ينسب الكثير من مؤرخي الفلسفة إلى هانز رايشنباخ صفة الوضعي المنطقي، وأنه واحد من أعضاء حلقة فيينا. لا أحد ينكر مساهمة رايشنباخ – بما قدمه من أعمال- في تطور الوضعية المنطقية وبلوغها مرحلة العالمية، وخير دليل على ذلك مساهمته مع كارناب في تحرير مجلة المعرفة. لكن هل هذا دليل كاف على أن ريشنباخ كان وضعيا منطقيا بأتم ما تحمله هذه العبارة من معنى؟ وما هي مساهمته  في مجال فلسفة العلوم؟

هانز رايشنباخ** ومساهمته في فلسفة العلوم

رايشنباخ التجريبي المنطقي

يقول ويسلي سالمون  WESLEY C. SALMON(1925-2001)  لعلنا لا نجانب الصواب إن قلنا أن من بين أعظم فلاسفة العلم في كل العصور، نذكر بالتأكيد أرسطو، وديكارت، وليبنتز، وهيوم، وكانط. (وأضيف أنا ابن رشد) وبمعنى أكثر أهمية، يمثل كانط قمة هذا التقليد بسبب جهوده الدؤوبة لتقديم تحليل معرفي وميتافيزيقي مناسب للعلم النيوتوني في قمة نضجه. كانت هناك بالطبع تطورات مهمة في الفيزياء الكلاسيكية بعد وفاة كانط- على سبيل المثال. نظرية ماكسويل الكهرومغناطيسية - ولكنها كانت أشبه ما تكون مكملة للنظام النيوتوني، أكثر منها إنجازات ثورية التي تتطلب تغييرات مفاهيمية وفلسفية عميقة. لم تظهر العلامات الأولى للانهيار الأساسي للفيزياء الكلاسيكية إلا عام 1905؛ على الرغم من أن نظرية "بلانك" الكوانتية وتجربة "ميكلسون-مورلي" تمت في وقت سابق، فإن أهميتها الحاسمة لم يتم التعرف عليها إلا لاحقًا. ومن الملائم بشكل خاص أن هانز رايشنباخ Hans Reichenbach(1891 -1953)، أحد أهم الفلاسفة في القرن العشرين، قد تأثر بالتقاليد الفلسفية الكانطية وبالتطور الذي حصل في مجالي الفيزياء والرياضيات في القرن العشرين. كان هذا الإعداد شرطا لا غنى عنه لأي شخص، مثل رايشنباخ، لتقديم مساهمة كبيرة في فلسفة العلم في القرن العشرين(1). وكثيرا ما كان يطلق على رايشنباخ لقب "الوضعي المنطقي"، يقول فؤاد زكريا في مقدمة ترجمته لكتاب نشأة الفلسفة العلمية:"يعد رايشنباخ من المؤسسين الأوائل لحلقة أو جماعة فيينا"(2). ولكن كحقيقة تاريخية، لم يكن رايشنباخ أبدا عضوا في حلقة فيينا.  لقد كان، بدلاً من ذلك، رئيس جمعية برلين التي فضلت تسميات أخرى مثل الواقعية الجديدة، والفلسفة الطبيعية للعلم(3)، والتجريبية المنطقية- وأصبح المصطلح المفضل لديها هو "التجريبية المنطقية"((4)Logical empiricism.

هانز رايشنباخ وحلقة فيينا

كانت جماعة من الفلاسفة والعلماء تعرف باسم جماعة برلين Berlin Circle قد أسست جمعية للفلسفة التجريبية سنة 1928 بزعامة ريشنباخ. تضم رايشنباخ، هيرتز برغ ودوبسلاف غايتها تطوير فلسفة علمية عن طريق إيجاد طريقة فلسفية لتحليل ونقد نتائج العلوم وبحث المفاهيم الأساسية والنظريات والطرق الخاصة بكل علم. حيث ترى أن الفلسفة العلمية هي طريقة فلسفية تقوم بتطوير نتائج العلوم المختلفة بالتحليل والنقد وحل المشكلات الفلسفية المتعلقة بها، وكانت جماعة برلين على اتصال بجماعة حلقة فيينا.

لكن ينبغي أن نشير هنا إلى أن التعاون بين جماعة برلين وجماعة حلقة فيينا والذي يظهر جليا في اشتراك كل من رودولف كارناب ورايشنباخ في تحرير مجلة المعرفة. إن هذا التعاون لا ينفي وجود اختلافات كثيرة بين المؤسستين. وكان من حصيلة الاتصالات بين حلقة فيينا وجماعة برلين العمل المشترك بين الجماعتين في مؤتمر فلسفي خصص للبحث في نظرية المعرفة في مجال العلوم الدقيقة وذلك في سنة 1929*"(5). وذُكر في التصور العلمي للعالم  يومي 15و 16 سبتمبر 1929(6).

 لقد لعب رايشنباخ دورا مؤثرا في حياة كارناب ومستقبله كفيلسوف للعلم وعالم رائد في المنطق الرمزي . فقد كان لـ ريشنباخ الفضل في تعريف كارناب على مؤسس حلقة فيّينا، والأب الروحي للوضعية المنطقية موريس شيلك Moritz Schlick (1936 – 1882).

يبدو أن هناك إدراكًا واضحًا من جانب كلتا المجموعتين(جماعة حلقة فيينا وجماعة برلين) بأن اختلافاتهم الفلسفية -رغم أنها ذات أهمية كبيرة- كانت ضئيلة بالمقارنة مع الخلافات الأساسية التي تفصلهما عن  الحركات الفلسفية الأخرى التي عارضوها. كان إعجاب الجماعتين عميقا بالعمل المثال من طرف كل من وايتهد وبرتراند راسل في مبادئ الرياضيات Mathematica Principia. ومثّل نظر كل منها للتطور السريع الذي حدث في مجال العلم التجريبي وخاصة الفيزياء، إلهاما فلسفيا معتبرا. ونذكر على سبيل المثال نسبية انشتاين وفيزياء الكوانتم مع ماكس بلانك. (فضلا عن المادة الخام للتحليل المنطقي). لكن إذا كان رايشنباخ لا يعتبر وضعيا منطقيا، فذلك، لأن ريشنباخ نفسه أكد أن هناك مسائل فلسفية أساسية يختلف فيها مع الوضعية المنطقية. وهذا ما نلاحظه في مقدمة كتابه التجربة والتنبؤ حيث يقول:  يبدو أن نمو هذه الحركة متقدمًا بشكل كافٍ للدخول على مستوى أعلى من التقريب؛ وما أقترحه هو أن شكل هذه المرحلة الجديدة يجب أن يكون تجريبيا احتماليا. إذا كان الاستمرار المقترح يقابل تناقض بعض الأفكار التي اعتبرت حتى الآن راسخة، ولا سيما من قبل الكتاب الوضعيين، فإن القارئ سيأخذ في الاعتبار أن هذا النقد لا يعرض بنية تقويض المزايا التاريخية لهؤلاء الفلاسفة(يقصد الوضعيين المنطقيين). على العكس من ذلك، يسرني أن أحظى بفرصة للتعبير عن أنني أدين للعديد من المؤلفين الذين لا أستطيع أن أشاطر آراءهم بالكامل. ومع ذلك، أعتقد أن توضيح أسس مفاهيمنا المشتركة هو المهمة الأكثر إلحاحًا داخل حركتنا الفلسفية. وأنه يجب علينا ألا نتقاعس عن الاعتراف صراحة بأوجه القصور في النتائج السابقة حتى ولو أنها لا تزال تجد مدافعين عنها في صفوفنا(7).

وجاء في التصور العلمي للعالم: "وحلقة فيينا تسعى إلى إقامة علاقات مع الجماعات ذات التوجه المماثل، والتأثير في المجموعات المنغلقة على نفسها والتي تقف بعيدا عن المشهد. كما يعد التعاون في جمعية ارنست ماخ تعبيرا عن هذا المسعى. كان شليك يرأس هذه الجمعية.. وتم ذكر جمعية الفلسفة التجريبية برلين"(8).

وجاء أيضا،اسم هانز رايشنباخ في آخر البيان -عند ذكر أعضاء حلقة فيينا والمتضامنون مع الحلقة- في قائمة الأعضاء المتضامنين مع الحلقة وليس في قائمة أعضاء الحلقة(9). وجاء كذلك في بيان التصور العلمي للعالم: لم يتميز التصور العلمي عن العالم كثيرا بالأطروحات التي صدرت عنه، بقدر ما تميز بموقفه الأساسي، وآرائه واتجاهات أبحاثه؛ فالهدف الأول هو تأسيس العلم الموحد. إلى جانب أنه يسعى إلى ربط إنجازات الباحثين وتنسيقيها بمختلف مجالاتهم العلمية.."(10) هذه العبارات توحي بأن جماعة حلقة فيينا لم يكن لديهم مذهبا واحدا بل كان لديهم تصور عام أو مشروع عام لا يمكن إنجازه انطلاقا من اتجاه واحد أو مذهب واحد بل كان مشروعا مطروحا للإثراء والمناقشة وهذا ما يفسر الاختلافات الكثيرة التي كانت بين أعضاء الحلقة رغم ما يظهر من اتفاق بينهم. فلاتفاق كان حول المنطلق أو المبدأ لكن الاختلاف حصل في كيفية تجسيد هذا المنطلق أو المبدأ. ومن هنا نتساءل هل اشتراك هانز رايشنباخ مع أعضاء حلقة فيينا في إنجاز الكثير من الأعمال التي تخدم مشروع الوضعية المنطقية بصفة عامة وتصور حلقة فيينا للعالم بصفة خاصة، هل يعني أن رايشنباخ كان بالضرورة يتبنى كل آراء الوضعية المنطقية أو حلقة فيينا على الخصوص؟  أراء رايشنباخ في كثير من المشكلات التي تناولها تبيّن أنه كان يختلف مع حلقة فيينا على الخصوص ومع الوضعية المنطقية على العموم. فلم يكن وضعيا منطقيا بالمعنى الذي قصدته حلقة فيينا.

كان رايشنباخ، جنبا إلى جنب مع الوضعيين المنطقيين، مؤيدًا قويًا لـ "نظرية التحقق من المعنى".كانت هذه القضية حجر الزاوية في تجريبيته. انظر "نظرية التحقق من المعنى" 1951. تبدأ هذه المقالة ببعض الملاحظات التاريخية الواضحة على علاقات رايتشنباخ مع أعضاء حلقة فيينا من الوضعيين المنطقيين. وهو يشكل معالجته النهائية المفصلة لهذا الموضوع (مبدأ التحقق).

 لقد أدرك رايشنباخ في وقت مبكر جداً -وهو درس سيتعلمه معظم الوضعيين المنطقيين إن عاجلاً أم آجلاً - أن معيار المعنى المعرفي لا يمكن تحديده من حيث قابلية التحقق الاستنباطية الصارمة، ولكن يجب استحضار بدلاً من ذلك نوعاً من إمكانية التحقق الاحتمالي (أو التثبت) إلى حد ما. بالنسبة لرايشنباخ تأخذ القضية معناها المعرفي فقط إذا كان ممكنا مبدئيا أن تحصل على أدلة من شأنها أن تعطي لها درجة من الاحتمال أو الوزن. من الواضح أن مثل هذا التحقق الاحتمالي قد يكون مؤيدا أو مقوّضًا، لأن الوزن الناتج قد يكون مرتفعًا أو متوسطًا أو منخفضًا. may be high, middling, or low. وبالتالي، تصبح قابلية التحقق الاحتمالي أو قابلية الرفض من حيث المبدأ معيار المعنى المعرفي أو الواقعي.

بالإضافة إلى ذلك، فقد صرح رايشنباخ أيضًا، بمعيار التماثل في المعنى المعرفي: يكون لعبارتين المعنى المعرفي نفسه، إذا كان وفقط إذا كان كل عنصر تجريبي سيعطي بالضبط الاحتمال أو الوزن نفسه  للأولى كما للأخرى. ويشكل هذا المعيار من تماثل المعنى المعرفي أساس "نظرية الأوصاف المتكافئة" التي وضعها رايشنباخ والتي لعبت دورًا مركزيًا في فلسفته للمكان والزمان، وتحليله لميكانيكا الكم، وفي الحقيقة، في نظريته في المعرفة بصفة عامة. يجب أن نشير أن رايشنباخ لم يؤكد أبداً أنه لا يوجد أي معنى آخر غير المعنى المعرفي. كان يعي تمامًا أن هناك  أنواعًا أخرى مثل، المعنى العاطفي والاستعاري. إنه لخطأ محض أن نفترض أنه كان على الإطلاق يرى أن كل ما لا يمكن التحقق منه تجريبياً فهو من القضايا التي لا معنى لها كما هو الأمر عند الوضعيين المنطقيين في حلقة فيينا(11). وهذه الفكرة بالذات هي التي أثارها كارل بوبر Karl Popper (1902- 1994)عندما رفض التمييز بين القضايا التحليلية والقضايا التركيبية التي قال بها كارناب وإن كان ذلك بطريقة مختلفة(12). وهنا يمكن أن نستنتج تأثر كارل بوبر بـ رايشنباخ في هذه المسألة وإن كان لم يصرح بذلك.

أهم إنجازات رايشنباخ

إن تحديد مكانة مفكر أو عالم في مجال ما يقتضي الإشارة إلى الأعمال والإبداعات التي قدمها في ذلك المجال، فماذا قدم راشينباخ في مجال فلسفة العلوم؟

ولعل من أهم انجازات جمعية برلين بزعامة رايشنباخ هو"استخلاص نظرية المعرفة المرتبطة بالتحولات العلمية الجديدة والاستفادة منها في فهم المشكلات الفلسفية وحلها. ومن الأمثلة على ذلك ما أثارته النظرية النسبية والكوانتية وما فتحت من آفاق في المعرفة. ... "(13). 

لقد كان ريشنباخ رائدا في فتح  طرق جديدة لحل المشاكل القديمة في العديد من المجالات: الفضاء، والوقت، والسببية، والاحتمال(الترجيح) -التحليل الفلسفي وتفسير الفيزياء الكلاسيكية، والنسبية، والفيزياء الكمية- المنطق، واللغة، والأخلاق، والتفسير العلمي، والمنهجية، والتقييم النقدي، وإعادة مراجعة المفكرين الميتافيزيقيين السابقين، والعلماء من أفلاطون إلى ليبنتز وكانط(14).

رفض رايشنباخ للقبلي التركيبي

لا يمكننا تناول كل انجازات رايشنباخ وهي كثيرة لا يتسع بحث كهذا لذكرها جميعا وبالتفصيل. فنبدأ بنقد رايشنباخ لكانط والقطيعة معه وهو ما يؤسس فيما بعد لفلسفة جديد في العلوم ترفض المعرفة التركبية القبلية. في البداية لابد من التذكير بأن استحضار كانط للتركيبية القبلية كان هدفه هو برهنة إمكانية العلم من الناحية المنطقية وتجاوز تجريبية هيوم المتطرفة. إن افتراض التركيبي القبلي يتلاءم تماما مع التحليل الفلسفي لمبادئ فيزياء نيوتن. في الواقع، بدأت رحلة هانز رايشنباخ الفلسفية الخاصة به من خلال انتقاله من الإيمان بفكر كانط إلى القطيعة معه. القضية، وباختصار، هي هل هناك قضايا تركيبية قبلية؟. إن الدافع الأساسي في مسيرة رايشينباخ الفلسفية، هو، من البداية إلى النهاية، ينصب حول محاولة حل هذا المشكلة بالذات. لقد كرس راشنباخ معظم أعماله في إعادة بناء المعرفة بصفة عامة والمعرفة العلمية بصفة خاصة دون اللجوء إلى القبلي التركيبي بأي شكل من الأشكال. إن هذا البرنامج يبدو سهلا من حيث القول، ولكن يصعب انجازه فعليا.

نظرية احتمال المعنى عند رايشنباخ

كان رايشنباخ، جنبا إلى جنب مع الوضعيين المنطقيين، مؤيدًا قويًا لـ "نظرية التحقق من المعنى".كانت هذه القضية حجر الزاوية في تجريبيته. انظر "نظرية التحقق من المعنى" 1951. تبدأ هذه المقالة ببعض الملاحظات التاريخية الواضحة على علاقات رايتشنباخ مع أعضاء حلقة فيينا من الوضعيين المنطقيين. وهو يشكل معالجته النهائية المفصلة لهذا الموضوع.

 لقد أدرك رايشنباخ في وقت مبكر جداً -وهو درس سيتعلمه معظم الوضعيين المنطقيين إن عاجلاً أم آجلاً - أن معيار المعنى المعرفي لا يمكن تحديده من حيث قابلية التحقق الاستنباطية الصارمة، ولكن يجب استحضار بدلاً من ذلك نوعاً من إمكانية التحقق الاحتمالي (أو التثبت) إلى حد ما. بالنسبة لرايشنباخ تأخذ القضية معناها المعرفي فقط إذا كان ممكنا مبدئيا أن تحصل على أدلة من شأنها أن تعطي لها درجة من الاحتمال أو الوزن. من الواضح أن مثل هذا التحقق الاحتمالي قد يكون مؤيدا أو مقوّضًا، لأن الوزن الناتج قد يكون مرتفعًا أو متوسطًا أو منخفضًا. may be high, middling, or low. وبالتالي، تصبح قابلية التحقق الاحتمالي أو قابلية الرفض من حيث المبدأ معيار المعنى المعرفي أو الواقعي.

بالإضافة إلى ذلك، فقد صرح رايشنباخ أيضًا، إلى معيار التماثل في المعنى المعرفي: يكون لعبارتين المعنى المعرفي نفسه، إذا كان وفقط إذا كان كل عنصر تجريبي سيعطي بالضبط الاحتمال أو الوزن نفسه  للأولى كما للأخرى. ويشكل هذا المعيار من تماثل المعنى المعرفي أساس "نظرية الأوصاف المتكافئة" التي وضعها رايشنباخ والتي لعبت دورًا مركزيًا في فلسفته للمكان والزمان، وتحليله لميكانيكا الكم، وفي الحقيقة، لنظريته في المعرفة بصفة عامة.

 يجب أن نشير أن رايشنباخ لم يؤكد أبداً أنه لا يوجد أي معنى آخر غير المعنى المعرفي. كان يعي تمامًا أن هناك  أنواعًا أخرى مثل، المعنى العاطفي والاستعاري. وهنا يختلف رايشنباخ مع جماعة حلقة فيينا. إنه لخطأ محض أن نفترض أنه كان على الإطلاق يرى أن كل ما لا يمكن التحقق منه تجريبياً من القضايا التي لا معنى لها كما هو الأمر عند التجريبيين المنطقيين في حلقة فيينا(15). وهذه الفكرة بالذات هي التي أثارها كارل بوبر Karl Popper عندما رفض التمييز بين القضايا التحليلية والقضايا التركيبية التي قال بها كارناب وإن كان ذلك بطريقة مختلفة، لكن بوبر لم يشر إلى رايشنباخ على الإطلاق

الاحتمال

إن المشكلة التي أثارها دفيد هيوم فيما يخص المعرفة الاستقرائية كانت موضوع بحث بالنسبة لريشنباخ ووصل فيها إلى نتيجة مهمة تتمثل كما يقول علي عبد المعطي محمد: في اعتماد المنطق الاحتمالي كمفتاح لحل مشكلة الاستقراء والتنبؤ، فالحكم المتعلق بالمستقبل لا يمكن الجزم بصحته، لأننا نتصور دائما أن العكس هو الذي سيحدث، وليس هناك ما يضمن لنا أن التجربة لن تحقق ما هو اليوم مجرد خيال. فالتنبؤ بالتجارب المقبلة لا يمكن التعبير عنه إلا بمعنى احتمالي أي ينبغي أن نعمل حسابا لاحتمال كذبه، فإذا اتضح خطأ التنبؤ كان علينا الاستعداد لمحاولة أخرى. فالحكم التنبؤي احتمالين فبدلا من أن نعرف حقيقته، نعرف نسبة احتماله فقط وبهذا نفهم المعرفة التجريبية وحل مشكلة الاستقراء(16). رغم ما واجهه هذا الحل من اعتراضات وانتقادات إلا أن قيمته تحكم في محاولة رايشنباخ الرائدة والتي لم يسبقه لها أحد في محاولة تقديم حل جديد لقضية قديمة كادت أن تقوض أسس المعرفة العلمية.

تأثير رايشنباخ في حلقة فيينا

إن التجريبية المنطقية -التي لا ينبغي الخلط بينها وبين الوضعية المنطقية- هي حركة تركت أثرا لا يمحى على فلسفة القرن العشرين. كان هانز رايشنباخ (1891-1953) أحد مؤسسيها وأحد أكثر مناصريها من حيث ما أنتجه. لقد أوقف موته المفاجئ والمبكر في عام 1953 عمله عندما كان في أوج عطائه الفكري. ومع ذلك، ترك لنا إنتاجا فكريا هائلا.

لا توجد جائزة نوبل في الفلسفة - أقرب نظير لها هو مجلد في مكتبة الفلاسفة الأحياء، وهو شرف، مثل جائزة نوبل، لا يمكن منحه بعد الوفاة. ومن بين "الفلاسفة العلميين"، الذين تم تكريمهم نجد رودولف كارناب وألبرت أينشتاين وكارل بوبر وبرتراند رسل. لو عاش رايشنباخ فترة أطول، لكان قد شارك هذا الشرف مع كارناب، لأنه كان هناك مجلد حول التجريبية المنطقية، يعالج أعمال كارناب ورايشنباخ، لا يزال في بدايته، عند وفاة رايشنباخ.

وظهر هذا المجلد بعد موت راشينباخ، كتب فيه كارناب قائلا: "في عام 1953، عندما انقطع النشاط الإبداعي لـ ـرايشنباخ بسبب وفاته المفاجئة، خسرت حركتنا أحد أكثر قادتها نشاطًا، لكن عمله المنشور وثمرة تأثيره  مستمر معنا(17)". وهذا ما يبين بوضوح تأثر أعضاء حلقة فيينا بفكر رايشنباخ وخاصة رفضه للمعرفة التركيبية القبلية والتصحيح الذي ادخله على مبدأ التحقق عند الوضعية المنطقية حيث قيم هذا المبدأ إلى ثلاث مستويات التحقق القوي والمتوسط  والضعيف. وهو ما يذكره في كتابه التجربة والتنبؤ سنة 1938. ومن الحقائق التاريخية المدهشة-كما يذكر صاحب كتاب هانز رايشنباخ التجريبي المنطقي  LOGICAL EMPIRICIST ويسلي سلمون WESLEY C. SALMON أن هذا العمل، الذي كان بكل وضوح أطروحة ابستمولوجية أساسية لرايشنباخ، لم يترجم إلى أية لغة أخرى غير الإنجليزية الأصلية التي كُتبت بها.(18)

ومن خلال هذه الأمثلة المختصرة يظهر تجديد رايشنباخ في مجال الفكر الفلسفي عامة وفي فلسفة العلوم خاصة ولعلنا لا نغالي إذا قلنا أن تأثير رايشنباخ في تطور فلسفة العلوم يبرز خاصة في حل مشكلة المعرفة التركيبية القبلية التي قال بها كانط، وتجاوزها وما نتج عن ذلك من تصورات علمية جديدة منها منطق ثلاثي القيمة ونظرية الاحتمال في المعنى، ومبدأ التحقق الاحتمالي، ومفهومي المكان والزمان وقضايا عديدة أخرى أثيرت مع رايشنباخ وتواصل البحث فيها بعده وكان لها الأثر القوي في إشعال الفلسفة في القرن العشرين وهو ما يبرز مكانة رايشنباخ  في فلسفة العلوم في هذا القرن.

 

مسعود بن سلمي

دراسات ما بعد التدرج سنة ثالثة دكتوراه جامعة الحاج لخضر. باتنة الجزائر.

..........................

الهوامش

(1)- WESLEY C. SALMON, Hans Reichenbach, logical empiricist, 1st edition, springer netherlands.. 1979, p,1.

(2) - هانز رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، تر، فؤاد زكريا، دار الوفاء، الإسكندرية، مصر، 2004. ص، 12.

(3) - باسم راجح الألوسي، مشكلات في فلسفة العلم من وجهة نظر هانز رايشنباخ، ط1،  الجزائر،2015، ص 89.

(4) - WESLEY C. SALMON.  ibid, p, 40.

5- ياسين خليل، مقدمة في الفلسفة المعاصرة، ط2، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 2012 ، ص، 220.

يذكر ياسين خليل في المرجع نفسه والصفحة أن انعقاد المؤتمر كان سنة 1930. وهو يخالف التاريخ المذكور في التصور العلمي للعالم.

(6)- ماهر عبد القادر محمد علي،  حلقة فيينا تصورها العلمي للعالم فجر فلسفة العلوم المعاصر، ، دار المعرفة الجامعية، ط1 2017.ص، 203.

(7) - Hans Reichenbach, EXPERIENCE and PREDICTION, Phoenix Books The University of Chicago Press, 1961. P, preface.

(8) - ماهر عبد القادر محمد علي، المرجع السابق، ص، 103.

(9) - المرجع نفسه، ص 126.

(10) - المرجع نفسه، ص 111.

(11)- WESLEY C. SALMON, ibid, p, 41.

(12) -ويلارد كواين، من وجهة نظر منطقية، تر، حيدر حاج اسماعيل، ط1 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ص 79.

(13) - ياسين خليل، مقدمة في الفلسفة المعاصرة، مرجع سابق، ص 22.

(14) - MARIA REICHENBACH and ROBERT S. COHEN : Hans Reichenbach, Selected Writings1909-1953, V1,  Principal Translations by Elizabeth Hughes Schneewind.D. Eridel PUBLISHING COMPANY  DORDRECHT : HOLLAND I BOSTON: U.S.A. LONDON: ENGLAND, 1978. p

(15)- WESLEY C. SALMON, ibid, p, 41

(16) - علي عبد المعطي محمد، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، مصر،1988، ص، 528.

(17) - WESLEY C. SALMON,  Ibid,. Preface.

(18) - ibid, p, 75.

** ولد هانز رايشنباخ في 26 سبتمبر 1891 في هامبورغ  وزاول تعليمه هناك حتى بلغ السابعة عشرة من عمره. أُعجب بنظرية النسبية بشكل كبير وقادته إلى صراع مع فلسفة كانط. مكث في شتوتغارت من 1920 حتى 1926. في عام 1926، التحق بجامعة برلين حيث تم تعيينه، بفضل جهود بلانك، في منصب تعليمي في الفلسفة الطبيعية. وبقي متمسكا بهذا المنصب حيث، رفض دعوة إلى كرسي الفلسفة الطبيعية في الجامعة الألمانية في براغ في عام 1930. انتقل إلى جامعة اسطنبول بـ تركيا عام 1933. عام 1938 رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث شغل منصب الفلسفة بجامعة كاليفورينيا بـ لوس أنجلس. توفي في 9 أفريل 1953 بـ لوس أنجلس. أهم مؤلفاته نسق البديهيات في النظرية النسبية الزمكان، نظرية الاحتمالاات، التجربة والتنبؤ، من كوبرنيكوس إلى انشتاين، الأسس الفلسفية لميكانيكيا الكونتم، نشأة الفلسفة العلمية، وأخيرا كتاب نشر بعد وفاته من أوراقه المخلفة الفلسفة العلمية الحديثة. أنظر-MARIA REICHENBACH and ROBERT S. COHEN : HANS REICHENBACH, SELECTED WRITINGS 1909-1953, V, ONE, من ص 1-8 -وفؤاد زكريا مقدمة نشأة الفلسفة العلمية ص 13.

المصادر باللغة الانجليزية

Hans Reichenbach, EXPERIENCE and PREDICTION, Phoenix Books The University of Chicago Press, 1961.

Hans Reichenbach – The Verifiability Theory of Meaning, In:Modern Philosophy of Science, pp.135-50 First Published:The Philosophical Review, vol. LVII, No.4, July 1948.

المراجع باللغة الانجليزية

MARIA REICHENBACH and ROBERT S. COHEN : Hans Reichenbach, Selected Writings1909-1953, V1,Principal Translations by Elizabeth Hughes Schneewind.D. Eridel PUBLISHING COMPANY  DORDRECHT : HOLLAND I BOSTON: U.S.A. LONDON: ENGLAND, 1978.

WESLEY C. SALMON, Hans Reichenbach, logical empiricist, 1st edition, springer netherlands. 1979.

المصادر باللغة العربية

- هانز رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، تر، فؤاد زكريا، دار الوفاء، الإسكندرية، مصر، 2004.

المراجع بالعربية

- باسم راجح الألوسي، مشكلات في فلسفة العلم من وجهة نظر هانز رايشنباخ، ط1، الجزائر،2015.

- علي عبد المعطي محمد، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، مصر،1988.

- ماهر عبد القادر محمد علي، حلقة فيينا تصورها العلمي للعالم فجر فلسفة العلوم المعاصر،  دار المعرفة الجامعية، ط1 2017.

- ياسين خليل، مقدمة في الفلسفة المعاصرة، ط2، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 2012.

- ويلارد كواين، من وجهة نظر منطقية، تر، حيدر حاج إسماعيل، ط1 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006

 

علي محمد اليوسفهذه المقالة الثالثة التي أكتبها عن تساؤل هيدجر: لماذا كانت الموجودات ولم يكن العدم؟ التي أبتدأ به كتابه مدخل الى الميتافيزيقا، وفي كل الاحوال أن ماكتبته بمقالاتي الثلاث ليست آراءا شخصانية متحاملة بحق الفيلسوف هيدجر وأنما هي منهجية ممارستي النقد لافكاره الفلسفية فقط وله ما شاء أن يكون، وللقاريء الحكم على صواب أفكار هيدجر أم صواب الافكار النقدية له؟ طبعا أنا أدعو القاريء الى مراجعة المقالتين السابقتين كي يكون على دراية كافية بالحكم على مضمون هذه المقالة التي هي أمتداد لما سبقها كي تتكامل الرؤية الفكرية لديه ...

كيف يفهم هيدجر علاقة الوجود بالعدم؟

كمفتتح لهذه المقالة أقول أن هيدجر وفي سرده (84) صفحة من كتابه (مدخل الى الميتافيزيقا) يخلط في تناقضاته الفلسفية بين (الوجود) كمفهوم فلسفي تجريدي يحتمل العديد من وجهات النظر الفلسفية كونه مفهوم كلي ميتافيزيقي شمولي لا يمتلك دلالة مصطلحية ثابتة ولا يمكن التعبير عنه الا مجازيا بالفكر واللغة وليس بالادراك العقلي كموضوع متفق عليه فلسفيا، وبين (الموجودات) التي هي متعينات أدراكية مادية محسوسة متوزعة في العالم المحيط بنا يكون التعبير عنها محددا ودقيقا...

وأوضحت مافيه الكفاية في مقالتيّ السابقتين بما يجعلني متحررا من التكرار في وجوب الاعادة لما كتبته لمن يرغب الوقوف على خلط هيدجر بين المفهومين..فالموجودات هي المكونات الاساسية لكل وجود كلي غير محدود بالادراك بينما لا يلزم بالضرورة من ذلك أن يكون تعبير الوجود هو مكافيء انطولوجي للموجودات في وجودها المادي المدرك..

يعرف هيدجر(الموجودات) الانسان والاشياء من حولنا وليس (الوجود):( الموجود هو ذلك الجمع المحتشد من الناس في الشوارع المشغولة الناشطة والضاجّة دائما بالحركة، أن الموجود نحن أنفسنا، الموجود هم اليابانيون والناس الاخرون من شتى الاجناس، الموجود هو المقطوعات الموسيقية المختلفة للموسيقار باخ، الموجود هو كاتدرائية ستراسبورغ، الموجود هو ترانيم هولدرين الشعرية، الموجود هو المجانين الذين يقطنون في مأوى المجانين، الموجود هم المجرمون.)(1)

ويتساءل هيدجر (اذا كان الموجود من المفترض أن يكون في مكان ما وزمان ما، هو موجود أو غير موجود في الواقع، أذا لم نفرّق ونمّيز سلفا بين مفهومي الوجود والعدم، وينبغي علينا أن ندع الموجود يكون ويوجد تماما كما هو الحال)(2)

من الملاحظ أن رؤية هيدجر للموجودات هي محض رغبة شخصية بعيدة جدا عن منهج التفلسف في البحث عن الحقيقة الذي يلاحق حقائق الاشياء كموجودات ومفاهيم باستقلالية عن رغباتنا في تطويعها قسرا، كما أن في العبارات الماضية أقتباسات مأخوذة عن فوكو، وعن مانويل كانط.. لكن ليس مهما الوقوف عندها على كل حال كتوارد أفكار تحصل...

من المعلوم جيدا أن الموجودات والاشياء في العالم من حولنا ليست وليدة رغبة ونزعة ذاتية تريد هذا ولا تريد ذاك، فالموجودات التي عددها هيدجر هي موجودات مستقلة في وجودها عن رغائبنا وأسلوب تعاملنا معها وادراكنا ومعرفتنا لها، أدراكا تفاعليا مشتركا بين كل الناس فكاتدرائية ستراسبورغ ليست موجودة بأشارة من هيدجر لها ولا هو المعجب الوحيد بموسيقا باخ وهكذا مع الشاعر هولدرين والمجانين والمجرمين الخ، الموجودات هو وقائع أنطولوجية لا توجد ولا تخلق برغبة شخص ولا بأرادة مجموعة أشخاص وهي أي الموجودات سابقة في وجودها على كل تفكيروأدراك بعدي لها في وجودها المادي القبلي..فالطبيعة بمكوناتها والموجودات من حولنا هي قسمة أنطولوجية في العقول المدركة لها وليست حكرا على أحد منفردا يجدها ويدركها وحده كما يحلو له ويشاء..

أما تعبير هيدجر دعونا ندع الموجود يوجد، فلا معنى له كون الموجود يوجد بمعزل عن رغباتنا ولا مجال لنا نفيه كموجود برغبتنا أيضا كما لا أمكانية لنا أن نوجده بمجرد تفكيرنا به وأدراكنا له...ودعوة هيدجر أن ندع الموجود يوجد ويتنفس، هو في توفير الحرية كاملة للافصاح عن حقيقته الجوهرية وهو ما لاخلاف عليه..فالموجود الحي (الانسان) هو وجود حرية وارادة وقرار ولا رقيب يمنعه ويستلب منه هذه المعطيات الفطرية والتكوينية المكتسبة التي بموجبها يكون الانسان انسانا لا حيوانا..

لكن الخطأ الاكبر من هذه السقطات الفكرية هو أن هيدجر يضع العدم مكافئا وجوديا على ضوئه وبمقارنته به يتحدد الموجود والوجود معا ... فالعدم ليس وجودا مكافئا للموجود بل هو جزء طفيلي عارض يلازم الموجود في وجوده الانطولوجي المتعين أدراكيا ولا ينفصل عنه حتى أفنائه تماما..وليس من المنطقي أن يتوقف أدراكنا الموجودات في تعالقها مع العدم...فالموجودات لا تحتاج تعينّها الانطولوجي بمقارنتها الضدية بالعدم الافنائي لها..

أن الموجود المدرك زمانيا - مكانيا يوجد ويغيب عن أدراكاتنا له متى ما كان عاملي الزمان والمكان متوفران كوسيلة أدراك له في الحضور وفي الغياب، الموجود يغيب عن أدراكاتنا ولا يغيب بالعدم الافنائي وحده (الموت)، كون العدم نفيا تاما له لكن غياب الموجود هو غياب مؤقت لا يفنيه ويعدم الحياة فيه حينما لا ندركه ماثلا أمامنا وفي تفكيرنا... وعدم أدراكنا الموجودات لا يقع عنه ويترتب عليه أنعدامها وجوديا.... مدركاتنا العقلية فقط هي التي تحدد غياب أو حضور الموجود بخلاف العدم الذي هو أفناء تام وليس تغييب مؤقت للموجود ولا قدرة للموجودات على أدراكه أو أجتنابه والافلات من حتميته..

وقولنا هذا ينطبق تماما على قول هيدجر في تناقضه ( أننا ندرك الموجودات بلا شك كونها تصطدم بنا ونلتقي بها على طول الخط، ونحن نعمل بذلك على التمييز والتفريق بين وجودها من عدمه على هذه الشاكلة)(3)

واضح جدا أن هيدجر يفهم حضور الموجودات من (عدم) حضورها كون العدم يطالها وليس غياب الموجودات الحسّي المؤقت بسبب غياب أدراكنا لها وليس في أستهداف العدم لها ونفيها نهائيا كما يعرب هيدجر أن غياب الموجودات هو بسبب أستهداف العدم لها فقط..غياب الموجود عن مدركاتنا له لا يكون بالضرورة غيابا نتيجة استهداف العدم له..وغياب وحضور الموجود غير الافنائي له عدميا أنما يقوم على أدراكنا له من عدمه..

كيف لنا أن لا نمّيز بين غياب الموجودات المؤقت عن أنعدام الموجودات بالفناء التام، العدم بالافناء والموت التام لها؟ فالعدم يطال الموجودات الحيّة بالموت والفناء مثل الانسان والحيوان والنبات ولا يطال الموجودات غير الحية (الجمادات) في الطبيعة..ولا المفاهيم الكلية مثل الاخلاق والموسيقى والطبيعة غير الحيّة وغيرها..فهذه مفاهيم وجودية تلازم الموجودات والانسان تحديدا..

غياب الموجودات عن أدراكاتنا لا يعني السبب هو أفناء العدم لها فقط، الموجود المدرك في حضوره وغيابه ليس مشروطا بأستهداف العدم له وأفنائه، فغياب شخص مثلا كموجود عنا لا يكون بالضرورة بسبب الموت الذي يستهدفه بالفناء بل بسبب ربما ظروف معينة حجبت تواجده مؤقتا عنا..غياب الموجود لا يجب علينا تعليله تعليلا وحيد الجانب هو أن العدم طاله ولم يعد موجودا.. فعدم الموجود نهائيا لا يكون الا في حالة الفناء والموت وهذا ينطبق على كثير من الموجودات التي لا يطالها العدم بل الغياب الطبيعي المؤقت.. أما أغلب أنحجابات مداركنا عن العديد من الموجودات هي ليست بسبب أستهداف العدم لها فقط بل لأنها موجودات في غياب مؤقت عن مداركنا لها..

ويدين هيدجر فلاسفة عديدين تناولوا مبحث الوجود لعل أبرزهم نيتشة قائلا (أن من الخطأ القول أن كلمة وجود هي كلمة لا معنى محدد لها فارغة وغامضة)(4) وتعبير كلمة لا معنى لها فارغة وغامضة هي لنيتشة..

من السهل أن يكون التفريق بين الوجود كمفهوم كلي تجريدي لا يدرك الا بموجوداته التكوينية له فقط، وبين الموجودات التي هي متعينات أدراكية حسّية للعقل التي هي تكوينات الوجود..والقول بأن الوجود كلمة غامضة غير محددة هو قول صحيح لنيتشة رغم أستهجان هيدجر له، فالوجود مفهوم ميتافيزيقي مجرد، وليس أدراك أنطولوجي محدد كموجودات أدراكية تكوينية له..

ويعود هيدجر الى نفس تناقضه بقوله (ما زلنا نعثر على حقيقة أن الوجود هو عبارة عن معنى غامض وغير محدد ولكن من جانب آخر فأن البحث والذي شرعنا في أنجازه هو فقط أننا قمنا فعلا وبوضوح وبشكل مؤكد بمحاولة التمييز بين الوجود والعدم..)(5) في أكثر من 84 صفحة من كتابه مدخل الى الميتافيزيقا ومن أستطرادات فلسفية لا حاجة لها وتهويم ميتافيزيقي متناقض يقر هيدجر بأنجازه المتحقق في نجاحه  بيان الفرق ما بين الوجود والعدم.!!

لنتعقب نجاحات هيدجر في تمييزه بين الوجود والعدم (ينبغي أن نضع بالحسبان الامر التالي: ربما يكون أمر مشكوك فيه ما أذا كان الموجود الفردي في مكان ما وفي زمان ما موجودا أو غير موجود، ربما يمكن لنا أن نرتكب خطأ بهذا الخصوص على سبيل المثال:ما اذا كانت هذه النافذة هناك، والتي بالرغم من كل شيء موجودة كانت مغلقة... ولكن حتى وأن كان هذا الشك يطرح نفسه فان التمييز المحدد الواضح بين الوجود والعدم يجب أن يكون حافزا حاضرا بأذهاننا)(6)

طبعا لو عدنا الى قراءة عبارات هيدجر فهو لايزال لا يفرق بين الوجود والموجود في علاقتهما بالعدم، ويخلط بينهما في أستعماله أحدهما بدلا من الاخروكأنهما دلالة تعبيرية واحدة لمعنى واحد بعلاقتهما بالعدم..ولا يفرق بين الوجود كمفهوم فلسفي ميتافيزيقي مجرد وبين الموجود الذي هو متعين أدراكي حسّي عقلي.. وهل أصبح تمييزنا كما في عبارة هيدجر السابقة  بين الوجود والعدم هو أن كانت النافذة مفتوحة أم مغلقة؟

هيدجر: اللغة والوجود

يذهب هيدجر لتعريف الوجود بضوء الفهم في تعبير اللغة على أنها هي مصدر أشتقاق كلمة الوجود في تطورها تاريخيا قائلا (اللغة ومن خلال تطورها تشّكل حتميا صيغة المصدر لكلمة وجود، على سبيل المثال :أن يوجد، أن يقدم نفسه، ومع مرور الزمن أصبحت اللغة نتيجة ذلك تنتج معنى ضعيفا متبلدا غامضا لتلك الكلمة) (7).

الوجود كمفهوم ميتافيزيقي قبلي سابق على اللغة ولم تخلقه اللغة وليست هي مصدر تخليقه كوجود..اللغة لم تأت بالوجود كمفهوم وناتج عرضي لتطورها كلغة عوضا عن أنها وسيلة أستدلال الفكرالانساني على معرفة معنى الوجود..فالوجود مفهوم أنطولوجي ميتافيزيقي غامض شغل التفكير الانساني والفلسفي منذ عصور سحيقة قبل أختراع اللغة التعبير عنه تجريدا كمفهوم ميتافيزيقي، ولم تكن اللغة سوى وسيلة الدلالة في التعبير عنه كمفهوم غامض غير محدد ولا يحمل مضمونا يمكن تحديده وتعيينه كموضوع أبستمولوجي خارج نطاق دلالته الغائمة الغامضة ميتافيزيقيا..

أن الوجود من حيث هو مفهوم ميتافيزيقي يكتسب غموضه، وليس أمتلاك (وجوده) من حقيقته على أنه مفهوم غير مجمع عليه كمصطلح متفق عليه ويشّكل هذا الفهم محورا بحثيا مركزيا في الفلسفة... وهذا الفهم لا يربط الوجود بالعدم كواقعة أنطولوجية واقعية، فالوجود على خلاف مكوناته من (الموجودات) لا يلتقي العدم ولا يفنيه الا عندما نبيح لانفسنا أستخدام تعبير (الوجود) ونعني به (الموجود) المتعيّن انطولوجيا المحكوم بالعدم ،والعدم لا يستهدف الوجود كمفهوم تجريدي غير متعيّن.. وأنما هو يستهدف الموجودات الحية الانطولوجية الفيزيائية القابلة للفناء والموت.. العدم لا يعمل في فراغ لغوي تجريدي بل يعمل في مجال أنطولوجيا الموجودات الواقعية الحيّة..والخطأ الشائع في الفلسفة التعبير اللغوي عن الوجود ويراد القصد منه الموجود....

ويعبّر هيدجر عن هذا التناقض في التناوب الدلالي الواحد بين الوجود والموجود رغم حذره الشديد أن لا يقع في التناقض بقوله: (أن الشيء الذي يناقض نفسه لا يمكن أن يوجد ويكون،فالدائرة لا يمكن أن تكون مربعا ولا مثلثا، لكن الوجود محدد وغير محدد كليا في وقت واحد) (8)

ولتوضيح محاولة هيدجر هذه البرهنة على هذا الاشكال المستعصي منطقيا يذهب على خلاف من نيتشة الذي يرى في الوجود كلمة فارغة لا معنى لها كونه مبحثا ميتافيزيقيا في الفلسفة...والقول لهيدجر: (فاذا فكرنا بعمق وعن كثب في حقيقة وطبيعة هذه الكلمة – الوجود – فأنها في نهاية المطاف تتحول الى حقيقة على الرغم من ضبابية وعمومية معناها، أننا بلا شك نقصد بها شيئا محددا)(9).. نلاحظ أن تعبير هيدجر في تحديده الوجود كشيء محدد أنما يكون في أعادة البرهنة على أمكانية تمرير سقطته أنه يتعامل مع كلمتي وجود وموجود أنهما لفظة واحدة في التعبير عن معنى دلالي محدد واحد عن شيء واحد..لتوكيد هيدجر وجهة نظره انه يمكننا استحضار الوجود من المفهوم الميتافيزيقي له، الى مرتبة الموجودات التي يمكننا معاملتها ادراكا عقليا ابستمولوجيا..

هيدجر أمام محاولته العقيمة جعل مفهوم الوجود الميتافيزيقي واقعة مادية محكومة بالعدم يلجأ الى ممارسته لعبة تبادل أدوار معنى الوجود كمتعين انطولوجي بدلالة محمولاته من الموجودات الواقعية المتحررة عن الوجود في وجودها المستقل أنطولوجيا ..الاشتباك بين الوجود والموجود الذي يحاول هيدجر تسويغ أمكانية عبور الاختلاف الواسع بينهما هو في مساواة الوجود كمفهوم ميتافيزيقي غير محدود مع الموجود كموضوع مادي واقعي يطاله الافناء العدمي..

فالموجود يبقى مفهوما معلقا في تعبيرنا اللغوي وفهمنا المتداول الخاطيء أن الوجود ممكن الوجود كمتعيّن انطولوجيا كقولنا (وجود الشيء) ونعني به تعيين الشيء كموجود بأسناد وجوده الى لفظة (وجود)، بهذا المعنى التعبيري اللغوي لم يكتسب الشيء وجوده الواقعي الحقيقي وأنما أكتسب الوجود باضافة لفظة (الشيء) له وجوده المتعين المدرك أنطولوجيا بينما الوجود في حقيقته مفهوم زئبقي غائم وغامض غير متفق عليه..غير متجلي سوى بمحمولاته من الموجودات..

أذن في قولنا (وجود الشيء) يصبح الوجود موجودا بالشيء ولا يكون الشيء موجودا بالوجود..واذا ما قمنا بتجريد الشيء عن لفظة وجود فهو لا يفقد شيئا من حقيقته الانطولوجية كموجود مدرك واقعي بينما يفقد الوجود كل قيمته أن يكون موجودا متعيّنا انطولوجيا.. بتعبير مختصر أننا في حال جرّدنا لفظة (وجود) عن (الشيء) فسوف نحصل على شيء موجود ولا نحصل على (وجود موجود) مجرد غير  انطولوجي في حقيقته..

وفي لفظة (وجود الشيء) لا يكتسب الوجود متعينه المادي منفردا عن الشيء بل يكتسب الوجود ماديته الزائفة غير الواقعية عندما نقرنه بالشيء الذي هو معطى موجود واقعيا.. والشيء كمتعيّن واقعي موجود لا يحتاج أقترانه بلفظة الوجود كي يحوز الاستدلال الانطولوجي كموجود يدرك.. عليه فألاشياء موجودات كمعطى طبيعي لا يتوقف معنى دلالة وجودها بأضافة كلمة (وجود) لها، فالموجود شيء متعّين أنطولوجيا قبل وبعد أضافة أو عدم أضافة لفظة (وجود ) له..

بالمختصرالمفيد قولنا (وجود الشيء) لا يعني أن الشيء أكتسب وجوده (انطولوجيا) كمتعين (موضوع) يمكن أدراكه في أسناده الى لفظة وجود.. ولفظة شيء منفردة وحدها تعني أنه (شيء موجود) مادي وليس (وجودا) لفظيا لا معنى يحتويه ولا يتحدد وجوده من عدمه في أدراكنا له (كموجود) من عدم أدراكنا له، فالاشياء هي موجودات لا يخلقها الادراك من حولنا وما يدركه من هذه الاشياء شخص أو مجموعة أشخاص قد لا يتسنى لآخرين أدراكه.. وتعبيرنا (وجود الشيء) لا يكافيء ولا يفيد معناه أو يعني قولنا (الشيء موجود) الذي هو حقيقة تثبت أن الشيء المعني موجود كمتعين انطولوجي يمكننا أدراكه كموجود..

في محاولة هيدجر أضفاء صفة (الوجود) كمفهوم ميتافيزيقي على موجوداته كمواضيع مدركة للحواس والمخيلة والعقل يقول(الوجود الذي يخص أو يقود الى كل موجود أيّا كان، والذي – أي الوجود – هو بالتالي منثور متوزع ومشتت بين كل تلك الموجودات (الاشياء) التي هي مألوفة وحاضرة بالنسبة لنا، هو شيء – يقصد الوجود – أكثر فرادة وخصوصية من كل الاشياء الاخرى المنثور والمشتت فيها – يقصد موجودات الوجود – أن الوجود ينتمي بوضوح الى مجال الحضور .(10) ...

لا خلاف أبدا على عدم أمكانية نكران حقيقة أن تجّلي الوجود لا يكون ألا بتجليّات مكوناته أي موجوداته التي يحتويها ولا يسيطر عليها كأشياء متوزعة متناثرة عنه في الواقع والمحيط، أن الامر المهم نراه بوجوب التفريق بين الوجود كمفهوم ميتافيزيقي غير محدود ولا يمكننا الالمام به مجردا منزوعا عن مكوناته من الموجودات، وأفتراقه عن الموجودات كمكونات متعينة واقعيا تنسب الى الوجود مجازا ولا تنتسب له في حقيقة ماديتها..

أنه لمن العبث أن نحاول جعل أدراكنا الموجودات كاشياء موزعة متناثرة نعايشها وعلى تماس مباشر بنا هو بوجوب أنتسابها الى (الوجود).. في حين أن الموجودات كانطولوجيا لاشياء متعددة موزعة متناثرة أنما تكون حقيقة وجودها المتعين هو في أنتسابها الى الواقع والحركة والخيال والعقل، وتسميتنا (وجود الاشياء) لا يمنحها حقيقة وجودها ،فهي موجودة كمتعينات مدركة بالحس والوعي والعقل وتعبير اللغة. بمعنى تلخيصي موجز الوجود هو تمثيل مجازي في التعبير عن الاشياء التي هي وقائع حقيقية مباشرة في حياتنا ولا أهمية أن يحضر الوجود في تسميتها أم لا يحضر لأن ذلك تعبير لغوي مجرد.

 

علي محمد اليوسف

.......................

الهوامش:

1- مارتن هيدجر/مدخل الى الميتافيزيقا/ ت: د. عماد نبيل ص 82

2- نفس المصدراعلاه نفس الصفحة

3- نفس المصدر ص 83

4-  نفس المصدر نفس الصفحة

5- نفس المصدر ص 84

6- نفس المصدر نفس الصفحة

7- نفس المصدر ص 80

8- نفس المصدر ص 84

9- نفس المصدر ص 84

 

 

عصمت نصارعلى الرغم من ظهور عشرات الكتابات التي تتحدث عن تاريخ الفلسفة ومباحثها الرئيسة والفرعية، وذلك منذ أخريات القرن التاسع عشر في الثقافة الغربية، ثم في نهاية العقد الثالث من القرن العشرين في الثقافة العربية، إلا إن جميعها قد خلا تماماً من الإشارة إلى مبحث فلسفة الجنس، ويبرر المؤرخون المعاصرون ذلك بعدة أسباب: أولها أن ما كتب عن هذا المبحث في تاريخ الفلسفة لا يتعدّى أن يكون شذرات متناثرة وأقوال في سياقات متعددة لا تشكل نظرية أو نسقاً فلسفياً، وقد أدرج بعضها في مبحث الأخلاق ولا سيما عند الحديث عن فلسفة اللذة ومشكلة الحب، وأدرج البعض الآخر في الكتابات النقدية المعاصرة التي تناولت موقف الفلاسفة من المرأة ذلك فضلاً عن بعض الإشارات الخاطفة خلال كتابات المؤرخين عن الأساطير ذات الصلة بوجود الإنسان (ذكراً وأنثى) والجنس وتقديس الثقافات الشرقية واليونانية للأعضاء التناسلية.

وثانيها : أن بنية المصطلح (فلسفة الجنس) كانت تحوي بين طياتها سياقات مضطربة ومتناقضة في ذهن العقل الجمعي، فالذائع عن الفلسفة أنها رؤى عقلية وتصورات نقدية مثالية كانت أو وضعية، ومن ثمّ لا دخل لمباحثها (الوجود، المعرفة، القيم) بموضوع الجنس، فالفلاسفة المثاليون والعقليون والحدسيون يعلون من شأن العقل وملكاته وينظرون إلى الجسد نظرة دونية باعتباره مكمن الشهوات وأصل الرذائل متأثرين في ذلك بالأساطير الغنوصية والهرمسية. أما الفلاسفة الماديون فقد أدرجوا موضوع الجنس ضمن الغرائز الفطرية واللذات الحسية التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوان بدرجات متفاوتة، وعليه لا دخل للفلسفة فيها إلا في سياق التبرير، في حين عكف علماء النفس والاجتماع والبيولوجي والطب والفسيولوجي على دراسة الجنس بوصفه سلوك وممارسة وقدرة، وما يلحق بكل ذلك من اضطرابات وشذوذ وأمراض وظواهر مؤثرة في الثقافة الإنسانية بوجه عام.

وعلى مقربة من ذلك تناول اللاهوتيون والفقهاء موضوع الجنس باعتباره علاقة جسدية بين الذكر والأنثى، ومن ثم وضعوا الضوابط التي تجعل منها سلوكاً قويماً من الناحية الأخلاقية والاجتماعية من جهة، ومطبقاً للآداب والسنن التي اشترطها الشرع لتنظيم العلاقات الجنسية بين الجنسين (شروط النكاح والحدود والعقوبات التي تخالفها) من جهة أخرى.

وثالثها: إهمال الكتاب للجانب الفلسفي من موضوع الجنس واهتم الجانب الأعظم من المصنفات الجنسية بالحديث عن الأوضاع الجنسية والعقاقير المنشطة والأعضاء وأحجامها والصحة الجنسية والعلاقات الشاذة، وعكف القليل من هذه المصنفات على توضيح آداب الجماع وتاريخ العلاقات الجنسية والسلوك الأمثل في ليلة الزفاف والثقافة الجنسية العامة، ولم يطرح موضوع الجنس إلا على استحياء في الكتب الدراسية وذلك ضمن المقررات العلمية التي تتناول الجهاز التناسلي، ثم ظهرت في منتصف القرن العشرين عشرات الدراسات الأكاديمية التي تتحدث عن الأبعاد النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفنية والأدبية للجنس، ولا يفوتنا في هذا السياق ذكر مقولة شارلي شابلن (إننا نخاف رؤية الدماء مع أنه يجري في عروقنا، كما نخجل من الحديث عن الجنس مع أنه يجري وينام ويولد ويعيش فينا).

فما زال الحديث في الثقافتين الغربية والشرقية عن الجنس من الموضوعات التي تطرح مصاحبة للخجل تارة، والضحك والسخرية تارة ثانية، والهمس في الحجرات المغلقة تارة ثالثة، الأمر الذي انعكس بالسلب على الكثير من القضايا الثقافية المعاصرة بوجه عام، والعديد من المفاهيم الأساسية حول ماهية الإنسان ومكانة المرأة وأثر الجنس في السياسة والاجتماع والتاريخ والأخلاق والنحل والمذاهب الدينية بوجه خاص، ناهيك عن أثر غيبة الثقافة الجنسية الذي يقود الذكور في المجتمعات المتخلفة والمحافظة إلى العنف والإسراف في تعاطي المخدرات واستخدام المنشطات الجنسية، وما يتبع ذلك من صور جانحة أخرى بداية من الشذوذ إلى زنى المحارم إلى الخيانات الزوجية أو الطلاق بين الشباب، والمتفاوتين في العمر، وعودة الدعارة المستترة أو المواقعة عن طريق المجتمع الافتراضي (الإنترنت) وجنون المراهقين بالعري والأفلام الجنسية ذات التقنية العالية المزيفة للوقائع.

لذلك كله سوف نحاول في السطور التالية إلقاء بعض الضوء على نشأة المصطلح وتاريخه ومفهوم فلسفة الجنس وموضوع دراستها، وأشهر أقوال الفلاسفة ونظرياتهم ذات الصلة، وكذا فلسفة الجنس التطبيقية التي تسعى إلى التوعية، ووضع البرامج التربوية للسلوك الجنسي، ذلك فضلاً عن إثبات أن الجنس هو البرهان الأول على الوحدة الإنسانية التي تجمع بين الذكر والأنثى.

الإرهاصات الأولى لظهور مصطلح فلسفة الجنس:

يعد عالم الاجتماع الألماني (جوهان باخوفن (1815-1887م) وعالم الاجتماع الإنجليزي (برونسلاف مالينوفسكي (1884-1942م) من أوائل الأنثروبولوجيين الذين حاولوا الكشف عن تاريخ العلاقات الجنسية البشرية والتعرف على بواعثها ومقاصدها (شهوة فطرية، غريزة حيوانية، لذة ومتعة، وسيلة للإنجاب، طاقة للتفكير والإبداع، سبيل لإطالة العمر والصحة البدنية والذهنية) وانتهيا إلى أنه على الرغم من غيبة الوثائق التاريخية والمعارف العلمية التي تمكنهما من التعرف على البنية الثقافية للجماعات البدائية وطبيعة العلاقات الجنسية فيها، إلا أنهما أكدا أن الجماع الجنسي والعلاقات الحميمة التي نشأت بين الذكر والأنثى كانت ترد إلى الرغبة واكتمال القدرة والإرادة، وذلك على العكس من الحيوان الذي كان يمارس الجنس مدفوعاً بالشهوة والغريزة الفطرية والمؤثرات الفسيولوجية والبيولوجية غير الإرادية.

ولم يظهر مصطلح سيطرة النساء (Matriarchy) إلا في منتصف الستينات من القرن التاسع عشر في الثقافتين الألمانية والإنجليزية حيث كتابات الألماني (باخوفن) والبريطاني (ماك ليلان) عن تلك المجتمعات البدائية التي تسيّدت فيها النساء على الرجال في الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقد بينا عجز الوثائق التاريخية عن تبرير هذه الظاهرة من جهة، وربط الكتابات الحديثة بين المجتمعات الأممية في حقبة ما قبل التاريخ، والقرون الأولى في الحضارات المصرية والسومرية والبابلية والهندية، ومظاهر الضعف أو الانحطاط الثقافي من جهة أخرى، غير أنهما أكدا أن المرأة لم تعجز عن قيادة العقل الجمعي الذكوري، وأن الكثير من النساء أثبتن أن لديهم من القدرات الذهنية والخبرات العملية والمواهب الفطرية والملكات الإبداعية ما لا يقل عن تلك القدرات التي ادعى الرجال أنهم تميزوا بها عن النساء، كما أكد (لويس هنري مورجان (1818-1881م) و(فريدريك إنجلز (1820-1895م) أن المجتمعات البدائية كانت تسوسها النساء على نحو طبيعي، وذلك نظراً لأن الرجال كانوا مشغولين بالصيد والقنص وجمع الثمار من الغابات في حين كانت الأنثى تسوس الجماعة، بداية من تربية الصغار ونهاية بوضع القوانين والضوابط الحاكمة لسلوك الأفراد.

كما أوضحا أن هاتيك المجتمعات كانت قانعة بهذه القيادة الأنثوية استناداً على الأساطير التي جعلت من الأنثى هي الأصل وعلة وجود الذكر الذي لم يكن له وظيفة سوى إفراز وغرس (ماء اللقاح) ويضيف كل من الأمريكي (روبرت لووي) و(مالينوفسكي) أن الانقلاب الذكوري لم يظهر إلا مصاحباً للمجتمعات الزراعية التي مكنت الرجال من الاستقرار ودفعتهم إلى الهيمنة والسيطرة وفرض قوتهم العضلية على النساء في الحقول بداية من التحرش والاغتصاب، ونهاية بالاستيلاء على الغلال ومقاليد الحكم.

وفي عام 1971م قدّم الأمريكي (إدوارد جولد ديفيز) بحثاً أنثروبولوجياً أكد فيه نضج العقلية الأنثوية التي حكمت المجتمعات البدائية وكشف عن زيف الادعاءات والأسانيد التي اعتمد عليها الذكور في العصر الوسيط والقرون الأولى من عصر النهضة، تلك التي حصرت دور الأنثى في المتعة الجنسية وتجاهلت تماماً قدراتها الذهنية وملكاتها الإبداعية التي لا تقل كفاءة عن الذكور، ونزع إلى أن احتجاب المرأة وتخلفها وغيبتها عن اللعب على مسرح السياسة والفلسفة والأدب في الثقافة اليونانية والرومانية ثم الصينية والفارسية في القرون الخمسة السابقة على ميلاد المسيح، ترد إلى استبداد الرجال الذين توهموا أن فحولة بنيتهم الجسدية وجلدهم في القتال والدفاع عن أسوار المدن وعجز النساء عن ذلك، يشرع لهم الحق في الترأس عليهن والتحكم في أمورهن المعيشية، ويبرر ادعاءاتهم واتهاماتهم للنساء بما يبرأن منه مثل : الدنس والتحريض على الشر بإيعاز من الشيطان الذي تلبسهن، ذلك فضلاً عن قصورهن الذهني وحمقهن وشغفهن بالجنس والكيد للرجال بفتنتهن وتفننهن في إشباع شهوة الذكور بمختلف الأوضاع حتى لا ينصرفوا إلى مواقعة الغلمان عوضاً عنهن.

وعلى مقربة من ذلك ذهب الأمريكي (ريتشارد رينز) في كتابه "نحو أنثروبولجيا نسائية" إلى أن ثورة النساء على واقعهن ليست من الأمور المستبعدة، كما أن مطالبتهن بحقوقهن في الريادة والقيادة والولاية والرئاسة يجب علينا تقبلها تأسيساً على التاريخ الأنثوي التليد التي استبدت فيه النساء ليس بجمالهن ودلالهن وإغرائهن، بل بعقولهن وقدرتهن على تسييس الواقع.

أما الكتابات المعجمية الفلسفية فقد تناولت فلسفة الجنس في سياقات عامة مثل الثقافة الجنسية، وهى تلك المعارف التي تتحدث عن الجنس من حيث طبيعته الفسيولوجية والبيولوجية، والشهوة الجنسية، وسبل ضبطها والتحكم فيها عن طريق التربية والتوعية والنصح والوعظ الديني والتقويم الأخلاقي، وتوضيح الآثار السلبية للانحرافات الجنسية والتأكيد على أن الممارسة الطبيعية للجنس هي التي تحدث بين الذكر والأنثى، وأن المشروع منها هو المعلن بالزواج، وذلك حفاظاً على المعتقدات والعادات والتقاليد والشرائع السماوية، ذلك فضلاً عن البناء الاجتماعي النفسي للفرد والجماعة والصحة الجنسية بوجه عام. وقد نحت الموسوعات الأنثروبولوجية والاجتماعية والنفسية والتربوية عين المنحى. أمّا مصطلح الجنسية (Sexism) فقد ذاع في كتابات الاجتماعيين في منتصف القرن العشرين، وذلك في سياق الحديث عن نقد النظريات التي تميز بين الذكر والأنثى، تلك التي وصفت بالرؤى الذكورية، وذلك لنظرتها المتدنية للمرأة، تلك التي اعتبرتها مجرد أداة لإشباع المتعة الجنسية والتسري وإنجاب الأطفال والخدمة المنزلية، الأمر الذي ربط بين المرأة والشهوة الجنسية.

وقد استندت هذه النظرية إلى الموروث الثقافي الذي جمع في بنيته بين الأساطير والمعتقدات الشعبية والعقائد الدينية، وعلى الرغم من ظهور مئات الكتابات في العصر الحديث التي دعت للمساواة الكاملة بين الذكر والأنثى، واعتبار المرأة الشريك الإنساني والقرين الذي لا يمكن الاستغناء عنه للوجود البشري، إلا أن العقل الجمعي الأوروبي لم تتغير نظرته للمرأة ولا ربطه بين ماهيتها والعملية الجنسية؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور العديد من المصطلحات ذات الصلة، أهمها : (الحركة الأنثوية، تسلط الرجال (Patriarchy)، سيطرة النساء) وذلك في كتاب الكاتبة الأمريكية (كيت موراي ميلليت (1934) سياسات الجنس الذي ظهر عام 1969م، وقد نقدت فيه الهيمنة الذكورية في شتى الميادين، بداية من الصيغ والدلالات اللغوية، ومروراً بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وانتهاء بالأعمال الفنية والأدبية والدعاية الإعلامية، مبينة أن المرأة هى إنسان وجدت مع الرجل ولا فضل له في وجودها، ومن ثم تنتفي كل الادعاءات التي تجعل منه وصي عليها، وتجعل منها تابعة له أو مجرد دمية أو وسيلة للمتعة، كما أن العملية الجنسية ما هى إلا علاقة حميمة ورغبة إرادية من الطرفين لا لتحقيق لذة أو متعة مشتركة أو إنجاب الأطفال فحسب، بل للتعبير عن وحدة الجنس البشري والوجود الإنساني الذي لا يتحقق إلا بتوافق ورضى بين المشاعر قبل الأعضاء الجنسية.

وعلى الجانب الآخر حاولت الكاتبة الفرنسية (كاثرين ميلليت (1948) بقلمها الصحفي الماجن الساخر في كتابها (حياتي الجنسية) توضيح أن الأطوار الجنسية الإنسانية لا تختلف بين الذكور والإناث، الأمر الذي يدحض اتهام المرأة بأنها شهوانية من جهة، أو وصفها بأنها ذلك الكائن الخانع المستسلم لرغبة الرجل والمسخر لإرضائه وإشباعه لاسترضائه من جهة ثانية، والعاجز عن اعتلاء عرش الفحولة التي يتوهمها الذكر، ففي مقدور أنثى واحدة مجامعة عشرة رجال في وقت واحد، الأمر الذي يعجز عنه الذكر من جهة ثالثة، وأن المثلية الجنسية ليست حكراً عليه؛ فيمكن للنساء إشباع شهوتهن عن طريق السحاق من جهة رابعة, أضف إلى ذلك كله أن قدرة المرأة على مواصلة العلاقات الحميمة تفوق الذكور بقدر كبير، كما أن صلاحية الرجل لممارسة الجنس مرهونة بلياقته البدنية التي لا تزيد عن ربع قرن، في حين أن فتنة المرأة ولياقتها الجنسية في المجتمعات الراقية يمكن أن تستمر لضعف تلك المدة، ناهيك عن النفقات التي تستنزف ثروات الرجال ولا سيما (المعاقين جنسياً، وكبار السن) على المخدرات والمنشطات للقيام بواجباتهم والتلذذ بمتعة الجماع. (وللحديث بقية في المقالة القادمة)

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

 

عامر عبدزيد الوائلياليوم تتفتح مع ثورة المعلومات إمكانات هائلة أمام الإنسان، تتجسد في قدرات خارقة على الفعل والتأثير.انه الإنسان التواصلي الذي تتيح له الأدمغة الآلية والتقنيات الرقمية التفكير والعمل على نحو كوكبي وبصورة عابرة القارات والمجتمعات والثقافات .(1)

مهما اختلفت المواقف لكن نحن جميعا ندرك أن أمام موقف اتصالي وأخر غير اتصالي، وبالتالي فان بنية الخطاب "العلاقة بين الديمقراطية والإعلام وإشكال الاتصال"في الفكر الغربي الذي فيه خطابين إعلاميين: الأول يقوم على هيمنة التقنية، فيما يهيمن في الثانية على دور الإنسان- من خلال الفهم الذي يقدمه هابرماس للاتصال -كلما كان فهم التقنية يعتمد على مرجعية ثقافية كلما كانت تكنولوجيات الاتصال الحديثة أكثر إنسانية في أدائها.

أن الإمكانيات المتاحة للتواصل الإنساني على الشبكة العالمية للإنترنت أو عبر الأقمار الاصطناعية قد وفرت فعلا فرصة الحوار والجدل بشكل يبدو حر لكل الناس وأتاحتها أيضا وهنا تكمن الإضافة فرصة بناء إشكاليات إنسانية كبرى (الصحة، التعليم، السلم..) وفرصة وجود حلول جديدة لها، من أن أجل أن يبقى الفضاء العام الشمولي ظاهرا للعيان وحاضرا في دفع قضايا أي مجتمع من خلال تكنولوجيات الاتصال فإنه يجب الاعتراف بإمكانية هذه التقنية في نقل المعلومة وتبادلها وتخزينها داخل سياق سياسي وثقافي لماهية الاتصال الاجتماعي. لبلوغ هذا على الفضاء العام واقتصاد السوق بالاعتماد على مجتمع المعرفة بشقيه الاقتصادي والسياسي على أن يندمجا وأن لا يتنافرا ويمكن ذلك عندما يستطيع الذكاء الجماعي لا الفردي في نسخته السياسية أو الاقتصادية أن يحقق وحدة الاتصال والإعلام بوصفهما ظاهرة تطبق عليها التقنية والمعلوماتية كصيرورة من التواصل الإنساني هدفه إنارة الفعل الجماعي.

الغاية التي نشدها هنا هي أن نقدم قراءة، من خلال البحث في إشكالية الخطاب الأعلام بشكل عام والأعلام العربي بشكل خاص، في مسعى إلى تحليل الوعي الذي يتشكل بفعل تلك السياسة الإعلامية العربية وما تعاني من عوائق فكرية وتقنية، وهذا يحصل عبر الانطلاق من الواقع الإعلامي وخلفياته الاجتماعية والمعرفية والسياسية وإثرها في تكوين تلك المشكلة التي نحاول الوقوف عندها وعند التحديات التي يتركها الأخر عليها.

اما حدود هذه القراءة مرتبطة بما نحاول ان نخوض فيه وهو يكمن في دراسة التجربة الإعلامية العربية والغربية وأهداف كل منهما ونتائجهما الضارة و النافعة على الوعي العربي و الإسلامي، نظراً للارتباط الأعلام بمصالح تحركه من اجل تطويع المتلقي للرسالة التي يسعى ذلك الأعلام من اجل إيصالها.

فان عملية الاتصال تمثل حلقة الوصل بين الرأي العام public) opinion) الذي يمثل اتجاهات الناس نحو قضية ما أو ارائهم الآنية واعتقاداتهم من جهة وصانعي القرارات من جهة أخرى، استمرار هذا التفاعل يضمن الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي واستمرار عملية التغير المجتمعي والسياسي بطرق سلمية تضمن التعددية والتداول السلمي للسلطة، فإن الاتصال - بحسب ما سبق- ظاهرة اجتماعية ثقافية غاية في التعقيد، وجزء لا يتجزأ من الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتربوية، لهذا يمكن إن نرى مدى ذلك الاتصال بين الأعلام بوصفة آلية فعالة في إنتاج الوعي وبين السلطة التي هي بمثابة القوة الفاعلة اجتماعيا وسياسيا وإعلاميا في توجيه تلك الآلية في تسويق سياستها إلى الرأي العام .

وبالتالي فمشكلة البحث " تقوم على دراسة الصلة بين الإعلام والديمقراطية"ومحاولة استعراض إمكانية تناول إعلام حر اتصالي يعيش اهتمامات الناس ويمارس نقل همومهم ويبلور حوارات اجتماعية تقوم على الاتصال والاعتراف .

في وقت الواقع العربي والعراقي "على وجه الخصوص" تغيب فيه ملامح التواصل والتفاعل بين إفراد المجتمع فالمعروف أن الخطاب الإعلامي اليوم يقوم في جزء كبير منه يقوم على فكرت الحوار والاتصال والاعتراف بالمهمشين والمقصين؛ لأنهم يمثلون جزء كبير من الذات بالمقابل نلمس اختلاف في فعالية الأعلام في الفضاء العربي فهو مصاغ بحسب القوة السياسية التي توجهه فإذا كان النظام السياسي " السلطة " يعتمد الاستبداد و التفرد ويتخذ من القوة طريق في التعامل مع الرأي العام عبر التحكم في تصرفات الآخرين وممارسة الضغوط عليهم. لكل إنسان الحق في التأثير وإقناع الآخرين بوجهة نظره أو فكرته أو مشروعه، بل هذا شيء سامي يمارسه كل عظيم ونبيل في البشر، لكن ليس من حق إنسان، أياً كان، ومهما كان، إجبار آخر على رأيه وفكره أو دينه.

 فان وظيفة الأعلام تنصب من خلال العمل على نقل رسالة من يمتلكون القوة إلى من يستجيبون لها وهذا حال الأعلام في الأنظمة الشمولية التي تحتكر القرار السياسي والإعلامي معاً يغدو دور الإعلام يقوم على تمثيل الواقع وليس الواقع نفسه.إما إذا كان النظام السياسي الذي يقوم على المشاركة فان ذلك يظهر في فعالية صناعة القرارات لأنها تكتسب شرعيتها من المواطن،و بين الاثنان تباين عميق يصل إلى حد البناء الذهني للمجتمع الذي يمكن وصفه ببعديه: الأول المجتمع العصبي والأخر المجتمع الديمقراطي .

 المبحث الأول: بنية الخطاب الإعلامي في العالم المعاصر

الإعلام والتواصل

1- الرؤية التواصلية الإعلام داخل الفضاء المعاش

 أولا: في هذا المجال لابد من التأكيد على أمر أساسي قوامه إننا في ظل عهد معرفي جديد وان التحول يشكل قطيعة مع الرهانات القديمة وبالتالي ثمة مجتمع جديد يتشكل مجتمع كوني عالمي فوق المجتمع التقليدي القائم على روابط القرابة أو اللغة أو العقيدة –كما في المجتمعات الزراعية – وهذا المجتمع الجديد أيضا خارج رابطة المواطنة –التي تشكلت في ظل المجتمع الصناعي – بل أن المجتمع الجديد يقوم على رابطة هي الاشتراك في الشبكات الالكترونية مجتمع تداولي .تغيرت فيه الثقافة وبدأت تأخذ اطر ومسارات من حيث الشكل والمضمون أو من حيث وسائطها ومسالكها أو من حيث آلياتها وتشكيلها أو طبيعة القوى التي تسهم في إنتاجها واستهلاكها بحث بدت هذه الوسائل تؤسس إلى إنسان عالمي بعيد عن المؤسسات الوسيطة التي تعتمد خطاب الوصاية ضمن ثقافة موحدة مهيمنة كل هذا تحطم في ظل الحريات التي تتيحها الممكنات التقنية والمعرفية التي تتيح للمرء الاطلاع على كل معارف العالم الشبكات الالكترونية التي بدأت تحل مكان المكتبات العامة والتأويلات المؤسساتية التي تحتكر الوصاية على الحقيقة والمعنى .

في ظل هذا التحول الحضاري لا يمكن طرح مفاهيم الوسيطة الاثنية والقومية ولا الطائفية ولا الوصاية التي تقيمها الدول الطائفية ولا العشائرية أو العسكرية ولا يمكن إعادة عرض أفكار الحرب الباردة وطابعها ألارتيابي.

إذ هناك حقبه حضارية تتشكل وليس الأمر مجرد منطق تقني فقط لقد تحطم سور الدولة والطائفة والقومية واللغة و ما عدنا أسرى وأحادية المعنى نحن إمام حرية لا توصف وإمام منطق جديد من الصراع على المعنى تغير فيه من حيث البنية والنظام ومن حيث(مرجعياته ونماذجه، أو من حيث منطق اشتغاله وشفرات تواصله فلا يجدي التعامل معه وكأنه شيئا لم يحصل) (2)

الأمر الثاني: في ظل هذا الواقع نحن إمام نوع جديد من الاستخدام للإعلام هناك في ظل هذا المجتمع التداولي نوعين من الإعلام يحاول توظيف الممكنات التقنية والمعرفية والأخلاقية والمعرفية في بناء رسائله الإعلامية، في هذا المجال يقدم هابرماس توصيف جديد إلى الخطاب الإعلامي من حيث الوظيفة التواصلية التفاعلية اذ يرى هابرماس (أن وسائل الإعلام الجماهيرية تحمل في داخلها قدرة متناقضة أو متضاربة، وسيكون خروجا عن الموضوع، الزعم بشكل ثقافي –كما فعلت النظرية النقدية القديمة –أن وسائل الإعلام الجماهيرية تخرب كل رأي عام نقدي، فهي على العكس من ذلك يمكن أن يعزى إليها دون شك قدرة تحريرية)(3) إن هذا التوصيف النقدي يعيد قراءة المواقف النقدية من الإعلام في وقت كانت الرؤية الراديكالية تتهم الإعلام بالاداتية فان هابرماس يعيد اكتشاف جانب مهم من الإعلام هو القدرة على التحرر و مجال التحرير يشمل اجتهاد الذات معرفة نفسها، أو التأمل في الذات. أما مدخل المنفعة إلى هذا المجال فيتمثل في صياغة التاريخ والسيرة بما يوافق الرؤى الذاتية والتوقعات الاجتماعية. التحرير مطلوب إذن من القوى المؤسسية والبيئية والجنسية التي تحد من خيارات الإنسان، ومن التحكم العقلاني في الحياة، والتي يؤخذ بها باعتبارها أمراً واقعاً لا يقوى الإنسان على الفكاك منه، لكونه خارج دائرة تحكمه. على هذا الأساس فإن البصيرة المستمدة من الوعي النقدي تعد تحريرية بما أنها تسمح بالتعرف على الأسباب الصحيحة والحقيقية لما يواجه الإنسان من مشاكل. معارف التحرير تتأتى من خلال التحرير الذاتي الناتج عن التأمل والذي يفضي إلى (تحول الوعي) أو(تحول المنظور.)ويمكن أيضا أن نجد أن النص يقدم لنا البعد الجدلي الذي يأخذ القراءة الرأسمالية لدور الإعلام ثم القراءة الراديكالية ثم القراءة التواصلية أي ممكن أن يأخذ بعدا ثلاثيا: القضية (أي الإثبات أو الأطروحة) ونقيضها (أي النفي أو الطباق) والقضية الناتجة عنهما (أي نفي النفي أو التركيب) فمثلما أن للإعلام دور معلوماتي إشهاري له أيضا دور تواصلي هذا ما تستنتجه القراءة التواصلية حيث تعيد اكتشاف الوظيفة التحررية القائمة على التواصل أو التفاعل الذي ينتج رأي عام يساهم في تغير الواقع وعلى هذا الأساس -نحن نطوع فكر هابرماس ونتأولها –ثمة نوعان من الاتصال: الاتصال السليم والاتصال غير السليم .

الأول الاتصال السليم:

 يقوم على أخلاقيات النقاش المعتمدة على لغة تواصلية مرجعية مشتركه مرجعيا ونحويا، فيما هناك غايات متفق عليها في تحقيق تواصل من اجل إرساء قيم ومعايير تحقق التفاعل الذي يحاول إيجاد قاسم مشترك من اجل حل النزاعات موضوع النقاش والتواصل يروم بلوغ غاياته النهائية في تكوين رأي عام نقدي ومقوم للشأن العام .ومجال عمل هذا التواصل داخل العالم المعاش أي العالم الواقعي وهذا العالم منقسم بدوره إلى ثلاث فئات هي الثقافة، المجتمع، الشخصية، وهي مكونات العالم المعاش .

 إما الثقافة (الرأسمال الرمزي): التي يعود إليها المشاركون في التواصل في تأويلاتهم وتفاهماتهم حول الأشياء المنتمية للعالم .

ونحن نلمسها بحسب تأويلنا في التراث أو القيم المشتركة التي تجعل التواصل ممكن، لان الجميع يتخذ من مرجعيه له وان تنوعت الإفهام.

إما الثاني فهو المجتمع: وهو يمثل تلك الضوابط المشتركة ومشروعيتها التي بواسطتها ينظم المشاركون في التواصل انتماءاتهم إلى مجموعات اجتماعية، ويدعون كذلك الى تضامنهم .

 وانأ أتناول هذا المجتمع بحسب المقدمة فأراه ثلاث مجتمعات بينها انكسارات جيولوجية وتداخل: فهو مجتمع زراعي يعتمد منظومات قيم مذهبية وعشائرية، أو مجتمع مدني يعتمد منظومات طبقية ونقابية وأحزاب، ومجتمع تداولي يقوم على أساس الفضاء الافتراضي والانترنيت وعالم المعلوماتية .

إما العنصر الثالث "الشخصية": فهي تلك القدرة التي بفضلها تكتسب ذات ما قدرة على الكلام والفعل والقدرة على الانضمام إلى صيرورة التفاهم وبالتالي تثبيت المقدرة الخاصة فالحقل السيميائي، والزمان التاريخي يشكلان الإبعاد التي من خلالها تتطور الأفعال التواصلية .

الثاني التواصل المشوه:

لا يقوم على افتراض اتفاقيات مشتركه حول اللغة وقد لا يتعامل معها كونها أداة للتواصل ؛لأنه يعتمد وسائل إستراتيجية تقوم على الهيمنة الاداتية من اجل التمويه والتلاعب بالمجال العام من اجل إخضاعه لتلك الأنساق الاقتصادية والسياسية مما يؤدي إلى خلق إجماع زائف يختلق رأي عاما داعما للنظام السياسي مسلوب الإرادة . إلا أنها مرجعية ثقافية تكتنز انساق قاره في اللاوعي الجمعي قد تكون حائل كبير دون الاعتراف بالتعدد والتنوع والاختلاف، بحاجة إلى نقد وأعادت النظر بها كما سوف نرى في المبحث .

وبالتالي نحن نجد الإعلام بين الرهانين السابقين فالأول منهما هو التواصلي ألتفاعلي الذي يقوم بوظائف رقابية من اجل حماية المجتمع والمجال العام من خلال التالي:

أن غياب هذه الوسائل بصفتها الحرة، ومنع الناس من التواصل السليم بصورته الاشهارية، يقلل ويحط من أهمية ونوعية الحياة الإنسانية .

إن للإعلام اثرا أساسيا في نشر المعرفة والنقد، فهو يمارس أسلوبا الكشف عن المعلومات من جهة، وتحليلها، والتحقق منها والتحقيق فيها من جهة أخرى .

للإعلام وظيفة حمائية للمهمشين والمهملين، من خلال إيصال أصواتهم من خلال، اتصال بين الحكام السياسيين، الذين غالبا ما يكونون منعزلين عن المجتمع .

إن تشكيل القيم عبر التواصل والانفتاح والنقاش تعتمد الإعلام لجعل العملية التفاعلية بانتاجها خاضعة لمعايير عامة كونية عبر نقاش ممكن ان تسهله وسائل الإعلام تلك .

 2- المجال العام والإعلام

في حالة اضمحلال أخلاقيات النقاش في المجال العام من خلال غياب الحوار التواصلي ومنع الجماهير من المشاركة في الشأن العام عبر نزع الصفة السياسية عنهم ومن خلال اتخاذ القرارات وتشريع القوانين بصورة تسلطية يودي هذا الطابع المهيمن إلى انبثاق أزمة الشرعية والنزاع حول قبول المجتمع بشكل النظام السياسي وممارسة الهيمنة .

ماذا يكون دور الإعلام بالتأكيد يكون إما: أعلام خاضع إلى السلطة السياسية ألقائمه على الإقصاء فاقدة الشرعية فيكون دور الإعلام التضليل وخداع الجماهير وتبرير ممارسات السلطة السياسية، أو يكون إعلام حر يسعى إلى فضح التضليل والخداع وكشف ما يحاك من إعمال لا تصب في مصلحة الجماهير وفي هذا يكون دور الإعلام السليم دور مهم - كما يرى هابرماس:

في تسهيل عملية النقاش عموما

وتبينان الصلة بين الوجوه المتعددة لوسائل الإعلام

وهكذا يمكن أن تتحقق وظائف التواصل الثلاث وهي: التبادل Echang، التبليغ Transfert، التأثير Impact.

البحث الثاني: الرؤية المهيمنة اللاتواصلية في العالم العربي

المطلب الأول: البعد الاداتي المهيمن في الفكر السياسي

من خلال العلاقة بين الإعلامي الواقع السياسي وما يفترض أن يقوم به الإعلام أين يمكن أن نضع الواقع الإعلامي في العالم العربي؟ فالملاحظ انطلاقا من تلك الفرضية التواصلية أن الذي يهيمن هو إعلام غير تواصلي وبالتالي فان فلسفة الأعلام في بلادنا لا تخرج عن نطاق التجهيل و حجب المعلومات ويرجع ذلك إلى طبيعة النظام السياسي الحاكم للأعلام فهو إما: نظام الملكية والتبعية للأجهزة الرسمية أو الخضوع لسيطرتها ورقابتها، فهذا يعتمد سياسة الحجب للمعلومات أو الكشف عن المناسب منها وهذا الأمر يعكس نزعه استبدادية فانه إعلام سلطوي السمة الرئيسية المشتركة لمعظم الانظمه العربية التي تمثل في كونها أنظمة يسيطر عليها القابض على المركز الرئيسي لصنع القرار السياسي في قمة هرم السلطة فيكون دور الأعلام تنفيذ سياسته الدعائية والترويج لمصالحها لا للصالح العام إلا أنها تقدم تلك المصالح على أنها تمثل الصالح العام . ولكي نعرض لهذا الأمر لابد من تناول نقطتين:

 أولها الشرعية السياسية للدول:

 إن الواقع العربي واقع بين تخلف أنظمته السياسية والثقافية والاجتماعية وهيمنة الأخر عليه،مما يجهل الخطاب السياسي يميل إلى الاستبداد والهيمنة التي لم تستثمر منجزات العقلانية النقدية للحداثة ومرد هذا يعود إلى إشكالية التحديث التي أشرفت عليه الدولة في وقت ظهرت فيه الحداثة الثقافة الغربية التي تقلب التقليدي وتستبدله بنظام مغاير يقوم أساسا على التعاقد الاجتماعي والشراكة وتدشين مؤسسات المجتمع المدني وحرية الرأي والاعتقاد (ان احد خياراتها في العقلانية و الديمقراطية، وفصلت الدين عن الدولة، وأطلقت مؤسسات المجتمع المدني لتؤسس الاندماج والوحدة، من داخل التنوع والاختلاف)(4). وهذا جعلنا إمام نظامين اجتماعين وحضاريين

 الأول: المتمثل بالحداثة الوافدة من الغرب فهي تقدم حداثة سياسية تقوم على التعاقد الاجتماعي القائم على أساس إن الأفراد المكونين للمجتمع متساوين في الحقوق والواجبات(5) وتظهر الديمقراطية بوصفها نظام يغدو الإطار الدستوري والقانوني للحرية التي هي انفتاح مسؤول على الإنسان بالسلوك في إطار الايثارية، وهو الشق الأول منها، أي من الديمقراطية للحرية وللتناوب الإيديولوجي الحر على السلطة والحكم من اجل تغير الواقع والإنسان سلميا استجابة لتحقيق حاجاته المادية والمعنوية وهو الشق الثاني منها . والديمقراطية، بقيمها المتحررة ألمبدعه لتميزها إياها من قيم العصبية المتزمتة ألمعيقه لكل أبداع . فالمجتمع الديمقراطي نقيض المجتمع العصبوي (6) في الوقت الذي نرى المجتمع الديمقراطي ينظر إلى الحرية مقترنة بمسؤولية الالتزام بقيم المساواة والديمقراطية والعدل والحياة الانسانيه واحترام شخص الإنسان وحريته والحفاظ على المجتمع وعلى وجوده نظيفاً صحيحاً خاليا من كل تلوث تسعى إلى تغير الواقع عقلانيا فهي لا تطلب السلطة لذاتها، بل لأجل إنماء الإنسان وتحقيق أهدافه (7)

اما الثاني: المجتمع العصبوي الذي ينطلق من مفهوم العصبية وهي شعور فئوي بوحدة ألجماعه المتميزة، بشوكتها لكونها سلطة واحده وجسما واحداً، ومصلحة واحدة، قوية التضامن والتماسك، يشد أفرادها بعضهم إلى البعض و شعور بالانتماء إليها لا إلى غيرها من الجماعات وشعور الانتماء هذا يولد في افرادها التزاما قيميا فئويا نحوها، بكل مالها وما عليها التزاما واجباً ومسئولا يجعل الأخ ينصر أخاه ظالما أو مظلوما ويجعل جماعة العصبية ترى " أشرارها أفضل من أخيار غيرها " وان وحده الشعور بعصبية الجماعة هي في أساس التعصب الديني والوطني والقومي والعرقي، والتميز بين الناس والشعوب (8) والتقارب بين الهوية والعصبية كبير " فالعصبية " إنما تكون من " الالتحام بالنسب من الولاء والتحالف . وابن خلدون يرى " إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له، ونفعه إنما في هذه ألوصله والالتحام (9) في الوقت الذي يبدو النسب أمر وهمي كذلك الهوية فهي تخضع للاختلاق والتلفيق عبر تغييب الأصول في العملية، وان تقصى كل فرص الاعتقاد بأن هذه العملية من صنع الإنسان . وتعي الجماعة خصوصيتها واختلافها عن الجماعات الأخرى . عندئذ تبدأ هذه الجماعة في تشكيل إطار ثقافي تموضعه فيه إي تبدأ في تشكيل هويتها الثقافية (10) ثم تحول تلك العصبية أو الهوية إلى بنية قيمية توجه السلوك وتخلق تصورات ألجماعه حول ذاتها وعلاقتها مع الآخرين فالعصبية: نعرة فئوية، دموية، رحمية، ملازمة، لنمو النوازع الاوليه يتربى عليها الطفل، وتبدأ مع ألام في الاسره .. وهذه الفئوية وقوتها تشكل شوكة الجماعة، ثم تستحيل، بفعل التطور إلى فئوية طائفية، دينية أو عرقية تستمد نعتها لا من الدم فحسب، بل من الشعور الديني أو المذهبي أو العرقي الفئوية، ثم تستحيل إلى فئوية إيديولوجية من الفكر الطائفي العرقي والانتماء الحزبي وعلاقات تنشأ منها فئوية متعدد في المجتمع العصبية (11) يقوم على ولاء فئوي أهلي بالمقابل فان المجتمع الديمقراطي إنتاج الحداثة السياسية القائمة على التعاقد وفكرة المواطنة بوصفها علاقة بين المواطن مجتمع ـ دوله هو تميز المجتمع عن الدولة بالمقابل المجتمع العصبي ينظم اجتماع الجماعة على أساس الشعور بالانتماء إلى جماعة معينة على أساس قرابة الدم أو الاشتراك في الدين أو في المذهب وهذه العصبية كما لاحظنا هي الدرجة الدنيا والأولية في البناء العصبوي، وقد لا تكون دائماً مبعث مشاكل اجتماعيه أو سياسية طالما بقيت في حدود التضامن الذي يؤسسها بوصفها علاقة طبيعية وليست مدنية وتبدأ بالظهور من بنية إلى سلوك عندما يبدأ ولاء الناس للكيان الوطني للدولة بالاضمحلال يغدو ولاءهم لعصبياتهم أعلى و اشد من الأول.ومن ملامح هذا النمط من المجتمع الذي تسوده الو لاءات العصبية المتصارعة إن يتصف بأنه " بلا إجماع سياسي " منقسم على ذاته بفعل هيمنة احد العصبيات على الحكم وتحويلها إلى سلطة تحكم بفعل القوه والإكراه تعمل على فرض أرادتها على غيرها بالقوة بعد إن تحول إلى السلطة، أي إلى واقع سياسي ينقل الولاء من الطائفة والعشيرة إلى السياسة فغدو توزيع الولاء على أساس القرب الدموي أو ألاثني في قيادة الاجهزه الأمنية والوزارات والأماكن القيادية "أي أهل الثقة وأهل الخبرة "؟ فان البحث عن الإتباع يقتضي بالضرورة الطاعة العمياء لان الاختلاف يقتضي بالضرورة الإقصاء والتصفية المعنوية والجسدية داخل الطائفة أو العشيرة نفسها مما يعنى إن الدم مجرد وسيلة وليس غاية بذاتها في التوظيف السياسي للعصبية (12) انظر التوظيف السياسي الاختلاف والتباين لان "الهويات تبنى من خلال الاختلاف "(13)

إما إذا عدنا إلى السلوك العصبي الاجتماعي فانا نلاحظ في سلوك تلك الأقليات-إي أقلية أو أثنية في عالمنا العربي- أنها على المستوى السياسي والفكري تعيش انفصالا على مستوى العقيدة أو المذهب أو الدم. إما على المستوى الاقتصادي حيث يزول ذلك الانفصال إذ يحدث تعاون وتبادل المصالح لهذا نرى الفئة فيما بينها تفاوت اقتصادية يحولها إلى طبقات لكن الفكر يوحدها اتجاه غيرها لذلك نلمس الدول في الوقت الذي يعيش اغتراب عن واقعها المنقسم إلى عصبيات طائفية وفئوية وقومية تحاول إن تغلب علية باعتمادها أحدى العصبيات المهنية التي تعتمد الإكراه مع غيرها فان الدول رغم عصبيتها إلا أنها تعمل الخطاب الديمقراطي وتزيف التجربة الديمقراطية سعياً إلى كسب الشرعية التي يراها الكثيرون في:

إما هيمنة القانونية التي هي ذات طابع عقلي .

والهيمنة التقليدية طبعاً للعرف (أو العصبية) والمهيمنة الكاريزمانية أي ذو القدرة الخارقة على سحر الجماهير التي هي ذات طابع انفعالي وتتطلب الثقة الكاملة برجل استثنائي (14) أو القائد الرمز ومن ثم دمجه دمجاً احتكارياً.سياسي ويسوغ إعلاميا وتربويا ودينيا، حتى يغدو كاسمنت المسلح في توجيه الجماهير وصياغة الرأسمال الرمزي لهم دون إرادتهم يقادون إليه وبالمال العام للدولة الربيعية التي يمارس عليها الفرد دور رسولي ينقذها من سباتها الطويل إلى اليقظة، والحقيقة لما يمتلكه النظام العصبي الشمولي في عالمنا العربي يريد إلغاء الاختلاف فيعيد تطويع الأمة حسب أهدافه ومراميه لما يمتلكه من قوة ومعرفة فهو يمارس سياسة المراقبة والمعاقبة يعتمد كل الآليات المتاحة طال ما كانت علاقته بالأخر الأجنبي مستقرة .

لهذا فان الثقافة الوطنية هي ثمرة التقاطع التاريخي بين الثقافة المحلية التقليدية من جهة وثقافة الغرب المستعمرة من جهة أخرى،فهي بقدر ما تشير الى هوية " ألانا " المحلية الخاصة بنا بوصفنا عرب بقدر ما تنطوي على المفهوم الجديد الذي أيقظ الوعي بالهوية الوطنية في الوقت الذي كان يطمح إلى انتهاكها وتدميرها (15) فلقد كان من الطبيعي ان تؤدي المجابهة مع الاستعمار والتفاعل معه إلى إن يكون الهدف القريب والمباشر للاستغلال هو استرجاع الدول وإعادة بنائها على قاعدة قطرية فالاحتكاك بالأخر محبوب نظراً لتقدم الأخر العلمي والحضاري مكروه لما تركه الأخر من أثار نلمسها في تخلفنا بسب الاستعمار، إلا اننا في دراستنا لظاهرة الدولة والمشروع السياسي إمام أمرين:

الأول: أنها ليست وليدة فعالية داخلية أنتجتها الظروف ألداخليه بل هي وليدة فعالية خارجية هيمنت على المنطقة عسكريا وفكريا بإنتاجها لمفهوم الحديث للدولة

 الثاني: أنها تنتمي إلى بعد اجتماعي وتاريخي واقتصادي هي وليدة هذا الأمر . 

إن الحكومات التي ولدت في هذا الفضاء الاداتي حيث هيمنت المحتل أو هيمنت الماضي عبر قراءات إحيائية اتخذت منها الدول المستقلة سواء كانت وعوائل حاكمه أو انقلابات ثورية مرجعية من اجل اكتساب الشرعية ومن هنا كانت مساعي الحكومات العربية تتمثل:

أولا- إن تحوز على الشرعية عبر انتسابها الاجتماعي ذو الطابع العصبي سلوكاً وطريقة تفكير عصبوية تقوم على التمركز حول ألذات وإقصاء الأخر.

ثانياً - تحاول إسباغ الشرعية عليها عبر ادعائها الديمقراطية التي تتصف

ـ اختزال التجربة الديمقراطية بعزلها عن العمق الشعبي وجعلها مجرد تجربة لا تجد أي تأثير لدى القاعدة الشعبية

سطحية وهشاشة التجربة الديمقراطية بوصفها نظرية سياسية في الواقع العربي مما حاولها إلى مجر ديمقراطية شعارات استهلاكية .

غياب المؤسسات الدستورية، تحت وطأة الدول السلطوية الاستبدادية، التي تكرس حكم الفرد " الكاريزما نية " في مقابل حكم الأغلبية، وقانون الرئيس أو الزعيم أو القائد على حساب حكم ألجماعه آو المؤسسة، أو الأحزاب .

تأسيس الثقافة الديمقراطية وجعلها ثقافة تبشيرية للنظام الحاكم، بدل تثقيف السياسة الديمقراطية، (16) بإسناد مهمة تطبيقها ورعايتها وتعميق مفاهيمها لدى أبناء المجتمع.

تكريس غياب الديمقراطية في الحياة السياسية العربية هو استبعاد منطق التعددية السياسية بحجة إن هذه التعددية تؤدي إلى تكريس الخصوصيات في حين المطلوب دمج هذه الخصوصيات في ورقة ألدوله لكن كل المحاولات القسرية لم تؤدي إلى انصهار الخصوصيات في بنية ألدوله وبالتالي فان العجز عن تحقيق دوله ألمواطنه(17).

إن أدق تعريف للنظام السياسي الممارس في أدبياتنا السياسية، انه نظام لا عنوان له . فهو مزيج من العشائرية، والطائفية والقبلية والجهوية، والمذهبية، والسلطوية، والديمقراطية والإسلامية والجمع بين هذه فالاستبداد آفة ممثلة في السلطوية، وغياب المراقبة على الحاكم، ومزاجية الحكام وتهمش الكفاءات وإقصاء النزهاء، مفضلا عن الاعتقال والاختطاف والتعذيب وغير ذلك من آفاق الحكم المستبد كما إن الديمقراطية عناوينها من الدستور ومؤسسات ومحاكم وانتخابات ونواب وحكومات وصحافة ولكنها عناوين أفرغت من محتوياتها وهذا الأمر انعكاس إلى تلك البنية العصبيويه التي تقوم على الإقصاء والتمويه وإبقاء الكل في حالة صراع الهدف السلطة لذتها داخل العصبية الواحدة أو مع باقي العصبيات، عبر خلق تحالفا مع بعضها ضد بعضها الأخر وسرعان ما ينتهي هذا التحالف بمجازر دموية تعمق الصراع حول المناصب وتوغل في الإقصاء (18) لقد أقامت تلك السياسة الاقصائية بإنتاج الرفض الفكري من بل الكثيرين امن المثفين الذين تم زجهم في المعتقلات لأنهم يعارضون أفكار السلطة، هذا قاد السلطة إلى إنتاج العنف المضاد الذي كان يشكل رفض لسياستها لعل التكثيف الذي قدمه المفكر "حسن حنفي" البليغ في وصفه العلاقة بين الدولة والموطن " فالدولة في ذهن المواطن هي الشرطة والمواطن في ذهن الدولة هو العاق أو الخائن أو العميل(19).)ومرد هذا أيضا إلى الخطاب الحتمي الذي هيمن على الايدولوجيا العربي كما يرى عبد الإله بلقزيز: الى ذلك، قامت هذه التيارات الفكرية جميعها على فكرة الحتمية. وجوهر هذه العقيدة كما يرى بلقزيز هو جوهر فلسفي (مضمر أو معلن) يقوم على الإيمان بالحتمية بوصفها التعبير المطلق عن فعل قانون الموضوعية. ولقد كان هذا الإيمان الأعمى بها هو المسؤول عن سقوط الخطابين الليبرالي والماركسي في نزعة علموية فاضحة. فالدولة الليبرالية على النمط الأوروبي تمثل قدراً محتوماً في رأي الليبراليين العرب. أما الدولة الاشتراكية فهي حتمية تاريخية لا غبار عليها في منطوق الاشتراكيين العرب، وهو لذلك ينتهي إلى عدد من النتائج يشترك فيها الفكر السياسي العربي إذن انتهى إلى أن يصبح فكراً دوغماتياً، محكوماً بقطيعات نهائية وبداهات غير قابلة للنظر، فيمنع نفسه من تجديد نفسه ومن إثراء موضوعاته وفرضيات التفكير لديه، ويفقد مضمونه المعرفي والنظري متحولاً إلى أدبيات سياسية من طبيعة دعوية بحيث لا يعود في مكنته غير أداء وظيفة تحشيدية وتعبوية ليست من هواجس الكتابة المعرفية والنظرية. ومرد هذه الأزمة بنظر رضوان السيد أزمة الفكر السياسي الإسلامي بأنها غياب لمفهوم الأمة لحساب حضور مفهوم الشريعة وما تبع ذلك من تأسيس لرؤية الحاكمية القائمة على اختزال محدد للشريعة ينحصر وفقها العمل في النضال من أجل اقامة "الدولة الإسلامية" وإذا كان هذا العمل انحرف إلى العنف فإن السيد لا يرى أن الإسلاميين هم وحدهم من سلك سبيل العنف من أجل التغيير بل هم حاكو في طريقتهم هذه النخب القومية المتحولة إلى اليسار. وما فعله الإسلاميون ليس سوى تقليد تحليلات وحلول تلك النخب مع إعطائها عناوين وشعارات إسلامية، فالجهاد المحول باتجاه الداخل الجاهلي هو الصراع الطبقي نفسه. وحرب الشعب الطويلة الأمد وحتمية الحل الاشتراكي هي حتمية الحل الإسلام نفسها. (20)

المطلب الثاني: المعوقات التي يعاني منها الخطاب الإعلامي العربي

 في ظل هذا الفقر الفكري في مجال إنتاج معرفة نظرية بالمسألة السياسية، مسألة الدولة والسلطة والمجال السياسي.نجد ان جميع التيارات الفكرية العربية المعاصرة تتفق في الاحتفال بالمسألة السياسية، مما يجعل الحاجة إلى الشرعية أخذت الحكومات والأحزاب المهيمنة الآليات والوسائل التي تمهد لها تحقيق حيازة الشرعية وهذا لا يتحقق إلا عبر صياغة الرأي العام (فان الرأي العام الذي تبلوره وسائل الاتصال هو ذلك الرأي الذي تؤسسه الدولة، أي المؤسسة السياسية، وفق ما يخدم المصالح الآنية والمستقبلية)(21)" و هذا يظهر في بنية العلاقات التي أقامتها ألدوله مع الأعلام، والقيم التي رسختها في سلوكياته إذ إن الأعلام احد آليات السلطة السياسية المستبدة في عالمنا العربي وهذا يعود بشكل إلى امتلاك ألدوله بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر عبر التشريعات التي تعقد حركة الأعلام الخاص.، وكان لهذه السياسة اثر بعيد المدى على الإعلام:

وقد تركت تلك السياسة اثراً بعيداً في طبيعة ذلك الأعلام الذي انقسم بالساحات العامة التالية:

إن سياسات الاتصال والأعلام لم تدمج على الملائم في سياسات التنمية للقطرية أي انه كان بعيداً عن الدور الفاعل في تطور التنمية عبر النقد والمتابعة التوعية.

تفتقر سياسات الاتصال العربية إلى أساس العلمي من المعلومات والوثائق والأبحاث والميزانية ولعل هذا يتفق مع كونها وسائل دعاية للنظام لا تميل إلى الموضوعية والعلمية بل تعتمد الآنية والارتجال الذي هو طبع الحكومة والحياة الاقتصادية وبالتالي الأعلام.

إن سياسات الاتصال العربية لا تستند إلى خطط واستراتيجيات طويلة المدى . وهذا يعني الآنية والمرحلية في السياسة الإعلامية.

الأعلام العربي هو إعلام رأسي يهبط من أعلى إلى أسفل وذلك يرجع إلى مركزيته وتوجيه الدعائي والذي يخدم رأس النظام وهذا يتخذ من الفرد الاستثنائي محل كل اهتمامها الأول لعل تلك الملامح ساهمت في ترسيخ السلطة القائمة وخلق سلوكيات عامة مرتهنة لهذا الأعلام في وقت تمارس القوه والإكراه الدور المرافق لهذه العملية، مما خلف رأي عام ممزق خاضع لارتهان.فان تلك السياسة رسخت قيم سلبية إذ يمكن إن تلمس إن هذا الأعلام أشاع نمط قيمي معين نرصد فيه:

أ‌- قيم سلبية كرست ألنظره ألقيميه: القائمة على التمركز حول ألذات وعدم القبول بالأخر كفكر أو نظام اجتماعي واعتقادي في ظل شيوع نمط التعظيم الذي يصل إلى حد التقديس السياسي وهذا ما يظهر في حاله احترام السلطة في الوعي العربي سرعان ما تتحول إلى هيبة ثم خوف وتعظيم يؤدي تدرجيا إلى استبعاد أي احتمالات للمراجعة والمساءلة أو المطالبة أو المحاسبة أو المراقبة وتلاشيها ومن ثم فان الاعتمادية المفرطة في امتدادها العام على الصعيد النفسي والسلوكي، تؤدي في الذهن العربي إلى التهيؤ العام أو المنطقي لقبول حالة الاستبداد والحكم القهري المطلق ويقتصر أمل الفرد كله في هذه ألحاله على مجرد إن يكون المستبد " عادلاً " ومع التسليم بشيوع أخلاقيات " الإذعان للسلطة " مهما كانت مطلقه أو استبدادية تقوم على ألوان شتى من أساليب العنف والقهر التي وان خلقت طاعة ألا أنها طاعة شكليه وسطحيه تخفي وراءها مشاعر ومواقف مغايرة تماما تم كبتها بفعل أجهزه أمنيه ذات نفوذ استثنائي في وقت من الشروط الاتصال الصحيح توفر ثلاث عناصر:

وجود ثقافة بديله عما هو قائم .

وجود وسيلة اتصال تنتقل من خلالها الثقافة .

وجود فرد ومجموعه من الأفراد أو مجتمع يمكن إن يستقبل تلك (22) الثقافة

لكن الذي نراه غياب ثقافة بديله تحقق التنمية البشرية و تعمق السلوك الديمقراطي والتعددية، بل أنها ذاتها تلك الثقافة الاستبدادية التي تعمل أجهزة ألدوله على اشترارها مما خلقت اغتراب لدى المتلقي الذي تولد شعور بالاستلاب الذي يخلق شعور بالغربة إزاء السياسية والحكومة في أنها تدار من قبل الآخرين والمصلحة الآخرين وفقا لمجموعه من القواعد غير العادلة وفي هذا يقول حسن حنفي " طالما إن هناك عداء متبادل بين الدولة والمواطن فلا أمل في الإصلاح، هم ألدوله المحافظة على النظام وليس رعاية مصالح الناس وهم المواطن في الخلاص من نظام القهر والفساد وليس في الدفاع عن النظام لا يعبر عنه (23).

ب‌- قيمة الثنائية الحدية: قيمة أخرى تصور إن ثمة أنموذجين متناقضين لا يجتمعان معا أبدا أي التفكير بطريقة (إما ..وإما) أكثر وضوحا (من ليس معنا فهو ضدنا)، وهذه الخاصية بالذات من شانها إن تقوض الممارسة الديمقراطية لأنها تؤدي إلى غياب الحلول الوسطي في التفكير والتحول المفاجىء إلى النقيض أنها سياسية متبعة في الحكم انتقلت إلى الأعلام تقوم على الإقصاء والتهميش للخصوم ونعتهم بكل صورة النمطية . أنها أزمة ديمقراطية لن تسمح للثقافة العربية إن تندمج بوعي الناس يمنحوها قوتها المادية في ظل الأعلام غير حر تتلاعب فيه السلطة تمنح الصحيفة حق النشر سرعان ما تعود إلى تغير قانونها بحسب اتفاقات حزبية تتحكم بها الرؤية الفردية القلقة (24)

ج- تكريس قيم ثقافة ألذاكره: في الوقت الذي تمثل أهداف الأعلام المعرفية في نقل المعلومات والخبرات والأفكار بقصد إيقاظهم وتنوير عقلياتهم ولهدف رفع مستوياتهم الفكرية والعقائدية والعملية، و الهدف المرجو في النهاية تحقيق تكييف لمواقفهم إزاء الحوادث والوقائع الاجتماعية وتحقيق تجاوبهم مع الاتجاهات الجديدة وإكسابهم المهارات المطلوبة، نلمس الأعلام عندنا غالباً ما يعمل ورث تلك الأهداف عبر تكريس قيم ألذاكره القائمة على الأتباع والخضوع بما تعلنه الدعاية في سردها الرسمي عبر وسائل اتصالها المتنوعة والتي تستخدم احتكارها لحق الكلام في إيجاد أصلا يبرر ما تفكر فيه أو ما تسلكه انه يشكل ارغامات للوعي عبر اعتمادها الموروث في تسويغ سلطتها وعبر خلق نماذج فكرية وقيميه تتغلغل في وعي المواطن لتعمل على توجيه أفكاره وأعادت صياغتها، مخلفتاً تأويلات رسمية للتاريخ والواقع والمستقبل تتفق والسرد الرسمي للسلطة التي يعتمد الأعلام الرسمي المعتمد على ما يسميهم ساتر " مهنيو المعرفة " من اساتذه جامعات ورجال دين الموظفين لدى السلطة يبررون ما تريد و يسبغون عليه الشرعية، حتى يبدو علمي وشرعي في وقت هو خارج هذا كله انه إنتاج تلك ألحبكه التي تمكنت من خلقها السلطة وتعمل على توظفها في إرغامه وعي المواطن على تقبل أساطير السلطة المعاصرة ألقائمه على تمجيد ألذات الفردي التي تمثل ألصوره المرغوب بها القائمة على تفخيم ألانا الحاكمة الأمر الذي يقود إلى خفض قيمة الشعب واختياراته وهذه ألحاله جزء من ماضي فكري تم بعثه عبر التمثلات السلطانية وأعادت إنتاجها في شكل جديد إلا انه نمطي،وهذا يمثل انكفاء نحو نوع معين من الماضي استجابة كما يعيشه الحاضر من حالات تشوش وهو على عتبة تحولات كبيرة يشهدها العالم، إنماء قيم أو قيمة معينه إنما هو إنماء ليقيم مسانده لها .. تتساند القيم بأن تلتزم الواحدة بالأخرى بالتشجيع والتداعي والتسويغ، مما يجعل نظامها متماسكاً، مترابطاِ ولاسيما إن كانت القيم من النوع المستبد والمترتب عليها سلوكاً عنيفا، مستبداً (25).هذا الأعلام عبر هذه السياسة إنما تجاوز البعد التنويري للأعلام باعتباره مصدر الحقيقة والتغير حيث تحوله في اقرب ما يكون إلى الدعاية التي تستهدف التأثير في النفوس عبر أشاعه أفكار ومعلومات محدده يهدف السيطرة على الفرد الذي يعاني من هيمنة سلطتها إلا منيه ودعايتها الإعلامية والتربوية، في الوقت الذي استثمر الأعلام وظائف الاتصال الترويجية لمفاهيم سياسية معينه فانه اخفق في خلق رأي عام مقتنع بما لدية من تسويغات وهذا يمثل إخفاق للوظيفة الاقناعية التي تهدف من وراء الاتصال إلى إحداث تحولات في وجهات النظر السائدة حول الواقع السياسي المحلي والعالمي والاقتصادي والفكري وأيضا قاد هذا إلى إخفاق الأعلام من ضمان ألمشاركه الثقافية التي تهدف إلى نقل التراث الثقافي و تحقيق التواصل والتكيف الاجتماعي في الحياة التي يعيشها المواطن العربي بما فيها من تحولات وأخطار داهمه هذا بفعل غياب العقلانية في الأعلام والسياسة وهيمنة الرؤية اللاتاريخية اللانقدية مما خلف عسرا في الاندماج الذي يعانيه المجتمع أصلا . مما أدى خلق شخص خاضع أو مغترب عن الواقع أو متأثر بالأخر تأثر لما لديه يجد فيه بديل من واقع متردي وبالتالي، فإننا نلاحظ أن الإعلام العربي ما يزال في غالبيته يعاني من ضعف بنيته التحتية ومضامينه، وتعرقله قوانين وتشريعات تحد من حريته وفاعليته وتؤثر على دوره في أداء رسالته الحضارية. وباستثناء بعض الفضائيات العربية التي تمكنت من توفير كفاءات مهنية معترف بها وهامش من الحرية النسبية الضروري للنجاح والاستمرار، ما يزال الإعلام العربي يعاني العديد من المشكلات تجعله دون مستوى تحدي بناء مجتمع المعلومات. إذ لا يزيد عدد الصحف في البلدان العربية عن 53 صحيفة لكل 1000 شخص، مقارنة مع 285 صحيفة لكل 1000 شخص في الدول المتقدمة. والصحافة العربية عموماً محكومة ببيئة تتسم بتقييد حرية التعبير والرأي. وما التعطيل عن الإصدار والضبط والمصادرة والتعرض لعقوبة الحبس أو الإيقاف عن ممارسة المهنة، سوى أمثلة عن الصعوبات التي تواجهها الصحافة ووسائل الإعلام في الدول العربية(26)

إما النتائج التي نخرج بها هنا فهي:

إن الأعلام العربي سجين رغبات الدول أو الأحزاب أو الطوائف -التي تحاول تبرير هيمنتها السياسية وتعزيزها

إن الأعلام العربي سجين رؤية موروثة قائمة على العصبية وهي وريثة تراث طويل من الاستبداد السياسي والفكري

هذا الأعلام يخلق نقاط ضعف كثيرة منها

أ- انه يفتقد إلى ألدقه والموضوعية والاستقلالية

ب- انه لا يراعي المتلقي وإمكانيته الاقتناع بالرسالة بل يفرض هذا دون اخذ المتلقي بنظر الاعتبار وهذا عائد لاحتكار السلطة الإعلامية من قبل الدول والأعلام عبارة عن أحدا أجهزتها

ج- من قبل المتلقي إلى المحيطات الإذاعية ثم الفضائية وبالتالي تحولت الرسالة الرسمية بلا متلقي مقتنع بها

د-هناك سياسات أخرى غربية وإقليمية تحاول إن تعبر عن مضامين اقتصادية واجتماعية وثقافية على تقنية وأكثر قدر على اقتراف وعي المواطن وإعادة تشكيلية

 الخاتمة:  الإعلام وأفاق المستقبل في ظل الربيع العربي

 الإصلاح واليات التواصل، الإصلاح مقوله تعني العودة إلى الأصل إي اعتبار كل جديد فيه أخطاء فلابد من العودة إلى الأصل وهذا ما فعله الفقهاء والمصلحون منذ عصر النهضة كلها تطالب بالعودة إلى الأصل من اجل إصلاح جديد ؛ إلا أن الأصل في ذاته هو الإسلام المتعالي، وهو أمر لا يمكن التفكير فيه ؛إلا أن الممكن التفكير فيه هو القراءة البشرية إي كما فهمه العرب-المسلمون وعلى أساسه تم تلقي النص وإعادة قراءته من قبل خطابات متعارضة بحكم المصالح والحاجات او بحكم المرجعيات المعتمدة في قراءة النص فلاسفة متصوفة الخ

لكن لكل قراءة افقها التاريخي ومناخها الثقافي أجدادنا مارسوا دورهم بالقراءة وأيضا نحن علينا أن نمارس دورنا داخل مناخ تعددي لان القراءة لاتاتي بلا قصد مضمر او موجه مصالح و حاجات و مرجعيات فكرية كلها تتدخل في إعادة القراءة وتوجيها سواء أدعت المعرفية ام التدين كلها قراءات تحاول المشاركة في امتلاك الرأسمال الرمزي لأنه يمنح المرجعية إي السلطة والمشروعية في قيادة الحياة و توجيه البوصلة عن من يقود ومن ينقاد هنا تتدخل السلطة في دعم وإقصاء الآخرين وهنا يظهر المكون المجتمعي الذي هو الأخر مجال رحب لمن يتلقى الخطاب ويمنح المشروعية فهذا أيضا بحاجه إلى الفهم فالخطاب هنا يظهر إمكانات الجمهور الذي يستهلك خطابات متنوعة إلا أن الجمهور تحكمه بنيته الذهنية ورغبته في أن يكون لديه دور في إدارة الأزمة وممارسة ألحاكميه حاكميه ألامه إذا نحن إمام خيارات جديدة في فهم ما يدور، اي فهم نفسية الجمهور، مخاوفه، امانية .

والكل يطالب بالتعددية والديمقراطية ؛ إلا أن البعض يتخذ الديمقراطية مجرد وسيلة من اجل الوصول إلى السلطة

ممكن إن يقودنا هذا إلى العنف والتصادم بحثا عن حرية عدالة اجتماعية ؛لكن ممكن ألان إقرار التنوع عبر المشاركة والتداول الديمقراطي من دون أن يتنازل السلفي عن سلفيته ومن دون أن يتنازل العلماني عن علمانيته، الحل الذهبي هو الإيمان بالعددية ودولة المواطنة وترشيد العنف من خلال الاتفاق على جعل الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة من اجل الوصول إلى السلطة هذا يتطلب دولة المؤسسات صاحبة مجتمع مدني يقيد السلطة ويزيل النمط المشوه من السلطة السائد الاداتية الذي لم يأخذ من الحداثة إلا المظهر لكن الجوهر الدولة السلطانية التي تعتمد على الفقه السلطاني وخطابها الرعوي وطابعها ألريعي الذي جعل الدولة مجرد هيكل فارغ لا ينتج إلا الاستبداد نحن بحاجة إلى تغير نوعي وكمي مجتمعي وليس معرفي فقط لان المثقف فقد دوره الأبوي المهيمن .

أن الحراك ولد مجال رحب يمكن أن نخوض فيه بالممكنات على مستوى الثقافة المشتركة لدى الشعوب العربية وتمثل مشترك رمزي، وعلى مستوى المجتمع الذي أصبح يمتلك زمام المبادرة على مستوى المعارضة الواعية السلمية التي تريد التغيير وهي تتفاعل من خلال المؤسسات الاتصالية التي مكنتها من بلورة رأي عام ومن ناحية الشخصية التي غدت - واعية بعد الانفتاح الجديد- من هنا ممكن القول: البعد الميتافيزيقي/الدين "المتن الرمزي " على "مستوى الثقافة" واثر في الاستثارة .

البعد التواصلي "الحوار والتفاعل" واثر في المشاركة والتداول والتفاعل "مستوى المجتمع".بعيدا عن العقل الاداتي للدولة وإعلامها المضلل .

البعد التاريخي "المرحلة ما لها وما عليها " ودوره في التعبير عن الرهان الذي أنجزه الوعي اليوم .إي الانطلاق من هم المرحلة وما يعانيه الإنسان في هذا القطر أو ذاك بعيد عن الخطاب الشمولي أي اخذ الهم الآني بالحسبان ليبدو هو الهم الأكبر من خلال المطالبة بالتنمية والإصلاح ثم هناك ممكنات كثيرة متاحة لنا في اكتشاف الحدث الجديد هناك الكثير من ملامح المشهد وبعد الحدث فيه منها .

هناك جيل جديد وصل به الحد إلى حالة من الغليان ويريد التغير وليس التدمير لهذا يحاول أن يقيم تحالفا جماهيريا يجتمع على كلمة وشعار مشترك من اجل إزالة النظام باعتماد الرهان الديمقراطي وهذا يختلف عن رهان الثورة بإطاره الستيني القائم على العنف الثوري بمعنى أن التحولات الجديدة تنتمي إلى الخيار الديمقراطي وليس الخطابات الشمولية المعتمد التغير الجذري.

إن التحول الجديد يقوم على إدراك الحاجة إلى مجتمع تواصلي حواري يريد تقديم حلول ليس هدفه السلطة وهذا أمر مختلف عن الخطابات الستينية التي غايتها السيطرة على السلطة عبر العنف

إن المحور الثالث أن الجماهير تريد التحول القائم على التنوع المنطلق من الواقع ولا يقوم على خطاب تخيلي شمولي يقوم على الحزب القائد ومنظومة شعارات تخيلية لا هم لها إلا الاستثارة والتهيج

إن الجماهير تدرك موقف الأخر وتدرك طبيعة التحول العالمي الذي أعاق تسلط الدول على شعوبها والقوانين التي تراعي حقوق الإنسان في زمن غاب به الاستقطاب

إن التحول ألمعلوماتي أدى إلى انهيار الاحتكار الإعلامي من قبل الدولة مما جعل الشعب خارج الوصاية والتوجيه المركزي وأكاذيب الإعلام الرسمي

المجتمع التواصلي التفاعلي تحقق عبر مواقع التواصل الاجتماعي جعل الجماهير قادر على التواصل

إدراك الشعوب طبيعة التوازنات والعلاقات الدولية وحاولت ونجحت في توظيفها لصالحها .

 

 ا. د.عامر عبد زيد الوائلي

مركز دراسات الفكر النقدي

.....................

(1) علي حرب، حديث النهايات فتوحات العولمة ومآزق الهوية، المركز العربي، ط2، بيروت، 2004، المقدمة .

(2) المصدر نفسه، ص106.

(3) فرانك أدولف: المجتمع المدني ..النظرية والتطبيق السياسي، ص84.بواسطة علي عبود المحمداوي، الإشكالية السياسية للحداثة، منشورات الاختلاف، ط1، بيروت، 2011، ص246.

(4) ابراهيم عبد الله غلوم، الثقافة هيمنة نسق الاستبداد، م/ ثقافات، شتاء، 2002، 31-14.هذه الأنساق نجدها في نظر العربي إلى علاقة ذاته بالأخر: إن إدراك العربي في العصر الجاهلي لهويته لم يكن مقتصرا على صفاته الخلقية والخٌلقية فحسب، وإنما كان مدركا أيضا لما يميزه عن الأخر غير العربي . انظر: فاطمة احمد المزروعي، تمثلات الآخر في أدب قبل الإسلام، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، المجتمع الثقافي، أبو ظبي، 2007.

(5) علي عبود، المصدر السابق، ص7.

(6) عبد العزيز القباني، العصبية بنية المجتمع العربي، دار الأفاق الجديدة، ط1، بيروت، 1997، ص18.

(7) المصدر نفسه، ص19.

(8) المصدر نفسه، ص42.

(9) ابن خلدون، المقدمة، دار القلم، بيروت، 1989، ص130.

(10) نادر كاظم، الهوية تحبيك السردي والتشكيل الإيديولوجي، م/ نزوى، ع33، 2003، ص103.وانظر أيضا: نادر كاظم، تمثيلات الأخر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2004، ص40 قوله: إن تمثل الآخر بوصفه آلية من آليات الهيمنة والإخضاع، وجزء شكل من أشكال التمثيل مند غما في مؤسسات الانضباط وأجهزة المراقبة والمعاقبة، غير أن تمثيل الآخر مهمة شاقة ومعقدة وبالغة الصعوبة .

(11) عبد العزيز القباني، العصبية بنية المجتمع العربي، ص45.

(12) انظر ما يقوله زهير الجزائري، المستبد، معهد الدراسات الإستراتيجية، بيروت، 2006، ص83 يصف تصفية الخصوم الشيوعين التكارته من قبل البعحثين التكارته في مدينة تكريت (فعندما كان الشيوعيون والبعثيون يتصارعون على النفوذ في مدينة تكريت قاد خير الله طلفاح (خال صدام حسين) حمله التحريض لتصفية الشوعيين في المدينة بالرصاص اغتيل سعدون التكريتي وهو احد أقاربه وقائد المنظمة الشيوعية في المدينة .واعتقل الخال وابن أخيه معا عام 1959.) وهو انموذح عربي الإنتاج والتوزيع في الانظمه العصبية العربية ألان التي تكو ثرت في الدولة العربية .

(13) فاطمة احمد المزروعي، تمثلات الآخر في أدب قبل الإسلام

(14) جورج بالاندييه، الانتروبولوجيا السياسية، مركز الإنماء القومي، ط1، بيروت، 1986، ص40.

(15) جورج بالاندييه، الانتروبولوجيا السياسية، المصدر نفسه، ص7.

(16) عبد الرزاق قسوم، عوائق الديمقراطية في التجربة العربية، م/التعددية، لندن، ص40.

(17) مسلم عبد الله، غياب الشرعية وتحديات الديمقراطية في الدولة العربية، م/ التعددية، لندن، ص10.

(18) انظر: سيد القمي الفاشيون والوطن، منشورات الجمل، ط1، 1999.

(19) ممكن أن نلمس ذلك في التيار الإسلامي في مصر والعراق وسورية، أمثال سيد قطب ..الخ .

(20) حسن حنفي، الحكومات المستبدة تغتال استقلال الشعوب، جريدة الزمان، ع 1899، أراء ومقالات، لندن، ص15.

(21) رضوان جودت زيادة، ازمة الفكر السياسي الاسلامي، جريدة الحياة، بتاريخ، 16/10/2001.

(22) عبد الرحمن عزي، دراسات في نظرية الاتصال، نحو فكر إعلامي متميز، ص69.

(23) هادي نعمان، الموسوعة الصغيرة، 23، بغداد، 1978، ص85.

(24) حسن حنفي، الحكومات المستبدة تغتال استقلال الشعوب، جريدة الزمان، ص15.

(25) الان توميسون، نحو فهم المستقبلية، ترجمة: ياسر الفهد، منشورات وزارة الثقافة دمشق، 1983.

(26) عبد العزيز القباني، العصبية بنية المجتمع العربي، ص107.

 

زهير الخويلدي"يجب على المترجم الاختيار بين تقريب القارئ من المؤلف أو تقريب المؤلف من القارئ"[1]1

يعد شغل الترجمة في المجال الفلسفي مناسبة سعيدة وتجربة مفرحة وعملية مهمة في دنيا المعرفة لدى المؤلف الذي وقع عليه الاختيار وناله الشرف وجودة التميز لكي يترجم ولدى القارئ الذي يتوق دوما إلى الجديد ويتطلع إلى الزيادة في معرفته وتنمية تفكيره بزيارة عالم الكتب والمؤلفات التي كتبت بلغة مغايرة.

كما يفتخر الفلاسفة برؤية أعمالهم وهي تعبر من اللغة التي كتبوا بها أول مرة إلى لغات أخرى عالمية تلقى الاهتمام والانتشار ويرون في ذلك حياة جديدة لهذه الأعمال واستدامة لها وإمكانية رحبة لشرحها وتفسيرها والتعليق عليها ومنحها مناسبة أخرى لتوضيح ماهو غامض فيها وللتطوير والنماء والتعديل.

لكن هل عمل الترجمة هو استعادة وتكرار للنص الأول في نص ثاني بلغة أجنبية أم انتعاشة وإحياء له؟ وفيم تتمثل خصوصية الترجمة الفلسفية؟ وهل ثمة منطلقات منهجية وعتبات بيداغوجية لفلسفة الترجمة؟ ومن يقوم بالحكم التقويمي على عمل المترجِم؟ هل هو الأخصائي في الترجمة أم المتلقي للعمل المترجَم؟

لقد فجرت هذه الأسئلة الكثير من الحوارات بين المختصين في الترجمة وترتبت عنه عدة مواقف متبانية وخلافات جوهرية في التعامل مع النصوص الفلسفية حول الترجمة الناقصة والترجمة الوافية وأثارت أسئلة فرعية أخرى مثل: ما الذي يعتمد عليه المترجمون عند ترجمة عمل فلسفي؟ هل تكفي معرفة لغة المصدر أم معرفة اللغة المستهدفة؟ إلى أي مدى تعد معرفة الفلسفة ضرورية لترجمة عمل فلسفي؟

توجد الترجمة في نقطة تتقاطع فيها العديد من الاختصاصات والعلوم والمعارف وتستمد معقوليتها من اختلاف اللغات وتنوعها أولا والحاجة إلى نقل المعنى وتوضيح الدلالة وفهم المقصد من القول ثانيا. لكن اذا كانت ترجمة المصنفات العلمية الدقيقة  من مشمولات علم الترجمة ومختلف الآلات المعدة للغرض ومن الأمور المتاحة فإن شغل المترجم يبدو عسيرا في مجالات العلوم الإنسانية والفلسفة والفنون والآداب. إذا كان الوجه الحالي للفلسفة قد تغير بالمقارنة مع وجهها السابق ولم تعد منحصرة في الجدل الخطابي والنص المكتوب بل عاد الخطاب الشفوي والتصويري ولم يعد الخطاب الفلسفي ينسب إلى مؤلف واحد بعينه وإنما إلى جماعة فلسفية تنشط داخل مدرسة علمية ضمن سياق ثقافي بأكمله فإن هذا التحول يمكن أن يؤدي إلى إعادة تعريف للدور الذي تقوم به الترجمة الفلسفية والى التخلي عن ترجمة أمينة وحرفية. 

الآية على ذلك أن ترجمة الفلسفة مثل تعليمها على وجه التقريب تحوز على خصوصية فريدة بالمقارنة مع المعارف الأخرى تتعلق بالأبعاد الفكرية والأساليب الحجاجية والروابط اللغوية والتسلسل المنطقي لعرض الآراء والمواقف ووجهات النظر والأدوات المفاهيمية والمسار الإشكالي في التدرج في التحليل والتعقيب.

لذا يمكن اقتراح تناول مسألة ترجمة المصنفات الفلسفية بشكل خاص من خلال وضع أسس تفكيرية تأخذ كنقطة دعم صياغة التعاليم والقواعد العملية وتكون قادرة على التوجيه نحو ما يسمى الترجمة الفلسفية.

إذا أردنا انجاز ترجمة متكاملة ومتوازنة للمؤلفات الفلسفية فيجدر بنا الاعتماد على مقاربة هرمينوطيقية ترتكز على جملة من الأسس والأساليب والقواعد التي تعود إلى النظريات التأويلية في تحولاتها المتنوعة وحري بنا أيضا أن نميز بين علم الترجمة وفلسفة الترجمة لكي يتسنى لنا تحديد الميدان الذي تتنزل ضمنه النصوص الفلسفية والذي يصون خصوصيتها من الاختلاط بغيرها واعتماد المنهجيات التي تتلاءم معها.

لا تقتصر مشاكل الترجمة على الجانب التطبيعي والوقوع في الترجمة الآلية التي تقتصر على المتابعة الحرفية وإنما تتعدى ذلك نحو الجانب النظري حول علاقة المترجم بلغته الم وباللغة المستهدف والقارئ.

في هذا الإطار يقترح شلايرماخر تغلب المترجم على غرابة اللغة الأصلية وتطويعها عند نقلها إلى اللغة المستهدفة دون الإضرار بالأولى والتعسف على الثانية والتحلي بالمرونة والرغبة في الأعمال الغريبة.

من المعلوم أن شلايرماخر يميز بين المترجم الآلي الذي يمارس مهنته بطريقة ميكانيكية في مكتبه في مجال الأعمال التجارية والمترجم الحقيقي الذي يشتغل في مجال العلوم والفن والفكر ودلالة الخطاب2[2].

والحق أن ترجمة النصوص الفلسفية يجب أن تتناسب مع البعد الخطابي بقدر البعد الشفهي أو الحواري. لذلك ينبغي للترجمة الفلسفية، القائمة على مبدأ الصدقية، أن تبدأ حوارًا مع المؤلف والتقليد الفلسفي نفسه. في المقابل، نؤمن بأن هذا النوع من الترجمة يجب أن يجذب الفضائل التعليمية (التفسيرية) للمترجم ذاته. ولا يوجد علم دقيق بالترجمة ينطلق من أسس ثابتة وينتهي إلى نتائج يقينية تحقق المطابقة التامة في اللفظ والمعنى بين النص الأصلي والنص المترجم، كما لا توجد ترجمة صحيحة تامة بالمعنى المتداول للكلمة. وما يتم الاشتغال عليه هو الترجمة كتأويل نصي أو كفن إنشائي يبذل فيه المترجم على قدر المستطاع جهد الإحاطة والفهم والاستيعاب والتملك للنص الأول عند لغة الانطلاق ويقوم بالنقل والتعبير والحبك عبر إعادة البناء وإعادة التشكيل والنحت وصقل والبلورة والصياغة الثانية في اللغة المستقبلة عند الوصول.

هكذا يجب أن تسير الترجمة الفلسفية الآن جنبًا إلى جنب مع القدرة على الدخول في حوار مع المؤلف نفسه والتقليد الفلسفي الذي ينتمي إليه وذلك لأن القدرة الجيدة على الترجمة الفلسفية تقترن بالقدرة الجيدة على التواصل بطريقة فكرية مع محتوى الفلسفة التي يوقعها المؤلف أو مضمون الفكر الذي يكتنزه النص. هناك أساليب مختلفة للترجمة ولا يوجد أسلوب واحد ينبغي إتباعه من طرف المختصين بغية الوصول إلى ترجمة أمينة للنص الأصلي والمترجم الجيد هو الأكثر قدرة بيداغوجية والمتمكن من الناحية التربوية لكي يقوم بإيصال النص المترجم في أحسن حالة تعبيرية وعلى أفضل شكل للثقافة الجديدة والجمهور المتلقي.

على هذا النحو "يجب أن يهدف المترجم إلى تزويد قارئه بصور وسرور مماثل لتلك التي تعطيها قراءة العمل باللغة الأصلية للإنسان المثقف.. الذي.. يواصل إدراك الفرق بين اللغة المكتوبة ولغته الأم"3[3].

جملة القول أن الترجمة تحاول التخلص من ثنائية الترجمة الصحيحة التي يتم التأكيد عليها في المجال النصي المكتوب والترجمة التفسيرية التقريبية التي يكتفي بها الخطاب الشفوي والمسموع والتصويري ولكنها تقع في التطبيق الهجين للطريقتين دون وعي بصعوبة تحقيق التوازن بينها والوفاء التام للمطلبين. فمتى تمدنا الهرمينوطيقا بالفن الذي يسمح للتعاون ممكنا ويحقق المواءمة بين احترام فحوى النص الأول وتحقيق الحاجة التي يشعر بها الأخصائي في الترجمة الفلسفية إلى جعل النص المترجم واضحا للقارئ؟ والى أي مدى يجوز اعتبار تقريب الكاتب من القارئ ترجمة جيدة؟ وأليس التأويل أوسع من الترجمة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.............................

الإحالات والهوامش:

[1] Voir Schleiermacher Friedrich, Des différentes méthodes de traduire, conférence lue le 24 juin 1813 à l’Académie Royale Des Sciences de Berlin, traduit par Antoine Bermain, édition du Seuil , Points Essais ,Paris, 1999,

[2] Schleiermacher Friedrich, Des différentes méthodes de traduire, op.cit. p31.

[3] Schleiermacher Friedrich, Des différentes méthodes de traduire, op.cit. p57.

 

زهير الخويلدياستهلال: "الفلسفة تستمد نموها من موقفها النقدي الكوني، وتتوجه ضد كل معطى سابق من التراث" [1]

لقد تلقى أدموند هوسرل المولود في سنة 1859 بمدينة بروزنيت التابعة لمورافيا في ألمانيا والمتوفي في سنة 1938 والمنحدر من عائلة يهودية متحررة تكوينا في الرياضيات في جامعة برلين وناقش سنة 1883 أطروحة دكتورا حول مفهوم العدد وتابع دراساته العلمية بجامعة فيانا، وتمكن من نشر سنة 1891 كتاب فلسفة الأرطميتيقا [2] ولكنه ما لبث أن اعتنى بالمنطق ونشر بين 1900 و1901 كتاب البحوث المنطقية في ثلاثة أجزاء، يتحدث الجزء الأول عن مقدمة في المنطق المحض ويتناول الجزء الثاني بحوث في الفنومينولوجيا ونظرية المعرفة، بينما يهتم الجزء الثالث بعناصر التوضيح الفنومينولوجي للمعرفة [3].

على الرغم من هذا التكوين المنطقي الرياضي فإنه بدأ في دراسة العهد الجديد Nouveau Testament منذ سنة 1882 تحت تأثير ماساريك وشرع في الاهتمام بالفلسفة من خلال مطالعته المعمقة لفنومينولوجيا الروح لهيجل سنة 1884 وحضر عدد من الدروس في الشتاء الفاصل بين عامي 1884-1885 لعالم النفس الشهير فرانس برونتانو حول الفلسفة العملية وتجريبية دافيد هيوم واعتنق البروتستنتية سنة 1886.

بدأ رحلته الفلسفية باكتشاف مفهوم القصدية أثناء محاولته إصلاح الديكارتية تحت تأثير برونتانو وتأليفه "أفكار توجيهية في الفنومينولوجيا" وتأسيسه الفلسفة الفنومينولوجية المحضة من خلال استئناف التفلسف. تفترض الفنومينولويجا، في جزء أساسي منها، وصف الظواهر، وهو دور الذي يجب أن تضطلع به الفلسفة ذاتها. إذا كانت الفنومينولوجيا قادرة على تولي هذا الدور الوصفي، فذلك بفضل عمل هوسرل. لقد صاغ هاينريش لامبارت (1728-1777) التعبير نفسه لتعيين مبدأ الظهور من خلال الاعتماد على عمل كانط الذي قام بالتفريق بين الظواهر من جهة والأشياء في ذاتها أو الجواهر أو النومان من جهة مقابلة. لكن هيجل كان أول فيلسوف درس إمكانية وجود ظواهر من شأنها أن تكون موضوع دراسة منهجية لأشكال الوعي الهائلة التي يجب على العقل أن يسافر عبرها للوصول إلى المعرفة المطلقة [4].

من هذا المنطلق قدمت فنومينولوجيا الروح (1807) نفسها على أنها "علم بتجربة الوعي"، حيث يتم تجاوز كل تجربة للوعي من خلال تحقيق الفهم الذاتي الكامل، في الشكل التأليفي للوعي الذاتي والوعي الموضوعي. بمعنى مختلف تمامًا، يمكن تسمية فنومينولوجيا أدموند هوسرل "علم تجربة الوعي" بشرط أن تكون التجربة هنا هي تجربة الوعي المتعين بأشكاله المتعددة. من هذه التجربة الذاتية يمكن أن يكون هناك العلم الصارم ولقد وجدت فكرة هوسيرل للفنومينولوجيا من حيث هي وصف للظواهر أول تعبير رسمي لها بعد كتاب البحوث المنطقية في كتاب دروس في فنومينولوجيا الوعي الحميم بالزمن 1905.[5]

 تؤكد نظرة بسيطة على المشهد الفكري للقرن العشرين أن هوسرل لم يكن مخطئًا في تقديمها للقراء في مشروع تم كتابته في عام 1913 باعتباره "عملًا رائعًا" يمثل نهاية الفلسفة المثالية وبداية الفلسفة كعلم.[6]

لقد كان شاهدا يقظا ومحترسا على عصره وانتبه إلى غياب المنهج التفكيري عن الموقف العلموي ولكنه سعى منذ 1910 و1911 إلى بناء "الفلسفة من حيث هي علم دقيق" لكي يتخطى حالة الانقسام في العلوم. لقد بدأ مشروعه النقدي بمساءلة الأحداث التي تقع في عصره والحذر من المواقف السياسية وحمله انتباهه الفنومينولوجي للظواهر إلى تدبر الوضعية التاريخية والسياسية للحقبة المعاصرة ووجه نقده العميق العلوم في البيان الفلسفي الذي أصدره في فيانا سنة 1935 والمعنون "أزمة الإنسانية الأوروبية والفلسفة" بعد تقاعده المبكر عن التدريس في جامعة فرايبورغ سنة1928 وأدى قدوم هيدجر إلى استبعاده عن كل نشاط.

والحق أن هذا الكتاب هو سلسلة من النصوص التي كتبها في عام 1935 ولكنها ظلت طي النسيان أثناء الحرب العالمية الثانية ولم تطبع وتظهر إلا في عام 1954، أي بعد ستة عشر عامًا من وفاته. لقد سعى فيها إلى تحديد أصل الأزمة - Krisis - التي كانت تعصف بأوروبا والعالم في بداية القرن العشرين ورأى أنها تعود إلى التخلي التدريجي عن المثل العليا للفلسفة اليونانية لصالح مبادئ العلم الموضوعي.

بيد أن الكتاب الثاني حول الأزمة هو المعنون "أزمة العلوم الأوروبية والفنومينولوجبا الترسندنتالية " [7] كان قد ألفه بين سنة 1935 و1936 ويعد العهد الجديد في الدراسات الهوسرلية لما مارسه من فتنة على قارئيه ولما تضمنه من عودة إلى الذات عبر أوديسا المعرفة والمصير الذي ينتظر تاريخ الفنومينولوجيا لأن التأملات الهوسرلية مبنية بالكامل على التفكير من ناحية أولى وتعمل على إزالة الأبنية الميتافيزيقية حتى يظهر المكبوت المنسي في تاريخ المعنى ومن ناحية ثانية ليكون الإدراك الغامض محور التفكير [8].

لقد كشف هوسرل عن العديد من الأزمات في العديد من المجالات: أزمة معرفة، وأزمة عقل وأزمة إنسان وأزمة حداثة وأزمة تنوير ورأى أن حل هذه الأزمات جذريا يكمن في الابتداء الجديد ولكنه توقف كثيرا عند أزمة الفنومينولوجيا وطالب بالانتقال من الفنومينولوجيا الستاتيكية إلى الفنومينولوجيا التكوينية [9]. فماذا يقصد هوسرل بمفهوم الأزمة؟ وكيف تمكن من زرع هذا المفهوم داخل الفضاء الفلسفي من زاوية الفنومينولوجيا؟ وما المشاكل التي تعاني منها العلوم الأوروبية؟ وهل تتخبط الإنسية الأوروبية في أزمة؟ ولماذا بحث عن تأسيس الفلسفة كعلم واستلهم النجاحات التي حققتها العلوم الدقيقة لينقذ العلوم الإنسانية من مأزقها؟ وماذا يمكن أن تضيف الفنومينولوجيا من في عالم الحياة وعلى الصعيد السياسي والأخلاقي؟ وماهي المسؤولية التي يضعها هوسرل على عاتق الفلاسفة لكي يعثروا على المقام المشترك بين الثقافات ويعملوا على إنقاذ البشرية من الشر والشمولية والحروب ويجدوا التفسير المنطقي للغز الحياة في العالم ؟ وهل هناك حقا أزمة علمية أم أن الأمر يتعلق بالأزمة داخل الفضاء الميتافيزيقي؟ والي أي مدى أصبحت علمية المعرفة موضع شك؟ وكيف تم تفكيك تاريخ طويل ورائع للفلسفة الحديثة ونقد المقاربة الوضعية؟ من هذا المنطلق يمكن معالجة هذه الإشكاليات من خلال اللحظات المنطقية التالية:

- أزمة في الفلسفة

- أزمة في العلوم

- أزمة في الإنسانية

- فنومينولوجيا المعنى

- استرجاع عالم الحياة

ما يتم المراهنة عند الاهتمام بالدراسات الهوسرلية هو الاستفادة من طريقة رده المقنع على طغيان النزعة الوضعية واستثمار محاولته في تشخيص الأزمة الشاملة التي يمر بها الإنسان الكوني وبداية الاعتماد على المقاربة الفنومينولوجية في وصف عالم الحياة والعزم على انتشال المعنى ضد محاولات الإدغام [10].

1-  أزمة في الفلسفة:

"الوضعية تقطع رأس الفلسفة" [11]

أصبحت الفلسفة في نسختها المثالية الألمانية غير قابلة للتطبيق موغلة في الشكلانية والتجريد النظري وحتى الانتشال المفهومي للتاريخ فقد ورطها في تجارب سياسية شمولية أوقعت البشرية في الحروب وجعلت من القتل تافها والعنف من الأمور المبررة وغلبت المشاعر القومية على القيم المدنية الكونية.

ندرس هنا الفرضية التي بموجبها يحتل موضوع الأزمة مكانًا أساسيًا في فلسفة هوسرل بأكملها. في الواقع، لقد كان لهوسرل السبق في جعل الأزمة مفهوما فلسفيا والانطلاق من واقع دخول الفلسفة بأسرها في أزمة عميقة تجلت في تزايد حملة التشكيك والتساؤل عن قيمة فكرة المعرفة الموضوعية ووجودها.

لقد اختبر هوسرل مدى صحة هذه الموجة ضمن إطار العلاقة مع الذاتية عند ديكارت التي يمكن أن تكون بمثابة زاوية النظر لمتابعة الجوانب المختلفة لهذا التحليل الفنومينولوجي الذي شرع فيه بغية الرد عليها[12].

لقد كشف هوسرل في مقدمة كتابه تأملات ديكارتية بوضوح عن الأزمة التي تشهدها الفلسفة نفسها في بداية القرن العشرين بعد أن اتبعت ديكارت في دعوته للرجوع إلى الأنا في أفكاره الخالصة واتخاذه كأساس جذري مطلق لكل الحقائق والكائنات ويقين أول ومبدأ ثابت للفلسفة تتفرع عنه جل المعارف [13].

إذا كان الكوجيتو هو أساس كل العلوم من حيث هو النواة الأصلية لليقين فإن ديكارت قد شيد نمط جديد من التفلسف وان الفلسفة معه غيرت نقطته الأرخميدية كليا ومرت من النزعة الموضوعية المباشرة الى الذاتية المتعالية التي ارتقت بفضل العديد من البحوث والتجديدات إلى مرتبة المعرفة الضرورية والنهائية.

لكن إلى أي مدى حاز هذا التوجه الجديد على المعنى الأبدي؟ ألا يخفي الكثير من الغموض في تمشيه؟

تكمن أزمة الفلسفة حسب هوسرل في فقدانها لوحدتها وأسلوبها في طرح مواضيعها وفق منهجها الخاص وما حدث في عالم الفكر هو تزايد إنتاج الآثار الفلسفية بشكل لامتناه لا رابط منطقي بينها ولا فكرة ناظمة تفتقد للصلة الداخلية بينها بدل اعتماد فلسفة حية واحدة للعصر تتخطى كل أشكال التعارض بين النظريات والتضارب بين الآراء وتؤسس للتعاون المعرفي والتضامن الباطني للجماعة الأساسية التي تشتغل بالفكر.

على هذا المقاس ينبني المجهود الفلسفي على مجهودات متبادلة ووعي مشترك بالمسؤولية من الأطراف المتدخلة في البحث العلمي ويتم اعتماد التعاون الجدي بغية الوصول إلى نتائج صالحة بشكل موضوعي عن طريق تطهير المنجز المعرفي بواسطة النقد البناء الذي تشترك في تقييمه كل العقول المشاركة فيه.

اللافت للنظر أن معالم هذا العجز الفلسفي تبرز في تقلص الدافعية الفلسفية نحو الصرامة المنهجية والدقة المفهومية وعدم وجود رغبة في المعرفة الكلية والبحث المشترك عن الحقيقة الواحدة وفق العلوم الكاملة والإفراط في التأليف بلا صرامة علمية والإكثار من الإصدارات دون تدقيق لغوي وبلا انضباط أكاديمي.

بيد أن البحث الفلسفي الموضوعي يتطلب تعاونا حقيقيا من طرف الكل وتوفر فلسفة الفلسفات وليس مجرد بحوث قدمها عدد من الفلاسفة في مواضيع مختلفة تفتقر إلى أي برنامج موحد وخالية من كل تلاقي مثمر وذلك بسبب غياب الموضع الروحي المشترك الذي يحدث فيه الحوار المتمدن والتلاقح الفلسفي المتبادل.

تظهر أزمة الفلسفة في وجود أنساق فلسفية متصارعة وغياب الفلسفة الكلية التي تضع حدا لهذا الصراع وتقول كلمة حاسمة بشأن الحقيقة والوجود والقيمة والمعرفة والعلم والإنسان وتجابه تلاشي المعنى [14].

لقد حولت الخطابة الجديدة التي ازدهرت في عالم الصحافة الفلسفة إلى أدب انطباعي وإنشاء نثري بدل أن تتدخل الجذرية التي يتصف بها الفيلسوف لكي يحارب النزعات السفسطائية الجديدة ويستأنف فن التفلسف.

لقد اعتمد هوسرل الكثير من الوضوح والشفافية والمرونة والانسيابية إزاء عصره لكي يحصل على قدر من التحليل الحاذق لحال الفلسفة في الثقافة العالمية ويسهل تطبيق منهجه الوصفي على الحقبة المعاصرة وانتهى إلى الإقرار بأن بيان تلاشي المعنى هو العلامة الكاملة على دخول الفلسفة الزمن ما بعد الحديث.

إن أزمة الفلسفة من حيث هي اختصاص أكاديمي ثمين لم تندلع فقط في حقبة تاريخية معلومة وإنما هي علامة على فقدان المعنى في الثقافة الإنسانية وانحطاط القيم وتفجر المعرفة وانقسامها إلى أجزاء لا يقدر أحد بعد ذلك على إرجاعها إلى وحدتها ونظامها ولا يسمح التفكير في مصيرها بتدارك ما ضاع [15].

في هذا السياق يصرح الشارح سالنسكيس: "الفنومينولوجيا والفلسفة التحليلية هيمنا على الحياة الفلسفية للقرن، وهوسرل أب الأولى ويمكن للثانية أن تتعلق به وأن تكون موجودة فيه بطريقة خصبة" [16].

فهل تمكن هوسرل بالفعل من إخراج الفلسفة من أزمتها بالتصميم على جعلها علما دقيقا وجديا؟ وماذا صنع بالأزمة الطارئة في العقلانية العلمية؟ وكيف أمكن له التشكيك في رسالة العلم في زمن الوثوق بها؟

2-  أزمة في العلوم:

" لقد تم ترك العلوم الوضعية تحدد وتضيع الطريقة الحصرية التي سمحت بها الرؤية الشاملة للعالم، وهي رؤية الإنسان الحديث، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر" [17]

بأي معنى يمكن التحدث عن أزمة في العلوم؟ وهل من المجدي التطرق إلى أزمة تسببت فيها العلوم؟

أعلن هوسرل في المحاضرات التي ألقاها بين فيانا في1934 وبراغ في نوفمبر 1935 عن التعمق في البحث عن هذه الخلية الأصلية التي تسببت في الأزمة Krisis وتفطن إلى النشاط الذي يهز عرش العلوم وانقسامها إلى علوم المادة وعلوم الروح والى علوم التجربة وعلوم العقل وعلوم الطبيعة وعلوم الإنسان.

لقد حصل انقلاب في الموقف العام تجاه العلم ولا يتعلق الأمر بتقييم علمية العلوم وإنما بالطريقة العامة في تقديرها ومعرفة مقاصدها وأهدافها وما تفيده في علاقة بالطبيعة والحياة وما تعنيه بالنسبة لوجود الإنسان.

من هذا المنطلق لا يفصل هوسرل بين أزمة العلم وأزمة الفلسفة وبين أزمة العلوم الأوروبية والأزمة الإيتيقية والسياسية بل ينظر إلى أزمة العلم كتعبير عن الأزمة الجذرية التي تهاني منها الحياة الإنسانية .

تعني الأزمة في العلوم أن العلمية الأصلية التي تستلزم أن تؤدي مهامها وتبلور نتائجها وفق منهجية تامة صارت موضع تشكيك ومحل مراجعة وأخذ ورد على الرغم من ادعاء البعض بلوغ درجة نضج العلوم الوضعية ووضع البعض الآخر علوم المنطق والرياضيات والفيزياء ضمن دائرة شاملة للعلوم الصحيحة.

لقد تفجرت الأزمة في أسس الرياضيات المحضة وفي العلوم الدقيقة للطبيعة ولم يعد الكلام على معايير ونماذج للعلمية الصارمة جائزا ومقبولا بعد أن ظهرت أزمة الأسس في النظام المعرفية للعلم الكلاسيكي وبان بالكاشف عقم نتائجه وعمومية مقارباته وأجريت عدة تجارب تفند صحة مناهجه ومطابقة قوانينه.

يمكن التمييز بين نوع أول من العلمية يقوم على الصرامة المنهجية واحترام اللزوم المنطقي للنتائج من المقدمات عبر إتباع عملية استدلالية سليمة والتقيد بجملة من الضوابط والاتفاق مع عدد من القواعد ونوع آخر من العلمية يتماشى مع ركائز النزعة الوضعية ويقتضي اختزال العلم في المعرفة بالوقائع الطبيعية.

لكن الأزمة لا تتعلق بالمنهجية المعتمدة في البحوث العلمية ولا بالنتائج التي يتم التوصل إليها فقد عرفت نجاحا مستقرا وإنما تمس مجالات الصلاحية وقيمة المقاربات وقدرتها على بلوغ النجاعة المطلوبة في التفسير المطابق للظواهر وظهور أشكال من الالتباس وعلاقات الارتياب في الأبعاد المجهرية والهائلة.

إذا كانت الفلسفة تواجه نزعات الوضعية واللاعقلانية والريبية والتصوف فإن العلوم تواجه الاحتمال والنسبية واللاّحتمية التي كشفت عنها كل من الفيزياء الذرية والهندسات اللاإقليدية ونظرية المجموعات.

لقد اندلعت الأزمة في العقلانية العلمية حينما قامت الوضعية باختزال العلم في مجرد علم بالوقائع ونفت عنه أن يكون علم بالقيم ولقد أدى ذلك إلى فقدان العلوم الأهمية التي كانت تحظى بها الحياة في تصوراتها.

على هذا الأساس تكمن أزمة العلم في استخفافه بالحياة وبتعامله مع الظواهر الحية والكائنات النوعية على أنها ظواهر مادية ومجرد أشياء قابلة للقياس والعد والإحصاء والتكميم ويمكن إخضاعها للتجربة المتعينة.

لقد ترتب عن فصل المعرفة عن جذورها الميتافيزيقية تركيز الانتباه من طرف العلم على دراسة الواقعة سواء كانت الجسم المادي الذي يمكن رؤيته بالعين المجردة أو كانت الذرات في العالم المجهري الدقيق، ولكن هذا التركيز على ملاحظة الظواهر فحسب أدى إلى تشكل معرفة عمياء غافلة عن سلطان الذاتية.

جملة القول أن الفكرة المركزية التي تتحمل مسؤولية الأزمة التي تشق العلوم هي اللامبالاة وعدم الاهتمام من قبل العلماء بالدور الذي تلعبه الذاتية في التمشي الذي يخصهم وعزوفهم عن التفكير في قيمة مباحثهم.

لعل حالة الغفلة التي تعاني منها العلوم في الحقبة المعاصرة ناتجة عن غياب الانتباه إلى لغز الذاتية التي تشتغل داخلها وزعمها التقيد بالموضوعية والخلو من كل نزعة ذاتية كما تذهب إلى ذلك النزعة الوضعية.

لقد بدأت الأزمة منذ أن قام غاليلي بهندسة الفضاء وترييض الطبيعة واختزالها في مفهوم الفيزياء وادعى أن ذلك يندرج ضمن البحث عن الاحتكام إلى الموضوعية والثورة على النزعة الذاتية بينما الرياضيات في حد ذاتها منذ أفلاطون لا تخلو من جهد عقلي اصطلاحي وتحتفظ للذات بدور أساسي في تأمل الحقائق.

علاوة على ذلك أدى قيام الفلسفة الوضعية مع أوغست كونت إلى تأسيس الفلسفة من خلال إحداث قطيعة مع الميتافيزيقا والى تشكل موقف من العلماء يعتمد بشكل جذري على التجربة ويبدي ثقته التامة في رسالة العلم ويقطع كليا مع التفكير المجرد ويمثله كلود برنارد ولويس باستير وايميل دوركايهم وأرنست رينان.

كما ظهرت نزعة علموية ترجع كل الحقائق إلى المعرفة العلمية وتعتبر العقلانية العلمية هي التي تمنح معايير المعرفة الصادقة وأن المعارف غير العلمية هي كاذبة ولا تتعلق بالوقائع وإنما بالأوهام والخيالات ويندرج ضمن ذلك ماهو رمزي ومعنوي وروحاني وماهوي وجوهري وأساسي وأصلي وأولي وبدئي.

لقد عبر كانط عن هذه الأزمة في التفاوت بين تقدم الرياضيات منذ طاليس وصعود الفيزياء مع غاليلي وانتصار علم الفلك مع كوبرنيك وكبلر ونيوتن وركود الفلسفة وبقائها على حالها دون تجديد منذ أرسطو وعثر على الأسباب في اعتماد هذه العلوم على التجربة كأساس للمعرفة بينما بقيت الفلسفة تأملا نظريا.

لقد تعطلت الفلسفة حينما تحولت إلى صراع بين الأنساق الميتافيزيقية وادعت امتلاك معارف تتخطى حدود التجربة البشرية وتتجاوز قدرة العقل البشري على الإلمام بجل المعطيات واستيعاب كل الحقائق.

لقد اقترح كانط البقاء على مستوى الظواهر وصرف النظر عن البحث في عالم الجواهر وعن الأفكار الميتافيزيقية وحاول تأسيس المعرفة على شروط إمكان التأليف بين معطيات التجربة ومقولات الذهن ولكنه أوقع العلم في ذلك الوقت في نوع من الظاهرية الريبية التي تفتقد للمبادئ الكلية والنظرة الشاملة.

" معجزة دلفى:اعرف نفسك بنفسك بلغت معنى جديدا. العلم الوضعي هو علم بالوجود الذي أضاع نفسه في العالم. ويجب أولا فقدان العالم بواسطة اللوغوس ثم يعثر عليه في وعي كوني للذات بذاتها" [18].

أما الأزمة المهيمنة على الساحة البحثية العلمية ترتبط بنمط من الفكر الوضعي يفصل بين البحث العلمي والبحث عن معنى الحياة وغائية الوجود البشري، لكن من أين أتى هذا التبديل الوضعي لفكرة العلم؟

3-  أزمة في الإنسانية:

"الخطر الأكبر بالنسبة لأوروبا هو التعب" [19]

لقد أثّرت أزمة العلوم على الإنسانية وحولت وجهة الإنسان نفسه من ذلك الكائن التاريخي المنتج والعاقل والمتكلم إلى الإنسان الوضعي الذي يعامل نفسه كشيء مادي وموضوع خاضع للتجربة ويمكن تحديد عدد القوانين التي تتحكم فيه ولا يختلف كثيرا عن أي واقعة أخرى من الوقائع التي تدرسها العلوم الوضعية. ولا يقدر الإنسان على الرجوع إلى النظرة التي يحملها عن الوقائع التي تحيط به وعن نفسه من أجل النقد والمساءلة والتفكير والتقييم والمقارنة ولا أن يقوم بالفعل الذي يكون واعيا به ويعيش التجربة الحية كماهي وذلك لأن الإنسان الوضعي لا يفكر في هذه التجارب المعيشة إلا من خلال التجريد والاستيلاء المفهومي ولا ينتبه إلى أن الوقائع لا تحوز على معان إلا من زاوية الذاتية ولا تمثل سوى مواضيع بالنسبة لنظرتها.

لقد أضحت الإنسانية تعتمد بالأساس على رؤية علمية تفصل المشكلات المعرفية عن المشكلات الحيوية ولا تطرح سوى الأسئلة التي تتعلق بالحقيقة والتطابق والسيطرة والمنفعة وترتب عن ذلك تشكل وعي شقي وانقلاب في المصير وأضاعت عن نفسها البوصلة وفقدت أي اتصال بالعالم وبالمعنى وبالأهداف. إذا كانت أزمة العلوم ناتجة عن اختزال المعارف في البعد الوضعي والقضاء على وحدتها فإن الأزمة الواقعية والحقيقية هي التي اندلعت في صلب الإنسانية وتجلت في شكل أزمة القيم ضمن الوجود الإنساني.

الوحدة بين العلوم والقيم وبين نظام الوقائع ونظام الغايات كانت منعقدة في الماضي بين المعرفة والإيمان وبين الفلسفة والدين وبين المعقول والمحسوس وبين المثال والواقع وبين الفكر والمادة وبين العقل والوحي ولكن التحولات التي بدأت مع فكر عصر النهضة والإصلاح الديني والثورة العلمية والحداثة الفلسفية غلبت طرفا على آخر وأحدث انشطارا بين الإنسان والطبيعة وبين الذات والعالم وبين الكائن والكينونة.

لقد أحدثت أزمة العلوم بدورها أزمة في الفلسفة في حد ذاتها وعكست هذه الأخيرة أزمة عميقة أصابت الإنسانية وتمثلت في الاعتماد على الفيزياء الرياضية والتجريبية في علاقة العقل بالطبيعة والانقطاع عن اعتبار مسألة معنى التاريخ والله من حيث هو المصدر الغائي الذي يتشكل بمقتضاه معنى العالم والخلود.

من المعلوم أن أزمة المعنى هي بالأساس أزمة في القيم وأزمة في المستوى الأخلاقي والسياسي وأن الأزمة الإيتيقية نفسها هي أزمة أكثر جذرية توغلت في العقل نفسه ووضعت المشروع الإنساني موضع تشكيك ودفعت الثقافة الأوربية إلى مراجعة بديهياته والتقصي في مسلماتها ونقد التربية والتنوير والتقدم.

بهذا المعنى تكمن الأزمة العميقة والشاملة في الكوجيتو الديكارتي وفي فلسفة الذاتية التي اكتملت مع المثالية الألمانية عند هيجل من جهة وفي النزعة العلموية والفلسفة الوضعية المنطقية من جهة أخرى.  لقد أنتجت هذه الأزمة نموذجين خاطئين من الإنسان : الأول هو الفرد الأناني المنغلق على ذاته في ادعاء كبير امتلاكه للمعرفة المطلقة والسيطرة على الكون، والثاني هو الإنسان الوضعي الذي هو آلة حاسبة وراغبة وفضاء متاح للاختبار التجريبي لا يختلف عن المواضيع المادية الأخرى التي توجد في الطبيعة.

حول هذا الموضوع يصرح ما يلي:"علوم وضعية محضة جعلت الناس وضعيين بصورة محضة" [20]. لذلك تتلخص أزمة الوجود حسب هوسرل في الإخفاق الظاهر للنزعة العقلانية وانتصار مفهوم العقل الحسابي المنحدر من الراسيو اللاتيني على العقل الحدسي المنحدر من اللوغوس الإغريقي وضياع الإنسانية عن النواة المركزية للماهية التي ناضلت من أجلها وفشل التاريخ الغائي في تحقيق الأهداف اللامتناهية للعقل وظهور علامات انحطاط وتقهقر على الحياة والمصير المجهول والغامض للبشر والقدرية التي لا تقهر [21]. على هذا الأساس يبدو أن الإنسانية في ظل الاغتراب والتنازع بين النزعة الطبيعية والنزعة الوضعية مهددة بالاختفاء وفقدان معنى الحياة وتصبح غريبة عن نفسها وذلك لعجز العقل عن إنتاج الثقافة العقلية. غير أن أودموند هوسرل لم يسقط مباشرة في النزعة التشاؤمية التي كانت سائدة في نهاية المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وصنع التفاؤل من خلال إعلانه عن بدء جديد للفلسفة يسعي إلى إعادة تأسيس العلوم بطريقة جذرية دون السقوط في الخلط بين المعنى والقيمة ودون التوهم بأن غياب المعنى ناتج فقط من الفجوة التي عرفها النسق الإيتيقي بعد التطور السريع للعلوم والاحراجات الأخلاقية. لعل أكبر تعبيرة عن الأزمة السياسية التي شهدتها أوروبا هو صعود الشمولية كنظام للحكم تتحرك وفق نموج حق الأقوى واحتكار السلطة في الزعيم وتتبنى خيارات شعبوية ولقد دفعت الفلسفة إلى توضيح هذه الأزمة الواقعية وتحميل الفلاسفة مسؤولية التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة من جذورها وأصولها من جهة أولى ومن ناحية أهدافها وأغراضها من جهة ثانية.

فكيف سيرد هوسرل من خلال تأسيسه الفنومينولوجي على هذه السلسلة العميقة والطويلة من الأزمات؟

4- فينومينولوجيا المعنى:

" وحدها الفنومينولوجيا القصدية وبأكثر دقة، المتعالية تجمع الضوء عن طريق اختيار نقطة انطلاقها ومناهجها" [22]

لقد تجلت أزمة المعنى التي تتخبط فيها الإنسانية في اندلاع حربين عالميتين خلفت الدمار والقتل وعصفت بالمعالم الحضارية والمكاسب المدنية التي أنتجتها الحداثة وتسببت التقنية في الهمجية وتصحّير الكينونة.

لقد حاول هوسرل أن يستنهض باطنية حية وروحانية جديدة يمكن أن تساعد الإنسانية على توقي أشرار العدمية وتحميها من الوقوع في الهمجية والاختفاء عن ماهيتها الأصلية وتسلح بالمنهج الفنومينولوجي من أجل إعادة اكتشاف عالم الحياة واستخدم القصدية لفتح الوعي على الأشياء والبيذاتية لبناء عالم مشترك.

لقد كانت نية هوسرل متجهة في البداية نحو بناء الفلسفة كعلم دقيق [23] بتخليصها عن كل إيمان ديني وقناعات عامية ولكنه اكتفى بالفكرة الأصلية للفلسفة من حيث هي حكمة لوغوسية تقوم على الحدس العقلي وطعمها بالفنومينولوجيا من حيث هي علم العلم والفلسفة المفتوحة على جميع التجارب البشرية.

لقد كان الموقف الفلسفي الذي يجد ربه اتخاذه هو امتحان كل معرفة والتخلي عن كل الأحكام المسبقة والفرضيات الضمنية والتحري في الأحكام التي يصدرها بشأن الأشياء والعلاقة المباشرة مع العالم وبحث عن المعنى الأصلي لكل فلسفة حقيقية وشدد على التحرر من القبليات والاشتغال على بناء علم مستقل. وإذا كان الحدس الأصلي مبدأ المبادئ التي تعتمد عليه الفنومينولوجيا وكان وضع الموقف الطبيعي بين معقفين عن طريق تعليق الحكم هو العملية المنهجية الثانية فإن التخفيض المتعالي هو شرط التكوين ونقطة الانفتاح على العالم كما يظهر للوعي كقصدية وأساس التجربة المعيشة التي تشكل الانتماء في عالم الحياة.

لقد تفطن هوسرل إلى أن أزمة العلم تعد تعبيرا عن الأزمة الجذرية للحياة في الإنسانية الأوروبية وتحولت إلى أزمة في الفلسفة وصارت أزمة في المعنى وتفاقمت لتشمل العالم وأضحت أزمة في الإيتيقا والسياسة.

هكذا تمر الفنومينولوجيا بعدد من المراحل حسب الشارح نتالي دبراز [24] يمكن أن نذكرها كما يلي:

المرحلة الأولى: تخطي التعارض بين الذات والموضوع عبر اكتشاف القصدية من حيث هي فعل للوعي يختلف عن نظرية المعرفة ويشيد علاقة تكاملية بين القطب الذاتي والقطب الموضوعي وفق بنية علائقية.

المرحلة الثانية: ممارسة تعليق الحكم من حيث هي تخلي عن كل ملاحظة عفوية عن العالم والانطلاق في التخفيض الأولاني بالمحافظة على الواقعة من خلال العودة إلى الماهية في حد ذاتها والمرور بواسطة الوصف المتعين من المعطى الطبيعي إلى المعنى كظاهرة نفسية ومحاولة تحريكه اتجاه الأفق المتعالي.

المرحلة الثالثة: يأتي التكوين من حيث هو فعل يعيد به الوعي اكتشاف العالم كأفق للمعنى من أجل اتمام حركة الارتقاء نحو المعنى بواسطة التخفيض وبلوغ عمق العالم كوسط يحدث فيه المعنى كوحدة متعالية.

المرحلة الرابعة: تتشكل الفنومينولوجيا التكوينية لا من حيث هي فقط فنومينولوجيا وصفية كما تكونت في مرحلة القصدية وإنما أيضا تبدأ حركة التخفيض نحو عالم الحياة وتجعل من العودة الجذرية نحو المعنى الأصلي للعالم المعيش رفضا تلازميا للعالم الموضوعي الذي تعامل معه العلم الوضعي بكثير من المثالية.

اذا كان العقل الفنومينولوجي قد تخلى عن وظيفته التفسيرية التي ارتبط بها مع النزعة العلموية والنزعة الوضعية وجعلته مجرد جهاز حساب متحكم وآلة تقنية منتصرة تؤمن عملية التكيف بين الإنسان والطبيعة فإنه مطالب باستعادة وظيفته الأساسية والتي تتمثل في الحدس الأصلي للمعنى والرؤية الفكرية للعالم واذا كان قد تخلى عن البعد التكويني الحسابي للقياس الصوري التقني الذي يتصف به الراسيو اللاتيني ويعالج به الظواهر فإنه مازال معنيا بالعودة الجذرية على ذاته والانخراط في التجربة التفكيرية للذات والوجود وإحداث التمفصل الضروري مع حدس الماهيات والاقتراب من اللوغوس الإغريقي والتصدي لللاّعقل.

لقد جعلت الفنومينولوجيا من انتزاع الإنسان من الضياع في العالم هدفها الأساسي ولاحظت تخليه عن طبيعته الأصلية وانحرافه عن الغرض الإنساني من وجوده وحاولت متابعة الأنوار واستكمال المشروع الإنسانوي وبحثت عن شروط التخليص والتحرر والاجتماعية ولكنها عادت إلى الانتماء إلى العالم [25].

على هذا النحو " يعود السبب بالتحديد إلى هذه العودة إلى الأنوار - نحو ديكارت - بمعنى الإيمان بحرية إنسانية طبيعية، قبل التطبيع،...، إلى محاولة هوسرل تأويل التخفيض من الموقف الطبيعي على أنه عودة إلى الوعي الأصلي، إلى بداهة أولي، كوضع بين قوسين لما ليس حاضراً بالكامل من أجل العثور على "مجال لحضور مطلق"، باختصار الانسحاب خارج كل تسجيل، باعتباره انتزاع من كل انتماء" [26].

إذا كانت الإنسانية تعيش لأول مرة أزمة دائمة وإذا كان التفلسف هو الذي يمنعنا من الاستسلام للدوار المنبعث من الاضطراب فإن الفلسفة لم تعد ميتة ودُفنت بل عادت من هذه الآلام لتظهر في كل مجدها، فإلي أي مدى وفقت الفنومينولوجيا في الخروج من الأزمة والتحول إلى فن الطب الطبيعي للحياة؟

5-  من أجل استرجاع عالم الحياة:

" هذا العالم يهرب من الإنسان لأنه ليس العالم الحقيقي، إنه بناء مبني على عالم آخر، يتم تقديمه في تجربة فورية والذي يمكن أن يقبله الإنسان ببساطة دون أن يكون قادرًا على التخلص منه كما يشاء" [27]

لم يكن هوسرل فيلسوف الأيدوس من حيث هي الماهية الصورية أو المادية للشيء فقط ولا موقع الإنية من حيث هي ما يكون الكيان الخاص للإنسان وما يتأسس على التفكير فحسب بل هو فيلسوف التأسيس بامتياز من حيث هو عدوة الذاتية المتعالية كوجود مطلق وحيد إلى تشكيل المعنى عبر إعادة بناء الأصل.

علاوة على ذلك يعد هوسرل فيلسوف العالم المشترك حيث ينتقل من الحديث عن الخاص بوصفه هذا اللاّغريب الذي يمكن تجريده من كل روحانية غريبة وباعتباره ما يعطى للذات عينها في بداهة أولانية إلى اعتماد مفهوم التعاطف كعلاقة بين الأنا والأنا الآخر تقوم على التجاور والقرب والتلاقي ويشيد المكان الذي يتشكل فيه معنى الغير من خلال التواصل عبر الاشتراك في تقاسم التجربة المعيشة مع الأنا عينه.

لا يمكن صناعة العالم المشترك دون الاعتماد على مفهوم البيذاتية ودون التوسط بالخيال والزمن والحدس المقولي والتعامل مع العالم كأفق وتخليصه من المثالية والجوهرانية وتشريع الكثرة وزرع التنوع داخله والانتقال إلى عالم الإمكانيات المحضة وتوسيع ميدان الحدس نحو الذات المكونة للعالم المتعين والمادي.

لقد مثل عالم الحياة الذي وقعه هوسرل بعد الأزمة رفضا لكل اتهام له بالتجريد المنطقي الذي صدر عن العلوم الوضعية وعزم على العودة إلى العالم الحسي الأصلي والاعتماد عليه نمط تفكير ونقطة انطلاق نحو الأصلي وبلوغ المبدأ الموحد للتجربة في ماوراء التعارض بين القطب الذاتي والقطب الموضوعي.

لا تخلو فنومينولوجيا هوسرل من الاشتغال على القيمة والصلاحية والتقييم وذلك من خلال اتخاذ الموقف وإصدار الحكم بعد خوض تجربة التقويم والتروي والتعقل بالرغم من تفاديها منذ قيامها الأحكام المسبقة والمتسرعة وممارستها تعليق الحكم وتجنبها النزعة السجالية التي ترافع على رأي أول ضد رأي مقابل.

العالم المشترك الذي يحاول هوسرل تأسيسه ليس العالم الموضوعي فقط ولا العالم الذاتي فحسب وإنما هو بنية الذاتية المتعالية التي تؤلف بين الاثنين لكي تسمح بظهور الغيرية ضمن وحدة العالمية وواقعة الإنية.

بهذا المعنى يكون العالم الحياة هو الأرضية والأفق في ذات الوقت ويعترض على نسيان الحياة المشتركة التي تسبب فيها العلم والتقنية وفق المقاربة الغاليلية للطبيعة والترييض الصوري للعلاقات بين الظواهر وفسح المجال أمام الذوات لكي تتحمل مسؤولية الرعاية للعالم والتصدي للهمجية وفق رؤية غائية للوجود.

هكذا " أظهرت العودة إلى عالم الحياة كيف تم إعلان العالم من خلال التجربة الأصلية كفكرة لا تقوم فقط بتأسيس غائية المعرفة، ولكن أيضًا الحياة الأخلاقية للذات. تتأسس الإيتيقا المتعالية، أي تسليط الضوء على بداهة قبيليات واجب الوجود، في الفنومينولوجيا، على الاستيطيقا المتعالية: فكرة وحدة العالم التي يتم الكشف عنها مع العودة إلى العالم المُتصور هي فكرة حيث يجب على الذات أن تجد لها حلا" [28].

لقد حرص هوسرل على تجديد الثقافة الفلسفية ووضع الفنومينولوجيا كوضعية نقدية تجاه العالم العفوي لكي تدفع الناس نحو مراجعة موقفهم الطبيعي وامتلاك الوعي بتصور جديد للعالم المشترك من خلال الحرص المتبادل على تخطي الأزمة ودفع العقل الإنساني من حيث هو لوغوس إلى فهم الذات الإنسانية.

إذا كان الإنسان نفسه قد حولته التطبيقات التقنية للعلوم الرياضية للطبيعة إلى موضوع مبرمج وبضاعة مصنوعة فإنه حري به أن يتسلح بالمنهج الفنومينولوجي الإيتيقي لكي يستعيد ذاتيته المفقودة ويتدرب على كيفية السكن في العالم ولكن هذه المرة يتعلم طرق العيش مع غيره وتوفير شروط إمكان الحياة الجماعية.

لم يعد العقل الفنومينولوجي يشير إلى ملكة التمثل والإسقاط والهيمنة على الطبيعة بل أصبح ينصص على ملكة فهم النحن ضمن معية وجودية مع هذه الآخرية والتلاقي بين الذوات والاشتراك في سكنى في العالم.

يترتب عن الامتحان النقدي الذي تقوم به الفنومينولوجيا تأكيدا على ضرورة إصلاح أنماط فهم الإنسانية لذاتها والاقرار بأن العالم الحالي الذي تسكنه بطريقة عفوية ليس العالم الحقيقي ولذلك كان لزاما عليها أن تعيد الاعتبار للجدوى من الإقامة في الوجود والعبرة من الانتماء إلى العالم وأن تعيد بناء العالم المشترك.

 لكن" لو تكون الفنومينولوجيا هي توضيحا للذات عينها – علم الأنا-، كيف يتمكن الغير من تسويغ غيريته؟ ثم، كيف تستطيع الموضوعية الحقيقية من تكوين للعالم المشترك بيننا جميعا؟" [29] وهل تمكن أدموند هوسرل بالفعل من تخطي التمييز المبدئي بين وجود الوعي المحض والعالم الحقيقي الذي أوجده؟

خاتمة:

" التفكير في العالم كظاهرة، أي تحرير الذات من العالم، كما تنوي الفنومينولوجيا القيام به، هو أبعد ما يكون أمرًا يسيرا" [30]

صفوة القول أن فنومينولوجيا هوسرل تقوم على إصلاح الكوجيتو الديكارتي وفتح نوافذ وأبواب للموناد التي وقعها لايبنتز وتستخدم التحليل القصدي للوجود في العالم وتقر بالوحدة الكونية للمواضيع وبالامتلاء العياني للأنا أفكر المتعالي ولكنها وقعت هي الأخرى في نوع من الأناوحدية المتعالية [31] عندما اقتصرت على وصف تجربة الكوجيتو كما يعيش في العالم الحي وطرحت جانبا تجربته مع الأخر بالرغم من أن التوضيح القصدي للعلاقة البيذاتية قد اقترب كثيرا من إظهار الحاجة الأنطولوجية للوجود مع الغير [32]. لقد مثلت فلسفة هوسرل الحافز المتعالي للفنومينولوجيا حسب بول ريكور تثمينا فلسفيا للمجهود العلمي دون أن يقتصر عليه واستئنافا للتفكير الفلسفي دون معاودة السقوط في الميتافيزيقا وغرسا للقصدية في المباحث التفكيرية وللتجربة المتعالية في علم الأنا واستحضارا للزمن في مستوى التأليف كشكل أساسي للوعي ولكنها ظلت تعاني من مشكلة عويصة تتمثل في صعوبة استحداث عملية البدء المطلق واستحالة العثور على نقطة انطلاق تشير إلى وضعية جذرية من الصفر المعرفي والأنطولوجي وبقيت تتحرك بصورة كلية ضمن القطب الأصلي للأنا المتعالي وفكرانية الوجود وتفتقد بشكل تام للعناية بغيرية الغير [33]. لقد أعاد هوسرل وضع الكوجيطو الديكارتي في المكان المركزي الذي يليق به ألا وهو العالم المعيش وأعد بشكل جيد الأرضية لقيام الفنومينولوجيا المتعالية من خلال التخفيض الفنومينولوجي لشغل الأنا أفكر بالاعتماد على البداهة العقلية المتعالية وذلك بالقيام بالوصف المقولي لعالم الحياة الخاصة للأنا المتعالي [34]. كما يتعذر على الفلسفة بلورة التأسيس المطلق والجذري للمعرفة بواسطة الموقف المتخلص من جميع المعارف المسبقة ومن كل فرضية ضمنية وخلفية فكرية ثاوية وبداهة منطقية ويقين أولى وحقيقة فطرية. لكن انتصار الفنومينولوجيا يريجع بالأساس إلى الذهاب بعيد في استشكال الأزمة والتعامل معها كمفهوم فلسفي يستحق الكثير من التدبر والتقليب على جميع وجوهه والسعي إلى معالجته وفق المقاربة التأسيسية والتي تتخذ من البيذاتية والقصدية وعالم الحياة كمعاول أولانية لانتشال المعنى والتوجه إلى الأفق المتعالي ومحاولة الإفلات من المضيق الإشكالي للتعارض بين علوم الطبيعة وعلوم الفكر الذي أوقع الفلسفة فيه. لقد آمن هوسرل بأولوية الذات الفاعلة في مواجهة الواقعة المحايدة وحاول إعادة الدور التاريخي للفلاسفة من جهة الانتماء إلى تراث فلسفي والانغراس في معنى للتاريخ وعهد لهم مهمة التفكير في مستقبل البشر والالتزام بالإصلاح الروحي للثقافة بالاندراج ضمن جماعة فلسفية مفتوحة تمارس النقد وتؤمن بالتغيير. تبدو هذه الجماعة الفلسفية التي ينادي بها هوسرل ضرورية في ظل تنامي الأزمة عندما يغيب العمل المشترك بين الفلاسفة ويختفي رجل المعرفة في نسقه الفكري المجرد ويضحي مثقفا هائما ويعجز عن فن الاتصال بالناس والتأثير المفيد في الفضاء العام وتقل عملية التفاعل بين الأفكار الفلسفية الجديدة والحياة الثقافية. من المفروض أن يكون الفيلسوف الفنومينولوجي مقبلا على العالم ومنفتحا على قضايا الشارع ومنصتا للمشاكل التي تمتلئ بها الحياة اليومية وأن يتخذ موقفا نقديا وأن يهتم بإعادة بناء العالم وإنتاج المعنى وأن يهتم بالآخرين ويتحاور مع الإنسان العامي والشخصيات العادية التي لم تتلقى تكوينا علميا ومعرفيا هاما. بطبيعة الحال تظل الفلسفة تفكيرا كونيا في السياسة لا تتقيد بوطن ولا تتحيز لأي شعب وإنما تتميز بالانفتاح على كل الدول وتبحث عن السلام الدائم بين الشعوب والمصلحة المشتركة للمواطنين العالميين والخير العام للإنسانية. لقد رأى مطلق البدء الجديد في الفلسفة المعاصرة أدموند هوسرل في أزمة العلم تعبيرا عن الأزمة الجذرية للحياة في الإنسانية الأوروبية وأوجد توضيحا لذلك من خلال العودة إلى إبراز أصل التعارض الذي حدث بين الموضوعية الفيزيائية والذاتية المتعالية.

لقد اهتزت الإنسانية بظهور شياطين جدد وتطرف حقيقي لما فقد العلم جوهره وتم اختزاله في مجرد حقائق بسيطة وانصهر الوعي الذاتي في الحكم المعرفي وباتت التقنية هي الخطر الأكبر الذي يهدد العالم ولم يعد المشروع الأصلي يرنو إلى غاية كونية بل فقد الوفاء لإنسانية ولدت العقل والحرية وقدست النقد.

يجب التطرق إلى شروط التعرف على النفس والتأمل الذاتي والاستقلال النظري والعملي لكي يتم تحميل المسؤولية المطلقة للذاتية المتعالية في التعافي من فقدان المعنى العام واكتشاف كيف يكون العالم منطقيا بإيقاف انهيار التحليل النقدي والكف عن سياسة التدمير الذاتي للكوكب والتوقف عن التحدث عبر صوت الآخرين وتمكين الشعوب من الكلام عن نفسها واستذكار المعنى الأصلي للعالم ومواجهة حالة عدم اليقين.

تؤدي هذه الأزمة إلى ثورة عارمة تطلب التغيير الجذري في كل شيء وتقبل سلم المعنى رأسا على عقب وتعيد ترتيب الأمور وفق حكمة أكثر تبصرا وفي مناخ من الديمقراطية المانعة من الانغماس في العدمية.

إذا كان المستقبل نفسه مازال غامضا وغير محدد فلنكتفي بالأعمال الرمزية ولنحافظ على علاقة تربطنا بالمعنى ولتكن عن طريق وراثة الأسئلة والترسب داخل تراث إشكالي ومحاولة فهمه بأمانة وابتكار [35]. لكن لماذا انتقل هوسرل من الشعور بالسخافة وفقدان الثقة بالمرجعيات المطلقة والانزعاج من مرض القيم وتناثر المعنى وفوضى الانحلال غير قبل للإصلاح إلى الحديث عن استعادة الصحة واستبصار الأمل؟ وكيف للفلسفة أن تتوغل في الدوار الدائم عارية من يقين لم يكتشف حقيقته بعد ومجردة من جميع الأقنعة؟

 

د. زهير الخويلدي

.........................

الإحالات والهوامش:

[1] Husserl Edmond, la crise de l’humanité européenne et la philosophie, édition Aubier Montaigne, 1977 p58-59.

[2] Voir Husserl Edmond, philosophie de l’arithmétique, traduit par Jacques English, édition PUF, Paris, 1972.

[3] Voir Husserl Edmond, Recherches logiques, 3 Tomes, traduit par H . Elie , A .l. Kelkel, et R. Schérer, édition PUF, Paris, 1959, 1961, 1963.

[4] Voir Husserl Edmond, logique formelle et logique transcendantale, essai d’une critique de la raison logique, traduit par S. Bachelard, édition PUF, Paris, 1957.

[5] Voir Husserl Edmond, leçons pour une phénoménologie de la conscience intime du temps, traduit par Henri Dussort, édition PUF, Paris, 1964.

[6] Voir Husserl Edmond, la philosophie comme science rigoureuse, traduit par Q. Lauer, édition PUF, Paris, 1954 .

[7] Voir Husserl Edmond, la crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, traduit par G. Granel, édition Gallimard, Paris, 1976.

[8] Voir Husserl Edmond, problèmes fondamentaux de la phénoménologie, traduit par J. English, édition PUF, Paris, 1991,

[9] Voir Husserl Edmond, idées directrices pour une phénoménologie, traduit par Paul Ricœur, édition Gallimard, Paris, 1950.

[10] Husserl Edmond, la crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, op.cit.p382.

[11] Husserl Edmond, la crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, op.cit..p14.

[12] Voir Husserl Edmond, Expérience et Jugement, Recherches en vue d’une généalogie de la logique, traduit par D. Souche, édition PUF, Paris, 1970.

[13] Voir Husserl Edmond, méditations cartésiennes, introduction à la phénoménologie, traduit de l’allemand par Gabrielle Peiffer et Emmanuel Levinas, Librairie philosophique J. Vrin, Paris, 1966.

[14] Dissémination du sens

[15] Voir Husserl Edmond, la terre ne se meut pas, traduit par J, -F, Lavigne , édition de Minuit, Paris, 1989.

[16] Salanskis Jean-Michel, Husserl, édition les belles lettres, Paris, 1998,p11.

[17] Husserl Edmond, la crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, op.cit .p 10.

 [18] Husserl Edmond, méditations cartésiennes, introduction à la phénoménologie, op.cit.p134.

[19] Husserl Edmond, la crise de l’humanité européenne et la philosophie, op.cit, p105.

[20] Husserl Edmond, la crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, op.cit .p 10.

[21] Husserl Edmond, la crise de l’humanité européenne et la philosophie, op.cit, p103.

[22] Husserl Edmond, la crise de l’humanité européenne et la philosophie, op.cit, p99.

[23] Voir Hyppolite Jean, l’idée fichtéenne de la doctrine de la science et le projet Husserlien, in Actes du Deuxième Colloque International de Phénoménologie » , Krefeld, 1-3 novembre, 1956, édités par les soins de H. l. Van Breda et J. Taminiaux, pages 173 à 189.

[24] Natalie Depraz, repères biographiques et historiques, in la crise de l’humanité européenne et la philosophie, Husserl, édition Hatier, Paris, 1992,pp29-30

[25] Legros Robert, l’idée d’humanité, introduction à la phénoménologie, éditions Grasset & Fasquelle, Paris, 1990, p199.

[26] Legros Robert, l’idée d’humanité, introduction à la phénoménologie, op.cit, p202.

[27]Landgrebe Ludwig , la signification de la phénoménologie de Husserl pour la réflexion de notre époque, traduit par Jacques Taminiaux In « Husserl et la pensée moderne, Actes du Deuxième Colloque International de Phénoménologie » , Krefeld, 1-3 novembre, 1956, édités par les soins de H. l. Van Breda et J. Taminiaux, p228.

[28] Housset Emmanuel, Husserl et L’énigme du monde, éditions du seuil, Paris, 2000, p244.

[29] Ricœur Paul, « étude sur les méditations cartésiennes de Husserl », in Revue philosophique de Louvain, 33, article de pages 75 à 109, 1954, p109.

[30] Berger Gaston, le cogito dans la philosophie de Husserl, Aubier, éditions Montaigne, Paris, 1941, p55.

[31] Husserl Edmond, méditations cartésiennes, introduction à la phénoménologie, traduit de l’allemand par Gabrielle Peiffer et Emmanuel Levinas, Librairie philosophique J. Vrin, Paris, 1966.p26.

[32] Husserl Edmond, méditations cartésiennes, introduction à la phénoménologie, op.cit.p74-et p126.

[33] Ricœur Paul, « étude sur les méditations cartésiennes de Husserl », in Revue philosophique de Louvain, 33, article de pages 75 à 109, 1954, p78.

[34] Berger Gaston, le cogito dans la philosophie de Husserl, Aubier, éditions Montaigne, Paris, 1941, pages 157.

[35] Jonathan Racine, « La place de Descartes dans l’analyse husserlienne de la crise des sciences et de la philosophie. », Sciences humaines combinées [En ligne], 3 | 2009, mis en ligne le 07 décembre 2017, consulté le 13 décembre 2019. URL : http://preo.u-bourgogne.fr/shc/index.php?id=118

 

 

علي محمد اليوسفيقول مارتن هيدجر سؤالنا لماذا كانت الموجودات ولم يكن العدم؟ هو أن نفتح ونفضّ الموجود في تردده وتقلبه بين الوجود والعدم. فمن حيث أن الموجود يعمل بقوة على مقاومة الامكانية المتطرفة والصارمة للعدم، فانه – أي الموجود - يقف في وسط الوجود، لكنه لم يدرك أو يلحق مطلقا بالعدم أو يهزم أمكانية العدم.(1)

الموجود الحي يعي جيدا أنه محكوم بالفناء والزوال وليس من أمكانية الموجود المتاحة له أجتناب تعايش العدم الافنائي معه كحتمية سلبية تحزم الموجودات الحية بلا أستثناء لا يمكن الخلاص منها.. والموجود سواء أكان في بداية أو وسط أو نهاية الوجود فهذا لا يغير شيئا من أمر علاقة العدم السلبية بالموجودات، والوجود غير قادر الخلاص من هيمنة العدم عليه فهو لا يلحق العدم ولا يحاول هزيمته من حيث أنه بخلاف الموجودات فأن العدم غير متعيّن كموضوع مواز للموجود أو مكافيء له.. العدم نوع من تعبير الطاقة السلبية غيرالمحسوسة غير المحدودة ولا المتعينة ولا المدركة التي تستهدف الموجودات بالافناء الحتمي .. وأدراك الموجود للعدم ليس واردا أبدا ليس كند موجود مكافيء ولا كقرين بالمفاضلة غير الحقيقية بينهما.. من العسف غير المنطقي أن نحاكم الموجودات بمعيار العدم.. وأدراك الموجود للعدم هو أدراك حدسي لا يخضع الى تراتيبية أدراك العقل للاشياء والموجودات الحسية.. أنه ضربة خاطفة من الاثبات الحدسي بمعرفة نتائجه وليس معرفة ماهيته ولا صفاته.. وحدس الموجود للعدم لا يعني أمكانية متاحة في معرفته كمعادل رديف للوجود.. بل العدم هو وجود غير مدرك متمم لوجود الموجودات بلا رغبة منها ولا دراية تتجنبها يلازمها بالافناء.. .

يذهب هيدجر الى أن السؤال لماذا كان وجود الموجودات بدلا من العدم، يجبره على أن يطرح تساؤله التمهيدي الافتتاحي اللاحق التالي (كيف للموجود أن يقف مع الوجود؟) برأي هيدجر(الموجود في كليته لا يوجد ولا يكون بالقياس الى أن الموجود في كليته غير قابل للتحقق منه، لذا فهو في حكم مماثل للعدم كوجود غائب لا يتسنى لنا معرفته ولا التأكد من حضوره الا بعد تلمسنا نتائجه في أستهدافه الموجودات في وجودها الحقيقي)(2)، ويفرق هيدجر بين الوجود والموجود، (بأن الموجود هو متعيّن بالادراك وتعبير اللغة عنه، ومن مجموع الموجودات يتكون الوجود الذي لا يمكننا أدراكه في كليته الضائعة الموزعة على الموجودات المكوّنة له) (3)

قبل تكملة أقوال هيدجر عن الموجود والوجود نود تأكيد ما سبق لنا ذكره ومقارنته بأقوال هيدجرفي السطور السابقة وأضيف هنا على محمل العجالة ثلاث قضايا وردت في تعبير هيدجر ليست صحيحة كما مر بنا قبل قليل:

1- أن العدم ليس وجودا متعينا ملحقا بالموجود بل هو جزء غير مدرك من تكوين الموجود.. فالموجود على حد تعبير هيدجر هو مدرك متعيّن نجده في تعبير اللغة عنه وهو ما لا ينطبق على العدم لا كمتعين مدرك حسيا ولا كتعبير لغوي في الدلالة عليه كموجود.

2- عدم أدراك (الوجود) في كليته الذي هو مجموع تكويناته من (الموجودات) وعدم الاحاطة بالوجود الكلي هو ليس كالعدم في عدم القدرة الاحاطة به كما يذهب هيدجر.. .فالوجود ليس مكافيء للعدم ولا يمكننا معاملتهما على أنهما ندّين متكافئين في المعيار الفلسفي والمنطقي للموجودات.

فالوجود كمفهوم ودلالة هو يمثل مجموع موجوداته ولا يمكن أدراكه في الكليّة بل من الممكن أدراكه بموجوداته التجزيئية المكوّنة له.. فعندما نقول بناية أوغيرها من موجودات حسية مدركة فأن أدراكنا كلية البناية كوجود متعذر أدراكه بكليته في سبق أمكانية أدراك مدركات موجوداته التي هي مكوناتها من طوابق وغرف وحديقة وموقع وخدمات الخ.. وهكذا مع كل مفهوم كلي غير مدرك بكليته ولكنه مدرك بجزئياته التكوينية في موجوداته، لذا كان من الخطأ مقارنة الوجود الكلي بالعدم كما ورد على لسان هيدجر، فالعدم يختلف عن الوجود أنه لا يدرك لا بكليته غير المعروفة ولا بتجزئته الى مكونات فرضية كموجودات غير موجودة ولا متحققة أيضا.فالعدم وحدة متكاملة من حتمية افناء الموجودات لا تنقسم على نفسها وليست مدركة بغير نتائجها فقط.

وتعبير هيدجر أن عدم أدراكنا كلية الوجود يجعلنا نجعله رديفا مكافئا لعدم أدراكنا العدم والتعبيرعنه كلام غير دقيق يحتمل الخطأ كثيرا.. فلا يمكننا معاملة الوجود الانطولوجي معاملة العدم غير المدرك انطولوجيا..

3- في المنهج الفينومينولوجي الادراك للموجود الكلي يكون حدسيا عقليا بينما يكون أدراك الموجودات التي هي مكونات الوجود الكلي فيمكننا أدراكها حسّيا عقليا وليس حدسيا على أعتبارها متعينات موجودية يحدها الزمان والمكان الادراكي العقلي لها.

ولنقارن ما ذهبنا لتأكيده في الفقرة ثانيا أعلاه بهذا القول لهيدجر( أن الوجود الذي لا تكف جهودنا عن ملاحقته والبحث عنه وأستقصاء طبيعته أنه تقريبا أمر مماثل للعدم، لكننا نرفض دائما المناقشة والجدال جملة وتفصيلا في مسألة أن الموجود في كليته لا يوجد ولا يكون)(4)

لنا تعقيب بسيط جدا يلاحظ أن هيدجر أستبدل تعبير (الوجود) الذي لا يدرك بكليته وناقشناه في ثانيا الفقرة أعلاه، وأستبدله بتعبير (الموجود) الذي لا يدرك بكليته، وأحتمال أن يكون التعبير ورد خطأ نقلا عن هيدجر من قبل المترجم.. . فالموجود جزء مكوّن للوجود يدرك بكليته بخلاف الوجود الذي لا يدرك بكليته.

والمشكلة الكبرى التي يحذر هيدجر منها قوله (فيما يتعلق بمفهوم الوجود أنه يبقى أمرا لا يتم العثور عليه بيسر وتقريبا فهو يشبه العدم كثيرا، ثم في نهاية المطاف فأن كلمة الوجود هي عند الكثيرين ليس أكثر من كلمة فارغة المعنى فهي لا تعني أي شيء حقيقي) (5)

اذا ما أخذنا عبارات هيدجر السابقة على محمل النقاش فالوجود وغيره من مفاهيم ومصطلحات متداولة بالفلسفة أنما هي جميعا مجازات في التعبير اللغوي التجريدي للدلالة عنها.. والتفكير وتعبير اللغة هما تجريد مجازي عقلي في الادراك،، وتجعل من أمر الدخول في معترك البحث عن تطابقها كوجود أو غيره مع دلالة تعبير اللغة عنها لا يكفي أبدا في الوقوف على حقيقتها الكاملة.. فالوجود هو تعبير مجازي تجريدي ليس بالضرورة يكون التعبير الفلسفي عنه كافيا لمعرفة حقيقته الانطولوجية كون الوجود تجريد انطولوجي لا يمكننا حدّه أدراكيا، بأختلاف الموجودات التي تمنح التكوين المضموني للوجود في أجتزاءاته وليس في كليته العصّية على التعيّن الادراكي، فالموجودات متعينات يمكننا أدراكها.. أما الوجود فهو مصطلح فلسفي غائم ومتعدد الدلالات شأنه شأن العديد غيره من المفاهيم الفلسفية التي لا تدرك بكليتها كمفاهيم مجردة.. وقد يكون مبحث الوجود ميتافيزيقيا رغم دلالته الانطولوجية في مجمل موجوداته..

كيف للموجود ان يقف مع الوجود؟

يشن هيدجر هجوما مفتعلا على نيتشة في تعبير هذا الاخير على أن الوجود هو محض (بخار ومغالطة).. فيرد هيدجر بقوله (اذا كان الامر كذلك، فان النتيجة الوحيدة المحتملة لهذا الاستنتاج هو أن نتخلى عن طرح السؤال: لماذا كان وجود الموجودات بدلا من العدم؟ لأنه لا جدوى فعلا من طرح هذا السؤال والبحث والتحقيق عن مفهوم هو ليس أكثر من محض غبار ومغالطة.)(6)

فعلا لقد كان نيتشة أكثر أمانة مع نفسه من هيدجر على الاقل أعتباره الوجود مبحث ميتافيزيقي لا أهمية كبيرة بالوقوف عنده على خلاف هيدجر الذي حاول أيقاف الوجود على أرجل خشبية أصطنعها من أجل أختلاق مفهوم تلفيقي للوجود غير صحيح .. .

في محاولة هيدجر توضيح هذا التعالق الفلسفي التجريدي بين علاقة الموجود بالوجود فهو يقوم بأسقاطه بأفتعال لا مبرر له على التاريخ السياسي الحديث لامريكا والاتحاد السوفيتي القديم والمانيا ممثلة عن دول اوربا، وهي محاولة أسقاط فلسفي للوجود على مبحث متجرد بعيدا عن المنطق الفلسفي هو التاريخ السياسي.. وبعد أستطراد لا علاقة له بموضوع الوجود الفلسفي نجده يعود ثانية الى مهادنة أفكار نيتشة الفلسفية الميتافيزيقية قائلا (هل الوجود بالنسبة لنيتشة كان ليس أكثر من وهم وضلال ينبغي أن لا يحدث مطلقا؟ وهل الوجود أذن أمر غامض غير محدد ومعروف يشبه الغبار؟)(7)

أن الحقيقة التي يحاول هيدجر الالتفاف عليها الواردة على لسان نيتشة، أنما هي تشكل مفترق طرق بين فهم الاثنين نيتشة وهيدجر التعبير عن الوجود، فعندما يذهب نيتشة الى وصف الوجود بعبارات ميتافيزيقية بأن الوجود كلمة لا معنى لها، أنما هو ينظر للوجود بمنظار كوني كوزمولوجي على أنه معطى طبيعي محكوم بالتآكل والتلاشي والزوال بمرور الوقت، ولا يمكننا الامساك أو التعريف به في متعينات تكون خارج زمانيته المحكوم بها وخارج فعالية العدم الذي يستبطنه في داخله، وعندما يعبر نيتشة أن الوجود بخار متصاعد فهو يعني به أن الوجود طاقة مستنفدة قابلة للتلاشي والذوبان والاضمحلال لموجودات انطولوجية لا يمكننا البت بادراكها، وأن كل شيء في الوجود والطبيعة الى زوال حتمي.. والوجود بفهم نيتشة هو عملية انتقالات وسيرورة دائمية محكومة بالتلاشي العدمي، على العكس من هيدجر الذي يرى الوجود عملية تصنيع تاريخي – روحي علينا أستحضاره أذا ما كان غائبا في نسيانه كوجود.. وهذه مفارقة لا تقر أن الوجود في كليته غير المحدودة غير المدركة أنما هو معطى أنطولوجي لا يمكن أستحضاره بأسقاطه فلسفيا على التاريخ السياسي، وهذا التساؤل عن المعطى الوجودي لوجود الموجودات أنما يشبه حقيقة التساؤل لماذا كانت الطبيعة ولم يكن العدم أو لماذا كان الانسان ولم يكن العدم..

ويضيف هيدجر (أنه يتعين علينا أن نعمل أن لا تبقى كلمة الوجود مجرد صوت ومعناها ليس ألا خواء أوبخارا.. وفي حال التركيز عليها فأنها سوف تنحل وتذوب وتتلاشى كما تتلاشى الغيوم في ضياء الشمس.)(8)

بهذه العبارات نجد هيدجر يعود الى تبني تعابير نيتشة المتطايرة في التهويم الميتافيزيقي في التعبير عن الوجود على أنه لا يشير الى معنى مدرك مادي يحدّه ويعطيه معناه الادراكي كموضوع ويعتبره عدما ربما كان يشابه العدم في معناه الفيزيائي.. كما نجده في كلامه هذا يمّهد الى أطلاق مقولته أن الوجود ليس واقعة أنطولوجية عبّر هيدجر عنها أمام يأس المحاولة قائلا (أننا يتوجب علينا رؤية الاموربعيون مفتوحة غير متحيزة للاحكام المسبقة، علينا أعادة أحياء الحجّة المألوفة القديمة التي تتحدث عن الوجود بأعتباره أكثر المفاهيم عمومية وأنه يغّطي كل شيء حتى العدم)(9)، ويستنجد هيدجر بقانون المنطق (كلما يكون المفهوم أكثر شمولية وأتساعا من مفهوم الوجود كلما يكون أكثر غموضا وغير محدد وكان مضمونه فارغا أيضا)(10) وهو تعبير ميتافيزيقي يقترب من نيتشة كثيرا..

لنلاحظ جيدا كم يحاول هيدجر جعل مفهومه الفلسفي عن الوجود أكثر أهمية من مفهوم الوجود كما تناوله العديد من الفلاسفة في فهم مغاير لهيدجر. ويتساءل (هل الوجود يمتلك ماهية مختلفة تماما عن الاخريات، ومن هنا يمكننا أن يكون الوجود أي شيء ما عدا أن يكون الوجود موضوعا للانطولوجيا، على شرط أن نأخذ هذا المصطلح بمعناه التقليدي، وكيف لنا زحزحة هذه الاشكالية المزمنة والمستعصية عن مواقعها)(11)

لا نعرف أي الموجودات يقصدها هيدجر التي يمتلك أو لا يمتلك الوجود ماهيته المختلفة عنها.. كذلك كيف يمكن زحزحة النظرة الفلسفية القارة المجمعة على أن الوجود هي معطى انطولوجي أصلا حاله حال وجود الطبيعة ووجود الانسان ولا يمكن التفكير بأعتبار الوجود خارج الفهم التقليدي على أنه موضوع انطولوجي وواقعة طبيعية تاريخية حتى وأن جاء تناوله مثاليا ميتافيزيقيا، وأمام دعوة هيدجر الابتعاد عن النظرة المستحكمة بأن الوجود موضوعا أنطولوجيا، فهل نعود الى ترداد ماقاله نيتشة أن الوجود بخار متصاعد نحو السماء في زواله المتلاشي؟ أو ماهي الرؤية البديلة التي يراها هيدجر في أستهدافه الوجود أن لا يكون أنطولوجيا ميتافيزيقية؟

الروح والاسقاط التاريخي

يستعير هيدجر من دون أشارته الواضحة لذلك مفهوم هيجل للتاريخ في الروح المطلق وأسقاطها على الفهم المثالي الجدلي تاريخيا، وبالتحديد المرحلة التي تلت أنتصار الثورة الفرنسية 1789م، فنجد هيدجر يقول( أن الروح أمر أساسي وحل يتأسس على جوهر وماهية الروح، التي هي تجنيد وتحريك قوى الموجود بحد ذاته، وأينما تسود الروح فأن الموجود بحد ذاته يصبح دائما وفي كل الاوقات أكثر أصالة في وجوده.)(12) ويعتبر هيدجر (طرح سؤال الوجود هو في حد ذاته يتم فقط وبكل معنى الكلمة ضمن فضاء ماهو تاريخي، ولماذا وفقا لذلك يعتبر سؤالنا ما اذا كان الوجود يبقى مجرد محض بخار بالنسبة لنا أم يصبح يمثل قدر الغرب بأكمله.)(13)

اذا ما قرأنا مابين السطور في عبارات هيدجر هذه نجده يفسر الروح بمعناها الميتافيزيقي التاريخي الجمعي للامة الالمانية من منطلق نازي حاول حبسه خلف عبارات الفلسفة المعبر عنه تلميحا بائنا، فهو أراد أن يجعل من المانيا الدولة التي قدرها التاريخي أن تقود اوربا من الظلام الى النور. الذي هو الموجود المتميز للقيام بهذا الدور المؤهل له، وينطوي في تلافيف هذا الشعار تحقق الموجود الالماني بأعلى صوره المتألقة قياديا ليصل الى حد التلاقي مع دعوة نيتشة في الانسان السوبرمان النموذج المستقبلي الذي طرحه ضمن فضاء فلسفي كوني، بخلاف هيدجر الذي حاول تحقق الروح التاريخي للموجود في المانيا التي تقع على مسؤوليتها أنقاذ الغرب قاطبة والمقصود به اوربا تحديدا التي تتوسط المانيا جغرافيا القلب منها..

هيدجر أستعار من هيجل تحقق الروح التاريخي المطلق للموجود في أسقاطه على تاريخ المانيا لا كما بشّر بها هيجل ممثلة في دولة (بروسيا) القوية التي وضع كل آماله عليها. وكما كان هيجل منتشيا الى حد الهوس برؤيته نابليون يمتطي صهوة حصانه بشموخ وكبرياء في طلعته وكأنما يسحب التاريخ الاوربي القادم وراءه بعد انتصار الثورة الفرنسية.. كذلك نجد هيدجر أستعار عن هيجل ذات التصور في أسقاطه تحقق الموجود التاريخي لاوربا بقيادة المانيا النازية..

ختام تعليقنا هذا التي سحبتنا اليه أستطرادات هيدجر في تفسيره معنى أن يؤخذ الموجود ضمن منظور تاريخي فقط وليس من منظور كلاسيكي أنطولوجي فلسفي يدينه. وأدانة هيدجر بولائه للنازية ليس من أختصاص مقالتنا الفلسفية بل هي من صلاحية حكم التاريخ فقط،.. . وقد تركنا العبارات التي ساقها هيدجر سياسيا بوضوح في كتابه لأننا لم نجدها تعابير فلسفية وأنما هي تخريجات ايديولوجية تطويعية لسرد أنشائي مبطن خلف مزيج من مفردات فلسفية مع أسقاطاتها تاريخيا معاصرا بما يخص المانيا واوربا عموما ولمن يشاء الوقوف عليها يرجع الى مصدرنا كتاب مارتن هيدجر ومدخل الى الميتافيزيقا أصدارات دار الفارابي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................................

الهوامش

1- مارتن هيدجر/مدخل الى الميتافيزيقا/ دار الفارابي/ترجمة وتقديم د.عماد نبيل ص49

2- المصدر ص48

3- المصدر ص49

4- المصدر ص54

5- المصدر ص54

6- المصدر ص55

7- المصدر ص 59

8- المصدر ص60

9- المصدر ص61

10- المصدر ص 61

11- المصدر ص61

12- المصدر ص69

13- المصدر ص 69

 

علي محمد اليوسفلماذا كان هناك وجود الموجودات بدلا من العدم؟.. مارتن هيدجر

يعتبر هيدجر تساؤله المار بنا هو فتح الفتوح غير المسبوق في مباحث الفلسفة التي أغفلت مثل هذا التساؤل الهام الخطير الذي لا معنى للتفلسف من غيره لاتصافه بالمواصفات التي يحددها هيدجر كالتالي، اولا لأنه سؤال عميق جدا يتجاوز بعمقه معظم الاسئلة الفلسفية الاخرى.. وثانيا أنه السؤال المركزي الاول في مكانته الفلسفية.. وثالثا وأخيرا أن هذا السؤال يمثل أساس الشروع في عملية التفلسف.(1)

لقد أعطى هيدجر تساؤله المتناقض في النص أعلاه أهمية أستثنائية جدا لا يمتلكها وليست فيه، ولا يمكن لأي باحث في الفلسفة تمريره على أنه مسّلمة فلسفية لم يسبق أحد هيدجر بها كون التساؤل خال من المعنى الفلسفي الذي يحمل أبعادا تحتاج الى تحليل وأضافة .. فالعدم لا يسبقه وجود ولا يليه وجود، وقيمة العدم أنه لا وجود ولا هو خلاء.. فلماذا يحاول هيدجر أن يجعل العدم معيار فهمنا لماذا وجدت الموجودات ولم يوجد العدم.. العدم كما هو عند سارتر هو حالة من التزامن الطاريء على كل موجود محكوم بحتمية الفناء.. والعدم لا يكون وجودا أفتراضيا من غير تزامنه مع موجود يلازمه يعدمه ويفنيه، بمعنى لا قيمة وجودية في أفتراض أن يكون العدم تعويضا أو شكلا آخر من الوجود المدرك..فالعدم أفتراض حقيقي غير وهمي لوجود غير موجود في وسائل أدراكنا له ولا بمعزل عنها..أذ لا يمكننا تصورعدما بلا موجودات هو جزء أفنائي منها..

فالموجودات في حقيقتها الجوهرية ومآلها الاخير هي عدم محكوم بالزوال والفناء،، والعدم بالمنظور الفلسفي غير الفيزيائي ليس هو موضوعا أدراكيا يتصوره العقل ويمكنه التعبير عنه بالكلمات ولا محاولة شرحه فلسفيا بالمعاني والدلالات، وكل ما نتوفر عليه أننا نستطيع تلمس نتائج العدم في الموجودات الحيّة التي يحكمها الفناء والموت.. ولا يوجد فرضية تكافؤية في المفاضلة لماذا كان الوجود ولم يكن العدم؟ فالعدم آفة افتراضية في التعبير عنها فلسفيا في ملازمتها الموجودات المحكومة بحتمية الزوال...وليس العدم شكلا من أشكال الوجود كي تصح مقارنتنا له كوجود أفتراضي بالضد من موجودات حقيقية واقعية..العدم ليس موضوعا أدراكيا كما هو الحال مع الموجودات المدركة حسّيا أو المدركة خياليا.

من غير المعقول ولا من المنطقي فلسفيا تساؤلنا لماذا لم يكن العدم حاضرا كعدم وكان هنالك موجودات عوضا عنه.. في مفاضلة العدم على الوجود كما يحاول أفتعاله هيدجر الذي به ينكر بداهة أن الموجودات معطى طبيعي أنطولوجي مثل الطبيعة والانسان في تساؤل هيدجر لماذا لم يكن العدم وكانت الموجودات؟

من المتعذر مقارنة حضور الموجودات كمعطى وجودي في غياب العدم كحضور(غائب) غير قابل للتحقق الانطولوجي ولا حتى غير قابل كموضوع تفلسف على المستوى التجريد المنطقي.. ولا حاجة الى تكرار أن تساؤل هيدجر لماذا كان هناك موجودات ولم يكن عدما أنه تساؤل بلا معنى وأفتراض خال من الدلالة الفلسفية التي يطالب هيدجرغيره التعمق بها والوصول الى تخومها الفلسفية..... العدم لا يعوّض عن الوجود كونه ليس بموجود ممكن أن ينوجد ويكون لا على صعيد الحضور الفلسفي ولا على صعيد الانطولوجيا..ولا يصح الاستدلال على الوجود بمعيارية ثنائية العدم وتلازمه للوجود.

العدم والفلسفة

يعرّف هيدجر (العدم بأنه النفي القاطع لكل وجود أو شيء يحكمه الفناء الحتمي القطعي بالموت.. والقول بأن العدم موجود قول متناقض لأن العدم سلب وهذا ما يقرّه العقل) سنجد هيدجر لاحقا في غفلة من هفواته الفلسفية لا يعترف بهذا التعريف المناقض لمحتوى سؤاله الاشكالي المار ذكره...

.. وتعقيبنا أن العدم ليس وجودا (قبليا) متعيّنا يسبق وجود الموجودات في عالم الاشياء التي يستهدفها الفناء، كما هو ليس وجودا (بعديا) يخلف نهاية الاشياء المحكومة بالعدم.... أي حقيقة وجوهر العدم أنه أستدلال أفتراضي غير مدرك كموضوع يسكن جوهر الاشياء كما تسكن الدودة قلب الشيء المحكوم بالنفي العدمي على حد تعبير سارتر،، العدم هو أستدلال أفتراضي لموجود غير بائن للادراك لا كمظهر ولا كجوهر على السواء..والعدم هو حالة من ملازمة الوجود لا يمكننا التعبير عنها بالكلمات كموضوع قائم بذاته، فالعدم ليس جوهرا ولا ماهية ولا موجودا منفصلا متعيّنا واقعيا يمكننا أدراكه بحواس وأحساسات الادراك العقلي بل هو ملازمة دائمية للموجودات لأفنائها.. أنه حقيقة مطلقة نعرف نتائجها بالحدس ولا نعرف ماهيّاتها بالادراك.. نستشعرالعدم تقويضه الموجودات الحيّة وأفنائها،، لكننا عاجزين عن معرفة ماهية العدم والاحاطة به لا بالادراك ولا بالتعبير عنه بالكلمات.. وحدس العدم يتيح لنا معرفة الموجودات على حقيقتها قبل أستهداف العدم الحتمي لها كما الموت في أفنائه الكائنات الحية من الوجود.. وأبلغ تعبير عن ذلك أنما جاء على لسان سارتر في تعريفه معنى العدم بقوله أن العدم يركب ظهر الوجود المحكوم بالفناء والزوال لا يتقدمه ولا يسبقه بل يلازمه ملازمة الظل وهو القرين المتداخل به.. كالسوسة في باطن الموجودات والاشياء التي تنخرها..

العدم هو غير اللاوجود أو الفراغ (الخلاء) الذي يتوسط موجودين محكومين بالفناء بل هو يلازمهما كجزء من تكويناتهما كلا لوحده وصولا الى حتمية فنائهما لا قبليا ولا بعديا عنهما بل في ملازمة حتمية لا أنفكاك لهما(الوجود والعدم).. فالعدم لا يسبق الوجود ولا يأتي بعده، بل يداخله وهو دلالة أفتراضية يستهدف غيره من الموجودات والاشياء بالفناء،، وهو لا يفنى بالفناء ولا يعدم نفسه كما في تعبير هيدجر، بل هو نتيجة حتمية شاخصة متبقية بعد فناء الموجودات المحكومة بحتمية العدم والزوال.. أنه الموت الذي يعدم الحياة ولا يعدم نفسه في أستمرارية بقائه كحقيقة أزلية في معايشته الحياة والانسان والطبيعة والموجودات.. ..

كيف يعالج هيدجر العدم من منظور فلسفي

لماذا كانت الموجودات بدلا من العدم؟ في متابعتنا أجابة هيدجر عن تساؤله المتناقض هذا في محاولة أسباغ عمق فلسفي عليه لا يمتلكه بغير أفتعال هيدجر له.

يرى هيدجر أن مهمة تطوير تساؤله هذا يكون في :

- صيغة السؤال التي تتضمن أشارة محدودة الى موضع التساؤل، بمعنى أشارة محددة الى موضع التساؤل.(2)

- أن هذه الاشارة تبيّن لنا عن ماذا يبحث هذا التساؤل بدقة، وما هو الامر الذي يتم طرح السؤال حوله، وأن ما يبحث عنه السؤال بتعبير هيدجر هو (وجود الموجود) ولماذا توجد الموجودات بدلا عن العدم؟(3)

ليس في المنطق الفلسفي أكثر تعبيرا بلا معنى من هذه التعمية المقصودة في أضفاء نوع من التفلسف الخاوي حول تساؤل يحمل تناقضه بأحشائه التي لا تستقيم معها أضافات تفسيرية عليه من خارجه.. تفسيرات هيدجر غامضة لا رابط ولا علاقة ولا معنى لها يصدرها في توضيح وتحميل تساؤله المقفل على تناقضه أصلا بما ليس فيه..

حيث يقر هيدجر بلا وعي منه تخبطه هذا بقوله (ليس هناك من جدوى من الاستمرار في طرح السؤال عن موضوع العدم، فالعدم ببساطة هو العدم وفوق كل ذلك عند الحديث عن العدم أو اللاشيء، فأننا لانقوم بأية خطوة نحو الامام من أجل معرفة حقيقة الوجود)(4)

أذن عن ماذا يبحث هيدجر في تساؤله؟ ولماذا يستغرب وجود الموجودات بدلا من العدم؟ صحيح أن الفلسفة تجريد ذهني غير مألوف لكن لا معنى له بغياب البحث في موضوع محدد فلسفيا يحمل مدلولات بحاجة الى توضيح وأضافة تنويرية حقيقية جادة، تبيّن على ماذا يراد البرهنة عليه وعلى ماذا يراد الوصول له.. أن طرح مثل هذه المسائل الافتعالية على أنها مواضيع جوهرية في الفلسفة يتوجب على الاخرين أغنائها، أنما هو من غير دراية يضع التفلسف داخل علامة أستفهام وادانة أن مواضيع الفلسفة الاشكالية ليست سوى تجريدات لغوية مفتعلة لا طائل من ورائها..

وأكثر من هذا نجد التناقض الواضح عند هيدجر قوله (مشكلة الخطاب الذي يناقض نفسه هو أنه ينتهك ويسير بالضد من القواعد الاساسية للخطاب السليم اللوغوس (Logos) الذي يسير بالضد من المنطق، فالحديث عن العدم هو أمر غير منطقي تماما، والمرء الذي يتحدث ويفكر بطريقة غير منطقية أو لا عقلانية هو شخص لا يتمتع بذهنية علمية..)(5) فهل بعد هذا الرأي المناقض لفحوى تساؤله يبقى معنى فلسفي يقصده هيدجرلماذا كانت الموجودات ولم يكن العدم؟؟

بالعودة الى أصل صيغة تساؤل هيدجر لماذا توجد الموجودات بدلا من العدم؟ نجد التهويم الفلسفي الذي يطرحه هيدجر في أكثر من خمسين صفحة من كتابه مدخل الى الميتافيزيقا في محاولة تسويقه تساؤل متناقض منطقيا وبعيد جدا عن أسباغ مضامين فلسفية عليه..ونجده يناقض نفسه بنفسه في أكثر من مجال في محاولته البائسة خلع نوع من العبقرية الفلسفية غير المسبوقة في تاريخ الفلسفة ممثلة بتساؤله المار ذكره..**

توضيح هيدجر أكثر لسؤاله الفلسفي:

يقول هيدجر في كتابه المعرّب الصادر عن دار الفارابي مدخل الى الميتافيزيقا في معرض توضيح سؤاله قائلا (لماذا كان وجود الموجودات بدلا من العدم؟) فأن (اللماذا) هنا في السؤال ستتبنى أستراتيجية قوية وأختراقا ومقاربة مختلفة جدا، عندها يصبح السؤال :لماذا تشتت الموجود بعيدا وأنسحب الى أمكانية العدم؟ لماذا يتراجع الى حيّز العدم؟)(6)

تعبير خال من الدلالة الفلسفية وسفسطائية لا معنى لها فقط قيمتها كونها صادرة عن فيلسوف وجودي بوزن هيدجر الذي يحاول تخليد تساؤله فلسفيا مثل خلود عبارة ديكارت (انا افكر اذن انا موجود) مع فارق أن عبارة ديكارت التي تحمل مضامين فلسفية عميقة قابلة للنقاش سواء بالقبول أو بالرفض كما جرى معها على أمتداد ما يزيد على ثلاثمائة عام مضت..وليست تساؤلا خاويا من المعنى كما هو الحال مع عبارة هيدجر الذي يستميت في أعطاء ما ليس له قيمة فضاءا فلسفيا في عبارة تحمل تناقضها القاتل قبل أن تولد على لسان هيدجر..

لنتابع مع هيدجر قوله (أن عبارة مثل بدلا من العدم في السؤال هي ليست كما يعتقد البعض ملحقا زائدا غير ضروري للسؤال الحقيقي ولكنها تمثل عنصرا أساسيا مقوّما لكل الجملة الاستفهامية.)(7)

ويمضي هيدجر في تفلسفه لماذا كان وجود الموجودات، في هذا التساؤل المجتزأ عن السؤال المحوري يقول هيدجر (أننا نضع أنفسنا فعلا داخل الموجود بطريقة تجعله يفقد صفة الوضوح- بذاته- كموجود. فالموجود هنا بدأ يتمايل بين الطرفين الاكثر اتساعا وقساوة :أما الموجود وأما العدم، وبهذه الطريقة فأن التساؤل ذاته يفقد كل مواقعه وأسسه الصلدة..) (8)

أمام هذه الفذلكة التعبيرية لهيدجر العصّية على الفهم والاستقبال الذي يفتقد مضمونا فلسفيا في محاولته تمريرأضافات توضيحية عن تساؤله لا معنى فلسفي لها، تعبيرات لغة مقّعرة تدين ولا تعمل لصالح فيلسوفنا الوجودي اللامع هيدجر..

هيدجر وقطعة الطباشير

في أستطراد لهيدجر حول توضيح وفك طلاسم تساؤله يستعين بضرب مثال عن قطعة الطباشير قوله (لو اخذنا قطعة الطباشير فان لها صفة وخاصية الامتداد وهي بالاحرى صلدة نسبيا ضاربة الى البياض الرمادي في لونها مع حيازتها شكلا محددا، أن قطعة الطباشير تمتلك صفة أن تكون مستلقية أو ملقى بها هنا، لكنها بالتاكيد تمتلك بالوقت ذاته بالقوة امكانية أن لا تكون مستلقية أو ملقى بها هنا أمامنا، وأن لا تكون كبيرة بهذا الحجم. وأن حقيقة أمكانية أن يهتدي اليها والى وجودها الذي يسير جنبا الى جنب مع السبورة كونها اداة معدة للاستخدام في عملية الكتابة هو بالاحرى ليس شيئا ما نضيفه من لدنا على الشيء بواسطة تفكيرنا)(9)

لو أكتفى معلم مدرسة ابتدائية قائلا لتلاميذه هذه قطعة طباشير في وجودها بجانب السبورة أنما تحمل أكثر من صفاتها التي نلاحظها قبل أستعمالنا لها بالكتابة، من حيث أن لها القدرة كأداة في الكتابة على السبورة بما نريد ونرغب، وأن قطعة الطباشير لا يعطينا التفكير بها صفات يمنحها تفكيرنا لها بل هي تمتلكها تلقائيا بالاستعمال لها..الا تصبح أمكانية مقارنة المعلم بالفيلسوف هيدجر قائمة ولها مسوغات طرحها وحضورها؟؟

...يتبع

 

علي محمد اليوسف/الموصل

......................

هامش ** : في أغلب البحوث العربية الفلسفية التي هي كتابة شروحات وهوامش تتناول بعض الفلاسفة الغربيين يجري عندنا توثين الافكار الفلسفية لهم وتصنيمها بالانبهار والعصمة كمقدس بدلا من معاملتها النقدية الهادفة لها، وأول بدايات تكوين حس نقدي فلسفي لدى طلاب الفلسفة في الجامعات عندنا هووجوب أعتماد لغة النقد والشك وليس عادة التسليم المطلق بما يقرأ وبذلك نكون وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح..

1- مدخل الى الميتافيزيقا، مارتن هيدجر، دار الفارابي، ت: د. عماد نبيل ص38

2- المصدر اعلاه ص 41

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

4- المصدر نفسه ص 42

5- المصدر نفسه نفس الصفحة

6- المصدر نفسه ص 47

7- المصدر اعلاه نفس الصفحة

8- المصدر اعلاه نفس الصفحة

9- المصدر اعلاه ص48

 

علي رسول الربيعيكيف يجب أن نفهم نظرية القانون الطبيعي؟ يصف ميرفي هذه النظرية على أنها وصف أساسي لـ "العقلانية العملية"، والتي لها هدفان رئيسيان. الأول هوكشف كيف يمكن أن تكون الافعال "مفهومة من الناحية العملية، مما يعني كشف  إظهار أن للأفعال غاية أو هدف، بحيث تستحق التنفيذ1.  الهدف الثاني هو مساعدة البشر على اتخاذ القرارات بشأن أي من الأفعال أوالأعمال الجديرة بالاهتمام التي يمكن القيام بها؛ إنه في الأساس تفسير لعقلانية الخيارات فيما يتعلق بالأفعال2.  يتم تحقيق كل من هذين الهدفين عن طريق إعطاء وصف لما هو خير. لنأخذ راي توما  الأكويني، على سبيل المثال، حيث  يُزعم، في نظرية القانون الطبيعي، أن المبدأ الأساسي للقانون الطبيعي هو: يجب القيام بالخير وتجنب الشر. هذا المبدأ بالنسبة إلى الأكويني، هو "المبدأ الأول"،  وهو مثل مبدأ عدم التناقض بالنسبة للعقل النظري، وعلى هذا النحو، يعتبر بديهيًا وليس بحاجة إلى جدال. تتميز نظريات القانون الطبيعي بشكل بإعطاء الأولوية للخير. ولفهم  غاية الأفعال ومعرفة الأفعال المعقولة  يجب أن نعرف ما هو خير.

ومع ذلك، من الواضح أن هذا المبدأ الأول التجريدي في حد ذاته لا يعطينا التوجيه فيما يتعلق بأفعال محددة. نحن بحاجة إلى معرفة ما هو جيد بشكل خاص وبظروف محددة. يقدم منظرو القانون الطبيعي بشكل مميز  تفسيراً للخيرات  بشكل شامل وطبيعي، وقد قام  معظمهم بذلك من خلال تقديم تفسير مستوحى من الأرسطية عن الصالح للبشر من حيث ما يكمل الطبيعة البشرية، أو التي تمكن الإنسان من الازدهار. لا شك أن أتباع نظرية القانون الطبيعي لم يتبعوا أرسطو بهذه الطريقة. فقد قدم توماس هوبز وصفًا للقانون الطبيعي الذي يرتكز على تفسير ذاتي للخير، مبني على الحقيقة النفسية المتمثلة في رغبة جميع البشر في البقاء وتجنب الموت العنيف3 . دافع بعض منظري القانون الطبيعي عن التفسير الأفلاطوني  للخير، والذي يرى بعض الأشياء، مثل المعرفة والجمال خير في حد ذاتها بصرف النظر عن أي إشارة إلى الطبيعة البشرية. غير أن الغالبية العظمى من منظري القانون الطبيعي فسرت الخير بالنسبة للبشر بأنه يأتي من  الطبيعة البشرية ذاتها ، وسأعتبر ذلك خاصية مميزة لنظرية القانون الطبيعي.

بالطبع ، تم تقديم العديد من  التفسيرات لماهية الخيرات للبشر من قبل منظري القانون الطبيعي، بالإضافة إلى تفسيرات متنوعة  لكيفية معرفتها من قبل  هؤلاء البشر. تتعلق أحد الخلافات التي كانت مستمرة بين منظري القانون الطبيعي بالمسألة الأخيرة. اذ ترى العديد من نظريات القانون الطبيعي التقليدية أن فهم ما هو خير للبشر يفترض أن يُستمد من فهم الطبيعة البشرية، فلا يمكن للمرء فهم ما الذي يكمل الطبيعة البشرية دون فهم تلك الطبيعة. يطلق مورفي على مثل هذه النظرة "الاشتقاقات"، حيث تؤكد أن معرفتنا باالخيرات الأساسية مستمدة من نوع من المعرفة النظرية.4  معرفة الخير الأساسي هو ما يسميه مورفي "الميول"، وهو نوع من الخيرات  الأساسية التي يقدمها المفكر المعاصر جون فينيس. بالنسبة لفنيس ، يعد فهم الخيرات الأساسية أمرًا بديهيًا وواضحًا وهو شئ في حياة العقل  العملي. فعلى سبيل المثال ، لدى البشر رغبة طبيعية في معرفة الأشياء، وأنه بالنسبة لكائن لديه مثل هذا الميل ، فإنه من الواضح على الفور يصل الى أن المعرفة خير5.

بغض النظر عما إذا كان فهمنا للخيرات البشرية الأساسية مباشراً أم مشتقًا، فسوف أفترض أن نظرية القانون الطبيعي هي تلك التي تنص على أن تلك الخيرات تحددها طبيعتنا بطريقة أو أخرى، بحيث لو كانت الطبيعة البشرية مختلفة اختلافًا جوهريًا ، فإن ما سيكون خيراً للبشر مختلفاً تماماً.

ما هي الخيرات الأساسية للبشر، وفقًا لنظريات القانون الطبيعي؟ هناك ، كما قد يتوقع المرء ، بعض الاختلافات في البيانات أو القوائم التي يقدمها مختلف المفكرين. غير أن هناك أيضًا قدر كبير من التداخل والاتفاق، وربما يرجع  بعض ذلك على الأقل الى  ما يبدو وكأنه خلاف إلى الطريقة التي يتم بها وصف الخيرات وتمييزها6 .  تشمل الخيرات بصورتها النموذجية عادة الحياة والصحة والمعرفة والجمال (أو التجربة الجمالية)، والصداقة وغيرها من الخيرات الاجتماعية (مثل ان يكون المرء  جزءًا من أسرة ومجتمع)، والوفاء بالعمل والنشاط (بما في ذلك اللعب)، والخيرات النفسية مثل "السلام الداخلي"، المعقولية العملية، وفي بعض الحالات الدين.

على الرغم من أن تفسير القانون الطبيعي للعقل العملي يعطي الأولوية للخير على الحق، كما النفعية وغيرها من أشكال النظريات التي تعتمد المردودية والنتائج العملية، الاً أن نظرية القانون الطبيعي تختلف عن معظم أشكال النفعية لأنها لا تفترض أن العقلانية تتطلب أنه يجب تعظيم الخير. طبعاً في الحديث عن أولوية "الخير على الحق" أنا أتحدث عن "الخير" بالمعنى غير الأخلاقي. من الواضح أن هناك إحساسًا بـ "الخير والشر" ذو طبيعة أخلاقية، وبهذا المعنى فإن حقيقة أن فعلًا مثل القتل محظور أخلاقًا يرتبط منطقياً بكونه سيئًا أخلاقياً. يعتقد مُنظِر القانون الطبيعي أن العقل  العملي يدعو إلى استجابة معقولة لما هو خير، ولكن هناك مجموعة متنوعة من الطرق التي قد تكون بها الأفعال معقولة أو غير معقولة كاستجابة للخير. ما يطلبه العقل العملي ليس مجرد تعظيم بعض الخصائص مثل اللذة ، أو حتى تعظيم بعض الخيرات، لكن أن يستجيب الأشخاص بشكل مناسب للخيرات الفعلية التي يواجهونها أو يمكنهم تحقيقها. هذا يعني أنه يمكن لمنظِّر القانون الطبيعي ، مثل الكانطيين، أن يجادلوا بأنه قد يكون هناك بعض أنماط أو أنواع من الأفعال  غير مناسبة أو غير معقولة دائمًا، وبالتالي قد تكون هناك قواعد أو مبادئ عامة تستبعد بعض أنواع الأفعال تمامًا. وأخيرا إذا كانت الحياة البشرية  أهم خير أساسي، فإن القتل، الذي يُفهم على أنه التدمير المتعمد للحياة البشرية البريئة، يُنظر إليه على أنه خطأ جوهري.

 

 الدكتور علي رسول الربيعي

................................

Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality (Cambridge: Cambridge University Press, 2001), p. 2.

المصدر  نفسه، ص 2-3.

توماس هوبز، اللفيثيان، الأصول السياسية لسلطة الدولة، ترجمة، ديانا حرب وبشرى صعب،دار الفارابي، بيروت، 2011. ص 139-165

Murphy, Natural Law and Practical Rationality, 6, 17.

Finnis, John, Natural Law and Natural Rights (Oxford: Oxford University Press, 1980). pp. 60-9.

للحصول على ملخص للقوائم أو البيانات التي قدمها مختلف المفكرين ، أنظر:

Murphy, Mark (201I) "The Natural Law tradition in ethics," Stanford Encyclopaedia of Philosophy (Winter 20n), ed: Edward N. Zalta, http://plato.stanford .eduf archives/win2011/entries/natural-law-ethics. p. 11

 

علي رسول الربيعيالمقدمة: كانت قد وجهت لي دعوة للمشاركة في حلقة نقاشية تتناول الإرهاب منذ مدة ليس بالقصيرة، تناولت فيها  كمقدمة لمداخلتي وبشكل موجز عن نظريات تفسير الإرهاب، لم تكن مداخلتي مكتوبة  بصيغة نهائية بقدر ما كانت عبارة عن مسـًودات متناثرة. طلب مني زميلي  منذ فترة أن أزوده بتلك المسودات، بحثت عنها فوجدتها، وخطرت لي فكرة أن انشر  شيئا منها. فكانت هذه الدراسة-  المقدمة عن نظريات الإرهاب.

يشير الإرهاب الى أعمال العنف التي يقوم بها أفراد أو جماعات فرعية ما تحت الدولة ضد المدنيين سعيًا منهم لأهداف ايديولوجية. وطبقا لهذا الفهم تطورت سلسلة من المطالب والمعارف حول طبيعة واساب العنف وضرورة الرد عليه والأستجابة له. وقد لاقت تلك الأستجابة قبولا أكاديميا وثقافيا واسعاً، بوصفه تهديدا جديا وخطيرا للمجتمعات الحديثة يقوم به متطرفون. يؤدي الفهم السائد عن الإرهاب – اي قبول تفسير النظرية الأرثوذكسة- " كنظام للحقيقة" في المجتمع وظيفة المحافظة على وجهة النظر العامة المشتركة  السائدة عن هذه الظاهرة.

إن هناك مفهوم وتفسير ونظريات للأرهاب ومن بينها التفسير الفهم الأرثوذكسي للأرهاب وهو ما يعرف تحت عنوان أو النظرية الأرثوذكسية للإرهاب. أن هذه النظرية، هي النموذج الرئيسي والمقاربة الوضعية العقلانية التي تستعملها حكومات الدول في المقام الأول لتفسير العنف السياسي. إنها توظف اساسا تفسير نظري وفهم للأرهاب لكي يتلائم مع برامج الهيمنة أو غيرها، ولكن مع الإبقاء في الوقت نفسه على تمييز صارم بينهما لعدم السماح بإضفاء الشرعية على برامج تكتيكات الإرهاب. يعتبر الخطاب القائم على ثنائية الشرعية/عدم الشرعية، العنف الصادر من غير الدولة أرهاب، بينما يعتبر العنف الذي تمارسه الدولة عنفًا مشروعًا. الطابع الشخصي لهذه المقاربة تجاه الإرهاب يفسر أعمال العنف من وجهات نظر كل من المحرض والمتلقي للعنف على حدٍ سواء، سواء كانت من قبل جماعة أرهابية ضد الدولة أو العكس.

بعيدًا عن وصف الفهم الكلي الشامل والآحادي للعنف السياسي، فإن النظرية الأرثوذكسة في تفسير الإرهاب هي، في الواقع، خطاب نظري تتكون من نصوص رئيسة في دراسات الإرهاب يمثلها منظرين بارزين، تصنيفها وحقلها، كما عند لاكور،[1]، هوفمان[2] ويلكنسون،[3] داخل قواعد حقل العلاقات الدولية، وبقت مهيمنًة في هذا المجال بإحتكارها المطلق لممارسات وسياسات الحكومات لمكافحة الإرهاب.

على الرغم من أن النظرية الأرثوذكسية للأرهاب بوصفها المقاربة النظرية المهيمنة لتفسير الإرهاب، إلا أنها ليس النظرية الوحيدة. وبالفعل، فاذا استعرضنا بشكل موسع الدراسات المتعلقة بالإرهاب، فقد نتوصل إلى تحديد عدد من وجهات النظر المختلفة بشأنه. وعلى الرغم من أن هذه النظريات تستند إلى مستويات تحليل مختلفة فرانكس[4]، إلا أنه من الممكن أن نحدد تمايزًا عامًا بينها لا سيما فيما يتعلق بتفسير أسباب الإرهاب، وهذه هي النظريات كما يلي:

1 – النظرية الأرثوذكسية  في تفسير الإرهاب:

وهي تقدم التفسير السائد لفهم الإرهاب. لا تنخرط هذه النظرية في مناقشة الأسباب الجذرية لأنها تفضل المقاربة من خلال الثنائي القانوني أو الشرعي أو غير القانوني/ أوغير الشرعي لتفسير الإرهاب. إنها تعكس  واقع الفهم الذي يعطي الدور المحوري للدولة. تشكل هذه النظرية أساس السياسات الحكومية لمكافحة الإرهاب. توجد عدة نصوص رئيسية تدعم تفسير هذا النوع من الإرهاب، ومنها نصوص شميد و جونغمان[5]، وويلكينسون.[6] لقد زادحضور وتاثير هذه الجماعة الأكاديمية التي تعبر عن هذه النظرية بشكل ملحوظ منذ 11 أيلول.

2-  النظرية الراديكالية في تفسير الإرهاب:

تتضح هذه النظرية بعض الأحيان في الدراسات التي تفسر الإرهاب من منظور الإرهابي نفسه إلى حدٍ كبير. تُشكل هذه النظرية مبررًا للعنف والدفاع عن الأسباب التي يعتبروها جذرية جذرية وبنيوية. لقد تم التعبير عن هذه النظرية عند كتّاب، مثل كامو، [7] وفانون[8]، و ماركس و إنجلز،[9]و قطب.[10]

3 - النظرية المعتدلة في تفسير الإرهاب:

إنه حقل فرعي تطور سريعًا ولا سيما  في العقود الأخيرة، ولكنه لا يزال يعبر عن مقاربة محدودًة في دراسات الإرهاب، ومنشغلة في الأسباب الجذرية. إذًا، هو اتجاه يحاول تفسير وفهم جذور الإرهاب المرتبط بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والبنيوية فضلًا عن الاسباب السياسية، ويشتمل أيضًا تطور مجال الدراسات النقدية للأرهاب. ومن أمثلة الدراسات في هذا الحقل بيرمان،[11] بيورغو[12] كرينشاو،[13]؛ ديلا بورتا.[14] 

4- النظرية النقدية في تفسير الإرهاب

يُستعمل مصطلح النقد هنا بمعنين. الأول، المعنى العريض للمصطلح الذي يعني الوقوف بشكل محايد وأخذ مسافة من الوضع أو الحدث القائم، والأستفهام عن ماهو متداول بالمعنى العام المشترك، والمعرفة المقبولة، وطرح أسئلة عميقة حول كيف يكون الوضع الحالي وكيف يُحافظ عليه. الثاني، يشير الى المقاربة القائمة على أدوات ورؤية النظرية النقدية وتوجه النظرية الإجتماعية نحو النقد والتغيير الإجتماعي ككل، والذي يرتبط بما يعرف بمدرسة فرانكفورت. تشترك المقاربة النقدية - العريضة والضيقة- في عدد من الوعود والالتزامات الرئيسة، وتشمل على التساؤل المستمر واستنطاق الأفتراضات المسلم بها بما في ذلك مطالب أو مزاعم المعرفة المقبولة بشكل واسع، جمع وتحليل المعطيات الأولية، والحساسية تجاه مسائل المعرفة والسلطة، ولاسيما فهم أن المعرفة تعمل دائما لصالح شئ ما ولي  محايدة ايديولوجيا. بالأضافة الى قبول أن الباحثين يأتون معهم بمجموعة من المواقف وافكار مسبقة متجذرة في سياقاتها الخاصة، والتزامات اخلاقية تجاه حقوق الأنسان والتقدمية السياسة التي تهدف الى تحسين شروط الحياة للأفراد والمجتمعات.......

 

 الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1] Laquerur, W., Oxford University Press, 2000

[2] Hoffman, B., Inside Terrorism, London,Indigo, 1999.

[3] Wilkinson,P., Terrorism and the Liberal State , London, Macmillan.1977.

[4] Franks,J., Rethinking the Root of Terrorism, Basingstoke, Palgrave Macmillan,2006.

[5] Shmid,A. and Jongman, A., Political Terrorism: A GUIDE TO Actor, Authers, Concept,Data Bases, Theories  and Literature, Oxford, North Holland, 1988.

[6] Paul Wilkinson,Terrorism Versus Democracy,Routledge; 3 edition , 2011.

[7] Camus,A, The Rebel,3rd edn , London , Penguin, 2000.

[8] عن العنف البنيوي عند فانون أنظر دراستنا المنشورة في صحيفة المثقف.

Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, Penguin Classics; New Ed edition  2001.

[9] Marx and Engels The Communist Manifesto,  Penguin Classics; Reprint edition, 2014.

[10] سيد قطب/ معالم في الطريق، مكتبة وهبة، 1964.

[11] Berman, p, Terror and liberakism, London, Norton&co Lid, 2003.

[12] Bjorgo, T, The Root Causes of Terrorism, London, Routledge, 2005.

[13] Crenshaw,M, Terrorism in Context, Pennsylvania,Pennsylvania State  University, 1995.

[14] Della Porta,D, International Social Movement Research,Greenwich, Connecticut, 1992.

 

 

علي رسول الربيعيمقدمة: كانت الفترة المبكرة من العصر الحديث التي ظهر فيها علم الجمال نقطة تحول تاريخية عظيمة بالنسبة للحضارة وليومنا هذا كذلك. يُظهر النظر لعلم الجمال على هذا النحو وجهًا مختلفًا له عن الوجه الذي اعتدنا عليه. يعتبر علم الجمال عمومًا فلسفة للفن، ونظرًا لأن الفن يُعتبر مجالًا ثقافيًا مستقلًا، فإن علم الجمال يعطي عادة انطباع بأنه حقل منفصل عن الفلسفة. تستكشف هذه المقالة موضوع عن علم الجمال مختلفة تماما عن هذا الذي مرً ذكره. عندما ظهر حقل علم الجمال إلى الوجود، اتهم بأنه كان مشحوناً بالمشكلة الفلسفية السائدة والملحة في عصرها وهي: كيفية بناء عالم جديد.

مفهوم الفن وولادة علم الجمال

نشر بومغارتن ( Baumgarten) المجلد الأول من كتابه علم الجمال في عام 1750. وقد كان اقتراحه تأسيس علم أدراك الأحساس، الذي يأخذ الفن والجمال كموضوع رئيس له، وكحقل جديد في الفلسفة. اذن علم الجمال، بهذا المعنى، هو تخصص حديث. ويمكن القول إن ما أصبح يُدعى بعلم جمال العصور القديمة أو القرون الوسطى جاء بعد بومغارتن: فقد أصبح التفكير السابق في الجمال والفن جديراً بالاهتمام فقط مع تأسيس علم الجمال كحقل فلسفي في العصر الحديث. أشدد على الأصل الحديث لعلم الجمال لأن ولادته حدثت على خلفية تاريخية محددة. يتمثل العنصر الأول لهذه الخلفية في تكوين مفهوم الفن؛ ففكرة الفن التي اعتدنا عليها تشكلت مع بومغارتن. دعونا نلقي نظرة سريعة على تاريخ الفن.

كان الفن موجودًا بعد عصر النهضة، في ثلاثة أشكال. كان أحدها فنًا رسميًا أو عاماً يتوجه إلى جمهور كبير. وكانت الحضارة في حالة تغيـًر أنذاك، وكانت القوى والسلطات السياسية تحتاج إلى علامات ورموز ملموسة الى وجودها؛ ومن الأمثلة على ذلك كنيسة سان بيترو في مدينة الفاتيكان، أو السياسة الثقافية للويس الرابع عشر. كانت فرنسا بلدًا سياسيًا وثقافيًا متخلفًا في منتصف القرن السابع عشر. عالج الملك الشاب الطموح هذا الضعف على كل من الجبهتين العسكرية والثقافية: فقد كان يتمنى أن يكون مُهاباً ومحترماً. شيدت فرساي، وتلقى راسين وموليير الرعاية الملكية. وتم تقديم معاشات سخية للشعراء الأوروبيين الذين يكتبون قصائد في مدح الملك. لقد كان الفن والفنانين في مكانة داعمة للسلطة السياسية. وقد ساهم هذا الفن العام بشكل كبير في تشكيل المفهوم الحديث للفن. لكن علينا أن ندرك أن هذا الفن العام والواسع النطاق يختلف إلى حد ما عما نتصوره فنًا الآن.

كان الشكل الثاني لفن ما بعد عصر النهضة هو الفن الاجتماعي المخصص لأستمتاع عدد صغير، مثل فن الروكوكو Rococo. لقد خضع شكل الفضاء لتغيير جذري: ففي مقابل قصر فرساي، الذي شكل الفضاء العام كانت هناك الـ الروكوكو والتي هي ثقافة الغرف الخاصة، لا سيما لتلك السيدات الأرستقراطيات. أصبحت المحادثة فنًا وديكورًا داخليًا يتم البحث فيه عن المكانه. لكن الشكل الأكثر أهمية للفن هو الشكل الثالث، أي الفن التأملي. والمثال الأبرز لذلك التطور من الثاني إلى الثالث يقدمه موزارت في باريس. قام موزارت بتأليف الكونسرتو Concerto for Flute and Harp، وعزف القيثارة عام (1778)، التي أعتبرت تحفة موسيقى الروكوكو، للمجتمع الباريسي المخملي. كذلك تم تأليف سوناتا للبيانوA minor في العام نفسه، بشكل موسيقي مختلف وقد كان يُصف بأنه ذاك الذي: لا يمكن للمرء أن يستمع إليه ويتحدث بشكل مبهج أوبلطف في الوقت نفسه؛ يلزم المرء التركيز على مستوى أعمق من العقل. إن الشكل الرئيسي للفن وفقا لمفهومنا الحديث هو هذا الشكل الثالث. هذا هو الفن الذي يتطلب علم جمال مثل فلسفة الفن، وهذه هي الفلسفة التي تتأملة.

الحساسية والجمال

كانت علم الجمال عن بومغارتن ليس موضوعًا للفن فقط ولكن للأحساس أو للحساسية والجمال أيضًا، والتي يمكن اعتبارها أكثر في غاية الأهمية من الناحية الفلسفية. لنبدأ بالحساسية. كانت فكرة بومغارتن حول علم الجمال كفلسفة للحساسية مستوحاة من نظرية المعرفة عند لايبنتز. فمن بين أساليب الإدراك المختلفة المصنفة من قبل لايبنتز، إنها مقولة الإدراك الواضح والمشوش وذلك لأن يمكن تحديدها من الناحية التجريبية ولكن لا يمكن تحديدها من الناحية اللغوية - والتي يمكن أن تتوافق مع علم الجمال عند بومغارتن. يدرج لايبنيز في هذه المقولة كلا من مفهوم الصفات الحسية مثل الأحمر والحلو والأحكام المتعلقة بالشعر والرسم، حيث يطبق عليهم ما لايمكن وصفه وتسميته بسهولة . "هذا هو موضوع ومجال علم الجمال.

أكد باسكال على أهمية الإدراك المعقول قبل قرن من عصر بومغارتن؛ "نحن نعرف الحقيقة، ليس بواسطة العقل فقط، ولكن من خلال القلب أيضاً، وبهذه الطريقة الأخيرة نعرف المبادئ الأولى؛ ليس العقل جزء منها وليس له أيً دور في ذلك، أنه يحاول عبثًا فهمها". أعتبر باسكال المبدأ الأول هو الله. ولا يمكن استعادة وجود الله، بعد أن وقع تحت طائلة شكوك المرتابين، من خلال تفكيرهم العقلي- المنطقي، وقد حاول ديكارت ذلك ولم يفلح ، ولكن يمكن إدراكه بالشعور: واذا كان العقل المنطقي عديم الجدوى فما هو مطلوب هو الموافقة الوجودية، وهذا عمل الحساسية. بأعتبار الحساسية هي مسألة قيم كخيار ومشاركة وجودية، وليست صفات معقولة.

كانت نقطة التحول الكبيرة في العصور الحديثة المبكرة تعبيراً عن أزمة. فكان الجمال رداً على القلق الجذري الناجم عن تلك الأزمة. وقد أدرك توماس هوبز ذلك القلق فكان الأساس لفلسفته السياسية عن المساواة بين البشر في حالة الطبيعية، والتي أستخلص منها الأطروحة الشهيرة: "حرب الجميع ضد الجميع" وهي الفكرة التي ضربت على الوتر الحساس لمعاصريه.

أصر شافتسبري على دور الجمال في هذا السياق. فقد هاجم هوبز، وأعتبر جمال العالم دليلاً على عقلانيته، ومن ثم قياساً على هذا الجمال، جادل بأن الإنسان فاضل بطبيعته، وقد تضمنت حجته نقطتين. برر في الأولى من وجهة نظر التدبير الكلي للعالم، رغبة الحفاظ على النفس، والتي اعتبرها هوبز الفكرة الأساسية للصراع. والثانية مؤكداً على عقلانية العالم متبنياً حجة ليبنتز المعروفة بـ " Leibniz’s theodicy، أيً : تبرير الخير الإلهي والعناية في ظل وجود الشر.

ثم يشير شافتسبري إلى أن تدبير العالم بوصفه تعبير عن الجمال، هو أدراك مهم للجمال لأن لايتأثر حكمه بأي تحامل شخصي أو موقف تعسفي، أي أنه أدراك نزيه. وينطبق هذا في رأيه يرى على السلوك البشري ويرتبط مع "الحس الأخلاقي"، الذي يشهد على وجود غريزة الفضيلة فينا. لا يتصارع الناس بالضرورة مع بعضهم البعض لتعزيز رغباتهم الأنانية. وحتى لو انهار النظام القديم القائم فأن المجتمع البشري سوف يستمر.

أود أن أتأمل نظرية الخلق عند مالبرانش قبل أنهاء هذا المسح لتاريخ علم الجمال. واجهت فلسفته المسيحية مشكلة أكثر إثارة للحيرة من وجود الشر وهي: لماذا يخلق الكائن الكامل الذي لايفتقر الى أيً الشئ العالم على الإطلاق. أشار مالبرانش في مواجهة هذه الصعوبة، لاكتشاف الدافع إلى عمل المهندس المعماري. يجد المهندس سعادة باحساسه الجديد في وجود ما قام به وهو حافزا لأعتزازه بجماله. إنه عمل غير مبرر. والخلق الإلهي هو مثال المهندس هذا نفسه. فمن الضروري أن يحب الله نفسه. وبسبب هذا الجوهر، يخلق الله العالم جميلاً، ويعبر هذا الجمال عن مجده. ويثبت جمال أو قيمة العالم من خلال جماله، والعمل الفني هو نموذجه.

مركزية الإنسان الحديث واستقلال علم الجمال

لقد رسمنا مخطط عام لأسس علم الجمال حتى الآن. يختلف علم الجمال في بواكير العصر الحديث اختلافًا كبيرًا عن علم الجمال الحديث الذي نشأ لاحقاً في أوائل القرن التاسع عشر. علم الجمال الحديث هو فلسفة الفن المأخوذ في نموجه المنفرد والتأملي. لقد تغير وضع الجمال بشكل أساسي مع علم الجمال هذا. فلم يعد الجمال في علم الجمال هذا بوصفه فلسفة الفن هو الموضوع وذلك تماشيا مع تحيزات مركزية الانسان الحديث، أيً المركزية التي تفسير الواقع من ناحية القيم والتجربة البشرية حصرياً. لقد تحول الأهتمام والأنتباه في علم الجمال من العمل إلى المؤلف أو من يقوم بالعمل الفني.

أنتقلت علامة القيمة من جمال العمل الفني إلى مدى عمقه وأصالته. وأصبح الفن كثقافة عالية نشاطًا مستقلًا، فنجد تاريخه الحديث مدفوعًا بالسعي وراء التجديد كتعبير عن فردانية الفنان. يبلغ هذا الفن الذي يصر على الأصالة ذروته في نافورة دوشامب، التي تكشف عن مفارقة الفن كمؤسسة مستقلة. تعتبر النافورة الآن من أهم الأعمال الفنية في القرن العشرين. رغم الأنتقادات الموجهة الى المؤسسة المستقلة للفن، الأ أنه تم الاعتراف بها كفن بسبب تلك المؤسسة. إنه يوضح حتى الآن المسار الضيق الذي تم فيه قيادة الفن وفلسفة الفن.

يرتبط صعود هذا الفن المستقل مع تراجع الطبيعة في علم الجمال. لقد استند فن الماضي الجميل إلى مبدأ تقليد الطبيعة وأشاراته إلى الطبيعة والتاريخ الإنساني. لكن أصبح الفن أكثر اهتمامًا بالإشارة إلى نفسه: انتقل تركيزه من المادة إلى الصورة. وقد استعيد النقاش حول فكرة التخيل التي غابت طوال القرن التاسع عشر. وانبثق مفهوم الطليعة (وهي استعارة عسكرية) من دائرة القديس سيمون، الذي آمن بقيادة الفنانين لخلق عالم جديد.

لقد تجسد تركيز علم الجمال في القرن التاسع عشر على الصورة والخيال ومركزية الذات. ويمكننا التحقق من ذلك في علم جمال السامي والجليل و والرائع. يتجلى هذا السامي الجليل في عبارة كانط الشهيرة: شيئان مذهلان يملأن العقل عجباً ورهبة: السماء المرصعة بالنجوم في السماء والقانون الأخلاقي داخلنا. يؤكد كانط في نظريته في " نقد ملكة الحكم"، أنْ ليس الطبيعة بل قوة العقل التي تدرك عظمة اللانهائية والقوة تلك هي حقًا سامية. يعبر هذا عن رؤية للعالم مختلفة تمامًا عن رؤية شافتسبري. لقد ختم كانط فكرة مركزية الأنسان بختم أنطبع حتى على علم جمال السامي والجليل.

لقد فاجأنا إحياء فكرة السامي ( الجليل، المتعالي) في نهاية القرن العشرين بعد أن تصورنا أن الحضارة الغربية الحديثة قد فقدت أي شعور بأللامتناهي، وبالتالي ، فقد فقدت السامي كمقولة في علم الجمال. فمن الواضح أن أدورنو – في أحيائها- يتبع كانط في مفهومه للسامي، ويعتقد أنه مع انهيار الجمال االشكلي، المقولة الجمالية التقليدية الوحيدة المتبقية هي السامي، رغم أن السامي المعقول أمر مثير للسخرية. الاً أنً مقولة "السامي" الحديثة تعبر عن حركة النفي الذاتي التي تطبع الفن بعمق، وتميزه عن الحرفة أو الصنعة؛ يمكننا أن نسميها سامية لأن السامي يشكل على نحو محدد من قبل كانط، مقاومة العقل للقوة الساحقة. إنها ظاهرة تمثل التنوير الذي نادى به أدرنو. لكنني أتساءل عما إذا كان يمكننا أن نسمي الـ "سامي" سامياً وهو لا يُرى ولا يُشعر به. في الواقع، قد يشعر "أدورنو" وأتباعه بالسامية في الطليعة (أيً، في الأفكار الجديدة وغير العادية أوغير التجريبية، خاصة في الفنون، أوعند الأشخاص الذين يقدمونها)، ولكن فقط على أساس ثقافة عالية محددة بـأفكارخاصة؛ أيً، على أساس مجموعة من الأفكار الثقافية الخاصة للغاية. وتتشكل استقلالية الفن و "الجمال" الفني عن طريق مجموعة أو شبكة الأفكار هذه.

لدي تحفظ على رأي أدرنو، فاذا كان أدرنو يرى أن السامي (الجليل) قد أصبح أمرأ مثيراً للسخرية الآن.هذا يعني لأننا نتصور فيه لفتة خيال إنسان أو نفهمه هكذا. لكن كيف، إذن، وفقاً لأدرنو، من الممكن للسامي أن يتخلص من السخرية ؟ تستحق روح النقد الذاتي الاحترام، ولكن أليس بمجرد أن يسميها "سامية" يكون قد خان روحها؟ يبقى أدورنو فيلسوف استثنائي في تاريخ علم الجمال لإصراره على الجمال الطبيعي. والمفارقة هنا - التي ذكرنا أعلاه -عميقة الجذور؛ إنها مفارقة الحضارة الحديثة.

الفن كما هو اكتشاف

لقد مُثل السامي بنافورة دوشامب، بينما كان يعتبر منذ وقت طويل، أن ماهو صناعة حرفية أثرية الشرط المسبق لأن يعتبرالعمل عملاً فنياً، بينما تفتقر نافورة دوشامب الى هذا الشرط، لذلك ركز دوشامب، الدادائي، انتقاداته على أفتراض دمج الفن في نظام الثقافة العالية. يمكن تحويل هذا النقد الاستفزازي - في جانبيه الاتهام والاحتجاج - إلى سؤال فلسفي: ما هو الفن؟ إنه في الواقع سؤال صعب، حيث لا يمكننا العثور على نقطة مشتركة بين Medici Venus و Fountain. قد نلجأ الى "التشابه العائلي"، لكن ماهو التشابه بين الأعمال الفنية وهذه النافورة؟ لا شيئ. إن الحل الذي اقترحه البروفيسور دانتو( Prof. Danto) لهذا الموضوع هو أن الفن ما يعترف به عالم الفن على أساس تاريخه المحدد كفن. لكن يبدو لي أن هذا التعريف فارغ فمن الواضح أنه توتيولوجي: إنه يعكس بنية عالم توتيولوجي.

 إن العالم المستقل تيتولوجي ( tautological) أساساً. ليس هذا في بنية الفن فقط ، ولكن في المجتمعات المعاصرة أيضاً التي هي شديدة التوجّه نحو المعلوماتية.وهذا ماعبر عنه الفيلسوف الفرنسي بودريلارد ( Baudrillard) بمفهوم "المحاكاة"؛ حيث يتشكل المجتمع الحديث في هذا العصر من خلال نظام العلامات، دون الإشارة إلى الجوهر أو المادي، أو بناءً عليه. لم يعد للنقود الورقية غطاء وتستند قيمتها على الائتمان والتوقع فقط. لا تمثل أسعار السلع الأساسية قيمتها في الاستعمال، ولم تعد الرواتب تعكس قيمة إنتاجية العمل. يذكر بودريلارد فن البوب فيما يتعلق بالمحاكاة، وإن وارهول Brillo Boxes وكارتون Lichtenstein هي أشارات على وجود العلامات. يعبر جوهر هذا الفن عن وضع واسلوب المجتمع المعاصر. إنه يحرض على تكهنات فلسفية، لكن يصبح هذا الفن، بوصفه جزءًا من آليًة المجتمع، نوعًا من الموضة، وبالتالي من الطبيعي أن يفقد أي قوة نقدية.

يأتي من هنا النقاش المعروف حول نهاية الفن. فمن المهم أن ندرك أن الوضع الحالي للفن هو نتيجة لتطوره التاريخي. علاوة على ذلك، أصبح الفن متورطًا بعمق في ظواهر السياسة والاقتصاد والأخلاق وما إلى ذلك، بحيث لا يمكن مناقشة مشاكله إلا في الأفق الكلي للحضارة.

فيلسوف الجمال كعالم جمال معاصر

يحتاج الإنسان إلى الفلسفة الآن. لا شك أن العولمة أحدثت وضعا اقتصاديا قائما على قانون الغاب. وهو ما كان قد دعاه فلاسفة التنوير بالبربرية. فبينما تحقق هذه العولمة موجة من التغيير ومن نتائج ممتازة مثل التحرر السياسي، وتبادل المعلومات، انتشر أيضًا مرضًا عالميًا ،هو: التبني غير النقدي لمركزية الاقتصاد. يتم ترويضنا لقبول فكرة أن القيمة المالية هي القيمة الوحيدة؛ أون حرية المغامرة الاقتصادية، التي تتطلب استنساخ النظام (system) المستقل هي الحرية الوحيدة. فلا يمكننا نتيجة لذلك، - مثلاً- أن نتصدى بشكل فعال لمشكلة الاحتباس الحراري العالمي الذي يهدد وجودنا أو مشكلة الانحلال الأخلاقي. إن هذا النظام الحديث هو Leviathan (الوحش) اليوم. على الرغم من أن عصرنا يشبه بداية العصر الحديث في كونه يعبر عن أزمة نشوء حضارة، إلا أن طبيعة الأزمة مختلفة تمامًا. كانت المشكلة، في وقت هوبز، تتمثل في المعرفة الفلسفية العقلانية الى العالم والى أسس الأخلاق، وقد لعب الجمال دورا هاما في هذا المعرفة. إنً الوحش هو نظامنا الاجتماعي المعاصر، ومع ذلك هو محصن بحسن نية الأفراد مع الاسف. نحتاج إلى فلسفة لتحليل الوحش، واكتشاف شكل الحضارة المرغوب فيه حقًا.

هل يمكن لعلم الجمال أن يساهم بأي شيء في هذه المهمة الفلسفية؟ أعتقد أن الجمال وفلسفة الجمال لها مكان حقيقي للمساهمة. ما نتعلمه من علم جمال العصر الحديث المبكر هو أنه عندما تصبح القيًم الأساسية مشكوك فيها أو حتى غير صالحة، فإن الحكم الجمالي هو السبيل الوحيد لإنشاء قيم جديدة. بحث مالبرانش عن كمال العالم في جماله، ونجد في القرآن: أفَلَم ينظُروا إلى السَّماء فَوقَهم كَيفَ بَنينَاهَا وزَيّناهَا وما لها من فروج* والأرضَ مددناها وألقينا فيها رَواسِى وأنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوجٍ بَهِيج* (ق:6ـ11. و في سفر التكوين فكرة شبيه ايضاً. بعد أن خلق العالم، يقدر الله خلقه: "ورأى الله كل ما فعله، وهوذا كان جيدًا جدًا" (1-31). الخير الذي يُنظر إليه ليس سوى الجمال.

تعني هذه الأية وعبارة سفر التكون، من وجهة نظر علم الجمال، شيئين؛ وههما: أن تحقق الله من جودة الخلق يعبر عن الطبيعة الجمالية للجمال في المقام الأول. فلا يمكن تحديد الجمال بداهة بالمفاهيم فقط؛ اذ نحتاج دائما إلى التحقق منه بعدياً . بمعنى آخر، أن الجمال لا يصنع بل يعطى. يمكن للتفكير في ذلك بعمق أن يعالجنا من الغطرسة، أيً العلاج من من خلال الجمال. نظرًا لأن الجمال هو نعمة أو هبة، وهو القيمة الوحيدة التي تتجاوز القوة البشرية، لذلك يمكننا أن نتوقع أن تلعب دوراً في التغلب على مركزية الذات في وضعها الحديث.

يمكن أيضًا أن يكون قياس مدى روعة عالم جديد من خلال جماله الذي يكون دليلاً مهماً على نقطة تحول في الحضارة في المقام الثاني. لكن فكر في أن: هناك جمال في مسارات الصواريخ التي تطير في سماء مظلمة، وجمال في انهيار نهر جليدي. بينما أن الجمال هو العلامة الوحيدة المباشرة للقيمة، الاً إنه يشارك في غموض لا يمكن إنكاره في حضارتنا المعاصرة أيضًا. إنني مقتنع بأن المهمة الأكثر واقعية وأهمية لعلم الجمال هي التكهن بهذا الغموض في أفق حضارتنا العالمية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

علي محمد اليوسف(ان قالبي الزمان والمكان مسّلم بهما بالاستدلال العقلي، لأن كل التجربة المنظمة تشملهما وتفترض وجودهما، وبغيرهما لا يمكن للاحساسات أن تنمو الى مدركات حسية) عما نويل كانط

نبدأ بالتساؤل الفلسفي هل الزمن ثابت أم متغير وكيف؟

طبعا ستكون الاجابة من منطلق فلسفي وليس من منطلق كوزمولوجي علمي. وبعبارة موجزة تمهيدية فلسفية وليست فيزيائية علمية نقول الزمن ثابتا بالقياس الى ماهيته غير المدركة عقليا... ويكون في ذات الوقت متغيرا في ملازمته الادراكية للاشياء والموجودات الثابتة منها والمتحركة على السواء... بهذا المعنى الزمن يتغير في رصد ادراكه الاشياء في حالتي الحركة والثبات، وحالتي الثبات والحركة في منطوق الزمن الادراكي هما ثبات بالنسبة للزمن وليسا ثبات بالنسبة لادراكنا العقلي الذي يعتمد الزمن في ادراكه الاشياء والعالم الخارجي من غير معرفة الادراك العقلي ماهية الزمن ولا كيف يكون أحدى وسائل منظومة العقل في ادراكه موجودات العالم الخارجي..

أن ما يبدو لنا أن الزمن يتغير من حولنا نجده في ملاحظاتنا تمظهرات العالم من حولنا وملاحقة مدركاتنا للاشياء في ثباتها وفي حركتها، أنما الحقيقة فيه أن المتغير هو أدراكاتنا العقلية في مواكبة تحولات الاشياء من حولنا فالمكاني ثابت بالنسبة للزمان المتغير الذي هو أدراك العقل للموجودات مكانا كيفما وجدت في حالتي الحركة والسكون وحتى في حالة السيرورة والتكوّن والعلاقات.

بضوء الفهم الكانطي يكون الثبات المكاني للاشياء هو في حقيقته وسيلة لأمكانية فهم العقل لها زمانيا... أما ثبات الاشياء في ذاتها ماهويا التي لا تدركها الحواس ولا العقل، حينها يكون أدراك الزمن متوقفا معطلا أمام رغبة العقل معرفة تلك الاشياء ماهويا ومحدودية قدراته الادراكية لها ..فالاشياء بذاتها(نومين) سواء عند كانط أو غيره من الفلاسفة هي ماهيات وجواهر ليس سهلا أمام العقل أدراكها كمواضيع مدركة كما في أدراك العقل صفاتها الفيزيائية أو المادية المتعينة البائنة خارجيا..والسبب في ذلك عجز كشف الزمان للماهية أدراكا عقليا..فالعقل الادراكي يكون معّطلا تماما في غياب وتلازم أدراكات الزمان له كوسيلة معرفية....فالعقل يفكر ويعي وجود الموجودات مكانيا بواسطة أدراكها زمانيا..بمعنى لا يتاح أدراك الموجود مكانا قبل أدراك الزمان العقلي له...وما يتاح أمكانية معرفته للعقل من موجودات أو كينونات بصفات خارجية بائنة لا يكون متاحا ولا ينطبق على وجود الاشياء بذاتها أي في ماهيّاتها وجواهرها..فالجوهر حسب موسوعة لالاند الفلسفية هو كل ما هو دائم في اشياء تتغير...

من المعلوم أن منظومة الادراك العقلية للاشياء في وجودها المادي تبدأ بالحواس لتنتهي بمنظومة الجهاز العصبي والدماغ لكنما يبقى الوعي الزماني الادراكي للاشياء وسيلة وليس موضوعا... فنحن لا نستطيع أعتبار الوعي موضوعا للادراك العقلي الحسي، وأنما هو حلقة ضرورية ضمن منظومة الادراك العقلي، وكذا نفس الحال مع وسيلة الزمان في منظومة الادراك العقلي للعالم من حولنا وموجودات الاشياء..فالوعي والزمان لا يمثلان موضوعين للادراك لكنهما وسيلتا استدلال ادراكي عقلي.وبغير الادراك الزماني – المكاني للاشياء لا يتحول الادراك من أحساسات تستشعرها الحواس الى مدركات حسية يستقبلها الذهن والدماغ..

وتماشيا مع فلسفة كانط أعتباره المكان والزمان قالبان فطريان قبليان مركوزان في العقل المدرك للاشياء، نجده يفترض كي يكون أدراكنا الاشياء مكانيا – زمانيا، هو أن تكون تلك المدركات ثابتة في تجانسها مع ثبات الزمان الراصد المدرك لها..

أن الحقيقة التي تجاهلها كانط أن الزمان ليس ثابتا في أدراكه الاشياء المتجانسة معه في ثباتها المكاني وبغير تعالق الثبات المكاني للاشياء مع الثبات الزماني في ادراكها هو شرط تحقق الادراك والوعي وبغير تعالق صفة الثبات في الشيء مع الزمن الادراكي له يتعذر علينا حصول ادراك عقلي له حسب كانط...

أن الزمان متغير في سيرورة دائمية وليس ثابتا في أدراكه الاشياء في حركاتها وانتقالاتها المكانية، بالحقيقة أن العقل يدرك الاشياء والاجسام زمانيا في كل أشكالها الانطولوجية مكانا في حالتي ثباتها وحركتها معا، عليه ليس صحيحا أفتراض أن الزمان لا يدرك من الاشياء سوى الثابتة غيرالمتحركة ولا المتغيرة..أي تلك التي تجعل من الثبات عند كانط عامل حسم في المجانسة التي تفترض ثبات الشيء مع ثبات أدراكه زمانيا..كما نجد أنفسنا ملزمين في التساؤل كيف يكون الزمان ثابتا وكيف نتأكد من ذلك؟ الضرورة البدهية التعالقية بين الادراك الزماني العقلي وبين الاشياء في وجودها المكاني تقول منطقيا أن الزمان متغير بدليل امكانية ادراك العقل للاشياء في الحركة والتبدلات المكانية لها وانتقالاتها وفي مختلف تجلياتها الانطولوجية والعقل لا يدرك الاشياء ثابتة ويعجز عن أدراكه الاشياء المتحركة.

وبعد تسليمنا أن الزمان لا يتبع ثبات الشيء مكانا كي يستطيع أدراكه عقليا، فالموجود مكانا لا يمكننا أدراكه من غير ملازمة الزمان المتغير له..فالموجود مكانا يتبع الزماني في عملية الادراك وليس العكس....كما ليس مهما ثبات الشيء مكانا كي يكون متاحا أدراكه زمانيا..فجميع الاشياء والاجسام والموجودات في حركاتها وتغييراتها هي ثبات أدراكي زمني للعقل، وما يبدو لنا تفريقه ثابتا أو متحركا أنما يكون في أدراكه الزماني العقلي ثابتا، رغم كونه في حالة الحركة والتغيير..أننا ندرك حركة الزمن في حركة الاشياء ولا ندرك الاشياء الا في حركة الزمن الراصدة لها، فالزمن وسيلة حدس غير مرئي لا كماهية ولا كموضوع.

كانط يعتبر ثبات الزمان مرتهن بعدم أمكانية وقابلية العقل أدراك الزمن بذاته أي ماهيته، على أعتبار أننا ندرك الزمان على أنه سلسلة من التعاقبات الحدسية الدائمية المطلقة التي نلحظها في أدراكنا الاشياء في ثباتها المكاني وفي انتقالاتها وحركتها. أي أدراكنا للزمن كماهية أنما يكون أستدلاليا في نتائجه الادراكية للاشياء، فالزمان ليس موضوعا أدراكيا للعقل وأنما هو وسيلة أستدلال معرفة الاشياء..

لذا نجد كانط كي يخلص من التناقض البادي الواضح في التفريق بين ثبات وجود الاشياء مكانا من جهة، وأستحالة أدراكنا الزمن عقليا كمدرك وجودي موضوعي من جهة أخرى، قال نظريته الفلسفية أن قالبي المكان والزمان حدسان فطريان مركوزان في تركيبة عقولنا، ومن غير تلازمهما لا يمكن للعقل والحواس أدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي، وهذا التلازم بين الزمان والمكان يشبه تعالق الفكر باللغة، فنحن لا يمكننا التفريق بين تلازم الفكر واللغة الا أفتراضا، وفي حقيقتهما هما أفصاح واحد في التعبير عن الشيء في لحظة أدراكه والوعي به....كذا الحال في أدراكنا الشيء مكانيا- زمانيا أنما هو في حقيقته أدراك واحد لشيء محدد في لحظة واحدة ، وما يدرك مكانا أنما هو في حقيقته مدرك زمانا.

كانط في فرضيته عن الادراك العقلي للاشياء في كتابه نقد العقل المحض، تجّنب الخوض في مبارزة مع المنطق الفيزيائي العلمي في كيفية حصول الادراك الفيسيولوجي العقلي، بدليل أنه تناول تفسير أدراك العقل المحض فلسفيا وليس علميا،أي أنه طرح قضية الادراك العقلي تجريدا فلسفيا ولذا أختار تعبير (العقل المحض) أي العقل المتجرد عن التجربة العلمية وقوانين الفيزياء، والدليل الآخر أنه أعتمد قالبي الزمان والمكان كمعطيين فطريين مركوزين في العقل، وهو ما يتحفظ عليه العلم التسليم به..فمن يستطيع أثبات أن المكان والزمان هما معطيان فطريان في العقل غير مكتسبين بالتجربة والخبرة؟ فالوعي بالشيء لا تأتي معرفته بالفطرة المعرفية بل بتراكم الخبرة المكتسبة.

كانط يذهب الى أن مجانسة ثبات الموجودات مكانا مع ثبات الزمان الادراكي لها هو الذي يتيح للعقل أدراكه الاشياء،وبغير هذه الآلية في مجانسة الثبات بين الزمان والموجودات الواقعية لا يتوفر أدراك عقلي لها..كما نستنتج عن كانط ايضا أن الموجود المتحرك مكانا لا يدركه الزمان الثابت، فلكي يتم أدراك الشيء في وجوده المكاني يجب أن يكون تعالق تجانس ثباته مع تجانس ثبات الزمان. فهل معنى هذا أن الزمان لا يستطيع أدراك الاجسام والاشياء المتحركة التي لا تتسم بالثبات؟ قطعا يكون الجواب كلا..

أن حركة الزمان المتغير أنما هي ادراك مطلق للمكان في جميع تجلياته وظواهرة المتبدلة المتغيرة...عليه يمكننا القول بخلاف كانط أن الموجودات والاجسام هي في وجودها الانطولوجي أنما هي حالات من الحركة المستمرة والتكوينات والعلاقات المتغيرة فيزيائيا على الدوام، وحالة الثبات التي أعتبرها كانط ضرورية لادراك الزمن العقلي لا وجود حقيقي لها في ملاحقة وتزامن الادراك الزماني لحركة الاشياء كما هي في ثباتها ولا فرق بين الادراكين(الثابت والمتحرك) ادراكا زمانيا سوى بالتعبير اللغوي فقط فهما فعالية مركبة واحدة متكاملة ذاتيا ..ما يدرك مكانا هو مدرك زمانا ويجوز أستعارة التقديم والتأخير لنتيجة واحدة..

ليس سهلا التسليم مع كانط أن (ثبات) الزمان وهو أفتراض خاطيء فالزمن متغير، يستتبعه بالضرورة الادراكية العقلية ثبات الموجودات مكانا،كما لسنا ملزمين الاخذ بفرضية كانط بأن الوجود الحسي المادي للاشياء يتعذر ادراكه مالم تكن تلك الموجودات مشتركة في مجانسة الثبات مع الزمن الادراكي الثابت لها..الزمان متغير مطلق يحكم العالم في جميع اشكال وتكونات وسيرورة مكوناته.

كانط يوقعنا بلبس وأرتياب حين يعتبر أن الزمان لا يطال أدراكه سوى ظواهر أو صفات الاشياء الخارجية الثابتة البائنة وليس ماهياتها وجواهرها الدفينة (نومين). وهوتعبير صحيح لكنه لا يصلح للاستدلال به في تصويب نقيضه عندما نجد أن أبسط ذرة في الطبيعة الى أعقد ظاهرة في الكون هي ليست ثابتة بأي معنى أو شكل فيزيائي كما يشترط كانط كي يتم أدراكها زمانيا عقليا..فالعالم بمجمله حركة وليس سكونا حتى على مستوى موجوداته وتكويناته في الذرة..

 

علي محمد اليوسف/الموصل

 

زهير الخويلدي"نحن نفهم بعضنا البعض فقط من خلال الانعطافة الكبيرة لعلامات الإنسانية المودعة في ثقافتنا".

لن نحصل على جواب عن سؤال ما الفلسفة؟ اذا حاولنا التفتيش عن ذلك في جميع أعمال بول ريكور إذ نكاد نعثر على بعض الضوء من أسلوبه وغالبا ما يترك وراء المصادر التي تخص ممارسته الفلسفية.

هذا الغموض يبرز بصورة ملموسة عند اشتغاله على الظواهر الدينية والرموز الثقافية سواء من خلال المنهج الفنومينولوجي أو عبر قراءته للتحليل النفسي1 واشتغاله على تأويل المعتقدات والنصوص الدينية.

لا تخلو فنومينولوجيا الدين من بعض الفرضيات القبلية الأساسية حول هرمينوطيقا الإيمان أو إعادة بناء التمثلات الجمعية للاعتقاد والتأويل الموضوعي للظواهر الدينية وأنطولوجيا الرموز واستذكار المقدس.

لقد كشف بول ريكور عن التناقض الكبير بين فرضيات العمل الذي ينطلق منها علم التحليل النفسي باستخدامه بشكل وظيفي تقنية التأويل الارتيابي التي تنتهي إلى تفكيك الظاهرة الدينية وفرضيات العمل الذي تقوم به فنومينولوجيا الدين عندما تعتمد التأويل الموضوعي وتقصد المعنى وتعمل على بناء الحقيقة.

إذا كان التأويل التحليلي النفسي يختزل وظيفة الدين في كونه مجردة ظاهرة ثقافية مثل بقية الظواهر الأخرى ويحاول تفسير رموزه بالانطلاق من وجهة نظر اقتصاد الميول والتوازن بين إنكار الغرائز وإشباعها ويختزل وظائف الثقافة في الحظر والحماية ضد تفوق الطبيعة فإن الوصف الفنومينولوجي للظاهرة الدينية يجعلها تقلل من حجم التضحيات الغريزية التي يقوم بها الأفراد ويصالحهم مع غرائزهم ويمنح لهم التعويض المناسب لهذه التضحيات ويجد ميزانا بين الحظر والإنكار وبين التعويض والإشباع.

التعارض الثاني بين التحليل النفسي والفنومينولوجيا تكمن في التعارض بين الأوهام التي يحاول التحليل النفسي الكشف عنها والتخلص منها والحقيقة التي تحاول الفنومينولوجيا تشييدها حول الظاهرة الدينية 2، وبالتالي اذا كان الدين من وجهة نظر اقتصادية أو وظيفية يمثل وهما نافعا ويصلح في إشباع الفرد من الحرمان والتعويض له عن إنكار الحضارة للغرائز وقمعها للرغبات ويساعده على تحمل خشونة وقسوة الحياة نتيجة الضعف البشري وتفوق الطبيعة على الثقافة من خلال المرض والموت وما يسببانه من خوف وألم وعذاب فإن الدين من وجهة نظر الفينومينولوجيا يمنح الإنسان معنى الحياة وينير الغائية من وجوده.

النقطة الثالثة التي تختلف فيها الفنومينولوجيا الهرمينوطيقية عن التحليل النفسي هي مسألة استعادة المنسي المكبوت الذي يعود إلى الماضي الطفولي وما تشكل حوله من مكبوتات وعقد دفينة يجدر تفكيكها حسب التفسير الموضعي الاقتصادي ولا يتم عقلنتها الا من خلال معرفة زمن تكونها والعودة إلى أصلها في  حين يشتغل التأويل الغائي على عملية استذكار المقدس ويؤشر على المنزلة الأنطولوجية للتمثلات الدينية.

من المعلوم أن تشكل العزاء والسلوى والمواساة التي تقدمها الظاهرة الدينية من حيث هي ظاهرة ثقافية حسب المقاربة الوظيفية مرتبط بفقدان شكل الأب الأول الذي انحدر عنه شكل الآلهة في تمثلات الناس.

عودة الدين حسب فرويد، مثل الذي نراه اليوم، هو انبعاث في شكل خيال لصور منسية عن ماضي الفرد والبشرية وهذه العودة للمنسي، في شكل خيال ديني، يمكن مقارنتها بعودة المكبوت في الهوس العصبي.

الم يقل في هذا الصدد حول علاقتنا بالماضي: "عندما نتحدث عن الماضي إما ننساه أو نسترجعه"3.

يحاول بول ريكور أن يعثر على الوساطة الرمزية التي يمكن تشكيلها بين التفسير الأركيولوجي الذي يمثله علم النفس التحليلي والتأويل الغائي الذي تمثله الفلسفة الفنومينولوجية ويثمن العمق الغرائبي للدين.

ان التفكير في الوجود الديني في مراحله المأساوية عبر وساطة اللغة السردية هو القطب الإشكالي الذي تدور حول فلسفة بول ريكور الدينية ضمن مقاربتها الفنومينولوجية الهرمينوطيقية والتي تسعى إلى دراسة العلاقة بين الوجود الديني والحياة الإنسانية بغية إثبات الوجود الحي وإنتاج المغنى حول الذات المنتدبة4. لكن ألا تكمن طرافة بول ريكور في تواصله مع المشروع الفلسفي التأسيسي على نحو غير كلاسيكي؟

 

د. زهير الخويلدي

..............................

المراجع والمصادر:

Paul Ricœur, De l’interprétation, Essai sur Freud , Paris, Éditions du Seuil, 1965, réédition, en collection Points, 1995.

 Paul Ricœur, Le Conflit des interprétations , Paris, Éditions du Seuil, 1969.

Paul Ricœur, Réflexion faite, Autobiographie intellectuelle (RF), Paris, Éditions Esprit, 1995.

Paul Ricœur, Écrits et conférences 1, Autour de la psychanalyse, Seuil, 2008.

 

علي رسول الربيعيالتسويغ الإبستيمولوجي للديمقراطية التداولية.. نظرة تاريخية قصيرة

إن مفهوم الديمقراطية التداولية هو تطور جديد نسبيًا في الفلسفة السياسية ومتشابك بطبيعته مع الموقف القائل لكي تكون الديمقراطية شرعية تمامًا، يجب أن تكون نظامًا مسوغاً ابستيمولوجياً أومبررًا معرفيًا. وهذه الفكرة تعني وجود مداولة أو تشاور، أيً ديمقراطية قائمة على النقاش للقضايا  التشريعية وغيرها وأن تكون مستندة إلى نقاش مدني عام. يتضمن دخول المناقشات العامة أحترام كل من الحالة المثالية المعرفية للتشريعات العقلانية، والمثال السياسي لما يعرف بالسياسات التشاركية أو المشاركة السياسة وكذلك المثال الأخلاقي للإدارة الذاتية المدنية. من المتوقع أن تسفر هذه المناقشات العامة بين المواطنين عن حلول عقلانية للمشاكل السياسية عن طريق تقارب المواقف أو التوصل إلى نتيجة عقلانية ومقبولة على نطاق واسع.

نشأت فكرة الديمقراطية التداولية في النظريات الليبرالية الحديثة  من فلسفة توماس هوبز وجون لوك الذين أكدوا على أن تعدد المصالح هو مصدر للنزاع المدني، وعلى ضرورة العقل العمومي.[1] وأكد كلا من  جيمس هارينجتون وجان جاك روسو على صواب إرساء أنسجام مدني حول المصالح والقيم والتقاليد المشتركة، بافتراض نوع من الإجماع والتفكير العمومي (الجمهورية المدنية).[2] أكدت، كذلك، نظريات الديمقراطية التشاركية أو ديمقراطية المشاركة طوال القرن العشرين عمومًا على أهمية بإدخال المداولات المدنية العامة كشرط أساسي لتحقيق قرارات عالية الجودة. لقد وصف مفكرون مثل حنة أرندت وجون ديوي، في الستينيات من القرن العشرين، النقاش العام على أنه مهم عنصر الديمقراطية التشاركية التي تحترم حرية المواطنين واستقلاليتهم في إطار عملية تزامن المعتقدات.[3] اتخذت فكرة الديمقراطية التشاركية شكلها النهائي في الثمانينيات. فيوضح جوزيف بيسيت أن الديمقراطية الحقيقية تتطلب من مواطنيها قبول وضعهم المدني وفكرة الصالح العام أو الخير العام، واختيار الديمقراطية التداولية كإطار مثالي لتحقيق الصالح العام من خلال النقاش والعقل العمومي والحجج العقلاني و عقلانية صنع القرار.[4] وربما قدم جون إلستر التعريف الأكثر إيجازًا للديمقراطية التداولية كممارسة لأتفاق عقلاني حول الصالح العام والنقاش العام كأداة لتحسين عملية صنع القرار السياسي. علاوة على ذلك، يصور النتائج التعليمية للمناقشة كقيمة معرفية إضافية لهذا النوع من الديمقراطية.[5]

تميزت الخمسينات، على النقيض من هذه النظريات، بنُهُج نخبوي أتخذ موقف الريبة من فكرة النقاش العام. فقد جادل جوزيف شومبيتر، على سبيل المثال، بأن المواطنين غير مطلعين سياسيا، غير مبالين ويمكن التلاعب بهم بسهولة، مما يجعل أي زيادة في مشاركتهم تهديدا للاستقرار. وبالمثل ، ظن الواقعيون المتشائمون مثل ماكس فيبر أنه ليس هناك من مصلحة عامة يتفق عليها الجميع من خلال المناقشة، وأن الحكم الأمثل هو نخبة حاكمة.[6] لم تأتي المقاربة المختلفة  في انتقاد الديمقراطية التداولية من النظريات النخبوية أو التشاؤمية المناهضة للشعبوية، ولكن من النظرية الاقتصادية للديمقراطية، والمعروفة باسم نظرية الاختيار العقلاني. طبق مؤيدوها مثل أنتوني داونز المقولات الاقتصادية على السياسة وقالوا إن الأحزاب تعمل كمقاولين أو متعهدين يتنافسون على المستهلكين السياسيين. وفقًا لهذه النظرية، يتم تصوير المواطنين على أنهم مستهلكون سلبيون يمارسون الديمقراطية السياسية من خلال التصويت فقط، بينما يُنظر إلى العملية السياسية على أنها صراع على السلطة بين الأحزاب بدلاً من بحثها عن الصالح العام.[7] ونظرًا لأن التصويت الدوري في الانتخابات لم يكن يُنظر إليه كآلية لتجميع المصالح الفردية أو التفضيلات، فإن أي ادعاءات بأنه يمكن تحسينه من خلال المناقشة بهدف تحقيق الصالح العام بعيدة عن الواقع. أقصد، بالنظر إلى أنه لا توجد أي مصلحة مشتركة تكون مقبولة لجميع المواطنين / المستهلكين ، فإن تشجيع المناقشات بأعتبار أنها تؤدي إلى قرارات عقلانية أفضل حول هذه النتيجة المقبولة عمومًا لن يكون له أي معنى.

لقد وضعت هذه الحجج المتعارضة حول دور النقاش العام في العمليات الديمقراطية واحدة من المعضلات المعرفية الرئيسية التي سوف تستمر في الظهور في المناقشات المتعلقة بالديمقراطية التداولية: هل يضمن النقاش العام اتخاذ قرارات أفضل من القرارات التي  تتخذها النخبة المثقفة  المنتخبة ؟ وهنا ياتي الأختلاف في المواقف  بطريقة يمكن صوغها بما يقرب من الصدام بين الموقف المؤيد للإجماع والتوافق والآخر المؤيد للنخبة من أهل الخبرة.[8] أقصد أنه، في حين شدد مؤيدو الديمقراطية التداولية عمومًا على أهمية تحقيق إجماع عقلاني (حول الصالح العام) عن طريق المشاركة المدنية والنقاش العام، أكد منتقدوها على التأثيرالسلبي للنقاش (بين المواطنين غير المتعلمين والسلبيين  والذين يتلاعب بهم بسهولة) وأن هناك مبالغة في تقديرهم واعطاء أهمية أكثر من اللازم لهم حيث  أن القرارات العقلانية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تعزيز مواقف النخبة.

لن أستمر في الانغماس في مناقشة ما إذا كان ينبغي لنا اختيار نموذج تعددي قائم على المشاركة أو نموذج اقتصاد السوق للاختيار العقلاني، ولن أناقش ما إذا كان إدخال الديمقراطية التداولية، كتوجه مدني إيجابي، أفضل من تقليص الديمقراطية أو الحد منها للسيطرة المدنية السلبية (من خلال الأنتخابات). سيتم التركيز على التبرير المعرفي للديمقراطية التداولية كنموذج للديمقراطية القائمة على النقاش العام. هذه النظرة التاريخية القصيرة مفيدة لأنها تنقل بوضوح الشكوك المستمرة التي جاءت مع مفهوم الديمقراطية التداولية منذ ظهوره؛ يمكن للمشاركة والمناقشة العامة، على هذا النحو، أن تنتج قرارات معرفية عالية الجودة، من خلال التفكير في ما هي الشروط والأهداف التي يجب أن تفي بها المناقشة العامة لتكون مولدًا للاستخدام الرشيد للتفكير أو العقل العمومي  ووسيلة لصنع القرارات المعرفية المثلى. باختصار، إذا افترضنا أن الديمقراطية التداولية هي بحكم تعريفها نظام صنع قرار واعد معرفيًا، وأن النقاش العام العقلاني والقائم على العقل هو بلا شك قيمة معرفية بالمقارنة مع اتخاذ القرارات دون مناقشة مسبقة، يمكننا طرح السؤال التالي: هل يمكن تبرير الديمقراطية التداولية كنظام اجتماعي من منظور مختلط يوحد التبرير المعرفي والأخلاقي / السياسي؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...................

[1] Thomas Hobbes. Leviathan (Harmondsworth, UK: Penguin Books, 1651/1968); John Locke. Second Treatise on Civil Government (Indianapolis, IN: Hackett, 1690/1980).

[2] James Harrington. The Commonwealth of Oceana and A System of Politics(Cambridge: Cambridge University Press, 1656/1992).

Jean-Jacques Rousseau. The Social Contract (New York: Pocket Books, 1762/1967).

[3] Hannah Arendt. 1958. The Human Condition (Chicago: University of Chicago Press).

John Dewey, The Later Works, 1925- 1953. (Carbondale and Edwardsville: Southern Illinois University Press), pp. 224-230.

[4] Joseph M Bessette. 1980. 'Deliberative Democracy: The Majority Principle in Republican Government', in Goldwin, R. A., and W. A. Schambra (eds.), How Democratic is the Constitution? (Washington: American Eterprise Institute), pp. 102-116.

[5] Jon Elster. 2002. 'The Market and the Forum: Three Varieties of Political Theory', in Christiano Thomas (ed.), Philosophy and Democracy(Oxford: Oxford University Press).

[6] Weber, Max. 1964. The Theory of Social and Economic Organization(Basingstoke: Macmillan).

[7] Anthony Downs. 1957. An &anomic Theory of Democracy (New York: Harper).

[8]:  يقدم جولدمان هذا التمييز في أحد أعماله الأولى في نظرية المعرفة الاجتماعية. انظر

Goldman introduces this distinction in one of his first works on social epistemology. See Goldman, 1987.

 

علي محمد اليوسفالعقل والطبيعة: الفلسفة المثالية النقدية هي أحدى تيارات الفلسفة الامريكية المعاصرة،أمتازت طروحاتها الفلسفية بمحاولة مزج النزعة النقدية التجريبية مع المثالية في مفهومها الذي يفسر بعض قضايا الفلسفة بمنطلقات ميتافيزيقية، ويعتبر الفيلسوف الامريكي جيمس كراستون (1861- 1924) أبرز منّظريها الذي طرح علاقة العقل بالطبيعة على الوجه التالي:

- العقل لا ينفصل عن الطبيعة.

-  الطبيعة هي شيء قابل للتعرف عليه من قبل العقل.

- مقولة العقل المطلق كي تكون دلالة يجب أن تتولد من سيرورة التجربة النقدية وأن تكون مبررة من خلالها.

- العقل الفردي لا يمكن أن يكون معزولا عن عقول الاخرين، وهو ما يعطي التجربة تفسيرا أو كشفا للحقيقة.

- بما أنه يستحيل رد الاشياء الى حالات وعي العقل الفردي، فأن هذه الصعوبة تجد حلا لها أذا أفترضنا وجود عقل مطلق تتواجد فيه الاشياء بشكل أفكار.

- الواقع يتكون من عدة عقول.(1)

مداخلة وتعقيب

في بدء تعقيبنا يمكن ملاحظة أن التعابير الفلسفية الستة أعلاه هي منطلق فلسفي يلتقي مع واقعية علاقة الادراك العقلي المنفرد في تعالقه مع الطبيعة من جهة، ومع علاقة العقول الفردية مجتمعة بالطبيعة من جهة أخرى...

طبعا لا يمكننا القول بوجود عقل كلي جامع للافكار مطلق من دون الانزلاق الى تعليل هذا الفهم بأعتماد فكر الميتافيزيقا الذي لا تستهجنه الفلسفة النقدية المثالية في محاولتها دراسة العديد من القضايا الفلسفية بمنهج براجماتي مثالي.

وهذا العقل المطلق لا يمكن أن يكون غير (الله) العقل المطلق المتعالي على الطبيعة وقوانينها الفيزيائية العامة وعلى العقول الانسانية منفردة ومجتمعة. الله هو العقل الجامع الذي تلتقي تحت وصايته الادراكية المعرفية العقول الفردية المحدودة للانسان. كما أن تعبير الواقع هو مجموع العقول المنفردة لا تحتاج الى تأكيد هذه المسلمة الحقيقية في الادراك...الواقع مدرك عقلي فردي وجمعي ولا نقول مع المثالية الابتذالية المتطرفة عدم وجود واقع بغياب العقل عن أدراكه...وعندما نقول الواقع هو مجموع تمّثلات العقل التصورية فأننا لا نلغي وجود أحدهما في أبقاء الاخر..

لكن كيف يمكن أن يكون متاحا لهذه العقول الفردية الوصول الى نسق معرفي موّحد يستوعب عقول الجميع ولا يفقد ميزاته الحقيقية في الالمام التام بالواقع.؟

لا يوجد عقل مطلق بالفهم الفيزيائي بأي شكل من الاشكال حتى لو افترضنا أمكان حصول ذلك بوحدة العقول فكريا على صعيد الادراك الحسي،وهذا القول لا يعني مطلقا أن وحدة العقول في أدراكها الواقع هي من نوع نمطية تعليب الادراك الواحد، فكل عقل أنفرادي يفهم الواقع بفهم مغاير عن الاخر، والواقع يجمع العقول المنفردة على صعيد الادراك وليس على صعيد معرفة ذلك الواقع على حقيقته.

ربما يكون الادراك العقلي واحدا في آلية المعرفة الواقعية لكن الواقع يبقى متغيرا على الدوام في معرفة تفسيره وأدراك مكوناته أمام العقول المتعددة. فلا يوجد شخصان يدركان الواقع بتطابق من الفهم المعرفي الواحد، وألا كنا أحتجنا أن تكون معرفة الواقع تكفي من قبل شخص واحد لا اكثر. أذن كيف يمكن أن تنفرد العقول في فهمها الواقع في تباينات لا حصر لها، وبين أن تكون تلك الانفرادات المعرفية يجمعها عقل كلي واحد؟؟ الواقع المادي لا تجتمع عليه معرفيا العقول المنفردة تحت مظلة عقل كلّي مطلق الاستيعاب والدلالة فهذه أستحالة أدراكية معرفية.

أذن لا يتبقى أمامنا غير الفهم الميتافيزيقي للعقل المطلق وهذا يقودنا حتما الى (الله) الذي هو العقل المطلق الذي لا يتشّكل من فرديات العقول الانسانية، وأنما تهتدي به تلك الفرديات العقلية في فهم علاقتها بالطبيعة والحياة..أن من المهم التفريق بين ما يبنيه النسق الميتافيزيقي من معرفة لا يقينية وغير تجريبية غيبية تختلف كثيرا عما تحاوله الفلسفة في أقامة نسقها المعرفي على أساس من منطق وتجريد عقلي صارم بالعلاقة مع واقع مادي وطبيعي معيش.

أن العقل الفردي لا يمكنه الانابة في تمثيله الكل العقلي المطلق الذي هو أساسا لا يقوم الا بمنطق اللاهوت الميتافيزيقي حصرا..أن التأرجح الواضح بين الفهم الميتافيزيقي المثالي للعقل، وبين الفهم العقلي النقدي الواقعي لا يستقيم من خلال محددات جيمس كرايتون للعقل وعلاقته بالطبيعة والميتافيزيقا.. فهو يتحدث لاهوتيا عن نسق فلسفي في تناقضه مع  التعبير عن المنهج الطبيعي العقلي النقدي الذي هو في جوهره ماديا ولا يمكن الاحاطة المعرفية به فكريا فقط.

بالتاكيد أن العقل لا ينفصل عن الطبيعة، وأن الطبيعة شيء قابل للمعرفة العقلية، والواقع هو حصيلة مجموع مدركات العقول المنفردة،العقل لا يخلق الطبيعة لكنه جزء حيوي منها متعال عليها في محاولة فهمها وتفسيرها والاستفادة منها..

لكن يبقى التساؤل هو كيف يكون التوفيق بين العقل المطلق ميتافيزيقيا- لا هوتيا، وبين أن يكون أدراكنا الطبيعة ملزم أن يتم على وفق سيرورة معرفية تجريبية نقدية كما تطالب البراجماتية؟؟

أن الفهم الميتافيزيقي للواقع أو الطبيعة يصادر أي نوع من الادراك والتفكير بالواقع أو الطبيعة في منهج أعمال التجربة النقدية للتثبت من الوقائع كما ترغبه المثالية في التنظير الفلسفي..الواقع الذي لا ندركه عقليا لا يمكننا أدراكه ميتافيزيقيا..

مركزية الانسان

من الملاحظ في التيارات الفلسفية الامريكية المعاصرة تمحورها حول مركزية الانسان في مجمل علاقاته الارتباطية بالوعي والعقل وتأكيد الذات والطبيعة والمعرفة، بمعنى أن هذه التيارات تبتعد كثيرا عن الخوض في مباحث فلسفية تقوم على تجريد القضايا الانسانية من محورية الانسان كمرتكز في فهم الحياة والوجود الانساني وعلاقته بالطبيعة، وهذا التوجه ليس جديدا على تاريخ الفلسفة فهو موجود منذ عصر بروتوجوراس ما قبل الميلاد في تاريخ الفلسفة اليونانية مقولته الانسان مقياس كل شيء..

يقول بيرس في معرض التقائه مع سورين كيركارد في محدودية الانسان وقدراته وقابلية الخطأ في ثباته العقلي (لا يستطيع الانسان حتى الدخول في سر قلبه الخاص ليعرف ماذا يعتقد وبماذا يشك).(2) وهذه المقولة أستنفدت نفسها ليس على مستوى التفلسف الميتافيزيقي وانما على الصعيد المادي أيضا في الاجماع عليها.

لكن الشيء والامر الذي علينا الانتباه له جيدا أن التيارات الفلسفية الامريكية في بدايات القرن العشرين، لم تكن تعرف الكثير بعد عن فلسفات الحداثة وما بعد الحداثة التي كان مرتع انبثاقها اوربيا في فرنسا والمانيا تحديدا حيث لجوئهم ألغاء كل تمجيد للانسان كمحور فهم قضايا الحياة المعاصرة، والعقل والعلم اللذان وصلا أوج ذروتهما في مدارس الحداثة وتياراتها الفلسفية، لتأتي تيارات ما بعد الحداثة الغاءا تاما لمرتكزات الحداثة مشككة بالعقل والانسان والعلم والسرديات الكبرى مثل الاديان والماركسية والرأسمالية وغيرها من الايديولوجيات التي أستنفدت نفسها فظهرت الفلسفات البنيوية والتفكيكية والعدمية كتنظيرات لا تعير أهتماما لمركزية الانسان ولا لمركزية هيمنة العقل ولا العلم وهكذا.. لذا عند عرضنا بعض آراء تلك الفلسفات الامريكية علينا الانتباه أن تلك الفلسفات بطروحاتها أنما كما ذكرنا لم تكن غائبة الاهتمام عن محورية الانسان كغاية ووسيلة معا التي تمثلها الذرائعية الفلسفة الامريكية الأم خير تمثيل.

العقل والدماغ

يذهب سيلارز وهو من فلاسفة الواقعية النقدية وليس المثالية النقدية التي تكلمنا عنها سريعا في سطور سابقة بمدخل هذه المقالة، (أن الدماغ في تنظيمه التكويني من عضلات وغدد هو العقل)(3) هذا صحيح أذا ما أخذنا مفهوم العقل بيولوجيا فسلجيا وليس توليديا فلسفيا فالامرعند ذاك يختلف بين المنظورين.

من المعلوم جيدا أن العقل هو غير الدماغ في الوظيفة المعرفية على صعيد توليد الافكار الفلسفية تجريديا ، ولا يمكن أن نساوي بين الدماغ والعقل فلسفيا على أنهما شيء لعضو بيولوجي واحد في الجسم الانساني . فالدماغ هو مصدر التفكير المادي في فهم وتفسير الواقع، بينما العقل هو تعبير الدماغ بالفكر المجرد واللغة المجازية التصّورية عن الاشياء.. وتداخل الدماغ مع العقل من حيث الوظيفة البيولوجية المعرفية يجعل منهما شيئا واحدا بمعيار البيولوجيا وليس بمعيار المعرفة الفلسفية المجردة..ودلالة الدماغ في تباينها البيولوجي الواضح يعتمده علم وظائف الاعضاء والدماغ ولا تعتمده الفلسفة.

ونمضي مع سيلارز قوله :( في كل الاحوال لا شيء من الخارج لا يبرهن على أن الدماغ ليس عضو الوعي، ولا أن الوعي ليس ماديا، في حين أنه ومن الداخل، حيث نحن في قلب الوعي، يبدو لنا الوعي بمثابة شبكة كيفية(نوعية) من أحداث ترتبط أرتباطا حميميا مع عمليات الدماغ- العقل)(4) ..

أن من المفروغ منه أعتبارنا كلا من الوعي والدماغ هما عضوان من منظومة العقل الوظيفية المعرفية، وقد يكون التفريق بينهما غير متاح الا من خلال وضع تراتيبية الادراك في المفاضلة بينهما وهو أمر غير متاح فلسفيا وعلى جانب كبير من التعقيد التخصصي علميا ، فالوعي في سبقه الدماغ كعضو بيولوجي لا يتقدمه بالوظيفة الادراكية المعرفية بل في التكامل معه من حيث أستحالة الوعي بشيء من غير تلازم الوعي - الدماغ - في أدراكه، والوعي يتوسط الاحساسات الصادرة عن الحواس مع الدماغ الذي يفسر للوعي ماهية مدركات الحواس الواصلة اليه.الوعي بالمنظور العلمي لا يمّثل موضوعا أدراكيا منفصلا عن منظومة العقل، لكن في الفلسفة يمكن أن يكون الوعي موضوعا للتفلسف.

من المتاح أمامنا القول بأن الوعي حلقة فكرية لا مادية في منظومة الادراك العقلي لكنها لا تشبه الدماغ ولا باستطاعتها مجاراته بالوظيفة المعرفية التي يكون فيها الدماغ أقرب صلة الى العقل ماديا منه في علاقة الوعي بالدماغ التي تكون على مستوى التوصيل للاحساسات عبر تجريد الواقع من ماديته.

الطبيعة والعقل

أننا وبالحقيقة لا نعرف كيف ذهب جون ديوي أعتباره الوعي والعقل ليسا ظواهر أضافية للطبيعة بخلاف ما ذهب له سانتيانا معتبرا أياهما من وظائف الطبيعة..

الفهم الذي نجده منسجما وأكثر وضوحا في تأكيد وجهة نظر سانتيانا أن كل ما يتناول الطبيعة بالفهم العقلي أو غيره ميتافيزيقيا يشكل بالنتيجة أضافة نوعية للطبيعة، والطبيعة لا تحدد وسائل أدراكها ذاتيا كوجود جوهري ثابت، أن القوانين الفيزيائية العامة التي تحكم الطبيعة لم يكن الوعي والعقل بها يمّثلان وظائف الطبيعة في علاقتها بالانسان وحياته...فوظيفة العقل والوعي بالطبيعة لا تلزم الطبيعة أعتبارهما وظائف لها، وأنما من حيث لاتعي الطبيعة أن الوعي والعقل يشكلان جوهرا معرفيا أضافيا في فهم الانسان للطبيعة... بمعنى العقل والوعي هما أضافة نوعية للطبيعة من دونهما تفقد الطبيعة أهم مقوّم تقوم عليه  في تعالقها الجدلي مع الانسان.. ويصبح من عدم المشكوك به ترجيح تساؤلنا بماذا يمكننا أن نعزو توظيف الطبيعة للعقل والوعي بمعرفة ماذا غير معرفتها هي؟ الطبيعة هي مبتدأ الحياة ومنتهاها وجوهرها الوجود الانساني... والعقل لا يصنع الطبيعة بل أهميته السعي لفهمها والافادة منها..

الاخلاق والذرائعية

من المهم تأكيد أن كل تفكير فردي يجده الانسان يحقق ذاتيته بالشكل الفاعل السليم أنما يكون مصدره الحقيقي هو المجتمع، فالمجتمع يخلق الذاتية ويمنحها قيمتها ومن غير حضور المجتمع لا يمكن للانسان الفرد تكوين وعيه الذاتي بصورة صحيحة، ذاتية تمنحه التاثير التكيّفي مع المجتمع بما يحقق لكليهما التاثير المتبادل بالآخر..ففي الوقت الذي يجد فيه الانسان الفرد أنه يبني قيمه الاخلاقية الخاصة به يكون بنفس الوقت يقيم الاسس الاخلاقية الصحيحة لمجتمعه والجدل بينهما قائم على الدوام بما يطوّر الفرد والمجتمع معا.

وتفكير الانسان في مجمل نواحي الحياة من ضمنها القيم الاخلاقية أنما تتطور نحو الافضل بقدر الاسهام المتبادل بين الفرد والمجتمع في تكيّفهما المتبادل وسعيهما أقامة النظم الاخلاقية الجيدة.. والفكر فردي من ناحية تخليقه لكن قيمته هي في مدى تشكيل مجتمعيته،، وأخلاق الضميرالانسانية المجتمعية لا تستمد حضورها من أملاءات خارجية كقوانين وضعية جاهزة تفرض فرضا قسريا، وأنما الطبيعي فيها أن تكون من صنع الافراد والمجتمع معا الحصول عليها كنظام تنظيمي مجتمعي في أستحضارها تحت الحاح ضرورة بناء الحياة الافضل..

والفلسفة الذرائعية أنما تقيم مفهومها الاخلاقي فلسفيا على أساس من الوضع الطبيعي للانسان مجتمعيا على أنه (الانسان ليس حيوانا اجتماعيا وحسب، لكن من دون المجتمع لم يكن له أبدا أن يكون، ويجب على الكائن الحي للبقاء على قيد الحياة أن يكون في تواصل مع بيئته، والفرد لا يكتسب خاصيته الانفرادية الا من خلال التنظيم الاجتماعي)(5)..

ويرى الفيلسوف الامريكي الذرائعي هربرت ميد (1863 – 1931) أنه في ظل أعادة البناء المتواصل للمجتمع تسكن الاخلاق، لأن الانسان يجب أن يقيم وزنا لمنفعة المجتمع بعيدا عن الميل الاناني الانفرادي الغريزي... والمجتمع بحسب ميد لا يصبح أخلاقيا بسبب أن الانسان هو نتاج أجتماعي وحسب..بل لأن الانسان له تاثير دائمي مباشر في مجتمعه.(6)، ونجد تمسّك الذرائعية كبيرا في تأكيدها على أن الضمير الاخلاقي الفردي عامل مهم في بناء أخلاقيات المجتمع التي تمنح الانسان أمتلاءه الذاتي في حقيقة الاسهام ببناء المجتمع...كما نجد تأكيد أهمية حضور منفعة المجتمع قبل تفكير وهدف تحقق مصالح الفرد، لكنها لا تلغي فردية الفرد التي تعتبر أشباع حاجاتها الضرورية حق مكتسب للفرد من خلال تكيّف مجتمعي متماسك يعطي موازنة منصفة بين أشباع حاجات الفرد وأشباع حاجات المجتمع في تكامل لا يلغي المفاضلة بين الاثنين من حيث أن الاشباع الاستهلاكي عند الانسان الفرد يتسم بالانانية الانفرادية على الدوام وهذه الانانية الفردية في الاشباع لا يقلل جموحها الاندفاعي الا المجتمع الذي يصهر كل تلك النزعات الانفرادية في نزعة مجتمعية تحقيق المنفعة.

المنطق الذرائعي

ك.أ. لويس(1883 – 1964) فيلسوف أمريكي يمّثل الجيل المتأخر للفلاسفة الذرائعيين وهو أمتداد لافكار بيرس وديوي، ومتخصص ذرائعيا في نقد المنطق الرياضي عند بيرتراند رسل ، ويرى أنه في المنطق يتوجب التسليم أن (الماقبلي) مستقل عن التجربة في أثباته كمعطى لا يحتاج التثبت منه لمعرفة (المابعدي) في تعالقهما .

وفي الوقوف على أبرز مقولات لويس في هذا المجال :

- الوعي المباشر ليس معرفة مباشرة ولا وجود لمعرفة مباشرة.

-  معرفة الموضوعات ممكنة فقط بفضل معرفة قضايا المعرفة القطعية الماقبلية.

- الاعداد الماقبلي لتصورات مجردة كليّا لا تثير صعوبة لأنها لا تقيم أية علاقة مع المعطى الذي يوضح لنا طبيعة المعرفة الماقبلية التي هي تسلسل ضروري لقضايا شاملة.(7) ..

أن الوعي المباشر لا يمنحنا معرفة مباشرة ، هي مسألة يمكننا حسمها بالاحالة الى علاقة الوعي بالعقل من حيث تراتيبيتهما التفاضلية في المعرفة والادراك، فالوعي لا ينوب عن العقل في معرفة الاشياء، والوعي بالشيء هو مرحلة بدئية في المعرفة..لكن من غير تعالق الوعي بوظيفة العقل الادراكية فان الوعي والعقل كلاهما يكونان بلا معنى خارج المدركات للاشياء والعالم والحياة. أي لا يمكننا تصور وعيا سليما مقبولا من غير تعالقه بالعقل، والعكس صحيح أيضا... لا يمكننا التطرق الى وعي من غير تعالقه بالعقل كما لا يمكننا التحدث عن أدراك عقلي لا يتواشج تداخليا مع الوعي..

ولتوضيح النقطتين الثانية والثالثة عند لويس فهي تقوم على منطق حدسي بوجوب التسليم المسبق بأن الماقبلي يكون هو مصدر بناءاتنا المعرفية في اللامابعدي على أن الماقبلي هو حقيقة لا تخضع لتجربة أستدلال معرفي في بناء المابعدي معرفيا عليها..ويصف لويس الماقبلي بأنه مستقل عن التجربة وعلينا التسليم أن الماقبلي هو صحيح على الدوام.

والماقبلي بحسب لويس ليس مشكلة فهو يمنحنا تصورات ما بعدية معرفية ضمن تسلسل منطقي فقط، والمابعدي لا تربطه أية علاقة تاثير غير الاستدلال مع الماقبلي... بمعنى توضيحي أننا لا نستطيع بناء منظومات معرفية ما بعدية من غير أعتمادنا الماقبلي الذي ترتبط به أستدلاليا فقط وليس تأثيريا متبادلا، الماقبلي المنطقي هنا لا يمتلك أية صفة أقتدارية تمّكنه من صياغة كيف يجب أن تكون المعارف المابعدية عليه.. لكن جميع معارف المابعدية تقوم على الاقرار المسّبق بالماقبلي كضرورة منطقية في تسلسل معرفي.....يتبع

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش

1- جيرار ديلودال/الفلسفة الامريكية/ ت:د. جورج كتورة، د. الهام الشعراني ص 198- 199

2- المصدر اعلاه ص 172

3- المصدر اعلاه ص 174

4- المصدر اعلاه ص 178

5- المصدر اعلاه ص 302

6- المصدر اعلاه ص 305

7- المصدر اعلاه ص 318

 

 

محمود محمد علينعود ونختتم حديثنا عن تجليات تجارب الفكر في فلسفة العلم، حيث نتحدث في هذا المقال عن موقف فلاسفة العلم من تجارب الفكر كان إرنست ماخ يري أن الـ " Gedankenexperimente" تشير بشكل حصرى إلي المنتج المتخيل imaginary conduct  لتجربة واقعية يمكن أن تشكل من خلال تلامذته (حيث يظهر التعارض بين التجريب الفيزيائي والتجريب الذهني) ؛ حيث سأل ماخ تلامذته أن يزودوه بتفسير عما إذا كانت نتائج التجربة العملية اختلفت عما كانوا قد تخيلوه في عقولهم أو متخيلاً عنها من خلال تجربة في الذهن، ولذلك فإن تجارب الفكر تشكل تكنيك مميز للبحث العلمي، كما أنها تمثل منهج رئيسي في تاريخ العلم وتوظيفه الحذر، يقول ماخ " يؤدي إلي تغييرات هائلة في تفكيرنا ويعبد طرق جديدة هامة للبحث

كما أكد ماخ :" أنه لا توجد هناك أفكار تبرهن عما هو فطري لدي الإنسان بقدر ما توجد هناك نزعة نحو التجربة . بينما كل التجارب تكون موجهة بالنظرية وليست كل التجارب تتطلب المعمل . فبعض التجارب تقوم بشكل خاص علي الخيال حتي وإن كان دورها يتحقق بشكل زائد عن الحاجةُ . ماخ أكد علي أن قيمة تجارب الفكر تمثل تقنيات للكشف techniques of discovery (دائرة كورنو Carnot`s Cycle) كأدوات نقدية للبحث (نقد جاليليو لديناميكا أرسطو) من خلال استخدام أفكار الـ Gedankexperiment المختبرة في الفكر قبل اختبارها في المعمل " .

إلا أن التجارب من خلال الخيال كما يقول ماخ :" قد أجيزت في قرون عديدة قبل ماخ، ولذلك قال ماخ أنه رغم كونه تجريبي، إلا أنه أدرك المغزي الخاص للعلم . وتجارب الفكر مع تمثيلاتها وترتيباتها التجريبية الفرضية غالبا ما تتطلب برحيل جذري عن التمسك بالوقائع . فالعقل أو الفكر يتطلب قفزة، ليس فقط بمساعدة النتائج التجريبية ولكن ربما يكون من خلال الخيال فقط ".

وفي كتاب العلم والرياضيات أفرد "ماخ" بعض الصفحات لتحديد معنيGedankenexperimente، حيث كتب يقول :" نحن نلاحظ أن كل شئ يطبع نفسه بشكل غير مفهوم وغير محلل في تصوراتنا وأفكارنا  والتي تقوم بعد ذلك بتقليد عملية الطبيعة وفي أكثر وأعظم ملامحها المميزة . وفي تلك الخبرات المتراكمة فإننا نمتلك منجم الذي يقترب من جهة والذي منه فقط يكون الجزء الأصغر متجسد بوضوح في الفكر الواضح المفصل . الظرف يكون من السهل عليه اللجوء إلي تلك الخبرات من الطبيعة نفسها، وأنه بالرغم من هذا فله الحرية أن ينزع إلي كل ذاتية تَستثمرُهم بالقيمةِ العاليةِ

ومن ناحية اخري أكد ماخ أن :" تجربةَ الفكر تسبق التجربة الطبيعية وتمهد الطريق أمامها. وفي الواقع فإن أبحاث أرسطو الفيزيائية انبثقت معظمها من التجارب الفكرية التي فيها تتجسد مخازن الخبرة الباقية في الذاكرةِ، وخصوصاً في اللغة المستعملة. ومع ذلك فإن تجارب الفكر أيضا ضرورية كشرط سابق للتجربة الفيزيائية . كل مخترع وكل مجرب لا بد وأن يكون في عقله الأمر المفصل قبل أن يتحقق منه .

ثم يؤكد ماخ بأن "تجربة الفكر ليس لها نتيجة محددة، بمعني أنها ليست مرتبطة بتصور ظروف معينة واضحة وتوقع محدد للنتيجة . ثم في اللحظة التي تكون بين التجربة العقلية Intellectual Experiment، والتجربة الفيزيائية فإننا في العادة نعيش لحظة التخمين . ولهذا يقال بأننا نفترض عن طريق التخمين التحديد الأقرب والحاسم للنتائج. وهذا التخمين غير علمي ميثودولوجيا methodologically .ويمكن أن نوضح هذه العملية الطبيعية بأفضل الأمثلة الكلاسيكية. وعن الفحص الأقرب فإنه يصبح من الواضح بالنسبة لنا أن التخمين هو غالبا ما يمثل طريقة متفردة لتجنب الشكل الذي يأتي من خلال التجربة الفيزيائية . (الاستمرار الطبيعي لتجربة الفكر) . لقد إتجه جاليليو للتنظير (يعني هنا تجربة الفكر) قبل أن يبرهن تجريبيا علي حركة سقوط الأجسام . لقد فهم جاليليو ذلك فقط من خلال الاستبصار أو الانعكاس وذلك من خلال زيادات السرعة.وتجربة جاليليو فقط أصبحت ممكنة من خلال اختبار الفرض . وفي مثل حالة قانون Richmann الأخلاط Mixtures كان من خلال التخمين الذي ثبت من بواسطة إختبارِ تجريبيِ، وهناك جداً العديد مِنْ أمثلةِ هذا النوعِ.

ويري ماخ أن:" إن حصيلة هذا المنهج القائم علي التخمين هو ترتيب تجريبي معطى له إذا يمثل أيضاً قيمة تعليمية عالية. كما أن القواعد الذي يتعلمها تلميذ مدرسة كانت بالنسبة لي متمثلة منذ فترة قصيرة المعلم الذي يضع هذا المنهج ويعرف كيف يقيس مستوي الطالب pisko الذي جاء بمناسبة زيارته لمدرسته كان أحد المعلمين الممتازين الآخرين، وقد حذوت نفس هذا المنهج . ليس فقط الطالب ولكن حتي المعلم يكسب صفقة عظيمة من هذا المنهج . ومن خلال هذا المنهج يكون المعلم علي ما يعرفه تلميذه . بينما بعض التلاميذ يخمن الخطوة التالية من نتائج تخمين الآخرين الذي أصبح مألوفا بشكل عام . ومن الواضح بشكل حدسي أن ما يعتمد علي التخمين هو الذي سوف يكون هو المتاح . كما في قصة العبد في محاورة مينون لأفلاطون والذي أعتقد أن تضاعف لجوانب المربع الذي يضاعف أيضا منطقة المربع . وعن الاستماع بسهولة من طالب المرحلة الابتدائية بأن مضاعفة طولِ البندولِ تضاعف فترة التذبذب. الطالب المتقدم سيصل إلي حد ما إلي الابداع ولكن بأخطاء مماثلة. حتى هذه الأخطاء ستققل تدريجيا من حدة التعاطف مع الامتيازات بين ذلك المحدد خلال الارتباط  أَو التخمين . الطالب سيتعلم أن يميز بين القابل للحل من غير قابل للحل عموماً .

كما رأي ماخ بأن تجربة الفكر تمثل التحولات العظمي لتفكيرنا وتكشف الطرق الأهم للبحث ؛ ولذلك لكونها تعد أداة علمية خاصة تتوسط بين النظرية والتجربة من خلال استيعاب عقلي . علاوة علي أنها مطلوبة في تعليم العلم .

وفي الوقت الذي يعلي فيه ماخ من شأن التجارب الفكرية، كان هناك بعض الفلاسفة ينتقدون بشدة التجارب الفكرية، ومن هؤلاء الفلاسفة،:  العالم والفيلسوف الفرنسي "بيير دوهيم" Pierre Duhem  (1861-1916)، حيث نظر إليها بأنها "مزيفة ومضللة bogus and misleading  ؛ وأكد أنه لكي نشهد هذه التجربة لا بد أن تعمل التجربة عملها من خلال الوقائع التي يمكن التنبؤ بها بالفعل وفي هذا يتساءل دوهيم بتهكم :" ما الذي تكونه التجربة الفيزيائية علي وجه الضبط ؟ لاريب أن هذا السؤال سوف يثير دهشة أكثر من قارئ . هل ثمة حاجة لإثارته ؟ أليست الإجابة عنه بينة بذاتها ؟ ما الذي يمكن للتعبير  " القيام بتجربة في علم الفيزياء " أن يعنيه بحيث يتسني ملاحظتها بدقة باستخدام أجهزة مناسبة ؟ اذهب إلي المعمل واقترب من هذه المنضدة المكتظة بالأجهزة : نضيدة كهربائية، سلك نحاسي ملفوف بالحرير، أنابيب مليئة بالزئبق، ملفات، قضيب حديدي يحمل مرآة . يدخل الملاحظ ساق قضيب معدني مغطي بالمطاط في ثقوب صغيرة، فيتذبذب القضيب الحديدي ويرسل عبر المرآة شعاعاً يسلط علي مسطرة سيلولوز، فيتابع الملاحظ حركة الضوء الساقط . لا شك أن لدينا هنا تجربة، فيتذبذب بقعة الضوء يلحظ العالم الفيزيائي تذبذب القضيب الحديدي . اسأله عما يقوم به، فلن يخبرك بأنه يدرس تذبذب قضيب الحديد الذي يحمل المرآة، بل سوف يقول إنه يقيس درجة مقاومة الكهربائية . إذا سألته عن معني ما يقول وعن علاقته بالظاهرة التي ادركتماها معا في نفس الوقت، سوف يخبرك بأن سؤالك يستدعي تفسيرات مطولة وقد ينصحك بدراسة إحدى مواد علم الكهرباء . صحيح أن التجربة التي شاهدتها لتوك، كأي تجربة فيزيائية أخري، تتكون من جزأين . إنها تتكون من ملاحظة حقائق بعينها، وللقيام بهذه الملاحظة يكفي أن تكون يقظً ومنتبهاً إلي حد كاف بإحساسك . لا حاجة لك بالدراية بالفيزياء، وقد يكون مدير المعمل أقل مهارة في هذا الخصوص من مساعده من جهة أخري، فإنها تتكون من تأويل الحقائق الملاحظة . فللاقتدار علي إنجاز هذه المهمة لا يكفي أن تكون منتبها وأن تكون لديك عين مدربة، بل يتوجب أن تكون علي دراية بالنظريات التي تم التسليم بها وبكيفية تطبيقها . " .

ويستطرد دوهيم :" هناك أشياء أسوأ تمثلت في أغلب الأحيان التجربة الخيالية ليس فقط ليست مدرَكة، لكن عاجزة عن أَن تدرَك، يَفترض وجود الأجسامِ ليس مصَادَف في الطبيعةِ ومِنْ الخصائص الفيزيائية الذي ما سَبَق أَن لوحظ"

وعلي هذا الأساس صنف دوهيم تجارب الفكر علي أساس أن التجربة الفعلية المطابقة هي تجارب مستحيلة وغير فعالة وغير مؤدية للغرض والتجربة الفكرية بالتالي هي  التي لا يمكن أن تكون مؤدية بدقة وغير دقيقة فيزئائيا وهي تتميز بالسخف .

وننتقل إلي الحديث عن موقف كارل بوبر من تجارب الفكر ؛ حيث ذكر من قبل أنه قد خصص جزء للحديث عنها في رائعته الفلسفية " منطق الكشف العلمي "بعنوان" حول استعمال وسوء استعمال التجارب المتخيلة ولا سيما في نظرية الكوانتم On the Use and Misuse of Imaginary Experiments " ؛  فبوبر قد أثبت ثلاث استخدامات للتجارب الخيالية imaginary experiments ''  في الفيزياء : - المساعد علي الكشف النقدي critical  heuristic،  ويعطينا بوبر مثال لذلك تجربة سقوط الأجسام لجاليليو، حيث يعتبرها بوبر بأنها " واحدة من أعظم التجارب المتخيلة الهامة في تاريخ الفلسفة الطبيعية وواحدة من أبسط وأعظم الحجج  المتخيلة في تاريخ الفكر العقلاني بشأن عالمنا الكوني الذي تشكل من خلال نقد جاليليو لنظرية الحركة عند أرسطو .

ويشرح بوبر محاوره تلك التجربة فيقول:" إن تفنيد الافتراض الارسطوطاليسي يقوم علي أن السرعة الطبيعية للجسم الأثقل أكبر من السرعة الطبيعية للجسم الأخف . ولو أخذنا حركة جسمين كما برهن علي ذلك جاليليو من خلال فكرة الشخص الناطق فإن ذلك يعني أن السرعات الطبيعية لهذين الجسمين تكون غير متكافئة ولتوضيح ذلك إذا ربطناهم معاً فإن الجسم الأبطأ والأسرع سوف سوف يجعل الأخير وهو الأسرع جزئياً سوف يتجه ناحية الأبطأ، والأبطأ جزئيا سيزداد سرعته بواسطة الأسرع . ولذلك مثلا لو تحرك حجر كبير بسرعة ثماني خطوات وحجر آخر أصغر يتحرك بسرعة أربع خطوات فإن بعد التحاقهما مع بعض فإن النظام المركب سيتحرك بسرعة أقل من ثماني خطوات. ولكن الحجرين الملتحقين مع بعض يصنعان حجر أكبر من الأول والذي يتحرك بسرعة ثماني خطوات. ولذلك الجسم المركب (رغم أن الجسم المركب أكبر من الأول لوحده) ومع ذلك سوف يتحرك بشكل أبطأ من الأول لوحده، والذي علي عكس ما افترضت . ومنذ ذلك أضحي هذا الافتراض الارسطوطاليسي من الحجج التي بدأ تفنيدها وبيان تهافتها " .

ويعلق بوبر علي كل ذلك فيقول :" وأري أن في التجربة المتخيلة عند جاليليو نموذج متقن للاستخدام الأحسن للتجارب المتخيلة . إنها تمثل استخدام نقدي . ومع ذلك فإنني لا أرغب في أن أقترح أنه لا توجد طريقة أخري لاستخدام تلك التجارب .ولاسيما وأنه يوجد هناك استخدام كشفي heuristic use يكون متاحا . ولكن يوجد هناك استخدامات أقل قيمة أيضاً.

ثم يتنقل بوبر للحديث عن التجارب المتخيلة بشكل تبريري ومتعذر، فيؤكد أن تلك التجارب قام بها اصحاب تفسير كوبنهاجن the Copenhagen Interpretation، حيث أساؤا إستعمال التجارب المتخيلة :"   إن الغرض الأساسي من هذه الملحوظة، هو أَن يصدر تحذير ضدّ ما يمكن أن يسمي بالاستخدام التبريري للتجارب المتخيلة . وهذا الاستخدام يرجع فيما اعتقد إلي المناقشة لسلوكِ قياس القضبانِ والساعاتِ  measuring rods and clocksُ من وجهة نظر النسبية الخاصة . وفي البداية فإن تلك التجارب قد استخدمت  بطريقة إيضاحيِة وتفسيريِة – استخدام شرعي بشكل متقن . إلا أنه بعد ذلك وبالذات في مناقشة نظرية الكوانتم والتي كانت قد استخدمت في ذلك الوقت كحجج متمثلة في مزاج نقدي وفي مزاج دفاعي أو تبريري .(في هذا التطور فإن الجزء الهام قد برز من خلال الميكروسكوب التخيلي imaginary microscope عند هيزنبرج خلال الميكروسكوب الذي يمكن أن يلاحظَ الألكترونات .

وننتقل إلي الحديث عن مفهوم التجارب الفكرية عند توماس كون، حيث كتب سنة 1977، بحث بعنوان "وظيفة لتجارب الفكر"، وفي هذا البحث حاول تحليل الدور الذي تقوم به تجارب التفكير أو التجارب المتخيلة في توضيح مظاهر اللبس في معني المفاهيم والنظريات القائمة، وبالتالي تمهيد الطريق أمام ظهور مفاهيم جديدة غيرها .

وتجارب الفكر في نظر هي تلك التجارب التي تبدأ في الظهور عندما يتعرض النموذج الارشادي لأزمة أثناء فترة العلم القياسي، فتنشأ أسئلة عن التقنيات التجريبية الأساسية "منهجية النموذج الارشادي"، وعن الفروض الأساسية للبنية النظرية للنموذج الارشادي،وغالبا ما تنشأ الأسئلة الميتافيزيقية التي لم ترد أبدا صراحة في فترات العلم القياسي، فتكثر تجارب الفكر، التي تلعب دوراً نقدياً هاماً في تطور العلم الفيزيائي – كما يقول كون – لذلك يبدأ كون مقالته" وظيفة لتجارب الفكر " بعرض المواقف العلمية التي لم تفحص في المعمل، كما هو الحال مع قطار أينشتين المنطلق بسرعة الضوء، وميكروسكوب بور – هيزنبرج . فتؤدي هذه الحالة إلي إحداث سلسلة من الارتباطات، يفحص منها كون ثلاثة في (بحثه) ويبدأ في صياغة المشكلات الرئيسية التي تثيرها دراسة تجارب الفكر عن طريق سلسلة من الأسئلة، السؤال الأول هو : بالنظر إلي الموقف المتخيل في تجربة فكر لا يمكن أن يكون تحكمياً بشكل واضح فما هي شروط رجحان صدقه؟ وبأي معني ولأي مدي ينبغي للموقف أن يكون واحدا، بحيث يمكن للطبيعة أن تستحضره، أو سبق أن استحضرته في الواقع؟ ويؤدي هذا إلي سؤال ثان هو: " كيف يمكن، بالاعتماد الكلي علي معطيات مألوفة، أن تؤدي تجربة فكر إلي معرفة جديدة أو إلي فهم جديد للطبيعة؟ " ويؤدي هذا بدوره إلي إثارة السؤال الثالث وهو: "ما نوع المعرفة الجديدة أو الفهم الجديد الذي يمكن اكتسابه هذا؟ وما الذي أن يأمله العلماء، إذا كان ثمة ما يأملونه علي الإطلاق، في أن يتعلموا من تجارب الفكر؟ "ويجيب كون عن هذه الأسئلة من خلال توضيحات استقاها من التاريخ وعلم النفس معاً .

وهنا يناقش كون إحدى تجارب جاليليو المتخيلة التي انبثقت عن مظاهر اللبس التي تحيط بمفهوم السرعة في فيزياء أرسطو، ويستعين في التمهيد لتلك المناقشة بأحد أبحاث جان بياجيه عن تطور مفهوم السرعة عند الطفل .

ويشير كون إلي بياجيه أجري تجربة في معمله عرض فيها للأطفال عربتين من لونين مختلفين إحداهما حمراء والأخري زرقاء . ومن خلال كل فترة عرض تحركت كلتا العربتين بسرعة مطردة ف خط مستقيم، لكن في بعض المناسبات ستقطع كلتاهما نفس المسافة في فترات زمنية مختلفة . وفي بعض العروض الأخري كان الزمن المطلوب واحدا لهما، لكن إحدي العربتين ستقطع مسافة أكبر . وأخيرا كانت هناك تجارب قليلة كان فيها الزمن والمسافة مختلفين بالنسبة لهما . وبعد كل دورة سأل بياجيه الأطفال ما هي العربة التي تحركت أسرع وكيف عرفوا ذلك؟

لقد وصف الأطفال العربة التي تصل إلي الهدف أولاً أو التي تستبق الأخري في معظم فترة الحركة بأنها " الأسرع" . وهم يستمرون في هذا الوصف رغم أنهم يدركون أن العربة " الأبطا" قطعت مسافة أكبر من " الأسرع" . ولذا يطلق كون علي هذا المعيار اسم الوصول للهدف goal- reaching . لكن هناك تجارب أخري تثبت وجود معيار آخر . فعندما بدأت العربة الحمراء متأخرة جداً عن العربة الخري وتحركت بسرعة كبيرة كي تلحق بها عند الهدف فقد اعتبرها الأطفال هي الأسرع . وعندما سألهم بياجية كيف عرفوا هذا أجابوا بأنهم شاهدوها . وتبين هذه الإجابة أنه عندما تكون الحركة سريعة جداً . فإن من الممكن إدراكها مباشرة . ولذا يطلق كون علي هذا المعيار اسم " اللاتحديد الإدراكي perceptual blurriness . ويتعلم الأطفال شيئاً جديداً عن السرعة إذا اضطروا إلي تطبيق هذين المعيارين، كما أنهم سيضطرون إلي ذلك إذا عرضت الطبيعة موقفاً يصل فيه جسم ما إلي الهدف أولاً رغم أن سرعته المدركة علي نحو مباشر أقل . وفي تلك الحالات سيحدث صراع بين المعيارين، وبالتالي سيقول الأطفا أن كلا الجسمين أسرع وأبطأ في نفس الوقت . لكنهم في النهاية سيصلون إلي مفهوم الأشخاص البالغين عن في نفس الوقت . لكنهم في النهاية سيصلون إلي مفهوم الأشخاص البالغين عن الأسرع .

إن كون يطبق هذه التجربة علي فيزياء أرسطو، فيري أنه يعالج السرعة كفعل مكتمل ويصفه في إطار نقاط البداية والنهاية . ولهذا يشبه المفهوم الذي يقدمه عن السرعة ما نطلق عليه حالياً "متوسط السرعة average speed أي نسبة المسافة الكلية علي الزمن المنقضي . ويشبه هذا المفهوم معيار الوصول إلي الهدف لدي الأطفال . لكن بعض كتابات أرسطو تحتوي علي مفهوم تحتوي علي مفهوم آخر يدرك فيه أرسطو السرعة بصورة مباشرة بدون اعتبار نهاية النقطة، أي ما يمكن أن نصفه بالسرعة اللحظية instantaneous . ولذا فمن الطبيعي أن مفهومه عن السرعة كان يمكن أن يواجه مفارقات، مثله في ذلك مثل مفهوم الأطفال . وقد استعان جاليليو بالفعل بإحدى التجارب المتخيلة كي يعزل مظاهر الشذوذ هذه، فقد عرض لمحاوريه من أتباع أرسطو إحدى التجارب المتخيلة واضطرهم إلي استنتاج نتائج متناقضة حول مفهوم " السرعة" ولم يكن بالإمكان رفع هذه التناقضات إلا عن طريق التمييز بين معدل السرعة والسرعة اللحظية، فقد يكون الجسم أسرع إذا طبقنا أحد هذين المعنيين وأبطأ إذا طبقنا المعني الثاني . وبناءً علي هذا فإن هذه التجربة ساعدتهم عل تعديل مفهومهم عن السرعة . لكن هل معني هذا أن مفهوم أرسطو كان متناقضاً – ذاتياً؟

إن كون يرفض وصف مفهوم أرسطو عن السرعة بالتناقض الذاتي . فهذا المصطلح قد يصدق علي الدائرة المربعة . فالدائرة مربعة متناقضة ذاتياً بمعني أنه لا يمكن تمثلها في أي عالم ممكن، أما مفهوم أرسطو فيختلف عن ذلك . ويكمن الاختلاف في أن مفهوم أرسطو للسرعة، بما يحتويه من معيارين متزامنين، يمكن يحتويه من معيارين مترامنين، يمكن تطبيقه بدون صعوبة علي معظم الحركات التي نراها . ولا تظهر المشكلات إلا من تلك الفئة من الحركات – وهي الفئة النادرة جداً – التي يقود فيها معيار السرعة اللحظية ومعيار معدل السرعة إلي استجابات متناقضة في التطبيقات الكيفية . ولذا يرفض كون أن يصفه بأنه متناقض ذاتياً . ويبرر كون موقفه بأننا لا ينبغي أن نطالب مفاهيمنا بأن تكون قابلة للانطباق علي كل موقف يمكن أن يظهر في أي عالم ممكن . فلو كانت كل الحركات تحدث بسرعة مطردة، لكان مفهوم أرسطو صحيحاً تماماً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

علي رسول الربيعيإن الأستعمال الأيديولوجي الفاقع وما يرايفقه في غالب سائد ثقافتنا من تسيب واضح في أستعمال المصطلحات وعدم الأنضباط المنهجي في وصف وتحليل وقائع إجتماعية - سياسية ومجريات تاريخية يضلل العقل ويزيف الحقيقة، لذا تجدنا نلتجأ لهذه الطريقة لمقاربة الحقيقة بطريقة دقيقة ومثالنا هنا وهو علة ماتقدم من قول: الديمقراطية. أيً سنتناول إبستيمولوجيا الديمقراطية .

نظرية المعرفة الاجتماعية ومبرر الديمقراطية

بدأت المناقشات الحديثة داخل الإبستيمولوجيا (نظرية المعرفة) من خلال ممارسة تقييم التسـويغ أو التبرير الإبستيمولوجي (المعرفي) للديمقراطية. لقد تم مناقشة  هذا الموضوع من قبل فلاسفة السياسة في المقام الأول، كشرط مسبق ضروري للشرعية الديمقراطية التي يجب أن تنظم إلى صفوف التبرير الأخلاقي والسياسي. لقد ظل فلاسفة السياسة يرون منذ زمن طويل أن الديمقراطية، بالإضافة إلى تبريرها كنظام عادل سياسياً وأخلاقياً، ينبغي أن تكون نظامًا اجتماعيًا مبررًا أيضًا، أي نظامًا ينتج قرارات بأعلى جودة معرفية. اكتسبت مسألة السمات الإبستيمولوجية (المعرفية) للديمقراطية، على الرغم من كونها موضوعًا معرفيًا واضحًا، مؤخرًا زخمًا باعتبارها مهمة مشروعة للإبستيمولوجيا الاجتماعية. وإن النهج التوسعي للإبستيمولوجيا الاجتماعية واضح في تقييمه السمات المعرفية لإجراءات اتخاذ القرارات الديمقراطية وتأثير النظم الاجتماعية على النتائج المعرفية.[1] على الرغم من أنه ليس من الضروري مناقشة الطبيعة متعددة التخصصات لهذا الموضوع - والتي تشمل الاعتبارات المعرفية والفلسفية والسياسية والأخلاقية - فإن الدافع الأولي لإدخال موضوع الديمقراطية في الإبستيمولوجيا الاجتماعية هو جوهري للإبستمولوجيا ايضاً. تتمثل مهمة الإبستيمولوجيا الاجتماعية في الاستكشاف النقدي للخصائص المعرفية للمؤسسات والنظم الاجتماعية من أجل تقييم وتحسين أنظمة تكوين المعتقدات ومراجعتها، وإصدار الأحكام والقرارات والسياسات. إنها تشجع، بالتالي، نتائج معرفية أكثر مسؤولية، وعقلانية ومبررة وصادقة، أو على الأقل يهدف إلى إعاقة تلك التي هي غير مسؤولة وغير عقلانية وغير مبررة.

إن ضرورة تحليل الديمقراطية من وجهة نظر إبستيمولوجية تجعل من غير الممكن أو المرغوب فيه إجراء تحقيقات معرفية مجردة ومعزولة. فأرى إمكانات أكبر بكثير في النقاش الذي يفترض منظوراً  مختلطاً متشابكاً ويتعامل مع تبرير الديمقراطية من خلال تقييم انسجامها مع القيم الأخلاقية / السياسية والإبستمية (epistemic) (المعرفية). وفي سياق مماثل، تتطابق الاتجاهات الحالية في الفلسفة السياسة والإبستيمولوجيا الاجتماعية التي طورت بدورها ممارسة لتقييم التأثير الإبستمي-المعرفي للديمقراطية يتوافق  تمامًا مع السمات الأساسية للمنظور المختلط.[2] إذا كان يجب أن تكون الديمقراطية أو نماذج من عملية صنع القرار الديمقراطي مبررة أخلاقيا / سياسيا وإبستيمولوجيا على حد سواء، فإن أي مبرر يمكن اعتباره ذا معنى وفعال يتطلب: الأنسجام بين الإبستمي (المتعلق بالمعرفة أو الى درجة التحقق من صحتها) والرغبات والفضائل الأخلاقية / السياسية.

سأبدأ بافتراضين لا يتطلبان حاليًا شرحًا مفصلاً، لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أنه لا يمكن مناقشتهما بشكل مثمر في سياقات أخرى. يتعلق الأول بضرورة  التسويغ الإبستيمولوجي للديمقراطية، أو الموقف القائل بأن شرعية جميع المؤسسات والأنظمة - وخاصة الديمقراطية كترتيب  اجتماعي شامل - يجب أن تستند إلى أدلة كافية على أنها تلبي، كبنية اجتماعية، إلى الحد الأقصى تشكيل معتقدات أو قرارات  عاليًة الجودة ابستميا (معرفيا). بمعنى آخر، أن تكون هذه المعتقدات أو القرارات صحيحة أو موصلة الى الحقيقة أو لها ما يبررها وفعًالة في حل المشكلات أو تصحح أو تستمد من الحجج / الأسباب، المسؤولة عن المعرفة أو ما شابه.[3] والافتراض الأولي الثاني هو أن الديمقراطية التداولية، على عكس الديمقراطية التجمعية (التي تعتمد حاصل جمع الأصوات)، لها فوائد إضافية لتشجيع النقاش العام باعتبارها تمتلك صفة مثلى أخلاقياً وسياسياً ومعرفياً للديمقراطية.[4] يستلزم هذا الافتراض طرح هو أن التركيز على المناقشة الملازمة للديمقراطيات التداولية يتضمن بالفعل على ميزة أولية معرفية تتطلب مزيدًا من الفحص و التدقيق. أيً، تعتمد الديمقراطية التداولية على فكرة، أن شرعية المواقف السياسية الأساسية يجب أن تستند إلى مناقشات عامة بين المواطنين لأن هذه الممارسة يمكن أن تحسن اتخاذ القرارات السياسية والمعرفية، مما يسهل تحقيق المثل العليا مثل التشريعات العقلانية، السياسات التشاركية، الإدارة المدنية الذاتية والاستقلالية العامة المستمدة من المداولات المدنية. باختصار، لأن هدفي ليس مناقشة شرعية الديمقراطية كنظام سياسي أو مقارنة الديمقراطيات التداولية والتجميعية، سأفترض أن الديمقراطية التداولية هي أحتمالاً- على الأقل بالمقارنة مع الأنظمة الأخرى المتاحة - لإنتاج قرارات ذات جودة معرفية عالية. هدفي الأساسي هو تحديد أي أشكال من الديمقراطية التداولية ومن النقاش العام يدعم بشكل أمثل إنتاج القرارات المرغوبة معرفيًا وتكون مبررة أخلاقًا / سياسيًا.

 إنه من المفتراض، قبل كل شيء، أهمية التبرير المعرفي للديمقراطية التداولية، ولكن نلاحظ أن العديد من فلاسفة السياسة يتجاهلون أو حتى يعارضون أهمية أي تبرير معرفي في تحديد الشرعية الديمقراطية. يعود موقفهم هذا الى حقيقة أنهم لا يقيّمون الشرعية من ناحية عملية صنع القرار، بل يركزون بدلاً من ذلك على تبرير الدول الديمقراطية والحكومات المنتخبة ديمقراطياً.[5] مع افتراض أن المفهوم السياسي للعدالة هو المبرر للمؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مجتمع ديمقراطي تعددي.[6] من ناحية أخرى، يعتبر بعض المُنظرين أن التبريرالإبستيمولوجي (المعرفي) ذو صلة  بما تقدم، لكنهم يركزون على توضيح السمات المعرفية للديمقراطية التجميعية. يمكن توضيح ذلك من خلال مناقشات واسعة حول نظرية كوندورسيه الشهيرة،[7] أو الرأي القائل بأنه يمكن التوصل إلى القرارات الصحيحة من خلال تجميع المواقف المختلفة بشكل ديمقراطي.[8] أنا أعتبر، بأي حال من الأحوال، أن هذه المواقف لا أساس لها أو يمكن دحضها بسهولة. ومع ذلك، على الرغم من أنني سأنظر أحيانًا في حججهم، فإن افتراضاتي الأولى هي أن (1) المبررات الإبستيمولوجية/ المعرفية للديمقراطية ضرورية لضمان شرعيتها وأن (2) الديمقراطية التداولية، بسبب احترامها للأسباب والنقاش، من الأرجح أن يكون مبررًة معرفيًا. من أجل توضيح هذه الافتراضات، أريد أن ابدأ في شرح المبادئ التاريخية الأساسية للديمقراطية التداولية وتبريرها المعرفي ثم أنتقل، بعد ذلك، الى التوترات المحتملة بين التبرير المعرفي و التبرير الأخلاقي / السياسي كتحدي رئيسي للتقييمات المختلطة للديمقراطية التداولية.  وفي ذهني  أنهي هذه الدراسة بتحديد ثلاثة مقاربات ممكنة للتبرير المختلط للديمقراطية التداولية: الإجرائية والتوافقية وديمقراطية الموثوقية ( reliability democracy ).

لذا أريد أن اتناول  في المقال القادم التسـويغ الإبستيمولوجي (التبرير المعرفي) للديمقراطية التداولية

 

 

 

 الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

[1] Goldman, Alvin I2010b. 'Epistemic Relativism and Reasonable Disagreement', in Feldman, Richard and Ted A. Warfield (eds.), Disagreement (Oxford: Oxford University Press), pp. 187-215

[2] Estlund, David. 2008a. 'Epistemic Proceduralism and  Democratic  Authority',  in Geenens, Raf and Ronald Tinnevelt (eds.), Does Truth Matter? Democracy and Public Space (Springer: Dordrecht), pp. 15-27

Fricker, Miranda.2007. Epistemic Injustice (Oxford: Oxford University Press)

وأنظر ايضا، توماس كريستينو، "المداولات العقلانية بين الخبراء والمواطنين"،في:

 Mansbridge Jane and John Parkinson (eds.), The Deliberative System (Cambridge: Cambridge University Press), pp- 27-51

[3] إن تحديد القيم المعرفية التي يجب أن تحظى بالأولوية عند تقييم الجودة المعرفية للقرارات الديمقراطية أو التبرير المعرفي للديمقراطية يتجاوز نطاق اهتماماتنا الحالية. من الواضح أن المنظور الإبستمي- المعرفي يتطلب مقاربات مختلفة للدفاع عن أطروحة أن النظام الديمقراطي شرعي طالما أنه يحل مشاكل مواطنيه بكفاءة (هذه الأطروحة البرغماتية- العملية مدعومة، على سبيل المثال من قبل، فيليب كيتشر الذي سأذكر مصدره لاحقا)، مدعيا أنه لا يمكن أن تكون شرعية الا إذا اتخذت قرارات على أساس آليات موثوقة وحساسة تجاه الحقيقة (كما اقترح جولدمان وكريستيانو) أو اقترحت، كما اعتزم، أن يكون الإطار المعياري المناسب لتقييم الديمقراطية مرتبطًا على الأقل بنظرية المعرفة بالفضيلة. ومع ذلك، تعتمد هذه الدراسة على الموقف الذي مفاده أن تقييمات المؤسسات الاجتماعية يجب أن تنطوي على قيم معرفية. لا يمكننا المضي قدمًا في تحديد المعايير المعرفية والقيم والواجبات ذات الصلة إلا بعد  الأتفاق مبدئيًا على أهمية تقييم التبرير المعرفي للمؤسسات والممارسات والنظم. من الأهمية بمكان ملاحظة  أن أي مقاربة سابقة للقيم المعرفية لا يمكن أن تتعلق بمناقشتنا للتبرير المعرفي للديمقراطية إلا إذا التزمت بالادعاء الأساسي بأن القيم المعرفية تمتلك صلاحية موضوعية معيّنة. لمعرفة المزيد، راجع:

Goldman, Alvin I. 2010a. 'Why Social Epistemology is Real Epistemology?', in Haddock, Adrian, A. Millar and D. Pritchard (eds.), Social Epistemology (Oxford: Oxford University Press), pp. 1-29.

Kitcher, Philip.201la.  Science in a Democratic Society (Amherst, NY: Prometheus Books)

Christiano, Thomas. 2012. 'Rational Deliberation between Experts and Citizens', in Mansbridge

Jane and John Parkinson (eds.), The Deliberative System (Cambridge, MA: Cambridge University Press), pp- 27-51

[4] يصو أنصار الديمقراطية الجماعية عملية التصويت على أنها ميزة فريدة وأهم من سمات صنع القرار الديمقراطي، بحجة أن دمج التفضيلات الفردية يتوافق بدقة أكبر مع الخيار الجماعيأنظر على سبيل المثال: Arrow, Kenneth J. 1963. Social Choice and Individual Values, sec. ed. (New York: Wiley)،

 بينما يرى أنصار الديمقراطية التداولية أن عمليات صنع القرار أكثر تعقيدًا. يجب أن تضمن مسؤولية متابعة التصويت بمناقشات عامة، وبالتالي تشجيع المشاركة المدنية المتساوية والعادلة للمواطنين في التعبير عن مواقفهم الفردية. للمزيد، انظر :

Manin, Bernard. 1987. 'On Legitimacy and Deliberation', Political Theory,15:338-368.

 Peter, Fabienne. 2008. Democratic legitimacy (New York: Routledge).

 [5] ماكس فيبر على سبيل المثال:

Weber, Max. 1964. The Theory of Social and Economic Organization (Basingstoke: Macmillan)

[6] John Rawls. 1993. Political Liberalism (New York: Columbia University Press).على سبيل المثال:

[7] نظرية كوندرسيه عن المحلفين هي نظرية في العلوم السياسية حول الاحتمال النسبي لمجموعة معينة من الأفراد الذين يصلون إلى قرار صحيح.  عبر ماركيز دي كوندورسيه عن هذه النظرية أول مرة في مقالته عام 1785 حول تطبيق التحليل على احتمال قرارات الأغلبية. أيً، إنها نظرية حول الاحتمال النسبي لمجموعة معينة من الأفراد الذين يصلون إلى قرار صحيح. ... إذا كانت p أكبر من 1/2 (من المرجح أن يصوت كل ناخب بشكل صحيح)، فإن إضافة المزيد من الناخبين تزيد من احتمال أن يكون قرار الأغلبية صحيحًا.

https://en.wikipedia.org/wiki/Condorcets_jury_theorem

[8] على سبيل المثال:

Christian List and Robert E.Goodin. 2001. 'Epistemic Democracy: Generalizing the Condorcet Jury Theorem', The Journal of Political Philosophy 9(3): 277-306; Robert E. Goodin. 2003. Reflective Democracy (Oxford: Oxford University Press).

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن تجليات تجارب الفكر في تاريخ العلم، حيث نتحدث في هذا المقال عن تجربة عفريت ماكسويل  Maxwell's demon وهي تجربة فكرية أوجدها الفيزيائي الاسكتلندي جيمس كلارك ماكسويل عام 1871م، "لإثبات أن القانون الثاني الخاص بالديناميكا الحرارية ذو حقيقة إحصائية فقط". توضّح التجربة الافتراضية وجهة نظر ماكسويل عن طريق وصف كيفية نقض القانون الثاني. تعتمد التجربة على تقسيم وعاء متخيل إلى جزئين عن طريق جدار عازل، يحوي الجدار بابا يمكن فتحه وإغلاقه بواسطة ما أطلق عليه لاحقا "عفريت ماكسويل". يستطيع العفريت الافتراضي أن يسمح لجزيئات الغاز "الساخنة" فقط بالتدفق إلى جانب مفضل من الغرفة مما يسبب ارتفاع حرارة ذلك الجانب تلقائيا فيما يبرد الجانب الآخر.

إن تجربة ماكسويل كانت تهدف إلي طرح تساؤلات حول إمكانية خرق القانون الثاني في الترموديناميك. ينص القانون الثاني في الترموديناميك على منع إمكانية (بناء على استحالة إحصائية) أن يقوم جسمين ذوي درجة حرارة واحدة، عندما يكونان على اتصال ليشكلا جملة أو نظام معزول عن الكون المحيط بهما، فإنه من المستحيل أن يتطورا مع الزمن لحالة جديدة يكون فيها أحدهما أعلى حرارة من الآخر. بهذه المقولة يؤكد القانون الثاني في الترموديناميك أنه في نظام معزول isolated system، لا يمكن للإنتروبية أن تنقص. عنونة أغنية في ألبومه رؤى باسم: "عفريت ماكسويل.

وقد صف ماكسويل المفهوم بأنه "كينونة محدودة" عند تقديمه له في رسائله إلى زملائه وفي كتابه نظرية الحرارة. ظهرت التجربة الفكرية أول مرة في رسالة كتبها ماكسويل إلى بيتر غوثري تايت في الحادي عشر من ديسمبر عام 1867. ومن ثم ظهرت ثانية في رسالة إلى جون ويليام سترت في عام 1870 قبل أن تقدم الفكرة إلى العموم في كتاب ماكسويل نظرية الحرارة الذي نشر في عام 1871 وكان موضوعه الديناميكا الحرارية. كان ويليام ثومبسون (لورد كالفين) أول من استخدم كلمة "عفريت" لوصف مفهوم ماكسويل في مجلة "طبيعة" في العام 1874، وضمّن المقال بأنه قد قصد الجانب الروحي للكلمة وليس جانب الأذى الذي قد توحي به.

وقد كان القانون للديناميكا الحرارية (عبر الاحتمالية الإحصائية) يضمن أن يتطور جسمان بحرارة مختلفة عند وضعهما في حالة احتكاك مع بعضهما وعزلهما عن باقي الكون إلى توازن ديناميكي حراري بحيث يصبح لكلا الجسمين ذات الحرارة تقريبا كما ويعبر عن القانون الثاني عن طريق التأكيد أن الإنتروبي لا يتناقص أبدا في نظام معزول .

تصوّر ماكسويل تجربة فكرية كوسيلة تعزز فهم القانون الثاني حيث وصف التجربة كما يلي:

...إذا ما تصورنا كائنا ذا قدرات مشحوذة جدا بحيث يمكنه تتبع كل جزيء في مساره، فإن مثل هذا الكائن-ذي الصفات المحدودة أساسا كصفاتنا نحن-لا بد سيكون قادرا على فعل ما هو مستحيل بالنسبة لنا. وذلك لأننا رأينا أن الجزيئات في وعاء مملوء بالهواء وذي حرارة منتظمة تتحرك بسرعة غير منتظمة بأي حال من الأحوال، برغم أن السرعة المتوسطة لأي عدد كبير منها-عند اختيارها عشوائيا-هي منتظمة تقريبا. والآن فلنفرض أن مثل هذا الوعاء مقسّم إلى قسمين: أ وب عن طريق حاجز يحوي ثقبا صغيرا، ولنفرض أيضا أن الكائن الذي بمقدوره أن يرى الجزيئات المفردة يقوم بفتح الفتحة وإغلاقها بحيث يسمح للجزيئات الأسرع فقط بالمرور من أ إلى ب وللجزيئات الأبطأ بالعبور من ب إلى أ. لذا سيقوم هذا الكائن-دون أي جهد يذكر- برفع حرارة ب وخفض تلك في ب مما يناقض القانون الثاني للديناميكا الحرارية....

وبعبارة أخرى، يتخيل ماكسويل وعاء واحدا مقسما إلى جزئين (قسمين)، أ وب. كلا الجزئين يملؤه نفس الغاز في درجة حرارة متساوية ووضع الجزءان بجانب بعضهما. يقوم عفريت خيالي بحراسة باب مسحور بين الجزئين ومراقبا الجزيئات في كلتا الجهتين. عندما ينطلق جزيء أسرع من المتوسط نحو الباب المسحور يقوم العفريت بفتحه وهكذا يحلّق الجزيء من الجزء أ إلى الجزء ب. سيتزايد متوسط السرعة للجزيئات في الجهة أ بينما يتباطأ في الجهة ب. بما أن متوسط سرعة الجزيء تتوافق مع الحرارة فإن الحرارة ستتناقص في الجزء أ وتتزايد في الجزء ب على نحو يخالف القانون الثاني للديناميكا الحرارية .

وقد لقيت تجربة ماكسويل انتقادات عديدة منها :- أنه لا يمكن نقض القانون الثاني للديناميكا الحرارية فعليا إذا ما أجري تحليل أكثر اكتمالا لكل النظام بما في ذلك العفريت. تتأتى أهمية هذا البرهان الفيزيائي من واقع إثبات أن أي عفريت يجب أن ينتج اعتلاجا (انتروبي) أكثر يقوم بفصل الجزيئات أكثر مما يستطيع إبعادها بواسطة الطريقة الموصوفة. بمعنى أنه تلزم طاقة أكبر لقياس سرعة الجزيئات والسماح لها بالمرور انتقائيا عبر الفتحة بين أ وب من كمية الطاقة التي يوفرها اختلاف الحرارة الناتج عن هذا الانتقال.

أحد أشهر الردود على هذا السؤال تم اقتراحه من قبل ليو سزيلارد في عام 1929 وبواسطة ليون بريلون فيما بعد. أشار سزيلارد أن عفريت ماكسويل لا بد أن يمتلك بعض الطرق لقياس سرعة الجزيء في الحياة الواقعية وأن فعل اكتساب المعلومة يتطلب بذل الطاقة. ينص القانون الثاني على أن الانتروبي الكلي لنظام معزول لا بد سيزداد. بما أن العفريت سيتفاعل مع الغاز فلا بد أن نأخذ باعتبارنا الانتروبي الكلي للغاز والعفريت مجتمعين.ستكون الطاقة التي يبذلها العفريت سببا في زيادة الانتروبي الخاص بالعفريت، والذي سيكون أكبر من خفض الانتروبي بواسطة الغاز. على سبيل المثال، إذا ما كان العفريت يقوم بتفقد مواقع الجزيئات بواسطة مصباح يدوي فإن بطارية المصباح هي جهاز ذو اعتلاج ضئيل وينتظر حدوث تفاعل كيماوي. فيما تُستهلك طاقة البطارية لبعث الفوتونات (والتي سيتم الآن احتساب الاعتلاج الخاص بها هي أيضا)، فإن رد الفعل البطارية الكيماوي سيستمر وبذلك سيزداد اعتلاجها بأكثر من تعويض النقص في اعتلاج الغاز.

في العام 1960، قدم رولف لانداور استثناء لهذا الإثبات فقد أدرك أن بعض عمليات القياس لا تحتاج إلى رفع اعتلاج الديناميكا الحرارية طالما كان بالإمكان عكسها بواسطة الديناميكا الحرارية. اقترح لاندوار أنه بالإمكان استخدام هذه القياسات "المعكوسة" لفرز الجزيئات مما ينقض القانون الثاني. على أي حال وتبعا للعلاقة بين اعتلاج الديناميكا الحرارية واعتلاج المعلومات، فإن هذا يعني أيضا أنه لا يجوز محو القياسات التي تم تسجيلها. بعبارة أخرى، لتحديد جانب البوابة الذي يجب أن يتواجد عنده الجزيء فعلى العفريت أن يكتسب معلومات عن حالة الجزيء ومن ثم يقرر نبذها أو تخزينها. سيؤدي تجاهلها إلى زيادة فورية في الاعتلاج ولكن لن يستطيع العفريت تخزينه إلى أجل غير مسمى؛ في عام 1982 أثبت بينيت أن مهما كان استعداد العفريت جيدا فلا بد أن تنفذ المساحة التي يخصصها لتخزين المعلومات في النهاية ولا بد أن يبدأ بمحو المعلومات التي جمعها قبلا. محو المعلومات هي عملية لا يمكن العودة عنها بالديناميكا الحرارية والتي ستزيد من اعتلاج النظام. (يواجه الكثير من الناس هذه المشكلة المتمثلة في نفاذ مساحة التخزين على حواسيبهم ولكن لحسن الحظ يتوفر حل بسيط ألا وهو مسح بعض البيانات غير الضرورية).

يمكن لعفريت ماكسويل أن يقوم بالمثل ألا وهو شطب البيانات السابقة. ولكن عملية الحذف من الذاكرة هي عملية لا يمكن التراجع عنها تحديدا. بمجرد أن تحذف البيانات الموجودة على جزء من الذاكرة معيدا جميع البيتات إلى حالة الصفر سيصير من المستحيل إعادة تجميع البيانات الأصلية من سلسلة الأصفار هذه. تزيد هذه العملية التي لا يمكن عكسها من الاعتلاج بمقدار س لن2 لكل بت (بالإنجليزية: Bit). أدرك بينيت أن كل دورة من دورات سزيلارد تحتاج إلى وحدة تخزين واحدة. الاعتلاج الذي يتزايد عند مسح هذه الوحدات (البتات بالإنجليزية: Bits) يعوض نقص الاعتلاج الذي يتسبب به العفريت. ولذا فإن الاعتلاج لا ينقص حين ننظر إلى النظام ككل مما يعني أنه قد تمت المحافظة على القانون الثاني. على الرغم من أن بينيت قد توصل إلى الاستنتاج عينه الذي ذكره سزيلارد في ورقته العلمية وهو أنه لا يمكن لعفريت ماكسويل أن ينقض القانون الثاني وذلك لأنه سيتم إنشاء الاعتلاج فلا بد أنه قد توصل إلى هذه النظرية بأسباب مختلفة والأسباب لها نفس أهمية النتائج في العلم.

ومع ذلك، ناقش كل من جون إيرمان وجون نورتون توضيحات سزيلارد ولاندوير لعفريت ماكسويل ابتداء بفرضية أنه لا يمكن نقض القانون الثاني للديناميكا الحرارية وبهذا قدما إثباتهما على أن ليس بمقدور عفريت ماكسويل أن ينقض مسار القانون الثاني.

ب- : أهم تجارب الفكر في فلسفة العقل :-

1- تجربة كواين دعوي اللاتحديد في الترجمة

عرض كواين " دعوي اللاتحديد في الترجمة " في غير موضع من كتاباته، مثل مقال " المعني والترجمة "، عام 1959، وكتاب " الكلمة والشئ " عام 1960، وكتاب " النسبية الانطولوجية  ومقالات أخري " عام 1969، ومقال " في أسباب اللاتحديد في الترجمة " عام 1970، ومقال " اللاتحديد في الترجمة مرة أخري، عام 1987، وكتاب " ملاحقة الصدق "، عام 1990،وكتاب من المثير إلي العلم، عام 1995، وفي ردوده الكثيرة علي نقاده، وتتخذ دعوي اللاتحديد في الترجمة عدة صور جاء في طليعتها " تجربة الفكر " المتمثلة في الترجمة الجذرية radical translation . والترجمة الجذرية هي ترجمة لغة لبشر لم يتصلوا بغيرهم حتي اليوم . وإليك خلاصتها : هب أنك عالم لغة ذهبت بصحبة صديق فيلسوف إلي قبيلة من العصر الحجري تعيش في غابة معزولة تماماً . وتسعي إلي ترجمة لغة هذه القبيلة إلي اللغة العربية . وما دامت لغةهذه القبيلة خاصة بها، فلن يكون في مقدورك الاستعانة بمعاجم أو الاستعانة بالبني النحوية المشتركة بين هذه اللغة والعربية . ولن يكون في مقدورك أيضاً الإفادة من الدراسة التاريخية للأصول المشتركة بين اللغات، ما دامت لغة هذه القبيلةلا صلة لها بلغات أخري . وفي صباح اليوم التالي خرجت وصديق مع بعض الصيادين من أفراد هذه القبيلة للإستماع إليهم ومشاهدتهم وهم يمارسون جانباً من الحياة ويستعملون اللغة التي تبغي تعلمها وترجمتها إلي لغتك . وبينما تسيرون في الغابة، وثب أرنب بعيداً عن الأشجار والحشائش حتي صار في مجال الرؤية الواضحة . وهنا أشار أحد الصيادين قائلاً لزميله من أبناء القبيلة بهدوء (Gavagai)، وفتحت دفتر ملاحظتك وكتبت gavagai = أرنباً . وشاهد صديقك الفيلسوف ما شاهدته، ومع ذلك تساءل : هل أنت متأكد من gavagai تعني أرنباً ؟ وكان جوابك : بكل تأكيد . وهل يمكن أن تعني شيئاً آخر ؟ ورد صديقك : ألا يمكن أن تعني " جزءً غير منفصل من الأرنب " " أو " الذبابة التي تلازم الأرنب " ؟ ولعلك تميل في بادئ الأمر إلي رفض رد صديقك باعتباره يمثل نوعاً من الجدل الذي يفتن به الفيلسوف، ولكنك عندما تفكر علي مهل يتبين أن صديقك ربما يكون محقاً فيما قال . إن المعطيات الوحيدة المتااحة أمام عالم اللغة هي القوي التي تصطدم بحواس الصيادين (أبناء القبيلة الأصليين)، وسلوكهم القابل للملاحظة سواء كان لغوياً (متمثلاً في الكلام) أو غير لغوي (متمثلاً في الإشارة). والاعتماد علي هذه المعطيات وحدها هو ما تؤكده السلوكية عند تفسير السلوك اللغوي . والرأي عند كواين أنه لا يوجد شئ في سلوك الصيادين أو البيئئة المحيطة بهم يمكن أن يجيب إجابة محددة عن السؤال عما إذا كان الصياد يعني بكلمة Gavagai " أرنباً " أو " جزءً غير منفصل من الأرنب ".

وهذه التجربة وجدت أعتراضات من قبل بعض الفلاسفة، فنجد جون سيرل يرد علي كواين في مقال " اللاتحديد والتجريبية والمتكلم " (الذي نشر أولاً في "مجلة الفلسفة "عام 1987، وأعاد سيرل نشره في كتابه الوعي واللغة عام 2002) ليوضح أن دعوي اللاتحديد في الترجمة لا تثبت غموض الإشارة كما أراد كواين، وإنما تثبت أن السلوكية مخفقة في دراسة علم النفس واللغة . صحيح أن كواين لا ينكر وجود الحالات والعمليات العقلية الداخلية، ولكنه يعتبرها غير مفيدة وغير ملائمة لتطوير نظرية علمية تجريبية في اللغة .

2- تجربة الحجرة الصينية عند جون سيرل

وضع سيرل حجة الحجرة الصينية علي هيئة تجربة فكر (وتجربة الفكر بصفة عامة هي طريقة يمارسها الفلاسفة وغيرهم لاختبار فرض معين عن طريق تخيل موقف وما يقال عنه) وتقول تجربة الفكر : هب أنك قد حجزت في حجرة، وفي هذه الحجرة سلات عديدة ممتلئة بالرموز الصينية (قاعدة البياناتdatabase ) . ولنتخيل أنك (مثلي) لاتفهم كلمة من اللغة الصينية، ولكنك أعطيت كتاباً للقواعد باللغة العربية لتعالج هذه الرموز الصينية (البرنامج) . وتحدد القواعد عمليات معاجة manipulation الرموز بطريقة صورية خالصة، وفي حدود تركيب Syntax هذه الرموز وليس دلالتها semantics . ولنتخيل أيضاً أن بعض الرموز الصينية الأخري قد أرسلت إلي الحجرة، وأنك قد أعطيت قواعد إضافية لرد الرموز الصينية إلي خارج الحجرة . وهب أنه من غير المعروف بالنسبة لك أن الرموز التي أرسلت إلي الحجرة يسميها الناس خارج الحجرة باسم "أسئلة" (المدخل input) وأن الرموز التي التي رددتها خارج الحجرة تسمي " إجابات علي الأسئلة" (المخرج output) . ولنفترض بالإضافة إلي ذلك أن المبرمجين كانوا جيدين جداً في وضع البرنامج، وأنك كنت جيدا جدا في معالجة الرموز، وان إجاباتك التي جاءت بسرعة بالغة يتغذر تمييزها من إجابات المتكلم الأصلي للغة الصينية . وها أنت محجوز في حجرتك تعدل رموزك الصينية وترسل رموزا صينية في الرد علي الرموز الصينية الواردة . وعلي أساس الموقف الذي وصفته لا تستطيع أن تتعلم علي الإطلاق أي رموز صينية عن طريق معالجة الرموز الصورية .

ويؤكد بعض الباحثين أن الفكرة الأساسية في هذه الحجة هي : إذا كان الشخص الموجود في الحجرة لا يفهم كلمة واحدة من اللغة الصينية علي أساس تنفيذ برنامج الكمبيوتر المناسب لفهم اللغة الصينية، فمن الطبيعي ألا يفهم الصينية أي كمبيوتر رقمي آخر علي هذا الأساس، والسبب بسيط للغاية، وهو أن الكمبيوتر لا يملك شيئاً أكثر مما يملكه الإنسان داخل الحجرة الصينية . وهذه الحجة ذات بنية منطقية شأنها في ذلك شأن أية حجة أخري، وتتالف هذه البنية من ثلاث مقدمات تلزم عنها نتيجة علي النحو التالي:

1- البرامج تركيبية بكل معني الكلمة .

2- العقول تملك دلالة.

3- التركيب ليس هو نفس الدلالة ولا يكفي بذاته للدلالة .

وبالتالي، فإن البرامج ليست عقولاً، وهذا هو المطلوب إثباته .

ومن الناحية المنطقية فإن بيان بطلان أية حجة يتطلب أمرين: إثبات كذب إحدي مقدماتها أو إثبات أن نتيجتها لا تلزم عن المقدمات . وفي رأيي أن الجدل الذي يدور حول هذه الحجة لا يتعلق بصدق المقدمات ولا بصحة النتيجة، وإنما يتعلق بما يمكن فهمه من الحجة، وليس أدل علي صواب ما نذهب إليه من ان أحداً لم يستطع تفنيدها حتي الآن .

3- تجربة الأرض التوأئمية لبوتنام

تجربة الأرض التوأمية هي تجربة فكر قدمها هيلاري بوتنام في كتابه " المعني والإشارة " عام 1973،  ثم ذكرها أيضا في كتابه معني المعني  وتقوم التجربة علي فكرة أنه إذا افترضنا بأنه يوجد في مكان آخر في الكونِ كوكب بالضبط  يشبه كوكب الأرضِ في شئ ، فالكوكب يدور حول نجم كما تدور الأرض حول الشمس، وفي هذا الكوكب أشخاص نفس الأشخاص الموجودين علي الأرض، وهذا ما نطلق عليه الأرض التوأئمية. بيد أن الكوكب يتشابه مع الآرض في كل شئ ما عدا شئ واحد وهو أنه ليس هناك ماء على الأرضِ التوأميةِ ويعني هنا الكوكب المشابه للأرض ويوجد بدلا من الماء سائل liquid وهو شبيه بالماء لكن كيميائيا لا يشبه الماء، فإن كان الماء علي أرضنا يتكون من (يد2أ)، أما السائل الشبيه الماء فيتكون من صيغة معقدة (س ص ع). والأرض التوأئمية والتي أشرنا والتي استخدمت السائل (س ص ع) هذا السائل شبيهه بالماء. أخيراً، وإذا ما حددنَا التأريخَ مِنْ تجربةِ فكرِنا فلنقل أنها وقت منذ عدة قرون في الماضي، وعندما سكّان الأرضِ والأرضِ التوأميةِ لا توجد لديهما وسائل معرفة بأنّ السوائلَ التي تسمي بالماء (يد2أ) و(س ص ع) على التوالي. خبرة الناسِ على الأرضِ فيما يتعلق بالماءِ،وخبرة الناس علي فيما يتعلق بالسائل تكاد تكون مماثلة .

والسؤال الآن هو : متي نتوصل إلي فكرة أن الماء علي أرضنا والسائل علي التوأئمية يعنون نفس الشيء؟ . افترض بوتنام أن هناك شخص يدعي أوسكار علي أرضنا ويوجد له توأئم شبية علي الكوكب المقابل ويدعي أوسكار، وعندما يقول أوسكار ماء علي أرضنا يشير (يد2أ) ، أما أوسكار التوأئم فيشير إلي أن الماء هو (س ص ع). إن نتيجةَ هذه بأن محتويات a دماغ شخصِ ليست كافيةَ لتَقْرير إشارةِ شروطِ يستعملونَ، كما أن المرء يَجِبُ أيضاً أَنْ يَفْحصَ التأريخَ السببيَ الذي أدّى إلى هذا الفردِ يَكتسبُ التعبيرَ. (أوسكار، على سبيل المثال، تَعلّمَ 'ماءَ' هو (يد2أ) ، أما أوسكار التوأئم تعلم أن الماء هو (س ص ع) . إذن (يد2أ)  تساوي (س ص ع).

هذه هي الفكرة الأساسية للنزعة الخارجية السيمانطيقية. لخّصَ بوتنام هذه النتيجة بشكل مشهور ليعلن أن" المعاني فقط لَيستْ في الرأسَ." (بوتنم 1975/1985, p. 227). بوتنام في مقالتِه الأصليةِ أكد أن إشارةَ التوائمِ للماء  تَفاوتتْ بالرغم من أن حالاتهم النفسية كانت هي نفس الشئ. وتيلر بورج Burge برهن بعد ذلك في "أجسام أخرى" (1982) علي أن الحالات التوائمَ العقلية مختلفة: أوسكار عِنده المفهوم (يد2أ)، بينما التوأم أوسكار عِنده المفهوم (س ص ع). بوتنام منذ  ذلِك الحينِ قَد أعربَ عن الإتفاق مع تفسيرِ Burge لتجربةِ الفكرَ. (أنظر مقدمةَ بوتنام لـ Pessin وGoldberg 1996, xxi.).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

"تتعرض الفلسفة للتهديد إلى حد كبير في وجودها المؤسساتي بسبب عدم جدواها فيما يتعلق بالعلوم وحقيقة أن أشكال المعرفة الأخرى لم تعد في حاجة إليها" .. بول ريكور.

على الرغم من أن هذه المقابلة مع الفيلسوف الفرنسي بول ريكور قد أجريت منذ سنة 1976 إلا أنها مازالت راهنة وتطرح قضايا تعاني منها الفلسفة الى اليوم وتقترح مقاربات ومخارج ممكنة للانتقال من الوضع المتأزم والاستفادة من الاكتشافات الكبيرة التي تقترحها العلوم الإنسانية.

الترجمة:

"يبدو أن الفلسفة" هذه الطريقة في التفكير التي تقع بين الدين والعلم" - كما يقول برتراند راسل - قد دخلت في أزمة أساسية، وهي الأخطر في تاريخها. لقد تم مهاجمتها من جميع الجوانب من مختلف التخصصات العلمية، وهي كانت قد رفضت المجالات التقليدية التى تم منحها لها من الإغريقيين. وهي بدورها تتحول إلى حقول بحثية جديدة: الأساس المتين للقدرة الكلية العلمية، دلالة التاريخ، والتفكير في السيميولوجيا والألسنية، والاستيطيقا ... لقد استجوبنا البروفيسور بول ريكور لكي نسأله عما إذا كان انحطاط الفلسفة من حيث هي مؤسسة سوف يتطابق مع انحطاط في العمق.

 

- يبدو أن الفلسفة في الراهن معزولة، منفصلة عن الاختصاصات الأخرى ...

بول ريكور: الواقعة حديثة نسبيا. في القرن الثامن عشر أصبحت الفلسفة جامعية. في القرن السابع عشر، لم يكن ديكارت ولا ليبنيز ولا سبينوزا أكاديميين. أعطت بعض الوظيفية للفلسفة إطارًا مؤسساتيًا، نوعًا من الوجود الاجتماعي. هذا يمكن أن يخفي، في بعض الأحيان، عدم وجودها. يتم تدريس الفلسفة بغض النظر عن ما يحدث. لا يتزامن مصير الفلسفة مع تعليم الفلسفة. لذلك أود أن أفصل بالكامل مصير الفلسفة عن مصير تدريسها.

 

- ما الذي تغير منذ وفاة هيجل، أخر فيلسوف نسقي كبير؟

بول ريكور: أعتقد أنها إمكانية إنشاء نسق. جمع هيجل كل ثقافتنا. وهذا يعني ليس فقط الفلسفات المختلفة للغاية مثل الفلسفات القديمة والوسطية والحديثة، ولكن أيضًا اللاّفلسفة. يبدو أن الفلسفة تجمعت لأول مرة في نفس النسق: الحق، الاستيطيقا، السياسة، الخبرة القانونية، إلخ. قدم لنا هيجل تراثنا بأكمله، ووضعه في شكل، وفكر فيه. والواقعتان المهيمنتان هما الآتيتان: (1) اليوم، لا أحد في أي حال من الأحوال يمضي قدما في هذا التجميع؛ 2. الميراث الذي جمعه هيجل قد ابتعد عنا. هذه الظاهرة الثانية هي الأكثر إثارة للإعجاب. نحن بعيدون تمامًا عن أفلاطون أو أرسطو أو حتى ديكارت أو كانط كما لو كانت ظواهر غريبة. هذا النوع من المسافة من جذورنا هو أصل ما أطلق عليه نيتشه "العدمية". يجب ألا نفكر في هذا المفهوم بعبارات عاطفية (مملكة المدمرين ...) ولكن كعملية تاريخية شاسعة بعيدة عن جذورنا الثقافية. بالنسبة للفلسفة، إنه قدر كبير بشكل خاص: نحن موجودون كفلاسفة فقط إلى الحد الذي نواصل فيه نوعًا معينًا من الأسئلة التي افتتحها الإغريق. ما تم القيام به في الصين والهند ليس فلسفة، إنها طريقة أخرى للتفكير. السؤال الذي يطرح نفسه لذلك بقدر ما ابتعدنا عن محتويات الفكر اليوناني. دخلنا بعد نيتشه في فترة يمكن أن يطلق عليها "نقدية".

نحن نشهد، كما يقول البعض، تفكيكًا لهذه الموروثات، التي يمر بها نيتشه نفسه أو ماركس أو كيركيجارد. ليس لدينا سوى أجزاء من التراث العظيم والتمارين النقدية حول الدلالات التي تبتعد عنا.

 

- هل يمكن أن نجد من ناحية أخرى التجميع الهيغلي لتراثنا، وهو مصدر للفلسفة؟ ما هي علاقة الفلسفة بالعلوم؟

بول ريكور: جميع الفلاسفة العظماء في الماضي كانوا مؤهلين في علم واحد، وفي الكثير من الأحيان في عدة مجالات: كان أفلاطون هندسيا، وديكارت عالم رياضيات، وهكذا لم تقتصر الفلسفة بالتالي على النقاش مع نفسها. في كثير من الأحيان، يتحدث الفلاسفة، اليوم، فقط مع فلاسفة آخرين.

 

- هل هناك اليوم، وخاصة في العلوم الإنسانية، مواجهة تسمح بإحياء الفلسفة؟

بول ريكور: أود أن أقول إن الفلسفة لا يمكنها البقاء إلا إذا احتفظت، من جهة، بذاكرة ما اختفى. لا توجد فلسفة بدون تاريخ الفلسفة. يجب، من ناحية أخرى، الحفاظ على النقاش مع علم أو مع علوم. العلوم الإنسانية هي محاورها المتميز: فهي الوحيدة التي يكون فيها الموضوع هو نفسه كما في الفلسفة. في علوم الطبيعة، الموضوع هو المغاير لنا (الأشياء، الحياة ...). والسؤال، الداخلي في العلوم الإنسانية، هو ما إذا كان بإمكانها أن تتعامل مع موضوعها مثل العلوم الطبيعية تمامًا. ربما هذه هي وظيفة الفلسفة في الصعود المستمر "لجسر" المنهج. إذا ذهبنا إلى أسفل جسر المنهج وأعدنا باستمرار العلوم الإنسانية إلى العلوم الطبيعية، في تلك اللحظة يتم نسيان الموضوع، يعني الإنسان. إذاً، لتذكير العلوم الإنسانية بموضوعها، أن تصعد جسر المنهج وفقًا لطلب كائنها، الإنسان، إنه الشغل الأساسي.

يبدو هذا الشغل، في بعض النواحي، وكأنه مهمة هيجلية، والتي وصفتها في وقت سابق بالتجميع. مثل العلوم الطبيعية، العلوم الإنسانية هي مجزأة (الألسنية، علم الاجتماع، التحليل النفسي..). إنها تعاني من قانون تقسيم العمل وانهيار جميع العلوم الأخرى. ثم هناك مشكلة ليس في تجميع النتائج أو المناهج فقط، ولكن مشكلة العودة إلى الأسس التي تسبق انفجار المناهج والنتائج. في اعتقادي، هذا هو مشكلة الأنثربولوجيا الفلسفية. أعتقد أن إحدى الطرق للقيام بذلك هي تجربة تمرين التجميع على مستوى الكلام. كلامنا هو أيضا كلام متفجر. إنه لواحد من طبيعة منطقية أو رياضية أو علمية؛ لكن لدينا أيضًا كلام للحياة اليومية، وكلام الشعار والدعاية، وكلام العمل السياسي، وكلام شعري، إلخ. أليست واحدة من مهام الفلسفة أن تحاول هذه الفلسفة العظيمة للكلام التي يفهم المرء فيها أنه باختصار نفس الإنسان الذي يتحدث؟

 

هل تريد التحدث عن كلام يمكن للمرء أن يسميه علميا أكثر سيميولوجيا؟

بول ريكور:  نعم، بالطبع.

لقد صدمت، بدراسة القواميس، لأرى أنه لا توجد طريقة للقيام بذلك. هل لدينا انطباع بأن الكلام يهرب في الوقت الحالي من المنهج العلمي؟

ربما لأن القاموس لا يعبر حتى الآن عن الثورات المنهجية التي حدثت في الألسنية. إنه ببساطة التمييز بين طريقتين لمعالجة الكلمة. قد يتساءل المرء عما يعنيه بلغة ما أو يحاول معرفة ماهية الأشياء التي يتم التحدث عنها. تمزج قواميسنا بين الأمرين. تتحدث عن الأشياء المسماة وتتحدث أيضًا عن مكان الكلمات في النسق المعجمي للكلام. قواميسنا هي نوع من التسوية بين، من ناحية، سيمونيطيقا حقيقية للكلمات، وهذا يعني إنشاء كلمة فيما يتعلق بجميع الكلمات الأخرى، دون الاهتمام بالأشياء نفسها. ومن ناحية أخرى، وصف الأشياء المطابقة. ربما لم نتمكن بعد من كتابة معجم سيكون معجما سيميولوجيا بحتا لأن المستخدمين لديهم طلب آخر. يريدون أيضًا أن يكونوا على اطلاع بالأشياء ؛ إنهم يريدون أن يكون القاموس عبارة عن موسوعة صغيرة، وملخص صغير للمعرفة حول الأشياء: ما هذا الشيء؟ ... لا: ماذا تعني هذه الكلمة؟

 

- هناك نوع من المعارضة. من ناحية، يقول لك الناس: الحياة، التي تخلق المعجم، أغنى بكثير من أي نظام يمكن تطبيقه على المفردات. من ناحية أخرى، يعتمد البعض على المنطق، على افتراض أنه يمكن للمرء أن يبدأ من كيان عام سيتم تقسيمه إلى كيانات أكثر فأكثر تحديدًا.

بول ريكور: أكثر ما يهتم به الفلاسفة هو العلاقة بين عمل الكلام العادي والكلام العلمي. لأن الكلام العادي لا يعمل وفقًا لمتطلبات الكلام العلمي، فهو يعمل إما بالتنقيص أو بالزيادة. إنه يفتقر إلى الدقة، ما يسمى الوحدانية، أي أنه لكلمة هناك معنى واحد فقط. ولكن على وجه التحديد، إذا كان الكلام كله أحادي المعنى، فلن نتمكن من استخدامه. لا يمكن أن يتم إلا التعامل مع أنواع معينة من المشاكل التي تتطلب هذه الوحدانية . لكن المحادثة العادية حول أشياء الحياة تفترض كلاما من المرونة غير العادية. الكلمة نفسها لها معان مختلفة حسب السياق. هي قدرتنا على تحقيق معنى كلمة مناسبة في سياق فن الكلام. أقول فنًا وليس علمًا على الإطلاق.

 

- ماذا سيكون دور الفلسفة فيما يتعلق بهذا المعيار؟

بول ريكور: أعتقد أنه سيضفي الشرعية على كل استخدام للكلام في بعض الوظائف المناسبة. سيُظهر شرعية، على سبيل المثال، الخطاب الشعري أو الخطاب العادي أو الخطاب العلمي فيما يتعلق بمشروع معين لاستخدام الكلام. كنت أتحدث إليكم في وقت سابق عن الكلام المتفجر. لقد كشف هذا التفكك عن الثراء الهائل للكلام والطريقة التي تستجيب بها بمرونة غير عادية للاحتياجات التي ربما لا يمكن تعدادها. هذا تعلمنا بشكل خاص من فيتجنشتاين في فلسفته الثانية. قال: "ألعاب اللغة هي أشكال من الحياة وهي لا تعد ولا تحصى، وهذا يعني، لا تحصى. ترى الجولة صغيرة جدًا نحو "الحنين الهيجلي" التي تستغرقها محادثتنا. بدلاً من الأسف على التأليفات العظيمة في الماضي، قد نضطر إلى رمي أنفسنا في التنوع الآن. لن يكون بالضرورة موت الفلسفة، ولكن طريقة أخرى في الفلسفة. سوف يولي اهتمامًا أكبر للاختلاف في استخدام الكلام وأيضًا للتنوع الهائل للتقدم البشري الذي يتم التعبير عنه في العلوم وكذلك في التقنية والشعر والسياسة وما إلى ذلك. باختصار، يجب علينا استعادة التنوع والاختلاف.

 

- إذا أردت، سننتقل إلى علاقة الفلسفة بالتاريخ. بعد اللقطة الألسنية، يمكننا دراسة الديناميات الزمنية فيما يتعلق بالفلسفة.

بول ريكور: أعتقد أن هذا مجال مهم للغاية. التاريخ، أيضًا، يخضع لما أسميته سابقًا ميل الأسلوب. يجب أن تكون التاريخ علميا أكثر فأكثر. يستخدم الإحصائيات، وفحص المستندات، وما إلى ذلك. محاولته هي خلق تاريخ موضوعي. مهمة الفلسفة هي أن تقول أن هذا لا يمكن أن ينجح بالكامل، لأننا نحن المؤرخون، للتاريخ الذي نرويه. في كل حقبة جديدة، نجد أنفسنا في علاقة أخرى، علاقة جديدة، مع الأحداث التي يرويها شهودها، مؤرخيها. هذه العلاقة مع ماضينا، التي تسبق تأريخ المؤرخ الحالي للوثائق، هي ما أطلق عليه بعض الفلاسفة التاريخ. لذلك هناك شرط تاريخي للوجود الإنساني يسبق المعرفة التاريخية. المشكلة الفلسفية هنا هي العلاقة بين الحالة التاريخية للإنسان والمعرفة التاريخية التي تصور كجهد لمعالجة التاريخ علميا وموضوعيا. خذ المشكلة التي تركناها في بداية هذه المقابلة. كانت بالضبط مشكلة الحالة التاريخية: ما هي درجة بعدنا عن جذورنا؟ هذا النوع من التباعد، هذا التموضع البعيد، هو دراما تقع، ليس على مستوى التاريخ التي نرويه، ولكن التاريخ التي نعيشه ونفعله.

 

- عندما تتحدث عن "الجذور"، هل تفكر فقط في مجرى التاريخ أو في العلاقات بين الدين والفلسفة؟

بول ريكور: عندما أفكر في "الجذور" أفكر في مورثنا اليوناني والمسيحي المزدوج أو الثلاثي. هل نحن قادرون على تحديث هذه الموروثات إلى أجل غير مسمى أم أنها قد جفت؟ هذا هو واحد من أكثر الأسئلة الأساسية في الزمن المعاصر. ويسمى "العدمية" الاعتقاد بأن الميراث قد جف، وأن قوتها الرمزية قد استنفدت. أنا من بين أولئك الذين يعتقدون أن مهمة الفلسفة هي تحديثها الموروثات، وأنه لم يتم فقدان أي شيء على الإطلاق.

الجهد سيكون مكلفا للغاية. إنها ليست مسألة تكرار، ولكن إعادة اختراع. هذا ما أسميه الهرمينوطيقا.

 

- ألا ينبغي أن يكون موضوع الفلسفة الأكاديمية "تفكيرًا في الأفكار والفئات" التي تستخدمها كل من الأنشطة العلمية والعملية (السياسية والاجتماعية والفنية وغيرها) ؛ بمعنى آخر، ألا ينبغي أن يكون ذلك تفكيرًا لأننا قد نسميها "درجة ثانية" أو "متعالٍ" في الأنشطة العلمية والعملية؟ بأي معنى يمكن أن يكون للفلسفة وظيفة اجتماعية؟

بول ريكور: هنا أيضًا، أعتقد أن الفلسفة لها مهمة أساسية. خذ السؤال السياسي. العلوم السياسية تفكر في مستوى متوسط. يفترض أن الإنسان متورط بالفعل في المؤسسات، وأن هذه المؤسسات لها تاريخ. مشكلة الفيلسوف هنا هي معرفة ماهية الدخول إلى مؤسسة. هل يمكن للإنسان أن يعيش خارج البيئة المؤسساتية؟ السؤال ليس نظريا على الإطلاق. هذه واحدة من القضايا الرئيسية التي لا تقل أهمية عن تلك التي ذكرتها سابقًا: وهنا مرة أخرى، يجب علينا أن نفحص الإرهاق المحتمل لموروثنا الثقافي. تأليف الحرية والمؤسسة قد انهارت. تبقى العديد من المؤسسات على قيد الحياة: إنها ميتة ومحرومة ومتروكة. انها تشتغل لذاتها. من ناحية أخرى، يسعى كثير من الناس إلى حريتهم خارج البيئة المؤسساتية تمامًا. هذا صحيح بالنسبة للزواج، كما ينطبق على العلاقة مع العالم الصناعي والتكنولوجي. أرى كم من الشباب، الفتيات الصغيرات، يحلمون بنوع من الحرية البرية. يمكن للحركة الإيكولوجية أن تساهم كثيرًا في إيجاد علاقة ما قبل المؤسسات بالأشياء، مع الحياة، والطبيعة. تتمثل إحدى الأفكار الأساسية، التي ستجعلنا نتفهم قليلاً من الجانب اللغوي في النقاش السابق، في تناول مشكلة الدخول إلى مؤسسة. كيف يمكن للإنسان أن يكون حراً دون أن يكون لديه ما أطلق عليه روسو على نحو مناسب "الحرية المدنية التي سيتبادلها مقابل حريته البرية"؟ كيف يمكن للمؤسسات أن تعكس حاجتنا للحرية؟ كيف يمكن تجنب ظهور أي مؤسسة الآن كإطار خارجي، كإطار يجب قبوله بالتوافق؟

 

- لكن لا أحد يبدو أنه يقترح بديلاً؟

بول ريكور: هذا يأتي أيضا من أن الأشخاص الموجودين في المكان ليس لديهم أي أغراض، ولم يعد لديهم مشروع. ما يدهشني هو أننا نعيش بدلاً من ذلك في مجتمع بلا مشروع والذي يدوم بالسرعة المكتسبة. المجتمع التكنولوجي هو مجتمع سرطاني، مثل النسيج الذي يتغذى من نفسه. نحن نوبخ الشباب على رغبتهم في التدمير وعدم اقتراحهم أي شيء. ينبغي القول، على العكس، إنه المجتمع الذي ليس لديه مشروع. مشروعه كله هو مواصلة نفس الشيء، وخاصة بالنسبة للمجتمع الصناعي. هذا واحد ليس له هدف آخر غير نموه. إن فكرة النمو بمعدل 4 أو 5٪ كل عام، بحيث تتضاعف كل 20 عامًا، ليست مشروعًا. هذا هو أيضا جزء من "العدمية". مثل هذا المجتمع لا يعيش على شيء. إن العدمي ليس هو الشخص الذي يتحدث عن العدمية، إنه هو الذي لا يتحدث عنها، الذي لا يعرف أنه في العدمية، ولا يعيش شيئًا!

 

- هل أزمة الفلسفة أزمة شاملة في الثقافة الغربية أم هي المحرك الذي سيدفع هذا النشاط الفلسفي نحو حل هذه الأزمة؟

بول ريكور: أنا لا أتفق مع العديد من الفلاسفة الشباب حول موت الفلسفة. على العكس من ذلك، أعتقد أن العدمية تتيح لنا أن نلاحظ بوضوح الفقر، والضيق الذي يعيشه هذا المجتمع الذي استنفد أغراضه، الذي استنفذ مُثُله العليا. لكن للاعتراف بذلك، إنه عمل من الأمل: إنه لحفر العديد من الأنسجة الميتة للانضمام إلى الأنسجة الحية. من لا يعرف أنه يتحرك في بيئة نخرية لا يحمل الأمل ؛ انه ببساطة يتمسك بالموجود. من ناحية أخرى، فإن القدرة على الحفر تحت الأنقاض وتحت الحطام هي فعل إيجابي. إن نيتشه، بإرادته إلى السلطة، الرجل الخارق والعودة الأبدية، ألا يقدم لنا حلاً، لا أعتقد ذلك. ما أعطانا إياه للتفكير هو ضرورة ربط العدمية بتجاوزها. إن مشكلتنا هي أن نجد في الحياة والفكر موارد التغلب على العدمية. هذا كل ما أخبرتك به أنني أفصل نفسي عن العديد من الفلاسفة الشباب المتشائمين الذين ما زالوا في العدمية. سأقول إن المورد الوحيد هو تجاوز المسافة الفاصلة لإعادة تنشيط الموروثات من الماضي. أؤمن إيمانيًا كبيرًا بإمكانية تجديد الموروثات القديمة للعصور القديمة، لأنه لا يمكن للمرء أن يكون له "مستقبلا" إذا لم يكن له "ماضيا". لا يمكننا أن نأمل إذا لم يكن لدينا ذاكرة. ولكن يجب علينا إعادة تشكيل ذاكرة، لم تعد تكرارية ولكنها إبداعية. هذا هو أحد أهداف الفلسفة.

 

هل يمكن القول أن الدين الحديث عانى من نفس الظاهرة: نوع من التبلور المؤسساتي؟

بول ريكور: نعم، لكن يجب أن يكون لديك رؤية عالمية أكثر بكثير. بقدر ما هي الفلسفة ظاهرة غربية، الكثير من الدين هو ظاهرة عالمية. سيكون من الضروري العثور على الأعماق القديمة الأسطورية والرد عليها مع إلياد لإثرائنا بالتقاليد الشرقية وإعادة التفكير في نفس الوقت في البوذية والمسيحية واليهودية والإسلام ... كما أنها واحدة من مهام الفلسفة استعادة كامل تراثنا الديني ثم الخروج من التقسيم ليس فقط المذهبي، ولكن حتى الطائفي.

 

- نعم، لأن سمات الأديان المختلفة، على سبيل المثال، ينظر إليها اليوم على أنها تتناقض مع الدين نفسه...

بول ريكور: نعم بالتأكيد. لكنني لا أعتقد أننا يجب أن نسأل الدين عن التماسك الواضح للعلم. يجب ألا نعامله كعلم، ولكن نحترم تنوعه الرمزي الكبير، الذي يوفر أقطاب تحديد هوية مختلفة تمامًا. حتى ضمن التقاليد المسيحية، فإن قطب تحديد الهوية الذي يمكن أن يمثل السيدة العذراء ليس هو نفسه قطب المسيح المنتصر في طبلات الكاتدرائيات. أعتقد أننا يجب أن نحافظ على هذا النوع من التناقض الرمزي ضد تحديد الهوية، يعني ضد الاختزال إلى المتطابق.

 

- هل ستذهب إلى أبعد من القول بأن تحويل الدين إلى نوع من الفلسفة سيكون خطأً كبيراً؟

بول ريكور: نعم. هناك، أنا قريب جدًا من فيتجنشتاين، لأننا يجب أن نحترم تنوع الألعاب اللغوية حتى يستعيد الجميع حقوقه. ربما في يوم من الأيام سيكون بمقدور هيجل الجديد أن يعيد التأليف، لكن عصرنا على العكس من تأليف الاختلاف، واحترام الاختلافات في أشكال الكلام، وأشكال الحياة. نأمل في هذا السماد. سيدفع زهرة ! كان خطؤنا هو الخلط بين الله وفلسفة مهيمنة. على هذا، أتفق بشدة مع نيتشه، عندما قال إن جعل الله مثاليًا، وحدة عليا، كان مصدر العدمية. لقد فعلنا شيئًا لا يقبل للتغيير، في حين أنه قد يكون من الضروري احترام الاختلاف الأولي للعبرية والقول اليوناني.. قد يكون هذا التأليف ميتًا ثقافيًا.

 

- هل يمكننا طرح السؤال عن مستقبل الفلسفة؟

بول ريكور: هذا هو المكان الذي أعود فيه إلى التمييز الذي قمت به سابقًا: مستقبل مؤسساتي أو مصير الفلسفة. في الواقع، تتعرض الفلسفة للتهديد إلى حد كبير في وجودها المؤسساتي بسبب عدم جدواها فيما يتعلق بالعلوم وحقيقة أن أشكال المعرفة الأخرى لم تعد في حاجة إليها. أود أن أقول إن الفلاسفة، بدلاً من اتهام الآخرين، ينبغي أن يتهموا أنفسهم بالتحدث إلى أنفسهم بدلاً من الاستماع إلى العلم. أما بالنسبة لمصير الفلسفة خارج المؤسسة، لأنها يمكن أن توجد خارج المؤسسة، فأنا أرفض أي نوع من النبوءة النيتشوية أو الهايدغرية أو نبوءة أخرى. يكفي أن يظهر فيلسوف عظيم حتى تكون جميع توقعاتنا خاطئة. هل يمكن للمرء أن يتوقع هيجل من القرن الثامن عشر؟ هناك خلق الفكر التي لا يمكن برمجته. هناك الكثير من الناس الذين يقومون بالفلسفة، ولكن القليل جدا من الفلاسفة العظماء. مهمتنا، في الفترة الفاصلة بين اثنين من الفلاسفة العظماء، هي الحفاظ على الذاكرة والعمل، وأود أن أقول، بأمانة وجدية، مع ما أطلق عليه نيتشه "الاستقامة الفكرية"."1

 

ترجمة: د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

...........................

مقابلة مع بول ريكور حول ما يسمى أزمة الفلسفة. نشرت في: فلسفة اليوم (مكتبة لفونت). لوزان - برشلونة: Editions Grammont-Salvat Editores، 1976. (II.A.314a)

الرابط:

 http://www.fondsricoeur.fr/uploads/medias/articles_pr/la-philosophie-aujourdhui.pdf

 

علي محمد اليوسفسانتيانا والفلسفة النقدية

جورج سانتيانا (1863- 1952) فيلسوف أمريكي من أصول أسبانية، أتسمت آراؤه الفلسفية النقدية بالاستغلاق العميق في تعبيره عن المعرفة والعقل والطبيعة والانسان والجوهر، ويشوب تفلسفه تعابير متطرفة وغريبة من حيث الغموض الذي يكتنفها كقوله (المعرفة هي وهم اليقين الحيواني).(1) وقوله أيضا: بأي معنى أنا موجود؟ الوجود لا ينتمي الى مجرد معطى، وأنا لست معطى لذاتي .

أنتظم سانتيانا مع فلاسفة النقدية سيلارز، رورتي، وسيرل، وآخرين عديدين في نقد آراء وليم جيمس في الذرائعية معتبرين (الاشياء ليست كما تقدمها التجارب لنا)(2) وهو الطعن المباشر العميق في النيل من فلسفة وليم جيمس تحديدا أكثر منها أستهداف بيرس وديوي، في تأكيد فلاسفة النقدية أن حقيقة الاشياء ليس نتيجة وثمرة التجربة، فالتجربة غير كافية لاستنتاج أهمية وصلاحية وصواب الافكار التطبيقية كما تذهب له ذرائعية وليم جيمس..

وفعلا فأن الاشياء في العالم الخارجي هي قطعا غير الاشياء المعبّر عنها بالتمّثلات الذهنية وتصورات العقل وأختبارها في مصانع التجريب التطبيقي..ودائما ما تكون التجارب وغيرها من وسائل التعبير عن الاشياء في وجودها المادي عاجزة عن أيفاء تلك الاشياء حقيقتها الماهوية، أن دلالة الاشياء في واقعيتها الحسّية قبل الادراك المعرفي لها هي أكثر غنى وحقيقية وأمتلاءا منها بعد تناولها في كل وسائل المعرفة الانسانية ومنها التجربة العلمية، ومثال ذلك هو الطبيعة في كل ما تحويه من مكونات في نسقها التنظيمي المعجز الذي تعجز عنه الوسائل المعرفية ليس في تقليد ذلك النظام وحسب وأنما في العجز عن مجاراته في الواقع الطبيعي للاشياء..وكما يقول سانتيانا عن هذه الحقيقة (أن يكون العقل عاجزا عن توجيه الطبيعة، فذلك نابع من تطور العقل بالذات كظاهرة مضافة على الطبيعة).

كما وصف فلاسفة النقدية (الادراك بأنه خلاص وليس قبضة) (3)، أي أنهم أرادوا أن يكون الادراك الفكري التمّثلي للاشياء، أي معرفة مضمونها كموضوع هي رفع حمولة وتحرير الادراك من أسر وقبضة موضوعه.. والادراك المعرفي لموضوعه ليس أكتشاف فكري – عقلي (قبضة) متحصّلة بل هو تحرير للفكروتحرير الموضوع من حمولته في سطوة وهيمنة الادراك العقلي ..

وشكك فلاسفة الواقعية النقدية بأن تكون التمّثلات تشي عن معرفة جوهر المدرك (الموضوع) في مقولتهم (كيف يكون الموضوع المعروف جوهرا لشيء غير معروف ؟).(4) وفي هذا التشكيك نستشّف الاقرار الواضح أن معرفة موضوع ما لا يعني أدراك جوهره الحقيقي ولا يصح الاستدلال به في معرفة جواهر مواضيع أخرى غيره... الموضوع المعروف لا يكون جوهرا لذاته ولا جوهرا لشيء غير معروف، بعبارة ثانية الافصاحات المعرفية حول جوهر الموضوع ليست كافية أن تمنح الاشياء المواضيع جواهرها الاخرى غير المعروفة .

كما طرحت الفلسفة النقدية جملة من التساؤلات التي أرادت من خلالها وضع الفلسفة الذرائعية في زاوية حرجة مثل (لا يوجد أطلاقا حقيقة عقلية لشيء بذاته، فالجوهر الموضوع هو الجوهر الكلي للموضوع ).(5)

وهذا تعبير فلسفي سليم من حيث أن حقيقة الوجود المادي لشيء أو اشياء لا تنقسم قسمة أبتذالية على ذاتها الى صفات ظاهرية كلية وعلاقات فيزيائية من جهة يمكن أدراكها بمعزل عما يمكن أن تحمله وتحويه من جواهر لا تدرك حسيا خفيّة مستترة خلف الصفات الكليّة للاشياء من جهة أخرى..

وجوهر الشيء لا يدرك حسّيا مباشرا كما لايدرك كموضوع غير مادي (خياليا) من الذاكرة في تمّثلات الذهن له..ولا يعني عدم الادراك المباشر له الجزم القاطع أن الجواهر غير موجودة في حال أدراكنا كليّات الاشياء في صفاتها الظاهرة.. فقد تكون معرفة الكليات هي معرفة أستبطانية حدسية في معرفة جوهر الشيء المدرك في كليته، وقد يكون الأمر ليس كذلك فادراك الكليات كاف لمعرفتها من دون جواهر تختزنها في ذاتها، أذ لا تكون الكليّات في غالبية الاشياء بمعنى آو آخر هي أدراك عرضي في معرفة جواهرها.. وهو ما تذهب له الفلسفات التي تنكر وجود الجواهر في ما يسمى الشيء بذاته وينكرون وجود شيء في ذاته، وأن معرفة الكليّات يغني عن لا جدوى البحث عن الجوهر ومعرفة الكليّات المادية حسّيا، ومعرفة كليات الاشياء المدركة هو كاف لمعرفة حقيقة الشيء وهذا ما تأخذ به الفلسفات المادية منها المادية الديالكتيكية الماركسية..

عبارة الفلسفة النقدية المار ذكرها تنكر وجود حقيقة عقلية لشيء في ذاته أطلاقا كما مرّ بنا، ولا يصبح من السهل معنا الجزم بصحة هذه المقولة، كونها مشروطة بتحفظ أن عدم أمكانية وقدرات العقل الوصول الى الاشياء بذاتها في جواهرها ليس كافيا أن يمنحنا القطع الجازم بعدم وجودها وعدم حاجة التفتيش عن أشياء لا يدركها العقل حسيا ظاهراتيا، فما لا يدركه العقل غير موجود هي مقولة مثالية تحتاج الى برهان وألا تكون سذاجة في التعبير لا معنى لها..

كما أن معرفة الكليات عند الفلاسفة النقديين تمثل تفويضا تعويضيا مقبولا في عجز العقل أمكانية فهم الاشياء بذاتها، لذا يكون معرفة الكليّات الصفاتية الفيزيائية التكوينية للاشياء هو معرفة الجواهر، وهي وجهة نظر لا ميتافيزيقية ولا مثالية بل تأخذ بها الفلسفات المادية كما كنا أشرنا له سابقا.. رغم أنها وجهة نظر تحمل علامة أستفهامها معها بأن معرفة كليات الاشياء وعلاقاتها التكوينية الداخلية والخارجية منها لا يعني القطع الجازم بعدم وجود شيء يحمل جوهرا ماهويا الذي هو الشيء بذاته..

حين ننتقل الى سيلارز وهو من أقطاب الفلسفة النقدية نجده يعبّر عن هذه الاشكالية الفلسفية بفجاجة تلغي معنا المناقشة الجدية لها، يقول سيلارز ( غير متاح لنا أمكانية بلوغ الجواهر الخاصة الخاضعة لأدراك الحواس)(6) غريبة أن يكون الجوهرموضوعا غير مدرك من الحواس ولا نقّر لا أمكانية أن يدرك الجوهر من العقل!! وهو لغز عصّي على العقل كما مر بنا؟؟ الجوهر ماهية ذاتية لا تدرك لا من الحواس ولا من العقل.

الجواهر ليست ماهيات يمكن أن تكون خاضعة لأدراك الحواس وألا لما كان هناك معنا سببا وجيها يقودنا التسليم بآراء فلاسفة لا يستهان بهم تأكيدهم أن الوجود بذاته هو ماهية وجوهرلا يمكن ولا بمستطاع العقل أدراكهما في وحدتهما المتداخلة، هذا على الاقل ماكان كانط دعا له وأيّده من بعده كلا من هيجل وماركس وهوسرل وهيدجر وسارتر ما ألجأهم جميعا أنكار شيء يتوجب معرفته أسمه الوجود (بذاته).. أن الوجود بذاته ليس عدما ولكنه ماهية جوهرية لا يدركها العقل والقول بعدم وجودها مسألة لم تستوف الحسم القاطع..

أن ما تدركه الحواس أحدى منظومات العقل الادراكية هو كليّات الاشياء الخارجية في تمظهراتها الحسّية فقط، ولو شئنا التوضيح أكثر في مراجعة مقولة سيلارز لوجدنا الامر معكوسا عما قال به، فأمكانية معرفة الوصول لأدركات كليّات الاشياء التي هي الصفات الفيزيائية والعلاقات الخارجية تكون أكثر جدوى متاحة لنا وميّسرة من البحث عن جواهرلا تخضع لأدراك الحواس، فجواهر الاشياء الخاصة التي هي ماهيات مدّخرة في الاشياء بذاتها التي لا يمكن أدراكها وبلوغها بالحواس،  هي ليست موضوعات يمكن أدراكها حسّيا كما في أدراك كليات الاشياء، فالجوهر ليس موضوعا ماديا تدركه الحواس ولا تدركه منظومات الادراك العقلية مثل الوعي والجهاز العصبي والذهن..الجوهر هو ليس عدما لكنه حدس العقل الماثل في أمكانية وجوده وفي أحتمال وعجز العقل عن أدراكه..

كما يطرح سيلارز مقولة فلسفية أخرى (أنه من حيث المبدأ يكون موضوع المعرفة – وفي آن واحد - وجودا عقليا، ووجودا- خارج – العقل)(7) تعبير سيلارز هذا هو الوضع الطبيعي المقبول لموضوع المعرفة الذي يجب أن يكون واقعيا مستقلا في عالم الاشياء المادية كوجود قائم بذاته سواء أكان موضوعا ماديا أو مجموعة علاقات فيزيائية تمثل صفاته الخارجية المدركة، وفي نفس الوقت يكون موضوع المعرفة هو وجود خارج العقل، فالعقل بهذا المعنى لا يدرك سوى المواضيع المنفصلة عنه، حتى أدراكات العقل لمواضيع الخيال التي مصدرها الذاكرة أنما هي مواضيع منفصلة عن العقل وليست جوهرا متداخلا عضويا معه في أدراكه لها ومعرفتها، والاختلاف في عبارة سيلارز هو أختلاف في لغة التعبير الفلسفي وليس أختلاف في (المعنى)... قوله أن موضوع المعرفة وجود عقلي في نفس وقت أنه وجود خارج العقل.. فهو وجود مادي مستقل من جهة، وموضوعا لادراك العقل من جهة اخرى وفي كلتا الحالتين يبقى موضوع المعرفة قائما في أنفصاله عن العقل.. موضوع المعرفة هو مادة تفكير العقل به لكنه لا يمّثل كل مقولات العقل..

ولا أهمية لموضوع المعرفة في وجوده الانطولوجي مالم يكن مدركا عقليا داخل تمّثلات العقل، ومواضيع المعرفة هي وجودات مادية أو علائقية خارج العقل منفصلة عنه، وألا كانت في موضع أستحالة أدراكية.. وهذا لا يتماشى مع رأي بعض الفلاسفة أعتبارهم الذات والموضوع شيء واحد لا يمكن الفصل بينهما..فوعي الذات هو في المغايرة الادراكية لموضوعه وليس في التطابق التام معه.

كما أن موضوع المعرفة في الوقت الذي يكون فيه ماديا مستقلا أو خياليا مستمدا من الذاكرة فهو خارج العقل في كل الحالات وألا أستحال أدراكه عقليا، وليس موضوع المعرفة الخيالي جزءا عضويا من تكوينات العقل بل هو موضوع معرفي للعقل ومادة تفكيره .. خلافا مع حال الاحساسات أو الوعي فهذه تكوينات لمنظومة عقلية عضوية وظيفية في تداخلها مع العقل وليست مواضيع أدراكات عقلية له.

وبهذه الضرورة الادراكية المتعالقة يكون موضوع المعرفة عقليا على الدوام. وموضوعات المعرفة لا يدركها العقل الا بأشتراط أن يكون أدراكه لها قصديا بمعنى وهدف يراد بلوغه والوصول أليه، وألا كانت موضوعات المعرفة لا أهمية حقيقية لها، فمواضيع المعرفة هي وجود عقلي قبل وجودها الذاتي الحسّي المستقل لذا فارتباطها بالعقل لا يكون مسوّغا ألا بأدراكية قصدية معرفية هادفة.

الواقعية النقدية والمنهج الطبيعي

أرتبط المذهب الطبيعي في الفلسفة الامريكية ب (سانتيانا) الذي (هو نمط الفلسفة التي لا تقبل بأية حقيقة مطلقة سوى الطبيعة فقط، وتعتبرالطبيعة مبدأ كل وجود وكل معقولية وكل قيمة)(7) كما ويرفض المنهج الطبيعي الثنائيات مثل: عقل – طبيعة/ روح – مادة، معتبرين الثنائيات عقلية وليست فعلية، ذلك أنه (يطبعن) الانسان العقلاني، ويروحن المادة، والعقل لا يناقض الطبيعة، فالعقل موجود في الطبيعة )(8)

عرض وتحليل المنهج الطبيعي

بضوء العبارات السابقة تكون كل ثنائيات الوجود هي وحدة أدراكية واحدة ولا فرق بين أحد قطبيها في نفي الاخر بل في التعايش معه والاقتران الضروري به، ولا معنى لأحدهما بغياب حضور الآخر، الثنائية بعد أدراك أحد قطبيها يكون حضورالغائب الثاني معياريا تضادا، ولا تتّعين الثنائية الا بعد أمكانية تعيّنها وجودا مدركا كموضوع أو على الاقل مقاربة حضورها كحدس قابل التحقق في الادراك...

والطبيعة لا يمكنها أن (تطبعن) الانسان العقلاني من دون أرادته وقرار مسّبق منه أنه جزء من الطبيعة متمايز عنها ويعلو عليها ولكنها لا تعلو عليه ولا تتبعه، الطبيعة ليست تابعا للانسان ألا بمقدار تبعيته هو لها.. والانسان لا يعقلن الطبيعة قبل طبعنتها له أولا.. أنسنة الطبيعة وعقلنتها لاحق على طبعنة الطبيعة للانسان.. الانسان وجد نفسه في الطبيعة مرضعته قبل تفكيره تطويع الطبيعة لحاجاته ورغائبه..

وكل مكتسب يحققه الانسان العقلي مصدره الطبيعة يكون من صنع الانسان العقلي وليس من صنع الطبيعة، الطبيعة لا تصنع الانسان في وقت هو يحاول تصنيعها، كما أن الانسان العقلي لا يناقض الطبيعة لأنه بحاجة ماسّة لمعرفة حقيقتها وحل الغازها والاستفادة منها، والعقل موجود في الطبيعة ليس بمعناه البيولوجي العضوي كجزء منها متداخل بها ومتمايز عنها.. والانسان العقلي موجود بالطبيعة في صورة تابع لفهم تنظيمها المعجز وليس دليلا من أجل أعادة تنظيمها المتقن بما لا يقوى الانسان مجاراته.

ولا يتساوى العقل الانساني والطبيعة من حيث أنهما معطيان متلازمان لا يفترقان، فالطبيعة وجود ألهامي ومعطى ميتافيزيقي لا يحتاج الى أثبات وجود من الانسان العقلي الذي تربطه بالطبيعة علاقة عضوية كسبب ونتيجة في تخارجهما المشترك.. والعقل معطى طبيعي للانسان قبل أن يكون معطى تعالقي بالطبيعة.

الطبيعة كيان مادي مقولة قارة لا تحتاج البرهنة على صدقيتها، الا أنها – أي الطبيعة – خارج الآلية المادية التي تحكم موجوداتها ومكوناتها، فالطبيعة نظام كلّي وليس نظاما تجزيئيا، على شكل قطوعات ومدركات لا ينتظمها نسق متكامل من الكلية الطبيعية في نظامها وقوانينها العامة، أنها بتعبير سانتيانا (الطبيعة هي المجموع الكلي لشروطها الخاصة )(9)، أي شروط خصائصها الذاتية في نظامها وفي قوانينها التي من غيرها لا تكون بمواصفاتها التي ندركها كحقيقة ثابتة..

مادية الطبيعة ليست حقيقة مكتسبة يمنحها الانسان العقلي لها وأنما هي مادية كمعطى يحاكم الانسان وجوده المادي بضوئها وفي أقترانه بها، مادية الطبيعة معطى متعال على الطبيعة الميتافيزيقية ذاتها وكذلك على الانسان العقلي الميتافيزيقي، ولا يمكننا فهم الطبيعة على حقيقتها علميا فقط من حيث أن نظام الطبيعة المتماسك لا يخضع دوما لتجارب العلم قبل عجز العلم أحتواء قوانين الطبيعة بكل مكوناتها الملغزة.. ومعرفة الطبيعة بمعنى أدراك حقيقتها فهما علميا لا يمكن تحديده في أكتشاف قوانينها العامة وأنما في محاولة معرفتها كوجود مادي غير عاقل يجعل من الانسان العقلي تابعا لها.. وما تدركه عقولنا من الطبيعة ليس أكثر مما تعطيه لنا مدركاتنا العقلية القاصرة عنها، ، حدود معرفتنا الطبيعة هي حدود مدركاتنا القاصرة عن فهمها..وهنا يكون عالمنا الحقيقي الذي نعيشه.

سانتيانا والطبيعة

يقول سانتيانا (كما هي الروح بالنسبة للجسد كذلك هو العقل بالنسبة للطبيعة، الذي هو كمالها الثاني.)(10)

كمال الطبيعة الاول هو بما أكتسبته الطبيعة ما ورائيا ميتافيزيقيا - روحيا من نظام وقوانين عامة، أي بتعبير ميتافيزيقي ديني (الله) هو الذي أكسبها هذا النظام العجيب الذي يقف أمامه العقل الانساني لا يقوى على التفكير في معرفة السبب ولا كيف ومتى.. والكمال الثاني هو الذي أكتسبه الانسان العقلي من الطبيعة ولم تكتسبه هي منه.. أن الطبيعة تفرض على العقل الانساني كمالها المنتظم بلا حدود لا يدركها العقل ولا قدرة الأحاطة والألمام بها...ويعبّر سانتيانا عن هذا أن يكون العقل عاجزا عن توجيه الطبيعة فذلك نابع من تطور العقل بالذات كظاهرة مضافة على الطبيعة.

الطبيعة لم تكن يوما أفرازا بيولوجيا أو ولادة قيصرية تلدها الحياة التي هي ناتج الطبيعة ولم تكن الطبيعة ناتج الحياة، فالحياة والانسان هما توأم المولود قيصريا من الطبيعة الأم.. والطبيعة أشمل من الحياة في كل المقاييس فاذا ما كانت الحياة بالنسبة للانسان فضاءا لا يحد فأن الطبيعة بالنسبة للانسان والحياة فضاء لا يمكن أدراكه.. ألا أذا أعتبرنا الطبيعة كينونة مادية مخترقة ميتافيزيقيا بالصميم من قبل الحياة أي من الانسان...الحياة نظام مصنوع أنسانيا، والطبيعة نظام مصنوع ألهيا..

وفهمنا للحياة أنها فائض معنى في تداخلها مع الطبيعة ولا يمكنها مجاراتها ولا حتى التمرد عليها، فالطبيعة سر الحياة ولا وجود لحياة أنسانية لا تلوذ بالطبيعة كملجأ آمن لها... الطبيعة هي علة الحياة وفهمنا لها والتعايش الضروري معها هو لا يشكل أضافة للطبيعة بمقدار ما يشكل وجودا ما هويا للانسان العقلي في ألأخذ منها على الدوام....وعقلنة الانسان للطبيعة هو أضافة لها قبل أن تكون مكسبا انسانيا على حسابها..

الفكر ومضمونه في الفلسفة النقدية

يطرح فلاسفة الطبيعة ومنهم سانتيانا سؤالا على جانب من الاهمية والوجاهة ( كيف يمكن للفكر أن يخلص من مضمونه؟)(11)..،

الفكر هو حمولة مضمونه والوعي القصدي به، والفكر بلا مضمون هو وعي زائف غير متحقق، والفكر في حمولة مضمونه (الموضوع) هو ألزام العقل الاستجابة له في تناوله كموضوع..أن تحوّل المضمون الفكري الى تكوينات وتمّثلات علائقية أدراكية في الذهن يزيح عن كاهل الفكر حمولته ويجرده منها، ، لذا تكون مسؤولية الفكر تجاه موضوعه هي ألزام عقلي له يحرر الفكر من حمولته..

والسؤال هل يستطيع الفكر أن يمنح الاشياء ماهياتها أو جواهرها؟

الفكر في حقيقته طاريء على الماهية والجوهر من حيث أن الفكر وسيلة معرفية من وسائل العقل الادراكية، وتبقى حمولة الفكر لمضمونه حمولة وظيفية يراد أيصالها وأيداعها العقل، والفكر في تعالقه مع العقل داخل المنظومة الادراكية العقلية التي تبدأ بالحواس...، والفكر ليس كيانا مستقلا ولا موضوعا يمكن أدراكه من غير الاستدلال على وظيفته المعرفية في تنفيذ تعبيرات العقل الفكرية اللغوية عن الاشياء من خلال الوعي والفكر..

الفكر جوهر عقلي لا وجود له من دون العقل. ومن المتعذر جدا الجزم الكامل أن حمولة الفكر هي (ماهيات ) جرى تصنيعها في مصنع الحيوية العقلية.. فالعقل يعجز عن صناعة الماهيات التي هي معطى وتكوينات تدخل جوهر الاشياء بما هي خصائص تكوينية قابلة للنمو والصيرورة الدائمة.. فالماهية تشكيل دائمي مستمر وليس وجودا ماديا يمكن التعامل معه حسّيا أدراكيا كموضوع معرفي..

الماهية جوهرغير منظور مستقل والفكر وسيلة أدراك وظيفية عقلية.. ولا يمكن للفكر صناعة ماهيات الاشياء التي لا يستطيعها العقل أيضا، فالماهية وجود بذاته وهي جوهر داخلي مكمّلا كينونة وجود الشيء.. والفكر والعقل كلاهما لا يفهم من الماهيات ومعرفتها أكثر مما يعطيهما الموجود الكلي لهما..

وأكثر من هذا مما لا يدركه العقل ويعجز معرفته يكون هو الماهيات وجواهر الاشياء التي لا يمكن للعقل تصنيعها في أمتلاكه معرفة الصفات الكليّة في موجوداتها..الماهية أو الجوهر وجود مادي يكتسب ماديته من كونه جزءا عضويا ملازما لكل موجود مادي في الطبيعة وبالخصوص الانسان وعالم الانسان والحياة..لذا تكون الماهية عجزا عقليا أدراكها لأن الماهية ليست موضوعا للادراك العقلي..

يعبّر سانتيانا عن مقاربة هذا المعنى قوله ( أن نظام الماهية محايد من حيث تعريفه، ولأنه يضم كل شيء، الى ما لا نهاية فليس له سلطة على العالم الموجود وليس بمقدوره أن يحدد طبيعة الصفات التي تظهر في الحوادث ولا نظام ظهورها .(12) – أحيل القاريء الى مبحثي المنشور على موقع المثقف بعنوان (هوسرل وماهية الانسان)، فقد وضّحت فيه معنى الماهية بما يغني من تكراره هنا بما لا يحتمله الموضوع......يتبع

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...........................

الهوامش

1- الفلسفة الامريكية، جيرار ديلودال، ت: د. جورج كتورة، د. الهام الشعراني ص 147

2- المصدر اعلاه ص 148

3- المصدر اعلاه ص 150

4- المصدر اعلاه ص 152

5- المصدر اعلاه ص 154

6- المصدر اعلاه ص 159

7- المصدر اعلاه ص 161

8- المصدر اعلاح ص 163

9- المصدر اعلاه ص 166

10- المصدر اعلاه ص 167

11- المصدر اعلاه ص 169

12- المصدر اعلاه ص 170