي. أنه من أولئك الذين أرسوا أسس التصوف الإسلامي من خلال تمرين الروح والجسد بمعايير الخروج على ما هو مألوف وعادي في فهم إشكاليات الوجود الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. فقد شارك إلى جانب المئات ممن يمكن دعوتهم بالرعيل الذائب في نحت الأفكار الجزئية والقيم العملية التي تناسبها. ومن الممن رؤية هذه النسبة في المقارنات والعبارات التي استعملها الحسن البصري عنه، وما قاله أيوب السختياني عن الحسن البصري. فقد قال الحسن البصري عنه مرة:"أيوب سيد شباب أهل البصرة"، بينما نرى السختياني يقول عن الحسن البصري:" هذا سيد الفتيان". وتعكس هذه العبارات رؤية الفرق بين الأبعاد المحلية والكونية. فقد كان أيوب السختياني محليا وجزئيا بمعايير الرؤية الكونية التي بلورها الحسن البصري. لكنه المكون الضروري الذي جعل منه عنصرا فعالا في بناء صرح المرجعيات الروحية المتسامية للثقافة العربية الإسلامية. فقد كان أيوب السختياني بنظر الكثيرين "جهبذ العلماء"، و"أفقه أهل البصرة في دينه" وأصدقهم. فقد كان ابن سيرين يقول عنه "حدثني الصدوق". بل تحول إلى قبلة الاستلهام العملي لأولياء الثقافة الروحية المتراكمة في مجرى تصادم المثقف والسلطة المميز للمرحلة الأموية. فعندما قيل لأحدهم:

نراك تتحرى لقاء العراقيين في الموسم؟

والله ما افرح في سنتي إلا أيام الموسم! القي أقواما قد نوّر الله قلوبهم بالإيمان. فإذا رأيتهم ارتاح قلبي منهم أيوب!

وينبغي فهم هذا اللقاء ضمن سياق المكانة التي احتلها أيوب السختياني في سلسلة الزهاد المصنوعة من معاناة التأمل العميقة لإشكاليات الوجود الفعلية والحياة العامة والخاصة. وليس مصادفة أن يقول بعضهم عنه "ما وعدت أيوب موعدا إلا وجدته قد سبقني إليه". بينما يقول عنه شخص آخر "ما رأيت رجلا قط اشد تبسما في وجوه الرجال من أيوب". وتعكس هذه البسمة بكاءه الروحي، بوصفها المفارقة التي يمكن تحسسها في وعيه الذاتي ونقده للنفس، أي مراقبتها بالشكل الذي يجعل منها كيانا مخفيا من ملاحقة العيون المتطفلة. من هنا قوله "ذكرت وما أحب أن اذكر"، وانه "إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل". بل نراه يقول عن يزيد بن الوليد بعد توليه الخلافة، وقد كانوا أصدقاء قبل ذلك "اللهم انسه ذكري". وهو موقف مبني على فكرته القائلة بأنه "لا يستوي العبد حتى يكون فيه خصلتان، اليأس مما في أيدي الناس، والتغافل عما يكون منهم". ولا يأس في هذا الموقف ولا انزواء بقدر ما يعكس تراكم المبدأ النظري والعملي في تنقيه النفس وجعلها روحا. من هنا بناءه هيكل الفضيلة الروحية والعملية بصمت. ووضع هذا المبدأ في عبارة تقول "ليتقي الله رجل وإن زهد، فلا يجعلن زهده عذابا على الناس، فلأن يخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه". ووجدت هذه المعادلة تعبيرها فيما يمكن دعوته بالنفي الدائم للسمو الروحي بوصفه طريق السير الأبدي صوب الحق، كما نراها في فكرته عن الزهد. فقد قال بهذا الصدد "الزهد في الدنيا ثلاثة أشياء، أحبها وأعلاها وأعظمها ثوابا عند الله- الزهد في عبادة من عبد دون الله من كل ملك، وصنم، وحجر، ووثن. ثم الزهد فيما حرم الله من الأخذ والعطاء. ثم يقبل علينا فيقول: زهدكم هذا يا معشر القراء فهو والله أخسّه عند الله! الزهد في حلال الله!". وقد احتوت هذه الفكرة في أعماقها على احتمال بلورة الفكرة القائلة، بأن حقيقة الزهد هي الزهد في الزهد. غير أن تجربة السختياني كانت تدور آنذاك في تنقية اللسان والتفكر بمعايير الروح الأخلاقي. من هنا إجابته على طلب احدهم أن يوصيه بشيء، قائلا:أقلّ الكلام! بينما أجاب في حالة أخرى على سؤال يتعلق بعدم مشاركته في جدل الآراء الدائر آنذاك في البصرة: قيل مرة للحمار: ألا تجتر؟ فقال: اكره مضغ الباطل". وقد جعله ذلك يرد مرة على رجل من أهل الأهواء:

أكلمك كلمة؟

ولا نصف كلمة!

من هنا أفكاره المناهضة لجدل اللاهوت الفارغ والانهماك المتعصب في شحذ كل ما يمكنه العمل على إفراغ العقل والروح من مهمة العمل. فنراه مرة يقول "ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا". وليس مصادفة أن يربط هذا "الابتداع" الزائف بكلمة الاجتهاد، أي الانهماك في مهنة التحريف والتخريف التي ميزت ما كان القدماء يدعونه بفن أو صنعة القصص والقصاصين. لهذا نراه يقول، بأنه "ما افسد على الناس حديثهم إلا القصّاص"، وانه "لا خبيث أخبث من قارئ فاجر". وجعله هذا الموقف يتهرب حتى من حديث أبي حنيفة. إذ تنقل عنه حادثة كيف أن أبا حنيفة دخل عليه مرة وهو بين أصحابه، فقال لهم:"قوموا بنا! لا يعدينا بجربه!". وهو سلوك لا تهرب فيه، بقدر ما انه كان يضع الحرف والكلمة على ميزان المعاملة الروحية. وهي معاملة تختزن المعرفة وتضعها دوما على محك التجربة الذاتية وتختبرها بامتحان الإرادة. لهذا نراه ينصح احد مريده قائلا "انك لا تبصر خطأ معلمك حتى تجالس غيره. جالس الناس!". بينما نسمعه يقول عن نفسه بهذا الصدد "لقد جالست الحسن البصري أربع سنين فما سألته هيبة له". بل ونراه يكثّف هذه المفارقة في عبارة تمثلت تجاربه بهذا الصدد عندما قال "إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون". وترك لنا هذه المفارقة في سلسلة روح المثقفين الأحرار وغيب التصوف. (يمكن الرجوع إلى بعض جوانب وشخصية أيوب السختياني في كتاب أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج3، ص3-14). 

[30] فرقد السبخي- من المقربين للحسن البصري، بمعنى الدوران في فلك تصوراته وشخصيته. غير أن ذلك لم يفقده بريقه الخاص ولمعانه الفردي في حلقات الزهد والزهاد. فهو من بين أوائل الزهاد الذين رفعوا فكرة الجوع إلى مصاف المبدأ. بمعنى بحثه عن مقومات الغريزة وأساليب قهرها. ولم يقف عند ذلك بل وجعل من هذه الأساليب أدوات في تهذيب الإرادة الظاهرة والباطنة. من هنا تركيزه إلى فكرة الخطورة الكاملة في الشبع. فنراه مرة يقول "الشبع أبو الكفر"، و"ويل لذي البطن من بطنه. إن أضاعه ضعف، وإن أشبعه ثقل". وحقق هذا الموقف بنفسه على نفسه بحيث نرى الحسن البصري يقول له مرة بعد أن دعاه إلى الطعام فنظر إلى فرقد وعليه جبة صوف:"يا فرقد! لو شهدت الموقف لخرقت ثيابك مما ترى من عفو الله". بينما نراه مرة يطيل الحديث مع من زاره. وعندما قالوا له:

حان وقت الغداء!

إنما طولت حديثي لكي تجوعوا فتأكلوا ما عندي.

ثم اخرج لهم فقط كسرة خبز شعير اسود. وعندما قالوا له:

ملح يا أبا يعقوب!

قد طرحنا في العجين ملحا مرة. لم تعنّوني أن اطلب لكم!

وهو مبدأ يرفع فكرة وممارسة الزهد إلى إحدى درجاته العليا من خلال التشديد على معارضة الدنيا بالآخرة. والمقصود بذلك نقد الانفصام الجلي بين الظاهر والباطن، والروح والجسد. من هنا مطالبته القوم بعبارة "اتخذوا الدنيا ظئرا والآخرة أما". ورفع هذه الفكرة إلى مصاف المطلب السياسي الروحي عندما قال مرة "إن ملوككم إنما يقتلونكم على الدنيا، فدعوهم والدنيا". وأرجعه هذه المبدأ إلى أعماق النفس من خلال إبراز جوهرية العلم والعمل. فنسمعه مرة يقول "إني رأيت الليلة في المنام كأن مناديا ينادي من السماء: يا أصحاب القصور، يا أصحاب القصور! يا أشباه اليهود، إن أعطيتم لم تشكروا، وإن ابتليتم لم تصبروا، ليس فيكم خير بعد العذاب!". وفي حالة أخرى نراه يشدد على ضرورة ترتيب علاقة الإنسان بذاته من خلال إبراز أولوية العمل لكي تستقيم الإرادة مع ذاتها. فنسمعه يخاطب الناس قائلا:"إنكم لبستم ثياب الفراغ قبل العمل! الم تروا إلى الفاعل إذا عمل كيف يلبس أدنى ثيابه، فإذا فرغ اغتسل ولبس ثوبين نقيين. وانتم تلبسون ثياب الفراغ قبل العمل". مما جعله شديد اليقظة تجاه النفس بحيث قال مرة "ما انتبهت من نوم لي قط، إلا ظننت مخافة أن أكون قد مسخت!". وتحتوي هذه اليقظة في أعماقها على ما يمكن دعوته بمعاناة الهموم الكبرى من اجل تنسيق وانسجام الإرادة وغاياتها، والظاهر والباطن، والفرد والأمة، كما نراها على سبيل المثال في الأحاديث التي اشترك في إسنادها مثل الحديث القائل "قل لعبادي الصالحين لا يغتروا بي، وقل لعبادي المذنبين لا ييأسوا من رحمتي"، و"من أصبح وهمه غير الله فليس من الله. ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم"، وأن "أول من يقرع باب الجنة عبد أدى حق الله وحق مواليه"، و"ملعون من ضارّ مسلما أو ماكره". إننا نرى في هذه المواقف والآراء على هموم فرقد السبخي الكبرى والصغرى، أي كل تلك الهموم التي تتكامل في الشخصية وتصنع وحدة الغربة والغرابة من اجل ألا يكون غريبا عن الكلّ. من هنا قوله "الغريب من ليس له حبيب!". (حول بعض جوانب شخصية فرقد السبخي،انظر أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج3، ص44-54).

[31] عبد الواحد بن زيد – ينتمي، كما كان الحال بالنسبة للبناني وفرقد السبخي إلى ما يمكن دعوته بمدرسة الحسن البصري، أي العيش بمعايير الرؤية الأخلاقية المتسامية والغوص في أعماق النفس والتفتيش الدائم في مكوناتها من اجل ترميم خراب الدنيا بعمارة الدين. وقد عكست هذه الثنائية تصادم واختلاف الروح والجسد، والعابر والدائم، من خلال تذليل خلافهما عبر توحيد صيرورة الروح العملية وكينونته المعرفية، أي التمثل الأخلاقي العملي لمرجعيات المدرسة العقلية البصرية. فقد كان عبد الواحد بن زيد الحلقة المكملة لثابت البناني. وكلاهما يصبان في تيار تأسيس قيمة العبادة بوصفها وسيلة وأسلوب التنقية الروحية المعرفية. من هنا جوهرية الصلاة. لهذا قيل عنه، بأنه صلى صلاة الصبح بوضوء العتمة أربعين سنة! ولهذا السبب كان ينشد:

ينام من شاء على غفلة   والنوم كالموت فلا تتكل

تنقطع الأعمال فيه كما   تنقطع الدنيا عن المنتقل

ووضع هذه الفكرة في أساس موقفه من علاقة الحياة بالموت، والظاهر بالباطن. من هنا قوله:"فرّق النوم بين المصلين ولذتهم في الصلاة". بمعنى سعيه لديمومة العلاقة الوجدانية بالله بوصفها أسلوب تكامل الشخصية. من هنا مناجاته لله بعبارة:"وعزتك لا أعلم لمحبتك فرحا دون لقائك". وهي علاقة تذلل الوسائل والوسائط من خلال تذويبها فيما يمكن دعوته بصيرورة الإرادة الفاعلة بمعايير الإخلاص المجرد من كل ما يمكنه تعكير كينونة الروح الأخلاقي، بوصفها المقدمة الضرورية لإرساء أسس المرجعيات الروحية في الأفراد، أي في كل  تلك الكوكبة التي ساهمت في بناء ثقافة الروح الإسلامي.   

[32] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص149.

[33] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج 1، ص150.

[34] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج 1، ص149. هنا يمكن رؤية "السلسلة" الصوفية ولكن ليس بمعايير المشيخة، بل بمعايير الروح والأثر الشخصي. إذ من الممكن فهم طبيعة هذه العلاقة ليس فقط بمعايير القضايا والطريقة التي تناول بها الحسن البصري علاقته بالله والأمة والنفس، بل وبارتقائها إلى مستوى الفردانية في تمثل تقاليد الأمة (الشريعة) وتحقيقها الفردي (الحقيقة) بوصفها أسلوبه الخاص (الطريقة).

[35] ليس مصادفة أن يكون الحسن البصري أحد مصادر الاعتزال والتصوف. إذ يمكننا رؤية أثره في الاعتزال من خلال إدراك قيمة العقل والحرية والموقف الشخصي الأخلاقي. كما يمكننا العثور عليه في سرّ بحث المعتزلة اللاحق عن الأسباب أو علة وجود الأشياء كلها. أما بالنسبة للتصوف، فإن أثره يبرز ليس فقط في تحوله إلى إحدى حلقات السلسلة الروحية للأولياء، بل وإلى "الناطق" الأول في مختلف علومها المتعلقة بالنفس والسموّ الروحي.

[36] ابو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص148