ضياء نافعغوميليوف - هو الابن الوحيد للشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا من زوجها الاول الشاعر والناقد الادبي والمترجم (اول من ترجم ملحمة جلجامش الى الروسية) والمنظّر الروسي (مؤسس مدرسة  الاكمايزم في الشعر الروسي) نيقولاي غوميليوف، الذي اعدمته السلطة السوفيتية العام 1921، واعيد اليه الاعتبار رسميّا في عام 1992 فقط، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي  (انظر مقالتنا بعنوان - الشاعر الروسي المخضرم غوميليوف).

ولد ليف نيقولايفتش غوميليوف في موسكو، عاصمة  الامبراطورية الروسية العام 1912، وعاش طوال حياته في ظل النظام السوفيتي، وتوفي العام 1992 في روسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اي انه عاصر كل النظم السياسية التي مرّت بها روسيا في القرن العشرين (الامبراطورية الروسية ثم الاتحاد السوفيتي ثم روسيا الاتحادية) . وكانت حياته صعبة ورهيبة جدا، اذ تم اعدام والده عندما كان عمره سبع سنوات، وقد انعكس ذلك طبعا على مسيرته اللاحقة و مصيره باعتباره (ابن عدو الشعب !) كما كانوا يسمونهم آنذاك، خصوصا وان والدته الشاعرة أخماتوفا ايضا (لم تمجّد الثورة !)، وكانت – كما هو معروف – شبه ممنوعة من النشر في تلك الفترة، وقد تم اعتقاله عندما كان طالبا في كليّة التاريخ بجامعة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا)، الا ان أخماتوفا كتبت رسالة الى ستالين ترجوه فيها ان يطلق سراحه (انظر مقالتنا بعنوان – رسالتان من آنّا أخماتوفا الى ستالين)، فأطلقوا سراحه فعلا آنذاك، ومع هذا، فقد  دخل السجون السوفيتية مرتين بعد ذلك الاعتقال، الاولى العام 1938 (لمدة خمس سنوات)، وبعد فترة السجن أرسلوه عام 1944 الى جبهات الحرب العالمية الثانية، وقد شارك بشكل فعّال في المعارك مع الهتلريين الالمان، وبعد اريع سنوات من انتهاء الحرب (1945)، سجنوه مرة اخرى،  العام 1949 (لمدة عشر سنوات)،  و لكنه خرج من السجن عام 1956، اي بعد سبع سنوات فقط،   اذ شمله اعفاء السجناء آنذاك، وهي العملية التي أعقبت وفاة ستالين كما هو معروف . ورغم هذه المسيرة الرهيبة والصعبة وغير الاعتيادية والمليئة بالسجون والمعتقلات، فقد عاد غوميليوف الى الدراسة والبحث العلمي باندفاع شديد، وهكذا دخل التاريخ من أوسع أبوابه  كما يقال، واصبح عالما وكاتبا وباحثا وشاعرا ومترجما ومستشرقا وجغرافيّا ومؤرخا وفيلسوفا، ويوجد له تمثال الان في قازان عاصمة جمهورية تتارستان (وهي جزء من روسيا الاتحادية)، بل توجد جامعة حكومية رسمية في جمهورية كازخستان تحمل اسمه، وهي جامعة غوميليوف الاورو- آسيوية  في استانا عاصمة كازخستان، اذ يرتبط اسمه – قبل كل شئ – الان مع مصطلح  (اورو – آسيا) بالنسبة الى روسيا، اذ انه كان يؤكد في العديد من مؤلفاته على هذه النظرية، التي تشير الى   ان روسيا هي مزيج  مندمج و متآخي ومتوحد من الروس والاتراك والمنغول، وان الروس هم تتار اعتنقوا المسيحية، وان الصفة الاساسية لروسيا كبلد هي (السمة الاورو- آسيوية)، وان على الروس ان يعوا ويستوعبوا هذه الحقيقة، وانه (تتوحد عضويا في كينونتهم عناصر الشرق والغرب معا)، اي انهم (اوربيون وآسيويون في آن واحد)، ولازالت هذه الآراء مطروحة – وبحيوية – امام المجتمع الروسي بشكل خاص، وامام الباحثين حول علم  الاجناس (الاثنولوجيا) في العالم بشكل عام، بل ان هناك بعض الباحثين، الذين يربطون ذلك حتى بمسألة الصراع الهائل، الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر في اوساط الادب الروسي بين انصار النزعة السلافية وانصار النزعة الغربية، هذا الصراع الذي استغرق اكثر من نصف قرن من النقاشات والتصادمات والمواقف المتضادة  في تاريخ الفكر والادب الروسي ابتداءا من بيلينسكي وتشرنيشيفسكي وعبر تورغينيف ودستويفسكي واستروفسكي وبقية الاسماء الادبية اللامعة ، و على الرغم من  ان  غوميليوف لم يكتب بشكل مباشر حول هذه المسألة بالذات، الا ان الباحثين يرون ذلك انطلاقا من تلك الافكار النظرية، التي ثبّتها غوميليوف في مؤلفاته المتنوعة والعديدة .

 لقد نشر غوميليوف العشرات من الكتب والبحوث العلمية المهمة في مجالات مختلفة من العلوم الانسانية والبحتة، ولهذا فانه دخل التاريخ الروسي من مختلف ابوابه، بل وحتى ظهرت في روسيا بعد وفاته عدة جمعيات علمية تعنى بجمع تراثه ونشرها على نطاق واسع، وخصوصا في مجالات علم الآثار(الاركيولوجيا)  وعلم الاجناس (الاثنولوجيا) وعلم طبقات الارض (الجيولوجيا)، ويدرس الباحثون الان تراثه ويجمعونه، بما فيها قصائده التي كتبها في مرحلة شبابه وهو يحاول ان يحاكي قصائد والده غوميليوف أكثر من قصائد والدته آخماتوفا، وكذلك ترجماته عن اللغة الفارسية الى الروسية، وهي اللغة التي تعلّمها وأتقنها عندما عاش في جمهورية طاجكستان السوفيتية آنذاك، ولا يمكن حصر تلك المجالات المتنوعة لنشاطه العلمي في عدة سطور، الا اننا نود الاشارة في الختام الى بحث علمي متميّز له بعنوان – (هل يمكن للنتاج الادبي ان يكون مصدرا تاريخيا ؟)، نشره عام 1972 في المجلة الاكاديمية المعروفة (الادب الروسي)، والذي طرح فيه رأيه بخصوص الملحمة الشعرية الروسية في القرن الثاني عشر (كلمة حول فوج ايغور)، والتي تعد واحدة من أوائل النتاجات في تاريخ الادب الروسي، والتي استند عليها الكثير من الباحثين الروس في كتاباتهم التاريخية، و نحن نشير الى هذا البحث المهم ختاما لمقالتنا، اذ اننا نرى فيه امكانية الحديث عن تلك النظرة الموجودة في تراثنا العربي ايضا، اذ غالبا ما نرى انعكاسا لهذا الرأي في بحوث المؤرخين العرب، عندما يستشهدون بمقاطع من النتاجات الادبية التراثية باعتبارها وقائع تاريخية شبه ثابتة في تاريخنا، وهي مسألة تستحق التوقف عندها وتأملها بامعان وحسب مفاهيم علمية دقيقة بلا شك .

غوميليوف – اسم كبير شبه مجهول للقارئ العربي، وهو يستحق ان ندرس تراثه وموقعه في تاريخ الفكر الروسي، وان نقدّم مختارات من نتاجاته للقراء العرب .   

 

 أ.د. ضياء نافع   

 

 

 

468 بثينة شريفيبدو أن المصائب والنكبات لا تأتي إلينا فرادى، بل تدهمنا على نحو مفاجئ وكأنها جيش زاحف لا تحدّه حدود، ليس الأمر على المستوى العام، فقد بات الأمر معروفاً ما يعانيه العراقيون من محاصصة طائفية وإثنية، وفساد مالي وإداري مستشر وعنف ما زال مستفحلاً ظاهراً وكامناً وإرهاب لا تزال خلاياه النائمة والمتيقظة، تعمل بطاقة كبيرة، في ظلّ ضعف الدولة وانحسار هيبتها ووجود مرجعيات منافسة لها وأحياناً تتقدم عليها، سواء كانت دينية ومذهبية أم سياسية وحزبية وعشائرية وغيرها. قال لي نوري عبد الرزاق حسين عبر الهاتف من القاهرة: ثمة خبر مزعج وهو رحيل فاروق عبد الجليل برتو في جنيف، وعلّق لقد أخذ جيلنا ينقرض، واستعدت بعد هاتفه أسماء أصدقاء ورفاق وزملاء وأقارب كثر رحلوا في وقت قصير، وكأنهم كانوا على موعد مع القدر، فما إن ننتهي من تأبين وحتى قبل أن نتنفس الصعداء، وإذا بخبر مأسوي جديد يصلنا، حتى قبل أن نستفيق من أثر الصدمات السابقة والحزن العميق. بعد وصولي إلى بغداد بيوم واحد وصلني خبر رحيل الصديقة بثينة شريف ” أم سعد” وهي احدى  أعمدة الحركة النسوية في العراق، وقد عملت مع الدكتورة نزيهة الدليمي الرائدة الأولى التي اقترن اسم رابطة المرأة العراقية باسمها ومعها سافرة جميل حافظ وبشرى برتو وشخصيات نسوية أخرى، وكان لوالدتها مقبولة أحمد دور كبير لرعاية ذوي المعتقلين بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 وهي عقيلة الدكتور حكيم شريف شقيق عزيز شريف الشخصية اليسارية المعروفة، وشقيقه الآخر المحامي عبد الرحيم شريف الذي استشهد تحت التعذيب في قصر النهاية العام 1963. في هذه الأجواء والمفعمة بالوطنية والإنسانية والتضحية نشأت وترعرعت بثينة، وقد وجدت طريقها للعمل العام أولاً عبر رابطة المرأة وثانياً من خلال تنظيمات الحزب الشيوعي حيث استمرت في عضويته نحو 6  عقود من الزمان وكانت حين رحيلها قد بلغت 80 عاماً حيث ولدت العام 1938  لعائلة دينية تعود أصولها إلى مدينة عانه، وأنهت دراستها الثانوية في الأعظمية وحصلت على بعثة دراسية هي الجامعة الأمريكية في بيروت وتخصصت في علوم الكيمياء وتخرجت العام 1957 وانتسبت إلى كلية الهندسة (معيدة) لتدريس الهندسة الكيماوية وانخرطت في تلك الفترة في جمعية الهلال الأحمر كمتطوعة . تزوجت من الدكتور محمد الجلبي في العام 1963 عشية الانقلاب البعثي ضد عبد الكريم قاسم، وذهبا لقضاء شهر العسل في البصرة، وعادا ليلة الانقلاب وقد اعتقل الجلبي وعذّب في قصر النهاية وفي مبنى الإدارة المحلية بالمنصور، حيث استشهد وبعد فترة اعتقلت بثينة أيضاً بعد اختفاء دام عدّة أسابيع، ولم تلتقِ شريك حياتها إلّا وهو على حافة الموت، وكانت بثينة قد تعرّضت للفصل السياسي لمدة 6 سنوات وأعيدت إلى الوظيفة العام 1969 ولوحقت مرّة أخرى في أواخر السبعينات عند اشتداد الحملة الحكومية ضد الشيوعيين واختفت لنحو عام ثم تمكّنت من الذهاب إلى الشام، وعملت هناك بكل نشاط وحيوية في المجال النسوي، وبعدها التحقت بقوات الأنصار الشيوعية . وأتذكر أنني قابلت بثينة شريف في كردستان وهي ترتدي الشروال والملابس الكردية وتجوب القرى والقصبات. وبقيت عدّة سنوات هناك ثم نسّبت لمهمات خارجية لرابطة المرأة التي مثلتها في مؤتمرات دولية، ثم انكبت على دراسة تاريخ الحركة النسوية الديمقراطية في بلغاريا لنيل الدكتوراه، وبعد تخرجها العام 1993 توجهت للتدريس في ليبيا في جامعة ناصر، وعادت بعد الاحتلال مباشرة لتسهم في إعادة بناء بلدها، لكنها اصطدمت بالموجة الطائفية وبنظام المحاصصة والتمييز، حيث تفشّى الإرهاب واستشرى الفساد المالي والإداري وانتشر العنف، لكن ذلك لم يفل من عزيمتها. كانت أسئلة بثينة تكبر يوماً بعد يوم وتدريجياً ، كانت أميل إلى التساؤلية العقلية الانفتاحية، فالحلم بالغد السعيد والوطن الحر يحتاج إلى المراجعة والنقد ولم يعد يكفي التبشير واليقينية الإيمانية، خصوصاً بعد انهيار النموذج الاشتراكي وانكشاف عورات الأنظمة الشمولية جميعها في بلدان الأصل والفرع. هكذا كانت الأقدار الغاشمة تواجه جيل الخمسينات والستينات الأكثر حلماً والأكثر تميّزاً.تحلّت بثينة بعلو شأن وكرم خلق وظلّت حتى آخر أيام حياتها مثل وردة ، وحتى وإن أخذت تذوي، لكن ألقها بقي مفعما ورائحتها زكية وروحها حيّة، وتركت أثراً طيباً ومثلاً جميلاً فسلاماً وألف سلام .

 

عبد الحسين شعبان

 

 صالح الطائي(من وحي سنوات التهجير)

أنا وسدة الكوت توأمان، ولدنا في مكانين مختلفين، والتقينا بعد طول فراق، جدنا الأعلى لأبينا هو أنكيدو، وجدنا الأعلى لأمنا هو كلكامش، وأصلنا وأرومتنا وعشيرتنا من نسل الأفعى التي سرقت ماء نبع الحياة وشربته، فأصبحت تبدل جلدها كل عام، لكي لا تفارق الخلود، حتى مع كوننا ـ نحن أولادها غير الشرعيين ـ  من ألد أعداء الخلود، نقتل كل شيء يربطنا بالماضي لكي لا نتهم بأننا خلوديين، مسيرتنا خلاصة جميع ملاحم التاريخ الإنساني منذ أن اوقد نارها أوتانبشتم، وأرشده الحكماء الأغبياء المقيمون في غابة الأرز البعيدة إلى كيفية المنازلة، وإلى أن سطَّر حمورابي قوانين مسلته؛ التي أبدلها أحفاده بكأس من النبيذ المعتق.

افترقنا أنا وهي منذ مليون عام، والتقينا بعد طول فراق، يوم أجج العراقيون آخر وأغبى ملاحمهم التاريخية، لا مع عدوهم المشترك، الذي يترصدهم، ويكيد بهم، بل فيما بينهم، مع أنفسهم، فأخذ بعضهم يذبح بعضا، وبعضهم يُهجِّر بعضا، فوجدتها لا زالت غارقة في الماء، العابق برائحة الدماء، الدماء القادمة من غياهب مجاهيل الغدر الإنساني، هناك في أعالي النهر، حيث يقطن التوحش والتوجس والرهبة الأبدية، حيث روح البداوة كانت تعزف على ربابتها التي يشبه صوتها عواء ذئب هرم هده الجوع.

التقينا فوجدتها ترفل غنجا وتتلوى، كرقص مذبوح على أعتاب الطائفية، وتبكي أذرعها المعطلة المشلولة التي كانت بالأمس تحتضن السمك، السمك الذي تحرر من أسرها، وغادرها مهاجرا صوب الجنوب، باحثا عن شِباك صياد سومري أسمر، ليتخذها بيتا وملاذا بعد طول تشرد على أعتابها التي تراقص الماء، ووجدتني ذلك الشخص نفسه المصاب بالهذيان، لا زلت أهذي، بالرغم من كل الذي مر، بعد أن فقدت بيتي ومدينتي وجيراني وأصدقائي وما أملك، ومكتبتي وكتبي التي ألفتها. ذلك الشخص المخدوع، لا زلت أحتضن حروفي المجنونة المبعثرة على قارعة ذاكرتي الصدئة؛ التي انهكها اللؤم البشري، على أمل أن أنثرها نصائح وحكما في طريق قوافل السائرين إلى مصيرهم طوعا، ولا أحد منهم يفهم ما أقول أو يهتم بما أتحدث. فمثلي مثل جميع الأنبياء، غرباء عن أقوامنا الذين يتآمرون علينا باستمرار، نعمل لحياتهم ويعملون على ذبحنا.

التقيت بها وأنا أنوء بحمل أطنان من الغربة، وأكداس من اليأس، وشعور قاتل بالهزيمة المرة، التي سببها لي أخي في الدين والوطن، إرضاء لشهوات حيوانية ورثها عن أجدادنا الأغبياء، الذين لم يعملوا على حل مشاكلهم التافهة، وإنما رحَّلوها إلى أولادهم واحفادهم، مع وصايا مجحفة بالحفاظ عليها إلى الأبد، فتضخمت وتحولت إلى غيلان تنهش وجه التعايش والتسامح؛ يوم وصلت إلينا، فكان أول ضحاياها روحنا الوطنية، ولا قيمة للإنسان متى ما ماتت روحه الوطنية، ومتى ما فقد الإنسان قيمته، تفقد الأوطان قيمتها وهيبتها وعزها وشرفها.

التقيت بها فوجدتها مصابة بهزال الثرثرة، قد خف صوتها، واختفت عربدتها، وماتت أفاعي مائها الوشل، وهاجرت أسماكها، كللها الحزن، وذوت محاسنها، بعد أن التهم الطير الأمريكي الجارح المتوحش البشع بلا سبب وجنتها، وبعد أن ترك أهلها العناية بها!

التقيت بها وقد هدني التعب وأحرق حشاشتي الحزن بعد ان نجحت في الخروج من المتاهة، لأن متاعب الإنسان تزداد كلما كبر حجم المتاهة، وزاد تعقيدها، فما بالك بوطن تحول كله إلى متاهة معقدة؟!

لكن بالرغم من تعاقب مرور السنين، وبالرغم من كون الجميع غيروا جلودهم.. لبسوا أقنعة جديدة .. غيروا أشكال سحناتهم، طريقة مشيهم وتحدثهم.. وحدنا، هي وأنا، لم يتبدل شيءٌ فينا، لا هي جف ماؤها، ولا أنا تركت هذياني. لا هي تنازلت عن طيبتها، ولا أنا تنازلت عن وطنيتي.

فهل الهذيان رفيق رذاذ الماء؟ أم ان أصل الماء هو الهذيان، وبدونهما لا تكون الحياة ولا يكون وطن!

 

صالح الطائي

 

كاظم شمهوديذكر بعض المؤرخين ان مدينة قرطبة ظهرت في زمن الفينيقيين القرطاجنيين (تونس) واطلقوا عليها اسم كاردوبا Karduba – (Kart-Juba) اي مدينة خوبا Juba وقد قام بتأسيسها زعيم الفينيقيين أميلكا باركا Amilcar Barca على شرف احد قواده المسمى Juba والذي قتل في أحد المعارك مع الرومان نحو 230 ق.م ومن المعروف أن اميلكا باركا هو والد المحارب هانيبال (هاني بعل) وهو الذي ايضا قام بتأسيس مدينة برشلونه وسميت بأسمه باركا Barca (Barcelona) . وبعد وصول المسيحية الى قرطبة في القرن الثالث ميلادي بزعامة الاسقف اوسيو Osio اخذت المعابد الدينية تنتشر واخذ الناس يعتنقون المسيحية ويتخلون عن المعتقدات الوثنية القديمة ويذكر ان الاسقف اوسيو كان يشغل المستشار الاول للامبراطور أوغسطين الاول مما سهل أنتشار المسيحية في القرن الرابع ميلادي .

عصر المسلمين:

دخل المسلمون الى شبه الجزيرة عام 711 م وكان في اول الامر اتخذوا اشبيلية عاصمة لهم ثم انتقلت العاصمة الى قرطبة في عام 756 عندما أسس عبدالرحمن الداخل أمارة منفصلة عن الدولة العباسية .

وفي سنة 929 اصبحت قرطبة عاصمة الخلافة الاموية في الاندلس حيث وصلت الى اوج عظمتها وازدهارها ورقيها وتمدنها الحضاري، واعتبرها البعض عاصمة الدول الاوربية .

و كانت قرطبة في هذه الفترة من اكثر مدن العالم كثافة سكانية وقد بلغ عدد سكانها عام 1000م الى 450.000 نسمة، وفي رواية اخرى الى مليون نسمة .

وكانت مركزا اقتصاديا وعلميا ودينيا وكانت جامعة قرطبة يشد اليها الرحال من كل اطراف المعمورة . وكان ابناء الاشراف والملوك من الاوربيين يأتون الى قرطبة لدراسة مختلف العلوم والفنون، وكان جامع قرطبة صرحا حضاريا ليس له مثيل في العالم . اما عمارته فهي من عجائب الدنيا جمالا وسعة وفنا وشموخا يسحر كل من شاهده . وقد استمر العمل في بناءه حوالي قرنين من الزمان وخلال هذه الفترة اشترك في بناء عدد كبير من الخلفاء والامراء وآلاف المعماريين والعمال وجلبت اليه الحجارة من مدن ودول بعيدة، حتى غدى آية جمالية تقر لها العين وتلذ .

436 قرطبة

ثم شيدت مدينة الزهراء الاسطورية في زمن عبد الرحمن الثالث (الناصر) وتقع غرب قرطبة على بعد نحو 7 كم وكان يشرف على بناءها ابنه الحكم الثاني، واستغرق العمل فيها حوالي 15 سنة وقيل اكثر من ذلك . وغدت اية في الصناعة والجمال لم تلحقها اي مدينة في اوربا .. ولكن تدور الايام ويدخل الموحدون المتعصبون اسبانيا فيأتون الى هذه المدينة ويحرقونها ويحولونها الى ركام وانقاض بحجة انها مخالفة للدين .. وما اشبه ذلك باليوم والمنظمات المتطرفة و داعش والتعصب والتحجر وحرقها للمدن والآثار وقتل وتهجير الناس بحجة انهم كفار ..

زرت المدينة اكثر من مرة وقد وجدت ان علماء الاثار الاسبان قد انتشلوا المدينة الساقطة واقاموها من جديد واعادوا بناء اسوارها واقواسها وحجارتها وزخارفها واعمدتها . وغدت اليوم كأنها قد بعثت بها الحياة من جديد واصبح الزائر والمشاهد يتخيل حضور صور الخلفاء وأهل المدينة وحركة الناس بطرازهم وتقاليدهم القديمة.

أما على الصعيد الثقافي والعلمي فقد بلغت قرطبة في زمن الحكم الثاني أوج عظمتها ورقيها وتألقها وكان يمتلك أكبر مكتبة في العالم وكان يرسل الاشخاص الى مختلف الدول والمراكز العلمية لشراء وجلب المخطوطات العلمية والادبية والثقافية، ويذكر ان عددها بلغ نحو 400،000 الف مخطوط وقيل في مصدر آخر مليون مخطوط في كل صنوف المعرفة .

ولكن قرطبة لم تستمر في تألقها الحضاري طويلا حيث سيطر الموحدون على الاندلس ونقلوا العاصمة الى اشبيلية وبذلك فقدت قرطبة مركزها الحضاري واخذت جذوتها المضيئة تخمد شيئا فشيئا ثم تحولت الى خراب ودمار ايام حكم الطوائف بفعل الصراعات السياسية الداخلية المستمرة

435 قرطبة

مسجد قرطبه:

واليوم نجد مسجد قرطبة الاسطوري قد اهملت جدرانه وتركت للزمن ان يعبث بها واخذت زخارفه تتآكل وتتساقط نتيجة الاهمال المقصود والمتعمد، ولازالت الابواب الاصلية تحيط بها الاقواس والاعمدة الرشيقة وتزيينها الايات القرآنية والزخارف الاسلامية المحفورة على الحجر أما الجهات المتضررة من الجدران فقد حولت اليوم الى سطوح ملساء صماء مكسوة بالجبس الابيض واقواس نصف دائرية الشكل ذات لون اصفر غامق أو داكن ..

وحلت محل السقوف القديمة السقوف المنحنية المضلعة، وانشأت على جوانبه المصلات المسيحية تزينها الصور والتماثيل والصلبان وغيرها من الزخارف المسيحية وبقى محراب المسجد على حاله بزينته وزخارفه وآياته القرآنية التي تحيط به والذي يعتبر من أجمل رواع الفن الاسلامي الاندلسي، كما يوجد الى الان محراب صغير يقع على الجهة اليمنى ويبدو انه المحراب القديم الاول الذي نصبه حنش بن عبدالله الصنعاني الذي اسس المسجد وعين قبلته .

واليوم نجد ونشاهد هناك حملة كبيرة لتحويل عمارة المسجد من الطراز الاسلامي الاندلسي الى طراز مسيحي . وهذه الحملة بدأت منذ قرون ولكن بشكل بطىء تتخللها محطات توقف وانقطاع حسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية .

وكانت هذه الحملة قد لاقت معارضة شديدة من قبل علماء الاثار الغربيين وحتى الاسبان وقد وصفه البعض بأنه (أشنع عمل همجي) وكان اضافة الهيكل في زمن الملك كارلوس الاول عام 1521 وهو الذي أمر بتغيير المسجد .. ولكن عندما زاره شاهد جمال عمارته احتج وتراجع عن اوامره السابقة فقال لهم (لقد بنيتم هنا ماكان يمكن بناءه في اي مكان آخر وقد قضيتم بذلك على ماكان اثراً وحيداً في العالم) .

وفي الفترة الاخيرة احتجت حكومة قرطبة والاحزاب الاشتراكية الاندلسية على هذه التجاوزات الغير قانونية على عمارة المسجد وتغييرها من قبل الكنيسة ودعت الى اعادة النظر في حق ملكية الكنيسة للمسجد، وقادت هذه الحملة ايضا نائبة رئيس الحكومة الاشتراكية الاسبانية الحالية-2018- ودعت الى طرح هذه القضية الى القانون والمحاكم .. علما ان المسجد يعتبر اليوم تحت رعاية منظمة الامم المتحدة اليونسكو للحفاظ على التراث العالمي وفيه يمنع التجاوز على التراث وتغييره او تحويره او اهماله او هدمه ..

 

د. كاظم شمهود

 

بقلم الوالد الفقيد حسين سلطان صبي / أبو علي

بعض ردود الأفعال حول عملية الهروب من  سجن الحلة المركزي  1967                                                           

* تصريح لمدير السجون العامة على أثر العملية

نشرت صحيفة الاعلان وهي من الصحف القديمة تصريحا لمدير السجون العام حمدي سعيد بعد العملية نسجل هنا بعض الفقرات منه :

بعد هروب عدد من السجناء من سجن الحلة قررنا  الغاء السجن نهائيا  أن النفق ينتهي عند جدار السجن المطل على أحد كراجات السيارات ومدة حفر النفق بما لا يقل عن ستة أشهر وطوله أربعة عشر مترا  وهروب السجناء الأربعين قد تم في الساعة الخامسة والنصف مساء بعـد أن هدأت حركة العمال في الكراج حيث كانت قد وصلت الى الكراج سيارة حمل من بغداد، وجاءت بعدها سيارة ركاب من النجف فركبوا بها بحجة انهم ركاب وبعد خروج السيارة شاهد الحارس ثلاثة منهم يخرجون من الكراج فاعتقد بأنهم لصوص، وقد تعرف الحارس في حينه على النفق .

ان عمليات حفر النفق كانت شاقة للغاية واستعملوا فيها السكاكين والحديد، وشرعوا بالحفر في غرفة تستعمل كعيادة طبية للمرضى منهم  توجد فيها أدوات وأثاث طبية متروكة فكانوا يحفرون ليلا ويضعون الأدوات في مكانها فوق الحفر الى أن أتموا الحفر . أني قد اشعرت مدير الأمن العام بعد زيارتي الى هناك قبل أيام بأني غير مرتاح من وجودهم في هذا السجن، واني أتوجس خيفة من ذلك، واننا كنا في طريق اتخاذ اجراءات لنقلهم فسبقونا وتمت عملية الهروب . ان أربعة عشر سجينا قد ألقي القبض عليهم من أصل الأربعين سجينا الهاربين وما زالت التعقيبات جارية لإلقاء القبض على الآخرين وان الاجراءات الأصولية قد اتخذت لإحالة الهاربين المقبوض عليهم للقضاء لمحاكمتهم .

أما السجناء الهاربون مع سنوات محكوميتهم فهم كل من :

1 ) جاسم محمد المطير / 20 سنه

2 ) حمادي عبد ألله / 20 سنه

3) حسين علي طراد / 20 سنة

 4) حافظ رسن / 5 سنوات

5 ) حسين ياسين / 3 سنوات

6 ) عبد العزيز الحامد / 20 سنة

7 ) عبد الجبار علي الجبر / 20 سنة

8 ) عبد اللطيف حسن / 20 سنة

9 ) عبد الأمير سعيد / 20 سنة

10) عبد الحميد غني / 20 سنة

11) عدنان ابراهيم / 20 سنة

12) رياض كريم حبش / 10 سنوات ونصف

13) عادل عباس الزبال / 7 سنوات

14) عبد تام الجبار مال ألله / 20 سنة

15) مظفر عبد المجيد النواب / 20 سنة

16) ريمان عبد ألله / 15 سنة

17) نبيل حسين / 15 سنة

18) غانم داود الموصلي / 5 سنوات

 19) عدنان عبد ألله سمعو / 20 سنة

20) أسعد عبد العاقولي / 20 سنة

21) عقيل كريم / 10 سنوات

22) سعدان فهوي / 20 سنة

23) سعد ألله ملا محمد / 12 سنة

24) جياد تركي / 20 سنة

25) كمال مدني / 11سنة

26) محمد حسن حمدي / 10 سنوات

27) صدام حميد / 20 سنة

28) قحطان عارف / 27 سنة

29) محمد موسى كاظم / 5 سنوات

30) حز علي جاسم خلف / 20 سنة

31) بشير الزرعو / 20 سنة

32) صلاح حسن شاهين / 20 سنة

33) هادي صالح / 3 سنوات

34) محفوظ يونس / 20 سنة

35) جاسم حذو / 15 سنة

36) جواد عبد ألله / 10 سنوات

37) حسين سلطان / 9 سنوات

38) عبد الواحد خلف / 20 سنة

39) حازم صابر / سنة واحدة

40) فاضل عباس / 17 سنة

* تعقيب من السيد علي عرمش شوكت :

كان علي عرمش شوكت من سجناء سجن الحلة وأطلق سراحه في بداية عام 1965، أي أطلق سراحه قبل تنفيذ عملية الهروب بأكثر من سنتين، لذلك أختلط عليه أمر الهروب من نفق سجن الحلة بين المحاولة الأولى التي لم تكتمل والتي ابتدأت على حد قوله في نهاية عام 1964 حيث تم حفر بداية بئر النفق وألغيت العملية لظروف معينة وطمر ذلك الحفر، حيث الفكرة الأساسية كانت البحث عن مكان مناسب للحفر لإخفاء بعض الوثائق الحزبية خوفا من العثور عليها أثناء عملية التفتيش . والمحاولة الثانية التي خطط لها وأشرف على تنفيذها المرحوم حسين سلطان حيث تمت عملية الهروب في نهاية عام 1967  واعتبر علي عرمش شوكت ان العملية التي نفذت لم تكن من فكرة المرحوم حسين سلطان حيث كتب قائلا :

كتب شخص لا أتذكر اسمه قبل أيام عن حادثة الهروب من سجن الحلة عام 1967، ونسب فكرة الهروب الى الرفيق الفقيد ( حسين سلطان )  وهنا بودي بل وواجب علي أن أبين حقيقة هذه العملية باعتباري شاهدا ومساهما بها، وقبل أن أدون وقائع تلك العملية الجريئة وعمليات مماثلة أخرى، لا يسعني الا أن أشير الى ان فكرة الهروب والبدء بحفر النفق قد تمت قبل أن يعتقل الفقيد ( حسين سلطان ) وتـحـديـدا فـــــــي نـهـايـة عـام 1964 في حين كان اعتقاله في عام 1966     .   .   .

 (جاءنا خبر عبر أحد السجانين الطيبين الذي كسبناه صديقا لنا وهو من أبناء الحلة مفاده ان هناك حملة تفتيش ستجري من قبل الإدارة في جميع الردهات بسبب العثور على الأنكر وحينها كانت لدينا بعض الأدبيات والرسائل الحزبية فقررنا اخفاءها ولم نجد غير دفنها تحت الارض ولا يوجد في السجن أرض قابلة للحفر كلها من الاسمنت المسلح ما عدا غرفة صغيرة تسمى الصيدلية مكسوة أرضيتها بالكاشي (البلاط) وعنـدما باشرنا بقلع البلاط عثرنا على مجرى للمياه الآسنة مغلق وقديم ويمتد باتجاه السياج الخارجي ولا يحتاج الا لتوسيع قليل وقمنا بتهيئة أدوات الحفر وكانت هذه العملية يتولى تنفيذها الشهيد حليم أحمد ورفاقا آخرين وفقا لمخطط اللجنة الحزبية، كان ذلك في نهاية عام 1964، وفي بداية عام 1965 انتهت محكومية الرفيق قاسم ناجي وعلي عرمش وآخرين من رفاق التنظيم على أثر ذلك تم تأجيل العملية وكذلك نشأت بعض الارباكات في العلاقة بين السجناء الحزبيين وغير الحزبيين مما أدى الى تخلي المنظمة الحزبية عن اللجنة الإدارية الى الطرف الآخر، ولكن بقي بعض الرفاق كمسؤولين اداريين في ردهاتهم وذلك ما زاد صعوبة العمل في حفر النفق لكن بعد ذلك واصل الشهيد حليم أحمد والرفاق الآخرون العملية خصوصا بعد مجيئ مجموعة جديدة من السجناء مرحلين من سجن نقرة السلمان ومنهم الشاعر مظفر النواب والمرحوم حسين سلطان وغيرهم وهذا عام 1967 حيث تمت عملية الهروب بنجاح باهر رغم حصول بعض الاشكالات على أثر الانشقاق في الحزب في تلك السنة) الى هنا انتهى موضوع عرمش .

وقد أشار المرحوم حسين سلطان الى محاولة الهروب الأولى من سجن الحـلة مستفيدا من موقعها حيث كتب في مذكراته عن العملية ما يأتي : ... وقبل مغادرتي سجن نقرة السلمان بأيام كنا في قاعه مجموعة من الرفاق نتحدث في مواضيع شتى ومنها الهروب من السجن وقال أحد الرفاق (اننا سعينا في سجن الحلة قبل نقلنا الى حفر نفق من غرفة الصيدلية وهي تقع بين ممرين (قاووشين) كبيرين في القلعة الجديدة وحفرنا بالعمق ما يقارب المتر الا اننا اضطررنا في ظروف معينه الى غلقه (بصبة من السمنت) وأردف قائلا موجها كلامه لي: ســــــوف تلاحظها اذا وصلت سجن الحلة، الغرفة كلها كاشي أرضيتها وستجد مساحة من السمنت تلك هي الحفرة). هكذا قال أحد الرفاق في حديث عَرضي، إلا اني كنت منتبها اليه بكل جوارحي وكانت عندي فكرة سابقة ان سجن الحلة فيه امكانية جيدة للهروب حيث تحيط سور السجن بيوت أهلية لا تبعد عن غرف السجن الا بضعة أمتار ومثل هذه الإمكانية مغرية لمن يفكر بحفر نفق للهروب .. وأضاف .. واني لم أعمل عملا مباشرا مثل الحفر أو نقل التراب نظرا لوضعي الصحي وزرت النفق مرتين فقط . الأولى في بداية العمل وعند نهاية البئر والثانية عند أزمة التراب والزيارتين كانـتا في وقت متأخر من الليل .. وأضاف متحدثا عن الرفاق العاملين بالنفق: .. ان هؤلاء الثلاثة كانوا أبطالا حقيقيين من حيث الجهادية ونكران الذات، كانوا يعملون ليل نهار وبلا كلل ولا ملل، يتقدون حماسا من أجل انجاز المهمة المكلفين بها بكل شرف وأمانة .

خ.ح.س

     خالد حسين سلطان          

 

جواد عبد الكاظم محسنلظروف قاسية جدا كنت أمرّ بها تدهورت حالتي الصحية، وكان الإهمال جوابي لها حتى تفاقم الحال، فهبّ ثلاثة من أخوان الوفاء، فحملوني عنوة إلى عيادات الأطباء ومختبرات الفحص، واتضح أن حالتي في غاية الخطورة وتتطلب عملية جراحية بأسرع وقت ممكن، إذ حصل ورم خطير كاد أن يغلق القولون، فاتصلت بأخي وفاء رابع في بغداد وأرسلت له تقاريري الطبية كافة، فاختار لي طبيبا جراحا بارعا هو الطبيب رامز سامي المختار  للقيام بإجراء هذه العملية الجراحية فوق الكبرى، وعرض عليه تقاريري الطبية، وصحبني إليه، وأدخلت على عجل إلى مستشفى الراهبات في كرادة مريم، وأعيدت الفحوصات كافة، وتأجلت العملية يوما واحدا لأن فحص الدم أظهر وجود نقص كبير فيه، فأعطيت على الفور قنينتين، ثم ثالثة في العملية ورابعة وخامسة بعد إجراء العملية .

رافقني في المستشفى طوال أيام رقودي المحامي في المستشفى الصديق المحامي ثامر جواد المغير، وهو من أخوة الوفاء ومن عائلة كريمة ومشيخة عشيرة ألبو حمدان في المسيب، وقد أحاطني بجهده وكرم أخلاقه طوال أيام رقودي الخمسة في المستشفى، ولم أغب عن رعايته ونظره ساعة واحدة، ورفض رفضا باتا أن يساعده أحد في هذه المهمة وخاصة في المبيت، كما أن عددا غير قليل من الأصدقاء الأعزاء والأقارب تقاطروا عليّ، ولم تنقطع عيادتهم لي في نهار أو ليل، وقد تحولت معظم تلك الزيارات إلى ندوات أدبية ماتعة، قرئ فيها الكثير من عيون الشعر، ورويت أخبار الأدباء السالفين، فخففت من آلامي، وأنعشت روحي، وأرغمتني على المشاركة فيها أحيانا !!

ومن تلك الزيارات الأدبية الجميلة عيادة وفد الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق – المقر العام، في اليوم الثاني للعملية، وقد تكوّن الوفد من الأساتذة إبراهيم الخياط الأمين العام للاتحاد، ورفعت مرهون الصفار من لجنة العلاقات الاجتماعية وعلي شبيب من إدارة الاتحاد، وقد حملوا باقة ورد طبيعية جميلة، وفيه بطاقة كتب فيها:

((الأستاذ جواد عبد الكاظم

أمنياتنا بالشفاء العاجل والعودة لأهلك وصحبك واتحادك وإبداعك

اتحادك

اتحاد أدباء العراق

الأحد 19/8/2018))

وقد سررت بهذه الزيارة على قصرها، وكان الأمين العام إبراهيم الخياط قد ختمها ببيت الشعر:

أدب العيادة أن تكون مسلما      وتقوم في إثر السلام مودعا

ومن الزيارات الأدبية الجميلة عيادة الدكتور سعد عبد الجبار العلوش وشقيقه المحامي أياد العلوش، وكان الشاعر أحمد شوقي رابعنا إذ هو محور الحديث في الزيارة، ويحفظ الدكتور سعد العلوش الكثير من روائع شعره كما شقيقه المحامي أياد ..

وعادني الكثير من الأصدقاء الأعزاء وفي مقدمتهم الأدباء من بغداد والحلة والهندية والمسيب وسدة الهندية، وغيرها، وكان لزملاء الأمس في الشركة العامة لصناعة الحرير موقف لا ينسى، إذ جاءني الحاج داود سلمان الأعظمي في يوم العملية حاملا هديته وهدية الأستاذ الكبير صباح رشيد العبيدي المقيم حاليا في مدينة أريزونا في الولايات المتحدة، والمهندس خالد الشمس المقيم حاليا في أربيل، وقد ظلوا جميعا متابعين لحالتي الصحية يوما بيوم، كما زارني من زملاء العمل الأستاذ صبيح محمد الوهيب ونجله فراس الأستاذ في الجامعة المستنصرية ..

ومن الزيارات المؤثرة زيارة الدكتور عباس القويزي على كبر سنه وضعف حالته الصحيه إلا إنه أصر على أن يأتي لزيارتي، ويستقل المصعد بصعوبة إلى الطابق الثالث ليتفقدني ويجلس ويجلس معي بصحبة نجله علي .

*  *  *

من المصادفات السعيدة أن مدير مستشفى الراهبات الأستاذ غالب منصور ساوا، وهو نجل زميل قديم وصديق عزيز راحل في الشركة العامة لصناعة الحرير، وما أن علم بذلك، حتى اهتزت مشاعره، وانبعثت ذكرياته، وأولاني اهتماما خاصا على كافة الأصعدة ما أعجز عن شكره، وكان الدكتور عبد الرضا عوض قد ذكر صداقتي مع أبي غالب في كتاب صدر له قبل سنوات عنوانه (وتلك الأيام ..)، وقد عرج عليها من خلال تجربة عاشها في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، إذ كتب:

(أما اليوم الثاني الذي لا أنساه من عملي الوظيفي حينما نقلت قسراً من معمل نسيج الحلة إلى معمل حرير السدة بسبب مشاكل راحت تتفاقم وتتراكم أساسها إلقاء القبض على شقيقي الشيخ عبد الحليم بتهمة انتمائه لحزب الدعوة الإسلامية اللذان خيبا آمالنا تماماً (الحزب وشقيقي)، فقد وصلت الشركة يوم 3 نيسان 1981، والحرب بين العراق وإيران على أشدها، وبعد إجراءات روتينية بسيطة ترك الخيار لي لكي اختار القسم الذي يمكنني العمل فيه، فكانت محطتي الأولى في قسم يرأسه رجل متوسط العمر طويل القامة يظهر عليه علامات الجد والحزم ينادونه الناس (أبو غالب) وأنا بتُ أنادية (راعي الغلابة) اسمه منصور ساوا أو هكذا !، من الطائفة المسيحية، كنت قد إلتقيته مرة واحدة في معمل نسيج الحلة قبل التحاقي في معمل حرير السدة،غاية في الأخلاق والنبل والصدق، وفي ذلك اليوم حان موعد الاستراحة، فحضر شقيقه لأمر ما فصرفه بطريقة ذكية، وقال أنت ضيفي، فقلت له أرجو أن تتم أوراق المباشرة وسأعود إلى الحلة الآن فألح علي وجلسنا لوحدنا في غرفة صغيرة . فقال لي:

أنا أعرفك وأنت من الكوادر الفنية التي يشار لها، لكن لماذا نُقلت إلى هنا؟ سيما وانك مصر على إبقاء أسرتك في الحلة، فقلت له بما هو واقع ! إن سبب نقلي هو ما حدث لشقيقي بانتمائه لحزب الدعوة، وما أن سمع هذه العبارة حتى سقطت الملعقة من يده وغارت عيناه، وقال لي وهو يتلفت يميناً ويسارا بطريقة الناصح الصادق، اسمع يا أخي في الإنسانية – هذه العبارة لا يقولها إلا من اكتوى بالظلم ـ، هذا النظام البعثي ظالم ومجرم، هذه المرة تكلمت معي بدون عوائق لكن إياك.. إياك .. أن تعيد الكلام هنا في هذه الشركة، فهذه تهمة وجريمة قد تجرك إلى مصائب !! فقلت له حتى (ح.ج) - وكان هو المتنفذ في الشركة بحكم منصبه الوظيفي- فهو صديق الطفولة والصبا، فقال لا تأمن أياً كان هنا !!، وبما أن الخيار لك في العمل أينما ترغب ولك حب للثقافة والأدب فلن يتواءم معك في هذه الشركة غير شخص واحد اسمه (جواد) يكنى (أبو اعتماد) وهو غير موجود الآن ويعمل في قسم الهندسة المدنية، وحذاري أن تكرر حديث شقيقك، وقدم توضيحاً لما هو الحال في الشركة بما اختزل عليَّ أمور كثيرة، وفعلاً التقيت جواد بعد فترة فكانت معرفتي به خير صحبة فأنا مدين لذاك الرجل الفذ (راعي الغلابة)، منصور الذي ضاع أثره، ولم أعرف له طريق كي أقدم له جزيل شكري وامتناني لأمرين:

- الأول باختصاره سبيل معاناة قد أدفع لها ثمنا باهضا ..

- الثاني كونه سببا لمعرفتي بالأستاذ الجواد المحسن).

* * *

قبيل دخولي إلى صالة العمليات ظهيرة يوم الأحد 18 أيلول 2018م اكتظت غرفتي وخارجها بالأصدقاء من بغداد والمسيب وسدة الهندية والحلة وغيرها، فكان لذلك بالغ الأثر في نفسي ورفع معنوياتي، ودخولي إليها بنفس راضية، وقد رددت الشهادة وأعلنت لنفسي قبولي مقدما بما قسم الله لي، وابتسمت لما سيأتي، على الرغم من رؤيتي لقلق البعض وعيونهم الدامعة وقد رافقني أصحابها إلى باب الصالة، وبعد ربط الأجهزة كان آخر ما سمعته كلمة (أوكسجين) ثم غبت عن الوجود، وقيل أن عمليتي استغرقت ساعتين ونصف الساعة، أخرجت بعدها إلى غرفتي، وبدأت تدريجيا أفيق من البنج العام، وأشاهد الوجوه الطيبة التي أحاطت بي ورافقتني، واستمع لتهانيهم لي بالسلامة .

تقاطر الأصدقاء الأعزاء لعيادتي طوال الأيام التالية، وهم يعرضون خدماتهم عليّ، وأنا أتوجه بالشكر والامتنان لهم، كما أن الاتصالات عبر الجوال لم تنقطع نهارا أو ليلا ممن كانوا بعيدين عني .

في اليوم الثالث من العملية عانيت من انبثاق سوائل فضلات من أنبوبي (الدرين) حتى غرقت بها لأكثر من مرة .. بعد انتهاء الدوام كانت هناك ممرضة خافرة تدعى جانيت اعتنت بكل المرضى بشكل مائز ومنهم أنا، وكانت تناديني ب(عمو) وقالت إني مثل ابيها الذي توفي بعد مرضه ..

بعد أن أكملت جانيت عملها مع المرضى الآخرين وقد ﻻحظت ما حل بي استدعت العامل البنغالي جان وحملتني معه عنوة إلى الحمام وأجلستني على كرسي ووضعت راسي فوق المغسلة وغسلته بعلبة شامبو وجففته ثم خلعت كل ملابسي وراحت تغسل جسمي جزءا بعد آخر بواسطة الخاولي والشامبو ثم تسكب الماء بمساعدة العامل البنغالي، ولما أتمت ذلك أحضرت ملابس العمليات وألبستنياها وأعادتني إلى سريري وجددت ضماد جرح العملية وأحضرت علبة بودرة ﻻ تتسبب بالحساسية ونثرت محتوياتها على المناطق الحمر المحيطة بمنطقة جرح العملية للتخفيف من آثار الحساسية والألم ..

وضع المرافق الذي معي مبلغا من المال إكرامية في جيب جانيت فرفضته بشدة وأرسلنا لها علبة حلوى فرفضتها بتهذيب أيضا، وعندما ﻻحظت انكساري قالت إنها ستأخذ زهرة من الباقة التي حملها وفد اتحاد الأدباء لي واختارت أصغر زهرة ووضعتها في قدح على منضدتها وبقيت ترعاني حتى صباح اليوم التالي ..

سألت جانيت عن أهلها قالت إنها من الكرادة وقد تشتت أهلها وأقاربها في المنافي بعد مضايقة الإرهاب لهم ومحاولتهم خطف شقيقتها الصغرى !! وسألتها ثانية وأين تقيمين يا جانيت اﻵن ؟ قالت أقيم في دير للأيتام يجاور المستشفى أرعاهم وأبيت فيه !! في دفتر ملاحظاتي كتبت عنها كي ﻻ أنساها ولن أنساها ما حييت: (جانيت ابنتي التي ليست من صلبي)!!

 

*  *   *

أما على صعيد عالم الفيسبوك فكنت قد نشرت على صفحتي فيه يوم الأربعاء 15/8/2018 خبرا للأصدقاء جاء فيه: (أصدقائي الأعزاء: من المقرر إجرائي عملية جراحية في مستشفى الراهبات ببغداد يوم الجمعة 17/8/2018 لاستئصال ورم في القولون .. احتاج دعاءكم)، وقد وردني ما يقرب من ثلاثمائة تعليق تضمنت أصدق الأدعية ويرجون لي الصحة والسلامة والشفاء العاجل .

وكان عدد من الأصدقاء قد نشروا على صفحاتهم خبر دخولي إلى المستشفى أو زيارتهم لي، ومنهم الإعلامي عبد عون النصراوي، والنسابة علي حسن علوان، والباحث حسن عبيد عيسى الذي عادني إلى المستشفى في اليوم الثاني للعملية مع الدكتور عبد الرضا عوض.

ونشر الصحفي العراقي الرائد محسن حسن جواد نداءً وفيا على صفحته الشخصية يوم 30/8/2018 جاء فيه: (بعد مضي أسبوعين ولم نسمع خبرا عن صديقنا الباحث التراثي جواد عبد الكاظم، أجريت عدة محاولات للاتصال به لمعرفة حالته الصحية بعد العملية التي أجريت له لاستئصال ورم في القولون يوم 17 آب.

وأنا في لبنان أرسلت له رسائل بمختلف الطرق للاطمئنان على صحته ولاطمئن مئات الأصدقاء والمتابعين وأتمنى له الصحة والسعادة بمناسبة عيد ميلاده يوم 28 آب كما كنت افعل كل عام.

أخيرا رد الصديق جواد وقال انه بخير شاكرا السؤال عنه وقد زاره وفد من اتحاد الأدباء ثم مجموعة من أدباء محافظ بابل.

تمنياتنا له بالشفاء).

ونشر الأستاذ الدكتور سعيد عدنان يوم 10/9/2018 كلاما طيبا عني قال فيه: (عرفته على صفحة هذا العالم الأزرق ؛ فعرفت فيه القلم الرصين، والخلق الرفيع . أحبّ المعرفة وتزوّد منها الزاد الوفير، وكتب في التاريخ، والأدب ما يقوم على حسن التحقيق والاستيعاب ...

منّ الله على أخينا العزيز الأستاذ جواد عبد الكاظم بالصحة والعافية وردّه إلى أصحابه ومحبيه سالماً معافى).

*  *  *

أمضيت في مستشفى الراهبات خمسة أيام وسط رعاية دائمة، وكانت مغادرتي لها يوم الأربعاء 22/8/2018 بعد الظهر، وقد طلبت المرور بمدينتي المسيب لدقائق معدودة لرؤية البيت والأحفاد، ومنها مضيت ومن معي إلى موطن الأهل والأجداد في قرية هادئة من قرى ناحية أبي غرق لقضاء فترة نقاهة فيها بعد إجرائي لتلك العلمية فوق الكبرى وحاجتي الملحة إلى الراحة والهدوء ..

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

عدنان الظاهرفتح لي باب شقته الصغيرة وكان كعادته حليقا وقبعته على رأسه والسيجارة في يده. قال تفضل لنشرب فنجان قهوة. قلت لا قهوة ولا شاي. هيا فليس لدينا الكثير من الوقت لإنجاز كافة معاملاتك. أحكم غلق الباب ومشى أمامي بثقة. في الشارع سألني الى أين نحن ذاهبون؟ قلت نذهب أولا الى دائرة يسمى مختصرهاKVR . قال وما معنى ذلك؟ قلت إنها ثلاث كلمات يكتبونها كعادتهم ممتزجة معا فتبدو وكأنها كلمة واحدة. في هذه الدائرة يتم إنجاز معاملات الإقامة وتنظيم جوازات السفر والتقاعد وكافة الأمور والأحوال الشخصية كالزواج والطلاق وتسجيل الولادات الجديدة. هنا سألته مداعبا ومشاكسا: هل لك نية الزواج بسيدة ألمانية جميلة طويلة تقود سيارتها المارسيدس ولديها شقة على البحر في إيطاليا؟ جذب نفسا عميقا طويلا مثبتا في وجهي ملامح جافة قاسية مفعمة بالعتب، كأن جبينه وعينيه قُدّت من صخر جلمود . قال

ألا ليت الشبابَ يعودُ يوماً   لأخبرَهُ بما فعلَ المشيبُ

ثبّت ناظريه على أسفلت الشارع قائلا إنني لم أخنْ زوجتي لا في شبابي ولا في كهولتي. وبعد وفاة أم محسد لم أجد في نفسي بعدها أدنى رغبة في الزواج . ثم - أضاف - ما نفعي بسيارة وشقة على البحرلا أملك منها أو فيها شيئا؟ وبأية لغة سأتكلم مع بنت الحلال، أنا الذي بدأ ينسى حتى لغته الأصلية، لغة أمّه وعشيره

وأبيه. لقد وجدت لغتي تضيع مني بل وتخونني بعد أن فارقت قول الشعر. قلت له ستتعلم يا أبا الطيب لغة مقامك الجديد وستقرأ بها شعر الشعراء العظام من أمثال غوته وهاينه وشيللر وغيرهم. قال وماذا سأفيد من شعر هؤلاء بعد أن توقفت عن قول الشعر؟ يقرأ المرء شعر غيره لكي يطور ويحسن شعره .

وصلنا الدائرة المطلوبة وأنجزنا معاملات أبي الطيب وعلى رأسها طلب المسؤولين في أن يعجل الشاعر في الإلتحاق بمعهد غوته Goethe لتعلم اللغة الألمانية. تركنا هذه الدائرة الضخمة المتشعبة الأقسام والأغراض فأشعل أبو الطيب سيجارة وشرع ينفث منها دخاناً كثيفاً لاعناً الساعة التي ألجأته إلى طلب اللجوء. قال بعصبية وصوت عالٍ هل يتعلم رجل جاوز الخمسين لغة أجنبية لا علاقة تربطها بأصل لغته لا شكلا ولا نحواً ولا صرفا ولا إشتقاقا؟ قلت له إنّ ذلك جد ضروري. قال وما وجه الضرورة؟ قلت إن اللغة تيسّر لك إيجاد عمل مناسب في مكان مناسب. قال وما عسى أن يعمل شاعر قضى عمره في قول القريض ولا من شيء سواه؟ قلت أعرف رجالا أسنَّ منك قبلوا أعمالا مثل حراسة بعض الأبنية والشركات. وأعرف آخرين عملوا سائقي سيارات تاكسي. وأعرف آخرين عملوا في المخازن العملاقة ناقلين أو مصففين للبضائع. قال لعلمك إنني لم أقُدْ سيارة في حياتي ولا أعرف كيف يسوق المرء سيارته. أنت تعرف عالمي جيدا، عالم الخيل والليل والبيداء. قلت أحسنت يا عزيزي، قد والله أحسنتَ إذ قلت بلسانك في تتمة هذا البيت " والسيف والرمح والقرطاس والقلم ". أليس كذلك؟ قال نعم قد قلت، ماذا تقصد؟ أقصد إنك تستطيع أن تنخرط جنديا مقاتلا في الجيش بإعتبارك صاحب سيف ورمح. ثم إنك تستطيع إذا ما ضبطت اللغة الجديدة أن تعمل مدرسا للأدب والشعر في بعض المدارس والمعاهد المتخصصة بإعتبارك صاحب قرطاس وقلم. إنتفض الشاعر محتجا بشدة قائلا كان ذلك يا عزيزي في سالف الزمان، أيام القوة والفتوة والعنجهيات الفارغة وعنفوان الشباب. يتقاتل البشرُ اليوم بالأسلحة الفتّاكة من جرثومية وكيميائية ونووية. ولدى الجيوش دبابات وطائرات حديثة وصواريخ عابرة للقارات وسواها الكثير من أدوات الحرب والإبادة والدمار. كنا نقاتل بالسيف والرمح وكانت الخيول وسائل كرّنا وفرنا. فلأي سلاح سأنظمُّ وبأي سلاح سأقاتل وأنا كما تراني لا أقدر أن أحمل جسدي إلاّ بمشقة؟.

كان المتنبي مرهقا حقا وبدا لي شاحب الوجه منهوك القوى. إقترحت أن نقضي بعض الوقت في أحد المقاهي لبعض الراحة وأن نشرب فنجان قهوة. وافق الرجل بدون تردد.

في المقهى خلع سترته وعلق قبعته في المشجب الخاص بتعليق القبعات. واصل التدخين بشكل يلفت النظر. وكان جليا أن الرجل غير منبسط مما يجرى له من أمور . غير مرتاح مما آلت إليه أوضاعه بعد اللجوء. كان قلقا عصبي المزاج وعدوانيا بعض الشيء. جاءت القهوة لكن شاعرنا المتقاعد لم ينبس ببنة شفة. لم يشأ الكلام في أي موضوع. واصل التدخين بشراهة متناسيا فنجان قهوته وغير مبال بحضوري معه لكأنه في عالم آخر. كان سارحا شديد الرجوع الى ماضيه الذي كان يوما بالغ التألق رجلا وشاعرا يتنقل بحرية في أشهر الأصقاع يومذاك بين العراق وبلاد الشام ومصر وفارس. يتنقل دونما حاجة لجواز سفر أو تأشيرة دخول.  أردت إخراجه من النفق المظلم الذي دفن فيه نفسه فأنشدت بصوت خفيض نشيدا كنت ما زلت أحفظه من أيام المدارس الأبتدائية:

بلادُ العُربِ أوطاني      من الشامِ لبُغدانِ

ففوجئت أن صاحبي قد شرع هو الآخر يهزج بفرح طفولي معي:

ومن نجدٍ إلى يَمنٍ       ومن مصرَ لتطوانِ

ضحكت كما لم أضحك من قبل. ضحكت إذ نجحت حيلتي فأنتزعت المتنبي من سوداويته وقنوطه وبؤس حاله الذي مر الجميع به بهذه الدرجة أو بأخرى. قلت له، وقد تبدل بشكل جذري مزاجه، أتدري أبا الطيب أن " تطوان " التي نعرف في هذا النشيد هو إسم مدينة تونسية إسمها تطاوين؟ قال عرفتُ ذلك يوم أن كنت في ليبيا. شرب قهوته الباردة رشفة طويلة واحدة وطلب فنجانا آخر.

قلت له ما دام قد تبدل مزاجك أبا الطيب، فإنه ليطيبُ لي ونحن في هذا المقهى أن أسألك عن بعض تفاصيل محكمة اللجوء في مدينة " نورنبرغ ". مَن قام لك بدور المترجم وما نوع اللجوء الذي منحتك المحكمة؟ قال طلب مني الشاب الذي أدار عملية الإستجواب وحيدا أن أسترسل بالكلام وأن أتكلم كما أشاء مركزا على الأسباب التي جعلتني أفضل طلب اللجوء إلى هذا البلد. لم أقل له إني قدمت من ليبيا.

قلت إني ساهمت في إنتفاضة آذار عام 1991 في مدينتي السماوة (محافظة المثنى).

وبعد إجهاض الإنتفاضة وتدمير البشر والأرض والممتلكات هربت مع من هرب بطريق الصحراء إلى العربية السعودية. وُضِعنا هناك في المخيم الصحراوي(رفحا) سنينَ طويلة. نظّمنا نحن الشعراء يوماً مهرجانا للشعر حضره بعض أمراء آل سعود، وكان من بينهم شاعر أديب دلّته حاسته الشعرية على أصالة فني الشعري. طلب مقابلتي بعد المهرجان ورحب بي ترحاباً حاراً يفوق الوصف. قال إنه كان يعرف إسمي شاعرا لكنه صدم إذ وجدني مع من وجد في هذا المخيم المعزول النائي ثم عرض علي أن أعمل في حقل التدريس في بعض المعاهد. شكرته كثيرا وقلت له ما دام الله قد فتح وشرح لي صدرك فأرجو أن تسعى الى تيسير أمر مغادرتي هذا المخيم. قال سأنفذ إن شاء الله طلبك وعلى الفور. بعد بضعة أيام أتاني أحد حراس المخيم باسما مستبشراً - وما رأيناهم يوما باسمين، كانوا عادة متجهمي الوجوه غلاظ القلوب شرسي الطباع - حاملا معه جواز سفر مؤقت بإسمي وتذكرة سفر إلى العاصمة النمساوية فيينا مع كمية من الدولارات الأمريكية. كان الحاكم الذي كان يستجوبني يصغي لي مأخوذا بما كنت أقص عليه من أكاذيب وأحداث سينمائية بهلوانية لقنني إياها مستشار السفارة العراقية في طرابلس الغرب السيد " حسين لامي بديوي " أو " حسين بديوي اللامي ". صدقني الرجل ذو الوجه الطفولي البريء الباسم وثبت كل أقوالي على إسطوانة كانت تدور على جهاز تسجيل موضوع الى جانبه الأيمن. قلت للمتنبي وما كان دور المترجم وهل طلب منك المزيد من التفاصيل؟ قال كلا. كان يترجم حرفيا ما كنت أقول. إلا إذا طلب الحاكم المزيد من المعلومات. قلت وهل تعرف إسم هذا المترجم؟ قال بعد مرافعة المحكمة التي إستغرقت قرابة الثلاث ساعات والتي أنهكت قواي الضعيفة أصلا، سألت المترجم عن حكم المحكمة بحق قضيتي وعن نوع اللجوء فقال إنه يظن أنني سأُمنحُ حق اللجوء السياسي وليس اللجوء الإنساني. ثم تجاسرت فسألته عن إسمه فقال - ولعله كان كاذبا - إنه الدكتور " ناصر الحسن ". كيف يكون الدكتور مترجِما؟ قلت لا غرابة في الأمر يا أبا الطيب. في أوربا يعمل المرء ما يعجبه أو ما يستطيع أن يعمله إذا ما توفرت فيه شروط ومستلزمات هذا العمل أو تلك المهنة. فالمترجم على سبيل المثال ليس طبيبا كما تظن. إنه دكتوراه في الفن أوالإقتصاد. وإن الرجل لم يكذب عليك وأنا أعرفه منذ فترة طويلة. ذكرالرجل لك إسمه الحقيقي الكامل. قال ولِمَ لمْ يذكر إسم أبيه إذا كان صادقا؟ قلت هنا يكفي ذكرالإسم الأول ثم لقب العائلة.

قال وهل تعرف أنت إسم أبيه؟ قلت لا أحد في عموم ألمانيا يعرف إسم أبيه. ليس لأن في الأمر سراً، ولكن لا أحد هنا يهتم بالسؤال عن إسم الأب. قال وهل هذا يعني أن الرجل بلا أب، ونغلٌ من ليس له أب؟ قلت كلا، له أب وقور محترم وكان له نِعمَ الأب. قال وهل تعرفه جيدا؟ قلت يعرفه غيري جيداً. عدت أسأله وكيف وجدت الرجل؟ قال وجدته ظريفا شهماً يساعد الناس. وجدته متواضعا بسيطا خاليا من تعقيدات البعض ممن يحملون الجنسيات الأجنبية. قلت كلامك هذا صحيح، وأزيد عليه أن الرجل يحب الغناء والطرب ويهوى أشعارك ويحفظ الكثير منها عن ظهر قلب. ويقيم في داره بين الحين والحين حفلات ومناسبات فنية يحضرها جمع كبير من أصدقائه. يسمرون لديه ويأكلون ويشربون ويستمتعون بغناء المغنين ويطربون مع المطربين. ولديه مجموعة كبيرة من الطبول ورقع الشطرنج ويلعب الطاولي بمهارة يُحسد عليها ويتحدى جميع لاعبيه. كما أن لديه أقراصا تحمل تسجيل قصيدتك التي أحبُّ " ما لنا كلُنا جوٍ يا رسولُ " مغناة بصوت قاريء المقام العراقي المبدع المرحوم " يوسف عمر ". قال يبدو الرجل لي خليطا عجيبا نادرا في هذه الأيام. قلت وهو كذلك. إنه " زوربا " هذا الزمان. قال أَوَ ما زال مثلي عازبا؟ قلت إن الرجل متأهل ولكنه مثل " شهريار" عقيم لا ينجب. قال إنه يبدو قويا معافى. قلت ليس الأمر كذلك يا أبا الطيب. إنه يعاني من نقص إفراز مادة الإنسولين في دمه. قال لم أفهم. قلت إنه ضحية ما يسمى بمرض السكري. لذا فإن حُقن الإنسولين لا تفارق جيبه أبدا، يحملها معه أنّى ذهب واتجه. أسفي عليه، أسفي عليه، قال ثم أضاف ألا تعرّفني عليه؟ قلت وهو كذلك. وسيكون مسرورا أن يتعرف على شاعره المفضل أبي الطيب المتنبي. سينظم لك في داره حفلا غنائيا خاصا يدعو لإحيائه خيرة مطربي أوربا من العراقيين. وسيستمر الحفل حتى ساعات الصباح الأولى. هذه سجيته. يحب السهر وينتشي إذا ما فرح وطرب أصدقاؤه. قال إنما هذه من شيم خيرة الرجال. أسفي عليه وعلى خيار الناس .

اقتربت الساعة من الثانية بعد الظهر فقلت له هيا إلى داري لنتناول طعام الغداء معا. قال وما لديك من طعام؟ قلت لديَّ في الثلاجة الكثير. أطرق هنيهة مفكرا ثم قال أفضل الذهاب إلى (مهجومي) لأنام قليلا وأتمتع بقسط من الراحة بعد عناء هذا اليوم الشاق. قلت ألا نلتقي ثانية عصرَأو مساءَ هذا اليوم؟ قال بل أفضل أن أقضيه وحيدا. سأمكث في شقتي، أكنسها وأرتّبها وأغسل صحون الأمس وملابسي الداخلية. وإذا شئتَ نلتقي صباح غد. إقتراح معقول يا أبا الطيب. وإذا ما احتجت أي شيء أو استجدَّ أمرٌ عاجل أو هام إتصلْ بي عن طريق أحد تلفونات الشارع.لا تتردد رجاء. قام ليرتدي سترته ويضع القبعة على رأسه ثم قال هازئا ساخرا: ومتى سيجد التلفون طريقه الى شقتي؟ سوف لن يطول إنتظارك يا أبا الطيب. تلك مسألة غاية في السهولة. إنتظرْ قليلا فقط. قال الصبر مفتاح الفَرَج.

صحبته حتى مدخل عمارته على أن نلتقي صباح اليوم التالي. لم نتفق على برنامج محدد. غدا سنعرف ماذا نفعل. وإنَّ غداً لناظره قريبُ.

- 9 -

وجدته يتمشى أمام عمارته منتظرا قدومي. كان هادئا جيد المزاج يدندن كعادته حين يكون ذا مزاج منبسط. رمى عقب سيجارته من يده قائلا أين ستمضي بي هذا اليوم؟

قلت إلى الطبيب. سيفحص الطبيب قلبك وضغط الدم ويسألك إنْ كنتَ تشكو من شيء قديم أو عارض. قال لا أحب الأطباء لا أحب الأطباء. قلتُ ومنذا الذي يحبهم؟ نزورهم مضطرين. ثم إنَّ مُساعِدات الطبيب وليس الطبيب من يقوم بتسجيل ضغط دمك وعدد نبضات القلب. وقد يقترح فحص السكر في بولك ودمك. قال ومن سيقوم بفحص دمي وبولي؟ الممرضة المساعدة يا أبا الطيب. إنتفض الرجل بحدة معترضا قائلاً كيف تفحص إمرأة بولي وسكّر دمي، كيف؟ قلت هوِّن عليك. هذه أمور مقبولة هنا وعادية لا تجرح حياء الرجل ولا تسبب له أي إحراج. هذا هو واجب الممرضات المساعدات وهذا هو عملهن الذي تدربن عليه. قال وهل الممرضات ألمانيات؟ قلت بل هن من كافة الجنسيات. ففيهن الألمانية والبولندية والتركية والتايلندية واليونانية ومن جنسيات وأقوام أخرى لا حصر لها. قال على ذكر فحص سكر الدم، هل هناك إحتمال أن أكون مصابا كالمترجم بمرض السكري فأضطر إلى حمل حقن الإنسولين معي حيثما ذهبت؟ قلت لا يبدو عليك أنك تعاني من هذا الداء. قال وكيف عرفت؟ قلت لأنك لا تقاسي من عطش شديد ولا من يبوسة في الفم ولا تتبول كثيرا. ثم إن ظاهرة السكر في الدم درجات لا يستلزم أولها إلا تخفيض الوزن ويستلزم بعضها الإعتدال في المأكل والمشرب وتجنب أو الإقلال من السكريات والنشويات مع الإكثار من الخضروات الطازجة. وهناك مرحلة قبل الحقن بالإنسولين تتطلب تناول بعض الحبوب. وحتى مرحلة الحبوب هذه تنقسم بدورها الى مراحل تعتمد على عدد الحبوب التي يتناولها المريض في اليوم وعلى قوة هذه الحبوب بوحدة الملليغرام. وأخيرا وعند تفاقم حالة المريض يوصي الطبيب المختص بتناول حُقن الإنسولين. أمامك أبا الطيب مراحل ومراحل قبل بلوغ الدرجة الأخيرة التي أزعجتك وقضّتْ مضجعك. تنفّس الصعداء قائلا الحمد لله، ألف الحمد لله، إني إذن معافى فلا تأخذني يا اْبن أمي الى الطبيب. معافى معافى ولا بول في سكري ... عفوا ... لا سُكّرَ في دمي ! ثم أخذ يقرأ بصوت عال:

يقول لي الطبيبُ أكلتَ شيئاً          وداؤك في شرابكَ والطعامِ

وما في طبّهِ أني جــــــــوادٌ          أضرَّ بجسمهِ طولُ الجَمامِ

قلت له هذه فحوص تسمى روتينية تُجرى للناس بشكل دوري منتظم مرة كل أسبوع أو كل شهر وبعضها مرة في العام، لا ضرر منها. ثم هي في نهاية الأمر لمصلحتك وتعلمك أن تراقب نفسك ووضعك الجسماني. أما إذا إحتجت إلى طبيب نفساني فسيحيلك طبيب الأمراض الداخلية الى آخر مختص بالأمراض النفسية لا سمح الله. قال وهل تشك في قواي العقلية؟ كلاّ كلاّ يا أبا الطيب. كلنا عرضة للإنحرافات النفسية ولا عيب في ذلك. الإنحراف النفساني لا يعني بالضرورة إنحرافا أو إختلالا عقليا. فبين الإثنين حدود يعرفها الطب والأطباء. أنت الآن في أوربا ولست في الكوفة أو السماوة. إنبسطت أسارير الشاعر المتعب المرهف وأظهر لي الكثير من أمارات الثقة بي وبنفسه. قال سنمضي إلى الطبيب … حتماً…، ولكن في يوم آخر. أنا اليوم سعيد ومتفائل وأود أن أتمتع بجمال هذا اليوم الصائف ودفء نهاره وروعة حدائق المدينة. لا تفسد ذلك عليّ رجاء. ثم إني معافى معافى معافى. سأنذر نذرا لأبي الفضل العباس وأوزع الحلوى من مصقول وملبّس للفقراء والأطفال. سأزور مساجد المدينة إنْ كان فيها مساجدُ للمسلمين. سأصلّي وأصلي الفروض والنوافل. هل في المدينة مساجد؟ قلت نعم. هناك مساجد للأتراك وأخرى للأفغان والإيرانيين وآخر مشترك لجميع المسلمين يديره أستاذ مصري.

إقترحَ وهو في ذروة الإنشراح والعافية النفسية أن نقضي قبل الغداء بعض الوقت في حديقة نافورة إله المياه " نبتون " الواقعة خلف وزارة العدل. قلت له كنت بالأمس شديد التشاؤم حين كنا في هذا المكان. قال نعم. قد تشاءمت حين شرع الإله ينزف من جميع أركانه بدل الماء دماً عبيطا ومن ثم إنطفأت الأنوار بشكل فجائي وتوقف الماء والدم جميعا. سألني ما علاقة الضوء بالدم. قلت توقف الضياء والنور لأنهما ضد الجريمة والقتول والدماء البريئة المسفوكة. توقفا لكي يوقفا سيلان الدم المتدفق في جنين ونابلس من أرض فلسطين. إحتجاج رمزي صارخ وتذكرة للعالمين أن يفتحوا الأعين على ما يجري هناك من خروقات للقوانين والأعراف والإتفاقيات والمواثيق الدولية وما يسمى بحقوق الإنسان. إشارة عميقة الدلالة أن العالم اليوم في ظلام دامس فاق كل ما كنا قد سمعناه عن العصور المظلمة. إفتحوا يا ناس عيونكم، إفتحوا يا عرب عيونكم وأصحوا من غفلتكم وغفوتكم وإلاّ فالكارثة لا محالة مقبلة. كارثة الكوارث يا ناس مقبلة. أراها أقرب من حبل الوريد. هذا ما كانت قد تنبأت به

" زرقاء اليمامة " قبل قرن من عهد الطوفان. ليس لدى العرب السلاح النووي الذي يُحيّد أعداءهم أو يقيم معهم التوازن العسكري بالردع النووي المتقابل. لم يوفر حكامنا لنا ما يحمينا ويحمي أرواحنا وأعراضنا وأرضنا من التهديد الشامل بإفنائنا من الوجود. ما علمونا كيف نمارس الديمقراطية وحرية الإقتراع ومداولة السلطة. وهذه هي النتيجة المحتومة. هم في واد ونحن الشعوب في واد آخر. يحمل الكثير منهم وأغلب أبنائهم الجنسية الأمريكية وبلايينهم المهربة مودعة في البنوك التي يسيطر عليها اليهود سواء في أمريكا أو أوربا. أما نحن، أنا وأنت وباقي الناس فنصيبنا التشرد وطلب اللجوء لنحيا على الكفاف وعلى حواشي الحياة الدنيا.  قلت هل تعلم أبا الطيب أن نافورة الإله نبتون قريبة جدا من الساحة التي يتجمع فيها الناس عربا ومن غير العرب تضامنا مع الأهل في فلسطين وإحتجاجا على ما يجري في فلسطين من قتل وتدمير وإغتيال وحصار وتجويع. قال وما إسم هذه الساحة؟ قلت إسمها " شتاخو س Stachus ". قال ومتى يجتمع هؤلاء الناس المرة القادمة؟ قلت نهار السبت القادم على تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً. قال أريد أن أشارك في هذه التظاهرة.لا بد أن أشارك فيها وهذا أضعف الأيمان. أحسنت أبا الطيب الشهم والغيور، أحسنت. عهدي بك شريفا شجاعا ثائرا. قال ليتني أستطيع أن أقاتل على أرض فلسطين. قلت لا يسمح لك جيران فلسطين بدخولها مقاتلا. قال لماذا؟ إنَّ دخول فلسطين يتطلب موافقة الإدارة الأمريكية وإسرائيل. قال وما دخل أمريكا وإسرائيل بدخول فلسطين عبر حدود دول عربية؟ لم أجبه. صرت أهذي مع نفسي مرددا (إذا كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ / وإنْ كنتَ تدري فالمصيبة أعظمُ!). سمع المتنبي هذياني على ما يبدو، فلقد شرع الرجل يبكي بكاء مرّا. شرعت أجفف سيل دموعي في لحظة وصولنا إلى نافورة إله الماء نبتون . كانت النافورة جافة والإله فاغراً فاهُ مبتسماً ساخراً شامخَ الرأس مفتوح الذراعين غير آبهٍ بما فيه وما حوله من جفاف. الماء يأتي مع المساء. والماء نفسه لا يأتي النافورة مرتين. كانت حديقته غاصة بالناس يدخنون ويثرثرون ويقرأون الصحف. جلسنا صامتين كأن على رؤوسنا الطير. هو يدخن وعيونه ما زالت مبتلة بالدموع. يحاول أن يقول شيئا لكنه يقاوم الرغبة في الكلام. كان يعاني من صراع خفي مكبوت يريد ولا يريد أن يفصح عنه. إستسلم أخيراً فأحجم عن الكلام. أغمض عينيه المبتلتين بالدموع وأغفى فتعالى شخيره. إنتبه الناس إلى قوة هذا الشخيرالذي يُذكّر بقاطرات البخار القديمة فضحك بعضهم بصوت عال. أما إله المياه الروماني نبتون فرأيته مبتسما إبتسامة غامضة فيها ظلال سخرية وشماتة كأنه يريد أن يقول: من الذي أتى بكم إلى بلداننا؟ لِمَ لا ترجعون الى بلدناكم؟ لماذا لا تقاتلون في سبيل قضاياكم التي تسمونها مصيرية؟ فزعتُ إذ دنا الإله مني وهمس في أذني قائلا إن وزارة العدل التي ترى أمامك قد أخطأت خطأ جسيما في دفاعها عنكم وإحتضانكم وتوفير فرص عمل وعيش لكم ثم ستمنحكم الوزارة بعد ثماني سنوات الجواز الألماني الذي لا أملك رغم بقائي هنا واقفا منذ ألفي عام. أعمل ليلا ونهاراً صيفاً وشتاءً لأرفّهَ عنكم وعن أمثالكم. أبيت تحت السماء لا سقف يحميني من مطر أو برد أو ثلوج. لا من يقدم لي باقات الزهور التي أرى العشاق يتبادلونها أمامي. ستصبحون قريبا مواطنين أوربيين. أما أنا فسأظل تمثال حجر بلا وطن. تنكّرَ لي نيرون وقيصر وأنطونيو (صاحب كليوباترا فرعونة مصر). جحدوا أفضالي على روما ثم جمّدوني حجراً في إله وإلها في حجر كأنهم سمعوا صرخة الفيلسوف الألماني نيتشة حين قال (مات الإله). نعم كان يقصدني أنا بالذات.ثم أصدروا حكما بإبعادي عن إيطاليا بعد أن جردوني من بيتي ومزرعتي وباقي أملاكي وأخيرا جواز سفري. سألته كيف إذن وصلتَ إلى ميونيخ وأنت لا تحملُ جوازَ سفرٍ؟ قال وصلتُ كصاحبك المتنبي تهريباً.لا تنس إنَّ لإيطاليا حدودا مشتركة مع ألمانيا. قلت يبدو أنك غير مسرور بعملك هذا حارسا لحديقة كبيرة وموزّعَ نوافيرِ ماءٍ فراتٍ ومُسليّا لبني البشر من أمثالنا؟ قال بلى، جِدَّ مسرور. فسوق العمل متأزمة ومعدلات البطالة عالية. ثم إني أكون في غاية السرور حين أرى الناس حولي مسرورين مبتهجين فأنسى وحدتي ومحنتي وأتأقلم مع منفاي. قلت يبدو أن هناك أشياء كثيرة مشتركة بينك وبين بني البشر. قال نعم. فيكم بعضٌ مني وفيَّ بعضٌ منكم. ألم يكن الجبار السومري جلجامش خليطا ثلثاه من الألهة وثلث من البشر؟ قام المتنبي وانحنى بخشوع أمام نبتون وقدّم له سيجارة فاعتذر الإله أنه لا يدخن، بل وإن التدخين ممنوع عليه خلال ساعات العمل. قال المتنبي مُحنقاً: أللهُ أكبر! حتى أنت إلهي لا تستطيع التدخين؟ غمزه بطرف عينه اليسرى قائلا: بلى، أدخّن أحيانا ولكن … أدخِّن خلسة. أُدخن سجائر رخيصة مزوّرة مهربة تأتيني من الحدود الألمانية – الجيكية! دنا المتنبي من الإله المذعور قائلا خذها، إنْ لم تستطع التدخين الآن فضعها مخفية خلف إحدى أذنيك. دخنها لاحقا في ساعة هدوء بال وخلو المتنزه من البشر. أخذها شاكرا وأرتدَّ على مهل ليشغل المكان الذي وضعته الدولة فيه صنماً مقيدا متحجراً معزولا منفيا وتحت رقابة وزارة العدل اليومية. يضخ الماء من صخور جسده ليدخل البهجة في نفوس البشر. فثلثه من لحمهم ودمهم وعظامهم. هو بعض منهم … شاء ذلك أم أبى. شاؤوا هم أم أبوا. نهض المتنبي قائلا أحس الآن ببعض الراحة. لقد قبل رب الماء مني أخيرا ما أسديت له من جميل. لم يرفض السيجارة التي عرضتها عليه. أخفاها خلف أذنه وسيفيد منها لا شك يوما. أو إنه سيبيعها بنصف " يورو " إلى السيد (حسين زيدون). ضحكت طويلا لأني أعرف قصة حسين مع التدخين.

أشار لي أن وقت طعام الغداء قد حان. إقترح أن نأكل معا شيئا خفيفا في مطعم قريب للهامبركر قريب من ساحة “ شتاخوس “. وبعد الغداء نتناول الشاي الثقيل المعطر بالهيل والدارسين في شقته. وجدت العرض مغريا فوافقت على الفور. إقتربنا من تمثال نبتون لتقديم تحية الوداع فلم يرد علينا. حاولنا الكلام معه فضاعت محاولتنا سُدى. تساءلنا تاركين البارك الجميل عن سبب صمت إله الأمواه الباردة والحارة فلم نعثرعلى جواب شافٍ. لم يمنعه القائمون على العدل عن التدخين حسبُ، بل وحرموا عليه الكلام مع الأجانب. ونحن في الطريق الى المطعم أخذ المتنبي يقرأ شعراً لغيره (دع الأقدار تفعل ما تشاءُ / وطبْ نفساً إذا حضرالغداءُ). طلب " شاطرا ومشطورا بدون كامخ ". سألته لِمَ لا يأكل الطرشي الحامض وهو منشط للمعدة وفاتح للرغبة في الطعام؟ قال إنه أولاً يأكل دوما تقريبا دونما شهوة للأكل. ثم إن معدته لا تتقبل الحوامض. وقلّت رغبته في الطعام بشكل ملحوظ بعد اللجوء حيث تغير نوع وطعم الطعام جذريا. قلت له وما كنت تأكل قبل اللجوء؟ قال كنا نأكل التمر والزبدة الطرية وخبز الشعير الذي يحمل نكهة وحرارة التنور. ونشرب لبن الجمال والماعيز. ونأكل اللحم المشوي أحيانا وفي المناسبات وعند وفادة بعض الضيوف. لا نعرف الثلاجات ولا الطعام المطبوخ سلفا ولا المحنط بالجليد ولا المدفون في علب الصفيح والزجاج .

بعد الغداء قصدنا شقة المتنبي لشرب الشاي الموعود. جاء الشاي فكان رائع

المذاق. لكن صاحبي ترك كأس الشاي وإستسلم لنوم عميق فأرتفع الشهيق والزفير فتذكرت أحد أناشيد الطفولة( صوتُ صفير البلبلِ هيّج قلبَ الثمِلِ ...). تمتعت بكأس الشاي على مهل مع قصد وشحة مخافة أن ينتهي على عجل. فصاحبي غط في قيلولته وأنا لا أجرؤ أن أتصرف في شؤون مطبخه. فكيف إذن سأدبر كأس شاي آخر؟ سينهض الرجل بعد ساعة. وسيعد له ولي شايا جديدا حارا تفوح منه رائحة الهيل والدارسين. مضت الساعة لكن الشاعر لم يفق. أدركني النعاس فقررت أن أترك له سطرا أخبره فيه إني قاصد داري وسأراه غدا مساء .

 

عدنان الظاهر

 

ننشر قصة ذلك الهروب على شكل حلقات يومية وبقلم الوالد الفقيد حسين سلطان صبي / أبو علي

... وعدت الى غرفتي وابلغت الرفاق الأربعة أن يكونوا جاهزين خلال دقائق. وأخرجت ما لدينا من وثائق واعطيتها الى الرفيق جميل منير، قلت له: احرقها بسرعة وكانت لدينا من النقود ثمانية عشر دينارا فقط فوزعناها بيننا وشكلنا حلقة كبيرة في الغرفة ورقصنا رقصة الفرح وقبلنا بعضنا البعض وذهبنا الى القاعة المجاورة للنفق واجتمعنا نحن العشرة في القاعة وتكلمت معهم حول الاستفادة من الوقت وقلت لهم: من يخرج سالماً الى المدينة عليه أن يخرج منها بأسرع وقت واذا لم يجد واسطة لنقله الى مكان آخر خلال عشرين دقيقة عليه أن يخرج سيراً على الأقدام نحو الريف. واذا حصلت له واسطة نقل فعليه أن ينزل منها قبل الوصول الى سيطرة الشرطة ومن هناك يذهب سيراً وسألتهم عن الكراج فقالوا لم نستطيع فعل أي عمل، قلت لهم مع الأسف عملنا يفتقر الى بعض المستلزمات والى هنا أشار حسين ياسين الى ساعته فقلت: حل الظلام، قال: نعم. قلت له: اذهب أنـــت وجدو وافتحوا النفق والرفيق فاضل يقف في وسط النفق لإعلامنا بالنزول وانتم اذهبوا ولابد من ذكر العشرة الذين تم اختيارهم للوجبة الأولى للهروب:

جماعة الحزب:

 1) الرفيق الشهيد عبد الأمير سعيد

 2) الرفيق لطيف الحمامي

 3) الرفيق جدو ــ العامل بالنفق ــ

 4) رفيق لا أتذكر اسمه ولا صورته

 5) كاتب هذه السطور

الجماعة المنشقة:

 1) حسين ياسين

 2) حافظ رسن

 3) الرفيق فاضل ــ العامل بالنفق ــ

 4) مظفر النواب

 5) جاسم المطير  

ورغم كل انطباعاتي عن حسين ياسين إلا انه في ذلك اليوم بانت شجاعته ورباطة جأشه وكان حقاً متماسكاً ومتميزاً عن بعض جماعته. وانتقلنا الى غرفة النفق ونزل الجماعة لفتح النفق وبقينا السبعة واقفين على فتحة النفق. وبينما كنا ننتظر الاشارة من فاضل واذا بموجة كبيرة من السجناء دخلوا علينا يتدافعون وكلهم يريد الخروج من السجن ولما كانت غرفة النفق ضيقة بسبب أكياس التراب الصاعدة الى السقف انحشر فيها عدد كبير من الأشخاص وكذلك القاعة المجاورة كان فيها أكثر من خمسين سجيناً كلهم متوجهون نحو النفق وعلى كل حال اختل النظام ولم يبق أي ضبط أو ربط وخاصة عند الناس غير الملتزمين وهم يرزحون تحت أحكام ثقيلة، وخبر النفق انتشر خلال المعركة بين السجناء في قلعتنا. وخلال دقائق جاءت الإشارة بالنزول ونزلت ونزل الرفاق الواحد بعد الآخر وعند الخروج وجدت فتحة النفق جاءت في مكان مناسب حيث تبعد عن جدار السور أقل من متر ويبعد عنها بحدود المتر الواحد عدد من سيارات الحمل على امتداد سور السجن وهذا يعطي امكانية اذا خرج مائة سجين بهدوء وانتظام يمكن أن يبقوا لمدة ساعات دون أن يلاحظهم أحد بـفـضـل ذلك الحاجب من السيارات وخلال لحظات تجمع خلف السيارات أكثر من ثلاثين سجيناً وهنا أدركت ان الحالة قد تكشف خلال دقائق ولا بد من الاسراع ورأيت حسين ياسين يرمي بحجر كلباً صغيراً ينبح بكل قواه ضد الغرباء المختفين خلف السيارات، همست بإذن ياسين: أترك هذا العمل واسرع بالخروج وسألته أين الباب فقال: (ذيك) وفي تلك اللحظة واذا بقربي حافظ رسن مسكته من يده وسلكت به بين سيارتين متجهاً نحو الباب ووجدت حارس الكراج واقفاً الى الجانب الأيسر من الباب وكان حافظ على جانبي الأيمن وعندما وصلت بمحاذاة الحارس قلت له: مساء الخير ودار رأسه نحوي ورد التحية بصورة مرتبكه: أهلاً... أهلاً أساتذة أهلاً وسهلاً، واتجهنا نحو الساحة الرئيسية والتي لا تبعد عن باب الكراج الا بضعة أمتار ونحن نسير قلت لحافظ تعال معي وحافظ قال أنت تعال معي. وافترقنا حيث ذهب هو نحو مركز المدينة وأنا ذهبت الى مـوقـف سـيـارات الـنـجـف وناداني حافظ رسن: (انفض سترتك من التراب) وغاب كل منا عن الآخر وبعد بضعة خطوات وجدت سيارة يـنـادي صـاحـبـهـا الـى الـنـجـف وعندما صعدت الى السيارة قلت للسائق: يا ولدي أنا مستعجل جداً فهل يمكن أن تحرك وكان في داخل السيارة ثلاثة او أربعة مسافرين. قال: يا عم ننتظر قليلاً قد يأتينا واحد أو اثنين، قلت له: أنا أعطيك أجرة هؤلاء ويبدو ان السائق يعرفني ولكنه لا يعرف أية قضية من قضايا الساعة فصعد على الفور وشغل المحرك واتجهنا بسرعة فائقة نحو النجف والمسافة لا تزيد على (60) كيلومتراً. وكنت أفكر أن أنزل في الكفل التي تبعد (30) كيلومترا عن الحلة وأذهب الى النجف سيراً على الأقدام ولكن وجدت الوقت لازال مبكراً حيث لم يمض على تحررنا إلا (20) دقيقة ولاحظت من بعيد الشارع فارغاً من كل شيء، قررت أن أنزل بالكوفة وحينما صرنا في ضواحي الكوفة والوقت لم يمض عليه الا (35) دقيقة قدرت لو كشف الأمر خلال هذا الوقت فحينما تبدأ المخابرات وتجمع مفارز الشرطة فالوقت يتطلب أكثر من ساعة ولذا واصلت ركوب السيارة حتى مدينة النجف وفي الساعة الثامنة والنصف من مساء ذلك اليوم ــ وهو يوم مـجـيد حـيث تم فيه الاعداد لثورة اكتوبر الاشتراكية في عام 1917 ــ كنت جالساً مع أقاربي في البيت لتناول طعام العشاء معهم. ونـتـنـــــاول أطراف الحديث في مواضيع شتى وبقيت عندهم يوما كاملاً وفي مساء اليوم الثاني جاء أحد الرفاق ونقلني الى بيت الحزب وبقيت هناك ما يقارب عشرين يوماً ثم ذهبت الى بغداد ومنه الى الكونفرانس الثالث عام 1967.

أعود بكم الى موضوع النفق والكراج عند وقت الهروب وقبله.

مواصفات النفق:

1) الطول (14) متراً تقريباً. عدا البئر التي يزيد عمقها على مترين.

2) الارتفاع غير متساو ولكن أعلى نقطة منه تبلغ متراً وربع وأقل ارتفاع فيه متر واحد.

3) العرض متر واحد في أبعد نقطة فيه، الا ان العرض والارتفاع ليسا مستويين وانما فيه شيء من شكل الدائرة ولكنه ليس دائرة والطول فيه شيء من (الزكزاك) ولكنه ليس (زكزاك) أيضاً.

الأدوات المستخدمة في حفر النفق:

أدوات بسيطة للغاية، كركات يدوية صغيرة وفؤوس صغيرة أيضاً وحتى استخدمت في البداية الملاعق و(الدررنفيزات).

القياسات:

كنا نقيس الأماكن المستورة بـ (الفيتة) الا ان الأماكن المكشوفة مثل السور كنا نفرش عليه بطانيات ظاهرياً لغاية التشميس ثم ننقلها الى الأماكن المستورة ونقيسها هناك. الا ان السور الثاني قدر تقديراً بمسافات السور الأول وظهر التقدير صحيحاً وكانت الجدران تقاس مسافة سمكها وتضاف الى مجموع المسافات.

مدة العمل في النفق:

بدء التخطيط دام شهر ايار كاملاً وفي بداية شهر حزيران 1967 بدأ العمل في النفق واستمر فيه الى شهر تشرين الأول. أي استمر العمل به خمسة أشهر متواصلة عدا التوقف الذي حصل بسبب أزمة التراب.

الكراج عند الهروب:

قلت ان الحارس كان واقفاً في الباب عند خروجنا من الكراج أنا وحافظ رسن وبعد خروجنا بلحظات خرجوا ثلاثة من الكراج وسلموا عليه أيضاً وبـعـد أقـل مـن نـصف دقـيـقـة واذا بأربـعة أشخاص يـخـرجون من الكراج دفعة واحدة. وتوالت الدفعات بالخروج من الكراج الواحدة تلو الأخرى.

وهنا أصيب حارس الكراج بالذهول، وأخذ يـفـسر الأمـر بالغيـبــيـات مـن ان كراجه مسكون من قبل الجن، وهاهم يخرجون من الكراج على شكل بشر ولابد أن يشهد على هذا الوضع أناس آخرون. وانطلق نحو شـرطـي الـمـرور الواقـف تـحت المظلة في وسط الساحة وأخبره قائلا ً: يا أخي ان كراجي تخرج منه ناس في حين لا يدخل اليه أحد. أظنه مسكون وهؤلاء يخرجون من تحت الأرض، وطلب أن يحضر معه ويشاهد المنظر، الا ان الشرطي رفع سماعة الهاتف وأخبر ادارة السجن بما قاله حارس الكراج، وقال لهم أن صح الخبر فالأمر خطير وعلى أثر ذلك أطلق الرصاص بغزارة في الهواء وهجم السجانة على الكراج وطوقوا من فيه وألقوا عليهم القبض ومسكوا فتحة النفق ثم أخبروا سلطات المحافظة ونزلت قوات حامية الحلة وطوقوا المدينة وأصدروا أمراً بمنع التجول وأوقفوا في تلك الليلة آلاف الأشخاص وعثروا على القليل من الهاربين واستلم الجيش مقاليد الأمور في السجن وفي ذات الليلة يقال ان طاهر يحيى الذي كان رئيس الوزراء حينما سمع بالخبر توجه الى سجن الحلة فوراً وشاهد غرفة النفق والقطعة المكتوبة على باب الغرفة ــ ممنوع الدخول ــ وشاهد أكياس التراب التي التحمت مع السقف، ودخل في النفق وشاهد فيه انارة الكهرباء والأعمال الفنية الأخرى. وعندما خرج من فتحة النفق رغم ضخامة جسمه صاح بصوت غاضب، فاقداً الصبر والاتزان، أأتوني بهذا (...) مدير السجن والمأمور وكل جهازهم، وأخذ يردد بعصبية أين كانوا نائمين.

ومجموع الذين تحرروا من السجن في تلك الليلة ما يزيد على (45) مناضلاً.

 

حـسـيـن سـلـطـان

شباط عـام 1987

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيبمناسبة رحيل هذا اليوم، السياسي والمفكر الماركسي حسقيل قوجمان، العراقي المغترب والمقيم في لندن، كان مفكراً ماركسياً وعازفاً وموثقاً للموسيقيا العراقية الأصيلة، استمر عشقه للموسيقى حتى يومنا هذا، ويعتبر عواداً محترفاً، عاش الحياة السياسية العراقية الحديثة منذ نشأتها بداية القرن الماضي، ودخل السجون العراقية لأكثر من عشرة سنوات، عاصر كبار وأوائل السياسيين العراقيين من مؤسسي الأحزاب والمنظمات، كتب العديد من المقالات السياسية وترجم الكثير من الدراسات والمقالات، له أكثر من كتاب سياسي، نذكر منها "ثورة 14 تموز في العراق وسياسة الحزب الشيوعي عام 1958م، ماركس وماديته الديالكتيكية عام 1981م، ستالين كما فهمته عام 2000م"، وكان قبل ذلك قد أصدر قاموس عربي / عبري في ثلاث مجلدات، وهو أيضاً باحث في الموسيقى العراقية، تعدّ مؤلفاته من البحوث المهمة في تناول تاريخ الموسيقى العراقية ورجالاتها الذين تركوا بصماتهم الواضحة على مسيرة الأغنية والموسيقى العراقية، ومن مؤلفاته في هذا المجال كتاب "الموسيقى الفنية المعاصرة في العراق عام 1978م والمقام تراث موسيقي عراقي عام 2001م" وهو كتاب منشور باللغة الإنگليزية، حصل على شهرة كبيرة في إنگلترا والدول الأوربية.

ولد حسقيل قوجمان في بغداد "عام 1929م في محلة بني سعيد على مقربة من منطقة باب الشيخ لعائلة متعددة الأبناء تتكون من (11) فرداً ثلاث منهم بنات وثمانية أولاد، كان والده عامل نجارة، لكبر عائلته كان يشتري كيس (گونية) تمر يتركهُ في باب الغرفة ثم يشتري يومياً (40) رغيف خبز بأمل أن تكفي لإطعام أفراد العائلة، كانت الحالة المالية ضعيفة والأجر محدود والحاجة كبيرة وماسة ( )، تعيش العائلة في غرفة إيجار لدى عائلة يهودية مرة وعائلة مسلمة مرة أخرى، وبسبب الحرب العالمية الأولى واحتلال العراق من قبل الدولة العثمانية وخوفاً من التجنيد الإجباري سافر والده إلى العمارة هرباً من الجيش التركي، وبعد عودته لبغداد لم يوفق في عمله، ثم أصيب بشلل نصفي منعه عن العمل، مما أدى إلى أن تعيش العائلة في ظروف صعبة مالياً، بعد تخلي الأبناء عن العائلة كلياً.

أكمل حسقيل قوجمان "دراسته الابتدائية في مدرسة السموأل الحكومية المخصصة للتلاميذ اليهود، وبعد تأسيسها بثلاث سنوات أغلقت فانتقل إلى مدرسة بني سعيد، وفيها أكمل دراسته الابتدائية، وانتقل إلى مدرسة شماش المتوسطة، ومنها أنتقل إلى الإعدادية المركزية الأهلية في السنك، ثم المعهد العالي في السنك"( )، خلال السنتين الدراسيتين ( 1937- 1938م) و( 1938- 1939 م) كانت صعبة للغاية نظراً لتفشي الحركة النازية بين الطلاب والمدرسين على السواء، أنهى حسقيل قوجمان "دراسته الثانوية عام 1939م، وبعد سنةٍ من البطالة حصل على وظيفة مدرس في مدارس الطائفة اليهودية، وفي عام 1947م ألتحق بكلية الصيدلة حيث قضى فيها ثلاث سنوات"، ولم يكمل دراسته في كلية الصيدلة بسبب اعتقاله يوم 19 شباط 1949م.

اطّلعّ على الفكر الماركسي من خلال صديقه الشاب (ساسون دلال) الذي حكم عليه بالإعدام عام 1949م ، كان دلال يطالع الكتب الماركسية باللغة الإنكليزية، وقد تعلم منه قوجمان علم المادية الديالكتيكية، وبعد دعوة قادة الحزب الشيوعي العراقي إلى تشكيل تنظيم يحارب الصهيونية باسم (عصبة مكافحة الصهيونية) وإصدار جريدتها العصبة، فقد تم إجازتها من قبل الحكومة العراقية وأصدرت بحدود (51) عدداً منها، انتمى قوجمان إلى تنظيم العصبة، ثم إلى حزب التحرر الوطني وهو الغير مجاز من قبل الحكومة الملكية، لكن بعد اعتقال مؤسس الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف (فهد) عام 1947م، أعتبر كل عضو من أعضاء حزب التحرر الوطني أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي، وبذلك أصبح قوجمان عضو في الحزب الشيوعي بصورة تلقائية.

شارك في مظاهرات 28 حزيران 1946م، وقد استشهد فيها رفيق دربه شاؤل طويق، وهو أول ضحية شيوعي يهودي عراقي في مظاهرات خرجت في بغداد خلال تلك الفترة.

ألقي القبض عليه مع زوجته في 19 شباط 1949م وعدد من أفراد عائلته ووالدته التي تجاوزت السبعين من عمرها، بسبب انتماءه للحزب الشيوعي العراقي، وذلك في أحد أوكار الحزب الشيوعي العراقي في بغداد الواقعة في السنك محلة الحاج فتحي المتخذة محلاً لمطبعة الحزب، تم الاعتراف على الوكر من قبل رفيق جولاك (صقر)، عند إلقاء القبض عليه من خلال مراقبة داره، عند التحري والتفتيش داخل الوكر عثر على المناشير والكتب الخاصة بالتنظيم الشيوعي العراقي ومطبعة الحزب وأعداد كبيرة جداً من جريدة القاعدة مطبوعة ومعدّة للرزم ، وفي هذا الوكر تم إلقاء القبض على حسقيل قوجمان ونجية قوجمان وديزي حسقيل (صبيحة صالح) وسمحة يعقوب ويعقوب مصري وعمومة مصري وعبد الهادي هاشم ومحمد علي الشبيبي وساسون دلال وسعيدة ساسون مشعل وجماعة آخرون.

بعد التحقيق في مديرية التحقيقات الجنائية تم الاعتراف على حسقيل قوجمان من قبل عضو التنظيم الشيوعي رفيق جولاك الذي أكد للشرطة أن بيت حسقيل قوجمان كان وكراً شيوعياً يختفي فيه الأعضاء الحزبيون والمطاردون، وأنهُ كان من منظمي الحزب والرؤساء فيه، كما أكد اعتراف رفيق جولاك المعتقل وعضو التنظيم صبري عبد الكريم.

أحيل حسقيل قوجمان وبقية أعضاء التنظيم الذين تم إلقاء القبض عليهم إلى رئيس المجلس العرفي العسكري في بغداد وفق أوراق القضية المسجلة برقم 57/49 ، تم تشكيل المجلس العرفي العسكري الأول بتاريخ 26 / 4 /1949 م برئاسة العقيد عبد الله النعساني وعضوية كل من الحاكمين خليل زكي مردان وفريد علي غالب والعسكريين المقدم محمود عبد القادر والرئيس الأول أحمد داود، حكم على حسقيل قوجمان وآخرين (يعقوب مير مصري وآرا خاجادور وسعيدة ساسون(سعاد خيري) وعمومة مير مصري) بالأشغال الشاقة المؤبدة وعلى محمد علي الشبيبي وعمر علي الشيخ وموسى سليمان وسيد حسن السيد عبود بالأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات وفقاً لأحكام الفقرة 5 / ب بدلالة الفقرة الثانية من المادة الأولى من قانون ذيل قانون العقوبات البغدادي رقم 51 لسنة 1938م ، كما تقرر وضع كل منهم تحت مراقبة الشرطة لمدة ثلاث سنوات بعد انتهاء محكوميتهم وفقاً للمادة (28) من قانون العقوبات البغدادي.

من خلال السجن ألقى قوجمان الكثير من المحاضرات في سجن الكوت وفي فترة عام 1952م و عام 1953م مواضيع عديدة لم يتطرق إليها أحد من المثقفين قبله، ففي سنتي 1952م و 1953م كتب كتابين الأول كان حول تأريخ تطور الأزمات الاقتصادية في النظام الرأسمالي حتى أزمة 1929م، استعان في ذلك الوقت بكتاب من تأليف اقتصادي بريطاني كان متوفراً في السجن، استنسخ كتابه بعدة نسخ وبخط جميل ووضع في مكتبة السجن وكان في متناول السجناء لقراءته حسب رغبتهم، والكتاب الثاني كان حول الديمقراطيات الشعبية في أوروبا وآسيا، وعند الانتهاء منه قررت لجنة السجن أن يدرّسه للسجناء في الليالي، كما تعلم اللغة الكردية من خلال السجن ولقاءه بالسجناء الأكراد.

فكّرَ قوجمان في تحرير مجلة سجنية أسماها "صوت السجين الثوري" وأصبح رئيس تحريرها، وكتب أكثر مقالاتها، كانت المجلة تصدر كل أسبوع وكان لهذه المجلة تأثير رائع على السجناء، بالإضافة إلى قراءتها أخذ بعض السجناء يشتركون في كتابة مواضيع حسب مستواهم الثقافي والفكري، ثم يتم تنقيحها من قبل قوجمان ونشرها.

دَرَس قوجمان لأول مرة في تأريخ السجون دورة كاملة من الاقتصاد السياسي، مع ذلك كان صلباً كالفولاذ ومستمراً في عطاءه، كتب الكثير وتتلمذ على يده الكثيرون، وجَعلَ مقالاته في السجون معاهد وورش عمل للفكر السياسي وللفلسفة الماركسية، حيث أصبح سجن نقرة السلمان معهد للدراسة الماركسية.

أكد حسقيل قوجمان وهو شيوعي مخضرم أن الضغط على واجهه اليهود الشيوعيين من قبل حزبهم ينسبه إلى القائد الشيوعي السوري خالد بكداش. ففهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي، حسب قوله : كان ماركسياً حقيقياً، ولذلك لم يكن يحكم على الشخص وفقاً لديانته بل وفقاً لسلوكه ولاخلاصه للحزب والطبقة العاملة. لذلك لم يكن يميز بين الشيوعي اليهودي والشيوعي غير اليهودي. واستمرت سياسة فهد هذه في الحزب وداخل السجن حتى مجزرة الكوت سنة 1953م، وبعد المجزرة قامت الحكومة بفصل اليهود عن غير اليهود، فأرسلت جميع اليهود إلى نقرة السلمان". فكان الخلاف بين فهد وبكداش حول قبول اليهود أو عدم قبولهم في الأحزاب الشيوعية منذ الثلاثينات، وكان بكداش يعتبر أن اليهودي خائن بطبعه، ولذلك لا يمكن أن يكون شيوعياً، أما دور الحكومة في محاربة اليهود الشيوعيين، فكانت ترسلهم قسراً إلى إسرائيل عندما تنتهي محكوميتهم، وأكد تقرير اللجنة الحكومية الخاصة بالتحقيق في مذبحة سجن الكوت عام 1953م "تليت على السجناء قائمة بأسماء 51 سجيناً يهودياً طالبة منهم إخراجهم لغرض تسفيرهم".

قضى مدة السجن التي تجاوزت حتى قيام ثورة 14 تموز 1958م، حيث أطلق سراحه مع سائر السجناء السياسيين، ثم اعتقل مرَّة أخرى عام 1959م بدون محاكمة وزج في السجن حتى أواخر عام 1961م، حيث تم أطلاق سراحه، وبسبب المضايقات من قبل السلطة، هرب قوجمان إلى إيران حيث سلمته الشرطة إلى منظمة صهيونية كانت تسفر اليهود إلى إسرائيل على حسابها.

أكد حسقيل قوجمان في مذكراته قال : "بعد ثورة تموز 1958م حضر عضو المكتب السياسي للحزب هادي هاشم لزيارتنا نحن السجناء اليهود، رغم أن كوادر الحزب القيادية كانت في تلك الأيام تعمل ليل نهار، ولا يستطيع الكادر منهم أن يزور حتى عائلته. والغريب أن هادي هاشم شارك في اجتماع الثلاثة داخل السجن. وبعد نصف ساعة أو أكثر عاد يعقوب مصري وقال لي : إننا قررنا بالإجماع أن نعلن إسلامنا وعليك أن تخضع لقرار الأغلبية. فقلت له أن هذا الموضوع مبدئي ولا تنطبق عليه قاعدة خضوع الأقلية للأغلبية" استغرب قوجمان الأمر أول مرَّة بالقول : "إن هادي هاشم الذي أجاب على قولي في الاجتماع : إذا شئتم (يعني قيادة الحزب) أن نعلن إسلامنا ونسافر إلى النجف لكي نبقى في الحزب! (قال) : إننا لا نقبلكم في الحزب في هذه الحالة، جاءني في ذلك اليوم وحاول إقناعي بذلك، ونسيَ ما قاله في الاجتماع السابق. قلت له : هادي أنا درستكم الماركسية والمادية الديالكتيكية ألا تبصق في وجهي إذا وقعت وثيقة أقول فيها : لقد آمنت أن الدين الإسلامي خير الأديان وأشهد ألا إله إلا الله و أن محمداً رسوله ، وأوقع مثل هذه الوثيقة؟ فخجل من نفسه وعاد خائباً فاشلاً في تحقيق المهمة التي كلفه بها الحزب... لكن يعقوب مصري، وهو سكرتير عصبة مكافحة الصهيونية، أصبح مسلماً، بعد أن ذهب إلى الجامع، وعاد قائلاً : "هاي هم خلصنا منها". غير أن شرطة مركز البتاوين ببغداد ظلت تعامله كيهودي عند إطلاق سراحه، فأرسل الحزب كفيلاً له، ولم يرسل كفيلاً للذي ظل على يهوديته مثل حسقيل قوجمان".

وما يستغرب له قوجمان أيضاً أن الحزب الشيوعي العراقي ظلَّ منذ 1949م ولحد هذه اللحظة يذكر إعدام يوسف سلمان يوسف فهد (مسيحي) وحسين محمد الشبيبي (مسلم شيعي) وزكي بسيم (مسلم سُنَّي) ويهمل رابعهم يهودا صديّق- ماجد - (اليهودي) . مع أنهم أُعدموا في القضية نفسها وفي الفترة نفسها مع تأخير زكي بسيم إلى اليوم التالي. وأن القول بضعفه في التحقيق، والاعتراف على رفاقه لا يكفي مبرراً! ويكفي أنه أعدم. مع العلم أن يهودا صديق قد تمَّ تعذيبه خلال 24 يوماً بتواصل. كان يهودا صديق قد عذب تعذيبا بربريا لانتزاع الاعتراف منه (قطعت أذنه وجزء من أنفه)، والظاهر أن الاعتراف تحت التعذيب لا يؤهل الشخص أن يعتبر ضحية.

في آيار 1949م اعدم كذلك ساسون دلال الذي قاد الحزب الشيوعي لفترة قصيرة، من المؤلم أن هؤلاء اليهود لا يذكرون إلا نادراً كضحايا.

وعلى ذكر الشهيد ساسون دلال، كان أبن لعائلة غنية يورد الكاتب خالد القشطيني في أحدى مقالاته :"لاحظ شرطي أن ساسون وهو في طريقه إلى المشنقة كان يلبس حذاءً اسفنجياً غاليا. قال لله : تدّعي بالشيوعية ولابس قندرة إسفنج؟! أجابه: ليش؟ هي الشيوعية بالقندرة أو بالرأس".

يذكر حسقيل قوجمان : "في جميع الكتابات التي كتبت عن الحزب الشيوعي وعن السجون كان الكتّاب يتحاشون ذكر أي اسم يهودي. ففي يوم 14 شباط 1959م ظهرت جريدة الحزب بعدد خاص في الذكرى العاشرة لإعدام فهد وحازم وصارم وكانت الافتتاحية عن حياة السجون فذكر الكاتب جميع فئات الشعب الذين كانوا في السجون كالمسلمين والأكراد والأرمن والصابئة والآشوريين ولكن الكاتب نسيَ وجود سجناء يهود. كان عدد الصابئة والأرمن والآشوريين بمجموعهم يعد على الأصابع ولكن اليهود في نقرة السلمان سنة 1949م كانوا يشكلون نسبة 60 % من عدد سجناء المنظمة الشيوعية الذين بلغوا250 سجيناً سياسياً تقريبا. وقد خلَّت جميع كتابات الحزب الشيوعي في السبعينات من القرن الماضي عند الحديث عن مظاهرة 28 حزيران 1948 التي كانت أكبر مظاهرة قادها فهد شخصياً عن ذكر شهيدها الأول شاؤول طويق. كان الحزب، خصوصاً منذ 1955م فما بعده يعاني من شوفينية واضحة ضد اليهود".

بعد أطلاق سراح قوجمان من السجن بعدَّ ثورة تموز 1958م وهروبه إلى إيران كما ذكرت وتسفيره بواسطة أحدى المنظمات الصهيونية إلى إسرائيل، عمل قوجمان مترجماً للغة العربية، وفي نفس الوقت التحق بالجامعة لإكمال دراسته والحصول على شهادة الماجستير في الأدب العربي الحديث، وفور حصوله على الشهادة سافر إلى بريطانيا بحجة الدراسة، مع رفضه لإرسال أولاده إلى الجيش الإسرائيلي، فأقام في بريطانيا بإرادته، لكن عندما كان في إسرائيل لم يعمل في أي من التنظيمات السياسية بسبب اعتقاده بالتحريفية الموجودة في التنظيمات اليسارية.

بعد إقامة قوجمان في بريطانيا بدأ بكتابة المقالات السياسية وتم نشرها في العديد من المجلات، حيث ظلت حياته وافكاره مرتبطة بالماركسية التي حاول إتقانها خلال حياته السجنية ثم واصل دراستهُ في بريطانيا، فأصبحت جميع كتاباته تستند إلى الفكر والفلسفة الماركسية. كما كتب كتابين عن الموسيقى والمقامات العراقية، احداهما كانت أطروحة الماجستير باللغة العربية، والثانية باللغة الإنكليزية من المفترض أن تكون أطروحة الدكتوراه .

ظل قوجمان وفياً لبلده العراق على الرغم من تهجيره القسري، ونبذ الفكر والتحديات الصهيونية، فهو مستمر بالعطاء كشجرة النخيل، وفي حوار الكاتب حميد كشكولي مع قوجمان حول هجرته من العراق يقول : "حين جرى تسفير اليهود إلى إسرائيل كنت في السجن مع عدد كبير من الشيوعيين اليهود، ولم تتوجه السلطات إلينا لسؤالنا حول ما إذا كنا نريد إسقاط الجنسية عنا والسفر إلى إسرائيل أم لا. ولكن الحكومة العراقية أسقطت عنا جنسيتنا بدون استشارتنا ما أدى إلى إرسال كل السجناء الذين انتهت محكوميتهم وأطلق سراحهم من السجن إلى المطار وتسفيرهم إلى إسرائيل رغم إن العديد من السجناء قاوموا ورفضوا السفر. واستمر هذا التسفير حتى مع العدد الكبير الذين أطلق سراحهم بعد ثورة تموز مباشرة حين أعطت حكومة الثورة ما يسمى مرحمة بتخفيض نصف محكومية جميع السجناء العراقيين في السجون بصرف النظر عن الجريمة التي حكموا عنها، وقد تلقى السجناء اليهود المطلق سراحهم تعليمات بعدم معارضة التسفير لأن المعارضة قد تؤدي إلى إرباك حكومة الثورة" ثم يعقب قوجمان حول واقع السجناء الشيوعيين من الطائفة اليهودية ويقول : "بقي بعد هذا أربعة رجال يهود محكومين بالشيوعية وثلاث نساء ولم يبق أي من السجناء السياسيين غير اليهود، وجاءت حماتي يوماً لزيارتي في سجن بعقوبة وأخبرتني إن السجينات قد اسلمنَ وعلينا نحن أيضا أن نسلم. فأجبتها نحن لا نفعل شيئا كهذا".

للسياسي والمفكر قوجمان تحليل جيد حول واقع اليسار في العراق وتعدد بعض التنظيمات اليسارية التي تدعي لنفسها إنها تمثل الحزب الشيوعي الحقيقي مع العلم أن الكل يعلم إن الممثل الحقيقي للشيوعيين في العراق هو الحزب الشيوعي العراقي المتمثل بسكرتيره (حميد مجيد موسى) والذي انتخب من خلال المؤتمر الوطني التاسع عام 2012م ، يؤكد قوجمان إن في العراق "اليوم وضع غريب بلغت به المنظمات المدعية لليسارية عددا هائلا غير محدود، فهناك عدد كبير من الأحزاب والمنظمات الشيوعية كلها تدعي إنها الحزب الشيوعي الحقيقي حزب فهد، وهناك أحزاب ومنظمات تدعي الشيوعية بدون أن تدعي كونها حزب فهد، وهناك منظمات تدعي اليسارية بدون أن تدعي الشيوعية، ولا تبدو أية إمكانية لتجميع هذه المنظمات والأحزاب أو أي عدد منها لأن كلاً منها تعتبر نفسها الأصح وأن على المنظمات الأخرى الانضمام إليها. العراق اليوم زاخر بمثل هذه المنظمات وليس بإمكاني أن أناقش كلا منها على انفراد، لذا أتحدث عن هذا الموضوع بصورة عامة".

أما رأي قوجمان حول انهيار الاتحاد السوفيتي كدولة اشتراكية فيؤكد في مقال لهُ قال "يبدو لي من غير الصحيح الحديث عن انهيار المشروع الاشتراكي إذ أن المشروع الاشتراكي، تحقيق مجتمع اشتراكي كامل، تحقق بصورة لا مثيل لها وبأكمل صوره في الاتحاد السوفييتي، إن الاتحاد السوفييتي الاشتراكي لم يفشل وإنما دمر تدميرا مقصودا ومنظماً، ولذلك اعتقد أن الحركات الثورية الحقيقية في المستقبل يجب أن تنظر إلى الاتحاد السوفييتي في فترة الاشتراكية كنموذج ينبغي الاستفادة من تجاربه وطرق بنائه وتقدمه من اجل بناء مجتمع شيوعي في المستقبل".

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

...........................

المصادر

د. كاظم حبيب. اليهود والمواطنة العراقية . مصدر سابق. ص60/61

د. كاظم حبيب. اليهود والمواطنة العراقية .المصدر السابق . ص60.

حسقيل قوجمان. مقال . ظروف اليهود العراقيين في إسرائيل.

موسوعة سرية خاصة بالحزب الشيوعي العراقي السري أصدرتها الشرطة العامة شعبة مديرية التحقيقات الجنائية في بغداد عام1949 الصادرة عن مكتبة النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت . بغداد . ج4 . ص 984/985.

حسقيل قوجمان. ذكرياتي في سجون العراق السياسية. لندن. طبع خاص. 2002 . ص52. ص148.

مكرم الطالباني. دماء وراء القضبان مذبحة سجني بغداد والكوت عام 1953 ص79 عن جريدة الدفاع، العدد 306، 23 ايلول 1953. رشيد الخيون الأديان والمذاهب . ص147.

رشيد الخيون. الأديان والمذاهب بالعراق. منشورات دار الجمل. بيروت. ط2. ص148.

حسقيل قوجمان. مقال على موقع الحوار المتمدن. العدد: 1457 - 10 / 2 / 2006.

حسقيل قوجمان . مقال - ظروف اليهود العراقيين في إسرائيل.

 

عدنان الظاهرفي اليوم التالي لوصولي موسكو ركبتُ الطائرة لأقضّي أسبوعين على البحر الأسود في المصيف أو المعسكّر المُخصص لطلبة جامعة موسكو الأجانب. أعود ثانيةً لهواياتي المفضلّة سباحة وتجديفاً طويلاً في عرض البحر. ثم فاكهة القوقاس وسلاسل جبال القوقاس التي وجدتها بعد زيارة مصايف بيروت وقمم جبالها العالية لا تضاهي جبال لبنان ولا فاكهة لبنان. فجبال القوقاس مظلمة ليلاً، كذلك كان البحر شديد الظُلمة. ولا غرابة في هذا الأمر، فبيروت عاصمة وميناء دولي ومطار دولي وهي مدينة كبيرة هائلة الإمتدادات الجغرافية. فجبال لبنان شيء وجبال القوقاس شيء آخر. لا تصح المقارنات.

كنتُ أسبح وحيداً ذات يوم، وكانت الشمس ساطعةً قويةً. إقتربت مني فتاة قالت إنها (إيفا)، طالبة تدرس الرياضيات في جامعة موسكو، وإنها جاءت من هنغاريا. أهلاً وسهلاً. ماذا تقترحين يا (إيفا)؟ قالت تعالَ نتبارى سباحةً في عمق البحر. مفاجأة غريبة ! فتاة هنغارية جميلة الوجه، لم تتجاوز العشرين من عمرها تعرض عليَّ التحدّي سباحةً. من يرفض مثل هذا التحدي؟ لمَ تهوى هذه الصبية الهنغارية العوم في عرض البحار وليس في بلدها إلاّ البحيرات وأكبرها بحيرة (بالاتون) الواسعة والضحلة المياه؟ لا أدري. قلت لها هيّا، إبدأي مشوارك أنتِ وسأكون التالي. كنتُ واثقاً من أني سألحق بها ثم سأخلّفها ورائي وسأربح الرهان. كانت جولاتنا تتابع سِجالاً، تسبقني مرةً وتتخلف عني مرّات. كنت سعيداً بهذه النتائج.كانت سبّاحة قويةً ماهرة تجيد أسلوب الفراشة 

(بترفلاي) في سباحتها فكانت تشق ماء البحر شقّاً بذراعيها وكتفيها القويتين وبفورة شبابها وعشقها لماء البحر. من جهتي ما كنتُ  أعرف إلاّ ما تعلّمتُ في الصِغر من السباحة في نهر الفرات على الصدر وبالذراعين فوق سطح الماء، طريقة الزحف (كرول)… كما يسميها السبّاحون. أغرى البحرُ كلينا. وأغرى النصر المتقّلب كلينا فأمعنّا في فج مياه البحر عميقاً حتى قد غاب عن ناظرينا ما كان على الساحل من بشر وموجودات. لم نعدْ نرى الساحل. كنت أراها مرةًّ أمامي تسبح برشاقة وسرعة الدلفين. وحين ينالها التعب تتوقف لتستريح قليلاً قبل أن تعاود ملاحقتي ثم إجتيازي والنصر يرسم على ملامح وجهها الجميل شتى علامات البهجة والمسرّة. تغلّبتْ على رجل أكبر منها سنّاً وأعلى قامةً جاء من الشرق يقبل تحديها. تناوبنا الكر والفر عشرات المرات فاقدين الإحساس بالزمن أو بما يمكن أن يحصل لنا من مفاجآت مثيرة قد تحمل لنا أو لأي واحد منا شيئاً من الخطر. البحر يُغري والسباحة في مائه الدافيء شديدة الإغراء. فكثافة ماء البحر العالية بسبب كثرة ما فيه من أملاح تجعل جسد السابح خفيفاً يطفو بيسرٍ فوق سطحه. ثمَّ إنَّ التحدي أو قبول التحدي أمران مغريان. وثمّةَ حواء بيني وبين البحر. (إيفا) تعني بلغات تلك البلدان (حواء). أغرت أُمنا حواء أبانا آدم فأسقطته من عالي جنات الخُلد، فإلى أين سأسقط مع هذه (الحواء) سوى إلى قاع البحر الأسود؟ إغراء… الشجرة المحرّمة إغراء. في أمرِ تحريمها حضٌّ وإغراء على إتيانها. وفي البحر تحدٍ لي وإغراء كبير لحواء الهنغارية. مكتوب على (آدم) أن يقع في حبائل إغراءات (حواء). ولا فرقَ بين حواء وحوّاء. كلتاهما من ضلع آدم. في اللحظة التي حانت مني فيها إلتفاتة قصيرة نحو الساحل كيما أرى أين نحن من عالم الأحياء المنبثين هناك أحسست بتشنّجٍ قوي أصاب ساقي اليسرى من أعلى الفخذ حتى أصابع القدم التي إنكمشتْ وإلتوت بشكل حاد سبب لي ألماً لا يُطاق. توقّفت عن السباحة. إقترحت الرجوع إلى الساحل. تفاقمت الحالة سريعاً. أُصِبت بشلل تام.لم أعدْ قادراً على مواصلة السباحة والساحل عني جدَّ بعيد. كانت قوة خرافية في جبروتها تشدّني من ساقي إلى إعماق البحر. أدركت صاحبتي خطورة حالتي وصعوبة ما أنا فيه من عجزٍ وإلتباس فعرضتْ أن تسحبني إلى الساحل بأحد كتفيها. شكرتها وقد إستسلمتُ للموت غَرَقاً في ماء بحر كما غرقت أختي (عدوية) في ماء بئر. شكرتها ورجوتها أنْ تتركني لأقداري وأن تعود إلى الساحل وحيدةً. قلت لها أُتركيني… فسأغرق لا محالة. لم يبرحْ عينيَّ في تلكم اللحظات الحرجة وأنا بين الموت والحياة مشهد وداع أهلي في دمشق وما قالته أختي محذرّةً من البحر (دير بالك من البحر). هل ما أنا فيه الآن هو واقع وترجمة لنص نبوءتها إذ حذرَتني من السباحة في البحر الأسود؟ هل كانت تتوقع ما سيحدث لي بعد لقائنا وإفتراقنا في بيروت ودمشق؟ كانت أمي في العادة من يعرض أمامي مثل هذه المحاذير لا أختي. ما سبب هذا الإنقلاب؟ لا أدري. كل ما أدريه أني وجهاً لوجه مع الموت غرقاً. حين قلت ل (إيفا) أتركيني فسأغرق لا محالة، إتقدت عيناها الساحرتان بشعلة غريبة لم أستطع تفسيرها وأنا معلّق بين الموت والحياة. ثم قالت بتصميم أكثر غرابةً من إتقاد النار في عينيها : هيا، تعلّق بكتفي، إمّا أنْ نصل الساحل أحياءً معاً أو أن نغرقَ في البحرِ معاً. لم أجد في عيوني ماءً كافياً للدموع. شقيقة تحذرني من الغرق في ماء البحر، وفتاة غريبة تعرّفت عليها قبل ساعتين تحاول إنقاذي من موت محقق أو أن تموت معي ولا تتركني أصارع الموت غرقاً. كانت تشعر بالمسؤولية عما حدث لي إذ كانت هي صاحبة فكرة المباراة الطويلة في عرض البحر. ما كانت تتوقع ما سيحصل لي ولا أنا كنتُ أتوقع ذلك. لم يحدث لي شيء شبيه بهذا فيما مضى من حياتي أبداً. إنقلبت (حواء) الإغراء والسقوط إلى (حواء)  الإنقاذ. حواء الأم والأخت والصديق والرفيق في بيروت، وحوّاء الآسية والمنقذة في عرض البحر الأسود مقابل جبال القوقاس. رفضتُ فكرة (إيفا)، وإلاّ فلماذا تموت معي هذه الفتاة الشجاعة الرائعة التي جاءت من بلدها هنغاريا أو المجر للدراسة في موسكو؟ أهلها ووطنها ينتظرون منها أن تُنهي دراستها وأن تعود إليهم معززةً مُكرّمةً لتشغلَ وظيفتها ومكانها الطبيعي في مجتمعها وبلدها. في خضم تلك اللحظات الحرجة وأنا أصارع الموت شاهدت قارباً بعيداً عنا فطلبت من (إيفا) أنْ تصرخَ بأعلى صوتها طالبةً النجدة. أخذت تصرخ وتصرخ أعلى فأعلى ولا من سامع أو مُجيب. كررت المحاولات واضعةً كفيها حول طرفي فمها كيما تتجمع ذبذبات الموجات الصوتية فيشتد الصوت لعل البعيد ينتبه أو يسمع بعضاً من صُراخها. إنتبه أخيراً من كان في القارب إلى إشارات يديها التي كانت تلّوح بهما في الفضاء  قبل أن يسمعوا صراخها. أسرع من كان في القارب إلينا ضاربين المجاديف بماء البحر بكل ما في طاقتهم من قوة. دنا القارب منا فزال شبح الموت غرقاً عني. رأيت فيه شابين من السودان فأسرعا بسحبي إلى جوف القارب وقاما بتدليك عضلات ساقي المتصلّبة كقطعة فولاذ. أخذاني إلى الساحل بينما أصرّت (إيفا) على البقاء لوحدها في البحر على أنْ تواصل السباحة نحو الساحل لاحقاً. كانت شجاعة وواثقة من نفسها ومن قدرات جسدها الفتي المتناسق الجميل.كما كانت وفيةً للبحر وعاشقة حدَّ الوله لمائه وللسباحة الطويلة فيه. كانت تمارس السباحة الطويلة حتى في الليل. حيناً مع بعض زملائها من الطلبة المجريين وأكثر الأحيان مع غيرهم من الطلبة الأجانب. بعد هذه الحادثة الأليمة توقفتُ عن السباحة الطويلة وحيداً. إتبعت أسلوباً آخر.كنت أستأجر قارباً وحين أنزل منه للسباحة أظل أدور حوله وفي فلكه ليس بعيداً عنه. لا سباحة طويلة دون قارب وطوق نجاة. 

 

عدنان الظاهر

 

عمار حميدلكل شعب من شعوب العالم اساطير وشخصيات تشكل جزءا مهما من الفلكلور الخاص بها ويكون وجودها في اغلب الاحوال نتيجة الأحداث التاريخية التي عاشتها او الثقافات التي تمثلها وتتحول مع مرور الوقت شعارا وعلامة مميزة لها ولمدنها وغالبا ما تكون هذه الايقونة دمية تأخذ حيزا من تراث الشعوب التي تمثلها ففي روسيا هناك عرائس الماتروشكا المتداخلة مع بعضها البعض وكذلك دمى البونراكو في اليابان كذلك تتميز بلجيكا واقليمها الوالوني وعاصمته مدينة (لييج) بشخصيتها التراثية والثقافية التي تمثل هوية المدينة والتي تدعى (تشان تشيس) محور هذا الموضوع. حيث تمثل هذه الشخصية جزءا اساسيا ومحوريا في فلكلور وثقافة سكان مدينة (لييج) الوالونيين وهم احد الشعوب الفرنكوفونية الناطقة باللغة الفرنسية في اوربا ، تمثلت هذه الشخصية بدمية (ماريونيت –marionette) يقوم سكان المدينة بصناعتها وتعليقها كأيقونة في البيوت والساحات العامة خلال الاحتفالات والمهرجانات التي تقام.

الاصل التراثي لدمية الماريونيت في لييج:

يعود اصل هذه الدمية الى بدايات القرن التاسع عشر ويعزى اصلها بشكل مغلوط الى الصقليين في ايطاليا لكنها في الاصل تعود الى دمية تدعى (كونتي) ابتدعها التوسكانيين الايطاليين (نسبة الى اقليم توسكانيا في ايطاليا) الذين سكنوا في حي (اوتخموس) في مدينة (ليييج) حيث جلبوا معهم اسلوب مسرح الدمى الصقلّي سنة 1854 الا ان هذا الاصل غير الصحيح اصبح شائعا وترسخ بعد الحرب العالمية الثانية وتم الاستناد في ذلك الى ماذكر في رواية لأحد الكتّاب الوالونيين (ديدونيه سالم Dieudonné Salme) ولكن يبقى من غير المعروف الاصل الذي جائت منه هذه الدمية

ولكن ماهو مؤكد اننا نجد ادلة اخرى ذكرت من كتّاب اخرين تشير الى وجود هذه الدمية الخاصة بمدينة (لييج) قبل وصول الدمية الخاصة بالايطاليين (كونتي) حيث ان بعض الصحفيين البلجيك، بعد التحقيق في الموضوع ، يتحدثون عن أول مسرح ثابت للدمى (حيث كانت مسارح الدمى المتنقلة شائعة في اوربا خصوصا في فترة القرن التاسع عشر) قدّم هذا النوع من الدمى في عام 1826 في منطقة (اوتخموس Outremeuse).

وفي هذا النوع من المسارح التي كانت شائعة في القرن التاسع عشر فأن جميع الأعمال الأدبية يتم عرضها خصوصا الاعمال الادبية التي كانت تتناول موضوعات عصر الفروسية على  شكل اعمال شعرية نثرية والتي تشير في مضامينها الى (شارلمان) احد ملوك اوربا المشهورين (يعتقد ان مكان ولادته في مدينة (لييج) البلجيكية حيث يتم بداية ادخال دمية تدعى (تشان تشيس) ويبدأ الجمهور (خصوصا جمهور الطبقة الوسطى) والذين كانوا اغلبهم من عمال المناجم بالتفاعل مع العرض عندما تتلاقى دميتا الشخصيتان (تشان تشيس) و(شارلمان).

اصل التسمية:

طبقا لـ(موريس بيرون) استاذ الادب واللغة الفرنسية البلجيكي وبالاضافة الى آخرين فأن كلمة تشان تشيس لغويا تأتي من اللغة الفلمنكية Petit Jean وفي اللغة الفلمنكية فأن كلمة Jantches تلفظ بالوالونية D'jan chess

وتم تهجئة الاسم بطرق عديدة مثل ((Chanchet, Tchantchet, Jantches, Jeanches) وخاصة في سجلات العاملين في مجال التعدين (وهو مايمكن ان يعلل شكل الدمية على شكل عامل في مناجم الفحم التي كانت منتشرة في الجانب الوالوني من بلجيكا) او ما ذكر من اسماء لهذه الدمية في الصحف المحلية خلال زمن ظهورها ، ولسبب وجيه فأن الوالونيين البلجيكيين قرروا كتابة الاسم كما يلفظونه بدون تهجئة حتى سنة 1950.

الا انه فقط عالم اللغويات البلجيكي (جين هوست Jean Haust) استطاع ان يدخل تعديلا على اسم Tchantchès بأضافة ès في نهاية الاسم حيث تم تثبيت هذا التعديل في الاسم على نصب الفنان (جوزيف سومرز) في (اوتخموس) الذي أُنشئ سنة 1937 والتي جعل الاسم اكثر شعبية.

الا انه وفي نهاية الخميسنيات سيقرر السياسيون المختصين في مجال الثقافة في مقاطعة (لييج) رسميا ان اسم (Tchantchès) يأتي من تعديل غير دقيق من اسم (Francis) في اللهجة الوالونية الأصلية على الرغم من انه ادبيا فأن الاسم Francoish او  Françoisقد تم اشتقاقه من الاسم Françwès.

شخصية الدمية Tchantchès:

تعتبر شخصية (تشان تشيس) شخصية تمثل رمزية هامة لسكان مدينة (لييج) خصوصا حي (اوتخموس) الجزيرة التي تقع في منتصف المدينة حيث تفاعل معها سكان المدينة لما شعروا به من تمثيل رمزي لهم عن طريق هذه الدمية في فترة مسارح الدمى الخشبية وخلال فترة العشرينيات من القرن الماضي بعد اختفاء مسارح الطبقة البرجوازية المخصصة للطبقة الغنية في وقتها واغلاق ابوابها حيث انشغل روادها في انشطة اخرى ، لم يبق سوى المسارح المخصصة لطبقة العمال وعلى هذا الاساس تم تعديل الزي الخاص بدمية (تشان تشيس) والمتمثل ببنطال ابيض او اسود ومعطف ازرق كبير شبيه بمعاطف عمال المختبرات ووشاح احمر منقط بنقاط بيضاء وقبعة سوداء وهو الزي الشائع للعمال في فترة القرنين التاسع عشر والعشرين في شمال اوربا مع انف محمر دلالة على سكرة خفيفة نتجت عن شراب من خمر الفاكهة الممزوج بنكهة العرعر.

كما تجسد هذه الدمية روح سكان مدينة (لييج) الثائرة في وقت انشائها منتصف القرن التاسع عشر عندما قاموا بطرد الهولنديين خلال المعارك معهم... شخصية لاتتأثر بالمغريات ويتحلى بالشجاعة ويعشق الحرية لكنه ايضا حساس وعاطفي لذلك كان لشخصية هذا الرجل الدمية الذي يمثل النموذج الصالح في لييج.

تشان تشيس في المجلات المصورة:

خضعت شخصية تشان تشيس في مجلات الرسوم المتحركة الى تعديلان اثنان المرة الاولى سنة 1940 على يد الفنان البلجيكي آل بيكليرس (Al Peclers) مؤلف لمجلات الرسوم المتحركة (الكوميكس) حيث ظهرت الشخصية بشكل شريط رسومات يومي في صحيفة لييج (La Légia) وبعنوان (مغامرات تشان تشيس) اما التعديل الثاني يعود الى سنة 1988 ورسمت على يد الفنان البلجيكي فرانسوا والتيري (François Walthéry) ولازالت هذه الشخصية تحظى بالاهتمام الثقافي والاعلامي في ذلك الجزء من العالم.

 

 ترجمة واعداد: عمار حميد مهدي

  

علي المرهجالشاعر والكاتب البصري طالب عبدالعزيز لا شك أنه يُمثل امتداداً لجيل الكبار من شعراء العراق والبصرة الفيحاء، عطاؤه ثرَ مثل تمر نخيلها، وآبار نفطها نعيش نحن العراقيون على ريعه، والبصرة كما هو طالب يأنان معاً.

يشكو طالب بصرته فلا ماء حلو ولا بساتين باقية، بل يحلم أهل البصرة بلحظة أمن وأمان، أو بقية عيش بلا هوان.

ينعى طالب وكل مُثقفي البصرة بصرتهم ويتحسرون على أيام سبعينيات القرن المُنصرم وما قبله، حينما كانت البصرة قبلة لمن يروم أن يترس خرجه وعقله من مدينة الجمال والموسيقى والطرب.

قف إنها البصرة.

قف إنها ميناء الحضارة.

قف إنها مدرسة اللغة وعلم الكلام.

قف وتمهل وقدم رجلك اليُمنى فتباشير الفرح في ألق البصرة في علمها وفقه عُلمائها وطُرقها الندية وبساتينها الغنية، التي يتغنى أهلها بماضيها، لفرط ما يعشون فيه من مأساة في يومنا هذا.

قف أنك في حضرة الحضرة، بصرة الثورة، وثورة (الزنج).

قف إنك تجني معرفة في البصرة، لأن فيها (أبو الحسن البصري)، ومنها بدأ الحُلم وتفسيره بإبن سيرين، ومنها بدأ علم العروض، في مُعجم الفراهيدي (العين).

الجاحظ ينشر معارفه بعلم الحيوان وبعلم التوحيد، أو الأصول (علم الكلام) من البصرة.

البصرة بصرة السياب والبريكان، وجُلَ كبار مُثقفي العراق، فأن وطأت أرجلنا أرض البصرة فلمنشي الهوينا لأن في أرضها نطق الكبار شعراً وفقهاً وعلماً، فكل الموجات الصوتية في البصرة التي تسبح في عالمها الأثير، إنما تشي بأن هُناك ربات الجمال تحف بها وإن كره الكارهون.

سأعود لطالب عبدالعزيز الوريث الشرعي لهذه التركة هو ومن يعرف من مُجايليه ومن هم بعده قيمة البصرة.

همّ طالب عبدالعزيز بصريٌ بامتياز، فـ "البصرة موروث لا يُدركه الزوال" باستعارة من عنوان لكتاب يعشقه طالب عبدالعزيز لمؤلفه (علي أبو عراق).

وكما يرغب هو بتسمية مُريديه له بأنه "أحد سدنة البصرة"، وأظن أن طالب عبدالعزيز لم يقف قليلاً عند مفهوم (السدنة) فهم من يُزينون لسُلطان الجور أفعاله، ولمن يرغب بمعرفة المزيد عن سلبية وصف (السدنة) فاليقرأ كتاب عبدالجليل الطاهر: "أصنام المُجتمع"، وهو من أصل بصري وأستاذ علم الاجتماع في جامعة بغداد، ولا أظن طالباً ولا مُريديه يرومون هذا القصد، لأنه يروم أن يكون سادن البصرة في نقائها وعودتها للأصل الذي يُشكك بوجوده كل من يعيش في المدينة، فدعوة الأصل والعودة له لا مُغايرة فيها لنزوع الأقليات والأعراق الأثنية في الإنزواء والخروج عن كابينة الدولة للعيش في (دوغمائية) الأصل.

أحسب أن طالباً "يحلم ببصرة يتأمل بها نخلة ساعة ولد الموت"، خصيبي يحلم بالعيش، وخصيبي ينتظر الموت بشرف كفارس لا تليق به الحياة إلَا وهو على صهوة الحصان.

إنها صهوة الشعر، ولجام النثر الذي لا يكتبه إلَا وفق نسقين: ظاهر ومُضمر، ظاهر يليق بفارس شاعر، ومُضمر يليق بناثر يعرف زمان لجم الكلم والكشف عن درر الحكم.

إن كانت "الآلهة صامتة في البصرة" بتعبير طالب، لكن فيها هو وبعض من أهل البصرة من المُثقفين لا يصمتون.

لا أحد يشعرُ بك أنك حياً، كما أنت الآن

...

لا أحد، إلاك يسمع الريح بأغصانها.

"البصرة نخل وبمبر وصُبور وشط العرب"...

أول الصيف بمبر ثم ينهمرُ

قلق أنت (يا طالب) لا تُنكر ذلك، كما يقول فاضل السراي.

تكتب في (مباهج الطين) وكأن تُعيد انتاج كتب (مباهج الفلسفة) لويل ديورانت، بطبعة عراقية، فنحن حضارة الطين، وكل نتاج الفلسفة المُتراكم إنما يستمد حضوره من (مباهج الطين) السومري الذي يمتد يسيح بألواحه فكراً وحضارة من تخوم واسط في شمالها إلى دلمون، والبصرة امتداده في البهجة والزهو الحضاري.

 

د. علي المرهج

 

 

كاظم شمهودتقع مدينة ملقا على الضفاف الجنوبية لشبه الجزيرة الايبيرية وكان الفينيقيون هم الذين أسسوا هذه المدينة لاغراض تجارية واطلقوا عليها اسم Malaka – أي ملكة – وربما جاء هذا الاسم نتيجة لموقعها الجغرافي المهم ولامتلاكها ثروات معدنية هائلة . ويذكر المؤرخون بأن المدينة منذ القرن التاسع ق . م . كانت مركز ومستوطن للفينيقيين . وبدأت كمرفىء تجاري صغير يقع على شاطىء البحر المتوسط وتقع ايضا على مصب نهر يطلق عليه أسم Guada la medina (وادي المدينة)

ويذكر المؤرخون ان نبوخذ نصر الثاني ملك بابل غزى اراضي الشام وسيطر عليها ومن ضمنها اراضي الفينيقيين (الكنعانيين) حوالي 573 ق.م . واصبحت جزءا من امبراطوريته، وكان يخطط للسيطرة على تجارة البحر المتوسط الغنية، وقد تم له ذلك واصبحت ملقا من المصادر والموارد التجارية المهمة للامبراطورية البابلية بمعنى ان تواجد الفينيقيين وامتدادهم وتأسيسهم للمدن والمرافىء في شبه الجزيرة الايبيرية يعني ان اسبانيا كانت تحت النفوذ البابلي ...

وقد عثر اليوم في ملقا على آثار كثيرة تعود الى الفينيقيين كما عثروا على كهوف تعود للانسان القديم، وقد وجدوا في هذه الكهوف رسومات ذات اشكال بدائية ومبسطة منها كهف Pileta en Benaojan وكهف Tesoro en Rincon وكهف Nerja .

ويذكر علماء الاثار ان رسوم كهف Nerja تعتبر من أقدم الرسوم الانسانية حيث يحدد بعضهم تاريخها الى 42.000 قبل الميلاد . .كما ان المعتقدات الدينية لاهل ملقا كانت امتدادا لما هو في الشرق من معتقدات وثنية مثل عبادة بعل Bael وتانيت Tanit ومالكارت Malkart أو – Melkart - .

420 الاندلس

ملقا ايام المسلمين:

كتب المؤرخ العربي الحميري عن مالقا ووصفها وصفا موجزاً . (تقع المدينة على شاطىء البحر عليها سور صخر والبحر في قبلتها وهي حسنة عامرة كثيرة الديار وقد احيطت بشجر التين واشتهرت به ويصدر الى الشام والعراق وهو من أحسن التين طيبا وعذوبة).

تقع مدينة ملقه في جنوب اسبانيا على شاطىء البحر المتوسط وهي مدينة حديثة بعماراتها الشاهقة وفنادقها الراقية وشوارعها العريضة وميادينها الفسيحة التي تحيط بها الاشجار خاصة اشجار النخيل التي تمتد على ساحلها بأناقة وجمال .

ولازالت آثار المسلمين موجودة في المدينة ومن أهمها القصبة . وهي قديمة وقد عمرها وشيدها بني حمود العلويين (الادارسة) الذين ملكوها ايام حكم الطوائف وفيها قصر الامارة، خاصة ايام الامير الحمودي حسن بن يحيى بن حمود المستنصر عام 1039 م وعندما سيطر عليها باديس بن حبوس البربري ملك غرناطة عام 1057 وجدد القصبة وجعلها من أعظم القصبات في الاندلس ايام الطوائف .

سقطت المدينة عام 1487 بيد النصارى بعد ثمانية قرون من العطاء الحضاري والمدني تحت حكم العرب .. وبعد دخولهم المدينة قرر الملك فرناندو معاقبة كل اهالي ملقا ماعدا مجموعة من التجار الاغنياء الذين ساعدوا النصارى في فقتح المدينة ثم احرقت المدينة وحولت الى ركام وفر اهلها منها . اما القصور والمنازل الفاخرة والمصانع والمزارع الشاسعة فقد وزعت بين المنتصرين كغنائم حرب . بين رجال الدين والقادة والنبلاء والجنود . . ثم حولت المساجد الى كنائس مثل كنيسة – سان خوان – San Juan وسانتياغو Santuiago وسانتومارتيس Santo Martices وغيرها.

في زمن العرب والمسلمين اشتهرت ملقا في صناعة الفخار والخزف واستمر ذلك في زمن النصارى ايضا . وكانت تصنع من الطين والخشب والمعادن . وايضاً اشتهرت بالمواد الانشائية المعمارية كحجر المرمر وغيره وكانت تصدر الى جميع بلدان حوض البحر المتوسط وكذلك المدن الاسبانية .

وفي عام 1934 – 1936 قام علماء الاثار في التنقيب في المدينة القديمة في الجزء الاعلى من القصبة وقد عثروا على مباني قديمة تعود الى بني حمود وملوك غرناطة . منها القصر ومباني سكنية وحمامات . وقد استعمل القصر الاسلامي مقراً للملوك الاسبان مدة حوالي قرنين ثم اهملت القصبة وقصورها في القرن الثامن عشر وعمها الخراب واصبحت اليوم عبارة عن اطلال .

اما المسجد الجامع الكبير فقد حول الى كنيسة، والتي تقع قرب القصبة وهي عالية البنيان وقد شيدت على طراز عصر النهضة، ويعود بنائها اوائل القرن السادس عشر اي بعد سقوط المدينة بقليل . ويوجد اليوم عدد من الكنائس القديمة والتي كان معظمها مساجد ولازالت منائرها قائمة حيث حولت الى ابراج للكنائس منها كنيسة سانتياغو وكنيسة مسيح النصر Cristo de la victoria وكنيسة سيدة النصر nues tro sra.de la victoria وكنيسة سان ديمينو ..

421 الاندلس

وفي عام 1931 وبالتحديد في 11/5/1931 هاجمت المدينة مجاميع كبيرة من الناس وجلهم من الداعين الى اسقاط الملكية واعلان الجمهورية، هاجموا 41 معبداً دينياً بين كنيسة ودير ومدرسة دينية واحرقوها وحولوها الى ركام . كما سلبوا ذخائرها وكنوزها الفنية من لوحات ومنحوتات وخزفيات وتحفيات اخرى نادرة وتاريخية وغير ذلك من الاثاث . وفي عام 1933 اصبحت ملقا حمراء(شوعية) كما يقال حيث سيطرت عليها الاحزاب الشيوعية والاشتراكية والفوضوية وانتخب محافظ للمدينة من التيار الشيوعي ويدعى كايتانو بولبار Cayetano Bolivar .

وعندما بدأت الحرب الاهلية عام 1936 كانت ملقا قد وقفت الى جانب الجمهوريين ودافعت بقوة ضد فرانكو وحلفاءه من الايطاليين والمغاربة . غير ان الجنرال فرانكو استطاع من سحق الجمهوريين والسيطرة على المدينة عام 1937 . وفر الجمهوريين من المدينة الى المدن المجاورة وفي اثناء ذلك وعلى طريق ملقا المريه قصفت الطائرات الفارين وراح جراء ذلك مئات الضحايا .

واليوم ملقا هي مدينة اسبانية اوربية عظيمة اصبحت مركزا سياحيا ومأوى للملوك وعشاق الطرب واللهو والباحثين عن حمام الشمس والجمال ومن اهم شواطئها ومراكزها ماربيا Marbella التي تعد قبلة للسواح . وشيدت فيها العمارات الشاهقة والفنادق الفخمة من الدرجة الاولى ومراكز اللهو والطرب وشيدت فيها البلاطات والقصور الخيالية والتي غالبيتها تابعة الى الاجانب من ملوك وامراء منهم عرب الخليج العربي . كما اصبحت المدينة مركز ترف ولهو للكثير من الممثلين السينمائيين والمطربين ورجال الطبقة البرجوازية . .. وتعد ملقا اليوم جامعة لاغنياء العالم .

علما ان ملقا هي مسقط رأس الفنان بيكاسو وقد انشأ فيها متحف بيكاسو ومتحف كارمن تيسن Thyssen وغيرها من المراكز الثقافية وبذلك صبحت المدينة ايضا قبلة لمحبي الفن والثقافة والسياحة ... كذلك أنشأ فيها مطار عالمي كبير، ووصل اليها الخط الحديث للسكك الحديدية المسمى – AVE اي الطائر والذي تبلغ سرعته نحو 300 كم في الساعة . ويربط هذا الخط المدينة بأوربا

 

د. كاظم شمهود

 

حامد الحمدانييشعل انتفاضة الشعب العراقي عام 1956

كان موقف الشعب العراقي، وحكومة نوري السعيد من العدوان الثلاثي على مصر، على طرفي نقيض، فلقد اتسم موقف الحكومة السعيدية بالتشفي من مصر وعبد الناصر بشكل علني وصريح، وراحت الإذاعة العراقية تحاول صرف أنظار الشعب عن العدوان الذي دعته [التطورات والملابسات السياسية]، كما راحت الإذاعة تبث الأغاني الممجوجة، التي كان التشفي ينبعث منها، مما أثار سخط واستنكار وتقزز الشعب منها ومن الحكومة المتواطئة مع الإمبريالية، والتي سخرت مطاراتها للطائرات البريطانية، ومستشفياتها لجرحى المعتدين، وضخت النفط إلى ميناء حيفا في إسرائيل لتجهيز طائرات وجيوش المعتدين بالوقود .(4)

يقول السيد [ناجي شوكت] أحد رؤساء الوزارات السابقين في مذكراته عن موقف الحكومة السعيدية من العدوان ما يلي: {كانت إذاعة بغداد تذيع تسجيلات خليعة، وإن نسيت،لا أنسى مدى عمري ذلك المذيع الوقح الذي كانت آثار الشماتة والاستهزاء بكل القيم الإنسانية تنطلق من فمه المسعور، في الوقت الذي كان الشعب العراقي برمته يغلي كالبركان، ويطلب مساعدة مصر في محنتها، ووجوب مساندتها بالأرواح والأموال}. (5)

أما نوري السعيد، الذي كان في لندن حينما أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس، فقد اجتمع مع رئيس الوزراء البريطاني [انطوني إيدن] حاثاً إياه على ضرب مصر، وبرهنت الحوادث على أن نوري السعيد كان على علم مسبق بقرار الهجوم على مصر، وعاد إلى بغداد مسرعاً، ليقوم بدوره المرسوم في دعم العدوان، ولإحكام سيطرة الحكومة على الغليان الشعبي الذي اجتاح العراق من أقصاه إلى أقصاه. (6)

وما كاد العدوان الثلاثي يبدأ على مصر الشقيقة حتى سارع عبد الإله إلى عقد اجتماع لمجلس الوزراء في البلاط، لبحث الوضع في مصر، واعتقدت السلطة الحاكمة في بغداد أن النظام في مصر على وشك الزوال، وكان المجتمعون يتطلعون إلى الأخبار ساعة بعد ساعة، منتظرين استسلام مصر، وقد أتخذ مجلس الوزراء قراراً بإعلان الأحكام العرفية في 1 تشرين الثاني، وتشكيل أربعة محاكم عسكرية في محاولة منه لمنع الشعب من التحرك ضد النظام العميل للإمبريالية، بسبب مواقفه الخيانة من القضايا العربية، وفي مقدمتها العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة . (7)

كما أجرى نوري السعيد اتصالاً مع الحكومة الأردنية، وتقرر على أثرها إرسال قوات عراقية إلى الأردن، في 14، و15 تشرين الثاني، وكان واضحاً أن الغرض من إرسال القوات كان لتهديد سوريا التي وقفت إلى جانب مصر، وقطعت مرور النفط عبر أراضيها وقامت بنسف المضخات، ولم يكن قصد الحكومة إسرائيل، كما ادعت، فقد أجرى نوري السعيد اتصالات سريعة مع حكومتي واشنطن ولندن لإفهام إسرائيل بأن العراق ليست له نية بالتحرش، أو الاعتداء على حدودها، وقد سُرت الولايات المتحدة وبريطانيا لهذه المبادرة، كما ُسرت إسرائيل واطمأنت .

وفي الوقت الذي كان الجيش المصري يتصدى للمعتدين بكل قوة وبسالة، كان نوري السعيد يضخ النفط إلى إسرائيل، عبر أنبوب حيفا، كما كانت الطائرات البريطانية المعتدية تقلع من قاعدتي الشعيبة والحبانية، لتضرب أهدافها في بور سعيد و السويس، وفي الوقت الذي قطعت سوريا، والسعودية علاقاتهما مع بريطانيا وفرنسا احتجاجاً على العدوان الغاشم على مصر، فإن نوري السعيد رفض أن يفعل ذلك، مدعياً أن القرار سيكون كارثة على العراق ‍‍‍‍‍. (8)

هكذا استفز النظام العراقي مشاعر الشعب العراقي، وداس على كل القيم العربية، ليثبت ولائه وخنوعه التام للإمبريالية، مما دفع الشعب العراقي للانتفاضة ضد النظام رغم كل الاحتياطات التي اتخذها، وفي المقدمة منها إعلان الأحكام العرفية، وتشكيل المحاكم العسكرية لإخافة المواطنين ومنعهم من التحرك.

ابرق السيد [كامل الجادرجي] زعيم الحزب الوطني الديمقراطي  والذي كان موجوداً في مصر لمتابعة تنفيذ قرارات المؤتمر الشعبي العربي، حينما وقع العدوان، إلى رئيسي مجلسي الأعيان والنواب، في 14 تشرين الثاني، البرقية التالية:

{إن لجنة الاتصال للمؤتمر الشعبي العربي تستنهض ضمائركم لتبادروا بإنزال العقوبة بحق المتآمرين الذين ارتكبوا الجناية العظمى، بالسماح للبترول العربي في العراق أن يتدفق إلى حيفا، لتستخدمه إسرائيل  والإنكليز والفرنسيين، للقضاء على الأمة العربية. إن التاريخ سيسجل موقفكم، وإن الأمة العربية بأجمعها تنتظر ما سوف تتخذونه على هذه المؤامرة الاستعمارية المنكرة، وعلى المتآمرين من أعوان الاستعمار، وفقكم الله سبحانه وتعإلى لما فيه رضاه، ومصلحة الأمة العربية} (9)

وقد استخدمت تلك البرقية دليل إدانة ضد الأستاذ الجادرجي فيما بعد، وقد رد رئيس مجلس الأعيان على البرقية ببرقية جوابية يستنكر فيها ما جاء في برقية الجادرجي، ويدافع عن حكومة نوري السعيد وقدم 61 أستاذاً جامعياً مذكرة مسهبة إلى الملك، استنكروا فيها سياسة حكومة نوري السعيد المعادية لمصالح الأمة العربية، وسياسة القمع الذي مارسها ضد الطلاب والأساتذة، وجماهير الشعب، وانتهاكه لحرمة المدارس والكليات، وطالبوا باحترام الحرم الجامعي، وضمان حرية الفكر، وإطلاق سراح الطلاب المعتقلين، وإجراء تحقيق عادل في تجاوزات الحكومة، وغيرها من المطالب الأخرى .(10)

كما قدم 35 شخصية سياسية ودينية ووطنية مذكرة مسهبة إلى الملك، في 20 تشرين الثاني شرحوا فيها تأمر وخيانة نوري السعيد، وطعنه للامة العربية في الصميم، ودعت الملك إلى معالجة الأمر قبل فوات الأوان . (11)

كما قدم نقيب المحامين [سعد عمر] مذكرة احتجاج أخرى في 29 تشرين الثاني، إلى رئيس الوزراء، بسبب قيام الحكومة باعتقال العديد من المحامين، واستنكر تلك الإجراءات اللا قانونية، وطالب بإطلاق سراح المعتقلين على الفور .

لكنّ النظام أصرّ على السير في ركاب الإمبريالية، وتحدي مشاعر الشعب، التي انفجرت بركاناً انتشرت حممه في طول البلاد وعرضها، واندفعت جماهير الشعب،  غير هيابة من حكومة العمالة، وجهازها القمعي، ومجالسها العرفية ومراسيمها الموغلة في العدوان على الدستور، وحقوق وحريات المواطنين، وعمت المظاهرات جميع المدن العراقية، ووقعت الاشتباكات العنيفة بين الجماهير وقوات الحكومة القمعية.

ففي بغداد أندفع أساتذة وطلاب الكليات والمعاهد العالية، والمدارس، الذين هزهم العدوان الثلاثي الغاشم على الشقيقة مصر، والموقف الخياني لحكومة نوري السعيد من العدوان،  يومي 3 و 4 تشرين الثاني في مظاهرات عارمة  متحدين الأحكام العرفية، وقوات القمع السعيدية، حيث وقع صدام عنيف بين الطرفين أسفر عن استشهاد طالبين وفتاة صغيرة، ووقوع عدد كبير من الجرحى وتم اعتقال أعداد أخرى من الطلبة.

لكن المظاهرات الطلابية استمرت دون توقف، حتى بلغت أوجها يوم 21 تشرين الثاني 1956، حيث أعلن طلاب المدارس والكليات الإضراب العام عن الدراسة، وخرجوا في مظاهرة ضخمة، اصطدمت مع قوات القمع السعيدية، وقد أبدى الطلاب بسالة منقطعة النظير في تصديهم لقوات القمع، وأوقعوا فيها [58 إصابة] كان منهم مدير الشرطة، و3 ضباط شرطة، ومفوضان، و54 شرطياً، كما وقعت إصابات كثيرة في صفوف المتظاهرين من الطلاب والأهالي الذين انضموا إلى المظاهرة .(12)

وعلى أثـر ذلك أعلنت الحكومة إغلاق كافة الكليات، والمعاهد العالية، والمدراس الثانوية والمتوسطة، واعتقلت [378  طالباً] من الإعدادية  المركزية،  وثانـوية الكرخ، وتم طـرد 37 طالباً من مدارسهم . (13)

وفي الوقت نفسه، أصدر وزير المعارف [خليل كنه] أمراً وزارياً بإلغاء تسجيل كافة طلاب المدارس، وإعادة تسجيلهم من جديد،بعد حصولهم على كتاب موافقة من مديرية التحقيقات الجنائية [الأمن العامة] ومنع قبول أي طالب في الكليات والمعاهد والمدارس، إذا لم يحصلوا على موافقة الجهات الأمنية، لكن تلك القرارات لم تثنِ الطلاب عن التظاهر، بل على العكس أدى تصدي قوات الأمن لهم إلى انتشار المظاهرات في معظم المدن العراقية، واشتباك المتظاهرين مع قوات القمع السعيدية. حيث وقعت معارك دامية بين الشعب وقوات الحكومة القمعية .

وكان أشد تلك المعارك، المعركة التي خاضتها جماهير مدينة [الحي] والتي استفزتها مواقف حكومة السعيد الخيانية، والجرائم التي اقترفتها قوات الحكومة القمعية في النجف الأشرف، فانتفضت هذه المدينة الباسل التي كان سكانها يشكون من ظلم الإقطاع، واستغلالهم البشع، وتفجرت تلك التراكمات ثورة عارمة ضد الطغيان السعيدي، وقامت المظاهرات الصاخبة التي تصدت لها قوات الشرطة القمعية، لكن جماهير الحي استطاعت هزم تلك القوات في 18 تشرين الثاني، بعد معارك دامية سقط خلالها العديد من الشهداء و الجرحى .

وفي اليوم التالي جاءت السلطة بحوالي 1500 فرد من قوات الشرطة السيارة إلى المدينة، حيث دارت معارك عنيفة بين الطرفين، وقامت قوات الشرطة بانتهاك حرمة البيوت وبأسلوب وحشي، حيث أخذت تقلع أبواب البيوت بالقوة وتجري التحري فيها، وتلقي القبض على كل من تشك في اشتراكه في المظاهرات، مما دفع سكان المدينة إلى إعلان الإضراب العام، أغلقت جميع المدارس والمحلات أبوابها، احتجاجاً على الأساليب البطش السعيدية، وسيق العديد من أبناء الحي ا لى المجالس العرفية التي أخذت تصدر الأحكام الجائرة بحقهم، وكان من جملة تلك الاحكام، حكم الإعدام الصادر بحق الشهيدين [علي الشيخ حمود] و[مهدي الدباس]، فيما حكم على الكثيرين بمدد مختلفة تراوحت بين السجن المؤبد، والسجن لبضعة سنوات.                                                        .

وقد حاول لفيف من السياسيين إنقاذ حياة الشهيدين حمود والدباس، حيث قابل السيد [حكمت سليمان] أحد رؤساء الوزارات السابقين، والشيخ [محمد رضا الشبيبي] من الوزراء السابقين، الملك فيصل الثاني، والتمساه عدم الموافقة على تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقهما، ووعدهما الملك خيراً، لكن الذي جرى أن الشهيد مهدي الدباس تعرض في سجنه، بعد الحكم عليه بالإعدام، لتعذيب وحشي شديد على أبدي الأجهزة الأمنية، وتوفي على أثرها تحت التعذيب، وقامت الحكومة على الأثر بنقل الشهيد الدباس مع الشهيد علي الشيخ حمود إلى الساحة العامة في الحي، حيث تم نصب مشنقتين لهما، على الرغم من أن الدباس كان قد فارق الحياة داخل السجن، ومع ذلك علق جسده على حبل المشنقة لتوهم السلطة المجرمة أبناء الحي بأنه قد تم تنفيذ حكم الإعدام به وبرفيقه، لكي لا تنكشف الجريمة، ولابد لي أن أشيد هنا بالموقف البطولي للشهيدين، فلقد قضى الدباس تحت التعذيب دون أن تنتزع منه السلطات الأمنية أي أسرار تتعلق بنشاط الحزب الشيوعي، بينما وقف الشهيد علي الشيخ حسين شامخاً فوق مشنقته وهو يهتف بحياة الشعب العراقي، والحزب الشيوعي، ويلعن المستعمرين وأذنابهم الخونة.                  .

ورغم كل ما فعلته السلطة الحاكمة، ورغم كل إجراءاتها القمعية، فإن ذلك لم يجدها نفعاً، بل على العكس أنتشر لهيب الانتفاضة في مدن الكوفة والديوانية، والشامية والحلة  وكربلاء والناصرية والنجف والبصرة والعمارة والكوت، والموصل وأربيل وكركوك والسليمانية وعانه بالإضافة إلى بغداد.

ورغم أن السلطة الحاكمة زجت بكل قوات الشرطة وقوات الجيش للحيلولة دون قيام المظاهرات، ورغم زجها بالآلاف من المواطنين رهن الاعتقال، وتقديمهم إلى المجالس العرفية، وإصدار الأحكام الجائرة بحقهم، إلا أن المظاهرات والاحتجاجات تصاعدت ضد السلطة الحاكمة وكانت أشد المعارك قد وقعت في مدينة النجف الاشرف، مدينة البطولات الوطنية، فقد التهبت الأوضاع فيها عندما انطلقت تظاهرة طلابية من مدرسي [الخورنق] و[السدير]،حيث تصدت لها قوات الشرطة المدججة بالسلاح والمزودة بالسيارات المسلحة بالرشاشات، وبدأت بإطلاق النار على المتظاهرين، حيث أصيب [42 طالباً] بجراح، وكانت جراح 11 منهم خطيرة، واستشهد الطالب [عبد الحسين] حفيد العلامة المعروف [سيد فهمي الحمامي]، كما استشهد طالب آخر من مدرسة السدير، وأخر من الأهالي، مما أدى إلى حالة من الهياج بين المواطنين الذين أعلنوا الإضراب العام، حيث أغلقت الحوانيت، والمحال التجارية، والمطاعم والمخابز، والصيدليات  احتجاجاً على الأعمال الإجرامية للسلطة، كما أضرب رجال الدين عن أداء واجباتهم الدينية، فلم يخرجوا لصلات الجماعة . (15)

وإزاء تطور الأحداث، وتصاعد موجة المظاهرات، أقدمت الحكومة على سحب شرطة المدينة، واستبدلتهم بإعداد غفيرة من الشرطة جاءت بهم من مناطق أخرى، من أطراف الموصل، خوفا من تهاون شرطة النجف في قمع المتظاهرين، ومع ذلك فلم تستطع السلطة السيطرة على المدينة، مما دفع بالحكومة إلى إنزال قوات الجيش إلى الشوارع، واحتلال المدينة .

لكن الإضراب استمر أسبوعاً كاملاً، وسط تحدي الشعب لقوات القمع، وواصلت التظاهر والتصدي لقوات القمع التي سارعت إلى إطلاق النار على المتظاهرين الذين لجئوا إلى مرقد الأمام علي عليه السلام، ولاحقتهم قوى الأمن، مواصلة إطلاق الرصاص عليهم، مما أدى إلى استشهاد أثنين من المتظاهرين هما الشهيدين [عبد الأمير ناصر] و  [أموري علي] ووقوع العديد من الجرحى.أدى الهجوم الوحشي على مرقد الإمام علي، عليه السلام، إلى تصاعد موجة التظاهرات والاحتجاجات، حيث خرجت المدينة عن بكرة أبيها تحاول انتزاع جثث الشهداء من المستشفى فيما أصرت الحكومة على عدم تسليمهم .

أدت الأحداث الدامية في النجف إلى قيام موجة من الاحتجاجات الموجهة من قبل كبار رجال الدين إلى الملك فيصل، حيث احتج كل من الشيخ [عبد الكريم الجزائري] والسيد [حسين الحمامي]  والشيخ [محمد كاظم الشيخ راضي] والسيد [محسن الحكيم] والسيد [محمد صالح بحر العلوم] إضافة إلى عدد من المحامين منهم [موسى صبار] و[احمد الجبوري]، في برقيات بعثوا بها إلى الملك فيصل، ونددوا فيها بإجراءات الحكومة، وطالبوا بإنزال أشد العقوبات بالمسببين باستشهاد أبناء النجف، وجرح العديد منهم.

أحدثت مصادمات النجف إلى رد فعل عنيف في بغداد، حيث أعلن المواطنون الإضراب العام، وأغلقت كافة المحال التجارية، والمطاعم والمخابز والصيدليات، وقامت الحكومة على الأثر بإصدار بيان في 28 تشرين الثاني، هددت المواطنين بإنزال اشد العقاب بهم إذا ما استمروا في إضرابهم.

أدرك البلاط الملكي أن الأمور أخذت تسير من سيئ إلى أسوأ، واستمرت الأحوال الأمنية بالتدهور، مما كان يهدد العرش بالذات، وعليه فقد دعا عبد الإله والملك فيصل الثاني رؤساء الوزارات السابقين، بالإضافة إلى نوري السعيد، ورئيسي مجلسي النواب والأعيان، والوزراء، وبعض الساسة، للتداول في التطورات الخطيرة التي تشهدها البلاد، وُطرح خلال المداولات موضوع استقالة حكومة نوري السعيد، وفسح المجال أمام العرش لتأليف وزارة جديدة تستطيع تهدئة الأمور، وتنقذ الموقف، وقد اتهم أحد الحاضرين نوري السعيد بأنه قد شجع [انطوني إيدن] عند وجوده في لندن، على شن العدوان على مصر بدلاً من أن يحذره من مغبة القيام بمثل هذا العدوان.(16)

غير أن نوري السعيد أصرّ على موقفه، وتحديه للشعب، ومشاعره الوطنية، وحذر الملك وعبد الإله من خطورة التراجع أمام تحدي الشعب، مدعياً أن هذا الموقف قد يؤدي بالعرش، وهكذا انتهى الاجتماع دون اتخاذ أي قرار حول الوضع، لكن عبد الإله أجرى مشاورات أخرى بعد الاجتماع مع عدد من السياسيين، كان من بينهم [جميل المدفعي] و[علي جودت الايوبي] بغية تأليف وزارة جديدة، وقد اقترح المدفعي إبعاد نوري السعيد عن الحكومة، إشراك [حسين جميل] و[مهدي كبه] في الوزارة القائمة، أو تشكيل وزارة جديدة .

ثم استدعى عبد الإله بعد ذلك كل من السيد [كامل الجادرجي] و[حكمت سليمان]  و[محمد رضا الشبيبي]، وطلب رأيهم في سبل حل الأزمة وإعادة الهدوء إلى البلاد، وقد أجمع الجميع على ضرورة إقالة حكومة نوري السعيد، وتشكيل حكومة جديدة، وحذر حكمت سليمان عبد الإله من مغبة استمرار الأوضاع على ما هي عليها .(17)

لكن نوري السعيد، وبدعم  أسياده الإمبرياليين البريطانيين، تمادى في غيه، وأصدر أمراً باعتقال قادة  الأحزاب السياسية الوطنية، وكبار الشخصيات المعارضة، فقد تم اعتقال السادة كامل الجادرجي، وحسين جميل، وصديق شنشل، وفائق السامرائي، وعبد الرحمن البزاز، وجابر عمر بالإضافة إلى العديد من رجال الدين، واحالهم إلى المجلس العرفي العسكري في 16 كانون الأول، حيث صدرت الأحكام، في 19 منه،بحقهم، وصبت الحكومة جام غضبها على الأستاذ الجادرجي، حيث حكم عليه بالسجن الشديد لمدة ثلاث سنوات بعد أن اتخذت الحكومة برقيته التي أرسلها إلى رئيسي مجلسي النواب والأعيان كدليل اتهام، وتم إيداعه السجن .

كما حكمت المحكمة على صديق شنشل،وفائق السامرائي بالمراقبة لمدة سنة، وعلى حسين جميل وسامي باش عالم بكفالة شخص ضامن بمبلغ 5000 دينار، لمدة سنة، وتم نقل شنشل إلى الإقامة الجبرية في [قلعه دزه]، وفائق السامرائي إلى [حلبجة] في السليمانية، وتم إبعاد عميد كلية الحقوق [عبد الرحمن البزاز] و [جابر عمر] و[محمد البصام] و[فيصل الوائلي] و[حسن الدجيلي] الأساتذة في كلية الحقوق،إلى [بنجوين]. كما أبعد رجال الدين إلى قرية [شثاثة] في كربلاء، وجرى فصل أكثر من 10 آلاف طالب من كلياتهم، ومدارسهم، والعشرات من أساتذة الكليات بقرار جماعي.(18)

وهكذا استطاع النظام قمع الانتفاضة الجماهيرية الكبرى بالحديد والنار، مستخدماً كل ما توفر لديه من الوسائل القمعية، وزج بالجيش ليقمع الانتفاضة، بعد أن هزمت قوات الشرطة القمعية أمام غضبة الجماهير، وعزمها على التصدي للنظام الخائن والعميل للإمبريالية وهذا ما أرادته بريطانيا عندما أسست الجيش العراقي، عام 1921، فقد أرادته لحماية السلطة الحاكمة المؤتمرة بأوامرها، وليس لأي هدف آخر، لكن بذور الثورة كانت تنمو في أحشاء هذا الجيش الذي هو جزء من الشعب، مهما عملت السلطة الحاكمة لإحكام سيطرتها عليه وتوجيهه نحو معاداة الشعب وقواه الوطنية.

 

حامد الحمداني

 

سننشر قصة ذلك الهروب على شكل حلقات يومية وبقلم الوالد الفقيد حسين سلطان صبي / أبو علي

... وأخذت اللجنة المشار اليها أعلاه تمارس مهماتها السياسية والتنظيمية في داخل السجن بعد الانشقاق ويبدو ان المنشقين أصابهم الغرور من ان كل كوادر الحزب والقاعدة معهم. والأمر الذي ساعدهم على هذا التصور ان بعض الرفاق أعطيت لهم مسؤوليات في ادارة شؤون الـسجناء قــبـل الانـشـقاق مثلا مظفر النواب ورفيق آخر لا أتذكر اسمه ــ وهو قائد نقابي ــ هو الآخر مسؤول أرزاق السجن في الادارة والتحق معهم أغلبية أبناء الموصل عدا عدد قليل بقى مع الحزب وهكذا أوحى لهم هذا الوضع ان جميع الأمور أصبحت بأيديهم وسوف يخضعون البقية الى ما يريدون ولكن الحقيقة غير ذلك . وفي اليوم الرابع أو الخامس لإعلان بيان الحزب في السجن وجهت دعوة الى جميع الكوادر الـحـزبـيـة لـعـقـد اجـتـمـاع لـــهـم على أن يكون جدول العمل نقطتين فقط: الأولى منها كل واحد منا يدلي بما عنده في المجالات الفكرية والـسـياسية والتنظيمية والأحداث الجاريــة بصورة حرة . والنقطة الثانية: بعد الاستماع الى ما يقدم يقرر كل واحد منا موقفه مع الحزب أو مع الانشقاق وبصورة حرة أيضاً وأما القاعدة الحزبية وبقية السجناء وهم الأغلبية كل واحد منهم يقرر موقفه دون اكراه مع هذا الجانب أو ذاك. ان هذه الدعوة استجاب لها الجميع عدا نـفر قليل حاولوا أن يعرقلوا مثل هذه الدعوة الا ان تلك المساعي باءت بالفشل وانعقد الاجتماع فعلاً وحضره جميع الرفاق بما فيهم أولئك الذين كانوا يسعون لعدم عقده وفتحت النقاش بكلمة مطولة تحدثت فيها عن أهمية وحدة الحزب وقلت ان الخطأ في السياسة يمكن اصلاحه بالنضـال الهادئ الصبور وتكلمت عن تجربتي في انشقاق راية الشغيلة وختمت كلمتي أنا مع وحدة الحزب ومع صيانة مبادئه التنظيمية والتي بواسطتها نعدل ان كان هناك خطأ في السياسة أو الفكر وعلينا أن ندرك ان الانـشقاق لا يؤدي الا الى خدمة أعداء الشعب والطبقة العاملة مهما كانت النوايا . وتعاقب المتكلمون مع التشديد على الشرط المسبق، هو عدم السماح بالمقاطعة والمتكلم حر باختيار الجمل التي يعبر بها عن أفكاره وتكلم الجميع ومنهم من أطنب ومنهم من أخذ بقاعدة خير الكلام ما قل ودل . وبعد انـتـهاء الـنقاش اتفقنا على أن ينادى بالأسماء وكل من يرد اسمه يعلن انه مع هذه الجهة أو تلك وكانت النتيجة (8) مع الحزب و (8) مع المنشقين . واثنين رفضا اعطاء أي رأي بحجة لا نستطيع تحديد موقف في هذه الساعة وكان مجموعنا ثمانية عشر رفيقاً وبعد ذلك انتهى الاجتماع في ساعة متأخرة من تلك الليلة . ومع هذا الوضوح في الفرز خاصة في الكوادر الا ان المنشقين بقوا يدعون ان معهم الأكثرية من القاعدة الحزبية وينبغي أن يبقى كل شيء من الأعمال الادارية بيدهم وأسمعونا بعض التهديدات . وكان رد الفعل عندنا عنيفا قلنا لهم نحن مستعدون لكل طارئ ونرجوا أن لا تحملونا على الانفصال عنكم مكانياً ومعاشياً وفي كل شيء وهذا ما يفرح أعداءنا وأكدنا لهم في الحديث: لا تستطيع قوة في الكون اخضاعنا ونحن أحياء فكيف بوضعكم الهزيل . وأنتم منشقون تطمحون بذلك، وبعد هذا اللقاء بـبـضـعة سـاعـات جـاء حـافـظ رسن وتحدث معي حديثا لطيفاً وليناً وقال: أن افترقنا الآن ولكن لا بد أن نلتقي ويجب علينا أن نبقى موحدين أمام إدارة السجن وكل أعداءنا . وحصة كل منا نصف واتفـقـنا على ذلك وشكلنا لجنة من الطرفين لبحث القضايا تفصيلياً وخلال اسبوع من الارهاصات ليل نهار . الا ان بعد هذا الاتفاق أخذت الأمور تهدأ تدريجيا وتعود الى وضعها الطبيعي عدا ان التنظيم الموحد صار تنظيمين منفصلين ورغم أحداث الاسبوع وما جرى فيها من تهديدات وارهاصات الا ان حافظ رسن بقي على عادته حول النفق يأتي كل صباح ويقدم تقريره كالسابق وكأنما لم يحدث شيء بيننا ومن سوء الصدف عند حدوث الانشقاق ذهب مع المنشقين اثنين من أصل ثلاثة من الرفاق الذين كانوا يعملون في النفق وهم حافظ رسن وفاضل، بقى مع الحزب جدو فقط . وعند تقسيم قاعات السجن بين المجموعتين كانت القاعة الجنوبية الملاصقة للنفق للحزب والقاعة الشمالية الملاصقة لـلـنـفـق أيضاً للانشقاقيين. هذا وأكدت على حافظ رسن أن تبقى قضية النفق كما كانت سابقا محصورة بيننا وقرب التنفيذ يمكن أن نتفق على العدد وعلى الكيفية وكان حافظ متحمساً لهذا الرأي ولكن فيما بعد ظهرت الحقيقة ليست هكذا بل ان بعض الكوادر والعناصر الأخرى كان كسبها عن هذا الطريق، طريق الاغراء بالتحرر من السجن في حيــــن من جانبنا بقينا محافظين على سرية العمل حتى إكمال النفق وبدأت التشاور مع كل رفيق من الكوادر على حدة لاختبار استعداده اذا توفرت الفرصة للهرب .

نعود قليلا الى الوراء أي قبل الانشقاق كنت وحافظ رسن ندرس قضية توفير الحد الممكن من الضمان في كراج السيارات الذي تكون فيه فتحة النفق دون احساس حارس الكراج أثناء العملية وتدارسنا ثلاثة حلول وفضلنا أحدهما والحلول هي:

1) أن تساعدنا منظمة الحلة بإيجاد علاقة مع حارس الكراج واقامة حفل شراب ــ كحوليات ــ في الوقت المحدد لبدء عملية الهروب .

2) أن تساعدنا منظمة الحلة بثلاثة رفاق مجربين اثنين منهم يلبسون ملابس شرطة والثالث يكون بهيكل مفوض أمن ويأتون في الوقت المحدد لا جراء التحقيق مع حارس الكراج عن سيارة (وهمية) تحمل أموالاً مهربة خرجت من الكراج في الساعة كذا والسؤال عن سائقها أما الشرطة أحدهم يلزم باب الكراج والاخر باب غرفة الحارس وأثناء التحقيق تبدأ عملية الهروب .

3) بعد استشارة الجهات المختصة قالوا عندنا مخدر ــ بنج ــ يمكن أن يخدر الشخص لمدة من الوقت بزرقه أبرة .

وكنا ميالين الى الطريقة الثانية وفعلا دفعنا مبلغا من النقود لأحد الرفاق أن يشتري لنا بواسطة أخيه مسدساً مع بدلتين رسميتين من ملابس الشرطة الا اننا لم نحصل على نتيجة بسبب وقوع الانشقاق . وفي أواخر تشرين ألأول أخبرني حافظ رسن من ان النفق أوشك على نهايته وان في المواجهة القادمة يجب أن نرتب أمورنا مع جماعتنا ونقرر سوية يوم العملية . واتفقنا على ذلك وقال: توفرت لدينا امكانية لعمل هويات شخصية ويمكن أن تعطينا صوراً شمسية لجماعتكم حتى نضعها على الهويات . وفعلاً في اليوم الثاني أعطيته خمسة تصاوير لتلك الهويات . وكان مسموحا لزيارة السجناء مرتين في الشهر: الأولى في بداية الشهر والثانية في أواسطه . وفي نهاية تشرين الأول جاءت الرفيقة وابلة الشيخ الى السجن لزيارة أخيها عزيز الشيخ وطلبت اللقاء بي . وعند المقابلة قالت: يقولون الجماعة ــ وهي تعني الحزب ــ انـــنا لا نستطيع إيواء الهاربين من السجن في المدن بل توجد امكانية لايوائهم في الريف وسألتها عن امكانية المساعدات الأخرى قالت: والله لم يذكروا شيئا آخر قلت لها: نحتاج الى بعض النقود واذا أمكن مساعدات أخرى . قالت: يمكن في المواجهة القادمة أجلب اليك شيئاً من النقود وأخبرك بما يتقرر من مساعدة . وانتهى الأمر عند هذا الحد . وفي عصر ذلك اليوم ــ يوم المواجهة ــ وهو على ما أظن الأول من تشرين الثاني، جاءني حافظ رسن وقال: ان جماعتنا طلبوا منا أن نوقت يوم الهروب في مساء يوم المواجهة القادمة فما هو رأيكم قلت لـه: ونحن هكذا وسألته عن الكراج فقال لا يشغل بالك هذا الموضوع وقدرت ان هنالك عملاً للجماعة في هذا المجال . وبقينا في كل يوم نلتقي ويتحدث حافظ رسن عن النفق وما جرى فيه من تأسيسات مثل إنارته بالكهرباء وتغليف سقف النفق بالبطانيات لئلاً يقع التراب من السقف وغير ذلك من الأحاديث الشيقة . وحتى يوم السادس من تشرين الثاني جاء حافظ رسن وفق العادة ولكنه أول ما تكلم به قال لي: اننا في عصر هذا اليوم عندنا اجتماع في هذه القاعة ــ وأشار بيده الى القاعة الشمالية وهي قاعتهم والملاصقة لغرفة النفق ــ قلت له: هذا أمر يخصكم وتحدث عن النفق وأحاديث أخرى ولكن عندما أراد أن ينهض كرر القول ــ في عصر هذا اليوم عندنا اجتماع في هذه القاعة ــ قلت لـــه: هذا شأن يعود لكم الا اني ارتبت في الأمر وذهبت الى تفسيرات عدة وقدرت ان الحالة لم تعد طبيعية وانما لا بد أن يكون خلفها قــــصد ــ ولكن في الحقيقة لم أتوصل انهم يضمرون الغدر بنا والهروب من خلف ظهرنا ــ وكنت أقدر قد يكون لهذا علاقة بالاحتفال بذكرى ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى حيث كانت الاستعدادات . وبعد ذهاب حافظ رسن بساعة ونصف جاء مظفر النواب وجلس بقربي وبعد كلمات المجاملة انحنى نحوي وهمس باذني قائلاً: الرفاق أصحاب الصور للهويات من الأفضل أن يختاروا أسماءهم التي تدون في الهويات حتى لا ينسوها عند السؤال والـــجواب، غداً أأتي لاستلامها منكم .

وفي ذات اليوم عصراً والساعة تقترب من السادسة مساءاً وأنا أتجول في جانب من ساحة السجن لاحظت بعض العناصر المنشقة تأتي مـــــن القلعة القديمة الى القاعة التي أشار لها حافظ رسن صباح ذلك اليوم باعتبار عندهم اجتماع فيها ولكن ما يجلب الانتباه ان القادمين الى تلك القاعة كل واحد منهم يحمل بيده كيساً من القماش أو من النايلون ومنهم من يحمل لفة ــ بقجة ــ والى هنا أخذت أقترب من هدف الجماعة وحيث كان يظهر الارتباك حتى في سيرهم وكانوا واضعين برنامجاً للدخول الى القاعة، دقيقة بين واحد وآخر وحارس يقف على باب القاعة منهم وبقيت أراقب الحالة وجو السجن هادئ تماماً وقد دخل القاعة ما يقارب خمسة عشر شخصاً ومرت عدة دقائق ولم يأتِ أحد للدخول وخلال تلك اللحظات مر أمامي أحد الرفاق وهو شجاع وصدامي ــ مع الأسف لا أتذكر اسمه ــ إلا اني أعرفه من أبناء الموصل، ناديته فجاء مسرعاً قلت له: اذهب الى تلك القاعة وانظر من فيها فذهب وبقيت أتبعه بنظري وعند الباب منعه الحارس من الدخول فعاد لي وقبل أن يصل ناديته وبنبرة لا تخلوا من الحدة، أدخل عنوة، فعاد الى القاعة بعزيمة أشد ومسك الحارس من يده ودفع به الى ساحة السجن ودخل وعاد لي مسرعاً وقال لا يوجد أحد في القاعة . وقفت في ساحة السجن وامامي الرفيق الموصلي وجاء الرفيق جدو تواً وساحة السجن خالية تماماً، وقلت لنفسي: أمامي بضعة دقائق ينبغي أن أتخذ خلالها موقفاً وأتحمل مسؤوليته شخصياً وكان القرار النهائي ان أذهب اليهم بالعنف وأرغمهم على مشاركتنا بالهروب واذا رفضوا نخوض معهم معركة والنتائج هم يتحملونها . وخلال تلك اللحظات كنت أشاهد الرفيقين الموصلي وجدو متوتري الأعصاب واقفين وقفة شبه عسكرية شاخصين بنظرهم نحوي وكأنهم يقرأون ما في وجهي . وكان بقربنا قطعة من الحديد يكسرون بها الثلج، قلت الى جدو هاتني بذلك ــ الهيم ــ الحديد وعندما جلبه لي قلت لهم اتبعوني وتوجهنا نحو غرفة النفق ومعلوم لدي ان باب غرفة النفق لها قفلين واحد من الخارج والثاني من الداخل فوضعت ــ الهيم ــ الحديدي في رزة القفل وقبل أن أكسره قلت لجدو أطرق الباب عليهم فسأل حسين ياسين من الطارق، قال له أنــــــا جدو، فأجابه حسين ياسين اذهب يا جدو وبعد ساعه عد الينا . والى هنا كسرت القفل وقلت لحسين ياسين: يكلمك أبو علي افتح البــاب والا كسرتها وفتح الباب وهو يشد بربطة عنقه ومن شدة الانفعال بصقت على وجهه ورفعت يدي وقلت أهكذا الغدر يا .. وخلال دقائق معدودة صارت ساحة السجن ساحة معركة بين الطرفين وكان أحدهم ينوي طعني بسكين لكن الشهيد عبد الأمير سعيد هو الذي حال دون تحقيق هدفه . وخلال تلك الحالة طلبت من أحد الرفاق أن يأخذ معه رفيقاً آخر ويمسكوا باب القلعة ولا يسمحوا بالدخول أو الخروج منها وأحاطني عدد من الرفاق حتى ادخلوني الغرفة وقبل أن أولع سجارتي جاء حسين ياسين الى باب غرفتي، الا ان الرفاق أبعدوه بالدفع والاهانة وسمعت منـه كـلامـاً: أريـد أبـو عـلـي وكـان بـقـربـي الـرفـيق الحمامي، فقلت له: اذهب الى حسين ياسين وافهم منه ماذا يريد مني ذهب وعاد لي يقول: انه يريد اللقاء بك شخصياً، قلت: افرغ الغرفة المجاورة من الرفاق وأت به . وعندما التقينا في الغرفة وقبل أن يجلس قال حسين ياسين: اغفر لنا يا أبا علي ما فعلنا وعالج الأمر بحكمه لئلا تذهب كل الجهود أدراج الرياح، قلت له: جيد أتوافقون أن نخرج في البدء عشرة رفاق خمسة منكم وخمسة منا ويمسك النفق خلال ساعتين وبعدها يخرج من يريد . قال: موافقون، قلت: اذن خلال خمسة دقائق يكون الجميع جاهزين .

........  يتبع

 

خالد حسين سلطان

 

415 مهدي الحافظتوطئة: رحل مهدي الحافظ بهدوء ودون أن تتبعه ضوضاء فارغة وجلبة مزعومة، (4/ تشرين الأول/اكتوبر/2017)، ونحن إذْ نستعيد الذكرى الأولى لوفاته، فإنّما نريد التوقّف عند بعض المحطّات الأساسية في مسيرته. وفي مثل هذه المناسبات غالباً ما تفتتح الكتابات فيها: بالقول رحل "الرفيق المناضل"، وحين خطرت الفكرة ببالي  وكتبت الشق الأول منها، لكنني سرعان ما حاولت طردها، فقد خشيت أن يحسبه البعض من صنف "المناضلين" الافتراضيين أو الهوائيين، حيث يبرع باعة الكلام المتجولين والباحثين عن الوجاهات من منتهزي الفرص ليقطعوا الماضي عن الحاضر، والكلمة عن الحلم والطموح المشروع، باللهاث وراء المكاسب.

حين وصلني نبأ رحيله تجمّدت  أطرافي ولم أقوَ على الحركة لبضعة ثوان فقد مرّت خاطفة تلك العقود الخمسة التي حاولت استعادتها وكأنها شريط سينمائي.

قالت لي د. منيرة البياتي وهي في ذروة انفعالها وحزنها ما الذي تبقى لنا : رحل الأحبّة سريعاً الواحد بعد الآخر...؟ ماذا نتذكّر يا عبد الحسين؟ فمهدي الحافظ جزء من تاريخنا وصداقتنا له تكاد تكون صداقة العمر كلّه بحلوّه ومرّه وبإيجابياته وسلبياته. كنت صامتاً وفي فمي طعم مرارة غامضة، فكيف يتحوّل شخص مثل مهدي الحافظ إلى مجرد مربع صغير في جريدة لا يكاد يلفت النظر، ولهذا فقد كان لموته نكهة حزن إضافية، ولعلّه موت يحرجنا بقدر ما يحزننا.

كنتُ أفكّر بما خبّأه لنا الزمان، فمهدي الحافظ حتى عشيّة وفاته كان يطفح بالحيوية وحبّ الحياة والتمتّع بأطايبها، غاب هكذا فجأة مثل شهاب وحتى دون مؤشر بالمرض.. دخل المستشفى لبضعة أيام لإجراء فحوصات ولم يخرج منها إلّا إلى القبر.

وظلّت منيرة البياتي تردّد على مسامعي: كان مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق قد شكّلا جزءًا من وعينا في مرحلته الأولى.... واستعادت هذا الكلام مرّة أخرى،  وهي تردّ على رسالتي بتعزيتها بوفاة نضال وصفي طاهر، ولم تنسَ في كل مرّة أن تتذكّر شقيقها القاص والروائي والصحافي محمود البياتي  ( توفي في 31/10/2014) انظر مقالتنا عنه: (محمود البياتي: سنّارة الحلم والذاكرة التي تأكلنا) وهي تعرف عمق علاقتنا، وكم تأثّرتْ لما كتبته عنه وما قلته في احتفاليته التأبينية التي أقيمت في عمان. وكلّما مرّ يوم جديد، يزداد شعوري بأن محمود كان " أخي الذي لم تلده أمي"  وقالت منيرة وقد أخذتها " العبرة" عبر التلفون وقد تغيّر صوتها: ليس للحياة من طعم فالموت يحيط بنا من كل جانب، وردّدنا معاً بيت شعر للجواهري عن الموت اللئيم حين يقول :

ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبه / دم أخوتي وأقاربي وصحابي

وردّدت عليها بيت شعر للشريف الرضي الذي ينطبق على حالنا ويقول فيه :

ما أخطأتك النائباتُ            إذا أصابت من تحبّ

الماضي الذي لا يمضي

لقد تغيّرت الدنيا والناس ولم يبقَ من الأحلام سوى الأقل. نشعر بالخيبة أحياناً حين نقلّب أمانينا وأحلامنا، فقد كانت أجمل وأكبر، وهكذا لم يبقَ سوى أن نستعين بالذاكرة وهي التي لا تفارقنا، بل تكاد تطوّقنا مثل سياج يحيط بنا من كل جانب، وكأننا في دائرة.

كلّما كنّا نلتقي: نوري ومهدي ومنيرة البياتي وسعد عبد الرزاق ومحمود البياتي وماجد عبد الرضا وموفق فتوحي وتيسير قبعة وبسام أبو شريف وصادق الشافعي وسالم المندلاوي وآخرين مجتمعين أو متفرّقين من شلّة أصدقاء أواخر الستينات وأوائل السبعينات وما بعدها نسارع دائماً لاستحضار الماضي وكأنه اليوم قد حدث  أو بالكاد بالأمس، وكنتُ قد استعدت مع السيد هاني فحص ذكرياته عن النجف لا باعتبارها ماضٍ، بل حاضر أكثره مستقبل، لأنه  لم يمضِ، وهو ما دوّنه بكتاب بالعنوان ذاته.

ودائماً ما كنتُ استفزّه بالقول "أخرج  النجف التي في داخلك"، وكنت بذلك أخاطب نفسي أيضاً، عن تلك المدينة التي ظلّت "توشوشني"، هكذا ظلّ الماضي يعيش فينا ولا يريد أن يمضي، إنه  حاضرٌ وحيٌّ في ذواتنا، خصوصاً حين يكون أكثر طهرية وصدقاً وعفوية؛ إنه ماضينا الذي لا يمضي، بل لا نريده أن يمضي.

بقي مهدي الحافظ على الرغم من جميع الخيبات والمرارات والآلام والخسائر التي حلّت به محافظاً على توازنه ورباطة جأشه، فما أن يرى أحد الرفاق والأصدقاء حتى يسارع إلى عناقه واحتضانه، وكان يمارس ذلك بعفوية وتلقائية ومحبّة، مع أن لديه الكثير إزاء بعض "الأعدقاء" على حدّ تعبير الشاعر وليد جمعة الذي نحت الكلمة في قصيدة له بالعنوان ذاته، حين يتحوّل الأصدقاء إلى أعداء وإنْ ظلّوا يرتدون جلباب الصداقة، فقد تحمّل مهدي الحافظ من هؤلاء إساءات كثيرة، بل بلا حدود.

وكان أحد "أعدقائه" كما أخبرني يوزّع شكوكه واتهاماته به يساراً ويميناً بسبب اختلاف الرأي والموقف، وخصوصاً بصدد الحرب العراقية - الإيرانية، لكن مهدي الحافظ وهو يعرف كل ذلك ظلّ يعامله  بكل ترحاب وبأريحية، بل ولهفة أحياناً لاعتبارات قديمة، وكان يفعل ذلك دون تكلّف وربما بشيء من الشفقة أو الرحمة، مشفوعة بنوع من التسامح والترفّع، في زمن تشوّهت فيه العلاقات الإنسانية وساد النفاق الاجتماعي وتفشّى التكاذب "والصداقة" المصلحية.

كان مهدي الحافظ بالرغم من فرحه الظاهري وابتسامته التلقائية حيث تلتمع عيناه، ينزف من الداخل، خصوصاً حين يشعر أن القيم القديمة أخذت تتآكل والأماني علاها الغبار وأصابها الصدأ . وحتى حين يحاول إيجاد تفسير لبعض تلك المواقف لا يفعل ذلك مع الحقد، بل كان يقصد إبقاء الذاكرة في دائرة الضوء وكي لا يلفّها النسيان، ويتجنّب دائماً إصدار الأحكام.

لم يكن مهدي الحافظ استعراضياً ولم يعرف كثيرون، لاسيّما من الساسة الجدد دوره الفعلي وكفاءاته ونضاله، فهو غالباً ما يحجم عن الكلام عن نفسه، وحين جاء عبداللطيف الشوّاف على ذكره في هامش مطوّل في كتابه "شخصيات نافذة" إعداد وتقديم الدكتور حمدي التكمجي، دار الورّاق للنشر، طبعة العام 2013،  استغرب كثيرون ممن كانوا يعتقدون أنه مجرد "موظف دولي" أو أحد " المترفين" أو "الارستقراطيين" الذين يستهويهم الحديث في السياسة، ولديه اطلاع على بعض قضايا العراق وتاريخه وليس ابن مدينة الشامية التي ولد فيها في العام 1937 وارتوى من " نهر الفرات الحزين".

وعلى ذكر "قضاء الشامية" فقد خصّها الانتداب البريطاني بصفة "لواء" بضمّها إلى مدينة النجف، ولذلك كان يُقال " لواء عموم الشامية والنجف" ومقرّه مدينة النجف، ويضم عدداً من الأقضية والنواحي وينتهي بالحدود العراقية - السعودية وكان يتبع  ذلك اللواء: الكوفة والعباسية والكفل وأبو صخير والمشخاب (الفيصلية أو السوارية) ونواحي غماس والمهناوية والصلاحية وغيرها، وكان الزعيم عبد الكريم قاسم قد عيّن معلماً في مدينة الشامية (مدرسة القحطانية) وقضى فيها عاماً دراسياً واحداً (1931-1932) قبل أن يلتحق بالجيش حسبما تقول بعض الروايات، وينتسب مهدي الحافظ (مهدي أحمد حافظ) إلى عشيرة آل دعيبل النجفية وكانت عائلته قد هاجرت من النجف إلى الشامية في مطلع القرن العشرين وعمل والده مختاراً لعدّة سنوات وأعقبه شقيقه موسى.

النشاط السياسي

كان مهدي الحافظ قد بدأ حياته السياسية عضواً في اتحاد الطلبة وقد اعتقل في العام 1954 إبان انتفاضة الفلاحين في الشامية مع عدنان عباس وصادق العطية وهديب الحاج حمود وحسن الحاج  ودّاي العطية وموجد الحاج حمود وآخرين، وكان يومها طالباً في المتوسطة، وتم نقله إلى غمّاس، وتوّلت هيئة الدفاع عن العدالة برئاسة المحامي توفيق منير الدفاع عنه (أسقطت الجنسية  عن توفيق منير إثر قيام حلف بغداد العام 1955 ونفي إلى تركيا، وعاد بعد ثورة 14 تموز/يوليو 1958 إلى العراق وكان أحد أبرز قيادات حركة السلم، ولكنه اعتقل وأعدم عام 1963 بعد الانقلاب الدموي). وبعدها انتمى مهدي الحافظ إلى الحزب الشيوعي في أواسط الخمسينات، وبعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 انتخب رئيساً لاتحاد الطلبة العام في المؤتمر الثالث (شباط/فبراير/1960).

وفي السبعينات من القرن الماضي كان مهدي الحافظ عضواً مؤثراً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وعمل في سكرتارية الجبهة الوطنية التقدمية مع حزب البعث العربي الاشتراكي 1973-1978 وبعدها تم تعيينه كوزير مفوض العام  1978 في السفارة العراقية في جنيف، ثم استقال العام 1980 حيث كان قد انصرف للعمل في المعهد الأفرو- آسيوي الذي تأسس حينها، ثم التحق بعمل جديد في الأمم المتحدة في فيينا (اليونيدو) ونسّب في أواخر التسعينات مديراً لفرعها الإقليمي في بيروت حتى تقاعده. وقد أسس في مطلع التسعينات الهيأة الاستشارية مع أديب الجادر وتولّى الأخير رئاستها وكان مهدي الحافظ أمينها العام، ونظمت أول اجتماع لها لمناقشة عراقية- عربية في فيينا عن نتائج حرب الخليج الثانية العام 1991، شارك فيها نخبة من المثقفين والاختصاصيين العراقيين والعرب، بينهم كاتب السطور.

انتقالة خارج السياق

ظلّ مهدي الحافظ حتى في ظلّ انتقالته السياسية الجديدة التي قد يكون فاجأ بها كثيرين يحمل همّاً كبيراً ورغبة حقيقية في الخدمة العامة والوظيفة الحكومية، وإذا ابتعدنا على بعض الاعتبارات الشخصية وإغراءات المواقع الرسمية،  فيمكنني القول إنه كان "حالماً" بإمكانية إحداث تغيير يضع البلاد على طريق الديمقراطية، وقد سبق لي أن اختلفت معه في إمكانية انجاز شيء يُذكر من تلك "الأحلام" التي هي أقرب إلى "الأوهام" منذ الأيام الأولى للاحتلال.

وأتذكّر حوارنا بعمان في فندق الفورسيزون Four Seasons وكان قد حدثني عن فظاظة بول بريمر مع أعضاء مجلس الحكم الانتقالي  والوزارة المنبثقة عنه  وتعامله معهم بخشونة واستخفاف كبيرين، فقلت له "استقلْ" وهذه فرصة لك، وتحمّل نتائج استقالتك، ففي ذلك تكون أقرب إلى نفسك وأردفت : لقد فقد جرّبتم وأخفقتم.

ولعلّ هذا الموقف المندفع نحو الوضع الجديد ما بعد الاحتلال  كان سبباً في الجفاء بينه وبين أديب الجادر الذي شعر بالخيبة والمرارة، فانسحب من المشهد واعتزل الحياة العامة (انظر مقالتنا: أديب الجادر - الحزين الذي لم تفارقه الابتسامة، صحيفة الزمان العراقية، الثلاثاء 18/2/2014)، في إطار ما سمّي بتجمّع الديمقراطيين المستقلين الذي تأسس في لندن عشية احتلال العراق، وترأسه عدنان الباججي، لكنه سرعان ما تبخّر أو ذاب كفصّ ملح في الماء سريعاً، وكانت العديد من التنظيمات قد أنشئت على عجالة عشيّة الاحتلال، ولم يكن بعضها بعيداً عن تشجيع بعض الدوائر الغربية والأمريكية.

وكنت قد حاورته بأن السبيل إلى الخدمة العامة ليس المشاركة أو الرفض والموالاة أو المعارضة، ففي بعض الأحيان وبغض النظر عن النظام السياسي، تتقدّم "شرعية الإنجاز" التي تسدّ جزءًا من النقص في شرعية النظام السياسي، طالما يحقّق بعض المكتسبات التي يستفيد منها الشعب، وبما أن هذه الأخيرة غير ممكنة التحقيق في ظل التقاسم الوظيفي ونظام المحاصصة الطائفي - الإثني، فهذا سيعني إن إمكانية التغيير ستبقى معوّمة بفعل غياب الحدّ الأدنى من شروط تحقّق وحدة الإرادة والعمل، ناهيك عن تشظّي وانشطار مؤسسات الدولة، لاسيّما بتطييفها وأثننتها.

ومع أنني كنت على خلاف شديد مع وجهة نظر مهدي الحافظ  بشأن محاولة الاستفادة من الظرف الجديد و"المشاركة" في العملية السياسية، لكنني احترمت اجتهاده واختياره وكلّما كنّا نلتقي  نواصل حوارنا وكأننا بدأنا الآن ولا يخلو ذلك من بعض النكت والقفشات، خصوصاً حين كان ينقل لي بعض ما يجري في المطبخ السياسي. وإذا كان لي من قول بشأن اجتهاده فإنه رغم  اختلال المشهد والتهافت من حوله و"القابلية على الاستتباع" لدى الغالبية الساحقة، من القوى والشخصيات الطامحة، باستعارة تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي "القابلية على الاستعمار" فإنه حاول تقديم  القول الصادق والفعل الملتزم والخلق الرفيع والنزاهة الشخصية والمعنوية، ولذلك بدا  مختلفاً، بل وغريباً عمّا هو سائد، لأنه في غير مكانه، خصوصاً وإن التلوث في البيئة السياسية العراقية انعكس على الجميع.

وكنتُ قد استمعت إلى شكوى عدد من المسؤولين والوزراء من الذين انخرطوا في مشروع ما بعد الاحتلال، سواء بزعم عدم الانعزال أم رغبة في التغيير من الداخل أم عدم وجود بديل عن هذا الخيار أم عدم القدرة على مواجهة المشروع الأمريكي. وأتذكّر أنني خاطبت أحدهم : بما كان يردّده الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول " ليس من حق وزير أن يشكو ... فلا أحد أجبره على أن يكون وزيراً".

وحسب قراءتي المتواضعة فإن الواقع كان مزدحماً بالكثير من الألغام النظرية والعملية، ابتداء من صيغة نيغروبونتي  - بول بريمر- زلماي خليل زاد، إلى دستور نوح فيلدمان وبيتر غالبريث، ناهيك عن الشحن الطائفي والإثني الذي يذكّر بعصر المداخن عقب الثورة الصناعية في أوروبا، حيث تتّجه جماهير غاضبة تملؤها الكراهية والحقد الذي تم تأجيجه بالصدور نحو أهداف ملتبسة وموهومة أحياناً تحت شعارات طائفية وإثنية بلا حدود.

مشتركنا  الطلابي- اليساري

كنت قد عرفت مهدي الحافظ قبل أن أتعرّف عليه، حين أصبح رئيساً لاتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في أول انتخابات طلابية عامة بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وذلك في المؤتمر الثالث العام الذي ضمّ قوى سياسية متعدّدة (شباط/فبراير 1960)، لاسيّما من القوميين العرب والكرد والبعثيين والوطنيين الديمقراطيين، وإنْ كانت الغلبة والمواقع الرئيسية للشيوعيين، ولكنه سافر بعدها للدراسة في براغ وانقطعت أخباره.

وحين عاد سرًّا كانت النكبة قد حلّت بالحزب الشيوعي والتنظيم الطلابي المدعوم من جانبه إثر انقلاب شباط (فبراير) العام 1963، وجرت محاولات إعادة التنظيم ولحمة العلاقات، حيث بدأت الخيوط تلتقي وتتواصل وإنْ ببطء شديد وليس من دون إشكالات ومشاكل، خصوصاً بسبب الانتكاسة من جهة، ثم النكوص بعد خط آب (أغسطس) العام  1964 الذي عُرف بلغة تلك الأيام " اليميني التصفوي" وبعدها "الانقلاب السريع" في الخط السياسي العام 1965 من جهة أخرى.

ولعب مهدي الحافظ  بعد عودته  دوراً كبيراً في إعادة بناء شبكة الكادر الطلابي الذي حقّق خطوة مهمة بلقاء موسع (الكونفرنس الثاني الذي ضم ممثلين عن 11 كلية ومعهداً في بغداد) في تشرين الثاني/نوفمبر العام 1965 مع استمرار عمله في مجال العلاقات الوطنية مع : عامر عبدالله وحسين جواد الكمر.

وقد توّج العمل في الميدان الطلابي بنصر كبير حين استطاعت الحركة الطلابية فرض إجراء انتخابات مهنية عامة في ربيع العام 1967 إثر صدور قانون انتخابات تحت اسم "اتحاد طلبة الجامعة"، وكانت نتائجها  باهرة، بل ومفاجئة إلى حدود كبيرة حتى بالنسبة لنا، حيث فازت قوائم "اتحاد الطلبة العام" بنسبة 76 من المقاعد الانتخابية وحصلت على أكثر من 80% من الأصوات في جامعة بغداد.

أما جامعة البصرة فقد فاز اتحاد الطلبة  بالمقاعد الانتخابية بنسبة 100% في حين حصل في جامعة الموصل على أكثر من 60% من المقاعد الانتخابية ونحو 75% من أصوات الناخبين، ولم يكن ذلك بمعزل عن ضغوطات رافقتها واعتداءات صاحبتها بما فيها تكسير بعض الصناديق الانتخابية، علماً بأنه تم إلغاء الانتخابات بعد يوم واحد من إعلان النتائج.

وكتبت بعض الصحف الصادرة آنذاك تبريراً لإلغاء النتائج تقول: "أن القوى الشعوبية الحاقدة عادت ترفع رأسها من جديد". وكانت "جريدة المنار" قد كتبت افتتاحية شديدة اللهجة علّقت فيها على نتائج الانتخابات الطلابية تحت عنوان "جرس الخطر يدقّ في سماء العراق"، وهكذا يمكن القول إن الانتخابات الطلابية كانت معركة وطنية كبرى بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى.

وحين حصل الانشطار في الحزب الشيوعي في 17 أيلول (سبتمبر) 1967 لم يكن مهدي الحافظ مع هذا التوجّه، ومثلما كان العديد منّا ضد خط آب (أغسطس) العام 1964 الذي وُصِفَ بأنه "يميني وذيلي" بلغة تلك الأيام، لكنه في الوقت نفسه كان ضد التوجه المتياسر الذي اتبعته القيادة المركزية بإدارة عزيز الحاج من جهة أخرى.

ثلاث خصال

ثلاث صفات أستطيع أن أدونها عن مهدي الحافظ بكل أريحية ودون أن أخشى من الممالئة أو الوقوع في المبالغة، وهي تلمستها حين تعرّفت عليه عن قرب طيلة خمسة عقود من الزمان وتوثقت علاقتي به مع مرور الأيام وشهدت علاقتنا تحدّيات كثيرة في ظروف وأوضاع مختلفة، فقد عملت في إدارة المنظمة الحزبية التي كان يتولى الحافظ مسؤوليتها لنحو 3 سنوات ويتناوب عليها آرا خاجادور، وكثيراً ما اختلفتُ معه، ولكن ذلك لم يفسد في الود قضية كما يُقال.

كما عملت بصحبته وإلى جانبه في إطار قيادة العمل الطلابي في الخارج لنحو ثلاث سنوات أيضاً، وحضّرنا سويّة مع آخرين لاجتماع موسّع لمنظمات الخارج في برلين الغربية العام 1972، حيث كنت رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين في تشيكوسلوفاكيا في الوقت نفسه، ونظّمنا مهرجاناً واسعاً في مدينة براتسلافا (سلوفاكيا) هو الأول في حينها وأصبح تقليداً سنوياً، ثم عملت معه في هيئة حزبية واحدة لمدة زادت على ثلاث سنوات، ولاسيّما حين شكّلنا حركة المنبر الشيوعي، وكنّا باتصال مستمر ودائم طيلة فترة الثمانينات والتسعينات أيضاً واستمر هذا حتى  بعد انتقالي إلى لندن وانتقاله إلى بيروت .

وكان مهدي الحافظ قد أُبعد عن إدارة الحزب منذ أواخر السبعينات واتخذ اجتماع اللجنة المركزية في العام 1980 قراراً بإعفائه ونوري عبد الرزاق من عضويتها، وحاولت مع عزيز محمد الأمين العام السابق للحزب  إعادة الصلة شبه المقطوعة وتلطيف الأجواء بينه وبين الحافظ، ونظّمت لهما لقاءً بعد جفوة كبيرة في دمشق في ربيع العام 1981 ولقاءً آخر بعده في خريفه، لكن الأمور كانت تسير بالاتجاه المعاكس بسرعة كبيرة، وخصوصاً بعد تطورات الحرب العراقية- الإيرانية، ولم أكن بعيداً عنها، وهو ما عبّرت عنه علناً بالكتابة أو النشاط أو المشاركة في الحملة العربية والدولية، وكان ذلك سبباً أساسياً في الاختلاف الذي حصل بين شبكة الكادر وعدد من المسؤولين في إدارة الحزب وبين الشق الثاني من الإدارات الحزبية، الذي كان موقفه أقرب إلى قيادة الحركة الكردية، لاسيّما برفع شعار " إسقاط الدكتاتورية وإنهاء الحرب" في حين كانت المجموعة المعترضة قد ركّزت على إنهاء الحرب كمهمة عاجلة وأساسية والإتيان بنظام ديمقراطي باعتباره تحصيل حاصل.

أما عن صفاته فهي:

الأولى - شجاعته فقد  كان شجاعاً وغير هيّاب في قول الرأي. وأحتفظ بالعديد من الأمثلة، ولربّما كان رأيه سبباً في سوء علاقته مع ألمانيا الديمقراطية وكذلك مع السوفييت، الذين لم يرغبوا في تجديد موقعه سكرتيراً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي، ولم تتّضح تفاصيل تلك الطبخة عشية المؤتمر العاشر إلّا بعد مجيء نوري عبد الرزاق من بغداد، حيث أبلغه المسؤول السوفييتي ساشا بحقيقة الأمر، وأكّد هذا الأخير ترشيحهم لفتحي الفضل من السودان سكرتيراً عاماً للاتحاد بدلاً من مهدي الحافظ.

ولا أستبعد ثمة تأثير من جانب الدولة العراقية التي كان الألمان والسوفييت يراعون مصالحهم في العلاقة معهما، حتى وإن كان الأمر على حساب الحزب الشيوعي أو أحد كوادره  البارزة، وثمة أمر آخر حصل خلال انعقاد المؤتمر العاشر، ألا وهو حضور شخص غريب قال إن دعوة وجهت له من السكرتير العام لاتحاد الطلاب العالمي (المقصود مهدي الحافظ)، وقد أخبرني ناظم الجواهري الذي شارك في الوفد مع خليل الجزائري وعدنان الجلبي وكاتب السطور بأن الأجهزة الأمنية التشيكية قد استدعته للاستفسار عن هويّة الشخص الغريب الذي حضر المؤتمر، ولكن معظم الأسئلة كما قال كانت تدور حول مهدي الحافظ، وهي لعبة طالما تثيرها بعض الأجهزة الأمنية والمخابراتية لإثارة نوع من الشكوك بشأن بعض الشخصيات التي لا تتواءم معها أو لا تنفذ رغباتها أو رغبات "الأخ الأكبر" حسب رواية جورج أورويل.

الثانية- اجتهاده، فقد كان مجتهداً وله رأي خاص يحاول أن يستنبطه في ضوء ما هو قائم من أوضاع، وهو وإن يراعي "التوازنات" والحسابات الخاصة أحياناً وهو ما أصبح  أكثر ميلاً له في السنوات الأخيرة للحفاظ على المواقع، لكنه بشكل عام كان له رأي خاص طالما ظلّ يدافع عنه، سواء إزاء بعض الاندفاعات أيام الجبهة الوطنية والاضطرار بعدها إلى تقديم تنازلات لا مبرّر لها، أم في نقده للموقف الرسمي للحزب الشيوعي من الحرب العراقية- الإيرانية  أم من بعض القضايا العربية، وكانت الدعاية الحزبية قد روّجت ضدّه عدداً من الاتهامات بينها تفسير بعض مواقفه بالتأثّر بمواقف قيادة حزب البعث، كما تم تسريب ذلك إلى صحيفة السياسة الكويتية بُعيد انعقاد المؤتمر الرابع (تشرين الثاني/نوفمبر/1985) والذي عكس التباعد والانقسام بين رؤيتين داخل الحزب الشيوعي.

والثالثة -  كرمه وسخاءه، فقد كان معطاءً وبيته مفتوحاً ويده ممدودة وقد سبق لي أن قلت إن كل كريم شجاع وهما صفتان متلازمتان، وكان كثيراً ما يضغط على نفسه لكي يوفّر ما يريد الأصدقاء، وظلّ يستضيفنا في بيته، سواء في براغ أم في فيينا ويحاول أن يعمل كل ما يسعدنا ويوفّر لنا الإقامة الطيبة وسبل الراحة وهو ما كان يفعله مع العديد من الأصدقاء في بغداد أيضاً.وإذا كنت قد جئت على بعض الأمثلة لإضاءة هذه المسألة بالنسبة لمن لا يعرفه، إلّا أن الكثير من الأصدقاء يعرفون ذلك ويشهدون له.

وهذه الصفات أصيلة لدى مهدي الحافظ ولذلك ظلّت لصيقة به، سواء في أوقات الضيق أم الرهاوة، بل وفي كل الأوقات، ولم يفقد بوصلته في هذه الميادين الثلاثة التي تمثّل جوهر شخصيته ذات الطابع المرح بقدر استقامتها وذات الأريحية والانفتاح بقدر نزاهتها ومرونتها وعدم تشدّدها.

مؤتمر كراكوف

أتذكّر أنني حين زرت براغ في طريقي إلى مدينة كراكوف (بولونيا) للمشاركة في الاجتماعات التحضيرية للذكرى المئوية لميلاد فلاديمير أليتش  لينين العام 1969 استقبلني مهدي الحافظ في المطار، وكنتُ قد كتبت له برقية من دمشق أبلغه فيها بقدومي وضرورة أن يتم ترتيب أمور الفيزا خارج جواز السفر، وذكرت له السبب لاحقاً بأن قراراً قد صدر حينها بمنع  السفر إلى أوروبا  إلّا بموافقات خاصة في ذلك العام.

وزرت براغ وكراكوف ووارشو ثم عدت إلى براغ ومنها إلى بغداد عن طريق بيروت ومنها زرت الشام وعدت إلى بيروت قبل توجهي إلى بغداد، وكان مهدي الحافظ قد أرسل معي حقائب تعود إلى نوري عبد الرزاق، بعد أن كان نوري قد عاد إلى بغداد ليستقر فيها حيث حلّ مهدي الحافظ محلّه في سكرتارية اتحاد الطلاب العالمي. وحين وصلت  بغداد اتصلت بنوري  وزرته في بيته بالكرادة وأعطيته الحقائب المُرسلة من مهدي الحافظ، وتناقشنا حول موضوع الانتخابات الطلابية.

وكان ذلك بمثابة استكمال لمناقشتي مع مهدي الحافظ، وخصوصاً حول مستقبل العمل الطلابي والشبابي في ظل الأوضاع الجديدة والمتغيّرات على الساحة السياسية بوصول حزب البعث إلى السلطة وعمله في المنظمات المهنية من موقعه الرسمي. وكان هذا النقاش قد ثار في صفوفنا، خصوصاً بعد عدم توصّلنا إلى اتفاق مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق لعقد صيغة تحالف أو جبهة طلابية أو تعاون أو تنسيق، في حين كان الاتحاد الوطني يريد منّا الاندماج في تنظيم واحد والمقصود بذلك ذوباننا في ما هو سائد.

وكان وفدنا مؤلفاً من لؤي أبو التمن وكاتب السطور، ومن جانب الاتحاد الوطني كريم الملّا ومحمد دبدب، وكان يحضر في اجتماعاتنا بشكل مستمر "حسن المطير" الذي  أُعطي اسماً مستعاراً " فيصل" وكان الجميع ينادونه بهذا الاسم وعرفنا لاحقاً  أن "الملازم فيصل" في قصر النهاية هو المقصود بحسن المطير الذي كان يعمل برفقة ناظم كزار مدير الأمن العام، وأعدم معه في الحركة الانقلابية ضد البكر - صدام يوم30 حزيران (يونيو) 1973.

وقد تعرّفنا على حقيقته من الوفد الكردي المفاوض معنا والذي كان يمثل مجموعة (المكتب السياسي- جلال الطالباني) حيث ضمّ الوفد طيب محمد طيب ( أعيد إلى وزارة الخارجية بعد الاحتلال، وعيّن سفيراً في أرمينيا) وفاضل ملّا محمود رسول (انتقل من الحركة الكردية إلى القيادة المركزية للحزب الشيوعي ومنها بعد الثورة الإيرانية إلى التيار الإسلامي، وقتل مع عبد الرحمن قاسملو في فيينا حين كان يقوم بمهمة الوساطة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والحركة الكردية الإيرانية / الحزب الديمقراطي الكردي العام 1989)، كما كان يحضر عن القوميين العرب صباح عدّاي (عضو اللجنة المركزية للحركة الاشتراكية العربية، توفّي مؤخراً). وقد رويت تفاصيل حوارنا مع الاتحاد الوطني في أكثر من مناسبة، وورد ذلك أيضاً في تفصيلات ذكرتها في كرّاس أصدرته في العام 1983 في بشتاشان (كردستان العراق) بعنوان "لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق".

مهدي الحافظ والاتحاد الوطني

كان الاتحاد الوطني لطلبة العراق متشدّداً ضد مهدي الحافظ ويعتبر وجوده سكرتيراً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي، سبباً في المواقف السلبية من بعض المنظمات الطلابية المنضوية تحت لواء الاتحاد المذكور ضده، وذلك بفعل الحملات التي تم تنظيمها في الخارج حيث كان مهدي الحافظ في قيادة لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي. وحين قرّر الاتحاد الوطني بُعيد الانتخابات الطلابية العام  1969 وإثر عقد أول مؤتمر له بعد 17 تموز (يوليو) العام 1968 منح عضويات شرف لقادة الحركة الطلابية، بمن فيهم من الأطراف الأخرى، استثنى منّا مهدي الحافظ، وحاز على عضوية الشرف حينها كل من : نوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا ولؤي أبو التمن وكاتب السطور لدورهم التاريخي في الحركة الطلابية ومنح الاتحاد 20 شخصية محسوبة على حزب البعث و4 شخصيات محسوبة على الحركة الكردية عضويات شرف أيضاً، وكانت جريدة النور "الكردية" قد نشرتها والصحافة المحلية وقامت بتعميمها أجهزة الإعلام الرسمية.

وبالعودة إلى العلاقة مع الاتحاد الوطني فقد كان مهدي الحافظ قد استمع لي وأنا استعرض علاقاتنا الوطنية وبالتحديد مفاوضاتنا مع الاتحاد الوطني عشية الانتخابات والاحتمالات المتوقّعة وتناقشنا طويلاً حول مهماتنا في خارج العراق وما يمكن أن تلعبه قوانا لدعم تحرّكنا في الداخل. وفي واحدة من المناقشات حضر معنا عيسى العزاوي أحد قيادات الحركة الطلابية في الأربعينات (المهندس الشيوعي العتيق وكان يعمل حينها مترجماً في مجلة قضايا السلم والاشتراكية).

واستكملت الحوار بعد عودتي إلى بغداد مع  نوري عبد الرزاق  الذي طرح عليّ تساؤلات عديدة وفي غاية الذكاء والأهمية، وكان بعضها قد طرحته على نفسي: ما الذي يمكن عمله بعد أن وصلت مسألة التحالف مع الاتحاد الوطني إلى طريق مسدود؟ وهل تَشدّدنا أكثر من اللازم أم أن الاتحاد الوطني قطع علينا الطريق ببعض المطالب التعجيزية ؟

وكنت منذ عقود من الزمان قد أجريت مراجعة انتقادية بهذا الشأن بما لنا وهو كثير وما علينا وهو غير قليل: فإذا كانت استراتيجيتنا ترجّح التعاون فكان عليها تقديم بعض التنازلات وإذا كانت استراتيجيتنا ليست معنية حقيقة بالتحالف ولا تريد التوصل إلى ما هو مشترك، فعلينا التصلّب في الموقف، وكان هذا هو رأي نوري عبد الرزاق الذي بلوره بشكل واضح وطرحه عليّ على صيغة تساؤلات، وأرى الآن أن ثمة تخبّط بين هذا وذاك وظلّ الاجتهاد الشخصي والتقدير لأهمية التحالف من عدمه هو الذي يحدّد الموقف، لاسيّما بغياب استراتيجية واضحة.

تحالفات قلقة

وإذا كان لي أن أشير إلى تجارب التحالف الأولى، فقد تمكّنا من الاتفاق مع قيادة حزب البعث  في إطار "الجمعية العراقية للعلوم السياسية" التي  كنت أترأس وفدها للحوار مع حزب البعث والتي انضوت لاحقاً في إطار "جمعية الحقوقيين العراقيين"، ثم عادت واستقلّت في وقت لاحق. وعلى الرغم من صعوبة المفاوضات لاسيّما مع حامد الجبوري ولاحقاً مع محمد محجوب، إلّا أن الذي رجّح قيام مثل هذا التحالف، هو الموقف الإيجابي من القيادي البعثي صديقي زهير يحيى المرشح للقيادة القطرية في المؤتمر القطري الثامن في العام 1974 والذي توفي في ظروف غامضة في وقت لاحق، وسبق لي وأن ذكرته في أكثر من موقع ولأكثر من مناسبة فقد كان مهذباً ومتواضعاً ومثقفاً ومخلصاً حقيقياً للتحالف، وكانت علاقتي به قد توثقت قبل 17 تموز (يوليو) 1968  بنحو سنتين وفيها الكثير من الخصوصيات والأسرار. ولا أريد أن أنسى الدور الإيجابي أيضاً للصديق مجبل السامرائي (الذي أعيد إلى وزارة الخارجية بعد الاحتلال وأصبح سفيراً للعراق في فنلندا قبل إحالته على التقاعد).

ولم يكن ما تحقّق بمعزل عن مرونة من جانبنا أيضاً وكنت في هذه القضية أنسّق مع ماجد عبد الرضا، ولكنه على الرغم من النجاح الذي تحقّق إلّا أن عدداً من الفائزين في الانتخابات تمت ملاحقتهم واعتقل بعضهم، ولاسيّما من القوميين، الأمر الذي وضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى مثل تلك التفاهمات التي حسبما  يبدو طارئة وظرفية، بل لا تعدو أحياناً أن تكون تكتيكية بغياب الثقة اللازمة والمتبادلة بين السلطة ومعارضتها، وأستطيع أن أضيف الآن إن ثمة تعارض كان بين التوجّه السياسي لعدد من القيادات وبين الدوافع الأمنية ومركز القوة الذي أخذ يهيمن بالتدريج على كل شيء، وكثيراً ما كانت هناك تعارضات بين ما يقوم به ناظم كزار و"جهاز حنين" و"العلاقات العامة" " النواة لجهاز المخابرات"وكانت بإشراف صدام حسين، وبين توجّهات العديد من قيادات البعث وكوادره، وهو التناقض الذي طالما يحصل في الأنظمة الشمولية، حيث يتم إخضاع كل شيء لضرورات  الأمن وتمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات لا حدود لها في الكثير من الأحيان، بحيث تتغوّل على الدولة والحزب.

مأزق الاحتواء والطريق المسدود

أما بشأن الموقف الطلابي، فان حزب البعث تشدّد في موضوع الاسم والرئاسة والأغلبية والتمثيل الخارجي، وإن خفّف موقفه من المسألة الأخيرة لاحقاً لمصاعب عملية، مؤجلاً بحثها لحين آخر، ولكن نحن من الجهة الأخرى لم تكن لدينا المرونة المطلوبة، أو بالأحرى الوضوح الكافي للحدّ الذي نريد الوصول إليه من التحالف، ناهيك عن الثقة الكافية بسبب تجارب عديدة، فباستثناء الاسم حيث كان الرأي حاسماً بشأنه فإن الأمور الأخرى كانت قابلة للنقاش، لكن فريق الاتحاد الوطني المفاوض لنا أصرّ على قيام تنظيم واحد بحجة "وحدة الحركة الطلابية"، ولم يكن ذلك يعني سوى الانضواء تحت لواء " الاتحاد الوطني" وكان مجرد طرحه إحراج لنا، بل انتقاص من كرامتنا ولم أكن مقتنعاً به شخصياً، وهو ما أبلغت إدارة الحزب برفضه بالكامل.

وكنّا اقترحنا اسماً وسطاً " الاتحاد العام لطلبة العراق" وكان هذا الاسم قد ورد  بالقانون رقم 97 لسنة 1969، واعتبرنا هذا الاسم  يعبّر عن الطرفين، ولكننا من جهة أخرى طرحنا موضوع المساواة في توزيع المقاعد بحيث يكون عدد مقاعدنا بقدر المقاعد التي يحصل عليها الاتحاد الوطني في المكتب التنفيذي والأمانة العامة، وبالمقابل لا بدّ من مساواة عدد ما يأخذه القوميون الكرد، بما يأخذه القوميون العرب. وفيما يتعلّق الأمر بالرئاسة فهي إمّا دورية أو يتم تداول الرئاسة والأمانة العامة بينهم وبيننا، وبالطبع فتلك صيغة ليست مقبولة أو حتى ممكنة في ظلّ توازن القوى السائد، خصوصاً وكنّا قد توصلنا إلى اتفاق بشأن 80% من الأهداف النقابية المشتركة، وقد سبق وأن قدمت قراءة نقدية لموقفنا في وقت لاحق.

لكن ما عاظم التباعد وشدّد الحملة ضدنا وسرّع في  اتخاذ إجراءات "عقابية" وملاحقات هو عدم اعترافنا بشرعية الانتخابات ونزاهتها والنتائج التي تمخضت عنها، حيث نظّمنا حملة عالمية وعربية بدعم من اتحاد الطلاب العالمي الذي كان مهدي الحافظ ممثلنا فيه.

وحضر وفد من اتحاد  الطلاب العالمي كلجنة لتقصي الحقائق والتقينا به في بغداد  حميد برتو وأنا، وكان الوفد يضمّ كجمن من ألمانيا الديمقراطية (نائب السكرتير العام) وفتحي الفضل من السودان (نائب الرئيس) وأصبح لاحقاً سكرتيراً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي خلفاً لمهدي الحافظ في مؤتمر براتسلافا (المؤتمر العاشر) الذي انعقد في يناير /كانون الثاني من العام 1971، وكان اجتماع اللجنة التنفيذية قد انعقد قبل ذلك بنحو أسبوع، وشاركت بالاجتماعين، وكنت قد وصلت من القاهرة، حيث شاركت بمؤتمر بمناسبة ميلاد الزعيم جمال عبد الناصر (بعد وفاته بنحو أربعة أشهر - 15 كانون الثاني /يناير /1971 حيث نُظم في جامعة القاهرة ) وقدّمت بحثاً بعنوان: عبد الناصر وحركة التحرّر العربي (نشرناه في نشرة لجنة التنسيق التي كنّا نصدرها خارج الوطن).

في بغداد نظمنا لوفد IUS (اتحاد الطلاب العالمي) اجتماعاً مع سكرتارية اتحاد الطلبة (انعقد في بيت خاص في بغداد الجديدة) وحضر اللقاء على ما أتذكّر: لؤي أبو التمن، حميد برتو، محمد النهر، ناظم الجواهري، سعدي السعيد، فائز عبد الرزاق الصكَر وصبحي مبارك ولم تتمكّن رابحة الناشئ  من الحضور، وكانت قد حلّت محل الرفيقة رقيّة الخطيب في سكرتارية الاتحاد والأخيرة تزوجت من عزيز حميد الذي استشهد في العام 1970 في قصر النهاية، وهو شيوعي قديم عمل في فترة سلام عادل  مسؤولاً عن محلية العمارة في 1954.

وكان قد حصل تداول في المسؤولية خلال السنوات الثلاث الأخيرة من عمل اتحاد الطلبة وإن بقي بعضهم في المسؤولية أو عاد إليها بطلب خاص من إدارة الحزب كما حصل مع لؤي أبو التمن وكاتب السطور، فقد شملت التغييرات غياب : حسن أسد وصلاح زنكنة ويوسف مجيد وطه صفوك وسعد الطائي وهادي صالح الكليباوي ونوزاد شاويس وحميد برتو وآخرين واقتصر الحضور على الأعضاء الفعليين في مكتب السكرتارية في الانتخابات التي أجريناها في الكونفرنس الرابع الذي انعقد في جزيرة " أم الخنازير" ببغداد بتاريخ  10/10/1969، وكنّا ننسق حينها مع ماجد عبد الرضا من إدارة الحزب وصاحب الحكيم المسؤول الحزبي حينها، أي عشية الانتخابات الطلابية العامة والتي اتخذنا قراراً بشأن المشاركة فيها سواءً عبر التحالف مع الاتحاد الوطني، وهو ما كنّا نأمل تحقيقه على الرغم من الصعوبات والعقبات والاشتراطات، وإنْ فشلنا في الوصول إلى ذلك، فيمكن أن نرشّح لوحدنا أو مع بعض القوى القريبة منّا مهما صغُر حجمها. وكان المؤتمر الرابع قد انعقد في جديدة الشط " الراشدية" ببغداد في 28 كانون الأول /ديسمبر العام 1968 في بساتين صفوك الجبوري، وكان التنسيق حينها مع د. كاظم حبيب من مكتب لجنة بغداد.

والتقى وفد اتحاد الطلاب العالمي بممثلين عن القائمة المهنية الديمقراطية التي ضمّت ممثلين عنّا وعن القوميين (الحركة الاشتراكية)  واستمع إلى شهادات حيّة من بعض الذين تعرضوا للأذى أو الاعتقال أو الاحتجاز خلال الانتخابات. وعلى الرغم من تأييد وفد اتحاد الطلاب العالمي لمواقفنا واقتناعه بوجهات نظرنا وتأكيده في الاجتماعات العديدة واللقاءات الثنائية على أن الانتخابات حسب المعطيات التي عرضناها "غير شرعية" وشابها الكثير من العيوب التي أثرت على نتائجها، لكن كجمن الألماني غيّر رأيه لاحقاً وكتب تقريراً ممالئاً للاتحاد الوطني لطلبة العراق، بناء على طلب من السفارة الألمانية في بغداد وبتوجيه من القيادة الحزبية للحزب الاشتراكي الألماني الموحّد، حيث كان العراق أول دولة اعترفت بجمهورية ألمانيا الديمقراطية من خارج الكتلة الاشتراكية وأقامت علاقات دبلوماسية معها وجرى تبادل التمثيل الدبلوماسي بصفة "سفير".

وبعد أن توثقت علاقتي بكجمن في الخارج من خلال مساهمتي في عدد من المؤتمرات والاجتماعات الدولية سألته عن سبب تغيير موقفه فأجاب " كما تعلم إنني حزبي ولا بدّ أن ألتزم بقرارات "القيادة" التي كان رأيها هو تقديم الأهم على المهم " حسبما قال، "والأهم هو العلاقات الثنائية بين البلدين"، أما تفاصيل تتعلق بانتخابات مهنية، فلا يمكن مقارنتها بالعلاقات المختلفة والمتنوّعة بين البلدين.

مهدي الحافظ في سكرتارية الجبهة الوطنية

خلال وجود مهدي الحافظ في براغ لمهمته المهنية حاول الدراسة في مدرسة الاقتصاد العليا، وهي مدرسة تخرج الكادر الحكومي والحزبي المتقدم، وتعتبر من المدارس الاقتصادية المتقدمة في العالم بعد كلية لندن للاقتصاد (London School of Economics) في  بريطانيا والكليات الاقتصادية الشهيرة في الهند وبولونيا، ولكن بسبب قبول أحد الطلاب ممن لم ينهِ دراسته الثانوية سحبت الحكومة العراقية الاعتراف بها، وقد حاولنا عبر بيانات وإيضاحات تقديم ما يعزّز الثقة بالمدرسة الاقتصادية العليا حتى أعيد الاعتراف بها، وكنت قد حضرت مناقشة مهدي الحافظ ودفاعه عن أطروحته، وأتذكر أن  هشام البعّاج الذي كان يدرس في المدرسة ذاتها حضر أيضاً، كما حضر حميد برتو وآخرين الاحتفالية التي أقيمت بعدها، وكان ذلك في العام 1973، وعاد مهدي الحافظ إلى بغداد حيث كان قد انتدب إلى العمل في سكرتارية الجبهة الوطنية، واستمر في إلقاء بعض المحاضرات في الجامعة المستنصرية، وأساس وظيفته كان في وزارة النفط.

وكان الحافظ قد تخرّج من كلية التربية في بغداد- قسم الكيمياء، ودرس من العام 1961 ولغاية العام 1964 في مدرسة الإعداد الحزبي في براغ مع عزيز الحاج وماجد عبد الرضا وخلال زياراته المتكررة إلى براغ كنت ألتقيه في كل مرّة، سواء مع نعيم حداد أم مع آخرين في إطار مجلس السلم العالمي بصحبة عزيز شريف ونوري عبد الرزاق وآخرين، وسبق أن رويت في إحدى المرّات عن مناقشة بين الجواهري وعزيز شريف في فندق الانتركونتيننتال، وذلك في كتابي " الجواهري- جدل الشعر والحياة" دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997، وط2 دار الآداب 2008.

خلال عمله في سكرتارية الجبهة لم يتردد مهدي الحافظ في تبنّي الكثير من القضايا المتعلقة بحياة الناس، وأتذكّر أنني كتبت له بخصوص قضية هادي راضي الذي أعيد من براغ بقرار حزبي بيروقراطي خاطئ لتتسلّمه الأجهزة الأمنية، وقد بذل ما في وسعه ليس لإطلاق سراحه فحسب، بل لاستحصال جواز سفر له بعد عدّة أشهر ليعود إلى براغ، وحين عدت إلى بغداد كان مهدي الحافظ قد أبعد من سكرتارية الجبهة بقرار من إدارة الحزب، ونسّب إلى مكتب العمل الآيديولوجي، والتقيت به عدة مرّات وأخبرته بأنني سأذهب إلى أداء الخدمة الإلزامية وبقينا على اتصال، ثم أخبرني بأنه سيغادر إلى الخارج وقد تطول إقامته، وعرفت إنه نسّب إلى العمل في السفارة العراقية في جنيف.

تواصل جديد من دمشق

وحين وصلت إلى دمشق في تموز /يوليو العام 1980، اتصلت به تلفونياً وأعطيته عنواني وتواصلت معه بالمراسلة، وجاء إلى دمشق والتقينا وشعرت إن قرار إبعاده ترك لديه حزناً شديداً، لاسيّما ما صاحب ذلك من محاولات للإساءة، ساهم فيها بعض "أعدقائه"، وقد تردّت صحته واضطر لإجراء عملية جراحية لقرحة نازفة في المعدة.

والتقينا في دمشق وبيروت مثلما التقينا لاحقاً في القاهرة وبراغ وفيينا وبغداد عدّة مرّات وكنت أشعر في كل مرّة إن ثمة تراكم حاصل في علاقته مع الحزب، وحاولت من جانبي تخفيفه، ولكن تباعد المواقف، ولاسيّما إزاء التطورات السريعة، لم يجعل أي منّا بعيداً عن التأثّر بها، ولاسيّما الموقف من الحرب العراقية - الإيرانية، وكنت قد أصدرت كرّاساً بعنوان " النزاع العراقي - الإيراني" في مطلع العام 1981 وكتبت قبل ذلك عدّة مقالات حول الموضوع لقيت ارتياحاً لديه، وأثّرت وجهات نظر غير تقليدية بخصوص الموقف من حقوق العراق المشروعة، خارج قرار اللجوء للحرب الذي كان خطأ بكل المعايير، لكن المطالبة بالحقوق ونقد اتفاقية 6 آذار  (مارس) 1975 وهو ثابت ينبغي التمسك به شيء،  في حين أن اللجوء إلى الحرب شيء آخر، وكان هذا موقفي ذاته حيث كتبت رسالة إلى المكتب السياسي(1975) أوضح فيها رأيي المستند إلى قواعد القانون الدولي والمنسجم مع المصلحة الوطنية العليا في حينها، وكانت الرسالة تتألف من 13 صفحة، وكانت إدارة الحزب قد عبّرت عن تأييدها غير المبرّر لاتفاقية 6 آذار/مارس 1975 المجحفة وغير المتكافئة.

*****

اللجنة الوطنية العراقية للسلم

حين كلّفتُ بإعادة تأسيس اللجنة الوطنية العراقية للسلم وليس المجلس الوطني للسلم والتضامن (وهي التسمية الرسمية التي احتفظت بها بغداد حيث بقي عزيز شريف رئيساً لها) تحرّكتُ على القوى السياسية والشخصيات الوطنية، وفاتحت بعض القوميين للانضمام، فوافق هاشم علي محسن ومحمد الحبوبي ومن البعثيين فاضل الأنصاري وباقر ياسين، ومن الأكراد مسعود البارزاني وآخرين واقترحت ثلاثة أسماء جديدة هي: الجواهري ومحمود صبري وعلي الشوك. كما اقترحت الإبقاء على جميع الأعضاء السابقين من طرفنا وهم : نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ ورحيم عجينة وبشرى برتو وعامر عبدالله ونزيهة الدليمي وكريم أحمد وصفاء الحافظ، وأرسلت القائمة الجديدة إلى الرفيق باقر ابراهيم الذي كلّفني بالمهمة باسم المكتب السياسي  والتي استغرقت بضعة أسابيع لإنجازها وإجراء اتصالات بالشخصيات الجديدة، فأعادها لي وكان قد وضع اسمي من ضمن القائمة بقلمه وبخط يده، مؤشراً أن هذا قرار المكتب السياسي.

وكان أولى مهمات اللجنة السفر إلى عدن لحضور المؤتمر الدولي لمجلس السلم العالمي، وكان الوفد برئاسة عامر عبدالله وعضوية د. نزيهة الدليمي وكاتب السطور، والتقينا بشاندرا رئيس مجلس السلم وبعلي ناصر محمد الرئيس اليمني وشرحنا لهما كل على انفراد وللوفود الأخرى ظروف عملنا وما أصاب المجلس القديم من تصدّع وعرضنا عليهم التشكيلة الجديدة شارحين لهم التعددية الفكرية والتنوّع السياسي الذي تحتويه ودون أن نطلب منهم شيئاً محدداً فيما يتعلق بالتركيبة الرسمية، والأكثر من ذلك قلنا لشاندرا: أننا لم ننتخب رئيساً لنا لأننا نعتبر عزيز شريف رئيسنا جميعاً حتى وإن بقي رسمياً مع " مجلس بغداد". وقد حصل احتكاك بين عامر عبدالله ود. عصام عبد علي الذي ترأس الوفد الحكومي بسبب الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية.

وبعد التحاقي بقوات الأنصار وخلال عودتي للعلاج عرفت بأنه تم تنحيتي من اللجنة المذكورة التي عملت على إعادة تأسيسها وكنت منسقاً لأعمالها لسبب رئيس أنني وضعت فيها اسمي مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق، وكان ذلك جزءًا من الصراع الفكري الذي اتخذ أبعاداً إقصائية وإلغائية مختلفة، لا يتّسع المجال لذكرها.

بعد أن تعرّض موقعنا للهجوم من جانب الاتحاد الوطني الكردستاني، في أحداث بشتاشان الإجرامية 1983ومقتل نحو 60 رفيقاً وما بعدها من تداعيات خلال عبورنا جبل قنديل الرحيب، الذي يبلغ ارتفاعه 7800 قدم والمكسو بالثلوج طيلة أيام السنة باستثناء شهري تموز /يوليو وآب/أغسطس، وصلنا إلى إيران حيث تقرّر ذهابي إلى العلاج وهو قرار سابق للجنة الطبية ووصلت  إلى طهران بعد معاناة شديدة لا يتسع المجال لذكرها. ومن هناك كتبت إلى مهدي الحافظ، وعرفت أنه كان دائم الاستفسار عني، خصوصاً وثمة أخبار عن إبادة من كان في موقع الإعلام المركزي قد تم تناقلها، حيث كنت مستشاراً لفصيل الإعلام المركزي وسكرتيراً للمنظمة الحزبية، وفي الموقع ذاته، كانت الإذاعة والجريدة ونشرة "مناضل الحزب" التي كنّا نصدرها باسم المكتب الآيديولوجي المركزي ومسؤوليات أخرى.

تطورات الحرب العراقية- الإيرانية والافتراق مع إدارة الحزب

كانت وجهات نظر العديد من الرفاق قد أخذت تتبلور وتنضج بشأن الحرب العراقية - الإيرانية، خصوصاً بعد انسحاب الجيش العراقي من الأراضي الإيرانية، وذلك بعد معركة خرمشهر (المحمّرة) 1982، وكنت ممن بادر بالكتابة عن الحرب وتطوراتها كراساً وعدّة أبحاث ودراسات، وشعرت إن  موقفي أصبح أكثر بُعداً من إدارة الحزب، بل أصبح أكثر عمقاً وحسماً وشمولاً بعد دخول الجيش الإيراني للأراضي العراقية، عبر عملية عسكرية في منطقة حاج عمران العام 1982، وكنت قد كتبت إن الحرب لم تعد عدوانية هجومية من الجانب العراقي ووطنية دفاعية من الجانب الإيراني، بل إن تغيير المواقع يفرض اعتبار استمرار "الحرب عدوانية من الطرفين" ولا تخدم سوى الإمبريالية والصهيونية، ولابدّ من وقفها فوراً والجلوس إلى طاولة المفاوضات.

وحين انتقلت الحرب إلى الأراضي العراقية أعلنت عن رفضي للمشروع الحربي والسياسي الإيراني، واعتبرت الحرب عدوانية هجومية من الجانب الإيراني في العام 1982 ودفاعية وطنية من الجانب العراقي، لذلك دعوت إلى الدفاع عن الوطن وعن الاستقلال الوطني وهو الموقف الذي بلورناه لاحقاً، دون أن يؤثر ذلك على دعوتنا لقيام حكم ديمقراطي ينهي الدكتاتورية ويشيع الحريات الديمقراطية ويقرّ بالتعددية والتنوّع ويتمتّع فيه الشعب الكردي بحقوقه ويعيد المهجرين العراقيين ويلغي القوانين الاستثنائية ويسنّ دستور جديد للبلاد ويجري انتخابات برلمانية حرّة، ويعيد العراق إلى موقعه الصحيح.

محطة المؤتمر الرابع للحزب

كانت محطة المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي (1985) نقطة انعطاف في العلاقة بين توجهين، وانعكس ذلك على صعيد الثقافة والمثقفين، حيث أصدرنا نداءً وقعه 75 مثقفاً ومثقفة وقرّرنا العمل المشترك بالتعاون مع عامر عبدالله وباقر ابراهيم ومجموعة من الرفاق الذين تم تنحيتهم بينهم حسين سلطان وعدنان عباس وماجد عبد الرضا وعشرات الكوادر الشيوعية، إضافة إلى حلقة من الأصدقاء داخل التنظيم وخارجه من الذين كانوا يتعاطفون معنا.

وحين أُبلغ ماجد عبد الرضا بفصله من الحزب وقطع مخصصه، بما فيه علاج ابنته الراقدة في المستشفى وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة، بادرنا مهدي الحافظ وكاتب السطور للاتصال بالدكتور جورج حبش لتأمين مخصصات أو إيجاد عمل لماجد، وساهم تيسير قبعة بتعيينه في "مجلة الهدف" التي كان رئيس تحريرها بعد بسام أبو شريف صديقنا "صابر محي الدين" وقرّر الحكيم حبش بعد العودة من سفره تخصيص أعلى راتب له وتقديم المساعدات لرفاقنا من ضحايا الاستبداد الحزبي .

وقدّم لنا تيسير قبعة كما أشرت في مداخلتي الموسومة "غيمة فضيّة في فضاء الذاكرة" والمنشورة في صحيفة الزمان على حلقتين بتاريخ 29/6/ و2/7/2016، العديد من المساعدات المادية والمعنوية، خصوصاً تأمين فرص عمل والحصول على جوازات سفر وتأشيرات دخول لبعض الدول الاشتراكية وغيرها.

كيف أسّسنا حركة المنبر؟

لم تنشأ الحركة الاعتراضية المسمّاة بالمنبر دفعة واحدة، فقد بدت أقرب إلى  الارهاصات والتململات التي شهدها الحزب الشيوعي، ولاسيّما بعد انفراط عقد الجبهة الوطنية مع حزب البعث في العام 1978 وما بعدها، وقد تفاعلت فيها ظروف المنفى وهجرة معظم قيادات الحزب وأعداد واسعة من كوادره وجمهور عريض من أعضائه، وخصوصاً من المثقفين.

وساهم في إشعال فتيل الصراع على نحو شديد الموقف من الحرب العراقية – الإيرانية وقضايا التحالفات وأساليب الكفاح، إضافة إلى مسائل فكرية مزمنة وعقد وحساسيات متراكمة ومشكلات يومية تتعلق بالبيروقراطية الحزبية التي رفعت من درجة حرارة الصراع التنظيمي والفكري وبدأت تتقارب بعض وجهات النظر لعدد غير قليل من الشيوعيين، وخاصة بعد الحرب العراقية - الإيرانية وفصولها المأساوية.

وإذا كان ثمة نوع من الانسجام والتقارب بين موقف كتلة المنبر الشيوعية وبين قيادة الحزب الرسمية، من إدانة الحرب باعتبارها لا تخدم سوى الامبريالية والصهيونية وتحميل المسؤولية الأساسية للنظام العراقي في شنّها واختراقه للحدود الدولية وتوغّله داخل إيران، فإن هناك اختلافات أخذت تتصاعد بشأن المشروع الحربي والسياسي الإيراني، لاسيّما بعد انتقال الحرب إلى  الأراضي العراقية، وخصوصاً في تموز (يوليو) العام 1982.

وفي مشروع الوثيقة التقويمية الأولى التي صدرت عن مجموعة من القيادات والكوادر الشيوعية والموسومة " من وحي اليوبيل الذهبي الخمسيني للحزب الشيوعي العراقي: حديث صريح في الهموم والآمال" وكان د. مهدي الحافظ قد كتبها بعد مداولات ومشاورات ومراسلات، في العام 1984 وأرسلها لي لإبداء ملاحظاتي بشأنها، وكان رأيي ضرورة النشر العلني على أوسع نطاق لتطوير الصراع الفكري من جهة والتنبيه إلى المخاطر التي تهدد العراق من جهة أخرى، حيث جاءت الإشارات واضحة إلى إدانة الخطط الحربية والسياسية الإيرانية الرامية إلى  فرض "بديل إسلامي" خارج حق تقرير المصير للشعب العراقي في اختيار نظام الحكم الذي يريده، والذي يسعى إليه، ناهيكم عن الأهداف الإيرانية الأخرى، لاسيّما بتصدير الثورة، وصدرت الوثيقة بتوقيع عدد من قادة وكوادر الحزب الشيوعي العراقي في 15/11/1984 وهم "نواة حركة المنبر".

وكانت المنبر قد نشرت هذه الوثيقة في وقت لاحق (كانون الأول/ ديسمبر/1987) بعنوان " معالم الأزمة في حزبنا الشيوعي العراقي"  وتعريفاً بالمنشورات وباسم هيئة تحرير المنبر أوضحت: أن المنبر تنشر مجموعة من الوثائق والدراسات التي تعالج جوانب الاختلاف الأساسية مع القيادة الرسمية، وتعكس وجهة نظر المعارضة الحزبية المتّسعة ضد النهج البيروقراطي، سواءً ما يتعلق بإطارها الفكري أو السياسي أو التنظيمي ... وهي تسعى لتقديم مساهمة في تقييم التجربة النضالية.

وعبّرت حركة المنبر عن نفسها بوضوح أكبر عندما أكّدت: أنها تتوخّى تقديم رؤيتها الجديدة للعملية الثورية التي تواجه الحركة الشيوعية والعمّالية العالمية بما ينسجم مع التطورات والمتغيّرات التي أفرزتها الحياة، سواء على الصعيد العراقي أم القومي أم الإقليمي أم الأممي، وهي بذلك تدخل حلبة الصراع المحتدم منذ سنوات، كتيار شيوعي متميّز، يسعى من خلال الحوار والجدل وإثارة النقاش إلى  خلق رؤية جديدة متطورة " وكان لي شرف كتابة المقدمة باسم هيئة التحرير والتوطئة للكرّاس في العام 1987.

ووردت في تقديم المنشورات والتوطئة تعريفات مهمة عن جوانب الصراع الحزبي، لاسيّما إزاء برنامج وسياسة القيادة الرسمية ومعالم الأزمة في الحزب ورأي المنبر بسبل حلّها والموقف منها، إضافة إلى  القضية الوطنية العراقية والاختلالات الخطيرة في المعايير الآيديولوجية والسياسية، فضلاً عن غياب الديمقراطية وتجميد النظام الداخلي عملياً، وبروز ظاهرة البيروقراطية والفردية والتسلّط... وتعطيل المبادئ التنظيمية السليمة في حياة الحزب الداخلية وابتداع أساليب وأشكال غريبة لتكريس النهج الانعزالي التصفوي المصحوب بـ "الجملة الثورية" والمتعكّز على أكثر الشعارات " يسارية" ورنيناً ولكنها الأكثر بُعداً عن الواقع وما تتطلّبه الحياة.

وقد انفجر الخلاف على نحو حاد عشية المؤتمر الرابع للحزب، وخصوصاً في العام 1984 وما بعده، وكانت عبارة عزيز محمد الأمين العام للحزب قد تم تداولها وذاع صيتها حين ردّد في المؤتمر وعشيته: اجتمعنا ليلغي نصفنا النصف الآخر، حيث كان نهج التفريط قد ساد، لدرجة أن أحد أعضاء اللجنة المركزية وهو ما تمت الإشارة إليه في إحدى أعداد جريدة المنبر قد قال: لا يهم إذا أبقينا 10% من أعضاء الحزب، لا سيّما إذا كانوا مطيعين، وهو أفضل من 90% مشاغبين حيث تم تفجير الموقف بالكامل بإجراءات تمهيدية لاستبعاد أعداد من كوادر وقادة الحزب من الحضور، بل فصل العديد منهم أو تم إبعادهم عن مواقع المسؤولية وعزلهم وتهميشهم.

وللاحاطة بنشاط حركة المنبر الذي كان مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا وعبد الحسين شعبان من أبرز العاملين فيه يمكن الاعتماد على 3 مصادر أساسية.

المصدر الأول: وثيقة معالم الأزمة في حزبنا الشيوعي العراقي التي كتبها د. مهدي الحافظ في العام 1984 وتمت الإشارة إليها وقدّم لها كاتب السطور حين تم طبعها بكراس العام 1987.

والمصدر الثاني: وثيقة نشرت في "مجلة الغد" اللندنية وهي مقابلة أجرتها مجلة الغد اللندنية التي يرأس تحريرها الدكتور ابراهيم علاوي الأمين العام في حزب القيادة المركزية بعد عزيز الحاج، ونشرت في عددها رقم 21، تشرين الأول (اكتوبر) 1987، وقد نشرت مرّة أخرى في كتاب عبد الحسين شعبان – الصوت والصدى، من إعداد كاظم الموسوي  وجاء في هامشها ما يلي: صاغ نص الإجابات د.عبد الحسين شعبان، واطّلع عليها د.مهدي الحافظ وأبدى عليها بعض الملاحظات البسيطة، وأخذها كاتب النص بنظر الاعتبار، ووافق عليها نوري عبد الرزاق، الذي قدمها باسم المنبر إلى  مجلة الغد.

أما المصدر الثالث فهو عشرة أعداد من جريدة المنبر وعدد من البيانات والكراريس التي أصدرتها الحركة و المقصود بأعداد المنبر هي من العدد صفر الذي صدر في فيينا  وهو عدد تجريبي (تحرير وإعداد د. مهدي الحافظ ) أما الأعداد المتبقيّة فقد صدرت بإشراف وتحرير د. عبد الحسين شعبان في بيروت، وصدر عدد واحد منها في براغ، أما العدد الأخير فقد صدر في لندن،  وقد امتدّت للفترة بين 1987-1990.

إرهاصات التأسيس

كنت مدعوّاً إلى بلغاريا من جانب وزارة الثقافة، وقد اضطررت للمكوث فيها لفترة أطول من الضيافة، حيث دخلت فيها المستشفى لمدة أربعة أسابيع، وكنتُ حينها مكلفاً من جانب "مجموعة الشام"، وخصوصاً عامر عبدالله وباقر ابراهيم (اللذان شرعا بكتابة مذكرات احتجاجية أوصلاها إلى السوفييت تعكس جوانب من الصراع الداخلي في الحزب الشيوعي)، للاتصال بحسين سلطان من جهة وبمهدي الحافظ من جهة أخرى، وتم تأمين اللقاء مع " أبو علي" الذي كان متحمّساً لإعلان موقف، وأطلعته على مسوّدة الوثيقة التي كتبتها بتكليف من عامر وباقر حول أزمة الحزب وسبل الخروج منها والمعالجات التي اقترحتها والأسباب التي دفعتنا للافتراق عن القيادة، وأبدى تأييداً لها، ثم اتفقت مع الحافظ للقاء، واقترحت عليه بدلاً من براغ أن يكون المكان في براتسلافا، لكي لا يتم رصد حركتنا، وهو ما حصل، ومن هناك تحدثنا مع نوري عبد الرزاق بالتلفون، وكان متفقاً مع الحافظ على اتخاذ مثل هذه الخطوة الضرورية، أي إبراز صوت المعارضة الحزبية العلنية، وقال أنها لأول مرّة يتم اللجوء إلى وسائل علنية للتعبير عن وجهة نظر المعارضة الحزبية، واتفقنا على تحديد موعد لاجتماع يضم نخبة من الكوادر والقيادات (بين 20-25 رفيقا)، بل حدّدنا بعض الأسماء المشتركة.

وفي بلغاريا تم اجتذاب عناصر التنظيم الذين كان بعضهم على صلة بـ "أبو علي"، أما في براغ، فكان الجو مهيئاً، وحصل الأمر كذلك مع تنظيم هنغاريا أيضاً بوجود د. علي حنوش، حيث كان لدينا بحدود 10 رفاق في كل بلد من هذه البلدان. والأهم من ذلك هو توثيق صلتنا مع بعض الرفاق في كردستان، إضافة إلى اليمن والجزائر وليبيا، حيث قمت بزيارات خاصة لها، باستثمار بعض الندوات والاجتماعات العربية التي كنت أدعى لها بصفتي الأكاديمية، إضافة إلى دعم من منظمة التحرير الفلسطينية .

وللأمانة فقد قدمت لنا م.ت.ف دعماً مادياً، لكنه رمزياً، إذْ أن الدعم المعنوي والتفهم لموقفنا الوطني كان هو الأهم، وكان لدينا مراسلات مع ياسر عرفات "أبو عمّار" وسبق لنوري عبد الرزاق أن التقاه لهذا الغرض، كما قدّم لنا العديد من أطراف حركة التحرر في سوريا ولبنان مساعدات معنوية، وأودّ هنا أن أشيد بمجموعة الجبهة الشعبية (البحرين) بقيادة عبد الرحمن النعيمي " سعيد سيف" (الذي عاد إلى البحرين وأسس "وعد") ومجموعة جريدة الحقيقة "رابطة الشغيلة" بقيادة زاهرالخطيب وناصر قنديل وحميدي العبدالله،  إضافة إلى قيادات الجبهة الشعبية (جورج حبش وتيسير قبعة) والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين (نايف حواتمة وقيس السامرائي) وجبهة النضال الشعبي (خالد عبد المجيد ومحمد عادل) وفتح بشقيها (في براغ السفير سميح عبد الفتاح، وفي الشام عبد الهادي النشاش) وعاطف أبو بكر بصفته الشخصية والصداقية.

وحين عدت إلى دمشق فوجئت بشيء من التردد  بل والتغيير في موقف باقر وعامر فقد أبديا بعض المحاذير بشأن اتخاذ موقف معارض معلن وأكّدا أنهما يفضلان البقاء في إطار ما هو قائم على الرغم من تنحيتهما واعتراضاتهما على الخط السياسي لاحقاً، وأبديا تحفظاً حول العمل في إطار مستقل وقال الرفيق باقر "أريد أن أبقى شيوعياً"، قاطعاً الطريق على عمل مشترك يعبّر بصورة علنية عن المعارضة الحزبية، وكانت تلك إحدى المفارقات، لكنه استمر في موقفه المتحفظ هذا إلى حين تم فصله في العام 1989 فبدأ بالكتابة والنشر والعلاقات على نطاق أوسع.

وكان ماجد عبد الرضا قد فصل فاندفع باتجاه الإعلان، وبعد مداولات مع مهدي تقرّر أن نجتمع 6 رفاق فقط هم : أحمد كريم، نوري عبد الرزاق، مهدي الحافظ، خالد السلام، ماجد عبد الرضا وعبد الحسين شعبان، وأطلق بعض إدارات التنظيم الرسمي على هذا  التجمع "حزب الدكاترة " لوجود  4 منهم يحملون شهادة الدكتوراه، وكأن الشهادة الأكاديمية سبّة أو منقصة.

وخلال عملنا عقدنا اجتماعين موسعين، حضر في الأول نحو 16 رفيقاً وفي الثاني على ما أتذكر نحو 22 رفيقاً، وكان العديد من طلبات الانتساب والانضمام والائتلاف قد وصلتنا من مجاميع حزبية غير قليلة، ابتداء من بهاء الدين نوري الذي أجرينا معه مباحثات، إلى منظمات وتجمعات كانت قد اتخذت مواقف مقاربة من موقفنا، لكننا توخّينا الدقة وحرصنا على تماسك مجموعتنا، ولكنها  للأسف هي الأخرى تصدّعت، ولاسيّما بعد غزو الكويت العام 1990، فانسحب الرفيق ماجد  عبد الرضا وقرر العودة إلى العراق على مسؤوليته الشخصية.

واجتمعنا نوري عبد الرزاق وكاتب السطور وأخذنا رأي مهدي الحافظ تلفونياً،  وأصدرنا تعميماً اعتبرنا فيه مسألة العودة شخصية، وليست باسم حركة المنبر، وبسبب التطورات الحاصلة لاحقاً إلتقينا في القاهرة (مهدي ونوري وكاتب السطور) وقرّرنا الإبقاء على علاقاتنا "الرفاقية" والكتابة إلى الرفاق لإبلاغهم "وقف العمل" في المنبر لاستنفاذ أغراضه كما قال مهدي، واتفقنا على المحافظة على علاقاتنا الصداقية بالأساس لتقديم نموذج رفاقي من نوع جديد يمتاز بالتسامح واحترام الاجتهادات دون تخوين أو اتهام، علماً بأن رأيين كانا قد سادا في داخلنا:

الأول- مثّله ماجد عبد الرضا: حين اعتبر الفرصة مواتية للعودة للعراق وكان صبره قد نفذ، خصوصاً بانقطاع مخصصه من منظمة التحرير الفلسطينية بعد غزو الكويت والضغوط التي تعرّض لها، إضافة إلى انهيار النظام الاشتراكي في تشيكوسلوفاكيا واحتمال عدم تمديد جواز سفره الخاص الممنوح له من اليمن الديمقراطية وقال بالحرف الواحد: إذا لم تقرّروا  العودة سأعود لوحدي وأتحمل نتائج عودتي.

وبالمناسبة فقد ساد مثل هذا الرأي لدى العديد من الأطراف الكردية، فقد شكّلت "الجبهة الكردستانية" وفداً برئاسة محمود عثمان ووصل إلى براغ وطلب من السفير الفلسطيني (سميح عبد الفتاح - أبو هشام) التوسط لفتح حوار مع بغداد وقد التقيت به في منزل السفير الفلسطيني، وقام الأخير بتسهيل مهمة الوفد عبر السفير الفلسطيني في تونس الطيب عبد الرحيم  وانتظر الوفد في تونس أكثر من أسبوعين على أمل أن تنجح تدخلات ياسر عرفات أبو عمّار في فتح حوار مع الحكومة العراقية ولكن دون جدوى.

وكانت الجبهة الكردستانية تعتقد أن بغداد ضعيفة وهي بحاجة إلى حلفاء داخليين وإنه يمكنها الحصول على بعض التنازلات منها، ولا بأس حتى وإنْ قدّمت هي تنازلات بخصوص الموقف تداخلات غزو الكويت، ولكن الجواب السلبي للحكومة العراقية " يمكن العودة كمواطنين صالحين" وعدم إبداء أي استعداد لاستقبال وفد للتفاوض، قطع الطريق على مثل تلك المحاولة، الأمر الذي دفع الجبهة الكردستانية لاتخاذ موقف متشدّد ضد بغداد، على الرغم من عودتها لفتح باب المفاوضات بعد فشل الانتفاضة في ربيع العام 1991، وتلك حكاية أخرى.

والثاني- مثّله نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وعبد الحسين شعبان والغالبية الساحقة من الرفاق والأصدقاء الذين عوّلوا على إثارة النقاش العلني وتشجيع الصراع الفكري، مؤكدين أن السلطة لم تتراجع فلم تقدّم ما يمكن الاطمئنان إلى إمكانية إجراء تغيير في نهجها المعادي للديمقراطية على الرغم من كل ما حصل من نكبات وويلات وحروب وفشلت جميع مساعينا في نصحها أو محاولة إجبارها على التراجع، بل إن تقديراتنا ومعلوماتنا كانت تشير إلى  إن الوضع ازداد سوءًا، ووصل الغرور والعجرفة إلى مديات كبيرة لا يمكن بأي شكل من الأشكال التفكير بإعادة الأمور إلى ظروف ما قبل العام 1978،خصوصاً وإن النظام كان قد تورّط في مغامرة غزو الكويت (2 آب/أغسطس 1990). وكان مع هذا التوجه إلى حد ما عامر عبدالله وباقر ابراهيم وعدنان عباس وآرا خاجادور فيما بعد وعشرات من الكوادر الحزبية، علماً بأن رفاقاً آخرين من المجاميع الشيوعية المختلفة  بمن فيهم من التنظيم الرسمي عادت إلى العراق وإنْ كان العدد محدوداً جداً.

صحيفة المنبر

كان مهدي الحافظ أحد عناصر الحركة الأساسيين، وكان يتابع معي إصدار المنبر التي كُلّفت بالإشراف عليها وعلى تحريرها وطبعها، خصوصاً وإن حركة الاحتجاج كانت تتّسع، ويمكن رصد أبرز الشخصيات فيها : زكي خيري، عامر عبدالله، باقر ابراهيم، حسين سلطان، عدنان عباس، مهدي الحافظ، نوري عبد الرزاق، ناصر عبود، عبد الوهاب طاهر، ماجد عبد الرضا، خالد السلام، أحمد كريم، محمود البياتي، علي عبد الرزاق، عبد اللطيف الراوي، علي حنوش، محمود عبد الكريم، كاظم الموسوي، محمد جواد فارس، ساهرة القرغولي، فاطمة محمد تقي، رحيمة السلطاني، محمد السعدي، جهاد كاظم، عباس عبيدش، خليل الجزائري، عبد الباقي شنّان،كمال جعفر،عصام الحافظ الزند، ليث حميد، ضياء خوجه نعمة، علي عرمش شوكت، صلاح مهدي، طلال شاكر، موسى السيد، فاضل الربيعي، جمعة الحلفي، خيرالله سعيد، عبد الحسين شعبان، إضافة إلى عشرات الرفاق الذين لم تحضرني أسماؤهم، مع وجود رفاق غير قليلين داخل التنظيم وقسم منهم لا يزال يعمل فيه، بل احتلّ مواقع قيادية، واستوعبت جريدة المنبر أقلاماً أدبية وفنية وثقافية كبيرة ومتميّزة وامتدت من المنافي البعيدة وحتى كردستان وتسربت إلى داخل الوطن. وكنّا نرسل بعض الأعداد المحدودة بواسطة تنظيم فلسطيني، كما كان لها نافذة عربية ودولية مهمة وعلاقات متشعبة.

مهدي الحافظ ومتفرقات العلاقة

أربع قضايا يمكن أن أستحضرها مع مهدي الحافظ على الرغم من تناقضاتها، ولكل منها وفي كل مرحلة دلالات قد تكون مختلفة :

الأولى- اجتماع كوادر تنظيمات الخارج (في فندق الحزب الشيوعي التشيكي القديم) لمناقشة مشروع ميثاق العمل الوطني الذي طرحه حزب البعث أواخر العام 1971 واحتمال قيام الجبهة حين تساءلت: هل أن السوفييت يريدون عقد الجبهة الوطنية أم أن قيادة الحزب مقتنعة بذلك؟ ثم ما هي الضمانات للحريّات والديمقراطية؟ عندها قامت الدنيا ولم تقعد وبعد أخذ الاستراحة جاءني حميد بخش (أبو زكي) وطلب منّي تقديم اعتذار في بداية الجلسة التالية، لأن الأمر جد خطير والكثير من الرفاق أبدى امتعاضه (لأن حديثي كما قال فيه تعريض بالسوفييت) حاولت أن أناقشه، لكن الأمر كان بلا جدوى، وطلبت الكلام عند بداية الجلسة اللاحقة، ولكنني بدل "الاعتذار" ثبّت رأيي الأول وزدت عليه من خلال التوضيح، بأن هذا الموقف عرضه أحد أعضاء المكتب السياسي في اجتماع رسمي كنت أحضره، وكنت قد ناقشت الرفيق بوجهة نظري لضمان استمرار أي تحالف  لا بدّ من توفّر عنصري الثقة والحريات، إضافة إلى الحق في النقد، وقلت إن ذلك من مسؤوليتنا ونحن أعرف بظروفنا ولا بدّ من وضع ذلك في سلّم أولوياتنا .

جدير بالذكر أن مهدي الحافظ لم ينبس ببنت شفة واعتبر وجهات نظري رأياً يُحترم، سواء اختلفنا أم اتفقنا معه (علماً بأن مثل هذا الرأي كان يعتبر من الكبائر لدى البعض آنذاك).

وكان الاجتماع قد ضمَ: صفاء الحافظ وسعيد اسطيفان وجوهر شاويس وهناء أدور وحميد بخش وسهيلة السعدي وخليل الجزائري وكريم حسين وخالد السلام وحميد برتو ونوزاد نوري وعبد الحسين شعبان ومهدي الحافظ الذي كان قد أصبح عضواً في اللجنة المركزية وهو ما دوّنته في كتابي "المثقف وفقه الأزمة" الصادر عن دار بيسان، بيروت، 2016.

الثانية كتب مهدي الحافظ مداخلة في مجلة اليسار العربي 1983 التي كان يصدرها من باريس ميشيل كامل ( الحزب الشيوعي المصري) وعدد من الشخصيات اليسارية المصرية، وهي تعقيب في إحدى الندوات على بحث مقدّم، وكان يعبّر بذلك عن وجهة نظر نقدية في الحديث عن أزمة اليسار العربي وبالدرجة الأساسية أزمة قيادته وبرامجه وعلاقته بالجمهور، وأتذكّر أنني كنت قد اطلعت على المقالة - المداخلة، بعد وصولي إلى الشام قادماً من كردستان لغرض العلاج، وكان قد نبّهني إليها أبو خيام "الحافظ" نفسه ووجدت فيها مادة أولية صالحة لإجراء حوار حول قضايا اليسار ومشكلاته وإشكالاته.

وكان مثل هذا الرأي يلقى تطيّراً من إدارة الحزب التي كانت ومعها قيادات شيوعية ويسارية عراقية وعربية تنفي بمكابرة وجود أزمة في حركة اليسار التي هي جزء من حركة التحرّر العربي التي تمثلها أنظمة " صديقة"، فضلاً عن ذلك إنها جزء من الحركة اليسارية  والعمالية والشيوعية العالمية، الأمر الذي يعني أن الأزمة أبعد من ذلك، ويختصر هذا الرأي  الإشكالية المزمنة والمعتّقة بشأن الأزمة إلى مجرد صعوبات أو متاعب تواجهها حركة اليسار، وربّما هي صعوبات عارضة وليست جوهرية.

وكان أن جرى نقاش محموم حول المقالة التي لم يتم مناقشتها، بقدر انتقاد كاتبها والتعريض به، وحانت فرصة لأحد الرفاق ليسألني إن كنت قد قرأت المقالة، فأجبت نعم، فقال إنها فرصة لترّد عليها وتفنّد ما ورد فيها، فقلت أرى أن المقالة معقولة وفيها وجهات نظر قابلة لإجراء حوار بخصوص مشكلات وإشكالات يعاني منها اليسار، فأزاد وهل ستذهب لدحض آراء الحافظ؟

ضحكت وقلت له: إن رأيي هو أبعد مما ذهب إليه مهدي الحافظ لأنني أعتبر الأزمة بنيوية وعضوية، ولا يمكن حلّها دون اتخاذ تدابير وإجراءات حازمة وإعادة النظر بالمناهج والسياسات وأسس التنظيم ذاته، فالأزمة مركّبة ومتشابكة فكرياً وسياسياً وتنظيمياً، خصوصاً وقد جرى تحنيط الماركسية وتحويلها إلى مجرد مقولات أقرب إلى الأدعية والتعاويذ يتم تردادها في مواقع غير مناسبة وفي أزمنة مختلفة، في حين أننا نهمل المنهج ونتمسك ببعض النصوص، ونحاول أن نكيّفها على أوضاعنا وفي ظروف غير التي جاءت فيها، الأمر الذي أحدث انفصاماً بيننا وبين الواقع.

وإذا كان منهج ماركس صحيحاً فإن علينا استنباط الأحكام الخاصة بنا، لا تكرار استنتاجات قال بها ماركس أو لينين أو غيرهما، لأنها قيلت في زمان غير زماننا وبعضها حتى لو كان صحيحاً، لكنه لا يصلح لبلداننا، ناهيك عن أن الحياة أثبتت خطاً الكثير منها، فما قاله هؤلاء الرواد المبدعين من استناجات يصلح لعصرهم، أما عصرنا حيث الثورة العلمية - التقنية والآفاق التي فتحتها والتي تنتظر أن تفتحها، فإنها تحتاج إلى استنتاجات أخرى تتناسب مع روح العصر ونبض المجتمع .

وبدلاً من مناقشة آراء الحافظ ووجهة النظر هذه، قال  محدثي في نوع من التخابث: لا تدع العلاقات الشخصية والارتياحات الصداقية تطغى على مواقفك من القضايا المبدئية، ولعلّ من الظواهر السائدة في العلاقات الحزبية هو النظر إلى الصداقة على نحو فيه الكثير من الانتقاص أو حتى الازدراء، فالكثير من "أدعياء المبدئية" اكتشفوا بعد عقود من الزمان أن ليس لهم " أصدقاء"، وقد اعترف أحد الشيوعيين المخضرمين الذي أمضى في الحزب ستة عقود من الزمان إنه كان بلا صديق وأخذ يكتشف الناس والبشر والمجتمع خارج منظار الحزب أو عدسة إدارته، لاسيّما بعد أن أعفي من مواقعه، وهو ما تلمسته لدى العديد منهم الأمر الذي عاظم من شعوري بالعطف على هؤلاء لدرجة الشفقة أحياناً، فالصداقة قيمة عليا  وكنز ثمين، علماً بأن الكنز لا يكون صديقاً على الدوام، ولكن الصديق يكون كنزاً في كل الأحوال، كما يقول المثل الروسي .

القضية الثالثة هي العمل في ميدان حقوق الإنسان، فقد كان مهدي سبّاقاً حين حضر المؤتمر التأسيسي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليماسول (قبرص) العام 1983، وقام بتأسيس فرع لها في فيينا وعقد سلسلة من المؤتمرات والاجتماعات، تسنّى لي حضور بعضها، وأصدر بعضها في كراريس، لكن المنظمة هي الأخرى كانت تعاني من أزمة، وانفجر الصراع في الرباط العام 1997 بعد أن قدّم أديب الجادر رئيس المنظمة استقالته من على منصّة المؤتمر والتي أحدثت ضجة وخلقت بلبلة.

وبعدها انتخب د. علي أومليل رئيساً وهو الآخر قدّم استقالته بعد بضعة أشهر والأسباب هي ذاتها ولاسيّما محاولة الاستئثار بالقرار والتحكّم بمسار المنظمة، وبعد جدل ونقاش واسعين بدأ خارج المؤتمر وانتقل إلى داخله، وبهدف إيجاد تسوية لإخراج موحد، تقرّر أن يرشح من العراق اثنين، مهدي الحافظ وكاتب السطور، وأتذكّر جيداً أنني قلت لمهدي الحافظ: أنا أفضل ألّا أرشح، ليبقى عن العراق شخص واحد، وحين يتم انتخابك يمكن أن ترشحني حسب ما يجيز النظام الأساسي كي لا يحصل الاستغناء عن أحدنا وأعرف أنه كان محسوباً على أديب الجادر وغيابه سيؤثر عليه، لكنه أصرّ على أن الاتفاق حصل لانتخاب اثنين.

وحين جرت الانتخابات لم يحصل مهدي على النسبة المطلوبة من الأصوات حيث تمت الإطاحة به، وكانت تلك صدمة لمهدي الحافظ الذي لم يتوقّع ذلك، في حين أنني كنت أعرف الأجواء والمطبخ الذي يتم فيه ذلك، وقد حذّرته منه، وكان أكثر ما يؤلم الحافظ هو محاولة الغدر والخديعة والطعن من الخلف، وقد سبق له في مؤتمر المنظمة العام 1993 في القاهرة أن شعر باستمالة الجهات المتنفذة ترشيح آخرين ضده، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

وبعد أن انفجر الصراع داخل المنظمة نقلتُ النقاش والتساؤلات حول مستقبل الحركة الحقوقية العربية إلى جريدة الحياة اللندنية (1998) بشأن مشكلاتها وإشكالياتها التي تعمّقت خلال السنوات المنصرمة، كما تم توسيعه في مجلة الضمير التي كنّا نصدرها في لندن فلم تعد القضية شأن داخلي، بل أصبحت قضية "رأي عام"، لكن تلك التجربة تركت مرارة جديدة لدى مهدي  الحافظ.

القضية الرابعة هي الاتفاقية العراقية- الأمريكية واتفاقية الإطار الاستراتيجي،  وكان مركز كارينجي قد وجّه الدعوة لنخبة من المثقفين والسياسيين والاختصاصيين بينهم على ما أتذكر : فالح الفيّاض ومهدي الحافظ ورائد فهمي وهشام داوود، وممثلين عن الكرد والشبك ومجموعة طارق الهاشمي وعدد آخر، وفاجأني مهدي بأنه كان أول المتحدثين حين طلب تمديد أو تجديد الاتفاقية أو توقيع اتفاقية جديدة على غرار الاتفاقية الأمنية التي كان مفعولها ينتهي في أواخر العام 2011، وبرّر ذلك إن غياب الأمريكان سيعني إطلاق يد إيران وقدّم ورقة مكتوبة (صفحة واحدة)، ودارت مواقف الآخرين في ذلك الفلك ولم تكن بعيدة عنه.

أما موقف الفيّاض فقال: باسم دولة القانون في حينها نحن لسنا مع أو ضد، بل ننتظر فيما إذا كانت الأغلبية تريد تمديد أو تجديد الاتفاقية فسنأخذ بهذا الرأي أو على العكس إذا لم تكن الأغلبية مقتنعة فسوف نقف إلى جانبها وندعو لانسحاب القوات الأمريكية والأجنبية من العراق.

وأتذكّر إن  الشخصية الكردية الأكاديمية أبدت تحفظات منهجية حول قانونية الاتفاقية وشروط انعقادها، ويومها سألني الحافظ بحنق من يمثّل صاحبنا: أوك أم حدك؟ فقلت له ممازحاً إنه من جماعة "المنبر" وضحكنا بعد ذلك، وكنت قد قدمت مطالعة هي خلاصة لكتابين كنت قد أصدرتهما لتبيان عدم شرعية الاتفاقية ولا قانونيتها، لاسيّما وهي اتفاقية غير متكافئة بين طرفين أحدهما قوي ومحتل والآخر ضعيف ومحتلة أراضيه، وفيها الكثير من عيوب الرضا التي تبطل مبدأ الإرادة الحرة Pacta Sunt servanda  (العقد شريعة المتعاقدين)، علماً بأن أطروحتي للدكتوراه كانت دراسة مقارنة حول الاتفاقيات المتكافئة وغير المتكافئة مع إشارة خاصة للمعاهدات العراقية- السوفييتية (الكتابان هما: الأول المعاهدة العراقية - الأمريكية: من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال التعاقدي، إصدار المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، عمان، 2008. والثاني- بغداد - واشنطن : أي مقايضة للاحتلال العسكري؟ في حيثيات الاتفاقية العراقية - الأمريكية، إصدار، مركز العراق للدراسات، بغداد، 2011)

وذكرت مثالاً كنت استشهدت به على لسان عبد الفتاح ابراهيم كان قد ردّده نوري السعيد العام 1924 في منتجع برمّانا خلال مجادلته بشأن اتفاقية العام 1922 المجحفة المذلة الاسترقاقية كما كان يصرّ ابراهيم على تسميتها.

يقول عبد الفتاح ابراهيم عن لقائه بنوري السعيد كنّا وفداً  يمثّل جمعية طلابية في بيروت، حيث كان يدرس "علم الاجتماع" في الجامعة الأمريكية ويرافقه محمد زينل وصباح نجل نوري السعيد، وكان "الباشا" مسترخياً في المنتجع الصيفي ويلبس دشداشة بيضاء ويجلس على فرشة على الأرض وبيده كأس عرق أبيض زحلاوي وحاول عبثاً إقناعنا بتبريراته للتحالف مع طرف قوي هو بريطانيا وبأن العراق خرج لتوّه من سيطرة الدولة العثمانية وإن لديه مشاكل معلّقة معها (المقصود مشكلة الموصل ) ومشاكله مع إيران لم يتم تسويتها (وكانت إيران حتى ذلك الوقت ولغاية العام 1937 لم تعترف بالمملكة العراقية) وهنا تطلّع في وجوهنا وأخذ رشفة عرق قوية وخاطبنا: تكبرون وتعقلون وتتعلمون، وإذا كنّا كبرنا جميعاً، لكننا لا ندري من منا عقِل وتعلّم، وخلال الجلسة ردّدتها على مسامع "أبو خيام" والحاضرين عدّة مرات .

اتفقنا على اللقاء وليس الوداع

كان آخر لقاء لي مع مهدي الحافظ في نادي العلوية 2013 بعد حضوري لاحتفالية أقيمت في بغداد بعنوان " بغداد عاصمة الثقافة العربية" وهي المرّة الأولى التي التقيت فيها رئيس الوزراء نوري المالكي الذي كنت قد عرفته منذ الثمانينات ودار حوار بحضور نحو 12 مثقفاً أذكر منهم فاضل ثامر وياسين النصيّر ويحيى السماوي ومحمد مظلوم وكوكب حمزة وناجح المعموري وشوقي عبد الأمير وعالية طالب وآخرين، وأدار الحوار النائب حينها علي الشلاه، واستفسر مني عمّا دار في اللقاء وعن لقائي مع عمّار الحكيم الذي كنت قد عدتُ منه مباشرة إلى نادي العلوية وكنّا قد اتفقنا على اللقاء، لإجراء حوار صريح على أن أقوم بإعداده للنشر، وهو ما حاولنا وضع بعض المحطات الأولى له في بيروت، وحين زرت بغداد كان مهدي مسافراً، لذلك لم نتمكّن من إنجاز المشروع. وحين توفي محمود البياتي اتّصل بي مستفسراً ومعزياً لأنه يعرف عمق علاقتنا.

كان مهدي الحافظ مُقلاً في كتاباته، لكن إذا كتب أجاد وهو دقيق في اختيار كلماته وأنيق في إبراز جمال عبارته وعميق في الوصول إلى المعاني، ويمتلك نعمة القراءة وكان ملتزماً بمعايير العدل والأخلاق، متحضّراً ومسالماً وغير ميّال إلى العنف وبعيداً عن أي شكل من أشكال القسوة أو الإيذاء، وكان محبّاً للحياة ومقبلاً عليها مثل إقباله على الثقافة بألوانها المختلفة.

رحل مهدي الحافظ ودفن في فيينا قرب نهر "الدانوب الأزرق" بناء على وصيته، وكان قد عاش فيها فترة من حياته كموظف في منظمة اليونيدو منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية.

مهدي الحافظ المنسوج من خيوط نفيسة لا أقول وداعاً، بل اشتياقاً فالنبيذ المعتّق من تلك الخابية اللذيذة المذاق ما زال ينتظرك، أما كان عليك أن تؤجل الرحيل لكي ننجز مشروع الحوار.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

 

الحياة عبارة عن مسار ينتهي بنقطة، والنقطة بداية الكتابة، كتابتي قارئي سفر وترحال إلى آفاق جديدة بعيدة عن اليأس الذي أصبح يباع بأفواه تبيع كل شيء إلا أن تبيعك أملا، أفواه آلفت اليأس واستأنست به وأضحى تجارتها الرابحة. لن أُظلم الحياة في عينيك، وسأرحل بك كتابة إلى اخر رحلة قمت بها إلى مناطق نائية بعيدة كل البعد عن حياتك الرّتيبة التي تُلخصها في هاتفك من حجم كبير يحوي كل البرامج التي تقرب إليك في كل صباح بكاء البؤساء والقانطين، وقارورة مياه تعتقد أن مصدرها نبع طبيعي، نبع لم تشدّ الرحال إليه لتكشف صحة وجوده من عدمها، وجبنة مغشوشة المكونات، وحليب غاب فيه معنى الحليب...إلخ. رحلة تكسّر هذه التفاهة التي تم قولبتنا بها حتى أضحى معنى الحياة مرتبطا بها.

الرحلة ببساطة كانت صوب أعلى قمة جبلية بالمغرب "توبقال" والتي تبلغ حوالي 4167. بعد طول سفر، وصلنا أخيرا إلى جماعة توبقال. وجدت في استقبالي المرشد السياحي ابن المنطقة "ابراهيم حيمي". وهو بالمناسبة من دعاني إلى زيارة المنطقة واكتشافها خصوصا وأنها تُصادف تنظيم احدى مهرجاناتها. جلسنا في مقهى لكي نستريح احتسينا شايا أنا ورفيقي في السفر. انطلقنا بعد ذلك صوب دوار أمسوزارت "AMSSOUZART" مكان سكن "ابراهيم "؛ دوار جميل جدا بحكم مُحافظته على البناء الجبلي التقليدي، بناء جُل مكوناته من الحجارة، يرتفع بأكثر من 15 مترا عن سطح الأرض، متماسك ورصين تماسك أهل المنطقة بجدورهم المغربية الأمازيغية. إلى جانب جمالية البناء الحجري، شدني في خصال أهل المنطقة التواضع والعفوية والبساطة الذي تطبع سلوكياتهم حركاتهم إيماءاتهم. كما أعجبني سكون المنطقة وجمالها الطبيعي الذي يزاوج بين الخضرة والماء؛ فالماء بفضل القدير لا يهدأ طيلة اليوم دائم الجريان، وبالليل يكون له وقع خاص، إذ يصبح بمثابة اسبرين لنوم هادئ؛ ينعش مخيلتك للانطلاق في رحابة عالم بدون بروتوكولات، عالم ينطق بالعفوية. لنعد أدراجنا، بعدما كان سمرنا الليلي حديث في مواضيع اختلفت مضامينها، وإن كانت تصب في مجملها عن الحال والمآل لهذه القرى التي تتحصن بهذه الجبال الشامخة التي تغيب فيها أدنى الشروط الانسانية من مستوصفات ومدارس وبنيات تحتية...إلخ. استلقينا على الأرائك بأحد البيوت الحجرية المغطاة أسقفها بأخشاب أشجار الجوز واللوز...وغيرها، والمفتوحة نوافذها المزركشة بزخارف نباتية وهندسية تشي بعمق الحضارة بالمنطقة. أحضر  المُضيف الأغطية، وأنا بصدد تغطية نفسي بالفرش وجدت لذة جميلة صاحبتها قشعريرة في طبيعة فعلي هذا (التغطية).

استيقظنا صباحا تناولنا فطورا تقليديا خاص بالمنطقة، وشدينا الرحال صوب بحيرة افني "LAC D’ IFNI" بقيادة المرشدين السياحيين ابراهيم حيمّي ورشيد برواي؛ بحيرة قيل عنها الكثير ، وحيكت حولها القصص والأساطير، وكيف لا؟ وهي التي تعتبر بؤرة- مركز تحوم حولها 10 دواوير، وتحصنها سلسلة من جبال الأطلس الكبير، وتصبح بالنسبة لِطالبها وعرة المنال بمسالكها التي لا يدللها إلا ابن المنطقة الداري بعراقيلها، وهذا ما ساعدنا في الوصول إليها بعد رحلة على الأقدام تجاوزت الساعتين والنصف، تعرفنا فيها على مختلف المنتجات التي تزرع بهذه الجبال من: (جوز، لوز، تفاح، زيوت، حب الملوك)، واكتشفنا البنية العميقة التي تربط سكان المنطقة بالماء والحجر في طقوسهم وسلوكياتهم. سجّلنا كذلك، صعوبة وجمالية أن تستمر انسانا شامخا كهذه الجبال التي تحيط بهذه البحيرة التي تعكس لون السماء تارة، ولون الجبال تارة أخرى. هذه البحيرة الأمل التي تقع على ارتفاع حوالي 2390 عن سطح البحر، وتعتبر من بين أجمل البحيرات على المستوى الايكولوجي بالمغرب، إنها متنفس حيوي يبعث الحياة –بفضل القدير- لأكثر من 10 دواوير.

رغم وعورة المسالك وتشعبها، رغم ما قد يحدث لجسم الإنسان الذي يشدّ إليها الرحال لأول مرة من قبيل العياء الشديد، عدم القدرة على التنفس بشكل جيد، خفقان في القلب؛ إلا أن رؤيتها بعد مشقة سيعيد إليك (أنت الرحالة) توازنك السيكولوجي الذي سيرخي بظلاله أخيرا على قدراتك الجسمانية، وستهرع كالطفل إليها لملامسة عالمك الأول، عالم الانسان القديم الذي مازال دِفْؤه يسكن الجبال المحيطة بها والتي يمتد تاريخها لأكثر 24 مليون سنة.

الرحلة إلى بحيرة افني هي رحلة للاكتشاف والمغامرة، رحلة للاستئناس والتعريف بالمنطقة، ربما جمالها الرباني يستهويني ويستهوي غيري من السياح، لكن هل تعني السياحة عدم العمل على تطوير المنطقة للأفضل؟ وهل تعني السياحة أن استمتع بمناظرها الجميلة دون أن أرد إليها الجميل، بالقول أنها مهمشة على مختلف المستويات، وفي حاجة إلى انقاذ حكومي لها حتى يمكنها أن تصبح رائدة على المستوى السياحي. وبالتالي يعود نفعها على مواطن الدولة المغربية الساكن بهذه المنطقة، وكذلك على خزائن هذه الدولة بالنفع. فالسياحة التي ترنو إلى مصلحة الوطن وتنميته لا تعني الاعتماد على ما هو كائن فقط، بل تعتمد على تثمين وتطوير ما هو كائن (مواريث طبيعية وثقافية) ليصبح ما يجب أن يكون.

 

د. بوجمعة أكثيري

 

حامد الحمدانيبعد أن تم لثورة 23 يوليو في مصر تحقيق جلاء القوات البريطانية من مصر، عام 1954، عملت القيادة المصرية جاهدة لتحرير قناة السويس من السيطرة البريطانية والفرنسية، تلك القناة التي شُقت بجهود مئات الآلاف من أبناء الشعب المصري الذي سكب أطناناً من العرق، وفقد عشرات الألوف حياتهم من أجل إتمامها .

فقد تم تسخير 60 ألف مصري شهرياً في أعمال الحفر، من دون أجور، وخلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1859 و1864 مات من هؤلاء العمال ما يزيد على 100 ألف فرد، تحت الانهيارات الرملية، دون دفع أي تعويض عنهم.

بجهود أولئك المصريين تم إنجاز قناة السويس التي ربطت البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وأصبحت قناة السويس الشريان الرئيسي الذي يربط قارتي أوربا وأسيا ببعضهما، واختصرت الوقت والتكاليف على السفن، بعد أن كانت تدور حول رأس الرجاء الصالح، جنوب أفريقيا .

كان الرئيس عبد الناصر ينتظر الفرصة المناسبة ليحقق هذا الأمل للشعب المصري  في تحرير القناة، وكانت في تلك الأيام من عام 1956 تدور مباحثات بين مصر وصندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا حول طلب مصر لتمويل مشروع السد العالي على نهر النيل العظيم، حيث كان هذا المشروع يتسم بأهمية كبرى للشعب المصري، كونه يوفر ثروة مائية كبيرة يمكن استخدامها في ري مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، ويكون مصدر طاقة كهربائية عظيمة كانت مصر بأشد الحاجة إليها لمشاريع التنمية الصناعية، والحاجات الاستهلاكية، هذا بالإضافة إلى كون السد ينقذ الشعب المصري من طوفان هذا النهر العظيم، الذي سبب للشعب الويلات والمآسي في فصل الفيضان، بدلاً من أن يكون مصدر خير ورفاه .

حاولت الدول الإمبريالية الضغط على الحكومة المصرية لتمرير مشروع [الدفاع عن الشرق الأوسط] وربط مصر بالمخططات الإمبريالية، لكن الرئيس عبد الناصر قاوم كل تلك الضغوط، ووقف موقفاً حازماً ضد حلف بغداد، ودفع الإمبرياليون إسرائيل للتحرش بالبلدان العربية المجاورة للضغط عليها، وأغدقوا عليها شتى أنواع الأسلحة، في حين حرموا البلاد العربية من الحصول على الأسلحة التي تمكنهم من الدفاع عن أنفسهم، مما حمل الرئيس عبد الناصر إلى عقد صفقات لشراء الأسلحة من المعسكر الاشتراكي .                                                                      

أثار توجه عبد الناصر للدول الاشتراكية لشراء الأسلحة غضب الدول الإمبريالية وجعل الولايات المتحدة وبريطانيا تسحبان عرضهما لتقديم القروض لتمويل السد العالي، في 25 تموز 1956، بعد أن كانت هاتان الدولتان قد أعلنتا في 18 كانون أول 1955 عن عزمهما على تقديم تلك القروض

أما البنك الدولي، الذي تسيطر عليه تلك الدول، فقد أخذ يضع الشروط تلو الشروط التعجيزية الهادفة للتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، ثم أعلن بعد ذلك في 24 تموز 1956 سحب موافقته لتمويل السد، بعد قيام مصر بشراء الأسلحة من الدول الاشتراكية،على أثر قيام المظليين الإسرائيليين بإنزال عسكري في قطاع غزة الخاضع للسيطرة المصرية آنذاك، وسفكوا دماء المئات من أبناء الشعب الفلسطيني.

وعلى أثر إعلان البنك الدولي، وبريطانيا والولايات المتحدة سحب عروضهم لتمويل السد العالي، وفي غمرة الاحتفالات بالذكرى الرابعة لثورة 23 يوليو، جاء رد الرئيس عبد الناصر فورياً وحازماً، فقد أعلن في 26 تموز 1956، باسم الشعب المصري [تأميم قناة السويس] وعودتها للسيادة المصرية  معلناً أن مصر تضمن حرية الملاحة في القناة للجميع، وإنها سوف تستخدم موارد القناة لتمويل بناء السد العالي، كما أعلن عن استعداد مصر لتعويض حملة الأسهم في القناة بموجب سعرها عند الإغلاق يوم تأميم القناة .

ومن جانب آخر أعلن الاتحاد السوفيتي عن استعداده لبناء السد، على أن تدفع مصر تكاليف بنائه بأقساط مريحة، من عائدات قناة السويس وما يوفره السد، مما أفقد الإمبريالية صوابها، وسارعت بريطانيا وفرنسا إلى تقديم احتجاج شديد اللهجة للحكومة المصرية، معتبران أن إقدام عبد الناصر على تأميم القناة ينطوي على أبعاد خطيرة النتائج على مصر.

وبالفعل جرى تجميد الأرصدة المصرية في بريطانيا وفرنسا، والولايات المتحدة . وسارع رئيس الوزارة البريطانية [أنطوني إيدن] إلى لقاء رئيس وزراء فرنسا [دي موليه] للبحث فيما يمكن اتخاذه من إجراءات ضد مصر، ودعت الدولتان إلى عقد مؤتمر في لندن يضم 24 دولة، في 16 آب 1956، لبحث موضوع التأميم، وتأسيس إدارة دولية للقناة، وكان من بين الدول المدعوة للمؤتمر، مصر والاتحاد السوفيتي، لكن مصر رفضت حضور المؤتمر، فيما أعلن الاتحاد السوفيتي رفضه لأي قرار بغياب مصر .

أما الولايات المتحدة، التي كانت تتوق لإزاحة النفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط، والحلول محلهما، فقد أعلنت عن رفضها استخدام القوة ضد مصر، وتقدمت باقتراح تضمن البنود التالية :

1 ـ الاستمرار في إدارة أعمال القناة بصفة كونها طريقاً مائياً حراً مع احترام سيادة مصر.

2 ـ أن تكون خدمة القناة مستقلة عن أي عمل سياسي.

3 ـ أن يضمن لمصر دخل معقول من واردات القناة.

4 ـ أن يعطى تعويض عادل لحملة أسهم القناة. 

لقي الاقتراح الأمريكي قبول 18 دولة، وانتهت محاولات بريطانيا وفرنسا لإعادة السيطرة على القناة إلى الفشل، وأنهى المؤتمر أعماله في 23 آب 1956، بعد أن قرر إرسال محاضر جلساته إلى الحكومة المصرية، مع وفد خماسي برئاسة رئيس وزراء استراليا، المستر[منزيس] لكن الوفد لم يستطع تحقيق أي شيء من زيارته لمصر، وحاولت بريطانيا، في المؤتمر الثاني الذي عقد في لندن في 19 أيلول أن تؤسس جمعية المنتفعين بالقناة والتي تضم 15 دولة، لكن مصر رفضت الاعتراف بهذه الجمعية، وانتهت هذه المحاولة إلى الفشل أيضاً .

عند ذلك قررت بريطانيا وفرنسا، بالتعاون مع إسرائيل، اللجوء إلى القوة العسكرية لإخضاع مصر، وتم على عجل وضع الخطة اللازمة لذلك، وتتلخص تلك الخطة بمبادرة إسرائيل بمهاجمة سيناء والوصول إلى القناة، ليكون ذلك ذريعة لبريطانيا وفرنسا، بحجة خطورة إغلاق قناة السويس، والطلب من الحكومتان المصرية والإسرائيلية الانسحاب إلى مسافة 16 كم عن القناة، تمهيداً لإنزال قواتهما حول القناة، وإذا ما رفضت مصر ذلك خلال 12 ساعة فإن القوات البريطانية والفرنسية سوف يتم إنزالها في بور سعيد والسويس، لكن عبد الناصر رفض الإنذار البريطاني الفرنسي، وأعلن أن مصر ستقاوم أي اعتداء يقع على أراضيها .

وهكذا بدأت إسرائيل هجومها على سيناء، وتمكنت قواتها في 31 تشرين الأول من التقدم بسرعة صوب القناة، حيث كان عبد الناصر قد سحب معظم قواته من الجبهة الإسرائيلية، معتقداً أن الهجوم سيقع على القناة من قبل القوات البريطانية والفرنسية، ولم يتوقع أن تشترك إسرائيل في الهجوم وتكون البادئة فيه، وعلى أثر ذلك بدأت الطائرات البريطانية والفرنسية غاراتها الوحشية على [بور سعيد] ومدينة [السويس]، وجرى قصف باخرة مصرية كانت محملة بالأسمنت داخل القناة فغرقت فيها وبذلك أغلقت القناة أمام الملاحة الدولية .

أحدث الهجوم البريطاني الفرنسي رد فعل واسع وعنيف من قبل الشعوب العربية، وشعوب العالم اجمع، وحتى من قبل مجلس العموم البريطاني نفسه، حيث هوجمت حكومة [إيدن] على تصرفها، وطالب الكثير من النواب وقف القتال فوراً، وسحب القوات البريطانية والفرنسية، كما طالبت الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار فوراً، لكن القوات البريطانية استمرت في هجومها متجاهلة الأمم المتحدة والرأي العام العالمي، مما حدا بالاتحاد السوفيتي إلى الطلب من الولايات المتحدة القيام بإجراء مشترك لوقف الحرب.

لكن الولايات المتحدة رفضت الطلب السوفيتي، مما دفعه للعمل بصورة منفردة، حيث توجه بالإنذار التالي إلى كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل، في 5 تشرين الثاني 1956، على أثر الإنزال العسكري البريطاني الفرنسي في بور سعيد، وهذا نصه:

{إن الحكومة السوفيتية ترى من الضروري لفت أنظاركم إلى الحرب التي تشنها الآن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، هذه الحرب التي يترتب عليها أخطر النتائج على السلم العالمي وإننا نتسائل ماذا كان سيحدث لو أن بريطانيا وجدت نفسها معرضة لهجوم دول أكثر منها قوة، دول تملك كل أنواع الأسلحة المدمرة الحديثة، هنالك الآن دول ليست بحاجة إلى إرسال أساطيل بحرية، أو قوات جوية إلى السواحل البريطانية، ولكن بمقدورها استعمال وسائل أخرى، كالصواريخ . لقد عزمنا عزماً أكيداً على سحق المعتدين، وإعادة السلام إلى الشرق الأوسط، عن طريق استعمال القوة، ونحن نأمل في هذه اللحظة العصيبة، أن تظهروا الحكمة اللازمة، وتستخلصوا منها النتائج المناسبة}.

وقع هذا الإنذار موقع الصاعقة على الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل، حيث أصبحت لديهم القناعة أن الاتحاد السوفيتي يعني ما يقول، ولذلك فقد رفضت الولايات المتحدة دعم العدوان، وتجاهلت كل النداءات التي صدرت من بريطانيا وفرنسا والداعية إلى وقوفها إلى جانب المعتدين.

 وفي الوقت نفسه خرجت الجماهير الغفيرة في المشرق العربي ومغربه، تعلن غضبها واستنكارها للجريمة، وتعلن وقوفها ضد العدوان، ومطالبة حكوماتها بالوقوف إلى جانب مصر في محنتها، وجرى نسف محطات ضخ النفط عبر الأنابيب من كركوك نحو بانياس وطرابلس، مما أدى إلى توقف تدفق النفط نحو الغرب، بالإضافة إلى إغلاق قناة السويس، مما أوقع الغرب في ورطة كبرى، حيث لم يعد بالإمكان نقل النفط من منطقة الخليج إلا عبر رأس الرجاء الصالح.

وهكذا باء العدوان بالفشل الذريع، واضطر المعتدون إلى إيقاف الهجوم، وسحب قواتهم من الأراضي المصرية، في 16 تشرين الثاني 1956، وبذلك انتهى العدوان، تاركاً آثاراً بارزة على حركة التحرر العربي، حيث أعطته زخماً هائلاً، وآمالاً عريضةً في مقارعة الإمبريالية، وتحرير البلدان العربية من نفوذها واستغلالها البشع، وسأتناول في حلقة قادمة موقف حكومة نوري السعيد من العدوان الثلاثي على مصر و رد الفعل العراقي الذي تمثل في وثبة عام 1956.

 

حامد الحمداني

 

حامد الحمدانيأدت سياسة نوري السعيد، وأساليبه القمعية التي استخدمها لفرض معاهدة 30 حزيران 1930 إلى خلافات عميقة في مجلسي النواب  والوزراء، وأدت تلك  الخلافات إلى استقالة السيد [جميل المدفعي] من رئاسة مجلس النواب، ومن حزب نوري السعيد [حزب العهد] احتجاجاً على تصرفات الحكومة، وبالأخص وزير الداخلية [مزاحم الباجه جي] إثر الهجوم العنيف الذي تعرض له في مجلس النواب من قبل نواب المعارضة، بسبب تصرفات الحكومة المخالفة للدستور، والمنتهكة للحريات، وقد بعث السيد المدفعي بكتاب إلى السعيد يعلن فيه استيائه من تصرفات وزير الداخلية غير القانونية، والتزام السعيد جانبها، وأعلن انسحابه من حزب العهد، وقد لخص المدفعي تصرفات وزير الداخلية [مزاحم الباجه جي] بالتالي:

1 ـ تصرفاته المشينة خلال الإضراب الشعبي العام،  مما كان سببا في توسيعه توسعاً خطيراً.

2 ـ تطبيقه قانون العشائر على ذوات ليسوا من العشائر، وبينهم من كبار رجال القانون.

3 ـ تضيقه على كبار رجال الأمة، وتعقيبهم بالجواسيس بصورة لم يسبق لها مثيل، ومطارداته الشبيبة الوطنية لمجرد ما يظهروه من الشعور الوطني، شأن الشباب في جميع بلاد الله.

4 ـ وضع المراقبة الشديدة على حرية المخابرة، خلافاً لما هو مضمون في القانون الأساسي الذي حلفنا اليمين على التمسك به.

5ـ تطبيقه الذيل الخاص بالعقوبات بحق رجال عرفوا بمقدرتهم وإخلاصهم، لكي يتسنى له تعيين بعض محسوبيه، ومروجي تصرفاته في محله.

6 ـ تفسيره القوانين كما تشتيهه أغراضه، وهتكه شرف رجال كانوا من أشد المخلصين.

7 ـ إصدار الكتب التهديدية السرية المملوءة بالبذاءات، وهتك الحرمات، وعليه أرجو اعتباري مستقيلاً من الحزب، وسأقدم استقالتي رسمياً من رئاسة مجلس الأمة أيضاً، وتقبلوا احترامي. (1)

جميل المدفعي

16 تشرين الأول 1931

وهكذا فضح المدفعي سلوك حكومة نوري السعيد المخزي، وانتهاكها للدستور، ونكثها لليمين باحترامه، والاعتداء على حقوق وحريات المواطنين التي نص عليها الدستور، واستغلال النفوذ بهذا الشكل المكشوف، فلم يعد أمام نوري السعيد إلا أن يقدم استقالة حكومته إلى الملك  فيصل في 19 تشرين الأول 1931، وتم قبول الاستقالة.

لم يكد المندوب السامي يبلغه خبر استقالة نوري السعيد حتى سارع إلى الملك فيصل طالباً منه أن يعيد تكليف السعيد بتشكيل الحكومة من جديدة، ومارس ضغطاً على الملك لكي ينفذ طلبه، فلم يكن أمام الملك من بد إلا أن ينفذ مشيئة المندوب السامي  على مضض، حيث كانت هناك مهام خطيرة يتطلب تنفيذها من قبل شخصية قوية ومضمونة، ولقد اثبت نوري السعيد أنه هو لا غيره ذلك الرجل القوي القادر على القيام بتلك المهمات التي تنتظر الحكومة الجديدة، وهكذا رضخ الملك فيصل لمشيئة المندوب السامي، وكلف نوري السعيد من جديد بتشكيل الوزارة، وباشر السعيد على الفور باختيار أعضاء وزارته بالتشاور مع المندوب السامي، والملك فيصل في اليوم نفسه، وكان عهد هذه الوزارة مليئاً بالأحداث أصر الإنكليز أن يتولى  السعيد معالجتها وأبرزها:

1 ـ تمرد بعض قوات الليفي الآشورية.

2 ـ اندلاع الثورة البارزانية.

معالجة تمرد قوات الليفي الآشورية

قوات الليفي الآشورية أنشأها البريطانيون لمساعدة قواتهم المحتلة للعراق في حفظ الأمن والنظام، والقيام بدور الحراسة للمعسكرات والقواعد البريطانية.

كان الآشوريون يطمحون بقيام دولة لهم في  دهوك وبعض المناطق الأخرى في شمال العراق، لكن آمالهم خابت بعد صدور القرار بضم العراق إلى عصبة الأمم، وتجاهل بريطانيا تلك المطالب، مما أثار استياء قوات الليفي العاملة في خدمة القوات البريطانية، حيث استقال ما يزيد على 1300 من قوات الليفي،  وتقدمواً للمندوب السامي بالمطالب التالية:

1 ـ الاعتراف بهم كشعب ساكن في العراق، وليسوا مجرد طائفة دينية أو عنصرية.

2ـ إيجاد كيان لهم في منطقة [دهوك]، والعمل على إعادة منطقة [حكاري] الواقعة تحت السيادة التركية، وإذا ما تعذر ذلك فيجب إيجاد موطن للآشوريين في العراق مفتوح لكل الآشوريين في داخل العراق وخارجه.

3ـ الاعتراف بسلطة زعيمهم الديني المار شمعون الدينية والدنيوية.

4ـ عدم سحب السلاح منهم .

5ـ مطالب أخرى حول فتح مدارس ومستشفى ودار أوقاف آشورية.

ورغم طلب المندوب السامي منهم التراجع عن مواقفهم فإنهم أصروا على مطالبهم، فما كان من السلطات البريطانية إلا أن تأتي بقوة عسكرية من الإنكليز المتواجدين في مصر لتحل محلهم، حيث تم نقلهم على عجل بواسطة الطائرات.

فلما وجدت قوات الليفي أن بريطانيا عازمة على عدم تلبية مطالبهم، تراجع قسم كبير منهم وعاد إلى الخدمة، أما القسم الآخر الذي أصر على موقفه فقد قررت السلطات البريطانية إقصاءهم نهائياً.

أما الحكومة العراقية فقد قررت في 2 تموز 1932، وبعد موافقة المندوب السامي، سحب السلاح من الليفي، ومنعت حمل أي سلاح إلا بإجازة رسمية، كما قررت وضع أفراد من الشرطة مع قوات الليفي في كافة المخافر.

السعيد يقمع الثورة البارزانية:

حاولت الحكومة تثبيت نفوذها في منطقة كردستان، ولمنع أية محاولة من جانب بعض الزعماء الأكراد للتمرد على سلطة الحكومة، وكان من جملة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة قرارها بإقامة مخافر في منطقة [بازيان] المحصورة بين [الزيبار] و[عقرة] و[الزاب الأعلى]، والتي تتوسطها قرية [بارزان] حيث مقر سكن الشيخ احمد البارزاني،عميد الأسرة البارزانية المعروفة، والذي يتمتع بمركز ديني ودنيوي كبير في صفوف الأكراد.

رفض الشيخ احمد إقامة تلك المخافر، واعتبرت الحكومة أن موقفه هذا يشكل تحدياً لسلطتها، واتخذت قراراً بإقامة المخافر بالقوة، حيث أرسلت قوات عسكرية إلى المنطقة لفرض إقامتها بالقوة، مما تسبب في وقوع مصادمات عنيفة بين أتباع الشيخ احمد وقوات الحكومة في 9 كانون الأول 1930، وقد قتل ما يزيد على 50 فرداً من قوات الحكومة، وأصيب الكثير منهم بجراح، واستطاع أتباع البارزاني طرد بقية القوات التي أرسلتها الحكومة إلى المنطقة.

أخذ البارزاني يوسع  نفوذه في المنطقة، وإزاء ذلك الوضع قررت الحكومة تجريد حملة عسكرية كبيرة لإخضاع الشيخ [أحمد البارزاني] في شهر نيسان 1932، مستعينة بالقوة الجوية البريطانية التي شرعت طائراتها بقصف المنطقة، ومطاردة البارزانيين في 25 أيار1931، وكان القصف الجوي من الشدة بحيث دفع المقاتلين البارزانيين إلى الالتجاء إلى الجبال حيث المخابئ الآمنة، وبدأت قوات الحكومة حملتها ضدهم في 22 حزيران 1931، مما اجبر الشيخ أحمد بعد أن تشتت قواته على الفرار إلى تركيا، حيث سلم نفسه للسلطات التركية التي قامت بنقله إلى مدينة [أدرنه]على الحدود البلغارية.

وفي تلك الأيام حاول الإنكليز إسكان الآشوريين في منطقة بارزان، فلما علمت الحكومة التركية بالأمر، وهي التي تكن الكره الشديد للآشوريين الذين وقفوا إلى جانب بريطانيا إبان الحرب العالمية الأولى، سارعت إلى إعادة الشيخ احمد البارزاني إلى منطقة الحدود العراقية. وعندما بلغ الخبر إلى الحكومة العراقية، تقدمت بطلب إلى الحكومة التركية لتسليم الشيخ احمد. إلا أن  الحكومة التركية رفضت الطلب، مشترطة إصدار عفو عام عنه وعن أتباعه، واضطرت الحكومة العراقية إلى إصدار العفو عنهم، وعليه فقد عاد الشيخ احمد وأتباعه إلى العراق، حيث أسكنتهم الحكومة في الموصل، ثم جرى نقلهم بعد ذلك إلى الناصرية فالحلة فالديوانية، ثم استقر بهم المطاف في مدينة السليمانية.

الملك فيصل يطلب من نوري السعيد تقديم استقالته

بعد أن أنجزت حكومة نوري السعيد المهام الموكولة لها، والمتمثلة بعقد معاهدة 30 حزيران 1930، وإدخال العراق في عصبة الأمم، ومنح العراق الاستقلال [الشكلي]، قدم نوري السعيد استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 27 تشرين الأول 1932، وتم قبول الاستقالة في اليوم التالي، وكلف الملك فيصل السيد [ناجي شوكت] بتأليف الوزارة الجديدة في 3 تشرين الثاني 1932.

ورغم أن استقالة السعيد جاءت بناء على طلبه كما جاء في كتابه الموجه إلى الملك، إلا أن الحقيقية كانت غير ذلك، وأن الملك فيصل هو الذي طلب منه تقديمها فقد جاء في البرقية التي طيرها المندوب السامي [هيوبرت همفري] إلى وزارة الخارجية البريطانية برقم 335 بتاريخ 29 تشرين الأول 1932 ما يلي:

[ إن الملك هو الذي طلب من السعيد تقديم استقالة حكومته لأنه فقد ثقة الملك، ولما عرض على الملك استعداده لجمع نوري السعيد بالملك رفض الملك ذلك، وقرر الانفصال عن السعيد، ولم تفد توسلاتي وتوسلات المستشار [كورنواليس] لتثني الملك عن قراره.

كان هدف الملك من طلب الاستقالة تقليص نفوذ نوري السعيد الذي تصاعد نجمه لدى البريطانيين بعد أن افلح في توقيع معاهدة 1930، وأصبح يتمتع بمنزلة كبيرة لدى المندوب السامي البريطاني والحكومة البريطانية، ونال ثقتهما، وأصبح يرى نفسه وكأنه الشخصية الوحيدة القادرة على إدارة شؤون البلاد.

كما هدف الملك فيصل من التغير الوزاري استمالة ما يدعى بالمعارضة المعتدلة، بعد الذي سببته معاهدة 30 حزيران 1930 الجائرة، والمقيدة لاستقلال العراق من جهة. وهكذا جاءت حكومة ناجي السويدي وسطاً بين الاتجاه الموالي لبريطانيا والاتجاه المعارض لسياستها، وللمعاهدة.

أما الرأي العام العراقي فقد كان بين متفائل ومتشائم من هذه الوزارة، ورأى البعض الأخر أن هذه الوزارة لا تعدو عن كونها وزارة انتقالية ليس إلا.

أما وزارة الخارجية البريطانية فقد كان رأيها أن هذه الوزارة لن تدوم طويلاً، فبريطانيا لا ترضى إلا بوزارة تكون ألعوبة بأيديها، وهي لم تعترض على تشكيلها لكي تهدئ الأوضاع في البلاد بعد الذي سببته حكومة نوري السعيد بعقد معاهدة 30 حزيران 1930.

كان على الوزارة الجديدة أن تلجأ إلى حل البرلمان الذي يتمتع فيه نوري السعيد بالأغلبية المطلقة لتقليم أظافره من جهة، ولإرضاء الشعب بعد أن زوّر نوري السعيد الانتخابات السابقة بشكل خطير.

وحاول نوري السعيد ثني ناجي شوكت للحيلولة دون حل البرلمان واعداً إياه بتأييد نواب حزبه للوزارة.

غير أن الملك كان قد صمم على حل البرلمان، وأصدر الإرادة الملكية بحله في 8 تشرين الثاني 1932.

حاول نوري السعيد عرقلة قرار حل البرلمان بأن أوعز إلى نواب حزبه بعدم حضور الجلسة التي تتلى فيها الإرادة الملكية بحله، لكن ذلك لم يمنع من مضي الحكومة والملك قدماً في حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة. (4)

أما نوري السعيد فقد عقد اجتماع لقيادة حزبه في 10 تشرين الأول بعد يومين من قرار الحل، وأصدرت القيادة  بياناً يندد بالحل، وقررت كذلك إرسال مذكرة إلى الملك فيصل ادعت فيها عدم شرعية الحل، وفوضت نوري السعيد بمتابعة المذكرة.

ولما بلغ الأمر للملك فيصل، قرر إبعاد نوري السعيد عن العراق بتعينه ممثلاً للعراق في عصبة الأمم في 16 تشرين الثاني 1932.

كان أمام حكومة ناجي شوكت مدة أربعة اشهر تبدأ من تاريخ حل البرلمان لإجراء انتخابات جديدة حسبما نص على ذلك القانون الأساسي بمادته الأربعين، ولذلك فقد سارعت الحكومة إلى تعين يوم 10 كانون الأول 1932 موعداً لانتخاب المنتخبين الثانويين، وجرت الانتخابات في جو من اللامبالاة من قبل الشعب الذي كان يدرك أن الحكومات المتعاقبة تجري الانتخابات حسبما تريد هي والمندوب السامي والملك، شاء الشعب أم أبى.

ومع ذلك فقد رشح أعضاء من [حزب الإخاء الوطني] الذي يقوده الزعيم الوطني [جعفر أبو التمن] بشكل فردي، وفاز معظم المرشحين في الانتخابات، ولكن عددهم كان قليلاً. كما رشح عدد من أعضاء [الحزب الوطني] بزعامة [يسين الهاشمي] على الرغم من حدوث انشقاق في قيادة الحزب بسبب مطالبة البعض منهم مقاطعة الانتخابات وفاز عدد من المرشحين .

أما حزب نوري السعيد [حزب العهد] فقد كان حزب حكومة وبرلمان فلما ذهبت الوزارة وحُل البرلمان تلاشى الحزب، لكن عدد من أعضاء الحزب رشحوا في الانتخابات بصورة فردية، وفازوا فيها.

كانت حصة الأسد كما هو جارٍ عادة في كل انتخابات للحكومة، فقد فازت كتلة الحكومة بـ  72 مقعداً في المجلس المؤلف من 88 مقعدا ودعيت كتلة رئيس الوزراء [الكتلة البرلمانية]، لكن هذه الكتلة بدأت بالتفكك عندما عقد المجلس اجتماعه في 8 آذار 1933، على أثر تواصل هجمات المعارضة على الحكومة.

حاول ناجي شوكت بعد الانتخابات أن يوسع وزارته، ويدخل فيها عناصر ما كان يدعى بالمعارضة المعتدلة مثل [يسين الهاشمي] و[حكمت سليمان] لكن الملك لم يوافق على ذلك، وأثر بقاء الوزارة على حالها، وخيره بالبقاء على رأس الوزارة أو تكليف رشيد عالي الكيلاني بتأليف وزارة جديدة، فما كان من ناجي شوكت إلا أن قدم استقالة حكومته إلى الملك في 18 آذار 1933، وتم قبول الاستقالة، وكلف الملك السيد رشيد عالي الكيلاني بتأليف وزارة جديدة  في 20 آذار 1933.(5)

 

حامد الحمداني

 

ننشر قصة ذلك الهروب على شكل حلقات يومية  وبقلم الوالد الفقيد حسين سلطان صبي / أبو علي

قضايا مقلقة

في أحد الأيام كنت جالسا في قاعة كبيرة وكان عدد الحضور يزيد على أربعين مناضلاً واذا بأحد الشباب يناديني بصوت مرتفع يقول: يا أبا علي قطعت الدخان وأراك تتجول كثيراً في سور السجن، ألا تخبرني ماذا وراء هذا الموضوع . وأردف قائلاً: أخاف تريد تهرب . قلـــــــت له: أنت شاب وتفكر هكذا وأنا شايب أفكر بالرحيل قريبا الى جوار ربي  فضحك البعض على هذا الحوار ولكن بالنسبة لي وكما يقول المثل (إلي بعبة عنز يمعمع) وبقيت أفكر بدافع هذا الشاب الى مثل هذا السؤال وقد تكون هناك رائحة تظهر من النفق . وبعد ساعة التقيت بحافظ رسن وأخبرته بسؤال ذلك الشاب، الذي هو وأخوه الكبير يلقبون بـ ــ أبناء ثالثة ــ  والاخوين من أبناء الموصل، وقال حافظ رسن: حقاً ان السؤال مقلق ولكن لا يستبعد انه رمى حجارته بالظلام . وأخيرا طلبت منه أن يستطلع الأمر من خلال معارف الأخوين . وعلى الهيئات الحزبية أن تخبر اللجنة الحزبية بما يجري من الأحاديث الخطرة في القاعات تلك التي توجهها الإدارة وعملاؤها من شائعات وبعد هذا الحدث بأسبوع  وصلنا خبر من ان الدوائر الصحية في محافظة بابل تريد أن تــفــتـــــش صيدليتنا . وسألنا رفاقنا القــدماء: هل جرى سابقاً مثل هذا الـتـفـتـيــش؟

وكان الجواب: لأول مره يقدم مثل هذا الطلب. صار عندنا بعض الشكوك من ان اخبارية وصلت اليهم عما يجري في الصيدلية أو في مكان الصيدلية وحاولوا أن يكتشفوا الموضوع عن طريق التفتيش .

وبعد أيام جاءت هيئة التفتيش واستقبلوها الرفاق المعنيين بالصحة في داخل السجن وأدخلوهم الصيدلية وبعد عشرة دقائق عادوا من حيث أتوا .

 أحداث متفرقة

في نهاية آب حصلت مشكله بين الزعيم ابراهيم الجبوري ــ الخال ــ وبـيـن أحـد السجناء السياسيين . رغم ان التنظيم تدخل لصالح الخـال إلا ان الخال تـعـنت وأصـر وذهـب الى مـدير الـسجن وطلب منه مكاناً آخر بحيث ينعزل عنا . وفعلاً خصص لهم مدير السجن جناح بجانب الدائرة . وهذا الجناح لا يفصله عن الشارع العام الا جدار لا يتجاوز سمكه أكثر من ( 9 ) إنجات وانتقل مع الخال عدد من الضباط تضامناً معه . وبعد انتقال الزعيم الخال وعدد من الضباط، ساورني شك من ان انتقال الزعيم بهذه الصورة وبهذا الاصرار قد يكون عنده نية الهروب . وهذا يعني ضياع كل مجهودنا ولذا كلفت أحد رفاقنا الضباط سراً أن يخلق مشاجرة مع أحد الرفاق وعلى أثرها يزعل وينتقل مع الخال لاكتشاف ما يجري هناك، وبعد اسبوعين تبين ان الأمر لا يتجاوز حدود الراحة  من حيث وسائل التسلية وانتهى الأمر وتصالح الرفيق وعاد الى مكانه .

ولما كان وضعي الصحي رديء كنت بين فترة وأخرى أدخل المستشفى وهو داخل السجن وفي أحد الأيام زارني في المستشفى أحد الرفاق وهو كبير السن وكان يعمل معلماً أو مدرساً من أبناء الموصل جلس بقربي على السرير وأخذ يستفسر عن وضعي الصحي ــ مع العلم لم تكن لي به معرفة سابقة ــ وبعد دقائق من الاستفسارات والمجاملة مد يده الى جيبه واخـرج مـنـه حـزمـة مـن الـنقود ذات فئة خمسة دنانير ومد يده لي وقـال: يـا أبـا علـي أرجـو أن تـسـتـلـم مـنـي هـذا المبلغ وسكت . قلت له: تبرع الى الحزب . قال: احسبه كما تشاء، ان جوابه جعلني في ريبة من الأمر قلت له: افصح ماذا تريد، انطلق يحدثني بعاطفة انسانية كونه محكوم عشرين عاماً وعنده عائلة وأطفال ويعاني أزمـــــة نفسية، ...الخ . قلت له ارجع النقود الى مكانها وحدثني بالملموس ماذا تريد مني وأرجوا أن تحدد بالاسم نوع المساعدة . وأخذ فترة تأمل مشوبة بالارتباك وفعلا أعاد النقود الى جيبه وهو يهمس بكلمات شعبية مع نفسه عرفت منها الجملة الأخيرة بهذا المعنى (اذا لم نتساعد فيما بيننا من الذي يحررنا من السجن) ان هذه الجملة الأخيرة والتي فهمتها منه جعلتني أتشكك من ان أخبار النفق تسربت الى بعض السجناء وقد يلتقطه عملاء الادارة والنتيجة تكون احباط كل مساعينا بالإضافة الى تشتيتنا وتعرضنا الى العقوبات قبل أن نعمل أي شيء وحاولت أن أسـتـدرج الرجـل: (الله وإيدك) اذا كان عندك مقترح أو مشروع أو أي  شيء آخر دعنا نتناقش به وقد نتوصل الى أفضل الحلول . أنا وإياك وكل سجين سياسي يفكر بتحرير نفسه ولكن وفق الامكانات المتوفرة  هذا من جهة ومن جهة أخرى ان رأي الحزب هو فوق كل شيء . وانبسطت معه وكأننا أصدقاء منذ الطفولة وطلبت (استكانين) من الشاي وحاولت أن أضفي على الجلسة شيئاً من المرح، لكي ينطلق صـاحـبـي ويـذكـر مـا هـو خـفـي أو ما يجول في خاطره . أشرت له مازحاً: أتعتقد ان مفاتيح أبواب السجن عندي وأنا باخل على نفسي وعلى رفاقي . قال: كلا وأنا أعرف ذلك جيداً . قلت له اذن تكلم لي الحقيقة حتى نستطيع أن نتوصل الى حل ممكن التحقيق والأمر يحتاج الى الصراحة . قال: كل ما تكلمت به صحيحا وأنا واثق من اخلاصكم  ولكن أعتقد توجد هناك بعض الامكانيات يجب علينا أن نستغلها مثلا بين فترة وأخرى يمكن أن نعبر رفيق أو رفيقين خلال المواجهة هذا أولاً وثانيا مثلا حمام المستشفى هو خارج سور السجن ويقع على الشارع العام يمكن أن نعمل به فتحة ونعبر عددا من الرفاق ولما كانت مثل هذه الأعمال لا يمكن القيام بها الا بتخطيط واشراف لمنظمة السجن لهذا الغرض عرضت الأمر عليكم، أرجوا أن يكون أحد المقترحين موضع رضاكم ورضا المنظمة وهذا كل ما عندي . ان المقترحات التي قدمها الرفيق الذي لا أعرف اسمه الا أبو فلان وهنا يمكن أن نصطلح عليه الرفيق ــ س ــ كانت وجيهة ومنطقية وبدأ الشك يضعف من ان أخبار النفق متسربة ومع هذا يبقى احتمال ضعيف ان تلك المقترحات التي قدمها الرفيق ــ س ــ ما هي الا تغطية ولجس النبض . وعلى كل حـــــال أعطيته الجواب التالي: ان المقترحات وبصورة أوليه تبدو منطقية بحيث المقترح الأول محدد بهروب رفيق أو رفيقين . أما المقترح الثاني قد يكون أوسع عدداً ولكنه أقل ضمانة. وفي الحالتين لا بد من مساعدة الخارج وموافقة الحزب على تلك الخطوات ولا حظت ان وقع الجملتين الاخيرتين كانت عليه ثقيلة، حيث كان يحاجج باتجاه ان الحزب لا يعارض الرفاق اذا حرروا أنفسهم من القيود وهذا امر مفرح له  ويناقش بمساعدات الخارج ويقول جيدة ولكن الانسان يعتمد على نفسه اذا لم تحصل المساعدة الخارجية وخاصة اذا كان يحمل مبلغاً من المال .

وانتهى ذلك اللقاء مع الرفيق ــ س ــ  بوعد من المنظمة ستدرس تلك المقترحات واذا أقرت أحد المقترحين سترسله الى الحزب وتنتظر الجواب وانتهت القضية . هذا واستفسرت من الرفيق جاسم الحجاج باعتباره كان المسؤول الحزبي في السجن عن الرفيق ــ س ــ بعد أن عرفته عليه، وكان السؤال محدداً عن سلوكه وعن مدى ارتباطه بالحزب . فأجاب الرفيق الحجاج: ان سلوك هذا الشخص جيد جداً وارتباطه بالحزب متين ومحكوم (20) سنة وتطرق الى ما تحمل أبناء الموصل من آلام واضطهاد طيلة أكثر من ثمانية سنوات . وأعطاني الرفيق الحجاج فكرة عن أحد الرفاق من أبناء الموصل محكوم (20) سنة أيضا وهو ابن ثالثة الكبير والذي جاء ذكر أخيه الصغير أعلاه والذي ناداني عن الهروب قال: ان هذا الرفيق  فاتحني أكثر من مرة عندما كنت مسؤول السجن حول هروبه في احدى المواجهات . وهذه الملاحظة الأخيرة التي عرضها الرفيق الحجاج أوضحت بصورة جلية طلب الرفيق ــ س ــ علماً ان الرفيق  ــ س ــ والرفيق ابن ثالثة أصدقاء  وبعد خروجي من المستشفى ببضعة أيام سمعت من خلال حديث عرضي ان الرفيق ابن ثالثة الكبير أدخل المستشفى وعند سماع الخبر قفز الى ذهني حديث الرفيق ــ س ــ ومقترحاته وحمام المستشفى وملاحظات الرفيق الحجاج عن طلبات ابن ثالثة وعند المساء التقيت مع حافظ رسن وأعطيته صورة عن الموضوع وطلبت منه أن يسأل من الرفاق العاملين مع الأطباء ــ وهم شغيلة صيدليتنا ــ عن مرض الرفيق ابن ثالثة ويجب أن يكون السؤال بصورة طبيعية ولا يثير انتباه أحد . وفي اليوم التالي جاء حافظ وأخبرني برأي الرفاق الصحيين من ان رفيقنا ابن ثالثة لـيس مريضاً الا ان لديه الرغبة في أن يدخل الى المستشفى ونفذنا له ذلك بواسطة الأطباء والأطباء لا يخالفون رأينا في مثل هذه القضايا . لقد حسبنا الحساب لهذا الخبر وفي ذات الجلسة اتخذنا قراراً أن نضع رفيقنا ابن ثالثة تحت المراقبة الشديدة وخاصة ليلاً وكلفنا رفيقين من نزلاء المستشفى بهذه المهمة السرية تحت حجة الخوف من أن يعمل ابن ثالثة " مكسورة " بهروبه وتضيع كل المكاسب السجنية والحزب أوقف الهروبات الآن . وبهذه الحجة حمسنا الرفاق للمراقبة الشديدة . علماً ان  أبناء ثالثة الاثنين هربا معنا فيما بعد من النفق .

وكان العمل مكثفاً في النفق والعادة المتبعة ان حافظ رسن يأتيني في كل يوم صباحاً ويقدم تقريراً شفهياً مفصلاً عن النفق والعمل به ومقدار المنجز ووضع العاملين وما يعترضهم من مصاعب وكيفية حلها وهذه العادة بقيت مستمرة من البداية حتى يوم الهروب واني لم أعمل عملاً مباشراً مثل الحفر أو نقل التراب نظراً لوضعي الصحي وزرت النفق مرتين فقط . الأولى في بداية العمل وعند نهاية البئر والثانية عند أزمة التراب والزيارتين كانتا في وقت متأخر من الليل . وكان تقدير كافة العاملين في النفق بعد حل أزمة التراب أن ما يستخرج من تراب النفق حتى النهاية تستوعبه غرفة النفق ولا حاجة لأي طريقة أخرى . هذا ما كان يتعلق بالنفق والعاملين به . أما ما يتعلق بالمنظمة في داخل السجن فكانت اجتماعات اللجنة الحزبية والهيئات التابعة لها مستمرة بصورة طبيعية . ومن كل تلك الممارسات كانت واضحة العناصر والكوادر الذين يحملون فكرة عزيز الحاج ولديهم بعض الملاحظات على سياسة الحزب والضجيج عن اليمينية وكان أكثر هؤلاء حماساً مظفر النواب والفريد سمعان وعناصر أخرى أما من الناحية الفكرية واخراجها بعد التحليل فكان جاسم المطير الأساس لها الا انه لا يستطيع أن يكون وجهاً للجماعة لأسباب معروفة . الا ان الصراع الفكري يشتد يوما بعد آخر ويبدو ان جماعة عزيز الحاج أوجدوا قاعده لهم في وسط منظمة السجن أخذوا يراسلونهم سراً ومن خلف ظهر المنظمة ويعدونهم لعمل أكبر . وفي أحد أيام أيلول 1967 جاءني أحد الرفاق من جهاز إنصات وأخبرني بحدوث انشقاق في حزبنا يقوده عزيز الحاج والحزب أصدر بـيـاناً أذيـع مـن صـوت الـشـعـب الـعـراقـي ضـد الانـشـقـاق، قـــلـــــــت لـه: انـقـلـوا الـبـيـان عـلى الـورق ولا تنشروا الخبر وعلى الفور دعوت اللجنة الحزبية في السجن الى الاجتماع وعلى ما أتذكر كان نصيف جاسم الحجاج وكمال شاكر ومحمد ملا عبد الكريم خرجوا هؤلاء من السجن قبل هذه الاحداث وحضروا بقية أعضاء اللجنة وأخبرتهم بما وقع وقررنا أن نعقد اجتماعا عاما لكل السجناء ونقرأ عليهم بيان اللجنة المركزية ونشجب الانشقاق، وفي تلك الجلسة لاحظت ان حافظ رســــن في وضع غـيـر طـبـيـعي وحتى عندما يتكلم كان يتعثر في كلامه وكلفت الرفيق حسين ياسين أن يشرف على تفريغ البيان ونشر اعلان باسم لجنة السجن في جميع القاعات يدعوا الى اجتماع عام في الساعة الخامسة من عصر ذلك اليوم . وبعد نصف ساعة من انتهاء الاجتماع جاء لي حسين ياسين وقال ان البيان ليس عليه توقيع فقلت له البيان صادر من اللجنة المركزية فيمكن أن تذيله باسمها . وفعلا تم الاجتماع العام وقرأ بيان الحزب وأعلن عن شجب الانشقاق وكانت النية أن نتحدث بصورة أوسع الا ان المجتمعين دخلوا في مناقشات جماعات وافراد مما اضطرنا الى انهاء الاجتماع . وأمسى السجن يغلي كالبركان في تلك الليلة ولا تخلو قاعة الا ويعلو فيها النقاش الحاد والى ساعة متأخرة من الليل . وأصبح السجن كما أمسى في الهياج وأخذ الفرز يتضح يوما بعد آخر ولاحظت حافظ رسن يتحرك لصالح الجانب المنشق ودعوت اللجنة للاجتماع لدراسة الوضع المستجد الا ان حافظ رسن عارض عقد الاجتماع وعقد الاجتماع بدون حافظ رسن ولاحظت المجتمعين في حالة من الارتباك . وكان حسين ياسين عنده قضية مع الحزب معلقة وأخبرني بوقت سابق بجزء منها ويبدو ان حافظ رسن وهو من الجنوبية أيضا يعرف بتلك القضية وقد يكون جاسم المطير هو الآخر يعرف نقطة الضعف عند حسين ياسين أيضاً . ولان أخبار أية منطقة تنتشر من خلال المواجهين بالإضافة ان الكوادر الواحد يعرف الآخر معرفة جيدة اذا كانوا أبناء منطقه واحده ولذا جرى التأثير على حسين ياسين، وخاصة حينما أخبر أن يكون المسؤول الأول على رأس منظمتهم وأنحاز اليهم في اليوم الثالث أو الرابع من اعلان البيان . ومنذ انحياز حافظ رسن وحسين ياسين والتردد عند باقي أعضاء اللجنة . فكرت بتشكيل لجنة جديدة يكون قوامها من الرفاق التالية أسمائهم:                                       

1) الرفيق الشهيد عبد الأمير سعيد

2 ) الرفيق جميل منير

3) الرفيق الحمامي

4) الرفيق محمد النهر

5) الرفيق صاحب الحميري

6) كاتب هذه السطور

.....................  يتبع

 

خالد حسين سلطان