محمد فتحي عبدالعالعادة ما يكون لدي الطغاة هواية عالقة بنفوسهم هي التلذذ بالتعذيب والقتل وسلطاننا اليوم هو ما يمكن ان نصفه بأيقونة العصر المملوكي او الخلاصة التي يمكن أن نختتم بها اجزاء قصتنا مع هذا العهد المظلم من التاريخ المصري فقد كان يقتل ويقطع ويسلخ من المصريين من شاء وعلي مرأي ومسمع من الناس فقد كان يمارس هوايته في القتل دون هوادة وبفظاظة وقلب بارد في الطرقات مع من يلقيه حظه العاثر في طريقه ..

ان سلطاننا اليوم هو ابو السعادات او الناصر محمد بن الاشرف قايتباي ...كتيرون من مؤرخي عصره يلتمسون له العذر نظرا لنشأته المنغلقة وطبيعة والده القاسية في تنشأته فأبو السعادات الذي ولد في رحاب النيل لم يري النيل الا مرة واحدة طوال حياة أبيه وكان ذلك بوساطة الامير ازبك والذي تنسب اليه الازبكية حيث استضاف الابن وكانت المرة الاولي التي يري فيها النيل حيث كان والده الاشرف قايتباي دائم حبسه في القلعة كما كان يعاقبه دوما بالاكل مع الخدم وارتداء الثياب البالية ولا أجد سببا وجيها لهذه العلاقة المريضة بين اب وابنه .كما اني لا اجد ايضا في هذه القسوة مبررا لتحول الابن الي دراكولا عاشقا للدماء فيما بعد !!؟

كان قايتباي الاب علي فراش الموت يحاول اثناء مماليكه عن تولية ابنه ولكن دون جدوي فقد كانت مصالح مماليكه في استمرار عهده الميمون !!! علي يد ابنه المخبول فقد كان كل سلطان مملوكي يحيط نفسه بطاقم منتقي بعناية من الامراء الفاسدين يكونون طوع امره وفي هذه العصور البهية عرف المصريون قاعدة :فاسد مطيع اعرفه مقدم علي مصلح نزيه لا اعرفه ومن وقتها وعجلة الانتاج والابداع متوقفتين !!!وحينما يرحل السلطان يسارع الامراء الفاسدون الذين تربوا في كنفه الي تولية احد من اسرته حتي يستمروا في فسادهم وخشية ان يؤول الامر الي سلطان لا يعرفونه فيحاسبهم ويولي امراء فاسدين تابعين له وهكذا كانت لعبة الحكم في مصر تدور رحاها والشعب ما بين غائب ومغيب .

أخذ ابو السعادات منحي أخر في تعامله مع الامراء المماليك حوله وهو التجاهل والارتماء في احضان الغلمان الاشقياء من العامة والاوباش وممارسة هوايته في القتل وتقطيع الاجساد وكان له قدرة مبهرة علي خداع الناس وتقمص شخصيات عدة فتارة يتقمص دور بائع وتارة مراكبي وما أن تتكشف امام ضحيته حقيقة شخصيته كان ينتعش بنظرات الخوف والهلع في عيون ضحاياه ثم يحكم قبضته علي الضحية من العامة مكبلا اياه وكانت الوان العقاب شتي فأما ان تقطع اذن المسكين او يتم توسيطه بوضع الضحية علي حمار وقطعه بالسيف الي نصفين من الخصر لتتدلي احشائه ..وبالتالي أضحي لقاء ابو السعادات بأي مواطن مصري في الطريق من الحظ المشئوم لهذا المواطن المصري الذي ليس امامه من خيارات سوي التوسيط او في أهون الاحوال قطع الاذن والامر متروك لما يخطر ببال ابو السعادات من ألوان العذاب وياليت الامر يتوقف عند الموت او قطع الاذان بل تعدي الامر مع ابو السعادات الي انتهاك اعراض الناس دون وازع من ضمير فالويل كل الويل سيدي المواطن ان يكون لك زوجة جميلة فجمال زوجة احد التجار كان سببا في اقتحام منزله من ابو السعادات وتكبيل الزوج واغتصاب زوجته والامر كذلك بالنسبة لكي عزيزتي المواطنة المصرية فعدالة الموت واستباحة الاعراض عند ابو السعادات لا تعرف التفرقة بين رجل وامرأة ولا صبي وكبير فلا تستغربين عزيزتي ان يكون جمال جارية مصرية داعيا لابو السعادات لاغتصابها رغم توسلات امها له وتقبيل الارض من تحت قدميه ان يرحم ابنتها والتي سلخ جلدها بعد اغتصابها !!!

هل غضب الشعب المصري هل ثار وعرضه ينتهك واجزاء جسده النحيل تقطع وتتناثر؟ للاسف: لا ولكن هذه المشاهد المروعة دفعت الامراء المماليك الي محاولة الانقلاب علي ابو السعادات وتولية الامير قنصوة خمسمائه مكانه وهو ما حدث بالفعل وتولي قنصوة خمسمائه حكم مصر لثلاثة ايام فقط!!!

غير ان مصالح بعض الامراء المماليك في بقاء ابو السعادات قوضت الخطة فأصيب الامير قنصوه بسهم وتفرق انصاره وعاد ابو السعادات أقوي من ذي قبل ولقب نفسه بالناصر الاشرف وأصبح ذو اللقبين !!..

ولان عهد ابو السعادات حافلا بالسعادات من جميع الوجهات فقد انتشر الطاعون وفتك بالالاف من المصريين الا ان اللافت هو انتشار الزهري مما يعكس تردي السلوكيات الجنسية في المجتمع المصري والحقيقة ان الاكثر اثارة للدهشة هو انتقال رجال الدين للكتابة في الجنس !!!! فجلال الدين السيوطي صاحب التفسير الشهير والذي لا يخلو بيت مصر من تفسيره خط في هذا العصر عشرات الكتب الجنسية في فنون الجنس و الاوضاع الجنسية وليلة الدخلة !!! ومنها كتابه الشهير : نواضر الايك في فنون .... واعتذر للقاريء عن كتابة الكلمة النابية محل النقاط وكتاب اليواقيت الثمينة في صفات السمينة وكتاب شقائق الاترنج في رقائق الغنج وكتاب رشف الزلال من السحر الحلال وغيرها ...وقد حاول الكثير من المعاصرين ابعاد شبح هذه الكتب عن السيوطي واظهاره بمظهر البطولة حيث اعتزل ظلم معاصريه من السلاطين المماليك ولا اعلم من الدين ما يرجح كفة الاعتزال والتراخي علي كفة سلوك افضل الجهاد وهو كلمة حق لدي سلطان جائر ..

لقد كان ابو السعادات ظاهرة تستحق الدراسة اشترك في صنعها شعب يطيع حاكمه حتي ولو افتقد الحد الادني من المقومات العقلية ورجال دين غرسوا في نفوس الناس طاعة الحاكم ما نطق بالشهادتين واقام الصلاة وعليك الطاعة وان ضرب ظهرك واخذ مالك !!!! اما العدل فمنحة يمنحها الحاكم لرعيته ان شاء ويغفلها ان اراد وليست من شروط الولاية ...وحتي لا نغادر نقطة اقامة ابو السعادات للصلاة فلا يفوتنا ان نذكر قصة شديدة الطرافة لقذافي العهد المملوكي والذي شاء القدر ان يكون العيد في ليلة جمعة أي ان صلاتين سيقاما في يوم واحد هما صلاة العيد وصلاة الجمعة وهو ما يعني في ثقافة السلطان ابو السعادات نذير شئوم !!!!!!فقرر ان يجعل العيد في يوم سابق علي يوم الجمعة ولما رفض قاضي القضاة كان العزل هو الجزاء...

ان الظلم مناهض للعلم وماذا يصنع العلم في وطن ضائع!! وحال السيوطي وغيره هو حال المثقفين في اي عصر تزهق فيه الحريات وتجتث فيه معالم الكرامة فأما ان يتحول المثقف الي معاضد للسلطة فيغير جلده الي منافق وأما ان يغير سلعته فيتحول الي مسايرة موضة عصره او يختار اصعب السبل ويواجه الظلم والجهل فيفقد حياته ولكنه في المقابل يصنع التاريخ ..تاريخ حتي وان لم يره في حينه فأنه جذوته تبقي خامدة بين سطور مؤلفاته حتي اذا استيقظ الشعب ولاحت رايات الحرية خرجت صفحاته لتنير للاحرار الطريق ..

بقي ان نتحدث عن نهاية ابو السعادات حيث اجتمع الامراء المماليك علي قتله ليكون جزاءا وفاقا لما اقترفه وعظة وعبرة لمن يعتبر ...

 

د.محمد فتحي عبد العال - كاتب وباحث مصري

 

 

كاظم الموسويالحركة العمالية عشية ثورة 14 تموز/ يوليو - 1958

لم يكتف نوري السعيد بحجب شمس الحرية عن الشعب العراقي وتكبيله بحلف بغداد والمشاريع الاستعمارية التآمرية، وعزله عن محيطه العربي وحركة التحرر الوطني العربية، وتحويل العراق الى سجن كبير، وحسب، بل وجَّهَ سياسته ايضا لخدمة مصالح فئة قليلة من الاقطاعيين والرأسماليين الذين ارتبطوا معه اكثر من اي وقت آخر (1)، ولخدمة مصالح المستعمرين الاستغلالية، حيث «تبدد موارد الدولة في اغراض القمع والاستعدادات الحربية وفي سبيل الاثراء الشخصي غير المشروع. ان مجلس الاعمار مهيمن على نحو 70% من عوائد النفط، وقد خصص لمشروع السنوات الخمس 300 مليون دينار لبناء الطرق والجسور لخدمة الاغراض العسكرية لحلف السنتو، هذا عدا الملايين التي تبدد على التسلح باسعار باهضة ورواتب الخبراء الغربيين الباذخة والفروع المتعددة المنتشرة في طول البلاد وعرضها التابعة لمؤسسات النقطة الرابعة الامريكية» (2).

وبالرغم من توفر موارد كثيرة اقتصادية ومالية للعراق، إلا ان الشعب لم يجن منها شيئاً، حيث قدمت سياسة نوري السعيد هذه الخيرات الى المستعمرين. «تعترف الجرائد البريطانية ان 75% من حصة العراق من النفط يرجع ثانية الى بريطانيا، ومع ان هذا الرقم هو اقل من الحقيقة فانه يدل دلالة واضحة على ان الفائدة العظمى من حصة العراق من نفطه تعود الى الاستعمار». وإذا عرفنا ان «سياسة استثمار النفط العراقي رسمت بشكل يجعل حصة العراق من نفطه هي القاعدة الاساسية في ميزانيته ووضعه المالي»، وان المصارف البريطانية هي المتحكمة على العمليات المصرفية والائتمان التجاري ووجود العراق في الكتلة الاسترلينية لعرفنا مدى الضرر الذي لحق الاقتصاد العراقي، ولعل سعر الدينار ومركزه المتذبذب مؤشر على ذلك، حيث تضرر بعد تنزيل سعر الباون الاسترليني في ايلول/ سبتمبر 1949. كما ان هذه السياسة لا تتركز عند حد «وانما تتجه ايضاً للتأثير بصورة مباشرة على السياسة العراقية ايضا عن طريق اشراك الوزراء وكبار رجال الدولة في عملية النهب الواسعة المدى هذه واغرائهم بالرشوات والمشاركة الفعلية في ارباح الشركات، وكذلك عن طريق ربط الجهاز الحكومي بالاستعمار نتيجة الاتكال في جانب كبير من النشاط الحكومي على قروض مجلس الاعمار كما هو واضح الى تقوية الاقطاع وتثبيته عن طريق الاهتمام بمشاريع الري مع الابقاء على العلائق الاقطاعية وعلى الاستغلال الوحشي لملايين الفلاحين» (3).

هذه السياسة قادت الى تدهور كبير في الاقتصاد العراقي، صاحبها تسلط ديكتاتوري ضد الحركتين العمالية والوطنية عامة، إلا انها من جانب آخر دفعت الحركة العمالية والجماهير الشعبية الى التصدي لهذا التدهور الذي شمل جميع مناحي الحياة، والنهوض من جديد. كما دفع الوضع قوى من داخل مؤسسة الحكم الى المطالبة بالاصلاح والاشارة الى تردي الاحوال.

ونشطت الاحزاب السياسية بعد سبات، فقدم قادة حزبي الاستقلال والوطني الديمقراطي طلب اجازة حزب موحد باسم المؤتمر الوطني في 16/6/1956، مؤيدين من احزاب الحركة الوطنية. واستطاعت الحركة الشيوعية توحيد نفسها وعقد الكونفرنس الثاني في ايلول/ سبتمبر 1956. وتكوّن الحزب الديمقراطي الموحد لكردستان العراق، واستعاد حزب البعث العربي الاشتراكي نشاطه السياسي بعد ضربة عام 1955، وعقد مؤتمره القطري في حزيران/ يونيو 1956.

رافق هذا التطور في الحركة الوطنية تطورات مهمة على الصعيدين العربي والدولي، حيث تطورت الاحداث في صالح الشعوب بعد تسارع وتيرة انهيار النظام الاستعماري التقليدي، ونهوض شعوب آسيا وافريقيا في نضالها صوب التحرر والتقدم ومعاداة الامبريالية، واتساع حركة السلم والتحرر الوطني في البلدان العربية، خاصة في سوريا والاردن ومصر، التي بدورها عكست آثارها وتفاعلت مع حركة التحرر الوطني في العراق.

وقد فجَّر تأميم قناة السويس في مصر عوامل كامنة في نهوض حركة تضامن شعبي واسعة عربيا ودوليا. إذ جاء التاميم ضربة عنيفة لسياسة حلف بغداد، ونهاية للخطط الاستعمارية للسيطرة على الشرق الاوسط، وتشجيعا قويا لكافة الشعوب على التخلص من قبضة احتكار البترول العربي (4).

أيّد الاتحاد السوفيتي تأميم القناة واعتبره حقاً من حقوق الشعب المصري ودافع عنه في المحافل الدولية (5). بينما تكالب المستعمرون في التخطيط لتصفية هذا الحق الوطني.

كتبت جريدة «اتحاد الشعب»: «ان خطوة مصر الجريئة في تأميم شركة قناة السويس كانت ضربة صاعقة واحراجا لا للمستعمرين وحسب، بل وانما لنوري السعيد وجميع رهط العملاء ايضاً». واكدت في المقال الافتتاحي على ان الاتحاد الوطني هو السبيل الوحيد لاحباط مؤامرات الاستعمار وعملائه، وضرورة ابداء اليقظة الضرورية، وتقدير اهمية الاتحاد في جبهة وطنية متراصة لنصرة مصر وقضايا العرب. مشيرة الى نجاح الاضراب العام يوم 6 آب/ اغسطس في بغداد والموصل والحي والشامية والرمادي وغيرها من المدن، والذي جاء مصداقا لتاكيدات الحزب على اهمية الاتحاد الوطني في القضايا الوطنية، وشحذ الروح الكفاحية عند الجماهير الشعبية التي اظهرت مزيدا من التذمر والسخط على الدور المشين الذي لعبه نوري السعيد وحلف بغداد في القضايا العربية (6). وكان الاضراب بدعوة من لجنة الاحزاب الوطنية لنصرة مصر، التي تشكلت من الاحزاب العلنية والسرية وشخصيات ديمقراطية مستقلة، وكبادرة اولى لمؤتمر الشعب العربي الذي عقد في دمشق في ايلول/ سبتمبر 1956 لنفس الغرض، وحضره ممثلون عن الاحزاب العلنية في العراق. وحين خرجت الجماهير الى الشوارع حاملة الاعلام العربية وشعارات التضامن مع الشعب المصري قابلتها الشرطة بالرصاص واعتقلت في بغداد 20 مواطنا، وطوقت السفارة المصرية لمنع دخول وفود المتطوعين للدفاع عن مصر.

شكل مؤتمر الشعب العربي لجان اتصال في كل بلد عربي، وكان كامل الجادرجي عضوا في اللجنة القيادية للمؤتمر مع شخصيات سياسية اخرى.

تجمعت هذه العوامل الاقتصادية والسياسية لتشجع حركة احتجاج شعبي منذ بداية السنة. تبلورت في حركات جماهيرية ضمت فئات واسعة من الجماهير رفعت صوتها محتجة على «سياسة حلف بغداد التي الحقت افدح الضرر باقتصادنا الوطني، ... فقد زادت في بؤس الجماهير وشدّدت مصاعبها المعاشية. ففي ظل هذه السياسة المشؤومة زيدت الضرائب وارتفعت تكاليف العيش وتعمقت ازمة الكساد في السوق الوطنية، واغرقت البلاد بالكماليات واصبح الكسب المفرط للرأسمال الاجنبي في جميع ميادين اقتصادنا الوطني وحظيت اساليب الاستغلال الاقطاعي في الريف واستغلال الكادحين لدى الشركات الاجنبية بمزيد من الحماية والتاييد، هذه السياسة جرّت الى ميادين النضال اوسع الجماهير الشعبية بما في ذلك اصحاب المصالح من التجار والصناعيين والملاكين الوطنيين وغيرهم، سعيا وراء تطمين مصالحهم ولمناهضة السياسة الاستعمارية التي ينفذها نوري السعيد ورهطه» (7).

فقد تقدم التجار والمُلاك والعمال والفلاحون وغيرهم ومن جميع الالوية، من المدن الكبرى والقرى النائية، بمئات العرائض الى السلطات الحكومية مطالبين برفع الحيف عنهم وتخفيف كابوس التردي الاقتصادي ومراسيم الضرائب الجديدة (8). وتصاعدت في النصف الثاني من عام 1956 اساليب النضال الى شكل مذكرات وطنية واضرابات واسعة.

في 27/8/1956 قدم 4149 مواطنا من الفرات الاوسط مذكرة الى الملك طالبت السلطات بالانسحاب من «ميثاق حلف بغداد» واتخاذ مواقف صريحة الى جانب مصر واطلاق الحريات الديمقراطية والحقوق الدستورية وغيرها من المطاليب. ودعا الحزب الشيوعي الى مؤازرة موقعي المذكرة والنهوض معهم كتفاً الى كتفٍ في سبيل تحقيق هذه المطاليب.

واعلنت فئات واسعة في مدينة الموصل الاضراب الشامل من بداية ايلول 1956 بعد تفاقم احوالها الاقتصادية وتعثر مشاريع مجلس الاعمار في المدينة، وتزايد عدد العاطلين عن العمل، وزادت الضرائب الطين بلة، حيث اعلن القصابون وباعة الاغنام واصحاب الحوانيت والباعة واصحاب وسواق سيارات الاجرة والنقل وجماهير اقضية اللواء الاخرى الاضراب العام عن العمل. وطالبت جريدة اتحاد الشعب الى مساندة الاضراب جماهيريا، مؤكدة ان قضية جماهير الموصل هي قضية الشعب العراقي. فالضرائب الفاحشة فرضت على الجميع. ودعت الجريدة الى النضال لايقاف استهتار حكومة نوري السعيد بحق الشعب واستهانتها بمصالحه (9). وكان الاضراب منظما، قادته لجنة موحدة من ممثلي القطاعات التي اعلنته.

لم تستطع حكومة السعيد كسر الاضراب الجماهيري، فاصدرت مرسوما فرض حالة الطواريء على المدينة وساقت المئات الى المحاكم وسجن (نقرة السلمان) الصحراوي في جنوب غربي العراق.

وتظاهر خمسة آلاف شخص في تشييع جنازة الزعيم الكردي الشيخ محمود الحفيد في السليمانية يوم 9/10/1956 وطالبوا باطلاق سراح ابنه المعتقل الشيخ لطيف وهاجموا السجن ودار المتصرف والشرطة التي جابهتهم واستمرت التظاهرة طيلة النهار.

كان من اكبر الاضرابات في تلك الفترة، الاضراب العام في 28/10/1956 الذي دعت له لجنة الاتصال للمؤتمر الشعبي العربي، احتجاجا على اعتقال زعماء الثورة الجزائرية في فرنسا. وقد دعمت الاحزاب الوطنية في العراق هذه الدعوة واكدت في بياناتها على ضرورة الاضراب العام بدء من شروق الشمس والى غروبها. وقد نجح الاضراب رغم اجراءات السلطة لاحباطه، حيث اغلقت الاسواق والدكاكين والمخازن، وعطلت الدراسة في المعاهد والكليات والمدارس ورفع الطلاب في مدارسهم شعارات ضد الاستعمار والارهاب، ودعوا الى اطلاق سراح قادة الثورة والتضامن مع الشعب الجزائري والشعوب العربية المناضلة ضد الامبريالية ومن اجل التخلص من الاستعمار والحكومات الرجعية.

ظهر خلال الاضراب تعاون بين الاحزاب السياسية العراقية وتنسيق وطني كان مقدمة لتعاون لاحق في الحدث التاريخي الذي سماه بيان للحزب الشيوعي بالتمرين الاخير للثورة.

اسهم الحزب الشيوعي والحركة العمالية في هذه الاحداث والفعاليات الجماهيرية بشكل كبير. برز اكثر وضوحا في الانتفاضة الشعبية الواسعة التي اندلعت في العراق اثر العدوان الثلاثي الاسرائيلي البريطاني الفرنسي على مصر في 29/10/1956.

هذه الانتفاضة حدث تاريخي كبير هزَّ نظام نوري السعيد وحكمه الذي فرض الاحكام العرفية فوراً كاسلوب متميّز به لقمع ارادة الشعب واستمرار نهب ثرواته. عبّر نوري السعيد عن صدمته للسفير الامريكي بانه حائر كيف سيعالج الشعور القوي المتزايد ضد بريطانيا (10).

اندلعت الاضرابات والتظاهرات في بغداد ومدن أخرى بعد ان انفجر الوضع السياسي في العراق يومي 2 و 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1956 واستشهد عدد من المتظاهرين. وكانت تظاهرات بغداد تصطدم بالشرطة كل مرة، وما ان تنطلق حتى تتوسع بانضمام جماهير من الطلاب وعدد كبير من العمال وغيرهم. وكانت الهتافات تدعو الى اسقاط نوري السعيد وميثاق بغداد وقطع النفط عن الدول الاستعمارية، وتشيد بحياة مصر والرئيس جمال عبد الناصر.

دفع النهوض الجماهيري وشدة قمع الحكومة له الاحزاب السياسية الى اللقاء مع الحزب الشيوعي وتدارس الموقف معه ووضع خطط مجابهة التطورات المحتملة واتخاذ قرار تشكيل «قيادة ميدان» مشتركة لقيادة المظاهرات الجماهيرية. وبعد اعتقال قيادة الميدان في اول اجتماع لها قاد الانتفاضة ممثلو الاحزاب انفسهم الذين التقوا لهذا الغرض. وادى هذا الى اعتقال بعضهم وتلكأ بعض آخر في تلك الظروف الدقيقة. ومع ذلك فقد قامت 200 تظاهرة في 30 مدينة، ودامت اضرابات جماهيرية على نطاق البلاد اكثر من شهرين، اغلقت فيها الكليات والمدارس، رغم الاحكام العرفية.

شارك الشيوعيون في كل المظاهرات والاعتصامات التي جرت. وكانت شعارات الانتفاضة تؤكد على الخروج من حلف بغداد وقطع النفط عن الدول الاستعمارية المعتدية وسحب الارصدة واسقاط حكومة نوري السعيد. واصدر الحزب الشيوعي عشرات الالاف من اعداد جريدته اتحاد الشعب والبيانات والنداءات التحريكية (11)، كما فعلت الاحزاب الاخرى مع مطبوعاتها ايضا.

اثناء الانتفاضة تشكلت لجنة من الاحزاب السياسية باسم «لجنة نصرة مصر والعروبة». وكانت تظاهرات المدن الاخرى خارج العاصمة، خاصة النجف والحي والموصل، وما واجهته من عنف رجعي واستشهاد اعداد من المتظاهرين فيها، محفزا كبيرا لاستمرار الانتفاضة وشمولها البلاد. وتواصل التضامن مع الشعب المصري رغم توقف القتال، وقد زجّ الجيش في قمع انتفاضات المدن، وتحركت فئات اجتماعية مختلفة واحتجت باشكال متنوعة ضد اساليب الحكم في تصفية الانتفاضة الشعبية (12).

اصدرت لجنة نصرة مصر والعروبة نداءا في 28/11/1956 دعت فيه الى الاضراب حتى سقوط وزارة نوري السعيد، وتأليف حكومة وطنية تقوم بمعاقبة الخونة وسفاكي دماء الشعب واطلاق سراح ضحايا النضال الوطني والانسحاب من حلف بغداد وقطع العلاقات مع بريطانيا، والتضامن مع الشعوب والحكومات العربية المناضلة وايقاف ضخ النفط الى المستعمرين وضمان حقوق الشعب واطلاق الحريات الديمقراطية ورفع الضرائب السعيدية.

استمرت الاحكام العرفية وحالة الطواريء حتى 28/5/1957 وبعدها استقال نوري السعيد في 8/6/1957 منهياً اطول فترة حكم رئيس وزراء في العراق، تخللتها احداث سياسية خطيرة في تاريخ العراق السياسي المعاصر. لعب السعيد فيها دورا خطيرا وبارزا، في شخصه وارتباطاته الخارجية، وكان معروفا ان معظم وزرائه من الامعات والمنفذين لاوامره وكذلك اغلبية النواب والاعيان (13).

ورغم ان الانتفاضة لم تسحب الحركة العمالية الى المساهمة الفعالة فيها لاسباب ذاتية تتعلق بادراك قياداتها وموضوعية مرتبطة بقسوة الهجمة عليها، إلا إن اعداداً غير قليلة من العمال قد اشتركوا في تظاهراتها واضراباتها الجماهيرية في بغداد وبقية المدن التي شملتها شرارتها.

فقد قام عمال منطقة باب الشيخ في بغداد بمظاهرة كبيرة اصطدمت مع الشرطة قرب منطقة باب المعظم. واستشهد فيها المناضل الشيوعي عواد رضا الصفار، اول شهيد في الانتفاضة.

كما استشهد العامل النقابي محمد سلمان في 5/12/ 1956 بعد ان جرح في تضاهرة 13/11/1956 في جانب الكرخ. وقد بينت دماء الشهداء طبيعة العنف الذي مارسته السلطات، واضطرت الجماهير الى مقاومته بالعنف ايضا. وكان الحزب الشيوعي قد دعا ابان الانتفاضة الى تطوير اساليب النضال ورفع درجاتها بما يلائم مواجهة اساليب العنف والقمع التي شرعت الحكومة في استخدامها بلاهوادة ودون تردد. وحسم الحزب الشيوعي موقفه من الطابع الغالب للنضال في تلك الاحداث واستفادته منها بتعديل ما اورده في برنامجه في الكونفرنس الثاني حول الطابع السلمي الغالب بالطابع العنفي الغالب لمواجهة عنف الرجعية والاستعمار(14). وهذا الموقف الجديد للحزب أكد ما اشرنا له من قصور في البنى المعرفية للقيادات واعتمادها على غيرها في تشخيص الواقع العراقي، والركون اليها دون تمحص واستناد لمتغيرات الواقع وغناه.

كتبت صحافة الحزب الشيوعي عن الانتفاضة، واعتبرت انتفاضة اهالي مدينة الحي المسلحة نموذجا لبطولات شعب صمم على الانتصار (15).

وفي دراسته للانتفاضة التي قمعت بقسوة اكد الحزب الشيوعي على ان «الحركة الوطنية بما فيها حزبنا لم تكن على درجة كافية من القوة التنظيمية والكفاءة العالية بحيث تستطيع ان تعبيء اوسع الجماهير الراغبة في تغيير الاوضاع وتزجها في المعركة». ورغم مساهمتها حسب امكاناتها فان الاحزاب السياسية لم تدخل المعركة وفق خطة موحدة واضحة، و«السبب يعود الى بعض الاحزاب الوطنية في مسألة التعاون والعمل المشترك...». واشار الحزب الشيوعي الى ان الانتفاضة لم تجر الشعب الكردي الى المساهمة الفعالة، وكذلك الفلاحين ولم توسع نشاطها في الجيش الذي استخدم في قمعها.

وانتهى الحزب الى ان الانتفاضة لم تحقق هدفها الرئيسي إلا انها ادت الى نتائج ايجابية وقدمت دروسا كثيرة ومهمة للحركة الوطنية وبددت المفاهيم التي كانت تعرقل وحدة القوى الوطنية وثقفت الاحزاب الوطنية جميعها، بما فيها الحزب الشيوعي، وجماهيرها باهمية الوحدة وتطوير اساليب النضال. وكشفت النواقص والاخطاء والامكانات الهائلة لدى الجماهير التي لم تستنفد في محاربة الاستعمار كالنفط والارصدة، وعززت شعور التضامن الكفاحي ووحدة المصير بين حركة التحرر الوطني في العراق والشعوب العربية. وقدمت الانتفاضة صورة حية لحقيقة الاهداف العدوانية ومخاطرها، رافعة من وعي الجماهير وجاذبة لاوساط جديدة الى ميدان النضال الوطني، كما عززت امكانات الحركة الوطنية العراقية والتضامن معها واسنادها في نضالها التحرري (16).

بعد ان شخّص الحزب الشيوعي العراقي نواقصه، من خلال تقييمه للانتفاضة، في ضعف اسهام الطبقة العاملة والفلاحين والجيش والشعب الكردي بشكل فعال فيها وعدم تعبئة هذه القطاعات الاجتماعية والشعبية وقيادة حركاتها وتوجيهها لتكون القوة المحركة للانتفاضة وللعملية الثورية في العراق، وجّه نشاطه بشكل مكثف لها من اجل كسبها وتحريكها. ونتيجة لذلك تقدمت المنظمات العمالية للحزب في بغداد خطوات جيدة في هذا الاتجاه، ففي منهاجها للاشهر الثلاثة الاولى المنتهية في حزيران 1957 ارتفعت عضويتها بين العمال الى 218% عما كانت عليه في شباط من العام نفسه، وارتفع توزيع الجريدة الحزبية بين العمال الى نسبة 170% وارتفعت نسبة العمال في منظمة بغداد والكاظمية الى 30% وفي كركوك الى 46% ونسبة العمال والفلاحين ارتفعت في منظمة الحلة الى 45%، كما ارتفعت في مدن اخرى (17).

اشارت هذه الارقام والنسب الى استفادة الحزب الشيوعي من نواقصه قبل الانتفاضة وتمكنه من ابتكار اساليب جديدة في العمل الجماهيري والتنظيم الحزبي، وقدرته على التجدد بعد انتقاده الذاتي البناء لعمله السابق. ودل نشاطه الجديد بين صفوف العمال والفلاحين وتطور هذا العمل نوعيا وكميا، بعد الانتفاضة خاصة، الى امكاناته في تحضير جيش سياسي للتغيير الثوري. خاصة بعد تحليله الملموس للواقع ووضعه الحلول الملموسة لقضاياه المتشابكة والمهمة.

وانعطف الحزب الشيوعي انعطافا جدياً اكثر من اي وقت مضى نحو العمل بين صفوف الجيش والتجمعات التي تشكلت بين منتسبيه، لقناعته بان اي تغيير جذري في العراق لايمكن دون استعمال العنف والقوة المسلحة. وقد نبهت الانتفاضة الحزب، اكثر من السابق، الى ضرورة تطوير اساليب الكفاح ومساندة الحركة التحررية العربية، فكوّن مجموعات صغيرة للمقاومة الشعبية اواخر 1956 للقيام باعمال مقاومة مسلحة وتفجيرات محاولةً منه في عرقلة السياسة الاستعمارية في العراق وسورية عقب فشل العدوان الثلاثي على مصر، مع اهتمام الحزب الكبير في نشر الوعي الوطني والتنظيم الحزبي في صفوف الجيش (18). وعمل الحزب على اعلان قيام «اللجنة الوطنية لاتحاد الجنود والضباط» باشراف مباشر من قيادة الحزب. اصدرت صحيفة بعنوان «حرية الوطن» في اوائل كانون الاول/ ديسمبر 1954، ونشرت اول بيان لها بتاريخ 30 /1/1955 حثت فيه منتسبي الجيش للتلاحم مع ابناء الشعب كتفا الى كتف ضد الاستعمار وخونة الوطن (19).

ومن بين اهتمام الحزب بالجيش ما اكده في كونفرنسه الثاني 1956 على انتشار الوعي الوطني في صفوفه واهمية دور القوات المسلحة الوطنية في الثورة الوطنية. وقد تمت اتصالات مباشرة بين قيادة الحزب الشيوعي ولجنته الوطنية لاتحاد الجنود والضباط مع مجموعات الضباط الاحرار ومع الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، قبل انتخابه رئيسا للجنة العليا لمنظمة الضباط الاحرار وبعد ذلك. وكانت هذه الاتصالات تتم عبر رشيد مطلق ووصفي طاهر المعروفين بعلاقتهما بالحزب الشيوعي. وكان قاسم والضباط الاحرار يسمون الحزب الشيوعي في اتصالاتهم بكلمة شفرة سرية هي «العمّالة»، وهي المفردة العامية التي تعني العمال. وطلبوا من الحزب مساندتهم في تحقيق برنامجهم (20) ومن اجل كسب تأييد الاتحاد السوفيتي والصين، ايضا. وعبر خلق اوضاع ملائمة من خلال التظاهر والاعتصام لتضطر الحكومة الى زج الجيش في محاولات القمع، وحينها يتسنى للجيش الانقضاض على الحكم الجائر، الذي خططوا لتغييره وتخليص الشعب من تعسفه.

لم تكتب اللجنة العليا لمنظمة الضباط الاحرار برنامجا او بيانا لمشروعها ولكنها كانت تبحث في اجتماعاتها مواضيع مركزة حول الغاء النظام الملكي واقامة النظام الجمهوري وسياسة واهداف الثورة بعد نجاحها، عبرت عن وعي وتلوّن انتماءات اعضائها. وكانت اللجنة العليا قد شكلت اواخر عام 1956، بداية عام 1957 و"انتخبت" الزعيم الركن عبد الكريم قاسم رئيسا لها حسب الرتبة والاقدمية العسكرية، واغلبية الاعضاء من العرب قوميا والمسلمين السنة دينيا وطائفيا، ومن فئات اجتماعية متوسطة وبرجوازية صغيرة طبقيا، ومن مواليد وسكنة مدن صغيرة من جوار العاصمة بغداد وخارجها(21).

ونتيجة للتركيب الطبقي والطائفي للجنة العليا طرحت من ضمن مبادئها عدم التحييز لاي حزب سياسي، معتبرة التنظيم العسكري فوق الميول والاتجاهات السياسية، إلا ان معظمهم لم يكونوا دون مواقف او ميول او انتماءات سياسية.

وسجّل للحزب الشيوعي دوره في قيام التشكيلات القيادية والتوحيدية للجهود الوطنية، التي اثمرت في المجال السياسي الوطني عن تاسيس جبهة الاتحاد الوطني اذار/ مارس عام 1957.

جبهة الاتحاد الوطني

اعلنت اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني في بيانها الاول الذي نشر في آذار 1957 اهدافها. وضمت صفوفها الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب الاستقلال ومستقلين ديمقراطيين، وارتبط الحزب الشيوعي باتفاق ثنائي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد ان رفضت القوى القومية العربية انضمامه اليها، وهذا عكس موقفا يمينيا أضر بالعمل الوطني العراقي في الفترات اللاحقة.

استفادت هذه الاحزاب من دروس انتفاضة عام 1956 وتطور الاحداث السياسية في العراق والمنطقة العربية بعد العدوان الثلاثي الاستعماري على مصر وما اعقبه من سخط جماهيري وقمع بوليسي واحتجاج شعبي واسع. واقتنعت هذه الاحزاب بان «مهمة تحرير الوطن لايمكن ان ينهض بها حزب بمفرده او جماعة لوحدها او فرد ... مهما أوتي ذلك الحزب من اسباب القوة والمنعة، او تلك الجماعة من بسالة وحسن تنظيم، ومهما أوتي الفرد من بطولة خارقة. بل ان جميع الوطنيين المتحدين يداً واحدة وقلباً واحدا هم القادرون فقط على انجاز هذه المهمة الضخمة. ولا يمكن جمع هؤلاء الوطنيين على صعيد واحد إلا عن طريق الجبهة الوطنية الموحدة» (22).

ورغم ان جبهة الاتحاد الوطني كانت نتيجة تلك الاحداث والدروس «لكنها لم تكن حدثا منعزلا عن التاريخ الذي سبق ذلك ومارافقه من التنسيق والتعاون بين الاحزاب الوطنية في المواقف الخطيرة المهمة بالرغم ماكان يتخلل ذلك من بعض الاختلافات الطارئة في مواضيع جانبية» (23).

لقد حددت الجبهة اهدافها ومطاليبها في بيانها الاول بما يلي:

1- تنحية وزارة نوري السعيد وحل المجلس النيابي.

2- الخروج من حلف بغداد وتوجيه سياسة العراق مع سياسة البلدان العربية المتحررة.

3- مقاومة التدخل الاجنبي بشتى اشكاله ومصادرة وانتهاج سياسة عربية مستقلة اساها الحياد الايجابي.

4- اطلاق الحريات الديمقراطية الدستورية.

5- إلغاء الادارة العرفية واطلاق سراح السجناء والمعتقلين والموقوفين السياسيين واعادة المدرسين والموظفين والمستخدمين والطلاب المفصولين لاسباب سياسية.

كانت الاهداف الخمسة مؤشر بداية وقاسما مشتركا بين القوى السياسية التي وقّعت عليها، وهي كما يلاحظ لم تحدد موقف الجبهة من المشاكل الداخلية الحيوية التي تتعلق بحياة الجماهير الشعبية الواسعة، العمال والفلاحين وسائر الكادحين، وما يخص الاقتصاد الوطني المتدهور والمشاكل الاجتماعية الاخرى، وخاصة الموقف من الحركة العمالية ومساندتها واقرار حقوقها المشروعة ودورها الريادي. وقد انعكس هذا الموقف ليس في البيان الاول للجبهة، وانما في البيانات الاخرى، وفي حوارات العمل التنظيمي للجبهة، إلا ان الجبهة وبمبادرات الحزب الشيوعي ونضال الحركة العمالية والتدهور المريع في الاقتصاد العراقي عالجت هذه الاوضاع بشكل حذر في البيانات اللاحقة. ففي بيان الجبهة المؤرخ في الاول من كانون الاول/ ديسمبر 1957 جددت الجبهة بمطالبتها بضرورة تحقيق الاستقرار الداخلي والتحرر الخارجي ودعت الشعب من اجل تحقيق الاهداف التالية:

«1- عودة الحياة الحزبية والنقابية واطلاق حرية الصحافة والنشر والاجتماع وكل اشكال الحريات الديمقراطية.

2- حل المجلس النيابي القائم واجراءات انتخابات جديدة.

3- اطلاق سراح السجناء المعتقلين الساسيين.

4- منع اتخاذ العراق قاعدة للتآمر على الاقطار العربية المتحررة وخاصة سوريا.

5- اقامة علاقات دولية على اساس من احترام السادة والاستقلال وتبادل المنافع دون قيود.

6- حماية الاقتصاد الوطني من الاحتكارات الاستعمارية».

وكانت الجبهة في مجمل عملها السابق تشخص الحلقة الرئيسية في سلسلة الاهداف الوطنية والديمقراطية، وهي التحرر من الاستعمار وتحقيق الحريات الديمقراطية (24).

واعتبر التركيب التنظيمي لجبهة الاتحاد الوطني تعبيرا عن تزايد بأس الحركة العمالية والوطنية واحزابها عموما وتوطد مواقعها التنظيمية والسياسية في المجتمع العراقي، سواء منها الاحزاب العلنية او السرية. وقامت الجبهة بنشاطات واسعة في سبيل تعبئة الشعب وتحضيره للتحولات الثورية، ونجحت في الارتباط بمنظمة الضباط الاحرار، محققة بذلك ربط القوة العسكرية بالحركة السياسية الوطنية، ومنظمة العامل الذاتي الحاسم للقيام بالثورة.

بالتاكيد سعت الحكومة واجهزتها واسيادها الى متابعة جبهة الاتحاد الوطني ونشاطاتها والعمل على شلها وضرب وحدتها، ولكنها فشلت في تصفيتها لقوة اقتناع الاطراف السياسية بضرورة التلاحم والعمل المشترك لاجل التغيير الوطني، اضافة الى التطورات السياسية التي فرضت نفسها محليا وعربيا ودوليا.

وكانت الحركة العمالية من انشط القوى العاملة والمساندة للجبهة، وبدعم الحزب الشيوعي وتوجيهاته تمكنت الحركة العمالية مواصلة نشاطاتها ونضالاتها المطلبية والوطنية، على حد سواء.

فقد استخدمت سلاح الاضراب من اجل زيادة الاجور وتطبيق قانون العمل وتحسين ظروف العمل والمعيشة. حيث اضرب مثلا 450 عاملا فنيا في معمل نسيج الوصي في 24/3/1957، وعمال الكونكريت في شركة المنصور التي تقوم بانشاء معمل السمنت في مدينة السماوة ، وعدد عمالها 700 عامل (25).

واضرب العمال الزراعيون في المزارع الحكومية النموذجية في حقول ابوغريب يوم 20/4/1957، فاعتقل اربعون منهم بعد قمعهم وتحطيم الاضراب بالقوة (26). وكان هذا الاضراب الاول من نوعه في هذا القطاع، لما كان يجري من خرق صارخ لقانون العمل في حق العمال. في مجال الاجور مثلا تراوحت اجور العمال الذكور بين 120- 160 فلسا، والعاملات بين 90 – 130 فلسا بينما نص قانون العمل على ان الحد الادنى للاجور في هذا القطاع هو 250 فلسا. وحُرِم العمال الزراعيون من الاجازات الاعتيادية والمرضية وساعات العمل القانوني، وكانوا يعملون بما لايقل عن عشر ساعات يوميا مع تعرضهم الدائم لغرامات مرهقة.

اضرب 600 عامل في شركة نسيج الوصي مرة اخرى في 8/5/1957 ليوم كامل معتصمين ببناية المعمل عندما أُنقصت اجورهم الى النصف تقريبا رغم الارباح التي حققتها الشركة من جهودهم، وفي اليوم الثاني قمعت الشرطة الاضراب وفصل 30 عاملا. ولم تثمر جهود الوفد العمالي مع مدير الشركة الانجليزي ولم ينجح العمال في احرازحقوقهم التي اضربوا من اجلها. كما اضرب عمال البلوكات في شركة زبلن في تكريت. واضرب عمال طابوق معمل عبد الحميد عريم في مدينة الرمادي، وبدل اجابة مطالبهم فصلوا جميعا وعُيّن بدلاً عنهم خريجو الدورات الفنية بأجور وشروط لاتقل تعاسة عن احوالهم (27).

وحصل 65 عاملا من عمال مكافحة الملاريا في اربيل على زيادة اجورهم بعد اعلانهم الاضراب، كما اعلن عمال شركة «كيوبتزريما» التي تقوم ببناء ثكنات الجيش في مدينتي المحاويل والحلة، الاضراب في منتصف شهر حزيران، ليوم واحد وحققوا مطلب زيادة اجورهم بـ 100 فلس يوميا لكل عامل (28).

لقد حقق العمال في العديد من الاضرابات السابقة مطلب زيادة الاجور فقط، بينما لم يفلحوا في غيرها من المطاليب التي رفعوها في اضراباتهم كتحسين ظروف العمل وتحديد ساعات العمل. ورغم ان زيادة الاجور مطلب مهم بالنسبة للعمال في معيشتهم وفي ظل الازمة الاقتصادية وغلاء السلع وارتفاع الاسعار، الا ان حياة العمال ارهقتها شروط العمل الصعبة واضطهاد اصحاب العمل، خاصة مدراء العمل الاجانب الذين لايهمهم سوى الارباح واستغلال قوة العمال وحاجتهم.

لم تخل جريدة اتحاد الشعب - لسان حال الحزب الشيوعي العراقي، من اخبار الطبقة العاملة العراقية ونضالاتها ومتابعة اوضاعها. ففي عدد ايلول كتبت عن اوضاع العمال في شركة «هوكتيف» الالمانية، وخرق الشركة لكل حقوق العمال وعن اضراب عمال الحفر فيها، وكيفية قمعه بالقوة واجراءات الفصل عن العمل بعده. وعلقت الجريدة: «ان كل هذه الوقائع تدحض ادعاءات الحكومة بان العمال والشعب يعيشون حياة رافهة وانها تعمل لتلبية مطاليبهم، وان العمال يدركون ان اتحادهم في الكفاح من اجل حقوقهم هو الطريق المضمون لنيل حقوقهم المشروعة ولايقاف استهتار الشركات الاجنبية وكلب حراسة مصالح الحكومة عند حده».

وتحت باب رسائل العمال سجلت اتحاد الشعب تفنن شركة النفط العراقية في اضطهاد العمال، مؤكدة على ان «كل واحد يعرف ان شركات النفط الاستعمارية وفي مقدمتها شركة النفط العراقية تلعب الدور الرئيس المحرك في استخدام الحكام العراقيين الخونة لقمع الحركة الوطنية التحررية وفي تصفية الحركة النقابية وفي اضطهاد العمال». وفضحت اعمال الشركة المعادية للعمال واساليبها البشعة في الاستغلال والاضطهاد. معلقة على ذلك: «ان هذا الوضع الرهيب قد قوّى لدى العمال الشعور بضرورة تنظيم انفسهم نقابيا لانهم لمسوا بتجربتهم الذاتية ان عدم وجود تنظيم يجمع شملهم ويدافع عن حقوقهم ويقود كفاحهم الوحيد لاجبار الشركة على تحقيق مطالبهم المشروعة هو السبب الرئيسي لاستهتار الشركة واضطهادها».

كما نشرت اخبار العمال الاخرى في شركة النفط والسكك الحديدية وامكنة اخرى (29). وبعنوان «اضراب عمالي في السكك» نشرت اتحاد الشعب في عدد تشرين الثاني 1957 قصة الاضراب الذي حقق مطالبيه في نفس اليوم. وقد كرس العدد للاحتفال بالذكرى الاربعين لثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى. مؤكدة ان ذكرى الثورة يبعث املاً عظيماً بانتصار الشعوب وثقة لامتناهية بنصرة وصداقة الاتحاد السوفيتي الجبار، وتلهم «نحن الشيوعيين اكثر وتعلمنا، كما علمتنا دوما، بان الامانة التامة لمباديء الماركسية اللينينية، والاسترشاد المستمر بافكار ثورة اكتوبر، طريقنا الاوحد الذي يجب ان يسير فيه حزبنا الشيوعي العراقي لكي يكون قادراً على اداء رسالته التاريخية في خدمة قضية الطبقة العاملة وشعبنا العراقي، وقضية العرب اجمعين».

ودعا الحزب الشيوعي في جريدته الى تفهم الوضع السياسي القائم بصورة ادق واعمق. مشيراً الى:

«ان امام حركتنا الوطنية في العراق مهاما جدية وملحة في هذه الظروف التي تكتنف بلادنا والامة العربية، ونحن لانشك بان حركتنا الوطنية جديرة بتولي هذه المهمات وقادرة على انجازها، خاصة بعد ان وحدت اهدافها وجمعت قواها ومواقعها وهي اكثر تصميما من ذي قبل على مواصلة النضال لتحرير العراق والحاقه بموكب العروبة .... والجميع يناضلون من اجل الاهداف النبيلة تحت راية واحدة هي راية جبهة الاتحاد الوطني» (30).

وعلى صعيد العلاقات العربية والدولية ساهم العمال العراقيون في تأسيس اتحاد العمال العرب عام 1956، وفي المؤتمر العالمي للعمال في شهر ايلول/ سبتمبر 1957، الذي اتخذ قرارات تضامنية مع الطبقة العاملة العراقية وحركة التحرر الوطني العربية (31).

بعد تراكم هذه الخبر والنشاطات، اصدر الحزب الشيوعي العراقي كراسا بعنوان «من اجل تنشيط حركة عمالية نقابية» اواخر عام 1957، تدارس فيه وضع الحركة العمالية ودعا الى تنشيطها وتوسيع نضالاتها المطلبية والسياسية. ملاحظا من تجربة الانتفاضة الشعبية لعام 1956 عدم الاستفادة من النهوض السياسي لتنشيط النضال النقابي والاقتصادي وتعزيز هذا النضال السياسي بالنضال النقابي، من خلال الجمع الصحيح بين اساليب النضال.

يُرجع الكراس اسباب التقصير الى «الاخطاء المتطرفة التي حصلت في الحركة النقابية». وكان عدد من النقابيين الذين لم تكن لهم خبرة حزبية جيدة في عمل الحزب القيادي قد طالبوا: «بعدم تدخل الحزب في شؤون الحركة النقابية»، ولكنهم لم يقوموا بانشاء حركة نقابية ولم تكن في البلاد نقابات شرعية. وازاء هذه الآراء اكد الحزب في كراسه على اهمية دور الشيوعيين، الذي بدونه لايمكن ان تقام في الظرف الراهن حركة نقابية حقيقية في العراق، وانتقد اصحاب هذه الاراء التي تهدف الى عزل التاثير الواعي للحزب في الحركة العمالية وتسليم زمامها للعناصر الاصلاحية النقابية.

وعالج الحزب مفهوما خاطئا اخر يقول: «بعدم ضرورة أو امكانية قيام نشاط نقابي في ظل انعدام الحريات الديمقراطية». واكد ان هذا المفهوم يشيع الاستسلامية ويهمل المطاليب الحيوية اليومية للطبقة العاملة.

استخلص الحزب درسا بليغا من تجربته في الحركة النقابية لُخِص في ان «من الواجب عدم تحميل الحركة النقابية واجبات هي ليست في الظروف المعينة من صميم واجباتها واكثرها الحاحا. فالسياسة المتطرفة مثلا، وخصوصا قبيل انتفاضة تشرين 1952، لم تساعد النقابات في تقوية جماهيريتها، بل عزلتها عن الغالبية الساحقة من جماهير العمال... وان ابداء الكفاءة في اسلوب ربط العمل السري بالعلني هو شرط ضروري لضمان سير صائب ومثمر للحركة النقابية. وتعلمنا قبل كل شيء بان الاتجاه في الحركة النقابية وفق سياسة صائبة هو شرط ضروري لاغنى عنه مطلقا من اجل دحر الانتهازية وضمان وحدة الحركة العمالية النقابية، وتعلمنا بانه لا المشاريع والاوهام الخيالية بل العمل الجدي الصبور لدراسة مشاكل الطبقة العاملة في مختلف المؤسسات والمهن، والاهتمام بتعبئة الجماهير العمالية والنضال من اجل تحقيق هذه المطالب هو الشرط الاساسي لتقوية الحركة النقابية» (32).

على ضوء هذه التوجهات والتعليمات نشط الشيوعيون في الحركة العمالية واقامة اللجان النقابية السرية والربط بين اشكال النضال واساليبه، واضعين اسساً جديدةً في عملهم النقابي والوطني لنهوض الحركة العمالية ومساهمتها الثورية في ثورة 14 تموز/ يوليو 1958.

ونتيجة لتطور الحركة العمالية وقوة تاثيرها على الوضع السياسي اضطرت السلطات على اصدار قانون جديد للعمل بداية عام 1958، عالجته جريدة الحزب الشيوعي تحت عنوان «نظرة عاجلة في قانون العمل الجديد» موضحة ان قانون العمل السابق انتزع نتيجة نضال العمال وظل حبرا على ورق طيلة 22 عاما. والقانون الجديد، هو الاخر، يحتوي على بعض الحقوق الهامة التي هي حصيلة نضال دموي طويل خاضته الطبقة العاملة العراقية.

واكدت اتحاد الشعب السرية «ان الطبقة العاملة العراقية لم تنس ولايمكن ان تنسى أن النص على بعض الحقوق العمالية في القانون الجديد، هو ثمرة نضال عمال السكك واضراباتهم ونضالات عمال الميناء والنسيج والسكاير وغيرهم. إن هذه النصوص هي بعض ماخطه بدمائهم شهداء كاور باغي والميناء ونفط البصرة والحبانية وسواهم كثيرون من ابطال الطبقة العاملة».

وخاطبت الجريدة العمال:

«انكم ايها العمال، انتم الذين ارغمتم الفئة الحاكمة على الاعتراف ببعض حقوقكم العادلة، فلا تغفلوا عن هذه الحقيقة لحظة، واعلموا ان المواد التي تنص على حقوقكم في القانون الجديد ستبقى حبرا على ورق - كما هي الحال مع القانون السابق - ما لم تنظموا انفسكم وتوحدوا صفوفكم وتشددوا نضالكم اكثر وتوجهوا كل جهودكم من اجل ممارسة حقوقكم هذه بارغام الشركات الاجنبية وارباب العمل والحكومة على احترامها...».

وربطت الجريدة في مقالتها بين نضال العمال من اجل مطالبهم المنصوص عليها بالقانون، والنضال ضد الاستعمار وحلف بغداد ومن اجل تغيير الاوضاع الرجعية القائمة (33).

ولم تنفك صحافة الحزب الشيوعي والحركة العمالية خاصة، والحركة الوطنية عامة، من فضح ممارسات الحكم الارهابية والتاكيد على نهاية عهده وتعزيز الثقة بنصر الشعب القريب.

من جهة اخرى، احتفلت الحركة العمالية والوطنية بالاول من ايار/ مايو، عيد العمال العالمي باشكال تعبيرية ورمزية متنوعة، اغلبها بطريقة سرية، مضطرة اليها ولكنها أرادت أن تبين أهمية هذا اليوم ومعناه ورمزه. وبمناسبته اصدر الحزب الشيوعي العراقي بيانا بعنوان «عاش اول آيار رمز كفاح ووحدة الطبقة العاملة»، أوضح فيه غايات الاحتفال بهذا اليوم عالميا كرمز لوحدة العمال وكفاحهم من اجل اهدافهم المشتركة.

وحول الوضع في العراق اشار البيان الى ان طبقتنا العاملة العراقية لا تستطيع ان تساهم في احياء هذه الذكرى علنا ... «نتيجة سيطرة الاستعمار واعوانه على مقدرات بلادنا العزيزة وحكم الارهاب الذي يسلطه عملاء الاستعمار على وطننا وحرماننا من كافة حقوقنا في التنظيم الحزبي والنقابي».

واشاد البيان بالعمال وطالبهم بتشديد النضال من اجل محو العوائق التي تمنع العمال عن الاحتفال بعيد العمال العالمي. واكد البيان على :

«ان الطبقة العاملة العراقية تنمو وتتسع كما تتعقد مشاكلها وتتردى حالتها من سيء الى اسوأ، فعلينا نحن الشيوعيين ان نقود هذه الطبقة وان نكون طليعتها وان نسير بها وبالشعب العراقي نحو الاستقلال والحرية والاشتراكية ... ولكي نكون جديرين بهذا الواجب التاريخي علينا:

1- الاهتمام بمشاكل العمال اليومية والدفاع عن مصالحهم الحيوية وقيادة نضالاتهم التي يخوضونها دفاعا عن حقوقهم.

2- العمل بجد وحماس من اجل تنشيط الحركة النقابية.

3- توسيع قواعدنا الحزبية وتوثيق صلاتنا بالعمال بايجاد ركائز جديدة في جميع المعامل ولاسيما في المشاريع الكبرى الهامة.

4- العمل من اجل دعم الجبهة الوطنية والتعاون مع كافة العناصر الوطنية الاخرى ... » (34).

وبحلول عام 1958 إزدادت الاحداث السياسية والنضالية للحركة العمالية والوطنية عموما. حيث اشتد نضال الشعب وصحافته الوطنية في تعرية نظام الحكم، والثقة بقرب زواله. واخذت بيانات جبهة الاتحاد الوطني ولجانها الفرعية تعبيء الرأي العام وتخلق جواً حماسياً مهيأاً لاستقبال حدث مهم في حياة العراق والعراقيين.

وكان إيغال النظام الملكي وممارساته القمعية في توسيع الشقة بينه وبين الشعب من جهة، وعزلة العراق عن اشقائه العرب ودوليا بربطه بالاحلاف والمشاريع الاستعمارية العدوانية من جهة اخرى، اضافة الى التدهور المريع في الاحوال الاقتصادية والاجتماعية للشعب، كان كل هذا من عوامل التمهيد او مقدمات اولية للوضع الثوري، العامل الموضوعي بعد قيام العامل الذاتي، وتلاحمهما في تفجير اللحظة الثورية.

اثار هذا الوضع المتردي حلفاء النظام نفسه وطالبوا بالاصلاح لانقاذ النظام من نهايته المتوقعة. فقد كان مدير التحقيقات الجنائية بهجت العطية يؤكد في تقاريره على وجود حالة التردي والتذمر منها، وكذلك السفير البريطاني في بغداد وعدد آخر من رجالات البلاط الملكي.

واثبتت مجريات الاحداث ان القوى الحاكمة لم تستطع ان تواصل سياستها وتمارس حكمها بنفس الاساليب بعد ان اشتدت معالم الاحتجاج والسخط، فحاولت الترقيع إلا ان مجرى التيار كان عاصفا ولم تنفعه محاولات التزويق.

أُستُبدِل نوري السعيد باحمد مختار بابان. بعد ان تسلم حكومة الاتحاد الهاشمي الذي وقعه ردا على قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية واستهدف قيام هذا الاتحاد التصدي لنهوض حركة التحرر الوطني العربية في المشرق العربي. مثلما استهدف تكليف احمد بابان في 19/5/1958 لتشكيل حكومة جديدة التنفيس عن الازمة التي خرجت عن طورها، إلا ان اجراءاته نفسها لم تلق تجاوبا من رجالات البلاط، عاكسة بذلك شدة التناقضات داخل المؤسسة الحاكمة وصراع الاجنحة فيها، المناقض لارادة الشعب ومصالحه الوطنية، العلامات الاول التي سرعت في التفكك والزوال.

في الوقت نفسه تصاعدت الحركة الاضرابية الجماهيرية، الطلابية والفلاحية والعمالية، مبدية استعداد الجماهير على خوض النضال رغم قسوة القمع والارهاب، مهيئة الوضع للتغيير، اضافة للسياسة العدوانية التي نفذتها مخططات المستعمرين والحكم في استخدام القوات المسلحة.

لقد كان بابان آخر رئيس وزراء ملكي في العراق يوم 14 تموز 1958، يوم نجاح الثورة التي حسمتها القوة العسكرية المسندة من قوى جبهة الاتحاد الوطني. وكان يوم الثورة آخر يوم للنظام الملكي، حيث اعلنت الجمهورية ودخل العراق والحركة العمالية مرحلة جديدة من مراحل الثورة الوطنية الديمقراطية.

 

كاظم الموسوي

...................

* فصل من كتابنا /اطروحتنا عن الحركة العمالية في العراق 1958-1945 الصادر عن مؤسسة الجسر للدراسات وتوزيع دارالكنوز الادبية، السويد، بيروت 1996

الهوامش:

والمصدر السابق هنا ورد ذكره في الكتاب والفصول السابقة

1- جيمس موريس/ الملوك الهاشميون/ بيروت / بلا/ ص 217.

2- من تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي/ تموز 1955.

ـ خيري / مصدر سابق/ ص 222.

3- من تقرير الكونفرنس الثاني للحزب الشيوعي/ خطتنا السياسية..../ مصدر سابق/ ص ص 6-9.

4- شهدي عطية الشافعي/ تطور الحركة الوطنية المصرية/ القدس/ بلا/ ص 168.

5- الاتحاد السوفييتي والعالم العربي/مجموعة وثائق سياسية/ موسكو 1978/ص ص 46-61.

6- جريدة اتحاد الشعب/ العدد 8/ اوائل ايلول 1956.

7- خطتنا السياسية ... / مصدر سابق/ ص 23.

8- احرار العراق/ انتفاضة العراق الاخيرة ـ عرض وتحليل/ بلا/ ص ص 19- 20.

9- حميدي / مصدر سابق/ ص 144.

10- مذكرات السفير الامريكي/ من: العراق في مذكرات الدبلومياسيين الاجانب/ بيروت 1969/ ص 236.

11-كراس انتفاضة 1956 ومهامنا في الظرف الراهن.

- خيري/ مصدر سابق/ ص ص 235- 236.

- احرار العراق/ مصدر سابق/ ص 47.

12- انظر استنكار الهيئات السياسية والتعليمية في: الحسني/ مصدر سابق/ الجزء 10/ ص 115 ومابعدها.

13- المصدر السابق/ ص 129.

14- بيان الحزب الشيوعي العراقي في 11/12/1956.

15- جريدة اتحاد الشعب/ ع 1- 15/ اواسط شباط 1957.

16- كراس الانتفاضة الصادر عن الحزب.

- خيري/ دراسات ......./ مصدر سابق/ ص 237.

17- الحزب الشيوعي/كراس: رد على مفاهيم برجوازية قومية تصفوية/ منشورات الحزب 1957/ ص 25.

18- من تقرير سلام عادل في الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب في اوائل ايلول 1958/ وثائق الحزب ولقاءات مع كوادر حزبية وعسكرية.

19- جريدة حرية الوطن/ العدد الاول/ اوائل كانون الاول 1954.

ـ حنا بطاطو/ مصدر سابق/ ص 397.

20- عامر عبد الله/ تفاصيل تنشر لاول مرة عن ثورة 14 تموز/طريق الشعب/ع 249 في 14 تموز 1974.

ـ حنا بطاطو/ مصدر سابق/ ص 793.

21- انظر مثلا: محسن حسين الحبيب/ حقائق عن ثورة 14 تموز في العراق/ بيروت 1981/ ص ص 50-58.

ـ حنا بطاطو/ مصدر سابق/ ص 788.

ـ د. فاضل حسين/ سقوط النظام الملكي في العراق/ القاهرة 1974/ ص 64.

22- عزيز الشيخ/ جبهة الاتحاد الوطني والمهام التاريخية في الظرف الراهن/ بغداد/بلا/ ص ص 3 - 4.

23- محمد حديد/ حوار معه في الثقافة الجديدة/ع 4/ تموز 1969.

24- ابراهيم كبة/ هذا هو طريق 14 تموز ../ بيروت   / الملحق.

ـ عزيز الشيخ/ مصدر سابق/ ص ص 14- 15.

ـ عبد الجبار عبد مصطفى/ مصدر سابق/ ص 265.

25- جريدة اتحاد الشعب/ ع 2/ اواسط نيسان 1957.

26- المصدر السابق/ع 3/ حزيران 1957.

27- المصدر السابق/ع 5/ ايلول 1957.

28- المصدر السابق/ ع 4/ تموز 1957.

29- المصدر السابق/ ع 5 / ايلول 1957.

30- نفس المصدر/ ع 6/ تشرين الثاني 1957.

31- ابراهيم حسين/ مصدر سابق/ ص32.

ـ سعاد خيري/ مصدر سابق/ ص 328.

32- آرا خاجادور/ مصدر سابق/ ص ص 31- 32.

33- جريدة اتحاد الشعب/ ع اواخر آيار 1958.

34- بيان الحزب الشيوعي العراقي في 1/5/1958.

 

ضياء نافعتمر هذه الايام، ونحن في عام 2018، الذكرى الستون لتأسيس كلية اللغات في جامعة بغداد (انظر مقالتينا بعنوان – ستون عاما على تأسيس كلية اللغات في جامعة بغداد، وعود على الذكرى الستين لكلية اللغات)، واود هنا ان اتوقف عند بعض الاسماء الكبيرة في عالم اللغات، والتي رحلت، ولكنها أبقت أثرها في تاريخنا العلمي وتاريخ جامعة بغداد ايضا، هذا التاريخ الذي لم يلتفت له – مع الاسف الشديد – مؤرخونا وباحثونا كما يجب، وهؤلاء – حسب حروف الهجاء – هم كل من حياة شرارة (من قسم اللغة الروسية ) وفؤاد ابراهيم (من قسم اللغة الالمانية)، واقدم عن كل واحد منهما شيئا مما يخزنه قلبي.

حياة شرارة

حياة ابنة اللبناني محمد شرارة، الذي انتقل من لبنان الى العراق واستقر في النجف وتزوج من عراقية، واصبح كاتبا وصحافيا في العراق يشار اليه بالبنان كما يقول التعبير الكلاسيكي العربي الجميل، والذي لا يزال بحاجة لدراسته باعتباره ظاهرة ثقافية فذّة ومتميزه في تاريخ ثقافة العراق ولبنان معا وفي دنيا النقد الادبي العربي بشكل عام. حاولت حياة ان تجمع تراثه، وقد اخبرتني مرة ان المواد التي جمعتها تكفي لاصدار ستة كتب، وكانت متألمة وهي تقول لي، ان والدها لم يستطع في حياته ان يصدر اي كتاب، وقد اصدرت حياة فعلا الكتاب الاول له ويضم مقالاته في التراث العربي فقط، وكان بعنوان جميل وفريد اختارته حياة من شعر المتنبي الخالد وهو – (الخيل والليل والبيداء تعرفني)، واتذكر كم كانت سعيدة وفخورة وهي تعرض عليّ ذلك الكتاب، ولكنها لم تستطع الاستمرار بمشروعها الثقافي الرائع هذا . كانت حياة حسّاسة جدا، وحالمة جدا، وعنيدة جدا، وتعيش في اطار عالمها الفكري البحت دون مراعاة عالمها الواقعي المحيط بها، ولهذا ارادت ان تجمع كل ما كتبه والدها محمد شرارة من مقالات مبعثرة في عشرات المجلات والجرائد العراقية منذ اواسط القرن العشرين، وان تعيد تصنيفها وطبعها ونشرها في كتب، وهو مشروع عملاق يجب ان تقوم به مجموعة من الباحثين المتخصصين او مؤسسة ثقافية باكملها، الا انها حاولت القيام بهذه المهمة بمفردها، وهو عمل نبيل بحد ذاته طبعا وبطولي ايضا، ولكنها لم تستطع تحقيقه، مثلما ارادت – وبمفردها ايضا – ان تقوم بترجمة المؤلفات الكاملة لتورغينيف عن الروسية، رغم علمها ان معظم هذه المؤلفات مترجمة الى العربية، وكم حاولت ان اثنيها عن القيام بذلك، وكنت اقول لها مرارا ان كبار المترجمين العرب قاموا بذلك قبلها مثل غائب طعمه فرمان وخيري الضامن واكرم فاضل، ولكنها أصرّت على تحقيق فكرتها، وقالت لي ضاحكة، انها سوف تطلع على تلك الترجمات بعد انهاء ترجمتها كي لا يؤثر اسلوب تلك الترجمات على عملها، واستطاعت فعلا ان تقدم ثلاثة كتب، الا انها لم تستطع اكمال خططها مع الاسف . لقد عرقلت عملية انتحارها التراجيدية كل هذه المشاريع الثقافية الكبيرة التي بدأت بها . من الذي سيقوم الان بجمع تراث محمد شرارة وطبعه وتقديمه الى الاجيال الجديدة مثلما ارادت حياة ؟ ومن الذي سيقوم باكمال احلام ابنته حياة محمد شرارة الادبية وخططها العلمية هذه ؟ لقد اقترحت على قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد كتابة اطروحة ماجستير حول أ.د. حياة شرارة، اول تدريسي يحصل على درجة (بروفيسور) في تاريخ هذا القسم، واعلنت عن استعدادي للمساهمة بذلك العمل العلمي والتعاون مع المشرف والباحث، ولكن ...

فؤاد ابراهيم

فؤاد ابراهيم محمد البياتي، احد الاعلام البارزة في قسم اللغة الالمانية، وهو الوحيد بيننا، الذي حصل على لقب – (الشهيد !)، وما أغلى ثمن هذا اللقب الذي حصلت عليه يا أبا علي الحبيب وما أقساه !!! لقد كنت انا آنذاك مع وفد جامعة بغداد في ايطاليا، وكنا نتهيأ لاجتماع مع مجموعة كبيرة من الشباب الايطالي المتعاطف مع العراق، والذين قرروا ان يقدموا لقسم اللغة الايطالية في كلية اللغات كتبا باللغة الايطالية من مكتباتهم الشخصية، وتحول هذا الاجتماع الى جلسة عفوية لشجب اغتيال رئيس قسم اللغة الالمانية في كليتنا . وعدت الى بغداد بعد ايام، وعقدنا جلسة لمجلس الكلية واتخذنا ثلاث توصيات هي – اقامة تمثال نصفي لفؤاد نضعه على المنصة الفارغة في الحديقة الامامية للكلية حيث كان هناك تمثال نصفي لصدام، واطلاق اسمه على القاعة المركزية للكلية، وعلى مكتبة قسم اللغة الالمانية، ولكن مجلس الجامعة اعترض على مسألة التمثال، واعطانا حق اختيار توصية واحدة من التوصيتين، وهكذا استقر اطلاق اسمه على القاعة المركزية، والتي لازالت تحمل اسمه لحد الان . لقد خلّد الدكتور فؤاد اسمه في كليتنا بعملين قام بهما آنذاك – العمل الاول هو اصداره لكتاب قواعد اللغة الالمانية باربعة اجزاء، والذي قسّمه بين طلبة الدراسات العليا لنيل دبلوم الترجمة، ثم جمعه واصدرته الكلية، وقد أصرّ الدكتور فؤاد ان يثبت اسماء طلبة دبلوم الترجمة على كل جزء من اجزاء الكتاب، اما العمل الثاني له، فهو الذي قام بالاتصال بالسفارة الالمانية واقنع السفير ان تتبرع المانيا ببناء مكتبة قسم اللغة الالمانية، وتزويدها بالكتب الخاصة باللغة الالمانية وآدابها، وهي المكتبة الموجودة حاليا، والتي تزهو بها كلية اللغات لحد الان، والتي تعد مفخرة من مفاخر جامعة بغداد، ولا زلت اتذكر فرحه وهو يشارك بافتتاح المكتبة بحضور رئيس جامعة بغداد عندئذ أ.د. موسى الموسوي والسفير الالماني في العراق . ولم يتفاخر فؤاد يوما بعمله العملاق هذا ابدا، بل ولم يتكلم عنه اطلاقا، لأن تواضع العلماء كان يجري في دمه وتصرفاته وأخلاقه .

 

أ.د. ضياء نافع .

 

 

لطيف عبد سالممِن الأسئلة الَّتِي تتردد كثيراً عَلَى ألسن أساتذة الأدب وَالنقاد وَالشعراء ما يتعلق بِمَنْ سيخلفه فِي قصيدة العمود، وَالَّتِي يجيب عَلَيها السَماويّ يحيى بعبارةٍ موجزة بليغة، وقع كلماتها الجميلة وَالمؤثرة الَّتِي تنبع مِنْ جمال الروح، يعكس استلهامه لروح الشعر بمستوى أخلاقي عالٍ، حيث يقول فِي هَذَا الصَّدَد ما يلي: " هذا السؤال أكبر من حجمي "، مضيفاً أيضاً بعد برهة " لو سألت مَنْ سيخلفني على بيتي وسيارتي ومكتبي ودراهمي المعدودات لأجبت : زوجتي وَأبني علي وبناتي الشيماء ونجد وسارة، أما الشعر، فما أنا فيه أكثر من مجرد كلمة غير ذات معنى، كلمة تحاول أن تكون جملة مفيدة في ديوان الشعر العربي ". وَفِي مناسبة أخرى يشير السَماويّ إلى مَا لَهُ صلة بِهَذَا الموضوع قائلاً : " أظنني سأغفو إغفاءتي الأخيرة وأنا مجرد كلمة، لستُ أفضل شاعرية من غيري، فالشعراء كلهم يُكمِل بعضهم الآخر ". وَمَا أظننا نغلو فِي القول إنَّ شُّعراء اليوم أشد حاجة إلى التمعن بِمَا تضمنته تلك العبارات مِنْ معانٍ كبيرة، وَالَّتِي سجلها مَنْ ذاعَ صيته ونقش اسْمه فِي سجلِ كبار شُّعراء العربية، وأعني الشَّاعِر واسع الشهرة السَماويّ يحيى الَّذِي تسلق جبل الشِّعْر باقتدار وشموخ، وَالَّذِي قيل فِي شاعريته ودماثة خلقه وحسه الوطني وتواضعه الكثير، وَلعلَّ مِنْ بَيْنَ ذلك مخاطبة الشَّاعِر ناهض الخياط لَه بالقول " الشاعر الكبير المتألق يحيى السماوي، أنصب خيمتك يا شاعرنا ليؤمك الشعراء من كل مكان ". كذلك وصفه الشَّاعِر يحيى الكاتب بالقول " الشاعر الكبير يحيى السماوي فخر الكلمة الصادقة والمواطنة الصالحة "، فضلاً عَمَا سجل عَنه الكاتب ذات مرة مَا نصه " وأنا إذ أغبط الكتاب والنقاد كيف يدخلون في مضامير النقد الأدبي ليجـدوا ضالتهم وأنا لست ناقداً، لكنّني وجدت نفسي هائماً في روحه وشخصيته وشعره وتواضعه؛ ولأن الحظ أسعفني لألتقيه أكثر من مرة ولأسعد بمجالسته والاستماع الى عذوبة كلامه وبعض من تجربته، سيما تتبعت بعضا من أماسيه الجميلة الممتعة، وأكتب هذه المرة بيد مرتعشة؛ مرتهبا مضماره الذي لا يقربه إلا الحريفون والخبراء "، ويضيف الكاتب أيضاً " ولأنه أكرمني بزبرجدة مكتوب عليها - ثوب من الماء لجسد من الجمر - فتقبّلتها بقبول حسن، ودفنتها بين أضلعي قبل أضالع مكتبتي البالية المتواضعة؛ خوفاً من عبث أطفالي، ولكي أقرأها بإمعان، فوجدت فيها ما يمتعني ويحسسني بروح الشاعر العظيمة الراقية في الانسانية والأدب والثقافة ". ويختم الكاتب حديثه بالقول " لك نصب في قلبي، تقبل تحياتي الاخوية قبل الادبية؛ لأنك إنساني بحت ". وَتدعيماً لما ذكر آنفاً، لَعَلّه حريّ بِنَا التأمل بتمعن فِي دراسةِ الكاتب الأب يوسف جزراوي الموسومة " الكبير يحيى السماوي .... كالحجر الذي رفضه البناؤون وأصبح رأسًا للزاوية "، وَالَّتِي أقتطع مِنها جزءاً يعكس بعضاً مِنْ وريقات العمر التي تساقطت فِي المنفى، حيث يقول جزراوي " ..... طالت فترة وقوفنا على ايقاع المطر المنهمر بشدة في ليلٍ حالك السواد، كانت عيناه جميلتين لكنهما متعبتان، ذاته جريحة، جسده مُنهك، يلتوي بأكمله ألمًا من حصى الكلية اليسرى، تبللت ثيابنا وامتزجت شجوننا المنهمرة مع زخات المطر المُتساقطة، أحاديث لا تعدو أن تروي واقعًا مُحزنًا ". وَعَنْ جاذبيته المبهرة يقول الكاهن البغدادي جزراوي الأب مَا نصه " حين استلمت منه خيط الحديث، ايقنتُ أنَّ الرجلَ متمسك بحبال الرجاء بانتظار غدٍ جديد، تشرق فيه الشمس لتُزيل لعنة الظلام، غير أنّني اعترف هنا أنَّ قدرته على الإصغاء كانت قد أدهشتني، وأن نقاء حواره سحرني، فالرجل يحظى بكفاءةٍ أدبيةٍ عالية ومسحةٍ إنسانيّةٍ قلّ نظيرهما، جعلتا منه دُرة الحديث ومركز الحوار، فكان كالبدر في سماء سيدني التي أمطرت غيومها طويلاً ".

أضـنـاهُ لــيــلُ صــبـابـةٍ فــسَــرى

لـم يــنـتـظـرْ شــمـســاً ولا قــمـرا

 

ألــقـى الى الإعــصـارِ أشــرعــةً

مُــسْــتَـنـفَــراً لــم يــتـَّـخِــذ حَـذرا

 

نــصـحـوهُ أنْ يُــلــقـي الى قَــدَرٍ

أمـراً فــقـال ســأقــحَــمُ الــقَــدَرا

 

فـاسْـــتـخْــبــلــوهُ فــقـائِـلٌ نَــزِقٌ

لا يـرعــوي فاســتعـذبَ الـعَـثَـرا

*

لأيـامِ الصِّبا يشتد بالمرء الحنين، فما مراتع الصبا إلا عصية عَلَى النسيان كما جاء فِي الأثر، فلربما تدمع العين عند استرجاع الذكريات؛ لأنَّ مرحلةَ الصِّبا لا يمكن لبريقها أنْ يعاود الظهور أبداً، وَلَعَلَّ فِي قول الشَّاعِر المصري محمود سامى البارودى " 1839 – 1904 م "، الَّذِي يُعَدُّ بحسبِ المتخصصين أول ناهض بالشِّعْر العربي من كبوته ما يؤكد ذلك :

ذَهَبَ الصِّبَا وَتَوَلَّتِ الأَيَّامُ *** فَعَلَى الصِّبَا وَعَلَى الزَّمَانِ سَلامُ

وَفِي زمانٍ تغير فِيه حتى دفء أرصفة أزقة المدن، وَاختفى عبير " درابين " محلاتها خلف أستار خيام العولمة، قد يصبح عثور كاتب هَذِه الدراسة عَلَى ملامح الوجوه الَّتِي تركها السَماويّ يحيى ذات حزن أمراً صعب المنال؛ إذ قد تكون الذاكرة لبعض الشخوص الَّتِي عاشت تلك الحقبة الزمنية متعبة بفعل قساوة مَا تعرضت مِنْ معاناة، أو أنَّ أقدارها جعلتها بفعل مرارة أفعال الطغاة تبحث عَنْ لقمة العيش وَحالها رهين بِمَا جاء فِي لامية ابن الوردي :

ودَعِ الـذِّكـرَ لأيـامِ الصِّبا * * * فـلأيـامِ الصِّبـا نَـجمٌ أفَـلْ

وَبعد أنْ تعرفنا عَلَى مَا اكتنزته ذاكرة بعض تلك الشخصيات عَنْ السَماويّ يحيى فِي المباحث السابقة، وَمَعَ مشارفة آخر فصول الدراسة عَلَى الإنجاز، وجدت أيضاً مَا هو حافظ لكثير مِنْ حكايات الصبا واليفاعة، ألا وهو ابن مدينته وأحد أصدقاء طفولته الكاتب جبار المكتوب، وَالَّذِي بعث ليّ شهادته الَّتِي نصها تالياً " تعجز الكلمات عن وصف علاقتي مع صديق العمر الشاعر الكبير يحيى السماوي الَّذِي تمتد صداقتي معه سنوات طويلة، حيث عشنا في مدينة ومنطقة واحدة، فالسماوي أخي الذي لم تلده امي، فقد عرفته وعشت معه منذ أيام الصبا، ووجدته طوال مراحل حياته العمرية مثلما كان فِي صباه ويفاعته : وفياً، مسامحاً، محباً ومحبوباً من قبل زملائه وطلابه وأصدقائه، صبوراً على المحن والصعاب، بشوشاً مبتسماً لا يعرف البغض قطعاً؛ إذ أنَّ جمال قلبه النابض، جعل حب الناس والدفاع عن قضاياهم يسري في ضميره ووجدانه، فلم يعرف عنه البخل يوماً في اي موقف سواء لقريب أو بعيد، فهو إنسان صادق في زمن قل فيه الوفاء؛ إذ ارتبط روحاً وعاطفة مع الإنسانية ". ويضيف المكتوب أيضاً " يحيى السماوي شاعر الخبز والتنور، الشخصية الكثيرة العطاء، المملوءة بالوفاء، فقد أشبع حياته بالطيب والأمل والحب والتفاؤل، حتى أصبح نخلة باسقة من بساتين السماوة الثرية برطبها والحاملة شعراً وأدباً وبلاغة وخلقاً وسلوكاً ونوراً وصفاء ". وعَنْ الصداقة مِنْ وجهة نظر السَماوي يقول المكتوب " الصداقة عنده من أفضل العلاقات الانسانية؛ إذ ينظر إليها بوصفها شيئا عظيما مقدسا ، ويعتبرها كنزا لا يقدر بثمن، فهو يشعر بالوجع عندما يرى انسانا يتألم، ويطير فرحاً اذا كان سعيدا، بالإضافة إلى أنه لا ينسى أيا من معارفه مهما طالت مدة الفراق، فصديقه أخ له يحترمه ويتفقده ويحترمه سواء كان صغيراً أو كبيرا ".

قـد كان يعـرفُ مَـسْـلـكـاً رَفِـهــاً

فـاخـتـارَ دربـاً مُـوحِـشـاً خَـطِـرا

 

فـإذا غـفـا صُــبـحـاً عـلى دِعَــةٍ

فَـزَّ الضُّحى يـسـتعجِـلُ الـسَّـفـرا

 

مــا كــان ذا مــالٍ .. ولا فَــرَسٍ

يومـاً وليس الـمُـسْـرفَ الـبَـطِـرا

 

لـكـنـهُ في الـعِـشـقِ ذو سَـــرَفٍ

يُعطي ويُـرخِصُ دونهُ الـبَـصَـرا

 

هـو بـيـنَ بـيـنَ فـنِـصْـفـهُ شَــبَـحٌ

جِـنٌّ ونـصـفٌ يُــشــبـهُ الـبَــشــرا

 

خَبَـرَ العواصِفَ والـسـيـولَ فـتـىً

غضَّ الهوى واسْـتـنـبََـتَ الحجـرا

 

إنْ حاصَـرَتـهُ الــنـارُ صاحَ بـهــا

زيدي اللظى والعـصفَ والشَّـررا

 

والـيـومَ شـاخَ الـماءُ واكـتـهَــلـتْ

كـاســاتُـهُ .. والـمِـعـزفُ انـتـحـرا

 

أوَلــيـسَ مـجــنـونـاً يــمــدُّ يــداً

لـلـنـجـمِ مَـنْ في كـهْــفِـهِ قُــبـِرا ؟

 

ألفى الأسى في العـشقِ مُــبـتــدأً

فـاخـتـارَ أنْ يـغـدو لــه الـخَـبَـرا

 

عِــقـدانِ والــبـلـوى رديــفــتُــهُ

طحَنـتْ حـشـاشـتـهُ وما ضَجِـرا

 

بـيـن الـضلـوع تـقـومُ نـخـلــتُـهُ

أنّـى مـضـى وأقـامَ أو حَــضـرا

 

مـاهـزّهـا يـومـاً ولا عــرفــتْ

قـلــبــاً لـهُــدهُــدِ وجهـهـا نُـذِرا

 

دهــرٌ عــلى شـــوقٍ يـُـكـابــدُهُ

سِــرّاً فــمـا أفـضـى ولا ذكَــرا

*

عَلَى الرغمِ مِنْ حداثة معرفتي بالأديب إحسان أبو شكاك الَّذِي ولد فِي مدينة السَماوة وَمَا يزال يقطن فِيهَا، إلا أنيّ وجدت فِيه مِن السجايا مَا جعلني أشعر أني أعرفه منذ سنوات طويلة، الأمر الَّذِي جعلني متحمساً للحديث معه منذ بداية لقائنا فِي شارع المتنبي، وبخاصة حين علمت أنَّه كان أحد طلبة السَماويّ يحيي في المرحلة الثانوية، إلا أنَّه تردد حين رجوته أنْ يسجل مَا يحفظه فِي ذاكرته عَنْ أستاذه وَصديقه الحميم السَماوي يحيى؛ بالنظرِ لخجله أمام هيبة أستاذه والاحترام الكبير الَّذِي يكنه له، لكن يَبْدُو أنَّ طيبةَ أبو شكاك ألزمته الاستجابة لرجائيّ، حيث بعث ليّ شهادته الموسومة " الشاعر الكبير يحيى السماوي .. إنسانا "، وَالَّتِي يقول فِي مقدمتها مَا يلي " معيشتي ما بين أهل مدينتي الطيبين جعلت ذاكرتي تكتنز الكثير من سفر حياة أغلب مبدعيها، وتحفظ الجميل من سجاياهم في قلبي، وحين رجاني أخي الباحث لطيف عبد سالم تسجيل شهادتي في السماوي إنساناً، ترددت بادئ الأمر؛ لصعوبة الكتابة عن رجل له هيبة ووقار في عيوننا ونفوسنا - نحن أهل السماوة - منذ أن كنا شباباً نتتلمذ على يديه في مرحلة الدراسة الثانوية، وأمام هذا الاختبار الصعب، وجدتني منقاداً لزيارة المكان الذي كان الشاعر ذات زمان مغرماً به، ألا وهو شارع النهر المطل على نهر الفرات في مدينة السماوة، والذي حمل اسمه " شارع الشاعر يحيى السماوي ". وقد شعرت وانا أقف قرب عمود أزرق بفخرٍ كبير لم أشعر به طوال حياتي؛ لأن اسم استاذي الودود سابقاً وصديقي الحميم حالياً يظلل هامتي وهو ينتصب على ذلك العمود، فقد أعادتني الذاكرة إلى أيامٍ كان خلالها السماوي يبدي حرصه الدائم على النصح بضرورة تمسك طلبته بالتفوق والنزاهة، فقد تعلمنا من أبويته - وصداقته معاً - أيام الدراسة أنَ نكران الذات هو الفرق بين الأنانية من جهة والتضحية والإيثار من جهة اخرى، ولا عجب في ذلك ما دام يحيى السماوي يحمل هذه الصفة بجدارة ".

وَمِن بَيْنَ مَا سجله أبو شكاك فِي شهادته مَا نصه " تذكرت ومضته الرائعة التي قال فيها :

سُئل عاشق ما تتمنى أن تكون ؟

قال : أتمنى أن أكون ناعوراً أسقي آنية الآخرين وأكتفي بأنيني

وأنا سُئلت فقلت : أتمنى أن تكون لي أخلاق التنور، فالتنور يمنح خبزه للآخرين ويكتفي برماده ..

ومضة السماوي هذه التي لمْ تفارق صورتها مخيلتي منذ أن سمعتها، تعبر بصدق عن نقاء قلب السماوي وتفصح عن إنسانية أفكاره التي تفجرت منذ فجر الشبيبة وهي مملوءة هيبة ومودة وجمالا ".  

ويختم أبو شكاك شهادته قائلاً " عرفت الأستاذ يحيى السماوي مدرساً متمكناً في مادة اللغة العربية قبل أن أعرفه شاعراً نادرا شفيف الروح، قصائده ندية كالورد، فقد كان مدرساً خلوقاً هادئاً متسامحاً متواضعاً، واباً حنوناً وصديقاً ودوداً لجميع طلبته، فمن أعمق ما كنا نشعر به - نحن طلبة درسه المحبب لنفوسنا - هو شفافيته وسلاسة أسلوبه الذي أسر عقولنا بفضل لهجته ونظراته التي تتفحص ذواتنا الخفية، فنراه يحنو على طلبته من شريحة الفقراء، حيث كان - كما شاهدت بعينيّ - دائم الشعور بهم، فضلا عن مساعدة من يشعر بحاجته منهم إلى المال ".

*

سَــئِـمَ الـسـنيـن تـمـرُّ مـوحِـشـةً

لـو تُـخْـزلُ الأعمارُ لاخـتـصَـرا

 

سـلــواهُ جـرحٌ راح يـنـبــشـــهُ

لِــيُـطيـلَ في أوجاعِـهِ الـسَّـهَــرا

 

ولــربّــمـا يــغــفــو عـلى أمَــلٍ

أنْ يـلـتـقـيـهـا في سـريـر كـرى

 

حسناءُ لا أحـلـى إذا ضـحِـكـتْ

سَكَرَ المدى وأخو الـتـقى سَـكـرا

 

عـشِـقــتْ ربـابـتـهُ فـحـيـثُ شـدا

رقصتْ وفاضَ حُـبـورُها غُـدُرا

 

تـلـهــو وتـجـهــلُ أنّ مُـنـشِـدَهـا

نـذرَ الــفــؤادَ لـهـا ومــا جَـهَـرا

 

عَـشِـقـتْ ربابـتـه ومـا عَـلِـمـتْ

أنْ حــبّـهــا مَـنْ حَـرَّكَ الـوَتَــرا

 

كـم حَـجَّ فـي صـحـوٍ وفي حُـلُـمٍ

وتـلا رســائِـلَ سـعــفِـهـا سُــوَرا

 

يـشـكـو ولـكـنْ فـي ســريـرتِـهِ

دامي المُـنى يـسْـتـنـطِق الصُّوَرا

 

ولـربّـما صـلّـى الـعـشـاءَ عـلى

وِتْـرٍ وصامَ وفي الضُّحى فَـطَرا

 

صَـبٌّ أغـاظَ الـصّـبـرَ تـحـسَـبُـهُ

فــرطَ الــتـجـلّــدِ جـامِـداً حَـجَـرا

 

قـد غـادَرَ الـنـهـريـن وهـو فـتـىً

صـافـي الـمـرايا كالـنـدى خَـفِــرا

 

حَـمَـلَـتْـهُ قـسْــراً عـن شــواطِـئِـهِ

زُمَــرٌ تـرى فـي الظـلـمِ مجدَ ذُرا

 

ضـاق الـعــراقُ وكـان ذا سَــعــةٍ

ودجـى وكان الـمُـشمِـسَ الـنـضِــرا

 

أزرى بـهِ الأوغـادُ فـاحــتــبـسـوا

عـن حـقـلـهِ الـيـنـبـوعَ والـمـطـرا

 

عـرضـوا عليـهِ ظِـبـاءَ واحـتِـهـمْ

والـجــاهَ والأنــعــامَ فــاعــتــذرا

 

فـأبـى سـوى أنــثـاهُ يـسـكــنـهــا

وطـنـاً مـن الأحـلامِ لـيـسُ يُـرى

 

ويحي عـليَّ كـتـمـتُ حشـرجـتي

أحسـو مُضـاغَ الجمـر مُصطـبـرا

***

ثَمَّةَ لقاء جمعني قبل سنوات بالسَماويّ يحيى فِي مقهىً بغدادي عَلَى شاطئ دجلة، وَبينمَا كنا نتجاذب أطراف الحديث عَنْ الظروف الراهنة إذ خطر عَلَى باليّ مَا جعلني أسأله سؤالاً مفاده : يا سيدي حتى ربيعنا غدا صيفاً قائظاً، وربما يصبح فِي القادم مِن الأيام زمهريرا، فما الذي تبغيه مِنْ كتابة القصيدة فِي ظلِ هَذَا الواقع؟، فأجابني بثقة وَمِنْ دُون تردّد قائلاً : " في القصيدة أعوّض ما فاتني من كرامة، نعم حينما أهان بصفعة شرطي، أتعرف ما معنى أن يبصقَ بوجهي شرطي الأمن؟ كل انهزاماتي تذوب في القصيدة، أرسم الحياة التي أريدها بأدق تفاصيلها، أعوّض حطامي، أحلامي الذبيحة، أعوّض الشباب الذي ضاع في المعتقلات، السجون، فصل المطاردة، النقل القسري، ما كان معتماً الآن صار قوس قزح، الغد أصبح يتسع للفرح، فعلى الأقل أصبح بإمكاني أن أغفو مطمئنا أن أطفالي لن يُجلدوا ذات الجلد الذي جلدت فيه، ولن تعد من ضفيرة أختي مشنقة لمجاهد "، فازددت تَيَقُّناً أنَّ السَماويّ يحيى إنْسَان يعيش فِي وجدانه وطن.

 

لطيف عبد سالم

 

- صالات السينما: كانت في بغداد في السبعينيات عدد كبير من صالات السينما منها المخصصة للعوائل لانها تعرض افلام عربية كبابل والنصر في شارع السعدون، ومنها مخصصة للافلام الاجنبية والاكشن والكاوبوي كاطلس والسندباد وأحدها كانت تقدم افلام هندية لا اذكر اي منهما وهما في بداية شارع السعدون من جهة ساحة التحرير، وهناك دار سينما غرناطة في ساحة التحرير في موقع باعة ملابس البالات حاليا وكانت صالة راقية جدا وحديثة وتقدم افلام جيدة، وسينما الخيام في موقعها الحالي في شارع الخيام وكانت ايضا صالة راقية وتقدم افلام جيدة .اما الصالات القديمة كالحمراء والرشيد في شارع الرشيد وسينما بغداد قرب العلاوي فتقدم افلام قديمة ومعادة ويمكنك الدخول وتكرار مشاهدة الفلم دون تجديد التذكرة وغالبا روادها من الشباب والمراهقين ولا تقصدها العوائل.كما كانت هناك دور سينما في الاحياء السكنية كسينما البياع والكرنك في البياع وسينما بغداد الجديدة وغيرها .

- التلفزيون: حتى اوائل النصف الاول من السبعينيات كان البث التلفزيزني لا يزال بالاسود والابيض، لا استطيع تحديد تاريخ بدأ البث بالالوان بالضبط ولكنني اعتقد انه في عام 1972 او بعدها بقليل .كان تلفزيون بغداد يبث على قناتين قناة 9 وقناة 7 كما كانت تسمى انذاك، القناة الرئيسية هي قناة 9 وتبث البرامج الرئيسية حيث يبدأ البث بافتتاح التلفزيون بالسلام والشعار الجمهوري الساعة السادسة مساء عدا الجمعة من الساعة التاسعة صباحا ثم القرآن الكريم لمدة عشرة دقائق ثم افلام كارتون لمدة نصف ساعة ثم تبدأ البرامج الاخرى واهمها نشرة الاخبار الساعة الثامنة مساءا ويتغيرالموعد ساعة بين الشتاء والصيف، وفي الساعة العاشرة مساءا يقدم موجز للانباء قصير ثم السهرة التي تكون يوم الخميس والاثنين فيلم عربي وغالبا الخميس فيلم جديد والاثنين فيلم قديم ويوم الاربعاء والاحد فيلم اجنبي ويوم السبت مسلسل اجنبي ومن اشهر المسلسلات التي عرضت ستارترك والمنتقمون ويوم الثلاثاء مسلسلة عربية او سهرة عراقية والجمعة مسرحية عربية كما تقدم مسرحية عربية عصر الجمعة، يقدم برنامج (العلم للجميع) وهو برنامج مشهور يهتم بالعلوم استمر عرضه من الستينيات حتى الثمانينيات من قبل المرحوم كامل الدباغ يوم الاربعاء الساعة التاسعة مساءا وبرنامج (الرياضة في اسبوع) يوم الثلاثاء وهوبرنامج استمر عرضه حتى التسعينيات من قبل الاستاذ مؤيد البدري ندعوا له بالصحة والعافية وطول العمر وبرنامج عدسة الفن يوم الخميس قبل فلم السهرة.اما قناة 7 فكان اهم ما يميزها نشرة الاخبار باللغة الانكليزية والمنوعات الاجنبية .

- ملابس النساء :كانت البنات والنساء في مدينة بغداد قد بدأن يذهبن للمدارس بكثافة والعوائل حريصة على تعليم بناتهن وحتى الوصول الى الجامعة وكانت البنات قد بدأن يلبسن احدث الازياء ويتابعن الموديلات وكان الميني جوب والمايكرو جوب كزي نسائي قد غزا المدينة كحال المدن العربية الهامة الاخرى.لم يكن البنطرون شائعا كزي نسائي وكانت الدولة تحاول منع الملابس النسائية الصارخة هذه على اساس انها غير محتشمة واشيع ان مفارز من الشرطة تقوم بصبغ سيقان النساء اللاتي يلبسن الميني جوب للحد من هذه الظاهرة ولكني شخصيا لم ارى ذلك.كانت الالوان الزاهية لملابس البنات تسر الناظرين ولم تكن هناك بنات محجبات كما هو الزي الشائع الآن اي لا يوجد غطاء للرأس بل هناك نساء يلبسن العباية خصوصا في المناطق الشعبية او من كبيرات السن.اما المناطق الراقية او الدوائر الحكومية فتتزيى النساء فيها باجمل الملابس والالوان والموديلات.

- ملابس الرجال: كان الرجال وخصوصا من الشباب قد بدأوا كما في النساء يلبسون على الموديل وانتشر في السبعينيات بنطرون الجارلس وهو بنطرون يكون واسعا من الاسفل وضيقا من الاعلى وانتشرت في بداية السبعينيات بناطيل ملونة مصنوعة من قماش الديولين صارخة الالوان كالبنفسجي والبرتقالي والاخضر والاصفر وقمصان ملونة او مشجرة تترك مفتوحة ازرار الصدر لتظهر شعر الصدر مع حزام عريض في مقدمته حلقة معدنية كبيرة.وبالنسبة للحلاقة فانتشرت حلاقة الخنافس (وهي فرقة موسيقية غربية مشهورة تسمى البيتلز او الخنافس) تتميز قصة الشعر بطول الزلفين وطول الشعر بحيث يغطي الاذنين وشاع استخدام السشوار بسبب ذلك لتعديل الشعر الطويل .

- الغناء: ادى انفتاح المجتمع الى تعلق الشباب بالاغاني الشائعة والفنانين المصريين وكان عبدالحليم حافظ اشهرهم وفريد الاطرش ونجاة وفائزة احمد ووردة وشادية وكان لا يزال المزاج العام مع القصيدة المغناة وكانت الموسيقى الشرقية التقليدية هي الحاكمة والمسيطرة على الشارع وفي اواسط السبعينات وبعد موت عبدالحليم حافظ بدأ ظهور موجات جديدة من الاغاني التي تميل الى الايقاع السريع والابتعاد عن القصيدة وبدأ مزاج الجمهور يتغير باتجاه الاغاني القصيرة فظهرت (فرقة ابوعوف او الفور ام) التي تغني الاغاني العربية على ايقاع غربي، وكان قد ظهر مسجل الكاسيت وانتشر استخدامه كثيرا وانتشرت محلات التسجيلات التي تبيع الكاسيت بمختلف الاغاني العربية والعراقية.كانت الاصوات العراقية الشبابية في تلك الفترة هي ياس خضر وحسين نعمة وفاضل عواد هي الاشهر ثم ظهرت بعدها اصوات اخرى كسعدون جابر وحميد مصور. (يتبع)

 

د. احمد مغير - طبيب اختصاص وباحث

 

 

تحل بعد ايام الذكرى الستين لثورة الرابع عشر من تموز 1958 وان مفهوم الخلود هو الذكرى الايجابية الدائمـة وهو ما تتميز به ذكرى الثورة لدى الغالبية الساحقة من ابناء الشعب العراقي الشرفاء بالرغم ما تعرضت لها الثورة من تشويهات وهجمات مغرضة لم تتوقف يوما فنجد مثلا من يحاول طعن ذكرى الثورة من خلال اعتبار العهد الملكي هو " الزمن الجميل " الذي اغتالته الثورة متناسين معاناة القطاعات الغفيرة من الفلاحين من ظلم الاقطاع ومعاملته لهم كالعبيد مما الى الهجرة الغفيرة من الريف لأطراف بغداد لمدينتي الشعب والثورة والعيش في الصرائف والبيوت الطينية لغاية ثورة 14 تموز 1958 التي منحتهم بيوتا لائقة للعيش وكذلك تزوير ارادة الشعب والفقر وفقدان السيادة عبر التبعية للحكم البريطاني ونهب ثرواته النفطية ، كما ويتناسون ايضا الطابع القمعي للنظام الملكي وسجن الاف السجناء السياسيين في نقرة السلمان وسجن الكوت على سبيل المثال لا الحصر ، كيف يمكن الدفاع عن هذا النظام الذي استند على القمع وتعذيب السجناء في اروقة الامن العامة بإشراف سعيد قزاز وبهجة العطية هؤلاء المجرمين الذي نالوا جزائهم العادل في محاكمات شعبية علنية كانت مدرسة لرفع وعي الناس كما وفرت المحامين للمتهمين وحرية الدفاع عن انفسهم ، اليس غريبا ان نجد رغم كل ذلك من يهب اليوم لتبييض صفحة هؤلاء المجرمين.

لنتخيل مجازا كيف كان يمكن ان يصبح حال العراق لو لم تتم عملية اغتيال ثورة تموز في الانقلاب البعثي الفاشي في 8 شباط 1963 بتوجيه وادارة مباشرة من المخابرات الامريكية وشركات النفط المتضررة من قانون رقم 80 لسنة 1959 الذي استرجع الجزء الاكبر من حقوق العراق النفطية ، نعم كان يمكن ان يكون العراق ضمن الدول المتقدمة كما حصل لماليزيا مثلا وطبعا هذه امنيات لم يكتب لها التحقق لأسباب كثيرة ليس المقال بصدد تحليلها بهذه العجالة الا ان اي منصف لا يمكنه نكران انجازات ثورة 14 تموز التي تحققت خلال عمر الثورة القصير جدا .

لاشك ان لكل ثورة نواقص واخطاء كما ينبغي ان لا ننسى ان ثورة 14 تموز بدأت بانقلاب عسكري تحولت بالتأييد اشعبي المنقطع النظير الى ثورة عارمة ويمكن القول عند مقارنتها بثورات عالمية كالثورة الفرنسية مثلا يمكن اعتبار ثورة العراق مجازا ثورة سلمية اي قامت باقل سفك دمـاء رغم ان ذلك لا يبرر قتل العائلة المالكة او سحل الوصي و نوري السعيد رغم جرائمهم لان تلك الاعمال المدانة جرت بعفوية واندفاعات شعبية غير منضبطة ولا يوجد لحد الان اي دليل على وجود تخطيط سابق لها من قبل الضباط الاحرار.

لقد عاش الشعب العراقي بمختلف احزابه السياسية ومنظماته الجماهيرية اجواء من الحرية والديمقراطية خاصة في الفترة الاولى التي اعقبت الثورة قبل ان تتعرض الثورة للغدر والمؤامرات التي اعقبت محاولة اغتيال قائد الثورة عبد الكريم قاسم في رأس القرية لتعقبها مؤامرة الشواف المسنودة مالا وسلاحا من قبل الجمهورية العربية المتحدة والرئيس جمال عبد الناصر وادى كل ذلك الى ظهور نهج دكتاتوري لعبد الكريم متوهما بان الخطر على حكمه يأتي من الشيوعيين والاكراد متجاهلا الخطر الحقيقي وسبب كل ذلك نكوص الثورة وخيبة امل الجماهير المسحوقة بها لينفتح المجال امام اعداء الثورة للتآمر عليها واجهاضها وقتل احلام الشعب بانقلاب دموي في 8 شباط وكما قال علي صالح السعدي بانهم جاءوا للحكم بقطار امريكي.

اعتبر الوفاء لثورة 14 تموز دينا علي وعلى الالاف من الكوادر العلمية الذين كانت الثورة سببا بتوفير فرصة الدراسة والتعلم بالجامعات العراقية والاجنبية حيث انتهجت الثورة تخطيطا علميا لنشر التعليم العالي وتوفيره مجانا امام شريحة واسعة من العراقيين في حين كانت الجامعات سابقا حكرا على اصحاب المال والطبقة البرجوازية وقامت الثورة بإرسال الاف البعثات العلمية للدول المتقدمة وكانت المنافسة تجري وفق معدلات الخامس ثانوي "البكلوريا" دون اي تمييز سياسي او عرقي او طائفي وتلك هي الايام التي على المنصفين ان يسمونها "الزمن الجميل" ولقد كنت احد المبتعثين لدراسة الهندسة الميكانيكية في المانيا الغربية عام 1960 ولكن البعثة لم ستمر بالنسبة لي ولمئات اخرين الا بضعة سنوات حيث تم فصلنا بعد انقلاب 8 شباط بأسابيع بفضل التقارير التي رفعها طلبة بعثة زملاء لنا ولكنهم بعثيين تحولوا الى مخبرين امنيين للانقلاب !

انني بالرغم من ان اولى ذكرياتي تعود لعام 1956 حول مساهمتي المباشرة في التظاهرات السلمية التي كانت تقمع بالقوة من شرطة نوري السعيد حيث اتذكر وانا شاب صغير مشاركتي في المظاهرات المؤيدة لتأميم قناة السويس والتنديد بالحكم الملكي ونوري السعيد وحلف بغداد حيث كنت ارفع على الاكتاف لإنشاد قصيدة "اين حقي" للشاعر محمد صالح بحر العلوم وغم كوني في الصف الثاني متوسط فقد تعرضت الى الفصل من المدرسة لبضعة اشهر وفصل اخي الاكبر من الخامس ثانوي وتم تجنيده وارساله الى معسكر راوندوزموقع ابعاد المفصولين السياسيين من طلبة الثانويات حيث زرناه شتاء ولكن رغم الوعي السياسي المبكر الذي يتميز به ابناء ذلك الجيل الا انني اعتبر نفسي من جيل ابناء ثورة 14 تموز التي فتحت ابواب العلم والمعرفة على اوسعها امام الشباب العراقي المتعطش للتطور والتقدم .

ان وطنية ونزاهة الغالبية الواسعة من ضباط ثورة 14 تموز يشهد بها الاعداء قبل الاصدقاء والمعروف ان عبد الكريم قاسم لم يخصص دارا لشخصه الزاهد ولم يمتلك اية ثروة عند استشهاده بعد محاكمة صورية على ايدي الجلادين المجرمين في بناية محطة الاذاعة بالصالحية بصحبة الابطال الشهداء من زملاءه قادة الثورة الضباط وصفي طاهر وعباس المهداوي وماجد محمد امين لتعقب تلك المحاكمة حملة دموية من الاعتقال والتعذيب و القتل لعشرات الالاف من العراقيين الشرفاء ومن المؤسف انه رغم الخلاص من حكم الطاغية صدام لم يبادر المسئولين الجدد الى حتى اقامة ولو نصب تذكاري لتخليد ثورة 14 تموز التي لا اعتقد بوجود مثيل لها في تاريخ العراق الحديث .

لتبقى ذكرى ثورة 14 تموز خالدة على امل تعلم الدروس والعبر المطلوبة منها لوضع العراق على سكة التطور والتقدم في وقت قريب عبر الخلاص من الطائفية والمحاصصة والفساد والفاسدين واعتماد مبدأ المواطنية وحكم القانون في عراق مدني ديمقراطي.

 

د. محـمـد الموسـوي

 

 

كاظم الموسويفي اول حفل للتعارف بين الطلبة الجدد والقدامى وأسرة التدريس ومنظومة العمل في الاكاديمية، وهو تقليد سنوي متعارف عليه للتواصل والتعارف والتقييم للأعمال السابقة واللاحقة وفهم الأجواء الاكاديمية، جلست جانبي زميلة بلغارية، طالبة دكتوراه ايضا في اختصاص العمل الحزبي، وهي ابنة محافظ لمدينة في الشمال الشرقي لبلغاريا، وعرفت أن أغلب الطالبات الأخريات بنات او اقارب مسؤولين في الحزب أو الادارة، بشكل أو بآخر. جرى اللقاء بيننا على سجيته، اسئلة اولية، من اين انت؟ ماذا ترغب أن تدرس؟. كم لغة تتكلم؟ وامثال تلك الأسئلة الاولية، واستمرت السهرة.

كلفت أن ألقي كلمة الطلاب الجدد، في بداية الحفل ضمن البرنامج الاول، والقيتها باللغة العربية، وكان المترجم العراقي في الأكاديمية الرفيق ضياء مجيد قد وقف الى جانبي يترجم الى البلغارية، فاختصرتها بتحية الأكاديمية وشكر القائمين بالحفل والوعد بأن نكون طلابا جادين نستفيد من خبرة ومعرفة رفاقنا البلغار، الذين وفروا لنا هذه الفرص الثمينة. وبعدها بدأت وصلات غناء منوع وموسيقى شعبية وجلسة مفتوحة لمن رغب البقاء فيها.

سألتني مرة كاترينا عن الموسيقى التي احب، فقلت لها الكلاسيكية، والموسيقى الهادئة فدعتني الى حضور بحيرة البجع في دار الأوبرا في وسط صوفيا، واستمتعنا وامتعنا تشايكوفسكي، الذي ألفها عام1887 وعرضت في تلك السنة اول مرة على مسرح البولشوي في موسكو، وقد شاهدتها اكثر من مرة، هناك على مسرح البولشوي، او على الشاشة الصغيرة، في التلفزيون. وتكررت زياراتنا لدار الأوبرا، تقريبا مرة كل شهر، وصرنا نتابع برنامجه الموسيقي وندعو اصدقاء معنا ايضا. فالموسيقى لغة الروح، لا تحتاج إلى كلمات وجمل محكية.. بل جمل موسيقية جذابة، تشد السمع وتطرب الاذان وتلفت الإنتباه والانظار. ولا يمل تكرار الحضور ولا يكل المرء من التمتع بما يراه ويسمعه من ابداع فني حقيقي وخلق جمالي متفرد. نقرا محتوياتها في المختصر الذي يباع في بدايات العرض ونغرق في روعة الأداء والإبداع.

الدخول الى المجتمع البلغاري ومعرفة عاداته وتقاليده ووسائل عيشه ولاسيما الوسط الثقافي والسياسي منه يتم بالتدريج وببساطة وألفة حميمة، وعبر الصحافة والتلفزيون والراديو والحياة الجامعية والعلاقات التي تتولد منها. فهو مجتمع مفتوح وليس ثمة تعقيدات اجتماعية أو سياسية تعزله عن الاجانب القادمين اليه، لاسيما القريبين منه جغرافيا. وهناك أكثر من رفيق لنا متزوج من سيدة بلغارية.. ورغم اننا، العراقيين الدارسين، في الاكاديمية ندرس ونعمل بشكل سري، بحكم ظروفنا الحزبية والسياسية، التي لا تسمح لنا الإعلان او التواصل مع غيرنا من الطلاب العراقيين في الجامعات مثلا، او العراقيين الاخرين المقيمين في المدن قبلنا. ورغم ظروف السرية تلك كانت هناك خروقات مبررة حزبيا، او تصنعها اعمال اضطرارية، واحيانا صدف غير مقصودة. في كل الاحوال كانت الزيارات او اللقاءات الاعتيادية شبه محرمة وممنوعة حزبيا، هذه تقاليد متوارثة ولا تجديد أو فهم معاصر لها، وربما إصرار فيها يعكس العقلية الإدارية طيلة تلك السنوات وحتى الان، بعناوين مختلفة.

كان الرفاق العرب، او اغلبهم، لا يعرفون او يتعاملون فيما بينهم مثلنا، واغلبهم يتحركون باسمائهم الصريحة، وشبكات معارفهم واسعة، رغم أن أحزابهم قد لا تكون علنية او مجازة في بلدانهم. وكنا نحرج احيانا او نتجاوز الأمر كما اعتدنا على أسمائنا السرية في الزيارات او الاحتفالات الحزبية او المناسبات الخاصة بكل حزب أو شعب. وكانوا يطلبون مشاركة الحزب فيها، ولابد من إلقاء كلمة أو حضور مشارك. وقد ساهمت في عدد منها وادرت احتفالات حزبية لاشقائنا بطلب منهم وبموافقة طبعا. وشكلت هذه النشاطات علاقات إيجابية مع العديد من الرفاق من تلك المنظمات.

تعود كاترينا من زيارة أهلها في الاجازات محملة بما تموّنه امها لفترات الشتاء، او ما تعده من وجبات طعام شعبية، تجهزها في مواسم الخضروات والفواكه لايام أخرى. وهي عادات شعبية معروفة في الارياف، حتى عندنا في بعض مناطقنا، في شمال العراق أو أطراف الفرات والجنوب او في الريف السوري واللبناني عموما. وكانت الوجبة الرئيسية من أنواع الزيتون والفلفل المخلل وزيت الزيتون والاجبان المخثرة والباذنجان والفلفل والبطاطا المحشوة وغيرها من الانواع المعروفة، مضافا لها قناني الركية المعتقة من سنوات. الامر الذي ينوّع وجبات طعامنا واكلاتنا اليومية، وموائد ولائمنا لبعض الاصدقاء المقربين منا.

دعانا الرفيق ضياء، الرفيق ابو علي (حسين سلطان) وانا، اكثر من مرة الى بيته وقضينا سهرات ممتعة مع الذكريات والاحاديث الشيقة عن اخر التطورات والاحداث الجارية هناك في الوطن البعيد، او هنا في الوطن القريب. وكذلك كان الرفيق ليث حميد، يدعونا إلى بيته في العاصمة والى بيت اهل زوجته في القرية، والبلغار لا يختلفون عن اهلنا في قرانا وريفنا، كرماء ويحبون الضيوف ويتسابقون في ضيافتهم بما لديهم، وكان أغلب البلغار يملكون بيوتا لهم في القرى في انحاء بلغاريا، يقضون ايام الاجازات والاعياد فيها، اذا كانوا من أهل المدن اساسا.. مثلما حصل مع الرفيق ضياء واهل زوجته البلغارية. ( ذكرتني صور فوتوغرافية عن تلك الحفلات العائلية الحميمة والتي لها طعمها الخاص بيننا ومن يشاركنا فيها، واحدة منها تضم الرفيقين الراحلين ابو علي وأبو دنيا (ماجد عبد الرضا) ومدرسة اللغة البلغارية وليث وزوجته البلغارية). وكذلك كان الرفيق نوزاد نوري، له قصصه الخاصة، في كل دعوة لنا بمناسبة عيد ميلاده الذي يتكرر كلما رغب ذلك، دون تحديد سنة له، يأتي ويحملنا في سيارته الفولكس واغن القديمة، السلحفاة، والتي كلما نصعد فيها أو ننزل منها نبقى فترة متعجبين كيف حملتنا وكيف ضمتنا وكيف اوصلتنا، وكيف يدخلها الرفيق ويخرج منها. والرفيق نوزاد مشهور بطرائفه الكثيرة، التي تتعلق بالطعام والشهية المفتوحة، إضافة إلى تاريخه النضالي المشهود له فيه. من بين تلك الطرائف المتداولة أن أحد الرفاق القياديين زاره بعد إجرائه عملية شطف الشحوم في المستشفى ونصحه أن يأكل الخضروات والمواد الجافة والمشويات ولا يكثر من اللحوم والنشويات، فرد عليه بعد أن دعاه إلى وليمة دسمة من كل ما لذ وطاب، طيب رفيق و(ليّة الطلي)، ذيل الخروف، من اين تاتي؟، ماذا يأكل غير الحشيش؟! وكنا نضحك كثيرا عند تلك الطرائف والقصص التي تعتبر ماركة مسجلة للرفيق نوزاد. مثل قنينة الويسكي الثانية التي منعه رجل الجمارك في المطار من أخذها معه، ففتحها وأخذ يشربها مباشرة، وصاح به الرجل: ماذا تفعل؟! فرد عليه: اشربها كلها ولا اسلمها لك. ليس عندي ممنوع وغير مسموح في الويسكي. كما حصل مع رفاق آخرين لقاءات ودعوات وزيارات لهم في أماكن سكنهم، خاصة خارج العاصمة، في المدن الاخرى، وفيها طرائف ممتعة ظلت متداولة فترات بيننا، او عرفنا منهم أماكن جديدة تستحق الزيارة والتعرف عليها، عن تجربة ومعايشة ملزمة.

كانت هذه الدعوات واللقاءات الأخوية العائلية تقرب بيننا وتشد من الأواصر والتفاهمات في المواقف والافكار، لاسيما بعد عناء البحث والدراسة والاستشارات، ولكنها تجر علينا، او على بعضنا، ما لا يحمد او يرغب به. لاسيما وأن الأجواء كانت ملغومة ومشحونة بكثير من التناقضات والصراعات او العلاقات غير الصحية في أحسن تقدير لها. كانت الشبهات بالتكتل وتجمع المخالفين لسياسات لم تثبت صحتها، كما كانت بلاغات الحزب وقيادته تفتح بالسطر الذي يقول أثبتت التجربة صحة مقولات وسياسات الحزب التي قادته بالاخير إلى ما وصل إليه من اوضاع لا يحسد عليها ولا تغنيه عملا وبناء حزب جديد مؤثر وقدير، ولديه كل ما يجعله يواصل تاريخه ونضاله وصموده ومحطاته المعروفة.

بلا شك لا تمر الايام بلا مزعجات. فقد تلقيت والرفيق ابو دنيا وكذلك مع الرفيق ابو علي دعوات أخرى من "رفاق" آخرين و"أصدقاء" عديدين ولكن بعضها لم ينته بخير أو يستمر كما تمنيناه، فبعض من هؤلاء افسدها بما لا يليق به من رفقة أو صداقة أو حتى معرفة عابرة. إذ تكشف أن ثمة فهما خاطئا للتحزب أو عضوية الحزب، وكذلك العلاقات التنظيمية أو الوعي السياسي عموما. فحين خسر هؤلاء وفاء وحرصا نزيها افتقدوا الود والاحترام والتقدير ايضا.

ضحك صاحبي وهو يردد مقولات للامام علي، تمكنت من تسجيل هذه؛ "الصاحب مناسب والصديق من صدق غيبه، رب بعيد أقرب من قريب وقريب أبعد من بعيد، والغريب من لم يكن له حبيب، وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل، ومن لم يبالك، فهو عدوك، لا خير في معين مهين، ولا في صديق ظنين "!.

 

كاظم الموسوي

غانم العنازتمر في هذه الايام الذكرى الستين لثورة 14 تموز عام 1958 التي كانت فيها نهاية الحكم الملكي في العراق ومقتل الملك فيصل الثاني وبداية الحكم الجمهوري بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم.

فقد كان عهد الزعيم عبد الكريم قاسم بالرغم من قصره الذي لم يزد عن اربع سنوات ونصف يعج باحداث سياسية كبيرة منها محاولة الانقلاب الاولى لرفيق دربه عبد السلام عارف التي انتهت بالفشل وبسجنه ومن ثم العفو عنه ووضعه تحت الاقامة الجبرية.

ثم محاولة الانقلاب الثانية الذي قادها عبد الوهاب الشواف في الموصل والتي انتهت بالفشل ومقتله.

كما كانت هناك محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد في بغداد التي نجا منها باعجوبة، حيث كنت في تلك الايام ضابط احتياط منسب الي المديرية العامة للاشغال العسكرية في وزارة الدفاع، فكنت امر صباح كل يوم امام سيارته الاستيشن المثقبة بالرصاص المعروضة امام وزارة الدفاع.

لقد رافق تلك الاحداث الجسام صدامات دامية في الموصل وكركوك اضافة الى المظاهرات والاحتجاجات المستمرة المؤيدة والمعارضة لسياساته لينتهي عهده بالانقلاب الثالث والاخير في 8 شباط 1963 على يد رفيق دربه الذي كان قد عفا عنه من قبل، عبد السلام عارف.

وعهد حافل بالأحداث

وبالرغم من كون عهد الزعيم عبد الكريم قاسم صاخبا بالاحداث السياسية الا انه كان حافلا باحداث غاية في الاهمية.

1 - فقد انشأ وزارة النفط التي اصبحت مع مرور الزمن من انجح الوزارات العراقية.

2 - مساهمة العراق في عهده مع المملكة العربية السعودية وايران وفنزويلا بتأسيس منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) التي استطاعت من انتزاع هيمنة الشركات العالمية الكبرى على انتاج وتحديد اسعار النفط في العالم لتصبح اهم منظمة بترول فاعلة في اسواق البترول العالمية حتى اليوم بعد انضمام الكثير من البلدان الاخرى اليها.    

3 - تم في عهده استرجاع 99.5 % من اراضي شركات نفط العراق والبصرة والموصل باصدار القانون رقم 80 الشهير.

4 - تم كذلك اعداد مسودة شركة النفط الوطنية التي اعلن عنها بعد سنة من وفاته في 8 شباط 1964 التي نجحت بعد ذلك في اكتشاف العديد من حقول النفط العملاقة كمجنون وغرب القرنة وتطرير وانتاج النفط من حقل الرميلة الشمالي والعديد من الحقول الجديدة المكتشفة كغرب القرنة والبزركان وغيرها.

5 - اصدار قانون الاصلاح الزراعي الذي خفف من حدة الاقطاع وقام بتوزيع الاراضي على الفلاحين.

6 - انشاء مدينة الشعب لاسكان ابناء الشعب خصوصا الذين كانوا يسكنون الصرائف البدائية التي لا تليق بالعاصمة بغداد اضافة الى انشاء مدينة الضباط التي وفرت المساكن اللائقة لمنتسبي الجيش العراقي وعوائلهم وما رافق ذلك من انشاء المدارس والمعاهد والاستمرار بتنفيذ مشاريع مجلس الاعمار وغيرها.

7 - قيامه بتشكيل وزارات وطنية ضمت العديد من الخبراء كمحمد حديد والكتور ابراهيم كبة والدكتورة نزيهة الدليمي كاول وزيرة في العالم العربي وهاشم جواد ومحمد سلمان واسماعيل العارف وهديب الحاج حمود وفيصل السامرائي وغيرهم الكثير فقد كان يردد رحمه الله بانه (فوق الميول والإتجاهات).

جواز السفر وما ادراك ما جواز السفر

انني لأذكر تلك الاحداث الصاخبة خصوصا التي انتهت بالانقلاب الاخير يوم 8 شباط عام 1963 حيث كنت قد قررت السفر الى بريطانيا واستغرق الحصول على جواز السفر اشهر عديدة.

كان ذلك التأخير بسبب تلك الاحداث الجسام التي ذكرناها اعلاه وما نتج عنها من منع للتجوال والتأخير بالمعاملات خصوصأ ما يتعلق منها باصدار جوازات السفر وما صاحب ذلك من الكثير من التحريات والغوص في التوجهات السياسية لطالبي الجواز والسؤال ليس عن الاب الجد الام والزوجة والاولاد فقط بل عن العم والخال وابنائهم اضافة الى الاصدقاء والزملاء وغير ذلك من الامور التي ما كانت لتخطر على البال والتي اصبحت تعتبر من وجهة نظر السلطات من الامور الضرورية ناسية أو متناسية بذلك انها من الاساليب العقيمة والبالية ذات الفائدة المحدودة اذا ما قورنت بالمعاناة والاضرار والاستياء والتأخيرالتي تسببه للمواطن المسكين وترهقه.

لقد كنت في تلك الفترة ضابط احتياط معارة خدماته الى شركة نفط العراق المحدودة في كركوك وكنت قد قدمت طلب لاصدار جواز سفر جديد وكنت على معرفة بمدير الجنسية والجوازات الذي كنت اتصل به بين الحين والآخر للاستفسار عن تقدم المعاملة ليخبرني في يوم من الايام بان الموافقة قد حصلت ودعاني للحضور لاكمالها اصدار الجواز.

ذهبت للسلام عليه وشكره ليرسلني الى مفوض الجوازات لاصدار الجواز. وهناك كانت المفاجأة التي لم تخطر ببالي اذ اخبرني المفوض بان اسمي (غانم العناز) على قائمة الممنوعين من السفر.

رجعت الى مدير الجنسية ليبدي استغرابه وقال لابد ان يكون هناك التباسا بالاسماء فان قائمة المنع قد نصت على الاسم واللقب فقط (غانم العناز) دون ذكر اية تفاصيل اخرى كاسم الاب والجد وغير ذلك. فخطر ببالي قد يكون المقصود بالمنع المرحوم (محمد غانم العناز) حيث لم اكن معنيا بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد. فقام الرجل بارسال كتاب الى مديرية الجنسية العامة في بغداد للاستفسار عن المعني بالمنع كاسم الاب والجد وغير ذلك ونصحني بمتابعة الموضوع هناك والا قد يتأخر الجواب اسابيع ان لم يكن اشهر بسبب الاضطرابات التي لم تكن لتهدأ الا ان تثار من جديد.

ذهبت الى بغداد ليقوم بمرافقتي المرحوم المقدم محمد فاتح الاطرقجي في الذهاب الى مديرية الجنسية العامة حيث ان الدخول الى مديرية الجنسية العامة لمتابع المعاملة ليس بالامر السهل في خضم تلك الاحداث. فقام رحمه الله بالواجب حيث كان الضابط في تلك الايام ذو هيبة وتقدير حيث ظهر بعد التحري وتدقيق السجلات بانني ليس المقصود بالمنع بل كان كما توقعت المرحوم (محمد غانم العناز) حيث ظهر بانه كان مبعدا من الموصل الى مدينة الحلة. حرر كتاب بهذا المعنى الى مديرية الجنسية والجوازات في كركوك ليتم على ذلك اصدار جواز سفري في بداية عام 1963.

وهنا لا بد ان اضيف بان تلك الاساليب البالية لاصدار جوازات السفر قد زادت مع مرور الزمن في التعقيد حتى يومنا هذا ليصبح طالب جواز السفر متهما عليه اثبات براءته قبل التفضل بالانعام عليه بمنحه جواز السفر. لقد نسي الجميع وتناست السلطات خاصة بان جواز السفر هو حق من حقوق المواطنة لا هبة من الحكومات الجاهلة المتعاقبة.

فمتى ستستفيق الحكومات من سباتها للقضاء على هذا الشر المستطير الذي يعاني منه المواطن المسكين الامرين والذي اصبح مستشريا لا يطاق؟

لقد كتبت عن ذلك الموضوع والمعاناة التي يلاقيها المواطن المخلص لوطنه قصيدة بعنوان (جواز سفر) التي تم ترجمتها الى اللغة الانكليزية من قبل الصحفي البريطاني James Cane والمنشورة على صفحته التي ابدأها الابيات التالية

قــد بُـلـيــنــا بــجــواز ٍ

ما صفـا يـومـاً وطـابْ

فهـــو كالـمعلـولِ فـيـنـا

فــيــهِ حـمّـى واكـتـآبْ

وانهيها بالابيات التالية

فهــو دوماً تـحـت شـك ٍ

وهُــمـــو فــي إرتــيـــابْ

يا تُـرى هـل من دواءٍ

قــبـل فـقــدان الصــوابْ؟

الرحلة الى اسطنبول

على كل حال حمدت الله عز وجل على حصولي على جواز السفر وتم الحجز على الخطوط الجوية العراقية لصباح يوم 8 شباط 1963 الى لندن عن طريق اسطنبول.  

كنت في ذلك الوقت كما ذكرت اعلاه اعمل في شركة نفط العراق المحدودة في كركوك فسافرت الى بغداد في يوم 7 شباط لاكون جاهزا للسفر صباح اليوم التالي.

وقد كان من غرائب الصدف ان يكون شقيقي، مدير الامور الطبية للقاعدة البحرية في البصرة، العميد الطبيب يحيى العـناز مسافرا على نفس الطائرة الى اسطنبول في طريقه الى باكو في اذربيجان بدورة في طب الغوص.

ذهبت انا واخي في الصباح الباكر من يوم 8 شباط الى مطار بغداد القديم الذي سمي بعد ذلك بمطار المثنى وكانت بغداد لا زالت شبه نائمة والشوارع شبه خالية وليس هناك ما ينم عن اية امور غير اعتيادية.

كانت معاملات السفر في المطار طبيعية لنستقل الطائرة في طريقنا الى اسطنبول لنفترق انا واخي هناك لاستمر انا على نفس الطائرة الى لندن وليأخذ اخي طائرة اخرى الى باكو.

اقلعت الطائرة بالموعد المحدد لها لتأخذ مسارها شمالا بمحاذاة نهر دجلة. كان الجو صافيا رائقا والشمس قد بدأت بالشروق لتعكس اشعتها الاولى على مياه دجلة الرقراقة لترسم لوحة غاية في الجمال تدخل البهجة والسرور والاطمئنان في نفوس ركاب الطائرة. وعند وصولنا الى منطقة الفتحة بين جبل مكحول وجبل حمرين التي تعبر عندها خطوط انابيب تصدير النفط عبر سوريا الى البحر الابيض المتوسط بدت لنا شعلات حرق الغاز في معمل التركيز ومحطات عزل الغاز في كركوك التي كنت قد فارقتها قبل اقل من 24 ساعة لتزيدني راحة واطمئنانا.

كل ذلك الشعور بالراحة والاطمئنان بدأ بعد ذلك بالتلاشي تدريجيا حيث بدت هناك حركة غير اعتيادية بين المضيفات ليتبع ذلك همسا فيما بينهن ينم بشكل واضح ان هناك امرا هاما لم يفصحن عنه بالرغم من استفسار بعض الركاب مما زاد في الغموض والترقب عما يخفين من اسرار.

وعندما حطت الطائرة في مطار اسطنبول وذهبنا الى احدى قاعات المطار استقبلنا حشد من المراسلين الذين امطرونا بالاسئلة والاستفسارات عن ما جرى ويجري في بغداد صباح ذلك اليوم. وعندما اخبرناهم بان بغداد كانت هادئة تماما عندما تركناها قبل ساعات قليلة علمنا منهم بالمقابل بان هناك انقلابا عسكريا.

إنقلاب 8 شباط 1963 ومقتل الزعيم عبد الكريم قاسم

ودعت اخي واستقليت الطائرة لاكمال رحلتنا الى لندن دون اية اشارة من قائد الطائرة عما جرى او يجري في بغداد ليعلن بعد فترة قصيرة بانه كان قد فقد الاتصال بمطار بغداد بعد فترة قصيرة من مغادرته لذلك لم يكن عنده اية معلومات عن سبب الانقطاع وكان قلقا من استلام اشارة بالرجوع الى بغداد لذلك لم يرد ان ينشر اية بلبة بين الركاب.

وصلت الى مطار لندن بسلام لأرى مساء ذلك اليوم خبر الانقلاب الذي قاده عبد السلام عارف على التلفزيون البريطاني الذي بث صور قصف وزارة الدفاع وليعلن في اليوم الثاني عن مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم بدم بارد.

لقد كان مشهد قيام الطائرات الحربية العراقية بقصف وزارة دفاعها محزنا بقدر ما كان مخجلا امام المشاهد البريطاني الذي سخر من ذلك العمل الصبياني من طائرات يفترض منها حماية الوطن لا قصف وزارة دفاعه.

هكذا انتهى ذلك العهد الصاخب بالاحداث الجسام لكن الانقلابات والمؤامرات والمظاهرات والاغتيالات والملاحقات والاعتقالات لم تنته بل زادت بالعنف والقسوة والبطش ليعاني منها المواطن المسكين الامرين عبر سنين طويلة والتي مازالت مستمرة حتى يومنا هذا.

تُرى متى سينعم المواطن العراقي بالامن والاستقرار والعيش الكريم كما ينعم بذلك خلق الله في في ارض الله الواسعة؟

ام يا ترى ذلك بعيد المنال بالرغم من توفر كافة الامكانيات البشرية الهائلة الماهرة التواقة للعمل الشريف والعقول النيرة القادرة على قيادة النهضة المرجوة اضافة الى الموارد الطبيعية الوفيرة في هذا البلد الغني العريق والتي تكفي لتوفير سبل العيش الكريمة لكافة ابنائه ان استغلت بذكاء وتعقل وحكمة؟

نرجو ان لا يطول الانتظار.

ألإلتباس بالاسماء مرة اخرى

لقد مرت عبر السنين عدة حوادث حصل لي فيها التباس بالاسماء بيني وبين المرحوم محمد غانم العناز كان اخرها بعد وفاته مباشرة.

فقد قامت جريدة الزمان في 12 كانون الاول 2017 بنشر نعي وفاة المرحوم محمد غانم العناز لترفق صورتي الشخصية مع النعي.

جلب ذلك انتباه الاستاذ جلال جرمكا رئيس تحرير مجلة الكاردينيا لمعرفته بي عن طريق نشر مقالاتي في جريدته الغراء فقام مشكورا على اثر ذلك باعلامي للكتابة الى الجريدة لتصحيح الالتباس بذلك فقمت بالكتابة الى الجريدة ما يلي :

""السيد رئيس التحرير المحترم

لقد نشرتم في جريدتكم الغراء في يوم الثلاثاء 26/12/2017 خبر نعي كل من الاستاذين حامد الجبوري ومحمد غانم العناز.

وقد قمتم بنشر صورتي انا خبير النفط غانم عبد خليل العناز المؤلف لكتاب (العراق وصناعة النفط والغاز في القرن العشرين الصادر عن دار نشر جامعة نونكهام البريطانية في أيار 2012) مع خبر نعي المرحوم محمد غانم العناز.

يرجى العلم بأنني لا زلت والحمد لله على قيد الحياة لذلك يرجى نشر تصحيح لهذا الالتباس الذي حصل في تشابه الاسماء ولكم الشكر..

غانم العناز""

قامت جريدة الزمان على اثر ذلك بنشر صورتي وتصحيح واعتذار بذلك كما يلي :

""تصحيح واعتذار.. غانم العنّاز ليس محمد غانم العنّاز""

December 29, 2017

657

لندن – الزمان

ورد سهوا صورة الباحث العراقي المعروف غانم العناز بدل صورة الراحل محمد غانم العناز في خبر عن وفاة الاخير، ووردنا التصحيح من العناز الحي اطال الله في عمره مع اعتذارنا منه والقراء""

انتهى تصحيح الجريدة

 

غانم العناز - واتفورد ضواحي لندن

 

 

لطيف عبد سالمفِي نهاية عام 2017م، وَعَلَى هامش حضور السَماويّ يحيى مهرجان النور الثامن للإبداع الَّذِي أقامته مؤسسة "النور" للثقافة والإعلام فِي مدينة مالمو السويدية وحمل اسْمه " دورة الشاعر الكبير يحيى السماوي "، نظم لَه تيار الديمقراطيين العراقيين فِي الدنمارك أمسية ثقافية فِي " بيت النخلة " بكوبنهاجن، وقد استثمر الكاتب وَالصحفي العراقي الرائد رعد اليوسف المقيم فِي الدنمارك، وَالمشرف على " شبكة الإعلام فِي الدنمارك " فرصة وجود السَماويّ يحيى هناك، فأجرى مَعه حواراً نشر بشبكة الإعلام فِي الدنمارك ومجلة الف باء وجريدة المشرق. وقد وجدت مِن المناسب أنْ أقتطف مِنْ مقدمته ما أعده شهادة لليوسف فِي السَماويّ، وَالَّتِي نصها " لم يهرب من الطرقات، ولَم يتخلّ عن الارصفة والحارات وبساتين السماوة ونخيلها.. ولم يترك بغداد ومقاهيها وأحباءه فيها؛ فهو الوفي الذي طالما سجل وفاءه في قصائده شعرا، ونسجه في علاقاته واقعا ". وَيضيف اليوسف فِي مقدمته أيضاً " القسر غير الاختيار، وفِي لجة الغرق وجد نفسه مضطرا لقبول النجدة من زورق عابر يقيه شر الموت، فركب بعد أن حملَ الوطن .. كل الوطن في قلب بحجم قبضة اليد، ليكون له الفضاء الذي تسبح فيه روحه اللائبة في غربةٍ لم تعتد عليها...انه الشاعر العراقي الكبير الاستاذ يحيى السماوي الذي قطع البحار ليلتقي أصدقاءه وشركاءه في الغربة وحب الوطن، في مالمو السويدية قادما من استراليا؛ ليتلو بشيء من القداسة بعض قصائد الحب والجمال، وليصب جام غضبه وسخطه على الذين حطموا الأمل في العراق ". وَفِي السياق ذاته يشير الدكتور ابراهيم الخزعلي إلى شخصية السَماويّ يحيى بالقول " تحية لنبضات قلبك التي لم ارها يوماً، إلاّ شعراً ومحبة وجمالاً سماويا، يحيى الأنسان الخلاق، ويحيى الأنسان المبادئ والقيم والمثل العليا، فتحية وسلاماً لك من قلب انت فيه ". وَعَنْ انبهاره بإحدى قصائد السَماويّ الموسومة " ثلاثة أرغفة من طحين النبض "، يخاطبه الدكتور جودت صالح بالقول " لقد أنعشتني رائحة أرغفتك الشهية، ولكنها لم تشبعني أبداً ". وتدعيماً لما ذكره اليوسف، يصفه الناقد المسرحي نعمة السوداني بالقول " السَماوي رجل ثائر مناضل, يحلق بلغته بأجنحة قوية في عالم الواقع والنضال في الدفاع عن كل شيء يراه يستحق, في عالم الشعر واللغة, يحلق في اللامحدود وهو العليم المكين في ادواته حيث لا يقيده شيء اطلاقا سوى الهواجس التي تؤلمه ويتفاعل معها لينتج لنا ما ينتج من كلمات تحمل فسحة من الاستعارات الشعرية في نصوصه أو لوحاته الشعرية وتستقر اخيراً في قلوبنا ". وَعَن أبويته وَجمال روحه تقول الأديبة عبير آل رفيع " من يوم فقدي أبي لم أجد إنسانا اقول له أبي ..لأنني لا أرى أحدا يشبهه، وفجأة وأنا اقرأ كلماتك أحسست بشعور جارف يدفعني لأناديك بأبي؛ ليس لكبر سنك، بل لروح الأب لكل الموجودين، وفي حضرة أبي واستاذي يحيى السماوي تتقيد حروفي ويستسلم القلم لأنه لا يجد ما يسطره أمامك، حفظك الله ورعاك أبي واستاذي الفاضل يحيى السماوي ". وَمَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ كُلّ الذي سجلته مِنْ شهاداتٍ ليس بوسعِها انصاف السَماويّ يحيى الَّذِي خاطب ذات منفى صديقه الحميم الأديب حمودي الكناني مبيناً محبته لَه قدر إعجابه بمقولةِ صديق كتب الى صديقه ذات زمان قائلاً : " إذا كنت ستعيش مئة عام، فإنني أتمنى أن أعيش مئة عام تنقص يوما واحداً؛ كي لا أضطر للعيش بدونك "

لـكِ الألـقُ الـبـهـيُّ ولـيْ الـظِـلالُ

فـنـحـنُ مـعــاً صَـلاةٌ وابــتـهــالُ

*

ونـحـنُ إذانُ مِـئـذنـةٍ تــمـاهـى

بهـا قـلــبــاً وأحـداقـاً " بـِـلالُ "

*

بَـلـغـتُ مـن الـنـدامَـةِ أنَّ قــلـبـي

بـهِ مـن صـخــرِ مـنـدمـةٍ جـبـالُ

*

تـبـاعَـدْنـا فـصـرتُ الـى مـحـاقٍ

وعـدتِ إلـيَّ فـاكـتـمـلَ الـهــلالُ

***

رسالة مقتضبة بعثتها بالمِرْسال الإلكتروني " ماسنجر " إلى الشاعر العراقي الدكتور أفضل فاضل المقيم فِي أستراليا نصها : " سيدي الكريم، وقد طال انتظاري لوصول شهادتكم الكريمة بخصوص الأستاذ يحيى السَماويّ، أملي أنْ تشرفني بمداد قلمك عَن السَماويّ إنساناً مَعَ فائق احترامي "؛ ظناً منيّ أني قد رجوته سابقاً التفضل بتسجيل شهادته فِي الشاعر السَماويّ، فما كان مِنه إلا التعبير عَنْ دماثة خلقه واحترامه لقدسية القلم وَفضاء الأدب؛ إذ اجابني بعد خمسة عشر دقيقة فقط بِما نصه " اهلًا بك استاذي الفاضل، سأفعل بأقرب وقت وتقبل شديد اعتذاري "، مَعَ العرض أنَّ الشخص المكلف سابقاً بهَذِه المهمة، وَالَّذِي لا أرى ضرورة لذكر اسْمه، لَمْ يجبني حتى اللحظة عَلَى الرغمِ مِنْ وعده بتلبية مَا مطلوب خلال أيام. وَفِي وقت تتسابق الكلمات وتتزاحم العبارات لتنظم عقد الشكر وَالامتنان إلى الدكتور أفضل فاضل الَّذِي بعث ليّ بعد يومين رسالة رقيقة كتب فِي مقدمتها " استاذي الكريم إليك هذه السطور كتبتها بجرة قلم واحدة .. هذه شهادتي عن الكبير يحيى السماوي تقبل تقديري واحترامي ". وَأسجل تالياً شهادة فاضل فِي السَماويّ يحيى الموسومة هكذا تكلم صوفائيل " طِرْ بهِ، للسماوة ....! "، وَالَّتِي نصها فِي ما مبين تالياً :

( لاينضج من الثمار، ويبقى، كتلك التي لا تطالها يد، المشرئبّة نحو الشمس، المسفرة فوق غصنها في وجه الريح والضوء ...

صوفائيل يعرف أنَّ الوَجد موقد، فما اقتبس نارا من موقد غيره، صوفائيل يصطلي ناراً فيوقدُ أصابعهُ العشرة ليُنيرَ ظلمة البياض فوق أوراقه الناصعة .

وهكذا كان، صوفائيلُ السماوة، يكتبُ على الأرض عن القبر فيومض البرق في السماء. كلّما أكثرَ من الشعر زاد مَهيلُ الغمام ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله، أقصد من خلال صوفائيل لا الغمام ...

صوفائيل السماوة قديم الحزن، عتيقُهُ، تخمّرَ قلبه طويلاً في نقيع الأيام الظالمة ... هطلت على روحه عصور من الألم وتمرَّغ جسدهُ في أصقاع شاسعة من التعذيب والاغتراب والفَقد الممضّ حزناً وجورا .. هو يرفلُ بإزارٍ من وهجٍ ترصّعهُ الكلمات، لا رفاهيّة لديه غير هذا القلب الطيب الذي يشي بسومريٍّ قديم تناسلَ صنواً لنخل السماوة، وها هو يعذق محبّةً وخيراً وشعرا ...

لتعرفَ صوفائيل، ليس عليك أن تجلس معه، وليس من الضرورة أن تستمع إليه، عليك فقط، حين تراه أن تنظر بقلبك ... هو بسيط، مثل دورة المطر في الطبيعة، تماماً؛ مُفَسَّرٌ مثل تراتيل مقدَّسة، وواضح مثل حقل في ربيع؛ وهو كثير، كثيرّ جداً، روحه أخاديد تملؤها الحكايا، عن السكارى والعيّارين والحالمين والموهومين والماضين، وحتى الآتين !

صوفائيل هذا، من السماوة، سومريٌّ ضلَّ عن ( أور )، وما وصل الى ( أكد ) ، ولا حتّى ( سومر )، بل وصل إلينا، فاعْتُقلَ، وعُذِّبَ، وطُردَ، واغترَبَ، وصار أوَّل سومريٍّ يصل أقصى الأرض، بعيداً عن سومر، وسيكون الأخير ...

في شعره، وهو يكتب عن الحياة والموت والقبر والصبابات، طعمُ البلَح؛ ونخيل، يمخر شوارعاً من ماء؛ في شعره، وهو يدوّن اللوعة أمام جبروت الرحيل، لآلئ، تكنُّ عصوراً من أسىً شفيف، يتكوّر مثل مُضغات أجنّة تشعر بالبرد، أو مثلما كان يتكوّر هو في ليالي سجنه الباردات على نفسه ... لا دفء لصوفائيل إلا من حناياه !

أتمتع الى حدّ السُكر حين أقرأ قصيدة صوفية ليحيى السماوي؛ أقصد صوفائيل ......!

فمرحى لهُ ولي، بمعرفته ورفقته وشعره .....)

شـفـيـعـي لـو جَـنـحـتُ عـن الـصَّـوابِ :

جــنــونُ الــشــوقِ لا نَــزَقُ الــشـــبـابِ

*

مَـحَـضـتُـكِ فـي الـهـوى قـلـبـاً وعــيـنـاً

وحـرفــاً ـ فـي الــصَّـبـابـةِ ـ لا يُـحـابـي

*

أنـامُ عــلــى ســـريــرٍ مــــــــن هـــيــامٍ

وبـيْ شــوقُ الـضـريـرِ الــــى الـشِـهـابِ

*

لــئــنْ أنـجـيْــتِــنـي مـن جَـمــرِ يـومـي

لأغــدوَ كــالــصَّــلاةِ مــــــــن الــثــوابِ

أَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أَنَّ مفهومَ الوطن يرتبط بذاكرة الأماكن الَّتِي تسكن وجدان الانسان، مَا يعني أَنَّ الحنينَ إلى الأمكنة يُعَدُّ حنيناً لأشخاص ارتبطتْ بهم ذاكرة السَماويّ الَّتِي أتعبتها سنوات المحنة؛ الأمر الَّذِي ألزمني البحث عَما متاح مِنْ تلك الأسماء اللامعة فِي سماء الأدب، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها الشاعر العراقي ناظم الصرخي الَّذِي يقول فِي شهادته مَا نصه " بداية تعرفي على الشاعر الكبير الأستاذ يحيى السماوي كانت في أحد مهرجانات الجامعة المستنصرية الشعرية في السبعينيات الميلادية، وكان قد ظُلم من قبل لجنة التحكيم لوضع قصيدته وهي من شعر التفعيلة بالمركز الثاني مع العلم أنها نالت إعجاب جميع الحضور وتستحق المركز الأول، لكنّ اللجنة ارتأت غير ذلك لسببين، أولهما أن القصيدة كانت ذا منحىً سياسي يساري، وثانيهما أن السماوي كان قد قدّم الى لجنة فحص النصوص قصيدة غزلية، لكنه قرأ قصيدة أخرى مختلفة تماماً، إلا أن تحيّز لجنة الحكام كان واضحًا، على إثرها استشاط غضبًا وهمّ بالخروج من القاعة الغاصة بمحبي الشعر، فاعترضته وأتذكر قولي له: لا عليك فلقد حصلت على إعجاب كلّ الحاضرين. وبعد ذلك تابعت نصوصه المنشورة في المجلات والجرائد، وتسير عجلة الزمن إلى بداية الثمانينيات لألتقيه في مدينة البصرة إبّان الحرب العراقية الإيرانية، كنت حينها ضابطاً في إحدى الوحدات، وقد وصلت إلينا وجبة من الجنود الاحتياط، وكان الأستاذ يحيى من ضمنها، وعند التدقيق لسحب أصحاب الحرف والمهارات التي تستفيد منها الوحدة وإرسال الباقين إلى الخطوط الأمامية، لمحت وجهه الغائم آنذاك وأيقنت أن هذا الوجه ليس غريبًا على ذاكرتي، فقلت له ما هو اختصاصك، فقال أنا مدرس خريج كلية الآداب، فقلت له ألست الشاعر ...، قال نعم ...أتذكر أنه ارتبك قليلاً وكأنه يقول في نفسه : حتى إلى هنا تبعتني البلاوي، فعينته في مكتب الوحدة، وكان نِعمَ ما اخترت؛ إذ كان دمث الخُلُق، نزيها، جاداً في عمله ومثابرا، حيث أضاف للمكتب قفزة نوعية في التنظيم والإدارة. وقد كان لخفة ظله وثقافته وأخلاقه العالية وتعاونه الأثر البالغ في التفاف منتسبي الوحدة حوله، فتقرّب أكثر إلى قلبي، ولاسيما أنّ رابطًاً سامياً كان يعزز هذا التقارب وهو محبة الشعر المشتركة، فكثيرا ما كنا نجلس سوية لمناقشة قصيدة أو قطعة أو يقوم بإبداء الملاحظات على قصيدة كتبتها، وقد استفدت كثيراً من وجوده في مجال الأدب وخاصة الشعر. كان حسن السيرة والسلوك ولا تشوبه شائبة، هذا ما كنت أكتبه عندما يُطلب مني تقييمه للمراجع العليا وهو كان كذلك، رجلٌ ملتزم بالقانون ثائرٌ على الباطل، أحمد الله أني التقيته في زياراته للعراق بعد الاحتلال المقيت وكان نعم الأخ والصديق الصدوق ". وَبالعودة إلى أيامِ امتهانه التدريس فِي مدينة السَماوة، وجدت مِن المهمِ الاطلاع عَلَى مَا تكتنزه ذاكرة أحد طلبته فِي المرحلة الثانوية وَصديقه حالياً الشاعر العراقي قاسم والي؛ لكي يدلي بدلوه فِي هذه المهمة، فبادرت إلى الاتصال بِه لِهَذَا الغرض، فكان ودوداً وَرائعا وَفرحاً بما رجوت منه؛ إذ بعث ليّ بعد أيام قليلة بشهادته فِي السَماويّ يحيى الَّتِي نصها " يحيى السماوي الشاعر الذي ملأ بالسماوة الآفاق، والشاعر الذي منحته السماوة اسمه فمنحها فخرها.. اكتب هذه الكلمات ليس لأنني من السماوة ذاتها؛ وليس لان يحيى السماوي أستاذ العربية الذي تتلمذت عليه في مقتبل الوعي والشعر؛ بل لأنني منحاز تماماً للسماوي يحيى، ولست هنا لأبرر انحيازي له شاعراً وإنسانا؛ فالسماوي الشاعر الذي أنجز عشرات المجاميع الشعرية منذ عيناك دنيا وهو في مقتبل الشعر والعمر لغاية اطفئيني بنارك مرورا بهذه خيمتي فاين الوطن ونقوش على جذع نخلة وشاهدة قبر من رخام الكلمات وضفتان ولا جسر وغيرهن من مجاميعه الشعرية، كان ملتزما بقضية الإنسان والعراق ومحارباً عنيداً للفاشية ومنحازاً للكادحين والمظلومين ومنساقاً مع هواجس ملهميه من الشعراء الثوار الفقراء منذ عروة بن الورد. ومع كل المحمولات الفكرية والعقائدية في شعر السماوي وكل الصدق والثبات المبدئي الذي هو عليه، لم ينحرف الشعر عنده باتجاه التقريرية الفجة أو المباشرة الهجينة، بل إنه في طليعة المجيدين من شعراء العربية المعاصرين في المباني والمعاني مع جزالة مذهلة وجمال يأخذ بالألباب.. لست في وارد الحديث عن شعر السماوي الكبير فلست مؤهلاً لذلك ولا املك ادوات النقد والحديث عن التجربة وغيري من عشرات المتخصصين اغنوني وأغنوا المكتبة العربية، بل ومكتبات العالم بالحديث عن شعريته المذهلة وتجربته الفريدة. لقد كتب السماوي في كل الأغراض الشعرية واستوفاها محلقاً، كما كان شعره من الناحية الشكلانية مسبوكاً بكل الأنساق البنائية المعروفة للشعر العربي كتب عمود الشعر والشعر الحر- قصيدة النثر- والتفعيلة وأجاد فيها جميعها أيّما اجادة. ومن الرائع أن تجربة يحيى ألسماوي ما زالت متواصلة، ونسأل الله أن نستمتع بها وتستمتع بها الأجيال اللاحقة ...محبة بسعة المحبة التي يحملها قلب السماوي الكبير له وللعزيز لطيف عبد سالم الذي طلب مني أن أكتب بضعة سطور عن السماوي يحيى أطال الله عمره.. شكراً كثيرا ".

بـربــيـعِ مـائِـكِ لا خـريــفِ تــرابي

نـسَـجَــتْ لـيَ الأيـامُ ثــوبَ شَــبـابِ

*

ودَّعـتْ أمـسي في السـمـاوةِ فـابْـتـلى

يــومـي بِــداءِ الــشــوقِ لــلأحــبــابِ

*

تـذكـو بـأشــذى الأغـنـيـاتِ ربـابـتـي

ويـبـلُّ طـيـنَ فــمـي رحـيـقُ رضـابِ

*

لـم يـبـقَ في الـقـنـديـلِ غـيـرُ حـثالـةٍ

مـن زَيْــتِ أيــامٍ وومْــضِ شِــهــابِ

**

عَلَى الرغمِ مِنْ زحمة أشغاله الَّتِي أدركها جيداً، وجدت أنَّ الإعلاميّ العراقي والصحفي الرائد أسعد كامل رئيس تحرير شبكة الإعلام في الدنمارك قد أبدى حماسة وهو يرحب برجائي كتابة شهادته فِي السَماويّ يحيى، مُردداً في أثناء حديثي معه بالهاتف أنَّ السَماويَّ لم يكن شخصاً عادياً، فهو يتمتع بكاريزما مشهودة، ثم مَا لبث أنْ بعث ليّ بشهادةٍ وسمها بـ " السماوي .. الانسان والشاعر ". وَالْمُلْفِتُ أَنَّ كامل اعتمد أسلوباً مستمداً مِنْ خبرة فنية واسعة فِي التصوير والمونتاج فِي تسجيلِ تلك الشهادة، وَالَّتِي بدأها بتوطئة قال فِيها " عندما تفكر أن تكتب عن شاعر وكاتب مبدع ذي شهرة واسعة، تخطر في بالك بداية فقرات متباينة مصورة من نواحِ عدة أهمها الإنسانية والوطنية والوجدانية والاجتماعية والإبداعية والفنية. ويقيناً أنَّ المجالَ في هذه الدراسة لا يتسع لتناول كل تلك الصور والكتابة عنها، حيث أنَّ بوسعكَ أنْ تأخذ جانباً من تلك الصور؛ نتيجة حاجة كل صورة لبحث مفصل أو بحوث موسعة تتعلق بشاعرية الشاعر السماوي، الأمر الَّذِي ألزمني الحديث عما لمسته من إنسانيته ولو بشكل موجز، آملاً أنْ اقترب في هذه السطور من حقيقته كشاعر وإنسان مع علمي إنَّ ذلك صعب المنال ". ويضيف كامل قائلاً " التقيت الشاعر يحيى السماوي مرتين في السويد والدانمارك، وحضرت له مهرجانا شعريا، وسمعت قصائده وهو يلقيها على المنصة في السويد أواخر عام 2017 م، فهيمن على المشهد بشاعريته وعظيم اخلاقه وطيبته، فالسماوي يتمتع بدماثة خلق رفيع، اقترنت برفعة مستوى عطائه في الشعر ". ويستمر كامل فِي شهادته بِمَا نصه " السماوي حلق في سماء الابداع والتميز منذ صباه وشبابه؛ اذ استطاع ان يجسد موهبته بطريقة لفتت الانتباه من حيث القدرة في رسم صور شعرية إنسانية - ببراعة وفن نادر - شكلت الانطلاقة الرصينة التي حققت له نجاحات عظيمة طوال رحلته مع الشعر في الوطن والغربة... هكذا قرأناه إنساناً وشاعراً راقيا، فقصائده مليئة بالحب ومتميزة بالحان وفن وروحية عظيمة تدعو الى الحب والحياة، وتحارب الفساد والظلم ". ويختم كامل حديثه بالقول " إنسانية السماوي تعبر عن معدن أصله وأصالته؛ إذ يعد نموذجاً حضارياً وإنسانياً راقيا، فهو إنسان متواضع يترك اثراً في قلب من يلتقيه، وفي كل محفل تجد له مساحة كبيرة من المعجبين؛ لأنه يلامس قلوب الجميع بما يكتب ويعالج من قضايا كثيرة في قصائده التي تحمل العبر والمواعظ والتفكير في هذه الحياة التي لن تدوم لأحد ".

بـاتَ الـمُـغــنّـي يَــتــيـمَ الـصـوتِ والـوَتَـرِ

كــيــف الـغــنــاءُ إذا الأوتـارُ مـن حَـجَــرِ ؟

*

أضـحـى يُــنـادمُـهُ صــمــتٌ ويُــؤنِــسُــهُ

مـا كـان يَـكـنـزُ فـي الأحـداقِ مـن صُـوَرِ

*

تــلـهــو بــزورقِـهِ ريــحٌ تُــشِــبُّ لـــظـىً

وقــد تــقــادَمَ عــهــدُ الـحـقـلِ بــالــمــطــرِ

*

لـيـتَ "الـسماوةَ" بُـعْـدَ الـشـمسِ عـن مُـقـلـي

لا بُـعـدَ قـلـبي ومَنْ في الـقـلـبِ عـن نظري

***

شهادةٌ ترقى لمستوى الدراسة التاريخية، أعدها الباحث وَالمفكر الإسلامي الدكتور صالح الطائي؛ مستجيباً فِيهَا لرجائي محاولة نبش الماضي الَّذِي جمعه بالسَماويّ يحيى، وَمَا يحمله مِنْ الذكريات بحلوها وَمرّهَا، بعد أنْ لمست مِن السَماويّ ذات متنبي قُوَّة آصِرَة الصداقة القديمة المعقودة بينهما عَلَى الرغمِ مِن تباين توجهاتهما وانتماءاتهما الفكرية، وَالَّتِي فرضت عَليه خلال زيارته البلاد عام 2017م، تأجيل موعد عودته إلى عائلته فِي أستراليا الَّتِي كانت تلح فِي طلب عودته، بالإضافةِ إلى إلغاء بعض نشاطاته الثقافية؛ لأجل تحقيق اللقاء بصديقه الحميم الطائي فِي منزله بمحافظة واسط.

الطائي الَّذِي كتب ذات مرة عَنْ السَماويّ يحيى واصفاً إياه بالقول " صديق العمر الرائع وزميل أيام الفرح والشباب الذي أنجز شموس فرح أشرقت في دنيانا بالرغم من حالة اليأس والغربة والعذاب التي عاشها منذ مرحلة وعيه الأولى وإلى اليوم "، يشير فِي مقدمةِ دراسته المذكورة آنفاً، وَالموسومة " تجربة الصداقة مع يحيى السماوي ذكريات من ألق الشباب "، إلى الْهَوَاجِس الَّتِي ألقت بظلالها عَلَى حياته، وكانت تؤرقه أثناء انتظامه فِي مرحلة الدراسة الجامعية، فضلاً عَنْ ظروف تعرفه عَلَى السَماويّ يحيى بالقول : " انتقلت من إحدى مدارس مدينة الكاظمية إلى كلية الآداب في الجامعة المستنصرية الدراسات المسائية في بداية العقد السابع من القرن الماضي، كان عنفوان الشباب المنضبط بمنظومة القيم الدينية التي تشبعنا بها محركنا الأكبر مثل أي شاب ينتقل من مدينة دينية شبه مغلقة إلى عالم رحب متنوع مفتوح ومتفتح. وقد انتقلت معي إضبارتي الأمنية، لأصبح تحت رقابة الأمن الصدامي والاتحاد الوطني البعثي لطلبة العراق؛ لذا كنت حذراً في تعاملاتي، محدود العلاقة بالآخرين، متجنباً الاحتكاك، وبعيدا عن العلاقات الاجتماعية مع الطلاب والطالبات، ولكن أحد الشباب كان يحمل قسمات الطيبة الجنوبية والملامح الأوربية أخذ بتلابيب قلبي وشدني إليه، كان شاباً نحيفاً لون شعره يميل إلى الصفرة، عيونه ملونة ويرتدي بذلة لطيفة ويتكلم بهدوء شديد ولطف كبير، فتجاوزت كل المحذورات وكل الخطوط الأمنية الحمراء، لأعقد معه صداقة من نوع خاص ". وَيسترسل الطائي فِي حديثه مبيناً بعض خفايا المحنة الوطنية الَّتِي باتت مِنْ مواجع الأمس القريب البعيد، وَالَّتِي تلزم البيت الثقافي الشروع بتوثيق أحداثها بِكُلّ أمانة؛ لأجلِ أنْ تطلع الأجيال الجديدة عَلَى مَا يكتنزه زمن العذابات مِنْ همومٍ متزاحمة الصور، حيث يشير الطائي إلى تلك الحقبة بأمانة الراصد لبعض تداعيات وقائعها بالقول: " كانت ممرات المستنصرية ومساءاتها الحميمة والمليئة بالترقب تجمعنا سوية لنتناول الحديث عن هموم الشباب وهموم الأمة، وكانت عيون البعثيين ورجال أمنهم ترصدنا كأنها عيون ذئاب جائعة، وتحتار في أمرنا حيرة لا تطاق، حيرة أقلقتهم وأقضت مضاجعهم، إذ كيف يلتقي حامل الفكر الديني الذي من المفروض به أن يكون عدواً لكل ما لا يمت إلى عقيدته الدينية بصلة بحامل الفكر الماركسي، والذي يتهيب عادة من الفكر الديني بعد المواقف التي اتخذتها المؤسسة الدينية ضد الشيوعية، فأي صداقة تلك التي تجمع بين إسلامي مطلوب للأمن ومراقب من قبل الأجهزة الأمنية والطلابية، وشيوعي مشخص ومراقب أيضاً من قبل الأجهزة ذاتها ؟ّ! ". وَينتقل الطائي فِي متنِ شهادته إلى تبيان السر الناظم لصداقتهما المبهرة، وَالَّتِي أكاد أجزم بأنَّ صفاتها ترقى الى مستوى طهارة القلوب المفعمة بالمروءة وَالمودة وَنقاء السريرة، حيث يؤكد الطائي قائلاً " إن أدب واتزان وعقلانية وتميز يحيى عن باقي الطلاب لم تكن وحدها العوامل التي مهدت لي طريق الالتقاء به، فتلك المواصفات الرائعة كانت تخفي وراءها سرا لم يكن يحيى يرغب البوح به، ولكنه اطمأن إلي وباح به أمامي، السر أن يحيى كان يقول الشعر، وله ديوان مطبوع، ولذا فاجأني في اليوم التالي، بأن أهداني ديوانه الرائع - عيناك دنيا - الذي كان من خلال قصائده يتغزل بالسماوة وأهلها. وهنا وجد الحديث عن الشعر حيزا ضمن حواراتنا اليومية، وربما كان هو الشيء الوحيد الذي نتحدث عنه بصوت مسموع لنوهم الرقباء بأننا لا نهتم بغير الشعر ".

أيـن شـطـآنـكِ مـنـي ؟

جـئـتُـكِ الـلـيـلـةَ عـصـفـوراً طـريـدَ الـرَّوضِ

مـهـدورَ الـمـواويـلِ

افـتـحـي عـشَّـكِ لـلـقـادم مـن كـهـفِ الـمـراثـي ...

مَـرَّ دهـرٌ

ومُـغَـنِّـيـكِ حـبـيـسَ الـعـطـشِ الـوحـشـيِّ

لا الـيـنـبـوعُ يـرويـهِ

ولا كـأسُ نـمـيـرٍ ومُـدامْ

*

لعلَّ المذهلَ فِي أمرِ صداقتهما أَنَّ السَماويّ - الموضوع تحت المراقبة السرية - ألزمته الظروف التحول داخل فضاء الجامعة   المستنصرية إلى رَقِـيب لِصاحِـبِه. وَعَنْ هَذِه الحقيقة أكدها ليّ السَماوي أيضاً يقول الطائي : " مساءات المستنصرية كانت تأخذنا أحياناً إلى مكان يكاد يكون خافيا عن أعين الرقباء، اتخذته مصلى، أؤدي فيه فرض المغرب، وكان يحيى السماوي يأخذ دور الحارس بعيداً عني يرقب تحركاتهم فإذا شعر بالخطر تنحنح لُيسمعني ويحذرني؛ فأقطع صلاتي وأخرج دون أن ألفت انتباههم. والظاهر أن هذا النوع من العبادة كان يمتاز بألق روحي غامر فلقد افتقدته بعد مفارقة يحيى، ولم أشعر به إلا أثناء أداء صلاتي عند السواتر الأمامية في أيام القادسية الملعونة، ولكن مصدر الخوف هذه المرة كان القناص وقذيفة المدفع التي تتطاير شظاياها من حولي فتشعرني بالخوف. المهم أن اللقاء اليومي كان السمة المشتركة بيننا إلى أن تخرجنا من الجامعة، دون أن يأخذ أحدنا عنوان صاحبه، ربما لحذرنا أو لشعورنا أن ذلك قد يشكل خطراً علينا في وقت ما ". ويتابع الطائي حديثه قائلاً : " بعد أن أنهيت الخدمة العسكرية الإلزامية على مدى عام كامل، تكررت دعوات الأمن الصدامي الموجهة لي، حيث كان يأتيني عادة شخصان ليطلبا مني مرافقتهم إلى مديرية الأمن العامة لمدة خمس دقائق فقط، للإجابة على بعض الاستفسارات، لتمتد هذه الدقائق الخمس إلى أيام وشهور، وقد دفعني هذا الأمر إلى تقليص علاقاتي بالآخرين إلى مستوى لا يشكل خطراً علي أو عليهم، ولذا لم أتمكن من لقاء يحيى أو زيارته، بل لم أفكر جدياً بذلك حتى حينما كانت الفكرة تطرأ على بالي، نظراً للمخاطر التي كانت تحيط بي، ولاسيما أن الرقابة عليَّ كانت شبه دائمية، تنقطع لعدة أيام أو لأسابيع، لتعود من جديد، لكن تغيير محل سكناي عدة مرات، وضعف سلطة البعث بعد الهزيمة والحصار، وأخيرا عدم تزويدهم بالمعلومات التي تخدمهم في استمارة الجرد التي كانوا يوزعوها علينا ويأمرونا بملء حقولها، مكنني من التحرر من رقابتهم ".

يَبْدُو أنَّ شوقَ الطائي الشديد للقاء صديقه السَماويّ، أملى عَليه المجازفة بحياته؛ إكراماً لتلك الأيام الجميلة الَّتِي قضياها فِي رحابِ الجامعة، حيث يبين الطائي تلك الحادثة بالقول : " في عام 1996م تحديت مخاوفي، وسافرت إلى السماوة بعد منتصف الليل على أمل أن أصلها فجراً، حيث تكون عيون الأمن غير نشطة في مثل هذه الساعات؛ لأبحث عن يحيى بين أهلها. ورغم أن المدينة صغيرة، وأهلها يعرف بعضهم بعضا، إلا أني لم أعثر على من يدلني عليه، بل إن جميع الذين سألتهم عنه، أنكروا معرفتهم به، كان بعضهم ينظر إليّ بعين الشفقة، لدرجة أني كنت أتوقع أنه يريد تحذيري من شيء لا أعرف كنهه، وبعضهم ينظر إلي بعين الغضب. ولما أشتد سؤالي وإلحاحي، تبعني أحد الرجال الطيبين، وقال لي: بني لا تبحث عن يحيى، فقد نفذ فيه حكم الإعدام، لقد أعدموه، مات يحيى، فعد إلى بيتك، فسارعت حينها بالعودة إلى بغداد، وعلى طول الطريق الفاصل بينها وبين السماوة، كانت صورة يحيى ترتسم أمامي .. ضحكته .. طيبته .. أخلاقه وقيمه؛ ولذا كنت أبكي بصمت ولكن بحزن عميق يحرق الفؤاد ". وَتمر الأيام وَالطائي الَّذِي يهمس فِي قلبه حزناً صامتا حتى يكاد يحطمه، تزيده ذكرياته عَنْ السَماويّ ألماً، ولنقرأ ما كان يشعر بِه الطائي يومذاك، وَالَّذِي يصفه بالقول : " ومنذ ذلك التاريخ، أصبح يحيى عباس السماوي مجرد ذكرى أليمة تنام في خاطري، مع ذكريات إخوتي وأقربائي وإخوة زوجتي الذين أعدمهم النظام المجرم، ولكن ذكرى يحيى من دونهم كان يستفزها ذكر اسم السماوة أو اسم يحيى أمامي. وبالرغم من مرور أكثر من اثني عشر عاما على تلك الواقعة إلا أن رؤيتي عن طريق المصادفة قصيدة لشاعر أسمه يحيى السماوي في أحد المواقع بشبكة الإنترنيت عام 2008 مرفقة بصورة لا تشبه أخي الذي أعرفه، أو بقايا صورته في خيالي ولاسيما وأن عيوني كان قد أصابها الضرر الكبير على يد تنظيم القاعدة الإرهابي بعد أن خطفوني وحبسوني لمدة ثلاثة عشر يوما ساموني خلالها أسوأ أنواع العذاب، مما أفقدني إحدى عيني وألحق ضررا كبيرا بالثانية، تلك الملابسات لم تسعفني بالتدقيق في ملامح الصورة المرفقة بالقصيدة، رغم أني كنت أتوسم ملامح يحيى في الصورة التي أمامي وبشكل غريب. وقد ألحت علي الذكرى التي أيقظتها رؤية الصورة والاسم، فقمت بمراسلة الموقع لأسألهم إن كان اسم هذا الشاعر يحيى عباس السماوي فلم يجيبوني، ثم أرسلت لهم رسالة ثانية وثالثة، ولكنهم لم يعيروني اهتماما. حينها لم أكن أعرف الكثير عن الإنترنيت، ولذا لم أبحث في مواقع أخرى، لكن بعد مرور عام كنت أتصفح موقع صحيفة المثقف فعثرت على قصيدة لنفس الشاعر مع صورة جديدة، لا تختلف كثيرا عن سابقتها، فبادرت بمراسلة الموقع، مستفسرا منهم عن الشاعر صاحب الصورة، لتردني منهم في اليوم التالي رسالة يخبروني فيها أن يحيى استلم رسالتي وفرح بها وسيرسل لي الجواب. إذاً هو أخي يحيى السماوي لا زال حيا ولا زال شاعراً يا للعجب!. وهنا لا يسعني أن أصف لكم نوع المشاعر التي انتابتني حينها، كانت عيوني تذرف الدموع بشدة وجسمي يرتعش بعنف حتى خاف علي أولادي، وكنت أضحك وأبكي في الوقت نفسه. ومنذ ذلك التاريخ وعلاقتي بيحيى تزدهر وتنمو حيث عادت الحياة لجذور محبتنا القديمة وأورقت أغصانها، وكان يعدني بزيارة إلا أنه لا يحصل على فرصة لتستمر علاقتنا عبر الرسائل والمداخلات عشر سنين أخرى دون أن يرى أحدنا الآخر، لكن في بداية عام 2018 تحققت الأمنية الكبرى يوم رأيت يحيى يقف أمامي والدموع تتنافر من عيوننا ، وكأنها تذكرني بدموع سفرتي إلى السماوة ".

*

مُـطـفـأ الـضِّـحـكـةِ

طـفـلاً

شـاخَ مـن قـبـلِ الـفِـطـامْ

ضـائِـعـاً أبـحـثُ عـنـي

بـيـن أنـقـاضـي ومـا خَـلَّـفَ أمـسـي

مـن رُكـامْ

أيـن شـطـآنـك مـنـي ؟

دَورَقـي تـمـلـؤهُ الـريـحُ وكـأسـي فـاض صَـمـتـاً

والـرَّبـابـاتُ حُـطـامْ

*

يختم الطائي شهادته - الَّتِي حرصت عَلَى عدم اقتطاع أجزاء مِنها؛ لأهميةِ مضمونها مِن الناحية التاريخية - بِالحديث عَنْ بعض مآثر السمَاوي الَّتِي ازدحمت فِي ذاكرته المتعبة بالقول : " من يريد التحدث عن يحيى الشاعر والإنسان والمناضل لا يحتاج إلى جهد كبير إذ يكفي أن تقرأ أي قصيدة من قصائده لتعرف مقدار وطنيته وحبه للعراق والعراقيين، وتشعر بتلك الرغبة الجامحة التي تدفعه للعودة إلى الوطن. لقد نجح السماوي في تصوير معاناة الغربة ببكائيات ووجدانيات قلما تجد لها شبيها بالمستوى والمضمون والصنعة، رسمت حقيقة شعوره الفياض، أما باقي قصائده فتجد فيها نفس نكهة خلق ذلك الشاب الجنوبي المؤدب الخجول الطيب ابن جيل السبعينيات الذي كان يحسب للكلمة حسابها وللمفردة مداها ومساحتها ولا يلقي الكلام جزافا ولا يقول إلا ما ينفع... السماوي بعطائه الثر الغزير ثروة وطنية ثمينة جدا لم تلق من المسؤولين العراقيين من يعتني بها ويستفيد من خبراتها كما هو ديدننا في التعامل مع كل ثرواتنا الأخرى في الوقت الذي لم يبخل الآخرون في تعاملهم مع إبداع يحيى، سواء في تناول شعره بالدراسة ودواوينه بالنقد، وترجمة ما يقوله إلى اللغات الأخرى، أو في تناول تجربته في الحقل المعرفي للحصول على الدرجات العلمية في دراسة الماجستير والدكتوراه؛ لذا أعتقد أنه آن لهذه النخلة الغريبة أن تعود لبستانها ولهذا الجسد المتعب والشعور المرهف أن يستريح على ربى العراق، وآن للحكومة ووزارة الثقافة العراقية أن تحتضن هذا الرجل الشاهق الباسق وتضعه في المكان المناسب له لكي يفيض محبة للعراقيين تجلي عنهم بعض هموم يومهم القاسي ...عمراً مديداً لصاحب الكلمة الصادقة يحيى عباس السماوي ولكل من يخلص للعراق ويريد تخليد رموزه أحياء بعد أن تعودنا على تأبينهم أمواتا، وليبقى السماوي طائرا غريدا يشدو للطيبة وللعراق والعراقيين وكل الطيبين في الكون ".

ثمَّةَ سؤال يجول فِي خاطر بعض أعمدة البيت الثقافي أو المنتمين لَه حول علاقة السَماويّ يحيى بشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري " 1899 - 1997 " طيب الله ثراه، بوصفِه أحد تلامذته، مَعَ العرض أَنَّ ذلك السؤال تعرض لًه أبا الشيماء فِي أكثر مِنْ مناسبة. وَذاتَ مســـــــــاء ربيعي استثمرت مهاتفته لأسأله ذاتَ السؤال، فأجابني بالقول : " أعيد الآن مَا قلته سابقاً، إذا كنت أعتبر المتنبي العظيم جدّي الشعري، فإن الجواهري العظيم هو أبي الشعري. وقد حالفني الحظ أن ألتقي أبي العظيم هذا، وأن أكون عكازه في أكثر من لقاء، وأقسم أنني لم أعش فرحا خرافياً كفرحي حين أضاء بيتي في مدينة جدة وبصحبته نجله الأخ الدكتور كفاح وكريمته الدكتورة خيال وزوجها الفنان والأديب المناضل صباح المندلاوي، حيث كانت أياماً ولا أبهى - لا بالنسبة لي وحدي، إنما وبالنسبة لعائلتي كلها - فلازال دفء يده التي قبلتها - وأنا فخور بذلك - في دمي. ولازلت نادماً ندماً كبيرا؛ لأنني لم أحتفظ بإحدى طاقيات رأسه العظيم وَالَّتِي غسلتها زوجتي، فقد كان الغائب الحاضر أبداً يحمل معه في سفراته أكثر من طاقية ". ويستذكر السَماويّ يحيى بحزن عميق دمعة العملاق الجواهري وهما يتناولان طعام الغداء في بيته بدمشق، حين قال " لا أشعر بلذة الطعام والشعب العراقي يتضور جوعا بسبب الحصار ". وَعَن كيفية تلقى الدروس مِن الجواهري، يقول السَماويّ يحيى " يكفي أن أقول لِمَنْ يسـأل : إنني كنت أجثو على ركبتي حين أقرأ شعري أمامه، وكان إطراؤه يُثمِلني فيصل بي فرح الانتشاء حدود البكاء ". وَلَعَلَّ مِن الْمُفِيد الإشارة هُنَا إلى أَنَّ ثَمّةَ معلومة مهمة، قد تكون غائبة عَنْ البعض، وَهي أَنَّ السَماويّ يحيى هو مَنْ أطلق عَلَى الجواهري مسمّى " نهر العراق الثالث "، وقد حدث ذلك أثناء إلقاء السَماويّ كلمته فِي الحفل التكريمي الَّذِي أقامه للجواهري منتدى " الإثنينية " فِي مدينة جدة السعودية بتاريخ " 3/11/1415هـ الموافق 3 نيسان 1995م "، مَعَ العرض أَنَّ مجلةَ " الأربعاء " نشرت تلك الكلمة عَلَى صفحاتها، بالإضافةِ إلى نشرِ فقرات عدة مِنها فِي صحف عديدة مِنْ بَيْنَها صحيفة الشرق الأوسط. وَأَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّة أَنَّ الجواهري قد سُرّ بهذا اللقب فقال لصهره الفنان الأديب صباح المندلاوي وبحضور كريمته الدكتورة خيال : " إنه أعزّ الألقاب إلى نفسي ".

*

لا الـنـدى يـلـثـمُ أزهـاري

ولا يُـغـوي فـراشــاتِ صَـبـاحـاتـي

أقـاحٌ وخُـزام

عـازفـاً عـن عـسَـلِ الـلـثـمِ

وتُـفّـاحِ الـكـلامْ

هـاربـا

مـن زحـمـةِ الـصَّـمـتِ الـى ثـرثـرةِ الـمـوجِ

وفـانـوسِ الـظـلامْ

أيـن شـطـآنـكِ مـنـي ؟

صـادقـاً كـان سَــرابُ الـنـخـلِ فـي الـواحـاتِ

والـكـاذبُ نـهـري والـغـمـامْ

خـبِّـئـي يـاقـوتَ عـيـنـيـكِ ...

احـذري الـنـورَ

فـأصـحـابُ الـحـسـامْ

أصـدروا الـفـتـوى بـتـحـريـم الأراجـيـحِ

وتـكـفـيـرِ أغـانـي الـعـشــقِ

أضـحـى كـلُّ مـنـبـوذٍ أمـيـراً

وســقـيـطٍ آثِـمِ الأمـسِ إمـامْ

فـادخـلـي الـكـهـفَ

وسـدِّي بـالـصـخـورِ الـبـابَ

حـتـى يـعـبـرَ الـشـارعَ أصـحـابُ الـلـثـامْ

وفـضـائـيُّـو " بـنـي الـخـضـراءِ "

فـي " وادي الـسـلامْ "

نـحـنُ فـي عـصـرٍ بـهِ الـعُـهـرُ حَـلالٌ

والـمـروءاتُ حَـرامْ

كُـلُّـنـا مُـتَّـهَـمُ الـنِـيَّـةِ فـي فِـقـهِ الـسـلاطـيـنِ

و " أصـحـابِ الـمـقـامْ "

نـهـرُنـا مُـتَّـهَـمُ الـمـوجِ بـإرواءِ الـبـسـاتـيـن

وإطـفـاءِ الـضّـرامْ

نـخـلُـنـأ مُـتَّـهَـمُ الـسَّـعـفِ

بـإيـواءِ الـحـمـامْ

قـلـبُـنـا مُـتَّـهَـمُ الـنـبـضِ

بـتـألـيـبِ الـمـواويـلِ عـلـى جـعـجـعـةِ الـحـربِ

وتـألِـيـهِ الـطـواغـيـتِ

وتـمـجـيـدِ الـلـئـامْ

جُـرحُـنـا مُـتَّـهَـمُ الـنـزفِ ...

تـعِـبْـنـا يـا عـراقَ الـدَّمِ .. والـدمـعِ .. الـسـبـايـا..

والـنـواطـيـرِ الـنـيـامْ !

***

لطيف عبد سالم

 

لطيف عبد سالمبعد أنْ توقفنا عند محطات عدة مِنْ حياته الغنية بالأحداث وَالمواقف، أظن أنَّه قد آن الأوَان لكي نخلع عَنْه معطف الشَّاعِر أو الأديب، وَنتحدث عَنْ السَماويّ يحيى الإنْسَان؛ إذ أَنَّ كُلَّ مَنْ عايشه أو تعرف عَلَيه عَنْ قرب، يدرك جيداً أنَّ السَماويّ يحيى شغوف ببحثٍ دائم عَمَا يسمو بفكرِه لِمَا يفضي إلى المُسَاهَمَة فِي الارتقاء بالمشاعر الإنسانيَّة وَالوصول بِهَا إلى صدق العطاء الَّذِي مِنْ شأنِه تغذية زهور المحبة وَشجيرات المودة المتعطشة لكؤوسٍ منْ مشاعرَ صادقةٍ، تمنح الإنسان قيمة فاعلة فِي مُجْتَمعه، وَتشعره بذاتِه وَشخصيته، بمعزلٍ عَنْ الأنا وَبعيداً عَنْ الرغبات المادية والآنية. وَفِي هَذَا السياق يمكن الجزم بأنَّ البساطةَ، الطيبة، التواضع، الاندفاع لمساعدة الأخرين، الحساسية المرهفة، فضلاً عَنْ احترام الآراء والإصغاء إلى الآخر بمشاعرَ صادقة بريئة وَشفافة تُعَدُّ مِنْ أبرز عنوانات شخصية السَماويّ يحيى، وَالَّتِي تشكل أدلة عَلَى نخلات الألفة الباسقات عَلَى ضفاف أنهار الجمال وَالمحبة، فثَمّةَ مَا يشير إلى أَنَّ كلمةَ " المحبة " هي المفردة الأكثر استخداماً فِي القاموس اللفظي، وَفِي الحياة اليومية للسَماويّ يحيى الَّذِي عُرفَ عَنه خفة الروح وَانتصاره للحق وَقضايا الإنْسَان وَكلّ مَا مِنْ شأنِه المُسَاهَمَة فِي تعزيز قيم الجمال. وَضمن هَذَا الإطار يقول الشَّاعِر السَماويّ : " أنَا أردد كلمة المحبة يومياً مرات عدة؛ لإيماني أَنَّ الله تبارك وَتعالى قد خلق الإنسان ليحبّ لا ليكره، فضلاً عَنْ أَنَّ وظيفة الشِّعْر عندي هي المُسَاهَمَة فِي إضافةِ زهرة جديدة إلى حديقة المحبة الكونية أو اقتلاع شوكة ناتئة من هذه الحديقة ". وَفِي السياقِ ذاته يؤكد أيضاً بِمَا نصه : " أنا أحب القارئ؛ لذا يبادلني هذه المحبة، بالإضافةِ إلى أَنَّ محبة المتلقين تفرض عليّ مسؤولية مضافة، هي تحديداَ بذل المزيد مِن الجهد والدرس كي أبقى جديراً بمحبتِهم، وكي لا يخيب حسن ظنهم بي سواء على صعيد سلوكي الشخصي أو على صعيد جديدي الشعري، آخذاً بنظر الاعتبار أنني أكتب للقراء وليس لنفسي، فهم الأرض التي أغرس فيها بذوري ". وَيختم السَماوي حديثه فِي هَذَا المنحى بالقولِ: " الشاعر الذي ينشر قصائده ويزعم أنه يكتب لنفسه، هو شاعر كاذب، فالذي يكتب لنفسه عليه عدم نشر شعره ".

شـقّـتْ ظـلامَ الـلـيـلِ " إيـنـانـا "

فـأيـقـظـتِ الـمـرايـا . .

ألـبَـسَـتْـنـي بُـردةَ الـفَـرَحِ الـمـؤجَّـلِ مـنـذ

عـامِ الـهـجـرةِ الأولـى عـن الــمـاءِ الـفـراتِ

وســيِّـدِ الــشَّـجَـرِ الـنـخـيـلْ

*

وعـن الـسَّـمـاوةِ

والـظِـبـاءِ الـفـاتـنـاتِ إذا نـظـرنَ الـى الـغـزالِ :

أسَــرْنَـهُ بـمـصائِـدِ الـطَّـرْفِ الـكـحـيـلْ

*

وحـدي " وقـاسـمُ " كـنـتُ فـي " قـصـر الـغـديـرِ "

مُـهَـرْوِلَـيـنِ وراءَ قـافـيـةٍ

ونُـطـنِـبُ فـي الـحـديـثِ عـن الـبـلاغـةِ والـبـيـانٍ

وسِــرِّ عَـجْـزِ الــنـهــرِ

عـن إرواءِ مـتـبـولٍ تـأبَّـدَهُ الـغـلـيـلْ

*

قـبـلَ انـتـصـافِ الـلـيـلِ :

آذنَ بـالـذهـابِ الـى جـنـائـنِ بـيـتِـهِ الـضَّـوئيِّ " قـاسـمُ "

فـاقـتـرَحْـتُ عـلـيَّ أنْ أبـقـى مـعـي

لأُعِـيـدَ تـرتـيـبَ الـهـمـومِ

عـسـايَ أطـفـئُ مـن حـرائـقِـهـا الـقـلـيـلْ

*

مِنْ المعلوم أنَّ مِنْ فضل الباري عَزَّ وَجلّ وَكرمه أنْ يتفضل عَلَى الإنْسَان المؤمن بالتواضع وَحسن الخُلق؛ إذ يُعَدُّ التواضعُ انعكاساً لثمرة المعرفة، فضلاً عَنْ كونه مِن القيم الرفيعة الَّتِي تنشر الخير مَا بَيْنَ أفراد الْمُجْتَمَع، فالتواضع كلمة جميلة فِي مبناها وَمعناها، كلمة سامية فِي مفرداتها وَأجزائها، بالإضافةِ إلى أَنَّ التواضعَ يُعَدّ مِنْ أعظم الجرعات، وَأسهل الطرقات لكسب القلوب وَالود العميق. وقد جاء فِي الأثر أَنَّ مِنْ أروع الأخلاق الَّتِي تلزم كُلّ شخص الاتصاف بها خُلق التواضع، وَالَّذِي لا رَيْبَ أَنَّه يأسر القلوب ويستهوي الأسماع وَالأبصار. ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الأدلة عَلَى إيجابية أثر التواضع هو حقيقة أَنَّ المكانَ المنخفض أكثر ماء؛ لذَا لا غرابة فِيمَا نسمع ونقرأ عَنْ تواضع الحكماء وَجهابذة العلم وَمَا يشار إليهم باسْمِ أهل الحل وَالعقد، فأمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أنَّ الإنْسَانَ كلما استزاد مِن العلم، ازداد تواضعاً. وَالتواضع لغة : مصدره وَضُعَ : يقال وَضُعَ الرجل " يَوْضُعُ " ضِعَةً وَوضاعة : صار وَضِيعا، أي دنيئاً، وتواضع فلان: تذلّل وَتخاشع، وَتواضعت الأرض: انخفضت عمّا يليها ( المعجم المحيط ), والتواضع أيضاً هو التذلّل ( كتاب العين، للفراهيدي ). أمَا اصطلاحاً فأَنَّ التواضعَ انكسار للنفس يمنعها مِنْ أنْ يرى صاحبها لِذَاتها جميلاً عَلَى الغير, وَتلزمه أفعال وَأقوال موجبة لاستعظامِ الغير وَإكرامه ( جامع السعادات )، أو هو احترام الناس حسب أقدارهم، وَعدم الترفع عليهم ( أخلاق أهل البيت, محمد مهدي الصدر ).

جدير بالإشارةِ أَنَّ صفةَ التواضع تُعَدّ مِن القيم الإنسانيَّة العظمى فِي كُلّ الشرائع وَالأديان وَالمباحث الفلسفية، فالتواضع الحقيقي هو " أبو كل الفضائل " كما ورد فِي أقوال الحكماء وَأهل المعرفة، وهو الطريق لاستعباد قلوب الناس واستمالتهم؛ فالإنْسَان يدنو مِن العظمةِ بقدر مَا يكون متواضعاً. وَمِن جملة مَا قيل عَنْ التواضع أيضاً الأقوال التالية : " أحب الخلق إلى الله المتواضعون "، وَ " ضع فخرك، واحطط كبرك، واذكر قبرك، فإن عليه ممرك "، وَ " ليس للرجل سوى مجد واحد حقيقي، هو التواضع ". كما ورد عَن أهل المعرفة أيضاً مَا نصه " لا يتكبر إلا كل وضيع، ولا يتواضع إلا كل رفيع ". وَ" كلما ارتفع الشريف تواضع، وكلما ارتفع الوضيع تكبر ". وَلأنَّ مَا قيل فِي صفة التواضع أكثر مِنْ أنْ يُعَدّ أو يحصى، أراني ملزماً بالاكتفاء فِيما ذكرته آنفاً وَختم تلك الحكم العظيمة بقولٍ جميلٍ نصه " لا حسب كالتواضع، وَلا شرف كالعلم ". وَممَا قال الشعراء عَن التواضع، ننتخب مِنه مَا يأتي :

قال البحتري:

وإذا الشريف لـــم يتواضع

للأخلاء فهو عين الوضيع

وَقال احمد شوقي:

ومن لــــم يجمِّل بالتواضع فضله

يبن فضله عنه ويعطل من الفخر

وَقال شاعر أجهل اسْمه:

ولا تمشي فوق الأرض إلا تواضعاً

فكـــــــــــم تحتها قوم هم منك أرفع  

وقال الشاعر موسى بن علي الزرزاري القُطبي :

تواضع تكن كالنجم استبان لناظر

علـــى صفحات الماء وهو رفيعُ

ولــــــــم يكُ كالدخان يرفع نفسه

إلـــى طبقات الجو، وهو وضيع

السَماويّ يحيى " صاحب القلب المليء كرماً واخلاقا " بحسب الشاعر العراقي الدكتور حسين يوسف الزويد، وَالَّذِي يشهدُ الجميع لهُ بأنَّه " قال فأجاد وَأنشد فأطرب وَنسج فأبدع "، لا أدلَّ عَلَى تواضعه مِنْ مخاطبته أحدِ الشُّعراء بعبارةٍ بليغة الأثر، تعكس تواضعه وَعلو هامته فِي عالمِ الشِّعْر، وَالَّتِي يقول فِيها : " فخار ليّ أنْ أكونَ عشبةً ناتئة فِي حقل إبداعك ". وَعَلَى الرغمِ مِنْ الإشادةِ بإبداع منجزه الشعري وتميزه، فإنَّ السَماويّ يحيى يخاطب أيضاً زميلاً آخر بعبارةٍ بليغة الأثر تعكس طيبته وَإصالته وَنقاوة روحه، وَالَّتِي نصها : " ما أنا بأكثر من طفل يحبو على رصيف الشعر رغم مضيّ نحو خمسين دورة شمس على إصداري أول مجموعة شعرية ". وَيَوْمَ لَبَّى السَماويّ يحيى - الَّذِي يسكن فِي مدينة " أديلايد "عاصمة ولاية جنوبي أستراليا - دَعَوْةَ " المنتدى العراقي الأسترالي " فِي مدينةِ ملبورن - عاصمة ولاية فيكتوريا الَّتِي تُعَدّ ثاني أكبر مدن أستراليا بعد سيدني - لإقامة أمسية شِعْريَّة، تجمع عشاق الشِّعْر وَالأدب مِنْ أهل العراق بِمختلفِ طوائفهم وَقومياتهم وَاحزابهم وَعقائدهم فِي مكتبة " تومس تاون "، حيث اعتلى السَماويّ يحيى أواخر شهر تشرين الثاني عام 2006م المنصة؛ لإلقاءِ منتخباتٍ مِنْ قصائده، إلا أَنَّه لَمْ يتمالك نفسهُ مِن البكاء حين وقعَ نظره عَلَى هَذَا الْمُجْتَمَع العراقي الصغير بشخصياته المعروفة وَغير المعروفة لَهُ، وَالَّتِي قاسمها المشترك الانسجام وَالتآلف, وَالشعور بانتماء حقيقيّ إلى وطن يمتد أفقه مِنْ مدينة زاخو الى الفاو؛ إذ سرعان مَا بدأت الدموع تنهمر عَلَى وَجنتيه قبل أنْ تبدأ شفتاه بنطق كلمات مِنْ شعْرِه. وَحينما اقترح عليه أحد الحاضرين السكن فِي مدينةِ ملبورن، قال : " سآتيكم متى مَا أردتم، حتى لو جئت عَلَى الأقدام مِنْ مدينة أدلايد ".

عَلَى الرغمِ مِنْ إنَّ المنظومةَ الشِعْريَّة للسَماويّ يحيى تعبر عَنْ شموخ أدبي وَثَّقَافَيّ وَفكري، إلا أنَّ نهجه الإنْسَانيّ لَمْ يتغير منذ صباه، وَلَمْ يتأثر بمعطيات الأمكنة الجديدة الَّتِي وَطِئت إياها قدمُه؛ لأنَّه مَا يَزال مهووساً فِي البحثِ عَنْ النبيل مِن المواقف الَّتِي تبهج النفس بسعادةٍ تشعر السواد الأعم بالنشوة الَّتِي تتراءى لَه فِي أحلامه، ويتمنى وجودها فِي أيامه؛ إذ أَنَّه لَمْ يعش يوماً رهين حدود الشخصية الأدَبيَّة أو الإعلاَميَّة أو التَرْبَوِيَّة فحسب، وَإنما كان - وَمَا يَزال - شخصية اجْتِماعِيَّة إنسانيَّة متعددة المآثر، فضلاً عَنْ أَنَّ قلبَه الكبير يسع الجميع. ويحضرني هُنَا مَا كتبه ذات يوم فِي أحد المواقع الإِلِيكْتُرُونِيَّة الشاعر الدكتور حسين يوسف الزويد، وَالَّذِي   نصه " أخي وأستاذي سماوينا الكبير الجليل المبجل، في كل تعليق لك على أوشال حروفي، تدمرني بكرمك وأخلاقك التي تحملني مسؤولية الوفاء في زمن شح فيه الوفاء ". ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الأحداث القريبة الَّتِي تُعَدّ شاهدًا حياً عَلَى شهامتِه وَنبله وَطيبته المتناهية، هو مَا جرى فِي زيارتِه نهاية العام الماضي 2017م إلى العراق، حين تقدم إليه فنان تشكيلي مِنْ شريحة الشباب فِي إحدى الأمسيات الثقافيَّة المقامة بمدينة السَماوة قصد استحصال موافقته عَلَى إقامة تمثال نصفي لَه؛ تثميناً لِمواقفِه الوَطَنيّة وَجهودِه فِي مقارعة النظام الدكتاتوري، بالإضافةِ إلى الاعتزاز بمنجزِه الإِبْداعيّ، إلا أنَّ السَماويَّ شكر هَذَا الفنان عَلَى مبادرتِه النبيلة، وَاعتذر عَنْ قبول طلبه، طالباً مِنه تخصيص التمثال النصفي لإحياءِ شخصية الشهيد " حسن سريع " قائد انتفاضة معسكر الرشيد الإيثارية الموسومة باسْمِ قائدها، وَالَّتِي لَمْ يَعرِف عَنهَا ذاك الفنان شيئا، مَا ألزمه التعريف بِها. وَيقيناً أَنَّ أكثرَ شيء مدهش فِي موقف السَماويّ يحيى هَذَا هو التعبير العمليّ عَنْ نكران الذات الَّذِي يعني الخروج مِنْ شرنقة الأَنانيَّة - الَّتِي تسيطر عَلَى ذات الكثير مِن الشخصيات المهمة فِي الْمُجْتَمَع - إلى فضاء المَوْضُوعِيَّة وَالعقلانية. وَلعلّ مِن المناسب أنْ أشيرَ هُنَا إلى أنيّ حين كنت أسجل هَذِه السطور، وَجدت أَنَّ موقفَ السَماويّ يحيى المذكور آنفاً ينطبق إلى حدّ كبير أو رُبَّما يكرس مقولة الشَّاعِر التركي ناظم حكمت الشهيرة، وَالَّتِي نصها " إذا أنا وأنت وهي وهو لم نحترق، فمن يُضيء الطريق ؟ ". كذلك قفز إلى خاطريّ " قول تشي جيفارا " إنَّ الطريقَ مظلمٌ وحالك، فإذا لم نحترق أنا وأنت، من سينير الطريق ؟ "، فنزعة الأَنانيَّة بحسبِ علماء الاجْتِمَاع تقود الإنْسَان إلى حبِ الذات الَّذِي يقوده لاتباع الأهواء والشهوات وَجعله أسير رغباتِ تنمي فِي داخلِه خسارة الأخلاق وَانعدام الضمير.

*

قـبـلَ الـنـداءِ الـى صَـلاةِ الـفـجـرِ :

فَـزَّ الـقـلـبُ ..

صـوتٌ كـالأذانِ أتـى .. أصَـخـتُ الـنـبـضَ ..

مَـنْ ؟

فـأجـابـنـي صـمـتـي :

هــو الــمَــطــرُ الـوبــيــلْ

*

فـانـثـرْ بـذورَكَ

آنَ لـلـصـحـراءِ أنْ تـتـفـيَّـاَ الأيْـكَ الـظـلـيـلْ

*

وتـفـيـضَ غـدرانٌ بـأعـذبِ سـلـسـبـيـلْ

*

ألـقـى عـلـيَّ تـحـيَّـةّ الـعـشـقِ الـخـرافـةِ هـدهـدُ الـبـشـرى

وقـال :

يُـخـصُّـكَ الـزمـنُ الـجـديـدُ بـجـنَّـةٍ

مـن فـوقـهـا تـجـري مـن الأفـراحِ أقـمـارٌ

ويـجـري تـحـتـهـا نـهـرٌ مـن الـقُـبُـلاتِ والأزهـارِ والأطـيـارِ

والـشـجَـرِ الـبَـتـيـلْ

*

فـاحْـزمْ فـؤادَكَ

واخْـلـعِ الأمـسَ الـمُـقـرَّحَ مـن كـتـابِ الـيـومِ

وادخـلْ آمِـنـاً غـدَكِ الـجـمـيـلْ

*

الـيـومَ قـد أكـمَـلـتُ عـشـقَـكَ ـ قـالَ " عـشـقـائـيـلُ " بـاسـمِ الـسـومـريَّـةِ

وارتـضـيـتُـكَ أن تـكـونَ لـيَ الـرَّسـيـلْ

الأستاذ الدكتور عبد الرضـا عليّ اِسْتَحْضَرَ فِي شهادته جانباً مهماً يدلل عَلَى جمال الروح فِي شخصية السَماويّ يحيى، وَالمتمثل بتمسكِه فِي إدامة التواصل الاجتماعي والإنساني عَلَى الرغمِ مِنْ مرارة التعسف وألم الاغتراب اللذين عانى مِنهما؛ إذ يؤكد فِي تلك الشهادة هذه السجية بالقولِ : " ظلَّ السماوي يحيى وفيّاً لقضايا شعبهِ، بالمستوى نفسهِ الذي ظلَّ فيه وفيّاً للفلسفةِ التي آمن بها، ولعلَّ ما كان يُعانيه شعبهُ من استلابٍ ثقافيّ، وفكريّ، واقتصاديّ هي بعض الأسباب التي عمّقتْ ذلك الوفاء، فكانَ أميناً مع ناسه قبل أنْ يكونَ أميناً على مبادئهِ في حريّةِ الفكرِ والتعبير، والعملِ، فكان لابدّ للدكتاتوريّةِ من أن تبعدَهُ عن مهنةِ التعليم التي اختارها، وتنقلَهُ إلى مكتبِ بريد في مدينة السماوة، عقوبةً لرفضهِ الانتماء لحزب المنظّمةِ السريّةِ الذي كان يحكمُ العراقَ بقبضتهِ الحديديّة بداءةً من نهاية ستينيّات القرن الماضي، وحتّى سقوط الدكتاتوريّة في العام 2003م ". وَيضيف عليّ أستاذ الأدب والنقد الَّذِي عرف بِمنجزِه النقدي الكبير، ومؤلفاته المتعددة الَّتِي أصبح بعضها منهجاً معتمداً فِي الجامعات قائلاً : " منذُ ذلك الحين، أي قبل خمسةٍ وأربعينَ عاماً وحتى هذه الساعة لم تستطعْ محنُ الزمانِ، ولا أيّامُ الخوفِ، ولا معتقلاتُ البعثِ، ولا المنافي العديدة، ولا غيرها من المنغّصات أن تفرّق بين ما آمنتْ به روحانا من أفكارٍ، أو فلسفات، أو انحيازات استدعتها مواقفُ معيّنة - وإنْ فرّقتنا فضاءات هذه الدنيا الشاسعة الأطراف مكانيّاً - لكنّنا كنّا نلتقي بين الحينِ والحينِ في فضاءات جميلة، هي فضاءاتُ الأدبِ وما إليه، وما حوله، لكونِ كلٍّ منّا قد أدركته حرفةُ الأدبِ، ومن أدركته تلك الحرفة بات أسيرها طوال العمر راضياً مرضيّاً ". وَيختم الدكتور عبد الرضـا علي شهادته التاريخية هذه بقوله " إنَّ هذه الشهادةَ القصيرةَ التي رويتُها هنا عن صديقي الشاعر يحيى السماوي، لا تفيه حقّه، لكنها واحدةٌ من صور السماوي الحيويّة التي قد لا يعرفها الكثيرون ".

*

مـيـلادُ " إيـنـانـا " الـبـعـيـدةِ بُـعـدَ قـلـبـي عـن يـدي :

مـيـلاديَ الـمـكـتـوبُ فـي الـلـوحِ الـمُـقـرَّرِ قـبـلَ يـومِ ولادتـي

وغـوايـتـي فـي نـشـرِ أشـرعـةِ الـرَّحـيـلْ

*

إصـعَـدْ إلـيـهـا ـ قـال هُـدهُـدُهـا ـ لِـتُـبْـعَـثَ مـن جـديـدٍ :

عـاشـقـاً .. طـفـلاً رضـيـعَ الـلـثـمِ .. مـشـبـوبـاً فـتـىً ..

فـاهـنـأ بـمـيـلادِ الـمـلاكِ الـسـومـريَّـةِ أيـهـا الـشـيـخُ الـجـلـيـلْ

*

كـيـف الـصـعـودُ ـ أجَـبْـتُ ـ مـولايَ الـبـشـيـرَ

الـى جـنـائـنِ ربَّـةِ الـمـطـرِ / الـجـمـالِ / الـحـبِّ " إيـنـانـا " ؟

أنـا الـحَـيُّ الـقـتـيـلْ

*

ســتـقـولُ : كُـنْ فـتـكـونُ ـ قـالَ ـ فـتــصـطـفـيـكَ

لِــمـا أعـدَّ الـلـهُ لـلـمُـتـضـرِّعـيـنَ مـن الـقـطـوفِ

ومـن شــرابِ الـزَّنـجـبـيــلْ

***

هَـبَـطـتْ إلـيَّ إلـهـةُ الـعـشّـاقِ " إيـنـانـا "

فـأشــمَــسَــتِ الـطــريــقَ الـى مـضـاربِ " عــروة بـن الـوردِ "

وابْـتـكـرَتْ لإسـرائـي " بُـراقـاً " فـالـسـمـاءُ قـريـبـةٌ مـنـي ..

وكـنـتُ أُقـيـمُ فـي " قـصـرِ الـغـديـرِ " أمـام جُـرفِ الــنـهــر

في أرضِ الـسـمـاوةِ

يـومَ حَـطَّ عـلـى سـريـري هـدهـدُ الـبـشـرى بـأوَّلِ زخَّـةٍ عـذراءَ

مـن مـطـرِ الـهـديـلْ

*

فـثـمِـلـتُ مـن خـدَرٍ

فـمـا أدري أكـان الـوقـتُ صُـبـحـاً أمْ أصـيـلْ ؟

*

كـلُّ الـذي أدريـهِ أنـي صـرتُ غـيـري :

لـم يَـعُــدُ حَـجَـراً جَـنـاحِـيْ ..

والـسـمـاءُ قـريـبـةٌ مـنـي ..

ولـم أعُــدِ الـيـتـيـمَ ولا الـغـريـبَ عـلـى الـهـوى

وابـنَ الـســبــيــلْ

*

لا رَيْبَ أَنَّ السَماويَّ يحيى عانى كثيراً مِنْ إفرازات سنوات المحنة الوطنية، وَمَا تزال تؤرقه، فثّمة جروح وَدماء غير مرئية، لكنه اعتاد عَلَى تحمل آلامها وَالتكيّف عَلَى جعلِها أقل ألماً عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ نزيفَ الوطن أنهكه، وَغدت جراحه خضراء، لكنه جعل مِنْ حبِه وطنه وناسه الطيبين ضماداً لقروحِها، فكان أنْ اعتاد عَلَى دربِه الذي لَمْ - وَلَنْ - يحيد عَنه، وإن تركت آلام جروح الوطن ندبات عَلَى أعضاء مِنْ جسمه، فالسَماويَّ يَعدّ الحياة " قصيدة "، فهو يرى المرأة قصيدة، وَالطفل قصيدة، وَالأصدقاء قصيدة، والوطن قصيدة، وَالمدينة قصيدة، حيث يؤكد تلك الرؤية بالقول : " أنا عندما خرجت من السماوةِ فهي كانت عندي قصيدة، وعدت إليها لأجدها قصيدة ". وَفِي هَذَا السياق يؤكد الشَّاعِر العراقي هاتف بشبوش فِي دراسةٍ حديثة تلك الرؤية بالقول " إنَّ منجز المبدع يحيى السماوي الذي حمل قضيته، وطنه، العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجاً لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من عشرين مجموعة شعرية ". وَعَنْ إيجابية أثره فِي الوسطين الأدبي وَالاجتماعي يشير بشبوش إلى ذلك بالقول " يحيى السماوي شاعر له صدىً نستطيع سماعه لما فيه من روح مداعبة متواصلة مع الحدث مع الثورية الواضحة في ما نقرؤه عنه وحبه لوطنه بشكل فائض يجعله محبوبا في وسطه الأدبي والاجتماعي وضمن مجايليه من الشعراء والكتاب، فهو يمسك بالذاكرة التي تجعل منه لا يغيب أبدا عن كل ما يمتّ بصلة للتراب الآدمي العراقي المترابط مع بقية الأنفس البشرية في هذا العالم العربي وواقعه المؤلم ".

عَنْ ذكرياتِ الوعي السياسي، يشير صديق طفولته الشَّاعِر وَالفنان التشكيلي عباس حويجي إلى بعض المواقف الَّتِي تركت بصمة وَذكرى طيبة باقية فِي الوجدان بقولِه " اشترك الشاعر يحيى السماوي بتوزيع الماء والمؤن للسياسيين المعتقلين في قطار الموت عند وصوله لمحطة قطار السماوة وهو آنذاك صبيٌّ مراهق "، مضيفاً أيضاً " أول صدمة اعتقال سياسي كانت في عام 1973م حينما نشر مقالا في - جريدة طريق الشعب - انتقد فيه قيام فرقة مصرية ترفيهية بأعمال اعتبرها مخلـّة، فاعتقل من قبل الامن وضرب وأهين واطلق سراحه بعد أيام ". وحول المضايقات الامنيةِ الَّتِي تعرض لها السَماوي يحيى وتركت ندبة واضحة فِي نفسه يقول حويجي مَا نصه " في تلك الايام حينما أصدرت السلطة البعثية قانوناً بإعدام أي عسكري ينتمي إلى الحزب الشيوعي، والشاعر كان عسكريا حينذاك، فكنا اصدقاءه ورفاقه نخاف عليه من عيون السلطة وندفعه إلى مرافقة الاصدقاء البعثيين وملازمتهم كغطاء لدفع الشبهات. وفي ذلك الوضع الحساس كان الشاعر يقتل ساعات طويلة وهو يلعب الدومينو مع أزلام بعثيين بعضهم من أراذل البعثيين في المدينة، وفي الاماسي يذهب مع ذات النوع من الرفقاء إلى النوادي الكثيرة المنتشرة في المدينة ". وَعَنْ طبيعةِ شخصيته المحبة للخير وَسعيه لمساعدةِ جميع مَنْ حوله بطيبةِ نفس دون هدف أو غاية، يقول الشَّاعِر هاتف بشبوش بِهَذَا الصدد مَا نصه " يحيى السماوي هو الشاعر الذي عرَفتهُ وخبرتهُ إذا ما كلّف بمهمةٍ من صديق وخصوصا في مجال الأدب لا يستطيع الاعتذار إلآ على مضض أو أمر جلل، ولذلك أتذكر وأنا أرجو منه التنقيح لدراسة معينة وهذا غالبا ما يحصل أجده وانا على دراية تامة من إعيائه لكنه لا يستطيع قولها من أنه متعب يتوجب عليه الاعتذار وهذه الشخصية قلما نجدها وان وجدت فهي بنسبٍ ضئيلة ".

*

لـلـهِ مـا لـلـهِ

لـكـنْ

مـا لــقــيـصـرَ مـن عــروشٍ لـيْ ..

ولـلـعـشـقِ الـولايـةُ ..

نِـعـمَ دِيـنـاً عـشـقُ " إيـنـانـا "

وأكـرِمْ بـالـخـلـيـلـةِ والـخـلـيـلْ

*

خـلـعَـتْ خـريـفـي

فـارتـديـتُ مـن الـفـصـولِ ربـيـعَ " إيـنـانـا " الـمُــسَــيَّـجَ

بـالـفـصـيـلْ

*

فـإذا بـبـاديـةِ الـسـمـاوةِ واحـةٌ ..

والـنـهـرُ طُـرِّزَ بـالـزوارقٍ ..

والـضـفـافِ تـفـيـضُ بـالــنَّـسَــمِ الـعـلـيـلْ

*

ولـديَّ مـنـذ هـبـوطِـهـا :

مـفـتـاحُ بـابِ الـمـسـتـحـيـلْ

*

تـحـتـالُ " إيـنـانـا " عـلـى قـلـقـي

فـتُـشْـغِـلـنـي بـرشـفِ نـدى زهـورِ الـلـوزِ

والـسـفـرِ الـطـويـلْ :

*

مـا بـيـن فِـضَّـةِ قُـبَّـتـيـنِ وتِـبْـرِ مـهـبـطِ قـرطِـهــا

وقــرنـفــلِ الـشــفــتــيــنِ

والـدفءِ الـمُـشِـعِّ لـذاذةً مـن مُـقـلـةِ الـخـصـرِ الـنـحـيـلْ

*

نـغــفــو فــيــوقِــظــنــا حـريـقٌ نـاعـمُ الـنـيـرانِ ..

نـبـتـكـرُ الـخـصـامَ عـلـى قـطـوفِ الـمَـنِّ والـنـعـمـى

فـيـشـتـبـكُ الـهـديـلُ مـع الـصـهـيـلْ

*

فـانـا بـشُـغـلٍ عـن هـمـومِ الأمـسِ

أقـطـفُ مـا أشـاءُ مـن الـقـطـوفِ الـدّانـيـاتِ

فـحـيـثُ مِـلـتُ :

إلـى يَـديَّ قـطـوفُ " إيـنـانـا " تَـمِـيـلْ

***

ثمة سؤال يطرح نفسه فِي ذهنِ بعض الكتاب أو الباحثين أو العاملين فِي مهنة المتاعب عَنْ مثلث افتراضي، زواياه : الشِّعْر، الخطيئة وَالحب، أجاب عَنه السَماويّ يحيى ذات حوارية بالقول : " لا تأبه للذي يفلسف نبضك بتجاهل ... مادام المتجاهل مشتقا من الجهل، فإنَّ تجاهله هو الحل الأفضل ... لي مع مثل هذا المتجاهل تجربة جميلة : ثمة جاهلان يدّعيان الأدب يركضان خلف نصوصي في المواقع والصحف ليرميا شجرتي بحجارة ناتئة ظنا منهما أنهما يثيران حنقي بينما هما يبعثان بي فرحاً جميلا ليس لأن نصوصي تسبب لهما احتقانا نفسيا، فأنتشي وأنا أراهما يمضغان قيحهما فحسب، إنما ولأنني أضع حجارتهما تحت حذائي فأزداد ارتفاعا، لابد أن نكون كالنهر، فالنهر لا يلتفت للوراء ". وفِي السياق ذاته وسعياً إلى محاولةِ تقريب القارئ مِن المعنى يؤكد السَماويّ يحيى : " إنَّ الحبَ لا يمكن أن يكون افتراضاً ... وقلبك لا يخدعك فأصِخْ السمع لرفيف نبضه وأطِعْه، فليس ثمة ما ننتصر به على تنّين الضغينة غير الحب .. بالحب وحده نقاوم الموت إكراماً للحياة. هل كان قيس بن الملوح سيعيش كل هذه الأزمنة لولا الحب ؟ كلنا نعرف قيس بن الملوح، ولكن أكثرنا لا يعرف أسماء الملوك الذين جايلوه أو عاشوا في عصره ". وَفي مناسبةٍ أخرى، كتب السَماويّ يحيى إلى أحد أصدقائه مَا نصه : " تحياتي ومحبتي يقفوهما سرب من حمام التمنيات بالغد البهي لك وكل الآمرين بحب العراق والناهين عن المساس بأرضه وإنسانه ". وَيستطرد فِي الكلام عَنْ هَذَا الموضوع بالقول : " إذا كان الشك هو الخطوة الأولى على طريق الفلسفة بحسب رأي دينيس ديرويت، فإن المحبة هي الخطوة الأولى على طريق إقامة الوطن الفردوس ". وَتأكيداً لتفاعله مَعَ الْمُجْتَمَع وَإيمانه بضرورةِ العمل عَلَى غرس بذور المحبة الإنسانيَّة، فضلاً عَنْ السعي لتعميق تفاعله مَعَ محيطه الاجْتِمَاعِيّ وَالثَّقَافيّ، يشير السَماويّ يحيى إلى ذلك بالقول : " ثمة قول أحفظه عن ظهر يقين، لا أتذكر قائله، نصه : ليكن وجهك باسماً وكلامك ليناً، تكن أحبَّ إلى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة .. هذا القول قد اتخذت منه منهجاً، فنظرت الى كل الناس الذين لا أعرفهم، على أنهم مشروع صداقة وإخاء ". وَيضيف أيضاً بصيغة سؤال : " إذا كنا قادرين على غرس الزهور، فلماذا نغرس الأشواك ؟ ". وَمثلما قالت العرب " المرء على دين خليله "، يعبر السَماويّ يحيى عَنْ أهميّة الصديق فِي حياة الإنسان بذكر حادثة عاشها قبل سنوات قائلاً " من حماقاتي أنني أهديت يوما شخصاً بعض كتبي موقّعة بإهداء كصديق، وبعد اكتشافي انفلاته الأخلاقي أرسلت إليه شخصين كي يجلبا لي فقط الصفحة التي كتبت فيها بخط يدي الإهداء واصفاً إياه بالصديق؛ لخشيتي أنْ ألحِقَ عاراً بابني باعترافي أنه كان يوماً صديقي، أليست الحكمة تقول : وكلّ قرينٍ بالمقارن يهتدي ؟ "

مـن حـمـرةِ دمـي

وخضرةِ عـشـبِ عـيـنـيَّ

وبـيـاض قـلـبـي

وزرقـةِ جـنـونـي

وصُـفـرةِ شـحـوبِ وجـهـي :

سـأرسـم قـوسَ قـزحٍ لـلأطـفـال ..

قـوسَ قـزح يـخـلـو مـن الـلـون الأسـود

فـالأطـفـال يُـفـزعـهـم سَـوادُ وجـوهِ الـسـاسـة

فـي وطـنٍ لا يـفـوقُ عـديـدَ نـخـيـلـهِ

إلآ عـديـد فـقـرائـه !

***

يمكن القول إنَّ ثمةَ مَا يعزز الأوهام فِي ركونِ البعض إلى نزعة البهرجة الإعلامية وَالتكلف وَالاستعراض، وَالَّتِي لا ريب فِي مُسَاهَمَتها بإغراق أصحابها بالمادية الَّتِي قد تطبع حياتهم بطابعٍ لا إنْسَانيّ؛ إذ أَنَّ مِنْ شأنِها تغييب صور الحب وَالعدالة وَالجمال وَغيرهَا مِنْ القيمِ الإنسانيَّة الَّتِي بوسعِها المعاونة فِي بناء روحٍ أخاذة بحبِ الحياة، فليس خافياً أنَّ البساطةَ تُعَدُّ سر علاقات الود وَالحب مَا بَيْنَ الناس؛ لأنَّها الجسر الذى يربط بَيْنَهم. وتأكيداً لبساطةِ السَماويّ يحيى الَّتِي تطبع أسلوبه فِي الحياة، أراني ملزماً بالتنويه بِمَا له مِنْ علاقةٍ بهَذَا الموضوع بالإشارةِ إلى مَا كتبه ذات منفى عنْ مشروعٍ لإقامة أمسيةٍ فِي مدينةِ السَماوة، وَالَّذِي نصه : "     أهلا وسهلاً بابن صديقي الشاعر السماوي الجميل أسامة الزهيري، أرجو أن تكون على ما تتمنى وأتمناه لك من الرغد والحبور والإبداع، ولابد لنا من أمسية شعرية في زيارتي القادمة للسماوة نقرأ فيها جميعاً - الكهول مثلي والشباب مثلك - في البيت الثقافي أو اتحاد الأدباء أو في حديقة عامة ". وَيضيف أيضاً قائلاً : " أقترح إقامتها في مقهى فايق، وندعو لها العمال ومن نعرف من الفلاحين وحتى الصبية والفتيان ... حقاً سأسعى لمثل هذه الأمسية بعيداً عن الصالات والقاعات. وما الغرابة، ألم يقدم المرحوم ناجي كاشي مسرحية في تلك المقهى ؟ ". وَلعلّ مِن المناسبِ أنْ نشيرَ إلى أنّ السَماويّ يحيى تعرف حديثاً عَلَى مقهى فايق، وتحديداً بعد عودته إلى العراق فِي أعقاب انهيار النظام الدكتاتوري, وَهي مقهى متواضعة تابعة لبلدية السَماوة، لكن أكثر جلسائها مِن المثقفين وَالأدباء وَالشيوعيين، ويعود الفضل فِي تأسسها إلى المخرجِ المسرحي الراحل الدكتور ناجي كاشي " رحمه الله " الَّذِي جعل مِنْ باحتها الأمامية أشبه بمسرحٍ صيفي. وَقد أصبحت المقهى بعد وفاة مؤسسها تدار مِنْ قبل شقيقه فايق، ثم مَا لبث أنْ جرى إغلاقها؛ لأنَّ أحد الاشخاص استأجرها مِن البلديةِ بسعرٍ أعلى، الأمر الَّذِي أغاظ السماوي كما يظهر مِنْ مخاطبته فايق كاشي بالقول : " أين سنمضي أماسينا في السماوة بعد إغلاق مقهاك يا أبا عباس ؟. لقد كانت منتدانا اليومي الجميل ". وَمثلما يزداد السَماويّ ألقاً وَبهجة برعايته لشريحة الأدباء الشباب، فإنَّه يزداد فِي نفوسنا حضوراً وتوهّجاً؛ إذ لا قيود عَلَى الراغب مِن الفنانين توظيف نتاجه الشعري، فقد غنى لَه فؤاد سالم قصائد سياسية عديدة، وَغنى لَه الفنان الدكتور فاضل عواد قصيدة " أحببت من دنيا الحسان حبيبة " قبل أكثر مِنْ أربعين عاما. وَفِي هَذَا السياق يقول السَماويّ : " لا أبحثُ الآن عن مطرب حتى يغني لي قصائدي، أما إذا أراد احدهم أن يغني لي قصيدة، فشعري متاح للجميع وذلك يسرني، إلا أني لا أبحث عن حقوق أو شيء أخر ".

أريد أن أكون أكثر عطشاً من بادية السماوة

وأكثر جوعاً من جهنّم

لأشربك بكاس القبلات

وأقضمك بقبلاتي

إنَّ مَنْ يتوغل فِي أعماق تجربة السَماويّ الشعرية المائزة، يدرك أَنَّ لَه فلسفة شعريّة خاصة تتبلور حول سمو غايته مِنْ ولوج عالم الأدب، وَهو مَا عزز الإبداع فِي تجربته الشعرية الواسعة الممتدة زمنياً مِنْ ديوانه البكر " عيناك دنيا " حتى مجموعته الشعريّة الموسومة " تيممي برمادي " الصادرة في منتصف عام 2018م، وَالَّتِي تُعَدُّ أحدث مجاميعه الشعريّة. وتأكيداً لهذه الرؤية أسجل هُنَا مَا أعلنه السَماويّ ذات أمسية ثقافية، وَالَّذِي نصه : " أغرس زهرتك وأمضِ،فإذا كانت هذه الزهرة أصيلة فسوف تمتص الماء وترتوي، وإن كانت غير أصيلة فسوف تذبح أو تنتحر. وأقول للشاعر كن صادقاً مع نفسك وكن ذائداً عن شرف النص والأدب ككل، وأنا أتسأل ما هو الهدف من كتابة القصيدة، هل هو أن اكتب الشعر فقط حتى يقال عني شاعر؟. لا ، الهدف من الشعر هو خدمة الناس والخدمة يجب أن تكون غير معتمة؛ لان القصيدة المعتمة هي تعبير عن داخل معتم، والشعر عائد للعشق، والعشق واضح، ولا يراد له أن يكون واضحا جداً ولا أن تكون القصيدة مسطحة مثل حدوه حصان، لا تكون معتمة كطلسم, فالقصيدة عندي لها وظيفة ولتكن كيفما تشاء كلاسيكية أو نصا مفتوحا أو نصا نثريا أو شعر تفعيلة أو قصيدة رقمية - سمها ما شئت - المهم أن تصل إلى هدفها أو تساهم في إضاءة ما هو معتم في حياتنا، وإن تساهم في نصرة الحق، والحق واضح؛ فيجب أن تكون القصيدة واضحة ". وحول صدق مَا يبوح بِه فِي نتاجه الشعري، يستحضر السَماويّ قولاً للروائي الأميركي الشهير الفائز عام 1949م بجائزة نوبل في الأدب وليام فوكنر " 1897 – 1962 " الَّذِي يُعَدّ واحداً مِنْ كبار الأدباء فِي القرن العشرين، وَالَّذِي نصه " لا تخف أبداً أن ترفع صوتك من أجل الحب والصدق والحقيقة ومن أجل التعاطف ضد الظلم والكذب والطمع، فلو فعل كل الناس ذلك ، فسيتغير العالم "، حيث يقسم السَماوي يحيى برب العزة والجلال أنَّ سرّه كجهره، وأنّ ما يخطّه مداده إنْ هو إلآ ما يقوله قلبه مؤكداً بالقول : " أقصى ما أتمناه من غرسي لزهور الشعر، هو رضى الأحبة الطيبين والمساهمة في تأصيل ثقافة المحبة ".

بُــلِــيْــتُ بـمُــسـتــلــذَّاتِ الـلــيــالـي

فـكـنـتُ ضـحِـيَّــتـي .. فـأنـا وَبـالـي

*

وأغـوانـي الـشــبـابُ .. فـلـيـتَ أنـي

قـفـزتُ مـن الـشـبـابِ الـى اكـتـهـالِ

*

تـحَــرِّضـنـي خـطـايَ عـلـى دروبٍ

تُــقــايــضــنـي الـحـجـارةَ بـالـلآلـي

*

لَـهَـوْتُ عـن الـصـبـاحِ بـأنـسِ لـيـلٍ

وبـالــكـأسِ الــسَّـرابِ عـن الــزلالِ

 

لطيف عبد سالم

 

ضياء نافععشرة أشخاص – كنت انا من ضمنهم – يجلسون بهدوء في شقة احد العراقيين في موسكو. كانت الجلسة رجالية بحتة، ويتراوح عمر الحاضرين بين الثمانين والخمسين سنة، وكان الجميع ينتظرون البامية (على أحر من الجمر !!!)، والساعة تقترب من الخامسة عصرا في ذلك اليوم من صيف 2018 . قال احدهم – تعطلتم في بداية التحضير، وهذه هي النتائج، فاجاب الثاني – هكذا الامور دائما عند العراقيين، فاعترض الثالث على هذا الاستنتاج الخطير وقال – هذا موقف عراقي متطرف كالعادة، فضحك الرابع وأضاف – ولماذا تتعجب؟ انه موقف عراقي نموذجي مثلما يتصرف السياسيون عندنا، فحاول الخامس ان يفسر ذلك وقال – كل الامور نسبية، فعندما حولوا حكم الاعدام الى السجن المؤبد في ابو غريب شعرنا بسعادة لا مثيل لها، فسأله السادس – وماذا حدث بعدئذ وكيف خرجت من السجن؟ اجاب الخامس – عندما زار صدام حسين موسكو – اثناء الحرب العراقية الايرانية وطلب السلاح، اخبروه بانهم سيعطونه السلاح، وقالوا له - (ولكنك تعدم الشيوعيين في بلدك !)، فوعدهم بانه ما ان يرجع سيحل المشكلة، وقد نفّذ وعده فعلا، وهكذا اطلقوا سراحنا ولم نصدق ذلك، فسأله السادس من جديد – اثناء الحرب؟، فقال الخامس – نعم، وارسلونا الى الجبهة، ولكن كل الضباط كانوا يرفضون قبولنا ويقولون، انهم سيندسون بين الجنود ويحرضوهم ضد تنفيذ الاوامر . علّق السابع – رب ضارة نافعة . سأل السابع – هل كان الشهرستاني معكم في السجن؟ اجاب الخامس – نعم، وكان عنده خادم يخدمه في السجن، وكان طعامه خاصا، فتعجب الجميع، واضاف الخامس – لقد ذهبنا اليه في طهران ( بعد ان هرب من السجن بشكل غريب جدا ) وطلبنا منه المساعدة، ولكنه رفض، فسأله السابع – وكيف وصلتم اليه؟ فاجاب الخامس – كان عنده مكتب كبير هناك، مثل اي مسؤول كبير . همس الاول في اذن التاسع – هل قرأت رواية بابا سارتر؟ اجاب التاسع – كلا، ولكني سمعت بها، واضاف – لم اعد اقدر على متابعة روايات العراقيين لكثرتها، فقال الاول – هذا شئ رائع، وظاهرة جيدة جدا . سمع الخامس هذا الحديث فتدّخل قائلا - لقد عرضت عليك القصة القصيرة التي كتبتها انا، ولكنك شرشحتها، وعندما ارسلتها للنشر نشروها ولم يأخذوا برأيك حولها، اجاب الاول – لم تكن الفكرة واضحة، وعندما كنت اقرأ قصة البير كامو كانت الفكرة تصل رأسا، فقال السادس – انك الان تقف جنبا لجنب مع كامو، فماذا تريد اكثر من ذلك التقييم الكبير . توسع الحديث اكثر ووصل الى طه حسين وما كتبه حول الشعر الجاهلي والحركات الاسلامية في تراثنا، وتشعبت النقاشات وتناولت اسماء كثيرة من سيد قطب الى سلامه موسى وما بينهما، و كل أدلى بدلوه بغض النظر عن القبول برأيه او عدم القبول، وكاد النظام يفلت من الجلسة هذه لتعدد الآراء والاجتهادات وتناقضاتها واختلطت الاصوات بين هذا وذاك، ولكن جاءت البامية وملحقاتها، فانقطعت الاحاديث الفكرية المعمقة، وقال العاشر – البامية العراقية الذ واحسن من شقيقتها في كل البلدان العربية،فعلق الثاني – انها سيدة المائدة العراقية بلا منافس، وقال السادس – انها توحد العراقيين جميعا عربا واكراد وتركمان وكل الاقليات الاخرى بغض النظر عن كل تناقضاتهم واختلافهم، فضحك الجميع، واضاف السابع – ان البامية بحق تعد (عابرة للطوائف والقوميات!)، وعلّق الثامن قائلا - (انها فعلا فوق الميول والاتجاهات!)، وقال الثالث – عندما كنت في شمال العراق، فاعترض الخامس وهو يقول – قل في كردستان العراق وليس في شمال العراق، فاجاب الثالث – كلا، انا اقول بعد الاستفتاء (في شمال العراق) وليس (في كردستان العراق) كما كنت أقول سابقا، فتدخل الرابع وقال في محاولة لتخفيف حدة النقاش – ساحكى لكم نكتة عن الاكراد، ولكني اقول كردستان العراق بدلا من شمال العراق، والنكتة هي ان احد الاكراد طار من بغداد الى السليمانية، وبعد حوالي الساعة وصلت الطائرة الى السليمانية، ولكن صاحبنا رفض الخروج من الطائرة، وعندما خرج الجميع، صعد اليه مسؤول المطار ليقنعه بالخروج، فقال له المسافر، بانه لو كان يعلم ان الوصول الى السليمانية خلال ساعة لما اشترى بطاقة سفر ولتمشى من بغداد ووصل الى السليمانية، فضحك الجميع، وعلّق العاشر قائلا – ومع كل هذا، فان ما تعرض له الاكراد الفيلية زمن البعثيين هو ابادة جماعية بحق الانسانية لم يعرفها العراق سابقا، فسأل الخامس – والانفال وحلبجة؟ اجاب العاشر – كلها تراجيديات رهيبة طبعا، لكن الحملة ضد الاكراد الفيلية وهم في عقر دارهم كانت مرعبة حقا، فقال السادس – نعم نعم، الفيلية الذين منحوا العراق رضا علي وعزيز الحاج وغائب طعمه فرمان وغيرهم، فقال الخامس – لم اكن اعرف ان غائب كان فيليا ابدا، فقال السادس – وغائب نفسه لم يقل ابدا ذلك، وانما كان يؤكد دائما انه عراقي ليس الا، فعلّق السابع قائلا – دعونا نتمتع بالباميه بلا سياسة، فقال الخامس – لا لا لا، فالبامية مع السياسة يصبح طعمها عراقيا بحتا، فضحك الجميع، وتناسوا الصراع الفلسفي والفكري من اجل التسميات وتحديدها، وبدأوا بالتعايش السلمي الجميل تحت شعار - (الانسجام التام من اجل التمتع بالطعام!).    

 

 

سليم الحسنيلم يبرز مرجع شيعي بعد استشهاد الإمام السيد محمد باقر الصدر، يدعو الى بناء الانسان، كما فعل السيد محمد حسين فضل الله. فقد كان فكره وعطاؤه وحركته وعمله، كلها باتجاه بناء الانسان، وكان مشروعه الذي طرحه وعمل من أجل هو دولة الانسان.

كتب وخطب وتصرف وتعامل بصدق من أجل الانسان، وقطع أشواط حياته ينشر التسامح ويزيل الفوارق ويعالج الاختلافات بدعواته المتكررة الى الحوار العلمي، وكان هو رائده بلا منازع في العقود الأخيرة.

في لبنان الدولة الطائفية المعقدة التي احتكمت الى السلاح والحرب الأهلية، كان صوته يغطي على ضجيج المعارك بالدعوة الى العقل والحوار، وأن لبنان الصغير يتسع للجميع.

وحين تحررت أفغانستان من الوجود السوفيتي، وجلس الفرقاء يحاولون تشكيل المستقبل ، أطلق تحذيراته للقادة الأفغان بأن عليكم أن تهجروا السلاح نهائياً، وأن تحملوا منطق الحوار، وما لم تفعلوا ذلك فان الحرب الأهلية ستكون هي مستقبلكم الطويل، وقد صدقت نظرته الاستشرافية. (تناولت ذلك في كتابي: صراع الإرادات).

وعندما كان يلتقي فصائل المعارضة الإسلامية، كان يؤكد على نقطة واحدة، هي الحوار، فهدفكم مشترك، وعليه فان الخلافات بينكم تعني وجود أزمة أخلاقية عندكم في طريقة التعامل مع بعضكم البعض.

كان المرجع الراحل أكبر من المساحات الجغرافية، وأكبر من الحركات والاتجاهات، كان كبيراً شاهقاً، بكبر الإنسانية وبعلو قامتها. لذلك نجح في مشاريعه الحوارية، وفتح الباب التي كان يخشى الكثيرون الاقترات منها، وهي الحوار الإسلامي ـ المسيحي.

كان المفكر والعالم والمرجع للجميع، للشيعي والسني والمسيحي.. كان مرجع الانسان بحق. ولأنه كذلك، ولأنه يحمل الوعي وينثره على الجميع، فقد جنّ جنون المتخلفين، وللأسف كانوا من الشيعة، فأضرموا النار في خيامه، ورموه بالسهام من وراء الجدران، وقبعوا في منازلهم يحرّكون الاتباع، خوفاً من خوض حوار مباشر معه، لأنهم يعلمون بأنهم لن يصمدوا أمام شلاله الفكري وسيجرفهم حيث يتجمع الزبد.

عندما يكون الحديث عن بناء الانسان، وعن ضرورة النهوض بهذا المشروع، يجب أن نعرف أولاً من الذين حاربوه، لنعرف الذين لا يريدون بناء الانسان.

 

سليم الحسني

 

 

ملاحظة: القصد من كتابة هذه الحلقات ليس الحنين الى الايام السابقة كما قد يتبادر الى ذهن القاريء، ولكن الهدف الاساسي هو التوثيق، مهمة مثقفي اي شعب توثيق كل شيء التاريخ والاحداث والتراث .كما أنه من المهم لنا كشعوب عربية وشرقية أن نزيد المحتوى الرقمي للغاتنا واللغة العربية على رأسها، حيث لا يزال المحتوى الرقمي اي المدون على الانترنت لايتناسب مع حجمنا كأمة وعدد سكان وثقافة وتاريخ، لذا اود ان يهتم بهذه الملاحظة جميع المثقفين العرب والعراقيين، ان دلالة ثقافة اي امة هو المحتوى الرقمي المدون لهذه الامة بلغتها .

- كتبت في الحلقة السابقة عن الأكل العراقي بوجباته الثلاث والنقل الحكومي، وسأكمل في هذه الحلقة الحديث عن تراث ومعالم بغداد في السبعينيات من القرن الماضي.احدى الزميلات طلبت مني أن اضيف أكلة اللوبيا كما ذكرت الباقلاء بالدهن ضمن الاكلات البغدادية في الريوك واعترف بأني نسيتها ولا بد من ذكرها واشكر الزميلة على تذكيرها لي، خصوصا انني اقصد من موضوعي هذا هو توثيق معالم تراث بغداد في السبعينيات لكوني اذكرها جيدا واريد توثيقها للتاريخ والاجيال الحالية والقادمة كجزء من مهمة المثقف العراقي في حفظ تراثه وتأريخه.ان تراث اي شعب يتضمن العادات والتقاليد وظروف المعيشة والطعام والملابس والاثاث والتعليم والنقل والمهن والتعاملات واللغة واللهجة والعلاقات والمناسبات وهلم جرا.

- النقل: كان النقل الاهلي بشكل عام في بغداد السبعينيات والثمانينيات في داخل مدينة بغداد يتكون من سيارات المايكروباص وقد سميت دائما على اسم نوع السيارة السائد كالفورتات نسبة للسيارة الفورد او الكيات كما تسمى حاليا او الكوسترات نسبة للكوستر وليس كما في دول الجوار ففي سوريا ولبنان تسمى سيرفس اما في السبعينيات فقد دخلت الدولة دخولا قويا في القطاع الخاص وحاولت الحلول محله وكانت سيارات المايكروباص المستخدمة في القطاع الاهلي في السبعينيات هي الفورد والبولوني والرف والمرسيدس ثمنطعش(18) راكب والتي حلت محلها الكوستر في الثمانينيات واصبحت سيارة النقل الرئيسية والريم العشرين راكب والريم الكبير الاربعين راكب الذي يعمل غالبا على الخطوط الخارجية وكذلك الخطوط الداخلية في حالات معينة.

اما السيارات التاكسي ففي السبعينيات كانت السيارات السائدة لا تزال الامريكي وكما في الستينيات مثل الشوفر والفورد والفرنسي الرينو والبيجو والروسي الفولغا واللادا والموسكوفيج والايطالي الفيات والنصر المصري، ولكن بدأ دخول الكراون تاكسي في السبعينيات حيث استوردتها الدولة وباعتها للسواق بالاقساط، وقامت المرور بارغام اصحاب التاكسيات بصبغ الجاملغات الامامية والخلفية باللون البرتقالي وهي اول مرة تميز التاكسي عن الخصوصي باللون وليس فقط لون الرقم او قطعة او علامة التاكسي التي توضع فوق السيارة.كانت اخلاقيات السواق لا تزال مهنية فسائق التاكسي شخص يحترم مهنته ويعرف انه واجهة للبلد خصوصا انه في ذلك الزمن كان هناك سواح اجانب يأتون لزيارة البلد وكان سائق التاكسي هو اهم المتعاملين مع السواح الاجانب .

اما السيارات الخصوصي الشائعة في العراق فهي الامريكي كالفورد والشوفر والفرنسي كالرينو والبيجو والروسي كاللادا والموسكوفيج والفولغا والايطالي كالفيات والمصري النصر ثم دخل الياباني بماركته المعروفة التيوتا.

في النصف الثاني من السبعينيات بدأت الدولة بتنظيم قطاع النقل الحكومي والاهلي، وتم تحديث كراج النقل في العلاوي والنهضة للنقل الخارجي كما تم فتح المنشأة العامة لنقل المسافرين بسياراتها المكيفة نيسان ذات ال44 راكب التي سميت ب(المنشأة) نسبة للدائرة وكانت لها محطات حجز وانتظار وأركاب في كراج العلاوي والنهضة وكانت دائرة شديدة التنظيم ومواعيدها دقيقة .

- المعلم: كانت البلد والناس في حماسة قوية واندفاع للتقدم للامام، فالعوائل تريد لابنائها الدراسة والحصول على الشهادات والوظائف، والدراسة في المدارس الحكومية صارمة والمعلم شخص مُقدر في المجتمع ويهابه الطلاب، وقلما تجد طالبا لم يحصل على ضربة راشدي على وجهه او ضربة عصا او مسطرة على يده من معلم او مدرس ولا توجد ملاحقات عشائرية او شكاوى بهذا الخصوص، وقلما تجد معلم او مدرس وهو في الاربعينات من عمره ولم يحصل على بيت من الدولة ولديه سيارة على الاقل لادا او موسكوفيج لأنه موظف مرموق وراتبه جيد بمقاييس تلك الايام ويعيش بمستوى لائق براتبه دون الحاجة الى الدروس الخصوصية، ولم يكن العراق يعرف معنى الدروس الخصوصية الذي شاع بعد الحصار وبعد 2003 بشكل كبير.

- متنزه الزوراء: كانت معالم التقدم تزحف بسرعة على كل معالم المدينة والناس، فمن جملة الامور المهمة افتتاح متنزه الزوراء في السبعينيات وهو نفسه الحالي بمدينة العابه وبحيرته الصغيرة وحديقة الحيوانات وكانت تضم عددا جيدا من الحيوانات المفترسة والبرية وكان الناس في المدينة بحاجة الى متنزه لقضاء اوقات للترفيه عن نفسها، فترى العوائل والبنات والشباب تملأ الزوراء في الخميس والجمعة وخلال السفرات المدرسية والعطل المدرسية والاعياد والمناسبات خصوصا في فترات تحسن الجو. (يتبع)

 

د. احمد مغير - طبيب اختصاص وباحث

 

 

شاكر فريد حسندينا سليم أديبة وكاتبة روائية فلسطينية غزيرة العطاء كينابيع الشتاء ونبع الربيع، تكتب بصدق وجرأة وشفافية، وتمكنت ان تثبت حضورها المتجلي وان تجد لها مكاناً في رحاب الرواية الفلسطينية المعاصرة .

دينا سليم من مواليد حي المحطة بمدينة اللد العام ١٩٥٧، لعائلة كادحة تحب العلم وتقدر الثقافة، تلقت تعليمها الابتدائي في مدارسها، وانتقلت الى يافا، عروس فلسطين، التي كثيرا

ما زارت وتمتعت ببحرها الجميل وكتبت عنه، وتخرجت من مدرستها الثانوية، ثم درست في جامعة تل ابيب، وبعد ذلك التحقت بدار المعلمين في نتانيا، وتخصصت باللغة الانجليزية، وعملت مدرسة للغتين العبرية والانجليزية في مدينتها اللد، التي ما زالت وستظل تسكن روحها ووجدانها وقلبها رغم الغربة .

ثم درست علم النفس في جامعة حيفا، واشتغلت اخصائية ذهنية لطلاب عسيري التعليم، وبعد ثلاثين عاماً تقاعدت وتفرغت للكتابة التي تحبها حتى درجة العشق .

تركت دينا سليم اللد بعد زواجها وانتقلت للعيش والسكن في قرية ابو سنان الجليلية، لكنها عاشت حياة زوجية كلها معاناة وشقاء وقلق وتوتر وكوابيس، وفي النهاية اختارت الانفصال عن زوجها والهجرة الى استراليا، حيث تعيش وتعمل في فعاليات دورية ثقافية، وتقضي جل وقتها في القراءة والكتابة والاعلام .

شغفت دينا سليم بالادب والكتابة والقراءة منذ نعومة اطفارها، وكانت اولى بواكيرها قصيدة كتبتها وهي في الصف الثالث الابتدائي، فلقيت التشجيع والرعاية من معلميها الذين طالبوها وحثوها على الاستمرار في مشوارها الادبي لانها تملك موهبة ابداعية حقيقية، لتصبح شاعرة المدرسة، وفي الحادية عشرة من عمرها كتبت العديد من القصص القصيرة والطويلة، واشرفت على صدور مجلة طلابية، لكنها بعد ارتباطها توقفت عن الكتابة وصمتت طويلاً لظروف قاهرة واضطرارية، لكنها عادت لتكتب وتبدع بكثافة وغزارة، ونشرت كتاباتها في " الاتحاد " و" كل العرب " و" ليدي " ومن ثم نشرت في الدوريات العربية في الخارج وفي مواقع الشبكة الالكترونية .

وبعد صمت طويل ومخاض خرجت روايتها الاولى "الحلم المزدوج " الى النور، ولقيت ترحيباً واهتماماً نقدياً وادبياً تجلى في الكتابات والمراجعات التحليلية والاستعراضية في الصحف والمجلات المحتلفة .

يقول الكاتب والرواني غريب عسقلاني عن دينا سليم : " مبدعة فلسطينية، خرجت من عباءة الليل، تصر أن تبدأ من حيث انقطعت عن وشيجة الفيض، غزيرة مثل نبع الربيع، تعوض ربع قرن من صمت قسري او قل حبس اضطراري / انفرادي، فيضها مثل ماء نبع الجبل الذي بنفجر الماء عن مخزون ماء المطر الزلال في باطن الصخر، يحمل من خواص الماء اعذبه ويحمل من خواص الروح الألق، ويحمل من شظايا العذاب واشد فجيعة ".

ما يميز نصوص واعمال وكتابات دينا سليم انها تقدم نفسها بفنية عالية وتلقائية عفوية، وتحلق في فضاء مختلف لا يشبه احداً، ومنسوجة بلغة شاعرية رشيقة مميزة وعذبة، وباسلوب خاص جديد عصري في آليات الكتابة الابداعية السردية، ويمكن القول انها تكتب القصة والرواية بلغة الشعر .

تناولت دينا سليم في قصصها ورواياتها وحكاياتها وخواطرها حنينها الى النبع الاول، الى الأسرة والطفولة واللهو في ازمة وشوارع واحياء مدينتها، وبين احضان والدها الذي شجعها ووقف الى جانبها، وكان يحضر لها الاوراق من مكان عمله لتكتب عليها ما يجود به الفكر والقلب والروح، وشكل موته صدمة كبيرة اخذتها ااى عالم الكتابة، فكتبت ونشرت قصتها " لن يسكت الحنين " .

وفي روايتها " الحلم المزدوج " تصور دينا سليم الصراع النفسي الداخلي الذي يعانيه بطل الرواية " صارم " وهو يعيش في الغربة والمنفى بعيداً عن وطنه واهله واسرته، ويعاني شتى ألوان اللوعة والكآبة والشوق في وحدته القاتلة، وترسم صورة انسان يعيش مأساته الخاصة بعد ان كان شاباً في عمر الزهور واقتيد للخدمة العسكرية ليشارك في حرب لم يؤمن بها فيعتبر نفسه ضحية، فيطارد ويلاحق ويزج به في السجن، وتظهر شاعريته في غمار هذه الاحداث العاصفة، ويحاول ان يجسدها بالممارسة على ضفاف نهري دجلة والفرات في العراق بلاد الرافدين بحضارتها وتراثها وجمالها الطبيعي الحقيقي المدهش والخلاب .

اما في " جدار الصمت " وهو جدار من لبنات الصمت الذي يقطر اسى ولوعة وشجناً وحرقة والماً، فتكتب سيرتها الذاتية، وتروي بكل جرأة فصولاً من سيرتها الحياتية الشخصية الحقيقية، فتتحدث عن معاناة زوجة وأم تعرضت للخيانة، مرة من زوجها ومرة من ابنها الذي تنكر لها .

بينما في رواية " تراتيل عزاء البحر " فتتناول قصة المهاجرين الذين يطوفون البحار في سبيل البقاء والحياة .

اما رواية " سادينا " فتتحدث عن الحب الحقيقي الذي لا يموت. .

في حين ان رواية " قلوب لمدن قلقة " فتحكي عن وطنها الذي يستحوذ على خاطرها اينما ذهبت وارتحلت، ويسكن اعماقها، وهي تسرد تفاصيل حقيقية عاشتها في طفولتها وايام صباها وشبابها، وتجول في ثنايا الوطن باحثة عن خطواطتها التي تركتها فيه، وابتعدت عنه حباً وعشقاً له لتلتصق اكثر فيه .

واحداث هذه الرواية حقيقية جرت في البلاد لكنها زينتها بحلل من لازورد مخيلتها .

وفي روايتها " دائماً معاً " فتتطرق الى صراعات الفلسطينيين ومعاناتهم الذاتية في الاقطار العربية، وتتعرض للظواهر السلبية والانحرافات الاجتماعية المتنوعة .

اما رواية " سقوط المعبد الأخير " فتتحدث عن التقاليد البالية كنتاج لافكار متوارثة في مجتمعنا الذكوري .

ورواية " ما دون الغبار " تعالج الاوضاع السياسية والاحوال الاجتماعية ابان انشاء الدولة العبرية .

دينا سليم الروائية الفلسطينية المغتربة تستحق ان تقرأ، فهي صاحبة مقدرة فنية وبراعة أدبية كبيرة في التعامل الفني مع الاساليب الفنية الحديثة في القص والسرد، ويلاحظ المتتبع والمواكب لنتاجها الروائي القصصي، تجاوزها المستمر لنفسها بين رواية واخرى، ويلمس تنوعاً وثراء في المضمون، عمقاً وغنى في الرواية الفنية المتقدمة .

دينا سليم كم يشتاق اليك الوطن، فمتى تعودين لترتمين بين احضانه في الجليل والكرمل وسواحل حيفا وازقة اللد والرملة ..!!

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

دخلنا في سبعينيات القرن العشرين وكان الدينار العراقي يساوي ثلاث دولارات وثلث الدولار، كان الدينار يساوي الف فلس وكانت اصغر عملة متداولة هي الخمسة فلوس ويقول اباؤنا انه كانت وحتى الستينيات هناك عملة متداولة تسمى العانة وتساوي فلسين وجيلنا لم يتعامل بها، كان أي طفل يستطيع شراء خمسة جكليتات عادية بخمسة فلوس او جكليتتين من نوع توفي الفاخر بخمسة فلوس .

كانت العملات المعدنية المتداولة هي الخمسة فلوس والعشرة والخمسة والعشرون والخمسون والذي يسمى بالدرهم والمئة والمئتان وخمسون فلسا وفي السبعينات ظهرت خمسمئة فلس معدنية واما الورقية فتبدأ بالربع دينار او مئتان وخمسون فلسا والنصف دينار والدينار والخمسة والعشرة دنانير وهي اكبر عملة ورقية وبعدها ظهرت ورقة الخمسة والعشرون دينار قد يكون في نهاية السبعينات .

لم يكن العراقي حتى اوائل السبعينيات قد تعلم على أكل بيض ودجاج المصلحة اي البيض والدجاج الذي نأكله اليوم والمنتج في مداجن والمصلحة هي مصلحة المبايعات الحكومية وهي الدائرة المختصة باستيراد وتسويق المنتجات الغذائية وغيرها من المنتجات باسعار مدعومة . كان العراقي لا يأكل الا بيض العرب ودجاج العرب اي المنتج المحلي من قبل الفلاحين والذي يقومون بتسويقه يوميا من مزارعهم ويربى في مزارعهم، وليس في مداجن ولا يعلف بالعلف الصناعي المتداول اليوم .كان له طعم خاص ولذة لا يمكن لظروف اليوم بهذه البيئة الملوثة أن تنتج انتاجا مثل ذلك الانتاج حتى لو كان انتاج عرب .كان بائع الصمون يوزع الصمون ديلفري على بايسكل ويضعه على حائط البيت قرب الباب الخارجي، كما أن بائع الحليب يضع بطل الحليب على حائط الشارع وتتم المحاسبة شهريا او اسبوعيا .ادخلت الحكومة في السبعينيات صمون المصلحة وهو يشبه الصمون الكهربائي الحالي ومن نوعية اجود منه بكثير ولم يكن العراقيون يستسيغونه ويسمونه صمون مصلحة وكان يباع بأكياس بلاستيكية من قبل اكشاك اقامتها الحكومة في مختلف المناطق السكنية ولكن لان الحكومة توزعه فيسمى صمون المصلحة اي يقللون من شأنه او يسمى الصمون الفرنسي لأنه يبدو أن المعمل الذي ينتجه من صناعة فرنسية . لم يكن الناس يستسيغون الا خبز التنور والصمون الحجري الذي كان حجم الصمونة منه يعادل اربع صمونات حالية .

حاولت الحكومة السيطرة على الاسواق وادخال انفها في كل شيء فبدأت تستورد وتنشر دجاج المصلحة وبيض المصلحة، وبعد أن تعود الناس على اكل بيض ودجاج المصلحة بدأت تظهر ازمات في كميات البيض والدجاج المسوّق لان الدولة وحدها هي التي تسوقه .كان سعر قرص الخبز 10 فلوس وسعر قنينة او بطل الببسي او المشن او الكراش وهي المشروبات الغازية الشائعة 15 فلسا .

كانت مصلحة نقل الركاب تسير باصات من نوع ليلاند ذات الطابقين حمراء اللون شبيهة للحالية ولكن تديرها المصلحة بنظام صارم، حيث يقودها سائق يرتدي بدلة رصاصية ويضع على رأسه كاسكيته او شفقة كما تسمى وجابي او محصل يرتدي بدلة رصاصية ويضع كاسكيته او شفقة على رأسه ويضع في حزامه من الامام حقيبة جلدية يضع فيها الدخل او الاجور المستحصلة لان العملة المستعملة كانت معدنية، وكانت هناك نوعين من المقاعد او المساطب لجلوس الركاب في الباص، درجة اولى جلدية سعر الركوب عشرين فلسا ودرجة ثانية مساطب خشبية بخمسة عشر فلسا، كما كان هناك نوع اخر من الباصات طابق واحد وايضا ليلاند حمراء اللون .كان اول باص ينطلق الساعة السادسة صباحا وآخر باص ينطلق الساعة الثانية عشرة ليلا وبين باص وباص وقت محدد ولم يكن الازدحام مثل اليوم واوقات الباصات الى حد كبير يمكن الاعتماد عليها وضبط وقت خروجك ووصولك عليها، كما كان هناك نوع آخر من الباصات تسمى الهنغارية وهي باصات طويلة وتتكون من خانتين طويلتين يربط بينهما رابط من مادة شبيهة بالجلد تسمح له بالحركة والانثناء ولونه على ما اتذكر ازرق اللون .

لم تكن الثلاجات والمجمدات شائعة وكان الناس يتسوقون بشكل يومي حيث تخرج ربة البيت الساعة التاسعة صباحا بعد أن يذهب ابو البيت الى عمله والاولاد الى مدارسهم ومعها علاقة محيوكة او محاكة من خوص النخيل فيها يدة محيوكة من لحاء النخيل تعلقها في ساعد يدها وتذهب للتسوق، وتشتري الخضراوات واللحم والفاكهة وهو المسواق المعد لطبخ وجبات ذلك اليوم، والعائلة العراقية معتادة على تناول المرق مع قطع لحم الغنم والتمن (الرز) مع الخبز والسلطة واللبن الشنينة وايضا الطرشي في وجبة الغداء، ومايسمونه بالنواشف في وجبة العشاء، والنواشف اي لا توجد فيها سوائل (اي بدون مرق )ويقصد بها الكبة او كباب البيت او العروك او البيتنجان المقلي او الطماطة المقلية اوالبتيتة او البطاطس المقلية او المسلوقة مع البهارات والسلطة والطرشي والخبز والكبة انواع فهناك كبة البرغل وكبة التمن وكبة البتيتة والكبة المسطحة الكبيرة او كبة الموصل .

في الفطور او الريوك كما نسميه يمكن تناول البيض المقلي او الالبان وخصوصا جبن العرب وقيمر العرب مع الدبس او المربى او العسل وحسب امكانيات الاسرة المادية ويمكن ان يكون الريوك مكون من الكاهي اوالباقلاء في الدهن مع البيض المقلي او التشريب او الخميعة وهو ثريد الخبز في الحليب مع الشكر والدهن الحر وهذا ينتشر في القرى، كما يمكن ان يكون الخبز مع الحليب والشاي فقط، والشاي هو المشروب الوطني العراقي الذي لا يضاهيه مشروب اخر في حياة العراقيين فهو مشروبهم في الشتاء والصيف في الشتاء يقولون أنه يدفيء وفي الصيف يقولون أنه ينعش والله اعلم . المرأة العراقية كانت في السبعينيات (وخصوصا ربات البيوت وليس الموظفات) تلبس عباءة سوداء تخرج يديها من فتحتين في جانبي العباءة وترتدي نفس ملابس البيت اي الدشداشة والنعال البلاستيك وتخرج للسوق واغلب النساء ترتدي الفوطة وهي قطعة من قماش اسود تلفها على راسها وقد تكون بيضاء اذا كانت كبيرة السن او حجية اي ذهبت للحج وكان لا يطلق لقب حجي ألا على من ذهب للحج وليس كما هو اليوم حيث يطلق على كل من وخط الشيب رأسه .( يتبع)

 

د. احمد مغير - طبيب اختصاص وباحث

 

 

جودت هوشياركنا في عصر "ذوبان الثلوج" حيث فتحت نوافذ في الستار الحديدي لتهب منها رياح التغيير والتجديد في المجتمع السوفيتي . التغيير والتجديد كنت تحس بهما في مكتبة الأدب الأجنبي في موسكو تحديدا، أكثر من أي مكان آخر في الإمبراطورية السوفيتية، حيث تجد فيها آخر إصدارات الكتب والمجلات الأجنبية ب(140) لغة أجنبية، وأرشيف ضخم للأدب العالمي والمعرفة الإنسانية .

كنت أزور هذه المكتبة كلما سمح لي الوقت بذلك . وكنت أنتهز يوم التأهيل العسكري للطلاب السوفيت - وهو يوم واحد في الأسبوع كان يخصص بأكمله للمحاضرات النظرية والتدريبات الحربية لزملائنا السوفيت، ولم يكن يشمل الطالبات السوفيتيات والطلبة الأجانب، وكنا نعتبره يوم عطلة لنا - لزيارة المكتبة، واقضي فيها ما لا يقل عن ثلاث أو أربع ساعات في كل مرة، طوال فترة إقامتي في عاصمة الثلج والأدب والفن والحب .

لهذه المكتبة جاذبية هائلة لا تقاوم بالنسبة الى كل من يود الإطلاع على أفضل ما أنتجته العقول البشرية من إنجازات فكرية في مجالات الأداب والفنون والفلسفة والتأريخ، والإقتصاد. وتدور في أوساط المثقفين الروس أساطير كثيرة حول نشأة المكتبة ودورها التنويري والفكري والروحي .

قي عام 1921 استطاعت فتاة في الحادية والعشرين من عمرها اسمها (مارغريتا إيفانوفنا رودومينو من مقابلة وزير التعليم أناتولي لوناشارسكي – وكان مثقفاً من طراز رفيع - وأثبتت له الحاجة إلى فتح مكتبة للأدب الأجنبي في موسكو . وقد وافق الوزير على إقتراحها، وأصبحت مارغاريتا رودومينو أول مديرة لها . وكانت المكتبة في البداية تحتل بناية صغيرة فيها حوالي (100) كتاب أدبي فقط، هي كل ما كانت تمتلكها مارغاريتا، ثم تطورت تدريجيا وانتقلت الى بناية أكبر في شارع رازين قريبا من كاتدرائية فاسيلي الرائعة والكرملين والساحة الحمراء، قبل أن تنتقل في عام 1967 الى بنايتها الواسعة الجميلة الحالية في شارع نيكولويامسكايا.

لقد سعت ادارة المكتبة طوال تأريخها الى الحصول على افضل ما ينشر في شتى انحاء العالم من كتب ودوريات . وهي تسير وفق مبدأ يقول : " كثير من القشطة، وقليل من الحليب،ومن دون قطرة ماء واحدة ". بمعنى السعي للحصول اولاً بأول على " زبدة الفكر الإنساني " المعاصر،التي تستحق القراءة، من بين ملايين الكتب والدوريات التي تصدر في أنحاء العالم .

كانت موسكو – وهي مدينة هائلة، نابضة بالحياة، وعظيمة بمعالمها الحضارية، وحياتها الثقافية النشطة، المتعددة الجوانب تقدم لي – إذا شئت - الوانا بهيجة من التسلية البريئة والمتع الحسية، وكل ما يحلم به ويتمناه شاب شرقي جاء من مجتمع مغلق ومكبوت، ولكنني كنت أفضل قضاء أوقات فراغي في هذه المكتبة على كل ما عداها .ليس فقط لأنني كنت اطالع فيها أفضل ما ينشر من أعمال أدبية عربية وغربية، وآخر وأفضل ما يصدر من مجلات ثقافية مصرية (الهلال، الثقافة، المجلة) ولبنانية (الآداب، الأديب، حوار، شعر) وغيرها . بل أيضاً لقضاء بعض الوقت في غرفة التدخين في المكتبة .

قد يستغرب القاريء لهذا القول، ولكن استغرابه سرعان ما يزول اذا عرف أن غرفة التدخين كان مكانا فريدا ليس في هذه المكتبة فقظ، بل في موسكو كلها .

لم تكن مجرد غرفة تدخين، بل مكانا مثالياً للتواصل والتعارف، وتبادل آخر الأخبار والإشاعات والنكت . كانت فيها مصطبتان طويلتان للجلوس بحذاء حائطين متقابلين.

جو الغرفة بارد ولطيف حتى في أشهر الصيف، فهناك ساحبة هواء قوية . هنا رجال ونساء من شتى الفئات العمرية . منهم باحثون يجمعون المواد لأطروحاتهم، بينهم من قدم من الجمهوريات السوفيتية الأخرى .، وشباب من الجنسين جاءوا لقراءة ما لا يمكن الحصول عليه من كتب ومجلات في متاجر الكتب، وأكشاك الصحف في موسكو .

كانت هذه الغرفة تحديداً هي المكان الوحيد - بالنسبة الى طالب أجنبي - الذي يتسنى له فيها للحصول على بعض آخر إصدارات " سام ايزدات " أي أدب " الأندر غراوند " السرية للكتاب والشعراء الروس المغضوب عليهم، والتي تطبع وتستنسخ بوسائل بدائية، وتوزع على المثقفين الموثوق بهم بعيداً عن أنظار الرقابة احكومية – الحزبية المتزمتة .

تجلس وجها لوجه مع مثقفين من ذوي الاهتمامات والمستويات المختلفة . بينهم عدد كبير من الجنس اللطيف وقد تتعرف على واحدة منهن، وتلتقي بها في خارج المكتبة اذا كانت اهتماماتكما مشتركة .

لم ألتقِ في هذه المكتبة الفريدة، بأي باحث أو طالب عراقي، إلّا نادراً.

واليوم كلما سنحت لي الفرصة، فإن أول مكان أقصده في موسكو الرأسمالية، هو مكتبة الأدب الأجنبي . ولكن بناية المكتبة الجديدة الواسعة، فقدت شيئاً من جاذبيتها . لم تعد الدولة تصرف عليها بسخاء كما كان الأمر في الماضي، ولم يعد هناك " أدب الأندرغراوند " بعد إلغاء الرقابة على المطبوعات .والأهم من ذلك، ليس في غرفة التدخين الحالية أية مصاطب . اختفت الوجوه الباسمة الجميلة، وفقدت الغرفة جوها الحميم العاطر

نسيت أشياء كثيرة في حياتي، ولكني لم أنس قط، ولن أنس أبداً، الساعات التي قضيتها في مكتبة الأدب الأجنبي في موسكو . حقاً إن الحياة لا تقاس بعدد الأيام التي عشتها، بل بتلك التي تتذكرها جيداً

 

جودت هوشيار

 

 

صبيحة شبرإنها شاعرة العراق الكبيرة، المولودة في بغداد قرب الشواكة في الكرخ سنة 1929م ونشأت في مدينة العمارة. وأخذت الثانوية العامة في بغداد، وحصلت على إجازة دار المعلمين العالية سنة1950م، وعينت مدرسة في دار المعلمات.

أمضت لميعة زمن طفولتها مريضة، وكان لاغتراب والدها عن العراق أثر عميق في نفس الابنة الشاعرة، وخاصة أنها التقته لشهرين فقط، ثم توفي، لكنها بقيت وفيةً لذكراه في شعرها.

شاعريتها

بدأت (لميعة) تقول الشعر في سن مبكرة، فكان عمرها 15 سنة، عندما أرسلت بواكيرها الشعرية إلى (إيليا أبي ماضي) الذي تربطه بوالدها صلة صداقة واغتراب في بلاد المهجر، فأعجب بشعرها وصار يشجعها وسماها الشاعرة الصغيرة. (ان في العراق مثل هؤلاء الاطفال فعلى اية نهضة شعرية مقبل العراق)، بدأت بالشعر الهجائي الساخر، وبقيت روحها الساخرة ظاهرة في شعرها، أقامت سنين عديدة في بيروت قبل أن تهاجر، وأصدرت سبع مجموعات شعرية، مع إنها انقطعت زمناً عن الشعر، بعد زواجها وإنجابها أربعة أولاد.).

تقيم شاعرتنا منذ سنوات في مدينة سان دييغو في ولاية كالفورنيا ـ الولايات المتحدة.

وكانت عضوة الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء العراقيين في بغداد[ 195 – 1963]. كذلك عضوة الهيئة الإدارية للمجمع السرياني في بغداد. وهي ايضا نائب الممثل الدائم للعراق في منظمة اليونسكو في باريس[ 1973-1975]. مدير الثقافة والفنون / الجامعة التكنولوجية / بغداد. في عام[ 1974

دواوينها الشعرية

اصدرت لميعة عباس عمارة سبع دواوين باللغة الفصيحة وديوانا واحدا باللهجة العامية العراقية

• الزاوية الخالية 1960

• عودة الربيع 1963

• أغانى عشتار 1969

• يسمونه الحب 1972

• لو أنبائى العراف 1980

• البعد الأخير 1988

عراقية

ورغم اصداراتها المتعددة وحب الجمهور العربي وتمتعها باقبال المتلقي في العالم العربي والعالم الا انها كثيرا ما تقول:

انا لم ابدع شيئا

البروفيسور (جاك بيرك) تحدث عن الشاعرات العربيات فذكرها ونازك الملائكة و فدوى طوقـان

منحتها الحكومة اللبنانية وسام الأرز تقديراً لمكانتها الأدبية -لم تتسلم الوسـام

(لان الحرب الأهلية قائمة) فكتبت تقول :-

علـى أي صدر أحـط الوسام

ولبـنان جرح بقلبـي يـنام

وهي ترفض اعتبارها من الرائدات - فحين اتصلت بها إحدى المنظمات لتكريمها لكونها من رائدات الأدب ..كتبت قصيدتها التي تعلن فيها عن بيع ريادتها بالمزاد :-

من يشتري مني الريادة..؟

من يشتري مني الريادة..؟

من يشتري الخمسين بالعشرين .

لا ابغي الزيادة ..

يتميز شعر لميعة بصفتين، الأولى سعيها للتعبير عن أنوثتها أمام الرجل بوصفه صنوها لا عدواً لها، والثانية اعتزازها بانتمائها للعراق بلدها الحبيب، ولقد غنيت بعض قصائدها من قبل مطربين مشهورين امثال سعدون جابر وفاضل عواد، لكني لم اعثر في اليوتيوب الا على قصيدة واحدة هي يا نهر، القتها الشاعرة بصوتها اولا ثم تبعها صوت فاضل عواد، وأغلب القصائد المغناة للشاعرة لميعة لم يذكر انها للشاعرة

لقد احبت الشاعرة لميعة عباس عمارة الناس وتبنت قضاياهم، ودافعت عن حقوقهم، فبادلها الناس الحب، وتابعوا شعرها وحفظوه، وترجمت قصائدها الى لغات عالمية ولم اجد اي شاعرة تمتعت بحب الناس كما حظيت به شاعرتنا الكبيرة

وتعتبر لميعة عباس عمارة رائدة لأنها مثلما احبت الشعر وأبدعت فيه فقد احبت الحياة وكانت متفائلة تغنت بالجمال والحب والاخوة بين الناس

:

تطليقها للشعر

كتب عبد الجبار العتابي في موقع ايلاف الالكتروني:

كان لاعلان الشاعرة العراقية الكبيرة لميعة عباس عمارة (مواليد عام 1929) عن (طلاقها للشعر) اكثر من علامة استفهام، واكثر من دلالة دهشة، باعتبار ان الشعر لا يمكن طلاقه لاسيما اذا ما كان صاحب العلاقة به يمتلك تاريخا واضحا ومسيرة مجيدة، وهو ما يدعو للتساؤل: هل يمكن للشاعر ان يعتزل كتابة الشعر او (يطلق الشعر) طلقة واحدة، ناهيك عن ثلاث ؟، ومن ثم هذا التساؤل يجر تساؤلا اخر وراءه وهو: لماذا الاعلان عن اعتزال الشعر او تطليقه؟ هل من اجل البحث عن اضواء اعلامية ام لموقف ما من الشعر ذاته او من الحياة او من اشياء اخرى؟

هنا.. تتباين وجهات النظر بالتأكيد، فهناك من يرى ان الشاعرة وصلت الى عمر 93 عاما، وانها لم تعد على قادرة على استقطاب (شيطان) الشعر، فيما يرى اخرون انها نضبت فعلا، بينما يرى البعض ان اعلان الشاعرة كان (جرأة) منها، تحسب لها، وهناك من لم يصدق الخبر وشكك في مصداقيته، او رده الى (مزاج) الشاعرة.

فالكاتب زيد الحلي يعتقد ان هذا القرار (الحكيم) للشاعرة، جاء بعد ان أحست، وهي المثقلة بتاريخ مجيد في الذاكرة الشعرية، بأن طير الشعر غادر أعشاشها، ولا تريد ان تنظم صورا شعرية تعتقد إنها لا تضيف الى اسمها شيئاً، فكتب يقول موضحا: في سابقة ادبية وتربوية رائعة، تُسجل لصالح الشاعرة الرائدة لميعة عباس عمارة، حين أعلنت الشاعرة مؤخراً، في حفل اقامته الجالية المندائية في ولاية مشيغان بالولايات المتحدة الاميركية حيث تقيم منذ أكثر من ثلاثة عقود، إنها طلقت الشعر، وطلقها الشعر بعد زواج جمعهما دام سبعة عقود ونيف..

وتساءل: فهل خمد بركان الشعر عند لميعة عباس عمارة بلمح البصر؟ وهل حقاً ضاق الشعر بلميعة، وضاقت لميعة بالشعر لتعلن بجرأة نادرة قرارها في التقاعد وهي في قمة وهجها الشعري وحضورها البهي في خارطة الشعر العراقي والعالمي واضاف: وفي ظني ان القرار الحكيم لعمارة، جاء بعد ان أحست الشاعرة المثقلة بتاريخ مجيد في الذاكرة الشعرية، بأن طير الشعر غادر أعشاشها، ولا تريد ان تنظم صورا شعرية تعتقد إنها لا تضيف الى اسمها شيئاً..، لقد اكدت مبدعتنا ان كتابة الشعر ونظمه هو فعل المبدعين، وليس فعل الهامشيين، إنها مسؤولية كبيرة لا يقدر على حملها ضعاف الرؤى..

وتابع: ان شاعرة مثل لميعة، حققت لنفسها رسوخاً شعرياً، ثبت اصله وعلا فرعه الى سماء المشهد الشعري العربي، عندما تعلن طلاقها من الشعر ربما احست بأن الشعر هو الذي سيطلقها، فسارعت الى الاعلان عن توقفها عن كتابة الشعر، وبذلك سجلت سابقة، اجد من الضروري ان يسارع البعض من هواة كتبة الشعر الى الخروج من حلبة ابداعية هم غرباء عنها، فإذا كان اللاعبون الحقيقيون شعروا بتوقف مدادهم الابداعي فآثروا الانسحاب، فيكون من الاولى من الهواة الاسراع الى المغادرة قبل ان يجبروا على ذلك، وبوادر الإجبار آتية.. وهي بوادر لا تسر. من جانبها اشارت الشاعرة نضال القاضي الى مزاج لميعة، غير مصدقة انها قادرة على اعتزال الشعر، وقالت: لا اعتقد ان شاعرة مثل لميعة عباس عمارة تنضب، ربما لانني متحيزة اليها، احبها جدا، ولكن لميعة.. مزاجية، ربما لمزاج ما اعلنت هذا الاعلان، وأتوقع انها ستكتب نصا جميلا بعد هذا الاعلان.

واضافت: ان كان لدى الشاعرة مواقف سياسية او اجتماعية او موقف اخر، فمن الممكن ان توظف كثيمة في الكتابة، وليس اعلانا للاعتزال، هي ليست فنانة ولا راقصة ولا مغنية لكي تعتزل، كي نقول ان صوتها جف، ربما تكون لميعة متعبة، ولكنني اعلم انها مزاجية.

اما الشاعر حبيب النورس فأشار الى استغرابة من اعلان الاعتزال، معتقدا ان من الممكن القول ان الشعر طلقها فعلا، فقال: اعتقد ان قضية شاعر في نهاية عمره ونهاية المطاف او مشواره الشعري ويعلن على الملأ انه سيعتزل الشعر، اعتقد انها مسألة مبالغ فيها، فهي احدى مسألتين: اما ان تكون الشاعرة قد نضبت شعريا وانتهت شعريا ولا يوجد لديها شيء لتقوله لقرائها وجمهورها، او انها محاولة من الشاعرة لاثارت ضجة اعلامية، لاسيما وان الاضواء بعيدة عنها بعض الشيء، اما مسألة ان يكون لديها موقف من الشعر فأنا لا اعرف اي موقف هذا الذي يدعو الى هذا الاعلان، فلو كان الموقف سياسيا، فهو ادعى الى ان تكتب، وان كان موقفا اجتماعيا فالادعى ان تكتب، وان كان هناك موقف من الشعر، فالشعرية لا علاقة لها بالقضية، ومن غير الممكن ان يحجب الشاعر الشعرية من داخله، هذا غير ممكن، فهي ملكة موجودة في داخلنا، ولكن ربما طلقها الشعر، اقول ربما.

تكتب لميعة شعر الغزل بشجاعة، وقد عاشت في زمن تميز بتقدم المجتمع وتوقه الى الازدهار في كل الميادين، كانت نساء العراق ذلك الزمن رائدات في العلم والفن والأدب، ولم توضع القيود امام المرأة العراقية للانعتاق وتحقيق ما تصبو اليه النفس من سمو وامال،

كتب العالم النفسي الدكتور قاسم حسين صالح في مركز النور:

بلغني أن شاعرتنا الرائعة ..لميعه عباس عماره تعاني من اكتئاب وميل للعزلة بسبب قرب بلوغها الثمانين ..واليها هذه الكلمات .

• حوار الأنا

صدك راح ادك باب الثمانين

واعجّز مثل باقي النساوين ؟!

وصدك ذاك الخديد السبه السياب

وتمنه زيارته ساده وعناوين

وصدك ذيج الشفاف العاجنه

الجوري على هيل وياسمين

وذيج العيون الطايره مثل الحمامات

وتوزّع رسايل عالمحبين

صدك كلها تتعقج! وصيرن ناطره الموت ؟!

وافز مرعوبه من اشوفن بالحلم تابوت!

لون عرّافي أنبأني بأن تالي العمر افضع من الموت

لصحت بصوت : ردوني على حضن أمي

لو ابوس أيد الله ..ياخذني يمه وآنه بالخمسين

• صوت الآخر

لميعه انت النخل وانت البساتين

وانت الرطب باول نزوله

وانت بالنسب ..بنت الحموله

لأن أهلك عراقيين

وخلانك اهل الهوى

الصاحين منهم والمجانين!

و ذوك النشامى الشابجت أيدك اديهم وانت باولهم تهتفين :

عوفوا وطنه يالأجانب ..هذا الوطن لهله الطيبين

...

لميعه انت القصيده العالجرح تنزل ..وتركّص الدمعه بالعين

يم حجي الحلو يمونسه الدواوين

تبقين ذيك انت اشما تكبرين

لأن من يوم ربج صورج

نكعج بماي الورد *

والخصّه الله بها الصفه

وطعّمه حب ومعرفه

يظل حلو ..اشما مرت اسنين

وتبقين طير الحب ببيوت العراقيين!

• من قولها :

ارد اسالك وبحسن نيه

ومحلفك بالله ترد

ربك بيوم الصورك

كم يوم كلي نكعك بماي الورد

 

صبيحة شبر

 

 

صبيحة شبرولدت الشاعرة الكبيرة في بغداد في الثامن والعشرين من شهر آب عام 1923 في بيت علم وأدب، أمها كانت الشاعرة سلمى عبد الرزاق وكنيتها (أم نزار) ووالدها الشاعر العراقي (صادق جعفر الملائكة) الذي جمع قول الشعر والاهتمام بالنحو واللغة كعادة الشعراء آنذاك،،،، أحبت نازك الشعر منذ الصغر وولعت به وهي ما زالت بعد طفلة،، ووجدت قي مكتبة أبيها الزاخرة بدواوين الشعر وأمهات كتب الأدب ما يروي ظمأها إلى الإطلاع والمعرفة

أكملت دراستها في بغداد، ثم التحقت بالجامعة واستطاعت أن تتمتع بمنحة دراسية إلى الولايات المتحدة حيث حازت على درجة الماجستير في الآداب وكانت أول تلميذة تحظى بالدراسة هناك، حيث لم يبح القانون بدراسة المراة بجامعة برنستون

آنذاك، عادت إلى بغداد واتيحت لها فرصة أخرى للسفر الى خارج العراق، للحصول على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن، عملت سنين طويلة في التدريس في جامعة بغداد، وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت، وتقيم الآن في القاهرة

أحبت الموسيقى منذ نعومة أظفارها وتعلمت العزف على آلة العود، واستطاعت بواسطة معرفتها العميقة بالأنغام الموسيقية أن تمتلك حسا مرهفا بإيقاع الكلمة وموسيقاها، وأثرت تلك المعرفة الكبيرة أيما تأثير في قصائدها سواء تلك التي قالتها في مقتبل العمر أو التي نظمتها في سني عمرها حيث اكتسبت المعرفة وحصدت ثمار التجربة،، وقد اهتمت الشاعرة بالأدب العالمي وارتادت دور السينما للإطلاع على القصص العالمي ممثلا، في هذا الجو المتفتح نسبيا إذا ما قورن بالجو العام الذي كان سائدا في ذلك الوقت في عموم العراق عاشت الشاعرة نازك وامتلكت من الاهتمامات ما لم يكن شائعا بين معاصريها، حرصت على الثقافة والإطلاع من مصادر غير اللغة العربية كانت تمتاز بصفات مثل التحلي بالنظام والترتيب والمحافظة على الهدوء

قالت الشعر منذ طفولتها المبكرة وأجادت فيه وكان لها السبق والريادة في حركة التجديد وان ثار جدل طويل حول من كان الأول في نظم القصيدة التي تعتبر الأولى في تلك الحركة التجديدية، البعض ينسب التجديد للشاعر الشاب بدر شاكر السياب والبعض الآخر يقول إن نازك كانت الأولى ولكن الذي يهمنا أن نذكره هنا ان شاعرتنا كانت مجددة وإنها كانت رائدة في حركة تجديد الشعر العربي وإنقاذه من القواعد والقيود التي جمعها الخليل بن احمد والتي تحاول ان تجعل الشعر يراوح في مكانه ولا يتحرك منذ مائتي سنة قبل مجيء الإسلام

كتبت نازك النقد ووضعت الكتب في هذا المجال الحيوي الجميل، وقد حللت أسباب الحداثة ودافعت عن وجهة نظرها في التجديد في كتابها المشهور (قضايا الشعر المعاصر).

بدأت نازك حياتها الشعرية بقصيدة طويلة اسمها (الموت والإنسان) وكان ديوانها الأول (عاشقة الليل) وقد أصدرته عام 1947 وضم قصائد كتبت وفق الشكل الكلاسيكي القديم، لكنها من حيث البنية الفنية والمناخات الشعرية والصور والاحساسات جديد تماما، في عام 1949 أصدرت الديوان الثاني بعنوان (شظايا ورماد) تضمن قصائد جديدة على الشكل الجديد والذي أطلق عليه اسم الشعر الحر وهو بالحقيقة شعر لا يخلو من الوزن والقافية وإنما بشكل آخر يختلف عن الطريقة القديمة، كانت قصيدتها (الكوليرا) المؤرخة عام 1947 إحدى القصائد التي اكتسبت شهرة كبيرة، وقصة تلك القصيدة انه حدث في صيف عام 1947 أن حصد وباء الكوليرا الآلاف من أبناء الشعب المصري الشقيق، وكانت كارثة فظيعة ردت عليها شاعرتنا نازك بقصيدة رائعة لها عنوان المرض نفسه، قصيدة ليست كالقصائد التي كانت سائدة ذلك الوقت، كانت جديدة في كل المقاييس، مختلفة، إيقاعها غريب عن الأذن العربية التي اعتادت ومنذ ألفي عام على أوزان الخليل، وسرعان ما انتشر خبر القصيدة الجديدة كوليرا نازك الملائكة بين الشباب المثقف واستطاعت أن تؤثر على الذائقة الشعرية وتنتج ألاف من القصائد الشعرية ذات الأثواب الجديدة والأشكال الزاهية لنستمع إلى نازك وهي تشدو برائعتها

سكن الليل

اصغ إلى وقع صدى الأنات

في عمق الظلمة، تحت الصمت، على الأموات

صرخات تعلو، تضطرب

حزن يتدفق، يلتهب

يتعثر فيه صدى الآهات

ديوانها الثالث أصدرته عام 1957 وأسمته (قرارة الموجة)، ديوانها الرابع عنوانه (الصلاة والثورة) أصدرته عام 1978

استمرت نازك في كتاباتها الشعرية وكانت عظيمة في بداياتها حتى مطلع السبعينات، فلم تواصل الرحلة، وانقطعت عن الكتابة الشعرية، وبدأت تكتب في قضايا سياسية واتهمت أنها تراجعت عن آرائها السابقة في ضرورة الحداثة ووجوب التطوير، وقد نحاول أن نسال : ولماذا حاولت نازك النكوص عن آرائها ولم تستمر في ثورتها على الأساليب الشعرية القديمة في الوقت الذي استمر فيه الشعراء الرجال واستطاعوا ان يواصلوا عطاءهم الشعري، حاول العديد من الباحثين ومن عشاق الشعر أن يجيبوا عن السؤال المذكور، بعضهم قال ان نازك لم ترتد ولم تتراجع عن أفكارها وإنما وجدت بعض مدعي الشعر ممن لم يمتلكوا الموهبة يحاول الانفلات من القيود الشعرية التي لولاها لم يكن الكلام شعرا، وانه لا يجوز برأيها أن يأتي الشعر خاليا من العنصرين الأساسيين واللذين لا يحلو الشعر بدو نهما،إذ يكون حينئذ خاليا من الإيقاع

البعض الآخر قال إن نازك لم تعد تجد من المواضيع ما تعبر عنها فسكتت وأنها شاعرة حقا لكنها لا تمتلك من الشاعرية والإبداع ما امتلكه السياب والبياتي وحتى فدوى طوقان التي لم تسجن نفسها في سجن الذاتية الفردية وإنما عبرت عن قضايا شعبها الفلسطيني ولم تتقوقع في شرنقتها كما فعلت نازك، وارى ان الرأي الثاني متجن على الشاعرة، فالمراة في عالمنا العربي الإسلامي لا تمتلك من الحريات ما يمتلكها الرجل وهي بالتالي لا تجد نفسها قادرة على التعبير عن كثير من المواضيع، كما ان نازك قد أرهقت نفسها في مواضيع جانبية لم تكن تخدم شاعريتها، ومهما قيل من آراء متناقضة مع بعضها البعض في حق الشاعرة الكبيرة فإنها تبقى بحق نقطة مضيئة في تاريخنا الشعري والنقدي وإنها أضافت الشيء الكثير إلى الحركتين مما لايمكن نكرانه لأي منصف، وهي موهبة شعرية كبيرة وثقافية عربية وريادة لايمكن نكرانها في مجالات الإبداع والنقد

كتبت نازك النقد واثارت في نقدها قضايا كثيرة تستحق الحديث والحوار والتوقف عندها، كقضية الشاعر واللغة والقافية في الشعر الحديث، ومؤلفاتها في هذا المجال :قضايا الشعر المعاصر، سيكولوجية الشعر، ولها كتاب نقدي في شعر الشاعر الملاح علي محمود طه وحياته

اهتمت بالسيرة الذاتية ولها مختارات’ من سيرة حياتي وثقافتي (تقصد سيرتها الشخصية)، أحبت طفولتها كثيرا وتمنت مرارا لو تمكنت من العودة الى تلك الفترة الذهبية الجميلة :

ليتني لم أزل كما كنت طفلا ليس فيه إلا السنا والنقاء

كل يوم ابني حياتي أحلاما وأنسى إذا أتاني المساء

أحلام جميلة وتمنيات عذبة تعيشها الشخصية المرهفة الحساسة التي لاتملك ان تحقق أحلام حاضرها فتلجأ إلى ان تتمنى ان تعيش في الماضي السعيد حيث كانت محظوظة بين أبوين سعيدين يسرعان دائما إلى تلبية ما تطلبه وتكون هذه الشخصية ذكية فطنة مجتهدة تحظى بحب المدرسات ويقديرهن لما تقوم به من أعمال تكون أحيانا تطوعية فإذا وصلت هذه الشخصية الى الشباب اذ ليس دائما يفوز من كان ذكيا مجتهدا وإنما قد يفوز من كان بعيدا عن كل هذه الأمور، فيحيا الإنسان في شبابه ويجد انه عاجز عن تحقيق آمال الشباب بسبب أمور كثيرة ليس له دخل بها، فيحلم انه ما زال طفلا ويتمنى ان يعود الى المرحلة الزاهية البهيجة

أحبت الشاعرة الغناء وعشقت بعض القصائد المغناة بأصوات جميلة، ومن تلك القصائد :

   جارة الوادي : لأحمد شوقي :

لاامس من عمر الزمان ولا غد ×××× جمع الزمان فكان يوم لقاك

الأطلال : إبراهيم ناجي "

اعطني حريتي أطلق يديا××××× إنني أعطيت ما استبقيت شيا

الهوى والشباب : بشارة ألخوري

أانا العاشق الوحيد لتلقى××××× تبعات الهوى على كتفيا

لست ادري : إيليا أبو ماضي

جئت لا اعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت

وسأبقى سائرا إن شئت هذا أم أبيت

الجندول :علي محمود طه

ذهبي الشعر شرقي السمات×××× مرح الأعطاف حلو أللفتات

مختارات من شعر نازك

(أنا)

الليل يسال من أنا

أنا سرة القلق العميق الأسود

أنا صمته المتمرد

قنعت كنهي بالسكون

ولففت قلبي بالظنون

وبقيت ساهمة هنا

أرنو وتسألني القرون

أنا من أكون ؟

والريح تسال من انا

أنا روحها الحيران انكرني الزمان

أنا مثلها في لا مكان

نبقى نسير ولا انتهاء

نبقى نمر ولا بقاء

فإذا بلغنا المنحنى

خلناه خاتمة الشقاء

فإذا فضاء

(الزائر الذي لم يجيء)

ومر المساء، وكاد يغيب جبين القمر

وكدنا نشيع ساعات أمسية ثانية

ونشهد كيف تسير السعادة للهاوية

ولم تأت أنت ... وضعت مع الأمنيات الأخر

وأبقيت كرسيك الخاليا

بشاغل مجلسنا الذاويا

ويبقى يضج ويسال عن زائر لم يجيء

وما كنت اعلم انك ان غبت خلف السنين

تخلف ظلك في كل لفظ وفي كل معنى

وفي كل زاوية من رؤاي وفي كل محنى

وما كنت اعلم انك أقوى من الحاضرين

وان مئات من الزائرين

يضيعون في لحظة من حنين

(لحن النسيان)

لم يا حياه

تذوي عذوبتك الطرية في الشفاه

لم، وارتطام الكأس بالفم لم تزل

في السمع همس من صداه

ولم الملل

يبقى يعشش في الكؤوس مع الأمل

ويعيش حتى في مرور يدي حلم

فوق المباسم والمقل

ولم الإثم

يبقى رحيقي المذاق، اعز حتى من نغم ؟

ولم الكواكب حين تغرب في الأفق

تفتر جذلى للعدم ؟

ولم الفرق

يحيا على بعض الجباه مع الأرق

وتنام آلاف العيون إلى الصباح

دون انفعال أو قلق

إنها الشاعرة الكبيرة التي منحتنا قصائدها الجميلات ثم غابت عنا بعيدة منسية مريضة في بيت من بيوت القاهرة، فمن نحن يا ترى؟ ولماذا نتنكر لمن احسن الينا؟ الا نحن لمن أعطانا حلاوة الشدو وترنيمة الأغاني، فأطربنا بعطائه ثم غاب عنا مضطرا الا يستحق منا ان نهديه باقة ورد دليلا على العرفان

 

صبيحة شبر

 

 

حميد الحريزيمن هو هاتف ؟؟

عراقي نعم، مهندس نعم، مناضل نعم، شاعر نعم، مثقف نعم، وفي نعم ....

ماذا عسانا ان نقول او نصف انسانا شقيقه جمال، ومرضعته وفاء، ومربيه نضال، نعم انه هاتف بشبوش وكفى به عراقيا وفيا صادقا خبر درابين الحب والشعر والجمال منذ نعومة اضفاره، عشق نهر السماوة الجميل، وتوسد ارضها تحت ظلال نخيلها عشيق السمراوات الفاتنات (نخل السماوه يكول طرتني سمره ...).

كما اختار الهندسة ليحق حلمه الكبير في ان يهندس البلاد لتكون منارة للجمال والحب والعدالة، فقد هندس طريق العدالة والحب والسلام بين البشر طريق الشيوعية خلايا مخه ليسلك هذا الطريق الوعر الشاق في بلاد البترول والفقر، في بلاد الخصب والسبخة، في بلاد الجمال والقبح، في بلاد الرقة والبداوة، في بلاد الوفاء ونكران الجميل، في بلاد الحب والكراهية ...

نعم ولد وترعرع وتربى وتعلم وعشق في سماوة البساطة والرقة حيث الفرات ونسمماته العذبة العليلة التي تقاوم ببسالة وإصرار لهيب الصحراء وغلظتها على مر العصور ...

شهد شموخ النخيل وعطائها، وشموخ الجبال وكبريائها في سليمانية كاوه الحداد وكوران الابداع، كما انها اذاقته سجن الديكتاتور لأنه عشق زنابقها الحمراء ومشاعلها الثائرة ضد القبح والظلم والطغيان ...

ضاقت علية وديان وسهول وجبال وصحارى عراقه الحبيب، فيمم وجهه صوب فضاء الحرية والسلام، الى فضاء الكرامة والحب، فاستوطن بلاد الثلج الدنماركي التي لم تطفئ لهيب شعلة (هاتف) التي تسعى لإنارة ظلام بلده الحبيب، وزرع نور الحرية في بلاده المأسورة من قبل قوى القهر والطغيان الديكتاتوري الصدامي، والتي لم تزل ماسورة ومقهورة من قبل قوى الفساد الدم قراطي المتخادم مع قوى الامبريالية العالمية بقيادة امريكا المال والاستغلال والاحتلال ...

لكن جذور الطفولة والصبا والشباب ظلت عصية على القلع من تربتها العراقية السماوية رغم قوة مغريات ارض الثلج وجمالها الساحر وفضائها النقي الحر، بل زاد كل هذا المناخ الساحر من جذوة النضال والإصرار لدى الهاتف الغريد الذي تمكن ان يمزج بين صوت الربابة وصوت الكيتار لينتج صوتا شعريا ونضاليا وإنسانيا باذخ الرقة والسحر والجمال، تمكن من قلوب الاحرار في الشرق والغرب، فرقصت له السماوة كما رقصة له ستوكهولم ...

ففي الوقت الذي استطاب فيه كؤوس ويسكي وبراندي وجعة الدنكارك والسويد واسبانيا لم ينسى طعم فناجين قهوة السماوة ولا ازقتها ودرابينها، لم ينسى شارع باتا ولا مقهى .... بل ظل يتنفس عبير المسك، ويتلذذ بمسكوف سمك ابي نؤاس وعرق بعشيقة وفريدة وشهرزاد العمارة، ومسموطة البصرة، وطرشي النجف، وبرتقال كربلاء، ورمان شهربان، وجوز اربيل وشربت الحاج زباله ...

في الوقت الذي غاص في بحر سيقان حواري الغرب الشقراوات وذاق شهد الرضاب وعسل المنخفضات والقباب كأنهن حور العين، ولكنه ظل يحلم بجسد سمراء سماوية يطرحها تحت ظل شجرة خستاوية ...

في الوقت الذي متع النظر والفكر بمشاهد وصروح الحرية في بلدان العالم الفسيح لم يغب عن باله ولم تنس ذاكراته قلعة (نقرة السلمان) القصية حيث الرعب والعزل والموت في بلده الحبيبب...

ركب السفن والمتروات والقطارات والطائرات ليجوب كل ارجاء العالم تحمله اجنحة الحرية والبحث عن الجمال في مرابع الجمال لم ينس قطار الموت البعثي الفاشي الذي القى بحمله بشر اشباه احياء من اشرف وأنبل وأوفى ابناء العراق في محطة قطار السماوة كصورة عن أبشع وأحقر وأقسى جرائم الفاشية البعثية ضد أحرار العراق من المناضلين الشيوعيين وأصدقائهم بعد انقلاب 8شباط الفاشي 1963 .ولم ينس سيارات 18 راكب، وسيارات دك النجف ولا مشاحيف نهر السماوة، ولا العربات التي تجرها الحمير

وقد اعاد البعث الكرة بطشا وملاحقة وقتلا للشيوعيين بعد انهيار الجبهة المهزلة في 1978، فتناثرت النجوم الحمراء بين من احترق بنار الفاشية، او حرب القادسية، او خمد نوره وتحول رمادا، او سلك طريق المنافي في غرب وشرق الارض حفاظا على مبادئه وروحه وسلامته، وقد كان هاتف بشبوش واحدا ممن سلك طريق المنفى الاجباري ...

في المنافي هناك من اعتزل ذكريات الوطن وذكريات النضال وانغمس في حياته الخاصة حد العدم او حد التنكر لكل ما هو عراقي، وهناك من جند نفسه لصالح قوى مناهضة لشعبه ووطنه وكانت لوقت قريب من اشد والد اعدائه مبدئيا وإنسانيا ً،وهناك من قتله الحنين فأوغل في عالم الحزن والكمد والإدمان محاولا مسح ذاكرة العذاب والألم ونسيان الديار والأحبة والذكريات، هذا النهج الذي ينقلب ضد المراد منه فيكون كمن ينفخ في نار هامدة فيؤججها لتزيد استعارا واورا مما ادى الى هلاك مثل هذه الارواح الرقيقة الشفافة واغرقها في بحار الحنين والألم ...

في حين صقلت هذه المنافي افكار وفلذة اجساد العديد من المنفيين الاخرين، تمكنا من حل المعادلة والإمساك بسر الصراع، وقراءة خارطة طريق الكفاح الطويل من اجل عالم افضل واجمل ليسود الحب والسلام والحرية كل شعوب الارض ومن ضمنها العراق، فنهلوا من بحار المعرفة في هذه البلدان وتألفوا مع شعوبها متفهين معنى التضامن والتعايش الانساني في كل مكان، وتمكنوا من مد خيوط وروابط التواصل مع احبتهم في العراق رغم قساوة الظروف، وقد انتهجوا وابتدعوا مختلف الاسالب لإدامة هذا التواصل الايجابي المنتج، فأنتج هذا السعي اروع علاقة من التواصل والحب والوفاء بين الطرفين ...

كان للفنانين والمفكرين والأدباء دورا كبيرا في التعريف بقضية شعبهم العراقي ومعاناته القاسية من عسف الديكتاتورية والعدوان ألاحتلالي الاستعماري والقهر (الدم مقراطي) الفاسد في الوقت الحاضر، فهم الصوت الحر والقوي المعبر عن ضمير احرار بلد لازال اسير قوى التخلف والقهر والظلام والفساد رغم ما البسته الامبريالية الامريكية ثوب الديمقراطية المهلهل والفاضح لخبثها وجرائمها في كل العالم ومنها العراق الذي كما كانت راعية وداعمة للديكتاتور السابق فهي من سلطة زمرة من الفاسدين والمتخلفين وأجلستهم على كرسي حكم العراق ليعيثوا فيه فسادا وتمزقه النزاعات العرقية والطائفية لإدامة نهب الرأسمال العالمي لثرواته، وإبعاد قوى التقدم والحرية والمساواة من النهوض لأنها العدو اللدود لمصالح الرأسمال العالمي المتوحش، فصنعت طناطلها من داعش وأخواتها لتحرق الثروات وتسلط شبح الخوف على الشعب وتحد من تطلعاته المشروعة نحو الرفاهية والسلام، ولتديم تحت نيران حرائقها تسلط عملائها على سدة الحكم .

هاتف بشبوشفكان (هاتف بشبوش) من ابرز الادباء اللذين وظفوا ادبهم وثقافتهم لمد وشائج الحب مع ابناء وطنهم والحفاظ على لحمة العراقية الحميمة بين العراقيين في الداخل والخارج بغض النظر عن العرق والجنس والدين، لا يستثني من محبته سوى انصار الفاشية والطائفية والمروجين لقوى الاحتلال والاستغلال ومن يحاول استغفال العراقيين وجرهم الى طريق العنف والاقتتال العرقي والطائفي ...

نحاول في هذه الاطلالة ان نعرض لبعض نتاج هاتف الادبية الرائعة التي يعرض فيها ويقدم العديد من اسماء منتجي الثقافة والأدب العراقيين من شعراء وقصاصين وروائيين مدوا الثقافة العراقية بالمزيد من شحنات الجمال والإبداع وإدامة نسغ الحياة في شرايين الادب والثقافة التقدمية الانسانية العراقية ومقاومة كل مظاهر التردي والتخلف والقبح السائد على الساحة السياسية والثقافة الرسمية للقوى المهيمنة على السلطة قبل السقوط وبعده ...

والسؤال هنا هل شهادة (هاتف بشبوش) بهؤلاء الادباء والكتاب مصدقة من قبل قضاة الجمال والإبداع ؟؟؟

نقول نعم وألف نعم وباقتدار للأسباب التالية:

• ان هاتف بشبوش يكتب صادقا لا مرائيا ولا متملقا ولا منتفعا من كتاباته واختياره لأسماء الادباء والكتاب الذي يكتب عنهم وحول نتاجاتهم، وما اختياره لهم الال انه يجد فيهم اشقاء روحه، يشاركونه في ابداعاتهم هم الانسان والوطن الذب هو محور اهتمامه، فهذه الاسماء تحفل نتاجاتها بالانتصار لقيم الجمال والحب والحلم بالمساواة والسلام في كل العالم، هذه الاسماء تشارك هاتف في هتافه: يسقط القبح ... يسقط الظلم ... يسقط العنف

نعم للجمال والسلام والمساواة والتضامن بين كل شعوب الارض.

والكلام الصادق ينتج حرفا مشبعا بروح الحب والإبداع والجمال، يمتلك حرارة الحقيقة، وعطر الحرية والوفاء ...

اغلب من اختارهم الهاتف من رفاق طريق الكفاح من اجل حرية واستقلال الوطن وسعادة وكرامة الشعب العراقي، ممن ذاقوا مرارة سجون الانظمة الديكتاتورية وعذاب الغربة والتشرد، قلوبهم ممتلئة بحب الناس البسطاء من الكادحين الحالمين بغد الاشتراكية المشرق

من المثقفين الثوريين الذين اختاروا طريق الحرية والسلام والانحياز لمصالح الاغلبية المضطهدة والسعي لبناء الغد الاشتراكي باعتبار الاشتراكية هي حيز الحرية الحقيقية .

• كما ان هاتف ليس هاتفا مسطحا او هاتفا ثرثارا، بل هاتف الممتلئ وعيا وثقافة، فمن يقرأ كتاباته يطلع علاى نص موازي للنص المكتوب عنه، فهاتف يمدك بمعلومات وشواهد جمة من بطون الكتب ومن اجمل المشاهد المسرحية والتلفزيونية مما يصيبك بالذهول لسعة معرفته وإطلاعه والكم الهائل من المعلومات في خزينه الثقافي والمعرفي فيضيف للنص والشخص المدروس هاتفيا المزيد من العمق المعرفي والجمالي ويظهر صوره الابداعي كما يظهر المصور الصور السالبه في مختبره لتظهر بأبهى وأوضح حال من حيث الالوان والتقاسيم والشكل والمحتوى الجذاب، ان هاتف حينما يكتب ويدرس احدهم انما يشكل رافعة جمالية تضع النص قصة او قصيدة او رواية بأبهى والغ صورها امام عيون القاريء ويسيح به في عالم الجمال والخيال بما يشعر البعض انها خرجت عن سياق النص ولكنها في الحقيقة منبثقة من صلبه وإنما ساهمت بنجاح في كشف كل زوايا الجمال وعظمة الخيال وقوة الدلالة والمدلول التي يرمي اليها الكاتب وربما يغفل عنها القاريء غير المتخصص...ورغم الضجيج المدوي لانهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي فان هاتفا ومن ماثله من صادقي الانتماء لقضية العدل والحرية لم تنثني عزائمهم ولم تنحني قاماتهم امام رياح الرأسمالية حاملة عدوى الفقر والجهل والمرض ...

• لم يكن هاتف دخيلا على عالم الثقافة والأدب بل هو شاعرا رائعا ومتمكنا من ادواته الابداعية والجمالية مما يجعل ادواته النقدية مشبعة بروح الجمال والفطنة والتقاط الصور المستترة والظاهرة المعبرة عن موضوعها، وهذه من اهم مميزات الشعراء، فما اروعها حين تضاف الى الناقد الادبي فتثري خياله ودقة ملاحظاته وتحسس مواطن الجمال والقوة ونبذ مظاهر الضعف والترهل في النص . فكان هناك ترابطا ديالكتيكا بين الفن وطريق النضال والكفاح من اجل عالم افضل وكما قال البير كامي (ليس النضال هو الذي يدفعنا الى ان نكون فنانين، بل انه الفن الذي يفرض علينا ان نكون مناضلين).

كون الفن هو الحرية والجمال ورقة الاحساس والمشاعر الانسانية للفنان تجاه اخيه الانسان وتجاه الطبيعة والكون، وكون قيم النضال النبيل الهادف الى تخليص الانسان من حكم الضرورة ليسبح في فضاء الحرية ومساكنة قيم الجمال والعدالة والذي يرى المناضل اليساري عموما والشيوعي خصوصا انها لا يمكن ان تكون إلا في تحقيق المجتمع الاشتراكي فالشيوعي والقضاء على كل مظاهر استغلال الانسان للإنسان او حتى لقهر الطبيعة وتلويثها كما يحصل في عالم الرأسمال الان ...

لذلك ليس غريبا ان نرى ان اغلب فناني العالم من الشعراء والروائيين والفنانين التشكيلين والموسيقيين والمطربين والمفكرين اغلبهم من اليساريين الملتزمين او من اصدقائهم لا نرى بنا حاجة لتعداد الاسماء فهم اعلام معروفة في العالم عموما وفي العالم العربي ايضا ...

• كما ان هاتف يسترشد بمنهج فكري وبفلسفة علمية إلا وهو المنهج والفلسفة الماركسية في التنوير والتفكير والتفسير، ولا شك بأنها فلسفة لازال كل العالم يشهد بعلميتها وعمليتها وسعة افقها، هي عبارة عن وهج من نور وجمال تنير طريق الباحث والمتقصي لكل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجمالية في الكون ... والدارس لثقافة هاتف يرى انه مشبع بروح وجوهر الماركسية الحق بعيدا عن الديماغوجية والادعاء الفارغ او الموسومي المؤقت الذي ركب الموجة وقت المد ثم ركب غيرها عندما اصابها الجزر، هذا التمسك بالفكر الثوري لا يعني التعصب الاعمى كما هو في العشائرية والطائفية والعرقية انما هو نابع من قناعة فكرية ووجدانية حقيقة صادقة .

• هاتف من اجل ان يبقي على وشائج علاقاته مع ابناء وطنه الذي يحبهم بصدق وبالأخص المناضلين والمثقفين الثوريين والأحرار والشرفاء من العمال والفلاحين والكسبة والطلبة جميعهم في سويداء القلب وحدقات عيون الشاعر المناضل بغض النظر عن العرق والجنس والدين والطائفة شرط حب الانسان والعدل والحرية ...

كان بودنا ان نعرض لكل مؤلفات هاتف من فكرية وشعرية ونقدية ولكن عظمة هذا المنتج وتنوعه وثرائه لا تسعه دراسة واحدة فقررنا ان نستعرض ما كتبه (هاتف) في كتابية النقديين اعلاه

قراءات نقدية انطباعية، و نحوت ورقية متناولا فيها الكتابة عن عددا من الادباء والفنانين العراقيين مستعرضا نتاجهم الابداعي سنختار نبذة مختصرة جدا مما كتبه عنهم في هذين المؤلفين النقديين

1- صادق الزعيري

هو النشيد والأغنية بكل ما فيها من جمال الروعة والطلة والنغمة الموسيقية التي تحكي قصص العراق وجدائل نسائه الجميلات الحنونات وما يخطه اللون الاحمر في ابجدياتنا كيساريين من زمن طويل وحزين وجميل ومؤلم لكنه الشجاع الذي استطاع ان يقف بوجه الطغاة بنفس الوقت ...

2- يحيى السماوي:

ان الشاعر يحيى تنطبق عليه مقولة انطون تيشخوف (كلما زاد نقاء المرء زادت تعاسته)... انه الشاعر الذي اصبح صديقا الى اللوعات والشطحات التي تأتي من هنا وهناك ...

يحيى السماوي اشجع شاعر في جعل اللغة تنحني امامه لمجرد اشهار نصل التحدي فنراها مطواع يديه وقلمه، فلا يمكن لنا ان نقرا يحيى من دون اللغة وفي اللغة ذاتها، انه يخلق لنا جيلا من المفاهيم والمعاني التي لا تخطر على بال من يقرؤها) ص22.

3- زيد الشهيد:

زيد الشهيد دراميا مذهلا علاوة على كونه شاعرا حيث قرأنا له (امي والسراويل)، زيد الشهيد يترك بصمته الحقيقية على التاريخ السياسي والاجتماعي والعادات التي يتسم بها مجتمعنا العراقي في تلك الحقبة الزمنية التي كان زيد جزءا منها حسب توافق عمره البايلوجي، كما وانه عرج على السمة الميكافيلية وكيف نرى حين ينام الضمير ويموت لدى الساسة، بأنهم هم الذين اغرقوا العالم ببحور من الدماء، هم الذين شيدوا الخراب والدمار ....ص35.

4- سامي العامري:

سامي المتشرد من حقبة زمنية للبعث المجرم، تلك الفترة المهوسة بالالغاز والقتل والتدمير، والأسر والفقدان في ألحروب والنفي...

سامي العامري يرمي من خلال شعره الى الاحاطة بالفضاءات والمديات الرحبة التي تتسارع فيها وتعمل وتتطور، وتنمو وتتضاءل الحيوان والشعوب، سامي شاعرا يلجأ للخمرة كتعويض للسأم ولا يقلقه ذلك سامي العامري بالدمع افترق عن الام والوطن، وبالدمع التقى، انه من الشعراء الذين لم يعيشوا من اجل الخبز والمنصب، انما هو شاعر افكار، يصطدم بالوجود والفلسفة والأخلاق ...) ص66.

5- عبد الستار نور علي:

عبد الستار نور علي شاعر يميل الى كتابة النص الواضح، ولا نعني هنا الوضوح البغيض – بل الذي يجعل القاريء لا متشنجا،رؤوس اصابعه تركض الى الهدف والنير، تركض الى الوقع المهضوم من قبل المتلقي، لكنه في نفس الوقت بعيدا عن الاسفاف والاستطراد الممل...ص76 قراءات

6- صباح محسن جاسم :

صباح محسن جاسم، شاعرا اعطى الكثير، شجاع، مناضل، عنيد، واقف كالنخيل، شامخ كالباسقات، صباح محسن جاسم مهما تغير اسمه، سواء كان شاعرا، ام مناضلا، سياسيا، كاتبا انسانا، عاشقا مضحيا .... فهو يستحق قول شكسبير "الزهرة ممهما تغير اسمها ... لا تعطي غير الشذى ص84.

7- قاسم والي:

قاسم والي صعد فوق اديم السحاب الذي سار به الى مدارات الكون الشعرية الشاسعة، فهناك من راه ندف الغيم، وهناك من رآه قافية رذاذ الغيم، سيان الامر نجد فيها قاسم، استند على جدار فكري أدبي متماسك وقد قرر ان يضع نفسه اديبا وشاعرا على وجه التحديد ص118.

8- نجم عذوف:

نجم عذوف له ستراتيجة في جميع نصوصه، نستطيع ان نرى المقطعية فيها بشكل ناصع، يقتنص الصور، ينتقي المفردات، ويجعلها جنبا الى جنب ومن خلها نجده قادرا على ان يدهش القاريء...ص133.

9- اياد أحمد هاشم:

الشاعر اياد احمد قاريء جيد لتاريخ الادب العراقي واستطاع ان يوظف هذا التاريخ في كتابة مثل هذا النص بنمط حداثي مذهل ... لكن الشاعر اياد احمد قد دعا الغضب الى الجماهير وطلب منها ان تبقى على اتصال على شبكة الفي سبوك "لا تغادروا حواسيبكم " ... دعا الى ان تبقى الجماهير الجياع في ساحاتها دون المغادرة حتى تطهير البلاد من سموم الرجعية والتخلف...ص138

10- أنمار رحمة الله :

ارى انمار متوجها الى قدسية الكتابة، منفردابكامل عقله الباطن لإكمال مراسيم ألقص اراه موهبة عالية ممزوجة بتقنية الحبكة المنزوية والخفية بين ألسطور اراه شابا في عمره وشابا في رسم الصورة المتينة التي تتمتع بجسد متمر س على رياضة الكلمات، فيستطيع بذلك ان يبني منها مشاهدا قصصية لامعة، بارزة في حدة صورها، جميلة في تشكيلتها ..) ص143.

11- برهان شاوي:

برهان شاوي الروائي العراقي الكبير والشاعر ألمذهل والكاتب المسرحي والسينمائي والصحفي والمترحم لديه من النتاجات الكثيرة، على كافة الاصعدة، له من المجموعات الشعرية العديدة، وله من الروايات التي تستحق القراءة وأخرها متاهاته الستة (متاهة ادم، متاهة حواء، متاهة قابيل متاهة الاشباح، متاهة ابليس، ومتاهة الارواح المنسية)...

12- عبد الفتاح المطلبي:

قطرات الشعر المطرية التي تنزل من سماء عبد الفتاح المطلبي تنزل على انساغ الاعشاب لا على القفار والرمال، انه يكتب كي يزلزل قناعان العالم القديمة والتي تريد ان تجعلنا خارج الزمن والعقل ... يجول الشاعر عبد الفتاح في الوهم فيعطينا نتائج في غاية الفعالية، وكأنها مثل النبؤة التي تتحقق في وقت ما ...

القاص عبد الفتاح تناول العديد من المواضيع الهامة في سرده، والتي تخص البشرية في الصميم، وما هو دور المال، والصراع الطبقي ودوره في ثقافة الانسان وانتماءه، وقد تناول الحيوان ايضا (الكلب) في حواريته، في سبيل ايصال النقد الذي يريده، او اعطاء الدروس والعبر من خلال الحيوان... ص101

13 - كريم السماوي:

انا اعتقد ب؟أن كريم السماوي استطاع ان يرسم لنا (الاندهاش الشوبنهاوري الناجم عن زوال الوهم) كما حصل لدى كرستينا حينما زال عنها وهم الخلود فلم تعد تخاف الموت بل اصبحت اكثر اندهاشا بالسعادة والحب والاستمرار غير المشروط في الحياة سواء ان قصرت، ام طالت ـ ان كانت حزينة رغما عنها ام مليئة بالحبور فيتوجب عليها قبول الحياة حتى نهاية فصولها ...نحوت ورقية ص101

14- حميد الحريزي:

نحوت ورقيةميد الحريزي هو موسيقى ماء دجلة العذب، وسمفونية ماء الفرات الغرين، هو كاتب الابيات الاشد صرخة، شاعر يسجل بوحه الشعري مثلما قال الكبير نزار قباني بان الشعر حالة يضعنا فيها الشاعر بعيدا عن اطار اللغة والبلاغة المعروفة والقواعد المدونة شاعر يستطيع ان يأخذ المساحة الكبيرة من الحرية عندما يكتب النص.... اه شاعر ومحرض سياسي وفنان قادر على ان يعمل افضل الاشياء . نحوت ورقية ص 113.

15- خلدون جاويد:

الشيوعي الذي يعلم كيف تموت النخلة السوداء على الصخرة الظلماء.ي الليلة الظلماء ... اليوم نرى هناك بعضا من التحالفات بين القوى الحمراء والقوى المتاسلمة وهذه من اخطر التحالفات

الشاعر خلدون جاويد، لا تستعصي عليه المعاني الصعبة في الشعر والسرد بل يتعداها ايضا الى الايقاع الساحر، الصارخ والمنذر، الصاعد والنازل، انه الشاعر الذي يمتد العراق بدمه كامتداده ديموغرافيا على الأرض استطاع ان يصور لنا الذوات المتناقض

16- صباح خطاب:

محدث يتخذ الانسان محورا للعالم ... سئل مكسيم غوركي عن ادبه السياسي فقال (انني اكتب الحياة في نبضها اليومي) السياسة التي ولد الشاعر صباح من رحمها كحال كبار المناضلين والأدباء ألعراقيين الشاعر صباح خطاب، حداثي بامتياز مثلما قال ماركس (ان تكون حديثا يعني ان تكون جزءا من عالم، كل ما هو صلب فيه ويغدو اثيرا.)

اتخذ في قصائده ابعادا مهمة نوعا ما إلا انه قد جسد الحداثة وقصيدة النثر الحقيقية وبلورها بأشكال الشعر الغنائية، ثم وضعها على الورق بشكل نثر بهي ..) ص156 .

17- عامر موسى الشيخ:

استطيع القول ان الروائي عامر استطاع ان يرسم لنا فنتازيا ذات قدرية عظيمة في سرده ألروائي تلك القدرية التي لها شان عظيم بين موت الاخوين وأعراس تخصهم بالصميم، حيث يتزامن موت المناضل كاظم ووار مع عرس اخيه محمد في الخامس والعشرين من ايلول ...

عامر موسى شاعر وإعلامي وروائي شاب في غاية الذكاء والفطنة.ص 182.

18- مكي الربيعي:

ملك الشوارع في شيخوخة حلم القصيد يكتب نصا رمزيا خارقا ...

الشاعر اراد ان يصرخ بوجه العالم الميت لعل الصراخ ينفع في ايقاظ ألموتى اراد ان يحميه على طريقة كازنتزاكيس الذي يقول (الشعر هو الملح الذي يحول بين العالم والتفسخ) وهو الذي يصون عظام المستقبل من الكساح). كل شيء في هذه الحياة قابل للانكسار قابل ان يتهدم في اية لحظة، في هذه الصورة المتماسكة التي يجعل فيها الشاعر فمه عبارة عن منجم من الذهب . ص199 نحوت ورقية .

19- عبد الكريم هداد:

عبد الكريم هداد، الق دائم، شعرية صارخة، صوت يتحدى، يحترم القصيدة التي تخدم الجمال، يخاطب قلوب الناس كما جان جاك رسو، حنجرة قادمة من السماوة الى اروقة هذا العالم الذي بات غرفة صغيرة ينشد بها كل ما يريده عن اليسار او عن ما يحتويه دماغه من الروائع...

عبد الكريم نشيط متحرك عبر السنوات، يستثير فينا ذكريات الماضي والطفولة التي لا تضاهى، حينما يرحل الحب عنه فانه يعود حتما في سحابة اخرى . ص225.

20- حميد كشكولي:

حميد كشكولي نثري بامتياز انطلاقا من أن الكثيرين اليوم يرون في التفعيلة بانها باتت تخجل من النثريات وعدد نجومها الوهاجة التي تشهد انتشارها بشكل مذهل ... انه ذلك الشاعر الذي يقول الصدق في زمن الخديعة كي يصبح قوله عملا ثوريا على غرار ما قاله (جورج اوريل)،... كما وان حميد له القدرة الكاملة على فهم الحياة السويدية والانغمار في ثقافتها، ... حميد شاعر محب للعمال حيث هو ينتمي فكريا وكيف تربى على تلك الافكار التي غذت روحه وبدنه حتى اصبح بكامل قواه مع هذه الطبقة المضطهدة...ص249 نحوت ورقية .

21- لؤي عمران:

لؤي عمران كاتب وروائي من مواليد 1961 دبلوم علوم الكومبيوتر، له عدة كتابات في مجال السياسة والنقد الادبي ينشر في العديد من الصحف العراقية، لؤي عمران الانسان والكاتب استطاع ان يخلد لؤي عمران السجين الشيوعي في ثمانينات القرن المنصرم ... لؤي اثبت ان له القدرة على تحويل التراجيديا النضالية الفعلية التي حصلت خلف القضبان والاقبية الى تراجيديا ورقية كي لا يندثر ما حصل من ظلم بحق مناضلين ماديين يساريين وآخرين ضمن المعتقدات المثالية...

اعلن صرختي مع لؤي ورفاقه الشيوعيين الذين نالوا الحرية او الذين استشهدوا فأقول ما قاله الشيخ جمال الدين الافغاني (ملعون في دين الرحمن، من يبني سجنا، من يرفع رايات الطغيان، ملعون في كل الاديان من يهدر حق الانسان ... حتى لو صلى او زكى.. او عاش العمر مع القرآن). نحوت ص262.

22- جمال حكمت:

جمال استطاع ان يكتب بما اراده الحلم الذي يراوده منذ سنين، ذلك الحلم الذي طار به الى شوارع هولندا كي ينسى الما بات يخاف ان تزداد شروخه فلم يعد بالإمكان دوائه وشقائه استطاع جمال ان يفرغ خزين القلب ذاك الذي على وشك ان يكون قبحا وساعة مندم على عدم الخلاص منه، جمال استطاع ان يطاوع الكلمة التي بإمكانها الوصول الى مسمع القاريء، الى عقل القاريء، استطاع ان يختار الاسلوب الاحب الى المتلقي، ذاك الاسلوب الدائر بين الشفافية والوضوح مع الخيال والفنتازيا... ص275.

كلمة ختام:

فيما تقدم نرى ان هاتف بشبوش ظل وثيق الصلة بوطنه وبفكره، ظل وثيق الصلة بكل احرار العالم عموما وأبناء وطنه خصوصا، ظل حبله السري مرتبطا بأرضه ووطنه وبيئته ورفقته، ظل وفيا لناسه ورفاقه، مثقفا ثوريا متساميا فوق الانتماء الضيق والديماغوجية الثورية الزائفة، مثقفا يرى كل من فعل او نطق بفعل الحرية والعدالة هو رفيقه، بعيدا عن نهج النرجسية الضيقة والتباهي الفارغ ...

هاتف بشبوش ينثر ورود الفخر وشذى الحب والاعتزاز فوق رؤوس رفاقه وأصدقائه وزملائه بروح الشيوعي الانسان الصادق وبفكر الناقد المتمكن، فقدم لنا نموذجا متميزا للمثقف الثوري، وللأديب الملتزم الصادق مع نفسه ومع الاخرين ...

نتمنى ان تكون لنا وقفة مع مؤلفاته الابداعية في الشعر والفكر الحافلة بروح الجمال وسعة الخيال والحب والمشبعة بإنسانية عابرة للعرقية والطائفية والجنسية ...

الف تحية حب وتقدير ومحبة لهذا الهاتف الرائع الجميل ...

 

حميد الحريزي

 

 

علي القاسمي7. وسائل الإمام ابن باديس في النهضة الجزائرية:

كان الإمام ابن باديس يدرك أن تحرير الشعب الجزائري من الاستعمار الفرنسي يتطلب أولاً تحرير العقول من الجهل والخرافات، وتعميرها بالعلم والمعرفة؛ وتخليص النفوس من الضعف والخوف واليأس، وملئها بالإيمان والثقة والأمل، ولهذا أستخدم في جهاده جميع الأسلحة الفكرية التي يمكن تلخيصها في الوسائل التالية التي اتبعها الإمام وأعضاء جمعية العلماء المسلمين :

أ‌) إنشاء الكتاتيب والمدارس وملاجئ الأيتام ومعامل الصنائع، والتعليم فيها،

ب‌) إصدار الدوريات والكتابة فيها،

ت‌) بناء المساجد والجوامع ومزاولة الوعظ والإرشاد فيها ،

ث‌) تأسيس النوادي الثقافية والرياضية وإلقاء المحاضرات فيها وفي والمحافل المختلفة.

ج‌) القيام بالرحلات والجولات للتوعية في جميع أنحاء الجزائر.

7.1. التعليم أساس بناء الإنسان وتشييد الأوطان:

ولعل التعليم أهم هذه الوسائل فاعلية وأنجعها وأبعدها تأثيراً، وهو الوسيلة التي أهملتها النهضة العربية في المشرق، ولهذا كان أثرها محدوداً، في رأينا. أما الإمام ابن باديس فيعدّ التعليم أساس كل نهضة، خاصة إذا كانت أغراض التعليم ، كما يراها الإمام متعددة الأبعاد: دينية، واجتماعية، وثقافية، ونفعية.

يقول الدكتور محمد دراجي، مؤلف كتاب " الإمام عبد الحميد بن باديس من خلال مقالات الإمام محمد البشير الإبراهيمي":

" وعاد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي إلى أرض الوطن، عام 1920م [ أي بعد حوالي سبع سنين من عودة ابن باديس] وحط الرحال أولاً في مدينة قسطينة ليزور صديقه الوفي، عبد الحميد بن باديس حتى قبل أن يزور أهله وأقرباءه ـ في قسنطينة ـ ، رأي بأم عينيه ما سرّ قلبه وأثلج صدره، رأى تلك الجحافل من طلاب العلم، رأى الكتائب الأولى، المعدَّة لمعركة الهُوية الثقافية والحضارية والوطنية الصادقة قد استوت على سوقها، تُعجب أهل الإيمان والإصلاح، وتُغيظ الاستعمار وأعوانه وأذنابه." (30)

إن تلك الجحافل والكتائب من طلاب العلم، التي أشار إليها الدكتور دراجي لم تكن لو لم يبذل الشيخ ابن باديس غاية الجهد، ويعمل بعزيمة فرقة كاملة من القادة. فقد كان يمارس التعليم في قسنطينة في سبع مؤسسات في وقت واحد هي: المسجد الكبير، وسيدي قموش، وسيدي عبد المؤمن، وسيدي بومعزة، والجامع الأخضر وسيدي فتح الله، ومدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية التي ورد في قانونها الأساسي الذي صدر سنة 1931م: " إن مقصود الجمعية نشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف الدينية، والعربية، والصنائع اليدوية، بين أبناء وبنات المسلمين،.." ، ودعا الجزائريين إلى تأسيس أمثال هذه الجمعية أو فروع لها في جميع أنحاء القطر، وعلَّل ذلك بأنه لا بقاء لهم إلا بالإسلام، ولا بقاء للإسلام إلا بالتربية والتعليم. (31)

لقد ذكرت جريدة " الشهاب" أن عدد المدارس التي أُنشئت لغاية سنة 1935م بلغ 70 مدرسة موزّعة على مختلف جهات الجزائر، فيها 3000 تلميذ يتعلَّمون الثقافة العربية الإسلامية. إن هذا النوع من الجهاد الفكري بمثابة إشهار الحرب على الاستعمار الفرنسي. فلا غرابة أن يتعرض الإمام ابن باديس لمحاولة اغتيال كما حصل له في أواخر سنة 1926م إثر خروجه من الجامع الأخضر في قسنطينة بعد درس التفسير عائداً راجلاً إلى منزله، وهي الحادثة التي سجلها شعراً رفيقه في الكفاح الشيخ الطيب العقبي:

عبد الحميد النصـرُ قد وافاكا   رغم المنافسِ والذي عاداكا

واصلتَ سيركَ مرشداً ومعلماً   ولسوف تحمد بعدها مسراكا

وقد واصل الإمام ورفاقه في جمعية العلماء المسلمين مسيرتهم في التعليم والإرشاد، وفي سنة 1950م بلغ عدد المدارس 124 مدرسة تضم 40000 تلميذ بما فيها سلك تربوي يأمّه 144 معلماً ( 32)، لأنهم يؤمنون بالمبدأ الذي صاغه الإمام ابن باديس شعراً:

يا نشءُ أنتَ رجاؤنا   وبك الصبـاحُ قد اقتـربْ

خذ للحياة سلاحها     وخضْ الخطوَبَ ولا تهبْ

وقد خلد شعراء الجزائر ذلك الجهاد التعليمي والكفاح التربوي اللذين قادهما الإمام ابن باديس في أشعارهم. فمن شعر الشيخ محد العيد آل خليفة (1904 ـ 1979م) أمير شعراء الجزائر ومن أخوال الشيخ الطيب العقبي وكلاهما من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين، قوله في الإمام:

بمـثلكَ تعتـزُ البـلادُ وتفخـرُ   وتزهـوَ بالعلـمِ المنيرٍ وتزخـرُ

طبعتَ على العلمِ النفوسَ نواشئاً       بِمَخبَرِ صدقٍ لا يدانيه مخبرُ

وقد أحسنت الجزائر المستقلة حينما جعلت من يوم وفاة الإمام في 16 أبريل (يوم العلم) من كل عام.

7.2. الصحافة وسيلة لتشكيل الرأي العام:

الصحافة من أفضل وسائل تشكيل الرأي العام، بشرطين: أن يكون المجتمع متعلِّماً يجيد القراءة، وأن تكون عادة القراءة قد نُميّتْ فيه، وإلا فستكون الصحافة صيحة في واد. وقد انتقدنا النهضة العربية في المشرق لاعتمادها الأساس على الصحافة لتوعية شعوب كان حوالي 80% من أفرادها أُمياً.

بيدَ أن الإمام ابن باديس جعل التعليم وسيلته الأساس لتحقيق النهضة، ودعمَ التعليمَ بالصحافة. فتلامذته يتعلمون القراءة على يديه وفي المدارس التي أنشأتها جمعيته، ويعززون مهارتهم القرائية والفكر الذي اكتسبوه، بمتابعة مقالات الإمام ورفاقه في الصحف.

صدرت عدة صحف عربية في الجزائر قبل أن يبدأ الإمام ابن باديس صحيفته الأولى. ولكن هذه الصحف سرعان ما كانت تُصادَر أو تُغلَق بعد عدد أو بضعة أعداد من طرف السلطات الاستعمارية (كما كان حال الصحف في المشرق) . ولعل أشهر الأمثلة على وقاحة المستعمرين، وصلابة الجزائريين الصحف التي أصدرها المجاهد أبو اليقظان. فقد صادر له المستعمر 8 جرائد خلال 13 سنة، هي: ـ وادي ميزاب (1926)، ميزاب (1930)، المغرب (1930)، النور (1931) ، البستان (1933)، النبراس (1933)، الأمة (1938)، الفرقان (1938)، (33).

وقد صدرت عدة صحف جزائرية بالعربية قبل أن يُصدر الإمام ابن باديس صجيفته الأولى، وهذه الصحف هي:

أ‌) الجزائر، الصحفي عمر راسم، سنة 1908. وهي أول مجلة عربية يصدرها جزائري (34).

ب‌) الحق، في وهران، سنة 1911.

ت‌) الفاروق، عمر بن قدور، سنة 1913، (كانت تنقل مقالاتها من مجلة " المنار").

ث‌) ذو الفقار، الصحفي عمر راسم، سنة 1914.

ج‌) الإقدام، الأمير خالد الهاشمي، سنة 1919 (باللغتين العربية والفرنسية).

ح‌) النجاح، مؤسساها الشيخ عبد الحفيظ الهاشمي والشيخ ابن باديس، سنة 1919.

خ‌) لسان الدين، أسبوعية سياسية، سنة 1923.

أما الصحيفة الأولى التي أصدرها الإمام بن باديس منفرداً فهي صحيفة " المنتقد" سنة 1925م وشعارها " الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء". واسمها يدل على النقد، " فننقد الحكام والمديرين والنواب والقضاة والعلماء والمقاديم، وكل من يتولى شأناً عاماً من أكبر كبير إلى أصغر صغير من الفرنسيين والوطنيين."، وطبعاً يشمل النقد بعض الطرقية التي تروج شعار " اعتقد ولا تنتقد". وقد حمل العدد الأول منها بشرى للشعب الجزائري بإنشاء المطبعة الجزائرية الإسلامية في قسنطينة ذلك العام، 1925، التي تطبع هي فيها المنتقد. ولا بد أن إنشاءها تمّ بإيعاز من الإمام. وسرعان ما أُنشئت بعدها أربع مطابع عربية.

بعد صدور 18 عدداً من المنتقد، صادرت السلطات الفرنسية الجريدة ومنعتها من الصدور، فأصدر الإمام جريدة " الشهاب" . وفي سنة 1929 حولّها إلى مجلة شهرية علمية وقد كتب على أركانها الأربعة كلمات: الحرية، العدالة، الأخوة، السلام. وقد صدر آخر عدد من الشهاب سنة 1939.

وأثناء صدور مجلة " الشهاب"، كانت جمعية العلماء المسلمين تصدر جرائد أسبوعية هي:

أ‌) " السنّة" صدرت سنة 1933، فسرعان ما منعتها السلطة الاستعمارية، فخلفتها

ب‌) " اشريعة" سنة 1933 ذاتها، ثم صادرتها السلطة الفرنيسية، فخلفتها

ت‌) " الصراط "، 1933 ـ 1934، ثم منعتها الحكومة الفرنسية، وجاء في قرار المنع " ممنوع على جمعية العلماء إصدار أية صحيفة أخرى باسمها إلى حين إشعار آخر.."

ث‌) " البصائر" سنة 1935، ـ توقفت أثناء الحرب العالمية الثانية ـ ثم استأنفت صدورها سنة 1947 حتى الثورة التحررية الجزائرية سنة 1954م. (35)

وهكذا نرى أن جمعية العلماء المسلمين تصرُّ على التعليم والتنوير، وتصر السلطة الفرنسية على التجهيل والتحريم. كما نلاحظ التداخل والتكامل بين أنشطة الإمام وعلماء جمعيته في إنشاء المدارس وتكوين القادة وبين أنشطتهم الصحفية الهادفة إلى بث الوعي العربي الإسلامي والوطنية الجزائرية.

7.3. مؤسسات الثقافة تشكّل الهوية الوطنية:

إضافة إلى التعليم والصحافة، أسَّس الإمام ابن باديس أو أوعز بتأسيس الجمعيات والمنظمات والنوادي والفرق الكشفية والرياضية والموسيقية، وغيرها من المؤسسات الثقافية. فكان يضطلع بالوعظ والإرشاد في المساجد، ويلقي المحاضرات في النوادي والمحافل، ويقوم بالرحلات إلى أنحاء البلاد لالتقاء بأهلها وتنظيم أنشطتهم الوطنية.

يروي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أنه بعد عودته إلى مدينة سطيف، زاره الشيخ ابن باديس حوالي سنة 1924م، وطلب منه أن يعدَّ قانوناً لـ (جمعية الإخاء العلمي) " تجمع شمل العلماء والطلبة، وتوحِّد جهودهم، وتقارب بين مناهجهم في التعليم والتفكير، وتكون صلة تعارف بينهم ومزيلة لأسباب التناكر والجفاء..." (36).

وظل التزاور والتشاور بينهما مستمراً حتى تهيأت الظروف وأُعلن عن تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931م، وانتخب الشيخ ابن باديس رئيساً للجمعية والشيخ الإبراهيمي نائباً له.

ومن الأمثلة على المؤتمرات التي عقدها الإمام ابن باديس أو التي شجع على عقدها (المؤتمر الإسلامي) الذي عُقِد في الجزائر العاصمة في جوان 1936م ، تلبية لدعوة مشتركة من لدن الإمام بن باديس والدكتور محمد الصالح بن جلول (1896 ـ 1986م)، وشاركت فيه الطبقة السياسية الجزائرية التي توحدت لأول مرة حيث جلس في المؤتمر العلماء المسلمون، إلى جوار الزعماء الشيوعيين، وزعماء بقية الأحزاب الوطنية الجزائرية، وانتهى المؤتمر إلى صياغة ما يسمى "بميثاق مطالب الشعب الجزائري المسلم" الذي حمله الإمام ابن باديس والدكتور جلول إلى رئيس الحكومة الفرنسية " ليون بلوم" في باريس(37).

وقد بهرتني حكمة الإمام ابن باديس ودبلوماسيته في حشد الطاقات والإمكانات المختلفة الأهداف لخدمة قضيته الوطنية وأمته الجزائرية العربية الإسلامية. فمعروف أن الدكتور بن جلول هو من دعاة الإدماج من أجل تحسين وضعية الجزائريين، بيد أن الإمام نسف ذلك الإدماج مرتين: مرة بتسمية المؤتمر، " المؤتمر الإسلامي"، ومرة بتسمية مقرراته، " ميثاق مطالب الشعب الجزائري المسلم". فمع الإسلام، لم يعُد ثمة مكان للإدماج الذي كان يحلم به عتاة المستعمرين الفرنسيين، فإدماجهم يقوم أساساً على التنصير والفرنسة.

ومن أمثلة النوادي التي أنشأها أو شجع على إنشائها الإمام ابن باديس، (نادي الترقي) في ساحة الحكومة سابقاً (الشهداء حالياً) في الجزائر العاصمة، الذي تبرع بتكاليفه عدد من التجار الجزائريين المحسنين المتأثرين بأفكار الإمام ودعوته الإصلاحية، بغرض تقديم أنشطة ثقافية متنوعة ومحاضرات يومية أو أسبوعية حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، من أجل جذب الشباب الجزائري من المقاهي والحانات وإشراكه في هموم أمته؛ ودعوا الإمام ابن باديس لافتتاحه بمحاضرة سنة 1927م. وبعد مدة انتقل رفيق الإمام، الشيخ الطيب العقبي إلى العاصمة ليكون المنشط الرئيس للنادي. وفي هذا النادي تم عقد الجلسة الأولى لجمعية العلماء المسلمين، سنة 1931، التي تم فيها انتخاب ابن باديس رئيساً للجمعية في غيابه (38).

وخلاصة القول إن الإمام ابن باديس ذو شخصية متنوعة الأبعاد متعددة الاهتمامات، وقد استخدم مختلف الوسائل في سبيل تحقيق غاياته السامية. يروي الدكتور مازن صلاح حامد مطبقاني في كتابه " عبد الحميد بن باديس، العالم الرباني والزعيم السياسي" أنه قابل أحد تلاميذ الإمام هو الشيخ عبد الرحمن شيبان حين كان وزيراً للشؤون الدينية، ويقول:

" وكنتُ قد أعددتُ له سؤالاً عرفتُ فيما بعد أنه كان محرجاً أو غير مناسب، وهو: ثبت عن الشيخ عبد الحميد رحمه الله أنه كان ينوي إعلان الثورة فيما لو أعلنت إيطاليا الحرب على فرنسا، وتوفاه الله تعالى قبل ذلك. فلماذا لم ينفذ العلماء فيما بعد ويتولوا قيادة المعركة بدل تركها في يد من تُركت في أيديهم؟ فأجاب: (ليس كل الناس ابن باديس، فالعلماء لم يقوموا بالثورة لأن ذلك ليس من طبيعة الأشياء، فهم مربّون ومعلِّمون لإعداد الناس، أما ابن باديس فهو زعيم وقائد وجندي ومربي)" (39).

وإذا كان الإمام ابن باديس قد توفاه الله سنة 1940، فإن علماء الجزائر قد واصلوا السير على خطاه في التعليم والجهاد الفكري على جميع الأصعدة، ما هيأ المجتمع الجزائري للانخراط في ثورة التحرير ودعمها حين اندلاعها حتى تحقيق النصر بالاستقلال.

8. الخاتمة:

سيدي الشيخ الإمام!

اسمحوا لي بالمثول أمام ضريحكم الطاهر، لأترحم على روحكم الزكية، وألوذ بأذيالكم النقية، لأبثكم لواعج همي الذي يُثقل قلبي ويُحزن نفسي ويُدمع عيني، دون أن أستطيع أن أفعل شيئاً؛ إذ إنني لا أملك بعض حكمتكم الباهرة، ولا جزءاً من شجاعتكم النادرة. فأنا كباقي العرب اليوم: لا وجه لي ولا يد لي ولا لسان.

سيدي الشيخ الإمام!

بعد مرور قرابة قرن على نهضتكم العربية المباركة، وبعد جميع ما عانيتم من جهاد وقاسيتم من كفاح، أنتم وأصحابكم الغر الميامين في المشرق والمغرب، ما تزال أمتنا العربية الإسلامية، تغوص في أوحال الجهل والغباء، وأمست دولها " المستقلة" قبائل جاهلية، يحارب بعضها بعضاً، وطوائف همجية تقطع رؤوس المسلمين وتسبي نساءهم وتقتل أطفالهم، باسم القرآن والإسلام، لا القرآن الذي سهرتهم الليالي في تفسيره، ولا الإسلام الذي أضنيتم جسدكم النحيل في الدعوة إليه، بل قرآن وإسلام مصنوعين في مخابر المستعمرين الذين هزمتموهم بجهادكم المبارك.

سيدي الشيخ الإمام،

اسمحوا لي أن أنبيكم، والحزن يدمي أعماق روحي ويقطِّع نياط قلبي، أن أقطارنا " العربية" وقد مضى على " استقلالها" أكثر من نصف قرن، ما تزال متمسكة بلغة المستعمِر القديم، الإنكليزية أو الفرنسية، وتفرضها لغةً للتعليم العالي، ولغة للمؤسسات الاقتصادية والمالية، وهي لغة حكوماتنا وإداراتنا المفضلة، ولغة الحياة عامة عندنا، إذ نجدها مخطوطة على البنايات الرسمية في مدننا، ومكتوبة على لافتات المحلات التجارية في شوارعنا " العربية".

سيدي الشيخ الإمام،

بعد أكثر من نصف قرن على استقلالنا، ما يزال خيرة شبابنا يمتطي (قوارب الموت) ويقطع البحر في اتجاه أوربا بحثاً عن لقمة العيش التي لا يجدها في بلاده، بحثاً عن حقوقه الإنسانية المضيّعة في وطنه، بحثاً عن كرامته الإنسانية المهدورة في أرضه. وبعد أكثر من نصف قرن على استقلالنا، ما يزال مرضانا الأغنياء يُعالجون في مستشفيات المستعمِر القديم، أما مرضانا الفقراء فلا يجدون مكاناً لائقاً للموت فيه. وبعد أكثر من نصف قرن على استقلالنا، ما يزال ثلث الشعب العربي أميّاً لا يقرأ ولا يَكتب، ونصفه يعيش تحت خط الفقر.

سيدي الشيخ الإمام،

أتوسل إليكم مقبلاً يديكم راجياً أن تنهضوا من مرقدكم الطاهر، أن تنفضوا تراب القبر عنكم وتهبوا لنجدتنا، نحن أحفادكم، نريد نصحكم ونستجدي إرشادكم وتوجيهكم، امنحونا نظرة من عينكم ولمسة من يدكم. فأمتكم العربية الإسلامية في أمس الحاجة إلى نهضة فكرية جديدة تعيدها إلها روح الإسلام الأصيلة، وأخلاقه السامية، ونهجه العادل القويم.

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي - الرباط

...........................

المراجع والهوامش:

• أديب وباحث أكاديمي عراقي مقيم في المغرب.

** يسعد المؤلِّف ويشرّفه أن يتوجه بأسمى عبارات الشكر والتقدير إلى فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الذي تكرّم بإمداده بمجموعة فاخرة من المراجع القيمة التي مكنته من كتابة دراسته هذه.

1) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية الدولي للعام 2014، المضي في التقدم: بناء المنعة لدرء المخاطر (نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2014)، يُنظر : سلم التنمية في آخر التقرير.

2) من هذه الدراسات : لينا عدرا، " المسيحيون المشرقيون ودورهم في اليقظة العربية" في: ncro.sy/?p=2065 التي تقول فيها: " وإذا ما أردنا أن نتحدث عن دور ، في فترة ما بين القرنين الثامن عشر والعشرين، سيتضح لنا الدور الجوهري الذي لعبه أبناء هذا الإقليم عموماً، ومسيحيوه خصوصاً، في النهضة واليقظة الفكرية"

3) Albert Hourani. Arabic Thought in the Liberal Age 1789-1939 (London: Cambridge University Press, 1962)

وللكتاب عدة طبعات وأكثر من ترجمة عربية.

4) محمد بن حسن المبارك. " الحملة الفرنسية على مصر (1789ـ 1801) لماذا؟" في: www.saaid.net/Doat/almubarak/6htm

5) الدكتور عمار طالبي. الإمام عبد الحميد بن باديس، حياته وآثاره (الجزائر/ بيروت: عالم المعرفة ودار ابن حزم، 2014) ، المجلد الأول، ص 67.

6) الدكتور علي القاسمي. العراق في القلب: درسات في حضارة العراق (بيروت : الدار العربية للموسوعات، 2010) الطبعة الثانية، ص ص 237 ـ 271.

7) الدكتور نعمان عاطف عمرو. " مظاهر الوعي بالقومية العربية في فلسطين حتى عام 1920م" في : www.qou.edu/Arabic/research progrm

www.ar.wikipedia.org/wiki/(8 المؤتمرـ العربي ـ الأول

9) محمدـ رشيد ـ رضا www.ar.wikipedia.org/wiki/

ويُنظر كذلك: شكيب أرسلان. السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين عاماً (دمشق : مطبعة ابن زيدون،   1937)

10) عندما اندلعت ثورة التحرير الجزائرية، وقف جميع العرب والمسلمين إلى جانب الجزائر يمدونها بالمال والسلاح والتشجيع، ليس أولئك المجاورين للجزائر فقط كتونس والمغرب، بل البعيدين كذلك.. وقد أتيحت لي الفرصة ذات مرة بلقاء المرحوم عبد الحميد المهري ، الذي كان ممثل الثورة الجزائرية في دمشق، فسألته عن صحة إدعاء المرحوم فاضل الجمالي، رئيس وزراء العراق الأسبق من أنه كان يبعث إليه بالأسلحة إلى دمشق لشحنها بحراً إلى الثوار، فأكد المهري ذلك، وأضاف: " إنني قابلت كذلك المرحوم نوري السعيد، فقال لي: يا بني، إن قائمة الأسلحة التي طلبتها تشتمل على قسمين: قسم موجود لدى الجيش العراقي، سنعطيه لكم، وقسم لا يوجد لدينا، فنعطيكم المال لشرائه."

أما من حيث الدعم الأدبي، فيُنظر، مثلاً، كتابا الدكتور عثمان سعدي: "الثورة الجزائرية في الشعر العراقي"، و "الثورة الجزائرية في الشعر السوري". ولهما أكثر من طبعة.

11) أحمد ـ باي ـ محمد ـ الشريف www.ar.wikipedia.org/wiki/

12) إسماعيل العربي. الأمير عبد القادر الجزائري: مؤسس دولة وقائد جيش (الجزائر: وزارة الثقافة والسياحة، 1984)

13) بالمهدي البوعبدلي. ثورة الشريف بوبغلة (الجزائر: وزارة الثقافة والسياحة، 1983)

14) محمد الطيب عقاب. حمدان خوجة، رائد التجديد الإسلامي (الجزائر: وزارة الثقافة والسياحة، 1983)، ص ص 49 ـ 55.

15) الدكتور عمار طالبي، الأمام عبد الحميد بن باديس: حياته و آثاره، مرجع سابق، ص 28.

16) الدكتور مازن صلاح حامد مطبقاني. جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية (الجزائر: عالم الأفكار، 2011) ص 29 ـ 34.

17) وصنهاجة قبائل عروبية من السوس الذين هاجروا من منطقة حضرموت اليمن إلى شمال إفريقيا مروراً بالعراق والشام ومصر، فتخلفت منهم في العراق أسرة معروفة بالعلم منها المؤرخ الدكتور أحمد نسيم سوسة، وفي الشام تخلفت جماعة منهم فأسسوا بلدة " كفر سوسة" ، وفي مصر استقرت جماعة منهم في منطقة سموها " كفر سوسة"، وفي تونس هناك بلدة "سوسة" ، ثم استقرت الأغلبية الغالبة منهم في جنوبي المغرب الأقصى، وهي التي يسميها العلامة المختار السوسي بـ " سوس العالمة"، وكذلك في موريتانيا. وبعد ظهور الإسلام، قامت قبائل صنهاجة السوسية بنشر الإسلام في إفريقيا، ويقال إن اسم بلاد (السنغال)، محرَّف من اسم قبيلة (صنهاجة) التي كانت تسيطر على (نهر السنغال). وأنجبت هذه القبائل سلطان المرابطين يوسف بن تاشفين (410 ـ 500ه / 1061 ـ 1106م) الذي ينتمي إلى قبيلة لمتونة الصنهاجية. والذي أعز الله به الإسلام والمسلمين في الأندلس.   للتفاصيل تُنظر المراجع المتخصصة مثل:

ـ الدكتور عثمان سعدي. البربر الأمازيغ عرب عاربة (الجزائر: دار الملتقى، 1996)، وكذلك كتاباه: " عروبة الجزائر عبر التاريخ" و " معجم الجذور العربية للكلمات الأمازيغية".

ـ سعيد بن عبد الله الدارودي. حول عروبة البربر: مدخل إلى عروبة الأمازيغيين من خلال اللسان (الدار البيضاء: منشورات فكر، 2012).

ـ الدكتور على فهمي خشيم. سفر العرب الأمازيغ، وملحق به : لسان العرب الأمازيغ (طرابلس: دار نون، 1996)

ـ محمد حسين الفرح. عروبة البربر: تاريخ ودلائل انتقال البربر من اليمن إلى بلاد المغرب والجذور العربية اليمنية لقبائل البربر (صنعاء: وزارة الثقافة والسياحة، 2004).

18) الدكتور محمد دراجي، الإمام عبد الحميد بن باديس من خلال مقالات الإمام محمد البشير الإبراهيمي (الجزائر: عالم الأفكار، ب ت) ص 8.

19) عمار طالبي. مرجع سابق، ص 97.

20) نقلاً عن الدكتور عمار طالبي، مرجع سابق، ص 91.

21) ناصر الدين سعيدوني. الجزائر، منطلقات وآفاق. ص 224. نقلاً عن موقع مالك بن نبي www.binnabi.net

22) الدكتور علي القاسمي. معجم الاستشهادات (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2001). ولهذا المعجم إصداران آخران من نفس الناشر هما : معجم الاستشهادات الموسع (2008) ، معجم الاستشهادات الوجيز للطلاب (2012).

23) الدكتور علي القاسمي. صناعة المعجم التاريخي للغة العربية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2012) ص ص 133ـ159 .

24) جريدة " البصائر" في عددها سنة 1938م ص 4، نقلاً عن الدكتور عمار طالبي، مرجع سابق، المجلد 6، ص 104.

25) محمد ـ البشير ـالإبراهيميwww.ikhwanwiki.com/index.php?title=

26) محمد الطاهر فضلاء. الطيب العقبي، رائد حركة الإصلاح الديني في الجزائر(الجزائر: وزارة الثقافة والسياحة، 1985) ص 20 ـ 21.

27) الدكتور عبد الملك مرتاض. محمد البشير الإبراهيمي (الجزائر: وزارة الثقافة والسياحة، 1984) ص 16.

28) عبد ـ القادرـ الجزائري www.ar.wikipedia.org/wiki/ وكذلك:

ـ إسماعيل العربي. الأمير عبد القادر الجزائري (الجزائر: وزارة الثقافة والسياحة، 1984)

29) جريدة البصائر، العدد 16، 1936م، نقلاً عن عمار طالبي، مجلد 1 ، ص 82ـ83.

30) الدكتور محمد دراجي. مرجع سابق، ص 9 ـ 10.

31) نشرة جمعية التربية والتربية الإسلامية، 1352ه/ 1936م، ص 1 ـ 4، نقلاً عن الدكتور عمار طالبي، مرجع سابق، ج1 ص 118.

32) www.el-mouradia.dz/arab/algerie/portrait/Archives/

Badis.htm

33) الدكتور محمد ناصر. أبو اليقظان وجهاد الكلمة (الجزائر: وزارة الثقافة والسياحة، 1984) ص 28.

34) الدكتور محمد ناصر. عمر راسم المصلح الثائر (الجزائر: وزارة الثقافة والسياحة، 1984) ص 9.

35) عمار طالبي، مرجع سابق ، ج1، ص ص 58 ـ 64.

36) آثار الإمام الإبراهيمي، ج1، ص 184، نقلاً عن الدكتور محمد دراجي، مرجع سابق، ص10.

37) قيدوم سعيدة ومصمودي نصر الدين. " المؤتمر الإسلامي الجزائري 1963 وأثره في الحركة الوطنية" في :

Dspace.univ-biskra.dz.8080/jspui/gabdle/123456789/3316

38) عمار مطاطلة. ذكريات أحداث (الجزائر: ب ت) ص 53 ـ 57.

39) الدكتور مازن صلاح حامد مطبقاني. عبد الحميد بن باديس. مرجع سابق، ص 74 ـ 75.