حامد الحمدانيبعد كل الإجراءات التي أقدم عليها عبد الكريم قاسم بضرب الحزب الشيوعي، وانتزاع كافة المنظمات والاتحادات النقابية والطلابية، وتسليمها للقوى الرجعية، وبعد أن أزاح كل القيادة العسكرية والأمنية التي كان يشك بعلاقتها بالحزب، وبعد أن ازاح كل رؤساء الدوائر ذوي الفكر التقدمي، وأعاد تلك العناصر المعادية التي كانت في مراكزها قبل الثورة، وبعد أن امتلأت السجون بالمناضلين الذين ذادوا عن الثورة وحموها من كيد أعدائها، بات نظام عبد الكريم قاسم معزولاً عن الجماهير، وبات استمرار بقائه في الحكم في مهب الريح الصفراء التي أخذت تقترب شيئاً فشيئا بعد أن هيأ لها قاسم الظروف المواتية للانقضاض على الثورة واغتيالها في انقلاب عسكري دموي خططت له الدوائر الامبريالية، ونفذته العناصر العميلة من البعثيين والقوميين والقوى الرجعية الأخرى.   

ولا شك في أن الدور الأول في الإعداد للانقلاب كان لشركات النفط، بعد أن أقدم عبد الكريم قاسم على إصدار قانون رقم 80 لسنة 1961، بعد صراع مرير مع تلك الشركات، والتهديدات التي وجهتها إلى حكومة الثورة ذلك لأن النفط بالنسبة للدول الإمبريالية أمر لا يفوقه أهمية أي أمر آخر، ولذلك نجد أن جَلّ اهتمام تلك الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، هو الاستحواذ على منابع النفط، وإحكام سيطرتهم عليها.

ولما جاءت ثورة الرابع عشر من تموز، واتخذت لها خطاً مستقلاً، بعيداً عن الهيمنة الإمبريالية، هالهم الأمر، وصمموا منذُ اللحظات الأولى على إجهاض الثورة، والقضاء عليها، وبالفعل نزلت القوات البريطانية في الأردن، والأمريكية في لبنان، وحشدت تركيا قواتها العسكرية على الحدود العراقية من أجل العدوان على العراق.

إلا أن موقف الاتحاد السوفيتي المساند للحكومة الثورية الجديدة، وتحذيره للامبريالين من مغبة العدوان على العراق، وحشد قواته على الحدود التركية، وتحذيرها من أي محاولة للتدخل والعدوان، كل تلك الإجراءات أسقطت في يد الإمبريالية، وجعلتهم يفكرون ألف مرة، قبل الإقدام على أي خطوة متهورة.

وهكذا جاءت الريح كما لا تشتهي السفن، كما يقول المثل، غير أن الإمبرياليين لم يتركوا مسألة إسقاط الثورة أبداً، بل بادروا إلى تغير خططهم بما يتلاءم والظروف الجديدة لإسقاط الثورة من الداخل مجندين حزب البعث، وطائفة من القوى القومية لتنفيذ أهدافهم الشريرة.

أختار الانقلابيون الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة الموافق للثامن من شباط 1963، وكانت لهم حساباتهم في هذا الاختيار، فيوم الجمعة يوم عطلة ولا يتواجد في المعسكرات سوى الضباط الخفر، وكانوا قد رتبوا مسبقاً خفارة الضباط المتآمرين في ذلك اليوم، ليسهل عليهم عملية تنفيذ الانقلاب كما أن قيام الانقلاب في الساعة التاسعة صباحاً أمر غير متوقع، حيث جرت العادة بوقوع الانقلابات العسكرية في الساعات الأولى من الفجر، ورغم أن الحزب الشيوعي كان قد أصدر بياناً في 3 كانون الثاني 963 وزع بصورة علنية، وعلى نطاق واسع، محذراً من خطورة الوضع ومما جاء فيه:

{هناك معلومات متوفرة تشير إلى الكتائب المدرعة في معسكرات بغداد، ولواء المشاة التاسع عشر الآلي قد أصبحت مراكز لنشاط عدد كبير من الضباط الرجعيين، والمغامرين الذين يأملون تحويل هذه المراكز إلى قواعد انطلاق لانقضاض مفاجئ على استقلال البلاد، ولقد حددوا موعداً بعد آخر لتحقيق هذا الغرض، وللموعد الحالي مغزى خاص نظراً لخطورة الأزمة السياسية الراهنة وعدد الزيارات التي يقوم بها كبار الجواسيس الأمريكيين لبلدنا، ووجه الحزب نداءه لعبد الكريم قاسم لأجراء تطهير واسع، وفعال في صفوف الجيش}.

إلا أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ بذلك التحذير مأخذ الجد، معتقداً أن ذلك لا يعدو أن يكون تهويلاً يستهدف أهدافاً حزبية ضيقة.

كان الأولى بعبد الكريم قاسم استنفار كل الأجهزة، والقوات العسكرية، وسائر الضباط الذين لا يشك بولائهم للثورة، وخاصة قائد القوة الجوية، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.

وُزعت الأدوار على الضباط الانقلابيين، ومنظمات حزب البعث، وأفراد الحرس القومي، الذي أُعد مسبقاً ودُرب وجُهز بالسلاح!!، وجعلوا ساعة الصفر اغتيال قائد القوة الجوية الشهيد [جلال الاوقاتي].

كان البعثيون قد رصدوا حركته، حيث أعتاد صباح كل يوم جمعة أن يخرج لشراء الفطور بنفسه، وترصدوا له ذلك اليوم وهو خارج وبصحبته ولده، حيث أطلقوا عليه النار، وأردوه قتيلاً في الحال، وجرى الاتصال بالزمرة الانقلابية، وتم إبلاغهم باغتيال الاوقاتي، وعند ذلك تحرك المتآمرون، حيث قاموا بقطع البث من مرسلات الإذاعة في أبو غريب، وتركيب تحويل في مرسلات الإذاعة، وبدأ البث فيها من هناك قبل استيلائهم على دار الإذاعة.

وفي نفس الوقت قام منذر الونداوي، بطائرته من قاعدة الحبانية، وحردان التكريتي من القاعدة الجوية في كركوك بقصف مدرج مطار الرشيد العسكري، وتم حرثه بالقنابل، لشل أي تحرك للطيارين الموالين للسلطة، وبعد أن تم لهم ذلك بادروا إلى قصف وزارة الدفاع.

وفي تلك الأثناء سمع عبد الكريم قاسم أصوات الانفجارات باتجاه معسكر الرشيد، فبادر على الفور بالذهاب إلى وزارة الدفاع، وتحصن فيها، وكان ذلك الإجراء في غاية الخطورة، إذ كان الأجدى به أن يتوجه بقواته المتواجدة في وزارة الدفاع إلى معسكري الرشيد، والوشاش، القريبين من مركز بغداد، والسيطرة عليهما، ومن ثم الانطلاق نحو الأهداف التي تمركز فيها الانقلابيون، بالاستناد إلى جماهير الشعب الغفيرة التي هبت حال سماعها بنبأ الانقلاب تطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين.

لكن عبد الكريم قاسم حصر نفسه في وزارة الدفاع، على الرغم من تحذير الزعيم الركن الشهيد [طه الشيخ أحمد] مدير الحركات العسكرية، الذي أشار عليه إلى ضرورة استباق المتآمرين ومهاجمتهم قبل توسع الحركة وسيطرتهم على معسكري الوشاش والرشيد القريبين جداً من بغداد، لكن عبد الكريم قاسم لم يأخذ بنصيحته مما سهل على الانقلابيين تطويق الوزارة، وقصفها بالطائرات والمدفعية، قصفاً مركزاً، حتى انهارت مقاومة قواته.

ربما أعتقد عبد الكريم قاسم أن وجوده في وزارة الدفاع المحصنة، يمكّنه من الاتصال بالوحدات العسكرية الموالية له!! ولكن خاب ظنه، بعد كل الذي فعله بإبعاد كل العناصر الوطنية الصادقة والمخلصة، واستبدلهم بعناصر انتهازية، لا مبدأ لها، ولا تدين بالولاء الحقيقي له، وللثورة، فقد سارع معظمهم إلى إرسال برقيات التأييد للانقلابيين، وانكفأ البعض الأخر في بيته، وكأن الأمر لا يعنيه، سواء بقي عبد الكريم قاسم، أم نجح الانقلابيون.

لقد أنتحر عبد الكريم قاسم، ونحر معه الشعب العراقي وكل آماله، وأحلامه التي ضحى من أجلها عقوداً عديدة مقدماً التضحيات الجسام.

كانت جموع غفيرة من أبناء الشعب قد ملأت الساحة أمام وزارة الدفاع، والشوارع المؤدية لها وهي تهتف للثورة وقائدها عبد الكريم قاسم، وتطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين. فقد حدثني أحد رفاقي الذي كان متواجداً في تلك الساعة مع الجماهير المحيطة بالوزارة، والمستعدة للتضحية والفداء دفاعاً عن الثورة فقال:

تجمعنا حول وزارة الدفاع حال سماعنا بوقوع الانقلاب، وكانت أعدادنا لا تحصى، فلقد امتلأت الشوارع والطرقات بآلاف المواطنين الذين جاءوا إلى الوزارة وهم يهتفون بحياة الثورة وقائدها عبد الكريم قاسم، ويطالبونه بالسلاح للدفاع عن الثورة منادين {باسم العامل والفلاح، يا كريم أعطينا سلاح}، كان الجو رهيباً والجموع ثائرة تريد السلاح للانقضاض على المتآمرين، وكان عبد الكريم يرد عليهم :{ إنهم مجرد عصابة مأجورة لا قيمة لها، وسوف نقضي عليهم في الحال}.

وهكذا أخطأ عبد الكريم مرة أخرى في حساباته، ولم يستمع إلى صوت الشعب، وتحذيره، ولم يقدر خطورة الوضع، وكان لا يزال على ثقة بأولئك الذين أعتمد عليهم، وبوأهم أعلى المناصب السياسية والعسكرية والإدارية، سوف يؤدون واجبهم لحماية الثورة، وسحق المتآمرين، ولكن تلك الزمر الانتهازية الخائنة أسفرت عن وجهها الحقيقي، فقسم منها أشترك اشتراكاً فعلياً مع المتآمرين، والقسم الآخر آثر الجلوس على التل دون حراك، فلا تهمهم الثورة، ولا الشعب، ولا عبد الكريم قاسم.

ثم يضيف رفيقي قائلاً: في تلك الأثناء وصلت أربع دبابات، تحمل في مقدمتها صور عبد الكريم قاسم، استخدمتها لتضليل جماهير الشعب لكي يتسنى للانقلابيين عبور الجسر نحو جانب الرصافة حيث وزارة الدفاع، وكانت الجماهير قد أحاطت بالجسور، وقطعتها، واعتقدت أن هذه الدبابات جاءت لتعزز موقف عبد الكريم قاسم.

وعندما وصلت تلك الدبابات إلى وزارة الدفاع، استدارت ظهرها نحو الوزارة، وبلحظات بدأت رشاشات [الدوشكا] المنصوبة عليها تطلق رصاصها الكثيف على الجماهير المحتشدة، وتخترق أجسادهم بالمئات.

لقد غطت الجثث والدماء تلك الشوارع والساحة المقابلة لوزارة الدفاع، خلال عشرة دقائق لا غير، وكانت مجزرة رهيبة لا يمكن تصورها، ولا يمكن أن يدور في خلد أي إنسان أن يجرأ المتآمرون على اقترافها.

ولم تكتفِ دبابات المتآمرين بما فعلت، بل جاءت الطائرات لتكمل المجزرة موجهة رشاشاتها حتى نحو الجرحى الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة.

ثم بدأ بعد ذلك القصف المركز على وزارة الدفاع بالطائرات ومدافع الدبابات التي أحاطت بالوزارة من جانبي الكرخ والرصافة وبدأت القذائف تنهال عليها، والقوات المتواجدة داخلها ترد على القصف بما تملك من أسلحة وعتاد، إلا أن المقاومة بدأت تضعف شيئاً فشيئاً، دون أن يأتي أي إسناد من أي من القطعات العسكرية التي كان عبد الكريم يعتمد عليها، لأنه كان في وادٍ، وأولئك الخونة في وادٍ آخر، وادي الخونة والمتآمرين.

وفيما كانت عملية القصف تتواصل، تقدمت قوات أخرى نحو معسكر الرشيد، ومقر الفرقة الخامسة، واللواء التاسع عشر، وحيث هناك المعتقل رقم واحد، الذي كان عبد الكريم يحتجز فيه عدد من الضباط البعثيين، والقوميين، حيث تم إطلاق سراحهم ليشاركوا في الانقلاب، وتمكنت قوات الانقلابيين من السيطرة على المعسكر، ومقر الفرقة، ووقع بأيديهم مجموعة من الضباط الوطنيين المعتقلين هناك، حيث نفذ الانقلابيون مجزرة أخرى بالعديد منهم، ومُورس التعذيب الشنيع بالبعض الأخر.

الحزب الشيوعي يتصدى للانقلابيين ويصدر بياناً يدعو إلى مقاومتهم:!

منذُ اللحظات الأولى لوقوع الانقلاب سارع الحزب الشيوعي إلى إصدار بيان وُزع على جماهير الشعب صباح ذلك اليوم دعا فيه القوات العسكرية الوطنية، وجماهير الشعب إلى التصدي للانقلابيين بكل الوسائل والسبل، ومما جاء في البيان:

{إلى السلاح! اسحقوا المؤامرة الرجعية الإمبريالية.

أيها المواطنون، يا جماهير شعبنا العظيم المناضل، أيها العمال، والفلاحون والمثقفون، وكل الوطنيين والديمقراطيين الآخرين:

لقد دق جرس الخطر ...استقلالنا الوطني يتعرض للخطر العظيم، إنجازات الثورة تحدق بها المخاطر.

لقد قامت عصابة حقيرة من الضباط الرجعيين والمتآمرين بمحاولة يائسة للاستيلاء على السلطة استعداداً لإعادة بلدنا إلى قبضة الإمبريالية والرجعية بعد أن سيطروا على محطة البث الإذاعي في أبو غريب، وانكبوا على إنجاز غرضهم الخسيس، فإنهم يحاولون الآن تنفيذ مجزرة بحق أبناء جيشنا الشجاع.

يا جماهير شعبنا المناضل الفخور! إلى الشوارع، اقضوا بحزم وقسوة على المتآمرين والخونة، طهروا بلدنا منهم، إلى السلاح دفاعاً عن استقلال شعبنا ومكتسباته، شكلوا لجان دفاع في كل ثكنة عسكرية، وكل مؤسسة، وكل حي وقرية، وسيُلحق الشعب، بقيادة قواه الديمقراطية، الخزي والهزيمة بهذه المؤامرة الجبانة، كما فعل بمؤامرات الكيلاني، والشواف وآخرين.

إننا نطالب بالسلاح}. ودعا البيان رفاق وجماهير الحزب إلى الاستيلاء على الأسلحة من مراكز الشرطة وتوزيعها على الجماهير، إلا أن ذلك الإجراء لم يكن في مستوى الأحداث، فلم يكن الحزب قد كدس السلاح، كما فعل الانقلابيون خلال ثلاث سنوات، ولا شك أن قيادة الحزب تتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية في عدم أخذ الاحتياطات اللازمة لمنع الانقلابيين من تنفيذ جريمتهم، ولاسيما وأن الحزب كان على علم بما يجري في الخفاء، وأنه كان قد أصدر بياناً قبل أيام يحذر فيه من وقوع مؤامرة ضد الثورة.

فما هي الإجراءات التي اتخذتها قيادة الحزب لتعبئة رفاقه وجماهيره، وخاصة في صفوف الجيش؟ في الوقت الذي كان الحزب لا يزال يتمتع بنفوذ لا بأس به داخل صفوف الجيش، على الرغم من تصفية عبد الكريم قاسم لمعظم القيادات الشيوعية فيه.

ورغم كل ذلك، فقد أندفع رفاقه وجماهير الشعب التي كانت تقدر بالألوف للذود عن حياض الثورة بكل أمانة وإخلاص، ووقفوا بجانب عبد الكريم قاسم، بل أستطيع أن أقول أن الشيوعيين كانوا القوة السياسية الوحيدة التي وقفت بجانبه، رغم كل ما أصابهم منه من حيف خلال السنوات الثلاثة الأخيرة من عمر الثورة.

لقد أندفع معظم الضباط، وضباط الصف، والمسرحين من الخدمة العسكرية إلى الالتحاق بالمقاومة وحماية الثورة، بناء على دعوة الحزب، وقدموا التضحيات الجسام، وسالت دماؤهم على ساحات المعارك مع الانقلابين.

كان كل ما يعوز جماهير الشعب هو السلاح الذي كانوا يفتقدونه، ورغم كل النداءات التي وجهوها إلى عبد الكريم قاسم للحصول على السلاح لمقاومة الانقلابيين في أول ساعات الانقلاب، إلا أن نداءاتهم ذهبت أدراج الرياح.

ربما كان قاسم يتوقع من أولئك الذين أعتمد عليهم، في القوات المسلحة أن يقمعوا الانقلاب، ولكنهم كانوا في وادٍ آخر، وربما خاف قاسم من إعطاء السلاح للحزب الشيوعي على مستقبله السياسي إذا ما تم قمع الانقلاب على أيدي الشيوعيين، وفي كلتا الحالتين كان قاسم مخطئاً، ودفع حياته، ومستقبل الشعب ثمناً لتلك الأخطاء التي أرتكبها طيلة فترة حكمه.

وفي الوقت الذي كان فيه القصف المركز يجري على وزارة الدفاع، والقوات الانقلابية تحيط بها، حاول عبد الكريم قاسم تسجيل خطاب يوجهه إلى الشعب والقوات المسلحة يدعوهم لمقاومة الانقلابيين، وقد تم تسجيل ذلك الخطاب على شريط [كاسيت]، تحت أصوات الانفجارات والقصف، وأرسله إلى دار الإذاعة مع الرائد [سعيد الدوري]، الذي تبين فيما بعد أنه من المشاركين في الانقلاب، حيث سلمه للانقلابيين، كما أن دار الإذاعة كانت قد احتلت من قبل الانقلابيين، ولذلك لم يتسنَ إذاعة الخطاب.

لقد فات الأوان، واستولى الانقلابيين على دار الإذاعة، ووقع الشريط الذي يحوي الخطاب بين أيديهم، وربما كان بالإمكان لو لم تقع دار الإذاعة بأيدي الانقلابيين، وتم إذاعة البيان، أن تتحرك بعض القطعات العسكرية الموالية له، وتتصدى للانقلابيين.

كان الانقلابيون يدركون مدى تعلق الشعب العراقي وجيشه بثورة 14 تموز وقيادتها رغم كل الأخطاء التي أرتكبها عبد الكريم قاسم يحق القوى الوطنية المخلصة حقاً وفعلاً، فالكل يركب سفينة الثورة، التي إذا غرقت غرق الجميع، ولذلك نجد الانقلابيين يعلنون في أول ساعات الانقلاب عن مقتل عبد الكريم قاسم، لكي يمنعوا أي تحرك عسكري لإسناده، مثل ما فعلوا عندما تقدمت دباباتهم وهي تحمل صور عبد الكريم قاسم لخدع جماهير الشعب حتى تتمكن من الوصول إلى وزارة الدفاع.

ورغم كل ذلك فقد اندفعت جماهير الشعب تقارع الانقلابيين بكل ما أوتيت من عزم وقوة رغم أنها كانت عزلاء من السلاح، وخاضت المعارك معهم بالبنادق والعصي والحجارة فيما قابلتهم الدبابات والمصفحات منزلة بهم خسائر فادحة في الأرواح بلغت عدة آلاف من أبناء الشعب.

أما [الحرس القومي] الذي شكله الانقلابيون فقد أندفع أفراده إلى الشوارع وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا على الأسلحة، وبدأوا يهاجمون جماهير الشعب بكل عنف وقوة موجهين نيران أسلحتهم نحو كل من يصادفونه في طريقهم.

واستمرت مقاومة الشعب في بعض مناطق بغداد، وخاصة في مدينة الثورة والشاكرية والكاظمية، وباب الشيخ، وعقد الأكراد والحرية والشعلة، لعدة أيام، ولم يستطع الانقلابيون قمع المقاومة إلا بعد أن جلبوا الدروع لتنفث نار القنابل الحارقة فوق رؤوسهم، وأصدر الانقلابيون بيانهم المشؤوم رقم 13 الذي يدعو إلى إبادة الشيوعيين الذين تصدوا للانقلاب منذُ اللحظات الأولى، وشنوا على الحزب الشيوعي حرب إبادة لا هوادة فيها، حيث اعتقلوا ما يزيد على نصف مليون مواطن، بينهم 1350 ضابطاً عسكرياً من مختلف الرتب، وجرى تعذيب المعتقلين بأساليب بشعة لا يصدقها أحد، واستشهد جراء ذلك المئات من المناضلين تحت التعذيب الشنيع، وكان من ضحايا التعذيب كل من الشهداء[سلام عادل]السكرتير العام للحزب الشيوعي، حيث قطع الانقلابيون يديه ورجليه، وفقأوا عيناه في محاولة لانتزاع الاعترافات منه عن تنظيمات الحزب، واستشهد أيضاً من أعضاء اللجنة المركزية كل من: جمال الحيدري، ومحمد صالح العبلي، ونافع يونس، وحمزة سلمان، وعبد الجبار وهبي المعروف بـ [أبو سعيد]، وعزيز الشيخ ومتي الشيخ، ومحمد حسين أبو العيس، وجورج تللو، وعبد الرحيم شريف، وطالب عبد الجبار، بالإضافة إلى المئات من الكوادر الحزبية ورفاق الحزب، قضوا جميعاً تحت التعذيب الوحشي رافضين تقديم الاعترافات عن تنظيمات حزبهم .

بعد كل الإجراءات التي أتخذها عبد الكريم قاسم منذُ عام 1959 وحتى وقوع انقلاب 8 شباط، والمتمثلة في إبعاد أغلب العناصر الوطنية المخلصة، والكفوءة من المراكز العسكرية، واستبدالها بعناصر انتهازية، وأخرى حاقدة وموتورة، تتربص بالثورة، وقيادتها، لم يكن متوقعاً أن تحدث المعجزة، ويجري التصدي للانقلابيين، وكل ما حدث أن عدداً من بقايا العناصر الشيوعية في الجيش، من صغار الضباط، وضباط الصف، والجنود، حاولت مقاومة الانقلابيين بما استطاعوا، ولكن دون جدوى، فلم يكن هناك أدنى توازن للقوى، بعد أن سيطرت قوى الرجعية على الجيش.

ففي بعقوبة تصدى عدد من الضباط، وضباط الصف والجنود للانقلاب، إلا أنهم فشلوا في ذلك، وجرى إعدام فوري لما يزيد على 30 ضابطاً وجندياً دون محاكمة.

وفي معسكر التاجي، القريب من بغداد، حيث توجد هناك محطات الرادار، حاولت مجموعة أخرى السيطرة على المعسكر، غير أن الانقلابيين تمكنوا من التغلب على المقاومة بعد قتال عنيف، غير متكافئ، وجرى الإعدام الفوري لعدد من الضباط الصغار، وضباط الصف والجنود.

كما حدثت مقاومة من جانب عدد من الضباط وضباط الصف، والجنود في منطقة فايدة، شمال الموصل، لكنها لم تستطع الصمود، حيث تم للانقلابيين قمعها، وجرى إعدام فوري لعشرات من الضباط والجنود.

أما قادة الفرق، وكبار القادة العسكريين فلم يحركوا ساكناً، بل أن قسماً منهم كان له ضلعاً في الانقلاب، وبشكل خاص محسن الرفيعي، مدير الاستخبارات العسكرية، الذي كان يغطي، ويخفي كل تحركات الانقلابيين، دون أن يتخذ أي إجراء ضدهم، ولم ينقل لعبد الكريم قاسم حقيقة ما يجري في البلاد.

ففي 4 شباط، قبل وقوع الانقلاب بأربعة أيام، أصدر عبد الكريم قاسم قرارا بإحالة مجموعة من الضباط المعروفين بعدائهم للثورة على التقاعد، ولكن أولئك الضباط استمروا بلبس ملابسهم العسكرية، ولم يغادروا بغداد، ولم تحرك أجهزة الاستخبارات العسكرية، ولا الأمنية ساكنا، وهذا خير دليل على تواطؤ مدير الأمن العام مجيد عبد الجليل، ومدير الاستخبارات العسكرية محسن الرفيعي مع الانقلابيين.

أما احمد صالح العبدي، رئيس أركان الجيش، والحاكم العسكري العام، فإن خيانته قد توضحت تماماً عندما أصدر أمراً يوم 5 شباط، أي قبل وقوع الانقلاب بثلاثة أيام، يقضي بسحب العتاد من كتيبة الدبابات التي كان يقودها العقيد الركن [خالد كاظم] وهو الوحيد الذي بقي في مركزه القيادي من الضباط الوطنيين، وأودع العتاد في مستودع العينة، وبقيت دباباته دون عتاد لكي لا يتصدى للانقلابيين. ولم يمس الانقلابيين العبدي بسوء.

كما أن عبد الكريم قاسم قام قبل الانقلاب بتعيين عبد الغني الراوي، المعروف بعدائه للثورة، وتوجهاتها، آمراً للواء المشاة الآلي الثاني، وكانت تلك الخطوة ذات أبعاد خطيرة، فقد كان الراوي أحد أعمدة ذلك الانقلاب، وقام اللواء المذكور بدور حاسم فيه.

استسلام عبد الكريم قاسم ورفاقه للانقلابيين وإعدامهم:

أخذت المقاومة داخل وزارة الدفاع تضعف شيئاً فشيئاً، وتوالت القذائف التي تطلقها الطائرات، والدبابات المحيطة بالوزارة التي تحولت إلى كتلة من نار، واستشهد عدد كبير جداً من الضباط والجنود دفاعاً عن ثورة 14تموز وقيادة عبد الكريم قاسم، وكان من بينهم الشهيد الزعيم [وصفي طاهر]، المرافق الأقدم لقاسم، والزعيم [عبد الكريم الجدة]، أمر الانضباط العسكري، واضطر عبد الكريم قاسم إلى مغادرة مبنى الوزارة إلى قاعة الشعب، القريبة من مبنى الوزارة، تحت جنح الظلام، وكان بصحبته كل من الزعيم [فاضل عباس المهداوي]، رئيس المحكمة العسكرية العليا الخاصة، والزعيم الركن [طه الشيخ أحمد]، مدير الحركات العسكرية، [وقاسم الجنابي] السكرتير الصحفي لعبد الكريم، والملازم [كنعان حداد] مرافق قاسم.

ومن هناك قام عبد الكريم قاسم بالاتصال هاتفياً بدار الإذاعة، وتحدث مع عبد السلام عارف، طالباً منه باسم الأخوة والعلاقة التي ربطتهم معاً قبل الثورة، مذكراً إياه بالعفو الذي أصدره بحقه، ورعايته له، بالسماح له بمغادرة العراق، أو إجراء محاكمة عادلة له، لكن عبد السلام عارف طلب منه الاستسلام.

وفي صباح اليوم التالي، 9 شباط، خرج [يونس الطائي] صاحب صحيفة الثورة، المعروف بعدائه للشيوعية، والذي كان قد سخره عبد الكريم قاسم لمهاجمة الحزب الشيوعي على صفحات جريدته [الثورة]، خرج للقاء الانقلابيين، وكان في انتظاره أحد ضباط الانقلاب، واصطحبه إلى دار الإذاعة، حيث قام بدور الوسي! بين عبد الكريم قاسم والانقلابيين!!، لقاء وعدٍ بالحفاظ على حياته، وتسفيره إلى تركيا، وهكذا انتهت الوساطة بخروج عبد الكريم قاسم، ومعه المهداوي، وطه الشيخ أحمد، وكنعان حداد، وكان بانتظارهم ناقلتين مصفحتين عند باب قاعة الشعب، وكان الوقت يشير إلى الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، حيث نقل عبد الكريم قاسم، وطه الشيخ أحمد على متن إحدى المصفحات، ونقل المهداوي، وكنعان حداد على متن المصفحة الثانية، وعند وصول المصفحتين إلى دار الإذاعة أنهال عدد من الانقلابيين على المهداوي ضرباً مبرحاً حتى غطت الدماء جسمه، وأدخل الجميع إلى دار الإذاعة، وكان عبد الكريم بكامل بزته العسكرية ولم يمسه أحد بسوء عند دخوله مبنى الإذاعة.

إن كل ما قيل عن إجراء محاكمة لعبد الكريم قاسم كانت محض هراء، فلقد كان الانقلابيون قد قرروا مسبقاً حكم الموت بحقه، وبحق رفاقه، وما كان لعبد الكريم قاسم أن يسلم نفسه لأولئك المجرمين، ولكنه خُدعَ، أو ربما خَدَعَ نفسه بوساطة ذلك الخائن والدجال [يونس الطائي]، الذي كان يتملقه طيلة أيام حكمه، وتبين فيما بعد أنه كان على علاقة حميمة بالانقلابيين، وتصور عبد الكريم قاسم أن يدعه الانقلابيون يخرج بسلام، أو أن يوفروا له محاكمة عادلة، وعلنية كما فعل هو عندما حاكم عبد السلام عارف، والمتآمرين الآخرين على الثورة.

وحال دخول عبد الكريم قاسم دار الإذاعة، أنبري له عبد السلام عارف وعلي صالح السعدي بالشتائم المخجلة، التي لا تصدر إلا من أولاد الشوارع فقد توجه السعدي إليه قائلاً: [لقد كانت عندنا حركة قبل أسبوعين، وأريد أن اعرف مَنْ أفشى لك بهذه الحركة، وهل هو موجود بيننا؟] وكانت تلك الحادثة قد أدت إلى اعتقال السعدي.

وقد أجابه عبد الكريم قاسم [غير موجود هنا بشرفي] لكن السعدي رد عليه بانفعال قائلاً [ومن أين لك بالشرف]، وهنا رد عليه عبد الكريم قاسم قائلاً: إن لي شرفاً أعتز به].

وهنا دخل معه في النقاش عبد السلام عارف حول مَنْ وضع البيان الأول للثورة، وكان كل همه أن ينتزع من عبد الكريم قاسم اعترافاً بأنه ـ أي عبد السلام ـ هو الذي وضع البيان الأول للثورة، إلا أن عبد الكريم قاسم أصر على أنه هو الذي وضع البيان بنفسه، وكانت تلك الأحاديث هي كل ما جرى في دار الإذاعة، وقد طلب عبد الكريم قاسم أن يوفروا له محاكمة عادلة ونزيهة وعلنية، تنقل عبر الإذاعة والتلفزيون ليطلع عليها الشعب، إلا أن طلبه رُفض، فقد كان الانقلابيون على عجلة من أمرهم للتخلص منه لكي يضعوا حداً للمقاومة، ويمنعوا أي قطعات من الجيش من التحرك ضدهم .

قام العقيد عبد الغني الراوي بإبلاغه ورفاقه بقرار الإعدام للجميع، وحسبما ذكر إسماعيل العارف في مذكراته أن عبد الكريم لم يفقد رباطة جأشه، وشجاعته، ولم ينهار أمام الانقلابيين، وعند الساعة الواحدة والنصف من ظهر ذلك اليوم، 9شباط 1963، اقتيد عبد الكريم قاسم ورفاقه إلى ستديو التلفزيون، وتقدم عبد الغني الراوي، والرئيس منعم حميد، والرئيس عبد الحق، فوجهوا نيران أسلحتهم الأوتوماتيكية إلى صدورهم فماتوا لساعتهم رافضين وضع عصابة على أعينهم، وكان آخر كلام لعبد الكريم قاسم هو هتافه بحياة ثورة 14 تموز، وحياة الشعب العراقي، وسارع الانقلابيون إلى عرض جثته، وجثث رفاقه على شاشة التلفزيون لكي يتأكد الشعب العراقي أن عبد الكريم قاسم قد مات في محاولة لأضعاف روح المقاومة لدى جماهير الشعب والحيلولة دون تحرك أية قطعات عسكرية ضد الانقلاب.

لقد حكم الانقلابيون البعثيون وحلفائهم القوميين مدة تسعة أشهر، كان إنجازهم الوحيد خلالها هو شن الحرب الهوجاء على الشيوعيين والديمقراطيين، وكانت تلك الأشهر بحق أشهر الدماء والمشانق، والسجون والتعذيب، وكل الأعمال الدنيئة التي يندى لها جبين الإنسانية، حتى وصل الأمر بعبد السلام عارف، شريكهم في الانقلاب، ورئيس جمهوريتهم، بعد انقلاب شباط، بعد أن قاد انقلاب 18 تشرين ضد حكم شركائه البعثيين، أن أصدر كتاباً ضخماً عن جرائمهم، وأفعالهم المشينة، مشفوعاً بتلك الصور البشعة لجرائمهم بحق الشيوعيين والديمقراطيين والقاسميين سماه [المحرفون].

 

 حامد الحمداني

   

 

ميثم الجنابي(الإهداء إلى عبد الحليم وسلمان)

إن عبد الكريم كاصد ليس شاعرا مغمورا ولا أديبا مجهولا، لكن شان كل ما هو أصيل لا تبرز صورته إلا في لمعان المعاناة الفعلية للثقافة، كما لا يبقى اسمه وأثره وإبداعه إلا في ذاكرة الروح الحر بوصفه حقيقة الأدب وأدب الحقيقة. وهذه احدى الإشكاليات العصية بالنسبة للمزاج والضمير والعقل. لكنها معقولة ومقبولة بمعايير تتبع الإبداع الحقيقي بوصفه معاناة مريرة ومصير بمستواها. ومن خلالهما فقط تلألأ حقيقة الشخصية ومن إبداعها ومكانتها التي ينبغي أن تحتلها في معارج الروح المبدع وآدابه.

للكتابة عن الشاعر والأديب تاريخها الخاص. كما أن الكتابة عن شخص حي غيرها عمن غاب ومضى بجسده. بمعنى أن الكتابة تربط في كل واحد إدراك قيمته الحية في شخصيته وحياته وإنتاجه. وهو جمع يصعب أحيانا إدراك الباعث الكامن وراء الكتابة عنه. بحيث ترتقي احيانا إلى مصاف الإشكالية الفكرية والمعنوية، لكنها تنحلّ وتذوب حالما ننزلها إلى مصاف ما يمكن دعوته برنين المعنى الثقافي في تأمل الشخصيات التي تلعب وتؤدي أدوراها التاريخية في تعميق أو بلورة أحد معاني الوجود الإنساني، أو ما وصفه هيغل بروح الأمم. والشاعر الحقيقي والأديب هو روح معبر عن المعاناة التي يمر بها الروح الوطني والقومي من أجل أن يخرج بعد مروه بدهاليز الحياة والتاريخ إلى فضاء المعاناة من جديد. فالحياة الكبرى هي بركان تصنع نيرانه وأبخرته طبيعة وملامح الوجود الإنساني.

والكتابة عن هذه الشخصيات التي تلمع في ظلمة الوجود هي جزء مما اسميته بالمعاناة المريرة والمصير. وليس مصادفة أن يكون اهتمام عبد الكريم كاصد في اغلب ما كتبه من شعر ونثر ونقد يصب في روافد الأنهر العراقية وأنهاره وأهواره، أي في كل ما صنع اخدود الذاكر العراقية وطبعها بنكهة هي عين الحياة والموت، أي كل ما وجد نموذجه الأرقى والأكثر مأساوية في بدر شاكر السياب. ومن ثم يمكننا العثور في هذا الاندماج الوجداني والروحي العميق بشخصية السياب تعبيرا عما فيه اولا وقبل كل شيئ. ولا يغير من ذلك اختلاف وتباين المظهر. فالسياب صغير الحجم ضعيف منهك الجسد قوى الروح، بينما عبد الكريم يوحي إليك بمظهره من بقابا "عمالقة" الماضي. وهي صفة تشترك فيها العائلة والعروق البصرية التي امدتها برحيق البأس والقوة. وهي الصورة التي انطبعت في المخيلة والذاكرة عندما التقيت به للمرة الأولى قبل أكثر من ثلاثين سنة عندما اوصلني إلى هادي العلوي في دمشق الشام[1]. وقد كانت تلك أيضا المرة الأولى التي التقي بهما. وقد يكون هذا اللقاء هو السر الأعمق والكامن في كتابتي عنهما. فقد كان كتابي عن هادي (المثقف المتمرد) الذي طبع ثلاث مرات لحد الآن تعزية للنفس بفقدانه وما تركه من أثر وجداني وأخلاقي في أعمق أعماقي. لهذا لم اتناول ما كتبه بمعايير البحث العلمي والفلسفي، بل كان الأهم بالنسبة لي شخصه وشخصيته. فقد كان العلوي يشبه بمعنى ما السياب من حيث الجسد المنهك بأثر المرض، والقوي في روحه المبدع.

وعند هذا الحد انقطع اللقاء والتواصل مع عبد الكريم كاصد. لكنه عاد من جديد بعد عقود. وقد وعدته بالكتابة عنه قبل أكثر من عشرة أعوام عندما كان يرسل مقالاته إلى المجلة التي كان يصدرها الدكتور مارفن الزايد في كندا. وقد كان الدكتور مارفن يتولى القسم الانجليزي، بينما كنت اتولى القسم العربي منها (تحت عنوان اوراق عربية). وقد كان وعدي هذا ينطلق من تخطيطي للكتابة عن نماذج من الشخصيات المثقفة الكبيرة في العالم العربي الحديث والمعاصر ضمن كتابي(الأشباح والأرواح- تجارب المثقفين والسلطة). على ان يصدر ضمن المجلد الثالث من كتابي هذا. وقد طلبت منه أن يرسل لي كل ما كتبه ونشره. ومازالت احتفظ بنصوصه المرسلة جميعا. وبسبب تأخر كتابتي لهذا الجزء، إذ لم استطع لحد الآن إتمام سوى المجلد الأول والذي صدر قبل أيام عن المركز الاكاديمي العراقي الكندي للأبحاث. وأعمل على اتمام الجزء الثاني هذا العام. ثم ختامه بالجزء الثالث بعد ذلك. عندها سيكون بإمكاني التوسع بالكتابة عنه ضمن سياق موقف المثقف من السلطة بالمعنى الواسع للكلمة، أي مثقف الحرية.

من هنا فان المهمة القائمة أمامي الآن لا تقوم في تفسير شعره وتقييمه، لأن الشعر الأصيل من وجهة نظري لا يحتاج إلى تفسير لأنه يفسده. إن الشيء الجوهري بالنسبة لي هنا هو تناوله ضمن مفهوم وفكرة الارواح. فالشاعر الحقيقي روح. وبالتالي، فإن مهمة التحليل الفلسفي هنا تقوم في اكتشاف طبيعة ونوعية وغاية الحس والعقل والحدس في شعر الشاعر. وهو الاسلوب الوحيد الذي يحرر الفكر من البحث فيما لا قيمة له. ومن ثم الغوص فيما اراد الشاعر قوله في احساسه وعقله وحدسه. كما انه الأسلوب الذي تتكشف فيه الآفاق المرئية وغير المرئية التي تجعل من الشاعر الأصيل مرآة تعكس على قدر ما فيها من نقاء الحس والعقل والحدس أسلوبه وشخصيته وفكره، أي كل ما هو ضروري لتوسيع مدى الرؤية الجمالية والذوق الفني الرفيع. فهو الالتزام الأكبر والأعمق والأصدق للشاعر وليس بلاغة الكلمات وترصيفها في أبيات الشعر.

إن الشاعر الحقيقي لا يتلوى في بيوت الشعر وخيام الأمراء وقصور السلاطين وأقفاص الرؤساء المذهبة بالجاه والمال والخديعة ورياء الأحزاب، بل بقوة الإرادة البيانية والإخلاص لفكرة الجميل والجمال الفعلي في حياة الأمم. وهذه كلها تنبع بقدر واحد من باطن الشخصية وظاهر سلوكها في كل فعل. والشعر هو الصورة الصادقة لهذه الافعال. من هنا قولي عن أن الإبداع الحقيقي للشاعر هو معاناة ومصير.

تشكل وحدة المعاناة والمصير كلا واحدا. ومنهما ومن خلالهما يمكن تحسس الوحدة الخفية للحس والعقل والحدس فيما أراد قوله وما استبطنه في شعره. لهذا يتفاعل الحس والعقل والحدس عندما نسمع قول ابي فراس الحمداني (اراك عصي الدمع شيمتك الصبر) وهو "نصف بيت" يعادل ما نشر وينشر على مدار عقود مما يسمى بالشعر الحر لهذه الكمية الهائلة التي تملأ الصحف والمواقع من كل ما لا يمكنه أن يكون شيئا غير شويعر وشعرور. بينما تبقى شخصيات وخطاب وروح الشعراء الكبار، ايا كان موقفنا منهم كالسياب وأمثاله في نسيج الرؤية الجمالية والذوق الفعال في الضمير الفردي والاجتماعي والوطني والقومي العربي.

وينتمي عبد الكريم كاصد إلى هذا النوع من الشعراء. وأمثاله في العراق الآن على عدد أصابع اليد. وهو العدد الكافي. فكثرة الشعراء دليل على فساد الأمم وخرابها العقلي وضعف امكانياتها العلمية. كما أن المرء يصاب بالغثيان من هذه الكمية المفزعة "للشعراء" الشعبيين منهم. ولا معنى للشعبي هنا سوى الريفي والقروي. ولا علاقة لذلك بالموقف من القرية والريف. فجمالهما في الزراعة وعطرها المثير والمفيد للروح والجسد. أما شعرها فهو كأعلاف الحيوانات. ضروري لكنه ليس صالحا للذوق البشري. أما شعراء المواقع الالكترونية الذين يحبون المديح المثير للغثيان أحيانا، فإن أحدهم يتغزل وهو في عمر يقارب الثمانين! بينما يفترض الغزل المثير، على الأقل، وجود قضيب عندليب! بينما لا تتعدى شهية هذا العمر وتلذذه بشيء أكثر من الأدوية والشكاوي!

من هنا فان تحليل شخصية عبد الكريم في حسه وعقله وحدسه الشعري والأدبي أهمية بما في ذلك في الدفاع عن الشعر الحقيقي وحقيقة الشعر المبتذلة بين هذا الكم الهائل من الذوق الفاسد ورتابته القاتلة والواسعة الانتشار بين من كان طول عمره وتحصيله في علم الميكانيك والفيزياء والطب البيطري والكيمياء والتاريخ والجغرافيا!! ولا شيء هم فيها! ومن ثم لا يمكن أن يكونوا شيئا هنا ايضا! وهو أمر طبيعي بل إن شئت إنه القدر المحتوم لكل هذا التلاعب الذي لا يحب اللعب!

فالإبداع الحقيقي تلقائي بالضرورة. بمعنى انه نتاج أنساق متنوعة وموحدة بالهموم الجوهرية للمبدع. وهذا بدوره حصيلة تداخل فرداني لمعاناة عميقة ومصير شخصي. وقد صور عبد الكريم كاصد هذه الحالة بدقة في احد مواقفه عندما علق على بعض ابياته الشعرية قائلا، بان هذه الأبيات قد كشفت له المعنى الذي أراده وليس العكس. إذ لم يكن لديّه المعنى لكي يصوغهُ أبياتاً، وإن كل ما كان لديّه هو "رؤيته الكامنة التي قادته إلى المعنى".  وليس هذا بدوره سوى الصيغة الفكرية المجردة لموقفه العام من أن حقيقة الشعر في صلب الحياة. وذلك لأن حقيقة الشعر هو أولا وقبل كل شيئ شعور صادق وليس ترصيف للكلمات وتصفيفها في "أبيات" خربة أو مصقولة المظاهر. وهو الموقف الذي سجله وصوره ودقق وحققه على مثال ونموذج الإبداع الشعري ومصيره في شخصية السياب. فقد أدت مصالحته لمجلة شعر، كما يقول عبد الكريم، الى عداوات أوسع حتى مما في مجال الشعر. اذ جرى انذاك انهماك مختلف المجلات الادبية مثل (الآداب) في شحذ أسلحتها "النقدية" من خلال نقاد مشهورين آنذاك مثل إيليا حاوي للتقليل من أهمية شعر السياب ونعته بالتخلف والبداوة. ليس ذلك فحسب، بل وحاولت، شأن النساء الغيورات، بتقديم بدائل شعرية لكي تستولي على عقول وذهنية وشعرية الشعراء الشباب، كما هو الحال في تقديمها خليل حاوي وغيره باعتباره ممثّلا "للشعر الميتافيزيقي". بينما حدد مسار التاريخ الشعري والإبداع نفسه المصير المحتوم لكل هذه المهاترات الكيدية التي عادة ما ترافق مسار الأبداع الاصيل. فالإبداع الحقيقي معاناة مريرة ومصير. بمعنى بقاء السياب وتزايد عظمته وضمور وتلاشي وانعدام كل ما عداه أو ما جرى العمل من أجل إحلال أحدا غيره. وهي ممارسة لم يخل التاريخ القديم منها ولا الحديث والمعاصر ولا المستقبلي فيما يبدو. إن إحلال دمية بأخرى عمل لا يرهق النفس والروح والجسد، وبالتالي لا معاناة فيه. أما مصيره فإلى زوال.

وقد حدد ذلك ما يمكن دعوته بهيمنة الهموم النقدية في شعر عبد الكريم كاصد وأدبه ومواقفه من الشعر والحياة. بحث يمكننا أن نرى عنده الإدراك الدقيق للحقيقة القائلة، بان حقيقة الشعر  في الحياة أيا كان شكلها ولونها وليس في شخصية الشاعر كما هو، أي رؤية الحياة ما وراء الشعر. فعندما تناول شخصية الشاعر البريكان شدد على ان الذين يبحثون في تفصيلات حياته عن معنى لإضاءة شعره، فإنهم لن يعثروا على ما يسعفهم في فهم هذا الشعر أو اكتشاف ما وراءه من قيم شعريّة كبيرة، لانّ البريكان ليس من هؤلاء الشعراء الذين نجد لديهم ذلك الفاصل الكبير بين حياتهم وشعرهم. ولعل في شعر البريكان القائل، بان "سيد العبيد عبد في الصميم" احد النماذج الدقيقة الحية لهذه الفكرة والموقف.

لم يقصد عبد الكريم كاصد في استنتاجه هذا وضع الحياة فوق الشعر أو وضع حياة الشاعر فوق شعره أو بالعكس، بل بحث عن النسبة الحية والفردية للإبداع الشعري. فلكل شاعر كبير خصوصيته، لكن ما يجمعهم هو هموم الوحدة العميقة للجمال بمختلف أشكاله ومستوياته. لهذا علق على شعر البريكان السابق بقوله "إن المسافة التي يشير إليها البريكان في هذه القصيدة ليست هي المسافة الفاصلة بين العبد وسيّده، ولا مسافة الإنسان المتفوق، بل هي تلك المسافة المنبعثة عن رغبته العميقة في النأي عن سعادة التماثل الكامل التي كان ثمنها فادحاً للكثيرين". والسبب يكمن في صعوبة فصل الإحساس عن الفكرة أو الفكرة عن الإحساس عند البريكان. إذ وراء كل إحساس مهما صغر ثمّة فكرة، ووراء كل فكرة مهما عظمت ثمّة إحساس متجّسد. من هنا استنتاجه القائل، بان قلة من الشعراء العرب المعاصرين من استطاع الجمع بين عمق الفكرة ووضوحها، دون أن يفقد شعرهم قدرته على الإيحاء بما يتجاوز الفكرة نفسها. بمعنى ان حقيقة الشعر وقوته وأصالته تقوم في اشياء وراء "الفكرة" أيضا، أي تلك التي تعادل معنى الحدس العميق لإشكاليات الحاضر والمستقبل. لهذا لا معنى لانهماك النقد في الكشف عن القيم الشعرية في شعر الشاعر بنمط حياته. فقد كان البريكان يعيش العزلة في جسده لكنه كان منهمكا في "شمولية الرؤية ورحابة الفكرة". تماما كما لا معنى لانهماك النقد في البحث عن موقع الشاعر بين شعراء جيله لأنها صيغة تنتمي إلى عصور طبقات الشعراء ونقّادهم. إن الشاعر الحقيقي هو الذي ينتمي إلى وحدته ومدّ جذرها إلى ما يجعلها شجرة تظلل الأشياء والناس بظلالها.

من هنا اولوية وجوهرية الفكرة النقدية الحية في إبداع عبد الكريم كاصد سواء في المجال الادبي أو الشعري او في مواقفه السياسية والحياتية. وسوف اكتفي هنا عند حدود الأولى, مع انهما يتداخلان بصورة عضوية في كيانه وكينونته. ففي احد قصائده التي يحاكي بها ابداع المعري نسمعه يخاطبه:

يا أبا العلاء

كم تشير إلى ذلك الذئب

وتقول: "دعوه! ستهلكه صحبةُ الأغنام".

ففي هذه الصيغة المفارقة نعثر عل احد النماذج النقدية الجميلة التي تتجاوز النقد السياسي المباشر في موقفه من إشكاليات الحياة والواقع،  عبر ارساء القاعدة المرئية القائلة، بأن الخلل الجوهري في الوجود الإنساني والجمالي والسياسي بشكل خاص، يقوم في عدم إدراك القوة الكامنة لانعدام التناسب في الوجود. فالتناسب هو القوة الكامنة وراء الحق والحقيقة والجميل. فللأغنام والذئاب تناسبها الخاص في الطبيعة، بينما في الوجود الإنساني فان مصيره مفسد للاثنين. إنها تشبه فكرة ان سيد العبيد عبد دون ان يرى ذلك. وعندما استعمل هذه الفكرة في موقفه من الشعر والشعراء نسمعه يقول "أليس في صحبة الضعيف ما يبعث على الضعف؟ كم من الشعراء المبدعين من اتخذ له مريدين تافهين لينصّبوهم أتباعاً وشعراء وارثين من بعدهم فكانت العاقبة خسارة هؤلاء المبدعين وأتباعهم معاً؟ كم من قادة اتخذوا أعواناً لهم من أضعف الناس وأخسهم سلوكاً ليقووا بهم فكانت النتيجة ضعف القادة الأقوياء أنفسهم". وهكذا دواليك.

إن الشاعر والأديب الذي يدرك اولوية الحياة وجوهرية النقد العميق بالنسبة للوجود الإنساني، عادة ما تصبح وحدة الذكرى والذاكرة القوة الكامنة في رؤيته لإشكاليات الحاضر والمستقبل. وليس مصادفة ان نرى هذه الحالة تبرز عند عبد الكريم كاصد في أحد آخر أعماله الأدبية الشعرية التي يحاكي بها ما صوّره المعري في (رسالة الغفران) وغيرها من أعماله الأدبية. وسوف اكتفي ها بتحليل الأبعاد النقدية لهذا العمل دون تناول قيمته الأدبية[2].

لقد قدم عبد الكريم كاصد في احدى مقالاته بسؤال "لماذا ابو العلاء؟". والاجابة عنه تبدو بسيطة، وهي انه أحد أعلام ومرجعيات الحقيقة والإبداع الحر في الثقافة العربية. غير ان هذا لا يكفي ضمن السياق الذي وضعه عبد الكريم كاصد. ان الشيء الجوهري في الرجوع الى المعري ومحاكاته تكمن في جوهرية الذكرى والذاكرة الأدبية، التي يستحيل بدونها بلوغ المعنى. ومن ثم الخروج إلى فضاء معاصر. وكما قيّم المعري تراث الاسلاف وشخصياته، فان عبد الكريم كاصد سعى للشيء نفسه ولكن ضمن سياق المرحلة الحالية التي تخلو من فطاحل وفحول الشعراء والأدباء. غير أن لكل مرحلة ابطالها وأقزامها. والمهمة تقوم ليس في المقارنة بل تحسس الواقع وعقله بمرآة الرؤية النقدية. وهو الباعث الذي يمكن رؤيته فيما كتبه عبد الكريم كاصد بهذا الصدد. وقد يكون المقطع التالي مفتحا لما اتكلم عنه:

ويا صيحتي

حين ينبعث الميت في صيحتي.

فقد وجد فيها "مفارقة أن يصبح ديك أبي العلاء وهو الضرير صيحته". أو أن يتساءل: أين أبو العلاء من وحشه الشاعر الذي لا يجد خلاصهُ في انبعاثٍ أو آخرةٍ كما في قوله:

إلى صاحبي الحطيئة

فقد وردتني أخبار

عن وحشته في الجنة

والمقصود بذلك ما هو وارد في ذكر الحطيئة في (رسالة الغفران) عندما صوره المعري كما لو انه كان يعيش في أقصى الجنة "كأنه حفشُ أمةٍ راعية"، رجل "ليس عليه نور سكان الجنة، وعنده شجرة قميئة ثمرها ليس بزاكٍ". وعندما سأله عما وصل إليه وحالته، اجاب الحطيئة "والله ما وصلت إليه إلا بعد هياط ومياط، وعرق من شقاء، وشفاعةٍ من قريش وددت أنها لم تكن". بعبارة اخرى، إن المكان الذي يليق بالشاعر هو ليس زاوية ولتكن في "جنة الله"، بل في القلوب النابضة بالحياة. وهي الفكرة التي وظفها عبد الكريم كاصد فيما يمكن التعبير عنه، بأن جنة الشاعر الحقيقة هي في نقده الأدبي للقبح الموجود او السائد في المجتمع وأفراده. ونعثر على هذا الموقف فيما توصل اليه بأثر هذه المحاكاة، بان ما حاول قوله من وراء هذه الحكاية هو  "تلخيص موقف أبي العلاء من الأدب والأدباء الذين يقول فيهم:

وما العلماء والجُهّال إلا

قريبٌ حين تنظر من قريبِ".

كما وجد في فكرة المعري عن رؤيته للقيامة على انها في نهاية المطاف ليست إلا "القيامة الحقيقة للخلائق".

وقد تتبع عبد الكريم كاصد هذه "القيامة الحقيقة للخلائق" في كل ما كان يشاهد ويتأمله ويتذكره، أي كل ما نستطيع رؤيته في موقفه النقدي من الواقع وذكرياته. وقد تكون المقالات الصغيرة التي كتبها عن تجاربه مع "مربد الشعراء" احد الامثلة النموذجية بهذا الصدد. فنراه مرة يكتب عن (الرحلة الثانية بعد الألف إلى المربد)، و(المربد الاخير)". وفي كليهما نعثر على ارهاف الذاكرة النقدية، التي استشف منها في نهاية المطاف وحدة المعاناة الكبرى التي مر بها بدر شكر السياب والبريكان وغيرهما، والتي يمر بها أو يتحسسها هو نفسه. ففي الحالة الأولى نعثر على تصويره لحالة "مربد الشعراء" للاحتفاء به بوصفه "شاعر المربد لهذا العام". حيث يقول "للمرة الثانية أزور البصرة، وفي المرتين أزورها في الربيع. غير أن الربيع هذه المرّة كان متوارياً، خائفا، متردّداً. لم ألحظ هناك زهرة لأستدلّ عليه. مع ذلك فإنني دعوته لندخل المدينة معاً، وقد نصبت سرادقها للإحتفاء بي شاعر المربد هذا العام". اذ لم يجد في "ثغر العراق الباسم" سوى مدينة أصابها الهرم "مدينة بلا ظلّ. تمتدّ وكأنها تزحف إلى طفولةٍ مفقودة لن تجدها يوماً. أحلامها جمدت كسحب معلقة أصابها العفن واستحال عليها السقوط مرّةً ثانيةً. لا أحد هنا ليرمم ماضيا أو يرسخ حاضراً أو يبني مستقبلا. الحفاظ على حياةٍ مهددة دوماً هو ما يشغل الجميع"، أي حياة بلا حياة. بحيث نراه يجد ملاذه الأخير وسعادته المتخيلة في التردد على تمثال السياب، وما وراءه إلى صاحب التمثال. الأمر الذي دفعه بزيارة جيكور كما لو انها بؤرة الوجود الحي الوحيد في الذاكرة والواقع. لاسيما وأنها كانت جزءا من ذكرى الطفولة وذاكرة الروح الشعري. فقد كانت حسب ذاكرة الطفولة المكان الذي كان يمر به لزيارة جدته. اما الآن فقد أصبحت ممرا مرهقا للكهولة. اذ لم يعد يرى فيها عباءة (امرأة) بل صادفته عشيرتان تقاتلتا أمس وهما اليوم تتفاوضان! وقد تلاشت جدته من أثر المكان ولم يبق إلا زمن خرب. لهذا لم يستوقفه شيئ غير ذاكرة الروح الشعري الذي ارتبط ببويب هذا النهر الصغير الذي جعل منه السياب ينبوع المياه منذ عصر الطوفان وحتى اليوم. لقد رأى بويب وهو يحدّق به بعينيه الواسعتين أو بعينه الواحدة تحت الظلال الكثيفة وكأن الأبدية تحدق بي وتسأل. ماذا تسأل؟ وعلى مقربة منه ثمة نهر آخر وديع هو (نهر العذارى) حيث أمضى السياب هناك طفولته وشبابه. اما "المربد الاخير" فيبدو كما لو انه الموسيقى الجنائزية لموسيقار لا يعرف العزف إلا على الربابة! إذ لم يجد قبل الدخول إليه غير المنازل نفسها، والشوارع نفسها، والأوساخ نفسها. الأمر الذي اثار السؤال الوجودي للشاعر: لم المجئ إذن؟ من أجل ماذا؟ كما لو انه يعيد بدون وعي ما كان مخزونا من ذاكرة الشعراء القدماء ووقوفهم على الأطلال.

لقد وضعه هذا الواقع وأوقفه أمام السؤال العميق للشاعر والأديب المهموم بالكلمة والعبارة والمعنى والغاية، وهو "أمن أجل الشعر جئت وقد أصبحت الكلمات حتّى أجملها مكسوّة بالغبار وسط هذا الخراب اللعين"، وعما إذا كان المربد احتفاء بالشعر أم بالناس وقد اكتظت بهم القاعة؟ فرحين بلقاء بعضهم بعضاً في نزهة نادرة"، حيث تسمع " قصائد جميلة قرئت فضاعت وسط قاعة مصممة للخطب... وصحفيين يقيسون القصيدة بالتصفيق ولا يجيدون حتى الإصغاء متصورين أن ضجيج المايكرفون هو القصيدة". وقد جعله ذلك يصور حاله بعبارات بليغة عميقة وجميلة عندما سألوه متى يمكنهم رؤيته (ويقصون بذلك مرة أخرى) مستغربا كما لو انهم لا يرونه الآن. وهم لا يرونه فعلا. من هنا الصورة الأخاذة التي وضعها بعبارة تقول "ليت الإنسان جملاً يخزن ما يريد أن يجتره في ما بعد ملتذاً وسط صحرائه التي يخوضها بلا أخفاف". لكنه يقف هنا، شأن كل شاعر وأديب أصيل وملتزم بمعايير الروح الجسد أمام المفارقة التي تقلق همومه ووجدانه مخاطبا نفسه:"أية لذة هذه وقد ارتدى الجميع ثياب الحداد". وقد كان المخرج منها هو هو نفسه: الذهاب الى السياب فهو جيكور الجسد، وبويب الروح للشروع بهما ومنهما إلى عالم الشاعر: تحدي الموت باسم الحياة والبقاء ضمن هذه الدورة الخالدة للزمن والتاريخ. فقد اخذه الدفّان بدرّاجته المدفوعة بين الأشجار لزيارة ضريح السياب. وأشار إلى قبر وقال هنا "دفنتُ السيّاب". كما لو أن السياب يدفن ويموت. لكنه حالما وصل إلى طرف المقبرة

استيقظت الصحراء

ومضت تحمل فوق ظهور الإبل

مقابرها!

ان كل هذه الصورة وغيرها تكشف عما أسميته بوحدة الحس والعقل والحدس، بوصفها القوة الفاعلة في شخصية عبد الكريم كاصد وإبداعه الشعري والأدبي. وهي الصورة التي يمكن رؤيتها في موقفه من السياب. فالسياب بالنسبة لعبد الكريم كاصد ليس الشاعر العربي الأكبر، بل "وأنا"ته الأخرى. وليس مصادفة أن نعثر عليه في كل احاسيسه وعقله وحدسه. فقد لازمه دوما بأثر وحدة الذكرى والذاكرة الصانعتان لقوة المعنى. فكل ما كتبه عبد الكريم كاصد عن الشعر والأدب والسياب وغيره من الشعراء محكوم بقيمة المعنى. لكن للسياب مكانته عنده شأن جيكور وبويب للسياب نفسه. لقد كانا مرآة وجوده ووجده، كما أن السياب هو مرآة وجود ووجد عبد الكريم كاصد. فقد صوّر ذكرياته الحية عنه بطريقة مباشرة لا تخلو من الاعجاب الشديد والتأسي العميق والكآبة على شعب وأمة عاملته بهذا القدر من القبح الرذيلة وهو الذي لا هم له غير اعلاء شأنها عبر جيكور وبويب.

إذ يصور لنا عبد الكريم كاصد كيف انه كان يصادفه أحيانا في الظهيرة في حافلة النقل بداية الستينات من القرن العشرين عند عودته من عمله في أحد المصارف، أو في المساء في الحافلة أيضاً، وهو في طريقه إلى مكتبة (فيصل حمود) يجرّ جسده المنهك النحيل، ونظرته الذاهلة البعيدة عن الأشياء والناس. حيث كان آنذاك يسكن في بقعة كانت مقبرة للأطفال. وقد أطلق على هذه البيوت اسم (الأصمعي)، غير أن الناس يسمّونها باسم (الومبي)، وهو اسم الشركة التي بنتها. ولم يكن "بيت" السياب سوى عربة في قطارات، كما يقول عبد الكريم كاصد. لقد عاش في هذه العربة "أعظم شاعر عربيّ معاصر هو الشاعر بدر شاكر السياب".

دوّن عبد الكريم كاصد صوره وتصويره وانطباعاته عن "أعظم شاعر عربيّ معاصر" في أحد مقالاته الصغيرة، الذي يعادل في اعتقادي كل ما كتب عن السياب من ابحاث ودراسات وكتب. واعتقد ان هذا المقال (مصالحات الشاعر) يصلح لأن يكون افضل سيناريو لأحد الافلام العظيمة عن السياب. ففيه يمكن رؤية مفتاح الرؤية الحسية والعقلية والحدسية التي يقدمها عبد الكريم كاصد للسياب وشخصيته وإبداعه ومصيره ومأساته الهالة.

وقد كان اشتقاق هذا المصطلح تعبير دقيق يذلل معنى المهادنة والخنوع والاستسلام وما شابه ذلك مما تتبجح به الصحافة السياسية العراقية. من هنا اساءة فهمهمن قبل الجميع. فقد مات السياب بأثر الفقر والجوع والمرض. وكلها امور عادية تمر بها اقوام وملايين من البشر. لكن ما يميزه هو موت الشاعر المبكر، شأن كل عظماء الشعراء المتمردين امثال بوشكين وبايرون وأشباههم، أي كل أولئك الذين قتلوا بطريقة من الطرق ولم يتجاوز العقد الرابع (بايرون (1788-1824)، بوشكين (1799-1837)، والسياب (1926-1964)، الاول 36 سنة والثاني والثالث 38 سنة)[3].

ويمكنني هنا القول، بأن السياب يمثل بمعنى ما البؤرة الكامنة في حس عبد الكريم كاصد وعقله وحدسه. اذ يمكننا رؤية روح السياب وراء نقده ومواقفه للشعر والشعراء والحياة الأدبية العراقية ولحد ما العربية. من هنا قوله بان هناك الكثير من الجوانب المغرية بالبحث في شعر السياب، إلا ما يهمه اولا وقبل كل شيئ ليس الجانب الوقائعي بحدّ ذاته، على أهميته، بل الجانب المعرفي. وقدم بهذا الصدد رؤية منهجية تختلف عما هو سائد بهذا الصدد، حاول من خلالها تقديم ما اسميته بمفتاح الكشف العميق والحقيقي للسياب، أي كل ما وضعه بفكرة "مصالحات الشاعر". فإذا كان البعض انطلق أو ينطلق في دراسته للسياب، كما يقول عبد الكريم كاصد، من اعتراضات الشاعر، فأنه ينطلق من مصالحات الشاعر في علاقته بالواقع. وهي المصالحات التي لم تجلب له غير المتاعب والخراب. فحين لا يعارض الشاعر العالم ولا يتصالح معه، حينذاك تظهر المأساة كما هي بلا أقنعة. وهذا ما كان عليه السياب.

وشرح عبد الكريم كاصد فكرته ومنهجه وموقفه هذا على بعض أمثلة من حياة السياب نفسه. ففي بداية ستينيات القرن العشرين كان السياب يبحث عن المصالحة الأوسع التي وجدها فيما يبدو في مجلة (شعر). غير أن هذه المصالحة كلّفته كثيراً. لقد زادت من عداواته المعلنة وقادته إلى الشكوى منها. ومفارقة الظاهرة تقوم في أن مجلة (شعر) التي أرادها أفقا له كانت هي نقيضه الشعريّ. وذلك لأنها عملت من خلال احتضانه إياه أيضا على ما اسماه عبد الكريم بخسوفه الشعريّ. لكنه مع ذلك لم يدم طويلا. فهفوات الشاعر العظيم هي أيضا لحظة في الإبداع. وليس مصادفة أن "ينفجر شعره فيما بعد دافقاً مؤكّداً حضور شاعر لم تكن مأساته إلاّ جزءاً من كيان شعري رقيق حتى كاد أن يكون نسيج وحده". وضع عبد الكريم كاصد حصيلة هذا الرؤية في تقييمه للسياب باعتباره "الشاعر الشعبي الوحيد في شعرنا العربيّ". وليس المقصود بالشعبي ما هو سائد بمفهوم الشعبية الساذج للشعر، بل في "امتداداته في روح اللغة والإنسان، بعيداً عن أيّ مظهر خارج الشعر".

إن إشكالية السياب هنا تقوم في كونه كان يمارس هذه المصالحات بمأساوية البطل الخاسر الذي تساوى لديه مديح أدونيس أو مزهر الشاوي[4]. وينطبق هذا على "مصالحاته السياسية" وآثارها الفاجعة في حياته. فقد انهكته بحيث جعلت من "رغبته في التصالح مع العالم ضرباً من الوهم والاستعداء"، كما لو أن العالم بأحزابه السياسية المتصارعة لم يكن بحاجة إلى ولاء شاعر كبير كالسياب، بل إلى عداوته، كما يقول عبد الكريم. وحين لا يُجدي حتى الولاء في هذا العالم، فماذا يفعل الشاعر غير أن يحضن مرضه وعزلته وعجزه، بل وموته أيضاً. وقد تكون تلك آخر المصالحات، إلا أنها لم تق الشاعر ممن حوله. ومع ذلك نعثر في مأساته وموته على بريق يضئ مأساة العراق الدامية لحد الآن.

لقد ظل السياب طريدا شريدا واشترك في هذه اللعبة القذرة البعثيون والشيوعيون وسفهاء الشعر والأدب. وجرى استكمال هذه المواقف عندما جرى تهجير عائلته من البيت في يوم تشييعه. لقد جرى اقفال هذه الدورة التي جعلت منه خصم الجميع رغم توحيده إياهم. وفي هذه المفارقة تكمن الحقيقة الكامنة في كل كينونته وقيمته وأثره بالنسبة للشعر والشاعر ألا وهي اعلان التضاد بين الشاعر والسياسي. اذ لكل منهما عالمه وغاياته. ولا معنى لتداخلهما. فالسياسي وظيفة بينما الشاعر روح. وضمن هذا السياق يمكن فهم السبب القائم وراء اطلاق عبد الكريم كاصد عليه لقب "الطفل الخالد".

لم يقل عبد الكريم كاصد كل ما أراد قوله، لكنا نعثر في كل أقواله ومواقفه وتقييمه ونقده فيما اوردته على ما فيه هو أولا وقبل كل شيء بوصفه شاعر الروح وأديب المعنى.

***

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] لقد عرفت عبد الكريم كاصد من أول لمحة رأيت فيها، لأنه شبيه أو نموذج لأخوته الاصغر الدكتور عبد الحليم والدكتور سلمان. وإذا كانت علاقتي بعبد الحليم قديمة منذ عقود والصديق الأوحد الباقي هنا في موسكو، فان لقائي بالدكتور سلمان في الامارات العربية المتحدة كان سريعا لكنه عميقا. وقد ظلت ابتسامته الجميلة وذهنه الوقاد حيا عالقا في ذاكرتي لحد الآن. وكلاهما يشتركان بقوة العقل النقدي والذوق الساخر والمعرفة العميقة اضافة الى قوة الشخصية والأنفة العميقة. ومهما كان مصدرها فان للعائلة أثرها الجوهري كما ان للأخ الكبير اثره مهما حاولوا الانتفاض ضده. وهو الانطباع الذي تركه عبد الكريم في ذاكرتي. ولا اعرف لماذا انطيع في ذاكرتي بقامته الكبيرة وهدوءه العميق صورة الشخصيات الكبرى للخوارج الذين بلورا بكل ما فيهم قيم التمرد والإخلاص.

[2] اكتفي هنا بإشارة عابرة عامة وهي ان هذا العمل المهم هو محاولة أولية. من هنا طابعها التجريبي الذي لم يرتق بعد إلى مصاف الإبداع الأدبي الكبير. فقد كان المعري وما يزال وسيبقى إحدى الإشكاليات المثيرة للتفكير والنقد، كما كان وما يزال وسيقى أحد المصادر الكبرى للإبداع الأدبي والفكري. ومع انه من أحد الأعلام العظيمة للثقافة العربية، فإنه ما زال مغتربا وظاهريا في الإبداع العربي الأدبي الحديث والمعاصر. فقد اهتم به طه حسين، لكن كل جهوده ظاهرية وسقيمة. فقد كان طه حسين ضريرا حاول ان يقلد ضريرا. والفرق هنا جوهري في كل شي. بينما الاصحاء بحاجة إلى محاكاة مبدعة كما فعل دانتي في (الكوميديا الالهية) باستلهامه (رسالة الغفران) وتقاليد (المعراج النبوي).

[3] هذه إحدى القضايا المثيرة في تاريخ الشعر والشعراء والروح الشعري. وقد كتبت عنها من عقود بحثا موسعا لكنني لم اعثر عليه لحد اآن بين مخطوطاتي. وأملي في العثور عليه أو التفرغ للكتابة عن هذه الإشكالية المثيرة.

[4] مزهر الشاوي هو مدير الموانئ آنذاك، التي عمل فيها السياب لفترة قصيرة. وكان يدعي الشعر أيضا، ومن بين "أشعاره" كما يتذكر عبد الكريم كاصد، نصف بيت لا يزال عالقاً في ذهنه يصف فيه حرّ البصرة :

والحرّ يسلق بيضةً في الشارعِ!

 

 

حامد الحمدانيأولاً: انشقاق الحزب الوطني الديمقراطي، ودور الحزب الشيوعي

تفاقمت الخلافات بين أقطاب الجناحين، اليميني واليساري داخل الحزب الوطني الديمقراطي بسبب المواقف التي وقفها جناح محمد حديد من مسألة تجميد نشاط الحزب بناء على طلب عبد الكريم قاسم، أثناء غياب رئيس الحزب الأستاذ كامل الجادرجي عن العراق، مما دفع الجناح اليساري في الحزب إلى إعلان عدم اعترافه بقرار التجميد، معلناً عزمه على مواصلة نشاط الحزب، وتحدي قرار القيادة اليمينية للحزب، وكان على رأس هذا الجناح كل من السادة:

1 ـ عبد الله البستاني     2 ـ عبد المجيد الونداوي             3 ـ علي عبد القادر

4 ـ نايف الحسن          5 ـ حسان عبد الله مظفر             6 ـ ناجي يوسف

7 ـ علي جليل الورد     8 ـ حسين أحمد العاملي              9 ـ سليم حسني

10 ـ عادل الياسري

تصاعدت الأزمة بين الجناحين عندما عاد الجادرجي إلى بغداد، ووجه انتقاداً شديداً لقرار التجميد، ولمحمد حديد، نائب رئيس الحزب، طالباً منه ومن زميله هديب الحاج حمود الاستقالة من الوزارة بعد إقدام عبد الكريم قاسم على تنفيذ حكم الإعدام بالضباط المشاركين في محاولة العقيد الشواف الانقلابية في الموصل، ولعدم امتثال الوزيرين لطلبه سارع الجادرجي إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب، ومن عضويته كذلك.

كان لقرار الجادرجي بالاستقالة أثره الكبير على تفاقم الأزمة بين الجناحين داخل الحزب، وخصوصا بعد فشل المساعي التي بذلها الجناح اليساري لعودة الجادرجي لقيادة الحزب، وتباعدت مواقف الجناحين عن بعضهما، نظراً لما يكنه قادة الجناح اليساري للحزب من احترام وتقدير لشخص الجادرجي، واعتزازاً بقيادته التاريخية للحزب.

وبسبب تفاقم الأزمة داخل الحزب، أقدم جناح محمد حديد على تأسيس حزب جديد باسم [الحزب الوطني التقدمي]، وتقدم بطلب إجازة الحزب في 29 حزيران 1960، وضمت هيئته المؤسسة كل من السادة:

1ـ محمد حديد                2 ـ خدوري خدوري           3 ـ محمد السعدون

4 ـ نائل سمحيري           5 ـ عراك الزكم                 6 ـ سلمان العزاوي

7 ـ عباس حسن جمعة     8 ـ رجب علي الصفار         9 ـ د.جعفر الحسني

10 ـ د. رضا حلاوي     11 ـ عبد الأمير الدوري         12 ـ عباس جودي

13 ـ حميد كاظم الياسري 14 ـ عبد الرزاق محمد

وقد تمت إجازة الحزب دون أي تأخير، واستمرت قيادة الحزب في دعم سياسة عبد الكريم قاسم، وخاصة فيما يتعلق بمواقفه من الحزب الشيوعي، ومن الملاحظ أن أغلبية قيادة الحزب جاءت من بين العناصر البرجوازية، ومن الملاكين، ورجال الصناعة، الذين كانوا يشعرون بالقلق الشديد من تنامي قوة الحزب الشيوعي.

ثانياً: الحزب الشيوعي يحاول تكوين جبهة وطنية ديمقراطية جديدة:

نتيجة للشرخ الكبير، الذي حدث في صفوف جبهة الاتحاد الوطني، خلال الأشهر الأولى من عمر الثورة، وانسحاب الأحزاب القومية منها ومن الحكومة، لم يبقَ في الجبهة سوى الحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الشيوعي، وحتى العلاقة بين هذين الحزبين أخذت بالتردي يوماً بعد يوم بعد اتساع المد الشيوعي وسيطرته على الشارع العراقي، وهيمنة الحزب الشيوعي على كافة المنظمات الجماهيرية، والنقابات المهنية والعمالية، واتحاد الجمعيات الفلاحية، واتحاد الطلبة، وتلك كانت أحد الأخطاء الكبرى التي وقع فيها الحزب الشيوعي، والتي سببت ابتعاد الحزب الوطني الديمقراطي، وبشكل خاص جناحه اليميني عنه، وسعيه الحثيث لكبح جماح الشيوعية، وتحريض عبد الكريم قاسم على الوقوف بوجه الحركة الشيوعية حرصاً على مصالحه الطبقية.

كان على الحزب الشيوعي، الذي حرصت قيادته على اعتبار تلك المرحلة هي مرحلة الوطنية الديمقراطية، عدم استفزاز البرجوازية الوطنية، واستبعادها عن النشاطات الديمقراطية، والاستئثار بكافة المنظمات الجماهيرية، والنقابات المهنية والاتحادات العمالية، والفلاحية.

أخذت العلاقات بين الحزبين بالتردي، كما أسلفنا يوماً بعد يوم حتى وصلت إلى طريق اللاعودة، عندما حدث الانشقاق في صفوف الحزب الوطني الديمقراطي، ومن ثم استقالة رئيسه الأستاذ كامل الجادرجي، ومن ثم استقالة الجناح اليميني بزعامة محمد حديد من الحزب، وتأليفهم [الحزب الوطني التقدمي].

لقد لعب الحزب الشيوعي دوراً في ذلك الانشقاق عندما دفع، وشجع العناصر اليسارية في الحزب الوطني الديمقراطي، إثر قرار الجناح اليميني تجميد نشاط الحزب، إلى تشكيل قيادة جديدة للحزب، ومواصلة النشاط السياسي.

وهكذا أقدم عدد من الشخصيات السياسية المحسوبة على الجناح اليساري على إصدار بيان يستنكر فيه إقدام محمد حديد وكتله على قرار تجميد نشاط الحزب، بتحريض من الحزب الشيوعي.

فقد أصدر الحزب الشيوعي بياناً في 22 مايس 1959 بعنوان [حول إيقاف نشاط الحزب الوطني الديمقراطي]، شجب فيه قرار التجميد، داعياً العناصر اليسارية في الحزب إلى مواصلة النشاط السياسي.

وعلى أثر ذلك أصدرت الكتلة اليسارية في الحزب، والتي ضمت كل من السادة:

1 ـ عبد الله البستاني          2 ـ عبد المجيد الونداوي          3 ـ علي عبد القادر

4 ـ نايف الحسن              5 ـ حسان عبد الله مظفر           6 ـ ناجي يوسف

7ـ علي جليل الوردي        8 ـ حسين أحمد العاملي            9 ـ سليم حسني

10 ـ عادل الياسري

بياناً في 22 مايس 9591، حول رفض قرار التجميد، ومما جاء في البيان:

{ونحن إذ نعلن مخالفتنا لقرار التجميد فإننا ندعو أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي المؤمنين بأداء واجبهم الحزبي في هذه الظروف إلى الاستمرار في النشاط الحزبي، كما نعتبر أن الذين أصدروا قرار وقف نشاط الحزب ومن يؤيدهم من أعضاء الحزب إنما قرروا ذلك بالنسبة لأنفسهم فقط}.

لقد كانت تلك الخطوة من جانب الحزب الشيوعي، والجناح اليساري في الحزب الوطني الديمقراطي خطوة انفعالية بلا شك عمقت من الشرخ بين الحزبين من جهة، وبين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم من جهة أخرى، فقد كان واضحا أن قاسم قد قرر أن يقف بوجه الحزب الشيوعي مهما فعل، أضافه إلى دفع العلاقة بين الحزبين إلى مرحلة اللاعودة.

لكن الحزب الشيوعي ذهب إلى أبعد من ذلك عندما دعا الجناح اليساري في الحزب الوطني الديمقراطي، والجناح اليساري في الحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى إقامة [جبهة وطنية ديمقراطية جديدة]، وتوصل معهما إلى مشروع ميثاق جديد للجبهة المذكورة، في 28 حزيران 1959، وتضمن الميثاق الجديد البنود التالية:

1ـ صيانة الجمهورية، والحفاظ على خط سيرها، باتجاه الديمقراطية، وتطهير كافة مؤسسات الدولة، والقوات المسلحة من العناصر المعادية للثورة، وإحلال العناصر المخلصة والكفوءة محلها.

2ـ التضامن مع كافة البلاد العربية المتحررة في كفاحها ضد الاستعمار والصهيونية.

3 ـ السير على سياسة الحياد الإيجابي، ومقاومة الإمبريالية.

4 ـ تعزيز الأخوة العربية الكردية، والسعي من أجل الوحدة الوطنية.

5ـ اعتماد مبدأ الديمقراطية الموجهة، وإشاعة الحريات الديمقراطية، وحرية التنظيم الحزبي والنقابي، وحرية الصحافة، لكل القوى التي تدافع عن الجمهورية، ومكاسب ثورة 14 تموز المجيدة.

وقد وقع على ميثاق الجبهة عن الحزب الشيوعي كل من السادة:

1 ـ عامر عبد الله           2 ـ عبد القادر إسماعيل          3 ـ زكي خيري

4 ـ عزيز الحاج            5 ـ بهاء الدين نوري              6 ـ كريم أحمد

7 ـ محمد حسين أبو العيس

فيما وقعها عن الجناح اليساري للحزب الوطني الديمقراطي كل من السادة:

1 ـ المحامي ناجي يوسف        2 ـ صلاح خالص         3 ـ المحامي أحمد الجلبي

4 ـ عبد المجيد الونداوي         5 ـ علي جليل الوردي     6 ـ نايف الحسن

6 ـ حسين أحمد العادلي

أما الجناح اليساري للحزب الديمقراطي الكردستاني فقد وقع عنه كل من السادة:

1 ـ حمزة عبد الله             2 ـ خسرو توفيق          3 ـ عزيز صالح الحيدري

4 ـ نوري شاويس            5 ـ نزار أحمد             6 ـ شمس الدين المفتي

7 ـ صبغة الله المزيوري

سارع الموقعون على ميثاق الجبهة الجديدة إلى إرسال مذكرة إلى عبد الكريم قاسم تشرح فيها الأوضاع السائدة في البلاد، والمخاطر التي تجابه الثورة ومكاسبها، وأهمية الوحدة الوطنية في الكفاح ضد الاستعمار والرجعية، وتعلن فيها عن إقامة الجبهة، وأهدافها، وفيما يلي نص المذكرة:

نص مذكرة الجبهة الوطنية الديمقراطية للزعيم عبد الكريم قاسم:

سيادة الزعيم عبد الكريم قاسم المحترم:

منذُ أنْ وطأ الاستعمار بلادنا، وطوال سنوات الكفاح المريرة، في العهد المباد، كان العمل من أجل وحدة الصف الوطني، هدف الشعب الأسمى، وسلاحه التعبوي الحاسم لتحقيق انتصاراته، وبالعكس كانت الفرقة، أحد الأسباب الرئيسية للانتكاسات، وفي غمرة الكفاح الوطني، في ظروف مده وجزره، ومن خلال تجارب النجاحات والإخفاقات، انبثقت فكرة الجبهة الوطنية الموحدة وتبلورت، وغدت ستار الشعب الحقيقي. وكان لابدّ للقوى والأحزاب والعناصر الوطنية أن تستجيب لإرادة الشعب في الوحدة، فتضافرت جهودها، واتحدت صفوفها، وأدركت كل واحدة منها بتجربتها، وتجربة الحركة الوطنية عموماً، وبالاستناد إلى تقدير موضوعي، أن أية قوة بمفردها، وبدون مساندة الشعب، لن يكون بمستطاعها تحقيق مهمة الانتصار على الاستعمار وأعوانه.

وبفضل تضامن الجيش والقوى السياسية، وبفضل جهودهما المشتركة، بصرف النظر عن تباين الأساليب، وتفاوت الطاقات العملية، وبفضل مساندة الشعب الحازمة، كُتب الانتصار الساحق والسريع لثورة 14 تموز الظافرة عام 1958.

إن هذه الحقيقة لم تفقد أهميتها وصحتها بعد الانتصار، وبعد تحقيق أهداف الشعب في ضرب النظام الملكي الاستعماري الإقطاعي، وفي إقامة نظام حكم جمهوري وطني متحرر، فلم يكن بإمكان أي قوة بمفردها أن تصون الثورة وجمهورية الرابع عشر من تموز، فقد آزر الشعب جيشه الباسل، وحكومته الوطنية، ووقف الجيش مع الشعب، واستندت الحكومة على الشعب وقواه الوطنية المناضلة المخلصة، وظل المخلصون لإرادة الشعب ومبادئ الثورة، وانتم على رأسهم متمسكين في كل الظروف والأوقات العصيبة التي مرت بجمهوريتنا بشعار [وحدة الصفوف] هذا الشعار الذي التزمت به ودافعت عنه الغالبية الساحقة من القوى الوطنية، ولم تشذ عنه سوى العناصر والجماعات التي تضافرت جهودها مع جهود الطامعين، والقوى المعادية للجمهورية، من الاستعماريين، والإقطاعيين. ولولا وعي الشعب ويقظته ويقظة القوى الوطنية لكان بمستطاع تلكم الزمر المعادية والمفرقة شق وحدة الشعب وتلاحم صفوفه، والتسبب في جلب الكوارث الحقيقية على البلاد.

بيد أن الشعب فوت الفرص على الأعداء والطامعين ومفرقي الصفوف، وبقي صامداً موحداً تحت زعامتكم، وقد أصبح ذلك ممكناً بفضل وحدة الجيش والشعب بقيادتكم الحكيمة الحازمة، هذه الوحدة التي كانت العامل الأساس الذي مكن البلاد من تخطي المؤامرات والهزات التي تعرضت لها والقضاء عليها بتفوق باهر، وسرعة فائقة.

وكما أن الشعب وقواه الوطنية، وقيادة البلاد، أدركت أهمية الوحدة الوطنية وضرورتها التي لا غنى عنها، فقد أدرك الاستعمار وأعوانه الطامعون كذلك، عظم وخطر وحدة الصف على مشاريعهم، ومؤامراتهم، ومآربهم الهادفة إلى نسف كيان الجمهورية، وضرب زعامتكم.

لقد ركز الاستعمار خلال الأشهر الأخيرة بوجه خاص كل جهوده من أجل بث الشكوك والريبة داخل القوى الوطنية بغية الإخلال بوحدتها، وتأليب بعضها ضد البعض الآخر، لفتح الثغرات، والنفوذ منها، جرياً على سياسة [فرق تسد]، وتعلمون سيادتكم أن الاستعمار لا ينهج لتحقيق أغراضه سُبلاً مكشوفة يمكن تمييزها بسهولة ويسر، بل يعمد، وهو العدو المسلح بتجربة واسعة في هذا المضمار، إلى استخدام أعقد الخطط، وأكثر السبل الماكرة، وغير المباشرة، والملتوية والخبيثة.

ولئن كان الاستعمار أخفق في نسف استقلال البلاد، وقلب الحكم الجمهوري الديمقراطي، والإطاحة بزعامتكم، فإن هدفه هذا لم يتغير، ولن يتغير، حيث لا يمكن للاستعمار أن يتخلى عن مساعيه، ودسائسه، في سبيل إرجاع نيره المهشم، واستعادة نفوذه المنهار، حتى لو أدى ذلك إلى إغراق الوطن في بحر من الدماء الزكية.

إن مما يأسف له كل مخلص، حدوث بعض الأمور والملابسات والمواقف التي صدرت من هذا وذاك من الأطراف الوطنية، والتي أدت إلى تقوية أمل المستعمرين، وانتعاش مقاصدهم اللئيمة ضد بلدنا الحبيب، وكان من نتائج ذلك مع الأسف، هذه البلبلة الواضحة التي سرت في صفوف الشعب، وقواه الوطنية، وخلخلت الصف الوطني.

إننا حينما نشير إلى هذا الوضع المؤسف، فنحن لا نتطير منه بحال من الأحوال، ولسنا مساقين بنظرة التشاؤم، وإنما نستند إلى وقائع ملموسة، اطلع عليها الرأي العام، وتحسستها أوسع الجماهير، والعناصر الوطنية المخلصة، وفعلت فعلها السلبي في سريان القلق المشروع في الأوساط الشعبية، والجماهير محقة كل الحق في استنتاجاتها وشعورها، خاصة وأن الشعب تعلم من خلال تجربته، وتجارب الأمم الأخرى، أن الاستهانة بالأعداء المتربصين، سواء كانوا داخليين أم خارجيين، هي داء وبيل، أصابت عدواه حركات وطنية كثيرة، وأدت بها إلى الانتكاس والخذلان.

ومما لا ريب فيه أن المخلصين كافة لا يوجد بينهم من يرغب، أو يقبل مثل هذا المصير لثورتنا المباركة المظفرة، التي هي كما أكدتم سيادتكم دائماً للشعب إنها حصيلة دماء غزيرة وعزيزة، وجهود وآلام بذلتها الملايين من أبناء الشعب خلال سنوات طويلة من الكفاح، والعذاب المتواصل، وقد آن للشعب المكافح الصابر عقوداً من السنين، بل دهوراً، أن يحصد الثمار، ويتمتع بحريته الكاملة، وحقوقه الديمقراطية العادلة، وخيرات بلاده الوفيرة وهذا ما يناضل من أجله كل المخلصين، كما سبق لسيادتكم أن صرحتم به دائماً.

إن الواقع للوضع المؤسف هذا الذي أشرنا إليه قبل قليل قد أثار، ولم يكن بالإمكان أن لا يثير، أقصى درجات اليقظة لدى الشعب، وحفز وعيه على الاستعانة بتجاربه، وتجارب الأمم الأخرى التاريخية، فبرز على الألسن، كما تغلغل في القلوب أكثر من أي وقت مضى شعار وحدة [الصف الوطني] وتقويته، والدفاع عنه وعن الجمهورية، و مكاسب ثورة الشعب وجيشه المقدام.

وما كان لهذه الرغبة النبيلة الواعية لدى جماهير الشعب إلا أن تنعكس على مختلف قواه الوطنية التي يقف على رأسها ويرعاها سيادتكم.

ونحن كجزء من هذه القوى الوطنية حملنا شعورنا بالمسؤولية، إزاء هذا الوضع الراهن، وإزاء مهمة الحفاظ على مكاسب الشعب، وعلى تضافر الجهود، ودفعنا إلى التقارب بين بعضنا، لدراسة المعالم المميزة للظرف الذي يكتنف الجمهورية، وتحديد واجباتها فيها.

ولقد توصلنا بنتيجة دراستنا للعوامل التي أدت إلى الإخلال بوحدة الصف الوطني والإساءة إليه، وتحري الحلول الممكنة، والعملية التي تساعدنا على بعثها مجدداً، وعلى أفضل وجه، وتوصلنا إلى مواصلة نشاطنا في [جبهة الاتحاد الوطني]، واتخاذ جميع الخطوات المقتضية لإعادة حيويتها، وتحويلها إلى واقع ملموس وجهاز وطني فعّال، قادر على تعبئة، وتوحيد صفوف الشعب.

وبناء عليه، فقد تم الاتفاق فيما بيننا على إقرار [ميثاق إنشائي] نبلور ونصوغ فيه وجهة نظرنا المشتركة في المسائل الكبرى التي نصت عليها بنود الميثاق، والتي تواجه البلاد في الظرف الراهن، سواء ما يتعلق منها بصيانة الجمهورية، أو بتخطيط وبناء مستقبل البلاد، وهذا الميثاق الوطني هو عهد مقدس بين القوى المنضوية، أو التي ستنضوي في المستقبل تحت لواء جبهة الاتحاد الوطني، والتي ستمارس نشاطها المشترك تحت قيادتكم الحكيمة.

وما من شك أن ما جاء في هذا الميثاق قد يحتمل الإضافة، أو التعديل، متى ما أرادت الأطراف المشتركة فيه، أو متى ما ارتأت القوى الوطنية ضرورتها.

وباعتقادنا أن خطوتنا هذه من أجل وحدة الصفوف ستكون ذات أهمية كبرى، وأكثر جدوى، في خدمة الجمهورية، كلما ضمت جبهة الاتحاد الوطني قوى شعبية أخرى، وإمكانيات جديدة.

إننا إذ نتقدم إليكم بصورة من ميثاقنا الوطني الذي تم اتفاق كلمتنا عليه، برغم الاختلاف في اتجاهاتنا، وميولنا السياسية، نحن القوى المؤتلفة في جبهة الاتحاد الوطني، لنا وطيد الأمل بأننا سنجد من لدن سيادتكم كل التشجيع، والرعاية، وتقبلوا فائق احترامنا.

بغداد 28 حزيران 1959

ثالثاً ـ عبد الكريم قاسم يتجاهل المذكرة ويواصل سياسته تجاه الحزب الشيوعي:

إن عبد الكريم قاسم، الذي كان قد عقد العزم على ضرب الحزب الشيوعي والحد من نشاطه، والسير في طريق الحكم الفردي، والاستئثار بالسلطة، تجاهل تلك المذكرة، وتجاهل الجبهة، بل وأوغل أكثر فأكثر في سياسته الهادفة إلى تجريد الحزب الشيوعي من كل أسباب قوته، وجماهيريته، وتوجيه الضربات المتلاحقة له، ولم تفد الحزب تلك العبارات التي أطرى بها على قاسم، وسياسته الحكيمة!! في زحزحته عن مواقفه تجاه الحزب بل جعلته يندفع أكثر فأكثر في هذا السبيل، مصمماً على حرمان الحزب من ممارسة نشاطه السياسي، استناداً لقانون الأحزاب والجمعيات الذي أصدره في 1 كانون الثاني 1960.

أما محمد حديد ورفاقه في الحزب الوطني التقدمي فقد رفضوا الانضواء تحت راية تلك الجبهة، معللين ذلك بأن الحزب الشيوعي قد عمل من وراء ظهر الأحزاب، وأن تلك الجبهة هي من صنع الشيوعيين، ورفضوا أي نوع من التعاون مع الحزب الشيوعي، ومع الجبهة المعلنة.

وهكذا فإن هذه الجبهة لم تستطع أن تؤدي مهامها، وتحقق أهدافها، نظراً لتعقد الظروف السياسية، وتدهور العلاقات بين أطراف القوى الوطنية من جهة، ومواقف عبد الكريم قاسم من جهة أخرى، إضافة للشرخ الذي أصاب الحزب الوطني الديمقراطي، وانعزال القوى القومية، وتنكبها لمسيرة الثورة، ولجوئها إلى التآمر المسلح والمكشوف لإسقاطها، والإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم.

 

حامد الحمداني

 

 

جمال العتابيتأخذنا نحن أبناء القرى والقصبات الصغيرة نشوة سحرية لإكمال دراستنا المتوسطة في مدارس المدن المجاورة، على الرغم من صعوبات الطريق والأجواء المعاشية القاسية وغيرها من المفاجآت . هذه المدن تمنحنا بعضاً من نورها، شوارعها معبّدة بالقار، أسواقها تسهرلساعة متأخرة، تستيقظ فيها ألوان الفجر بليونتها المائية العذبة، نتجول فيها أوقات المساء وكأننا نبحث عن كنز، تداهمنا رائحة الكباب فنقبل عليه إقبال العاشقين، عدّتنا في سنوات الصبا، لم تمنحنا أكثر من مفتاح صغير للدخول إلى أسرار المدينة .

بدأت عامي الدراسي الأول 59-1958 في الرفاعي، فالغازية لم تنل فرصتها بعد من هذا الإمتياز، ننتظر أن تنقضي أيام الأسبوع بسرعة، نترقب قدوم يوم الخميس، مشدودين بكل حواسنا للعودة إلى معبد الأمومة ليلة واحدة .إذ تعاودني الرغبة لصمت التراتيل وخفوت الصلاة، لتستيقظ أعماقي في آفاقها الرحبة، فليل الغازية صمت وعتمة، ليس سوى تسبيح للمياه، وشدو للضفاف والنخل، أسمع صداه، وفي البيوت مواقد خابية اللظى، وبصيص من نور للفوانيس، لم تعدم سناها بعد، كأنها تبعث بحداءٍ بعيد ومتقطع، شوارعها تشاكس البيوت بالغبار حيناً، وبالوحل حين ينهمر المطر، والأمهات فيها يلدن دونما ضجة، ودونما صخب .

الطريق الترابي الى الغازية بضعة فراسخ في الطول على ضفة نهر الغراف اليسرى، تمر عبره سيارة واحدة بهيكلها الخشبي يُحشر فيها البشر والماشية معاً، وفي أحسن الأحوال هناك سيارتان تجوبان الطريق بين الشطرة والرفاعي . تحمل منتجات الفلاحين وأمتعتهم والدخان يلون سطوح هذه الهياكل .

في اليوم التالي تودعني أمي بتراتيل صلاة الجمعة، و(صرّة صغيرة) فيها متاعي الذي صنعته بكفيها المزهرين بالوشم . في صباح نازف بالبرق والرعد، نتوجه للصوب الثاني يرافقني والدي، وقلبي غارق في الحزن مع موجة المطر الكثيف الذي يستبيح الطرق، ويستفز الزروع، ولسع البرد يغوص حتى في الجيوب، وفي جواربي وتحت جلدي، لا الأب يثنيني من تأجيل السفر، ولا أنا أدرك معنى الخطر، عبرنا الغراف بقارب يتمايل نحو اليسارتارة ونحو اليمين تارة أخرى، في نهر طافح بالوعود والكبت والقلق، بسلام إتجهنا الى مقهى (عبادي)، الوحيدة التي تأوي المارين المتعبين من هناك، المقهى توحي بتوجعها الخفي، وعمرها المكدود ورغبتها التي تتضور عطشاً .مرّت ساعات بسكوت هائل لامتناه، وانا أراقب صمت عيون أبي العميق، عيونه المتجهة نحو صوت الباص القادم، وكأنه يخوض بطوفان، يستجير بالصراخ من الطين، مندفعاً بتمرد يقلّبه الموج بلا بوصلة تحدد الإتجاه، نسمع صرخاته كالبكاء في ليل عيد، توقفت السيارة بصعوبة على بعد خطوات بعد أن خفت لهاثها، عانقني أبي مودعاً، لم أجد صعوبة في أن أختار أي مكان من هذا الهيكل الخشبي (أبوضلوع)، الخالي من الركاب سوى رجل وزوجته وطفلهما الوحيد، فأخترت مقدّم السيارة (الصدر) إلى جوار السائق، لأنها فرصة تاريخية لن تتهيأ لي في الأوقات الإعتيادية .

عمي ما هذا الحديد الذي يلف إطار السيارة؟ سألت السائق .

-إبني هذا يسمّوه زنجيل يساعد السيارة على الحركة وسط الطين، لكن أنا أريد أسألك . أنت وين رايح بهذا اليوم الأسود؟ أبوك ما نصحك ؟

-لاعمي ! لازم ألتحق بالمدرسة غداً .

لم ينتبه السائق لإجابتي، ونزل بعد ان أصبح الباص أشبه بغريق في خضم الطين وأمواج السيول بعد بضعة كيلومترات من السير، نادى الرجل ليعينه في الدفع، أحس بالأرض تميد، ومحاولات الحركة باتت متعذرة، ومحرك السيارة يتحول إلى صوت يهتك السماء، إلى أن خمد الصوت كان الوقت غروباً، لاشيء سوى هيمنة الظلمة، وصرير الريح يلطم بالسطوح . توقف المحرك عن الدوران تماماً

-هذا حدنا ..قال السائق بإسترخاء .

يعني شنوعمي؟

-أجاب دون ضجيج، ننتظر فرج الله حتى الصباح .

إلهي ...أما من مغيث؟ توجهت المرأة بتضرع إلى السماء، لم تغثها القبائل، ولا النجوم التي توارت وراء السحب سمعت نداءها، فالسماء كانت تهطل غضباً، والبرد زمهرياً يطحن العظام، قرى تنكسر من فرط أحزانها، كأنها أشباح تمد مخالبها في الظلام، لانار في بيوتها البعيدة تدفىء الأجساد، ولا ضوء غير سورة الريح، ولا زيت ولا طعام، سوى شياطين تحرس الدروب، ها أنا من فرط الخوف يغلبني النعاس مع إنهمار آخر مزنة في الليل .

أصحو على بزوغ ومضة ضوء بعيدة تسرق السكينة، مالبثت أن تتحول إلى صوت معاند وهو يقضم المسافات، ها هو الفرج قادم يسبح في حالك السواد بجنون الحديد، يوقظ الطين من غفوة مؤقتة، من يا ترى يبحث عن سر هذا الإنهمار، ويغامر في أخاديد الوحل ؟ من يهجر دفء بيته الآن ؟ ليسمع شهقات طفل يتضور من ألم الجوع، وتجهش أمه بصمت لاهب .من يعين عيون أمي المسهدة التي تنتظر خلف النوافذ، أرق ترصدها فسرق النوم منها تلك الليلة، (قلبي يعلم) كما ذكرت لي بعد حين .

يلزمني بعض الوقت لإدراك معنى الرصاص والنداء المذعور الذي إنطلق فجأة حين إقتربت سيارة الشرطة منا، صوت الرصاص إستفز الحقول النائمة، والمطر الناعم الذي ركد على الأرض قبل سويعات، ترجل منها بضعة مسلحين مدججين بالبنادق، حاصرتنا الأسئلة، ودهشة العيون، إقتادونا إلى حوض السيارة الخلفي كأسرى، إستدارت بحركة مجنونة لتنطلق بقوة نحو المدينة، بين المجموعة تعرفت على وجه صديق لوالدي، إنه المعلم أحمد فإطمأن قلبي وسكنت روحي، سألته : مالذي هداكم إلينا يا أستاذ ؟

-نحن في واجب يا إبني، إحمدوا الله انه كان السبب في إنقاذكم في هذا الليل المهلك، قلت وما الواجب ياعم، فأجاب : نبحث عن (المتآمر) رشيد عالي الكيلاني الذي هرب إلى مدننا ليحتمي بشيوخ العشائر الموالين له، والمعادين لـ (الثورة والزعيم)، قلت دعني إذاً يا أستاذ أن أسبح بحمد رشيد عالي وأشكره على فعله هذا الذي أنقذنا، رحمة على أهلك رشيد عالي، وأردفت بالقول : لولاه لكنا في التيه ينخرنا البرد وصمت الليل .

في الخميس التالي كنت أروي لأمي التي تنتظرني بلهفة، معنى حزن ليلة 8 كانون الثاني من عام 1959 عندما كانت طيور الحب تنام . كان وجهها يضمر إبتسامة لاتسمح بالذهاب إلى التأويل، فقالت ببساطة وعفوية : وليدي، أبوك أيضا ًكان في تلك الليلة يبحث عن رشيد عالي .

 

جمال العتّابي

 

 

حامد الحمدانيعبد الكريم قاسم يوجه ضرباته للحزب الشيوعي:

بدأ عبد الكريم قاسم، بعد أن أرعبته مسيرة الأول من أيار يخطط لكبح جماح الحركة الشيوعية في العراق، وجاءت أحداث الموصل وكركوك لتعطي له المبرر لبدء حملته الشعواء ضد الحزب عبر خطاباته المتلاحقة والتي كان يهدف منها إلى تشويه سمعة الشيوعيين، متهماً إياهم بكونهم أسوأ من هولاكو وجنكيز خان!!، اللذان دمرا بغداد، وسفكا دماء مئات الألوف من أبنائها، ليتخذ من ذلك الحجة لتقليم أظافر الحزب الشيوعي وتجريده من أسباب قوته، وإنزال الضربات المتلاحقة به، ومن أجل تحقيق هذا الهدف اتخذ العديد من الإجراءات التي كان أهمها ما يلي:

أولاً ـ حل المقاومة الشعبية:

كان أول ما فكر به عبد الكريم قاسم لتحجيم الحزب الشيوعي، هو تجريده من أقوى سلاح يمتلكه، المتمثل بهيمنته على قوات المقاومة الشعبية، فقد بدا واضحاً، وبشكل خاص، بعد وقوع انقلاب العقيد الشواف الفاشل في الموصل، أن المقاومة الشعبية فرضت سيطرتها على الشارع العراقي، وفي كافة المدن العراقية، وكان واضحاً أيضاً أن الهيمنة الحقيقية على تلك القوات كانت بيد الشيوعيين وأصدقائهم، وعلى ذلك أقدم عبد الكريم قاسم على الخطوة الأولى المتمثلة في سحب السلاح من قوات المقاومة الشعبية، وبعد إن تم تجريد المقاومة من سلاحها، أصبح من اليسير على قاسم أن يصدر قرار حلها، وهذا ما تم بالفعل، وخلال فترة وجيزة.

رضخ الحزب الشيوعي للقرار، فقد كان الحزب قد اتخذ سياسة التراجع، حرصاً منه ـ كما كان يظن ـ على العلاقة مع عبد الكريم قاسم، لكن تلك السياسة لم تجلب ِللحزب نفعاً، فبقدر ما كان الحزب يتراجع، بقدر ما كان عبد الكريم قاسم يندفع في إجراءاته ضده.

لكن الخسارة الحقيقية الكبرى الناجمة عن إجراءات قاسم كانت ليس للحزب الشيوعي وحده، وإنما للثورة، ولقاسم نفسه، الذي دفع حياته ثمناً لتلك الأخطاء، فلو لم يلجأ قاسم إلى حل المقاومة الشعبية، ومحاربة الحزب الشيوعي، لما استطاع انقلابيي 8 شباط تنفيذ جريمتهم بحق الشعب، والوطن عام 1963.

ثانياً ـ تصفية قيادات المنظمات، والاتحادات، والنقابات الوطنية:

كانت خطوة عبد الكريم قاسم التالية، بعد حل المقاومة الشعبية، تتمثل بسحب كافة المنظمات الجماهيرية، واتحاد النقابات، واتحاد الجمعيات الفلاحية، واتحاد الطلبة، وكافة النقابات المهنية، كنقابة المعلمين، والمهندسين، والأطباء، والمحامين، وسائر المنظمات الأخرى، من أيدي الشيوعيين، لكي يجرد الحزب الشيوعي من جماهيريته في تلك المنظمات والاتحادات والنقابات ذات التأثير الكبير على سير الأحداث.

لم يكن عبد الكريم قاسم ولا البرجوازية الوطنية المتمثلة بالحزب الوطني الديمقراطي بقادرين على استقطاب تلك المنظمات والاتحادات، والنقابات والسيطرة عليها، فكانت النتيجة أنْ وقعت جميعها تحت سيطرة أعداء الثورة، والمتربصين بعبد الكريم قاسم نفسه، وبالحزب الشيوعي سند الثورة العنيد والقوي.

لقد فسح عبد الكريم قاسم المجال واسعاً أمام تلك القوى الشريرة، من بعثيين ومدعي القومية من الرجعيين وأذناب الاستعمار، لكي يسيطروا سيطرة كاملة على تلك المنظمات والاتحادات والنقابات، بأسلوب من العنف والجريمة لم تعرف له البلاد مثيلاً من قبل.

كانت العصابات البعثية، والقومية، وقد لفّت حولها كل العناصر الرجعية، تترصد لكل من يبغي الوصول إلى صناديق الاقتراع لانتخاب قيادات تلك المنظمات والاتحادات والنقابات بأسلحتها النارية، وسكاكينها، وعصيها، وحجارتها، لدرجة أصبح معها من المتعذر حتى للمرشحين الديمقراطيين والشيوعيين الوصول إلى صناديق الاقتراع والإدلاء بأصواتهم، أليست هذه هي الديمقراطية التي أرادها عبد الكريم قاسم؟

أن قاسم، شاء أم أبى، قد وضع السلاح بأيدي أعداء الثورة والشعب، لكي يتم نحر الجميع يوم الثامن من شباط 1963.

ثالثاًـ تصفية القيادات الوطنية في الجيش، والجهازين الإداري، والأمني:

كانت الخطوة الثالثة لعبد الكريم قاسم تتمثل في تصفية نفوذ الحزب الشيوعي في الجيش، وفي الجهازين الإداري والأمني، فقد قام عبد الكريم قاسم بحملة واسعة جرى خلالها إحالة أعداد كبيرة من العناصر الشيوعية، أو العناصر المؤيدة للحزب الشيوعي إلى التقاعد، وأحلّ محلهم عناصر إما أنها انتهازية، أو معادية للثورة في صفوف الجيش، وجهازي الشرطة والأمن، والجهاز الإداري، كما أبعد أعداد كثيرة أخرى من المناصرين للحزب الشيوعي إلى وحدات غير فعالة، كدوائر التجنيد والميرة، أو جرى تجميدهم في إمرة الإدارة، أو تم نقلهم إلى وظائف مدنية ثانوية، بالإضافة إلى اعتقال أعداد أخرى منهم.

ولم يكتفِ قاسم بكل ذلك، بل التفت إلى الكليات، والمدارس، ليزيح كل العناصر الشيوعية، ومناصريهم من مراكزهم الإدارية، وليعيد تسليمها إلى تلك العناصر الحاقدة على الثورة، والتي وقفت منذ اللحظة الأولى ضدها، وكانت أداة طيعة بيد السلطة السعيدية السابقة.

وهكذا مهد قاسم السبيل للرجعية، والقوى المعادية للثورة لاغتيالها، واغتيال آمال الشعب العراقي وأحلامه التي ناضل طويلاً من أجلها، وكان باكورة نتائج السياسة التي سار عليها عبد الكريم قاسم وقوع محاولة اغتياله هو بالذات، ومحاولة اغتصاب السلطة في 7 تشرين الأول 1959، على أيدي زمر البعثيين في شارع الرشيد.

رابعا: محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم واغتصاب السلطة:

في 7 تشرين الأول 1959، جاء أول الغيث من القوى المعادية للثورة وقيادتها، ففي ذلك اليوم جرت محاولة خطيرة لاغتيال عبد الكريم قاسم، في رأس القرية، بشارع الرشيد، وهو في طريقه إلى بيته في العلوية دون حماية، حيث كان يرافقه مرافقه الخاص [قاسم الجنابي] بالإضافة إلى سائقه فقط.

قام بتدبير المحاولة حزب البعث، بالتعاون مع جانب من القوميين المتعاطفين معه، لكن من المؤسف أن تكون للجمهورية العربية المتحدة وعبد الناصر اليد الطولى فيها، فقد ذكر[علي صالح السعدي] أمين سر حزب البعث، في [نضال البعث] في الصفحة 17، أن فؤاد الركابي الذي كان أمين سر الحزب آنذاك، قد تلقى بواسطة [خالد علي الصالح] و[أياد سعيد ثابت] مبلغاَ من المال من الملحق العسكري المصري العقيد [عبد المجيد فريد] لتسهيل عملية تصفية عبد الكريم قاسم جسديا.

أصيب عبد الكريم قاسم بعدة رصاصات في كتفه وصدره، وقتل سائقه، وجرح مرافقه [قاسم الجنابي]، وتم نقل عبد الكريم قاسم إلى مستشفى السلام على الفور، حيث اُجريت له عمليات جراحية لاستخراج الرصاصات من جسمه، ومكث في المستشفى فترة من الزمن.

وفي أثناء تبادل إطلاق النار بين المهاجمين من جهة، وعبد الكريم قاسم ومرافقه من جهة أخرى، قتل أحد المهاجمين البعثيين المدعو [عبد الوهاب الغريري] واستطاع المحققون من التوصل إلى كل المدبرين، والمساهمين، والمنفذين لتلك المحاولة، التي تبين من سير التحقيقات إنها لم تكن تستهدف ليس فقط حياة عبد الكريم قاسم وحده بل كان هناك مخطط انقلابي واسع للاستيلاء على السلطة، وإغراق البلاد بالدماء.

الحزب الشيوعي يذود عن سلطة عبد الكريم قاسم:

كان سرعة تحرك الحزب الشيوعي، والقوى الديمقراطية الأخرى، وجماهير الشعب الغفيرة، ونجاة عبد الكريم قاسم من الموت بتلك المحاولة المجرمة قد حال دون تنفيذ بقية المؤامرة التي تبين اشتراك عدد من كبار الضباط فيها، ومن جملتهم رئيس مجلس السيادة[نجيب الربيعي] الذي توجه إلى وزارة الدفاع، مقر عبد الكريم قاسم، وقد لبس بزته العسكرية، وهو محال على التقاعد منذُ بداية الثورة، لكن سيطرة العناصر الوطنية على الوزارة أسقط في يده، واستطاعت السلطة إلقاء القبض على ما يقارب 75 فرداً من المتآمرين، فيما هرب عدد آخر منهم إلى سوريا، وكان من بينهم [صدام حسين] أحد المشاركين الفعليين في تنفيذ محاولة الاغتيال.

لقد كان دور الحزب الشيوعي في إفشال مخططات القوى الرجعية، وأسيادهم الإمبرياليين مشهوداً، لقد وقف إلى جانب عبد الكريم قاسم، يذود عن سلطته، على الرغم من كل ما أصابه منه، ولم يفكر الحزب في استغلال الفرصة والوثوب إلى السلطة، وهو لو أراد ذلك في ذلك اليوم لفعل ونجح بكل يسرٍ وسهولة، فقد كان كل شيء تحت سيطرته في ذلك اليوم.

لكن الحزب الشيوعي بقي مخلصاً لعبد الكريم قاسم، معتبراً إياه قائداً وطنياً معادي الاستعمار أولاً، ومعتبراً ما أصابه منه لم يكن سوى مجرد أخطاء ثانياً، ومعتقداً أن الظروف المستجدة سوف تؤكد له خطأ سياسته ومواقفه من الحزب ثالثاً.

إلا أن عبد الكريم قاسم الذي خرج من المستشفى بعد شفائه، عاد من جديد إلى نفس سياسته السابقة تجاه الحزب الشيوعي، ساعياً إلى إضعافه وتحجيمه، دون الاتعاظ بالتجربة الخطيرة التي مرً بها لتوه، بل على العكس من ذلك لم يمض ِوقت طويل حتى أصدر عبد الكريم قاسم قراراً بالعفو عن المجرمين الذين أدانتهم محكمة الشعب، قائلاً قولته المعروفة{عفا الله عما سلف} لكن عفوه ذاك كان مخصصاً لأولئك المجرمين الذين أرادوا قتله، وأعداء الشعب والثورة، ومستثنياً كل الوطنيين المخلصين، الذين زج بهم في السجون، بل وأكثر من ذلك صادق في الوقت نفسه على تنفيذ عقوبة اعدام العضو في الحزب الشيوعي [منذر أبو العيس] وحدد يوم تنفيذ الإعدام ‎في فجر اليوم التالي إلا أن المظاهرة الجماهيرية الكبرى التي أحاطت بوزارة الدفاع مقر عبد الكريم قاسم، أجبرته على إيقاف التنفيذ، وبقي الشهيد أبو العيس في السجن حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، حيث نفذ الانقلابيون حكم الإعدام فيه.

خامساً:عبد الكريم قاسم يحاول تجميد نشاط الحزب الشيوعي:

في محاولة من عبد الكريم قاسم لاحتواء الحزب الشيوعي، توجه بطلب إلى الأحزاب السياسية لتجميد نشاطها بحجة أن العراق يمرّ بفترة انتقال، متناسياً أن الأحزاب السياسية المنضوية تحت راية جبهة الاتحاد الوطني كان لها الدور الكبير في التهيئة والإعداد لثورة 14تموز، وتقديم الدعم الكامل والسريع لها حال انبثاقها، مما أدى إلى شل قوى النظام السابق ومنعه من القيام بأي تحرك ضد الثورة.

كان هناك في الحقيقة حزبان يعملان بصورة علنية بعد انسحاب القوى القومية والبعثية من السلطة، ولجوئها إلى العمل السري، وهذان الحزبان هما الحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، وكان قصد عبد الكريم قاسم من طلبه ذاك حرمان الحزب الشيوعي من نشاطه العلني، بعد أن جرده من سلطانه على المنظمات المهنية والنقابات والاتحادات العمالية والفلاحية والطلبة.

سارعت القيادة اليمينية في الحزب الوطني الديمقراطي، وقد سرها ذلك الطلب، منتهزة فرصة وجود زعيم الحزب، الوطني البارز [كامل الجادرجي] خارج العراق في رحلة للاستشفاء في موسكو، معلنة قرارها بإيقاف نشاط الحزب تلبية لدعوة عبد الكريم قاسم مستهدفة من ذلك إحراج الحزب الشيوعي، ودق إسفين جديد بينه وبين عبد الكريم قاسم.

لكن الحزب الشيوعي تجاهل الطلب هذه المرة، وشن حملة واسعة، في جملة من المقالات التي طلعت بها صحيفة الحزب [اتحاد الشعب] على ذلك الطلب، وعلى الجناح اليميني في الحزب الوطني الديمقراطي، لقراره بتجميد نشاط الحزب، وأستمر الحزب الشيوعي على نشاطه، رافضاً أي تجميد.

أما الأستاذ [كامل الجادرجي] زعيم الحزب فقد وجه نقداً شديداً للقيادة اليمينية للحزب عند عودته إلى بغداد، على قرارها بتجميد نشاط الحزب، وأدى ذلك الموقف إلى حدوث تصدع كبير في قيادة الحزب، وخاصة بعد ما طلب الأستاذ الجادرجي من عضوي الحزب في الوزارة [محمد حديد] و[هديب الحاج حمود] الاستقالة من الوزارة، ورفض الوزيران طلب زعيم الحزب الجادرجي، مما دفع الأستاذ الجادرجي إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب وعضويته، واحتجاب صحيفة الحزب [ صدى الأهالي] الغراء مما أدى إلى تعميق الأزمة السياسية في البلاد.

خامساً: عبد الكريم قاسم يرفض إجازة الحزب الشيوعي:

نتيجة لعدم التزام الحزب الشيوعي بالطلب الذي دعا إليه عبد الكريم قاسم بتجميد نشاط الأحزاب السياسية، محاولة منه منع الحزب الشيوعي من ممارسة نشاطه السياسي، أقدم على إصدار قانون الأحزاب والجمعيات في 1 كانون الثاني 1960، في محاولة منه لحرمان الحزب الشيوعي من إجازة ممارسة النشاط السياسي بصورة قانونية.

وعلى أثر صدور القانون تقدم الحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، بطلباتهم لإجازة أحزابهم، إلا أن الحزب الشيوعي فوجئ باعتراض وزارة الداخلية على ميثاق الحزب طالبة إجراء تغير وحذف لعدد من العبارات الواردة في الميثاق، في حين وافقت على إجازة الحزبين الآخرين فوراً.

ومع ذلك فقد أعاد الحزب صياغة ميثاقه من جديد، وأجرى التغيرات التي طلبتها وزارة الداخلية، إلا أن الحزب فوجئ مرة أخرى بحكومة عبد الكريم قاسم تجيز حزباً مسخاً بزعامة [داؤد الصايغ] يحمل أسم الحزب الشيوعي العراقي، وضمت هيئته المؤسسة عددا من الشخصيات غير المعروفة لدى الشعب العراقي، وهم:

1 ـ داؤد الصائغ 2 ـ إبراهيم عبد الحسين 3 ـ جميل العلوي

4 ـ زكية ناصر 5 ـ كاظم الشاوي 6 ـ سالمة جاسم

7 ـ عجاج خلف 8 ـ عبد محسن 9 ـ كاظم محمد

10 ـ جاسم محمد 11 ـ سليم شاهين

غير أن ستة من هؤلاء ما لبثوا أن استقالوا من الحزب، بعد أن أدركوا أن في الأمر مؤامرة على الحزب الشيوعي لمنع نشاطه.

أوقع انسحابهم من الهيئة المؤسسة داؤد الصايغ والسلطة في حيرة، وأسرعت السلطة في اختيار بديل عنهم من العناصر النكرة، التي لا يعرف أحدُ عنهم أي تاريخ نضالي، وقيل أن عدد منهم من رجال الأمن، في حين جمع الحزب الشيوعي أكثر من 360 ألف توقيع من رفاقه ومؤيديه.

لقد كان عبد الكريم قاسم قد صمم على عدم منح الحزب الشيوعي الإجازة، لكي يصبح الحزب بموجب القانون غير شرعي، وبالتالي خارجاً على القانون، وليتخذ من ذلك ذريعة لضربه، ومطاردة رفاقه، ولم يدرك قاسم أنه بعمله هذا، إنما يوجه السهام إلى صدره، وصدر الثورة.

وهكذا فقد تم رفض طلب إجازة الحزب مجدداً، ولكن هذه المرة بحجة أن هناك حزب شيوعي مجاز بهذا الاسم، ومع ذلك تدارست قيادة الحزب الوضع، واتخذت قراراً بتقديم طلب جديد باسم [اتحاد الشعب] ومع ذلك رفضت وزارة الداخلية الطلب من جديد، ولم يحاول الحزب الاعتراض لدى محكمة التمييز ـ حسب نص القانون ـ حيث وجد أن لا فائدة من ذلك، فقد عقد عبد الكريم قاسم العزم على حرمان الحزب من ممارسة نشاطه بصورة قانونية، وبالتالي ملاحقة رفاقه من قبل الأجهزة الأمنية.

سادساً ـ السلطة ترفض إجازة الحزب الجمهوري:

لم يكتفِ عبد الكريم قاسم وحكومته برفض إجازة الحزب الشيوعي، بل تعدى ذلك إلى رفض إجازة الحزب الجمهوري، الذي كان قد تقدم بطلب تأسيسه في 12 شباط 1960، نخبة من الشخصيات السياسية المشهود لها بالوطنية، وهم السادة:

1 -عبد الفتاح إبراهيم 2ـ مهدي الجواهري 3-أحمد جعفر الأوقاتي

4 ـ صديق الأتروشي 5 ـ د . طه باقر 6 ـ د. عبود زلزلة

7 ـ عبد الرزاق مطر 8 ـ عبد الحميد الحكاك 9ـ صالح الشالجي

10 ـ د.عبد القادر الطلباني 9ـ د. عبد الأمير الصفار 12 ـ جلال شريف

13 ـ رفيق حلمي 14 ـ د.عبد الصمد نعمان 15 ـ نيازي فرنكول

16 ـ حسن الأسدي 17 ـ عبد الحليم كاشف الغطاء 18 ـ نايف الحسن

91 ـ شاكر الحريري 20 ـ حسن جدوع 21 ـ سليم حلاوي

22 ـ سعيد عباس 23 ـ مهدي فريد الأحمر

غير أن عبد الكريم قاسم رفض إجازة الحزب المذكور بحجة أنه يضم عناصر ماركسية لها علاقات طيبة بالحزب الشيوعي. وهكذا أصرّ قاسم على مواصلة السير في الطريق الخاطئ الذي أبعده عن جماهير الشعب وقواه الوطنية، وترك نفسه أعزلاً أمام قوى الردة التي أخذت تتحين الفرصة لتوجيه ضربتها القاضية له ولثورة الرابع عشر من تموز المجيدة.

عاد الحزب الشيوعي إلى نشاطه السري الذي اعتاد عليه أيام الحكم الملكي، وتعرض الألوف من رفاقه وأصدقائه إلى الاعتقال، والإحالة للمجالس العرفية التي كان يرأسها العقيد [شمس الدين عبد الله]، و[العقيد شاكر مدحت السعود]، واللذان أصدرا أحكاماً قاسية على الألوف من كوادر وأعضاء الحزب وصلت حتى الإعدام، ليجد انقلابيوا 8 شباط هذا الصيد الثمين بالقفص وينفذوا حملة إعدمات واسعة لم يعرف لها العراق مثيلاً من قبل شملت المئات من المناضلين الذين ذادوا عن الثورة وسلطة قاسم بالذات.

الى اللقاء مع الحلقة الثالثة

 

حامد الحمداني

 

616 روزا لكسمورغقصة روزا لكسمبورغ واغتيالها تمثل قصة اغتيال الثورات الشعبية الماركسية في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث صادف قبل يومين مرور مئة عام على تلك الجريمة التي قد تكون، مع مثيلاتها، قد غيرت اتجاه التاريخ، واسلمت البشرية الى المصير الذي دفعتها اليه الرأسمالية، والذي تتزايد ملامحه الخطيرة كل يوم.

روزا لكسمبورغ  فيلسوفة واقتصادية ماركسية المانية من أصول بولندية. كان الثورة البلشفية الروسية 1917 تعتمد اعتماداً كبيراً على ثورات العمال في مختلف الدول الأوربية المتقدمة، وبشكل خاص في المانيا، لمساندتها. فقد بدت الظروف في أواخر الحرب العالمية الثانية وبعد نهايتها مهيئة تماما لتلك الثورات وكان التواصل بين الأحزاب الشيوعية في تلك البلدان مستمراً للتهيئة لذلك. وكان هذا الأمل، المشجع الرئيسي لقيام الثورة الروسية، فلم يتخيل الروس أن سيكون باستطاعتهم الصمود لوحدهم، خاصة وأن ذاكرة كومونة باريس التي تم اجهاضها بشكل دموي، ترن في ذاكرتهم.

انتسبت للحزب الماركسي البروليتاري منذ حداثتها. غادرت بولندا سنة 1889 لتنضم إلى الثوريين المنفيين الروس بزعامة بليخانوف في زوريخ حيث درست العلوم ونالت شهادة الدكتوراة، ثم هاجرت إلى ألمانيا. وعندما اندلعت الثورة الروسية لعام 1905 عادت إلى وارسو لكي تشارك بها فقبض عليها وأفرج عنها في العام التالي. عادت إلى برلين حيث كتبت "تراكم رأس المال" سنة 1913 الذي يعتبر مساهمة فكرية ماركسية مهمة.

https://www.marxists.org/archive/luxemburg/1913/accumulation-capital/

تزعمت مع كارل ليبكنخت الجناح الراديكالي من الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني وعارضت دخول المانيا الحرب العالمية الأولى بشدة. عارضت نظرية لينين حول كون الحزب الشيوعي أداة البروليتاريا لتحقيق دكتاتورية البروليتاريا باعتباره ذلك موقف غير ديمقراطي، حيث اعتبرت الديمقراطية، الوسيلة الوحيدة لتحقيق حكم البروليتاريا.

أسست مع ليبكنخت "عصبة سبارتاكوس" عام 1916التي شكلت بعد سنتين نواة الحزب الشيوعي الألماني وكتبت برنامجه بنفسها.

في 15 كانون الثاني 1919 أي بعد شهرين من إعلان ليبكنخت للجمهورية الاشتراكية الألمانية قامت الحكومة الألمانية باغتيالها مع ليبكنخت، والقيت جثتيهما في النهر، وهكذا كتبت نهاية الثورة الماركسية في المانيا.

في الرابط التالي فلم روائي عنها، مع ترجمة إلى اللغة الإنكليزية (للأسف لم نجد واحدا مع ترجمة عربية، لكن يوجد مع ترجمة إيرانية على اليوتيوب).

https://archive.org/details/RosaLuxemburg

 

صائب خليل

 

محمد فتحي عبدالعالالنوستالجيا ببساطة هي كلمة يونانية تعني الحنين إلى الماضي. والنوستالجيا إن شئنا اعتباره مرضاً نفسياً كما كان الحال في الماضي فله وجهان إما أن يكون الحنين إلى الماضي استمرارا لغرس المباديء في الحاضر ولرسم رؤية عريقة في المستقبل تخرج من رحم الماضي ووقتها يكون الشوق للماضي امراً محمودا وضروري للمجتمعات....

ولكن في النقيض يكون الحنين إلى الماضي هروباً من حالة اليأس في الحاضر وعدم الرغبة في رؤية المستقبل هنا يكون المرض وهناً ومرضاً مصير صاحبه البؤس والتعاسة. بطلة قصتنا اليوم ؟!

في بلغراد كانت امرأة في السبعين من عمرها تجلس تمشط شعرها الأبيض الحريري أمام مرآة كبيره في بلاط اخيها تتطلع في حزن إلى وجهها الذي تغيرت ملامحه وظهرت عليه علامات التقدم في السن. أغمضت عينيها ودمعتان لؤلؤيتان تدحرجتا على خدها المجعد. وعلامات من الحزن لاتفارقها وهي تعود بذاكرتها للوراء وهي تمارس لسنوات عديدة هذه الطقوس النوستالجية دون فتور فهي أسيرة ذكريات كانت فيها سيدة القصر . وأي قصرٍ ؟!مما صرفها عن رؤية حاضرها وجعلها لا تنتظر مستقبلا ..بطلة قصتنا اليوم أوليفيرا ديسبينا خاتون .

كانت الذكريات تتدافع في مخيلتها بسرعة رهيبة، كانت الذكرى الأولى شابة رائعة الجمال في مقتبل العمر من بلاد الصرب ترسلُ لتكونَ زوجةً شرعية للسلطان بايزيد الملقب بالصاعقة، القابض على عرش الدولة العثمانية من قبل اخيها الأمير ستيفن بن سا لازار ليكون زواجها ببايزيد عنوانا للتهدئة والتحالف والصداقة بين الدولة العثمانية والصرب بعد معركة كوسوفا الشهيرة ، ومنح ستيفن بموجب ذلك الاستقلال الذاتي مقابل دفع جزية سنوية، وأن تكون القوات الصربية على أهبة الاستعداد للتصدي لأيّ عدوان على الأراضي العثمانية.. فتحت عينيها فجأة ثمّ استرسلت في الذكريات مع ابتسامة تعلو محياها

 راغدة شريففاوليفيرا صاحبة الكلمة العليا والنفوذ داخل بلاط زوجها كما أنها رفضت التخلي عن ديانتها والسلطان لم يعارض ذلك... وتتلاحق الذكريات و سرعان ما يتبدل وجه العجوز وهي تتذكر الغارة الوحشية لتيمورلنك الرهيب سلطان التتار على الاراضي الإسلامية والتي قلبت حياتها رأساً على عقب فحينما اجتاحت قوات تيمورلنك بغداد فر أميرها أحمد بن اويس التماسا للنجاة لدى السلطان بايزيد والذي رفض تسليمه لتيمورلنك وحلق لحية رسول تيمورلنك فقرر تيمورلنك اجتياح الدولة العثمانية رداً على هذه الإهانة ودخل مدينة سيواس، وقتل الأمير أرطغرل ابن السلطان بايزيد الأول وقائد حاميتها واستمر تيمورلنك في التوغل في الدولة العثمانية حتى التقت قواته بقوات الجيش العثمانى في أنقرة سنة 804هـ، وحمي وطيس المعركة فأنضمت فرق من الجيش العثماني لقوات تيمورلنك مما أدى لانكسار الجيش العثماني وأسر السلطان بايزيد وزوجته اوليفيرا مع زوجات السلطان الأخريات لتحدث مأساة لا مثيل لها.

تحطّ الذكريات بأوليفيرا مع ذكريات أليمة هي ذكريات الأسر فقلبها يدمي وهي ترى بيازيد شريك عمرها حبيس قفص من حديد كان يصطحبه معه تيمورلنك في رحلاته كما لا تنسى اللحظات التي اجبرت فيها علي الرقص عارية في حفل انتصار تيمورلنك لحظات مرّت عليها دهراً. انتهت القصة ولكن بقيت مسألتان الأولى السبي وذله وهي الأميرة المدللة. فهل في الإسلام سبي واسترقاق للنساء كما فعل تيمورلنك بزوجة بايزيد؟! الحقيقة أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم نهياً صريحاً عن سبي النساء إلا أنه لم يرد عنه أيضا حثا على سبي النساء و هو ما تؤيده المعارك الأولى والحاسمة في التاريخ الإسلامي والتي لم تشهد تسجيل أية حالات سبي للنساء ففي موقعة بدر وكانت الخسائر فادحة في صفوف المشركين ومع ذلك كان قبول الفداء ولم يتم سبي النساء في المعركة وكذلك في فتح مكة وكانت عاصمة الشرك في قبضة النبي بل كان تراحم ونبل النبي في التعامل مع خصومه السابقين ونساءهم كذلك رد النبي لنساء هوازن وثقيف لأقوامهم ...وعندما تسقط بعض النساء في الأسر كان النبي يخيرهم فصفية بنت بشامة

خيرها رسول الله فقال إن شئت أنا وإن شئت زوجك فقالت بل زوجي فأرسلها كما اعتق نساء بني المصطلق والسيدة جويرة بنت الحارث وتزوجها وكذلك الحال مع السيدة صفية بنت حيي بن اخطب فهل هذا هو منطق السّيد في التعامل مع السبايا كما استفاضت في ذلك المصادر الاسلامية التي استخدمت حوادث لاحقه على العهد النبوي شهدت حيادا واضحا عن النهج النبوي فيما يتعلق بسبي النساء في المعارك وسلب حريتهم وتحويلهم إلى متعة وجواري على غير إرادتهم لمالكيهم الجدد. فالعقل البشري المنفتح يجد صعوبة في تقبل هذا الاسترقاق وقد ولد حراً

نأتي إلى المسألة الأخرى وهي تساؤل هل المرأة تشعر بالحزن وتقضي معه جمّ وقتها أكثر من الرجل فبحسب استطلاع لمؤسسة اندبندنت ايدج الخيرية البريطانية شمل ألفين وأربعة عشر شخصا ممن تجاوزت أعمارهم الخامسة والستين فالنساء يتأثرن بفقد أحبائهم أكثر من الرجال. أوليفيرا الحزينة لفقد من تحبّ والتي دُفِنت مع أحزانها من فقد ولدها وزوجها وكرامتها . مثال لكثير من النساء الكريمات اللواتي تباع في أسواق النخاسة.

 

أستاذه راغدة شفيق محمود الباحثة في علوم اللغة

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث

 

عراقيون مرّوا بموسكو (25): د. حسن البياتي

أخي الدكتور ضياء

تحية طيبة مصحوبة بأحر التعازي اليك والى السيدة ڤالنتينا مني ومن أم جميلة (ڤالنتينا البياتي) بمناسبة رحيل كنزيكما الغالي (نوّار)، الأمر الذي لم يصل الى علمي إلا في هذه الأيام، ولن أتشبث بمعذرة (ما على الأعمى حرج).

قبل بضعة أيام زارني صديقي الذي يساعدني – عادة -  في الاطلاع على بعض ما ينشر هنا وهناك وفي أمور أخرى منها طبع ما يتيسر من نتاجي الابداعي والمعرفي والترجمي. وقد قرأ عليّ هذا اليوم بالذات مقالتك إياها المنشورة في موقع المثقف بتاريخ 01/12/2018. وقد رأيت – إن سمحتَ – أن أشير (للحقيقة والتاريخ) الى بعض ماورد في صلب المقال من معلومات بعيدة عن واقع الأمر، من ذلك مثلاً:

1- قولك إنني قد التحقت ((بكلية الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) في جامعة موسكو... وفي قسم تاريخ الادب الروسي للقرن التاسع عشر.))

في الواقع أنني لم التحق بقسم خاص بتاريخ الأدب الروسي للقرن التاسع عشر بالذات، وإنما التحقت بقسم اللغة الروسية وآدابها دون تحديد أي قرن من القرون. وقد وجهتني الاستاذة مشرفتي العلمية الى اختيار موضوع خاص بالادب الروسي في القرن العشرين. وكان لها ما أرادت.

2- ومما جاء في المقال أيضاً أنني قد اخترت عنواناً لاطروحتي (عن ملحمة شعرية للشاعر الروسي الكبير نكراسوف...).

وتعقيبي على هذا الكلام هو أن نكراسوف لم يكتب ملحمة شعرية (Поэтическая эпопея) وانما كتب مطولة شعرية (поэма) عنوانها (Мороз, Красный Нос). ودفعاً للوهم أقول: إنني لم يقع اختياري على نكراسوف ولا على تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر وإنما كان الاختيار والتركيز (وبتوجيه من مشرفتي العلمية، كما سبق القول) على الشاعر السوڤيتي المعاصر الِكساندر تڤاردوفسكي في مطولته الشعرية (За далью – даль) التي كانت تحلق في سماوات الأوساط الأدبية أوانذاك. ولما كان المألوف في الاوساط الادبية والاكاديمية أن الشاعر الديمقراطي الثوري الكبير نيكولاي نِكراسوف يُعد مَعْبراً مهماً لدراسة الشاعر السوڤيتي المعاصر تڤاردوفسكي، فقد وجهتني مشرفتي العلمية الى قراءة مطولته الشعرية (Мороз, Красный Нос) قراءةً متأنيةً وتقديم تقرير أدبي عنها، ومن هنا جاء اهتمامي الدؤوب بالشاعر نكراسوف وانجاز التقرير الذي طلبته مني المشرفة العلمية.

وقبل أن أنتقل الى موضوع الأطروحة العلمية أنجزتُ بنجاح امتحانات الكانديداتسكي مينيموم (Кандидатский минимум). وكنت سعيداً بما انجزتُ. ولما كنت مبعوثاً للدراسة على حساب الدولة كان عليّ أن أحمل من قسم الأدب الروسي في (كلية الآداب) بجامعة موسكو رسالة الى الملحقية الثقافية في السفارة العراقية تتضمن انجازي المتطلبات العلمية قبيل البدء بكتابة اطروحة الدكتوراه وكان ذلك، على ما أذكر، خلال النصف الاول من عام 1962. وحين دخلت الملحقية الثقافية وأنا في منتهى الفرحة، استقبلني الملحق الثقافي الاستاذ عبد الوهاب البياتي بالنبأ المحزن الوارد من وزارة التربية العراقية بعدم الموافقة على طلبي تغيير موضوع دراستي من الأدب العربي الى الأدب الروسي، مما اضطرني الى الانتقال لدراسة الأدب العربي على وفق العقد الذي وقعته مع مديرية البعثات في وزارة التربية العراقية بكفالة قدرها 5000 دينار تجنباً من وضع ذلك الانسان العراقي الكريم، الذي تكفلني في موقع المسؤولية الجنائية. وهذا هو السبب، يا عزيزي الدكتور ضياء، في انتقالي مرغماً الى قسم اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية التابع لجامعة موسكو قبيل نهاية النصف الثاني من سنة 1962 الدراسية، وليس عدم الامكانية لشخص اجتاز كل العقبات للوصول الى مرحلة كتابة الاطروحة في الأدب الروسي. أما الأقاويل السائدة – كما ورد في مقالتك – التي كانت تتحدث (عن عدم الامكانية العلمية لشخص متخصص بالادب العربي من جامعة بغداد بانجاز بحث دكتوراه في الشعر الروسي وباللغة الروسية دون معرفة معمقة في الادب الروسي وتاريخه)، فإن ذلك يناقضه قولك اللاحق:

1- ان د. حسن البياتي استطاع (أن ينهي دراسته وبنجاح رائع وفي مجال اختصاصه العام و ضمن فترة معقولة، واستطاع أن يتقن اللغة الروسية بشكل جيد جدا) وسؤالي هو هل تريدني يا د. ضياء أن أوافقك على أنني قد أستطعت أن أتقن اللغة الروسية بشكل جيد جداً بعد (هروبي) من الدراسة في قسم لغته هي (الروسية) وان البحث العلمي والمصادر اللازمة كلها باللغة الروسية الى قسم آخر لغته والدراسة فيه ومعظم مصادر البحث بلغة أخرى (العربية) غير الروسية؟

2- اسمحلي يا د. ضياء أن أسألك أين تضع زميلنا الدكتور جميل نصيف اذن؟ فأنت تدري أنه شخص متخصص بالأدب العربي خريج دار المعلمين العالية - جامعة بغداد، قبلي بسنة واحدة وأنه استطاع أن يتخصص بالأدب الروسي من جامعة موسكو كما تعلم.

3- أما مسألة الاطلاع المسبق على الأدب الروسي فاستطيع أن أخبرك بكل اعتزاز بأن قراءاتي في هذا الأدب الرائع قد بدأت منذ السنة الثالثة الابتدائية حيث مكتبة شقيقي الراحل حسين البياتي الغاصة بالكتب الأدبية وبينها المترجمة من لغات أجنبية هي الفرنسية والانكليزية والروسية، فضلاً عن مكتبة مدرسة العسكري الابتدائية للبنين التي كان مديرها الاستاذ احمد ذنون (والد الشاعر والاديب المعروف زهير احمد القيسي) يوجهنا توجيهاً يومياً الى قراءة الآثار الابداعية وغيرها. ومن حسن حظي أن كان أحد زملائي المقربين جداً في هذه المدرسة هو لؤي طه الراوي الذي كان يزودني بالكثير من الأدبيات العربية التي يجلبها من مكتبة والده الاستاذ والشخصية الثقافية العراقية البارزة (طه الراوي)، وكثيراً ما كان لؤي يأخذني معه الى بيتهم القريب من المدرسة حيث تعرفت على والدته وشقيقه الأكبر الشاعر والأديب المعروف أوانذاك حارث طه الراوي فكنت أرى في مكتبة بيتهم الواسعة مئات بل آلاف الكتب والمجلات العربية التي أطلعت من خلالها، فضلاً عن الأدب العربي، على آداب شعوب مختلفة ومنها الأدب الروسي وكانت للاستاذ حارث طه الراوي علاقات واسعة مع بعض الادباء اللبنانيين وأذكر منهم الشاعر أديب نخلة وميخائيل نعيمة والياس ابو شبكة، وكان الاستاذ حارث كثير السفر الى لبنان حيث يعود محملاً بما يريح القلب والعقل من الآثار الابداعية والثقافية. زد على ذلك قراءتي العديد من المجلات الأدبية والثقافية مثل مجلة المجلة العراقية ومجلات الطريق والثقافة الوطنية والأديب والآداب اللبنانية وكذلك الهلال والمقتطف والرسالة والرواية والفصول وغيرها من المجلات المصرية التي كانت تنشر بين فترة وأخرى بعض الآثار الروسية المترجمة الى العربية، هذا فضلاً عن سلسلة (اقرأ) وسلسلة (كتابي) اللتين كما أتذكر قد أصدرتا في آن واحد دراسات وترجمات عن الشاعر الروسي الكبير پوشِكن يضاف الى ذلك ماكان يصدر عن دار اليقظة السورية من ترجمات عديدة من الآثار الابداعية الروسية لكن عن لغات وسيطة كالفرنسية والانكليزية وأذكر أنني قد قرأت مبكراً (الآباء والبنون) لتورگينف بترجمة القاص العراقي ذو النون ايوب عن الانكليزية. ومما لا يغيب عن بالي أنني قد قرأت رواية الأم لمكسيم گوركي سراً أثناء دراستي في دار المعلمين العالية حيث كان كثير من الآثار الممنوعة يتداولها الطلبة فيما بينهم. وأزيدك علماً أنني قد قرأت (المعطف) لگوگَل مترجماً من اللغة الروسية (مباشرة) في كتاب واحد يضم معه أثراً ابداعياً آخر لگوگَل هو (المركبة). وكانت الترجمة لأديب لبناني لا يحضرني اسمه الآن لكنه كان يعمل في السلك الدبلوماسي اللبناني في الاتحاد السوڤيتي ومازال الكتاب هذا تضمه مكتبتي الخاصة في بغداد. وهل تصدق أنني قد قرأت أيضاً مجموعة من أشعار ماياكوفسكي ومن آثار ابداعية أخرى، لكن باللغة الانكليزية وذلك أثناء وجودي في لندن سنة 1958 مدة ستة أشهر تقريباً.

وكانت الانتقالة الواسعة في اطلاعي على نماذج من الأدب الروسي (قبل ثورة اكتوبر الاشتراكية وبعدها) تتمثل في وجودي مدة طويلة في دار المعلمين العالية أمدها ثماني سنوات – الأربع الأولى من كانون الاول 1947 حتى تشرين الأول 1951 موظفاً الى جانب كوني تلميذاً مسائياً خلال سني الدراسة المتوسطة والاعدادية؛ والسنوات الأربع الأخرى حتى نهاية حزيران 1955 طالباً في قسم اللغة العربية حيث كنت الخريج الأول في الكلية -، فقد تعرفت خلال هذه السنوات على وجوه ثقافية وابداعية عديدة سواء بين زملائي الموظفين أو الأساتذة البارزين وكذلك الزملاء من طلبة الدار. وأول من أود أن أذكره هو الطالبة فخرية عبد الكريم (زينب – الوجه الفني البارز في الحركة المسرحية العراقية) التي انتبهت، أثناءما كانت تراجعني لاستلام بريدها المسجل مني، الى أنني كثيراً ما كنت أقرأ بعض الكتب الأدبية وبينها مسرحية (مجنون ليلى) للشاعر أحمد شوقي وسألتني إن كنت أود أن أقرأ آثاراً ابداعية أخرى مترجمة الى اللغة العربية فأجبتها أود طبعاً مع بالغ السرور. وجاء الخير (يا د. ضياء) إذ كان بين ما جلبته لي الفنانة زينب أعمال مترجمة من الأدب الروسي، لكنها مكتوبة بخط يدها وكان بينها مسرحية (الشقيقات الثلاث) ومسرحية (بستان الكرز) للمبدع الكبير أنطون چيخوف مع بعض آثاره القصصية وبعض الآثار الشعرية والقصصية لپوشكِن وليرمنتوف وگوگَل... كما أخبرتني بأن في مكتبة دار المعلمين العالية نفسها أشياء أخرى يمكن الاطلاع عليها. ولا اريد أن أطيل في هذا المجال وقد تحدثت عن ذلك وغيره في الصفحات الاستهلالية من كتابي (الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر)، الذي ذكرتَه في مقالتك، فهل قرأت هذا الاستهلال أم لا؟

وأريد أن أنبه هنا أيضاً الى أن المعهد الذي تسميه (معهد لغات آسيا وافريقيا) لم يكن يحمل هذا الاسم يوم انتقالي اليه، بل كان يسمى (معهد اللغات الشرقية). وقد غيرت التسمية فيما بعد.

وأريد أن أنبه أيضاً الى أن عنوان أطروحتي العلمية كان (الطابع المعادي للاستعمار في الشعر العراقي الحديث) (Антиимпериалистический характер новой иракской поэзии).

وقبل أن أختم هذا الرد المتواضع، ياعزيزي د. ضياء، أذكر أنه قد قُرأت عليّ قبل بضعة أشهر مقالة لك في موقع (المثقف) ترجو فيها ممن مرّوا بالاتحاد السوڤيتي أن يزودوك بما تيسر من معلومات تتعلق بأنشطتهم عامة... واستجابة لطلبك الكريم هذا أدون لك في ادناه بعض ما يخصني من معلومات أتذكرها – أولاً عن فترة وجودي في الاتحاد السوڤيتي وثانياً بعد عودتي من الاتحاد السوڤيتي الى العراق وثالثاً بعد مغادرتي العراق وفقداني نعمة البصر.

اولاً- في الاتحاد السوڤيتي:

لم أكن أثناء وجودي في الاتحاد السوڤيتي مجرد طالب دراسات عليا، بل رافق ذلك أيضاً نشاط متشعب في مجالات مختلفة منها:

1- أناط اليّ اتحاد الأدباء في الجمهورية العراقية مهمة مراسلة مجلة (الأديب العراقي)، لسان حال الاتحاد، التي قمت بها حتى مستهل عام 1963، أي قبيل الانقلاب الفاشستي الدموي في الثامن من شهر شباط.

2- بقيت مستمراً على نشاطي الابداعي والثقافي عامة وقد واكبت بعض الاحداث الجارية آنذاك وعبرت عنها شعراً وكان أول الغيث قصيدتي التي كتبتها في 21/03/1960 (كلمات الى الرجال الأربعة)، التي تحكي قصة أربعة من رجال البحرية السوڤيتية، ضل بزورقهم السبيل عبر المحيط الهادئ مدة تقرب من ستة اسابيع استطاعوا أن يقاوموا فيها ببطولة شتى المشاكل والصعوبات التي واجهتهم قبل أن تنتشلهم البحرية الامريكية في مياهها الاقليمية. وقد نشرت القصيدة مترجمة الى اللغة الروسية في جريدة (كومسومولسكايا براڤدا)، كما أنها ألقيت من اذاعة موسكو باللغتين العربية والروسية في شهر نيسان 1960. وقُدر لي أيضاً أن أقرأ مقاطع من هذه القصيدة ضمن فلم وثائقي أخرج في موسكو في شهر نيسان من العام نفسه.

والأثر الابداعي الآخر هو قصيدة (أغنية حب الى صديقي يوري گگارِن) التي نشرت في جريدة (ازڤيستيا) السوڤيتية، مترجمة الى اللغة الروسية في شهر نيسان 1961، وألقيت من اذاعة موسكو باللغتين العربية والروسية في شهر نيسان من العام نفسه.

هذا الى جانب العديد من القصائد الأخرى التي تضمها مجموعتي الشعرية المعدة للنشر (قصائد من بلاد الثلج والناس)، بينها قصيدة (سبعون ربيعاً) التي ألقيت في الحفل التكريمي الذي أقامته جامعة موسكو في 28/03/1962 احتفاءً بالپروفيسورة كلثوم عودة ڤاسيليڤا، بمناسبة بلوغها السبعين عاماً. وقد دوّن استاذنا الدكتور صلاح خالص هذه القصيدة بخطه الجميل المتميز على رقعة مؤطرة علقتها الپروفيسورة كلثوم عودة على جدار غرفة الاستقبال في شقتها.

3- نشرت المستعربة السوڤيتية آلّا گرَديتسكايا بعض قصائدي المترجمة الى اللغة الروسية ثم الاوكراينية في عدة صحف ومجلات سوڤيتية. وكان آخر ما ترجم وللمرة الثانية هو قصيدتي (جنود الاحتلال) التي نشرت في مجلة (شعوب آسيا وأفريقيا) وعلى إثرها ظهر اسمي في أحد مجلدات الطبعة الثالثة من دائرة المعارف السوڤيتية الكبرى.

4- ساهمت في تأسيس (رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوڤيتي) التي ولدت سنة 1960، حيث كنت أحد أعضاء اللجنة التنفيذية للرابطة ومسؤولاً عن لجنتين من لجانها هما (اللجنة الثقافية) و (لجنة العلاقات الطلابية الخارجية).

5- ومما يستحق الذكر أمر له علاقة خاصة بنشاطي الترجمي لاحقاً هو أنني قد شاهدت أثناء رحلتي الطلابية الاستجمامية الى شبه جزيرة القرم وفي بلدة (مِسخور) بالذات – وكان ذلك في شهر تموز من العام 1961، شاهدت في النادي الثقافي عرضاً للفيلم الوثائقي (المتضمن لقطات من قراءتي قصيدة (كلمات الى الرجال الأربعة). وحين عرفت مسؤولة النادي او المركز الثقافي بوجودي  احتفت بي كثيراً وأقاموا لي أمسية جميلة أهديت اليّ فيها نسخة من كتاب عنوانه (Легенды Крыма – من اساطير القرم).

وقد صار هذا الكتاب، فيما بعد، من أشغالي الترجمية الشاغلة. حيث قمت بترجمة الأساطير الواردة فيه جميعاً وعددها أربع وثلاثون اسطورة، يضمها كتاب مُعد للنشر تحت عنوان (حكايات اسطورية من شبه جزيرة القرم) وهو موجود معي الآن في لندن.

6- ومن (بركات) قصيدة (كلمات الى الرجال الأربعة) أنها شرفتني بمعرفة سوسانا ابنة الرفيق الشهيد فهد، التي زارتني مع والدتها بصحبة الصديق الياس البدري، حيث اتصل بي قبل مجيئهم وحددنا موعداً للقاء في جامعة موسكو. ولن يغيب عن ذاكرتي أن سوسانا كانت تحمل بيدها نسخة من جريدة (كمسمولسكايا براڤدا) حيث القصيدة إياها. وقد حدثتني عن رغبتها الأكيدة في زيارة العراق والاشتراك مع الشعب العراقي في حركته النضالية. وكانت سوسانا آنذاك قد أنهت دراستها الجامعية في قسم الهندسة الجيولوجية وتستعد للسفر الى كازاخستان للعمل هناك. وقد استمرت الصلة بيننا عن طريق المراسلة.

7- وقد قامت بيني وبين بعض المستشرقين السوڤيت علاقات ثقافية حميمة اذكر منهم گريگوري شرباتوف وڤيكتر ليبيدف وبوريس رُاماچوف وغيرهم. وبينهم من قمت – فيما بعد - بترجمة ونشر بعض آثارهم الى اللغة العربية.

8- وحين زار الوفد الثقافي العراقي برئاسة الدكتور علي جواد الطاهر موسكو سنة 1962 وكان من مهام هذا الوفد اجراء لقاءات مع بعض المؤسسات الثقافية والاستشراقية عرض عليّ الدكتور الطاهر أن أنضم الى الوفد العراقي فلبيت طلبه شاكراً.

9- وحين تم انتقالي طالباً للدراسات العليا في قسم اللغة العربية من معهد اللغات الشرقية التابع لجامعة موسكو، انيطت اليّ مهمة القيام بالقاء بعض المحاضرات على طلبة قسم اللغة العربية فضلاً عن اجراء حلقات دراسية لمادة (العروض العربي) للراغبين من الاساتذة والطلبة معاً. وكان الدكتور صلاح خالص الاستاذ في قسم اللغة العربية أوانذاك هو المحفز على القيام بهذه المهمة.

وقد بقيت مستمراً على أداء مهماتي التدريسية هذه بوصفي (محاضراً) لا (تدريسياً) حتى تاريخ مناقشة رسالتي العلمية للدكتوراه في 12/03/ 1965 حيث صدر أمر تعييني مدرساً أقدم.

ولابد أن أؤكد على أمر جديد وجدير بالذكر هو أنني، أثناء وجودي في معهد اللغات الشرقية قد ولج حياتي العلمية اهتمام ملحوظ بالحركة الاستشراقية السوڤيتية، مما ظهر أثره – فيما بعد – على غير قليل من نتاجي الأكاديمي والثقافي عامة. وآخر ما بين يديّ في هذا المجال كتاب جديد عنوانه (دراسات في الاستشراق الروسي) سوف يكون معداً للنشر قريباً جداً.

10- أسهمت في مؤتمر الأدباء والكتاب العرب في الاتحاد السوڤيتي – موسكو 1963 الذي أقامته رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوڤيتي.

11- وكنت أقوم، بين الحين والآخر، بنشر بعض نتاجي الشعري في مجلات وصحف عراقية و عربية مختلفة منها مجلة (الأديب العراقي) و جريدة المساء المصرية وجريدة النور السورية وجريدة الاخبار اللبنانية ومجلة الثقافة الوطنية اللبنانية وغيرها.

وكانت قصيدتي (لن يعبر الفاشست) التي كتبتها بعد الانقلاب الدموي في شباط  1963 من أسباب فصلي من عضوية البعثة العلمية وصدور الامر باعتقالي، وقد نشرت هذه القصيدة في جريدة الأخبار اللبنانية بعد الانقلاب مباشرة. ثم قصيدة (سلام عادل) التي كتبتها بعد استشهاده في شهر آذار 1963 وقد ألقيت من اذاعة موسكو، باللغتين العربية والروسية في نيسان 1963 ونشرتها جريدة الأخبار اللبنانية في شهر نيسان نفسه، كما نشرت مترجمة الى اللغة الروسية في الصحيفة الادبية الاسبوعية (ليتراتورنيا گازيتا) – لسان حال اتحاد الكتاب السوڤيت – في الشهر نفسه. وقد ثُمنت القصيدة تثميناً عالياً اثناء التجمع الذي أقامه الأدباء السوڤيت أنذاك في احدى قاعات موسكو الثقافية.

ولابد لي أن أذكر هنا أيضاً أن الشاعر السوڤيتي صموئيل مارشاك قد نشر هو الآخر قصيدة بمناسبة استشهاد الرفيق سلام عادل جاءت أيضاً تحت عنوان (سلام عادل). وكان لي الشرف في ترجمتها الى اللغة العربية ثم نشرها فيما بعد. وتعد هذه القصيدة أول عمل ابداعي أقوم بترجمته من اللغة الروسية الى اللغة العربية.

12- دُعيت الى الاشتراك في المؤتمر العالمي للمستشرقين الذي انعقد في موسكو 1964 فلبيت الدعوة وتمثلت اسهامتي في البحث المعنون (الشعر العراقي الحديث في ما بين الحربين العالميتين). وقد ألقيت هذا البحث في احدى جلسات المؤتمر ونشر في المجلد الثاني لأعمال مؤتمر المستشرقين – موسكو 1965.

13- قمت - قبيل مناقشتي اطروحة الدكتوراه ومابعدها -  بالاشتراك مع الاستاذ المشرف على اطروحتي اي. ام. فلشتينسكي باختيار مجموعة من النصوص الشعرية لأبي العلاء المعري ثم نقلها الى اللغة الروسية نقلاً نثرياً حيث قامت بعد ذلك بصياغتها صياغة شعرية إحدى الشاعرات ذات الاتجاه الفلسفي. وقد صدر هذا الجهد في موسكو سنة 1969.

14- وكان آخر جهد علمي قمت به هو انجازي دراسة اكاديمية تحت عنوان (انتكاسة الشعر العراقي في حروب البلقان). وقد قدمت هذه الدراسة الى قسم اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية، على أمل أن توسع فيما بعد لتناقش اطروحةً للحصول على شهادة (دكتوراه علوم).

والى اللقاء في الحلقتين المقبلتين – عن نشاطي بعد عودتي الى العراق ثم بعد مغادرتي العراق.

........................

للاطلاع

عراقيون مرّوا بموسكو (25): د. حسن البياتي / ا. د. ضياء نافع

 

 

 

610 محمد ديالناخـارج الـذاكـرة: في غـضون هـذا الأسبوع؛ خلف رحيل الممثل والمؤلف والمخرج- محمد ديالنا - نوع مـن اللامبالاة وعـدم الاهْـتمام بوفاته حتى!! في الوسط المسرحي والثقافي بمدينة طنجة وغيرها؛ وهـذا يرسخ مفهوم زمن الخذلان؟ فحتى الذين يتكلمون عن الذاكرة للمسرح المغـربي؛ ومحاولة البحث عـن سبل أرشفتها؛ لم يكلفوا أنفسهم؛ ولو تمرير إشارة وفاة / وفـاء في حق عطائه الإبداعي؛عبر الصحُـف والصحُـف الإلكترونية . هُـنا صلب إشكالية ما يقـع في ذاكرة المسرح؛ بحَـيث كثيرا ما نجد إطنابا في النعي والمديح المنفوخ في مناقب وعطاء مبدع (ما) أو سياسي (ما) ذاك ليس حبا فيه بل ركوبا على جثته نحو سراديب معينة ومنافذ معلومة او ارضاء للجهة الداعمة لذاك او ذاك وهاته حقائق ملموسة في الاوساط الثقافية والفنية والسياسية. ومنتشرة في معظم مناطق الخريطة العربية؛ أما الذين كانوا يناضلون حق النضال والعطاء الصادق والفعال؛ وغير منخرطين في دواليب اللوبيات / العصابات؛ المتهافتة على الموائد وفتات الجهات المسؤولة عن الشأن الثقافي والفني وغيره ! فمآلهم النسيان والتناسي واللامبالاة . وهــذا واقِـع وَقـَـع للعَـديد والعَـديد من الفعاليات قبل الراحل المسرحي قيد حياته [محمد ديالنا] الفنان المتعدد المواهب من تمثيل وكتابة وإخراج وغناء وإنشاد المديح والذي تأثر به عن طريق عبدالسلام الشاوني؛ الذي كان رئيسا لجمعية الوعي القومي للمسرح؛ بحيث قـدم لمدينة – طنجة - ما يمكن تقديمه في فترته؛ رفقة بعض الشباب؛ الذين لا زال بعضهم قيد الحياة كعبد العزيز عاطفي الناصري ومحمد التمسماني ومصطفى الخامسي ومحمد الصنهاجي وابراهيم بلقاس وعبدالسلام بوحـديد وعبد المالك الأندلسي الذي يعـد الآن من المبدعين والعباقرة في فـن العيطة الجبلية.

ويعتبر محمد ديالنا من رموز المسرح الطنجي بدون منازع، إذ قـدم الكثير إلى المشهد الفني المغربي، حيث قضى سنوات في خدمة العمل المسرحي منذ1964 إذ رحاب ركح سيرفانتس أو سينما المبروك أو مسرح الكازار..... كانت شاهدة على حضوره الفعال؛ عبر العديد من الاعمال الدرامية والسهرات التي كانت من إنجازه واخراجه. ناهينا عن جولاته في شمال المملكة؛ ولاسيما أنه يعَـد أول مسْـرحي مغـربي قـدم عـرضا مسرحيا في فضاء قرطاج بتونس سنة 1973. ورغم أنه كان مبدعا بدون منازع؛ فإنه يختفي وراء الظل؛ يعطي ما لديه في صمت وسكينة؛ ولا ينتظر أن يأخـذ؛ ففي التظاهرات المسرحية؛ لمسرح الهواة؛ كان نشيطا دائما مع مجموعته؛ مشاغبا عبر الغناء؛ ولكن ما أن ينتهي التجمع يختفي؛ وعلى سبيل الذكر؛ أذكر أنني شخصيا بحثت عنه مرات ومـرات في بعض المهرجان؛ هو موجود ولا أثر له؛ وهذا ليس خجلا أو نوعا من الخوف؛ بل كانت لديه قناعة المشاهـدة والمواكبة ثم الصمت؛ وهذا السلوك كان يذكرني بالمسرحي الراحل {{عبد القادر بلمقـدم}} وأحد قيدومي إذاعة طنجة؛ إذ المؤسف لا يعـرفه العديد من المبدعين والفنانين الطنجاويين والمهللين ب ((الذاكرة المسرحية)) وهـذا مثال وقع للراحل (محمد ديالنا) أثناء الشروع في تأسيس الشبكة الوطنية للمسرح التجريبي بقاعة دار الشباب حسنونة (طنجة) كان حاضرا متتبعا . ولم ينتبه إليه أحـد. لكن الإشكالية الكبرى؛ فلو كان من نماذج (السحليات) يزحف هنا وهناك؛ لتمت الإشادة به؛ وحـولوه إلى نجم الساعة واللحظة؛ حتى من لدن الذين لا يعْـرفونه؛ وسيشحـذون أقلامهم الجوفاء؛ للكتابة عن خصاله وأعماله؛ ولتم اٌلإعلان عـن تكريمه في وفاته ! علما أنه لم يكرم يومـا (ما) ؟ من لدن جمعية (ما) ؟ لأنه لو(كان) منخرطا في نقابة ما يدعى (المحترفين) لصهْـلل (بعض) منخرطيها بأوامر(نقيبها) ولتم إشعار القوم بيوم تأبينه. ولكنه لم يخـن مربعه؛ وظل مؤمنا بعطائه؛ فحتى أنه لم يفكر الانخراط في الشبكة الوطنية للمسرح التجريبي لأسباب تتعلق بفضاء المدينة . وليس في الإطار الذي تم نسفه من لدن أطراف و جهات لا علاقة لها بالمؤسسة !

داخـل الذاكــــــرة:

الراحل {محمد ديالنا} المزداد بمدينة فاس1946؛ ولظروف مهنية لأبيه؛ انتقلت أسرته لمدينة طنجة؛ التي عاش في كنفها وتشبع بروحها؛ فانخرط في عَـوالم المسرح؛ من خلال تأثره به في إحدى المدارس التي تعلم فيها جهة طنجة البالية؛ فعـشقه له دفعه للاتصال برئيسها – عبدالسلام الشاوني-الذي كانت له علائق بالأوساط الشعبية؛ ومحبوبا عند أهل طنجة في حجمها الذي كانت فيه إبان الستينيات من (ق، م) للانخراط في جمعية الوعي القومي للمسرح . فكانت انطلاقته كممثل سنة 1964 وقبلها حسب ما سمعته في عقود خلت؛ من لدن الفنان – محمد الصنهاجي- الـذي نسته مدينة طنجة؛ ونست جمعيته [الستار الذهبي] أن الراحل كان منضويا تحت لواء الكشاف الملكي بطنجة ، وهَـذا بكل أسف تاريخ مسكوت عنه في الحركة الكشفية المغربية لماذا ؟ فالمهتمون بالشأن الكـشفي وتنظيماته؛ هم أحق بالبحث والإجابة .

إذ صحت رواية انخراطه في الكشفية؛ فعاداتها وسلوكها أثر فيه؛ بحيث كان نشيطا وخفيف الظل ويحترم الآخرين أيما احترام. فأول مشاركته كانت في مسرحية : نكرين الخير /هكذا شاء القدر/ من وراء الستار- وهذا العمل كتابة وإخراج لعبدالسلام الشاوني؛ وشاركتْ به في المهرجان الوطني (8/ الثامن) لمسرح الهواة سنة1966؛ ومن بين المشاركين في العمل – زكي قنديل/ مصطفى الخامسي/ محمد الحوزي/ أحمد العبدي/ عبد السلام البقالي/ البشير بن زكري/..../فمن هذا المهرجان والتكوين الذي تلقاه في ورشة التأليف؛ تحمس للكتابة . فكانت أول تجربة له بمسرحية (العاطى الله) ثم عمل (من المسؤول؟) وإن كان البعض ينسب العملين للفنان – الشاوني- كتابة وإخراجا؛ ما يهم أن هذا العمل أقصي للولوج للمهرجان الوطني(العاشر) سنة 1969 فتم اختيار(المسرح الادبي/ تطوان) ممثلا الجهة الشمالية. لكن في سنة 1970 تلقى تدريبا اقليميا بمدينة تطوان؛ على أساس التمكن من خبرة الكتابة المسرحية؛ وفي هاته الأثناء أسس جمعية – شموع المسرح – رفقة مصطفى الخامسي وعبد المالك الأندلسي ومحمد المرابط وعبدالسلام المرابط ومصطفى ايفا.... فأنجزت عمل (النقمة) لم يكن في مستوى العطاء وشروط المهرجان؛ فقرر إنجاز مسرحية – طبوزا والما لحلو- مع جمعية الوعي القومي؛ سنة 1972 من اخراج مصطفى الخامسي. مؤمنا منذ بدايته بأهمية وجدوى العمل الفني الجماعي لا الفردي. وفعلا نالت المرور للمهرجان الوطني لمسرح الهواة (الثالث عشر/ (13) سنة 1972 والذي نظم بمكناس؛ ولاسيما أن المنافس القوي أنذاك كانت جمعية – شباب المجد الطنجي- إذ في هذا العمل الذي نال فيه {محمد ديالنا} جائزة أحسن ممثل؛ مما أهلتهم لرحلة الى [مهرجان افينيون/ فرنسا] رفقة مسرح الفصول (1) ونادي الكوميديا (2) لفوزهما كذلك بجوائز المهرجان. فكانت فرصة ثمينة للجمعيات (الثلاث) للتعرف على أكبر تظاهرة عالمية في النشاط المسرحي.

وبالعودة لمسرحية {طبوزا والما لحلو} فهي تعبر عن الواجهة الحقيقية للنضال النقابي، الذي كان يؤمن به الراحل [محمد ديالنا] في الإتحاد المغربي للشغل والشيء بالشيء يذكر نضاله السياسي؛ وللقارئ عليه أن يربط بين الخط النقابي والسياسي الذي كان سائدا في بداية السبعينيات من (ق؛ م) ولماذا اختار اسم (شموع المسرح) للجمعية التي أسسها؛ ولماذا تعامل مع المسرح العمالي الطنجي ؟ ولماذا لم تسلط عليه الأضواء؟

فإيمانا بأن مسرح الهواة كان يعـد صوتا حقيقيا؛ ينبع من معمعان الحياة الشعبية والبسيطة للمواطن المقهور و المسحوق؛ ومعبرا بشكل أو آخر؛ عن المواقف السياسية والإيديولوجية للكاتب والمخرج؛ سواء بشكل ساذج أو سطحي؛ فمرحلة الفوران كانت حاضرة بقوة؛ وبالتالي فالعمل يكشف عن إدانة الإقطاع والإقطاعية؛ والوضعية التي وصلت إليه البلاد أنذاك من قهر وتسلط وشطط واستبداد؛ ف (طبوزا) اسم كاريكاتوري/ فنتازي. يعبر عن تلك الشخصية الإقطاعية التي مارست السطو والهيمنة على [البئر] (الما لحلو) في إحـدى القرى؛ مما يتولد الصراع بين وعملاء الإقطاعي / ساكنة القرية الذين حرموا من البئر ومائه؛ ومع المتسلط مباشرة؛ لكن كل المحاولات لم تؤد للتنازل والمهادنة؛ لكن في ليلة خمرية؛ مصحوبة بحلم مزعج بينه وبين الأشباح؛ ينهزم الإقطاعي ويرضخ لمنطق القوة والغلبة؛ ليصبح البئر مصدر الحياة لكل الأطراف.

فبعـد هذ العمل ظهرت جمعية شموع المسرح – طنجة - بمسرحية – أسطورة 73 – تأليف : محمد ديالنا و اخراج مصطفى الخامسي؛ بحيث شاركت في المهرجان الوطني لمسرح الهواة (الرابع عشر/ (14) سنة 1973 الذي نظم في (طنجة) فمن بين المشاركين ع المالك الأندلسي/ مصطفى بلقاس/ عبد الكريم شوقي/ ومصطفى لإيفا /..... / فنالت (أمينة قمور) على ما أعتقد؟ جائزة أحسن ممثلة. وعلى إثر هـذا الفوز. اختيرت الجمعية أن تشارك بعملها في مهرجان قرطاج بتونس؛ وطبعا فالعمل ذو طابع قومي؛ يحكي الإنتصار العـربي في حرب رمضان المجيدة ضد إسرائيل.

فبعد هاته السنة؛ ظلت الجمعية تنتج أعمالا متميزة كلها من تأليف وإخراج – محمد ديالنا- بعدما اختير رفيقه – مصطفى الخامسي- سنة 1974 ممثلا في مسرحية (العين والخلخال)كمحاولة لإحياء فرقة المعمورة. فأنجزحسب ما أذكره: مسرحية : / شريك علول / النقمة/ مستشفى المجانين/ البطالون/ ارض وشمع/... وبحكم رفقته بالفنان والمطرب عبدالمالك الأندلسي؛ ساهم في تأسيس أول مجموعة (ونيس الحومة) موسيقية سنة 1983 على شاكلة النمط الغيواني .

لكن شاءت المجريات النقابية أن يلتقي الراحل{ديالنا} بالمخرج الشهم – عبد العزيز عاطفي الناصري- في جمعية المسرح العمالي بطنجة سنة 1978؛ ليتم إنجاز مسرحية (سباق الانسان) التي شاركت في المهرجان (التاسع عشر/19) الذي نظم بمدينة فاس. بحيث العمل اشتغل على الرمزية بشكل مثير للغاية؛ الهدف من ورائه؛ كشف ذاك الوهم الذي يتسلط على الإنسان في سباقه نحو الأموال والعقارات والأراضي؛ لكي يصبح بورجوازيا/ ولكنه سيعيش في وحل البورجوازية المتعفنة؛ التي تقتل الإنسان وروحه الحقيقية؛ والعمل حسب ذاكرتي؛ كان يدين بطريقة غير مباشره الليبرالية الصاعدة (المتوحشة) وللتاريخ دلالته في سياق الوضع السياسي الذي تمظهر في أواخر السبعينيات من (ق؛ م) . 

وبعدهـذا التاريخ غابت طنجة عن الحضور إلا بعد سنة 1984 بعدما حاول محمد تيمد جمع شمل الجمعيات التي تفرقت؛ لعدة جمعيات. وللتذكير ف{محمد ديالنا} كان بدوره يسعى جمع شمل المسرحيين؛ و دعمه الكبير لكل الأصوات. وانفتاحه على كل الموهبة التي تبحث عن الضوء؛ فلم يكن مغرورا ولا نرجسيا. لأن قناعته الداخلية؛ سواء الإبداعية و النضالية؛ أنه يحمل رسالة فنية؛ يريد إتمامها. لكن هناك مسارات ورؤى خاصة لكل واحـد؛ كانت هي الحكم والمتحكم في أغلب الجمعيات الطنجية. رغم محاولته الحضور كعضو فاعل في الاتحاد الإقليمي لمسرح الهواة منذ تأسيه سنة1975 . ونعطي مثالا لاستمراريته في هَــذا الإطار فمثلا في سنة 1990 تقلد أمينا عاما رفقة الفنان ع السلام بوحديد وعزالدين الشنتوف وعبد الله ناصر وقاسم الزهيري هذا الأخير (الذي توفي ولم يهتم به أحد). 

 

نجيـب طـــلال

.......................

تـــــوثيق

1) الفصول مكناس بمسرحية – حبال؛ خيوط؛ شعَـر - تأليف وإخراج – محمد تيمد – جائزة (البحث المسرحي)

2)  نادي الكوميديا مراكش بمسرحية - الضفادع الكحلة – تأليف: محمد شهرمان إخراج: ع العزيز الزيادي جائزة (النص والاخراج)

 

محمد فتحي عبدالعاليعتبر عمر المختار الملقب بشيخ المجاهدين وأسد الجبل الأخضر تجربة فريدة في التصوف الاسلامي اذ نجح في الخروج بالصوفيه فعليا من عباءة الاعتزال والجهاد الذاتي الي افاق اوسع وارحب واشمل حيث تزعم الشيخ الصوفي الحرب ضد المحتل الايطالي بليبيا معلنا جهادا دون هوادة وحتي لحظة اعدامه اطلق صيحة مدوية حينما قال :نحن لا نستسلم ..ننتصر او نموت وهذه ليست النهاية ..بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والاجيال التي تليه اما انا فان عمري أطول من عمر شانقي ...هكذا رسم الشيخ الصوفي بكلمات من نور طريق للاحرار من بعده وقدم الدليل العملي علي انتصار الصوفية الايجابية وأن التصوف لم يكون يوما معاضدا للاستعمار أو داعيا للتخاذل عن مواجهته .

في برقة كانت بداية الشيخ الجليل والذي ينتسب الي قبيلة من قبائل المرابطين حيث نشأ يتيما فقد وافت المنية ابواه وهما في طريقهما الي مكة  فتولي رعايته الشيخ حسين الغرياني شيخ زاوية جنزور السنوسية وفي جغبوب مكث عمر المختار ثمانية اعوام لدراسة الفقه والحديث والتفسير علي يد كبار مشايخ التصوف في مقدمتهم الامام السيد المهدي السنوسي رائد الحركة السنوسية فأظهر من النجابة وسعة العقل وقدرة علي الخطابة والتأثير في نفوس سامعيه  ما جعل شيخه المهدي يقول فيه :لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم وونظرا لما رأه الشيخ المهدي من ملامح قيادية واعية في تلميذه المختار فقد أسند اليه مشيخة زاوية القصور بالجبل الاخضر.

بدأت رحلة الشيخ الصوفي مع الجهاد مع وصول المحتل الايطالي للاراضي الليبية وجلاء الاتراك عنها فقد اعلن الجهاد ضد المحتل الايطالي والتف حوله المجاهدين من شتي البقاع في أشهر قليلة فخاض بهم حربا ضروسا منطلقا من معقله بالجبل الاخضر كبدت المحتل الايطالي خسائر فادحة في الارواح والمهمات وكان يردد دائما :اللهم أجعل موتي في سبيل هذه القضية المباركة . ولم يخفي علي الشيخ الجليل في استراتيجيته القتالية أن اسلوب الكر والفر هو الخيار الانجع في مواجهة الجيش الايطالي المنظم ذو العتاد الحربي المتطور ..

كانت مسألة القبض علي عمر المختار واقرانه الشغل الشاغل للايطاليين وضرورة ملحة لاقتلاع بذور المقاومة  وتلك القضية النبيلة التي  مثلها  الشيخ الصوفي الشجاع الذي خلد جهاده بقوله :لن ابرح الجبل الاخضر مدة حياتي ولن يستريح الطليان فيه حتي يواروا لحيتي في التراب.  فأصبح رمزا للثورة وملهما لحركات التحرر عبر العهود المختلفة ومع نجاح الايطاليين في حصاره والقبض عليه ونقله بالطراد الي بنغازي ولم يجرأوا علي نقله برا خشية من الدخول في مواجهة مع محبيه واتباعه فقد أظهر الشيخ الصوفي من صنوف الثبات والتحدي ما جعل الايطاليين يسارعون الي اعدامه شنقا .فمات الشيخ وبقيت قضيته حية انها قضية الاحرار في العالم اجمع في قدسية الاوطان وحق الشعوب في وطن حر كريم.

 

د.محمد فتحي عبد العال

كاتب وباحث مصري

 

حامد الحمدانيحملة الاغتيالات في الموصل

1ـ منْ مول، ونظم الاغتيالات:

بعد كل الذي جرى الحديث عنه حول أوضاع الموصل، وطبيعة السلطة فيها، ومواقف السلطة العليا، أستطيع القول أن تلك الاغتيالات لم تجرِ بمعزل عن السلطة العليا وموافقتها، بل وحتى مباركتها، وتقديم كل العون والمساندة للقائمين على تنظيمها وتمويلها. لقد كان على رأس تلك العصابة يخطط ويمول لعمليات الاغتيالات عدد من العوائل الرجعية والإقطاعية المعروفة، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

1 ــ عائلة كشمولة   2 ــ عائلة الأغوات. 3 ــ عائلة كرموش.4 – عائلة حديد.

5 -عائلة العاني. 6 ــ عائلة نوري الأرمني. 7 ــ عائلة المفتي. 8 ــ عائلة الإرحيم.

كانت اجتماعات تلك العوائل تجري في منطقة [حاوي الكنيسة] بالقرب من ضواحي الموصل، حيث تمتلك عائلة العاني داراً هناك، بعيداً عن أعين الناس، وكانت تُعد هناك قوائم بأسماء المرشحين للقتل، وتحدد العناصر المنفذة للاغتيالات كما كانت التبرعات تجبى من العناصر الرجعية الغنية التي تضررت مصالحها بقيام ثورة 14 تموز. ورغم العديد من المقالات للعديد من الشخصيات الوطنية التي نشرتها الصحف، مطالبة بوقفها ومعاقبة القائمين بها، والمحرضين عليها، والمخططين لها، لكن كل تلك الأصوات ذهبت أدراج الرياح، واستمر مسلسل القتل حتى وقوع انقلاب الثامن من شباط عام 1963.

2 ـ مَنْ نفذ الاغتيالات؟

إن أسماء منفذي الاغتيالات ليست بخافية على أبناء الموصل، فأصابع الاتهام تشير وتؤكد على شخصية القتلة واحداً واحدا، فقد بلغ بهم الأمر حد التفاخر أمام الناس والحديث عن ضحاياهم دون خوف من عقاب، ولماذا الخوف ما دامت السلطة هي التي تساندهم، وتمدهم بالعون، لينفذوا مخططاً واسعاً، أعد له سلفاً يرمي إلى ضرب الحزب الشيوعي، وتجريده من جماهيره ومؤيديه.

لقد أزداد عدد المنفذين يوماَ بعد يوم، وتحول الاغتيال ليشمل ليس فقط الشيوعيين وأصدقائهم، بل لقد تعداه إلى أناس ليس لهم علاقة بالسياسة، وكان دافعهم على هذا العمل الإجرامي هو التنافس على الأعمال التجارية، أو المحلات، أو المعامل، أو الوظائف، وتصاعدت جرائم الاغتيالات حتى أصبحت أجور قتل الإنسان [50 دينار]!، وهذه أسماء بعض أولئك القتلة الذين كانوا يفاخرون بجرائمهم البشعة والتي يتداولها الموصليون آنذاك على ألسنتهم كل يوم:

أسماء بعض منفذي الاغتيالات:

1 ـ زغلول كشمولة         2ـ شوكت نوري الأرمني      3 ـ محمد سعيد حسين السراج

4 ـ طارق عبد كرموش    5 ـ يعقوب كوشان               6 ـ صبار الدليمي

7 ـ نجم فتح الله              8 ـ موفق محمود                9 ـ فهد الشكرة

10 ـ هادي أبن الطويلة   11 ـ عادل ذنون الجواري       12 ـ حازم بري

13 ـ عارف السماك       14 ـ أحمد جني                     15 ـ نجم البارودي

16 ـ طارق قبان          17 ـ طارق نانيك                  18 ـ محمود أبن البطل

19 ـ قاسم أبن العربية   20 ـ عدنان صحراوية            21 ـ طارق شهاب البني

22 ـ  نيازي ذنون       23 ـ جبل العاني                   24 -  فوزي شهاب البني

25 ـ عايد طه عنتورة   26 ـ جنة ـ مجهول اسم أبيه

هذه القائمة بالطبع لا تشمل كل المنفذين للاغتيالات، فهناك العديد من الأسماء التي بقيت طي الكتمان، لان أصحابها أرادوا ذلك، لكن الأسماء المذكورة كانت معروفة تماماً لدى أبناء الموصل، حيث كان أصحابها يتباهون بجرائمهم بصورة علنية دون خوف من رادع أو عقاب، ما دامت السلطة تحميهم وتدعمهم.

لقد اغتيل المئات من أبناء الموصل البررة، ولم يتم القبض على واحد من القتلة، ولو شاءت السلطة كشف تلك الجرائم لكانت توصلت إلى جميع الخيوط التي تقودها إليهم، وكل المخططين، والممولين لتلك الجرائم.

لقد ذهبت دماء الضحايا هدراً، حتى يومنا هذا، ولم يُفتح فيها أي تحقيق، وطواها النسيان، لكنها ستبقى تسأل عن مَنْ سفكها، ومن ساعد، وشجع، وخطط، ومول تلك الحملة المجرمة بحق المواطنين الأبرياء، ولابد أن يأتي اليوم الذي تُكشف فيه الحقيقة، وخاصة فيما يتعلق بموقف السلطة العليا في بغداد، وجهازها الأمني، والإداري في الموصل، ودور كل واحد منهم في تلك الاغتيالات.

لكن الذي أستطيع قوله بكل تأكيد، هو أنه لا يمكن تبرئة السلطة العليا من مسؤوليتها في تلك الأحداث، وعلى رأسها عبد الكريم قاسم بالذات، فالسلطة مهما تكن ضعيفة وعاجزة، وهي ليست كذلك بكل تأكيد، قادرة على إيقاف تلك الجرائم واعتقال المسؤولين عنها، وإنزال العقاب الصارم بهم إن هي شاءت.

نتائج الاغتيالات، والحملة الرجعية في الموصل:

بعد كل الذي جرى في الموصل على أيدي تلك الزمرة المجرمة، نستطيع أن نوجز نتائج حملة الاغتيالات، والحملة الرجعية، بالأمور التالية:

1ـ إلحاق الأذى والأضرار الجسيمة بالعوائل الوطنية، وإجبارها على الهجرة من المدينة، وقد هجر المدينة بالفعل، أكثر من 30 ألف عائلة إلى بغداد والمدن الأخرى طلباً للأمان، تاركين مساكنهم، ومصالحهم ووظائفهم، ودراسات أبنائهم، بعد أن أدركوا أنه ليس في نية السلطة إيقاف حملة الاغتيالات، واعتقال منفذيها، وأن بقائهم في الموصل لا يعني سوى انتظار القتلة لينفذوا جرائمهم بحقهم، وعليه فقد كانوا مجبرين على التضحية بكل مصالحهم، ومغادرة مدينتهم التي نشأوا وترعرعوا فيها حرصاً على حياتهم.

2ـ شل وتدمير الحركة الاقتصادية في المدينة، نتيجة للهجرة الجماعية، وعمليات القتل الوحشية التي كانت تجري أمام الناس، وفي وضح النهار، وانهيار الأوضاع المعيشية لأبناء الموصل، وخاصة العوائل المهاجرة.

3ـ تجريد عبد الكريم قاسم من كل دعم شعبي، وعزله عن تلك الجماهير الواسعة والتي كانت تمثل سند الثورة الحقيقي، مما مهد السبيل لاغتيال الثورة وقادتها في المقدمة الزعيم عبد الكريم نفسه.

لقد كانت الرجعية، ومن ورائها الإمبريالية، وشركات النفط، ترمي إلى هدف بعيد، هدف يتمثل في إسقاط الثورة، وتصفية قائدها عبد الكريم قاسم نفسه، وكل منجزاتها، التي دفع الشعب العراقي من أجلها التضحيات الجسام، من دماء أبنائه البررة.

لقد كفرت جماهير الشعب بالثورة، وتمنت عدم حدوثها، وأخذت تترحم على نوري السعيد، والعهد الملكي السابق، وانكفأت بعيداً عن السياسة، وتخلت عن تأييد قاسم وحكومته، وفقدت كل ثقة بها، وهذا ما كانت تهدف إليه الرجعية في الأساس لغرض إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم فيما بعد.

ولم يدر في خلد قاسم، أن رأسه كان في مقدمة المطلوبين، وأن الثورة ومنجزاتها كانت هدفاً أساسياً لها، وما تلك الاغتيالات إلا وسيلة لإضعاف قاسم نفسه، وعزله عن الشعب، تمهيداً لإنزال الضربة القاضية به، وبالثورة ومنجزاتها، حيث تم لهم ما أرادوا، وخططوا هم وأسيادهم الإمبرياليين في انقلاب 8 شباط 1963.

موقف الحزب الشيوعي من حملة الاغتيالات؟

لم يكن موقف الحزب الشيوعي من الاغتيالات في مستوى الأحداث، حيث اتخذ منها موقفا سلبياً لا يتناسب وخطورتها، مكتفياً ببعض المقالات التي كانت تنشرها صحيفة الحزب [اتحاد الشعب] وبعض البيانات التي كانت تطالب السلطة العمل على وقفها!، دون أن تتخذ قيادة الحزب موقفاً صارماً من القتلة ، ومن السلطة، وهو يدرك أن للسلطة  اليد الطولى فيها، بهدف تجريد الحزب من جماهيره وإضعافه، تمهيداً لإنزال الضربة القاضية به، بعد أن أرعبتها مسيرة الأول من أيار عام 1959، التي لم يسبق لها مثيل، في ضخامتها وجموع المتظاهرين جميعاً تهتف مطالبة بإشراك الحزب الشيوعي في الحكم [عاش الزعيم عبد الكريمِ، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمِ].

وفي واقع الأمر فإن تلك المسيرة، وذلك الشعار، أعطى عكس النتائج التي توخاها الحزب منهما، وجعل عبد الكريم قاسم يرتجف رعباً وهلعاً من قوة الحزب وجماهيريته، وصارت له القناعة المطلقة أن الحزب بكل تأكيد سوف يقفز إلي السلطة، ويبعده عنها، رغم أن هذه الأفكار لم تكن تدور في مخيلة الحزب إطلاقاً وقت ذاك، ولعبت البرجوازية الوطنية، المتمثلة بكتلة وزير المالية [محمد حديد] رئيس الحزب الوطني التقدمي، والذي انشق عن الحزب الوطني الديمقراطي بعد خلاف محمد حديد مع رئيس الحزب كامل الجادرجي دوراً كبيراً في إثارة شكوك عبد الكريم قاسم بنوايا الشيوعيين، كما اشتدت الحملة الإمبريالية الهستيرية التي كانت تصوّر الحالة في العراق أن الشيوعيين قد أصبحوا قاب قوسين أو أدنى لاستلام السلطة، حتى ان رئيس جهاز المخابرات الامريكية [الن فوستر دلس] شقيق وزير الخارجية الامريكية جون فوستر دلس، قد صرح يومذاك قائلاً {إن اخطر ما يواخه عالمنا اليوم هو الوضع الخير في العراق}، وكان بذلك يقصد خطر قفز الحزب الشيوعي إلى السلطة بالعراق.

ما كان للحزب الشيوعي أن يلجأ إلى الشارع، ليستعرض قوته أمام عبد الكريم قاسم ويرعبه، من أجل المشاركة في السلطة، رغم أحقيته بذلك، في حين كان بإمكانه استلام السلطة بكل سهولة ويسر لو هو شاء ذلك، ولم تكن هناك قوة في ذلك الوقت قادرة على الوقوف بوجهه.

لكن الحزب الشيوعي استفز عبد الكريم قاسم، واستفز البرجوازية الوطنية، ثم عاد وانكمش، وبدأ بالتراجع يوماً بعد يوم، مما أعطى الفرصة لعبد الكريم قاسم وللبرجوازية المتمثلة بالجناح اليميني للحزب الوطني الديمقراطي بقيادة [محمد حديد] ورفاقه للهجوم المعاكس ضد الحزب، من أجل تقليم أظافره، وتجريده من جماهيره، تمهيداً لتوجيه الضربة القاضية له.

كان على قيادة الحزب أن تسلك طريقاً آخر هادئاً لا يستفز عبد الكريم قاسم، عن طريق اللقاءات والحوار والمذكرات التي لا تثير أية حساسية، وأن تركز جهدها للمطالبة بإجراء انتخاب المجلس التشريعي، وسن دستور دائم للبلاد، وانتقال السلطة بطريقة دستورية إلى من يضع الشعب ثقته فيه، أو تشكيل حكومة ائتلاف وطني، تضم مختلف الأحزاب الوطنية وليكن عبد الكريم قاسم رئيساَ للجمهورية، إذا أختاره الشعب.

لقد أتخذ عبد الكريم قاسم موقفه من الحزب الشيوعي القاضي بتحجيمه وعزله عن جماهيره، تمهيداً لتوجيه الضربات المتتالية له، والتخلص من نفوذه بعد أن أصبحت لديه القناعة!! أن الخطر يأتيه من الحزب الشيوعي وليس من أحزاب اليمين المتمثلة بحزب البعث والقوميين رغم أنهم تآمروا عليه مرات عديدة، في حين لم يكن يدور في خلد الشيوعيين خيانة عبد الكريم قاسم، بل ذادوا عن ثورة 14 تموز حتى النهاية، ودفعوا ثمناً باهظاً جداً.

أما قيادة الحزب فكانت بعد كل الذي جرى ويجري ما تزال عند حسن ظنها بقاسم آملة أن يعود عن الطريق الذي أتخذه ضد الحزب، وهكذا بدأ قاسم حملته الشرسة ضد الحزب لتجريده من جماهيريته، وإبعاده عن قيادة جميع المنظمات الجماهيرية، والجمعيات، والنقابات، واتحادي العمال والفلاحين، وانتهى به المطاف إلى حجب إجازة الحزب، وصنع له بديلا ًمسخاً لا جماهيرية له، لدرجة أنه فشل في إيجاد عدد كافٍ لهيأته المؤسسة لثلاث مرات متتالية، في الوقت الذي جمع الحزب 360 ألف توقيع من رفاقه ومؤيديه.

لقد أصبحت قيادة الحزب في وادٍ، وقاعدته ومناصريه في وادٍ آخر، حين وجدت قواعد الحزب أن لا أمل في موقف السلطة، واستمرار تمادي العصابات الإجرامية، وتنامي عدد حوادث القتل يوما بعد يوم في كافة أنحاء العراق بصورة عامة، وفي الموصل بوجه خاص، حتى وصل الرقم اليومي لعدد الضحايا أكثر من خمسة عشر شهيداً.

لقد ألحت قواعد الحزب، بعد أن أدركت أن لا أمل في السلطة، بالرد على تلك الاغتيالات، ليس حباً بالعمل الإرهابي، ولا رغبة فيه، وإنما لوقف الإرهاب، وكان بإمكان الحزب لو أراد آنذاك لأنزل الضربة القاضية بالمجرمين ومموليهم، وكل الذين يقفون وراءهم، إلا أن الحزب رفض رفضاً قاطعاً هذا الاتجاه متهماً المنادين به بالفوضويين !!، وبمرض الطفولة اليساري، وغيرها من التهم، التي ثبت بطلانها فيما بعد، والتي كلفت الحزب، وكلفت الشعب ثمناً باهضاً من أرواحهم وممتلكاتهم، ومصير وطنهم.

إن من حق كل إنسان أن يحمي نفسه ويدافع عنها، إذا ما وجد أن السلطة لا تقدم له الحماية، في أسوأ الأحوال، إذا لم تكن السلطة شريكاً في الجريمة، لكن الحزب كان يخشى أن يؤدي اللجوء للدفاع عن النفس إلى غضب عبد الكريم قاسم، وخاصة أن أحداث كركوك ما زالت ماثلة أمامه، ومواقفه من الشيوعيين، واتهامهم بالفوضوية، لكن الحقيقة أن مواقف قاسم تلك في الدفاع عن القتلى في كركوك كانت ستاراً وذريعة لضرب الحزب وتحجيمه.

لقد كان على قيادة الحزب أن تدرس بإمعان مسيرة الأحداث، وتتوقع كل شيء، وكان عليها أن لا تستفز عبد الكريم قاسم، ثم تتخذ التراجع طريقاً لها، وتتلقى الضربات المتتالية بعد ذلك، في حين كان الحزب في أوج قوته، وكان بإمكانه أن يقف بحزم ضد كل ما يخطط له، ويعمل على وقف تلك المخططات، وأخذ زمام المبادرة بيديه، لقد اخطأ الحزب في اثارة مخاوف عبد الكريم قاسم، لكن عبد الكريم قاسم عالج الخطأ بخطأ بالغ الخطورة عندما اعلنها حرباً على الحزب الشيوعي، السند الوحيد والقوي لثورة الرابع عشر من تموز ولقيادته هو بالذات، وبذلك عزل نفسه، وبات حكمه في مهب الريح، وبذلك مهد السبيل لنجاح انقلاب 8  شباط 1963 المشؤوم بتخطيط ودعم مباشر من قبل الامبريالية الامريكية والبريطانية، ذلك الانقلاب الذي جلب  الدمار والخراب والقتل والويلات والمصائب للشعب العراقي منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، فكل ما حدث ويحدث للعراق وللعراقيين اليوم هو نتاج مباشر لذلك الانقلاب الفاشي المشؤوم.

 

حامد الحمداني

 

 

رائد عبدالحسين السودانيكثر هم الرجال التي صنعتهم الأحداث، وبلورتهم الحياة، وعلمتهم الجامعات فباتوا أعمدة لمجتمعاتهم لكن من الندرة من أن يصنع الرجل نفسه وذاته وينميها حتى يتحول إلى علم من أعلام الثقافة والمعرفة وأيقونة من أيقونات السياسة، من النوادر ابن واسط والحي وناحية (محيرجة) التي سميت بعد ذلك الموفقية شمران الياسري ذلك الرجل الذي تعلم الانكليزية باصرار وتحد، فعندما أراد تسجيل نجله الأكبر في المدرسة طلب من معلم المدرسة أن يتعلم الانكليزية مع طلاب الخامس الابتدائي والذي دخل عالم الصحافة وفي لواء الكوت يومها من القلة من أبناء اللواء من يعرف القراءة والكتابة فضلا عن أن يهتم في أن يكون صحفيا، عنيدا شمران الياسري مع الزمن ومع السلطات الجائرة، حول الريف العراقي الجنوبي البائس إلى محل لانطلاق الكلمة المعارضة الثائرة ضد البطش السلطوي لاسيما البعثي من خلال جريدته (الحقيقة) .

منذ أن كسبه محمد الزنكي التاجر (الكوتي) المعروف إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي عام 1948حمل (أبو كاطع) وهذا الاسم الذي سيعرف به هموم شعبه وريفه المقهور بين ثناياه، عمل في شتى ميادين الصحافة، في الاذاعة له برنامج شهير وفي الصحافة الورقية له في طريق الشعب عمودا يوميا ينتظره الناس بلهفة بالاخص بعد أن تحولت هذه الجريدة الى علنية بعد اعلان الجبهة التي أطلق عليها (أبوكاطع) اسم (الجبحة) أي العثرة، لأن ما يسطره أبو كاطع في هذا العمود ينبع من معاناة حقيقية لا مراء فيها وإن ننسى فلا ننسى مكانه الأثير الى نفسه في الثقافة الجديدة .

(أبو كاطع ) روائي من الطراز الرفيع عن طريق رباعيته المعروفة التي أكملها بخامسة .في هذه الرواية انتقالة معرفية هائلة في عالم الادب العربي والعراقي، إذ علق في الاذهان وبتشجيع من الحكومات أبرز الريفي والجنوبي على وجه التحديد على إنه أضحوكة وقد ساهم في هذه الصورة العديد من الكتاب المنحدرين من أصول جنوبية، تملقا وتزلفا للسلطات القائمة لكن (أبو كاطع) له فلسفته ورؤيته فقلب الصورة في هذه الرباعية .

إنه ابن الريف منه وله ينتمي ولذلك وكما يذكر القيادي الشيوعي باقر ابراهيم الموسوي "كنت أزوره في بيته في حي المهندسين- بغداد، وأتذكر أن غرفة الأستقبال، ضمت في رفوفها، نماذج من مختلف المصنوعات اليدوية، خاصة ما يستعمله الفلاح العراقي، وكأني به يريد أن تظل صورة ذلك الريف، وصورة فلاحه، غير غائبة عنه وعن زواره، بعد أن أنتقل ليعيش في بغداد، قريباً من قمة الحضارة العراقية، وليس بعيدا أيضاً عن البؤس الواضح في أحيائها الشعبية!"

شمران الياسري من أواخر الذين هاجروا إثر الهجمة البعثية على الشيوعيين عام 1977وكان قد عاد في خضم هذه الهجمة الشرسة وعندها صدر قرار بالهجرة الجماعية وقد استشار بهجرته الثانية باقر ابراهيم الموسوي ونصحه باشارة من يده بأن هاجر، خوفا عليه من السلطة البعثية.

شمران الياسري كان مشروعا معرفيا هائلا، تقرب كثيرا للمقاومة الفلسطينية ونشأت بينه وبين قياداتها علاقات واسعة ومتينة .

اغتيل بحادث سير في أوربا فلم تتحمل السلطة الجائرة كلمته حتى ولو بعد .

 

رائد عبد الحسين السوداني

...............................

ملاحظة: أعمل على تأليف كتاب لدراسة شخصية شمران الياسري من خلال أدبه .

 

حامد الحمدانيلم تكد تفشل محاولة الشواف الانقلابية، وتسيطر قوات الجيش الوطنية وجماهير الشعب على المدينة، حتى توارت القوى الرجعية خوفاً ورعباً، وخلال أيام قلائل عاد الهدوء والنظام إلى المدينة، وشعر أبناء الموصل لأول مرة بالثورة تدخل مدينتهم، بصورة حقيقية، فلم يكن قد حدث حتى وقوع محاولة الشواف الانقلابية، أي تغيير جوهري على أوضاع الموصل، وبقيت العوائل الرجعية المرتبطة مصالحها بالنظام السابق تحكم الموصل من خلال الأجهزة الإدارية، وهي وإن كانت قد ركنت إلى الانكفاء بعد الثورة، لكنها عاودت نشاطها من جديد، مستغلة الجهاز الإداري الذي لم يطرأ عليه أي تغير، والذي كانت تحتل فيه جميع المراكز الحساسة، وبشكل خاص جهاز الأمن الذي أنشأه ورعاه النظام الملكي.

وعلى أثر حدوث التصدع في جبهة الاتحاد الوطني، وإبعاد عبد السلام عارف عن مسؤولياته في قيادة الثورة، عاودت تلك القوى نشاطها التآمري، مرتدية رداء القومية العربية، وتحت راية الرئيس المصري عبد الناصر، وهي التي كانت حتى الأمس القريب من أشد أعدائه، ووضعت نفسها تحت تصرف العقيد الشواف، الطامح إلى السلطة، والمتآمر على الثورة وقيادتها، غير أن انكفاء الرجعية بعد فشل حركة الشواف لم يدم طويلاً بسبب سياسة عبد الكريم قاسم، الذي قلب ظهر المجن لتلك القوى التي حمت الثورة، ودافعت عنها، وقدمت التضحيات الجسام من أجل صيانتها، والحفاظ على مكتسباتها.

عبد الكريم قاسم يقلب ظهر المجن للحزب الشيوعي:

لقد بادر عبد الكريم قاسم باعتقال أولئك الذين تصدوا لانقلاب الشواف، مضحين بدمائهم من أجل حماية الثورة، ودفاعاً عن قيادته هو بالذات، وإحالهم إلى المجالس العرفية{المحاكم العسكرية}، وحرض الأهالي على التقدم بالشهادة ضدهم، عبر مكبرات الصوت المنصوبة على السيارات العسكرية، والتي كانت تطوف شوارع الموصل، وتم الحكم على معظمهم بأحكام قاسية وصلت حتى الإعدام، ومن جهة أخرى أقدم عبد الكريم قاسم على سحب السلاح من المقاومة الشعبية، حرس الثورة الأمين، ومن ثم أقدم على إلغائها، وأجرى تغييرات واسعة في أجهزة الدولة، أبعد بموجبها كل العناصر الوطنية الصادقة، والمخلصة للثورة، وأعاد جميع الذين جرى إبعادهم على اثر فشل محاولة الشواف الانقلابية إلى مراكزهم السابقة، وهكذا عاودت الرجعية المتمثلة بعوائل كشمولة، والعاني، و المفتي، والأرحيم، وغيرها من العوائل الأخرى، نشاطها المحموم مستغلة مواقف عبد الكريم قاسم من الشيوعيين الذين كان لهم الدور الأساسي في إخماد تمرد الشواف، و بادرت تلك العوائل، تتلمس أفضل السبل للتخلص من العناصر الشيوعية والديمقراطية المؤيدة للثورة، ووجدت ضالتها في عمليات الاغتيال البشعة التي ذهب ضحيتها المئات من أبناء الموصل البررة، وأجبرت تلك الحملة الإجرامية أكثر من 30 الف عائلة موصلية على الهجرة الاضطرارية من المدينة إلى بغداد وبقية المدن الأخرى، مضحية بأملاكها وأعمالها ووظائفها، من أجل النجاة من تلك الحملة المجرمة.

لقد جرى كل ذلك تحت سمع وبصر السلطة ورضاها، سواء كان ذلك على مستوى السلطة في الموصل، أم السلطة العليا المتمثلة بعبد الكريم قاسم نفسه، حيث لم تتخذ السلطة أي إجراء، أو تجرِ تحقيقاً ضد عصابات القتلة ومموليهم، والمحرضين على تلك الاغتيالات، بل قيل آنذاك أن قاسم نفسه قد أعطى لهم الضوء الأخضر لتنفيذ الاغتيالات، وإن كل الدلائل تشير إلى موافقة السلطة العليا، ومباركتها لتلك الحملة، فلا يعقل أن تكون السلطة مهما كانت ضعيفة وعاجزة، عن إيقاف تلك الحملة الشريرة، وإلقاء القبض على منفذيها ومموليها المعروفين لدى كل أبناء الموصل، وسوف أورد فيما بعد قائمة بأسماء أولئك القتلة، الذين بقوا مطلقي السراح، يتجولون بأسلحتهم دون خوف من عقاب، متربصين بالأبرياء، ليسددوا رصاصاتهم الجبانة إليهم في وضح النهار .

إما أجهزة الأمن فقد كانت تكتفي بإلقاء القبض على جثث الضحايا، وحتى الذين لم يفارقوا الحياة، وأصيبوا بجراح، فكانوا يلاقون نفس المصير في المستشفى، حيث لم ينج أي جريح منهم أُودع المستشفى الذي كان يديره آنذاك، الدكتور[عبد الوهاب حديد]، وهو من أبناء عمومة[ محمد حديد] وزير المالية. ولا بد لنا أن نلقي نظرة على أوضاع السلطة في الموصل في تلك الفترة التي امتدت منذُ حركة العقيد الشواف وحتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، لنتعرف على أولئك الذين كان لهم الدور البارز في تلك الاحداث.

من كان يحكم الموصل؟

1 ـ مدير الشرطة ـ إسماعيل عباوي: من مواليد الموصل، ومن عائلة رجعية معروفة، انتمى إلى الجيش العراقي كضابط، وكان مرافقا لبكر صدقي، رئيس أركان الجيش، الذي قام بانقلاب عسكري عام 1936 ضد حكومة [ياسين الهاشمي].

قام إسماعيل عباوي باغتيال [جعفر العسكري] وزير الدفاع في حكومة الهاشمي، كما أشترك في محاولة اغتيال [ضياء يونس] سكرتير مجلس النواب، ومحاولة اغتيال السيد [مولود مخلص] الذي شغل لمرات عديدة منصب وزير الدفاع، ورئيس مجلس النواب، عندما وقع انقلاب الفريق [بكر صدقي].

أُخرج إسماعيل عباوي من الجيش، بعد اغتيال بكر صدقي، وأعتقل عام 1939 بتهمة تدبير مؤامرة لقتل عدد من السياسيين، وحكم عليه المجلس العرفي العسكري بالإعدام، وجرى بعد ذلك تخفيض العقوبة إلى السجن المؤبد، وأُطلق سراحه عند قيام حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، وخرج من السجن ليجعل من نفسه بطلاً قومياً.

وقبل أحداث حركة الشواف بأيام أعاده عبد الكريم قاسم إلى الجيش من جديد برتبة مقدم، وعينه مديراً لشرطة الموصل، لكنه لم يستطع استلام مهام منصبه إلا بعد فشل الانقلاب، والسيطرة على الأوضاع في المدينة بعد دخول الجيش إليها بقيادة [العقيد حسن عبود] الذي عين فيما بعد آمراً للواء الخامس بالموصل، وبقي المقدم إسماعيل عباوي مديراً لشرطة الموصل ليشرف على تنفيذ المذبحة الكبرى للعناصر الديمقراطية والشيوعية فيها خلال ثلاث سنوات متوالية، حيث جرت حملة اغتيالات منظمة ذهب ضحيتها ما يناهز 1000 مواطن دون أن يلقي القبض على واحد من القتلة، بل أكتفي بالقبض على جثث الضحايا، وسُجلت كل جرائم الاغتيالات باسم مجهول!!.

2ـ متصرف اللواء (المحافظ) ـ العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي:

متصرف الموصل العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي، من مواليد 1923، ومن الضباط الأحرار الذين شاركوا في تنفيذ الثورة، في الرابع عشر من تموز 1958، حيث كان آمر الفوج الأول، في اللواء العشرين، وزميل عبد السلام عارف، الذي كان آمر الفوج الثالث في نفس اللواء.

عين الدراجي آمراً للواء العشرين بعد نجاح الثورة، وبسبب علاقته الحميمة بعبد السلام عارف جرى نقله إلى آمريه الكلية العسكرية، إثر إعفاء عبد السلام عارف من مناصبه، كإجراء احترازي من قبل عبد الكريم قاسم، ثم جرى بعد ذلك اتهامه بالاشتراك في المحاولة الانقلابية التي كان من المقرر تنفيذها في 4 تشرين الأول 1958 بالاشتراك مع عبد السلام عارف، وجرى اعتقاله لفترة وجيزة، ثم أُحيل على التقاعد وعُين محافظاً للواء الكوت، ثم نقل بعد ذلك إلى محافظة الموصل فيما بعد.

لا شك أن الدراجي أخذ يكن العداء لعبد الكريم قاسم، بعد إعفائه من منصبه العسكري، وعمل جهده على إضعاف وعزل عبد الكريم قاسم عن الشعب، وذلك عن طريق حملة اغتيالات الشيوعيين وأصدقائهم، وتبين فيما بعد أنه كان من المشاركين في انقلاب 8 شباط 1963 ضد عبد الكريم قاسم، وقد عينه عبد السلام عارف، بعد انقلابه على البعثتين، وزيراً للداخلية.

لعب الدراجي دورا كبيراً في حملة الاغتيالات المجرمة في الموصل، شأنه شان رفيقه إسماعيل عباوي، ولم يبدر منه أي إجراء لوقفها، والقبض على المجرمين، وإحالتهم إلى القضاء، على الرغم من أن أسماء أولئك المجرمين كانت تتردد على كل لسان.

3 ـ مدير الأمن ـ حسين العاني:

حسين العاني، كما هو معروف، من عائلة رجعية إقطاعية عريقة، كان لها باع كبير في العهد الملكي، كما كان لها دور كبير في دعم محاولة الشواف الانقلابية، وتم اعتقال العديد من أفراد تلك العائلة، مما جعل حقدها على الشيوعيين كبيراً، ورغبتها في الانتقام أكبر، وكان وجود العاني على رأس جهاز الأمن، الذي رباه النظام الملكي وأسياده الإمبرياليون على العداء للشيوعية خير عون لعصابات الاغتيالات في تنفيذ جرائمها، والتستر عليها وحمايتها.

كان جهاز الأمن بالموصل يفتش في الطرقات كل شخص معروف بميوله اليسارية بحثًا عن السلاح لحماية أنفسهم من غدر القتلة، في حين ترك القتلة المجرمين يحملون أسلحتهم علناً دون خوف أو وازع، ولم يحاول هذا الجهاز القبض على أي من القتلة، رغم شيوع أسمائهم، وتداولها بين الناس جميعاً.

وهذا مثال جرى لأحد أقرب رفاقي هو الشهيد الأستاذ [فيصل الجبوري] مدير ثانوية الكفاح بالموصل، الذي أُطلق عليه النار من قبل أحد أفراد عصابة التنفيذ المدعو[عايد طه عنتورة] في 10 أيار 1960، ولم يفارق الحياة، وتم نقله إلى المستشفى، وكان يصرخ بأعلى صوته[ قتلني عايد طه عنتورة]، ولم يُتخذ أي إجراء ضد الجاني إطلاقاً، أما فيصل الجبوري فقد فارق الحياة في المستشفى في اليوم التالي.

وهذا مثال آخر، حيث أطلق الرصاص على الشهيد [حميد القصاب] في محله الكائن بمحلة المكاوي، وشخص الشهيد بأم عينه الجاني، وأخذ يصرخ بأعلى صوته، وهو يصعد سيارة الإسعاف برجليه ودون مساعدة: قتلني [ محمد حسين السراج]، وتم نقله إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة في اليوم التالي، أما الجاني فلم يُستدعى للتحقيق، ولم تُتخذ أية إجراءات قانونية ضده.

وأذكر أيضاً أحد أصدقائي، الشهيد [أحمد مال الله]، الذي أُطلق عليه الرصاص أيضاً، وأُصيب بجروح، لكن أهله نقلوه على الفور إلى بغداد، حيث عُولج هناك في إحدى المستشفيات وتماثل للشفاء، لكن يد الغدر لاحقته بعد مدة واغتالته في أحد شوارع بغداد.

أما الشهيد المدرس [ زهير رشيد الدباغ ] فقد دخل عليه أحد تلاميذ المدرسة المدعو[عادل ذنون الجواري] إلى داخل الصف، وهو يدرس التلاميذ ، ليطلق عليه وابلاً من الرصاص من رشاشة كان يحملها، أمام 45 طالباً، دون أن يمسه أذى، أو يجري معه أي تحقيق، أما زهير، فقد أستشهد في الحال. ليست هذه سوى أمثلة قليلة من مئات غيرها جرت للمواطنين الأبرياء، وذهبت دماؤهم هدراً على يد تلك العصابات المجرمة، ولم يفتح فيها جميعاً أي تحقيق إلى يومنا هذا.

4 ـ آمر موقع الموصل ـ العقيد حسن عبود:

العقيد حسن عبود، أمر اللواء الخامس، وأمر موقع الموصل، والضابط الذي قاد القوات العسكرية لقمع تمرد الشواف، وكانت له مواقف مشهودة في حبه لوطنه، ودفاعه عن ثورة 14 تموز، ولكن مع قرار عبد الكريم قاسم تقليم أظافر الشيوعيين، وتحجيم حزبهم، وبالنظر للعلاقة التي تربطه بهم، فقد أقدم قاسم على تجريده من كافة صلاحياته الإجرائية، فيما يخص حماية الأمن والنظام، وأناط ذلك كله بجهاز الأمن السعيدي، وشرطته التي يقودها إسماعيل عباوي، وبإشراف متصرف اللواء العقيد المتقاعد عبد اللطيف الدراجي.

كما أصدر قاسم أمراً بنقل كل الضباط الذين أظهروا تعاطفاً مع الشيوعيين، والذين كان لهم الدور الحاسم في قمع انقلاب الشواف، إلى وحدات عسكرية غير فعّالة، وفق منهج ُ تم إعداده في مديرية الاستخبارات العسكرية، ومديرية الإدارة في وزارة الدفاع، وبإشراف قاسم نفسه.

وهكذا أفرغ قاسم قوات الجيش في الموصل من كل العناصر الوطنية المخلصة، وجمد عملياً سلطات العقيد حسن عبود فيما يخص حفظ الأمن والنظام، ولم يعد له أي دور في ذلك، ثم أنتهي حسن عبود إلى الاعتقال، وأخيراً إلى التقاعد.

 

حامد الحمداني

 

محمد فتحي عبدالعالالقراءةُ وامتلاكُ الكتبِ. هلْ هي مرضٌ (الببلومانيا)؟ عندما قرأتُ عن هذا المصطلح الذي يسوّق له بعض الباحثين من الغربِ شعرتُ بخوفٍ ورعبٍ رغم ثقتي بأنّ الدعوةَ إلى القراءةِ هي دعوةٌ إلهية بدلالة إيعازية في كتابهِ المقدس من خلال (اقرأ) . سأروي لكم قصتي مع الكتبِ. منذ صغري في المرحلة المدرسية كنتُ دائما ما أقتطع من مصروفي المتواضع ما يمكنّني من اقتناءِ كتبٍ متنوعة تبحرُ بي في شتي فروع المعرفة،ونمت  هوايتي حتي بعد تخرجي والتحاقي بالعمل كانَ معظمُ راتبي موجهاً لهذه الغاية، سعادتي كبيرة وأنا اشتري موسوعاتٍ تاريخيه كبيرة وكتباً شديدة الندرة قد لا أقراءها في حينها لكن يبقي الأمل في مطالعتها يوماً. فأنفق من وقتي الكثير في مطالعتها بل واحيانا أعودُ إلى المعاجم والكتبِ القديمة لفك لغز شخصيّة تاريخية أو فهم نصٍ بلغته الأصليّة ..وكان الأمرُ يتطورُ للبحثِ عن جزءٍمفقود في موسوعة  لأسافر لبلدات أخرى والبحث لدى باعة الكتبِ القديمة من أجل اقتناء هذا الجزء وأنا يملأني الشغف و ما تخفيه جنباتُ هذا الجزء المفقود. حتّى تجمعت لدي مكتبة ضخمة. كانت دائما المكان الّذي  أتوقُ إليه. مكتبتي وكتبي أصدقائي وكلّ ما أمتلك، لم أرغب بإعارة أيّ كتاب لأنّني أشعر بأنه صديق حميم يجب ألا يفارقني وأن من حولي حمقى لا يقدّرون الكتب، ومكتبتي محصنة ضد أيّ لص أو حريق فلا يدخلها غيري، ولا حسابَ مصرفي لي في أيّ بنك بخلاف زملائي في العمل، وهذه النظارات زادتني قباحة ... كانت ترجمتي الشخصيّة لكلّ  هذا انني أحملُ هواية ولكنني لم أكن أتصورُ انني من جملة المثقفين المصابين  بمرض الببلومانيا وانا لا أدري وهو مرضُ هوس اقتناء الكتب  وأعراض هذا المرض يقعُ تحتهُ كلّ ما ذكرت. تعتبرُ الببلومانيا مرضا لأنّها تعصف بالجانب الأسري والعائلي للشخص وتصبح ملاذه الآمن بعيدا عن محيطه الخارجي ولكنها قد تحمل أثرا ايجابيا  حينما يتحول اقتناء الكتب إلى نشر معرفي على الصعيد المجتمعي وليس الإيثار المعرفي الذاتي وفي هذا السبيل لابد وأن نحط رحالنا  عند شخصية فاطمة بنت محمد الفهرية القرشية المرأة العربية المثقفة الفريدة في سماء العلم والمعرفة التي تعلمت من سيرتها الكثير... قدِمت فاطمة ْ حفيدة عقبة بن نافع فاتح القيروان من تونس إلى عاصمة الدولة الإدريسية مع والدها الفقيه القيرواني شديد الثراء محمد بن عبد الله الفهري وأختِها مريم في أيام الأمير يحيي بن محمد بن إدريس. حيث استقر بها الحال وتزوجت ولم يشغلها هذا عن حبّ العلمِ والمطالعة واقتناءِ الكتب والمخطوطات القيّمة التي ربما انتقل إليها بعضها عن طريق والدها الراحل ...

وبوفاة أبيها وزوجها قررتْ فاطمة بناءَ مسجدٍ، فبنت مسجدا ومكتبة ضخمة تحولت إلى جامعة بمضي الوقت هي جامعة القرويين وقد ضمتِ المكتبة التي تركتها ما يربو على أربعة آلاف مخطوطٍ في علوم القرآن والسنة والمعارف المتنوعة وقيل أنّها نذرت لله صوما حتى يمنّى اللّه عليها وينتهي تشييد المسجد تكريماً لذكرى والدها. وتمّ الانتهاء من تشييدِ المسجد بعد حوالي ١٨ عاما وكانت الجوامع حلقات لتدريس العلوم فغدا هذا المسجد  أوّل جامعة في تاريخِ الشّعوب تمنحُ الدرجاتِ العلميّة في العالم وعنها تعلمتْ أوروبا وأخذتْ بهذا النظام الذي لا يزال حتّى يومنا هذا. وقد خرّجت هذه الجامعة- أعمدة العلوم في العصور الوسطى ومنهم المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون مؤسَّسُ عِلم الاجتماع، وأبو الوليد بن رشد الطبيب والفيلسوف والقاضي المعروف، والطبيب الأندلسي موسى بن ميمون، والإدريسي أشهر الجغرافيين العرب، وعالم الرياضيات والفلك الشّهير ابن البنَّاء المراكشي، وابن غازي المكناسي عالِم القراءات والرياضيات، وبابا الفاتيكان سيلفستر الذي تُنسب إليه عمليّة نقلِ الأرقام العربية إلى أوروبا هذه هي المرأة العربية التي تقرأ وتزرعُ بذور الفكر والعلمِ والمحبة في أذهانِ الأجيالِ .

 

استاذه راغدة شفيق محمود الباحثة في علوم اللغة

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث

 

حامد الحمدانيتناول العديد من الكتاب والمهتمين بمتابعة الأحداث التاريخية، المحاولة الانقلابية الفاشلة للعقيد الشواف في الموصل في الثامن من آذار 1959 ضد القيادة الوطنية لثورة الرابع عشر من تموز ،وما رافقها من أحداث، وقد اتسمت معظم الأقلام التي تناولت تلك الأحداث بالتشويه أحياناً وبالضبابية أحياناً أخرى، مما يدفعني إلى إلقاء الضوء على تلك الأحداث التي عايشتها بكل دقائقها، لا ابتغي في عرضي هذا سوى الحقيقة التي أرجو أن يطلع عليها الجميع.

منُذُ الأيام الأولى لثورة الرابع عشر من تموز 1958 حدث شرخ خطير في صفوف الحركة الوطنية التي كانت بقيادة أحزاب {جبهة الاتحاد الوطني}، و{اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار} قاده عبد السلام عارف بدعم من حزب البعث، وجانب كبير من القوى القومية الذين سيروا المظاهرات في شوارع بغداد مطالبين بالوحدة الفورية الاندماجية مع الجمهورية العربية المتحدة خلافاً لرأي أغلبية القوى والأحزاب الوطنية التي رفعت في المقابل شعار{الاتحاد الفدرالي} كخطوة أولية مؤكدة على إقامة أوثق الروابط بين العراق والجمهورية العربية المتحدة بزعامة عبد الناصر، وصولاً في المستقبل إلى إقامة وحدة حقيقية تقوم على أسس ديمقراطية ترعى مصالح الشعب العراقي، والذي خرج لتوه من هيمنة القوى الإمبريالية والنظام الملكي المدعوم من قبلهم، ومن قبل القوى الرجعية والإقطاعية.

لم تكن تلك القوى التي رفعت ذلك الشعار{الوحدة الفورية} صادقة في دعواها بل كانت ترمي إلى الوثوب إلى السلطة، وإزاحة القوى الديمقراطية وقيادة عبد الكريم قاسم، وهي لو كانت جادة في دعواها لحققت الوحدة عندما اغتالت ثورة الرابع عشر من تموز في انقلابها الدموي الفاشي في الثامن من شباط عام 1963 سواء في عهد حكم حزب البعث، أو حكم عبد السلام عارف الذي قاد انقلاب 17 تشرين ضد حكم البعث، وكذلك عندما عاد البعثيون إلى الحكم إثر انقلاب 17 تموز 1968على حكومة عبد الرحمن عارف، بل على العكس من ذلك اتخذوا موقفاً معادياً من عبد الناصر، واستمروا على مهاجمته في كافة وسائل إعلامهم ومن ضمنها الإذاعة والتلفزيون حتى ساعة وفاته.

لقد سعت تلك القوى إلى تعميق الخلافات والانقسام في صفوف القوى الوطنية مستخدمة كل الوسائل والسبل، على الرغم من كل المحاولات التي بذلتها الأحزاب الوطنية، وفي المقدمة منها الحزب الشيوعي، إدراكاً منها لخطوة المرحلة التي كانت تمر بها ثورة الرابع عشر من تموز، وهي ما تزال في أيامها الأولى، ولا سيما وأن الإمبرياليين كانوا قد انزلوا قواتهم العسكرية في لبنان والأردن، وأوعزوا إلى حلفائهما تركيا وإيران الشاهنشاهية بحشد جيوشها على حدود العراق بغية الإجهاز على الثورة، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

واستمر الانقسام في صفوف القوى الوطنية في أوائل عام 1959 حتى بلغ مداه، ورفضت القوى القومية والبعثية أي دعوة للتعاون والتلاحم من أجل مصلحة الشعب والوطن.

انتخابات المنظمات الديمقراطية والنقابية:

لقد جرت في تلك الأيام انتخابات النقابات، والمنظمات الجماهيرية، وبذل الحزب الشيوعي جهوداً كبيرة من أجل لمّ الشمل، والخروج بقائمة موحدة في الانتخابات، ولكن القوى القومية والبعثية رفضتا ذلك رفضاً قاطعاً، وأصرتا على خوض الانتخابات بصورة منفردة قاطعة الطريق على أي تقارب أو تعاون.

كان في مقدمة الانتخابات التي جرت نقابة المعلمين، حيث جرت الانتخابات بروح ديمقراطية، وبإشراف ممثلين عن القائمة الديمقراطية، والتي ضمت الشيوعيين، والديمقراطيين والبارتيين، والقائمة الجمهورية التي ضمت البعثيين والقوميين، وقد لفوا حولهم كل العناصر الرجعية المناهضة للثورة أساساً، تلك القوى التي وجدت فرصتها في هذا الانقسام للظهور بمظهر القومية الزائفة، والوحدوية!،في حين أنها كانت، ولعهد قريب من أشد أعداء الوحدة وعبد الناصر، ولا تزال تلك الأحداث في ذاكرتي عندما فازت {القائمة الديمقراطية المهنية للمعلمين}، وكنتُ أحد مرشحيها بفارق كبير، وأعترف ممثلي{القائمة الجمهورية} بتوقيعهم على محاضر الانتخابات بعد فرز الأصوات بان الانتخابات قد جرت في جو ديمقراطي لا تشوبه شائبة، وكانت نقابة المعلمين، تمثل قطاعاً كبيراً من المثقفين، وقد تجاوز عدد أعضائها أكثر من خمسة وخمسون ألف معلم، ومدرس وأستاذ جامعي آنذاك.

كانت الانتخابات تلك خير مقياس لتوزيع القوى، حيث كان لها دور فاعل في الحياة السياسية للبلاد، وجرت بعد ذلك انتخابات الطلاب، حيث جرى الاستقطاب بين القوى السياسية، على غرار ما جرى في انتخابات نقابة المعلمين، وفازت القائمة الديمقراطية، المسماة بـ {اتحاد الطلبة} فوزاً ساحقاً، وتبع ذلك انتخابات نقابة المهندسين، والأطباء، والعمال والجمعيات الفلاحية، وفشلت تلك القوى الرافضة للتعاون في الحصول على أي مكسب فيها. لقد تعمق الاستقطاب في صفوف الحركة الوطنية، وأخذ التباعد يتسع يوماً بعد يوم، وأخذ الجانب الخاسر في التنافس الحر منحى آخر يستند إلى العنف في تحقيق ما عجز عن تحقيقه عن طريق التنافس الديمقراطي الحر، وبدأت عقولهم تفكر في استخدام القوة والعنف لتغيير الأوضاع لصالحهم.

العقيد الشواف يركب الموجة:

وجد العقيد عبد الوهاب الشواف ـ آمر موقع الموصل ـ فرصته الذهبية في ركوب الموجة، فقد كان يشعر بأنه قد أصابه الغبن الكبير عند ما عُيّن آمراً للواء الخامس، وآمر موقع الموصل، وكان يطمح في الحصول على منصب وزاري، أو منصب الحاكم العسكري العام، عند قيام الثورة، حتى لكأنما قامت الثورة لتوزيع المناصب على القائمين بها، وليس من أجل خدمة القضية الوطنية.

كنت في تلك الأيام مديراً لإحدى مدارس الموصل مسقط، وكنت أرى وأحس والمس ذلك الصراع يتطور ويتعمق، والانقسام يبلغ مداه، ويتحول إلى عداء واعتداء، وتحول ذلك الجانب الخاسر في الانتخابات إلى عصابات تنتشر هنا وهناك تتحين الفرص للاعتداء على العناصر الديمقراطية والشيوعية، بوجه خاص، وكانت توجيهات الحزب الشيوعي آنذاك تقضي بعدم الانجرار وراء تلك الأعمال وتجنب الصدام، وكان أمله في إعادة الصواب إلى رشد تلك القوى والعودة إلى التلاحم والتعاون من أجل مصلحة الشعب والوطن، وديمومة الثورة ونضوجها، وتعمقها من أجل تحقيق أحلام الشعب العراقي الذي ضحى من أجلها سنين طويلة.

الإعداد للانقلاب:

كان الحزب الشيوعي يدرك معنى الانقسام في صفوف الحركة الوطنية، والمخاطر التي تسببها، وفعل كل ما يمكن من أجل إعادة اللحمة للقوى الوطنية، إلا أن كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح، وراحت تلك القوى تعد العدة، وتهيئ لمحاولة انقلابية في مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، وكانت تحركاتهم وإعدادهم لذلك الانقلاب بادية للعيان وتجري على قدم وساق، فيما كان الجانب الثاني من الاصطفاف المتمثل بالشيوعيون والديمقراطيون،والبارتيين ـ يراقبون الأوضاع بدقة، فالخطر لا يعني عبد الكريم قاسم وحده، أو الثورة وحدها، وإنما يعني أيضاً تعرض كل القوى المساندة للثورة للتصفية إذا ما تحقق النصر لمحاولتهم الانقلابية، و كان العقيد الشواف، وعدد من الضباط القوميين، والبعثيين ينشطون بهذا الاتجاه وينسقون مع القوى الرجعية للإعداد لتك المحاولة.

وفد مؤتمر المعلمين يقابل عبد الكريم قاسم:

أنتهز أعضاء المؤتمر الأول لنقابة المعلمين في الموصل ـ وكنت احدهم ـ وجوده في بغداد، لحضور المؤتمر المنعقد في شباط 1959، الفرصة وطلب مقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم لأمرٍ هام يخص الثورة والجمهورية وأمنها.

وافق عبد الكريم قاسم على استقبال الوفد في مقره بوزارة الدفاع، وحضر الوفد في الوقت المحدد، ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى حضر الزعيم عبد الكريم قاسم، ودخل القاعة وسط التصفيق والهتاف باسم الثورة وقيادتها. بدأ الزعيم الحديث موجهاً كلامه للوفد مرحباً به وقائلاً:{إنني كنت واحداً منكم أنتم مربي الأجيال، نعم لقد كنت معلماً في إحدى قرى الشامية بعد تخرجي من الإعدادية، وقبل أن أدخل الكلية العسكرية، وأنا فخورٌ بذلك}.

وتحدث الزعيم طويلاً عن دور المعلم في المجتمع، وبعد نهاية حديثه، طلب من الوفد الحديث. بدأ أكبر أعضاء الوفد سنا الشهيد {يحيى الشيخ عبد الواحد} المعروف {يحيى ق} والذي كان مشهوداً له بالمواقف الوطنية أيام الحكم الملكي والمواقف الجريئة ضد حكم الطاغية نوري السعيد، وناله بسبب مواقفه تلك صنوفٌ من الاضطهاد، والاعتقال، وأستحق محبة الشعب العراقي وقواه الوطنية.

بدأ يحيى بالحديث عن أوضاع الموصل المتدهورة، والنشاط التآمري الذي يجري على قدم وساق، موضحاً للزعيم أن العراق في خطر، وإن الثورة في خطر كذلك إذا لم تسارع حكومة الثورة في معالجة الأمور بأسرع وقت ممكن من أجل نزع الفتيل قبل حدوث الانفجار، مشيراً إلى العناصر التي تقود ذلك النشاط، وعلى رأسها العقيد الشواف، وزمرة من الضباط القوميين والبعثيين المتعاونين معه، بالإضافة إلى القوى الرجعية والإقطاعية، وعلى رأسها شيخ مشايخ شمر الإقطاعي الكبير والنائب السعيدي المزمن{أحمد عجيل الياور}.

وتحدث يحيى عن السلاح الذي كان المتآمرون ينقلونه عبر الحدود السورية ويخزنوه في الموصل، وكذلك عملية تسليح قبائل شمر، والتي تدين بالولاء لرئيسها، والحاقد على الثورة، وعلى قانون الإصلاح الزراعي الذي جرده من سلطانه. كما تحدث يحيى عن نشاط عملاء شركات النفط في عين زالة في الموصل في هذا الاتجاه.

إلا أن الزعيم عبد الكريم قاسم رد على الوفد بعباراته المشهورة: {الصبر والتسامح والكتمان والمباغتة} هذه العبارة التي كان يرددها دائماً.

وقد رد عليه يحيى قائلاً: يا سيادة الزعيم: إن هناك حكمة تقول الوقاية خيرٌ من العلاج، إن انتظار حدوث الكارثة ومعالجتها بعد ذلك أمرٌ خطيرٌ جداً، إذ ربما تكون لها إمتدادات في مختلف أنحاء العراق، ولربما تؤيدها غيرها من القطعات العسكرية في مناطق أخرى، وربما تنجح تلك المحاولات في اغتيال الثورة، وفي أحسن الأحوال حتى لو قامت المحاولة وفشلت فلا أحد يستطيع تقدير خسائرها وأضرارها، لذلك فأن منع وقوعها أفضل بكثير من انتظار وقوعها والقضاء عليها. كان جواب عبد الكريم قاسم غير متوقع إطلاقاً، لقد غضب قاسم من حديث يحيى وأجاب قائلاً:{إننا ندرك الأمور إدراكاً جيداً، وإن العقيد الشواف هو أحد الضباط الأحرار، وأنتم تهولون الأمور، وتضخمونها، نحن أقوياء واثقون من أنفسنا}.

وعاد الأستاذ يحيى مخاطباً الزعيم قاسم قائلا: سيادة الزعيم: إننا لا نطلب من سيادتكم سوى طلب بسيط، فنحن لا نطلب أن تعاقب أحدا، أو تسجن أحداً، وكل ما نطلبه هو نقل زمرة الضباط المذكورة، وتفريقها في مناطق أخرى، منعاً لوقوع الواقعة. لكن الزعيم قاسم رفض ذلك رفضاً قاطعاً، وأجاب بحدة:{إن هذه الأمور تتعلق بنا وحدنا، ونحن لا نسمح لأحد بالتدخل فيها}.

 

وهكذا فقد بدا جو اللقاء مكفهراً، مما حدا بالمرافق الأقدم للزعيم الشهيد وصفي طاهر إلى التدخل لتحسين الجو قائلاً:{ إننا لا نهاب الشواف، ونحن قادرون على جلبه إلى هنا هاتفياً في أية لحظة}. وأخيراً بدا عبد الكريم قاسم يغير اتجاه الحديث، عارضاً منجزات الثورة، وطموحاتها المستقبلية، وبعد ذلك أنتهي اللقاء، وغادر الوفد وزارة الدفاع والكل يضرب أخماساً بأسداس، كما يقول المثل، ويسأل بعضه بعضا: هل ستقع الواقعة؟ بل متى ستقع بالتأكيد؟ وكيف ستكون النتائج؟

عاد الوفد إلى الموصل والقلق بادٍ على وجوه الجميع، فقد كان الجو مكفهراً وينذر بالخطر. وفي تلك الظروف البالغة الخطورة، قرر الحزب الشيوعي، وحركة أنصار السلام التي يساهم فيها الحزب بنشاط كبير تحدي المتآمرين، وتوجيه تحذير إليهم بأن مدينة الموصل سوف لن تكون مسرحاً لاغتيال الثورة ومنجزاتها، وأن الشعب العراقي سوف يقف بالمرصاد لأي تحرك، معلناً عن تنظيم مهرجان لأنصار السلام في الموصل في أوائل آذار 1959.

استعدت القوى الديمقراطية، والشيوعية والبارتية لذلك اليوم الموعود، وتقاطرت الوفود من أنحاء القطر للمشاركة في ذلك المهرجان، وكانت التظاهرة من الضخامة وحسن التنظيم ما أقلق قوى الظلام، وأثار غضبها، فنصبت الكمائن لتصب جام غضبها على المسيرة، وأمطرتها بوابل من الحجارة وحتى بالرصاص فجرح من جرح، وأدى ذلك إلى وقوع صدامات عنيفة مع المهاجمين.

أكفهر الجو، ونزلت قوات كبيرة من الجيش والشرطة لإيقاف الصدام، وانتهى ذلك اليوم، وعادت الوفود إلى مدنها، وخيم الوجوم على الموصل وأبنائها، وتصاعد القلق كثيراً، فقد بدا واضحاً أن الوضع قد ينفجر في أية لحظة، وبالفعل لم يكد يمضِ سوى يومين حتى نفذ المتآمرون فعلتهم، بادئين ليلة 7/8آذار باعتقال معظم القادة، والنشطاء في الأحزاب، والمنظمات الديمقراطية، وبوجه خاص منتسبي الحزب الشيوعي، وقد جرى الاعتقال بأسلوب الاحتيال، حيث طلب الشواف اللقاء معهم في مقره للتداول حول الأوضاع السياسية المتدهورة وسبل معالجتها، ولبى من لبى ذلك النداء ووقع في الفخ الذي نصبه الشواف لهم، واختفى من أختفي مشككاً بأهداف الاجتماع، وكان ما كان، فقد جرى أُخذَ الجميع بالشاحنات العسكرية معتقلين، وأودعوا الثكنة الحجرية.

تنفيذ الانقلاب: وفي الصباح كان المتآمرون قد أعدوا إذاعة منصوبة في شاحنة طويلة تحمل صندوقا كبيراً[ كونتينر]كانت قد وصلتهم من الجمهورية العربية المتحدة عبر الحدود السورية، وبادروا إلى إعلان بيانهم الأول معلنين قيام الانقلاب، ومطالبين عبد الكريم قاسم بالاستقالة، وفيما يلي نص البيان الذي أذيع في تمام الساعة السادسة والنصف من صبيحة ذلك اليوم 8 آذار 1959.

نص بيان العقيد عبد الوهاب الشواف الانقلابي:

أيها المواطنون: عندما أعلن جيشكم الباسل ثورته الجبارة في صبيحة 14 تموز الخالد، عندها حطم الاستعمار وعملائه، وقضى على النظام الملكي، وأقام بمؤازرتكم وتأييدكم النظام الجمهوري الخالد، عندما فعل جيشكم ذلك كله لم يدر بخلده ولا بخلدكم، أن يحل طاغية مجنون محل طاغية مستبد، وتزول طبقة استغلالية بشعة، ليحل محلها فئة غوغائية تعيث بالبلاد والنظام و القانون فساداً، ويُستبدل مسؤولون وطنيون بآخرين يعتنقون مذهباً سياسياً لا يمت لهذه البلاد العربية الإسلامية العراقية بمصلحة. أجل لم يدر بخلد جيشكم الباسل ولا بخلدكم أنتم أيها المواطنون الاُباة، وقد انصرم على قيام ثورتكم الخالدة ثمانية أشهر، ولم تكن بلادكم الوفيرة الخيرات إلا مسرحاً للفوضى، والبطالة، فيتحطم اقتصادها الوطني، وتتعطل مشاريعها العمرانية، وتنتزع الثقة من النفوس، ويختفي النقد من الأسواق، وتعيث بالبلاد مقابل ذلك فئة ضالة باغية لا دين لها ولا ضمير، تخلق لها صنماً به لوثة في عقله وتعبده، ولا تخشى الله، وتنادي به رباً للعالمين، وتُسخر موارد الدولة لتخلق منه زعيماً أوحداً، ومنقذاً أعظم.

هذا الزعيم الذي خان ثورة 14 تموز، وعاث بمبادئها وأهدافها، ونكث بالعهد، وغدر بإخوانه الضباط الأحرار، ونكل بهم، وأبعد أعضاء مجلس الثورة الأشاوس، ليحل محلهم زمرة انتهازية رعناء، وقادته شهواته العارمة إلى تصدر الزعامة، وأعتمد على فئة تدين بعقيدة سياسية معينة لا تملك من رصيد التأييد الشعبي غير التضليل، والهتافات الغوغائية، والمظاهرات، وغير الزبد الذي يذهب جفاء، وركب رأسه، وأعلنها دكتاتورية غوغائية، فنحى زعماء الثورة عن المسؤولية، وأطلق للإذاعة والصحف عنان الفوضى، تخاصم جميع الدول، وشنها حرباً عدوانية على الجمهورية العربية المتحدة التي جازفت بكيانها من أجل نجاح الثورة، ودعم كيانها وكيان الجمهورية، وأستهتر بدستور جمهوريتنا المؤقت، وسلب مجلس السيادة المؤقت كل مسؤولياته الدستورية، وأحتكرها لنفسه، وأعلنها حرباً شعواء على الجهات الوطنية، والعناصر القومية المخلصة فزج في المعتقلات آلافاً من المواطنين الأبرياء بما لم يسبق له مثيل حتى مع الطاغية نوري السعيد ولا المجرم عبد الإله، ولم يجرأ على فعلته الإجرامية أحد، وأنحرف منفذاً أوامر الجهات الغوغائية عن أغلى وأثمن ما يعتز به العراقيون عرباً وأكراداً، ألا وهو السير بسفينة البلاد إلى التضامن مع سائر البلاد العربية المتحررة، وأعلنها حرباً شعواء على الأمة العربية لدرجة أن صار الهتاف بسقوط القومية العربية شعاراً له ولزمرته الباغية الفاجرة، وسلك في سياسته الخارجية مسلكاً وعراً، فلم يتقيد بمبادئ الثورة التي ترى من سياسة الحياد الإيجابي شعاراً لا يمكن الانحراف عنه.

لهذه الأسباب كلها، أيها المواطنون الأباة في شتى أنحاء جمهوريتنا الخالدة، عزمنا باسم العلي القدير، بعد اتفاقنا مع أخينا الزعيم الركن {ناظم الطبقجلي} قائد الفرقة الثانية، ومع كافة الضباط الأحرار في جيشكم الباسل، وبعد مشاوراتنا مع سائر العناصر السياسية المخلصة عزمنا في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ جمهوريتنا على تحرير وطننا الحبيب من الاستعباد والاستبداد، وتخليصه من الفوضى، معلنين لكافة المواطنين عرباً وأكراداً وسائر القوميات العراقية الأخرى التي يتألف من مجموعها شعبنا العراقي الأبي الكريم إننا المحافظون على العهد متمسكون بأهداف ثورة 14 تموز الخالدة، مراعون مبادئ دستور جمهوريتنا الفتية نصاً وروحاً، عاملون على حسن تنفيذ وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وتطبيق سياسة اقتصادية اشتراكية ديمقراطية تعاونية، ونطالب بحزم وإصرار تنحي الطاغية المجنون وزمرته الانتهازية الرعناء عن الحكم فوراً، والقضاء على السياسة الغوغائية التي أخذت تمارسها فئة ضالة من شعبنا لكي يسود النظام وحكم القانون في أرجاء وطننا الحبيب، ونعلن في هذه اللحظة التاريخية للعالم أجمع أن سياستنا الخارجية منبثقة من مصالح شعبنا وأمتنا، وإننا إذ نتبنى سياسة الحياد الإيجابي الدقيق إزاء الدول الأخرى، نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا، نعلن باسم الشعب العراقي أننا سنحافظ على التزاماتنا الدولية بوصفنا عضواً في الأمم المتحدة، ونعتز بصداقة البلاد التي أدت لنا ولأمتنا العربية أجل العون في محنتها الماضية، ومن تلك البلاد الاتحاد السوفيتي وسائر البلدان الاشتراكية، والى جانب هذا نعلن بإصرار تمسكنا باتفاقاتنا النفطية مع الشركات الأجنبية مراعين في ذلك مصالح اقتصادنا، وحقوقنا الشرعية، وسنضمن بحزم سير أعمال الشركات النفطية بكل حرية. ويسرنا أن نفتح صفحة جديدة من الصداقة القائمة على أساس الند للند مع كل دولة، ونود أن نوضح بجلاء أن أي تدخل خارجي في شؤوننا الداخلية من أي دولة كانت في هذه الفترة التي تسبق قيام مجلس السيادة بمسئوليته الدستورية ليؤلف وزارة شرعية في العاصمة بغداد، بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة، فأن هذا التدخل يعتبر ماساً باستقلال وسيادة جمهوريتنا، ويؤدي ذلك إلى أوخم العواقب.

أيها المواطنون: إننا، إلى أن يستجيب عبد الكريم قاسم فينصاع للحق، ويتنحى عن الحكم فوراً، والى أن يمارس مجلس السيادة سلطاته، ليؤلف وزارة بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة، قد أخذنا على عاتقنا بعد الاتكال على الله ، مسؤولية إدارة البلاد، طالبين من إخواننا المواطنين الكرام شد أزرنا وعوننا بالإخلاد إلى الهدوء والسكينة، دون أن يلزمونا إلى اتخاذ تدابير من شأنها الأضرار بالممتلكات، أو إلى سفك الدماء، وليكن كافة أبناء الشعب مطمئنين إلى إننا سنكون عند حسن ظنهم بتولي المطالبة بتحقيق أمانيهم، ونحذر في الوقت ذاته العناصر الهدامة من أننا سنأخذهم بالشدة إن عرضوا حياة المواطنين وحياة الأجانب وممتلكاتهم للخطر، وليعلم الجميع أن حركتنا الوطنية تستوي عندها جميع الفئات والهيئات، وأنها تحفظ لهم حقوقهم في الحرية إن لم يتجاوزا حدود القانون المرسوم، والله ولي التوفيق

العقيد الركن عبد الوهاب الشواف

قائد الثورة 8 آذار 1959

نظرة فاحصة في بيان الشواف:

بنظرة فاحصة لبيان العقيد الشواف، يتبين لنا أن الشواف لم يكن سوى رجل متعطش للسلطة والتزعم، فلقد تجاوز قائده ورفيقه الزعيم {ناظم الطبقجلي} قائد الفرقة الثاني التي كان اللواء الذي يقوده العقيد الشواف تابعاً له، متخذاً له صفة قائد الثورة، مما دفع الزعيم الركن الطبقجلي إلى عدم التحرك والمشاركة في الانقلاب، على الرغم مما ورد في البيان حول الاتفاق معه لتنفيذ الانقلاب.

كما أن الحركة كانت قد اعتمدت على الدعم الخارجي من قبل الجمهورية العربية المتحدة، فقد أرسلت للانقلابيين محطة إذاعة متنقلة، منصوبة فوق شاحنة كبيرة، مع كمية كبيرة من الأسلحة بالإضافة إلى الدعم الإعلامي الكبير عبر محطتي إذاعة دمشق، وصوت العرب من القاهرة، وكان من المنتظر تقديم الدعم الميداني للحركة لو قدر لها الصمود فترة 48 ساعة، ولكن سرعة قمع الحركة حال دون ذلك.

حاول العقيد الشواف مغازلة شركات النفط، وكسب ودها من أجل دعم انقلابه، مطمئناً إياها بأنه سيلتزم بحزم بالاتفاقيات المعقودة مع الشركات، ويضمن مصالحها!.

لم يكن العقيد الشواف صادقاً بمواصلة تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وهو الذي لف حوله العناصر الرجعية والإقطاعية، والتي كان على رأسها شيخ مشايخ شمر{احمد عجيل الياور} الإقطاعي الكبير، حيث جرى تسليح القبائل الموالية له وزجها في الحركة، كما ركز العقيد الشواف في بيانه على حملته الشعواء على الشيوعيين متهماً إياهم بنفس التهم التي كان{نوري السعيد} يستخدمها ضدهم، في العهد الملكي في محاولة لكسب ود الغرب ودعمهم لحركته.

واستخدم العقيد الشواف شتى النعوت والكلمات البذيئة بحق الزعيم عبد الكريم قاسم، والتي تعبر عن الضحالة، وعدم النضوج، ونال استهجان غالبية الشعب العراقي، الذي يكن الولاء لقيادته.

لقد تبين أن حركة العقيد الشواف لم تكن سوى حركة لمجموعة من الضباط المغامرين التواقين إلى السلطة، ولا يستندون إلى أي قاعدة شعبية، ولا عسكرية، فقد وقف فوج الهندسة التابع للواء القائم بالحركة بكافة ضباطه وجنوده ضد الحركة الانقلابية منذُ اللحظة الأولى، وقاومه بقوة السلاح، أما الجنود وضباط الصف الذين كانوا بإمرة الانقلابيين، والذين انساقوا تحت وطأة الخوف من قادتهم، فسرعان ما انتفضوا على ضباطهم المتآمرين، وانضموا إلى جانب السلطة، ومقاومة الانقلاب.

وخلال المعارك التي دارت بين الانقلابيين والقوى المساندة للسلطة، سقط من بين الانقلابيين (47) فرداً، وذلك حسبما ورد في تقرير الطب العدلي، وأكده المقدم{يوسف كشمولة} أحد المشاركين في الحركة الانقلابية خلال الاحتفال الذي أقيم في ملعب الموصل إحياءاً لذكرى انقلاب الشواف، بعد وقوع انقلاب 8 شباط الفاشي عام وإسقاط حكومة عبد الكريم قاسم .

كما أن المجلس العرفي العسكري الذي أقامه انقلابيوا 8 شباط، قد أكد العدد المذكور في حين أن الإنقلابيين قتلوا عشرات الجنود حيث كانوا قد نصبوا رشاشاتهم على منارة جامع باب الجديد.

في ذلك الحين كانت إذاعة صوت العرب من القاهرة تذيع أخباراً مذهلة عما سمته بالمجازر التي وقعت في الموصل، وادعت أن عدد القتلى من البعثيين والقوميين قد جاوز ( 20)ألفاً، في محاولة منها لإثارة القوى القومية والبعثية للانتفاض على حكومة الثورة وإسقاطها.

لقد سُخرت هذه الإذاعة في تلك الأيام للهجوم على حكومة الثورة، وعلى القوى الديمقراطية والشيوعية، مستخدمة أبذأ الكلمات والعبارات التي لا تليق بدولة كان لها من الاحترام والحب لدى الشعب العراقي إبان العهد الملكي ما يفوق الوصف، وخاصة عندما خاضت مصر بقيادة عبد الناصر معركة السويس عام 1956ضد العدوان الثلاثي البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي، ويتلهف لسماع إذاعة{صوت العرب}.

لقد تكشف للأمة العربية وللعالم أجمع زيف وكذب تلك الإذاعة عما كانت تبثه من أخبار المجازر المزعومة في الموصل، وأساليب التحريض الرخيصة ضد ثورة 14 تموز وقيادتها، ليس حباً بالعراق وشعبه، ولا حرصاً على مصالحه، وإنما حباً في السيطرة على العراق، وضمه قسراً للجمهورية العربية المتحدة، دون أخذ رأي الشعب العراقي في مثل هذا الأمر الخطير الذي يتعلق بمصيره ومستقبله.

كان من المؤسف أن ينبري الرئيس عبد الناصر في خطاباته آنذاك، يومي 11 و13 آذار لمهاجمة عبد الكريم قاسم، واصفاً إياه بالشعوبي تارة، وقاسم العراق تارة أخرى، ومركزاً حملته على الشيوعيين، متهماً إياهم بالعمالة لموسكو، وبخيانة الأمة العربية، كما صورت أجهزة إعلامه الأحداث التي جرت خلال وبعد القضاء على تمرد الشواف بأنها أحداث رهيبة.

لقد كان ذلك الموقف من عبد الناصر من الأخطاء الكبرى في سياسته تجاه العراق وثورته فقد كان الأحرى بالرئيس عبد الناصر أن يمد يده لعبد الكريم قاسم من أجل دعم ونهوض حركة التحرر العربي، ومكافحة النفوذ الإمبريالي في أنحاء العالم العربي، والعمل على إيجاد أحسن الوسائل والسبل للتعاون، والتضامن مع العراق، واتخاذ الكثير من الخطوات التي تعزز التعاون والتكامل في مختلف المجالات

الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والثقافية وغيرها من المجالات الأخرى، وصولاً إلى إقامة أفضل أشكال الارتباط بين البلدين حين تتوفر الشروط الموضوعية والضرورية لنجاحها وديمومتها. إن الوحدة العربية هي فعلاً أمل كل الملايين من أبناء شعبنا العربي، لكنها ينبغي أن تقام على أسس صحيحة ومتينة، وبأسلوب ديمقراطي بعيداً عن الضم وأساليب العنف.

فشل تمرد الشواف:

لم تصمد حركة العقيد الشواف الانقلابية سوى أقل من 48 ساعة، فقد كان رد الفعل لحكومة الثورة، والحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب البارت الكردي، وسائر الجماهير الشعبية المساندة للثورة سريعاً وحازماً، حيث جرى التصدي للانقلابيين، وقام فوج الهندسة التابع للواء المنفذ للانقلاب بالإضافة إلى جانب كبير من الجنود وضباط الصف، وآلاف المسلحين العرب والأكراد، والذين نزلوا إلى الشوارع للتصدي للانقلابيين، وإفشال خططهم للإطاحة بالثورة وحكومتها، وقامت طائرات من سلاح الجو العراقي بقصف مقر قيادة الشواف الذي أصيب بجروح خلال القصف، ونقل إلى المستشفى الميداني في معسكر الغزلاني، حيث قتل هناك على يد النائب ضابط المضمد يونس، وبمقتله تلاشت مقاومة الانقلابيين، وهكذا فشل تمرد الشواف، وتمت السيطرة على المدينة خلال أقل من 48 ساعة، وتم اعتقال عدد من الضباط المتآمرين، فيما هرب البعض الآخر إلى سوريا، وذهب ضحية ذلك الانقلاب حوالي (135) فرداً من الجنود والضباط، الوطنيون الذين ساهموا في قمع الانقلاب.

الأحداث التي رافقت قمع المحاولة الانقلابية:

لا أحد يستطيع أن ينكر وقوع أحداث وتصرفات وأخطاء ما كان لها أن تحدث قامت بها عناصر معينة، أساءت إساءة كبرى للحزب الشيوعي، فقد جرى قتل وسحل عدد من المشاركين في المحاولة الانقلابية، وجرى نهب وحرق بيوتهم من قبل عناصر غوغائية لاصلة لها بالحزب الذي كان عاجزاً عن إعادة الأمن والسلام في المدينة حتى دخول قوات عسكرية بقيادة العقيد حسن عبود، وهي أعمال مرفوضة في كل الأحوال، و بعيد كل البعد عن الروح الإنسانية، ولا تتفق والمبادئ الشيوعية.

ولا بد ان أشير إلى منظمة الحزب في الموصل خطأً جسيماً عندما نصّبَ عدد من كوادر الحزب أنفسهم حكاما وقاموا بمحاكمة عدد من المشاركين في المحاولة الانقلابية وحكموا على (17) منهم بالإعدام، وجرى تنفيذ الحكم في منطقة الدملماجة في ضواحي الموصل، وهذا أمرٌ لا يمكن قبوله إطلاقاً.

لقد كان الأجدى بأولئك القادة اعتقال هؤلاء الأشخاص وتسليمهم للسلطة الشرعية لتحيلهم بدورها إلى المحاكم المختصة لمحاكمتهم، والحكم على من يثبت مشاركته في المحاولة الانقلابية، فليس من حق أحد أن يمارس السلطة القضائية ويصدر وينفذ الحكم من دون تخويل.

كما أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الزعيم عبد الكريم قاسم نفسه، الذي جرى تحذيره كما ورد سابقاً، من حدوث ما لا يحمد عقباه، ولكنه صمّ أُذنيه عن سماع التحذير، ورفض اتخاذ أي إجراء لمنع وقوع الكارثة، في حين كان بإمكانه أن يفعل ذلك.

والأنكى من كل ذلك فأن الزعيم عبد الكريم قاسم نفسه اتخذ فيما بعد من تلك الأحداث ذريعة ليصفي نفوذ الحزب الشيوعي في العراق، موجهاً الاتهامات لهم، ولاصقاً بهم الجرائم، بعد أن كان قد أستقبل وفداً من قيادة الموصل للحزب، بعد قمع انقلاب الشواف وخاطبهم قائلا بالحرف الواحد :{ بارك الله فيكم، وكثّر الله من أمثالكم من المخلصين لهذا البلد}.

عبد الكريم قاسم يستغل أحداث الموصل لضرب الحزب الشيوعي:

لم يمضِ سوى بضعة أشهر على ذلك اللقاء حتى بادر قاسم إلى اعتقال كافة الشيوعيين النشطين، وأودعهم سجن بغداد، ثم أحالهم الى المجالس العرفية التي أصدرت بحقهم أحكاماً قاسية وصلت حتى الإعدام، وأبقاهم رهائن في السجن لكي يأتي انقلابيوا 8 شباط 1963،وينفذون فيهم حملة إعدامات بشعة، ويعلقون جثثهم على أعمدة الكهرباء، في شوارع الموصل بعد أن مارسوا أشنع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بحقهم .

لقد كان موقف الزعيم قاسم الجديد، خير مشجع لنشاط الزمر الرجعية، والعناصر التي شاركت في محاولة الشواف الانقلابية، والتي تكّن أشد العداء له، ولثورة الرابع عشر من تموز، ولم يدرك قاسم أن عمله هذا إنما يعني انتحاره هو، ونحر الشعب العراقي، ونحر الثورة كذلك.

لقد اتخذت تلك القوى من موقفه الجديد ذريعة لهم لشن حملة واسعة من الاغتيالات استمرت أكثر من ثلاث سنوات، وذهب ضحيتها مئات الوطنيين الأبرياء، وسوف أعود إلى هذا الموضوع في الحلقة القادمة.

وللحقيقة والتاريخ أقول أن الحزب الشيوعي لم يكن يستحق من قاسم هذا الجزاء رغم كل ممارساته الخاطئة، فقد كان الحزب وفياً لقيادته، سانده وحماه وحمى الثورة في أشد الأيام صعوبة وخطورة، ولم يفكر يوماً في خيانته، أو محاولة سلب السلطة منه آنذاك، في حين أن فرصاً كثيرة كانت لدى الحزب للسيطرة على الحكم بكل سهولة ويسر لو أراد ذلك.

لقد كانت مواقف قاسم تلك من الحزب الشيوعي أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اغتيال الثورة، وأغتياله هو بالذات. لقد جرد نفسه من كل سند يحميه، وأخذ منه الغرور مكانه، معتقداً أن تلك القوى المعادية لمسيرة الثورة ستعود إلى رشدها، وتغير موقفها من السلطة، لكن الواقع كان يشير إلى تنامي الخطر الرجعي والنشاط التآمري على المستويين المحلي والدولي، من أجل إسقاط الثورة، وهذا ما تم فعلاً على يد تلك الزمرة الانقلابية يوم 8 شباط 1963 ،ويذكرني هنا قول الشهيد{جلال الاوقاتي} قائد القوة الجوية آنذاك، حيث قال:

{إن الزعيم عبد الكريم قاسم، سوف يدمر نفسه، ويدمر الشعب معه}.

لقد حكم الإمبرياليون بالموت على الزعيم عبد الكريم قاسم منذُ اللحظة التي قاد فيها ثورة 14 تموز ضد النظام الملكي المرتبط بهم، وقد حاولوا اغتيال الثورة في أيامها الأولى، بالتدخل العسكري المباشر، عندما نزلت القوات البريطانية في الأردن، و الأمريكية في لبنان، وعندما حشدت تركيا قواتها على طول الحدود العراقية، لكن موقف الاتحاد السوفيتي الداعم للثورة، وتهديدهم للإمبرياليين من مغبة العدوان على العراق حال دون ذلك، وأضطر الإمبرياليون إلى تغير خططهم في إسقاط الثورة.

وعندما أقدم قاسم على إصدار قانون رقم 80 لسنة 1961، واستطاع انتزاع 99،5 %من المناطق التي تحتوي على احتياطات نفطية هائلة، بلغ استفزاز الثورة لهم أقصى درجاته، وجعلهم يركزون جهودهم بشكل محموم لإسقاط الثورة.

لكن قاسم لم يتعظ بدروس التاريخ، ووقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه مصدق، وانتهى إلى الموت صبيحة التاسع من شباط 1963، وحلت الكارثة الكبرى بالشعب العراقي حيث جرّت تلك الأحداث المآسي، والويلات على شعبنا منذُ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا.

انتهت الحلقة الأولى، وتليها الحلقة الثانية

 

حامد الحمداني

 

مامون احمد مصطفىموضوع، شائك، يخض العقل، ويرج القلب، وَيُيَبِس الفؤاد، فيه من ملامح اليسر ما يوحي بالبساطة التي تجري جريان الماء في الأنهار والغدران، وفيه من العسر المضاف الى العسر، ما يقود الى الحذر المُجْدِب في صفحات القلب، ونبضات الروح.

كيف لا، وانا أقف على رؤوس دبابيس وإبر مستدقة مسنونة شديدة الصلابة والمتانة، كمن يريد ان يفتح بيديه غيبا مغلقا، وهو متيقن باستحالة إمكاناته وقدراته على ذلك، او يريد أن يسحب الماضي الى مفصل الحاضر والمستقبل، كي يُثبَتْهما معا على محور ينفصل عن قاعدة التبدل والتغير التي تجري عليها مكونات الزمان والمكان، النفوس والاجساد، الفصول والأيام، الحقب والعقود والدهور.

قلت: كإنسان،إنسان فقط، تتملكه التغيرات والانقلابات والطوارئ، ويفتك به النقص، علي أن أعترف قبل مباشرة الدخول في التفاصيل، بأن ما كتبته سابقا، عن أي صديق، أو أي فرد من أفراد العائلة، ليس بثابت من الثوابت البعيدة عن الانقلاب والتبدل، أو حتى الاختلاف من النقيض الى النقيض، بل وأريد ان اسجل، بانني ربما، وربما في كتاباتي من أعز الأصدقاء والكلمات التي رافقت انفعالاتي وافكاري، مرافقة الرقيب الحذر، الذي يخشى علي اكثر من خشيتي على نفسي، أقول: بانني حين كتبت عن أصدقائي، وما سأكتب الان، كانت هناك مجموعة من مكونات المبالغة والوهم والخيال وربما بعض التهويل الذي كنت اعلم بأني اضفيه على تلك الشخصيات، استنادا الى مشاعر الوفاء والمحبة والايثار.

هو خطأ قاتل، مميت وساحق، أعلم ذلك، لأني لم أقف امام ذاتي وذوات الاخرين لأستعيد الزمن وما رافقه من تقلبات وإرهاصات وخفايا، بل أندلثت بكل العواطف المشحونة بسبب الغربة التي تمكنت مني الى حد الإنهيار، لأرسم صورا خالية في معظمها من الحقيقة والمنطق والأمانة والحذر. وأنا الآن اعتذر للحكمة والتأني والصبر، اعتذار الصحراء للهمي، حين ظنت انها لم تكن بحاجة الرذاذ.

يقول البير كامو:(هل لاحظت ان الموت وحده هو الذي يوقظ مشاعرنا؟ وكيف اننا نحب الأصدقاء الذين غادرونا لتوهم. وكيف نُعجب بأولئك الأساتذة الذين لم يعودوا يتحدثون، بعد ان ملأ التراب افواههم! حينئذ ينبثق التعبير عن الاعجاب طبيعيا، ذلك الاعجاب الذي كانوا يتوقعونه منا طيلة حياتهم، ولكن اتعرف لماذا نكون دائما أكثر عدلا واشد كرما نحو الموتى، السبب بسيط، فليس هناك التزام نحوهم، انهم يتركوننا أحرارا)

الغربة نوع من أنواع الموت القاسي، لأنه يجرك نحو هوة الماضي، وبريق الذكريات المنصرمة، ليقودك الى عالم مخصص، يحيط به الخيال، ويغلفه الوهم، ويستبد به الانفعال المركب من حزن الغربة ووطأتها الشديدة وصدمتها الناشفة، ليحملك لتأكيد الاعتقاد الجازم بأن ما كان، هو أفضل مما هو كائن أو سيكون، فتنفلت المشاعر، بمساندة الوهم لتصب في ابتكار جنان وحدائق وخمائل، تتمكن من الذات العاقلة، فتشلها بسموم بطيئة التأثير، لتلقيها في اقتناع وقناعة، بصدق الوهم وحقيقة الخيال.

ولهذا المقال وضع يكاد يكون من ترتيبات الغيب، فقد كان من المقدر له ان يظهر قبل أعوام كثيرة، بنفس الصورة التي اعتذرت عن الكتابة فيها سابقا، وربما أكثر غوصا واغراقا وحميمية مع الخيال المبتكر صفات واحداث ليست من الواقع، لكن ظروف العالم الإسلامي والعربي، اخذاني الى منحى بعيد كل البعد عن اتمامه، وانا الان اعتقد اعتقادا جازما، بأن التأخير كان فيه من الخير ما فيه، فالتأجيل منحني فرصة التدقيق والتحقيق والتحقق من أشياء كثيرة، والسنين منحتني نضجا بفعل التجارب التي عدت بها للوطن بزيارات متلاحقة لاختلط بالماضي الذي توهمته، واخلطه بنفسي من جديد، فوقفت أمام إنتباهات سقطت فوق رأسي كنقطة ماء زلال لتقودني الى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وسورة يوسف عليه السلام، فتفجرت بداخلي تصدعات وانخسافات، عاتبتني عتاب الوردة البيضاء للوردة البيضاء، وكان الفوح، ينتشر في خلايا دماغي، يهمس برفق خوافي بلبل حط فوق مآذن القدس فهمست له برفق الإيمان.

كيف لم تتنبه بما تملك من مسميات وأفكار لهذا الحديث الشريف؟

وكيف لم تنتبه وتتنبه الى سورة يوسف عليه السلام وقصته مع اخوته؟

يقول علية الصلاة والسلام" أحْبِبْ حبيبَكَ هوْنًا ما، عَسَى أنْ يَكونَ بَغيضَكَ يومًا ما، وأبْغِضْ بغيضَكَ هوْنًا ما، عَسَى أنْ يكونَ حبيبَكَ يومًا مَا".

وقفت مشدوها، وأقرب الى الممسوس، وتساءلت بيني وبين نفسي: كيف وصلت في كتاباتي تلك الى الفجاجة والسطحية التي جعلتني أغل الماضي والمستقبل بأغلال حاضر ثابت راسخ دون ان اتنبه للسيرورة والصيرورة التي تحيط بالماضي والحاضر والمستقبل؟ وكيف انزلقت الى مثل هذه الكبوة التي لا ينزلق اليها عاقل او جاهل؟

وفورا ذهبت الى المرآة، حاملا معي مفردة "ربما" التي شكلت بطولة قصتي القصيرة "جذور ألم". وقفت، ومعي حفنة من صور وعادات وتقاليد ومشارب ومناقب ومثالب، عرضتها على المرآة كلها بتأن وصبر وطول نفس، بتجرد وتجريد، في خلوة لا أخشى فيها كشف كل بصائري ورؤاي، فشاهدت التداعيات والتصدعات والتردمات، الأشخاص الذين حملوا اسمي وصفاتي وذواتي معي عبر سنوات متلاحقة، حتى أنى انكرت في أحيان أنهم مني وانهم انا، ووقعت في شك ان اناي هي ليست أناي، وأن ذاتي لا تمت بأي صلة لذاتي، تحرك تحتي زلزال، ومن قدمي اندفع بركان، وفي رأسي دارت عواصف وزوابع وأعاصير.

ألهذا الحد كنت غرا حين كتبت ما كتبت؟ نعم. بذلك أجابت الذوات والبصائر والرؤى والأنا التي توالدت من الأنا.

قلت: سأكتب الان، متحريا الدقة، وسأختار الالفاظ والمفردات، وأخضع العواطف والانفعالات الى قيود الفكر الممنطق بالوعي والادراك ما استطعت الى ذلك سبيلا.

وقبل أن أبدأ بذكر أصدقائي، أجدني واستنادا الى القرآن الكريم والسنة النبوية، والأعراف والتقاليد والأخلاق، أن أوطد حقيقة تخصني أنا على الأقل، وهي: أن أبي وأمي هما استثناء كامل، لا يخضع لقانون التغير والتبدل والاختلاف، وأن ما كتب عنهما سابقا، وما سيكتب لاحقا، لا يشكل اقل مقدار من حبة خردل او أصغر من ذلك بكثير، لانهما كانا وسيبقيان درة وجودي ماديا وتاج تكويني معنويا، حتى يقضي الله جل شأنه في وجودي. 

ما هي الصداقة؟ وكيف تُسْتَوفى واجبات الصديق، لن اتبع هنا أسلوبا يتغيبا الريبة أو التعصب، ولا أسوق أو أساق إلى مثاليات وكماليات تعلو فوق إمكانات الانسان كإنسان، ولن اتجه نحو رؤية فلسفية أو أكاديمية، بل سأحاول الاجتهاد أن أكون بين منطق مؤتلف مع تقلبات النفس، وطلبات جل ما يمكن أن يقال عنها، أنها بين الواجب والاحترام والتقدير والتواضع.

وأول الحقائق التي عليً اثباتها ذاتيا، انني قبل أن امنح صداقتي لأحد، عليً الحرص بيقين مطلق، لحظة التفكير الأولى بأن اتخذ صديقا أو خليلا، أن احتفاظ بكرامتي كاملة غير منقوصة، فليس من اللائق او المقبول أو المعقول، أن احفظ كرامة "صديق" لا يحفظ أصلا وعن يقين مطلق كرامتي، فكرامتي فوق كل صداقة وأخوة وزمالة ورفقة، وما ينبثق عن ذلك من مسميات ومصطلحات. فإن اصطدمت بغرور، أو إعجاب بذات، يكاد يصل الى التقليل شخصيتي، ولو مقدار ما تحمل النملة من زاد، فإنني اتنازل بكل ثقة وإصرار ورحابة صدر وعقل، عن ذلك الشخص، دون أسف أو ندم، مهما امتدت العلاقة بيني وبينه من سنين.

ولكن، يبقي لكرامتي وشخصيتي حق علي، ألا أذكره بسوء، أو أحمل له ضغينة أو حسد، وأن أحفظ سره حتى وصولي الى القبر حيث الصمت المطلق والسر النهائي. حتى لو ذكرني بسوء خلف سوء، وإن أفشى اسراري وشهر بسريرتي، ليس وفاء لمن لا يستحق الوفاء، ولا التزاما بخلق لم يلتزم به، بل لعهد من عهود كنت قد مزجتها بشخصي وكرامتي، فليس من المروءة أن أفقد مروءتي كرد فعل، لأن الفعل هو الابقى والاقوى من ردة الفعل الناجمة عن غضب او انفعال او استشاطة.

وفي هذا تناغم وتطابق واندماج مع ما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((لا يكن حبك كلفاً ولا يكن بغضك تلفاً)) فقلت: كيف ذاك؟ قال: ((إذا أحببت كَلِفْتَ كلـف الصبي، وإذا أبَغضت أحببَتَ لصاحبك التِّلف)).

وعليه أنشد هدبة بن خشرم :

وأبْغِـضْ إذا أَبْغَضْتَ بغضــاً مقـارباً فإنك لا تدري متى أنت راجعُ

وكن معدناً للخير واصفح عن الأذى فإنك راءٍ ما عمــلت وسـامعُ

وأحــبب إذا أحبـــبت حبـاً مقــارباً فإنك لا تدري متى أنت نازعُ.

وما تقدم، ليس فلسفة اريد منها اثارة استهجان، أو استنهاض دهشة، لأن عرفي وتقليدي، وما ورثته من اب لا يشبه الإباء، وأم لا تشبه الأمهات، يقودني ذلك كله الى الالتزام بما أفكر وما أسجل، فلست اطلب مستحيلا، ولا اريد أن أشق على نفسي أو غيري، ممن أدعي صداقته، أو يدعي صداقتي، بل أقف بين ما أريد وما أستطيع، وبين ما أكتشف ما هي معادن من أدعى صداقتي، عبر تجارب، قد تكون ادق من رأس دبوس، أو أصغر من حبة سكر ذابت في فنجان شاي.

وأستطيع أن أدعي بثبات وقوة، انني إن أحببت، فإنني تطبيقا لوصية الرسول عليه الصلاة والسلام، اعلن حبي، دون أن اعير ذلك خوف أو رهبة أو حتى حذر، ومن ثوابت قناعاتي انني لم انظر يوما الى صديق نظرة فيها تعظيم او اكبار أو عكس ذلك، لعلم يعلمه، او جهل يمسك به، ولم انظر لجاه او مال او منصب او شهادة، فصديقي الجاهل لا يقل مكانة عندي عن صديقي المتعلم، بل وربما امنح الجاهل أكثر من المثقف والمتعلم، لأنه بطبعه وحدسه يسير على فطرة فيها من التواضع ما يبعده عن الغرور، ومن الاعتراف بقدراته ما يبعده عن الادعاء والتفاخر ونشدان ما ليس فيه وليس من مكوناته.

فمن هو صديقي الذي أعتز به؟ هو الذي قال محمود درويش فيه (الصديق مسمى لشخص معك بكل الظروف، وليس حسب الظروف). وهذا ما يؤكده محمد علي كلاي في تعبيره القوي: (الأصدقاء بالمواقف وليس بالسنين، حقيقة ستدركها يوما ما). ومن هذين يمكنني استلال التوافق الذي يؤدي الى فهم عملاق الفكر العربي محمود عباس العقاد للمفهوم الذي يجب التعلق به وصفا وحقيقة، فهو يقول: (الأصدقاء هم الأوطان الصغيرة، الوجه الثاني للحب الذي لا يتغير).

وأقف امام البارودي، فحل الشعر العربي، ومن أعاد له عاموده، لأدقق في قوله عن ذاته، وهو المعروف عنه التصاق الفعل بالقول في أصعب وأقسى مآسيه. يقول:

فانظرْ لقولي تجدْ نفسي مصورة ً     فِي صَفْحَتَيْهِ؛ فَقَوْلِي خَطُّ تِمْثَالِي

ومن هذا الايضاح المجسد لتوافق القول بالعمل، يقول معتدا بما يملك من وفاء وحميمية ووداد مركب للصديق، قول واثق لا يخشى اختبارا أكان آنيا أو مؤجلا:

واختبرني تجدني صديقاً حميماً.. لم تغير وداده الاهواء

صادقاً في الذي يقول وان.. ضاقت عليه برحبها الدهناء

ويأتي نزار قباني بتجربته الزاخرة في الانفعالات والعواطف والمشاعر والأحاسيس، ليعبر بصورة صادمة وواضحة عن قلق مشوب بثقة غير معهودة حين يقرر (الصديق الحقيقي هو من تستطيع ان تكون معه غريب الاطوار يكل ثقة). وهو قول فيه اندفاعة واضحة لاعتبار الصديق الغطاء الذي يمكن ان تكشف كل عيوبك تحته دون التفكير ابدا بان لك عيوب رآها غيرك.

وجاء باولو كويلو ليقرر بتواضع وبجملة واحدة بصورة تحتاج الى إطار من فيروز كي تعلق فيها، فقال: (الصداقة ليست شيئا كبيرا، الصداقة ملايين الأشياء الصغيرة).

ومن هنا ينبع سؤال ممض ثقيل، فيه من خفايا الحياة وحنايا التجارب، ما يدفعنا قسرا نحو التعمق قليلا بالنفس البشرية واضطراباتها، تقلقلها وتمخضها، انفجاراتها وانهيارتها، والسؤال:(هل للصداقة تاريخ ابتداء وانتهاء)؟ (وهل يمكن الركون الى صديق بما تحمل كلمة الركون من معنى)؟

يجيب على ذلك فيودور دوستويقسكي:( إنك لا تستطيع ان تتصور كم عذبوني، جميعا، جميعا، الأعداء والاوغاد والأصدقاء، حتى ان الأصدقاء عذبوني أكثر من الأعداء).

ونأخذ البارودي، الذي خاض غمار الحياة بطريقة لم يخضها مثله الا قلة من البشر، فهو من تلك التجارب، المنفى، القهر، الهزيمة، فقدان الزوجة والوالد والابنة، العمى وهو في المنفى، يقول بألفاظ تعتصر الوعي وتلفح الادراك وتصوح العقل:

وَلَقَدْ بَلَوْتُ النّاسَ في أَطْوارِهِمْ ومَلِلْتُ حتَّى مَلَّني الإِبْلاءُ

فَإِذا المَوَدَّةُ خَلَّةٌ مَكْذُوبَةٌ بَيْنَ الْبَرِيَّةِ والوَفاءُ رِياءُ

كَيْفَ الْوثُوقُ بِذِمَّةٍ مِنْ صاحِبٍ وَبِكُلِّ قَلْبٍ نُقْطَةٌ سَوْداءُ

لَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا وِدَادٌ صَادِقٌ مَا حَالَ بَيْنَ الخُلَّتَيْنِ جَفاءُ

فانْفُضْ يَدَيْكَ مِنَ الزَّمانِ وأَهْلِهِ فالسَّعْيُ في طَلَبِ الصَّديِقِ هَبَاءُ

فهل أنا مع الاقوال التي ذكرت، نعم ولا، وربما، أقول: "ربما" يأتي الزمن ليفصل اللا عن النعم، أو النعم عن اللا، وربما يدمجهما معا، فالتجارب التي مررت بها اسقطت الكثير ممن كنت اظن انهم أصدقاء، ورفعت أناس لم أكن أظن اني سأصادقهم يوما ما، وما زال غربال الزمن بين يدي يذهب هنا ويهتز هناك، لأن أهم الدروس التي استقيتها من سجني، ومصيبة يدي، وغربتي، وفترة العوز التي سحقتني لزمن طويل، كل هذا وذاك، تسلل إلى كل ما فيً موشوشا برفق نسمة ربيعة مرت من فوق بيت الله الحرام، والمسجد النبوي، معانقة المسجد الأقصى، ملتحفة بياض زهر اللوز والنرجس، بأن المطلق الوحيد هو الله سبحانه وتعالى، وكل شيء دونه قابل للتحول والتغير والتقلب.

فهل هناك تاريخ صلاحية وانتهاء للصداقة والأصدقاء؟ نعم، بكل ثقة مسحوبة من ثقة، ومن انتهت صلاحيتهم عندي دليل مؤكد ملموس بفعل التجربة وتواترها.

لكن هناك من ثبت، وبقي رغم كل التغيرات منتصبا كصديق اعتز بصداقته، ويعتز بصداقتي، فهل سأحزن ان تساقطت بعض الأوراق التي اعتبرها ثابتة الان؟ لا. لن أحزن أبدا، فمن يختار السقوط لأسباب واهية، وحركات نفس مريضة وعكرة، فانه يمنحني الفرح والحبور والسعادة، لأنه من بدأ باختيار السقوط، فأنا أحاول دائما، لا عن ضعف، او عدم قدرة على رد، ان آخذ بوصية لقمان عليه السلام حين أوصى ولده: (يا بني، إذا ان تعرف صديقك، فهو الذي يعد حسناتك ولا يعد سيئاتك). ولكن للعد أيضا حدا من الحدود، عندها يمكن ان اختار رد الصاع صاعين، أو أنسحب بهدوء ضوء لامع حفاظا على ذمة الوفاء والعشرة والأيام التي خلت.

ولكني أقول اثناء انسحابي ما قاله شكسبير: (تحبني او تكرهني جميعها مفضلة لدي، إذا كنت تحبني، سوف أكون دائما في قلبك، وإذا كرهتني سوف أكون دائما في عقلك). والتزم مع تجربة دوستويفسكي حين أكد بطريقة بسيطة: (ستصل النضج الذي يجعلك ترفض التورط بعلاقة مؤقتة او صداقة باردة او جدال أحمق او التعلق بالزائفين). ومنه أيضا:

(الأمر ليس بكثرتهم حولك، إنما بمن يأتيك دون أن تناديه، ومن يربت على كتفك دون أن تخبره بأنك مثقل). وأيضا:( هذا درس سأنتفع به في المستقبل، وهو ألا احكم على الناس قبل ان تكون لي خبرة بهم)!

ومن الاقوال التي شحذت توهج الوعي لدي من الناحية الذهنية والعاطفية، قول الدكتور مصطفى محمود بطريقة سلسلة مذهلة: (من اشكال احترام الذات ان تبتعد عن أي شخص لا يقدر قيمتك). وأقول بكل أناة وروية ورفق لمن تسقطه التجربة البينة اللامعة الثابتة من حياتي:( اعتقد بي ما شئت، فأنا لم آت لهذا العالم لإرضائك). ميلان كونديرا. و(خسارة بعض البشر، مكسب لصحتك النفسية. يورغن هابرماس. و(عندما تكتفي بنفسك يصبح وجود الناس في حياتك لطيفا، وغيابهم لا يضر). تشي غيفارا. و(من أراد البقاء فابسط له قلبك، ومن أراد الرحيل، فابسط له الطريق). سيجموند فرويد.

ليس هناك أقدر على كشف ما في اللُب وِالوجْدَانّ من صُنَان و نَشْر مثل الزمن. فهو المعلم والأُسْتاذ، والشَيْخ، والمُؤَدِّب، والمُدَرِّس، والمُلَقِّن الذي لا يكل ولا يمل. وهو الذي أوحى لطنطاوي جوهري بالقول: (يعرف الصديق من العدو بسقطات اللسان ولحظات العيون). وكذلك لجورج برنارد شو: (كلما زاد نضج الانسان كلما قل عدد من حوله من الناس، فالعقل الناضج لا يحتمل المجاملات).

بعد كل ما سبق، اود الانتقال السريع الى شيمة الوفاء التي احملها تطبيقا، بذكر مجموعة من الأصدقاء، كي أنزع غلالات قد أحاطت بالأسطر والأفكار السابقة، لأزرع جذور ذاتي بمروج من سندس وإستبرق، علها تمتد لتثمر في صدور آخرين اعرفهم ولا أعرفهم.

فخري محمد سليم العطاونه

صديق صدوق، اخ لم تلده أمي، رائق المحيا، تتقاطر منه صفات الوفاء وتتلاصق لتتماسك فتضحي جلمود صخر لا تنال منه العواصف والرياح او السوافي، يملك من المشارب والشنشنات ما يفيض عن الحاجة، ودود، اكثر ما يميزه التواضع المشحون بالتواضع، قليل الكلام، كثير العمل، منغمس في التقوى والبحث عن مرافئ الاخرة، لم يؤثر احد في حياتي كما هو، وحين كنت انظر من خلال اهاب الزمن إليه لأتفحصه، كنت ازداد يقينا بان الدهر قد اعد عدته، واحكم أمره، في تنقيته من رذائل الغدر، وصغائر الحسد، وتوافه الغرور، وكنت كلما دققت النظر بأعماق قلبه من بين ثنايا الأحداث والارزاء الشديدة، كلما اكتشفت عملا وإحساسا معنى الرجولة ومعنى الوفاء، معنى الشموخ ومعنى الإخلاص، كان دوما يخرج من مسامات ذاته ، إلى مسامات ذاتي، كريح من مسك ممزوج بعنبر، وكأنه وجد أصلا وهو يعلم دوره بين أيام حياتي وثوانيها، بين ملابساتها وقوانينها، فلم يتأفف يوما أو يتعوذ، بل اندفع مع اندفاع الأيام والسنين، ليكون لما ألمً بي من فواجع وآلام ودوافع كانت تدفعني حينا نحو قنوط، وحينا نحو جحود، كالسد الذي وقف ليفصل اندفاع سورات الغدر والحسد والضغينة ضدي، كما يوقف السد انهيار الحياة إذا ما سمح لها بتجاوزه. 

ليس هو فقط، فمنه، ومن طيبته وحسن خلقه المهذب بالدين والصلاح والتقوى، أصبحت أحد افراد عائلته بما فيها من ذكور واناث، كنت أبا لهم وكانوا خير أبناء لي، وامتددت بينهم وصولا الى الأحفاد الذين تفاجأت بمعرفتهم وحبهم لي وتعلقهم بي قبل تمكنهم من رؤيتي أو محادثتي ولمسي.  جمعتني به مصادفة غريبة، وعايشنا لحظات عسر ويسر، كان لي في وقت العسر سندا وسدا قويا لا ثغرة فيه ولا ثقب، تقلبنا معا على أوجه حياة وحياة، افترقنا والتقينا، وما زلنا نفترق ونلتقي، دون ان يؤثر الفراق في مودة او وفاء.

منتصر نجيب ابو حِسنْ

يصغرني سنا، لكنه يكبرني ويكبر جل أصدقائي بما يملك من إيمان ويقين وتفان في الدعاء والعبادة، خلاب الوجه بما يسكنه من توابع الايمان التي تضيء الوجوه بنور الالتزام واليقين والسكينة والهدوء والاطمئنان، مترفع عن كل ما ينبو بخلق او يجرح إنسانية، قليل الكلام حتى تظن بانه لا يتحدث، وان تحدث، فبشكل مقتضب وكلمات معدودة، فيه حكمة تفوقنا جميعا، وفيه وداعة تكاد تلمسها الحجارة قبل ان يلمسها الانسان، يؤثر على نفسه وبه خصاصة، له لسان مُنقى ومُصفى، تجتمع فيه صفات وخلال تمنيت يوما انا وغيري لو كان فينا قليلا منها، ان قلت اني احبه فاني اظلم مشاعري نحوه، بل هو فوق مستوى الحب عندي، حتى يصل الى درجة الغيرة والغبطة بما يملك ولا املك ولا نملك جميعا.

سمير الحارون

عرفته بلحظة متأخرة من العمر، فيه تناقض وتضاد، غير متصالح مع الحياة او مع نفسه، له رؤى تختلف كثيرا عنا، اشفق عليه وارثي لحاله، ليس شفقة محتاج او رثاء مغادر، بل للظروف التي أحاطت به فأقعدت طموحاته واحلامه، وفي الى حد الوفاء، يخفي ذكاء متوهجا وقدرة رائعة على التشخيص، حذق ونبيه، يعبر بكلمات صغيرة هادئة وديعة عن فكرة بركان وزلزال، يحول الحزن الى فرح، والقنوط الى مزاح، بشوش الوجه والقلب، ذو نكهة لاذعة في عرض الندر والملاحة، حتى تظن وهو يتحدث ان الطرفة جزء من تكوينه وشخصيته، فان قيلت من غيره فلا قيمة لها على الاطلاق، روائي بالفطرة، متمكن من الرواية بطريقة تذهل المشاعر، وتستنطق الأحاسيس، فهو يمسك العقدة بغير تخطيط ليشعل الاحداث من طرفي الماضي والحاضر، وأنا كقاص وروائي، اراني الاحق المفردات والصور المتزاحمة بطريقة ترصع امام شاشة واسعة ترى فيها الاحداث تصويريا، ولو قدر له ان يقرأ الرواية بتخصص وشغف، لتوج كأفضل روائي في المحيط العربي. يعشق الحياة والجمال حتى الثمالة، لكنه لم يحقق الكثير منها ليصل الى ما دون الثمالة، هل احببته؟ بكل يقين نعم، فهو الصديق الوحيد الذي كان بينه وبين والدي علاقة، قبل ان تكون بيني وبينه علاقة، فانا لن أنسى ما حييت كيف كان يوصل والدي للبيت وهو يحمل عنه متاعه، ولن أنسي ما حييت كيف يوم عرفته والتقيته وتوطدت العلاقة بيننا، يكفي ما به من بشاشة وهشاشة حين تراه فتنس همومك وأحزانك.

محمد الصويص

لطالما نعته بالشيخ الازعر، توددا وتحببا، جميل الوجه ناصع المحيا، جريء وشجاع الى حد التضحية، مؤمن ملتزم مُحصن، لكن لم يكن طيبا الى حد الاستغفال، بل تتملكه نباهة وحذاقة، يكشف ما وراء الكلمات وما خلف الابتسامات، كيس فطن، لا تفوته شاردة او واردة، كثير الضحك والمزاح معنا، مفتوح ككتاب مع من احب ووثق، ناضل من اجل فلسطين، دفع من سنين عمره في السجون، ودفع جزء من ساقه في الأقصى، ابعد الى مرج الزهور مع من ابعد، بيننا وبينه علاقة وطدتها الأيام والحوارات والثقة المتراكمة، يعرف ما يريد من الدنيا، لكنه لم يملك الأدوات للوصول الى ما يريد، له شيطان يعتريه فيغضبه، غضبته تحول وجهه من الأبيض الى الأحمر، لكنها غضبة حق وذود عن كرامة، التقيته مرة في سجن النقب، زودني بالدخائن والقهوة، وزودني بالثقة.

جهاد إبراهيم صالح عطار

لا صلة له بفكر او كتاب او صفحة، تقاسيمه فيها من قسوة الجبال وقوة الصحراء، يميل الى بداوة متأصلة لكنها غير واضحة، لم يكن بينه وبين الدين صلة، وكان الناس يستغربون التصاقي به لحظة خروجي من صلاة او محاضرة دينية، كنت اعلم اكثر منهم الجوهر الكامن بأعماقه، فهو خليط من وفاء وأصالة وشهامة تتخفى وتتقلقل، تنتظر شرارة لتخرج بكل قوتها ووهجها وبريقها، وقد أثبتت الأيام صدق حدسي، فها هو جهاد، يرتاد المساجد، يؤدي عمرة مع اهل بيته، يقري الضيف، يصبر على فازعة ابنه اياد يوم تخطفه الموت وهو في اول ريعان العمر، وما زال جهاد، وسيبقى، بالنسبة لي صديقا اعتز بصداقته ما دام في نفس أتنفسه.

معتصم نجيب أبو حسن

يقع بين حيرة وحيرة، ناعم الملمس، نقي السريرة، وثاب الفكرة، تشعله جمله في رواية، وترهقه جملة في قصة، يحزن لبيت شعر، ويتأوه لمقولة، تربكه القراءة حتى تراه شخصا من شخوص الرواية، اعتاد ابداء اعجابه بما يقرأ بجملة مشدودة الاحرف، مضغوطة العاطفة، متوترة اللفظ، " الله وأكبر"، ذكي بتواضع الذكاء، مجتهد رغم تقاعسه عن الاجتهاد، فهو يقرأ البؤساء ليلة استعداده لاختبار في كلية الطب، اخذته الأيام كما اخذتنا، وطحنت ذكرياته في خضم لهاث موصول بلهاث في المشفى، لكنه معتصم بما في داخله من خير.

يوسف الحسن

من قرية صيدا، عرفته بظروف متناقضة موغلة بالترجرج، جريء، يعشق الحياة بطريقة تقطر شهوة، كريم الى حد الاغراء، وفي الى حد احراج الوفاء، فيه بساطة الفلاح وعفوية القرية، مجتهد في العمل، يطارد الفرح من مكان الى مكان، ويقصي الحزن ما استطاع الى ذلك سبيلا، يذكر من أحب وان شعر بانه منسي، ضحكته مفردات وجمل تشرح فرحته عند لقاء بعد غياب، لا يؤذي ولا يستطيع ان يؤذي، فيه عزة تتجه نحو كرامة تتجه بدورها نحو انفة. أدخلني أسرته كما أدخلني قلبه، فكل أولاده من ذكور وإناث، بالغين وغير بالغين، منحوني من الحب والاحترام العفوي النابع من فطرة مغذاة بزعتر الأرض وزيتها، ما يرتق الغدر الذي ألم بي من مقربين.

منتصر حبايب

كجهاد وسمير ويوسف الحسن، لا صلة له بكتاب، أسمر البشرة، فيه ملاحة وعذوبة، تقاسيمه تقود نحو الاطمئنان، حلو المعشر، يحسب الفاظه أكثر من مثقفين كثيرين، يحب بكل جوارحه، يظهر حبه باندفاع القول والعمل والعاطفة، شديد التعلق بالأناقة، خبير بها، غريب في القدرة على حفظ السر، فيه تواضع مركب من ذات تعجب بالبساطة والعفوية، ومن إحساس موطد بضرورة تقدير الصديق. عضته الدنيا من أطرافه، وزرعت في قلبه شوكة، وفي مشاعره وزعت التناقض والتضاد حتى كاد ان ينفجر، مكافح لا يلين ولا يستكين، له في قلبي منزلة خاصة، فهو بالنسبة لي، أنيق المظهر والجوهر، وأستطيع المغامرة والقول، بأنه لم يشذ معي بحرف أو كلمة، بقصد أو غير قصد تؤذي المشاعر، فمثل قمة الاحترام لمعنى الصديق والصداقة.

يوسف أبو طوق

يوسف سعيد أبو طوق، رجل عصامي، فيه ذكاء، في عينيه لمعان وبريق، مثابر ودؤوب، رائق الصفات والمزايا، وامتص رحيق السغب والتعب والنصب، حتى استطاع ان يخرج من بين كل الظروف بالرضى والقناعة، سانده بذلك وضع اجتماعي خاص لا يمكن تخطيه، وشخصية متزنة تعرف كيف تفصل بين المرارة والالم، والرضى والحبور.

 

أولئك أصدقائي، أما أعدائي، فان لهم صفة الشبح، الذي لا يعرف من صفات الناس والبشر شيئا، ولا يعرف من صفات الرجال إلا ما يعرف الجبان الرعديد من خلال جبنه ورعديديته، وهؤلاء بالنسبة لي، ليسوا سوى حالة من حالات المحاولة للالتصاق برجولتي وأنفتي وعزتي، ليحاولوا إثبات أنفسهم لأنفسهم وزوجاتهم وأولادهم وأوهامهم، بأنهم يملكون من القيمة والقدر ما يكفي غرورهم واعتدادهم بما يملكون من قدرة على التنقل في خفاء الجبن والخوف والاستسلام لنزوات تأبى الحمير على عزتها أن تمارسها.        

سألني أحد الناس يوما، كيف انظر للأعداء؟ قلت: أي من الأعداء تقصد؟ فهم أنواع، يتوزعون بين ما يمكنهم وما يستطيعون، وبين ما لا يمكنهم ولا يستطيعون، وأما الفئة الأولى، فاني وان كنت اعلم بمدى العداء الرابض في نفوسهم نحوي، فإنني على اقل تقدير اعلم بأنهم يعلنون العداء مواجهة، ولا يلجئون إلى عتمة الغدر والنذالة والصغر، وان بهم من صفات القدرة على إعلان دسائسهم وخططهم بكل شجاعة الموقف وقوة اللحظة ما ينأى بهم عن امتلاك صفة الجبن الملفعة بالخفاء، أو صفة  الرذالة الممزوجة بقيح وصديد تربيتهم وتكوينهم الكامن بأعماق ورثوها من مجموعة تناقضات وترهات منحتهم القدرة على الغدر والخيانة والسقوط بأعماق وهم قدرتهم على التأثير بحقيقة إرادة الآخرين أمام صغر وتضاؤل تصوراتهم.

قال: أراك على غير عادتك، تهتم باللفظ المغرق بوصف الانحطاط، وعمق الوضاعة، وكأنك تشكو من أمر جسيم، أحدثه بك مقرب أو صديق.

قلت: وكأني بك لا تعلم أن حدود صداقتي وقفت هناك، في فلسطين، والأردن، وأنني حين حملت نفسي من الوطن إلى الغربة، كنت احمل داخل تكويني ما ورثت عن أبي، من صفاء نفس ونقاء سريرة، وما احتدم بسنين عمري من مرافقات متوالية لأصدقاء كانت نفوسهم صافية نقية، فلم يصل إلى مداركي بأنني حين أشفق على جاهل، أو أواسي مغرور خال الوفاض من أي قدرة أو اقتدار، أو ارأف بمعتوه القي بروعه انه ذا قيمة أو ذا وجود، بأنني سوف التقي مع العدو الذي اغتصب ارضي من خلال أبناء شعبي، فانا اعرف يقينا بان الأمور التي تخفيها النفس قد تكون سوداء مظلمة، نتنة خبيثة، أو متيقحة بصديد تعافه الأنوف وتهرب منه الروائح الكريهة، ولكني لم أكن أتوقع يوما أن يخرج من هو مدع ليقف على أعتاب العدو، يأخذ منه غدرا لم نكن نعرفه قبل احتلال أرضنا، ويقطف رذيلة تتساوق فقط مع مكونات ونفسية المستعمر، ليتفوق على غدر الاستعمار ورذيلته، فيمزج هذا مع ذاك، ليعطي صورته التي نشأ عليها في محيط يدفع به إلى أقصى درجات الانحلال والرذيلة والخبث والبغضاء، وليتحلل من كل ما يمت للوطن والدين والأعراف والتقاليد والأخلاق، تحلل المستبيح لدينه وعرضه وشرفه.

وكما تعلمت بأن الصديق رهن الحاضر والقادم، وليس رهن الماضي، لأن النفوس تتقلب وتتلون وتتلوب، فإن الاصطدام بالجهل والغباء، والغرور والصلف والاعجاب بالنفس، هو من فروض الحياة التي لا تمكنك الا تتصل بالناس في ظروف ودواع مختلفة، ومن هذا الاصطدام والاتصال، بين الغبي، والمثقف، ومن يدعي الثقافة، سيبقى الغربال يسقط الحسك والزؤان، ويبقي على ما يؤجج الروح ويرفعها الى مستوى الوفاء والإخلاص والادب.

 

مأمون أحمد مصطفى

26-12-2018

 

     

 

عبد الاله الياسري(1927م ــ 2016م) في الذكرَى السنويّة الثالثة لرحيله.

علّمني عشرات من المعلِّمين، في مراحل دراستي الإبتدائيّة والثانويّة والجامعيّة، ثمّ مرّوا زبَداً، ومضوا جُفاءً مع السنين، ولم يمكُث منهم في قلبي كالوشم إلا واحد من كلّ مرحلة من مراحلي الدراسيّة الثلاث. ولقد كان معلِّمي الشيخ محمّد جعفر الكرباسيّ ــ رحمه الله ــ ثالث ثلاثة؛ بل كان هو معلّمي الأَوّل الذي وضع حجر الأساس في بنائي العلميّ والأدبيّ يوم علّمني وأدّبني، فأحسن تعليمي وتأديبي وأنا تلميذ غضٌّ من بين عشرين تلميذاً ونَيِّف، في الصفّ الخامس من مدرسة الصادق الإبتدائيّة، بمدينة النجف في العراق، عام واحد وستّين وتسعمائة وألف للميلاد. . كانت للمعلّمين في إدارة المدرسة عُصيّ يومذاك. يَتقلّد كلّ معلّم منهم عصاه حين يرنّ جرس الدرس، كما يتقلّد الفارس سيفه ساعة الوغَى، ليُعلّموا بها من كسل مُقصِّراً، ويُؤدِّبوا بها من شكِس مخالفاً. وما كان المعلّمون ليدخلوا الصفوف من دون تلك الآلة المُرهبة ما خلا معلّمي الشيخ الكرباسيّ. كان يدخل الصفّ أعزل من بين أولئك المعلّمين الكُماة. لايحمل في يده غير طباشير للكتابة علَى اللوحة؛لكنّ طباشيره كان أهيب من العصيّ كلّها جمعاء، بل كان أهيب حتّى من عصا المدير نفسه. وماأدراك ماعصا المدير! خيزرانةٌ أَبرحُ من كلّ العصيّ. وويلٌ ثمّ ويل لمَن تَهوي علَى راحته. . كان معلّمي الشيخ مُعلِّماً تربويّاً، ولا كنظرائه المعلّمين التربويّين في رقيّه الإنسانيّ، وفي طريقته السلميّة الحضاريّة التي كان يسوس بها تلاميذَ غِضاضاً؛ماينبغي لمُعلِّمهم ومُربِّيهم أنْ يُنشئهم على القمع والعبوديّة والهوان، وفي أَيديهم مستقبل العراق كلّه. وكان دينيّاً مُعمَّماً، ولاكرفاقه الدينيّين المُعمَّمين في عمق وعيه، وبعد رؤيته؛إذ كان يَنسلّ وهو فتىً ــ كما رَوَى لي السيّد الوالد ــ من بين ظلام جمودهم وأحابيل جهلهم، إلى المدرسة الثانويّة المسائيّة المحظورة علَى أمثاله من الفتيان المعمّمين، كي يَتعلَّم فيها مالايمكن أنْ يتعلّمه في المدارس الدينيّة حتى تخرَّج مُعلِّماً مختصَّاً بتعليم اللغة الإنجليزيّة. نَشأ مختلفاً عن أَقرانه من معمَّمين وغير معمَّمين إختلافاً نوعيّاً؛لكنّه فرض على الفريقين كليهما احترام اختلافه بمودّة وسلام. مَنْ يَشأْ أنْ يقف على بعض مواطن اختلافه عن الفريق الأوَّل من حيث الفهم الدينيّ الصحيح، يَقرأْ مقدّمة سِفره الخالد (إعراب القرآن) التي لم تُفرِّق بين أَحد من بُناة الإسلام الأَوالي. ومَنْ يَشأْ أنْ يقف على بعض مواطن اختلافه عن الفريق الثاني من حيث العمق المعرفيّ، يَتَحَرَّ رَدَّه على العلّامة الدكتور مصطفى جواد سقطاتِه اللغويّة. . قضَى معلّمي الشيخ عمره كلّه في القراءة والتأليف. لاسمير له إلا الكتاب واليراع. ثمّ فنيَ بدنُه ومات في20 ــ01 ــ 2016م، وكلّ بدن محكوم بالفناء والموت؛لكنّ طيب ذكره لم يفنَ ولم يمت. ولئن كان طباشيره أقوَى من العصا بالأمس؛فإنّ بقاءه أقوَى من الفناء اليوم. ولئن فرض احترام شخصه على الناس في حياته؛فلقد فرض خلود اسمه على الزمان بعد موته. إنّ مثواه في القلوب التي أستنارت بعلمه، وكَلِفَت بسيرته. ولسوف يبقى معلماً تنويريّاً يُستدل به على النور في طريق الظلام، حيّاً خالداً في ذاكرة التاريخ. تستعيد الأجيال طيب ذكره جيلاً فجيلاً. . فطوبَى له مُعلِّماً وِتْراً، وطوبَى لمن تَعلَّم منه مالاينساه.

من مؤلّفاته:

ــ إعراب القرآن 8 مجلدات

ــ نظرات في أخطاء المنشئين

ــ المنتخب من كلام العرب

ــ الرسالة التامّة في فروق العامّة

ــ الأنباء بما في كلمات القرآن من أضواء

ــ ملحة الإعراب في نخبة من سور الكتاب

 

عبدالإله الياسريّ

 

598 جوردانو بردو في سنة 1540م أدرك عالم الفلك والرياضيات البولوني نيكولاس كوبرنيكوس(1) إن الحركات المعقدة الظاهرية للكواكب يمكن تعليلها بان الشمس ثابتة في حين أن الأرض والكواكب الأخرى تدور في مدارات حول هذا النجم الباهر، وقد أصدر عام 1543م كتاباً بعنوان "دورات الأجرام السماوية"، وقد كانت الكنيسة تتبنى آراء أرسطو(2) عن الكون، وهي النظرية التي تقول بأن الأرض هي مركز الكون، وأن الشمس تدور حولها كما هو ظاهر للعين ، وقد خلعت الكنيسة على هذا الاعتقاد طابع القداسة، حيث سيتعرض كل من يشكك فيه الى الملاحقة القضائية.

أعتنق جوردانو برونو(3) نظرية كوبرنيكوس عن دوران الأرض على الرغم من انها كانت محرمة من قبل رجال الدين في ذلك الوقت وذهب إلى أبعد من ذلك بوضعه فرضية أن النظام الشمسي هو واحد من مجموعة نظم تغطى الكون في صورة نجوم واجرام سماوية ، وافترض لانهائية الكون .وقام بإلقاء محاضرة عن نظرية كوبرنيكوس في جامعة اكسفورد، حيث حاول أن يرفع من شأنها ويتهم معارضيها بالجهل :"إن معارضي كوبرنيكوس حمقى أغبياء. لأن الأرض تتحرك بالفعل". وسرعان ما أصدرت الكنيسة بياناً شديد اللهجة تحذر فيه الذين يصرون على وضع ما قاله كوبرنيكوس فوق سلطة الروح المقدس، وإن برونو يريد تدمير العالم الأرسطي تماماً وإفساح المجال لعلم جديد يتجاوز ما قاله كوبرنيكوس، فقد دأب كتاب كوبرنيكوس "دورات الاجرام السماوية" على تأكيد إن الكون متناه، في حين يريد برونو أن يثبت إن الكون لامتناه، في العام 1592م تبدأ محاكمة برونو بتهمة الهرطقة في مدينة البندقية، بعدها يتم تسليمه الى روما وعلى مدى السبع سنوات التالية يتم نقله من سجن الى آخر، حتى تصدر إدانة البابا له وفي الثامن شباط عام 1600م ، وبعدها بتسعة أيام أحرقوه على الخازوق، بعد أن وضعوا على فمه لجاماً حتى لا تسمع صرخاته.

 

صباح شاكر العكام

....................

الهوامش :

1- نيكولاس كوبرنيكوس (1473م ـ 1543م) هو راهب وعالم رياضي وفيلسوف وفلكي وقانوني وطبيب وإداري ودبلوماسي كان أحد أعظم علماء عصره. يعتبر أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها.

2- ارسطو طاليس(384ق.م – 322ق.م) فيلسوف اغريقي ، تلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر، وواحد من عظماء المفكرين الذي تغطي كتاباته مجالات عدة .

3-  جيوردانو برنو (1548م – 1600م) فيلسوف إيطالي كان راهباً في البداية ولكنه انتقل من الدراسات اللاهوتية إلى الفلسفة فيما بعد، حكم علية بالهرطقة من قبل الكنيسة الكاثوليكية.

 

عبد الجبار عيسىكما هي العادة، نؤبن من ارتحل بفيض من العاطفة التي كم كان المرتحل بحاجة لها في حياته. كم أشعر بالأسى كوني أمارس هنا لصقَ تلك الماركة العراقية المسجلة على جدار القراءة.

إنه رحيل السوسيولوجي العراقي البروفسور الدكتور متعب مناف جاسم السامرائي البصري المولد ، البغدادي العيش والهوى، والذي رحل كغيره بصمت تاركاً وراءه لوعةً فراق عند من عرفه بصدق، ولوعة أخرى تتعلق بتعثر التواصل معه ً بعد 2003 بسبب الفوضى الاجتماعية والسياسية والأمنية التي تلت ذلك التاريخ.

في الواقع لم أعلم برحيل الدكتور متعب إلا من خلال مقالة الأخ د.علي المرهج أستاذ الفلسفة في جامعة بغداد في صحيفة المثقف إلى مُتعب مُناف جاسم بعد فقدك*، وقد كانت لي وللزميل المرهج رفقة رائعة في مرحلة التسعينيات من القرن الماضي مع الراحل متعب مناف حين كان يجمعنا في حلقة مع زملاء آخرين اختارهم بعناية ليشكل بهم نواة نخبوية يمكن ان تفكر في إيجاد موقف عقلاني إزاء التحديات المعاصرة من جهة ، ومن جهة أخرى تبحث عن إجابات لأسئلة العصر وعن الموقف من التراث والعولمة التي كانت تضرب بأطنابها في عمق المسلمات والحكايات الكلاسيكية التي يحفل بها تفكير تلك الحقبة من الزمن. كانت اجتماعاتنا أشبه بالاجتماعات السرية في أروقة كلية التربية ابن رشد في باب المعظم. كنا بحدود ثمانية أفراد من مختلف الاختصاصات نحضر في يوم الأربعاء من كل أسبوع، ولعلي كنت الوحيد الذي احضر من خارج بغداد،  فقد كنت أحاضر في جامعة ديالى التي كانت في بداية تأسيسها تتبع إلى الجامعة المستنصرية، وكان الدكتور مناف يقدر لي ذلك. ذات يوم أردنا أن نعطي اسماً لهذا الحلقة العلمية، فسألنا واحدا بعد الآخر عن رأينا. أتذكر إنني أجبته ببيت للشاعر الفلسطيني سميح القاسم (سنعطي الشوارع أسماء من لم يسيروا عليها طويلا) فهز رأسه مؤيدا وفهم ما رميت له. ولهذا ، وبسبب عدم تبلور الأفكار أيضا، كان دكتور متعب رحمه الله  يرى إن هذه الحلقة هي ابتداءاً منصة لأفكار اجتماعية وفكرية تنويرية ومن ثم ننتقل بعدها إلى تأسيس مركز أقترح هو بأن يُطلق عليه (مركز دراسات العولمة) حيث كان الراحل قد جعل من قضية العولمة والموقف منها سببا لإلقاء الضوء على الواقع  وسببا لمراجعة نقدية لتراثنا وضرورة تحديد موقفنا منه، فالعالم قد تطور تطورا هائلا وابتعد عنا مسافة كبيرة فيما بقيت مجتمعاتنا العربية بالدرجة الأولى ، والإسلامية بدرجة تالية، تعيش وفق منطق تاريخي مأزوم.

593 متعب مناف جاسم

 في حينها لم يكن من السهل قيام هكذا تجمعات ولا تأسيس مراكز في ظل سلطوية النظام الشمولي وآلته الأمنية المهيمنة على مفاصل التعليم العالي، لكن كانت الجامعة في تلك المدة تضم بين ظهرانيها أفكاراً خصبة تتضمنها عقول البعض من الأساتذة وطلبة الدراسات العليا، ونَهَمٌ للتعلم والانفتاح على التجارب المعرفية الحرة في العالم والبحث في تفكيك التراث والابتعاد عن الجدليات الثنائية الملازمة للتفكير العربي المعاصر.

كان الراحل من خلال أعماله (10 كتب و60 بحثا ) ومحاضراته غزير الفكر، تنويرياً بامتياز.لم يكن مؤدلَجا ولم يُقِم على اختصاصه فقط بل كان يتنقل بين حقول السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والأدب والسياسة والفلسفة. كان من نوع الأساتذة الملهمين الكبار.هو ذلك الطراز من الأكاديميين الخارجين على السكولائية التي تجعل الطالب متلقياً فقط لأساسيات العلم مع عدم اهتمام كبير بالمعرفة. كان له في الواقع فضل كبير على تكويني المعرفي في مرحلة مهمة من عمري.

 لم أكن حينها ، في بداية التسعينيات، قد تعرفت عليه بعد ، كنتُ في مرحلة كتابة رسالتي للماجستير في العلوم السياسية وأقضي معظم وقتي في المكتبة المركزية في جامعة بغداد في الوزيرية، وفي الوقت ذاته كنت أعمل مترجما للنصوص الانكليزية بمقابل مادي، جاءتني طالبة دراسات عليا ( الآن هي الزميلة الدكتورة ثناء محمد صالح في قسم الاجتماع) وأعطتني نصاً يمثل صفحة واحدة من كتاب لإميل دوركهايم قمت بترجمتها وسلمتها لها في اليوم ذاته، وفي اليوم التالي جاءتني بمجموعة كتب قائلة إن مشرفها هو الدكتور متعب مناف (وهو لديه ماجستير ودكتوراه من جامعة سيراكوز نيويورك في الولايات المتحدة ) كان قد أشار عليها بالأمس أن تعطي هذا النص لعدد من المترجمين ثم تجمع له الترجمات ليرى من هو الأفضل وقد أشار عليها بأن ترجمتي هي الأفضل، وهكذا بدأْتُ بالترجمة في مجال الفلسفة والسوسيولوجيا علم الاجتماع وهو ما حفزني كي أقرأ مزيدا من المؤلفات حول هذين الحقليين الأهم في العلوم الإنسانية. كان ذلك أيضا أحد الدوافع المهمة لكي أتخصص في علم الاجتماع السياسي فيما بعد ضمن دراستي في العلوم السياسية. كان ذلك بداية رحلة من الإلهام المعرفي ابتدأت مع الدكتور متعب مناف الذي شكل عندي قيمة مضافة إلى ملهم آخر في حياتي الأكاديمية في العلوم السياسية هو الراحل الدكتور صادق الأسود أستاذ الاجتماع السياسي في جامعة بغداد والذي طالما استفز عقلي وساهم في تكويني المعرفي أيضا في ثمانينيات القرن الماضي.

لم أكن قد تعرفت بعد على الدكتور متعب شخصيا حين جاءتني دعوة منه لحضور ملتقى أو حلقة هو يديرها تتكون من أكاديميين وباحثين محدود عددهم للتباحث في شأن الموقف من العولمة، هكذا كان عنوان الدعوة. قبل أن أراه، كنت قد كونتُ عنه صورة نمطية، كهل أصلع قليل الكلام فيه تَرفُّعٌ أكاديمي، لكنه كان عكس ذلك تماما، كثافة شعره كغزارة علمه، متواضع إلى حد بعيد. أتذكر خلال اجتماعنا الأول إنه بادرني بسؤال يبدو غريباً: عبدالجبار ما هو رأيك في شعر المتنبي؟ وقد وقع سؤاله علي مسمعي وقعا جميلا وكأنه دعوة للعزف على آلة موسيقية أجيد العزف عليها، فقد كنت أعشق المتنبي وشعره فاسترسلت شرحاً وإلقاءاً لمقاطع من شعره وهو يصغي إلي بشغف (فيما بعد عرفت بأنه ناقد أدبي فذ)، ثم قال: حسنا، هل تعتقد بما يقوله البعض بأن العرب ظاهرة صوتية ؟ فقلت له: وماذا تقول أنت؟ قال: نحن هنا لنناقش ذلك. هكذا بدأت نقاشاتنا التي يأخذنا فيها متعب متنقلًا بين ابن رشد و دوركهايم وابن خلدون وهيغل والمقريزي وماكس فيبر وصولا إلى علي الوردي وفوكاياما وغيرهم كثير، وفي كل مرة يطرح علينا سؤالاً تنويريا مثل: إن تراثنا محمل بأعباء ثقيلة تشبه شخص محمل بالطين، ما هو موقفنا منه؟ هل نقتطع التراث من تفكيرنا، أم نقطع فترة منه، أم ماذا؟ ولنتذكر إن ذلك النقاش كان في تسعينيات القرن الماضي.  كان يحول الملتقى أحيانا إلى نادي للقراءة بأن يعطينا نصوصا معينة نناقشها في الجلسة القادمة. كانت النقاشات التي يديرها حاميةً أحياناً وفيها مشاكسات علمية ممتعة، كان أكثرنا مشاكسة وجرأة الراحل خضير ميري الذي كان مهووسا بمشيل فوكو،  في حين كان علي عبدالهادي المرهج أقل مشاكسة من الآن، بينما كنت ، في البدأ، أنا وبعض الزملاء (اعترف بذلك) لا نستسيغ كثيرا قضية نقد التراث الذي يشتمل على أنساق مقدسة طالما تشربت بها عقولنا. أتذكر ذات مرة وزع علينا الراحل متعب نصاً للمقريزي حول قضية شحة مياه نهر النيل في مصر، وكان للمقريزي رأي يخالف فيه تفسير العامة ورجال الدين الذين كانوا يرون إن ذلك سببه خطايا العباد، إلا أن المقريزي يقول بأنه سبب طبيعي يحدث بين مدة ومدة نتيجة لعوامل طبيعية ليس لها علاقة بالتفسيرات الغيبية.

للأسف الشديد لم تستمر لقاءاتنا حلقتنا تلك (المنصة) لعدة أسباب لعل أهمها إننا كنا نجتمع خارج كلية الآداب في كلية التربية ابن رشد بدعم من عميدها آنذاك نزار الحديثي لكننا وجدنا أنفسنا غالبا ، وبوتيرة متصاعدة ننتقد النظام السياسي على طاولة الاجتماع ، وهذا هو ديدن الفكر الحر، فالفكر المتنور لا ينمو إلا في بيئة حرة، فأصبح هناك توجس من أن يشيع الأمر، وهذا ما حدا بالراحل الدكتور متعب أن يفكر بتعليق الاجتماعات مؤقتا ريثما نجد مكانا آخر. لم نجد مكانا مناسبا، في حين سافر الكثيرون منا خارج العراق بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية. هكذا، لم يتحقق حلم تأسيس مركز دراسات العولمة، بل لم يتحقق مشروعي الذي فاتحتُ به الراحل وأعجب به كثيرا وهو تأسيس (مدرسة بغداد للدراسات الاجتماعية).

ورغم إن الراحل كان من المفترض ان يكون قطبا معرفيا رسميا في عراق ما بعد 2003، إلا أنه لقي الكثير من الإهمال من جانب الجامعة، بل وصل الأمر إلى فصله من الخدمة في نهاية عمره الأكاديمي ، حسب ما نقل لي، لكنه كان مُصراً على نشر عمله المعرفي التنويري متنقلا بين المراكز البحثية والعلمية كان آخرها بيت الحكمة في قسم الدراسات الاجتماعية. لقد صب معظم دراساته في السنوات الأخيرة حول الاجتماع العراقي وظل مخلصا ، كما هو دوما، إلى فكرة تفكيك البنى السوسيو والأنثروبولوجية العراقية، وكان غرضه من كل ذلك خلق جماعة اجتماعية كبرى تحمل هوية عراقية متماسكة رغم الوجود المكوناتي المعترف به.

من حسن الحظ أني التقيت به ثلاث مرات بعد عام 2003 الأولى في ندوة له في قسم الاجتماع بكلية الآداب في جامعة بغداد. والثانية عام 2011 قدمت معه وبمشاركة الدكتور كاظم المقدادي ندوة عن الربيع العربي في جامعة بغداد في الجادرية كانت مادة لكتاب صدر فيما بعد، وأخيرا في عام 2013 وكان من أغزرها وأجملها، فقد كان اللقاء في مطعم في شارع 62 في منطقة الكرادة على هامش دعوة غداء بعد مناقشة دكتوراه لأحد الزملاء في قسم الاجتماع حين نسينا الطعام وانهمكنا بالنقاش. كنت حينها كمن يدرس لأول مرة على يد أستاذ ماهر في المرحلة الأولى من الدراسة. ولا أريد هنا أن أذكر ما قاله بحقي أيضا أمام الزملاء لكني أقول إن الرجل كان يغمرني بحبه وأبوته، بل انه أعطاني شحنة معنوية لأن أعدل عن قراري بمغادرة العراق حينها.

لم انقطع عنه ولم ينقطع عني، ولكن للأسف كان التواصل فقط عبر الهاتف النقال. وكان في كل مرة يتفقدني بها أشعر بأنه يرسم لوحة خضراء مليئة بالأمل.

بعد ما يقرب من20 سنة من سؤالك لي: ما هو رأيك بشعر المتنبي؟  أقول لك دكتور متعب: لا أملك في تأبينك هنا سوى هذا البيت للمتنبي نفسه: ( عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ .. بين طعن القنا وخفق البنودِ / لا كما قد حييت غير حميدٍ وإذا مُتَ مُتَ غير فقيدِ ).. كلانا كان يكره طعن القنا وخفق البنود، لكنك رأيت بعينك كيف كان طعن الحريات الأكاديمية فاضطررت أن تطاعن معرفياً، وكيف كان خفق البنود المنافق حيث خفقت أعلام وسقطت أخرى لكنك بقيت على بَندِك الإنساني الوطني. عشت حميدا ومتَ فقيداً، فزرعك لم يمت ولن يذبل، ومنصة التفكير التي ابتدءناها معك ستبقى.

 

أ.د. عبدالجبار عيسى عبدالعال السعيدي

أستاذ الاجتماع السياسي في الجامعة المستنصرية

.....................

* للاطلاع

 

إلى مُتعب مُناف جاسم بعد فقدك / ا. د. علي المرهج

 

 

 

اسماء محمد مصطفىتحلق نوارس روحك على ضفاف الذكريات التي تحملك رغماً عنك الى سنوات مضت من حياتك، ومنها طفولتك ومراهقتك بين حين وآخر، بتحريض من أغانٍ كنت تستمعين اليها في ذلك الوقت الذي ربما تتمنى طفلة او مراهقة نقية لم تغادر أعماقك بعد، لو تسمرت في صفائه حفاظا على القلب من جروح زمن لاحق .. لم يكن ثمة هواتف نقالة تصورين بها الأمكنة والناس والأشياء حفاظا عليها في حافظة صور ملموسة، بدلا عن الاكتفاء بحافظة ذاكرتك القابلة للعطب .

الأمكنة علامات في الذاكرة

تحوم النوارس حول صور تتلألأ على تلك الضفاف لأمكنة وعلامات بغدادية عريقة مررتِ بها في عقدي سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت بحكم قرب مدارسك بمراحلها الابتدائية والمتوسطة والإعدادية منها، حيث أصبحت لديك صديقات من مختلف القوميات والأديان ممن يسكن في تلك المناطق، والجميع عبارة عن نسيج متجانس جميل وملتزم بالقيم الاخلاقية في الغالب إلاّ قلة لم تتمكن من تشويه المجتمع في حينه، ومن تلك الأمكنة شارع الجمهورية والدهانة والشورجة وساحات الرصافي وزبيدة والوثبة وحافظ القاضي وسينما الفردوس ـ هذه السينما كانت تقع في شارع الكفاح قبل أن تختفي، وقد جرى تصوير مشاهد من تمثيلية (سينما) فيها وكانت من بطولة محمد القيسي وأمل طه وظهر فيها الممثل الكوميدي عزيز كريم وهو يردد (نارك قلبي نارك) .. اشتهرت هذه الجملة في الشارع حيث أخذ الناس يرددونها على سبيل النكتة، وأما الساحة التي احتضنت سينما الفردوس هناك فقد تعرضت لنكبة متمثلة بانفجار سيارة مفخخة حصد أرواح الكثيرين في سنة 2007 ـ وكذلك سرتِ منذ طفولتك في درابين المربعة التي كان يسكنها المسلمون والمسيحيون، وشارع الرشيد وأورزدي باك المزدحم وستوديو موسيس الذي تتذكرين أنه كان يضع صور بعض الفنانات على واجهته، ويتراءى لك خيال وكالة شركة الصناعات الدقيقة القريبة من الاستوديو، وتتذكرين الكنيسة التي تقع في الشارع الذي يحتضن إعدادية النضال للبنين، وشارع النهر الذي كان مقصد النساء والبنات لشراء لوازم أناقتهن حين كانت الملابس أجمل وأكثر أنوثة على الرغم من بساطتها (وصدى صوت الراحل صلاح عبد الغفور يتردد .. حلوة يالبغدادية يام خدود الوردية .. نظراتك من كَلبي تزيد دكَاته شويه شويه)، ولاشك في أن سوق المستنصر هناك كان الأشهر في بيع الأحذية النسائية .

الرشيد ومكتبات وذكريات الكتب والمجلات

وتأخذك النوارس الى شارع الرشيد حيث مكتبات بيع الكتب والمجلات، تشترين منها القصص الموجهة لفئتك العمرية، وتسحرك الرسوم التي تتخللها وترسمين مايشبهها على أوراقك وبين قصصك التي كنت تكتبينها، وتتابعين سلسلة قصص بساط الريح المصورة وسوبرمان وميكي وسمير ومن ثم المجلات العراقية القديمة كـ (المتفرج)، ومن ثم (ألف باء وفنون) والمجلات العربية الثقافية (العربي والدوحة) والنسائية والمنوعة كحواء وكواكب والشبكة واليقظة، وجميعها كان محفوظا في مكتبة أهلك المنزلية ما أتاح لك فرصة الإطلاع عليها في مرحلة الطفولة، كما كنت تقتنين بطاقات الإهداء في المناسبات مطبوعة عليها وجوه فتيات صغيرات مرسومات بأسلوب الرسامة مارغريت كين وهو أسلوب العيون الكبيرة ، وقد أنتج فيلم عن سيرتها في العام 2014 وجسدت الممثلة إيمي آدمز دور مارغريت التي اشتهرت في خمسينيات القرن العشرين .

كانت واجهات المحال التجارية تتجمل بصور الفنانين المصريين كميرفت أمين وحسين فهمي، والمطربة الإيرانية كوكوش التي كنت ترين صورها معلقة على الجدران في الشوارع العامة القريبة من ساحة حافظ القاضي وهي تظهر بقصة شعر ولادية وقميص أبيض وبنطلون كاوبوي، وكذلك تزينت واجهات المحال لاسيما محال الحلاقة بصور الممثل الإيطالي فرانكو غاسباريو، وهو ممثل سينمائي وأحد أبطال قصص مجلة سمر المصورة المترجمة ومعبود المعجبات والذي توفي في العام 1999 بعمر 50 عاما بعد معاناة مع الشلل الذي أصيب به في تعرضه لحادث بدراجته النارية ، وكانت أعداد مجلة سمر اللبنانية تدور بين بعض البنات يقرأنها بشغف، ويتبادلنها، ويتناقشن حول قصصها الغرامية ، وهو امر طبيعي أن تهتم المراهقات بالحب وقصصه، ولكن عبر تلك القصص او الأفلام العربية الرومانسية، وإما في الواقع فكانت غالبية البنات ينتمين الى عائلات محافظة ولم يتورطن بعلاقات حب، إلاّ القليلات منهن كن يتجرأن ويرتبطن .. كصديقة لك سألتك يوما: (هل أنا حلوة)؟ أدركتِ حينذاك أنها وقعت في الحب .

البنات والأغاني والتلفزيون

وفي الطريق الى المدرسة اعتاد بعض الشباب أن يعاكسوا الطالبات، ثمة واحدة من صديقاتك كانت تضع نظارة طبية تجعلها شبيهة بالمطربة ذائعة الصيت في ذلك الوقت عزيزة جلال، وكان يعاكسها في الطريق مراهق يناديها باسم المطربة، فقررت أن تخلع النظارة حتى تتخلص من معاكسته اليومية لها، لكنه حين رآها بلانظارة قال (اليوم عزيزة جلال بلانظارة) .. ويتردد صوتها من احدى الضفاف البعيدة: (إلاّ أول ما تقابلنا أنا وأنت / عمري ما انسى كنا فين وازاي وامتى / عيني من ساعة ما شُفت عينيك / ما نزلت من عليك / ايدي من يومها وهي لسه بتسلم عليك / أنسى يومي وذكرياتي / واللي جاي لسه في حياتي / أنسى كلو إلاّ أول ما تقابلنا أنا وأنت) !!

كنت ترين عزيزة في التلفاز، وتحبين أغنيتها تلك، كما تحبين في طفولتك أغنية للخليجية ليلى عبد العزيز (وش علامك بالاسمرانيه ... لا اله إلا الله تسمح النيه ولو .. يا من عطيته من الصغر قلبي ... قلبي صويب اليوم ارحم شوية ولو)، ثمة قناتان تلفزيونيتان فقط: قناة تسعة وقناة سبعة، لا(ستلايتات) ولاقنوات فضائية، تتابعين برنامج سينما الأطفال لنسرين جورج كل يوم خميس، تشاهدين أفلام الكارتون الروسية المدبلجة كزبابا بوتاتشنا وعقلة الإصبع والمهر الأحدب وفتاة الثلج التي تذوب في النار وتصعد لتكون غيمة وشتوشا كوتوشا وكذلك حوريك ياأرنب وتوم وجيري وسندريلا والأميرة النائمة ومن ثم أفلام الكارتون اليابانية المدبلجة كمغامرات الفضاء (كريندايزر) الى درجة عشق دايسكي، وقبله ن سندباد، وساسوكي الذي كان يتابعه الكبار والصغار ، والليدي اوسكار وحبيبها اندريه، وساندي بيل، كنتِ تتعلقين بأبطال أفلام الكارتون، بينما صديقاتك أحببن لاعبي المنتخب الوطني (تشكيلة الثمانينيات) عن بُعد، وكل واحدة منهن تدعي أن حبيبها أفضل من اللاعبين الآخرين .

تطل على شرفات ذاكرتك (فتاة في العشرين) لشذى سالم وعبد المطلب السنيد، ومسلسلات رومانسية بطلاها الفنانان سناء عبد الرحمن وحسن حسني .. تستحضرين مشهداً يجمعهما في (التلفريك) الذي اختفى لاحقاً من متنزه الزوراء، كما لم يغب عن بالك (قبل رحيل المواسم) لآمال ياسين وعبد الوهاب الدايني، وتستذكرين شخصيات من (الذئب وعيون المدينة) و(النسر وعيون المدينة) كقادر بيك (خليل شوقي) واسماعيل جلبي (بدري حسون فريد) وحسنية خاتون (مي جمال) ورحومي (طعمة التميمي) وأبي عطية (سامي عبد الحميد) ونظيرة خاتون (فوزية عارف) وأفراح (هند كامل) وعبد الله أفندي (جعفر السعدي) وغفوري أفندي (سليم البصري) وحمادي العربنجي (راسم الجميلي) وإبراهيم (محسن العلي) ورؤوف (مقداد عبد الرضا) وكَمرة (سناء عبد الرحمن) ورجب (قاسم الملاك) وأم عطية (فاطمة الربيعي) وآخرين . ومن المسرحيات التي بقيت ماثلة في ذهنك: المحطة: بطولة طالب الفراتي وعبد الجبار كاظم وليلى محمد وعماد بدن وعدنان الحداد، والخيط والعصفور: بطولة خليل الرفاعي وامل طه ومحمد حسين عبد الرحيم .

ألن ديلون وصوفيا لورين وآخرون

استهوتك أفلام الثنائي خفيف الدم بود سبنسر وترانس هيل، وأفلام جوليانو جيما، وألن ديلون الذي تسبب بأزمة في شارع المعجبين حين انتهى أحد أفلامه نهاية مأساوية تمثلت بإعدام البطل .. كيف يُعدم ألن ديلون ؟! كيف سولت للمخرج نفسه أن يؤذينا بهذا النهاية البشعة ؟ وبقي في ذاكرتك فيلم (زهرة عباد الشمس) لصوفيا لورين وماستريو ماسترياني حيث تفرق الحرب بين الأحبة وتنمو على رفات الجنود أزهار عباد الشمس في مشهد يدمي القلب ويسحر العين، وفيلم (رقصة واحدة تكفي) لجون ترافولتا، ومن المسلسلات الشهيرة: حافات المياه والبيت الصغير والحسناء والوحش وملائكة شارلي والعودة الى عدن، وعبر المجلات والصحف كنت تطلعين على أخبار بروك شيلدز وكاترين دينوف وصوفي مارسو ورومي شنايدر وناتالي وود وفرح فاوست وجوان كولينز وكلوديا كاردينالي واورنيلا مونتي وراكيل والش وايزابيل ادجاني نجمات تلك المرحلة.

أغانٍ عراقية وعربية

وتغيرت الأمكنة مثلما غابت صديقات ووجوه عنك في الحياة.. وكم تحبين التجديد إلاّ الشوارع والأمكنة العامة كم تتمنين لو بقيت كما كانت، لأن فيها جزءًا من حياتك وتغيرها يشعرك بالغربة، فقد افترقت عن صحبتك ومدرستيك المتوسطة والإعدادية وأما المدرسة الابتدائية فقد اختفى اسمها بعد إعلان مبناها آيلاً للسقوط، حتى أن مابقي من تلك الأمكنة قد فارق جماله القديم .. إلاّ الأغاني التي سمعتها في تلك المرحلة مازالت كما هي جميلة، تعيدك اليها، فهذه (يا أم العيون السود ماجوزن أنا) يغنيها ناظم الغزالي في فيلم (مرحبا أيها الحب) وهو يظهر مرتديا الزي العراقي الشعبي وبصحبته شقراء اسمها جاكلين وهي ترقص، وكان الفيلم من بطولة نجاح سلام وسامية جمال، ولاشك في أن جيلي يتذكر أغنيتهما في الفيلم (جوز عيني جوز .. والله مابيجوز .. غيري بيتهنى ويجوز .. وأنا بلا جوز)، وهنا ترتبط الذاكرة بـ (جوزي اتجوز عليا وانا لسه الحنة بايديا) لعبوسي (حمودي الحارثي) في المسلسل الأنجح والأشهر (تحت موسى الحلاق) حين جعل من هذه الأغنية درساً لطلاب محو الأمية من رواد محل حجي راضي (سليم البصري)، وتتناهي الى سمعك من أعماق طفولتك أصوات كحسين نعمة (قوم انثر الهيل قوم انثر الهيل / بسكة وليفك لو خطر / يتلالى بعينه السهر / وينور الليل قوم انثر الهيل / غرق رموشك بالكحل / ياسمر يابو عيون الشهل / واشتل سواليفك شتل / قوم انثر الهيل/ بجفوف كل طارش يمر / بجروف موجات الفجر / قوم انثر الهيل / ارقص على متون الجرف / رقص البيادر ياترف / بلكن يمر بيك الولف / قوم انثر الهيل / قد هذا بدروبه القمر / بعيونه تذكار وصور/ من لمعة سهيل) ، وسعدون جابر: (ياطيور الطايره مري بهلي / ياشمسنا الدايره ضوي لهلي/ سلميلي وغني بحجاياتنا / سلميلي ومري بولاياتنا / آه لوشوقي جزى تاه ويا نجمه / آه لو صيف العمر ماينطي نسمه / للهوى دواغي الحبايب / يبي يغفى ويا الغصايب / سلميلي ياطيور الطايره/ سلميلي ياشمسنا الدايره) وامل خضير: (سلم سلم بعيونك الحلوة / تدري سلام العين قلب اليحب سلوى / سلم على الولهان يا زين بعيونك / يا وردة البستان الكل يحبونك / سلم وريحني وبعيونك اسحرني/ وبنظرتك اروى وبنظرتك اروى) ، وسيتا هاكوبيان: (سيّرلي بجناح الهوا طيفه وجاني / مشتاق انا وطيفه شمس وردة لقاني / شميته بحرورة قلب وأخفيت همه / مثل الطفل كلبي ابتشر من عاود امّه / شوكَي خذاني)، ورضا الخياط: (بالله يا طير الحمام الي تسافر/ ودي لاحبابي السلام / وإحمل بجنحك رسايل من تهاجر ...للي حرموني المنام)، وحميد منصور: (سلامات ابعث سلامات .. ويه الرايح .. ويه الجاي ابعث سلامات .. سلامات سلامات ريتك سلامات .. صبح ومسى يهواي ريتك سلامات)، ومحمد الشامي في الأغنية البصمة: (يفر بيه هوى المحبوب يايمه / يفر بيه وانا ماتوب يايمه / ياعيني ويعني وعليه انشد / ياعيني ويعني ولون يبعد / وانا بليـاه عرفت الآه)، وسميرة توفيق: (بين العصر والمغرب / مرت لمه خياله / وعرفت فرس وليفي / لانها شقرا ومياله)، وعبد الحليم حافظ: (اهواك واتمنى لو أنساك)، وميادة الحناوي:(الحب اللي كان)، ومن المؤكد لن تنسي عائلة بندلي: (رايح انت لبعيد، ياقلبي ياصغير، ياحبيبي تعال الحقني، غزالة، وردة حمرا)، وأغاني شيلان الكردي والأغاني الآشورية التي كانت ضمن الأشرطة الصوتية في منزلك، وكذلك الصوت الصاعد في حينه محمود أنور وهو يغني (لو تحب لو ما تحب هي وحدة من اثنين .. تاركني وسط الدرب توعد إلك سنتين .. حتى بعذابك عذب بس الصبر لي وين) ، وصوت الصاعد أيضا أحمد نعمة (على العنوان اكتبلك على العنوان/ واظل مشتاك لعيونك واظل عطشان / الف موال اغنيلك والف مرسال اوديلك/ وعلى بالي ابد مايخطر النسيان / على العنوان اكتبلك على العنوان)، وقبلهما (يابابا افز بليل أسمع صوتك ينادي) غناها مهند محسن في طفولته، وكان هو وهيثم يوسف في فرقة أطفال غنائية في ثمانينيات القرن الفائت، وسبقتهما بلقيس فالح وإلهام أحمد اللتان كانتا الأشهر في سبعينيات ذلك القرن في مجال الغناء للأطفال .

برامج ومذيعون مشهورون

وتستذكرين كذلك أشهر البرامج في ذلك العقدين من الزمن: الرياضة في أسبوع / تقديم مؤيد البدري، العلم للجميع / تقديم كامل الدباغ ، سيرة وذكريات / تقديم ابتسام عبد الله، عدسة الفن / تقديم خيرية حبيب، استراحة الظهيرة وهو برنامج تمثيلي انتقادي كوميدي اشتركت به مجموعة من الفنانين كمحمد حسين عبد الرحيم وأمل طه وليث عبداللطيف وسعدي صالح ومحمد عطا سعيد وزهير محمد رشيد وآخرين، وكنت تتابعين بشغف برنامج نادي الإذاعة / تقديم ناظم زاهي وإخراج فائز جواد . ومن مذيعات ومقدمات البرامج في تلك المرحلة كَلاديس يوسف وامل المدرس واعتقال الطائي وشميم رسام وسهام مصطفى وامل حسين وفريال حسين والراحلة خمائل محسن وسهاد حسن وزكية العطار وميسون عبد الرزاق وسعاد عزت وحنان عبد اللطيف وهناء الداغستاني وسهام مصطفى ونضال المهداوي ومديحة معارج وعهود مكي وإقبال حامد . ومن المذيعين رشدي عبد الصاحب وغازي فيصل ونهاد نجيب ومقداد مراد وشمعون متي وخيري صالح وصباح الربيعي وأحمد المظفر وأكرم محسن، وكل هؤلاء تميزوا بإتقان اللغة العربية وحسن الإلقاء .

(ردح) العمارة في عكد الأكراد

تحملك النوارس الى عكد الأكراد في محلة سراج الدين حيث أعدّ الأطفال والفتيان الأكراد الفيلية والعرب في نهاية عقد سبعينيات القرن الفائت او مطلع الثمانينيات سهرة صيفية حتى وقت متأخر من الليل ضجت بها الأجواء، رددوا فيها مع الرقص (الردح): (وأشلون دبجج ياعمارة .. هيج وهيج) وكنت أنت وأخواتك وبنات الجيران وأمهاتكن تقفن عند أبواب الدور تتفرجن بفرح بالغ وتضحكن ولاتدرين بماستحمله الأيام اللاحقة من أسى .. تلك السهرة المتكررة مرتين على مدى عامين لم تمحَ من ذاكرتك حتى اليوم وكنت تتمنين أن تتكرر كل عام .. يذكرك ذلك أيضا بمشهد رقص جارٍ مراهق في عرس حيث كانت تنطلق (زفة العرس) بالسيارات التي تدور في بغداد وصولا الى الفندق، تتذكرين جاركم ذاك بحزن لأنه فقد في حرب الثمانينيات وهو في الثامنة عشرة من عمره وربما أقل وبقيت أمه العجوز تأمل عودته حتى أنها أعطت أمك صورته لتضعها تحت رأسك حين أصابتك الحمى ذات يوم عسى أن تري رؤيا تدلها عليه، ويبدو أن ذلك السلوك (وضع صورة تحت وسادة مريض) معتقد شعبي قديم مثل وضع فئة نقدية تحت رأسه ليلة ومنحها لمحتاج كصدقة تذهب المرض . كانت ثمة أحداث حزينة في ذلك الوقت مرتبطة بالحرب وسواها ـ تستحق أن يكون لها مقالها أيضا ـ ، وقبلها كنتِ طفلة صغيرة جدا في السبعينيات، أدى خوفك مما انتشر في الشارع من أخبار جرائم (أبو طبر) الى تصورك أنه مخلوق خارق قادر على اختراق الجدران، لذا حين كنت تخلدين الى النوم تنظرين الى النافذة والجدران برعب وتتصورين أن (أبو طبر) قد يخترقها في ليلة من الليالي ليقضي عليك . وبمرور الأيام اختفى شبح (أبو طبر) بإلقاء القبض عليه .

موجة أغاني الديسكو

أصبحت مراهقة في ثمانينيات القرن العشرين، وحلق خيالك مع (Far Away) و(Forever and Ever) لديمس روسس، وجذبتك أغاني الديسكو التي مازالت ترافقك وتعيدك الى تلك الأيام، فتلك الأشرطة الصوتية (الكاسيتات) والحفلات البيتية الصغيرة العابرة بين أبناء وبنات العائلة الواحدة تشكل جزءًا من صدى حنينك الى المدينة القديمة المنفتحة على العالم أكثر من الآن والتي مابقي من مظاهر انفتاحها الحضاري غير الفوضوي وأماكنها التي تحبين سوى تلك الصور المحلقة على أجنحة النوارس فوق تلك الضفاف الضاجة في أعماقك .. فأنت إن مررت بتلك الامكنة الآن لن تجدي حتى محال التسجيلات الصوتية، فتتراءى لك أشرطة الكاسيت .. تلك الخزانات الشريطية المتخمة بأغاني الحنين التي كنت تستمعين اليها لفرقة eruption (one way ticket)، وفرقة (ottawan) كـ (You Are Ok ـ D.I.S.C.O ـ Hands Up ـ Crazy Music) ـ وهذه كريزي ميوزك حورها الشارع الى اللهجة العامية العراقية على سبيل الظرافة الى (وين بيت جويسم)؟! ـ وفرقة (Boney M) كـ (Rivers of Babylon ـ Sunny ـ Daddy Cool ـ Ma Baker ـ Rasputin)، وأما فرقة (Modern Talking) فهذه حكايتها حكاية فقد كبر المغني توماس اندرس والملحن ديتر بولن ومازالت أغانيهما ذات الطاقة الإيجابية مثل شابة سعيدة تشبهك أيتها المراهقة البعيدة القريبة، تصدح على ضفاف قلبك، كـ (You're My Heart, You're My Soul ـ Cheri, Cheri Lady ـ Atlantis Is Calling S.O.S. For Love ـ Brother Louie) وهذه الأخيرة Brother Louie هي الأشهر عالميا بين أغنياتهم في حينه . يتميز أندرس بفرط إحساسه لذا تشعرين بأنه يغني بعينيه، ويبدو بولن، لشغفه بالموسيقا، الأسعد في أثناء تسجيل الأغاني وهذا ليس غريبا فهو ملحنها وقيل كاتبها أيضا، وكلاهما المغني والملحن كان إخلاصهما للعمل الغنائي واضحا، إذ إنّ الموسيقا تجري في عروقهما.

العالم ألطف بالأغاني

كانت الأغاني الشرقية والغربية أجمل في ما مضى، وهي جزء من يومياتنا في ذلك الوقت، ويومياتنا محفورة على الجدران الأثيرية لتلك الأمكنة وخطواتنا فيها وأحاديثنا وعلاقاتنا الاجتماعية وأحلامنا الطفولية والشبابية وخيالاتنا التي لاحدود لها، وإذا كان للمكان لغته الخاصة به وفقاً لجغرافيته فإنّ لغة الفنون كالموسيقا والأغاني إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا واللغة ولهذا لاتحتاج الى فهم بالضرورة وإنما احساس، أو ليست هي التي تجعل العالم ـ ومنها تلك الأمكنة ـ ألطف؟!

 

أسماء محمد مصطفى