ضياء نافعورد اسم علي الشوك في كتاب المستعربة الاذربيجانية الروسية الدكتورة الميرا علي- زادة الموسوم (الادب الروسي والعالم العربي) والصادر عام 2014عن معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية . لقد ذكرته المستعربة علي – زادة ضمن اسماء الادباء والباحثين العراقيين، الذين ساهموا بالكتابة عن الادب الروسي، وقد أشرت اليهم جميعا في مقالاتي عن هذا الكتاب الروسي المهم في تاريخ العلاقات الادبية العربية - الروسية (انظر مقالاتنا بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي 1،2،3،4،5)، وتوقفت في تلك المقالات عند بعض الاسماء، وناقشت مؤلفة الكتاب بشأن ما ورد عنهم في كتابها، ولكني لم استطع طبعا ان اتوقف بالتفصيل عند كل الاسماء العراقية هناك ومن جملتهم علي الشوك، هذا الكاتب المتميّز في دنيا الادب والفكر في العراق المعاصر، والذي ذكرته د. الميرا علي- زاده باعتباره مترجما لمقالتين ليس الا حول الادب الروسي منشورتين في مجلتين عراقيتين هما الاقلام والثقافة الجديدة، وهذا طبعا لا يتناسب بتاتا ومكانة علي الشوك في هذا المجال . لقد أشرت بشكل عابر جدا الى ان الشوك قدّم مساهمات عميقة حول عدة اسماء كبيرة في الادب الروسي، ومن جملتهم أخماتوفا، واريد هنا ان اتحدث حول مقالته عن الشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا فقط، والتي جاءت بعنوان – (كنت امتلك كل شئ / نموذج عن معاناة اديب زمن الدكتاتورية)، اذ ان هذه المقالة بحد ذاتها تستحق ان نتوقف عندها فعلا بعمق وتأمّل لتحديد موقف علي الشوك ليس فقط بالنسبة للشاعرة أخماتوفا وحسب، وانما بالنسبة لمجمل الادب الروسي في القرن العشرين، او بتعبير أدق، الادب الروسي في الفترة السوفيتية بالذات . 

يجب الاشارة قبل كل شئ، ان هذه المقالة تحدثت عن أخماتوفا وما حولها من ظواهر تتعلق بالادب الروسي عامة، وقد تطرق الشوك الى تلك الظواهر بقلمه الساحر الرقيق والدقيق والواضح، وبالتالي، فانه يمكن القول، ان هذه المقالة هي صورة قلمية شجاعة رسمتها ريشة يساري عراقي (وهو يسمّي نفسه هكذا في تلك المقالة) عن كل الادب الروسي في القرن العشرين منطلقا من افكاره الذاتية البحتة فقط، ودون ان يأخذ بنظر الاعتبار الآراء الفكرية التقليدية (الراسخة !!!) في حركة اليسار العراقي والعربي عموما . يتناول الشوك في مقالته تلك مفهوم (الحزبية في الادب)، وهو المبدأ الذي كان سائدا طوال الفترة السوفيتية، ويذكر الشوك بصراحة دقيقة ومتناهية، ان لينين نفسه قد طرح هذا المبدأ، ويشير الى مقالة لينين المحددة بشأن هذا المفهوم، ويذكر(ان لينين كتب في 1905 مقالا بعنوان (التنظيم الحزبي وادب الحزب) . اصبح هذا المقال وثيقة (مقدّسة)، جاء فيها، ان الادب ينبغي ان يخضع بالكامل للاهداف السياسية، ويصبح اداة للدعاية الثورية، الادب ينبغي ان يخضع للايديولوجيا الثورية . أنا كيساري احزنني جدا ما لقيه المثقفون الروس من معاملة ..) . لقد كان الشوك رقيقا ومؤدبا جدا ومتواضعا، ولم يقل بشكل مباشر، انه لا يتفق مع لينين في طرحه لتلك المفاهيم، ولكنه قال – (انا كيساري احزنني جدا ما لقيه المثقفون الروس من معاملة ..)، ويتحدث الشوك في مقالته تلك عن مواضيع انبثقت بالذات من سيطرة هذا المفهوم على مسيرة الادب الروسي، ويذكر مثلا موقف ماياكوفسكي، وهو شاعر الثورة الاشتراكية كما هو معروف في الاوساط اليسارية، ويقول الشوك عنه، ان (ماياكوفسكي المسكين انتحر لانه لم يتحمل وضعه كمصفق للنظام)، وهي جملة عابرة جاءت في ثنايا تلك المقالة، لكن تسمية ماياكوفسكي ب (المسكين!!!) وربط انتحاره برفضه ان يكون (مصفقا للنظام)، تعبّر بلا شك عن رأي جرئ جدا وواضح المعالم حول انتحار ماياكوفسكي، وهذا رأي لم يتقبله النظام السوفيتي وايديولجيوه، ولم يعترفوا به ابدا، ولم يعترف به اليسار العربي ايضا (نتيجة لذلك الموقف السوفيتي طبعا)، ولكن الشوك يشير اليه بوضوح وبساطة ودقة ودون اي صيغة شك او تردد او عدم قناعة، وهذه كلها كلمات شجاعة وحقيقية يكتبها الشوك بموضوعية هادئة، ويشير بعد الجملة عن ماياكوفسكي الى انتحار الشاعر يسينين ورئيس اتحاد الادباء السوفيت فادييف .

ان مقالة الشوك هي عن أخماتوفا كما ذكرنا أعلاه، ولكن الشوك استطاع بمهنية ومهارة عالية جدا (دون ان يثير أحدا ضده !) ان يعبّر عن آرائه بالنسبة لكل سمات الادب الروسي في تلك المرحلة، أما عن أخماتوفا، فقد أشار الى وضعها الصعب ايضا، وقال انه لم يقرأ بما فيه الكفاية شعرها، وبالتالي لم يتكلم عنه، ولكنه تكلم عن تلك القسوة التي تعامل معها النظام السوفيتي آنذاك، وخصوصا في زمن ستالين، واكرر- ختاما - هنا الجملة التي استشهدت بها، وهي التي عبّر فيها الشوك عن حزنه، اذ قال (أنا كيساري أحزنني جدا ما لقيه المثقفون الروس من معاملة، مثل أخماتوفا وزملائها ...).

ان الخطوط العامة لافكار علي الشوك هذه تتناسب مع السمات العامة السائدة في روسيا المعاصرة حول تلك الفترة المحددة لمسيرة الادب الروسي بعد أكثر من ربع قرن من انتهاء الاتحاد السوفيتي وايديولوجيته، ولهذا، يمكن القول، ان افكار علي الشوك حول الادب الروسي تلك كانت تنبؤية بشكل عام، وذلك شئ يثير الاعتزاز والفخر بهذا المثقف والكاتب العراقي الكبير... 

 

أ. د. ضياء نافع