علي محمد اليوسففي الفلسفة التفكيكية التي اعتمدت ما سمّي بالقراءة الجديدة المستمدة من الفلسفة البنيوية، او القراءات التأويلية الاختلافية المتعددة للنص، نجد انه جرى تداول تلك الطروحات اللغوية والفلسفية عندنا، كما هو الشأن في جميع الصرعات الفكرية التي ظهرت في فرنسا على وجه الخصوص، ومن ضمن تلك التيارات الفكرية ما جاء به تروبتسكي وجاكوبسن ودي سوسير وفنجشتين وآخرين في مجال اللغة واللسانيات.،ان انزياح واستبعاد النص الاصل يكون من خلال القراءة او القراءات التفكيكية التي تختلف عن أصل النص في متابعة الهامش في متوالية لا نهائية من الهوس التفكيكي، الذي يصبح فيه اصل النص ميّتا او ملغيا بعد موت المؤلف حسب مقولة رولان بارت،.

والاهم رجوعنا في لمحة سريعة الى البنيوية التي اعتمدت اللغة مرجعية قارة تحت شعار (لا شيء خارج النص) على خلاف التفكيكية التي جاءت في مقولات دريدا العبثية في اللغة وفي اعدام النص فاوقعت نفسها في وحل العدمية واللامعنى الفلسفي واصبحت التفكيكية اليوم محل ادانة وتندر لدى اغلب علماء وفلاسفة اللغة يتقدمهم جومسكي وفلاسفة لغة اميركان معاصرين غيره.

فقد اعتمد الشكلانيون الروس في مؤتمر لاهاي عام 1929 مصطلح البنيوية الذي وضعه جاكبسون، وقد رفضت هذه المدرسة التي أسست البنيوية الفرنسية على منطلقاتها التي جاء بها شتراوس واخرين دوسيسير ولاكان وفوكو والتوسير فيما بعد فكرة عدم توظيف النص الادبي لنصرة معتقدات فلسفية معينة، ونادى الشكلانيون ضرورة ووجوب اعتماد النظر على الشكل الجمالي للادب ، أي في اعتبار الادب ادبا صرفا يتميز بعدة دلالات تعبيرية لغوية جمالية تجعله جنسا تعبيريا مستقلا مفارقا لنصوص الفلسفة والدين والايديولوجيا وغيرها.ان من اكبر الاخطاء التي تساوي بين عبثية التفكيكية على صعيد اللغة، وبين الفلسفة البنيوية التي لم تقف مباحثها الفلسفية عند مبحث اللغة وسنوضح هذا لاحقا.

والى هذا الحد من الممكن اعتبار البنيوية من خلال تعدد اهتماماتها ومباحثها الفلسفية خارج بدعة الرقص في مخاتلات اللغة على هوامش الاختلاف كما تفعل تفكيكية دريدا، ان البنيوية تعنى بالانثروبولوجيا والاثنولوجيا تحديدا عند شتراوس، وفي علم النفس لدى جان لاكان، وجان بياجيه ،وعلى نقد السرديات الكبرى كما هي عند التوسير، والجنسانية لدى فوكو. فالبنيوية على عكس من فقر التفكيكية الفلسفي،  تيار تجديدي في مباحث الفلسفة له انصار مررنا على اسمائهم قبل اسطر، على العكس من التفكيكية التي ارادت التعكّز على البنيوية اللغوية فوقعت في حضن الابتذال المعرفي التجريدي في محاولتها تفسير اللغة بعبث تدميري وهدم لا منطقي ولا فلسفي كما يفاخر به دريدا، الذي اصبح التنّدر به على لسان غالبية علماء اللغة والمشتغلين في مباحث الفلسفة المعاصرة.

 ولنقرأ النص التالي من كتاب علي  حرب نقد الحقيقة في مقاربته التفكيكية (ان كل قراءة تختلف لامحالة عن النص الذي تقرأه او تقرأ فيه، سواء أكانت القراءة شرحا وتفسيرا ، او استنباطا وتأويلا. وهي تنزع من ثمّ، وبحكم اختلاف ما تقرأه، الحلول محله)، ولما كانت كل قراءة تأويلا(وحمل لمعنى ما على المقروء، وترجيح لمعنى آخر، أي هي تأوّل، ومآل التأويل أن يحل محل التنزيل) ص 96

أن الانزياحات التأويلية لأصل النص في تعدد القراءات واختلافها ، يعطينا بحسب أحكام الاستاذ حرب، أن فكرة او محتوى او مضمون النص ، يعطينا ترجيحا الى أن جميعها افكار اومرموزات لغوية اشارية متعالقة بما يتعّلق بأصل شكلانية النص، وبعد أجراء القراءات التأويلية والتفكيكية عليه يكون لا معنى لنص الاصل ولوجوده أيضا كمرجعية ليست ثابتة، ولا يعد النص يمتلك حضورا حقيقيا بعد تعدد قراءآته المختلفة في تغييب مقصود لاصل النص في ترجيح اعتماد الهامش.

وبذا بدلا ان يكون أصل النص مرجعية ثابتة تحاكم بها وعلى ضوئها ، صحة قراءات الهوامش على النص الاصل الجديدة والتأويلات المتعددة له،نقوم بأعدام اصل النص تفكيكيا الذي هو أساس ومرجعية جميع القراءات بتعدد واختلاف اشكالها له، الذي تريد تفكيكية دريدا اغتيال اصل النص علانية كونه يحمل معان غير متاحة لقراءة او عدة قراءات. وكيف يمكننا البرهنة ان التأويلات القرائية في الهوامش وفي محاولة استحضار الغائب المضمر على حساب المعطى الماثل في اصل النص على انها وسيلة واسلوب الاختلاف في استحضار فائض المعنى الذي تدخّره (تدميريا) القراءات التفكيكية في اعدام اصل اللغة قبل اعدامها اصل النص.(يلاحظ ان دريدا يستعير لفظة الهدم والتدمير من نيتشة وغاديمير وفي هذا تكمن نزعة العبث اللغوي الذي لا يقول شيئا وليس بمستطاع دريدا ان يجيد غير الهدم والتدمير تنفيذه).

لا توجد اية قناعة او استدلال معرفي او لغوي علمي او فلسفي يقودنا التسليم الى ان الرقص اللغوي المخاتل على الهامش القرائي الاختلافي هي اكثر مقبولية وحكمة وصواب من محتوى النص الاصل الذي قامت القراءات التأويلية التفكيكية بأعدامه والغاء قيمته لأنه لم يف بالتزامه في كشفه المسكوت عنه وفائض المعنى.

وكيف لنا ان نعرف ان المسكوت عنه هو الصحيح وليس ما يبوح به اصل النص وليس ما يذهب له وتدّعيه الهوامش من صدقية افتراضية.؟ في بحثها الدؤوب عن فائض المعنى الذي تخلفّه اللغة وراءها في تعدد القراءات والاجتهادات.

التفكيكية تنسب لنفسها الرقص على الهامش في المواربة اللغوية الاختلافية مع اصل االنص لتجعل من طروحاتها النظرية البائسة تجديدا شبحيا في الفكر الفلسفي.لا نستبق التعليق أن جاك دريدا في التفكيكية يلغي تماما اية مرجعية ثابتة يمكن الاحتكام لها، ويعتبر دريدا انه حتى العقل لايمثّل مرجعية ،لأن هذه المرجعيات التي اعتمدتها مباحث الفلسفة قبل التفكيكية ، طالما أعتبرتها مباحث الفلسفة مرتكزات محورية شبه ثابتة فهي ميتافيزيقا يتوجب مجاوزتها، كما ان دريدا يرفض (المنهج) باعتبار ان التفكيك لايحتاج المنهج لأنه (استراتيجية) آلية تفكيكية تطال كل شيء، وحتى التفكيك يعقبه تفكيك الى ما  لا نهاية له او توقّف عنده.كما ان دريدا هاجم هيدجر واعتبره ميتافيزيقيا كونه يؤمن بمرجعية العقل الذي هو ثبات لا يعتّد الاخذ به.

واذا نحن سّلّمنا بهذا التحليل القرائي التفكيكي للنص الاصل، فسنكون في حالة ضياع وتيه في استقصائنا أين يكمن المعنى الصحيح وفي أي من القراءات التأويلية التي طالت النص الاصل وغيّبته قسرا نعتمد في الوصول الى الحقيقة؟.ويصبح التشتت القرائي الاختلافي هو سيد التيه والضياع، نتيجة منطقية لما يتوجب علينا معايشته في تعدد الانزياحات المتناوبة في استهدافها أصل النص بالتغييب العمد كهدف مطلوب في ذاته ولذاته فقط في اشباع هوس التفكيك.

نعتقد أن أصل النص هو حقيقة مرجعية ليس سهلا الاستغناء عنها او تغييبها، وانه ايضا خلفية استرجاعية ثابتة لمعرفة ماذا اضافت القراءات التأويلية الشارحة عليه، وأين اصبح موقع اصل النص بعد تناوب القراءات الالغائية له وماذا بقي منه؟ واين أوجه القصور والخطأ به.؟ والنص منتج عقلي، والعقل والنص مرجعيات نحتكم لها ليس لحقيقة وجودها وثباتها، بل لانها من الضرورات البدهية التي بضوئها نستطيع الحكم على مدى اهمية قراءاتنا اللانهائية الافتراضية لأصل النص.

من المهم التذكير بان رولان بارت على اختلاف مع التفكيكية التي تذهب الى اعدام اصل النص تفكيكا اختلافيا تداوليا، فهو اكتفى بالغاء هيمنة المؤلف على النص ووصايته على القاريء، واوصى ان يكون حضور النص مرجعيا استدلالية في تعدد واختلاف القراءات هو فقط دون غيره.، ولا شيء خارج النص.

اننا نفهم أن كل نص هو كيان مادي قائم بذاته، والافكار قوة مادية تأخذ أنسنتها الطبيعية من المتلقي به واليه،ويتوجّب علينا ان ننطلق من أن كل قراءة او عدّة قراءات لأصل النص مهما أوتيت من قدرة تأويلية ذكيّة فهي ليس بامكانها ولا بمستطاعها الغاء حضور (أصل النص) حتى لو تعاملنا مع الغائه مجازّيا وليس حقيقيا، ثم والأهم لماذا نحن نعامل القراءات الهامشية الدائرة حول مركزية النص الاصل انّها هي مايمّثل الحقيقة المطلوبة وليس العكس في عدم اعتمادنا مركزية أصل النص انها هي الحقيقة التي على ضوئها نحكم على صحة منطلقات الهوامش القرائية التي تدور حول اصل النص وتستهدفه بالالغاء؟ من جهة اخرى اننا سنضع انفسنا بهذه الحالة امام سلسلة لا تنتهي من الالغاءات المتناوبة على استهداف اصل النص في اعدامه واخراجه من دائرة التلقي في تعدد وتنوع القراءات له .وهذا هوما تنادي به التفكيكية وتعتمده بالصميم

 

الباحث الفلسفي: علي محمد الوسف / الموصل

 

علي رسول الربيعيعالم اليونان القديمة والعصور الوسطى

تناولت الفلسفة السياسية في اليونان القديمة كما تجسدت في فلسفة أفلاطون وأرسطو، مسألة الحياة الجيدة وكيف يمكن أن تُعاش في المجتمع. فقد سعى هؤلاء الفلاسفة إلى ربط وتجذير السياسة في الميتافيزيقيا في مواجهة مجموعة من البنى السياسية في أيامهم، وبعبارة أخرى، من أجل فهم  الجوهر الأساس للطبيعة البشرية والهدف أو الغرض من الحياة. وقد تم تناول هذا الأمر في وقت لاحق في سياق ديني، وفي أطار فكرة أن شكل الحكم الصحيح هو الذي عكس النظام الطبيعي نفسه وكما خلقه الله، مؤسساً لهرمية العصور الوسطى من الأرض الى السماء. لكن تحولاً حدث خلال عصر النهضة جراء النزاعات بين دول المدن الأيطالية متمثلا في مؤامرات الحياة السياسية. وقد كشف هذا التحول عن أن هناك مناسبات قد تسود فيها الحيلة الماكرة، وليس الطاعة الإلهية. ويشمل المفكرون هنا: أفلاطون وأرسطو وأوغسطين ومكيافيللي.

صعود الفردية

شهد القرنين السابع عشر والثامن عشر في أعقاب الإصلاحية المسيحية والحرب الأهلية الإنجليزية، تطوير نهج مختلف تماماً للسياسة. أصبحت رغبات الفرد في هذه الفترة ذات أهمية قصوى، وتم تبرير البنى السياسية على أساس عقد اجتماعي أو اتفاق بين الأفراد. وحصلت مناقشات كثيرة حول مسألة الحقوق والحريات، وحدث في تلك الفترة الثورة الفرنسية وانفصال المستعمرات الأمريكية عن السيطرة البريطانية. كما شهدت نهاية تلك الفترة صعود النفعية كفلسفة أخلاقية، مما أدى إلى الحكم على الأنظمة السياسية وفقاً لقدرتها على تحقيق أكبر فائدة لأكبر عدد من المواطنين. وأدى هذا إلى تطور الديمقراطية. فلم يعد السؤال يتعلق بالجوهر الأساسي للبشرية، بل حول أفضل طريقة لتنظيم مجتمعنا. وأبرز المفكرين في هذه الفترة هم: هوبز، لوك، روسو، هيوم، بورك وباين.

تطور النظم

تميل أنظمة التفكير العامة إلى خلق فلسفات سياسية كجزء من فهمها العام للواقع. على سبيل المثال، أنتج كانط مبادئ عقلانية للحكم على الصواب والخطأ، بغض النظر عن النتائج المتوقعة أو الميول أو الرغبات الفردية. وصاغ  مفهوم "الأمر المطلق" الشهير، والذي يعني التزام أخلاقي غير مشروط وهو ملزم في جميع الظروف ولا يعتمد على ميل الشخص أو غرضه. أي أن هناك شيئاً صحيحاً فقط إذا كان بإمكان المرء أن يتمنى أن يتبنى الجميع مبدأ العمل نفسه، وأن يعامل الناس كأهداف وليس فقط كوسائل، وأننا يجب أن نتصرف كما لو كان التشريع للمملكة التي يكون فيها كل فرد إنساناً حراً ومستقلاً – وكان لهذا تداعيات سياسية ضخمة. واستكشف هيجل فكرة أن المجتمع يتغير باستمرار في عملية جدلية، وقد أخذ ماركس هذه الفكرة وصاغ مفهومه "المادية الجدلية" الذي يأتي فيه التغيير السياسي عن طريق الصراع الطبقي. كما كان هناك تأثير لداروين وفكرة التطور من خلال الانتقاء الطبيعي، والهجوم على الديمقراطية من قبل نيتشه، الذي رأى أنها تدعم الضعيف على حساب القوي. وعلى الطرف الآخر، طوّر "ميل" تداعيات النفعية، ودافع عن القيم الليبرالية والحرية. وبحلول نهاية القرن التاسع عشر كان هناك مجموعة كبيرة من أنظمة التفكير السياسية. وإذا كان هناك أي شك في العلاقة بين الجانب العملي والفلسفة السياسية، فكّر في تأثير فلسفة ماركس على حياة ملايين الناس في القرن العشرين، أو تطوير الأفكار الديمقراطية قبل مائتي سنة. وأهم الفلاسفة في هذه الفترة هم: كانط ، هيجل ، ماركس ، ميل ونيتشه.

صراع الأيديولوجيات في القرن العشرين

إن الصدمات التي أصابت القرن العشرين تتعلق بصراع الأيديولوجيات السياسية التي لها جذور عميقة في الفلسفة السياسية. فقد كان هناك الاتساع الهائل للشيوعية وسقوط وتحدي الفاشية في إيطاليا وألمانيا، والنمو العالمي المطرد للديمقراطية، وركوبها على ظهر الاقتصاد الراسمالي. لقد مات الملايين في ذلك القرن المضطرب من أجل الأيديولوجيات السياسية. وخلال الكثير من ذلك الوقت كانت الفلسفة السياسية في حالة جمود (doldrums). وكذلك الأخلاق التي تعرضت لانتقادات بان الأحكام المعيارية (التي تقول أن هناك شيء صحيح أو خاطئ) لا معنىً لها، لأنه لا يمكن تبريرها على أساس الوقائع. وبالتالي، اسكشفت الفلسفة السياسية أصول البنى السياسية ومعنى المصطلحات الرئيسية، دون العمل والانطلاق من المبادئ الأولية المعيارية. وبالطبع، فإن هناك استثناءات، بما في ذلك تلك المذكورة أدناه والتي تتحدي الأيديولوجيات. ومن بين الفلاسفة البارزين في هذه الفترة هم: برلين، هايك وبوبر.

أواخر القرن العشرين وسيطرة الديمقراطية الليبرالية

كان هناك تراجع تدريجي في الاشتراكية والشيوعية في العقود الثلاث الأخيرة من القرن العشرين مقابل صعود التقليد الديمقراطي الليبرالي الذي أصبح في وضع الهيمنة. وانتعشت الفلسفة السياسية إلى حد كبير نتيجة عمل جون رولز الذي وضع نظرية في العدالة تطعن في  فرضيات الفلسفة النفعية وإعادة الحيوية والأهمية الى الفلسفة السياسية المعيارية. وشكّل صعود الحركة النسائية الى فلسفة وسياسات الماضي التي هيمن عليها الذكور، ومعها افتراضات معيارية بشأن الغرض من الحياة وما يشكل الإنصاف في المجتمع. كما دار نقاش حول نطاق أو مجال  "السياسية" للعلاقة بين الأفكار والسلطة، وكذلك طبيعة الحقوق الوجودية. كما جرت مناقشة بشأن الآثار الوجودية المترتبة على السياسة والحاجة إلى استكشاف أنماط جديدة للعمل والعيش. ويعتبر راولز، نوزك، دوركين، هابرماس، أرنديت، فوكو، أوكشتو Oakeshott، سارتر، وغورز Gorz من أهم فلاسفة هذه الفترة.

إن الفلسفة السياسية هي ليست نفس تاريخ الأفكار السياسية. فالتحقيق التاريخي يتطلب منك أن تجمع كل الأدلة وأن ترى كيف ترتبط الأشياء ببعضها البعض، ومن أثّر على الآخر. وتدور الفلسفة حول الأفكار. لذلك فمن المهم اختيار المفكرين وتبنّي أفكارهم بدلاً من محاولة تغطية كل ما قيل. لذلك فإن هذا المقال انتقائي من حيث المفكرين والحجج التي يتضمنها وإنه محاولة لتغطية الموضوعات الرئيسية. وينطبق هذا بشكل خاص على فلاسفة الفترة الحديثة لكن بالنسبة لأولئك الذين يريدون المتابعة بمزيد من التفصيل فإنه بإمكانهم أن يقوموا بذلك من خلال البدء بأعمال الفلاسفة المذكورين أعلاه.

كيف تقرر ما هو الصواب؟

يجب تبرير أي حكم معياري (أي حكم حول ما هو صواب أو خطأ) بالإشارة إلى شيء يتم الاتفاق بشأنه بين الشخص الذي يقدم الدعوى والذين يسمعونه. فإن قلت "هذا هاتف جوال جيد"، فإنك على الأرجح تكون على دراية بما تعنيه، لأن الجميع في اتفاق كبير حول ما يتعين على الهاتف أن يقوم به. هل يعمل بشكل جيد؟ هل تحصل على اشارة جيدة؟ هل هو أنيق؟ هل يحتوي على كاميرا مدمجة، ومشغّل MP3 وما إلى ذلك؟ ولكن بالطبع من الممكن أن تكون هناك اختلافات - مثلا شخص يريد تبديل مشغل MP3 لإطالة عمر البطارية ولكن الأساسيات ليست محل خلاف لأنه من الواضح  للجميع ما هو الهاتف وماذا يفعل.

الأمور ليست بهذه السهولة في الفلسفة السياسية. فنرى مثلا أنه كانت لدى الإغريق القدماء وجهات نظر حول طبيعة الحياة البشرية وغرضها، ولذلك فقد تمكنوا من تقييم الأفكار السياسية من حيث ما إذا كانوا يستطيعون مساعدة الناس على تحقيق كامل إمكاناتهم كبشر. ولكن ماذا لو لم يكن هناك اتفاق عام حول ماهية الحياة البشرية؟

تدور مقاربة "العقد الاجتماعي" حول هذه المشكلة من خلال إرساء السلطة السياسية على اتفاق - إما على أساس حرفي أو ضمني - بين الشعب، أو بين الشعب وبين حكامه. بعبارة أخرى، يربط الناس بعضهم ببعض من أجل مصالحهم المتبادلة ويقررون الشروط التي سيعيشون بموجبها. وهكذا، حتى من دون اتفاق شامل حول ما يريده الناس من الديمقراطية وكيف تمكّن على الأقل الأغلبية منهم من الحصول على الحكومة التي يعتقدون أنها أفضل فرصة للتعبير عن تفضيلاتهم.

في المناقشات الحديثة هناك مستويات أخرى من التعقيد. تتحدى ما بعد الحداثة فكرة أنه يمكن أن تكون هناك طريقة "صحيحة" واحدة لرؤية الأشياء، أو أن هناك ثمة غرض ثابت في حياة الإنسان. وإذا أردنا معنى لذلك الهدف أو الغرض فعلينا أن نقدمه بأنفسنا. ولكن إذا تم وضع أو ايجاد معنى للهدف من قبل آخرين، فكيف يمكن استخدامه لإعطاء أي مبرر موضوعي لنظام سياسي محدد بدلاً من آخر. وبدون أي مقياس موضوعي، كيف يمكن لأي شيء أن يكون "أفضل" من أي شيء آخر؟ يضاف إلى ذلك بُعد آخر وهو  في مجتمع متعدد الثقافات من المحتمل أن يكون هناك مجموعة متنوعة من وجهات النظر والقيم قد يتعارض بعضها مع الآخرين. ولذلك فمن الصعوبة البالغة العثور على أساس مشترك يرتكز عليه بناء اللبنات الضرورية من اليقين في المناقشات السياسية.

ولكن حتى قبل ظهور ما بعد الحداثة، كان هناك وقت - من الحرب العالمية الثانية حتى أوائل السبعينيات تقريبا في القرن التاسع عشر -  أزدادت فيه الشكوك عامةً بين الفلاسفة حول مسألة إصدار الأحكام المعيارية. وبعبارة أخرى، تساءلوا عما إذا كان من الممكن أن تكون  القضايا الأخلاقية صحيحة أم خاطئة - وكان من المعتقد على نطاق واسع أنها كانت إما تعبيراً عن عواطف المرء أو الموافقة على شيء عاطفياً. وفي كلتا الحالتين، كانوا يفتقرون إلى نوع من اليقين وإثبات أن العلم يتطور في تقديمه وصفا  للعالم المادي.

من المهم دائماً التمييز في الفلسفة الأخلاقية بين الوقائع والقيم. الفلسفة السياسية مهتمة بشكل خاص بالقيم. وخلال تلك الفترة، كانت النظرية الأخلاقية للنفعية (الحكم على الأعمال وفقاً لما تقدمه وفيما لو كانت قد قدمت أكبر فائدة للعدد الأكبر) تميل إلى السيطرة على التفكير السياسي.

وبالتالي، يمكن الحكم على النظام السياسي وفقاً لما يقدمه وفيما لو كان يقدم منافع للناس أم لا - وهو أمر يمكن أن تتوفر بخصوصه أدلة قوي ويمكن إثباته من خلال الإحصائيات. لكن النفعية لها حدودها كما أشار إليها جون راولز في عام 1971. واقترحت "تجربته الفكرية" أن يتمكن الناس من وضع قواعد عقلانية ومنطقية لتوزيع الموارد. أثار هذا مجموعة من المناقشات وكشف عن المشكلة التي تستند إلى النفعية، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن حماية الأقليات من قوة الأغلبيات.

لكن تبقى هناك ثمة أسئلة أساسية:

- كيف تعرف ما هو الصواب؟

- على أي أساس يمكنك أن تقرر أفضل طريقة لتسيير الحياة السياسية؟

- كيف يمكنك تبرير أو انتقاد نظام سياسي بشكل فعال؟

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

ظهرت التفكيكية على يد جاك دريدا في ثلاثة كتب، وقد بدا دريدا نظريته بنقد الفكر البنيوي الذي كان سائدا انذاك بإنكاره قدرتنا على الوصول بالطرق التقليدية على حل مشكلة الإحالة، أي قدرة اللفظ على إحالتنا إلى شئ ما خارجه، فهو ينكر أن اللغة منزل الوجود ويعني بذلك القدرة على سد الفجوة ما بين الثقافة التي صنعها الإنسان والطبيعة التي صنعها الله تعالى. وما جهود فلاسفة الغرب جميعا الذين حاولوا إرساء مذاهب على بعض الحقائق البدهية الموجودة خارج اللغة إلا محاولات بائسة. وقد وصف دريدا مواصلة هذا الطريق بأنها عبث لا طائل من ورائه .

فالتفكيكية هي الة نقدية ووسيلة منهجية تنكر قدرة اللغة على أن تحيلنا إلى شيء أو إلى ظاهرة إحالة موثوقا بها .

واهم مميزات المنهج التفكيكي هي تمكين الباحث من الاندماج والتعمق في النص. كما يساعد في النظر على البحث عن اجابات لأسئلة القارئ واظهار المضامين والمعاني والمقاصد الغائبة .

وتعد مقولة الاختلاف إحدى المرتكزات الأساسية للمنهجية التفكيكية، واستنادا لكشف الدلالة المعجمية، التي تتألف من فعل أو مصدر يدل على عدم تشابه والمغايرة والاختلاف في الشكل وتعني التشتت والغياب، فدريدا يرى أن الخطاب الأدبي يكون تيارا غير متناه من الدلالات وتوالد المعاني، لا تعرف الاستقرار والثبات فإنها تبقى مؤجلة ضمن نظام "الاختلاف" .

إن القراءة التفكيكية ليست هي التي تقول ما أراد القول قوله، بل تقل ما لم يقله القول، فالقراءة بهذا المعنى تتيح تجدد القول، أي قراءة ما لم يقرا، وهذا معنى قول التفكيكيين ان النص ينطوي على فراغات، لأن النص في حقيقته كون من المتاهات وهكذا يبني النص على الغياب والنسيان ... هو غياب الجسد والدال والحجب هناك يلجا إليه المؤلف عمدا، لسبب من الاسباب ولكنه ايضا حجب يتم دون قصد المؤلف، بسبب مضامين ايديولوجية تتسرب إلى النص، ويقتصر تأثيرها على تغليف الحقيقة بقشرة خارجية .

وبهذا فالتفكيكية تاخذ على عاتقها قراءة مزدوجة، فهي تصف الطرق التي تضع بواسطتها المقولات التي تقوم عليها افكار النص المحلل، تضعها موضع تساؤل، وتستخدم نظام الأفكار التي يسعى النص في نطاقها بالاختلافات وبقية المركبات لتضع اتساق ذلك النظام موضع التساؤل.

وبهذا نصل الى ان التفكيكية منهاج نقدي وأدبي ومذهب فلسفي معاصر، ينحو إلى القول باستحالة الوصول إلى فهم متكامل، أو على الأقل متماسك للنص أيا كان، فعملية القراءة والتفسير هي عملية اصطناعية محضة يؤديها ويقوم بها القارئ الذي يقوم بالتفسير، وبناء على ذلك يستحيل وجود رسالة واحدة.

ورغم هذه الخصائص التي تتصف بها النظرية فإن دريدا يصر على عدم ارتباط مشروعه بالعدمية بل يرى أن قراءته التفكيكية قراءة مزدوجة تسعى إلى دراسة النص دراسة تقليدية لإثبات معانيه الصريحة ثم تسعى إلى تقويض ما تصل إليه من معان في قراءة معاكسة تعتمد على ما ينطوي عليه النص من معان تتناقض مع ما يصرح به، أي أنها تهدف إلى إيجاد شرخ بين ما يصرح به النص وما يخفيه. وبهذا تقلب القراءة التفكيكية كل ما كان سائدا في الفلسفة الماورائية .

 

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

رئيس قسم الفلسفة / كلية الاداب/ جامعة الموصل/ العراق

 

علي رسول الربيعيسنتطرق في هذه المقدمة الى:

الأسئلة التي تتناولها الفلسفة السياسية

- لماذا الفلسفة السياسية تدور حول  القيم وليس الأوصاف

- كيف تطورت الأفكار السياسية تاريخياً

- ما هي القضايا التي تغطيها الفلسفة السياسية

ما هي الفلسفة السياسية؟

- كيف تسهم السياسة في رفاهية البشرية ؟

- ما هي الحياة الصالحة، وكيف يتم تحقيقها؟

- ما هي المبادئ والقيم التي ينبغي استخدامها لتشكيل المؤسسات السياسية والحكم عليها؟

- أي نوع من المجتمع سيسمح لمواطنيه بالازدهار على أفضل وجه؟

- ماذا نعني حقاً بالمساواة والعدالة والحرية وما إلى ذلك؟

- هل من الصواب أن نذهب إلى الحرب، أم أن نتمرد ضد الحكومة؟

- ما هي المسئولية التي يجب أن تتحملها الحكومات للتعامل مع القضايا العالمية للإرهاب أو البيئة؟

تهتم الفلسفة السياسية بكل هذه الأسئلة وغيرها. إنها تتعلق بالحكومة ذات الكفاءة والفاعلية، وماذا تنطوي عليه رؤية هذه الحكومة وما تتضمنه، وكيف يتم تنظيمها وتسييرها وكيفية إحرازها لأي تقدم في مساراتها. إنها تتعلق بالمبادئ التي تساعدنا على تقرير ما إذا كانت هناك حكومة بعينها يمكن الحكم عليها بأنها جيدة أو سيئة؟ وبالطبع يتطلب ذلك فحص المبادئ الأساسية للحكومة - لماذا نحتاجها ، وما هي أهدافها، وكيف يتم تنظيمها، وكيف يمكن إصلاحها أو استبدالها، إذا حدث خطأ ما.

يمكن النظر إلى الفلسفة السياسية على أنها فرع من الأخلاقيات، أو من الفلسفة الأخلاقية. تنظر الأخلاق إلى جميع قضايا الصواب والخطأ من خلال الطريقة التي يتعامل بها الناس مع بعضهم البعض، بينما تقتصر الفلسفة السياسية نفسها على القضايا المتعلقة بحياتنا الجماعية أو السياسية. إنها أخلاقيات التنظيم الاجتماعي، تطبق عبر المجتمع  وليس بين الأفراد. لذلك، عن سبيل المثال، تُستخدم النفعية كنظرية أخلاقية (تسعى للحصول على ما يبدو في تقدم أكبر فائدة للعدد الأكبر) عند تطبيقها على المجتمع ككل، لتبرير الديمقراطية، التي تهدف إلى أخذ تفضيلات جميع المواطنين بعين الاعتبار من خلال العملية الديمقراطية.

جزء من مهمة الفلسفة السياسية هو تحديد ما إذا كانت هناك معايير موضوعية تفصل ما بين الصحيح والخطأ. هل يعتمد كل شيء على رغبات الناس، أم أن هناك مبادئ منطقية قابلة للتطبيق عالمياً لتنظيم الحكم الرشيد؟

من المهم إيجاد توازن بين المسؤولية الأخلاقية للأفراد والمجتمع. هل يخلق الناس الطيبون مجتمعاً جيداَ، أم أن مجتمعاً جيداً يجعل كل من فيه فرداً صالحاً؟ الوقوف على هذا السؤال سيحدد كيف نرى دور السياسة.

 فكما تتطلب منا الأخلاق تقديم تبرير عقلاني لأفعالنا، فإن فلسفة السياسة تتفحص التبرير للمؤسسات السياسية والإيديولوجيات. هل الديمقراطية عادلة للجميع؟ هل هناك حالة تكون فيها الديكتاتورية جيدة؟ كما أنها تفحص الأفكار والمفاهيم الرئيسية مثل، الإنصاف، العدالة، حقوق الأفراد أو المجتمعات، لمعرفة كيف ترتبط هذه المفاهيم ببعضها البعض، وكيف يمكن تحقيق ما توصف به هذه المفاهيم.

هل سيكون من العدل أن يحصل كل فرد في المجتمع على حصة متساوية من السلع والخدمات، بغض النظر عما يساهم به عن طريق العمل؟ أم هل سيكون الأمر أكثر إنصافاً إذا سمح للجميع بالربح والاحتفاظ به بقدر الإمكان؟ وهل ينبغي اتخاذ قرارات مهمة من قبل الجميع، أم فقط من جانب أولئك الذين تؤهلهم خبرتهم ومعرفتهم إلى اتخاذ القرار؟ هذه أسئلة أساسية ليس حول كيفية عمل المجتمع فعلياً، ولكن حول الكيفية التي يجب أن يُنظم بها المجتمع ويعمل. بعبارات أخرى مختصرة للتعبير عن هذا يمكن القول بأن الفلسفة السياسية معيارية بطبيعتها. مثلما قد تكون الأخلاقيات وصفية (هذا ما يفعله الناس) أو معيارية (هذا ما يجب عليهم فعله)، كذلك فإن السياسة وعلم الاجتماع والاقتصاد وصفية (هذا هو الأسلوب الذي يعمل به النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي) في حين أن الفلسفة السياسية هي معيارية (هذا ما يقرر أو يشكّل العدالة والانصاف لمجتمع عادل أو جعل المجتمع حر).

من المهم اعتبار تقدير الفلسفة السياسية بأنه أمر لا يتعلق بوصف المجتمعات أو المؤسسات السياسية الفعلية، فذلك يقع في حيز الدراسات السياسة. كما أنها لا تبحث في الطريقة التي تطورت بها الدول والإمبراطوريات وانتشرت على مستوى العالم، أي دراسة الجغرافيا السياسية (على الرغم من أن المعرفة بالسياسة والجغرافيا السياسية مفيدة لأي شخص مهتم بالفلسفة السياسية)، وأيضاً أنها ليست دراسة تأثير التمويل والتجارة والأسواق في تشكيل المجتمع، فهذا هو الاقتصاد. وبدلاً عن كل ذلك، تهتم الفلسفة السياسية بالتبرير العقلاني والمعياري للكيانات السياسية.

يمكن أن تكون السياسة بحد ذاتها ممارسةً عمليةً ميكانيكيةً - حيث تقوم بفرز أفضل الطرق لتقديم الفوائد المتفق عليها. ومع ذلك، إذا كان الأمر كذلك، فستكون هناك بعض القضايا السياسية التي سيتم مناقشتها - وسيتم الحكم على كل شكل من أشكال الحكم ببساطة على أساس الأداء الفعال. لكن الحياة ليست بهذه السهولة. يختلف الناس حول المبادئ التي يجب أن تدير أو تسيّر المجتمع - وهذه الخلافات حول المبادئ هي التي تشكل أساس الفلسفة السياسية. "وحتى عندما يتم الاتفاق على الغايات، تبقى الأسئلة المتعلقة بالوسائل، وهذه لاتُعد سياسة بل مسألة تقنية ... النظرية السياسية هي فرع من الفلسفة الأخلاقية، والتي تبدأ من اكتشاف، أو تطبيق المفاهيم الأخلاقية في مجال العلاقات السياسية".

Isaiah Berlin ‘Two concept of Liberty 'a lecture given in Oxford 1958

بعبارة أخرى، تتعلق الفلسفة السياسية بالغايات التي تسعى الى انجازها من خلال السياسة. فبمجرد الاتفاق على الغايات، تكون السياسة والاقتصاد هي التخصصات التي بأدائها تُنجز الغايات. بطبيعة الحال، تميل النظم السياسية والاقتصادية إلى تحقيق أهدافها أو غاياتها الخاصة، ولكن يتم فحص هذه الأنظمة في إطار الفلسفة السياسية.

إن السؤال الأساسي هنا هو: هل هناك مبادئ مطلقة يجب تطبيقها على كل المجتمعات، أم يجب الحكم على كل نظام سياسي في ضوء الظروف الخاصة به، وتاريخ وثقافة تلك الأمة أو/ و تلك الحقبة المعينة؟

لا تُـكتب الفلسفة من فراغ أبداً. إنها تتلون دائماً بالافتراضات والأفكار العامة في عصرها على الرغم من طرح أفضل الفلاسفة أسئلة جذرية يتحدّون فيها تلك الافتراضات. فعلى سبيل المثال، عندما ننظر إلى عمل أفلاطون أو أرسطو، نعلم أنهم يكتبون على خلفية سياسات أيامهم. فعندما يتحدثون عن الديمقراطية - على سبيل المثال - لا يشيرون إلى الديمقراطية التمثيلية المعاصرة، بل إلى النظام الحكومي المباشر حيث اتخذ عدد صغير نسبياً من الأشخاص من ذوي الامتيازات قرارات حول كيفية حكم الدولة (أو Polis). لذلك تستفيد الفلسفة السياسية من رؤيتها في السياق ربما أكثر من أي فرع آخر للفلسفة. لذا سنبدأ بمراجعة تاريخية موجزة. 

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

علي رسول الربيعييبدو لي أنه لا يوجد شيء مباشر وملائم أكثر من السؤال ما هي الحياة الجيدة المزدهرة الخيرة، وكيف يمكن تحقيقها؟ وسواء كنا نولي اهتماما مباشرا بالسياسات التي تمارسها الدولة التي نقيم فيها أم لا، فأنه لا يمكننا أن نتجنب الرضوخ الى قوانينها والى وتقاليد وقيم المجتمع الذي نعيش فيه، ولا يمكن للحياة الجيدة الخيرة الصالحة المزدهرة (مهما كن نعني بذلك) عمليا أن تتتحقق بمعزل عن الآخرين. وبالتالي، سيكون من المفيد دائمًا التوقف والتأمل في القيم التي نعتقد بها ونوع المجتمع وتنظيمه الذي نرغب في العيش فيه، وهذا حتى بالنسبة لأولئك المتشككين في العملية السياسية أو أستقامة السياسيين،. آمل أن تشجع القارى هذه المقدمات التي تحاول تغطية مجموعة واسعة من الموضوعات في هذا المالكان القصير والمحدود على استكشاف هذه الأمور بشكل أكبر والتفكير في جميع القضايا المهمة حول الحرية الفردية والعدالة والمساواة واستعمال السلطة والحرب وحقوق الإنسان وهلم جرا - التي تشكل أساس النقاش السياسي.

تهتم الفلسفة السياسية بالمبادئ والقيم الأساسية التي ترتكز عليها الحياة السياسية. وتسأل "ما هي أفضل طريقة لتنظيم المجتمع من أجل السماح لجميع مواطنيها التمتع بالحياة الصالحة أو الجيدة؟" إنها تهدف إلى محاولة الموازنة بين الرغبة في الحرية مقابل الحاجة إلى العدالة، أو حق الفرد في تحسين موقعه وحياته اقتصاديًا مقابل الرغبة في الإنصاف والاهتمام بالجماعات الفقيرة في المجتمع. لو فتحنا أي صحيفة يوميه فأننا ستواجه قضايا عديدة تتطلب الحكم عليها بالصواب أوالخطأ، وكذلك حول ما إذا كان القانون عادلًا، أو ما يجب فعله تجاه أولئك الذين ينتهكونه. وهناك، ايضا، حسابات تتعلق بالحرب والمعاناة التي تسببها، مما يؤدي إلى تساؤلات حول ما إذا كان من الصواب على الإطلاق الذهاب إلى الحرب، أو ماذا ينبغي القيام به لتقليل معاناة عامة الناس. ثم أننا جميعا نفترض أنه يجب أن نكون قادرين على القيام بحياتنا العادية دون خوف من هجوم إرهابي، أو اعتقال تعسفي، أو استغلال من قبل نخبة حاكمة. ونحن نفعل ذلك لأن لدينا شعورًا أساسيًا بالعدالة والعدالة والحرية.

 واجه الفلاسفة منذ أفلاطون فلاحقا، أسئلة حول العدالة والمساواة، حول القيم التي تجعل من المجتمع مستقراً مزدهرا، وعن كيفية مشاركة الناس في حكم المجتمع الذي يقيمون بين ظهرانيه. كيف يمكن أن يتم هذا بأفضل وجه؟ أي نوع من الحكومة يرجح أن توفر ما نحتاجه ونريده؟ تشكل هذه الأسئلة أساس الفلسفة السياسية.

ليست الفلسفة السياسية هي السياسة نفسها. تدور السياسة حول المشكلات اليومية الظرفية التي تتعلق في إدارة الدولة، فياتي وجود السياسة من حاجة الناس إلى تنظيم أنفسهم ومن أجل تحقيق أهداف أساسية معينة، بينما مصطلحات عامة جدا ومجردة مثل الحرية والعدالة هي المفاهيم الأساسية للفلسفة السياسية.

هذا لا يعني أن الفلسفة السياسية تقيم في برج عاجي، فيمكنك، فيمكنك من خالا الأستماع إلى أي نقاش بين السياسيين سوف تلاحظ يقولون إن سياستهم بالذات هي الأفضل في تحقيق الحرية أو العدالة. بعبارة أخرى، لا يمكن تبرير وجهات النظر والإجراءات السياسية إلا بالإشارة إلى المبادئ الأساسية للفلسفة السياسية.

الفلسفة السياسية في الأساس هي فرع من الأخلاق، أيً دراسة كيفية تصرف الناس أخلاقيا. نحن نعرف عموما ما نعنيه عندما نقول أن شخصًا صالحًا أخلاقًا. نفترض أن الناس الأخلاقيين سيكونون مبدئين في حياتهم الشخصية وفي تعاملهم مع الآخرين. لكن ما الذي يعادل الشخص الصالح الأخلاقي عندما يتعلق الأمر بالطريقة التي تتصرف بها الأمم؟

هناك أيضا نقاش حول مقدار ما يجب أن تفعله الحكومة. يزعم البعض أن على الحكومة أن تترك الفرد حرًا لتنظيم حياته الخاصة. ويعتقد آخرون من أجل العدالة على الدولة أن تقوم باكثر من هذا. إذن، المناقشة الأساسية هي حول ما يجب أن تقدمه الحكومة. ولكن هناك قضية أخرى مهمة ايضا يجب حلها وهي: كم او الى أيً حد نريد أن نشترك في القرارات التي يتخذها أولئك الذين يحكموننا؟

يوافق الجميع تقريباً أن الديمقراطية هي المثل الأعلى. ففي ظل نظام ديمقراطي لدىً كل شخص فرصة للتصويت، وبالتالي التأثير على قرارات الحكومة. لكن أن تصوت في الانتخابات مرة واحدة كل أربع سنوات أو نحو ذلك وضع غير كافي فالمطلوب أن يكون لديك القدرة على التأثير في القرارات السياسية بشكل أكثر مباشرة. وعليه هل ينبغي أن يكون هناك المزيد من المساءلة المباشرة والمنتظمة من جانب الأشخاص لأعضاء الحكومة الذين انتخبوهم في السلطة؟

تزودنا هذه الأسئلة الآن بجدول أعمال عام للفلسفة السياسية:

نحن بحاجة إلى تحديد ما نعنيه بالحياة الخيرة الصالحة والأنظمة السياسية التي يمكن أن تساعدنا في تحقيقها. هل الحكم الاستبدادي أكثر فعالية؟ هل الديمقراطية هي الطريقة الوحيدة لتحقيق السيطرة على إساءة استخدام السلطة من قبل الحكومات؟ هل يتم تحقيق المساواة بشكل أفضل من خلال شكل من أشكال الاشتراكية؟

علينا أن نفكر في كيفية تحقيق التوازن بين الحرية والإنصاف. وبعبارة أخرى، قد يكون من الممكن إنشاء مجتمع عادل، ولكن ذلك يأتي فقط من خلال ضمان أن يحافظ الجميع على قواعد صارمة في حدود ضيقة. من ناحية أخرى، إذا كانت الحرية ذات أهمية قصوى، فعلينا أن تقبل أن يكون هناك فائزين وكذلك خاسرين.

قامت الشيوعية بطرق عديدة للتضييق على الحرية الشخصية في معظم القرن العشرين. وكانت الزراعة الجماعية، ومنع المشاريع الخاصة، وما إلى ذلك، كلها سمات أساسية للفلسفة السياسية الشيوعية. من ناحية أخرى، جلبت الديمقراطية والاقتصاد الليبراليان، اللذان انتصرتا على الدول الاجتماعية بحلول نهاية القرن العشرين، تفاوتًا هائلاً في الثروة بين المواطنين، وجعلت الجميع عرضة للأزمات المالية والاقتصادية العالمية. لذا فإن تحقيق التوازن الصحيح بين الحرية والعدل أمر أساسي. وكذلك من المهم جداً معرفة كيفية الحكم على شرعية وفعالية الحكومات.

الواقع والقيمة

يبدأ النقاش في السياسة عمومًا بالوقائع أوالحقائق ولكن ينتقل بسرعة إلى النظر في القيم. قد تكون الوقائع المعنية مدرجة في كتب العلوم السياسية أو علم الاجتماع أو الاقتصاد. كل هذه الموضوعات تدور حول كيف يكون العالم السياسي. لكن في مناقشة حول السياسة، من المرجح أن يتم سؤالك عما إذا كنت تعتقد أنه من الصواب أن يكون الأمر كذلك. هل من الصواب، مثلا، أن تحدد تريزا ماي (رئيسة الوزراء البريطانية) موعدا لإجراء انتخابات عامة تناسب حزبها أو مصلحتها الشخصية؟ هل من الصواب أن نقبل خطتها للخروج من الأتحاد الأوربي؟ لا يمكن الإجابة عن أسئلة كهذه من خلال الأستماع أو سرد الوقائع فقط. نحن نعرف ما هي القضية، ولكننا نحتاج لمناقشة ما يجب أن يكون عليه الحال!

بمجرد أن تبدأ في هذا الطريق تواجهك الأسئلة عن القواعد والقيم التي يمكن الحكم على السياسة من خلالها. يتطلب منك هذا النهج التعامل مع الأسئلة الأساسية حول القيمة والهدف. وهنا عليك أن تسأل ما هي الحكومة أو ما الغرض منها، وما إذا كنا بحاجة إلى المزيد من حكومات بدور أكثري أو اقلي. إن طرحك لمثل هذه الأسئلة فأنك تكون قد دخلت في حقل الفلسفة السياسية. وهكذا فأن القيم الأخلاقية والأفكار الأساسية حول كيفية إدارة المجتمع تشكل أساس النقاش السياسي والحكومة. أما الفلسفة السياسية فهي الأداة الرئيسية لتشكيل تلك الأفكار والقيم السياسية. 

التعلم من الماضي

في هذه المقدمات، سننظر إلى المفكرين والأنظمة السياسية الماضية. ماذا قال أفلاطون أو أرسطو عن الأشكال المختلفة للحياة السياسية في اليونان القديمة، حول ما نعنيه بالعدالة، وحول من هو الأنسب للحكم؟ كيف اعتقد هوبز أنه يمكن تأسيس حكومة مستقرة وقوية؟ كان أهتمام الفلسفة السياسية في اوربا في اللقرنين السابع عشر والثامن عشر يدور حول كيف يجب أن يكون الناس ممثلين إلى حد ما في الحكومة، وهو تطور قدم أسس الديمقراطية الحديثة. ثم حول تأثير الاقتصاد والسوق الحرة كما في اراء آدم سميث، أو في وقت لاحق النظريات حول الأساس الاقتصادي للتغيير الاجتماعي التي طورها كارل ماركس. يمكننا، بالطبع، تقدير أعمال هؤلاء المفكرين من خلال النظر إلى السياق الذي فكروا فيه، لكنها بالتأكيد ذات صلة بالأسئلة المتعلقة بالسياسة اليوم.

اعتقد ميكيافيلي، على سبيل المثال، أن أولى واجبات واهتمامات أي حكومة يجب أن يكون الأمن والاستقرار. وعليه كان مستعد لمنح المزيد من الصلاحيات للحاكم، ومستعد للتنازل عن الحرية والحقوق إذا لزم الأمر من أجل الحفاظ على الأمن القومي. واليوم ما زلنا نناقش حقوق وأخطاء هذا النهج. استكشف جون لوك فصل القانون عن الحكومة، ولا يزال عمله صالحًا حتى اليوم عندما توجد شكاوى من أن الحكومة تمارس ضغوطًا على السلطة القضائية. لذا عندما نمارس الفلسفة السياسية نحتاج أن ننتقل ذهابا وإيابا بين أعمال المفكرين العظام وعالمنا الحالي ومعضلاته السياسية.

الأمم، الدول، أم ماذا؟

عند التفكير في شكل مثالي من أشكال الحكومة نميل إلى التركيز على الدولة/ الأمة أو الدولة القومية، ولكن من الجدير التوقف للتفكير في مدى سلاسة هذا المفهوم. لقد تم إنشاء الدول بشكل مصطنع مثل ألمانيا التي تكونت من تحالف دول أصغر، وقد تنفصل الدول التي تشكلت مرة أخرى كما في السودان ويوغسلافيا. إن الدول، كما نفكر بها الآن، هي إبداعات بشرية، وليست مجرد قطع من الأرض. إنها تنشأ وتتغير. تميل الدول إلى فرض السيادة داخل حدودها، ويعتبر التدخل فيها أمر خطير. لكننا نحتاج أيضًا إلى التفكير فيما إذا كانت الدولة لا تزال هي أنسب وسيلة للحكم. أننا نعيش في عالم تتنافس فيه دوائر تأثير عديدة مثل الأمم المتحدة والأتحاد الأوربي وتجمعات اخرى وهلم جرا. وتزدادت المناقشات بين الأمم حول المشكلات العالمية أو التي نتجت عن العولمة، ولكن اين يكون موقع السلطة في هذا الحال؟

 

الاقتصاد والايديولوجية

يرتبط الاقتصاد والسياسة ارتباطا وثيقا. لنأخذ مثلا أسباب أزمة الائتمان العالمية والركود الذي بدأ في عام 2008 حيث تم الافتراض أن الناس يريدون امتلاك منازلهم، وبالتالي فإنه من الجيد أن نقدم لهم قروضاً عقارية، فتم تشجيع الناس على الاقتراض أكثر مما يستطيعون تحمله، وتم تقاسم المخاطر التي ينطوي عليها إقراض هذه الأموال بين المؤسسات المالية. فقد تعرض بنك الاستثمار الأمريكي ليمان براذرز الى الانهيار وسقوط في الإفلاس في 2008 مما هدد بوقوع انفجار كارثة أزمة اقتصادية عالمية هزت اركان النظام المالي الغربي وزاد القلق من قدرة البنوك في توفير السيولة اللازمة لدفع التزاماتها مما ادى الى تدمير الثقة في النظام المالي برمته. وادى الى ازمة في السياسة الأقتصادية حيث كان الضغط السياسي قويا لأنقاذ البنوك من قبل الحكومات. ونتذكر كيف حصل انهيار الأسواق المالية بعد انهيار البنك ليمان براذرز، لأنها لم تثق بعد في قدرة الدولة على إنقاذها. وفي تلك الأوضاع لم يكن أصحاب السندات وحدهم ضحية الإفلاس فالمستأجرون والمدخرون ما زالوا يدفعوا التكلفة ويشكون من ارتفاع قيمة الإيجار، وقلة حصول الإدخارات المالية على فوائد وبالتالي وجب على المدخرين توفير المزيد من المال حتى يتمكنوا من تأمين تقاعدهم من الناحية المالية. وعندها اندلعت المشاكل، ومع عدم القدرة على سداد قروض المنازل، ومن ثم عدم الرغبة في إقراض المال من قبل البنوك، بالأضافة الى ماتبع ذلك من فشل الأعمال التجارية، كل ذلك جعل الحال أسوأ حيث أصبح المستهلكين مترددين في الإنفاق على السلع في وقت ساد فيه الخوف والأنكماش في الأسواق. فماحصل فعلا هو أن شعر الجميع بحالة من الفشل، وكان لهذا أتعكاسات قوية برزت جليًة في النجاحات الأنتخابية للأحزاب الشعبوية اليمينية.

وما حدث بعد ذلك هو أن وجد العالم نفسه أنه يحتاج إلى تدابير سياسية وكذلك اقتصادية للمساعدة في تحسين الأوضاع الأقتصادية العامة. وبدأ القيام ببعض التدابير في أنفاق الأموال العامة على دعم المنظمات الأقتصادية أو الشركات التي يُنظر إلى فشلها على أنه يحمل عواقب اجتماعية وسياسية غير مقبولة. في هذه الظروف، بدأ الناس بالسؤال: هل يمكننا أن نفعل الأشياء بشكل مختلف؟ هل أولوياتنا هي الصحيحة؟ هل هذه السياسة مستدامة أم هل لها عواقب طويلة الأجل على البلد أو العالم؟ لذلك تم طرح الأسئلة الأساسية لما بدأ انه نتيجة لسياسة اقتصادية تم ممارستها.

عدالة وأنصاف

كانت هناك محاولات عديدة لتحديد ما نعنيه بالعدالة وكيف يمكن تطبيقها على المجتمع. طرح جون راولز فكرة العدالة على أنها أنصاف في كتابيه "نظرية العدل" و " العدالة كأنصاف"، وقدم "تجربة فكرية" يتقابل فيها مجموعة من الناس سوية لتقرير كيفية تقسيم الموارد بينهم في وضع لا أحد منهم يعرف ما إذا كانوا فقراء أو أغنياء. فيسعى الناس في مثل هذه الظروف، كما يرى راولز، دائمًا لمساعدة أفقر الناس، لأنهم قد يكونون هم فقراء. أثارت هذه الحجة نقاشا كبيرا ، لأسباب ليس أقلها أنه في الممارسة لا يستطيع الناس أبدا أن ينسوا من هم. وهذا ما طرح تساؤلات جوهرية، اذ بدا من الواضح أن هناك وجهات نظر عميقة حول ما هو عادل. قد لا يبحث الناس عن المساواة المطلقة ولكن لديهم إحساس قوي بالعدالة. إذا كنت تتفق مع راولز، فإن أي اختلاف في الطريقة التي يعامل بها الناس يجب أن يكون لصالح الأقل حظا أو الفقراء. لكن يبدو في الممارسة العملية أن العكس هو الحال في كثير من الأحيان. إن تحقيق الإنصاف ينطوي عموما على تمرير القوانين ولكن بأي سلطة يحق للدولة تمرير القوانين وفرضها عليك؟ هناك إجابة واحدة هي أنك لاتملك الاختيار سواء كنت مولودًا في بلد ما أو تختار الانتقال إلى بلد أخر، ففي كل الأحوال تقبل تلقائيًا النظام السياسي والاجتماعي الموجود. يمكنك أن تسعى لإصلاحه بالطبع، لكن هذه مسألة أخرى. هل تثق بالحكام، وإذا لا تثق فهل لك الحق في استبدالهم؟ في نظام ديمقراطي يمكن للناس تغيير الحكومة المنتخبة واستبدالها بأخرى عبر صندوق الاقتراع. ورغم أن هذا لا يمنع الحكومات من التلاعب في العملية الانتخابية من أجل تحسين فرصها في إعادة الانتخاب ، ولا يضمن تصويت الجميع بالتساوي، لكن على الأقل هناك بعض مظاهر المساءلة.

المفكرون العمليون

لقد لعب العديد من الفلاسفة دورًا نشطًا في السياسة، حيث قاموا بحملة أحتجاج واتخذوا مواقف من قضايا اجتماعية وسياسية عديدة. فمثلا خرج جان بول سارتر إلى شوارع باريس مع الطلاب المحتجين في عام 1968، ومن بين المثقفين الفرنسيين المعاصرين واصل آلان باديو القيام بحملة نيابة عن أولئك الذين يعملون في فرنسا بلا أوراق أقامة رسمية، أيً بدون تصاريح قانونية. كذلك شارك برتراند راسل بشكل خاص في الأحتجاجات التي تطالب في نزع السلاح النووي، ودعم جون ستيوارت ميل الحملة السياسية من أجل حقوق المرأة ، وفي وقت سابق أثر روسو في الثورة الفرنسية وجون لوك في صوغ الدستور الأمريكي. وبالعودة إلى سقراط، نجد أن الفلاسفة طالما قاموا بدور نشط في تحدي المؤسسات القائمة.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

علي رسول الربيعييرى هابرماس أنه في ضوء الانتقادات المعاصرة للفسلفة أو للابستيمولوجيا الأسسية يقع على الفلسفة مهمة أن تجد الفلسفة دوراً ووظيفة جديدةً لها. ولتوضيح المعنى المقصود بالفلسفة وألابستيمولوجيا الأسسية فيمكن القول إنها عموماً تيار العقلانية الفلسفية الذي يمتد ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر. وما هو مشترك بين هذا التيار هو تأكيد قدرة الانسان على كشف الحقيقة وبلوغ لعمق الدلالة انطلاقاً من قدراته العقلية الذاتية ويكفي استحضار اليقظة الذهنية حتى يتم الكشف عن كل الدلالات النصية والوجودية والمعرفية. وهناك العديد من التيارات الفلسفية مثل التأويلية ومابعد البنيوية، بالإضافة إلى المقاربات الحديثة لتاريخ العلوم، التي تشارك في نقد الفلسفة الأسسية. ويعد الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي في كتابه "الفلسفة ومرآة الطبيعة" واحد من أكثر الذين وجّهوا انتقادات قوية الى فكرة أن يكون هناك ثمة أساس نهائي لتبرير فلسفي للعقل مستقلٌ عن أحداث التاريخ والثقافة. فترفض اللاأسسية العقلانية المستقلة التي تميز فلسفة الوعي كماهي ممثلة في ديكارت وكانط. فالذوات لاتشكل العالم ولكن بالأحرى أنها تتجسد داخل سياق عالم لغوي خاص.

 يرفض هابرماس الأسسية أيضاً ومعها أي أمكانية لمفهوم العقل المجرد. ويقول في الخطاب الفلسفي للحداثة "ليس هناك عقل مجرد يمكن أن يرتدي اللغة لاحقاً". وعلى كل حال فإن دفاع هابرماس عن مكانة العقل لايجعله يصل في نقده للأسسية الى حد تأييد اعتراض رورتي على المشروع الفلسفي برمته.

يرى هابرماس أنه يجب على الفلسفة أن تتقبل أنها لم تعد قادرة على لعب الدور الذي كان يأمل كانط أن تقوم به، وهو توضيح "أسس العلوم لمرة واحدة وإلى الأبد، وتحديد حدود ما يمكن وما لا يمكن تجربته". ويؤكد أيضاً على أن هذه المحاولة للفلسفة لإرشاد العلوم إلى مكانها الصحيح لم تعد مقبولة. والشئ نفسه يمكن أن يقال عن دور الفلسفة بوصفها أحكاما على جميع المسائل الثقافية مثل التفريق بين مجالات قيم العلوم والأخلاق والفن، وكذلك مطالبتها الضمنية بإضفاء الشرعية على هذه المجالات داخل الحدود الخاصة بكل منها. فمثل هذه المهمة لايمكن للفلسفة أن تقوم بها أو تحققها. والسبب في ذلك هو أن هذه البنى العقلانية لا تحتاج إلى أساس أو تبرير في السياقات الحديثة، ولأنها هي مايميز الحداثة نفسها. فمهمة إعطاء تسويغ فلسفي لمجالات القيم المتمايزة والمختلفة هي بكل بساطة زائدة ولا حاجة لها.

 وعلى الرغم من أن الفلسفة لم يعد بإمكانها المطالبة بدور الفاتح لأبواب العلوم والحاكم عليها ولكن يمكنها أن تبقى تطالب بوظيفة الحارس للعقلانية. وإذا كان لها أن تفعل ذلك، فعليها أن تقود مساراً بين التقليد المشكوك فيه والذي لم يعد موثوقاً فيه للفلسفة الأسسية من جهة، وبين الهروب إلى ذلك النقد الشامل ضد العقلانية من جهة أخرى. فيرى هابرماس أنه من أجل إعادة بناء العلوم يمكن للفلسفة أن تدخل في علاقة تعاونية مع مشاريع بحثية معينة في العلوم الإنسانية من خلال لعب دور الممثل لنظريات العلوم التجريبية في المطالبات القوية بالصلاحية الشاملة. وبعبارة أخرى، يمكن للفلسفة أن تقدم فرضيات إعادة بناءِ للعلوم الإنسانية يمكن استخدامها في البيئات التجريبية. وفي المقابل، قد يقدم البحث التجريبي تأكيداً غير مباشر لفرضية إعادة البناءهذه. أي يمكن للفلسفة أن تقدم فرضيات إعادة البناء التي تستخدم في الأطار التجريبي. وبالمقابل، قد يقدم البحث التجريبي تأكيدات غير مباشرة لإعادة بناء هذه الفرضيات. وسيتم استخدام الفرضيات في البحث التجريبي التي قد تسعى، على سبيل المثال، إلى شرح المعرفة البديهية للمواضيع المختص "القواعد العالمية الشاملة المفترضة للتجربة العقلانية وللحكم، بالإضافة إلى التواصل اللغوي". فيقع عمل هابرماس الفلسفي في سياق هذا التعاون من أجل اعادة بناء العلوم الإنسانية. 

يمكن للفلسفة أن تأخذ على عاتقها مهمة مساعدتنا في إيجاد توازن بين اللحظات المنفصلة من العقل في تواصل الحياة اليومية بعد أن لم تعد قادرة على وضع نفسها كحاكم على مجالات وفضاءات قيم الثقافة. فيمكنها أن تكون الوسيط المفسّر بين مجالات العلم والأخلاق والفن، في حين يتم احترام العقلانية الخاصة لكل مجال بحيث إنها لم تعد معزولة عن بعضها البعض. فرغم أن هذه المجالات متميزة عن بعضها من الناحية المفاهيمية لكنها تتداخل باستمرار. ولهذا السبب يرى هابرماس أن هناك ضرورة ملحة لنظرية عامة حول الفعل التواصلي يمكن أن تتعهد بمطالب الصحة والمشروعية  في كل من هذه المجالات، وتقوم في الوقت نفسه بدور المفسّر والمترجم نيابة عن عالم الحياة.

 يفهم هابرماس هذه الأدوار الجديدة للفلسفة باعتبارها سمة لنموذج تحول من فلسفة الوعي إلى فلسفة  الفهم البيذاتي المشترك. وسعت فلسفة الوعي لتأمين أسسها في موضوع وحيد، معزول، مستقل بذاته، منفصل بعقلانيته، وغير مجزأ، ومستقل عن كل طوارئ تاريخية واجتماعية. وعلى الرغم من أن هذه الأسس قد انهارت تحت أقدامنا، إلا أننا لا يجب أن نصل الى مرحلة الشلل الفلسفي والقبول  بمواقعنا العرضية والطارئة في سياقات تاريخية وثقافية حقيقية. يمكننا أن نتفادى مثل هذا الشلل برفضنا النظر الى العقل بوصفه عقل محض أو مجرد غير متجسد، والنظر اليه كما هو متعين تاريخياً في الممارسة التواصلية في الحياة اليومية.

إن مهمة مشروع هابرماس الفلسفي هي التوضيح والتفسير، مع الوعي بقابلية الخطأ، والافتراضات البراغماتية للعقلانية في السير اليومي للوصول إلى التفاهم، والافتراضات المسبقة التي تسلم بأنها عالمية وشاملة طالما أنها لا يمكن تجنبها. وإنه يسعى لتأكيد فرضياته بالتعاون مع النظريات التجريبية في كفاءتها الشاملة. وفي اطار هذا المشروع لايكون ذلك الشلل الفلسفي ولا الابتهاج بنقد الفلسفة اللا أسسية هي الاستجابة المناسبة لأنهيار الأسس النهائية لفلسفة الوعي. لا تقف وظيفة الفلسفة بوصفها حارس للعقلانية ولكنها تحولت أيضاً الى لعب دور التأقلم مع الجوانب العقلانية ومع المصير التأريخي للعقل الذي تم كبحه مرات ومرات وأسئ استخدامه وتشويهه آيديولوجياً، وواصلت رفع صوتها بعناد  ضد كل ما يحول دون فعل التواصل الناجح.

أن ما يمكن ماتدعيه النظرية الفلسفية، من منظور هابرماس، هو أنه يمكنها أن تقدم  نظرية اجتماعية نقدية وإعادة بناء الافتراضات العملية البرغماتية للمحاولات اليومية لاستخدام اللغة كوسيلة من وسائل تحقيق التفاهم المتبادل.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعي

 

الحديث عن الأدب الفلسفي يعني الحديث عن حقل من حقول الثقافة تجمع بين حقلين يكاد تواصلهما حاضرا ومؤثرا منذ زمن طويل، إلا إن المفهوم من المفاهيم المعاصرة، التي حاولت البحث عن حقل يجمع بين الأدب والفلسفة بنسب متفاوتة، إذ ارتبطت الفلسفة ومازالت ترتبط بمجالات فكريّة متعددة من ضمنها مجال الأدب.

على الرغم من الاختلاف الكبير بين المجالين من حيث اللغة والهدف ومجال الرؤى هناك سمات مشتركة تجمع بين هذين العالمين أهمها : أولا البحث عن الوجود وماهيته، والذات وسبر أغوارها، وثانيا في مدى ارتباطها بالكون وبأحداث عصرها المتغير.

على مستوى التعريف

1- كلمة الأدب عبارة عن كتابة ''إبداعيّة'' أو ''تخيليّة'' ومنها الكلام البليغ الذي يؤثر في نفوس القرّاء سواء كان شعراً أم نثراً، ولقد تطوّر هذا المفهوم على مر العصور واتّخذ العديد من المعاني حتى تكوّن بهذه الصياغة وهذا المعنى.

2- فيما مفهوم الفلسفة مصطلح الفلسفة هو مصطلح يونانيّ، إذ تعني الفلسفة حب الحكمة، وهي النظرة العقلانيّة والفكرة التجريديّة، والمنهجيّة في الواقع بشكلٍ عام، فضلاً عن الأبعاد الأساسيّة للوجود البشري والخبرة، وهي عنصر أساسيّ في التاريخ الفكري للكثير من الحضاراتكما أنها دراسة لفهم كيفيّة الوجود، ومعرفة ما هو حقيقي وصادق، وجميل، ويشار إلى اهتمامها بكيفيّة تواجد البشر لمعرفة الحقيقة والأمور الصحيحة. إذ يعد القلق الوجودي، جسراً رابطاً بين الأدب والفلسفة، وقد جعل من رابطتهما، أكثر ثراء وحيويّة، في سياق البحث والسؤال، على صعيد التخيل الجامح أو التأمل العميق الراسخ سواء في أعماق الذات الإنسانيّة أم الموجودات .وفي كل هذا يستعين بجماليّة الصور وبراعة الاستعارة بعيداً عن المباشرة في التناول .

3- فالأدب الفلسفي هو المنطقة الوسطى الجامعة بين مضامين فلسفيّة وأشكال تعبيرية تخيليّة شعراً أو نثراً . إن التكامل بين الأدب والفلسفة، يعد ظاهرة ملموسة في سياق ما هو منجز من الواقع الفلسفي، بوصفه علامة دالة على إنهما وجهان لعملة واحدة، مهما تباين الأفق بينهما ؛ إلا إنهما في تواصل وتكامل: توصيفاً، وتشخيصاً، ونقداً ؛ لما هو إنساني ثقافي على صعيد متخيل يأخذ بجماليّة المكان و المشاعر والعواطف الشفافة ؛ عميقةً برموزها واستعاراتها وتناصاتها التي تفتح أفقا كبيراً، للقراءة والتأويل لتكشف ما هو مسكوت عنه و إنه ليس منالممكن البوح فيه .

ويمكن دراسة العلاقة بين الأدب والفلسفة من خلال نظريّةالأجناسالأدبيّة إذ يعزى الاهتمام في استعمال مصطلح الجنس الأدبي في الدراسات الغربيّة الحديثة إلى ظهور أجناس جديدة من التأليف الأدبي في اللغات الأوربيّة، وذلك في بواكير النهضة الأوربيّة في القرن الثالث عشر الميلادي في ايطاليا،ليتوسع فيما بعد إلى نظريّة الأجناس الأدبيّة التي تترجم بالفرنسيّة genres liter Aires يقابلها في الانكليزيّة literary speiesثم عدلوا عنها إلى literary genres

ويعد نورثروب فراي التقسيم الثلاثي الذي وضعه القدامى (الملحمي والدرامي والغنائي) هو المنطلق لنظريّة الأجناس الأدبيّة، وهكذا أصبحت نظريّة الأجناس المكان الذي يتحدد فيه مجال الأدب وتعريفه.

وهذا يقودنا إلى مفهوم الجنس الأدبي بوصفه مجموعة من الخصائص التي تحكم الممارسة الإبداعيّة .

أما نشأة الجنس الأدبي فهي قضيّة قديمة حديثة، تبدأ بالحديث عنه بوصفه رغبة فرديّة، ناتجة بصفة أساسيّة عن رغبة اجتماعيّة. وقد ظل الجدل دائرا حول إمكانيّة تحديد ضوابط معينه يمكن أن تسجلها من خلالها إن مهمة تمييز خصوصيّة جنس أدبي معين من غيره عسيرة ولكن يمكن الوقوف على مرحلتين أساسيتين :

المرحلة القديمة : التي بلغت ذروتها بالكلاسيكيّة الجديدة التي دعت إلى فصل الأنواع الأدبيّة بعضها عن بعض، إذ ينكفئ كل نوع من ضمن أسوار مغلقه لا يتراسل فنياً مع غيره وهذا هو المذهب الشهير ب" نقاء النوع" .

المرحلة الوصفيّة: التي ظهرت حديثاً والتي تفترض بإمكانيّة المزج بين الأنواع لتوليد أنواع جديدة . وهي المرحلة التي تميّزت بها الكتابات الحديثة التي تعطي انفتاحاً للنوع الأدبي كي لا يبقى منغلقاً على نفسه، بل تنظر إليه بوصفه نظاماً منفتحاً قابلا للتجدد والتكيف مع المستجدات. ؛لذلك يمكن القول إن الجنس الأدبي الذي يزاوج بين أجناس متغايرة هو من أابرز منجزات الحداثة، التي تعلن إمكانيّة التلاقح بين أجناس مختلفة مما يدعو إلى إعادة النظر في توسيع حدود الجنس الأدبي وتكييف محدداته مع ظهور كل نتاج جديد بل والأكثر من ذلك الكشف عن الطرق التي تنتج وفقها النصوص وتستقبل وتتداول في المجتمع، ولاسيما أن الضغوط المستمرة التي تمارسها الأفكار المتصلة بالخلق والابتكار والذوق،ومتطلبات التلقي، تؤدي إلى تعديل تطوير هذا الدور باستمرار.

لعل في ظل هذه الظروف ظهر أيضاً الأدب الفلسفي الذي يدرس العلاقة بين الأدب بأشكاله الثلاثة والفلسفة من خلال التمييز بين الشكل / والمضمون إذ يعرف الأدب بشكله الجمالي فيما يتناول المضمون البعد الثقافي الفلسفي .

فدراسة الأدب في الأشكال الثلاثة: (الملحمي والدرامي والغنائي)، وتداخله مع الفلسفة ولد الأدب الفلسفي

أما المرحلة القديمة:

فالبحث عن التمايز بين الطرفين نجده من الناحية التاريخيّة يظهر في الثقافة اليونانيّة لدى كل من أفلاطون وأرسطو، إذ كان أفلاطون قد أكّد على التمايز والاختلاف بينهما على الرغم من انه كان كاتباً عظيماً في مجال الأدب كما يظهر في المحاورات، إلا انه على الرغم من هذا الأمر ؛ إلا إننا نجده يعبر عن حالة من التضاد بين الأدب والفلسفة كونه رفض وجود الفن والشعر والشعراء في مدينته ؛بحجة أن الفن عموماً والشعر خصوصاً يقومان على مفهوم المحاكاة واتخذ مفهوم المحاكاة مفهوماً دونياً؛ لأنه يحاكي العالم الحسّي والشعر عنده إيهام بالحقيقة، بينما الفلسفة ترتبط بالعلم أي بالحقيقة فأخذ مفهوم الأدب مفهوما دونياً قياسا على هذا المفهوم الذي بقي تأثيره في الفكر الإنساني لمدّة زمنيّة طويلة. (محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي،، 1997- ص30)يقول أفلاطون عن الشعر : (أن الشعر الجميل ليس من صنع الانسان و لا من نظم البشر، لكنه سماوي من صنع الآلهة . وما الشعراء ؛ إلا مترجمون عن الآلهة .)() افلاطون، محاورات (ايون)شوقي داود تمراز،،المحاورات الكاملة، المجلد 3، 1973م، 37-38)

فيجب أن تكون الملهاة "الكوميديا" متجهة إلى السخريّة من الأخلاق الذميمة، ولا يجب أن تظهر فيها إلا الطبقة الدنيا، أما الطبقة الارستقراطيّة، فيجب أن إلا تتمثل معلقاً في الملهاة، أما المأساة "التراجيديّة" فيجب أن تمثل العواطف النبيلة، وأن يكون كل أشخاصها ممن ينتسبون إلى الطبقة الارستقراطيّة لكل تمثلهما فيها من عواطف نبيلة .(عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفيّة العربيّة،ج1، 1984- 189.)

إما أرسطو فقد نظر إلىالأمر من زاويّة أخرى في كتابه " فن الشعر"، عندما قدّم تصنيفاً إلى أشكال التفكير جعل البرهان في المقدمة ثم الجدل وتأتيالسفسطة والتخيل في المرتبة الأخيرة فهذا التوصيف الأرسطي قد اثر كثيراً في الفكر الوسيط بعد أرسطو وقد تمت محاكاته .(المقدمة،ارسطو طاليس، كتاب الخطابة، 14)

واستناداً على هذا التصنيف تكون التراجيديا، أولا لأنها تحاكي بوساطة اللغة،وثانيها عملاً جليلاً لأنها تحاكي أناساً فضلاء وتظهرهم بأخير مما هم عليه،وثالثاً : دراما لأنها تقوم بتصوير الشخصيّات، وهي تفعل وتنشط دونما تدخل من قبل الأدب .(جميل نصيف، قراءة وتأملات في المسرح الإغريقي-101.) ونجد أن التأثير اليوناني ترك اثرا في الفلسفة الإسلاميّة ؛ فان مفهوم المحاكاة فقد فهم نقاد العرب المحاكاة أنها مرادفة للمجاز إي : (التشبيه والاستعارة والكنايّة)يقول ابن رشد " والمحاكاة في الأقاويل الشعريّة تكون من قبل ثلاثة أشياء من قبل النظم المتفقة ومن قبل الوزن ومن قبل التشبه نفسه وهذا قد يوجد كل واحد منها مفرداً عن صاحبه مثل وجود النغم في المزامير والوزن في الرقص , والمحاكاة في اللفظ . وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها , مثلما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى الموشحات والأزجال .

أما البحث عن المشتركات بين الأدب والفلسفة نجد إن العلاقة بين هذين المجالين المعرفيين قديمة قدم بدايات التفكير الإنساني وإدراك الفكر قضايا الوعي بالذات والعالم . مثلما نجد إن الإنسان قد مارس التفلسف منذ القدم، وذلك سعياً منه لفهم أبعاد وجوده بكافة مستوياته الأخلاقيّة والمعرفيّة والاجتماعيّة، بالمقابل نجد أيضا، أن الأدب احتفظ لنفسه بإيقاع ومنطق خاص به، فالكتابة الأدبيّة باعتبارها شكلا خاصا من أشكال التعبير، سواءً كانت شعراً أو مسرحاً أو روايّة، لها تراثها ورموزها وأشخاصها الذين صاغوا معالم الفكر الإنساني بجانب الفلاسفة . وبالآتي يصح القول أن هناك تداخلاً بين المجالين على الرغم من اختلافهما في مجال التعبير فالأدب يعتمد التخييل في التعبير عن موضوعاته معتمداً على " الكلام الإشاري" كلام دال على المجاز أو مضمر لفظه أو مشتبه معناه" نجد بالمقابل أن الكتابة الفلسفيّة تعتمد على كتابة العبارة، فالعبارة هي "لفظ محكم تركيبه ودلالته"، فالعبارة -هي أساساً- كلام يلتزم بضوابط العقل المجرد، وهذه اللغة العباريّة ذات الدلالة المحدّدة والواضحة هي مدار اشتغال الفلسفة، في حين أن الإشارة التي هي بالأساس "كلام ينفتح على رحاب الخيال المجسد"، هي مدار اشتغال الأدب والشعر.

وعلى الرغم من هذا الاختلاف بين الأدب التخيلي الاشاري المجازي و الفلسفة بكلامها المعتمد على العبارة ذات الدلالة المحددة والواضحة ؛ إلاإننا نجد التواصل حاضراً وعميقاً بين الفلسفة والأدب، إذ الفلسفة باعتبارها بحثاً عن الحقيقة تتوسل باللغة والأدب يبني عالمه على اللغة أيضا. (طه عبد الرحمن، الفلسفة و الترجمة، 1995م)

فاللغة هي القاسم المشترك بين المجالين ولكن ليست اللغة فقط وإنما هناك علاقة أخرى تجمع بينهما وهي علاقة معرفيّة فما تتوصل إليه الفلسفة يجسّده الأدب بأجناسه المختلفة من : (شعر وقصة وروايّة ومسرح)فقد تأثّر الأدب بالرؤى الفلسفيّة على مرّ العصور كما استعمل الفلاسفة بعض الأجناس الأدبيّة للتعبير عن نظرياتهم الفلسفيّة كما تمثّل في محاورات سقراط مع تلاميذه وفي غيره من الأعمال الفلسفيّة التي اتّخذت من الأجناس الأدبيّة حقلها المعرفي .في الدراسات المعاصرة والظرف الذي انبثق فيه مصطلح الفلسفي في ظل الحداثة وسعيها إلى البحث عن العقلانيّة في الخطاب، ويحاول البحث الكشف عن نقاط مشتركة بين الطرفين وأشكال العلاقة والتداخل بين عالم الفلسفة وعالم الأدب فهناك أشكال متنوعة بين الطرفين فهناك تداخل كلي وآخر جزئي مثال على هذا في الشعر مثلا نجد هناك تداخلاً جزئياً في الشعر الذي يعتمد على مقولات ومفاهيم مستقاة من الفلسفة ما نجدها في شعر المتنبي مثلاً، يقول المتنبي :

"خليلك أنت "لا من قلت خَلّي وَإنْكًثُرَ التَمدّحُ والْكَلامُ(عبد الرحمن البرقوقي، شرح ديوان المتنبي، تحقيق، ج4، 193.)

وهناك تداخل أعمق مثلما نجده في شعر المعري (973-1057)م،الذي اتّخذ بعداً أعمق حتى وصف بالموقف الوجودي، من مؤلفاته "سقط الزند: وهو مجموعة قصائد و"اللزوميات"في الفلسفة العلائيّة و"رسالة الغفران "في قصة إلهيّة طريفة، كان يقول :

فإني وجدتُ النفسَ تبدى ندامةً /على ما جنته حيناً يحضرها النقلُ

وإن صدئت أرواحنا في جسومنا /فيوشك يوماً أن يعاودها الصقلُ(المعري، اللزوميات، 1986م، 181.)

ونجد التداخل يزداد فيضعف جماليّات الشكل ويزداد المضمون هيمنةً في الشعر الصوفي فهو يعتمد الشعر في التعبير عن تجربة باطنيّة روحيّة تحاول التعبير عما لا يمكن التعبير عنه من رؤيّة روحيّة حدسيّة، لننظر إلى هذا القول للبسطامي :في (الأحوال)

-آخر نهايات الصديقين أول أحوال الأنبياء،وليس لنهايّة الأنبياء غايّة تدرك .

-للخلق أحوال، ولا حال للعارف ؛ لأنه مُحيت رسومه، وفنيت هويته بهويّة غيره، وغُيبت آثاره بآثار غيره .

-نهايّة الصديقين أول أحوال الأنبياء (ابو يزيد البسطامي، المجموعة الصوفيّة الكاملة، 2004،78.).

ثم يزداد الأمر إذ يهيمن المضمون على الشكل في قصيدة ابن سينا في " العينيّة " ؛ إلا أننا هنا نلمس أن الشكل الأدبي غدا (وعاءً لشرح فكرة فلسفيّة ويكون العمل فلسفيا قبل كل شيء)(إحسان عباس،اتجاهات الأدب العربي المعاصر،1994، 5)

هبطتُ إليك كم المحا الأرفعُ  ورقاءُ ذاتُ تعززٍ وتمنّعُ

محجوبةٌ عن كل مقلةِ عارفٍ  وهي التي سفرتْ ولم تتبرقعُ

اما المرحلة الثانية:

إذ يعزى الاهتمام في استعمال مصطلح الجنس الأدبي في الدراسات الغربيّة الحديثة إلى ظهور أجناس جديدة من التأليف الأدبي في اللغات الأوربيّة، وذلك في بواكير النهضة الأوربيّة في القرن الثالث عشر الميلادي في ايطاليا،ليتوسع فيما بعد إلى نظريه الأجناس الأدبيّة التي تترجم بالفرنسيّة genres liter Aires يقابلها في الإنكليزية literary speiesثم عدلوا عنها إلى literary genres

ويعد نورثروب فراي التقسيم الثلاثي الذي وضعه القدامى :ا(لملحمي والدرامي والغنائي) هو المنطلق لنظريّة الأجناس الأدبيّة، وهكذا أصبحت نظريّة الأجناس المكان الذي يتحدد فيه مجال الأدب وتعريفه.

وهذا يقودنا إلى مفهوم الجنس الأدبي بوصفه مجموعةً من الخصائص التي تحكم الممارسة الإبداعيّة. (ورقاء يحيى قاسم، النص الأدبي وإشكاليّة التجنيس)

أما المرحلة الثانية أي الوصفيّة:

التي ظهرت حديثا والتي تفترض بإمكانيّة المزج بين الأنواع لتوليد أنواع جديدة . وهي المرحلة التي تميزت بها الكتابات الحديثة التي تعطي انفتاحا للنوع الأدبي كي لايبقى منغلقا على نفسه، بل تنظر إليه بوصفه نظاماً منفتحاً قابلا للتجدد والتكيف مع المستجدات.لذلك يمكن القول إن الجنس الأدبي الذي يزاوج بين أجناس متغايرة هو من أبرز منجزات الحداثة، التي تعلن إمكانيّة التلاقح بين أجناس مختلفة مما يدعو إلى إعادة النظر في توسيع حدود الجنس الأدبي وتكييف محدداته مع ظهور كل نتاج جديد بل والأكثر من ذلك الكشف عن الطرق التي تنتج وفقها النصوص وتستقبل وتتداول في المجتمع، ولاسيما إن الضغوط المستمرة التي تمارسها الأفكار المتصلة بالخلق والابتكار والذوق،ومتطلبات التلقي، تؤدي إلى تعديل تطوير هذا الدور باستمرار.

لعل في ظل هذه الظروف ظهر أيضاً الأدب الفلسفي الذي يدرس العلاقة بين الأدب بأشكاله الثلاثة والفلسفة من خلال تميز بين الشكل / والمضمون إذ يعرف الأدب بشكله الجمالي فيما يتناول المضمون البعد الثقافي الفلسفي .

فدراسة الأدب في الإشكال الثلاثة: (الملحمي والدرامي والغنائي)، وتداخله مع الفلسفة ولّد الأدب الفلسفي وهذا يظهر أيضا في دراسة القصة والشعر والمسرح إذ نلمس مضامين فلسفيّة على مستوى الموضوع رافقت ظهور تلك الأجناس ونموها وخصوصاً الروايّة .

وقد ظهرت اتجاهات حديثة فى العلاقة بين الشكل والمضمون منها ما جاء به " كانط "(1724-1804)م وتعدآخر المحاولات الفلسفيّة الكبرى لإرساء قاعدة نظريّة (منطقيّة) للفن الخاص أو " الفن للفن " .أساسا كل خبرة جماليّة في رأي كانط هو الانسجام القائم بين الفهم والمخيلة .(محمد شفيق شيا، في الأدب الفلسفي، 2009م، 65.) لكن لو نظرنا للعمل الفني في ضوء ثنائيّة الفردي والجماعي (سوف نجد العمل الفني فردياً وجماعياً فالوقت معاً فهو تنظيم لتجارب لم تقع الا لهذا الفنان لكنه تنظيم في سياق الإطار ذي الأصول اجتماعيّة الذي يحملها الفنان ويتخذ منها عاملا من أهم عوامل التنظيم) (مصطفى سويف، الأسس النفسيّة للإبداع الفني، 1969، 249.)

لكن الحديث عن الأجناس يجعلنا نتوقف عند مشكلة التجنيس بوصفها ظاهرة في التاريخ الأدبي المعاصر،وعاملا نصياً بصورة خاصة تبقى قائمة مع انتشار ظاهرة ما بعد الحداثة التي شكلت خرقاً واضحاً لكل معطيات الحداثة ولا سيما التداخل بين الأدبي والثقافي واللغوي ؛ لأن “ما بعد الحداثة صورت اختلاط الأجناس،واختلاط النصوص،واختلاط القراء والنصوص” ولاسيما أن تشكل الأجناس النظريّة في مخيلة الناقد هي جزء مما يمكن تسميته بالمنطق البراغماتي للتجنيسHmogeneisa،هذا المنطق يشكل ظاهرة إبداعٍ و تلقٍ نصيّة تختلف من ناقد إلى أخر، إلاأنّ أي معالجة لإشكاليّة الهويّةالأجناسيّة في خضم الأعمال الأدبيّة ينبغي ان تأخذ بنظر الاعتبار عاملين أساسيين :

احدهما : إمكانيّة الاختلاف بين سياقات عملين أدبيين،حتى وإن كانا يحملان التسمية الأجناسيّة الواحدة .

ثانيهما : يتجلى في إمكانيّة تجدد النص عبر سياقات مختلفــة ومتباينة . ولذلك يمكن القول ان” الهويّة الأجناسيّة لنص ما تعد أحياناً والى درجة معينة قابلة للتغيير سياقياً بالمعنى الذي ترتهن في المجال غير النصي، وبشكل أوسع بالمحيط التاريخي الذي يحكم ولادة النص،والذي يحكم إعادة نسيجه كفعل تواصلي ” (ورقاء يحيى قاسم، النص الأدبي وإشكاليّة التجنيس)

من الممكن أن نجد جذوراًلهذا الموقف عند الفيلسوف الألماني الشهير فيردريكنيتشه، الذي أشار في كتابه الذي حمل عنوان "ولادة التراجيديا" إلى أنه من الضروري على الفلسفة أن تحدّ من التفكير المنطقي الصارم، وتعود إلى الجانب الوجداني الذي يمثله أسلوب السرد الروائي، داعياً إلى (العودة إلى ما يعتمل في أنفسنا من عناصر بدائيّة للارتساف من نبع العاطفة.. حتى ولو أدى ذلك إلى تحطيم الفكر التحليلي)(فريدريك نيتشه، مولد التراجيديا (

فلسفة ما بعد الحداثة :

جاء التحول في الفكر الغربي مع بعد الحداثة بتحول مهم في جدليّة العلاقة بين الفلسفة، فقد تحوّلت الفاصلة بين المجالين المعرفيين الفلسفي والأدبي قد شهدت ذوباناً وتلاشياً مع فلاسفة ما بعد الحداثة، الذين عُرفوا بنقدهم الشديد للثنائيات التي هيمنت على تاريخ الفكر الفلسفي من قبيل: ثنائيّة الروح والجسد، والفرد والمجتمع، والحريّة والحتميّة.وجاء هذا بعد نقد ليوتارللعقل والذات العارفة .(ليندا هتشيون، سياسة مابعد الحداثة، 2009،20 .) تجاوز فلسفة مابعد الحداثة، التمركز حول دوائر العقل لتهتم بالأطراف و الهوامش، فتصبح هذه المطالبات شاغلاً فلسفياً يرتبط بتجاوز التقليدي و خلخلة يقينياته .(محمد بكاري، أرخبيلات ما بعد الحداثة، 2017، 8.) فقد احتلت اللغة مكان مهم إذ أصبحت (المفتاح السحري لأغلب الفلسفات المعاصرة، ومنها البنيويّة)، (عمر مهيبل، من النسق إلى الذات " قراءات في الفكر الغربي المعاصر، الدار العربيّة للعلوم،2007، 33.)

فقد مثلت اللغة النبع الصافي للفلسفة والأدب، وهما يحققان الكثير من الأحلام البشريّة، و يؤكدان على، أدبيّة السرد الفني في مراميه عبر التخيل والعاطفة عبر تماسكهما وانسجامهما ؛ وصولا إلى مقاصد عميقة تعبر عن رهانات عقليّة ورمزيّة.

على الرغم من تمردهما على أشكال التعبير الفلسفي،فإن طاقة استعمالهما للغة تبقى ذات أفق إبداعي فلسفي .وهذا اخذ أبعاداً جديدة في ظل تحولات ما بعد الحداثة التي قامت على الانتفاض على كثير من المعايير العقلانيّة الصارمة، وكان من بين تلك التحولات خصوصا في مجال الأدب إذ تم كسر الحواجز بين الأجناس وقد تم المزج بين أسلوب السرد الروائي واللغة الشاعريّة من جهة، وبين اعتبارات السؤال والمقاييس الفلسفيّة من جهة أخرى .فأصبح النص (سلسلة من العلاقات مع نصوص أخرى)(عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير من البنيويّة إلى التشريحيّة،1985،321.)، قائمة أساساً على أساس مفهوم الاختلاف وهو(مفهوم متجذر في صلب ديناميّة رحك الكائن الواحد) (فليب مانغ، جيب دولوز أو نسق المتعدد، ترجمة عبد العزيز بن عرفة، 1994، 21.)

ولعل هذا جعل تلك الرؤية الجديدة تنفتح على النصوص المعرفيّة كالتصوف الذي عرف (المتصوفة قد نزعوا نزعة ذاتيّة عميقة، وأنهم يتّصلون بعالم ماوراء الحسً ويحاولون أن يصلوا بقلوبهم ومشاعرهم الى ما لايتسنى للعقل والحواس الوصول إليه، او قد اطمئنوا إلى ما وافقهم به أذواقهم من معاني وما صورت به عالم مافوق الواقع من صورة أن يدللوا عليهإن عالمهم هذا العالم الحق وان ماعداه هو الباطل) (درويش الجندي , الرمزيّة في الادب الصوفي , 1958, 341) فهذا الانفتاح نلمسه في نيتشه الذي مهد الطريق لما بعد الحداثة عندما كان قد قدم فلسفته بصورة سرد روائي في عمله الشهير "هكذا تحدث زرادشت" (فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، 2014)، وهكذا جاءت التحولات تلك إلى دفع الفلسفة إلى انتهاج مسار مختلف هذه المرة عندما عمدت إلى تجاوز حالة السكون والثبات صوب ماهو معاش من حياة الراهن بكل تحولاته وصيرورته مما دفع الفلسفة إلىإن تدخل فى النقد الذاتي وتتورط بالمراجعة لذاتها من أجل تجاوز غربتها عما هو معاش، وقد أسهم هذا الى حد كبير في بلورة فهم معقول للواقع وتحولاته .ونقد الدوغمائيّة العنيفة المتطرفة .وكان لابد لهذا التحول الذي أصاب الفلسفة أن يصيب الأدب ومن الشعر الذي كان يمثل لغة خاصة به . إلا إننا نلمس ذلك على الرغم من إن التعارض بين الشعر إذ الاستعارة الشعريّة هي (ليس مجرد تغيير في المعنى، أنها تغيير في طبيعة أو نمط المعنى انتقال من المعنى المفهومي إلى المعنى الانفعالي) (جان كوهين،بينيّة اللغة الشعريّة،1986، 205.) لكن على الرغم من هذه التحولات العميقة ؛ إلا أن هناك من يرى أن الأدب يبقى متأثراً بأنماط التفكير (وهذا ما يفتح أمامنا ملف تطور أساليب النثر الحديث التي مازالت الآن تتنوع لا بحسب الحاجات الفعليّة، وانما بحسب نمط التفكير السائد خلفها) (حسن الخاقاني، تذويب الإنسان، 2018، 212.)

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

علي محمد اليوسففي سؤال موجّه لهيدجر عن معنى الحقيقة وماهيتها قال: (اننا ندرج الحقيقة في نظرية المعرفة، واعني بها الحقيقة بشكل عام وليست حقيقة الامر الواقع) (1) .

بضوء هذا التعريف الفلسفي كثيرا ما نخلط بين الحقيقة المدركة وجودا واقعيا على انها تعني تطابق الفكر مع وجود الشيئ، بمعنى ان حقيقة الامر الواقع كضرورة او لا ضرورة ملزمة لها، فهي تعني وجود الاشياء المستقلة واقعيا التي يدركها العقل ويعبّر عن مطابقتها مع الفكر. وبمعنى مشابه تبسيطي ميكانيكي هي تطابق ما في الاذهان مع ما في الاعيان. وهذا لا يعني شمول الحقيقة الفلسفية باعتبارها مصطلحا تداوليا فلسفيا او مبحثا افتراضيا في المعرفة، تقوم معرفتها على المنطق التجريدي في الاستدلال من خلاله وبه على حقائق اخرى واقعية او حقائق افتراضية، وبالسعي نحو الحقيقة الفلسفية المفترضة وجودا تتم معرفة حقائق بعض الاشياء والظواهر في وجودها اوفي غيابها المستنبط فلسفيا في سلسلة متوالية من التزامن في السعي من منطلق المنهج الفلسفي باتجاه تحقيق الحقائق الفلسفية الاخرى وهكذا.

فتطابق الفكر مع واقع محدد او مقصود مدرك قد يجعل منه حقيقة واقعية يدركها بعض او كل الناس في حال توفرهم على سلامة العقل والتفكير والادراك. وهذه غير الحقيقة الفلسفية التي تتداولها مباحث الفلسفة وعلماء وباحثي المعارف والدراسات العلمية والانسانية معا. فلا يشترط ان تكون الحقيقة الفلسفية واقعا ماديا متعيّنا بالفكر الفلسفي او المعرفي ولم تكن يوما كذلك، ولكنها كانت سابقا و تكون اليوم وسيلة استدلال عن الاشياء الاخرى وحقائقها وليس الاهتمام في تحقيق اثبات وجود ادراكي واقعي للحقيقة الفلسفية التي هي وسيلة استدلال افتراضي في الوصول لحقائق اخرى غيرها.

اي ان الحقيقة الفلسفية هي في الغالب والاعم واسطة فكرية عقلية معيارية في الاستدلال ومعرفة الاشياء الاخرى غيرها بها في العالم الخارجي ولم يدّع (يدعي) أحدا من الفلاسفة انه انتهى في بحثه تحقيق حقيقة فلسفية لها العصمة العقلية الوجودية والفكرية من استحالة بطلانها، واستهدافها بالتفنيد، فجميع الآراء التي تأتي بها الفلسفة وتعتبرها حقائق في ظروف وزمن معينين هي مفاهيم غير قطعية في صحتها وتحمل عوامل تفنيدها في ثناياها واحشائها.وكذا الحال مع اكتشاف او اختراع الحقيقة العلمية.

ويمكننا القول هنا ان هذا التعبير الاستدلالي المعياري للحقيقة الفلسفية، تعبير مثالي افتراضي عن شيء او عدة اشياء بأسلوب منطقي تجريدي يخلو من اثبات وجوده الواقعي او كينونتة أوماهيته، ولا يتعدّى التفكير الذهني والعقلي المعبّر عنها فلسفيا باللغة او بغيرها، بمعزل عن معالجة الوجود المادي المستقل للاشياء في العالم الخارجي بالتفكير الفلسفي المحض. كون الحقيقة الفلسفية وجودا افتراضيا متداولا نخبويا على صعيد التعبير اللغوي، ولا يدخل مباشرة ضمن الحقائق الواقعية والمتعيّنة ماديا في تعالقها بالوجود او بالفكر المجرد،كما في التعبير الادبي او الفني او الايديولوجيا .

ومن اكثر الاخطاء والالتباسات هي ان لا نفرق بين حقائق الاشياء في وجودها الواقعي المستقل عن الانسان سواء ادركها ام لم يدركها، وبين واقع التسليم انه ليس كل ما يعجز التفكير العقلي عنه وادراكه في محاولة اثبات وجوده هو غير موجود،فالله ومباحث الميتافيزيقا (وجودات) يطلق عليها حقائق دينية يعجز العلم او الفلسفة اثباتها أو نفيها لا بالفكر ولا بالتجربة ولا بغيرهما، فوجود اشياء العالم الخارجي لا يتعيّن اثبات وجودها في ادراك الانسان لها وكل ما لايدركه الانسان منها غير موجود. فهذه فكرة مثالية ابتذالية في فهم الواقع والوجود وعلاقته بالادراك الفكري والتعبيرعنه لغويا كموضوع. فوجود بعض الاشياء الذي ينكرادراكها شخص او اكثر يدركها مئات بل الاف وملايين من الناس في زمن وظروف معينة . وخير مثال لهذا الفهم الطوباوي المثالي الابتذالي خاصة بالفلسفة نجده عند من يدّعون امكانية الافكار الحسّية الادراكية المجردة خلق موجوداتها المفكّر بها ذهنيا وجعلها حقائق واقعية متعينة باللغة والتعبير عنها، منهم الفيلسوف بيركلي، صاحب مقولة : ان كل ما يدرك موجود وما لا يدرك غير موجود. وقال مرة لمجالسيه انني لو اغمضت عيناي وعطّلت حواسي الاخرى عن ادراكها لكم، عندها تكونون انتم غير موجودين، فسألوه كيف اذن لنا ان ندرك وجودنا في انكارك انت لوجودنا معك، اجابهم يكفي ان الله يدرككم، ولم يعترف بادراكهم كوجود من قبل غيره من الناس امثالهم من دون حاجتهم استحصال اثبات وجودهم من الله و بيركلي.

انواع الحقيقة الفلسفية وتعاريفها

انواع الحقيقة او بعضها:

- الحقيقة الصورية - الحقيقة المادية - الحقيقة المطلقة - الحقيقة الواقعية -الحقيقة الابدية او السرمدية- الحقيقة النسبية - الحقيقة الموضوعية – الحقيقة الدينية.(المصدر موقع انترنيت)/ وهناك تعاريف متداخلة وبعضها يصل حد التناقض حول تحديد معنى الحقائق الواقعية وبين الحقيقة الفلسفية وادراكنا لهما نعرضه بالتعريفات والتلخيص التالي:

- الحقيقة هي تطابق الافكار المعبّرعنها مع الواقع.

- الحقيقة هي تطابق الافكار مع موضوعاتها.

- الحقيقة هي قول الكلام الذي ينطوي على الصدق العلمي والاخلاقي والخير النافع واعلاء شأن القيم الحميدة بالحياة.

- الحقيقة هي القدرة على تمييز الصح من الخطأ.

-  لا توجد حقيقة مطلقة او ثابتة.(هذه التعريفات عن الحقيقة مقتبسة عن مصدرموقع انترنيت).

وساتناول مفهوم الحقيقة الفلسفية بفهم خاص لا يدخل في مشابهات التناول المفهرس بانوراميا حسب التوصيف الفلسفي التدريسي او المعلوماتي.

واضح في هذه الانواع من الحقائق وتعريفاتها، انها جميعها ماعدا الحقيقة المطلقة بعيدة عن الفهم والتداول الفلسفي الصرف، فهي حقائق اما علمية او حقائق قيمية مجالها المجتمعات الانسانية في الحياة العامة ربما يكون للفلسفة نصيب بدراستها وتناولها في الاخذ منها اوفي تداخلها معها بالرفد النظري البحثي الفلسفي لها .كما في تداخل مباحث الفلسفة مع العلوم الطبيعية كافة، والعلوم الانسانية كما في الادب والفنون و الاقتصاد والاخلاق والسياسة والتاريخ . الخ

يمكننا الجزم ان الحقائق غير الفلسفية التي هي من اختصاصات العلوم الطبيعية والانسانيات ودراسة الانثروبولوجيا او التاريخ وعلم الاجتماع والاخلاق والاقتصاد وفي الرياضيات وغيرها، لا تدخل ضمن اهتمامات الفلسفة كمباحث فلسفية مستقلة بذاتها او كوقائع معيارية قيمية علمية او غير علمية تبني عليها الفلسفة نظرياتها ومباحث اشتغالاتها، الا في الاقل القليل في تداخل الفلسفة مع ماذكرناه من مباحث في مختلف العلوم والمعارف بخاصة في الرياضيات والاخلاق والسياسة والاقتصاد، بينما توظف وتستحضر الفلسفة كل ممكناتها في البلوغ الافتراضي لوصول او تحقيق الحقيقة المطلقة كمفهوم فلسفي فكري تجريدي ومنطقي او نسقي غير متعّين واقعيا لا يأخذ التطبيق في مداخلته مع وجود الاشياء الواقعية ومباحثها كما في مباحث العلوم وغيرها.

الحقيقة الفلسفية المطلقة لا وجود حقيقي مفهومي فلسفي يعبّر عنها تتعامل معه الفلسفة كحقيقة مفروغ من البرهان المنطقي او التجريبي على وجودها، وفهم الحقيقة الفلسفية المطلقة هي مفهوم فلسفي تداولي تجريدي اولغوي فكري في اعتماده وسيلة (استدلال) معياري في الوصول الى معرفة او اثبات حقائق اخرى ليست مطلقة من المتاح حصرها وجوديا بالفكر الفلسفي الذي يشبه علم الرياضيات في اثبات حقائق علمية او غير علمية بواسطتها، كوسيلة يعتبرها البعض حقائق لا تحتاج الى براهين بعد اكتسابها اليقين القطعي، ويتعامل معها كبديهيات ومسلمات علمية، فمثلا اضلاع المثلث ثلاثة وزواياه 180 درجة احداهما قائمة 90 درجة، وضعت كحقيقة هندسية رياضية، و بديهية لا تحتاج البرهنة عليها كما في العديد غيرها منذ عصر كوبرنيكوس او كبلر او لافوازيه او نيوتن، وربما منذ عهد افلاطون او قبله، وستبقى هذه الحقائق الرياضية والهندسية قائمة غير مشكوك بها ولا تحتاج العلوم المعتمدة لها البرهنة على صحتها، مثلها حقيقة بديهية المعادلة الرياضية، واحد + اثنين = ثلاثة.

نعود الى اصل الموضوع ان الحقائق الفلسفية المطلقة افتراضية لا تمتلك الاثبات البرهاني المنطقي او العلمي، بل ولا يمكن وغير متاح ذلك،فالمطلق بالفلسفة والزمان والوجود والكوني لانهائي وتحصيله او التحقق العيني الواقعي له استحالة عقلية فكرية علمية في محدودية قدرات الانسان. ولأن من العبث الذي لا طائل من وراءه محاولة اثبات وجود اشياء لا هي حقيقة مادية ولا تمتلك كينونة بصفات دلالية معينة او ماهوية او روحانية في الفكرتشير لوجودها،فمعرفة مثل هذه الوجودات لا يتم الا في خرق قوانين الطبيعة وهو ما لا يتوفر عليه الانسان حاضرا.

لكنما مباحث وقضايا الفلسفة تتعامل مع تعبير ومصطلح الفلسفة المطلقة، بيقينية افتراضية كمرجعية استدلالية تحتكم لها كمعيارمعرفي لغوي فكري مثالي غير متعيّن وجودا، لكن وجوده استدلالي لأثبات غيره من حقائق الوجود بالفكرالفلسفي المنطقي المجرد، وجميع هذه الاستدلالات المتحققة التي تتم بواسطة الاحتكام المثالي الافتراضي للحقيقة المطلقة كمرجعية، في الوصول الى قناعات وحقائق شبه ثابتة ونسبية اخرى، هي غير ما ينسب للحقيقة المطلقة، لكنها في كل الاحوال لايعتبر ما تم التوصل له من امور جديدة هي حقائق ثابتة او حقائق مطلقة لكن اهميتها تكمن في عدم فقدانها انها من الممكن ان تكون مثابات ارتكاز في الوصول الى حقائق اخرى بديلة عنها او مكمّلة لها متداخلة معها، وتاريخ تطور المفاهيم الفلسفية يؤكد ذلك.

لأن الحقيقة المطلقة في كل الادبيات الفلسفية ومباحثها تعجزالارادة الفردية لفيلسوف واحد او عدة فلاسفة، معاملتها بمعيار الحقيقة الواقعية المتعينة وجودا كباقي حقائق الاشياء في غير مجال التفلسف، التي تمتلك وجودا ماديا او فكريا منطقيا مجردا على وفق معيارية ان الحقيقة هي تطابق الفكر مع الوجود الواقعي للاشياء، وان وجودها مرتهن في تطابق الافكار عنها مع وجودها الواقعي المادي المدرك لها، وهذه الحال تنسحب على مختلف الحقائق التي يتم اثبات وجودها القيمي واقعيا ايضا بالفكرالفلسفي المنطقي المجرد او غيره من انواع الفكر.، وهي اي الحقيقة المطلقة بالفلسفة او العلم تفتقد حضورها المتعين وجودا على وفق منطق تطابق الافكار مع واقع الشيء الكفيل ان يمنح الحقيقة الوجودية الثابتة او الواقعية متعينها المدرك، فالحقيقة المطلقة وجود افتراضي استدلالي فقط،وليس وجودا قائما بذاته، ولا يمكن للحقيقة الفلسفية ان تكون يوما ما بالنسبة  للفكر الفلسفي ومباحثه ان تحمل عوامل التسليم بها في ان تكون حقيقة مطلقة، لكن من الممكن ان يتوفر العلم والدراسات الانسانية الحديثة الوصول تحقيق مثل هذا الضرب من الحقائق في مجال تخصصها الذي تداخله الفلسفة ام لا .

هيجل ومثالية الحقيقة

هيجل صاحب الحقيقة المطلقة او الروح المطلق في التاريخ، يستعيض بها عن الفهم المتعذّراثباته للحقيقة المطلقة التي هي فعلا مفهوم افتراضي مثالي يفتقد الادلة المنطقية الفكرية والفلسفية على تحديده ولوبظاهرياته فقط، لان مطلق الحقيقة، لا يمكن اثباته بوسائل الاستدلال على غيره من الحقائق النسبية والوقائع وبعض الظواهر، كما هو الحال في اثبات الحقائق النسبية غير المطلقة في العلوم،  اذ ان وجودها يكون عن طريق تطابق وادراك الافكار مع واقع وجودها المتحقق النسبي الذي هو اقصر الطرق واسهلها في اقرار حقيقة وجودية واقعية. اما الحقيقة النسبية في العلوم فلا تأخذ صفة التطابق في التعبير عنها بالفكر اللغوي الدارج وانما عن طريق المعادلات الرياضية او الفيزيائية او الكيميائية التي هي ليست لغة تعبير تداولي خارج مختبرات التجريب العلمي في اثباتها حقائق علمية غير فلسفية.

ان الفهم الذي يمنحنا اياه هيجل حول الحقيقة لا يبدو مثاليا لاول وهلة، بل يبدو ماديا صرفا، لكن عند الوقوف وامعان النظر النقدي المفهومي به، يبدو تعبيرا(ساذجا) في مثاليته وليس ساذجا في جميع مباحث هيجل الفلسفية التي شكلت في وقتها اكبر انعطافة في تاريخ الفكر الفلسفي فافكار هيجل الفلسفية انجبت الماركسية التي خرج من تحت عباءتها غالبية الفلاسفة المحدثين في الوجودية والبنيوية والتفكيكية والفلسفات المثالية المناوئة لها  ايضا الخ الخ..

(هيجل) يعّرّف الحقيقة لا بل يختزل الوجود كاملا في هذه المقولة المشهورة عنه التي تقوم على الفهم الميكانيكي بين الفكر والواقع في وجود الحقيقة قوله: (كل ما هو واقعي عقلي، وكل ماهو عقلي واقعي) ويرى (ان العقل عبر تطوره الخاص ما هو الا تعبير عن تطور الواقع).(2) وفي نفس المنحى يذهب تعريف توماس كوين : (الحقيقة هي الملاءمة بين الاشياء المادية وعلاقات ونظريات الافكار والكلام تجاهها). (3)

بالمقارنة مع تعريف توماس كوين للحقيقة يبدو هيجل ماديا في مقولته اكثر من فيورباخ في ماديته الى ما قبل الماركسية، حين ربط فهم الحقيقة هو بملائمة العقل والفكر التعبير عنها، وان اسبقية تطور الواقع على العقل يعتبر مرتكزالفلسفة الماركسية، اي في جعل هيجل وجود الحقيقة سابق على وجود اثباتها المادي الواقعي، في اسبقية وجودها الافتراضي كواقع على الفكر التعبيري عنها وفي هذا يكون جوهر الفكر المادي الماركسي.،

وبخلافه اذا اراد هيجل ان يقول وجود الحقيقة والتسليم بصحتها ووجودها هو ناتج تعبير الفكر عنها كوجود لاحق على الفكرلا سابق عليه، فيكون عندها وصفه بالمثالية الفلسفية الساذجة لا تفي هيجل حقه، في تعبيره المثالي لمقولته التي سبق لنا تثبيتها قبل اسطر، كل ماهو عقلي واقعي، وكل ما هو واقعي عقلي، ربما ايضا يبدو للبعض في هذه المقولة المثالية الهيجلية المقنّعة بقناع المادية انه من الممكن تمريرها على علاّتها، رغم انعدام الجدل المادي الديالكتيكي فيها وتغليب علاقة الفكر بالمادة والواقع بعلاقة ميكانيكية ثابتة تتعارض مع الجدل الذي يقوم على التغيير الدائم والحركة المستمرة.

التساؤل هنا كيف يمكننا اثبات مثالية هيجل في مقولته والتقائها بفهم توماس كوين في تعريفه الحقيقة بنفس منطق تطابق الافكار مع وجود الشيء الذي تمنحه للحقيقية الوجودية والفلسفية معا؟

في البدء ان مايميز الفهم المادي الماركسي والمثالي الهيجلي انهما (جدليان) ديالكتيكيان اولا واخيرا،  لكن اين الفرق في نوعية وآلية اشتغال الجدل والفرق بينهما؟ فما هو الفرق الذي يميز الجدل المادي عنه في الجدل المثالي؟ اي اين الفرق في جدل هيجل مقارنة بجدل ماركس؟،

جدل هيجل مثالي لانه يفهم ان جدل (الافكار) في التعبير وفهم المادة والاشياء يتم في علاقة ميكانيكية مع الواقع وبضوئها تكون الافكارالمجردة في الذهن هي المولدّة لوجود وحقائق الاشياء. في ثبات وميكانيكية ان الفكر المثالي يقرر وجود الاشياء بالذهن قبل تعيين وجودها الواقعي  في الطبيعة وعالم الاشياء.وصور الاشياء التي تنقلها المحسوسات لديناميكية العقل الفكرية هي التي تقرر وجود الاشياء ماديا. اي ان الفكر المثالي يلغي وجود الاشياء في حالة الصيرورة التغييرية الجدلية المتواصلة والمتطورة. وان علاقة الفكر بالواقع المادي علاقة ثابتة سكونية ميكانيكية، وان جدل هيجل مجال اشتغاله هو الفكر المجرد عن الواقع وليس الفكر الذي ينبعث عن الوجود، في اسبقية وجود الشيء على الفكر. اما بالنسبة لماركس فقد اعتبر جدل هيجل تصورات خيالية فكرية فلسفية تفتقد واقعية التطبيق الذي يحكمها الجدل في المادة والتاريخ وفي كل ظواهر الحياة التي هي في حالة ديناميكية خلاقة في ارتباط الفكر مع الواقع في تأثيرمتخارج متبادل يمنحه التطور الدائم .فما يدركه الفكر في ظروف وزمان معين ويبدو حقيقة، قد لا يكون صحيحا في ظروف اخرى اكثر تطورا وتصبح اهمية مجاوزته لا خلاص منها.ومن خلال ادانة ماركس هيجل بالمثالية وضع الاختلاف القار بالفلسفة القائم الى اليوم في تعارض المادية الماركسية مع جميع الفلسفات المثالية السابقة عليها اوالتي عايشتها او اللاحقة التي تلتها بعدها التي بقيت مصرّة على ان الفكر سابق على الوجود وصانع له.

برجسون والحقيقة الفلسفية

يقول برجسون في معرض تعليقه على الفلسفة البراجماتية الخسيسة النذلة كما يصفها بريتراند رسل؛ (الحقيقة ليست اكتشافا وانما هي اختراع ) (5)0

من المعلوم جيدا ان الفرق بين الاكتشاف والاختراع هو ان اكتشاف الشيء او الاشياء، انها كانت موجودة في استقلالية بالوجود والطبيعة والانسان والكون، وجاء الانسان واكتشفها بالصدفة العمياء او في سعيه وراء اكتشافها دونما علمه المسّبق في وجودها المستقل، اما اختراع الشيء او الاشياء التي أحتاجها الانسان في حياته ولم يتوفر عليها فقام باختراعها كأشياء ملازمة لحاجاته غير موجودة في الطبيعة والحياة او الكون، فاخترعها الانسان على وفق صناعة عقلية انسانوية تحمل ذكاؤه ورغبته اختراع وتوفير ما يحتاجه في حياته. ثم يخلع على تلك الاختراعات على انها مخترعات العقل والذكاء الانساني في جعلها من حقائق الحياة التي لا غنى عنها.اي حسب فهمنا لعبارة برجسون انه لم يكن يوجد حقائق موضوعية مستقلة قبل اختراع الانسان لها لان كل حقائق الحياة مخترعة من قبل الانسان ولم تكن موجودة لولا اختراعها بمعنى خلقها وايجادها بضمنها الحقائق الفلسفية.

ولو اننا حمّلنا مقولة برجسون بما تحتمله في سعينا معرفة الحقيقة الفلسفية تحديدا لقلنا انها تعني :

1- لا توجد حقيقة او حقائق في الوجود والطبيعة والكون لم يخترعها الانسان بارادته وقواه العقلية الذاتية الفكرية الذكية، وهو في طريقه لاختراع وليس اكتشاف المزيد منها في مستقبل حياته.وهذا خلاف صارخ تفسير حقيقة ان معظم حقائق الحياة هي ما اكتشفه الانسان وبالصدفة ولا فضل له في ايجادها.

2- كما مر واوضحناه سابقا ان غالبية الفلاسفة وليس برجسون استثناءا، انهم يتعاملون مع الحقيقة الفلسفية الصرف وليست الحقيقة المتداخلة بالعلم واللغة والادب والفنون وسرديات الفكر الاخرى، على انها مفهوم زئبقي سرابي يصعب الامساك به او البرهنة الفلسفية او العلمية له. وكل حقيقة يعيشها الانسان في حياته هي من اختراعه وليس من اكتشافه حتى لو كانت القوانين الطبيعية التي اكتشفها الانسان وهي قوانين مستقلة تحكم الطبيعة والانسان والكون اكتشفها الانسان ام لم يكتشفها هي في حكم الحقائق لا بل حقائق مطلقة، وهو عاجز عن اختراعها او بعضها. وعليه يكون كل حقيقة او مجموعة حقائق هي اولا واخيرا من اختراع الانسان حسب برجسون، كما لا يوجد حقيقة متعيّنة وجودا ادراكيا حسّيا عقليا او تفكيريا متعينا وجودا لا في واقع الحياة ولا في انطولوجيا الوجود لم يخترعها الانسان. كما ان الفهم البرجسوني لهوسرل يقر أنه ( لا وجود حقيقة مطلقة، وانما يوجد صيرورة دائمة )(6) هنا في هذه العبارة يمكننا اعتبار هوسرل اقرب الى الماركسية المادية من هيجل.

وبرجسون في اقراره عدم وجود حقيقة مطلقة والغالب انه يقصد الحقيقة الفلسفية المطلقة وليس الحقيقة العلمية المطلقة التي تتعامل مع بعض الحقائق العلمية والرياضية كمسلمات مطلقة بديهية محكومة في زمنية معينة وتمتلك حيثيات وجودها في افتقاد امكانية متاحة حاضرا تتجاوزها لذا فهي حقيقة مطلقة تكتسب وجودها العلمي والزمني في انعدام البديل لها في مثال الحقيقة المطلقة ان الارض تدور حول نفسها وحول الشمس وليست هي مركز الكون.او ان الماء يتكون من ذرتين هيدروجين وذرة واحدة اوكسجين.

في حال اقرارنا ان الحقيقة الفلسفية المطلقة هي مفهوم فلسفي منطقي استدلالي لمعرفة الاشياء بها وحقائق الوجود الانطولوجي، عندها تنتفي الحاجة الفعلية الى استحضار حقيقة مطلقة يتعذر وجودها كما يتعذر ادراكها ومعرفتها. لا كوجود مادي او كيفي او ماهوي، اكثر من انها مفهوم لايخضع هو الى الاستدلال عليه بمقدار ماهو ضروري للاستدلال به على غيره من حقائق الوجود والاشياء في العالم الخارجي والكوني.

3- اصبح الآن من المعاد المكرر تأكيدنا ان الحقيقة الفلسفية المطلقة او غير المطلقة ليست وجودا مدركا متعيّنا لا في الواقع ولا بالفكر التجريدي. كما في ادراكنا حقائق الاشياء في واقعيتها المادية او الفكرية،او ادراكنا حقائق العلم في نتائجه المختبرية والتطبيقية . كما ان الحقيقة الفلسفية وجود تجريدي صوري في الذهن المفكّر. لكن ليس كل الادراكات العقلية والذهنية والخيالية المجردة بمقدورها اعطاء أية فكرة وجودها المتعين واقعيا او ماديا. --- وخير مثال مررنا به هوعجزديالكتيك هيجل المثالي على مستوى الفكر فقط وليس في تعالقه الديناميكي مع الواقع كما فعل ماركس في مقولته الشهيرة وجدت ديالكتيك هيجل واقفا على رأسه فاعدته واقفا طبيعيا على قدميه ---.. ما لم يتحقق لتلك الفكرة اشتراطات العقل البوح في التعبير عنها لغويا او غيره، اضافة لعوامل انضاج تلك الفكرة بحيازتها المقومات الذاتية والموضوعية في وجودها، وفي استكمال العقل منحها الوجود المتعين القابل للادراك . وان ادراك الحقيقة الفلسفية بالحدس العقلي المجرد يحتاج الكثير من البراهين المقنعة لاثبات صحة الحدس.

من هنا تأتي استحالة ان يكون بمستطاع الذات خلق حقائقها الفلسفية، فقدرة الذات اولا واخيرا ملكة عقلية في الوعي بذاتها ووجودها، ووعي وادراك وجود الاشياء في العالم الخارجي. وهذه الميزة الادراكية النوعية الخاصة بالذات الانسانية في ادراكها اشياء العالم الخارجي حسّيا وعقليا يكون دورها فقط عامل تحقيق تواشج اندماجي مابين الموجودات والاشياء المدركة في وجودها المستقل في عالم الاشياء، وفي نقلها صور تلك الموجودات الى مصنع الحيوية العقلية المنتجة للوقائع والاشياء والافكار ليعطي العقل صياغاتها النهائية، وفي اعادتها من العقل الى وسط الادراك لها في العالم الخارجي ثانية بوجود ادراكي مغاير قبل تناول العقل لها.

من هنا نجد استحالة ان تكون الذات هي صاحبة المخترعات والحقائق، كما ليس بمقدورها في حيازتها التفكير والتعبير اللغوي تخليق واختراع وجود الحقائق حتى في حال تسليمنا ان الحقيقة الفلسفية ليست افتراضا ثابتا في المطلق وانما هو حالة من الصيرورة والتطور المستمرفي المطلق.الوجود المادي سابق على الاكتشاف وعلى الاختراع معا، والاختراع لا يعمل في فراغ او عدم، فالاختراع الذي يسبقه عدم هو وهم لا يمتلك مقومات الوقوف على قدميه حتى لو كان انسانا آليا، مبرج وفق أعلى التقنيات العلمية.

4- ان محاولة اقتران خلق الحقائق الانطولوجية او الفلسفية او حتى الميتافيزيقية منها بالقدرة الذاتية الانسانية، هو اقتران تعسفي خاطيء مثالي غير ممكن، واذا نحن استطعنا (جدلا افتراضيا) قبول صحة مقولة بريجسون ان الذات تخلق الحقائق، بمعنى امكانية الذات خلق الكثرة من الحقائق المتباينة المختلفة، وفي هذا يتلاشى لدينا معيار ايّا من هذه الحقائق نعتمده  في استدلالنا اعتماد حقيقة على اخرى ليكون صحيحا مقبولا في استحداث اختراع الحقيقة الجديدة التي تمتلك مقومات الصدق والتسليم بها كمثابات ارتكاز وانطلاق نحو الوصال تحقيق حقائق اخرى .

5- ان الحقيقة الفلسفية غيرالحقيقة المطلقة، هي فكرة متعينة ضمن اشتراطات ذاتية وموضوعية تستوفي شروط وجودها الادراكي المتعين انطولوجيا. وتبقى هذه الحقيقة في الغالب نسبية اولا وافتراضية ثانيا. الا بعد وضوح اسباب وجودها وانبثاقها واهمية قناعة النقد العقلي باهميتها كوسيلة استدلال في معرفة اشياء اخرى، وليس مهما عندها اهمية ان تكتسب تلك الحقيقة الاستدلالية محمولات كيفية او ظاهراتية تؤكد مصداقية اعتمادها كحقيقة نسبية ام لا. .واغلب الحقائق التداولية هي نتاج مصنع الحيوية العقلية، وحقيقة الشيء ليس في وجوده المادي المتحقق وجودا في مطابقة الفكر له، ولا في ادراك ظاهرياته البادية للمحسوسات،كما وليس حقيقة الشيء هو في وجوب معرفته كجوهر وجودي.اذ ربما يمتلك الشيء كيفية وجودية لكنه يعجز ان يكون حقيقة مسّلم بها، مثلما لا يمكن للظاهريات الصورية للشيء الموجود ان تكون وتمثل حقيقة وجودية ذلك الشيء.

ان اهم الاشياء التي تسم وتقوّم بها الحقائق الفلسفية حتى غير المطلقة منها هو في استحالة تحققها تجريبيا كما تتحقق حقائق العلم وحقائق الرياضيات. واهميتها انها وسيلة استدلال لمعرفة غيرها من حقائق الوجود. وفي الكثرة من الموجودات المادية والفكرية . والحقيقة الفلسفية لا تكون مادية ولا فكرية مجردة لا في الواقع ولا في الفكر وانما وجودها افتراضا استدلاليا فقط.

6- الذات في وعيها الفكري للاشياء لا تخلق حقائق وجودية في عملية ميكانيكية تجري في الادراك الحسي ابتداءا، يليها تداخلها مع التفكير العقلاني الذهني واخيرا مع التعبير اللغوي او غير اللغوي عنها .

ان معرفة اية حقيقة فلسفية لا مادية هي مفهوم معياري فكري افتراضي لا يمتلك اسباب انطولوجيته الثابتة الا بواسطة الاستدلال به في معرفة غيره من الحقائق، واستمرار استحداث وحضور حقائق معرفية جديدة ووجود الاشياء في الفكر والواقع لا يتم في غياب الحقيقة الفلسفية الاستدلالية ذاتها الا بعد ثبوت بطلان حقيقتها في توفر اسباب مجاوزتها في حضور حقائق اخرى جديدة تمسخها كليا او جزئيا.

خاتمة

اخيرا هل بامكاننا القول ان الحقيقة الفلسفية انما هي اللغة الفلسفية المعبّرة عن موضوعاتها فقط؟ بايعاز عقلي صادر عن منتج مصنع الحيوية العقلية، بعد اسيتيفاء اية فكرة او حقيقة مجمل اشتراطات العقل، والذات اقصى قدراتها هو في نقلها وجوب وجود الاشياء بايعاز من العقل الادراكي الى حيّز الادراك الواقعي. ويتم هذا في تلازم الفكر واللغة القيام بتنفيذ املاءات العقل في تحديد وجود الشيء ماديا، او في وجوده مدركا لغويا منطقيا تجريديا فقط .؟؟؟

هنا نؤكد على مسألة مهمة هي ان العقل الذي يعتمد الفكر والحواس في تخليق الوجودات والاشياء واعادتها ثانية الى واقع العالم المادي خارج وصاية العقل وادراك الفكر، انما يتم على وفق آلية ان الوجود المادي هو الباعث الاولي لتشغيل ديناميكية العقل في ادراكه الاشياء ومعاملتها عقليا في مصنع الحيوية العقلية قبل اعادتها ثانية الى عالم الاشياء بعد اجراء كافة اشتراطات العقل في تعريفها ظاهراتيا وجوهريا، واسباب وجودها وما اهميتها الخ.ان العقل شأنه شأن وظيفة وعمل الفكر لكن في تعقيد اكبر، وانتاج نوعي ذكي مغاير، وكلاهما العقل والفكر في تلازمهما لا يعملان من دون اسبقية الوجود الواقعي للاشياء على وجودهما وتشغيل وظائف العقل والفكر معا.

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف /الموصل

.......................

الهوامش:

1- هيدجر الوجود والموجود /دز جمال محمد سليمان/ص56

2- نفس المصدر السابق ص58

3- نفس المصدر السابق ص74

4- نقلا عن عبد الوهاب جعفر /الفلسفة واللغة ص67

5- هيدجر الوجود والموجود /جمال محمد سليمان ص64

6- نفس المصدر السابق ص 83

 

 

ميثم الجنابيإن فلسفة الحق هي الصيغة الأكثر نموذجية لمسار المغامرة الإنسانية في ميدان الإبداع النظري والعملي المتعلق بتناسب الحرية والنظام. وهو الأمر الذي جعل ويجعل من فكرة الحق والحقوق جزء من معاناة البشرية بشكل عام، والنزعة العقلية- الأخلاقية بشكل خاص، في تذليل ما أطلق عليه الفلاسفة القدماء عبارة القوة الغضبية، أي الغريزة وبقايا القيم الضيقة. وليس المقصود بالمغامرة الإنسانية الكبرى هنا سوى البحث عن قواعد تربط في كل واحد حصيلة التجارب العقلية والأخلاقية بالشكل الذي يجعل منها منظومة فاعلة في عملية ارتقاء الإنسان، وعلاقاته العامة والخاصة، الى مصاف الرؤية المجردة.

إن حصيلة التجارب الإنسانية بهذا الصدد هي على الدوام صيغ متنوعة ومختلفة ومتباينة من اجل إيجاد النسبة الضرورية بين الحرية والنظام. وهي النسبة التي شكلت من حيث الجوهرية إحدى المرجعيات الخفية والعلنية، المدركة وغير المدركة في صراع القوى الاجتماعية على امتداد التاريخ الإنساني من اجل بناء "المدينة الفاضلة" و"النظام الأرقى". ومن ثم لم يكن اختلاف الرؤى والنظم الفلسفية والعقائدية سوى اختلاف المسالك في بلوغ الغاية المتسامية عن الأمثل والأفضل والأرقى. وهي قيم جوهرية بالنسبة للحق والحقوق بسبب جوهريتها بالنسبة للحقيقة. فالحقيقة هي التي تربط فكرة الحق والحقوق وتؤسس لديمومتهما بوصفهما قيما تاريخية وإنسانية. مما يجعل من التجارب الحقوقية أيا كان شكلها درجة في رقي الإدراك النسبي للوحدة الحية والضرورية بين العقل والأخلاق. مع ما يترتب عليه من إدراك نسبي ودائم لضرورة الوحدة الحية والمتطورة بين الحرية والنظام. وهو الأمر الذي جعل من مرجعية الحرية والنظام – مرجعية كونية وضرورية بالنسبة للرقي التاريخي للإنسان والمجتمعات والأمم والدولة.

إن الارتقاء الفعلي في مسار التأسيس النظري والعملي للوحدة الحية بين الحرية والنظام بوصفها وحدة عقلية أخلاقية هو ارتقاء نسبي وتاريخي وثقافي. بمعنى انه محدد بمستوى تذليل "طبقات" التجارب السابقة لفكرة الحق المجرد. وهي طبقات طبيعية تتراكم في مجرى صيرورة الأمم والدول والثقافة. وعلى قدر ارتقاءها من مصاف الأسطورة والدين والفكرة السياسية (الايدولوجيا والعقائد الأصولية) الى ميدان الاقتصاد والثقافة، ترتقي وتتهذب مكونات الرؤية الحقوقية في موقفها من مرجعية الحرية والنظام بوصفها مرجعية كونية.

غير أن المرجعية الكونية تبقى قبل بلوغها حالة "الإجماع العام" جزءا من تجارب الأمم. وتجارب الأمم تجارب ثقافية، بمعنى أنها لا يمكن أن ترتقي بحد ذاتها الى مصاف "التجربة الكونية". فتجارب الأمم هي نتاج لتأثير مباشر وغير مباشر لماضيها وحاضرها وأثرهما في كيفية حل إشكاليات وجودها الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والجماعة والدولة ضمن إشكاليات المعاصرة. وهو الأمر الذي يجعل من رؤيتها عن فكرة الحق والحقوق جزء من تجاربها التاريخية الثقافية.

بعبارة أخرى، إن الصيغة التاريخية للحق والحقوق هي التعبير النموذجي عن مستوى تطور الدولة والأمة وفكرة الحق في مجرى التأسيس النظري والعملي لمرجعية الحرية والنظام. وعلى كيفية حل هذه القضية تتوقف نوعية وقيمة مساهمتها الفعلية في الارتقاء الى مستوى الحق الثقافي (الإنساني) العام، التي تشكل فلسفة حقوق الإنسان احد نماذجها الرفيعة.

إن المهمة لا تقوم في صناعة أصنام أيا كان نوعها وحجمها ومذاقها، بل في تحطيمها من اجل تأسيس الالتزام الواقعي والعقلاني تجاه الاحتمالات المتنوعة في حل الإشكاليات الكبرى القائمة أمام المجتمع. وذلك لأن مضمون الحرية الحقيقية يقوم في توفير شروط البحث عن البدائل الواقعية والعقلانية وحق تجسيدها في مشاريع تخدم تكامل الفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره، الفرد بمعايير الحقوق والواجبات، والمجتمع بمعايير ضمان شرعية المؤسسات، والدولة بمعايير إدارة وتنمية هذه الشرعية. وهي شروط يستحيل تحقيقها خارج واقع وتجارب التاريخ الفعلي للأمة.

ففي ظروف العالم العربي الحالية يفترض تأسيس الحرية تفكيك البنية التقليدية والاستبدادية والأصولية في الفرد والمجتمع و"الدولة" على كافة المستويات. وهي مهمة ممكنة التحقيق من خلال إرساء المنظومة المتكاملة للحرية الفردية والاجتماعية على أسس عقلانية تدرك حدودها الواقعية ضمن التاريخ المعاصر.

وهي حدود ينبغي أن تستمد مقوماتها من إدراك طبيعة تطور الدولة العربية المعاصرة وأسباب إخفاقها على الصعيد القومي والعالمي. لذا فإن من الضروري أن يكون الإدراك شاملا للبديل الواقعي والعقلاني للإشكاليات الكبرى التي تواجهه في كافة ميادين الحياة، بدأ من التربية والتعليم والصحة وانتهاء بإرساء أسس الحرية كمرجعية ثقافية قومية عبر الإصلاح الدائم لآلية فعل المؤسسات الشرعية للدولة. فهي السلسلة الضرورية لإرساء أسس الحرية بوصفها بحثا عن البدائل العقلانية والواقعية وحق تجسيدها في مشاريع تخدم تكامل الفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره.

ولا يعني جعل الحرية مرجعية ثقافية سوى تحويلها إلى مبدأ متسام وقانوني أعلى من كل التأويلات السياسية والحزبية المشروطة بالمصالح العابرة وأحكام العقائد والتفسير الأيديولوجي المسطح. فهو الأسلوب الذي بجعل الحرية كيانا قادرا على تقيد سلوك الجميع، كالحقيقة بالنسبة للإبداع. وهي غاية يستحيل تحقيقها دون خوض غمار المعركة السياسية والاجتماعية والثقافية المعقدة في ظروف العالم العربي الحالية من اجل تحويل الحرية إلى مرجعية تحكم آلية تنظيم عمل المجتمع على كافة المستويات. وبالتالي غرس الحقيقة القائلة، بان الحرية هي شرط الإبداع الحقيقي وحقيقة الثقافة السياسية الحية. وبالتالي فإنها مهمة فردية واجتماعية يتحمل مسئوليتها الأفراد والحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية بقدر متكافئ. وذلك لأن الحرية هي ليس فعلا فرديا ولا حتى اجتماعيا أو سياسيا أو ثقافيا، بقدر ما هي منظومة متكاملة من القيم والمفاهيم والأفكار والقواعد التي لا يحدها شيء غير إدراك ضرورة التكامل الذاتي للفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره الخاصة. من هنا استحالة بناء منظومة الحرية الفردية دون تكامل وجودها الاجتماعي في مؤسسات المجتمع المدني، ومن المستحيل تحقيق ذلك دون بناء المؤسسات الشرعية للدولة. مما يستلزم في ظروف العالم العربي الحالية، التركيز على أولوية إبداع منظومة الحرية بوصفها رؤية متكاملة تتضمن وحدة الأبعاد التاريخية والسياسية والروحية لفكرة الحرية.

والمقصود بالأبعاد التاريخية لمنظومة الحرية، هي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على صياغة المشروع الواقعي للحرية، أي الصيغة المعقولة لوعي الذات التاريخي المتحرر من استبداد الماضي. ولا يعني ذلك هنا سوى الوعي المتحرر من القبضة اللاهوتية والأيديولوجية والسياسية المباشرة للماضي. إذ ليست فكرة الحرية في صيغتها الواقعية سوى الرؤية التي تفترض كحد أدنى إزالة القدسية عن الماضي، وكحد أعلى الانتماء الحر إليه بمعايير الرؤية الثقافية. وهي رؤية مبنية على توفير الشرط الدائم للاجتهاد الحر، الذي لا يقيده شيئا غير التمسك بقواعد الحق ومنطق الحقيقة.

أما المقصود بالأبعاد السياسية لمنظومة الحرية، فهي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على تحقيق المشروع الواقعي عبر تذليل استبداد الحاضر. بمعنى التخلص جهد الإمكان من ثقل التأثير المباشر لما يسمى بالمهمات الآنية، والسعي لتحقيق الأبعاد الفعلية للحرية، بوصفها حلقة في سلسلة بناء أبعادها الإستراتيجية. فالحرية هي ليست نتاج الحاضر والماضي، بل والمستقبل أيضا. وبالتالي فإن تحريرها من قبضة الماضي يفترض بنفس القدر تحريرها من قبضة الحاضر. ولا يمكن تحقيق ذلك دون إيجاد النسب الضرورية بين تعميق وعي الذات التاريخي الحر باعتباره اجتهادا مخلصا للحق والحقيقة، ورؤية الأبعاد المستقبلية (الإستراتيجية) في كل فعل اجتماعي وسياسي وحقوقي وثقافي واقتصادي آني.

أما المقصود بالأبعاد الروحية لمنظومة الحرية، فهي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على تعميق فكرة تعدد المشاريع وتهذيب البدائل، وبالتالي النظر إلى الحرية بوصفها فعلا يتكامل فيه الماضي والحاضر والمستقبل. إذ ليست الأبعاد الروحية الحقيقية، سوى  مشاريع الإبداع المستندة إلى تراث الأمة ومرجعياتها الثقافية، أي المشاريع التي تبني آفاقها على أساس توليف الرؤية الواقعية والعقلانية والخيال المبدع.

إن توحيد هذه الأبعاد في الذهنية الاجتماعية والسياسية والفكرية للفرد والمجتمع ومؤسسات الدولة، بدأ من مناهج التربية والتعليم وانتهاء بالقانون العام، هو الأسلوب الوحيد لتكامل الحرية بالنظام. وبالتالي تحويل الحرية إلى نظام. مما يجعل من الحرية نظاما ذاتيا للحق المتراكم في الثقافة القومية. وبالتالي يعطي لها شرعية التغير والتبدل والتطور حسب الإجماع العام. وفي هذا تكمن الضمانة الفعالة لوحدة الحرية والنظام بوصفها مرجعية عليا. إذ ليست حقيقة الحرية سوى النظام الذاتي للحق المتراكم في الثقافة القومية.

تبرهن التجارب التاريخية للأمم جميعا على أن حقيقة الحرية هي نظام، كما أن حقيقة النظام هي حرية. فحرية بلا نظام تؤدي بالضرورة إلى حرب أهلية ومن ثم إلى فساد شامل، بينما نظام بلا حرية يؤدي بالضرورة إلى فساد شامل ومن ثم إلى حرب أهلية. مما يعطي لنا إمكانية القول، بان حرية بلا نظام هي كنظام بلا حرية. الوسائل مختلفة والنتيجة واحدة وهي الخراب الشامل. ذلك يعني ضرورة النظر المرن الى وحدة الحرية والنظام. فوحدتهما ليست مطلبا سياسيا أو أمرا مرهونا بمتطلبات السياسة ومهماتها الآنية، بقدر ما ينبع من إدراك ما أسميته بضرورة المرجعيات الثقافية الكبرى بالنسبة لبناء الكينونة العربية وتطويرها المتجانس في مختلف مكوناتها.

ومن دون الخوض في تاريخ فكرة النظام وتأسيسها الفلسفي في مختلف المدارس، أشير هنا فقط إلى أن الجلي فيها كونها لم تزل تشكل محور الرؤية السياسية والأخلاقية للفلسفة ولب فلسفة الحق وفكرة القانون والحقوق. وفي الواقع لا يمكن تخيل الفلسفة الاجتماعية والسياسية والرؤية الحكيمة المستنبطة من تأمل "تاريخ العبر" العالمي دون الوصول إلى إدراك قيمة النظام بالنسبة لآلية فعل الدولة والنتائج المترتبة عليها.

فقد بدأ الفكر الفلسفي والديني ومن قبله الأسطوري والعادي، بفكرة النظام ليجدها في كل تجانس متخيل ومقبول ومعقول. ورفعها بعد ذلك إلى مصاف التجانس التام في الفلسفة، والجنة في الدين. بل حتى أساطير الشعوب وحاكياتها وخرافاتها جعلت من النظام كينونة ذائبة في إعجابها الكبير بالبطولة والحق والخير والشرف والضمير، أي في الفضائل المعقولة القادرة على ترتيب الشعور والإحساس في وجدان أقرب إلى نغم الموسيقى ودقات القلوب العاشقة.

فقد كان "النظام" دائما مكونا جوهريا بالنسبة للوعي الاجتماعي الباحث عن تجانس شامل وتام لوجود الإنسان. وتحول على امتداد التاريخ إلى "فكرة" مركزية التفّ حولها الفكر الأخلاقي بمفاهيم الخير والحسن، والفكر الجمالي بمفاهيم الجميل والرائع، والفكر السياسي بمفاهيم الجمهورية المثلى والمدينة الفاضلة، والفكر الحقوقي بمفاهيم العدل، والمنطق بمفاهيم القواعد. كما شق لنفسه الطريق إلى كل نماذج ومستويات الوعي الاجتماعي بالطريقة التي كان يتلمس ويرى ويسمع ويتذوق ويرى النسب الحسنة والجميلة والمثالية والعادلة والمنطقية، أي الشعور بقيمة وأهمية وفاعلية النظام المتسامي في الوجود. من هنا، فإن حقيقة النظام تتعارض تمام التعارض مع ما هو متعارف عليه ومألوف في عرف الدكتاتوريات الفجة، التي لا يتعدى مضمونه عندها أكثر من هراوة تهشيم الحسن والجميل والمنطق والعدل في الوجود. وهو "نظام" يشكل بحد ذاته خروجا على حقيقة وجود الأشياء وتدميرا لها، مهما بدا في الظاهر "فعالا" و"مغريا" في "إنجازاته" المباشرة. وذلك لأن حقيقة النظام تقوم في توفير شروط الحرية بوصفها بحثا عن البدائل الواقعية والعقلانية وحق تجسيدها في مشاريع تخدم تكامل الفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره، الفرد بمعايير الحقوق والواجبات، والمجتمع بمعايير ضمان شرعية المؤسسات، والدولة بمعايير إدارة وتنمية هذه الشرعية. وهي شروط يستحيل تحقيقها خارج واقع وتجارب التاريخ الفعلي للأمة. ذلك يعني إن حقيقة النظام بوصفه مرجعية هو مرجعية المنظومة.

وفي ظروف العالم العربي الحالية يفترض تأسيس النظام تفكيك البنية التقليدية والأصولية في الفرد والمجتمع و"الدولة"، عبر إرساء المنظومة المتكاملة للنظام الاجتماعي والسياسي والحقوقي على أسس عقلانية تدرك حدودها الواقعية ضمن تاريخ العالم العربي المعاصر. وهي حدود ينبغي أن تستمد مقوماتها من إدراك مستوى الخراب الذي حل في بنية الدولة والمجتمع والثقافة في العالم العربي. وهو خراب يرتقي في غلب مكوناته الى مستوى "المنظومة" من ها ضرورة أن يكون الإدراك شاملا للبديل الواقعي والعقلاني في فكرة النظام بوصفه مرجعية ثقافية. وهو أمر ممكن التحقيق عبر الإصلاح الدائم لآلية فعل المؤسسات الشرعية للدولة، باعتباره الشرط الضروري لإرساء أسس النظام بوصفه بحثا عن البدائل العقلانية والواقعية وحق تجسيدها في مشاريع تخدم تكامل الفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره.

ولا يعني جعل النظام مرجعية ثقافية سوى تحويلها إلى مبدأ متسام وقانوني أعلى من كل التأويلات السياسية والحزبية المشروطة بالمصالح العابرة وأحكام العقائد والتفسير الأيديولوجي المسطح. بمعنى تحويل النظام إلى مرجعية تحكم حرية تنظيم عمل المجتمع على كافة المستويات. وبالتالي غرس الحقيقة القائلة، بان النظام هو شرط الحرية وحقيقة الثقافة السياسية الحية. وهي مهمة يتحمل وزرها الأفراد والحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية بقدر متكافئ. وذلك لان حقيقة النظام هي منظومة متكاملة من القيم والمفاهيم والأفكار والقواعد التي لا يحدها شيء غير إدراك ضرورة التكامل الذاتي للفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره الخاصة. من هنا استحالة بناء النظام بوصفه منظومة دون تكاملها الاجتماعي في مؤسسات المجتمع المدني، ومن المستحيل تحقيق ذلك دون بناء المؤسسات الشرعية للدولة. وهو أمر يستلزم في ظروف العالم العربي الحالية التركيز على أولوية بناء الهوية الوطنية والقومية بمعايير الرؤية الثقافية من خلال تأسيس رؤية متكاملة تتضمن في ذاتها وحدة الأبعاد التاريخية والسياسية والروحية لفكرة النظام نفسها.

والمقصود بالأبعاد التاريخية للنظام هي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على صياغة المشروع الواقعي للنظام استنادا إلى تجربة كل بلد عربي لحاله والعالم العربي ككل. وهو مشروع ينبغي أن يذلل كل المكونات التاريخية للتقليدية والأصولية من اجل غرس نموذج للوعي الذاتي مبني على أسس عقلانية لفكرة النظام الاجتماعي والدولة الشرعية ومؤسساتها القانونية. وهي أسس ينبغي أن تعمل على تعميق وتجذير الحرية الفردية والاجتماعية بوصفها الضمانة الذاتية للنظام.

أما المقصود بالأبعاد السياسية للنظام فهي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على تحقيق البديل الشامل لأنظمة الحكم الدكتاتورية. بمعنى ترسيخ وتوسيع القاعدة الاجتماعية للمشاركة السياسية، بما يكفل بناء منظومة الحكم الديمقراطي وشرعية المؤسسات. ومن ثم جعل الحرية والنظام مكوكا فعالا لغزل مكونات ومقومات المجتمع المدني.

أما الأبعاد الروحية للنظام فهي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على تعميق فكرة النظام بوصفه مرجعية ثقافية، أي منظومة متكاملة من القيم والأفكار والقواعد ملزمة للجميع بقدر متساو يحكمها القانون المدني والدستور الدائم.

إن بناء وحدة هذه الأبعاد في الذهنية الاجتماعية والسياسية والفكرية للفرد والمجتمع ومؤسسات الدولة بدء من مناهج التربية والتعليم وانتهاء بالقانون العام الأسلوب الوحيد القادر على بناء تكامل حي لوحدة النظام والحرية. وبالتالي تحويل الحرية إلى نظام، والنظام  إلى حرية. ومن ثم تآلفهما في وحدة ذاتية ترتقي إلى مصاف المرجعية الثقافية - السياسية الكبرى. وفي هذا تكمن الضمانة الفعالة لحيوية الحرية والنظام بوصفها مرجعية. فهي الوحدة الوحيدة، التي تعطي للنظام معنى الحرية من حيث قدرته على إبداع نظام ذاتي للحق متراكم في الثقافة القومية نفسها.

إن "حقوق الإنسان" ليست لائحة بل جزء من تجارب الأمم. وهي تجارب متنوعة لكنها محكومة من حيث الجوهر بغاية واحدة، ألا وهي التأسيس المعقول للقيم بالشكل الذي يجعل منها منظومة متكاملة للارتقاء بالمصلحة العامة والخاصة الى مستوى الحقيقة والمنطق.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

حاتم حميد محسنالانطباع المألوف لدينا ان التاريخ ليس اكثر من سجل لأحداث الماضي. غير ان هيجل (1770-1831) اعتقد ان تاريخ العالم ليس فقط عبارة عن سلسلة عشوائية من الأحداث وانما هو يتقدم عقلانيا طبقا لهدف معين. هذا قاد البعض الى الاعتقاد الخاطئ بان هيجل يرى ان التاريخ يتبع مسارا مقرر سلفا، وبهذا فان فلسفته يمكنها الكشف عن مسار الأحداث في المستقبل. سوء الفهم هذا عادة ترافق مع اتهام هيجل بانه يسعى لفرض مشروعه الميتافيزيقي على الحقائق التاريخية، لكي يطابقها مع نظريته. سنرى ان هذه آراء خاطئة جدا وان هيجل بريء ايضا من فكرة اعتقاده "بنهاية التاريخ"- فكرة ان التاريخ قد اُنجز في لحظته التاريخية المعينة.

كيف تعمل نظرية هيجل في التاريخ؟

عرض هيجل فلسفته في التاريخ بشكل واضح في (محاضرات في فلسفة التاريخ العالمي) التي ألقاها في جامعة برلين في الاعوام 1822 و 1828 و 1830. في مقدمته لتلك المحاضرات قال هيجل ان هناك عقل في التاريخ "العقل يحكم العالم" وعليه فان تاريخ العالم هو التقدم في العقل.

ماذا يعني هيجل بالعقل في التاريخ؟ هو في ذهنه تفسير تيليلوجي (غائي) – وهي الفكرة بان التاريخ يمتثل لتصميم او غرض محدد (هذه الفكرة سُميت ايضا بالتاريخانية historicism). هو يقارن هذا بالفكرة المسيحية عن عناية الرب. التحليل التاريخي من المنظور المسيحي يكشف حاكمية الله للعالم وان تاريخ العالم يُفهم كتنفيذ لخطته. هيجل لديه فكرة خاصة عن الله الذي يسميه Geist وتعني الروح او الذهن. الفهم الفلسفي للتقدم في تاريخ العالم يمكّننا من معرفة هذا الاله وادراك طبيعته وهدفه.

بالنسبة لهيجل، هدف التاريخ هو التقدم في وعي الحرية. التقدم هو عقلاني بمقدار ما يمتثل لهذا التطور. هذا التطور العقلاني هو التطور في حيازة الله على وعي لذاته، طالما ان طبيعة الروح هي الحرية. هيجل ايضا يشير الى الله بـ"روح العالم" التي تكشف عن ذاتها من خلال الوعي الانساني المتجسد بثقافة المجتمع، خاصة في الفن والدين والفلسفة (وهو الثلاثي الذي يسميه هيجل التعبير عن "الروح المطلقة"). وكما اوضح هيجل في فينومونولوجيا الروح عام 1807 ان الروح هي "الحياة الاخلاقية للامة". بالنسبة له، ان التقدم العقلاني في التاريخ يتم فقط بمقدار التقدم في الوعي الذاتي لروح العالم وذلك من خلال ثقافة الانسان عبر وعي الحرية.

من الضروري التأكيد جدا ان هيجل لا يعني بالحرية المقدرة غير المقيدة بعمل اي شيء نحب، في فلسفة الحق عام 1820 اطلق هيجل على هذا النوع من الحرية بـ "الحرية السلبية" ويقول انها طريقة غير ناضجة فكريا لفهم الحرية. ما يعنيه هيجل بالحرية هو أقرب الى فكرة عمانوئيل كانط وحيث الفرد الحر هو الذي يتخذ بوعيه الذاتي خيارات طوعية طبقا لمبادئ عالمية وقوانين اخلاقية، فهو لايتابع فقط رغباته الفردية. يدّعي هيجل ان افراد الامة اذا سعوا فقط لمتعهم الشخصية فهذا سيقود الى انهيار حتمي للامة.

الهدف من تاريخ العالم هو تطوير الوعي الذاتي للروح والذي هو الوعي الذاتي للحرية. النقطة الجوهرية والحاسمة لدى هيجل هي ان روح العالم لا تمتلك هدفا واعيا تنطلق لتحقيقه، وانما الهدف يصبح معروفا فقط بعد ان تنجز الروح هدفها. وبهذا فان هدف التاريخ يمكن فهمه فقط بأثر رجعي في ضوء أحداث الماضي. بمعنى، لكي يفهم المرء التطور التاريخي، عليه ان يعرف النتيجة لكي يتعقب بأثر رجعي العوامل التي قادت اليه. وكما يوضح هيجل، الضرورة التاريخية تنشأ من خلال الاشتراط التاريخي، اي ان النتيجة تعطي لسببها مظهر الضرورة.فمثلا، عندما أمسك قطار الساعة الثامنة للذهاب للعمل، انا افترض ان يأتي القطار في الوقت المحدد (وهو توقّع غير واقعي)، ثم الوصول الى العمل في الوقت المحدد، عندئذ من الضروري لي ان امسك القطار، لكن هذا لا يعني انا كنت دائما امسك القطار بنفس الطريقة، المسألة بالنسبة لهيجل هي ان التاريخ ليس مقرر سلفا وانما هدف التاريخ يمكن بلوغه تراجعيا في ضوء احداث الماضي. بلوغ هذا الهدف هو الهدف في عملية التاريخ.

نحن نستطيع ايضا ان نرى ان هيجل لا يسعى فقط لتوضيح الكيفية التي أثّر بها الماضي على الحاضر وانما ايضا تأثير الحاضر على تفسيرنا للماضي. يشير هيجل الى ان مهمة الفلسفة ليست التنبؤ او التكهن لأن الفلسفة تصل دائما متأخرة، كما ورد في مقولته الشهيرة"بوم منيرفا تطير فقط عند حلول الظلام". وبكلمة اخرى، الفلسفة او الحكمة تستطيع فقط تحليل التاريخ بأثر رجعي من وجهة نظر الحاضر. وبهذا لا يعتقد هيجل ان فلسفته في التاريخ يجب ان تُفرض على الحقائق. بالعكس، هو يؤكد اننا يجب ان نختبر حقائق التاريخ (او في الحقيقة الحقائق لأي مسألة اخرى) كما تعرض نفسها هي ميدانيا ولأجلها بالذات. نحن نستطيع حينئذ اشتقاق فلسفتنا او الحكمة من هذه الحقائق بدون فرض اي تصورات ميتافيزيقية مسبقة عليها. هذا يعني ايضا انه بالرغم من ان هيجل يرى عقلا في التاريخ، فان هذا العقل يمكن فهمه فلسفيا كليا فقط عندما يكتمل هدف التاريخ.

هيجل يتصور تاريخ العالم قد تطور طبقا لعمليات ديالكتيكية. الديالكتيك الهيجلي عادة يوصف بهذه الطريقة: الفرضية تثير فكرتها المضادة، والاثنان مجتمعان يعطيان دفعا لفكرة تضم عناصر من كلا الاثنين (المركب). لكن هيجل لم يستخدم ابدا ذلك المصطلح رغم انه بالفعل يوحي ببعض المعنى في ذهنه . هيجل ذاته اطلق على الخاصية الرئيسية للديالكتيك "Aufhebung"الكلمة التي تتضمن معاني "يتغلب"، "يلغي" ، "يحافظ على الشيء" . كل فكرة غير تامة، وبالذات اي مفهوم غير تام للحرية، يحتوي في ذاته على تناقضاته الداخلية، والمركب هو العملية التي تأتي فيها التناقضات موحدة في مبدأ أعلى. وهكذا هناك صراع في العملية الديالكتيكية الهيجلية بين المفهوم ونقيضه الخارجي الذي يتطور الى نقيض داخلي وحيث المفهوم يصارع مع ذاته، وخلال هذا الصراع يتغلب المفهوم وفي نفس الوقت يتم الابقاء عليه في اتحاد مع نقيضه في مستوى أعلى. عندئذ المفهوم الجديد المُنتج بهذه الطريقة يباشر نفس العملية مرة اخرى، وهكذا، فان التاريخ يتقدم في نوع من الحركة اللولبية المستمرة.

لكي نفهم هذا، يُستحسن ان ننظر بالكيفية التي ناقش بها هيجل التاريخ الحقيقي.

ما هي نظرية هيجل في التاريخ؟

 لكي يصف التطور في وعي الحرية، يقسّم هيجل تاريخ العالم الى ثلاث ثقافات رئيسية او مراحل. في العصر الاستبدادي، والذي حسب هيجل يتميز بعالم الشرق قبل الاغريق وفيه يعرف الناس ان هناك فقط شخص واحد حر هو الحاكم. بعد ذلك عرف اليونان والرومان ان بعض الافراد او المواطنين احرار. اخيرا، الشعب الالماني (غرب اوربا) ومن خلال تأثير المسيحية، عرف ان كل الافراد او الكائنات البشرية احرار. من المهم جدا ان ندرك ان هيجل لا يريد فقط ان يبين ان مقدار الحرية قد ازداد على مر التاريخ، وانما ان مفهوم الحرية ذاته تغير جذريا. واذا كان هناك تطور في مفهوم الحرية، سيكون هناك ايضا تطور في طبيعة الروح طالما ان الروح تتميز بالحرية.

وبتفصيل اكثر، يميز هيجل هذا التطور الى اربع مراحل معينة. في العالم الشرقي، الناس عرفوا ان الحاكم وحده حرا. بما ان روح الحرية كانت متأصلة او متجلية فقط ضمن فرد واحد والذي نال حريته بفعل الولادة، فان هذه الحرية هي ليست اكثر من عشوائية. كذلك، الناس كانوا غير واعين بالحرية الشخصية ضمن ذواتهم، وبهذا يعتبر هيجل هذه فترة "الطفولة"بتطور الروح.

وعي الحرية الذاتية ظهر اول مرة في عالم اليونان، ولكن حتى اليونان لم يدركوا ان كل الناس احرار. الحياة الاخلاقية (او الروح المطلقة) لليونان كانت تتميز بالقناعة بالأعراف. الناس عاشوا في انسجام نسبي مع تقاليد وعادات المجتمع التقليدية. مع ذلك كانت هذه طريقة حياة متناقضة ذاتيا لأن الناس لم يستجوبوا حقوق واخلاق وعادات الدولة وهكذا هم لازالوا يفتقرون الى وعي ذاتي متطور بما يكفي. ولذلك كان في مجتمع اليونان توترا فطريا بين الحرية الفردية والمبادئ العالمية للدولة . هيجل يقارن هذا التوتر بفترة البلوغ لدى الشباب. هذا التوتر قاد سقراط لتشجيع الناس للتفكير بالاخلاق السائدة، ومن ثم تشجيع الروح لإعادة ايقاض ذاتها.

وفي الفترة اللاحقة للامبراطورية الرومانية جرى الاعتراف بالحرية الذاتية كشكل من الحقوق الرسمية للمواطنين، لكن هذه الفكرة للحرية كانت شديدة التجريد وفوق الحياة المادية اليومية للمواطنين. وبهذا، كانت الروح في مرحلة الاغتراب الذاتي. الحرية الحقيقية لم تبرز الا مع ظهور المسيحية في العالم الجرماني، حينما جرى فهم الحرية كجوهر للانسان. لذا فان المسيحية هي هامة لهيجل طالما ان الكائن الانساني فقط من خلال يسوع المسيح الذي يسميه هيجل(الله-الانسان) يجد جوهر الروح ضمن ذاته ويتغلب على اغترابه من الله (من عالم الروح).

المسيحية كانت جبهة الحياة الفكرية الامامية طوال القرون الوسطى. غير ان هيجل رأى مسيحية القرون الوسطى كمثال حي على ما اسماه "الوعي غير السعيد"نظرا لما اعتبره كفشل للكنيسة في التوسط بين الافراد والله. كانت الثورة الفرنسية اللحظة التاريخية العالمية المعينة فيها اصبحت الروح واعية حقا بذاتها، حين هربت من الحرية "المطلقة"وبلغت الحرية "الملموسة"من خلال القوانين المطبقة على الناس. حتى في ايامه الاخيرة ظل هيجل سعيدا جدا بالثورة الفرنسية واصفا اياها بـ "الفجر الفكري المجيد".

وبهذا فان روح العالم تطورت ديالكتيكيا طوال التاريخ بسلسلة من الصراعات مع ذاتها. الروح لا يمكنها التغلب على مرحلة اغترابها عن ذاتها الا من خلال ادراك هذا الاغتراب. كل مرحلة كانت ضرورية تماما في تطور الوعي الذاتي للروح، لكن ضرورة كل مرحلة لا يمكن بلوغها الا تراجعيا.

نهاية التاريخ

ما الذي يقود روح العالم نحو الوعي التام بالحرية؟ وكيف يصبح الافراد واعين بهدف التاريخ او الوعي المُنجز؟

بالنسبة الى هيجل، تاريخ العالم يقوده "الافراد التاريخيون" او "الرجال العظام" مثل سقراط ويوليوس قيصر او نابليون. هم وحدهم قادرون في التأثير على موجات التاريخ ودفعه نحو الوعي الذاتي للحرية. وفي رسالة كتبها لصديقه فردريك نيذامار عام 1806 وصف هيجل نابليون وهو يمتطي حصانه باعجاب مفرط "روح العالم على ظهر حصان".غير ان الكثير من هؤلاء الافراد التاريخيين يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة، هم تستخدمهم الروح دون معرفة للتحرك نحو بلوغ وعيها الذاتي. هيجل يسمي هذا "مكر العقل".

ولكن كيف يكون سعي الافراد التاريخيين لمصالحهم الفردية نتيجة لعمل العقل في التاريخ ومن ثم تشجيع تطوير الحرية؟ جواب هيجل كان عبقريا. هو لاحظ ان اي فرد يعمل بنشاط لدعم سبب مهم تاريخيا هو ليس فقط طرف مهتم ذاتيا يبحث عن الاشباع، هو يجب ايضا ان يكون مهتم جدا في السبب ذاته. وهذا السبب، كونه تجلّي لمرحلة معينة من التقدم في تاريخ العقل، يجب ان يؤدي الى تقدم شمولي نحو بلوغ الحرية الانسانية.

البعض لاسيما فرنسيس فوكاياما فهم هيجل على الشكل التالي: بما ان تاريخ العالم كوعي ذاتي للحرية الانسانية قد تحقق في زمانه، فان العالم قد وصل نهاية التاريخ.

يجب التأكيد على الطريقة التي يستخدم بها هيجل كلمة "تاريخ" والتي بالطبع هي كشف العقل للتقدم بوعي الحرية. فوكاياما يرى ان بلوغ الحرية هذا حدث حقا مع انهيار جدار برلين عام 1989 مشيرا الى نهاية الشيوعية في اوربا والى انتصار الديمقراطية الليبرالية على كل الانظمة الاخرى للحكم. فكرة فوكاياما هي ان الديمقراطية الليبرالية هي الشكل الاخير لمجتمع يجسد الوعي الذاتي بالحرية. ولكن هيجل لم يقترح او يقبل اي نوع من الليبرالية السائدة في المجتمع الحديث . هيجل رأى في الليبرالية خاصة في فرنسا الليبرالية في زمانه توترا بين حقوق الفرد ووحدة المجتمع. يبدو ان هيجل ذاته رفض الليبرالية كآيديولوجية لأنه اعتقد انها تقود الناس لوضع مصالحهم الانانية فوق المبادئ الكلية المعززة للدولة، وبهذا فان الليبرالية على الاقل في زمانه لا يمكن ان تكون نظام سياسي وسوسيواقتصادي مستقر."هذا الاصطدام كما يذكر هيجل في استنتاجه في (محاضرات في فلسفة التاريخ) وهذه المشكلة هي التي شغلت التاريخ الآن وان حلها يجب انجازه في المستقبل". من المهم ايضا ملاحظة ان هيجل لايعني "نهاية التاريخ"بمعنى ان التطور التاريخي ينتهي في لحظته التاريخية في اوربا. في الحقيقة، فيما يتعلق بالمحتوى الحقيقي لتاريخ العالم، وصعود الاستقلال الامريكي آنذاك، لاحظ هيجل بوضوح ان "امريكا لهذا السبب هي بلد المستقبل، وان اهميتها التاريخية الخاصة بحاجة ليُكشف عنها في العصور القادمة".

ان ذكر هيجل لـ "المستقبل"في سياق خاص لتاريخ العالم في هذين الاقتباسين الاخيرين له اهمية خاصة هنا، ذلك انه يقترح ان هذه ليست مجرد اشارة وانما شيء ما منهجي. هيجل لايدّعي المعرفة بما في المستقبل، وحتى لو كان الوعي بالحرية هو الان يتجسد بشكل كامل في العالم، فذلك لا يعني ان المستقبل يجب ان يكون كُتب سلفا. بالعكس، هيجل يعتقد انه بسبب كون التاريخ مشروط بشيء اخر فلا وجود لاستنتاجات بشأن المستقبل. هذه النقاط تشير بوضوح ان هيجل لم يعتقد بان الليبرالية هي نهاية التاريخ، وليست هناك اي طريقة متصورة للتاريخ انتهت عند لحظته التاريخية المعينة. ما يعنيه هيجل بنهاية التاريخ ليس عدم وجود تطورات اخرى، وانما هدف التاريخ قد تحقق، والعالم الان واع بالحرية، وان روح العالم تعرف ذاتها كحقيقة نهائية – وهو ما يشير له هيجل "بالمعرفة المطلقة".

نستنتج ان هيجل يرى التاريخ غير مقرر ولا مغلق، ولا هو عند نهايته، وانما هو اشتراطي ومنفتح راديكاليا. الماضي محفوظ في الحاضر بالمقدار الذي يصوغ فيه الحاضر في تطوير الوعي الذاتي للحرية الانسانية التي نمتلكها الان. هذا الفهم هو ميراث هيجل الذي نحتاجه اليوم.

Hegel on History, Philosophy Now, Dec-Jan2019

 

حاتم حميد محسن

 

(إن التعليم يجب أن يغذي الرغبة في الوصول إلى الحقيقة .. لا الإيمان بأنّ عقيدة معينة هي الحقيقة). برتراند رسل . 

إن المنطلق الأنسي لمن ينظر بأفق كوني مفتوح متجرد من إكراهات الماضي وعنفه الرمزي، وينظر بانفتاح ديني باتجاه الانسانية من دون أن يتحجر في كهوف الماضي وحزازاته التي سوف تحول من دون معرفة الآخر والتواصل معه انسانيا، فالتحرر باب للتواصل الأنسي .أما الأمر الآخر؛ فهو الانعتاق من المعتقدات المتباينة التي تجعلنا نحب ونتواصل مع ناس ونكره آخرين على أسس الهوية المذهبية أو الدينية أو القومية؛فالدين العقلاني يحتوي الجميع لأن المتدين العقلاني من يشفق على كل الناس .

يأتي هذا المقال كبحث في أواصر الكونية ومعرفة الآخر والتواصل معه انسانيا،فالأنسية المسيحية كانت محاولة مهمة في وقتها للخروج من هيمنة الآخر على الفرد وجعله سجين أحكام مسبقة ضيقة؛ لهذا كان من الضروري البحث عن كل ما هو محذوف ومنفي في الذاكرة والثقافة الغربية المسيحية ومن هنا جاء مشروع الإصلاح الأنسي المسيحي يحاول تجاوز إكراهات المذهبية والعمل على إحياء التراث الإنساني الذي اقصته الكنيسة وعدته وثنياً، ومن اجل ممارسة النقد كان لابد من إحياء هذا الجزء من الذات ألا وهو عقلانية القدماء من اليونان والرومان على صعيد المنهج والرؤية العقلية والجمالية في الأدب والمسرح .وأحد أبرز ملامح هذه النزعة هي تلك التي كان احد رموزها "إيرازموس" .

أولا: النزعه الأنسية:

إن الحفر المعرفي لمصطلح الأنسنة humanistas يفضي بنا إلى تجلي ماهية الإنسان المتمثلة في الصفات التي يتميز بها النوع الإنساني، وهو في الوقت نفسه فرع معرفي يسعى إلى تخطي العصر الوسيط من خلال قطيعة معرفية مع المركزية اللاهوتية وسردياتها الكبرى المتمثلة في: (الأدب المقدس و الفلسفة واللاهوت والفنون المسيحية) مثل: استعمال الحكايات المجازية أو الاسطورية، أو الشعائر والطقوس وخلع التقديس على الأشياء، و الترميز، والتحوير و الأساليب المجازية (1)، ولأجل تحقيق تلك القطيعة جاءت تلك اللحظة في استعادة الخطاب العقلاني الوثني اليوناني والروماني بكل حمولته العقلية من فلسفة وفنون لتكون بمثابة البديل الدنيوي بمقابل الخطابات الدينية المسيحية التيولوجية التي كانت بمثابة مجموعة من الاعتقادات التي أصبحت تمارس سلطة النفوذ، يمكن ان نضع لها ملامح عامة منها الآتي:

من حيث الموضوع فهي تلك الفلسفة أو النزعة الإنسانية Humanistas التي تعني "تعهد الإنسان لنفسه بالعلوم الليبرالية التي بها يكون جلاء حقيقته كإنسان .(2) ومن ثم فهي تضع الإنسان والقيم الإنسانية فوق كل شيء. وهي تعد الإنسان أجمل الكائنات وأفضلها وأرقاها وتثق به وبإمكانياته كل الثقة. والواقع إن الذي يثق بالإنسان ويتفاءل به وبمقدراته. فضلاً عن كون الإنسان يشكل بالنسبة له القيمة العليا التي لا قيمة فوقها. والإنسان بالنسبة له غاية بحد ذاتها وليس وسيلة بأي شكل من الأشكال.(3)

وفيما يخص المكان الذي ظهرت فيه فقد نشأت هذه الحركة الثقافية في إيطاليا أولا وفي القرن الرابع عشر الميلادي. ثم انتشرت من هناك إلى بقية أنحاء أوروبا وبلغت ذروتها في القرن السادس عشر: عصر النهضة بامتياز. فكل معرفة لا تهدف إلى الرفع من شأن الإنسان أو ترقيته لا جدوى لها ولا لزوم. وراحوا يحلمون ببناء مجتمع يختلف عن مجتمع القرون الوسطى المستكين لأقوال الكهنة والمستسلم للمقادير والظروف. راحوا يحلمون بتثقيف الإنسان وتهذيبه؛ لكي يصبح عقلانيا ذكيا معتمدا على نفسه وإمكانياته لا متواكلا ولا كسولا. وقالوا بأنّ التوصل إلى ذلك لا يمكن أن يتم من خلال الاعتماد على الكتب الصفراء لرجال الدين المسيحيين وإنما من خلال كتب كبار شعراء وفلاسفة اليونان والرومان (عدّوا دراسة القدماء كفيلة وحدها بتكوين الإنسان بمعنى الكلمة، فسميّت هذه النزعة بالإنسانية أي المذهب الإنساني، وسميت الآداب بمعنى القديمة بالإنسانية .).(4)

اهم سماتها الجانب الإحيائي للتراث السابق للمسيحية والذي تعرض للنفي والحذف من قبل الكنيسة بوصفه وثنياً فقد عاد المفكرون الأوروبيون إلى النصوص الوثنية اليونانية ـ الرومانية التي كانوا قد نسوها أو أهملوها طيلة العصور الوسطى المظلمة. لقد عادوا لاكتشاف نصوص أفلاطون وأرسطو وهوميروس وفيرجيل وشيشرون وسواهم آخرين.

أما أبرز مفكريها فيأتي مفكرنا " ايراسموس" الذي لقبوه بأمير عصر النهضة، إلى جانب كل من: (بيترارك، وبيك الميراندولي، ومارسيل فيشان).

ما يميز هذه النزعة أنها تبحث عن إحياء الإنسان ومن أجل هذا وجهت نقداً للكنيسه ورجالها وما يمثلوه من أصولية دينية متزمتة .اذ ضاق كل هؤلاء ذرعا برجال الدين ومواعظهم وأفكارهم التقليدية المكررة منذ مئات السنين. وشعروا بالاختناق في ذلك الجو المغلق للعصور الوسطى؛ولذلك راحوا يقفزون على كل العصور الوسطى التي تتجاوز ألف سنة؛ لكي يعودوا إلى أجواء اليونان والرومان إذ كانت الحرية متوافرة. وهكذا راح كبار كتاب اليونان يترجمون إلى اللغة اللاتينية أو اللغات القومية الأوروبية التي كانت في طور الانبثاق حينها: كـ(الإيطالية، والفرنسية، والإنجليزية، والألمانية)، الخ.

حال العلوم الانسانية قبل هذه النزعة: في أثناء العصور الوسطى كانوا يتحدثون عن الآداب الإنسانية والآداب الإلهية. وكانوا يقصدون بالأولى مجمل المعارف الدنيوية التي يدرسونها للطلاب في كليات الفنون والبلاغة في جامعة باريس حيث الفنون الجميلة أو الحرة . وأما الثانية فكانوا يدرسونها في كليات اللاهوت المسيحي إذ يهتمون بالدين والإنجيل وشرحه والتعليق عليه. وكانت الدراسات اللاهوتية تهيمن على الدراسات الإنسانية بشكل واضح طيلة العصور الوسطى؛ وذلك لأن العلوم الإلهية أشرف من العلوم الإنسانية وأجل شأنا .(5)

الا إن (دراسة الفنون كانت تمهيداً و إعداداً للدراسات اللاهوتية أو الفقهية أو الطبية، فيتقدمون فيها إلى الدرجات الثلاث . وكان بوسع كل حاصل على درجة أن يفتح مدرسة، فكانت حرية تامة فاتسع نطاقة .وكان الحد الأدنى في دراسة الفنون ست سنين، وفي دراسة اللاهوت ثمانيا . وكان الحد الأدنى لسن الأستاذ العشرين للفنون، والرابعة والثلاثين للاهوت)(6)

دور الفلسفة في ما قبل النزعة الأنسية:

تعد الفلسفة خادمة لعلم اللاهوت المسيحي. وكان كلام رجال الدين شبه معصوم ولا يمكن أن يناقش وإنما يطاع فقط. ثم ابتدأت الأمور تتغير منذ القرن الرابع عشر الميلادي إذ ظهر بيترارك وتجرأ على إبداء إعجابه بالكتّاب الوثنيين السابقين على المسيحية. ثم تلاه آخرون عديدون وساروا على الخط نفسه . وبرر هؤلاء أخذهم عن فلاسفة اليونان والرومان بأنّ كتبهم تحتوي على الحكمة والعلم والعقلانية الصائبة على الرغم من وثنيتها. وبالآتي فيجوز الأخذ عنهم.

ظهور الطباعة أسهم في انتشار هذه النزعة؛ ففي السابق كان نساخة الكتاب تستغرق أسابيع عديدة أو شهورا. وأما الآن فقد أصبحت طباعته وبمئات النسخ تتم بين عشية وضحاها.. هنا نكتشف أهمية التكنولوجيا.(7)

ثانيا: الأنسية "إيرازموس":

ويمكن أن نعد المفكر الهولندي ايراسموس أكبر مثال على هذا النوع، باللاتينية: Desiderius Erasmus Roterodamus) عاش في (روتردام ح. 1469- بال 11 يوليو 1536 م) هو فيلسوف هولندي، من رواد الحركة الإنسانية في أوروبا، كان يكتب باللغة اللاتينية.

يبدو أن "إيرازموس" كان مولعاً بالجنون فقد عرف عنه طبعه الساخر (مناظرة في مدح الجنون)، وبالإنسان، ومن خلال ذلك حاول أن يضع مبادئ الحركة ويؤسس الى إنسية دينية من خلال كل هذا يظهر أنه كان يتمتع بشخصية مستقلة تظهر في تعليقاته على نصوص العهد الجديد، يبدو لدى النقاد إنه كان ينوي إحداث مقاربة لما كان يبدو حينها متباعداً بين الأنسيين والدين المسيحي ممثلا بالمذهب الكاثوليكي.

يبدو أن اسمه "ديزيدريوس أرازموس" ومعناه "الحبيب المرغوب" فيه معنى انطولوجي عميق بين الايروسية وطابعها الدنيوي والفضيلة الدينية وطابعها المقدس، هكذا كان ابوه بين كونه رجل الدين، وكاتب من الدرجة الثانية، وقد طغت على سلوكه الايروسية وأخرجته من فضيلة (رجل الدين) يوم وقع مع مرجريت ابنة طبيبة وأرملة، فكانت النتيجة ابن غير شرعي وقد وسمت حالته تلك بهذا الاسم "الحبيب المرغوب به"، كتأجج لحظة ايروسية .اذ تربى وتعلم بين الهولندية لغته الوطنية واللاتينية لغة الثقافة الدينية وعلومها، وقد اخذت تنفتح على التراث الأنسي القديم، وقد تمكن منها بصورة مذهلة.

وكانت رحلته في الدير قد بدأت يوم فارقه اباه عام 1484م، فاصبح اليتم رفيقه وحياة الدير عالمه تغلفه بأخلاقيات الزهد والعفة الأخلاقية كونه راهب أوغسطيني، اذ عاش سنيناً عديدة في دير "ديرامأوس"، في ظل تلك الحياة الزاهدة التي خلقت منه فتى مرهق من الصيام وروح متعطشة الى الحرية " على الرغم من قبوله في سنة 1492م أن يرسم قساً؛ولكنه أينما اتجه نازعته نفسه إلى أن يضع قدمه على مكان آخر. كان يحسد الذين التحقوا بالجامعة بعد إنهاء تعليمهم المحلي".(8)

إلا أن انفتاحه على الأنسية جعله يقترب من أجواء أثينا من خلال: (حكمة افلاطون، ومآسي يوروبيد، وحياة زينون وابيقور)، فغدت تلك المدينة المستعادة في مدونات الأنسيين مألوفة، مثلما كان يعيش أجواء روما عبر آداب اللاتينية وحكمتها حيث سيشرون وهوراس وسينيكا فكلا المدينتين كانتا حقيقتين بالنسبة له مثلهما في ذلك مثل شاطئ السين الأيسر. (وكان سينيكا في نظره مسيحياً صالحاً مثل سانت وهكذا، رحل باختياره في غمرات الماضي واكتشف لورنزو فالا، واستطابس طعم اللاتينية الأنيقة) (9)، لقد كانت الأنسية تلك بكل انفتاحها العقلي قد مكنته من أن يدرك أوهام الكهف الذي يعيشه:

فأدرك إن تلك الشرعية التي اختلقتها الكنيسة وأسست عليها شرعيتها المتمثلة بـ "هبة قسطنطين" (10) زائفه لا تصمد أمام النقد التاريخي .

ولقد أدرك بأنّ فحص النص على وفق قواعد العقل قد كشفت له تلك الاخطاء في النسخة اللاتينية (11) من الكتاب المقدس .

ثم من خلال مقاربته بين الحياة الكنسية والحياة التي مثّلتها الأبيقورية، هذا دفعه إلى أن يتساءل أليست الأبيقورية أحكم وسيلة للعيش. وقد تجلت هذه الرؤية النقدية لديه في سعيه الى التوفيق بين أبيقوس والمسيح، والتي هي بمثابة أصداء لأصوات دونس سكوت وأوكام، صاحب الرؤية النقدية والتي اثرت في الاتجاه الأوغسطيني الذي تأثر فيه لوثر وقد كان معاصراً لأرازموس الذي تأثر بكل هذه الأفكار النقدية؛ فقد عصفت بمعتقداته ولم يبقَ منها الا الإعجاب العميق بأخلاقيات المسيح

وكان لتلك الافكار التقدمية اثر طيب في منهجه في التعليم وهو المنهج الذي عرف به،اذ قام بإعطاء دروساً خصوصية لبعض الفتيان من الطلبة لزيادة موارده .

وقد أصابه تحول عميق بعد تجاربه الأنسية في باريس و إنجلترا، فقد أسهمت تلك الخبرات في صقل معارفه وشخصيته فتحول من محب الكلاسيات وفتنة النساء، إلى عالم جاد مدقق تواق لا إلى المال والشهرة فحسب ولكن إلى تحقيق عمل مفيد دائم. وعندما غادر إنجلترا في يناير عام 1500م فقد استقرت علومه على أن يدرس وينشر النص اليوناني للعهد الجديد؛لأنه الجوهر الخالص لتلك المسيحية .

ثالثا: كتابه مديح الحمق:

كُتب عام ١٥٠٩م وطُبع لأول مرة في عام ١٥١١م إراسموس راجع وطوّر العمل، الذي كتبه أصلاً في عطلة أسبوعية قضاها مع صديقه الأقرب "توماس مور "في مكان إقامة الأخير بوكليرزبري . مديح الحمق يعد واحداً من أشهر الأعمال الأدبية لعصر النهضة، وأفكاره مهّدت للإصلاح البروتستانتي.

بنية الكتاب:

الكتاب يعتمد منهجا تهكميا ساخرا يعتمد على التورية في التعبير عن موضوعاته فهو قائم على شخصية مستعارة نسائية منحها الكاتب سمة الحمق، و بحسب ما جاء في الموسوعة الحرة إنه كان تهكمياً ساخراً حتى في اختياره للعنوان الذي بدا وكأنه يشير الى عائلة صديقه المقرب صاحب السرد اليوتوبي إذ ثمة تشابه بين كلمة حمق اليونانية (Morias) وكلمة (More) اسم عائلة صديقه الأعز، السير توماس مور(12)، ويقول إراسموس: بما أن السير توماس مور هو أبعد الناس قاطبة عن الحمق، فلن يربط القرّاء بينه وبين الحمق المقصود في عنوان المقال. ويبدو أن هذه الاشارة ماهي سوى آلية من آليات التمويه على القصد البعيد الذي يحيل عليه كونه يعتمد هناعلى أسلوب السخرية الذي اقتبسه من الكاتب الفكاهي الاغريقي لوسيان Lucian of Samosata (180-125ق م)، يبدو أن هذا الكاتب كان سفسطائي المذهب عرف بأسلوبه التهكمي وقد عرفت بعد المعلومات عنه إذ يصعب التحقق منها بأي درجة من الدقة، على الرغم من أدلة يمكن العثور عليها في الكتابات المنسوبة إليه. في العديد من الأعمال ويدعي إنه قد ولّد في الساموساطي، في المملكة السابقة Commagene، التي تم احتلالها من قبل الإمبراطورية الرومانية وجعلها جزءاً من محافظة سورية؛ لهذا كانت مؤلفاته تتناول تراثه المحلي ولسانه البربري بمقابل اللسان اليوناني ويعالج كل هذا بأسلوب تهكمي ناقد ولاذع (13)، وهذا ما اطلع عليه إراسموس وصديقه توماس مور، إذ كانوا بهذا يمارسون إحياء التراث الأنسي القديم الذي تعرّض للنسيان المتعمد من قبل الكنيسة التي كانت تعده وثنياً، وفي أثناء الترجمة أحاط بأسلوبه وروحه النقديّة في تناول المظاهر الاجتماعية والسياسية والدينية المنحرفة .هذا من حيث الأسلوب أما موضوعة الكتاب فهي تتناول نقداً للواقع الذي اكتشفه إراسموس في أثناء تواجده زائرا الى روما وقد عاد محبطا مثلما عاد مارتن لوثر هو الآخر من روما إذ اكتشف الفساد الأخلاقي والإداري وأخلاق الترف والأبهة التي يعيشها الكهنة الذين كانوا من المفترض أن يعيشوا حياة من التبتل والزهد . من هنا ظهر إصلاح حال الكنيسة مما أحدث قطيعة في نسق سياسي ومعرفي معين استمر عهداً طويلاً، لعل هذا يظهر من خلال الحفر في دلالة المفهوم Larousse التي تعني الإصلاح بوصفه تغييراً عميقاً وجذرياً لشيء ما، سواء كان بخصوص مؤسسة ما قصد تحسين ادائها (14)، والإصلاح هو عودة نظام ديني للنظر في قواعده الأولى على سبيل التحليل، والنقد بقصد المراجعة، و التقويم .وهذا ما يظهر في أصل المفردة الفرنسية reforme ذات الأصل اللاتيني، وتدل على معنى " إعادة البناء و على التشكيل من جديد،(15) وفي هذا اشترك مع لوثر الذي أحدث حركة الإصلاح الديني في أوروبا وعلى وجه التحديد في ألمانيا في القرن السادس عشرالميلادي. وكان لهذه الحركة آثارها البعيدة في تاريخ أوروبا، ومن ثم اتخذ أصحاب هذا الرأي من عام 1517م بداية لتاريخ أوروبا، إذ قامت حركة الإصلاح الديني لمواجهة الفساد الذي كان يسود الكنيسة الكاثوليكية، وقد اعتنق كثير من الأوروبيين المبادئ التي أعلنها مارتن لوثر وغيره من المصلحين، وكانت تمثل تهديداً لشرعية التي تدعيها الكنيسة الغربية وتعتقد أنها تمنحها الحاكمية أو النيابة عن السماء وفي تمثيلها على الأرض هي القائمة على مسلّمات تدعيها الكنيسة وهي ما كثفها ول ديورانت إلى القول: "إن الله أنشأ الكنيسة بأن جعلَ الرسول "بطرس" أولَ رئيسٍ لها. وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسلٍ مستمرٍ متصلٍ، ولذلك فإن البابا ممثلُ الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكاماً كانوا أو محكومين" (16) كان تلك الاحداث قد مهدت الى تحول كبير (وهذا أدى بدوره إلى الغليان والانفجار. وكان كل هذا إيذانا بزوال العصور الوسطى بمثلها وأفكارها, وظهور عصر جديد يقوم على أسس ومبادئ جديدة مغايرة).(17)

اما فيما يتعلق بأرازموس فما أزعجهه في زيارته الى روما تفشي سلوكيات تعري تلك الادعاءات بالقدسية وكان منها: (إصدار الكنيسة لصكوك الغفران.و موقفها من العلم والعلماء وتقييدها للعقل عبر ابتداعها لنظام "محاكم التفتيش"..وما أثار قريحته الادبية في النقد والتهكم، انحراف رجال الدّين ونسيانهم لدورهم الأخلاقي والدّيني.ولعل هذا ما جمعه بصديقه(مور) اذ التقى به في عام 1499م، وكان بارازموس في الحادية والعشرين من عمره، وفتن بارازموس بالمذهب الإنساني. وتعد صداقتهما من أطيب العطور شذى في ذلك العصر. فقد وهب كلاهما مرحاً بقدر ما، وجعلا لدراستهما طعماً مستساغاً بالهجاء الضاحك. وكانا يشتركان في كراهية الفلسفة الكلامية التي قال مور فيها إن ما تنطوي عليه من خبث في التفريق بين الأشياء يعود على المرء بفائدة توازي ما يكسبه من حلب تيس في غربال.

إلا إن القاسم المشترك فضلاً عن حب الأدب الكلاسيكي فهو أنهما كانا يأملان في إصلاح الكنيسة من الداخل وتجنب تفكك أواصر الوحدة الدينية والتواصل التاريخي. هذا يعني أنهما كانا مختلفين عن الاصطلاحين مثل لوثر وأتباعه في مواجهة الكنيسة الرومانية .الا إنهما تمايزا عن بعض في بعض الملامح الشخصية اذ ولم يكن مور نداً لأرازموس في العلم أو التسامح، والحق إن رقته المألوفة وكرمه كان يشوبهما في بعض الأوقات تطرف في الدين، وكان في الجدل ينحني بين آن وآخر مثل كل معاصريه، ليوجه لخصومه طعناً شديداً مريراً. ولكنه كان يفوق أرازموس في الشجاعة والإحساس بالكرامة والإخلاص لقضية. ولا شك أن الرسائل التي تبادلاها تعد شاهداً ثميناً على أفضال عصر فظ. فهناك رسالة لمور يقول في ختامها "وداعاً يا أرازموس الحبيب يا مَن هو أعز علي من عيني" .)(18)

أسهمت تلك العلاقة وقد تعمقت بوجود مشتركات في حب الأدب القديم وانتقاد الأوضاع من أجل إصلاحها وتقويمها وليس إلى خلق قطيعة معها؛ لهذا قام كلٌ من اراسموس وتوماس مور، بترجمة أعمال الكاتب الفكاهي الاغريقي" لوسيان" .

ثم يتطور العمل لدى أرازموس إذ قام بكتابة كتابه فيمتدح المجنون والذي تناول فيه بروح متهكمة ساخرة وناقدة الممارسات الفاسدة التي لوّثت العقيدة الكاثوليكية في زمن أراسموس، والخزعبلات التي سيطرت على ممارسي الطقوس الكاثوليك، والجدير بالذكر أن أراسموس كان وفياً دائماً للعقيدة الكاثوليكية ومؤمناً بها.

ويمتد الهجاء الفكاهي في الكتاب إلى الجميع: من ممثلي المسرح والكتـّاب إلى الملوك ورجال الدين. لكن الكنيسة الكاثوليكية كان لها النصيب الأكبر من الهجاء الساخر. طبعا هذه السخرية تأخذ طابعا رمزيا اذ لا تأتي على لسان المؤلف نفسه، بل على لسان شخصية نسائية ابتكرها وأعطاها اسماً مثل: (الجنون أو الحماقة). في الكتاب تُصوَر الحماقة كونها شخصية اسطورية من الميثولوجيا اليونانية وهي هنا بمثابة قناع يستعمله الى جانب اقنعة أخرى فاذا كان القناع الأول متمثل بهذه الشخصية الأسطورية وهي ابنة "لبلوتوس"، فإن بقية الأقنعة - لمجموعة من الصفات السلبية التي يحاول انتقادها في رجال الدين - و صديقاتها المقرّبات هن: (فيلوتيا) حب الذات، (كولاكيا)  المداهنة)، ليثي (النسيان) ميزوبونيا (الكسل) هيدونى (المتع الحسية)آنويا (الجنون) تريفي (الخلاعة) كوموس (الإسراف) وايغريتوس (النوم كالموتى). طبعا هو هنا يستعمل تلك الأقنعة التي تبدو استعارات غير مبينه لمن غير مهتم بالأساطير اليونانية لكنها واضحة وبينه الى الانسانيين وجمهورهم .الذي يمتلك رؤية نقدية للمؤسسة الدينية وهو ما عبر عنها وإراسموس عندما جعل "السيدة-الجنون" تقول: "سأبقى منتمية إلى الكنيسة الكاثوليكية – ثم يعقب ذلك صمت قصير قبل أن تتابع – حتى يأتي بديلٌ أفضل."

البديل، الذي يعني الرؤية الانسانية التي تحاول تجاوز سلفية الكنيسة وشموليتها مثل بقية السلطات الدينية؛ لأنه تعبير عن سمة واحدة هي ادعائها بأنها تمتلك الحقيقة وخطاب النجاة وغيرها غير قادر من الإحاطة بتلك الحقيقة، فهو ضال ومهرطق ومكانه الحتمي السعير .

وهي ظهرت هنا على لسان البطلة القناع المجنونه لما تحمله من صفات نسبية متغيرة. في موضع آخر تقول بطلة الكتاب: "لا يغرنك شخص متفلسف يطيل لحيته ليعطي انطباعاً بالحكمة، تذكّر أن الماعز أيضاً يمتلك ذقناً طويلا .

فهذه الاستعارة التهكمية على رجال المؤسسة وما يعبرون عنه من تقوى تظهر بأشكال خارجية منها اللحية، فهو يحدث مقاربة نمطية مقزمة مع الماعز وهو حيوان يحيلنا الى دلالته الرمزية مع الشيطان فهو يظهر بأشكال تشبه الماعز وهو يرمز الى إله القمر سن البابلي إله الرعي الوثني .

يبدو أنّ الخطاب التهكمي كان صاحب تأثير عميق في نقده الساخر للشخصيات التي تم تنميطها في التوافه كمقاربة رمزية لرجال الدين أصحاب الصفات التافهة التي تشبه تلك الشخصيات المذكورة في الكتاب وأصبح للكتاب جمهور نظراً لحالة النقد ضد المؤسسة الدينية نتيجة الانحرافات الأخلاقية والثورات الزراعية ودعم السلطات المدنية التي تجد في المؤسسة الدينية منافس ونتيجة للانشقاقات التي حدثت مع الاصلاح الديني وجزء من نشر رسالة الانسانيين وخطابهم الاصلاحي الذي اتخذ من الثقافة وسيلة من المواجهة وإصلاح المؤسسة من الداخل وهذا ما سوف يتحقق .

 

د-عامر عبد زيد الوائلي

جامعة الكوفة –العراق

..............................

(1) انظر: محمد اركون، نزعة الأنسنة في الفكر العربي، ترجمة هشام صالح، دار الساقي، ط1، بيروت، 1997م، ص 33.س

(2) عبد المنعم الحفني، الموسوعة الفلسفية، مكتبة مدبولي، القاهرة،ص17 .

(3) انظر: هشام صالح، مدخل إلى التنوير الأوربي، دار الطليعة، بيروت، 2005م،ص 78.

(4) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار القلم،بيروت، (د.ت)،ص 6.

(5) بروميثيوس بوكس، مدخل عام إلى النزعة الإنسانية، ـ لندن 2005م: http://www.albayan.ae/books/author-book

(6) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الاوربية في العصر الوسيط، دار الكاتب المصري، بيروت، 1946م،ص121.

(7) بروميثيوس بوكس، مدخل عام إلى النزعة الإنسانية، ـ لندن 2005م: http://www.albayan.ae/books/author-book

(8) الموسوعة الحرة .

(9) نفس المرجع .

(10) تعني عبارة "هبة قسطنطين" (Constantin's Donation)، منذ القرون الوسطى، الوثيقة المزورة باسم الإمبراطور قسطنطين الأكبر والتي يقال أنه بموجبها قد قدم مميزات وممتلكات لا يتصورها عقل للبابا وللكنيسة . ومخطوطة الوثيقة القديمة المعروفة منذ القرن التاسع موجودة بقسم المخطوطات اللاتينية بالمكتبة القومية فى باريس، تحت رقم 2777، وفقا لما هو وارد فى " الموسوعة الكاثوليكية "، وتحمل الوثيقة عنوان: "وثيقة هبة الإمبراطور قسطنطين "، وهى موجهة من الإمبراطور قسطنطين إلى البابا سيلفستر الأول (314 ـ 335) .انظر: صيد الفوائد: https://saaid.net/daeyat/zainab/81.htm

(11) الترجمات اللاتينية) لقد وجدت ولا شك ترجمة للكتاب المقدس في اللغة اللاتينية القديمة حوالي أواخر القرن الثاني للميلاد لأنها كانت منتشرة كثيرًا في شمالي إفريقيا. ونرى أن ترتليانوس (150-220 م.) كان يُعرف أقسامًا كثيرة منها وقد استعملها أيضًا كبريانوس، اسقف قرطاجنة (200-258 م.) بكثرة. أما العهد القديم فيها فقد ترجم من الترجمة السبعينية اليونانية وليس من العبرانية.). انظر: قاموس الكتاب المقدس | دائرة المعارف الكتابية المسيحية، http://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books

(12) توماس مور Thomas More ويُسمى بالقديس أيضاً (و. 7 فبراير 1478 – م ت. 6 يوليو 1535) م كاتب وفيلسوف سياسي إنكليزي، تسلم عدة مناصب حكومية.

(13) وكان لوسيان أيضا واحدة من أقرب الروائيين في الحضارة الغربية. في قصة حقيقية، والعمل السرد الخيالي كتب في النثر، والمحاكاة الساخرة بعض من حكايات رائعة رواها هوميروس في الأوديسة، وكذلك حكايات من مؤرخ ثيوسيديدز. وتوقع موضوعات خيالية "الحديثة" مثل الرحلات الى القمر والزهرة، حياة خارج كوكب الأرض والحروب بين الكواكب، ما. كما كتب لوسيان هجاء متهكم على الاوضاع التي كان يزدريها وينتقد ممارسيها بلغة رمزية تقوم على استعاراة بالأسماء والأحداث .

(14) نفس المرجع .

(15) نفس المرجع .

(16) ديورانت، ول. قصة الحضارة، الكتاب 14، ص 352، ترجمة عبد الحميد يونس، طبعة الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، الكتاب 14، ص 352.

(17) نور الدين حاطوم , تاريخ العصر الوسيط في أوربة , ص: 50

(18)http://www.marefa.org/index.php/%D8%AA%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%B3_%D9%85%D9%88%D8%B1

 

علي رسول الربيعيأريد أن أتناول مباشرة وبدون تقديم تعريف عن مجمل اراء والتر بنيامين او سيرة حياته أو فلسفته، تمييزه بين العنف الأسطوري (القانوني) والعنف الأآلهي أو المقدس. إن آراءه ملغزة  لذا كانت عرضة لأكثر التأويلات أختلافا وتطرفا والتي أثرت بدورها في تحديد كيف يمكن أن تُقرأ مقالة بنيامين ومغزى نقده للعنف. أريد أن استشهد بالفقرة ذات الصلة بنقاشنا هنا كاملة لأن سأعود لها لاحقا ايضا.

"يعرض المظهر الأسطوري للعنف الفوري نفسه، بعيدًا عن إنشائه لأنقى مجال، أنه متطابق بشكل أساسي مع كل عنف قانوني، ويحول الشك بشأن هذا الأخير إلى يقين بخبث وظيفته التاريخية، وبالتالي يصبح التدمير إجباريًا. في نهاية المطاف، تطرح مهمة التدمير بالذات مرة أخرى مسألة العنف الفوري النقي الذي قد يكون قادرًا على الدعوة لوقف العنف الأسطوري. وكما هو الحال في جميع المجالات التي يتعارض فيها الله مع الأسطورة، فإن العنف الأسطوري يواجه من قبل الإلهي حيث يُشكل هذا الأخير نقيضًا له من جميع النواحي. فإذا كان يُعتبر العنف الأسطوري هو القانون التشريعى فإن العنف الإلهي هو القانون المدمر. إذا كان الأول قد شكل حدود المجموعات، فإن هذا الأخير يدمرهم بلا حدود. إذا كان العنف الأسطوري يحمل في آن واحد الذنب والعقاب، فإن القدرة الإلهية هي التي تملك قدرة التكفير فقط. فإذا هدد الأول، فإن هذا الأخيرة تضرب. إذا كان الأول أو السابق دمويًا، فإن هذه الأخيرة تقتل من دون إراقة أية دماء. قد يمكن مقارنة أسطورة نيوب مع حكم الله لرفقاء قورا كمثال على هذا النوع من العنف. لقد كان حكم الله بضرب وجهاء اللاويين، وقد ضربهم دون سابق إنذار، دون تهديد، ولم يتوقف بل إستمر الى حد الابادة. إلا أنه يوجد كفر في الإبادة أيضًا، وتظهر جليًا العلاقة العميقة بين قلة سفك الدماء والطابع التكفيري لهذا العنف، فالدم هو رمز الحياة الخالصة. من ناحية أخرى، ينبع إنحلال العنف القانوني (لا يمكن عرضه هنا بالتفصيل) من ذنب الحياة الأكثر طبيعية، التي تسلم او ترسل المعيشة البريئة والتعيسة إلى القصاص الذي "يُكفر" لمجرد ذنب الحياة الخالصة- ومما لا شك فيه أنه ينقي المذنب أيضًا ليس من الشعور بالذنب فقط، ولكن من القانون. إنه ليس من شان الحياة الخالصة وسيادة القانون على المعيشة ان تتوقف. يُعتبر العنف الأسطوري سلطة دموية على الحياة الخالصة بحد ذاته، بينما يُعتبر العنف الإلهي قوة نقية على جميع أشكال الحياة من أجل لقمة العيش. إن الأول يطلب التضحية، بينما يتقبل الثاني ذلك".

 Benjamin, Walter Benjamin selection Writing, pp. 249-250.  وسنعود اليه كـ: بنيامين من ص 237-250.))

 يتطلب منا فهم هذه الفقرة العودة الى التمييز الذي وضعه بنيامين منذ بداية مقالته. فقد أخبرنا، تتلخص مهمة نقد العنف في تفسير علاقته بالقانون والعدالة، وأن السبب الذي يصبح به القانون عنيفا بالمعنى الدقيق للكلمة هو عندما يدخل في علاقات أخلاقية/( بنيامين). وهكذا يوضح بنيامين منذ البداية أن نقده يتعلق بالعنف بقدر ما يُحمل هذا العنف على قضايا أخلاقية، وأكثر تحديدا بقدر مايتعلق بالقانون والعدالة. إبتداءً، يفترض التقليدان الرئيسيان في القانون مقدما – القانون الطبيعي والقانون الوضعي-  مايدعوه بنيامين  بالدوغما (العقيدة) المشتركة. تفصل هذه الدوغما بشكل حاد بين الغايات العادلة والوسائل المبررة. يحاول القانون الطبيعي، من خلال عدالة الغايات، تبرير الوسائل، ويحاول القانون الوضعي لضمان عدالة الغايات تبرير الوسائل. "./ (بنيامين) لايمكن الخروج من قيود هذه الصيغة الاً بأمتلاك معايير مستقلة. / (بنيامين) لذا وضع بنيامين مسألة الغايات العادلة جانبا وركز أهتمامه على الوسائل التي تنتج العنف فقط. على الفصل بين ما يسمى بـ " العنف الشرعي أو غير الشرعي". / (بنيامين) ولكن سنبقى ندور في حلقة مفرغة ما لم نوضح ماذا يعني العنف هنا. قال بينيامين أنه وضع الأساس للفصل الضروري بين تشريع قانون العنف وحماية قانون العنف وهكذا فأن كل عنف بوصفه وسيلة يكون أما لتشريع القانون أو لحمايته. واذا لم يكن مطلباً لأيً من تلك الصفات (التشريع والحماية) فأنه سيفقد كل صلاحية. ويترتب على ذلك، كل عنف بوصفه وسيلة يكون منخرطاً في الطبيعة الأشكالية للقانون نفسه. يبدو، أبتداءً، التمييز بين عنف تشريع القانون وعنف حمايته واضحا. فعنف تشريع القانون هو ذلك النوع من العنف المطلوب لتثبيت القانون، بينما عنف حماية القانون هو ذلك النوع المطلوب لفرض وحماية القانون. وندرك من الأمثلة التي يضربها بنيامين أن هذين النوعين من العنف مترابطان مع بعضهما. وربما أوضح مثال على هذا الترابط هو المواقف الثورية التي تبلغ أوجها في كتابة دستور جديد من قبل سلطة دستورية تشرع قوانين تكون ملزمة لأولئك الخاضعين للقانون. ولكن هذا القانون سوف لايكون قانوناً مالم يفرض ويحمى. فلايكون هناك معنى للحديث عن عنف تشريع القانون مالم يكن هناك أيضاً عنف حماية القانون. وغالبا ما يكون التمييز بين هذين النوعين من العنف واضحاً.

  أريد أن أشير ،هنا، الى الأعتراض الذي يواجه تأكيد بنيامين على الصلة الوثيقة التي تربط القانون بالعنف، أعتراض يرى أن تصور بنيامين للقانون يحملُ تشويهاً كبيراُ لمعنى القانون، لأنه لم ينصف الوظيفة الإيجابية لحكم القانون وسيادته. إنه أعتراض صحيح فلم تقدم مقالة بنيامين فهما شاملا للقانون، لكن أبرزت له وجهاً كان مهملاً ومستخفاً به ألا وهو عنف القانون. وأوضح مايكون ذلك في أوقات الأزمات، ولاسيما عندما ترى الدولة نفسها تواجه تهديداً جديا.

  لم يقدم بنيامين تصنيفا متماسكا للعنف في مقالته هذه الأ أنه لفت الأنتباه الى أحد أهم التمايزات أو الأختلافات بين أنواع العنف، التميز بين العنف الأسطوري (القانوني) والعنف الألهي أوالمقدس. فيرى أن العنف الأسطوري "يعرض نفسه بشكل مباشر ًومتطابقا مع كل عنف قانوني".1  وعليه أصبح القضاء على العنف القانوني ُملزماً، ولا يتم القضاء عليه ألاً بالعنف الألهي أو المقدس. فهذا العنف نقيض العنف الأسطوري من النواحي كافة. ولكن ماهو هذا العنف الألهي؟  يجيب قراء مقالة بنيامين عن هذا السؤال باشكال مختلفة وبطرق متعددة.

   رغم أن لدي ًالكثير من الشكوك ما اذا كان نص بنيامين يسوغ تأويلات جوديث بتلر

)  Butler, J “Critique, Coercion, and Sacred Life in Benjamin’s ‘critique of Violence’ ‘’ in Political Theologies: Public Religious in a Post- Secular World, pp.202-19. New York: Fordham University Press, 2006.) وسايمون كراتشلي (Critchley,S, The Faith of the Faithless: Experiments in Political Theology. New York: Verso, 2012.

فعلاً، لكن أريد أفحص بعض مطاليبهم الرئيسة التي سلطت الضوء على الأسئلة الأكثر أهميًة عن العلاقة بين اللاعنف والعنف. فقد أكدا على أنه ينبغي النظر الى نقد بنيامين الى العنف في سياق ملاحظاته حول اللاعنف. فقد طرح بنيامين السؤال هل من الممكن أو يحق أن تخول السلطة الألهية للإنسان حتى لو أستعملها الناس ضد بعضهم. وجوابه أنها غير قابلة للتنازل. فيرى أن للسؤال: هل لي أن اقتل؟  جواباً واحداً يتعذر تفاديه متمثلاً في الوصية الألهية " لا تقتل"./( بنيامين) ويؤكد على أنه لايمكننا أن نستنتج من هذه الوصية " إدانة وشجب لكل أنواع العنف والقتل من قبل إنسان لآخر" فليس الوصية معياراً للحكم ولكنها بالأحرى دليلا أو مرشدا لأفعال الأفراد والجماعات التي عليها أن تهتدي بها في تعاملها مع كل حالة بذاتها وبمعزل عن الحالات الأخرى فلكل حالة ظروفها الأستثنائية أو الخاصة، وتقع عليهم مسؤلية تجاهلها إذا ما قرروا ذلك. لذلك تم فهمها على أنها رفض صريح لأدانة القتل إذا ما كان دفاعا عن النفس./ (بنيامين)  ولا تفهم الوصية " يجب أن لا تقتل" كقانون، أيً بالمعنى نفسه الذي يفهم به القانون كتشريع للعنف أو حماية له. فترى بتلر، في تأويلها للوصية، " أنها، بدون أدنى شك، لاتشبه عنف القانون أو أكراهه، بل بالأحرى هي تؤسس لوجهة نظر تقود الى تدمير القانون كألزام أكراهي، فلايمكن أن تكون الوصية " يجب أن لا تقتل" شبيهة بالقوانين التي تم تدميرها من قبل القانون الألهي. إنها يجب أن تكون نوع من العنف الذي يقاوم العنف"../ (بنيامين)  ولكن إذا كانت ليس قانوناً بالمعنى نفسه لتشريع قانون العنف أو حمايته، فكيف نفهمها أذن؟ لا تُـفهم الوصية من قبل بتلر وكراتشلي بوصفها أمراً أو وصيةً حتمية لاتسمح بأيً استثناءً، أنها دليل أرشادي للفعل تتطلب أتباعها ويمكن أن يكون لها استثناء.( كراتشلي ص 212-218) فعلى الرغم من أن هناك أمراً قوياً: لاتقتل، قد تكون هناك ظروفاً استثنائيةً تجيز القتل. لايمكن أن يكون هناك قانوناً عاماً أو مبدأ شاملاً يمكننا من التقرير مقدماً ما يعتبر في الواقع حالةً استثنائيةً. فالتعامل يكون مع كل حالة بمفردها من قبل الأفراد والمجتمعات. فاذا ما تجاهلوا الوصية، واذا ما قرروا أنهم يواجهون حالةً استثنائيةً قد يكون فيها القتل ضروريا تقع عليهم مسؤلية هذا التجاهل. يتحول العنف المقدس/ الالهي، طبقا لتأويل بتلر وكراتشلي، الى نوع من اللاعنف لأن الأمر الالهي لاتقتل أمراً واضحاً، على الرغم من أنه لايقصي العنف المادي في ظروف استثنائية.

   بصرف النظر ما اذا كان تأويل بتلر وكراتشلي صحيحاً أو مطابقاً للمعنى الذي كان يقصد بنيامين بالعنف الالهي فقد سلم كلاهما باللاعنف كمطلب أخلاقي، وقد دعاه كراتشلي بالمطلب الأخلاقي المطلق. ينسجم هذا المطلب مع الرأي أن هناكَ استثناءً لايكون فيه العنف مسموحا به فقط ولكن مبرر أيضا. لايمنع الألتزام الأخلاقي المبدئي باللاعنف من الأعتراف بأن هناك حالات أستثناء. فقد كانت هناك ظروفاً تاريخية تم بها تبرير عنف المقاومة والقتال المسلح. ويمكننا هنا االأستشهاد بوجهة نظر فرانز فانون في " معذبو الأرض" الذي يمكن أن يقرأ كتبرير للمقاومة المسلحة ضد قسوة وعدوانية النظام الكولونيالي( الأستعماري). ولكن تطرح وجهة النظر هذه صعوبات عديدة حول العلاقة أو التفاعل بين العنف واللاعنف. وبالعودة الى نص بنيامين " نقد العنف" ومواجهته باسئلة جدية وعميقة مثلاً: كيف يمكن لشخص أن يعتبر لوصية " يجب أن لا تقتل" وزنا أو سلطة أخلاقية اذا كان لايسلم أبتداءً بأن الله كلم بها موسى. وحتى اذا سلم بهذا لاتوجد هناك قاعدة أو قانون عام يقرر على ضوءه مايعتبر ظرفا استثنائياً، ثم ماهي أنواع الأعتبارات التي عليه أن يضعها في حسابه بهذا الخصوص ليقرر أنه يواجه حالة استثنائية تبرر له العنف أو القتل؟ وحتى اذا تم التسليم بأن على الشخص أن يبذل الجهد ويتجاوز كل تلك الصعوبات حتى يصل الى هذا القرار الذي يخص حالة بعينها، كيف يمكنه القيام بذلك؟ هل هناك أيً معيار أو دليل لتقدير أو تقييم وجهة النظر المؤيدة والأخرى المضادة حتى يكون العنف مبررا؟ نجد أن نص بنيامين هذا يترك مسائل عديدة بدون حل وتبقى كذلك غير محلولة حتى مع تأويل بتلر وكراتشلي للعنف الالهي أو المقدس بوصفه شكلاً من اللاعنف.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

……………………………..

  1- Benjamin, Walter Benjamin selection Writing, p.249.

 

جميل حمداويالمقدمة: هناك أنواع عدة من الحجاج التي تتمثل في حجاج الباتوس، وحجاج الإقناع، وحجاج المغالطة، وحجاج الجدل، وحجاج الاقتناع، وحجاج اللغة، وحجاج التداول، وحجاج السؤال،وحجاج الخطاب، وحجاج التداول، وحجاج المنطق، وحجاج الحوار...

وما يهمنا في هذا الصدد هو حجاج الخطاب ؛ لما له من أهمية في تحليل الخطابات الإنسانية المختلفة، وتفكيكها في ضوء المقاربة الحجاجية من أجل معرفة مقاصد المتلفظ المتنوعة، وتشريح الرسالة الخطابية بغية فهم مختلف الرسائل المباشرة وغيرالمباشرة الموجهة إلى المخاطب أو المتلقي.

إذاً، ما الخطاب؟ وما أهم النظريات الحجاجية التي تتعلق بالخطاب؟ وكيف نستطيع التعامل مع الخطاب في ضوء المقاربة الحجاجية؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في هذه المباحث التالية:

المبحث الأول: مفهوم الخطاب

هناك مشكل عويص يتعلق بالفرق بين النص (Texte) والخطاب(Discours). فهل هما بمعنى واحد أم ثمة اختلاف بينهما؟

هناك من الباحثين من يرادف بين النص والخطاب. بيد أن هناك من يميز بينهما بشكل دقيق . فالخطاب مرتبط بالتلفظ والسياق التواصلي. في حين، يتميز النص بكونه مجردا عن هذا السياق بشكل كلي. وقد ميز ميشيل آدم (M.Adam) بينهما بهذا الشكل الرياضي:

" الخطاب = النص+ ظروف الإنتاج

النص= الخطاب- ظروف الإنتاج

وبتعبير آخر، الخطاب، بكل تأكيد، ملفوظ يتميز بخصايات نصية، لكنه يتميز أساسا بوصفه فعلا خطابيا أنجز في وضعية معينة (مشاركون، مؤسسات، موضع، زمان)... أما النص، فهو، بالمقابل، موضوع مجرد ناتج عن نزع السياق عن الموضوع المحسوس"

لنقل، بعبارة أخرى، إن الموضوع الذي هو الخطاب يدمج السياق: أي الظروف الخارج لسانية المنتجة له. في حين، إن النص يبعدها بوصفه ترتيبا لقطع تعود إلى البعد اللساني: أي السياق"[1].

وإذا كان النص موضوعا مجردا، ونظرية عامة لتأليف الوحدات والمتواليات والمقاطع، ويعني مجموعة من الجمل المتلاحمة والمترابطة والمتسقة عضويا ومعنويا، فإن الخطاب عبارة عن ملفوظات شفوية أو مكتوبة مرتبطة بسياقها التواصلي الوظيفي. لذا، ينطلق أصحاب تحليل الخطاب " من مبدأ أن الملفوظات لاتقدم نفسها بوصفها جملا أو متواليات جمل، بل بكونها نصوصا. والنص، في واقع الأمر، طريقة تنظيم خاصة، ويجب أن يدرس، بناء على هذه الصفة، بإرجاعه إلى الظروف التي أنتج فيها. إن دراسة بنينة النص بإرجاعه إلى ظروف إنتاجه يعني تصوره بوصفه خطابا.[2]"

وإذا كان النص ينبني على النصية، والعلاقات التراتبية للوحدات والمتواليات، وتميزه باستقلاله الشكلي، وتنظيمه الداخلي، فإن الخطاب يركز على الخطابية أو التلفظية. بمعنى أن الخطاب يرادف الملفوظ.

ويبدو أن النص أعم وأشمل من الخطاب، ولاسيما في مجال السرد؛ حيث يتضمن النص من جهة الدلالة القصة (الأحداث، والشخصيات، والفضاء). ومن جهة الشكل، يتضمن الخطاب (المنظور السردي، والزمن السردي، والأصوات اللغوية والأسلوبية). بيد أن هناك من يرادف بين النص والخطاب، فيجمع بينهما في صيغة ترادفية واحدة، فيقول: " لسانيات النص أو لسانيات الخطاب". ونجد هذا جليا عند فان ديك الذي يرادف بينهما:"توجد فوارق متسقة الاطراد بين الجملة المركبة وانتظام توالي الجمل وتسلسلها، وخاصة من نوع المستوى التداولي.ثم إن الجمل يمكن أن تتعلق بدلالة أو بمعنى جمل أخرى من العبارة نفسها حتى ولو كان ذلك ليس دائما مشابها في شيء لمعاني القضايا في تركيبها أو الجمل المؤلفة.وهناك أسباب أدت بنا إلى أن نسلم بأن العبارات المنطوقة يجب أن تعاد صياغتها تبعا لوحدة أوسع ما تكون وأعني بذلك المتن أو النص. وهذا الاصطلاح الأخير إنما استعمل هنا ليفيد الصياغة النظرية المجردة المتضمنة لما يسمى عادة بالخطاب."[3]

ومن جهة أخرى، يعرف الخطاب(Discours) بأنه الإطار الشكلي للمتن أو المحتوى، أو التعبير والصياغة الفنية والجمالية للمضامين والمحتويات المعروضة ضمن القصة أو الحكاية، إذا كان الحديث - مثلا- عن النص السردي. وغالبا، ما يشمل الخطاب، في هذا الإطار، ما يسمى بالوصف، والرؤية، والصوت، والزمن. في حين، تحوي الحكاية الأحداث، والشخصيات، والفضاء السردي. ويتسم الخطاب كذلك بالكلية، والإيحاء، والتلميح، والتضمين، والانتظام، والاتساق، والانسجام، والشكلية، والاهتمام بجمالية اللغة، والانقطاع عن الإحالة المرجعية، والتنصيص على الأدبية القولية الداخلية، والارتكان إلى الوظيفة الإنشائية والقولية البنائية التي تخضع بدورها للتحديث والانزياح والتجريب. ومن ثم، فما "يميز الخطاب الأدبي- حسب عبد السلام المسدي- هو انقطاع وظيفته المرجعية، لأنه لايرجعنا إلى شيء، ولا يبلغنا أمرا خارجيا، وإنما هو يبلغ ذاته، وذاته هي المرجع المنقول في الوقت نفسه. ولما كف الخطاب الأدبي، عن أن يقول شيئا عن شيء إثباتا أو نفيا، فإنه غدا هو نفسه قائلا ومقولا، وأصبح الخطاب الأدبي من منقولات الحداثة التي تدك تبويب أرسطو للمقولات مطلقا."[4]

ويرى الباحث الجزائري نور الدين السد أن الخطاب الأدبي يأخذ"استقراره بعد إنجازه لغة، ويأخذ انسجامه وفق النظام الذي يضبط كيانه، ويحقق أدبيته بتحقيق انزياحه، ولا يؤتى له عدوله عن مألوف القول دون صنعة فنية، وهذا ما يحقق للخطاب الأدبي تأثيره، ويمكنه من إبلاغ رسالته الدلالية، غير أن دلالة الخطاب الأدبي ليست دلالة عارية، يمكن القبض عليها دون عناء، بل الذي يميز الخطاب هو التلميح، وعدم التصريح."[5]

ويرى أوليفيي ريبول (Olivier Reboul) أن الخطاب" مجموع متسق من الجمل متماسك، يملك وحدة معنى، ويتحدث عن موضوع ما."[6]

وخلاصة القول: إذا كان النص بناء لغويا مجردا عن أطرافه التواصلية، فإن الخطاب له علاقة وثيقة بالإنجاز والكلام التلفظي.

المبحث الثاني: مفهوم الحجاج

الحجاج عبارة عن خطاب حواري تواصلي يقوم على المحاجة الاستدلالية، وتوظيف الحجج والأدلة والبراهين من أجل التأثير في المخاطب وإقناعه، وجعله يقتنع بما يقدم إليه من حجج سليمة أو شبه منطقية أو افتراضية.

 وقد يعرف الحجاج أيضا بأنه استعراض البراهين والأدلة والحجج بطريقة منطقية منسجمة ومتسقة وسليمة. ومن هنا، يرتبط الحجاج بالتأثير، والإقناع، والاقتناع، والبرهان، والجدل، والتواصل...

وقد يكون الحجاج باللغة الإنسانية الطبيعية من جهة، وقد يكون أيضا بالعلامات السيميائية البصرية من جهة أخرى.

وعليه، فالحجاج هو بمثابة " الوسائل اللفظية التي يشكلها الكلام للتأثير في المخاطبين، سعيا إلى حملهم على الإذعان لدعوى ما، وتغيير أو دعم التمثلات والآراء التي ينسبها لهم، أو بكل بساطة، يوجه الطرق التي ينظرون بها، أو يثير سؤالا حول مشكل معطى."[7]

إذاً، فالحجاج عبارة عن آليات وأساليب وعمليات وروابط لغوية ومنطقية وجدلية وفكرية وتداولية وخطابية، توظف في أثناء إنتاج الملفوظ النصي أو الخطابي، شفويا كان أم كتابيا، بغية التأثير والإقناع والاقتناع والحوار والسجال. ويعني هذا أن الحجاج مرتبط بالمتكلم، والمخاطب، والمقصدية، والاستلزام الحواري.ويرى أبو بكر العزاوي أن " الحجاج فعالية تداولية خطابية جدلية، وهو تقديم مجموعة من الحجج التي تخدم نتيجة معينة. وهو أيضا منطق اللغة والاستدلال المرتبط باللغات الطبيعية."[8]

ويرى علي الشبعان أن الحجاج " بنية لغوية مركبة تنفعل بالمقامات وتتأثر بالأسيقة، كما تصورنا الحجة كيانا مجردا وهيكلا فارغا، يشغله المحاج/ المؤول بالتصورات والمواقف التي تتوافق ومبادئ اعتقاده وتتوازى مع مراجع المذهب الذي ينتمي إليه فكره، يوجه نسق استدلالاته، ويبنين تصوراته للعالم والأشياء."[9]

ولا يقتصر الحجاج على المنطق والبرهان والاستدلال والمذهب الكلامي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى مجالات لغوية وخطابية واسعة أساسها اللغة والتلفظ والصورة البصرية. كما يتجاوز الحجاج مفهومي التأثير والإقناع إلى مفاهيم أكثر اتساعا تتعلق بالحوار، والجدل، والتواصل، والمناقشة، والمشاركة، والمناظرة، والاقتناع، والجدال، والاختلاف، والتعايش، والتسامح، والتثاقف، والحرية،... وفي هذا الإطار، يقول محمد صولة:" إن كلمة الحجاج بحكم صيغتها الصرفية الدالة على معنى المشاركة في تقديم الحجج، وعلى مقابلة الحجة بالحجة مؤهلة أكثر من كلمة الاستدلال لتؤدي مفهوما مهما جدا تقوم عليه النظرية الحديثة (Argumentation) وهو مفهوم المناقشة والحوار.فظهر من ذلك أن الحجاج أشمل وأوسع من الاستدلال البرهاني الذي ظل، على الرغم من انتقاله بين علوم مختلفة، يحافظ على حده المنطقي الأول، فهو على العموم مجرد استنتاج قضية من أخرى استنتاج لزوم وتوقف وضرورة.لهذا عد في نظرية الحجاج الحديثة نقيضا للحجاج الذي ينطلق من مبدإ الحرية ويقوم على الحوار."[10]

ويذهب كريستيان بلانتان (C.Plantin) إلى أن" كل كلام هو حجاجي بالضرورة. هذه نتيجة ملموسة للملفوظ المرتبط بالسياق.كل ملفوظ يروم التأثير في مخاطبه وفي الآخر، كما يروم تغيير نسق تفكيره.وكل ملفوظ يرغم أو يحث الآخر على الاعتقاد والرؤية والعمل بشكل مختلف.[11]"

ويعرفه جان بليز كرايس (Jean Blaise Grize)بقوله:" الحجاج في مفهومه الشائع، هو تقديم الحجج والأدلة لدعم دعوى ما أو نقضها ...ولكن من الممكن أيضا إدراك الحجاج من منظور أوسع، وفهمه باعتباره نهجا يروم التأثير في رأي وموقف وسلوك شخص ما.وينبغي الإلحاح على أن وسائل ذلك مستمدة من الخطاب."[12]

إذا، فالحجاج، في منظورنا، عبارة عن عملية حجاجية محكمة، باستخدام مجموعة من الحجج والأدلة والمقاييس والبراهين من أجل استمالة الغير هوويا، أو إقناعه عقليا، أو جعله يقتنع اختيارا، أو يستسلم لما يقدم إليه من براهين منطقية سليمة ووجيهة، أو جعل الآخر يندمج في حوارية صريحة أو ضمنية من أجل التواصل وتبادل الآراء والأطاريح والاقتناعات.

المبحث الثالث: مفهوم الخطاب الحجاجي

الخطاب الحجاجي عبارة عن مجموعة من الجمل والفقرات والمتواليات والمقاطع التي تترابط فيما بينها، اتساقا وانسجاما وحوارية، بواسطة مجموعة من الروابط والعمليات والعلاقات المنطقية والبرهانية والاستدلالية والحجاجية بغية التأثير والإقناع والاقتناع.

و تهدف المقاربة الحجاجية إلى تحليل تلك الخطابات التي تحمل في طياتها أطروحة حجاجية ما، وتستعمل الوسائل والآليات والتقنيات والإستراتيجيات الحجاجية من أجل جذب الآخر واستمالته وإقناعه، وجعله يقتنع طواعية واختيارا. ويعني هذا أن الخطاب الحجاجي هو ذلك الخطاب التوصيفي النقدي الذي يهدف إلى استكشاف حجاجية الخطاب، واستجلاء حواريته النصية، سواء أكانت تلك الحجاجية صريحة وجلية وواضحة، أم كانت مضمرة وخفية وغامضة.

إذاً، فالخطاب الحجاجي - حسب أبو بكر العزاوي-" هو مجموعة من الأقوال والجمل ومجموعة من العلائق الدلالية المنطقية القائمة بينها، أو بتعبير حجاجي هو مجموعة من الحجج والنتائج التي تقوم بينها أنماط مختلفة من العلائق، فالحجة تستدعي الحجة المؤيدة أو المضادة لها، والدليل يفضي إلى نتيجة والنتيجة تفضي إلى دليل آخر، وكل قول يرتبط بالقول الذي يسبقه ويوجه القول الذي يتلوه، وبعبارة أخرى، فإن الأقوال والجمل تقوم بينها علاقات منطقية ودلالية مثل الشرط والسببية، والاستلزام والاستنتاج والتعارض وكلها علائق حجاجية استدلالية، ومجموع هذه العلائق هو ما يكون البنية المنطقية للنص أو الخطاب المقصود، وهو ما نسميه عادة بمنطق الخطاب أو المنطق الطبيعي."[13]

وعليه، تعنى الحجاجية الخطابية باكتشاف الروابط والعمليات الحجاجية في النصوص والخطابات، كما عند رواد الخطاب الحجاجي بأوروبا، أمثال: ميكائيل ليف (Michael Leff)[14]، وروث أموسي(Ruth Amossy)[15]، وميشيل مايير(Meyer)[16]، ودومينيك مانغونو(Mangueneau)[17]، وكريستيان بلانتان(Ch.Plantin) [18]، وأوليفيي ريبول (O.Reboul) [19]، وجان بليز كرايس (Jean Blaise Grize)[20]، و شاييم بيرلمان (Chaïm Perelman)[21]، وألان بواسينو (Alain Boissinot)[22]، ومارك أنجونو (-Marc Angenot)[23]، وماريان دوري (Marianne Doury)[24]، ونورمان فايركلوث (Fairclough)[25]، وجاك موشلر(Moeschler)[26]، وباتريك شارودو(P. Charaudeau)[27]، وفليب بروطون(Breton, Philippe)[28]، وآخرين...

ويمكن التمييز بين الحجاج الجدلي ذي الطبيعة المنطقية والاستدلالية والفلسفية، والحجاج الخطابي الذي يقوم على التأثير العاطفي، وجذب الآخر ذهنيا ووجدانيا، و" إلى إرضاء الجمهور واستمالته ولو كان ذلك بمغالطته وخداعه وإيهامه بصحة الواقع على نحو تبدو معه الخطابة- من هذه الناحية على الأقل- من قبيل التخييل.على هذا قد يفسر لنا تنزيل الخطابة في سلم الصناعات الخمس في المنطق، منزلة وسطى بين صناعة الجدل وصناعة الشعر أو التخييل."[29]

وللتوضيح أكثر، إذا كان الحجاج المنطقي أو الجدلي يستخدم من أجل إثبات الحق، وتبيان صدق القضية من كذبها، أو صناعة البرهان والاستدلال، فإن الحجاج الخطابي يوظف لاستمالة الغير المخاطب، والتأثير فيه ذهنيا، ووجدانيا، وعاطفيا، وحركيا.

ويمكن الحديث عن أنماط عدة من الخطابات ذات الطبيعة الحجاجية كالخطاب القضائي الاستشاري، والخطاب الفلسفي، والخطاب الإشهاري، والخطاب السردي، والخطاب البلاغي، والخطاب الخطابي (بفتح الخاء)، والخطاب الشعري، والخطاب القرآني، والخطاب البصري، والخطاب السياسي، والخطاب الفني، وخطاب الأمثال، إلخ...

ولكن لايعني هذا أن جميع الخطابات حجاجية بصفة مطلقة، فثمة أقوال وتلفظات وخطابات ونصوص ليست حجاجية. وفي هذا الشأن، يقول محمد صولة:"إننا نروم الوقوف وسطا بين هذين الطرفين (المذهب المنطقي والشكلي والرياضي الضيق لبيرلمان وتيتيكا، والمذهب اللغوي الواسع لديكرو وأنسكومبر)، فالرأي عندنا أنه ما كل حجاج بفصل أو وصل.كما أنه ما كل قول بحجاج، وليست اللغة بكل وحداتها المعجمية ذات طاقة حجاجية في ذاتها.وفوق هذا وذاك فإن لطبيعة النص دورا أساسيا في إكساب لغته بعدا حجاجيا أو عدم إكسابها إياه، فعند ريبول[30] وهو محق إلى حد لامحالة، أن من أنماط الإبداع ما ليس حجاجا ولاهو مراد به الإقناع أصلا مثل " القصيدة الغنائية والتراجيديا والميلودراما والملهاة والرواية [غير التعليمية] والقصص الشعبي والحكايات العجيبة""[31].

بيد أن الباحثة روث أموسي(R.Amossy) تقر أن الحجاج" يخترق كل الخطابات بدرجات وكيفيات مختلفة؛ ومن ثم فلا وجود لخطابات خالية من الحجاج، إلا إذا افترضنا وجود خطابات تمثل إجابات على ماهو بدهي، لايثر أي اختلافات؛ ففي هذه الحال ينتفي الحجاج. وبناء عليه، فإنها تدعو إلى أن نستبدل بالتقابل الإشكالي بين الحجاجي واللاحجاجي، تصورا يقترح مفهوما للحجاج متنوع المظاهر، يتشكل من قطبين متطرفين؛ تمثل أحدهما الخطابات التي تقوم على اصطدام الدعاوى المتعارضة في حالاتها القصوى، وتمثل القطب المعاكس الخطابات الإخبارية والسردية التي تبدو مجردة في الظاهر من أي قصد إقناعي، وإنما يحصل تأثيرها في الآخر نحو خفي.وبين هذين القطبين تقوم خطابات حجاجية مختلفة؛ من قبيل الخطابات التي يروم فيها الخطيب حمل المتلقي على الإذعان لدعوى ما، والخطابات التي تقوم على الحوار والتفاوض."[32]

ويطرح دومينيك مانغونو (Dominique Maingueneau) الطرح نفسه بقوله:" هل يجوز وضع حدود ما للملفوظات الحجاجية بالمعنى الدقيق؟ ألا تمتلك جميع الملفوظات، بشكل ظاهر أو خفي، بعدا حجاجيا؟[33]"

وهنا، يمكن الحديث، على حد تعبير روث أموسي- عن الغرض الحجاجي والبعد الحجاجي. فالأول يدل على النصوص والخطابات التي تحمل أطروحة حجاجية واضحة وجلية. في حين، يدل الثاني على النصوص والخطابات التي تتضمن حجاجية ضمنية وخفية وغير صريحة. ومن النصوص الحجاجية الصريحة الخطب، والمحاورات، والسجالات، والمناظرات، والإعلام، والخطب السياسية، والمرافعات، والمشاجرات، والمواعظ الدينية، واللوحات الإشهارية....أما يتعلق بالبعد الحجاجي، فيتمثل في الشعر، والرواية، والقصة، والرحلة، والنادرة، إلخ...

ويرى محمد مشبال أن" هذا الفصل بيم مفهومي الغرض الحجاجي والبعد الحجاجي الذي أسعف الباحثة في دعم تصورها الداعي إلى عدم التقيد بالمفهوم الكلاسيكي للحجاج المرتبط بالخطابات الإقناعية الصريحة، سمح للباحثة بتوسيع وسائل الحجاج خارج دائرة الإستراتيجيات الخطابية المعهودة في الحجاج البلاغي بالمعنى المقيد للفظ.

إن تحليل الخطابات ذات البعد الحجاجي من قبيل الشعر والرواية والرحلة وغيرها من الخطابات البعيدة عن دائرة الخطابات الإقناعية المعروفة، سمح باكتشاف وسائل خاصة بهذه الأنواع تبعا لخصوصيتها الجنسية والنصية؛ على هذا النحو، أصبح كل عنصر خطابي مزود بوظيفة إقناعية قابلا لأن يؤخذ في اعتبار التحليل البلاغي الحجاجي من قبيل: الإيقاع والتعدد الصوتي والأصوات السردية ووجهات النظر، وغيرها من الوسائل التي درستها الشعرية، والأشكال الخطابية التي تدرسها علوم اللغة."[34]

ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن أنواع عدة من الحجاج، كالحجاج الجدلي، والحجاج المنطقي الاستدلالي، والحجاج الحواري، والحجاج اللغوي واللساني، والحجاج البلاغي، والحجاج التداولي، والحجاج الأسلوبي، والحجاج الخطابي، والحجاج التواصلي، والحجاج الخطابي، والحجاج السيميوطيقي...

أضف إلى ذلك يمكن الحديث عن أنواع عدة من الحجاج حسب وظائفه، كحجاج الخطابة (أرسطو)، وحجاج التأثير(البلاغة العربية)، وحجاج الإقناع (أرسطو)، وحجاج الاقتناع (بيرلمان)، وحجاج الجدل (أرسطو وعلم الكلام)، وحجاج الحوار(بيرلمان وتيتيكا وتولمين[35])، وحجاج البرهان والاستدلال (المنطق)، وحجاج الضمان(تولمين)، وحجاج التواصل (دوكرو)، والحجاج الصريح مقابل الحجاج الضمني(روث أموسي)، والحجاج الإنجازي أو الاستلزامي(التداوليات)، وحجاج الاقتضاء (دوكرو وأنسكومبر)، وحجاج المساءلة الفلسفية (ميشيل مايير)[36] على أساس أن الخطاب أجوبة لأسئلة المتلقي...

المبحث الرابع: الخطاب الحجاجي في الثقافة العربية

إذا كان الاهتمام بالخطاب الحجاجي قد تشكل في الغرب منذ خمسينيات القرن الماضي مع شاييم بيرلمان وأولبريخت تيتيكا(1958م)[37]، وستيفان تولمين(1958)[38]، بيد أنه في الثقافة العربية قد تحقق ذلك في بداية الثمانين من القرن الماضي مع التونسي حمادي صمود في كتابه (التفكير البلاغي عند العرب)[39] (1981م) الذي استلهم فيه المقاربة الحجاجية بشكل جلي. وبعده، نشر المغربي محمد مفتاح كتابه (تحليل الخطاب الشعري، إستراتيجية التناص) سنة 1985م[40]؛ حيث تناول فيه بعض المظاهر الحجاجية والتداولية في تحليل النصوص والخطابات، وتبعه أيضا محمد العمري في كتابه (بلاغة الخطاب الإقناعي) سنة 1986م[41].

ومن هنا، يبدو لنا أن البدايات الأولى للخطاب الحجاجي العربي قد انطلقت في الثمانينيات من القرن العشرين. وبعد ذلك، توطدت عراها في التسعينيات من القرن الماضي، ليعرف هذا الخطاب تراكما كميا وكيفيا في سنوات الألفية الثالثة.

بيد أن الباحث المغربي محمد مشبال يثبت أن " الانطلاقة الحقيقية للدراسات البلاغية الحجاجية في الثقافة العربية، بدأت فعليا مع مطلع الألفية الجديدة. نشير في هذا السياق، يقول الباحث، إلى الكتاب الجماعي الذي أشرف عليه حمادي صمود: (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم" (1998م)[42].[43]"

ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن مجموعة من الحجاجيين العرب المعاصرين الذين تطرقوا إلى الحجاج بصفة عامة، والخطاب الحجاجي بصفة خاصة، منذ الثمانينيات من القرن الماضي، إن نظرية، وإن تطبيقا، وإن نقدا.ويمكن الإشارة إلى حمادي صمود في دراسته (مقدمة في الخلفية النظرية للمصطلح)[44]، وعبد الله صولة في كتابه (الحجاج في القرآن)[45]، وشكري المبخوت في (نظرية الحجاج في اللغة)[46]، ومحمد علي القارصي في (البلاغة والحجاج من خلال نظرية المساءلة)[47]، ومحمد النويري في (الأساليب المغالطية مدخلا لنقد الحجاج)[48]، وهشام الريفي في (الحجاج عند أرسطو)[49]، وعلي الشبعان في (الحجاج والحقيقة وآفاق التأويل)[50]، وأبو بكر العزاوي في كتابه (الخطاب والحجاج)[51]، ومحمد العمري في (بلاغة الخطاب الإقناعي، مدخل نظري وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية، الخطابة في القرن الأول نموذجا)[52]، ومحمد مشبال في كتابه (في بلاغة الحجاج، نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات)[53]، وأمينة الدهري في كتابها (الحجاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة)[54]، والحسين بنوهاشم في (نظرية الحجاج عند شاييم بيرلمان)[55]، وسامية الدريدي في (الحجاج في الشعر العربي القديم/ من الجاهلية إلى القرن الثاني للهجرة، بنيته وأساليبه)[56]، وجميل حمداوي في (من الحجاج إلى البلاغة الجديدة)[57]، ورشيد لولو في (حجاجية المثل في القرآن الكريم)[58]، و محمد مفتاح في (تحليل الخطاب الشعري)[59]، وعبد الهادي بن ظافر الشهري في كتابه (الخطاب الحجاجي عند ابن تيمية: مقاربة تداولية)[60]، ومحمد عبد الباسط عيد في كتابه (في حجاج النص الشعري)[61]، ومحمد طروس في كتابه (النظرية الحجاجية من خلال الدراسات البلاغية والمنطقية واللسانية)[62]، ومحمد الولي في (الاستعارة الحجاجية بين أرسطو وشايم بيرلمان)[63]، وعبد العالي قادا في كتابه (الحجاج في الخطاب السياسي)[64]، ورشيد الراضي في كتابه (الحجاج والمغالطة) [65]، وعبد اللطيف عادل في (الحجاج في الخطاب)[66]، والسرتي زكرياء في (الحجاج في الخطاب السياسي المعاصر)[67]، وعبد الله البهلول في (الحجاج الجدلي، خصائصه وتشكلاته الأجناسية في نماذج من التراث اليوناني والعربي)[68]، وطه عبد الرحمن في كتابه (اللسان والميزان)[69]، إلخ ...

المبحث السادس: أهداف الخطاب الحجاجي

يهدف الخطاب الحجاجي إلى استعراض الآليات التي يشتغل بها الحجاج في خطاب ما، سواء أكان هذا الخطاب سياسيا أم فلسفيا أم إشهاريا أم أدبيا أم قضائيا... ويعني هذا أن الهدف من هذا الخطاب هو استجلاء مختلف الأدوات والروابط والإستراتيجيات التي ينبني عليها الخطاب الحجاجي في إيصال رسائل المتكلم إلى السامع للتأثير فيه، أو إقناعه سلبا أو إيجابا، أو جعله يقتنع بالرسالة أو الخطاب.

ومن المعروف أن ثمة مجموعة من الأقوال والنصوص الأدبية والخطابية المختلفة التي تحمل في طياتها مقصدية حجاجية هدفها إقناع الغير والتأثير فيه. وفي الوقت نفسه، هناك نصوص وخطابات لا تهدف إلى الحجاج إطلاقا. وعلى الرغم من ذلك، يمكن استجلاء البعد الحجاجي في هذه النصوص، إما بطريقة مباشرة، وإما بطريقة غير مباشرة. وفي هذا الصدد، يقول إميل بنيفنست (Benveniste) معرفا الخطاب : " يستلزم كل تلفظ وجود متكلم وسامع، فيحاول المتلفظ أن يؤثر في الآخر بشكل من الأشكال".[70]

ويعني هذا أن الخطاب دائما عبارة عن عملية تفاعلية وتواصلية وتداولية تحضر فيها أطراف ثلاثة: المرسل، والمرسل إليه، والرسالة. ومن ثم، يعبر المرسل عن مجموعة من النوايا والرغبات والمقصديات المباشرة وغير المباشرة لإيصالها إلى السامع المفترض. ومن ثم، يعني الكلام تبادل الإرساليات، وكل قول هو بمثابة فعل إنجازي تداولي، ولاسيما إذا كانت الإرساليات عبارة عن جمل إنشائية وحوارات استلزامية أو أفعال كلامية، كما نجد ذلك في الحوارات العادية أو غير العادية (النصوص المسرحية، والحوارات السينمائية، والمناظرات). ومن ثم، ترى كيربرات أوريكشيوني ((Kerbrat-Orecchioni) أن الكلام يعني التبادل، والتبادل يعني تغير الحوارات[71].

ومن زاوية أخرى، يرى باتريك شارودو (Charaudeau) أن الخطاب الحجاجي يقوم على ثلاثة مبادئ رئيسة:

أولا، مبدأ الغيرية القائم على وجود المتكلم المتلفظ والمخاطب السامع؛

ثانيا، مبدأ التأثير حينما يقترن الملفوظ بوظيفة التأثير في الغير؛ وثالثا، مبدأ السيطرة الذي يقوم به المتكلم حينما يمتلك سلطة اللغة والحقيقة؛ لأن اللغة - حسب رولان بارت- سلطة، ومصدرها السلطة. فالذي يمتلك زمام اللغة يمتلك سلطة التصرف والأمر والنهي والتوجيه عن طريق التأثير والإقناع[72].

وهل يعني هذا أن جميع النصوص والخطابات حجاجية بالضرورة؟ لقد أثبت أرسطو في كتابه (الخطابة) أن الحجاج لا يتحقق بشكل جلي إلا في بعض الأجناس، مثل: الخطاب القضائي، والخطاب الاستشاري، والخطاب البرهاني. بيد أن شاييم بيرلمان(Perelman) قد وسع إمبراطورية الحجاج لتشمل مجموعة من الخطابات، مثل: الخطاب الفلسفي، والخطاب الأدبي، والخطاب السياسي، والخطاب الاجتماعي، والخطاب الأخلاقي، والخطاب الاقتصادي، والخطاب القانوني والقضائي، وغيرها من الخطابات التي تتضمن حجاج الأطاريح، وتحوي وجهات النظر المختلفة.

ويرى بيير أوليرون (Oléron) أن مسعى الخطاب الحجاجي هو أن يقنع المرسل السامع المخاطب، سواء أكان فردا أم جماعة، أو يجعل مجموعة من السامعين يتقبلون وضعية ما، بواسطة مجموعة من الحجج والأدلة التي يكون الهدف منها هو تثبيت رأي، أو إظهار الحقيقة، أو تبيانها، أو تفنيدها.[73]

ويرى فيليب بريتون (Breton) أن الحجاج ينتمي إلى عائلة الأفعال الإنسانية التي هدفها الإقناع، ومن خصوصياتها التسلح ببرهنة عقلية حجاجية، ضمن سياق تواصلي ما.[74]

ويذهب الهولندي فان إميرين(Van Eemeren)، ومعه جماعة أمستردام التي بلورت التداولية الجدلية، إلى أن الحجاج يتحدد باعتباره فعالية لفظية واجتماعية للعقل، هدفه هو تثبيت وضعية حجاجية لدى الغير، في وضعية جدالية ما بالزيادة فيها، أو النقص منها، باستخدام مسار حجاجي يقوم على التوضيح والتصديق والتفنيد والتعارض في ضوء حكم عقلاني[75].

وبالنسبة لغرايس (Grize) يرى أن المحاجج يجعل الغير موضوعا للتحريض والحث والتطويع والتحفيز، بتبادل الآراء إقناعا وتأثيرا، وتعديل آرائه ومواقفه ووجهات نظره، أو تثبيت بعض آرائه، أو تعتيم الأخرى، أو اقتراح أشياء أخرى.[76]

وقد وسعت روث أموسي (Ruth Amossy) مفهوم الحجاج ليكون أكثر اتساعا، فهي ترى أنه بمثابة محاولة حجاجية جادة لتغيير رؤى العالم عند الغير، أو التأثير فيه، أو تقوية هذه الرؤى عن طريق وسائل اللغة[77].

وقد توسع تعريف الحجاج أيضا مع شاييم بيرلمان الذي يرى أن الحجاج بمثابة محاولة لتقييد السامع بأطروحة معينة، والتركيز على طريقة التفكير والرؤية والإحساس؛ مما يجعل هذا التعريف الموسع أقرب إلى فن البلاغة المرتبط بفن التأثير والإقناع. فيشمل هذا الحجاج جميع الخطابات التي يحضر فيها الغير الخاص أو العام واقعا أو افتراضا، وبالضبط في خطابات كل من: علم اللغة، وعلم النفس، وعلم النفس الاجتماعي كما يقول شارودو.

ولا يمكن الحديث عن الحجاج إلا إذا وجد الجدال والاختلاف ووجهات النظر المختلفة، وتبين أن هناك - فعلا- تناقضا في الأطاريح الجدلية، وتعارضا في الأفكار بين مؤيد ومفند. ويرى أرسطو أننا لا نتحاجج حول الأفكار العقلية والمنطقية البديهية والقطعية والصادقة والواضحة، بل نتحاجج حول قضايا ظنية واحتمالية وخلافية .

ويرى ميشيل مايير(Michel Meyer) أن الحجاج يعمل على إيجاد وحدة للجواب، وإرضاء المتلقي بحال من الأحوال، وإقناع السامع بجواب منطقي شاف، خاصة حين تتعدد الأسئلة، وتختلف وجهات النظر. فهنا، لابد من اختيار جواب مقنع يرتضي به السامع[78].

و يرى كريستيان بلانتان(Christian Plantin) أن الأجوبة البديلة المقترحة لمجموعة من الآراء المتناقضة والمختلفة لابد أن تكون واضحة ومقنعة، ضمن سياق حجاجي جدلي معقول ومنطقي. ويعني هذا أن السياق الحجاجي المثالي هو الذي يحدد الجواب الصائب من الخاطئ[79] .

علاوة على ذلك، يطرح الحجاج الجدلي مجموعة من الأسئلة التي تستوجب حلولا يقتنع بها المستمع العادي أو المفترض، وهذا ما يقوم به الحجاج عبر الوسائل اللغوية والفكرية والشعورية. ومن ثم، تهدف الأجوبة، داخل السياق الحجاجي، إما إلى التثبيت، وإما إلى التفنيد، وإما إلى التعديل والتغيير.

ويتحدث باختين وفولوشينوف (Bakhtine-Volochinov) عن بوليفونية جدلية وحجاجية، أو المبدأ الحواري القائم على تعدد الأصوات واختلافها وتعدد الأجوبة. كما أن كل تلفظ، هو في الحقيقة، جواب عن سؤال ما، سواء أكان قولا أو كتابة[80].

و يقصد بالبوليفونية (Poliphonie/poliphony) تعدد الأصوات. وقد أخذ هذا المصطلح من عالم الموسيقا ليتم نقله إلى حقل الأدب والنقد. ومن ثم، فالمقصود بالرواية البوليفونية - مثلا- تلك الرواية التي تتعدد فيها الشخصيات المتحاورة، وتتعدد فيها وجهات النظر، وتختلف فيها الرؤى الإيديولوجية. بمعنى أنها رواية حوارية تعددية بامتياز، تنحى المنحى الديمقراطي؛ حيث تتحرر، بشكل من الأشكال، من سلطة الراوي المطلق، وتتخلص أيضا من أحادية المنظور واللغة والأسلوب. وبتعبير آخر، يتم الحديث في هذه الرواية المتعددة الأصوات والمنظورات عن حرية البطل النسبية، واستقلالية الشخصية في التعبير عن مواقفها بكل حرية وصراحة، ولو كانت هذه المواقف مخالفة لرأي الكاتب.

أما روث أموسي (Amossy)، فتميز، كما قلنا سلفا، بين الغرض الحجاجي والبعد الحجاجي، فالأول عبارة عن مؤسسة إقناعية مبرمجة حجاجيا منذ البداية، وهدفها التأثير في الغير وإقناعه كما في الخطاب الإشهاري والخطاب الانتخابي. وبالتالي، تسعى جادة إلى جذب السامع واستمالته.أما البعد الحجاجي، فيتمثل في توجيه طريقة النظر إلى الغير بطريقة حجاجية ضمنية وغير صريحة .[81]

المبحث السابع: آليات الخطاب الحجاجي وإستراتيجياته

 

يعتمد الخطاب الحجاجي على مجموعة من الوسائط والوسائل الحجاجية، مثل: الاستعراض البرهاني، وتقديم الأطروحة، وإيجاد الأجوبة، وتمثل الجدل في الحوار والاختلاف، والاعتماد على مسارات حجاجية منطقية ومعقولة لإقناع الغير والتأثير فيه ذهنيا ووجدانيا ولغويا. ويعني هذا تقديم مقاييس حجاجية، مثل: مقياس الجدل، ومقياس التعارض، ومقياس الاختلاف، ومقياس البرهنة والاستدلال...فضلا عن استخدام سجلات حجاجية كالسجل السجالي، والسجل البرهاني، والسجل المغالطي، والسجل الساخر، والسجل الإقناعي، والسجل الهووي، والسجل التناظري، والسجل الاقتناعي، والسجل التساؤلي الإشكالي، والسجل الحواري، والسجل التداولي، والسجل البلاغي، والسجل البصري، والسجل الدعائي، والسجل الإيديولوجي، والسجل الجدالي، والسجل البوليفوني...

ويمكن التوقف عند وسائل الحجاج التحليلية كالمثل، والتمثيل، والشواهد النصية، والاستعارات المجازية، والصور البلاغية، وحجج السلطة، والقدوة، والمقارنة، والمماثلة، والسخرية، والمغالطات، والحجج الواصلة والفاصلة، والعلامات السيميائية، والحجج المنطقية والجدلية، والحقول الدلالية والمعجمية الدالة على الحجاج، واستخراج الأفعال الإنجازية والتداولية، والتمييز بين ما يدل على التأثير، والتغليط، والإقناع، والاقتناع، والبرهان، والجدل، والحوار،...

ويستند البعد الحجاجي إلى تغيير أفكار الغير، وإعداده لتقبل ما سيقال له عن طريق مجموعة من الخطابات التي لا يظهر فيها الحجاج مباشرة، ويبدو ذلك جليا وواضحا ما في النصوص التي تعتمد التخييل كالأدب والفن، مثلا.

المبحث الثامن: كيف نقارب الخطاب حجاجيا؟

تهدف المقاربة الحجاجية إلى تحليل النصوص و الخطابات التي تتضمن أبعادا حجاجية مباشرة أو غير مباشرة. لذا، على الباحث أن يحلل النص بنية، ودلالة، ووظيفة. ثم، يستخرج المقاييس الحجاجية وخطاطاتها المبنية ذهنيا من قبل المتكلم والمخاطب على حد سواء، وتجريد التمثلات المشتركة بين الأطراف المتحاورة، وتصنيف المقاييس والمقولات الحجاجية، ووصفها وتفسيرها لغويا، وبلاغيا، وتداوليا، وجدليا، وخطابيا. بمعنى أنه لابد من الاستعانة بمجموعة من النظريات المتكاملة في مقاربة الخطابات ذات البعد الحجاجي.

وقد يعتمد التحليل الحجاجي على مفاهيم أرسطو مثل: القياس، والمماثلة، والاستدلال المنطقي. وهناك من يقترح نماذج الخطة الحجاجية لتولمين (Toulmin)[82]. وهناك من يتبنى نظرية أنسكومبر ودوكرو في رصد الظواهر اللغوية التي تحمل في طياتها ملامح حجاجية قائمة على التعارض، أو السبب، أو الاستنتاج، أو الهدف، أو التقابل، أو الافتراض...

وهناك من يوسع البحث الحجاجي ليبحث في تصنيفات أخرى، كالاعتماد على المنطق الصوري لرصد أخطاء الفكر وأوهامه وتناقضاته، أو الاعتماد على المنطق الطبيعي لرصد مختلف التمثلات المعرفية والاجتماعية التي تجمع بين طرفي التواصل، في سياق زماني ومكاني وثقافي معين، بالتركيز على بنية الخطاطات الحجاجية.

ويضاف إلى هذا أن الحجاج عبارة عن ملفوظات واقتراحات متسلسلة بشكل منطقي وواضح لابد من تجريدها، والبحث عن مظاهرها الحجاجية، واستجلاء طريقة بنائها وانتظامها داخل مسار حجاجي معين، وداخل سياق استدلالي محدد. و الغرض من هذا كله هو معرفة كيفية اشتغال مؤسسة الحجاج، ضمن سياق تواصلي معين من المجرد إلى المحسوس.

 ولابد للمحلل من التركيز على اللغة الطبيعية أو اللوغوس؛ لأن الحجاج النصي أو اللغوي يبنى عبر مجموعة من الروابط والمؤشرات التلفظية و الوسائل المنطقية، فلابد من استخلاص هذه القرائن اللغوية وتصنيفها، ومعرفة دلالاتها ووظائفها وبنياتها.

ولابد من استحضار شبكة التواصل التي تجمع بين الأطراف المتحاورة.أي: ضرورة تحديد الوسائل اللسانية والإستراتيجيات الخطابية التي تهدف إلى تثبيت مؤسسة الحجاج وتقويتها. وهنا، لابد من الاستعانة بنظرية سياق التلفظ كما عند بنيفنست (Benveniste)، بتحديد المتلفظ وطبيعته وسياق تواجده، وكذلك تبيان خصائص المتلفظ إليه، والإشارة إلى الإرسالية وسياقها الزماني والمكاني والدلالي. والهدف من هذا كله هو استجلاء البعد المؤسساتي والاجتماعي عبر عملية التواصل الواقعية أو الافتراضية. ويعني هذا ترابط الحجاج بالواقع . وهذا ما قام به- فعلا - دومينيك مانجونو (Maingueneau) حينما ربط اللغوي بالمؤسساتي، أو ربط المؤسسة الحجاجية بواقعها السياقي. وهنا، ينبغي التركيز على اللوغوس، والسياق التواصلي، والبعد المؤسساتي..

وعليه، تنبني منهجية الحجاح الخطابي على تحديد السياق التواصلي والإطار الاجتماعي التاريخي، وتبيان مقاييس الحجاج، وتحديد الهدف الحجاجي المركزي، والتوقف عند الغرض الحجاجي والبعد الحجاجي، واستكشاف الأدوات اللغوية الحجاجية كالصور البلاغية والأساليب(الحوار، والسرد، والمنولوج، والأسلوب المباشر، والأسلوب غير المباشر، والأسلوب غير المباشر الحر)، وتبيان البوليفونية وتعدد الأصوات على المستوى الدلالي واللغوي، وتحديد وجهات النظر والإديولوجيا، ودراسة المضمر والمحذوف، وتبيان طريقة بناء النص خطابيا، واستكشاف روابط الحجاج وقرائن الاستدلال، والإشارة إلى حضور الغير السامع الواقعي أو الافتراضي، سواء أكان النص مكتوبا أم شفويا.

ويعني هذا كله التركيز على ثلاثة مرتكزات حجاجية متكاملة: اللوغوس(تقنيات اللغة الحجاجية)، والإيتوس (الصورة الأخلاقية الفضلى للمتكلم وكفاءته معرفيا وقيميا)، والباتوس (الترغيب والترهيب) .

وبناء على ماسبق، يمكن حصر الخطوات المنهجية التي تستند إليها المقاربة الحجاجية الخطابية في التعامل مع النصوص والخطابات كيفما كان نوعها فيما يلي:

u وضع النص الحجاجي في سياقه المرجعي والتواصلي، بالتركيز على المؤلف، والعصر، والجنس، والسامع الواقعي؛

v تحديد الدافع الحجاجي المركزي؛

w استجلاء ترتيب الحجاج وبنيته الاستدلالية؛

xدراسة الحجاج في لغته الطبيعية، وفي ماديته الخطابية، ضمن خطاب وظيفي كلي؛

y ربط الحجاج بسياقه التواصلي، باستحضار أطراف التواصل، والموضوع، والزمان، والمكان، والثقافة، والتمثلات المشتركة؛

z رصد آليات الحجاج ومقدماته وخطاطاته، وتبيان طبيعتها وطريقة اشتغالها داخل الخطاب قبل الكلام وبعده، حين طرح الدعوى والدعوى المضادة، ومحاورتها حجاجيا في لحظات: التشكيك، والتفنيد، والتعديل، والتصحيح، والتأييد، والتثبيت...؛

{ استجلاء اللوغوس، والإيتوس، والباتوس؛

| استكشاف حجاجية الأسلوب والبلاغة، بالتوقف عند المستويات الصوتية، والإيقاعية، والصرفية، والتركيبية، والدلالية، والتداولية، والسجلات الكلامية، والحقول الدلالية والمعجمية ذات الطابع الحجاجي...؛

} التمييز بين الغرض الحجاجي والبعد الحجاجي في الخطاب أو النص؛

~ تحديد تجليات الحوارية النصية، وتبيان أنواعها، ورصد مختلف مظاهر الحجاجية الخطابية في خلاصة التحليل والنقد والتقويم.

وفي يومنا هذا، توظف المقاربة الحجاجية في تحليل مجموعة من الخطابات، مثل: الخطابات اللسانية واللغوية، والخطابات الأدبية، والخطابات الفنية، والخطابات الفلسفية، والخطابات العلمية، والخطابات الإعلامية، والخطابات التاريخية، والخطابات السياسية، والخطابات القانونية، والخطابات القضائية....

ولقد أصبحت المقاربة الحجاجية الخطابية أداة ناجعة لمقاربة جميع النصوص والخطابات في حقول معرفية مختلفة. وليس من الضروري أن تجيب عن أسئلة لغوية ولسانية محضة، بل يمكن أن تجيب عن أسئلة إعلامية، أو أدبية، أو تاريخية، أو أنتروبولوجية...ويعني هذا أن الأسئلة والأجوبة تختلف باختلاف النصوص والخطابات. 

الخاتمة:

وهكذا، يتبين لنا أن الحجاج حاضر في جميع الخطابات، إما بطريقة مباشرة (الإشهار- الانتخابات- السياسة...)، وإما بطريقة غير مباشرة كالفلسفة، والأدب، والفن. وقد يظهر هذا الحجاج ماديا عبر الوسائل اللغوية، وقد يكون معنويا عبر الأفكار والمشاعر، ووجود سياق حجاجي معين.

ويحضر الحجاج كذلك في عملية تجنيس الخطابات؛ حيث يرتبط الحجاج بوظيفة جنس ما كمعرفة وظائف الخطاب الإشهاري أو الخطاب السياسي، أو معرفة خصائص الرسائل الدبلوماسية، أو تبيان مميزات الخطاب الشفوي... والهدف من هذا كله هو معرفة علاقة المتكلم بالغير، و رصد طبيعة العلاقة الحجاجية التواصلية، وتحديد الأهداف المرجوة. ولكل خطاب أو جنس ما خصائصه الحجاجية إن نظرية، وإن تطبيقا.

وعليه، تتميز نظرية الخطاب الحجاجي عن نظرية الحجاج اللغوي عند أنسكومبر ودوكرو، فالأولى تعنى باستخراج الحجاج داخل النص أو الخطاب. في حين، تهتم الثانية بدراسة البنية الحجاجية في الجمل والملفوظات اللغوية واللسانية إن وصفا، وإن تفسيرا.

  

ا. د. جميل حمداوي

...................

الهوامش:

[1] - ماري آن بافو وجورج إليا سرفاتي: النظريات اللسانية الكبرى، ترجمة: محمد الراضي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2012م، ص:315.

[2] - ماري آن بافو وجورج إليا سرفاتي: النظريات اللسانية الكبرى، ص:328

[3] - فان ديك: النص والسياق، ترجمة: عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م، ص:19.

[4] - عبد السلام المسدي: الأسلوبية والأسلوب، الدار العربية للكتاب، طبعة 1982م، ص:116.

[5] - نقلا عن عبد القادر شرشار: تحليل الخطاب الأدبي وقضايا النص، منشورات مختبر الخطاب الأدبي في الجزائر، الطبعة الأولى 2006م، ص:46-47.

[6] -أوليفييه ريبول:مدخل إلى الخطابة، ترجمة: رضوان العصبة، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م، ص: 227.

[7] - Ruth Amossy:L’argumentation dans le discours,Armand Colin,Paris,2010,p:36.

[8] -أبو بكر العزاوي: حوار حول الحجاج، الأحمدية للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:9.

[9] - علي الشبعان: نفسه، ص:26.

[10] - محمد صولة: الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، دار الفارابي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة 2007م، ص:9.

[11] - A.regarder : Christian Plantin : Argumenter. De la langue de l'argumentation au discours argumenté, Paris, Centre national de documentation pédagogique, 1989 ; Essais sur l'argumentation. Introduction à l'étude linguistique de la parole argumentative, Paris, Éditions Kimé, Argumentation et sciences du langage, 1990 ; L'argumentation, Paris, Seuil, 1996 ; L'argumentation. Histoire, théories et perspectives, Paris, Presses universitaires de France, « Que sais-je ? », 2005 ; Les émotions dans les interactions, Lyon, Presses Universitaires de Lyon, 2000.

[12] - A regarder : Jean-Blaise Grize: De la logique à l'argumentation. Genève, Librairie Droz, 1982 ; Jean-Blaise Grize, « Qu’est-ce que la logique naturelle ? », Les représentations sociales, Presses Universitaires de France, 2003, p. 170-186.

[13] - أبو بكر العزاوي: حوار حول الحجاج، الأحمدية للنشر، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 2010م، ص:37-38.

[14] -Michael leff:(L’argument ad Hominem dans les débats présidentiels Buch/Kerry), Argumentation et analyses du discours, 61,2011 mis en ligne le 15Avril2011, consulté le 13Mai 2015.URL :http://aad.revues.Org/1068.

[15] -Ruth Amossy : Argumentation et analyse du discours.Nathan université, 2000 ; L'Argumentation dans le discours, Nathan, 2000.

[16] -Michel Meyer, Principia rhetorica. Une théorie générale de l'argumentation, Fayard, coll. « Ouverture », 2008.

[17] -Dominique Maingueneau : Les termes clés de l’analyse du discours, Collection Points, Éditions du Seuil, 2009.

[18] -Christian Plantin: Essais sur l'argumentation. Introduction à l'étude linguistique de la parole argumentative, Paris, Éditions Kimé, Argumentation et sciences du langage, 1990.

[19] -Olivier Reboul : Introduction à la rhétorique, Paris, Presses universitaires de France, coll. « Premier cycle », 2009 (4e édition) ouvrage fondamental.

[20] - Christian Plantin : Argumenter. De la langue de l'argumentation au discours argumenté, Paris, Centre national de documentation pédagogique, 1989.

[21] -Chaïm Perelman et Lucie Olbrechts-Tyteca : Traité de l'argumentation : La nouvelle rhétorique, Presses Universitaires de France, Paris, 1958.

[22] - Alain Boissinot:Les textes argumentatifs, éditions Bertrand-Lacouste, 1992.

[23] -Marc Angenot: La Parole pamphlétaire. Contribution à la typologie des discours modernes. Paris, Payot, 1982.

[24] - Marianne Doury, Argumentation. Analyser textes et discours, Paris, Armand Colin, coll. « Portail », 2016.

[25] -Fairclough, Norman (1996). Rhetoric and Critical Discourse Analysis: A Reply to Titus Ensink and Christoph Sauer. Current Issues in Language & Society 3(3): 286–289.

 [26]- Jacques Moeschler et Anne Reboul, Pragmatique du discours : De l'interprétation de l'énoncé à l'interprétation du discours, Paris, Armand Colin, 1998, 220 p.

[27] -Charaudeau, Patrick. : Le discours politique. Les masques du pouvoir .Paris : Vuibert2005.

[28] -Breton, Philippe : L’argumentation dans la communication, Paris : La Découverte,.1996

[29] - محمد صولة: الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية،ص:18.

[30] -O.Reboul : Introduction à la rhétorique, P.U.F.Paris :4.

[31] - محمد صولة: نفسه، ص:40.

[32] - محمد مشبال: في بلاغة الحجاج، نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات، كنوز المعرفة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2017م، 59-60.

[33]-Dominique Maingueneau : L'Analyse du discours, Introduction aux lectures de l'archive, Paris, Hachette, 1991,p :33.

[34] - محمد مشبال: في بلاغة الحجاج، نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات،ص:60-61.

[35] - S.E.Toulmine: The uses of argument, Cambridge University Press, 1958.

[36] - M. Meyer : Logique, Langage et argumentation, Editions Hachette, 1982.

[37] -Chaïm Perelman et Lucie Olbrechts-Tyteca : Traité de l'argumentation : La nouvelle rhétorique, Presses Universitaires de France, Paris, 1958.

[38] -S.TOULMIN : The Uses of Argument (Cambridge, Cambridge University Press, 1958), Trad., Les Usages de l’argumentation (Paris, PUF, 1992). Voir aussi la dernière version« Updated » en anglais de 2003.

[39] - حمادي صمود: التفكير البلاغي عند العرب، أسسه وتطوره إلى القرن السادس، منشورات الجامعة التونسية، المطبعة الرسمية، الطبعة الأولى سنة 1981م.

[40] - محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري، إستراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1985م.

[41] - محمد العمري: بلاغة الخطاب الإقناعي، مدخل نظري وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية، الخطابة في القرن الأول نموذجا، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[42] - حمادي صمود (إشراف): أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، إشراف: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، تونس،طبعة 1998م.

[43] - محمد مشبال: في بلاغة الحجاج، نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات، كنوز المعرفة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2017م.

[44] - حمادي صمود(مقدمة في الخلفية النظرية للمصطلح)، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، إشراف: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، تونس، صص:11-48.

[45] - عبد الله صولة: الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، دار الفارابي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة 2007م.

[46] - شكري المبخوت : (نظرية الحجاج في اللغة)، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، إشراف: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، تونس، صص:351-385.

[47] - محمد علي القارصي : (البلاغة والحجاج من خلال نظرية المساءلة)، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، إشراف: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، تونس، صص:387-402.

[48] - محمد النويري : (الأساليب المغالطية مدخلا لنقد الحجاج)، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، إشراف: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، تونس، صص:403-447.

 [49] - هشام الريفي : (الحجاج عند أرسطو)، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، إشراف: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، تونس، صص:49-296.

[50] - علي الشبعان: الحجاج والحقيقة وآفاق التأويل، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م.

[51] - أبو بكر العزاوي: الخطاب والحجاج، الأحمدية للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2007م.

[52] - محمد العمري: بلاغة الخطاب الإقناعي، مدخل نظري وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية، الخطابة في القرن الأول نموذجا، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[53] - محمد مشبال: في بلاغة الحجاج، نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات، كنوز المعرفة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2017م.

[54] - أمينة الدهري: الحجاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م.

[55] - الحسين بنوهاشم: نظرية الحجاج عند شاييم بيرلمان، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت لبنان، الطبعة الأولى سنة 2014م.

[56] - سامية الدريدي: الحجاج في الشعر العربي القديم/ من الجاهلية إلى القرن الثاني للهجرة، بنيته وأساليبه، عالم الكتب، إربد، الأردن 2008م.

[57] - جميل حمداوي: من الحجاج إلى البلاغة الجديدة، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2014م.

[58] - رشيد لولو: حجاجية المثل في القرآن الكريم، منشورات حمداوي الثقافية، مطبعة الخليج العربي، تطوان، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م.

[59] - محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري، إستراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1985م..

[60] - عبد الهادي بن ظافر الشهري : الخطاب الحجاجي عند ابن تيمية: مقاربة تداولية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2013م.

[61] - محمد عبد الباسط عيد: في حجاج النص الشعري، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الاولى سنة 2012م.

[62] - محمد طروس: النظرية الحجاجية من خلال الدراسات البلاغية والمنطقية واللسانية، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 2005م.

[63] - محمد الولي: (الاستعارة الحجاجية بين أرسطو وشايم بيرلمان)، مجلة فكر ونقد، المغرب، العدد: 61 ـ 2004م.

[64] - عبد العالي قادا: الحجاج في الخطاب السياسي، كنوز المعرفة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2015م.

[65] - رشيد الراضي: الحجاج والمغالطة، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م.

[66] - عبد اللطيف عادل :الحجاج في الخطاب، مؤسسة ىفاق، مراكش، الطبعة الأولى 2017م.

[67] - سرتي زكرياء: الحجاج في الخطاب السياسي المعاصر، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2014م.

[68] - عبد الله البهلول :الحجاج الجدلي، خصائصه وتشكلاته الأجناسية في نماذج من التراث اليوناني والعربي، قرطاج للنشر والتوزيع، تونس، الطبعة الأولى سنة 2013م،

[69] - طه عبد الرحمن : اللسان والميزان، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1998م.

[70]- Benveniste, Emile : Problèmes de linguistique générale, t. 2 Paris : Gallimard, 1974, p : 241.

[71]- Kerbrat-Orecchioni, Catherin : Les interactions verbales, t. I, Paris : Colin.1990P : 54-55.

[72] -Charaudeau, Patrick. : Le discours politique. Les masques du pouvoir .Paris : Vuibert.2005, P : 12.

[73]- Oléron, Pierre : L’argumentation , Paris, PUF,1987,p :4.

[74]-Breton, Philippe : L’argumentation dans la communication, Paris : La Découverte,.1996P :3.

[75]- Van Eemeren, Frans H., Grootendorst, Rob and Snoek Hoekemans, Francesca. : Fundamentals of Argumentation Theory. NJ / London, Erlbaum, 1996, p: 53.

[76]- Grize, Jean-Blaize : Logique et langage, Paris, Ophrys, 1990, p : 41.

[77]-Amossy, Ruth : L’argumentation dans le discours, Paris, Colin ,2006

[78]- Meyer, Michel : Qu’est-ce que l’argumentation ? Paris, Vrin, 2005, p : 15.

[79]- Plantin, Christian : L’argumentation, Paris, PUF, « Que sais-je? », 2005, p : 53.

[80]-Bakhtine, Mikhail (Volochinov) : Le marxisme et la philosophie du langage, Paris, Minuit, 1977, p : 105.

[81]-Amossy, Ruth : L’argumentation dans le discours ,p:32-34.

[82] - Toulmin, S. E. : Les usages de l’argumentation, Paris, PUF, 1993.

 

علي محمد اليوسفما عدا فلاسفة المثالية، جميع فلاسفة الماركسية والوجودية والبنيوية والتفكيكية والعدمية خرجوا على كوجيتو ديكارت، في اقرارهم صاغرين بان التفكير عقليا في صمت اللغة كوسيلة ادراكية لا يمكنها تحديد او تحقيق فهم الوعي الخالص، بمعزل عن اقتران ذلك الوعي بهدف يجعل منه جزءا من منظومة اجتماعية وجودية تعيش الحياة بأي شكل من الاشكال.لكنهم ابتدعوا مثالية ابتذالية بما لايقاس مع الفلسفات المثالية، تلك هي فلسفة (اللغة) باعتبارها مرجعية ومرتكزا في حل جميع اشكاليات الفلسفة التي كانت اللغة سببها في سوء استخدامها متناسين،اهمها التفكيكية التي رفعت شعار (لا شيء خارج النص)، ان قصور الفلسفة كتفكير منطقي تجريدي هو المبتدأ والمنتهى، واللغة في كل الاحوال هي وعاء الفكر الذي يخدم الفكر ويعبر عنه يحيادية شبه تامة.

في هذا المنحى نجد هيدجر اراد ان يخرج وعي الذات من المجرد الفكري داخل منظومة العقل، الى اثبات الوعي وجودا وكينونه في وعيه الاشياء كمتعّين انطولوجي، لا يمكن ادراكه لذاتيته من غير وعيه العالم الخارجي وادراكه له. فوجود الاشياء في العالم الخارجي لا يرتبط بعلاقة مع الفكر، من دون ان يجعل الوعي منها و بها والتفكير الادراكي لوجودها، موضوعا وكينونة متعينة مدركة عقليا وذهنيا في اسبقية الفكر على اللغة، في وقت تكون الفكرة ولغتها شيئا واحدا في الواقع الخارجي والعالم المحسوس.

سارتر وميرلوبونتي ولغة الصمت

ان الانسان العاقل يفكر ذهنيا وهوصامت، ويفكرصمتا وهو نائم في اللاشعور، ويفكرصمتا وهو حالم الهاميّا خياليا، والصمت لغة حوار العقل مع ذاته داخليا في الموضوع، فالعقل لا يفكر في فراغ – سنوضح هذا لاحقا – ويكون تفكير الصمت بلا لغة تعبير تواصلي افصاحي ايحائي لا يشترط توّسله اللغة ممكنا وجودا، عندما يكون الصمت هو تفكير في موجودات مادية واقعية تكون مادة تفكير صامت، او ان مواضيع التفكير الصامت خيالية لا وجود لها ماديا متعينا في الواقع، يتناولها العقل بالتفكيرالذهني المجرد قبل اعادتها ثانية الى الادراك التعبيري عنها ماديا صرفا او متعينا ادراكيا بواسطة اللغة، والصمت الذي يفكر بموضوعه ذهنيا لا يلغي دور العقل او لايستطيع الاستغناء عن الوظيفة العقلية في الوعي والتفكير بالاشياء.ان وظيفة العقل (الدماغ) في التفكير بالمجردات الذهنية ارقى درجة منها التفكير في الموضوعات المادية التي يعقلها العقل كواقعات مادية ويدركها ظاهراتيا او ماهويا.فالعقل في ملازمته الخيال ورقابته على اللاشعور وتداعيات التصورات الذهنية تكون مهمته اصعب من مهمة العقل في تناوله الماديات والموجودات والاشياء في الطبيعة، لكي لا ينتج عن التفكير الخيالي الذهني المجرد اصوات وهذاءات تعبيرية لا تعطي المفكّر به من موضوعات مادية  او مجردة استحقاقها الوعوي الادراكي كما لاتعطي الهذاءات غير العقلية وعي الذات مصداقيتها.

يقول سارتر:( ان مسألة اللغة تسير جنبا الى جنب مع مسألة الجسم)(5)، وهي عبارة سليمة في توكيد بديهة بايولوجية فيزيائية، ان اللغة لاتفارق جسم الانسان العاقل الناطق باعتبارها خاصية انسانية يتمايز بها الانسان ويحتازها لوحده من دون الكائنات الحية في الطبيعة. وفي نفس المقاربة التعبيرية يقول ميرلوبونتي( الكلمة ايماءة حقيقية لانها تتضمن معناها، وليست عشوائية او طبيعية ).(6)

الصمت لغة تواصلية

الانسان في جنبة اولية محورية جوهرية من كينونته الطبيعية هو انه وجود عقلي لغوي ناطق. فالانسان يفكر وهو يتكلم ويفّكر وهوصامت ويفّكر لا شعوريا وهو نائم، ويفكر وهو في حلم اليقظة، ويفكر وهو ماشيا لوحده او مع مجموع. وفي كل حالات الصمت يحتاج الانسان التعبير اللغوي او الكلامي او حتى الصوري عن بعض الاشياء والموضوعات، ويكتم او يستعصي عليه التعبير عن بعضها، او يتعذّر عليه الافصاح التواصلي في بعضها الاخر. اذن الانسان وجود مفكّر في صمته وفي الافصاح عن بعض تفكيره الصامت في الكلام او اللغة او الكتابة او في اية وسيلة توصيل اخرى.والانسان هو كينونة عقلية ادراكية تفكيرية، ولغوية ناطقة،وخيالية تجريدية، تحتويها كل خصائص الانسان المادية وجودا.

يقول ميرلوبونتي (اذا كانت اللغة كيان باطن، فان هذا الباطن ليس فكرا مغلقا على ذاته وواعيا بها).(7) انه لمن المهم ادراكنا ان اللغة في التفكير الباطن العقلي اي الصامت، هي وسيلة العقل ان يعقل نفسه ووسيلة العقل في وعي الاشياء المادية وغير المادية الروحية ذهنيا.كما ان العقل هو الوسيلة الوحيدة في ادراك وفهم الوجود الخارجي ولا بديل عنه.اما اذا بقي هذا الادراك العقلي منغلقا على العالم الخارجي، في عدم ادراك تواصله الجدلي مع الاشياء والموضوعات،فهنا يصبح الانسان كيان لغوي حواري داخلي صامت فقط مفارقا لجوهر انسانيته، وهو محال ان يكون وضعه هذا دائميا في ملازمة الصمت بالنسبة لانسان سوي عاقل وناطق ايضا سواء يعيش منعزلا او يحتويه مجتمع.ومحال ايضا ان يكون الانسان خارج طبيعته بخصائصها الانسانية اهمها انه انسان ناطق ومعبّرا عن الاشياء لغويا، وفي ان لا يوجد ويكون جزءا من الطبيعة متفاعل مع مظاهرها، لا ان يكون كيانا مفكرا بذاته فقط، منعزلا عن واقعه ومحيطه الاجتماعي. ولا في تعطيله لغة الحوار التواصلي مع الآخر.الصمت الانساني هو حوار لغوي داخلي يعمل في الذهن البشري المفكر، بينما يكون صمت الحيوان (عدما) غير متعين لا عقليا ولا ذهنيا ولا تفكيرا منطقيا ولا تعبيرا لغويا. فهو صمت يغيب عنه العقل بخلاف الانسان. في عجزالحيوان الصامت ان يكون صمته تفكيرا خياليا محكوما بوعي زماني ومكاني، كما عند الانسان حيث يقوم العقل ومن ثم اللغة على تنظيم ذلك التفكير الخيالي في وعيهما الزمن افتراضا. في هذا تكون علاقة الانسان بالطبيعة اثراءا لوجوده، وبقيت علاقة الحيوان بالطبيعة افقارا لوجوده لولا تدخل ما يسمى محميات الحفاظ على التنوع البيئي والحيواني والنباتي من الافقار التدريجي الذي يقود الى اختلال بيولوجي مفزع في الطبيعة يقود الى انقراض العديد من الكائنات الحيوانية والنباتية، ومن هنا كان الانسان كائنا وجوديا مستقبليا، اي يفكر بالمستقبل بما لايتوفر للحيوان ذلك الا مع تدّخل الانسان بالطبيعة في جعل الذئب يرعى مع الغنم عندما انتفت الحاجة الى القتل والافتراس الحيواني لاسكات (الجوع) في محميات الحفاظ على التنوع البيئي الطبيعي.كما انتفت مقولة هوبز الانسان وجود تلازمه غريزة القضاء على الانسان من نوعه وتدميره منذ بدء الخليقة والى يومنا هذا.

لغة الصمت التواصلي الفني حركيا جسديا

لغة التعبير الفني مثلا في النحت والرسم وفي جميع جماليات الفنون التشكيلية، هي ايضا لغة حوار داخلي صامت معبّرا عنه بوسائط توصيل هي غير لغة الكلام او الكتابة.وتكون لغة الحوار التواصلي في حالة كمون يستنطقها الانسان المتلقي للفن والجمال ويفهمها حسب ثقافته وتكوينه النفسي والجمالي.واللغة الصامتة بالفن منتج عقلي للفكر وتداعيات اللاشعور.اما لغة التعبير الانساني الكلام او اللغة المكتوبة فهي منتجات مصنع الحيوية العقلية الانسانية المتفردة خياليا او فكريا تواصليا، وبذلك يصبح الانسان كائنا لغويا يفكر وهوصامت وفي مخياله حضور ووعي الزمن الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا النوع من الادراك بالزمن والمستقبل لا يتوفر عليه الحيوان.فالحيوان لايعي الزمن مثل الانسان، حتى وان كان هذا الوعي الزمني(افتراضيا) كما يمارسه الانسان افتراضا وجوديا لا غنى عنه .

الانسان كينونة تمتلك فينومينولوجيتها وماهيتها وجوهرها المعبر عنها في جميع صفاتها وكيفياتها التي تجعل من الانسان كائنا متمايزا في هوية جوهرية ماهوية مستقلة، وفي هذه الخاصية يتأكد استحالة الاتحاد الانساني غير القابل للتسوية بين الوجود في ذاته، والوجود من اجل ذاته، ومثال هذه الاستحالة تتمثل في محاولة الصوفية تحقيق الاتحاد الانجذابي الاتحادي المؤقت بين الله الذي هو وجود (بذاته)، مع الانسان الذي هو وجود (لذاته) في كيان مادي ماهوي متعيّن،الله كيفية افتراضية لا يمكن اتحادها بكيفية انسانية مغايرة مادية. والله كائن نوراني كما تذهب له الصوفية، لا يدرك عقليا وغير متعيّن ماديا بالنسبة لادراك الانسان في محدودية ادراكه الوجود اللانهائي. وفي هذا الفارق الجوهري الكبيرممثلا في تغاير (كيفيتين) احداهما روحانية لا يدركها عقل الانسان والاخرى مادية تتمايزماهويا ذاتيا، كما تتمايز بعلاقتها مع قوانين الطبيعة التي يتحكم بها مطلق الزمان ولا محدودية المكان.وبهذا فالانسان كيفية لا تلتقي الا مع كيفيات اخرى تشترك معها بالصفات الجوهرية المادية والماهوية من نوعها تتجانس معها في كل او بعض الصفات والماهيات ضمن ضوابط قوانين الطبيعة.

وعي الذات في الشعر

لغة التخييل الانساني هو قسمة مشتركة بين وعي ذاتها ووعي المدركات المادية وغير المادية، كذلك مفهوم الخيال في وعي الانتاجية الفلسفية او الجمالية،وفي نظم الشعرية الادبية الفنية، وفي اية فعالية فنية جمالية ينتجها الانسان ويلعب الخيال الفاعل دورا مهما فيها، وفي مجمل الفنون التشكيلية والنحت وغيرهما، كذلك الحال في ابداعات الاجناس الادبية الشعر والرواية والقصة ومختلف السرديات التي تعبر عن جماليات الادب والفنون عامة.في كل ما ذهبنا له يكون الخيال المنتج حاضرا.

رغم اني في عدة مقالات فلسفية منشورة لي تناولت فيها علاقة التعبير اللغوي كقاسم مشترك يتوسط التعبيرين الفلسفي والشعري، الا اني اجد في هذه المقالة المرور السريع بهما. فالشعر بخلاف فلسفة افلاطون المثالية الذي طرد الشعراء من جمهوريته الفاضلة، هو اكثر انواع التعبير الانساني الذي يتعالق تواشجيا ارتباطيا بالتعبير الفلسفي كما يذهب له نيتشة وهيدجر وغيرهما.

لغة الخيال العقلي غير المرضي المنتج،هو قسمة مشتركة بين الفلسفة والشعر باختلاف ان لغة التعبير الفلسقي تلتقي بالشعر في ناحية انها ايضا تتعامل بمنطق التعبير اللغوي التجريدي الذي يتداخل فيه الخيال مع الفكر،لكن التعبير الفلسفي التجريدي لا يلغي هيمنة العقل ورقابته الصارمة، على العكس من الشعر الذي يطغى فيه الخيال وتداعيات التهويم اللاشعوري في اللغة وتمردها وخروجها عن سلطة العقل،اللاشعور الشعري لا يتوّسل العقل في التنظيم اللغوي، ولا يستدعي الشعر رقابة العقل في لجم الخيال المتداخل في جوهر منطق التعبير الشعري الذي ينتهك اللغة المنظمة ويعمل على جعلها لغة تهويم خيالي يخرج باللغة عن مألوفيتها التواصلية التداولية في ابتداع لغة خاصة خارج التنميط العادي للغة.في وقت ترى الفلسفة لغتها التعبيرية في حضور صرامة العقل في تنظيم التفكيرالمنطقي الفلسفي رياضيا، اي ان تكون صياغة الافكار فيها تقترب جدا من صرامة علم الرياضيات.

الفلسفة في خروجها المنطقي التجريدي عن التنميط اللغوي التواصلي اجتماعيا، تذهب باللغة الى مجاهل الفهم الاستعصائي على التلقي المباشر، فهي تستدعي العقل في رقابته الصارمة ان لا يخرج التعبير الفلسفي العقلي، الى منهجية اللاشعور في غلبة الخيال في انتاج تعبير اللامعنى واعدام نظام اللغة التقليدي كما يفعل الشعر.

اؤكد ماسبق لي ذكره ان عبقرية اللغة سابقة على عبقرية الفكر، كما ان جمالية اللغة اسمى من جماليات التعابيرالتواصلية الاخرى التي لا تتوسل اللغة قيمة عليا في التعبير. رغم ان تراتيبية انتاجية العقل للغة لا يسبق انتاجية العقل للفكر. وفي حال صمت الانسان يكون تفكير الدماغ في الموضوع سابق على لغة التعبير عنه.

في العقل المفكر تكون اللغة هي الفكر ولا تفريق بينهما خارج الذهن كما لا تفريق بينهما داخله ايضا.واللغة لا تنوب عن الفكر، وكذا لا يستطيع الفكر الانابة عن اللغة. فاللغة هي الفكرداخل العقل وخارجه في ترابط لا انفكاك بينهما.واللغة والفكر حوار داخلي غير مفارق ولا معلن، وكذلك هما خارج العقل حوار عقلي معلن لا انفكاك بينهما في فهم احدهما بمعزل عن الاخر. اللغة والفكرة تعبيرمتداخل واحد عن موضوع ملازم واحد في زمنية لحظوية محسوبة، ولا يفترقان(اللغة والفكر) عن الخيال العقلي المنتج لهما عنما يصبحان تعبيرا ماهويا ومظهريا لموضوعات العالم الخارجي، ولا في التمايز الدلالي بينهما، متى ما اصبحت الفكرة واقعا ماديا دلاليا معبرا عنها بلغة يدركها المتلقي في ظاهرياتها، اوبما تستبطنه الفكرة من دلالات تحمل فائض المعنى لغويا بلا نهاية قرائية استقبالية للنص.الفكرة في العالم الخارجي ترتبط بعلاقة اندماجية مع اللغة.

اللغة بين المثالية والمادية

هل هذا الترابط في العنوان صحيحا مقبولا منطقيا عقليا وفلسفيا؟ بالتاكيد هذه العنونة خاطئة في اعتبار اللغة مادية ام مثالية بمعزل عن حضور الفكربالرغم مما اكدنا له ان لاوجود للفكر في عالم المحسوسات لا تعبر عنه وتلازمه لغة.،ولتبيان ان المقارنة الصحيحة بين مثالية التفكير او ماديته لا تحدده (اللغة) بل يحدده الفكر المادي او المثالي، واللغة لا تكتسب هي ولا تكسب الموضوع الذي تعبر عنه صفة او ماهية التفكير المادي ولا المثالي.التساؤل القديم الذي طرح نفسه في الفلسفة والمعرفة هو ان (الفكر) وليس (اللغة) بضوئه يتحدد التفكيرفي تمييز المثالي عن المادي. التفكير المادي كانت بدايته منذ ديمقريطس، والمثالي كان منذ فلسفة افلاطون، وبقي الصراع الفلسفي الفكري قائما حتى بلغ ذروته عند هيجل وفويرباخ وماركس، في مقابل كل الفلسفات المثالية الالمانية والانكليزية التي عايشت الماركسية وبقيت تتناسل فلسفات مثالية بعد افول نجم الماركسية، لعل ابرزها الفلسفة الامريكية في البراجماتية الذرائعية.وصولا الى تيارات الفلسفة المعاصرة وصولا الى العولمة.

لا يمكننا نكران ان فلسفات علوم اللغة واللسانيات الحديثة والمعاصرة تعتبر عزل اللغة عن الفكراستحالة ادراكية مفهومية داخل التفكير الذهني وخارجه، وان الفكرة واللغة حين ينعدم احدهما لا يبقى دلالة او معنى للاخر. وهو مبدأ صحيح عندما تتحول الفكرة الى واقع او كيان مدرك خارجيا بوسيط اللغة الملازم للفكر. اما من حيث ان الفكر واللغة كلاهما فعالية مضمرة عقليا في الدماغ، الذي لم يعط ايعازه في جعلهما واقعا محسوسا او مدركا لموضوع او اكثر في العالم الخارجي، فيها يكون التفكير سابق على تعبير باللغة كوسيط تداولي في فهم وتلقي الموضوع. وللتوضيح اكثر ان في العقل او الدماغ تحديدا تكون اللغة والفكرة وجودا واحدا لا يمكن التفريق بين الفكرة واللغة المعبرة عنها، فالادراك يكون اوليته للمحسوس المتعين صوريا(الموضوع) الذي يكون وجوده سابقا على ادراكه ماديا فكريا ولغويا في العالم الخارجي، وليس في ادراك العقل للفكرة ولغتها كوجود باطني في عقل الانسان لذاته وفي عقلنة الاشياء في وجودها الذهني فقط. فالادراك الحسي او العقلي للاخر، لا يستطيع معرفة الاشياء والموضوعات وهي فعالية عقلية تجري في الذهن كافكار يتداولها العقل قبل الافصاح عنها خارجيا لغيره من العقول المدركة.بمعنى استحالة ان يعرف شخص ما يدور في عقل وتفكير شخص آخر قبل تعبيره عما يفكر به بالكلمات.

حين تنقل صور الاشياء والمحسوسات الخارجية الى العقل، فالعقل يجري عليها عمليات معقدة لا يمكن ادراكها الا من قبل العقل الذي يحمل المواضيع ادراكا منتجا جديدا لها فقط، قبل ان يعيدها ثانية الى العالم الخارجي ليتم ادراكها في شروط العقل الجديدة من حيث اعطاء العقل لها زمانيتها ومكانها واسباب وجودها وتعلقها مع غيرها من موجودات العالم الخارجي وامور اخرى عديدة لم يكن الموضوع متوفرا عليها قبل تداوليته التصنيعية الجديدة عقليا له.

مسألة مهمة جدا ان موضوعات واشياء العالم الخارجي لا يتم ادراكها تماما، ولا يكون استقلالها الوجودي المستقل في العالم الخارجي، هي نفسها في ظاهرياتها وماهوياتها بلا تغيير، او واضحة الادراك قبل انتقالها من واقع المحسوسات الى واقع العقل والذهن وبعد عودتها ثانية الى عالم الاشياء المدركة المحسوسة. في هذه العملية في نقل المحسوسات الى العقل واعادة العقل انتاجيتها وتصنيعها واعادتها الى العالم الخارجي بواسطة التعبير اللغوي او غيره من وسائل التواصل، لا يشترط ان يكون حضور اللغة في نقل الفكرة العقلية الى العالم الخارجي  امرا اولويا بل ثانويا في اسبقية الفكر، اللغة لا تسبق الفكرة داخل العقل أو الدماغ، لكنها تسبقها عندما تعود الفكرة من العقل الى العالم الخارجي بواسطة اللغة او غيرها من وسائل التوصيل للافكار.فالفكر في العالم الخارجي يكون ادراكه الموضوع ثانويا، مقارنة مع تعبير اللغة عنه لتوصيله للمتلقي ادراكيا.وكلا الادراكين الفكر واللغة يتراجعان امام اسبقية ادراك العقل للاشياء والمحسوسات.

مثالية اللغة ام مثالية الفكر؟

بعد تراجع الاهتمام الفلسفي بالماركسية والوجودية، سادت الفلسفات المعاصرة التي ابتعدت كليا عن التصنيف الثنائي المثالي والمادي الذي اعتبرته تفريقا استهلك نفسه وتصنيفا ابتذاليا انتهت عصوره، يتوجب مجاوزته شأنه شأن مجاوزة مباحث الفلسفة الميتافيزيقية.وانبثقت الفلسفات الوجودية والبنيوية والتفكيكية والعدمية والتاريخية، ومدارس وتيارات الحداثة وما بعد الحداثة، وجميعها تجاوزت الفهم المادي الماركسي الكلاسيكي الابتذالي حسب زعمهم، واستطاعت هذه الفلسفات المثالية في جوهرها سحب الفلسفة ومباحثها الى مركزية الدوران حول محورية (اللغة) ام كل مصائب الفلسفة على حد تبرير اتهاماتهم الفلسفية للغة، واستطاعت هذه الفلسفات استبعاد مباحث الفلسفة من الاهتمام بالانسان وقضاياه واعتبرت الوجود السابق على عدم معرفة اهمية اللغة في كتابتها تاريخا زائفا مليء بمباحث فلسفية، جعلت من صنمية ومرجعيات مثل العقل او اللوغوس والانسان والحقيقة والتاريخ والسرديات عموما، يقينيات زائفة لم تضف لعالم المعرفة الحقيقية شيئا.وهذه مبالغة في الادانة وخلط الامور من اجل تحميل اللغة كل مساوىء واخطاء الفلسفة وعالم المعرفة.

امام الادانة الفلسفية المعاصرة في البنيوية والتفكيكية والعدمية ل(اللغة) في خيانتها للفكر والفلسفة على امتداد تاريخها، لم يبق هناك اي معنى تبرئة اللغة من افتعالية الطرح الميكانيكي الساذج، ان تكون مثالية او تكون مادية،ان في عدم التفريق بين الفكر واللغة على صعيد الفرز الفكري المثالي عن  المادي، اوضحناه في سطور سابقة ولا بأس من التذكير به سريعا.

اللغة كما اتضح معنا وسيط ناقل تعبيري غير ميكانيكي للفكر، ولا يمكن للغة ان تنوب عن الفكر كونه انتاجية ذهنية تسبق التعبير اللغوي الصادر عن الذهن ايضا.من السذاجة ان نعتبر اللغة مثالية حينما تعبر عن فكرة او تفكير مثالي، او  تكون اللغة ايضا مادية في تعبيرها عن الفكرة او الفكر المادي، اللغة وعاء الفكر لكن لا تنوب عنه. كما لا يستطيع الفكر الانابة عن اللغة التعبيرية التداولية الا في مباحث علم الجمال والمنحوتات والفنون التشكيلية وبعض مواضيع القيم الدينية منها التي تكون لغة الاستقبال والتواصل بها شعورا وجدانيا خالصا لا يحتاج لغة اللسان او المخاطبة كلاما.

ومادية الفكر او مثاليته لا تحدده اللغة بل العقل المنتج لكليهما. والفكرة او الموضوع يأخذ سمته المادية او المثالية، من طبيعة ادراك العقل للموضوع او الفكر واجراء عملية انتاجية معقدة لها فيه، لا تزال لغزا محيّرا امام  كيف يعقل العقل ذاته في نفس وقت هو يعقل الفكر وموضوعاته. في هذه العملية تكون اولوية معالجة الفكر بالدماغ على ثانوية تعبير اللغة عن الفكرة او الموضوع المفكّر به. اللغة تعبير مرحلة ثانية في انتاجية العقل للموضوع ولغة التعبير عنه. واللغة تعبّر عن الفكر المادي والفكر المثالي كليهما في نوع من الحيادية غير الميكانيكية المتداخلة معهما.وليس في مكنة ومقدرة اللغة تحديد المادي عن المثالي قبل تحديدهما وفرزهما من العقل كفكر ابتداءا.

فاللغة كما مر بنا لاتكتسب ماديتها او مثاليتها من الموضوع، ولا تستطيع اكساب الموضوع ماديته او مثاليته بنفس المعنى والآلية.اللغة تتعامل مع الاشياء وموضوعات الفكر بحيادية غير ميكانيكية يفرضها الموضوع المفكر به والمنتج عقليا. ولا تحدد اللغة نوعية وجوهر موضوعها ماديا ام مثاليا قبل حسم العقل لها تفكيرا في مصنع الحيوية الانتاجية العقلية للافكار.

فهم اللغة مثاليا

يقول ميرلوبونتي( ان التعبير اللغوي خلاق دائما ولا ينفصل عن موضوعه). وبتعقيب عبد الوهاب جعفر في كتابه الفلسفة واللغة (ونحن نقبل هذا التصريح طالما كان الالتزام باللغة يجعلنا منفذين لكل ما تقترحه علينا من عمليات عقلية)(9).

كما مر بنا اللغة لا تقترح ولا تلتزم الاخذ بما يقترحه العقل من عمليات ذهنية، لان ترابط واندماج اللغة مع الفكر داخل انتاجية مصنع العقل، لا يلغي ان عبقرية اللغة الخلاقة لا تقوم على جعل الفكرة او الموضوع خلاقا يتجاوز تراتيبية العقل في اضفاء التخليق الجديد على الفكرة المعبر عنها بالكلمات. ان اللغة تختلف عن الموضوع المادي المستقل، داخل وخارج انتاجية العقل على مستوى التعبير اللغوي الجمالي الذي يمنح الموضوع تلقي تداولي تواصلي لا تستطيع الفكرة المجردة عن اللغة التعبير عنه وتوصيله.واللغة من الممكن لها ان لا تكون ملازما لصيقا لا يمكنها الانفصال عن موضوعها حسب تعبير ميرلوبونتي، وهي مسألة جرى توضيحها من قبلنا في سطور سابقة.ان تكون اللغة خلاقة ليس على حساب صياغة مضمون المنتج العقلي لكل من تلازم الفكر واللغة.بل تكون اللغة خلاقة ليس لانها لا تستطيع الانفصال عن موضوعها، بل في امكانية عبقرية اللغة جماليا جعل الموضوع او الفكرة واقعا ماديا مدركا في العالم الخارجي بعد تصنيع العقل له ادراكيا ذهنيا، وتبقى هنا الادانة محصورة على نقد الفكر كمضمون فلسفي وليس نقد اللغة على مستوى التوصيل الدلالي التداولي.لا الافكار ولا اللغة المادية منها او المثالية عاجزة عن خلق موضوعاتها، بل الموضوعات في وجودها المستقل، هي التي تفرض على الفكر تناولها وتعطيها اللغة التعبير عنها.

ان المبدا الفينومينولوجي (ان كل وعي هو وعي بشيء ما) لا يجعل من مثالية الخطاب الفينومينولوجي خطابا فلسفيا ماديا. وهو خطاب يحاول الالتفاف على التفكير المادي وقد سبقه كل من هوسرل و سارتر وهيدجر في هذا المنحى. في اعتبارهم الوعي الذاتي زائفا مالم يقترن  بقصدية او ديناميكية تجعل من الوعي وجودا متداخلا في الكلية المجتمعية. وخير تعبير على هذا الخلط بين المادي والمثالي نجده عند ميرلوبونتي قوله( ان يقين الوعي الفينومينولوجي يتمخض عن – خلق – وليس معطيات، والعالم الفينومينولوجي لا وجود له، اذ ان  الوجود لعالم تخلقه الفينومينولوجيا،هو عمل انجبته اللغة لا عن عمد او قصد)(10)

ان الظاهراتية او الفينومينولوجيا فلسفة مثالية صرف تعنى بالحسوس المدرك ظاهراتيا، حين تتصور ادراك ظواهر الاشياء يقينا،انما تنجبه وتخلقه اللغة كما مر بنا في عبارة ميرلوبونتي، عفويا لا عن تعمد ولا عن قصد. متى كان الفكر يخلق اشياءه ومواضيعه بعفوية ولا قصدية حتى تتمكن اللغة تلقي وعي الذات للاشياء وتنجبها من غير عمد ولا قصد؟

ان تراتيبية ادراك الشيء ظاهراتيا او ماديا وحتى مثاليا لا يغير من حقيقة ان الموضوع المحسوس ابتداءا ينقل الى العقل حسيا او صوريا ويعالج ذهنيا، والعقل يقوم بدوره في انتاجه ثانية، وفق شروط العقل وماهيته او صفاته قبل اعادته  الى واقع المدركات بواسطة اللغة او الكلمات كمتعين وجودي مدرك في تمظهراته او في جوهره.

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف /الموصل

............................

الهوامش

5- نفس المصدر السابق ص 58 ايضا

6- نفس المصر السابق ص 127

7- نفس المصدر السابق ص 61

8- نفس المصدر ص63

9- نفس المصدر نفس الصفحة

10- نقلا عن عبد الوهاب جعفر، نفس المصدر السابق ص 64

 

جميل حمداويالمقدمة: يمكن الحديث عن أنواع مختلفة من الحجاج وفق منطق التطور التاريخي، ويمكن حصرها في حجاج التأثير (حجاج الباتوس)، وحجاج الإقناع، وحجاج المغالطة، وحجاج الجدل، وحجاج الاقتناع، وحجاج اللغة، وحجاج السؤال، وحجاج الأسلوب، وحجاج الخطاب، وحجاج التداول، وحجاج المنطق الطبيعي، وحجاج الصورة البصرية.ومن هنا، سنتوقف، في موضوعنا هذا، عند حجاج المغالطة، أو حجاج التغليط، أو الحجاج المغالطي، أو الحجاج السفسطائي.

إذاً ما الحجاج المغالطي؟ وما سياقه التاريخي والتداولي؟ وما مقوماته الحجاجية؟ وما أهم آلياته الاستدلالية؟ هذا ما سوف نتعرف إليه في المباحث التالية:

المبحث الأول: مفهوم حجاج المغالطة

من المعروف أن الغلط صفة طبيعية في الإنسان، مادامت مرتبطة بالنسيان والسهو والخطأ.لكن أن يتعمد الإنسان هذا الغلط في مواجهة الآخرين ومحاججتهم، فهذا ما يسمى بحجاج المغالطة، أو حجاج التغليط، أو الحجاج المغالطي. ويعني هذا أن المتكلم يستعمل حججا مغلوطة، أو يوظف خطابا مليئا بالمغالطات من أجل دفع المتلقي أو السامع أو المخاطب إلى الاقتناع، أو تغيير سلوكه تجاه المتكلم المتلفظ. وهذا ما نجده، اليوم، عند أغلب المحامين والسياسيين والخطباء والشكاك الذين يستعملون أدلة وسفسطات واهية غير مقنعة، واستخدام براهين وحجج مغلوطة من أجل الانتصار على الخصم أو إفحامه أو مواجهته لتحقيق مصلحة معينة. ولهذا، فلقد كان المنهج المغالطي ينطلق من مقدمات خاطئة، ويصل إلى نتائج خاطئة.

ويفهم من هذا أن الحجاج المغالطي هو أن يقصد المتكلم" إلى هذه الأغلاط قصدا، صارت مغالطات يهدف من ورائها إلى إقناع المتلقي برأي ما، أو دفعه إلى تغيير سلوك معين باحتجاج مغالط، أو بالعبارة الأرسطية بسفسطات، وحد السفسطة أنها استدلال صحيح في الظاهر معتل في الحقيقة، إما لفساد في المضمون أو في الصورة."[1]

وقد حدد أرسطو خمسة مقاصد رئيسة للحجاج المغالطي،"إما تبكيت المخاطب، وإما أن يلزمه شنعة وأمرا هو في المشهور كاذب، وإما أن يشككه، وإما أن يصيره بحيث يأتي بكلام مستحيل المفهوم، وإما أن يصيره إلى أن يأتي بهذر من القول يلزم عنه مستحيل في المفهوم بحسب الظن."[2]

ويعني هذا أن المحاج السفسطائي يدور حول أمور خمسة رئيسة هي:

1- إلزام المخاطب أمرا شنيعا معلوما كذبه؛

2- الاعتراض على المخاطب؛

3- تشكيك المخاطب فيما لديه من دعاوى وأفكار وقضايا؛

4- جعل المخاطب يدلي بكلام يصعب فهمه، ويستحيل استيعابه؛

5- دفع المخاطب إلى الإدلاء بالقول الهذر.

ويعني هذا أن المغالطة السفسطائية عبارة عن استدلال صحيح في الظاهر. بيد أنه معتل في الحقيقة.أي:" إن المغالطة نوع من العمليات الاستدلالية التي يقوم بها المتكلم، وتكون منطوية على فساد في المضمون أو الصورة إما بقصد أو دون قصد[3]."

ومن هنا، يهدف حجاج المغالطة إلى تغليط الآخر بمجموعة من الحجج والأدلة والبراهين والسفسطات التي تبدو أنها صحيحة ويقينية على مستوى الاستدلال الظاهري، لكنها واهية ومضللة وباطلة على مستوى الفحص والتأمل والاستقراء من جهة، وعلى مستوى تقويم المنطلقات الفكرية والمنطقية من جهة أخرى.

وتعد الحوارات والخطابات السياسية أكثر الخطابات التي تقوم على الحجاج المغالطي.وفي هذا، يقول الباحث المغربي عبد العلي قادا:" ولعل الخطاب السياسي من أكثر أنواع الخطابات اعتمادا على المغالطات، نظرا إلى طبيعته النفعية التي تروم تحقيق المكاسب، وتعول في الغالب على تغيير السلوكيات والمواقف بغض النظر عن تأسيس قناعات حقيقية لدى المتلقين.ونحن إذ نروم في هذا المطلب الكشف عن بعض أساليب المغالطة أو السفسطات في الخطاب السياسي الأندلسي خلال القرن الهجري الخامس من خلال الرسائل المتداولة في المجتمع الأندلسي آنذاك، فإننا لانقصد التقييم الخلقي لهذا الخطاب؛ لأن التمييز بين الغلط والمغالطة يرجع إلى النيات، ونحن لانحاكم النبات، وإنما نسعى إلى التنبيه إلى ما اعتور ذلك الخطاب السياسي عفوا أو قصدا من مغالطات[4]."

ومن هنا، يتضح لنا أن الخطب السياسية من جهة أولى، والمحاورات من جهة ثانية، ومرافعات المحامين من جهة ثالثة، تلتجىء إلى المناورة والسفسطة وتغليط السامع المتلقي من أجل الظفر بالمنافع التي يهدف إليها المحاج أو وكيل المحاج.أي: يروم الحصول على المكاسب المادية والمعنوية بتوظيف الحجج النافعة، أو الاستعانة بالحجج البراجماتية .

المبحث الثاني: السياق التاريخي

لقد ارتبط حجاج التغليط أو المغالطة أو الحجاج المغالطي بالفلاسفة السوفسطائيين بوجه خاص. ويعني السوفسطائي (Un Sophiste) المتخصص في المعرفة، أو الرجل الحكيم، أو الفيلسوف الخبير، أو الأستاذ المقتدر، أو الخطيب المفوه، أو المعلم المحنك في الجدل، أو الفصيح البليغ على غرار الفيلسوف الذي يعني محب الحكمة. بيد أن مصطلح السفسطائي مفهوم قدحي بامتياز، أطلقه أفلاطون، كما هو مثبت في محاوراته، على الفيلسوف المراوغ الذي يأخذ أجرا على حكمته، أو يطلق على ذلك الشخص الذي انحرف بالفلسفة، فجعلها وسيلة للارتزاق، أو ذلك المدعي الذي حاربه سقراط باستدلالاته العقلية. ولقد أطلق كسينوفان (Xénophon)[5] هذا المصطلح أيضا على الفيتاغوريين[6].

ونجد هذا المصطلح نفسه عند أرسطو الذي تحدث عن المقاييس المنطقية في كتابه (تفنيدات السفسطائيين/ Les Réfutations sophistiques) [7]؛ حيث أشار، في كتابه المنطقي (الأرغانون)، إلى المقاييس المنطقية السليمة والمنسجمة، والمقاييس غير السليمة كالمقياس أو الاستدلال الصوفي المغالطي.

و" قديما ارتبطت هذه التسمية بتلك الحركة الفكرية والاجتاعية التي نشأت وترعرت في اليونان القديمة حلال القرن الخامس قبل الميلاد، والتي رفعت شعار" الإنسان مقياس كل شيء"، فتنكرت لكل القيم الموضوعية والمعايير الثابتة، سواء في أمور الفكر والاعتقاد أو السلوك والأخلاق، فكان دعاة هذه الحركة يخاطبون الناس قائلين : إن الحقيقة ما يراه الفرد حقيقة، والفضيلة ما يبدو له فضيلة، وهكذا بالنسبة لكل الأمور. وقد انتهى بهم هذا المذهب إلى التأكيد على أن اللجوء إلى الحيل الخطابية والألاعيب القولية أمر مشروع، إذا كانت نتيجته في نهاية المطاف تحقيق مصلحة شخصية راجحة، وقد برعوا براعة كبيرة في توظيف الأساليب البلاغية والخطابية، ومهروا في إبداع التقنيات اللغوية المفيدة في كسب تأييد الجمهور، وحشد المناصرين في المعارك السياسية التي كانت أثينا مسرحا لها على عهد نظامها الديمقراطي الفريد. وقد تمكن السفسطائيون من إقناع صفوة المجتمع آنذاك بضرورة تلقي دروس في هذا المجال، إن كانوا يرغبون في امتلاك أسباب السلطان، مادام ذلك لايحصل بغير سطوة اللسان، فكانوا يحققون من وراء ذلك أرباحا طائلة، ولازال الباحثون إلى اليوم يعترفون للسفسطائيين بالدور الكبير في تطوير الخطابة والبلاغة ويعدونهم أساتذتها المبرزين[8]."[9]

ولم يكن السفوسطائيون يسعون فقط إلى الدفاع عن الحقيقة، والعدالة، والقيم، والمعرفة الحقة ؛ بل كان همهم الوحيد هو التوسل بالاستدلال الإقناعي المغالطي قصد تحقيق الأرباح المادية والمعنوية، وخدمة المصلحة الشخصية الضيقة؛ وهذا ما جعل سقراط يثور عليهم باسم العقل والمعرفة الفلسفية اليقينية.

والغريب أن هناك من يدافع عنهم، على أساس أنهم رجال تربية متميزون من جهة أولى، ومفكرون إنسانيون مناضلون من جهة ثانية، ويعتبرون أيضا من رواد البلاغة والخطابة من جهة ثالثة، ويعدون كذلك مصدر فلسفة التنوير ومابعد الحداثة الغربية من جهة رابعة[10].

 إذاً، لقد ظهرت السفسطائية في القرن الخامس قبل الميلاد[11]؛ عصر سقراط المعروف بالفلسفة والخطابة والبلاغة، بعدما أن انتقل المجتمع الأثيني من طابع زراعي إقطاعي مرتبط بالقبيلة، إلى مجتمع تجاري يهتم بتطوير الصناعات، وتنمية الحرف، والاعتماد على الكفاءة الفردية والمبادرة الحرة[12]. ولقد أصبح المجتمع، في ظل صعود هذه الطبقة الاجتماعية الجديدة (رجال التجارة وأرباب الصناعات)، مجتمعا ديمقراطيا يستند إلى حرية التعبير، والاحتكام إلى المجالس الانتخابية، والتصويت بالأغلبية[13]. ولم يعد هناك ما يسمى بالحكم الوراثي، أو ما يسمى كذلك بالتفويض الإلهي، بل كل مواطن حر له الحق في الوصول إلى أعلى مراتب السلطة. لذلك، سارع أبناء الأغنياء إلى تعلم فن الخطابة والجدل السياسي لإفحام خصومهم السياسيين. وفي هذا الظرف التاريخي والسياسي، ظهر السفسطائيون ليسلحوا هؤلاء بآليات الجدل والخطابة[14]، واستعمال بلاغة الكلمة في المرافعات والمناظرات الحجاجية والخطابية. وقد ترتب على ذلك أن تحولت الفلسفة إلى وسيلة لكسب الأرباح المادية، ولاسيما أن أغلب المتعلمين من طبقة الأغنياء. وأكثر من هذا لم يعد التعليم سريا أو مقتصرا على طبقة اجتماعية معينة، كطبقة الفلاسفة، وطبقة الحكام، وطبقة النبلاء، كما كان يحدث في الفترة السابقة، بل أصبح التعليم عموميا وشعبيا مقابل أجر يدفع للمدرس أو الأستاذ، وهذا ما كان يفعله السوفسطائيون.

ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن ثلاث مراحل بارزة في تطور السفسطائيين:

1- المرحلة السفسطائية الأولى: هي التي ترتبط بالسفسطائيين الأوائل الذين عاشوا في القرن الخامس قبل الميلاد. ومن أهم فلاسفتهاالسوفسطائيين[15]جورجياس(Gorgias)،وكاليكليس (Calliclès)، وبروتاغوراس (Protagoras)، وبروديكوس (Prodicos)،وأنتيفون (Antiphon)،وثراسماك (Thrasymaque)، وهيبياس الإيلي (Hippias d'Élis)...[16]

2- المرحلة السفسطائية الثانية[17]: ترتبط هذه المرحلة بالقرن الثاني قبل الميلاد[18]، وتقترن بعلماء البلاغة [19] الذين يعلمون طلبتهم علم البلاغة والخطابة وتجنيس الخطابات[20].

3- المرحلة السفسطائية الثالثة: هي مرحلة القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وقد ارتبطت بمجموعة من البيروقراطيين ورجال الدين[21]، أمثال: هيميريوس (Himérios)، وتيمستيوس (Thémistios)، وكوريسيوس (Choricios de Gaza) من مدينة غزة[22].

المبحث الثالث: محاور الفكر السفسطائي

لقد اهتم السوفسطائيون بالسياسة، والقانون، والقضاء، والنحو، واللغة، والفلسفة، والخطابة، والبلاغة، والمنطق[23]...لذا، يغلب الطابع الموسوعي على إنتاجهم المتنوع. ويمكن تحديد منطلقاتهم الفكرية وفق علم تاريخ الأفكار فيما يلي:

1- عدم الاعتراف بالحقيقة اليقينية المطلقة بدليل أنها نسبية؛

2- الميل نحو التحليل الواقعي للظروف، والأحداث، والوضعيات، والخصائص، والأمكنة؛

3- دراسة مختلف المجالات الكونية والفيزيائية والعلمية وفق مقاربة براجماتية منفعية فينومينولوجية ظاهراتية، برفض كل التصورات الميتافيزيقية والميتولوجية، متسائلين: فيماذا ينفع هذا؟ وكيف أستخدم هذا؟

4- عدم دراسة اللغة في حد ذاتها ولذاتها، بل على أساس أنها وسيلة للإقناع ليس إلا.

5- استعمال المترادفات في معناها الضيق على أساس أن لكل مفهوم معنى واحدا يدل عليه؛

6- الاهتمام بالخطابة والبلاغة والتربية؛

7- الابتعاد عن الانشغالات الميتافيزيقية، والارتباط بالواقع المجتمعي والسياسي والاقتصادي والتربوي.

إذاً، لقد آمن التيار السفسطائي بالنسبية، والشك، واللاتمذهب، والتلاعب اللفظي، وتضييع الحقيقة، وعدم الاعتراف بها؛ مما أدى بسقراط إلى القول بأن الحقيقة لايمكن الوصول إليها بالظن والشك والفكر السفسطائي المغالطي، بل نصل إليها بالعقل والحوار الجدلي التوليدي، واستخدام العقل واللوغوس والمنطق[24].

ولم يكن السوفسطائيون يهتمون بالمتافيزيقا كثيرا، فما كان يهمهم هو مشاكل أثينا السياسية والاقتصادية والمجتمعية؛ لأن العالم الطبيعي أكثر انتظاما واتساقا وانسجاما، على عكس الواقع اليوناني الذي كان يعيش الفوضى والاضطراب والصراع حول السلطة، والتأهب الدائم لمواجهة اعتداءات الفرس. لذا، أنزل السوفسطائيون الفلسفة من السماء إلى الأرض على غرار سقراط، فاهتموا بأمور السياسة، والعدالة، والدين، والأخلاق، والمجتمع ...وفي هذا الصدد، تقول أميرة حلمي مطر:" إن فلسفة السفسطايين إنما تعد حلقة اتصال في غاية الأهمية بالنسبة لتاريخ الفلسفة اليونانية، ذلك لأنهم قد نقلوا مشكلة البحث من عالم الطبيعة إلى عالم الأخلاق والسياسة، فكانوا أول من أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض على نحو ما فعل معاصرهم سقراط، كذلك جاءت فلسفتهم تعكس المضمون الجديد للاتجاهات السياسية والاجتماعية الجديدة، فكانت أقرب ما تكون إلى فلسفة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر في فرنسا، وبخاصة مع فولتير وديدرو وروسو، وذلك عقب الثورة الصناعية التي تمت في أوربا [25]."

ولم يبق لنا من مؤلفات السوفسطائيين سوى شذرات ونتف مقطعة هنا وهناك[26]. فضلا عما تركه الفيلسوف أفلاطون من محاورات ساخرة حول السوفسطائيين في كتابه (الجمهورية)[27].

ومن هنا، يعد بروتوغوراس(480-410ق.م) من أهم الفلاسفة السوفسطائيين الذين اهتموا بالقانون، وقد كتب مؤلفا عنوانه (الحقيقة)، وقد اتهم بالشك والإلحاد، وأحرقت كتبه حينما قال شذرته المعروفة :" لا أستطيع أن أعلم إن كان الآلهة موجودين أم غير موجودين، فإن أمورا كثيرة تحول بيني وبين هذا العلم، أخصها غموض المسألة، وقصر الحياة "[28]. وقال أيضا: "إن الإنسان مقياس الأشياء جميعا." هو مقياس وجود ما يوجد منا، ومقياس لاوجود مالا يوجد."[29]

وكان بروتاغوراس يمارس التعليم، ويحصر تلمذة المتعلم في" معرفة النصيحة الصائبة فيما يخص الأمور الخاصة به. أي: كيف يدبر أموره المنزلية، وفيما يخص الأمور المدنية، أي كيف يصير أعظم ما يكون قدرة على العمل والكلام في معالجة أمور المدينة والدولة."[30]

ويعد جورجياس (480-475ق.م) أيضا من أهم الفلاسفة الذين ينتمون إلى المذهب السوفسطائي. فلقد اختص بتدريس البلاغة والخطابة البيانية. كما اشتغل بالطبيعيات، واللغة، والجدل، والحجاج. وألف كتابا عنوانه( في اللاوجود)، يرتكز على ثلاث قضايا أساسية هي: أولا، لايوجد شيء. وثانيا، وإذا كان هناك شيء، فالإنسان قاصر عن إدراكه. وثالثا، إذا فرضنا أن إنسانا أدركه، فلن يستطيع أن يوصله إلى غيره من الناس.

وكان هدف جورجياس هو تكوين السياسيين والخطباء والبلاغيين من أجل الظفر بالمناصب العليا في الدولة.وفي هذا، يقول جورجياس:" إنني أتحدث عن القدرة على إقناع القضاة في المحاكم وأعضاء المجلس في مجلس المدينة، ومجموع المواطنين في مجلس الشعب، بفضل الخطب، باختصار، القدرة على الإقناع في أي جمع للمواطنين كيفما كان[31]."

وقد كدس جورجياس أموالا طائلة بفضل تعليمه المأجور.وفي هذا، يقول سقراط:" بالفعل، فجورجياس السفسطائي الليونتيني الذائع الصيت، أتى إلى هنا منتدبا من مدينته، بصفته الأقدر، من بين اليونتينيين، على التفاوض في قضايا الدولة، وحاز مجدا أثيلا لدى الجمهور بخطابته، وعلى الصعيد الخاص، كنز واستولى على أموال طائلة من هذه المدينة، بتقديمه دروسا وبمحاورة الشباب"[32]. وينطبق الشيء نفسه على بروتاغوراس وأفروديقوس على حد سواء.

وعليه، فلقد كانت الفلسفة السوفسطائية نقدا تحليليا للفلسفة الميتافزيقية الكونية والطبيعية، ولم يتخذ فلاسفتها مذهبا أو اتجاها فلسفيا معينا. ومن ثم، فلقد كانت تؤمن بالوجود الإنساني بدل الاهتمام بالوجود الفيزيائي الطبيعي، أو الانشغال بالوجود الميتافيزيقي، فالإنسان هو مقياس كل الأشياء. ولم ينظر السوسفسطائيون إلى الخطابة باعتبارها جدلا بل اعتبروها علما معرفيا حقيقيا، تعتمد على المهارة والبراعة والإتقان والحرفية.ولقد أصبحت البلاغة عند السفسطائيين لها القدرة على تثبيت القول الواحد، وتأييد نقيضه في الوقت نفسه، ومعارضة المذاهب الفلسفية بعضها ببعض[33].

ومن هنا، فلقد " ورث الفكر اليوناني عن هذه الحركة النقدية للسفسطة عداء متأصلا لم يقف عند حدود السفسطة، بل امتدت بعض آثاره إلى كل مظاهر الخطابة والبلاغة، أي: مجمل الفكر المؤسس على التقنيات اللغوية، مقابل تمجيد الطرائق البرهانية الخالصة المبنية على قواعد العقل وأصول المنطق.وقد انعكس هذا العداء في مجمل الفكر الذي تفاعل مع التراث اليوناني كما هو الشأن في قطاعات كبيرة من الفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية الوسطوية والحديثة وجزء غير يسير من المعاصرة.ونجد بقايا من هذه النظرة القدحية مبثوثة في نصوص الفلاسفة والمفكرين الذين تعاقبوا على امتداد هذه الحقبة، بل إن آثار هذه النظرة لاتزال قائمة إلى اليوم لدى عامة الناس الذين يتوجسون من شخصية الخطيب[34]، وينظرون إلى الخطبة كنوع من الكلام الأجوف الذي يكاد يخلو من المصداقية الواقعية."[35]

و ثمة إشارات منطقية أخرى عند السفسطائيين، ولاسيما عند جورجياس الذي أنكر الأنطولوجيا الممكنة في كتابه (المختصر في عدم وجود الذات/Traité du non-être).ومن ثم، فلقد رفض الحقيقة المادية للمنطق مستبدلا إياها بالمنطق الذاتي للغة. ويعني هذا أن الجدل السفسطائي يقوم " على أساس التلاعب اللغوي بمدلول الألفاظ.ولم يكن هم السفسطائيين البحث عن الحقيقة لذاتها، وإنما كانوا يتوسلون النجاح والمنفعة في حياتهم العملية، فاستعملوا الخطابة كوسيلة للإقناع والتأثير في سامعيهم، على اعتبار أن الخطابة تعتمد على زخرف القول والألفاظ البراقة أكثر من اعتمادها على العقل وحججه المنطقية.وكانوا يرون أن الإنسان هو مقياس كل شيء، فمايراه حقا فهو حق، ومايراه باطلا فهو باطل."[36]

ونفهم من هذا كله أن السوفسطائيين قد أنكروا مبادىء الميتافيزيقا، فاهتموا بظواهر الأشياء، وأعطوا أهمية كبرى للبلاغة والخطابة والجدل، وتعليم الناس مقابل أجر مادي لإشباع رغباتهم المادية والمعنوية. 

المبحث الرابع: تقويم حجاج التغليط 

تتمثل إيجابيات السوفسطائيين في كونهم رجال علم وتعليم وسياسة وخطابة وبلاغة، ينتقلون من مدينة إلى أخرى، وقد أسدوا خدمات جلى إلى البلاغة من جهة، والخطابة من جهة أخرى.وفي هذا الإطار، يقول هنري مارو (Marrou):" إن المشكل الذي سعى السفسطائيون في حله ونجحوا فيه هو، على العموم، تكوين رجل السياسة، لقد كان المشكل الأكثر استعجالا في عصرهم. فبعد أزمة حكم الطغاة في القرن السادس، بدأنا نرى حياة سياسية شديدة الحدة تحرك أغلب المدن اليونانية، وخاصة أثينا الديمقراطية: لقد أضحت ممارسة السلطة وتسيير الشأن العام الشغل الشاغل والنشاط الأكثر نبلا والأكثر تقديرا عند الإنسان اليوناني، كما صار الهدف الأسمى الذي يحرك طموحه...وقد جعل السفسطائيون تعليمهم في خدمة هذا المثل الأعلى الجديد للفضيلة السياسية: إعداد الذهن لمهنة رجل الدولة، وتكوين شخصية زعيم المستقبل، ذلك كان برنامجهم."[37]

ويعني هذا أن السفسطائيين كانوا واقعيين، وليسوا مثاليين كسقراط وأفلاطون، يعرفون واقعهم بشكل جيد.لذلك، ابتعدوا عن الأمور الميتافيزيقية، فاهتموا بعلوم الظواهر، واحتكوا بمجتمعهم بشكل عضوي، وربطوا تدريس العلم بالمقابل المادي، وهذا هو عين الواقعية البراجماتية، واهتموا بأمور السياسة من أجل تدبير أمور الدولة . ويعني هذا أنهم كانوا يصدرون عن منطق عملي مستقبلي منفعي صرف. وفي هذا، تقول جاكلين دوروميلي(De Romilly J.):" فكون بعض المعارف الفكرية قابلة لأن تبلغ وأنها ذات نفع مباشر، فإن كانوا يتقاضون أجرا فلأنهم كانوا يبلغون علما بشكل احترافي."[38]

وكان تعليم السفسطائيين خاضعا لسوق العرض والطلب.وفي هذا السياق، يقول أوكتاف نافار(Navarre .O):" في غياب دواع أكثر نبلا، هناك دافع عملي، كان سيقود السفسطائيين حتما لقصر أغنياء نبلاء، طموحهم المعلن أن يضطلعوا يوما بدور سياسي، فما كان هؤلاء يأتون سعيا وراءه، في مدرسة السفسطائيين، هو الأداة الضرورية لممارسة التاثير السياسي. أي: الخطابة."[39]

واهتم السفسطائيون كذلك بمجال التربية والتعليم .وفي هذا، يقول هنري مارو:" بسبب التنوع والغموض الذي يطبع أفكارهم، فإن هذه الأفكار كانت منفلتة لكي يسوغ ربطها بمدرسة معينة بالمعنى الفلسفي للكلمة: فليس من قاسم مشترك يجمعهم سوى مهنة التعليم."[40]

ومن إيجابياتهم أيضا أنهم " كانوا باختصار معلمين للخطابة، وفي الوقت نفسه فلاسفة بالمعنى القوي لهذه الكلمة، وكانت مذاهبهم تحرر العقول وتحفزها، وتشق لها طرقا غير معبدة. إن هؤلاء الفلاسفة الجدد- وينبغي عدم خلطهم بفلاسفتنا- باشروا بذلك ثورة ثقافية وأخلاقية حقيقية"[41].

ومن جهة أخرى، كانت نظرة معظم المفكرين إلى السفسطائيين نظرة سلبية قاتمة في عمومها، على أساس أن هؤلاء قد وظفوا العلم في غير موضعه الحقيقي، وربطوه بمقابل مالي ومادي.وفي هذا، تقول باربرا كاسان (B.Cassin):" من مجموع محاورات أفلاطون تنبثق الصورة التي ستصبح منذئذ سائدة عن السفسطائية.إنها فاقدة للاعتبار على جميع الأصعدة والمستويات.فعلى صعيد مبحث الوجودية، لايهتم السفسطائي بالوجود، بل يلجأ إلى العدم والعرَض. وفي المنطق لايبحث عن الحقيقة أو الصرامة الجدلية، بل عن الرأي والترابط المنطقي الظاهري والإقناع والغلبة في المقارعات الخطابية فقط. وفي علم الأخلاق والتربية والسياسة لايضع نصب عينيه الحكمة والفضيلة، سواء بالنسبة للفرد أو للمدينة، بل يسعى للسلطة الشخصية والمال.وهو فاقد للاعتبار حتى على صعيد الأدب، مادامت الوجوه البلاغية المستعملة في أسلوبه ليست سوى تصنع فارغ معرفيا."[42]

ويقول أفلاطون عن هؤلاء السفسطائيين الذين يعلمون مقابل أجر مرتفع على لسان سقراط الساخر، ولاسيما في محاورته المسماة بـ(دفاع سقراط):" ذلك ليس لأنني لا أعتبر القدرة على تعليم الناس أمرا جميلا، كما يفعل جورجياس الليونتيني وأفروديقوس الخيوسي وهيباس الإلياني.فهؤلاء الأشخاص المرموقون كانوا يجتذبون الشباب الذين بإمكانهم، بدون أي نفقة، أن يرتبطوا بهذا أو ذاك من مواطنيهم الذين يمكنهم الاختيار فيما بينهم.إنهم يعرفون كيف يقنعونهم بترك بني وطنهم والمجيء إليهم: فيدفعون لهم أجرا عاليا، ويعترفون لهم، فوق ذلك، بالفضل العظيم."[43]

ومن هنا، كانت صورة السفسطائيين دائما سلبية عند أعدائهم، وتتمثل في كونهم خاطئين ومغلوبين على أمرهم، وبعيدين عن الحقيقة اليقينية المطلقة. ومن ثم، يظهر السفسطائيون - حسب جيلبير ديربي (G.Dherbey) - «في وضع المغلوبين دوما ومسبقا، فهم ليسوا موجودين إلا ليكونوا على خطأ.[44]"

ومن السلبيات الأخرى التي ترتبط بالسفوسطائيين أن مجمل أفكارهم قد ضاعت، ولم تبق من آثارهم سوى شذرات ونتف وفقرات ومقاطع منثورة هنا وهناك، بمعزل عن سياقها الفكري والمجتمعي والتداولي ؛ وهذا ما حدا بجاكلين دي روميلي (De Romilly .J) إلى القول:" فكل مقتطفات سفسطائيينا لاتتجاوز، إذا جمعنا بعضها إلى بعض، عشرين صفحة[45]."

وأكثر من هذا لاتشكل السفسطائية، في الحقيقة، " مذهبا أو مدرسة فكرية قائمة الذات، بل هي اسم يطلق على طائفة من الفكرين عاشوا في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد، تعددت مشاربهم واهتماماتهم، ولم يكن يجمع بينهم، كما يقول ديربي جلبير، سوى لحظة تاريخية ووضع اجتماعي[46]."

ومن ثم، فلقد تعرض الحجاج المغالطي عند السوفسطائيين لانتقادات عنيفة ووجيهة وسديدة من ثلاثة فلاسفة كبار هم: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو.

ويعد سقراط أول فيلسوف يواجه الحجاج السفسطائي، فلقد واجههم بالجدل المفاهيمي، واستخدام الحوار التهكمي، بالاعتماد على البيان والنقد التوليدي؛ إذ توصل إلى أن السوفسطائيين يتلاعبون بمعاني الألفاظ. ومن هنا، فللحقيقة - حسب سقراط- قيمة فكرية وعلمية ومعرفية. لذا، يرد عند أفلاطون، في (محاورة جورجياس) على لسان سقراط، أن الحقيقة اليقينية هي التي نعتمد فيها على الحوار العقلاني البناء والجدل المنطقي والمناظرة الحجاجية الهادفة، دون اللجوء إلى استخدام الأكاذيب، وبلاغة المغالطة، وسفسطة الشك والمراوغة [47]. ويعني هذا أن الحقيقة يجب أن تكون موضوعية، تقال لذاتها، وتتسم بالحرية والنـزاهة والحياد والاستقلالية عند إبداء المواقف والآراء والمعتقدات، دون إكراه، أو ضغط، أو جبر.

أما أفلاطون، فلقد حاربهم وفق منطق جدلي متميز، باستعمال الجدل الصاعد والجدل النازل، والتمييز بين عالم محسوس زائف، وعالم معقول ثابت، وقد اعتبرهم حبيسي العالم الحسي المتغير، وهم غير قادرين عن التجرد للاطلاع على ثوابت عالم المثل.

وفيما يخص أرسطو، فلقد تسلح بالمنطق المعياري بغية إفحام الخصوم من السوفسطائيين الذين كانوا يعتمدون على المنهج المغالطي الذي ينطلق من مقدمات خاطئة للوصول إلى نتائج خاطئة، وكانوا يشككون الناس في معارفهم بصفة خاصة، والمعرفة الإنسانية بصفة عامة؛ إذ كانوا ينكرون الحقيقة، ويقولون باستحالة المعرفة، وصعوبة بناء حقائقها. لذلك، أسسوا منهجا شكيا في الفلسفة مع جورجياس وبروتاغوراس...

بيد أن أرسطو هو الوحيد الذي حارب السوفسطائيين بمقاييس المنطق، وقواعد الفكر، ومبادئه السليمة، بالتوقف عند أخطائهم وتناقضاتهم وأغلاطهم المنطقية.وقد اكتشف أغلاطهم على مستوى الألفاظ والمعاني، مادام السفسطائي يلتجىء إلى اللعب على اللفظ المشترك الدال على المعنى ونقيضه، واللعب بالإحالة والتقديم والتأخير، واللعب على الإسناد تفريدا وتركيبا، واللعب على إعجام الألفاظ وشكلها، والتلاعب كذلك بقسمة الألفاظ.

بيد أن هناك دراسات حديثة ومعاصرة قد دافعت عن الحجاج السفسطائي، وحاولت أن تستفيد من إيجابياته، والعمل على تجديده وتطويره في إطار حوار تداولي معاصر. وفي هذا، يقول رشيد الراضي:" ولاتزال هذه النصوص التراثية [السفسطائية]تحتفظ بقدر كبير من أهميتها حتى في عصرنا هذا، بل إن أهميتها تنكشف يوما عن يوم مع الانتشار الهائل لمظاهر الممارسة الحجاجية في ظل عالم أصبحت سمته هي التواصل، وخصوصا في صورته الحجاجية.وهذا ما يفسر عودة الباحثين المعاصرين في قضايا الحجاج والخطابة إلى كتب القدماء في هذا الباب، محاولين استخراج ما تزخر به من درر، وإعادة صياغتها بشكل تصير معه قابلية للإسهام في تطوير الممارسة الحوارية المعاصرة، وتجنبها السقوط في مظاهر العبث والمشاغبة السفسطائية التي تضر بالعلم وتفسد العمل.وللوقوف على هذه الحقيقة يمكن على سبيل المثال الرجوع إلى الكتاب الشهير لهامبلين (Hamblin) المعنون بـ ( السفسطات/Fallacies)[48]، وكذلك الوصف الدقيق الذي قام به كل من إيمرن وروب خروتندورست الهولنديين في مقالهما الشهير ( السفسطات من منظور تداولي جدلي)[49]، وأبحاث دوغلاس والتون في نخبة من كتبه ومقالاته[50]، وآخرون قد أعادوا إحياء درس السفسطة القديم في إطار المتطلبات النظرية والعملية المعاصرة."[51]

ويعني هذا كله أن هناك من قدح في المنهج السفسطائي التغليطي بالتوقف عن السلبيات فقط. وهناك من دافع عن منهجهم بتنقيحه وتطويره وتصويبه من أجل توظيفه في مجالات المحاورة، والمناظرة، والمساجلة، والجدال، والحوار الإعلامي والتواصلي...

المبحث الخامس: حجج المقياس المغالطي

يستند الحجاج المغالطي إلى مجموعة من التقنيات والآليات الإستراتيجية كالتناقض،والمفارقة، وغياب الأدلة والشواهد والحجج المقنعة، والمغالطة بالتجهيل، وسفسطة عبء التدليل، والدعوى الخاطئة، والتشكيك، والكذب، والتنصل من قول الحقيقة، وسفسطة المصادرة على المطلوب، وسفسطات التجريح (عورات العارض)، ورفض الدعوى المعروضة، وسفسطات السلطة[52] والقوة[53] والجاه، وتحوير الدعوى وتحريفها، والسفسطات الجماهرية (الاعتقادات العامة)، وسفسطة التعميم المتسرع، وسفسطة العاطفة، وسفسطة التأويل، إلخ...

ولقد أحصى أرسطو ست مغالطات على مستوى اللفظ هي: الاشتراك في اللفظ، والاشتراك في التركيب، والتركيب، والتقسيم، والإعجام، وصيغة اللفظ.في حين، هناك سبعة مغالطات على مستوى المعنى هي: المغالطات المتعلقة بالعرض، واستعمال العبارة في معناها المطلق أو المقيد، وعدم العلم بشروط التنفيذ، وموضع اللاحق، وموضع المصادرة على المطلوب، وموضع جعل ما ليس بعلة علة، وجمع مسألتين في مسألة واحدة[54].

وسنستعرض، الآن، أهم الححج التي اعتمد عليها السوفسطائيون في إفحام خصومهم، واستمالة الغير، وتغليط الآخر على النحو التالي:

الحجة الأولى: حجة تجريح الشخص

تهدف هذه الحجة إلى تجريح الشخص المتكلم، على أساس أن له عيبا يخدش شخصيته وأفكاره. ومن ثم، ترفض الفكرة أو الأطروحة المقدمة لا على أساس مضمون هذه الفكرة، بل على أساس عيب الشخص، وعلى أساس القدح والتجريح.ويشبه هذا، بشكل من الأشكال، ما يسمى عند علماء الحديث بالتجريح والتعديل؛ حيث ينكرون حديث الراوي بسبب عيب من العيوب التي يتصف بها.

الحجة الثانية: حجة أنت أيضا

 ترتبط هذه الحجة أيضا بحجة تجريح الشخص.ولكن هذا التجريح لايمس المتكلم فقط، بل يمس أيضا المخاطب، على أساس تبادل التهم والأغاليط. كأن يفند المحاج فكرة محاوره، ثم يواجهه بدوره بأنه هو أيضا قد دافع عن هذه الفكرة سابقا.

الحجة الثالثة: حجة الخبير

تحيل هذه الحجة على حجة العلم والسلطة والخبرة، كأن يستهدي المحاج، في دفاعه عن قضية ما، أو تغليط السامع، برأي خبير بارز لمراوغة الغير.

الحجة الرابعة: حجة المآل

 تلتمس صدق الفكرة أو كذبها بالنظر إلى النتائج المترتبة عليها، فإن كانت النتائج إيجابية، كانت الفكرة مقبولة، وإن كانت النتائج سلبية، فالفكرة مرفوضة من الأصل، وعدت كاذبة وغير صادقة.

الحجة الخامسة: حجة العاطفة

 يلتجىء المحاج أيضا إلى استخدام العواطف، والاستعانة بالباتوس الهووي لاستمالة الغير وجذبه إليه.

الحجة السادسة: حجة الاسترحام:

تستدعي هذه الحجة الرحمة والشفقة لإقناع خصمه بصحة فكرته ووجاهتها، وتقبل ظروفه الخاصة والعامة.

الحجة السابعة: حجة السخرية

 يلتجىء المحاج، في تغليط المخاطب، إلى أساليب السخرية والاستهزاء بدل التوسل بالحجاج المنطقي السليم والمنسجم.

الحجة الثامنة: حجة الإغاظة

يلتجىء المحاج أيضا، قصد تغليط المخاطب، إلى إثارة غيظ الآخر وغضبه وحنقه قصد التأثير في موقفه من الدعوى.

الحجة التاسعة: حجة العصا أو التخويف

 يلتجىء المحاج إلى آليات التخويف والترهيب، واستعمال العنف المادي والرمزي من أجل التأثير في الغير وإفحامه، ويسمى هذا بالتطرف الفكري.

الحجة العاشرة: حجة رجل القش

 تهدف هذه الحجة إلى " تهوين الرأي الذي تتم محاورته، بإعادة بنائه على نحو يصير من اليسير نقضه وبيان تهافته، بحيث يكون من ينسب إليه هذا الرأي كرجل القش الذي يتهاوى بضربة واحدة توحي بأن منتقد الفكرة قد أقام الحجة على فسادها فعلا. إن الأمر يتعلق إذا بتحريف وتزييف يطال رأي الطرف الذي تتم محاورته قصد الاقتدار على كسره بأيسر سبيل.[55]"

ويعني هذا أن هذه الحجة تهدف إلى إفحام الخصم بضربة قاضية، باستعمال منهج التغليط بشكل مباشر، وتزييف الحقائق بعضها أو كلها.

الحجة الحادية عشرة: حجة عبء التدليل

يقصد بها التهرب من عبء التدليل؛ لأن تسفيه رأي المخاطب وتهوينه هو، في الحقيقة، تهرب من مواجهة الرأي الآخر بالحقيقة اليقينية، والأدلة المقنعة. ويمكن تسميتها أيضا بحجة التهرب؛ لأن المحاج ليس له أدلة وبراهين لمواجهة الخصم.

الحجة الثانية عشرة: حجة المصادرة على المطلوب

ويقصد بها إدراج النتيجة في المقدمات" التي يلزم إقامة الدليل على صدقها، وذلك حتى يتوهم المخاطب أن هذه النتيجة من المقدمات المسلمة، وقد يتم هذا الإدراج إما صراحة أو بصورة ضمنية...

وواضح وجه السفسطة في هذا الأسلوب، فوضع النتيجة ضمن المقدمات لايعني بالضرورة أنها صادقة ما لم يقم الدليل على ذلك، وإلا سنكون كم يدور في حلقة مفرغة، بحيث إذا سأل المعترض عن الأصل في صدق النتيجة، يحال على المقدمات، فيجد نفسه مرة أخرى أمام النتيجة نفسها المراد تأصيل صدقها، ومن هنا كانت تسمية هذه السفسطة بالدور، أما تسميتها بالمصادرة على المطلوب، فلأن المطلوب هنا هو النتيجة التي ينبغي إقامة الدليل على صدقها، فبدل ذلك نصار عليها ونجعلها ضمن المقدمات[56]."

ويعني هذا أن هناك من السفسطائيين من يوهم المخاطب بصحة مقدماته في البداية على أنها من المسلمات اليقينية، ولكنها زائفة وواهية لايمكن الاعتماد عليها.

الحجة الثالثة عشرة: حجة الحداثي

 يحاجج المتكلم الغير، ويحاول إقناعه سفسطائيا بصدق قضيته، على أساس أنها ترتبط بالحداثة والتجديد من جهة، أو تقترن بفلسفة ما بعد الحداثة من جهة أخرى. بيد أن هذه الدعوى التي تتأسس على الحداثة حجة واهية ليس لها دليل منطقي أو استدلال معقول.

الحجة الرابعة عشرة: حجة التراثي

تعاكس هذه الحجة ما سبق أن قلناه في حق حجة الحداثة. وتتأسس هذه الحجة على أن الفكرة أو القضية صادقة ويقينية، مادامت هي قضية أصالة، وترتبط بالتراث ارتباطا وثيقا. كما يبدو ذلك جليا في كتابات التراثيين السلفيين الذين يعدون التراث أساس الحداثة والتقدم والتنمية.

الحجة الخامسة عشرة: حجة التعميم المتسرع

تعد حجة التعميم من الحجج الواهية التي يلتجىء إليها السفسطائيون للدفاع عن قضاياهم وأفكارهم. بيد أن هذه الحجة تنقصها العينة التمثيلية لكي تكون صادقة في توصيفها للمجتمع الأصل، كقولنا : كل المغاربة فقراء، أو كل الوزراء لصوص، أو كل التلاميذ غشاشون...فهذا التعميم متسرع، تنقصه الأدلة والحجج الإحصائية الصادقة.

الحجة السادسة عشرة: حجة السببية الزائفة

يدافع المحاج على قضيته بدعوى أن ثمة سببا ونتيجة يتحكمان في الدعوى.بيد أن السببية قد تكون زائفة، ولاعلاقة لها بالنتيجة. ومن ثم، تتخذ السببية الظاهرة حجة لتعضيد الدعوى وتقويتها ومساندتها.بيد أنها حجة خادعة ومضللة وغير مقنعة .

الحجة السابعة عشرة: حجة المنحدر المنزلق

تعني هذه الحجة أن يدعي" الفرد لزوم وقوع حدث ما كنتيجة لحدث آخر دون أن يدلل على ذلك بحجج مقبولة، وهي كما يبدو قريبة من السفسطة السابقة، فهما يشتركان معا في الاستغلال السيء لما يسمى بالحجاج السببي.وتبلغ هذه السفسطة حدودها القصوى حين يوهم المسفسط بأن هناك سلسلة من النتائج المتعاقبة المترتبة على حدث ما، دون الاستناد في ذلك إلى أي دليل مقبول..."[57]

ويعني هذا كله أن هناك من السفسطائيين من يستغل الرابط السببي ليوهم المخاطب بصدق قضيته ووجاهتها وصحتها، على الرغم من أنها واهية وغير صحيحة أصلا.

الحجة الثامنة عشرة: حجة ما يراه الناس

قد يعتمد الاستدلال والحجاج على رأي أغلبية الناس باعتبار ذلك حجة، مادامت تستند إلى رأي الأغلبية أو الأكثرية، على أساس أن الأغلبية لاتخطىء، وما اجتمع عليه الناس فهو بمثابة إجماع وحجة صادقة، لايمكن أن يصلها البطلان أو الكذب أو الافتراء. بيد أن الحقيقة أن ما يراه الناس ليس دائما صحيحا أو صادقا.

الحجة التاسعة عشرة: حجة ماجرى به العمل

تعد حجة ما جرى العمل به من حجج الأكثرية، مادامت تستند إلى رأي أكثر الناس. وهي من أقدم الحجج في التراث العربي الإسلامي، فقد التجأ إليها الفقهاء المالكيون في إصدار مجموعة من الفتاوى، كما يتضح ذلك جليا في مذهب مالك بن أنس. ويعني هذا أن حجة العمل بالسلوك أو التصرف قاعدة مشروعة وصحيحة وصادقة ويقينية لايمكن الطعن فيها، مادامت قائمة على العادة والتكرار والاستمرار.

وللتمثيل: " قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"كل ذلك يفرض على القاضي أن يبحث في التراث الفقهي على ما يستند عليه في حل يستند عليه في محل المعضلة التي بين يديه،فإذا لم يسعفه الراجح أو المشهور بحث حتى في الأقوال الضعيفة، والمهم عنده أن تبقى أحكامه داخل إطار الشريعة لا تخرج عليها، إذا تبعه القضاة على ذلك،كنا أمام ما يسمى بالعمل أو بالعمليات الفقهية، أو ما يسمى بما جرى به العمل[58]."

ويعني هذا أن ما جرى به العمل حجة رئيسة في الفقه المالكي، بيد أن السفسطائي يمكن أن يستعين بها لتغليط الخصم، أو تزييف الحقائق والقضايا.

الحجة العشرون: حجة ما يهوى الجمهور

غالبا، ما تستعمل هذه الحجة في معرفة مواقف الرأي العام، والاستعانة بأذواقهم المختلفة والمتنوعة.بيد أن هذه الحجة مجرد سفسطة واهية وغير مقنعة، فكيف يمكن الاحتكام إلى أهواء الجمهور وميولهم ورغباتهم في معرفة فنان حقيقي؟ أو معرفة مبدع أو مسرحي أو شاعر ما؟ أو اختيار فيلم سينمائي وترجيحه على باقي الأفلام السينمائية الأخرى؟ أو انتقاء لوحة تشكيلية ما؟ ولاسيما إذا كان الجمهور لايفقه لغة السينما، ولايعرف قواعد الموسيقا، ولايفهم أصول التشكيل وقواعده الفنية والجمالية؟ 

الخاتمة: 

وخلاصة القول، لقد تمثل السفوسطائيون عدة أطاريح فكرية جادة كالأطاريح الإبستمولوجية المعرفية التي تنطلق من التصورات البراجماتية والنفعية والظاهراتية ؛ والأطاريح السياسية التي ركزت على الرؤية الوضعية على أساس أن الإنسان هو مقياس كل شيء؛ والأطاريح القيمية التي ترى أن الشخص هو الذي يحدد مفهوهه الخاص للحقيقة والفضيلة، مادامت الحقيقة نسبية وغير موجودة أصلا.

ويعني مصطلح السوفسطائي(Un sophiste) المدرس، والخطيب،والحكيم، والمتخصص في المعرفة. وقد كان السوفسطائيون بارعين في الخطابة والبلاغة والجدل في أثينا، وبالضبط في القرن الخامس قبل الميلاد، وضمن سياق سياسي ديمقراطي. ولقد ظهر السوفسطائيون في عهد سقراط. وكان هدف هؤلاء إقناع الآخرين، والتأثير فيهم بواسطة البلاغة والخطابة وعلم الجدل والمناظرة. ولقد اتخذ مصطلح(السوفسطائي)، عند سقراط وأفلاطون، مفهوما قدحيا سلبيا، ينم عن لغة التهكم والسخرية والهجاء والتعريض. وقد عرف أفلاطون السوفسطائي بأنه ذلك الشخص المستغل الذي يدرس أبناء الطبقات الغنية أو المتميزة مقابل أجر. وقد خص أفلاطون السفسطائيين بمجموعة من المحاورات لمناقشتهم بطريقة حوارية ساخرة، متهكما من مفهومهم النسبي للحقيقة، ومنتقدا مقاييسهم الاستدلالية الخاطئة. وإذا كان السوفسطائيون ينكرون الحقيقة، ويشككون فيها، فإن سقراط يرى أن ثمة حقيقة واحدة هي حقيقة الخير، والجمال، والحق.

ولقد ثار سقراط وأفلاطون معا على هذا النوع من التعليم الشعبي السفسطائي، مستخدما في ذلك الجدل والتهكم والحوار التوليدي. وقد ساهم الفيلسوف كسينوفان أيضا في مواجهة السوفسطائيين على غرار سقراط وأفلاطون.كما دحض أرسطو أقيسة السوفسطائيين في كتابه (الأرغانون)؛ حيث خصص مبحثا للرد على دعاوى السوفسطائيين في كتابه ( التفنيدات السفسطائية).

ومن جهة أخرى، لقد استخدم السوفسطائيون مجموعة من الحجج لتغليط المخاطبين تتعلق بحجج الألفاظ، وحجج المعاني، وحجج المفاهيم، وحجج الصور.بيد أن هناك من استفاد من أفكارهم في مجال التربية والتعليم والمرافعة، أو في مجال الجدل والخطابة والبلاغة؛ بل هناك من طور المنهج السفطائي بشكل إيجابي مثمر بغية استخدامه في المحاورات والمناظرات والتواصل الإعلامي والحواري والجدلي.

 

د. جميل حمداوي

 ..............................

[1] - عبد العالي قادا: الحجاج في الخطاب السياسي، كنوز المعرفة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2015، ص:203.

[2] -ابن رشد: تلخيص منطق أرسطو، كتاب سوفسطيقا، المجلد السابع، دار الفكراللبناني، بيروت، لبنان، ص:672.

[3] - رشيد الراضي: الحجاج والمغالطة، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:13.

[4] - عبد العالي قادا: نفسه، ص:205.

[5] - كان كسينوفان فيلسوفا وقائدا عسكريا ومؤرخا وشاعرا متجولا، ينتقل من مكان إلى آخر. وكان مفكرا انتقائيا، وكتب أكثر من خمسة عشر مؤلفا في السياسة، والتاريخ، والفلسفة، والأخلاق، والتعليم. وقد واجه السوفسطائيين بحدة.وقد تأثر كثيرا بأستاذه سقراط.لذلك، اهتم بالأخلاق أكثر من اهتمامه بالميتافيزيقا. أي: لم يعن بالمشاكل الميتافيزيقية والطبيعية كما فعل الفلاسفة المالطيون والفيتاغوريون، بل اهتم بالمسائل الأخلاقية والدينية.وقد تعلم كسينوفان على سقراط وإيسقراط(Isocrate)[5].

[6]- Xénophon (trad. Pierre Chambry), Les Helléniques. L'Apologie de Socrate. Les Mémorables : Xénophon, Œuvres complètes, t. III, Flammarion, 1967 ; Eugène Talbot, Xénophon. Œuvres complètes, t. 1 : Les Helléniques. L’Apologie de Socrate. Les Mémorables, Garnier-Flammarion, 1859.

[7] -Voir Aristote, Organon et notamment les Réfutations sophistiques, où il catalogue les principaux types de sophismes : Cfr. La Rhétorique, ouvrage d’Aristote dans lequel il les définit comme des « semblants d’enthymèmes ».

[8] - Jean Jacques Rebrieux : Eléments de rhétorique et d’argumentation, Dunod, Paris, 1993, p : 9.

[9] - رشيد الراضي: الحجاج والمغالطة، ص:13.

[10] -Jean Houssaye, Premiers pédagogues : de l'Antiquité à la Renaissance, EME Éditions sociales françaises (ESF), 2002

[11]-Kerferd, G.B., Le Mouvement sophistique, trad. A. Tordesillas, Paris, Vrin, 1999 [Le spécialiste anglo-saxon de la sophistique].

[12] - Dupréel, E., Les Sophistes. Gorgias, Protagoras, Prodicus [sic], Hippias, Neuchâtel, éd. Du Griffon, 1944.

[13] -Romilly, J. DE, Les Grands Sophistes dans l’Athènes de Périclès, Paris, Livre de Poche, 1988.

[14]- Kerferd, G.B., (éd.) The Sophists and their legacy, Wiesbaden Steiner, 1981.

[15]-Dupréel, E., Les Sophistes. Gorgias, Protagoras, Prodicus [sic], Hippias, Neuchâtel, éd. Du Griffon, 1944.

[16]-Guthrie, W.K.C., Les Sophistes, trad. J.-P. Cottereau, Paris, Payot, 1971.

[17]- A. Boulanger, Aelius Aristide et la sophistique dans la province d'Asie au IIe siècle de notre ère, Paris, 1923, 1968.

[18]- (en) T. Whitmarsh, the Second Sophistic, Oxford, 2005.

[19] -B. P. Reardon, Courants littéraires grecs des IIe et IIIe siècles après J.-C., Les Belles Lettres, 1971. 

[20] - ترتبط أيضا بالموسوعيين السفسطائيين الذين يكتبون في مجالات متنوعة، وفي كل شيء، كشيشرون، وفارون، وبلينت في عصر الرومان؛ وفولتير، وديدرو في العصور الحديثة...

[21] -L. Pernot, La rhétorique de l’éloge dans le monde gréco-romain , 1993 ; B. Puech, Orateurs et sophistes grecs dans les inscriptions d'époque impériale, 2002. 

[22] -E. Amato (s. la dir. de), Approches de la Troisième Sophistique, Latomus, 2006.

[23] -Levi, A., Storia della sophistica, Naples, 1966.

[24]-Romeyer-Dherbey, G., Les Sophistes, Paris, PUF: "Que sais-je? » 1985.

[25] - أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، طبعة 1998م، ص: 120.

[26] -Jean-Paul Dumont, Les Sophistes. Fragments et témoignages, PUF, Paris 1969.

[27] - Platon, La République, Livre II, 379 b, trad. Émile Chambry.

[28] - يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1936م، ص:46.

[29] - يوسف كرم: نفسه، ص:46.

[30] - أفلاطون: في السفسطائيين والتربية (محاورة بروتاغوراس)، ترجمة: عزت قرني، دار قباء، القاهرة، مصر، طبعة 2001م، ص:83.

[31] -Plato:Gorgias,traduction.M.Canto, Garnier, Flammarion, Paris, 1993, P: 135(452d-453b).

[32] -Platon: Hippias ou du beau, in Œuvres de platon, T 4, trad Victor Cousin, Bossage frères-Libraires, Paris, 1827, p : 100.

[33] - مراد وهبه: المذهب في فلسفة برغسون، دار وهدان لللطباعة والنشر، مكتبة الأنجلو صرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1978م، ص:15.

[34] - يقول إيفور أرمسترونغ ريتشاردز: " فهي اليوم (الخطابة) أكثر القفار إيحاشا وأقلها فائدة عند المبتدىء في اللغة الإنجليزية، فقد انحطت حتى صرنا نفضل أن نطوح بها إلى الجحيم، عن أن نكلف أنفسنا عناءها" من كتاب (فلسفة البلاغة) لـ إ.أ.ريتشاردز، ترجمة: سعيد الغانمي وناصر حلاوي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 2002م، ص:13.

[35] - رشيد الراضي: الحجاج والمغالطة، ص:14.

[36] - مهدي فضل الله: مدخل إلى علم المنطق، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1979م، ص:10(الهامش).

[37] -Marrou H.I : Histoire de l’éducation dans l’antiquité, Tome 1, Le monde grec, 6édition, Seuil, Paris, 1964, pp : 84-85.

[38] -De Romilly J: Les grands sophistes dans L’Athènes de Périclès,Editions de Fallois,Paris,1988, p :27.

[39]- Navarre .O : Essai sur la rhétorique greque avant Aristote, Librairie Hachette, et Cie, Paris, 1900, pp : 28-29.

[40] -Marrou H.I : Histoire de l’éducation dans l’antiquité, p : 87.

[41]- De Romilly J: Les grands sophistes dans L’Athènes de Périclès,Editions de Fallois,Paris,1988, p :32.

[42] -Cassin B : L’éffet sophistique, Gallimard, 1995, p : 10.

[43] -Platon : Apologie de socrate, in Œvres de platon,T1,Trad Victor Cousin,Rey-Libraire,Paris,1846,pp :67-68.

[44] -Dherby Gilbert: les sophistes, 4 édition.Que Sais-je? P.U.F, 1995, p : 4.

[45] -De Romilly J: Les grands sophistes dans L’Athènes de Périclès,Editions de Fallois,Paris,1988, p :13.

[46] -الحسين بنو هاشم: بلاغة الحجاج- الأصول اليونانية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2014م، ص:82.

[47] - انظر: أفلاطون: الجمهورية، ترجمة: فؤاد زكريا، دار الكتاب العربي، مصر، طبعة 1968م.

[48]- C.L.Hamblin: Fallacies, Methuen Co Ltd, London 1970.

[49] -Frans H.Van Eemeren et Rob Grootendorst:(Fallacies), in Pragma-Dialectical perspective, Argumentation, Vol, 1, pp :283-301.

[50] -Douglas Walton, Plausible Argument in Everyday Conversation, SUNY Press, 1992;The New Dialectic: Conversational Contexts of Argument. Toronto: University of Toronto Press, 1998. 

[51] - رشيد الراضي: نفسه، ص:15.

[52] - سفسطة السلطة إشارة إلى من يملك السلطة من السياسيين والعلماء ورجال الدين والأدباء.

[53] - تعني سفسطة القوة سفسطة العصا والتخويف والتهديد.

[54] - للاستزادة انظر الحسين بنوهاشم: نفسه، ص:118-125.

[55] - رشيد الراضي: نفسه، ص:33.

[56] - رشيد الراضي: نفسه، ص:39.

[57] - رشيد الراضي: نفسه، ص:44.

[58] - ما اشتهر في كتب أهل العلم نسبة هذه المقالة: "تُحْدَثُ للناس أقضية بقدر ما أحدثوا ‏من الفجور"، إلى الخليفة: عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، وقد بحثت عن إسنادها فلم أجد من رواها مسندةً، ورأيت ابن حزم (ت 456هـ) حكم عليها بالوضع في كتابه الإحكام (6/ 109)، وأول من رأيته نسبها إلى عمر بن عبد العزيز هو ابن أبي زيد القيرواني (ت 386هـ)، وتبعه الناس على ذلك، ورأيت بعضهم نسبها إلى الإمام مالك رحمه الله، كابن بطال (ت 449هـ) في شرح البخاري (8/ 232)، وتبعه على ذلك ابن المنير في المتواري (ص 36)، وابن حجر في الفتح (13/ 144).

 

علي محمد اليوسفتمهيد: يعتبر وعي الذات مبحثا فلسفيا مجمعا على تناوله لدى العديد من الفلاسفة، لما له من ارتباط وثيق بالانسان كوجود عاقل مفكر ناطق، وارتباط وعي الذات ايضا في التخارج مع الموضوع جدليا، وعلاقتهما الاثنين (الوعي والموضوع) باللغة والعالم الخارجي.

ان وعي الذات (الخالص) الذي اشار له سارتر هو وعي (بذاته)، وفي التعبير الفلسفي يعني (نومين/ وجود في ذاته)، وفي هذا النوع من الوعي يلازمه استحالة انسانية، ان يكون الوجود الانساني افتراضا (وعيا بذاته) بمعنى الثابت الذي يحمل ماهيته وصفاته وظاهرياته، ولا يمكن التاثير فيه او تحريكه او التفاعل معه بوعي مشترك متبادل معه انسانيا، لذا فهو وعي بذاته مكتسب كل الاستقلالية عن الانسان والعالم الخارجي في عدم وعيه ولا ادراكه للطبيعة من حوله. والوعي في ذاته هو الموجود الافتراضي الذي لا يعقل غيره او لاحاجة له بذلك، ولا يمتلك قدرة تغيير الاشياء والموجودات من حوله او تبادل الادراك معها. وهذا النوع من الوعي الوجودي يمكننا اعتباره وجودا افتراضيا لا يلازم وعي الوجود الانساني (لذاته) الذي هو صفة انسانية طبيعية نوعية في وعي الوجود. الوعي الذاتي الخالص الذي لا يحتازه الانسان الطبيعي السوي، هو وجود لا يتعيّن ادراكه بوعي وجوده ولابوعي الآخرين لوجوده. وامثلته عديدة في ظواهر طبيعية او خارقة للطبيعة. فالله وجود (بذاته افتراضا) لا حاجة له في وعي الانسان او الطبيعة به، وكذلك الطبيعة في كل موجوداتها ومظاهرها واشيائها لا حاجة بها في ان تعي الوجود الانساني لها وتعجز هي عن ذلك في امكانيتها ادراك الوجود الانساني المستقل عنها، او ان يعي بعضهما البعض الاخر تخارجيا.لذا تبقى حاجة الانسان لوعي الطبيعة والاستفادة منها قائمة، في وقت الطبيعة لا تعي ذاتها ولا تعي غيرها من الموجودات والكائنات فيها او من حولها. ان وعي الذات الانسانية الطبيعية هو في ان يعقل الانسان وجوده وفي ان يعقل وجود الموجودات والاشياء في الطبيعة وفي العالم الخارجي من حوله. والانسان وعيه لذاته والاخرين من نوعه او من غير نوعه. وهو وجود انساني متغير لذاته كونه متعالقا وجودا متغايرا مفارقا وجوده الذاتي على الدوام متفاعلا مع الاشياء والطبيعة من حوله التي هي في حالة حركة دائبة مستمرة، توجب الانسان ان يكون جزءا منها، مفارقا متخارجا معها من دون وعي الطبيعة لهذه العلاقة مع الانسان.

كيف يعي الانسان نوعه والطبيعة؟

ان الانسان ذات وموضوع في وقت واحد، فكر وتعبير، يتبادلان الادراك التناوبي التخارجي، فالانسان يدرك الموضوع ويعيه حسّيا وعقليا، ويتناوله تفكيرا ماديا او خياليا، ويعبر عن هذه العلاقة لغويا. والانسان يعي ذاته الفردية عقليا ايضا، بخلاف مع الموضوع غير (الانسان) الذي لا يشترط به ادراك ذاته ولا الطبيعة لا داخليا عقليا ولا خارجيا في علاقة تناوبية متخارجة مع الموجودات والاشياء كما يفعل الانسان. فالموضوع يكون مادة يدركها الانسان بمقدار اهميتها وحاجتها له، وهي اي المواضيع لا تدرك ولا تعي الانسان في وعيه لها، وهذه العلاقة الوعوية الادراكية بين الانسان والموضوع المادي تختلف عن علاقة ادراك الانسان للانسان من نوعه. فالطبيعة موضوع لا يبادل الانسان في الادراك، وكل شيء في الطبيعة يكون موضوعا مدركا ثنائيا بشرط ارتباطه التعالقي المتخارج بمن يدركه وهو الانسان.بمعنى ان الانسان يدرك ذاته ويدرك غيره من نوعه انسانا آخر كما يدرك الطبيعة موضوعات مستقلة عنه لا تدركه ولا تعي ادراك الانسان لها.

باختلاف جوهري هو قدرة الانسان العقلية والمحسوسة في ادراك الانسان الموضوعات والاشياء من غير نوعه في الطبيعة بكيفية مختلفة عن ادراك الانسان لانسان من نوعه في كيفية مغايرة وتخارج. ولا يدرك الانسان غيره من نوعه بنفس (الكيفية) التي يدرك بها الاشياء في الطبيعة. فادراك الانسان لنوعه اي الانسان الآخر، يكون ضمن علاقة جدلية وتخارجية نوعية، لا يمارسها الانسان في ادراكه الموضوعات في الطبيعة، فالطبيعة لا تبادل الانسان وعيها به، فادراك الانسان للانسان من نوعه هو تبادل وعي عقلي ادراكي بوعي ادراكي يماثله او يتقاطع معه في جوانب خلافية او غير خلافية، اما وعي الانسان للطبيعة يختلف حين يكون الادراك الانساني لها احاديا من جانب واحد فقط، والطبيعة لا تدرك نفسها ولا اهمية تعالقها بوعي الانسان لها. ان الانسان في هذه الحالة يدرك ذاته وموضوعه معا، في وقت لا يدرك ويعي الموضوع ذاته – باستثناء الانسان حين يكون موضوعا لغيره من نوعه كأنسان – ولا يعي الموضوع غير الانسان بوعيه به. ربما تتمتع الطبيعة بنوع من الروحانية وانواع من التمظهرات المادية والجوهرية ايضا التي يدركها الانسان ويتعامل معها، لكن كلتا الحالتين لا تمتلكان عقلا منظّما يديرهما في وعي الذات لنفسها اوفي وعيها الاخروالموضوعات، وهنا تعتبر الطبيعة في تجليّاتها المادية وغير المادية الروحانية الساحرة وجود اصم ابكم لانها غير عقلانية حتى في قوانينها التي تحكمها وتحكم الانسان معها بها في استقلالية عن الانسان.

علاقة وعي الذات الانسانية القصدية والديناميكية

اخذ الفلاسفة الماديون الماركسيون ومعهم فلاسفة الوجودية سارتر وهيدجر، ان الوجود سابق على الوعي به، بخلاف الفلاسفة المثاليين الذين يرون العكس من ذلك ان وجود الاشياء في الطبيعة هو الذي يحدد نوع الادراك والوعي بها.

الشيء الاكثر اهمية ان بعض الفلاسفة غير الماركسيين لم يكتفوا بذلك بل ذهبوا بأن وعي الوجود الذاتي يقترن ب (قصدية) كما في تعبير هوسرل، واضاف هيدجر ان وعي الذات مرتبط ارتباطا وثيقا ب(هدف) يسعى تحقيقه اطلق عليه(ديناميكية) وعي الذات، معتبرا ان ديناميكية وعي الذات هو الوعي الحقيقي الفاعل في وجود الانسان في تعالقه المتعايش مع جميع ظواهر الطبيعة من حوله وفي كونه جزءا لايتجزأ من الكلية المجتمعية التي تحتويه. وهذه الديناميكية الهيدجرية مستمدة من هوسرل استاذه في الدعوة ان وعي الذات لا يكتمل الا بارتباطه بنوع من القصدية الهادفة التي اشرنا لها يحققها له اندماجه بالكلية المجتمعية سلبا او ايجابا. واراد سارتر اقتفاء اثر هوسرل وهيدجر في ان وعي الذات لا يكتفي من اجل اثبات وجوديته الفردية السلبية كما هي في كوجيتو ديكارت في ارتباطها بالتفكير المجرد، ودعا سارتر الى ان وعي الذات الاصيل هو الالتزام بالحرية المسؤولة التي ينوء بحملها الانسان الفرد كونه كينونة اجتماعية يحمل همومها وتبعاتها بمسؤولية عن ذاته ومسؤولية عن نوعه الانساني في مجتمعه والعالم، رغم ان انسان سارتر يعيش عدمية وجوده الملازمة له الذي تقعده عن ممارسة اي نوع من الالتزام.

وعي الذات فينومينولوجيا (ظاهراتيا)

بضوء التمهيد السابق نناقش رأي ميرلو بونتي المحسوب على اقطاب البنيوية في اللغة وحفريات علوم المعرفة، في تعالق وعي الذات بالظاهراتية (الفينومينولوجيا) التي جاء بها هوسرل في الفلسفة الحديثة، التي ترجع ارهاصاتها الاولية الى فلسفة افلاطون (بالمثل) وفلاسفة آخرين قبل وبعد افلاطون، الى ان وضع ارسطو حدا لها بعد ان دامت شغّالة فاعلة ما يقارب قرون طويلة، اعلى فيها ارسطو شأن العقل في تأكيده على الانسان في وجوده الارضي وليس في عالم المثل الافلاطونية. وظلت اراء ارسطو فاعلة ومؤثرة بفكرالقرون الوسطى الاوربية، الى ان انتهى مآلها في النهضة الاوربية في القرن الثامن عشر وما بعدها وتم تجاوزها في تبني اولوية الانسان والعلم ومنجزاته بما اطلق عليه عصر الحداثة.

يقول ميرلوبونتي: (نظرية الظواهر ترتبط ارتباطا مباشرا بوعي الذات، فهو ليس حقيقة خارجية خالصة، ولا عملا عقليا صرفا).(1) عبارة دقيقة وصحيحة وهي امتداد لمقولات هوسرل وهيدجر وسارتر ليس من حيث الصياغة الفلسفية لغويا، بل من حيث المعنى الذي تستبطنه اللغة التعبيرية في احشائها كمحمول دلالي تأويلي متعدد.ان الذات تعي ذاتها ليس بتجريد عقلي خارج موضوعات العالم الخارجي، وفي تعبيره ان الوعي ليس عملا عقليا صرفا هي ادانة لكوجيتو ديكارت فقط، ولا يمكن الاخذ بالكوجيتو من حيث الدلالة الوظيفية للعقل والادراك والشيء المدرك والمعبر عنه لغويا او بغير اللغة، ويأتي التوضيح لا حقا.

ان ظواهر الاشياء التي يدركها العقل حسيّا – داخليا تتم في عملية (تخارج) متبادل جدلي بين الوعي ووجود الاشياء الخارجية، وهذه العملية التخارجية الجدلية لا تجعل من الوعي وجودا خارجيا مستقلا، كمثل وجود الموضوع غير الانسان المدرك عقليا ذاتيا في وجوده الخارجي المستقل في الطبيعة، وان التخارج المتبادل بين الذات والموضوع وتعالقهما لا يلغي استقلالية وجودهما المفارق كلا عن الاخر، لكنهما في هذا التخارج التعالقي بينهما يتحدد وعي الوجود من جهة ويتعين وجود الاشياء المدركة والموضوعات من جهة اخرى.والقول بان وعي الذات ليس عملا عقليا صرفا ادانة صائبة بحق مقولة ديكارت المثالية السلبية في الكوجيتو (انا افكر اذن انا موجود) على ما تحمله من تأويل فلسفي متعدد متضاد في تعبيرها ومعناها انه وعي مثالي سلبي لا مادي رغم الاجماع الفلسفي على ان ديكارت هو ابو الفلسفة الحديثة في تركيزه اعتماد التفكير الفلسفي العقلي الذي يسهل مهمة العلم، لكن في الكوجيتو الديكارتي حصر ديكارت اثبات الوجود في/ عن ناتج التفكير الذاتي المجرد المكتفي بذاته في اثبات وجوده، ويعتبر ديكارت امكانية وعي الذات في التفكير العقلي المحض الذي يحدد الوجود المادي المفكّر به، وبذلك يمكننا ادراك الذات تفكيرا عقليا مثاليا خياليا. كما يصبح وعي الذات تفكيرا خارج ادراك وجود العالم الخارجي المستقل بالتعبير عن ذاتيته الوجودية باللغة او غيرها من وسائل اثبات الوجود. وان وعي الذات (الديناميكي) كما عند هيدجر، والوعي (القصدي) الهادف كما عند هوسرل لا يتحقق الا في تخارج الوعي التناوبي مع موضوعه في جدلية ديالكتيكية. تعطي الذات فاعليتها الوجودية، وتمنح الموضوعات وجودها المتعالق بالوعي والادراك الحسي والعقلي لها، كما تعطي كلا من الذات والموضوع تمايزهما النوعي باستثناء وعي الانسان بمثيله النوعي الذي هو الانسان في تبادلهما الادراك بكيفية مغايرة عن علاقة وعي الانسان بالموضوعات والاشياء.

الاشياء ومواضيع العالم الخارجي ومظاهره التي لا تحصى كثرتها هي وجود مستقل سواء جرى ادراكها او بعضها ام لا، ووعي الذات كما ذكرنا لا قيمة حقيقية وجودية له في حال احتفاظه بوجوده المستقل بذاته عن ادراك الاشياء (نومين)، لذا يستلزم وجودهما (الذات والموضوع) في تخارج جدلي متبادل بينهما كي يأخذ كل منهما معناه ووجوده وماهيته. وبذا يمكننا اعتبار وعي الذات الديناميكي الهادف، انما يكون وجودا انسانيا لذاته، كنتيجة لعملية التخارج المتبادل مع الموضوع، الكفيل به وعنه وبواسطته يكون اثبات وجودهما الانطولوجي لكليهما معا الذات وموضوعه المدرك.

وفي عودتنا الى ميرلوبونتي قوله (يكون الموضوع حقيقة مباشرة تفرض نفسها امام الوعي، والموضوع يتوقف على الوعي به من حيث هو جوهرفي وجوده)(2) .

هنا كي نعتبر هذا التعبير صحيحا فلسفيا منطقيا،علينا تحديد نوع وماهية الموضوع كي يكون الوعي ملزما في تقبّله وفرض ادراكه على الوعي الانساني به، واذا كان الموضوع يمتلك جوهرا اوماهوية لها اهميتها في الزام ادراكه باعتباره جوهرا على حد تعبير ميرلوبونتي، فليس كل موضوع يحمل جوهرا يلزم الذات الانسانية ادراكه في عملية تخارجية معه، لا بد لنا من معرفة طبيعة ونوع واهمية وخصائص الموضوع الذي يطرح نفسه امام الوعي به كألزام وجودي لادراكه. ولا يكفي ان يكون للموضوع جوهرا، كي يلزم الوعي الذاتي ادراكه ودراسته، كما ان جوهر الموضوع لا يسبق ادراك(الموضوع) ذاته كوجود وكينونة مستقلة واحدة، ربما تحمل حمولات ماهوية تلزم الذات وعيها بها او احتمال كبير ان لا تمتلك كل الموضوعات مثل هذه الخاصية المسماة جوهرا تكون ملزمة للادراك، فليس كل الاشياء مهمة وصالحة وضرورية ان تكون مواضيع ادراك ذاتي وعقلي محايث يعنى بها الانسان في وعيه لها واهتمامه بها.

ويعتبر ميرلوبونتي (انه لا فكر خارج العالم او خارج الكلمات) (3). وهي عبارة صحيحة من حيث ان الفكر الذي يتأمله العقل مادة للتفكير في قطيعة وصمت تعبيري عن العالم الخارجي يكون معطّلا وجوده خارج العقل، وكذلك كي يكون الفكر متعيّنا وجودا خارج ذاتيته يتوجب عليه ان يتوّسل الكلمات الشفاهية الكلام او اللغة المنطوقة او المكتوبة او اية وسيلة تحقق تواصلها في التعبير عن وجود الفكر الكيفي خارجيا.

ان الفكر والكلمات (اللغة) في الصمت الذاتي هي حوار وتفكير جوّاني يحتويه حيّز العقل وظائفيا، ويكون الفكر بهذا هو موضوع التفكير في استثارته العقلية ايضا غير مفصح عن تحققه الوجودي خارج ملكة اللغة في التعريف به وفي التعبير عنه. والافصاح اللغوي عن الموجودات والاشياء لا يتم فقط بلغة التواصل والتداول العادية (الكلام اوالكتابة او الصورية او حتى في الاشارية والرمزية)، فهناك مثلا تعبيرات لغوية لا تحتاج ان تكون اللغة فيها منطوقة او مكتوبة او صورية او حتى اشارية وتبقى تداوليتها واستقبالها صمتا يديره العقل بافصاحات حركية يقوم بها (الجسد) نيابة عن اللغة تواصليا، كما في التعبير اللغوي الكامن في الجماليات النحتية واللوحات والفنون التشكيلية برمتها.وكذلك في طقوس العديد جدا من العبادات الدينية التي تكون ايضا فيها اللغة في حالة كمون وجداني ايماني روحاني لا تحتاج اللغة المسموعة او المنطوقة فيها تعبيرا محتاجا لها.وكذلك في رقص الباليه في اعتماد حركات الجسد لغة ايحاء تواصلي صامت بمرافقة الموسيقا، ومثلها في المسرح الصامت الذي يتوّسل الجسد حركيا ايمائيا بعيدا عن اللغة في التداول المعهود تواصليا ايضا بمصاحبة الموسيقا التصويرية. كل هذه التجليات تكون اللغة اوالفكر في حالة كمون عقلي وليس كما يدعي ميرلو بونتي لا يوجد فكر خارج الكلمات. فجميعها تعبيرات لا تتوسل الكلمات في التواصل الخارجي، بل تتوسل لغة الايحاءات داخل التفكير العقلي الذي يفصح عن نفسه خارج اللغة المنطوقة او المكتوبة.

من جهة اخرى فان العقل يعقل نفسه والعالم الخارجي في كل شيء، ولا يعمل التفكير العقلي في فراغ او في عدم وجودي ولا في فراغ او عدم لغوي، فالتفكير العقلي هو (الفكرة ولغتها) في ادراك موضوعها. والعقل في الوقت الذي يعقل ذاته صمتا تخييليا فهو يعقل الاشياء المادية والمجردة منها ايضا على السواء، ولا يوجد منطقة (عدم) لا يكون تفكيرالعقل السليم فيها حاضرا في دور محوري يدخل من ضمن وظائف العقل تراتيبيا، الا في استثناء الحالات المرضية كالجنون والموت او غياب الوعي او الانفصام او الذهان المرضي وغيرها من الحالات المرضية التي يعتبر العقل فيها ميّتا سريريا لا يمتلك وعيا ولا تعبيرا.

فالعقل يدرك الموجودات عقليا ماديا، ويدرك ويفكر في الموجودات والاشياء التي ينعدم التفكير المادي بها وجوديا لكن العقل يفكر بها خياليا تجريديا ويعقلها في غير وجودها المادي مثل وعيه بالقيم الروحية والاخلاق والجمال وغيرها. وفي كلتا الحالتين فالعقل لايعمل في فراغ عدمي يمنعه من التفكير لا في ادراكه المواضيع المادية في العالم الخارجي، ولا في تفكيره الخيالي التجريدي الذي لا يعتبر فيه تفكير العقل لاغيا لمجرد عدم افصاحه عن الموضوع المفكر به عقليا لغويا او بالكلمات.فالفكر مادة في العقل قبل ان يكون مادة في الواقع، و يستطيع الفكر التعبير عن المادي والروحي والقيمي تجريديا منطقيا معجزا ولغويا دالا متقنا.

وعي الذات بين هوسرل و سارتر

الآن ارى ان نعقد مقارنة بين عبارة ميرلوبونتي التي ناقشناها من وجهة نظرنا (انه لا فكر خارج العالم او الكلمات) وعبارة سارتر ذات العلاقة (ان الوعي الخالص هو فينامينولوجيا جامعة تذهب الى ما يقصد اليه الوعي من اشياء).(4)

ميرلوبونتي لم يكن موفقا في اشتراطه الجمع بين الفكر في العالم الخارجي ومثله في الكلمات كتعبير صامت في الذهن او معبّرا عنه. يكون فيه تداخل الفكر بالعالم الخارجي هو افصاح تعبيري لغوي او غير لغوي في اثبات وجود الاشياء، اما ان الفكر لا يكون خارج الكلمات حسب تعبير ميرلوبونتي، فهو خطأ اثبتنا عدم صحته في سطور سابقة، اذ يمكن ان يكون الفكر خارج الكلمات، في فعالية العقل التفكير بالاشياء تجريديا خياليا.مثل الفكرة الصامتة في الذهن، او التفكير الصامت المعبر عنه في ايحاءات وايمائيات وحركات الجسد الذي لا تلازمه اللغة او الكلمات ولا يحتاج ملازمة اللغة التعبيرية عنه. فقط استحالة انعدام الكلمات يكون عندما يراد التعبير عن الاشياء والموجودات وفي التواصل الاجتماعي في تبادل الافكار في الواقع الذي هو العالم الخارجي فالعقل يفكر حتى اثناء النوم في تداعيات اللاشعورالحلمي، ويفكر في ايضا في حالة اللاشعور الالهامي في حلم اليقظة.

اما عبارة سارتر ان الوعي الخالص هو ما يقصده الوعي من اشياء، فهو اراد بها اخراج الانسان من عدمية الوجود الى نوع من الوعي المطلوب وجوديا هو الوعي (لذاته) والوعي في الكلية المجتمعية، كي لا يخرج سارتر عن فهم هوسرل للذات ان يكون لها قصدية، وفهم هيدجر ان وعي الذات يمتلك ديناميكية شغالة تربطها بالاشياء والعالم الخارجي في تخارج جدلي مفروض على الوعي الذاتي الوجودي.

ان الوعي (الخالص) الذي اراده سارتر هو في تناقض مع مفهوم ميرلوبونتي ان الوعي لا يوجد خارج الكلمات، بل وجوده مفروض عليه ان يكون جزءا من العالم الخارجي وفي الطبيعة وفي المجتمعية الانسانية امرمحال الغنى عنه. الوعي الخالص الذي قصده سارتر لا يتحدد وجوده في صمت اللغة وفي ادراكها عقليا للاشياء والموضوعات تأمليا تجريديا خياليا. الوعي الخالص ان لا يكون الانسان نومينيا، اي ان يكون وجودا (في ذاته) فقط مثل وجود صخرة او شجرة او نهر الخ.

سارتر في فلسفته العدمية السوداوية اراد انقاذ الوجودية ان تميت الانسان الف مرة وتقعده عن ديناميكية الحياة، وهو منعزل عن الاخرين الذين هم الجحيم، لذا عمد الى مهادنة الماركسية والفلسفات المثالية في البنيوية في اقراره الصاغر بان الوعي الخالص لا ينطبق على وجود انساني الا بانتسابه لمنظومة اجتماعية تحتويه شاء ام ابى ذلك.

يدرك سارتر جيدا ان الوعي الخالص في وعي الانسان ذاته خيالا عقليا مجردا عن اي انتماء او موضوع يتخارج معه هو محال فقال عبارته الشهيرة (يتوجب علينا مغادرة انا افكر اذن انا موجود)، وادرك هوسرل قبله هذه الحقيقة قائلا وعي الذات يقترن ب(قصدية) كما ادركها بعده هيدجرقائلا وعي الذات الحقيقي يقترن ب(الديناميكية).

تتمة الموضوع في ج2

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف/الموصل

.......................................

الهوامش

1- ميرلوبونتي، نقلا عن عبد الوهاب جعفر، الفلسفة واللغة، ص 105

2- نفس المصدر السابق ص 106

3- نفس المصدر السابق ص 107

4- نفس المصدر السابق ص 58

 

كيف يمكن تجديد دور المثقف في عصر رقمي وعالم متغير؟

سؤال نعتقد أنه راهني بامتياز، يطرح نفسه على لحظة تاريخية جديدة، يعاد فيها تشكيل دور المثقف بفعل التحولات السريعة التي يعرفها العالم المعاصر، إن على المستوى السياسي، أو على مستوى الطفرة التكنولوجية وطفرة التشبيك وتقنيات التواصل، أو على صعيد الانخراط في مجتمع المعرفة، وما يترتب عن ذلك من انقلاب في مفاهيم المثقف وأدواره المطلوبة.

ينطلق هذا السؤال من إحدى قواعد فلسفة التاريخ التي ترى أن رحلة الحضارات وانتقالها من مستوى تواصلي إلى مستوى آخر، يستلزم التشخيص والبحث في كيفية التعبير عن حالة الوعي بتلك النقلة، عبر الوسائل التواصلية المتاحة، وأن كل تحول تاريخي انتقالي يستلزم إعادة صياغة القول في مفهوم المثقف ودوره.

يستند السؤال أيضا إلى قاعدة النقد الذاتي التي ترى أن فكر المثقف وآليات اشتغاله ينبغي أن تخضع - من مرحلة لأخرى- لعملية اختبار وفحص ومساءلة، لكسر الرتابة والقيم الجاهزة، ومواكبة تحولات المرحلة الجديدة. ونحسب أن مرحلة التحولات التاريخية الكبرى، ومن بينها الحالة الراهنة التي انتقلت فيها البشرية إلى مربّع عالم متعولم ، وعصر رقمي، وانتقل المجتمع العربي  بعد زلزال 2011 المعبّر عنه بالربيع العربي إلى عتبة زمن جديد، وإعادة تشكيل للخارطة السياسية التي بعثرت أوراق الانتقال الديموقراطي، تشكل محكّا حقيقيا لامتحان قيمة الدور الذي يقوم به المثقف اليوم، وتشريحه بمبضع النقد والمراجعة في ضوء هذه المتغيرات الجديدة، ووضع الأصبع على مواطن العطب التي تكتنفه، وتعديل ما يستوجب الصواب، ثم تقديم البدائل والتصورات المحسوبة، لضخّه بطاقة جديدة، وإعادة ترتيب آليات اشتغال المثقف بما يجعله أقدر على التكيّف مع مستجدات الواقع و"نوازل" التطور المعرفي، وترويض أدواره بما يلائم التحولات التاريخية، وتدبير المرحلة الجديدة تدبيرا فكريا ملائما، وتأسيس قواعد جديدة في الفعل الثقافي العربي، واستنبات ثقافة جديدة تصبو إلى زحزحة المواقف والقناعات الراسخة، والثوابت، واليقينيات، والمطلقات السماوية منها والأرضية، وإعادة النظر في المقدمات والخيارات الناظمة للعمل الثقافي.

ترتكز فرضياتنا أيضا إلى إحدى المقولات السوسيولوجية التي نحتها المفكر الفرنسي "بورديو" Bourdieu ، رفع فيها من قامة المثقف، وجعله محرّكا للتاريخ، ومساهما في نحت منعرجاته الكبرى، حين أكد أن (أقوال المثقفين تساهم في صنع التاريخ وفي تغيير التاريخ)؛ وإن كان العالم العربي لا يزال على مستوى خريطة البحث والدرس يشكو من شحّ الدراسات التي تختبر هذه المقولات، وتسبر أغوار دور المثقف في زمن التحولات التاريخية، والمنعطفات الكبرى (خاصة منعطف الزمن الرقمي)، بهدف استنباط وإبداع أنجع الخيارات الثقافية التي تجعله إيجابيا وفاعلا في حفر مجاري تلك التحولات، ومشاركا في بناء معمارها. 

ومن الفرضيات الأولية التي نؤسس عليها النظر كذلك لتشريح  دور المثقف في ظل التحولات التاريخية التي يشهدها العالم، أن مهمة المثقف لا تكمن في تغيير المجتمع، وهي الفكرة التي ظلت سائدة ردحا طويلا من الزمن في أوساط المثقفين، بل تتجسد مهمته في فهم كيفية تغييره، ومن ثم فإن التحولات هي التي تحدد دور المثقف، وليس الأخير هو الذي يحدّد دوره فيها بناء على مقاسه الخاص. وتأسيسا على ذلك، نقترح بسط النظر في مسألة تجديد دور المثقف انطلاقا من عمق التحولات العالمية، وخاصة مجتمع المعرفة، من خلال مثلث إشكالي على النحو التالي:

1- يتمثل الضلع الأول من المثلث الإشكالي في البحث عن تصورات لتجديد آليات اشتغال المثقف من خلال التواصل الشبكي المنفتح، بدل الاقتصار على الإنتاج الورقي، وهي الآليات التي تسمح له بالتواصل مع أكبر جمهور افتراضي، ليصبح متفاعلا معهم، وينتقل المتلقي من مربّع المستهلك لمقولات المثقف، إلى مشارك في إنتاج الفعل  الثقافي.

2- مراجعة المشاريع الفكرية للمثقف بما يناسب القضايا المعرفية المستعجلة، من قبيل التفكير في تجاوز أعطاب الأطوار الانتقالية للمجتمعات العربية، وتخصيب أرضية الانتقال الديموقراطي، وآليات الإصلاح الديني، والمشاركة في إيجاد حلول للصراعات الإثنية والطائفية،  وتطعيم كل هذه القضايا المستعجلة بأسئلة إبداعية تراعي المتغيرات الدولية والإقليمية.

3- يرتكز الضلع الثالث من سؤال تجديد دور المثقف العربي على تغيير "مكان" تواجده، من خلال توسيع مساحات حضوره، وتجاوز الحضور التقليدي داخل أسوار الجامعات ومقرّات الأحزاب ومكاتب النقابات، إلى الميادين والساحات العمومية، للمشاركة في الحركات الاحتجاجية السلمية الحضارية، والحلقات النقاشية الفكرية، وإلقاء المحاضرات في قلب الميادين، على غرار ما قام  بعض المثقفين الأمريكيين الذين انخرطوا في حركة Occupy wall street من أمثال نعومي كلاين وجيفري ساكس، والروائية الكندية مارغريت أتوود، وعالم اللسانيات الكبير نعوم تشومسكي الذي ألقى محاضرة في ساحة الاحتجاج ببوسطن. لذلك أحسب أن تجديد دور المثقف محكوم بجملة أسئلة يمكن اختزال أهمها في ثلاث أسئلة مركزية:

1- إلى أي حد تشكّل المتغيرات العالمية، خاصة هيمنة مجتمع المعرفة والعصر الرقمي، موجها ناظما جديدا لأدوار المثقف؟ وكيف ينعكس ذلك في إعادة مراجعة مفاهيمنا للمثقف ودوره؟

2- كيف أثّر الوضع الإقليمي بعد ثورات الربيع العربي في بناء ذهنية عربية جديدة تحتّم مراجعة أسلوب أداء المثقف وآليات اشتغاله، وتأسيس مرجعية جديدة لتوجهاته وهو يقف على عتبة تحولات كونية وإقليمية ما فتئ إيقاعها يتسارع منذ بداية الألفية الثالثة؟

3- ما هي حدود القول بأدوار جديدة للمثقف العربي في سياق خيار استراتيجي له ملامحه وعناوينه المتجسدة في حضوره في مواقع التواصل الشبكي، وتواجده في الساحات والميادين للدفاع عن قيّم الحرية والديموقراطية، وممارسة دوره التنويري حفاظا على مكاسب الثورات العربية؟

للأجوبة عن هذه الأسئلة بقية ... ( يتبع)

 

ا. د. إبراهيم القادري بوتشيش

 

 مقدمة: الانحياز المعرفي: (Cognitive bias) هو نمط من الانحراف في اتخاذ الأحكام يحدث في حالات معينة، ويؤدي إلى تشويه للإدراك الحسي أو حكم غير دقيق أو تفسير غير منطقي، أو ما يسمى عموماً باللاعقلانية .(1)

هو نمط من الانحراف في اتخاذ القرارات يحدث في حالات معينة، ويؤدي إلى تشويه في الموضوعية والحكم غير الدقيق أو التفسير غير المنطقي، أو ما يسمى عموماً باللاعقلانية.

الانحياز بشكل عام يؤثر على صناعة القرار وأحياناً يؤدي إلى إلغاء الفكرة الصحيحة بناء على موروثات الانحياز التي تكون بمثابة الحكم الأول والأخير على الأشياء وأحياناً الحكم الخاطئ على الأشياء .

مفهوم "نمط من الانحراف" يتضمن في ثناياه معيار المقارنة مع ما هو مُتوقع أو ماهو صحيح، وهذا قد يكون حكم الناس خارج هذه الحالات المعينة، أو قد تكون مجموعة من الحقائق التي يمكن التثبت منها بشكل مستقل. خلال الست عقود الأخيرة تم التعرف على مجموعة انحيازات معرفية ومتطورة باستمرار، وكذلك اكتشافها كان قائماً على بحوث في اتخاذ الحكم عند الناس وصناعة القرار في العلوم المعرفية وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاقتصاد السلوكي.

 

الانحيازات المعرفية هي حالات أو شواهد من السلوك الذهني المتطور. يُحتمل أن يكون بعضها مُتكيف لأنها -على سبيل المثال- تؤدي إلى إجراءات أكثر فعالية تحت سياقات معينة أو تمكن من اتخاذ قرارات أسرع عندما تكون القرارات الأسرع هي الأعلى قيمة (حدس مهني). وأخرى تنتج عن نقص الآليات العقلية المناسبة (العقلانية المحدودة) أو ببساطة بسبب الضوضاء الذهنية والتشويه. 

تناول أي قضيّة لابد إن نحلل النسق فيها، لأنها بالأساس حصيلة تفاعل: (المفاهيم، والأفكار، والأدوات الرابطة )، ومنهنّ يتشكل المعنى للنسق؛ إي إن العلوم الإنسانيّة بوصفها نسقا ًيستمد معناه من أجزاءه وهو بدوره يمنح هذه الأجزاء معنى .

فعندما نتناول المفهوم بوصه اصطلاحاً متفق عليه إجرائياً بين مجموعة من العلماء من اجل توصيف أو شرح حالة معيىنة .يعد أمراً ضرورياً، أولاً من أجل فهم الحالة وثانيا من اجل الوصول بطريقة منهجيّة إلى نتيجة بالاستدلال، ومن ثم تحمل المسؤوليّة في الكشف عنها .

وبالآتي فان المفهوم هو أيضاً يظهر مستوىً من التراكم المعرفي وصل إليه الباحث أو المنظومة المعرفيّة أو الخطاب، تظهر المستوى الحضاري والفكري في إطار معين لمدّة من الزمن، ثمّ يتبع ذلك محاولة تقنين هذه المعرفة .

فتحليل نسق معرفي أو مفهوم، هي حالة تهدف إلى معرفة الحقيقة ثم قولها للقارئ الذي له الحق في الفهم والتقويم .

فان -مفهوم التحيز في العلوم الإنسانيّة، هذا المفهوم يصف ظاهرة معرفيّة لها وقعها في تطور المعرفة وعلاقتها بالواقع الذي يفترض أنها جاءت من أجل تحليله وكشف العوائق التي يواجهها الإنسان فيه أي الواقع .

المبحث الأول: مشكلة التحيُّز ونقدها في الفكر الغربي 

إلا إننا وجدنا أن هذه المناهج التي جاءت بها العلوم الإنسانيّة، قد أنتجت الكثير من المشاكل والكثير من التحيز الإيديولوجي .في تعاملها داخل الثقافة الغربيّة أو خارجها . أولا تناول طبيعة المشكلة، ثانياً:النقد الغربي لها من قبل مدرسة فرانكفورت أو نقد ما بعد الحداثة وثالثاً:نقد التحيز المسيري أنموذجاً:

أولاً: تناول طبيعة المشكلة:

إن تناول طبيعة المشكلة يعني أخضاعها إلى التأمل والتدبر، وهما آليتان أسهمتا إلى حد كبير في كشف المعاني والهفوات التي تسببت بالمشكلة وهذا يتطلب إخضاعها إلى النقد من خلال إخضاع تلك المسيرة العلميّة التي مثّلتها الحداثة بكل تحولاتها المهمة بالقراءة الواعيّة وهناك الكثير من الدراسات خاضت هذا البعد التحليلي التفسيري من أجل الكشف والتشخيص .هناك بشكل أولي ثمة " الفرضيّة " إذ من الممكن أن نتخذ منها مساراً في تفكيك الحجج أو النظام الذي تقوم عليه تلك العلاقة القائمة بين العلوم الطبيعيّة والعلوم الإنسانيّة التي كانت تسمى في الثقافة الألمانيّة بعلوم الروح تميزا لها عن العلوم الطبيعيّة .

يبدو أن النجاح الذي أحرزته العلوم الطبيعيّة من تحولاتها من النظريّة الآليّة في الفيزياء مع كبلر وغاليلو ومروراً بنيوتن كانت قد تراكمت المنجزات في حقولها المتنوعة . وقد تميّزت تلك العلوم الطبيعيّة بموضوعها ومنهجها عن العلوم الإنسانيّة (أو علوم الروح) وبالآتي لا يمكن الحديث عن منهج عام مشترك يمكن أن تشترك به العلوم سواء كانت طبيعيّة أم إنسانيّة ومرد هذا إلى الموضوع؛ فالعلوم الطبيعيّة تتعامل مع موضوع خارجي قابل للمراقبة بموضوعيّة؛ أمّا موضوع العلوم الإنسانيّة فهو موضوع عرضه إلى التغير المستمر .

وقد ترك هذا الأثر تأثيره في ظهور مناهج مختلفة لكل من العلوم الطبيعيّة المختلفة عن العلوم الإنسانيّة .

لكن هذا الأمر كان خافياً على المدرسة الوضعيّة التي أرادت أن تقلد العلوم الطبيعيّة بنجاحها عبر انتهاج مناهج مأخوذة من العلوم الطبيعيّة تم تطبيقها على الإنسان .

وهنا ظهرت " الإشكاليّة" فاذا كان موضوع العلوم الطبيعيّة هو الطبيعة، وهدفها الأساسي هو البحث عن الثابت، والنسقي، والمتكرر، لذلك لا يصعب عليها أن تدرس الظواهر باعتبارها أشياءاً خارجيّة لا ترتبط بالإنسان، وبوعي الجماعة.

أما موضوع العلوم الإنسانيّة، فهو السلوك الإنساني، لذلك فإنّ أي تحريف يسعى إلى الخلط بين الموضوعين، سيؤدي إلى نتائج مضللة، لأنّ ذات الفكرة ستكون حاضرة بالضرورة أثناء معالجته لموضوعه، فلكي يضبط تسلل أحكامه الجاهزة المسبقة، عليه أن يقننها ويعيها، باختصار، عليه أن ينطلق من تصور فلسفي يحدد خطوات بحثه، وأن يكون واعياً بالموقف الأيديولوجي الذي يصدر عنه، لهذا يجب أن نفصل بدقّة، بين الموضوعيّة في العلوم الطبيعيّة، والعلوم الإنسانيّة.

إذاً تظهر علاقة بين المكاسب المرجوة ومن كل منهج، مثلما يبن الحدود لكل منهج مقترنة بطبيعة الموضوع، بالآتي إذا ما بحثنا عن "الاشكلة " يظهر لنا إن كل علم هو بمثابة شبكة من المفاهيم تربط بينها علاقات وأواصر يمكن التعبير عنها بشكل صريح أو ضمني .

فاذا ما حاولنا التحليل لهذه " الاشكلة " التي ظهرت عندما حاولت العلوم الإنسانيّة تقليد العلوم الطبيعيّة بالحصول على درجة عالية من الموضوعيّة، عبر استعارة وتقليد (المناهج الوضعيّة بهدف تطبيقها على موضوعه، مُدعياً أنه بعمله هذا يبعد التشويش الأيديولوجي، فإنّه سيقع في مشكل أكبر، هو اشتغال الأيديولوجيّة في لا وعيه، وتأثيرها في بحثه بشكل ضمني، يمكن أن يغلف حقيقة الواقع) .(2)

إماإذا حاولنا إن التوضيح أو البرهنة على عقم هذا الإجراء وقصوره ساعتها نبين إن وظيفة البرهنة هنا تحاول توضيح أفكار والمفاهيم سعيا إلىفهم الواقع .وكشف التحيز الذي أصاب العلوم الإنسانيّة:

ففي الوقت الذي كانت فيه العلوم الطبيعيّة بحكم موضوعها ومنهجها، تبحث عن جوهر ثابت تبني فوقه مفاهيمها.فإن علوم الإنسان، تبحث بما هو كائن، مّا العالم الاجتماعي فهو في وضع مختلف، إذ أنّ مجال اهتمامه الكلّي يتغيّر، فلا وجود لكيانات دائمة في المجال الاجتماعي، حيث يقع كلّ شيء في نطاق التَّدفق التاريخي(وينسحب الشيء نفسه على الكيانات السيسيولوجيّة الأخرى، مثل المدينة، فيلزم أن ندرك جوهرها، كما تقول الحجة التاريخانيّة، وأن نصوغها في شكل تعريف)(3). ثم إن العلم الإنسانيّة تعاني انتفاء الموضوعيّة وذلك بتغليب طابع النزعة الذاتيّة والميولات الشخصيّة على البحوث الاجتماعيّة والإنسانيّة، وتتجلى الذاتيّة (4)؛ لكن رغم هذا التمايز فان العلوم الإنسانيّة حاولت التقليد؛ إلا أنها لم تحقق المراد فكانت الحصيلة، إن العلوم الطبيعيّة تطورت إلى مرحلة أبعد بكثير من تطور العلوم الاجتماعيّة في الحاضر وحتى على ما يبدو في المستقبل القادم. وعلى الرغم من أن العلوم الطبيعيّة تختلف عن العلوم الاجتماعيّة من حيث المنهج العلمي المستعمل في الدراسات والبحوث، فإننا نجد ذلك بينما تعتمد العلوم الطبيعيّة على الطريقة العمليّة المحسوسة القائمة على التجريب والاستقراء والقياس والتطبيق للتأكد من صحة النتائج التي يتم التوصل إليها، نرى أن العلوم الاجتماعيّة قاصرة على عن بلوغ هذا المستوى، عرضةً للتغيير والنقد من حين إلى آخر، على الرغم من استعمال العلوم الاجتماعيّة لأحدث المبتكرات التكنولوجيّة الآن. (من المسلّم به أن الظاهرة الإنسانيّة والاجتماعيّة غير ثابتة ومستقرة ما دامت تتصل بالإنسان.)(5) هذا جعل المنهج العلمي المطبق في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، يختلف بعض الشيء عن ذلك المطبق في العلوم الطبيعيّة، خاصة من حيث الدقة؛ وذلك بسبب الاختلافات في طبيعة المشاكل والظواهر في الميدانين، وبسبب الصعوبات والعقبات.

ثانيا: النقد الغربي لها من قبل مدرسة فرانكفورت:

ظهرت نقود غربيّة ضد التحيُّز النتاج عن توظيف مناهج العلوم الطبيعيّة على العلوم الانسانيّةعلى الرغم من اختلاف الموضوع بينهما، وهذا اضفى (نتائج سلبيّة جدالاً يمكن الاعتماد عليها في تصنيف الظواهر وضبطها، لاسيما أنها تتأثر بالسلوك الإنساني المعقد).

لقد طرحت مدرسة فرانكفورت مشروعاً نقدياً هيمن عليه التشاؤم، لكل تمظهرات الوعي المصاحب للمنجز العلمي –التكنولوجي: (التسليع والتشيؤ والأداتيّة والفن المبتذل وانحطاط الوعي) .

وهذا مردّه الى طبيعة الموضوع مما خلق مشكلة التشيؤ أي التعامل مع الانسان وكأنّه شيء جامد في حين يمتاز موضوع العلوم الانسانيّة بكونه ديناميكي وهومحور العلوم والدراسات الاجتماعيّة، وهو أكثر الكائنات تعقيداً كفرد أو كعضو في الجماعة، فالسلوك الإنساني يتأثر بعدّة عوامل (مزاجيّة ونفسيّة) لدرجة تربك الباحث الاجتماعي(6). مما خلق ردوداًللأفعال عند مدرسة فرانكفورت كون تلك المناهج قد قامت بـ(استعمال الطريقة المختبريّة في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة وهذا ناتجٌ أساساً عن صعوبة وضع الظواهر الاجتماعيّة تحت ظروف قابلة للضبط والرقابة، كما في العلوم الطبيعيّة)(7) ويبدو أنّ النقد الذي عبّرت عنه المدرسة كان يتمثّل في (أن نقد النزعة العلميّة، هو نقد عميق لربط العلم بالبعد التطبيقي الذي يعتمد على رؤيّة ميكانيكيّة، غايته الموضوعة التي تجعل الإنسان بمثابة بضاعة وأداة للاستعمال).

هذا النقد نجد آثاره واضحة في ما آلت إليه العلوم الإنسانيّة من هيمنة الخطاب العلمي القادم من العلوم الطبيعيّة، ونجد أيضاً هناك من الباحثين من يجد إن ابتعاد العلوم الإنسانيّة عن المنهج العلمي قد أضعفها وجعل منهاجها يعاني من عدم الدقّة في المفاهيم في العلوم الإنسانيّة....(8)

المبحث الثاني: نقد التحيُّز في العلوم الإنساني عربيا

"المسيري أنموذجاً" 

في مقاربة نقديّة تدرس التحيُّز من الناحيّة الفكريّة والمفهوميّة ومقاربة حقول متنوعة، من حيث البحث العلمي وآلياته القسريّة، التي يفترضها الباحث على صعيد الموضوع المدروس في موضوعات متنوعة في حقول: (علم الاجتماع وعلم النفس والسياسة والتاريخ والإعلام والتعليم والمعلومات والشريعة وقضايا المرأة)، وقد تمّت مقاربتها نقدياً على الصعيدين النظري والتطبيقي وقد تم اختيار نماذج متنوِّعة من هذه الدراسات النقديّة من أجل تبيان موقفهم من التحيُّز .

هناك انتقادات تم توجيهها إلى نظريات الانحيازات المعرفيّة بناءً على حقيقة أن طرفي المناظرة يدّعون كثيراً أن أفكارهم مترسِّخة في الطبيعة البشريّة وأنها ناتجة عن الانحياز المعرفي، في حين يدّعي كل طرفٍ منهم أن أفكاره الخاصّة هي الطريقة الصحيحة للتغلب على الانحياز المعرفي. والسبب في ذلك ليس ببساطة أن المناظرة لم تقم جيداً، لكنّها مشكلة أساسيّة تنبع من أن علم النفس يقدِّم نظريات انحياز معرفي متضاربة وتستعمل في إثبات وجهات نظرها بشكل لا يقبل الإبطال.(9)

لكنّ الدكتور المسيري (رحمه الله) عندما استوقفته إشكاليّة التحيُّز عند دراسته للظواهر الإنسانيّة اختار المصطلح: "التحيُّز"؛رجوعاً إلى المعجم اللغوي العربي، وفيه: أن التحيُّز يعني الانضمام والموافقة في الرأي وتبنّي رؤيّة ما، مما يعني رفض الآراء الأخرى. وقد اختار هذا المصطلح ليطلقه على مجال جديد لدراسة ظاهرة إنسانيّة من صميم المعطى الإنساني، وهي مرتبطة بإنسانيّة الإنسان، كما كان يرى، وهي ظاهرة التحيُّز(10)

ومن الممكن أن يكون هذا التعريف هو الباب الى توصيف إشكاليّة الانحياز في العلوم الإنسانيّة الغربيّة كما يرصدها المسيري وهو يقارب الأمر بنقديّة نحاول أن نمر عليه بعجالة في هذا الملخص:

لذلك فكل مصطلح هو وليد بيئة ثقافيّة يظهر اجتهاداً لأهلها فالمصطلحات الغربيّة نتجت عن تجربة حضاريّة غربيّة، لها سياقها الخاص، وبالمقابل يفترض أن ننظر إلى أي ظاهرة في سياقها.

أن هذه الحضارة انتجت تحيُّزاً فكرياً عبر مقول التمركز حول الذات وإقصاء الآخر من هذا المنجز من العالم الثالث وتعاملت معه بوصفه هامشاً بمقابل المركزيّة الغربيّة .

أنّ العرب هم نقلة أمينون لكل المصطلحات الغربيّة من دون نقد أو تمحيص، واكتفوا بنقل ما استجدّ من مصطلحات الغرب بأمانة ملفتة؛ سواء كانت مناسبة أم مطابقة لما يرون أنه قابل للتطبيق في واقعنا ومجتمعاتنا أم لا.

هذه النقاط يحاول من خلالها المسيري ان يكثِّف التحيُّز على بعدين الأوّل في مناهج العلوم الاجتماعيّة الغربيّة وكيف تفرز رؤية تنتج تحيُّز - وهو ما سوف نتطرق له في نقود أخرى – أمّا الجانب الآخر من رؤيّة المسيري كونه يحدد إن هناك باحثين عرباً يقتبسون تلك الأفكار والمناهج وينقلونها إلى الثقافة العربيّة الإسلاميّة من دون أن يدركوا الانحياز بل يطبقونها بحرص شديد .

وهناك من الباحثين العرب من شخص الانحياز وبين أنّه يصعب دراسة الظواهر الاجتماعيّة والإنسانيّة دراسة موضوعيّة بعيداً عن الأهواء والعواطف الشخصيّة، فالظواهر الاجتماعيّة أكثر حساسيّة من الطبيعة؛ لأنها تهتم بالإنسان كعضو متفاعل في جماعة، وبما أنّ الإنسان مخلوق غرضي يعمل على الوصول إلى أهداف معينة، ويملك المقدرة على الاختيار، مما يساعده على أن يعدِّل من سلوكه، فإن مادة العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة تتأثر كثيراً بإرادة الإنسان وقراراته.

وبالآتي فإنّ إشكاليّة التحيُّز المعرفي من مسلمات وفروض ومنطلقات ومناهج البحث المستعملة في العلوم الاجتماعيّة، وهذه العلوم ترتبط ارتباطاً شديداً بالرؤيّة الكونيّة الغربيّة، وهو ما يجعلها في تناغم مع هذه الرؤيّة إذ تعبر عنها وتدعم استمرارها، ومن ثم فإن محاولة إدراك ملامح هذه الرؤيّة التي تنطلق منها هذه العلوم والكامنة في أنساقها المعرفيّة ذات أهميّة بالغة لدى محاولة التعامل مع هذه العلوم، إذ يبقى نقد الاغتراب والمناهج ونتائج الدراسة عمليّة جزئيّة قليلة الجدوى طالما ظلّ البعد المعرفي الكل وإدراك أسسه ومنطلقاته الفلسفيّة موضوع غموض أو تجاهل، وعلى هذا الأساس فإن إدراك التحيُّز يقصد به السعي لكشف ما هو ذاتي أو مخصوص أو نسبي أو إقليمي فيما تقرره علوم المجتمع والإنسان .(11)

الباحث يقف "خارج " الظاهرة، سجين الصياغة وقوالبها ولغتها المتخصصة والمعقّدة، وهو غير مستعد للمساومة أو للتراجع عن هذه الصياغات النظريّة الأساسيّة أو عن ملامح شخصيّة العلميّة " الرسميّة " التي تختفي في ملامح شخصيته الإنسانيّة الطبيعيّة، وذلك في سبيل رؤيّة أفرادها وبروز هويتهم الثقافيّة المتميزة وإرادتهم الجمعيّة المستقلّة . وهذا الجوهر الكيفي المتميز لا يمكن قياسه أو "تقنينه" كمياً، وهو غير متاح للغرباء من خارج الظاهرة؛ الا بقدر محاولتهم التفهم المتعاطف للظاهرة وملامحها الداخليّة، في إطار المحافظة على كليتها العضويّة واستقلالها الروحي .

الباحث يحاول قدر الإمكان أن يعلق Suspend انتماءاته النظريّة والفكريّة والثقافيّة والشخصيّة المسبقة حتى لا تطغى على رؤيته الغضة Fresh look للظاهرة وهو يحاول أن يخطو تدريجياً "داخل " الظاهرة متحرراً قدر الإمكان من أسر شخصيته العلميّة الرسميّة، ومعتمدا بالأساس على شخصيته الإنسانيّة .

الباحث يخفي التناقض بين علم المعاني النظريّة والقيم العلميّة والأكاديميّة واللغة المتخصصة التي ينشئ الحقيقة العلميّة الموضوعيّة عن الظاهرة المبحوثة وعالم المعاني الذاتيّة والقيم الثقافيّة.

القيم الثقافيّة واللغة الحيّة الدارجة التي تنشأ بداخلها الحقائق الاجتماعيّة المبحوثة والمتعارف عليها وهو ينظر إلى ذلك النسق من المعاني والقيم واللغة الحيّة، كمادة خام "غير علميّة " يستلزم هندستها وإعادة صياغتها وإنشائها "علمياً " وهذا دليلٌ على النسق النظري الذي يتبناه الباحث .

وباستعمال ممارستها المنهج العلمي التجريبي وهو يحمي نفسه من تأثيرات ذلك العالم الثقافي المغاير، باحتفاظه باستمرار بمسافة نفسيّة وعقليّة ثابتة من المبحوثين من موقع التعالي الاكلينيكي وفي إطار علاقة قوة وتحكم عن بعد .

الباحث لا يرى من موقع التعالي الاكلينيكي عن الكيانات الإنسانيّة موضوع البحث ومن داخل "سجن " شخصيته العلميّة المقلوبة المفرّغة ملامح الخارجيّة الطبيعيّة، بفرض تحقيق .(12)

أسباب التحيُّز:

يشير "محمود الذواوي" إلى مصادر التحيُّز وأسبابها وأشكاله ومظاهره فضلاً عن كيفيّة معالجة هذا التحيُّز خلال رؤيّة مفارقة بين الفكر الاجتماعي الإنساني الغربي وبين الأسس التي يستند عليها فكر ابن خلدون .(13)

عوامل شخصيّة: فعالم الاجتماع أو عالم النفس مثلاً لا يستطيع التجرد الكامل عن أهدافه وميوله ومصالحة الباحث الغربي في أثناء دراسته للظواهر التي تنتمي إلى عمله .

وهناك عوامل وأسباب تتعلق بانتماء الباحثين والعلماء الاجتماعيين إلى مذاهب أو مدارس ونظريات فكريّة معيّنة من دون أخرى . وهذا النوع من التحيُّز الجماعي من شأنه أن يؤدي إلى نوع من التحيُّز المؤسسي بمعنى انعكاس التحيُّز في الفكر العلمي السائد في الجامعات والمعاهد ومراكز البحث وغيرها من المؤسسات العلميّة على الباحث.

الطبيعة الإيديولوجيّة الإنسانيّة: وتعود هذه السمة الإيديولوجيّة التي تتّصف بها هذه العلوم في نظر الباحث، إلى كون القضايا التي تدرسها هي بالدرجة الأولى قضايا الحياة الاجتماعيّة ومشاكلها، ومن ثم فالمعرفة على العموم والمعرفة الاجتماعيّة وجه الخصوص يعبِّران عن مدارس واهتمامات المفكرين والعلماء والباحثين .

هناك تحيُّز يظهر من خلال ممارسة تعمم النظريات والمفاهيم في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة من مجتمع الآخرين حضارة لآخرين من دون الأخرى مع عدم الأخذ بنظر الاعتبار خصوصيّات كل حضارة .(14)

ويقدم الباحث نفسه أيضاً "المعالجة" لهذا التحيُّز برسم مجموعة من الخطوات:

الخطوة الأولى هي ما يطلق عليه بـ (التكامليّة المعرفيّة)، التي تعني محاولة إنشاء منظور متكامل يجمع بين الإسهامات المعرفيّة في مختلف تفرعات العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة .

الخطوة الثانية: لابد من ممارسة أمرين: الأول قيام المتخصصين في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بنقد ذاتي شامل لمعرفتهم ومسلماتهم ومبادئهم، ومناهج نظرياتهم التي أنشأوها واستعملوها في دراساتهم للإنسان، أمّا الأمر الثاني فهو ضرورة إصلاح الرؤيّة العامّة للعلم، فالعلم على وفق رأي الذواوي، يجب إن يكف عن استعمال المعطيات الكميّة كمقياس وحيد وأن تعطي أهميّة رئيسيّة للعوامل للاماديّة في تفسير الظواهر الإنسانيّة .

الخطوة الثالثة إن تنوع التراث الثقافي والفكري لهذه العلوم، بإدخال التراث الفكري والمعرفي للحضارات العريقة المختلفة والتي تمتلك زاداً معرفياً غزيراً يمس الإنسان كفرد أو كائن اجتماعي .(15)

وبالمقابل هناك معالجة أخرى نقديّة للتحيُّز ترى أن تحقق التفهم المتعاطف Sympathetic understanding  للظاهرة أو الواقعة البحثيّة بشروطها الخاصة حتى وإن تعارضت مع التحيُّزات الفكريّة والشخصيّة الخاصّة بالباحث، والجهد الصادق في الحوار والتفاعل الخلّاق معها بدلاً من قهرها وإرغامها قسراً على الانصياع لفرضيات وتحيُّزات نسف الحقيقة الخاصة بالباحث (16). بمعنى أن الأمر يقوم على ضرورة الابتعاد عن فرض مناهج ورؤية مسبقة على الظاهرة الاجتماعيّة بل يفترض على الباحث أن يحاور الظاهرة موضوع الدراسة، ويجتهد في تفهمها بعيداً عن الأحكام المسبقة .

التفسير "العلمي" لهذه الواقعة البحثيّة المحور الأساس لهذا الصراع .فهدفه هو إزالة أي عناصر للتوتر بين الواقعة البحثيّة الخارجيّة وعالم المعاني الداخليّة، إذ يمكن للباحث أن يحتوي ويستوعب تلك الواقعة الخارجيّة؛ ليحولها إلى جزء داخلي من عالم المعاني ونسق الحقيقة الخاصين به ...(17)

ويستمد الباحث مشروعيّة ممارسته البحثيّة والتنمويّة في أيديولوجيا " الخبرة العمليّة " التي تزعم بأنّ العلماء يفهمون عن الظاهرة الاجتماعيّة التي يمارسها أكثر مما يفهم أصحابها أنفسهم . (18)

نجد أيضا هناك دراسة أخرى تحاول أنتتناول العلوم الاجتماعيّة وإشكاليّة التحيُّز وترصد جملة من مظاهر التحيُّز بالآتي:

مدارس غربيّة وليست علوماً عالميّة: بمعنى هذه العلوم تبقى علوم غريبة المشاكل والبيئة التي تدريها وبالآتي يغدو الادِّعاء بأنها علوم عالميّة تصلح إلى التطبيقيّة على العالم وقد ظهر في العالم العربي اتجاهان ماركسي واتجاه ليبرالي (يلاحظ أنّ أسئلة الاتجاهين وإجاباتهما تحدّدت بمفاهيم الدنيويّة والنقد الدنيوي، وحتى حين اكتشف البحث العلمي أهميّة وجود الدين لأي مجتمع تقدّمت مروِّعات أديان دنيويّة لأداء الوظيفة (صراحة أو ضمنها) (19)

المدارس الغربيّة معادية لنا: إذا كان الوجه الأول لتأثر المدارس الاجتماعيّة الغربيّة بالعقيدة السائدة يتمثّل في خضوعها للدنيويّة فإن الوجه الثاني للتأثير العقدي تمثّل في قبول "مسلمة " تفوّق الغرب ومشروعيّة سيطرته على العالم (اي علينا) والوجهان مرتبطان تماماً . (20)

مفهوم الممارسة والنظريّة المستقلة:تزايد الحس النقدي بين المشتغلين عندنا في العلوم الاجتماعيّة، وانتشر الحذر من احتمال تصدير التبعيّة الفكريّة في غلاف هذه النظريّات الغربيّة.. وقد أثبتت أن التركيبات النظريّة الغربيّة تحمل خللاً ما بدلالة النتائج العمليّة التي نشأت على تشغيل هذه النماذج والتي لا تحقق المصالح المستهدفة من منظور وطني . (21)

وبالآتي انطلاقاً من تلك الخطة نجد أن الباحث يقدم معالجة لهذا التحيُّز الذي رصده بتلك النقاط بالقول أن " التراث هو البديل المنطلق للتنميّة"؛ ثم يفصل قوله:

إنّ التأكيد على هذه القاعدة ضرورة وإنّ (أثر الإسلام وتراثه الحضاري في صياغة المستقبل، مسألة ينهض بها التنظير المستقل أو الاجتهاد والفقه المعاصر. وهذا يتطلب انتزاع الاستقلال الاقتصادي، لا يمكن تحققه؛ إلا إذا توافر جو من الثقة بالنفس، وإلّا إذا زالت الرهبة عن (إنصاف الآلهة) أبناء الدول المسيطرة، وإلّا إذا انبعث الإبداع انبعث الإبداع الذاتي للأمّة .وهذا يتطلب مفهوماً واضحاً عن الاستقلال الحضاري، ونقد مفهوم التحديث، ودراسة معدل النمو ومتوسط الدخل، ودراسة استراتيجية إشباع الحاجات الأساسيّة .(22)

وهناك مقاربة نقديّة في الدراسات الاجتماعيّة الأمريكي التي تهيمن عليها الماديّة في رسم العلاقة بين السياسة والاقتصاد إذ يرصد الباحث (23) طغيان الاتجاه المادي على العديد من الدراسات الإنمائيّة الأمريكيّة، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال تحليل المدارس الثلاث الآتية:

أوّلاً: مدرسة المؤشرات والتي تقوم على افتراض وجود علاقة اضطراريّة بين التقدم والحضاري بأبعاده المختلفة كما تعبر عنها مؤشِّرات متوسط دخل الفرد، والتصنيع والتحضر، والتعليم، وبين التقدم السياسي بمختلف أبعاده: الديمقراطي، والاستقرار السياسي .

ثانيا: مدرسة التفسير الاقتصادي للتطور الإنساني من خلال نظريّات مراحل النمو والتي تلتقي واقعيا ًمع الماركسيّة، وإن أعلنت عن رفضها لتفسير التطور المادي الماركسي .

ثالثا: مدرسة نقل المفاهيم الاقتصاديّة، مثل التوازن والتبادل والعقلانيّة إلى نطاق التحليل السياسي، وإجبار الظاهرة السياسيّة على الخضوع لهذه المفاهيم .(24)

 الخاتمة

إن تناول طبيعة المشكلة يعني أخضاعها إلى التأمل والتدبر، وهما آليتان أسهمتا إلى حد كبير في كشف المعاني والهفوات التي تسببت بالمشكلة .

" الاشكلة " ظهرت عندما حاولت العلوم الإنسانيّة تقليد العلوم الطبيعيّة بالحصول على درجة عالية من الموضوعيّة، عبر استعارة وتقليد المناهج الوضعيّة بهدف تطبيقها على موضوعه، مُدعياً أنه بعمله هذا يبعد التشويش الأيديولوجي، فإنّه سيقع في مشكل أكبر، هو اشتغال الأيديولوجيّة في لا وعيه، وتأثيرها في بحثه بشكل ضمني، يمكن أن يغلف حقيقة الواقع .

ظهرت نقود غربيّة ضد التحيُّز النتاج عن توظيف مناهج العلوم الطبيعيّة على العلوم الانسانيّة على الرغم من اختلاف الموضوع بينهما، وهذا اضفى نتائج سلبيّة جدالاً يمكن الاعتماد عليها في تصنيف الظواهر وضبطها، لاسيما أنها تتأثر بالسلوك الإنساني المعقد.

لقد طرحت مدرسة فرانكفورت مشروعاً نقدياً هيمن عليه التشاؤم، لكل تمظهرات الوعي المصاحب للمنجز العلمي –التكنولوجي: (التسليع والتشيؤ والأداتيّة والفن المبتذل وانحطاط الوعي) .

لكنّ الدكتور المسيري (رحمه الله) عندما استوقفته إشكاليّة التحيُّز عند دراسته للظواهر الإنسانيّة اختار المصطلح: "التحيُّز"؛ رجوعاً إلى المعجم اللغوي العربي، وفيه: أن التحيُّز يعني الانضمام والموافقة في الرأي وتبنّي رؤيّة ما، مما يعني رفض الآراء الأخرى. وقد اختار هذا المصطلح ليطلقه على مجال جديد لدراسة ظاهرة إنسانيّة من صميم المعطى الإنساني، وهي مرتبطة بإنسانيّة الإنسان، كما كان يرى، وهي ظاهرة التحيُّز.

الباحث يقف "خارج " الظاهرة، سجين الصياغة وقوالبها ولغتها المتخصصة والمعقّدة، وهو غير مستعد للمساومة أو للتراجع عن هذه الصياغات النظريّة الأساسيّة أو عن ملامح شخصيّة العلميّة " الرسميّة " التي تختفي في ملامح شخصيته الإنسانيّة الطبيعيّة، وذلك في سبيل رؤيّة أفرادها وبروز هويتهم الثقافيّة المتميزة وإرادتهم الجمعيّة المستقلّة:

عوامل شخصيّة: فعالم الاجتماع أو عالم النفس مثلاً لا يستطيع التجرد الكامل عن أهدافه وميوله ومصالحة الباحث الغربي في أثناء دراسته للظواهر التي تنتمي إلى عمله .

وهناك عوامل وأسباب تتعلق بانتماء الباحثين والعلماء الاجتماعيين إلى مذاهب أو مدارس ونظريات فكريّة معيّنة من دون أخرى . وهذا النوع من التحيُّز الجماعي من شأنه أن يؤدي إلى نوع من التحيُّز المؤسسي بمعنى انعكاس التحيُّز في الفكر العلمي السائد في الجامعات والمعاهد ومراكز البحث وغيرها من المؤسسات العلميّة على الباحث .

الطبيعة الإيديولوجيّة الإنسانيّة وتعود هذه السمة الإيديولوجيّة التي تتّصف بها هذه العلوم في نظر الباحث، إلى كون القضايا التي تدرسها هي بالدرجة الأولى قضايا الحياة الاجتماعيّة ومشاكلها، ومن ثم فالمعرفة على العموم والمعرفة الاجتماعيّة وجه الخصوص يعبِّران عن مدارس واهتمامات المفكرين والعلماء والباحثين .

هناك تحيُّز يظهر من خلال ممارسة تعمم النظريات والمفاهيم في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة من مجتمع الآخرين حضارة لآخرين من دون الأخرى مع عدم الأخذ بنظر الاعتبار خصوصيّات كل حضارة

 

 ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

أستاذ الفلسفة الوسيطة في جامعة الكوفة

 ..........................

1 Tversky، A. (1972). "Subjective probability: A judgment of، Kahneman، D.؛ representativeness". Cognitive Psychology. 3 (3): 430–454. doi:10.1016/0010-0285(72)90016-3

2) لوسيانغولدمان، العلوم الإنسانيّة والفلسفة، ترجمة: يوسف الأنطاكي، المجلس الأعلى للثقافة والترجمة، 1996م، ص 5.

3) كارل بوبر، المجتمع المفتوح وأعداؤه، مرجع سابق، ص 42.

4) شكري حامد نزال، مناهج الدراسات الاجتماعيّة وأصول تدريسها، دار الكتاب الجامعي، العين، الطبعة الأولى، 2003 م، ص 152.

5) جان بياجيه، وضع علوم الإنسان في منظومة العلوم في اليونسكو، الاتجاهات الرئيسيّة للبحث في العلوم الاجتماعيّة، مجلة العلوم القانونيّة والاقتصاديّة، المجلد الأول، دمشق، 1976م، ص 88.

6) أحمد حسين اللقائي، ويونس أحمد رضوان، تدريس المواد الاجتماعيّة، عالم الكتب، 1974م، ص 56.

7) جابر الحديثي، أزمة العلوم الإنسانيّة، الفكر العربي، مجلة الإنماء العربي للعلوم الإنسانيّة، معهد الإنماء العربي، بيروت، ع: 38/37، س 6، 1985م، ص16.

8) شكري حامد نزال، مناهج الدراسات الاجتماعيّة وأصول تدريسها، دار الكتاب الجامعي، العين، الطبعة الأولى، 2003 م، ص 140.

9Popper، Karl، Conjectures and Refutations: The Growth of Scientific Knowledge

(10أنظر عبد الوهاب المسيري، الفلسفة الماديّة وتفكيك الإنسان، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 2002م، ص 15-16.

11) عبد الوهاب المسيري، إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد، ج2، المعهد للفكر الإسلامي، ط2، فيرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكيّة، 1995م، ص3.

12) نبيل مقص، مسارات البحث العلمي الاجتماعي من ضمن كتاب: عبد الوهاب المسيري، إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد، ص69..

13) عبد الوهاب المسيري، إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد

14) عبد الوهاب المسيري، إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد تحرير: ص 4.

15) نفس المصدر والصفحة .

16) نبيل مرقص، ممارسات البحث العلمي الاجتماعي بين الهندسة الاستعماليّة القسريّة والحوار الثقافي الخلاق، ضمن البحث الجماعي: إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد تحرير: عبد الوهاب المسيري، ص 61.

17) نفس المصدر، ص62 .

18) نفس المصدر، ص66.

19) عادل حسين، التحيُّز في المدارس الاجتماعيّة الغربيّة تراثنا هو المنطلق للتنميّة، إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد تحرير: عبد الوهاب المسيري، ص 103-104.

20) نفس المصدر، ص 105.

21) نفس المصدر، ص 101.

22) عادل حسين، التحيُّز في المدارس الاجتماعيّة الغربيّة تراثنا هو المنطلق للتنميّة، ص 115-116.

23) جلال عبد الله معوض، الماديّة الامريكيّة وعلاقات المتغير الاقتصادي بالتطور السياسي، من ضمن كتاب: إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد تحرير: عبد الوهاب المسيري، ص 130.

 24) المصدر نفسه، ص131.

 

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: كنت في مقالة سابقة بعنوان (هوسرل ومثالية ادراك الوجود) ناقشت سريعا كوجيتو ديكارت (انا افكر اذن انا موجود) وتعالقه المتداخل بالوحود والعقل والفكر، بين الذات والموضوع. الذي كان سبق للفيلسوف الالماني الظاهراتي هوسرل، اعتباره كوجيتو ديكارت ينحصر في (وعي الذات) كوجود في ذاته، لذا طرح مقولته التصحيجية (انا افكر بشيء ما اذن انا موجود)، وتبعه عالم النفس والفيلسوف الفرنسي البنيوي جان لاكان قائلا (انا افكر حيث لا اوجد، واوجد حيث لا افكر)، ليتبعهم ميلان كونديرا (انا اتألم اذن انا موجود)، وكنت اقرأ في كتاب استاذ الفلسفة المصري حبيب الشاروني (فلسفة جون بول سارتر)، وجدت ان هنالك تعالقات هامة متفرعة عن الكوجيتو الديكارتي، ليس فقط في مسالة ثنائية الوجود والماهية واسبقية احداهما على الاخرى، بل وجدت هناك تداخلا فلسفيا هاما مع الجدل او الديالكتيك، وفي الاشكالية الرباعية الموزعة في الوجود والماهية والعدم والجدل، وجدت الاختلافات العميقة بين كل من كيركجارد، وهيجل، وكانط، وهيدجر، وصولا الى الماركسية في صياغتها ديالكتيك القوانين الطبيعية الثلاث، قانون وحدة وصراع الاضداد، وقانون تحول الكم الى كيف (نوع)، وقانون نفي النفي. كما وجدت ان مفهوم (العدم) الوجودي، هو الاخر الى جانب الجدل الديالكتيكي، يتعالقان مع ثنائية الوجود والماهية، ولا اجد مهما اطلت في هذا التمهيد انه يقول كل شيء عن الموضوع قبل مطالعته كاملا بهذه الورقة.

جدل الوجود والماهية

ان ديالكتيك او جدل الوجود والماهية، ليس في وارد هذه المقالة ارجاعه الى اصوله الفلسفية الاولى التي جاءت عند هيراقليطس وبروتوغوراس، وزينون مرورا بالمراحل التاريخية الفلسفية التي قطعها كمبحث هام، حتى تبلورت صيغته المتداولة المعروفة واستقرت لدى ماركس في قوانين الديالكتيك الطبيعية الثلاثة التي ذكرناها.

نبدأ بما يهمنا في هذه المقال تعالق الوجود والماهية في الفلسفة الوجودية عند ابرز فلاسفتها سورين كيركارد، وكيف انبثق الجدل (الديالكتيك) كمفهوم فلسفي متداخل مع هذه العلاقة الثنائية، بين الماهية والوجود عند هيجل في تفسير ترابطهما الوجودي الفلسفي وتداخلهما في علاقة الجدل بهما.

اعتبر اقطاب الوجودية الملحدة لدى ابرز فلاسفتها فيورباخ، هيدجر، سارتر، اندريه جيد، كامو، بيكيت، سيمون دي بوفوار، كاسبرز، ان الوجود سابق على الماهيية في الانسان والطبيعة وكل الظواهر التي يدركها العقل حسيا وذهنيا او حتى التي لا يدركها او لا يستطيع ادراكها ميتافيزيقيا.

بينما ذهبت الوجودية المؤمنة لدى اقطابها الفلاسفة سورين كيركارد، مارسيل جبريل، تيليش، والقس الفيلسوف باسكال، بيركلي، ليبينتز، الذين اعتبروا الماهية تسبق الوجود، معللين رأيهم ان ماهية الله الخالق تسبق وجوده، وهنا بدأ التشّظي بالرأي فمنهم من ذهب الى ان الخالق بلا ماهية يمكننا معرفتها او ادراكها، اوالماهية في الخالق وجود بذاته فقط لا يفصح عن صفاته الجوهرية او الظاهرية، وذهب اخرون ان الماهية هي (الوجود) في الانسان وفي الطبيعة والكون ايضا، ولا تفريق حقيقي بين الاثنين(الوجود والماهية) في تداخلهما في الوجود الواحد.وبعضهم الأخر قال ان ماهية ووجود الخالق تتداخل معلنة عن افصاحاتها بوحدة الصفات الالهية بخلاف جميع الموجودات في الطبيعة والانسان فهذه يكون وجودها وماهيتها شيء آخر وافصاحاتها في ادراك صفاتها الظاهرية او الجوهرية. فصفات الله التي نستمد ادراكها الايماني من صفات الطبيعة وصفات الاسمى التخييلي المثالي المتعالي المقدس وصفاته ايضا في ما نجده بالحياة والانسان، هي صفات تأكيد وجود الله المتداخل في ماهيته الميتافيزيقية وربما في احتمال ان يكون الوجود الالهي متمايزا في ماهية مستقلة بذاتها لا يمكن معرفتها او ادراكها كما هوالحال في عدم ادراك وجوده كينونة ماهوية مكتفية بذاتها، لكن الاهم من كل ذلك هو في عدم القدرة الانسانية على ادراكهما او معرفتهما (الماهية والوجود) الالهي. لا عقليا ولا روحيا مدركا متعينا لا في وجود الخالق ولا في معرفة ماهيته.

وبقيت هذه الاشكالية الفلسفية حول ماهية ووجود الخالق متداولة بين اصحاب الطرق والمذاهب الصوفية في اختلافاتهم العميقة، لما ترتبط به هذه الاشكالية في تفسيرهم مذهب (وحدة الوجود) الذي هو مرتكز الفهم التصوفي الايماني. علما ان (ماهية) الله هي كمثل وجوده يصعب على فلاسفة التديّن اثباتها، ولا على فلاسفة الالحاد نفيها او اثباتها ايضا ولا عند الصوفية قاطبة، هذا في حال تسليمنا الفلسفي ان للخالق وجودا مغايرا لماهيته او متداخلة معه في وحدة لا يمكننا تجزئتها.

كما تذهب الوجودية الملحدة في اختلافاتها داخل فهم فلاسفتها انفسهم لها، فمثلا نجد هيدجر لا يتعارض مع سارترفي فهمه الماهية عند الانسان، ويلتقي معه في مثلا (انه في حالة عدم وجود (اله) خالق، فلابد ان يكون هناك كائنا واحدا على الاقل، وجوده سابق على ماهيته هو الانسان، الذي لا نستطيع تعريفه باي فكرة، لكنه هو الكائن الذي يوجد قبل كل شيء وانه يلتقي ذاته ويبرز للعالم ثم تتم معرفته (1).

سارتر وهيدجر والثنائية الوجودية:

رفض سارتر النزعة الايمانية الوجودية في تحديد علاقة الماهية بالوجود التي يعتمدها الفلاسفة غير الالحاديين، وهو نفس المفهوم في لاهوت معظم الديانات التي منها الاديان التوحيدية السماوية الثلاث الموزعة في عالمنا اليوم. في اعتبار الاديان الابراهيمية الثلاث وفلاسفتها ان الله هو ماهية تسبق وجوده، وطرح سارتر البديل الالحادي في نقل الخلاف من الالهي السماوي الى صعيد الوجود الانساني الارضي، بدلا عن هذا الطرح الايماني الميتافيزيقي اللاهوتي، مؤكدا انه لا وجود لكائن ارضي يسبق وجوده ماهيته سوى الانسان. وان وجود الانسان هو ماهيته، وفي نفس المنحى ذهب هيدجر مؤكدا مركزية الوجود الانساني، وان الانسان هو ماهيته، وبذلك تملّص من الزام سارتر قوله الوجود يسبق الماهية الانسانية .مؤكدا – هيدجر – بانه لا وجود يسبق ماهية الانسان، وانما لدينا وجود واحد فقط هو الانسان الذي تتداخل فيه الماهوية والوجود في تناوب افصاحي متداخل، ولا اسبقية ولا افضلية احداهما(الوجود او الماهية) على الاخرى .ومن الجدير بالذكر كما المحنا له سابقا، ان انكار ماهية الخالق او الاقرار بها كما هي في وجوده او عدمه لا اهمية فلسفية كبرى يترتب على نتائجها شيئا حتى على صعيد الفلسفة، فكلا الرأيين ميتافيزيقيين عاجزين عن اثباتهما (الوجود والماهية) ومعرفتهما لا عند الوجوديين الملحدين ولا عند الوجوديين المؤمنون. وان المفهوم هو محض جدل فلسفي ميتافيزيقي لا يرتّب عليه شيئا لا معرفيا فلسفيا، ولا ايمانيا دينيا عقليا. واعتبره الفلاسفة من مباحث الميتافيزيقا التي لاطائل منها ولا تقود الى نتائج يمكن الركون لها او التسليم بها.

حين يؤكد هيدجر ان الانسان ماهية متداخلة بوجوده ولا افضلية او اسبقية بينهما، فانه بذلك وعوضا عن هذه الاشكالية يقول ان الانسان يختلف عن باقي الموجودات في انه يمتلك (ماهية ديناميكية)، وفي هذا الرد الفلسفي الذكي يدحض المستمسكين بان لله ماهية ثابتة مستقلة بذاتها، كونها ماهية لا يمكن ادراكها او التحقق منها من جهة، وهي ثابتة ساكنة مكتفية كوجود بذاته لنفسه ان وجدت عند غير الانسان من جهة اخرى، ماهية بذاتها ولذاتها فقط، ولا علاقة للانسان بها لا في الادراك الواقعي ولا الخيالي او الايماني بها، ولا بوجودها بالطبيعة ايضا في غير صفات موضوعة سلفا من قبل الانسان بما يرغبه ويتمناه متحققا على الارض او مرجوا مؤملا في السماء. في حين ان امتلاك الانسان ماهية ديناميكية كما ذهب هيدجر تعني انه يمتلك وجودا مفارقا يتسّم بامكانية التعرف على خصائصه المنفتحة امام معرفة العالم لها. انها ماهية تفصح عن نفسها وتغني وجودها.وليس مهما لدى هيدجر اولويتها او اسبقيتها في وجود الانسان وانما المهم ان الانسان كينونة واحدة تحمل صفاتها الوجودية وماهيتها الجوهرية معا.

ماهية الانسان الديناميكية والوجود:

ان في طرح هيدجر الانسان يمتلك ماهية من نوع ديناميكي تبطل الجدل الوجودي حول اشكالية اسبقية الماهية على الوجود او العكس، في حضور ابجدية فلسفية بديلة ان ماهية الانسان هي وجوده، كما ان هيدجر يذهب ابعد من ذلك في مقولته ان الانسان يمتلك خاصية ماهوية متفردة (ديناميكية) تمنحه وجودا خارج ذاته (ان ماهية الانسان هي وجوده خارج ذاته في العالم، وهذا الوجود ليس مجرد الواقع التجريبي)(2). وان هيدجر يعتبر الانسان ليس وجودا بحاجة الى اثبات ماهوي، فالانسان هو الانسان كوجود طبيعي نوعي في خواصه الماهوية، كما ان الطبيعة هي الطبيعة في وجودها وكيفياتها الصفاتية غير المحدودة . وكلاهما الانسان والطبيعة معطى وجودي لا يحتاج التحقق من وجودهما او احدهما ماهويا خارج مدركات الحس والعقل في وعي الذات ووعي الطبيعة والعالم لهما.

ان اروع عبارة في هذا المعنى وردت عن كانط قوله (ان الوجود لا يستخرج من الفكر) وبهذه العبارة نسف كانط مثالية هيجل الجدلية التي سنأتي عليها لاحقا، كما نسف بعبارته تلك الميتافيزيقا، واخيرا أبطل مفهوم المثالية ان تكون الافكار المجردة بمستطاعها توليد وخلق الموجودات كما في الكثير من مدارس الفلسفة المثالية وفلاسفتها الذين يعتبرون الوجود واقع تصوري في الذهن من غيره لانعرف الاشياء ولا ماهيتها او صفاتها، وليس وجودا مستقلا عنه. وان عبارة كانط التي مررنا بها مهدت الطريق امام الماركسية في تطبيق جدلها المادي على الانسان والطبيعة والتاريخ، وليس الجدل المثالي الفلسفي الفكري المجرد كما فعل هيجل .

انه لمن المهم التذكير به ان اللغة قرينة الخيال، اكثر مما هي قرينة الواقع غير الملازم لها ادراكيا خياليا. فالواقع لا يدركه الخيال ذهنيا بل هو يعبر عنه لغويا في حال الحاجة والضرورة التعريف به. عليه تكون اللغة هي خيال يدرك المواضيع والاشياء عقليا و بطريقتين في التلقي له، الاولى ان يكون التفكير بموضوع ما بلغة حوارية داخلية تحتويها الذات المفكرة خياليا اكثر مما تعني الموجودات والاشياء كوقائع وجودية مستقلة، بما هي موضوعات واقعية يدركها العقل كوجود محايث لوجودها المادي. وبحسب تعبير هيراقليطس (ان الفكر والفلسفة كلاهما يستلزمان وجود اشياء خارجة عنهما) بمعنى ان الفكرلا يداخل موضوعه في وحدة اندماجية واحدة كما في تعبير هوسرل ان الفكر والموضوع شيء واحد ولا مجال الفصل بينهما.بنفس المعنى يذهب سارتر قوله (الوعي هو وعي الاخر الموجود المغاير للوعي) والمغاير للوعي هنا هو الموضوع، فالذات لا تعي ذاتها ولا موضوعها الا بالتمايز عن الشيء المفكر به وهو الموضوع.فالذات لا تعي وجودها بلا موضوع، والموضوع لا يكون وجودا متعينا بغير ذات تدركه.

الثانية ان واقع الاشياء لا يمكن التعبير عنها انطولوجيا من غير واسطة تعبيرية قد تكون اللغة او طرق غير اللغة باساليب مختلفة تستغني فيها عن لغة الاشياء التداولية، كمثل التعبير عن الجمال والفنون والقيم التي لاتحتاج اللغة وسيطا ملزما في معرفة الاشياء المتعالقة معها،  وايضا لا ضرورة اللغة الملزمة في جميع الطقوس الدينية التي لا تحتاج اللغة المنطوقة، بمقدار حاجتها الى لغة حوار داخلي فكري لا يستلزم بالضرورة الطقسية اللغة المنطوقة المسموعة تواصليا كدلالة.

علاقة الفكر بوعي الذات والموضوع:

عندما يقول ديكارت في التأملات السادسة (ان ماهيتي انحصرت في اني شيء مفكر او جوهر كل ماهيته وطبيعته ليست الا التفكير فقط) . ونجد قبل تعقيبنا على هذا نجد ان سارتر يقول (ان الكيفية لا تصبح موضوعية اذا كانت اصلا ذاتية) .في مقارنة بسيطة بين الاقتباسين عن ديكارت وسارتر السابقين نجد بديهة منطقية ذكرناها قبل سطرين هو استحالة ان يكون الموضوع ذاتا في نفس ان يكون الذات موضوعا، فالعقل يعقل نفسه كذات واعية مدركة لمواضيعها المستقلة، ومتى ما اصبح الموضوع متداخلا في الذات في وحدة اندماجية عندها يتعذر على العقل تمييز(كيفيتهما) المتمايزة بضوء تفسيرنا لعبارة سارتر اعلاه.،

كما يتضح لنا ان جوهر الوجود الانساني عند ديكارت انه كائن مفكر قد يكون تفكيره ذهنيا غير معبر عنه في فهم الواقع لا كمتعين مادي ولا تعريف به لغويا مرموزيا اشاريا او صوريا، اي يكون التفكيرالديكارتي هو فقط من اجل اثبات الوجود السلبي غير الديناميكي الذي يطالب به هيدجر.تفكير لذاته مكتفيا به (نومين يعني الشيء في ذاته)، مما جعل هوسرل يتساءل بدهشة لكن تفكير ديكارت بماذا؟ اي ما اراده هوسرل انه يتوجب الافصاح بماذا يفكر الانسان في اثبات وجوده غير السلبي، وتساؤل هوسرل يحمل قيمة حقيقية له في ادانته كوجيتو ديكارت، استعارها هيدجر في قوله ان الوجود الحقيقي ليس في ادراك وعي الذات السلبية بالتفكير المجرد في حوار داخلي، بل في ديناميكية هذا الوجود. لان التفكير غير المعلن عنه تواصليا بالواقع او بموضوع معين، انما هو اساس تفكير عقلي في وعي الانسان لذاته قبل وعيه الموضوع المستقل عنه، ولما كان التفكير خاصية انسانية دينامية عقلية، لذا يكون العقل يعقل ذاته قبل ان يعقل بالتفكير موضوعا مستقلا عنه، والاهم يصبح حقيقة العقل انه لا يعقل العالم الخارجي من غير موضوع يكون مادة العقل بالتفكير.

نرى من المهم الاشارة الى تعالق فهم سارتر في تاييده هوسرل والانفصال عنه كما في هذه العبارة :(يجب ان نتجاوز انا افكر الى انا افكر في شيء ما، والوعي لا يكتفي ان يكون منفردا)، والوعي يوجد حيث يتوجب تفكيره بشيء مغاير، (والوعي عند سارتر لا يحدث الا بتمثله شيئا غريبا عنه، والوعي وموضوعه وحدة واحدة مترابطة، لا يقف الفكر عند انا افكر، وانما بالذهاب الى ما يقصده الوعي من اشياء) نقلا عن حبيب الشاروني، فلسفة سارتر/ ص107 -108 .

وربما يكون هذا التفكيرالديكارتي في وعي الذات وحتى الموضوع هو دايلوك او حوار داخلي لا صلة له بالخارج الذي يمكن ادراكه من قبل الاخرين، ويقلل سارترايضا من ادعاء ديكارت المكابر في اثبات الوجود في اعتماده فاعلية التفكيرفقط في وعي الذات واثبات الوجود، بان (الكيفية) هي احدى صفات الذات الفطرية التي لا تحتاج الى اثبات فهي الوسيلة الوحيدة في اثبات ماهية الوجود الانساني، بمعنى ادانة ديكارت في اثبات وجوده بوعي ذاته فكريا تجريديا فقط، بنفس الوقت اجاب على تساؤل هوسرل عندما اعتبر التفكير في اثبات الوجود عند ديكارت هو (وعيه لذاته) فقط في تجريد غير فاعل بالحياة، وهذا غير ممكن خارج الغاء ديكارت العالم الخارجي ان يكون التفكير مدركا عقليا به لتغييره في اعتبار الوجود الانساني حسب هيدجر لايمتلك ماهية ديناميكية منتجة وحسب، وانما في وجوده كصانع لذاته وصانع لموضوعاته معا حسب سارتر، بل ان وجود ديكارت الذي تعيّن بارتباطه في اثبات الوجود المفكر لذاته فقط، هو وجود سلب لا يحمل اية دلالة ديناميكية لافي ذاته ولا في امكانيته تبادل التأثر والتأثير في العالم الخارجي.ومأخذ سارتر على ديكارت هي لا تشبه حجة هوسرل التي ناقشناها قبل اسطر، اذ استعار سارتر عن الماركسية، بان الفكر المجرد الذي لاصلة تربطه بالواقع جدليا غير ذات قيمة تذكرله، قائلا (الجدل يصنع الانسان بنفس وقت صناعة الانسان ذاته). وفي عبارة كانط التي مررنا بها باننا يجب ان لانعوّل ان الافكار بمستطاعها خلق الاشياء والموجودات، وهي عبارة تدخل في صلب الفهم المادي. واضاف سارتر بضوء هذا الفهم الديكارتي في علاقة الذات بالتفكير، الرد عليه مامعناه، ان تكون الكيفية غير موضوعية اذا كانت صفة للذات تتعالق مع الماهية الانسانية غير المدركة عقليا واقعيا، لكن متى ما تم التعريف بها بصفاتها الطبيعية (لغويا) خارج وجودها الذهني فقط او حتى بوسائل غير اللغة، عندها تكون الذات موضوعا لا يدرك ذاته منفصلا عن مصدره، ويتعين وجودا(موضوعا) بالنسبة للمصدر الذي صدر عنه اي في وعي الذات موضوعه كما مر بنا، او كناتج فكري لغوي متعين موضوعا يمكن ادراكه بالنسبة للاخرين الذين يجدونه موضوعا متعينا عبّرت عنه اللغة، او اية واسطة تداول تواصلي تجعله مدركا موضوعيا لغيره، وليس وعيا بذاته فقط.لا قيمة للموضوع ولا للشيء بدون ادراكه بالفكر عقليا والتعبير عنه باللغة عقليا ايضا.

الجدل المادي والجدل الفكري المثالي:

وبالعودة لمقولة كانط التي ثبتناها في اسطر سابقة ولاهميتها الكبيرة في التمييز بين التفكير المثالي والتفكير المادي، حول علاقة الفكر بالوجود نجد هيجل قائلا (ان طبيعة الواقع يمكن ان تستنبط من الاعتبار الوحيد القائل ان الواقع يجب ان لا يتناقض مع ذاته) (3). هذه العبارة تؤكد الجدل المثالي الذي اقامه هيجل على صعيد الفكر، وقلبه ماركس ماديا في اعتماده التناقض الجدلي، فحسب قوانين الجدل المادي الماركسي الطبيعية الثلاث، فلا يوجد شي في الوجود والمادة والطبيعة والكون (ثابتا) لا يتحرك بفعل عوامل تناقضاته الذاتية الداخلية، والعوامل الموضوعية المحيطة به، والضرورات الحتمية التي تحكم تطوره، والذات الانسانية تتناقض ذاتيا وكذلك الحال في تناقضها مع الواقع والاشياء، وتتناقض مع كل ظاهرة حادثة في الواقع المتغير والحياة في حيويتها .

ان من اهم المآخذ التي رفضتها الماركسية بشدة ان تكون الموجودات والاشياء في حالة (الثبات) وعدم التغييرالمتطور المتحرك باستمرار، وان الجدل الديالكتيكي لا يعمل في الافكار المجردة بمعزل عن الواقع والاشياء في الحياة، ولا قيمة للجدل او ما يناتج عنه من تجريد منطقي كما يرغبه هيجل ومارسه فلسفيا مثاليا. بل ان الديالكتيك مجال اشتغاله الواقع والمادة والطبيعة والانثروبولوجيا والتاريخ وفي كل ظاهرة او وجود يتموضع في الادراك العقلي او الذهن المجرد، اي جميع الوقائع والموجودات والظواهر التي تستلزم استحضار الجدل في وجود التناقض الذي يحكم كل الاشياء ويسبب فيه وله الحركة والتغيير بعوامل ذاتية وموضوعية، باختلاف جوهري ان الجدل الفكري الذهني المجرد، يختلف جوهريا ومتناقضا مع الجدل بمفهومه المادي الذي اوضحناه.

انه من المحذور ماديا التفكير ان جدل الافكارنسق عقلي ذهني يمتلك قدرة ذاتية مادية خاصة به على تحريك الواقع وتغييره. قد ندرك الاشياء ذهنيا واردا جدا انما ان تخلق الافكار وجودات واقعية مدركة فهو مستحيل، لان وجود الطبيعة والانسان وكل الاشياء وجود مستقل بذاته ولا علاقة للفكر في تخليقه او ايجاده بل في ادراكه واقعيا ومحاولة التفاعل معه . وهذا ينطبق على جميع الفلسفات المثالية التي حاولت دحض المادية الماركسية، بمقولات الفكر المثالية التي تزعم امكانية خلق الموجودات والاشياء من الفكر تجريدا صوريا .

ان الواقع لا يتحدد وجوده كمتعين مادي او فينومولوجيا ظاهراتيا كماهيات، او جوهر وصفات دونما تناقض جدلي على تغيير الواقع وتبديله المستمر، وقول هيجل او طلبه ان لا يناقض الواقع ذاته سواء اراد به هيجل الوجود الطبيعي او وجود الانسان فهو باطل ولا يحمل مصداقية التسليم به.ولا وجود لواقع لا يناقض ذاته وتعتمل بداخله التناقضات اللامحدودة، والا يكون فاقدا سبب وعلّة وجوده، انه وجود واقعي لا يحمل ادنى صفات الاهتمام به.

ولقد أخذ ماركس على هيجل ان الجدل لا يعمل بالفكر بمعزل عن الوجود والواقع والتاريخ والحياة، فلا وجود حقيقي لشيء او واقع ينتجه جدل الفكر المجرد، وان الجدل ايضا لوحده كما هو شأن الفكر لايخلق موضوعاته الوجودية واقعيا بل ذهنيا كتفكير فقط، بل هذه الموضوعات في الوجود والمادة وتفسير التاريخ تفرض اهمية التغيير فيها عوامل التناقض التي تقوم على الجدل ذاتيا وموضوعيا . وهذه المباحث التي ذكرناها هي التي تخلق ديالكتيك تطورها وليس بمكنة او استطاعة الجدل خلق مواضيعه واعمال الجدل في تطورها خارج وجود الطبيعة والانسان. ولا وجود ايضا لانسان متصالح مع ذاته ومتطابق معه في الماهية والوجود، ولا تعتمل في دواخله محركات التناقض التي توجب عليها الخضوع لها في مسيرة التطور والحياة وفي كل مشكلة تواجهه.

الوجود والماهية والعدم:

ان سارتر يفهم الوجود الانساني على انه خواء مطلق لا قيمة حقيقية له، والانسان انما هو وجود لأجل الموت (عدم)، لذا الانسان كوجود يعتبر اصل العدم واساسه. وفي لا اهمية ان يكون للوجود ماهية تداخله، فعند سارتر الوجود بذاته، والوجود من اجل ذاته، والوجود في الجميع، هو سلب بمعنى اللاوجود خال من اي قيمة حقيقية انسانية في المتداول الطبيعي، وليس الوجود موجودا كي يعقبه عدم بل الوجود والعدم شيئان ليسا متلازمين بالضرورة وحسب، بل (الوجود والعدم) هما الانسان كينونة واحدة تمتلك حقيقتها الوجودية الوحيدة التي جاء بها معه الى الحياة ليموت ويفنى. وهكذا يكون اكثر مقبولية منطقية ان نقول بثلاثية تلازم (الوجود والماهية والعدم) انهم ثلاثتهم تعبيرات لوجود واحد لاغيره.بل يذهب سارتر الى ان اهمية العدم تأتي ليس كمرحلة لاحقة تعقب نفي الوجود السالب، انما هو اي العدم الذي يعمل في تلازم متداخل مع الوجود يعمل بداخله ومن اجل تقويضه، فالعدم الوجودي هو حتمية الوجود الانساني القلق المقذوف به في اتون الطبيعة والحياة والذي يولد كي يموت .

وفي نفس المنحى يذهب هيدجر قوله: (نحن لا نشعر بهذا اللاشيء الذي هو العدم، لا باعتباره مقولة منطقية، بل باعتباره مقوّما داخليا في تكوين الوجود)(4).اي باعتبارالعدم حتمية يعيشها الانسان تلازمه وينتظر فناءه بها.

(واول ماينبغي ملاحظته ان فكرة العدم في فلسفة هيجل لاحقة على الوجود وهذا بخلاف الفهم السارتري والهيدجري ان الوجود والعدم هما شيئ واحد، بمعنى اننا حسب هيجل لانضع الوجود اولا، لنتداوله بالعدم ثانيا).(5)

وفي هذه التراتيبية الهيجلية ان الوجود يسبق العدم، نؤكد ماذهب له سارتر في سطور سابقة بانه لايوجد لدينا وجود انساني مستقل يعقبه عدم مغاير متمايز عنه، بل هما وجود واحد هو الانسان، الذي يرقب الموت في صورة العدم الذي يلازمه من الولادة والى مماته .

ولو عدنا الى افكار كيركجارد الوجودية نجده (يرفض الجدل التصوري المجرد)(6) لان هذا النوع من الجدل هو فكري مثالي في محاورته الذات الداخلية التي المحنا لها سابقا، والذي اراد هيجل احياءه فكريا مثاليا وفشل . وان كان هذا الجدل المجرد (مطرد متجانس منفصل عن العالم)(7) فهو لا يتماشى مع نظرة كيركجارد (في اقامته بدلا عنه جدلا متقطّعا غير متجانس، هو الجدل الوجداني العاطفي المليئ بالتقطعات والوثبات . كما يرى كيركجارد ان الوجود الحقيقي بما يحمله من عناصر الذاتية والتناقض ينفر منه النسق الفلسفي)(8) ..بهذا المعنى بقي كيركجارد مؤمنا حقيقيا في وجوديته المؤمنة، وابتعد عن التجريد الذهني الجدلي المثالي كما عند هيجل ومن بعده جميع فلاسفة المثالية، والاهم من هذا فسح المجال واسعا امام ظهور وبروز الجدل المادي الماركسي.

في ادانة اعتبار ان النسق الفلسفي المثالي يحتوي ويقرر ماهيات الوجود من خلال الفهم المنطقي الفكري المجرد كما يريد فهمه هيجليا وكل الفلاسفة المثاليين من بعده، وليس كما يفهمه كيركجارد ان النسق الفلسفي وجود مفعم بالوجدانات الايمانية التي ترفض ان يكون الوجود الانساني تابعا للنسق الفلسفي منقادا له او في احتوائه له، وليس خالقا له في وجود الانسان الديناميكي الذي اشار له هيدجر من بعد كيركجارد واشرنا له في السطور السابقة .

انه لمن المهم جدا ليس للفلسفة الوجودية وحدها وانما للفلسفة الماركسية ان وضع كانط هذا التصور الفلسفي النسقي المدهش حقا وباعجاب يلخص ماأخذه عنه الاخرين (فقد اقام هيجل نسقه الفلسفي على اساس المنطق الجدلي الذهني العقلي، وجعل الحقيقة الوحيدة هي المطلق الذي هو الوجود الواقعي بما فيه من روح لا متناه او مثال او عقل كلي توجد عنه جميع الاشياء، بحيث يبدو الفكر وجوديا واقعيا، والوجود الواقي منطقيا عقليا اي انه طابق بين الوجود الواقعي والمعقول)(9) .

والجملة التي حملها كيركجارد على هيجل تنصّب على دحض هذه القضية بحيث يفصل كيركجارد بين العقلي والواقعي، فيبدو الوجود لديه منافيا للعقل معارضا له كما يذهب له حبيب الشاروني . لقد اراد هيجل القول ان ما يدركه العقل واقعيا يتحتم وجوده بالضرورة الادراكيه له.وهي نفس عبارة بيركلي الغارق في المثالية قوله ان مايدرك هو وجود حقيقي واقعي، وكل ما لايدرك بالحواس لا وجود حقيقي له.اي ان حقيقة الشيء هو الذي تدركه الحواس وتنقله الى العقل صوريا.

كذلك يلتقي كيركجارد بهيجل في فكرة الجدل المثالي ذاتها (فهو يرى الوجود في تغير دائم باعتباره ينقسم الى ثلاثة مراحل متداخلة مع بعضها، المرحلة الجمالية، المرحلة الاخلاقية، المرحلة الدينية)(10) وهذا لايتماشى مع الفهم الجدلي الهيجلي الذي يحكم الوجود والمادة والتاريخ في قوانيين الديالكتيك، والاهم ويعارض المادية الماركسية في فهمها المادي الجدلي..وحقيقة ان لا الوجودية ولا الماركسية تؤمنان بطرح كيركجارد الايماني في المراحل الثلاث التي وضعها الجمالية والاخلاقية والدينية في تداخلهما الجدلي غير المادي.

هذا ليس بمعنى ان كيركجارد كان وجوديا يفهم قوانين الديالكتيك حتى في تطبيقها على تداخل مراحله الثلاث في الحياة، ولا المادية والجدل الذي جاء به بعده، التي وضعها هيجل وفويرباخ وصاغها ماركس ماديا . فهيجل وكيركجارد يفهمان الديالكتيك نوعا من تثبيت الوجود الانساني على صعيد الفكر والنسق الفلسفي كل حسب طريقته في التفكير والمواضيع التي يختارها في تطبيق الجدل عليها، بعكس ماركس الذي اعتبر الديالكتيك ضرورة مهمة وحتمية لتغيير الحياة والتاريخ وليس تجريدا منهجيا على صعيد الفلسفة والفكر وانما واقعيا على صعيد معرفة التطور الواقعي في الحياة .

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف/الموصل

.......................

الهوامش:

1- د. حبيب الشاروني/ وجودية سارتر/ ص14

2- المصدر السابق ص 26

3 - المصدر السابق ص 31

4 - المصدر السابق ص37

5- المصدر السابق ص 41

6 - المصدر السابق ص 44

7 - المصدر السابق ص 50

8- المصدر السالق ص 52

9 - المصدر السابق ص 54

10- المصدر السابق ص 56

 

 

مجدي ابراهيميلزم لنا في بداية هذا التمهيد من كلمة تشمل الحديث عن فلسفة الدين والفرق بينها وبين سائر العلوم التي تسبقها لفظة فلسفة، قد يجئ هذا التمهيد ليحمل وجهة نظر كاتبه فيما يقرأ للمجدّدين الذين يطلقون على أنفسهم مفكرين وأشباه مفكرين، لكنهم في الواقع يُغرقون في التقليد بمقدار إغراقهم في الترقيع، ويحسبون هذا وذاك من علامات التفرُّد والامتياز لأنهما من علامات التفكير الصحيح !

وليس أقسى على المرء ولا أدعى إلى العجب منه والدهشة، من أن تأخذه الحماسة بعيداً عن التفرقة بين التجديد القائم على أصول معرفية فيما هو قادم عليه وبين التقليد المؤدي إلى الترقيع، فتتفرّق النظرات إلى عمله فلا يدرى القارئ : أهو ممّن يجدّدون أم ممّن يرقعون، فإذا غلبت عليه دعوى التجديد وفحصت مجمل ما انتهى إليه فما هى إلا سويعات قليلة وحكمت عليه من فورك بما يتعارض مع أحكام العقل ويتقارب نحو الإغراق في التقليد. إنه ولا شك ترقيع هو أقرب إلى التقليد منه إلى التجديد المؤسس على أصول معرفية يتكئ عليها.

ولا يعدُّ كاتب هذه الدراسة بتمهيدها الطويل إلاّ واحداً ممّن اشتغلوا بالبحث والتدريس في تخصصات الفلسفة المختلفة وفروعها الدقيقة المنوّعة، فلا هو بمفكر ولا هو بفيلسوف، وليس من دعواه، وإنما هو مجرّد باحث يحاول الوصول من طريق قناعاته إلى ما يُرضي فيه الضمير، وإن كان تخصصه الذي ينطلق منه وهو الفلسفة الإسلامية يستوحيه ويفرّعه بالرأي على بقية فروع الفلسفة كلما استطاع؛ ليفرض نفسه عليه بحكم الخبرة وحكم الغيرة العلمية سواء.

الأصلُ في فلسفة الدين، أو فلسفة أي علم من العلوم مثلاً كاللغة والفن والتاريخ والقانون هو أن المادة تكون دائماً من الدّين أو من العلم الذي تتقدّمه كلمة (فلسفة) ثم يجئ النسق عمل العقل المُجرّد؛ لا ليكون من الدين أو من أية مادة علمية كانت، ولكن من الفلسفة. ولذلك، كانت كلمة الفلسفة دلالة تشير إلى أن نسقاً فلسفياً يكمن وراء المادة المُراد دراستها، وأنّ هذا النسق الفلسفي صناعةٌ فلسفيةٌ هو من الأهمية بمكان بالنسبة للمادة المدروسة يتمُّ من خلاله معالجة نقدية لقضاياها.

والمعالجة النقدية إذا هى تمّت بوضوح واتساق واستندت على قواعد منطقية، تتسلسل فيها الأفكار وتنضبط القناعات تشكل آخر الأمر نسقاً فلسفياً منظماً لا مندوحة عنه بحال، تقف وراءه منهجية نقدية (Methodology of Criticism) تدعمه وتصقله ويستند عليها هى أخص خصائص العمل الفلسفي. المهم أن تكون هنالك أفكار منظمة تحيل المادة المدروسة من شتات متفرّق الأجزاء إلى نظام تتكامل أنساقه فتكتمل فيه الرؤية الفلسفية وتتوحّد أجزاءها في إطار الوحدة والتعميم.

والفرقُ بين القراءة الفلسفية وقراءة أخرى غيرها هو في الغالب تواجد النسق العقلي المضبوط في قراءة الفلسفة، والمحكوم بالنظر والتوجّه، والمرهون بالصعود من الجزء إلى الكل، ومن الأدنى إلى الأعلى، ومن المحسوس إلى المعقول، ومن المرئي المشهود إلى الغيبي المحجوب.

وبمجموعة الأفكار المُوجّهة تتأتى هذه الفلسفة انساقاً متعدّدة التوجُّهات مختلفة الزوايا والسياقات تفعل في موادّها المختارة أفاعيل النظم المعرفية المنوعة، فما يُصلح لتوجُّه معيّن قد لا يصلح لتوجُّه آخر، وما يُقاس بزاوية مُحدّدة ويساق بطريقة معينة قد لا يصلح أن يقاس بنفس الزاوية ويساق المساق نفسه وبذات الطريقة، فالتعدُّد له في الشمول سعة التنوع، والتعدُّد أصالة والتوجُّه ثراء؛ ومن هنا جاءت المتعة التي يضفيها الهمُّ الفلسفي والمشاغل العقلية، وبما أن النسق نظام عقلي يلمُّ شتات المادة المتفرّقة ويجمعها تحت وحدة عقلية ذات روابط مشتركة لا خلل في اتساقها ولا اعوجاج، صار قبولها - من ثمّ - في العقل أولاً من حيث اتساقها النظري هو مُهمّة الفلسفة كونها نسقاً يُحدّد متفرقات المادة وأجزائها، ولا يفرّق الذهن شتاتاً بين شعابها وآمادها؛ فإذا الوجهة المقصودة محدّدة الغاية معروفة القياس.

تحديداً، معنى فلسفة الدّين أن تكون المادة من الدين والنسق من الفلسفة كما هو الحال في فلسفة التاريخ : المادة من التاريخ والنسق من الفلسفة، وقل نفس الشئ في فلسفة اللغة، المادة من اللغة، والنسق من الفلسفة، أو كما هو الأمر في فلسفة الفن، المادة من الفن والنسق من الفلسفة، أو كما هو الشأن في فلسفة القانون، المادة من القانون والنسق من الفلسفة، وهكذا دواليك تكون الفلسفة بالنسبة للعلم الذي تختاره لتجري عليه عملية البحث فيه.

وإذا كان النسق يعني النظام العقلي، فإن الفلسفة تشمل هذا النظام بمقدار ما تشمل البحث فيما ورائه أي البحث في المعنى الكامن وراء هذا العلم أو ذاك، فهى إذن "نسق" ثم "معنى"، أو أن شئت قلت : هى معنى تُجلى صورته في نسق مضبوط. النسق للفلسفة كالكائن الحي، أو هو : كالوحدة العضوية للعمل الفني أو الأدبي، إذ يجمع الأفكار المشتتة رغم تعددها وتكثرها في موادّها يُعمل فيها من جهة المنهجية النقدية ما شاء له أن يعمله لتصبح - من بعدٌ - كائناً حياً هادفاً إلى الوحدة كما تكون الوحدة في كل ذي حياة. ولنتذكر هاتين المسألتين جيداً ونحن ندرس فلسفة الدين ليتم تطبيقها على أي ما شئت كان، فلا تقوم لها قائمة بغير ذنبك المسألتين: مسألة النسق ومسألة المعنى.

وليس لقائل أن يقول إن الفلسفة فعل التفلسف فيما هو أمامك منظوراً كان أو محجوباً، وليس لها أن تتصل بصلة فيما تخرجه قريحة الإنسان المعرفيّة، فلا شأن لها بعلوم الدين والتاريخ واللغة والفن والقانون وما شابه ذلك من علوم الأوائل والمتأخرين، لأن هذه العلوم ليست هى الفلسفة مادامت الفلسفة نسقاً ولا يزيد! وإنه ما دامت الفلسفة نظاماً معرفياً يتوخّى المعنى ويخلفه النسق الفلسفي، فبوسع كل علم من تلك العلوم أن يسوق نظامه المعرفي خالياً من التناقض والاضطراب، ومن ثمّ فليس هو بحاجة إلى الفلسفة ولا إلى التفلسف.

وأعجب ما في هذا القول هو نكران التفلسف باعتباره خاصّة عقلية يلزم عنها حيوية النشاط العقلي فيما لو تذكرنا مقولة أرسطو الشهيرة :" إذا لزم التفلسف، فلنتفلسف، وإذا لم يلزم وجب هنالك التفلسف لنثبت عدم جدواه "، ولهذا وجد من الفلاسفة من يرفض أساساً الإقرار بأن للحياة أو للتاريخ أو للعالم ككل معنى من المعاني، بل ويرفض الإقرار بوجود شئ اسمه العالم ككل أو الحركة العامة للتاريخ، فرفض الإقرار من هذه الجهة إنما هو ضربٌ من ضروب التفلسف، في حين غلب على بعضهم من جانب آخر أن الفلسفة إن هى إلا المعرفة بالمعاني أو بالقيم المعرفية، وبما إن المعاني متباينة فإن الفلسفة التي تصدر عنها تتفرع إلى فلسفة التاريخ وهى التي تبحث في معنى التاريخ، وفلسفة الدين وتبحث في معنى الدين، وفلسفة القانون وتبحث في معنى القانون، وهكذا قل الشئ نفسه في فلسفة اللغة والفن والحضارة، ولكن الفلاسفة وإن اختلفت مذاهبهم وتباينت توجُّهاتهم إلا أنهم جميعاً يصدرون عن رأي واحد هو أن نشاط الفلسفة العقلي شكل من أشكال الوعي الأمين وأن التفلسف فعل التبصير في كل حين.

كنتُ أناقش صديقاً مفتوناً بالفلسفة في مسألة النسق هذه، فإذا هو يرى إن الفلسفة لم تكن نسقاً وإنما هى ثورة ضد ما هو متعارف عليه، خروج عن المألوف، ليست بذات إطار، إلى فضاء أوسع مفتوح، وبالتالي تكون بعيدة عن النسق من حيث إنها تقود العلوم والمعارف، وعلل ذلك في رأيه أيضاً إن الفلسفة تبدأ بفكرة مجنونة لا تتفق مع المنطق، وقال لولا التفكير الفلسفي لظللنا نركب الدواب في ترحالنا ونعيش عيشة البداوة الأولى، فلا نتقدّم قيد أنملة، فكأنما الصديق أراد - ومعه الحق فيما أراد - أن يربط الفلسفة بالتقدّم، ولكن لا أدري كيف يتأتّى أن تقود الفلسفة العلوم والمعارف وهي في نفس الوقت تتخلى عن نسقها، وعن طبيعتها المعرفية، وعن نظامها العقلي؟

هنالك رحت أرمقه بنظرات حانية مقدّراً حبّه الشديد للفلسفة وفتنته بها، ولافتاً نظره إلى أن هنالك حركات فلسفيّة خارجة بحكم تموضعها التاريخي عن النسق، الوجودية مثلاً ليست نسقاً عقلياً، السريالية حركة أدبية فلسفية لا تعبّر عن نسق، ولا تسيغ أن يكون في فلسفتها نسق، فلسفة برجسون ضد النسق العقلي.  وليس يخفي أن الإنسان الغربي قد طور العلم والفلسفة بسبب رغبته الملحة الحارقة والساعية دوماً إلى المغزى الوسيع فيما وراء الواقع وفيما وراء العقل المحدود فتوجّب عليه أن يفهم أن العقل الصحيح لا مناص له أن يستخلص من العالم زاداً من المعنى إذا أراد أن يستمر في الحصول على نتيجة من المجهود الحيوي.

وليس يخفي كذلك أن دراما "فاوست" لجوته باعتبارها أعظم دراما رمزية أبدعها العقل الغربي لهي دراما الإنسان العقلي الذي يختنق في غرفة وعيه الشخصي؛ ليعيش واقعاً متخبطاً في دائرة الضجر والعقم المفزعة التي لا تؤدي بدورها إلا إلى مزيد من العقم والضجر.

واشتياق "فاوست " إلى التطلع لمعرفة الغيب هو الرغبة الغريزية في التعلق بحقائق الإيمان به، وتلقي تجليات المعنى الذي يحيط بالعالم الإنساني المحدود. فلن يكبر الإنسان وهو مُعلق بالمحدود مصوّب النظر إليه على الدوام. ولكن مع ذلك كله؛ ليس ينفي ظهور هذه الحركات وما ينحو نحوها وجود النسق الفلسفي كما لا ينفي وجود النسق العقلي ظهور مثل هذه الحركات وما يشابهها، هذه نزعة ماثلة في الإنسان وتلك نزعة أخرى، هذه ملكة وتلك ملكة أخرى، هذا وجود وذاك وجود آخر ولا شك. ثم قلت : حتى الأفكار المجنونة التي ذكرتها - يا صديقي - باعتبار إنها خارجة عن النمطية التقليدية وإن بدت لك فوق النسق هى عمل من أعمال العقل : إجهاد العقل في التفكير الي درجة الإعياء، ألم تكن تفاحة نيوتن عملاً عقلياً؟ ألم تكن نسبية أينشتاين عملاً عقلياً؟ ليس من صدفة بل جهد عقلي منظم ربما يصل إلى حدٍّ المرض ووعكة الإعياء.

وشاركنا النقاش زميل متخصص رأي هو الآخر أن الفكرة باختصار شديد تتلخص فيما رآه من وجهة نظره أن فلسفة أي علم من العلوم ما هى إلا حديث عن العلم من الخارج، وليست حديثاً عنه من الداخل، ولعله يعني أن مادة العلم هى ما يقرّره في نفسه، أمّا فلسفته فهي التي تتناول معناه في شموله وعمومه، فالفلسفة في نظره لا تهتم إلا بنقاط ثلاث أوجزها صاحبنا في:

- الدراسة النقدية لأسس ومبادئ العلم .

- توضيح مصادرات هذا العلم ومبادئه .

- علاقة العلم بالعلوم الأخرى من حيث أصولها ومبادئها.

وعلى ما تقدّم؛ فلا يصحُ أن توصف الفلسفة في نظره بوصفها علماً من العلوم الأخرى وإنما هى أمُّ لجميع العلوم، وشأنها في ذلك شأن أي أم تهتم بأبنائها، لا يتأتى اهتمامها مع العلم بل هى تأتي فوقه أو تحته وتحيطه معها كأم حنون. وعليه؛ يمكننا فهم دور الفلسفة بالتحليل حين تتناول علم الدين.

ولئن كنت أوافق الصديق فيما ذهب إليه من وجهة نظر منطقية فإنني هنا ألفت النظر إلى حقيقية منهجية وهى الفرق الفارق بين علم الدين وفلسفة الدين، فعلم الدين من حيث المنهج شئ وفلسفة الدين شئ آخر، فالأول هو مجموعة المبادئ والأحكام التي تقام على النص الديني تتولد عنه، فالدين هنا مادة يقام عليها العلم ولا يقوم العلم على لا شئ بغير مادة، تماماً فكما يقام علم الفيزياء على الواقع الطبيعي فكذلك يقام علم التاريخ على الواقع التاريخي وعلم القانون على الواقع القانوني، وقل نفس الشئ في العلوم التي تقام على موادها وطبيعتها. فمعنى العلم هو ما يوصف بقابليته للحكم عليه بالصواب أو الخطأ، ولذلك كانت المعرفة العلمية لا تتخطى هذه الحدود. فكلام الصديق السابق هو ممّا يؤخذ من تلك الزاوية.

ويشبهُ أن يكون علم الدين من حيث المنهج هو سير الباحث في مجال العلوم الرياضية يحذو حذوها وينهج منهجها. خطوتان لابد منهما الأولى، المقدمات المُسلم بصوابها وهي هنا النص الديني، والخطوة الثانية استخراج ما يمكن استخراجه منها من طريق توليد الأفكار عن الأفكار، أو توليد النتائج عن المقدمات، ومقياس الصدق في هذا هو سلامة استدلال النتائج من المسلمات. فالعلم هنا منهج وليس هو بالموضوع.

أما فلسفة الدين فمنهج وموضوع في وحدة واحدة لا ينفصلان، معنى ونسقاً، فليست كلها معرفة علمية بل المنهج العلمي فيها وان كان من الأهمية بمكان فهو جزء يسير منها غير أنها في ذاتها كلية عامة شاملة تنزع إلى الوحدة بعد أعمال المنهج العلمي وإلى الشمول بعد معرفة التفاصيل والأجزاء في اتساق كليّ متكامل. هذا جانب لا مناصّ من التنويه إليه، ولا مناص من وضعه في الاعتبار إذا دلت الإشارة عليه.

ولكن في فلسفة الدين على التخصيص - فيما لو نحن نظرنا إليها من هذا الاعتبار - لا يمكن، في تقديري، الوقوف على حقيقة الدين ونشأته، أو على تعاليمه ومقرراته، أو على آثاره في الضمائر والقلوب أو على تعميمه من جهة فلسفة الدين؛ ليتمّ ترقيعه من خارجه، بخلاف ما عليه من مضمون وخصوصيّة، فلا معنى عندي لتلك المشروعات الفلسفية الزائفة برمتها ما لم تضع شرط المضمون الديني الذي تقوم عليه خصوصيّة العقيدة ينتسب إليها المدينون لها بالولاء فوق كل اعتبار، فيكون كل تجديد لخطاب تلك العقيدة أو لفروعها مثلاً قائماً من داخلها : تثويرها الباطن وحماستها الداخلية، أي من داخل مجموعة قيمها المعرفية الثابتة التي تستند عليها، لا محاولة ترقيعها بخارجها مهما كانت نظريات الخارج جذابة تستهوي وتلفت النظر، وتهول.

أكثر مشكلات كتابنا المعاصرين هو التقليد المتعمّد لكتّاب الغرب، والنسخ منهم والسلخ، تقليدهم في منهج العمل إزاء الموضوعات المطروحة من قضاياهم الدينيّة ومعارفهم الاعتقادية وأنظارهم الفلسفية، ثم تقليدهم الواضح الملموس كذلك في رؤاهم النقديّة ومناهجهم المعاصرة، وربما تخريجاتهم التي تناسب واقعاتهم الحياتية وظروفهم الحضارية؛ وهى في مجملها لا تناسب واقعاتنا ولا ظروفنا ولا عقائدنا، فليس شرطاً لجودة المنتج الفكري هو أن يجئ ما يتمُّ نتاجه هناك يتمُّ بنفس الكيفية هنا، وأن ما يتناولونه فيما بينهم من محاولات تتصل بفلسفة الدين أو عطايا النظر والتفكير بمناهج مختلفة وأطروحات متباينة، نتناوله نحن هنا ونطبّقه على عقائدنا تقليداً ليس أكثر! غير موضوع في الاعتبار اختلاف الظروف والعقائد والمنطلقات المعرفية والتوجهات ثم اختلاف القيم فيما وراء هذا كله، لا لشيء إلا ليكون منتجنا الفكري يضاهي منتجهم وهو في الحق لا يضاهيه ولا يسمو إليه بل يقلّده وينزع إليه نزوع الرطانة الأعجمية.

هذا ترقيع بغيض لا يقرّه العارفون، ويجيده المتحذلقون الأفاكون المضللون، ولا ينجم عن استقلال فكري بل يكشف عن غرور التبعيّة المعرفية التي لا ترعى الفواصل ولا الظروف، وتخلط بين مجال ومجال، ولا تسلم تحت دعوى الثقافة من كُلفة الادعاء والحذلقة، كما يحدث دائماً عند الشعور بالنقص والرغبة في مداراة الجهل والسذاجة، وهى تبعية معرفية لا تراعي كذلك تلك الخصائص الثقافية والدينية لما عساه أن يُقام بين دين ودين أو بين علم وعلم أو بين ثقافة وثقافة أو بين حضارة وحضارة : فنٌ من المتع الفكرية الرخيصة اللاهية يلهو به الأدعياء في زماننا هذا كما لهى به المتحذلقون في كل زمان.

بالطبع، أنا لا أعني مطلقاً أن تجئ هناك قطيعة معرفية (Epistemological  cut)  بتعبير المفكر الفرنسي المعاصر "باشلار" تكون بيننا وبينهم، فهذا ما لا يقول به أحد له مسكة من عقل واعي أو حظ من وعي معقول، فضلاً عن الخلط العاري من الصحة بين المناهج والتوجّهات. غير أن عناية (باشلار) بتلك القطيعة هى عناية خاصة بنقطة التحول التاريخية في حياة النظريات العلمية وفقدان فاعليتها إزاء تفسير الواقع، إذ تصبح النظرية العلمية باطلة لا تستطيع تفسير كل ما يعترضها من ظاهرات الواقع، وإذ ذاك تتجه البحوث العلمية المعاصرة مع عجز تلك النظريات القديمة عن أداء دورها، لمثل هذه القطيعة المعرفية، ماضية نحو بناء نظرية أخرى أكثر تكاملاً وأقوى تفسيراً للواقع من التي سبقتها، لأن ماضي هذ النظرية أو تلك كان عجز عن تفسير الواقع والإحاطة به، فأبطل العجز الدور الفاعل لها، وبالتالي تصبح القطيعة المعرفية معها مشروعة، ولكن هذا كله مجال يقال في فلسفة العلم ولا يقال مثلاً في مجال فلسفة الدين.

ومع ذلك، تظل الفروق واسعة بين فلسفة العلم وتاريخ العلم، فكل ما يتعلق بتاريخ العلم لا تجوز معه القطيعة المعرفية لأنه إذ ذاك يُصبح العلم مع القطيعة في هذه الحالة بلا تاريخ، ويصبح استخلاص النظريات العلمية من ركامها التاريخي لا يعوّل عليه ولا تقام له فائدة ترجى، فليس هناك من قيمة لنظريات أرسطو ولا الحسن ابن الهيثم ولا جابر بن حيان ولا أحد من هؤلاء وأولئك أو غير هؤلاء أولئك ممّن اسهموا في الماضي بمنجزات علمية لها في التاريخ دور وقيمة وريادة.

المهم في الموضوع هو أن بعضهم أخذ مصطلح باشلار هذا منقولاً عن حقله المعرفي، وحاول تعريته عن العلم الذي نشأ فيه، واستخدم المصطلح لأجله ثم تطبيقه على مجال العلوم النظرية، ومنها بالطبع علوم الدين أو فلسفة الدين التي نحن بصدد الحديث عنها فأوجد قطيعة معرفية مع التراث؛ لتكون مجرد هجين لا يتجاوز الترقيع والإغراق في التقليد، مع تجاهل الفارق الهائل بين علم وعلم أو بين معرفة ومعرفة.

"كله عند العرب صابون" كما يقول المثل الشعبي المصري! على معنى الخلط العجيب بين التصورات والأفكار، وإزالة الفوارق بينها في معرض المقارنة، وإذابة المنطلقات التي تنهض بخصوصيتها، وإباحة الطرق الدائم على تطبيقها ولو بالقدح الظالم لخصوصية العقائد وخصوصية المسائل التي تتعلق بها.

هل للدين فلسفة؟ والجواب، نعم له فلسفته إذا كانت له منطلقاته وقواعده وأحكامه وكان معناه فيما يمس بؤرة الشعور الإنساني ويستغرق بالكلية منطق الوجدان، وكيف تقام فلسفة على منطق تدّعيه هو منطق الوجدان؟

هذا سؤال من الأسئلة اللافتة للنظر من الوهلة الأولى غير إنه لافت للنظر مع غيبة البديهة ولكن مع حضورها لا تجد له معنى.

نعم ! تقام الفلسفة على منطق الوجدان كما تقام على منطق القانون أو على منطق اللغة أو على منطق الدين، او على أي منطق أرادت الفلسفة أن تقيمه. ليس هناك ما يمنع من قيامها على منطق الوجدان مع المعرفة التامة التي لا شك فيها بالفروق الفارقة بين منطق العقل ومنطق الشعور والوجدان؛ لأن هذه المعرفة مع دعوى تمامها ناقصة عجزاء إذا أغفلت بديهة حاضرة وهي حقيقة الإنسان، فليس الإنسان يعي أو يعيش بالعقل والفلسفة وحدهما، وليس هو بالشعور والوجدان إنساناً وحده ولكنه يجمع بينهما في أتساق لا تناقض فيه، إذ من المؤكد استناد الفكر على الوجدان والعقل على الشعور وهو المقرر هنا فيما لا شك فيه، كما تقرر سلفاً لدى الإمام محمد عبده ومحمد إقبال لا بل كما تقرّر لدى افلاطون عندما قال إنّ التفكير كلام نفسي، وصاغته ملكة الطبع العربي شعراً :

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنمّا       جُعل اللسانُ على الفؤاد دليلاً

وبعدُ، فلئن كنتُ أنا لا أعني مطلقاً أن تكون هناك قطيعة معرفية تجئ بينا وبينهم، فكل ما أقول به هو التفكير الدائب في التقليل من مثل هذا النزوع الغريب إزاء تقليد المدارس الغربية المعاصرة، ومحاولة محاكاة روادها ومؤسسيها في مناهجهم ومذاهبهم، وليس محاولة نقدها وفحصها، بل لتطبيقها عنوة على عقائدنا وتراثنا وخصوصيتنا الحضاريّة وهُويّتنا الثقافية، وهى من بعدُ أفشل المحاولات.

مثل هذا الترقيع البغيض غير مقبول ببداهة المنطق من الوهلة الأولى، ومع ذلك يقع فيه الباحثون رغم عرفانهم ببديهة رفضه، وفشل الاعتماد عليه مع تطبيقه أو التنويه إليه، كما فشلت محاولات قبل ذلك ومحاولات، فمن يعتمد على الترقيع لا يسلم آخر الأمر من المهانة العقلية، فهو موضع الخطر يقع فيه كثيرون ممّن مارسوا في السابق عملية نقد التراث أو تجديد التراث أو التماس لغة مغايرة للخطاب الديني أو دعوى التفكير العقلاني المُوغل في الدعوى المؤسسة على الاستقلال وهى في نفس الحال دعوى غارقة في التقليد للغرب والمحاكاة لهم في غير استقلال.

لا ينجم التقليد عن أصالة ولا يسفر عن استقلال أو عن شعور بالتبعة من الوجهة الأخلاقية، يستوي في ذلك من يقلّد الأفكار الغربية أو يقلد الأفكار التي تنتمي إلى بني جلدته، وهو ضد المعرفة وضد التفكير، وهو مذموم في العقل مذموم في الدين، وفوق هذا هو مذموم في البحثّ عن الحقيقة، وموضع الذم فيه أنه يعتمد على المتابعة التي لا يظلها تفكير ولا تجمعها وحدة معرفية أو عقلية بمقدار ما يعتمد على المغالطات لتزوير الحقيقة لأنه لا يتوخى عرضها بالتجرّد والانصاف، ولكن يعرضها بمطلق الهوى ومطلق الغرض ثم لا يقتصر الأمر على هذا الحدّ بل يتفاخر بمعرض السوء وصناعة الأمجاد الكاذبة.

 

بقلم: د مجدي إبراهيم