صباح الحاج مفتنقدَّم ادوارد سعيد دراسة واسعة في الاستشراق، وتعد علاقة المعرفة بالقوة والسلطة من أهم الموضوعات التي حاول سعيد أنْ يطرحها من خلال تحليل خطاب الإستشراق الذي خَلَق من الشرق شرقاً تخيلياً يتميز أهله بنزعات طفولية ساذجة، وبأنهم قابلون للانقياد والانصياع، الأمر الذي أدى إلى غزو الاستعمار للشرق واستعباده، فبسبب الاستشراق، لم يكن الشرق موضوعاً حراً للفكر أو الفعل. ومن هنا يحاول سعيد أنْ يكشف المنظومة الاستشراقية الغربية التي عملَت على حدوث هذا النمط من الاستعباد والنظرة الدونية إلى الشرق، وأنْ يكشف اكتساب الثقافة الغربية للمزيد من القوة ووضوح الهوية عندما وضعَت نفسها موضع التضاد مع الشرق بوصفه بديلاً أو ذاتاً خفية.

ويرى سعيد أنَّ الإستشراق استجاب للثقافة التي أنتجته أكثر من استجابته لموضوعه المزعوم، فهو يتّسم باتّساق داخلي، وبمجموعة من العلامات المحيطة به من ثقافات سائدة، فحاولَ أنْ يكشف ملامح هذا الحقل، وتنظيمه الداخلي، ونصوصه المعروفة، وأفكاره، وشخصياته، واعتمدَ في ذلك على أفكار ميشيل فوكو، وغرامشى، وماركس، ورينان، وكرومر، وكذلك على الأعمال الأدبية والكتابات السياسية والنصوص الصحفية والكتب والدراسات والرحلات، والبحوث الدينية واللغوية، واعتبر أنَّ النصوص الاستشراقية تشكَّلَت وتطوَّرت عَبر التفكير الذهني على وفق النهج المثالي، من أنَّ "الأفكار تنتج الأفكار"، أو "الوعي ينتج الوعي"، وهكذا كان منظوره هجيناً واسعاً، "تاريخي- أنثروبولوجى"، ما دامت كل النصوص حسب اعتقاده دنيوية تتأثر بالظروف المحيطة بها.

كتب "كارل ماركس" يقول عن الشرق، "أنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم، ولا بد أنْ يمثّلهم أحد". وهذا يشير إلى محورين رئيسيين، هما المعرفة والسلطة، أي استقصاء مسار حضارة معرفية من نشأتها إلى ازدهارها إلى ذبولها، من أجل السيطرة عليها، فالشرق في نظرهم بكل تاريخه، لا وجود فيه لآثار تنبئ عن الحكم الذاتي، فكل قرونهم العظمى مرَّت في ظل الحكم الاستبدادي المطلق، وعلى العكس ما نراه في العالم الغربي، فهم منذ ظهورهم التاريخي يتمتعون بالحكم الذاتي.

يُعَدّ "كرومر" من أفضل من نجح في عمله القنصلي في الهند ومصر؛ إذ قدَّم خدمات جليلة لها أدت بنهوضها وتميزها بين الأمم الشرقية. فكان كرومر يطلق على الشرق "الأجناس المحكومة"، وهي الأجناس التي تجعل إدارة شؤونهم يسيرة، فالمعرفة تأتي بالسلطة، وزيادة السلطة تتطلب زيادة المعرفة.

يقدِّم أدوارد سعيد تصنيفاً لكارل ماركس، بأنه مستشرق شارك المستشرقين في أسلوبهم في التفكير القائم على تمييز وجودي ومعرفي بين الشرق والغرب بوصفه نقطة الانطلاق لوضع أعمال موسعة من النظريات والملاحم والروايات والأوصاف الاجتماعية والتقارير السياسية التي تتعلق بالشرق.

ويبدو لنا أنَّ اعتبار ماركس كبقية المستشرقين من قبل سعيد يحتاج إلى وقفة؛ إذ إنَّ ما ورد في كتاب الاستشراق، هو تصوير الشرق بأنه "آخر" لا حيلة له غير الإقرار بتبعيته للغرب، بيد أنَّ أبجديات الماركسية تعتبر أنَّ التحليل بمفهوم الآخر تتبناه شريحة اجتماعية تضع حدود فاصلة بينها وبين الشرائح الاجتماعية الأخرى بالصورة التي تبرر إخضاع واستغلال الأخيرة؛ فالشرق والغرب يتشكلان هياكل اجتماعية مليئة بشتى أشكال التناقضات الطبقية والتركيبات التحتية والفوقية المعقدة والتصورات المختلفة للعالم.

إنَّ وضع ماركس على صعيد واحد مع الفرنسي العنصري "رينان"، أو "مورو بيرجر"، أو "سانيا حمادي"، التي تعد كتاباتهم عن الشرق قائمة على التعميمات، يبين لنا الهوة الواسعة بين سعيد وبين الماركسية.

وبكل الأحوال، يصل سعيد إلى جوهر المعرفة الأساسية، ألا وهي المعرفة الأكاديمية والعملية التي ورثها "كرومر وبلفور" من الاستشراق الغربي الحديث على امتداد قرن كامل، معرفة أحوال الشرقيين، ومعرفة الجنس الذي ينتمون إليه، وشخصيتهم، وتاريخهم، وتقاليدهم، ومجتمعهم، وإمكانياتهم، وهي معرفة مختبرة لا تتغير مادام الشرقيون من الناحية العملية جوهراً أفلاطونياً، يستطيع أي مستشرق أنْ يفحصه ويفهمه ويعرضه للآخرين، أو كما يقول كرومر في كتابه "مصر الحديثة": إنَّ الشرقي يبغض الدقة التي تعد الصفة السهلة للانحطاط التي تتحول إلى الكذب. وهو عكس ما يتصف به الأوربي الذي يحكم الاستدلال الدقيق والحقائق الواضحة، فهو منطقي بالفطرة حتّى وإنْ لم يدرس المنطق، وهو بطبيعته شكاك يطلب البرهان قبل أنْ يقبل صدق القول، وذكاؤه يعمل عمل الآلة المنضبطة. أما الشرقي فهو يفتقر إلى التناسق، وأنَّ الاستدلال عنده أبعد ما يكون عن الإتقان، ويسهل خداعه، ويفتقر إلى النشاط وروح المبادرة، ومولع بالإفراط بالمدح والملق والتآمر والمكر والقوة على الحيوان، والكذب المتجذِّر والكسل.

يرى سعيد أنَّ من الخطأ عدم تقدير هذا المستودع من المعرفة الموثوق بصحتها، ومن قواعد النظرة المعتمدة إلى الشرقيين التي رجع إليها كرومر وبلفور في كتاباتهم وسياساتهم، والاقتصار على القول بأنَّ الاستشراق تبرير منطقي للحكم الاستعماري، وهذا يعني تجاهل تبرير الاستشراق للحكم الاستعماري؛ فالشرق أصبح مفهوماً واكتسب هويته- ليس نتيجة لجهود أبنائه- نتيجة لسلسلة كاملة من الجهود العلمية والمعرفية التي بذلها الغرب لتحديد صورة الشرق. ومن ثمّ يلتقي عنصر العلاقة الثقافية؛ فلَمّا كانت المعرفة بالشرق قد تولَّدت عن القوة، فإنها تؤدّي إلى خلق الشرق والشرقي وعالمه، فالقوة الثقافية أمر نستطيع مناقشته بسهولة حسب رأي سعيد، لأنّ أغراض هذه الدراسة هو توضيح الاستشراق وتحليله وتأمُّله بوصفه صورة من صور ممارسة القوة الثقافية؛ فالغربي كان دائماً يتمتع بقدر معين من حرية التفكير والكلام في الخطاب، فما دامت ثقافته هي الأقوى، فهو إذن يستطيع النفوذ إلى اللغز الآسيوي الأعظم، ويصارعه ويضع له شكلاً ومعنى.

ويعتقد سعيد أنَّ من دَرَسوا الاستشراق قبله قد أغفلوا الحدود النسبية والقيود التي تحد من المفردات التي استخدمها المثقف الغربي؛ إذ إنَّ واقع الاستشراق معاد للإنسانية ومستمر بإلحاح، وأنَّ نطاقه مثل مؤسّساته، وتأثيره النافذ والشامل لا يزال قائما إلى الآن؛ فهو ظاهرة تاريخية، وطريقة تفكير، ومشكلة معاصرة، وواقع مادي.

يمكن للاستشراق أنْ يعبّر عن قوة الغرب وضعف الشرق من وجهة نظر الغرب كما أسماه كرومر "التشغيل المتناغم"؛ لأنَّ هذه القوة الغربية، وهذا الضعف الشرقي، يكمنان في صلب النظرة الاستشراقية. وتلك هي القضية الفكرية الرئيسية التي يثيرها الاستشراق: هل يستطيع المرء تقسيم واقع الإنسانية الذي يبدو منقسماً على نفسه إلى ثقافات، وتواريخ، وتقاليد، ومجتمعات؟ ومن ثمّ ينجو من العواقب بصورة إنسانية تتجنَّب العداء الذي يُعَبِّر عن هذا التقسيم؟

الواقع حسب ادوارد سعيد، أنَّ هذا التقسيم كان يقصد منه تاريخياً وفعلياً تأكيد أهمية التمييز بين البشر، وأنَّ استخدامه يكون بالنتيجة استقطاباً للتمييز، أي زيادة شرقية الشرقي وغربية الغربي، والحد من التلاقي الإنساني بين تلك الثقافات والتقاليد والمجتمعات المختلفة.

باختصار، نجد أنّ الاستشراق منذ أوائل مراحله الحديثة وحتّى الآن، وبوصفه منهجاً فكرياً للتعامل مع كل ما هو أجنبي، قد اتّضحت سمة جنوحه المؤسف لأي معرفة قائمة على أنواع التمييز، وهذا الجنوح يكمن في مركز النظرية والممارسة والقيم الاستشراقية لدى الغرب، ممّا أصبح مفهوم سلطة الغرب على الشرق مُسَلَّماً به بوصفه يتمتع بمكانة الحقيقة العلمية.

والله الموفق

 

د. صباح الحاج مفتن

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: يعتبر نيقولاي هارتيمان (1882 – 1950) أبرز رواد الفلسفة المثالية الميتافيزيقية في النصف الاول من القرن العشرين، ويمتاز بنسق فلسفي منّظّم غير معّقد يحمل مدلولات واضحة تستهوي قارئه، فهو يعطي كل مفردة فلسفية معناها الحقيقي النافذ من غير ما حاجته الى نوع من التفلسف الغامض الذي يسحب القاريء الى مرتبة من التفكير المشتت الذي يفتقر لقول شيء ذي جدوى يتواصل به مع المتلقي.

يمتلك هارتمان مؤلفات عديدة في مباحث الفلسفة والميتافيزيقا. حيث أن مؤلفاته في الميتافيزيقا ذات طابع ممّيز يخرج عن التصنيف الفلسفي المتأرجح والمتذبذب بين تيارات فلسفية متعددة في الاقتباسات المتداخلة فيما بينها، ومن أشهر مؤلفاته (مشكلة الوجود الروحي ) عام 1933م، وقد تأثر بأرسطو كثيرا. وفي الوقت الذي يتجاوز هارتمان فلاسفة القرن التاسع عشر جميعا، فهو حارب الوضعية والمذهب الذاتي والنزعة الميكانيكية والمادية، كما نجده بنفس الوقت الذي أدان فيه فلسفة الحياة وفينامينالوجيا هوسرل، ينحاز الى (الواقعية المثالية) مقصّيا مثاليته عن الابتذال المثالي كما هو عند بيركلي مثلا، في أختراعه فلسفة مثالية واقعية تقترب كثيرا من المادية لكنه يبقى محسوبا على الفلسفة المثالية في مجمل طروحاته ومؤلفاته الفلسفية.(1)

هارتمان والواقعية الفلسفية

في أسلوب فلسفي ممّيز سهل ممتنع ينفرد هارتمان عن فلاسفة الوجودية قوله (أن جوهر الفكر أنه لا يستطيع التفكير بعدم، بل بشيء ما)(2) . هذه العبارة التي تحاشى الانزلاق بها فلاسفة الوجودية الميتافيزيقيين وفلاسفة الفينامينالوجيا يتقدمهم هوسرل، أنهم جميعا كانوا يعتبرون التفكير ب(العدم) ممكن في وعي وجود محايث له يسيرمعه ويلازمه نحو عدم حتمي، فيكون أدراك العدم بالمحايثة الموضوعية لوجود مغاير له يوازيه في المسار المشترك لكليهما نحو الفناء.

من الضروري الاشارة الى أن هذا المفهوم للعدم عند هيدجر وسارتر أن العدم ليس موضوعا لوعي ذاتي مفكر يدركه لكن يمكن للفكر التفكير التجريدي به استدلاليا في معرفة غيره من الموجودات التي يمكن ادراكها، ولايلتقي هذا بمفهوم هارتمان في أعتباره العدم هو لاوجود لا يمكن ادراكه ولا يمكن التفكير به،.

الوجودية تعتبر العدم مدركا غير موضوعي داخل الوجود الذي يعمل العدم على أفنائه. الفرق الوجودي لمفهوم العدم في الوجودية هوأنه أمكانية أستدلالية حدسية في أمكانية الفكر التفكير بالعدم تجريديا وليس في أدراكه موضوعيا ولا حتى خياليا تجريديا، أي بما هو غير مدرك كموضوع يعيه الفكر، وليس كما ذهب له هارتمان بأن الفكر لا يمكنه التفكير بالعدم من حيث امكانية الوعي به وادراكه حتى على المستوى الفهم الفكري التجريدي كما ذهبت له الوجودية في خلاصها من تحديد ماهو العدم؟.

ويوضّح هارتمان بأسلوبه الفلسفي الرشيق قوله (أخطأت الميتافيزيقا القديمة خطأ مزدوجا، فقد كانت تدّعي من جانب أنها تقدم حّلا لما هو غير قابل للحل، والميتافيزيقا تعني اللاعقلي، واللاعقلي غير ممكن المعرفة، ومع ذلك فأن كل موجود يمكن أدراكه ومعرفته من جانب ما) (3) .

بهذه العبارات يجنّبنا هارتمان الخطأ الذي نتداوله كبديهة فلسفية مسّلم بها أن الميتافيزيقيا لا تستطيع معالجة الاشياء كموجودات ما وراء الطبيعة يدركها العقل،، وهذا ما تقاسمته الميتافيزيقا مع جميع فلاسفة المثالية والمادية على السواء في أقرارهم هذه المقولة التي أستمدوها من اللاهوت تماشيا مع الايمان الديني قلبيا. وليجعلوا من مباحث الفلسفة مفاهيم تتوازى مع الفكر الديني وتتحاشى التقاطع معه.

يقول هارتمان (أن العقل العارف – عقل المعرفة - يتجه في الاتجاه المعاكس للعقل المدرك للماهيات)(4) أمام هذه المقولة الفلسفية منذ كانط في القرن الثامن عشر تم التبشير الفلسفي بمسّلمة لم ينفع معها النقد الفلسفي لاقصائها، تلك هي أن العقل الذي يعي ويدرك أمتلاكه المعارف، يتوازى في عدم قدرة العقل أدراك ماهيات الاشياء في وجودها الطبيعي في عالم الاشياء،

وأن قدرة العقل منذ فلسفة ديكارت أكدت ادراك الظواهرعلميا فقط وليس هناك معنى لمعرفة الماهيات، وبقيت هذه المسّلمة الفلسفية الزائفة الخاطئة سارية المفعول مع فلاسفة الوجودية وفلاسفة الحياة، وفي فينامينالوجيا هوسرل.... رغم أن الفينومينالوجيا عاكست الوجودية في أعتبارها الماهية سابقة على الوجود في الاهمية. وبقيت الوجودية متمسّكة بأن الوجود يسبق ماهية الشيء. وذهبت الماركسية أبعد من كليهما حين نادت أن لا وجود حقيقي لشيء يمكن أدراكه بماهيته بل تكفي معرفته في وجوده الطبيعي في ظواهره المحسوسة بعالم الاشياء .

وجوهر فهم هارتمان المتفرد للميتافيزيقا(أنها ليست علما بل هي مجموعة من الاسئلة التي لا يمكن الاجابة عنها)(5) . هذه العبارة الفلسفية الرشيقة الموجزة يلخّص بها هارتمان جوهر الفلسفة منذ سقراط وقبله السفسطائيين في القرن السادس قبل الميلاد، من حيث أن الفلسفة هي أندهاش متسائل معبّرا عنه في سلسلة من التساؤلات المترابطة عبر تاريخ الفلسفة التي تكون الأجابة عنها لا تحمل حلولا بمقدار أنتاجها تساؤلات فلسفية جديدة منبثقة من عمق التساؤلات القديمة، وأن الفلسفة سلسلة من التساؤلات التي لا تعطي حلولا لها بقدر أستيلادها تساؤلات جديدة منها على مر العصوروهكذا..

ميتافيزيقا الواقع

يعالج هارتمان مسائل الوجود الميتافيزيقي بأسلوب فينامينالوجي واقعي كما في منطلقاته الفلسفية التالية:

1- الموضوع يقوم داخل الوعي فلا يمكن ان يكون هناك وجود (قائم بذاته) هارتمان(6)

2- التقابلية معناها ليس هناك من وجود لا يكون موضوعا لذات. هارتمان(7)

3- القيمة والمعنى في العالم لا يمكن تفسيرهما الا في وجود الذات، وأهمية القيمة والمعنى انها توجب حضور ذات تدركها وتمنح القيمة والمعنى لموضوع. هارتمان(8)

4- العقل الذي يتعدى الوعي ويربطه الى الموجود بذاته مستقلا عنه، أي عن الوعي . هارتمان(9)

5- أن تعرف معناه هو أن تدرك الموجود بذاته، وعلاقة المعرفة هي علاقة بين الذات الحقيقية والموضوع بذاته. هارتمان(10).

أهمية علاقة الذات بالموضوع من جهة وبالمعرفة من جهة أخرى عند هارتمان لا تخرج عن الفهم المادي الكلاسيكي الذي ينّظّم تلك العلاقات، بفارق جوهري مهم أن هارتمان يربط الوعي بالمدرك المادي (الموضوع) في محاولة أعطاء الوعي دور (العقل) بعلاقته بالموضوع.

من جهة أخرى أن هارتمان يخرج على كل من الوجودية والمادية وفينامينالوجيا هوسرل حول مفهوم (الوجود بذاته) في علاقته بالوعي. فهو بخلافهم جميعا يطرح أمكانية أدراك الوعي للموجود بذاته. وهو ما تنكره عليه كل من المادية الماركسية، والوجودية عند هيدجر وسارتر، وكذلك فينامينالوجيا هوسرل التي أقتصرت وحصرت الفهم العقلي في ظواهر الموجودات فقط وليس معرفة جواهرها الماهوية في الوجود بذاته.

كما أن هارتمان أول فيلسوف في منتصف القرن العشرين أعطى تمييزا فلسفيا واضحا أن المعرفة مكتسبة في الوعي وليست معطى قبلي في الادراك. وليس من مهمة الوعي تخزين مدركاته الوجودية داخله كما يحاول هارتمان التلويح بذلك.

هارتمان أول فيلسوف أعطى المثالية غطاءا معلنا ومنظورا تماما أخذه عن الفلسفة المادية والوجودية على السواء. بمعنى انه ألبس مثاليته لبوسا ماديا واقعيا كما سنرى، لذا نجد من الصعوبة تفسير مفاهيمه الفلسفية على أنها تعتمد المنهج المثالي الواقعي في الفلسفة من غير التطرق الى مداخلاتها مع الفلسفات المادية والوجودية.

الفقرة الاولى السابقة لهارتمان في تعبيره أن الموضوع يقوم داخل الوعي، وأنه لا موضوع يمكن وجوده خارج ادراك الوعي له تصيب الفلسفة الوجودية والكانطية والفينامينالوجيا في مقتل،، في مثالية واقعية جريئة متفردة، أقدم عليها هارتمان في محاولته أضفاء نوع من المادية على الوعي المثالي في فلسفته الذي هو مفهوم غير مادي ولا يكتسب ماديته في وعيه لموضوعه المادي،.

اذا ما تماشينا مع نظرية هارتمان أن الموضوع يقوم داخل الوعي (وهو خطأ)، الوعي أدراك تجريدي للموجودات وليس مستودعا موضوعيا لتخزينها. ولا يمكن قياس مادية الموضوعات باحتواء الوعي المثالي غير المدرك موضوعيا لها، الوعي الذي يعجز حمل موضوعات أدراكه بل مهمة الوعي الاساسية هي نقل المدركات الحسية وغير الحسية للعقل فقط، ويكتفي بتوصيله موضوعات الوعي الى أدراك العقل لها،.

الصحيح الذي نراه هو بخلاف مقولة هارتمان أن العقل يدخل مواضيعه المدركة في ذاته أي في أحتوائها، وليس الوعي الذي يدخل مواضيعه في أدراكها، الوعي هو وسيلة تعبير أدراكي تنوب عن الفكر واللغة في أدراكهما المواضيع خارجيا...نجد من المهم تأكيدنا لاكثر من مرة خطأ هارتمان وفلاسفة الفينامينالوجيا أنهم ينصّبون من الوعي عقلا ثانيا وليس الوعي واسطة أدراك معرفي للعقل.

الوعي لاينوب عن العقل في الادراك بينما لا يستطيع العقل أستغنائه عن أعتماده الوعي وسيلة تواصلية به.الوعي أدراك تسبقه المحسوسات ومن قبلها الوجود، لكنها لا تتجاوز قدرات العقل في فهمه مواضيع الاشياء في الطبيعة.

أن الوعي الذاتي يلعب دورا مزدوجا على أكثر من صعيد في تعالقه مع العقل من جهة، ومع المحسوسات والمدركات في الطبيعة من جهة اخرى، وأخيرا في علاقته كوعي بالفكر واللغة. كل هذه العلاقات الشائكة المتداخلة محورها الوجود اولا والوعي الحسّي لمواضيعه ادراكيا ثانيا.

لا يتسّع المجال معي الاستطراد في شرح تفاصيل هذه العلاقات المتداخلة مع بعضها بما يبعدنا عن أصل الموضوع في التعريف بالمنهج المثالي الواقعي لهارتمان.

فغياب الوعي بالشيء تصوريا أو ماديا لا يعدم وجوده المستقل ماديا عن الذات في أدراك الوعي له أو في عدم أدراكه له. الوعي وسيلة العقل الادراكية في نقله صور الاشياء في تجريد لا مادي يماثل ولا ينوب عن مهمة الفكر واللغة في تجسير علاقة الموضوع بمدركه العقلي،والوجود القائم بذاته لا يحدد وجوده المادي حينما لا يكون من محتويات الوعي بداخله كما يذهب هارتمان، فالموضوع أو الشيء يمتلك وجوده المادي المستقل في معطى الطبيعة له كموجود مستقل وليس في (وعيه) الادراكي المثالي وجودا في عالم الاشياء.

وجود الاشياء في الطبيعة باستقلالية يكون سابق لادراكها وعيا عقليا ولا حتى حسّيا أيضا، سواء أدركها الوعي أم لم يدركها. يمكننا القول أن وعي الموجود هو أدراكه عقليا، لكن من الخطأ التصور أن ينوب الوعي عن العقل في فهمه وتفسيره وتخليقه للموجودات.

الوعي أقرب الى المحسوسات في أدراكها الاشياء، وأبعد من الحواس في تداخلها بعمل العقل أكثر من نقلها المعطيات الادراكية الحسية الى العقل بوسيلة الوعي بالاشياء. بعبارة توضيحية أكثر فأن الوعي لا ينوب عن المحسوسات، ولا ينوب عن العقل في فهمه وتخليقه والتعبيرعن الموجودات والاشياء في العالم الخارجي مرة ثانية بعد تخليقه لها في الدماغ....الوعي يمكنه التداخل الوظيفي مع الحواس في الادراك، لكنه يعجز عن المداخلة الوظيفية في عمل العقل تخليقه التفسيري للاشياء المنقولة له. وبهذا يمتاز الوعي على أساس أنّه ادراك (مثالي) غير موضوعي ولا مدرك بعكس أدراكات الحواس والعقل التي تكون ادراكاتها (مادية).

الوعي يلتقي مع الفكر واللغة في التعبير عن الاشياء في وجودها وفهمها تجريديا، ولا يلتقي مع الحواس والعقل في ادراكهما المادي للاشياء.

نوّد هنا توضيح الفرق بين علاقة الوعي بالعقل وعلاقة الفكر واللغة بالعقل في أدراك المواضيع والاشياء في الوجود.

الوعي بالشيء الموجود لا يسبق وجوده في عالم الاشياء باستقلال تام عن الوعي به بواسطة مدركات الحواس، وفضيلة ومهمة الوعي هو نقله المواضيع المدركة حسّيا الى العقل وينتهي دوره هنا، يلي ذلك بعد تخليق المواضيع المدركة في العقل يكون وسيلة العقل في التعبير عن مواضيعه التي تم ادراكها في وجوب التعبير عنها يكون هو الفكر واللغة ولا دخل ولا دور للوعي بذلك في تعالقه مع العقل ولا في تعالقه مع التعبير الفكري – اللغوي....وليس من مهام الوعي أدخال موضوعاته في ذاته الادراكية ولا قدرة له على ذلك لأن المواضيع ومعالجتها من أختصاص العقل حصرا وليس من مهام الوعي بها الذي يجانس عمل الحواس....الموضوع من مهام العقل وليس من مهام الوعي الادراكي له، الوعي لا يدرك الاشياء في الطبيعة ليحتفظ بها لنفسه بل يدركها بغية توصيلها للعقل ليمنحها تخليقها الجديد وتفسيرها والتعبير عنها بالفكر واللغة...والوعي تبقى مرجعية فاعليته هي العقل الذي لا يستطيع الوعي الانابة عنه. وعي الاشياء هي جزء من عمل العقل، كما تكون معطيات الحواس جزءا من عمل العقل ايضا. وبغير مرجعية العقل لا يبقى هناك أهمية تذكر لا للحواس ولا للوعي. ويبقى الوجود محتفظا بوجوده في الطبيعة فقط في غنى عن أدراك الحواس له والوعي الموضوعي له وتناول العقل تخليقه.

أما في تداخل الذات والموضوع في الوعي عند الانسان فأمر الادراك مختلف جدا وسيأتي توضيح هذا لاحقا، وعي الذات في أدراكها موضوعات وموجودات الاشياء في الطبيعة غير الانسان، أي في ذاتية الوعي غير المدركة والتي لا تدرك الا بموضوعها، فالوعي غير موجود من غير ملازمة موضوعه له لكن وجود المواضيع المستقل بالطبيعة لا يلزم عنه ملازمة الوعي لوجودها وأدراكها، واذا أستعرنا منهج الفينامينالوجيا فيكون الوعي قاصرا في أدراك الشيء بذاته، لأن الوعي الفينامينالوجي يدرك ظواهر الاشياء فقط رغم ادعاءات الفينامينالوجيا أنها فلسفة ماهيات وليس فلسفة وجود كما تذهب له الوجودية أنها فلسفة وجود أمام الفينامينالوجيا فلسفة الماهيات.

أن محاولة هارتمان جعل الوعي وجود مادي يجانس بادراكه الموجودات المادية في الطبيعة هي محاولة عقيمة فالوعي ليس عقلا ثانيا. والوعي يبقى وعيا مثاليا حتى في حال أدراكه المواضيع المادية التي لا تكسبه ماديتها هي بمقدار خلع الوعي مثاليته الصورية عليها في توصيلها كمدرك عقلي وبذا ينتهي دور الوعي.

الوعي الذاتي للاشياء يبقى وعيا مثاليا تجريديا غير مدرك موضوعيا مهمته نقل المدركات للعقل، والفكر واللغة هما اللذان يعطيان المدرك في الوعي عقليا ماديته أم مثاليته في تخارج معرفي بارتباطهما بالعقل، الوعي لا ينوب عن العقل في الادراك، كما أن الوعي لا ينوب عن الفكر واللغة في تعبير العقل عن الاشياء.

لماذا يبقى الوعي مثاليا في أدراكه موضوعاته المادية؟؟

من المهم التأكيد على أن الوعي يبقى مثاليا سواء أدرك موضوعاته المادية أو موضوعاته المثالية على السواء لأن الوعي اولا واخيرا وسيلة العقل في ادراك الوجود تجريديا وليس عقلا مستقلا ثانيا نتعامل معه على وفق تطويعه الاستجابة لمفاهيم الفلسفة.

الوعي المثالي لا يكتسب الصفة المادية في أدراكه الموجودات المادية في الطبيعة،لأن كل وجود مادي يسبق الادراك به ويظل محتفظا بصفاته المادية التي هي صفات ماهوية لا يستطيع حتى العقل في حال أمكانية ادراكها التلاعب بها او تغييرها، وأنما يكتفي العقل من خلال ادراكه الموجودات أعطائها تفسيرا وفهما جديدا لها، والفكر الصادر عن العقل حول الاشياء التي أدركها العقل يبقى هو الآخر عاجزا عن تغيير الموجودات الا بفعل صادر عن أرادة انسانية في وجوب تنفيذ توصيات العقل في وجوب وأهمية التغيير.

في مقولة هارتمان الذي يرى بها( أنه ليس هناك من وجود لا يكون موضوعا لذات) تعبير صائب ومقولة فلسفية في منتهى الدلالة بالنسبة لموجودات الطبيعة جميعها ما عدا الانسان. ولكن ليس بمعنى أن كل موضوع او موجود في الطبيعة ملزم بادراك الذات له لأن في ذلك أستحالة وجودية، فالذات تدرك من الاشياء في الطبيعة ما يقع ضمن اهتماماتها بها فقط وليست ملزمة أدراكها كل المواضيع في الطبيعة وعالم الموجودات في محيطها فهذا غير ممكن اطلاقا.، فألى يومنا هذا يوجد بما لايمكننا حصره من موجودات ومواضيع في الطبيعة لا تقع ضمن أهتمامات الانسان أدراكها لذا هي خارج الوعي بها كما لايحتاجها الانسان أدراكيا في حياته.

وميزة عبارة هارتمان في عدم وجود موضوع لا تدركه الذات. ميزتها الاكبر من حجمها أنها تنسف جميع آراء فلاسفة الميتافيزيقا والفينامينالوجيا باختلاف جوهري عن باقي المدركات لدى هوسرل، وتلتقي بماديتها مع الوجودية التي غالبا ما تمتح مفاهيمها الفلسفية من المادية الماركسية.

صحة وصواب مقولة هارتمان تماما كون الذات لا تكتسب قيمتها وحقيقتها الوجودية من غير وعي ادراكي يتوسطهما. أي وعي يتوسط الذات والموضوع.

أما في حالة وعي الذات لموضوعها الملازم لها الذي هو وجود الانسان، فهي ايضا مقولة صحيحة أمام مقولة كارل ياسبرز الوجودية الخاطئة قوله (أنني لا أتحول الى موضوع أمامي أنا نفسي) وحجة هارتمان الصائبة أنه يذهب في مقولته بالفقرة ثانيا التي أشرنا لها، تتلخص أن الانسان وعي ذاتي – موضوعي لوجود يدرك وعيه لذاتيته بنفس أدراكه وجوده كموضوع له بمعنى الانسان يعي ذاته كموضوع وذات معا وهي ميزة لا يتوفر عليها اي موجود في الطبيعة، فالانسان لا يمكننا التعامل معه أدراكيا بمنهج فينامينالوجي أي مظهر وجوهر، فهو ذات وموضوع يتبادلان الادراك في  مجانسة بيولوجية واحدة في أناه كوجود موحد. والانسان الذي نتعامل معه كذات هو نفسه موضوع لمدركه الذاتي في وعيه.

الوعي الانساني وعي ذاتي في أدراكه وجود الانسان كموضوع، ولا يستطيع الانسان كموضوع أن جاز لنا تجريده الافتراضي عن وعيه الذاتي أدراك وجوده المتعيّن بلا وعيه الذاتي الملازم لوجوده. بمعنى أن الانسان في الوقت الذي يكون فيه وعيا لموضوعه، فهو بالناتج والمحصلة الاخيرة أنما هو وعي يمارس وعيه ل(أناه) ولموضوعه كوجود جسدي بايولوجي يدركه ذاتيا، وهذا الادراك متجانس نوعيا بمشتركات وعيه من قبل أنسان من نوعه فقط. الانسان كونه يمتلك تمايزا فريدا ممثلا في وعي ذاته لأناه، ويستطيع أدراك ذاته له كموضوع أيضا. في حين لا يمتلك أيّا من كائنات الطبيعة وعيا ذاتيا يمكنه وعي وجوده الذاتي كي يعي وجوده كموضوع لذاته معا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.......................

الهوامش

1- أ.م. بوشنكي/الفلسفة المعاصرة في اوربا/ ترجمة د. عزت قرني/ سلسلة عالم المعرفة 165/ ص 278

2- نفس المصدر الصفحة ص 279

3- نفس المصدر ص 279

4- نفس المصدر ص 280

5- نفس المصر السابق ص 281

6- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

7- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

8- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

9- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

10- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

 

حاتم حميد محسنيُعتبر جون لوك (1634-1704) أحد اهم مفكري التنوير وعُرف بـ "ابو الليبرالية". هو فيلسوف وفيزيائي انجليزي، نظريته في الذهن جسدت اصل التصورات الحديثة للهوية والذات. رسالة جون لوك (رسالة تتعلق بالفهم الانساني، 1689) والتي جاءت في أربعة كتب تمثل فلسفة منهجية مفصلة للذهن والفكر. هذه الرسالة هي اول دفاع كبير عن التجريبية الحديثة وتهتم بتقرير حدود الفهم الانساني في نطاق واسع من المواضيع. انها تخبرنا بالتفصيل حول ما يمكن ان يدّعي المرء معرفته وما لا يمكن .

مشروع لوك كان الوصول الى حدود للفهم الانساني. قبل لوك حاول الفلاسفة ذلك لكن لوك نفذ هذه الخطة بتفصيل اكثر. في الكتب الاربعة للرسالة ينظر لوك في مصادر وطبيعة المعرفة الانسانية .الرسالة تصارع اسئلة اساسية حول الكيفية التي نفكر ونتصور بها وايضا الكيفية التي نعبّر بها عن انفسنا من خلال اللغة والمنطق والممارسات الدينية. في مقدمة الرسالة والتي جاءت تحت عنوان The Epistle to the Reader، يصف لوك الكيفية التي اصبح بها منخرطا في التفكير الفلسفي وبطريقته انذاك . هو يعرض قصة قصيرة ساخرة حول محادثة مع اصدقاء له جعلوه يدرك ان الانسان يعاني عادة اثناء سعيه للمعرفة بسبب فشله في تقرير حدود فهمه.

رفض الافكار القبلية

في الكتاب الاول يطرح لوك ثلاثة اهداف لخطته الفلسفية ليكتشف من اين تأتي افكارنا، وليمحص ماذا يعني امتلاكنا لهذه الافكار وماهي الفكرة الاساسية، وليفحص قضايا الايمان والرأي لكي نقرر كيف يجب علينا التحرك منطقيا عندما تكون معرفتنا محدودة. في هذا الكتاب يهاجم لوك المدارس الفلسفية السابقة مثل افلاطون وديكارت التي اكّدت على الايمان بالمعرفة القبلية الفطرية. هو يبدأ بمعارضة الفكرة باننا جميعنا ولدنا ومعنا معرفة بمبادئ اساسية معينة مثل الايمان بالمبادئ الفطرية وهي مبادئ معينة يتفق عليها عالميا جميع البشر. يجادل لوك، عكس ذلك، حيث لا وجود لمبادئ مقبولة حقا من جميع الناس. كذلك، اذا كان هناك بالفعل اتفاق عالمي حول شيء ما، فان هذا الاتفاق ربما الافضل ان يتم بطريقة اخرى غير المعرفة الفطرية. يعرض لوك جدالا آخرا ضد المعرفة الفطرية، معلنا ان الكائن البشري لايمكنه امتلاك افكار في ذهنه وهو غير واع بها، لذا لا يمكن القول ان الناس يحوزون على المبادئ الاساسية مالم يتم تعليمهم اياها او التفكير بها لأنفسهم. ولاتزال هناك حجة اخرى وهي انه بسبب ان الناس يختلفون كثيرا في افكارهم الاخلاقية، فان المعرفة الاخلاقية يجب ان لا تكون فطرية. اخيرا، يواجه لوك نظرية الافكار الفطرية على ضوء نظرية افلاطون في الأشكال ويجادل بان الافكار التي توصف عادة فطرية هي شديدة التعقيد ومربكة لدرجة تحتاج الى المزيد من الدراسة والفكر لإستيعاب معناها جيدا. وبالضد من الادّعاء بان الله هو فكرة فطرية، يرفض لوك ذلك مؤكدا ان الله ليست فكرة متفق عليها عالميا ولذلك فان وجوده لا يمكن ان يكون معرفة انسانية قبلية.

دوافع نقد الافكار القبلية

في الكتاب الاول لا يتحدث لوك كثيرا عن المؤيدين للمبادئ القبلية الذين يهاجمهم، ولهذا السبب اُتّهم لوك بانه يهاجم اناس وهميين او "رجال من قش". جون يولتن (Yolton، 1956) عرض رأيا مقنعا بانه كانت في انجلترا في القرن السابع عشر فكرة واسعة الانتشار وهي ان الافكار القبلية والمبادئ الفطرية هي ضرورية للاستقرار وللدين والاخلاق والقانون الطبيعي، ولهذا فان مهاجمة هذه الافكار تعني مهاجمة المواقع التي كانت مشغولة آنذاك واستمرت مشغولة بعد نشر رسالة لوك. ولهذا فان نقد لوك للمبادئ الفطرية ليس فقط نقدا وانما له ارتباط هام بمدارس فلسفية وفلاسفة معينين. يقول لوك ان عقيدة الافكار الفطرية حالما يتم القبول بها "ستريح الكسول من آلام وعناء البحث"وان عقيدة المبادئ الفطرية استعملها الاساتذة والمعلمين لينالوا السيطرة اللاشرعية على عقول طلابهم. كان في ذهن لوك اتجاه الارسطيين والمدرسيين في الجامعات(1). ولهذا فان هجوم لوك على المبادئ الفطرية مرتبط بمعارضته للسلطوية. انها تعبير عن رؤيته لأهمية التحقيق الحر والمستقل في البحث عن الحقيقة، فهذا حسب لوك هو افضل طريق للمعرفة والسعادة.

نقد فكرة الجوهر

بعد ان رفض لوك امكانية المعرفة الفطرية يبدأ في الكتاب الثاني ببيان من اين تأتي المعرفة. هو يقترح ان المعرفة تتشكل اما من افكار بسيطة او معقدة. الافكار البسيطة تتحد بطرق مختلفة لتشكل افكارا معقدة، ولذلك، فان الوحدات الاساسية للمعرفة هي الافكار البسيطة التي تأتي حصرا من خلال التجربة. هناك نوعان من التجربة يسمحان للفكرة البسيطة لتتكوّن في الذهن الانساني وهما الاحساس sensation وفيه يتحسس الذهن العالم الموجود خارج الجسم من خلال الحواس الخمسة، والنوع الثاني التفكير reflection وفيه يرتد الذهن للداخل مميزا افكارا حول وظائفه الخاصة مثل التفكير والرغبة والاعتقاد والشك.

يجادل لوك ان جميع العلوم باستثناء الرياضيات والاخلاق، وجميع تجاربنا اليومية هي عرضة للرأي او الحكم. أحكامنا نؤسسها على التشابه بين الافتراضات من تجاربنا وتجارب الاخرين.

في الكتاب الثاني يجادل لوك ضد فكرة الجواهر essences، وهو المفهوم الذي نال قبولا واسعا منذ ايام افلاطون. رأى افلاطون اننا نستطيع فقط تمييز الافراد كأعضاء من المخلوقات لأننا واعون بجوهر تلك المخلوقات – على سبيل المثال اننا نميز شجرة معينة كشجرة لأننا نفهم ما هي الشجرة في جوهرها. لوك يرى ان الجوهر غير موجود حقا ككينونة مثالية وهو ليس اكثر من تجريد. الافكار العامة نكوّنها حول الاشياء التي نلاحظها، والتي توجد حقا في العالم. الكائن البشري يقرر اي الاختلافات والتشابهات يستعمل ليفصل ويصنف اشياء معينة الى اصناف – هو يختار كيف يعرّف الاصناف بدلا من اكتشاف جوهر مخلوقات معينة. ورغم ان لوك انتقد فقط المفهوم التقليدي للجوهر، هو قرر تبنّي المفهوم في فلسفته الخاصة ثم الانتقال للتمييز بين الجوهر الحقيقي والجوهر الاسمي. الجوهر الاسمي هو مجموعة معينة من الخصائص المشاهدة نخلق منها افكارا عامة مطلقة. فمثلا، نحن نلاحظ التشابه بين عدة كلاب مختلفة، ومن هذه المشاهدات نكوّن فكرتنا عن ماهية الكلب. اما الجوهر الحقيقي هو بناء غير مرئي وترتيبات من الخلايا والذرات التي تسمح لتلك الخصائص الملاحظة لتكون ملاحظة في المقام الاول. فمثلا، لنعود الى حالة الكلاب، اذا كنا نستطيع ان نفهم تماما التراكيب البايولوجية والعمليات التي تجعل من الكلب كلب، سواء تلك التي تتضمن DNA او الاشياء الاخرى ايضا، عندئذ سنفهم الجوهر الحقيقي للكلاب. على خلاف الجوهر الاسمي، الجوهر الحقيقي له اساس في الواقع.

مشكلة اللغة

في الكتاب الثالث ينتقل لوك للنقاش حول اللغة مشيرا الى الضعف الطبيعي والاساءات العامة للّغة.يرى لوك ان الكلمات ترمز للافكار وهو يميز الكلمات طبقا لأصناف من الافكار التي عرضها في الكتاب الثاني. المشكلة الكبرى في الكلمات هي انها لاتعني مباشرة وبشكل واضح نفس الشيء لكل الناس. هذه المشكلة لها أربعة اسباب رئيسية:

1- الكلمة قد تتضمن فكرة معقدة جدا

2- الافكار التي ترمز لها الكلمات قد لا يكون لها معيار ثابت في اي مكان في الطبيعة لكي نحكم عليها بالضد.

3- المعيار الذي تشير اليه الافكار قد لا يمكن معرفته بسهولة.

4- معنى الكلمة وطبيعة الشيء الذي تشير اليه الكلمة قد لا يكونان بالضبط ذات الشيء.

لوك ايضا يحدد ست اساءات عامة للّغة:

1- الناس عادة يستعملون كلمات بدون معرفة ما تعنيه حقا

2- هم يستعملون كلمات بلا انسجام.

3- الناس ولأغراض معينة يجعلون العبارة غامضة من خلال استخدام كلمات قديمة لإستعمالات جديدة غير مألوفة او عبر إدخال عبارات جديدة دون اعطاء تعريف لها.

4- هم يعتقدون خطأ ان الكلمات تشير الى اشياء بدلا من افكار.

5- الناس يحاولون استعمال كلمات بشكل غير صحيح لكي يغيّروا معناها.

6- الناس يفترضون ان الآخرين يفهمون ما يقال لهم بينما القائلون هم في الحقيقة غير واضحين.

يقترح لوك اربعة علاجات لمواجهة النواقص الطبيعية واساءات اللغة:

1- لا تستخدم ابدا كلمات دون ان تكون لديك فكرة واضحة عما تعنيه.

2- حاول تمييز نفس المعنى للكلمات مثلما يفعل الآخرون لكي تستطيع الاتصال باستخدام مفردات مألوفة.

3- اذا كان هناك احتمال في ان معاني كلماتك ستكون غير واضحة، عليك ان تقوم بتعريفها .

4- إستعمل دائما كلماتك بانسجام وثبات.

نقد فكرة التصنيف

احدى القضايا المركزية في الكتاب الثالث هي مسألة التصنيف classification.ما هو الاساس في تقسيم الاشياء الى انواع ثم تنظيم هذه الانواع في نظام من المخلوقات؟ وفق التقاليد الارسطية التي يرفضها لوك، الخصائص الضرورية هي تلك الخصائص التي يجب ان يمتلكها الفرد لكي يوجد ويستمر في الوجود. هذا يتعارض مع الخصائص العرضية التي يمكن ان يحصل عليها الفرد ويفقدها مع بقاءه مستمرا في الوجود. هدف العلم الارسطي هو اكتشاف جوهر الانواع الطبيعية. الانواع يمكن ان تنظّم تراتبيا في نظام تصنيفي للمخلوقات. هذا التصنيف للعالم بواسطة انواع طبيعية سيكون متميزا ومفضلا لأنه وحده يتطابق مع تركيب العالم. لوك يرفض هذا التصنيف الاحادي للاشياء في الطبيعة الذي يجب اكتشافه من جانب فلاسفة الطبيعة. هو يؤمن بان هناك العديد من الطرق الممكنة لتصنيف العالم كل واحد منها قد يكون مفيدا اعتمادا على الغرض المنشود. هو يرى ان لا وجود لحدود ثابتة في الطبيعة ينبغي اكتشافها.

اما في الكتاب الرابع يعالج لوك طبيعة المعرفة ذاتها متسائلا عن ماهية المعرفة وفي اي مجال نستطيع الحصول عليها. يرى لوك ان المعرفة هي ما يستطيع الذهن تصوره من خلال توضيح الارتباط او عدم الارتباط بين اثنين او اكثر من افكارنا. بما ان المعرفة هي فقط حول العلاقات بين الافكار التي هي في الذهن، فان المعرفة التي نحن قادرين عليها هي في الحقيقة ليست معرفة عن العالم ذاته.

يميز لوك بين ثلاث درجات من المعرفة: البداهة، عندما نحن نتصور مباشرة الاتفاق او عدم الاتفاق لحظة فهم الافكار، والاثبات demonstration والذي يتطلب نوعا من البرهان، والمعرفة الحسية، والتي هي حول وجود العالم الخارجي والتي تصف العالم تماما كما نتصوره.

نقد و تحليل

استطاع جون لوك ان يحوّل تركيز الفلسفة في القرن السابع عشر من الميتافيزيقا الى اكثر المشاكل اساسية في الابستيمولوجي، وهي المشاكل المتعلقة بالكيفية التي يكون بها الناس قادرين على اكتساب المعرفة والفهم. يعالج لوك مختلف مظاهر الفهم الانساني ووظائف الذهن. ابداعه الملفت يتعلق برفضه فكرة المعرفة الفطرية . يؤكد لوك اننا ولدنا بصفحة بيضاء، واننا نستطيع معرفة ان الاشياء موجودة فقط عندما نمارسها اولاً. ان النموذج المعرفي الذي يقترحه لوك لا يخلو من العيوب. في تأكيده على ضرورة التجربة كشرط مسبق للمعرفة لوك يقلل من دور الذهن ولا يعالج بما يكفي لتوضيح الكيفية التي توجد بها المعرفة وتُحفظ في الذهن – بكلمة اخرى، كيف نتذكر المعرفة وماذا يحدث لمعرفتنا عندما لا نفكر حولها وتكون مؤقتة خارج وعينا. هو لم يوضح لنا كيف يعمل الذهن في تحويل التجارب الى معرفة وضم تجارب معينة مع معرفة اخرى لكي يصنف ويفسر معلومات المستقبل.

نقاش لوك حول الجوهر ربما مربك وملتبس لأن لوك ذاته غير مقتنع بوجود الجوهر. لوك ربما اختار هذا المفهوم لعدة اسباب:

1- هو يظن ان فكرة الجوهر ضرورية لخلق معنى للغة.

2- مفهوم الجوهر يحل مشكلة الاستمرارية من خلال التغيير. اي لو ان شجرة هي فقط مجموعة من الافكار مثل "طويلة" او "خضراء" او "ذات اوراق" ماذا يحدث عندما تكون الشجرة قصيرة او بلا اوراق؟ هل هذه المجموعة الجديدة من الخصائص تغيّر الجوهر من "شجرة" الى شيء جديد؟ وفق لوك، الجوهر يستمر اثناء التغيير، يبقى ذاته رغم التغير في خواص الشيء.

3- لوك يبدو اُجبر للقبول بفكرة الجوهر لكي يوضح ما يوحّد الافكار التي تحدث في وقت واحد، ليجعلها في شيء واحد متميز عن اي شيء آخر. الجوهر يساعد في توضيح هذه الوحدة رغم ان لوك ليس واضحا جدا في كيفية عمل هذا.

 

حاتم حميد محسن

.......................

المصادر:

1- An Essay concerning Human understanding, John Locke:SparkNotes philosophy

2- The Limits of Human understanding, Stranford Encyclopedia of philosophy

الهوامش

(1) كان اتجاه المبادئ الفطرية محل تركيز واهتمام فلسفي كبير في فترتين متباعدتين، في كل فترة كان يلمع صيته ثم سرعان ما يخفت وينحسر. في اليونان القديمة لعبت المبادئ الفطرية دورا هاما في فلسفة افلاطون لكنه استُبعد فيما بعد من النظام الارسطي الذي هيمن لاحقا على التفكير الفلسفي. ولكن في القرنين السابع عشر والثامن عشر انتعش الاتجاه مرة اخرى خاصة على يد ديكارت ونظريته في المعرفة، اما لوك فقد شن على الاتجاه هجوما حادا ومتواصلا وذلك في بداية رسالته المتعلقة بالفهم الانساني.

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: إن الحقيقة الصادمة التي يحاول قاريء أو دارس الفلسفة الوجودية، أجتنابها والتغاضي عنها، هي محاولة الانطلاق المسّبق الخاطيء أن الوجودية لا تلتقي مع الميتافيزيقا ولا تستقي مواضيعها بالتداخل الوثيق معها.ونستطيع التعبير عن هذا المعنى أن الوجودية ميتافيزيقا فلسفية أرضية تحمل مأزق وهموم الانسان في الحياة، وليست ميتافيزيقا تبحث عن مصير الانسان قبل وبعد الموت في السماء.

الفكر الفلسفي الوجودي عند أقطاب الوجودية المؤسسين لها منذ نهاية القرن التاسع عشر، والقرن العشرين هم سورين كيركارد. ومارسيل جبريل. وكارل ياسبرز، واخيرا كلا من مارتن هيدجر وجان بول سارتر، جميعهم فلاسفة ميتافيزيقيون بأمتياز لا ينكرونها هم على أنفسهم، فاذا سّلمنا أن كيركارد ومارسيل هما وجوديان لاهوتيان غير ملحدان، يعتمدان في فلسفاتهما مزج مباحثهما بالمنطلقات اللاهوتية المسيحية بهذا القدر أو ذاك، بخلافه نجد أستماتة كل من هيدجر وسارتر تبرئة أنفسهما من شبهة ميتافيزيقا الفلسفة رغم بداية مؤلفاتهما الفلسفية كانت تمتح من الميتافيزيقا بدءا من العنوان فالمتن والمنهج.

ورغم أعلانهما – هيدجر وسارتر – ألحادهما ومحاولتهما خاصة سارتر التمّسك بخلفيته المادية الماركسية لا شعوريا ألا أن الميتافيزيقا ليس بمفهومها اللاهوتي الديني الصرف، بقيت تلازمهما الاثنان معا ولم يستطيعا التخلص منها بسبب تداخل مواضيع الفلسفة الوجودية مع المواضيع الاثيرة في الميتافيزيقا مثل : الموت، الوجود، الحياة، المعنى ، المصير ، القلق، الفناء أو العدم ، الخلود، الحرية الخ الخ.

وكي لا نقع في التباس أن الوجودية ميتافيزيقية لا دينية او أنها مادية هيجلية أو ماركسية، أو هي تتوسط المذهبين الفلسفيين، نقول الوجودية كانت بداية تمفصلها التاريخي الحديث جاء مع أفكار سورين كيركارد الوجودية التصوفية - الميتافيزيقية، أما التمفصّل التاريخي للمادية المتقاطعة مع الميتافيزيقا عامة تماما أنما بدايتها كانت مع هيجل ومن بعده ماركس.

وهنا لا بد من أشارة سريعة على مؤسس الوجودية الميتافيزيقية الحديثة بلا منازع سورين كيركارد الذي كان تأثير خلفيته الدينية البرتستانتية التي عاشها بقسوة دراماتيكية مع الموت الذي أخذ جميع أفراد أسرته الاب والام والاخوات على التوالي ، وحين وجد كيركجارد على حد وصفه أن العقيدة المسيحية مليئة بالتناقضات الصارخة التي تتعارض مع العقل،أزدرى العقل بضراوة لأنه لا يستطيع البرهان اليقيني على قضايا ميتافيزيقا اللاهوت المسيحي، لذا أستبعد العقل وعمد الى وضع أسس فلسفة وجودية تكفر بالعقل وتؤمن بالدين بمفهومه اللاهوتي . وضع كيركجارد وجودية تمزج بين المادي والروحاني الصوفي في تعطيله فاعلية العقل أنحيازا للايمان باللاهوت.

من كل ما أشرنا له سريعا جدا يكون معنا لاغرابة أن تكون الميتافيزيقا متعالقة مع أقطاب فلاسفة الوجودية باستثناء سارتر والى حد ما كارل ياسبرز الذي كان يمتلك منحى خاصا به أيضا.

هيدجر والمصطلحات الوجودية الغريبة

ثمة تداخلات فلسفية غريبة في مفهوم هيدجر للوجود من حيث أستخدامه مصطلحات غير معتادة ولا مسبوقة قبله فلسفيا، وتلاعبه بتفسيرها، تفسيرا غامضا بما يخلعه على تلك التعبيرات والمصطلحات من غريب المعنى والمضامين والمحمولات التي هي أقرب الى نوع من الميتافيزيقا غير اللاهوتية والعدمية التي روّج لها نيتشة بقسوة، ولا يعرف القاريء ماذا يقصد هيدجر بهذه التقليعة من المصطلحات الغريبة منها هذه العبارات الفلسفية الوجودية - الميتافيزيقية المربكة للفهم والعصيّة على الاسلوب المنطقي الفلسفي والمنهج الواضح التي ندرجها لاحقا .يذهب دارسو هيدجر الى أنه فيلسوف أصيل بمعنى استقلالية أفكاره حتى داخل الفلسفة الوجودية ذاتها وتمتلك بصمة خاصة به ويصفه البعض ( أن هيدجر يسير في عرضه دائما على نحو منتظم شديد الانتظام، وأنما يأتي غموضه من المصطلحات غير المألوفة بل والغريبة التي أخترعها هيدجر أختراعا كي يعبر بها عن مفاهيمه، وقد اصبحت هذه المصطلحات مصدرا لالوان متعددة من سوء الفهم، وعلة التنّدر على فلسفته، خاصة من قبل الوضعيين المنطقيين).(1)، ومن هذه التعابيرالفلسفية الغريبة أخترنا:

- الموجود هناك أو الدزاين – يقصد الانسان – ليس له عمق، بل يأتي من جوف هاوية بلا نهاية من العدم.(2)

- ونهاية الموجود هناك هو الموت، وهي هاوية أخرى للعدم.(3)

- أن محض وجود الموجود هناك هو ركض نحو الموت الى العدم، وهو محمول بذاته في داخله نحو العدم.(4)

نترك التعليق على العبارات المبتسرة من جملة تعابير يمتليء بها كتاب هيدجر الاكثر شهرة (الوجود والزمان) الذي لن يضيف تعليقنا شيئا يستر عريّ العبارت التي لا تقول شيئا يمكننا معاملته بجدية ومناقشة تفيد القاريء حتى على الصعيد الفلسفي الميتافيزيقي علما أن تفسيرات العبارات المذكورة هي أكثر غرابة في شرحها وتفسيرها من قبل صاحبها هيدجر....وأستشهد بعبارات أخرى أخف غرابة في تناقضها لما سبق ولا تعطي توضيحا فلسفيا مقنعا منها أيضا أقواله التالية:

- ان الوجودية تفهم الذات بمعناها الخلاق، فالانسان يخلق نفسه بنفسه، أنه هو هو، حريته هو. وترفض الوجودية التمييز بين الذات والموضوع، وتقلل من قيمة المعرفة العقلية في ميدان الفلسفة، وعنده المعرفة الحقة لا تكتسب بوسيلة العقل، بل ينبغي التعامل مع الواقع.(5) علما أن بداهة التعامل مع الواقع أو غيره لا تتم بغير مرجعية العقل الثابتة حتى في مباحث الفلسفة ، وكل أجتهاد فلسفي أو معرفي ينتقد وينتقص من مرجعية العقل النظري والعملي هو ضرب من العبث الذي لا طائل من ورائه.

وأفضل رد أجد تثبيته واجبا ملحّا قبل مغادرتنا هذا الطرح الميتافيزيقي بأسم الوجودية، هو للفيلسوف الفنان والموسوعي الايطالي (كروتشة): (ليس هناك غير حقيقة واحدة هي العقل، وأن العالم هو العقل فيه تتحد الذات والموضوع، الفردي مع الكلّي، والعملي مع النظري، وهو التركيب القبلي المكوّن من كل التركيبات، أنه التطور الخالص اللانهائي، سر بالنسبة لنا، لا نستطيع فض أختامه).(6)

يعتبر هيدجر الوجود – في – العالم، هي ليست علاقة ذات مع موضوع، وأنما يتمّيز بالاحرى بذلك النحو من الوجود الذي هو ال(هم) (7).

التناقض التفسيري البادي لمصطلح هيدجر الوجود في العالم، الذي يشير الى ديناميكية فاعلة بين الذات والموضوع الذي هو الكلّية المجتمعية، نجده في دعوة هيدجر تركيزا على أهمية الانعزال عن تلك المجتمعية الكليّانية لأنها تحتوي الذات بسلبية منقادة وتصهرها في رتابة الحياة التي تقوم على أشباع الغرائز والحاجات البيولوجية بما يطلق عليه هيدجر نسيان الوجود. ويعتبر هيدجر ذلك هو السقوط في الناسّية اليومية الذي هو في حقيقته وجود اللاحقيقة أو الموجود الزائف الفاقد لتمايزه الوجودي الاصيل.

حسب فهمنا لعبارة هيدجرأن الوجود الاصيل لا يتحقق من غير التواجد خارج الكليّة المجتمعية بنفس وقت صنع حياته بنفسه في تنمية ذاتية مميزة في وعي الوجود والوصول الى أعلى مراتبها  في أمتلاكه كامل الحرية التي هي أختيار متحرر من كل وصاية خارجية عليه باستثناء أحساسه الوجودي بانسانيته كذات تعي حريتها المسؤولة تجاه الاخرين.

هيدجر ومفهوم الموجود هناك

يعتبر هيدجر الوجود هو(أغمض المفهومات على الاطلاق، والوجود ليس سببه المتواجد، أنما هو الوجود الذي يحدد المتواجد (الانسان هناك) أو الديزاين.)(8) وماهية الموجود هناك (الانسان): (ليس هو ما يحتويه ذلك الموجود، وانما ماهيته تقوم في كينونته المتعينة، والذي يفسر تلك الماهية هو دائما هذه الكينونة.)(9) والموجود هناك وقد ألقي به في العالم القاءا، أنما هو يظهر الخطيئة في هيئة الصمت القلق .(10). ومنهج فهم ماهية الوجود هناك هو الفينامينالوجيا أو منهج الظاهراتية وهو ما يظهر نفسه بنفسه، وليس ما تظهره المظاهر والاوهام المبتذلة)(11)

أن الظاهرات هي غيرها الصفات الظاهرة الواضحة البائنة خارجيا في أدراك المحسوسات لها بصفات خارجية تكون في مقاربة مشابهة مع الموجود بذاته في تعالقه المتخارج معها، وأما الظاهرات التي تنشأ من تبادل العلاقة التخارجية للشيء في وجوده المتفاعل ضمن علاقات عديدة مع الاشياء الاخرى(المواضيع) التي يرتبط بها وكذلك تأثيرات أشياء الطبيعة على تلك العلاقات المشّكلة للظاهريات في تعالقها مع الوعي.

أن الظاهراتية حسب هيدجر (هي ما يظهر نفسه بذاته)، بينما تكون الظواهر هي الصفات الخارجية المحسوسة او المدركة عن الاشياء الجامدة أو الثابتة في الطبيعة بلا وعي ولا أدراك ذاتي لها من حاملها كما هي عند الحيوان والنبات.

وفي هذا النوع من التفريق تكون الظواهر المدركة حسّيا ثابتة بالقياس الى عملية الادراك التي تطال كليهما أي الظواهر المتعالقة مع الوجود، والظاهرات غير المدركة من الآخرالتي تنشأ في علاقة الموجود مع أشياء الطبيعة وعالم الموجودات.

بعبارة أخرى الظاهرات هي ما يفصح عن الوجود في تعبيره عن أصالة حقيقية لذاته في وعيه الموضوع، وديناميكية تنموية للذات ملازمة على الدوام، وليس في أفصاح الصفات التي تخلع على (الموجود هناك) تمييزا من خارجه في ادراك المحسوسات والعقل لها، ويعبر هيدجر عن فهمه أصالة الماهية انها تقوم على..... (استخلاص المتواجد من العتمة ).

كيف يحقق (الموجود هناك) أصالته الوجودية؟

نستطيع القول بضوء بعض آراء هيدجر ألمجتزأة التي مررنا بها، أنه لكي يحقق الموجود هناك أصالته الوجودية الحقيقية عليه (أستخلاص تواجده من العتمة). في توفير أسباب أنسحابه وتخليصه منها، التي هي في مستوين من تخليق الوجود الواعي الحر للانسان هناك :

المستوى الاول: هو الانسحاب من العتمة أي من حالة اللاوجود الحقيقي حسب تعبير هيدجر، التي هي اللاوجود لما هو موجود، أي في نفي الموجود من العتمة أن يكون موجودا وجودا، وهذا الضياع لا يمّكن الموجود أن يكون في واقع يمتلك فيه الموجود هناك - أي الانسان - كامل حريته وأرادته في اختياراته واتخاذه قراراته، أذن من المتعذر أن يكون خلاص (الموجود هناك) بغير وجود يؤمن له حرية القرار في الاختيار كي يتمكن تحقيق وجوده الاصيل، وجود تكون فيه (الانا) في أعلى ممكنات الوعي الطموح والتمّيز، وأن معيار الوصول الى هذا الوجود النوعي، أنما يكون في الوعي ذاته المالك لاقصى طاقة من الحرية الانسانية المسؤولة والمسلوبة من الانسان في وجوده المغيّب الزائف في العتمة وضياعه في اللاوجود.

المستوى الثاني: يتم أيضا عبر الانسحاب من الوجود الناسّي، أي الانسحاب من الكليّة المجتمعية الزائفة(العتمة). كون الانسان موجود في عالم فاقد، وقائم على أستهلاك طاقاته الخلاقة من حيث فقده لوجوده الحقيقي في مجتمعية كليّانية لا تناسب طموحه في التحرر من سطوتها التي تمنعه من تحقيق ذاتيته الفاعلة التي يكابد في الوصول لتحقيقها الموجود بالخروج المتحرر من سجنه في الكلية المجتمعية الاستلابية التي هي العتمة أي اللاوجود.

طبعا هنا الانسحاب الذي يدعو له هيدجر، من الناسّية او الكليّة المجتمعية بمقدار الأمل الايجابي الكبير الذي يمكن تحققه أو/ لا، يرافقه حتما أغتراب سلبي زائف على مستوى أنعزال الفرد الطبيعي في عدم مجانسته الواقع الذي لا يمكن الا أن يكون خاضعا منقادا فيه الى تلك الكليّة التي تضمن له حياة تشبع له غرائزه وحاجاته في الحياة اليومية ربما يكون هو الموجود راضيا عنها ، ويكون خطأ قياس معياريتها فلسفيا بالفهم الوجودي الصادر عن الآخر أنها وجود أصيل أو زائف،وهذا لا يحدد أصالة الموجود من زيفه غير الشخص المعني وحده الانسان لأجل ذاته، واذا نحن استعرنا لفظة تعبير كولن ولسون فاللامنتمي الذي ينسحب من الكليّة الاجتماعية، والذي يطمح الخروج من حالة هذا الاغتراب الانعزالي الارادي الطوعي في عتمة ضياع الوجود الحقيقي، لتحقيقه موجود متمايز أصيل بعيدا عن أنغماسه في الكليّة المجتمعية الزائفة التي تهدر طاقاته في رتابة الحياة اليومية واشباع غرائزه وحاجاته الاستهلاكية،أنما يكون الاساس في الاختيار الناجح او الخطأ هو تقدير الموجود نفسه لحالته ولا أحدا غيره ينوب عنه.

أن تحقيق هذا النموذج من الوجود الانساني لا يكونه ويمّثله شخصا عاديا بمواصفات فكرية وثقافية محدودة، وأنما يشترط أن يكون الفرد اللامنمي وجوديا يمتلك مواصفات عالية من فهم الحياة بعمق وجدّية أكثر من اللازم والمطلوب المعتاد منه في أن يعيش الحياة بما يجده يؤمن رضاه عنها. وليس بما يريده الاخرون تحقيقه منه بمعيارية قياسية تقوم على المفهوم الفلسفي الوجودي أو غيره وليس من واقع الحياة ومجرياتها.

فالوجود الحقيقي يتحقق بالفعل المنغمس بالحياة وليس بالافكار المجردة التي تقوم على وصف المطلوب غير المتحقق أو الممكن...والوجود الحقيقي هو الوجود الذي يبني وعيه ذاتيا بقدرات ديناميكية مصدرها الفعل الواقعي المجتمعي وليس الفكر المجرد في وصف طريق الحياة بالكلمات.

الوجود الحقيقي هو فعل الانسان في المشاركة بصنع الحياة وليس باستهلاكها في أشباع غرائزه وحاجاته. والموجود الحقيقي لا يتحقق في وجود مفروض من خارج الموجود في صفاته البايولوجية من جهة، ولا في أختيار الذوبان في تفاهة الحياة المجتمعية الكليّانية التي عمادها أستنزاف حياة الموجود في تلبية وأشباع رغباته الاستهلاكية منها.

الموجود أو السقوط في الناسّية او المجتمعية الكلية الزائفة تجعل من الانسان الممّيز بمواصفات لا يمتلكها الآخرون رقما أفتراضيا غير نوعي تحتويه (القطيعية) التي يساق أفرادها خلف الوجود المجتمعي الاستهلاكي في تأمين الحاجات وأشباع الغرائز ضمن حياة تقوم على رتابة ممّلة لا يتمكن الانسان تحقيق وجوده الكامل فيها وبين ناسها التي تحكمهم جميعا استهلاكات الوجود البايولوجي اليومي في أدامة البقاء على قيد الحياة ومحاولة جني أكبر قدر من اللذة منها قبل أن يدرك الموجود هناك الفناء بالموت.

وهذا النوع من الوجود البوهيمي ترفضه الوجودية متجاهلة  بديهة أجتماعية هي أن ليس كل الناس أصحاب مباديء يضحّون من أجلها بالحياة الاستهلاكية والاستمتاع باللذة المتحققة.هذا في حال أفتراضنا أن أفكار وجودية الستينيات من القرن العشرين الفلسفية لا زالت صالحة تمتلك تخليص الحياة القهرية بالانتحارأو الاغتراب في عالم اليوم الأشد تعقيدا.

وتؤكد الوجودية ضرورة حصول الافراد على نوع من الوجود النوعي المائز، المعبّر عنه في أختيار واع متحرر يجد الفرد فيه حقوقه الانسانية ضمن مجتمع وكليّة مجتمعية متجانسة في طموحاتها نحو أمتلاك الحرية المسؤولة التي تخرج الفرد او الافراد من سجن الاحتواء ضمن الكليّة المجتمعية الزائفة التي تجعل من وعي الذات الوجودي الاصيل بحكم التمرد المشروع في الخروج على قوانين وضوابط الكليّة المجتمعية الاحتوائية الزائفة...حاجة ضرورية في خلاص الانسان من واقع الحياة القهري الى وجود يمتلك فيه حريته وأنفراده باتخاذ القرار الذي يناسبه وقدراته الثقافية والعلمية.

لكننا نجد من المفارقة أن الوجودية بهذا الفهم الستيني من القرن العشرين أنما رفعت شعار بوذا(أبحث عن خلاصك بنفسك) ليس بروحانية متسامية تعويضية في منح الانسان البوذي الصوفي او الموجود هناك الذي هو الانسان العادي أطمئنانا حقيقيا غير زائف يختلف كليّة عما تطلبه الوجودية من خلاص مادي في مجتمع أستهلاكي غارق بأعلى درجات الضغط النفسي والقلق وأنعدام الأمل والمصير اليائس بالحياة....

نقد هامشي

لنبدأ بمناقشة عبارة هيدجر التي سبق لنا ذكرها هي ( الانسان لا يملك وجوده لانه هو هو وجوده في حريته).

عند أمعان التأمل المفكّر بهذه العبارة نجدها تشي وتشف عن تثبيت عكس ما تريد نفيه، فالانسان لا يمتلك وجوده الحقيقي الا من خلال امتلاكه وعيه الحقيقي في أهمية امتلاكه لوجوده في الحرية، وهذا الوجود نوع من الكليّانية والكينونة المتكاملة الموحدة الواحدة، ولا يتحقق الموجود الحقيقي من دون أكتمال بايولوجي متحقق فيه هو أولا.

الكينونة الانسانية موجود حقيقي معطى للانسان في الوجود النوعي ضمن مكوّنات الطبيعة، والانسان لا يحاكم نفسه ذاتيا في حقيقة وجوده من غير أمتلاكه الوعي المسّبق لذلك الوجود الحر وما هي سلبياته وايجابياته .

كما أن الانسان في كينونته وكليّانته البيولوجية المتكاملة موجود لا يمكن تقسيمه الى موجود مادي تارة، ولا الى موجود سايكولوجي منفرد أخرى ، ولا الى موجود قيمي انساني أو أخلاقي تارة ثالثة. فالانسان الموجود هناك هو الذي يعي ذاته وكينونته الوجودية، يعيها في تكاملها البيولوجي الطبيعي قبل وعيه الوجودي الفلسفي الفكري التجريدي لها، سواء أكانت ضمن كليّة مجتمعية زائفة أو كليّة مجتمعية متجانسة في طموحها الوجودي الحقيقي في تحقيقها قيم الخير وتأمين العيش في متطلباته المادية وأن كانت في حقيقتها كليّة اجتماعية استلابية في أحتوائها الموجودات بسلبية استهلاكية للحياة.

أو كانت في عتمة عدمية من اللاوجود. وفي حال تسليمنا أن الانسان هناك حسب التعبير الهيدجري لا يملك وجوده لأنه هو هو وجوده في جميع ومختلف الاحوال، فمن يمتلك ويسلبه وجوده غيره أذن ؟ وبالنسبة لمن هو لا يمتلك وجوده الاصيل؟؟ وما معيارية تحديد وجوده الزائف في كليّة مجتمعية طبيعية أو زائفة ؟؟

لا يشترط أن يكون الزيف في المجتمع خاصة المحكوم بقوانين وضعية ديمقراطية عادلة هي مزيج من تأمين حقوق الانسان بالحياة الديمقراطية قبل أحتمالية أن يكون الخلل غير الطبيعي في أمتلاك الموجود الاسمى هو قصور في قدرات ومؤهلات الفرد المتجانس وليس المجتمع المدان.

الوجود الانساني الحقيقي لا يقاس بغيرمعيارية (الفعل) التنموي بوعي الذات وبنائها. والانسان فعل نوعي وجودي حيوي نامي قبل أن يكون كائنا أنطولوجيا لا يمتلك من أمر دنياه شيئا. والوعي الوجودي الديناميكي الذي يطالب به هيدجر، هو وعي يدرك صاحبه أهمية أمتلاكه لموجوده الحقيقي. عندما يكون هذا الموجود هناك هو سيرورة من التنمية التخليقية المتصاعدة كي يخلق الانسان نفسه بنفسه كما ترغب الوجودية في أدبياتها.

لذا لا يكفي الانسان المائز المتمّرد المنفرد الانسحاب من الكليّة المجتمعية التي هي الحياة المتوفرة له ولغيره بنفس المعايير والمعطيات الحقوقية الممنوحة، من غير أمتلاكه مؤهلات التمايز الذي يبنيها بقدرات ذاتية استثنائية تجعل من أعتزاله المجتمعي أمرا ناجحا ومحققا لأهدافه في تمايزه الادراكي النوعي لمعنى الحياة.

أي بعبارة أخرى الانسحاب من السقوط في الكليّة المجتمعية لا تفيد أفرادا لا يمتلكون المؤهلات الاستثنائية في تشكيل وجودهم والتأثير بالمجتمع.، بل تفيد أو/ لا تفيد سوى الافراد الذين يمتلكون وعيا حقيقيا عميقا في معنى الوجود ومعنى الحياة.بمعنى الموجود الذي يحقق تواجده الحقيقي أنما هو موجود نوعي وليس موجود مجتمعي لا أرادة ولا وعي متحرر يهديه.

جميع أبطال روايات وأعمال سارتر المسرحية هم أفراد متشيؤون يريدون فهم الحياة بجدية أكثرمن اللازم وعمق نقدي جوهري نافذ لما تحتاجه الحياة منه، لذا يكون سقوطهم المحتوم في لا معنى الحياة ضرورة وجودية في حياتهم كي يتطابق لامعنى الحياة في الوجودية مع الواقع الحتمي المفزع الذي طالما حاول الانسان الهرب من مواجهته واستحقاقاته.

وبحسب تعبير سارتر أن الوجود الحقيقي المتمايز لا يتحقق الا ضمن فاعلية من التنمية في تخليق الانسان لوجوده الموجود وبناء نفسه في وتيرة متصاعدة من السيرورة في الحياة. وفي أمتلاكه كامل حريته لأنها أساس كل أختيارناضج صحيح يكون معيارا حقيقيا لأصالة الموجود...وهذا ما لا يتوفر عليه وجود الانسان بداية القرن الواحد والعشرين وربما قبله بما لايقل عن نصف قرن، وربما تكون هذه الافكارالوجودية في الستينيات من القرن العشرين مسلمّات حياتية وجودية تمتلك من الصواب الكثيرفي أعقاب حربين عالميتين. .لكنها اليوم فقدت بريقها تماما.فمبحث الوجود وأن كان منذ نشأة الفلسفة مبحثا مركزيا ومحوريا تتفرع عنه سائر فروع مباحث الفلسفة في المعارف والقيم، الا أنه كمفهوم فلسفي أختلفت رؤى النظر له وتباين منطلقات معالجته ومحاولة فهمه.

مباحث الفلسفة اليوم تختلف جذريا عن مباحث الفلسفة منذ القرن السادس ق.م. وصولا القرن العشرين الفائت، ولا يكفي باحثي تاريخ الفلسفة من العرب اليوم وسط هذا التقدم العلمي والمعرفي الهائل أن يكون عرضهم لافكار فلسفية عمرها عشرات او مئات من القرون على أنها وجهات نظر فلسفية لا تزال تحمل مقومات فاعليتها ولم يتمكن العلم ولا فتوحات المعرفة والفلسفات الحديثة والمعاصرة دحضها...بموجز عبارة بعيدا عن الاملائية نحن بحاجة الى نقد فلسفي وليس لعروض فلسفية.

وممارسة الموجود للحرية هي ألزام والتزام بمسؤولية وعي الذات لانسانيتها، لذا فالحرية هي وعي وجودي يمارسه الانسان بامتلاء ذاتي والتزام أنساني، وهذا لا يتوفر في كينونة فردية لا تمتلك وعي وجودها في ذاتية متداخلة في وجود مجتمعي مع عالم يمور بالحياة في متنوعاتها الاستهلاكية اللذائذية.أي سقوط الموجود هناك في الناسية المستلبة لطاقاته ولا يمكن أن يكون بمؤهلات تمّكنه بناء وعيه الذاتي الحقيقي بالحياة.وهذا النوع من الحياة لا يرفضه ولا يرضاه سوى الموجود الانسان وحده.

في عبارة اخرى لهيدجر أستوقفني التعليق عليها قوله ( الانسان ذاتية خالصة، وليست مظهرا أو تجسيدا لتيار حيوي أشمل منه هو التيار الكوني)(12)

أنه لمن المهم أعتبارالموجود الحقيقي في المدرك الزمني له مجتمعيا، هو المعيار الانساني في سعيه تحقيق تنمية أنسانية تحمل كل فضائل الحياة ، وقدر الموجود الانساني الحقيقي أن لا يكون ضمن تجانس محيطي مجتمعي أو غير متجانس مع تطلعاته في التنمية الوجودية. الموجود الانساني في الطبيعة والمجتمع هو كينونة مدركة في متعيّن زماني وجودي مدرك غير مفارق لطبيعته. ويصفه هيدجر بالموجود هناك، الذي هو وجود مع، وجود بالاشتراك مع(هم).

وأدراك الكينونة الانسانية أو بعضها من تكويناتها الماهوية من خلال أفتراض تعطيل الزمن ألادراكي الذي يحكم قوانين الطبيعة شاملة هو نفس الزمن الذي يحدس الوجود الكوني من غير وجود أنساني مائز متفرد فيه. الطبيعة والوجود والزمان والادراك وغيرها من مفردات فلسفية لاقيمة حقيقية  لها في حياة الانسان من دون أعتماد مركزية الانسان ومعاناته كمحور أرتكاز في أيجاد وجود جمعي مثمر وهادف، في فهم الحياة والوجود الانساني النموذجي.وتضحية فرد لا تضمن ولا تقود بالضرورة أنقاذ مجتمع، لكن تضحية مجتمع ضمانة أكيدة لتوفير حياة يرضاها الجميع كأفراد.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................

الهوامش

1- ا.م.بوشنسكي/الفلسفة المعاصرة في اوربا/ت. عزت قرني/ سلسلة عالم المعرفة، ع165/ص 218

2- المصر السابق ص 216

3- المصدر السابق ص 216

4- المصدر السابق ص 217

5- المصدر السابق ص 117

6- المصدر السابق ص 220

7-المصدر السابق ص 219

8- المصدر السابق ص 218

9- المصدر السابق ص 221

10- المصدر السابق ص 224

11- المصدر السابق ص 219

12- المصدر السابق ص 221

 

 

زهير الخويلديتمهيد: عديدة هي الإحراجات والمشاكل العملية التي تطرحها المسائل النظرية سواء في المسالة السياسية وما تفتح عليه من اغتراب سياسي ومن فساد يجعل المواطنة مجرد فكرة صورية أو مثال أعلى يُشرَّع له قانونيا، في مقابل ممارسة سياسية تحول المواطن إلى مستهلك وتجعل الدولة تستبد بالسيادة فتقضي على المواطنة كما يتم الاعتداء على السيادة في واقع العولمة الموجهة من قبل القوى الامبريالية في العالم.

كل هذه المصاعب هي بمثابة ورطات ووضعيات حدية تجعل الفلسفة الأخلاقية في زمن العولمة ضرورة وجودية إذا ما رام الإنسان الحفاظ على إنسانيته وتحقيق كونية أصيلة تصالح بينه وذاته والآخر والعالم في فضاء مشترك شهد تسارع نسق التواصل الذي كشف هو الآخر عن احتياجه إلى إيتيقا تصالحية ترتقي بالمرء من مجرد كائن اتصالي إلى أن يكون كائن تواصلي بامتياز.

من البين إذن أهمية الأخلاق في المجتمع البشري إذ يؤدي فقدان الأخلاق الطيبة إلى الأمراض الجسدية والنفسية واعتلال الصحة والجهل بالمصير وصعوبة تحمل نوائب الدهر؛ ولذلك استحق الكائن العامل الوحيد لقب الإنسان بما يحمله من خلق يعبر به إرادته وحريته ومسؤوليته.

على هذا النحو تبدو فضائل الأخلاق من الأركان الأساسية لسعادة البشر وتكامله المادي ورقيه المعنوي.وإن الوجود اليومي للإنسان يعلن الحاجة الملحة لاستعادة الفلسفة الأكسيولوجية، وقد نتج عن ذلك ازدياد الطلب على الأخلاق بشكل متزايدا خاصة في ظل غيابها في ساحة المجتمع.

لكن المفارقات تظهر حينما تطرح الأسئلة التالية: ما المقصود بالأخلاق؟ وماهو مفهوم الخير؟ وكيف يمكن تعريف السعادة؟ أليست السعادة هي الخير الأسمى؟ وألا تتناقض الخيرات الجزئية مثل الشهرة والثروة والصحة والسلطة والنجاح مع السعادة كغاية في حد ذاته؟ ومتى يكون الفعل خيرا؟ ومتى يكون شرا؟ ماهي شروط انجاز الفعل الخير؟ وهل يحقق عمل الخير السعادة الإنسانية؟

الإنسان مدني بالضرورة ويحتاج إلى الأخلاق الفاضلة والاهتداء بنور القيم وتوجيهية المعايير لأن تدنيس المقدسات والرضا بحالة الفراغ والعدمية يؤدي إلى الضياع والحيرة والظلال في العالم والتصادم مع الآخر والإساءة إلى الذات والى الطبيعة .

1- من الأخلاق إلى الإيتيقا:

بادئ ذو بدء ينبغي أن نبين أن مفهوما الأخلاق Morale والإيتيقا Éthique متداخلان إلى حد كبير وقد يعنيان نفس الشيء وهما متماثلان في الفلسفة القديمة والحديثة.

ولكن بداية من الفلسفة المعاصرة وجدت العديد من المبررات التي تستوجب الفصل بينهما وظهرت عدة أنماط من التفلسف الأكسيولوجي التي تحاول رسم الحدود الفاصلة بينهما. هناك اختلاف بين مفهوم الايتيقا ومفهوم الأخلاق. فالايتيقا هي التسليم بجملة من المبادئ أو الأوامر المحددة لكيفية التعامل بين الأفراد، وحسن تدبير شؤون الحياة وهي أساسا وضع قواعد الأفعال. والأخلاق هي مجموع الأوامر السائدة في عصر ما أو مجتمع من أجل الاقتداء بها.

لقد ميز ريكور الأخلاق تتمثل في القانون أو الواجب بما هو صيغة كونية مطلقة صورية ويلزم أفعالنا وتكمن قيمته في ذاته ولا يأخذ بعين الاعتبار اندراج الفعل في سياق التجربة الإنسانية. أما الأيتيقا فهي تفكير وزاوية في مقاربة الإشكاليات الفلسفية تستهدف "الحياة الجيدة الخيرة مع الآخر ومن أجله في مؤسسات عادلة" أي هي النظر في غايات الوجود الإنساني ضمن الذاتية الحية للأفراد بما هي ذاتية منغرسة في المعيش وتتساءل عن القيم مثلما تبدعها الذات ونحياها "الآن وهنا". ولكن تقدير الذات لذاتها لا ينفصل عن العناية بالآخر ولا يكتمل إلاّ بإقامة نوع من "العيش معا" إلى حد الحميمية يتجلى في قيمة الصداقة. على هذا النحو إن كلمة إيتيقا Ethique الفرنسية من أصل يوناني، وتعني البحث عن نسق من المبادئ يهدف إلى وجود بشري خير وسعيد، في حين أن كلمة أخلاق Morale الفرنسية من أصل لاتيني، وتتحدد كنظرية في الإلزام، نظرية في القانون والواجب الأخلاقي باعتباره قانونا لامشروطا وكونيا. ويجب أن نلاحظ أن الإيتيقا تشهد اليوم أكثر حظوة في مقابل احتشام الاهتمام بالأخلاق. والإيتيقا اليوم تفيد عموما النظرية العقلانية حول الفعل والحياة الخيرة وبالتالي تتمثل في دراسة مشاكل القيم التي تطرحها مسائل المحيط (إتيقا المحيط) والممارسات الطبية (البيوايتيقا)... ذلك أن القانون الأخلاقي والـجبر الأخلاقي يشهد اليوم تراجعا أمام الحياة الخيرة. ومن هذا المنطلق يبدو من المشروع بالنسبة إلينا أن نطرح المشكل الإيتيقي الذي يتعلق بالخير والسعادة وإذا كان الخير الأسمى هو المطلب الأساسي في الفعل الأخلاقي. لكن فيما يتمثل هذا الخير؟ هل في الواجب أم في السعادة؟ وما هي طبيعة العلاقة بين الخير والواجب والسعادة؟

2- الأخلاق بين الخير والمنفعة:

الخير عموما هو أن يجد كل شيء كمالاته اللائقة به بينما الشر هو فقدان ذلك. ومفهوم الخير هو الأساس الذي تبنى عليه مفاهيم الأخلاق كلها لأنه القياس الذي نحكم به على قيمة أفعالنا في الماضي والحاضر والمستقبل. أما الخير الأسمى المطلق فهو الذي يكون مرغوبا فيه من قبل كل إنسان بينما الخير النسبي هو الذي يكون خيرا عند بعضهم وشرا عند بعضهم الآخر.

يقول ابن سينا: "الخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجوده...وقد يقال أيضا خيرا لما كان نافعا ومفيدا لكمالات الأشياء" ويقول ديكارت: "الخير الأسمى هو بالتأكيد الشيء الذي نضعه هدفا لكل أعمالنا والانبساط الروحي المتولد عنه والذي نسعى إليه هو غايتنا"

وينقسم الخير عند كانط إلى خير طبيعي محسوس وخير خلقي معقول وهذا الأخير هو الخير الأعظم والأسمى ويعنى عند بعض الفلاسفة الوجود الذي ليس لذاته حد ولا لكماله نهاية لأنه خير لذاته وبذاته.

"يبدأ تاريخ الطبيعة بالخير لأنها من صنع الإله ويبدأ تاريخ الحرية بالشر لأنها من صنع الإنسان" كانط

" لقد منح الله الإنسان الحرية لكي يفعل الخير والضمير لكي يريده والعقل لكي يختاره" روسو

الخير هو شيء أو حالة مرغوبة، ممتعة، أو ما يُعتبر من الناحية الأخلاقية أفضل من شيء آخر أو من حالة أخرى. والخير هو نقيض الشر أيضا. يُعرف الشيء الخيّر أو حالة الخير دائما بشكل نسبي لأشياء أو لحالات أخرى، وتعريفه هو دائما شخصي ذاتي متعلق بسياق الزمان والمكان والعلاقات بين البشر.

الخير كشيء ممتع عند الأبيقوريين وما يثير الإحساس بالمتعة أو بالرضا لدى البشر، والخير كمجد وشهرة والنجاح، وهناك تعريف ثالث للخير يقوم على الجدوى والمنفعة وما يعود بالفائدة على الإنسان. وكان جيرمي بنتهام قد عرّف المجدي على أنه ما يعود بالسعادة الكبيرة للعدد الأكبر" من الناس. من هذا المنطلق " يتفطن الإنسان بعد أن أمضى حياته في البحث عن الحقيقة أنه كان من الأفضل لو استغلها في فعل الخير" هنري برجسن. لكن كيف تجمع الأخلاق بين تحصيل السعادة والحياة الفاضلة؟

3- الأخلاق بين الفضيلة والسعادة:

السعادة لا تنتج عن اللذة بل إلى قبول الحادث باعتباره تعبيراً عن النظام. والخير هو الفضيلة وهي تعبير عن انسجام داخلي يتوحد مع انسجام العالم الكلي. وبالتالي ان السعادة نتيجة للفضيلة، والفضيلة كائن حي، فهي من حيث الماهية بالفكر تكون الرصانة العقلية والتروي والتحلي بالحكمة العملية.

ولكن في ربط مفهوم الخير والسعادة نتحدث عن أن الاتيقا حسب أرسطو " تعتبر الإيتيقا بالنسبة إليه معرفة متعلقة بالفعل، وترتبط بالخير الأسمى الذي يمثل غاية كل فعل إنساني، والخير الأسمى هو السعادة، وهكذا فإن السعادة عند أرسطو تتمثل في فعل عقلي يتحدد في التأمل كنشاط عقلي، الذي يتماهى والفضيلة." وعند كانط نتحدث عن الأخلاق " يعتبر كانط أن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يقوم بالواجب من أجل الواجب ."قلنا أن الأخلاق تهدف الى الخير لذلك نحاول تحديد العلاقة بين الخير والسعادة.

هكذا تكون السعادة هي الخير الأقصى فليس يفضلها شيء آخر يمكن أن يناله الإنسان فكل ما عداها هو وسيلة لبلوغ السعادة. ومن الطبيعي أن تكون الغاية القصوى من التفلسف هي تحقيق السعادة. لكن عند الرواقيين السعادة ليست فردية ولا يمكن لها أن تكون كذلك بل هي جماعية، فالاجتماع الإنساني هو بحد ذاته موافق للطبيعة وهو صادر عن امتداد التعاطف إلى خارج نطاقها.

خاتمة نقدية:

تبدو السعادة في المعنى الأول هي الخير الأسمى والغاية المطلقة التي تطلب لذلتها وينال الإنسان من ورائها الرضا الروحي والغبطة السرمدية والنعيم الدنيوي، غير أن المجتمع الاستهلاكي في عصر العولمة قد جعل السعادة رهينة التمتع بحياة الوفرة والرفاه في معنى ثاني تتناقض مع الخير، وبالتالي ان ما يعتبر السعادة مثال أعلى، بالنسبة للنفعية، هو كونها مقصودة وفق إستراتيجيا جماعية وكونها ترتكز على الاعتقاد في التقدم التقني والاقتصادي. ذلك أن تفاؤل الفلاسفة البراغماتيين جعلهم يربطون السعادة بتطور المعرفة والذكاء الإنساني والإقبال على الحياة والاهتمام بإشباع الرغبات والاعتناء بالجسد، وهو ما يؤكد أن السعادة هي أساسا مثال أعلى، فكرة، شيء علينا تحقيقه لا فقط بالنسبة للأفراد بل لكل الناس، ومن هنا بالذات يحصل الانزلاق الذي يجعلنا نتحول من الإنسانية إلى النفعية كما تجلت عند بنتام وميل، ثم إلى المادية الصرفة والفردانية التي غدت فيها السعادة اليوم مرادفة للرفاه.

فأن نعتبر الخير كمجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها، وأن يبحث كل فرد عن أكثر لذة وأقل عناء، هو أن نعتبر سعادة الفرد جزءا من الرفاهة العامة. ذلك أن النفعية تتحدث عن السعادة في المستوى الاجتماعي، وبالتالي السعادة لكل الناس رغم كونها تختزل الخير في النافع وبالتالي تتماهى السعادة مع الرفاه في المجتمعات الاستهلاكية. لكن الفردانية ليست فقط واقع ولكنها أيضا مثال أعلى، وإتباع حاجات الفرد كعنصر في المجتمع ليست فقط أمرا مقترحا بل يقدم كخير مطلق. فالمجتمع الاستهلاكي ليس فقط مادي، وذو نزعة مادية لأنه يكرس خطابا يسعى من خلاله لإقناع كلّ الأفراد، بل انه مثالي بطريقته، بما انه يقدم الرفاه كمثال أعلى، رفاه فردي ولكن رفاه فردي لكلّ الناس. وخطاب السوق هذا، ككل خطاب أيديولوجي، يزعم انه يقدم أجوبة لكل التساؤلات. وحول السؤال الذي قد يطرحه كلّ واحد منا: ما السعادة؟ يجيب يجتمع مجتمع السوق بدلا عنا. وإجابة المجتمع الاستهلاكي تقدم لنا مثالي السعادة كرفاه، وبهذه الكيفية يكون لكلّ الناس نفس مثالي السعادة. والمجتمع الاستهلاكي الذي يدفعنا للفردانية، يدفعنا جميعا كالقطيع، وهذا النوع من الفردانية ليس مرادفا بالضرورة للتسيير الذاتي وللحرية. أليس مذهب السعادة هو الذي يجعل الغبطة هي السعادة القصوى التي يشعر فيها المرء بالرضا الروحي ونعيم التأمل والنظر؟ فهل تحصيل السعادة أمرا ممكن؟ وهل نطلبها من اجل ذاتها أم من اجل أشياء أخرى؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

محمود محمد عليتعد العلاقة بين الفكر السياسي والفلسفة السياسية، علاقة عموم وخصوص مطلق ؛ بمعني أن كل فلسفة سياسية تعتبر نوعاً من الفكر السياسي، ولكن ليس كل فكر سياسي يعد فلسفة سياسية بالضرورة ؛ فقد يتجلى الفكر السياسي على صورة كلام سياسي أو نظرية سياسية أو حتّى فقه سياسي.

تعنى الفلسفة السياسية للأسس الفكرية بأسلوب انتزاعي بمباحث من قبيل: غاية الحكومة، وأدواتها، والعدالة، والحرية، والسلطة، والمشروعية، والسيادة، والعلاقة بين الفرد والحكومة. والفلسفة السياسية خلافاً للفكر السياسي لا ترمي إلي إحلال المعرفة محل الظن، ونظرًا إلي ما تقوم عليه من أسس عقلية فهي غير محدودة بزمان ومكان خاصين. والفلسفة السياسية بشرية المنحى تماماً، أما الفقه السياسي، فهو مجموعة المباحث الحقوقية التي تطرح تحت عناوين سياسية، وحقوق أساسية، وحقوق دولية؛ فالفقه السياسي بمعناه العام، هو عبارة عن جميع الإجابات التي يقدّمها الفقه عن المسائل السياسية، والحقوق الأساسية، والحقوق الدولية.

إذن الفكر السياسي أشمل من الفلسفة السياسية ومن الفقه السياسي؛ ويمكن القول بعبارة أخرى، أن الفكر السياسي الإسلامي، يشمل مباحث الفقه السياسي، والفلسفة السياسية، ولكن هل يمكن وصف الفلسفة السياسية، ذات الخصائص المذكورة أعلاه، بصفة الإسلامية أو لا ؟.

إن عملية تعريف الفكر السياسي الإسلامي، ليس عملية موضوعية بشكل مطلق، فهو كغيره من الحقول المعرفية الاجتماعية، يصعب تحديده، وضبطه، اسمًا ومسمي، ضبطاً جامعًا مانعًا، نظراً لما يكتنف هذا التعريف من صعوبات، يضاف لهذا أن علوم الأمة بحكم علاقتها التكاملية، تتأبى على وضع الفواصل القاطعة، والجامعة بصورة يصعب معها الادعاء باستئثار علم معين، واختصاصه بموضوع معين بشكل مطلق، وإذا كان الفكر لا بد له من مفكرين، فإن كثيرًا من شوامخ الفكر السياسي الإسلامي، كانت لهم إبداعاتهم، وريادتهم في علوم أخرى بصورة يصعب أن نشدهم إلي هذا الحقل ونخصهم به، فقد كانوا دائمًا يوصفون بالفلاسفة، والفقهاء، والمحدثين.

ويستدعي هذا ضرورة ضبط العلاقة بين مفهومي الشرع والفقه، وبين مفهوم الفكر عامة، والفكر السياسي خاصة، لما لذلك من أثر على تحديد حقل الفكر السياسي الإسلامي ضيقًا واتساعًا.

إن الفكر السياسي الإسلامي يمكن تعريفه، بأنه ذلك النشاط العقلي الذي يضم الآراء، والمبادئ، والأفكار لمجموعة بشرية معينة همالمسلمين، منذ أن نشأ لهم مجتمع سياسي، وتكونت للإسلام دولة منذ عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى عصرنا الحالي، بما يعني أن هذا الفكر له مراحله، ولهتاريخيشمل هذه المراحل ويضم الكتابات حول الأفكار، والمبادئ، والنظريات التي تخص حياة وأهداف المسلمين السياسية، والقواعد التي تحكم، وتنظم، وما يطلق عليه سياسي، ويخص المسلمينكأمةومجتمع سياسي.

والفكر السياسي ينطوي على حقل معرفي، له دلالات معرفية، هي خلاصة مفهوم مركب من ثلاثة مفاهيم فرعية: الموصوف وهوالفكر، والصفتان  لهالسياسيوالإسلامي، وكل مفهوم منها تختلف تعريفاته، بقدر ما تتشابه، وتتنافر بقدر ما تتجاذب .

وفي اعتقادي أن الفكر السياسي الإسلامي قد مر ابستمولوجيا (معرفيًا) بثلاث مراحل: المرحلة الوصفية، ثم المرحلة التجريبية، وأخيرًا المرحلة الاستنباطية. وهذه المراحل الثلاث التي اهتم بها الفكر السياسي الإسلامي، ترتبط ارتباطًا عضويًا بمراحل تطورية تناظرها في المنهج، أو المناهج المستخدمة في الفكر نفسه .

ويترتب على هذا المبدأ المعرفي أننا لا نستطيع أن نحدد – كما يحلو لبعض العلماء وفلاسفة العلم – منهجًا بعينه لفكر بعينه – حتي ولو كان ذلك في مرحلة بعينها من مراحل تطور الفكر، اللهم إلا إذا كنا بصدد التأريخ للفكر الذي نتحدث عنه. والسبب في ذلك أن أهم عنصر يتدخل في تشكيل هيكل، أو بنية الفكر هو المنهج المستخدم في بناء الفكر نفسه. ولكن المنهج الذي يعمل على إضفاء بنية جديدة للفكر، هو بالضرورة غير المنهج الذي تعارف جمهرة المفكرين على استخدامه. ويترتب على ذلك أن " فصل المقال في المنهج عن المقال في الفكر في أية مرحلة من مراحل تطور الفكر، هو دعوة إلي إعمال العقل، وباختصار فإن هذا يعني وضع الفكر داخل "سجن" الهيكل، أو البنية التي اكتسبها في المرحلة التي تم فيها عزل المنهج عن السياق التاريخي التطوري للفكر" (وذلك علي حسب رؤية أستاذنا الدكتور حسن عبد الحميد في أطروحته عن التفسير الابستمولوجي لنشأة العلم) .

أولاً: المرحلة الوصفية:

وأهم ما تتميز به المرحلة الوصفية، والتي هي المرحلة الأولي في تاريخ كل علم أو فكر، هو كونها مرحلة التراكم المعرفي الأولي، الذي تنطلق منه في بناء العلم. والعمل العلمي الأساسي في هذه المرحلة هو عمل تصنيفي. فالتعامل " مع الظواهر الجزئية التي لا تنتهي لا يمكن أن يتوقف إلا إذا قام العلماء بتصنيف هذه الظواهر داخل فئات مبدئية أو فرعية، حتي ولو لم تكن نهائية، بحيث يسهل التعامل معها مستقبلًا" .

وهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى للفكر السياسي الإسلامي في نشوئه وبداياته، هي تمثل " نوع الممارسة اليومية التلقائية التي يغلب عليها الطابع الايديولوجي، وهذه الممارسة قائمة على الإدراك الحسي المباشر الذي لا يتطلب أي نوع من أنواع الاستدلال، ولا يقتضي استصدار أحكام من أي نوع، فهي مرحلة لم تصل بعد إلي الصياغة النظرية للقواعد الأساسية. وبالتالي المرحلة الوصفية تعد مجرد مرحلة قاصرة على جمع البيانات عن كل الحالات الجزئية موضوع دراسة العلم، كما تعد أيضًا قاصرة على محاولة احصاء، ووصف، وتصنيف البيانات نفسها" .

وقد اتخذت المرحلة الوصفية صورًا وأشكالًا مختلفة بوصفها المرحلة الأولي في نشأة الفكر السياسي الإسلامي، ونستطيع أن نتلمس أحد أشكالها الأقل أهمية بالنسبة لموضوعنا في القرآن الكريم نفسه؛ وبالذات في هذا الوصف المفصل لحياة الأمم السابقة على الأمة العربية ولأحوالها وطرائق أنظمتها السياسية؛ فلقد اعتمد الفكر السياسي الإسلامي في أولي مراحل تكوينه وفي حياة الرسول نفسه (صلوات الله عليه) على " استعارة" بعض الأحكام الفقهية من العرف القانوني والسياسي الذي كان معمولا به قبل الإسلام ، وذلك بجوار مجموعة الأحكام التي جاء بها القرآن ونصت عليه السنة الصحيحة .

فالثابت تاريخيًا أنه كان للعرب قبل الإسلام عرف قانوني وسياسي يحتكمون إليه حين يختلفون، ولم يكن هذا العرف موحدًا في الأحكام، بل كان يختلف من قبيلة إلي قبيلة، ومن مدينة إلي مدينة كاختلاف أعراف مكة من أعراف يثرب ، واختلطت عادات العرب وتقاليدهم قبل الإسلام بعادات وتقاليد أصحاب الشرائع السابقة في الإسلام ، وكان منها ما هو صالح ، وكان منها ما هو فاسد.

وجاء الإسلام ووقف من عادات العرب قبل الإسلام مواقف مختلفة، أقر طائفة منها على ما كانت عليه، وألغى طائفة أخرى، كما عمد إلي طائفة ثالثة أبقى أصلها وعدل من حكمها. ويمكننا أن نفترض أن عملية قبول الأحكام ، ورفض البعض الآخر، وتعديل البعض الثالث تتطلب أن "يقوم " المشرع " بعملية إحصاء وصفي لمختلف أضرب السلوك التي تنضوي تحت شكل أو فئة واحدة، فيقر بعضها ويرفض البعض الآخر".

ومن جهة أخرى، فقد كان الفكر السياسي الإسلامى بشهادة الكثير من الباحثين والدارسين، "خلال القرن الأول والثاني للهجرة، شفهيًا متمثلًا متضمنًا بجانب بعض آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) أفكارًا سياسية حوتها بعض كتب التاريخ، وكتب الأنساب، والطبقات، والتراجم والسير، وكتب الأدب والمعارف، وكتابات أصحاب الفرق الكلامية، والتي يمكن أن نطلق عليها بأنها تمثل أحد أهم المصادر المهمة" ، والتي ينبني من خلالها الفكر السياسي الإسلامي في تلك المرحلة الوصفية القائمة على مبادئ ومفاهيم عديدة، ومن أهمها:- نشأة الدولة الإسلامية، ونظام الحكم، والخلافة، والعلاقة بين الحاكم، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:-

1- نشأة الدولة الإسلامية:

ناقشت كتابات المؤرخين وكُتاب السير، والتراجم، والفرق الكلامية قضية نشأة الدولة الإسلامية، وكيف أوجد الإسلام هذه الدولة من العدم، ومد أطرافها في كل الاتجاهات، وجعل منها دولة مرهوبة الجانب تدور في فلكها الدول وتتقرب إليها الممالك. والقرآن هو الذي وجه المسلمين لتكوين هذه الدولة؛ حيث بشرهم بها، ووعدهم بقيامها، ودفعهم لأن يعملوا لقيام الدولة، وأن يقيموها عندما تيسرت لهم سبل إقامتها.

ولقد كانت البشري الأولي بقيام الدولة الإسلامية، بمثابة التشجيع ، والتقوية للمسلمين، وحضهم على الصبر، والتضحية فقد كانوا يعيشون في مكة مستضعفين يصاحبهم التعذيب، ويلاحقهم التكذيب والسخرية أينما ذهبوا. أما البشرى الثانية فكانت بعد الهجرة إلى المدينة، فكانت بشرى ووعدًا من الله - جَلَّ شَأْنُهُ - باستخلاف المسلمين وبسط سلطان الدولة الإسلامية على الأرض والتمكين للمسلمين في أقطارها، وبإبدالهم من الخوف أمنًا ومن الضعف قوة .

ولقد دفع القرآن المسلمين لتكوين الدولة التي وُعدوا بها عندما تهيأت لهم أسباب تكوينها بعد الهجرة إلى المدينة، فأذن لهم أن يقاتلوا أعداءهم الذين ظلموهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، والقتال هو أول مظهر من مظاهر الدولة، ووعد المسلمين النصر والغلبة على أعدائهم، ونبههم بعد ذلك إلى وظيفة الدولة الإسلامية، التي قدر لها أن ترث الأرض، ووعد الله بالتمكين لها، وبين أن وظيفة هذه الدولة هي إقامة أمر الله، وذلك بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر الذي ينكره الإسلام .

وكان الرسول صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ - أول رئيس لهذه الدولة الناشئة، فجمع برئاسته للدولة بين صفتين: أولاهما صفة الرسول، فهو يبلغ عن ربه ما أوحي إليه من الدين والتشريع ويبينه للناس. والثانية: صفة الحاكم فهو يرأس الدولة، ويديرها فيجيش الجيوش ويسيرها، ويعلن الحرب،  ويعقد الصلح ، ويبرم المعاهدات، ويعين القواد، والحكام، والقضاة ويقيلهم، ويصرف الشؤون المالية، والقضائية، والسياسية، والإدارية .

وكان الرسول- صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ - يؤدي وظيفته كحاكم في حدود الإسلام، فما جاءت فيه نصوص صريحة طبق عليه تلك النصوص وما لم يرد فيه نص طبق عليه ما يوحى به إليه إن نزل فيه الوحي بشيء فإن لم ينزل فيه وحي اجتهد في الحكم ولم يخرج بالأمر عما يقتضيه روح التشريع الإسلامي واتجاهاته العليا. قال ابن تيمية:" .. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور، ويولّي في الأماكن البعيدة عنه كما ولّى على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وكذلك كان يؤمر على السرايا ويبعث على الأموال الزكوية السعاة، فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في القرآن .. وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستوفي الحساب على العمال ويحاسبهم على المستخرج والمصروف " .

وعندما انتقل الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى، ظهرت الحاجة إلى البحث فيمن يلي الأمر بعد الرسول، وهرع المسلمون دون إبطاء إلى اجتماع السقيفة للتشاور والنظر أول اختلاف يحدث بين المسلمين عقب انتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه، فهو كما يصفه الإمام "أبو الحسن الأشعري" (330هـ - 901م) بأنه:"أول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - اختلافهم في الإمامة "، ولكن الاختلاف هنا كان سياسيًا محضًا، وليس دينيًا، ولم يتسع لأكثر مما حدث؛ إذ سرعان ما عاد عامل الدين بسلطانه القوى، فأدى دوره في تهدئة النفوس والمبايعة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وشهدت خلافة أبو بكر الصديق رضي الله عنه فترة قصيرة، فضلًا عن أنها شهدت قتال المرتدين لبناء استقرار الدولة الداخلي، وتوسعها بالجهاد والفتح، لتشهد عصر بناء المؤسسات في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مما سهل بناء القواعد والأصول ؛ أى بما يطلق عليه بناء وتأصيل الثوابت والمنطلقات، سهل ذلك كله التفاف الصحابة الكرام حول الفاروق عمر، وعلى رأسهم الإمام "على بن أبي طالب" كرم الله وجهه، وبقية أهل الرأي، والمعرفة، والاجتهاد، وكذلك عبقرية عمر بن الخطاب، ومعرفته الاجتماعية، والشرعية الفائقة بالرجال، وشجاعته، وجرأته بالحق، فضلًا عن عُمر الخلافة الطويل الذي سهل تشييد البناء المؤسسي عمومًا، ولو لم يكن الاستقرار السياسي واقعًا ملموسًا – وهو الذي تم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه – لما أمكن تحقيق البناء المؤسسي الذي تم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

لقد كان الفاروق عمر بما صاغه من مؤسسة شورى حاكمة قريبة من مصدر القرار مؤصلًا لقواعد فقهية سياسية ورؤية ثاقبة تجلت بعض ملامحها في النحو الآتي:

أ- تقديم استقرار الأمة ووحدتها على الرغبات الفردية، وتجلى ذلك في ترشح أهل الشورى من قبله ليبتوا في الخليفة بعده، ولم يرض أن يتولاها ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، مع منزلته العلمية الرفيعة .

ب- تقديم مصلحة الدولة على مصلحة الأفراد، ولو كانوا فاتحين، وقد تجلى ذلك في عدم تقسيم سواد العراق، مستدلاً بقوله تعالى " كي لا يكون دُولّةً بين الأغنياء منكم".

جـ-  طبيعة تداول السلطة تقوم على اختيار الأكفأ والأصلح، وتجلي ذلك في تحديد السنة المؤهلين للحل والعقد من كبار الصحابة .

د- ميزان الاجتهاد في الإسلام يقوم على الاجتهاد الجماعي أو المؤسسي، وهو الأمثل للإجماع، لا سيما بعد تحولُ العالم اليوم إلى قرية عالمية واحدة ، وقد كان فعل الفاروق عمر (رضي الله عنه) في جميع البدريين لكل حادثة وواقعة تحتاج إلي اجتهاد دولة، وليس اجتهاد فرد.

2- نظام الحكم:

تحدثت كثير من المصادر الأساسية في الإسلام،  كالقرآن والسنة النبوية أنها لم تتعرض لتفاصيل نظام الحكم وسياسته، وإنما اقتصر دورها على تحديد بعض المبادئ العامة، والأسس الثابتة التي يجب أن يقوم عليها النظام السياسي الإسلامي، ومن هذه  الأسس:

أ- السيادة أو الحكم لله: تعنى صاحب السلطة العليا في المجتمع والدولة، وفي الدولة الإسلامية هناك إجماع على أن السيادة لله وحده. و يتبع عملية الاعتراف بالسيادة والحكم لله وحده ضرورة التقيد بشرعه وتعليماته التي يحددها الدستور الإسلامي في مصدرين أساسين، وهما القرآن والسنة النبوية؛ حيث يقول تعالى " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله ورسوله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر"، هذا بالإضافة إلي مجموعه من المصادر الثانوية أو الوضعية مثل الإجماع والاجتهاد والقياس ونهج الصحابة الأوائل .

ب- العدالة: تشكل العدالة بمعنى الحياد وعدم التحيز المبدأ الأصيل الذي يقوم عليه النظام السياسي. ويقوم هذا المبدأ على إعطاء كل ذي حق حقه، وأخذ مفهوم العدالة من قوله تعالى " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل "، وقد اعتبرت العدالة شرطاً ضرورياً من شروط الإمام.

جـ- الشورى: وتعنى تقليب الآراء المختلفة ووجهات النظر المطروحة واختبارها من أصحاب العقول، حتى يتم التعرف والوصول إلي أصوبها وأحسنها للعمل به، والشورى واجبة على الحاكم وليست اختيارية. تطبيقاً لقوله تعالى "وشاورهم في الأمر"، ولكن يجب أن يفهم بأن وجوبيه الشورى تتعلق بالأمور التي لم يرد فيها نص.

د- المساواة: ينظر الإسلام إلي البشرية على أنها شعب واحد . ويقرر الإسلام مبدأ المساواة بصوره مطلقه بغض النظر عن اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الحالة الاجتماعية، والاقتصادية، وتقوم المساواة في النظام السياسي الإسلامي على أساس أن الناس متساوون أمام القانون وأن المساواة تكون في الحقوق والواجبات  .

3- الخلافة:

كانت الخلافة الإسلامية من أهم القضايا التي شغل بها الفكر السياسي الإسلامي وثار حولها جدل طويل وصراعات مريرة، نشأت مشكلة "الخلافة والإمامة" من خلال النقاش حول أزمة الخلافة التي تفاقمت بعد مقتل "عثمان بن عفان "، ثم انتصار معاوية بن أبي سفيان على "على" كرم الله وجهه، وتحويله الخلافة إلي ملك وراثي، وهو النقاش الذي استمر فترة طويلة بين أهل السنة والشيعة، فأهل السنة يؤكدون أن الخلافة هي نظام الحكم في الشريعة الإسلامية الذي يقوم على استخلاف قائد مسلم على الدولة الإسلامية ليحكمها بالشريعة الإسلامية . وسميت بالخلافة لأن الخليفة هو قائدهم وهو من يخلف محمد رسول الله في الإسلام لتولي قيادة المسلمين والدولة الإسلامية وعليه فإن غاية الخلافة هي تطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها، وحمل رسالته إلي العالم بالدعوة والجهاد .

بينما الخلافة عند أغلب فرق الشيعة كالإمامية والإسماعيلية موضوع أوسع من الحكومة بعد الرسول، فالخلافة عندهم إمامة والخليفة إمام، وهي بذلك امتداد للنبوة، وكلام الإمام وفعله وإقراره حجة ويجب الأخذ به، حيث اتفق علماؤهم على أن الإمام يساوي النبي في العصمة والاطلاع على حقائق الحق في كل الأمور إلا أنه لا يتنزل عليه الوحي وإنما يتلقى ذلك من النبي.

فالخليفة عند السنة يخلف بتعيينه حاكماً على الأمة في السلطان وفي تنفيذ أحكام الشرع، وعند الشيعة هو الإمام ولا يشترط أن يكون الإمام حاكماً. والخلافة لا تكون لمدة محدودة فما دام الخليفة محافظًا على الشرع منفذًا لأحكامه يبقي، وإن خالف الشرع أو عجز عن القيام بشؤون الدولة وجب عزله حالًا، ويصبح المسلمون في حل من بيعته. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

نحاول من خلال هذه المقالة أن نسائل الفيلسوف الفرنسي جان بول سارترJean Paul Sartre، عن الاختلاف العميق والمنعطف الحقيقي الذي تؤسس له الفلسفة الوجودية من حيث هي نزعة انسانية، لنثبت معه أن الفلسفة الوجودية هي فلسفة تبدأ من الذاتية Subjectivité، لتفكر في الإنسان كوجود لذاته Pour soi، على ضوء مجموعة من المفاهيم المتداخلة فيما بينها، من قبيل الحرية، المسؤولية، القلق، السقوط والآخر، وهي كلها مفاهيم تنطلق من فكرة أسبقية الوجود على الماهية، التي هي المبدأ الأول والأخير في الوجودية،.

سنعرج أيضا في هذه المقالة على بعض الفلسفات التي تميزت بنزعتها الإنسانية، وإن كانت بطريقة أكثر اختلافا عما جاءت به الفلسفة الوجودية عند سارتر. لنخلص في نهاية هذه الورقة إلى أن عمق الفلسفة الوجودية من حيث هي نزعة إنسانية، هو الذاتية، فليس ثم عالم غير العالم الإنساني عالم الذاتية الإنسانية. 

لم تكن الفلسفة يوما فكرا متعاليا عن الذات الإنسانية، وإن تغيرت المفاهيم وهاجرت من بساط فكر إلى آخر، "فما من اتجاه فلسفي إلا ويصطبغ بروح النزعة الإنسانية"[1]. فمنذ اللحظة الرومانية التي تعود لها أول نزعة إنسانية، ارتبط المفهوم "بالتفكير والحرص على أن يكون الإنسان إنساني وليس لا إنسانيا ومتوحشا أي خارج ماهيته"[2]. فخلال هاته المرحلة سيمتزج العمق الهلنستي بالأصالة الرومانية، وسيتم التفكير في الإنسان كماهية كونية. أما في الفكر الصوفي فإن الشيخ الأكبر ابن عربي قد "رسم أفقا كونيا شموليا للإنسانية يستوعب اختلافاتهم وتنوعهم ويجعلهم وكأنهم شخص واحد"[3]. أما النزعة الإنسانية عند ماركس فلا تتجاوز محدداتها الاجتماعية، فالإنسان إنساني عندما يحقق رغباته الطبيعية والاقتصادية. كما يرتبط مفهوم النزعة الإنسانية من الناحية الفلسفية "بسؤال الذات، وإمكاناتها الوجودية، وهو أيضا علامة أساسية على الوعي بقيمة الإنسان ودوره في تأسيس معنى الوجود وتحقيق مشروع الإنسانية والارتقاء بوضعها"[4]، فالنزعة الإنسانية هي عودة للذات وفرار إليها. فليس هناك عالم غير العالم الإنساني، عالم الذاتية الإنسانية subjectivité humaine.

لكن ما يميز الفلسفة الوجودية ويجعل منها محض نزعة انسانية Humanisme، عند الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر J-P Sartre، هو ارتباطها بالذات من حيث هي شرط لكل حقيقة ممكنة، "فنقطة البداية في الفلسفة الوجودية هي الذاتية subjectivité ، حيث لا توجد سوى حقيقة الكوجيتو cogito، أنا أفكر فأنا موجود، وهي حقيقة الشعور المطلق، وهو يعي ذاته."[5] فهي فلسفة ضد الحتمية، من حيث هي وجود واجب الحدوث، "إنها في صميمها فلسفة تضع الإنسان مواجها لذاته، حرا، يختار لنفسه ما يشاء"[6]،فهي فلسفة وقد صارت تفكيرا وفكرا في عمق الوجود الانساني.

 تؤمن الوجودية على اختلاف أصنافها، بأسبقية الوجود على الماهية، "على خلاف ما كان سائدا في تاريخ الميتافيزيقا منذ أفلاطون"[7]، في فلسفات ديدرو Diderot و فولتير Voltaire وحتى عند كانط E-Kant فالإنسان عندهم "يخضع لطبيعة بشرية ويصاغ عليها، وهي ما يتسم به كل انسان، أو يشترك في صفاتها مع غيره من البشر، وبذلك تكون الانسانية كلها أو أفرادها قد خُلقوا طبقا لفكرة عامة أو مفهوم عام، أو أنموذج عام، يجب أن يكون عليه البشر"[8]. فليس هناك طبيعة إنسانية قبلية تسعى لأن تتحقق، بل الإنسان "يوجد دائما خارج ذاته"[9]، إنه كما يتصور نفسه، وكما يريد أن يكون بعد أن يوجد، "وكما يشاء هو بعد هذه الوثبة نحو الوجود"[10].

إلا أن الوجودية الملحدة التي يمثلها سارتر تعلن في جلاء ووضوح تامين "أن الانسان هو المخلوق الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته"[11]، معنى هذا أن الإنسان يقفز أولا إلى هذا الكون، وبعد ذلك يتعرف إلى ذاته، ويحتك بالعالم الخارجي، فتكون له صفاته فيختار لنفسه وبنفسه ما يريد أن يكون عليه، فهو في النهاية "ليس سوى ما يصنعه هو بنفسه"[12]. وبهذا المعنى الوجودي إذن لا تتحدد ماهية الإنسان فيما يرغبه، بل فيما هو فاعله، فالرغبة مجرد ممكن قد لا يحدث، في حين أن الفعل لا يصير فعلا إلا إذا تم كحدث في زمان ومكان من هذا الوجود.

إن كون الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته، هو شرط يجعل منه قبليا كائنا حرا في أفعاله واختياراته، لأنه مشروع ذاته، فهو ما شرع في أن يكونه، وهذا ما يجعله عند سارتر يمتلك كينونته كاملة، فهو أصلها ومنتهاها، هو البداية والنهاية التي ما تفتأ تكون وتتحقق في الزمان.

ترتبط الحرية الإنسانية في الفلسفة الوجودية، بالمسؤولية المزدوجة للذات، فالفرد مسؤول عن ذاته من جهة أولى، وعن الانسانية جمعاء من جهة ثانية، فعندما يمارس وجوده الحر، فإنه يشكل الصورة التي لن تكون واقعه هو فحسب، "بل ستكون كذلك واقع كل الناس، والعصر كله الذي نجد فيه أنفسنا"[13]. فالإنسان من حيث هو كيان حر، يختار لنفسه ويضع شروط عالمه، "يختار أيضا لبقية الناس"[14]، فكل أفعالنا تساهم في خلق صورة الإنسان كما نتصوره، وكما نظن أنه يجب أن يكون. كما أن الذاتية التي تنطلق منها الوجودية كنزعة إنسانية، تقوم على معنيين، الأول يجعل من الانسان ذاتا حرة في أفعالها، والثاني أن الفرد "لا يستطيع أن يتجاوز ذاتيته الانسانية"[15]. والمعنى الثاني هو الأعمق في الوجودية.

عندما يكون وجود الانسان سابق على ماهيته، فهذا يجعل منه كائنا حرا ومسؤولا عن كل ما يصدر عنه من أفعال، من حيث أنه في صيرورة لتحديد معالم ماهيته التي ما تفتأ تكتمل في الزمان، "فإذا كان الوجود حقيقة أسبق على الماهية، فالإنسان مسؤول عما هو عليه"[16].

لنتأمل الآن الذات الإنسانية كما أثثها سارتر في فلسفته الوجودية، إنها ذات حرة في أفعالها واختياراتها من جهة، وهذا ضرب في القدر من حيث هو صورة قبلية واجبة الحدوث لأحوال الذات وأفعالها، كما أنها ذات مسؤولة تجاه نفسها وتجاه الإنسانية من جهة أخرى، وهذا ما يدخلها في دوامة القلق، الذي ينتج عن حرية الاختيار، والقلق الذي نعنيه هنا، "ليس هو القلق الذي يؤدي إلى الإستكانة واللافعل، لكنه القلق الصافي والبسيط الذي يرتبط بالمسؤولية"[17]، فهو ليس بحاجز يفصلنا عن العمل، بل هو جزء من العمل وشرط لقيامه.

يدخل الوعي بشمولية الاختيار، وبتأثيره المباشر بالصورة الإنسانية التي يشكلها الجميع، الذات الانسانية في حالة قلق دائم angoisse éternel حيال ما تقوم به من أفعال، ففي كل فعل تستحضر الذات الآخر Autrui وتسأل، "هل لي من حق في أن أتصرف بهذه الطريقة التي ستكون المثل الذي تحتديه الإنسانية"[18].

أمام هذا القلق تجد الذات الإنسانية نفسها في سقوط يشبه الإرتماء في عمق الكاوسChaos الذي لا حدود له، "فالسقوط هنا فرار من القلق، الذي يتهدد وجودنا بأسره، ويعزلنا أمام أنفسنا، فنشعر بالعزلة شعورا حادا يختفي معه كل ما يمكن أن يعتمد عليه الانسان في وجوده"[19]. فالسقوط هو نفي لكل ما يمكن أن يتحدد كحقيقة قبلية تفرض نفسها أمام حرية الإنسان، "فلا وجود في هذا العالم لإشارات غيبية يمكن أن يفسرها الإنسان ويؤولها إلى ما تشير إليه"[20]. بل حتى لو افترضنا أن هناك إشارات غيبية، فإننا سنواجه سؤالا: من يفسر ويؤول هذه الإشارات؟ أليس الإنسان هو الذي سينشئ عوالمها؟ ويؤسس قواعدها؟

ينتج السقوط الذي تؤمن به الوجودية عن إيمانها بعدم وجود الإله الذي يضمن كل الحقائق القبلية، فعندما ينعدم الإله كوجود مطلق، تنعدم معه كل القيم المعقولة كالخير والشر le bien et le mal . وقد كتب دوستويفسكي مرة، "إذا لم يكن الله موجودا، فإن كل شيء يصير مباحا"[21]، وهذا هو منطق الوجودية عند سارتر، أي أنه في ظل عدم وجود الإله سيصبح الإنسان كائنا مهجورا، وحيدا في كون فسيح لا مكان فيه للحديث عن أية قوة خارجية، تحدد وجوده بطريقة قبلية، "لذلك يصبح الإنسان حرا، بل هو الحرية ذاتها"[22].

من جهة أخرى، إذا كان الإله غير موجود، فإن وجود القيم والشرائع التي تبرر تصرفاتنا تسقط اتباعا وتصير غير موجودة، ويجد الإنسان نفسه وحيدا لا عذر له، ولا ما يبرر سلوكه. وهذا ما يعبر عنه سارتر بقوله: "إن الإنسان محكوم عليه بالحرية"[23]، محكوم لأنه لم يخلق ذاته، وهو حر لأنه قد صار مسؤولا عن كل ما يفعله، فيكون معنى السقوط هو "أنني أحدد وجودي، أو أتخذ موقفا حيال نفسي، أو هو هروب الإنسان من ذاته بوصفها قادرة على أن تكون نفسها."[24]

تحضر الذات في نسق الفلسفة الوجودية لسارتر كذات قادرة على الفعل، ذات تفكر وتفعل ضد اليأس. لذلك فإن "الإنسان ليس إلا مشروع الوجود الذي يتصوره، ووجوده هو مجموع ما حققه، وهو نفسه ليس إلا مجموع أفعاله، ومجموع أفعاله هي حياته"[25]، L’homme n’est rien d’autre que sa vie ولهذا فإن الوجودية تخيف أولئك الذين لا يستطيعون تحمل فشلهم، لأنهم يبررون ذلك بقوى خارجة عن إرادتهم، قد تكون غيبية أو أسطورية أحيانا.

"لا واقع خارج العمل "[26]، il n'y a de réalité que dans l'action أي أن الواقع لا يوجد قبل الفعل، بل فعل الذات هو الواقع، فلا شيء يعطى سلفا، كل شيء يبنى، "فلا وجود للحب إلا الحب الذي يبني ذاته، وليس هناك إمكانية حب إلا تلك التي تظهر ذاتها في حب معين"[27]. كما أنه لا وجود لعبقرية خارج تعبير العبقرية عن ذاتها، فعبقرية دوستويفسكي Dostoevsky هي مجموع مؤلفاته. وعبقرية ريتشارد فاغنر R-Wagnerهي مجموع أعماله الموسيقية، فالعبقرية إذن لا توجد خارج الفعل، فهي الفعل ذاته.

يرسم الإنسان صورة وجوده، لكنه لا يفعل شيئا كان من الممكن أن يكونه خارج تلك الصورة، فلا يسعنا القول مثلا أن سبينوزا كان بمقدوره أن يؤلف كتبا أخرى في السياسة، فكل ما كان يستطيعه قد تلخص فيما كتبه، أي فيما فعله. ولهذا لا ترى وجودية سارتر في المجرم نتاجا لأسباب اجتماعية ونفسية كما كان يعتقد إميل زولا Emile Zola . بل المجرم مشروع ذاته، إنه وحده الفاعل والقادر على الفعل. ولهذا فالوجودية ليست فلسفة تأمل وسكون، لأنها تحدد الإنسان طبقا لما يفعل. كما أنها "ليست فلسفة متشائمة، لأنها تضع مصير الإنسان بين يديه"[28].

عندما تخرج الذات من نفسها متجهة نحو العالم الذي تعيش فيه، تصطدم بوجود الآخر، من حيث هو حرية وإرادة وقدرة على الفعل. والذي هو "شرط لوجود الذات، وشرط للمعرفة التي أكونها عن ذاتي"[29]. فعندما أعرف نفسي فإنني أعرف الآخر. ومعرفة الآخر هي عبور لانكشاف الذات لنفسها. فالذات والآخر بهذا المعنى يشكلان عالما من الذوات المتبادلة الوعي ببعضها البعض inter-subjectivité ، إنهما ثنائية لا تقبل الانفصال، لكن رغم ذلك فإن الأخر جحيم كما عبر عن ذلك سارتر في مسرحية "جلسة سرية".

فهل استطاع سارتر أن يتجاوز مختلف الفلسفات والمذاهب الفكرية والعرفانية، التي تأملت الوجود الإنساني؟ وإلى أي مدى يمكن تأويل الفلسفة الوجودية لتستوعب مختلف الجزئيات المنثورة على بساط الفكر الوجودي منذ المرحلة الرومانية؟ كلها تساؤلات قد تجعل من هذه النهاية بداية لمزيد من التأمل والتفكير، في فلسفة لطالما وسمت نفسها بأنها نزعة إنسانية تنطلق من الذات لتصل إليها.

 

اسم الباحث: يونس البرودي - أستاذ فلسفة

...............................

مراجع البحث

Jean-Paul Sartre, Existentialisme est un humanisme, édit Gallimard, Folio/Essais, 1996.

جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مطبعة الدار المصرية للطبع والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1964.

مارتن هايدجر، رسالة حول النزعة الإنسانية، ما الفلسفة؟ ترجمة د. محمد مزيان، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى، 2018 .

منير عشقي، النزعة الإنسانية بين خطاب الفلسفة وخطاب التصوف، رسالة ابن عربي للإنسانية، مؤمنون بلا حدود، 2016.

عبد الرحمان بدوي، دراسات في الفلسفة الوجودية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1980.

هوامش

[1] - منير عشقي، النزعة الإنسانية بين خطاب الفلسفة وخطاب التصوف، رسالة ابن عربي للإنسانية، مؤمنون بلا حدود، 2016، ص4

[2]- مارتن هايدجر، رسالة حول النزعة الإنسانية، ما الفلسفة؟ ترجمة د. محمد مزيان، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى، 2018، ص24

[3]- منير عشقي، النزعة الإنسانية بين خطاب الفلسفة وخطاب التصوف، رسالة ابن عربي للإنسانية، مرجع سابق، ص21

[4]- نفسه، ص 3

[5]- جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مطبعة الدار المصرية للطبع والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1964، ص44

[6] - جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص9

[7]- مارتن هايدجر، رسالة حول النزعة الإنسانية، ترجمة محمد مزيان، مرجع سابق، ص 45

[8] - جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص12

[9]- عبد الرحمان بدوي، دراسات في الفلسفة الوجودية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1980، ص 266

[10]- نفسه، ص 262

[11]- جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص 13

[12]- نفسه، ص 14

[13]- جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص 17

[14]- Jean-Paul Sartre, Existentialisme est un humanisme, édit Gallimard, Folio/Essais, 1996, p 31

[15]- Ibid, p 31

[16]- Ibid, p 31

[17]- جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص 22

[18]- نفسه، ص 21

[19]- نفسه، ص 35

[20]- نفسه، ص 32

[21]- Jean-Paul Sartre, Existentialisme est un humanisme, édit Gallimard, Folio/Essais, 1996, p 39

[22]- Ibid., p 39

[23]- جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص 25

[24]- نفسه، ص 34

[25]- نفسه، ص 38

[26]- نفسه، ص 38

[27] - جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص 39

[28]- نفسه، ص 44

[29]- نفسه، ص 46

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: لمعرفة مفهوم الماهية فلسفيا في عنونة المقال، يتوجب معرفة الخصائص الفلسفية لكل من الوجودية والفينامينالوجيا في تعالقهما المشترك في التعبير عن موضوعة الماهية والوجود، أذ تذهب الوجودية، بأن الوجود سابق على الماهية، على العكس (من الفينامينالوجيا التي تعتبر نفسها فلسفة ماهيات وليس فلسفة وجود).(1)

كما أنه من المهم التنبيه منذ الآن الى أن الوجودية، (تعتبر الانسان لا يمتلك وجوده لأنه هو هو وجوده) في أبعاده المتعددة. عليه تكون أنسانية الانسان هي ماهيته أذا جاز لنا فصل ماهية الانسان عن وجوده، والانسان أكتفاء متحقق في وجود يعي أناه ويعي المحيط ويمتلك ماهية يدركها لوحده، ولا يحتاج بخلاف جميع الكائنات بالطبيعة لوجود آخر مغاير له في رغبته أثبات وجوده المعطى له طبيعيا سلفا والمجرّد منه فلسفيا بأستثناء علاقته النوعية الاجتماعية بغيره . كما أن الذي لا يمتلك وجودا لا يمتلك ماهية، والماهية قرينة الوجود المدرك الثابت والمتغير على السواء، ولا يمكن معرفة ماهية شيء غير مدرك وجودا لا في الانسان ولا في غيره من موجودات الطبيعة.

لذا تكون كل موجودات الطبيعة عدا الانسان لا تمتلك وجودا حقيقيا، وهي بحاجة غير مدركة ولا واعية منها، الى وجود ثان مغاير يدرك وجودها الماهوي. ويكون الانسان الذي يمتلك ذاته في وجوده يمتلك ماهيته غير المفصح عنها غير المدركة من غيره، والانسان يتحّكم بوعي أناه وماهيته بخلاف الكائنات الاخرى بالطبيعة التي لا تعي وجودها الموضوعي، ولا تعي ذاتها وتكون ماهيتها ليست ملكها.

وتعتبر الوجودية الانسان يصنع وجوده التنموي الماهوي بنفسه بمرور الزمن.لذا يكون الانسان وجودا متغيرا على الدوام في ثبات موجودات الطبيعة ظاهريا وماهويا لعدم أمتلاكها ديناميكية فيزيائية تطورية غير بايولوجية تحكمها مثلما هو الحال مع الانسان.

أن مقولة الوجودية الوجود يسبق الماهية يحمل تناقضا مبطّنا ليس سهلا الأخذ والتسليم به ليس من حيث غموض الادراك الكيفي الذي يكتنفه الالتباس في عدم أمتلاك الوجودية آلية فلسفية تنفيذية مقنعة تبين الادراك العقلي أو المعرفي للماهية وحسب، بل في وجود مناوئة فلسفية مادية تنكرعلى الوجودية تلك المقولة من أساسها كموضوع قابل للادراك او مهمّا الخوض به كمبحث فلسفي، بل وتذهب الفلسفة المادية الى أكثر من ذلك أنها لا تعتبر هناك ماهية في الوجود المادي الخارجي للاشياء في الطبيعة، وأنما الموجود هو ظواهر الاشياء فقط، وتنكر أن يكون للماهية خاصّية وجودية أدراكية منفردة توجب على العقل الفلسفي التثّبت منها، غير تلك الصفات البائنة الواضحة للشيء في وجوده المادي وكينونته الموحدة بالعالم الخارجي والطبيعة التي تكون تلك الظاهرات ومعرفتها كافية بما يغني البحث عن الماهيات للاشياء الموجودة أو غير الموجودة خارج معرفة صفات الشيء المدرك خارجيا.

من جهة مناوئة أخرى للوجودية في مقولتها الوجود يسبق الماهية، أن الفلسفة المثالية بطروحاتها المعروفة تقّر بوجود ماهيات للاشياء، لكنها لا تربطها بالوعي  في عدم الادراك العقلي اليقيني لها، بغير آلية التبسيط الميكانيكي الذي تعتمده الفلسفة المادية في معرفة الماهية أنه كلما تمّكنا من أدراك صفات الشيء وخصائصه البائنة تكون الحصيلة هي أدراك ماهيته المتغيرة المصنّعة في تبديل ظواهرها المدركة أو بعضها كملازم لوجود أدراك الشيء في ظواهره وصفاته.

الفلسفة المثالية التي تفهم الوجود وأدراكه فعالية ذهنية فكرية صرف لا علاقة لها بالوجود الخارجي المستقل للاشياء لا تعنى بما يسمى ماهية ولا وجود خارج فعالية الذهن والفكر...بمعنى أدراك ماهية الشيء لا تختلف عن آلية أدراك الوجود على صعيد وسيلة التفكير العقلي الادراكي فقط...لذا يكون وجود الشيء المدرك مثاليا يساوي وجوده الماهوي غير المدرك ذهنيا وفكريا مثاليا أيضا.

كما أن هناك فلاسفة عديدون لا يصّنفون على الفلسفتين المادية والمثالية، يرون أن الماهية ليست خاصّية نوعية مميزة ملازمة بالضرورة لوجود جميع الموجودات والاشياء في الطبيعة، أذ يكون هناك موجودات لا تمتلك ماهية محتجبة خلف الادراك المباشر لصفاتها وأدراك ظواهرها التي تكون هي مجمل صفاتها المدركة ظاهراتيا التي تكوّن هي ماهيتها المستنبطة... وهي وجهة نظر تقترب من المادية أكثر منها الى المثالية.

كما أن الفكر الديني واللاهوتي يقرّان بأسبقية الماهية على الوجود من حيث أن الخالق(الله) يعرف ويستدل عليه بخواصه الماهوية في الطبيعة، وليس بوجوده غير المدرك بأية آلية عقلية مادية، ولا بآلية مدركة حدسية خيالية خاصة في منهج مدارس وحدة الوجود وبعض الطرق الصوفية..التي ترى أيضا لا وجود لشيء في الطبيعة أوفي ما ورائها غيبيا ميتافيزيقيا من غير ماهية قبلية له تلازمه وهي مجمل خصائصه وصفاته التي تجعل من الوجود مدركا بالعقل بظواهره وليس بماهيته....

بينما تذهب الفلسفة المثالية كما ذكرنا بمختلف تياراتها أن ماهية الشيء تسبق وجوده، والماهية تتشكل بسبق زمني تركيبي ذهني قبل وجود الشيء كواقعة يمكن أدراكها أو معرفتها في عالم الاشياء. والوجودية نبذت( المذهب التجريبي، بل وكذلك الفكرة الاساسية لدى كانط في مذهبه التصوري الذي ينكر وجود ماهيات مادية في الوجود الخارجي معنى العقل بأدراكها)(2).

كيف يدرك العقل الماهية؟

أود هنا الاستطراد التوضيحي لما ذكرته سريعا قبل سطرين في أمكانية تخليق العقل لماهية الشيء المطلوب أدراكه وجودا. كي لا نقع في ألتباس أكبر من عملية تخليق ماهية الشيء قبل أدراك وجوده، ولا بد لنا من تفريق نوعية الشيء المدرك، فالمدركات الوجودية العقلية هي وجودات ومواضيع مختلفة بما لاحصر له في الطبيعة ولتوضيح كيفية أدراك ماهياتها فلسفيا وليس بايولوجيا فيزيائيا أصّنفها كالتالي:

- هناك وجود مادي لأشياء مستقلة في الطبيعة لا دخل للانسان بها لا في صفاتها ولا في ماهياتها بالفهم الفلسفي للعلاقة التي تربطه بها، وليس بالعلاقة البيولوجية التي تربط الانسان بها في الطبيعة، وهذه الموجودات الطبيعية تبدأ من الانسان الى الحيوان الى النبات والى الجمادات وغيرها، فهذه الموجودات ليس هناك تداخل للانسان معها أكثر من رابطة البايولوجيا فقط في أعتماده على تلك الكائنات في مشاركتها الطبيعة معه.

وليس مهمّا أن يتعرف الانسان لا في تغييروجودها الطبيعي المستقل بل في تغيير صفاتها الخارجية المدركة فقط بما يخدم تعالقه الوجودي معها والاستفادة منها، وليس في ماهياتها المحتجبة عنه خلف ظواهرها، وتكون حاجة الانسان لها في تلبية رغائبه وتأمين وجوده وبقائه بالحياة.وليس بالتداخل الفلسفي الوجودي او الماهوي معها.

فهي أشياء الطبيعة ومكوناتها المتنوعة المعطاة للانسان والعيش معها بما يحقق منفعته منها في تأمين غذائه، ولا يستطيع الاستغناء عنها وعلّة وجوده بينها أنّه جزء منها أي جزء من مكونات الطبيعة، التي هي نفسها علّة ولغز وجود الطبيعة في جميع مكوناتها.

لذا عندما يلجأنا التفكير في معرفة ماهيات موجودات الطبيعة علينا البدء بمعرفة ماهية الانسان ذاته في وجوده الطبيعي كنوع من بين أشياء وموجودات الطبيعة. وهذا يقودنا الاقرار بأن ماهيات تلك الموجودات والاشياء بالطبيعة لا تدرك للوهلة الاولى حسّيا الا في ظواهرها الطبيعية فقط التي تكون كافية لمعرفة الانسان بها وليس هناك من حاجة لمعرفة ماهيات تلك الاشياء الا في مسائل موجبة وضرورة الانسان أن يعرفها.

- النوع الثاني من الموجودات، في علاقتها ومشاركتها الانسان في الطبيعة، وفي محاولة معرفة ماهياتها، في وجودها وظواهرها، هي التي ينطبق عليها القول الحاجة أم الاختراع، فهذه الموجودات تتشّكل ماهيتها قبل وجودها المادي الخارجي من قبل الانسان نفسه، ويعرف الانسان ماهياتها في عجزها هي أدراك ذواتها وماهياتها... أي أنها حاجات وأشياء لا وجود لها في عالم الاشياء الطبيعي المادي قبل أختراع الانسان لها ماهويا و– وجودا- أشياء أخترعها عقل الانسان وأوجدها ماديا لحاجته لها في حياته، ونوضّح كيف؟؟

عندما يفّكرالانسان بصنع سيارة أو منضدة أو كرسي مثلا أو أية حاجة قبل أن تكون متعينا وجودا ماديا مخترعا بعد أن لم يكن موجودا بشكله المادي في عالم الاشياء لولا أختراع الانسان له في سد حاجته له، وهنا تكون ماهية الشيء بجميع مواصفاتها واستعمالاتها ووظائفها سابقة على وجود الشيء المادي المتعين كرسيا أو سيارة أو أي شيء آخر يخترعه الانسان مدركا في عالم الاشياء يحتاجه في حياته. وبهذا النوع من الاشياء التي يقوم الانسان المخترع بوضع ماهياتها، ومعرفة خصائصها الماهوية قبل معرفة وأدراك وجودها التخليقي لها من قبل الانسان في أختراعه لها ماهويا/ وجوديا في عالم الاشياء.أي لا يكون الانسان بحاجة معرفة ماهيتها التي أكسبها أياها أختراعه لوجودها واقعا ماديا من ضمن مكوّنات الطبيعة.

- النوع الثالث من الموجودات هي أيضا الموضوعات التي يخترعها الذهن خياليا، أي الموضوعات المخترعة بالفكر المجرد قبل أن تتحول من أفكار مجردة في التفكير الذهني العقلي، الى وقائع موجودة ومدركة من ضمن أشياء العالم الخارجي المادي، فهذه الاشياء أيضا يقوم الانسان بصنع ماهياتها قبل تعيين وجودها المادي الخارجي متمثلا بشكلها الخارجي المدرك بظواهره فقط، ويتم ذلك في تداخل ماهية الشيء مع ظواهره الخارجية التي ستكون متعيّنا وجودا بفضل الذهن وأختراعه لها ولم تكن شيئا موجودا لا في ماهيتها ولا في وجودها قبل تخليق ذهن الانسان لها في الماهية وفي شكل الوجود في عالم الاشياء....فمثلا ماهية أختراع تأليف كتاب في الذهن،فأن العقل يقوم أبتداءا بتخليق وخلق ماهية الكتاب في مضمونه ومحتواه قبل طرحه وجودا في شكل كتاب أنيق مطبوع يعرف وجوده بعنوانه على غلافه وليس بماهيته كمحتوى.

الماهية والادراك الكلّي

أن الماهية غير الموجودة في الوجود المادي الخارجي أو التي يبتدعها العقل في مخيلته، من المتعذر أن توجد كمدرك ماهوي داخل العقل، كما لا يمكن التعبير عنها كوجود متعيّن في صفاته وظواهره حتى التخييلية التي يكسبها العقل للاشياء مالم تكن وجودا ماديا مدركا في عالم الاشياء...كما أن ماهيات الاشياء التي أعتبرها كانط ثابتة في وجودها غير المدرك ظاهريا (وأنها لا تتغير ولا توجد علاقة تبادلية بين الماهيات والظواهر)(3)، هي على خلاف مع الفينامينالوجيا التي تعتبر الماهيات متغيّرة لأنها تكون أحيانا غير موجودة خارج صفاتها الماهوية التكوينية لها في تداخلها مع ظواهرها وصفاتها المدركة، في وجودها الشكلي المستقل كمدرك في العالم الخارجي. بل وأكثر من هذا سنرى في سطور لاحقة كيف أن الفينامينالوجيا تعتبر الماهية موجودا من أنتاجية (الوعي)، وليس كما ذهبنا له في تصنيفنا الاشياء المدركة من حيث علاقة وجودها بماهيتها في السطور السابقة.

الفكر المجرد هو أنعكاس للوجود المدرك كاملا أي كوحدة واحدة في أدراكه، وليس لماهيته فقط ولا لظواهره فقط، من غير أفتعال فصل بين صفات الشيء البائنة المحسوسة المنعزلة عن ماهيتها خلف مدرك ظواهرها، ولا يمكن للفكر أن يخلق ماهية ولا وجود ولا مدركات داخل العقل قبل وجودها الادراكي خارج العقل بأستثناء ما يختلقه خياليا من الذاكرة كما ألمحنا له، ويكون التعبير الفكري اللغوي لا يعبرّ عن الوجود الخارجي غير المدرك للعقل ولا الغير المبتدع من الذاكرة، أي أنهما(الفكر واللغة) لا يعبّران عن ماهيات الاشياء في الوجود الخارجي في حال عجز الذهن العقلي أدراك ماهية الشيء داخل العقل.

وكل تغيير في أشياء الوجود الخارجي أنما يتم بعاملين هما تخليق العقل بالاسهام التغييري لظواهره، والثاني هو العلاقات المتبادلة في التأثر والتأثير بين ظواهر الوجود وماهيته بمعزل عن أرادة الانسان. وكلا العاملين أنما هما نتاج عقلي أولا واخيرا. لذا يكون أي تخليق جديد أو تغيير يطال الوجود لا يتم من غير أرادة انسانية تهتدي بالتصورات العقلية، التي هي حصيلة التأثر والتأثير المتبادل في تخليق العقل للموجودات وليس أمكانية أعادة خلقها كوجود مادي مغاير لوجودها.

كذلك فأن الوجود بذاته الذي يسميه سارتر وجود (مافي ذاته) وأنه (ليس فاعلا ولا منفعلا، ولا هو ثبات، ولا هو نفي أنما هو وجود يقوم معتمدا على ذاته لا أكثر مصمت، جامد، وليس له علاقة مع الموجودات الاخرى بل هو خارج أطار الزمن)(4)،هنا نستطيع القول أن الوجود بذاته حسب توصيف سارتر، وجود مكثّف ومكتف بذاته ولا يعي ذاته ولا المحيط من حوله لأنه وجود جامد خارج فاعلية الزمن التغييرية. والذي لا يدركه الزمن لا يدركه العقل وجودا في استحالة ادراكه مكانيا بمعزل عن الزمن.

أنه لمن المهم التنبيه الى أستحالة أدراك العقل للاشياء والوجود خارج الزمن مكانيا. من ضمنه الوجود بذاته المدرك مكانا وزمانا في تعطيل وعطالة تحقق وجوده الفاعل، فالزمن يدرك الموجودات في وجودها المتعين أدراكيا في الزمان والمكان في ثبات الاشياء وفي حركتها على السواء. بمعنى العقل لا أدراك فاعل له خارج الزمن، كما أن الادراك الزمني يدرك الوجود المتعيّن ولا يدرك العدم أو الشيء الذي هو بحكم العدم الذي هو الوجود بذاته فهو ليس عدما ولكنه وجود محكوم بعدم قبل غيره من الموجودات الطبيعية التي يحكمها العدم في دورة حياة مثلما يساير العدم الوجود الانساني مالم يفنى بالموت.

المفارقة بين العقل والزمن أنهما كليهما لا يتبادلان الادراك الحسي ولا المادي بينهما،أي لا يدرك أحدهما الآخر، بل يتوّحدان في أدراكهما الاشياء والطبيعة معا في تداخل غير مدرك ولا منظور .هذه هي العلاقة الوحيدة التي توحد العقل بالزمن بفاعليتهما المتداخلة في أدراك الاشياء.

والعقل لا يدرك الفراغ الوجودي (العدم) زمانا، والزمن يعي ذاته في أدراكه المدرك من قبله زمانيا، لأن الوجود خارج الزمن وما لا يدركه الزمان لا يدركه العقل مكانا مجردا عن زمن أدراكه، وهوأستحالة أدراكية لا يعيها العقل . كما أن من المهم ذكره أنه حسب سارتر الوجود بذاته لا يمّثل ماهية الشيء كما لايمّثل أحدى خصائص الماهية المتكوّنة من مجموع خصائصها وصفاتها،... المفارقة هنا أن العقل يمكنه أحيانا أدراك الماهية لكنه يعجز عن أدراك الوجود بذاته رغم التداخل القوي بين الماهية والوجود بذاته في الشيء غير المدرك. والوجودية تفهم الذات بمعناها الخلاّق والانسان يخلق نفسه بنفسه ويكّون حريته التي هي اسمى التحقق الوجودي بحسب سارتر.

هيدجر والوجود

لابد لنا من المرور على بعض آراء أبرز فلاسفة الوجودية هو مارتن هيجر كيف يعبّر عن الماهية والوجود معا بنوع من المصطلحات الغامضة التي تقود الى تشتيت ذهني غير متماسك نستعرض بعضها في فقرات متقافزة يصعب الربط المنطقي بينها:

- الموجود هناك ليس له عمق، بل يأتي من جوف هاوية بلا نهاية من العدم، والموجود هناك نهايته الموت وهي هاوية اخرى للعدم.(5) .

- ان محض وجود (الموجود هناك) الانسان هو ركض نحو الموت الى العدم. فهو محمول بذاته في داخله نحو العدم. ويمكن أن يقال بوجه عام، أنه من العدم يأتي كل موجود من حيث هو موجود.

- ويأخذ بعض دارسي فلسفة هيدجر قولهم (كان يمكن قول هيدجر، العدم موجود) بدلا من عبارته (العدم يتعادم) وهو تعبير جلب له سخرية العديدين.(4) حسب رأي بعض المهتمين بالفلسفة.

الفينامينولوجيا والماهية

أما عن المذهب الفلسفي الفينامينالوجي فهو يحصر أهتمامه في وصفه ظواهرالاشياء، أي أنه يهتم بما هو معطى واقعي مباشرمدرك في ظاهرياته، وتغّض الفينامينالوجيا النظر عن العلوم الطبيعية وتعارض المذهب التجريبي، فهي فلسفة ماهيات وليس فلسفة وجود.(6)

وتعتبر الفينامينالوجيا (الماهية هي المضمون العقلي المثالي للظواهر، التي تدرك  رؤية الماهيات مباشرة، والهدف الفينامينالوجي هو الوصول الى الماهيات ليس عن طريق الشك الديكارتي وأنما تعمد الى مذهب تعليق الحكم)(7)

ومبدأ تعليق الحكم في الفلسفة معناه اللاادرية في الحكم على الشيء الذي يحتمل قطبي الصح والخطأ، وليس الشك الديكارتي في الحكم على الشيء من منطلق اليقين المسّبق الدوغمائي في تخطئة المشكوك به، وتعليق الحكم لا ينفي طرفي السلب والايجاب أو الانحياز لأحدهما في الوصول الى حقيقة الشيء أو صحة منطلقات قضية ما، أي تعليق الحكم لايبّت في صحة الاثبات للشيء على أمكانية نفيه، وأنما يلجأ الى تأجيل الحكم في التخلص من الوقوع في حكم الخطأ بالقرار بين أحتمالين.

هذا الفهم في تعليق الحكم لا تعمل به الفينامينالوجيا ولها أجتهادها الفلسفي الخاص بها في تعليق الحكم حسب تفسير هوسرل..ويعتبر هوسرل فيلسوف الفينامينالوجيا (الاختزال التراسندتالي – التعالي- هو تطبيق منهج الفينامينالوجيا على الذات نفسها وعلى أفعالها، معتبرا أهم منطقة في الوجود هي (الوعي الخالص) الذي يقوم على مبدأ القصدية الذي أستمده هوسرل من أستاذه برنتانو).(8)

أن من أهم الاخفاقات التي قاد هوسرل الفينامينالوجيا لها هي أنه وضع (الوعي) فوق العقل والطبيعة، وبديلا عنهما، والصحيح في ما نراه أن كل الامتيازات التي هي من صميم أهتمامات العقل وخاصيّاته، والتي خلعها هوسرل كامكانيات للوعي وليس العقل لا تمنع مرجعية الوعي الذاتي الموضوعي ولا الوعي الذاتي السايكولوجي من مرجعية العقل  لكليهما.

مثال ذلك أن هوسرل يعتبر(عملية الادراك الحسي للاشياء لا يلزم عنها أن يكون المحسوس حقيقيا) على أعتبار الحواس خادعة  من جهة، والطعن بصوابية أمكانية الادراك عن طريق العقل بدلا من الوعي حسب هوسرل من جهة اخرى.. الوعي في مفهوم هوسرل هو عقل فلسفي ثان غير العقل الطبيعي المدرك للاشياء، ويعتبر آلية ادراك الوعي للاشياء هي سابقة وأهم من أدراكات العقل ضمن سياقاتها العلمية والتجريبية.علما هناك بديهة في علم وظائف اعضاء الانسان ان الوعي هو نتاج العقل وليس العكس، فالعقل ينتج وعيا، لكن الوعي يعجز عن أنتاج عقل.

ونمشي مع هوسرل أكثر في التباس أكبر أن ليس كل مدرك محسوس هو حقيقيا، مقولة صحيحة تنطبق على عوالم مدركات الذاكرة والخيال فقط، ولا تنطبق أطلاقا على الواقع المادي لعالم الاشياء المحسوسة في الطبيعة.

من نافل القول أن مصطلح الوعي الخالص (الأنا المطلق) أمكانية مقعدة بمعنى أنها وهم تخييلي ومصطلح عائم تستخدمه الفلسفة في مجال أهمال معالجة الكليات، والوعي الخالص أنكره كل من هيدجر وسارتر، وأعتبرا كلاهما (قصدية) هوسرل هي وعي الذات (حقيقة) متجاوزة الخروج على كوجيتو ديكارت الذي جعل من وعي الذات تفكيرا مثاليا سلبيا أنعزاليا، وأضاف هيدجر أن الوجود الحقيقي هو في دينامية فاعلة يمليها الوجود الحقيقي الذي هو، الوجود – في – عالم...وأضاف سارتر أنه ليس هناك من (وعي خالص) يمكننا الاهتمام به.وسارتر محق بهذا لأنه لا يرغب التقاطع والوقوع في متناقضات أفكاره فلسفيا، فهو يرفض الوعي الخالص كونه نسخة كاربونية عن (الوجود بذاته) الذي أعتبره وهما غير متحقق.

(المعرفة تبدأ بالخبرة ولا تنشأ عنها) هوسرل

ولا بد لنا من الاشارة الى جوهر منهج الفينامينالوجيا عند هوسرل في مقولته (المعرفة تبدأ بالخبرة لكنها لا تنشأ عنها) وهو يلتقي بكانط في هذه المعلومة الاستنباطية الفلسفية، الذي ذهب الى أن جميع المعارف مرتبطة بالعقل والتجربة التي تقوم على أصل (قبلي) في الوعي وليس بعدي بالعقل... وقبل مناقشة هذه الأحجية اللغز أقول أن الوعي في جميع أشتمالاته المعرفية المنوعة هي نتاج وتخليق عقلي لمدركات أشياء الطبيعة،.. والوعي لا يكون وعيا أدراكيا ما لم يقم على مرجعية العقل ومراكمة المعارف والخبرات التجريبية المكتسبة فيه.

ونتساءل هل المعرفة خبرة جديدة مضافة مكتسبة أم هي خبرة قبلية أيضا متجانسة مع خبرات سابقة عليها يمتلكها الوعي ولا يكتسبها خارجيا؟؟

يوجد أكثر من قراءة واحدة لهذه العبارة الملغّزة،: (المعرفة تبدأ بالخبرة ولا تنشأ عنها) عبارة فلسفية حمّالة تأويلات عديدة، ومن المؤكد أنها نوقشت من قبل فلاسفة أكفاء، وأود تسجيل ملاحظاتي غير النقدية والمحايدة عنها:

- الاولى أن جميع المعارف المكتسبة أنما هي خبرات تضاف للوعي والعقل ولا يوجد فروقات بين المعرفة في مصدرها الخارجي، والخبرة القبلية من حيث هي مدركات متجانسة في الماهية مما يتعذّر الفصل بينهما ولا نعرف من يعطي لمن، لآخر يأخذ ممّن ؟؟.

- القراءة الثانية أن المعارف الجديدة التي تبدأ بالخبرة ولا تنشأ عنها حسب هوسرل، هي مغايرة تجمع نقيضين بسببية تعالقية هما المعرفة والخبرة القبلية، ولا ينشأ عن أرتباطهما أية معرفة أو معارف جديدة. والمحايث الذي لا تنشأ عنه معرفة لا يمكن الغاؤه أن لا يكون سببا حتميا في أنتاجه معرفة.

- القراءة الثالثة أنه لاتوجد معرفة ولا توجد خبرة قبلية تهضمها وتستقبلها، فالمعرفة التي تبدأ بالخبرة ولا تنشأ عنها أنما هو نوع من الاستدلال المفروض قسرا الذي لا يريد تعالق المعارف وأدراكاتها بعلاقة سببية تعطي لهما مشروعية القبول المنطقي والعقلي لها. (عملا بفلسفة ديفيد هيوم الذي ينكر وجود سببية، وكل ماهو موجود تكرار لحالات معينة تصبح (عادة) فقط وليست سببية).

أن المعرفة التي تكون سببا محايثا للخبرة ولا تنشأ عنها، عبارة تحتاج تأويل منطقي فلسفي مقنع، من حيث أن المعرفة هي فعل مكتسب بغيره في محايثات الادراك الخارجي له، ويبطل أكتساب المعرفة بالخبرة القبلية التي لا تنشأ عنها.فالمعرفة التي تكون مكتفية بالخبرة الذاتية لها كمعرفة لا تحتاج الى محايثة تنتج عنها، ولا محايثة تحفيزية سببية لها، يصبح من المتعذر أكتساب المعرفة بغير أرتباطها بمحايث لها تنتج عنه أو تنشأ بغيره... أن المعرفة لا تنتج وتكتسب بالوعي الذاتي لها، وأنما تكتسب بالوعي المفارق لها، والوعي المتخارج مع من يمتلكها خارجيا.

القصدية

القصدية مذهب فلسفي أرتبط بهوسرل في ردّه وأدانته كوجيتو ديكارت أنا أفكر، وأعطاه هوسرل أبعادا فلسفية طلسمية مبهمة أخرى لها عديدة نستعرضها سريعا بقدر علاقتها بمفهوم الماهية في الفينامينالوجيا .

ينسب لهوسرل قوله (أن ظهور الموضوعات في الوعي ليس تلقيا واستقبالا سلبيا لها من الخارج، ذلك لأن الوعي ليس وعاءا يتم جمع فيه ما تتحصّل عليه الحواس، والوعي القصدي، وعي هادف، أنه هو، يذهب نحو أدراك مواضيعه ليس بهدف أدراكها بل من أجل الحكم عليها). المصدر موقع انترنيت ويكيبيديا الموسوعية.

والقصدية عند برنتانو أستاذ هوسرل (تشير الى أن الوعي يمتلك موضوعاته القصدية في داخله). في الاقتباسين اللذين مررنا بهما يظهر لنا أن الوعي مفهوم فلسفي عند هوسرل لا يشبهه لدى استاذه برينتانو، فالوعي عند هوسرل هو الوعي القصدي الذي يبحث عن موضوعاته ليس لأدراكها ولكن لقصدية هادفة من أجل الحكم عليها كمدركات، وعند برينتانو أنه وعي يمتلك موضوعاته في داخله !!.لا نعرف أيهما أصح بالفهم الفلسفي والتعبير الاستاذ أم الطالب؟؟

أن الوعي الذي يصفه برينتانو بأنه يمتلك موضوعاته القصدية في داخله، أنما يكون وعيا ذاتيا مثاليا فاقدا قصديته التي هي بالضرورة يجب أن تكون موضوعا محايثا للوعي في أدراكه (الأنا) والوجود من حوله، والمعنى الذي ذكره برينتانو يشير بوضوح الى أن الوعي في أمتلاكه موضوعاته في ملازمة غيرمتعالقة بالوقع ولا مدركة خارجيا في عالم الاشياء، يكون وعيا مثاليا زائفا غير متحقق في وجوده لا في وعي أناه أي ذاتيته ولا في وعيه الاشياء موضوعيا من حوله.

أعود الى التأكيد ما سبق لي ذكره في سطور سابقة من هذه المقالة، أن الفينامينالوجيا تلجأ الى مغالطة لا يمكن تبريرها هي في أحلال الوعي بديلا عن العقل والموضوع من غير مرجعية لهما. وأكثر من ذلك أن الوعي عندها  هو أقرب لعلم النفس منه للعقل في المعرفة والماهية، وبعيدا عن علم وفلسفة أدراك الوجود والماهيات أدراكا فلسفيا منظمّا منطقيا... كما أخذ هوسرل أيضا عن أستاذه برينتانو معلومة فلسفية أكثر لبسا ابتذاليا مثاليا قوله (القصدية هي نتاج الوعي) وليست شيئا محايثا مغايرا خارجيا يمكن للوعي أدراكه أو الاستدلال الفلسفي به.

القصدية هنا بمفهوم هوسرل عندما تكون نتاج الوعي وليس نتاج الواقع المادي الطبيعي للاشياء، أنما يجعل الفينامينالوجيا مفهوما فلسفيا مثاليا أبتذاليا في المعرفة. فالوعي الحقيقي لا يتحقق أدراكه من غير أرتباطه بالعالم المادي وليس بالفكر المجرد ولا بالافتراض الفلسفي التعسفي في تطويع المفاهيم للرغبة الشخصية وليس للموضوعية في الاستقراء المنطقي الفلسفي المجرد.

والفهم الصحيح أن القصدية هي محايث وعي الذات وعيا حقيقيا في تعالقها الادراكي مع هدف خارجي مغايرعنها يكسب الذات وجودها الفاعل في عالم متغير من حولها، ويكتسب هو وعيه الذاتي والموضوعي الحقيقي.

هذا هو الفهم الذي ذهب له كل من هيدجر وسارترفي أدانتهم مثالية ديكارت المنغلقة في وعي ألأنا، وليس فهم هوسرل الذي جعل من القصدية نتاج وعي الذات ولم يقل وعي الذات بماذا؟ يعني أننا عدنا الى كوجيتو ديكارت عندما قال أنا أفكر ولم يكمل يفكر بماذا!! أن تحقق الذات قرين الموضوع وليس قرين الفكر.

في الوقت الذي كنا نترجّى من القصدية أدراكا حقيقيا للذات في تعديل الفهم المثالي المنحرف عند ديكارت المغرق في الذاتية والتجريد في فهم الوعي على صعيد الفكرفقط، نجد هوسرل يذهب الى أن القصدية معطى قبلي (ينتجه الوعي) وليس موضوعا محايثا للوعي في أدراك ذاته والوجود وأشياء الطبيعة. بل يذهب هوسرل أن الوعي يبحث عن موضوع يدركه من (أجل الحكم عليه). عليه يكون الموضوع القصدي منتوجا للوعي، مدين بوجوده وخلقه الى الوعي الادراكي له !!!. دائرة مغلقة من التهويم الفلسفي التجريدي الذي يجعل اللغة طلاسم لا معنى منطقي مترابط لها.

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

الهوامش:

1- أ.م. بوشنكي/ الفلسفة المعاصرة في اوربا/ سلسلة عالم المعرفة/ ترجمة عزت قرني ص 210

2- نفس المصدر السابق ص 206

3- نفس المصدر السابق ص 238

4- نفس المصدر السابق ص 241

5- نفس المصدر السابق ص 232

6- نفس المصدر السابق ص 251

7- نفس المصدر السابق ص 257

8- نفس المصدر السابق ص 263

 

حاتم حميد محسنطبقا لزينون "اذا كان كل شيء في الوجود له مكان، فان هذا المكان هو ايضا له مكان، وهذا الاخير ايضا يحتاج الى مكان وهكذا تستمر السلسلة الى مالانهاية. "(الفيزياء، أرسطو قسم 208).

 قبل التطرق الى مفارقات زينون الفلسفية نحتاج الى نبذة تاريخية عن المدرسة الايلية. تأسست مدرسة ايليا الفلسفية على يد كزينوفانيس Xenophanes ( ولد عام 570 قبل الميلاد) والذي اكّد على وحدة الله والكون وعدم التغيير فيهما "الكل هو واحد والواحد هو الله". تأسست مستوطنة ايليا على يد مجموعة من الايونيين الاغريق الذين حوصروا عام 545 قبل الميلاد في مينائهم البحري بمدينة فوكايا بعد غزو الجيش الفارسي،  لكنهم في النهاية اُجبروا على الخروج عبر البحر. بعدها أبحروا الى جزيرة كورسيكا واستوطنوا فيها بعد معركة بحرية ضارية مع الاسطول البحري لقرطاج.  وبعد عشر سنوات اي في عام 535 قبل الميلاد، استرد القرطاجيون الجزيرة فأحالوا الفوكانيين الى لاجئين في البحر مرة اخرى. هذه المرة حطوا الرحال في الساحل الجنوبي الغربي لإيطاليا وأسسوا مستوطنة ايليا بعد انتصارهم على المواطنين الاصليين . كل هذا حدث اثناء حياة كزينوفانيس الذي هو ذاته كان منفيا من مدينته الاصلية كولوفون في ايونيا عندما اُضطر الى الفرار منها عام 545 ق. م. هو عاش في سيسلي ومن ثم في كاتانا قبل ان يلتحق اخيرا في مستوطنة ايليا. من المفيد التأمل بالكيفية التي اثّرت بها هذه الأحداث سايكولوجيا على عقيدة المدرسة الايلية في الواحدية الدائمة غير المتغيرة. أعظم الفلاسفة الايليين كان بارمنديس (539 قبل الميلاد) الذي طور فكرة الواحدية اللامتغيرة ووسّعها الى كل الوجود. هو جادل بان التعددية والحركة والتغيير هي مجرد مظاهر. ايضا عُرف عنه استخدامه الاصلي للجدال المنطقي في الفلسفة. عاداته كانت ان يرفق كل بيان عقيدي بنوع من الحجة المنطقية تبيّن سبب ذلك. هذا كان يشكل ابداعا فكريا ولهذا اُعتبر ابو الميتافيزيقا وكمساهم اساسي في تطور الفكر العلمي. عقيدة بارمنديس في الوحدة المطلقة واستمرارية الواقع هي حقا راديكالية ، حتى وفق المستويات الحديثة. هو أكّد بان الكون في الاصل واحد ولا يتغير. غير ان عقلانيته اجبرته للاعتراف بان المظاهر هي عكس ذلك، حيث انه انكر بوضوح وجود التعددية والتغيير، هو اعترف بمظهرية هذه الاشياء. اصر بان هذه هي مجرد تصورات وافكار، يجب ان لاتلتبس مع "ما هو كائن". ولا غرابة في ان بارمنديس نال السخرية على معتقداته. احد طلاب بارمنديس كان زينون الذي اشتهر بسلسلة من الحجج في الدفاع عن الفلسفة الايلية باستخدامه وسائل منطقية في اثبات ان الحركة والتغيير والتعدد هي مستحيلة. ينبغي الاشارة ان لا شيء من كتابات زينون بقيت حية، كل ما وصلنا جاء بشكل غير مباشر من خلال افلاطون وارسطو و سمبليكس و بروكلس والذين لم يكن اي منهم متحمسا لأفكار زينون الفلسفية.

من بين اربعين جدالا نُسبت الى زينون كانت هناك اربع مفارقات هامة تتعلق بموضوع الحركة وهي:

1- مفارقة السباق: وتؤكد ان ليس هناك اي حركة، لأن من يتحرك يجب ان يصل الى المنتصف قبل الوصول الى النهاية، وهكذا الى ما لا نهاية. في هذه المفارقة يبيّن زينون ان الحركة ليست الاّ وهما. هو يقول لنفترض انك كنت في سباق، انت ترى نهاية خط السباق امامك، لكي تصل الى نهاية الخط لابد ان تصل اولا الى نقطة المنتصف. ولكن قبل وصولك الى نقطة المنتصف، عليك ان تصل الى منتصف نقطة المنتصف، وهذه النقطة الاخيرة لا يمكنك بلوغها قبل الوصول الى منتصف منتصف النقطة الاولى وهكذا الى مالانهاية. زينون يعتقد بوجود عدد لامتناهي من نقاط الوسط بين اي موقعين. قبل امكانية ان تصل الى موقع معين عليك ان تصل الى منتصف المسافة اولاً. ولكن اذا كانت هناك اعداد لا متناهية من نقاط الوسط ، كيف يمكن لنا عبور الأعداد اللامتناهية للمواقع، وبهذا الحركة اذاً مستحيلة.

2- مفارقة اخيل Achilles paradox: وهي تشبه المفارقة الاولى من بعض الوجوه ، الأسرع في السباق لا يمكن ان يتغلب علي الأبطأ لأن المتسابق يجب اولاً ان يصل الى النقطة التي بدأ منها الآخر بالسباق، وبهذا فان الابطأ يجب ان يكون دائما متقدما بمسافة الى الامام. طبقا لزينون، اخيل (بطل اليونان في اليادة هوميروس) يتسابق ليمسك متسابق بطيء كالسلحفاة التي تزحف في خط بعيد عنه. السلحفاة مُنحت مسافة في الامام(لنقل 100 متر) ، لذا اذا كان اخيل يأمل بالفوز في السباق يجب عليه الركض الى المكان الذي فيه السلحفاة حاليا، ولكن في الوقت الذي يصل فيه الى هناك تكون السلحفاة قد زحفت الى مكان آخر جديد، وبهذا يجب على اخيل الركض الى هذا المكان الجديد، لكن السلحفاة تكون زحفت الى الامام وهكذا، اخيل سوف لن يتمكن ابدا من الامساك بالسلحفاة حسب زينون، اي ان المتسابق الأسرع لا يمكنه غلبة المتسابق الأبطأ وهو ما يعني عدم حدوث اي نوع من الحركة. زينون هنا يدافع عن استاذه بارميندس القائل بان الحركة ليست الاّ وهما.

3- مفارقة السهم : هذه المفارقة وردت في فيزياء ارسطو، V1: 9, 239b5

يرى زينون لكي تحدث الحركة يجب على الشيء ان يغيّر الموقع الذي يشغله. هو يعطي مثالا عن السهم.  يذكر انه في اي لحظة محددة من الزمن، السهم لا يتحرك الى المكان الذي هو فيه، ولا الى المكان الذي هو ليس فيه. هو لا يمكنه التحرك الى المكان الذي هو ليس فيه لأنه لن يمر وقت بعد لكي ينتقل الى هناك، وهو لا يمكنه الحركة الى المكان الذي هو فيه لأنه هو موجود فيه سلفا. بكلمة اخرى، في اي لحظة من الزمن لا وجود لأي حركة هناك . اذا كان كل شيء ساكنا في اي لحظة، والزمن مؤلف كليا من لحظات، عندئذ تكون الحركة مستحيلة. اذا كانت المفارقة الاولى تقوم على تجزئة المكان فان هذه المفارقة تعتمد على تجزئة الزمان.

4- مفارقة المكان

مفارقة زينون في المكان تجعلنا نتسائل كم عدد الاشياء التي تشكل الكون. يبدأ زينون بالقول ان كل ما موجود في العالم مثل الكلب او الكرسي او غيره يشغل حيزا. اذا كانت تلك الاشياء تشغل حيزا فلابد ان تكون في مكان. هذا يعني ان المكان هو ايضا شيء يأخذ حيزا، والذي يجب ايضا ان يكون في مكانه الخاص الذي يأخذ حيزا وهكذا . ولذلك، طبقا لزينون يجب ان يكون هناك عدد لا متناهي من الاشياء والامكنة والفضاءات. هذا المفهوم لـ اللانهائية كان يصعب فهمه في اليونان القديمة.

المفارقتان الاولى والثانية جسدتا نقدا لفكرة الحركة المستمرة في مكان وزمان منقسم الى ما لانهاية. في هاتين الحجتين كان هناك تقليدا بين مدرّسي التفاضل والتكامل في المدارس الثانوية لعرض هاتين الحجتين لزينون ومن ثم العمل على حلّهما طبقا للافتراض بان السلسلة اللامتناهية يمكن ان يكون لها مجموع متناهي. هذه قد تكون وسيلة تعليمية مفيدة لطلاب الرياضيات المبتدئين لكنها تتناسى النقطة الفلسفية الهامة والأكثر اثارة في مفارقات زينون هذه.

نقد ارسطو لمفارقات زينون

آراء ارسطو حول مفارقات زينون وردت في الفيزياء، الكتاب الرابع، الفصل الثاني، وفي الكتاب السادس الفصلين الثاني والتاسع. في نقده لزينون يرى ارسطو انه لا يجب على زينون ان يفترض ان مسار المتسابق يعتمد على اجزائه، بدلا من ذلك، المسار هو موجود سلفاً، والاجزاء تأسست من جانب الملاحظ. كذلك هو يرى ان زينون يجب ان لا يفترض ان الخط يحتوي على نقاط غير قابلة للقسمة. كذلك أنكر ارسطو وجود لانهائية حقيقية actual infinity لا في عالم المادة ولا في الرياضيات، بل انه اعتقد بلانهائية ممكنة Potential infinity. فكرة اللانهائية الممكنة لأرسطو ظلت مهيمنة طوال 1500 عام وبدعم من الكنيسة التي ترى اللانهائية الحقيقية هي للّه وحده وليس للاشياء.

غير ان نقد ارسطو لزينون تعرّض للنقد ايضا لكونه غير منسجم مع المستويات الحالية للتحليل المرتكزة على نظرية zermelo fraenkel وفرضياتها في اللانهائية الحقيقية. 

ومنذ ارسطو حاول كل الفلاسفة والرياضيون توضيح هذه المفارقات، هيوم كتب بان وحدات العالم المادي غير قابلة للقسمة، لكنه تردد في تفسيره لأسباب اللاقسمة هذه. الانسكلوبيديات المعاصرة حققت في تفكير هيوم ، والادّعاء بان الخط لا يتألف من نقاط لا متناهية وانما من نقاط متناهية منضغطة بقوة لدرجة تكون فيها المسافة بين واحدة واخرى غير موجودة. هذا التوضيح الذي صاغه سلفا بعض اتباع افلاطون هو مضلل: الافتراض بان هناك وحدات لاتقبل القسمة في العالم المادي وان المسافة بين نقطتين ستختفي في لحظة معينة غير مقنع للعقل. زينون يدعونا لإعادة انتاج لانهائي لهذا التقدم الرياضي. المكان منقسم الى اجزاء جديدة دون توقف. اذا كان فهمنا يتطابق مع العالم الملموس، فان السلحفاة ستبقى متفوقة بلانهاية والسباق سوف لن ينتهي.

غير ان المشكلة قد تُحل لو اختزلنا اللانهائي الى مجرد انتظام في فهمنا. كانط افترض هذا واقتنع بان المكان والزمان ليسا كينونات مادية وانما مبادئ عالمية لبداهتنا. هدفه كان توجيه تأملاتنا نحو الظاهرة المتناهية والفورية، رافضا الاستنتاج الميتافيزيقي لإفلاطون. لسوء الحظ ان كانط في محاولته اعطاء تماسك لأفكاره، أخضع الواقع لفهمنا. نحن لا نعرف الشيء ذاته وانما فقط تجسيداته الظاهرية. تناقض كانط واضح، كما يشير هيجل: كانط يؤكد لنا اننا لا نستطيع مناقشة وجود الاشياء خارج حدود تفكيرنا، لكنه يذهب فوراً لإفتراض وجود مثل هذه الاشياء.

مشكلة زينون تحدث في العالم المحدود المتناهي الذي نتصوره. اللانهائية عُرّفت وتجسدت في فهمنا. بمحاولته نفي الحركة، اثبت زينون أبدية المكان والزمان. 

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسف(الانسان هو المكان الوحيد الذي يتجمّع فيه الأله) ماكس شيلر

تعريف: ماكس شيلر (1874 – 1928) أحد فلاسفة الحياة في بداية نشأته، وفي مرحلة لاحقة أشتغل على فلسفة فينومينالوجيا هوسرل محاولا تطويرها بمفهومه الفلسفي الخاص به. وفي سنوات شبابه وقع شلر تحت تأثير أستاذه (أيكن) أحد فلاسفة الحياة الذي كان أهتمامه منصّبا حول حياة العقل، بأختلاف عن فلاسفة الحياة مؤكدا على مركزية العقل ومحوريته في الفهم المعرفي والوجود الذي ينكرونه عليه فلاسفة الحياة. كما تأثر شيلر لاحقا بكل من نيتشة ودلتاي وبرجسون، ما جعل (ترولتش) ينعته ب (نيتشة الكاثوليكي) فقد كان شيلر أحد المتأثرين بالقديس أوغسطين أيضا. وبحسب المعنيين بتاريخ الفلسفة الاوربية الحديثة في القرن العشرين، فهم يرونه يستحق الاهتمام الخاص به لأنه أهتم بقوة وحماسة على كينونة الشخص والعودة الى الانسان والاهتمام بقضاياه.(1)

وما يهمنا في هذه المداخلة السريعة هو التعريف بمفهوم شيلر عن العقل والمعرفة بمسح أجتزائي مقتضب غير مخّل، من حيث أن شيلر لديه أهتمامات فلسفية عديدة، يحتاج كل مبحث منها الى دراسات مستفيضة معمّقة، فمثلا هو أهتم بعلم الرياضيات وله كتاب فيه، وأهتم بالمنطق ايضا، وبمثالية كانط وكتب فيها، وكتب في الاخلاق، والفينامينالوجيا، وكذا في موضوعة الحب، وفي المعرفة، والبنية الماهوية لكل ماهو موجود منتقدا كانط فهمه الادراك العقلي للوجود، في وجوب معرفة (ما) الاشياء قبل تساؤلنا كيف نعرف الاشياء كما ذهب له كانط وفلاسفة الحياة.

شلر والعقل

قبل دخولنا معترك بعض أفكار شلر لا بد لنا من عرض بعض تحقير فلاسفة الحياة للعقل فقد ورد على لسان كلاجز:(أن العقل خصم للنفس وخصم للطبيعة وخصم للاخلاص ولكل ماله قيمة، لذا علينا رفض العقل وأن نعود الى تصور العالم على ما كان عليه عند البلاجيين، أي الى الحياة المتحررة من العقل تماما التي تتمتع بالروح البدائية بغير وعي منها)(2)

ينتقد ماكس شيلر كانط في منهجه الاستقرائي في المعرفة قوله :(أن ميدان القبليات- البديهية لا علاقة لها على أي نحو مع ما هو صوري، كما كان يرى كانط. فهناك – والقول لشيلر- ما هو مادي، وهي مضمونات مستقلة عن الخبرة وعن الاستقراء، ويرفض شيلر بشدة متكافئة كلا من الاتجاهين التصوري، والاتجاه الاسمي الوصفي) (3)، هذا التوصيف لايمّثل سوى أتجاه مثالي واحد هو قابلية العقل التجريدية في التعبير عن الوجود بالفكر واللغة، ولا يمثل أية آلية جديدة غيرها في تعبير العقل عن مدركاته وعن المعرفة أيضا.

وأن مثالية شيلر هنا هي نسخة متقدمة عن مثالية كانط، والاثنتان تدوران في حلقة مثالية دائرية واحدة في فهم الوجود والمعرفة. كونهما يفترضان وجود مدركات قبلية بديهية معطاة للعقل. وهذا مايرفضه جون لوك صاحب الوضعية المنطقية التجريبية الجديدة وفلاسفة آخرين تماما معتبرا أن الخبرات القبلية العقلية أن وجدت فهي تكون مكتسبة بالتجربة العملية والخبرة المتراكمة، وليس بالمعطى الفطري الجيني الوراثي لها، والخبرات العقلية لا يكون مصدرها سوى التجارب الحياتية و العلمية، وبغير ذلك فلا وجود حقيقي لها.

فهي أي الخبرات القبلية مكتسبة وليست خبرات جينية بيولوجية موروثة تولد مع الانسان مزوّدا بها. وفي عبارة جون لوك الشهيرة أن الانسان يولد طفلا وعقله صفحة بيضاء، هو رد مباشر شبه يقيني في دحض الخبرات القبلية عند الانسان.

ومن الجدير ذكره أن من بين المنادين بالخبرات القبلية ديكارت وهيوم وجون ديوي وغيرهم من فلاسفة الخبرات القبلية الموجودة في عقل الانسان بالفطرة كمعطى تتشارك به بيولوجيا الجينات الوراثية مع هبة الخالق لها للانسان..

كما أن التفريق بين ما هو مدرك تصوري مثالي وما هو أسمي وضعي وعلاقة العقل بهما مسألة محسومة تماما في صالح العقل وليس في صالح التجزيءلادراكات لا تحصى فهي تكون جميعا مصدرها الادراك العقلي الواحد، وليس معنى هذا أن العقل يدرك المعطيات المادية والمعرفية والانطباعلت النفسية، والحب، والعواطف والاخلاق والجمال والقيم وغيرها بآلية أدراكية واحدة يقوم بها العقل...وأنما تقوم بهذا التنوع الكثيرجدا من المدركات الواردة بشكل حزم لا نهائية ترد العقل وتستقبلها وتعالجها مليارات الخلايا العصبية الموزعة في القشرة الدماغية، وفي تخصصات غاية في التعقيد والتنظيم والاعجاز التنفيذي لمخرجات العقل في جدلها التخليقي مع العالم الخارجي ومع موضوعات الذاكرة أيضا.أي الموضوعات التي تستحدثها الذاكرة التخييلية وتضعها أمام العقل للنظر بها وأعطائه ردود الافعال عنها.

ثم أن حصيلة أدراك الواقع المادي، هي ذاتها حصيلة العقل الذي يخلق التصورات العملية المادية لها، والتصورات المثالية التجريدية الصورية.فكلتا الفعاليتين هما أدراك عقلي واحد في تخليقه وتعبيره عن المدركات والوجود كوحدة واحدة يقوم العقل بالبت في أمر أصدار الايعازات الانعكاسية الجوابية الارادية منها وغير الارادية المتنوعة العديدة بشأنها...ولا مجال في الفرز والتفريق لوظائف العقل الادراكية من خلال تجزئتها الى مادية أو مثالية تجريدية أو غيرهما في أكتساب المعرفة. لأن مثل هذا التجزيء في وظائف العقل يقودنا الى ما لا يمكن حصره من أنواع الادراكات التي يستلمها دماغ الانسان من الطبيعة والمحيط والاجابة عنها خلال ساعات فكيف يكون الحال مع الايام والاسابيع والشهور والسنين الخ.؟؟

ويرى شيلر:(أن الذي يمّيز العقل الانساني تمييزا قاطعا هو نشاط الافكار التصورية، أي ملكة فصل الماهية عن الوجود، وبالتالي فأن العقل موضوعي، وأمكانية يحددها شكل او هيئة الاشياء ذاتها) (4)

أن عبارة شيلرهذه التي مررنا عليها، هي أن العقل يتميز تمييزا قاطعا في نشاط الافكار التصورية صحيحة لكنها لا تقوم على فصل الماهية عن الوجود بل لأن قدرة العقل تقف عند حدود معرفته ظواهر الوجود الذي يمكن التعبير عنها تصوريا باللغة، أي في تعبير العقل عن مدركات الظواهر بالفكر التجريدي واللغة، وما لا يمكن التعبير عنه بالفكر واللغة الصورية غير موجود، بمعنى غير مدرك عقليا لأن العقل عاجز عن أدراك ماهيات الاشياء ولا متاح للعقل التعبير عنها بنشاط صوري كما في التعبير عن الاشياء في ظواهرها.، لذا يكون العقل في حّل من أمر فصل الماهية عن الوجود للاشياء.وليس كل الاشياء في العالم الخارجي تمتلك ماهيات هي غيرها المدركة في صفاتها وظواهرها الخارجية المدركة.

وهي مسألة غاية في الدقة وصواب التعبيرفي توصيف ظواهر الاشياء التي يتعذر على العقل التعبير عن ماهياتها، من حيث أن وسيلة العقل في أدراك الاشياء في الطبيعة وعالم الموضوعات الخارجية المستقلة منها في وجودها الطبيعي، أو الموضوعات التي تبتدعها الذاكرة المخيلة العقلية في الذهن والتفكير العقلي الصامت ومعالجتها، أنما تكون غاية العقل من ذلك ليس الاقتصار على فهم الظواهر وتفسيرها أو تحليلها فقط، بل أن فاعلية ونشاط الافكار الصورية أي التعبير بالفكر واللغة عن مواضيع الادراك العقلي، أنما هي في حقيقتها تخليق العقل للاشياء المدركة ومحاولة تغييرها نحو الافضل، وبما يخدم حياة الانسان وليس الاكتفاء بمعرفتها تجريدا سلبيا.

ولو نحن أقتصرنا على أدراك العقل للاشياء من أجل معرفتها وتفسيرها فقط وليس من أجل خدمة حياة الانسان نحو الافضل لكنا الى يومنا هذا نعيش في عصور الكهوف البدائية.

أن أدراك الاشياء في الطبيعة هو قوة مادية يمتلكها الانسان من أجل سد حاجاته وليس من أجل التعبير المجرد عنها كمدركات لا أهمية لها في حياته. كما أن الافكار التصورية للعقل، أنما هي أنعكاس جدلي حيوي غير ميكانيكي في تعالق المادة والفكر على مستوى الادراك العقلي للاشياء وأدامة حيوية تطورها.

والافكار التصورية في التعبير عن الوجود، أنما هي تمثل مرحلة ثانية تلي مرحلة الادراك العقلي للاشياء من حيث أهمية أجراء عملية تحليلها وتخليقها في الذهن أولا... فالعقل يدرك مواضيع الوجود المادي والخيالي معا في كل تنوعاتهما واختلافاتهما كحزم لا تحصى من الادراكات التي ترد العقل عن طريق الحواس والذاكرة، بعدها يقوم العقل بتخليق دينامي حيوي لها قبل التعبير عن مواضيع الادراك بالفكر واللغة التجريدية الصورية داخل وخارج العقل في مجمل موضوعات الادراك وتنوعاتها وتوقيتاتها الزمنية في وصولها كمعطيات ادراكية للعقل... وبهذا يكون العقل (موضوعيا) كما يصفه شلر وليس ذاتيا فقط، بمعنى أنه مادي فاعل ومؤثر بالوجود وليس مدركا هامشيا محايدا ذاتيا في تدبيره حياة الانسان...

والعقل في الوقت الذي يعي نفسه أو ذاته، هو عقل موضوعي في مهمته أدراك عالم الاشياء الخارجي أيضا. والعقل يدرك وجود الاشياء ومحاولة أعطائه الفهم التحليلي والتفسيري لها بالفكرالجدلي، قبل أهتمام العقل التعبير عنها صوريا تجريديا باللغة. أما الشيء الذي نجده يستحق فعلا الاهتمام الجاد والكبير به ومناقشته هو أعتبار شيلر أن العقل يمتلك (ملكة) فطرية يستطيع تمييزه بها نوعية الشيء المدرك من حيث امكانية العقل فصل ماهيته عن مظاهره وظواهره الخارجية.وبذلك يسبغ شلر على العقل أمكانية لا يمارسها العقل وعاجز عنها ولا هي من اختصاصه القيام بها ونعني بها قيام العقل فصل الماهية عن الوجود كما يرغب شلر.

كما نجد أن تخطئة كانط في أصراره عدم امكانية العقل فصل ماهيات الاشياء عن ظواهرها الخارجية المدركة، أن تكون مصادرة رأيه بهذا المعنى والتعبير الفلسفي الاجتهادي المقبول، هو في مصادرته دونما أعطائنا شيلر بديلا فلسفيا مقنعا في كيفية أمكانية العقل فصل الماهية عن الوجود وكيف؟

بالحقيقة أن وجود الاشياء والمواضيع المستقلة في الطبيعة، وتمايز ماهياتها عن ظواهرها أو ظاهرياتها، هو في تعبير الوجود عن ذاتيته المستقلة بالطبيعة (ذاتها) كماهية غير مدركة وظواهر متعالقة بها قابلة هي وحدها لادراك العقل لها...، والعقل في أدراكه الشيء يدركه كوحدة واحدة من المكونات الظاهرية والماهيات المغلقة غير البائنة ادراكيا، ولا يستطيع العقل فصل معرفة ماهية الشيء عن ظواهره الخارجية لا في أدراكه ولا في أعادة تخليقه له.، فماهية الاشياء وعدم أدراكها حدسا عقليا أو تجريبيا أنما هي من خصائص الطبيعة غير العاقلة وليس من مهامها البيولوجية وظائفيا، التي هي الاخرى كما العقل لا تستطيع فرز ظواهر الاشياء عن ماهياتها بالادراك المباشرلها.

فالطبيعة هي موضوعات أدراكية للعقل لكنها لا تمتلك أدراكا ذاتيا ولا موضوعيا جدليا متخارجا كما هو عند الانسان... وليس من مهمة العقل المدرك للطبيعة والاشياء في ظواهرها البادية للمعطيات الادراكية الحسّية فقط التعبير عما يعجز عن أدراكه وهو ماهيات الاشياء وكيفياتها...الماهيات ألعصيّة على ألادراك العقلي وليست ظواهر الاشياء...

فالعقل يعجز فصل الماهية عن الوجود مثلما تعجز الطبيعة فعل ذلك أيضا، لكن بفارق جوهري كبير هو أن العقل يدرك عجزه كونه يعي ذاته والموضوع، بينما الطبيعة لا تدرك هذا العجز لعدم توافر الادراكين الذاتي والموضوعي عندها ناهيك عن أنعدام امتلاك الطبيعة خاصيتي الفكر واللغة اللتين يتمايز بهما الانسان عن الطبيعة في التعبير عن ادراك الاشياء ذاتيا وموضوعيا معا..

والحقيقة أن الادراك العقلي المادي للاشياء لا يدرك ماهياتها منعزلة كما لا يدرك ظواهراها ألبادية منعزلة عن أرتباطها الوثيق بجواهرها الكامنة فيها، ولا ينفصل العقل عن أدراكه الاشياء في ظواهرها من حيث أن المدرك الظاهري للشيء هوغير مدرك في ماهيته، ليس بالمعنى النوعي للادراك، بل بالقياس الكمّي الذي لا تنفصل فيه ملازمة ظواهر الاشياء المدركة عقليا بكيفياتها غير المنكشفة لادراك العقل، كما هو الحال مع الظواهرالمتعالقة مع كيفياتها الماهوية في غالبية الموجودات.بتعبير آخر فان الماهيات تتعالق في تبعيتها أدراك العقل لظواهرها، أي أن ظواهر الشيء المدرك تبقى في ملازمتها ماهيتها غير المدركة وترافقها معها، العقل وأن كان يدرك ظواهر الاشياء فهذا لا يعني مكنة وقدرة العقل التمييز الادراكي بين الظواهر والماهية في أدراك الوجود.

لكن تبقى محدودية ألادراك العقلي في عدم معرفة ألماهيات، وفي قدرته تفسير ظواهر الاشياء فقط ليست حيادية عقلية بل في تداخل وتفاعل تخليقي متجانس ومنظّم للظواهر وليس الماهيات، العقل لا يعرف ماهية الشيء المدرك في ظواهره، كي يتمكن فصل الماهية عن ظواهرها كما يرغب شيلر.

وليس في قدرة العقل الادراكي القيام بمهمة الفصل تلك، لذا عمدت الفلسفتان المادية والمثالية في أعتبارهما أدراك الاشياء في ظواهرها المادية الوجودية المستقلة، هو أدراك كاف للعقل في معرفة الاشياء من حيث هي موجودات الطبيعة...وأن مجموع الصفات والظواهر للشيء هي ماهيته غير المنظورة للحواس ولا المدركة للعقل، وكل تغيير في الظواهر والصفات الخارجية المدركة للاشياء، أنما يستتبعها تغيرات جوهرية في حقيقة الاشياء كيفيا ماهويا رغم ألزعم القائل أن الماهيات جواهر ثابتة لا يمكن تغييرها.فالتغيير في صفات الشيء يقود حتما الى تغيير بعض ماهياته الثابتة التي في حقيقتها غير ثابتة وانما تعيش حركة تضاد حركي بداخلها، وتعيش جدل متخارج مع صفاتها.أضافة الى أن ماهية الشيء هي في مجموع صفاته وظواهره المدركة حسيا وعقليا ومعرفتها في خواصه هذه يعني معرفة ماهيته.

الماهية البيولوجية والماهية الرياضية

ونجد هنا أهمية التفريق مابين معرفة ماهية الشيء رياضيا علميا عنها في معرفته البيولوجية الطبيعية عقليا، أن الادراك في كلتا الحالتين واحدا في الاحتكام النهائي لمرجعية العقل، أذ لا يمكن ادراك أو معرفة ماهية شيء بغير العقل. لكن أدراك ماهية الشيء رياضيا، أي معرفة حقيقتة الرياضية أنما تتم باعتماد رموز المعادلات الحسابية المختبرية التجريدية، وهو ما لا يتوفر عليه العقل أدراكه ماهيات الاشياء في وجودها البايولوجي الحي في الطبيعة التي تفترض معرفة ماهيتها حدسا أدراكيا مباشرا من العقل القاصر معرفتها حسيّا، ولا يحتاج العقل مرموزات المعادلات الرياضية، بل يحتاج أفكار اللغة في التعبير عن معرفة كيفيات الاشياء في حال أمكانية كشفها ومعرفتها.

كما تذهب فينامينالوجيا هوسرل أنها تلتقي بالعلوم الرياضية في معرفة الماهية لكن بطريقة الحدس العقلي، اذ حسب زعمهم أن الفينامينالوجيا هي مثل علوم الرياضيت لا تعالج وقائع عابرة، أي لا تعالج موجودات الاشياء في الطبيعة، وانما تهتم بماهياتها فقط، ولكن بأسلوب غير منطق الرياضيات في المعادلات، بل في أسلوب الحدس العقلي للماهيات.

من الواضح أن خطأ الفينامينالوجيا زعمها أنها تلتقي مع علوم الرياضيات في معرفة ماهيات وحقائق الاشياء غير ممكنة، فالمنهج المنطقي الرياضي الذي يعتمد معادلات تجريدية في الوصول الى حقائق وماهيات المواضيع، لا تتوفرعليها الفلسفة الفينامينالوجية في أعتمادها الاستدلال الحدسي العقلي غير اليقيني الثابت في الوصول الى ماهيات الاشياء في حال أفتراض وجودها الثابت...ولا يمكن معرفة الماهيات في حدسها عقليا ظاهريا، لأنه في حالة افتراض التسليم بهذه الامكانية الفينامينالوجية في الحدس العقلي، فأن هذا الحدس يستلزم خبرة أدراكية قبلية موجودة في العقل عن الشيء المراد معرفة ماهيته حدسيا.ثم والأهم من هذا أن المواضيع المراد معرفة ماهياتها رياضيا مختلفة جدا عن مواضيع معرفة ماهيات الاشياء فينامينالوجيا.

أذا ما أخذنا بالاعتبار أن ماهيات الاشياء البايولوجية في الطبيعة هي في حالة من الاحتجاب الكامن خلف ظواهرها، ولا يمكن للعقل أدراكها أو معرفتها بالمباشر الحسي أو الحدسي. نجد ومن هنا نقول أن الشيء الذي يعجز العقل عن أدراكه ماهويا لا يمكن التعبير عن ماهيته بأي نوع من التعبير الذي يمكننا فهمه.

أن عبقرية العقل وأعجازه تتمثل في أن أدراكه الاشياء ليس فقط لفهمها، بل في وجوب القيام بمهمة تفسير الادراكات بهدفية قصدية تغييرية للاشياء في ظواهرها فقط أي في تخليقها وتجديدها وتغييرها وليس في خلقها.

أما أن يتداخل ما هو ظاهري مدرك عقليا للشيء في جدل متخارج مع ماهو ماهوي كيفي غير مدرك لنفس الشيء، فلا يكون هذا من مهمة العقل وأنما من مهمة الطبيعة المحكومة بالجدل وبالحركة الدائمية والتغييرالمستمر في الزمان والمكان....تغييرات الاشياء في الطبيعة أنما يحكمها قانون الطبيعة في الديالكتيك الذي يعمل باستقلالية تامة عن أدراك أو تدّخل عقل الانسان بها ولا تستجيب لرغائب الانسان...الانسان منذ وجوده في الطبيعة يشكل جزءا متمايزا عنها فهو يقوم فقط بمعرفة ظواهر الاشياء فيها ولا يتدخل بقوانين الطبيعة سوى فقط التي يجري اكتشافها من قبله، أما القوانين الطبيعية التي لم يكتشفها الانسان لحد الآن فلا سيطرة له عليها ولا معرفة له بها ولا تداخل معها لا بالحواس ولا بالعقل...لذا تكون قوانين الانسان المخترعة عقليا تسري على الطبيعة في الظواهر المكتشفة منها فقط ولا تسري على قوانين الطبيعة غير المكتشفة للانسان من ضمنها قانون كيف يدرك العقل الانساني الوجود في كيفيته وجوهره.

كانط وشيلر والمعرفة العقلية

أن فصل الادراك الماهوي للشيء عن وجوده الظاهري المادي المستقل في الطبيعة، كان أشار له كانط في أن العقل عاجز عن معرفة ماهيات الاشياء، في نفس وقت وآنية أدراكه المادي لها في ظواهرها فقط. والعقل لا يمكنه التمييز بين الشيء في ماهيته والشيء في ظاهرياته. وكما ذكرنا سابقا أن العقل يدرك الاشياء في وحدة وجودية ويتعامل مع ظواهرها تخليقيا جدليا، ولا يخلق وجودها المستقل من جديد، فالافكار لا تخلق الوجود بل الوجود هو مصدر خلق الافكار.

ويبقى أدراك الماهويات عقليا مرتهن بمدى تعالقها مع أدراك العقل لظواهرها، والتخليق العقلي لا يمس كيفيات أو ماهويات تلك الاشياء لأنه لا يدركها، لذا نؤكد أن كل تغيير يطال الاشياء في ظواهرها لا يحتّم بالضرورة تغييرا ملازما في كيفياتها وماهياتها الثابتة، بنفس وقت أمكانية حصول تغيير في كيفية ما عند تغيير العقل ظواهر ذلك المدرك أو غيره...أذ ربما يحصل نوع من التبادل الجدلي التغييري في الشيء المدرك ظواهريا مع ماهيته التي تكون في حكم الثبات بالنسبة لأدراك العقل لها في وجودها الطبيعي المستقل، لكن بعد تدّخل العقل معالجة ظواهرها ربما يستتبع هذا تغيير في كيفياتها غير المكشوفة للعقل.

من جهة أخرى نجد شيلر في معرض أدانته لكانط في منهج الاستقراء المعرفي، وأتهامه له بالخلط ما بين العقلي والقبلي، وهو خلاف ما سعى له كانط أنه أراد تأكيد تداخل العقلي والقبلي بما لا يمكن للعقل الفصل بينهما، فكل ما هو عقلي يصبح قبلي في المراكمة من الخبرات، عليه يكون العقل قسمة مشتركة بين المفهومين في أدراك المعرفة، كما لا يوجد خبرات قبلية ولا ماهيات يختزنها العقل كمعطى ألهي أو هبة طبيعية في العقل. وأنما كل الخبرات تصبح بديهيات وحقائق عقلية بالتراكم المعرفي التجريبي، التي مصدرها الوجود، ويعجز العقل تخليقه الوجود وأن يجعل من الخبرات القبلية غير الموجودة في حقيقتها بديهيات مسّلم الأخذ بها.

قوانين الطبيعة وقوانين العقل

يذهب ماكس شيلر الى أنه ( لا يوجد عقل يفرض قوانينه على الطبيعة، واننا لا نستطيع أن نثبت الا ما يعتمد على الاتفاق والاصطلاح، أما القوانين فلا أحد يستطيع فرضها) (5) لم يوضح لنا ماكس شيلر لماذا لا يستطيع العقل فرض قوانينه على الطبيعة التي نحاولها في توضيحنا التالي، على حد فهمنا لعبارات شيلر الغامضة خاصة قوله ما يعتمد على الاتفاق والاصطلاح وما المقصود منهما:

- أن العقل الانساني محدود جدا في فهمه لا متناهي قوانين الطبيعة وقدراتها الفائقة التي تحكم الوجود الانساني بما لا يعرفه الانسان عنها الا في القليل منها، والقول بأن الانسان سيد الطبيعة مصطلح غائم غير صحيح بالنسبة للطبيعة وقوانينها، لكنه ربما يرضي غرور الانسان في محاولته وطموحه السيطرة على الطبيعة في أكتشافه قوانينها الثابتة كاملة...الطبيعة هي مرضعة الانسان والحيوان والنبات وجميع الموجودات في تأمين بقائها وأدامة حياتها في توفير الغذاء لها، وأن كانت لا تعي ذاتها لكنها لا تسّلم قيادها بيد الانسان، لأن ذلك خارج عن أرادتها الصماء الثابتة أيضا...والطبيعة تعرف بقوانينها التي تحكم الوجود الطبيعي بضمنه الوجود البشري، وليس فقط بالاشياء المادية الظاهرة والبائنة لادراك الحواس والعقل المباشرمن كائنات حية وغير حية تشاركه الطبيعة.

الانسان بقدر أحساسه الكبير جدا أنّه لا يستطيع الاستغناء عن الطبيعة، ألا أن الطبيعة لا تدرك حاجة الانسان لها ولا تستجيب هي لرغائبه أكثر مما تجود به هي على الانسان والحيوان والنبات من أسباب البقاء والحياة بلا ادراك منها.

- إن الطبيعة هي مصدر خلق قوانين العقل وليس العكس. بمعنى عجز العقل أن يكون مصدرا مهيمنا باختراعه قوانين تمكنه من هيمنته على الطبيعة، فالوجود الطبيعي للاشياء هو الذي يخلق قوانين العقل، وبقوانين الطبيعة القبلية الثابتة التي تمتلكها الموجودات والتي يفتقد العقل أمتلاكها أو بعضها هي التي تحكم الوجود.

وقوانين الطبيعة قبلية متعالية على الوجود والانسان في غموضها وعدم قابلية العقل البشري أدراكها أو أكتشافها كاملة الا في بعضها، وليس بمقدور العقل أختراع قوانينه ذاتيا، قوانين يحكم بها الطبيعة ألا في أضيق نطاق ومجال هو ما يخص الطبيعة في ظواهرها وبعض القوانين المكتشفة من قبل الانسان عنها...لذا يتعذّر على الطبيعة أستقبالها قوانين العقل التي تكون هي مصدرها الحقيقي وليس العقل.القوانين الطبيعية المكتشفة منها وغير المكتشفة، هي التي تحكم الوجود، وقوانين الانسان المخترعة لا تحكم الطبيعة ولا الوجود بقدر تاثيرها الضئيل في تسخيرها الطبيعة لصالح بقاء الانسان وادامة حياته على الارض ومعه جميع الكائنات الحية.

- قوانين الطبيعة لا تستمد مشروعية قبولها من وعي الانسان بها أو حاجته لها، ولا تعمل أو تعي تلبية رغائب الانسان منها، ويمكن لموجودات الطبيعة أن تتقبل قوانين العقل التي تتدخل في ظواهر الاشياء فقط وليس بماهياتها التي يعجز العقل ادراكها.كما أن أختراع العقل لبعض قوانينه، فهو لا يمتلك بها أمكانية ابطال فاعلية قوانين الطبيعة الثابتة أو تحكمّه بها..

- ان القانون المستمد عقليا من أدراك الطبيعة لا يتعامل بحيادية التعبير عن تلك الادراكات بلغة التصورات المثالية التجريدية في حيادية زائفة تنسب للعقل، بل أن العقل يتداخل بالفكر والتجربة العلمية في تخليق مدركاته المادية والمثالية على السواء ليس من أجل معرفتها وتفسيرها المجرد، بل من أجل تطويعها لخدمة الوجود الانساني... أن ملكة العقل الادراكية النقدية تتداخل حتما في تعديل واكتشاف العلل السببية السلبية التي تعمل بالضد من تسهيل حياة الانسان وصعوباتها، والا فلا معنى أن يدرك العقل الانساني الطبيعة واكتشاف قوانينها الثابتة الفاعلة من أجل فهمها وليس من أجل تسخيرها في خدمة الحياة والوجود الانساني.

لذا فأن الطبيعة في الوقت الذي تكون أرهاصا أوليا للعقل في أدراكه الموجودات واكتشافه بعض قوانين الطبيعة، فهي عاجزة غير مكترثة عن أستقبال رغبة العقل الانساني فرض قوانينه المخترعة على الطبيعة ذاتها. وأن ملكة العقل الاعجازية تكمن في أكتشافه قوانين الطبيعة الثابتة التي تعمل بمعزل عن أرادة الانسان، بنفس وقت أن العقل يخلق قوانينه الجدلية الخلاقة التي يتبادلها في التأثير والتأثر بالطبيعة من جانب أحادي فقط هو الانسان.

الطبيعة في الوقت الذي تحكم الوجود الانساني بقوانين ثابتة مستقلة عن وعي وادراك ورغبة الانسان، رغم كل هذا فالطبيعة لا تعي استقبالها القوانين الانسانية المخترعة في تطويعها لرغائب الانسان وحتى العبث بها.

 

الباحث علي محمد اليوسف/الموصل

.......................

الهوامش:

1- أ.م. بوشنكي، الفلسفة المعاصرة في اوربا، سلسلة عالم المعرفة، ترجمة د. عزت قرني ص 192-193

2- نفس المصدر ص 196

3- نفس المصدر ص 197

4- المصدر نفسه ص 198

5- المصر نفسه ص 199

 

علي رسول الربيعيالإجراء والجوهر: كما ذُكر أعلاه، يقترح رورتي أن الإطار الإجرائي للديمقراطية الليبرالية هو الذي يمكّن التداول و"المحادثة" الأستمرار في الديمقراطية الليبرالية من دون مبرر فلسفي. ولتوضيح ذلك، استعار رورتي فكرة السوق، حيث يجتمع الناس من مختلف الاديان ويتعاقدون بخصوص أجراء أعمالهم، على الرغم من أنه قد يكون هناك خلافات فلسفية عميقة عنيفة بينهم.[1] يمثل هذا، بالنسبة لرورتي، الحل الوحيد لمشكلة انهيار إيماننا بالمعايير الأساسية للتنوير، وضرورة وجود إطار عمل يتم من خلاله إجراء "المحادثة" المستمرة حول الديمقراطية الليبرالية.

يصر رورتي على أن هذا الإطار الإجرائي يمكن أن يقف بذاته دون الحاجة الى مبرر فلسفي. بدلاً من الاعتماد على فلسفة التطمين، يحاجج رورتي بأن المجتمع الديمقراطي يحتاج فقط إلى عملية "توازن مناسب".[2] يستعير عبارة "التوازن المناسب" من جون راولز، الذي يعرفها بأنها "التعديل المتبادل للمبادئ والنظر في الأحكام".[3] إنها عملية ضمان توافق المبادئ والأحكام، وأن مصدر هذه المبادئ كان موضوعًا للتاملذ وللتفكير. ويحاجج رورتي ايضا بأن ما تحتاجه الديمقراطية ليس "إطارًا فلسفيًا" للمفاهيم [4]، بل إطار إجرائي، مثل التوازن المناسب، بدون محتوى حقيقي.[5] يبدو أن اعتراض رورتي على تسمية "أهداف جوهرية" هو فقط لأنها تقود إلى تبرير الأشياء أو ألأمور أو الوقائع باستعمال الفلسفة. فيأتي أعتراضه من موقفه الذي يعتبر هذا النوع من التبرير، كما أشرت سابقًا، بلا معنى أو، أو كإرباك ضار.[6] فيمكن فهم مفاهيم العدالة الإجرائية والمساواة، بالنسبة لرورتي، على أنها "تطورات ثقافية ضيقة وحديثة "تستحق المحافظة عليها.[7] ويجب الدفاع عنها عن طريق مقارنات مع البدائل الملموسة، وعلى أساس عملي برغماتي يدلل أن هذه المفاهيم تساعدنا على فهم وتحقيق نوع المجتمع الذي نريده، وليس من خلال اللجوء الى مفاهيم الأساسية أو حقائق العالمية.[8]

يعترف رورتي بأن حجته لإطار إجرائي مناسب تشبه نموذج هابرماس للفعل التواصلي. إنه يعتقد أنه يتفق مع هابرماس في أن "المجتمع الليبرالي هو مجتمع يرضى بتسميته الفعل" صواب "(أو" حق "أو" عادل ") مهما كانت نتيجة التواصل على أن لايكون مشوًه، وأيا كانت وجهة النظر التي تربح لكن على شرط أن تكون بطريقة حرة ومفتوحة.[9] يرى رورتي هناك القليل للاختيار او التفضيل بين موقفه وموقف هابرماس، على الأقل فيما يتعلق بالشكل الإجرائي الذي يجب أن يتخذه المجال العام. وتكمن نقطة الاختلاف الرئيسة، وفقًا لرورتي، في حقل "الفلسفية فقط"، لأن هابرماس ملتزم بوضع معايير عالمية وعقلانية.[10] يكتب رورتي أنه يجد أنه من الممكن "التوافق مع هابرماس الى أن يصل الى النقطة التي تتعلق بالعالمية، فينحرف عن الأتفاق معه".[11] أما بخصوص اختيار هابرماس لنمط العقلانية التي يتبناها، فأن رورتي يبدي رضاه عنها بوصفها توجها موضوعيا لكن يرفض أو يختلف منها في أدعائها العالمية، اي يتفق مع هابرماس في العقلانية ويختلف في العالمية لهذه العقلانية.[12] ويقول إن الأمر بكل بساطة، هو عدم قبوله فكرة أن الفلسفة في حد ذاتها لها صلة بالسياسة، في حين أن الجماعات والمجتمع وعلاقاته له هذه الصلة.

يعترف رورتي أن هناك خطراً وهو أن نتائج الإجراءات المتسامحة والعقلانية قد لا تكون هي نفسها متسامحة دائمًا. لكنه يرى أن الديمقراطيات الليبرالية لديها الوسائل لتجنب ذلك الخطر عن طريق "الأصغاء الى المتخصصين".[13] يزعم رورتي أن الديمقراطية الليبرالية البرجوازية يمكنها أن تطمن نفسها من خلال توظيف ما يسميه "خبراء التنوع أوصياء العالمية أو رعاتها".[14] قد يبدو "التطمين" اختيارًا فريدًا للكلمة، يستعملها رورتي للإشارة إلى نوع من التبرير الأخلاقي للمجتمع الذي لا يرتبط بالقيم العالمية. يحدد "المتخصصين،ممثلي الرقابة " (عن سبيل المثال، علماء الاجتماع والصحفيون وعلماء الأنثروبولوجيا، ولكن كما هو متوقع، وليس الفلاسفة) الذين يجلبون التنوع إلى أنتباه وأهتمام "ممثلي العدالة". يحاجج رورتي بأن الديمقراطيات الليبرالية تشتغل بالفعل من خلال الالتزام بمبادئ العدالة الإجرائية، ولكن أيضًا من خلال توظيف "متخصصين على وجه التحديد ... [مهمتهم هي] ... مواصلة المشاركة في توسيع نطاق خيالنا الأخلاقي".[15] هدفهم هو تحقيق التوازن بين الطابع العالمي للعدالة الإجرائية، من خلال تذكير المجتمع بوجود التنوع وأهميته.

العرقية المتعمدة

يدعي رورتي بخصوص الإثنية المتعمدة التي يتبناها أنها تعطي أولوية للتسامح الليبرالي، أو على الأقل القيام بذلك حتى يظهر معجم مفردات أخرى تبدو أكثر فائدة من إجراءات الديمقراطية الليبرالية. تشير كلمة "مفيدة"، في هذه الحالة، إلى قدرة معجم المفردات المعينة على خدمة مصالح الناس. وفقًا لطريقة "إعادة الوصف" لرورتي، سيسعى مؤيدو المفردات الجديدة إلى إعادة وصف الإجراءات الليبرالية الحالية والمفاهيم الماضية والمستقبلية للتمثيل والمشاركة والعدالة. عن سبيل المثال، يمكن تحديد أحد الأهداف الرئيسية للحركة النسائية، وفق تعبير رورتي، باعتبارها الحاجة إلى إعادة تعريف فهمنا للانقسام بين المجال العام / الخاص، لتمكين النساء من أن ينظر إليهن كمواطنات كاملات المواطنة.

ولكن حتى لو تم إجراء مثل إعادة التوصيف هذه، فإن العملية برمتها لا تزال إجراءً ليبراليًا أساسيًا. يمكن أن يُجبر نموذج رورتي للديمقراطية الناس على الخضوع بتسامح وصراحة لكل محادثة تهدف إلى إقناعهم باستخدام مفردات أخرى، سواء كانت مقدمة من قبل ليبرالية رورتي أو من قبل النسوية. لذلك، لم يبتعد رورتي أبداً عن هذا الإطار الإجرائي الليبرالي الذي يكمن في كونه أهم ضامن للنقاش الحر في المجال العام. يحاول رورتي الهروب من الانتقاد الذي يوجه له بأنه : في الواقع، يضفي الطابع العالمي على القواعد والإجراءات الديمقراطية الليبرالية، حيث يقول أن نموذجه يجب أن يقرأ على أنه إثني متعمد.

يجادل رورتي أن الليبراليين الغربيين الذين لم "يتبنوا ( طروحات) ما بعد الحداثة" يُجبرون فعليًا على أن يكونوا من عرقيين، لأن مفهوم المساواة الإنسانية، الذي يستند إليه نقد العرقية، هو" مركزية غربية مختلفة" أو أخرى .[16] بمعنى آخر، غالبًا ما يقوم أولئك الذين يحاججون ويقفون ضد المركزية الإثنية على أساس مجموعة من المفاهيم الأخلاقية هي نفسها نتاج ثقافة معينة ولحظة تاريخية بعينها. وفقًا لرورتي، يمكن لليبرالي ما بعد الحداثة أن يقبل أن الإجراءات الليبرالية تعبر عن مركزية عرقية، لكنها تبقى توفر أفضل إطار لجميع ثقافات العالم المختلفة حتى تتعايش، حتى تلك التي ترفض مبادئ الليبرالية المتسامحة.

نقد

تفتقد النظرية الديمقراطية التي تطرحها أعمال رورتي الأنسجام والتماسك وهي غير مقنعه في اغلب الأحيان . وقد اثارت الكثير من الانتقادات، سواء بسبب التناقضات الملحوظة في مقاربته المناهضة للأسسية الإبستيمولوجية (المعرفية)، أو لما يعتبره البعض ايديولوجية محافظة في الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية الغربية. برنشتاين، عن سبيل المثال، يجادل بأن عمل رورتي هو "اعتذار أيديولوجي عن نسخة قديمة من ليبرالية الحرب الباردة مرتدية خطاب" ما بعد الحداثة "المعاصر.[17] على الرغم من أن بيرنشتاين يحفاظ على نقد قوي لنظرية المعرفة والسياسة عند رورتي، إلا أنه في مقال لاحق أعترف بأن عمل رورتي يشكل تحديات مهمة، ويساعد أسلوبه المثير للجدل على إحياء انضباط الفلسفة من خلال التشكيك في بعض معتقداتنا العزيزة.[18] يرى وولين، في مقال نقدي خلاف ذلك، فيقول أنه ربما هناك ميزة وجدارة في عمل رورتي تنبع من تداخل نظرية ما بعد الحداثة مع مفاهيم الديمقراطية. كما يرى وولين، إن المعالجة الواضحة للقضايا الديمقراطية هي نظرية نادرة الحدوث في طروحات مابعد الحداثة.[19]

لسوء الحظ، لا يوضح رورتي أيًا من الأشكال المختلفة للديمقراطية التي يدعم، باستثناء المؤسسات الأساسية مثل "التصويت، الصحف، المنظمات المجتمعية" لأهميتها.[20] وكما يقول برنشتاين، يبدو  رورتي وكأنه يفتراض بأن معنى "الديمقراطية الليبرالية" واضح إلى حد ما بالنسبة للجميع.[21] ويشير رورتي في بعض الأحيان بشكل منفصل إلى الليبراليةذ والى الديمقراطية ولكنه بشكل عام يجمع بينهما كنموذج سياسي واحد.[22] ليس هذا بالأمر غير المعقول، لأنه يوجد تقارب قوي بين الليبرالية والديمقراطية الغربية.[23] ومع ذلك، فإن الاثنين ليسا متطابقين، وتبقى الاختلافات بينهما مصدر خلاف. يرى وولين، عن سبيل المثال، أن تركيز رورتي على خصخصة الفلسفة ليس ديمقراطياً على الإطلاق، ويجادل بأن التمييز الصارم بين المجالين العام والخاص "ليس ما تدور حوله الديمقراطية"، مستشهداً بدلاً من ذلك بـ "المساواة والاعتقاد بأنه يجب ان تكرس السلطة العامة للمساعي المشتركة.[24] على الجانب الآخر من الطيف السياسي، يرفض منظرو اليمين الجديد مثل فريدريك هايك ارتباطًا وثيقًا بين الديمقراطية والليبرالية، من منظور أن قيمة الحرية يجب أن تكون لها الأسبقية على الديمقراطية، بمعنى ان يكون لإرادة الناس الأولوية.[25]

إن نظرية رورتي حول الديمقراطية الليبرالية لها نمطها الخاص. وإن مفهومه للحرية مفهوم سلبي، حيث يتم الحفاظ على دور المجال العام إلى الحد الأدنى عن عمد. ولأنه- كما يرى رورتي- لا يمكن أن يكون هناك معرفة يقينية، فإن التدخل في الشأن العام له دائمًا القدرة على تدمير حرية الفرد دون داع. ومع ذلك، ليس من الواضح سبب رفض رورتي الادعاءات الجوهرية لصالح إطار إجرائي. مع أن فلسفته تتضمن وتؤكد، في الواقع، على التزامات جوهرية بمبادئ التسامح وتسوية الخلافات، ومناهضة القسوة والمساواة الإنسانية.

يشير رورتي أن المضمون الجوهري للديمقراطية سيتم إعداده في مجريات النقاش العام، لكنه لايلتفقت الى أن مثل هذا النقاش يفترض مقدما وجود مساحة عامة شاملة ومتساوية للجميع . تستند نظرية رورتي للديمقراطية على افتراض أن المواطنين متساوون، وأن المجال العام الليبرالي شامل كليًا لجميع المشاركين. لكن ولين يشكك في التمييز بين القطاعين العام والخاص في عمل رورتي، ويرى أنه يحمي التمييز بين القطاعين العام والخاص من المنافسة والاحتمالية.[26]

إن حجة رورتي أن الاختلافات بين المشاركين في المجال العام يمكن اختزالها إلى مجرد "فلسفية" ومن ثم أنزالها إلى المجال الخاص هي في الواقع تهرب منه من مواجهة مسألة ما إذا كانت العدالة الإجرائية والمؤسسات الليبرالية قد تتضمن على تحيزات. يرى رورتي أن هذه الإجراءات محايدة ازاء جميع المقاصد والأغراض، وبالتالي هي مطالب مفتوحه لحق الأختلاف والنقاش حولها. لكن مثل هذا الافتراض يمكن أن يؤدي إلى خطورة تتمثل في رضا المجتمعات الديمقراطية الليبرالية عن أوضاعها. وهذا الشعور بالرضا ستكون له عواقب سياسية هي: أنه طالما كانت المتطلبات الإجرائية للمناقشة تحدث، فلا داعي لمعالجة التفاوتات الواسعة النطاق. ثم أن هناك أنواعًا أخرى من النظريات التي لا تتوافق مع أيٍّ من هذين التوصيفين. فالمنظِّرون النسويون، عن سبيل المثال، يسعون إلى فحص علاقات القوى القائمة على النوع الاجتماعي( الجندر) المتضمنة في المجالين العام والخاص.[27] يفرض رورتي انفصالاً صارما جامداً بين الفيلسوف العقلاني التنويري من جهة، وليبرالي ما بعد الحداثة في ساخريته من ناحية أخرى. وكلاهما مدعوان إلى حصر اهتماماتهما الفلسفية في المجال الخاص، وترك المجال العام حرا لتحقيق العدالة الإجرائية الليبرالية. لكن لسوء الحظ، ما يبدو أن رورتي بسبب فلسفته هذه قد ضاع فرصة نقد حقيقي لتلك الإجراءات والمؤسسات، والقيم الجوهرية التي تشكلها. فطبقًا لرورتي، لا يمكن لأولئك الذين يرغبون في تقديم وجهات نظر نقدية حول الإجراءات والقيم الأً أن يفعلوا ذلك في المجال الخاص غير السياسي، أو سيكون عليهم الانخراط في عملية "إعادة الوصف" بشكل مقنع بما يكفي لضمان حدوث تحول في "المفردات" لهذا المجتمع بالذات.

ينتقد وولين مفهوم إعادة الوصف- الذي يقول به رورتي- باعتباره يفتقد العمق السياسي المطلوب، مجادلا أن رورتي يؤيد نظرية للتاريخ تنسب كل تغيير اجتماعي إلى التلاعب في اللغة.[28] الادعاء بأن اللغة لها وظيفة بناءة ليس فريدًا من نوعه ولم يقل به أحداً غير رورتي. فيمكن القول أنها واحدة من السمات المميزة القليلة لنظرية ما بعد الحداثة ككل. لكن وفقًا لنموذج رورتي للديمقراطية، يبدو أنها عملية حميدة نسبيًا. يصفها رورتي بأنها أحدث طريقة فلسفية حيث يحدث التغيير من خلال إعادة وصف الممارسات التوافق بشكل صحيح مع الصورة الذاتية للمجتمع. يستعمل رورتي مصطلحات مؤرخ العلوم توماس كون، الذي حدد الاختراقات الثورية في العلوم بأنها "تحولات نموذجية". اقترح كون أنه بمجرد حدوث هذا الاختراق، لن يكون هناك عودة إلى الطريقة السابقة لمشاهدة أو ملاحظة شيء ما.[29] وبأستعمال مصطلحات رورتي، تتغير "مفردات" العلوم بشكل دائم. ه تصبح ذه المقارنة إشكالية عندما يسحب رورتي نظرية كون لتفسير التحولات في تصور الذات للمجتمع وتطبيقها كنظرية للتغيير الاجتماعي.

لأن – أيً رورتي- يتجاهل الصراعات السياسية الفعلية والعميقة، سواء المادية أو الأيديولوجية، التي تصاحب هذه التحولات. أحد الأهداف الرئيسية للحركة النسوية، عن سبيل المثال، نشأت عن الصراع الذي يهدف الى حق توضيح تجارب النساء. كان جزء من المشروع هو الكشف عن الثغرات في النظرية السياسية والمعرفية الناجمة عن الإهمال المسبق لهذه التجارب.[30] هذا أكثر من مجرد مناورة لغوية. هناك قوة حقيقية على المحك في هذا النوع من إعادة الوصف. إذا نظرنا إليها فقط على أنها تحولات في المفردات، يتم تجريد هذه الصراعات من أهميتها السياسية، وتأثيراتها على السلطة في المجالين العام والخاص.

الاستنتاج والخلاصة

لقد ناقشت: أن اهتمام رورتي بالديمقراطية هو، في معظمه، اهتمام بانتقاد كيف عامل وتناول الفلاسفة والمنظرين السياسيين الديمقراطية. وبمصطلحاته، إنها نظرية تدور حول معجم مفردات الديمقراطية. وهي بهذا تقدم نقد سلبي إلى حد كبير. لكن، من جهة أخرى، يقدم رورتي بعض الوصفات الإيجابية لنظرية أو ممارسة الديمقراطية مستشهدا ببعض الكتاب والروائيين ومواقفهم، مثل أوريل، أو القادة السياسيين الشعبيين مثل مارتن لوثر كنج، ولكن ليس الفلاسفة.

يشير نورمان جراس أنه بسبب الأهمية التي يضفيها رورتي على النقاش واستمراريته، فإن ليبرالية برجوازية ما بعد الحداثة تكون أكثر راديكالية وأكثر إنسانية من الأشكال السابقة لليبرالية. بمعنى آخر، على الأقل في المدينة الفاضلة الليبرالية حيث يكون كل شيء تقريبًا مشروطًا، فهذا يعني أن كل شيء متروك للمناقشة العامة.[31] لكن عمل رورتي يعتمد بوضوح على بعض الادعاءات التي لا تنشأ بوصفها مشروطة ببعض التزاماته الأخرى. وليس كل شيء متروك للسؤال. عن سبيل المثال، يعطي رورتي الأولوية لإجراء محادثة متسامحة، وهو إجراء تواصلي غير مباشر بدون أسس. إنه غير مستعد لدراسة أي من القيم الجوهرية الأخرى التي تشكل جزءًا من هذا التقليد الديمقراطي نفسه، أو التعرف على بعض التقاليد المنافسة أو التكميلية الأخرى. إن رغبة رورتي في القضاء على القسوة والمعاناة أهداف جديرة بالثناء، ولكنها لا يمكن أن تكون أكثر من التزامات تعسفية. يشير رورتي أننا يجب أن نقبل هذه الالتزامات لأن لديها صدى داخل المجتمعات الليبرالية. حتى بمصطلحات رورتي الخاصة، فإن معجم مفردات الديمقراطيات الغربية، ناهيك عن تلك الموجودة في أجزاء أخرى من العالم، تبدو أكثر ثراءً وتعقيدًا من هذا الذي يطرحه رورتي.

رغم الأنتقادات التي قدمتها لعمل رورتي لكن لا يجب أن تنتقص هذا كليا من أهمية عمله بخصوص الديمقراطية. قدمت ما بعد الحداثة تحديًا كبيرًا للطريقة التي يتعامل بها المنظرون مع قضايا أسس النظرية والممارسة السياسية. غالبًا ما يتم اعتبار ادعاءات ما بعد الحداثة حول أحتمالية وعرضية المعرفة بأنها الخطوة الأولى على طريق النسبية، مما يؤدي إلى عدم القدرة على الفعل والتصرف سياسياً. إن دفاع رورتي القوي عن "الليبرالية البرجوازية ما بعد الحداثية" هو محاولة للتوفيق بين ما يُعتبر غالبًا المواقف المتعارضة بين السياسة وما بعد الحداثة. تتحدى نظرية رورتي للديمقراطية الحكمة التقليدية المتمثلة في أنه لا يمكن أن تكون هناك سياسة قوية دون التيقن من أسس ابستيمولوجية (معرفية) تقوم عليها. إن نقطة النهاية في نموذجه السياسي هي: يتم إعادة تعريف ممارسة السلطة على أنها تحول لغوي، ويتم نقل جميع فرص النقد والتغيير في الديمقراطية الليبرالية تقريبًا إلى المجال الفردي الخاص، حيث تختفي فعليًا. لسوء الحظ، يذهب معهم الفرصة لاستجواب حقيقي للقيم الإجرائية والموضوعية والفلسفية التي تشكل مفهوم رورتي للديمقراطية الليبرالية المعاصرة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................

[1] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 209.

[2] Rorty, Objectivity, Relativism, and T ruth, p. 184.

Rawls, A Theory of justice (Cambridge, MA, Belknap Press of the Harvard University Press, 1971), p. 20 [2]

[3] جون راولز، نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل، الهيئة السورية العامة للكتاب، دمشق، 2011، ص 32.

[4]

[5] Rorty, 'Posties', p. 12.

[6] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 63.

[7] Rotry, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 208.

[8] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 211.

[9] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 67.

[10] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 67.

[11] Rorty, 'Posties', p. 12.

[12] Rorty, 'Posties', p. 12.

[13] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 201.

[14] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 206.

[15] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 207.

[16] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 207.

[17] Bernstein, 'One step forward', p. 556.

[18] R. J. Bernstein, 'Rorry's liberal utopia', Social Research, 57:l (Spring 1990), 31-72.

[19] شيلدون ولين، "الديمقراطية في خطاب ما بعد الحداثة"، مجلة البحوث الاجتماعية، العدد، 57 (صيف 1990)، 5-30. ولمزيد من النقاش حول مقاربات ما بعد الحداثة للديمقراطية، بما في ذلك أراء Rortyذ وHellerذ وFeherذ وLaclauذ وMouffe، راجع M. Saward، "ما بعد الحداثة، البراغماتيون ومبرر الديمقراطية"، الاقتصاد والمجتمع، 23: 2 (1994)، 201 -16.

[20] Rorty, 'Intellectuals in policies', p. 489.

[21] Bernstein, 'One seep forward', p. 547

[22] Bernstein, 'One seep forward', p. 547.

[23] D. Held, Models of Democracy (Cambridge, Policy, 1987), p. 5.

[24] Wolin, 'Democracy in the discourse of postmodernism', p. 25.

[25] Hayek in Held, Models of Democracy, p. 248.

[26] Wolin, 'Democracy in the discourse of postmodernism', p. 14.

[27] N. Fraser, 'Solidarity or singularity, in her Unruly Practices: Power, Discourse and Gender in Contemporary Social Theory {Cambridge, Policy, 1989), p. 104.

[28] Wolin, 'Democracy in the discourse of postmodernism', pp. 19-20.

[29] توماس كون، بُنيَة الثورات العلمية، ص123 فمابعد.

[30] N. Hartsock, Money, Sexand Power: Toward a Feminist Historical Material­ ism (New York, Longman, 1983).

[31] N. Geras, Solidarity in the Conversation of Humankind: The Ungroundable Liberalism of Richard Rorty (London, Verso, 1995), p. 88.

 

 

حاتم حميد محسنكارل بوبر (1902-1994) فيلسوف نمساوي المولد اكتسب فيما بعد الجنسية البريطانية، اشتهر بمبدأ التكذيب او التفنيد falsification principle(1) وهي طريقة العلوم في بيان زيف الفرضية العلمية، وبالتالي السماح بايجاد فرضية أفضل. الفرضية يمكن بيان انها زائفة حتى ولو بملاحظة مضادة واحدة. المثال الكلاسيكي على ذلك: افتراض "كل البط ابيض اللون" ثبت زيفه عندما لوحظ وجود بط أسود في استراليا. لكن مساهمات بوبر العظمى للفلسفة هي في هجومه على التاريخية historicism(2) وهي الفكرة بان التاريخ له اسلوب وهدف ونهاية، وانه يتحرك بلا توقف نحو تلك الغاية طبقا لقوانين معينة. بوبر درس بعناية التاريخية في كتابه (فقر التاريخية) الصادر عام 1957 وذهب بعيدا نحو الفلسفة السياسية والمجتمع في كتابه من جزئين (المجتمع المنفتح واعداؤه، عام 1962).هذا الكتاب العالي الاتقان في الفلسفة السياسية يمثل حالة دراسية نموذجية في فن النقد، ويجسد دفاعا حماسيا عن الديمقراطية الليبرالية. الأعداء الفلاسفة للمجتمع المنفتح، يرى بوبر، يدخل ضمنهم افلاطون وهيجل وماركس.

الجزء الاول من الكتاب يتعلق بافلاطون الذي رأى التاريخ ليس كتقدم وانما دائري، وهو في تراجع عن العصر المثالي الذهبي. افلاطون في جمهوريته حفز على النظام الاجتماعي المحكوم بالفلاسفة الملوك، المحميين بالنخب العسكرية وبمساندة طبقة كبيرة من العمال. بعض الخصائص الكريهة في نظامه الاجتماعي دفعت بوبر للهجوم عليه.

لكننا نهتم هنا بالجزء الثاني من كتاب بوبر الذي يناقش هيجل وماركس – خاصة ماركس، رغم اننا عند مناقشة ماركس والتاريخ لا يمكننا تجنب هيجل. في الحقيقة، كان ماركس قد تأثر بعمق بنظرية هيجل في التطور التاريخي. كلاهما اعتقد بان التاريخ له غرض وقدر محتوم، وان البشرية منذ البداية تحركت نحو مصيرها مندفعة بالصراع عبر سلسلة من المراحل المستمرة، كل مرحلة جديدة تأتي الى الوجود عبر الصراع الناتج عن التناقضات او النفي للمرحلة السابقة .وعندما تتحرك العملية التاريخية نحو الامام، فان الظروف تتحسن حتى يتم في النهاية حل التناقضات والوصول الى نوع من الحرية.

ولكن رغم هذا التشابه فان النظريتين في تضاد مع بعضهما. نظرية هيجل في التاريخ التي عرضها في فينومولوجيا الروح هي تجريدية، تتكشف دائما في الذهن. مختلف حركات الفكر او العقائد تتصارع مع بعضها مجتمعة لتعطي دفعا لظهور حركات جديدة تستمر بدورها بالصراع مع اخرى في عملية مستمرة تسمى الديالكتيك. تاريخ العالم هو انكشاف لما يسمى الذهن المجرد او الروح من خلال الديالكتيك. بهذا المعنى، يعتمد العالم على الذهن، على الافكار، وعليه تسمى نظرية هيجل بالمثالية الديالكتيكية. في اوج الحركة الديالكتيكية، يمارس الفرد التحرير من خلال علاقته مع الدولة التي يمجدها هيجل حين كتب "الدولة هي فكرة دينية كما تتجسد على الارض"(محاضرات هيجل في فلسفة التاريخ، جزء 41).(3)

فكرة هيجل عن العملية التاريخية – ديالكتيك التناقضات – بدون شك اثّرت على ماركس وانجلس. ذكر انجلس في وصفه ديالكتيكية هيجل بانها منطق جديد "لامع". لكن هذا المنطق فيه مشكلة. فكما ذكر ماركس "ليس وعي الناس منْ يقرر وجودهم، وانما وجودهم الاجتماعي هو من يقرر وعيهم" (نقد الاقتصاد السياسي، 1859).

نظرية ماركس، بالمقابل،  تنكشف في عالم العمل، لذا هو يسميها المادية الديالكتيكية. صراعها هو بين الطبقات الاقتصادية، وان ذروة حركتها تتمثل في بلوغ المجتمع اللاطبقي،  وبالنهاية زوال الدولة . كلا الرجلين تأثرا بقوة بهريقليطس الذي ذاع صيته في القرن الخامس قبل الميلاد. هيرقليطس قال بان كل شيء في حالة من التدفق او السيلان، يتغير الى الابد من خلال قوانين الطبيعة التي اسماها اللوغس او المنطق، يقوده التصادم بين الاضداد، ولكن بما ان هيرقليطس كان ماديا، لذا اعتبره ماركس مبشرا لماديته التاريخية.

بوبر حول ماركس والتاريخ

طوال تفحصه لماركس، اتّبع بوبر خطا رفيعا بين الاعجاب والخشية. هو يشعر بالاحترام لماركس، وجده صادقا في عقيدته، حاد الادراك في تحليلاته، متحمسا نحو المسحوقين. اعتقد بوبر ان ماركس ذاته "قام بمحاولة شريفة لتطبيق الطرق العقلانية على معظم المشاكل العاجلة للحياة الاجتماعية ... امانته واخلاصه في بحثه عن الحقيقة ومصداقيته الفكرية ميّزته دائما، نعتقد و من خلال العديد من اتباع بوبر " ... ان الماركسية هي التي ازعجت بوبر الذي اسماها" شكل التاريخية الأنقى والاكثر تطورا والاكثر خطورة".

يرى بوبر ان الاختلاف الاساسي بين ماركس وغالبية المؤرخين (بمن فيهم هيجل) هو ان الآخرين رأوا التاريخ "ومصير الانسان"يتقرر بالصراع بين الامم. ماركس رأى التاريخ يتقرر بالصراع بين الطبقات. وكما ذكر ماركس "تاريخ جميع المجتمعات القائمة حتى الان هو تاريخ الصراع الطبقي"(البيان الشيوعي). وكما يوضح بوبر "التفسير السببي الماركسي للتاريخ بما فيه الحروب القومية، هو ان مصلحة الطبقة يجب ان تأخذ مكان المصالح القومية المزعومة والتي هي في الحقيقة فقط مصلحة الطبقة الحاكمة في الامة".

طبقة المرء تتقرر بموقع المرء في نظام المجتمع لإنتاج السلع والخدمات. في الرأسمالية، البرجوازية هي من يملك وسائل الانتاج، وبهذا هي من يصنع الطبقة الحاكمة. اما اولئك الذين يقومون حقا بالعمل لإنتاج السلع والخدمات فهم يصنعون الطبقة العاملة او البرولوتاريا. المالكون يُجبرون لزيادة الانتاجية لكي يمكنهم التنافس، وبهذا هم مجبرون لإجبار العمال على انتاج المزيد وبكلفة اقل، وهو ما يعني اجور عمل قليلة. هم ايضا واعون تماما بان حريتهم تعتمد على انعتاقهم من العملية الانتاجية. هم يمكنهم "شراء مقدار اكبر من الحرية فقط على حساب استعباد اناس آخرين"، كما يذكر بوبر. "فقط عبر جعل الآخرين يقومون بعمل قذر يمكن للحكام ان يكونوا متحررين". ولكن مع استغلال العمال، هم يطورون وعيا طبقيا: نتذكّر ان ماركس اعتقد ان وجود الانسان الاجتماعي يقرر وعيه. وبهذا فان العمال يصبحون باستمرار واعين بان حاجتهم للحرية  تتقرر بموقعهم في وسائل الانتاج. الحكام ملزمون باستعباد المحكومين، والمحكومين ملزمين بالكفاح ضد الحكام. "وهكذا دائما، الحكام ومعهم المحكومين يقعون في الفخ، ويُجبرون للصراع ضد آخر"، يوضح بوبر."انها العبودية"، هو يضيف"هذه الحتمية في الصراع  ... نبوءة تاريخية علمية".يلخص بوبر حتمية ماركس بالقول ان علاقات الطبقة التي تميز النظام الاجتماعي هي مستقلة عن رغبة الانسان الفردية.

من المفزع ان كل هذا يبدو غير شخصي – ازيل من الواقع الوحشي للحياة اليومية. لكن ماركس رأى  القسوة المميتة للراسمالية في انجلترا في اواسط القرن التاسع عشر. ماركس يعطي هنا امثلة:

1- وليم وود شاب عمره 7 سنوات .. يأتي للعمل كل يوم من الساعة السادسة صباحا حتى الساعة التاسعة مساءا .. "15 ساعة من العمل لطفل بعمر سبع سنوات، شيء مدهش حسب  تقرير رسمي للجنة استخدام الاطفال عام 1863".

2- ماريا آن والكلي شابة عملت دون توقف لمدة 26 ساعة ونصف، مع 60 من البنات الاخريات، 30 منهن في غرفة واحدة .. استدعي الطبيب لاحقا، شهد امام الطبيب الشرعي بان ولكلي ماتت بسبب ساعات العمل الطويلة في غرفة عمل مزدحمة".

النبوءة ومفارقة الحرية

يربط بوبر الظروف المزرية للرأسمالية المنتصرة بشيوع فكرة الحرية الاقتصادية :"هذا الاستغلال المخزي جرى الدفاع عنه وبسخرية من جانب المنافقين الذين لجأوا الى مبدأ الحرية الانسانية، لحقوق الانسان في تقرير مصيره، وللدخول بحرية في اي عقد يراه مفضلا لمصالحه".

مفارقة الحرية هو مفهوم يعود تاريخه الى افلاطون الذي يقول بوضوح ان "الحرية اللامحدودة تقود الى لا حرية". بوبر طبق هذه المفارقة على نوعين من الحرية هما الفيزيقية والاقتصادية. "الحرية في اي ميدان تهزم ذاتها اذا كانت غير محدودة"،  هو يكتب. الحرية الفيزيقية غير المقيدة هي حرية البلطجيين في ايذاء الضعفاء. ولكن بالنهاية، ذلك البلطجي سيأتي ضد بلطجي اقوى، وذلك البلطجي ايضا سوف يواجه آخر وهكذا. لذا من الضروري للدولة ان تقيد الحرية الفردية في طرق قانونية معينة لحماية حرية كل شخص. السلطة الاقتصادية غير المقيدة تقود الى نفس النتيجة في العالم الاقتصادي. " في دولة كهذه،  القوي اقتصاديا حر في ايذاء الضعيف اقتصاديا، وسرقة حريته"، يكتب بوبر. فمثلا، "اولئك الذين يمتلكون فائض من الطعام يمكنهم اجبار الاخرين الجياع على "عبودية مقبولة" بشكل حر".لذا من الضروري ايضا للحكومة ان تحمي الضعفاء اقتصاديا.

يجادل بوبر ان الدولة يمكن ان تبني مؤسسات لتوفير هذه الحماية من خلال الوسائل القانونية. هو سمى هذه العملية "الهندسة الاجتماعية التدريجية"piecemeal social engineering(4). ماركس اعتبر السياسة والنظام القانوني خادما للطبقة الحاكمة. هو آمن بان الانظمة السياسية البرجوازية انكرت الحريات الاساسية للعمال والفقراء. ورغم انهم جرى التعبير عنهم في لغة العدالة والحرية، لكن هذا كان مجرد ديكور خارجي. بوبر في وصفه عقيدة ماركس في هذا،  كتب" هذا يبين ان الاستغلال ليس مجرد سرقة. انه لايمكن منعه فقط بالوسائل القانونية". بالنسبة لماركس، الخيار الوحيد هو الثورة.

طبقا للتاريخية الاقتصادية لماركس، النظام الاجتماعي لفترة تاريخية معينة يجب ان يزيل نفسه لينتج الفترة التاريخية القادمة. هذا يبين كيف ان الاقطاعية انتجت الرأسمالية. الراسمالية بدورها، تحتوي على بذور فناءها. تلك البذور توجد في ظروف الانتاج. في كتاب رأس المال،  ادّعى ماركس هناك تركيز متزايد للثروة بايدي القلة، وزيادة مماثلة في شقاء وتعاسة الطبقة العاملة المتزايدة. هذه اول خطوة من ثلاث خطوات في نبوءة ماركس بالثورة. هذه النزعة ستؤدي الى الخطوة الثانية، محتوية على نتيجتين. كما يوضح بوبر حول نظرية ماركس:"كل الطبقات ماعدى البرجوازية الحاكمة الصغيرة والطبقة الكبيرة  العاملة المستغلة ملزمة لتختفي او لتصبح بلا اهمية". وايضا، "التوتر بين هاتين الطبقتين يجب ان يقود الى ثورة اجتماعية" من خلال الصراع بين المالكين والعمال. اخيرا،  في الخطوة الثالثة، العمال سيبرزون كمنتصرين على المالكين ويؤسسون ما يسميه ماركس دكتاتورية البروليتاريا. بالنسبة لماركس هذه الدكتاتورية ضرورية للدفاع ضد الثورة المضادة ولخلق المجتمع اللاطبقي.

اعتقد ماركس ان هذه العملية التاريخية حتمية. هذه التاريخية وجدها بوبر خطيرة، ومن هنا هو  فصل نفسه عن ماركس. بوبر بوضوح شجع مفارقة الحرية لمواجهة الشروط الضرورية لثورة ماركس الحتمية:

"نحن يجب ان نبني مؤسسات اجتماعية، تُفرض بسلطة الدولة، لحماية الضعفاء اقتصاديا من الاقوياء اقتصاديا ..  يجب ان نطالب بان الرأسمالية غير المقيدة تسمح بالتدخل الاقتصادي. وهذا بالضبط ما حدث. النظام الاقتصادي الذي وصفه وانتقده ماركس لم يعد موجودا في اي مكان".

يعطي بوبر امثلة لما حدث في تحديد الحرية المطلقة للسوق مثلما كان ايام ماركس: تحديد ساعات العمل، الحماية ضد المرض والعجز والبطالة والضرائب التصاعدية  وظهور اتحادات العمال وغيرها. يذكر بوبر ان ماركس "لم يستوعب ابدا مفارقة الحرية، وهو لم يفهم ابدا الوظيفة التي يمكن لسلطة الدولة تأديتها في خدمة الحرية والانسانية". يجب التأكيد ان بوبر لم يكن ساذجا فيما يتعلق بسلطة الدولة وامكانية الاستبداد. "تدخّل الدولة"، هو يكتب "يجب ان يقتصر على ما هو ضروري لحماية الحرية". باطلاع تام على سايكولوجيا الانسان، شدد بوبر على اهمية السيطرة على المسيطرين. في الحقيقة، معظم الدول الغربية اسست اطارا قانونيا للفصل بين السلطات لتحديد سلطة الدولة بالاضافة الى الحرية المطلقة للسوق.

نهاية التاريخية

سبب فشل نبوءة ماركس " يكمن كليا في فقر التاريخية "يكتب بوبر: "في ابسط الحقائق حتى لو نلاحظ اليوم ما يبدو من نزعة تاريخية، نحن لا نعلم انها سيكون لها نفس المظهر غدا". بوبر ذكر ايضا ان الناس عندما يتحدثون عن تاريخ البشرية" ما يعنونه وما تعلموه في المدرسة هو تاريخ السلطة السياسية. لا وجود لتاريخ البشرية، هناك فقط اعداد لا متناهية من التواريخ ... وأحد هذه التواريخ هو تاريخ السلطة السياسية. هذا التاريخ رُفع الى مستوى تاريخ العالم. لكن هذا هو جريمة ضد كل تصور لائق للبشرية.. بالنسبة لتاريخ السلطة السياسية لاشيء عدا تاريخ الجريمة الدولية والقتل الواسع". لكي يوضح هذا يستشهد بوبر من الثورة الروسية وتأسيسها دولة صناعية باستخدام العمل الاجباري والقمع المفرط للمعارضين.

في نهاية المجتمع المنفتح واعداؤه، يعرض بوبر مرة اخرى غموضه نحو ماركس."ماركس أوهم الناس الاذكياء ليعتقدوا بان النبوءة التاريخية هي الطريقة العلمية في حل المشاكل الاجتماعية". مع ذلك، هو يسمي عمل ماركس "نظام فلسفي فخم، مقارنا او أرقى من الانظمة الكلية لافلاطون وهيجل . ماركس كان آخر العظام من مؤسسي الانظمة الكلية . نحن يجب ان نحرص على تركه هناك، ولا نستبدله بنظام آخر عظيم".

وهنا يجب ذكر ملاحظتين. اولا،  ان بوبر الذي مات عام 1994 ربما سيشعر بالقلق من  التصاعد الاخير للقومية المتشددة في اوربا والولايات المتحدة، وايضا سيلوم الفجوة الواسعة بين الاغنياء والفقراء. كلاهما يعزز انتعاش مفاجيءللماركسية او انظمة شمولية اخرى،  وهو موقف سيواجهه بوبر بمزيد من الهندسة الاجتماعية المتدرجة.

اخيرا، ملاحظة بشان هيجل وماركس. الفلاسفة الحديثين احيانا يبحثون عن دعم من اليونان القديمة لإعطاء نظرياتهم بريق الحكمة القديمة. هيجل وماركس كلاهما وجد ضالته في هيرقليطس. هيجل كان فخورا به :"لم توجد فرضية لهرقليطس لم اتبنّاها في منطقي .. كل الاشياء تمر طبقا للصراع"، بينما ماركس اعتبره سبّاقا في ماديته الديالكتيكية للتاريخ. وكما ذكر الفيلسوف وليم ساخان في تاريخ الفلسفة 1968: "هرقليطس اعتبر العالم كنظام يتغير بلا توقف، لا يكتمل ولا ينتهي ابدا في بلوغ اهدافه او التوقف في حالة من الكمال".

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) مبدأ التكذيب اقترحه الفيلسوف العلمي كارل بوبر. المبدأ يفترض بان الشيء لكي يكون علميا يجب ان يكون بالامكان تكذيبه. اذا كانت الاشياء قابلة للتكذيب او ممكن اثباتها كاذبة عندئذ يمكن استخدامها في التحقيقات والدراسات العلمية . مثال على البيانات القابلة للتكذيب القول بان جميع السيارات حمراء. هذا القول يمكن تكذيبه بسهولة عبر ملاحظة سيارة واحدة ليست حمراء. كل شيء لا يمكن اثباته كاذبا هو غير صالح للتحقيق العلمي. مثال على بيان لا يمكن تكذيبه هو وجود كائنات خرافية غير مرئية تسكن الكهوف والجبال وتسرق الاطفال لايمكن اكتشافها من قبل الانسان. هذا القول لا يمكن اثباته صحيحا او كاذبا، ولذلك هو لايمكن تكذيبه ولا يمكن استخدامه في التحقيق العلمي.

(2) التاريخية هي الاعتقاد بان التاريخ يتقرر وفقا لقوانين، وان فهم الناس والثقافات يتطلب فهم الاحداث  التاريخية. مثال على التاريخية هي الاعتقاد بان ما حدث في الـ 100 سنة الماضية سيقرر ما يحدث اليوم.

(3) يرى هيجل ان الدولة هي أعلى تجسيد للفكرة الدينية على الارض وهي الوسيلة الرئيسية التي يستعملها المطلق في تجسيد ذاته كما ينكشف نحو الانجاز التام. جادل هيجل بان الدولة هي أعلى شكل من الوجود الاجتماعي والمنتج النهائي لتطور البشرية، بدءً من العائلة ومرورا بالمجتمع المدني وصولا الى ادنى اشكال التجمعات السياسية. الدولة هي كل عضوي متسامي يتالف من تجمعات الافراد في جماعات محلية وجمعيات وغيرها. هذه الاجزاء ليس لها اي معنى عدى علاقتها مع الدولة التي هي غاية في ذاتها. الدولة يمكنها ان تطلب من اجزاءها التضحية لأجل مصالحها. كل انسان خاضع للكلي الاخلاقي.اذا طالبت الدولة بحياة فرد ما عندئذ يجب على الفرد التسليم. بما ان كل شيء بالنهاية هو واحد، فان الجماعي له السيادة على الفرد. دولة هيجل ليس فيها مكان لفكرة الحقوق الفردية او النظرية الليبرالية للدولة.

(4) في كتابه (فقر التاريخية، 1957) انتقد كارل بوبر التاريخيين ولاسيما الشيوعيين والفاشست في محاولتهم التنبؤ بالمستقبل، وجادل بان التجارب الاجتماعية الكلية المرتكزة على هذه النظريات محكوم عليها بالفشل، ذلك بسبب ان طريق التاريخ الانساني يتأثر كثيرا بنمو المعرفة، ونحن لا نستطيع ان نتنبأ عقلانيا ولاعلميا بمستقبل النمو في المعرفة العلمية. بدلا من ذلك، ومقارنة مع الدور المركزي للتجارب المتدرجة في العلوم، هو يرى ان الشكل الوحيد للتغيير الاجتماعي الذي يمكن تبريره هو ذلك الشكل الذي يكون على نطاق صغير، وسلس ومتدرج ويمكن باستمرار تعديله في ضوء التجربة. هذا الاتجاه يرتكز على التجربة والخطأ وليس على الرؤى التاريخية القبلية، وكما يقول بوبر"نحن نصنع التقدم فقط عندما نكون مستعدين للتعلّم من اخطائنا: نعترف باخطائنا ونستعملها نقديا بدلا من الاستمرار الدوغمائي عليها. الهندسة الاجتماعية هي إدخال لتصور بوبر للطرق العلمية في التخطيط والسياسة.

 

علي رسول الربيعيأكتسب ريتشارد رورتي منذ أن نشر كتابه "الفلسفة ومرآة الطبيعة"، شهرة فلسفية، وأجتذب الكثير من الأهتمام النقدي بوصفه فيلسوفا قلب الأفتراضات التقليدية حول المعرفة، والنفس، واللغة. لم يكن منظرأ للديمقراطية، لكنه أبدى اهتمامًا قويًا بالديمقراطية في الكثير من كتاباته. يحدد رورتي هذا الاهتمام في سياق التحديات الفكرية التي تطرحها نظرية ما بعد الحداثة، حيث يجمع بين ادعاء ما بعد الحداثة حول أحتمالية المعرفة وعرضيتها وبين الدفاع القوي عن الإطار الإجرائي للديمقراطية الليبرالية. إن الطريقة التي يوفق بها رورتي بين اهتمامه الخاص باللديمقراطية الأمريكية وشكيته المابعد حداثية وموقفه ضد الصلاحيةالعالمية للأفكار، تشكل مساهمة استفزازية في المناقشات حول الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية الغربية ونقدها ومبرراتها.

تشكل العلاقة بين المعرفة الفلسفية والديمقراطية أحد الموضوعات الرئيسية لعمل رورتي. إن هدفه هو انتقاد كيف يتناول ويُنظر المثقفون في الدول المتقدمة عن الديمقراطية. وبشكل أكثر تحديداً، يعترض رورتي على الفكرة التي تقول أن نظرية عامة عن الطبيعة الإنسانية و مبادئ المعرفة عالمية الصلاحية ضرورية لتوفير أساس للممارسة الاجتماعية للديمقراطية ومبرر لها. رغم أن رورتي لا يقدم نقدًا مفصلاً للمشاكل التي تواجه الديمقراطيات، كما أنه لا يقترح الكثير عن الطريقة التي يمكن بها التغلب على تلك المشاكل. ومع ذلك، لايختصرعمله على نقد النظريات الديمقراطية فله نظر في الديمقراطية مكتوب في مقالات تدور حول هذا الموضوع.[1] تظهر بعض مزاعم رورتي التي لا لبس فيها حول الديمقراطية في بعض المقالات القصيرة، مثل مراجعته لأعمال هابرماس، أو المقابلات التي يجريها كما في ملحق التايمز الأدبي.[2]

يكمن مفتاح حجة رورتي في الادعاء بأنه، إذا قبلنا أن معرفتنا غير مؤكدة في أحسن الأحوال، فيجب علينا أن نفكر ونتحدث عن الديمقراطية بطريقة مختلفة. يقول رورتي إذا كانت قيمنا ومعتقداتنا حول الديمقراطية مشروطة وأحتمالية، فإن أفضل ما يمكننا فعله هو إنشاء إطار إجرائي يمكّن من إجراء محادثة ومداولة متسامحة حول هذه القيم والمعتقدات. تبدو لي هذه الحجة في أغلب نواحيها عادية ولا يوجد فيها ماهو استثنائي أو جديدي يقدمه رورتي . لكن ما يميزه، حقاً، هو حجته حول اللايقين والأحتمالي في معرفتنا، وطبيعة الرد الذي يركزعلى المحادثة. يركز رورتي بشدة على "المحادثة" وطبيعتها وشروطها باعتبارها مركزية لديناميكية الديمقراطية. وينعكس هذا التركيز على رغبته للانخراط في النقاش حيث كان يتبادل الآراء، كما هو شائع، مع المنظرين السياسيين البارزين مثل يورغن هابرماس وريتشارد بيرنشتاين وشيلدون ولين.

تبدأ دراستي هذه بنظرية المعرفة عند رورتي لأن هذا ما يوفر الأسس لطريقة تناوله الديمقراطية ونقده لمنظريها أياً. ثم أفحص بدقة بعض القضايا التي اعتبرها رورتي مهمة للنظرية الديمقراطية. أتبع في مناقشتي وجهة نظر بيرنشتاين في أن هناك مسـارين مختلفين في ادعاءات رورتي بشأن الديمقراطية.[3] ينطلق الأول من نظريته المعرفية في أدعائها بأنه يمكننا الاستغناء عن الأسس الفلسفية للديمقراطية.[4] بينما يتكون الثاني من مطالبات رورتي بمركزية الديمقراطية الليبرالية في المجتمعات الغربية. سأبحث في الادعاءات التي يقدمها رورتي لدعم الديمقراطية الليبرالية، وأوجز نوع النموذج الإجرائي للديمقراطية الذي ينبثق من عمله. أريد أن أؤكد أبتداءً أن هناك توتراً بين هذين المسارين، حيث يشدد أحدهما على أولوية الأحتمالية أو العرضية، بينما يعتمد الآخرعلى الواقع التجريبي المتمثل في الارتباطات السياسية القوية. يقول رورتي إن ولاءه للديمقراطية الليبرالية لا يستند إلى المطالبة بأن لها حقيقة متأصلة وصلاحية ثابته، بل يستند إلى البرغماتية والتقاليد. أهدف، هنا، إلى توضيح كيف يجمع رورتي بين هذه الحجج المتباينة، وأشير أيضًا إلى ما يجده من قيمة يمكن الدفاع عنها بشأن الديمقراطية الليبرالية.

أزعم أن رورتي مضطر إلى تقديم مخطط إجرائي محدود لنموذجه الديمقراطي، لأنه يجادل بأن أيً ادعاء جوهري / موضوعي يستلزم نوعًا من التسويغ أو التبرير الفلسفي الذي يرفضه تماماً. يرفض رورتي هذا التسـويغ للديمقراطية، ليس فقط لأنه لا يرى أهمية ذلك، بل لأنه يرى أن هناك ضررًا فعليًا ينتج عن هذه العملية. يأتي هذا الضرر، كما يزعم، من حقيقة أن مثل هذا التسويغ أوالتبرير القوي يخاطر بتهديد التسامح الليبرالي، كما أنه يصرف الانتباه عن الهدف الرئيس للديمقراطية الليبرالية، وهو منع المعاناة. لكن نموذج رورتي للديمقراطية يمثل مشكلة في هذا الصدد. سوف أنظر وأتناول في القسم الأخير من الدراسة، ما إذا كان نموذج رورتي يمكن أن يضمن التسامح أو القضاء على المعاناة.

مقاربة رورتي الفلسفية وآثارها على الديمقراطية

حافظ رورتي على اهتمامه بالفلسفة البرغماتية الأمريكي من خلال العودة الى أعمال جون ديوي منذ كتاباته الأولى.[5] ورث رورتي من ديوي حجة براغماتية ضد الحاجة إلى أسس آمنة للمعرفة. ويعتمد رورتي أيضًا على حجة ديوي ضد ضرورة تبرير الديمقراطية الليبرالية باستخدام المعايير الإبستيمولوجية الأسسية، فمن وجهة نظر برغماتية استخدام هذه الأسس ليس له فائدة . يعرّف رورتي البراغماتية على أنها ضد ألاسسية الماهوية " المطبقة على مفاهيم مثل" الحقيقة "... والأشياء الشبيهة الأخرى في النظريات الفلسفية".[6] يقول رورتي عن ديوي إنه سيقبل بسعادة، أن التسويغ الوحيد الممكن للديمقراطية سيكون "تسويغاً دائريًا لممارساتنا ... مما يجعل إحدى سمات ثقافتنا تبدو جيدة أذا ما استشهدنا بثقافة أخرى أو قارنا ثقافتنا مع الآخرين من خلال الإحالة أو الأشارة الى معايرنا الخاصة.[7] يجادل رورتي بأن "نمط الاستقصاء أو التحقيق- العلمي وكذلك الأخلاقي بالنسبة للبراغماتيين هو المداولة/ المحادثة بشأن عوامل الجذب النسبية لمختلف البدائل الملموسة". وهذا يعارض الاستفسار أو التبرير الموجه من قبل الفكرة القائلة: أن ما نراه يتوافق مع الحقيقة أو الواقع، أو ما استهان به ديوي باعتباره "نظرية المتفرج للمعرفة".[8] إ هذا الادعاء حول العلاقة بين التمثيل والواقع أمر أساسي لنظرية رورتي للمعرفة. فإن ما هو ضد التمثيل، بالنسبة لرورتي، هو الشخص الذي يمكنه أن يتجاهل السؤال "هل نحن نمثل الواقع بدقة؟" ويركز بدلاً من ذلك على طرح السؤال "هل هناك أدوات مفاهيمية أكثر فائدة تحت تصرفنا؟".[9] يشير، في هذه الحالة، المصطلح "مفيد" إلى الأساس العملي البرغماتي للتبرير، لكن لا يخوض رورتي في التفاصيل حول المقصود بكلمة "مفيدة". في مكان آخر، يبدو أنه يعادل "فائدة" المعرفة بالكفاءة. فيقترح أنه بدلاً من الاستفسار عما إذا كانت معتقداتنا متناقضة، يجب أن نشغل أنفسنا بمسألة ما إذا كان "استخدامنا [للأدوات اللغوية] فعال أم لا".[10]علاوة على ذلك، من عواقب أو نتائج البراغماتية، يجادل روني بأن تبني مقاربة براغماتية للمعرفة يعني عرض فروع مختلفة من البحث، مثل العلم والفن، كطرق مختلفة لطرح "أسئلة حول ما سيساعدنا في الحصول على ما نريد (أو حول ما يجب أن نريد).[11] وهكذا، فإن كلمة "مفيدة"، طبقا لرورتي، يمكن أن تدل على أن المحادثة تتسم بالكفاءة، فضلاً عن دورها الفعال. وما هو غير مهم أو غير ضروري هو ما إذا كان يمكن القول أن المعرفة تتوافق مع "حقيقة" موضوعية أو لا يمكن قول ذلك.

إن معادة أو ضد التمثيلية هذه وفقًا لرورتي لا تعادل الأرتيابية الإبستيمولوجية أو الشكية المعرفية الكاملة. يدعي رورتي أننا يجب أن نميز "بين الادعاء بأن العالم موجود هناك والادعاء بأن الحقيقة موجودة".[12] هذا ليس هو نفسه مثل الادعاء بأن الفكر يحدد الواقع. إنه يعمل، بدلاً من ذلك، على إنكار أهمية مصطلحات مثل "الواقع" و "الحقيقة" واستبدالها بفكرة أنه إذا كانت مفرداتنا تبدو متماسكة وملائمة لظروفنا الخاصة، فيجب أن نكون راضين بأستعمالها الى أن نقتنع بخلاف ذلك.[13] هذا يشكل التزامًا عمليًا بفائدة المعرفة وفحص نتائجها، بدلاً من الأحكام المستندة إلى القيمة الحقيقة المفترضة لأي طريقة من الطرق التحدث عن شيء ما. لا يدعي رورتي بعزل معتقداته الخاصة من عدم اليقين المعرفي الأساسي هذا. وينعكس هذا في تأكيده وتركيزه على مفهوم الأحتمالية. يجادل رورتي بأن علينا أن نتقبل، أن معتقداتنا عن أنفسنا ومجتمعاتنا خاضعة للمراجعة في أي وقت، في حال تغيرت ظروفنا أو مفرداتنا.[14] فيعني مصطلح " الأحتمالية " أن نُبقي أي من معتقداتنا أو ممارساتنا العزيزة علينا موضع تساؤل دائمًا، أو تخضعها لما يدعو رورتي إعادة الوصف.

يستعمل رورتي مصطلح "إعادة الوصف" لشرح ما يعتقد أنه منهج أو "طريقة" جديدة للفلسفة، تختلف عن تقليد التنوير الأسسي الرئيس. تشير "إعادة الوصف" أساسًا إلى ممارسة تثبيت مفردات جديدة لتحل محل المفردات القديمة. ويعرف رورتي إعادة الوصف بأنها العملية التي تنتقل بها مفرداتنا القديمة إلى مفردات جديدة. لا يحدث الانتقال من مفردات إلى أخرى (كما قد يكون من الناحية التأسيسية) لأن المفردات الأخيرة تم اختبارها بعناية ووجدت في النهاية أن لها علاقة أوثق بالحقيقة. ولكن كما، يعتقد رورتي بأن هذا التحول "يعمل بشكل كلي وبراغماتي"، حيث يرى الناس، في المفردات الجديدة، أشياء أكثر فائدة وتماسكًا من تلك الموجودة في القديم.[15]

غالبًا ما يتم انتقاد هذا النوع من المعاداة للأسسية بادوصفه الخطوة الأولى نحو النسبية الأخلاقية غير القادرة على إدانة الشرور الكبرى مثل النازية أو قوة الشر الأمريكية. يتم رفع هذا الشبح ضد فكرة أن معايير السلوك والمعنى والمعرفة المجتمعية مشروطة وأحتمالية وعرضية فقط، ويتم تحديدها على أساس التوافق المجتمعي، أو التضامن. لكن رورتي ينكر أنه نسبي بهذا المعنى. وحجته هي أنه لا توجد طريقة لمعرفة ما إذا كانت معتقداتنا تتوافق مع الواقع أم لا، وليس جميع المعتقدات لها القدر نفسه من الإدعاء بأنها صحيحة أو خاطئة. هذا تمييز جيد، ومهم في سياق معاملة رورتي للديمقراطية. الموقف النسبي، إلى جانب كونه يدحض نفسه، لا يسمح للنسبيين بانتقاد المعتقدات الأخرى. إن أسلوب ومقاربة رورتي، كما سأوضح لاحقًا، يمكّنه من أن يكون أو يعبر بوعي عن مركزية عرقية هو يريدها، ليجادل بأن معايير الديمقراطية الليبرالية الغربية هي الأفضل، في الوقت الحاضر، لتلك المجتمعات. يطبق رورتي نفس المعاداة أو الموقف ضد الأسسية على نظريته عن الطبيعة البشرية، والتي تعد أيضًا محورية في نقده للمنظرين الديمقراطيين مثل فالزر وتايلور. تنبثق نظرية الطبيعة البشرية هذه عن نظرية رورتي للمعرفة، وعلى وجه الخصوص، حجته حول الاحتمالية اللغوية والمعرفية والذاتية ( الفردية). يجادل رورتي بأنه "لا يوجد شيء عميق داخل كل واحد منا، ولا توجد طبيعة إنسانية مشتركة، ولا تضامن بشري ثابت من داخل الطبيعة البشرية، لاستخدامه كنقطة مرجعية أخلاقية."[16] وبناءً على ذلك، يعتقد أن المنظرين الذين يبنون نماذج للديمقراطية على أساس مفهوم الذات المشتركة التي تمتد إلى ما وراء حدود المجتمع المحلي يشاركون في نوع من التفكير الخاطئ. ويرشح نظريته الخاصة عن الذات والتي هي "شبكة لا مركزية من المعتقدات والرغبات المشروطة تاريخياً".[17] ومع ذلك، فهو يعترف بأن هذا النموذج عن الذات غير كافي لأي شخص لديه قناعات ميتافيزيقية تختلف عن نظيره. تتمثل النقطة التي يريد أن يصل اليها رورتي هي أنه مثلما لا تمنع المعتقدات الدينية الناس، في معظم الحالات، من أن يكونوا مواطنين صالحين ومفيدين في الديمقراطيات الليبرالية، كذلك قد يتم اعتبار معتقداتهم الفلسفية بالمعنى نفسه في الديمقراطية الليبرالية.

نقد التنظير الديمقراطي

من الممكن أن نرى، إذن، كيف يستمد نقد رورتي للنظرية الديمقراطية من نظريته المعرفية. يجادل رورتي ضد التسويغات الأسسية للديموقراطية لأنه لا يعتبرها غير مجدية فحسب، بل إنها ضارة أيضًا. يجادل رورتي بأن التحدث هكذا يمكن أن تكون ضار لأن طرح هذه الأنواع من المسائل أو القضايا يمكن أن يصرف انتباهنا عن العمل الحقيقي للديمقراطيات الليبرالية، والذي يجب أن يكون نقيض المعاناة والقسوة.[18] وبالتالي، فإن أستفهام رورتي وتسـاؤله الرئيس عن الديمقراطية مهم إلى حد كبير حول ما إذا كانت النظرية الديمقراطية الأسسية توفر طريقًا أفضل لمنع المعاناة والقسوة من النظرية غير الأسسية. يتناول رورتي هذه المسألة من خلال التسـاؤل ما إذا كنا بحاجة حقًا إلى التنظير حول الأسس الفلسفية للمؤسسات الديمقراطية أو تبريرها. إنها في الأساس حجة حول العلاقة بين نوع معين من النظرية وممارسة الديمقراطية.

يجادل رورتي بأنه يمكننا المضي قدماً من خلال تجاهل "التبريرات الفلسفية، الصريحة أو المعقدة"، التي "يريدها بيرنشتاين، فالزر، تايلور، وماكينتير وغيرهما". هذه التبريرات مدفوعة إلى حد كبير، من وجهة نظر رورتي، بفكرة أن الديمقراطية الليبرالية "يجب ألا تنجو أو لا تستطيع أن تنجو من انهيار المبرر الفلسفي الذي نص عليه التنوير".[19] إن محاولات التبرير هذه، بالنسبة لرورتي، بمفاهيمها المصاحبة عن المواطن، أو نظريات الحقوق، أو الطبيعة الإنسانية، أو الخير، أو العادل، ليست ضرورية على الإطلاق. فمن وجهة نظر نظرية المعرفة المناهضة للتمثيل أو ضد الأسسية التي يتبناها رورتي، إن أي بيانات حول الديمقراطية أو الوصفات التي تدعي أنها تستند إلى الحقيقة أو الأخلاق، لن تكون الا أحتمالية أوعرضية على أي حال. إنً أفضل ما يمكن أن يقدمه رورتي ويسوغه هو القول، بشكل عملي برغماتي، أن الديمقراطية الليبرالية الغربية تعمل، على أساس المقارنة مع البدائل التاريخية الملموسة.

من هذا المنظور، يؤكد رورتي أن الديمقراطية أسبق من الفلسفة. يعني مصطلح "اسبق" هنا: أن الديمقراطية لا تحتاج إلى تبرير فلسفي. توفر الممارسة الناجحة للديمقراطية مبرراتها الخاصة بها. علاوة على ذلك، يقترح رورتي أنه "عندما يندلع صراع بين اثنين، تتغلب الديمقراطية على الفلسفة.[20] ونظرًا لأن رورتي لا يثق في "النظرية الكبرى"، فهو يعتبر الإجراء الديمقراطي للمحادثة المتسامحة أكثر أهمية من أي نوع من أنواع الأسس الفلسفية. يعبر هذا الأدعاء عن عدم ملاءمة نوع معين من النظريات للممارسة، وعن وضع الفلسفة في المكان المناسب لها بوصفها منفصلة عن الحياة العامة للمجتمع. فلا ينبثق التضامن الإنساني من أي شيء قد يقوله الفلاسفة، ولكن ينبثق من شعور مشترك بالانتماء والتقاليد.

يعتقد رورتي أننا لا نحتاج إلى مفاهيم الطبيعة الإنسانية العالمية، أو حقوق الإنسان، حتى نحكم على ما إذا كانت مؤسساتنا الديمقراطية الليبرالية تفي بوعدها أم لا. لا يمكن لنظرية الطبيعة البشرية أو الذات أن توفر للديمقراطية الليبرالية أساسًا لأي شيء. يدعي رورتي أنه "لأغراض النظرية الاجتماعية البيروقراطية، يمكن للمرء الاستغناء عن مثل هذا النموذج. ويمكن للمرء أن يتماشى مع الحس السليم والعلوم الاجتماعية، وهي مجالات الخطاب التي نادراً ما يظهر فيها مصطلح "الذات".[21] يرى رورتي أن هناك حاجة إلى شيء ما يوفر "الطمأنينة الجماعية للمجتمعات الديمقراطية الحديثة"، لكنه يشير إلى أن هذه الوظيفة تُؤدى على نحو أفضل عن طريق أختيار يسميه "الحالمون السطحيون"، ويرشح، عن سبيل المثال، مارتن لوثر كينج، من بين آخرين. فيقول رورتي أن هؤلاء المفكرين لهم قيمة لأنه يمكنهم "توفير الأمل المحلي، وليس المعرفة العالمية"[22]

يدعي رورتي أن الدور المناسب للفلاسفة لا يتمثل في توفير المعرفة المتخصصة في المجال او الفضاء العام؛ يجب أن تكون الفلسفة نشاطًا خاصًا. ويشيرفي كتابه "الاحتمالية والساخرية والتضامن"، إلى الأهمية السياسية لمقاربته: إن الحل الوسط الذي ينادي به هذا الكتاب يرقى إلى القول: خصخصة محاولة نيتشه - سارتر فوكو في الأصالة والتجردية، حتى تمنع نفسك من الانزلاق إلى موقف سياسي يؤدي بك إلى القول هناك هدف اجتماعي أكثر أهمية من تجنب القسوة.[23]

ما يقترحه رورتي هو أن المداولات الفلسفية ليست نشاطًا "مفيدًا" مميزًا لمجتمع ديمقراطي. وإن التكهنات حول ما هو حقيقي أو عادل أو صحيح تصبح سعيًا للانغماس في أوقات الفراغ، دون أي غرض يتجاوز الطمأنينة الفردية أو إرضاء الذات، وليس هناك أي عواقب تتجاوز تلك الخاصة.

يجادل رورتي بأن محاولات تبرير النظرية الديمقراطية الليبرالية من خلال العودة إلى المفاهيم الغريبة للطبيعة الإنسانية يجب أن يُنظر اليها بالطريقة نفسها التي نظر بها المنظرون الديمقراطيون السابقون إلى المعتقدات الدينية. وهذا هو، ليس لديهم مكان يوفير أسس الديمقراطية. يقدم رورتي مثالاً على ذلك شخص قد يكون لديه نظرة نيتشوية للعالم بغيضة ومثيرة للاعتراض وينغمس فيها "فلسفياً" بشكل فردي بينما يظل "موالي" علنًا لمجتمعه الليبرالي. هذا ممكن لأن هكذا افراد يدركون أن إحدى فضائل الديموقراطية الليبرالية هي أنها غير مبالية بإيمانهم الفلسفي الخاص[24]

دفاع رورتي عن الديمقراطية الليبرالية

تقود حجة رورتي حول قوة الإطار الإجرائي للديمقراطية الليبرالية إلى الموضوع الثاني في كتاباته عن الديمقراطية. على الرغم من تركيز رورتي على الاحتمال في نظريته للمعرفة، الاً أنه يرفض أن تطلق عليه تسمية أو صفة "النسبية"، عند اتخاذ قرار بشأن حديثه عن الأجراء والأطار الديمقراطي المناسبين. إنه يدافع عن الديمقراطية الليبرالية الغربية.، ينزلق في بعض الأحيان إلى دفاع أكثر تحديداً وهو عن الديمقراطية الأمريكية، رغم أنه لم يحدد موقفه بوضوح فيما يتعلق بالعديد من التقاليد الديمقراطية الأمريكية .[25] لقد أكد على أنه يرى أمريكا كما أكد ديوي قبله قد فتحت أفق على آفاق ديمقراطية غير محدودة، قائلا: أعتقد أن بلدنا - على الرغم من الفظائع والرذائل الماضية والحاضرة ... هو مثال جيد على أفضل أنواع المجتمع التي بُنيت حتى الآن.[26]

هذا دفاع لا لبس فيه عن الديمقراطية الأمريكية، التي عليه بعد ذلك التوفيق بينها وبين معاداته للأسسية. فيقول رورتي بأن معجم مفرداته الليبرالية يجب أن تكون لها الأولوية لأنها الوحيدة التي تتيح لنا، في الوقت الحاضر، أن تكون مشتملة على كامل معنى الديمقراطية الليبرالية. في مقابلة معه، طُلب منه توضيح الفرق بين تبرير شيء ما على أساس أنه إرادة الله، وتبرير شيء ما بوصفه جزء أساسي من المفردات الليبرالية. فأجاب أن الفرق هو "أنه ليس أمرًا مهمًا لمفرداتك الليبرالية فقط، ولكنها أساسي للمفردات التي جعلتنا جميعًا في الساحة العامة كمواطنين ديمقراطين. إنها ليست مفرداتي الخاصة، بل هي المفردات التي يجب أن نستعملهاجميعًا عندما نتجمع ".[27] بمعنى آخر، يدافع رورتي عن الديمقراطية العلمانية الليبرالية، لأنه يرى أنها المفردات الوحيدة التي ستمكن الجميع من المشاركة في الساحة العامة.

وهنا يبدو أن ما بعد الحداثة عند رورتي، والتي عُرِفت بأنها انعدام الثقة في الأسس، لا تتفق مع دفاعه القوي عن مفاهيم الديمقراطية الليبرالية. فيؤكد أنه على الرغم من أن " معجم مفردات عقلانية التنوير كانت ضرورية لبداية الديمقراطية الليبرالية الاً أنها أصبحت عقبة أمام الحفاظ على المجتمعات الديمقراطية وتقدمها".[28] إن ما بعد الحداثة التي يقول بها رورتي هي من نوع محدد للغاية ومميز إلى حد ما، وهي موجهة إلى حد كبير ضد ما يراه أساسًا لمخلفاتنا الميتافيزيقية من تقاليد فلسفة التنوير. لكن هذا الهدف مشكوك فيه، لأنه يبدو، في بعض الأحيان، كما لو أن رورتي يهاجم فقط ألأسسية الإبستيمولوجية، على رأي بيرنشتاين.[29]

ينتج عن التوتر بين عدم اليقين المعرفي وما يبدو أنه التزام أكثر تحفظًا تجاه المجتمع اتجاهين مختلفين في كتابات رورتي عن الديمقراطية. يستمد الكثير من نقده للنظريات الديمقراطية من نظريته المعرفية الما بعد حداثية، بينما يعتمد دفاعه عن الديمقراطية الليبرالية الأمريكية على التقاليد وعلى تضامن المجتمع. يبدو أن هذين المسارين يتعارضان مع بعضهما البعض،فبينما يعبر أحدهما عن حالات أحتمالية وعرضية، يمثل الآخرارتباطًا محددًا بنموذج معين للديمقراطية.

يحاول رورتي تسوية أو حل هذا التوتر بطريقتين. أولاً، يقول أن ما تحتاج إليه المجتمعات الديمقراطية ليس نوع المبررات التي قدمها الفلاسفة، بل هو إطار إجرائي يمكّن من إجراء نقاش ومحادثة متسامحة حول غايات ووسائل ذلك المجتمع. يمكن أن يصاحب ذلك، إذا رغبت المجتمعات، مداولات فلسفية خاصة بشأن الالتزامات الجوهرية/ الموضوعية. لكن رورتي يقول إن الإطار العام يجب أن يقتصر على وضع المبادئ التوجيهية الإجرائية التي بموجبها يمكن أن تُقام المحادثة أو النقاش. ساشير في القسم التالي، إلى كيفية قيام رورتي بتمييز حاد بين الادعاءات الإجرائية والموضوعية الجوهرية، من أجل تقديم هذه الحجة. الطريقة الثانية لحل التوتر بين نظرية المعرفة في مرحلة ما بعد الحداثة عند رورتي وولائه للديمقراطية الليبرالية هي من خلال فكرة التضامن. هذه هي الفكرة القائلة بأن معتقدات المجتمع وقيمه هي فقط التي يمكن أن توفر مبررات (غير مؤسسية) لمجتمع ديمقراطي تجريبي.[30] وتستند هذه الحجة إلى مركزية عرقية متعمدة من قبل رورتي حتى يتمكن من الادعاء بأن نموذجًا معينًا للديمقراطية الليبرالية أفضل لهم( الأمريكيون)، لأنه جزء من تقاليدهم.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...................................

[1] عن سبيل المثال، راجع مقالات لرورتي في القسم الأخير من كتابه

Objectivity, Relativism, and Truth: Philosophical Papers Volume One (Cambridge, Cambridge University Press, 1991). وأنظر أيضا R. Rorty, 'Thugs and theorists: A reply to Bernstein', Political Theory, 15:4 (1987), 564-80.

[2] Martyn Oliver, 'towards a liberal utopia: An interview with Richard Rorty', Times Literary Supplement (24 June 1994), 14, and also R. Rorty, 'Pasties', London Review of Books (3 September 1987), 11-12.

[3] يرى بيرنشتاين أن هناك ثلاثة أشكال متشابكة في كتابة رورتي ؛ نقد رورتي للأسس الفلسفية، جمالية موقفه في ساخريته واعتداله التي ينسجها كأنها ضفيرة، ودفاعه عن الديمقراطية الليبرالية. أنظر: ر. ج. بيرنشتاين، "خطوة الى الأمام خطوتين الى الخلف: ريتشارد رورتي حول الديمقراطية الليبرالية والفلسفة"، جورنال النظرية السياسية، 15: 4 (1987)، 538-63 لاسيما ص. 541-2.

[4] Rorty, Objectivism, Relativism, and Truth, p. 192

[5] يعترض بيرنشتاين قراءة رورتي لديوي، بحجة أنه يسيء تفسيره على نقاط مهمة. هذا أمر مهم، لكن ليس، كما أعتقد، أساسي لتحديد كيف سيبدو نموذج رورتي الديمقراطي. قد تكون إحدى الطرق لتوفير بديل أفضل لرورتي، لكن هذا مشروع مختلف.

  • Bernstein, 'One step forward, two steps backward: Richard Rorty on liberal democracy and philosophy', Political Theory, 15:4 (1987), p. 541­
  • [6] R. Rorty, Consequences of Pragmatism: Essays, 1972-1980 (Minneapolis, MN, University of Minnesota Press, 1982), p. 162.

    [7] R. Rorty, Contingency, Irony and Solidarity (Cambridge, Cambridge University Press, 1989), p.56.

    [8] Rorty, Consequences of Pragmatism, p. 164.

    [9] R. Rorty, 'We anti-representation lists: A review of Terry Eagleton's Ideology: An Introductive', Radical Philosophy, 60 (1992), 40-2, esp. p. 40.

    [10] Rorty, Contingency, irony and Solidarity, p. 12.

    [11] Rorty, Consequences of Pragmatism, p. xliii.

    [12] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, pp. 4-5.

    [13] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, pp. 178-9.

    [14] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 9.

    [15] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 9

    يشبه رورتي "إعادة الوصف" بفكرة توماس كون عن تحول النموذج بطريقة ثورية في المعرفة العلمية. أنظر: بُنيَة الثورات العلمية، ترجمة د. حيدر حاج اسماعليل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007.

    [16] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 177.

    [17] Rorty, Objectivity, Relativism, and Trnth, p. 192.

    [18] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 63.

    [19] Rorty, Objectivity, Relativism, and Trnth, p. 177.

    [20] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 192.

    [21] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 192.

    [22] Rorty, 'Posties', p. 12.

    [23] Rorcy, Contingency, Irony and Solidarity, p. 65.

    [24] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 192.

    [25] انظر مارغوليس للتعرف على بعض التقاليد الأكثر حداثة، ولا سيما النقاشات حول التعددية والنخبوية. م. مارغوليس، "الديمقراطية: النمط الأمريكي"، في ج. دنكان (محرر)، النظرية والممارسة الديمقراطية (كامبريدج، مطبعة جامعة كامبريدج، 1983).

    [26] R. Rorty, 'Trotsky and the wild orchids', Common Knowledge, 1:3 {Winter1992), 140-53, esp. p.141

    [27] Oliver, Martyn 'Towards a liberal utopia: An interview with Richard Rorty', Times Literary Supplement (24 June 1994), 14

    [28] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 44.

    [29] Bernstein, 'One step forward', p. 546.

    [30] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 200.

     

    محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن دراسة العلم، سواء في مرحلته الراهنة، أو في أي عصر من عصور التطور، ويكون ذلك من وجهة نظر فلسفية، فإن الباحث يمكن له أن يتناول الفكر بالدراسة من منظورين مختلفين، لكنهما يكمل أحدهما الآخر بالنسبة لنا.

     المنظور الأول: هو ما نطلق عليه اسم "وجهة النظر الاجتماعية لتفسير نشأة العلم وتطوره"، وفي هذه الحالة فإن الباحث يهتم بكل ما من شأنه أن يعمل على قيام العلم أصلاً، وتوفير متطلباته الاجتماعية. إنها وجهة نظر تأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية وتنظر للعلم فقط من الخارج، وفى هذه الحالة يتعرض الباحث للنظام السياسي- الاجتماعي القائم في حضارة أو دولة معينة، والذي أصبح إنتاج معرفة علمية بعينها من جراء مشروعه الثقافي. فالعلم لا يعرف طريقة التوالد الذاتي، وإنما العلم هو في نهاية الأمر محصلة لمؤسسات بعينها ولمعدات وأجهزة بعينها، ولميزانية تمول ما هو مطلوب من أجل إنتاج معرفة معينة. إنه يحتاج إلى مناخ سياسي، واجتماعي، وثقافي معين، والمثال الواضح لذلك هو المعرفة في العالم الغربي الأمريكي اليوم على وجه التحديد .

    المنظور الثاني: ووجهة النظر المعرفية تأتى مكملة لوجهة النظر الاجتماعية، وهى وحدها القادرة على تقييم العلم "وتثمينه" من ناحية التطور المعرفي. وهذا المنظور هو الذي يسمح للباحث بالولوج إلى داخل العلم نفسه، كي يحلل هيكله ويتوقف على مساراته، وبنيانه، وطرق الاستدلال بداخله، وكيفية صياغة المبادئ العامة التي تعبر عن التقدم العلمى بداخله. كما يستطيع المعرفي أن يستخرج مراحل التطور الرئيسة التي سلكها هذا الفكر أو ذاك في بناء نفسه، وحتى بلوغه مرحلة التطور المعرفي التي هو عليها في حالته الراهنة .

    إنها وجهة نظر تأخذ بعين الاعتبار بناء العلم من الداخل، وتضع جانبًا كل العوامل الاجتماعية الخارجية التي أشرنا إليها في المنظور الأول. وغنى عن البيان أن وجهة النظر المعرفي حين تكتمل لا يجد أصحابها مفراً من توسيعها لتشمل في نهاية الأمر البعد أو المنظور الاجتماعي. فكما يقول ( أوجست كونت) إن العلم هو ظاهرة اجتماعية تاريخية لم ينشأ من فراغ، أو خارج المجتمعات، وارتبط نمو العلم وتطوره ارتباطاً وثيقاً بنمو وتطور المجتمع الإنساني، وارتبط هذا وذاك بنمو وتطور العقل الإنساني نفسه. لكننا حين ندرس وجهة النظر الاجتماعية منفصلة عن وجهة النظر المعرفية، فإننا نفعل ذلك استجابة لحاجات الدراسة الأكاديمية وما تفرضه من تجزئة للمعرفة حتى يمكن دراستها.

    ولقد لقد فرض العلم الحديث سيطرته الايديولوجية، بشكل منهجي منظم أو بعبارة أخري فرض سيطرته الايديولوجية بشكل علمي، لهذا فإن القطيعة الابستمولوجية هنا كما يري بعض الباحثين " تعلن الحرب علي الأوهام الايديولوجية، وتحاول تعرية آليات المستوي الايديولوجي . لهذا تعني القطيعة المعرفية الانفصال في لحظة عن البداهات الايديولوجية، وبهذا المعني لا تكون القطيعة حدثا تاريخياً منعزلاً وقائما بذاته، بل هي مجموع من اللحظات التي يلقي فيها العلم نظرة إلي ماضيه العلمي، ليكشف عن مواطن الزيف الايديولوجي فيه . ويكشف عن الخطأ التي اكتنفت المعرفة العلمية وغلفتها بأغلفة ايديولوجية . إن تحرير الخطاب العلمي من نوايا وأغراض الباحثين، ومن الايديولوجيات القابعة خلف تفكيرهم، يؤدي إلي إظهار هذا الخطاب علي سجيته وفي تناثره التلقائي البحت، ذلك لأن مثل هذه النوايا والأغراض الايديولوجية من شأنها أن تعرقل مسيرة الخطاب العلمي في تقدمه، وهذا لا يأتي إلا عبر القطيعة الابستمولوجية ".

    ومفهوم القطيعة الابستمولوجية، والذي أحاول أطبقه هنا في هذا المقال هو، يمثل كما ذكر أحد الباحثين " ... النقلة الكيفية من إطار معرفي إلي إطار آخر، وهي لا تعني قطيعة مطلقة، لأنه لا يمكن تصور أن خيط التطور ينقطع عند لحظة معينة من التاريخ أو يتجمد عندها، إنما القطيعة المعرفية في مفهومنا هي منعطف ثوري ننتقل فيه من مرحلة إلي مرحلة أخري متقدمة ينفتح فيها طريق، كان مسدودا أو كان يبدو مسدوداً لفترة طويلة . لقد تحرك العلم والفلسفة واللاهوت، أي الأطر المعرفية كلها في العصر القديم حول النظام الفلكي الذي شيده بطليموس منذ ما يقارب الالفي سنة والذي يقول بأن الأرض هي مركز الكون، إلي أن جاء " كوبرنيقوس" (1472-1543)، وقلب نظام الكون وقال بحركة الأرض حول الشمس فدخل بذلك علم الفلك منعطفاً جديداً. وكان العالم القديم يعتبر الأجرام السماوية كائنات روحانية تختلف عن عالم الأرض أي عالم الفساد، فجاء جاليليو (1546- 1642) وأكد مادية الأجرام السماوية وقضي علي تصور تقسيم إلي العالم الروحاني العلوي والعالم السفلي المادي الفاسد . بل وخرج بنظرية "كوبرنيقوس" من حيز الرياضيات إلي حيز الوجود الطبيعي وأثبتها تجريبيا من خلال تلسكوبه الفلكي الذي اكتشف به عددا من النجوم وهضاب القمر ووديانه، ولقد اهتم جاليليو بالبحث عن العلاقات التي تربط بين الظواهر وترك جانباً ( البحث عن المبادئ والأسباب الميتافيزيقية التي استحوذت علي الفكر القديم وبذلك أحدث قطيعة بين الفكر الجديد والفكر القديم، قطيعة لم يعد من الممكن بعدها العودة إلي أساليب التفكير القديمة والتصورات الأرسطية والوسطوية التي كانت تشكل أساس العلم والمعرفة) .

    كما أن القطيعة تعني الانتقال الجذري من تصور خاطئ أو قاصر إلي تصور يفتح الطريق أمام معرفة موضوعية وليس من الضروري أن يكون صحيحا مائة بالمائة . فما فعله فرويد مثلاً في علم النفس يعتبر نقلة كيفية بمعني القطيعة مع كل التصورات القديمة حول النفس الإنسانية . وإن كان علم النفس ذاته لم يقف عند تحليلات فرويد ولن يتجمد حيالها. والانتقال من جاليليو إلي نيوتن . والانتقال من نيوتن إلي أينشتين . لم يكن انتقالا هادئاً ولا معبداً، بل كان انتقالاً كيفياً أو قطيعة معرفية جعلت بريق القديم أقل لمعاناً مما يقدمه الجديد . فالقطيعة الابستمولوجية التي أحدثها أينشتين وماكس بلانك هي قطيعة بالنسبة إلي علم نيوتن وجاليليو .

    إن القطيعة المعرفية التي نبغيها أيضاً في هذا البحث ليست هي القطيعة التي أخبرنا عنها بعض الباحثين بأنها ذلك " .. التغير الجذري الثوري، بحيث لا نجد أي ترابط أو إفصال بين القديم والجديد، (وأن ) ما قبل وما بعد، يشكلان عالمين من الأفكار كل منهما غريب عن الاخر "، بل تعني التعبير عن التحول الواعي والهادف في مجال العلم والمعرفة العلمية، لهذا لا تمارس القطيعة عملها من خارج العلم، بل تمارس عملها من داخل العلم ذاته . فالعلم في تطوره ينشئ القطيعة من أجل المراجعة، والنقد المستمرين لأسس ومناهج ومفاهيم وتصورات العلم أو المعرفة العلمية السابقة . فالقطيعة ليست نبتة غريبية عن حقل العلم أو المعرفة العلمية، إنما هي نبتة أصيلة، تنبع أصالتها من داخل العلم ذاته، لأنها تدعم وتقوي العلم وتدفعه للأمام عن طريق النقد والمراجعة، وإعادة البناء المستمر له، لهذا فإننا نستخدم القطيعة هنا بالمعني الذي أخبرنا عنه أحد الباحثين بأنه ":" إعادة بناء ماضي العلم والمعرفة العلمية لا من أجل مهاجمة ونقد العلم والمعرفة العلمية ذاته ؛ بل من أجل تأسيس حاضر العلم وتقدمه في المستقبل، وبالتالي تكون القطيعة هي التجاوز النشط المسئول للماضي والمبدع الخلاق للحاضر، فلا تعود اللحظة تكراراً كمياً للتاريخ بل هي عمل دءوب، إنجاز الحداثة، بل الجدة " .

    وهذا المفهوم للقطيعة الابستمولوجية هو نفس ما نادي به الدكتور " حسن عبد الحميد بأنها " لا تعني هنا الحد الفاصل الزمني اللحظي، أو هذا التغير السريع الذي ينتج عنه امر جديد كل الجدة، بل عبارة عن مسار معقد ومتشابك الأطراف، تنتج عنه مرحلة جديدة ومتميزة في تاريخ العلم .

    والقطيعة الابستمولوجية تكمن " كما أكد بعض الباحثين"، " في هذا الطابع الجدلي الذي يطبع تاريخ العلم فلا يمكن أن نتخيل وفقاً لهذا التعريف تاريخاً للعلم تنقطع فيه الصلة بين ماضيه وحاضره، وبالتالي لا تفهم القطيعة إلا علي أرضية من الاستمرارية والاتصال . علاوة علي أنه لا يوجد تقدم قائم علي الانقطاع الكلي عن كل ما سبقه، فليس ثمة قطائع نهائية جذرية بين حاضر العلم، والذي يمثل أعلي مرحلة يصل إليها التقدم في العلم، وبين ماضي العلم، بل توجد قطائع بمعان معينة بين فيزياء جاليليو وفيزياء نيوتن أو بين نظرية النسبية لأينشتين والميكانيكا النيوتونية . إنها قطائع تصويبية تحاول حل المشكلات التي عجزت النظرية السابق عن حلها . إن وجود حصيلة من الاخفاقات المعرفية النظرية في مجال ما من مجالات العلوم ووجود سلسلة من العوائق المعرفية التي تؤدي بدورها إلي هذه الاخفاقات والعوائق يأذن بوجود قطيعة معرفية التي تعني هنا في هذا السياق، التحول الابستمولوجي في هذا المجال أو ذاك من مجالات العلوم الطبيعية . هذا التحول لا يتم بطريقة جذرية ؛ بمعني أن يستوعب هذا التحول تدريجياً، الاسهامات المعرفية والاكتشافات العلمية والنظريات السابقة، وأن يسقط من حسابه تدريجياً أيضاً، تلك العوائق والاخفاقات التي أعاقت نمو وتقدم وتطور العلم" .

    ريما أن المفهوم للقطيعة قد لا يرضي عنه البعض (وبالأخص الرديكاليين) ؛ لكونه كما يري بعض الباحثين " يخفي وراءه فكراً تقليدياً، حيث يشير هذا التعريف إلي وجود عنصر الاتصال بين النظريات العلمية السابقة واللاحقة، حيث يمثل هذا الاتصال أحد الصفات التي تميز التقدم في العلم بمعناه التراكمي، وإن كان الاتصال هنا يفهم بمعناه الجدلي ؛ بمعني أن النظريات العلمية المتعاقبة ( أو القضايا والاشكاليات الفلسفية )   لا تسير في خط متصل متراكم ؛ بحيث أن كل نظرية تقضي حتما إلي التي تليها، ومن ثم لا يوجد ثمة قطيعة أو ثورة أو تجاوز، وإنما عنصر الاتصال هنا بين النظرية العلمية المتقدمة وبين النظرية السابقة عليها، يتخذ في أن النظرية العلمية المتقدمة لا تلغي النظرية السابقة، بل تحتويها وتبرز عناصر النجاح التي حققتها النظرية السابقة .

    ولذلك فإنني هنا أناشد بأهمية هذا التصور للقطيعة المعرفية ومحاولة تطبيقه ليس فقط في العلم ولكن أيضاً في الفلسفة، ولذلك فإن توجهي في هذا البحث هو نفس توجه لوي ألتوسير Althusser`s L (1918-1990) ، حين استعان بمفهوم القطيعة المعرفية من أجل تناول الماركسية تناولا علمية دقيقا . فقد كانت مهمته كما أكد بعض الباحثين " تأسيس تصور للعلم يكون له دعامة قوية، ولإنجاز هذه المهمة تناول إشكالية " التعيين" Demarcation فلم يؤكد ألتوسير علي الشروط الكافية أو الضرورية للعلم، ولم تكن نيته متجهة نحو التمييز بين العلم واللاعلم، بل كان اهتمامه بالتحولات العميقة داخل العلم ذاته .. ولهذا شرع ألتوسير يقرأ كتاب " رأس المال "، قراءة ابستمولوجية بعد أن استعار مقولة القطيعة المعرفية من " جاستون باشلار "، ليشير إلي أن ماركس قد أحدث قطائع معرفية علي طول حياته الفكرية، فقد أحدث ماركس قطيعة مع أفكاره السابقة وتبني كل من فلسفة كانط وفشتة وذلك في عام 1840 إلي 1842، وكان في هذه الفترة يؤمن بالحرية كجوهر للإنسان ولكن سرعان ما هجر هاتين الفلسفتين، وأحدث قطيعة معهما ليتجه في فترة 1845 إلي فيورباخ والنزعة الإنسانية .وبحلول عام 1845، أحدث قطيعة ثالثة مع الاتجاه الإنساني الفيورباخي لصالح الاتجاه الهيجلي الايديولوجي ثم أخيراً أحدث قطيعة مع الاتجاه الهيجلي ليؤسس الماركسية العلمية إلي العلم".

     

    د. محمود محمد علي

    كلية الآداب –جامعة أسيوط

     

    علي رسول الربيعيإن الفيلسوف المعاصر الذي يختار العمل ضمن تقليد الحقوق الطبيعية يحتاج لان يفسر استعمال مصطلحاتها ويوضح مصدرها، وان يتعاطى مع أسئلة إبستيمولوجية متنوعة. كيف لنا ان نعرف ما هي الحقوق التي يملكها الناس؟ ما هو نوع الادلة التي تبرر لنا الاعتقاد بان للناس حقوق معينة وليس لهم الحق في امور اخرى؟[1] (شيفلر)

    سنقدم عرضاً لمخطط نوزك المفاهيمي لنظرية اليوتوبيا، لكن دون التطرق للعلاقة بين هذه النظرية وبقية الحجج التي يسوقها في الجزئين الأول والثاني من كتابه:[2] الفوضى،الدولة، واليوتوبيا[3]. فلا تقدم هذه الدراسة شرحا أو تفسيرا لفلسفة نوزك السياسية. إن هدفنا الأساس هو دراسة الوسائل المنهجية التي استعملها نوزك لبناء نظرية اليوتوبيا تحديدا. وعليه ستكون محاججتنا هنا على النحو التالي: سنعرض الوسائل التي وضعها نوزك لبناء نظرية اليوتوبيا، ثم الإطار التنظيمي لليوتوبيات، واليوتوبيات التي تم تعينها، وأخير سنقدم بعض الأنتقادات لنظرية اليوتوبيا هذه.

    منهجية نظرية اليوتوبيا

    يبدا نقاش نظرية اليوتوبيا بوصفها نظرية قائمة بذاتها، عندما يواجهنا غموض فكرة " أفضل عالم ممكن ". فهذه الفكرة طبقا لنوزك، تنطوي بذاتها على فكرتين مختلفين، فهي تشير مرة الى أن "أفضل عالم ممكن " هو نوع من العالم يعطي افضل نتيجة ممكنة، ومرة الى عالم مُتخيل وفقا لأفضل مبادئ التنظيم والتصميم الموؤسساتي[4].

    ينطوي المعنى الاول لهذه الفكرة على مبدأ نهاية الدولة، الذي يبرر أي تدخل أو قيود على حياة الأفراد. يرفض نوزك هذا المبدأ، لذا فإن المعنى الذي يختاره هو عالم مُتخيًل وفقاً لأفضل مبادئ التصميم المؤسساتي؛ وهذا الأختيار يقوم على أعتبار أن هناك ناس مختلفون[5]، يعيشون تعقيدات كثيرة [6] ويملكون حرية فردية. [7]

    تركز نظرية اليوتوبيا عند نوزك على فكرة أن أفضل عالم ممكن هو الذي يضع أفضل مبادئ التصميم الموؤسساتي. ومن هذا الموقع أهتمت نظريته بالخصائص العامة لما يجب أن يكون عليه العالم من أجل إعتباره عالماً أفضل، أما تفاصيل هذا العالم اليوتوبي فلم تشكل مدار أهتمام نوزك كثيرا[8]. وهنا نريد أن نشير الى أن استعمال نوزك لمصطلح اليوتوبيا ينتابه بعض الغموض، أذ يستعمله مرة ليدل على نظرية اليوتوبيا ومرة أخرى يدل على البنى التفصيلية للعالم اليوتوبي، لذا سوف نستعمل مصطلح "الميتا- يوتوبيا" لتسمية نظريتة العامة لليوتوبيا التي تتعلق بوضع افضل مبادئ التنظيم والتصميم المؤسساتي[9].

    تتألف الميتا- اليوتوبيا من جزأين؛ يعتمد الاول على وسيلة نظرية ميزتها الأهتمام بالخصائص العامة التي ضرورة ان تستوفيها العوالم اليوتوبية التي تم تعينها (أو تحديدها أو أختيارها من خلال وسائل التصفية " الفلترة") من بين خيارات عديدة، فيما يعتمد الثاني على وسيلة نظرية أخرى وظيفتها تاسيس أطار تنظيمي (framework)[10] يمكن ان تتطور به تلك العوالم اليوتوبية التي تم تعينها بعد المرور بعملية الأنتقاء والتصفية تلك. [11]

    وسائل اليوتوبيا

    يتم بناء اليوتوبيا، [12] أما عن طريق استعمال وسائل التنظيم أو التصميم، أوسائل التصفية والتنقية (الفلترة) من بين الخيارات المطروحة. تقدم وسائل التصميم بناءً ووصفا لليوتوبيا يبدأ من الصفر. والحجة التي تبرر أستعمال هذه الوسيلة هي ان هناك تعقيدات كثيرة في حياة البشر وتعقد أنظمة الموؤسسات وعلاقاتها، بالإضافة الى تعقد أفعال وسلوكيات الكثير من الناس، وعليه فمن غير المحتمل، حتى لو كان هناك نموذج مثالي للمجتمع يمكننا الوصول اليه بشكل مسبق.[13]

    وبالألتفات الى وسائل التصفية، فهي تعني عملية الغاء وتشذيب مجموعة كبيرة من الخيارات أو البدائل المطروحة. [14]وتؤخذ هذه الخيارات من مصدرين، الأول، من ما هو ناتج عن معارفنا السابقة وخبراتنا المتراكمة [15] بينما ينتج الثاني من وسائل التصميم، [16]وعموما عمليًة تصفية الخيارات والأنتقاء من ما بينها التي تم أخذها من هذين المصدرين قد تكون ثابته أو مرنة. فعملية التصفية الثابته تستبعد دائماً البدائل أو الخيارات وفقا لمعيار ثابت لديها، بصرف النظر عن عمليات التصفية السابقة التي قد شكلت مجموعة من البدائل التي تم تطبيقها على عمليات التصفية تلك. بينما عملية التصفية أو الأنتقاء المرنة فهيً ذات طبيعة حيوية، أي انها تُغيـًر معايير التصفية وفقاً للنتائج السابقة وللمتطلبات التي يمكن أن تنشأ لاحقا. [17]وهذا ما جعل نوزك يفضل هذا النوع الأخير من التصفية وللأسباب التالية:

    أولا، تأتي أفضلية وسائل التصفية على وسائل التصميم، لأنها لا تتطلب الا معرفة أقل لتعطي وصف عام مناسب لأفضل عالم ممكن، بما في ذلك معرفة ما هو مرغوب فيه.[18].

    ثانيا، أن وسيلة التصفية المرنة التي" تعتمد على قرارات الناس لها أفضلية ومزايا أكثر من تلك التي تعمل بصورة تلقائية، لأنها تعطينا القدرة على أن نصوغ وبشكل واضح المبادئ التي تعالج مقدما كل التعقيدات والمواقف المتنوعة التي قد تواجهنا.[19]

    ثالثا، إن الإستعمال البسيط لوسائل التصميم والوسائل الثابته للتصفية تخالطها شُبة أنها قد تتضمن مبدأ نهاية الدولة. [20]

    أما فيما يتعلق بوسيلة التصفية المرنة فقد يُطرح السؤال، هنا، عن طبيعة التصفية المُثلى، فرغم أن الحجة السابقة تأتي لصالح وسيلة التصفية المرنة من بين وسائل التصفية الأخرى، الاً أنه لا يمكن أعتبارها الاً خطوة أولى بأتجاه وسيلة التصفية الأمث، لذلك لابد من تمحيص الجوانب التفصيليًة لها [21] والتي يمكن تسميتها هنا بـ " ابستيمولوجيا التصفية "؛ وسأشير اليها بما يلي :

    أولا : ينبغي لفت الانتباه إلى الخصائص التي يتم اختيارها كمعيار لوسيلة التصفية. فأختيار هذا المعيار يتطلب بذاته ايضا عملية تصفية من نوع آخر، وكذلك تتطلب بعض القيود الإبستيمولوجية

    ثانيا: تنتج عمليًة التصفية التي مجموعة من الخيارات تتطلب بدورها تدقيق وتحليل إبيستمولوجي.[22]

    الا أن نوزك لم يتطرق الى هذين الجانبين في سياق حديثه عن اليوتوبيا، لذلك أفترض ان الجزئين الاولين من كتابه - المذكور - يتضمنان تطبيقات تتعلق بعملية التصفية هذه؛ وعليه فالمعايير الإبستيمولوجية للتصفية ومجموعة الخيارات يمكن أن تُستخلص من هناك.

    الإطار التنظيمي لليوتوبيات. (framework)

    يعني الإطار التنظيمي اليوتوبيات [23] مشروع وفكرة متصورة في العالم الفعلي عن الميتا- يوتوبيا؛ بينما الميتا- اليوتوبيا هيً أفضل عالم مُتخيًل لليوتوبيات التي تم صفيتها وتعينها، فالإطار التنظيمي هو أفضل تحقيق ممكن للميتا – يوتوبيا يقدم صورة عن خصائص العالم الواقعي، فالمعنى الذي يستعمله نوزك لمفهوم الإطار التنظيمي [24] هو الشرط المسبق والضروري لعالمنا من أجل تحقيق يوتوبيات معينة مختلفة في العالم الفعلي.[25] وهو يعادل مفهوم دولة الحد الأدنى،[26] أنه المكان الذي يمكن أن تنشأ فيه اليوتوبيات المعينة، ويشتمل دوره على إعتباره وسيلة تنقية ايضا.ً[27] أيً يُستعمل كوسيلة تنقية لاستخراج مجموعة من بدائل أو خيارات لليوتوبيا المعينة[28]، وسيلة، يعدها نوزك، عمليًة وملائمة لأوضاع العالم الواقعي. [29]

    وعلى هذا الأساس نجد بين الميتا- اليوتوبيا والعالم الفعلي (الواقعي) الأختلافات البارزة التالية:ـ هناك في الميتا- يوتوبيا مجتمعات متنوعة لايوجد بها أستغلال، ويوجد ما يكفي من الناس الذين يرغبون العيش بها، بينما في العالم الفعلي لا يمكننا نجد كل الناس الذين نرغب بالاقامة والعيش معهم. تؤثر المجتمعات بعضها على بعض في العالم الفعلي – الواقعي. هناك في العالم الفعلي تكلفة للحصول على المعلومات التي تمكن الشخص من معرفة أي من المجتمعات الأخرى تكون مناسبة للإقامة بها. لا يمكن ضمان حرية التنقل ولا الحصول على المعلومات دائما ـ في العالم الفعلي.[30]لأنه لا يمكن بأي وسيلة توفير كل القيم المتوقعة والمطلوبة لأكثر من شخص واحد؛ ربما علينا أن ننتهك عمدا بعض الشروط التي يمكنها توفير الرضى أو الأشباع من أجل اجراء تعويض أو تسوية عن إنتهاك بعض الاعتبارات الأخرى".[31]

    إذا نحينا جانباً الأختلافات بين الإطار التنظيمي والميتا- يوتوبيا، فلابد من الإشارة الى أن منطق اليوتوبيا - الذي يجعل التجربة اليوتوبية ممكنة – لا يلزم عنه أن هناك رابط بنيوي دائم بين شكل الإطار التنظيمي والعوالم اليوتوبية المُعينة، اي، إذا كان الإطار التنظيمي يمتلك ميزة السماح بحق معين (مثلا لك حق الحصرية الملكية لثروتك) هذا لا يدل على أن كل اليوتوبيات المُعينة تحوز الميزة نفسها؛ فهناك بعض القيود التي تحكم شروط التوافق والأنسجام بين الإطار التنظيمي واليوتوبيات المعينة. وتلك هي أنً اليتوبيات المُعينة تقوم بالتحكم بمبادئ الإطار الذي يَمنع على سبيل المثال، اليوتوبيات الإمبريالية أو يوتوبيات القوة التي تهدف الى الهيمنة على اليوتوبيات المعينة الأخرى.[32]

    يمتلك الإطار التنظيمي ميزتين تختلف عن اي نوع آخر يصف اليوتوبيا[33]: الأول، سيكون مقبولا من قبل كل فرد من اليوتوبيا مهما كانت رؤيته الخاصة في مرحلة ما في المستقبل. الثاني، يتوافق هذا الإطار التنظيمي مع تحقيق جميع رؤى افراد اليوتوبيا المعينة تقريباً ".[34] أيً؛ سيكون من الأفضل التحقيق الواقعي لهذا الإطار التنظيمي من تحقيق اي بدائل اخرى حتى لو كانت هذه البدائل أو الخيارات اقرب في طريقة اشتقاقها من نموذج العوالم الممكنة.[35] بعبارة أخرى، يُعتبر تحقيق هذا الإطار افضل من تحقيق بدائل أكثر قربا في اشتقاقها من نموذج العوالم الممكنة.[36]

    أن السؤال الذي يُطرح حول هذه النقطة: كيف يمكن التأكد من أن هذا الوصف هو الأفضل ليوتوبيا الإطار التنظيمي، وماهي الطرق أو العمليًات التي تُطمئن أن مشروع وتصور الميتا- يوتوبيا هذا هو أفضل مشروع وتصور ممكن؟ يكمن الجواب في أن الإطار التنظيمي نفسه والذي يعتبر جزءا من النظرية العامة للميتا – يوتوبيا، هو نتيجة وحاصل تطبيق الوسائل اليوتوبية هذه. وبتحديد أكثر، ياتي نتيجة لعملية تصفية مجموعة من البدائل أو الخيارات للتوصل إلى تسوية إجتماعية من شأنها أن تضمن إمكانية وجود يوتوبيات معينة متفق عليها.[37] وعلى هذا الأساس تبنى نوزك ثلاثة معايير مختلفة للتصفية؛ وهي معيار الحرية الفردية، ومعيار طبيعة الاختلاف الفعلي بين الناس،[38] بالإضافة الى معيار التعقيد في حياة وظروف الناس.[39] وهنا لابد من الإشارة الى إن عملية التصفية التي تستخدم هذه المعايير قد تم تطوير معظمها في الجزء الأول من الكتاب (وهي ليست موضوع هذه الدراسة)، لذا لن أدخل في تفاصيلها وأكتفي بها عند هذه المرحلة.

    اليوتوبيات المُعينة

    تُعتبر اليوتوبيا المعينة – أيً التي تم اختيارها من بين اليوتوبيات الأخرى من خلال عمليًة التصفية - هيً تخيًل عالم ممكن في حقل الميتا – يوتوبيا؛ فكما أن الميتا- يوتوبيا قد تكون خطة وتصورة عن العالم الفعلي فأن اليوتوبيات المُعينة هي بدورها يمكن أن تكون خطة ومشروع مُتصور عن العالم الفعلي أيضا. وبناءً عليه يمكن القول أن اليوتوبيات التي تم تعينها أو إختيارها هي عبارة عن تخيًل عوالم ممكنة داخل حقل الإطار التنظيمي. وكما لاحظنا سابقا، فأن نوزك يستعمل الإطار التنظيمي كوسيلة تصفية لإستخلاص البدائل أو الخيارات من بين مجموعة من اليوتوبيات الممكنة، تلك التي تكون عمليًة وملائمة لأوضاع العالم الفعلي. وبالتالي، يمكن توقع الأختلاف بين يوتوبيات ممكنة داخل الميتا- يوتوبيا، واخرى ممكنة داخل الإطار التنظيمي؛ لكن نوزك لم يوضح الآثار المترتبة على هكذا تمييز، لذا سيتناول النقاش اللاحق اليوتوبيات المُعينة كيوتوبيات لها تنوع متفرد. [40]

    بما أن منطق نظرية اليوتوبيا، يتمثل دوره في تبرير إمكانية وجود اليوتوبيات المعينة، فعلى هذه اليوتوبيات أن تكون ذلك العالم الذي يمكن للمرء أن يتركه أو ينضم إليه بإرادته؛[41]ويستعمل نوزك هنا مصطلحا مكافأ لهذا العالم الا وهو "الإتحاد المجتمعي."[42]وضماناً لتلك النتيجة، يمكننا استعمال ما يمكن تسميته بـ " القيد الإبستيمولوجي لليوتوبيا المعينة" وهو أن كل كائن عقلاني يمكن تخيًله في هذا العالم يمتلك الحقوق نفسها كما يمتلكها الآخرون في تخيًل لعالم ممكن للإقامة فيه. اما بالنسبة لسكان العالم الاخرين الذين يمكن تخيًلهم فلهم حرية الأختيار بين البقاء في العالم الذي تم إنشاؤه لأجلهم أو تركه والاقامة في عالم من تخيلهم الذاتي.[43]لذلك، حتى يكون لمناقشة اليوتوبيا مغزى يصبح التقييد الإبستيمولوجي لليوتوبيا المُعينة متطلب ضروري لحرية الأشخاص .

    نتيجة ذلك، ستظهر بعض اليوتوبيا المُعينة وسيختفي بعضها الآخر لعدم وجود عدد كاف من السكان يقيمون فيها. تُمثل ديناميكية اليوتوبيا المُعينة عمليًة تصفية، "منافسة بين يوتوبيات مُعينة. وعلى الرغم من أن زوال يوتوبيا معينة يُعتبر عملية مهمة، الا أن نوزك لم يقدم لنا معيارا محددا يمكننا من خلاله أن نقرر فيما إذا كان إعتماد معيارعدد السكان يعتبر كافياً أم لا للحفاظ على اليوتوبيا المُعينة. رغم هذا النقص، إلا أنه يمكن وصف المنافسة بين عدة يوتوبيا معينة من الناحية النظرية كما يلي: "إن قرارك في البقاء في الإتحاد الذي تم أُنشأؤه من قبلي ونرمز له بمجموعة 1 A أو في حال إنشاء إتحاد آخر مجموعة 1A "، ايً انت تنتمي إلى إتحاد آخر وهو مجموعة 1A لكني لا انتمي إلى نفس اتحادك ومجموعت، إذاً، يُعتبر القرار نفسه فيما إذا كان اي اتحاد منهما سيقبلني كعضو جديد في إتحاد مجموعة1 A " الذي انت تنتمي بالفعل إليه. لذلك، إن النقطة الحاسمة التي تحدد القرار في كل حالة هي نفسها؛ بمعنى، هل وضعيتك معي في نفس الإتحاد تكون أفضل بوجودي او بعدم وجودي. '' يمكن وصف خسارة او مكسب الإتحاد الذي يقبل إنضمام فرد واحد لإتحاد معين بالصيغة التالية: إن المنفعة التي يمكن ان يكسبها الإتحاد من خلال قبوله إنضمامي اليه يجب أن تكون أكبر من المنفعة التي يمكن ان يكسبها من عدم قبولي للإنضمام اليه . لذاً، ان الإنضمام الى المجموعة (s) T U يُعتبر منفعة لمجموعة T من اجل قبول إنضمام مجموعة S (مجموعة T وS يمكن أن يكونا إتحاد أو فردا)، وصيغة القبول هي UA (قبول الفردي X) ≥ UA (باستثناء الفرد X)، في حين أن صيغة الانضمام هي UX (بالتعاون مع A)) ≥ UX بالتعاون مع B) . تعني هذه الصيغة ان الفرد يُساهم بالحد الأدنى عند إنضمامه الى الإتحاد، وهذه المساهمة تصبح مثل سوق العرض والطلب[44] ونتيجة ذلك تصبح الوسيلة المنهجية المستخدمة لوصف التنافس بين اليوتوبيات مماثلة لوسيلة تنافس السوق. أما بالنسبة للأفراد، الذين يُعتبرون موضوع منافسة، ويشكلون مجموعة غير متجانسة، فإن هذا السوق يمكنه ان يستخدم فقط حقوق الملكية الفردية كشرط اولي واساسي . وان تكون حقوق الملكية حقوق ملكية حصرية، لأنه إذا كانت حقوق الملكية مقيدة، فإن هذا سيشكل أنتهاكا لحرية الأفراد في الاختيار بين اليوتوبيا المختلفة.

    طبقا لقيود السوق فقد تترب نتائج على هذه المنافسة – والتي تعتبر عمليًة تصفية - بين اليوتوبيا المعينة " نحن لا نحتاج إلى الاخذ في عين الإعتبار أن المجموعة G تُمثل كل عضو من مجموعة X وبالتالي من مجموعة G، وG- [ X] تُعطي قيمة لوجود مجموعة X أكثر من أي مجموعة أخرى من الممكن أن تُعطي قيمة لوجود مجموعة s X ‘ . نحتاج فقط للأخذ في عين الإعتبار ان مجموعات G تُمثل كل عضو من مجموعة X وبالتالي من مجموعة G، فمجموعة ] G- [ X تُعطي قيمة لوجود مجموعة X أكثر من أي مجموعة أخرى مستقرة وممكنة من الناس التي سوف تُقدر وجود مجموعة X’s ".[45] لذلك، فإن نتيجة عملية تصفية المنافسة بين اليوتوبيات المعينة تشكل مجموعة من اليوتوبيا المستقرة.

    إن تعريف اليوتوبيا(المعينة) المستقرة " أذا كان هناك عوالم مستقرة يتميز كل عالم منها بمواصفات تلبي غالبية الحاجات المطلوبة منه (...)، أي، لا يمكن لأي شخص من سكان العالم ان يتخيلوا العيش في عالم بديل افضل من الذي يعيشون فيه والذي (يعتقدون) سيستمر قائماً طالما كل سكانه الذين يفكرون بنفس المنطق العقلاني يتمتعون بنفس حقوق التخيل والهجرة. [ ... ] أذن فإن الشرط لقيام إتحادات مستقر: اذا A مجموعة من الأشخاص في اتحاد مستقر أذن ليس هناك فرع لمجموعة S من مجموعة A بحيث ان كل عضو من أعضاء مجموعة S يُعتبر أفضل حالا في إتحاد يتألف فقط من أعضاء مجموعة S من ان يكون في مجموعة A. . في حال إنشاء وكأنه أذا لم يكن موجودا مجموعة فرعية S، فإن اعضائها سوف ينفصلون من مجموعة A، لإنشاء إتحاد خاص بهم " . وفي هذا السياق"،[46] يُطلق على نظرية ابستيمولوجيا تخيًل يوتوبيا مستقرة إسم" نظرية شرط الجبرية "، وهي كالتالي :

    " من أجل تجنب فوضى وصف القيود طبقاً لتخيًل الناس، نفرض القيود التالية: (اولاً) لا يمكن منطقياً تخيل عالم بحيث أن معظم سكانه (أو واحداً منهم) (أو عدد غير محدد) يريدون العيش فيه أو (ثانياً) أن معظم سكانه (أو واحداً منهم) (او عدد غير محدد) يريدون بعبارة واحدة العيش مع (نوع) شخص معين، ويفرض ما يقوله ويفعله، وهلم جراً [ الشخص الذي يتخيل الأشخاص والعالم الممكن ] " . هذا ما يسمى بالشرط المنطقي.

    ب) كذلك، إن المرء الذي يتخيل عالماً ما بإمكانه معرفة أن الأشخاص الذين يتخيلهم سوف يمتثلون لسبب معين، وبالتالي" (اولاً) يبدو من الأفضل إضافة قيد إضافي ان المتخيل قد لا يستطيع وصف الناس والعالم لأنه يعلم سببياً ان معظم سكانه (أو واحداً منهم) (او عدد غير محدد) يريدون العيش فيه أو (ثانياً) أن معظم سكانه (أو واحداً منهم) (او عدد غير محدد) يريدون بعبارة واحدة العيش مع (نوع) شخص معين، ويفرض ما يقوله ويفعله، وهلم جراً [ الشخص الذي يتخيل الأشخاص والعالم الممكن ] . إن ما يعرفه المرء فقط يتطلب ما قد يُستبعد . اذا، سيكون من الصعب جدا عدم الحاجة لشيء من هذا القبيل لمتابعة وصف الُتُخيل. إذا كان المرء لا يعلم شيئاً، فبالتالي لا يمكنه استغلاله " وهو ما يعرف بشرط السببية .

    ج) قيود المجموعة B : " ان المتخيل للعالم لا يمكنه تصميم أشخاص آخرين من اجل دعم وضعه الخاص، لكنه قد يتخيل اشخاص آخرين يقبلون ببعض المبادئ العامة. (هذه المبادئ العامة يمكن ان تدعم وضعه)."[47]

    د) يجب تحديدعدد السكان بعدد معين، بصرف النظر عن عدد الأفراد الذين يقررون مغادرة العالم الذي اختاروه لأسباب محض اقتصادية :" ومن المعلوم انه في مبدأ سوق العرض والطلب المتواصل يكون السعرغير محدد نظرياً ".[48]

    هـ) ينطبق هذا الشرط على حالة الإطار التنظيمي: يختلف الانضمام إلى اتحاد جديد عن مغادرة إتحاد آخر بعد ان يكون المرء قد عاش فيه لفترة طويلة، وقام بتعديلات على الإتحاد المجتمعي المُتخيل او القائم سابقاً،(المغادرة يمكن ان تسبب الألم ودفع تكاليف معينة)، فإن ذلك يقتضي تقديم تعويضات للمتضررين من هذه التعديلات. يُمكن تضمين هذه التعويضات عن طريق ذكرها بشروط صريحة في الإتفاق لدى إنضمام الأفراد في إتحاد ما.[49]

    يعترف نوزك بإن هذه الحجج غير كافية نظريا لإثبات أمكانية وجود يوتوبيات معينة مستقرة. وأحد الحلول يأتي من إضعاف هامش صيغة المنفعة: "تتطور إمكانيات وجود الإتحادات المستقرة عندما ندرك قوة افتراض أن ما تلقاه كل شخص هو فقط ما تخلى عنه الآخرون. فقد يعطي العالم لشخصاً ما شيئا يُعتبر بالنسبة له ذو قيمة أكثر من قيمته لدى الآخرين الذين من اجله تخلوا عنه"، [50] لكن إضعاف هامش صيغة المنفعة هذا يبقى غير قادر على إثبات أن وسيلة التصفية ستنتج ضوروة يوتوبيات معينة مستقرة.

    نقد اليوتوبيا

    هناك نقدان فقط يستحقان الأهتمام فيهما [51]حول نظرية لليوتوبيا من وجهة نظر نوزك. الأول يعتبر بنية اليوتوبيا ثابته، والثاني يعتبر بنية اليوتوبيا تتجاهل المشاكل العملية التي يمكن أن تنشأ من وجود نظريات الحد الأقصى.

    أن السبب الذي يجعل من بناء اليوتوبيا بناءً ثابتا يعود الى المفارقتين التاليتين: إما ان التغيير سيأتي بشئ افضل، مما يؤدي ان تكون اليوتوبيا التي حصل بها التغير في حالة تناقض ذاتي (لأنه من خلال التعريف كان من المفترض أن تكون أفضل واحدة ممكنة)، أو ان التغيير سيأتي بشئ أسوأ من ذلك، وهنا لابد من رفضه طبقا لمعنى مفهوم اليوتوبيا ذاته.[52] لكن الأعتراض على هذا النقد يأتي من أنه ينطبق في الأعم الأغلب على حالة التوصيفات التفصيلية لليوتوبيا المعينة، وأن نوزك يأخذه بنظر الإعتبار فيما يتعلق بالإطار التنظيمي والميتا- يوتوبيا أيضا عندما يخلص الإطار التنظيمي من معيار الحرية الفردية تدريجيا (وهو ما يُعرف بافتراض دوتوكفيل (Tocqueville)، فيسلم بأن الإطار التنظيمي (و ربما نظريته للميتا- يوتوبيا ايضا) يفرض بعض القيود الثابته، والتي يمكن أن نوضحها من خلال السؤال المقارن، الذي لطالما يُطرح في هذا السياق، وهو هل الإطار التنظيمي ذاك يسمح للفرد – مثلا – أن يبيع نفسه؟ أتصور ذلك ممكن على قاعدة، يحق للفرد أن يختار لنفسه ولا يحق للآخرين أن يختاروا له.[53]

    إن أما النقد الثاني فينطلق بكل بساطة من أن اعتبار اليوتوبيات تمثل الحالة القصوى يواجه أعتراضا لأحتكامه الى نفس التمييز بين اليوتوبيات التي تم تعينها أو اختيارها وبين الإطار التنظيمي لليوتوبيات بإعتباره وسيلة تصفية (ما بين اليوتوبيات المُفضلة) ولأنه كذلك فلايمكن ان يكون الحالة القصوى.

    وعلى اساس هذا المفهوم تبرز ثلاثة انتقادات أخرى لهذا التصور عن اليوتوبيا. الأول لبيتر سنغر الذي يُشكك في أن مثل هذا المخطط يمكن أن يكون ممكنا[54] لكن سوف لا نقوم بتحليله لانه عام جدا وغامض للغاية.

    أما الثاني فهو أن نوزك يتجاهل بعض الخيارات التي لا يمكن تفاديها. فتاتي حجة وولف في هذا السياق لتقول أنه من الممكن جدا أن شخصا أو نظاما من القيم، أو ظروف حياة معينة الخ...، قد تتغير بسبب احد الخيارات السابقة (لنفترضه وقت T- 1)، وعليه في وقت T سوف لا يكون المرء قادرا على أتخاذ نفس الخيارات كما هو الحال في وقت T- 1. هذا يمكن أن يحدث إما بسبب أسلوب حياة الشخص الفعلية T التي تفرض نمط خيارات أكثر تقييدا عما كان عليه في T- 1، أو بسبب نمط حياة شخص T، التي يمكن ان تقدم – في لحظة اخرى هي الآن مثلا - نمط خيارات مختلف عما كان عليه في T- 1 (ربما نمط T الجديد يحتوي على خيارات كانت تعتبر مستحيلة في T- 1. [55]يوجه هذا النقد الى البنية المنطقية لليوتوبيا، فيقدم وولف بعض القيود الداخلية لتخيًل اليوتوبيا إضافة الى القيود التي قدمها نوزك، ويسمي واحدة منها قانون تطور عدد اليوتوبيات الذي يحدد عدد اليوتوبيات الممكنة. وعليه تشير هذه الحجة إلى أن المنافسة بين العوالم الممكنة قد تكون مختلفة تماما عن تلك التي يتصورها نوزك . فإذا كانت قواعد استنتاج يوتوبيا مستقرة تختلف عن تلك التي اقترحها نوزك، فاذن إن عدد الاحتمالات التي ينبغي للمرء أن يأخذها في الاعتبار عند اتخاذ قرار عقلاني لظروف عالم معين من اجل ان يكون مستقراً تكون قد انخفضت إلى حد كبير. لكن وولف، لا يُشير إلى الآثار المترتبة على نظرية اليوتوبيا هذه؛ أذ أن هناك احتمالان على الاقل يجدر النظر فيهما. الأول، ياتي من حقيقة وجود بعض القيود على مفهوم اليوتوبيا، ويترتب على ذلك أن مفهوم " أفضل عالم ممكن"[56] قد يخضع لتعديل كبير، أي لم يعد واضحاً تعريف أفضل عالم ممك . فعلى سبيل المثال، لا يمكن للمرء أبدا أن يتيقن من أن عالمه الأفضل الذي يتصوره، هو في الواقع، أفضل عالم ممكن بالنسبة له لأنه قد يكون واقعا تحت بعض القيود في ذلك الوقت الذي كان يتصور فيه أفضل عالم ممكن. أما الثاني، هو انه إذا كنا ندرك أن هناك قيودا على تخيًل اليوتوبيات، فوفقاً لأي نموذج يوتوبيا سنقوم بتصميم أفضل الموؤسسات الاجتماعية التي تستوعب أساليب الحياة المتباينة؟ [57] هل يكون وفقاً لنموذج يسمح بتحديد او تقييد مجموعة من الخيارات أو البدائل ؟

    الثالث هو أن تعدد اليوتوبيات يواجه مشكلة عملية جدية، تتعلق بعدم وجود مساحة كافية على الأرض لضمان أن المرء يمكنه تسيير حياته دون أن يعوق حياة الآخرين ولا الآخرين يفسدوا حياته[58]. وعند هذه النقطة يضيف وولف قيداً مهما لما يعنيه أن يكون المرء قادراً على ان يعيش بحرية في اليوتوبيا التي يختارها، أي أن لا يتعدى المرء او يُعتدي عليه بموجب حقوق الملكية للآخرين.[59] يتناول هذا النقد الجانب الأخلاقي من اليوتوبيا من خلال السؤال: ما هي المبادئ الأخلاقية التي ينبغي أن تنظم اليوتوبيا؟ من وجهة نظر وولف أن جواب نوزك يتوقف على مبدأ حقوق الملكية. لكن من ناحية ثانية، فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي لليوتوبيا، أغفل وولف تقديم تفسير لماذا يجب أن تكون اليوتوبيا مقيدة أخلاقيا . كما انه لم يوضح ما إذا كانت القيود الأخلاقية مطلوبة من أجل تحقيق يوتوبيا مستقرة (والتي سيكون شرحها مهما)، أو إذا كانت القيود الأخلاقية خارجية من اجل التنظير لليوتوبيات (التي ستكون بشكل إعتباطي). إذاً كما قيل سابقاً، تُعتبر حقوق الملكية شرطاً ضرورياً لتقرير ما إذا كانت اليوتوبيا المعينة مستقرة أم لا.

    يعتبرفاولر ان القيود الأخلاقية على اليوتوبيا مسألة قاطعة، ففي رأيه،" يجب على نوزك ان يحاول تحديد أي أنواع من الاتحادات المجتمعية تلك تعيق تحقق الفضائل الليبرالية أو تلك التي تعززها، وإلا سيكون أطاره المفهومي مُنتقص أخلاقيا لأنه سيُخطئ في تحديد مجال المسموح به في التجربة اليوتوبية"[60] تقول وجهة نظر فاولر، ينبغي على الإطار اليوتوبي فرض تعليم معين على الأفراد، وإلا فإن تجربة اليوتوبيا ستكون مستحيلة. فإنطلاقاً من حقيقة، أن اليوتوبيا يجب ان تفرض تعليم معين لتكون فعًالة، إستنتج فاولر أن الطريقة التي تخيل بها نوزك اليوتوبيا متناقضة ذاتياً، لأنه يجب بالضرورة على اليوتوبيا ان تطالب بحرية الأفراد وبتقييد هذه الحرية في الوقت نفسه . لكن هذه الحجة تخلط فيما بين اليوتوبيا المُعينة وإطار اليوتوبيا. وكما أشار نوزك، هناك بعض القيود المنطقية المطلوبة على مستوى الإطار التنظيمي من أجل مناقشة معنى اليوتوبيا الذي يتبلور من خلال العلاقة بينها وبين الحرية وحقوق الملكية. بالإضافة إلى ذلك، هناك القيود التي يمكن فرضها على مستوى اليوتوبيا المعينة وهي ابستيمولوجيا تخيًل يوتوبيا مستقرة، ولكن هذه الابستيمولوجيا غير منسجمة مع مبدأ الحرية، طبقا لحقيقة ان قيود الإطار تقوم بوظيفة ضمان إمكان اليوتوبيا المعينة؛ لكن ما يحدث داخل هذه اليوتوبيا تلك قصة أخرى قضية منفصلة .

    الخلاصة

    وفي النهاية لانريد ان نقوم بتلخيص ما سبق وقد ناقشناه فيما يتعلق بنظرية اليوتوبيا ومنهجية بناءها عند نوزك، فما نريد الإشارة اليه في نهاية المطاف هو أن كتاب نوزك " الفوضى، الدولة، واليوتوبيا " تم تناوله كثيرا، وكثيرا ما كان هناك سوء فهم لنظريته من قبل نقاده ؛ فمنهجية اليوتوبيا التي قدمها قد أُهملت كثيرا وأُعتبرت مجرد إضافة أو ملحق غير ضروري.

    وعلى كل حال، من الناحية التاريخية كُتب الجزء الثالث من " الفوضى، الدولة، واليوتوبيا " الذي يتناول نظرية اليوتوبيا قبل الجزءين الأولين، حيث يمكن اعتبارهما أمثلة تطبيقية لإستعمال المنهج اليوتوبي. والناحية المنطقية تعتبر نظرية اليوتوبيا هي النقطة التي يمكن أن تكون البداية لمراجعة وإعادة بناء نظرية نوزك السياسية والأخلاقية . فجاء موضوع هذه الدراسة لتقديم فهم لنظرية نوزك السياسية من منظور إثبات أن منطق اليوتوبيا هو المفتاح الأساس لنظرية نوزك الأخلاقية والسياسية، والذي يحفظ نظرية نوزك من الانتقادات المدمرة التي أساءت الى حد كبير فهم وجهة نظره .

     

    الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

    ....................................

    [1] Scheffler, Samuel. ‘Natural Rights, Equality, and the Minimal State.’ In Reading Nozick. Essays on ‘Anarchy, State, and Utopia, Jeffry Paul ed.Oxford: Basil Blackwell, 1981, p.151.

    [2]

    [3] Nozick,Robert,Anarcy,State, and Utopia. Oxford: Blackwell, 1974.

    [4] Ibidem, p. 298, footnote

    [5] Ibidem, p. 309.

    [6] Ibidem, p. 312

    [7] Ibidem, p. 309, footnote

    [8] Ibidem, p. 332

    [9] اتبنى هنا إقتراح قصير لنوزك: يقول فيه : " تتالف اليوتوبيا من يوتوبيا متعددة. اليوتوبيا هي الميتا - يوتوبيا" .

    [10]يرى نوزك أن مفهوم الإطار التنظيمي يماثل مفهوم دولة الحد الأدنى، فدولة الحد الأدنى هي الإطار التنظيمي لليوتوبيا الذي يؤدي وظيفته كوسيلة تصفية تسمح لنا بمطابقة وفهم اليوتوبيا ؛ وعلى هذا الأساس يؤدي الإطار التنظيمي دوره كفلتر أو تصفية للإزالة غير المرغوب به من اليوتوبيات المُتخيلة واختيار وحدة معينة منها .

    [10]-Bader,Ralf, ‘ The framework for Utopia’ In Nozick’s Anarchy, State, and Utopia, ed by Bader,Ralf and Meadow croft Johan , (camridge,2011) p237. (255- 288).

    [11] Nozick,Robert,Anarcy,State, and Utopia. Oxford: Blackwell, 1974, p. 307

    [12] Ibidem, p. 313

    [13]حتى لو لم يكن نوزك صريحاً في هذه النقطة, فإن حدسي يقول ان هذه الوسائل هي جزء من الميتا - يوتوبيا, لذا فإن هذه الوسائل يمكن ان تستعمل في حالتي النظام واليوتوبيا المعينة.

    [14] Ibidem, p. 314.

    [15] Ibidem, p. 313.

    [16] Ibidem, p. 315.

    [17] Ibidem, pp. 317-318.

    [18] Ibidem, p.314.

    [19] Ibidem, p.317.

    [20] لا تبدو هذه الحجة الأخيرة واضحة في منطق نوزك, لكن يُحتمل غالباً ,ان هذه الحجة هي الأساس للحجتين السابقتين.

    [21] Ibidem, p.315, footnote.

    [22] Ibidem, p.314.

    [23] Ibidem, 297.

    يقول نوزك : " ليس هناك دولة يمكن تسويغها اكثر أتساع من "الدولة المصغرة أو دولة الحد الأدنى". لكن اليست فكرة دولة الحد الأدنى أو مثاليتها ينقصها البريق ؟ هل بمقدورها ان تحمس الفؤاد او ان تلهم للناس للكفاح او التضحية من أجلها ؟ هل يستطيع احدهم ان يحتجز تحت لوائها؟ ربما تبدو وكانها شاحبة وضعيفة مقارنة باختيار اقصى الطرف المناقض، وهو امال واحلام اصحاب النظرية االيوتوبية. بغض النظر عن مناقبها,، لا تبدو دولة الحد الأدنى يوتوبيا . لذلك نتوقع بان البحث في اليوتوبيا لا يزيد دوره عن القاء الضوء على العيوب واوجه قصور لدولة الحد الأدنى كمنتهى للفلسفة السياسية ."

    [24]Ibidem, pp309-312.

    يقول نوزك عن الإطار: " سيكون وضعا مقلقا اذا كانت هناك حجة واحدة فقط ومجموعة متصلة من الاسباب للوصول الى لوصف خاص لليوتوبيا . فاليوتوبيا هي التركيز على العديد من الخيوط المختلفة التي تطمح في ان يكون هناك العديد من الطرق النظرية التي تقود اليها ... يبدا الخيط الاول من حقيقة ان الناس مختلفون. فهم يختلفون في المزاج، الاهتمامات، القدرة الفكرية، الطموح، المواهب الطبيعية، الروحانية,، ونوع الحياة التي يرغبون ان يعيشونها. وهم يختلفون ايضا في القيم التي يملكونها وأوزان القيم التي يشتركون بها. (فهم يتمنون ان يعيشوا في مناخات مختلفة، البعض في الجبال، او السهول، او الصحاري، او الشواطئ, او المدن، او البلدات) لذلك لا يمكن التفكير بوجود مجتمع مثالي لكل الناس, فمن الواضح انه غير موجود.

    يمكننا ان نفرق بين الامور التالية:

    لكل شخص هناك نمط من الحياة الافضل بالنسبة له.

    الناس متشابهون بما يكفي، لذلك هناك نمط واحد للحياة يكون الافضل لكل واحد منهم.

    الناس مختلفون، لذلك ليس هناك نمط واحد للحياة الجيدة لكل منهم.

    الانماط المختلفة من الحياة متشابهة الى حد وجود نمط واحد من المجتمعات (والتي تتفق مع ضوابط محددة) بحيث تكون الافضل لكل شخص.

    الانماط المختلفة للحياة مختلفة جدا لذلك ليس هناك نمط واحد من مجتمع (يلبي ضوابط محددة) افضل لكل شخص (بغض النظرعن اي من انماط الحياة المختلفة هو الافضل لهم).

    طالما لكل شخص معيار موضوعي للخير يمكن ان يخبر او يحدد ... أن هناك، سلسلة واسعة من انماط الحياة المختلفة المرتبطة بشكل جيد، ولا توجد موضوعيا اي حياة افضل له من الموجودة في السلسلة,، ولا اي واحدة خارج هذه السلسلة افضل من التي في داخلها. وليس هناك مجتمع واحد افضل للعيش فيه اكثر من هذه المجتمعات المذكورة.

    غرضنا هنا، سواء Ib2 او II أستخدمنا هنا. فنكَنشتاين، اليزابيث تايلر، بيراند رسل، ثوماس ميرتون، يوجي بيرا، الين جنسبيرج، هاري ولفسون، ثورو، كاسي ستينغل، لوبفشتر ريبي، بيكاسو، موسى، اينستن، هج هيفنر، سقراط، هينري فورد، ليني بروس، بابا رام داس، غاندي، كولومبوس، فرويد، نورمان ميلر، اين راند، بارون روثستشيالد، تيد ويليامز، ثوماس اديسون، مينكين، ثوماس جيفرسون، رالف اليسون، بوبي فيسكر، ايما جولدمان، بيتر كروبوتكن، انت، ووالديك. هل هناك حقا نمط واحد لحياة فضلى لكل واحد منهم؟ تخيل بان جميعهم يعيشون في يوتوبيا لم تشاهد وصفها التفصيلي ابدا. حاول ان تصف المجتمع الذي سيناسبهم جميعا للعيش فيه. هل سيكون مجتمعا زراعي ام حضري؟ به الكثير من الترف ام يلبي الحاجات الاساسية البسيطة فقط؟ كيف ستكون العلاقات بين الجنسين؟ هل سيكون هناك رباط يسمى الزواج؟ هل سيقتصر على زوجة واحدة؟ هل سيربي الوالدين الاطفال؟ هل سيكون هناك ملكية خاصة؟ هل سيكون هناك حياة هادئة وامنة ام ستكون حياة مليئة بالمغامرات، التحديات، الخطر والفرص للبطولة؟ هل سيكون هناك دين واحد ام عدة اديان او اية اديان؟ ما اهمية وجودها في حياة الناس؟ هل سينظر الناس الى حياتهم بخصوصية ام بعمومية؟ هل سيكرسون اوقاتهم للعمل ام للترفيه عن انفسهم بانشطة مختلفة؟ هل سيربى الاطفال بتسامح ام بصرامة؟ على ماذا سيركز تعليمهم؟ هل ستكون الرياضة هامة في حياتهم؟ وماذا عن الفن؟ هل سيهتمون بالانشطة الترفيهبة ام الفكرية؟ام ماذا؟ هل سيكون هناك موضة في الملابس؟ هل ستتخذ الالام العظيمة لتجميل المظهر؟ ماذا سيكون الانطباع نحو الموت؟ هل ستلعب التكنولوجيا والالات دورا مهما في المجتمع؟ وهكذا.

    ان فكرة وجود اجابة شاملة لكل هذه الاسئلة، ووجود مجتمع واحد يعيش فيه الجميع , يبدو وكانه شيء يصعب تصديقه. (و الفكرة هنا انه وان وجد هكذا مجتمع، ولدينا الآن معرفة كافية لوصفه يبقى شئ لا يمكن حصوله.) لايمكن لأحد أن يصف اليوتوبيا مالم يعيد قراءة مثلا، أعمال شكسبير، تولستوي، جين اوستون، ريباليس ودوستوفيسكي لتذكير نفسه باختلاف الناس عن بعضهم البعض. (هذا ايضا سيذكره بمدى تعقيدهم.)

    يثق كتاب اليوتوبيا بفضائلهم وتصوراتهم ويعتقدون بانها صحيحة على الرغم من اختلافهم الواضح (ليس أقل من الأختلاف بين اسماء القائمة المذكوره أعلاه) في المؤسسة التي ينتمون اليها ونمط الحياة التي يحاكونها، على الرغم من أن كل واحد منهم يقدم تصور بسيط عن المجتمع المثالي، لكن علينا ان نأخذ حقيقة أختلافهم بصورة جدية . ليس لدى اي من كتاب اليوتوبيا مجتمع يعيشي به الحياة نفسها او يخصصون المقدار نفسه من الوقت لممارسة نفس الانشطة. لم لا؟ اليست الاسباب تحسب ضد النمط الواحد من المجتمعات؟

    النتيجة التي نصل اليها انه لن يكون هناك نمط واحد للمجتمع ونمط واحد من الحياة في اليوتوبيا .فاليوتوبيا تتكون من يوتوبيات لعدة مجتمعات مختلفة ومتباعدة، حيث يعيش الناس أنواع حياة مختلفة وفي ظل موؤسسات مختلفة، بعض أنواع المجتمعات ستكون أكثر جاذبية من غيرها لذا سيزداد بعضها وينخفض بعضها الآخر . الناس سوف بعضها للآخرين او يقضون كل حياتهم في واحدة . اليوتوبيا إطار ليوتوبيات، مكان يكون في الناس أحرارا في أن يجتمعو ا طوعيا ليسعوا ويحاولوا تحقيق تخيلهم لحياة ملائمة أو جيدة في مجتمع مثالي، مكان لا أحد في يفرض تخيله االخاص لليوتوبيا على الآخرين ". ان المدينة الفاضلة هي المجتمع للمثالية. (البعض منهم بالطبع سيقتنعون بمكانهم. لكن لن يلاحق كل واحد منهم بمجتمعات خاصة, والكثير ممن زهد او فرط بالانضمام اليها بداية سيلتحق بها لاحقا, بعد ان يتضح له حقيقة عمل من فيها.) نصف الحقيقة التي اود ان اقولها هو ان المثالية هي مثالية ذات هدف: البيئة التي ستجرب فيها المثالية, البيئة التي سيكون فيها الناس احرار ليفعلوا ما شاؤوا, البيئة التي يجب الى حد ما ان تدرك اولا ان تم ادراك بعض اراء المثاليون وتصوراتهم.

    لا يمكن لجميع الامور الجيدة ان تدرك معا, لذا لا بد ان تحصل بعض المقايضات ... [ لكن ] هناك القليل من المنطق للتصديق بان نظام واحد نادر من المقايضة سيتطلب قبول عالمي. فالمجتمعات المختلفة مع مزج االأختلافات البسيطة لكل واحد منها ستفسح مجال من يكون فيه كل شخص بأمكانه الأختيار ذلك المجتمع الذي يكون تقريبا الذي يناسبه بقيمه وفضائله " .

    [25] Ibidem, p.307

    [26] Ibidem, p.333

    [27] Ibidem, p. 317, footnote

    [28] هذا يعني, يمكن وجود مجموعة نظرية اليوتوبيا في الميتا - يوتوبيا.

    [29] Ibidem, p. 308

    [30] Ibidem, p. 307

    [31] Ibidem, pp. 308-309

    [32] Ibidem, p. 319, footnote, and p. 320

    [33] هنا, المطلوب ان يُفهم مصطلح اليوتوبيا على انه" افضل تحقيق ممكن للميتا - يوتوبيا على العالم الفعلي".

    [34] Ibidem, p. 318

    [35] مع أن نوزك يدرك وجود مشاكل مع فكرة الإطار التنظيمي، ويشكل الأطفال واحدة منها. فعلى سبيل المثال، في أي سن، يجب أن يكونوا قادرين على المغادرة ؟ هل لديهم الحق في أن يعلموا بطريقة متوازنة عن بدائل عديدة في طرق للحياة؟ إذا كان مجتمع ما يؤمن بأن مناقشة نظرية التطور تعتبر خطيئة، فهل سيلقنوا هذا المعتقد لأطفالهم ؟ إذا كان الأمر كذلك، كيف يمكن لأطفالهم احرار في الأختيار ؟ واذا لم يكن كذلك، فكيف سيتم تنظيم هذا الأمر ؟

    Wolff, Jonathan, ‘Robert Nozick: Property, Justice and the Minimal State’ Polity Press, UK, 1991, P.135.

    [36]Nozick,Robert,Anarcy,State, and Utopia. Oxford: Blackwell, 1974,309.

    [37] Ibidem, p. 317, footnote

    [38] Ibidem, p. 309

    [39] Ibidem, p. 312

    [40] يستعمل نوزك هنا سمة مميزة خاصة تعود الى فكرة، أن كل النقاش حول اليوتوبيات المعينة اقتصرت على اليوتوبيات داخل الميتا-يوتوبيا، أي أنه يرى يمكن للشخص ان يتخيل عدد لانهائي من الأفراد الذين يرغبون بالإقامة في تلك العوالم الممكنة، بينما في العالم الواقعي (وهو الإطار التنظيمي) لايوجد عدد لانهائي من الأفراد، أنظر التمميز أعلاه الذي اشرنا اليه بين الإطار التنظيمي والميتا-يوتوبيا.

    [41]والنقد هنا لتصور نوزك هذا عن ان الناس يتحركوا بحرية من يوتوبيا معينة إلى آخرى حتى يجدوا جنتهم، أنه بذلك يتجاهل التفكير في ان بعض الخيارات قد يكون لا رجعة فيها

    [42] Ibidem, p. 299.

    [43] Ibidem, p. 299

    [44] Ibidem, p. 301

    [45] Ibidem, p. 305

    [46] Ibidem, pp. 299-300

    [47]

    ما هو السبب لهذا القيد؟ إذا كان المبدأين الأولين يبدوان انهما صمما خصيصا لإفتراض نموذجا واقعيا لعوالم متنافسة مستقرة، فإن هذا القيد يبدو القصد منه السماح لوجود أخلاقية معينة. هل هو الشرط الضروري لنوزك لتأمين نظريته الكانطية في نظام اليوتوبيا (وفي هذه الحالة سيكون قيد خارجي خاص يجعل النظرية منحازة لصالحه)، أو هل من المنطق قبول مثل هذا القيد (بمعنى غير ذلك إنه من المستحيل تخيل نموذجا واقعيا لعوالم متنافسة مستقرة)؟ جوابنا على هذا السؤال لا هذا ولا ذاك، ولكن يمكن السماح لمزيد من هذه القيود الداخلية الممكنة على اليوتوبيا المعينة لأنه ليس لها أي تأثير على النظرية العامة لليوتوبيا (وهذا الأمر لضمان إمكانية وجود يوتوبيا معينة مختلفة.

    [48] Ibidem, pp. 303-304.

    [49] Ibidem, p. 324.

    [50] Ibidem, pp. 305-306

    [51] بمعنى, ان هذه النظرية تُعنى فقط بالتصميم المؤسساتي. إنظر تعريف مبدأ افضل عالم ممكن.

    [52] Ibidem, p. 328

    [53] Ibidem, p. 331

    [54] See Peter Singer, ‘The Right to be Rich or Poor, ’ In Reading Nozick. Essays on ‘Anarchy, State, and Utopia’, Jeffry Paul ed.Oxford: Basil Blackwell, 1981. Pp.37-56.

    [55] Wolf, Robert Paul. ‘Robert Nozick’s Dive ration of Minimal State’ In Reading Nozick. Essays on ‘Anarchy, State, and Utopia’, Jeffry Paul ed-106.Oxford: Basil Blackwell, 1981.,P.135.

    [56] Nozick,Robert,Anarcy,State, and Utopia,pp.298.

    [57] Wolf, Robert Paul. ‘Robert Nozick’s Dive ration of Minimal State’ In Reading Nozick. Essays on ‘Anarchy, State, and Utopia’, Jeffry Paul ed-106.Oxford: Basil Blackwell, 1981. Pp.298.

    [58] على الرغم من ان نوزك يعترف بأن الاكتظاظ السكاني سوف يؤدي إلى مشاكل في العلاقات بين المجتمعات، إلا أن نموذجه يظهر مناسبا فقط في حال توفرت مساحة شاسعة، وعدد قليل من الناس . يسأل نوزك ما إذا كان سيكون هناك مدن كبيرة، والجواب بالطبع سيتواجد مدن كبيرة، حتى ولو لم يرتادها احد من الناس، بإستثناء حالة إنخفاض معدل المواليد بشكل كبير. يبدو لي أن نظام نوزك اليوتوبي أكثر واقعية من أي رؤية ليوتوبيا أخرى.

    [59] Ibidem, p. 135

    [60] Fowler, Mark, ‘Stability and Utopia; A Critique of Nozick’s Framework Argument,’ ed.J. Angelo Corlett, Equality and Liberty.Analyzing Rawla and Nozick (London: Macmillan, 1991), p. 252.

     

    محمود محمد علييذكر بعض الباحثين أن آلان سوكال، أصبح معنياً أشد العناية بهذا الجانب مما بعد الحداثة، ما دفعه إلي أن يجري تجربة بسيطة ؛ حيث كما ذكرنا من قبل بأنه جمع عدداً من الصفحات لبحث يحمل عنوان "اختراق الحدود: نحو تأويل تحولي للجاذبية الكوانتية". ونشرته في عددها المزدوج (الربيع والصيف 1996). وقد قُبل المقال للنشر من غير أن يلفت النظر إلى أي شئ غير عادي فيه.

    وهنا يعلق ريتشارد دوكنز علي ذلك قائلاً: "لابد أن ورقة بحث سوكال بدت وكأنها هدية للمحررين، لأن " أحد الفيزيائيين " هو الذي يقول فيها كل الأشياء المناسبة التي يريدون سماعها، فيهاجم " هيمنة ما بعد التنوير " وتلك الأفكار غير الباردة، مثل وجود العالم الواقعي . ولم يدركوا أن سوكال قد حشا ورقة بحثه أيضاً بأخطاء علمية مفضوحة، من نوع كان سيكشفه في التو أي محكم حاصل علي أدني شهادة تخرج في الفيزياء . ولكنها لم ترسل قط إلي أي محكم من هذا النوع . إلا أن المحررين " أندرو روس " والآخرين، أرضاهم أن ما فيه من أيدولوجية يتسق مع أيدلوجيتهم، ولعلهم قد أحسوا بما يرضي غرورهم عند ذكر مراجع من مؤلفاتهم هم أنفسهم، وجعلهم عملهم بالنسبة لتحرير هذا المقال المهين يستحقون بجدارة جائزة نوبل 1996 في آداب الجهل " .

    ومن الملاحظ أن ورقة البحث مكتوبة بأسلوب ما بعد الحداثة المتغطرس والمسيَّس، ومن ثم كان محاكاة تبدو إلي حد ما سافرة. وبدا مثيراً للضحك لأقصى حد؛ حتي أن " جيمس تريفل علق علي ذلك قائلاً :" وأذكر للحقيقة أنني لا أعرف عالم فيزياء تأتى له أن يقرأ أكثر من فقرة من دون أن ينفجر ضاحكاً، حتى الهوامش كانت مضحكة . وعلى أي حال أرسل سوكال البحث إلي صحيفة تنتمي بفكرها إلي فكر ما بعد الحداثة اسمها " سوشيال تكست " Social Text " للدراسات الثقافية والتي يتبني هيئة تحريرها مثل هذه المجموعات، مثل فريدريك جيمسون Fredric Jameson ،       وأندرو روس .

    استقبلت إدارة المجلة مقال آلان سوكال بحماسة وبدون تردد؛ فهو شهادة نفيسة من فيزيائي محترم على مصداقية التوجه ’’المباحثي‘‘ النسباوي الذي تتبناه. وواضح أن الصحيفة كانت سعيدة جداً لحصولها علي مقال لعالم فيزياء جشم نفسه تعلم لغتها، ما حداها علي نشر المقال من دون السؤال عما إذا كان فيما يقوله أي معني مفهوم .

    والسؤال الآن، ما هي حيثيات ورقة البحث التي كتبها سوكال بأسلوب ما بعد الحداثة المتغطرس والمسيَّس، وكيف زيف سوكال تلك المقالة من خلال إعترافاته ؟

    المقالة تتكون من سبع وثلاثون صفحة من القطع، ستة عشر صفحة تمثل متن البحث، والباقي هوامش وقد وضعت الهوامش آخر المتن، وليست أسفل كل صفحة ، وكما قلنا من قبل وضعت المقالة ضمن عدد خاص يشمل سلسلة مقالات تحمل عنوان " حروب العلم ".

    تتكون المقالة من مدخل وستة محاور، حيث تتضمن مراجعة لكثير من المواضيع العلمية التي يشتغل بها العلماء في الفيزياء والرياضيات، ويخلص منها إلى بعض الدروس الثقافية والفلسفية والسياسية المختلفة التي يمكن أن تلاقي قبولاً عند أولئك الذين يشكون في موضوعية العلم .

    وقد مهد سوكال لذلك بمقدمة ماكرة ؛ حيث زعم أن " العديد مِن علماء الطبيعة ؛ وخصوصاً الفيزيائيين، لا يزالون يرفضون فكرة أن التخصصات المهتمة بالنقد الاجتماعي والثقافي، يمكن أن تساهم بشكل خارجي في بحثِهم. وما زالَ القليل منهم يستجيب لفكرة أنه يجب إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها نظرتهم للعالم، أو إعادة بنائها في ضوء هذه الانتقادات. وبدلاً من ذلك، يتشدقون بالايديولوجيا التي تفرضها مرحلة ما بعد التنوير كثيراً حول النظرة الثقافية الغربية، والتي يمكن إيجازها سريعاً علي النحو التالي: أن هناك عالم خارجي، يشتمل علي خصائص مستقلة عن الوجود الإنساني الفردي، ويجري حقاً علي البشرية ككل ؛ وأن يتم ترميز هذه الخصائص في شكل قوانين فيزيائية "أبديّة "؛ وأن الوجود الإنساني يمكن أَن يحصل عليها بشكل موثوقِ، حتي وإن كان يمثل معرفة تجريبية ناقصة بهذه القوانينِ المؤقته التي تهدف إلي إجراءات موضوعية وتفنيد ابستمولوجي يوصف من خلال ما يمكن أن يسمي المنهج العلمي " .

    بيد أن التغيرات التصوريةَ العميقة داخل العلم في القرن العشرينِ، كما يقول سوكال :" قد قوضت هذه الميتافيزيقيا الديكارتيةِ النيوتونيةِ ودراسات تعيد النظر في تاريخ وفلسفة العلم قد ألقت مزيداً من الشكوك علي مصداقيتِها، ومعظم الانتقادات الأنثوية وما بعد البنيوية قد ناقشت المحتوي الجوهري للممارسة العلمية الغربية السائدة، كما كشفت عن عقيدة الهيمنةِ المخبأة وراء واجهةَ "الموضوعيةِ" . لقد أصبح من الواضح بشكل متزايد أن " الواقع " الفيزيائي ليس أقل من " الواقع " الاجتماعي، بحيث يكون في القاع كياناً اجتماعياً ولغوياً ؛ وأن المعرفة العلمية أبعد ما تكون عن الموضوعية ".

    ثم يعلن سوكال الهدف الذي يسعي إليه من أطروحته، فيقول :" ... وهدفي هنا هو تنفيذ هذه التحليلات العميقة في خطوة واحدة أبعد، وذلك مع الأخذ في الاعتبار التطورات الأخيرة في الجاذبيةِ الكَوانتية : وبالأخص الفرع المنبثق في فيزياء ميكانيكا الكوانتم عند هيزنبرج والنسبية العامة لأينشتين في بوتقة واحدة . وفي الجاذبيةِ الكَوانتية، كما سنرى، الحالات الموضحة للزمان- المكان توجد بوصفها واقع فيزيائي موضوعي، وتصبح الهندسة ذات محمولات علائقيةً وسياقيةَ ؛ ومحمولات تصورية تأسيسية للعِلمِ القبلي بينهم , ويصبح الوجود نفسه نسبي . هذه الثورة التصوريِة، سوف أبرهن علي أن لها نتائج عميقة لمحتوى ما بعد الحداثة والعلوم التحررية.

    وينهي سوكال مقدمته قائلاً :" تناولي سوف يتمثل علي النحو التالي. أولاً، أنا سأراجع سريعاً جداً بعض الإصدارات الفلسفيةِ والأيديولوجيةِ التي نشأت من خلال ميكانيك الكوانتم، ومن خلال النسبية العامة الكلاسيكية . وبعد ذلك سأرسم الخطوط العامّةَ للنظرية الصاعدة للجاذبية الكوانتية، وأناقش بعض الإصدارات التصورية التي ظهرت أخيراً، وبعد سأعلق على النتائج الثقافية والسياسية لهذه التطورات العلمية. ويجب أن أؤكد علي أن هذا المقال يمثل ضرورة تجريبية وتمهيدية ؛ أنا لا أدعي أنني قد أجبت علي كل الأسئلة التي واجهتني. وهدفي، بالأحرى هو أن أوجه عناية القارئ إلى هذه التطورات المهمة في العلم الفيزيائي والتوصل لأهم النتائج الفلسفية والسياسية وسأحاول جاهدا الإبقاء علي الرياضيات بما يحقق الحد الأدنى، وإن كنت علي حذر لتزويد القارئ بالإشارات التي يمكن أن تفيده في كل التفاصيل الضرورية .

    ونلاحظ في تلك المحاور بعد أن قرأناها قرأة متأنية، أن سوكال لا يضيف جديداً، بل هو كلام يألفه الكثير من الطلاب المبتدئين، علاوة علي أنها أنه تحوي نقولاً من بعض الكتاب الفرنسيين لا يمكن فهمها ؛ حيث أن المقالة مكتوبة بلغة بأسلوب لغوي مقعر ؛ حتي الاستشهادات التي يستشهد بها من العلماء والباحثين غير مفهومة .

    وقد ذكر بعض الباحثين أن مقالة سوكال بدت وكأنها هدية للمحررين، لأن " أحد الفيزيائيين " هو الذي يقول فيها كل الأشياء المناسبة التي يريدون سماعها، فيهاجم " هيمنة ما بعد التنوير " وتلك الأفكار غير الباردة مثل وجود العالم الواقعي . ولم يدركوا أن سوكال قد حشا ورقة بحثه أيضاً بأخطاء علمية مفضوحة، من نوع كان سيكشفه في التو أي محكم حاصل علي أدني شهادة تخرج في الفيزياء ؛ علاوة علي أن اللغة التي كتبت بها ورقة البحث وإن كانت صحيحة لغوياً، إلا أنها لا تحوي أي معني وكأنها مكتوبة بلغة غير مفهومة ؛ حتي الاستشهادات التي يستشهد بها سوكال، من العلماء والباحثين غير مفهومة أيضاً، وكأنه تعمد أنه يقدمها ليضرب بها أنصار بما بعد الحداثة وما بعد البنيوية، ونذكر علي سبيل لا الحصر بعض النصوص التي عول عليها، إذ تكاد تكون مضحكة .

    والورقة من البداية حتي النهاية تبدو محض هراء . وهي محاكاة هزلية صيغت ببراعة للهذر المتجاوز عند أتباع ما بعد الحداثة . وقد حفز سوكال علي تأليفها كتاب لبول جروس ونرمان لفيت في كتابهما " الخرافة الراقية .

    ووجد سوكال أن من الصعب عليه أن يصدق ما قرأه في هذا الكتاب فتابع ما فيه من مراجع عن أدبيات ما بعد الحداثة، ووجد أن جروس ولفيت لم يبالغا في كتابهما . وقرر أن يفعل شيئاً بهذا الشأن وحسب كلمات جاري كاميا التي عاشت الحدث : " كل من حدث له أن أنفق وقتاً كثيراً وهو يخوض هذه الأناشيد المنحرفة الزائفة الظلامية المليئة بالرطانة والتي تمرر الآن علي أنها فكر " تقدمي " في الإنسانيات، كل من حدث له ذلك يعرف أنه سيكون من المحتم إن أجلاً أو عاجلاً أن يحدث أن : واحداً من الأكاديميين البارعين وقد تسلح بكلمات السر التي هي سرية جدا ( مثل "هيرمينوطيقي "، "انتهاكي " " تابع لمذهب لاكان "، " الهيمنة "، ونحن لم نذكر هنا إلا القليل )، سوف يكتب ورقة بحث زائفة بالكامل،ويقدمها إلي أي مجلة " رائجة"، وينال قبولاً لها ... يستخدم سوكال في مقاله كل المصطلحات المناسبة . وهو يستشهد بكل من هم أفضل الكتاب .

    ثم ما لبث سوكال أن كشف عن حقيقة الخدعة ؛ حيث أنه بمجرد صدور العدد الذي يتضمن المقال، بادر إلى الكشف عن خدعته من خلال مقال صادم نشره في مجلة ’’لينجوى فرنكا ‘‘ Lingua Franca الأمريكية يبين فيها أنه زيف محتوى مقاله الأول ؛ وأعلن سوكال في مقاله هذا أن الأمر كله خدعة . معترفاً بأن ما كتبه لا يعدو أن يكون خدعة لفظية وصنعة بلاغية لا يعول عليها.

    ومن ناحية أخري يؤكد سوكال بأن هدفه من كتابة المقال يعد " نداء لأي فيزيائي أو رياضي نشيط (أو الفيزيائيين في المرحلة الجامعية أو أغلب الرياضيين) أن يدركوا أنها ضالة أو خدعة Spoof .وبالفعل فإن المحررين للنص الاجتماعي قد شعروا بالراحة من نشر هذا المقال عن فيزياء الكوانتم بدون الرجوع لأي لشخص ذي معرفة بهذا الموضوع .

    ثم ينتقل سوكال للكشف عن الأسباب والدواعي التي جعلته يتعمد القيام ببحث عن مكانيكا الكوانتم ؛ حيث يؤكد أن ذلك يتمثل في هدفين:-

    الهدف الأول :- كما يقول :" أن أقتبس بعض التصريحات الفلسفية المتناقضة لهايزنبرج وبوهر وأقر بلا جدال أن الفيزياء الكمية مرتبطة بابستمولوجيا ما بعد الحداثة " .

    الهدف الثاني :- كما يقول :" أن أدعو للجمع بين دريدا و النسبية العامة، ولاكان وعلم الهندسة اللاكمية أو الطوبولوجي وبين ايريجاري Irigaray والجاذبية الكمية، وذلك من خلال بلاغة غامضة vague rhetoric عن الـ " الغير خطية nonlinearity "والجريان والترابط Flux and interconnectedness . وأخيراً فقزت ( مرة أخري بدون جدال ) لإثبات أن علم ما بعد الحداثة Postmodern Science قد ألغي abolished الواقع الموضوعي . وهنا الآن ليس هناك ما يشبه النتيجة المنطقية للفكر ؛ فالمرء قد يكتشف فقط إقتباس citations،وَتلاعب بالألفاظ plays on words، وتناظراتَ متكلفة strained analogies ومزاعمَ فارغة bald assertions " لا أساس لها .

    وهنا يؤكد سوكال أن الذي دفعه على فعلته تلك هو " أن يفضح المستوى المتدني للمهنية بين المشتغلين بالبحوث الأكاديمية، وبخاصة في العلوم الإنسانية ؛ هذا من ناحية، ومن ناحية أخري هو إحراج النزعة النسباوية المتطرفة، بوصفها تمثل في اعتقاد سوكال خطراً يهدد وجود العلم ذاته، علاوة علي اختبار مدى جدية وصرامة المنتسبين إلى ’’ما بعد الحداثة‘‘، ولا سيما حين يتعلق الأمر بموضوع العلم " .

    وثمة نقطة اخري جديرة بالإشارة يؤكد عليها سوكال، وهي أن السخافة الرئيسية the fundamental silliness لمقاله تنطوي ليس فقط من خلال تماسكها القوي، ولكن توسطها للمنطق الذي يدعمها .

    وهنا يعلق " جيمس تريفل " علي هذه المغامرة قائلاً :" ولكن ما أذهلني من عواقب هذه المغامرة كلها هو رد فعل محوري صحيفة " سوشيال تكست " ومن يدعمونها . إنهم بدلا من أن يشغلوا أنفسهم باستبطان حالهم وفهم أنفسهم علي سبيل المثال : لماذا لم يعرضوا المقال علي عالم فيزياء، قنعوا بلوم سوكال لأنه " أساء استخدم ثقتهم" .

    وهذا اللوم استفز سوكال نفسه حتي أنه وصفهم قائلاً :" وقبول النص الاجتماعي لمقالتي يوضح الغطرسة والتكبر العقلي the intellectual arrogance للنظرية الأدبية لما بعد الحداثة .... وليس من المدهش في أنهم لم يعبأون باستشارة الفيزيائي .

    تباينت ردود الفعل حيال خدعة سوكال؛ وتوزّع الناس بين مهلل ومسفه ومتفهم، فأثار بذلك ضجة من ردود الفعل عنيفة في الصحافة اليومية والأكاديمية، فالخدعة قد وجدت طريقها في الصفحة الأولي في جريدة " New York Times " بل وفي كل صفحات الجرائد الأمريكية، كما أعدت قناة الـ " CNN " برنامج لها بعنوان : العصابة الكبيرة capital gang، وكذلك الـ " rush limbaugh". وخدعة سوكال التي قد تناولتها أجهزةِ الإعلام من راديو وتليفزيون قد نظرت إليها بأنها تمثل فضيحة سياسية رئيسية .

    وذكر وانبيرج عنها قائلاً :" لقد تسليت مثل كثير من العلماء بخدعة ظريفة ساخرة قام بها الفيزيائي الرياضي آلان سوكال من جامعة نيويوك ؛ حيث قدم مقاله كاذبة لإحدي المجلات المهتمة بالدراسات الثقافية وهي مجلة " النص الاجتماعي " . وفي هذه المقالة استعرض سوكال عدداً من المواضيع الراهنة في الفيزياء والرياضيات وعرض بطريقة ساخرة بعض القضايا الثقافية والفلسفية والسياسية والأخلاقية التي أخذها من التعليقات الأكاديمية الرائجة التي كانت تشكك في العلم وموضوعيته" .

    وذهب مارا بلير Mara Beller في مقالة له بعنوان The Sokal Hoax : At Whom are we Laughing إلي أن :" الخدعة التي أعدها سوكال في عام 1996 وسلمها لمحرري مجلة النص الاجتماعي سرعان ما أصبحت معروفة علي نطاف واسع ونقاش ساخن .

    وذهب " إريتش إيتشمان " Erich Eichman، حيث كتب مقالة بعنوان " نهاية الخدعة "، حيث قال :" في وقت سابق من هذه السَنَة، وبشكل ملفت للنظر، قدم الفيزياوي واليساري السياسي آلان سوكال ورقة بحث مليئة بالهراء وسلمها لمحرري مجلة أكاديمية تسمي النص الاجتماعي حيث برهن علي أن الواقع الفيزيائي يمثل فقط بناء اجتماعي . وهو لم يعتقد بذلك ولكنه حاول أن يثبته . وبعد أن نشر المحررون المقالة، أعلن سوكال عن خدعته " .

     

    د. محمود محمد علي

     

    محمود محمد عليكانت فلسفة العلم حتي منتصف القرن العشرين، قد انصبت كل مجهوداتها في التركيز علي أهمية وقيمة المنهج العلمي والمعرفة الموضوعية، فنجد دعاة الوضعية المنطقية يعولون علي أن المنهج العلمي لا بد من تطبيقه في مرحلتي المشاهدة وجمع المعطيات، ومرحلة الحكم والتحليل. وبتعبير " آلان شالمرز": "وتأتي موضوعية العلم الاستقرائي النزعة من كون الملاحظة والاستدلال الاستقرائي موضوعين هما ذاتهما . فمن الممكن أن تجد منطوقات الملاحظة تأكيدها في أي ملاحظ يستعمل حواسه استعمالاً عادياً . فلا مكان هنا للبعد الشخصي والذاتي . فصلاحية منطوقات الملاحظة التي تحصل علي نحو صحيح، لا تتوقف علي ذوق الملاحظ ولا علي رأيه أو آماله أو انتصاراته . وكذلك الأمر بالنسبة للاستدلال الاستقرائي الذي ينتج المعرفة من منطوقات الملاحظة .فأما أن تستجيب الاستقراءات للشروط المطلوبة وإما أن    لا تستجيب . فتلك ليست مسألة ذاتية متعلقة بالرأي  ".

    وإذا انتقلنا إلي موقف " كارل بوبر" Karl Popper ( 1902-1994) من المعرفة الموضوعية، نجد أن الموضوعية عند بوبر ليست صفة يمكن العثور عليها بسهولة، إذا فهمنا الموضوعية بمعني المطابقة للواقع، إلا أنه يقبل النوع الآخر للموضوعية وهو إمكان الحكم للعموم، وبحسب تعبيره : "ما أقصده من لفظ موضوعي وذهني ليس بعيداً كل البعد عن ما يقصده كانط منهما؛ فهو يقصد من وصف المعرفة العلمية بالموضوعية أن يكون صوابها بعيداً عن الوهم والرغبات الخاصة بهذا وذاك. والدليل على الموضوعية عنده (كانط) هو أن تكون القضية قابلة للتدقيق لكل من أراد ذلك واستطاعة. ولكن الفرق بيني وبينه، هو أنني اعتقد عدم إمكان الحكم بالصواب بمعناه الكامل على أي نظرية علمية. وعليه، فالموضوعية ليست إلا إمكان التجربة والاختبار للنظرية العلمية فحسب" .

    ولذا يرفض بوبر النظرية الذاتية لدراسة نمو المعرفة، وهي النظرية التي تطابق بين المعرفة العلمية والذوات المنتجة لها، وذلك لأنه يري أن المعرفة العلمية معرفة موضوعية وتوجد في العالم الثالث Third world .

    ولقد سار علي نهج بوبر في الإيمان بفكرة الموضوعية هو العالم والفيلسوف المجري " إمري لاكاتوش " Imre Lakatos (1922-1974)، الذي يؤيد النرعة الموضوعية في العلم .

    وفي عام 1962م قام " توماس كونThomas Kuhn  (1922-1996) "بنشر كتابه ( بنية الثورات العلمية)، الذي خصصه لدراسة العلم في أطر جديدة تقوم علي تقييم العلم من الناحية الاجتماعية، حيث لم يعول علي القوانين المنطقية التي قدمها دعاة الوضعية المنطقية في الفلسفة، ليس هذا فقط بل عارض كل المواقف التقليدية في فلسفة العلم، فهو يقول " لقد بحثت المناقشات التقليدية للمنهج العلمي عن مجموعة من القواعد التي سوف تتيح لأي فرد أن يحرص علي اتباعها أن يصل إلي معرفة صحيحة . وقد حاولت - بدلاً عن ذلك – التأكيد علي أنه بالرغم من أن العلم يمارسه أفراد، إلا أن المعرفة العلمية في حقيقتها نتاج جماعة . ولن تفهم فعاليتها المميزة ولا الأسلوب الذي تتطور به دون الإشارة إلي الطبيعة الخاصة بالجماعات التي تنتجها .

    وهذا البعد السوسيولوجي الذي حاول كون إدخاله في فلسفة العلم، جعله ينظر للنزعة الموضوعية في العلم في إطار القيم المشتركة للمجتمع العلمي، وهذه القيم ليست محددة ويختلف تطبيقها من فرد لآخر، حيث لا وجود لمشاهدة صرفة محايدة ، بل النموذج القياسي الارشادي العلمي هو الذي يجعل العلماء يرون الواقع بشكل خاص دون غيره. وعليه فإن النموذج الذي يختاره العالم هو الذي يجعله يعتقد أن بعض الأمور المشاهدة مهمة وأساسية وغيرها فرعي لا أهمية له. وبالتالي عندما تكون المعايير المتبناة للموضوعية تابعة للنموذج، عندها سوف لن يكون هناك أي معيار موضوعي وغير ذاتي لتقييم المعرفة. ومع أننا نستطيع الموازنة بين النظريات ضمن نموذج واحد، إلا أن تقييم النماذج والحكم على موضوعيتها أمر لا يمكن نيله والوصول إليه .

    ويشرح " كون هذا بقوله :" إننا لا نعتقد أنه لا توجد قواعد لا ستقراء النظريات الصحيحة من الوقائع، كما أننا لا نعتقد حتي أن النظريات – سواء أكانت صحيحة – يتم استقراؤها علي الإطلاق . وبدلاً عن ذلك، فإننا نري هذه النظريات بوصفها تخمينات مبدئية يتم ابتكارها ككل من أجل التطبيق علي الطبيعة ... ومن ثم فلن يتم – من منظورنا – ارتكاب خطأ عند الوصول إلي النظام البطلمي، ولذا من العسير أن أفهم ماذا يقصد سير كارل (يقصد هنا كارل بوبر) عندما يطلق علي هذا النظام بأنه خطأ" .

    إن هذا النص يبين أن العلم تحت النموذج القياسي الجديد لا يخضع لأية معايير تجريبية، كدرجة التأييد أو افتراض استقرائي ولا عن طريق التعزيز، وإنما يخضع هذا القبول إلي معيار ذاتي اجتماعي، أي لا بد أن يكون هناك اجماع بين العلماء وتعلق بهذا النموذج القياسي الجديد.

    وإذا انتقلنا إلي " بول كارل فييرآبند " Paul Karl Feyerabend (1924-1994)، نجد أنه قد تناول في فلسفته العلمية مشكلة الصدق والحقيقة الموضوعيين بالمناقشة والنقد، فليس ثمة صدق موضوعي أو حقيقة موضوعية في العلم، حيث أن الصدق نسبي من منطقة إلي أخري، ومن مكان إلي مكان، ومن شخص إلي شخص، ويهتم فييرآبند بالنسباوية الابستمولوجية التي تنكر أن تكون ثمة أفكار جديدة أو أشكال معرفية جديدة تفرض نفوذها علي التقاليد الأخرى، وتثبت أن هناك تقليد واحد هو الصحيح بحجة أنه موضوعي، ولهذا فإن فكرة الصدق الموضوعي أو الحقيقة الموضوعية، وإن كانت مستقلة عن الرغبات الإنسانية، إلا إنها يتم اكتشافها عن طريق التأثير الإنساني ... بالإضافة إلي أن النظريات العلمية تتفرع إلي إتجاهات مختلفة وتستخدم تصورات مختلفة وأحياناً غير قابلة للقياس، فأي من هذه المضامين المتعددة يوصف علي أنه دليلاً علي موضوعية نظرية ما؟ وأي منها يوصف علي أنه إجراء علمي موضوعي مناسب لها؟ إن الإجابة، لا يوجد، فكل هذا يعتمد علي الاتجاهات والحجج التي تتغير من وقت لآخر ومن جماعة بحث إلي جماعة أخري بحث أخري لاحقة لها .

    إن الفكرة المسبقة التي يعول عليها فييرآبند هي أن المعرفة تتخذ من من الاعتقاد المسبق أساساً تنطلق منه النظرية العلمية المكتشفة، كما تدخل فيها الذات الإنسانية بشكل أساسي . وهذا يؤدي إلي شيئين أو نتيجتين :-

    1- إستحالة الوصول إلي معرفة موضوعية تماما عن العالم المادي . وإنما تقوم معرفتنا للعالم نتيجة تدخلنا فيه بقدراتنا العقلية وآلاتنا ومقاييسنا وفروضنا المسبقة .

    2- إن معرفتنا عبارة عن تركيب عقلي Mental Construction تلعب فيه الذات دوراً أساسياً، وليست معرفتنا مطابقة موضوعية للوقائع .

    ومن هنا ذهب فييرآبند إلي أن العلم لا يتمتع بأي ميزة أو مكانة تجعله يتفوق علي الأنشطة والفعاليات الفكرية الإنسانية المختلفة .من هنا نراه يدافع عن المجتمع ضد كل الايديولوجيات، والعلم من بينها بل قل هو علي رأسها . وهو يري أننا يجب ألا نتعامل مع هذه الايديولوجيات باهتمام كبير أو نعطيها قدراً أو حجماً أكبر مما تستحق، بل ينبغي أن نقرأها كما نقرأ الحكايات الخيالية .

    ومن هذا المنطق والتوجة الفكري القائم علي ما بعد الحداثة عند فييرآبند، انطلق معظم مثقفي ما بعد الحداثة في معظم أقسام الانسانيات في الجامعات الأمريكية، يتبنوا فكرة أنه ليس هناك حقيقة مطلقة أو صادقة في ذاتها، بل إن الحقائق يصنعها المجتمع بجوانبه الثقافية المتعددة لأفراده . فليس هناك " حقيقة " يجب أن يقر بها الجميع، وليس هناك حق مطلق، بل الحقيقة تصنع عن طريق اللغة، وفي داخل ذهن الإنسان لوحده . وبالتالي فما يقال عن التقدم أو التطور الذي رافق " الحداثة " أو الذي تدعو إليه ليس إلا خرافة، وما يقال عن قدرة العقل عن اكتشاف الحقيقة إنما هو وهم . فالحقيقة لا تكتشف، لأنه ما ثم حقيقة أصلاً، وإنما الحقيقة " تخلق " ولاتكتشف، فالإنسان هو الذي يخلق حقائقه . فأفكارنا ليست إلا إنعكاساً للواقع بل قراءة له، وهي قراءة تتخذ صيغاً أسطورية وايديولوجية ودينية ونظرية، وكل منظومة متعقدية تعتقد أنها تمتلك الحقيقة وتميل إلي اعتبار كل ما يناقضها ويخالف حقيقتها أكذوبة أو خطا . إن فكرة الحقيقة هي المنبع الأكبر للخطأ، والخطأ الأساسي يقوم في التمليك الوحيد الجانب للحقيقة .

    إذن فمذهب ما بعد الحداثة يقوم في الجملة علي أفكار التشكيك واللا- واقعية والذاتية والنفعية والنسبية، حتي أضحي الأمر بأنه عندما يتهور أحد العلماء، ويلفظ كلمة " حقيقة "، فمن الأرجح أنه سيجابه من اللجاج الفلسفي يذهب إلي ما يشبه القول بأنه :" لا توجد حقيقة مطلقة . إنك تفترق شيئاً من نوع من الاعتقاد الشخصي عندما توعم أن المنهج العلمي، بما في ذلك الرياضيات والمنطق، هو الطريق المتميز إلي الحقيقة . هناك ثقافات أخري قد تعتقد أن الحقيقة هي ما يعثر عليه في أحشاء أرنب أو في هذيان متنبئ في نوبة خبل . إن ما يؤدي بك إلي تحبيذك لنوعك هذا من الحقيقة هو فحسب أن لديك إيماناً شخصياً بالعلم ".

    وليت الأمر وقف عند ذلك، بل رأينا بعض الدراسات النسائية في العلم في أقسام الانسانيات في الجامعات الأمريكية تنبذ دراسة المنطق ومناهج البحث لما لها من نزعة تحيز جنسي، حيث أن هناك نسخة أنثوية لذلك كشفت عنها بتمكن " دافني باتاي" و" نورييتا كورنج "، وهما مؤلفتا " ممارسة مساواة الجنسين : حكايات  تحذيرية من العالم الغريب لدراسات النساء "، حيث يقولا :" يتعلم الآن طلبة الدراسات النسائية أن المنطق أداة للسيطرة والمعايير القياسية ومناهج البحث العلمي لها نزعة تحيز جنسي ٍSexist لأنها لا تتوافق مع طرائق النساء للإدراك ... هؤلاء النسوة " ذاتيات " النزعة يكون مناهج المنطق، والتحليل، والتجريد " كمناطق أجنبية تنتمي للرجال "، هن " يعلين من قيمة الحدس كطريقة تناول أكثر أمناً وإثماراً للتوصل إلي الحقيقة " .

    وقد أعرب المدافعون عن العلم عن قلقهم إزاء موقف علماء الاجتماع والفلاسفة وغيرهم من الأكاديميين الذين يشككون في موضوعية العلم، وفي عام 1994 قام العالمين "بول ر. جروس Poul R.Gross  ( البيولوجي في جامعة فيرجينا )، ونورمان لفييت Norman Levitt ( الرياضي في جامعة رتكرز )، اللذين قدما في كتابهما " الخرافة الراقية – اليسار الأكاديمي ومعاركه مع العلم Higher superstition – The Academic Left and its Quarrels With Science، وفي هذا الكتاب أكدا المؤلفان بأن المجتمع العلمي كان منذ وقت قريب من القوة بحيث يمكنه تجاهل منتقديه – لكن لم يعد كذلك، فمع نقص التمويل المادي للعلوم يجب شجب كل الأتجاهات التي تدعوا لعدم صحة العلم، وذلك من خلال الوقوف ضد القوي المضادة للعلم. ومن هنا إنبري جروس وليفيت نحو تقديم  نقدا لاذعاً للبنيوية الاجتماعية ولدراسات العلم والنسبوية. ولم يكتفيا المؤلفان بذلك بل راحوا يقودان هجوماً مضاداً لدعاة ما بعد الحداثة ورأو أنهم لا يعرفون سوي القليل عن النظريات العلمية، حيث حدث سوء فهم للمناهج النظرية، كما أن قراءتهم كانت خاطئة ولم يكن لديهم الدليل والحجة .

    كما تعهد جروس وليفيت في هذا الكتاب بتحدي ما أسماه " صناعة أكاديمية جديدة "- النقد النسائي للعلم . لقد أكد هذان المؤلفان أن هذا الهجوم الذي يستند إلي ثقافة رفيعة ويعتمد أيضاً علي تخصصات ذات صلة بالمجال المعروف باسم "دراسات العلم" – إنما يشكك فيما إذا كان للعلم ادعاء شرعي للحقيقة والموضوعية . وقد كتبا عن معسكر الحركة النسائية يقولان :"إن الجديد كاسح : إنه يدعي الوصول إلي صميم أسس العلم الميثودلوجية والمفاهيمية والابستمولوجية " .

    ولقد لقي كتاب الخرافة الراقية إقبالاً منقطع النظير من قبل أصحاب الثقافة العلمية، حيث، وفي 1995، عقد مؤتمرا في مدينة نيويورك عام 1995 تحت عنوان " الرحلة من العلم والعقل " . وحدد المؤتمر خصائص العلم والعقل معاً وما يواجههما من تهديدات خطيرة مثل  الخلقوية العلمية  Scientific Creationism ، التي أخذت تزداد في أواخر تسعينيات القرن العشرين، حتى وصل الأمر إلى التحفظ على تدريس التظور في بعض المدارس والجامعات، أو المطالبة بتدريس التفسيرات الحرفية للكتب المقدسة على قدم المساواة، باعتبارها رؤية بديلة من حق الدارسين التعرف عليها . ولأن الدين لا يدرس في المؤسسات العلمية في أمريكا، فقد قام أنصار هذا الرأي بإضفاء لباس العلم على تفسيراتهم الحرفية، وأعطوها اسماً جذاباً : الخلقوية Creationism، معتقدين بذلك أنه يمكن تدريسها في مقابل التطور، مدعمين أن التطور ينفي الخلق ويتناقض معه . وهذا أمر غير صحيح، ودعوة إلى تدريس " اللاعلم " كعلم !!! .

    والذين حضروا المؤتمر انتقدوا النظرة الأنفعالية لـ  "جروس" و"لفيت" و"جيرالد هولتون والتي نجم عنها تضارب ثقافي بين العلماء الغير المتخصصين.والمثقفون في الدراسات الاجتماعية التي تتعامل مع العلم .

    ولم يتوقف هذا الأمر عند ذلك، بل وجدنا العالم " ساكان " من جامعة كورنيل، يؤلف كتاباً بعنوان " العالم الذي يسكنه الشيطان"،وقد اهتم ساكان أكثر بمن يعتقدون بوجود الأشباح وباختطاف الناس من قبل كائنات من خارج الأرض وبالخلقوية، وغيرها من الظواهر التي تناقض النظرة العلمية للعالم .

    وفي أوائل سنة 1996، عقد مؤتمر بعنوان " العلم في عصر المعلومات المضللة " قرب مدينة بافلو . وقد أعلن " ب . كورتز " رئيس لجنة الفحص العلمي لادعاءات الخوارق (CSICOP) الذي نظم المؤتمر قائلاً " إلي حد كبير، يفهم الناس العلم من خلال أجهزة الأعلام . ومن المفترض أن يحصلوه في المدرسة، لكن هذا ليس إجباريا في الكثير من الحالات . إن ثلث الأمريكيين يشاهدون التلفزيون أربع ساعات أو أكثر يومياً، وتبين أن معظم الناس يحصلون معلوماتهم العلمية من التلفزيون  ".

    وفي نفس العام كشف ألان سوكال النقاب عن أن مقاله له كانت تمثل محاكاة ساخرة قصد بها أن يفضح ما بعد الحداثة ويبين كم هي جوفاء، وهذا ما نكشف عنه عنه الآن .

     

    د. محمود محمد علي

    مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

     

    علي محمد اليوسفتعريف اولي: أراد فلاسفة الحياة نقد الميراث الفلسفي الاوربي لثلاثة قرون (1600م – 1900م)، التي كان يتسيّدها تياران رئيسيان في قطبين متضادين أحكما هيمنتهما على مدارس وتيارات الفلسفة الحديثة الاوربية على وجه التحديد منذ بداية القرن السابع عشر. هما الفلسفة المادية بكافة تياراتها وانشقاقاتها، في مناوئة القطب الثاني الفلسفة المثالية أيضا بكل تنوعاتها ومدارسها الفلسفية العديدة. وأن كنا لانعدم مثل هذا التفريق والتضاد في الفلسفة منذ بواكيرها الاولى في فلسفة اليونان (بارمنيدس× هيراقليطس) وما تلاها من فلسفات على أمتداد عصورتاريخية طويلة حتى يومنا هذا.

    أرادت فلسفة الحياة كما أطلقت على نفسها، أنتسابها بمواصفات وتوصيف البيولوجيا العضوية من حيث أبتعادها عن أدانة (حقيقة) لا توجد فلسفة لم تكن من أجل الحياة في مفاهيمها كتعبير فلسفي، أو طموحها تغيير الحياة كما في غالبية مدارس الفلسفة المادية لعل أبرزها الماركسية.، طرحت فلسفة الحياة نفسها  التوسط بين كل من الفلسفة المادية والفلسفة المثالية في رفضها المنطلقات الفلسفية لكليهما وليس محاولة التوفيق غير المجدي في سعي التقريب بينهما، وبدأت فلسفة الحياة من منطلق أدانتها ونقدها الفلسفة الكانطية التي أعتبرت في حينها تمفصّلا تاريخيا كبيرا في تاريخ الفلسفة وكما أستهدفت فلسفة الحياة نقد  الديكارتية العقلية أيضا.

    كما وأستبعدت فلسفة الحياة النزعة الميكانيكية في تبادل علاقة المادة بالفكر والعقل التي تأخذ به كلا من المادية والمثالية على السواء طبعا باختلافات جوهرية. وأتخذت فلسفة الحياة من مقولة أحد أقطابها برجسون :(هناك في الصيرورة أكثر مما هناك في الوجود )واجهة فلسفية تعريفية عريضة لها أنضوت تحتها أربعة مدارس مختلفة في تنوعات طروحاتها الفلسفية لكنها جميعها تجمعها العناوين:

    - مدرسة الدفعة الحيوية عند برجسون.

    - البراجماتية الامريكية والانكليزية

    - المذهب التاريخي عند دلتاي

    - فلسفة الحياة الالمانية.(1)

    أرهاصات فلسفة الحياة

    اولا: يعتبر كتاب الفيلسوف الالماني (باوخ) الصادرعام 1923م بعنوان (الحقيقة والقيمة والواقع) من أهم الكتب التي مهدت لظهور فلسفة الحياة. وأعتبر باوخ هذه المباحث الفلسفية الثلاث الحقيقة والقيمة والواقع أنما هي في حقيقتها أشكالية بحثية فلسفية واحدة بثلاثة وجوه حيث (أن الواقع يساوي الحقيقة، كما أنه من جهة أخرى هو القيمة).(2) ويرى باوخ أن جدل قوانين تشكيل الموضوع ليست ثابتة وأنما هي في حركة دائبة، وأن العالم المادي هو في تطور أيضا، وقوانين العالم الجوهرية التي تحمل أسم المثال أو الفكرة، أنما هي وحدة موضوعية للصور المنطقية الكلية اللانهائية.(3)

    يلاحظ في العبارات المقتبسة أعلاه مدى المراوغة التي يحاولها باوخ التمّلص والهروب من تأثير النزعة المادية الكلاسيكية على أفكاره الفلسفية، وكم هو مستفيد من الجدل الهيجلي والماركسي في أهمية الحركة والتضاد والحتمية التطورية الضرورية التي تلازم كل حراك في المادة والطبيعة والتاريخ.

    ثانيا: تعتبر فلسفة الحياة، أن المدارس والتيارات الفلسفية المثالية، تعامت عن أدراك التجريبيين أثبات المرتكزات التالية التي اعتمدتها فلسفة الحياة :

    - أن العقل يختلف أختلافا جذريا عن المادة ولا يمكن تفسير العقل بالمادة وأرجاعه لها.

    - القانون المنطقي والاخلاقي لا يمكن أن يقوم على عملية نفسية.

    - أن فعل المعرفة ليس مجرد أستقبال سلبي للانطباعات.(4)

    يمكنننا القول في مداخلة سريعة وتعقيب أولي، أنه بحسب فهم فلسفة الحياة يتوجب التفريق بين العقل والمادة ولا يجوز تفسير العقل بالمادة وأرجاعه لها.وهذا منطلق مثالي مقلوب يحاول الانقلاب على مثالية فلسفة الحياة في لبوسها مفردات المادية وهو ما تعتمده فلسفة الحياة تصريحا،أذا ما علمنا أن الفكرهو في حقيقته الوجودية مادة سواء أكان مادة تخليقية داخل العقل أو مادة تعبيرية عن الاشياء خارج العقل، والفكر قسمة مشتركة بين الوجود المادي للاشياء في الطبيعة والعقل .

    وسيلة العقل في أدراكه الاشياء والموضوعات أنما يكون من خلال أستقبال العقل لمعطيات الحواس، ومن ثم يجري تنظيم علاقات هذه المدركات وتخليقها مفاهيميا قبل أرتدادها من العقل في التعبير عنها فكريا – لغويا الى عالم الاشياء الخارجي.

    والقول هنا العقل في سمته وصفته غير الوظيفية البايولوجية، ليس مادة هو من قبيل فرزه وتمايزه عن واقع الاشياء بتخليقه معطيات الادراك الواصلة له دونما أن يكون جزءا عضويا مرتبطا بها خارجه أي في وجودها الخارجي المستقل في عالم الاشياء.، والعقل يختلف عن المادة في وجودها المستقل في الطبيعة، كونه عضو وظيفي خلاّق داخل منظومة أعضاء الجسم البايولوجية، نسبة لوجوده في أدراكه عالم الاشياء ماديا عن طريق الحواس والجهاز العصبي، بنفس وقت أن عالم الاشياء الخارجي لا يمكنه أدراك العقل، كمثل الاشياء في الطبيعة، بل هو يدرك ذاته اولا وفي قدرة أدراكه عالم الاشياء المستقلة عنه والتي لا تتشابه معه لا من حيث الكيفية العضوية ولا من حيث الوظيفة الادراكية التجريدية.اذن العقل هو مادة حيّة في كلا التعبيرين سواء كعضو في الجسم، او كحصيلة معرفية فكرية منتجة للواقع المدرك تخارجيا.

    ومادية العقل الفلسفية هي خاصيته في أنه يعقل نفسه ويعقل الاشياء المادية والفكر ويعبر عنها باللغة أو غيرها من وسائل ترجمة الافكار العقلية في توصيلها تداوليا الى عالم الاشياء.

    وأذا فرضنا العقل غير مادي من حيث الفكر وليس من حيث عضويته البايولوجية في جسم الانسان، وأن كان التفريق هذا غير دقيق، فكيف يتسنى لنا أدراك الاشياء بغير وسيلة العقل المادية؟ العقل يدرك ليس الطبيعية كموضوع او موجودات وظواهر وأشياء ، وأنما من خاصية العقل أدراكه العواطف والاحاسيس المجردة والانفعالات النفسية على السواء لكن بوسائل مختلفة متنوعة في تفرده عنها جميعا والا كان العقل لا يتسم بالثبات المادي في أدراكه معطيات كلا من المادة والنفس.

    كانط لم يكن مخطئا في أعتباره العقل يدرك الوجود في زمانيته – المكانية المتجانسة مع ثبات وسائل أدراكه في العقل والوجود.لأنه لم يجد له مخرجا في أدراك الاشياء زمانا سوى الاقرار بحقيقة أن ما يدرك مكانا يدرك في زمانيته أيضا ولا تفريق بين الزمان والمكان في ادراكهما الاشياء.

    العقل يدرك الاشياء في ثباتها مكانيا وفي صيرورتها زمانيا، الزمان الذي حسب كانط لا ينفصل عن أدراكه الاشياء مكانا في حيّز وجودي مكاني أو في حيّز مكاني – زماني بصفته موضوعا متخيّلا من صنع مخيال الذاكرة لا وجود عياني له في عالم الاشياء والطبيعة، والمدرك عقليا لا يدرك زمانا منفصلا عن أدراكه مكانا بل في تلازم الاثنين معا.بمعنى أن أدراك الشيء مكانيا زمانيا هو في حقيقته تعبير أدراكي واحد.

    وهذا ينطبق تماما مع الفلسفة المثالية بغض النظر أن كانت موفقة بها أم خاطئة قولها (أن فعل المعرفة ليس مجرد استقبال سلبي للانطباعات )،كما أنهم – فلاسفة الحياة -  يذهبون الى أن القانون الاخلاقي أو المنطقي لا يمكن أن يقوم على عملية نفسية.وهي مسألة تقبل من النقاش الطويل الوقت المفتوح في فلسفة علم النفس.

    وفي هذا أقرار واضح لا ينفع معه الالغاء المزاجي، في مواربة غير منطقية التغاضي عن حقيقة أن العقل يدرك المادة والاشياء في وجودها الخارجي المستقل، كما يدرك الاخلاق والمعارف والنفسية والانطباعات باختلافات هي من صميم فعالية العقل التنظيمية للادراكات جميعها وبمختلف تنوعاتها واساليب معالجتها في الرد عليها.

    والعقل ليس مادة عضوية أو وسيلة أدراكية ميكانيكية جامدة لا على صعيد العقل العضوي البايولوجي،ولا على صعيد العقل الفكري المجرد الفلسفي أو المعرفي (اللوغوس). بل أن العقل مادة عضوية داخل الجسم أن شئنا تعريفه علميا على أنه محتويات الدماغ، مادة عضوية في أرتباطها البايولوجي الحياتي بالانسان، ويكون وسيلة معرفية تجريدية أيضا في تعبيره عن الاشياء والمدركات بالفكر واللغة...والفكر ينوب عن العقل الادراكي ولا يتجاوزه في التفكير وأدراك الوجود...ولا فكر بدون مرجعية العقل الذي يعلو على الفكر واللغة لأنهما من تخليق العقل ووسيلته، وليسا سابقين على وجود العقل التخليقي والادراكي للاشياء ولا سابقين على وجود الاشياء في استقلاليتها خارجيا.

    العقل الذي يمنح الوجود المادي الطبيعي أدراكاته التخليقية يكون جزءا من ذلك الوجود المدرك تخليقيا بوسيلة الفكرواللغة فقط، ويكون متمايزا عن المدركات الوجودية في الواقع بالوظيفة و بخصائصه المادية الفسلجية.فالعقل يعطي الفكر واللغة ماديتهما ويكون متعاليا عليهما في الكيفية الوظائفية ومعرفة عالم الاشياء.

    والعقل المقصود هنا هو ليس حزمة الادراكات الحسية او الخيالية الواصلة لعقل فلسفي يروم أعطاء تفسيرات تجريدية لها، وأنما هو العقل العضوي البايولوجي في تركيبة الجسم الذي يدير كافة العمليات المادية في حياة الانسان اليومية، وكل منظومة الافكار الصادرة عنه.فالتفكير الذهني المجرد وكذلك الواقعي كلاهما من أختصاص العقل(الدماغ) في تخليقه منظومة ردود الافعال عن طريق المخ والجهاز العصبي وتخليق الافكار واللغة.وفي أستجابته توصيل مدركات الحواس سواء اكانت واقعية أو فكرية للمخ والاجابة عنها.

    العقل ليس مادة وحسب بل هوفعالية دينامية شغّالة تجعل من كل مدرك يقع تحت تأثيرها وأتمامها التحليلي للمدركات واقعية كانت أم خيالية. وأعطاء ردود الافعال تجاهها فتصبح هذه المدركات مادة أكتسبت حيوية تخليق العقل لها في وجودها خارج وصاية العقل عندما تكون في عالم الاشياء المستقل، ويخطيء بعض الفلاسفة ومنهم فلاسفة الحياة بأن وظيفة العقل تنحصر في تجميع حزم من الانطباعات النفسية ومعطيات الادراك التي يتلقاها ويقوم هو بربط العلاقات بينها ميكانيكيا فكريا فقط،وليس في مداخلة العقل التخليقية لها مجددا، والعقل هنا لا يقوم بخلق الاشياء في العالم الخارجي وأنما يقوم بتخليقها ثانية كوجودات تسبق أدراك منظومة الحواس والعقل لها في وجودها المستقل في عالم الاشياء.

    ترتبط بعلاقات لا حصر لها مع الطبيعة ووجودها معها بعد أتمام معالجة العقل لها وتعبير الفكر واللغة عنها..العقل تخليق للاشياء وليس خلقها بالفكر واللغة.بمعنى تغييرها وتحويلها من حالة طبيعية ووجود واقعي معين لآخر متجدد متحرك ومتغيروهكذا سواء في تدخل الانسان ماديا في تغيير الاشياء أو في تداخله مع معطيات العقل الصادرة عنه بالفكر واللغة.

    واذا أفترضنا جدلا أن العقل ليس مادة فاعلة وانفعالية في نوع من التخليق الجديد لمجمل مدركاته، فبأي وسيلة يمكن أدراك الاشياء في حالة من الحركة الدائبة والصيرورة الدائمية بحسب توصيف أصحاب فلسفة الحياة؟؟ سؤال أترك الاجابة عنه لأني لا أؤمن بغيرتفسير أن يكون العقل العلمي والعملي او التجريدي الخلاق مادة تتوّسل غيرها من الماديات وغير الماديات بتخليق عقلي جديد للاشياء . ويختلف العقل في ماديته أنه مادة غير ساكنة ولا محايدة ولا سلبية لأنها تمّثل طاقة كبيرة لا محدودة من الديناميكية الحية التي تتمايز بها عن الوجود المادي للاشياء في ثباتها الطبيعي المستقل قبل أدراك العقل لها.

    ماهو جديد فلاسفة الحياة؟

    أن فلاسفة الحياة يتقدمهم برجسون جميعهم (فعليون) ديناميكيا على نحو مطلق، أي أن منطلق فلسفتهم الحركة والتغيير والصيرورة الدائمية، ولا يوجد شيء يعلو الحركة وصيرورة الحياة. ويتغاضون عن المادة والوجود باعتبارهما من (فضالة) الحركة. أي أن المادة والوجود هما فائض الفعالية الحركية للاشياء والحياة التي هي حالة تطور مستمر ولا متناهي.ويتخذون من مقولة برجسون أن هناك في الصيرورة أكثر بكثير مما في الوجود، مجالا حيويا ديناميكيا في فهم الحياة واشكالاتها.كما أنهم يتصورون الواقع على نحو عضوي بمعنى أنه سلسلة من التغيرات البايولوجية في الطبيعة التي تطرأ على الانسان والتي تسري أحكامها على الوجود والطبيعة في تنوعاتها البيئيىة، وأرتباط الكائنات الحية وكل الموجودات في شبكة عضوية من التداخل الذي ينظّم الحياة والطبيعة والوجود الانساني المتعالق بهما. ويرون العلم أنه ليس آلة وأنما هو حياة عاملة فاعلة، وفلاسفة الحياة لا عقليون ويرفضون بشدة التصورات أي القوانين القبلية والاستنباطات المنطقية. ولا يعتمدون أن يكون المنهج العقلي هو منهج الفلسفة، وانما منهج الفلسفة هو الحدس والنشاط والفهم الحي للتاريخ. وفلاسفة الحياة ليسوا ذاتيين، ويؤمنون بوجود حقيقة موضوعية تتعدى الذات العارفة وتعلو عليها وتستقل عنها. (5)

    هنري برجسون 1889 – 1941

    لا يعتبرالفيلسوف الالماني هنري برجسون مؤسس فلسفة الحياة وأن كان من أبرز فلاسفتها،فقد سبقه فلاسفة عديدين ايطاليين وفرنسيين وألمان في هجومهم على الابتذال الميكانيكي الذي تقوم عليه الفلسفتان المادية والمثالية في مبحث  الوجود.وأن كان الغاء هذا الابتذال وبديله دخول مباحث الفلسفة نفق العدمية والتفكيك والبنيوية وغيرها من الفلسفات التي أقامت وأضافت فوق تجريدات الفكر الفلسفي تجريدات لغوية لا أول لها ولا نهاية في تضييع أهتمامات الفلسفة بالانسان.

    ويعتبر دي بيران أستاذ برجسون أبرز مؤسسي فلسفة الحياة. وأفاد برجسون كثيرا من المذاهب الفلسفية التطورية والنفعية في الفلسفتين الانجليزية والامريكية وفي الوقت الذي تأثر بفلسفة هربرت سبنسر ألا أنه مالبث أن انقلب على أفكاره تماما،محاولا أن ينفرد في أربعة مؤلفات كتبها في الفترة (1889- 1932)  يعرض نظريته فيها بالاخلاق وفلسفته الدينية، وأصبح أحد رواد الفلسفة الاوربية الجديدة في القرن العشرين، بعد نجاحه في الافادة من مزج آرائه الفلسفية بخيالات ولغة الادب صاغها برشاقة نال على أثرها جائزة نوبل بالادب. (6)

    وبنى برجسون فلسفة الحياة الهجينة المستمدة أصولها من ثغرات الفلسفتين المادية والمثالية وكذلك ملابسات فلسفة كانط وهيجل على السواء، والتي كان تناولها بالتشخيص وأدانها العديد من الفلاسفة قبل وبعد برجسون، ولم يكن له قصب السبق في هذا المجال حتى الربع الاول من القرن التاسع عشر تاريخ تبلور انبثاق فلسفة الحياة التي كانت اسهامات كروتشة الايطالي وبرنشفيك الفرنسي لها الباع الاعلى في بلورة مفاهيمها.

    أن مدلولات الفلسفة الهيجلية ومن بعدها الماركسية كانت تعج بها الساحة الفلسفية والخطاب الفلسفي السائد منذ القرن السابع عشر والثامن عشر منذ عصر ديكارت، وكانت مفرداتها بالحركة والديالكتيك والتطور التاريخي ومركزية العقل واعلاء شأن العلم وغيرها من أدبيات الفلسفات المادية والمثالية تملأ مجلدات من الكتب.

    ويمكننا تلخيص فلسفة الحياة عند برجسون من منطلق (أن خواص العالم هي الامتداد والتعدد والحتمية والسببية، وأن الاجسام تخضع لقوانين لا تتبدل)، وجديد برجسون باستثناء مصادرها المستّلة من أدبيات الفلسفة المادية الهيجلية والماركسية، تناوله العلم الطبيعي قائلا :( أن العلم الطبيعي لا يدرس الحركة ، وأنما هو يدرس المواقع المتتالية فقط، التي تقع فيها الاجسام، كما أن العلم لا يدرس القوى وأنما يدرس نتائجها ومعلولاتها، لذا فأن صورة العلم عن العالم تفتقد الحركة الديناميكية للحياة).(7)

    لو تركنا جانبا مغالطة برجسون في محاولته أدانة العلم على أنه يفتقد الحركة الديناميكية في تعامله مع الحياة، بتعميم لا يمتلك خصوصية التعامل مع العلم بروحية الحجّة المقنعة والرأي الصائب، وما قاله في الفقرات السابقة، أنما هو لا يتعدى توصيف تعميمي بعيد جدا عن منطق العلم، ولو أخذنا جانب التخصص في عباراته السابقة، لوجدنا فيها تلميحات تخص علم الفيزياء الميكانيكي بتعميم لا يحتمله العلم في تخصصاته التي لا حصر لها وليست مقتصرة على تعامل علم الفيزياء الميكانيكي بحركة الاشياء وانتقالاتها وتغيراتها المكانية، أنما كان رصد العلم لها زمانيا هو في قياس انتقالاتها المكانية فقط وليس الزمانية حسب أدانة برجسون الخاطئة للعلم.

    أن في أدانة برجسون العلوم الطبيعية في تعميم جزئية تخص الفيزياء على علوم الطبيعة ليست مسألة يمكن تمريرها والتسليم بها على أنها نقد فلسفي صائب للعلم، وأدانة العلوم الطبيعية على أنها غير قادرة على مواكبة انتقالات (القوى)،  لا يقلل من منجزات النهضة العلمية المذهلة التي حصلت منذ بداية القرن التاسع عشر.

    منذ بداية عصر الانوار وفتح منافذ التقدم العلمي على مصراعيه حتى وصل أعلى قممه في القرن العشرين، وجدنا كيف جعل هذا التقدم العلمي ألمذهل، من الفلسفة وآرائها تابعا يركض منهكا متعبا وراء منجزات العلم ومحاولة الاعتياش الفلسفي عليها،.ونمشي قليلا مع برجسون في قوله:(أما الزمان على النحو الذي يدركه العلم، فهو في نهاية المطاف مكان في الواقع، وحين يزعم العلم أنه يقيس الزمان، فأن الذي يقيسه بالحقيقة هو المكان). (8) ***لا أعتقد أن أحدا من الدارسين الف باء الفيزياء ينكر هذا. الزمان لايقاس ولا يدرك بغير استدلال مكاني ملازم له.

    أذا سلمنّا أن قول برجسون في تخطئته العلم صحيحة، فما هو رأي الفلسفة في آلية قياس الزمن والمكان؟؟ لا يوجد قياس فلسفي للزمان يعتمده العلم ولا الفلسفة. هنا لم يأت برجسون بجديد لا في رأي كانط الذي حاول تفنيده بعبارات فارغة ولا أستطاع النيل من مهمة العلم بذلك ايضا. تعبير برجسون في تداخل قياس الزمان والمكان في أدراك الاشياء، كان أوضحه كانط في مؤلفه الفلسفي ألهام نقد العقل المحض، بأن الذي يدرك من المحسوسات والذهن مكانا هو في ذات الوقت عينه يكون مدركا زمانا، لأن الزمان والمكان في الادراك الحسّي يتداخلان ولا يمكننا أدراك شيء في مكانه دونما أعتمادنا تداخل الزمان في أدراكنا له في ذات اللحظة أو الآنية.ادراك وجود الشيء مكانا يتم في قياس زمانيته ولا استقلالية مكانية لوجود غير موجود يقاس بغير الزمن.

    لا يوجد أدراك مكاني لشيء لا يداخله أدراك زماني، وكذلك لا يوجد شيء يدركه الزمان متعينا ماديا بمعزل عن أدراكه مكانا، باستثناء أدراكات العقل الخيالية لموضوعات مصدرها الذاكرة لا وجود مكاني عياني لها في عالم الاشياء والطبيعة الحية. ويكون الادراك الزماني متعالقا مع المكاني في تداخل معقد يجري بالمخ خياليا من حيث أن الادراكات اللاشعورية المتخيلة التخليقية للابداع تختلف عن أدراكات الشعور للاشياء في الطبيعة في تغييراتها المادية ظاهراتيا في ثبات جواهرها.علما أن الفلسفة المادية لا تعترف بوجود شيء(بذاته) فالوجود هو الظواهر فقط.

    الزمان في أدراكه الاشياء يكون لا ماديا ولا مدركا ولا حسيا ولا حدسا عقليا لوحده، والزمان قرين الوجود مكانا، والمدرك مكانا يعني أدراكه زمانا في نفس اللحظة المكانية المتداخلة زمانيا، والمدرك مكانا عقليا يعني بالضرورة أنه مدرك حدسيا زمانا، فالادراك المكاني لا يكون نافذا ولا صحيحا ومتعذّرا أيضا، الا في حضور أدراك الشيء زمانا من دون أن يستطيع الانسان التثبت من حدس الزمان بلا مكان يؤطره شيء يدرك واقعيا....ملازمة الزمان للشيء في مكانه ضرورة لأدراكه وبغير الزمان هذا لا توجد مدركات مكانية يمكن أدراكنا لها في تجريدها عن زمنها لأن في ذلك أستحالة وجودية، ولا يوجد مكان مدرك لا يلازمه زمان ، فالوجود مكانا هو وجود زماني في ومضة واحدة غير متاح التفريق بين الزماني عن المكاني فيها.والمكان هو الوجود في الزمن ولا مكان لوجود خارج الزمن.

    وقول برجسون بأن الذي يقيسه الزمان أنما هو قياس الشيء مكانا هو تعبير صحيح لضرورة موجبة في الممارسة الادراكية للعقل، لكنها لا تشكل أدانة للعلم في تقصيره قياس ألزمن منفصلا عن الشيء المدرك مكانا على حد تعبير برجسون، لأننا نكون بهذا نطالب العلم بأدراك أعجازي عقلي.

    فمثلا أنت لا تقدرأدراك وضعية يدك مكانيا في غياب زمن أدراكك لها، وحضور اليد لا تدرك مكانا ما لم يرافقها زمن محدد هو زمن أدراكها حسّيا، وليس وضعية مكانهافقط.

    فاليد التي يدركها الانسان موضوعة في جيبه لها زمنها ومكانها الخاصين المختلفين عن وضع اليد على الرأس أو على الطاولة أو اليد التي تمسك قلما أو التي تؤشر لشيء أوغيرها بما لاحصر له من الحالات.

    هنا يكون أدراك اليد زمنيا هو ألذي يعطيها أدراكا مكانيا والعكس صحيح أيضا.بمعنى أستحالة أدراك الشيء مكانا في غياب زمنه الذي يجعل من المدرك مكانا مدركا حسيا وعقليا.

    أننا لا يمكننا أدراك أي شيء مكانا من دون ملازمة الزمن أدراكنا له معا .وضع أي شيء مدرك مكانا يتم عبر آلية زمنية تقطعها معطيات أدراك حاسة واحدة أو أكثرفي حالتي ثبات الشيء أو في حركته.وهذا يعطينا أثباتا أن الشيء لا يدرك مكانا فقط في أستحالة غياب زمن أدراكه بل لا يكون موجودا من أساسه.ولا يكفي ولا يمكن أدراك شيء يتنقل مكانا من دون زمن يلازمه.حركة الشيء هي زمنه وليس تبديل وجوده وانتقالاته مكانا.المكان هو وجود لا يدرك لوحده في زمان مفارق له.

    واذا كانت الفلسفة مليئة بالاخطاء المتقاطعة مع العلم، فأن العلم ليس ملزما أّتبّاع سذاجة الفلسفة أغلب الاحيان.أن محاولة جعل أفكار الفلسفة سابقة على أفكار العلم محاولة عقيمة تشبه معالجة الفلسفة قضايا الميتافيزيقا قرونا طويلة بلا نتيجة.

    وكما نجح العلم في أفتراقه عن الاساطيروالسحر والاديان الوثنية وخلقه منجزات مذهلة كذلك من اليسير جدا أن يفترق العلم الحديث عن الفلسفة اذا ما وجدها تقف عائقا أمامه.أن العلم الحديث وضع الاديان والفلسفة في زاوية حرجة ، كما كان سبق له أن وضع الاساطيروالسحر والميثولوجيا عموما منذ عصورفي طي التخيّلات العقيمة.... والعلم أختط له مسارا مستقلا بعيدا عن الفلسفة بعد انفصاله عن الاديان،وأخذ يحقق المنجزات العظيمة.في وقت لا تزال الفلسفة تفتش لها عن مخرج ينتشلها من الوضع المحرج الذي تعيشه وسببه عدم قدرتها مجاراة العلم منجزاته  لا غير.

    خاتمة وتلخيص

    العلم لا يحتاج من يدافع عنه أمام موقف الفلسفة المتراجع باستمرار، وليس معنى هذا أن العلم والمعرفة لا يحتاجان الفلسفة بل المقصود أنهما كما يلتقيان في أمور عديدة يختلفان في بعضها أيضا.ولم نعش بعد اليوم الذي نجد فيه الفلسفة تسحب العلم خلفها بل نعيش العكس.أنه كما رفض العلم سطوة الدين عليه بالامس، يسحب اليوم الفلسفة وراءه .

    من المهم بيان التوضيح البديهي أن العلم مجموعة حقائق وليس مجموعة تصورات فلسفية تقبل الخطأ والصح، وليس العلم من السذاجة أنه ينقل انتقالات القوى على حد تعبير برجسون، انتقالات مكانية يحسبها زمانية. ولا يعترف برجسون أن مكان الشيء وزمانيته مظهران لحقيقة واحدة هي أدراكه وجودا.

    أن المدرك مكانا هو المرتكز الاولي في فهم وجوده وصيرورته وحركته ، والزمان ليس ضرورة أدراكية لكل وجود مكاني ومتحرك وحسب، بل هو الملازم الواجب لاعطاء مواضيع الصيرورة المكانية أدراكا منظّما يرتضيه العقل وتستقبله الحواس.ان ادراك الشيء في حقيقته هو في قياسه الزماني.

    وليس هناك من أفتعالية علمية أو فلسفية يريد أثارتها برجسون في وجوب فصل المدرك زمانا عن المدرك مكانا،فالمدرك مكانا هو مدرك زمانا كما أوضحناه سابقا، وليس العلم وحده كما يذهب برجسون وقع في مطب (الخطأ الساذج) الذي أكتشفه برجسون في أدانته العلم رصده انتقالات وقياسه حركات القوى مكانا ويعتبرها أدراكا زمانيا.وهذه حقيقة علمية لا يمكن دحضها بالفلسفة.فادراك الشيء في حقيقته هو في قياس زمنه وليس قياس حركته في اشغاله حيّز مكانه.

    كانط في القرن الثامن عشر أنتبه بذكاء عبقري لهذه الاشكالية التي وضعها في صياغة مثالية وهي مقبولة علميا في غياب الافضل منها، أن الادراك الزماني- المكاني للوجود لا يتم الا عبر (قالبي) الزمان والمكان باعتبارهما وسيلتي الادراك الحسي العقلي ، وهما وجودان ثابتان في العقل، ومعطيان سابقان على الوجود والطبيعة في الادراك.

    والزمان لا يدرك وجودات الاشياء من دون تعيّنها المادي في أشغالها حيّزا مكانيا، باستثناء أدراكات العقل لمواضيع الخيال، وملازمة الزمان للشيء ليس في سكونه الثابت وحسب وأنما في جميع حركاته، وانتقالات المكان لا تؤثر في أدراكات الزمان لها.ومن المهم التنبيه الى أن العقل لا يدرك الفراغ او العدم، فالمدرك زمانا هو الموجود مكانا أو المتخيّل ذاتيا، والشيء المتحرك ليس هو الشيء الذي يغادر المكان بل الذي يغادر زمنه الادراكي، فالمكان ثابت في أدراك العقل له وملازمته الامتلاء، وكل شيء بالطبيعة من أشياء تشغل حيّزا في المكان تبقى حركاته وانتقالاته مدركة مكانا وزمانا معا مهما تبدّلت مواقع المكان وكما أن الزمان لصيق الوجود كذلك المكان لصيق ذلك الوجود... والزمان يدرك الحركة على أنها شيء ثابت وليس شيئا متحركا، لذا يكون الثابت والمتحرك في الشيء الواحد سيّان في أدراك الزمان له.

    استحالة ادراك او حدس العقل وجود الاشياء مكانا، في تعطيل فاعلية الزمان،كون الوجود مكانا لوحده فقط أستحالة أدراكية، ويصبح وجود الشيء مكانا عدما لايمكن أدراكه لأنه فراغ أو عدم، والزمان لا يدرك  الحيّز الخالي أو الفراغ من الوجود المادي للاشياء، أي الزمان لا يدرك اللاوجود غير الموجود،والزمان لا يدرك فراغات المكان التي هي عدم غير موجود لا يمكن حدسه،الفراغ يدرك الأمتلاء فقط، بمعنى أن الزمان لا يدرك اللاوجود الذي لايحده المكان، كما أن الحواس لا تنقل احساسات اللاوجود أو العدم التي هي غير حقيقية لا في وجودها الواقعي ولا  في وجودها الافتراضي.

    كما أن ملازمة الزمان أدراكه الاشياء حسّيا عقليا،لا ينفي عن الزمان حقيقته الحدسية المجردة في أدراكه الوجود المادي للاشياء في الطبيعة، وغيرالوجود المادي المتخيّل عن الذاكرة، لكنه أي الزمان في كلا الادراكين وسيلة فقط، ولا يكون بذاته مادة او موضوعا للادراك لا من العقل ولا من الطبيعة ولا من الوجود المادي للاشياء، ولا من الخيال الفكري الذاتي، ولا حتى من العلم الفيزيائي الذي تأخذ مواضيعه كامل مداها المختبري التجريبي، الزمان لا يستطيع العلم جعله موضوعا تجريبيا كحقيقة علمية يمكن البرهنة عليها أو السيطرة عليها، والزمان لا يخضع لأرادة العقل وتنفيذ رغائبه، ويبقى قانونا من قوانين الطبيعة الفاعلة غير المسيطرعليه من قبل الانسان، والزمان هو حدس عقلي متعال على الوجود والطبيعة ولا يخضع لهما. وتبقى الطبيعة والانسان تحت رحمة الزمن ، ولم يكن الزمن تحت رحمتهما.

     

    علي محمد اليوسف /الموصل

    .........................

    الهوامش:

    * للمزيد حول الموضوع أحيل القاريء الى مقالتي المنشورة على موقعي المثقف وكوة، بعنوان (كانط وتجريده المثالي للوجود) تناولت فيها أشكالية تداخل الزمان والمكان في الادراك العقلي عند كانط.

    1- ا.م. بوشنكي/ت عزت قرني/الفلسفة المعاصرة في اوربا/سلسلة عالم المعرفة/ ص 142

    2- المصدر السابق ص137

    3- المصدر السابق ص 138

    4- المصدر السابق ص 140

    5- نفس المصدر السابق تلخيص ص142-ص145

    6- نفس المصدر ص144

    7- نفس المصدر السابق ص 147

    8- نفس المصدر السابق ص 145

     

    علي رسول الربيعياهتمامات مايكل فالزر الفلسفية واسعة، لكنها تتركز في الاهتمام بقضية العدالة. فالزر فيلسوف بارز في نشر أفكار الجماعاتية اليسارية ضد العقيدة الليبرالية المحايدة للنظرية السياسية المعاصرة، تظهر أعمال فالزر الفلسفية وكأنها كورس متناغم غني لكن مخالف ومعارض داخل خطاب أكاديمي متقلب وصارم في كثير من الأحيان. تعتمد حججه في كثير من الأحيان على قراءات حاذقة للتاريخ الثقافي، وتعتمد على مصادر متنوعة يعود بعضها حتى الى الحكايات التلمودية والأساطير الأزتكية، وتعبّر عن نوع بالغ الدقة في تفسير الثقافة السياسية القائمة التي دافع عنها لإنتاج عملٍ لأصيلٍ لمُنظّر محترف. أثارت المناهج والنتائج التي توصل إليها درجة من الخصومة بينه و بين أولئك الذين يتبعون استراتيجية محاججة مختلفة.

    تكمن الاهتمامات الديمقراطية وراء كل نظرية فالزر السياسية، لاسيما نظرية "المساواة  المركّبة أو المعقدة" التي دافع عنها في كتابه الأكثر شهرة والأكثر أهمية "مجالات العدالة"، الذي نشر في عام 1983.[1] بدت قناعاته عن الديمقراطية، في مواقع أساسية من هذا النص حيث يحاول فيه أن يتثبت أسس نظريته المحيّرة لبعض القراء، الذين يشتبهون أحياناً في أن هذا المنطق الذي يتبعه يشير الى اتجاه آخر. يزعم فالزر أنه قرأ "المنطق الداخلي" للعديد من الممارسات الاجتماعية، بدءاً من أنظمة القرابة إلى الرعاية الطبية. وبناء على تلك القراءات توصل الى فكرة أساسية هي أن جوهر الظلم الاجتماعي ناتج عن الهيمنة؛ عندما تؤثر خيرات مجال اجتماعي واحد على أنماط التوزيع الخاصة بمجال آخر: أي على سبيل المثال، عندما يقوم المال بشراء الأصوات في الانتخابات أو عندما تؤمّن  المكانة الاجتماعية وظيفة رفيعة المستوى.

    وبالتالي، فإن مفتاح العدالة الاجتماعية ليس مبدأ وحيد للتوزيع، أو حتى مجموعة واحدة من المبادئ، بل هو حوار اجتماعي معقد التفسير يتم فيه توزيع خيرات المجالات الاجتماعية المستقلة نسبياً بطريقة لا يهيمن فيها مبدأ توزيع مجال واحد على مجالات التوزيع في أماكن أخرى من المجتمع. قد يبدو هذا التركيز الواضح على مفهوم العدالة من قبل فالزر غريباً إلى حد ما بالنسبة لمنظّرين ديمقراطيين أكثر راديكالية، وعندما تصبح الأفكار الأساسية لصنع القرار الديمقراطي والخطاب السياسي النظري التعددي الذي تشير إليه أفكار فالزر حول العدالة الاشتراكية لا يُدافع عنه وغير محمي إلى حد بعيد. ومع ذلك، أثبتت نظرية فالزر عن العدالة أنها نظرية للديمقراطية الاجتماعية، في الوقت نفسه.

    جوهر هذا الاستنتاج هو الأهمية التي يعطيها فالزر للدور الذي يقوم به النقد الاجتماعي، فيرى أنه في مجتمع عادل معقد ومتطور يكون النقد الإجتماعي ضروري لمنع تحجره. ولا يصر على درجة عالية من المشاركة الديمقراطية، مثل بنيامين باربر أو وليام جالستون وغيرهم من المفكرين الليبراليين "الذين يعوّلون أو يستندون إلى الفضيلة"[2]  الإجتماعية في المشاركة، غير أن فالزر يفترض ضمناً أن مفهومه عن المواطنة الديمقراطية مشروط بفكرة أن النقد الاجتماعي هو شأن يخص الجميع. ويجب أن يظل ممكناً من حيث المبدأ لجميع المواطنين أن يتخذوا موقفًا نقدياً ومتشككاً لكنه بنّاءً تجاه الثقافة السياسية التي يشكلون جزءاً منها.

    الحياة والسياق الفكري

    وُلد مايكل لابان فالزر في مدينة نيويورك عام 1935 من عائلة منخرطة سياسياً وفي مجتمع من المفكرين اليهود المتطرفين. أكمل شهادة الدكتوراه في جامعة هارفارد عام 1961،  قام بالتدريس أول مرة في جامعة برينستون، لكنه عاد إلى جامعة هارفارد عام 1966 وبقي هناك كأستاذ للفلسفة حتى عام 1980. بعدها قام معهد برينستون للدراسات المتقدمة بإعادته إلى نيوجيرسي في ذلك العام. عمل محرراً لمجلة Dissent الاشتراكية منذ عام 1976، ومحرراً مساهماً في مجلة New Republic الليبرالية. وقام فالزر بردم الفجوة بين الكتابة السياسية الأكاديمية والشعبية، حيث وضع موضع التطبيق دعمه للنقد السياسي.

    يغطي عمل فالزر الأكاديمي مجموعة من الموضوعات والقضايا التي تتعلق بالدين والحرب والنظرية الاجتماعية. وأظهر في وقت مبكر التزامه بالسياسة الراديكالية والطريقة التي تتشكل بها المجتمعات من خلال جدلية العلاقة بين الاعتقاد والنقد. وقد ظل فالزر سواء في كتابات عن الحركات الدينية[3] أو في كراساته ذات المسحة العاطفية عن الممارسة السياسية،[4] مناصراً للديمقراطية كما وصف نفسه ذات مرة في العنوان الفرعي لكتَاب المقالات.[5] لم يكن متصالحاً مع النظريات السياسية السائدة أنذاك. كان اهتمامه الدائم هو كيفية التوصل إلى استنتاجات سياسية لعقيدة راديكالية، دون الصعود إلى العوالم الروحانية المتمثلة في الحق التجريدي أو الشمولي أو الانحدار إلى الماركسية غير المختبره أو غير المفحوصة. وكانت كتاباته السياسية تعبر عن موقعه في "المنطقة الوسيطة" حيث يجد نفسه معارضاً للفكرة الأخلاقية النموذجية لليبرالية: وهي أن جميع الأشخاص يحملون حقوقاً وبالتالي يمتلكون مطالبة متساوية بالموارد. فهذا النهج، كما يعتقد فالزر، يدمر التعقيد "الكثيف" لواقع المجتمعات من أجل البساطة النظرية، ويعرض بالمثل الأشكال الحقيقية للاستبداد التي قد تحدث عندما يتم تطبيق المساواة المجردة في أشكال بسيطة للغاية - أشكال تخفي أنواعاً مختلفة من التشويه في الثقافة السياسية.[6]

    لقد وصف فالزر نفسه بأنه ذلك الناقد الذي يلبي مطالب الانتقاد الثلاثة كما أوردها في كتابه عام 1989 بعنوان "المجموعة النقدية:" فالناقد يكشف المظاهر الخاطئة لمجتمعه؛ وكتب: "إنه يعبر عن أعماق شعور شعبه بالكيفية التي يجب أن يعيشوا بها؛ ويصر على أن هناك أشكالاً أخرى من الزيف والآمال والطموحات المشروعة على قدم المساواة." [7]

    ناقش فالزر فكرة الحرب العادلة. وسلّط الضوء على الفرق بين التورط في حرب ظالمة وبين معنى الحرب العادلة، وقد ضرب أمثلة كثيرة عن حروب أمريكا الظالمة في فيتنام وكوريا وماقمت به من عمليات سيئة سرية  التي كان جزء منها في جنوب شرق آسيا، وقد أصدر أحكامه هذه بالاستناد الى نظرية الحرب العادلة الكلاسيكية. وعليه رأى أن الأحكام الأخلاقية لنظرية الحرب العادلة أصبحت مهمة كفرع لمشروع أوسع للنقد الاجتماعي.[8]

    ويرى فالزر في مقدمة المبادئ الراديكالية، أنه على الرغم من ما تمثله دولة الرفاهية من انجاز سياسي هائل وما ولدته سياساتها في مجال العمل، الا أنها لا تنتج بحد ذاتها مجتمعاً من المواطنين. إنها تحملنا إلى ما وراء البنى الطبقية للمجتمعات البرجوازية ولكن ليس بعد الى المجتمع الاشتراكي.[9]

    كان فالزر نشطاً في عمله السياسي  خلال الستينيات من القرن الماضي لإحساسه باحتمالية أن يتجسد ذلك في حركات اجتماعية جديدة، لا سيما بعد بروز الاتجاهات الديمقراطية المتمثلة في مطالبات تحرير المرأة، والمساواة للسود. وكذلك بدت له أن الحركات التي تطالب بالديمقراطية التشاركية قابلة للتحقق في المدى المنظور.

    أعرب فالزر نفسه عن المخاطر فيما يتعلق بما أسماه "التمرد". وقال إن التمرد كان شكلاً من أشكال العمل السياسي الذي أثارته التناقضات التي تلوح في الأفق في مجتمعات الرفاهية الرأسمالية المتأخرة. وكما تقول إيريس ماريون يونغ: "بما أن النظام يحتفظ بالمُثُل الرسمية للديمقراطية، فكلما أصبحت المجالات الاجتماعية تحت نظر سياسة الدولة، زاد احتمال مطالبة الناس بمناقشة عامة هادفة لهذه السياسة.[10] "وفي هذا السياق، يقول فالتزر، التمرد هو المطلب الذي تتيحه الخدمات البيروقراطية أو يجعلها ممكنة، فبدلاً من الاستعاضة عن صنع القرار محليأ المطلوب هو العمل من خلال جدلية جديدة تسعى إلى جعل "المساعدة" البيروقراطية الاجتماعية نقطة بداية سياسة جديدة للمقاومة وتقرير المصير.[11]

    بطبيعة الحال، لم يتحقق العمل السياسي المتمرد بشكل كامل، وأصبحت التناقضات واضحة. وقد رأى فالزر أنه لهذه الأسباب وغيرها، تراجعت فكرة المشاركة وتفشى الاستياء من العمل السياسي وزادت مخاطر السلطة غير الخاضعة للمساءلة وبدأ التوتر بين الديمقراطية التشاركية والديمقراطية التمثيلية واصبح التوفيق بينهما بالغ الصعوبة لا سيما في الولايات المتحدة التي يهيمن عليها الليبراليون. فيرى يجب توزيع السلطة بطريقة أو بأخرى على مجموعات من المواطنين الناشطين والمهتمين، ولكن يجب أن يكون هؤلاء المواطنون أنفسهم مسؤولين أمام جمهور أكبر من الناخبين (عضوية الدولة أو الحركة أو الاتحاد أو الحزب). وليس هناك ما هو أكثر أهمية من تلك المسؤولية؛ فبدون ذلك، لن نحصل على هذا النوع من الناشطين.[12]

    مع بروز المحافظين الجدد في الثمانينيات، وهي حركة يرأسها راديكاليون سابقون ساخطون، كانت اشتراكية القديمة لفالزر لا تحظى بالتأييد. واصبح "الإنجيل الجديد" هو المنافسة في السوق الحرة في ظل حكومة محدودة التدخل في العملية الاقتصادية، ونتج عن ذلك انخفاض في البرامج الاجتماعية وكان ذلك هو الاتجاه السياسي السائد في البلاد ( أمريكا).[13]

    شهدت الثمانينات، في الوقت نفسه، نمواً غير مسبوق لسياسة "الهوية" في الثقافة الأمريكية. وبدأت الجماعات العرقية والإثنية والمجتمعية تحتج ضد الليبرالية الكلاسيكية التي يتبعها المحافظون الجدد. وكانت النتيجة استقطاب في الجدل الأكاديمي؛ اتخذ أولاً  شكل أنقسام نقاش طويل وصل الى طريق مسدود بين الليبراليين والجماعاتيين بمختلف أنواعهم.[14] وحدث الانشقاق الثاني والأكثر خطورة بين القوى التي تدعم شكلاً ما من أشكال الثقافة السياسية المشتركة،  عندما أنسحبت بعض هذه القوى لأنها رأت في هذه الثقافة نتيجة لهيمنة (مركزية البيض، أوروبيون، ذكور) فتنكر المفهوم العالمي للإنسانية.

    على الرغم من أن عمل فالزر يتسم بخصوصية جذرية في مايتعلق بالعدالة، إلا أنه لم يجد تأييداً لدى منتقدي النظريات الليبرالية للعدالة إلّا نادراً. وتشيد يونغ عن سبيل المثال، بفالزر لانضمامه إليها في رفض قبول النموذج الحاكم للعدالة الليبرالية، الذي يفضل التوزيع الثابت على العملية الديناميكية. ومع ذلك، فهي لا تعتقد أن فالزر يذهب بما يكفي  في رفض لغة عدالة التوزيع ( الليبرالية).[15]وانتقد آخرون فلزر لعدم كونه تخصيصياً تشخيصياً بشكل كافٍ.  قام بيتر أووبين، عن سبيل المثال، عند مراجعته كتاب فالزر  The Company of Critics، بتقريعه لتجاهل أصوات أمثلة نقدية كبيرة تعبر عن التذمر السياسي للمجتمع الأمريكي.[16]

    أبدى الليبراليون المحايدون والعالميون الاعتراض على  فكرة فالزر عن الخصوصية، أي الأفكار محوم بخصوصية سياقها وهذا خلاف فكرة الليبرالية عن عالمية المفاهيم. ويمكن جمع تلك الاعتراضات كما تلاحظ جورجيا وارنك تحت ثلاثة عناوين عامة.[17] يعترض النقاد الليبراليون أولاً، على فكرة فالزر حول المعاني أو القيم المبنية اجتماعياً، والفكرة التي ترتبط بها، أيً على أن مثل هذه المعاني تشكل أو تكوّن مجتمعاً. ويعتقدون بدلاً من ذلك أن أعضاء مجتمع سياسي معين قد لا يشتركون بأي تفاهم اجتماعي ويجادلون، ثانياً، أنه حتى لو كانت هناك معاني مشتركة في مجتمعات معينة أو جماعات محلية فإن تفسيرات فالزر لها "تعسفية ومغرضة" على حد تعبير جوشوا كوهين.[18] وأخيراً، ينكر الليبراليون بأنه يمكن أن تكون المعاني الاجتماعية، حتى لو تم الأشتراك بها وتفسيرها بشكل صحيح، بمثابة أساس "للمبدأ النقدي" أو نقطة الدخول الخاصة بالتفسير الاجتماعي والنقد التي تطالب بها مفاهيم فالزر. لقد ذهب كوهين إلى حد القول بأن مناهج فالزر التفسيرية تقوض في الواقع التزامه بالرؤية السياسية الجوهرية للاشتراكية الديمقراطية. أما بالنسبة لباقي النقاد أمثال نورمان دانيلز ورونالد دوركين، وارنك، فيخلصون إلى: إن أي محاولة لاستخلاص مبادئ العدالة من الطريقة التي يتفهم بها الفاعلون الاجتماعيون خير ومصلحة مجتمعهم هي إما فارغة أو محافظة، لأنها لا يمكن أن تتجاوز فهم المجتمع نفسه.[19]

    سأعود إلى هذه الاتهامات لاحقاً عندما يتم توضيح الخطوط العريضة للنظرية العامة لفالزر ومكانتها في الفكر الديمقراطي.

     

    الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

    .................................

    [1] M. Walzer, Spheres ofJustice: A Defence of Pluralism and Equality (New York, Basic Books, 1983).

    [2] B. Barber, Strong Democracy: Participatory Politics for a New Age (Berkeley, CA, University of California Press, 1984); and W. Galston, Liberal Purposes: Goods, Virtues and Diversity in the Liberal State(Cambridge, Cambridge University Press, 1991).

    [3] أنظر أطروحته للدكتوراه:

    The Revolution of the Saints: A Study in the Origins of Radical Politics (Cambridge, MA, Harvard University Press, 1965) and, more recently, a controversial reading of biblical scripture as profound political document, Exodus and Revolution (New York, Basic Books, 1985).

    [4] M. Walzer, Political Action: A Practical Guide to Movement Politics (New York, Quadrangle, 1971).

    [5] هذا الكتاب هو نسخة والزر من البيان السياسي الفكري ، وهو سلسلة من المقالات  ، نُشر معظمها لأول مرة في Dissent و New York Review of Books ، بعنوان "المبادئ الراديكالية: تأملات ديموقراطية غير معادة البناء" (نيويورك ، كتب أساسية ، 1980)

    [6] هذه اللغة التي تشير الى السُمك والنحافة تمر عبر العديد من أعمال فالزر. لا يرغب فالزر  في استبعاد فكرة المعايير العالمية ، أو الأفكار المهمة حول العدالة التي تولدها ، لكنه يريد إعادة اللغة الأخلاقية  للظروف والأحداث والتاريخ ذات الجذور المحلية إلى مكان مركزي في النظرية الاجتماعية. انظر M. Walzer، Thick and thin: Moral Argument in home and out (Notre Dame، IN، Notre Dame University Press، 1994).

    [7] Walzer, The Company of Critics: Social Criticism and Political Commitment in the Twentieth Century (New York, Basic Books, 1989) p.271 .

    [8] M. Walzer, Just and Unjust Wars: A Moral Argument with Historical Illustrations (New York, Basic Books, 1977).

    [9] called Radical Principles: Reflections of an Unreconstructed Democrat (New York, Basic Books, 1980}. p.9.

    [10] . M. Young, justice and the Politics of Difference (Princeton, NJ, Princeton University Press, 1990), p. 81.

    [11] M. Walzer, 'Politics in the welfare state: Concerning the role of American radicals', in Irving Howe (ed.), Beyond the Welfare State (New York, Schocken, 1982), p. 152.

    [12] M. Walzer, 'A day in the life of a socialist citizen', in his Radical Principles, p. 136.

     

    [13] الكتابات حول المحافظين الجدد واسعة النطاق. قدم كريستول لمحة عامة جيدة ، على الرغم منأنها تعبر  وجهة نظر معينة ،

    Kristol, Neo-Conservatism: The Autobiography of an Idea (New York, Free Press, 1995).

    [14] S. Avineri and A. de-Shalit (eds), Communitarianism and Individualism (Oxford, Oxford University Press, 1992) and S. Mulhall and A. Swift (eds), Liberals and Communitarians (Oxford, Blackwell, 1992).

    [15] Young, justice and the Politics of Difference, pp. 17-18.

    [16] .P. Euben, 'Review of Walzer's The Company of Critics', The New York Times Book Review (18 January 1989), 18.

    [17] G. Warnke, 'Social interpretation and political theory: Walzer and his critics', Philnsophical Forum, 21:1-2 (1989-90), 204-26.

    [18] See J. Cohen, 'Review of Spheres of justice', journal of Philosophy, 83:8(August 1986), 457-68.

    [19] Warnke, 'Social interpretation', p. 205. See also R. Dworkin, 'To each his own' (review ofWalzer's Spheres of justice), New York Review of Books (14 April 1983), 4-6; and N. Daniels, 'The roots of Walzer's relativism', APA Western Division Meeting, Chicago, 26 April 1985.

     

    زهير الخويلدي"أي شيء يستطيع العقل البشري تصوره والإيمان به، تتمكن الإرادة الإنسانية من تحقيقه"

    لقد دأبت السلطة على استغباء الشعب ونشر التفاهة واحتقار الفكر وحجب الحقائق عن الناس واستخفت بالعقل وحاصرته وزينت للجمهور الاستهلاك والتقليد ودعته إلى الرضوخ والاستسلام للعادات والسائد، غير أن الوعي الذي يشتغل داخل صخب الواقع وينمو في كنه الذوات المتحاورة يرفض هذه المواقف التافهة والمتحاملة ويدخل في اشتباك مع اليقين والتصديق القبلي ويتسلح بالتساؤل المفكك والشك المحير.

    في الواقع يختلف الاستعمال العامي للعقل من طرف الإنسان العادي عن الاستعمال العمومي له من طرف الكائن المفكر والخبير المحاسب والمثقف العضوي. فماهو العقل يا ترى؟ وما دوره في حياة الإنسان؟ هل له أدوار خاصة أم عمومية؟ وفيم تتمثل أدواره العمومية؟ هل يمثل العقل أداة جلب المصالح الجزئية وتحقيق النجاعة السياسية والاقتصادية أم مملكة الغايات وفضاء للحوار والتواصل والنقد؟ وماهي حدوده؟

    مفهوم العقل هو جوهر، وقوة فاعلة، وملكة معرفية  تحولت إلى ممارسة واعية للنقاش، وتجربة تواصلية بين الذوات المتحاورة. يمكن التمييز بين المعقول والمحسوس، بين العقل والذهن، بين العقل المحض والعقل العملي، وتحديد مفهوم العقلانية بوصفها مضادة للتجريبية، أما التعقل من حيث هو نشاط عقلاني فهو يسمح بالتطرق إلى المعقوليات المتعددة والمفتوحة في العلوم والممارسات الإنسانية الجديدة، ويجعل من بنية العقل تتطور وتتغير وفق تغير المعارف التي ينتجها. كما يحتكم العقل إلى جملة من القواعد والقوانين تجعله يتفق مع ذاته ويسعى للتكيف مع الواقع الخارجي. من هذا المنطلق تكمن قيمة العقل فيما يمنح الإنسان مرتبة إنسانية يتفوق بها عن بقية الكائنات، وتجعله يساهمه في تنظيم الفوضي وترتيب ضرورات الحياة وتحقيق السعادة. من اللازم إبراز الإنسان من حيث هو كائن عقلاني لأن العقل ميزة بشرية تساعده على التغلب على المشاكل والصعوبات في حياته وتنظيم علاقاته مع الآخرين واكتشاف العالم المحيط به. كما أن مطلب التفكير من خلال استخدام العقل بشكل منهجي هو طريق التفوق.

    البعض يعطي للعقل قيمة ثانوية جزئية يمكن استكمالها بملكات أخرى على غرار التجربة أو النص أو التاريخ أو اللغة ويؤدي أدوارا جانبية ومهام ترتيبية. ولكن الموقف الحاذق هو التعامل مع العقل في الحياة العمومية من حيث هو  قيمة أساسية كلية في المعرفة والوجود والتشريع والالتزام. والآية على ذلك أن العقل يقوم بدور تأسيسي مركزي ، وتتراوح الأدوار الخاصة للعقل بين الوثوقية والريبية بينما تتحرك الأدوار العمومية بين النقدية والتواصلية. من المرجعيات الفلسفية التي اشتغلت على العقل نذكر أفلاطون وأرسطو، ديكارت وهوبز وكانط وهيجل وماركس، مدرسة فرنكفورت: هوركايمر وأدرنو وهابرماس، سارتر وفوكو وريكور وغادامير. كما يختلف الاستعمال الأداتي للعقل الذي تتمثل في تحقيق جملة من المنافع الخاصة مثل كسب النجاعة والثروة والسلطة عن الاستعمال الغائي للعقل الذي يسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف الكلية مثل التواصل والحرية والنقد والانتصار إلى القيم المدنية والسلم الأهلي. في الحياة الملموسة يكمن الاستعمال الثوري للعقل في إحداث التغيير الجذري في الواقع الموضوعي والقضاء على الجهل والتخلف وزرع قيم التحضر والتقدم والاحتكام إلى العقل التطبيقي بغية التغلب على المشاكل المادية. لكن ألم يقل سينيكا بأن "الصعوبات تقوي العقل كما يقوي الجهد في العمل عضلات الجسم"؟ فماهي العراقيل التي تمنع العقل من أداء مهامه الجوهرية؟ وكيف يمكنه أن يتعامل معها؟ ألا يجدر به أن يعقل ذاته ويسعى إلى تطوير نفسه؟

     

    د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي