صباح الحاج مفتنالتنظيم في نظر اليوناني هو العلاقة التي تُمَيِّز الحقيقة؛ إذ كانت أبرز الاعتقادات في ذهنه هي تفضيل المحدود على اللامحدود، والثبات على التغيُّر، ومن هنا كانت الأسئلة التي تناولها فلاسفة ملطية هي البحث عن النظام الذي يبدو في الظاهر حدثاً عشوائياً، وهو نظام موجود في الطبيعة منذ أقْدَم العصور، من قبيل التغيّرات المنتظمة في تَعاقُب الليل والنهار، ودورة الفصول، ولكنّها لَم تُفْهَم لأوّل مَرَّة إلاّ في ضوء تفسير خيالي خارج إطار الطبيعة: الأجرام السماوية آلهة، وقوى الطبيعة أرواح صَنَعَها الإنسان على صُوْرَتِهِ ووفقاً لإرادته في البقاء.

أعادَ فلاسفة ملطية هذا البحث بشكل مختلف ساعدهم في بلورة فكرة الأصل التي جاءت منها الأشياء، فبَحثَوا عن الطريق الذي يسير من الأصل ويرتبط بالعالَم الحاضر، أي خروج عنصر من عنصر، تماماً كما صَوَّرَ هوميروس وهزيود عالَم الآلهة في تنظيم جامع حسب السابق والتالي، وهي فكرة تتضمَّن مسائل النظام والمبدأ والأصل، فنظرَ الملطيون إلى العالَم على أنّه جسم مُحدَّد ومنظَّم: "نظَرَ فلاسفة ملطية للأشياء نظرة جامعة تدل على فكرة "الكل" التي أدّت إلى إظهار مفهوم أكثر وضوحاً هو مفهوم النظام الكوني؛ إذ استعمَلَوا كلمة cosmos للتعبير عنه". هذه الكلمة تعني "الأوّلي" في المجتمع اليوناني القديم؛ لذا كان وَصْف الأيونيين للعالَم بلغة الترتيب القبلي الذي كان يُعبِّر تركيبه عن وحدات قائمة داخل شبكة معقدة من القوى المتضادّة.

كان اعتقاد اليونانيين بأنَّ العالَم موجود منذ الأبد، لكنَّه كان على هيئة فوضى، ثُمَّ دخل عليه النظام، أي كان الخواء الذي لا هيئة له لكنّه في الوقت نفسه الواحد الثابت الذي تطوَّرَت منه الكثرة الحاضرة، ومن هذا المعنى ظَهَر على سبيل المثال مفهوم اللامحدود مع أنكسماندر بوصفه تطوّراً مباشراً، وعند تناوِل اليونان مسألة نظام العالَم سيَظْهَر سؤال الأصل بَعْدَ سؤال المبدأ؛ لأنَّ النظام يُوجَد في أصل الأشياء، والمبدأ هو مادَّتها أو جوهرها، فانتهى فلاسفة أيونيا إلى إسقاط نظام الطبيعة وفكرة أنساب الآلهة على العالَم الخارجي بصورة عقلانية؛ فمن خلال العثور على مبادئ الأشياء وتحديد أُصولها يستطيع الفيلسوف تحويل فوضى الأشياء إلى نظام، وهذا يعني أنَّه تطبيق نظري عن التنظيم الأمثل لنظام الحُكم داخل حدود المُدُن اليونانية، فهو سعي لإيجاد نظام كوني نابع من ضرورة اجتماعية.

"أسقط الأيونيين على عالَم الطبيعة تَصوّراً عقلانياً دمَجوا فيه صورة الكون بإطار مُنَظَّم وفقاً لنماذج أكثر هندسية". ويرى فرانكفورت: "إنَّ المبدأ الأول مع الأيونيين يُشتَرَط فيه الفهم، ومن فرضيةٍ أنَّ الكون "كل" قابل للفهم تدرَّجَوا في ملاحظاتهم على شكلِ سُلَّمٍ تنظيميٍّ تصاعديٍّ، بدءاً من معضلات بسيطة، ثُمَّ إلى ظواهر فلكية، وبالتالي نشوء الكون".

لَم تسأل الأسطورة اليونانية: كيف ظَهر العالَم المنظَّم من السديم؟ بل تسأل: مَن هو الإله السيد الذي يمتلك القيادة؟ وبهذا تكون وظيفة الأسطورة تمييز بين ما هو أوّل زمنياً وما هو أول سلطوياً، في حين أعطى أنكسماندر عند تبنِّيه لهذا المفهوم معنىً فلسفياً لأوَّل مَرَّة حين عَبَّرَ عن توحيد ما تفصله الأسطورة بين الذي تكوَّنَت منه الأشياء وبين مَن يسيطر على الكون ويحكمه، ومن هنا يصبح مفهوم القيادة مع أنكسماندر انتقال إلى مفهوم المبدأ الأول والأصل الأول الفلسفي:

لَم تكن القوى اللاهوتية تمتلك القيادة، بل كان زيوس هو الذي يمارِس القيادة والمَلَكية على العالَم، ومع طاليس وأنكسمانس أصبح البحث الفلسفي يُمثِّل مرحلة انتقالية، فهو مُوَجَّه نحو أصل مادّي للعالَم ونظامه، بدَل الامتثال إلى الآلهة وهيمنتها، بينما يَرى أنكسماندر أنَّ اللامحدود لا يخضع إلى ثَمَّة قيادة، وإنّما هو قيادة بالنسبة للكل؛ لأنّه الموجود الدائم الذي يَحْكم كلّ شيء.

وبدلاً من التفكير الأسطوري الذي يُصَوُّر الكون عن طريق تراتب القدرات وهرمية علاقات القوة، اكتشَفَ الأيونيون الصورة الهندسية للكون، وهي مقدّمة التفكير العقلاني، والصورة العقلانية للنظام الكوني، فظَهرَ المفهوم الرياضي بوصفه بحثاً جديداً في العالَم المرئي على الرغم من أنَّه لَم يكن ابتكاراً يونانياً خالصاً؛ إذ كان استخداماً تطبيقياً بنوع من المهارة وليس استخداماً نظرياً؛ ومع طاليس تَحدَّدَ طابعه الخاص حين برهن أنَّ الدائرة تُشْطَر بقِطْرها إلى نصفين، وتبدأ بالاتجاه الذي بدَءَ البرهان الرياضي يتَّجِه إليه؛ فكان تفكير طاليس بالهندسة تفكيراً منطقياً وعقلانياً، كما في تَصوِّره للمثلث قائم الزاوية استناداً إلى الملاحظة الجزئية والتفكير المنطقي، فوَضَع قاعدة هندسية تقول: في المثلث قائم الزاوية يكون مُربَّع الوَتَر يساوي مجموع مُرَبَّعَي الضلعَيْن، واستنبَطَ منها قياس الهَرَم بناءً على قياس ظِلِّه ومقارنته بظِلِّ العصا، كما بنا عليها قياس مسافة السفن في عرض البحر، فإنَّ أوَّل خاصّية للكون هي إمكانية إدراكه في نظرة شمولية؛ فكل ما هو مُنَظََّم له شَكل معيَّن وحدود، فبَعْدَ أنْ كان الاعتقاد ما قبل الفلسفة أنَّ الكون على هيئة نصف دائرة ثابتة، أكمل طاليس نصف الدائرة الآخر، وهكذا أصبحَ الكون كرة كاملة بداخلها كل شيء نعْرفه:

اسْتقرَّت هذه الأبحاث مع الأيونيين بسبب مظهرها الهندسي، فبَنَو نماذج آلية للكون أدَّت إلى بروز شَكل آخر من الفكر، ونظام للتفسير يختلف كليَّاً عن المعتقدات الأُسطورية؛ فصنَع أنكسماندر كرة وضَعَها وسط الكون وعلى مسافة متساوية من نقاط الدائرة السماوية، فحَدَّدَ بذلك موقع الكون في حَيِّز رياضي هندسي أخفى فيه التراتب الطبقي الأُسطوري للعالَم، وستبقى الأرض على وضعها بسبب تساوي المسافات، فلا يمكن لأي عنصر أنْ يهيمن على الآخر. وهكذا فالمساواة والتناظر بين مختلَف القوى المُشَكِّلَة للكون هما مَن يُميِّز النظام الجديد للطبيعة، وأدّى ذلك إلى ظهور الحكم الديمقراطي مُمَثِّلاً لكافَّة الطبقات بشكل متساوٍ. ومن هنا يبدو قول أنكسماندر باللامحدود لأنّه مصدر لا ينضب يتغذَّى منهُ الجميع بالتساوي، فالسلطة الفردية التي تقيم النظام في المعتقدات الأسطورية ستبدو مع أنكسماندر مُدَمِّرة للنظام؛ ذلك أنَّ الدورة المنتظمة في الكون تنقل التفوُّق من قوى إلى أخرى بالتعاقب، وتُقِيْم الصِلَة بين حَدَّيْنِ متناظرَين ومتعاكسَيْن: السيطرة والخضوع، القوة والضعف، الولادة والموت، وفي ظِلِّ ذلك تجتمع القوى الأولية وتتوافق بناءً لتوازن منتظم، لتشكِّل كوناً واحداً على الرغم من تَعدُّدها وتنوُّعها. وهكذا أُسقِطَت فكرة توازن الكون ووحدته وانتظامه على فكرة أنَّ الكل واحد، ممّا يوضِّح الصورة العقلانية للنظام الكوني. وبَعْدَ أنْ أخذ مفهوم القيادة يتحدَّد بمعناه الاجتماعي، أخذَت هذه الصورة تفرض نفسها حتّى على الفكر الطِبِّي، فأصبحَت الصحَّة توازن السلطات: الرطوبة والجفاف- البرودة والحرارة- المرارة والحلاوة، وعلى العكس ينجم المرض عن السيطرة المنفردة لعنصر مُعيَّن على العناصر الأخرى، فالحيِّز الاجتماعي الجديد هو المركز، فلم تَعُد السلطة والقيادة والقدرة تقع في القِمَّة، وإنّما المركز هو الذي يُقَيِّم ويَستند عليه خلاص المدينة، حتّى تحوَّلَت المجتمعات اليونانية إلى وحدات سياسية مترابطة، يجمعهم مجلس يضم عامَّة كبار الشعب. وبالتالي يمكن أنْ نَعد فكرة النظام سبباً جوهرياً في تكوِّن العديد من المفاهيم الفلسفية؛ لأنَّ المفاهيم بحاجة إلى مصادر وآليات منتظمة.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

علي محمد اليوسفتعريف: عن كانط قوله: (الجوهر هو دوام الواقعي في الزمان، فهو يدوم – الجوهر- حيث يتبدل الباقي – المظهر الخارجي – فالزمان ثابت ودائم كمناسب لشيء ثابت في الوجود هو الجوهر، والزمان والمكان كلاهما حدسان سابقان على وجود الاشياء في العالم الخارجي)1، الكلمات التوضيحية بين شارحتين اضافة من كاتب المقال.

الثبات في الوجود

في الاقتباس السابق نجد كانط في مثالية واضحة أراد أن تكون محسنّة عن مثالية بيركلي الذاتية الساذجة، يعتبردوام ثبات الشيء في العالم الواقعي، مرتهن في تعالقه مع ثبات الزمان في الذهن الذي هو الآخر لا يتغير، فأصبحت مجانسة ثبات الشيء في العالم الخارجي، هي في ثبات الزمان ملازمته ادراك الاشياء. لذا كان ثبات الزمان يعطي / وتستمد منه جواهر الاشياء وجودها الثابت في اعتبار كانط أن الزمان حدس قبلي سابق على وجود الاشياء.

ويعتبر كانط وجود الاشياء مدركة مكانيا في ثباتها، ولا يعني أو يلزم هذا أن الثبات يطال وجود الاشياء بذاتها او ماهيتها بل في ظواهرها فقط،.بالعكس تماما من تصوراتنا أن جوهر الاشياء هو الثابت وظاهرياتها الخارجية هي المتغيّر. والسبب في تعليل كانط لهذه المفارقة أننا نستطيع اخضاع ظواهر ألاشياء للتجربة في حين يتعذّر ذلك بالنسبة لجواهرالاشياء الثابتة كيفيا ماهويا في ذواتها العصّية على قدرة آلية ادراك كل من المكان والزمان لها، من غيرأجراء سلسلة من التجارب العلمية عليها لمعرفة الاشياء في جواهرها وكيفياتها وهذا من اختصاص العلم اكثر منه مباحث الفلسفة.

تفسيرنا لرؤية كانط، أن الثبات المكاني للاشياء هو في أدراكها زمنيا – مكانيا معا، كون الزمان والمكان متعالقان ومتلازمان في أدراك الاشياء سوية حسب فلسفته، أذ لا يمكن أدراك الاشياء في وجودها الخارجي مكانيا فقط من دون ملازمة الزمان له بأدراكها .

أما ثبات الاشياء كموجودات في ذواتها فهي بحسب كانط أيضا لا تأثير يسري عليها في ثبات الزمان الملازم لوجودها الماهوي الثابت، فالاشياء في ذواتها ليس سهلا أدراكها زمنيا كون الزمان افتراض حدسي أثيري غير مدرك يقينا قطعيا كوجود، وبالتالي تكون معرفته والتأكد منه بالتجربة العلمية متاحا اكثر من ادراك العقل له فلسفيا، وهذا لا يتوفر عليه (الوجود بذاته) المدرك زمانيا.

فوجود الشيء مكانيا، بحسب كانط يمكننا تأكيده بحدس أولي يقوم على التجربة لاحقا اذا اردنا. بينما وجود الشيء بذاته لا يدرك حدسيا عقليا بوسيلة ادراك ثوابت الاشياء، وثبات وجود الشيء بذاته لا تطاله معرفة الادراكات الحسية في تحقق ماهيته وجودا بل يمكن معرفة كيفيته الجوهرية في سلسلة من التجارب العلمية المخبرية عليه.

نجد مهما التنبيه الى أن كانط هنا لا يتعامل مع ادراك الاشياء الخارجية على وفق الآلية المعروفة في استخدام العقل للحواس، بل هو هنا يعالج كيف يكون ادراك الشيء مكانيا وزمانيا فلسفيا وليس علميا وظائفيا فسلجيا، في اعتبارهما – المكان والزمان- حسب كانط معطيان قبليان ثابتان في الذهن متلازمان في ادراك الاشياء ومن دونهما لا يكون هناك ادراك متحقق عقليا ب(آلية) أخرى غيرهذه.علما أن هناك في مباحث الفلسفة والمعرفة والعلم ما يربو على أكثر من عشرة نظريات او اساليب ادراكية لعالم الاشياء في وجودها المستقل عن الانسان.

أن فرضيات كانط هنا في موضوعة ادراك الاشياء هي خروج فلسفي على السابق عليه في ما يخص مباحث الميتافيزيقا والوجود والذات والعقل والحدس والادراك والماهية وغيرها وهو ما سعى له كانط كغاية في فلسفته وتعقيده المثالي لادراك الاشياء .

نجد مهما أيضا هنا مناقشة كيف يكون التفريق بين ثبات الزمن، عنه في ثبات المكان بعد تسليمنا أن مايدركه العقل مكانيا من الممكن تحديد ثباته الماهوي الكيفي كوجود بذاته بالثبات الزماني له، التي يكون الأمرهنا مختلفا عنه مع ثبات العقل في الزمان ومطابقته ثبات الاشياء في ظواهرها فقط وليس في جواهرها وماهياتها.

عندها يكون لا فرق بين ادراك الشيء مكانا عن ادراكه زمانا عند كانط فهو مدرك من كليهما معا.وهذا مطابق تماما لفهمنا أن (لغة) التعبيرعن وجود الاشياء لا يمكننا فصلها عن (الفكر). فكما أن ادراك الشيء مكانا هو ادراكه زمانا، يكون أيضا لا تعبير عن وجود الاشياء باللغة بمعزل عن الفكر في ملازمته لها.

ولصعوبة أمكانية أدراكنا الزمان فلسفيا تجريديا كوجود وليس كوسيلة استدلال به، يلجأ كانط معتبرا ثبات الزمن يرتهن بحقيقة عدم ادراكنا له على أنه سريان مؤلف من سلسلة من تيّار التعاقبات الافتراضية ألاثيرية التي ندرك الاشياء بالاستدلال بها ولكننا لا ندركها هي لا كوجود حدسي في ظاهره ولا كوجود يقيني بذاته، أي أن التعاقبات الزمانية حدس استدلالي غير مدرك حسّيا – عقليا، لكنه هو الاستدلال به على وجود غيره من الاشياء في الطبيعة، والتي نكتفي في تعليلنا حدس هذه التيارات الزمانية المتعاقبة على أنها من أبتداعات العقل الافتراضية في حاجته وتوّسله الزمان في أدراك الاشياء. التي من الممكن حدس تأثيراتها ونتائجها أكثر من توفرنا على أمكانية التسليم بها وجودا متحققا يقينا تجريديا معرفيا.

لا أعرف مدى صحة ما قرأته يوما عندما سئل أنشتاين الذي أعترف انه قرأ كتابي كانط نقد العقل المحض ونقد العقل العملي وأفاد منهما، سئل كيف تثبت لنا أن سرعة الضوء هي ثلاثمائة الف كيلو متر/ ثانية، أجابهم اننا يجب علينا التسليم بذلك كفرضية علمية هي أقرب الى الصواب منها للخطأ.

وفعلا بغير هذا الافتراض العلمي الاستدلالي كان لا يمكن لعلم الفيزياء وعلم الفلك القيام بفتوحاتهما العظيمة في دراسة ومحاولة معرفة الكون والفضاء وبناء أنساق علمية فيزيائية وكونية في أعتمادها صحة وصواب هذه الفرضية في سرعة الضوء.

لذا نجد وهي وجهة نظر ربما نقيل بها عثرة من عثرات كانط في كتابه نقد العقل الخالص فقط لا أكثر، أنه كي يخلص كانط من هذا التناقض البادي في التفريق بين ادراك وجود الاشياء مكانا، وادراكها زمانا، قال بأن الزمان والمكان حدسان قبليان متلازمان ثابتان في الذاكرة والذهن سابقان على الوجود الخارجي للاشياء، ومن غير تلازمهما معا لا يمكننا معرفة او ادراك الوجود.

ضاربا عرض الحائط كل استدلال لوجود الاشياء لا يعتمد المكان والزمان كمعطى استدلالي فلسفي ثابت في الذهن نفهم به ادراك الاشياء. شأنهما تماما شأن الفكر واللغة في تلازمهما التعبير عن الاشياء في وجودها المستقل خارج فعالية الدماغ او العقل في تخليقه فهم وادراك الاشياء.

اشكالية التجانس في الثبات

من الملاحظ اننا نستطيع نقد كانط في مقولته تلازم ادراك الاشياء في الزمان والمكان معا من دون انفصال ادراك الاشياء مكانا عنها في ادراكها زمانا، أذ أن ثبات الزمان في الاستدلال العقلي به على أدراك ثبات الاشياء المتجانس معه هو حتما غيره في ادراك مجانسة ثبات المكان مع ثبات ظواهر الاشياء في وجودها بالعالم الخارجي. في حين يتعذّرعلى العقل ادراك الزمان بنفس (آلية) ادراكه وجود الاشياء المادية حدسيا مكانيا في معرفة وادراك الاشياء في ظواهرها وليس في ماهوياتها الذاتوية، وهذا منطق كانط الفلسفي أن جواهر وكيفيات الاشياء هي ثوابت الشيء بذاته لا يمكننا أدراكها لا حدسا ولا بالحواس كما في استدلالنا على ظواهر الاشياء في ثباتها مكانا وزمانا معا.بمعنى ان الزمان والمكان يدركان الوجود ولكنهما غير موجودين وجودا مدركا بكيفياتهما الذاتية.

ليس من السهل تمرير الافتعال في التسليم مع كانط ربطه ثبات الزمان في ادراك ظواهر الاشياء كسبيل وحيد لادراكها،فالوجود المادي للشيء، لا يتجانس ادراكه في مثالية افتراض انه وجود ثابت يلتقي بالضرورة مع ثبات الزمان في ادراكه له. فادراك العقل للوجود المادي للشيء لا يستدعي بالضرورة تمريره، من خلال حدس عقلي وسيلته الزمان والمكان باعتبارهما معطيان قبليان ثابتان في العقل الذهني والذاكرة فقط، بغض النظر هل هما( الزمان والمكان) من ابتداع عبقرية العقل أم هما نتاج التجربة الفطرية التي ترسّخت في العقل بالخبرة التراكمية المعرفية بمرور الوقت؟ فآلية الادراك عن طريق الحواس في التوصيل للدماغ عبر الجهاز العصبي مقبولة علميا ولا تأخذ بالتفسير الفلسفي للادراك كما هو عند كانط. والمدركات والعقل ليسا معطيان سابقان على الوجود، على العكس من أسبقية الزمان والمكان على الوجود كما في فرضية كانط الفلسفية في ادراك الاشياء.فادراك العقل للاشياء عن طريق الحواس لا يتم ما لم يكن هناك وجود مادي سابق عليهما.

اننا نعلم أن كل الاشياء المادية وغير المادية في وجودها الخارجي المدرك هي مظهر وجوهر،كينونة وماهية،ندركها على وفق آلية ادراكات الحواس لظواهرها الخارجية البادية لها، وليس في قدرة الادراكات الحسية ولا الحدسية ولا العقلية امكانية ادراكها جواهر الاشياء المدخّرة في باطن او داخل الشيء بذاته، والتي تحتاج معرفتها جواهر وكيفيات ماهوية غير هذه الآلية التقليدية فسلجيا في الادراك الطبيعي الفيزيائي لها، آلية لا تعتمد مدركات الحواس المنقولة للعقل عبر الجهاز والمنظومة العصبية فقط بل تحتاج نتائج التجارب العلمية والمختبرية لمعرفة حقيقة الاشياء في ذواتها لا في ظواهرها.

كانط كغيره من فلاسفة المثالية أمثال، ديفيد هيوم، وبيركلي، يتنكر نهائيا لأسبقية الوجود المادي للاشياء في العالم الخارجي على أدراكها بالذهن، وأن هذا الوجود المادي السابق للاشياء هو الذي يعطي ويمنح وسائل ادراكها المؤطرة في الزمان والمكان، ومن الخطأ الذي يتجاهله المثاليون أعتبارهم وسائل أدراك الاشياء أنها هي وسائل خلق الموجودات في الذهن والوقع معا، وان كل شيء تتم معالجته في الذهن فقط بمعزل عن الوجود المادي للاشياء في واقعها الخارجي.ومن غير التفكير الصوري للموجودات في الذهن لا تكون الاشياء موجودة في الواقع برأيهم الفلسفي المثالي المزعوم..

يمكننا القول فلسفيا أن كل وجود غير موجود مكانا،فالوجود كطول وعرض وارتفاع هو وجود مادي هندسي الابعاد غير ثابت في تجانسه مع ثبات حدس المكان القبلي له في الذهن، وليس كما في تجانسه الادراكي الثابت زمانيا، فالوجود مكانا محكوم بالحركة والانتقال والتغيير، لكن يبقى حيّزالمكان الذي كان يشغله قبل حركة الوجود التغييرية او الانتقالية ثابتا يدركه الزمان على افتراض أن المكان وليس الشيء الذي يشغله في كل الاحوال هو مدرك خارجي لغيره، ومدرك مكاني ثابت في ادراك وجوده زمانيا ثابتا أيضا، وهذا لا يتوفر للزمان فهو يدرك الاشياء والوجود الخارجي، ولا يدركه هو خارجيا أحد، ولا بمستطاعه ادراك ذاته ايضا، لأن الزمان لا يمتلك وعيا ذاتيا الا في أن يكون وسيلة ادراك واستدلال العقل به في معرفة الاشياء وادراكها. فالوجود في تطوراته وتغيراته وانتقالاته الذاتية والموضوعية لا يسحب حيّز المكان الذي يشغله معه.في حين يبقى الزمان ملازما ادراك الاشياء كموجودات ثابتة او متغيرة متعينة مكانا او متغيرة في حركتها.

فالمكان المدرك به الاشياء وليس المكان المتعين وجودا كحيّز في اقتران وجود الاشياء به، هو كما مر بنا حدس قبلي بالذهن وافتراض وجودي استدلالي ومثله الزمان أيضا يختلفان جوهريا عن أدراك وجود الاشياء المستقل بالطبيعة، وليس الزمان أو المكان وجودان ماديان يمكن ادراكهما مثل بقية الاشياء المادية في الطبيعة لانهما معطيان ثابتان سابقان على الوجود، وهذا لا يعدم او ينفي ادراك وجود الاشياء في ثباتها او في تحولاتها حدسا زمانيا.

الادراك الزماني والمكاني للاشياء افتراضان حدسيان للاستدلال بهما لكنهما غير مدركين ذهنيا وجودا مثل باقي الاشياء في الطبيعة. والشيء المدرك مكانا هو وجود متغّير ظاهري وليس ثابتا على العكس من ادراك الزمان للشيء فهو ثابت لأنه غيرمفارق لوجود الاشياء بعد الاستدلال المكاني - الزماني لها.

من هنا يمكننا أبطال فرضية كانط المشروطة بأن المدرك مكانا في ثباته الحرج المتحرك القلق القابل للتغييرالمستمر، هو نفسه المدرك زمانا في ثباته الدائم. وبهذا لا تصح فرضية كانط أن الثبات في وجود الشيء يعمل على أدراكه مكانيا وزمانيا بفرضية أن الزمان والمكان كليهما في ثباتهما هما وسائل ادراك الاشياء في ثباتها المتجانس معهما وليس في متغيراتها المتقاطعة مع ادراكهما في الذهن.

وهنا يبرز اختلاف بأن الشيء المدرك مكانا في ثباته المؤقت القلق محكوم بالتغيير لذا يكون ادراكه غير مفارق لوجوده الظاهراتي الخارجي المتغير باستمرارادراكه مكانيا، ولا يتاح ادراك جوهره او ماهيته لا مكانا ولا زمانا الا بعد استهداف فك شفرة ماهيته وجوهره بالتجربة فقط..

فنظرية كانط الفلسفية في الادراك تشتغل على مجانسة ثبات الزمان والمكان مع وجود ظواهر الاشياء فقط في ثباتها وليس في ثبات جواهرها.وهذا لا ينفي تلازم الزمان والمكان في ادراكهما الاشياء في ظواهرها لكن باختلاف نوعية الادراكين، فالمدرك مكانا يختلف عنه المدرك زمانا، وان كان المكان والزمان متلازمان في ادراكهما الشيء الواحد معا. الاختلاف أن ثبات الظواهر المدركة للشيء لا تشابه ثبات ماهية الشيء بذاته في عدم امكانية ادراكه.

الشيء المدرك مكانيا هو أدراك لوجود متحرك لظواهرخارجية متغيّرة ومدركة زمانيا في آن معا، فالزمان يدرك ظواهر الاشياء في ثباتها الدائم المتجانس مع ثباته الدائم، والمكان يدركها في ثباتها المتغيّر، وبذا لا نجد فكاكا بين الادراك المكاني في تلازمه مع الادراك الزماني لكن باختلاف نوعي بينهما. تماما كمثل ليس هناك تعبير لغوي عن شيء من دون تداخله مع فكر.أي أن اللغة والفكر واحد في التعبير.لكنما يمكننا تمييز الفكر عن اللغة وهذه غيرها موضوعة استحالة فصلهما في تعبيرهما معا عن الشيء الواحد.

الادراك في الثبات والتغيير

اذا كنا تماشينا مع كانط انه لا يمكننا ادراك الاشياء الخارجية الا في ملازمة (ثباتها) في تجانسها مع ثبات الزمان والمكان معا،أذن فما الذي يتغير في الاشياء بوجودها الثابت الذي لا يتغيرفي أدراك الزمان والمكان له سوية حسب كانط؟ وما أهمية ادراك الاشياء من دون النظر في أمكانية معالجتها تغييريا في تحولاتها الدائمة المتكررة؟ وما فائدة أدراك الاشياء في ثباتها الدائم من دون أن يطرأ عليها تغيير؟..

نسمح لانفسنا الاجابة عن هذا التساؤل، أن الذي يتغير في هذه الحالة، أنه لا يمكننا التسليم أن عدم امكانية التغييرفي الادراك مرتبطة بادراك الاشياء في تلازم الثبات مع الزمان والمكان، واذا كان المكان والزمان هما معطيان قبليان بالذهن يدركان على الدوام الاشياء في ثباتها فهذا لا يعني انعدام امكانية تغيير الاشياء بعوامل ذاتية وموضوعية خارج تأثير ادراكها بالزمان والمكان، فأدراك الاشياء هو غير تخليقها المتجدد بالذهن واستحالة فقدان الاشياء قابلية التطور والتغييروالحركة.

ونجد أن فصل ظواهر الاشياء وجوبا ضروريا عن جواهرها في وحدة ادراكها لا يتماشى مع فرضية كانط أن الاشياء تدرك زمانيا ومكانيا معا في عملية ادراكية واحدة تعنى في أولوية أدراك مظاهر الاشياء الخارجية وليس أهمية معرفة كيفياتها الماهوية. لكن من المفروغ التسليم به بداهة فلسفية أن الاشياء هي ظاهر وجوهر، ولا يمكن أدراك ظاهريات وجود شيء من دون ملازمة جوهره وماهيته له التي تحتويه وتلازمه.وليس من الضرورة بشيء أن أدراك ظواهر الاشياء يعني أدراك كيفياتها وماهياتها وجواهرها أيضا. فما يعتبره كانط ممكن أدراكه هو ثبات ظواهر الاشياء في تجانسها مع ثبات الزمان والمكان في العقل فقط.

أن كانط يذهب كما قلنا قبل قليل الى أن الثبات في الشيء تكون ظاهرياته هي المدركة فقط وليس ماهيته او جوهره بذاته. وهذا يوقعنا في اشكالية أن ظواهر الاشياء في وجودها الخارجي اكثر عرضة للتغيير الدائم المستمر منه للثبات المطلوب كانطيا في انجازالادراك.ظواهرالاشياء تتغير باستمرار بمعزل عن ادراكها مكانيا او زمانيا، وظواهر الاشياء في وجودها الخارجي الثابت هو المطلوب كانطيا حتى يمكننا ادراكها بثبات معياري وفهم المكان والزمان لها وجودا.

ان الشيء الملفت للانتباه أن تغيير ظواهر الاشياء الدائمي المستمر هو يتطلب بالضرورة ملازمته تغيير ماهوي جوهري له. لايمكننا ان نتصور تغييرا في ظواهر الشيء من دون ملازمة تغييره في خواصه الماهوية والكيفية في دواخله الذاتية. في حين كانط يذهب ان ادراك الشيء مكانا – زمانا لا يتعامل مع مدركات متغيرة بل مع مدركات ثابتة تجانس ثبات الزمان والمكان في ثبات ظواهر الاشياء المدركة.متجاهلا أن ابسط ذرة في الكون الى أعقد مجرة فيه تحكمها الحركة والتمدد والتغيير المستمر.

كما أن كيفيات وجواهر الاشياء الخارجية غير البادية للادراك هي ثابتة عند كانط لا يمكن تغييرها أمر يحمل من الشك وعدم الاستيعاب قبوله الشيء الكثير، أنما المنطق المقبول أن كيفيات وماهيات الاشياء تكون ملزمة ضروريا بالتغييرالجدلي الذي يطال ظواهرها وجوديا، حتى في حال لم يتعرض ادراكها المادي الى محاولة معرفة جوهرها ذاتيا. فادراك وجود اي شيء يدرك كوحدة وجودية كلية تتكون من جوهر وظواهر.والتغييرهو ديالكتيك من قوانين الطبيعة يحكم الوجود كله بالحركة والتغيير المستمر بفعل التضاد الذاتي والظروف الموضوعية للموجودات والاشياء.

في فصل كانط أن ادراك الشيء يتناول ظاهرياته الثابتة مكانيا - زمانيا دونما ماهياته، لا يمكن تصوره وتمريره فلسفيا. والشيء المدرك حسب كانط هو في ظواهره الخارجية البادية فقط وليس في ماهيته غير المدركة. وبحسب كانط ظواهر الاشياء ثابتة كما هي ماهياتها ثابتة، ويتعذرعلى الزمان والمكان ادراك ظاهريات الشيء في عدم ثباته، والتأكيد على الثبات كشرط أولي في الادراك عند كانط جاء من أعتباره أن الزمان والمكان هما حدسان معطيان قبليان ثابتان بالذهن في وظيفتهما الادراكية لعالم الاشياء.بهذا الفهم المثالي الكانطي نجده يلتقي تماما مع مثالية بيركلي الذاتية المتطرفة، التي تذهب الى وجود الشيء كجوهر وظواهر خارجية متداخلين في ادراك الشيء حسيا صوريا وتتم في الذهن فقط ولا شيء خارج الذهن العقلي الذي يدرك الاشياء بالمحسوسات، وكل ما لا تدركه حواسنا لا وجود حقيقي له في عالم الاشياء.

كيف ندرك الاشياء فلسفيا؟

أن الفهم الفلسفي وحتى العلمي السابق على نظرية كانط في الادراك يبدوان متفقين كلاهما، بان ادراك الاشياء الخارجية تتم وفق آلية نقل الحواس المدركات الاولية لها الى الدماغ ثم تجري عملية فهم موضوع الادراك و تخليقه ثانية قبل أجابة العقل عليه في التعبير عنه باللغة المتداخلة مع الفكر او بغير اللغة في ايحاء دلالي يصدره العقل تكون فيه لغة التواصل الدارجة ملغية، لغة صامتة تكمن في بطن المنجز وثناياه الذي يصدره العقل كما في التعبير الصامت عن الجمال والفنون وبعض القيم واليوغا والباليه ورقص بعض القبائل البدائية الوثنية وطقوس السحروكذلك مع مسرح التعبير الصامت القائم على الايحاءات الحركية للجسد.

الادراك الذي استعرضناه عند كانط انما يقوم على أن الزمان والمكان هما معطيان حدسيان في الذهن ويتم بواسطتهما ادراك الاشياء في وجودها الخارجي بالطبيعة، على اساس من تفريق ادراك ظواهرالاشياء في ثباتها المتجانس مع صفة الثبات في الزمان والمكان في الذهن، وفي عدم قابليتهما ادراك جواهر الاشياء.

الادراك الفلسفي التقليدي للاشياء هو في استقبال العقل عن طريق الحواس الشيء المدرك صوريا كوحدة وجودية اندماجية واحدة لا تفريق بين ماهيتها وبين ظواهرها قبل تخليق العقل لها ثانية في معالجة ذهنية معقدة .

على العكس من تصوراتنا يقوم كانط بالبرهنة على صحة معتقده الفلسفي في اثباته أن الزمان والمكان حدسان قبليان في الذهن ثابتان يتم من خلالهما ادراك الاشياء في ثباتها المتجانس مع ثباتهما بعملية ميكانيكية لا يوجد معها اي نوع من جدل او تخارج يفيد في معرفة وادراك الاشياء بأكثر من ميكانيكية ادراك ظواهر الاشياء في ثبات منعزل عن جواهرها او ماهياتها الكيفية.

لقد أراد كانط بهذا النوع من الادراك اثبات أن الزمان والمكان هما معطيان قبليان تجريديان بالذهن ولا يتم ادراكهما الحدسي الا من خلال ادراكهما ظاهريات الاشياء في وجودها الخارجي.أي أن حدسنا للزمان والمكان لايتم الا في ادراكهما وجود الاشياء.ولا قدرة للعقل ادراك الزمان لا في داخله بالذهن كحدس استدلالي، ولا في حال انفصاله – الزمان - عن العقل في ادراكه الاشياء.

جوهر الاشياء وظواهرها

جواهر الاشياء في وجودها الخارجي التي أعتبرها كانط في حالة ثبات دائم، حالها حال ثبات ظواهرها التي يتم ادراكها بمعزل عن ماهياتها، أنما يلتقيان في افتراض كانط أن واقعة الثبات في الاشياء هي تناسب متجانس مطرّد مع ثبات كلا من الزمان والمكان في ادراكهما الاشياء، بمعنى أن (ثابت يدرك ثابت) آخر متجانس معه بالصفة ولا يدرك العقل متغير يتقاطع معه بالثبات.

وبذلك أعفى كانط هذا النوع من الادراك أن يكون لملكة العقل أية فعالية تذكر في امكانية معرفة ماهوية الاشياء او كيفياتها واستعاض بدلا عنها بمقولته أن الكيفيات تكون معرفتها بالتجربة العلمية فقط وليس بتجريد العقل الذهني في معالجتها كما هو السائد في العلم والفلسفة ايضا قبل وبعد كانط في كتابه نقد العقل الخالص.

بهذا المعنى ذهب كانط الى أن الاشياء في ماهويتها لا تتغير بالزمن لا ذاتيا ولا موضوعيا، لان الادراك المكاني والزماني الثابت لا يقوى على تغيير ثابت مثله. وبذلك جعل كانط من العقل وسيلة ادراك الاشياء وليس امكانية تبديلها او تغييرها. وهذا هو جوهر الفلسفة المثالية انها منظومة فكرية مهمتها تفسير الحياة لا تغييرها، على العكس من الفهم المادي الذي يرى ان مهمة الفلسفة فهم الوجود وصنع الحياة وتغييرها وليس شرح وتفسير ظواهرها فقط.

أن كانط لم يخرج عما اراده فلاسفة المثالية الذين سبقوه،أدعائهم أن ادراك الاشياء في وجودها المادي الخارجي لا يرتبط بغير التفكيرالذهني التجريدي، فالواقع صور ذهنية مدركة في الدماغ لا وجود حقيقي لها الا بالذهن فقط. والعقل لا يدرك الا ظواهر الاشياء الثابتة غير المتغيرة، وليس من مهمة العقل محاولة تبديلها من وقائع ثابتة الى متحركة متغيرة لا في صفاتها ولا في جواهرها.

من المعلوم المسلم به أن الاشياء في وجودها الخارجي المكون من ظواهرها وكيفياتها لا تتغير ولا تتبدل من دون علة سببية تعتمل في داخل الاشياء بتضاد ذاتي غير منظور يتحيّن الظروف الخارجية التي تساعده في زيادة التناقض الطموح الذي ينتج عنه استحداث ظاهرة وجودية جديدة مغايرة لاصلها التي انبثقت عنه ديالكتيكيا ولا يتم هذا من غير هيمنة العقل على تخليق الاشياء في تسريعها نحو وجود متجدد. ومن الثابت أيضا أن جواهر الاشياء هي في وحدة جدلية من التناقض ومن الانسجام في دواخلها وهذا الجدل يطال أيضا علاقة الجدل المتبادل بين ظواهر الاشياء بالضد او مع ماهياتها وكيفياتها، وأن أي تغيير في ظواهر الاشياء يستتبعه بالضرورة تغيير في كيفياتها والعكس من ذلك التخارج الجدلي صحيح ايضا،أن كل تغيير في جواهر الاشياء يستتبعه تغيير من نوع ما في بنيته الظاهراتية. وكما ان الشيء بذاته يرتبط بظاهرياته في علاقة جدلية، عندها يصبح استحالة فصل الشيء بذاته عن مجمل ظاهرياته التي بها يتعيّن وجوده المادي وادراكه العقلي.

أن الحقيقة العلمية التي يتنكر لها كانط،هي أن كل وجود او ظاهرة بالحياة محكومة بقوانين الطبيعة التي في اكتشافها وليس في اختراعها، تؤكد لنا أنها جميعا من أصغر الاشياء في الذرة الى أعقدها في الكون انما هو في حالة حركة مستمرة وتغيروتمدد دائمين لا يحكمها السكون الدائم، من بين تلك القوانين هو الديالكتيك الذي يحكم المادة والوجود الانساني والطبيعي والتاريخي في الحياة.

وليس الديالكتيك هو حصرا القانون الذي اكتشفه هيجل وأخذه عنه ماركس والفلاسفة الماديين هو من اختراعهم، بل هو قانون يعمل في الطبيعة باستقلالية عن الانسان، من قبل ومن بعد اكتشافه على أيدي هيجل وماركس.الديالكتيك أو الجدل هو قانون طبيعي في الوجود قبل أن يتحوّل الى فلسفة ماركسية مادية وايديولوجيا.

وهو قانون كما اكتشفه الفلاسفة من هيراقليطس وصولا الى هيجل وماركس وعشرات واكثرغيرهم من فلاسفة ومفكرين، يقوم على أن التناقض وحراك التغيير يعتمل داخل كل ظاهرة وبمساعدة ظروف خارجية مساعدة للتناقض الذاتي تنتقل تلك الظاهرة الى أخرى جديدة مستحدثة، لتندثر في تخليقها لأخرى غيرها وهكذا.طبعا فلاسفة المثالية جميعهم يرفضون هذا ويستعيضون عنه بأن الوجود المادي للاشياء ثبات في الذهن فقط ولا وجود لشيء في الواقع لا تدركه الحواس خارج الذهن.

كما أن الشيء بذاته لا مستحيل في معرفته وادراكه على حقيقته أن لم يكن في ادراكه العقلي فبالتجربة العلمية. ولكي تكون فرضية كانط مقبولة فلسفيا أبتدع الادراك عن طريق ثبات اربعة اقانيم هي : ثبات المكان،ثبات الزمان،ثبات الوجود ظاهراتيا، واخيرا ثبات جوهر الوجود ذاتيا.أي أن كانط لا يعترف بّأي من هذه الاقانيم الفلسفية غير العلمية الاربعة في ثباتها، أية متغيرات تطرأ عليها يدركها العقل في حركتها خارج ثباتها المدرك كانطيا.

لقد كان تأكيد كانط على أهمية ثبات ظواهر الاشياء التي يمكن لنا ادراكها لوحدها في مجانسة ثباتها مع ثبات كل من المكان والزمان في ادراك الاشياء ظاهراتيا فقط، متجاوزا حقيقة أن معرفة الاشياء بماهويتها وجواهرها الذاتية أهم بكثير وبما لا يقاس عنه الاقتصار على معرفة وأدراك الاشياء في ظواهرها الخارجية فقط والتي أعتبرها كانط (ثابتة).وأن قدرات العقل في الادراك لا يمكنها التقدم أكثر من ادراك الثابت هذا.

الوجود بذاته حسب كانط يعتبره وجودا ثابتا لا يمكن للعقل في ثوابت الزمان والمكان لديه من ادراكهما له . وتعقيبنا عليه ان ثبات الاشياء هو ثبات نسبي يختلف جدا عنه في ثبات الزمان والمكان المفترضان فلسفيا، وأن كانا يشتركان بصفة الثبات الافتراضي فلسفيا كانطيا، الا ان الاشياء في وجودها الخارجي محكومة بادراك الزمن لها، والزمان في ملازمته الاشياء لا يعطيها ادراكها وحسب، بل يساعد على تغييرها وتطورها الذاتي والموضوعي معا.

أن ثبات جوهر الاشياء عند كانط وأستبعاده أي أدراك وتغيير لها لا يمنع من مسايرة الزمان الدائمية للوجود بذاته من خلال أدراك الزمان لظاهرياته الخارجية المدركة له، وجوهر الاشياء انما يستمد ثباته من ثبات علاقته الارتباطية بالزمان المطلق الافتراضي.

هنا لابد لنا من تثبيت استدراك ينطوي على مغالطة انطولوجية – ادراكية، فالشيء الثابت بذاته قد يلازم ثبات الزمان، لكن باختلاف جوهري بينهما. فثبات الشيء بذاته غير معصوم أن يطاله التغييركونه وجودا متعينا ملازما لظواهره الخارجية المدركة مكانا وزمانا،كما هو حال ادراك الموجودات في الطبيعة. بينما ثبات الزمان هو ثبات مطلق لا يدركه العقل ولا يدرك هو ذاته، وهو ثبات معياري استدلالي يتخارج مع ادراكه الموجودات التي تعطيه نسبية تخرجه من المطلق الزماني الى المتعيّن المادي في ادراكه الاشياء.

مطلق الزمان لا يتعامل مع ادراك الاشياء المادية وجودا خارجيا،بل الاشياء تحتاج نسبية الزمان الذي تجد فيه وجودها المتعيّن في عالم الاشياء من خلال ادراكها زمانيا، كما تعطي الاشياء بدورها نسبية الزمان امكانية حدسنا له عقليا من خلال نتائجه المتعالقة مع الاشياء. لذا يكون ثبات الزمن وفي أسبقيته على الوجود، أنما هو عارض افتراضي يتوّسله العقل في أدراكه الاشياء.ويزودنا بحدس نستمده من تأثيره للاشياء، ويتعذّر علينا معرفة الزمان بغير الاستدلال به فقط.

فالزمن كما يحدسه العقل افتراضا هو حالة من التداعيات الزمنية المنظمة غير الحسوسة ولا مدركة، تيار وسيلي معرفي أبتدعه العقل لادراك الاشياء على المستوى الفلسفي، أما الزمن في طبيعته المتواضع عليها فهو تحقيب تاريخي افتراضي يتوزّعه ماضي وحاضر ومستقبل. ولو لاحظنا كيف يتداخل الزمن في هذا التحقيب التاريخي لازدادت قناعتنا أننا نتعامل مع زمن واحد افتراضي، يتفرع عنه تقويم زمني واقعي في السنة والشهر والاسبوع واليوم، وكذلك الساعة و الدقيقة والثانية، وارتباط هذا التقويم بتعاقب الليل والنهار الخ.

خاتمة

(أن الاصل في الزمان لا يرتبط بالجوهر المادي ذاته، وأنما بمطلق الوجود، سواء أكان الوجود ذاتيا او خارجيا. ودوام الزمان يتداخل مع دوام الوجود، باعتباره عارضا عليه، وبالتالي لا يمكن أن يكون الزمان دليلا في حد ذاته على الواقع)2

كما أن (من المفارقات التي سقط بها كانط هي أنه أعتمد في أثباته للواقع الموضوعي على دوام الزمان، في حين ذهب فيما بعد الى أن الزمان ومثله المكان لا تعرف حقيقتهما أن كانت تتضمن الدوام واللانهائية أم لا، وهو المبرر الذي جعله ينكر وجودهما الواقعي. وتنطوي هذه النتيجة على مفارقتين احداهما أقراره بعدم وجود ما يثبت التسلسل في الزمان، وهو ما يعني العجز عن اثبات الواقع الموضوعي، كذلك هو نفي وابطال كل من المكان والزمان وما فيهما من ظواهر، وذلك على خلاف ما أراد اثباته عبر فكرة الجوهر وعلاقته بالزمن.)3

 

الباحث علي محمد اليوسف/الموصل

......................

الهوامش

1- المفكر الباحث يحيى محمد / تراسندتالية الواقع الموضوعي/ موقع المثقف العربي/7/11/2016

2- نفس المصدر السابق

3- نفس المصدر السابق

 

عامر عبدزيد الوائليتصدير: ان المعنى في اشكالية الخطاب الانسي يتطلب في البداية تبيان المعنى الدلالي في اللغة والمعنى المفهومي بعد ذلك،فان المعنى اللغوي في العربية: أَنْسَنة: (اسم) أَنْسَنة: مصدر أَنسنَ أنسنَ يُؤَنْسِن، أَنْسَنةً، فهو مُؤَنسِن، والمفعول مُؤنسَن أنسنَ الإنسانَ ارتقى بعقله فَهَذَّبه وثَقَّفه، أو عامله كإنسانٍ له عقل يميّزه عن بقيّة المخلوقات " لابد من تثقيف المواطن وأنسنته للرقي بهذا المجتمع النامي .(1) اننا في اطار المعنى اللغوي يحيل الى استخدام العقل بوصفه ملكة تميز بها في مقابل الحيوان .

اما المعنى الحديث والمعاصر فاننا امام مفهوم يحيلنا الى المعارف التي تتخصص بدراسة العلوم الانسانية وفي هذا المجال نحن امام امرين:

الاول الجذر اليوناني الذي يتعلق بتعليم المهارات الخطابية والمنطقية, نلاحظ عبارة معينة تشير إلى (التعليم المتوازن) وهي (Enkiklia Paedia) وفكرة التعليم لدى اليونان تشير إلى المعارف الإنسانية القديمة المتمثلة في: القواعد اللغوية، البلاغة، المنطق، علم الأعداد، الفلك، التجانس الصوتي (Harmony) وهي معارف قدَّمتْ تقنية للتعليم و النقاش في عالم من دون كتب, يعتمد في سبله للمعرفة على المهارات الجدلية, والدقة في التفكير, و التمكن من اللغة. وهذا تجد في جهود السفسطائين الذين منحوا البيان اهتمامهم الاول اذا كان ارسطو اول من وضع كتاباً منظماً فـــــــي الخطابة فقد سبقه الى محاولات في هذا المجال كُثْرٌ من المهتمين بفن الخطابة وممارسيه، فهذا الجانب التقني من التعليم اشار اليه شيشرون حيث وضع مصطلحاً لفكرة التعليم المتوازن اليونانية هي (Humanitas) وأصبح مصطلح عصر النهضة الخاص بالمواد المدروسة في مجال اللغات والآداب الكلاسيكية, هو (Studia-Humanitatis) ومدرّس تلك الدراسات كان يسمى (Humanist) إنساني, وكانت الدراسات (الإنسانية) (2)

تشير في القرن الخامس عشر إلى دراسة القواعد اللغوية والبلاغة والتاريخ والأدب والفلسفة الأخلاقية، و هي كانت تتكون من قراءة النصوص اللاتينية الخاصة بالعصر الكلاسيكي ما قبل المسيحي، وتشتمل أيضاً على الترجمات اللاتينية اليونانية، و النصوص اليونانية القديمة نفسها.

 أما كلمة (Humanisime) فهناك من يرى ان هذه الكلمة عالمة وقع نحتها في القرن التاسع عشر من المؤرخين الألمان (التاريخ الدقيق لانطلاقها هو 1808) وبيار دو نولاك (Piee de Nolhac) صاحب كتاب بيترارك و الإنسانوية " نسب إلى نفسه شرف إدخال هذه الكلمة في اللغة الرسمية للجامعة الفرنسية عام 1886 عن طريق الدرس الذي كان يلقيه في مدرسة الدراسات العليا " .وقد كانت هذه الكلمة ايضا تنطبق على مجموعة من رجال معينين أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية Humanisime في القرنين الخامس عشر والسادس عشر .(3)

 أن (Humanisime)  تقوم على الاعتراف بأن الإنسان هو مصدر المعرفة، و أن خلاصه يكون بالقوى البشرية وحدها، و هذا اعتقادُ يتعارض بشدة مع المسيحية، بل يتعارض مع جميع الأديان لأنها تعتقد في خلاص الإنسان بالله وحده، و هو المعنى نفسه الذي ورد في "قاموس الفلسفة" حيث تم تحديد مفهوم التزعة الإنسانية بأنها: هي نظرية ترفض تبني كل أشكال الاغتراب و الاضطهاد و تطالب باحترام الكرامة الإنسانية و حق الأشخاص في أن يعاملوا كغايات في ذاتها. (4)، لكن يبدو ان هذه الكلمة كانت تطلق بنسبة متنوعة، على حقب متنوعة، من تاريخ الغرب وهذا يبين تاريخية كل حقبة، وتنوعات في نسب انطباق كل حقبة بحيث يمكن القول (الحديث على مستوى التاريخ، عن إنسانوية القرن الثاني عشر " وتعني ضمنياً السكولائية" وعن إنسانوية النهضة أو الإصلاح وعن إنسانوية الثورة الفرنسية التي اتسمت بغناها و طرافتها أو لكي نتبنى كلمة مؤرخ معاصر "إنسانوية كارل ماركس أو ماكسيم غوركي " .(5) وسوف تبقى تشير هذه المفردة الى الدراسات المتخصصة بالتراث القديم الغربي سواء كان يوناني او لاتيني وهو ماسوف يعرف بالنصوص الكلاسيكية التي تعبر عن نزعه محافظة على الروح والاخلاف الغربية، لكن سرعان مسوف تواجه مواقف نقدية من هذا التصور المحافظ (6)

و هكذا يمكن أن نعرف التزعة الإنسانية في عصر النهضة عامة بأنها الثقافة التي ميزت إيطاليا في القرنين الرابع و الخامس عشر التي نقلت إنجازا الفريدة بعد ذلك إلى كافة سرايا أوروبا، و هي تتمثل في دراسة الأدب الإغريقي و اللاتيني بوصفهما نمطا مثاليا من التربية و الحضارة، إن الموقف الفكري (المركزي للنزعة الإنسانية هو الرجوع إلى أصالة نصوص القدامى"((7) تضارع النزعة الإنسانية التي ظهرت في أوربا في القرون من الرابع عشر الى السادس عشر، وذلك بإحياء التراث اليوناني من جديد ومعاناة تجربة حية عن طريقه وهو مايتم بتمثله ونقله من الماضي إلى التطبيق، على الحاضر؛ كما في النزعة الاإنسانية الحديثة في إيطاليا .

أما المعنى المذهبي فيتردد كثيراً على ألسنة وأقلام المذهب القائم برأسه في فهم الوجود على أساس أن مركز المنظور فيه هو الإنسان، و ان الوجود الحق او الوحيد هو الوجود الإنساني .(8) وبحسب هذا المذهب فإن الأنسنة تمثل" قطيعة حاسمة مع كل نظرة: لاهوتية قروسطية صادرت كيان الإنسان باسم الإيمان! و تمثل في الوقت نفسه تأسيسا لفلسفة جديدة –لرؤية جديدة- تحل الإنسان محل المركز من الوجود بعد أن كان من الوجود على هامشه"(9). 

المبحث الاول: الانسنة اركولوجيا المفهوم وتاصيل الظاهرة

 أن هذا النمط من التعليم ارتبط كثيراً برهان مذهب الانساني القائل:" بأن انسان هو أعلى قيمة في الوجود " منذ البداية وشكل بلاغة سياسية مختلفه متنوعة؛ الا انها تبقى اشكالية تتسم بالديمومة والديناميكية،لكن يبقى محورها الانسان على الرغم من تنوع رهاناتها الخطاب الفكر للانسنية، ورهاناته بتنوع التاريخية؛ اذ يشير مصطلح الأنسنة إلى طرق قديمة معروفة في" الإنسانيات" تنبع من وجود تصوّر معين لإبداع الإنسان الأدبي ولهويته وللمحيط المادي الذي يعيش فيه ويتفاعل ضمن حدوده .

سوف نتعامل هنا بتقديم تحليل تكويني، نتابع من خلال تحولات المذهب وتغيراته بحسب الرهان وطبيعة الاشكالية ثم نعمل على تحليل بنية التحول الانسنة بوصفها مذهب المعاصره اليوم .

1: تحليل تكويني لمذهب الانسنة:

1-1: فنجدها مع السفسطائية: التي ظهرت ضمن اشكالية " الاستبداد –الديمراطية "في بحثها عن حل دفعها الى جعلت من الانسان هو محل اهتمامها الاول وقدمت تصور متقدم في وقتها التي ارتبطة جدليتهم " بالحرية مقابل قول سقراط بهيبة الدولة " تلك البداية في جدلية الانسان بوصفه مقياس ومركز الوجود فلابد ان يتمتع بالحرية، وهذا ما جعل بروتاجوراس يقول: ان القانون وليد العقل والمسوغ هو حماية الامن والنظام الاجتماعي الذي يستمد مشروعيته من المجتمع حصرا،عبر العقد الاجتماعي . (10) وبهذا تم انسنة القانون بوصفه الظمانة الحقة من اجل الامن فليست القوانين من عمل الآلهة أو الطبيعة، وإنما نتيجة مترتبة على اتفاق الرأي بين المواطنين وكفالة الحرية فضمان احترام القوانين نابع من كونها حازت احترام تلك القوانين التي حازت اتفاق الناس.(11) وهذا الاحترام قوامه المعرفة بالخير والفضيلة وليس خوفا من العقاب فهيبة القانون مستمدة من معرفة الخير. لكن تلك الاشكالية ولدت ردود عنيفة توارت خلف نقد فلاطون –ارسطو .

1-2: اما مهيمنة الكنيسة: كانت بداية ولادة المهيمنة الدينية التي كانت قد انطلقت من الرؤية الدينية، فالدين هو نظام يقوم على الاعتقاد /واللا إعتقاد أي نظام يشتمل على مجموعة من المعتقدات الأساسية التسليمية تنفي ما عداها، فالانظمة الدينية تشتغل أو تمارس فعلها على هيئة الحقائق المطلقة التي لا يمكن تجاوزها .(12) يبدو ان الظاهرة الدينية تلك بحسب تفسير روني جيرار(و 1923م) (René Girard) حول نشأة الدين بأنّه حلّ لأزمة المحاكاة (la crise mimétique)، هي الحالة الأنتروبولوجيّة التي استنتجها جيرار من دراسته للأديان الأوّليّة، والأديان الكبرى التاريخيّة، حالة عنف أصليّ، متضخّم ككرة الثلج، بآليّة التقليد أو المحاكاة المنطلقة من الرغبة الفرديّة في التملّك، التي فسّر بها روسو نشأة اللاّمساواة. تعمل آليّة المحاكاة على دفع الجميع في اتّجاه التنازع على المصلحة، وسرعان ما تنسّي المحاكاة موضوع الرغبة أو المصلحة، ليتحوّل النزاع إلى صراع يغذّي نفسه بنفسه دون موضوع، إلى درجة تهدّد المجموعة في وجودها. وهنا بالذات تتدخّل آليّة المحاكاة أيضا لتقدّم حلّها المنقذ من دورة الحرب الفارغة، فتحوّل محور الأزمة، من مركز المجموعة إلى هامشها، إلى واحد منها أو جهة، تتألّب بقيّة المجموعة ضدّها، فتشبع نهمها للعنف من خلالها، وتنهيه. هكذا تخلق المجموعة الدين أو تخضع له بوصفه السرديّة التي تقود آليّة المحاكاة نحو خلاص المجموعة من العنف المهدّد لوجودها.(13)

فهذه الظاهرة تمخض عنها في الغرب مهيمنة الكنيسة التي كانت بالاساس تقوم على الفصل بين الدين والسلطة تحتكر بمقتضاها الكنيسة الشرعية المتعالية فيما تمارس الدولة السلطة الزمنية؛ الا ان الكنيسة حاولت تجاوز هذا الامر في العصر الوسيط ففرضت وصايتها على السلطة الزمنية مما جعل منها سلطة متعالية يكون بمقتضاها الغموض المسيطر على الأدمغة غموض العالم الإلهي. إنّ هذا الارتهان إلى المسار القديم لمجريات عمليّة الفهم الميتافيزيقي، تظهر ملامحه في أكبر مقولات التفكير الكنسي مع اوغسطين وانسلم ويمكن تكثيف العلية في ذلك الوقت لست أسعى للفهم لكي أعتقد، بل إني أعتقد لكي أفهم"(14).

المنطق الذي اسس له اوغسطين والذي يوجب ان يكون هناك اعتقاد بامر الدين قبل الفهم او الدفاع العقلي عن ذلك الاعتقاد تحول هذا المبدء الى شعار أطلقه انسلم في القرن الحادي عشر، هذا المبدأ التأويلي "الهرمونطيقي" الذي يؤسس لرؤية منهجية تسعى إلى تثبيت المقولات الدينية وليس إلى فهمها فهذا المبدأ الذي أكد أن الايمان يسبق الفهم: " لا تحاول أن تفهم لكي تؤمن بل آمن لكي تفهم. "(15)

لكن هذه الرؤية الكنسية ولدت ردود فعل من داخل المؤسسات التعليمية من الفصل بين اصبحت الرغبة بالعقل والانفتاح على الحقيقة التي تختلف الطرق المؤدية اليها يجعل هنا فسحه امام العقل وهو مطلب الاساتذة من غير اهل اللاهوت في الجامعات الفرنسية التي كانت تبحث عن متنفس لها سواء كان هذا في كليات الفنون او الرشدية اللاتينية والردود على دليل الاحمق الذي قدمه انسلم في اثبات الله .(16) وقد ازداد الاهتمام بالعقل في القرن الثالث عشر حتى جاءت النهضة .اذ كانت هناك رغبة في محاكاة التراث القديم سواء كان جاء مترجم عبر الاسلام او جاء من اليونانية . 

1-3: عصر النهضة:وقد تعمقت هذه الرغبة في المحاكاة لكن هذه المرة ارتبطت بجملة من التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ساهمت الدول مثل: ايطاليا، وفرنسا، وانكلترا، وغيرهما في بزوغ حركة النهضة التي رافقت ظهور الدولة فكانت مطالب الحركات الاحيائية التراث اليونان والتراث الانساني مطلب حيوي من اجل خلق منافذ اخرى غير سرود الكنيسة المتعالية ومن هنا جاءت حركة الاحياء التي وصفها إسماعيل مظهر (1891-1968) بالنشورية بمعنى البعث، والتالي هي الأكثر تعبيرا عما صدر المصطلح الغربي من إحياء الآدب القديمة وبعث الإنسان من رقاد القرون المظلمة (17)، تلك القرون التي تمثلها القرون الوسطى في ظل مهيمنة الكنيسة وهيمنة اللاهوت على حساب الانسان .فهذه الحركة النشورية كان تمذهب حول الانسان والتحرر هي شاغلها الاكبر، وان اتخذت وسائل تعبير اوسع من تلك في مدارس الفنون في باريس في العصر الوسيط؛ لكن هذه المرة تعكس تحولاً اقتصادياً وفنيأً وثقافياً، اتخذ مسارب متنوعة في التعبير عن تمذهبه الانساني وان كان التوجه الأساس لهم أدبياً وفنياً, دعوا إلى بعث الإنسان من رقاد القرون المظلمة, وأحياء الاداب والعلوم اليونانية القديمة, بما تنطوي عليه من أفكار عقلانية وطبيعية, وقد كانت تمثل حتى عصر النهضة ذروة ما وصل إليه التفكير الإنساني, و دافعَ إنسانيو النهضة عن حرّية الفكر والنشاط الإبداعي, و دعوا إلى استقلال السياسية, و المجتمع, والثقافة, و العلم, عن الكنيسة ورجال الدين.(18)

   بالنزعة الإنسانية المؤمنة, أي تلك التي تجمع بين الكتابات الدينية من جهة، وكتابات أدباء اليونان والرومان وفلاسفتهم من جهة أخرى و المفكر الإنكليزي توماس مور، في تيمة تصور يوتوبي يعبر فيه عن ارادة مجتمع بديل يتمتع بالتحرر من ارادة الكنيسة . ولكن حروب المذاهب داخل المسيحية بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين وكل المجازر التي رافقتها وضعت حداً للنزعة الإنسانية المتفائلة جدا بنوايا الإنسان وإمكانياته, و أضعفت بشدة تلك النزعة المؤمنة، فقد كشف الإنسان عن وجهه القبيح أثناء هذه الحروب الأهلية المدمرة, وبدا أنه قادر على ارتكاب أبشع الأعمال والمجازر, وعندئذ طرأ تحول على مفهوم النزعة الإنسانية, وأصبح أكثر واقعية, وهذا ما يتجلى في كتابات الفيلسوف الفرنسي مونتيني (1533 ـ 1592) الذي صور الإنسان كما هو عليه, لا كما نحلم أن يكون. فالإنسان المثالي الذي يرتقي عن الصغائر ولا يفعل إلا الخير لم يعد له وجود لديه, وإنما بدا الإنسان على حقيقته بخيره وشره، بعجزه وبجبره, فبقدر ما هو قادر على صنع المعجزات وتحقيق التقدم، بقدر ما هو قادر على ارتكاب أكبر المجازر والحماقات في حق أخيه الإنسان إذا ما اختلف عنه في العقيدة أو المذهب. لقد هناك (قطيعة حصلت في أوروبا بعد الاصلاح الديني وعصر النهضة فقد حصلت قطيعة بالقياس الى الماضي، بالقياس إلى العصور الوسيطى . ثم توسعت هذه القطيعة وازدادت بعد عصر التنوير حتى وصلت أوروبا إلى مرحلة الفصل بين الكنيسة والدولة في بداية القرن العشرين . وكان ذلك نتيجة التنافس الهائج والحامي بين الكنيسة والدولة من أجل امتلاك السلطة السياسية .)(19)

هذا النص المهم الذي يكثف فيه اركون الصراع واليات الحذف والاقصاء التي مارستها من قبل الكنيسة عندما تجاوزت حدودها المعنوية والشرعية المتعالية نحو الهيمنة على السلطة الزمنية حيث اختفى الانسان وهيمن المطلق وتجلياتها في سلطة رجال الدين التي ترفض ان تكون تاريخية بل متعالية، جاء رد الفعل هذه المرة من قبل الدولة التي حاولت هي الاخرى حذف الدين من الفضاء العمومي واحتلال الدولة الشريعة المطلقة الزمنية وحلت الفلسفة محل الكنيسة واصبحت الفلسفة هي التي تقدم تصوراتها وتسبغ الشرعية على الدولة بدل الدين، ومن هنا جاءت التحولات الجديد تقدم حذف واقصاء للاخر الديني وتحارب التغريب الذي يعاني منه الانسان في ظل المطلق والذي عتمد على الخطاب السياسي والديمقراطية الحسابية بعرف هابرماس (20) لكن الصراع الذي اشتد بين الكنيسة والدولة قدمت الفلسفة حلولها فقد استعاد هوبز تصورات بروتاجوراس كما سب تناولها فيما يتعل بالسلطة والشرعية والعقد؛ لكن ضمن اشكالية جديدة ولدت فيها الدولة فقد قال توماس هوبس(1588-1679) إنّ الدولة كانت حلاّ للعنف الأصليّ، لحرب الكلّ ضدّ الكلّ، هذه فكرة أساسيّة لنشأة الدولة ولاستمرارها -رغم بدايتها الداعمة للسلطة الفرديّة الملكيّة- في العمل على تجسيد الديمقراطيّة في شكلها التمثيلي خاصّة. ورغم انطلاقها من فرضيّة ذات مضمون اختباري ضعيف، فإنّها كانت حلاّ نظريّا، لواقع تاريخي عمليّ، هو واقع خروج أوروبا من فترة عنف شامل سبّب حربا تعرف بالحروب الدينيّة، وحرب المائة عام، وحرب الثلاثين. النظريّة كانت في سياق الإنسيّة العامّة انقلابا في مفهوم الشرعيّة، حاولت افتكاكه من احتكار السلطة الدينيّة، لتمنح إلى الإنسان، كان الدين في أوروبا وإلى حدود تلك الفترة، أكبر أداة شرعنة للوجود والسلطة، وكان هو الحلّ للفوضى ولحرب الكلّ ضدّ الكلّ الذي أراده هوبس أن يكون في الدولة. ومن ههنا كانت الإنسيّة العامّة هي المدخل لحوار المتنازعين حول المشروع المجتمعي، فخلّصته بتمحورها حول الإنسان من تعارض مساري التفسير الميتافيزيقي المتواجهين، ولكنّها خلّصته أيضا ممّا كان سببا في نظرها في دورة العنف الفارغة أي الدين.(21)

1-4: الحداثة والتنوير:

لقد جاءت التحولات الحداثوية لتشكلاً تحولاً مهم من بنية ثقافية الى أخرى لقد جاءت الحداثة بوصفها خطابا فلسفيا محطما " الاصنام " هو الذي تسرب الى التاريخ بغاية أن ينحت تدريجيا هذه الظاهرة الخارقة التي أجمع المفكرون على تسميتها "ازالة الصبغة السحرية عن العالم (22)عبر منعطف ثقافي يقف بين عصرين ما قبل الحداثة والعصر الذي يؤدي الى الحداثة كما وصفه "ماكس فيبر:بالشرخ الكبير بين عالمين عالم الأسطورة وعالم إزاحة الأسطورة وقد قاد هذا التحول مجموعة من المثقفين وكما يقول "سروش" : فان المثقفين يولدون في مرحلة التحول والتغيير، ويربطون بالعصور التي يوجد فيها قطيعة تاريخية في المجتمع البشري وفي مرحلة العبور من العقل التراثي الى العقل الحداثوي ظهر المثقفون في الغرب من امثال: فولتير، وبيدرو، ولما تم التحول تحول المثقفون الى كتاب ومفكرين وعلماء وفلاسفة ... بسبب انتهاء مرحلة العبور .(23) ويمكن رصد العبور هذا في المجالات الآتية:

1-4-1: في مجال المعرفة: لقد طورت طرائق وأساليب المعرفة من خلال الانتقال التدريجي من المعرفة التأملية الى المعرفة التقنية الاداتية .المعرفة التأملية بوصفها معرفة كيفية، ذاتية وانطباعية، وقيمية،فهي اقرب اشكال المعرفة الى النمط الشعري، و الاسطوري القائم على جماليات الاشياء وتقابلاتها ومظاهرها و التناسق الازلي القائم فيها .

اما المعرفة التقنية الاداتية فهي معرفة مختلفة قائمة على اعمال العقل بمعناه الحسابي وهي معرفة عمادها الملاحظة والصياغة الرياضية والتكميم والنمذجة .فالمعرفة التقنية غايتها السيطرة الداخلية والخارجية على الإنسان والبيئة، فهي سيطرة على الطبيعة عبر السيطرة على الإنسان .

1-4-2: في مجال الطبيعة: لقد كان نشوء العصر العلمي –التقني هو الحدث الأبرز في القرن السابع عشر، وقد كان له اثر في التحول الأساسي في نظرتنا إلى الطبيعة ففي الوقت الذي كانت الطبيعة في العصر الوسيط "نظاما متكاملا من التناسق الازلي الذي يعكس الحكمة العلوية " اصبحت الطبعة تعني امتداداً Rex extensa متجانس العناصر لا فرق ولا تميز بين مكوناتها، ولا تخضع لتراتب انطولوجي كما كان الامر في الفكر القديم والوسيط . فالمكان عبارة عن وحدات او نقط متجانسة والزمان بدوره آنات متجانسة، هذا التصور مهد الى التصور الميكانيكي للطبيعة وهي كم هندسي ممتد قابل للحساب وخاضع لقوانين الرياضية .اذ تُعد الطبيعة كما قال غاليلو:"كتاب مفتوحا بلغة المثلثات والمربعات والاشكال الهندسية " .(24) 

1-4-3: في مجال الزمان والتاريخ: أن تحول الكينونة إلى فعل وصيرورة ابتدأ في الطبيعة ثم سرى إلى التاريخ .فقد أصبح التاريخ سيرورة Processus وصيرورة Devenir أي مسارا حتميا تحكمه وتحدده وتفسره عوامل ملموسة كالمناخ والحاجات الاقتصادية للناس،أو حروبهم وصراعاتهم من أجل الكسب، وكالصراع العرقي، أو القبلي او المذهبي او غيره .من هنا فان زمن الحداثة زمن متجه نحو المستقبل الذي يكتسب بالتدريج دلالات يوتوبية عبر تجربة تتنامى فيها المسافة بين الحاضر والمنتظر، وتطغي على قاموسها مصطلحات التطور، والتقدم والتحرر و الأزمة .

1-4-4: في مجال الانسان:المفارقة الكبرى في تصور الحداثة للانسان - التي يشير اليها محمد سبيلا - هي: انه عندما يجعل الانسان مركزاً مرجعياً للنظر والعمل، وينسب اليه العقل الشفاف، والارادة الحرة والفاعلية في المعرفة وفي التاريخ، فهو بنفس الوقت يكشف بجلاء عن مكوناته التحتية، ومحدداته العضوية الغريزية، والسيكولوجية ودوافعه الاولية: الجنس، العدوان، البحث عن الربح، التغذية .

النتيجة:هي أن نظرة الحداثية للإنسان تلتقي من حيث إضفاء صيغة طبيعية على الإنسان، بإضفاء صيغة تاريخية على الطبيعة، وإضفاء صبغة طبيعية على التاريخ، والفلسفة ومعظم العلوم الطبيعية تنخرط في هذه الحركة ابتداء من الفيزياء الفلكية الى الانتروبولوجيا الإحيائية .(25) وهذا المنعطف المهم عبر عن الفكر الجديد وليد مرحلة الانسنة التي تقوم على أصالة الإنسان وحريته واختياره، فالإنسان ودع العالم القديم وأصبح متحررا في أفكاره وفي إرادته ويعتمد على نفسه .

 ثمرة لعصر التنوير و الانقلاب على الرؤية اللاهوتية للعالم و الإنسان، أي هي ثمرة رؤية دنيوية و محصلة فلسفة، علمانية و دهرية، ذا المعنى فإن الأنسنة هي الوجه الآخر للعلمنة .(26)

لكن في ظل هذا التحول الذي حدث كانت هناك ولادة الى مهيمنة جديدة هي الدولة التي توسعت سلطاتها وشملة اقصاء كل ماهو ديني وحلت الفلسفة بدل الكنيسة في منح المشروعية السياسية وهذا مسار الذي سلكته الحداثة جعلها تصل الى حالة من الاصطدم بالمؤسسة الدينية معرفيا وأيديولوجيا،اذ جعل من الحداثة بوصفها مشروعا معاديا للدين، حيث كان هدفها تقديم فهم جديد إذ يخرج علي ثوابت الدين ومقدساته، بحسب الفهم الوسيط ويجعل الدوله بديل عن سلطة الكنيسة لكنها من ناحية اخرى (أن الحداثة ارتبطت بالإصلاح الديني في الغرب)(27)

 هذا احد مفكري الحداثة(ماكس فيبر) أكــد أن الأخلاق والعقيدة البروتستانتية المسيحية هي التي خلقـت المجتمع الـــــرأسمالي المتطور الذي يرتكز علي العقلانية ويتقـاطع مــع الســلطة الكـاريزمية والسلطة التقــليدية التي تعـــتمد عــلى الانفعالات والعـادات والتقـاليد والولاءات الشخـصية والعشائرية والأســرية والقبلية، فالسلطة العقـلانية هي رمز للتقدم والتحضر والكفاءة والعلم والعدالة والمساواة.

بدأ عدد متزايد من المفكرين الأحرار, والفلاسفة الأكاديميين, استخدام مصطلح “Humanism”. في ذلك الوقت عقب الحرب العالمية الأولى, نمت التوجهات الإنسانية داخل الحركات الإلحادية والعلمانية, وكذلك في الأوساط الأكاديمية، حتى تم تأسيس الزمالة الإنسانية في عام 1927 في جامعة شيكاغو، والتي أصبحتْ نقابة الصحافة الإنسانية في 1930, ولاحقاً 1941 تحولت لرابطة الإنسانيين الأمريكيين. أما في عام 1933 فقد صدر لأول مرّة في التاريخ “الوثيقة الإنسانية”, وهو البيان الإنساني الأول, تضمنت تلك الوثيقة صياغة مبادئية للنزعة الإنسانية, كتبها (روي وود سيلرز) و (ريمون براغ), وتم نشرها بواسطة ثلاثة و أربعين موقعاً, منهم رائد الفلسفة البراغماتية (جون ديوي), وبعكس البيانات والصياغات اللاحقة, أفادتْ تلك الوثيقة بـ “دين جديد”, و أوضحت أن الإنسانية حركة دينية جديدة, تفوق و تستبدل الديانات القديمة, المؤسسة على إدعاءات غيبية فائقة للطبيعة, بيد إن هذه الوثيقة الإنسانية الدينية, بالوقت عينه, أكدت على أن العقلانية و العلم هما السبيلان دون غيرهم, لتقدم وتطور البشرية, و تخلصها من آلام الوجود, وبدت “الوثيقة الإنسانية” متفائلة جداً, تستشرف مستقبلاً زاهراً للأمة الإنسانية, وبصدد التدين الإنساني فإن الإنسانيين الدينين ينطلقون في ذلك من قناعة مفادها: أن الدين يلعب دوراً وظيفياً في حياة الإنسان أقوى من الدور الذي تلعبه الآراء الفلسفية.

أن البيان السابق كان متفائلاً جداً, لكن تجاوزات النازية و أفعالها الوحشية إضافةً إلى قمع الدول الشمولية لحقوق الإنسان وتفشي العنصرية وازدياد الفقر بإطراد, هو ما دعا إلى إيجاد صيغة جديدة واقعية في آمالها وأكثر دقة مفاهيمياً. ووضعت هذه الوثيقة أبرز ملامح النزعة الإنسانية الملحدة, وتجاهلت تحديدها بأنها حركة دينية أم علمانية, وارتكزت إلى رفض الفكر الديني التقليدي و الخارق للطبيعة ” لا يوجد إله ينقذنا لذا يجب علينا ان ننقذ أنفسنا.”, وإلى مفهوم الفردانية بصياغته الإنسانية وهو في تأكيدها على استقلالية الفرد إلى أقصى حد ممكن بالتناغم مع المسؤوليات الاجتماعية, وإلى السُبل العلمية و العقلانية باعتبارها الطريق الوحيد المؤكد لمعرفة الوجود وتحسين ظروف الحياة وتطوير أساليب العيش, كذلك توجهت نحو الدعوة إلى مجتمع عالمي قائم على السلام ورفض العنصرية والاحتكام إلى محكمة دولية في حالات النزاع دون اللجوء إلى العنف, وحددت موقفاً يقف على مسافة واحدة من كلا التوجهين الاقتصاديين الرئيسيين الشيوعية والرأسمالية .

أما في نهاية القرن العشرين وفي عام 1996, اعتمدت الجمعية التشريعية العامة للاتحاد الإنساني و الاخلاقي الدولي, بيان الحد الأدنى من الإنسانية, وهو بيان تعريفي يوضح بالحد الأدنى معنى كلمة الإنسانية ونصه: “الإنسانية هي الديمقراطية، والموقف الأخلاقي في الحياة، والذي يؤكد أن للبشر الحق والمسؤولية لاختيار شكل و معنى معينيين لحياتهم. إنها تقف من أجل بناء مجتمع أكثر إنسانية من خلال الأخلاقيات المنبنية على أساس الإنسان والقيم الطبيعية الأخرى في روح من المنطق والتساؤل الحر من خلال القدرات الإنسانية, وليس الموافقة على الظواهر الخارقة المتبناة.”, وهذا البيان يمثل أول تعريف عالمي للنزعة الإنسانية.

2: بنية الخطاب الانسني والتحولات المعاصرة (من المحاكاة الى التخيل)

في هذا المطلب اردت ان اتناول سمه مميزه في الفكر الانسي هي كونه كان يحاول محاكاة رموز مهمة في تاريخ الفكر والأدب الغربي كنت اجد انها سمت هيمنة على المفكرين الانسين حتى اصبحت قارة وانا هنا اوحاول رصد جمله من الملاحظات ترد في تاريخ الافكار عن الانسنة حتى استوطنت في ذهن الدارسين لا يمكن الاحاطة بها وضمها جميعا في هذه الورقة البحثية .

ترد في الدراسات الانسية موضوعة المحاكاة بمعنى محاول تمثل او محاكاة افكار انسانية التي جاء بها ادباء او فلاسفة من اصحاب النزعة الانسانية او الانسنة،فهذا يفترض بنا ان نقوم بتأصيل المفهوم ثم تدبر الاستخدام بعد ذلك .

 2-1: على الصعيد الاول نجد ان مفهوم المحاكاة يرتبط برؤية فكرية تعود الى افلاطون وهذا ما يتجلى من خلال التصريحات التي قام بها افلاطون من الفن عامة والشعر خاصة؛ اذ اعتقد بأن " الفنان الخالق يحاكي العمل الذي يخلقه، ويكتسب شيئا من طبيعته، أو يكسبه (ذلك العمل) شيئا من طبيعته الخاصة"(28). هذه العلاقة بين الشيء والفنان مهمة في كون بينهما تأثير وتأثر كل منهما يمنح الاخر شيء من سماته او طبيعته.

 2-2: لكنها عند ارسطو تتخذ طابعا تاصيليا عند الفنان فهي صفة اصيل وعميقة الحضور لكون ارسطو اعتبر المحاكاة، هي بالإضافة إلى كونـها مبدأ سببيا للشعر والفن، فهي أيضا، وقبل ذلك، مبدأ غريزي في الإنسان، يرتبط به تهيؤ الإنسان لتقبل المعارف الأولية، كما يرتبط به الشعور باللذة الناجمة عن حصول المعرفة والتعلم لدى الإنسان.(29)

اذا هي سمت اصيلة في الانسان لكن هذا الامر لا يبدو محدداً بوضوح عند ارسطو، فكل (شيء في كتاب الشعر يرتبط أساساً بفكرة المحاكاة، والإشارات كثيرة إلى هذه الفكرة، ولكننا لا نجد لها تعريفاً ولا شرحاً واضحاً)(30). فهذا الامر يدفعنا الى تقديم تعريف لمفهوم المحاكاة؛ لأنه مهم في سياق بحثنا فهناك تقابل بين المحاكاة والتقليد فهل المحاكاة هي تقليد يبدو ان المفهومين (يؤديان معنى واحداً، فالذي يحاكي أو الذي يقلد ينحو نحو تحقيق عمل يشبه النموذج الذي يحاكيه أو يقلده)(31) ثم ان هذا المفهوم كان غير محدود في موضوع محدد دون سواه؛ بل يرى الفارابي ان هذا المفهوم شمل الفنون الاخرى اذ يقول (فإن محاكاة الأمور قد تكون بفعل. وقد تكون بقول، فالذي بفعل ضربان: أحدهما أن يحاكي الإنسان بيده شيئا ما، مثل ما يعمل تمثالا لا يحاكي به إنسانا بعينه، أو شيئا غير ذلك، أو يفعل فعلا يحاكي به إنسانا ما أو غير ذلك.) (32) .

2-3: نقد تودروف: قد تعرض المفهوم الى المراجعة والنقد حيث ظهر كونه مفهوم اشكالي قلق، كما هو الشأن إلى المترجمين الفرنسيين الحديثين لكتاب الشعر روزلين روك وجان لالو، اللذين يعرضان اقتراحا باستبعاد معنى التقليد عن المحاكاة، والأخذ بمعنى التصوير أو التمثيل. فالازاحة كبير بين المحاكاة التمثيل كما يتجلى في الفهم المعاصر في ملفوظات مابعد الحداثة،اننا في هذا التاصيل نود تبيان طبيعة العلاقة التي اقامها الانسانين مع التراث الكلاسيكي اذ نجد من يرصد اشكال من هذه العلاقة كما فعل" فرنان بروديل" الذي يستعير تعريفا يقول (يمكن أن نشير باسم الإنسانوية إلى إيتقيا قائمة على النبل الإنساني، وهي إيتيقيا تهدف في الوقت نفسه إلى الدراسة و العمل، وتعترف بعظمة العبقرية الإنسانية و قوة إنتاجاتها وتثمنها عاليا و تتصدى بقوتها إلى القوة الفظة للطبيعة الجامدة . ويظل مجهود الفرد أساسيا لكي لا يضيع أي شيء مما يؤدي إلى الرفع من شأن الانسان ومن عظمتة) يبدو ان هذا النص يعد هذا المذهب بوصفها اخلاقيات تحاول محاكاة الابداع الانساني مقابل الطبيعة، الغرض نفسه نرصد هذه اول وصف لهذا المذهب الانساني، اذ يقول غوته Goeth في مستهل فاوست الثاني أن الإنسانوية هي (النزوع ضمن مجهود لا يكل، نحو أعلى مراب الوجود) ويقول ستاندال Stendhal (فالانستنوية تؤسس لأخلاق فردية وجماعية وتؤسس لتشريع و لاقتصاد وتفضي إلى سياسة معينة، وتغذي فنا وأدبا معينين) (33)، فاذا كانت تلك الاقوال مادحه فان هناك من صب نقده عليها مثل لإيتيان جلسون الذي قال ما معناه أن إنسانوية النهضة هي العصر الوسيط الذي لا يني إلى الاتجاه الطبيعي و الواعي أو غير الواعي لأي إنسانوية، فهي ترفع من شأن الإنسان وتعتقه وتقلص من نصيب الله حتى و لو تغفله تماما . (34) لكن يبدو ان هذا النمط من المحاكاة يجعلنا نقف عند تودروف اذ يقول: فإن الذات المبدعة التي تحملت مسؤولية الكشف عن الكينونة الإنسانية المنسية، بتعبير ميلان كونديرا، و يصنع مع مصطلح الأدب أو الفن، الذين عادة ما يحدد بأنه محاكاة، غير أن تودوروف يرى أننا لا نحاكي الواقع ضرورةً، بل نحاكي كذلك كائنات وأفعالاً ليس لها وجود، لذلك فإن الأدب تخيّل. (35) يبدو ان المحاكاة هنا تقوم على محاكاة افعال واقوال وافكار وبالتالي الانسانوية هي تحفيز مناضل على طريق الانعتاق التدريجي للإنسان، واهتمام ثابت بما للإنسان من إمكانات لتحسين مصيره أو لتغييره . (36) يبدو انها محاوله من اجل اقامة رؤية بديلة تحفز عالم انسانوي علماني بامتياز يتمركز حول نصوص غربية قديمة بوصفها بديل عن النصوص الدينية المهيمنة .لكن هذا التصور للأدب تزعزع خلال العصور الحديثة، حسب تودروف، وذلك عبر طريقتين ترتبطان معًا بالنظرة الجديدة إلى العلمنة المتزايدة للتجربة الدينية، مما أدى إلى تقديس الفن. ترتبط الطريقة الأولى باستعادة صورة قديمة ترتبط بالفنان المبدع الشبيه بالإله المبدع الذي ينتج مجموعات متناسقة ومنغلقة على ذاتها. لقد تم الاحتفاظ بفعل المحاكاة، لكن تم الانتقال به من محاكاة الأدب للعالم إلى محاكاة ترتبط بفعل الإنتاج ذاته، محاكاة الفنان المبدع للإله المبدع في القدرة على الإبداع، وليس فقط في نوع وطبيعة الإبداع. (37) ترتبط الطريقة الثانية بقطع الصلة بالرؤية الكلاسيكية، وذلك عبر القول إن هدف الشعر ليس محاكاة الطبيعة، بل إبداع الجمال باعتباره تجسيدًا للكمال، وبذلك لم يعد المبدع في حديثه هو الذي تتم مقارنته بالإله بل العمل الأدبي في كماله. (38) ينطلق تودروف من ربط روح عصر الأنوار، القائمة على استقلال الفرد، بالمنظور الجديد للفن الذي دخل ضمن هذه السيرورة الفكرية الجديدة، إذ أصبح ينظر للفن في استقلاله، وكذلك ينظر لقيمة الفنان في تحرره وتحرر عمله الفني. (39) من هذا المنظور يعتبر تودروف أن مفكري القرن الثامن عشر كانوا يسعون إلى التمييز بين طريقتين؛ طريقة الشعراء، وطريقة العلماء والفلاسفة، وقد ميز، في هذا السياق، الفيلسوف والبلاغي "جامبتستا فيكو" بين اللغة العقلية واللغة الشعرية، وهما لغتان تتعارضان مثلما يتعارض العام مع الخاص. (40)

2-4: نقد ادوارد سعيد: فهذه الرؤية التي اضاءت جزء من الخطاب الإنسانوي نجد ادوارد سعيد في تاصيله الى الخطاب الإنسانوي يقدم تحليلا الى كتاب " محاكاة" لكتاب إريش آورباخ في هذا الكتاب يظهر ان الكاتب هذا ما يمكن فهمه من تحليل ادوارد سعيد لهذا الكتاب الذي يستثمر مرجعيتان في النظر الى المحاكاة بوصفها خطاب انسي في التعامل مع النصوص الاكلاسيكية الاول يعود الى أواخر القرن التاسع عشر بدأ الفيلسوف النابغ ومؤرخ الادب "فيلهلم دلتاي W.Dilthey يرى في الهرمنيوطيقا أساسا لكل "العلوم الروحية " Geisteswissens-Chaften أي الدراسات الإنسانية والعلوم الاجتماعية،أي كل تلك الأفرع البحثية التي تضطلع بتفسير تعبيرات الحياة الداخلية للإنسان سواء كانت هذه التعبيرات إيماءات أو أفعالا تاريخية أو قانونا مدونا أو أعمالا فنية أو أدبية . (41) نجد أن تلك المقولة إذا ما عطفناها على هذا التوصيف يمكن ان نتناول المسيرة الفكرية لـ"دلتاي " من خلال تبيان موقفه من الموجهات الثقافية والتاريخية إذ يخضع لهما التأويل :العلاقة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية:يظهر من خلال: التحولات العلمية من الخطاب الآلي إلى خطاب جديد مع القرن التاسع عشر التصورات المثالية التي كانت لها جذورها في الفكر التاريخي بين الوضعية والمثالية، فهي قد تعود إلى الاختلاف بين "ديكارت" و"فيكو" ولعل هذا يظهر في ان دلتاي كان متأثرا بـ"فيكو" G.Vico حول دراسة الطبيعة البشرية بوصفها ظاهرة طارئة (حادثة)Contingent تاريخية اذ كان فيكو هو خصم الأول لمنظور ديكارت للعلم والنصير الأساسي لعلم تاريخي في كتابه "العلم الجديد" إذ يرى أن هناك هوة لا يمكن اجتنابها بين البشري والطبيعي، بين ما شيده البشر وما هو معطى في الطبيعة .لم يصنع الإنسان الأعمال الفنية والقوانين وحسب، وإنما صنع التاريخ، ومن هنا يؤكد فيكو إلى أن الطبيعة الإنسانية لا يمكن أن تفهم إلا من خلال تحليل اللغة والأسطورة والطقوس. كان فيكو يؤمن بان"علمه الجديد" .ذلك انه حتى المجتمعات التي لا يوجد بينها أي اتصال توجد نفس المشاكل الوجودية (42) بين دلتاي ومحاول استعادة تجربة المؤلف من قبل القارئ ومن فيكو الذي يفصل بين التاريخ والطبيعه فيرى ادوارد سعيد (يحاجج فيكو أن البشر كائنات تاريخية من حيث أنهم يصنعون تاريخهم بأنفسهم،أو ما يسميه "عالم الأمم" . من هنا فالتاريخ قابل للفهم والتفسير فقط لأن " البشر قد صنعوه" طالما أننا لا نستطيع إدراك ما قد صنعنا بأنفسنا (تماما مثلما الله يعرف الطبيعة، لأنه هو مبدعها)(43)

 

 د. عامر عبد زيد الوائلي

جامعة الكوفة -العراق

...................

(1) http://www.almaany.com

(2) الانسانيات بوصفها مادة الدراسات الجامعية التي تُعنى باللغات والفنون والآداب والتاريخ،أو بمعنى أكثر حصرا باعتبارها دراسات المؤلفات الاكلاسيكية الإغريقية التي والرومانية .انظر: حازم خيري، مالات في الفكر الأنسي، دار المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،ط1، بيروت، 2010، ص9. وهذا الفرع من الدراسات قديم موجود في الجامعات الغربية في العصر الوسيط يقابله دراسات مهتمة او متخصصة باللاهوت،لكن هذا ولد مواقف نقدية من التراث المسيحي وميل الى العلانية وكانت هذه بداية حركة التحرر الانسية في عصر النهضة .

(3) فران بروديل، قواعد لغة الحضارات، ت: الهادي التيمومي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2009، ص386.

(4) NOELLA, BARAQUIN et autres، dictionnaire de philosophie, Armond Colin

Editeur, Paris, 1995, P: 154

(5) فران بروديل، قواعد لغة الحضارات، ص387.

(6) هنا يشير ادوار سعيد الى المواقف المحافظة التي كانت ترفض الادب الذي جاء بموقف ضد الادب الكلاسيكي اذ يشيرانموذجا منهم هو صول بلو 1915 روائي وكاتب امريكي انظر للمزيد:إدوارد سعيد الأنسية والنقد الديمقراطي، ت: فواز طرابلسي، دار الآدب،ط2، بيروت،2005، ص35.

(7) نفس المصدر،77

(8) عبد الرحمن بدوي، الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، دار القلم، بيروت،1982،ص15-16.

(9) عبد الإله بلقزيز، العرب و الحداثة، دراسة في مقالات الحداثيين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط 1، عام 2007، ص 62.

8 أفلاطون، محاورة بروتاجوراس، المرجع السابق، صـ 61

9 أفلاطون، محاورة بروتاجوراس، فقرة 326، صـ 61

(12) محمد اركون، نزعة الأنسنة في الفكر العربي، ت: هاشم صالح، دار الساقي،ط1، بيروت، 1997، ص17.

(13) أنسنة المعرفة وأزمة المحاكاة عندنا، موقع مؤمنون بلا حدود .

(14) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الاوربية في العصر الوسيط، دار الكتاب المصري، القاهرة، 1946،ص84..

(15) نفس المصدر،ص 84-86.

(16) دليل انسلم والرد عليه: وهي الرسالة التي نشرها جونيلون رسالة أسماها " الدفاع عن الاحمق " وقد رد عليه انسلم " رداً على جونيلون ".ص87-88.

(17)حازم خيري، مقالات في الفكر الانسي، ص11

(18) انظر يوسف كرم تاريخ الفلسفة الاوربية .

(19)محمد اركون، نزعة الأنسنة في الفكر العربي، ص21.

(20) حاول هابرماس ان يعالج هذا الانسام الاجتماعي وحذف الدين من الاطار العمومي فيما بعد .

(21) انظر: توماس هوبز، اللفياثان الاصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ت: ديانا حبيب حرب، دار كلمة، ط 1، بيروت، 2011، ص وانظر: أنسنة المعرفة وأزمة المحاكاة عندنا، موقع مؤمنون بلا حدود، المصدر السابق.

(22) داريوش شايغان: ما الثورة الدينية، ترجمة: محمد الرحموني، دار الفكر الجديد النجف الاشرف، ص17 .اذ يصف هذا التحول بالاتي: فستبدأ في القرن الثامن عشر الميلادي في الغرب، وهي طفرة كيفية ونوعية، أحدثت قطائع ثقافية على مستوى التاريخ البشري. ملمحها الأول كان هو الثورة الكوبرنيكية، المتمثلة في إحلال مركزية الشمس محلّ مركزية الأرض، أو من العالم المغلق المحدود إلى الكون اللانهائي بتعبير الفيلسوف Alexandre Koyré.

 (23) سروش، عبد الكريم، السياسة والدين، ترجمة: احمد القبانجي، دار الفكر الجديد،ط1، النجف الاشرف،ص199، ص10.

(24) رشيد الإدريسي: الحداثة: الأخلاق والسياسة،م فكر ونقد، الدار البيضاء،ص

(25) المصدر السابق،ص.وانظر: داريوش شايغان: ما الثورة الدينية،،ص28.

(26) علي حرب، حديث النهايات، فتوحات العولمة و مآزق الهوية، المركز الثقافي العربي، بيروت، المغرب ط: 2، عام 2004، ص 73.

(27) عوض القرني،الحداثة في ميزان الإسلام،جريدة الشرق الأوسط، الخميس 62 مايو 2005-ع 9676.

(28) أفلاطون: الجمهورية الكتاب 3 الفقرة 392-393 دراسة وترجمة د. فؤاد زكرياء الهيئة المصرية العامة للكتاب مصر 1974 ط1 ص 159

(29) أرسطو: فن الشعر ت: عبد الرحمن بدوي دار الثقافة، بيروت،1973 ص 12.

(30) عباس أرحيلة، الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين, مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 199،ص 204 .

(31) المحاكاة مرآة الطبيعة والفن، للدكتور إسماعيل الصيفي, 5، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية, ط1، 1989،ص5.

(32) الفارابي، مقالة في قوانين صناعة الشعراء كتاب فن الشعر ت: عبد الرحمن بدوي المشار إليها فيما سبق ص 150.

(33) فرنان بروديل، المصدر السابق، ص387

(34) نفس المصدر، 389.

(35) تزفيتان تودروف، مفهوم الأدب ودراسات أخرى، تر: عبود كاسوحة، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 2002، ص 8

(36) فرنان بروديل، المصدر السابق، ص388.

(37) تزفتان تودروف، الأدب في خطر، تر: عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال، ط 1، 2007،، ص 24

(38) المرجع نفسه، ص 25.

(39) المرجع نفسه، ص 29

(40) المرجع نفسه، ص 35 .اذ يشير تودوروف: وحضر هذا التصور نفسه مع "باومكارتن" الذي تصور الشعر إبداعًا لعالم ممكن بين عوالم أخرى. وقد اهتم "ليسينغ" بهذا المنظور حينما اعتبر أن العمل الفني يطمح إلى إنتاج الجمال الذي لا يخضع لغرض خارجي. ويصل تودروف إلى "كانط" من خلال كتابه "نقد ملكة الحكم" الصادر عام 1790 الذي أثر على مجموع التفكير المعاصر حول الفن، حينما أكد على أن الجمال منزه عن الغرض. يعتبر تودروف أن علم الجمال الرومانسي، الذي فرض نفسه خلال مرحلة القرن التاسع عشر، لم يأتِ بقطيعة، فقد حول مركز ثقل المحاكاة إلى الجمال وأكد استقلالية العمل الفني، هذا من جهة، ولم يكن، من جهة أخرى، يجهل العلاقة التي تربط الأعمال الأدبية بالواقع. لكن الأمر الجديد لدى الرومانسيين هو حكم القيمة الذي يصدرونه على مختلف صيغ المعرفة، والتي يمكن بلوغها عن طريق الفن، حيث تبدو لهم متفوقة على صيغة المعرفة العلمية، باعتبارها تخلق واقعًا جديدًا محظورًا على الحواس وعلى العقل.

(41) عادل مصطفى، فهم الفهم مدخل الى الهرمنيوطيقا،ص116.

(42) المرجع نفسه ص124-125. ونظر بواسطته: ماكيل كو، علم النفس الثقافي – ماضيه ومستقبله، ترجمة كمال شاهين د- عادل مصطفى، دار النهضة العربية،ط1، بيروت ، 2002، 51-58.

(43) إدوارد سعيد الأنسية والنقد الديمقراطي، ص114-115.

 

علي رسول الربيعييحمل مصطلح "سياسية" معان متعددة. تعود الأولى منها إلى الأغريق وتشتق من كلمة "مدينة"، والتي تعني: مكان مشترك لألتقاء الجماعة. فـ تتعلق "السياسية" بأي شيء يتم فعله داخل المجتمع أو من خلاله. وبشكل أكثر تحديدًا، يشير إلى اتخاذ القرار داخل الجماعة وحولها. فصنع القرار نفسه له دلالة محددة. إن تكون سياسيا، يعني أن تعيش في المدينة، كما تقول حنه أرنديت، وأن كل شيء يجب أن يتم تحديده من خلال الكلمات والإقناع وليس بواسطة الإكراه والعنف. فيشير مصطلح "سياسية" إلى طريقة محددة لصنع القرار بالكلمات وليس بالقوة. وأيضاُ بشكل متزامن إلى ما يتعلق بالقرارات. عندما نستعمل مصطلح "سياسية" في المعنى الأول، فإننا لا نتحدث عن الحياة فقط بل عن الحياة الخيرة الصالحة للجماعة. وهكذا، قد نسأل  بالنظر إلى أننا نعيش بمفهوم معين للحياة الخيّرة، من الذي يمكن أن يكون عضوا في الجماعة ولماذا؛ من يجب أن يحكم، أي من الذي له حق أتخاذ القرارات الجوهرية والمصيرية التي تتعلق بالجماعة ولأي أسباب؛ وكيف سيتم توزيع الموارد، لمن ولماذا. تبدو في هذا المفهوم، كما نرى، التجريبية والمعيارية متشابكة تماما. كما لم يظهر التمييز في هذا السياق بين المجالات السياسية والاجتماعية. فلا شيء يعتبر اجتماعيًا فقط، أي يتعلق بالحياة الخاصة خارج السياسة. لا يوجد تمييز، من هذا المنظور الكلاسيكي، بين النظرية الاجتماعية والسياسية. فالنظرية السياسية تتعلق بكيفية وتحت أي تسويغ يتم اتخاذ القرارات بشأن الحياة الجيدة في المجتمع. 

لقد تغيًر معنى مصطلح "سياسية" مع ظهور الحداثة. من أجل فهم هذا التغيير، لنعد إلى ما أشرت اليه بخصوص  الفلسفة الأغريقية الكلاسيكية، كان تعبير "سياسية" يتعلق بأتخاذ القرارات الأساسية حول شؤون المجتمع. مطلوب من المرء لأتخاذ القرار، أن تكون لديه القدرة على القيام بذلك أولا. أما إذا شاركت الجماعة بأكملها في صنع القرار، فإن عملية صنع القرار تفترض مسبقا امتلاك السلطة من قبل الجماعة بأكملها. فيشير مصطلح "سياسية" عندئذ إلى هذه السلطة الجماعية، وإلى استعمالها لأتخاذ القرارات، ويمكن اعتبار العلوم السياسية أو الفلسفة السياسية كدراسة لهذه السلطة الجماعية. هذا المفهوم مبني على افتراضين. أولاً، وجود قوة جماعية غير متمايزة أو متخالفة، لمجتمع واحد خالٍ من النزاعات وخالٍ من الصراعات. ثانيًا، يتم اتخاذ جميع القرارات الكبرى بشكل جماعي داخل  المدينة.  تغيًر كل هذا مع الحداثة، أيً أصبح يُنظر الى هذه الافتراضات بوصفها خاطئة أو على الأقل، يمكن التنازع حولها بقوة.

هناك القليل من المجتمعات غير المتمايزة أو تعمل في انسجام تام. ولا يوجد خير واحد دائم للجماعة. من المعروف كل مجتمع يتكون من أفراد وجماعات لها مصالح وقيم مختلفة ومتضاربة. من هذا المنظور، وبالنظر إلى الاختلافات الجذرية، بين  الجماعات المتعددة في أي مجتمع نجدها تتصارع على تعيين من هم صانعو القرار. لا يمكن الوصول إلى هذا التعيين الأكثر جوهرية بدون صراع ونضال. السياسية هي هذا الصراع الأساسي حول أي جماعة، وأي مفهوم للخير يسود بين الجماعة. سوف تكتشف بعض الجماعات في هذا الصراع شيئًا مشتركًا مع بعضها وخلافات عميقة مع جماعات أخرى. حيث يتم فرز اصدقاء واعداء في مجريات هذا الصراع. وهذا هو السبب في أن السياسة غالباً ما تنطوي، كما أشار كارل شميت – في مفهوم السياسة- على الأصدقاء والأعداء. فلا أحد  يمكنه  التخلص من الانحياز في السياسة.

ثانياً، نادراً ما تتخذ القرارات من قبل كل الأفراد الموجودين في الساحة العامة التي تصنع فيها القرارات. فكما هو معروف، لم يشارك الجميع في اتخاذ القرارات، فلم تمارس السلطة من قبل الجميع حتى في المجتمعات الأغريقية، حيث أستبعد العبيد والنساء والأجانب من عملية صنع القرار. فتتخذ القرارات نيابة عن الجماعة بأكملها من قبل أولئـك الذين يقومون باستبعاد الآخرين من العملية. تكون لدى بعض الناس القدرة على اتخاذ قرارات بشأن الجميع لأنهم يمارسون السلطة على الآخرين. لم يكن هذا جليًا في ذلك الزمان. فالناس الذين  عاشوا في ذلك الوقت لم يروا  أوضاعم كما نصفها اليوم. ربما كان أحد الأسباب وراء عدم رؤيتهم هو أن المفهوم الكلاسيكي للسياسية كان  يتخفى تحت مفهوم  آخر. أو ربما يعود الى عدم  وضع  السؤال بشكل صحيح: من الذي يمارس السلطة فعليًاً؟ و من الذي يقرر؟

مع ظهور الحداثة، أصبح هذا المعنى الآخر للسلطة أكثر وضوحًا. فالمعنى التقليدي للسلطة، مثل القدرة الجماعية على اتخاذ القرار بشأن الجماعة، قد تم حجبه بالكامل واستبداله بالمعنى الثاني للسلطة، أيً قدرة بعض الناس على أتخاذ القرارات بدلاً عن الأخرين  وقد تكون بطريقة تعيق من تحقق مصالح هؤلاء الآخرين، مما يؤدي إلى تهميش و يستثنيهم، بحيث يتم تركهم بلا قدرة على اتخاذ قرارات تتعلق بشؤونهم أو شأن أو المجتمع بأكمله.  تتجلى السلطة من خلال ممارستها على الآخرين،  فيشير مصطلح "سياسية" إلى هذه السلطة على الآخرين. ثم جاء العلم السياسي ليعنى بالتحقيق التجريبي في ممارسة هذه السلطة، أما النظرية السياسية، فهي التفكير الأكثر عمومية حول العمليات والآليًات والمؤسسات والممارسات من قبل البعض والذين يستثون منها الآخرين في عمليًة اتخاذ القرارات. ويصبح السؤال المركزي: من يملك السلطة على من، وكيف؟

يقود هذا المفهوم للسياسة الى اتجاهين. أولا، إذا كانت عملية صنع القرار، بالضد ما رأت أرنديت، فهي تعني تُسكت الناس وتغلق النقاش لتسهيل اتخاذ القرارات التي لا خلاف عليها، و تكون بالتالي، نهائية، موثوقة، ومطلقة. والسياسي هو الذي ينهي كل الحوار بحيث يمكن أن يبدأ المونولوج. القائم بالمونولوج هو صانع القرار، هو السيادي والسياسي هو مجال السيادة. لا يستبعد هذا التصور النقاش والحوار ولكن  يضعه خارج المجال السياسي ايضاً. قد تكون المناقشة عقلانية وبارعة ولكنها في النهاية هي ثرثرة غير مهمة لأتخاذ القرارات الرئيسية طبقاً لهذا الأتجاه. بدلا من ذلك، يعترف هذا الأتجاه بوجود مساحة للحوار حول صنع القرار، ولكن بما أن طبيعة المجالات الداخلية المتباينة والمتعددة الأشخاص لا يمكنها أن تولد أي قرار نهائي وغير متنازع عليه، إن مثل هذه القرارات خارج نطاق السيادة، وبالتالي خارج نطاق السياسية. قد  تولد القرارات العامة في المساحات الحوارية ولكن كل استثناء للعمومي ينتمي إلى نطاق السيادة. ثم تصبح السياسة إلى حد كبير المساحة التي يقرر فيها السيادي الاستثناءات.

ظهر معنى آخر في ظل ظروف الحداثة عندما كانت المواقع الرئيسية في عملية صنع القرار منفصلة نسبيًا عن باقي المجتمع وتركزت في مجموعة محددة من المؤسسات التي حددها مصطلح الدولة (و ترتبط هذه النقطة بمفهوم الاجتماعي الذي يتميز عن السياسية). إذا كانت السياسة، التي تعتبر بمثابة تحقيق شامل لدراسة سلطة اتخاذ القرار، فإنه مع  مولد الدولة الحديثة اصبح الهدف الرئيسي لدراسة العلوم السياسية والنظرية السياسية هو الدولة. وتم تعريف مصطلح سياسية بأي شيء يخص الدولة وليس للمجتمع بأكمله. تدرس العلوم السياسي النظرية السياسية كيف ، ولأي سبب ( مصالح، قيم)، وبأي مبرر تصل مؤسسات الدولة - الحكومة ، والقضاء ، والبيروقراطية ، والجيش ، والشرطة ، إلخ - إلى قراراتها (خطط، برامج، مواقف). من ناحية أخرى ، يدرس علم الاجتماع والنظرية الاجتماعية جميع تلك البنى والعمليات والمؤسسات التي تقع خارج الدولة. استمر بعض الناس في الاعتقاد بأن دراسة الدولة هي دراسة كيفية ممارسة السلطة نيابة عن جميع الأفراد وصلحتهم الذين يشكلون مجتمعًا معيناً. ورأى آخرون، متشائمون من وجهة النظر هذه، أن العلوم السياسية والنظرية السياسية هي دراسة كيفية اتخاذ هذه المؤسسات لقرارات رئيسية نيابة عن نخبة صغيرة أو طبقة مهيمنة تستبعد مصالح الطبقات الأقل مرتبة أو الأفراد الخاضعين.

لدى مصطلح "سياسية" على الأقل سبعة معان مختلفة، نلخصها بما يلي:

أولاً: القوة الجماعية لإنتاج قرارات حول كل جانب من جوانب الحياة الخيرة أو الصالحة في المجتمع. ونلاحظ  هنا تشير السياسة إلى السلطة والقيم الأخلاقية.

ثانياً: الصراع بين جماعات مختلفة  بشكل لا يمكن اختزاله حول من هم سيكونون صانعي القرار وأيً مفهوم للخير يسود.

ثالثً: سلطة بعض المجموعات للسيطرة على الآخرين أو إخضاعهم  من أجل تحقيق مصالحهم الضيقة لا مصلحة المجتمع ككل. باختصار، أن تجعل الآخرين يقومون بأشياء قد تتعارض مع مصالحهم. يستعمل مصطلح "سياسية" هنا  لربط السلطة والمصالح الذاتية.

رابعاً: سلطة صاحب السيادة لإسكات الآخرين واتخاذ قرارات نهائية غير متنازع عليها، حول القضايا الاستثنائية في ظروف استثنائية خاصة. ويشير أيضا إلى السلطة المتجسدة في جهاز مركزي مستقل، وهو، الدولة.

خامساً: تستخدم سلطة الدولة لتحقيق المصالح / القيم المشتركة.

سادساً: تستخدم سلطة الدولة لممارسة الهيمنة من قبل جماعة على غيرها.

سابعاً: هناك نظرة للسياسية بأنها تميل الى بعض المفاهيم التي ذكرتها للتو وتعارض آخريات ولكن يبدو أنها تنحرف جذريا من الجميع. تستمر السياسة مجالًا للسلطة، طبقاً لهذا المفهوم، لكن سلطة لا تصدر عن السيادة، تتجسد أقل في مؤسسات الدولة وأكثر في المؤسسات والأعراف الاجتماعية التأديبية أو الأنضباطية (المستشفيات والمدارس والسجون ودوائر الرفاه الاجتماعي). وتكون هنا وظائف السلطة أقل من اصدار الأوامر أو السيطرة المباشرة على الآخرين وأكثر لجعل الجميع يتفقون. تندمج السياسة ، هن، مرة أخرى مع ما هو اجتماعي وما تفعله أقل من توليد هيمنة (فردية أو جماعية أو ذات سيادة) أو تحقيق قيم أخلاقية ومزيد من التوافق مع  النظام، مهما كانت طبيعة النظام.

ولكن كيف يمكن (1) أو (5) أن تتعايش، مثلا،  مع (3) أو (6)؟ كيف يمكن لجماعة بأكملها اتخاذ قرارات عندما تستبعد جماعة أخرى من اتخاذ القرارات الجماعية؟  ربما نقول في هذه الحالة أن هناك انشقاق حدث بين التجريبي والمعياري. قد يتم استبعاد الجماعة التابعة أو الخاضعة من صنع القرار ولكن قد تكون لدى هذه الجماعة الرغبة في صوغ عالم جديد يشارك الجميع فيه لأتخاذ قرارات تتعلق بالمصالح والقيم المشتركة. ثم أصبحت (1) و (5) مفاهيم معيارية / أخلاقية تلتقط شيئًا ما لم يتم تحقيقه حتى الآن أو تتحقق بشكل هامشي جدًا، بينما (3) و (6) تقبض على ما هو موجود فعليًا على أرض الواقع. رغم أن هذا المعنى الأخير يبقى ذو صلة بما تقدم  ولكن لا يزال مختلفًا عن الكيفية التي تصوّرنا بها (1) حتى الآن. ربما لاحظ القارئ أن (1) يشير حتى الآن إلى الحياة الجيدة للمجتمع، إلى قيم مجتمعات محددة. ولكن ماذا لو بدأنا في استعمال مصطلح "سياسيm" من أجل القيم المشتركة للإنسانية بأكملها  مجردة من كل من السلطة ومجتمعات محددة؟ ماذا لو كان يشير إلى قيم مشتركة لجميع الكائنات الحية؟  تتوافق هنا المدينة مع العالمية. إذن ينقسم (1) إلى قسمين ويعطينا المعنى الثامن للسياسية.

يشير المعنى الثامن إلى القيم المشتركة للبشرية بأكملها، وحتى الى جميع الأنواع الحية. وأشير أيضا  الى أن المجال السياسي قد يشمل فن تخيل القيم الجديدة وابتكار عوالم جديدة كذلك. و بما أن المعنى الثامن يشير إلى عوالم محتملة، فيمكن أن يتم أستخلاصها الى أقصى الحدود من الحياة القائمة بالفعل. وهكذا، نستعمل اليوم مصطلح "سياسية" في كافة المعاني الثمانية ، وكلا المفهومين  التجريبي والمعيارية.

إذن، النظرية السياسية هي شكل معين من أشكال التفكير المنهجي المعتمد على اللغة (مع كل "المميزات الستة المذكورة سابقاً)  وهي كما ما يلي:

1- القدرة الجماعية على اتخاذ القرارات حول الحياة الجيدة للمجتمع (كان هذا هو المحور الرئيسي لبحث أو أهتمام النظرية السياسية الحديثة  ، المعيارية والتجريبية ، التي تتعامل مع المؤسسات العامة للدولة القومية).

2- الصراع الجوهري حول من سيكون صناع القرار والذي سيسود مفهومه للخير (نظريات تجريبية مثل النظرية الماركسية للصراع الطبقي ونظريات كارل شميت عامة).

3- الآليات التي تمارس بها السلطة من قبل مجموعة على أخرى (و يحدث هذا على المستوى دون الوطني والمستوى فوق الوطني. وقد استجوبت الكثير من النظريات السياسية الحديثة كيف سيطرت الجماعات العرقية، والذكور، والطوائف، والطبقات على الأقليات، والشعوب الأصلية، النساء، المنبوذين، الفلاحين الفقراء، والعمال في الدول القومية. النظرية السياسية تعاملت أيضا مع الاستعمار، الإمبريالية، الهجرة، والشركات  العابرة للدولة الوطنية).

4- سلطة صاحب السيادة على إسكات الآخرين واتخاذ قرارات نهائية غير متنازع عليها ، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الاستثنائية في ظروف استثنائية (دراسة سلطة الطوارئ في ظل ظروف الحرب والإرهاب وكيفية محاولة ان تكون هذه السلطة وكأنها حالة طبيعية حتى بعد تهديد الحرب والإرهاب تنحسر).

5- استخدام سلطة الدولة (قوة المؤسسات المختلفة بما في ذلك الحكومة) لتحقيق مصلحة المجتمع (الدراسة التجريبية والمعيارية لدول الرفاهية الحديثة والدول العلمانية والديمقراطيات الدستورية).

6- استخدام الدولة من قبل مجموعة واحدة لممارسة السلطة على المجموعات الأخرى.

7- القيم والمبادئ التي يحكم بها حياة مجتمع معين ودولته، وتقدم بشكل مجرد مسائل السلطة والمصالح (النظرية السياسية المعيارية المعاصرة تقدم أمثلة وافرة عن هذا الوضع).

8- القوة المتجسدة في الأعراف والمؤسسات الاجتماعية لتوليد توافق النظام (نظرية تجريبية مستوحاة من فوكو).

9- يمكن أن تكون هناك نظرية سياسية كبيرة تعكس الحالة العامة للبشرية جمعاء أو قيم يمكن للبشرية أن تحكم حياتها من خلالها ( قد نذكر، هنا، ليس فقط الدراسات المجردة عن النزعة الإنسانية، نظرية كانط عن الأخلاق العامة والعدالة، نظريات حقوق الإنسان ولكن أيضا النظريات التجريبية والمعيارية التي ترتكز على زيادة أهمية القضايا البيئية العابر للحدود الوطنية مثل الاحتباس الحراري العالمي وتغير المناخ ونضوب الأوزون والتهديد النووي والتدخل الإنساني والكوارث الاقتصادية العالمية التي تؤدي إلى الفقر والبطالة والمجاعة. كل هذا يثير قضايا جديدة تتعلق بالعدالة والمسؤولية العالمية).

لقد قدمت قائمة شاملة ومفصلة عن السمات البنيوية للنظرية والسياسة. إنه من المفترض أن تؤدي المعاني المتعددة للنظرية وللسياسية إلى تصورات مختلفة عن النظرية السياسية. وبالنظر إلى هذه الاختلافات، ما يزال معنى النظرية السياسية ووظيفتها موضع خلاف عميق ومسائل السياسة مثيرة للجدل.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

علي رسول الربيعيبعد فشل سياسات التجريب فيما كان يسمى العالم الثالت، ولا سيما في الدول العربية ما بعد الاستعمار اصبح من مما له راهنيه هو التفكير في السياسة بطريقة مختلفة عن سابقها وإعادة النظر فيها. والمنطلق الأول لإعادة النظر هذه، هو تجاوز سياسات التجريب من خلال إعادة الاعتبار لأهمية النظرية السياسية في التفكير والممارسة السياسية. ومن هذا الموقع نرى ضرورة التفكير في النظرية السياسية فيما تعني مِن أُسِسها ومُقوماتها.

ما الذي يجعل قضايا معينة توصف بالسياسية؟ قد يكون تميزها بهذا الوصف عندما ترتبط ببعض مؤسسات الدولة مثل: السلطة القضائية، الحكومة، السلطة التشريعية. كما تشير إلى سلطة اتخاذ القرار في هذه المؤسسات. هل يُبنى على ذلك أن المصطلح "سياسية" يشير إلى أي مؤسسة عامة تملك سلطة اتخاذ القرارات وإجراءاتها؟ تمتلك القرارات القدرة على التأثير على كل عضو من أعضاء المجتمع المعني تقريبًا، حتى عندما يبدو أن قرارًا معينًا يستهدف مجموعة محددة، فإنه يرتبط ويؤثر على المجموعات الأخرى. فهل يشير مصطلح "سياسية" إلى السلطة المشتركة لاتخاذ قرارات حول الحياة المشتركة للمجتمع؟

إنه سيكون من الخطأ أن نختزل هذا المصطلح بهذه القوة المشتركة لمؤسسات الدولة فقط. فلو أخذنا بنظر الأعتبار مثال المنظمات النسائية (التي بدأت تنتشر في الدول العربية)  والتي تحتج على الإقصاء أو المعاملة غير المتكافئة للنساء. يعتبر هكذا عمل من قبل مجموعة من النساء طبقا لفهم  معنى الـ "سياسية"  هذا  ليس سياسيا. لكن لماذا؟ لأن المنظمات النسائية ليست جزءًا من الدولة. ولكن بالتأكيد، أي فهم بديهي لمثل هذا العمل يُعتبر سياسي، وعليه فإن مثل هذا الاحتجاج من قبل مجموعة نسائية هو أمر سياسي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذا يجبرنا على تغيير أو توسيع فهمنا لمصطلح "سياسية". ليس هذا الاحتجاج سياسياً فقط لأنه عمل جماعي من قبل مجموعة ضد بعض ممارسات اجتماعية مستمرة أو قرار حكومي به تمييز ضد النساء ولكن أيضاً لأن الهدف الأساسي من هذا الاحتجاج، ألا وهو معاملة النساء غير المتساوية هو جزء مما نفهمه بمصطلح "سياسية".

تشير النظرة المتفحصة عن قرب الى أن السياسية هي ذلك المجال أو البعد في حياتنا الجماعية الذي نناضل به من أجل مصالحنا، ونقدم به ادعاءاتنا، بما في ذلك مطالباتنا الأخلاقية، على بعضنا البعض، حيث يتم التنازع على القضايا الهامة والعاجلة ايضا. فالمطالب، والاحتجاجات، والشكاوى لا يمكن إلا أن تولد الصراع. فيبدو أن السياسية جزء مكون من  طبيعتها هو النزاع أو الصراع. أخيراً، قد ننظر إلى السياسة بمعنى مختلف. وهو أنها قد تتضمن رؤية لعالم مستقبلي  يكون فيه الجميع متساوين.  لدى الكثير منا رأي حول معظم هذه القضايا السياسية. يهتم بعضنا بالبحث عن تفسير ما إذا كان هناك أي دوافع وراء أعمال هؤلاء الفاعلين في الشأن السياسي؟ هل تخدم أفعالهم مصلحة المجتمع بأكمله، أم المصالح الضيقة لطبقة أو جماعة معينة، أو ربما تخدم نخبة سياسية صغيرة؟ على سبيل المثال، قد يجادل البعض بأن مسألة هوية جماعة معينة تستخدم لتعزيز مصالح فئة من هذه الجماعة، بينما يدعي آخرون أن الهوية ليست هي القضية، وأن الدافع الحقيقي وراء كل إجراء سياسي هو المصلحة الطبقية. أو قد يكون عدم  تنفيذ مطالب بعينها ناجماً عن تحيزات مؤسسية نظامية كامنة تعبر عن طبيعة وعي من يمسكون بمواقع السلطة.

هل تقوم النظرية السياسية بالطريقة نفسها التي يجري بها تفسير فعل أو ممارسة أو حدث؟ لا يبدو هذا كذلك. فعلى الرغم من أن التفسير هو جزء من النظرية السياسية لكنه بالتأكيد ليس كلها. ويعود ذلك لسببين مختلفين. أولا، لأن لا يشكل التفسير في حد ذاته نظرية. إذا قلت أنني سقطت لأنني تعثرت بدون علم على حجر أكون قد قدمت تفسيراً عن سبب سقوطي، لكن هل عرضت نظرية عما حدث؟ أو إذا قلت إن الولايات المتحدة قد غزت العراق للحصول على النفط بسهولة، سأكون قدمت بعض التفسير لماذا تصرفت الولايات المتحدة بالطريقة التي تصرفت بها. ولكن هل يمثل هذا نظرية؟ بالتأكيد لا ولكن لماذا؟ ربما لأن تفسيراً واحداً لا يقدم نظرية. مطلوب بعض المقومات الأخرى، بالتزامن مع التفسير لتصبح نظرية تفسيرية. ثانيا، ليس جميع النظريات تفسيرية. هناك أنواع أخرى من النظريات (النظريات التتبريرية أو التسويغية). على سبيل المثال، توفر بعض النظريات مبررات أو مسوًغات لإجراءات أو لأفعال تحدث. فمثلا قد يدين بعضنا بصمت الحقوق المتساوية للمرأة في الأرث أو يبرر قسوة الشرطة. قد يختلف الآخرون ويشجبون اسلوب الشرطة هذا بوصفه انتهاكا لأبسط حقوق الإنسان، أو يبتهجون للمساواة في الأرث لأنه يعالج قضية جنسانية مهمة تم إهمالها حتى الآن. لاتشكل هذه الأراء التبريرية نظرية ولكنها قد تكون من مكوناتها الأساسية. علاوة على ذلك، يعبر شجب اسلوب الشرطة عن موقف تقييمي بشكل سلبي. فجميع التبريرات تفترض التقييم، وأن وراء هذه الأحكام التقييمية قضايا أعمق. لماذا يجب، مثلاً، معاملة النساء والرجال على قدم المساواة؟ وما هو الرد المناسب من قبل الحكومة على عمليات القتل الجماعي؟ ما العلاقة بين ضمان التوظيف للجميع والعدالة الاجتماعية؟ ما هي الوظيفة الصحيحة للشرطة في دولة ديمقراطية. نلاحظ  كثيرا ما يتم ضرب العمال المحتجين بسبب عصيانهم للدولة. لكن لماذا يجب أن نطيع الدولة على الإطلاق؟ لماذا يجب أن نكون مواطنين يحترمون القانون؟ مثل هذه الأسئلة لها علاقة بالصواب والخطأ، الخير والشر؛ أيً ، بالأخلاق، والمعيار. قد لا تشكل الإجابات عن هذه الأسئلة من تلقاء نفسها نظرية، لكن ما هي السمات الإضافية الضرورية لكي تصبح نظرية؟ تتبادل النظرية السياسية الخصائص مع نظريات ظواهر أخرى. فقد يكون لها بعض السمات المشتركة مع نظريات الفيزيائية أو البيولوجية. ومع ذلك، بحكم كونها نظرية سياسية لابد من أن تمتلك خصائصه الذاتية التي تميزها. تفصل بعض هذه الخصائص أو السمات النظرية عن نظريات العلوم الطبيعية ولكن لاتفصلها من نظريات تتعلق بشؤون الإنسان بشكل عام. ينبغي أن تنشأ  خصائصها المميزة من تركيزها على السياسية. نوجز في ما يلي، الخصائص الأكثر شمولية لأي نظرية، وعلى وجه الخصوص الخصائص لنظرية تتعلق بالوضع البشري وبالعمل أو الفعل. من أجل القيام بذلك، نربط النظرية ونميزها عن الأشكال الأخرى من التأملات أو التفكير مثل الفن والأدب ووجهات النظر الدينية عن العالم. أخيراً ، نسأل السؤال "ما هي السياسية" ، ونوجز السمات المحددة للنظرية السياسية.

مميزات النظرية

النظرية أحد أشكال التعبير المنظومية المنهجية المتناسقة التي تعتمد على اللغة، وهي تختلف عن أشكال أخرى من التفكير. فتختلف عن المقال الذي له شكل معين يمزج بين الوصف والتحليل الموجز، ويختلف عن الحوار المكتوب وكذلك عن الشعر والحكايات الشعبية والقصص والأساطير. تعبر النظرية، شأنها شأن تعبيرات أخرى، في وسط معين عن عالم مفاهيمي، وتحيا عمليًا بواسطة مجموعة محددة من الفاعلين أو العوامل البشرية. وتعبر عن ذلك بطريقتها الخاصة. ما الذي يميز النظرية عن التعبيرات الأخرى المعتمدة على اللغة؟ سأقدم هنا ستة ميزات للنظرية، تشترك أربعة منها مع الفلسفة واثنين خاصة بها كنظرية.

تتعلق الميزة الأولى بالبنية الداخلية للمفاهيم، وكيفية ارتباطها ببعضها البعض، وكيف تتشكل في مجموعات، وكيف تعيًن بدورها حدودها الخاصة. يركز الفيلسوف أو المنظّر - سأستعمل هذه المصطلحات بشكل تبادلي - على معنى الكلمات/ المفاهيم، وعلى الطرق المختلفة التي تُستعمل بها الكلمات بحيث يمكنه في النهاية الإجابة عن أسئلة، ما هي العدالة مثلا؟ ما معنى عبارة "الثورة الاجتماعية" وكيف تختلف عن "الإصلاح الاجتماعي "أو" الهندسة الاجتماعية "؟ ما هي الفكرة الأساسية للحرية، إذا كان هناك فكرة اساس واحدة؟ ما هي التفسيرات المختلفة لهذه الفكرة الأساسية؟ ما هي العلاقة بين الحرية والمساواة؟ وبين الحرية والعدالة؟ ما الذي يميز السلطة عن النفوذ أو القوة أو العنف أو الإقناع؟ نستعمل في الحياة العادية، الكلمات بشكل أو بآخر، ولا نضطر عادة إلى طرح مثل هذه الأسئلة. ولكن يجب على الفلاسفة طرح هذه الأسئلة وفهمها بطريقة معينة. عندما يُسألون ما هو الوقت، لا نتوقع منه النظر إلى ساعاتهم وإخبارنا بالوقت الدقيق لهذا اليوم. يُتوقع من الفلاسفة أن ينقلوا إلينا ما معنى الوقت أو الزمن وماذا يعني لنا أن نعيش في الزمن. وبالمثل، إذا طُرح سؤال على فيلسوف حول الاحتياجات الأساسية، فلا يُتوقع منه أن يقدم لنا قائمة بأكثر رغباتنا إلحاحا، بل ليجعلنا نفهم كيف تختلف الاحتياجات عن الرغبات العادية وما هو الفرق بين أكثر ما نحتاج إليه وما لا يمكن تفاديه أوأن نعيش بدونه.

لا نهتم عادةً باستعمال كلمة ما حرفياً أو مجازًا أو كليهما طالما تخدم غرضنا. يستعمل الشعراء والروائيون وكتاب المقالات كلمات باسلوب  شخصي عن وعي وبحرص شديد، ولكن ليس من شأنهم أن يشرحوا لماذا اختاروا استعمال هذه الكلمة بدلاً من كلمة أخرى أو عمل صلات واضحة بين المفاهيم المختلفة. ان هذا من وظيفة الفيلسوف بوصف الفلسفة جزء من النظرية أو التفكير النظري، ووظيفة المنظر هي تحقيق هذا بالضبط. إن الحساسية تجاه شبكة المفاهيم والالتزام بصياغتها هي الميزة الأولى للنظرية.

دعني أوضح هذا بمثال آخر. لنفترض أن أحدهم دعى الى الحرية: يجب أن نكون جميعًا أحرارًا!

بدايةً، يجب أن يفهم الناس ماذا يعني أن تكون حراً. بمجرد فهمهم لمعنى الحرية أو بالأحرى المعاني المختلفة لها، قد يسألون لماذا يجب أن يكونوا أحرارًا  أو، على الأقل، لماذا يجب أن يكونوا أحرارًا في هذا المعنى بدلاً من بعض المعاني الأخرى. (في زمن مضى قامت بعض تقاليد النظرية السياسية إلى تقليص دور النظرية على تحليل المفاهيم السياسية، رغم تجاوز هذا لاحقا الا أنه يبقى للتحليل المفاهيمي أهمية  كبير جدا كجزء من النظرية السياسية). أن تكون متحررا من شيء ما هو  أن تتخلص منه. وما ترغب في التخلص منه لابد أن يكون شيئًا ما تقيمه بشكل سلبي. عادة ما تسمى في الأدبيات المتعلقة بالحرية، الأشياء التي ترغب في التخلص منها بالقيود. لذلك أن تكون حراً هو أن تكون  تخلصت من القيود. لكن ما هي طبيعة هذه القيود؟ من المؤكد أن أفكارنا حول الحرية تعتمد على فهمنا لماهية هذه القيود. هل هذه القيود مادية بحتة؟ خذ المثال النموذجي للحرية. يعتبر الانسان المقيد في سلاسل التخلص من هذه السلاسل هو الحرية. وبالطريقة نفسها، يصبح السجناء احرار فور اطلاق سراحهم. نلاحظ قد تغيًر مفهوم القيد بالفعل مع هذا المثال الأخير؟ المسألة هنا ليست مجرد فكرة القيود المادية ولكن القانونية أيضاً. قد يكون الشخص وضع وراء القضبان لأنه تم القبض عليه يسرق. إنه قام بالسرقة لأنه كان حرًا و تم سجنه لأنه من  غير القانوني للقيام بذلك. أنه كان حرًا فتمكن من السرقة ومع ذلك، تم سجنه لأنه من غير القانوني القيام بذلك.

هل هذا كل ما في الحرية؟ لاحظ أن القيود المادية والقانونية هي خارجية. فقد يكون الشخص غير حر ليس بسبب وجود قيود جسدية وقانونية -  ولكن بسبب الحواجز النفسية، والعقبات الموجودة في تكوينه العقلي. لنفترض أن عبدا تم إطلاق سراحه و أصبح الآن مساويًا من الناحية الشكلية والعملية لسيده السابق. ولنفترض أن كلاهما يتنافسان في امتحان مفتوح،  ينجح السيد السابق في الأمتحان بشكل جيد، إلا أن العبد السابق لا يستطيع أداء الأمتحان بنجاح. لقد أخذت منه  قرون من العبودية الثقة الذاتية الأساسية اللازمة لأداء ناجح. وهو غير قادر على تحقيق أهدافه ليس بسبب القيود المادية أو القانونية وإنما بسبب القيود النفسية الداخلية. إن الذي يتصور مفهوم الحرية بمصطلحات مادية أو قانونية بحتة لا يستطيع أن يستوعب آلية عدم الحرية التي تعمل هنا. ويمكننا كذلك التحدث عن قيود ليست خارجية بحتة ولا داخلية بحتة، لكن من كلاهما، الا وهي القيود الاجتماعية. يكون الشخص حرًا ماديًا وقانونيًا للدخول إلى نظام التعليم العالي. لقد نجح في امتحاناته المدرسية، وهو ما يكفي للحصول على مكان في كلية عالية المستوى. لكن التعليم العالي مكلف. ولا توجد إعانات أو منح دراسية. فرغم أن الشخص واثق من أنه سوف ينجح  ولديه كل الأسباب ليشعر بذلك. ولكن لأنه لايحصل على إعانات أو منح دراسية فأنه لا يستطيع الحصول على التعليم العالي.  أنه يعاني من الفقر وهذا ما يشكل  قيدًا اجتماعيًا اقتصاديًا كبيرًا على ما يود فعله. يتضمن هذا مفهوم مختلف للحرية:  فهناك غير القيود المادية والقانونية والنفسية وهي الاجتماعية والاقتصادية.

ركزنا حتى الآن على القيود. غير أن مفهومنا للحرية يتغير مع أفكارنا حول ما نرغب فعله بمجرد تحريرنا من القيود أيضاً. يزعم البعض أنه يكفي أن نكون قادرين على الوفاء بكل ما نتمناه حاليا. إذا كنت أرغب في التدخين ولا توجد قيود تمنعني من القيام بذلك، فأنا حر. يرى آخرون بأن التركيز على الرغبات غير المثمرة يسىء الى فهم مسألة موضوع النقاش حول الحرية. يعمل هؤلاء الناس الآخرون مع مفهوم أقل عقلانية وأكثر قوة من العقل ويعتقدون ويجادلون بأن المرء يتمتع بالحرية فقط عندما يكون هناك غياب للقيود وفرصة حقيقية للقيام بما نقيمه ليكون جيدًا لنا. من وجهة النظر هذه، إذا كانت المعلومات التي تفيد بأن السجائر ضارة بالصحة متاحة لنا ولكننا نواصل الرغبة في التدخين وتحقيق هذه الرغبة، فإننا في الواقع لا نتحرر. نحن لسنا أحرار لأننا نستسلم لعادة أو إدمان فنتجاوز تماما، أو نتجاهل، أو نتهرب من ما يقوله عقلنا ما هو جيد بالنسبة لنا. أن تقع فريسة للرغبات الظرفية غير القيًمة، تعتبر من وجهة النظر هذه، أنك غير حر. الحرية هي شرط من شروط الحياة والقيام بالأشياء التي يتم تقييمها لتكون جيدة بالنسبة لنا، ولتحقيق الرغبات التي يستحق أن يكون لها قيمة في المقام الأول. يؤدي هذا الرأي إلى فكرة أن الحرية متطابقة مع تحقيق الذات. إن التفصيل الموسع  للمفاهيم المختلفة للحرية هو أحد مهام  النظريات السياسية. المهمة الأخرى هي تقديم السبب لأختيار مفهوم معين للحرية بدلا من مفهوم أخر. إنه بالأحرى تقديم تسويغ لماذا  مفهوم معين أفضل من المفاهيم الأخرى .

وهذا يقودني إلى الميزة المميزة الثانية للنظرية، وهي أن كل ما يقال ويفعل، هو مشروع عقلاني، حيث يفهم مصطلح العقلاني هنا على نطاق واسع بوصفه يعني أن الاستنتاج الذي اصل اليه له أسباب تكمن خلفه، لا يعني هذا القول ضمناً أن الفلاسفة أو المنظرين لا يعتمدون على الغرائز أو العواطف أو ومضات البصيرة، ولا يعني أيضاً أن التحقيق الفلسفي أو النظري يجب أن يمتلك بنية حجة محددة من النوع الذي يقول به علماء المنطق على الرغم من أن بعض الفلسفات والنظريات قد يكون لها هذا النمط.. ولكنه يعني عندما يقوم الفلاسفة والمنظرين بتأكيد  قضية أو اقتراح ما، يجب عليهم ذكر سبب قيامهم بذلك. وبعبارة أخرى، يجب عليهم إعطاء سبب. قد لا نكون راضين، مثلاً، عن تقديم سبب واحد والتوقف عن  التسـاؤل عند هذه المرحلة. فيمكن أن يكون هناك سببٌ لسبب سبق تقديمه وسببٌ سبَّبَ السبب الأولي. بعبارة أخرى، هناك سلسلة من الأسباب التي لا يمكن الاستغناء عنها في العمل النظري أو الفلسفي سواء تم الأشارة اليها بصورة مباشرة أوغير مباشرة. هل يعني هذا أننا نستطيع الوصول إلى السبب النهائي، سبب لا يوجد بعده سبب، وهو أساس لكل الأسباب؟ يبدو أن بعض الفلاسفة مهووسين بفكرة السبب النهائي أو المسوغ النهائي لحدث أو فعل. لكن أشك في أننا لا نستطيع أن نصل إلى القاع الأسفل لكل الأشياء.

خذ عن سبيل المثال النظريات العلمية. لنفترض أن أحداً أدعى أن الماء مركب. يجب عليه في هذه الحالة أن يدعم أدعاءه هذا ببعض الأدلة التي تثبت أنه يتكون من عنصرين هما الهيدروجين والأكسجين، وأن هذه التركيبة ليست مجرد مزيج  لخصائصهما، بل هي مادة جديدة ذات خصائص ذاتية. علاوة على ذلك، يجب أن يكون هذا الدليل مدعومًا بمزاعم أكثر عمومية حول الآليًة التي تتم بها هذه العمليًة.

يضيء العنصر العقلاني في النظرية سمة أخرى من سماتها الهامة، وهي الميزة الثالثة، أنها التطلع إلى الحقيقة والموضوعية. المطلوب أن يكون هذا الادعاء شديد الحذر لكنه واضح. فليست النظريات الاجتماعية والسياسية صالحة لكل زمان ومكان. فمعظم النظريات تعتمد على السياق، وبالتالي، تقتصر على أوقات وأماكن محددة. هناك فقط بعض النظريات الاستثنائية التي تكون عابرة للزمان والمكان. انها قابلة للتحقيق لكن على أي حال هي في النهاية محدودة جداً. يجب أن نتخلص من الوهم القائل بأننا مثل الله، فيمكننا نحن البشر أن نقف خارج كل وجهات النظر ونحرز موضوعية الله أو نصل الى حقيقة نهائية للمسألة المطروحة. تعتمد الحقيقة التي نحرزها على المنطق الجماعي للبشر، حتى لو وافق جميع الأشخاص العقلانيين في وقت ما على أنهم وصلوا إلى حقيقة مسألة معينة، فقد يتم اكتشاف معلومات جديدة أو عيب في أحد الأدلة أو الحجج في وقت لاحق يمكن أن يجبرنا على مراجعة مزاعمنا عن تلك  الحقيقة.لا تستطيع المعرفة البشرية أن تفلت تماما من وجهات النظر الشخصية، ولكن أيضاً لا تُسجن في إطار التحيزات الشخصية للطبقات الثرية أو الكتل السياسية القوية أو حتى المثقفين. قد تنتشر مثل هذه الآراء كمعرفة لبعض الوقت ولكن تظهر محدوديتها عاجلاً أم آجلاً، ربما نصل إلى صياغة مقبولة يمكن المطالبة بها كحقيقة.إنه إنجاز غير ممكن دون استعمال العقل، على الرغم من أن العقل وحده لا يمكن أن يساعدنا في تحقيق ذلك.

إذن نحن غير قادرين على الوقوف خارج جميع وجهات النظر، ولا نتمكن من الارتباط بعالمنا إلا بمساعدة بعض المنظورات، فبعض الرغبات بالمنفعة، والحكم المسبق، والافتراض المسبق، والتحامل أو التحيز سوف تكون موجودة في "الأساس" دائمًا. إن الطريق  المثمر والأكثر فعالية هو الاعتراف بهذا والتعبير عنه، والانخراط في النقد الذاتي له. إن تجاهل ذلك أو العيش في وهم أننا تجاوزنا ذلك سيبعدنا عن حقيقة وموضوعية ممكنة إنسانيا ويغرقنا في مزيد من الجهل. هذه هي البصيرة العظيمة للفلاسفة الاجتماعيين مثل غادامير. بكل بساطة، نحن بحاجة إلى الابتعاد عن زخارف البحث غير المجدي عن اليقين العقلاني المطلق، والأدلة الحاسمة، والاستنتاجات التي توصلنا إلى أحكام نهائية.

الميزة الرابعة للنظرية هي أنها ملتزمة بكشف خلفية الافتراضات المسبقة لآراءنا ومعتقداتنا وأفعالنا وممارساتنا. عن سبيل المثال، يفترض كل عملنا قوة الجاذبية. قد لا نعبّر عن هذا دائمًا، ولا يدرك الكثيرون منا أن الأمر كذلك. ومع ذلك، لا يمكن للناس الوجود على هذه الأرض، من دون قوة الجاذبية. نحن نعمل ونفكر جميعًا بوجود هذه الافتراضات المسبقة، ولكننا لا نوضحها دائمًا. لنأخذ مثالاً، في القرن السابع عشر في إنجلترا ، بدأ يفكر السياسيون بالسياسة دون اللجوء الى المبادئ الدينية. لكن في كثير من الأحيان، لم يعترفوا بذلك. لقد تُركت لهوبز مهمة التعبير عن هذه الافتراضات الأساسية الجديدة ولإبراز أنه من الممكن ممارسة السياسة بطريقة علمانية بدون ضمانات لاهوتية. وهكذا، ضمن حدود معقولة، يلتزم الفلاسفة والمنظرين بتوضيح هذه الافتراضات المسبقة.

إن كشف مثل هذه الافتراضات المسبقة له قيمة إدراكية. إنه يساعد على زيادة إحساسنا بما هو على المحك. فيتطلب من الباحثين، عند تفسير أي ظاهرة بشرية، ألا يتجاهلوا العامل أو الفعل البشري. فالفعل هو السلوك الذي يسترشد بالنوايا والمعتقدات والرغبات والأغراض، وهلم جرا. توجد هذه النوايا في عقول الأفراد. لذلك، لشرح أي ظاهرة بشرية، جماعية أو فردية، يجب على المرء أن يشير إلى الكيانات الموجودة في عقول الأفراد؛ والى تلك التي قد توجد خارج عقول الأفراد أيضا في البيئة الخارجية للفاعلين، أيً، في مجتمعهم أو فيما يسمى بالعقل الجمعي. فيقع على المنَّظِر أو الفيلسوف مهمة إعادة فحص هذه المطالبة بالحفر أعمق.

الميزة الخامسة للنظرية - وهنا قد تبدأ الفلسفة والنظرية في الاختلاف – هي: طموح النظرية إلى أكتساب درجة من العمومية والتجريد بهدف أن تغطي مجموعة واسعة من الظواهر المتابينة التي تتصل بعمل النظرية. لا يعني هذا أن جميع النظريات هي عالمية في نطاقها.  لكنه يعني لا يمكن  للنظرية أن تتعامل مع مادة محددة في صيغة المفرد فقط. لدينا، مثلا، نظرية الحركة التي تنطبق على الكواكب كما كما على الحجارة المتدحرجة بالتساوي. لدي هذه النظرية درجة عالية جدا من العمومية في مايخص الحركة. فلا يمكن أن تكون هناك نظرية حصرية للحجارة المتدحرجة. وبالمثل، يمكن أن يكون لدينا دراسة وصفية للقومية التركية أو دراسة تجريبية لأسباب ودواعي وبواعث القومية التركية. لكن من غير المرجح أن تكون لدينا نظرية عن القومية تنطبق على تركيا فقط.

وأخيرًا، الميزة السادسة للنظرية، وهي من نتاج الظروف الحديثة حيث ظهرت مع ولادة العلوم الحديثة. فالنظريات الحديثة ليست تأملية بحتة وأنما تمر من خلال العالم التجريبي. فلا يمكنها تجاوز العالم التجريبي تماما. ترتبط هذه الميزة بالنقطة المذكورة سابقًا. فلا يمكن للمنظرين تجاهل البيانات التي هي نتاج التجربة الجماعية الحيًة لشعب؛ وما تم ملاحظته ودراسته من قبل  مفكرين وعلماء إجتماع بارعين. ولهذا السبب، يجب أن تكون النظرية، في الوقت نفسه، متجذرة ومتتجاوز للتجربة الحية المعاشة لشعب ما، ولممارساته جماعية لمجتمع، ولتفاهماته واتفاقاته المتجسدة في الوعى العمومي والحس المشترك. لا توجد نظرية إذا كان هناك مجرد وصف للتجربة المعيشية والحس المشترك، وتبقى النظرية بالأسم فقط  إذا كانت الافتراضات النظرية منفصلة تمامًا عن الخبرة والممارسات والبيانات التي تم جمعها من خلال استفسارات تجريبية دقيقة وسليمة.

دعني ألخص. النظرية هي شكل من أشكال التفكير المنهجي في ست ميزات: (1) الحساسية المفاهيمية؛ (2) بنية عقلانية؛ (3) التطلع إلى حقيقة وموضوعية يمكن تحقيقهما إنسانيا؛ (4) العمومية، (5) كشف الافتراضات والافتراضات المسبقة، (6) التزام قوي في الحاجة إلى عدم تجاوز نتائج التحقيقات الدقيقة بوجه الخصوص. المطلوب أن تمتلك النظرية هذه الميزات الستة ولو بنسب متفاوته. وعليه تتطلب النظرية لتمتلك صفتها أن تكون متميزة بذاتها ومستقلة عن التأملات المجردة، والتبصرات، والتخيلات، والقصص وهكذا. كما تمييز عن الأيديولوجية، ورؤى العالم، وهكذا قد تكون عينة نادرة النظرية ذات السمة العالمية أو تصل إلى الأسس ولكن، على وجه العموم، لا تشتمل السمات التأسيسية لنظرية ما على التزام تجاه الأسسية أو الشمولية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

حاتم حميد محسنالقانون الاخلاقي لكانط (1804-1724) هو نظرية في الاخلاق ترتكز على مفهوم الواجب والعقل. كانط يسلط الضوء على اهمية القدرة العقلية للانسان وقابليته على التفكير المنطقي المنفصل عن ظروفه الخاصة او افضلياته التي تميزه عن المخلوقات الاخرى. هذه الفكرة عبّر عنها كانط في عمله العظيم نقد العقل الخالص 1781 ونقد العقل التطبيقي 1788. يؤكد كانط على ان العقل يربط الانسان الى الانسان طالما انه قوة فكرية فطرية توجد بدرجة ما من المساواة بين كل الناس. وهكذا فان مثل هذا العقل يمكّن كل فرد من حل مشاكله الخاصة بطريقة مقبولة . يرى كانط ان المرء عبر استعماله العقل سيجد الأجوبة للالغاز الاخلاقية والتي تكون صحيحة لكل فرد. قانون كانط الاخلاقي مستقل عن الله، اي بمعنى انه قانون اخلاقي علماني.

تعريف المصطلحات

يعرّف كانط المصطلحات التالية:

التحليلي analytic وهو تعبير يكون فيه الافتراض متضمن في الموضوع، وبهذا يكون صحيح بالضرورة.

القبلي priori وفيه يكون التبرير والحقيقة مستقلان عن التجربة.

 synthetic وهو تعبير يكون صحيحا بمقدار ما يرتبط معناه بالعالم، و فيه الافتراض غير متضمن في التعبير.

 posterior وفيه الحقيقة والتبرير يرتكزان على التجربة.

اعلن كانط ان كل بيان او تعبير هو اما "تحليلي قبلي" priori analytic او "استنتاج مبني على التجربة posterior synthetic. غير ان ما هو غير عادي في قانون كانط الاخلاقي هو انه يؤكد على ان بيانات القانون الاخلاقي هي افتراضات قبلية، بمعنى مستقلة عن التجربة لكنها ليست صحيحة بالضرورة. كانط في كتابه (اساس ميتافيزيقا الاخلاق 1783) يقول انه اذا اريد للقانون الاخلاقي ان يكون ملزما دون شروط فيجب ان يحتوي دون شروط على شيء خير، بمعنى شيء خير بذاته وفي أعلى درجات الخيرية. كانط يرفض مفاهيم مثل "موهبة العقل" او "هدايا الحظ" لأنها ليست خيرة في باطنها ويمكن ان تُستعمل على نحو سيء. بدلا من ذلك يقترح كانط بانه "من المستحيل تصور اي شيء في العالم او في خارجه، واعتباره خيرا بدون متطلبات الاّ الرغبة الخيرة".

اولاً، من المهم ملاحظة ان كانط حين يتحدث عن الرغبة الخيرة فهو لا يشير الى شيء جيد بسبب النتائج المتحصلة منه (نتائج الموقف مثلما تؤكد الافكار النفعية). يجادل كانط ان هذا التعريف للرغبة الخيرة يعني انه اذا كانت القيمة الاخلاقية معتمدة على النتائج فهي لم تعد قيمة غير مشروطة لأننا سنحكم على الفعل فقط كوسيلة لغاية. غير ان كانط لا يشير الى بداهة المرء في الخطأ والصواب لأنه يرى ان الميول لاتستند على المنطق او العقل ولذلك فهي ليست صحيحة اخلاقيا بذاتها. ومن هنا يفترض كانط ان الفعل يكون اخلاقيا عندما يكون الحافز الذي خلفه خيرا، اي ان امتلاك نية صحيحة هو الذي يجعل الرغبة الخيرة خيرة.

يوضح كانط بان انجاز المرء للواجب لا يستلزم خدمة مصالحه الخاصة. وبهذا يجب ان يكون المرء نزيها لأن ذلك هو الشيء الصحيح الذي يجب القيام به، ولايتوجب تكريم المرء بسبب كونه نزيها، لأن النزاهة سيتم تصورها كوسيلة لغاية وبالتالي ليست خيرة بذاتها. كذلك لا يجب على المرء التصرف بناءاً على البداهة او وفق ما يأتي اليه طبيعيا لأن الحافز المخفي لايزال موجودا، بمعنى، ان يقوم المرء بما يتمتع به بدلا من القيام بما يمليه عليه واجبه. ولذلك، يجب على المرء ان يقوم بما هو جيد اخلاقيا لأنه جيد وليس لأي سب آخر.

الجزء الثاني من قانون كانط الاخلاقي هو مفهومه للضرورة الحتمية categorical imperative وهي اخلاق غير مشروطة وملزمة في جميع الظروف والاحوال. لكي يكون الفعل صحيحا يجب ان يطيع قاعدة معينة او مبدأ معين بصرف النظر عن الميول والنتائج، ويجب ان يكون ذو تطبيق عالمي فيكون ملائما لكل فرد بصرف النظر عن موقفه ويجب ان ينسجم مع عقل الانسان. وبهذا يمكن تعريف الضرورة الحتمية بقانون يعترف به انسان الرغبة الخيرة بوعي او بدونه عندما يطيع واجبه.الضرورة الحتمية يتم اطاعتها لأن ما تأمر به هو مقبول باعتباره خير بذاته. يعطي كانط ثلاث تعريفات للضرورة الحتمية.

اولاً صيغة قانون الطبيعة

الذي يقول "تصرّف كما لو ان القاعدة في فعلك تصبح من خلال رغبتك قانونا عالميا للطبيعة". هذا يمكن فهمه بالقول انه عندما انت تتصرف باي طريقة فانت يجب ان تتعامل مع ذلك المبدأ الذي يجسّد فعلك كما لو كان قانونا لتجسيد جميع السلوكيات الاخلاقية، اي، انت تضع الطريقة لتتصرف بناءاً على تفكيرك المنطقي. كذلك، هذا التعريف الاول يجسد فكرة ان المرء يجب ان يكون قادرا على تعميم الفعل الاخلاقي لكي يكون مطلقا ورغبة حقيقية خيرة. غير انه من المهم ملاحظة ان كانط يخبرنا كيف نكون اخلاقيين (يخبرنا المبادئ لصياغة سلوكنا) ولايقول لنا ماذا نفعل.

التعريف الثاني لكانط هو صيغة الغاية في ذاتها

 وهو " تصرّف بطريقة فيها دائما تتعامل مع الانسانية سواء من خلال شخصك او الآخرين ليس كوسيلة وانما دائما كغاية". هذا يعني ان الناس يجب ان يكونوا غاية فقط. فمثلا، في علاقة المرء يجب ان لايستعمل شخصا آخر كوسيلة (مثل النقود، المكانة، الجنس، مهما كانت المحصلة منه). بدلا من ذلك انت يجب ان تكون لديك علاقة مع شخص ما بسبب ذاته وانه يجب التعامل معه كقيمة بذاته. وهكذا يرى كانط من غير الاخلاقي ان تكون صديقا لشخص ما لأجل المكافأة والانانية.

التعريف الثالث هو مشابه للاول. صيغة مملكة الغايات

 ويؤكد " تصرّف كما لو كنت من خلال مبادئك كصانع للقانون عضوا في مملكة الغايات". هذا التعريف الاخير يشير الى الانضباط الذاتي والسلوك المسؤول بسبب الرغبة الداخلية الخيرة والعمل بناءا عليها. من هذه التعاريف يمكن الاستنتاج ان هناك تاكيد كبير على العالمية universability . يؤكد كانط لكي نفحص ان كان الفعل اخلاقيا يجب ان نكون قادرين على تطبيقه باستمرار وبمنطقية على بقية العالم.

مظاهر القوة

ان اهمية قانون كانط الاخلاقي تعاظمت بمرور الزمن بدلا من ان تنقص لأنه وبدون شك احتفظت مختلف خصائص النظرية بجاذبيتها . وما هو اكثر اهمية هو وجوب ملاحظة قدرة النظرية على حساب العدالة بشكل جيد . انها قادرة على تصحيح الرؤية النفعية بان الفوائد الكبيرة يمكنها تبريرعقوبة البريء، لأن القيمة الاخلاقية للفعل تأتي من الصلاحية الباطنية للفعل. عدالة الفرد يتم حمايتها بالسمة العالمية والموضوعية للضرورة الحتمية التي تفرض الواجبات علينا جميعا. كذلك، النظرية تتجنب كون الناس انانيين لأن الفعل يكون اخلاقيا فقط عندما يطبّق على كل شخص، وبهذا لايمكنها تفضيل الفرد.

ان قوة القانون الاخلاقي لكانط هي في كونه يعرّف الانسان ككائن ذو استحقاق داخلي ومخلوق عقلاني وانه يقاوم كل استخدام له كمجرد وسيلة لغاية يتم استغلاله لسعادة الآخرين. لذلك فان الانسان يُحترم بـ "الشعور بالانسانية" الذي يسيطر على كامل فلسفة كانط. هذا المظهر للنظرية يعترف بالقيمة الداخلية للفرد وهو ما يجعل النظرية تنال القبول العام.

لقد نال كانط الاعجاب لتمييزه بين الواجب والميول. بلا شك نحن جميعا قادرون ونميل عادة لعمل قرارات اخلاقية لمصلحة انفسنا واصدقائنا. لذلك نجح كانط في منع الافراد من العمل وفق افتراض انهم يعرفون ما هو خير لأنفسهم وأزال المصلحة الذاتية والمتعة لأن الشيء يكون صحيحا فقط عندما يمكن تعميمه . القوة العظمى للعمومية تعني ان الانسان يصبح اقل تاكيدا على الذات واكثر اعترافا بحقوق الاخرين.

قانون كانط الاخلاقي مرغوب ايضا وقوي لأنه نظرا لرؤيته العلمانية فهو له المقدرة لينال رضا كل شخص سواء أكان متدينا ام ملحدا. لذلك فان مبادئه عالمية ومتحررة الذهن وليس لها احالة الى الله ضمن النظام ولهذا فان كانط نجح في خلق نظرية استطاع بها توضيح الاخلاق بدون دين ودون ان يرفض وجود الله.

انتقادات النظرية

لكن نظرية كانط تعرضت للنقد في ادّعائها ان الناس الاخلاقيين هم الذين يؤسسون حياتهم فقط على طاعة الأحكام المتولدة من الضرورات الحتمية. هذا يشير الى ان المرء يجب ايضا ان يطيع تلك القواعد التي ليس له تجاهها اية التزامات اخلاقية. يمكن الجدال انه اذا لم يتفق المرء على ان شيء ما صحيح بسبب نقص الميول او العاطفة، فهل ان فعله صائب اخلاقيا؟ بمعنى، هل الفرد اختُزل فقط الى الالتزام بالقواعد ام انه لايزال اخلاقيا فقط لأنه ينفذ واجباته؟

ان نظرية كانط يمكن نقدها لسماحها بتعميم قواعد قليلة الاهمية بالارتكاز على جميع تعريفات الضرورة الحتمية.

اولا، هذه النظرية لها القدرة لقبول القواعد التي ليست جيدة ولا سيئة، وبهذا فهي محايدة اخلاقيا وحيث عدد قليل من الناس يعتبرها ملزمة اخلاقيا.

ثانيا، الضرورة الحتمية تسمح ايضا بالقواعد التي هي عالية الخصوصية والتي لا تفيد اي شخص ماعدى الفرد. ومن هنا، لا يصح الجدال بان الفرد الاخلاقي هو الذي يتصرف طبقا للضرورة الحتمية. وهكذا، من الممكن جدا الوصول الى قواعد تعتبرها الغالبية اما تفضيلية او ليس لها اي اهمية اخلاقية. ولذلك يمكن الاستنتاج ان مجرد تعميم القاعدة لا يعد كافيا لضمان انها ستكون جيدة اخلاقيا او حتى اخلاقية.

 واستجابة لتلك الانتقادات يعرض كانط نوعا من الاختبار التطبيقي فيه يمكن لنا ان نرفض تلك القواعد التي عند تعميمها تنتج وضعا قابلا للرفض من جميع الناس العقلانيين. هذا قد ينجح لأن الناس يجب ان يرفضوا ما هو مخالف للاهداف التي يمتلكها جميع الناس العقلانيين. نقد آخر لكانط هو انه يفشل في الاعتراف بان كل الناس مختلفون في مستوياتهم من التسامح والاعتدال. فمثلا، من يقول ان السادي لا يريد تعميم السادية ؟ كذلك، اللصوص قد يرغبون في تعميم السرقة حتى وان جعل ذلك ممتلكاتهم في خطر. في الحقيقة يمكن الجدال ان هناك العديد من الناس يتفقون بانهم مثلما يتجاهلون الاخرين فهم بدورهم ايضا سيتم تجاهلهم. هذه الفكرة تنجح طبقا للفرد الذي يدرك ان الحياة تنافسية ويقبل فرصة الفشل في البحث عن النجاح. ومع ان كانط يمكنه الجدال ان مثل هذه الافكار ينقصها العقل، انه يمكن ايضا افتراض ان الانسان من هذا النوع الذي يقبل بان الاخرين قد يعاملونه بسوء عندما يعاملهم هو ليس عقلانيا ابدا.

يبدو ان الشيء الذي يتجاهله كانط هو مشكلته في استبعاد الاستثناءات.في تناقضات كانط في الطبيعة هو يؤكد بان قول الكذب ومخالفة الوعود هما دائما خاطئان لأنهما لايمكن تعميمهما باستمرار، وبهذا لايمكن ابدا للمرء الكذب او مخالفة الوعد وبدون استثناءات. لكن هناك امثلة تقود فيها مثل هذه المفاهيم الى مآزق خطيرة عندما تتصادم الواجبات. لننظر في ان شخص ما يعد صديقا له بانه سيخفيه عن المجرم ولكن لاحقا يطلب منه المجرم الكشف عن المكان الذي يختبئ به الصديق. قول الحقيقة سيكون كسر للوعد، ولكن الايفاء بالوعد يعني الكذب. قانون كانط الاخلاقي لا يوفر لنا جواب لمثل هذه المواقف ولذلك فان النظرية تضعف لأنها تفشل في مساعدتنا في جميع المواقف. ولذلك عندما نصل الى استنتاج نستطيع القول ان هناك مظاهر قوة ومظاهر ضعف واضحة في قانون كانط الاخلاقي. لكن من الصواب القول ان مظاهر القوة تتفوق على جوانب الضعف في النظرية. من الواضح ان نظرية كانط اصبحت وبمرور الزمن اكثر شعبية وقبولا، وهذا يثبت مدى نجاح كانط حتى مع وجود تلك الانتقادات.يمكن للمرء ان يسأل نفسه ان كان هناك اي قانون اخلاقي يخلو من الانتقادات.

 

حاتم حميد محسن

 

عامر عبدزيد الوائلي(الأصعب ليس أن يموت المرء، بل أن يموت الذين حوله، كلهم، ويبقى هو حيا) ؟! .. تولستوي

تصدير

يصف بورخس حال أفلاطون وهو يكتب المحاورات واصفا حال أستاذه سقراط: " لم يكن يعرف الصفحة الأخيرة وهو يكتب الصفحة الأولى كان يترك ذكاءه يهيم شاردا ...يخيل إلي أن هدفه الأساسي كان الوهم بأن سقراط مازال يرافقه على الرغم من أن سقراط ...(2)يراودني إحساس أن أقتفي اثر بورخس وهو يقتفي اثر أفلاطون في تخيله أساتذته وكأنهم أطياف حاضرة تحيط به .أتخيل بأن مدني صالح يرافقني كطيف يحيط بي لكن من المؤلم والمحزن أن يدرك المرء، بعد فوات الأوان أنه: (ليس بإمكانه أن ينهل من النبع مرتين)(3) فحين يغيض النبع ـ مرة وإلى الأبد ـ دون أن نغرف منه، لا تتكشف الأسئلة الحارقة عن غياب سهولة الارتواء من النبع، بل عن غياب الجدوى التي تضمر فقراً مخيفا ً، وذهولا عن الانتباه لعابر هائل مر بنا وكما يقول النفري: (كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة) لقد اتسعت الرؤية لدية ربما تكون حاصرته تلك التأويلات، في هذه العوالم الخرساء، وزمان النكوص (لكم تخذل المرء سيماؤه، ولكم يجهل الناس ما يعرفون، وهل أنت، إلا الذي جهلوه ؟!)(4) إلا انه بقى بكل عفته التي جعلته غريب في عالم يجهله وسلطة تتجاهله وحصار دفعه (أواخر أيام شيخوخته، إلى بيع بيته وأثاثه وسيارته وكتبه، لتـوفير لقمة الخبز لعائلته، ولكي يتجنب مذلة السؤال أو الوقوف مستجدياً في أبواب الحكام، فظل شامخاً زاهداً طاهراً!)(5) وهنا كان جلال الدين الرومي (إن هذه الأرض، وتلك السماء، مزقتا قلبي بضيقهما، فلا تفضح أمرنا أيها السراج) يصف حالة وحال كل النوابت اللامنتمون والرومي مثالهم هذا الضيق الذي جعله يغادرنا يغادر هذه الدنيا الفانية، بعد مكابدة طويلة، وحياة صعبة، وبعد معاناة مع المرض، وبعد مرارة الشعور بالإهمال وقلة الوفاء، فضلاً عن بشاعة الموت، وسط غياب العقل والمنطق، واغتيال الحقيقة والحق، في زمن اللامعقول.الذي تصفه تلك الصورة الشعرية البارزة ل "محمد الماغوط ": (كل شيء في هذا العالم حزين، رغم الممثلين الكوميديين) الحزن كوميديا سوداء إلا إن الكشف الصوفي نجده في قول تولستوي: (الأصعب ليس أن يموت المرء، بل أن يموت الذين حوله، كلهم، ويبقى هو حيا) ؟! . وأيضا للموت حسنات ليس قليلة يظهر بمقتضاها الموت ربما أفضل اختراع فردي للحياة، لأنه يجعلك تستبعد الوقوع في فخ التفكير بان شيئا ما يمكن أن تخسره. لقد اتجه إلية كما تصوره من درسهم يتجلى بهيئة مالك الحزين، مكسور الجناح! بسترة من قماش القطيفة الخضراء، وسروال بني اللون وقميص بدون ربطة عنق، ويتمايل في مشيته . تلك الخطوات التي كانت تجسد بداياتها في لحظة الولادة: كانت يوم ولد وترعرع في هيت المدينة في عام 1932 التي ولد فيها ولم يغادرها حتى مطلع شبابه، ما جعلها تحول في الذاكرة الى صور متخيله، وقد كانت في تلك الأيام البعيدة تعيش زمنها الجميل بيوت بسيطة حانية تتوسطها مئذنة عتيقة مائلة على النهر، في أرض يتحول فيها التراب والحجارة إلى خلايا حساسة ناطقة، وفي زمن باكورة العهد الجديد للدولة العراقية الحديثة وقيمها الجديدة الصاعدة ولد وتفتح هذا الشاب الخجول المنطوي على نفسه، والمتطلع للدنيا بانبهار وشغف من يحمل بين جوانحه حلماً أكبر من أفق البلدة وأبعد مما ترى عيناه. كانت المدرسة الابتدائية أعلى سقف للدراسة في هيت التي تبعد عن بغداد غرباً قرابة المائتي كيلو متر. (6)

المطلب الأول: صدمة الحداثة

يبدو إن مدني صالح كانت في تكونين المعرفي تصارع الحداثة والتراث إلى حد بعيد حتى تحققت لدية رؤية نقدية أصيلة في موقفه من التراث ومن الحداثة(أو الأخر) ويمكن متابعة هذه المحطات الفكرية الآتية:

التراث التاريخ والمكان وهي الذاكرة التي وصفها بورديو بقوله: "هذه التجربة الخرساء التي يؤمنها الحس العملي وكأنها تلقائية "وهذه الضروب من التعلم الأولى التي "تعامل الجسم معاملة ما ينبغي له أن يذكر المرء بما عليه أن يفعل " والتي وصفها بورديو ان الماضي "يظل حاضرا ويعمل في الاستعدادات التي أنتجها " (7) التي تعبر عنها تلك الأيام البعيدة تعيش زمنها الجميل: رياض زهور وغيوم وطيور وأغان، وبساتين نخيل وتوت وبيوت بسيطة حانية تتوسطها مئذنة عتيقة مائلة على النهر، في أرض يتحول فيها التراب والحجارة إلى خلايا حساسة ناطقة، وفي زمن أوائل الثلاثينات . ورغم انه ارتحل عنها إلى الرمادي، إلا انه يعود إلى هيت في العطل الصيفية وتضيق الحقيبة المدرسية بأحلامه وتطلعاته ينكب على كتب عتيقة عبقة بشذى الأسلاف تضم ترجمات من الفلسفة اليونانية القديمة ومن وضعيات الفلسفة العربية الإسلامية والفقه والطب والتداوي بالأعشاب، ومن النصوص التهويمية في التصوف والطرق الصوفية، تلك الأفكار التي سيبقى شيئا منها يرافقه في تكون ذاكرته التي ستغدو اعلي مستوى و قصديه تكون من: ذاكرة تذكر او تعرف معارف، معتقدات، احساسات، مرتبطة بالمجتمع وثقافته المهيمنة حتى سفره لندن والتي أنتجت كتابه عن (الوجود) .يبدو جليا اثر انتساب مدني إلى ذاكرة اكبر هي تنتمي الى الهوية .

لكن ثمة رافد أخر إلى جانب ذاكرة التراث أنها ذاكرة الحداثة التي سوف تدخل في جدلية مع التراث كانت البداية الأولى كانت في تلك البيئة الرحم الثقافي الأول للهوية المنزاحة دائما كانت تفرض عليه أن يتجه من اجل اكتشاف أخر أن يتجه شرقاً إلى مدينة الرمادي ليكمل المتوسطة والثانوية وهناك وجد مدرسيه الشاعرين بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي اللذين جمعتهما ربما لآخر مرة ثانوية الرمادي حيث قرأه السياب الكثير من (أزهار ذابلة)، والبياتي الكثير من(أباريق مهشمة) اللتين ستصيران في ذاكرته أزهاراً يانعة، وأباريق شفافة طافحة وتكون له معهما هموم جمالية ونقدية في المستقبل! يقول الاستاذ باسم عبد الحميد: (استناداً الى مذكراته هو التي صاغ بعضها في فصل بعنوان البداية والتجديد في كتابه هذا هو السياب ففي التهميد الاول للفصل يقول مدني صالح "لم نسمع بالبياتي قبل عام 1948 ولم نكن قد سمعنا بالسياب قبل مجيء هذا العام بالسياب الى الرمادي حاملاً ديوانه الاول "ازهار ذابلة" وكنا هناك فرأيناه وسمعناه يقرأ لنا من شعره وعرفناه وذلك يعني احتكاك مدني وهو طالب ثانوية بالسياب المدرس احتكاك اديب ناشئ بشاعر مجدد، ولكنه احتكاك متوجس فما زال مدني لا يؤمن يومها بالتجديد في حركة الشعر !!)(8) الصراع قوي والارتياب هو النتيجة التي وصفها مدني ذاته وهو يعبر عن تكون ذاكرته الأخير أي الذاكرة الشارحة وهي الطور الأخير. وهي ذلك التصور الذي يصنعه كل فرد لنفسه عن ذاكرته الخاصة، والمعرفة الموجودة لديه عن هذه الذاكرة وهي، من جهة أخرى، ما يقال عنها، انها أبعاد تحيل الى "نمط انتماء الفرد الى ماضيه " أي بناء صريح للهوية فالذاكرة الشارحة ذاكرة مطلوبة جلية "(9)

إما كيف تكونت الذاكرة الشارحة التي كانت تخفي صراعا خفي في تكوينة المعرفي في قسم الفلسفة في بغداد و بعد أن أنهى دراسته بتفوق في كلية الآداب ذهب إلى إنجلترا ليدرس في جامعة كمبردج الفلسفة.

تحول كبير في موقفه المعرفي حيث ميله الحداثوي برز على حساب تكوينه التراثي اذ هيم علية الخطاب العقلانية التجريبية وقد تجلت في موضوع أطروحته عن ابن طفيل(10)وقصته الشهيرة حي بن يقظان التي حاول أن يوفق فيها بين الفلسفة والدين! (واسم بطلها الإنسان (الحي) بن (اليقظان) يحمل دلالة على الحياة مع اليقظة والوعي وفلسفة الإنسان بذاته ولذاته حتى ولو عبر ذات أخرى مثالية!).

إلا انه أيضا كان مهتم بالشعر العربي الحديث في بيروت، وأخذ يكتب لمجلة شعر ويعقد صداقات مع بعض شعرائها.

إلا أن هنا سو نكتشف موقفا مبدئيا نقديا اتجاه الأخر المستعمر الثقافة الكونيالية التي تجلت في نفي أي اثر لإطراف من اثر على الفكر الغربي اذ كان مدني صالح يقول: " أن رواية حي بن يقظان كان لها أثر كبير على الرواية الإنجليزية والأوروبية، وما حكاية روبنسن كروسو إلا من بعض أصدائها، بل أن طرزان وأفلامه هي من وهج هذه الرواية التي كان أثرها كألف ليلة وليلة على الرواية الغربية. " لم يرق لإستاذه في كمبريدج هكذا تجلت المركزية الأوربية في سلوك الأستاذ الشرف إذ مع توغله في دراسته ومناقشاته أخذت تبرز خلافاته مع أستاذه المشرف ولم يعد يقبل ما يقترح عليه من تغييرات أو تعديلات على أطروحته متلمساً لديه تعصباً ضد الفلاسفة المسلمين كما وجد اللجنة المشرفة على مناقشته تقف مع أستاذه ضده، فألقى كل شيء خلفه وخرج من الجامعة دون أن يحصل على الدكتوراه! (11)

وهنا ظهر الميل النقدي لكن الحداثوي التجريبي الذي خلق قطيعة مع الموروث بطابعة الساكن وأقام علاقة نقدية اتجاه الموروث واتجاه الأخر من خلال كشف أثارهما غير المحمودة على الواقع العراقي وهذا ما تكشف له بعد عاد إلى بغداد عين مدرساً في كلية الآداب لمادة الفلسفة ووجد طلابه وزملاؤه لديه من العلم ما يؤهله ليكون في مركز قيادة فكرية متميزة. إلا انه أيضا انفتح على الفضاء العمومي عب الكتابة التي كان في اخر مسيرتها كتابه "بعد خراب الفلسفة"(12) وبحوثاً عن الفارابي والغزالي وعن الوجودية والتصوف، و"ابن طفيل.. قضايا ومواقف" وفي العودة إلى طروحات مدني الفلسفية ودراساته لفلاسفة من أمثال الفارابي وبن رشد نجد إنه ينطلق من فلسفة مادية وإن كان بالطبع لا يلتزم بالقوانين الجدلية التي اكتشفها ماركس أو قام بتصحيحها وقلبها عما كانت عليه لدى هيجل، لذا يمكن القول إنه مفكر مادي يتبنى قوانين موضوعية وعلمية في تفسير ظواهر الكون والوجود وإنه في رؤيته للتاريخ وتفسيره لأحداثه ومسيرته تقدمي فهو يؤمن بالتجديد والتطور ويقف مع المظلومين ضد الجائرين والمستغلين!(13)

4- شهادات: التي عكست الجانب العملي من معرفته أو اتقيا التواصل الاجتماعي اذ يعد الكاتب الراحل مدني صالح من اول المشتغلين والمهتمين بالفلسفة في العراق الحديث، لكنها كرس جهده كلياً فيما بعد للنقد والكتابة في الصحف اليومية، والمجلات العراقية والعربية خاصة مجلة "الآداب"، وهي كتابات كانت تثير سجالاً واسعاً للآراء المطروحة فيها، وحدتها أحياناً.(14) وقد جاءت الشهادات بالاتي:

كان مدني صالح غريبا يرى نفسه في مرايا غريبة، فهو من النوع الذي لا يسهر، ولا يثرثر، ولا يكثر الكلام، ولا يدخن، وكان قد ترك التدخين منذ سنة 1984 بعد نصف قرن كان يدخن خلالها سبعين سيكارة في اليوم الواحد، وأحيانا تصل إلى الثمانين ... ومدني لا يشارك في الاحتفالات، والمناسبات، ولا يحضر فرحا، ولا مجلس فاتحة، ولا يحضر مؤتمرات الثقافة، ومهرجانات الشعر والأدب، وكان يعدها نوعا من التدافع على الموائد، والطناجر، والخواشيق .. وأنا أعرف عنه أنه لم يشرب الماء طوال حياته إلا من بيته .. وفي سنوات عمره الأخيرة لم أره يوما يشرب شايا، أو قهوة، أو ماء، ولا يأكل أبدا خارج بيته .. وفي إحدى المرات دعي ليناقش أطروحة دراسية في جامعة الكوفة، وذهب صباحا، وبعد الانتهاء من المناقشة، أحضروا الموائد، لكنه امتنع عن حضورها وعاد إلى بغداد مساء من دون أن يتناول شيئا من الطعام .. وهو يعد البصل والثوم جزء لا يتجزأ من صحة الإنسان، وعنده فلسفته الخاصة في البطيخ، ويعتز كثيرا بالصورة الكاريكتورية التي رسمها له علي المندلاوي .(15)

وفي هذه العزلة يفيض علينا عبد الإله الصائغ بالوصف فيقول (صالح ولم يحسن العزف إلا على أوتاره ... أوتار مدني صالح. صوفيا كان لا يعرف الكره أو الحقد ولا يذكر الناس إلا بالخير محب لكل من حوله بسيط بساطة أهل الريف وطيب طيبة ارض العراق كريما كان مثل نخل العراق ! لم يكن مدني صالح يوما منبريا إحتفائيا لا يميل إلى الحضور والمشاركة في المهرجانات العامة والرسمية ولا حتى المؤتمرات والندوات العلمية لكنه كان اجتماعيا يستأنس بالصحبة وبخاصة مع أقرانه من الأساتذة والمقربين من طلابه كانت غرفته الخاصة في كلية الآداب ملتقى لكل هؤلاء يتبادلون فيها هموم الفكر والثقافة وشجون المعاش والسياسة وكثيرا ما كان يطول بهم المقام إلى نهايات الدوام الرسمي فيستكملون حواراتهم على طريقة المشائين سيرا على الأقدام ولساعات طويلة في شوارع بغداد الصاخبة وخاصة مع طلابه يحدثهم عن أشياء عاشها وشهدها وعن شخصيات عرفها وعاشرها يحدثهم عن علي الوردي ومساجلاته الفكرية عن السياب والبياتي عن نوري جعفر وقيس النوري ومتعب مناف السامرائي يحدثهم عن النجف وأهلها وزعاماتها الدينية حديث عارف بشعابها مثلما يحدثنا عن طويريج وهيت وعن أسماء لم يسمعوا بها ولم يروها عن الدرستنية وقندي والكبانية عن السيد حسين وضياء الخطيب ومدرسته الفاروقية وعن البلبل اللبيب صديق طفولته عبد الباقي السيد نوري يحدثهم عن بغداد وحاراتها القديمة عن شارع الرشيد ومجده القديم وعن المجالس البغدادية !)(16)

يبدو ان هذه الغربة ليس من الناس بل من غربة تحيلنا الى موقف معرفي لدى مدني صالح وهذا ما وصفه احد تلاميذه بالقول: (في محاضراته داخل الدرس الجامعي لم يكن الأمر يختلف، فقد كان الحوار سيد الأساليب ذاك الذي كان يلجأ إليه مدني صالح معنا نحن الطلاب، كان أسلوبه مثمراً ومعطاء ناهيك عن لذَّته المعرفية والأسلوبية والجمالية. ليس التمرُّد الأسلوبي هو الوحيد في خطاب مدني صالح الفلسفي، فقد كان التمرُّد سمة وجودية في فكره، كان ضد الظلم المجتمعي المتفشي بين الناس، وضد غش السياسيين والمُصلحين الاجتماعيين، ناهيك عن موقفه النقدي الجذري من الدُّعاة. بدا موقفه النقدي من النُّخب المثقَّفة في المجتمع العراقي واضحاً، فهذه النُّخب هي المسئولة عن فساد الواقع بسبب فساد سرائرها. .لذلك، كانت حياة مدني صالح نضالاً في وجه الظلم والتعالي والتطرُّف والإفساد، في وجه الظالمين والمتعالين على المجتمع والمفسدين فيه. وفي كل ذلك ظهر مدني كأنه سقراط بغداد المكافح عن حرية الحياة وحرية التفكير بل وحرية العيش الآمن والمسالم، والأهم من ذلك دفاعه الأصيل عن الحقيقية ضد مزيِّفيها ومنتحليها والمتاجرين بها. كان أسلوبه السقراطي الحر لا يروق لمدَّعي المعرفة في الأوساط الأكاديمية ببغداد الذين كانوا يحصرون المعرفة في زجاجات ويريدون من طلابهم النَّظر إليها من الخارج ليبقوا بعيدين عن التفاعل الحي والخلاق مع الأفكار الفلسفية، ومع معطيات الواقع بكل ما فيه من فساد وظلم واحتقار للمعرفة الحقَّة.كان مدني قريباً من الوجود، قريباً من صوته، وفي الوقت نفسه قريباً من الموجود، قريباً من صوته. كان يكافح كل الحُجب التي تمنع الإنسان من إيصال صوته إلى الآخرين. وإذا كان سقراط اليوناني شرب السم ليموت من أجل الحقيقة، فإن مدني صالح ظل يتجرَّع سموم الظلم والفساد واللامعقول لا ليموت إنما ليبقى صوتاً حقيقياً يناكد كل هذه القيم الظلامية حتى لفظ أنفاسه الأخيرة متألماً على حال وطنه العراق، سعيداً أنه أفنى حياته سقراطياً مدافعاً عن الحقيقة الحقَّة وعن القيم السامية.)(17).

5- مؤلفاته: واصدر العديد من المؤلفات التي اهتمت بالفلسفة الاسلامية، والوجودية، القديمة منها والحديثة، ومن مؤلفاته: "الوجود" عام 1955 و"إشكال وألوان" عام 1956 و"مقامات مدني صالح" عام 1989. هذا إضافة إلى كتابات حول المسرح والتحليل النقدي. فضلا عن إصداراته الأدبية والنقدية المميزة، وفي مقدمتها "هذا هو السياب" و"هذا هو ألبياتي".

هنا وانأ أتلمس تلك الشهادات وتلك الآثار المعرفية لمدني صالح أظني إما مقولة لبورخس وقد استعارها من القس باركلي اذ تقول: "إن طعم التفاحة ليس في التفاحة نفسها – فالتفاحة بذاتها لا طعم لها – وليس في فم من يأكلها، وإنما هو في التواصل بين الاثنين "(18)

اذ ما نخرج به من تلك المواقف انه كان حواري شكوكي مثل سقراط الأفلاطوني وكأنه يستبق القارئ وأسئلته وان اكتب عنه أتخيله إمامي مثلما فاجئني في إحدى الماسي في 1991 يوم كنا هاربين أهوال قسوت حكومتنا في الوسط هربنا إلى بغداد بين الخوف والقلق نمضي ايامنا طالعنه في هيئه لم اعتده فيها مرتديا بنطاله من الكابوي وقميص ماروني بدا غريبا لكن حنونا تأسيت بقولة واستبشرت خيرا حتى التقينا مره أخرى وانأ طالب الماجستير في جامعة الكوفة

المطلب الثاني: آليات نقد الذات وحضورها

على العكس من المتن الناعم، الذي يستوطن فيه مضطهدو الثقافة التقليدية التي ثار عليها من قبل علي الوردي، في (وعاظ السلاطين) "الاتعاظ والاعتبار في شؤون الملك.. وإعمال النظر في دنيا التقلب والزوال.."(كما هي عبارة ابن الأثير (كثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سميناً، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط) (19)

كانت هناك في المتن الأخر، المتن الوعر، كتابات استكشافية واجتهادية، ونقدية، تكافح من اجل إقامة ثقافة عقلية تأخذ بلطائف الحجج والبراهين، والتي تزعجها حياة الأقفاص، اذا ما اصطيدت وروضت تذوي وتموت او في اقل تقدير تفقد زهوهها وتمتنع عن التكاثر، لا تنبعث منها رائحة حياة، لا تستطيع استئناف حياتها داخل مؤسسات، حياتها نافرة، تقتحم الاسلاك الشائكة لذهنية المحظورات، تمارس فعلها العقلي بكل اتساعاته ومدياته ورشاقاته بغية الاقلاع والانطلاق والبحث تحت الشمس عن الاشياء الصالحة لانسانية الانسان، وتحرير الشرط البشري من العراقيل والاحباطات والآلام، تأخذ في بالها ان ليس بعد أيقونة لا تمس، وان كل شيء ينبغي ان يؤخذ من جديد، فيفكر به ويسأل عنه وينتقد. عبر الربط العقلاني الأفكار بسياق الأحداث، وقياس مشروعيتها بمدى جدارتها في إثبات ذاتها بمنطق العقل، ومدى كفاءتها في تحريك الأحداث التاريخية وتغيير الواقع. فكل نص قابل للشرح والتأويل، كما أن لكل نص أفقا معرفيا وإيديولوجيا وهو نتاج أزمنة ثقافية وسياقات تاريخية واجتماعية معينة

هذا حال نص مدني صالح له افقه المعرفي وهو وليد ازمه حقيقية مما يجعل منه وليد سياق تاريخي واجتماعي لايمكن ان يتجاوزه ولا يمكن ادراك مكنونه الا من خلال هذا السياق.

مدني صالح كان يحفر في الفكر العراقي بعيدا عن الكتابة التي ينشدها المشروع التدجيني الكبير الذي يصبح فيه المرء أعمى ومهادن وتصبح الكتابة مهادنة الى اكبر قدر من الالفة والتآلف مع الوضع التقليدي القائم الذي يبدو الفرد فيه مستلبا.

وقد اعتمد منذ الأربعينيات من القرن الماضي على بلاغة تجعله قادر على التعبير بمستويات متعددة من المجاز مما اكسب رسالته طابع التورية والإحالة التي تحتاج إلى التأويل من اجل الوصول إلى الهدف المراوغ المنساب بسلاسة . استراتيجيه انقلابية على أنماط الفكر والسلوك معا بأسلوب الحيلة العقلية تمثل الصراع بين رموز القوة التقليدية المتمثلة في أنها جدلية الحكمة والتغير .رغم عزلته وغيابه اللافت عن المؤتمرات ألا انه أبدع عبر الدرس والكتابة مما جعله " مدني صالح "تمتع بمقدرة على هزيمة الخوف والعزلة بوصفه "نابت "-باصطلاح ابن بأجه- ولأنه أدرك أن الخوف من الفشل يقود إلى الفشل الثقافي والتربوي في إنشاء وتطوير موقف واقعي وعقلاني من الفشل، الذي هو تجربة يمكن ويجب أن نتعلَّم منها كيفية جَعْلِه سببا للنجاح. وهذا مانلمسه في هذه الاشراقة:

". ولو كان حظ التاريخ والتطور والتقدم والارتقاء سعيداً لانقاد التاريخ للحكيمين العارفين العادلين أسال وحي بن يقظان بالحلم الأفلاطوني حلم ابن طفيل من كوخ المحبة والصداقة والعدل والتصرف النقي شاهق الأخلاق حول محور العدل والحكمة والعمل للإنتاج واللعب للابتهاج والعبادة للتصفية والتنقية والاستغناء في التأسيس عن الموجودات كلها بواجب الوجود الذي هو العقل عند الكساغوراس والوجود عند بارمنيدس، ومثال الخير الاعظم عند افلاطون والمحرك الذي لايتحرك عند ارسطو، والله تعالي اسمه وجلت قدرته عند ابراهيم عليه السلام، والواحد المشع عند افلوطين، وواجب الوجود عند الفارابي، والكامل عند ديكارت، والمطلق عند هيجل، وحاصل تحصيل هؤلاء والتطور التاريخي كله عندي انا وعند آسال وعن ابن طفيل وعند حي بن يقظان لاتعصب ولا انغلاق".(20)هنا تظهر تصوراته التي تجمع بين الحداثة ومستجداتها وبين التراث في قراءة تنطلق من الواقع وحاجاته مهما اختلفت التأويلات والتجريدات فالموضوع واحد فيما يتعلق بالماورائيات انه يركز على الموحد لا المفرق لان الحاجة الى الحياة السعيدة تقتضي الاخذ باللوازم التي تجعل منها سعيدة الفكر الذي ينطلق منه نلمسه اكثر في هذا التوصيف التجريبي: " لم يأت علي الانسان زمن ألا وهو كائن تاريخي تطوري فاعل اداري تشكيلي تصميمي يدير مؤسسة ويطور تشكيلات متطورة علي غرار تصميمات متطورة في مؤسسة متطورة في كون يتطور من اللامتناهي إلي اللأمتناهي في تاريخ يتطور من اللامتناهي إلي اللامتناهي..ولم يكن الفن الا اجراء ادارياً تدبيرياً اكتشافياً اختراعياً يساعد به الانسان جسمه ويقويه ويحميه ويعينه علي ادراك الطبيعة ويزيده اعجاباً وحباً لها.وكان الجسم جسم الانسان لاغيره اداته لمعرفة الكائنات يقيسها به ويذرعها او يزنها ويذوقها ويشمها ويراها ويلمسها ويحسها ويتذكر احساساته الحسية اللمسية الذوقية الشمية السمعية البصرية صوراً واخلية يستعيدها محفوظة في حافظته وهو تشكيل بايو سايكو سوسيو فسلجي في التشكيل الطبيعي الفيزيائي الكيميائي التأريخي المتطور الذي هو المغارة الكهف الملجأ المنزل البيت المسكن الكوخ القصر الثكنة المعسكر الحصن القلعة الحضانة الروضة المدرسة المعهد الجامعة الاكاديمية المختبر المعمل المصنع المتجر النادي الملعب الفندق الحانة المقهي المتحف المعبد الحقل الحديقة البستان المزرعة وان كلاً من هذه المواقف يصح ان يكون اصلاً تطورياً لكل من المرافق الاخري وهذا شيء.. أما الشيء الاخر فهو ان الانسان لايكتشف الا موجوداً، ولايخترع إلا ممكناً، ولا يطور إلا قابلاً للتطور بفعل تناغم قوي التاريخ وتطاوعها متعاونة وتعاونها متطاوعة اوركسترالياً.هذا من جهة التطور الاداري، أما من جهة التطور الطبيعي فانه كائن متطور بالطبع اكتشفناه أم لم نكتشفه وانه الحقيقي الصواب الصحيح المنطقي الطبيعي الذي ليس من طبعه أن يكون غير ما هو كائن".(21)

هنا نلمس انه ينطق من تصور للمعرفة بين الحاجة والمعرفة والفرق بين هذا والتصور او المعتقد الذي هو الأخر يتم تصوره قياسا بنتائجه وهنا نلمس هذا الجذر التطوري الذي يطغي فيه البعد الحسي اذ(يفرق ديفيد هيوم بين نوعين من المعرفة المعرفة التي تقوم بتحديد العلاقة بين الأفكار، والمعرفة التي تخبرنا عن أمور الواقع..ويرى بأن تدليلاتنا عن الواقع إنما تقوم على أساس العلاقة السببية التي تتيح للإنسان أن يتجاوز حدود الإدراكات الحسية وشهادة الذاكرة في حكمه على وقائع العالم الطبيعي.لأن علمنا بالرابطة السببية في جميع الحالات لا ينشأ عن التفكير العقلي الخالص الذي يستغني عن الخبرة الحسية من تقريره، بل هو مستمد في جميع الحالات من الخبرة الحسية التي تقدم لنا الشيئين اللذين نحكم بأن بينهم رابطة السبب، بالمسبب متصلا أحدهما بالآخر.(22) وهو هنا يحيلنا الى تلك العلاقة التي اقامها مع الفلسفة العملية عند "جون دوي"التي تعلق بما هو "صائب" و" مفيد" و"فاضل"و"خير" من وجهة نظر عملية: فالحقائق التي تعتمد عليها الأخلاق هي الحقائق التي تنبع من الروابط(الفعالة)للإفراد الإنسانيين مع بعضهم البعض.(23) وفي هذا يقول فاوست في مسرحية غوتة بذكاء شديد: (في البدء كان العمل) ويعلق يونغ أن (الأعمال) لم تبتدع قط، كانت تفعل أما الأفكار، فهي اكتشاف متأخر نسبيا للإنسان، ويقول يونغ: الحقيقة هي أن البشر في الأزمان السابقة لم يفكروا في رموزهم، انهم قد عاشوها وكان معناها ينشطهم بلا وعي. الواضح أن "مدني صالح" مع المعرفة التجريبية التي تقوم على الواقع بعيدا عن التأمل والمنطق الصوري لان الواقع يجعلنا أكثر قدرة على تغير المحيط بشكل يجعل من الحياة ممكنه وسعيدة بعيدا عن التأمل والتجريد والتنازع المرير الكلامي الذي لا يضيف شيء إلى حياتنا .هذا معناه التقاطع مع التصور الفكري التقليدي: يعتمد الواقع القائم على منطق ألامعقول والقوة والتخلف إلي يذكرنا بالبداوة وتصورات علي الوردي عن منطق الغنيمة وكما يصف مدني صالح هذا في صوره بارعة عن طبيعة الحياة التي تسودها الفوضى التي رمز لها (الحيد الفحل)" لا تصير له حاجة في دائرة عند مدير أو في وزارة عند وزير إلا ويقوم الوزراء والمدراء رهباً ورغباً وسراعاً الي استنفار الموظفين جميعاً لتلبية الطلب كله تاماً كاملاً مثلما يشاء ومثلما يريد، لا مثلما تشاء الاقدار، ولامثلما تملي الانظمة ولا كما تنص القوانين... والخ.. والخ..

انها صوره ولا ابرع منها في وصف حياتنا السحرية في معتقداتها المفارقه للمنطق والعقل لهذا ترى كل خطط التنميه هي مجرد خطابات وكل مشاريع التعاون داخل عالم الحيد الفحل قائمة على الرغبة النزوة وليس على منطق العقل .ثم يتطرق إلى صوره أخرى من تمظهرات الحيد الفحل اذ ينطلق من نقد هذا النمط من الواقع الى نمط اخر من ذات المنطق الي نجده ينحو فيه منحا علي الوردي وهو منطق وعاظ السلاطين: " وما كل هذا الا حال من أحوال تواضع الحيد الفحل اذا ما تنازل وتداول شيئاً من هينات الامور... والا فالفعل أهوال وافاعيل... صورة من صور الحيد الفحل المردانة الذي يدفع ثمن تدويخ الرقيق الابيض وثمن مصادرة الكرامة والارادة والحرية من كيسه الخاص لاحباً الا بالتكلم الكبير وبالكلام المنفوخ: الامر الذي لم يكن في حقيقة أمره بين الوسائل والغايات الا حالاً من أحوال الفطحل النابغة العبقري الجهبذ وهو يناقش ويحاور ويجادل ويحاضر في النوادي وفي الجمعيات وفي الندوات وفي المؤتمرات وفي المحافل الاكاديمية والثقافية اينما تكون... لا فرق بين صورة الحيد الفحل التي انقرضت وبين صورة النابغة الجهبذ التي لم تنقرض بعد الا ان الحيد الفحل الخواردة المردانة كان يدفع ثمن تدويخ الجمهور من كيسه الخاص وان الفطحل النابغة العبقري الجهبذ يتقاضي علي تدويخ الجمهور أجراً مستخلصاً من أضلاع دافعي الضرائب وهم لاينتفعون بشيء من تكلمه الكبير.(24) الا انه يبشر بل يتمنى انقراض هذا النمط من المثقفين بالقول" واستحضروا صورة المتكلم الحيد الفحل المردانة كلما أضجركم المحاضر الفطحل النابغة الجهبذ واملأوا الدنيا قهقهات بالمقارنة بين الفحل والفطحل "(25) .

المطلب الثالث: نقد الأخر

في الوقت الذي يظهر جوهر الفكر العربي الحديث يظل هو" الإضافة "إلى الغير وبالتالي لا يمكن أن نفكر ألا بفضل المواجهة مع الأخر عبر لغته وأسئلته ونظامه المعرفي(26) ألا أن مدني صالح في قراءته إلى الذات لم يهمل الواقع الذي يدرسه ويعيش في كنفه ويعانيه يوميا فان قراءة الذات لا معنى لها ألا عبر رصد الواقع وتمثل متغيراته الثقافية والتاريخية والسياسية والاقتصادية . وكان هذا الواقع هو المفتاح إلى نقد الأخر بعيدا عن منطق الهيمنة وقريبا من منطق المشاركة والحوار والشراكة.وهذا ما يظهر في هذا المتن الوعر، الذي خاضة مدني صالح الذي يمثل كتابات استكشافية واجتهادية، ونقدية، تكافح من اجل إقامة ثقافة عقلية تأخذ بلطائف الحجج والبراهين، والتي تزعجها حياة الأقفاص التي يرفضها كما ظهر هذا في ما بعد الطوفان وفي حوارية يؤكد على ثلاث ملامح أكد عليها الغربي "روبنصن كروزو "والاخر"فرايدي"وهو هنا يعيد استثمار نص كان يمثل لحظة انبثاق الخطاب الاستعماري والاستيطاني بين بين روبنصن كروزو لدانيال دوفو الكثير من شيطان فاوست لجيته الذي كان يمثل ثنائية المتقدم والبدائي بحسب مقولات المستشرقين الذين جعلوا من الاستعمار اعداد للبدائي اما مدني صالح فيرصد هنا عبر الرمز اذ يؤكد ان روبنصن كروزو وقد شجع البدائي على بقائه على ما هو عليه من الأخلاق: (اما الأخلاق الاخري التي قبل بها روبنصن كروزو من فرايدي فهي الاخلاق التي يخرق بها فرايدي العادات والتقاليد والطقوس بلا صراع كلما تبين بالحساب التجاري ان في هذا الخرق ما قد يزيد من صادرات روبنصن كروزو الي فرايدي (...) كما تقضي اخلاقها بأن لعنة الله والملائكة والناس اجمعين علي جميع اللواتي يرتدين من الملابس ما قد يظهر من جسم المرأة غير العينين ومن وراء حجاب.. (27) أما من جهة الحكمتين فإنهما حكمة يحب بها فرايدي حكمته القديمة التي وجده روبنصن كروزو عليها اول ما تواجها وأقره عليها وقبلها منه وزين له ان يعتز بها ويفخر مباهياً بها روبنصن كروزو الذي لا يظهر الا انحسارا ازاء هذه المباهاة الفارغة الا من عنجهية المكابرة التي زرع روبنصن كروزو بذورها في نفس فرايدي. أما الحكمة الاخري فإنها الحكمة التي يحب بها فرايدي الراحة والثقافة والحضارة والمنية فيستورد جميع الذي يصدره روبنصن كروزو اليه ويستهلكه حتي يفنيه فيستورد غيره ويفنيه ليستورد غيره وهكذا تجري الامور علي هذا المنوال استيرادا بعد استيراد واستهلاكا بعد استهلاك لا يزيد فرايدي الا فقراً واعتماداً علي روبنصن كروزو الذي لا يزيده التصدير الا غني وقوة وسيطرة وابداعاً وتصديراً بعد تصدير واكتشافاً بعد اكتشاف واختراعاً بعد اختراع وازدهاراً في معارج الارتقاء وفرايدي منشغل بتأسيس المجامع اللغوية لترجمة أسماء المخترعات. (28)

من الواضح هنا أن الغربي ينظر إلى الشرقي كمستهلك وكسوق لا علاقة له بما هو عليه من حال وتخلف وارتهان إلى الموروث القديم البالي بل ان جل اهتمام المروج صناعة الحاجة وإثارة الاستهلاك وبتحفيز الأخيلة والنزوات .(هي المأساة التاريخية والمأزق الخطير حيث لا يملك فرايدي من امره شيئاً بين اخلاقين يمنع باحدهما الخير عن نفسه ويستجلب الشر بالاخري عليها ولا تبرير عنده لهذا السلوك المأساوي الا الحكمتين: حكمة يضر بها نفسه وحكمة ينفع بها روبنصن كروزو.)(29)

انها قراءة تلك اللحظة الامبريالية القائمة على الإخضاع والإتباع والقائمة أساسا على منظومة القوة التي جعلت من الثقافة الغربية نموذج عند "صموئيل هنتغتون" الذي يرى في القوة مجال يجسد الأثر الثقافي، فقوة الغرب مقابل ضعف الآخرين أدى إلى التأثر بالغرب والتحديث والتغريب أما ضعف الغرب فإنها تدفع الآخرين إلى التأصيل الثقافي . وهي التي جاءت عند مدني صالح مكثفة إلى حد بعيد من خلال مسمى"ثقافة فوهة البندقية")يظل التاريخ بارودياً ظالماً لنفسه ولقواه كما يظل انتحارياً مأساوياً حول محور التجارة الحرب الاحكتار ما دام المنطلق الثقافي الحضاري المدني من فوهة بندقية لا من رأس حكيم وما دام التدبير الباطني الحقيقي التأسيسي الخفي بيد الاغني الاقوي الاغلب الاقهر.)(30) ثم ان هذا القوة تمثل حالة من الانحراف في الفكر والوعي انفصلت فيها الاخلاق عن السياسة منذ البداية وأصبحت القوة والمنفعة هي الدافعية في السياسة وهذا ما دفع الباعث إلى طرح سؤال(ما السبيل الي سيادة الاعلم الاحكم الاعدل الذي ينزل الناس منازلهم التي يستحقون ويرد الامانات الي أهلها ويعطي كل ذي حق حقه ويقسم الخيرات التي لأهل المدينة مادية ومعنوية علي السكان جميعهم حسب الاستئهال المحكوم بالتخصص وبالقدرة علي التجويد في العمل والابداع في الرأي حول محور العمل للأنتاج واللعب للابتهاج والحب للجميع لا حول محور التجارة الاحتكار)(31)

الا ان الامر منذ لحظة انهيار المشروع التنويري الفرنسي وتحوله إلى مشروع استعماري هيمن التاجر على مقدرات الدولة والثقافة التي أصبحت في خدمته تشن الحروب من اجل الحصول على الإرباح وفتح الأسواق وهذا هي اللحظة التي ظهرت فيها فلسفة التاريخ والخطاب الاستشراقي وكل منهما مرتبط بتلك ألحقبه من الهيمنة (بروبنصن كروزو بفلسفة التاريخ وقواه الثقافية علماً وادباً وفناً، والحضارية سياسة واخلاقاً وتشريعاً، والمدنية زراعة وصناعة وعمارة، ويبوبه، ويصرف الرأي في فصوله مثلما يشاء وكما يريد لا بناء الا علي ان الذي يفعله روبنصن كروزو نافع ممتع جميل وان الذي يفعله فرايدي ــ اذا لم يكن علي غرار المثال الروبنكروزوي ــ ضارا أما قبيحا أو انه أقل نفعاً وأقل امتاعاً وأقل جمالاً)(32) وهنا نلمس أن الثقافة في مجموعها أصبحت في خدمت التاجر وتهاوى الفكر ليتحول إلى مراكز بحوث تقدم الخدمات ومراكز استشراق من اجل معرفة الأخر حتى يسهل اختراقه وبالتالي اخضاعة تعاضدها مراكز التبشير ألا أنها في مجموعها كانت منصبه على المنفعة(ولم تكن لروبنصن كروزو من غاية اخري غير الاثراء وجمع الاموال.. اما ان يكون روبنصن كروزو قنصلا او مبشرا او مستشرقاً او رحالة او مستكشفا او مستشاراً او خبيرا أو شيئاً شبيها بهذه الاشياء، فما هذه الا من الوسائل التي يتظاهر بها روبنصن كروزو ويظهر معها الدعة والبشاشة وحب الثقافة والعدل والحكمة والحق والخير والجمال بينما تسد منه لا من غيره حاملات الطائرات المقاتلة والقاصفات وقاذفات الصواريخ المضايق وتملأ الخلجان مضيقة الخناق علي فرايدي وآله طوقاً من نار.)(33) أنها لعبة الاستعباد والإخضاع التي تتنوع إشكالها وأساليبها ألا أنها في النتيجة واحده، تقوم على منطق القوة .وهنا ينتقد مدني صالح الفيلسوف المتعصب كما هو هيجل فيقول: فاني لا اجد هيجل من أينما نظرت إليه إلا غافلا مغاليا وعصبيا منغلقا لا يستشرف ولو انه انظر الى المستقبل لراى افاعيل هتلر ومن هم اشد من هتلر ياكلون من مال الشرق ... يدافعون عن حق كل غني قوي غالب في كل فقير وضعيف مغلوب (34) إلا أن مدني صالح ينظر في العلاقة بين الغرب والشرق والمفاعيل التي تحركها الإطماع والمخاوف من الشرق فيقول: الن الثقافة والحضارة والمدنية والفلسفة بدأت استشراقا بعد استشراق الذي سبق الحملة النابليونية ورافقها واستقر معها وما زال ماكثا يكتنف مخاوف نابليون وتكتنفه من الاستغراب الذي توقعه نابليون وتصوره بيقظة الصين التي إذا استيقظت يهتز العالم كناية عن قيام الاستغراب بالقوة في كل لحظة من لحظات الاستشراق بالفعل كقيام الاستشراق بالقوة في كل لحظة من لحظات الاستغراب بالفعل (35)

ثم عندما يتوقف عند مقولة نهاية التاريخ يكشف البعد المثيولوجي او اللاهوتي او الشمولية فيقول: "وتظل دعوى نهاية التاريخ وبلوغ الغاية الخالدة دعوى تقوم عليها وبها جميع حجج الملل والنحل والفرق والمدارس ....لازما واجبا من اركان سلامة العقيدة وصحة الإيمان "(36)

المطلب الرابع: نقد الفكر في" بعد خراب الفلسفة ":

أولا: يبدأ في وضع علاقة متوازنة بين الثقافة والحضارة والمدنية

وفيها تناول جميل ومتميز رغم هذا التداخل في الدراسات الثقافية والحضارية التي كانت تعكس تداخل بين المفاهيم خصوصا: " الحضارة والثقافة "إذ يقول "إني قد وجدت أن الفهرسة الثقافية في القرن العشرين مقلوبة على الرأس ...وفي هذا ما فيه من الخلط والإرباك والتشويش ...فاني قد رأيت: ان الثقافة حيازة إبداعية وأنها العلم والأدب الفن والفن الأدب والفن الأدب وان الحضارة حيازة تنظيمية وانها السياسة والتشريع والأخلاق، إما المدنية حيازة سلعية ملكية مادة وإنها الزراعة والصناعة والعمارة والتعدين والتدجين (37) ومن هنا ييبن أوجه التمايز والتداخل فيقول: فالثقافة بضاعة إبداعية يجوز عليها التسليع ولا تقبل الاحتكار فيما الحضارة بضاعة تنظيمية يجوز عليها التسليع والإعارة ولا تقبل الاحتكار، إما المدنية بضاعة سلعية تجوز عليها التجارة ويجوز عليها الاحتكار .

ثم انه يقدم تعليل لما ذهب إلية فيقول: لا بل أن الثقافة كالحضارة لا تزدهر، إلا بالنشر ولا تنمو متطورة في سلم الارتقاء، إلا بالانتشار هبة منحة عطية: لا تجارة ولا احتكار وان المدنية لا تزدهر الا بالتجارة عرضا وترويجا وبالاحتكار منعا وخزنا وبأغلاء الإثمان .(38)

ثانيا: ثم انه يصل إلى نتيجه في فلسفة التاريخ ورؤية في النقد

اذ يقول: وأصل الحرب التغالب على المدنيات سببا عاملا فاعلا بين السلب والنهب من جهة وبين التصدير والتوريد والمتاجرة من جهة أخرى ويتعلل الغالب بفرض الثقافة والحضارة رحمة بالمغلوب وحبا للتاريخ وازدهارا للإنسان.(39) إلا انه أيضا يقرر نتيجة هي بمثابة نفي للحرب وفشل للهيمنة الثقافية اذ يقول: اذا كانت المدنية تستورد وتستجلب بالتوريد وإذا كانت الحضارة تستعار وتستجلب بالاستعارة فان الثقافة لا تستجلب لا بالاستعارة ولا بالتوريد ثم ان الثقافة لا تسقط كما سقطت الإمبراطورية الرومانية والثقافة لا تكسد كما كسدت المتاجرة بالرماح والسيوف والثقافة خالدة لا تفنى تصحح نفسها وتصحح الحضارة والمدنية والتاريخ .(40)

ثالثا: ثم انه يقم لنا مفهومان في توصيف الأنشطة الفلسفية ما التشكيل والتصميم

فيقول: بدأت الفلسفة علما طبيعيا استقرائيا بحثا عن مبادئ التصميم الذي تجري على غراره تشكيلات التكوين والحركة والحياة والصيرورة والتغيير والتبدل والانحلال الدائمة المستمرة بلا انفكاك ...ومن هنا الفلسفة بحثا عن مبادئ الإدارة والتصميم بالبحث عن مبادئ النظام والبساطة والنسبية والطاعة والتخصص والقواعد والقوانين وجميعها أسماء يجمعها ويوحد بينها أمر واحد هو التصميم... وهو نوعان طبيعي وارادي ثم إن التصميم: قاعدة، ونظام، وخطة، وقانون .اما التشكيل: سلوك فعل الطبيعة، وافعال كثيرة مختلفة في فعل الإنسان ولا مصادفة في فعل الطبيعة ولا اختيار في فعل الإنسان فكل بتصميم والتصميم سبب ومنه أسباب الحركة و أسباب الحياة (41).

رابعا: مفهوم الخبرة وتحولاتها في التاريخ والتربية

فيقول: تناقل خبرة الانسان وتناقلها من اجل الانتفاع جيلا بعد جيل تنتقدها وترفعها متطورة في مستقبل ..فلا يصح تعريف التاريخ الا بالتربية ...فالتاريخ خبرة وان التربية تداول خبرة ...والتاريخ اداة التربية في التطور والارتقاء، كما التربية أداة التاريخ في التطور والتقدم والارتقاء والتربية وسيلة التاريخ في المحافظة على البقاء والتاريخ وسيلة التربية في المحافظة على البقاء "ص45 ثم ان التربية تتنوع بتنوع العلاقة داخل المجتمع بالمقاربة مع الثقافة والحضارة والمدنية والتي هي حالة مهمة تعكس قدرة مدني صالح على الاختزال المكثف عبر الكتابة الشذرية فيقول:

- تكون الخبرة ثقافية فتكون الخبرة فنية أدبية أو عملية .

- وقد تكون الخبرة حضارية فتكون سياسية أو أخلاقية أو تشريعية .

- وقد تكون الخبرة مادية فتكون الخبرة زراعية أو صناعية أو عمرانية أو تدجينية أو تعدينية (42)

إن هذا الاستقراء العميق للتاريخ الحضاري والثقافي والمدني فقد تنوعت خبراتها فتنوعت تربيتها وتاريخها فقد كانت هناك ثقافات ليس لديها مدنية لكن لديها فنون وآداب وميراث طبي والأمثلة متنوعة كما هو الحال في " إفريقيا"، بالمقابل هناك حضارات لديها حضارة يهيمن بها التشريع والأخلاق والسياسة كما هو الحال في " اليونان " أو هناك مدنيات تنوعت خبرتها العملية وتميزت بها عن غيرها .

هذه الكتابة الاختزالية تعكس فكر ثاقب، فانه ينطلق من تلك العلاقات التي تكون بها الخبرة فيقيس عليها العلاقة بالتربية:

- تكون التربية علمية أدبية فنية إذا كانت الخبرة ثقافية .

- تكون التربية سياسية أخلاقية تشريعية إذا كانت الخبرة حضارية .

- تكون التربية زراعية أو صناعية أو عمرانية أو تدجينية أو تعدينية إذا كانت - الخبرة مدنية . (43)

وبالنتيجة اثر هذا في الإنتاج فيقول: إن قوى الإنتاج تظل عاطلة غير فاعلة مهما صلحت اذا جردناها من الحيازة الإبداعية والبضاعة الثقافية وخبرة التاريخ (44)

خامسا: التحولات التي جاءت في القرن الواحد والعشرين:

تعاظم في النصف الثاني من القرن العشرين حتى عظم في بداية القرن الواحد والعشرين شأن صندوق النقد الدولي، وصندوق التعاون والقروض الدولية، والأسواق المشتركة والشركات المختلفة الجنسية .....ونهاية التاريخ ونهاية الايدولوجيا والشبيه بها وكلها قاهرة قد أحلت فعلا بالفعل شعار يا تجار العالم اتحدوا محل شعار ياعمال العالم اتحدوا بعد أسقطته وجعلت التنظيم العمالي خبرا من إخبار الغاربين ...تلك حقيقة بل سنة من حقائق التاريخ(45) التي اعرفه (أي التاريخ)بأنه حركة الكون كله حركة أزلية أبدية لا بداية لها ولا نهاية من جميع الجهات إلى جميع الجهات، وصراع أزلي ابدي دائم مؤبد ما هو، إلا رد فعل وتكيف بالتطور وتطور بالتكيف ورد الفعل (46)

الخاتمة:

كان يذكرني ببيت شعر ا"بايرون" يذكره بورخيس "تمشي بجمال، كما الليل" نعم تدفق عميق نلمسه في تلك الاستعارة وهي مفتوحة على القراءة والتلقي ثمة روح تسكن المفردات رغم أنها تبدو سهلة، إلا أنها ليس ممكنة .

وهكذا كانت رحلتنا في فكر مدني صالح الطيف المحيط بي كلما حاولت التفلت منه يسكنني. إني أظن الآمال مواتية بما يكفي للقارئ ان يعيد اكتشاف فكر جديد واستعارات أعمق بعدد القراء القادمين إلى نص مدني صاحب المعمار الخاص .الذي سيبقى يرافقنا كطيف ولن ينقطع عنا وهو كما عهدناه شديد الجرأة والأهمية .

 

د. عامر عبد زيد

استاذ الفلسفة في جامعة الكوفة .

................................

(2) بورخس، خورخي لويس: صناعة الشعر ست محاضرات، ترجمة صالح علماني، دار المدى، ط1، دمشق، 2007، ص20.

(3) المصدر نفسه، ص37، هامش 17.انظر: هيرقليطس، الشذرة الحادية والأربعون. .

(4) رباح آل جعفر، مدني صالح آخر فيلسوف إغريقي معاصر، بواسطة موقع: دنيا الوطن دنيا الرأي .

(5) محمد فلحي، هذا هو مدني صالح: الفيلسوف الذي طالب بحقوق الحمير فأثار استياء السلطة!!، بواسطة "مركز النور.

(6) إبراهيم أحمد، مدني صالح .. أرهقته الفلسفة وتداوى بالشعر، بواسطة جريدة الشرق الأوسط الأربعاء 08 شعبـان 1428 هـ 22 أغسطس 2007 العدد 10494.

(7) جويل كاندو، الذاكرة والهوية، ترجمة: وجيه أسعد، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة – دمشق 2009، ص20.

(8) عبد الإله الصائغ، محتجاً غادر مدني صالح زمننا الأصفر، المصدر السابق .

(9) جويل كاندو، الذاكرة والهوية، ص22.

(10) أبو بكر محمد المولود في غرناطة عام 1100 – والمتوفى في مراكش عام 1185 .

(11)

(12) مدني صالح، بعد خراب الفلسفة، دار الهادي، إعداد وتقديم: محمد فاضل عباس، ط1، بغداد، 2009.

(13) المصدر نفسه .

(14) المصدر نفسة .

(15) رباح آل جعفر، مدني صالح آخر فيلسوف إغريقي معاصر، بواسطة موقع: دنيا الوطن دنيا الرأي

(16) عبد الإله الصائغ، محتجاً غادر مدني صالح زمننا الأصفر، بواسطة موقع: مركز النور.

(17) rasmad@maktoob.com رسول محمَّد رسول، كيف عاش سقراط بغداد فيلسوفاً حراً؟، بواسطة موقع يلاف

(18) بورخس، خورخي لويس: صناعة الشعر ست محاضرات، ترجمة صالح علماني، دار المدى، ط1، دمشق، 2007، ص

(19) ابن خلدون: المقدمة ص13.

(20) انظر: انتاج المعرفة بروح المثقف المستقل، عواد ناصر، جريدة (الزمان) الدولية - العدد 2754 - التاريخ 24/7/2006.

(21) مدني صالح، في مهب عواصف - التطور الطبيعي واللاإرادي في المدنية وفي الثقافة وفي الحضارة، جريدة (الزمان) --- العدد 1629 --- التاريخ 2003 - 10 -7.

(22) بناء المفاهيم وإشكالية البحث عن دلائل التأويل وأحكام المعاني/ أحمد باب العلوي.

(23) جون دوي، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ت: محمد لبيب مؤسسة الخانجي، القاهرة 1963، ص339.

(24) مدني صالح، الحيد الفحل - جريدة (الزمان) --- العدد 1635 --- التاريخ 2003 - 10 -14.

(25) المرجع السابق.

(26) محمد المصباحي، الجوهر الإضافة لفلسفة العربية المعاصرة، كتاب تاريخ الفلسفة العربية، إعمال المؤتمر الفلسفي الثالث، بيت الحكمة، 2002، بغداد، ص16

(27) المرجع نفسه .

(28) المرجع نفسه .

(29) المرجع نفسه .

(30) المرجع نفسه .

(31) المرجع نفسه .

(32) المرجع نفسه

(33) المرجع نفسه .

(34) مدني صالح، بعد خراب الفلسفة، ص34.

(35) المرجع نفسه، ص37.

(36) المرجع نفسه، ص 39.

(37) المرجع نفسه، ص15.

(38) المرجع نفسه، ص16.

(39) المرجع نفسه، ص61.

(40) المرجع نفسه، ص61-71.

(41) المرجع نفسه، ص31-32.

(42) المرجع نفسه، ص 47.

(43) المرجع نفسه، ص 47.

(44) المرجع نفسه، ص51.

(45) المرجع نفسه، ص81.

(46) المرجع نفسه، ص 83.

 

 

صباح الحاج مفتنلجأَ أفلاطون إلى الأُسطورة بوصفها مصدراً لإنتاج المفاهيم؛ لأنَّه يعتقد أنَّ الوجود يثير مشكلات ينبغي التعامل معها في تأنِّ، وأنَّ الإنسان لا يمكنه إدراك الحقائق بشكل تام؛ فاعتقَدَ أفلاطون أنَّ مشكلات الوجود تبدأ بسيطة ثُمَّ تتّسع بافتراض ما ينافيها، ثُمَّ تنمو بالاعتراضات، فتنضج وتُوضَع في مكانها الحقيقي، حتّى يتم التوصّل إلى مشكلة واحدة. وكان أفلاطون يمازج بين النزعة الموضوعية والذاتية؛ إذ إنَّ إمكانية الإنسان المحدودة لا يمكنها إدراك الحقائق الثابتة بشكل تام، فليس أمام أفلاطون سوى الاحتمال؛ إذ نجدْهُ لَم يُحدِّد مفهوم العدالة في محاورة الجمهورية، ولا ماهية الخير في محاورة فيلابوس، ولا مشكلة خلود النفس في محاورة فيدون والمأدبة، وإنّما يضطر لدراسة المشكلة باستمرار من أنحاء مختلفة ليصل إلى تعريف واحد مقارب، وهذا يعني أنَّ الإنسان لا يبقى بعيداً عن الحقيقة، وإنما يقترب باستمرار منها.

إذا كانت الحقيقة محتملة، فإنَّ ما هو محتمل يمكن أنْ يكون حقيقة، وهنا يمكن فهم وظيفة الأسطورة؛ فالاحتمال هو منطقة التلاقي المشترك بين الحقيقة والأسطورة؛ إذ إنَّ استبعاد أفلاطون لكل ما هو حسي، جعله يَطلب معرفة الماهيات المعقولة والأزلية، وهذا لَم يكن عن ضعفٍ أو تراخٍ في التفكير بحسب قول عبد الرحمن بدوي، وإنّما هو حالَة عُليا تُدرَك فيها الأشياء على شكل لمحات تفوق العقل؛ إذ يكون أفلاطون هنا مِثْل الصوفي حين يكون في حالة إشراق إلهي، فلَم يجد غير الأسطورة للتعبير عن نفسه.

ومع كل ذلك لَم يلجأ أفلاطون للأسطورة إلاّ في المسائل التي لا يستطع فيها الإنسان أنْ يصل إليها بعقله، فهي إذن درجة أعلى من المعرفة العقلية يمكن أنْ ندعوها بالحدس، وربما أراد بها أفلاطون تَحوُّل التصوّر الديني التقليدي إلى تصور ديني آخر يكون غنيَّاً بالروح الوجدانية، أو ربّما لأنّها ديانة سَمَحَت للفوضى الديمقراطية أنْ تعبث بالإنسان والخيرات، لذلك نرى أفلاطون يَطرح وجهات نظر جديدة في كل الأشياء، ليهدم كل ما هو مألوف سواء في السياسة، أو الفلسفة، أو الدين، حتّى يَخْلق مواطناً يونانياً جديداً.

يحتاج تأكيد أفلاطون إلى أنَّ "التذكّر"- بوصفه يعبّر عن معرفة مستبطنة في داخل النفس الإنسانية- شرط للعلم إلى اطمئنان واقتناع كافيان؛ فتجلّى له أنّه لابد أنْ يُجَسِّم نفسه في أُسطورة تتكلَّم عن وجود النفس خارج الجسم، فصوَّرَ في محاورة جورجياس تَلَبُّس النفس لشكلها الأول على أنّها مستقلة تماماً عن ما يدور حَوْلها، فهي تروي كيفية استمرار عمل العدالة بعد الموت، فالأُسطورة هنا تحتفظ في طابعها الخاص بأنَّها سرد لمحاكمة إلهية، ولكنَّه في محاورة فايدروس يُصوُّر هبوط النفس إلى عالَم الأجساد، لتكتسب فيه رؤيتها في استعادة تذكُّر الحقائق التي رأَتْها أثناء معاينتها للماهيات الخالية من الكيفيات. على هذا النحو تكون المُثُل عناصر مكوّنة لأُسطورة النفس، وأنَّ نزوع النفس مرتهن بنظرية التذكر التي هي شرط للعلم.

هكذا نَمَت الفكرة عند أفلاطون: النفس خالدة أزلية عرفَت الماهيات كُلّها في وجود آخر قبل ميلادها، وبالتالي ينحت أفلاطون نظرية التذكّر ليجعل منها آلية حقيقية لإنتاج المفاهيم في إخراج الأفكار الكامنة داخل عقل الإنسان عن طريق تذكّرها ومعرفتها بالأسئلة.

يُعَد مفهوم التذكّر مفهوماً جديداً على الفكر اليوناني؛ فبَعْدَ أنْ كان الفلاسفة ما قبل سقراط يَعدّون الصورة نوع شفاف من الإدراك، وأنَّ مكان العقل أكبر من الحواس لكنّهُ بناء فوقي لا يقوم دون أساس الحواس، كان أفلاطون في مفهوم التذكر قبْلياً يؤمن بوجود المعارف الفطرية.

الواقع أنَّ معرفة الأشياء تُحَتِّم علينا أنْ ندركها بالحس، ولكنْ هل يمكن ملاحظة كل خواص الأشياء عن طريق الحواس؟ نحن نَعْرف الألوان بأعيننا والأصوات بآذاننا، لكنّنا لا نرى ولا نسمع الاختلاف بينها، وعليه لا بد أنْ نَقْبَل بأنَّ العقل يَبحث ذاتياً في الأشياء كلّها، وهذا يُبيِّن استقلال الفكر عن الإدراك، لكنَّنا لا يمكن أنْ نتعامَل مع المثال إلاّ على أنّه نتيجة للحواس، لكنَّ أفلاطون يُؤكِّد عدم الاعتماد على المثال اللاحق على الإدراك؛ لأنَّ الملاحظة لا يمكن أنْ تدلّنا مثَلاً على مفهوم المساواة، فالأشياء التي نلاحظها لا تتساوى تماماً لكنّها تقترب من مفهوم المساواة؛ فحين نلاحظ أشياء مُعَيَّنة فنحن نقوّمها على أساس أنّ بعضها متساوٍ، فنستخدم المساواة هنا قبل الملاحظة؛ ولكنَّ وَعْيَنا لهذا المفهوم يكون بَعْدَ ملاحظة الأشياء المتساوية، وهذا معناه أنَّ الأفكار موجودة بداخلنا منذ البداية، وعند رؤيتنا للأشياء نتذكَّر ونَعْرف إنّها متساوية. فالإدراك هو فرصة لأنْ نعي هذه المفاهيم ونتذكَّرها، لكنّه ليس المادة الأساسية التي تكون سبباً لقيامها.

تَكشف فكرة النفس الإلهية وتذكُّرها، الخلفية الوجدانية للعِلْم الأفلاطوني؛ فالفلسفة ليست منهجاً عقلياً ضيِّقاً، بل هي حالة وجدانية تقوم بها النفس من التغيُّر إلى الوجود، ورؤية الجمال الصادر عن الحب، وهي بمثابة تتويج للإلهام العشقي، وأنَّ الأُسطورة تربط الحياة الفلسفية بمصير الإنسان والكون كله، فإنَّ هبوط النفس إلى الأرض وتناسخها وتَحوُّلها إلى الرؤية التي انطلقَت منها هو جوهر الأُسطورة، ونرى ذلك بوضوح في فكرة الكهف الأفلاطوني.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

علي رسول الربيعيسنتناول تحت هذا العنوان القضايا التي تدور حول:

- ما يشكّل تقاسم عادل للموارد

- تأثير الاقتصاد على الحياة السياسية

- الرأسمالية والمساواة

- الديمقراطية ومشكلة الأقليات.

الاقتصاد هو المفتاح. لكن لماذا يجب أن يكون للاقتصاد أهمية في تقييم الحياة السياسية؟ يريد الناس أساساً أن يشعروا بأنهم يعامَلون بإنصاف. ويشتكون إن كان هناك قسم آخر من السكان يحصلون على مزايا هم محرومون منها على أساس أنه يجب معاملة الناس بشكل متساوٍ وعادل. هناك العديد من الطرق التي يريد الناس أن يتم التعامل معهم فيها بطريقة عادلة ومتساوية، لكن المشاركة في الموارد المادية هي نقطة جيدة لنبدأ منها، ولتحقيق ذلك، نحتاج إلى العودة والنظر إلى ميزتين رئيسيتين للمشهد السياسي: النفعية والرأسمالية.

عند التفكير في أي مشكلة، من المفيد أن تبدأ بتأسيس القيم التأسيسية الخاصة - وبعبارة أخرى، المبادئ التي تملكها والتي لا ترغب بالتنازل عنها. هناك قيمتان أساسيتان للفلسفة السياسية هما المساواة والحرية. الأولى هي نقطة انطلاق الفلاسفة الذين يفضلون النهج الاشتراكي للسياسة، والثانية أولئك الذين لديهم قناعة ليبرالية في دراسة قضايا المساواة والعدالة.

النفعية هي النظرية الأخلاقية التي تقوم على فكرة أن الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله هو ما يوفر أكبر فرصة للاستفادة لأكبر عدد من الأشخاص المعنيين. طُورت هذه النظرية من قبل جيريمي بينثام (I748-1832) وجون ستيوارت ميل (1806-73)، ويمكن القول أنها النظرية الأخلاقية الأكثر استخداماً اليوم. هناك ثلاثة أشكال رئيسية للنفعية:

يحكم "مبدأ المنفعة" على النظام السياسي ما إذا كان ينتج منافع أكثر أو أقل، ويوفّر رفاهية وسعادة لأكبر عدد من مواطنيه. ويبدو طبقاً للفلسفة السياسية أن النفعية هي نتيجة منطقية للديمقراطية. إذا كان بإمكان الجميع المشاركة في انتخاب حكومة، فإن التوقع هو أن تعمل الحكومة بعد ذلك لصالح الأغلبية. وبالفعل، فإن هذا المبدأ وإن لم يكن مقيَّماً بعبارات نفعية، يعود إلى أفلاطون وأرسطو. وفي مجتمع عادل، فإن مصالح الأغلبية وليس مصالح النخبة هي التي ينبغي أن تسود.

 يُنظر إلى الرأسمالية عموماً على أنها الطريقة الواضحة لتقديم ما يتطلبه التقييم النفعي، وتفترض أن مهمة الحكومة هي فسح المجال لقوى السوق الرأسمالية بتوزيع الخيرات والمنافع وتوفير مستوى المعيشة الذي يريده الناس، واعتبرت النفعية في القرن التاسع عشر أن على الحكومة ألا تتدخل في المساومات بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال على أساس أن اقتصاد السوق الحر سيؤدي في الواقع إلى تحقيق أكبر قدر من الخير للعدد الأكبر من الناس.

قد يجادل الاشتراكيون أنه يجب تأميم الصناعات بحيث يربح الجميع وليس فقط أصحاب رؤوس الأموال. من جهة أخرى، ترى النيوليبرالية أو المحافظة أن الكفاءة والربح هما الحافزان اللذان يدفعان الأعمال إلى الأمام، وهذا في نهاية المطاف يعود بالفائدة على جميع المعنيين. كلتا الحجج تعبّر عن النفعية.

من الواضح أن المنافسة العادلة بين الشركات تعتبر جيدة من منظور نفعي، ولكن عندما تعتبر المنافسة غير عادلة فإنه يبدو ومن خلال تنظيم درجة هيمنة السوق المسموح بها، على الحكومات أن تضمن تفوق النفعية على الرأسمالية، أيً بما أن المطلوب هو أن تعود الفائدة الى الأغلبية فلها الأسبقية اذن على حق الشركات في السيطرة على السوق.

قضايا النفعية

عندما نقول أن كل شخص يجب أن يحصل على أفضل رعاية صحية ممكنة أو مستوى معيشي معقول في التقاعد، فإننا لا نقدم تقييماً نفعياً لما يمكن أن يفيد المجتمع ككل، فنحن ندعم ما يعتبره الفرد معقولاً، وما يعتبر ترتيباً عادلاً للمجتمع. بعبارة أخرى، يستند الحكم على تقييم ما يشكل حياة متحضرة للفرد. وسيكون من الصواب تشجيع هذه الحياة المتحضرة حتى لو لم يستفد المجتمع ككل منها. بمعنى آخر، هناك بعض الحقوق الأساسية التي يجب أن تكون لها الأسبقية على المنفعة العامة. لذا فإن السؤال الأساسي للنفعية هو: هل تتفوق حقوق الإنسان على فوائد نفعية؟

سؤال آخر: كيف تقيّم من يشارك (في المنفعة)، وبالتالي يجب أن تؤخذ مصالحهم في الاعتبار؟ هل ينبغي أن يتم ذلك على أساس محلي، أو من حيث القوة العاملة لشركة معينة؟ هل يجب أن تقاس المنفعة أقليمياً أو وطنياً؟ أم يجب أن تكون عالمية؟

عندما يتعلق الأمر بالاحتباس الحراري العالمي أو القيود المفروضة على التجارة الدولية، قد تتعارض مصالح المواطنين في بلد واحد مع المصالح العامة للمجتمع العالمي. ما هو التقييم النفعي الذي تأخذه في الحسبان - المحلي أم العالمي؟ الجانب الآخر من هذه العملة هو الشكوى، ففي أي تقييم نفعي تتفوق الأغلبيات على الأقليات، وبالتالي يتم التمييز ضدها عندما يتعلق الأمر بتفضيل أفضلياتها. هذا بالطبع ينطبق على كل من النفعية والديمقراطية.

قضايا الرأسمالية

الرأسمالية هي في الأساس آلية لتوليد الثروة، دافع الربح يكون أساسياً فيها. لكن الرأسمالية غير المقيدة قد تؤدي إلى نتائج (ظروف العاملين، والتأثيرات على البيئة، وما إلى ذلك) يجدها الناس غير مقبولة. بعبارة أخرى، قد ينظر إلى التكلفة الاجتماعية أو البيئية لتوليد الثروة التي يحصل عليها من يملكون رأس المال على أنها مرتفعة بشكل غير مقبول.

قد يبدو التوجه السياسي ورأسمالية السوق الحر غير متوافقين، لأن المبادئ الاقتصادية التي تقود الرأسمالية ليست سياسية. ومع ذلك، فإن معظم الدول تشعر بالحاجة إلى فرض تشريعات ذات دوافع سياسية على الصناعة باسم الإنصاف، من خلال تشريعات مكافحة الاحتكار على سبيل المثال، أو من خلال القواعد التي تنطبق على التأثير البيئي للمنتجات أو على تسويقها (على سبيل المثال، القيود المفروضة على الإعلان عن منتجات التبغ).

لقد اعتقد ماركس أن العمال يهددهم الاغتراب - بدلاً من أن يكونوا قادرين على التفوُّق بما أنتجوه، فقد خُوّلوا إلى التروس في عجلة الإنتاج. لا يزال هذا الأمر يمثل تهديداً، فيتم استخدام "التسليع" حيث يتم منح جميع جوانب حياة الفرد قيمة نقدية وليست قيمة شخصية - من الوظيفة إلى فكرة الشهرة، كل شيء له سعره ومكانه.

إن فرض حد أدنى قانوني للأجور والقيود المفروضة على الظروف التي يسمح فيها للأشخاص بالعمل هي قيود سياسية على الرأسمالية. وغالباً ما تشكو الشركات الصغيرة من مثل هذه القيود ومقدار "الروتين" المرتبط بها. إذا كان الناس مستعدين للعمل بأقل من الحد الأدنى القانوني للأجور فهل يجب عدم السماح لهم بذلك؟ كيف تشجع الشركات على توفير ظروف عمل أفضل؟ هل يجب تغيير مستويات الضريبة على الأرباح وفقاً لجودة العمل التي تقدمها الشركة؟ هل هذا تدخل كبير في عمل الرأسمالية والذي قد يخنق المنافسة؟

تعتمد الرأسماليةعلى النجاح داخل الأسواق، استناداً إلى التكنولوجيا المطلوبة للإنتاج والبيع والمعلومات المطلوبة من أجل القيام بذلك. يميل النيوليبراليون إلى تحرير الرأسمالية من التشريعات المقيدة، على افتراض أن توليد الربح هو في حد ذاته هدف صالح للأعمال. لكن هل الرأسمالية والنفعية قادرة على تحقيق الإنصاف في المجتمع أم أن هناك حاجة ماسة أكثر منهما؟

عدالة التوزيع

غالباً ما يُفترض أن السمة الرئيسية للحكومة الجيدة هي إدارتها للاقتصاد. بعبارة أخرى، ما يريده الناس هو مستوى معيشي يتزايد باستمرار، ويتم وضع الحكومة في السلطة من أجل توزيع الخير. هناك بالطبع عوامل أخرى - الناس يتطلعون للحصول على المدارس، والمستشفيات، والطرق، والأمن - يأخذ توفيرها أهمية اقتصادية وسياسية، فالأغنياء أكثر قدرة على الحصول على الطب الخاص والتعليم وما إلى ذلك، في حين ليس لدى الفقراء من خيار سوى قبول ما تقدمه الدولة. لذا، فإن السؤال الرئيسي المطروح على الحكومة هو ما إذا كانت تقدم خدمات تعكس قيمة جيدة مقابل المال (أي الأموال التي قدمها الناس على شكل ضرائب)، على افتراض أن الحكومة تعتبر أكثر كفاءة وفاعلية، كلما قلت الضرائب التي تفرضها. ووفرت الفرص للمزيد من الأموال التي يحتفظ بها الناس في حوزتهم.

لكن هناك مشاكل في هذا:

- في السوق العالمية، يعتمد اقتصاد أي بلد بشكل كبير على ما يحدث في أي مكان آخر في العالم. ولا تستطيع الحكومة بمفردها تحديد أو مواجهة الاتجاهات والأوضاع العالمية.

- ما إذا كان يجب على الاقتصاد توفير مستويات أعلى من المعيشة وهو سؤال سياسي لا يتم طرحه في كثير من الأحيان، لأن إجابته مفترضة وبديهية.

- يميل السؤال إلى افتراض أن المؤشرات الاقتصادية (معدل التضخم ومستوى التوظيف وما إلى ذلك) محايدة فيما يتعلق بالقرارات السياسية - وبالتالي يمكن استخدامها لمقارنة أداء الحكومات. لكن، في الواقع، إن الأشياء ذاتها التي تستخدم كقياس هي جزء من عملية صنع القرار السياسي.

تميل النزعة المحافظة والاشتراكية إلى الانقسام حول هذا، حيث يتوقع المحافظون دفع ضرائب أقل وقبول - حيثما كان ذلك مناسب - بتخفيض في الخدمات، مما يسمح للأفراد حرية اختيار كيفية إنفاق الأموال الإضافية المتوفرة لديهم بعد الضرائب. إن النزعة الاشتراكية، التي لها اهتمام خاص بالفقراء في المجتمع تفضل عموماً خدمات عامة أفضل (يعتمد عليها أولئك الذين تمثلهم)، مع زيادة الضرائب إن لزم الأمر والتي تقع بشكل أكثر تناسباً على عاتق الأثرياء.

لكن كيف تقرر الكيفية التي يتم وفقها توزيع الخيرات؟ هل تفعل ذلك على أساس:

- ما الذي يحتاجه الناس؟

- ما الذي يستحقه الناس؟

- مشاركات متساوية للجميع؟

رأى ماركس أن على الناس أن يقدّموا حسب قدراتهم وأن يتلقّوا حسب حاجاتهم. هل هذا طموح واقعي؟ من حيث العدالة التوزيعية، سيطر أحد المفكرين على المناقشة لأكثر من 30 عاماً: جون راولز. وهذا ما سنناقشه في المقال القادم.

 

الدّكتور علي رسول الرّبيعيّ

 

 

رائد جبار كاظمكثيراً ما نسمع بنعت ووصف الشخص النفعي، والمصلحي والأناني والانتهازي بأنه شخص (براجماتي)، بصيغة أقرب للسخرية والحط من قيمته وشخصه، وهذه صفات يقرنها الانسان البسيط بالشخص الذي هو أقرب للنفعية المصلحية السافرة والاستغلال الشخصي الاناني المقيت، الانسان الذي يقدم نفسه على الآخرين دائماً دون أن يعرف معنى للتضحية والايثار والقيم، أي الانسان الذي يذهب للقول (الغاية تبرر الوسيلة)،  فنحن نطلق لفظ ووصف البراجماتي على من هب ودب، دون أن نعرف المعنى بصورته الحقيقية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى في أحسن الأحوال لمن يعرف (البراجماتية) كفكر وفلسفة فهو يحط من قيمتها وينتقدها نقداً سافراً وساخراً مقللاً من قيمتها ودورها في الحياة والمجتمع، وينتقد البراجماتية من وجهة نظره بما يتبناه من  أفكار وأيديولوجيا دينية أو مثالية بعيدة عن الواقع تماماً، وهذا ما لمسناه في الكثير من الانتقادات الايديولوجية للافكار البراجماتية وفلاسفتها، متخذين من معتقداتهم وأفكارهم منطلقاً لذلك النقد، دون أن يفرقوا بين بيئة الفلسفة البراجماتية وفضائها الاجتماعي والزمكاني وبيئتهم الفكرية والثقافية الطوباوية التي نشأوا عليها، وتلك مفارقة في النقد يتجاوزها الكثير من الدارسين ولم يتقيد بها، تحت دعوى وذريعة أن أفكارهم الدينية والمثالية مطلقة وتصلح لكل زمان ومكان، ما دام الانسان هو الانسان نفسه في أي مجتمع وزمكان كان، وهذا ما لا تؤمن به البراجماتية كفلسفة ومنهج ونظام معرفي متكامل شأنه شأن الكثير من الفلسفات. اذن نحن أمام فهم بسيط وساذج ومحدود للفلسفة البراجماتية، يقلل من قيمتها ويبخس حقها بين الفلسفات، كفلسفة لها أثر كبير وواقعي وحي في العالم الجديد وحياتنا المعاصرة، يكفي هذه الفلسفة فخراً أنها أنتجت نمطاً علمياً وعملياً من الافكار ينسجم وحياتنا المعاصرة، فهي كما يصفها المفكر العربي زكي نجيب محمود (فلسفة جاءت بمثابة الثورة على التفكير المثالي الذي يباعد بين الفكر والعمل، فجعلت الفكر والعمل وجهين لحقيقة واحدة، اذ جعلت معنى الفكرة هو نجاح تطبيقها).(1)

الفلسفة البراجماتية هي أحدى الفلسفات المهمة في الفترة المعاصرة، حيث برزت في أميركا كفلسفة معبرة عن روح الأمة الأميركية وروح العصر، العصر الذي تميز بالتوجهات والثورات العلمية والمعرفية في الغرب، والتوجه نحو الواقعية في قبال الفلسفات المثالية التي طغت على الفلسفتين الالمانية والفرنسية، في مقابل الفلسفة الأنكليزية التي تميزت بنزعتها التجريبية والعلمية، وسيادة هاتين النزعتين هي الطاغية في الفلسفة الغربية (الأوربية)، الا أن ولادة أميركا الجديدة، وأقامة دعامة أسسها السياسية والفكرية والفلسفية على قواعد الفكر والفلسفة الأنكليزية ذات البعد التجريبي والعلمي، لم يحرم المجتمع الأميركي من فلسفات وأفكار مثالية (المانية وفرنسية) المشارب، أو فلسفات (شرقية) ببعدها المثالي (آسيوية أو أفريقية)، فأمريكا مجتمعاً ودولة، كما هو معروف أقيمت على أساس تعدد الهويات واللغات والثقافات، وهذا ما يجعلها ذات أفق رحب يتقبل جميع الافكار والثقافات، والتعددية الثقافية أهم ما يميزها عن غيرها من الدول، وهذا ما جعل مفكروها ينتبهون الى هذه النقطة لأنشاء فلسفة تليق بهذه الأمة وتؤمن بالأختلاف والتنوع الموجود على أرضها، وما الفلسفة البرجماتية الا تعبيراً صادقاً وحياً عن ذلك التعدد والاختلاف والتسامح في بنية الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي الأميريكي.

والبرجماتية (Pragmatism) أشتقت من الكلمة اليونانية (Pragma) والتي تعني العمل، والعمل هو الجانب الأساس في الفلسفة البرجماتية ولذلك فهي فلسفة عملية، تؤكد على قيمة الفكرة والعمل، والعلاقة بين النظرية والتطبيق، هي فلسفة عمل وحياة وواقع، لا فلسفة مثال وخيال وتجرد، ولكنها لا تحارب الخيال والمثال وترفضه تماماً ان كان يصب في صالح العمل وفائدته. والجميل في الفلسفة البرجماتية انها مثل النحلة تأخذ من جميع الفلسفات والافكار، وهي كما يصفها فيلسوفها وليم جيمس (1842ـ1910) بانها: (الفلسفة العملية تتفق مع المذهب الأسمي، في أنها تتعلق دائماً بالجزئي، ومع المذهب النفعي، في أنها تؤكد دائماً قيمة الجانب العملي، ومع المذهب الوضعي، في أنها تحتقر دائماً سائر الحلول اللفظية الخالصة والمسائل التافهة غير المجدية والتجريدات الميتافيزيقة المجردة. فالفلسفة العملية هي في صميمها عبارة عن أنصراف عن المجرد وتعلق بالشخص)(2)

وعلى الرغم من الاختلاف في البراجماتية من فيلسوف الى آخر الا انه يمكن تحديد أهم السمات الأساسية للفلسفة البراجماتية وهي:

1ـ تأكيدها على أهمية الانسان والجانب الانساني والفردي وتقديم فلسفة للحياة تليق بها.

2ـ قولها بنسبية الحقيقة وعدم ثباتها ومطلقيتها لكل زمان ومكان، فالحقبقة مرهونة بالتحقق من صدقها وواقعيتها، وهي متغيرة حسب زمكانها وظرفها الاجتماعي والتاريخي، وأن الحقائق متعددة ومختلفة بتعدد البشر.

3ـ العلم والعمل هو مقياس الافكار وصدق تحققها مرهون بالتجربة، التجربة العلمية والعملية والاجتماعية.

4ـ العقل أداة لتحقق الافكار والحقائق ولكنه لا يعد أداة وحيدة مطلقة لكشف الحقائق، فهو مرهون بطبعيته البشرية وظروفه الطبيعية والاجتماعية والنفسية،والحقيقة ليست عقلية محضة، بل هناك عناصر أخرى تساهم في بناء الحقيقة.

5ـ الفلسفة ليست مجرد أدوات وآليات نظرية بحتة، وهي ليست تأمل عقلي مجرد خالص، بل يشترك العلم والحياة والواقع والعواطف في تكوينها.

6ـ لا تقلل البراجماتية ولا تقصي من دور الجانب الديني والوجداني والعاطفي في حياة الانسان، ولكنه مجال لا يليق بالبحث الفلسفي والعلمي، ومجاله النفس والخيال والمثال، وهي أفكار ذاتية فردية لا يمكن التحقق منها مختبرياً، وأن كانت هذه النقطة مثار جدل وأختلاف بين الفلاسفة البراجماتيين.

لقد لعبت الفلسفة البراجماتية دوراً كبيراً في الفلسفة المعاصرة، ببعدها العملي والعلمي والتربوي والفكري والسياسي، وما دعت له من أفكار واقعية بنزعة علمية ومنهج تحليلي للواقع والافكار ووالمنطق واللغة، ومن الفلاسفة البراجماتيين تشارلز بيرس (1839ـ1914م) الذي يعد المؤسس الأول لهذه الفلسفة، وتحديداً عندما تم تأسيس(النادي الميتافيزيقي) في بداية العام 1870م، الذي أدى الى ولادة البراجماتية كجماعة فلسفية تناقش قضايا فلسفية وعلمية، وقد تم جمع هذه الافكار والمحاورات في مقالات من قبل بيرس في عام 1878م، في مجلة العلوم تحت عنوان (كيف تكون أفكارنا واضحة)، وقد أخذ بيرس على عاتقه تحليل الافكار واللغة والمنطق، وهو يعد رائد البحث اللغوي والسيمائي وفلسفة العلم، وقد سبق الوضعية المنطقية في أفكاره في تحليل اللغة والمعرفة، الا أنه لم يقاطع الميتافيزيقا ولم يرفضها، كما فعلت الوضعية المنطقية، والشيء الملفت للنظر في فلسفة بيرس هو أهتمامه الكبير بفلسفة الفيلسوف الالماني عمانوئيل كانت ونزعته التوفيقية، اذ يؤكد بيرس أن الفلسفة البراجماتية قد تحددت وتشكلت معمارياً وفقاً لفلسفة كانت، ويقول بيرس أنه الوحيد من بين البراجماتيين الذي دخل الفلسفة من باب كانت، الا أن فلسفته ذات طابع أنكليزي، أي أنه أنتصر للفلسفة الانكليزية وأنحاز لها ولم يستطع التوفيق بين فلسفة كانت والتجريبية الانكليزية كما يرى الدكتورعلى عبد الهادي المرهج.(3)

والفيلسوف البراجماتي الثاني هو وليم جيمس، الطبيب والنفساني الأبرز في الفلسفة البراجماتية، والذي كانت لأفكاره دوراً أساسياً في علم النفس وفلسفة الاخلاق وفلسفة الدين وغيرها من المباحث الفلسفية والموضوعات الفكرية، وقد آمن وليم جيمس بالبراجماتية كفلسفة علم وعمل، بل أعطى في فلسفته مساحة للجوانب الشعورية واللاشعورية، ولأرادة الاعتقاد، فأن كان بيرس قد أكد على صدق الفكرة عن طريق تحققها الواقعي الخارجي، الذي أقترب فيه من وجهة نظر جورج باركلي (1685ـ 1753م) التي تقول: (الوجود هو الادراك) أي الادراك الحسي المشخص، فأن جيمس قد أعطى مساحة حرة للاشياء التي ندركها باطنياً وليس ظاهرياً ومادياً، وما أرداة الاعتقاد الا كفكرة براجماتية تصب في هذا المجال، فـ ("الاعتقاد" نفسه عاملاً فعالاً من عوامل "تحقق" ما نؤمن بهأو ما نعتقده؟ ان اعتقادك بأمانة شخص قد يكون هو الكفيل ببث روح الامانة في نفسه، كما أن ثقتك به قد تجعل منه شخصاً جديراً بالثقة حقاً، فلماذا لا نقول ان هناك حلات فيها يخلق "الايمان" نفسه وسائل تحققه، بحيث يصح القول بأن الفكرة تولد الواقعة، كما أن الرغبة تولد الفكرة. ان البعض ليظن أن كل ما لدينا من معتقدات يقوم على بداهة موضوعية قوامها المنطق والنظر المجرد، ولكن الواقع أن للارادة دخلاً كبيراً في معظم ما ندين به من معتقدات. فنحن لسنا موجودات عقلية محضة تتولد كل معتقداتها عن اقتناع عقلي وبداهة منطقية، بل ان عامل "الاختيار" هو الذي يحدد اعتقادنا الى حد كبير. ومعنى هذا أن طبيعتنا غير العقلية تؤثر بشكل واضح في معظم آرائنا ومعتقداتنا، بل اننا حتى اذا اعتقدنا أن هناك حقاً، وأن عقلنا ميسر لأدراك هذا الحق، فان هذا الاعتقاد نفسه ان هو الا تعبير عن رغبة وجدانية تدخل فيها بعض عناصر ارادية وأخرى اجتماعية.)(4)

نحن نجد هنا انتقالة كبيرة ما بين فكر وبراجماتية جيمس وفكر وبراجماتية بيرس، وهذا ما جعل بيرس يصف فلسفته بـ (البراجماتيكية) تمييزاً لها عن (براجماتية) جيمس، وهناك مجموعة من الاسباب دفعت الأول لتمييز براجماتيته عن الثاني، وأهمها أن برجماتية بيرس تعتمد على الرياضيات والمنطق واللغة، بينما غابت تلك عن فلسفة جيمس، وأهتم بالمجال النفسي والانساني، (ولذلك دخل "جيمس" الفلسفة من علم النفس، بينما دخلها "بيرس" من المنطق والرياضيات).(5)

وأجد أن أقرب وأبسط تفريق بين البرجماتيتين هو أن برجماتية بيرس تجريبية ظاهرية حسية، بينما برجماتية جيمس تجريبية جوانية نفسية، وهناك فرق كبير بين الأثنين من حيث المجال الفلسفي والاشتغال الفكري، ولكننا سنجد الفيلسوف البرجماتي الثالث وهو جون ديوي (1859ـ 1952م) سيقدم برجماتية مزجت بين فلسفة بيرس من جهة وفلسفة جيمس من جهة أخرى، وكما قال المفكر العربي زكريا ابراهيم : (وعلى حين أن "برجماتية" بيرس قد ظلت برجماتية الرجل المنطقي، في حين بقيت "برجماتية" جيمس برجماتية عالم الانسانيات، نجد أن "برجماتية" ديوي قد أتخذت طابعاً مزدوجاً بوصفها "نظرية في المنطق" و "مبدأ مرشداً للتحليل الأخلاقي" )(6)

وقد سميت برجماتية ديوي بـ (الاداتية) (Instrumentalism) تمييزاً لها عن فلسفة كلاً من بيرس وجيمس، وقد وظف ديوي فلسفته في الجانبين العلمي والاجتماعي، بصورة عملية، وهو يعد رائد فلسفة التربية والفلسفة السياسية في اميركا والفلسفة المعاصرة، فضلاً عن اشتغالاته الكبيرة في الجانب النفسي والاصلاح الفكري وتجديد الفلسفة، فقد ترك مؤلفات كثيرة في هذا المجال، وهو قد ملّ الفلسفة التقليدية الغارقة في المثاليات والاطلاق والابتعاد عن الواقع، وقد آن الأوان لولادة فلسفة علمية عملية تقترب من الانسان والمجتمع، وتدمج بين الفكرة والعمل، والنظرية والتطبيق. وديوي عرف بقوة بفيلسوف الخبرة  والتربية بلا منازع، فقد أكد على الخبرة ودورها الكبير في بناء الافكار وصياغة النظريات، فالخبرة هي المختبر الحقيقي الذي نكتشف من خلاله صدق أفكارنا وكذبها.

ويكفي الفلسفة البراجماتية فخراً أنها فلسفة تمجد الحياة والانسان ولا تهمش الميتافيزيقا ولكنها تحصرها في مجال آخر غير المجال الفلسفي والعلمي، وتأكيد الفلسفة البراجماتية على أهمية الديمقراطية في بناء الفرد والمجتمع والدولة، الديمقراطية كسلوك وعمل وليس كنظرية وأفكار، وقد صنعت الفلسفة البراجماتية الحضارة الامريكية المعاصرة، تلك الحضارة التي تمجد العلم والعمل، ولا نلقي باللوم على الفلسفة البراجماتية أن فشلت جماعة أو أشخاص في تحوير تلك الافكار والممارسات أو توظيفها بصورة سيئة، فأمريكا الهيمنة والتسلط والمركزية ليست من بناة أفكار الفلسفة البراجماتية، ولكنها هجين لأفكار متعددة ومنها البراجماتية، ولكن تلك الفلسفة ترفض تماماً تلك العناصر المتوحشة في بنية الحضارة الأمريكية الجديدة، وهي ليست مسؤولة عن ذلك الجانب المشوه في بنية أميركا الجديدة، وهذا ما نتمنى أن يتم تصحيحه من قبل الكثير من النقاد والدارسين، فالفلسفة البراجماتية فلسفة انسانية لا تحمل من الأرهاب والتكفير والاقصاء شيئاً يذكر، وهذا ليس دفاعاً عنها، ولكنني هذا ما أتملسه من خلال أفكار تلك الفلسفة ومنجزات فلاسفتها الكبار. وما أحوجنا نحن العرب لفلسفة عملية وعلمية تزاوج بين النظرية والتطبيق، فلسفة واقعية تهتم بحياتنا ووجودنا وتقدسه، فلسفة تبني المؤسسات وتقدس الانسان والمجتمع وتعمل على ترقيته وتقدمه تربوياً وأجتماعياً وفكرياً وأقتصادياً وسياسياً، وتفصل بين مجالي الدين والدنيا وتحترمهما، وتقدس كلا المجالين وتحفظ حق كل منهما في حياة الانسان، دون أحتراب أو عنف أو تطرف أو توحش مقيت يهدد مجتمعاتنا المعاصرة ويكرس الكراهية والاصولية بين شعوب العالم الواحد. 

 

د. رائد جبار كاظم. استاذ فلسفة. الجامعة المستنصرية. العراق.

 ............................

الهوامش:

(1) زكي نجيب محمود. حياة الفكر في العالم الجديد. ط2. 1982.دار الشروق.  ص 8.

(2) زكريا ابراهيم. دراسات في الفلسفة المعاصرة. مكتبة مصر. ص 28.

(3) ينظر: علي المرهج. الفلسفة البراجماتية. أصولها ومبادئها، مع دراسة تحليلية في فلسفة مؤسسها تشارلس ساندرس بيرس. ط1. دار الكتب العلمية. 2008. بيروت ـ لبنان. ص46. 

(4) زكريا ابراهيم. المصدر السابق. ص 40.

(5) علي المرهج. المصدر السابق. ص 158. 

(6) زكريا أبراهيم. المصدر السابق. ص 62

 

عامر عبدزيد الوائليأوّلا: الرؤيّة للعلاقة بين السماء والأرض: في علاقة الانسان بالسماء نجد أنها علاقةٌ يكون بها طرف بمثابة مركز فيما يحتل الطرف الآخر الهامش الذي يدور حول المركز فهناك طاقة بالمركز تجعل من الهامش منجذباً اليه، وهذه العلاقة يحتل بها الطرف الأوّل مكاناً شاهقاً مفارقاً سماوياً، فعالاً مريداً وهو رمز للخصوبة والعطاء؛ فيما يحتل الآخر فيها مكاناً ارضياً سفلياً يكون بمثابة منفعل أنثوي، ولعلّ هكذا علاقة تكون هي بمثابة شوق الأدنى الى الأعلى؛ لأنه يمنحه وجوداً وتجدداً وحياةً، هذه العلاقة تعبِّر عن مستوى من الشعور العميق بالغبطة تحيط الهامش وهو مجذوب في حالة عشق الى المركز .اذ " هناك نوعان من الصفات في الوجود هما: النور الذي يمثِّل الصفة الإيجابيّة، وتندرج تحته الصفات الآتيّة: (الخفّة، النّار والحرارة، والرقّة، والمذكر والفاعل أو الفعَّال بمعنى المؤثر) .

والنوع الثاني من الصفات: هو الظلام الذي يمثِّل صفةً سلبيّةً، وتندرج تحت هذه الصفة مجموعةٌ من الصفات التابعة، وهي: (الأرض، والثقل، والبارد، والسمك، والأنوثة والانفعاليّة بمعنى الذي يستقبل التأثير). وبعد تأملٍ عميقٍ لهذه الصفات، أعطى بارمنيدس تسميّةً لها، فالصفات الإيجابيّة باعتبارها هي الأصليّة أُطلق عليها بـ(الوجود) . والصفات السلبيّة؛ لأنها تابعة وفرعيّة، فقد أطلق عليها بـ(اللاوجود)؛ لأنَّها نفي للأولى." (عبد الكريم عنيات، نيتشه والإغريق إشكاليّة أصل الفلسفة، ص81.)

البحث عن الشكل هذه العلاقة كما تمثّلت في تطور وعي الانسان عن علاقته بالمطلق نجدها تطوّرت من الحسي الى المجرد من المادي الى الروحي وقد اتّخذت من اللغة طاقةً؛ لتعبيرها عن تجربتها الروحيّة التي بدأت ببذرة حسيّة .

1- الجذر اللغوي للعلاقة:

فإذا ما رجعنا الى مفهوم الحب نجده يتمثل في اللغة العربيّة (الحب) في حقله الدلالي كما يظهر في مختار الصحاح ص 119: (حبب) (حبة) القلب سويداؤه وقيل ثمرته، و(الحبة) بالكسر بذور الصحراء مما ليس بقوت، وفي الحديث "فينبتون كما تنبت الحبّة في حميل السيل " و(الحُبّة) بالضم الحب يقال حبه وكرامة . و(الحب) المحبة وكذلك (الحِب) بالكسر. والحب أيضاً الحبيب ويقال (أحبه) فهو؛محب) و(حبه) يحبه بالكسرة فهو (محبوب ).و(تحبب) إليه وامرأة (مٌحبة).

فاللغة تكتنز أمرين: الأوّل السيل الذي ينبت الحبة كما في الحديث، والثاني وعلاقة محبة بين طرفين من البشر ذكر وأنثى .

2- الجذر الأسطوري للعلاقة:

لو رجعنا إلى الجذر الأسطوري للعلاقة فأننا نجد أنّ هناك علاقةً بين السماء المذكر والأرض المؤنث، والعلاقة بينهما محايثة تشبه العلاقة بين ذكر وأنثى، علاقة عموديّة، وتشبه الأمر وكأنه اخصاب .وهو اسقاط العقيلة البدائيّة التي تصور الكون على أساس تكاثرها كبشر وهذا ثابت في الفكر الأسطوري إذ رموز الخصب كما يقول علي الشوك في جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، ص7" مذ بدأ الإنسان يفكِّر في معنى الحياة والوجود وعلاقته بالطبيعة والكون اتّخذت عنده رموز الخصب والإنتاج في الطبيعة هالة من القدسيّة " يحاول البحث في تلك العلاقة عبر اللغة السجل الثقافي الانساني عن الطبيعة التي وجدها تتمركز حول (الرحم) حرم، حرام، حريم، حرمة، احترام، بالعربيّة وفي العبريّة يحرم، يقدس , يكرِّس .وفي الحبشيّة (حرم) أي معنى الحرام والتحريم وفي الأكديّة (بغي) تذكرنا بكلمة (حريم).(جولة في أقاليم اللغة والأسطورة ص10) وقد ارتبط الإله بوعي الانسان القديم بمكان معين وهو بمثابة مكان مقدس " كلمة مقدس؛ مرتبطة بالحديث عن المواضع المقدّسة والأشياء المقدّسة والأشخاص المقدسين والمناسبات المقدّسة فإننا نعني ضمناً بأنّ الأماكن والأشياء والمناسبات على صلة خاصة ما بالإله أو برمزه " روبرتسن سميث، ديانة الساميين، ص96"

وحول كلمة الرحمة تتكاثر عدة مقابلات في اللغات القديمة فالسومريّة Ush-Taar تفيد معنى (الرحم) في السومريّة أيضا Sha-Tu,r تعني "رحم، يرقة، سرء" ويقابلها بالأكديّة "شاترو" ومنها عشتارتو الأكديّة وتعني "البغي المقدسة " ويقابلها بالعربيّة "عثتر" عشتار من الفعل العربي "عثر الذي يفيد معنى السقي والإرواء . يخلص الى نتيجة (جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، ص11): "لما كانت الأعضاء التناسليّة تقترن بالإخصاب والإنجاب، فقد كانت عند القدماء رمزاً لعمليّة الخلق أيضاً."

3- من الاسطورة الى التوراة:

وانطلاقا من هذا التصور المحايث الأسطوري، تأتي تأملات التوراة وقد اتّخذ طابعاً رمزياً لتلك المقابلات القديمة فيخرجها من طابعها الحرفي الى معنى رمزي اذ " تلهج التوراة بالكلام على الرب كزوج لأرضه وشعبه، واسرائيل كزوجة ليهوه، جاء في سفر أشعياء:" لا يقال بعدُ لك مهجورة، ولا يقال لأرضك موحشة، بل تًدعى بعولة، لأنّ الرب يسر بك، ، وأرضك تصير ذات بعل؛ لأنّه كما يتزوج الشاب عذراء يتزوجك بنوك .وكفرح العريس يفرح بك إلهك " (62:4-5 وانظر إرميا 2:32) من هنا يأتي دور الأنثى في القبالة اليهوديّة من خلال أسقاط الرمز الأنثوي على الحب الإلهي، فقد ورد أن إمرأةً غير حواء خلقت من ضلع آدم في الشريعة اليهوديّة، أذ تأتي (ليلينت) التي خلقت من طين مساويَة للرجل ثم تمرّدت عليه، وعلى الرغم من هذا فالمرأة جزء من صورة مجازيّة متمثِّلة بحلول الإله في الشعب، فيجسِد حب الرجل للمرأة كتعبير عن حب الرب لشعبه وموت هذا الحب يشبّه بالزنى ويصبح الشعب مثل المرأة اللعوب هذه الصورة عبر عنها فـي الأناشيد.

في هذه النصوص التوراتيّة التي تعكس الأثر الأسطوري القديم بكل أبعاده المحايثة؛ إلاّ أنّه يأخذ تأويلاً رمزياً كما جاء في نص الظاهرة وكأنه يشبه النصوص الاسطوريّة التي تؤكِد على الخصب إلاّ أنّ التفاسير التأويليّة تخرج المعنى من ظاهره اذ يظهر في نشيد الأناشيد اتّسم الرمز الأنثوي بطابع أسطوري مأخوذ من العبادة القديمة: "ها أنت جميلة يا حبيبتي، ها أنت جميلة! عيناك حمامتان من تحت نقابك، شعرك كقطيع معز رابضٍ على جبل جلعاد، ... شفتاك كسلكة من القرمز، وفمك حلو، خدك كفلقة رمانة تحت نقابك عنقك كبرج داود المبني للأسلحة ألف مجنٍّ علق عليه. كلها أتراس الجبابرة ". (نشيد الانشاد) فهذا المعنى الحرفي في النشد قد استقي من الفكر القديم الكنعاني من خلال لفظة: بعل ومن السومريّة Al (يثقب) ومن الأكديّة allu (معول) وهو أداة للحفر .لكن يخرج من دلالته الحرفة الى الرمزيّة وإن كانت موجودةً في المعتقدات الكنعانيّة القديمة إذ يتحول إخصاب الارض من قبل الإله عبر المطر (جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، ص15): "كما في كلمة "قولياء" العبريّة تعني، صوت يهوه، وترد بمعنى الرعد على نحو ما جاء في التوراة " فأعطى الرب رعوداً (قولياء) (سفر الخروج 9: 23)"ومن هنا جاء المن والسلوى .وأيضاً ثمّة علاقة أخرى الى جانب الإخصاب ثمّة علاقة كما يشير لها "شفيق مقار"، الجنس في التوراة، ص 329: كما أخذت صفَة الأب ليهوه من إيل، وأخذ له لقب "المقتني" فلقب إيل في نصوص رأس شمرا، " مقتني البشر"، أطلق على يهوه في سفر التكوين في تسميّة قايين فحواء، عندما ولدت الإبن، قالت أنه دعي قاييم لأنها " اقتنت رجلا من عند الرب " (التكوين 4:1)

4- التأويل الرمزي للعلاقة في المسيحيّة:

والى جانب التراث التوراتي يأتي التراث المسيحي في تمثلاته الرمزيّة عن الحب: إذ وجدت ملامح التصوف عند المسيح من خلال التراحم والعاطفة والتسامح الظاهر عليه، وإتِّباعه لمرآة قلبه فلغته لغة الحب لا القسـوة يقدر الذات الإنسانيّة حتى لو كان عـدوا ً لـه، إذ إبتعد عن جميع الملذّات والشهوات الدنيويّة، قاهراً الجسد معتقداً أنّ الروح أسمى ما خلق الله، فظهرت جماعات تتبع سلوك المسيح تدعى بـ(الرهبان زاهدي الحياة )وهم بمثابة المعلم الذي يعطي النصح والإرشاد والموعظة ويساعد الآخرين على سلوك المسلك المؤدي الى التقرب من الله من خلال العزلة واختيار الانسلاخ عن العالم الخارجي وزهدهم في الحياة والتوبة ونذر الصوم والامتناع عن الكلام، تكمن هنا ملامح صوفيّة الفطرة. (تور آندريه، التصوف الاسلامي).

ثانيا: الحب الإلهي في التصوف الاسلامي:

بعد تجذيرنا كيف تحوّل الوعي من التصور الحسي الى التصور الرمزي، إلاّ أنّه حافظ على البنية القائمة على مركزيّة الله في الكون نفسها والتي يكون الإنسان في هذه العلاقة بمثابة هامش يدور حول المركز، فهناك طاقة بالمركز تجعل من الهامش منجذب اليه، وهذه العلاقة يحتل بها الأوّل مكاناً شاهقاً مفارقاً سماوياً، فعالاً مريداً يعد رمزاً للخصوبة والعطاء يتجلّى من خلال تجربة المتصوف الذوقيّة وهو يشاهد تلك الأنوار التي تفيض من الله الفاعل نحو الإنسان المنفعل، ولعلّ هكذا علاقة تكون هي بمثابة شوق الأدنى الى الأعلى؛ لأنه يمنحه وجوداً وتجدداً وحياةً، هذه العلاقة تعبِر عن مستوى من الشعور العميق بالغبطة تحيط الهامش وهو مجذوب في حالة عشق الى المركز .

1- التجربة الذوقيّة:

يبقى البحث عن تجربة الصوفيّة مساراً محفوفاً بالمخاطر ومرد هذا الى كونه تعبيراً عن تجربة فرديّة تحاول نقلها الى الآخر عبر اللغة مسكن الكائن ونبع تجاربهِ الفرديّة والجمعيّة؛ لهذا عندما يروم المتصوف استعمال اللغة من أجل التعبير عن تجربته الروحيّة تلك نجدها تتسم بالبلاغة العاليّة تجانب الناسوت وعوالمه وترتقي الى اللاهوت وألطافهِ، لهذا (التصوف طرح النفس في العبوديّة والخروج عن البشريّة والنظر الى الحق بالكليّة)". "الشيخ أمين الشيخ علاء الدين النقشبندي، ما هو التصوف (ما هي الطريقة النقشبنديّة)، ص 48- 52."، فهذه العلاقة بين الله بوصفه مركز الكون ونبع الحقيقة ومركز الفيض، تظهر من خلال التجربة الذوقيّة لدى المتصوف، وقد وصف هذه العلاقة بعض أبرز الصوفيّة، فالجنيد البغدادي يعرف التصوف بوصفهِ: "(هو أن تكون مع الله بلا علاقة)، وعند الشبلي: (التصوف: هو العصمة عند رؤيّة الأكوان)"( عبد القادر أحمد عطا، التصوف الأسلامي بين الأصالة والأقتباس في عصر النابلسي، ص 185).

( وعرّف معـروف الكرخي: "التصـوف هو الأخـذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق"( عبد القادر أحمد عطا، التصوف الأسلامي بين الأصالة والاقتباس في عصر النابلسي، ص 185.)

نجد أنّ هذا التلون المختلف بين الصوفيّة لأنّها متضمنةٌ لأفعال عباديّة، وليس باعتبارها متضمنةً لمحتويات أو لمعاني فيلسوف متأمِّل أو شاعر يستثمر مقدرته الشعريّة، لهذا وقيل (التصوف: هو بذل المجهود في طلب المقصود، والأنس في المعبود، وترك الاشتغال بالمفقود)" (جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ص 283.)، وورد عن سفيان الثوري أنه قال: " ليس الزهد في الدنيا بلبس الغليظ والخشن، وأكل الجشب ـ أي الطعام الغليظ ـ إنما الزهد في الدنيا قصر الأمل "، والمقصود بقصر الأمل هنا أن يكون الإنسان واقعياً في سلوكه، وأن ينهض بمسؤولياته الكاملة تجاه الخالق والمخلوقين.

2- الحب الإلهي عند رابعة العدويّة:

وبعد تأصيل الرؤيّة الكونيّة القائمة على مركزيّة الله في الفكر الاسلامي وتجلياته في الخطاب الصوفي، نجد أنّ أبرز ملمح لهذا التجلي يظهر بمعناه الروحي هو: أنّ الحب الإلهي أحد أشكال التصوف وظاهرة متميزة اذ يتجلّى هذا المفهوم في التصور الإسلامي عن الحب الالهي الذي ينسب هذا النمط من التصوف إلى رابعة العدويّة " وتكنّى بأم الخير، عابدة وصوفيّة تاريخيّة وإحدى الشخصيّات المشهورة في عالم التصوف الإسلامي، وتعد مؤسسةً لأحد مذاهب التصوف الإسلامي وهو مذهب العشق الإلهي، وهي رابعة بنت إسماعيل العدوي، ولدت في مدينة البصرة، ويرجح مولدها حوالي عام (100هجريّة و717ميلاديّة )، من أب عابد فقير، وهي ابنته الرابعة وهذا يفسر سبب تسميتها رابعة فهي البنت "الرابعة".

ورابعة تختلف عن متقدمي الصوفيّة الذين كانوا مجرد زهاد ونساك، ذلك لأنها كانت صوفيّةً بحق، يدفعها حب قوي دفّاق، كما كانت في طليعة الصوفيّة الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيده رغبة سوى حب الله وحده.

هذا النمط من الحب بين المتصوفة والله بين الانسان والمطلق إذ يأتي هذا عبر الطالب الوجد والهيام بالله، وهو ما يظهر في شعر رابعة العدويّة اذ تمتّعت رابعة بموهبة الشعر وتأجّجت تلك الموهبة بعاطفة قويّة ملكت حياتها فخرجت الكلمات منسابة من شفتيها تعبرعمّا يختلج بها من وجد وعشق لله، وتقدم ذلك الشعر كرسالة لمن حولها ليحبوا ذلك المحبوب العظيم.

ليس كل ما ينسب هو حقيقي وليس بالضرورة كاذب إلا أنّه يظهر تلك المرجعيّة الواسعة للعلاقة بين السماء والارض من معناها المادي الى بلاغتها الرمزيّة فهنا نلمس أطيافاً هي تمثل جزء من ذلك الطيف الواسع الذي يعكس البعد اللاشعوري ولكن اغلب المؤرخين الذين يراعون الظاهر يكتفون بالقول: إنّ هناك أشياءَ كثيرةً تنسب إلى رابعة لا يمكن أن تكون صحيحة، وبخاصة إنّ أقرب من ترجموا لها، وهو الجاحظ الذى عاش في القرن التالي لقرن وفاتها، لم يذكر عنها إلا أنها كانت من النساء الناسكات الزاهدات من أهل البيان، وورد ذلك في "البيان والتبيين" و"الحيوان" و"المحاسن والأضداد".

لكن تبقى تلك الأنثى تظهر كل المتن اللاشعوري بكل أطيافه في نصوصها التي وإن كانت تعبر عن مرجعيّة اسلاميّة إلا أنّها قابلة للتاويل والحفر في متونها ,ومن أشعارها في إحدى قصائدها التي تصف حب الخالق إذ تقول:

عـرفتُ الهـوى مذ عرفتُ هـَواكَ     وأغـلـقـتُ قلـبـي عـمَـن سِـواكَ

وَكــنْتُ أناجيـــكَ يـــا من      تــَرى خـَفـايـا الـقـلـوبِ وَلسْـنـا نـَراكَ

أُحُبــُـكَ حـبـيــنِ حُـبًّ الهــَـــوى      وحــبــــاً لأنــّـك أهـــل لـــذاك

فــأمّا الــذي هــو حب الهــــوى     فشـغلـي بـذكـرك عـمّـنْ سـِواكَ

وأمــّـا الـــذي أنــت أهــلٌ لــــه     فكـشـفـك للـحـجـبِ حَـتـّى أَراكَ

فـَلا الحـمْد فـي ذا ولا ذاك لـــي    ولـكـن لكَ الـحـمـدُ فـي ذا وذاكَ

أحبــك حـبـيـن.. حــب الهـــوى وحــبــــا لأنــــك أهـــل لـــذاكَ

وأشتـاقُ شوقيـن.. شوقُ النِـوى   وشـوقٌ لقرب الخلـي من حِمـاكَ

فأمـّا الــذي هــو شــوقُ النـِـوى  فمسـري الدمــوعَ لطــولِ نـِواكَ

أمـّـا اشتيـــاق لقـــرب الحمـــى   فنــار حيـــاة خبت فــي ضيــاك

ولستُ على الشجوِ أشكو الهوى   رضيتُ بما شئت لـي فـي هداكـا

في التأويلات الصوفيّة نجد تلك الشهادات التي يرويها المتصوفة الكبار اذ

وفى "التعرف لمذهب أهل التصوف" للكلاباذى (ت380هـ): "دخل جماعة على رابعة يعودونها من شكوى، فقالوا: ما حَالُكِ؟ قالت: والله ما عرفتُ لعلتي سببا. عُرِضَتْ علىَّ الجنة، فملتُ بقلبي إليها، فأحسب أن مولاي غار عليَّ فعاتبني. فله العُتْبَى".

وأيضاً في ما يرويه في "أسرار التوحيد" للمنور (ت600هـ): "قال أبو سعيد الخير إنه سمع من أبى علي الفقيه أن رابعة سُئلت كيف بلغتْ هذه المرتبة في الحياة الروحيّة. فأجابت: بقولي دائما: اللهم إني أعوذ بك عن كل ما يشغلني عنك، ومن كل حائل يحول بيني وبينك".

وأيضاً نجد تلك القراءات للنص الصوفي لدى رابعة يقول:" فأمّا قولها: "حبّ الهوى" وقولها: "حبٌ أنت أهلٌ له" وتفريقها بين الحبين فإنّه يحتاج إلى تفصيل حتى يقف عليه من لا يعرفه، ويَخْبُره من لم يشهده، وفي تسميته ونعت وصفه إنكار من ذوي العقول ممن لا ذوق له ولا قدم فيه، ولكنّنا نحمل ذلك وندّل عليه من عرفه. يعني "حب الهوى": بمعنى إنّ من لم يدرك التجربة بنفسها لا يستطيع من أن يصفها وصفاً دقيقاً وخصوصاً أصحاب العقول الذين يعتمدون على المنهج العقلي وهو مفارق الى المنهج الذوقي وبالآتي لا يستطيعون إدراكه وفهمه .وبالآتي فإنّ هذا يعني أنّ المعنى له دلالة لا يدرك أثرها إلا من عاش التجربة ولم يكتفي بتأويلها وقد تحوّلت الى نص شعري .

وانطلاقا من تلك المرجعيّة لدى اهل التصوف فان المعنى يكون:

إني رأيتك فأحببتك عن مشاهدة عين اليقين، لا عن خبرٍ وسَمْعِ تصديقٍ من طريق النعم والإحسان، فتختلف محبتي إذا تغّيرت الأفعال؛لاختلاف ذلك عليّ، ولكنّ محبتي من طريق العيان، فقَرُبْتُ منك وهربت إليك واشتغلت بك وانقطعت عمّن سواك.

وإذا ما أخذنا أنموذجاً من أصحاب العقل والبرهان اذ يقول: "الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتاب عن رابعة قرر فيه أنّها أدخلت في التصوف الإسلامي مفهوم العشق الإلهي، ثم قارن بينها وبين القديسة تيريزا." (قائلاً إنّ تصوفها متأثر بالتصوف النصراني في موضوع المحبّة الإلهيّة (شهيدة العشق الإلهي رابعة العدويّة ص10)؛ لكنّ هذا لا يمنع من القول من وجود بنية عميقة تمثّلت بالثقافة الشرقيّة القديمة تختلف عن الثقافة المعاصرة الغربيّة، لكن تلك الثقافة الشرقيّة (التي تنتج قيما روحيّة مستقلة، لم تعد موجودةً في زمننا هذا .) (داريوش، هويّة بأربعين وجه، ص53) .لأننا على الرغم من تنوعنا الثقافي إلا إننا نعيش في ظل ثقافة حداثيّة تسهم بإعادة النظر في العلاقة الكونيّة وتمنحها بعداً جديداً .

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

علي محمد اليوسفيقول احد الفلاسفة المعاصرين في معرض حديثه عن تعالق الدين واللغة عند الفيلسوف بروديكوس، (ان الانسان البدائي والذي بدا له ان كثيرا من الظواهر الطبيعية معادية له، ومع ذلك كان معجبا جدا بالهبات التي تزوده بها الطبيعة لتسهيل حياته ورفاهيته).(1)، وفي تعبير ظريف ليوربيدوس: ان الارض يجب ان تثمر شبئا لاطعام قطيعي سواء اكانت الطبيعة راضية ان تفعل ذلك ام لا.

هذه الطبيعة المادية في مجموع تكويناتها وتنوعاتها الارضية، لم تكن طبيعة جامدة (روحيا) بمعنى الثبات والسكون الفيزيقي الذي يعدم تساؤلات ما وراءها ، تساؤلات الانسان الكائن النوعي في ذكائه المتفرد به عن باقي المخلوقات والكائنات، (عقليا - روحيا) خياليا تأمليا ميتافيزيقيا في ماوراء ظواهر الطبيعة.

(ان مصير الانسان هو ارادته وتفكيره، وبمجرد ان يتخطى المرحلة البدائية، ويصبح كائنا يقرر مصيره على اسس وقوانين تتسم بالحكمة والعقل، عندئذ تظهر له الطبيعة والعالم كشيء يعتمد على فكره وارادته وتاثره بهما). (2)

وبحسب فيورباخ: حين يرتقي الانسان بفكره واداته فوق الطبيعة، فانه يصبح خارقا للطبيعة، ويصبح الاله ايضا خارقا للطبيعة.(3) هنا يتوجب التنبيه ان لا الخالق الغيبي في السماء، ولا الاله الانساني مجسدا بالانسان نفسه، يستطيع خرق قوانين الطبيعة لتلبية رغائب الانسان، ماعدا ماجاء كمعجزات منسوبة على ايدي الانبياء لتدعيم ايمان الناس بهم. ولا بمقدور الطبيعة خرق قوانينها ايضا من اجل حاجات الانسان ايضا، فهي من جهة لا تعي ذاتها ومن جهة اخرى لا تعي وجود الانسان معها ، لكن بمقدور الانسان منفردا خرق قوانين الطبيعة من اجل رغائبه واشباع حاجاته وملذاته، اذا ما توفرت له صفات الالوهية كما خلعها عليه فيورباخ من خلال علوّه واعلائه الانسان على الطبيعة. وهذا لايتم الا في وعي الانسان لذاته كائنا مميّزا عن كائنات الطبيعة الاخرى من حوله، وكونه جزءا من الطبيعة متمايز عنها متعاليا عليها.

أن انتقال الانسان من الحالة الحيوانية الانقيادية للطبيعة، هو انتقال نوعي مفارق عن علاقة تكيّف وانقياد الحيوان لها، فحين يعلو الانسان فوق الطبيعة، فبماذا؟ وكيف؟ فهو يعلو عليها بخاصيتي الذكاء والتخيّل اللتين لا يمتلكهما الحيوان في علاقته المتكيّفة مع الطبيعة المهادنة لها.وبهذا يتسيّد الانسان الطبيعة، ويكون تعامله معها غير متكيّف سلبيا انقياديا لها كما عند الحيوان، لذا نجد الانسان في علاقة رأسية احتدامية متصارعة مع الطبيعة.وبهذا النوع من العلاقة نجد الانسان يعلو على الطبيعة ولا تعلو هي عليه.رغم ضآلة وجوده الكياني وقدراته المحدودة امام لا محدودية الطبيعة في متخيله الارضي لها وفي امتلاكها من موجودات مذهلة.وانه لمن المهم ان الانسان في مراحل تاريخية متقدمة في وجوده الانثروبولوجي تمكن من اختراع اللغة في اعتلائه ظهر الطبيعة.

واكثر مما ذكرناه فان فيورباخ يصف الآلهة والتوحيد الديني قائلا مامعناه ان التأليه اوالتوحيد لانسانية الطبيعة الالهية بمعنى انتساب للطبيعةها ه للانسان له وليس انتسابه هو وتبعيته لها. انما ينبعان فقط من ربط الانسان الطبيعة بذاته، لأن الطبيعة تخضع نفسها للانسان دون ارادة ولا وعي منها.(4) كما ان الطبيعة غير ملزمة، ولا تعي اهمية تنفيذها لرغائب الانسان وتلبية احتياجاته منها، كما وليس بمقدورها خرق قوانينها الطبيعية التي تحكم الوجود الطبيعي رغما عنها ودون دراية منها، من اجل تحقيق ما يحتاجه الانسان منها كما اشرنا سابقا، لسبب يجهله الانسان كما تجهله هي الطبيعة ايضا، هو ان الانسان البدائي البقديم لا يدرك ان الطبيعة تختلف عنه جوهريا في انها لا تعي ذاتها ولا تعي وجود وظواهر الاشياء من حولها بخلاف الانسان عن الطبيعة في وعي الانسان ذاته ووعيه المحيط والموجودات من حوله.ومن منطلق تجاهل الجدل الحاصل في ان الطبيعة خالقة لنفسها وقوانينها على وفق الانتخاب الطبيعي الدارويني والتطورالبيولوجي والانثوبولوجي للانسان والطبيعة، اواعتمدنا المنحى الايماني الديني ان الله هو خالق الطبيعة ومنظّم قوانينها باحكام لا تدركه الطبيعة ذاتها ولا الانسان ايضا.

نجد من المهم التذكير بان الطبيعة التي تنتج وتسود قوانينها التي تحكمها هي والانسان معا ، فالطبيعة لا تصنع تلك القوانين في ادراك اهميتها للانسان واشباع رغائبه واحتياجاته، اي ان قوانين الطبيعة التي تعمل بمعزل عن ارادة الانسان في توفيرها وسائل بقائه وتلبية احتياجاته المعيشية له وللحيوانات معه كافة، لادخل لوعي الطبيعة بصنعها ووجود تلك القوانين التي تحكم الانسان والطبيعة وحتى الكوني ايضا. وفي الوقت الذي يندهش الانسان بالطبيعة ، في تساؤله من اوجدها وكيف؟ فالطبيعة لا تمتلك جوابها لانها لا تعي كيف وجدت ومن اوجدها.كما ان الانسان لا يقوى حل لغز حياته هو في وجوده الارضي الطبيعي والى يومنا هذا.

وبحسب فيورباخ ايضا(فان الآلهة قادرة على فعل ما يرغب الانسان، بمعنى انها تطيع وتلبّي قوانين قلب الانسان، ، فعلاقة الانسان بروحه، تعادل علاقة الآلهة بالعالم المحسوس). (5) هذه العبارة مشبّعة ميتافيزيقيا ولا تقول اكثر من ان الانسان مبتدأ ومنتهى الدين، فكلتا العلاقتين علاقة الانسان بروحه ، وعلاقة الانسان بالآلهة هي علاقة افتراضية خيالية معدومة التحقق ولا فارق بين العلاقتين لان مصدر خلقهما هو الانسان فقط. هي علاقة الانسان مع نفسه فقط ولا وجود لآلهة تعلو الانسان الا تلك التي وضعها هو في موقع الاله المقدس المعبود.

وتأكيدا لما ذهبنا له من جهة ثانية فعلاقة الانسان بروحه علاقة وجدانية نفسية لا وجود حسّي او ادراكي مادي عقلي لها، لذا هي تعادل علاقة الآلهة الافتراضية بالمحسوسات والماديات والطبيعة والعالم التي ايضا هي غير موجودة سوى في مخيّلة وتفكير الانسان فقط. فالانسان يعبد ما يتخيّله هو فقط حسب حاجته الروحية او المادية ، ويؤمن بمعبوده بروحه المجردة وليس بعقله في كل مايصنعه له خياله.

اذا ما علمنا ان فيورباخ فيلسوف وشاعر ايضا، ادركنا مدى قدرته الفكرية وقابليته الساحرة على تطويع لغة الفلسفة بالفاظ تعبيرية شفافة موحية تتوارى خلفها المعاني.فقد وضع نزعة التدين عند الانسان مستودعها (القلب) وليس العقل ولا تزال هذه الحقيقة مسّلم بها دينيا في جميع لاهوت وثيولوجيا الاديان، فالعقل بمدلولاته الادراكية والحسّية والخيالية الذهنية ، لا يتوسّله الانسان في محاولة الاستدلال المنطقي ولا الحسي التجريبي في اشباعه نزعة التدّين عنده، وانما يستعمل عقله في التساؤل التأملي التجريدي الخيالي في ترسيخ ايمانه الغيبي فقط ، ولا زالت هذه الفرضية تغلب على تديّن اكثر الموحدين لله، ان الايمان الديني مصدره القلب وعجز العقل في الاستدلال على تثبيت الايمان الروحاني ببراهين عقلية.

فالانسان يعمل عقله حسّيا وخياليا بعكس الحيوان الذي يدرك الطبيعة عقليا محدودا جدا، وحسّيا مباشرا في تامين الطبيعة ما يحتاجه في غذائه فقط، ولا يمتلك الحيوان قابلية ولا قدرة اعمال العقل خياليا تجريديا حتى في حالة تعطيل اللغة عنده..لذا الانسان يمتاز عن الحيوان بانه كائن ديني او متديّن كونه كائن عقلي وخيالي في وقت واحد.

لنمعن النظر جيدا في العبارة التالية لفيورباخ( ان الانسان يفعل من خلال الله، ما يفعله الله حقيقة بنفسه) ص96.هذه العبارة المكتنزة فلسفيا لا تحمل اكثر من تأويل اوحد وحيد يمثل معنى، لما كان بدأه فيورباخ في بداية كتابه اصل الدين، من أن الآلهة مصنّعة خياليا من قبل الانسان، وليس هناك من وجود الهي من غير تأمل الانسان واعمال عقله الخيالي في ما وراء الطبيعة، وايمانه بتخليق ما كان قد ابتدعه خياله انطولوجيا، ويحمل جميع الصفات الذاتية التي يخلعها الانسان عليه ، على الهه.

ان عبارة فيورباخ هذه في تأويلها بمنهجية علوم اللغة في المسكوت عنه الذي يتخفى المعنى فيها خلف المفردات اللغوية، تلخيصها يكون بان الاله والانسان هما وجود انطولوجي واحد هو الانسان فقط في معايشة خياله في علاقته بكل من الطبيعة والميتافيزيقيا.ولا يختلفان الا باهمية الخيال في البحث عن الامان الروحي اي الدين.

أن جميع المصادر البحثية في نشأة الدين تذهب الى بداياته حتى مراحل الوثنية قبل الاديان السماوية تشير الى الشرق العراق السومري والبابلي ومصر الفرعونية والهند والصين وفلسطين، ثم انتقلت الاديان الوثنية والميثولوجية والاسطورية والسحرية الى بلاد اليونان والرومان الى ماقبل ظهور اليهودية والمسيحية.عن طريق فتوحات الاسكندر المقدوني للشرق حوالي 320 قبل الميلاد.

فعلى لسان هيرودوتس يذكر فيورباخ(انه في الشرق يقلل الانسان من قيمة نفسه الى مستوى الحيوان كي يثبت ولاءه الديني، اما عند الاغريق والرومان فأن تأكيد الانسان لكرامته تضعه في مصاف الالهة ). ص100

طبعا في هذا مغالطة آرية عنصرية عرقية، اذ الى وقت ليس ببعيد تاريخيا فأن الاغريق كانوا يضّحون بالاطفال قرابين للالهة زيوس كم كان بفعل (آخيل) او غيره من وثنيي الارباب ولم تكن تحسب تلك حيوانية دينية، بعدها بزمن ايضا ليس ببعيد كانت قبائل الفايكونغ تضحي بالقرابين الآدمية ارضاءا للاله ايتش. واخلافهم اليوم من ارقى وفي المقدمة حضاريا من دول العالم الذين هم الدول الاسكندنافية.

لقّب فويرباخ بانه صاحب منهج فلسفي مادي تصوفي او تأملي ذاتي، البعض ينعت فويرباخ فيلسوف الذات فهو عالج موضوعة اغتراب الذات فلسفيا في سبق فلسفي يحسب له. ومن الماركسيين المحدثين الذين ينكرون التأثير المادي لفويرباخ على ماركس، بنفس معيار انكارهم الجدل الهيجلي على اعتباره هو الآخر مثاليا تجريديا تأمليا، ، علما ان جميع دارسي وباحثي الماركسية يذهبون الى أن المادية الفويرباخية والجدل او الديالكتيك الهيجلي كانتا دعامتا الديالكتيكية المادية ، والجدل المادي التاريخي الذي اعتمدهما ماركس في صياغته قوانين تطور المادة والتاريخ، بعد تخليصه مادية فويرباخ من تصوّفها التأملي الديني، وتخليص الجدل الهيجلي من مثاليته المقلوبة.

، لكن لا يمكن لأحد نكران أن المعارف والفلسفات وحتى العلوم الانسانية، هي تراكم معرفي وحضاري تاريخي محكوم بالكم والكيف، في تقادم زمني لا يلغي تماما جهد السابقين على اللاحقين تاريخيا، مهما اعتور وشاب تلك المسيرة من النقد والمراجعة والحذف والتفسير والتفنيد ..الخ.كما يتعذر ولادة معارف علمية أو فلسفية من فراغ سابق عليهما.

واذا سمحنا لأنفسنا اسقاط الفهم الحداثي وما بعد الحداثي على اي نص مكتوب ، فهو بحسب رولان بارت في مقولته الشهيرة موت المؤلف ، في ردّه كل نص الى تناصه المتعالق مع سابقاته من النصوص من جهة ، ومن جهة اخرى فأن النص بعد كتابته ونشره يصبح ملكا صرفا للقاريء المتلقي، او بالاحرى المتلقين الآخرين في تعدد وتنوع قراءآتهم للنص في ملاحقتهم ما يسمى فائض المعنى المتبقي بعد كل قراءة جديدة.وهو ما ينطبق على كل نص تداولي مكتوب سواء في الثقافة او المعارف او الفلسفة او السرديات الكبرى كالايديولوجيا والتاريخ الخ.

ويؤكد البرتو ايكو هذا المعنى لدى بارت قائلا: ان بارت يقوم بتفريق هام بين نص القراءة، الذي يستهلكه القاريء، والذي يمنح نفسه للقاريء بلا مشّقة، ومن ثم يقوم بترسيخ العادة وألمالوف، وبين نص الكتابة الذي يقوم القاريء بكتابته مرة اخرى، ومرات عديدة في كل قراءة اخرى جديدة.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................................

الهوامش:

1- كتاب اصل الدين لفيورباخ/ ترجمة وتقديم احمد عبد الحليم / القاهرة ص12

2- نفس المصر ص17

3- نفس المصدر السابق ص22

4- نفس المصدر السابق ص34

5- نفس المصدر السابق ص56

 

علي رسول الربيعيرغم أني مهتم بسياقات المناقشات المعاصرة حول التنوع والاختلاف، لكن يبقى لدى الليبرالية الكلاسيكية الكثير لتقوله عن الدين. وعليه من الأجدر عرض وجهة نظر التقاليد الليبرالية تجاه الدين بإيجاز لمعرفة ما هي وجهة النظر هذه، ولماذا هذا الرأي محدود القيمة لليبراليين اليوم.

على الرغم من أن العديد من الليبراليين الكلاسيكيين قد كتبوا عن الدين، لكني سأتناول آراء جون لوك، وجون ستيوآرت ميل، وجون ديوي، لأنهم جميعاً يأخذون الدين على محمل الجد، وتصور كتاباتهم الكثير من الموقف الليبرالي الكلاسيكي تجاه الدين. فما فعله لوك وميل ودوي في كتاباتهما عن الدين هو أنهم كانوا يجادلون مواطنيهم أملاً في إقناعهم بتغيير وجهات نظرهم الدينية. كانوا يأملون في جعل دياناتهم أكثر انفتاحاً، وأكثر استناداً إلى العقل منه الى الركون الى الوحي، ولتحقيق المزيد من الترابط بين الناس المختلفين، بدلاً مما يجعلهم متنافرين ومبتعدين عن بعضهم البعض.

جون لوك

لقد جادل لوك من أجل التسامح أولئك الذين لديهم معتقدات دينية مختلفة، لكنه جادل أيضاً ضد التسامح من الملحدين والكاثوليك. بأعتبار أن الإيمان بالرب سيقيّد شهوات الناس ويصبح أساس الأخلاق. يرى لوك إن الناس الذين لا يمكن الوثوق بتصرفهم الأخلاقي ليس لهم مكان في بلد أو مجتمع مستقل، لا سيما الجمهورية الديمقراطية. فمن دون خوف الاعتقاد بالآخرة  والخوف من الله، سوف يتصرف الناس وفقاً لمصلحتهم الشخصية فقط. لهذا السبب لا يمكن التسامح مع الذين ينكرون وجود الرب. لا يمكن الوثوق بهم للوفاء بالتزاماتهم في المجتمع. "الوعود والعهود والقسم، والتي هي روابط المجتمع البشري، والتي لا يمكن أن يلتزم بها".[1] هذه الثقة مهمة في مجتمع قائم على عقد اجتماعي. نحن بحاجة إلى التأكد من أن الناس سوف يحافظون على كلمتهم وعقودهم. يعتقد لوك أن الناس الذين لا يخشون الآخرة لا يمكن الوثوق بهم للحفاظ على كلمتهم.

 على الرغم من أن لوك لم يتسامح مع غير المؤمنين، إلّا أنه كان يعتقد أن التسامح يجب أن يكون بعيد المدى. فـ "التسامح" هو "العلامة الرئيسية المميزة للكنيسة الحقّة". وعلى الكنيسة الحقّة أن لا تجادل حول مسائل عقائدية ثانوية. أراد لوك أن تتوقف الكنائس عن الجدال حول أشكال العبادة المختلفة، ورأى بأن ما يهم حقاً هو تعليم وممارسة رسالة يسوع الأخلاقية، رسالة الحب والسلام. والحرص على أن يعيش أولئك الذين لهم عقائد مختلفة بسلام، حيث قال "يجب ألا نكتفي بالتدابير الضيقة للعدالة المجردة"،  بل "يجب إضافة الأعمال الخيرية ، والسخاء والحرية إليها".

ليس الأفراد فقط هم الذين يجب أن يعاملوا بعضهم البعض بشكل انساني، وهذا أمر مهم. فعلى الكنائس أيضاً أن تنظر إلى كنائس أخرى بروح المودة. يجب أن تكون الكنائس رسل حب لا كراهية. "إن السلام والإنصاف والمودة دائماً ما يتم الالتزام بها من قبل كنائس معينة، بنفس الطريقة التي يتم بها احترام الأشخاص العاديين". القسيسون أو الكهنة على حد تعبير لوك، ملزمون بالتعبير عن النوايا الحسنة تجاه كل الرجال، الخاطئين والأرثودوكس على حد سواء. إن العوائق التي تقف بوجه رسالة لوك الدينية للسلام والنية الحسنة تأتي من قبل المتعصبين الدينيين. إن مشكلتهم أنهم لا يرون أن العقل والوحي يدعم كل منهما الآخر. إن العقل استناداً لوجهة نظر لوك، هو وحي طبيعي. والوحي هو عقل طبيعي تتوسع به مجموعة جديدة من الاكتشافات التي يبعثها الله، فالعقل يثبت حقيقة، من خلال الشهادات والبرهان الذي يقدمه، أنه آتٍ من الله. المشكلة مع "المتعصبين" هي  ضياع نور العقل منهم. فعمي المتعصبون من رؤية نور الله والحكم على ما جاء من الله. إن معتقداتهم ترتكز على حشو بلا معنى فلا يمكن أن يُحكم عليهم صواباً أو كذباً.

كان العقل أساس مسيحية لوك  فليس من المستغرب أن تكون المسيحية عنده غير أرثوذكسية. ربما كان يتحول نحو التوحيد في كتاباته عن المسيحية، لأنه كان غير متأكد من عقيدة الخطيئة الأصلية وألوهية المسيح.[2] اعتقد لوك أن العقل يقود إلى الإيمان بالله، و المسيحية نفسها قائمة على هذا الإيمان والاعتقاد.[3] وقد دفعه هذا إلى القول بأن التسامح يجب أن يمتد إلى غير المسيحيين، طالما أنهم يؤمنون بالرب، لأن المسيحية هي في النهاية مسألة إيمان. ورد لوك على انتقاد عقيدته في التسامح قائلاً، "بالنسبة لك ولي الدين المسيحي هو الصحيح ولكن "كيف نعرف أنا وأنت هذا؟" لا أحد يستطيع أن يعرف أن المسيحية هي الحقيقية: لأن الايمان يبقى كذلك وليس معرفة. لقد أضاف لوك أن التسامح مع غير المسيحيين يمنح المسيحيين فرصة لهدايتهم، لأن الإقناع وليس القوة هو أفضل طريقة للوصول الى المهتدين الحقيقيين. ومع ذلك، يمكن التسامح مع أولئك الذين يؤمنون بالرب. ما هو حاسم بالنسبة الى لوك هو إيمانهم بالقوة العليا التي ستعاقبهم على السلوك بشكل اللا أخلاقي.

جون ستيوارت ميل

من الواضح أن المسيحية المعقولة والمعتدلة عند لوك والتي تتسم بحسن النية والمودة، تميل إلى الاتجاه الليبرالي. فبينما لعب الرب دوراً مهماً في نظرية لوك السياسية، فقد انقطع الرب عن دين الليبراليين اللاحقين. لم يكن جون ستيوارت ميل يريد فقط أن تعامل الكنائس غير أعضائها بنوايا حسنة، بل أنه شكّك في فكرة أن الإيمان بالرب والآخرة  يمكن أن تدعم الأخلاق. ورأى أن الايمان بالحياة الآخرة بعيد جداً عن التأثير على سلوك الناس بأي طريقة ملموسة، وأن قلة من الناس يعتقدون أن السوء والبلاء الذي  قاموا به يستحقون أن يُعاقبوا عليه بنار الجحيم الأبدي. واعتقد ميل أن المسيحية تقوّض الأخلاق الليبرالية. وبما أن معتقداتها الأخلاقية تعود الى أصل خارق فهي ثابتة، وتقف في طريق النقاش والتقدم.

إن عقيدة أخلاقية تعود لألفي عام قد لا تكون مناسبة لمجتمع متغير مثل المجتمع اليوم.[4] يرى ميل أن البشر كائنات تقدمية، بمعنى أنه يجب مناقشة الحقائق الأخلاقية وتغييرها أحياناً مع تقدم حياة الناس. إن تعليم  المسيحية للناس أن الشيء الأكثر أهمية هو دخول الجنة، فإنها تحول الأخلاق الإنسانية الى أنانية بشكل أساسي، مما يجعلها لاتلتفت الى رعاية الآخرين. إن المسيحية بأخلاقها تُعلّم الناس أن يقدموا مالديهم  إلى "الإرادة العليا" ولكنها لا تمنحهم الحافز أن يقدموا أي شئ لمحاولة خلق عالم أفضل.[5] يتعارض الطابع السلبي للمسيحية مع وجهة نظر ميل عن الناس ككائنات مستقلة وتقدمية. ويستقيل الناس في المسيحية من القيام بدورهم في العالم لأنهم ينسبون كل شئ إلى مشيئة الله ويأملون في دخول الجنة، وفي الحالة هذه لايكون لديهم دافع لتحسين العالم. وأخيراً اشتكى ميل مما تتضمنه المسيحية من أخلاق سلبية، وذلك لأن الأخلاق المسيحية في جزء كبير منها جاءت كرد الفعل ضد الوثنية. تخبر الأخلاق المسيحية الناس بما لا يجب عليهم فعله، ولكنها لا تدلهم على ما يجب عليهم فعله. كل ماتجيده المسيحية هو توجيه الناس الى أن يكبتوا شهواتهم. غير أن هذا لا يكفي لتشجيع الناس على التصرف بشكل تعاوني ومستقل، كما أراد ميل من الناس أن يقوموا به. أراد ميل من الناس مناقشة كيفية دفع المجتمع إلى الأمام. وأن يجرب الناس أفكاراً مختلفة، سواءً في المناقشة أو في الممارسة. لقد أراد أن يتعاون كل منهما مع الآخر ويشعر بالارتياح تجاه آراء الآخرين. تمنع المسيحية الناس من العمل بفاعلية ومن السعي وراء الصالح العام. فيحتاج المجتمع الليبرالي إلى تجاوز المسيحية، في رأي ميل.

وهذا لا يعني أنه لابد من التخلص من كل العقيدة المسيحية. ولكن يعتقد ميل أن الأخلاق المسيحية تحتوي على بعض الأجزاء المفيدة. كان يسوع رجل ذو أخلاق عظيمة ولديه الكثير لتعليمه الناس. ويمكن حتى غير المؤمنين أن يعجبوا بالمسيح. كان على الأرجح مصلح أخلاقي عظيم حاول أن يقود البشرية إلى الفضيلة والحقيقة. لكن الإيمان بأن يسوع كان رجلاً عظيماً لايعني أبداً الاعتقاد  بألوهيته. يمكننا أن نعجب بأشياء رائعة كما فعل أسلافنا، لكننا لسنا ملزمين بتفسيراتهم الإلهية. فقد يؤدي الالتزام بتفسيراتهم إلى عواقب وخيمة علينا في هذا العصر. قد تكون تعاليم يسوع بالعموم جيدة لكن هناك حاجة لتعديل تعاليم كثيرة في الكتاب المقدس. لكن إذا كان الاعتقاد أن تلك التعاليم تأتي من الله فأن المراجعة ستكون صعبة. طالما نعتقد أن يسوع ليس إلهاً بل انسانا مصلحاً، فيمكننا أن نتجاهل ذلك التصوّر الذي يقول بأنه إبن الله وعلينا الاحتفاظ بتعاليمه.[6] هذا ما يسمح لنا بتطوير الأخلاق التي تتجاوز المسيحية.

لم يرغب ميل في رفض فكرة الدين. وحذّر من أنه لا يوجد سبب يُذكر للتفكير في اختفائه عندما تأخذ الفلسفة مكانها ومكانتها، كما يأمل بعض المثقفين فيقول: أياً كان ظن بعض الفلاسفة، يبقى هناك احتمال ضئيل في أن تحل الفلسفة محل الدين في الوقت الحاضر. واقعاً، لقد تم الاعتقاد بالدين منذ فترة طويلة مما يعني أنه لا يمكن رفضه أو اختفاءه بكل بساطة. تعني مدته الطويلة أنه حتى لو لم يكن صحيحاً، فإنه ربما يستوفي بعض متطلبات الطبيعة البشرية.[7] الحل هو خلق دين يتمتع بالروحانية الضرورية بدون خنوع للمسيحية أو لسلبيتها. إن الأخلاق التي تقوم على "وجهات نظر حكيمة تأتي  لمصلحة كل الناس، بحيث لا يضحي الفرد من أجل المجتمع ولا المجتمع من أجل الفرد، وتستمد هذه الأخلاق قوتها مما هو افضل ما موجود لدى الناس من الخير والشغف للتميز. يتصرّف الناس بدوافع خيّرة ليس بسبب وعد بمكافأة سماوية، ولكن بسبب أتفاق وتقبل الناس الذين نحترمهم ونعجب بهم، سواء كانوا أحياء أو أموات. هذا النوع من الأخلاق وكما ادعى ميل، يشكل ديناً حقيقياً: دين الإنسانية. إن جوهر الدين هو الاتجاه القوي والجاد للعواطف والرغبات نحو كائن مثالي، معترف به كأعلى درجة من التفوق، و كقوة  أعظم من جميع الرغبات الأنانية."

بالنسبة للأشخاص الذين قد يتساءلون عما إذا كان دين الإنسان ديناً حقيقياً، أجاب ميل بأنه يتمتع بالصفات الأساسية للدين. وأنه ليس فقط يسمى دين ولكن هو أفضل دين يمكن أن يسمى بهذه الصفة. إنه دين الإنسان وغير مهتم ولا يطلب من الناس تصديق ما لا يصدق. إنه يطلب من الناس أن يتصرفوا انطلاقا من أفضل دوافعهم، وليس من أجل المصلحة الشخصية الأنانية أو من أجل مكافأة سماوية. علاوة على ذلك، فإنه لا يطلب من الناس الإيمان بإله كامل في حين يدل العالم أنه مخلوق بشكل غير متقن ويحكم بالنزوات. ليس من السهل الجمع بين عبادة إله كامل مع الاعتقاد بأن هذا العالم، بكل عيوبه، قد تم صنعه من قبل هذا الكائن الخارق. أن الكثير من المؤمنين لا يحاولون حتى تبرير ذلك، أنهم فقط يقولون أننا لا نستطيع أن نفهم عدالة وجودة العناية الإلهية. وعلاوة على ذلك، فأن دين الإنسانية لا يصر مثل المسيحية، على أن الناس يؤمنون بكائن يحكم على الملايين بالعذاب الأبدي لعدم سماعهم عن المسيح.

 جون ديوي

في أوائل القرن العشرين، كانت أفكار جون ديوي عن الدين متوازية مع أفكار ميل بطرق عديدة.  دعا ديوي على غرار ما فعل ميل إلى دين لا علاقة له بالدين التقليدي. ودعا بدلاً من ذلك لنزعة إنسانية دينية. لأن الإنسان الديني هو الذي يشجع على خاصية دينية معينة عن الحياة، وهي خاصية تخديرية. يرى ديوي أن نوعية الخبرة الدينية تمنع الوعي من ايجاد التعبير المناسب عن الظروف القائمة. تكمن مشكلة معظم الديانات في أنها عالقة في عالم قديم، عالَم له غايات ثابتة يحددها كائن خارق للطبيعة، فتلتزم بمعتقدات غير قابلة للتغيير. علاوة على ذلك، منع الدين عبر التاريخ الناس من استخدام ملكاتهم بشكل كامل للعمل من أجل عالم أفضل وذلك لأنه علّمهم أن ينتظروا قوة خارجية لتحسين أمورهم. فالاعتقاد المسيحي بقوة الصلاة لتغيير الأشياء هو أعتقاد سلبي جداً في معالجة المشاكل التي يواجهها الناس: "إنه يترك الأمور بشكل عام كما كانت من قبل."[8]

دعا ديوي إلى الإيمان بالذكاء البشري، وأعتبره إيمان ذو قيمة كبيرة. لقد أراد أن يثق الناس في قدرتهم على العمل وبشكل متناسق لحل مشاكل حياتهم في يومهم. ورأى أن مستقبل الدين يرتبط بإمكانية تطوير خبرة الإنسان، وأن  العلاقات الإنسانية ستخلق إحساساً حيوياً بتضامن المصالح المشتركة، وتلهمهم بفاعلية العمل وتجعله تعبيراً عن الشعور بالواقع.[9] أنه يمكن أن يكون للتفاني الجماعي من أجل المثل الأخلاقية والاجتماعية الكبرى قيمة دينية.

 فبينما كان يعتقد ميل أن المسيحية تشجع الناس على أن يكونوا أنانيين، دافع ديوي عن رأي يقول أن المشكلة  تكمن في أن كلا من الإلحاد والايمان بقوة خارقة للطبيعة تترك البشر معزولين. ومع ذلك، فإن الموقف الديني الذي دعا اليه ديوي يتطلب الإحساس بالعلاقات الانسانية من ناحية الاعتماد المتبادل بين الناس.

ما أراده ديوي هو الإيمان الديني بذكاء أعضاء المجتمع لمواجهة مشكلات اليوم من خلال الخبرة التجريبية. كان يريد أن يثق الناس في قدرتهم على التعاون لحل المشكلات عند ظهورها. وهذا يدعو إلى الاعتقاد بأن الناس يمكن أن يتغيروا، والأهم من ذلك بالنسبة إلى ديوي، أن يتطور الناس فكرياً وهم يستجيبون للمشاكل من خلال التجارب الاجتماعية التي ستساعدهم في إيجاد الحلول.

 كان ديوي قلقاً من أن الدين والفلسفة عالقين في البحث عن اليقين. وأكد أن كلاً من الدين والفلسفة كانا ضالعين في محاولة مضللة للعثور على حقائق أخلاقية  ثابته في عالم ديناميكي ومتغير. إننا بحاجة إلى أن نكون مرتاحين مع عدم اليقين في عالمنا.[10] العالم يتغير باستمرار، ويجب على الناس أن يتغيروا من أجل الاستجابة له. بعد أن أسقط  الإيمان في  كائن خارق الطبيعة أو في بحثه عن أهداف ثابتة، أراد ديوي أن يثق الناس في قدرتهم على حل مشاكل المجتمع. وبما أن مشاكل المجتمع لا تحل أبداً بشكل كامل، حيث أن التغيير سيحدث حتماً ويجلب معه تحديات جديدة، وتستمر دورات التغيير والنمو بلا نهاية. في نهاية المطاف، يُترجم هذا إلى اعتقاد في المجتمع الديمقراطي: "إن الديمقراطية كطريقة للحرية والنمو هي الشكل الديني للممارسة الروحية."

أريد أن أضع الآن جانباً السؤال عما إذا كانت آراء لوك، ميل وديوي حول العلاقة بين الدين والأخلاق صحيحة. ولكن أشير الى وجهات النظر اليبرالية حول الدين، هي محاولة لدرء الدين، فقد تصور الليبراليون أنه بمرور الوقت سوف يفقد الناس اعتقادهم بالدين الموحى ويعتنقوا ديناً يدور حول الانسانية وليس الرب. لم يؤمن لوك بهذا الرأي تماماً، لكن المسيحية الليبرالية كانت تهدف في الغالب إلى الجمع بين الناس بدلاً من الفصل بينهم. عرف ميل ودوي أن هذا لن يحدث بين عشية وضحاها، لكنه قد يحصل مع تقدم البشرية فاعتقدوا أن الحاجة الى الله ستكون أقل. وقال ميل إن العائق أو العيب الوحيد إذا ما قورنت به ديانة الإنسان مع الأديان الوحدانية هو أن الأول لا يعتقد  بالحياة الآخرة لكن مع مرور الوقت سيتلاشى هذا العيب. فكلما "تحسنت حالة البشرية" وأصبح الناس أكثر سعادة، فإن الأمل في السماء سيكون أقل أهمية. أعتقد الليبراليون إنه في مجتمع ما حيث يتم تشجيع الاستقلالية والمصلحة العامة يمكن أن يسود دين الإنسانية، وسيكون هناك القليل من الأنانية.

 لقد تحقق إلى حد ما ما كان يأمل به ميل وديوي ولوك. فقد أصبح الكثير من المسيحيين يقللون من  أهمية الاختلافات المذهبية باسم المودة وحسن النية للآخرين. لكني أرى أن مالم يكتشفه دين الإنسانية  هو إن الكثير من الناس باتوا اليوم ليسوا متدينين وغير راغبين بالعيش وفقاً لطريقة بتّ بها الدين منذ قرون فائته. لم يعد الناس، ولأسباب مختلفة، يلتزمون بقواعد الدين كما كانوا يفعلون في الماضي. المحافظون الدينيون لا يهيمنون على النظام الليبرالي اليوم، والعنف الذي غالباً ما يصاحب الدين في زمن لوك أصبح الآن بعيداً في الغرب. ولم يعد الدين عامل تفرقة بين الناس في الغرب كما كانوا يفعلون سابقاً. لكن ايضاً، ليس كل الناس غير متدينين أو ينتمون إلى دين ليبرالي.  وأرى ايضا كان نجاح لوك وميل وديوي محدوداً. وإن الديانات المحافِظة لا تزال قوية اليوم وليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنها ستختفي قريباً من الديمقراطيات الليبرالية الغربية. هذا لا يعني أنها لن تصبح أصغر في المستقبل، ولكن من الممكن أن تكون أكبر. المشروع الليبرالي لتحويل الناس نحو ديانات أكثر ليبرالية لن يكون كاملاً أو ينجز النجاح الكامل في أي وقت قريب. لا يزال يتعين على الليبراليين أن يتجادلوا مع المحافظين حول الدين. لكن على الليبراليين أن يتوقفوا عن افتراض أن التقدم يعني أن الدين المحافظ سيتلاشى أو يختفي في نهاية المطاف. لايمكننا ان نفترض مع لوك وميل وديوي بأنه سيكون العالم في المستقبل بدون أديان محافظة.

حاول لوك وميل وديوي إنشاء عالم ليبرالي بدون أديان محافظة. ولكن نحن الليبراليون في هذا العصر لا يمكن أن نفعل الشيء نفسه. ولا يمكن لليبراليين أن يقولوا ببساطة إن الدين شأن خاص ويتركونه على هذا الأساس. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن المتدينين يريدون أن تكون وجهات نظرهم الدينية حاضرة ومساهمة في الفضاء العام والنقاش العام. إنه لمن التبسيط أن نقول للناس عليهم ترك آرائهم الدينية في المنزل. وليس هذا فقط لأن العديد من المتدينين لن يتبعوا مثل هذا الأمر الزجري، ولكن لأن عواقب وجهة النظر القائلة بأن الدين يجب ألا يظهر أبداً في العلن أو في الفضاء العام  قد يضر بالدولة الليبرالية أكثر. وأبعد من ذلك، فإنه من المحتم أن هناك نقاط الاتصال بين الدين والدولة الليبرالية.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

.........................

[1] جون لوك، رسالة في التسامح، ترجمة منى ابو سنة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997. ص 57 فمابعد. وأنظر:

John Dunn. , The Political Thought of John Locke: An Historical Account of the Argument of the Two Treatises of Government (Cambridge: Cambridge University Press, 1969) and Retlzi11ki11g Modem Political theory (Cambridge: Cambridge University Press, 1985).

 [2] John Locke: Socianian or Natural Law Theorist," in Religion, Secularization, and Political Thought: Thomas Hobbes to]. S. Mill, ed. James E. Crimmins (London: Routledge, 1989). For Locke's questioning that original sin is charged upon all humans, see John Locke, The Reasonableness of Christianity (1695; reprint, Washington, D.C.: Regnery Gateway, 1965), 4-5.

 [3] Locke, Essay Concerning Human Understanding, 4.rn. I should note that as he got older, Locke became less confident that people could use their reason to discover morality and the principles of justice. Locke لابد أن أشير إلى أنه عندما أصبح لوك أكبر سنا ، بدا أقل ثقة بأن يمكن للناس أن يستخدموا عقلهم لاكتشاف الأخلاق ومبادئ العدالة. Reasonableness of Christianity, 170-76

[4] John Stuart Mill, “Utility of Religion," in Three Essays on Religion (New York: Henry Holt, 1874), 99- 100.

[5] Mill، On Liberty and Other Essays، ed. John Gray (Oxford University Press، 1991) 56-57.

[6] Mill, Blakey's History of Moral Science (1833); reprinted in Collected works, vol. 1O, ed. J. M. Robson (Toronto: University of Toronto Press, 1969), 28.

[7] ohn Stuart Mill, Coleridge (1840), reprinted in Utilitarianism and Other Essays, ed. Alan Ryan (Harmondsworth: Penguin, 1987), 222, 178.

[8] John Dewey, A Common Faith (New Haven: Yale University Press, 1934), 9, 47.

[9] مقتبس  من  ستيفن روكفلر، جون ديوي: الإيمان الديني والديمقراطية الإنسانية (نيويورك: مطبعة جامعة كولومبيا ، 1991) ، 449.

[10] John Dewey, The Quest for Certainty (1929); reprinted in The Later works: 1925-1953, 17 vols., ed. Jo Ann Boydston (Carbondale: University of Southern Illinois Press, 1984), vol.4.

 

صباح الحاج مفتنيوشيهيرو فرانسيس فوكو ياما (27 أكتوبر 1952- ..) كاتب ومفكر أمريكي الجنسية من أصول يابانية. متخصّص في العلوم السياسية. حصل على الدكتوراه من جامعة (هارفارد). عدّهُ الكثيرين بأنه أحد فلاسفة ومفكري أمريكا المعاصرين؛ نظراً لما قدمه من نتاجات كان لها أثراً مهماً في السياسة الغربية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص. كما شغل مناصب ووظائف عديدة ساعدت في ثراء خبرته وثقافته، فجعلت منه مفكراً جديراً بالاهتمام والبحث:

مع إعلان صدور كتاب (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) عام 1992 عُرِفَ فوكو ياما وذاع صيته؛ عندما أوضّحَ نهاية الاضطهاد التاريخي والنظم الشمولية إلى غير رجعة، لتحل محلها قيم الليبرالية والديمقراطية. وترجع أصول هذا الكتاب إلى مقال كتبه فوكو ياما في صيف عام 1989 في مجلة ((The National interest بعنوان (هل هي نهاية التاريخ؟) والذي كانت له ردود فعل كثيرة ومتعددة، نال بها قسطاً كبيراً من الشهرة، واستحوذ على اهتمام إعلامي أغراه ذلك لتحويل المقال إلى كتاب قفز به قفزة كبرى من مستوى الحدث إلى أوسع المفاهيم الفلسفية؛ معتمداً ومتأثراً بمصادر أبرز الفلاسفة، لا سيما (هيغل) أحد أكبر أعلام الفكر الألماني. ويمضي قدماً إلى عمق الفكر الإغريقي؛ فيصل مقدماته الأُولى بثوابت التحليل الأفلاطوني للذات والمدنية والعالم، معرّجاً على (روسو) ونظريته حول المجتمع المدني.

يظهر لنا جلياً تأثُّر فوكو ياما بهيغل في مسألة نهاية التاريخ في النص الآتي لكتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" ص84: "إننا في الواقع مدينون لهيغل فيما يتعلق بالأوجه الأساسية لوعينا الحديث". وهكذا رمى فوكو ياما أطروحاته بالخانة الهيغلية، لكن تأثره كان من حيث المنهج فقط وليس من حيث النظرية والنتائج. مستخدماً مذهب الديالكتيك الهيغلي بنهايات مفروضة في انتصار الليبرالية الأميركية، مقحماً نفسه بتأويلات لا تتلاءم كثيراً مع الطرح الموضوعي، وتبدو لنا ذاتيةً أكثر تماسكاً، تبرز بشكل فاضح في محاولة منه لجعل النهاية التاريخية مفصّلة أميركياً قلباً وقالباً، يستطيع كل من يقرأها أن يسجل خللاً واضحاً جرّاء التحمس والانحياز التام للنظام الرأسمالي، والنبرة العدائية للأنظمة الاشتراكية على الرغم من مقدماته النظرية. فكان عليه كمحلل سياسي ومؤرخ للفلسفة التاريخية أن يبتعد عن الانحيازية ويمضي في تقديمه للأدلة والبراهين الموضوعية. وإذا رجعنا لنظرية هيغل التاريخية بقراءة فاحصة ودقيقة؛ سنرى أنها تصويراً واضحاً لنهاية التاريخ، وعليه فإنّ فوكو ياما قدّم لنا فكرة هيغلية بحُلَّة أمريكية جديدة، تعكس لنا مقدار التعطش في الخطاب الفلسفي الأميركي إلى إعادة التأسيس في المختلف، والعودة إلى التاريخ الأوربي القديم، كما ذهب قبله (جون ديوي) في تغليف براغماتية وليم جيمس بمثالية أوربية. وكما ذهب (ريتشارد رورتي) إلى التحليل البنيوي الشمولي للابستومولوجيا والانطولوجيا؛ لينهض بمكامن النقص الذي يعانيه الخطاب الفلسفي الأميركي، ليضع نفسه ضمن جيل ألماني قفز بالفلسفة قفزات تمثل نقاط فارقة في الخطاب الفلسفي، من قبيل نيتشه وهايدغر.

الحديث عن نهاية التاريخ يتجدد بين حين لآخر، وأنّ إشارة هيغل إلى نهاية التاريخ عند قيام (الدولة البروسية)؛ فهذا يعني تمجيداً بقوميته الألمانية، وتعبيراً إيديولوجياً صارخاً للبرجوازية، وشعوراً متعالياً قد كلّف الألمان والبشرية في النهاية كوارث عدّة، عندما استغلها وطوّرها أدولف هتلر(1889-1945) ليصل بها إلى تفوق الجنس الآري الجرماني على باقي الأجناس الأخرى التي أنجبتها الطبيعة. ومن هذا نرى أنّ فوكو ياما انطلق بفكرته من منطلقات قومية وذاتية وإنْ كانت تبدو للكثيرين عكس ذلك من حيث المنهج العلمي والموضوعي للطرح النسقي الفوكو يامي، ونحن لا ننكر هذا، بل على العكس، نثني عليه، ولكن النتائج الحاسمة للتاريخ لا تجعلنا نذهب باتجاه حتميته بهذه الطريقة؛ فالنظريات العلمية وحتى الفلسفية منها لم تكن تتخذ مثل هذا الطرح، وكانت النسباوية والمتوسط الإحصائي هي النتيجة المتفق عليها من الجميع، على الرغم من أنّ فوكو ياما قبل إعلانه بما توصّل إليه من نهاية تاريخية للديمقراطية الليبرالية الأميركية؛ قد أقحم نفسه في الخانة البوبرية النسباوية، إلاّ انه قد تجاوزها وذهب أبعد من ذلك متوقعاً نهايتها يوم ما.

على الرغم من أنَّ الديمقراطية الليبرالية هي النظام السياسي المتماسك الذي يتطلّع إليه المؤمنون بالحرية؛ إلاّ إننا نرى أنّ ما قدّمه هيغل وكذلك فوكو ياما من نظريات لنهاية التاريخ؛ تحملُ تشابهاً في مَن سينتهي إليه التاريخ على وفق تحليلات وأحكام قبلية- رغم استخدام هيغل لمقدمات منطقية- مع فارق في التسميات؛ فالأول يشير إلى البرجوازية والدولة الألمانية والثاني إلى الرأسمالية الأمريكية- بنمط أمركني ياباني-  فنرى هيغل في كتابه " العقل في التاريخ، مج1": يقر من أنَّ تاريخ العالَم يتجه من الشرق إلى الغرب، لأنَّ أوربا هي نهاية التاريخ على نحو مطلق، وأنَّ الشرق لم يعرف، ولا يزال حتى اليوم لا يعرف سوى شخصاً واحداً هو الحر، أما اليوناني والروماني فقد عرف أنّ البعض أحرار، في حين أنّ الجرماني عرف أنّ الكل أحرار. ونرى فوكو ياما يتحرك بقصدية عقائدية قبلية، وبغائية إيديولوجية استخدم بها جانباً سيكولوجياً من حيث التأثر والتأثير، لا تترك لنا أحياناً كثيرة حيّزاً نستدل به؛ لكثرة وأهمية الطرح الذي استدل به بأسماء فلسفية كبيرة- لا يجرأ أغلبنا نقدها- لعبت دوراً هامّاً في صياغة مقدماته المنطقية، ليجعلها مرتكزات نهائية في وصف النهاية التاريخية  للبشرية، تلك النهاية التي يريدها حقيقة تسليمية لا تقبل المراجعة والاستدلال.

إنّ انتشار النظرية العنصرية في أوروبا، والتي أدّت إلى إلغاء حق الشعوب الأخرى في الوجود، وعدَّهُم شعوب همجية متوحشة وغير متحضرة، ما هي إلاّ نظرية مغلوطة أنثروبولوجياً، فلم يقرّها علم الاجتماع الحديث، وليس لها صحة من الناحية العلمية، فالمدنية لا تتوقف على جنس دون آخر، فقد قامت حضارات عظيمة تفَوّقت على أوربا لفترة طويلة مِن الزمن، كما أنّ مِثال (اليابان) أثبت خطأ جميع النظريّات التي تتحدّث عن التفوّق الأوربي الطبيعي، وإنّ بطلان هذه النظريّات العرقيّة يثبت بصورة كاملة عندما ننظر إلى الأهمّية الثقافية والاقتصادية التي يتمتع بها (اليهود) في أوربا وأمريكا. فأنّ طبيعة البشر هي واحدة في كل زمان ومكان، والاختلاف بينهم يرجع في الغالب إلى اختلاف في تكوين المجتمع الذي ينشئون فيه، بحسب ما يذكره جرجي زيدان في مؤلفه " تاريخ التمدّن الإسلامي، ج4، إضافةً إلى أنّ الطبيعة البشرية كغيرها مِن ظواهر الكَون تجري حسب نواميس معيّنة لا يمكن التأثير بها أو تغييرها قَبْل دراسة ما جُبلت عليه تلك الطبيعة مِن صفات أصيلة؛ لأنّ الإنسان جزء لا يتجزّأ مِن الطبيعة المحيطة به ولا يمكن التأثير عليه وتغييره بمعرفة نقاط عجزه مِن خلال إطلاق الأحكام والأسباب بشكل تعميمي بدون دراسة مسبقة لطبيعته.

يذكر لنا فؤاد النمري، في مؤلفه "جديد الاقتصاد السياسي": بعد انهيار الاتحاد السوفيتي راح الكثيرون يفقدون صوابهم، ويعدّون ذلك انتصاراً حاسماً ونهائياً للرأسمالية، وما هي حقيقة إلاّ انهياراً عالمياً لها. فليس بمقدور فوكو ياما أنْ يتجاهل ما توصّل إليه كارل ماركس في تحليله التاريخي لنموذج الإنتاج الرأسمالي- الذي سيطاح به في النهاية-، ويذهب منتشياً مزهواً بما توصَّل إليه من تحليلات تجعل من الرأسمالية المعولمة آخر مراحل تاريخ الإنسان. وهنا نتساءل: أي إنسان يقصده فوكو ياما؟ هل هو الذي يتوقع له بنياناً اجتماعياً مختلفاً حين تتدخل العلوم التقنية البيولوجية فتغيّره؟ فهذا الإنسان المعاصر لابد أنْ يكون متوحّشاً حتّى يتوافق مع هذا النظام الرأسمالي الذي يسمح لشريحة محدودة من المجتمع أنْ تقهر بقية شرائحه وتخضعها للحرمان من متطلبات العيش البسيطة.

لقد قامت الرأسمالية على قاعدة تقسيم العمل الاجتماعي: طبقة تعمل وأخرى تملك، دولة تملك وأخرى تستهلك، دولة تصنع وأخرى تزرع. فقام تفتّحها وازدهارها من خلال المعرفة التي تميزت بها مجتمعات عن أخرى. أما العولمة فليس في مفرداتها أي هيكلية للمجتمعات أو أي تمايز للسيادات الدولية أو الحدود القومية؛ فهي قد تهيكلت في مركز واحد وأطراف عديدة، وتفتقد لأي هيكل يعطيها شكلاً محدّداً، وبالتالي فهي دراسة للقوميات، وإطارها المعرفي هو شيوعية المعرفة التي جاءت بخلاف ما تؤسّس له منظمة التجارة العالمية لتشريع "حق الملكية الفكرية"؛ إذ بدون معرفة شاملة لمختلف نواحي الحياة لن تستطع المؤسسات الرأسمالية الانتقال من مراكز متقدمة معرفياً إلى أطراف متخلّفة فيها.

إذا نظرنا إلى وسائل الإنتاج- والكلام هنا لا زال لفؤاد النمري- فسنجدها هي مَن يعين النظام الإنتاجي وعلاقاته، وليس الايدولوجيا والرغائب؛ فنجد الكثير مَن اعتقد أنّ نظام الإقطاع هو نظام أبدي ونهائي للتاريخ، وخاض نبلاء أوربا حروباً طاحنة من اجله؛ إلاّ أن هذا الوهم ألاعتقادي والرغائبي لم يستجب له التاريخ، وكان أقوى من سلطانهم. كذلك النظام الرأسمالي الذي حل محل الإقطاعي فلا يزعم انه نظام ابدي ونهائي للتاريخ، وان وسائله لن تتغير كما يعتقد فوكو ياما؛ لأنّ الإنسان لن يتنازل عن مهامه الأولى في تطوير أدوات الإنتاج وتغيير وسائله التي ستقيم نظاماً جديداً للإنتاج وعلاقاته.

إنّ القيم الديمقراطية الليبرالية التي يحاول فوكو ياما تصويرها على أنّ أميركا ستكون الراعية الأولى في تصديرها لبناء المجتمعات الأخرى؛ لهي تمثل انقطاعاً تاماً مع واقع الدول التي يسميها فوكو ياما بـ"الضعيفة" أو دول العالم الثالث؛ فالموروثات العديدة والمتنوعة لهذه الدول لم تزل تتفاعل بحيوية ونشاط في ذوات معتنقيها. فالشكل الديمقراطي مرتبط بمضامين تمثل جملةً من المفاهيم، وتشكّل نسقاً متكاملاً. ولا يمكن بأي حال أنْ أقوم بتصدير الشكل فقط وأُوهم هذه الدول أنهم مع الممارسة الطويلة سيجنون مفاهيماً ديمقراطية ليبرالية حر. فمن المؤكّد أنّ القطيعة التامة مع هذه الموروثات واستبدالها بأخرى مغايرة لا تجدي نفعاً وسيدفع الجميع ثمنها. ونحن هنا ننطلق من قراءة فلسفية لأبرز المجدّدين الإسلاميين وهو "محمد باقر الصدر" في مؤلفه (التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي) التي ترى أنّ التفسير الموضوعي لأي ظاهرة هو عندما يلتحم مع واقع الحياة، وبغيره سيكون عملية منعزلة عن الواقع، فلا بد من تفعيلها في حركة الحاضر ومعايشة الواقع، ونبحث بوعي لسد الفراغات بإنتاج وابتكار جديد، فالتحرر من التجارب الماضية لا يعني إهمالها بالكامل، بل إعادة بناء العلاقة مع الواقع بقراءة متجدّدة وواقعية بالتحرّر من نصّيّتها الجمودية. فالقراءة المتوازنة لأي ظاهرة تبدأ من الواقع المعاش وتنتهي بالإفادة من تجارب الماضي. كما ننطلق أيضاً من رؤية فلسفية لمارتن هايدجر في مؤلفه (الوجود والزمان) والتي ترى أنّ العزم الراجع القهقري إلى الذات إنّما يتحوّل إلى معاودة لإمكانية وجود متناقلة، فإنّ المعاودة هي التحرير الصريح للتراث. فـالمعاودة التي يقصد بها "هايدجر" تتزاحم على ثلاث معاني هي: التراث ونقل التراث وتحرير الإرث الذي فينا.

ولكي تنمو قيم الديمقراطية الليبرالية في مجتمعاتنا نحتاج إلى تصالح حقيقي من الداخل، مع ذواتنا، إلى إعادة بناء العلاقة مع الآخر المختلف من خلال الإرث السياسي والثقافي الذي يجمعنا، أنْ نسمو بأنفسنا حسب ليبرالية الفيلسوف الأميركي اليساري المعاصر "نوم تشومسكي 1925-....." – في كتابه (النظام العالمي القديم والجديد) والذي تعود أفكاره إلى جذور التنوير والليبرالية الكلاسيكية-  صوب تسامح حقيقي وتعددية  تحكمها الأصالة والتجذّر التاريخي، أنْ نؤمن نظرياً وعملياً مع الآخر المختلف أننا جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات، ومن حقنا التطور والرفاهية. وبالتالي نحن أمام طروحات الفيلسوف الألماني المعاصر"هابرماس 1929-...." الحداثوية التي لم تكتمل بعد.

شروط مدنية الدولة وتحديث النظام السياسي الاجتماعي يعتمد على ركائز تكوينية تنْصَب بمجملها على تعليم الفرد حقيقة واحدة؛ وهي أنه مجرد فرد في مجموع، وهذا يتطلب معرفة حدود الأنا واحترامها من خلال احترام الآخر بالضوابط نفسها، وهذا الاحترام المتبادل هو الذي يبني الحرية ويؤسس للسلام، ليضمن للأنا عدم اختراق حدودها، كما أنّ الاحترام والتحدد الموضوعي سينتقل إلى قاعدته المجتمعية الكبيرة بكل ما فيه من دقه ليعكس وجهة نظر جماعية تؤسس لعلاقة مجتمعات وحضارات. وكل ما بنيت العلاقات الاجتماعية على هذا الفهم قلّت الحاجة لمنظومة متشددة من القوانين. وبالتالي سنجد أنفسنا أمام التزام طوعي إنساني أخلاقي "كانطي" بالقيم والمحددات التي تبني ثقافة المسئولية الذاتية بدون مراقبة خارجية، أمام نظرية تحثنا على أداء واجباتنا والتزاماتنا الأخلاقية على الشكل الأمثل بدلاً من الانسياق وراء أهوائنا وميولنا، ليشعر الإنسان في الآخر أنه قائد اجتماعي، وفي الوقت نفسه عضواً في فريق متكامل يبني وينتج بإيمان أنَّ ما يفعله هو مكسب ذاتي له قبل أنْ يكون مكسب جماعي. فالفعل الأخلاقي يرتبط بإيمان الإنسان بذاته وقدراته بمعزل عن أي شيء آخر. فقد مثّلت "فكرة الواجب الكانطية" نقطة فارقة في تحوّل المجتمعات نحو المدنية لحملها مفاهيم ساهمت بشكل كبير في تنامي الفكر الغربي بدءاً من عصر النهضة مروراً بعصر التنوير حتى يومنا هذا بانتقال المجتمعات الأوربية من عصر كنسي مظلم إلى عصر حضاري مشرق.

إنّ تصوير فوكو ياما على تركيز الولايات المتحدة حيال التعامل ابتداءً مع الواقع الأكثر احتياجاً للمجتمعات المظلومة والمسحوقة من قبل أنظمتها، دون التفكير بوضع نظم كفيلة بحل المشاكل الأخرى بترحيلها إلى أمد بعيد؛ لهو تفكير ميتافيزيقي حسب اعتقادي مبني على عصا سحرية مغلفة ومشرعنة بديمقراطية مستوردة وضعت لمجتمعات غربية معينة تعتبر نفسها هي التاريخ وهي النهاية الحتمية له دون أنْ يشاركها أحد. كما أنّ التخلص من السلاح النووي المدمر والشامل الذي يشكل تهديداً لأمن العالم- خصوصاً الأوربي- ويعد سابقة خطيرة في التاريخ الغربي؛ لهو يمثل نظرة تعسفية ونزعة استعلائية أرستقراطية غير نبيلة! وكأنّ بقية دول العالم بما فيها العالم الثالث غير معنية بهذا الأمان وليسوا بشراً، ووحدهم الغرب من صنف الإنسان الذي يمشي على قدمين ذو العقل المتطور، وذو الوجنتين الحمراويتين!!

ربما هناك مَن يرى أنّ طروحات "فرنسيس فوكو ياما" السياسية تدْخل في سياق الترويج للاستعمار الامبريالي الكولونيالي الجديد. وحقيقة الأمر يبدو هنا أنها طروحات تقترب كثيراً من هذا الرأي، ولكنْ من جانب معين يبرز من خلال التنظير الفوكو يامي في التدخل لتغيير وبناء الدول الضعيفة والفاشلة والتسلطية كما حدث فيما يسمى بـ"ثورات الربيع العربي" وقبلها في هايتي وتيمور الشرقية والصومال. فالكولونيالية هي استعمار غير مباشر عبر أجندات خاصة تهدف إلى غايات امبريالية دون أي تدخل عسكري. أي ضبط ومعرفة المجتمعات من الداخل لغرض تأمين وتسهيل عملية السيطرة الاستعمارية عليها كبديل عن الأسلوب العسكري الذي ربما يكلّف الشيء الكثير للمستعمر. لكنّ فوكو ياما يقر بالتدخل العسكري واستعمال القوة في حالة وجود خطر ما يمكنه الوصول إلى قلب العالم المتطور. كما هو الحال في دول مثل أفغانستان والعراق وما أشيع من امتلاكهما للإرهاب وأسلحة الدمار الشامل.

يرى البعض أنّ فوكو ياما قدّم لنا أفكاراً منظمة ومتصلة بعضها البعض بتصورات بدت لنا تدريجية، واضحة ومنسجمة: تاريخية، اجتماعية، سياسية، اقتصادية، تهدف إلى الانتصار للنموذج الديمقراطي بِعدّه فيلسوف النسق والتواصل، الذي يذكرنا بفلاسفة كبار حفروا أسماءهم في تاريخ البشرية، من قبيل أفلاطون وأرسطو وهيغل وكانط. ويرى البعض الآخر أنه لا يرتقي بطروحاته تلك إلى المستوى الذي حققه ديوي وراولز ورورتي في بناء مذاهب فلسفية متماسكة؛ إذ إنّ فوكو ياما- وبحسب مطاع صفدي- يقدم لنا تحليلات وحجج تبدو ذا فائدة في سجالات الخطاب السياسي اليومي، مزج فيها الخطاب السياسي الإعلامي بمفهوم الفلسفة الشمولية، ليوقع لبساً عند منتقديه؛ فاختار في خطابه التصعيد ليبلغ أعلى مراتب العقلنة التي تحاكي الكينونة وخاتمة التاريخ.

بدا لنا الطرح الفوكا يامي بعيداً كل البعد عن (الواقعية النقدية) التي تقوم على الفحص والاختبار النقدي للمعطيات التاريخية ومناقشة الأدلة والبراهين المضادة لتكوين نتائج منطقية متسقة، وسنأخذ نصّاً بسيطاً من فوكو ياما حول كلامه عن الواقعية: "كان الكثير من المراقبين المتخرجين من المدرسة الواقعية يتنبئون جميعاً بأن "غورباتشوف" سوف لا يسمح أبداً بتحطيم حائط برلين...". ما نسجلّه هنا أنّ نص فوكو ياما بدا أقرب إلى الواقعية الساذجة التي تطلق أحكامها حسب المدركات الحسية المباشرة، أحكام تنبؤية دون الفحص والبينة؛ واقعية سابقة على مرحلة التفكير العلمي والفلسفي، ونحن نذهب مع مطاع صفدي في أنَّ فوكا ياما استخدمَ أحياناً كثيرة انتقائية تجزيئية ليطلق أحكامه باستعجال مسبق، منساقٌ لـ(رغبة تيموسية) بتفسير الأحداث قبل أنْ تتكشف حقيقة عن خلفياتها، فتقع الكتابة في مسار الإخبار التأويلي.

هذه النظرة التي تشبه إلى حد معين ما كان يقصده هيغل في أنّ أوّل نظرة إلى التاريخ تقنعنا أنّ أفعال الناس تصدر عن حاجاتهم وانفعالاتهم ومصالحهم الخاصة. ولكنْ، هناك فارق كبير بين ما يريده هيغل باشتراط الحرية واستقلال الوعي، وبين ما يريده فوكو ياما من انتصار لطبيعة الإنسان الغريزية، هذه النظرة التيموسية الإحيائية لاستحضار فكرة النهاية التاريخية، والمؤطرة بأفكار وأطروحات أفلاطونية وهيغلية ونيتشويه وماركسية، وأخيراً بالبوبرية للخروج من الأزمة بطريقة الخاسر الأقل؛ تلوّح بالنهاية بطريقة أو بأخرى للرجوع إلى "فكرة ذئبية الإنسان الهوبزية"، بطريقة التأثير الانفعالي على القارئ، وإملاء الفراغ الأيديولوجي الناجم عن تهاوي جميع الأنظمة والعقائد السابقة، من خلال استخدام النصوص التبسيطية والانتقائية بشكل سردي مكرر وبدورة حلزونية دون إضافة شيء جديد، واختزال وتجاهل كل ما يتعلق بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية. على الرغم من أنه يلوّح بين الحين والآخر إلى أفلاطون والفلسفة النيتشوية من خلال مفهوم الاعتراف والإنسان الأخير. ولكنْ، هذا لا يعني أننا نبخس حق هذا المفكر وما قدمه من نتاجات؛ فيبدو لنا وعبر عصور مضت، تعاقب على تسيدها الفكري والفلسفي شخصيات كثيرة لم يرتقي التجاوب معها لعقود طويلة، وظلت تهاجم وتلاحق وأحيانا تتهم ويجري عليها عمليات تسقيط وقتل، نظراً لتحكّم أيديولوجيات متفاوتة على التاريخ الإنساني، ولم يُعترَف بهم إلاّ بعد أنْ تصبح كتاباتهم وأفكارهم في أغلب الأحيان طي النسيان، أو بعد تغيرات التاريخ المفاجئة وغير المفاجئة، فتنهال حولهم الترجمات والدراسات في شتى بقاع العالم. وربما اليوم نرى مَن يحاول أنْ ينال أو يسقط أو يقلل من طروحات فوكو ياما – إضافة إلى مجموعة اليسار في الإدارة الأميركية- وهو أمر يبدو اعتيادياً، ولكننا لا ندري إضافة للسمعة والإعجاب الذي ناله؛ لربما يكون لهذا المشاكس الذي رمى بأسلحته الديمقراطية الليبرالية شأن كبير في المستقبل. ونحن هنا لا يعني أننا نُنَظِّر لهذا المفكر الأميركي الياباني الأصل بقدر ما نحاول مع الكثير من الانتقادات التي وجهناها مع آخرين له أنْ نكون منصفين أمام رؤى لا زالت طرية لم يمر عليها عقدين من الزمن، وأمام نظريات ربما تصيب وربما تخطأ. ولا أعتقد أنّ فوكو ياما بحسب تصريحاته العديدة مستبداً بآرائه لدرجة أنه لا يقبل النقد والتعديل.

إنّ مشروعية القضاء على الدول التي عدّها فوكو ياما بالمتسلطة والاستيلاء عليها للأسباب التي ذكرناها في المسألة السياسية من هذا البحث لهي تمثل حلولاً نظرية حسب اعتقادي، ولا زالت تمثل حالة تناقض على الأرض عملياً بين استعمار الآخر المختلف من جهة وبين الشعار الليبرالي المرفوع والمنادي بإحلال الديمقراطية والحرية والتعددية وحقوق الإنسان. كما أنّ إتاحة فوكو ياما للغرب بالتدخل لتغير الأنظمة السياسية التي يرى أنها تنتهك حقوق الإنسان أو امتلاكها أسلحة دمار شامل،  من أجل حماية أميركا ومواطنيها؛ يعد تدخلاً بسيادات الدول؛ فمن أين له الحق في تصنيف هذه الدول كما يشاء ؟ على الرغم من أننا لا نتوافق مع الأنظمة التسلطية والإرهابية، لكنّ المسألة تعد "نسبية" من جهة إطلاق الأحكام. فلكل دولة تبريراتها وأسبابها في امتلاك ما تمتلك، ومن حق الدول أنْ تدافع عن أنفسها دون الاعتداء على الآخرين. فهل يمكن أنْ أبيح لنفسي امتلاك كافة أنواع الأسلحة ولا أبيح لغيري ذلك؟ فمن خلال هذا التحاجج تظهر لنا فكرة الاعتراف والتيموس المتداخلة في ثقافات واديان وقوميات الشعوب، ويبدو الأمر متشعباً ووشيكاً للغاية؛ فحلول فوكو ياما لا تزال تراوح في ما انتهت إليه طروحاته في النهاية التاريخية والإنسان الأخير، ولا زال الطرح حسب رأيي المتواضع يحتاج إلى "فكرة" جديدة تخرج فوكو ياما من المأزق الذي وضع نفسه فيه، على غرار فكرة "العود الأبدي" التي طرحها "فردريك نيتشه" للخروج من فكرة الإنسان الأعلى "السوبر" التي بشّر بها، ويحتاج إلى "زرادشت" ثاني يبشر له بنظام عالمي جديد بعد إكماله للطرح النسقي. نظام لا تحكمه صيرورة نهائية، مقسم إلى دورات، كل شي يغدو وكل شيء يعود والى الأبد تدور عملية الوجود، نظام طبقي حسب سمو ورقي الإنسان، لأنّ تحقيق الديمقراطية والمساواة بين الجميع أكذوبة في وجه الطبيعة.

 

د. صباح الحاج مفتن – أستاذ فلسفة

 

عامر عبدزيد الوائلياستنادا لما سبق ذكره عن الأسطورة والقراءات التي تناولتها وإبعادها الأسطورة وما شكلت من اثر عميق في الفكر العراقي القديم على وجه الخصوص من أدب رفيع المستوى توزع بين الدين والدنيا، فان الأسطورة -استنادا لما سبق عرضه -أنما هي تمثل معالم حقائق؛ لأنها تعالج الوعي البشري، وما يواجهه من تحديات جسيمة، ذالك الوعي الذي ابتداع الفكر؛ ليكون الميزة التي تميزه عن سائر الكائنات ؛ إلا إن الفكر كان مملوءا بالخيال، ويعتريه الغموض، لأنه كان يعول على الحدس الذي تمظهر عبر الأسطورة وهذه الأخيرة تقدم إبطالها لغرض، وغاية معينة من قبل المؤسسة الاجتماعية، تلك المؤسسة التي تعبر عن رغبات الأفراد بما تقدمه من معارف، وقيم وأنماط سلوك، وعوالم متخيلة تسبغ الشرعية والاستقرار على العالم الواقعي القائم . من هنا كانت الأسطورة ثوباً اختاره الإنسان وتجربةً فكريةً شكلت البداية التي مازالت مظاهرها حاضرة في النصوص المقدسة والفلسفية والأدبية ,بل وفي طريقة البشر في التعامل مع الطبيعة . فلا تخلو السياسة اليوم من الأسطورة . وكذلك الفن والأدب. ومازال الخيال يمتد عميقا في الحاضر صوب المستقبل، فهكذا جاءت تلك الصورة التي لا يمكن عزلها عن الفكر ’لأنها تمثل الشكل الذي أصبحت التجربة فيه واعية بذاتها ولذلك يجب إن تؤخذ الأسطورة دائماً بعين الاعتبار لأنها تكشف عن حقيقة مهمة وان يتعذر إثباتها، تلك هي الحقيقة الميتافيزيقية، ومن هنا جاءت فعالية قراءة البواكير الفلسفية في الموروث العراقي القديم في مباحث الوجود والمعرفة والقيم .

أولا، مبحث الوجود في الموروث العراقي القديم:

وفيه الوجود – المعنى والدلالة – فالوجود (ذلك الخليط الذي لا تفرز عناصره) والذي يعيش فيه الناس والحيوان والنبات والحجارة والنجوم على مستوى واحد من الشخصية والبقاء الحي) () ومن مميزات رؤية العراقي القديم إلى الوجود ما يأتي:

أولا، إنّ كلّ وجود هو ذات تتمتع بإرادة وفردية:

هو نظام وطبيعة يؤلف دولة كونية ولكل موجود كيان ودور في دولته بما في ذلك الأفكار المجردة كالعدالة والعائدة على إن مواطني دولته ليسوا على مستوى واحد من الإرادة والقوة والسلطة والفعل إذ يعتقد العراقيون بصدق دولتهم الكونية وتحققها الفعلي ويعتقدون أيضا بشموليتها ومطلقيتها .. وهكذا كان الوجود لدى العراقيين ذا طابع حيوي، فكل شيء حاوي على الروح والمادة بأبسط مفهوم لها . فطبيعة الوجود متمثلا بحشد الكائنات التي تتحكم بالظواهر والأشياء لذا كانت طبيعته عاقلة، ثمّ إن الموروث العراقي القديم قد جعل لتلك الطبيعة شخصيةً ووجد الإنسان في نفسه الصورة المثلى لألهته وصورها على صورته، بل كان له الشرف ان يخلق هو على صورتها، في ظل دولة كونية هي انعكاس لدولة المدينة السومرية، وهي انعكاس أيضا لتعدد الآلهة وعلى هذا جاءت تلك العلاقة على أنها علاقة أوامر إلهية مقابل طاعة بشرية فالمواطن أحس بضالته، أمام قوى الطبيعة اعتقادا منه بأنه قد خلق لخدمة الآلهة .

ثانيا، قوله (بالتغيير والحركة):

هذا ما ظهر في الصراع بين (السكون والحركة) قصة الخليقة البابلية حيث الصراع الذي حدث بين إله الحركة والعقل (أيا) مقابل (تياما) رمز الظلمة والأبدية وثانيا بين الإنسان رمز الحركة والحياة مع (انليل) اله العاصفة الراغب في العودة إلى حالته السكونية، لكن لو عاد العراقي إلى الحياة، لما اضطرب كثيراً المرأى أثارة وهي حطام لأنه كان دائما يعرف بعمق بان الإنسان أيامه معدودة ومهما صنع فما هو الأ ريح تهب جوهر الوجود ومغزاه لديه بعيد عن الإنسان، ومنجزاته، بعيد عن الأشياء الملموسة، في قوى غير ملموسة، فبحكم كون تلك بداية تشكل الظاهرة الدينية التي تقوم على فلسفة خاصة، فإذا كان الدين لغةً من "دانه" "دينه" فانه إذن عبارة عن علاقة بين طرفين يعظم احدهما الأخر ويخضع له (وضع الهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال والفلاح في المال) حتى بعد وضع الهي يرشد الى الحق في الاعتقاد و إلى الخير في السلوك والمعاملات () .

فالدين مجموعة واجبات المخلوق نحو الخالق وهو الأيمان بقوة لا يمكن تصور نهايتها الزمانية ولا المكانية، هو العنصر الرئيسي في الدين، من ثم فهو الأيمان بكائنات روحية. والدين محاولة تصور ما لا يمكن تصوره والتعبير عما لا يمكن التعبير عنه وهو التطلع إلى النهاية () .

تلك ملامح الاعتقاد الديني وجدت التعبير عنها عبر "مبدأ المتشابه ومبدأ الشرك "الذين يقودان إلى الاعتقاد الأسطوري من حيث هو صلة موصولة بين الحدث الطبيعي وبين الحدث التاريخي. فالأسطورة تحاول التعبير عن ذلك الذي لايمكن التعبير عنه والتي تقود خضوع الإنسان إلى قوة خفية مفارقة فوق طبيعة الإنسان، وهذه هي الظاهرة التي يصورها" غوشيه" بوصفها اختيارا و (تأسيسا) وهذا التأسيس لا يفهم إلا من خلال فكر (الدين) فالدين هو في أصله دين البشر للعالم الأخر وللكائنات العلوية وللقوى الفائقة . وفكرة الدين هي التي تفتح المجال لإدراك طبيعة السلطة وللوقوف على ماهية الاجتماع ذاتها، وبيانه إن الدين يتضمن أولا: مبدأ الخارجية . ثانيا: يتضمن مبدأ (المغايرة) أي القول بان البشر مدينون بمعنى وجودهم إلى غيرهم، وليس إلى بشر مثلهم . ويتضمن ثالثا مبدأ(الاتصال) أي القول بوجود فارق أو مسافة بين المجتمع ومصدره , بين الجماعة والمبدأ بين المؤسسة والمشرع لها .

هكذا جاءت تصورات العراقيين القدماء، إذ يظهر مفهوم الإله الذي يأخذ لفظة (دينكر) بالسومرية و (ايلو) بالا كدية في علاقة مستعملة هي النجمة للدلالة على ماهو (فوق) و (أعلى) أي الواقع في الجزء الأعلى من الكون: (ما فوق) (الأسماء) فكانوا يتصورون الأنموذج الإلهي أساسا مثل (أعلى من كل ماهو ههنا)

وهكذا تظهر الخارجية بوجود إله له وظيفة أو كاله السماء (انو) أي (السماء) وهو يمثل السلطة العليا في مجمع للآلهة ثم يليه باقي الآلهة بالتدرج وقد اعتقد العراقيون بان الاسم يحتوي على قوة خاصة، فهو قرين الشخص ,لان ذكر الشخص (الفرد) يرتبط بذكر اسمه وفي حالة غياب الشخص يمكن استحضاره بذكر اسمه وان لم يحضر بشكل فعلي حقيقي، وهم ينطلقون في ذلك من عدم التمييز بين الوجود الموضعي والوجود الذهني فالحضور بالذهن بذكر الاسم هو نفسه الحضور الفعلي للشخص .وقد تشكل مفهوم الإله وبعده الخارجي من خلال مبدئين هما:

1- مبدأ المشابهة: إذ نلاحظ إن الإنسان يحاول أن يحدد تلك الخارجية للإله من خلال وصفه وتحديد إبعاده عبر مبدأ يقوم على نقل صفات بشرية وإسباغها على الإله وهذا يظهر من خلال تحديده لصفات ذلك الإله وهي اتخذت بعدين الأول، الصفات السلبية: الآلهة البابلية آلهة غيورة تخشى من تعاظم السلطات فيما بينها، وتخشى تعاظم سلطات الإنسان ().فتظهر هذه الصفات بوصفها انعكاسا للإنسان في تصورات العراقيين عن الآلهة من خلال المشابهة .والثاني،(الصفات الايجابية) أعطى المفكر العراقي صفات ايجابية لألهته وهي كل ما يرجوه الإنسان من اجلها الإلهة، لكي يضمن مساعدتها له انطلاقا من مبدأ الشبهة والمحاكمات التي تحكم نظرة الإنسان للإلهه وكما وجد في نفسه صفات سلبية وجد صفات ايجابية فكانت الإلهة تساعد الإنسان وتساند الضعفاء وتحب المحسنين وهي عطوفة تهب الإنسان الحكمة وفنون الحضارة ولم تكن الآلهة شبيهة بالإنسان في سلوكها وصفاتها فحسب بل في شكلها المنحوت على غرار الصورة البشرية وان كانت تمتلك رموزا وتماثيل وعلاقة التمثال بالمعبد الذي يوضع فيه فهي متطابقة مع علاقة الملك بقصره في كل الحالات الأساسية وكذلك علاقته بمدينته ()، فالملاحظ أن العراقي القديم اعتمد على مبدأ المشابهة في إعطاء صفات عن الآلهة .

2- مبدأ الشرك: حيث نلاحظ إن تخيل العراقي القديم للآلهة، قد مر بمراحل منها التعدد حيث نلاحظ أنه أعطى لكل اله وظيفة ثم جمع الآلهة في مدينة كونية وباعتقادنا إن هذا الأمر يعود إلى ظهور التعددية بالمدن التي يجمعها دين ولكن بعد التوحد الذي حدث مع "حمو رابي " أصبحت كل المدن خاضعة لسلطة واحدة في صور تظهر التفرد (Henotheism) وهي مرحلة متوسطة يين الشرك والتوحيد لأنها تتضمن وجود آلهة أخرى إلى جانب الإله المنفرد وهذه الآلهة يضمها مجلس الآلهة وهذا يظهر من خلال حرب (مردوخ) مع (تيامت) في قصة الخليقة البابلية .

ثالثا، مبدأ الخلق:

بعد تحديد ملامح الإله من خلال مبدئي "المشابهة "و"الشرك"، فان العراقي القديم قد أكد في مجال أخر على تحديد وظيفة الآلهة من خلال مبدئين هما:

مبدأ التسمية: إن الصيغة التي ابتدعها الفكر العراقي في تسمية الأشياء: هي أن اسم الشيء يدل على ماهيته المعبر عنها، ولا يتخذ الشيء (الموجود) وجودا حقيقيا إلا إذا اتخذ له اسما وعليه لايمكن ان يوجد أي شيء من دون ان يكون له اسم () والواضح إن هذا المفهوم موجود من قبل لدى انكي الذي كان يمتلك الكلمة الخالقة وكذلك أصبح يمتلكه مردوخ في قصة الخليقة البابلية حيث كان الاسم يشكل فعالية مهمة، فالشيء من خلال التسمية يمكن إن يتعين؛ أما ما قبلها فهو عماء، والاسم هو الذي يجعلها تملك القدرة على التعين ()

مبدأ الصنع: كان هناك مادة أولى ذكر وأنثى تشكل منهما العالم يشكلان باتصالهم الجنسي بينما المادة الأولى كانت- قبل كل شيء - وهي البحر الأول (نمو)،ذات طبيعة ثنائية .وهذان المبدآن ينطبقان في التأمل العراقي القديم في الوجود المجسد في:

خلق الكون:عبر الاتصال والتكاثر الجنسي: حيث تصور العراقي إن الكون تشكل بفعل التزاوج بين الظواهر التي يجسدها في هبة اِلهية من خلال مراقته المحايثة إلى التكاثر في المجتمع البدائي القديم، وما يسود القرية الزراعية من ديمقراطية بدائية، إذ لكل فرد وظيفة دون ان يؤدي هذا إلى التفرد. هكذا كان مجلس الآلهة الذي يهيمن عليه قلة من الآلهة المتحكمة بالمصائر .

لقد تمت عملية الخلق في الفكر السومري بطريقة مسالمة جدا من خلال توالد الالهة التي هي في الوقت ذاته تمثل الظاهرة الطبيعة (الظاهرة المؤلهة) فهي البحر الأول (نمو) لتشكل الجبل الكوني الذي يضم الإلهين المتحدين، اله السماء (أيا) واله الأرض (كي) فالسماء والأرض كانتا متحدتيين على شكل كتلة واحدة نشأت في البحر الأول أو (العماء الأول) ونتيجة اتصالهما (أي الأرض والسماء) ولد الإله الهواء (انليل) قد يفهم بأنه الجو أيضا . وانليل اله الهواء أنجب اله القمر (نانا) ليضيء ظلام داره، وهذا الأخير ولد بدوره اله الشمس (اوتو) الذي اصبح أكثر توهجا، وإشراقا من أبيه القمر وهكذا تستمر سلسلة التولد . حتى نشأ هذا الكون الذي نعرفه ونعيش نحن فيه ألان () .

فالفكر القديم ابتدأ ماديا حسيا وبعيداً عن التجريد وفكرة القوة المبدعة المنفصلة عن الكون الفاعلة فيه عن بعد لم تكن موجودة في الذهن فعمليات الخلق ليست فعلا صادرا عن الآلهة منفصلا عنها، بمقدار ما كانت تبديا لحركتها وتفاعلها مع بعضها () وهذا الأمر نجده في قصة الخليقة البابلية، كما تمثل الملحمة عدة انتقالات وانعطافات في الفكر البابلي إذ تشكل الملحمة – على صعيد العبادة – مرحلة انتقال من دور الأمومة التي كانت عليها المدن السومرية إلى الحاجة الديناميكية الحركية للآلهة الشابة في ظل المجتمع الأبوي وتركيز الثقافة الأبوية وهي إشارة لبدء الحضارة التي نعرفها " مما تقدم يمكننا أن نلاحظ الآتي:

1- هناك علاقة بين الإله والظاهرة بل أن الإله يجسد الظاهرة ذاتها، وهو يأخذ البعد التشخيصي لدى العراقي لكونه يريد أن يفهم تلك الظاهرة فالانفصال الذي يحدث بين السماء والأرض التي اعتقد ان بينهما علاقة مشابهة لما بين البشر ظهر نتيجتها (انليل) الذي هو الهواء والعلاقة بين اليابسة والماء بين (نخرساج) و(انكي) الذي هو اله الماء العذب عند السومرين واله الحكمة أيضا .

2- هناك تماثل في التطور الاجتماعي والانتقال من تعدد المدن إلى الوحدة السياسية، تمثل بالمقابل تغيراً نلمسه في تلك الحرب التي دارت بين الخطاب الأنثوي (تيامة) والخطاب الذكري، هذا ما تخبرنا به" قصة الخليقة البابلية ".

إما ما يتعلق بخلق الإنسان فاننا نلمس فعالية الصنع واضحة. وقد تطورت فكرة خلق الإنسان بين السومرين والاكديين، حيث كانت هناك أفكار متداولة في هذا المجال وقد ظهر هذا في الأساطير السومرية والبابلية .

فالأساطير السومرية تذكر الخلق: حيث تبدأ إحدى أهم أساطير الخلق بشرح المصاعب التي يلاقيها الآلهة في الحصول على قوتهم، بعد إن قسمت ادوار الآلهة وأعمالها ووظائفها في هذا الوجود، فتلتفت الآلهة (نمو) إلى معاناة الآلهة وتطلب من اله الماء الحكيم (انكي) إن يشترك معها في خلق الإنسان ليحمل نيرالعمل عن الآلهة ويخدمها، يشترك (انكي) مع الآلهة (نمو) (البحر الأول) في خلق الإنسان من الطين، حيث يصنعان له الأعضاء والجوارح، وتقدر له الآلهة (نمو) مصيره وتربط عليه صورة الآلهة. وقد جاء ذكر الخلق كذلك في أسطورة (الماشية والغلة) التي يبدو فيها خلق الإنسان أمرا ثانويا يذكر في نهاية الأسطورة بعد وصف للتعب والمعاناة التي مر بها الآلهة قبل خلق الإنسان ليخدمه وتختم الأسطورة بعبارة (فمن اجل مصائرها الطبيعية أعطي نفس (الحياة)).أما في الأساطير البابلية، يكون خلق الإنسان حلا لازمة نشبت في المجتمع الإلهي من قبل آلهة العمل، حيث ننتهي أخيرا بتحريرها من العمل .

ماذا سنخلق إذن؟

والالهة –العظام الحاضرون،

مع الانونا مقرري المصائر

اجابوا انليل مجتمعين:

"في مصنع –الاجساد"في دور-آنكي

سوف نضحي بالالين الهين اثنين،

بدمهما سوف نخلق البشر.()

وفي هذا نلاحظ ما يأتي:

1- انه قد تم الخلق بواسطة الطين والتضحية " عند السومريين،وإن العمل اتسم انه قد حدث في غرفة الأقدار شبيهاً بما يحدث بغرفة صناعة الفخار عند العراق القديم وهنا نلاحظ مبدأ المتماثلة مع الإنسان حيث يتحول صانع الفجار إلى نموذج للإله (انكي) . إما التضحية إذ عند البابليين فقد أضيف إلى العملية السابقة دم اله مقتول.

2- إن الخلق كان لسد حاجة تتعلق بالآلهة وليس البشر فالبشر مجرد عبيد أمام الآلهة ."وسخرة الآلهة،سوف تكون سخرتهم:"().

3- إن عالم البشر قد احتوى على جزء ارضي جزء سماوي الهي وبهذا يكون عالماً مركباً، وقد ورد في قصة الخليقة:

نفذوا الحكم صغوا شرايينه

ومن دمه صنعوا البشر

وعندها فرض "ايا" الكدح على الإنسان، حرر الآلهة .والغرض من هذا الجزء السماوي (هو إضفاء مسحة من القدسية ليكون أصلا لخدمة الآلهة) .

وهنا نلاحظ أهم ملامح الإنسان:

1- ثنائية الروح والجسد: لقد ظهر لنا إن الإنسان فيه عنصران: الأول الطين والثاني دم الإله المقتول ومن ثم اعتقد العراقيون بهذه الثنائية لكنها لم تظهر في البداية واضحة لدى البابليين (ولكنهم عدوا الإنسان مكوناً من جسد حي وبحثوا عن مصدر حياته وحركته فاعتقدوا ان مصدر الحياة شارة الدم لهذا نجدهم يرمزون لحياة الإنسان بدم الإله المقتول .

والجسد هو حسي مادي مرئي والروح أو النفس هي عنصر رقيق لا يرى، ومن هنا ظهرت ألفاظ تدل على الروح (الميموا) للدلالة على الروح للإشارة إلى ما يبقى حيا من الإنسان بعد موته، وهو ذلك الجزء من الألوهية الذي مزجته الآلهة الخالقة بالطين الفاني .

وهنا يمكننا أن نلحظ أن انكيدو بعد كان يظهر على شكل ظل أو شبح عندما يكلم جلجامش .

2- حتمية الموت: أمن العراقيون بحتمية الموتإ أذ لا مفر منه لأي إنسان مهما علا شانه، ويمثل جلجامش الرمز الذي يؤكد تلك الحقيقة التي تقدم عبرها المؤسسة الدينية والسياسية تصوراً كونياً يسبغ الشرعية عليها، ويداعب رغبة الأفراد في الحصول على الخلود، فتحقق تلك النظرة من خلال القصة الملحمية التي تقول: (إن الانوناكي) الآلهة العظام تجتمع مسبقا ومعهم (ما ميتهم) صانعة الأقدار تقدر معهم المصائر قسموا الحياة والموت لكن الموت لم يكشفوا عن يومه)

لكن هذا التصور عن الموت يشكل تصوراً محدداً للحياة جعل من الحياة المدنية أقصى ما يمكن أن يدافع عنه الفرد وأن يسعى إلى أن يخلد ذكره من خلال عمل سامي بطولي .

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

 

حاتم حميد محسنالمشكلة التي تبرز الآن هي كيف يمكن صياغة نظام اخلاقي يأخذ بالحسبان مخاوف واهتمامات اجيال المستقبل، ذلك ان الافراد الذين يجري الاهتمام بهم هم لازالوا غير موجودين. بالطبع، نحن نفترض ان الاجيال القادمة ستكون موجودة مالم تحصل ظروف مثل التعرض الى دمار شامل او انقراض غير متوقع للانسان. سنعرض هنا بعض الصعوبات الناجمة عن محاولة بناء نظام اخلاقي يدمج معه الناس الذين لم يوجدوا بعد. اولا، هناك سؤال حول مدى ضرورة تضمين اجيال المستقبل في قراراتنا الاخلاقية. لو قررنا اننا يجب ان نفكر بشعوب المستقبل عند تقييم افعالنا فسيبرز سؤال عن اي نوع من النظام الاخلاقي يجب ان نستعمل للقيام بهذا؟ في الاجابة على تلك الاسئلة نكون قد فتحنا النقاش على مصرعيه حول المشاكل المتصلة باخلاق المستقبل.

هل يجب على الاخلاق الاهتمام بالمستقبل؟

قبل التفكير في صياغة نظام اخلاقي للمستقبل لابد ان نقرر ان كان للمستقبل حيز في نقاشاتنا الاخلاقية. هل يجب ان ناخذ بالحسبان شعوب المستقبل عند الحكم على صوابية او خطأ افعالنا؟

قد يبدو من السخف احيانا الاهتمام بأناس لم يُخلقوا بعد. فمثلا نحن لا نقلق حول ما يسببه تجريف الغابات للكائنات المحلية غير المرئية التي تقطن تحت الارض لأن اي شيء نفعله سوف لن يؤثر على تلك المخلوقات لكونها غير موجودة.غير ان هناك فرق كبير بين الكائنات اللامرئية والانسان الذي لم يوجد بعد. الصنف الاول قد لا يكون موجود ابدا بينما الانسان يُحتمل ان يوجد. وبهذا فان الكائن البشري المستقبلي ينتمي الى صنف خاص من الكائنات غير الموجودة. يمكن ان نسمي هذا الصنف بـ "اشخاص على وشك الوجود" ونعرّفهم بالضبط كمجموعة من الناس يستحقون الاعتبارات الاخلاقية حينما يوجدون وسوف يوجدون حتما في يوم ما.

الآن نحتاج لنقرر ما اذا كان يتوجب علينا التفكير بهؤلاء الناس وشيكي الوجود عندما نقيّم افعالنا اخلاقيا. اننا نرى اننا يجب ان ننظر بعين الاعتبار لأفراد المستقبل بصرف النظر عن النظام الاخلاقي الذي نستعمله. هنا سنميز بين صنفين رئيسيين من الانظمة الاخلاقية: وهما النظام الدينوتولوجي deontology والنظام الذرائعي القائم على المحصلة consequentialism.النظام الدينوتولوجي هو اي نظام اخلاقي يؤمن بان الافعال يمكن ان تكون صحيحة او خاطئة بطبيعتها بصرف النظر عن نتائجها. فمثلا، الشخص الدينوتولوجي يفترض اننا يجب علينا دائما قول الحقيقة، وان الكذب غير جائز في كل الظروف حتى في الظروف الحرجة. اما النظام الذرائعي فهو النظام الذي تكون فيه نتائج الفعل هي الاهتمام الرئيسي للتقييم الاخلاقي، فتكون لها الاسبقية اما على الفعل ذاته او على النوايا في آداء ذلك الفعل. المفكر الذرائعي يعتقد ان القتل ربما يصبح ملائما اذا كان ينقذ حياة الاخرين. بعض الفلاسفة يؤمنون ان هذين النوعين من الانظمة الاخلاقية يمكن التوفيق بينها في طريقة واحدة للتفكير . سنبين ان كلا النظامين بطبيعتهما مرتبطان بمستقبل الاجيال.

كيف يهتم النظام الدينوتولوجي بالمستقبل؟ انه غير معني حول ما اذا كان هدف الفعل موجود ام لا. النظام الاخلاقي الدينوتولوجي يلوم القاتل كخطأ بذاته: لذلك، يبقى القتل خطأ بصرف النظر عن هوية القاتل الذي ربما يكون هتلر او جارنا او مراهق كان يقوم بتنظيف الحديقة . المسألة هي ان الفعل لو كان خاطئا سلفا وبذاته، عندئذ فان الفرد الذي يمارس الفعل هو ليس جزءا من التقييم الاخلاقي. ولذا، فاننا في ظل النظام الديناتولوجي لا يهم ما اذا كان الفرد موجود سلفا ام لم يوجد بعد. هو يتم التعامل معه باهتمام متساوي. وبهذا، فان الانظمة الدينوتولوجية تتضمن بشكل غير مباشر اجيال المستقبل طالما يتم النظر اليهم بنفس الاسلوب كالناس الحاليين.النظام الذرائعي ايضا يتضمن افراد المستقبل في اهتماماته لأن الذرائعية هي دائما تهتم بالمستقبل. انها تقيّم ما اذا كان الفعل اخلاقيا ام لا طبقا لنتائجه وتنظر في تأثير الفعل في المستقبل. ان المستقبل هو سلفا جزء من تفكير الذرائعي . فمثلا، النتائج القصيرة الأجل لتفريغ برميل من المواد الكيميائية السامة في الماء ستكون خطيرة جدا، انها ستقتل الكثير من الاحياء وتلوث مياه الشرب في المدينة. ولكن عندما ننظر الى المستقبل بعمق سندرك ان هذا التلوث قد يسبب عيوب في الولادات وسيؤذي اولئك الذين لم يولدوا بعد. النظام الذي يضع احكاما اخلاقية بالارتكاز على النتائج سيكون منشغلا بالمستقبل وبالناس الذين سيشغلونه.

الآن، لو كنا مجبرين على الاهتمام بالمستقبل فأي اتجاه اخلاقي سنسلك؟ اي من النظامين الاخلاقيين هو الافضل في التعامل مع المستقل؟ كلا النظامين يؤكدان على ضرورة التعامل مع افراد المستقبل اخلاقيا، ولكن اي منهما يوفر علاج افضل للقيام بهذا؟

نميل للاعتقاد ان النظام الذرائعي يهتم بطريقة اكثر فاعلية من النظام الديناتولوجي ذلك بسبب اننا لا نستطيع تصميم صيغة دينوتولوجية للتعامل مع افراد المستقبل لا تنطوي بذاتها على مضمون ذرائعي. فمثلا، لو قلنا اننا يجب ان نحافظ على الكوكب لأجل مستقبل الاجيال ذلك يعني ان علينا واجب تجاههم من خلال دورنا كرعاة للارض (الواجب الخالص هو اخلاق دينوتولوجية). ولكن لو حللنا ذلك اكثر سنرى ان هناك شعور ذرائعي نحوه. من حيث الاساس نحن نقول "يجب علينا المحافظة على اجيال المستقبل دون المساس بالكوكب، لأننا اذا لم نقم بذلك فهم سوف يعانون كثيرا". وبهذا فان واجبنا يتحدد بعبارات من النتائج. ولذلك نرى من المناسب الاقتصار على النظر الى الطرق الذرائعية في التقييم.

النفعية، الألمية، افراد المستقبل

لو قررنا استعمال النظام الذرائعي في تقييم التزاماتنا الاخلاقية تجاه شعوب المستقبل، فان السؤال القادم هو اي صيغة منه هي الاكثر ملائمة؟ ربما تكون النفعية نقطة جيدة للانطلاق لانها واقعيا مرادفة للاخلاق الذرائعية. سنرى ان نوعا معين من النفعية والذي يُعرف بالألمية pianism هو الخيار الافضل هنا.

لنرى ما تعنية "النفعية" و "الألمية". النفعية بمعناها الكلاسيكي تشير الى ذلك النوع من الاخلاق الذرائعية التي صاغها كل من جرمي بنثام (1748-1832) وجون ستيوارت مل (1806-1873). بنثام لخص اهدافنا الاخلاقية بـ "أعظم سعادة لأكبر عدد من الناس". بكلمة اخرى، تدّعي النفعية ان الفعل يكون صائبا اخلاقيا حينما يضيف لكمية السعادة الكلية في العالم، عبر تعظيم المتعة وتقليل الألم او كلاهما. هذا المقدار الكلي يجب ان يأخذ بالاعتبار ليس فقط المتعة والالم اللذين يشعر بهما الفرد وانما كم هو عدد الناس الذين يشعرون بكمية المتعة او الالم. وهكذا، المفكر النفعي قد يجد التعذيب المستمر لشخص ما مبررا اذا كان يجلب السعادة لأكبر عدد من الناس. ورغم ان المتعة التي يشتقها كل فرد من التعذيب قليلة، لكن التراكم في سعادتهم يتجاوز كمية الالم الشديد الذي يشعر به الفرد تحت التعذيب. بما ان النفعية يمكنها نظريا ان تقودنا الى مواقف مثل سيناريو التعذيب الذي يبدو يحرض على ارتكاب اللاعدالة، ولأجل بعض المزايا الكبيرة، سعى بعض المفكرين النفعيين لإجراء تعديل بسيط في الافتراض الاصلي لبنثام. محاولة كهذه قام بها ريتشارد ريدر في مقال له بعنوان (الألمية مقابل النفعية) عام 2009 اوضح فيه اتجاهه الألمي في النفعية على الشكل التالي:

"الألم والمتعة لكل فرد يتم احتسابها، لكنه لا يمكن تجميعهما كتراكم لكل الافراد. لذا فانه من المبرر السماح بألم بسيط لفرد واحد لكي نقلل الالم الاكبر لفرد آخر، ولكن من غير الجائز ابدا اضافة الألم والمتع لعدة افراد في حساب كهذا.افضل طريقة لحساب نسبة السوء في الموقف هي عبر كمية الالم الذي يشعر به اكثر الناس المتأثرين به . معاناة كل فرد تعني حقا، بينما مجموع المعاناة عبر الافراد هي بلا معنى.

الالمية لا تهتم بالمجموع الكلي للسعادة او الالم فهي تركز على كثافة الالم لدى الفرد. هذا يتجنب السيناريوهات غير العادلة مثل سيناريو التعذيب. نحن لا نستطيع تعذيب شخص ما لأجل سعادة بسيطة للكثيرين. بدلا من ذلك نحن نقارن كثافة الالم للشخص تحت التعذيب بالمتعة القليلة للمراقب الفرد، ونكتشف ان المتعة لا تفوق الالم. الالمية اذا هي صيغة من النفعية تركز على الفرد. ولكن الاكثر اهمية انها صيغة هدفها الرئيسي تقليل الالم بدلا من تعظيم المتعة .

اي من هذين النظامين هو الافضل في التعامل مع اشخاص المستقبل؟ الالمية تحقق فوزا على النفعية الكلاسيكية كاخلاق للمستقبل عبر التركيز على تقليل الالم بدلا من تعظيم المتعة.نرى انه من المعقول القلق على ما يشعر به ابناء المستقبل من ألم نتيجة افعالنا قياسا بما يشعرون به من متعة. لا نعني ان نكون متشائمين ولا ندّعي عدم قدرتنا على جلب السعادة لجيل المستقبل. بل ما نقصده هو ان الالم شعور اكثر استمرارية واقل تكيفا من السعادة، لذا من السهل التنبؤ به او السماح به عند التخطيط لأفعالنا الحالية. وبكلمة اخرى، يبدو ان الاشياء المسببة للالم لا تتغير كثيرا من جيل الى آخر بينما الاشياء المسببة للفرح تتغير كثيرا. لو نظرنا مثلا لبعض الاشياء التي تجلب السعادة تتضمن الموسيقى المفضلة، الكتاب، الاغنية، برامج تلفزيونية. الان لنسأل انفسنا اي من هذه الاشياء تجعل الاجيال اللاحقة سعيدة؟ الطالب الذي يدرس في الجامعة لا يهتم للذوق الموسيقي لاستاذه. الان لننظر في الاشياء التي تجعلنا غير سعداء او التي تسبب الألم وهي تتضمن الفقر، المرض، الحروب، المجاعة، الكوارث. نميل للاعقاد ان هذه الاشياء تسبب الألم لصغار السن وكذلك لمن لم يولدوا بعد. ولذلك، اذا اردنا ان نعمل جيدا لشعوب المستقبل فمن الافضل التركيز على تقليل آلامهم لأننا سننجح في ذلك اكثر مما لو ركزنا على محاولة جعلهم سعداء.

والدليل الاخر على تفوّق الألمية هو ان نفعية بنثام تبدو كما لو انها تتناسب مع الافراد الموجودين. افتراضها الاساسي هو اننا يجب تعظيم المتعة، لكن المتعة هي شعور موجود فقط في الذهن. نحن لا نستطيع التحدث حول سعادة افراد المستقبل في هذه الصياغة لأنهم غير موجودين ولذلك لا يشعرون باي شيء. كذلك، نحن لا نعرف اي شيء عما يشعر به افراد المستقبل وعما اذا كانوا موجودين وكم عددهم. وهكذا عندما يقبل بنثام اننا يجب ان نعظّم السعادة، فهو يطلب منا ان نعظّم السعادة للافراد الموجودين حاليا او اولئك الافراد الذي نعرف انهم سيكونون موجودين بحيث نستطيع حساب سعادتهم بدقة. وبالنتيجة، النفعية الكلاسيكية لا تبدو تتعامل بشكل جيد مع الافراد المحتملين.

الألمية تحاول ان تتجنب هذا المأزق. انها تبدو للوهلة الاولى كأنها تسقط في نفس الفخ في حاجتها للتحدث عن شعور حقيقي ومعروف للالم والمتعة، وبهذا هي ليست قادرة على حساب المستقبل. لكن الالمية ترتكز في أحكامها الاخلاقية ليس فقط على المشاعر الحقيقية وانما ايضا على المشاعر المحتملة، ولهذا فهي تتحدث سلفا عن المواقف المحتملة للذهن. ولكي نرى هذا لننظر في الصياغة الدقيقة للألمية التي وضعها ريدر:

1- الشخص س يشعر بالألم س

2- الشخص ص يشعر بالألم ص

3- ولكن لا احد يشعر بـ س + ص.

ولذلك س+ ص هي بلا معنى.

الافتراض الثالث يُعد اساسيا هنا، هو يحتوي على افتراضين اثنين مختلفين. الاول هو ان لا احد يشعر حقا بكل من ألم س وألم ص في وقت واحد. الافتراض الثاني هو لا احد يمكنه الشعور بالألم س وص في وقت واحد. ولهذا، مع الألمية نحن لا نتحدث فقط عن المشاعر الحقيقية وانما ايضا عن المشاعر المحتملة. 

 

حاتم حميد محسن

 

1- حقيقة الإنسان بين التعقل والتخلق: يعتبر طه عبد الرحمن أن الأخلاقية أخص بالإنسان من العقلانية، والأخلاق أخص أوصافه بدل العقل، فلقد سلك طريقا حاول من خلالها، "أن يُعيد الاعتبار لسؤال الأخلاق باعتباره البداية الرئيسية لإعادة إحياء الإنسان بعدما تقاذفته قوى المادية الناتجة عن عمليات العقلنة غير المسددة بالأخلاق وكذا كصناعة موقف أصيل مستقل يمكن الانطلاق منه لنقد الحداثة الغربية من خلال أرضية مغايرة بحيث تكون الأخلاق كمدخل للنقد وأيضا كمشاركة أصيلة إسلامية في تلك الحداثة الكونية"[1]، ذلك أنه ثبت عنده أن المقوم الأخلاقي هو الذي المقياس الذي تقاس به إنسانية الإنسان، ف"الأخلاقية هي ما يكون به الإنسان إنسانا وليست العقلانية كما انغرس في النفوس منذ قرون بعيدة، لذا ينبغي أن تتجلى الأخلاقية في كل فعل من الأفعال التي يأتيها الإنسان مهما كان متغلغلا في التجريد بل تكون هذه الأفعال متساوية في نسبتها إلى هذه الأخلاقية حتى أنه لا فرق في ذلك بين فعل تأملي مجرد وفعل سلوك مجسد"[2]. ولما ثبت عنده " أن الاعوجاج الخلقي للحداثة بلغ تأثيره في النفوس حدا لا ينفع في تقويمه أخلاقيات السطح"[3]، واقتناعا منه أن العالم بلغ ما بلغ من الاعوجاج الخلقي جراء ابتعاده عن أخلاق الدين، فإنه يرى ضرورة العودة إلى هاته الأخلاق باعتبارها الكفيلة بإصلاح أعماق الإنسان المعاصر الميت، وهو ما يؤكده بقوله" وبناءاً على اقتناعنا بهذه الحقيقة العجيبة جئنا بقد أخلاقي غير معهود لمظاهر أساسية من الحداثة تعد عند سوانا سببا يحمله على تعظيم أمر الحداثة الغربية في حين يعد عندنا سببا يدعونا إلى تعظيم الحاجة إلى أخلاق الدين لحصول الانتفاع بهذه الحداثة"[4].

2- نحو نظرية أخلاقية تصل الأخلاق بالدين

ينطلق طه عبد الرحمن في تصوره لعلاقة الأخلاق بالدين من مسلمة مفادها" أن الدين والأخلاق شيء واحد فلا دين بغير أخلاق ولا أخلاق بغير دين"[5]، لهذا اجتهد في وضع نظرية أخلاقية من صميم الفكر الديني الإسلامي، تُقيم هذا الوصل وتقوم عليه وتحفظه. ويعد نصُّه الموسوم ب"سؤال الأخلاق" مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المرجع الأساس الذي عمل من خلاله طه عبد الرحمن على وصل الأخلاق بالدين، ونقد كل أشكال النظر الأخرى بخصوص العلاقة بينهما، يقول طه عبد الرحمن " وقد جعلنا من الجمع بين الأخلاق والدين أصل الأصول الذي بنينا عليه في الكتاب الذي بين يديك مساهمة نقدية للحداثة الغربية"[6]. وذلك في سبيل وضع أنموذج ائتماني يحفظ هذا الوصل، وهو ما ظهر في كتابه الموسوم ب"بؤس الدهرانية النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين".

ولما كان فصل الأخلاق عن الدين أخطر فصل دخل فيه عقل الحداثة، لكونه يؤثر في صلة الأخلاق بالإيمان كأصل من أصول الدين، ويقود إلى الشرود أي الخروج من الأخلاق بالكلية، بعد المروق أي الخروج من الدين"[7]، وبالتالي الفصل النهائي بين الإنسان والإله، -على اعتبار أن الدهرانية ترى" أن الإنسان ليس له من مجال للتحقق سوى هذا العالم الدنيوي كحدوث طبيعي يشمل الحياة والموت، فيترتب على شروط الوضع البشري كشروط موضوعية وضرورية هي قَدر الإنسان ككائن بلا إله لا يهلكه إلا الدهر الذي يفلت من قدرته ما دامت محدودة"[8]- فإن طه عبد الرحمن يعيد الاعتبار لعلاقة الأخلاق بالدين مؤكدا خصوصية هاته العلاقة القائمة على التلازم بينهما، بحيث يكون كل منهما لازما للآخر لا ينفك عنه باعتبارهما شيئا واحدا" فلا دين بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير دين"[9] وذلك " باستحضار الفطرة التي تُحقق الوصل في وجود الإنسان وفعله بين الخَلق والأمر الإلهيين على النحو الذي يجعل الخَلق في انفتاحه موصولا بالخُلق في تجدده" [10]، وذلك بخلاف ما كان شائعا من اعتقادات عن الدين والأخلاق، جعلت الأصل في الدين حفظ الشعائر الظاهرة، والأصل في الأخلاق حفظ الأفعال الكمالية المورثة للفضائل، والمعتبرة فقط أفعال معدودة، في حين أن طه عبد الرحمن، يرى أن الأصل في الشعائر "أن تكون معقولة في العمق بما تخلفه من آثار ونتائج هي عبارة عن علامات مميزة لتصرفات المتدين وسلوكاته في تكاملها بحيث تتحدد قيمة  الشعائر بتحصيل الأخلاق" [11] و" أن الأخلاق ليست كمالات بمعنى زيادات لا ضرر على الهوية الإنسانية في تركها، وإنما هي ضرورات لا تقوم هذه الهوية إلا بها"[12]، ما يؤكد عدم تَقدم وجود الإنسان على وجود الأخلاق وإنما ملازما له، لأن ضرورة الخُلق للإنسان كضرورة خَلقه سواء بسواء فلا إنسانية بغير أخلاقية"[13] كما أن المعتبَر في أفعال الإنسان ليس معدودا وإنما " جِماع أفعال الإنسان في تعددها وتفاوت مراتبها ولا تناهي قيمها وتكامل معانيها"[14].

إن هذا التصور يجعل مدار حقيقة الإنسانية على الأخلاقية، فالدين والأخلاق وفقه " يصيران مُتعالقين بما يوجب الوصل بين الوجود والفعل البشريين، على النحو الذي يتجلى فيهما(وبهما) مقتضى الفطرة في كون الإنسان مخلوقا / مأمورا، وعاملا /عابدا، بما يفيد في نهاية التحليل أن "التأنس" إنما يكون بقدر ما يحصل من التحقق تعبدا أو تخلقا"[15] وبالتالي تتبينُ الصلة الوثيقة بين الأخلاق والدين في الفلسفة الائتمانية التي" لا تنظر في الإنسان إلا في صلته بربه خالقا رحيما وآمرا شاهدا"[16]، وتَرُد كل أنواع الفصل التي أقامها عقل الحداثة بما فيها فصل الأخلاق عن الدين الذي يفضي إلى الشرود ثم المروق وبالتالي فصل الدين عن الحياة كلها.

فلا سبيل إذن حسب طه عبد الرحمن إلى تأسيس حداثة إسلامية إلا بالرجوع إلى الأخلاق؛ التي بها تتحدّد بها ماهية الإنسان، وما هذه الأخلاق إلا الأخلاق الدينية.

 

 د. ياسين كارديدي: باحث في الفكر الإسلامي والحضارة. جامعة عبد الملك السعدي/ تطوان المغرب.

............................

[1]  ـ  كريم محمد، النقد الأخلاقي للحداثة عند طه عبد الرحمن، موقع tahaphilo الأحد 29 أكتوبر 2014م.

[2]  طه عبد الرحمن سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية" المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة : 5 / 2013م ص: 14 – 15.

[3]  ـ المرجع السابق ص: 26.

[4] ـ نفسه ص: 26 – 27.

[5]  طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة : 5 / 2013م، ص: 52.

[6]  المرجع نفسه ص: 25 – 26.

[7]  ـ يُنظر طه عبد الرحمن "شرود ما بعد الدهرانية " النقد الائتماني للخروج من الأخلاق ص: 15 – 28.

[8]  ـ  الكور عبد الجليل، مفهوم الفطرة  عند طه عبد الرحمن، ابداع، بيروت، 2017، ط: الأولى، ص: 163

[9]  ـ  "سؤال الأخلاق " مرجع سابق، ص: 25.

[10]  ـ "مفهوم الفطرة عند طه عبد الرحمن"، مرجع سابق ص: 129.

[11]  ـ " مفهوم الفطرة " مرجع سابق، ص: 129.

[12]  ـ نفسه ص: 130.

[13]  ـ  "سؤال الأخلاق مرجع سابق، ص: 54 – 55.

[14]  ـ "مفهوم الفطرة" مرجع سابق، ص: 130.

[15]  ـ "مفهوم الفطرة عند طه عبد الرحمن، مرجع سابق، ص: 131.

[16]  ـ  المرجع نفسه ص: 169.

 

عامر عبدزيد الوائليلقد مرت الأسطورة بوصفها موضوعا للبحث والدراسة بمراحل متعددة تأثرت بها وبالمعنى الذي تم إضفاؤه عليها إذ علينا أن نميز بين المعنى الحرفي الملاصق لخطاب ما، وبين أثار المعنى المتولد عن قراءته لدى القراء . فقد يفهم القراء إيحاءات وأشياء في النص لم يكن يقصدها المؤلف ولم يفكر بها . فالقراءة تخلق النص أيضا). بمعنى أن هناك معنى خاصا بالنص (الأسطورة) مرتبطاً بالظرف التاريخي الذي كان يحيط بالنص (فكل الحوادث التي حصلت في تاريخ البشرية تعتمد على التمفصل المبتغى مباشرة من قبل المبشرين والقديسين والإبطال التاريخيين ومن المعلوم إن مقدرة هؤلاء جميعا على توليد أثار معنى جديد أو معاني جديدة تعتمد على شيئين أساسيين:

أولا: جاذبيتهم الشخصية .

ثانيا: مساعدة الظرف التاريخي أو المنعطف التاريخي لهم واجتماع هذين العاملين معاً هو الذي يؤدي إلى نجاح الشخصية التاريخية في مهمتها .

أ‌- القراءات الحديثة التي تناولت الأسطورة:

قد ساعدت تلك الوظيفة المهمة للأسطورة على القراءات المعاصرة لها والتي تنطلق من ظروف فكرية مختلفة تحاول إن تبحث في الأساطير عن معنى يهدف الى تحقيق دراسة مقارنة بين تلك الأساطير والنصوص المقدسة التي تدعي المقارنة أو محاولة البحث عن المركزية الأوربية وتطورها العرقي أو محاولة تهدف إلى دراسة التطور المعرفي الذي مر به المجتمع البشري بهدف وضع اطر علمية، لهذا تنوعت تلك الدراسات وتنوعت مناهجها واطروحتها وتأويلاتها للنصوص الأسطورية .

أمثلة من القراءات المعاصرة للأسطورة:

ذهب (ماركس مل) إلى أن دراسة اللغة هي الوسيلة العلمية الوحيدة للكشف عن جوهر الأسطورة . فتعدد المعاني والمرادفات في الكلمات ليس من المظاهر العرضية للغة أنما هو ناتج عن طبيعتها ذاتها . والذي يترتب على هذا انه أستشراك أشياء مختلفة في الاسم الواحد، وبالعكس .

وهذه هي نقطة ضعف اللغة . ولكن نقطة الضعف هذه ستمثل بالوقت نفسه الأصل التاريخي الذي انبعثت منه الأسطورة . إن تسمية الشيء الواحد باسمين مختلفين مثلا قد أدى إلى انبعاث شخصين مختلفين من الاسمين، وهذا أمر طبيعي لا مندوحة من حدوثه، ولما كان من المستطاع رواية القصة نفسها عن كليهما لذا ليس من المستبعد تصوير هاتين الشخصيتين كأخ وأخت وأب وابنة، وهكذا فان الأسطورة ليست أكثر من وهم كبير، فهي ليست خدعة واهية ولكنها خدعة ترتبت على طبيعة العقل الإنساني، فجاءت أولا - وبوجه خاص- لطبيعة الكلام الإنساني

أما سيجموند فرويد . فقد بدت الأسطورة عنده بعيدة الغور في الطبيعة الإنسانية، تعتمد على غريزة أساسية لايمكن دفعها إلا وهي الغريزة الجنسية . لقد انتهى (فرويد) عبر دراسة نظام الحرمان والنظام الطوطمي إلى وجود التوافق في المضمون بين ما ينتهي نفسه إليه هذا ن النظامان من عدم قتل الحيوان الطوطم، وعدم استعمال امرأة تابعة الطوطم نفسه ؛ لأية إغراض جنسية، من جهة وجريمة (اوديب) بذبح أبيه ثم جريمته الثانية عندما اتخذ أمه زوجة له، من جهة أخرى . والتوافق من جانب أخر بينهما وبين الرغبتين الأوليتين للطفل المتمثلين بالتجاذب الجنسي بين الطفل أمه الأم، وكراهية الطفل و لأبيه  .

أما مرسيا الياد . فقد خطى خطوة ابعد في الكشف عن جوهر الأسطورة عندما رأى فيها واقعا ثقافيا . وانطلاقا من هذا المنظور حددت الأسطورة باعتبارها قصة مقدسة تشير إلى حدث، ذلك أن الأسطورة تروي كيف إن واقعا كان قد تحقق بفضل مأثرة كائنات ما فوق الطبيعة ولا يهم إن يكون هذا الواقع هو الواقع الكلي (الكون مثلا) أو جزء منه فقط (نوعا بنائيا مثالا إن الأسطورة بهذا المعنى تمثل قصة (الخلق) فهي تروي كيف إن شيئا ما كان قد اتخذ طريق الكينونة والوجود ولكن الأسطورة لا تتحدث عن ذلك كما كان قد تم فعلا فأشخاص الأسطورة يتمثلون بكائنات ما فوق طبيعية فالذي كان قد تم كان قد تم على يد هذه الكائنات، وقد تم في الزمن المهيب (للبدايات) الأولى . إن الأسطورة تكشف، إذن عن النشاطات الخلاقة كمظهر للقدسية التي تتميز بها إعمال هذه الكائنات . فالأسطورة بهذا ترتبط بمعرفة سر اصل الأشياء من خلال منظر متميز، ويمكن إجمال أهم مميزات الأسطورة فيما يأتي:

1- أنها تمثل تاريخ الأعمال التي تقوم بها الكائنات ما فوق الطبيعية .

2- إن هذا التاريخ ينظر إليه من قبل الإنسان الذي يخضع لها بعدّه حقيقيا بشكل مطلق، بحكم كونه من عمل الكائنات ما فوق الطبيعية .

3- إن الأسطورة ترتبط (بالخلق) فهي تروي كيف إن الأشياء قد جاءت إلى الوجود وكيف ظهر إلى الوجود سلوك أو مؤسسة أو أسلوب ما في العمل كان .

4- من خلال معرفة الأسطورة، إذ يمكننا عبره أن نتعرف على (اصل الأشياء)، ومن ثم بلوغ القدرة في الهيمنة عليها والتصرف بها طبقا للإرادة .

كاسيرو: يذهب إلى أننا لا نستطيع إن ننكر بأن الأسطورة هي شكل من إشكال الوهم . فإذا ما سلمنا بان الأسطورة هي مجموعة من الأفكار أو بالأحرى مجموعة من المعتقدات فأن هذه المعتقدات ستتميز بأنها تتناقض تناقضا صريحا مع تجاربنا الحسية، فضلاً عن هذا، فأنه لا توجد أية موضوعات طبيعية تناظر التخيلات الأسطورية، وربما لهذا السبب نستطيع إن نقول بان الأسطورة هي شكل من إشكال الوهم .

ثم إن كاسيرو نظر إلى الأسطورة بأنها تقوم في الجوهر على أساس من رغبة حماسية تدفع الأفراد إلى الشعور بوجود هوية بينهم وبين المجتمع والطبيعة، ويتحقق إشباع هذه الرغبة بوساطة الطقوس الدينية فهناك تذوب الفوارق بين الأفراد ويتحولون إلى كل لا يعرف التمايز.

ويشير جورج تومسن: إلى أن الأسطورة لا تمثل (كما ذهب إلى ذلك بعض المختصين)، تفسيرا للطقوس، وإنما هي بالأحرى عبارة عن شكل المنطوق للأداء الطقسي في المرحلة الأولى في الأقل أنها التعبير الجماعي عن التجارب التي لا يمكن نسيانها،التي يشارك فيها المشاركون في الطقوس ذاتها بصورة دورية .

ب – الأسطورة والأدب:

إذ تحدثنا عن الرابطة التي تجمع بين الأسطورة والأدب فإننا لاشك سنجد أنها علاقة بين مستوى من الفكر وأداة تعبير، ولاشك ان العلاقة قوية بين الاثنين؛ لأن الأسطورة هي أدب (فالحقيقة إن الصلة بين الأسطورة والتاريخ صلة قوية تحتم ضرورة الاستفادة من المادة الأسطورية كمصدر للمادة التاريخية فالأسطورة تعبير أدبي عن أنشطة الإنسان القديم الذي لم يكن قد طور بعد أسلوبا للكتابة التاريخية يعينه على تسجيل إحداث يومه فكانت الأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه خلاصة فكره، والوسيلة التي عبر بها عن هذا الفكر وعن الأنشطة الإنسانية المختلفة التي مارسها بما فيها النشاط السياسي والديني والاقتصادي)

إن الحديث عن هذه العلاقة يعني الحديث عن ثلاث مستويات، الأول يتعلق بالأسطورة، والثاني يتعلق بالأدب الأسطوري، والثالث يتعلق بالمضمون الفكري للأسطورة .

أولا- الأسطورة: تشكل الأسطورة ظاهرة تتسم بالشمول؛ لأنها تحوي حقب الحضارية ففي أعماق تاريخ كل شعب ظهرت الأسطورة، بل هناك من يراها حتى في الحضارة المعاصرة التي بدورها تشكل أساطير جديدة (كما قال بارت) الذي يرى أن الأسطورة(ظاهرة لازمة المجتمعات قديمها وحديثها بحيث لا يخلو تراث أي أمة من الأمم منها.

والأسطورة من ناحية اللغة ما سطر القدماء والأساطير: الأباطيل والخرافات بوجه عام، وليس مهماً الكشف عن مصادر هذه الخرافات والشكل الذي صبغت به  .

والسطر اللغة هو الصف من الكتاب والشجر والنخل، والجمع من كل ذلك اسطر واسطار وأساطير وأسطورة كما قالوا أحدوثة وأحاديث، قال تعالى: "، والقلم وما يسطرون "، أي وما تكتب الملائكة .

وفي اللغة الإنكليزية يتشكل الحقل التداولي الذي تعتمده في تقديم تعريف للأسطورة: (tale) حكاية، أو كذبة، وشائعة (Fiction) قصة أو خيال أو تخيل و (Fictilious) خيالي أو زائف و(Romance) قصة حب ومغامرة و (Legend) أسطورة (Myth) أسطورة أو خرافة وتفريقا عن المصطلح الأخير (Mythical) أسطورة أو خرافي أو خيالي ولكن (Mythology) تعني مجموعة أساطير وبخاصة الأساطير المتصلة بالإله وأصناف الالهه في (عصور الوثنية) والإبطال الخرافيين عند شعب ما كما تعني: علم الأساطير  .

وان كلمة (Myth) مشتقة من الكلمة اليونانية (Mythos) التي تعني كلمة أو كلام ولم تستعمل هذه الكلمة بمعنى القصة إلا متأخرا() .و (Fabe) خرافة ذات مغزى .

من الملاحظ إن الحقل الدلالي يظهر ان المشترك كونها قصة أو حكاية أو أسطورة تتسم بكونها خالية زائفة خرافية متصلة بحياة الإله، وهي كلام، وقد جعلت هذه المعاني من الأسطورة لتجعل منها مرتبطة بالماضي، وكأن الأسطورة لا ترتبط إلا به . وهو تفكير غير دقيق، ذلك لان الأسطورة تواكب مسيرة الإنسان في ماضيه وفي حاضره، وفي مستقبله، إن هذا الفهم التقليدي للأسطورة - أي ربطها بالماضي – يرتبط بلا شك، بمفهومنا للمعقول واللامعقول بموضوع ما، إذ لا يمكن إن ينسجم مع الترتيب القائم للأشياء، وهي نظرة (ارسطية) تقوم على مفهوم (ماهو مؤكد سلفا) وماهو مثبت وقائم من وجهة نظر الاتفاق العام .

لكن تبقى الأسطورة ذات أهمية كبيرة لكونها تبقى هي حلقة الوصل بين (الحدث) الطبيعي وبين الفعل المقدس والفلسفي وهنا تظهر أهمية أخرى للأسطورة بعدها عتبة مهمة في فهم القدسي والفلسفي العقلي وعلى هذا تظهر ضرورة الأتي:

تشكل الأسطورة دور الوسيط بين " الحدث الطبيعي " والنص القدسي والفلسفي، لهذا يجب إضفاء الأساطير المتوسطة بين الحدث والتجريد الميتافيزيقي واللاهوتي ويجب أيضا كشف الظرف التاريخي للحدث، وعلى هذا يمكن متابعة آليات تشكل المعنى، فالتغير الذي يطرأ على الحدث الطبيعي أو التاريخي يكمن في بعدين:

البعد الأول:

إما إن يرتفع (الحدث) ليندمج في الأساطير ومن ثم تقديم تاريخ مؤسطر أو إنزال الأساطير واسطرة (الحدث) كالذي سوف يشكل معنى مضاد لتلك الأساطير، لان الأساطير في البدء جاءت استجابة لحالة وتفسيراً لظاهرة، مرتبطة بوعي معلن فإذا ما تم إنزال تلك الأساطير وإسباغها على حدث تاريخي فان هذا سيولد الضد (كما قلنا) بمعنى انه سيخلق قطيعة مع ذلك الوعي الذي نشأ فيه أي الوعي الطبيعي . لان التوظيف سوف يسبغ معنى جديداً وسوف يحرف في المعنى الأول لهذا آثرنا هنا أن نصف ذلك المعنى الأول ب"المحيط التداولي الطبيعي" . الذي شكل تعاليا بالحدث من بعده التاريخي إلى الأسطورة من خلال الآليات آلاتية:

1- حذف الزمان، مما يجعل الحدث الممتد عرضة للتغيير عبر مسيرته من الشفاهية إلى التدوين .

2- إنزال الأساطير وإضفائها على حدث أخر، عبر أسطرته وتقديم تفسير ووصف له، ذي بعد أسطوري متعال على التاريخية .

3- إخضاع الحدث إلى الطقس، مما يجعله عرضة للتكرار في سبيل إدراك الحدث الأول، المعنى الأصلي ولا تذكر الحدث ابدأ وتحسينه يساعد الإنسان البدائي على تحقيق الحقيقي والاحتفاظ به .

4- ربطه بمكان رمزي فيصل بالأعلى من ناحية وبالعالم السفلي من ناحية أخرى وهذا المكان يتغير بتغير المتحدثين الذين يريدون إضفاء ذلك التراث على أحداثهم(وإعادة امتلاك تلك الحقائق وإسباغها على تراثها من خلال إحلال ألهيتها محل الإلهية القديمة في فعالية تعكس صراع التواجد وفرض السلطة وامتلاك الأرض و" الرأسمال الرمزي" وتأميمه)

وقد تنوعت الأساطير بأشكال وهيئات فنذكر منها الأتي:

1- الأسطورة من حيث الشكل – وهي، قصة قد تكون شديدة التركيز وكأنها موعظة أو ممتدة كأنها حكاية أو تاريخ لكنها في كل الأحوال تصدر عن اعتقاد ديني يصور قصة تخضع لقواعد السرد القصصي من حبكة وشخصيات وحركة في الزمن وطابعها صوري والرمزية فيها واضحة .

2- الأسطورة ذات الصيغة الحضارية في القدم يمكن إن تتعرض للتطور(صيغتان أو صيغة منها) كما يمكن إن تتعدد طرائق روايتها ولكن هذه المستويات تجري جميعا بقوة عصرها وليس العصور التالية، إن من شروط الأسطورة أنها أبداع مارسته الجماعة، وليس من وضع شخص معين فهي ثمرة ممارسة وتأملات وخيالات مسيطرة على جماعة محددة .

3- تدور موضوعات الأساطير حول الوجود الكوني والخلق الإلهي للبشر، ولهذا تكون الآلهة، وإنصاف الإله مصدر القرار ومحور العمل في الأسطورة فإذا أظهرت في سياق الأسطورة (بعض البشر) فانه سيكون مجرد أداة ويسهم في تحمل شيء محدد .

4- الأسطورة تصور مقالا خارقا جوهريا بالنسبة للكون أو الإنسان، وهذا العدد من الجدية هو الذي جعل عصر الأساطير مقدمة ضرورية لعصر الفلسفة فلم تكن الفلسفة – في بدايتها – أكثر من قراءة رمزية للأساطير تحاول ان تستخلص من مجموعها معنى للعالم وللخلق وللوجود البشري وحماية كيانه الاجتماعي .

5- الأسطورة حكاية مقدسة، انبثقت عن الشعائر الأولى وقد منحها هذا سلطة عظيمة على عقول الناس ونفوسهم في زمانها ومن خلال المنظور الديني الذي تنتمي إليه وتثبت معتقدات تلك المنظومة وسطوتها على الاعتقاد والسلوك العام ..

 

د- عامر عبد زيد الوائلي

 

 

 

محمد كريم الساعديكينونة الاشياء بثباتها وصيرورتها في حركتها نحو الاكتمال وبين الثابت والمتحرك تعيد الاشياء جماليتها بعد ان تصل الى مرحلة الانغلاق، والتي هي عند البعض أكتمال المعنى في ذات الشيء، وعند البعض الأخر الوصول الى مرحلة الكم الذي لابد أن ينتج بعده كيف معين حتى يتغير الى ما هو أفضل حسب وجهة النظر الماركسية وما بعدها . فالأشياء عادة ما تجعلنا ننبهر بها اذا لم تكن مستقرة ويفلت المعنى في ذهننا في كل حين نعتقده أكتمل ووصل الى مبتغاه الاسمى. فالإنسان عند فوكوياما مثلاً وصل الى قمته في نهاية التاريخ في ضوء تحديد الاشياء ومسمياتها على وفق ثنائية السيد والعبد والسيد هو من يصنع الاشياء ويطورها والعبد هو من يثبت على مفاهيمه الماضية منتظر ما يصدر من العبد في هذا المجال، وهنتغتون في بحثه عن الصراع وسؤاله عن من نحن؟، يرى أن الصراع بين مركزية الاشياء وهامشها ما يزال مستمر ما دام هنالك حركة صراع دائرة في صورة تطور حضاري للسيطرة، وفي تفكيكية دريدا وخطاب فوكو وسردية ريكور وغيرهما في الأختلاف ما يزال البحث في تحطيم كل قيود الماضي المتمركزة في ذات متضخمة تدّعي تسيد الأشياء على وفق تراتبية مختلقة في اذهان خطابها الكوني، ففي البحث عن تفكيك وتفتيت هذه النظرة في نهاية التاريخ والأنسان الأخير يظهر الحاجة للبحث عن متغيرات جديدة في رؤية الأنسان الى ما سيأتي بين ثنايا الثبات والحركة، فالصراع إذن هو صراع بين التمركز والتحرر من الصنمية في داخل الانسان ذاته وانعكاسها في نتاجاته التي لابد أن يصيبها التغير مهما تسمرت مفاهيمها وانغلقت في فترة زمنية محددة .

هذا الصراع بين التوقع الثابت واللاتوقع المتغير في دروب الفكر العالمي الذي انعكس على ثقافة الفرد بصورة عامة مما انتج مفاهيم قد اسست الى تأطير الانسان في قوالب معينة لابد ان تتكسر على جدران البحث عن حقيقة الانسان . انها اذن نظرة كونية في تبدل الاشياء وتطورها نحو مصيرها القادم غير المتوقع بما يخفي وما يظهر .

أن ثنائية التوقع واللاتوقع هي مشكلة العصر كمشكلة الثبات والحركة ومشكلة البناء والهدم ومشكلة الحركة الجوهرية في داخل الاشياء ذاتها التي هي في تقدم مستمر نحو الهدم في داخلها ومتغير مستمر البناء و بطيء الاكتمال في ظاهرها .

لكن ماذا اذا تبدلت المعادلة وجعلنا ما هو سريع التغير والهدم في الظاهر وبطيء التقدم والاكتمال في الداخل؟ هنا ستصبح العملية قائمة على اللاتوقع الحركي الذي يهدم ما هو متوقع لصالح بناء ما هو لا متوقع في حركة مستمرة في ثباتها، انها فلسفة قائمة على قلب المعادلة وجعل اللامتوقع هو سمة الحياة وهو الثابت في التتبع لدى الفرد  الذي فقد الكثير من المتوقع في حياته لصالح اللامتوقع وأصبحت الصيرورة لديه هي الاساس بدلاً من كينونة الحياة الماضية التي تكسرت على جدران ما هو لا متوقع قادم .

نحن اليوم أمام تغيرات كونية لكنها في الوقت نفسه لها مساس في جزئيات حياتنا، فما عاد النظر الى أحلامنا القديمة بحياة تنقضي على مهل، ولا عاد الحاضر يدعونا الى ثبات تجارب التاريخ واستلهام عبرة في الحاضر لبناء تجارب مستقبلية . الأنسان اليوم يمر بمرحلة من الجنون الذي لا يتوقع أن سيصل به الى شيء معين ومعقول، فهي فلسفة العصر وهي معادلة تقلب كل المفاهيم تحتاج الى عقل يمتلك مفاهيم أخرى عن اللاتوقع الذي نعيشه اليوم . نحن بحاجة الى علوم أخرى تفسر لنا ما نحن به اليوم، وكذلك فنون أخرى تكون مجنونه ومشاكسة حتى نفهم هذا الانقلاب العظيم في المعادلة من داخلنا وخارج مسمياتنا التقليدية، انها فلسفة اللاتوقع الحركي، المضادة للمتوقع الثابت الذي يحتاج الى كيف جديد.  

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي  

 

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: هل الفكر ام اللغة هو وسيلة التعبير عن النظرة المادية او النظرة المثالية للوجود؟ أم ليس هنالك فرق بين الفكر واللغة في التعبيرعن الموجودات الواقعية والمثالية او الخيالية على السواء؟ كما تذهب له علوم اللغة واللسانيات المعاصرة في الفلسفة.

يبدو هذا التساؤل غير منطقي فلسفيا.... ولكن لنرى لماذا؟ لأن الفكر واللغة شيئان متلازمان في التعبير عن وجود الاشياء المادية او في التعبير عن وجودها الفكري التجريدي المثالي بواسطة التعبير اللغوي او غير اللغوي.. كيف؟ فوجود الشيء او الموضوع المستقل ماديا او خياليا يعالج من قبل الذهن فكريا في العقل قبل الأفصاح عنه وجودا ماديا او مثاليا بواسطة اللغة في العالم الخارجي.

الفكرالمادي او المثالي المعبّر عنهما باللغة في علاقتهما بالوجود لا يتم تفريقه في تعبير الفكرعنهما باللغة المجردة، فالفكر كوجود مستقل في الواقع لا تحدده اللغة كونه ماديا او مثاليا او اي شيء آخر بمقايسته باللغة كنظام دلالي يعطي معاني الاشياء في ملازمته التعبيرعنها.

وهنا يكون الفكر يمثل جوهر الوجود، بينما يكون تعبير اللغة عنه اصواتا شفاهية او مكتوبة لا تمنح الوجود ماديته او مثاليته بل صفته الظاهراتية، والذي يمنح الوجود المادي صفته والوجود المثالي صفته المتمايزة هو الفكر الناتج عن مصنع الحيوية والتخليق في العقل في ادراك الوجود واضفاء ماهيته وصفاته عليه..

ولايتم تفريق الفكرماديا او مثاليا بمقايسته بالوجود الطبيعي للاشياء وتفسيرها وفهمها لأن الوجود غير المدرك عقليا في استقلاليته في عالم الاشياء،هو غير الوجود الذي تم تخليقه وتصنيفه في تناول العقل له واعادته ثانية بتخليق فكري جديد. وليس باللغة المعبرّة عن الوجود فقط ينفرز عنها تباين الفكر المادي عن الفكر المثالي الا بعد الادراك العقلي له اولا، وفي تعبير اللغة عنه ثانيا.

فالفكر يكتسب هويته وماهيته بعلاقته بالوجود المتبادل معه، وليس باللغة التي تعبر عن الوجود في ملازمة الفكر لها. فالفكر يكسب الوجود ماهيته، ويكتسب هو بالوجود هويته وصفاته.

والفكر واللغة في تلازمهما معا لا يستطيعان خلق وجود شيء واعطائه صفاته وعلّة وجوده في علاقة تعبيرهما عنه، وانما الوجود يكتسب صفاته وماهيته في تعالقه مع الادراك العقلي له، قبل الفكر المعبّر عنه في تعالقه مع اللغة.

وجود الاشياء في نوع علاقتها مع التفكير العقلي لها، تسبق الفكر واللغة المعبّرة عنها لاحقا. فالعقل يستبق الفكر واللغة في تلازمهما ادراكهما للوجود.فهل يسبق الفكر او اللغة احدهما تراتيبيا في الوظيفة الادراكية التناوبية للموضوع، وفي تعبيرهما عن وجوده المادي في اختلافه عن التفسير المثالي على مستوى افصاح اللغة في علاقتها بالاثنين كوجودين مختلفين المادي والمثالي؟

اننا في هذه الحالة نفهم ان الفكر المادي في تمايزه عن المثالي هو في أسبقية الفكر على اللغة على صعيد الادراك الوجودي للاشياء في الواقع عقليا.

وان بدت انهما (اللغة والفكر) متلازمتان لا يمكن التفريق بين الفكرة واللغة المعبّرة عن الوجود، كما من المتعذّر اعطاء أسبقية لاحداهما على الاخرى في التعبير المختلف عن الوجود ماديا ام مثاليا.فاللغة قرينة الفكرفي عدم امكانية التفريق بينهما في تعبيرهما على الاشياء في العالم الخارجي.والفكر يتعالق مع اللغة في فهم الاشياء وادراكها.واللغة لا وجود حقيقي لها في مفارقتها التعبير عن الفكر.

عليه يكون التمييز بين الفكر المادي عن الفكر المثالي لا يتم بمنطق اللغة المجردة او المفصحة عنهما كموضوعين مختلفين في التعبير اللغوي فقط، كما فعل هيجل في اعتباره الجدل او الديالكتيك المثالي يتم بالفكرالمجرد وحده وليس في تعالقه المتخارج مع الواقع او الوجود الحقيقي للاشياء.

ان العقل وحده له الاسبقية في تحديد الوجود والفكرالمتعالق معه ان يكون ماديا ام مثاليا. واللغة تكون في هذه الحالة وعاء الفكر في تحديد نوع الوجود المادي او المثالي المفصح عنه بتعبير اللغة. وبهذا يكون التمييز بين مادية الفكر او مثاليته هو في علاقة الفكركوعي نوعي عقلي يتم في الذهن اولا مع ادراكه وفهمه الوجود او الموضوع، يليه تعبيرفكري لغوي نوعي مختلف يحدد علاقته بالوجود الواقعي للاشياء والظواهرالمختلفة في الطبيعة ثانيا ان تكون مادية أم مثالية.

فالفهم المادي يذهب الى ان الفكر انعكاس لوجود الاشياء في ديناميكية متخارجة بين وجودها والفكرالمدرك لها عقليا، بينما يرى الفكر المثالي ان لا وجود مستقل للاشياء سابق على الوعي بها صوريا في الذهن فقط وان ادراك وجود الاشياء يتم في صورها التي يستلمها العقل، ولا دور للغة اكثر من تحقيقها دلالة المعنى الفكري الصادر عن العقل المراد توصيله من غير ما نتصور ونعتقد خطأ ان اللغة هي التي تحدد الوجود المادي باختلافه عن المثالي او بالعكس. اللغة توصيف لفينوميلوجيا الفكر كشكل ومحتوى في ايعاز من العقل.

فوجود الاشياء الطبيعي المستقل هو الذي يسبق نوعية الافكار المفسّرة له بوسيلة التعبير اللغوي. وان اللغة والفكر متلازمان اثناء ممارسة العقل او الدماغ فعاليته الحيوية التخليقية في معالجة ايّا من المواضيع التي تنقلها الحواس له ماديا او صوريا، وكذلك يقوم بنفس الفعالية العقلية في تأمله تخييليا موضوعا ما لا وجود له في عالم الوقائع المادية والاشياء وانما في عالم الخيال الذي ابتدعه العقل.

وعن كليهما(التفكير المادي والتفكير المثالي) يعطي العقل نوعا من التفسير المتعّلق بتمايز فهم شخص عن غيره في حال تنفيذ الفكر واللغة نوعية الفكرة العقلية المختلفة عن الشيء في تنوّع واختلاف تفسير العقل له من شخص لآخر ان كان تفسيره وفهمه ماديا ام مثاليا.

من المهم التأكيد الى ان اللغة والفكر هما وسيلة العقل في الافصاح عن تخليقه وجود الاشياء في العالم الخارجي من جديد. وليس للفكر او اللغة اي افصاح متداخل عما يقوم به العقل في ادراكه الوجود والاشياء في تفكيره الصامت.

ان اللغة والفكر فعاليتهما الحقيقية في التعبير عن الموجودات والاشياء في الواقع المادي خارج العقل بعد تخليقها بالذهن واعطاء تفسيره في وجودها المستقل في العالم الخارجي.

ان تفكير العقل بموضوع مادي موجود في العالم الخارجي، او بموضوع خيالي يبتدعه الخيال مادة لتفكير العقل، هما فعالية واحدة يقوم بها العقل وتحديدا الدماغ بمعزل عن تدخل اللغة والفكرالافصاحي لما يقوم به العقل من تخليق للفكر في دراسة موضوعه،.

ويبدو هنا ايضا اننا وقعنا في اشكال وتعقيد أعمق علينا توضيحه عندما نجد ان وسيلتي العقل في الادراك ومعاملته للاشياء لا تتم من غير اعتماد العقل للحواس وللفكر واللغة في ادراكه الشيء والتفكير به سواء كان التفكير (صمتا) على شكل حوارفكري داخل العقل،او افصاحا عنه في التعبير اللغوي في وجوده المادي في الواقع او المتخيّل كناتج عقلي قبل كل شيء.

والوجود المادي والوجود التخيّلي لايختلفان في الماهية او الجوهر وحسب، وانما هما يختلفان بلغة التعبيرعن كليهما، فالوجود المادي تعّبر عنه اللغة المنطوقة او المكتوبة، في حين ان الوجود الخيالي لا تعبّر عنه اللغة التداولية نطقا او كتابة كما في الوجود المادي فقط، بل في غيرها من وسائل التواصل ربما كانت لغة رسم لوحة او نحت تشكيلي او غيرها من وسائل أكساب الموضوع المتخيّل حضوره الوجودي دونما الحاجة الى اللغة الصوتية الشفاهية او المكتوبة.

والا أصبح تساؤلنا كيف يفكّر العقل وما وسيلة التفكير التي يعتمدها، تقودنا الى طريق مسدود عند عدم الاقرار ان وسيلة العقل في التفكير وادراك الاشياء لا يمكن ان تتم خارج فعالية العقل توظيفه الفكر – اللغة في ادراكه الوجود للاشياء خارج التفكير العقلي وليس بداخله.لا يمكننا تمييز الفكر عن اللغة داخل فعالية العقل في تخليق الافكار بالصمت التفكيري، وانما يتاح لنا ذلك في الوجود المستقل خارج العقل التي يصدر العقل والجهاز العصبي عن طريق اللغة تخليقه الجديد له كناتج اجابته عما وصله عن طريق الحواس.

فعالية العقل تنعدم نهائيا عند افتراضنا ان العقل يقوم بفعاليته الادراكية ومعالجتة الموضوع المدرك عقليا بغير وسيلة تداخل الفكر مع اللغة (داخل) و(خارج) العقل.

وهذا يستلزم منا تبيان مالفرق بين تفكير العقل داخليا، وتفكيره خارجيا وما المقصود به وما دور الفكر واللغة في تحديد معنى المفكّر به كموجود.؟

كيف يفكّر العقل داخليا، وكيف يفكّر خارجيا؟ بالحقيقة ان العقل في كلا التفكيرين يتمّان في توافقهما والتقائهما في مصدر التفكيرالواحد الذي هو الوجود المادي او الموضوع الخيالي، فلا يوجد عمل فكري في العقل لا يرتبط بموضوع مدرك حسيا او خياليا والا كان تفكيرا وهميا لا علاقة للعقل به ولا للموضوع علاقة بالعقل المدرك له.

تفكير العقل داخليا تتم بوجود شيء مدرك محدد (موضوع) يكون مادة للتفكيرتنقله الحواس ادراكيا للعقل، وقد تتعّطل مهمة الحواس هذه عندما نجد العقل يفكّر تخييلا وتخليقا عقليا بموضوع ذهني لا علاقة له بالمادة والمحيط الخارجي للاشياء كأن يفكر الانسان في اشياء من الطبيعة او يتخيّل اي شيء او اية فكرة مجردة غير متعينّة ادراكا ماديا وجوديا امامه في الطبيعة او في الانسان كغيرها بما لا يحصى من الاشياء بالعالم الخارجي من اشياء.

ولم تقم الحواس المادية ولا من مهامها نقل موضوع التأمل الخيالي الى الدماغ وانما مخيلة الانسان وذاكرته تستذكره في الذهن خيالا مجردا وتجعل منه موضوعا للتفكير. يلي ذلك ان العقل قد يعبّر لغويا عنه بعد تخليقه الجديد له، او بغير تعبير اللغة عن موضوع التفكير الخيالي وكذلك عن التفكيرالواقعي.

اذن في البدء علينا الاقرار الآلي الثابت انه لا يمكن للعقل الانساني ممارسة التفكير مالم يكن هناك موضوعا واقعيا او خياليا يصبح مادة او موضوعا لتفكيرالعقل. وقلنا ان الحواس ليس من مهامها ولا من قدراتها نقلها موضوعا خياليا هو من ابتداع المخيّلة والذاكرة الذهنية للعقل ولا دور للحواس به. وان العقل يفكرخياليا بموضوع لم تقم الحواس او احداها بنقله له.

هنا يأتي تساؤل أهم ان وسيلة التفكير العقلي للشيء المدرك داخل العقل تتم بماذا أو بأي كيفية؟ وما هي آلية التفكيرالعقلي بالموضوع؟ لحد الان تمّكن العلم من معرفة كيف تعمل حاسة البصرالعين في رؤيتها الاشياء، وكذا مع حاسة السمع او الذوق او اللمس، اما كيف يعقل الدماغ نفسه ويعقل موضوعاته ووفق أية الية يتم الادراك العقلي فهو غير معلوم علميا اكثر مما تزودنا به الفلسفة وليس تخصص علم طب الدماغ والاعصاب على حد علمي.

فالعلم يوّضح كيف ان آلية التفكيرالعقلي تنحصر في موضوع مدرك حسيّا وعقليا عن طريق الجهاز العصبي المرتبط بملايين الخلايا الدماغية التي تتناوب الادراك في عملية معقدة من اختصاص طب علم الدماغ والجملة العصبية وهو مجال لا تعلمه وتعمل به الفلسفة ولا باستطاعتها الخروج منه بنتيجة يرضاها العقل والطب العلمي.

اما في توضيح الفلسفة فهو حين يعقل الانسان ذاته تفكيرا ماديا ام خياليا فهو يحتاج حتما لمادة او موضوع يدركه واقعيا او خياليا كما ذكرنا سابقا لا يخرج عن وصاية العقل في حال انعدام واسطة التعبيرالفكري – اللغوي عنه وبه. اي بمعنى ان التفكير العقلي لا يدركه الانسان الاخر خارج العقل الا في حالة التعبير الفكري – اللغوي عنه خارج وصاية العقل عليه حين يكون تموضعا فكريا في الواقع.

فاذا اراد العقل وجوب التعبير عن موضوعه المفكّر به للعالم الخارجي المستقبل له، توّسل لذلك الفكر – اللغة. واذا لم يشأ ذلك فانه اي العقل يجعل من موضوعه تفكيرا داخليا صامتا غير متاح ادراكه من غيره الذي هو (أنا) الفرد العاقل المفكرمن نوعه (الانسان الاخر) بمعنى ان الفكرة واللغة المعبّر بها انعدمت في التاثير وفي الحضور في كيفية نقل تفكير مصنع الحيوية التخليقية التي يقوم بها العقل.

فاللغة والفكر لا يحضران سوّية الا في محاولة تنفيذ ايعازات مصنع الحيوية العقلية بالاخبار الادراكي العقلي عن موضوع جرى التفكير به عقليا واكتملت مهمة اعادته من العقل الى عالم الاشياء كفكر وليس كوجود.في تنفيذ اللغة او غير اللغة ايعاز العقل في اعادة الموضوع المفكّر به من العقل الى امكانية ادراكه في العالم الخارجي في توّسله اللغة التي هي الفكر ولا فرق بينهما في التعريف المادي او التجريدي بالموضوع.

كيف تكون اللغة هي الفكر المعبّر عنه؟

التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكرحسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز ادراك العقل للاشياء التفريق بينهما اي بين الفكر واللغة.اذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد؟.هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبيرليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل احدهما عن الاخر اي بمعزل اللغة عن الفكر، لانه يكون استحالة ادراكية.

ان عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة ان الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، او ان اللغة هي وعاء الفكر، او ان اللغة هي بيت الوجود.

جميعها تفهم اللغة على انها فعالية ادراكية عقلية في تحديد الفكرة او الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم ادراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبيرولا يتوفر مجال أدحاضه.

في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل او خارج العقل،يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة او الموضوع المعّبرعنه بهما. فبهما(الفكر واللغة) اصبح الموجود الذهني متعيّنا وجودا في العالم الخارجي، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا او بالاحرى من اجل فهم الوجود الخارجي للاشياء المستقلة.

حين نقول تفكير العقل الداخلي المقصود به هو التفكير الصامت، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكيرالعقل.وبالواقع ان هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا وخارجيا بوسيلة اللغة، انما هما في الاصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي او متخيل آخر.اي ان العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع ) المدرك.

ان ادراك العقل للاشياء الواردة له عن طريق الحواس لا يعقلها العقل دفعة واحدة، ويعطي الدماغ ردود الافعال الانعكاسية الارادية وغير الارادية من دون تراتيبية يعتمدها العقل.(وهذه النقطة اوضّحها تفصيلا نهاية المقال).

ذهبنا الى استحالة فصل اللغة عن الفكر في حالة افصاح العقل عن فهمه وتعّينه لموجود او شيء ما في العالم الخارجي. فمتى يمكننا استنباط امكانية فصل الفكر عن اللغة واين وكيف؟

قبل الاجابة نذّكر ان علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسيروجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة.

لكننا نجازف بالمباشرقولنا انه يمكننا فصل الفكر عن اللغة عندما يكون تفكير العقل صمتا داخليا في التفكيربوجود شيء مادي او خيالي لا يحتاج لغة التعبير عنه بل يحتاج الفكر وحده لانه وسيلة تفكير العقل، ويكون صمتا داخليا متخيّلا ايضا في تفكير العقل لموضوعه كوجود غير مادي اي خيالي لا يرتبط وغير ملزم التعبير اللغوي عنه.

للتوضيح فقط فالتفكيرالمادي الصامت هو في معالجته موضوعا او شيء ما بالتفكير المجرد كمتعيّن موجود في العالم الخارجي، اما في تفكير الصمت (الخيالي) غير المعبّر عنه باللغة فهو الهام تخييلي في انتاج العقل موضوعا يدرك خارجيا لم يكن ادراكه متيسرا قبل افصاح العقل له وتخليقه، كما في خيال انتاج لوحة فنية او قطعة نحتية او اي ضرب من ضروب التشكيل ومعالجات علم الجمال الذي من المتاح الممكن التعبير عنه بغير لغة الكلام او لغة الكتابة.

نأتي الآن الى معالجة اصل امكانية فصل الفكر عن اللغة، على انها استحالة ادراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في استقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالادراك واعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع، او لم يدركها في وجودها المستقل التي ايضا تستطيع اللغة التعبير عنها.

يبقى عندنا ان التفكير العقلي الصامت ماديا او خياليا فأن آلية العقل في التفكير تستطيع فصل اللغة عن الفكر طالما هما حاضران ذهنيا لحظات واثناء التفكيربموضوع ما،اي حينما يفكر العقل صمتا فهويفكّربالفكرذاته بموضوع. وليس باللغة خارج موضوعه في التفكير الصامت.،

وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، اي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغة، فان العقل وسيلة تفكيره الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة الا على انها جزء من الفكر وملازمة له، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه، فلا يدرك خارجيا من غيره الا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل(الدماغ) الى واقع الوجود.

وعندما يتجسد ويتعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا او بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية او المكتوبة، فهنا لا يصبح فصل الفكرعن اللغة ذات اهمية كبيرة، ولكن تبقى اللغة في اثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها باولويتها في التعبير عن الوجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة ادراك الحس والعقل لها عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها التي عبّرت عنه.

بمعنى توضيحي ان اللغة لا تستمد فعاليتها داخل تفكيرالعقل الصامت جوّانيا بموضوعه مع ذاته المستقلين عن العالم الخارجي، وانما تستمد اقصى فاعليتها في التعبير عن الاشياء في وجودها الخارجي المستقل.

وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون ادراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرةعنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن والعقل، وايضا من الفكر واللغة.

لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا. فالموضوع المفكّر به صمتا غيرلغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل اهمية انشغال العقل في التعبير اللغوي عنه.

كيف يعي الانسان ذاته؟

الوعي الوجودي بالمعنى الانطولوجي للذات هو وعي مفارق للاشياء في اثبات اناه الفردية المستقلة وفي ادراكه موضوعه ايضا. فالذات في ادراكها لشيء مغاير تدرك وجودها به هي اولا، وتجعل الموضوع المدرك ذاتيا مدركا من غيره يكتسب وجوده الديناميكي بوعي الذات له ثانيا، في غير وجوده المستقل بالطبيعة وجودا بذاته (نومين).

اتخذ سارتر من كوجيتو ديكارت (نقطة انطلاق الوعي وموضوعه في علاقتهما التي لا تنفك ولا تتوقف عند (الانا افكر) اي الوعي الخالص، لكنها تذهب الى ما يقصده الوعي من اشياء) نقلا عن حبيب الشاروني.

كذلك نجد هيدجر تخّطى الاثنين ديكارت وسارتر بقوله لا وجود لما يسمى الوعي الخالص، بمعنى ان الانا الذاتية لا تحقق وجودها في حيثية وعلة التفكير المجرد الذي ذهب له ديكارت في الكوجيتو ..انا افكر.

ان في انكار هيدجرما يسمى الوعي الخالص هو التعبير عن حقيقة وجودية فلسفية لا تتقبل الدحض بسهولة، فالوعي الخالص وهم وجودي حتى في حالة كوجيتو ديكارت في تحقيقه وجود الذات من خلال تجريد اللغة في التفكير والاستدلال.

الوعي الخالص هو وجود بذاته بالنسبة لكل وجود افتراضي ايضا بذاته غير فاعل في الطبيعة وعالم الاشياء بالنسبة للانسان في ان يكون موضوعا مغايرا له ويمكن الاستدلال به. والوعي الخالص وجود بذاته يطمح بلوغ الانا العليا المثالية التي اشار لها فرويد ومن قبله افلاطون.

والوجود بذاته سلب كما في تعبير وجودية سارتر له، فهو يقوم على تعطيل مغايرته الواجبة الضرورية في تبادله المتخارج مع الاشياء في العالم الخارجي في توكيد استقلالية ذاتية لا قيمة لها.

ونقلا عن الشاروني:(ان سارتر يعرّف الوعي بانه لا يحدث، الا بتمثله شيئا مغايرا عنه، فالوعي يولد موجها الى كائن ليس هو اناه) ان سارتر هنا يحول كوجيتو ديكارت نحو قصدية نادى بها استاذه هوسرل.

هوسرل ادرك في محاججته لديكارت الذي حصر وعي الوجود الذاتي(اناه) وتحققه بالتفكير المجرد، انما هو وعي اغترابي منعزل على صعيد عدم الاندماج في الكلية المجتمعية كجزء منها فاعل ومتمايز عنها. فتحقق الذات لا يتم من غير التعالق المتخارج بنوع من القصدية او الغائية مع العالم الخارجي وهو رأي هيدجر ايضا.

ان الذات لا تدرك وجودها الحقيقي بالتفكير المجرد غير المتخارج مع الوجود الخارجي وعالم الاشياء. وهذا الفهم من وعي الذات التزمه هوسرل ومن بعده سارتر وهيدجر، واجمعوا ان الوعي الذاتي الحقيقي من غير تبيان وتحديد الشيء المفكر به.

فقد نادى سارتر اننا يتوجب علينا مغادرة (انا افكر)، وطلب هوسرل بقصدية كموضوع مفكر به، واخيرا هيدجر الذي نادى بان لا وجود لذات من غير ديناميكية فاعلة تمتاز بها. بل واضاف باكثر وضوحا انه لا وجود لذات بلا عالم، والانا لا تحقق وجودها منعزلة لانها اولا واخيرا هي وجود – في – عالم.

ملحق: اعجاز الدماغ بالتفكير

كنت ذكرت في سطور سابقة من هذا المقال ان عمل الدماغ في فهم الوجود وتخليقه ثانية له لا يتم على وفق عشوائية اعتباطية، ولتوضيح ذلك في هذه الاسطر نهاية المقال هنا اردت جعله ملحقا منفصلا لوحده.

من البديهيات العلمية في علم الفسلجة، علم دراسة الوظائف العضوية لدى الكائن الحي، الانسان على وجه التحديد في الطب البشري، هو استحالة تفكير الانسان في صورتي حدثين اثنين في وقت واحد، في لحظة واحدة، في ومضة واحدة، يمكن لأي انسان اجراء التجربة على نفسه سيجد انه يفشل حتما.

مجموع الافكار الادراكية الصورية او الحسّية او الحدسّية الواصلة الى الدماغ عن طريق الحواس الخمسة في الجهاز العصبي والراجعة منه الصادرة عنه كردود افعال انعكاسية، لا يتعامل الدماغ معها بعشوائية غير منظّمة ولا من غير تراتيبية في الاسبقية. بل يعمل الدماغ والجهاز العصبي مع الافكار الواردة له من الحواس في انتقائية وفي تراتيبية معقدة النظام، هي خاصية الانسان الذكي في تعالق وظيفتي المحسوسات او المدركات مع وظائف الشبكة العنكبوتية للاعصاب الناقلة للاحساسات بالاشياء، في الاستقبال الوارد له، والراجعة الصادرة منه الى الواقع في وجود الاشياء والفكر المعّبر عنها في ظاهرياتها وفي جواهرها.

الاستجابة الادراكية الحسية التي هي رد فعل الجهاز العصبي الارادي او غير الارادي المستقبل منه او الراجع المتصل بالدماغ بما تنقله اليه الحواس الخمسة، ويمكننا اضافة حاسة سادسة هي حاسة الحدس او التنبؤ والتخاطر .

فالذي يرد الدماغ عن طريق الحواس من مدركات ينقلها الجهاز العصبي في تيار فائق السرعة غير المنظورة ولا المتوقعة من المحسوسات في العالم الخارجي الى العقلي المدرك في سطح القشرة الدماغية التي تحتوي على ملايين الخلايا العصبية،.

لترسل بعدها بعض هذه الخلايا العصبية في الدماغ والجهاز العصبي ردود الافعال المناسبة لما يتوجب على الانسان معرفته او القيام به، وتكون ردود الافعال كاستجابة لايعازات الدماغ في ومضة زمنية لايتعدى الجزء الالف من الثانية.( اجهل تحديد زمن الومضة الانتقالية من الدماغ بواسطة الجهاز العصبي علميا بضوء معرفتي سرعة انتقال الضوء المقدّرة علميا افتراضيا هي ثلاثمائة الف كيلو متر /ثانية).

ماهو مهم عدم أستطاعة الدماغ أعطاء ردود الافعال الانعكاسية سواءا منها الإرادية او اللاإرادية لحدثين اثنين في ومضة كهرومغناطيسية او ومضة واحدة في جزء جزء جزء من الثانية الواحدة يستلمها الدماغ بواسطة الجهاز العصبي وينقلها الى احساسات الانسان ثانية، ومن الثابت علميا وطبيا ان جميع الاستجابات الانعكاسية الصادرة عن الدماغ تجاه الحواس لا تنطلق من (فص) مخّي واحد موجود في قشرة الدماغ الامامية. الذي يحتوي ملايين الخلايا العصبية المسؤولة عما يرده ويصله عن طريق الحواس. مع هذا ليس بمقدور (المخ) ان يرسل ايعازين اثنين في لحظة واحدة او ومضة واحدة، بمعنى ان الدماغ وتحديدا المخ والجهاز العصبي المرتبط به ينشغل بالاستجابة لردود افعال الحواس تباعا تراتيبيا تجاه المحسوسات ووجود الاشياء التي سبق للدماغ وان ادركها عن طريق نقل الحواس الموصلة للمدركات الحسّية الى الدماغ واعادة ردود الافعال الصادرة عنه بشأنها.

مثال ذلك حين يجرّب احدنا وضع يده في ماء مغلي حار جدا. ويستخدم في نفس اللحظة اليد الاخرى في وضع شيء ما بفمه ليتذوقه نجد ان الدماغ يعجز عن اعطاء استجابتي ردي فعلين انعكاسيين للاثنين معاً في ومضة واحدة بل يجب ان يكون لاحدهما في رد الفعل الانعكاسي الصادر عن الدماغ والجهاز العصبي أسبقية تراتيبية زمنية على رد فعل الدماغ بالنسبة لرد الفعل على الآخر الثانوي المدرك حتى لو كان الفارق بين الاستجابتين لايتجاوز جزءاً من الف من الثانية، وحتى لو كانت ردود الافعال الصادرة عن الدماغ من نوع ردود الافعال الانعكاسية اللاإرادية.

ومثال آخر حين تسمع اغنية من المسجّل بجانبك وانت تقرأ في صحيفة او كتاب عندها يستحيل على الفكر الذهني المتلقي في الدماغ فهم مفردات الاغنية واستيعاب معانيها في نفس لحظة تصفّحك الصحيفة ومحاولتك فهم ما تقرأ.

الشيء المعجز ليس فقط ان هذه العمليات العصبية التي تجري ما بين الحواس والجهاز العصبي الناقل ادراكات الاشياء استرجاعيا تناوبيا الى الدماغ مع فعل الادراك للشيء او تصوره في الذهن، انها تجري هذه العملية في اقل من جزء جزء جزء من الثانية، وربما باسرع من سرعة الضوء. وانما (الاعجاز) الاهم هو في اختيار الدماغ لأسبقية ردود الافعال الواردة اليه عن طريق الحواس في النوعية والاهمية التي تقي الانسان من المخاطر واعادتها للانسان المدرك في حدثين وضع اليد بالماء المغلي والاخرى وضع شيء بالفم لتذوقه.وهكذا في تعامل الحواس والمخ مع آلاف الادراكات الحسية الواردة له، وايعازات الدماغ الاجابة الدقيقة المطلوبة منه عليها.

ولو اننا عدنا للمثل الذي اوردناه في ايّهما افضل في اسبقية الاستجابة الدماغية في الرد الانعكاسي عليه!؟ سحب اليد من الماء المغلي ام فحص حاسة التذوق للشيء الذي وضع بالفم!؟ نجد ان ايعاز الدماغ بضرورة سحب اليد من الماء المغلي يسبق ايعاز الدماغ في اعطاء الاستجابة لنوعية تذوق الشيء باللسان .

في هذا المثال التجريبي نلاحظ تأكيد الدماغ على نوعية واهمية الاستجابة الانعكاسية اللاارادية لعدد من المدركات الحسية المنقولة له بواسطة الجهاز العصبي عن مصدر الحواس وترتيب الدماغ لنوعيتها واهميتها.

في اسبقية الاستجابة يكمن فيها لغز تفضيلي اعجازي في وقاية الانسان من المخاطر وتجنبّها، ليس سهلا على العلم الطبي تفسيره وعلم دراسة فسلجة الدماغ و الجملة العصبية تحديدا الاجابة عليه على قدر فهمي اذ ربما العلم وصل الى تعليل كل هذه الامور التي اتحدث عنها كاعجازات للعقل والجهاز العصبي المرتبط به وهي كذلك برأيي في مقدرة علم الدماغ وفسلجة وظائف الجهاز العصبي تفسيرها ام لا !!.

الاعجاز التفضيلي في الاستجابات الانعكاسية للايعازات الصادرة عن الدماغ الارادية منها او غير الارادية تتوخى وقاية الانسان وسلامته من الخطر الذي قد يسببه وضع اليد في الماء المغلي وتأخر سحبها، مع ارجاء بقية ردود الافعال الانعكاسية الثانوية التأثير على سلامة الانسان ووقايته من الخطر اذا ما تلازم حضورها مترافقا مع الافعال المحدّقة الخطر بالانسان.

 

الباحث الفلسفي: علي محمد اليوسف - الموصل

..........................

ملاحظة:

- الملحق غير ماخوذ عن مصدر مطلقا ولا بكلمة واحدة آملا التصحيح بما اخطأت به علميا، ولا يمثّل هذا التوضيح اكثر من اجتهاد لكاتب المقال فقط. (الباحث علي محمد اليوسف /الموصل)