علي محمد اليوسفتعريف اولي: ربما يحمل عنوان المقالة تحاملا على فيلسوف كبير ذائع الصيت مثل شوبنهاور.. ومصادرة آرائه الفلسفية العبقرية التي لا أجد فيها تلك العبقرية التي تجانس وتوافق الترويج الكبيرلها، وأستطيع القول أن لشوبنهور شذرات وآراء فلسفية أكثر رصانة ومقبولية الاشادة بها موزّعة في مؤلفات أخرى له غير كتابه المرجع الشهير (الحياة أرادة وتمّثل) الذي نعتمده في هذه المقالة، وأتوقع يشاطرني القاريء الرأي مع ما أذهب له، بعد عرضي أنشائيات شوبنهاور في هذه المقالة حول مفهومه الفلسفي عن العبقري، التي أراد تسويقها بأسم التفلسف في كتابه المشار له..

ولم أجد في آراء شوبنهاور ذلك العمق الفلسفي في طرح أفكاره أو محاولته وضع تفسيرات مضافة لم يسبقه اليها أحد كتجديد يحسب له، في كتابه الأهم الوحيد والمرجع لفلسفة شوبنهاور (الحياة أرادة وتمّثل) الذي أستمات شوبنهاورفيه تسويق نفسه عبقريا في كبرياء دعيّة أنحدرت به الى سلوك عدائي مفضوح ومخجل مع هيجل، بما لا يليق برجل فكر يدّعي التفلسف، في تصنيعه معركة معاداة غير متكافئة مع هيجل ليفشل فشلا ذريعا، وخسارته فيها قبل أن تبدأ، وينسحب الى عزلة فرضها على نفسه متبجّحا بعبقرية ينسبها لنفسه في مجتمع لا يفهم العباقرة على حد أدعائه المقتبس عن غيره في كلمة حق يراد بها باطل كما في مقولة الامام علي بن ابي طالب في ردّه على خوارج زمانه..

عقدة شوبنهاور مع أمّه

فلسفة شوبنهاور في كتابه الذي أشرنا له وهو عماد شهرته به في وقت متأخر بعد صدوره البائس في طبعته الاولى وفشله الذريع بأعتراف شوبنهاور نفسه، حيث قوبل الكتاب بمقاطعة وأستهانة وتنّدر من النخب الفكرية في المانيا عصر ذاك لما أتسم به الكتاب من مضمون أنشائي سطحي أخذ لاحقا أكثر مما يستحق في رد الاعتبار له قبل وفاة مؤلفه.. معظم صفحات الكتاب التي نعرض بعضها في هذه المقالة هي تدبيج سطحي لكاتب وجدته أمّه كاتبا فاشلا أراد أن يفرض نفسه فيلسوفا أمام أمّه من غير كفاءة ولا أهلية كما سيتضّح معنا، في تلبّسه جنون العظمة الفارغة أنه سيثبت لأمّه وحيد زمانه ويجعلها تندم على أنكارها عبقريته.. عقدة شعور شوبنهاور بالنقص مصدرها أمه الروائية المرموقة، والتي كانت مغرمة بالاختلاط مع النخب الثقافية والادبية، أضافة الى تمتعها بشخصية قوية صلبة على مستوى ممارسة حياتها بما ترغبه وتريد حتى على صعيد الحرية والاستقلالية الجنسية وغيرها من صفات تمتلكها ولا يجاريها فيها الابن، جعلته يعيش أحساسا بالنقص والدونية أمامها، وعدم أستطاعته فرض وصايته عليها ليس في صيانته الشرف الرفيع من الاذى في منعه الحرية والاستقلالية الجنسية لأمه في معاشرة من ترغب وتريد، وأنما في غيرته الشديدة من أمّه الروائية الناجحة على صعيد الابداع الفكري وقوة شخصيتها في عدم رغبتها الانصياع لابنها يرسم لها حياتها بعد وفاة زوجها والد شوبنهور.. ليكون الفراق بينهما قطعيا لمدة اربعة وثلاثين عاما أنتهت بوفاة شوبنهاور وحيدا  بجوار كلبه في أحد الفنادق المقيم دائميا فيه...

صورة الام في كره شوبنهاور للمرأة

نجد في هجوم شوبنهاور على المرأة أسقاطا لاشعوريا في صورة حقده على أمه الذي يعتمل في دواخل نفسيته المريضة ردا على وصف أمّه له أنه فاشل متهّور، ليثأرلكرامته من أمّه في وصف نفسه بالعبقري أمام المرأة – والدته -  التي يكون الجنس عندها هو محرك وجودها الهامشي بالحياة على حد تعبيره الفلسفي في حين تكون حياة العبقري ويقصد نفسه مليئة بالابداع المثمر على صعيد الفكر تحديدا.. وفي هذا نلمس مقارنته لوالدته الروائية المعروفة، في مقابل الابن الخالي الوفاض من أية دالة أبداعية ثقافية يباهي ويجاري بها والدته أو يتفوق عليها قبل تسويق كتابه وردّ ألاعتبار له بعدما صار كتابه لدى النخبة الثقافية مادة للسخرية في باديء الأمر كما ذكرنا سابقا ..

يلاحظ من خلال أفكار شوبنهور المتناثرة في كتابه عن الحياة أرادة وتمّثل تداعيات اللاشعورالنفسي القهري الكبتي عنده على شكل أفكار استعراضية متشنّجة يتوخى فيها حكمة الفيلسوف في وصف نفسه بالعبقري الذي هجرته أمّه الروائية الفاشلة، في تعمية بائسة عدوانية وأسقاط قهري في الرد على فشله من خلال أبتداعه مناظرة من جانب واحد يمّثلها هو وحده يكون فيها القاضي الذي يصدر أحكامه بحرية تامة بحق والدته المتهمة أمامه التي تفتقد من يمّثلها في الدفاع عن نفسها، التي لم تعره أهتمامها طيلة أكثر من ثلاثين عاما مدة هجرها القطعي له، فالمرأة عنده هي رمز ألأم المعادي لها، وتمّثل حسب رأيه التناسل الذي هو أنحطاط في أخضاعه العقل لأرادة الحياة عند المرأة الذي يأنفه العبقري ويتمرد عليه ويرفضه، فهو سمة وضيعة لا تتناسب وحياة العبقري ورسالته بالحياة في فلسفة شوبنهور..

كان شوبنهاور في حقيقة دواخله يعيش آلامه النفسية القهرية في فرض وتغليب ألأم والدته رأيها وأرادتها عليه قسرا في أختيارها الحياة التي ترغبها من خلال الانفلات المتحرر من ضوابط منع وفيتو الابن شوبنهور في تحقيق رغائبها من ضمنها حقّها  أشباع غريزة الجنس كما يفعل الرجال بحرية بعد وفاة زوجها.. فهو يرجّح أن يكون هناك أحتمال أمتلاك  بعض النساء – يقصد أمّه لا غيرها من النساء -  موهبة عظيمة لكنها لا تتمكن مجاراته في العبقرية.. ويصف عقدة العداوة بين العبقري والمرأة في أسقاطه عقدته المستمّدة من تجربته مع أمّه التي رأت فيه أفلاسه الفكري رغم تبجحه الفارغ قوله (العداوة بين العبقري والمرأة،، أنها لا تبلغ المرأة الموهوبة بالذات – يقصد أمّه الروائية – مرتبة العبقرية الخاصة به هو – لأن النساء ذاتيات ينظرن الى تحقيق مصالحهن الشخصية فقط، أما العبقرية فهي النظرة اللاشخصية السامية المجرّدة من المصلحة الشخصية تماما)1. من الملاحظ بوضوح غيرة شوبنهاورالقاتلة وغيظه الشديد من أمّه التي حققت لمدة أكثر من ثلاثين عاما على أنفصالها عنه وهجرها له، النجاح الروائي من جهة، والاستقلالية في الحياة كما ترغب أن تعيشها هي وليس كما أراد أبنها فرضها عليها وفشل..

ويمضي شوبنهور في مواعظه الانشائية (العبقرية هي القوة التي يتمكن منها الفرد من نبذ مصالحه الشخصية ورغباته وأغراضها وأبعادها تماما عن بصره، والقوة التي يستطيع بها أنكارشخصيته أنكارا تاما مدة من الوقت ليبقى العبقري معرفة خالصة وبصيرة واضحة بالعالم) 2،.. هل هذه معايير العبقرية على لسان فيلسوف لم يسبقه بها غيره بأفضل منها في التعبير اللغوي والفلسفة؟؟، أم هي تداعيات نفسية مكبوتة في لاشعور أنسان مريض لا يجد الكلمات التي تعيد له أعتباره في حكم أمّه عليه أنه فاشل لا يمتلك موهبة عبقرية كما يتوّهم..

وسّر العبقرية كما يرى فيلسوفنا شوبنهور(يكمن في أدراك العبقري الحقيقة الموضوعية والجوهرية العامة أدراكا واضحا وعادلا)3 ولتبرير مأزقه النفسي، يذهب الى أن الافكار الذاتية والشخصية في العبقري، تجعله غريبا في هذا العالم الذي تسوده المنافع والمصالح الذاتية والرغبات الانانية والدوافع الشخصية، لذلك نجد العبقري والكلام لشوبنهاور يمتد بصره الى الامور البعيدة ورؤيته لها، ولا يلتفت الى الاشياء القريبة فلا يراها......

هل هذه أفكار فيلسوف تعدّى مرحلة الدراسة الثانوية، ولم يسبقه أحد بها؟؟ العبارات العبقرية لشوبنهور هذه كانت أشبعت من التناول والتداول على صعيدي الادب وعلم النفس قبل الفلسفة بقرون طويلة عديدة على تضمين شوبنهاور لها وتسويقها في كتابه الفلسفي...

ويمضي شوبنهور في كتابة خواطره ووصفه العبقري في معركته العدائية مع أمّه (العبقري هو ذلك الشخص الشاذ شارد الذهن، وقد يتجه ببصره الى السماء يتأمل النجوم، فيقع في حفرة أثناء سيره وأنشغاله بالتفكير، وهذا السبب في أنزوائه وأعتزاله الناس) 4، هل هذه فلسفة ونحن لا نقر بعبقريتها أم هي هذاءات من يضحك العالم بها عليه وهو لا يعلم في حمى وصف عبقريته في سقوطه بالحفر وتحديقه المتأمل بالسماء...

ونمضي مع شوبنهاور في أسقاطه حالته النفسية المريضة على رغبته التفلسف بلا رأسمال معرفي فلسفي يعتمده في تغطية وتسويق أفكاره الانشائية السطحية الفارغة قائلا (العبقري مشغول عن الناس بالتفكير في أصل الاشياء المؤقتة الخاصة السريعة ..فليس بين عقله وعقلهم صلة مشتركة ولن يتقابلا أبدا،- واضح هنا علاقة مقارنته عبقريته مع أمّه -  والعبقري له ما يعوّضه عن هذا الانطواء على ذاته ووحدته وعزلته – يخاطب في تعمية أسقاطية أمّه في تقريره عن العبقري الذي هو شوبنهور ولا عبقري مقصود غيره – فهو أي شوبنهور العبقري، ليس بحاجة الى رفيق أو زميل، فسعادة العبقري يستمدها من الجمال على أختلاف صوره، والسلوى التي يقدمها له الفن وحماس الفنان الذي يتصف به العبقري تمكنه من نسيان مشاغل الحياة وتعوّضه عن الألم الذي يزداد في الانسان بنسبة وضوح أدراكه ووحدته الموحشة بين جنس البشر الذين يختلف عنهم تمام الأختلاف) 5 هل قرأ أحدكم فلسفة بهذا الافلاس؟؟ هل تقرير شوبنهاور التّظلمي لأستعطاف أمّه يدل على غير كتابة أنشائية تقريرية لم يسبقه أليها أحد؟؟ ألم تكن أمّه محّقة في وصفها أبنها فيلسوف التشاؤم بالفاشل؟؟

يتأسّى صاحبنا شوبنهور بقول ارسطو (أن الممتازين من الرجال في الفلسفة والسياسة والشعر والفن – وليس من النساء – كلهم جميعا من ذوي المزاج المكتئب والجنون الساكت) هذا النموذج التوصيفي الصحيح لارسطو في معرفة سايكلوجية المبدع وحساسيته المرضية المفرطة، لا تنطبق على شوبنهور كما يريد تسويق نفسه كفيلسوف وحيد زمانه وهو أعزل عن أمتلاكه تفكيرا فلسفيا له قيمة، ويحاول صاحبنا تأكيد فهمه السطحي الكلاسيكي في صفات العبقري في تقريره غير المستلم من أمّه (أن العبقري – يقصد هو نفسه - يمتلك حساسية متطرفة التي تسبب له أملا أضافة الى الخيال والوجدان وقوة الادراك بالاضافة الى العزلة والانصراف عن الحياة) 6 ..

كم عبقريا غير شوبنهاور تنطبق عليه هذه المواصفات التي أشبعت تداولا منذ عصر الاغريق قبل الميلاد والى يومنا هذا لعل مثالها عبارة ارسطو السابقة التي سبقت فلسفة شوبنهاور بمئات القرون أن لم يكن أزيد، وهي آراء أستنفدت نفسها في علم النفس والادب وليس في مباحث الفلسفة المعروفة.. ومن حقنا التساؤل كم عبقريا تنطبق عليه مواصفات ارسطو من أكتئاب نفسي وأغتراب مجتمعي وعصاب ذهني وجنون ولم يتاجروا بأزماتهم القاتلة بالحياة كما فعل شوبنهاور، أولئك كانوا أصحاب المواهب العبقرية الحقّة الوقّادة المشتعلة من الذين طوتهم المقابر بين منتحر ونزيل مستشفى امراض عقلية مزمن، أو سجين وراء القضبان، وأندثرت معهم عبقريتهم في غياهب الاهمال والموت ليأتي دور شوبنهور المتأخر الاعتياش على هذا الارث وينسب لنفسه عبقرية فلسفية هو لا يمتلكها سوّقها له مجتمع منافق لا يزال يعيش نفس الرذيلة في أعلاء شأن هذا ممن لا يمتلك موهبة حقيقية دون ذاك من أصحاب المواهب العبقرية الفذة، في ممارسة خيانة الضمير الأخلاقي غير النزيه في قلب موازين الحياة بازدواجية خبيثة لا زالت فاعلة بالحياة، بما ألحق أفدح الاضرار بمسيرة الانسان القيمية والاخلاقية والحضارية...

 

علي محمد اليوسف / الموصل

.........................

الهوامش:

1- ويل ديورانت /قصة الفلسفة / العبقري ص 428

2- نفس المصدر السابق ص 430

3- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

4- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

5- المصدر السابق ص 431

6- المصدر السابق ص 432

 

 

 

علي رسول الربيعيالبدء بالحقوق: بعد عامين من نشر جون رولز نظريته عن العدالة، قام أكاديمي آخر بجامعة هارفارد، هو روبرت نوزك (I938-2002)، بأصدار كتاب " الفوضى والدولة ويوتوبيا" (1974) تبنى فيه وجهة نظر مختلفة تمامًا حول العدالة عن نظرية راولز.

 ينطلق نوزك في حجته من وجهة النظر الكانطية القائلة: يجب أن يُعامل الناس كغايات في حد ذاتها دائمًا وليس كوسيلة لتحقيق الغايات. فبينما كانت تشير فكرة رولز للعدالة كأنصاف إلى أنه من الصواب إعادة توزيع الثروة من أجل فائدة الأقل حظاً في المجتمع، شعر نوزك بالقلق فقام بالدفاع عن فكرة حقوق كل شخص، بما في ذلك الحق في حيازة الممتلكات.

وقال إنه حتى لو حصل الجميع على حصة متساوية من البضائعنفأنه حالما يبدأون في التداول التجاري ينتهي البعض بأكثر حصص من الآخرين. لقد اكتسب الناس ما يطلق عليه "مقتنيات" وهم أحرار في تداولها كما يحلو لهم، لكن يعتمد هذا التداول على القبول و الموافقة. إنه يعترض على أي محاولة لتقويض هذا الحق الأساسي في الملكية، وينظر إلى الضرائب لغرض إعادة التوزيع كشكل من أشكال العبودية – لأنها تنتهك حقوق وممتلكات الأفراد (مما يجعلهمن في الواقعن "وسيلة" الى غاية وضعت سياسيا لمجتمع عادل). وبالتالين فإن مهمة الدولة هي ببساطة حماية الأفراد وممتلكاتهم. إن ما يفعلونه بأنفسهم وممتلكاتهم يعود لهمن وليس للدولة.

هذا هو موقف الليبرالية الجديدة الأساس، وكان نوزك قد حاول أن يخفف من آرائه في الأعمال اللاحقة، الاً أنه ظل يحاجج بقوة في الدفاع عن تلك الحقوق، وأنه لا ينبغي التفاوض على حقوق الأفراد أو مشاركتها على أساس النفعية، و الشرط الأساس أن تمكون محمية.

يرى رونالد دوركين لاسيما في كتابة " أخذ الحقوق على محمل الجد"، 1977 (وقد ترجم الى العربية مؤخرا) أن الحق يجب ألا يكون شيئًا لا يمكن أن يمارسه أي شخص إلا إذا كان ذلك يأتي لمصلحة الجميعن أو مبررًا على أساس النفعيةن أنه شيء يمكن المطالبة به حتى في أصعب الظروف.

قد تُعتبر I97os الأكثر إثارة أو إبداعًا لعقود من الزمن في الفلسفة السياسية. لاحظ تواريخ المنشورات الهامة:

 - Rawlsن I972 .؛ Nozickن I974 ؛ Dworkinن I977 ؛ Finnisن I979

الأعتراف

 أشار أشعيا برلين إلى أن الشعور بالأعتراف مهم عندما يتعلق الأمر بالفرد داخل المجتمع. يحتاج الناس إلى الشعور بأن تؤخذ آرائهم بعين الاعتبار. ويطالب الناس بالحقوق، في بعض الأحيانن ليس لأنهم يريدون ممارسة هذه الحقوق على الفور، أو لأنهم مُنعوا من فعل شيء يريدون القيام به، ولكن لأنهم يشعرون أن تلك الحقوق تعبير عن أعتراف بمكانتهم داخل المجتمع. لذلك من المحتمل أن يتعزز الاستقرار واحترام القانون في موقف يتم فيه الاعتراف بسلطة الحكم أو سن القانون من قبل الناس، بدلاً من فرضه عليهم. لذا فإن السؤال الرئيسي هو كيف ينشئ الناس السلطة السياسية ويبررونها.

السلطة السياسية

رأى هوبز بوضوح، في ليفياثان (r65I)نأن الخطر هو حالة غياب القانون. فبدون الأمن، لن يكون هناك مجال للتجارة أو النشاط التعاوني، وستنزل الحياة إلى حالة من الفوضى وينتهي بها الأمر إلى حياة " أنعزال، فقر، سيئة، وحشية وقصيرة". لذلك أراد من الناس أن يقبلوا سلطة الحاكمن وأن يلتزموا بقبول تلك السلطة حتى لو لم يكن لهم دور في تشكيلها.

  أن موقف هوبز هذا يتطلب منا أن نضع وجهات نظره في سياق الحرب الأهلية الإنجليزية. حيث تم قطع رأس الملك الذي ادعى الحق الإلهي في الحكم خلال هذه الفترة، وتم إنشاء الكومنولث فقط ليحل محله نظام ملكي أعيد بناؤه، كان المجتمع مهددًا بالتغيير و وتحيط به الشك تجاه مايجري، حيث كانت تسفك الدماء نتيجة الصدام القوي بين وجهات النظر حول طبيعة السلطة. أصر هوبز على حكومة قوية. لكن آخرين، بما في ذلك جون لوك، أرادوا ضمان سيطرة الناس على الحكومة، بدلاً من فرض حكومة غير قابلة للتحدي عليهم.

اعتقد هوبز أنه بمجرد إنشاء حكومة يقودها شخص واحد يجب على الجميع قبول سلطة ذلك الحاكم. وبدون ذلك لا يمكن ضمان الأمن. يجب على الجميع التخلي عن إرادتهم الفردية بشرط أن يتخلى جميع الآخرين عن إرادتهم أيضًا، وبالتالي فإنهم جميعًا متساوون في الثقة في الحكومة التي تم تشكيلها. ومع ذلك، كان لدى هوبز فقرة واحدة تبرر الخروج على الحاكم ورفضن قبول سلطته وهي الحالة التي تكون  فيها حياة المرء مهددة، وهذا يعتبر "حق" أساسي وحاسم.

على النقيض من ذلك، قدم لوك مبدأ أن الحكومة يجب أن تخضع للمساءلة من قبل الشعب. وأن يستخم الناس الحكومة بوصفها وكيل لسلطتهم الخاصة. اي تفعل الحكومة مايرده الناس؛ وإذا لم يكن كذلك، يستبدلونها.

أوضح إعلان الاستقلال الأمريكي (وفقًا للمبادئ التي حددها لوك) أن الحكومة تستمد سلطاتها العادلة من موافقة المحكومين، وأن للناس الحق في تغيير تلك الحكومة وتشكيل حكومة أخرى. كان هذا هو الهدف من الإعلانن لأن المستعمرات السابقة كانت تشكو من الحكم البريطاني قبل أن تنفصل عنه لاحقاً.

وبالطبعن فإن مقاربة لوك للوكالة تجاه الحكومة أصبحت هي القاعدة لتبرير الديمقراطيات.

يعتمد الحكم الرشيد في أي نظام سياسي على قبول السلطة. يتطلب النظام الديمقراطي بوصفه حكما رشيدا، أن يتم الوثوق بالممثلين لتنفيذ إرادة من يمثلونهم. وتتطلب السلطة السياسية الحقيقية موافقة الشعب، وتلك الأنظمة التي تبقى في السلطة فقط بالقوة تكون بطبيعتها عرضة للإسقاط.

إن الأسئلة الرئيسية هنا هي :

- هل يجب أن يكون الناس قادرين على التصويت مرة واحدة كل بضع سنوات في الانتخابات العامة؟

- هل يجب أن يكونوا قادرين على صرف واستبدال ممثليهم المختارين؟

- ما مدى مساءلة السلطة التنفيذية للممثلين المنتخبين، وكم مرة يكون هؤلاء الممثلون مسؤولين أمام الأشخاص الذين انتخبوهم؟

 طبقاً لراي جون لوك، يتعين على كل فرد قبول قرار الأغلبية، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة للحصول على عمل موحد، ويمنح الناس الحكومة سلطة التصرف نيابة عنهم. وبالطريقة نفسها، يتفق الناس، من خلال عقد اجتماعي، يؤكد على حق الحكومة في بعض الأجراءات. ولكن مرة أخرى، هناك حد لذلك. يرى لوك أنه لا ينبغي إلزام المرء بقبول أي موقف يكون فيه تهديد مباشر لحياته أو ممتلكاته- وهو نفس الشرط الذي أكد عليه هوبز.

ولكن تبرز هنا مشكلة الأً وهي: كيف يمكن أن يكون المجتمع مستقراً إذا كان للأفراد الحق في رفض الحكام الذين يختارونهم في كل مرة يتعرض فيها موقفهم الخاص للتهديد من خلال إجراء يتخذ نيابة عن الأغلبية؟

يمكنك تعيين شخص ما للعمل نيابة عنك. إذا كان هذا الشخص محاسبًا أو محامًان فلن تستخدمه إلا بقدر ما يضع رغباتك الخاصة موضع التنفيذ. بينما في السياسة، يتم تعيين الوكيل أو الممثل لصالح الأغلبية؛ لذلك سيكون هناك دائمًا أقلية تخضع لحكومة لا تعكس رغباتها.

وستكون هناك دائمًا مواقف ايضاً، حتى في ظل الديمقراطية، حيث يتم فرض القوانين أو قيود الحرية على الناس ضد إرادتهم، ذلك لأن الأغلبية قد وافقت على أن هذا أو ذاك السياسي أو الحكومة سوف تتصرف نيابة عنها.

بالطبع، إن مشكلة التعامل مع الأقليات هي نقطة ضعف النهج النفعي أو الفلسفة النفعية في الحياة السياسية. يجب أن يكون هناك بعض الاتفاق على العدالة أو الحقوق الأساسية التي لا تعتمد على تقييم ومبدأ الفلسفة النفعية أكبر فائدة لأكبر عدد - وإلا فإن الأقليات تخسر في كل مرة.

ولكن في أي نقطة يجب أن تمرد ضد حكومة أو قانون معين؟ بالنسبة لهوبز، هذه هي النقطة التي تهدد بها حياتك. أما بالنسبة الى لوك فيمتد هذا التهديد إلى ممتلكاتك. يمكن القول أيضًا أنه في ظل الديمقراطيةن حيث يمكن للرأي العام تغيير الحكومةن تسمح حقوق حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات للناس بالتظاهر وإبداء اعتراضاتهم. وبالتالين كلما زادت الحقوق التي يمكن أن يمارسها الناسن أصبح من الممكن لهم المشاركة في العملية السياسية والتأثير عليها.

فوضى سياسية

البديل المنطقي لقبول السلطة السياسية هي الفوضوية( الأناركية ANARCHY) – أنها الرأي القائل بأن يجب أن يتمتع كل فرد يجب بالأستقلالية والحكم الذاتي، وأنه من الخطأ وغير الضروري إنشاء سلطة خارجية للسيطرة على الأفراد في المجتمع. بمعنى آخر، الفوضى هي الرأي القائل بأنه ينبغي ترك الناس ينظمون حياتهم بطرقهم الخاصة.

أن الفوضى يمكن أن تعمل داخل مجتمعات صغيرة، حيث يعرف الناس بعضهم البعض، لأنه يمكن عقد اتفاقات غير رسمية بين الأعضاء من أجل تنظيم كيفية إنجاز الأمور. إن العقوبة الوحيدة للشخص الذي لا يتلاءم مع تلك الاتفاقات غير الرسمية ستكون الاستبعاد من المجتمع أو،على الأقل، رفض أعضاء المجتمع له ونبذه. تعمل منظمات الفوضوين، التي تربط العلاقات بين أعضاء المجتمع من أسفل إلى أعلى، بدلاً من السلطة السياسية المعتادة التي تفرض من قبل حكومة قائمة بالفعل.

لذلك، يمكن رؤية الفوضى بجوانب إيجابية أو سلبية. تنطلق الايجابية من الرأي القائل بان يترك للناس حرية استعمال وسائلهم الخاصة والتي يكونون قادرين من خلالها على التعاون مع بعضهم البعض والحصول على الدعم المتبادل، دون الحاجة إلى قواعد مفروضة. أما السلبي فيمكن وصفه بالموقف الذي يكون فيه الجميع، من دون قواعد، وهذه الفوضى هي الحالة نفسها التي أراد هوبز تجنبها.

الفوضية ليست مجرد مصطلح آخر للفوضى، إنها رؤية جادة وتستحق النقاش. يوافق الجميع تقريبًا على قدر من الفوضوية.

 

الدّكتور علي رسول الرّبيعي

 

الكاتب: جون ارمتاج*

ترجمة: د. هناء خليف غني

يُعد بول فيرليو أحد أبرز المنظرين الثقافيين في عالم اليوم1،اذ تتحدث الاوساط الاكاديمية والثقافية بأستمرار عنه بوصفه مخترع جملة من المفاهيم منها ’علم السرعة‘ و’جماليات التلاشي‘ و’الحرب الخالصة‘ و"السرعوقراطية"، واعلانه أن منطق التعجيل  يقع في قلب تنظيم المجتمع المعاصر وتحولاته المتواصلة، ومع ذلك، لم يحظ فيرليو بالتقدير المناسب ويسيء العديد من المنظرين الثقافيين ما بعد الحداثيين فهم فِكره. في هذه المقالة، ورغبة مني بإثراء الاعمال الرائدة لأرثر وماريلوس كروكر، محررا مجلة سي ثيري الالكترونية المعنية بشؤون الفكر المعاصر،  سأحاول تقييم المنجز الفكري لفيريلو ومكانته على خارطة الفكر المعاصر باقتراحي وجوده خارج النطاق المصطلحاتي لما بعد الحداثة فضلاً عن توكيد موقعه بوصفه أحد الحلقات الأساسية في السجال المتواصل بشأن النظرية "الهايبرحداثية." وابتغاء فعل ذلك، سأستهل المقال بنبذة موجزة عن حياة فيرليو والسياق النظري لأعماله قبل الشروع في الحديث عن دوره في تطوير النظرية الثقافية المعاصرة. في الأجزاء اللاحقة من المقال، سأحاول تسليط الضوء على نظريته الهايبرحداثية  مع تقييم موجز للسجالات التي اثارتها أعماله وافكاره لتكون الاستنتاجات خاتمة المقال.

العالم على وفق منظور بول فيرليو: ولد فيرليو في باريس في 1932 لأم بريتونية (منطقة في غرب فرنسا) واب ايطالي شيوعي لاجئ.، رُحل فيريلو في 1939 الى ميناء نانت حيث اذهلته المذابح التي قام بها هتلر ابان الحرب العالمية الثانية، وبعد مدة تدريب في مدرسة الحرف الفنية في باريس، عمل فيرليو (زجاجاً) في الزجاج المصقول وعمل الى جانب الرسام ماتيس في تشييد الكنائس في العاصمة الفرنسية. في 1950، تحول الى المسيحية بصحبة "القساوسة العمال"، وبعد عمله جندياً في الجيش الكولونيالي في أثناء حرب الاستقلال الجزائرية (1954-1962)، درس فيرليو الظاهراتية مع ميرليو-بونتي في السوربون، ولأفتتانه بالمظاهر العسكرية والمكانية والتنظيمية في المجال الحضري، بدأت الكتابات المبكرة لفيرليو بالظهور ولفت الانتباه منها (مبادئ الفن المعماري) (فيرليو وبارنت، 1966)، وهي المجموعة والمجلة التي أصدرها بالاسم ذاته مع المهندس المعماري كلود بارنت في 1963. وعلى الرغم من كتابة فيرليو العديد من المقالات القصيرة والتخطيطات المعمارية في الستينيات، إلا أن منجزه الأهم في هذه المرحلة تمثل في الدراسة الفلسفية والفوتغرافية لمعمارية الحرب المعنونة (اركيولوجيا الخندق) (1994). ولأنه ناحت مفاهيم مثل ’المجال العسكري‘ و ’علم السرعة‘ و ’جماليات التلاشي أو الاختفاء‘، نلحظ أن نظرياته الثقافية المثيرة للجدل والمتجذرة في الظاهراتية تنهل من كتابات هوسرل وهيدغر والأهم ميرلو-بونتي2 . بعد مشاركة فيرليو الفاعلة في احداث ايار 1968 في باريس، رشحه طلاب المدرسة المعمارية الخاصة استاذاً لهم، ولم يمض وقت طويل حتى اشترك مع جاك دريدا واخرين في تأسيس الكلية الدولية للفلسفة. ولأنه لم يتخذ الهندسة المعمارية حرفة له، لم يشعر فيرليو  يوماً أنه مضطر الى حصر اشتغالاته بالفنون المكانية، وعلى غرار زملائه الفلاسفة،  ميشيل فوكو وغلز ديلوز وفلكس غوتاري وجان فرانسوا ليوتار وجان بوديارد ، كتب فيرليو الكثير من الدراسات الثرة والملهمة عن مجموعة متنوعة من المواضيع الثقافية من مثل (السرعة والسياسة: مقالة في علم السرعة) (1986) و(جماليات التلاشي) (1991أ)، و(الحرب والسينما: لوجستيات التصور الادراكي)(1989)، و(سياسات الاسوأ جداً) (1999أ)، و(الخمول القطبي) (1999ب)، و(القنبلة المعلوماتية)(2000أ)، مروراً بأحدثها (ستراتيجيات الخداع) (2000ب)، وعلى الرغم من هذا الانتاج المعرفي الثر، لم تحظ النظرية الثقافية لفيرليو بالاهتمام إلا مؤخراً، بعد تنبه الأوساط العلمية والاكاديمية في العالم الناطق بالانكليزية الى فرادة هذه النظرية واهميتها، وثمة ما يفسر هذا الوضع الذي يدعو للاستغراب يتصل بامتناعه عن تلبية العديد من الدعوات لإلقاء المحاضرات في المحافل والمؤتمرات الدولية زيادة عن تجنبه اجراء اللقاءات او المقابلات خارج فرنسا. تقاعد فيرليو من مهنة التدريس في 1998، ويكرس جل وقته حالياً للكتابة والتعاون مع المنظمات المعنية في مجال الاسكان والمشردين في باريس.

تكمن ميزة الاعمال التنظيرية لفيرليو في ايمانه بالاهمية الاستثنائية للبنية العسكرية-الصناعية  في السجالات المحتدمة حول أصل نشوء المدن والتنظيم المكاني للحياة الثقافية خاصة في ظل ثقافات تسيطر عليها مفاهيم الحرب والاقتتال. في (السرعة والسياسة)، مثلاً، يعرض فيرليو "نموذج حرب" عملي ومعقول عن نمو المدينة المعاصرة وتطور المجتمع الانساني، إذ يرى أن المدينة المحصنة ذات القلاع في الحقبة الاقطاعية تشكل "ماكنة حرب" ثابتة ومنيعة عموماً وقد تزامن ذلك مع محاولة التحكم بأنماط الانتشار السكاني وزيادة عدد السكان في المناطق الحضرية. ولذا، مثلت المدينة-القلعة المحصنة آنذاك فضاءً سياسياً للخمول الصالح للسكن وتشكيل البنية السياسية والاساس الطبيعي للحقبة الاقطاعية. لمَ اختفت المدينة-القلعة؟ هذا هو السؤال الذي شغل فيرليو طويلاً، وقد حاول الاجابة عنه بطريقة غير تقليدية، اذ نسب اختفاءها الى ظهور انظمة الاسلحة المتحركة والمتطورة لأن اختراعات كهذه كشفت ظهر المدينة المحصنة وحولت حرب الحصار الى حرب حركة. وزيادةً على ذلك، أثرت هذه الاسلحة في جهود السلطات للسيطرة على تزايد السكان وانتشارهم في المناطق الحضرية ممهدةً الطريق لظهور ما يسميه فيرليو (فيرليو وبارنت، 1996،xv) بـ "الانتشار المأهول" للسكان في الاراضي الصالحة للسكن. وخلافاً لكارل ماركس، يعتقد فيرليو أن الانتقال من النظام الاقطاعي الى الرأسمالي لم يكن تحولاً اقتصادياً فحسب، وانما انمساخاً سياسياً وعسكرياً ومكانياً وتكنولوجياً. وثمة نقطة اختلاف اخرى بين هذين المفكرين، ففي حين اهتم ماركس بالمفهوم المادي للتاريخ، كتب فيرليو عنه على وفق المفهوم العسكري. ولأنه استهل مسيرته المهنية في 1958 ببحث ظاهراتي عن الفضاء العسكري لتنظيم الأقاليم او ما يسميه بالمجال الترابي للمدن من مثل "الجدار الاطلسي"، والخمسة عشر خندقاً نازياً التي شيدها الجيش الالماني ابان الحرب العالمية الثانية على طول سواحل فرنسا لصد حملات الهجوم المحتملة للحلفاء، عمق فيرليو استكشافاته هذه في اثناء تأليفه (مبادئ الفن المعماري)، ويعد اخلاصه المتواصل والتزامه بنظرية التصور الادراكي الجشتاليتية المستند الى علم النفس3 احد الجوانب الجوهرية، وللأسف المهملة نسبياً، في اعماله. هذه النظرية لم تكن المسؤول الاول عن تطوير فيرليو وبارنت لمفهوم "الوظيفة المتحركة" فحسب، بل كذلك عن تشييدهم لكنيسة "الخندق" في مدينة نفرز في 1966 ومركز ثومسن-هوستن لابحاث العلوم الفضائية في فيلاكوبلي في 1969 (جونسن، 1996). شهدت السنوات التالية نمواً مفرطاً في جموح فيرليو التنظيري، إذ أن  توكيده في مطلع سبعينيات القرن العشرين على العسكرة الصارمة لمدن ناطحات السحاب المعاصرة قد أسهم، ولا ريب، في تشجيع ما اطلق عليه ديلوز وغوتاري (1988:453) زحزحة الفضاء الحضري الرأسمالي وما اسماه فيرليو وصول السرعة أو السياسات الزمنية. ولعنايته الشديد بالتطور السرعوي المخيف في ميداني تكنلوجيا الاتصالات والبث المعلوماتي، حرص فيرليو على البحث في افاق المقاومة ’الثورية‘ لـ ’السلطة الخالصة‘، وشرع بمحص الصلات بين تطور التكنولوجيات العسكرية وتنظيم الفضاء الثقافي، وقد اثمر ذلك في الثمانينات، إعلان فيرليو المرحلة التالية في مشروعه التنظيري المبني على توظيف حزمة من المفاهيم المشتقة جمالياً مثل جماليات التلاشي وتكسير  الفضاء الطبيعي والحرب والسينما واللوجستية والتصور الادراكي. يأتي في هذا السياق اعجاب ارثر كروكر (1990-،20-50)، بل وافتتانه، بالحراك العلمي والثقافي لفيرليو الذي انهمك في اواخر ثمانينات القرن العشرين ومطلع تسعينياته في دراسة وتحليل الابعاد الثقافية لاستعمال تكنلوجيا الرموت كنترول نقدياً والتكنلوجيات السيبرنيطيقية في البيئات الحضرية المتطورة التي تهيمن عليها ثقافة التقانة والحادثة. وبتعقبه "العصر الثالث للتسليح"العسكري الذي اتخذ شكل تكنلوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة مثل الانترنت، فأن النظرية الثقافية ما بعد الانشتاينية تركز حالياً على فكرة "الخمول القطبي" والثورة الثالثة او ثورة زرع الاعضاء وفنون الأداء السبيرنيطيقية للفنان الاسترالي ستلارك وحروب الخليج العربي وحرب كوسوفو4.

,كرس كروكر، زيادةً على ذلك، جزءاً لا بأس به من دراساته لمناقشة المفاهيم النقدية لفيرليو من مثل "الكولونيالية الداخلية" "السايبرفمنستية" و"الاصولية التكنلوجية" و"القنبلة المعلوماتية" و"ستراتيجيات الخداع". وعلى الرغم من الاهمية الفائقة لفِكر فيرليو ودورها في تشكيل الملامح الاولى من النظرية الثقافية الهايبرحداثية التي تقدم بها ارثر وماريلوس كروكر (1997) وارمتاج (1999)، من الضروري توكيد حقيقة تصنيف فيرليو لنفسه "ناقداً لفن التكنلوجيا" لا منظراً ثقافياً أو اجتماعياً (فيرليو ولوترنغر‘ 1997: 172). ثمة، في الواقع، حقلان معرفيان لا يستسيغهما فيرليو هما النظرية الثقافية والسوسيولوجي، وفي ادناه سنناقش كتابات فيرليو النظرية عبر تسليط  الضوء على منجزه في ميدان فهم الوظيفة المنحرفة وعلم السرعة والحادثة الشاملة.

إسهام فيرليو في النظرية الثقافية: قدم فيرليو في بواكير اعماله التي ركزت على الوظيفة المنحرفة رؤية متكاملة لنظام حضري جديد مبني على نهاية العامودي بوصفه محور الارتفاع ونهاية الافقي بوصفه المستوى الثابت لصالح المحور المنحرف والمستوى المائل (فيرليو وبارنت، 1996:v). وقد مهدت رؤى كهذه الطريق لانتقادات فيرليو السياسية والعسكرية لـ ’اللااقلمة‘ والثورة المعلوماتية في كتبه (اركيولوجيا الخندق) وكتابه الذي لم يترجم بعد (اضطراب الاقليم) (1976)، و(السرعة والسياسة). إن هذه الرؤى والافكار تحديداً هي ما  يجعل من كتابات فيرليو وطروحاته تحظى بهذه الأهمية لعدد من المنظرين الثقافيين ما بعد الحداثيين المعاصرين أمثال زيغمونت بومان  (1999: 120) ومنظري "ثقافة المعلومات العالمية" من مثل سكوت لاش (1999: 285-311).

تبدو شكوك فيرليو بشأن الاقتصاد السياسي للثروة متأثرة، في جوهرها، بمفهوم السلطة "السرعوقراطية." ولتفكيره بتعذر الركون الى مفاهيم الحرب النظامية كما نظَر لها فون كلاوسفيتز (1780-1831) في مؤلفه (عن الحرب)، يبدو فيرليو شديد التأثر بالنص الصيني القديم (فن الحرب) لسان تزو. يبدو فيرليو، في الواقع، مهووساً بمناقشة الحرب ودورها في تشكيل المجتمعات المعاصرة إضافةً إلى الجوانب الايجابية (الفاشية) و(السلبية) اللافاشية للنظرية الفنية المستقبلية لمارينتي. كما يرى فيرليو استحالة ادراج الاقتصاد السياسي في خانة الاقتصاد السياسي للثروة علماً ان الهدف الرئيس لهذا الاعتقاد هو ايمانه بادارة اقتصاد الدولة، ويؤكد أن السجلات التاريخية للمؤسسات السوسيو-سياسية أمثال الحركات العسكرية والفنية، مثل المستقبلية، تُظهر أن الحرب والحاجة للسرعة، لا التجارة والرغبة في الثروة، هما الاساس لتشكيل المجتمع الانساني. جدير بالانتباه ان فيرليو لا يدعي أن الاقتصاد السياسي للسرعة قد حل محل الاقتصاد السياسي للثروة، بل إنه يرى "وجود الاقتصاد السياسي للثروة جنباً الى جنب مع الاقتصاد السياسي للسرعة"(زوربراغ، 2001). وعلى وفق ما تقدم، حاول  فيرليو في (الدفاع الشعبي) و(الصراعات الايكولوجية) (1990) و(الحرب الخالصة) (فيرليو ولوترنغر، 1997) تطوير ابحاثه السرعوية لتشمل مختلف جوانب السلطة الخالصة والمقاومة الثورية وعسكرة الفضاء الحضري. إن سبب نشوب الحرب الخالصة  يعود، على وفق فيرليو، إلى منطق العلم التقني المُعسكر في حقبة "حرب المعلومات"، التي تمثل الحقبة التي تجند فيها الدولة الاعداء المدنيين الخفيين ابتغاء تبرير الانفاق المتزايد على الجيل الثالث من الأسلحة العسكرية خصوصاً تلك التي تتخذ شكل تكنلوجيا الاتصالات والمعلوماتية مثل الانترنت. ولذا، يرى فيرليو أن اهمية البنية العسكرية-الصناعية او ما يسميه البنية العسكرية-العلمية، في عصر ما بعد الحرب الباردة، قد تعاظمت الى حد بعيد (ارمتاج 2000أ)، وأسلحة البنية العسكرية هذه لا تعد مسؤولة عن الحوادث الشاملة مثل انهيار سوق البورصة العالمي في عام 1987 فحسب، وهي حوادث نتجت عن اخفاق تعاملات البرامج المتأتمة، وانما لأن الحرب في المستقبل القريب جداً " لن تكون استمراراً للسياسة بوسائل اخرى، بل إنها ستؤلف الحادث المتكامل الشامل لأستمرار السياسة بوسائل اخرى" (المصدر نفسه).

في (جماليات التلاشي) و(البعد المفقود) (1991)، أكد فيرليو المفتون بالهندسة الكسيرية أو الفراكتلية** لبيونت ماندلبرت (1977) أن على النظرية الثقافية ان تأخذ بنظر الاعتبار الانقطاعات في ايقاع الوعي البشري و"الانفجارات المورفولوجية" في البعد الفيزيقي، وفي توظيفه مفهوم "الانقطاعات المتكررة والنظرية النسبية العامة لانيشتاين"، يؤكد فيرليو أن الرؤية الحديثة والمدينة المعاصرة هما نتاج القوة العسكرية وتكنلوجيات التلاشي السينمائية المشيدة زمنياً. وزيادةً على ذلك، وعلى الرغم من تنوع الجوانب السياسية والسينمائية في وعينا المرئي بالمنظر المديني، ألا إن أهمية هذه الجوانب تكمن في قدرتها على تحديد التلاشي التكنلوجي للسرديات الجمالية والمكانية الكبرى التي تحدث عنها ليوتارد (1984) لتحل محلها السرديات الصغرى. إن الهندسة الكسيرية لماندلبرت قد أشرت لظهور المدينة المكشوفة، عندما انشطر الانقسام  الموروفولوجي بين المكان والزمان الى عدد لا يحصى من التأويلات المرئية، فضلاً عن تفاقم "أزمة الابعاد الشمولية"(فيرليو 1991، 28-29). الملفت للانتباه ان اشتغالات فيرليو بجماليات التلاشي وأزمات البعد الطبيعي لم يتم تفعيلها في البنية النصية "للتفسيرات" الفكرية الشاملة، بل حدث  ذلك بفضل التفعيل الستراتيجي للانقطاعات الانتاجية والديناميكيات الخلاقة لما يسميه فيرليو، متأثراً بذلك بتشرشل بـ "النزعة" (فيرليو، 1989، 80). وكما ذكر فيرليو (في البعد المفقود)، فإن القاعدة السائدة في المدينة المكشوفة هي اختفاء الجماليات والابعاد الشاملة وتلاشيها في حقل عسكري وسينماغرافي من المثابرة البصرية والانقطاع والزمكان التكنلوجي. في الآونة الاخيرة، تحدث فيرليو عن المدينة المكشوفة ضمن سياق الدعاوى القضائية المفبركة من مثل قضية جي سمبسون وموت الاميرة ديانا، وأكد أن "جميع المدن حالياً هي مدن مكشوفة" فلندن، في سبيل المثال كانت مدينة مكشوفة تماماً في اثناء مراسيم دفن ديانا وشهدت نيويورك الأمر ذاته في اثناء اعتراف كلنتون بعلاقته بمونيكا لونسكي." (ارمتج، 2001أ).

في كتابه (الحرب والسينما)، طبق فيرليو فكرة "الاستعاضة" لدى تناوله اشكالية النسخ المختلفة للواقع التي ظهرت منذ بدأ الزمن، ونظراً لمناحي التشابه الكثيرة التي تجمعها مع مفهوم المحاكاة البودياردي (1983)، اهتم فيرليو حصراً بالصلة بين الحرب والاستعاضة السينمائية أو ما يسميه "لوجستيات التصور الادراكي" في اثناء تجهيز الصور والمعلومات السينمائية عن الفلم في مقدمته الافتتاحية, ويمكن معرفة أهمية مفهوم لوجستيات التصور الادراكي عند تناولها في سياق ما بعد الحروب الحديثة والحروب الهايبرحداثية مثل حرب الخليج عام 1991 وحرب كوسوفو 1998-1999، لأنه في هذا النوع من الصراعات، لا تختفي المظاهر الطوبوغرافية المستقرة في ساحات المعارك فحسب، بل كذلك معمارية الحرب ذاتها. ثمة، في الواقع، خياران فحسب مطروحان امام القيادة العسكرية العليا، فهي اما تختار دفن نفسها في الخنادق الارضية ابتغاء تجنب ما قاله احد طياري الهليوكبتر في فلم كوبولا "القيامة الآن" عن "الموت من الاعلى"، وأما، ربما، يمكنها التحليق عالياً في السماء لغزو ما اسماه فيرليو في مقابلته مع مجلة "سي ثيري" بـ "المجال المداري." في تصوراته  المفاهيمية للوجستيات التصور الادراكي حيث "يختفي العالم في طيات الحرب وتضاعيفها، وتختفي الحرب بوصفها ظاهرة عن عيون العالم"، يحلل فيرليو العلاقة بين الحرب والاستعاضة والتصور الادراكي بنوعيه البشري والاصطناعي، خصوصاً في "الشاشة الصحراوية" و "الحرب بسرعة الضوء" (1989: 66، 1991ج)، ويستند وعي فيرليو وادراكه لاهمية الحرب والسينما ولوجستيات التصور الادراكي الى تفكيره أن التصور الادراكي العسكري في الحرب مماثل وقابل للمقارنة مع التصور الادراكي المدني، وتحديداً مع فن صناعة الافلام. وتقنية الاستعاضة السينمائية قد ادت، على وفق فيرليو ، الى "حرب الصور" أو "حرب المعلومات"، والاخيرة، كما هو معروف، ليست حرباً تقليدية حيث الصور المنتجة هي صور لمعارك فعلية، بل إنها حرب أُخرِجت فيها أوجه الاختلاف بين صور المعارك والمعارك الفعلية من سياقها الواقعي. وعليه، فإن الحروب المعاصرة لم تعد "حروب مواجهة، بل حروب حركة وانتقال تُشن بوساطة حركة الموجات الالكترو-مغناطيسية" (ارمتاج، 2001أ). وعلى غرار بوديارد، ورأيه المثير للجدل بشأن عدم وقوع حرب الخليج، فإن رأي فيرليو بشأن استحالة التمييز بين الحرب والسينما محل نقاش وشكوك كذلك. ومع ذلك، فموقفه حول تعاظم الدور الذي تؤديه حرب المعلومات يبدو متوافقاً مع رأيه أن الاسلوب الوحيد لمراقبة التطورات الثقافية في ماكنة الحرب هو تبني موقف تنظيري نقدي فيما يتصل بالتوازيات المتنوعة التي توحد الحرب والسينما ولوجستيات التصور الادراكي. إنها، بحق، وجهة نظر فريدة تلك التي طورها فيرليو في نقده اللاذع للحياة المعاصرة في (ماكنة الابصار ،1994)، حيث كف الناس، في عالمه، عن تصديق اعينهم، وغدا "ايمانهم في التصور الادراكي عبداً للإيمان بخط الرؤية التقني،" وهو وضع اسهمت فيه تقنية الاستعاضة المعاصرة في تقليص واختزال "مجال المرئي" الى "خط الأداة الرائية"(1994ب). عند النظر اليها من هذه الزاوية، يظهر لنا أن (ماكنة الابصار) هي بمنزلة دراسة ميدانية معمقة لما اسميته "التصور الادراكي الخالص" (ارمتاج 2000أ:3) لأن البنية العسكرية العلمية المعاصرة قد طورت بدائل وقدرات تكنلوجية كونية مخيفة مثل الواقع الافتراضي والانترنت، أما الهدف الرئيس لهذا التصور الادراكي الخالص فهو "توثيق تلاشي الواقع واختفاؤه". إن جماليات التلاشي هي ذلك النوع من الجماليات المستمدة من "القيود غير المسبوقة التي يفرضها التقسيم الادواتي لأنماط التصور الادراكي والتمثيل على الرؤية الذاتوية"(1994ب: 49). في ضوء ذلك، تحدث فيرليو عن ماكنات الابصار بوصفها المنتجات التعجيلية لما يسميه "الرؤية العمياء،" "العماء البصري" أو  الرؤية بدون النظر" التي لا تمثل في ذاتها شيئاً سوى اعادة انتاج مكثف سيغدو الشكل الأحدث والأخير للتصنيعية، أي تصنيع اللارؤية (1994ب:73). وزيادة الى ذلك، تحدث فيرليو بإسهاب عن العلاقات الثقافية المعقدة بين الرؤية وتكنلوجيات الرموت كنترول في (الخمول القطبي)، وناقش فيه ظهورات التصور الادراكي الخالص والسرعة والركود البشري، وفي "الضوء غير المباشر"، كمثال، محص فيرليو الفرق بين شاشات التلفزيون التي انتشرت مؤخراً في نظام مترو باريس والادوات الادراكية الواقعية امثال المرايا وفق المقاربة الفيرليوية التنظيرية التي تتطابق على نحو عام مع ما اسماه فوكو "مجتمعات المراقبة أو الوشاية"(1977) وما أسماه ديلوز "مجتمعات الضبط أو الكنترول"(1995). مقابل ذلك، بينت المقالات الأخرى الفرق بين الخمول المُنتج تكنلوجياً والحركة البشرية المستحثة بايولوجياً، وفي مناقشته  حادثة إدخال "ماكنات الموجة" في حمامات السباحة اليابانية، والغاء المجموعة المتنوعة من "التوقيتات المحلية" حول العالم واستبدالها التدريجي "بوقت عالمي" واحد، لحظ فيرليو الفرق بين الاتصال البصري التقليدي"والاتصال "الالكترو-بصري". أما في مجال التصور الادراكي الخالص، فيرى فيرليو إن عمليتي التعجيل والتبطيء ذاتيهما لم يعدا مهمين، ما مهم هو خلق "الخمول القطبي". كما لحظ انه في الحقبة الحداثية المبكرة للتحركية، أي القابلية على التنقل والحركة التي اطلق عليها ’حقبة التحرر‘، لم تكن حالة الخمول مُفعلة، وبذا، فإن فكرة الخمول القطبي تستثني ما كان يمكن أن يؤلف الجوانب البديلة لمعادلة السرعة والتعجيل والتبطيء التي شاعت في العصر الصناعي، وفي أحد أهم افكاره التي الح في الحديث عنها منذ الثمانينيات، بينَ فيرليو أنه في العصر ما بعد الصناعي الذي تهيمن عليه السرعة المطلقة للضوء، حل الزمن الواقعي محل الفضاء الواقعي، وفي ظروف كهذه، يتلاشى الاختلاف الجغرافي بين ’هنا‘ و’هناك‘ بفعل سرعة الضوء  كما " ينهار التاريخ نفسه على جدار الزمن."(ارمتاج، 2001أ) وفي عالمنا المعاصر الذي يتخذ شكلاً نهائياً له مُمثلاً بأصحاب البلايين  امثال هوارد هيوز، يغدو الخمول القطبي نوعاً من الاحتجاز الفوكوي. لقد اضحى هيوز الذي سماه فيرليو "الراهب التكنلوجي"، عبر تخفيه في أحد الغرف في فندق الدزيرت ان (الصحراء) في لاس فيغاس لمدة خمسة عشرعاماً، قضاها في مشاهدة فلم "ايس ستيشن زبرا"، لا المثال المجسد للخمول القطبي فحسب، بل الأهم، الساكن الأول في الظاهرة الجماهيرية. وعلى نحو مواز في أهميته، اتسعت هذه الظاهرة لتشمل نطاقات اوسع تتراوح من مشاهدي السينما المحلية والتلفزيون الى ساحات الحرب الكونية العالمية الشاملة. يحسب فيرليو، في الواقع، أن الجيش في الصراعات المعاصرة، مثل الحرب في كوسوفو، يشاهد المعركة من الثكنات، بمعنى أنه "في الوقت الراهن لا تفعل الجيوش شيئاً خلا احتلال البلاد بعد انتهاء الحرب" (ارمتاج 2001أ). وبناءً على ذلك، ترمي كتابات فيرليو الى إثبات أن مساحات واسعة من الفضاءات الجغرافية الطبيعية المدنية والعسكرية لم تعد تحوي مضموناً بشرياً مجدياً، ولذلك، كرس فيرليو كتابه "فن الموتور أو المحرك"(1995)، لتسليط الضوء على العلاقة بين فضاءات الجسد البشري والتكنولوجيا.

في بداية القرن الحادي والعشرين، تناولت النظرية الثقافية لفيرليو ما يطلق عليه "الثورة الثالثة" او "ثورة زرع الاعضاء"، بمعنى الانهيار العام للتمايز بين الجسد البشري والتكنلوجيا، ولارتباطها الوثيق بالتعزيز التكنلوجي واستبدال الاعضاء البشرية عبر تصغير حجم الادوات التكنلوجية، يتولى العلم التكنلوجي العسكري قيادة الثورة الثالثة ضد الجسم البشري عبر تطوير ما يسميه فيرليو "اليوجينيا أو علم تحسين النسل،" وتتراوح تطورات كهذه بين انتقادات فيرليو (ارمتاج، 2001أ) لأعمال فنان الاداء السبيرنطيقي الاسترالي، ستلارك، الى اهتمامه بالمصير النهائي لطياري السلاح الجوي في حرب كوسوفو، لأن كليهما يمثلون الشيء ذاته بالنسبة لفيرليو "إنهما الأنسان الأخير قبل تولي الاتمتة القيادة" (المصدر نفسه). ويتعين أن لا نغفل عن أهمية الارتباط الوثيق بين انتقادات فيرليو للأتمتة وتطوير مفهومه "للأندو-كولونيالية"، بمعنى ما الذي يحدث عندما تنقلب قوة سياسية مثل الدولة ضد مواطنيها، أو كما في حالة انقلاب العلوم التكنلوجية  العسكرية ضد الجسم البشري؟.

تحدث فيرليو تفصيلاً في (السماء المفتوحة) (1997) و(سياسات الاسوأ) و(القنبلة المعلوماتية)، عن انتقاده للسايبرفمنستية التي وصفها بلانت (1997)- متأثراً "ببيان السايبورغ أو الجسم البشري المؤتمت" الذي اعلنته دونا هاراوي (1985)- وصفها بـ ’الثورة‘ في مجال التكنلوجيا السبيرنيطيقة والفمنستيات ضد الحكم البطارياركي أو الأبوي. مما يؤسف له حقاً رفض فيرليو التعمق في مناقشة مفاهيم السايبرفمنستية او السايبرجنس التي انتقدها بشدة لأنه يحسب أنها بعملية الاستبدال التكنلوجي للمشاعر (ارمتاج، 2000:5). يرى فيرليو كذلك ضرورة رفض الجنسانية السبيرنيطيقة والاهتمام تنظيرياً بالموضوع الانساني ومقاومة هيمنة التكنلوجيا على الرجل والمرأة كليهما. وبالمثل، ينزع فيرليو نحو التعامل مع السايبرفمنستية بوصفها مجرد شكل أخر من اشكال الاصولية التكنلوجية، فهي دين المؤمنين/ـات بالقوة المطلقة للتكنلوجيا (فيرليو وكتلر، 1999). فبعد تخليهن عن الحساسية الدينية اللازمة لفهم الإلهة المعاصرة المميزة لآنية المعلومات وتكنلوجيات الاتصال الحديثة ومباشريتها وانتشارها الفائق، استسلمت السايبرفمنستيات، إلى جانب عدد اخر، من الجماعات الثقافية الى اغواءات فضاء السايبر ومغرياته، الامر الذي اثار حفيظة فيرليو واغضبه.

في احدث اعماله (ستراتيجات الخداع)، تناول فيرليو حرب كوسوفو التي يرى فيها تجسيداً جلياً  لفشل أوروبا والناتو ونجاحاً للولايات المتحدة الامريكية في العالم بسبب إجراء الأخيرة أحد التجارب الفريدة فيها باستخدام التقنيات المعلوماتية والسبيرنيطيقة لمشروع "الثورة في النطاق العسكري (RMA)" الافتراضي الذي اعدته وزارة الدفاع الامريكية، البنتاغون. وتُشكل (RMA) ثورةً توازي في اهميتها، بحسب فيرليو، مفهومه الخاص بالقنبلة المعلوماتية والحرب الافتراضية زيادةً عن اعتقاده ان من اولى اولويات الولايات المتحدة حالياً هو السعي لتحقيق ما يسميه قادتها العسكريون "الهيمنة المعلوماتية العالمية."

ويؤلف تأويل فيرليو للفضاء العسكري والتنظيم الاجتماعي للأقاليم أحد أهم اسهاماته في النظرية الثقافية النقدية لأختلافها عن السجال العقيم الدائر حالياً بشأن الفرق بين الحداثية وما بعد الحداثية. ولذلك، يخطئ المنظرون الثقافيون النقديون امثال وليم هارفي (1989) وجي ويت (1996: 116) وعلماء الفيزياء الوضعية أمثال اي سوكال وبركمونت (1998: 156-166) في وضعهم فِكر فيرليو في خانة النظرية الثقافية ما بعد الحداثية. تبدو تصنيفات كهذه، في الواقع، غير مناسبة في ضوء تعذر معرفة من اين تبدأ والى اين ستنتهي، وسأوضح ذلك في ادناه. فعلى الرغم من بروز مفهوم ما بعد الحداثة- على غرار افكار فيرليو- في النقد المعماري في ستينيات القن العشرين، لا تؤلف افكار فيرليو رد فعل ضد الأسلوب الدولي ولا ضد الحداثية، فما بعد الحداثة تمثل، وفقاً لفيرليو " الكارثة " في المعمار، وليس لها صلة بكتاباته الظاهرتية (ارمتاج، 2000ب: 25). وثمة سببان لذلك يعود اولهما إلى استناد أعماله الى الارث الحداثي في الفنون والعلوم، وكما بينت في موقع اخر، في (القنبلة المعلوماتية) مثلاً، اعتاد فيرليو الإحالة على الكتاب الحداثيين امثال كافكا، وأثنى على إعلان الأخير ان السينما تعني "وضع العين في نمط موحد،". ويمكن قول الشيء ذاته عن العلاقة المتأزمة بين فيرليو والمستقبلية الحداثية لمارتيني والممارسات الفنية المعاصرة ما بعد الحداثية للأخوة تشابمان (ارمتاج2000ج: 146 و2000د). أما نقاط الإحالة الفلسفية في فكر فيرليو وكتاباته النقدية فهما هوسرل وميرليو بونتي، وكما هو معروف، فالأول ظاهراتي والثاني حداثي." وزيادة على ذلك، يستشهد فيرليو بكتابات انشتاين بشأن النظرية النسبية العامة، وهي أمثلة دالة على التزامه بنظرية الحداثة العلمية التي تأسست في مطلع القرن العشرين.

أما السبب الثاني فيعود الى اعتقاد فيرليو أنه ليس ثمة صلة بين فِكره والمنظرين التفكيكين وما بعد البنيويين امثال دريدا (ارمتاج 2000ب: 34-35)، اذ لم يبدِ فيرليو اهتماماً يذكر باللسانيات البنيوية لسوسير، مفضلاً حتى هذا اليوم عالمي الظاهراتية والوجودية. ولأنه ليس ماركسياً ولاسارترياً، بل فوضوياً مسيحياً ملتزماً ومفكراً لا يشعر "بثقة قط في التحليل النفسي"، فليس ثمة ما يجمع فيرليو ورواد البنيوية أمثال عالم السيميوطيقيا رونالد بارت والفيلسوف الماركسي التوسير والمحلل النفسي لاكان والانثروبولوجي ليفي شتراوس (فيرليو ولترنغر، 1997: 39). كما يتعين توخي الحذر عند تناول الصلات التنظيرية لفيرليو بكتاب ميشيل فوكو "الضبط والعقاب" وديلوز وغوتاري "المستويات الألف"، والسبب أنه، خلافاً لأكثرية المنظرين ما بعد البنيويين، فإن فيرليو انساني ومسيحي مواظب، وكتاباته تقف على الضد من الآراء اللإنسانية او من فلسفة فوكو ونيتشه الذي اتخذه ديلوز وغوتاري مسيحاً لهم. في الآونة الأخيرة، بين فيرليو، أنه على الرغم من اعجابه "بالجزء الاجرائي والعملياتي في فلسفة نيتشه، ألا إنه لا يمكن له تحمل فلسفته" لأنه فيها فلسفة مُنفرة فيزيقياً(ارمتاج 200ب، 34). ولذا، يمكن القول إنه ليس ثمة ما يجمع بين فكر فيرليو والنظريات ما بعد البنيوية لفوكو وديلوز وغوتاري، وهذا ما أكده فيرليو على نحو جلي في (الحرب الخالصة) (فيرليو ولوترنغر 1997: 44-5). ثمة، في الواقع، ثلاثة عوامل اثرت تأثيراً مباشراً في تشكيل ملامح طروحات فيرليو التنظيرية ونظريته الثقافية هي الحرب العالمية الثانية والستراتيجية العسكرية والتخطيط المكاني (ارمتاج، 2000ب: 26).

وإضافةً إلى ذلك، وعلى الضد من العديد من المنظرين الثقافيين ما بعد الحداثيين، لا يدين فيرليو التحديث تماماً، بل إنه يرى في اعماله "تحليلاً نقدياً للتحديث عبر التصور الادراكي لدور التكنلوجيا في وقوع الفعل الكارثي أكثر منه بروز الشخص الكارثي،" ولتفكيره أننا "ما نزال نعيش في حقبة التحديث،" نلحظ أن دراما الحرب الشاملة تقع في قلب النظرية الثقافية لفيرليو (ارمتاج 2000ب: 26). ولاهتمامه الشديد بمفاهيم السرع المتباينة المقترنة بالتحديث، تسلط نصوص فيرليو الضوء على التحديث حركةً بخصائصها وظهوراتها البارزة امثال التكنوعلمية والمراقبة أو الوشاية والحضرانية والتغريب. زيادة على ذلك، يصر فيرليو عادةً أن مفهومه عن التحديث، بخلاف السائد في ما بعد الحداثة،  هو مفهوم متفاءل نسبياً (زوربرغ 2001).

وآراء فيرليو ليست معادية تماماً للعقل، برغم انتقاداته المتكررة لمشروع التنوير، ولكنه قطعاً يرفض النظريات المعرفية والايديولوجية الهيغيلية والماركسية. على وفق ما تقدم، يمكن وضع فيرليو في خانة "الهيدغريين اليساريين" (كلنر 2000: 118)، والقول إن علاقته النقدية بالتحديث مختلفة نسبياً عما صرح به بعض من المنظرين الثقافيين ما بعد الحداثيين، أمثال جي ويت، على الرغم من احتواء كتاب سكوت لاش الأخير (تحديث اخر، عقلانية اخرى) على عرض مفيد وممتع لأفكار فيرليو الخاصة بحقبة التنوير والتطورات التكنلوجية والتحديث والعقلانية.

وأخيراً، ليس  لفكر فيرليو صلة بمؤيدي ما بعد الحداثة ومريديها امثال ليوتار وبوديارد، فعلى الضد من ليوتارد، تبقى كتابات فيرليو ملتزمة بمبدأ الأمل فيما يتصل بفهم التاريخ حتى لو ارتطم هذا الفهم وتهاوى على جدار الزمن الحقيقي. ما منجز فيرليو، في جوهره، سوى محاولة لفهم تاريخه الشخصي، وبالتالي تاريخنا. كما لا يقبل فيرليو مقولة اختفاء "الميتاسرديات" وانهيارها، اذ يصر في مقابلاته: "إن سرد العدالة يتسامى على التفكيك"(ارمتاج 2000ب: 39). وعلى غرار ذلك، فإن رفضه للماركسية والسيميوطيقية والعدمية النيتشية جعلته يتخذ موقفاً معارضاً من مفهوم المحاكاة لبوديارد، وفي حين اصاب جينيسكو (1999: 196) في قوله إن فرضيات فيرليو بشأن السرعة "متوافقة مع فرضيات مارشال مكلوهان"، فإنه، خلافاً للعديد من المنظرين الثقافيين ما بعد الحداثيين، لا يشاطر فيرليو بوديارد اعجابه بأستيهامات مكلوهان وافانينه(1994) (فيرليو، 1995: 10، ارمتاج 2001ب) بشأن تكنلوجيا المعلومات والميديا الجديدة. يرى جينيسكو (1990: 97)، في الحقيقة، أن "جوانب الاختلاف بين فيرليو ومكلوهان عميقة،" تحديداً بسبب فرادة تمثلاتها لهوس العالم المعاصر بالاتمتة، ويختتم جينيسكو كلامه بالقول إن ماكنة الحرب لفيرليو وماكنة الحب لمكلوهان "تخلقان انواعاً مختلفة من العوالم، فهما أما عوالم صراع واما اتصال." كما أن ماكنة الحرب ليس لها علاقة بمفهومي الهايبرواقعية والمفارقة الساخرة لبوديارد  ولا بماكنة الحب لمكلوهان. يغلب على مؤلفات فيرليو عنايتها بالوقائع التاريخية والسوسيوثقافية والتكنوعلمية والعسكرية السائدة في الحياة اليومية.

وبناءً على ذلك، يتعذر تقييم المراحل المختلفة في تطور فكر فيرليو على وفق ممكنات النظرية الثقافية ما بعد الحداثية، وهذا هو السبب، كما احسب، في الميل الى تأويل اعماله بوصفها نتاجاً قدمه مُنظر ثقافي مهووس بتناول فكرة ما يُسمى بـ "الهايبرحداثية" أو المنطق الثقافي للعسكرية المعاصرة. ومع هذا كله، تبقى الهايبرحداثية مخلوقاً جنينياً لم يكتمل بعد ومصطلحاً معرفياً يفتقر الدقة والوضوح في النظرية الثقافية، اذ دخلت المفردة حيز التداول في كتاب كروكر "الفرد الممسوس." ولذا، ينبغي التنويه الى ضرورة- وانا هنا اسجل اتفاقي مع فيرليو- التحرك بعيداً عن ثنائية الفرضيات الحداثية  وما بعد الحداثية بغية فهم اعمال فيرليو بشأن التعجيل عبر الشدات الفيزيائية المتطرفة والازاحات المتأصلة في الفكر الثقافي الهايبرحداثي حول البنية العسكرية-العلمية (ارمتاج، 2000أ)7.

نقد موجز لفكر فيرليو: لقد اثارت اراء فيرليو وتنظيراته الثقافية، وما تزال، الجدال منذ مطلع الستينيات، فعندما شيد فيرليو وبارنت كنيسة الخندق التي ينبغي رؤيتها لكي يصدق المرء وجودها، ذكر فيرليو قصة طريفة عميقة الدلالة عن الاسقف الذي همهم بصوت خفيض عند تكريسه الكنيسة "يالفظاعة هذا الشيء!آمين! يالفظاعة هذا الشيء! آمين!" عندها استدار القس نحو الأسقف قائلاً له "سيدي، هذه مراسيم تكريس لا طرد الأرواح الشريرة!" (ارمتاج، 2001أ). والى جانب الانتقادات الدينية للفكر المعماري لفيرليو وبارنت، ظهرت في الآونة الاخيرة انتقادات في الأوساط الاكاديمية لأفكاره الخاصة بالدولة والتكنلوجيا والسرعة، فقد حاول ديلوز وغوتاري (1988: 351-423) القيام بما وصفه كروغان محاولة إشكالية لتصنيف فكر فيرليو وفق مقارباتهما ما بعد البنيوية للنظرية الثقافية. ولكن وكما قال كروغان، يتعذر ربط "النموذج اللاتاريخي والسكوني" لديلوز وغوتاري الخاص بالدولة والتكنلوجيا بكتابات فيرليو من دون "الحاق الضرر بتساوقها ووضوحها." وبدوره، فقد اثار كتاب فيرليو (جماليات التلاشي) غضب العالم الجغرافي النيوماركسي، ديفيد هارفي (1989: 293)، الذي رأى في رد فيرليو على ما يسميه هارفي "ثيمة ضغط الزمكان" محاولة للتهرب من ضغط زمكاني عبر توظيف لغة وأخيلة يمكن بوساطتهما تصوير هذا الضغط والسيطرة عليه في آن. لقد وضع هارفي "الكتابات المسعورة" لفيرليو وبوديارد في هذا الخانة بسبب "اصرارهم على التماهي مع ضغط الزمكان واستنساخه في بلاغياتهم المنمقة والمرحة." اطلع هارفي بالطبع على هذا النوع من الردود، تحديداً في استلهامات نيتشه الاستثنائية في (ارادة القوة).نلحظ، في السياق ذاته، أن ردود الافعال القصدية والكاشفة لفيرليو في (جماليات التلاشي) ترتبط ببروز  الظرف السرعوقراطي وتنامي "أهمية الانقطاعات والحادثة والأشياء المعروفة بخاصية الإنتاجية".(فيرليو ولوتنغر، 1997: 44). قال فيرليو  عن ذلك إن ما يفعله "مختلف كثيراً عما يفعله غلز  ديلوز في (المستويات الالف)، فبينما يتقدم ديلوز بتمهل شديد، يتعامل فيرليو مع الانقطاعات والفجوات بسرعة وفاعلية. إن حقيقة التوقف وقول "دعنا نذهب في اتجاه آخر" مهم جداً بالنسبة لي" (فيرليو ولوتنغر، 1997: 45). لقد اسهمت كتابات فيرليو، ’المسعورة‘ في الثمانينيات، كما يصفها هارفي، في تعزيز النتائج المادية واللامادية للتغيرات السرعوية المتواصلة في الجماليات والقوة العسكرية والفضاء والسينما والسياسة والتكنلوجيا، ففي عصر يتهاوى مترنحاً في مواجهة ظاهرة التلاشي المُنتجة تكنلوجياً للحياة الثقافية والحرب والمادة والتصور الادراكي، يُعد هذا انجاز مهم حقاً. إن جوانب القصور في النظرية الثقافية لفيرليو لا تستند، كما يعتقد هارفي، الى المشابهات العديدة التي تجمعه ونيتشه،  بل الى أوجه الاختلاف بينهما. وبهذا الصدد، ذكر ويت (1996: 281-182) مستشهداً بمقولة  فنانة الاداء الامريكية لوري اندرسن" ما زال فيرليو مصراً على التمسك  بالنزر اليسير من النقد الحداثي للتكتيكات العسكرية والستراتيجيات والتكنلوجيات ما بعد الحداثية في حين يفقد نيتشه صبره بسرعة مع النقد الخالص، لينتقل بسرعة الى توظيفه، في الاقل مفاهيمياً وبلاغياً، كأستعارات مجازية وتقنيات اقناع لإدامة سلطة النخب على حساب الجثث، "فالأحياء، حاليا،  يفوقون الاموات عدداً."

الاستنتاجات: على الرغم من التساؤلات الكثيرة بشان طبيعة النظرية الثقافية لفيرليو، فإن نقده الهايبرحداثي للتكتيكات العسكرية والستراتيجيات والتكنلوجيات أخذ في التصادم مع افكار عدد متزايدٍ من المنظرين الثقافيين البارزين امثال ارثر وماريلوز كروكر (1997). والسبب يعود الى تناول فيرليو في (سياسات الاسوأ)  و(الخمول القطبي) و(القنبلة المعلوماتية) و(ستراتيجيات الخداع)، بعضاً من أهم التطورات الثقافية المعاصرة وأكثرها إثارة للجدل. وإضافةً إلى ذلك، يلحظ أن تطورات كهذه يُجرى تصميمها لإدامة قوة "النخب الحركية العالمية" الافتراضية على حساب المزيد من الجثث المحلية الفعلية لما اسماه "الطبقات الادنى وربما الابطأ". ولأنه ابن الحرب التي اشعل هتلر فتيلها واحد ضحاياها، اهتم فيرليو بالتنظير في حقل المنطق الثقافي للعسكرية المعاصرة، وهذا هو الجانب الأهم في فكره. ولحرصه على الكشف عن الظروف السرعوية والسياسية في القرن الحادي  والعشرين، شرع فيرليو في تفسير التحديث في ضوء المفهوم العسكري للتاريخ واستعمار العلوم التكنلوجية للجسد. وكما بينت، فإن فهم الهايبرحداثية واستيعابها حركة معاصرة يُعد محورياً في اي دراسة تقييمية لمنجز فيرليو الفكري واسهاماته في النظرية الثقافية.

لا مراء أن  فيرليو هو أحد اهم المنظرين الثقافيين في الفكر المعاصر، وعلى نحو مغاير لما بعد حداثية ليوتار وبوديارد، لا يبدو منصفاً تعريف هايبرحداثية فيرليو أنها انحراف عن الحداثية والتحديث؛ بل تحليل نقدي لهما عبر تصور النتائج الكارثية للهوس بالتكنولوجيا. لهذا وغيره من الأسباب، يتحدد الموقع التنظيري لفيرليو ناقداً لتأثير التطورات التكنلوجية في حين تقع حساسياته الثقافية المتعلقة بالتكنلوجيا خارج نطاق حتى النظرية الثقافية النقدية السائدة، فهو لا يعتمد على التفسيرات الفكرية فحسب، بل على جملة من المفاهيم المتنوعة "(فيرليو ولوتنغر 1997: 44). في عمله منظراً  ثقافياً، يواظب فيرليو على دراسة التيارات الفكرية المعاصرة ومحصها، وهذا قد يؤلف مسوغاً يعلل رفضه للنظرية الثقافية الحالية.

وثمة ما يبرر تنامي الشكوك حول مدى الفائدة المتوخاة من محاولة المنظرين الثقافيين اثبات "صحة" تنظيرات فيرليو الفكرية من عدمها، فاستجابات فيرليو النقدية للجوانب العسكرية والكرونوسياسية (علم قياس الزمن) والسينما والفن والتكنولوجيا هي استجابات اخلاقية وعاطفية رافضة في جوهرها لهيمنة الثقافة التكنلوجية، هذا مع ضرورة التوكيد على طبيعة هذه الاستجابات، فهي ليست الاستجابات المنفعلة للناقد المسترخي في كرسيه الهزاز، بل انها الاستجابة المُجسدة للمقاومة، فكما اكد فيرليو في مقابلته مع مجلة سي ثيري "المقاومة دائماً ممكنة، ولكن ينبغي،بادئ ذي بدء، الاشتراك بفاعلية فيها عبر تطوير مفهوم الثقافة التكنولوجية." يدرك فيرليو كذلك الموقف الرافض لأعماله المُقدمة "بصيغ الاتهامات الفضائحية." وكما لحظ متحسراً، في فرنسا "ليس ثمة تسامح ازاء "السخرية والتلاعب بالكلمات والنقاش الذي يوتر ويُخرج الموضوعات من سياقاتها."(زوربرغ، 2001). ومن هنا، فأن اثارة مسألة موقع النظرية الثقافية لفيرليو يعني اثارة مسألة الموقف حيال أعماله وتقييمها في خارج فرنسا، فهل ينبغي رفضها بصيغ الاتهامات الفضائحية او تلقيها بصيغ مشحونة بالثناء والمديح او بمزيج من الأمرين كليهما؟ وبإيجاز، يتعلق الأمربمدى التسامح في العالم الناطق بالانكليزية واستعداده لقبول التهكم والسخرية والنقاشات التي تأخذ الامور الى مدياتها القصوى؟ إن محاولة الاجابة عن اسئلة معقدة كهذه ستضمن استمرار النظرية الثقافية الهايبرحداثية لفيرليو في اثراء السجالات التنظيرية والنقاشات الاجتماعية لعدة سنوات قادمة.      

 

......................

المصدر: مجلة (سي ثيري او النظرية المعاصرة)

الموقع الالكتروني:

(www.ctheory.netlarticles.aspx?id=133)

تحرير: ارثر وماريلوز كروكر.  (التأريخ: 11/5/2003)

**الهندسة الكسيرية أو الهندسة الفركتلية:(Fractal Geometry) هي البنى الهندسية المؤلفة من ( كسيريات ) و هو مجموع كسيرية Fractals التي يمكن تعريفها بانه جزء هندسي صغير جدا غير منتظم ذو أبعاد لامتناهية بالصغر، يمكن أن يتألف من أجزاء متشابهة مؤلفة بدورها من أجزاء مشابهة للجزء الأم . تبعاً لذلك، يمكن تعريف الكسيرية  أنها كائن هندسي خشن غير منتظم في المستويات كافة، و يمكن تمثيلها بعملية كسر شيء ما إلى أجزاء أصغر لكن هذه الأجزاء تشابه الجسم الأصلي. تحمل الكسيرية في طياتها ملامح مفهوم اللانهاية و تتميز بخاصية التشابه الذاتي أي أن مكوناتها مشابهة للكسيرية الأم مهما كانت درجة التكبير .المصدر: موسوعة الوكيبيديا، المترجمة).

الهوامش:

1- هذه المقالة نسخة منقحة من دراسة بالعنوان ذاته قدمت في المؤتمر الدولي الثالث للدراسات الثقافية في جامعة برمنغنهام في انكلترا.

2- للاستزادة عن  أعمال هؤلاء المفكرين، ينظر كيرني (1986)

3- نشأ علم النفس الجشتالتي في المانيا في مطلع القرن العشرين ووضع الأساس له ورثيمر وكوهلر وكوفكا. يؤمن علماء النفس الجشتالتيون أن الظواهر الذهنية هي ’احداث‘ ممتدة او كليات، كما يعتقدون بصعوبة فهم العمليات الادراكية الشاملة بصيغ مكوناتها الفردية، ويصرون ان الحقل الادراكي للفرد يتغير كليةً عند اكتساب معلومة جديدة. ويُعد غولوم (1937) من اشد الجشتالتيين تأثيراً في فيرليو. 

4- يرى فيرليو في الانترنت أحد المكونات الأساسية في "العصر الثالث للتسليح العسكري، أو ما يسميه احياناً بـ (القنبلة المعلوماتية)" (فيرليو 2000أ).

5- مايكل دغنر مشغول حالياً بترجمة كتاب فيرليو (شاشة الصحراء: الحرب بسرعة الضوء) (2001) وستتولى دار نشر اثلون طبعه.

6- بغية الاطلاع على مفهوم بديل لمفهوم الهايبرحداثية المبين في الدراسة الحالية، ينظر، مثلاً، البرت بورغمان "عبور الحدود ما بعد الحداثية" (1993).

7- ابتغاء تطوير المنجز الفكري لفيرليو عبر مناقشة الجوانب المختلفة للفكر الثقافي والاقتصادي الهايبرحداثي الى جانب البنية العسكرية-السياسية، ينظر ارمتاج وغراهام (2001).

المصادر:

1- ارمتاج، جي (1999) "تشريح جسد البيانات: مقابلة مع ارثر وماريلوز كروكر،" في جي ارمتاج (المحرر)عدد خاص عن "التغيرات الميكانيكية: النظرية الثقافية الجديدة والسياسة التكنولوجية." انغلكي: مجلة الانسانيات النظرية، المجلد 4، العدد 2، ايلول.

2- ارمتاج جي (2000أ) "بول فيرليو: مقدمة نظرية،" ص. 1-23، في ارمتاج (المحرر) (بول فيرليو: من الحداثية الى الهايبرحداثية وما بعدها)، لندن: ساج.

3-ارمتاج، جي (2000ب) " من الحداثية الى الهايبرحداثية وما بعدها: مقابلة مع فيرليو،" ص. 25-26، في المصدر السابق.

4-ارمتاج، جي (2000ج) "مُنظر السرعة،" ص. 145-147، في نيو لفت رفيو 2 (السلسلة الثانية) اذار/نيسان 2000.

5-ارمتاج، جي (2000د) "مبدأ اللايقين: بول فيرليو والقنبلة المعلوماتية،" في مجلة الميديا والثقافة، المجلد الثالث، العدد الثالث، المكرس للسرعة، تحرير جي ردن واس ايلوارد.

6- ارمتاج، جي (2001أ) "حرب كوسوفو وقعت: مقابلة مع فيرليو،" في ارمتج (المحرر) (فيرليو حياً: مقابلات مختارة). لندن: ساج.

7- ارمتاج، جي. (2001ب) "العسكري هو الواسطة،" في (العيش في فضاء السايبر: التكنلوجيا والمجتمع في القرن الحادي والعشرين. لندن: دار نشر اثلون. تحرير: ارمتاج وجي روبرتس.

8- ارمتاج، جي. وغراهام، بي. (2001) "اقتصاديات السرعة: نحو الاقتصاد السياسي للسرعة،" في ارمتاج (المحرر)، (بارلاكس 18، المجلد السابع، العدد الاول، "اقتصاديات التطرف).

9- بوديارد (1983). محاكاة. نيويورك. النص السيميائي.

10- بوديارد (1995). حرب الخليج لم تقع. بلومنغتون وانديانابولس: جامعة انديانا.

11- كلاوسيفيتز، فون (1997). عن الحرب. اصدارات ووردسورث.

12- بورغمان، ارنولد (1993) عبور الحدود ما بعد الحداثية. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو.

13- كونلي، في (1997). السياسة الاحيائية: البيئة في الفكر ما بعد البنيوي. لندن: روتلج.

14- كروغان، بي (1999) "نظرية الدولة: الدولة والتكنلوجيا والسرعة في فكر ديلوز وغوتاري وفيرليو." في جي ارمتاج (المحرر)عدد خاص حول "التغيرات  الميكانيكية: النظرية الثقافية الجديدة والسياسة التكنلوجية." انغلكي: مجلة الانسانيات النظرية، المجلد 4، العدد 2، ايلول.

15- ديلوز، جي (1995) "عن مجتمعات الضبط،" ص. 177-182 في جي ديلوز، مفاوضات: 1972-1990. نيويورك: جامعة كولومبيا.

16-ديلوز، جي وغوتاري اف. (1988). المستويات الالف: الرأسمالية والشيزوفرينيا. لندن: مطبعة اثلون.

17- دير، ديريان، جي. (1992) اللادبلوماسية: الجواسيس والارهاب والسرعة والحرب. اكسفورد: بلاكول.

18-فوكو، ميشيل (1977) الضبط والعقاب: ولادة السجن. هارموندسورث: بنغوين.  

19- جينيسكو، جي. (1999). مكلوهان وبوديارد: رواد الانهيار. لندن: روتلج.

20- غيوم، بي. (1937). علم نفس الشكل. باريس: فلاميريون.

21- هاروي، دونا(1985). بيان السايبورغ: العلم والتكنلوجيا والفمنستية الاجتماعية في الثمانينيات. ص. 65-108. سوشلست رفيو 80، العدد الثاني.

22- هارفي، ديفيد. (1989). الوضع ما بعد التحديثي: دراسة في اصول التغير الثقافي. تموز/اب.

23- هارفي، ديفيد. (2000). "اعادة خلق التاريخ،" ص.75-97 في ذانيو لفت رفيو 4 (السلسلة الثانية).

24- جونثان، بي. (المحرر).(1996) وظيفة المنحرف: معمارية كلود بارنت وبول فيرليو. لندن: الهيئة المعمارية العليا.

25- كيرني، ار. (1986). الحركات الحديثة في الفلسفة الاوروبية. مطبعة جامعة مانشستر.

26- كلنر، دي (2000) "فيرليو والحرب والتكنلوجيا: بضعة تأملات نقدية" في ارمتاج (المحرر)، بول فيرليو: من الحداثية الى الهايبرحداثية. لندن: ساج.

27- كروكر، ارثر (1992) "بول فيرليو: الجسد ما بعد الحداثي بوصفه ماكنة حرب،" في كروكر، "الفرد الممسوس: التكنلوجيا وما بعد التحديث." باسنغستوك: ماكميلان.

28- لاش، سكوت (1999). "الموضوعات السيئة: فيرليو،" في لاش، (تحديث اخر/ عقلانية مختلفة). اكسفورد: بلاكول.

29- ليوتارد، جان فرانسوا (1984) الوضع ما بعد الحداثي: تقرير حول المعرفة. دار نشر منيوبولس وجامعة مانشستر.

30- ماندلبرت، بي. (1977). الهندسة الكسيرية للطبيعة. نيويورك: فريمان.

31- مكلوهان، مارشال. (1964). فهم الميديا: امتدادات الانسان. كامبردج: ماسوشست.

32- بلانت، اس. (1997). اصفار وآحاد: النساء الرقميات والثقافة التكنلوجية الجديدة. لندن: فورث استيت.

33- سوكال، اي وبركمونت جي. (1998). الافاقون المفكرون: استغلال الفلاسفة ما بعد الحداثيين للعلم. لندن: بروفيل بوكس.

34- تسو، اس. (1993، نص صيني قديم) فن الحرب. وير: مطبوعات ووردسورث.

35- فيرليو، بول. (1976). اضطراب الاقاليم. باريس: ستوك.

36- فيرليو، بول (1977). السرعة والسياسة: مقال حول علم السرعة. نيويورك: سميوتكست.

37- فيرليو، بول. (1984). الحرب والسينما: لوجستيات التصور الادراكي. لندن ونيويورك: فيرسو.

38- فيرليو، بول. (1978). الدفاع الشعبي والصراعات الايكولوجية. نيويورك: سيميوتكست.

39- فيرليو، بول.(1980). جماليات التلاشي. نيويورك: سيميوتكست.

40- فيرليو، بول. (1984). البعد الضائع. نيويورك: سيميوتكست.

41- فيرليو، بول. (1991ج). شاشة الصحراء: حوليات الحرب. باريس: غاليلي.

42- فيرليو، بول. (1994أ). اركيولوجيا الخندق. برنستون اركتكجرل برس.

43- فيرليو، بول. (1994ب) ماكنة الابصار. بلومنغتون ولندن: مطبعة جامعة انديانا.

44- فيرليو، بول. (1995). فن المحرك. منيوبولس: مطبعة جامعة منيوستا.

45- فيرليو، بول. (1997). السماء المفتوحة. لندن: فيرسو.

46- فيرليو، بول. (1999أ). سياسات الاسوأ. نيويورك: سيميوتكست.

47- فيرليو، بول. (1999ب). الخمول القطبي. لندن: ساج.

48- فيرليو، بول (2000أ). القنبلة المعلوماتية. لندن: فيرسو.

49- فيرليو، بول (2000ب) ستراتيجية الخداع. لندن: فيرسو.

50- فيرليو، بول وبارنت سي (1996). الحرب الخالصة: نسخة منقحة. نيويورك: سيميوتكست.

51- فيرليو، بول وكتلر، اف. (1999). "القنبلة المعلوماتية: حوار" في جي ارمتاج (المحرر)عدد خاص حول "التغيرات الميكانيكية: النظرية الثقافية الجديدة والسياسة التكنولوجية." انغلكي: مجلة الإنسانيات النظرية، المجلد 4، العدد 2، ايلول.

52- ويت جي (1996). فكر/جثمان نيتشه: الجماليات والسياسة والنبوءة او الثقافة التكنولوجية المذهلة للحياة اليومية. دورهام ولندن: مطبعة جامعة ديوك.

53-واك، ام. (1994). الجغرافية الافتراضية: التعايش مع الاحداث الميديوية العالمية. بلومنغتون وانديانا: مطبعة جامعة انديانا.

54-زوربرغ، ن. (2001) "لا كلمات ولكن رؤى!" لقاء مع بول فيرليو في ارمتاج، فيرليو حياً: مقابلات مختارة. لندن: ساج.  

* يعمل جون ارمتاج محاضراً اساسياً في السياسة ودراسات الميديا في جامعة نورثومبيا، المملكة المتحدة. اصدر عدة كتب منها بول فيرليو: من الحداثية الى الهايبرحداثية وما بعدها (2000)، وكذلك فيرليو حياً: مقابلات مختارة.

 

علي رسول الربيعيتسعى هذه الدراسة عن نظريات الحقوق إلى تقديم إجابات عن أسئلة أساسية مثل: ما هي الحقوق، ومن له الحقوق وما هي الحقوق التي يتمتعون بها، وما هي الحقوق التي يجب أن يتمتعوا بها، وكيف نؤمن ونحمي هذه الحقوق؟ يحاول الفلاسفة بناء نظريات عامة للحقوق على الرغم من تنوعها الكبير. تركز بعض هذه النظريات على طرح أسئلة تجريبية موضوعية حول من له الحقوق وما هي هذه الحقوق، وأسئلة معيارية، من يجب أن يكون له الحقوق وما يجب أن تكون عليه هذه الحقوق. وتركز نظريات أخرى أكثر على أسئلة منهجية وشكلية حول المعنى والتحليل والتعريف، على الرغم من أن هناك عادةً أجندة تقييمية أساسية تتعلق بالأسباب المبررة التي تجعلنا نسعى أو نُفضل أن يكون هناك نظام حقوق على الإطلاق. تبدأ هذه الدراسة بفحص نظريَتَي الحقوق الرئيسيتين اللتين تقدمان نفسهما كنظريات أساسية حول المعنى ولكن في الواقع يفتحان الطريق لتقديم إجابات على جميع أسئلتنا حول الحقوق. إحدى هذه النظريات هي نظرية "الإرادة" (أو "الاختيار" أو "القوة"). والآخرى هي نظرية المصلحة أو "الفائدة". توفر كلتا النظريتين جسرًا بين القضايا المفاهيمية والقضايا المعيارية حول الحقوق.

الإرادة أم الفائدة؟

وفقًا لنظرية إرادة الحقوق، يتم شرح الحقوق من حيث قدرتنا على الاختيار والتأثير بواسطة عمل الإرادة. تُمكِّن الحقوق طبقاً لهذا الوصف صاحب الحقوق من التحكم من خلال الالتزامات المفروضة على الآخرين في كيفية تصرف الآخرين تجاه صاحب الحقوق. وفقًا لنظرية الفائدة في الحقوق، يتم شرح الحقوق من حيث حقيقة أن البشر قادرون على امتلاك مصالح. وطبقا لهذا الوصف، تضمن الحقوق من خلال الألتزامات المفروضة لحماية المصالح صاحب الحقوق والنهوض بها. قد يُنظر إلى كل من إرادة ونظريات الاهتمام على أنها تقدم إجابات متنافسة على السؤال: ما المقصود بالقول إن الشخص مدين بشيء ما، أو لديه واجب أو التزام تجاه شخص آخر. تقبل كلتا النظريتين أيضًا شيئًا مثل مخطط هوفيلد Hohfeld للحقوق (الذي أشرنا اليه في مقال سابق من هذه السلسلة أو المقال الأول عن الحقوق والعدالة الإجتماعية) والذي يجعل فكرة الحقوق التي تحكمها القواعد والالتزامات المترابطة والمفروضة أساسية لفهمنا للحق. ومع ذلك، في حين يمكن القول على الأقل أن جميع الحقوق (باستثناء حقوق الحرية الخالصة) ترتبط بالتزامات شخص آخر، فإن العلاقة لا تعمل في الاتجاه المعاكس (ليون 1970). سواء أكانت جميع الحقوق مرتبطة بواجب شخص آخر أم لا، فليست جميع الالتزامات مرتبطة بحقوق شخص آخر. وبالتالي فإن التزام الشخص بمساعدة الفقراء قد لا يعني أن أي شخص فقير له الحق في الحصول على المساعدة من أي شخص على وجه التخصيص. تتعلق العديد من الواجبات بالترويج لـ "المنافع العامة"، مثل الهواء النقي، والذي لا يمكن أن يتمتع به فرد واحد دون أن يتمتع به الآخرون الموجودون على نحو مماثل. بعض الواجبات مستحقة لأشخاص آخرين، وهذه الالتزامات هي التي ترتبط بوضوح مع الحقوق. ومن هنا كانت الحاجة إلى نظرية الحقوق لتقول ما يعنيه مديونية الالتزام تجاه شخص آخر.

إذا استطعنا الإجابة عن هذا السؤال (المذكور أعلاه)، فربما اكتشفنا مفتاح "شروط وجود" الحق (وهي الخصائص التي يجب أن يكون عليها شيء ما لكي يكون حقًا). وفقًا لنظرية الإرادة، يوجد الحق عندما يمكن للشخص (حامل الحق) اختيار أن يقوم شخص آخر بالوفاء بالتزام أو إخلائه من هذا الالتزام. من وجهة النظر هذه، إن الحديث عن الحقوق هو لغة من الادعاءات التي تنتج القدرة على التحكم في تصرفات الآخرين من خلال اشتراط أن يتصرف هؤلاء الآخرون تجاههم بطريقة معينة، وعادةً من خلال عدم التدخل في ما يريدون القيام به ولكن أيضًا في بعض الأحيان عن طريق تمكينهم لتحقيق أهدافهم. الحقوق هي إذن أشياء يجب امتلاكها أو المطالبة بها أو التنازل عنها أو استخدامها كما يراها المالك مناسبًا. فيمكن أن يُنظر للخيارات هنا بسهولة على أنها تمارين للإرادة والسلطة. وأن وجود أو استخدام حق قد يكون لصالح صاحب الحقوق أو لا يكون. كل ما يهم هو أن يتمتع صاحب الحقوق بسلطة الاختيار أو التحكم في الوفاء بالالتزامات التي ترتبط بالواجب من خلال ممارسة إرادته.

أما بالنسبة إلى نظرية الإرادة، فإن الالتزامات المرتبطة بحقوق المطالبة مستحقة لصاحب الحقوق، بمعنى أن صاحب الحقوق لديه السلطة المعيارية للمطالبة بالوفاء بالتزامات تجاهه أو تقديم بعض التعويضات لعدم الوفاء.. وبالتالي، فإن الحقوق هي صلاحيات تقديرية قد ينشرها أصحابها حسب ما يرونه مناسبًا. هذه هي الحالة الأكثر وضوحا عن المطالبة بالحقوق أو حق المطالبة بها. لا يُشترط، في حالة الحقوق الأساسية للحرية، الاختيار إلا في أنه يجوز لأصحاب الحقوق فعل ما يحق لهم القيام به. فمن الخصائص العامة لنظرية الإرادة التمسك بأن الشخص الذي لديه الحق في القيام بشيء ما له الحق أيضًا في عدم القيام بذلك. إذا ركزنا على حقوق السلطة، فمن الواضح أن عنصر الاختيار هو في المقدمة لأن الأمر يعود إلى صاحب السلطة في استخدامها أم لا، وكيفية استخدام هذا الحق بالشكل الصحيح. وفي حالة الحصانة، يجوز لصاحب الحقوق أن يتنازل عن تأثير حصانته على حقوق السلطة للآخرين.

وفقًا لنظرية الفائدة أو المصلحة، من ناحية أخرى، فإن شرط وجود الحق هو أن هناك التزامًا موجه نحو حماية المصالح أو تعزيزها، لا سيما للشخص الذي له الحق. تستوعب نظرية الفائدة حقوق الحرية الرئيسة بالقول إنَّ هذه الحقوق موجودة عندما تخدم مصالح الشخص بسبب عدم وجود قاعدة. المطالبة بالحقوق هي حقوق عندما يكون هناك التزام مفروض يحمي أو يعزز مصلحة أو حقوق محددة لصاحب الحقوق. تنطوي قواعد منح السلطة على حقوق حيث يتم تصميم هذه الصلاحيات بشكل يخدم مصالح صاحب الحقوق، ويتطلب تحليل مماثل للحصانات أن يكون حق الحصانة أداة لفائدة صاحب الحقوق. يكون للشخص الحق عندما يكون هناك التزام موجه نحو حماية أو تعزيز مصالحه. قد يكون هذا، ولكن ليس بالضرورة، خيارًا صحيحًا وفقًا للخطوط الرئيسية لنظرية الإرادة حيث يكون لصاحب الحقوق القدرة على إنفاذ الحق والتنازل عنه.

من المهم أن نلاحظ أن نظرية الفائدة لا تقول أن جميع المصالح ترتبط بالتزام شخص آخر، وتصبح بهذه الطريقة حقوقًا. بدلاً من ذلك، فقط تلك المصالح التي ترتبط بهذه الالتزامات هي التي تشكل الحقوق. لكن هذا يعطينا أساسًا لفهم فكرة الالتزام المستحق لشخص ما، أي أن الالتزام لصالح هذا الشخص. وهكذا يطالب (راز)أن تكون المصلحة أو الفائدة المعنية هو "سبب كاف" للتأويل أو تبرير فرض الواجب. قد لا يكون هذا هو الكيفية التي يعمل بها دائمًا في الممارسة العملية، ولكن الأساس المنطقي أو التبرير المقبول لهذا الالتزام هو أنه يخدم مصالح الأشخاص الذين يتم تحديدهم، والذين يتم تعيينهم عمومًا كأصحاب الحقوق.

عند النظر إلى هذه النظريات على أنها تتنافس على تقديم إجابات على سؤالنا الأول (ما هي الحقوق؟)، قد نشيد بنظرية الإرادة لدقتها ووضوحها ولكننا نفضل نظرية الفائدة لأنها أكثر شمولية. نظرًا لأنه مجرد محاولة لتعريف معنى الحقوق، تبدو نظرية الإرادة دوغمائية في اختيارها لما قد نسميه حقوق الأختيار كنوع أساسي أو وحيد من الحقوق. ينصَب التركيز على تلك الحقوق التي تمنح الأفراد صلاحيات، لا سيما الصلاحيات للمطالبة بحقوقهم أو التنازل عنها في مايتعلق بالنوع الذي تميزه حقوق الخيار. يبدو من المتعذّر استبعاد الحريات الأساسية، أو المطالبة بالحقوق التي لا يمكن التنازل عنها (مثل الحق في الحياة) وبشكل عام حقوق الأطفال الصغار وأولئك الذين لا يملكون القدرة على اتخاذ الخيارات أو ممارسة الإرادة العقلانية.

ومع ذلك، إذا فكرنا في كيفية حديثنا عن الحقوق، فيبدو أن هناك افتراضًا مفاهيميًا مفاده أنه، في حالة وجود أشياء أخرى متساوية، إذا كان لدى شخص ما حق فذلك الشخص فقط هو من له أن يفرض هذا الحق أو يتنازل عنه. هذا ما يفسر السبب في أنه يبدو من المنطقي تمامًا أن يمارس شخص ما حقوقه من أجل إفادة أشخاص غيره، وهو أمر يجب أن يبدو غريباً إذا كانت نظرية الفائدة صحيحة أن الحقوق موجهة دائمًا نحو حماية مصلحة صاحب الحقوق .

علاوة على ذلك، يبدو أن نظرية الفائدة (أو المنفعة) لها عيب خطير يجعل حدود الحقوق غامضة ومفتوحة العضوية. هذا ليس لأن كل المصالح تنتج حقوقًا، لأنه لا أحد يشغل هذا الموقع. النظرية هي أن الحقوق مصممة لحماية مصالح مفضلة على وجه التحديد. ومع ذلك، تكمن المشكلة في أن جميع الالتزامات قد تفيد جميع أنواع الأشخاص الآخرين بطريقة ما في بعض الأوقات. ربما يتعين علينا التراجع عن القول إن ما يهم هو من يستفيد من الوفاء بالالتزام بشكل طبيعي. أو ربما مَن المقصود أن يستفيد. قد نقول، في حالة الالتزامات القانونية، أن نيًة الهيئة التشريعية هي التي تهم، إذا أمكن التحقق من ذلك. لكن هذا لا ينطبق بسهولة على الحقوق المجتمعية، على الرغم من أنه قد يتم الأحتكام الى الرأي العام بشأن ما هو الهدف من الالتزام المعني.

تواجه نظرية الفائدة أيضًا صعوبة في أختيار الحقوق حيث يكون الحق مُعد ومصصم بشكل واضح ومحدد، أو يُستخدم فعليًا، كوسيلة لمساعدة أشخاص آخرين غير اختيار صاحب الحقوق، كما هو الحال عند منح الآباء حقوقًا لتمكينهم من حماية أطفالهم، أو كما هو الحال مع الحقوق الاقتصادية الموجودة لأننا نعتبرها مفيدة بشكل عام. علاوة على ذلك، فإن نظرية الفائدة تواجه صعوبة في التعامل مع الحقوق الذرائعية أو الأداتية  حيث تكون الفائدة النهائية للحق هي للأشخاص غير أصحاب الحقوق. لكن يبدو علينا أن نفترض صحة نظرية الاختيار حتى يمكن أن نقول إن بعض الحقوق مصممة لحماية وتعزيز مصالح الأشخاص الآخرين غير صاحب الحقوق.

غالبًا ما تتم مناقشة هذه المشكلة من وجهة نظر " الطرف الثالث المستفيد"، أي الأشخاص الذين يستفيدون نتيجة علاقة الالتزام بين شخصين آخرين. وبالتالي، فيما يتعلق بنظرية الفائدة، إذا وعد شخص شخص آخر بتقديم هدية لشخص ثالث، يبدو أن هذا الشخص الثالث هو صاحب الحق وليس الذي وعد. ومع ذلك، قد يكون مستعدًا لمنظِّر الفائدة لقبول ما يتضمن ذلك بأن من الطرف الثالث المستفيد له الحق (في الحصول على الهدية)، مع الإصرار على أن للذي وعد أيضًا الحق (في تلقي الهدية). ومع ذلك، يجب أن تؤكد نظرية الفائدة على أن الذي أعطى الوعود لا يستفيد عمومًا من المنفعة هنا، وهو أمر غير معقول نظرًا لأن الوعود يجب أن يكون لها سبب ما.

تتمتع نظرية الفائدة أيضًا بميزة أنها يمكن أن توفر سببًا وجيهًا يجعل من الأفضل اتخاذ بعض الحقوق على أنها حقوق اختيارية، لأن هذا يعزز قدرة الفرد على حماية مصلحته من خلال "ممارسة" هذا الحق

على أساس دلالي بحت، يبدو أن ميزة الفائدة أو المصلحة تكمن، طبقا لنظرية الفائدة، في الأعتقاد أو التمسك بالرأي القائل بأن ليس كل الحقوق هي حقوق تقع في مجال حرية الأختيار أو طبقاً لنظرية الإرادة تكمن في التمسك بالراي الذي يقول الميزة هي بقدر ما تكون بعض الحقوق في صالح الآخرين. علينا أن نستنتج أنه لا يمكن لأي من هذه الطرق أن تفسر المجموعة الكاملة من الحقوق المتنوعة في خصوصية الخطاب المعياري عن الحقوق. تحت هذه المصادمات المفاهيمية، توجد خلافات أعمق فيما يتعلق بالقيم التي تخدمها الحقوق. قد لا تكون نظرية الإرادة معنية كثيرًا بالإصرار على دور الاختيار في الشكل أو البنية الأساسية لجميع الحقوق كما هي توصي أنه، حيثما أمكن، أن يكون للحقوق شكل اختيار الحقوق، وبالتالي إعداد الطريق للإصرار على الدور المركزي للاستقلالية في كل تفكيرنا حول الحقوق. وبالمثل، فإن نظرية الفائدة هي المعنية، ربما، لضمان إنشاء الحقوق وتصميمها لخدمة مجموعة واسعة من المصالح أكثر من الحكم الذاتي. يمكن توضيح هذا الاختلاف التقييمي الناشئ بالرجوع إلى سؤالنا الأساسي الثاني بشأن موضوع الحقوق.

 

الدُكتور عليّ رّسول الرُبيعيّ

 

عامر عبدزيد الوائليالمقدمة: هناك جوانب مختلفة تناولتها الدراسات التي حاولت نقد التأخر الحضاري العربي فقد توزع بين نقد السلطة ونقد المجتمع ونقد البنية الثقافية ويأتي نقد علي الوردي ضمن النقد الاجتماعي الثقافي .

إذ يمكن الحديث عن التوصيف الذي قدمه المفكر الاجتماعي علي الوردي الذي يمثل مرحلة متقدمة لم تنل الفرصة الكافية يؤدي إلى تفعل أثارها الإصلاحية بشكل الذي يساهم في عقلنة تفعيل مسيرة النهضة في العراق، فهذه الأفكار كانت وليدة الواقع الذي يتشكل ويتحول فهي لم تتعال على هذا الواقع بالرؤية النظرية بل عبرت عن نفسها بالفكر والممارسة من أجل التحرر من الأفكار المسبقة وكسر النماذج الجاهزة، فهي لم تمارس النقد بصفته التقويض والهدم بل قدمت إمكانيات جديدة وقتها للقول والتفكير والتعبير ونظرت إلى التراث لا بوصفه ماضياً توارت أثاره بل بوصفه جزءا من بنية الحاضر يمارس فعاليتة وحضوره على السلوك والقيم والاعتقاد عبر النصوص والخطابات لهذا عملت أعادة النظر إليه انطلاقا من الواقع العراقي الذي يترك مساحة واسعة من معوقات النهوض، تحول دون بلوغ حقبة التقدم، والحديث والديمقراطية . ولم تفعل هذه الأفكار النقدية على المستويات السياسي والثقافي والمؤسسات الدينية بل على العكس أقصيت أفكاره، فالمثقف وليد فضاء معرفي متنام وتملكه أدوات الوعي كيفما كانت.. مرجعية الثقافة والدين؛ وهو منتج للأفكار لكن إذا كان هذا المثقف يمثل ثورة على تلك المؤسسات والمرجعيات كيف يكون ناطقا؟ هذه هي محنة المثقف التنويري الذي يختلف عن المثقف الداعية .فالمثقف التنويري الناقد لا يكتفي بتفكيك (النصوص مجّردة، بعيدة عن الواقع إنما تفكيك ابنية الفكر وقوالبه، انطلاقا من هذا الميدان الذي يؤدّي العمل فيه إلى كشف الاستراتيجيات السلطوية ا فضح ألاعيب الخطابات في حجب الحقيقة وتحوير المعنى، و تعرية الآليات اللامقعولة التي تمارسها أنظمة المعرفة وبنى الثقافة)(1)

هذه هي محنة المثقف التنويري الذي يتعامل مع ارث اجتماعي ثقيل يجعله محل رفض اغلب المؤسسات وقتها، وهذا قد يعود إلى المرجعيات الحداثوية التي اعتمدها فرغم عمله على تنبئها داخل الحاضنة الثقافية والاجتماعية عبر العودة إلى مرجعيات إسلامية –عربية والى ارث سياسي واجتماعي عربي من اجل إيجاد حلول للواقع الذي مازال متشابكا في إحداث الماضي فكرا وسياسة مع كل مشكلة معاصرة لأبدان يجدلها صلة بمعنى ما تبريرا وتسوغا للشرعية لها وهذا ماادركه الوردي عبر غياب تاريخية تلك الأفكار التي تتفاعل مع التاريخ على هذا جاءت رؤيته باستقلالية وعقلانية تنويرية والإصلاحية في تناول قضايا ودها تمثل عوائق إمام التحول الحد اثوي من ذهنية البداوة إلى ذهنية التحضر والتعددية والديمقراطية التي ربطها بإحداث تحول قيمي اجتماعي وفكر يتجاوز (الماورائي) المرتبط بالماهيات الثابتة وهذا ما عولج في مستوين الا ول الرؤية والثاني في البنية القيمية للبداوة.

المستوى الأول: الروية والمنهج:

الحقيقة لا تتفق مع المنطق الوعظي الذي اخذ من أرسطو إذ يصف البيئة التي جاء منها بقوله: (لقد كان فلاسفة اليونان يعيشون معزولين عن الحياة يحيط بهم تلاميذهم) إلا إن ذلك التراث ظهر داخله من تقاطع معه مع ظهور السفسطائية (لقد ظهر اتجاه هولاء الفلاسفة مفكرون آخرون أقرب إلى منطق الحياة الواقعية منهم، وهم الذين اشتهروا في تاريخ الفلسفة باسم السفسطائية، فكان من رأيهم إن ليس في الدنيا حقائق مطلقة، إنما حقائق نسبية، فما يراه بعض الناس حقا قد يراه البعض الآخر باطلا، والإنسان مقياس الحقيقة في نظرهم)(2)

فقد ساد النموذج المثالي على النموذج السفسطائي الواقعي (هذا جعل التفكير الاجتماعي الواقعي نادرا في تراث الفلسفة القديمة)(3)

ولهذا كان له اثر على فلاسفة الإسلام الذين تأثروا بمنطق أرسطو الذي اتسم بصفتين :

الأولى - انه منطق صوري والثانية انه منطق استنباطي .إما كونه صورياً (نقصد بذلك انه يهتم بصورة الشئ ويهمل مادته فهذه الصورية أهملت الوقائع الجزئية المحسوسة إذ يعدونها من الأمور التي لا تؤدي إلى علم يقيني صحيح، فالعلم الصحيح في رأيهم هو الذي نتج عن النظر في الأمور الكلية العامة، إذ هي أمور ثابتة لا تتغير، وهي إذن حقيقية بعكس الوقائع المحسوسة المتغيرة)(4). وهذه الرؤية نلمس تأثيرها على مفكري الإسلام (ومما يجدر ذكره إن غالبية المفكرين المسلمين في عصورهم المتأخرة كانوا يجرون في تفكيرهم على هذا المنوال)(5).إذ هم يحافظون على صورة الأمر الشرعي ولا يبالون إن يخالفوا محتواه أو مادته)(6)

ويحاول الباحث تناول جانب اللامفكر منه من قبل النهج المثالي الذي كان سائدا والذي يضع بين الواقع مثال عقلي تجريدي في وقت كان ابن خلدون رغم سيرته الذاتية المرفوضة من قبل الوردي إلا انه طور منهجا قياسيا هو ثمرة النقد الذي ابتدأ به الغزالي وابن تيمية من بعده وانتهائها بابن خلدون .فالوردي ينظر إلى التراث وهو ينطلق من الثقافة المعاصرة في علم الاجتماع تلك الثقافة التي ترفض التصور المثالي الافلاطوني الارسطي وامتداداته الافلاطونية المحدثة، وأيضا نقدا لحدود العقلانية المثالية ونقد تمركزات العقلية في تباين حدود العقل وأوهامه التي انطلقت من مز الق عرقية كما ظهرت في التمركز الأوربي حول ألذات هذا الأمر وجد في نقد السببية الذي كان الغزالي قد وضعه رغم التباين الشاسع بين الاثنان . فالوردي هنا يتناول اللأمفكر به الواقع أو المنهج الاستقرائي الذي سوف يظهر بوضوح في دراسته للمنهج المثالي لدى "وعّاظ السلاطين" الذي ينتقدهم به نقد ذهنية الوعاظ بقوله: (يكون الوعظ ذا ضرر بليغ في تكوين الشخصية البشرية، إذا كان ينشد أهدافا معاكسة لقيم العرف الاجتماعي، فإذا ذهب الإنسان إلى المسجد، أو إلى المدرسة، وأخذ يسمع وعظًا افلاطونيا يحضه على ترك الدنيا، مثلا، أدى ذلك إلى تكوين أزمة نفسية فيه لان الإنسان حين يسمع الواعظ يعظه بترك هذه الدنيا الخلابة، يمسي حائرا .فضميره يأمره بإطاعة الواعظ من ناحية ونفسه تجذبه من الناحية الثانية نحو الدنيا جذبا لا خلاص منه . فهو إذ وقع بين حجري الرحى، لا يستطيع إن يترك الدنيا ولا يستطيع إن يترك الجنة" التي وعد بها المتقون" (7)

خطاب الواعظ: يؤكد هنا حقيقة اجتماعية غابت عن الواعظين وهي (إن المجتمع عبارة عن منظومة متفاعلة من العلاقات والمصالح، وهو في صيرورة دائبة وتغير مستمر(8) ويقوم على خطاء فهو يفارق الواقع صوب المثال الافلاطوني أو ألقيمي عبر نموذج متخيل لإيمان تحقق (إن الواعظ يجعل الناس شديدين في نقدهم، فالمقاييس الافلاطونية التي يسمعونها من أفواه الوعاظ عالية جدا .وهم لا يستطيعون تطبيقها على أنفسهم فيلجون إلى تطبيقها على غيرهم .وبذا يكون نقدهم شديدا)(9)

يلاحظ أنهم بارعون في انتقاد غيرهم .فهم يحفظون عددا كبيرا من المقاييس الأخلاقية الدقيقة، إذ الوعاظ يعتقدون بأن السلف كان معصوما من العيب . أو في حالة السلوك الشخصي فقد صنع الواعظون لنا أنماطاً من السلوك فوق تناول البشر وتركونا نركض وراءها من غير جدوى، كمن يركض وراء السراب)(10) المصدر السابق، ص60. وبهذا يريدون من الناس جميعا إن يكونوا من طراز السلف الصالح .(11).

إذ هم يكررونها على مسامع الناس صباح مساء، ولذا فهم يستعملون هذه المقاييس سلاحا ضد الذين يكرهونهم.فلا يكادون يلمحون في أحد قولا أو فعلا منافيا لما وعظوا به حتى ينثالوا عليه لعنا وذما .وربما أعلنوا عليه الجهاد في سبيل الله.

فهذا الأسلوب يكون لدى الناس مقاييس مفارقة لايمكن إن تنطبق كما هو حال الزعامة (وعند ما يظهر زعيم بيننا نراه لا يليق بالزعامة . وذلك لأننا نقارنه بتلك القدوة التي صنعها لناس الواعظون)(12) .

أراد علي الوردي التأسيس إلى علم اجتماع عربي وهي محاولة عللها بقوله:-" إن علم الاجتماع ليس كعلم الفيزياء أو الكيمياء أو غير هما إنما هو في حالته الراهنة لما يصل إلى مثل هذه العلوم من النمو والنضوج.وقد بحث في أمور نجد لها أثرا في علم الاجتماع الخلد وني.إلا إن علم الاجتماع الغربي كان مشغولاً بالقضايا التي كان المجتمع الغربي يتساءل عنها ويثير حولها الجدل ؛إما ابن خلدون فقد كان ذهنه مشغولا بقضايا التي كانت الحضارة الإسلامية تعنى بها، كقضية الصراع بين الدين والدولة، أو بين العرب والعجم، أوبين البداوة والحضارة، أو أشبه، وهو يشير إلى هذه المواضيع على أنها كانت موضوع أطروحته في الدكتوراه .

إذ يؤكد الباحث على أهمية علم الاجتماع الخلد وني فيجب إن ندرسه من وجهة نظره دراسةً علمية تنفعنا في عصرنا هذا، لاسيما مجتمعنا العربي الراهن، فنحن إذن نقارن بين أحوال المجتمع العربي في أيام ابن خلدون وأحواله في أيامنا، نجد شبها كبيرا .

وهو يقارن بين ابن خلدون والدراسات الاجتماعية المعاصرة فيرى إن العلماء الحديثين في هذا الصدد هو المقارنة بين المجتمع الحركي والمجتمع ألسكوني، ويجوز القول إن هذه ألمقارنه الاجتماعية الحديثة تلك التي أجراها ابن خلدون بين البدو والحضر . (13) (14) منطق ابنً خلدون، علي الوردي، .

بل انه في هذه ألمقارنه يتناول الدراسات الاجتماعية بالتحليل في تناولها السكون والحركة فيرى الأتي:

1- فلم يحدث في التاريخ إن هاجر الريفيون أو البدائيون أحدى الحضارات المجاورة وأسسوا فيها دولة .

2- المجتمع البدوي يختلف في كثير من خصائصه عن أي مجتمع سكوني أخر .إن الصحراء التي يعيش فيها البدو، تختلف عن المناطق التي يعيش فيها البدائيون أو الريفيون أو غيرهم من أهل المجتمع ألسكوني .

3- اصح وصف للبداوة هو الذي جاء به ابن خلدون حيث قال عن البدو "إن رزقهم في ظلال رماحهم"(15)

4- حياة البادية ليست سوى حياة غزو وحرب، ومن العار كل العار على البدوي أن يكسب رزقه بكد يده .فهو صاحب سيف يغزو به ويدافع به من يغزوه، ولا مكان في البادية لمن هو جبان أو ضعيف .

5- قوام الحياة البادية هو المراعي .والمراعي لاينبت من جراء عمل بشري كما هو الحال في الزراعة مثلا .انه يعتمد في نموه على المطر الذي ينزل من السماء ولا يد لبدوي في صنعه أو توجيهه.

6- إن المراعي قليلة لا تكفي إلا عددا محدودا من سكان الصحراء ولما كان البدو يتكاثرون فلابد من وسيلة وهي الغزو والقتال .

7- إن الدراسات المعاصرة ترى إن البداوة مرحلة اجتماعية مرت بها جميع الأمم الاان "علي الوردي" يبين خطأ هذا الرأي" إن البداوة نظام اجتماعي يلائم حياة الصحراء وهو لا يظهر إلا فيها على الأكثر."(16)

من اجل هذه الأسباب التي تبدو فيها الدراسة الخلد ونية اقرب إلى البيئة العربية المعاصرة من الدراسات الاجتماعية الغربية .

ويرى الباحث أصالة الدراسة الخلد ونية في الأفكار آلاتية:

1) منشأ الدولة :ينقل عن {جومبلوتز}إن نظرية "العقد الاجتماعي" غير صحيحة تاريخيا (إنما هي بالا حرى نشأت من جراء النزاع بين الجماعات البشرية المختلفة وسيطرة إحداها على الأخرى لان النزاع صفة أصلية)(17) .وجاء {اوبنهايمر} وجعل هذه النظرية أكثر قربا إلى ابن خلدون (فان الدولة نشأت من جراء النزاع بين البدو والحضر، وقد حدث هذا عندما ظهرت الحضارة وان اكتشاف الزراعة مكنت الإنسان الأول في التاريخ من إنتاج فضلة تزيد على حاجته الضرورية، وبذلك اخذ ينتج معالم الحضارة من مسكن وملابس وأوعية وما أشبه.وجاء البدو يرومون الاستحواذ على فضلةالانتاج هذه، فحاربوا الحضر وغلبوهم . وكان من نتائج ذلك نشوء الدولة في التاريخ.)(18)

2)  المنطق الجديد:مما يجدر ذكره إن ابن خلدون فطن إلى هذا وتطرق إلى بحثه في مواضع من مقدمته .وقد كان يجري في بحثه حسب منطقه الجديد الذي يرى في كل شئ وجهين :حسن، وقبيح.فقد ميزوا بين الرئيس المتبوع والملك المسيطر، وكيف إن الأول منها يستمد رئاسته من طاعة قومه له والتفاف عصبيتهم حوله فلا قهر له عليهم، وكيف إن الثاني يقوم على التغلب والحكم بالقهر(19)، ويقول ابن خلدون إن الرئيس المتبوع لا يظهر آلافي البداوة قبل تأسيس الدولة.أما بعد تأسيسها فيصبح الناس فيها طبقات يعلو بعضها على بعض، ويكون الملوك في أعلى تلك الطبقات .وبهذا يتم التعاون بين الناس في إنتاج الحضارة. (20) الذي يخرج به علي الوردي الأتي:

1- الإطلاع على التصور الاجتماعي الخلد وني يعود إلى الأمرين:

الأول- منهما انه مازال يمثل موقفاً قريباً من التصورات الحديثة حسب ما سبق عرضه .

إما الأمر الثاني- هو إن ابن خلدون مازال قريباً من الحال العربي المعاصر الذي مازال يمثل تلك القيم البدوية .

2- العمل على تجاوز ابن خلدون بعد ما كانت (البداوة قديما تمثل دور الغالب في صراعها مع الحضارة أصبحت اليوم مغلوبة على أمرها، لا تدري ماذا تصنع .لقد اختفى الخطر الذي كان يهدد الحضارة دائما تجاه غزو البداوة لها، وحل محله خطر معاكس حيث صار البدو مهددين به في عقر دارهم ... كانت مشكلة الحضر قديما هي كيف يصدون عنهم غزوات البدو .أما ألان فقد أصبحت مشكلتهم كيف يحضرون البدو وكيف يساعدونهم على تبديل صفاتهم التي غدت لا تلائم حياة الحضارة الجديدة .)(21)

المستوى الثاني:نقد البنية القيمية:

جدلية النقد والتحديث في فكر علي الوردي تكمن في "صراع القيم "بين قيم البداوة وقيم الحضارة ألحديثه، والتي تظهر بالشكل الأتي:-يحاول الوردي إن يقدم تصوراته لمنظومة البداوة التي تقوم بالثالوث (العصبية، والغزو، والمروءة) فالبدو (يتعصبون قبليا، ويغزون بعضهم بعضا، ويتبعون قيم "الدخالة" والنجد والجوار ...)(22) وبالتالي تعد هذه البداوة أنموذجاً ثقافياً تحقق من خلاله تلك القوى الاجتماعية أهدافها ودوافعها بالبقاء والمحا فظة على وجودها داخل بيئة تفرض نمط معين من التعاطي وهذا ما يكشفه سلوك البدوي (الذي لا يفهم التوفير أو الادخار (..) انه لا يفهم هذا ولايستسيغه (...) إن يفضل إن يدخر السمعة بدلا من ادخار القروش، ومن هنا جاء قول حاتم الطائي :

أمأوى إن المال غاد ورائح إن       ويبقى من المال الأحاديث والذكر

فالسمعة تساعد البدوي على نيل الرئاسة وكثرة الأعوان والمناصرين، فيستطيع إن يغز بهم ويغنم، وهي أيضا تجعل الناس يسرعون إلى اغاثتة عند الشدة حسب المثل القائل (ارحموا عزيز قوم ذل) (23)

إن الكرم هنا يغدو رأسمال رمزي يضيف للفرد مكانة اجتماعية وهذا الأمر أيضا يربط بين المروءة /الغزو (لأتنكر إن الرجل البدوي نهاب، فهو يحب الغنيمة حبا جما، إنما في الوقع لا يحب الغنيمة من اجل قيمتها المادية، بل هو يحبها من اجل ما تمنحه من قدرة على المروءة والكرم، انه نهاب وهاب في إن واحد)(24) إن هذا السلوك مرتبط بالقوة والمباشرة مما جعله يصف سلوك البدو (صدق/قوة) (إن البدوي يأنف من الكذب والنفاق والخداع والمكر والمجاملة لأنه يعدها من أخلاق الذي ابتلى به الحضر فالبدوي ذو فروسية ورجولة وهي أخلاقه تناقض أخلاق الضعفاء والأذلاء)(25)

(ولاء/قوة) وهذه الثنائية هي الأخرى لها معنى خاص في منظومة البدو (معنى الولاء إن يلتزم الإنسان جانب حليفه أو جماعته فلا يفارقهم ... إلا إن هذا الولاء له سمات بدوية مرتبط بقوة الحليف) مما يجعله يزول بزوال قوة الحليف لان البدوي(يميل إلى الغلبة ويدور معها أينما تدور)(26).انه يربط هذه القيم بزمان قد تغير ومكان إلا إن الزمن قد تغير وأصبح الإنسان يعيش بين قيم البداوة وقيم الحضارة وهذا جعله مزدوجاً في سلوكه.إن الباحث في نقده للذهنية والتمركزات القيمة البدوية

فالحضارة القديمة كانت تعتمد البداوة من أهم عوامل الحركة الاجتماعية، فقيم القوة في البداوة تقابلها قيم الإنتاج في الحضارة.... وتفاعل ذينيك النوعين من القيم ظهرت الدولة الكبرى.إما الحضارة اليوم ليست في حاجة إلى عامل يأتيها من خارجها ليحركها ويؤسس فيها الدولة.إن الديمقراطية الحديثة جعلت الحركة الاجتماعية تنبعث من داخل الحضارة حيث تظهر بها الأحزاب المتصارعة.(27)

وبالتالي لم تعد هناك حاجة إلى أخلاق البدو على أخلاق الحضر لم تبق له الأهمية التي كانت له في الأزمنة القديمة.(لان الظلم الذي كان يعاني منه سكان الحضارة قديما بدا يختفي تدريجيا.وكذلك اخذ التفاوت في الترف بين طبقات المتمع يتقلص بحيث أصبح لا يؤدي إلى التفكك الخلقي كما كان يؤدي إليه قديما).(28)

التحويل:

إذ كان الفكر اليوم يشترط به إن يكون له صله بالواقع ومن هنا تبرز أهميته ومهمته وفعاليته وهويته ومهنته ولذته .ومن هنا فان الممكنات التي طرحها علي الوردي والتي نجد هناك إمكانيات للتفكير بها آلاتية:

1- نقد المنطق:

فالمنطق لم يعد على مطابقة التصور مع الواقع، لان المسألة ليست ماهيات ثابتة يحتاج دراكها إلى تصورات مطابقة، بل مسألة علاقات متغيرة، تولد دلالات مغايرة، أنها مسألة مركبات مفهومية تعيد تشكيل الموضوعات، بقدر ما تحدث تغييراً في العلاقات بين الأشياء .... فالحقيقة لا بوصفها مما هات مع الواقع أو تملك له، بل بوصفها لعب الخلق والتشكيل أو القدرة على الإحداث والتغييراذ لا سبيل إلى اختزال الموجودات إلى مجرد تصورات مطابق لما هو واقع، أو مجرد روايات تسجل بأمانة مجريات العالم، وإنما يتعلق الأمر بنصوص وتشكيلات تجسد عوالم ممكنة أو تفتح أبواباً موصدة .(29) هذا المنطق يتجاوز المنطق العلموي"الوضعي" الذي يحاول التعالي العقلي تجريدي الذي يسقط الأخر في مجال اللاعلميه عبر الصور النمطية مثل البداوة بوصفها بنية ذهنية للعرب، ضمن هذه الإلية ثم إنتاج صور تمثيلية عن العرب وقد تنوعت الصورة المتخيلة عن العرب في جغرافية شرقية صحراوية ويمكن أدراج نماذج لتلك الصورة رافقت التطور التاريخي الذي ولده الصراع السياسي والذي أنتج بالتالي إشكالاً جديدة من التخيل .صورة العربي التي تمثل شيخا صحراويا يحيط به حريم من الفتيات الصورة وليدة ذهنية الاستشراق . صورة العربي (المتوحش) أو غير المتحضر و (ذي النزعة العسكرية) في علم الميثولوجية:ظهرت أسطورة "الإنسان الوحشي الطيب"في عصر النهضة كانت معبره عن الاصالة والأخلاق بامتياز .وهكذا لكون الثروات في المناطق الاستوائية تكسب بدون مجهود وغير محكومة بلعنة العمل مقابل بؤس الحياة في أوروبا.لقد ترسخت هذه التصورات في الأذهان إلى حد أصبح الاستعمار يعتبر عملا إنسانيا يخول غزو الشعوب المسماة "الوحشية". وفي علم التاريخ وفلسفته:كان هناك طموح غربي يتضمن بناء خطاب كوني بوصفه سلطة عليا لكل فكر ولكل فعل وهذا ما حققه هيجل الذي ينطلق من اطروحة ذات شقين:في الشق الأول يشيد بالتاريخ كمرجع معتبروحيد، أما في الشق الثاني فيحط من شأن تاريخ الحضارت الشرقية ويعتبرها كمرحلة زائلة.ذا يقول هيجل: (نستطيع تعريف الاختلاف مابين الحرية في الشرق ومابين الحرية في اليونان ونظيرتها في العالم الجرماني في الشرق ليس غير فرد أوحد هو حر "المستبد"، في اليونان الكثرة هي حرة، في الحياة الجرمانية كل الأفراد هم أحرار، إي الإنسان حر لكونه إنسان..)(30).علم اللغات المقارن "رينان":ارنست رينان حاوله دائما الربط بين فقه اللغة كعلم مقارن والعرق حيث حاول من خلال بحوثه حول العرق السامي مما أدى به إلى رد الآريين والسامين إلى عرقين نبياين كبيرين لكن(بمجرد انتهاء هذه المهمة "التوحيد" ينحط العرق السامي بسرعة ويفسح المجال للعرق الآري أن يسير لوحده على رأس مصائر الإنسانية... خاصة بعد أن أصبح مسار الحضارة معروفا في قوانينه، واللامساواة مؤكدة بين الأعراق حيث قال في 1883: (كل شخص عنده شئ من التعلم في عصرنا، يلاحظ بوضوح أن دونية المسلمين الراهنة وانحطاط الدولة والانعدام لدى الأعراق، ناجمة عن تلقي ثقافتها وتربيتها من الدين الإسلامي فقط) ..)(31)

البايلوجية التطور: هنا تظهر نماذج من التصورات العلموية منها: سان سيمون 1803 يحتج باسم العلم، ضد مبدأ تطبيق المساواة على الأفارقة السود بحجة أن هذا الأجراء يسبب الكوارث في المستعمرات .فوجه إنذارا إلى رفاقه يقول:(لقد قام الثوريون بتطبيق مبادئ المساواة على السود : فلو استشاروا علماء وظائف الجسم، لكانوا تعلموا بأن الأسود، بسبب تعضيته، غير قابل لشرط مساو في التربية حتى ينشأ على نفس مستوى علو لدى أي أوربي ... لقد كانا مخطئين في اعتاق عرق أدنى منهم)(32).

إما دارون في كتابة "اصل الأنواع" الناطق بسم جيله والكاشف عن النزعات القومية في الغرب ومنظراتها العرقية حول الشرق في القرن التاسع عشر . إذ من خلال نظريته حول التطور القائمة على مبدأ النشوء والارتقاء، أفسح المجال أمام النظام الرأسمالي الجديد لضم الفكرة القديمة عن تفوق الأعراق التي دعيت بالتقدمية إلى فكرة التقدم الإنساني التي راجت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، على سبيل المثال عند كوندورسيه.كان دارون مرتاحا لهذه النزعة التفاؤلية كما أنه كان مؤيدا لفكرة التمايز البشري مابين عرق أعلى وعرق أدنى لاشك أن هذه الأفكار كانت متفرقة ولم تتصدر نتاج الاانها تشكل بمعنى ما المحرك الأساسي لرؤياه.(33)

لاشك إن لهذه التصورات العلموية متآزرا مع بعض الممارسات السلطوية أثرت في نشوء السر ديات التاريخية وفلسفة التاريخ والتي ساهمت في خلق هوية غربية تقابل ماهو غير غربي معتمدة على اختلافات جغرافية من التباينات التي تسهم في تقديم تعريف للذات الاوربيه عبر التباين بين ألانا والأخر هذه تساهم في خلق الهوية التي في بنائها لا تنفصل عن الغيرية (إن بناء الهوية يكون بمنزلة مخزن الأضداد)(34).ولهذا التاريخ وفلسفته دور كبير في تعميق ذلك الوهم بالهوية الغربية مقابل الأخر فدراسة التاريخ سواء أكان في المدرسة أم في الجامعة إذ تشكل أساس الذاكرة وهي تعد ما تكون عن دراسة الحياة في الواقع والحقائق الأساسية بلا انها إلى حد كبير كسعي قومي يقوم على التسليم بضرورة إن تبنى فهم المطلع ولاءه المروم للوطن والإرث والمعتقد)(35) وهذه السر ديات التاريخية تمثل عملية مماهاة تامة خالية من الاختلاف والتعارض فهي تؤدي إلى انغلاق حضاري وإرهاب فكر يعبر عن الاقصاءات الفكرية والعسكرية .

2- نقد منظومة القيم :

فان المنطق الجديد يتجاوز تلك النصوص بوصفها قراءات وليدة فضاء استعماري تقوم على منطق الثبات والهوية بالمقابل فن المنطق الجديد يقدم ممكنات تقوم على مفهوم نقد الثبات والقول بالنسبي والعلاقة المتغيرة بحسب تغير المحيط، فالقيم البدوية هي قيم ليس في ذاتها سلبية بل هي قيم كانت تستجيب لتحديات معينه لم تعد تستجيب لمنطق الحداثة والعلم لهذا تحولة إلى عائق إمام بناء ثقافة تعددية.

في الوقت الذي نرى المجتمع الديمقراطي ينظر إلى الحرية مقترنة بمسؤولية الالتزام بقيم المساواة والديمقراطية والعدل والحياة الانسانيه واحترام شخص الإنسان وحريته والحفاظ على المجتمع وعلى وجوده نظيفاً صحيحاً خاليا من كل تلوث تسعى إلى تغير الواقع عقلانيا فهي لا تطلب السلطة لذاتها، بل لأجل انماءالانسان وتحقيق أهدافه (36). بالمقابل المجتمع العصبوي الذي ينطلق من مفهوم العصبية وهي شعور فئوي بوحدة ألجماعه المتميزة، بشوكتها يكونها سلطة واحده وجسما واحداً، ومصلحة واحدة، قوية التضامن والتماسك، يشد أفرادها بعضهم إلى البعض، شعور بالانتماء إليها لا إلى غيرها من الجماعات وشعور الانتماء هذا يولد في أفرادها التزاما قيما فئويا نحوها، بكل مالها وما عليها التزاما واجباً ومسئولا يجعل الأخ ينصر أخاه ظالما أو مظلوما ويجعل جماعة العصبية ترى " أشرارها أفضل من أخيار غيرها " وان وحده الشعور بعصبية الجماعة هي في أساس التعصب الديني والوطني والقومي والعرقي، والتميز بين الناس والشعوب(37) والتقارب بين الهوية والعصبية كبير " فالعصبية " إنما تكون من " الالتحام بالنسب اوما في معناه " ومن الولاء والتحالف والصحبة . وابن خلدون يرى " إذ النسب أمراً وهمياً لا حقيقة له، ونفعه إنما في هذه ألوصله والالتحام (38) في الوقت الذي يبدو النسب أمر وهمي كذلك الهوية فهي تخضع للاختلاق والتلفيق عبر تغييب الأصول في العملية، وان تقصى كل فرص الاعتقاد بأن هذه العملية من صنع الإنسان . وتعي الجماعة خصوصيتها واختلافها عن الجماعات الأخرى . عندئذ تبدأ هذه الجماعة في تشكيل إطار ثقافي بموضعها وتتموضع فيه إي تبدأ في تشكيل هويتها الثقافية (39) ثم تحول تلك العصبية أو الهوية إلى بنية قيمية توجه السلوك وتخلق تصورات ألجماعه حول ذاتها وعلاقتها مع الآخرين .

فالعصبية، نعرة فئوية، دموية، رحمية، ملازمة، لنمو النوازع الاوليه يتربى عليها الطفل، وتبدأ مع ألام في الاسره .. وهذه الفئوية وقوتها تشكل شوكة الجماعة، ثم تسجيل، بفعل التطور إلى فئوية طائفية، دينية أو عرقية تستمد نعرتها لا من الدم فحسب، بل أيضا من الشعور الديني أو المذهبي أو العرقي الفئوية،  ثم تستحيل إلى فئوية إيديولوجية من الفكر الطائفي عرقي والانتماء الحزبي وعلاقات تنشأ منها فئوية متعدد في المجتمع العصبية(40). يقوم على ولاء فئوي أهلي بالمقابل فان المجتمع الديمقراطي إنتاج الحداثة السياسية القائمة على التعاقد وفكرة المواطنة بوصفها علاقة بين المواطن والمجتمع ـ دوله هو تميز المجتمع عن الدولة بالمقابل المجتمع العصبي ينظم اجتماع الجماعة على أساس الشعور بالانتماء إلى جماعة معينة على أساس قرابة الدم أو الاشتراك في الدين أو في المذهب وهذه العصبية كما لاحظنا هي الدرجة الدنيا والأولية في البناء العصبوي، وقد لا تكون دائماً مبعث مشاكل اجتماعيه أو سياسية طالما بقيت في حدود التضامن الذي يؤسسها بوصفها علاقة طبيعية وليست مدنية وتبدأ بالظهور من بنية إلى سلوك عندما يبدأ ولاء الناس للكيان الوطني للدولة بالاضمحلال يغدو ولاؤهم لعصبياتهم أعلى اشد من الأول.

ومن ملاح المجتمع الذي تسوده الو لاءات العصبية المتصارعة إن يتصف بأنه " بلا إجماع سياسي " منقسم على ذاته بفعل هيمنة احد العصبيات على الحكم وتحويلها إلى سلطة تحكم بفعل القوه والإكراه تعمل على فرض أرادتها على غيرها بالقوة بعد إن تحول إلى السلطة.

لكن الملاحظ في سلوك تلك العصبيات أنها على المستوى السياسي والفكري تعيش انفصالا على مستوى العقيدة أو المذهب أو الدم، إما على المستوى الاقتصادي حيث يزول ذلك الانفصال حيث يتحدث تعاون وتبادل المصالح لهذا نرى الفئة فيما بينها تفاوت اقتصادية يحولها إلى طبقات لكن الفكر يوحدها اتجاه غيرها . .

لذلك نلمس الدول في الوقت الذي يعيش اغتراباً عن واقعها المنقسم إلى عصبيات طائفية وفئوية وقومية تحاول إن تغلب علية باعتمادها أحدى العصبيات المهنية التي تعتمد الإكراه مع غيرها فان الدول رغم عصبيتها إلا أنها تعمل الخطاب الديمقراطي ولزيف التجربة الديمقراطية

سعياً إلى كسب الشرعية التي يراها الكثيرون في إما هيمنة القانونية التي هي ذات طابع عقلي، والهيمنة التقليدية طبعاً للعرف (أو العصبية) والمهيمنة الكاريزما نية أي ذو القدرة الخارقة على سحر الجماهير التي هي ذات طابع انفعالي وتتطلب الثقة الكاملة برجل استثنائي (41) .

ألملاحظه إن سعي الحكومات العربية أنها تحاول إن تحوز على الشرعية عبر انتسابها الاجتماعي ذي الطابع العصبي سلوكاً وطريقة تفكير عصبوية تقوم على التمركز حول ألذات وإقصاء الأخر.

ومن ناحية ثانية تحاول إسباغ الشرعية عليها عبر ادعائها الديمقراطية ولتحقيق هذه الشرعية لكن الملاحظ من تلك التجربة في تطبيق الديمقراطية أنها تتصف باختزال التجربة الديمقراطية بعزلها عن العمق الشعبي وجعلها مجرد تجربة لا تجد أي تأثير لدى القاعدة الشعبية .و سطحية وهشاشة التجربة الديمقراطية بوصفها نظرية سياسية في الواقع العربي مما حولها إلى مجر ديمقراطية شعارات استهلاكية، غياب المؤسسات الدستورية، تحت وطأة الدول السلطوية الاستبدادية، التي تكرس حكم الفرد في مقابل حكم الأغلبية، وقانون الرئيس أو الزعيم أو القائد على حساب حكم ألجماعه آو المؤسسة، أو الأحزاب وهذا ما ظهر في الشكل " الكاريزما نية "، و تأسيس الثقافة الديمقراطية وجعلها ثقافة تبشيرية للنظام الحاكم، بدل تثقيف السياسة الديمقراطية، بإسناد مهمة تطبيقها ورعايتها وتعميق مفاهيمها لدى أبناء المجتمع كي تنمي فيه روح ألحاجه إلى الديمقراطية الصحيحة وتخليص الديمقراطية من كل أساليب الزيف التي يقود إلى الكتب (42)  تكريس غياب الديمقراطية في الحياة السياسية العربية هو استبعاد منطق التعددية السياسية بحجة إن هذه التعددية تؤدي إلى تكريس الخصوصيات في حين المطلوب دمج هذه الخصوصيات في ورقة ألدوله لكن كل المحاولات القسرية لم تؤدي إلى انصهار الخصوصيات في بنية ألدوله وبالتالي فان العجز عن تحقيق دوله ألمواطنه(43 إن أدق تعريف للنظام السياسي الممارس في أدبياتنا السياسية، انه نظام لا عنوان له . فهو مزيج من العشائرية، والطائفية والقبلية والجهوية، والمذهبية، والسلطوية، والديمقراطية والإسلامية والجمع بين هذه فالاستبداد آفاقه ممثلة في السلطوية، وغياب المراقبة على الحاكم، ومزاجية الحكام وتهمش الكفاءات وإقصاء النزهاء، إضافة إلى الاعتقال والاختطاف والتعذيب وغير ذلك من آفاق الحكم المستبد

كما إن الديمقراطية عناوينها من الدستور ومؤسسات ومحاكم وانتخابات ونواب وحكومات وصحافة ولكنها عناوين أفرغت من محتوياتها وهذا الأمر انعكاس إلى تلك البنية العصبيويه التي تقوم على الإقصاء والتمويه وإبقاء الكل في حالة صراع الهدف السلطة لذتها داخل العصبية الواحدة أو مع باقي العصبيات، عبر خلف تحالفان مع بعضاهما ضد بعضها الأخر وسرعان ما ينتهي هذا التحالف بمجازر دموية تعمق الصراع حول المناصب وتوغل في الإقصاء لقد أقامت تلك السياسة الاقصائية بإنتاج الرفض الفكري من الكثيرين المفكرين الذين تم زجهم في المعتقلات لأنهم يعارضون أفكار السلطة، هذا قاد السلطة إلى إنتاج العنف المضار الذي كان يشكل رفض لسياستها لعل التكثيف الذي قدمه المفكر "حسن حنفي" البليغ في وصفه العلاقة بين الدولة والموطن " فالدولة  في ذهن المواطن هي الشرطة والمواطن في ذهن الدولة هو العاق أو الخائن أو العميل " (44. لهذا تبحث تلك الحكومات عن الآليات والوسائل التي تمهد لها تحقيق حيازة الشرعية وهذا لا يتحقق إلا عير صياغة رأى عام (فان الرأي العام الذي تبلوره رسائل الاتصال هو ذلك الرأي الذي تؤسسه الدولة، أي المؤسسة السياسية، وفق ما يخدم المصالح الآنية والمستقبلية)(45)

 

د. عامر عبد زيد

.......................

1- علي حرب، أوهام النخبة، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت 1996، ص 11).

2- علي الوردي، منطق ابن خلدون، منشورات سعيد بن جبير، قم المقدسة، ط 1، 2000ص17.

3- المصدر السابق، ص18.

4- المصدر السابق، ص29.

5- المصدر السابق، ص29.

6- المصدر السابق، ص31.

7- علي الوردي وعاظ السلاطين، ص 15.

8- منطق ابن خلدون، المصدر السابق، ص16.

9- وعاظ السلاطين، ص58 .

10- وعاظ السلاطين المصدر السابق، ص59.

11- وعاظ السلاطين المصدر السابق، ص60.

12- علي الوردي، منطق ابنً خلدون، ص 244،

13- المرجع السابق، ص245.

14- المرجع السابق، 245-246.

15- مقدمة ابن خلدون، ص454، منطق ابنً خلدون، علي الوردي، المصدر السابق، ص246.

16- المرجع السابق، ص247.

17- المرجع السابق، ص249.

18- المرجع السابق، ص289.

19- ابن خلدون المقدمة، ص909.

20- ابن خلدون المقدمة، ص909-910.بواسطة، منطق ابنً خلدون، علي الوردي،  المرجع السابق، ص251.

21- منطق ابنً خلدون، علي الوردي، المرجع السابق، ص255.

22- علي الوردي، المجتمع العراقي،، منشورات سعيد بن جبير، قم المقدسة، ط1، 2000، ص146.

23- المرجع نفسه، ص71-72.

24- المرجع نفسه، ص71.

25- المرجع السابق، ص78.

26- المرجع السابق، ص84.

27- المرجع السابق، ص256.

28- منطق ابنً خلدون، علي الوردي، المرجع السابق، ص257.

29- علي حرب، لماهية، والعلاقة، المركز اثقفي العربي، ص41-43.

30- غريغوارمرشو، أيديولوجيا الحداثة، ط1، 2000، الأهالي، عمان ص25.

31- المرجع السابق، ص31-32.

32- المرجع السابق، ص29.

33- المرجع السابق، ص34.

34- ارفن جميل شل، الاستشراق جنسيا، ت: عدنان حسن، ط1، 2003، شركة قدمس للنشر، بيروت، ص81.

35- ادوارد سعيد، التلفيق، والذاكرة، والمكان، م/كرمل، ص93.

36- عبد العزيز قباني، العصبية بنية المجتمع العربي، دار الافاق الجديد، بيروت، ط 1، 199، ص19.

37- المرجع السابق، ص42.

38- ابن خلدون، المقدمة، بيروت، دار القلم، 1989.ص130.

39- نادر كاظم، الهويات بين التحبيك السردي والتشكيل الايديولوجي، م/نزوى، ع(33) البحرين، ص103.

40- عبد العزيز قباني، العصبية بنية المجتمع العربي، ص45.

41- جورج بالا نديه، الانتروبولوجية السياسية، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1986.ص40.

42- عبد الرازق قسوم، عوائق الديمقراطية في تجربتها العربية، م/التعددية، لندن، ص27.)

43- مسلم عبد الله، غياب الشرعية وتحديات الديمقراطية في الدولة العربية، م/التعددية، ص10.)

44- حسن حنفي، الحكومات المستبدة تغتال استقلال الشعوب، جريدة الزمان، ع/1899، اراء ومقالات، لندن ص15.

عبد الرحمن عزي، دراسات في الاتصال نحو فكر إعلامي متميز، ص69.

 

حاتم حميد محسنتتميز فلسفة هيجل دائما بانها تسمح ببث الحيوية والانتعاش لأنها تثير إعجاب اولئك الذين يميلون للعقل وحب الميتافيزيقا.هذا يتضح في فينومولوجيا الروح (1807)، هذا العمل أطلق ثيودور ادرنو على أجزاء منه بـانها "يصعب فهمها حقا" .آرثر شوبنهاور الخصم العنيد لهيجل نعت هيجل بالدجال الذي ينسج كلماته متقصداً بخيوط متشابكة من الإسهاب لكي يخفي نواقصه الفلسفية. ولكن بالنسبة لمعجبيه الذين خاضوا في الفينومولوجي اعتبروها تحفة ميتافيزيقية رائعة. المشكلة مع هيجل تكمن في مكان آخر، في فلسفته في التاريخ (1837) وحيث يتعقب هيجل تطور "وعي الحرية" في عدة دول وعبر ثلاثة آلاف سنة.

في المقدمة يلخص هيجل نظريته ببيان واحد شهير: "تاريخ العالم ليس الاّ التقدم في وعي الحرية". الحرية والوعي هما اساسيان في فلسفة هيجل، لذا لنرى ماذا يعني بهاتين العبارتين. هذا يتطلب التوغل في الفينومولوجي اولاً لنجد معنى "الوعي" لدى هيجل، ثم النظر في فلسفة الحق لكي نجد معنى "الحرية".

الصعوبة الاكبر في عمل هيجل تبرز من هدفه : هو سعى لتفكيك وتعرية العمل الضخم لعمانوئيل كانط (نقد العقل الخالص 1781)، حيث استعمل كانط العقل ليقرر حدوده. احاسيسنا تتعرض الى وابل من مواد خام يستلمها ذهننا وينظمها ليخلق منها تصورات للواقع. هناك واقع موضوعي اطلق عليه كانط "الشيء في ذاته".

 اننا لا ندرك ذلك مباشرة وانما فقط تتم غربلته من خلال تصوراتنا، "الشيء في ذاته" هو وراء مجال العلوم وحتى المنطق، لذا سيبقى اسطوريا الى الابد. رغم هذا ادرك كانط ان العقل متعطش للحقيقة النهائية:"ان عقل الانسان سوف لن يتخلى عن البحث الميتافيزيقي مثلما هو لا يتخلى عن التنفس ". هيجل اراد ان يثبت ان كانط خاطئا . هو كما (فيتش) و(شيلينغ) شعر ان الفلسفة يمكنها فهم شيء كانط في ذاته.

 نظر هيجل الى التقدم الفلسفي من بعيد، اعتبر الفلسفات المتنافسة بما فيها فلسفة كانط كأنها كل واحدة منها تساهم بمرور الزمن بما يسميه "الكشف التقدمي للحقيقة". هذا شيء هام في فهم هيجل، كل الاعمال التي انتجها سابقوه واسلافه تصنع الكل. هو يوضح هذا باناقة في استعارته للشجرة المثمرة: البراعم تختفي حين تتفتح الى ازهار، الازهار عندما تختفي تنتج الثمار، كاشفة عن حقيقة وغرض الشجرة. هو يرى التقدم في التاريخ بشكل مشابه، كانكشاف تدريجي للحقيقة من خلال التفاعل في الافكار. هو اعتقد ان للتاريخ غرض ونهاية وهو تحرير الانسانية.

ولكن قبل الوقوف على فلسفة التاريخ، لننظر اولاً ماذا هو يعني بالوعي.

فينومولوجيا الروح

الفينومولوجي هي دراسة الظاهرة او "جعل الاشياء واضحة"، ولهذا فان عنوان هذا الكتاب يعني دراسة الكيفية التي تتجسد بها الروح او الوعي في العالم. هدف هيجل هنا هو فحص "العلاقة بين التاريخ الموضوعي والتطور الذاتي لوعي الفرد". ماذا يحصل في عالم الوعي عندما يتقدم من خلال التاريخ؟ الوعي طبقا لهيجل، بدأ كشكل بسيط يجد ذاته غير كافي، لذا يجب ان يتطور الى شكل اخر، "وهذا بدوره"حسبما يذكر (سنغر)، "سوف يثبت ايضا انه غير كافي ويتطور الى شيء آخر، وهكذا تستمر العملية حتى نصل المعرفة الحقيقية". شيء كانط في ذاته ستتم معرفته. هذه العملية تستلزم ظهور الوعي الذاتي، الذي يقول هيجل لايمكن ان يوجد معزولا، انه يحتاج نقيضا، شيء خارج ذاته – وعي آخر. ذلك الشيء غريب ويُرى كتهديد، وهكذا تأتي دينامية الحب- الكراهية الى السطح على شكل رغبة. "لكي ترغب شيء يعني ان ترغب بامتلاكه وهكذا لا تحطمه – ولكن ايضا تحوّله الى شيء لك، ومن ثم تجرّده من غرابته. لذلك يبحث المرء عن الاعتراف من الآخر (الوعي). هذا يقود الى صراع – ديناميكية السيد العبد التي بها يتنازع وعي واحد مع الاخر حتى يمتزج الموضوع (الاخر) مع الذات (المرء). في النهاية يأتي الى الوجود نوع من الوعي العالمي حيث تدرك الذات انها جزء من وعي اكبر في جماعة من الآخرين. في هذه النقطة يصل التقدم في وعي الحرية الى النهاية، والذي يسميه هيجل الذهن المطلق او الروح المطلقة.

الآن، ماذا يعني هيجل "بالحرية"؟

فلسفة الحق

يبدا هيجل فلسفة الحق (1820) بمناقشة الشكل الليبرالي الكلاسيكي للحرية – غياب القيود. هنا الفرد حر بعمل خيارات بدون تدخّل من الاخرين. هيجل وجد هذا الشكل من الحرية ضحلا. هو كتب، "اذا كنا نسمع ان تعريف الحرية هو المقدرة على عمل ما نرغب، هذه الفكرة تكشف فقط عن عدم نضج خارجي للفكر، لأنها لاتحتوي على معرفة بالرغبة الحرة المطلقة، الحق، الحياة الاخلاقية". بالنسبة الى هيجل، العنصر الرئيسي في الحرية هو الاختيار. ولكن على ماذا يرتكز الاختيار؟ ذلك سؤال لم يُسأل من جانب معظم اتباع الحرية. ولكن كما يكتب سنغر، "هيجل يسأل بالفعل، وجوابه هو ان خيار الفرد الذي يُنظر اليه بعزلة... هو حصيلة الظروف العشوائية. ولذلك فهو ليس حرية حقيقية". نحن لسنا احرارا عندما تبرز خياراتنا من رغبات عشوائية. اذاً متى نكون احرارا حقا؟ عندما تكون خياراتنا ترتكز على "الروح الاجتماعية لجماعة عضوية". الفيلسوف البريطاني برادلي الذي تبنّى فكرة هيجل عن الجماعة العضوية يلخص بشكل جيد معنى الخيار المرتكز على الجماعة:

"الطفل... يولد ليس في صحراء وانما في عالم حي.. هو يتعلم .. يتكلم وهنا هو يستفيد من المشترك.. اللغة التي يجعلها له.. وتحمل الى ذهنه افكار ومشاعر العرق.. . وتطبعها على نحو ثابت . هو ينمو في جو من المثال والعادات العامة.. الروح في داخله مشبعة.. بنى ذاته منها، انها واحدة وهي نفس الحياة العامة، واذا سار ضد هذا فهو يسير ضد ذاته.(F.H. Bradley، الدراسات الاخلاقية، مقالة 4)

لذا، بالنسبة لهيجل، الحرية الحقيقية مرتبطة بحرية الآخرين، حيث يمتزج الموضوع والذات في واحد. الآن وبعد ان اكتسبنا فهما عن رؤية هيجل عن الحرية والوعي، نستطيع التقدم لرحلته الجغرافية خلال التاريخ.

فلسفة التاريخ

اراد هيجل اثبات ان التاريخ عملية عقلانية محكومة بتصميم حتمي. اذا كان التاريخ محكوم بالعقل، اذاً ما الذي يدفعه نحو الوعي الكامل للحرية؟ طبقا لهيجل انه يُساق بالصراع ليس بين الجيوش وانما بين الايديولوجيات.

فلسفة التاريخ بالاصل سلسلة من المحاضرات اُلقيت في جامعة برلين انتهت عام 1831 قبل وفاته بسنة . لورنس ايفان يصف في مقال له مختلف العصور او المراحل التاريخية طبقا لهيجل. الشيء المدهش هو اختيار هيجل للامثلة ليوضح التقدم في وعي الحرية خلال التاريخ الانساني. عنوان كتابه ربما كان ايضا "فلسفة التاريخ من خلال الجغرافيا"، لأن امثلته من العهود المبكرة هي من الشرق، العصور اللاحقة جرى توضيحها بثقافات من الغرب، وبهذا هو يستمر حتى يصل بروسيا، حيث ينتهي التاريخ وتسود الحرية .

العهد الاول لهيجل يسميه "الاستبداد الشرقي" وهو يأخذ الامثلة الرئيسية منه كالصين القديمة والهند. في هذه المرحلة التاريخية، هو يقول، الناس ليس لديهم وعي بالحرية الخاصة بهم، القوانين والاخلاق تُفرض من الأعلى. فقط الحكام احرار. الباحثون ربما لايتفقون مع توصيفه لحضارات كاملة ومعقدة بـ "الاستبداد". انه من الملائم ربما القول ان هيجل ليس مهتما ايضا في تفاصيل او في الكشف المتوازن للمجتمعات القديمة – هو اراد فقط ان يعطي وصفا واسعا عن الكيفية التي ينكشف بها التاريخ.

الحركة القادمة لهيجل والى الامام تأتي الى بلاد فارس، امبراطورية ثيوقراطية شهدت اولى حركات الوعي بالحرية. الشمس مقدسة، وهي تشرق على الجميع، على الحاكم والمحكوم ايضا. هذه بداية "التاريخ الحقيقي"يقول هيجل وان كان لايزال في مهده.

بعد ذلك يتوجه غربا مرة اخرى الى اليونان الكلاسيكية، التي اصبحت اول مرحلة في الوعي الحقيقي للحرية. ديمقراطيتها تسمح بالحرية للعديد من الناس، لكن النظام الاجتماعي مرتكز على العبيد . مع ذلك، الفلسفة والفكر المستقل متحرران من دين الدولة، كانت دفعة انيقة للانسانية على طول مسار وعي الحرية. العقل والفردية المغروسان من جانب اليونان يتحركان غربا في مرحلة التاريخ القادمة، الامبراطورية الرومانية. وهناك يحصل التوتر بين السلطات والفرد. الافراد ذوي الميول نحو الفكر الحر يجدون ملاذا في الرواقية، والشكية والايبيقورية - مدارس الفكر التي اعتبرها هيجل محدودة ان لم تكن سلبية.

وعي الحرية نال دفعا كبيرا من صعود المسيحية، التي بالنهاية اضعفت الامبراطورية الرومانية. الكنيسة الكاثوليكية علّمت اعضاءها بانهم صُنعوا في صورة الله، انهم امتلكوا قيمة لامحدودة ومصير ابدي. هيجل اطلق على هذا "الوعي الذاتي الديني"، الشعور بان العالم هو بالنهاية روحي، غير مادي. لكن الكنيسة ازدادت فسادا، هيكلها التنظيمي انغمس في الجشع والشهوة والكسل والانحراف عن الروح الدينية الحقيقية. الصراع اللاحق اشعل شرارة الاصلاح، الذي اعتبره هيجل نقطة الانطلاق نحو نهاية التاريخ. مارتن لوثر نصح بان الفرد لايحتاج الى احتفالات متقنة وزخارف، ويمكنه تطوير علاقات شخصية مع الله دون الحاجة للكنيسة الكاثولوكية. بهذه الطريقة يمكن للضمير الفردي ان يقرر الحقيقة والمنطق.

هذا الاصلاح وضع الارضية للمراحل اللاحقة – التنوير والثورة الفرنسية. العقل حكم هنا، وهيجل شعر بالغبطة:"منذ ان وقفت الشمس في السماء والكواكب دائرة حولها اعتُبر ان وجود الانسان يتركز في رأسه، اي، في الفكر، بواسطته هو يبني عالم الحقيقة .. يعترف بالمبدأ الذي اعتقد انه يجب ان يحكم الحقيقة الروحية. كل الكائنات المفكرة شاركت بابتهاج هذا العصر".

بعد ذلك بدأ العقاب وبقسوة عندما تحولت الثورة الى رعب ومقصلة. بقاء العقل بمعزل عن الجالية ادّى الى فشل الثورة الفرنسية. طبقا لهيجل، الحرية تأجلت بينما ساد حكم القوة متجسدا في نابليون.

مع ذلك، بعض المبادئ المفيدة للثورة طبّقت في المانيا بعد غزو نابليون. في بلاد هيجل بروسيا، المواطنون العاديون اكتسبوا بعض الحقوق مثل حرية الحركة والتملك، ودوائر الحكومة فُتحت للمواطنين الكفوئين. لكن البرلمان كان ضعيفا، معظم الناس ليس لهم قول في الحكومة، والملك يمكنه فرض رقابة صارمة. رغم هذه القيود، اعتقد هيجل ان افضل طريقة لرعاية الحرية هي من خلال الملكية الدستورية. الملك(فردريك وليم الثالث) يجسد روح ورغبة المحكومين الذين اصبحوا الان احرارا. هيجل لهذا يصرح بان مجتمعه البروسي هو المرحلة الاخيرة من تطور وعي الحرية.

المشكلة مع هيجل

بالنظر الى الرؤية الموسعة لهيجل حول الحرية، استكشافه العميق للوعي، والحضور المهيب لنظريته، لكن هذا الاستنتاج كان مخيبا للامال . ماذا حدث للحركة نحو الغرب؟هيجل المنظّر الكبير للفكر التأملي، يجب ان لاينزعج من التأمل في هذه النقطة.

نتذكر ان هدف هيجل هو ان يرفع القناع عن شيء كانط في ذاته. لا يهم سواء نجح ام لا، هو يعتقد انه نجح. وكما يكتب Bryan Magee في اعترافات الفيلسوف عام 1999، "هيجل اعتقد ان الحقيقة الكلية تتألف من شيء واحد (الذهن او الروح)، التي تسير من خلال عملية التغيير والتطور نحو هدف الوعي الذاتي".اذاً دعنا نفترض ان الشيء في ذاته الذي ادّعى كانط سيكون الى الابد اسطورة هو ليس اكثر من عالم الروح كتقدم في وعي الحرية. بعبارات هيجل، انها حقيقة موضوعية، وعملياتها، ونهايتها، هي حتمية. هيجل لم يخلق العملية، هو يكتشفها. في الحقيقة، لو سمح باتباع هذا الطريق، فان التاريخ سوف لن ينتهي في الدولة البروسية، بل سوف يستمر في مساره الغربي .

هيجل على وعي بهذا. هناك شيء مهم اختفى في دراسته، الولايات المتحدة. عندما يجلس على كرسيه هو يحاول تجاهلها، لكن وعيه العالمي – او الضمير- سوف لن يسمح بذلك. لذا فان هيجل يحاول اخفائه. في كتاب محاضراته عن فلسفة التاريخ، هيجل لم يذكر الولايات المتحدة او دستورها في النص الرئيسي. في الصفحات الاخيرة من النص هو يذكر باختصار الدستور البريطاني والبرلمان، لكنه يتجاهل بريطانيا باعتبارها منهمكة بالتجارة والصناعة المرتكزة على روح الامبراطورية "لتكوّن ارتباطات مع الشعوب البربرية، لتخلق حاجات وتحفز الصناعة ولتؤسس الشروط الضرورية للتجارة، اي، التخلي عن حياة العنف الخارج عن القانون، احترام الملكية، واللطف مع الغرباء". ولكن ماذا عن الولايات المتحدة؟ فلسفة التاريخ تحتوي على مدخل من 103 صفحة . في الصفحات 84-86 من النسخة المترجمة من قبل J. Sidree، 1944هيجل يعترف بان دستور الولايات المتحدة يوفر بوضوح حرية الكلام وحرية الصحافة وحرية التجمع للتعبير عن المظالم، الى جانب حمايات وحقوق اخرى. هو يشير ايضا بان "هناك رئيس ..، اختير فقط لأربع سنوات كضمان ضد الطموحات الملكية " . هذا يشير الى ان وعي هيجل بالحرية يتجه غربا.

هيجل يجب ان يجد طريقة للهروب من هذا الاستنتاج. هو يجده في حاجة اوربا للتفاعل بين الدول نتيجة للتقارب الجغرافي بينها. الدولة الحقيقية يمكن الحصول عليها فقط من خلال هذا التفاعل، مثلما الوعي الذاتي الحقيقي يمكن الحصول عليه فقط من خلال التفاعل مع الاخرين. بما ان امريكا لديها مجال واسع للتوسع، فهي لا يمكنها تطوير دولة حقيقية. هيجل يعبّر عن هذا بصراحة:"، كما في اوربا ..فقط عندما يضغط السكان نحو الداخل تجاه كل منهم بدلا من الضغط نحو الخارج ...، سوف تكوّن امريكا نظاما محكما من المجتمع المدني، وتتطلب دولة منظمة". هو يستنتج بان " امريكا هي لهذا السبب ارض المستقبل... وكأرض للمستقبل فهي لا مصلحة لنا بها هنا، لأن اهتمامنا كما يرى التاريخ يجب ان يكون بما كان وبما هو ". الولايات المتحدة اعلنت الاستقلال عام 1776، هيجل حاضر في فلسفة التاريخ خلال اعوام 1820. يبدو ان نصف قرن من الوجود لا يؤهل الولايات المتحدة لمكانة "ما كان". ان هيجل اخطأ في جداله ضد إدخال الدول في مشروعه - العبودية في امريكا . بالطبع ديمقراطية اليونان كانت مرتكزة على العبودية، مع ذلك اليونان نُظر اليها من جانب هيجل باعتبارها في بداية مسيرة الحرية.

نعتقد ان هيجل أدخل تعليقه على الولايات المتحدة في مدخل فلسفة التاريخ كطريقة لإستباق اعتبار الولايات المتحدة كمرحلة قادمة من وعي الحرية. هيجل عرف الملك فردريك وليم الثالث. لذا لكي يحمي مكانته المفضلة في المجتمع البروسي، أعلن هيجل ان بروسيا هي ذروة مسيرة الحرية.

مع ذلك، لانزال نعجب برؤية هيجل الواسعة للحرية واستكشافه العميق للوعي. هو قال ان التاريخ ينكشف كتفاعل بين الافكار- والعديد من الفلاسفة البارزين تأثروا بعمق بافكار هيجل.

 

حاتم حميد محسن

 

غياث المرزوقيُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أنْ يَرْمَأَ رَمْأَ العُصَابِيِّ

حِينَمَا يَسِيرُ تَسْيَارًا نَفْسَانِيًّا بِسَيْرُورَةِ التَّمَاهِي

زيغموند فرويد

يناقشُ هذا المقالُ ظاهرةَ «التَّمَاهِي» identification بوصفِها فحواءَ التعبيرِ النفسانيِّ عن أبكرِ ارتباطٍ عاطفيٍّ تقيمُه «هُوِيَّةُ» الطفلةِ، أو «هُوِيَّةُ» الطفلِ، مع هُوِيَّةِ شخصٍ آخرَ. ويقترنُ هذا الارتباطُ العاطفيُّ الناشئُ، بحسبِ تنظيرِ زيغموند فرويد، بصِلَةٍ لَبِيديةٍ (نسبةً إلى «اللبيدو» libido) موازيةٍ مع ذلك الشخصِ الآخرِ. سيبدأُ المقالُ النقاشَ حولَ مجموعةِ المعاني الجذريةِ التي يتضمَّنُها مصطلحُ «التَّمَاهِي» من وجهةِ النظرِ اللسانيةِ (وذلك باللجوءِ المبدئيِّ إلى المعاني الجذريةِ التي يتضمَّنُها المصطلحُ اللغويُّ المُحَاذي «الدَّمْجُ»، في اللغةِ العربيةِ)، وسيشدِّدُ من ثَمَّ على المعنى الجذريِّ المحدَّدِ، أي سياقِهِ الانعكاسيِّ أو «المُطَاوِعِيِّ» reflexive، الذي تمَّ تطبيقُه في أدبيَّاتِ التحليلِ النفسيِّ، على وجهِ التحديدِ. بعدئذٍ، سيشرحُ المقالُ كلاًّ من المضمونَيْنِ النفسانيَّيْنِ المتناقضَيْنِ تناقضًا مطلقًا لمصطلحِ «التَّمَاهِي» في هذه الأدبيَّاتِ: المضمونَ الإيجابيَّ الذي يشيرُ إلى الشعورِ بالإضفاءِ المثاليِّ، والمضمونَ السلبيَّ (أو المَرَضيَّ) الذي ينوِّهُ عن الشعورِ بالإبداءِ العدوانيِّ، كما في تنظير ابنتِهِ آنا فرويد لاحقًا. سيتَّضِحُ، إذن، أنَّ هذَيْنِ المضمونَيْنِ النفسانيَّيْنِ المتناقضَيْنِ ناشئانِ، في الأصلِ، عن الطبيعةِ الازدواجيةِ ازدواجًا تأرْجُحِيًّا لظاهرةِ التَّمَاهِي، من حيثُ كونُها طُوَيْرًا مشتقًّا من طُوَيْرَاتِ ذاتِ «الطَّوْرِ الفمِّيِّ» oral phase في أطوارِ التطوُّرِ اللبيديِّ والتطوُّرِ الأنَوِيِّ (نسبةً إلى «الأنا» the ego). وعلى فَرْضِ أنَّ ظاهرةَ التَّمَاهِي تهيِّئُ المحيطَ النفسيَّ لظاهرةِ «عقدةِ أوديبَ» Oedipus complex، وتمهِّدُ من ثَمَّ السبيلَ لها – تلك الظاهرةِ الأكثرِ ألفةً في أطوارِ التطوُّرِ اللبيديِّ والتطوُّرِ الأنَوِيِّ –، سيشرحُ المقالُ، علاوةً على ذلك، إسهامَ سيرورةِ التَّمَاهِي في العكسِ الآنيِّ لِتَسْيَارِ عقدةِ أوديبَ، وإسهامَها بالتالي في تحطيمِها الحتميِّ لهذه العقدةِ، وذلك بالإشارةِ إلى بضعةِ أمثلةٍ ملموسةٍ من أمثلةِ الأعراضِ المَرَضيةِ النفسيةِ ذاتِها. بعد ذلك، سيتطرَّقُ المقالُ إلى الفَحْوَى التمييزيِّ الذي وضعهُ جاك لاكان، بدورهِ هو الآخَرُ، استنادًا إلى الاصطلاحِ الفرويديِّ الأصليِّ، بينَ ما يُسمِّيهِ بـ«التَّمَاهِي الخَيَاليِّ» imaginary identification وبينَ ما يَدْعُوهُ بـ«التَّمَاهِي الرَّمْزيِّ» symbolic identification، ذلك الفَحْوَى التمييزيِّ غيرِ اليسيرِ إدراكُهُ إدراكًا كاملاً نظرًا لكثرةِ تلك التغيُّراتِ النظريةِ الملحوظةِ التي كانَ قد خضعَ لها من قبلُ في مؤلَّفاتهِ بالذاتِ. أخيرًا، سيبيِّنُ المقالُ أنَّ العلاقةَ النفسانيةَ التي تقومُ بالفعلِ التبادُلِيِّ بين ظاهرَتَيِ التَّمَاهِي وعقدةِ أوديبَ إنَّما هي، في آخِرِ المطافِ، علاقةٌ نفسانيةٌ تَصَارُعِيَّةٌ بين ضدَّيْنِ متصارعَيْنِ، علاقةٌ تلقي الضوءَ، بادئَ ذي بَدْءٍ، على النواحي التطوريةِ الحتميةِ لماهيةِ «الأنا» the ego، بوصفِها ماهيةً نفسانيةً لها خفيَّاتُها الباطنيةُ، من طرفٍ، ولها جليَّاتُها الظاهريةُ، من طرفٍ آخرَ.

من حيثُ المنظورُ اللسانيُّ لمصطلحِ «التَّمَاهِي» identification (وباللجوءِ المبدئيِّ إلى المعاني الجذريةِ التي يتضمَّنُها المصطلحُ اللغويُّ المُحَاذي «الدَّمْجُ»، في اللغةِ العربيةِ)، تُستعمَلُ الصيغةُ الاسميةُ المصدريةُ «الدَّمْجُ»، أو «الدُّمُوجُ»، لكيما تدُلَّ على مجموعةٍ من المعاني الجذريةِ المتميِّزةِ في التدليلِ اللامجرَّدِ والمرتبطةِ بعضِها ببعضٍ ارتباطًا تدليليًّا مجرَّدًا، تلكَ المعاني الجذريةِ التي تحدِّدُها جملةُ التغيُّراتِ الجوهريةِ طارئةً طُرُوءًا تزمُّنيًّا على طبيعةِ ما يُسَمَّى بـ«المحتوى التَّصَوْرُنِيِّ» ideational content للصيغةِ الفعليةِ «دَمَجَ» في هذه اللغةِ. وتتحدَّدُ جملةُ هذه التغيُّراتِ الجوهريةِ، بدورِها هي الأُخرى، تبعًا لكلٍّ من قوى التكافؤِ المقصودةِ التي تفرضُ، في الأصلِ الجَبْرِيِّ، عددَ العباراتِ الاسميةِ وأنواعَها، أي عددَ المفاعيلِ بالإضافةِ إلى الفاعلِ، وذلك في إطارِ الصيغةِ الفعليةِ ذاتِها وفي إطارِ كمونيَّتِها في الاقترانِ بهذه العباراتِ الاسميةِ. بناءً على ذلك، ينسجمُ المجملُ من قوى التكافؤِ المقصودةِ هذه مع المجملِ من تلك السياقاتِ الدلاليةِ للصيغةِ الفعليةِ عينِها، السياقاتِ التي يمكنُ إيجازُها على النحوِ التالي:  أوَّلاً، في السياقِ المتعدِّي الأحاديِّ (uni)transitive للصيغةِ الفعليةِ «دَمَجَ»، تعيِّنُ قوةُ التكافؤِ المقصودةُ لهذه الصيغةِ الفعليةِ عبارةً اسميةً خارجيةً واحدةً، أو مفعولاً خارجيًّا واحدًا ليس إلاَّ، نحوَ: «دَمَجَ فلانٌ في الشيءِ»، أي دخلَ في هذا الشيءِ واستحكمَ فيهِ.  ثانيًا، في السياقِ المتعدِّي الثنائيِّ ditransitive للصيغةِ الفعليةِ «دَمَّجَ»، تحدِّدُ قوةُ التكافؤِ المقصودةُ لهذه الصيغةِ، والحالُ هنا، مجموعةً مؤتلفةً من عبارتَيْنِ اسميَّتَيْنِ خارجيَّتَيْنِ، أو مفعولَيْنِ خارجيَّيْنِ، نحوَ: «دَمَّجَ فلانٌ فلانًا في الشيءِ»، و«دَمَّجَ فلانٌ شيئًا في الشيءِ»، أي أدخلَهُما في هذا الشيءِ وجعلَهُما يستحكمانِ فيهِ.  ثالثًا، ما بين السياقِ المتعدِّي الأحاديِّ والسياقِ المتعدِّي الثنائيِّ، ينشأُ ما يُعرفُ بالسياقِ الانعكاسيِّ، أو المُطَاوِعِيِّ reflexive، لأيٍّ من الصيغتَيْنِ الفعليَّتَيْنِ «دَمَجَ» أو «دَمَّجَ»، بحيثُ تخصِّصُ قوةُ التكافؤِ المقصودةُ لهذه الصيغةِ، والحالُ ها هنا، مجموعةً مؤتلفةً من عبارةٍ اسميةٍ داخليةٍ، أو مفعولٍ داخليٍّ، وعبارةٍ اسميةٍ خارجيةٍ، أو مفعولٍ خارجيٍّ، نحوَ: «دَمَجَ/دَمَّجَ فلانٌ نفسَه في الفلانِ»، و«دَمَجَ/دَمَّجَ فلانٌ نفسَه في الشيءِ»، أي أدخلَ نفسَه في نفسِ هذا الفلانِ وفي نفسِ هذا الشيءِ وجعلَها تستحكمَ فيهما (أو، بالحريِّ، من الآنَ فصاعدًا، «تَمَاهَى تَمَاهِيًا» فيهِما أو بهِما أو معهُما)[1].

وهكذا، على وجهِ التعميمِ، يتَّضحُ أنَّ ثَمَّةَ، في المحتوى التَّصَوْرُنِيِّ للصيغةِ الاسميةِ «التَّمَاهِي»، بالقياسِ إلى الصيغةِ النظيرةِ «الدَّمْجُ» في اللغةِ العربيةِ، ثَمَّةَ ثلاثةَ معانٍ جذريةٍ متميِّزةٍ من حيثُ سياقاتُها الدلاليةُ على أقلِّ تقديرٍ، ويتَّضحُ كذاك أنَّ المعنى الجذريَّ، في سياقِه الانعكاسيِّ أو المطاوعيِّ، على وجهِ التحديدِ، إنَّما هو المعنى الذي يحتلُّ مكانَ الصدارةِ في خضمِّ أدبياتِ التحليلِ النفسيِّ، فيما يبدو، حيثُ لا يعني مصطلحُ «التَّمَاهِي» في هذا السياقِ عَنْيًا بالضرورةِ إثباتَ المرءِ معنى هُوِيَّتِهِ إثباتًا متعمَّدًا، أي واعيًا. ذلك لأنَّ الحالةَ النفسانيةَ المعنيَّةَ، إنْ كانتْ مثالاً حقيقيًّا من أمثلةِ التَّمَاهِي، ليس لها إلاَّ أن تتمثَّلَ، في أدنى تخمينٍ أيضًا، في مستويَيْنِ هامَّيْنِ من مستوياتِ التمثيلِ النفسانيِّ (أو مستوياتِ التطوُّرِ النفسانيِّ، بالأحرى)، مستويَيْنِ هامَّيْنِ من العسيرِ جدًّا إدراكُهُما إدراكًا كلِّيًّا، وعلى الأخصِّ فيما يتعلَّقُ بالإطارِ الكلِّيِّ لسيرورتَيِ التطوُّرِ اللبيديِّ والتطوُّرِ الأنويِّ. ففي المستوى التمثيليِّ أو التطوُّريِّ الأوَّلِ، تتجلَّى الحالةُ النفسانيةُ المعنيَّةُ، من جهةٍ أولى، في شكلٍ ناقصِ النموِّ إبَّانَ مرحلةِ الطفولةِ، بحيثُ إنَّ الحدَّ الفاصلَ بين المفعولِ الداخليِّ، أو الشخصِ/الشيءِ الداخليِّ، وبين المفعولِ الخارجيِّ، أو الشخصِ/الشيءِ الخارجيِّ، غيرُ قابلٍ للإدراكِ بعدُ، في الواقعِ الذهنيِّ، فينجمُ عن هكذا لاإدراكٍ تحييدٌ ذهنيٌّ للتمايُزِ الصارخِ بين العالَمِ الباطنيِّ (أي عالَمِ الذاتِ) وبين العالَمِ الظاهريِّ (أي عالَمِ الآخَرِ). في المستوى التمثيليِّ أو التطوُّريِّ هذا، ليس بوسعِ الطفلِ أو الطفلةِ أن يميِّزا أيَّ معنىً من معاني الهُوِيَّةِ خاصٍّ بكلٍّ منهُما: إذ أنَّ عجزَهُما بذاك عن إدراكِ الحدِّ الفاصلِ المشارِ إليهِ قبلَ قليلٍ يمكنُ عزوُه إلى «صراعِهما» الحتميِّ مع أطوارٍ أخرى، أو حتى مع طُوَيْرَاتٍ فروعِها، من أطوارِ التطوُّرِ اللبيديِّ والتطوُّرِ الأنويِّ. وفي المستوى التمثيليِّ أو التطوُّريِّ الثاني، تتبدَّى الحالةُ النفسانيةُ المعنيَّةُ، من جهةٍ ثانيةٍ، في شكلٍ أكثرَ نموًّا، على الخلافِ، إبَّانَ مرحلةِ الطفولةِ، بحيثُ إنَّ الحدَّ الفاصلَ بين الشخصِ/الشيءِ الداخليِّ وبين الشخصِ/الشيءِ الخارجيِّ، قابلٌ للإدراكِ في ظلِّ أشتاتِ الظروفِ الحاضرةِ من أمامٍ أو من وراءٍ، فينشأُ عن هكذا إدراكٍ إحياءٌ، لا تحييدٌ، ذهنيٌّ  للتمايُزِ الصارخِ بين العالَمِ الباطنيِّ (أي عالَمِ الذاتِ) وبين العالمِ الظاهريِّ (أي عالَمِ الآخَرِ). في المستوى التمثيليِّ أو التطوُّريِّ هذا، إذن، في مقدورِ الطفلِ أو الطفلةِ أن يميِّزا «معنىً» ما من معاني الهُوِيَّةِ خاصًّا بكلٍّ منهُما، لأنَّ مقدرتَهُما على إدراكِ الحدِّ الفاصلِ المنوَّهِ عنه تجيزُ لهُما أن يولِّدا إمَّا شعورًا بالإضفاءِ المثاليِّ idealization وإما شعورًا بالإبداءِ العدوانيِّ agressivity نحو الشخصِ/الشيءِ الخارجيِّ، بوصفهِ جزءًا تجريبيًّا من العالمِ الظاهريِّ (أي عالَمِ الآخَرِ)، بحيثُ تتمُّ مخاطبةُ هذا الشعورِ الأخيرِ بلغةِ التحارُبِ النفسانيِّ من خلالِ تدخُّلٍ مباشرٍ منْ لَدُنْ إواليةٍ من إوالياتِ الدفاعِ الذاتيِّ، بشكلٍ أو بآخَرَ. وعلى وجهِ القياسِ، بالتالي، يظهرُ أنَّ هذين الشعورَيْنِ بالإضفاءِ المثاليِّ والإبداءِ العدوانيِّ يناظرانِ مضمونَيِ التَّمَاهِي الإيجابيِّ والسلبيِّ (أو المَرَضيِّ)، على الترتيب، كما سيتمُّ إيضاحُه بعد قليلٍ.

وعلى غِرَارٍ مشابهٍ، فيما يبدو، يستخدمُ زيغموند فرويد مصطلحَ «التَّمَاهِي» Identifizierung، بمقابلِهِ الاصطلاحيِّ في اللغةِ الألمانيةِ، يستخدمُهُ في مؤلَّفاتهِ غالبًا بالإشارةِ إلى المعنى الجذريِّ في إطارِ سياقِه الانعكاسيِّ (أو المطاوعيِّ)، لكيما يؤكِّدَ على تلك الظاهرةِ النفسانيةِ التي ينزعُ الطفلُ، أو تنزعُ الطفلةُ، من خلالِها إلى كُلِّيَّةِ أو جُزْئِيَّةِ «الاستيلاءِ الذِّهْنِيِّ» mental preemption على سمةٍ خاصَّةٍ، أو أكثرَ من سمةٍ خاصَّةٍ، كانا قد أدركاها واستوعباها في الشخصِ/الشيءِ الخارجيِّ المعنيِّ بالذاتِ. ومن ثمَّ، تؤدِّي كُلِّيَّةُ أو جُزْئِيَّةُ هذا الاستيلاءِ الذهنيِّ، بدورِها هي الأُخرى، إلى خضوعِ هُوِيَّةِ الطفلِ أو الطفلةِ (أو، بالقمينِ، إلى خضوعِ «معنى» هذه الهُوِيَّةِ المُدْرَكِ من لَدُنْ كلٍّ منهُما) لسلسلةٍ من التحوُّلاتِ المثيرةِ حينًا بعد حينٍ إثارةً عاطفيةً عن طريقِ سلسلةٍ تتوازى معَها، بنحوٍ تدرُّجيٍّ أو بآخَرَ تدريجيٍّ، من حالاتِ التماهي، في حدِّ ذاتِها وذواتِها[2]. ووفقًا لذلك، في هذه القرينةِ، يمكنُ لظاهرةِ التماهي أن تعبِّرَ عن فحوى أبْكَرِ ارتباطٍ عاطفيٍّ يربطُ هُوِيَّةَ الطفلِ أو الطفلةِ، والحالُ هنا، بهُوِيَّةِ شخصٍ ما أو شيءٍ ما، بحيثُ أنَّ «معنى» الهُوِيَّةِ المُدْرَكَ ذاتَهُ يشيرُ إلى المفعولِ الداخليِّ (أي العالَمِ الباطنيِّ أو عالَمِ الذاتِ) وأنَّ «معنى» هُوِيَّةِ الشخصِ أو الشيءِ المُرْتَبَطَ بِهِ ينوِّهُ عن المفعولِ الخارجيِّ (أي العالَمِ الظاهريِّ أو عالَمِ الآخَرِ)[3]. ففي ظاهرِ الأمرِ من هذه القرينةِ، تستلزمُ أيَّةُ حالةٍ من حالاتِ التماهي كينونتَيْنِ نفسانيَّتَيْنِ، على أقلِّ تقديرٍ: أوَّلاً، كينونةٌ تشرعُ في القيامِ بفعلِ التماهي عينِهِ، أي الشخصُ الذي يتماهَى في شخصٍ ما أو شيءٍ ما؛ وثانيًا، كينونةٌ تحرِّضُ على القيامِ بفعلِ التماهي عينِ عينِهِ، أي الشخصُ أو الشيءُ اللذانِ يتماهَى ذلك الشخصُ الأوَّلُ في أحدِهما. فأمَّا الشخصُ الذي يتماهى في شخصٍ ما أو شيءٍ ما (سَمِّيَاهُ من الآن فصاعدًا «المُتَمَاهِي» identifier) فيتجسَّدُ في الوجودِ الفعليِّ للمولودِ، أو للمولودةِ. وأمَّا الشخصُ أو الشيءُ اللذانِ يتماهَى ذلك الشخصُ الأوَّلُ في أحدِهما (سَمِّيَاهُ كذاك قياسًا «المُتَمَاهَى (فيهِ)» identified) فيتجسَّمُ في السِّمةِ الخاصَّةِ، أو في مجموعةٍ من السِّمَاتِ الخاصَّةِ، التي تمَّ إدراكُها واستيعابُها في الوالدِ ذي، أو في الوالدةِ ذاتِ، الجنسِ المماثلِ أو أيَّةِ نيابةٍ إنسانيةٍ، أو حتى غيرِ إنسانيةٍ، تنوبُ منابَهُ، أو منابَهَا. وهكذا، يمكنُ للارتباطِ الذهنيِّ الناشئِ بين المُتَمَاهِي والمُتَمَاهَى (فيهِ)، في النوعِ الأبْكّرِ في حدِّ ذاتِهِ، أن يفضيَ أيَّما إفضاءٍ إلى البناءِ النفسانيِّ لهُوِيَّةِ المُتَمَاهِي: إذ يبدو في هذه الحَالِ أنَّ ثَمَّ تقاربًا عاطفيًّا ملحوظًا بين الكينونتَيْنِ المعنيَّتَيْنِ. وهكذا، أيضًا، يمكنُ للارتباطِ الذهنيِّ الناشئِ ذاتِهِ، على النقيضِ، أن يتأوَّجَ في الهدمِ النفسانيِّ لهُوِيَّةِ المُتَمَاهِي ذاتِهِ: إذ يظهرُ في هذه الحالِ أنَّ هناك تباعدًا عاطفيًّا بين الكينونتَيْنِ المعنيَّتَيْنِ، بدلاً من التقاربِ. يتَّضحُ، إذن، أنَّ هذا التضادَّ الكاملَ بين البناءِ النفسانيِّ لهُوِيَّةِ المُتَمَاهِي، من جانبٍ أوَّلَ، وبين الهدمِ النفسانيِّ لهذه الهُوِيَّةِ، من جانبٍ آخَرَ، لَيَدُلُّ بجلاءٍ على أنَّ لظاهرةِ التماهي مضمونَيْنِ متناقضَيْنِ تناقضًا مطلقًا، أحدُهُما إيجابيٌّ والآخرُ سلبيٌّ (أو مَرَضيٌّ)، ذينك المضمونَيْنِ اللذين يوازيانِ توليدَ الشعورِ بالإضفاءِ المثاليِّ والشعورِ بالإبداءِ العدوانيِّ، كما أُشِيرَ إليهِما آنفًا.

فيما يتعلَّقُ بالمضمونِ الإيجابيِّ لظاهرةِ التماهي، من طرفٍ أوَّلَ، فإنَّ فحوى الارتباطِ الذهنيِّ الناشئِ بين المُتَمَاهِي والمُتَمَاهَى (فيهِ) قد يفضي، كما ذُكِرَ، أيَّما إفضاءٍ إلى البناءِ النفسانيِّ لهُوِيَّةِ المُتَمَاهِي، بناءٍ يسيرُ باتِّجَاهِ ما آلتْ إليهِ إواليَّاتُ التكوينِ النفسانيِّ لهُوِيَّةِ المُتَمَاهَى (فيهِ)، إن لم «ينحرفْ» هكذا تكوينٌ عن اتِّجَاهِ ما آلتْ إليهِ إواليَّاتُهُ في الأصلِ، كما يمكنُ رصدُ هذا البناءِ النفسانيِّ رصدًا علميًّا في المسارِ «السَّوِيِّ» لسيرورتَيِ التطوُّرِ اللبيديِّ والتطوُّرِ الأنويِّ. في هذه الحالِ، ها هنا، قد يعيدُ البناءُ النفسانيُّ المُتَكَلَّمُ عنهُ ذاتَهُ في حضورِ التقارُبِ العاطفيِّ حضورًا متواصِلاً بين المُتَمَاهِي والمُتَمَاهَى (فيهِ)، حضورًا ليس لَهُ إلاَّ أن يُطِيلَ بتواصُلِهِ هذا بقاءَ تفعيلِ وتأثيرِ سلسلةٍ تدرُّجيةٍ وتدريجيةٍ من أشكالِ البناءِ النفسانيِّ لهُوِيَّةِ المُتَمَاهِي ومن كذاك أشكالِ إعادةِ البناءِ النفسانيِّ لهذه الهُوِيَّةِ (إعادةً بنَّاءَةً نفسانيًّا أيًّا كانتْ تحوُّلاتُهَا)، عن طريقِ سلسلةٍ تدرُّجيةٍ وتدريجيةٍ موازيةٍ لها من حالاتٍ ناجمةٍ من أنواعِ التماهي نُجُومًا لا يدعُو إلى التنفيرِ ولا إلى الانسلابِ. وبناءً على ذلك، من قبيلِ الإيضاحِ الأكثرِ، يمكنُ إيرادُ المثالَيْنِ النموذجيَّيْنِ على فحوى الارتباطِ الذهنيِّ الناشئِ بين المُتَمَاهِي والمُتَمَاهَى (فيهِ) بمضمونِهِ الإيجابيِّ، على النحوِ التالي: تتماهى الطفلةُ في هُوِيَّةِ الأمِّ (أو في هُوِيَّةِ المرأةِ التي تنوبُ عن هذه الأخيرةِ)، ويتماهى الطفلُ في هُوِيَّةِ الأبِ (أو في هُوِيَّةِ الرَّجُلِ الذي ينوبُ عن هذا الأخيرِ). فيدلُّ هذا المضمونُ الإيجابيُّ، من ثَمَّ، على كَمٍّ وكَيفٍ من الإضفاءِ المثاليِّ من طرفِ المُتَمَاهِي بالذاتِ على ذاتِ المُتَمَاهَى (فيهِ)، إضفاءٍ مثاليٍّ يتجلَّى بوصفِهِ وسيلةً عاطفيةً يتَّخِذُ المنابُ الإنسانيُّ الأوَّلُ جَرَّاءَهَا المنابَ الإنسانيَّ الأخيرَ مثلاً أعلى أو نموذجًا يُحتذى[4]. لهذا السببِ، فإنَّ الصِّلَةَ اللبيديةَ التي تميلُ إلى النشوءِ عن نوعٍ، أو أكثرَ، من أنواعِ التماهي الإيجابيِّ إنَّما هي صلةٌ تتطبَّعُ، والحالُ هنا، بطابعِ شكلٍ مشتقٍّ من أشكالِ تركيزِ الطاقةِ النفسيةِ (أو الذهنيةِ) على الشخصِ أو الشيءِ، شكلٍ مشتقٍّ يُصْطَلَحُ عليهِ في كتاباتِ فرويد عادةً بـ«المَرْكَزَةِ (النفسانيةِ)» cathexis (أو حتى بـ«التوظيفِ (النفسانيِّ)» Investition، كما في اللغةِ الألمانيةِ أيضًا). وهذا التركيزُ، تركيزُ الطاقةِ النفسيةِ (أو الذهنيةِ)، يتطبَّعُ، بدورهِ هو الآخَرُ، بطابعِ رابطٍ نرجسيٍّ من روابطِ «الاشتهاءِ (الجنسانيِّ) المُمَاثِلِ» homosexuality: إذ ليس، في واقعِ الأمرِ، شكلُ «المَرْكَزَةِ (النفسانيةِ)» هذه، أو شكلُ «التوظيفِ (النفسانيِّ)» هذا، سوى شكلٍ آخَرَ من أشكالِ التمثيلِ الشخصيِّ أو التمثيلِ الشيئيِّ[5]. وهكذا، تتكشَّفُ هذه الصلةُ اللبيديةُ، بطابعِها النرجسيِّ المُبَيَّنِ للتَّوِّ، عن تغايُرٍ سَافرٍ بينها وبين تلك الصلةِ اللبيديةِ التي تنزعُ إلى النُّجُومِ عن ظاهرةِ «عقدة أوديبَ» الأكثرِ ألفةً في هذا المضمارِ، تلك الظاهرةِ التي تبيِّنُ، على الخلافِ، أنَّ «المَرْكَزَةَ (النفسانيةَ)» المعنيَّةَ، أو «التوظيفَ (النفسانيَّ)» المعنيَّ، إنَّما يتطبَّعانِ بطابعِ رابطٍ لانرجسيٍّ، أو «غيريٍّ»، من روابطِ «الاشتهاءِ (الجنسانيِّ) المُغَايِرِ» heterosexuality، كما سيتمُّ تفصيلُهُ فيما بعدُ. وبالتالي، تحثُّ ظاهرةُ التماهي، أيًّا كانتْ طبيعةُ مضمونِها، على الاقتراحِ بأنَّ الارتباطَ الذهنيَّ الحاضرَ الذي ينشأُ فعلاً بين المُتَمَاهِي والمُتَمَاهَى (فيهِ) إنْ هو، من حيثُ المبدأُ، إلاَّ تكرارٌ مباشرٌ أو لامباشرٌ لارتباطٍ ذهنيٍّ ماضٍ كانَ قد نشأَ بالفعلِ بين الوالدِ (أو الوالدةِ) وبين الجدِّ (أو الجدَّةِ) ذوَي الجنسِ المماثلِ، أو مَنْ ينوبُ عن المنابِ الإنسانيِّ الأخيرِ جنسًا مماثلاً كذلك: إذ يظهرُ أنَّ هذا التكرارَ المباشرَ أو اللامباشرَ للارتباطِ الذهنيِّ المعنيِّ إنَّما هو تكرارٌ تَزَمُّنِيٌّ diachronic repetition يُضفي على ظاهرةِ التماهي صفتَيْنِ نشوئيَّتَيْنِ متلازمتَيْنِ، تتعلَّقُ إحداهُما بنشوءِ الكائنِ الحَيِّ ontogeny وتتعلقُ الأُخرى بنشوءِ النوعِ الحَيِيِّ phylogeny.

وفيما يخصُّ المضمونَ السلبيَّ (أو المَرَضيَّ) لظاهرةِ التماهي، من طرفٍ آخَرَ، فإنَّ فحوى الارتباطِ الذهنيِّ الناشئِ بين المُتَمَاهِي والمُتَمَاهَى (فيهِ) قد يُسْهِمُ، على النقيضِ، أيَّما إسْهَامٍ في الهَدْمِ النفسانيِّ لهُوِيَّةِ المُتَمَاهِي، بدلاً من البناءِ النفسانيِّ لهذه الهُوِيَّةِ، هَدْمٍ يسيرُ باتِّجَاهِ ما آلتْ إليهِ إواليَّاتُ التكوينِ النفسانيِّ لهُوِيَّةِ المُتَمَاهَى (فيهِ)، إن «انحرفَ» هكذا تكوينٌ عن اتِّجَاهِ ما آلتْ إليهِ إواليَّاتُهُ أصلاً، كما يمكنُ رصدُ هذا الهَدْمِ النفسانيِّ كذاك رصدًا علميًّا، ولكنْ، والحَالُ، في المسارِ «اللاسَوِيِّ» لسيرورتَيِ التطوُّرِ اللبيديِّ والتطوُّرِ الأنويِّ. ففي هذه الحالِ، هنا، قد يُفاقِمُ الهَدْمُ النفسانيُّ المُتَحَدَّثَ عنهُ من ذاتِهِ في وجودِ التباعُدِ العاطفيِّ وجودًا مستمرًّا بين المُتَمَاهِي والمُتَمَاهَى (فيهِ)، وجودًا ليس لَهُ إلاَّ أن يُخْضِعَ المُتَمَاهِيَ باستمرارِهِ هذا لتفعيلِ وتأثيرِ سلسلةٍ تدرُّجيةٍ وتدريجيةٍ من أشكالِ الهَدْمِ النفسانيِّ لهُوِيَّةِ المُتَمَاهِي عينِهِ ومن كذاك أشكالِ إعادةِ الهَدْمِ النفسانيِّ لهذه الهُوِيَّةِ (إعادةً هَدَّامةً نفسانيًّا أيًّا كانتْ تحوُّلاتُهَا، كذلك)، عن سبيلِ سلسلةٍ تدرُّجيةٍ وتدريجيةٍ موازيةٍ لها من حالاتٍ ناجمةٍ من أنواعِ التماهي نُجُومًا يدعُو إلى كلٍّ من التنفيرِ والانسلابِ. وتبعًا لذلك، ولكيما يتمَّ، من لَدُنِ المُتَمَاهِي عينِهِ، إبطالُ مفعولِ ذلك التأثيرِ التسلسُليِّ التدرُّجيِّ والتدريجيِّ الوشيكِ لأشكالِ الهَدْمِ النفسانيِّ المعنيِّ، تتحولُ ظاهرةُ التماهي إلى إواليَّةٍ أشدَّ فاعِلِيَّةً من إواليَّاتِ الدفاعِ الذاتيِّ self-defence mechanisms، إواليَّةٍ تشيرُ إلى ما يُسمَّى اصطلاحًا، في هذه القرينةِ، بـ«التماهي في المعتدي»، أي تَمَاهِي المُتَمَاهِي في هُوِيَّةِ شخصٍ مُعْتَدٍ أو حتى في هُوِيَّةِ شيءٍ لا يقلُّ اعتداءً، على حدِّ تعبيرِ آنا فرويد[6]، مع أنَّ أباها (أي زيغموند فرويد نفسَهُ) كانَ قد ألمعَ إلى فحواءِ هذه الإواليَّةِ، بنحوٍ أو بآخَرَ، في معرضِ الحديثِ عن تلك التجاربِ النفسانيةِ البغيضةِ والمُرْعِبَةِ، حينما يدركُها الطفلُ (المُتَمَاهِي)، أو تدركُها الطفلةُ (المُتَمَاهِيَةُ)، وحينما يستوعبانِها، من ثَمَّةَ، سَعْيًا حَثِيثًا وراءَ «اللذَّةِ والمَلَذَّةِ من مصدرٍ آخرَ»[7]. يتبيَّنُ بجَلاءٍ، إذن، أنَّ اللُّجُوءَ الجَلِيَّ إلى إواليَّةِ الدفاعِ الذاتيِّ هذه لَلُجُوءٌ إنْ هو إلاَّ محاولةٌ تنطوي على التمرُّدِ والعصيانِ، محاولةٌ تتيحُ للمُتَمَاهِي فُرَصَ التَّضَلُّعِ الشَّمُوسِ من ضَرْبٍ من ضُرُوبِ الحُصَارِ anxiety أو حتى من ضُرُوبِ الرُّهَابِ phobia، فتتيحُ لهُ بالتالي فُرَصَ التغلُّبِ «النَّجِيعِ» على هكذا حُصَارٍ أو على هكذا رُهَابٍ: إذ يحدثُ اللُّجُوءُ الجَلِيُّ إلى إواليَّةِ الدفاعِ الذاتيِّ هذه في حَالٍ نفسانيٍّ يُبَيِّنُ أنَّ المُتَمَاهِيَ بالذاتِ يحاولُ أن يتماهى في ذاتِ سِمَةٍ جِدِّ خاصَّةٍ من سِمَاتِ المُتَمَاهَى (فيهِ)، إنْ لم يَكُنْ أكثرَ منها، سِمَةٍ جِدِّ خاصَّةٍ ذاتِ طابعٍ عدائيِّ لم يزلِ المُتَمَاهِي بالذاتِ يقاسي منها في تجربتهِ مع المُتَمَاهَى (فيهِ) بذاتِ الذاتِ، ممَّا يولِّدُ في المنابِ الإنسانيِّ الأوَّلِ، في هكذا حالٍ نفسانيٍّ، شعورًا بالإبداءِ العدوانيِّ agressivity، كما تمَّ ذِكْرُهُ آنفًا. ثَمَّةَ أمثلةٌ نموذجيةٌ على فحوى الارتباطِ الذهنيِّ الناشئِ بين المُتَمَاهِي والمُتَمَاهَى (فيهِ) بمضمونِهِ السلبيِّ (أو المَرَضِيِّ) تشيرُ إلى طفلٍ يَتَهَوَّلُ من وجودِ معلِّمٍ صَفيقٍ ليس غيرَ، فإذا به يقلِّدُ كِشْرةَ هذا المعلِّمِ ذاتِهِ تقليدًا «لاإراديًّا»، أو تشيرُ إلى طفلةٍ تتخيَّلُ في حضورِ شبحٍ مُرِيعٍ فحسبُ، فإذا بها تتظاهرُ، والحَالُ، بأنها هذا الشبحُ ذاتُهُ تظاهرًا «إراديًّا». وهكذا، فمن خلالِ التَّحَاكِي «الإراديِّ»، أو «اللاإراديِّ»، لذاتِ سِمَةٍ جِدِّ خاصَّةٍ من سِمَاتِ المُتَمَاهَى (فيهِ) كانتْ قد أُدْرِكَتْ بطابعِها العدائيِّ، يسعى المُتَمَاهِي إلى تحويلِ ذاتِهِ تحويلَ العارِفِ من ذاتِ السُّلوكِ المُنفعِليِّ الدفاعيِّ إلى ذاتِ السُّلوك الفاعليِّ الهجوميِّ، تحويلٍ يُبدي للعِيانِ العكسَ الفعليَّ من أداءِ المُتَمَاهِي – وقد كانَ، في أوَّلِ المطافِ، يؤدِّي دورَ المعتدَى عليهِ ذاتِهِ، ثمَّ صارَ، في آخِرِ المطافِ، يؤدِّي دورَ المعتدِي ذاتِ ذاته. لهذا السببِ، فإنَّ الصِّلَةَ اللبيديةَ التي تميلُ إلى النشوءِ عن نوعٍ، أو أكثرَ، من أنواعِ التماهي السلبيِّ (أو المَرَضِيِّ) لا يمكنُ اعتبارُها صلةً تتطبَّعُ، والحَالُ هناك، بطابعِ رابطٍ نرجسيٍّ من روابطِ «الاشتهاءِ (الجنسانيِّ) المُمَاثِلِ»، كما هي الحَالُ في أنواعِ التماهي الإيجابيِّ، بل يمكنُ اعتبارُها صلةً تتطبَّعُ، والحَالُ هنا، بطابعِ رابطٍ ساديٍّ-مازوخيٍّ من روابطِ «الاشتهاءِ (الجنسانيِّ) المُغَايِرِ»، ذلك الرابطِ الفاعليِّ-المُنفعِليِّ الذي لا يعدُو أن يكونَ، في واقعِ الأمرِ، انصهارًا لاسَوِيًّا من دوافعَ لبيديةٍ وعدائيةٍ، على حَدٍّ سَوَاءٍ[8]. 

يَسْتَتْبِعُ ممَّا تقدَّمَ، إذن، أنَّ هذا التغايُرَ الصَّارخَ والسَّافرَ بين المضمونِ الإيجابيِّ وبين المضمونِ السلبيِّ (أو المَرَضِيِّ) لظاهرةِ التماهي إنَّما يفترضُ افتراضًا مقدَّمًا، إلى حدِّ التوكيدِ بتقديمِهِ القاطعِ، أنَّ لظاهرةِ التماهي هذه طبيعةً ازدواجيةً ازدواجًا تأرجُحِيًّا (أو حتى تناقُضِيًّا)، طبيعةً تؤكِّدُ تأكيدًا على أهمِّيَّةِ، وعلى خطورةِ، هكذا ظاهرةٍ نفسانيةٍ، من حيثُ كونُها طُوَيْرًا مشتقًّا من طُوَيْرَاتِ ذاتِ «الطَّوْرِ الفمِّيِّ» oral phase في أطوارِ التطوُّرِ اللبيديِّ والتطوُّرِ الأنَوِيِّ، حيثُ يتمُّ في هذا الحينِ كُنُونُ الرَّغائبِ كُلاًّ، على اختلافِ درجاتِ جُمُوحِها وعلى ائتلافِ دركاتِ جِمَاحِهَا كذاك، حيثُ يتمُّ في هذا الحينِ كُنُونُ الرَّغائبِ كُلاًّ في ذاتِ الشخصِ أو ذاتِ الشيءِ (الخارجَيْنِ عن الذاتِ الرَّاغبةِ)، وحيثُ يُصَارُ من ثمَّ إلى تحطيمِ وإلى تدميرِ هذا الشخصِ ذاتِهِ أو هذا الشيءِ ذاتِهِ كلِّيَّةً في حينٍ آخرَ – تمامًا مثلما تتجلَّى هكذا «تَيْمُومَةٌ» وهكذا «صَيْرُورَةٌ» في التَّمَارُسِ الحياتيِّ الفعليِّ الذي يتمارسُهُ والخِصْمَ آكِلُ اللَّحْمِ البشريِّ المُعَرَّبُ تَسْمِيَةً بـ«القَنْبَلِيِّ» cannibal، ذلك الأدميِّ المتوحِّشِ الذي يُبدي في البدايةِ توقًا رَغَائِبِيًّا شديدًا إلى التهامِ ألدِّ خُصُومِهِ، ولكنَّهُ في النهايةِ يعدو بتوقٍ رَغَائِبِيٍّ أشدَّ إلى التهامِ أحَمِّ أصدقائِهِ وأحَمِّ أقربائِهِ وحتى أحَمِّ مُساكِنيهِ الأشدِّ حميميةً من هؤلاءِ كلِّهِمْ وبكلِّيَّتِهِمْ[9].

[انتهى القسم الأول من هذا المقال ويليه القسم الثاني]

 

غياث المرزوق – دبلن

.........................

المراجع

Abraham, Karl (1927): Selected Papers. Hogarth Press.

Freud, Anna (1937): The Ego and the Mechanisms of Defence. International Universities Press, Inc.

Freud, Sigmund (1900): The Interpretation of Dreams. Penguin Freud Library, vol. 4.

Freud, Sigmund (1905a): Three Essays on the Theory of Sexuality. Penguin Freud Library, vol. 7.

Freud, Sigmund (1905b): Fragment of an Analysis of a Case of Hysteria. Penguin Freud Library, vol. 8.

Freud, Sigmund (1920): Beyond the Pleasure Principle. Penguin Freud Library, vol. 11.

Freud, Sigmund (1921): Group Psychology and the Analysis of the Ego. Penguin Freud Library, vol. 12.

Freud, Sigmund (1924a): The Dissolution of the Oedipus Complex. Penguin Freud Library, vol. 7.

Freud, Sigmund (1925): Some Psychical Consequences of the Anatomical Distinction Between the Sexes. Penguin Freud Library, vol. 7.

Freud, Sigmund (1931): Female Sexuality. Penguin Freud Library, vol. 7.

Fromm, Erich (1979): To Have or to Be. Abacus.

Lacan, Jacques (1953): Some reflections on the ego. International Journal of Psychoanalysis, 34:11-17.

Lacan, Jacques (1960-1): Le Séminaire. Livre VIII. Le Transfert. Paris: Seuil.

Lacan, Jacques (1966a): Écrits: A Selection. Trans. Alan Sheridan. Routledge (1997).

Lacan, Jacques (1966b): Écrits. Trans. Bruce Fink. Norton (2006).

Lagache, Daniel (1962): Pouvoir et personne. L’évolution psychiatrique, 1:111-119.

الحواشي

[1] لاحظا، هنا، أنَّ الصيغةَ الفعليةَ في اللغةِ الإنكليزيةِ تختلفُ، بعضَ الشيءِ، عن نظيرتِها في اللغةِ العربيةِ في السياقِ المتعدِّي الأحاديِّ والسياقِ المتعدِّي الثنائيِّ، تحديدًا. فأمَّا في السياقِ المتعدِّي الأحاديِّ، فيدلُّ المعنى الجذريُّ للصيغةِ الفعليةِ المقابلةِ identify على فحوى تعيينِ هُوِيَّةِ الشخصِ أو الشيءِ، مثلاً: He could not identify the writer of this book (= «لم يكنْ بوسعِه التعرُّفُ إلى مؤلِّفِ هذا الكتابِ»). وأما في السياق المتعدِّي الثنائيِّ، فيشيرُ المعنى الجذريُّ للصيغةِ الفعليةِ ذاتِها إلى فحواءِ المماثلةِ أو المطابقة بين الشخصَيْنِ أو الشيئَيْنِ المعنيَّيْنِ، مثلاً: She was always identifying Stalin with Hitler (= «كانتْ على الدوامِ تقارنُ ستالين بهتلر»)، إلى آخرِه.

[2] ممَّا يجدرُ بالذِّكْرِ المقابلِ، من ناحيةٍ أُخرى، أنَّ فرويد يستخدمُ مصطلحَ «التَّمَاهِي» Identifizierung، أيضًا، بالإشارةِ إلى المعنى الجذريِّ في إطارِ السياقِ المتعدِّي الثنائيِّ للمصطلحِ المُحَاذي «الدَّمْجُ» في اللغةِ العربيةِ، وذلك من خلالِ ما يقتضيهِ اقتضاءً اصطلاحيًّا تنظيرُهُ حول عملِ الحلمِ dream-work، تحديدًا. ففي هذا السياقِ المتعدِّي الثنائيِّ، يؤكِّدُ فرويد على فحواءِ المماثلةِ أو المطابقةِ بين شخصَيْنِ أو شيئَيْنِ (انظرا: الحاشية 1) لكيما يؤكِّدَ على المقايسةِ بين عمليَّتَيِ «الدَّمْجِ» و«الاستبدالِ» substitution. وهكذا، فإنَّ العمليةَ التي يتمُّ بواسطتِها «دمجُ» صورةٍ (حلميةٍ) في صورةٍ (حلميةٍ) أُخرى، على سبيلِ المثالِ، إنَّما تقايسُ العمليةَ التي يتمُّ بواسطتِها «استبدالُ» صورةٍ (حلميةٍ) بصورةٍ (حلمية) أُخرى، لمجرَّدِ أنَّ الصورتَيْنِ (الحلميَّتَيْنِ) المعنيَّتَيْنِ متماثلتانِ أو متطابقتانِ (قا: فرويد، 1900، ص 231 وما يتبعها، ص 431 وما يتبعها، إلخ).

[3] قا: فرويد، 1921، ص 134.

[4] قا: فرويد، 1921، ص 134 وما يتبعها.

[5] بما أنَّ التمثيلَ الشخصيَّ، أو التمثيلَ الشيئيَّ، يشيرانِ إلى التمثيلِ النفسانيِّ للمفعولِ الخارجيِّ أو للعالَمِ الظاهريِّ (أي الشخصِ أو الشيءِ اللذين يوجدانِ خارجَ النفسِ أو العالَمِ الباطنيِّ)، وأنَّ المفعولَ الداخليَّ يدلُّ على نفسِ الفاعلِ ذاتِها بالمعنى اللسانيِّ (أي السياقِ الانعكاسيِّ، أو المطاوعيِّ، لفعلِ «الدَّمْجِ» كمصطلحٍ لغويٍّ محاذٍ لمصطلحِ «التماهي»، كما سبقَ ذكرُهُ في بدايةِ النصِّ)، يُؤمَلُ من القارئةِ الكريمةِ والقارئِ الكريمِ ألاَّ يخلطَا خطأً بين المفعولِ الداخليِّ، بوصفِهِ إحدى الكينونتَيْنِ النفسانيَّتَيْنِ الأساسيَّتَيْنِ لفعلِ التماهي، وبين الكينونةِ النفسانيةِ التي اكتسبتْ أهميةَ المفعولِ الخارجيِّ، بوصفِهِ إحدى الكينونتَيْنِ النفسانيَّتَيْنِ الأساسيَّتَيْنِ لهذا الفعلِ، أيضًا. فإذا تمَّ تمثيلُ المفعولِ الداخليِّ تمثيلاً نفسانيًّا لكي يكتسبَ أهميةَ المفعولِ الخارجيِّ، فللمفعولِ الداخليِّ، عندئذٍ، أنْ يشابهَ تلك الصورةَ التي تحدُثُ «بدئيًّا» في عوالمِ التخيُّلِ (أو الاستيهامِ) والخيالِ والتخييلِ الحالمِ (أو حتى الحلمِ النهاريِّ). لهذا السببِ، كثيرًا ما يجري في أدبياتِ التحليلِ النفسيِّ الخلطُ خطأً بين مصطلحِ «التماهي» بمعناهُ الحاليِّ وبين معاني مصطلحاتٍ أُخرى، من مثلِ: مصطلحِ «التذويتُ (الحقيقيُّ)» internalization (أي إضفاءُ صفةٍ ذاتيةٍ حقيقيةٍ على الشخصِ أو الشيءِ) ومصطلحِ «التذويتُ (التخيُّليُّ)» incorporation (أي إضفاءُ صفةٍ ذاتيةٍ تخيُّليةٍ (أو استيهاميةٍ) على الشخصِ أو الشيءِ)، وما أشبهَ ذلك.

[6] قا: فرويد، آ.، 1937، ص 109 وما يتبعها.

[7] قا: فرويد، 1920، ص 286؛ فرويد، 1931، ص 383 وما يتبعها.

[8] قا: لاغاش، 1962، ص 111 وما يتبعها.

[9] قا: فرويد، 1905 آ، ص 116 وما يتبعها؛ فرويد، 1921، ص 135.

 

علي رسول الربيعيلاحظ جون ستيوارت ميل، الذي استطلع إنجلترا في القرن التاسع عشر في مناقشته للحرية، حقيقة حزينة إلى حد ما حول غالبية الناس:

نلاحظ " بالمقارنة، أنهم الآن يقرأون الموضوعات نفسها، ويستمعون إلى الأمور نفسها، ويرون الأشياء نفسها، ويذهبون إلى الأماكن نفسها، وتتجه آمالهم ومخاوفهم إلى الأغراض نفسها، مع التمتع بالحقوق والحريات نفسها، والى نفس وسائل تأكيدها ...  ولاتزال المماثلة تسير قدما تعززها جميع التغييرات السياسية  التي تحدث في هذا  العصر، مادامت  ترمي كلها الى رفع الوضيع، والحط من الرفيع وكل توسع في مجال التعليم يعززها ، لأن التعليم يخضع  جميع فراد الشعب لمؤثرات عامة  واحدة. تحسين وسائل الأتصال يعززها.. كل زيادة  في التجارة والتصنيع يعززها ... إن صعود الرأي العام.. يشكل كتلة هائلة من اتأثيرات المعادية للفردية حتى أنه ليصعب علينا أن نرى كيف  يمكن لهذه الشخصية الفردية أن تقف على قدميها." (ميل، كتاب الحرية، فصل 3) 

أدى تأثير وسائل الإعلام العالمية في القرن الحادي والعشرين إلى زيادة الضغط لهذا التكييف والتطابق . قد تبدو هذه مشكلة كبيرة تواجه السعي لتحقيق المساواة والإنصاف - حيث يتلقى جميعهم المعاملة نفسها والفرص نفسها ويتلقون ضخ الأعلانات نفسها.

  إذا كان هذا هو الواقع فالقضية مفتوحة للنقاش. فقد يدعي البعض أن "الاختلاف" يتم الاحتفال به أكثر من التوافق في معظم الديمقراطيات الليبرالية. لكن هذا بمثابة تحذير بأنه، حتى لو لم تكن هناك محاولة لفرض المساواة المطلقة، فهناك ميل طبيعي إلى التعليم والرأسمالية للترويج له.

تكافؤ الفرص شيء، والتوحيد شيء آخر

هذا صحيح لاسيما في المواقف متعددة الثقافات، حيث يمكن الاحتفاء بالتمييز، على الرغم من أن جميع المجموعات العرقية والثقافية تتوقع معاملة متساوية. ما يؤكد ميل هو أن مبدأ تكافؤ الفرص المقدم ضمن نظام رأسمالي يميل إلى إخفاء الاختلافات.

إن أخطر الموقف، بالطبع، هو الموقف الذي يعتمد فيه الاعتبار المتساوي على التوافق السياسي، لأن أي حكومة تعمل على هذا الأساس تقدم فوائد فقط لأولئك الذين يظهرون ولاءًا لا يرقى إليه الشك لوجهة نظرها الخاصة.

مواطنون أم مستهلكون؟

  كانت حنة آرنت (1906-1975) مهتمًة باستكشاف المكافئ الحديث للمدينة (police) اليونانية، أي مجتمع يمكن أن يعمل فيه الناس معًا على قدم المساواة وينخرطون معًا في عملية سياسية. وقد علَّقت على الخطر الذي قد يلم بالمجتمع الحديث عندما يتم معاملة الأفراد كمستهلكين وليس كمواطنين. بمعنى آخر، أن يتم تحويلهم إلى متلقين سلبيين لما تعتبره الحكومة في مصلحتهم، بدلاً من أن يكونوا مشاركين نشطين في العملية السياسية نفسها.

إذا كانت إدارة الاقتصاد هي مفتاح النجاح السياسي، فإن الرفاهية الاقتصادية هي مفتاح رضا الناخبين، ورضا الناخبين هو مفتاح البقاء في السلطة. ولكن هل هذا هو الأساس الكافي لاتخاذ القرارات السياسية في الديمقراطية؟ الخطر، حيث يتم اتخاذ نهج المستهلك، هو أنه سيتم افتراض أن الناس يمكن التحكم بهم ومطابقتهم مع بعضهم، بشرط أن يتم وعدهم بمكاسب مادية مناسبة مقابل أن يقدموا الدعم للسياسيين  في صناديق الاقتراع.

ليس لوقت طويل!

في هذا المقال والذي سبقه في هذه السلسلة، كنا مهتمين حتى الآن بكيفية توزيع الخيرات من أجل تحقيق العدالة في المجتمع. ولكن هناك بعض الفلاسفة - على سبيل المثال رونالد دوركين - أشاروا إلى أنه على الرغم من أن تقاسم السلع في بعض المواقف الأصلية قد يكون عادلاً، الاً أن الإنصاف لن يستمر لفترة طويلة، وذلك لأنه سيكون  بعض الناس أكثر مهارة من غيرهم في تداول ما لديهم. قد يدعي أولئك المجتهدون بشكل معقول أنهم يستحقون الموارد الإضافية التي يجمعونها، وأنه سيكون من الخطأ إعادة توزيعها. لكن هناك عوامل أخرى تدخل في الاعتبار - فقد يصاب شخص ما بالمرض، أوعاصفة عاتية طارئة قد تلحق الضرر بمنزل شخص آخر، أوقد يتعرض الحصاد لعوامل بيئية تدمره.  تؤدي هذه العوامل غير المتوقعة إلى خلق تفاوتات. بالطبع، قد يختار شخص ما التأمين ضد مثل هذه الأحداث غير المتوقعة( في كثير من دول العالم ولاسيما الدول الغربية )، بينما قد لا يختارها شخص آخر. هل  يعتبر الشخص غير المؤمَّن عليه أنه مشارك في محنته أذا ما حصلت؟ إذا كان الأمر كذلك، فسيكون من غير المعقول تقديم شكوى في حالة وقوع حدث غير قابل للتنبؤ به ولكن يمكن التأمين عليه.

هذا الإدراك للطريقة التي تتغير بها الثروات يقوي الرأي القائل بأن الناس لا يمكن استخلاصهم حقًا من المجتمعات والعالم الذي يعيشون فيه. في عالم غامض، لا يمكن لإعادة توزيع الموارد الحفاظ على المساواة لفترة طويلة.

ديمقراطية

 يعني مصطلح "الديمقراطية، أن الناس قادرون على اختيار وتغيير الحكومة من خلال عملية انتخابية. ويبدو أن الديمقراطية هي التعبير المنطقي عن المساواة. تؤكد فكرة الديمقراطية أن كل شخص بالغ في المجتمع، شريطة أن يكون مؤهلاً بمعنى معين، قادرًا على التعبير عن وجهة نظر حول الطريقة التي يُحكم بها المجتمع. مثلما يقول مبدأ المنفعة الذي طرحه بنثام: أن الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله هو ما يقدم أقصى فائدة لأكبر عدد، وبالتالي فإن الديمقراطية هي الشكل الصحيح للحكومة، وفقاً للنفعية، لأنها تتوافق مع رغبات الأغلبية.

كانت الديمقراطية  قديما في عهد أرسطو من أجل أقلية ذكور فقط ؛ لم يكن للنساء والعبيد أي رأي في الحكومة. ومبرر ذلك هو أن المشاركة يجب أن تقتصر على القادرين على إصدار أحكام مستنيرة، وهذا يتطلب القدرة على التفكير وقياس الأمن المالي. على الرغم من تفضيل كانط للديمقراطية، إلا أنه لم يفكر مطلقًا في أنه ينبغي أن يمتد إلى العمال بأجر، ويعتقد أنه لا ينبغي لأحد أن يُصوت من لم يكسب رزقه من العمل أو المهنة. وشعر نيتشه أن الديمقراطية ستعيق تطور الأقوياء. عندما تفكر في كيفية استخدام السلطة بفعالية، كما وصفها مكيافيلي في كتاب الأمير، فقد تتساءل عما إذا كان من ألأفضل ممارسة  السلطة على أفضل وجه  تكون من قِبل أشخاص غير ثابتين في مناصبهم  ويكونون دائمًا تحت رحمة الناس في الانتخابات القادمة، فهي التي تقرر بشأنهم.

كان أفلاطون يكره الديمقراطية لأنه بدا له أنها حكم الغوغاء -  بينما أصبحت الآن الخيار السياسي المفضل. في الواقع، من المفترض أن تتبع الدول تلقائيًا، في أغلب الأحيان، بمجرد تحريرها من فرض الديكتاتوريات العسكرية أو الدينية، رغبات الشعب وتؤسس ديمقراطيات. ولكن في الممارسة العملية، بمجرد تأسيسها، يتم "إدارة" الديمقراطية بعناية ماكرة ولأهداف خاصة من قبل الحكومة  كما يجري اليوم في أغلب دول العالم. يتم تقديم وعود للناخبين، ويتم قصفهم بإعلانات ودعايات من الأحزاب السياسية المتنافسة، وتضييق خياراتهم بشكل محدود، فتكون النتيجة قابلة للتنبؤ إحصائياً  من قبل الحكومة وأحزابها،.

السؤال الحاسم للديمقراطية هو: كيف تحمي حقوق رفاهية الأقليات؟ إذا كان التصويت الديمقراطي يقررما سيحدث، فإن الأقلية - تقريبًا بحكم التعريف - ستخسر. ربما  يُفترض أن الناس سيكونون بالأغلبية بالنسبة لبعض القضايا وأقلية بالنسبة للآخرين. لكن هذا لا يزال يعني أنفًا أن الغالبية، بشكل عام، ستنجح في  طريقها. فقد تكون أحد الاحتمالات هو أن يكون هناك دستور يتطلب أغلبية ساحقة من الأصوات من أجل حرمان أقلية من حقوقها، ولكن على الرغم من أن ذلك قد يغير الظلم المُتصَور، إلا أنه لا يزيله.

قد تُحَل المجالس الإقليمية المشكلة لأنها تعطي أهمية للاختلافات الجغرافية بين الناخبين، فمن المهم بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في تلك المناطق أن يكون لديهم قدر من الاستقلال السياسي ومجلس  خاص بهم، بدلاً من أتخاذ كل  القرارات التي تخصهم  في البرلمان  العام  للدولة الذي ربما تهيمن عليه أغلبية معينة .

قد تسيطر الأغلبية على الأقليات، بمساعدة الصحافة الشعبية، وهي قضية واضحة في أيّ نظام ديمقراطي. تعتمد نتائج القضايا،في الديمقراطية الحديثة، إلى حد كبير على الطريقة التي يتم تقديمها من قبل الحكومة، وما إذا كان هناك وجهة نظر بديلة تقدمها أحزاب المعارضة. بمعنى آخر، الرأي العام مفتوح دائمًا لـ "الدوران". يصعب إثبات الحقائق، ويُفترض أن عددًا قليلاً فقط من الناس سيعرفون كل الحقائق والقضايا المتعلقة بأي موضوع واحد.

يمكن أن تعني الديمقراطية العديد من الأشياء. فهي تعني بالنسبة لأفلاطون كان حكم الأغلبية التي لا تفكر.  وقد كانت تعني لأنصار العقد الاجتماعي في القرن الثامن عشر الصوت الجديد للشعب في السيطرة على الحكومة. أما الديمقراطيات التمثيلية  فتدار عمومًا  اليوم من قبل  أنظمة حكم بعناية ويتم التلاعب بها ويمكن التنبؤ بها - من قبل نخبة سياسية محترفة، والحكومة من خلال نزوة عرضية لأقلية من الناس في دوائر انتخابية هامشية.

 

الدّكتور علي رسول الرّبيعي

 

نهدف من وراء مقالتنا إلى إبراز مكانة المقاربة الإيكولوجية عند عالم الاجتماع الأمريكي روبرت بارك، باعتباره أحد مؤسسي علم الاجتماع الحضري بجامعة شيكاغو، حيث ينطلق مقالنا من سؤال مركزي وهو كالتالي: كيف استخدمت مدرسة شيكاغو المقاربة الإيكولوجية l'approche échologique لفهم الظواهر الاجتماعية؟

يعتبر ربرت بارك Robert Park الأب الروحي لمدرسة شيكاغو بعد ويليام طوماس إسحاق هذا الأخير الذي أجبر على تقديم استقالته بسبب فضيحة أخلاقية وبهذا سيتمكن بارك من فرض نفسه كرائد فكري لمدرسة شيكاغو (١٩٤٣-١٩١٤)، وسيتم إنجاز العديد من المقالات والمنوغرافيات ذات الصلة بالحياة الحضرية. وفي هذا الصدد اهتم بارك بالمقاربة الإيكولوجية لظاهرتي التحضر والهجرة، وهذا ما ميز سوسيولوجيا "بارك" الذي في أولى مساراته المهنية بصحافة التحقيق، حيث قادته تجاربه الصحافية حسب قوله "إلى اعتبار المدينة لا مجرد ظاهرة جغرافية، وإنما كنمط من التنظيم الاجتماعي"، لكن لن يمكث طويلا في عالم الصحافة. حيث سيستأنف دراسته بشعبة الفلسفة إلى أن ينال دكتوراه المعنونة ب"الجمهور والإشهار" بإشراف من طوماس ويليام إسحاق .

يعتبر المقال الذي كتبه بارك حول "برنامج البحث السوسيولوجي" وكتابه الذي اشتغل عليه رفقة ernist birgs " مدخل لعلم السوسيولجيا" والذي اعتبره طلابه إلى حدود١٩٤٣ "الإنجيل الأخضر" ومن خلال هذين العملين سيدخل بارك تاريخ السوسيولوجيا .

اعتبر روبرت بارك بأن التحضر ظاهرة إيكولوجية بمعنى أنها مثل باقي الظواهر الطبيعية وتخضع لنفس القوانين التي تحكم هذه الأخيرة. حيث عمل على إحداث القطيعة مع التصور"الغير العلمي" الذي كان سائدا خلال فترة الإصلاح الاجتماعي ومنه سيعمد بارك على غرار رواد مدرسة شيكاغو إلى تبني نموذج معرفي جديد كفيل بالمساعدة على معرفة الواقع الحضري معرفة علمية بغية التمكن من فهم هذا الواقع والسيطرة علية، فكيف التقى بارك بالإيكولوجيا وكيف عمل على توظيف مفاهيمها في دراسة التحضر والهجرة؟

في مقال عنونه بارك "بالمجموعة الحضرية: نموذج مثالي ونظام روحي" يوضح فيه بارك كيف التقى بالايكولوجيا من خلال مؤلف صغير ل أوجينيوس وارسينغ المعنون ب"المجموعات النباتية" وتلفت ملاحظاته الانتباه إلى أن مختلف النباتات تسعى إلى التشكل في جماعات أو مجموعات des communités    وأنها تنمو وتتطور. وبالتالي، فبارك أسقط هذه الملاحظة على المجال الاجتماعي وفي هذا الصدد يقول "إن ما يهمنا نحن هو المجموعة أكثر من الإنسان الفرد، والعلاقات بين الناس أكثر من علاقاتهم مع الأرض التي يعيشون عليها" على عكس كل من ماكس فيبر وجورج زيمل اللذان كان لهما اهتمام بالفرد أكثر من الجماعة. لم يكتفي بارك بهذا فقط بل اطلع على أعمال التطوريون الطبيعيون خصوصا أعمال داروين، واستخلص بارك بأن الحياة المدينية هي حياة صراع un espace de conflit  بامتياز بين الأفراد مثلها مثل المحيط الطبيعي الذي يعيش كائناته على الصراع من أجل البقاء والاستمرار. فالذين يصارعون من أجل استمرارهم يجدون عشهم في المحيط الطبيعي، أما الكائنات الغير القادرة على الصراع فهي مهددة بالانقراض. وهذا هو الحال بالنسبة للعلاقة التي تجمع الأفراد بالمجال الحضري الذي يتميز بديناميته، وتطوره السريع حيث يفرض على الأفراد مسايرته والتأقلم معه. ففي حالة عدم مسايرته يصبح الأفراد مهددين بالعيش خارج المجال الحضري. وبهذا نجد أن الإيكولوجية الإنسانية اهتمت بالتفاعلات بين الناس والوسط الطبيعي وكذا التفاعلات بين الجماعات في وسط جغرافي معين. ولذلك، فإن المنطلق الأساسي لهذا العلم يقتضي الإقرار بأن المدينة كائن عضوي طبيعي شبيه بالعضوية الحية. وبالتالي، فإن هذا التأثر بالإيكولوجيا سيجعل من مقاربة روبرت بارك مطبوعة بنزعة "طبيعوية " naturaliste . ومنه فالمدينة من هذا المنظور الإيكولوجي تبدو كمجال قابل للدراسة الوضعية ولهذا انتهى Ernest burgs الرائد الثاني لشيكاغو إلى اعتبار المجال الحضري أهم ما يميز النظرية السوسيولوجية الحديثة وأن ما يجعل المدينة المجال الأنسب لدراسة الحياة الاجتماعية ويمنحها صفة المختبر الاجتماعي هو أن هذه المؤسسات تنمو وتتطور بسرعة. وبالتالي فهي قابلة للملاحظة وللتجريب .

إن المدينة حسب بارك تضخم وتنشر وترسخ مظاهر الطبيعة الإنسانية الأكثر تنوعا؛ فهي تمنح جوا خاصا لأفرادها فكل فرد وكيفما كانت أطواره يجد مجالا فيها ويمكنه من التعبير عن خصوصياته، فالمجال الحضري مجال متنوع يضم "المجرم – المتسول – الإنسان – العبقري". هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، المدينة حسب المنظور الإيكولوحي هي السكن الطبيعي للإنسان المتحضر، ففي المدينة تطورت الفلسفة والعلم اللذان يجعلان الإنسان ليس حيوانا عاقلا فحسب، بل حيوانا رفيعا، وبالتالي فالفرد المديني تميز عن الحيوانات الدنيا وعن البدائيين. لكن إذا كانت المدينة هي العالم الذي خلقه الإنسان فإنها أيضا العالم الذي أصبح محكوما على هذا الإنسان أن يعيش فيه ويواكب تطوراته.

إن تمجيد بارك للمدينة وللحياة الحضرية لم يمنعه مع ذلك من تبني نظرة مزدوجة عن المدينة على الرغم من التقدم والرخاء والحرية ونمط العيش الأفضل الذي تتميز به المدينة، إلا أنها مجال المعدلات الأعلى في الجريمة والإنحراف وسوء التنظيم الإجتماعي؛ فالمجال الحضري مجال غير متجانس لأنه عبارة عن فسيفساء متعددة الألوان والأشكال. وذلك ما يعبر عنه بارك من منظور إيكولوجي واضح :المناطق الروحية   les région morales والمناطق الطبيعية les régions naturelles. وفي هذا الصدد استلهم بارك الفرضية المنطقية التي تقول بإمكانية "الطبغرافية "للظواهر الطبيعية التي وضعها e.burges   في مقاله "نمو المدينة" والتي سيشتغل عليها بارك من خلال تقسيمه للمدينة إلى عدة مناطق متجاورة. لكن ما يميز هذه المناطق عن بعضها البعض هو طبيعة السكان ونوعية الوظائف الممارسة فيها؛ فكل مدينة مكونة من حلقات، حلقتها الأولى هي مركزها ونواتها التي تكون مخصصة للأعمال والتجارة ثم المناطق الصناعية سواء تلك المختصة في الصناعات الثقيلة أو الخفيفة. أيضا فإن كل مدينة لها مدنها التابعة المحيطة بها، بالإضافة إلى أحيائها ومستوطنات المهاجرين الذين يتمسكون بدرجات مختلفة بثقافتهم. ولكل مدينة لها مناطقها الهامشية حيث تكون أكثر حرية وأكثر تشجيعا على المغامرة وأكثر عزلة مقارنة بالأخرى. إن هذه البنية الإيكولوجية للمدينة تتشكل بفعل الإنتقاء والتميز من جهة، وعملية التنشئة والعدوى من جهة أخرى. هاتين العمليتين تجعل مناطق المدينة تتحول إلى مناطق متميزة عن بعضها البعض مجاليا وثقافيا، فالناس داخل المدينة كثيرا ما يبحثون عن التميز وعدم التجانس الاجتماعي والثقافي. ومنه فالمسألة المجالية يتم تحديدها انطلاقا من الانتماء الاجتماعي والاقتصادي. وفي هذا الصدد نجد e.bergs الذي حاول أن يبين على أن المجال الذي ينتمي إليه فرد من خلال تحديد متوسط الدخل. وبالتالي، فالسكن يحدد الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية للأفراد، وهذا سيساهم بشكل اتوماتيكي في ارتفاع مستوى التراتبات الاجتماعية والاقتصادية، وسيقلص من نسبة التواصل بين الفئات، لأنه يتم وفق حلقات مغلقة حيث أفراد المركز تتواصل مع أفراد المركز والعكس بالعكس... فلكل مجال في المدينة خصوصياته، فمثلا كلما ابتعدنا عن مركز المدينة ابتعدنا عن التنظيم والقانون، وأيضا العودة إلى المركز تفرض على الأفراد أن يكونوا مجبرين على التصنع. وكلما انتقلنا من المركز إلى المحيط نجد العنف والعدوانية، ومنه فالمجال بثقافته يفرض على الأفراد سلطة معينة .

استعمل بارك في مقاله "المدينة" مفهومين يبدوان مختلفين من ناحية التركيب لكنهما متشابهين على مستوى المعنى وهما: المجال الأخلاقي والمجال الطبيعي. وهذا معناه أن هذه المجالات تشكلت بطريقة اعتباطية وتلقائية بمعنى أنها تنمو بمعزل عن أي استراتيجية أو سياسية للدولة. وهي تخص الأحياء الهامشية والعشوائية؛ هذه المجالات تنتج عن سببين وهما: الضغط الذي يمارسه المركز على الأفراد والإقصاء والتهميش الذي تتعرض له فئات عريضة داخل المجال الحضري. وهذا يعني أن المركز له خصوصياته وله قالبه الخاص، وهو الذي تتوفر فيه الأنشطة الاقتصادية ،التجارية. وهذا ما يجعله نقطة جذب بالنسبة للأحياء الأخرى وهو أيضا ما يمنحه سلطة الضغط. بالإضافة إلى أن الانتماء إلى المركز يتطلب مكانة اقتصادية مريحة. لذلك نجد بارك يتحدث عن الانتقاء. وبالنسبة إلى بارك هذا المجال الهامشي يصبح مع مضي الوقت مجالا خاصا له تقاليده وعاداته وقيمه الخاصة. ومن هنا، فهاته الفئات تشكل تاريخها المشترك الذي يقوم على ذاكرة جماعية ومشاعر خاصة بها. إن المجال الطبيعي يتكون من أفراد غير متشابهين ثقافيا ما يجعلهم يعيشون بشكل مشترك هو وضعيتهم الاقتصادية وهذه الوضعية هي وضعية إجبارية وليست اختيارية .

المدينة مجال لبروز الحريات الفردية وتحسن نمط العيش والاتصال مجال للإبداع الفكري والعلمي ولكن في نفس الآن مجال للانحراف، والانتحار والعنف، وبهذا فإن المدينة هي عبارة عن مجال ذو وجهين.

 

فاطمة الزهرة أكنيك

 

علي محمد اليوسفيقول ويل ديورانت في كتابه المرجع قصة الفلسفة (أن العالم نظام لكنه ليس موجودا في العالم نفسه، بل الفكر الذي عرف العالم وأدركه هو المنّظم لهذا العالم، وأن قوانين الفكر هي قوانين الاشياء) 1ونجد أهمية مناقشة رأي ويل ديورانت بضوء أن هيجل يعتبرأيضا (قوانين الطبيعة هي قوانين العقل التنظيمية، وقوانين المنطق وقوانين الطبيعة شيء واحد) 2

ربما تبدو مصادرة فكرية متسرعة غير لائقة أن لا نعتبر فكر الانسان لم ينّظم عالم الطبيعة الا في قوانينها المكتشفة له فقط، وأنه نظّم عالم الاشياء المدركة من حوله لكن تم ويتم ذلك في تأكيدنا حقيقتين أثنتين أولاهما أن عالم الاشياء لم يكن قبل أدراك الانسان له غير موجود بأية صورة أو شكل من أشكال الوجود المنظّم سواء أكان ذلك الوجود السابق منظما بقوانين ثابتة كما هي الطبيعة أم تحكمه قوانين عشوائية متغيرة موضوعيا في تداخلها مع أدراكات الانسان لها وتعديل وجودها كما في عالم صنع الانسان لحياته في كل مناحيها بعلاقته بظواهرالطبيعة ومواضيعها، بمعنى أن وجود عالم الاشياء سابق على أدراك الانسان له، وتنظيم الانسان لوجود عالم الاشياء هو الحافز الاساس لأدراكه تلك الموجودات، والعامل الأهم أنه ينظم مدركاته للاشياء التي هي بالنتيجة تنظيم حياته ووجوده، والفكر الانساني لا يعمل في فراغ وجودي مادي أوفي فراغ غير موضوعي متخيّل من الذاكرة ولا في تجريد ذهني يلغي مؤثرات علمية ومعرفية عديدة في فهم وبناء الحياة الانسانية...

فالفكر نتاج عقلي لا يعمل بغياب موضوع تفكيره، بل والفكرقوة مادية يكتسب ماديته من الجدل المتخارج مع موضوعه.. والفكر من غير موضوع مدرك له غير موجود في نظام العقل في وعيه الاشياء، أي لا يعي أدراك ومعرفة الموجودات، لأن غياب موضوع الادراك يعني غياب وجوده المادي أو المتخيّل الذي يعطي الافكار نظامها الادراكي المقبول المتسق بين موضوع الادراك ومدرك الانسان العقلي له ..

الحقيقة الثانية في أشتراط توفرها في الفكر لكي يكون فاعلا منتجا، أنه لا وجود لشيء بظواهر وماهية أي متعيّن في شكل ومحتوى مادي يدركه الانسان في الطبيعة وعالم الاشياء لا يتمتع بنوع من القوانين التي تحكم علاقته الذاتية الخاصة به كجوهر وصفات، مع العلاقة الادراكية بالانسان كفعالية فكرية تنظم وجود الاشياء وتعمل التعريف بها وأكسابها تخليقا وجوديا مستحدثا، وأن ما يخلعه الفكرالانساني من معارف في تعديله تلك القوانين في عالم الاشياء أنما هي قوانين أدراكية فكرية لم تكن موجودة قبل ملازمة الاشياء للفكرالانساني لها الذي يريد فهمها وتفسيرها وتنظيمها، .. وليست قابلية الفكر الانساني أنشاء قوانين تخليقية بغية أيجاده كائنا او شيئا آخرجديدا لم يكن موجودا بالفكر كما يرّوج له فلاسفة المثالية...الفكر لا ينتج عوالم الاشياء ماديا في وجودها الطبيعي من لا شيء متعيّن يسبق وجوده تفكيرالانسان المنظّم به....وعالم الاشياء والموجودات في الطبيعة هو عالم مادي رغم أن وسيلة تخليقه وبنائه المعرفي تقوم بالفكر واللغة التعبيرية المجردة التي تعتبربمثابة المنهج والدليل الذي يقود الانسان الاهتداء به كنظريات وقوانين في تغيير عوالم الاشياء وفي مدركات الطبيعة معا..

أن نظام العالم الطبيعي الخام ونظام العالم الانساني المخترع المصنوع كيفيا متمايزا ومبتكرا في قوانينه في تلازمهما معا عرف بهما الانسان كيف ينظّم أفكار أدراكاته بما يفيده منها في عالم تفاعله الادراكي مع عوالم الاشياء من حوله، كما أن الانسان في تخليقه لعالمه الانساني المتطور علميا ومعرفيا وعلى مختلف الصعد والنواحي وفي كافة المجالات لم يستمد تقدمه الا بمفارقة عن (وهم) فرضية أن قوانين الفكر التي يبتكرها ويخترعها الانسان تسعى في حقيقتها المطابقة مع قوانين الاشياء بما يقعد تطور وتبديل وجود الاشياء المحكومة بقوانين ذاتية وموضوعية ثابتة قبل محاولة الانسان تغييرها من جهة، كما أن مطابقة الافكار لموجودات الاشياء والقوانين التي تحكمها ليس رغبة الاكتفاء بمعرفتها دون أرادة تغييرها وتبديلها، وبغير ذلك يجعل من الفكر مثاليا أبتذاليا ساكنا في علاقته بواقع الاشياء في وجودها المادي الساكن أيضا في الطبيعة، وبذلك لا يتم تبديل الواقع بالفكر، ولا تطوير الفكر بعلاقته الجدلية بتغيرات وتحولات الواقع....الفكر الذي يعمل على تطوير واقع الاشياء أنما هو الآخر يتطور في مجاراته تطورات الواقع ومجاوزتها في تعاليه عليها باستمرار... وفي الفرضية الخاطئة التي تقود الى نتيجة خطأ أيضا هو في أعتبار عملية أدراك الانسان الاشياء هو في سعيه مطابقة قوانينه المستحدثة مع قوانين الاشياء في وجودها قبل أدراكها وهو أفتراض وهمي غير حقيقي ولا يمكن الانسان فهم وتنظيم عوالمه الحياتية بهذا التنميط من التفكيرالسلبي مع أدراكاته لعوالم الاشياء في وجودها في الطبيعة.. بل أن تدخل الاشياء المدركة مع الفكر في جدل ثنائي متبادل يكسبهما كلاهما التغيير والتطور وبغير هذا الفهم معناه نفي أن يكون هناك فائدة من وعي الانسان لموجودات الطبيعة وأستحداث رؤيته وقوانينه لها..ألنتيجة التي يحرزها الفكر بالنهاية من هذه العملية هو أن تكون قوانين الفكر هي قوانين الاشياء في الواقع... بمعنى أصبح ما نمتلكه عن الاشياء من افكار نتيجة مدركاتنا لها هو وحده الذي يعطي وجودها الحضور الواقعي في حياتنا...

الفكر الفلسفي والواقع المادي

يحضرني هنا تعريفين للفلسفة يوضّحان الفرق بين أن تكون الفلسفة والفكر عاملي تغيير وبناء للحياة وبين أن تكونا عاملي علاقة مثالية ساكنة لا يهمها أمر الواقع ولا مهمة تغييره وتبديله، أذ يذهب ماركس في فهمه وظيفة الفكر والفلسفة بأنهما منظومة فكرية معرفية منطقية تحاول فهم العالم من أجل تغييره نحو الافضل ومقولته هذه جاءت أدانة صريحة لفلاسفة كان همّهم الشاغل الوحيد هو تفسيرهم الوجود والعالم بالفلسفة والفكر المجرد عن واقعه، وليس الاضطلاع بمهمة أيجاد وسائل كيفية تغييره وما هي أساليب وطرق ذلك التغيير، وعبّر ماركس عن ذلك قوله وجدت الفلاسفة قبلي يكتفون بتفسير العالم في حين كان المطلوب منهم تبيان كيفية ووسائل تغييره، ما جعل ماركس في نضجه الفلسفي يهجر الفلسفة (نال شهادة الدكتوره في الفلسفة عام 1841) ويتجه الى الاقتصاد السياسي ويبرز من خلاله كعالم اقتصاد وأجتماع سياسي من طراز فريد، وليس فيلسوفا فقط كما كان في مطلع شبابه، بعد أن أيقن تماما أن الفلسفة لا تضطلع بمهمة التغييرالانساني مثلما يفعل الواقع الاقتصادي الاجتماعي الذي يعيشه الناس في الحياة وليس الذي يقرأونه في الكتب.. وبالعكس من رؤية ماركس هذه تماما يرى برتراند رسل في دفاعه الوقوف المتطرف ضد المادية الماركسية معززا الانبعاث الفلسفي المثالي في التجريبية والتحليلية الانكليزية في القرن 19 الميلادي وبدايات القرن 20، ويقول أن الفكر والفلسفة مهمتهما فهم العالم ومعرفته في منظومة منطقية نسقية من الافكار فقط وليس من مهام الفكر الفلسفي تغيير وتبديل وجود الاشياء وتطبيق رؤى ومفاهيم تسعى تغيير عوالم الاشياء والموجودات ولا أهمية لوضع نظريات ثورية في الاقتصاد السياسي الفلسفي تسعى تحقيق مثل هذه المهمة في المجتمع ...

في المثالين السابقين يظهر الفرق جليّا بين الفكر المادي عنه في الفكر المثالي وفي أختلافهما فهم عالم الاشياء والوجود والطبيعة... وفي كل الاحوال لا يمكننا تصور خلق وتنظيم الانسان لعوالمه الخاصة به أن يكون تحت رغبة وهاجس التطابق بين قوانين تلك الاشياء مع ما يخترعه فكر الانسان توليديا أبتكاريا تجديديا عنها... الفكر الانساني يدخل بعلاقة جدلية مع واقع الاشياء ومعرفة قوانينها وهو في الوقت الذي يحاول فيه تبديل وتغيير واقع تلك الاشياء وخلق عوالمه الخاصة به، فأنه أي الفكر يجد نفسه محكوما هو الآخر بالتغيير والتطور والتبديل لمواكبته التطور الحاصل في عالم الاشياء التي جرى أختراع وسائل تغييرها وخلقها المتجدد من قبله... فالواقع والفكر يتداخلان بعلاقة جدلية تطورية تحكمهما كليهما معا...ولا يتغير ويتبدّل الواقع من غير ملازمة التغيير بالفكر والعكس صحيح أيضا...

ولا تمتلك الاشياء قوانينها الخاصة التي تقود الفكر الانساني بها وتجرّه وراءها، بل العكس من ذلك الفكر في أدراكاته الاشياء وعالمه الانساني الواقعي هو الذي يقود تبديل وتغيير الاشياء وقوانين وجودها قبل تدّخل أرادة الانسان في وجوب تغييرها نحو الافضل بالنسبة له وليس بالنسبة للاشياء في محيطه الادراكي، الاشياء وموجودات العالم الخارجي لا قيمة حقيقية لها ولا وجود مؤثر من غير أمتلاك فكر الانسان لها وأيجادها متخلقّة ثانية في نمط متجدد من التخليق التطوري المستمرلهاعلى الدوام...

وجود الاشياء في الطبيعة كان وسيبقى وجودا ناقصا ومبهما غير واضح يستهدي بما يخلعه عليه الفكر الانساني من تخليق لا يمثل أستجابة ورغبة العقل الانساني مطابقة نظام الاشياء في وجودها مع مبتكراته الفكرية في تخليقها وتنظيمها مجددا، بل في سعي الفكر الانساني تعديل وتغيير تلك القوانين بما يجعل الفكر الانساني يصنع قوانين عوالم الاشياء من جديد، ولا يسعى التطابق معها في معرفتها وتفسيرها فقط...من المهم التأكيد هنا أن الفكر الانساني هنا لا يتعامل مع قوانين الطبيعة وموجوداتها ومكوناتها غير المكتشفة والمدركة من قبله، وليس كل ما يعرفه الانسان من قوانين الطبيعة الثابتة المكتشفة يصار الى تغييرها لمجرد التغيير في أثبات قابلية الفكر الانساني التطورية والتغييرية...فهناك قوانين مكتشفة في الطبيعة جاهزة في تنظيمها وأتقانها لتوضع في خدمة الانسان من غير الدخول في مهمة تخريبها بأسم تخليقها وتجديدها.. فمثلا ما أهمية أن يقوم الانسان بمحاولة يائسة بائسة في عجزه تغييره نظام الجاذبية مثلا؟؟

هنا لابد لنا من توضيح ألتباس قد يقع فيه البعض حول علاقة الفكر بالواقع المادي للاشياء... أننا نسلّم بحقيقة أن الفكر أنعكاس للوجود السابق عليه دوما، لكن الفكر لا يدخل مع أدراكه الموجودات بعلاقة ميكانيكية ساكنة تكون الغلبة فيها والارجحية لموجودات الاشياء قيادتها هي للفكر في توجيهها له كما تذهب الفلسفات المثالية، بل الفكر في أدراكه الموجودات يدخل معها في جدل متبادل تخليقي تكون الكلمة النهائية فيها للفكر وليس للوجود الذي أصبح غيره الوجود بعدما جرى تخليقه فكريا، من هذا التوضيح نفهم أن الوجود لا يقود الفكر بل الفكر هو الذي يدرك الوجود ويقوده ويعمل على تخليقه في تجديد متطور على الدوام.. الوجود حافز مدرك لانتاجية الفكر، لكنه – الوجود - يعجز عن أنتاج قوانين جديدة غير ثابتة فيه بمعزل عن قيادة الفكرله..

والفكر يخلق نظام الاشياء التي ليس لها قوانين منتظمة خاصة بها أو لا تمتلك تلك الموجودات حضورا وجوديا فاعلا قبل أدراك الفكر الانساني التخليقي لها، ومن دون أدراكات العقل وأبتكاره قوانين غيرموجودة وغير محدودة في تشكيل وبناء عوالمه لا يكون هناك قوانين للاشياء يجدها الانسان مطابقة ومتجاوزة في وقت واحد لما أصبح يمتلكه عنها ليس ليتطابق معها بل من أجل تغييرها... لذا نجد أن أمتلاك الانسان لقوانينه الخاصة به لا يمكنها أن تكون من وحي نظام الاشياء فقط التي يسعى الفكر الانساني عدم المطابقة معها أو أن ما يمتلكه الانسان من قوانين مبتكرة هي مستمدة من محاولته السعي مطابقتها مع قوانين الاشياء في فهمها فقط دونما تطويرها وتغييرها... أختراع الانسان لقوانينه الخاصة في تشكيل عوالمه في الحياة التي هي دوما مجاوزة مستمرة لما يحكم قوانين الاشياء من جمود وثبات قلق في وجودها يثير رغبة الانسان أنتشالها من حالة أهمال منسي في الطبيعة الى حالة وجود متطور يعيش وجوده الحقيقي في عالم الانسان.. ومن الضروري الاشارة له أن الفكر لا يعامل جميع مواضيعه الادراكية في عالم الطبيعة والاشياء في أهمية واحدة، بل يختار وينتقي منها ما هو ضروري له بارتباطه به في تسهيل بناء حياته ومستلزمات بقائه..كما أشرنا سابقا الوجود مصدر يلهم الفكر قوانين تخليقه، لكن الوجود يعجز أن يخلق قوانين مستحدثة جديدة يجاري بها الفكر أو يقوده بها كما هي أمكانات العقل القيام بذلك ...

عالم الانسان المتغير والطبيعة

لا خلاف حول حقيقة أن نظام الطبيعة في قوانينها الثابتة التي تعمل باستقلالية عن الانسان هي حقيقة مسّلم بها، وأذا نحن أعتبرنا نظام العالم الانساني المتغير في علاقته بالطبيعة مستمّدا من نظام الطبيعة الثابت فقط نكون وقعنا في خطأ ساذج، فقوانين الطبيعة الجزئية جدا هي واحدة من نظام القوانين التي تحكم الفضاء الكوني الذي يجهله الانسان كجهله معرفة قوانين الطبيعة في ذاتها غير المكتشفة... وقوانين الطبيعة الثابتة كجوهر ذاتي غير مدرك، هي قوانين تحكم نظام الطبيعة نفسها فقط ولا يلزم من ذلك تعميم ذلك الثبات الماهوي الذاتي الغامض في قوانين الطبيعة على تشكيل نظام العالم الانساني المتغير باستمرار بمعزل عن مؤثرات الطبيعة وقوانينها غير المكتشفة...، والعالم الذي هو من صنع الانسان ولم تساهم الطبيعة بصنعه مباشرة يكون متغيرا بمتواليات مستمرة من التبديل.. ويبقى نظام الطبيعة نظاما مستقلا الى حد ما عن النظام الكوني في علاقته بالانسان، فهو قريب من عوالم الانسان المصنوعة لأنه في تماس مباشر مع الانسان في تكوين عالمه الذي يعتبر الطبيعة جزء منه وهي أقرب في أنتمائها للانسان عنه في أنتمائها كوكبيا لمنظومة الفضاء الكوني الذي تضيع الطبيعة فيه ذرة رمل في صحراء، .. حضور الطبيعة بهذه الاهمية الاستثنائية لوجود وحياة الانسان لم تكن شيئا من دون أهتمام الانسان بها أنها جزء من كوني بعيد لا متناهي سديمي لا متلاشي لا قيمة حقيقية للطبيعة الارضية المأهولة فيه، لا كما هي في حيوية وأهمية أنتسابها للانسان وأنتسابه لها وتكاملهم تكامل الأم بوليدها التي رعته وأنشاته بفضلها عليه وتأمينها له مقومات أدامة حياته من الانقراض والفناء وحمايتها له من غير أرادة واعية مسّبقة منها في درء الاخطار التي كانت محدقة به .... ومن غير الصحيح التفكير في وجوب مطابقة قوانين التناوب المتطابق أو المنّظم بين عالم الطبيعة وعالم الانسان المصنوع تدريجيا، أن تكون هذه المطابقة الفرضية الخاطئة سبب فهمنا صنع العالم الانساني وعلاقته بالطبيعة... ولا يمكن خلط قوانين الطبيعة في وجوب تطابقها مع قوانين العالم فلكل منهما قوانينه الخاصة به التي يمتاز بها عدا قوانين الطبيعة المكتشفة في تداخلها مع عالم الانسان المصنوع بفضل تكامله معها، أول هذه الاختلافات بينهما أن قوانين الطبيعة كما ذكرنا ثابتة غير عاقلة مكتفية بذاتها بمعزل عن تدخلات الانسان بها.. أما قوانين العالم الانساني فهي متغيرة متطورة باستمرار، الطبيعة مخلوق ومعطى فطري لا يعقل ذاته ولا محيطه ولا الاشياء الداخلة في مكوّناته.. أما العالم الانساني فهو تشكيل من الافكارالتوليدية المصنّعة والبناءات المتجددة باستمراربوسائل عقل الانسان في أبداعاته بلا حدود، قوانين الطبيعة ثابتة لا تعقل نفسها بينما قوانين العالم الانساني أدراكية تعقل ذاتها وتعرف أهمية السعي نحو تحقيق أهدافها المتغيرة المتجددة دوما..ومثلما لا يعي الانسان مدركات قوانين الطبيعة غير المكتشفة التي تعبر عن ماهيتها الذاتية كونها ثابتة وتحكم وجود الانسان بعاملي الزمان والمكان اللذان لا تدرك الطبيعة أنها تحكم الانسان بهما لا أراديا وتتسيده، ...يقابل هذا أن جميع قوانين الانسان المصنوعة تتحكم بالكثير مما هو في الطبيعة وتتسيدها دونما وعي منها، وفي الوقت الذي يدرك الانسان أن قوانين الطبيعة تحكمه ولا يستطيع منعها، فأنها أي الطبيعة لا تدرك أن الانسان يتسّيدها بخلق قوانين عوالمه العلمية التكنولوجية المتطورة بمعزل عن الطبيعة كما هي تفعل معه وتحكمه بعاملي الزمان والمكان من غير وعي ولا أدراك له..

تطابق قوانين الاشياء المدركة مع قوانين المنطق والفكرالمجرد عنها هو تطابق أفتعالي خاطيء متخيّل غير حقيقي على صعيد الفكر.. عندما يستمد الانسان كل تجاربه المعرفية الساكنة غير المنتجة بما أصبح يعرفه عنها لا بما يجهله فيها، ونجد المفارقة بينهما أمام حقيقة أن الطبيعة في قوانينها وقوانين الاشياء المتعالقة معها، لا تكون المصدر الوحيد في تشكيل معارف الانسان الحديثة في وضع قوانينه الخاصة به.. الطبيعة توقفت عن ألهام الانسان صنع عوالمه الخاصة به في الحياة في موازاة معرفته الطبيعة التي تراجعت أهميتها عما كانت عليه في الماضي نتيجة التقدم العلمي التكنولوجي الهائل الذي أحرزه الانسان ما جعله مغتربا عن الطبيعة متجاوزا لها في قوانينها المحدودة بالنسبة لما أصبح يمتلكه الانسان الحضاري اليوم من قوانين مخترعة علميا من قبله جعلت الطبيعة تفقد الكثير من وسائل تحجيم الوجود الانساني في أعتماده عليها كما في سابق عصور ما قبل التقدم العلمي والتكنولوجي..

كما أننا في الوقت الذي كنا نجد عجز العقل الانساني العبث في قوانين الطبيعة البشرية الثابتة غير المكتشفة له، لجأ اليوم الى استثناءه التلاعب العلمي في توجيه تركيزه على طبيعته البيولوجية الفيزيائية ذاتيا كمخلوق لا ينتسب للطبيعة كطفل رضيع بعدما شبّ في وصوله مرحلة النضج، متجّها بأنظاره نحو العلم فيما يخص فيزياء وكيمياء قوانين الوراثة وعلم الاجّنة في محاولة فك شفرات العلم للجينات والاستنساخ الخلوي للكائن الحي وغيرذلك في ميادين عديدة هائلة للعلوم في محاولة لا تشكل أهتماما مصيريا له كناتج عرضي لابحاثه العلمية في أن يتوصل معرفة أسرار وقوانين الطبيعة المحجوبة عنه معرفتها...ما عدا هذا والقليل الجزئي المحدود في مجالات أخرى، لا يمكن القول أن قوانين العقل التي تنشيء العالم بأستمرار هي على حساب خرق دائم لقوانين الطبيعة المستقلة في ثباتها وكفايتها الذاتية لنفسها في المفارقة عن قوانين العالم الانساني المصنّع علميا التي يجري أبتكارها وأختراعها المستمرين، وأمام تزايد أختراع الانسان لقوانينه العلمية المتطورة جدا أصبحت الطبيعة وقوانينها المحدودة أمامه لا تمثل هدفا يسعى الانسان لأختراقه اليوم في صرف أهتمامه عن نزعات تطويرأمكاناته العلمية في بناء عالمه الانساني الذي يشيدّه باستمرار...

الطبيعة منذ العصور البدائية الاولى لا تدرك ولا تفهم أو تعقل أنها وجدت من أجل خدمة وبقاء الانسان ولا يستطيع الانسان الجزم بذلك اليوم أيضا، ونستطيع القول أن هذه المرحلة البدائية في علاقة الانسان بالطبيعة تضاءلت وتجاوزها الانسان في تقدمه العلمي الصناعي الهائل الذي جعل أمكانات الطبيعة التي كان الانسان يقف أمامها مندهشا ومستلبا في تقزيم الطبيعة له، أصبحت اليوم محدودة ألتأثير لا تجلب ذلك الاهتمام الكارزمي الحيوي الباهر التي كانت تتمتع به الطبيعة في أستلابها دهشة الانسان بها في مراحل لم يكن تقدمه العلمي الحضاري يؤهله مثل ذلك الاستغناء عن أهمية الطبيعة غير المحدودة في حياة الانسان وأستمرارها، لكن الانسان لازال يدرك أنه جزء من الطبيعة في وجوده وأعتماده عليها في تأمين بقائه من الانقراض ليس في أعتماده الطبيعة مادة خام تمده بأسباب البقاء في توفير ما يحتاجه من غذاء وجمال وراحة بال ووجود وغيرها.. فقد نجح الانسان في تصنيع عالمه بمعزل تام عما تمتلكه الطبيعة من أمكانات جردها الانسان منها وأصبح تقزيمها الانسان متراجعا أكثر من حقيقة بائنة واضحة...

قوانين العالم التي يبتدعها الانسان في تخليقه عالمه وتشييده بأستمرار، هي قوانين مبتكرة متغيرة لا تطابق قوانين الطبيعة الثابتة المحدودة التي لا يدركها الانسان الى الوقت الحاضرفهي على ضآلتها تشكل جزءا من نظام كوني معقد مجهول، ولا تتداخل قوانين الانسان مع الطبيعة الا مع الظاهر المكتشف منها في حال الحاجة الضرورية لها والتكامل الانساني بما يمتلكه من وسائل علمية مبتكرة معها، والعقل الانساني قدرات غير محدودة في أبتداعه القوانين الخاصة به التي تجعله يسّخر ما بقي تمتلكه الطبيعة ولم يكتشفه ويسخّره الانسان بعد لمصالحه... ولا يؤمن هو للطبيعة ما يجده مساسا لانانيته وحب سيطرته الغريزي عليها في تخريبه جوانب مهمة فيها يجد أنه لم يمتلكها كاملا بعد في سعيه تجريد الطبيعة من كل ماتجعله تابعا لها بعد أن نزع منها زمام المباداة في تقدمه العلمي الهائل...

ومن غير صفة أن عقل الانسان في أفكاره الديناميكية المتطورة باستمرار وفي خلقه قوانين الاشياء في عالمه الخاص التكنولوجي العلمي الكبير، لا يكون بغير مفارقته الجوهرية قوانين الطبيعة في ثباتها وليس في السعي للتطابق معها لا في الثبات ولا في الحركة في حلقات غيرمكتشفة لا يشغل الانسان أهتمامه معرفتها، العقل البشري عقل منتج لا يكف عن الحركة والتجديد والتطور، لذا نجده ينتج قوانينه الخاصة به في مجالات العلم والمعرفة والفلسفة والرياضيات والطب والمعمار وغيرها بما لا يحصى من معارف كلها لا تتداخل في تطابق مسّبق مع قوانين الطبيعة ولا في تبعية معها،، وأنما تتمايز عنها بأختلاف خلاق لا يقاطع الطبيعة في جفاء بل يتجاوزها بالمهادنة الناعمة بعد أن خدمته طويلا.... لم تعد الطبيعة اليوم ملهمة الانسان في كل شيء كما في سابق العصور، والانسان يخلق قوانينه الخاصة به في مختلف مجالات الحياة من غير تداخل مع الطبيعة ألا في النادر اليسير فقط...

العقل الانساني عقل مبدع يعلو قوانين الطبيعة التي كانت في الماضي تستعبده رغما عنه في حاجته الضرورية لها، وتصنيعه لمدركاته الطبيعية علميا وحضاريا تقوم على أبتكاره قوانين خاصة في تنظيمه الحياة والعالم وبما تفتقده الطبيعة في قوانينها الثابتة غير المتغيرة ذاتيا ولا موضوعيا بقدر الاخلال ببعض قوانينها من قبل الانسان بما يحسب عليه أنه تخريب الطبيعة وليس بناء الحياة في مشاركة بين الطبيعة والانسان... السبب بذلك فيما نرى ان الانسان العلمي وتطوره التكنولوجي والصناعي الهائل، أفقد الطبيعة أن تكون ندّا مكافئا لوجود الانسان المنفصل عنها تقريبا في تأمين أحتياجاته، .. الطبيعة الذي بدأت تشيخ في أنحسار قدراتها العظيمة التي كان الانسان يقدسها ويعبدها في عصور بدائيته الحيوانية من وجوده في علاقته الوثيقة بها، لم تعد تمتلك الطبيعة اليوم ما يعجز الانسان أمامها سوى أنها مصدر الجمال الحقيقي في وجوده المقفر بالحياة، الذي بغير تمتع الانسان بهذا الاعجاز المنظم الذي يلازم الطبيعة، يعود الانسان الى بدائية مسطّحة لا ترى من العالم غير الوجود الآلي الصناعي المتطور الذي هو ورشة عمل مقفلة على أنسان تكنولوجي صناعي فقد أهتمامه المثمر الروحي والوجداني العاطفي الذي يستمده من الطبيعة في ميزات الحب والجمال المذهل والتنظيم العفوي الفطري المعجز فيها..

أهم ميزة مكتسبة لقوانين الانسان المخترعة في تنظيم عالمه اليوم، هو في تعاليها على قوانين الطبيعة، أن العقل الانساني يعي ويعقل ذاته في نفس وقت يعي الطبيعة وعالم الاشياء، وفي وقت كنا نجد فيه الطبيعة صماء عمياء لاتعي ذاتها ولا تدرك موضوعاتها ولا قوانينها التي تحكم الانسان بها، ولا الانسان كموجود يشاركها الوجود...أوصلتنا هذه العلاقة المتمايزة بين الانسان والطبيعة الى الحقيقة التي بدأ يدركها الانسان مؤخرا أن الطبيعة تركت الانسان بوعي تام منها وجوب تركه يبحث عن وسائل فنائه الحتمي بنفسه وبأرادة مسّبقة هستيرية منه.. قد يساء الفهم أن الانسان في تخليقه عوالمه التصنيعية الخاصة بحياته التي أفقدته توازنه، ويفتقد بها الروح التنظيمية المسالمة التي تمتلكها الطبيعة في أعجاز وجودي لا يماثله شيء مخلوق من قبل الانسان.. مما يعمّق لديه الشعور الاغترابي بأنه يصنّع عوالمه الانتحارية في التسابق النووي،، وامتلاكه عوالم تخريبية في مثل تهديد الوجود الانساني بسبب زيادة حرارة الارض وخطرتصنيع الحروب التي لا يمكن الحفاظ والتكهن على أن لا تخرج عن السيطرة عليها وتكون كارثية في أفنائها الوجود الانساني على الارض، هذا ما يتلاعب به الانسان في موت تدريجي بطيء لكنه حتمي النتائج الكارثية بألتاكيد..الانسان يستهلك ما ينتجه من وسائل سعادة وأرتياح وبهجة مؤقتة في الحياة، ليس على حساب الطبيعة التي لم تعد تمتلك ما تخسره عدا جمالها وتنظيمها الرائع في تقزيمها الانسان السوبر صناعي وحسب، وأنما على حساب أستهلاك الانسان أسباب أدامة تأمين بقائه في وجوده على الارض أمام الفناء الحتمي القادم في وجوده بالطبيعة التي يشكل أنتحار الانسان فناءه وأنفجارها معه أيضا....

 

علي محمد اليوسف /الموصل

الهوامش: 1. و2 ويل ديورانت، قصة الفلسفة، ص 341.

 

 

علي محمد اليوسفكلمة خارج المتن: يجد البعض في مقالاتي الفلسفية توجها منهجيا نقديا يتجنبه غيري في عرضهم أفكار فلاسفة الاغريق والرومان القدماء وفلاسفة غربيين محدثين ومعاصرين، وربما يذهب تقديرهم القيام بمهمة مجاراة أولئك الفلاسفة الكبار بتوجيه النقد لآرائهم ليست مسألة سهلة.. لكني أفتقد غيري الاكفأ الاضطلاع بالمهمة الصعبة التي أتبّعها، مكتفيا بدعوتي أنه يتوجب علينا الخروج من شرنقة الانبهار الصنمي بآراء فلاسفة غربيين غير معصومين من النقد القاسي في بلدانهم وفي اوربا وامريكا ودول العالم الاخرى كافة ونحن نتصبّب خجلا ونتهيّب وجلا في نقدنا لهم، مكتفين بعروض آرائهم وتفلسفهم وتقديمنا فروض عصمة أفكارهم عن النقد والتصحيح، وتعودنا لما يذهب له شارحوا مباحث الفلسفة والمترجمين والمستعرضين والمعلقين في كيلهم أشادات التبجيل والمديح لهذا الفيلسوف أو ذاك بما لم يحظ بمثلها في بلده ولا خارجه، ولا يفهمني أحدا خطأ أنني أتجاهل حقيقة نحن مسبوقين بمراحل زمنية وعصور طويلة من التخلف عن مجاراة الغرب أفكارهم ومعارفهم وفلسفاتهم، ولست متجاهلا مثل هذا في مكابرة فارغة..

ولكنا لا نعدم وجود كبار من مفكرين عرب ومسلمين معاصرين قاموا بتلك المهمة النقدية لخطابات الفكر والفلسفة الغربية منذ بدايات التفكيرفي المشروع النهضوي العربي – الاسلامي بداية القرن التاسع عشر الميلادي، بكل أقتدار وكفاءة لكن جهودهم تلك بقيت جزرا متناثرة وغير موحدة ضمن مشروع فكري فلسفي نقدي عربي أسلامي يؤسس لمرحلة نخرج فيها من التبعية المنقادة لما تنتجه تيارات الفلسفة الاجنبية المعاصرة وهذه غيرها المثاقفة الحضارية بين الامم... بمختصر العبارة أدعو لما سبقني أليه غيري أهمية تنمية الحس النقدي الفلسفي والمعرفي الفكري لدينا، وربما لا أجاري غيري بالاقتدارالتي هي مهمة لا يستطيع أنجازها والقيام بمهامها شخص ولا عدة أشخاص لكن حسبي أني ذكّرت عسى أن تنفع الذكرى .....

مفهوم العقل عند هيوم ولوك

لا أجد أثمن من قيمة العقل النوعي عند الانسان... (ع.م.ي)

ذهب كل من ديفيد هيوم وجون لوك أن العقل مجرد قطعة جامدة من الشمع تشكلها التجربة الحسية كما تريد، بينما رأى كانط العكس من ذلك في العقل أنه نشاط فعال يتلقى التجربة وينظمّها ويسكبها ويصوغها في فكر. 1، وتشكيك هيوم وتطرّفه في الحكم على العقل جعله يعتبره مجموعة أحساسات وصلت أليه وأستطاعت تنظيم نفسها بمعزل عنه وأن تتحول الى فكر منّظّم2 ..

ربما نكون متعجّلين في أستنكار صدور مثل هذه الافكار التي لا تحتاج كثيرا من العناء لبيان هشاشتها ولا معقوليتها المنطقية الفلسفية قبل تخطئتها العلمية تجاه العقل الذي أعتبره هيوم في حال وجوده، أنه يكتفي أن يكون متفرجا في ملعب مباراة تنظيم الاحساسات نفسها داخله، بقدراتها الذاتية بمعزل عنه وهو يحتضر من الغيظ، أمام لا حقيقة وخطأ فرضية المناطقة الوضعيين الجدد أن العقل لا شيء يمكن أثبات وجوده في عجز قدراته قبل وبعد قيام الاحساسات داخله أنجاز مهمتها في تحويلها احساسات الحواس ذاتيا الى معطيات أدراكية موضوعية بدلا من قيام العقل بالمهمة كما هو المعهود في الفهم العلمي والمعتمد فلسفيا..

هناك رأي علمي و فلسفي يذهب بناء على ما سبق ذكره رفضه التام لهذه الاشكالية الفلسفية المفتعلة، في توضيح متواضع عليه أن الاحساسات سيول من الاشعارات والتيارات المتدفقة بلا هوادة تجاه العقل داخليا في الثواني والدقائق، وهي بواعث تحفيزية عشوائية غيرمنتظمة مصدرها الحواس التي هي بالتأكيد أكثر من خمسة أو ستة حواس معروفة فقط عن طريق تزوّد الانسان بها وقد يكون ما هو غير مكتشف من حواس عديدة موجودة عند الانسان أكثر بكثيرمن العدد خمسة أو ستة، التي تصل أشعاراتها في تيارات فوضوية بلا أدنى توقف الى العقل بمعناه الوظيفي الفسلجي العلمي وليس بمعناه الفكري التجريدي الفلسفي الذي لا يقوم على آلية التجربة العلمية الادراكية في تداخل العقل مع الحواس كما هو الحال عند هيوم ولوك، بينما تكون معطيات الادراكات الحسية الصادرة عن الدماغ هي أحاسيس نظمّت نفسها بنفسها وخرجت مولودا الى العالم الخارجي من جديد ولا عقل يتدخل في عملها حسب مثالية المناطقة التجريبيين الجدد، فمضمون العقل عندهم هو مجموعات الاحساسات في داخله فقط لا غير وما لايخضع لتجربة الحس من الصعب ترجيح وجوده المادي حتى لو كان العقل ذاته أو العالم الخارجي..

وبالقدرات الذاتية للاحاسيس التي مصدرها الحواس الخارجية حسب هيوم، تعمل تلك الاحساسات داخل العقل وليس خارجه في تحويل نفسها من أشعارات عشوائية بمئات الالوف ترد العقل في توقيتات زمنية متفاوتة ومصادر موضوعية مختلفة لاشياء وموضوعات لا حصر لها، وتستقبلها منظومة الجهاز العصبي بلا نظام ولا ترتيب أدراكي، لتصبح بعدها أدراكات معرفية داخل العقل منظمّة بأعجاز وقدرة فريدة في تحولها الى أفكار تعبر عن مختلف المواضيع المدركة من جهة، والتي تختزنها الذاكرة كذخيرة تجريبية في أكتساب العقل ألمعرفة بأنواعها من جهة أخرى...هذا تلخيص أمين غير مخّل لفلسفة ديفيد هيوم ولوك أصحاب الوضعية المنطقية التجريبية الحديثة في القرن 19 الميلادي حول علاقة الاحساسات بالعقل...

الحواس التي يمجدها هيوم ولوك ويضعانها فوق قدرات العقل ليست خادعة للعقل في نقلها الاستشعارات له وحسب، وأنما لو كانت الاحساسات تمتلك القدرة الذاتية في تنظيم نفسها بعيدا عن العقل فلماذا تنقل أحاسيسها الى داخل العقل والاستنجاد به في تنظيمه أستشعاراتها الحسية وتحويلها الى مدركات فكرية معرفية في التعبير عن مواضيع الادراك داخل العقل وليس خارجه؟؟ يتغاضى الناكرون لاهمية العقل أن هذه الاشعارات الحسّية لا تعمل تلقائيا ولا تعقل ذاتها ولا مدركات الحواس مجتمعة ألا تحت رقابة العقل الصارمة والجهاز العصبي اللذان ترتبط الحواس بهما....

أن أنكار ديفيد هيوم وغيره للعقل وأدعائه أن العقل ماهو الا مجموعة تصورات وأحاسيس وردت له عن طريق الحواس ونظمّت نفسها بنفسها في أنتاجها أفكار العقل والتعبير عن مدركاته، قول يفتقد الاقناع المنطقي المتماسك ناهيك عن تقاطعه الصارخ مع وظيفة العقل المتفق عليها علميا خارج هذاءات الفلسفة... ولا يمكن تمرير هذه الفرضيات الكارتونية بدون ملازمة العديد من علامات الاستغراب والدهشة أن تصدر مثل هذه الاراء من فيلسوف زاحم المتنبي في شهرته أنه كان ماليء الدنيا وشاغل الناس في القرن 18 الميلادي..

ولدحض هذا الادعاء الهزيل لديفيد هيوم في أن لاقدرة ذاتية للاحساسات الصادرة عن الحواس في تنظيم نفسها من دون تداخل وصاية العقل عليها، هو أن العقل يستلم من الحواس عبر منظومة الجهاز العصبي في الدماغ آلاف من الاشعارات الاعتباطية العشوائية غير المنتظمة في تفاوت أزمان أستلامها وتنوّع مدخلات مواضيعها، وأن وظيفة العقل غربلتها وتمحيصها وتشذيب المهم المطلوب من العقل تخليق مقولاته على بعض المواضيع المختارة منها فقط وليس كل المواضيع التي وردت أشعاراتها الى العقل عن طريق الحواس...ومواضيع العقل المختارة هي أستجابة لما يطلبه وينتظره الانسان من عقله المعرفي تحديدا لمعرفة ماذا يقول عن مخرجات الاشياء عبر أستلامه أحساسات الحواس لها...

العقل لا يتعامل مع مدركات وأشعارات الحواس الواردة اليه بما لا يمكن حصره من منطلق ألزام حسّي له أي للعقل وجوب الاجابة عن جميع الاشعارات الاحساسية الواردة اليه وأنها جميعا ذات أهمية واحدة للعقل... وأنما يختار العقل الذي ينكر وجوده هيوم من تلك الاشعارات الواردة اليه ماله أهمية أستثنائية في أولوية وأسبقية الرد عليها... فهل تستطيع الاحاسيس بقواها الذاتية تنظيم مثل هذه العملية المعقدة بمعزل عن وصاية العقل ورقابته عليها؟؟

أن فوضوية ورود الاحاسيس الى العقل لا تربك العقل من أداء وظيفته الاعجازية في تنظيم تلك العشوائية بنمط متمساسك من أفكار العقل الانعكاسية والارتدادية الصادرة عنه تجاه معالجته مواضيع العالم الخارجي وفق أهميتها لا وفق أعتباطيتها في أعتماد العقل لها كاحساسات أولية مادة خام، أو بالاحرى في تغييب العقل العلمي على حساب التفلسف الافتراضي الذي يدخل أحيانا حقول العلم في تخصصاته فيصبح نتيجة ذلك في وضع لا يحسد عليه...ومن غير المعقول أن يتم تنظيم تلك الاحاسيس بقدراتها الذاتية بمنتهى الدقة والاتقان كما يفعله العقل، لتكون أفكارا أجرائية صادرة عن العقل ومخزون معرفي تجريبي بالذاكرة من نواتج تخليق العقل للمدركات الحسية الواردة له وليس كما يراد من نواتج تخليق القدرة الذاتية المستقلة للاحساسات بمعزل عن مهمة تنظيم العقل لها حسب مثالية هيوم ولوك...

أن مهمة العقل تنظيم أختياراته من الاحساسات الواردة اليه في نوعية منتقاة وليس في عشوائية تتم في تغييب وجوده فلسفيا، وتحويلها الى مدركات جديدة معرفية تجاه مختلف المواضيع المختارة بدقة وعناية لا تفرضها الحواس على العقل وأنما تفرضها وصاية العقل على الحواس، وتنظيمها الادراكي العقلي هي الذي يعطيها أهميتها ويمنحها قيمتها ولولا أسهامات العقل الوظيفية الفكرية بهذه الوصاية التخليقية لها، لما كان هناك أية أهمية لما ترسله الحواس من أحاسيس غير منتظمة منقولة للعقل..أهمية تنظيم العقل للاحاسيس الواردة اليه يتم وفق قصدية غرضية هادفة يحددها العقل ولا تحددها الحواس التي تكون من غير أهتمام العقل بها لا أهمية لها في وجودها من عدمه.. وفي تجريد العقل عن الاحساسات لا نستطيع معرفة مصير أدراكاتنا الحسية المنقولة الى العقل...ونتساءل بضوء ما أوضحناه:

هل صحيح العقل مجموعة أحساسات تنظّم نفسها داخل العقل لا خارجه بقدراتها الذاتية بعيدا عن تداخل العقل معها ؟؟ وهل أن العقل هبة مطلقة مخلوقة فطرية بالانسان تنمو وتتشكل بالتجارب المكتسبة،؟ أم العقل تشكيلة معرفية مكتسبة مصدرها الاحساسات تقوم بأنشائها الحواس؟؟ نعتقد ما مر بنا توضيحه كافيا للاجابة عن هذه التساؤلات ولنا في السطور القادمة توضيحات لجوانب أخرى من هذه العلاقة التي تربط العقل بالحواس..

جون لوك وخرافة العقل الفلسفي!!

يذهب جون لوك صاحب الوضعية المنطقية التجريبية الحديثة (أن لاشيء في العقل الا ما كان في الحواس أولا) وأنتقلت برأيه هذه الاشعارات الحسّية لاحقا الى تكوينها العقل بالاحاسيس التي تنظم نفسها تلقائيا !! بمعنى واضح لا يحتاج تفسير لا وجود لما يسمى عقل عند الانسان لا بالمحتوى الفكري ولا بالتكوين البايولوجي في وجود هذه العجينة الرمادية بكافة محتوياتها وتشكيلاتها ومهامها داخل جمجمة الانسان وما فائدتها في تعطيل دورها تنظيم الاحساسات؟.. وجميع الاحساسات العشوائية المستلمة من الحواس كما سبق ذكره بحسب لوك وهيوم تقوم بتخليق نفسها ذاتيا بنظام تتحول به الى معطيات أدراكية تقوم بتصنيع الفكر والذاكرة العقلية على السواء.. وكل ما يحتويه العقل هو مضامين ومحتويات الاحساسات الواردة اليه من دون قصدية ولا هدف عقلي يتداخل معها ويقوم بتصنيعها.. لا نجد معنى تجريد العقل من خواصه الادراكية في منحها المجاني لاحساسات الحواس .. كيف يكون العقل فارغا الا من موجودات أستشعارات الحواس المنقولة له؟؟ وما هي الوظيفة المتبقية لكل من العقل المعرفي أو العقل العلمي بضوء ذلك؟؟ لا يمكن أن يكون العقل هو مجمل ما يرده من الحواس فقط، ولكن هو الآلية الفطرية والمكتسبة معا في قدراته التخليقية أن يجعل من مدركات الحواس أهم وسائل قدرات أشتغاله في أدراكه موجودات عالم الاشياء..

من الواجب التذكير به هنا أن الحواس لاتفكر بدلا عن العقل ولا تنوب عنه بانتاج المدركات العقلية للاشياء، ولا تمتلك هذه الميزة التخليقية الاستثنائية التي يحتازها العقل فقط، ولا تنتج معطيات الحواس قدرة أدراكية تقوم هي بتخليقها داخل العقل لكن من غير تداخله معها حسب مثالية كل من كانط وهيوم !!هنا ولأهمية العقل نقول العقل لا يوافق على نقل أحساسات الحواس من غير فهمه المبدئي لها أولا وقبل كل شيء، فكيف لا يكون للعقل كلمة أجرائية بما أدركه من محسوسات خام مصدرها الحواس في ردوده عليها؟؟

الحواس وسيلة أدراك عقلي لا تمتلك أدنى مقومات القدرة في التعويض عن مهمة العقل أنتاجه مخرجات منظومة المدركات بالفكر واللغة...وفي نقد مثل هذه الافتعالات الذهنية بأسم الفلسفة ذهب ليبنتز الفيلسوف الالماني الى مقولته القاطعة (لا شيء الا العقل نفسه).. وفي معرض تأرجح كانط في محاباة ديفيد هيوم صاحب فلسفة التشكيك بوجود شيء أسمه عقل، وهو الذي أيقظه كانط من سباته الدوغماطيقي، يقول كانط قبل أن يقرأ هيوم ويستيقظ من سباته على حد توصيفه، (أن الادراكات الحسّية بغيرالمدركات العقلية عمياء). 3 ونجد نحن أن وسيلة وحاسة أبصار هذه المدركات الحسية هو العقل فقط لا غيره... آراء هذان الفيلسوفان الكبيران كانط وليبنتز في أهمية العقل قبل الحواس يقتربان بها من التفكير العلمي الذي يدحض بجلاء هذاءات كل من هيوم ولوك الفلسفية بخرافة العقل في وجود أفتراضي غير حقيقي تصنعه الحواس له كمحتوى عن طريق ما تختزنه الذاكرة من أحاسيس تنّظّم نفسها بقدرات ذاتية مستقلة عن العقل.. أن ماأراده كل من لايبنتز وكانط هو أن العقل ليس صنيعة الحواس، وأيعازات وأشعارات الحواس لا قيمة حقيقية لها في تجريد العقل منها..والعقل وحده يمتلك قابلية تحويله الاحساسات الى مدركات عقلية حول مواضيع الاحساسات الواصلة اليه ليس ألا...هنا أهمية التساؤل كيف تعي أشعارات الحواس مضامينها التجريبية ذاتيا في ألغاء العقل كمصدر أساس أولي لكل أنواع المعرفة منها الحواس؟؟ وكيف تصل أشعارات الحواس للعقل وتستقر فيه قبل أدراكه المسّبق لها؟

الفطرة التكوينية للعقل مع المعارف المكتسبة له تجعله يمتلك أسبقية على أدراكات الحواس، وذخيرة معرفية تمّكنه من التعالي فوق الحواس ومدركاتها الحسّية، ولو أن فرضية هيوم المثالية في ترجيحه أن العقل هو حصيلة ما تملأه به الحواس من أستشعارات حسّية صحيحة فمن أين يمتلك العقل القدرة الذاتية في معالجته الافكار والمواضيع الخيالية المستمدة من التصورات الواقعية ومن الذاكرة التخزينية في العقل؟؟

ومواضيع الخيال في الذهن ليس مصدرها الحواس كما معلوم بل مصدرها المخّيلة والذاكرة فقط...ثم من المهم جدا أن نذكر أن العقل ليس واحدا عند جميع الاشخاص، وأن أمتلاك الحواس ليس معناه تصنيع عقول الناس في نمطية واحدة من المستويات في الغاء تبايناتها وأختلافاتها في تنميط واحد من النوعية، وسنأتي لتوضيح عبارة ديكارت الشهيرة (أن العقل قسمة مشتركة عادلة بين الناس) وهي مقولة ربما كانت تنسب أسبقيتها للامام علي بن ابي طالب في نهج البلاغة، ...

مقولة ديكارت العقل قسمة عادلة

أن مقولة ديكارت الشهيرة (العقل قسمة عادلة بين الناس) لا تعني أزالة الفوارق الجوهرية بين عقول الناس، فالعقل قبل أن تكون العدالة في أمتلاكه، تكون العدالة في أهمية أختلافه بالكيفية والقدرات والامكانات المتفاوتة بين الناس، هنا تكون العدالة الحقيقية في أمتلاك العقل في عدم تضييع أو الغاء تفاوت ذكاء وتنوّع قدرات العقل بين الناس في وجوب عدم المساواة بين عقولهم، فهم يمتلكون (عقلا) بيولوجيا مفكرا مشتركا لكنهم لا يمتلكون عقلا علميا أو معرفيا واحدا وألا كانت قسمة المساواة في العقول فرضية غبية لا يقول بها عاقل.. وليس العقل واحدا في تجلياته ومعطياته وتمايزه في التفكير وألا أنتفت العدالة عندما يكون قسمة مشتركة غير متمايزة في المساواة في فرضية خاطئة هي نمطية التسطيح الذهني الذي يلغي الفروقات الجوهرية بين عقول الناس.. والعقل البشري في تمايزه الانفرادي أنما هو في حقيقته عقل (نوعي) ليس في مقارنته بما يمتلكه ويمتاز به عن غيره من مخلوقات حيوانية تمتلك دماغا أدنى مستوى من عقول البشر، وأنما في نوعية العقل لدى الانسان في النوع الواحد (مجموع الناس)، أنه ليس عقلا منمّطا واحدا أنما هي عقول متمايزة فيما بينها داخل فصيلة النوع الانساني، وهذا الاختلاف ممكن أن نجده عند الحيوان كنوع في الطبيعة، في تمايز أشد واكثر تنوّعا منه على مستوى الانسان كمخلوق نوعي عاقل لا يتمايز بعقله عن الحيوان فقط وأنما يتمايزبه داخل نوعه على صعيد الانسان..العقل الانساني قسمة مشتركة عادلة في التنوع الادراكي الفطري والمكتسب معا، ولا يكون العقل قسمة مشتركة عادلة في التنميط المستحيل الذي يعامل الناس في أمتلاكهم عقلا واحد وليس بعقول عديدة لا حصر لها..

العقل فكرة مخّلقة

عندما نقول العقل فكرة مخّلقة عن الذهن ينتجها العقل بالفكر وليس بالحواس ولا أي شيء آخر فأنما نقصد بذلك أسبقية العقل وقدراته المعجزة الاستثنائية التي يحوزها ويمتلكها في تخليقه لمدركاته الحسية، والعقل ليس محايدا لا في معرفة الشيء ولا في قدراته الملزم تنفيذها تجاه أعطاء توصياته وحلوله تجاه الموضوع المدرك الواحد في أعادة تخليقه من موجود أو موضوع طاريء في الطبيعة وعالم الاشياء الى موجود من تصنيع العقل جديد بما ينفع الانسان في حياته، والعقل لا يدرك ما تنقله له الحواس لمجرد أدراكها من غير غائية أو هدف يستحثه بلوغها، وهذا الهدف لا تحدده الحواس القاصرة ولا موضوع الادراك ذاته وانما يحدده العقل بضوء حاجة الانسان أعطاء العقل مخرجات توصياته الادراكية لمواضيع يكون الانسان بحاجة لها...

العقل والزمان

يذهب شوبنهور في مقولة له يبين بها أعجابه بكانط (أن فضل كانط هو في تمييزه بين مظهر الشيء عن الشيء بذاته) ليتلقفها هوسرل ويقيم بناؤه الفلسفي بما يعرف بمنهج الفينامينالوجيا أو ما يعرف تعريبا بالمنهج الظاهراتي....

في مقولة كانط السابقة نجده أعزى مهمة الفلسفة، بل الاحرى مهمة العقل الفلسفي هي معالجة مدركات المواضيع في ظواهرها الخارجية فقط، أما مهام معرفة الاشياء بذواتها فهي من مهام العقل العلمي حصرا، ويعتبر أكثر من فيلسوف يشارك كانط رأيه أن محاولات العقل الفلسفي دخول معترك وميدان موجودات الاشياء بذواتها أنما هي مغامرة الدخول في مجهول.. وتوقع العقل المفكّر في تناقضات كما يذهب له كانط التحذير منه...

ويذهب بعض الفلاسفة ممن يشككّون بقدرات العقل في معرفته حقائق الاشياء أمرا مستحيلا معرفته وأنجازه، ويكتفون بتوجيه قدرات العقل نحو معرفة الاشياء في وجودها الفيزيائي الطبيعي في ظواهرها وصفاتها الخارجية البائنة، وعلاقتها الادراكية بالزمن.. أن في تحويل الادراك الفلسفي الى نوع من رياضية المعرفة، أمر لانجده يتحقق ويحصل على نتيجة مطمئنة...ويرغب بعض الفلاسفة مقايسة حقائق علم الرياضات وأسقاطها على مباحث الفلسفة في تحصيل مفاهيم فلسفية قريبة من التفكير العلمي الطبيعي...لكن رغم أرادة الدمج والتداخل بينهما لم تصبح الفلسفة الحديثة علما، ولا غادرت العلوم الطبيعية تجريبيتها الصارمة لتلتقي بالفلسفة في تجريدها المنطقي غير العلمي..علاقة العلم بالزمان في المعرفة يختلف عنه علاقة العقل الفلسفي بالزمان،  وحصوله على مدركاته، والعقل هنا تتوقف أدراكاته لموجودات الاشياء في الطبيعة ومعرفة ظواهرها فقط، والعلم في علاقته بالزمن يفهمه فهما فيزيائيا كونيا كوزمولوجيا ليس له بداية ولا تدركه نهاية، ويبقى الزمان اللغز المحيّر الكبير أمام تساؤلات العقل العلمية والفلسفية على السواء غير المنتجة تقدما عنه ...

العقل النوعي والحواس

فارق جوهري كبير يبطل خرافة الحواس تصنع العقل ولا يصنع العقل مدركات الحواس، هو أن عقل الانسان يمتاز بأمتلاكه خصوصية أدراكية فكرية تختلف من شخص لآخر نجدها في تباين نسبة الذكاء عند الناس وفي تباين طرق تفكيرهم وتعبيراتهم عما يصادفونه بالحياة، وفي تنوع ردود أفعالهم الى غير ذلك من أمور جوهرية تجعل من العقل صمام أمان يمتلكه كل أنسان في تنظيم عقله لمدركاته الحسّية، ليس بنمطية واحدة تجمع تفكير جميع عقول الناس بأحساساتهم المتباينة، لأن في ذلك نوع من ألغاء الخصوصية الضرورية الفطرية والمكتسبة معا للعقل، التي تجعل من معارف الطبيب غير المهندس ومن الفلاح غير العامل ومن الاستاذ غير الطالب وهكذا بما لاحصر له من فروقات فطرية موضوعة بالدماغ تلعب الوراثة الفطرية دورا كبيرا فيها، تكمّلها معارف مكتسبة بالتجربة والتحصيل العلمي والثقافي بالحياة.. الحواس في تباينها وأختلافاتها من شخص لآخر تتبع آلية واحدة أنها تنقل جميع أحساسات الحواس كل حسب تفرده وأختلافه عن غيره، بفوضوية وعشوائية غير خلاّقة لأنها قاصرة أن تعي ذاتها بمعزل عن وصاية العقل عليها، ما يرتب أن تكون ردود أفعال عقول الناس متباينة بأختلاف تنوعاتهم في الكثير مما لا يحصى من التمايزات والقابليات العلمية والثقافية والملكات والذكاء وغيرها...

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................

الهوامش :

1- ويل ديورانت / قصة الفلسفة/ ص 341

2- نفس الصفحة اعلاه

3- المصدر السابق ص 344

 

 

حاتم حميد محسنيرى البعض ان الجماليات (دراسة الفن والجمال) والفلسفة هما شريكان تعيسان في علاقة زوجية فاشلة ولابد من تقديم المشورة لهما. يشكوا فريق الجماليات من الفلسفة بالقول:

"انت لا تستطيعين منحي اي شيء"، "انت لا تثمّنين الناس ذوي الاهتمام بالفن او الجمال، لا تساعدين في جعل الفنانين افضل حالا في نشاطاتهم الابداعية. انت ليست لديك مساهمات في التجربة الجمالية ايا كانت، انا ببساطة ادعوك لتخرجي من حياتي". اما الفلسفة سترد متذمرة:

"انت لا تستمع ابدا لصوت العقل، انت تعيش الاضطراب والارباك وليست لديك اية مبادئ، ليست لديك حقائق كونية تتحدث عنها".

فما المشكلة اذاً في الجماليات الفلسفية، لماذا نجبر الجمال والفلسفة ليجتمعا معا؟

الشك بافضلية وحتى امكانية الجمال الفلسفي كان موضوعا لجدل لا ينتهي بين المفكرين. ليس من الثابت ضرورة ان تكون مشاكل الجماليات موضوعا للفلسفة، العديد من الفلاسفة اعتقدوا ان القضايا المتصلة بالفن والجمال لا يمكن ان تكون موضوعا للعمل الفلسفي. المفكرون العقلانيون انكروا ان يكون للجماليات مكانا في نظامهم الفكري، بينما المفكرون الوضعيون والوضعيون الجدد جادلوا بانها لايمكن ان تكون جزءا من التحقيق الفلسفي.

رغم ان الفلاسفة الاغريق الكلاسيك علّقوا حول الفن والجمال، لكنهم لم يعتبروا تلك المشاكل تستحق بذاتها حقلا معينا ضمن الفلسفة. التقسيم الثلاثي الكلاسيكي للفلسفة الى فلسفة نظرية (ما موجود في العالم وكيف نعرف عنه)، والفلسفة التطبيقية(ماذا يجب ان نعمل)، والمنطق(كيف يجب ان نفكر) يترك السؤال مفتوحا حول المكان الذي توضع فيه الجماليات بانسجام. الجماليات الفلسفية يمكن تبريرها لو أمكن بيان انها ذات معنى في الاقتراب الفلسفي من مسائل جماليات الطبيعة .اذا كانت هذه هي الحالة، فما دلالات ذلك بالنسبة للفلسفة من جهة، وللجماليات من جهة اخرى؟ في الاوقات الاخيرة ، جرت عدة محاولات لتقرير الموقف من الجماليات. مفكرون مثل شيلنغ و نيتشة سعوا بطريقتهم الى إعادة الاعتبار للجماليات لدرجة اعتبروا ان هذا الحقل المهمل يُفترض ان يكون أعلى اشكال الفلسفة. بالنسبة لمعظم الفلاسفة، بدا التفكير في الجماليات اقل أهمية من الابستيمولوجي او الاخلاق . حتى في فلسفة عمانوئيل كانط ، يبدو للوهلة الاولى كما لو ان الجماليات جاءت كشيء مستدرك اضيف لاحقا ضمن العمل الثالث من اعماله النقدية الشهيرة. في نظام كانط ، جرى لأول مرة تخصيص مكان مستقل للجماليات كحقل ضمن الفلسفة.

ان اهمية الجماليات للفلسفة في مجال التفكير لا يمكن انكارها: اذا اراد الفلاسفة استكشاف ما معنى ان تكون انسانا، هم يجب ان يدرسوا هذه القدرة الاسطورية الهامة للكائن البشري في عمل أحكام جمالية. لماذا، مثلا، يبدو منظر الغروب جميلا؟كيف نقرر هذا وماذا يعني؟

احد اهم الأسئلة التي طرحتها الجماليات الفلسفية والذي نوقش كثيرا من جانب المفكرين المعاصرين هو تعريف "الفن". انقسم الموضوع بين اولئك الذين ينكرون امكانية ان تكون هناك ظروف ضرورية وكافية للشيء ليكون عملا فنيا، وبين الفريق الاكبر الذين حاولوا تحديد مثل هذه الظروف.

المجموعة الاخيرة تتضمن نظريات شديدة التنوع مثل فكرة افلاطون عن الفن كتجسيد و تعريف جورج دكز للفن "كنتاج انساني خُلق ليُعرض الى عالم الفن العام".

هناك افكار هامة عن الفن وسياقه وعلاقته بالفلسفة جاءت من الفيلسوف الامريكي والناقد الفني آرثر دانتو. ما يجعل شيء ما عملا فنيا حسب دانتو ليس ما يبدو من النظر الى خصائصه الواضحة. دانتو يعتقد ان ما "يجعل الفرق بين عمل فني تجاري و عمل فني أصيل هو نظرية معينة للفن. انها النظرية التي تأخذه الى عالم الفن، وتحميه من الاختزال الى الشيء الحقيقي ".

ما نقوم به عندما نُسأل حول الفرق بين النصب الفني في السوبرماركت والنصب الفني في المتحف او قاعة الفن؟ حسب دانتو هو اننا نُسأل سؤالا فلسفيا . الفن الان يحثنا لعمل فلسفة. الكثير من الفن اليوم هو حول حدود اختبار الفن:" هل يمكن اعتبار هذا الشيء فنا؟" "ماهو الفن؟" يرى دانتو ان الفن يؤدي فلسفة، الفن يتراجع الى فلسفة.

هيجل في القرن التاسع عشر أعلن ان الفن سوف لم يعد في المستقبل الوسيط المهيمن للتعبير عن الكائن البشري. دانتو يبدو يوافق على ذلك: الفن لم يتبقى له شيء للعمل. انه استنفذ ذاته، وبدا كما لو ان له فقط مشروع فلسفي واحد، وهو تعريف الفن. وهذا سيكون افضل كثيرا لو تُرك للفلاسفة.

الفن والفلسفة كانا الى بعضهما في اوقات صعبة ومن المحتمل ان النقاشات حول طبيعة علاقتهما، اهميتهما النسبية ومشاكلهما سوف تستمر. الزواج من هذا النوع ينجح فقط عندما يحتاج الزوجان الى بعضهما كثيرا، ولكن هل سيستمران في الشعور بالسعادة؟ 

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفتمهيد: نجد بوادر التجريد الفلسفي فكريا عند كانط لما يطلق عليه (الفلسفة السامية) أي التعالي والسمو على التجربة الحسّية والتفوق المتعالي عليها قوله (أنني أسّمي المعرفة سامية متعالية، متى ما كانت لا تعنى كثيرا بالاشياء قدر عنايتها بأفكارنا الفطرية البديهية عن الاشياء)1 .

من الجدير الاشارة له أن ديكارت هو مبتدع الافكار الفطرية المستمدة من النزعة الايمانية الميتافيزيقية وليس كمنهج فلسفي نسقي يعتمده العقل، علما أن بداية التفكير العقلي العلمي في القرن السابع عشر كانت على يدي ديكارت في أعتباره مباحث الميتافيزيقا بالفلسفة أنتهى دورها في وجوب مجاوزتها وترك ما لايدركه العقل علميا، وبذلك أطلق عليه أبو الفلسفة الحديثة، والافكار الفطرية التي نادى بها ديكارت تقتصر على معطيات الادراك الميتافيزيقي اللاهوتي الديني، ولم يأخذ ديكارت مبدأ الافكار الفطرية على مستوى التفكير النسقي الذي أمتازت به فلسفته في الاشادة بالعقل والعلم على مختلف مستويات المباحث الفلسفية التي تناولها بدءا من الرياضيات وليس أنتهاءا بالتشريح في دراسته وظائف الاعضاء في الجسم.

كانط يرى على العكس من ديكارت الافكار الفطرية المزوّد بها العقل في الاستدلال الفلسفي النسقي وليس الميتافيزيقي المحدود، أنها هي والافكار المكتسبة بالتجربة والخبرة دلالة واحدة في معنى وحقيقة الادراك العقلي للاشياء... ووظيفة العقل الاساسية بحسب كانط معاملته المدركات بدلالة الافكار الفطرية، والتسامي الفكري المتعالي على الاحاسيس أنما يتم بالافكار الفطرية داخل العقل وفي مخزن الذاكرة والذهن، ووسيلة ذلك قالبي المكان والزمان بأعتبارهما معطيين فطريين ثابتين ملازمين العقل سابقين على وجود الاشياء حسب فرضيته.

ويمكننا هنا التساؤل ما مصدر أفكارنا الفطرية التي تحكم بها عقولنا الوجود ومعطيات الادراك ؟ وكيف لنا عدم التشكيك أنه لا وجود قبلي لقالبي الادراك العقلي في الزمان والمكان وأنهما ليسا حصيلة التجربة والمعرفة المكتسبة في الذاكرة ؟ أذا ما نحّينا جانبا الافكار الفطرية التي يغلب عليها طابع الايمان الديني المثالي والميتافيزيقا وما يتفرع عنها من ملكات فطرية كالعواطف والوجدانات وقيم الخير ومعاني الاخلاق والجمال وغيرها، وليس للافكار الفطرية قدرة منهجية على الاستدلال الفلسفي القائم على المنطق العقلي الذي يستمد معالجاته الادراكية من التجربة الحياتية العملية والخبرة المكتسبة المتراكمة وبغير ذلك لا يمتلك العقل مدركات وأفكار فطرية تمّكنه فهم الوجود وعالم والاشياء وهو خلو من أنواع المعارف....

هذا يقودنا الى تساؤل أكثر أهمية هو كيف يفكر العقل وكيف يقوم بأدراك الاشياء والاحاسيس من غير الأخذ بنظرية كانط في قالبي الزمان والمكان والافكار الفطرية؟؟ لا يتوفر بديل منطقي فلسفي ولا علمي أيضا.

وهذا التساؤل يقودنا الى حتمية ووجوب التفريق كيف نكتسب معارفنا؟ هل بالفطرة كما يذهب له كانط أم بالتجربة التراكمية المكتسبة كما تذهب له الوضعية المنطقية ومدارس الفلسفة التحليلية والمادية الماركسية وغيرها؟

يجيب كانط حول هذا التساؤل (أن قالبي المكان والزمان مسلّم بهما بالاستدلال العقلي، لأن كل التجربة المنظمة تشملهما وتفترض وجودهما، وبغيرهما لا يمكن أن تنمو الاحساسات الى مدركات حسية) 3، طبعا هذا يتم بوسيلة العقل معالجته مدركاته الحسّية والتعبير عنها بالفكر واللغة...ولا تتحول الاحساسات الادراكية الاولية الى أفكار تعّبر عن مدركات العقل بغير قالبي المكان والزمان الفطريان السابقان على وجود الاشياء وأدراك العالم الخارجي كما في فرضية كانط..

ولغياب معرفة كيفية آلية ألادراك التفكيري العقلي للاشياء داخل الذهن ومنظومة الجهاز العصبي المعقدة، يمكننا فقط التسليم بقالبي المكان والزمان، رغم أستحالة أن لا يكونا كليهما سوى أدراكا زمنيا واحدا فقط، فلا يوجد غير أدراك زمني واحد ولنا توضيح قادم لذلك كنا أوضحناه في (مقالتنا :الزمان في مدركات العقل / المثقف).

ولا نعتقد كانط لا يقّر أن الادراك الحسّي للاشياء وأن كان غير موثوق به لكنه يسبق أفكارنا المعرفية عنها والا سقطنا في مثالية بيركلي وديفيد هيوم التي أدانهما، ذهابهما القول أننا لا نمتلك سوى الافكار وصور الاشياء ولا وجود خارج هذه الفعالية العقلية التجريدية سوى الاحساسات بالاشياء.

والوجود الحسّي ليس بالمستطاع مجاوزته والتعالي عليه بغير وسيلة الفكر التخليقي للاشياء داخل العقل في تحويل الاحساسات الى أفكاروتعبير لغوي، وهو ما أشار له كانط قبل سطور.... ولا يمكننا تصور مدركات حسّية عقلية لا ينتج عنها أفكارا تخليقية التي هي مقولات العقل عن الاشياء بعد معالجتها بالذهن، الا بوجود مواضيع سابقة على الادراك الحسّي والعقلي لها، لأن العقل عاجز عن توليد الاحاسيس أو الافكار اللغوية من لاشيء...فأدراك العقل يتوقف عمله نهائيا من غير موضوع مفّكر به كوجود مادي أو موضوع متخيّل من الذاكرة....

أذا عدنا الى مقولة كانط السابقة أن الافكار الفطرية نتاج عقلي في أقراره بديهيات معرفية في فهم وجود الاشياء، فهذا يقودنا الى ما لا يعتمده كانط من أن الافكارالتي يخلقها وجود الاشياء ناتجة عن عاملين من غير توفرهما لا يكون هناك أدراك حقيقي للاشياء، أولهما وجود الشيء السابق (الموضوع) على الادراك في العالم الخارجي يمّثل الحافز الاول لعملية الادراك الحسي قبل تحويلها الى أفكار ناتجة عن تخليق العقل.. والثاني مرجعية العقل في القدرة على الادراك ومعالجة كل الاحاسيس عن الاشياء في تجريد العقل لها وفي معالجتها بالذهن كأفكارعن الشيء المدرك في العالم الخارجي أو المتخيل من الذاكرة...

أن حكم العقل على مدركاته ومواضيعه لا تكون ولا تتوفر الا بالمعرفة والخبرة التراكمية المكتسبة، كما لا وجود حقيقي لأفكار فطرية نعجز البرهنة أنها وسائل أدراكية يعتمدها العقل المنطقي أو الفلسفي.... وأقصى غاية نحصل عليها من الافكار الفطرية السابقة على مدركات العقل أنها حدوسات عقلية وأحيانا وجدانية عاطفية تلغي حضور العقل المنطقي أو آلية التفكير العلمي...،

وقالبي الادراك المكان والزمان حسب نظرية كانط، في حال تجريدنا لهما من مدركات موجودية الاشياء في الطبيعة يتعّطّل معنا أدراك العقل بهما نهائيا وبغيرهما أيضا من حيث أننا لا نمتلك غير الأخذ بصحة فرضية قالبي المكان والزمان كمعطيين فطريين عند كانط في بناء مفهومه النسقي في المعرفة والادراك على السواء، فالعقل لا يستطيع كما ذهبنا له أعطاء المحسوسات المدركة أي شكل من التعبير الفكري عنها ما لم يكن مكتسبا لذخيرة فكرية تجريبية مكتسبة سابقة على الادراك عن الشيء في وجوده وليس عن الشيء في تجريده الفكري كنتاج للعقل في الغائنا أسبقية وجوده المادي بغية توكيدنا أهمية الافكارعنه... والافكار الفطرية لا تستطيع معرفة الاشياء في غياب عدم أمتلاكها معرفة قبلية تجريبية مكتسبة، وبذا لا تكون أفكارا فطرية يمكن الاستدلال بها عقليا، فقالبي الزمان والمكان اللذان يعتبرهما كانط معطيين فطريين بالعقل سابقين على وجود الاشياء، هما وسيلتا العقل الادراكي للاشياء ويبقى العمل بهما أجتهادا فلسفيا ذهنيا قابلا للتطبيق الاستدلالي في معرفة الاشياء حسب فرضية كانط.. لكننا لا نمتلك البديل عنهما في غير أعتمادهما بعملية الادراك الحسي والعقلي المعقدة في الذهن ومنظومة الجهاز العصبي..... ولا بديل متوفر لأدراك العقل بدونهما فلسفيا وليس علميا، فمدركات العلم لا تخضع الى نفس الآلية التي وضعها كانط في الاستدلال الفلسفي بالمعطيات الفطرية، وقد تحاشى كانط هذا في تسمية مؤلفه (نقد العقل المحض) الذي أراد به أنه عقل خارج ضوابط العقل العلمي في الاستدلال الفلسفي ومعرفة الاشياء بالتجربة... والأهم من كل هذا أن قالبي الزمان والمكان ليسا كما ذهب كانط أنهما وسيلتا الاستدلال العقلي بالفطرة ولا يمكن الأخذ برأيه الا في الاقرار أنهما معارف ليست قبلية في الذهن وأنما هما نتاج خبرات وتجارب متراكمة عن الاحساسات بالوجود المادي للاشياء، فالافكار الفطرية لا يمكنها التعبير عن مدركات الموجودات المادية في العالم الخارجي ما لم تكن تمتلك معارف قبلية قطعية تجريبية يقينية مسبّقة عنها ولا تكفي الافكار الفطرية الاحاطة الادراكية بعالم الاشياء المادي في تراكماته المتجددة دائما عبر العصور.....

جون لوك وديفيد هيوم ومعرفة العالم

لا بأس من الاسترشاد بآراء جون لوك في مقولته الفلسفية المعروفة التي تقول (أن العقل يكون عند ولادة الطفل كالصفحة البيضاء خاليا من كل شيء.. وتأخذ الحواس والتجارب تكتب على هذه الصفحة بوسائل كثيرة.. الى أن تلد الحواس الذاكرة والذاكرة تلد الافكار) 4.

ومبعث أستنكار جون لوك للآراء الفطرية القبلية بحسب عبارته السابقة أنما هي تفكيرعقلي مادي صحيح رغم أن صاحبه لا يؤمن بغير مثالية الافكار تخلق الوجود ولا موجود حقيقي سوى بالذهن التجريدي في صورالاشياء الواردة فقط. وعزّز ذلك مجيء بيركلي (1683 – 1753) الذي أنكر وجود مادة أو وجود عالم خارجي، بأستثناء أقراره بمادية العقل البيولوجية ومناداته بلا مادية العقل الادراكية التجريدية، وأكمل ديفيد هيوم مشواره (1711 – 1776) (بأن لاوجود للعقل المفكر ومن الممكن الاجابة أيضا بأن العقل ليس المرجع والاختيار النهائي في الحكم على الامور)5 .

أي أنه أنكر العقل المادي في التفكير الفلسفي وما يتعالق معه ويترتب عليه...وقد سبق لباسكال مقولته أن القلب له تفكيره الخاص بما لا يفهمه العقل، ولروسو ترجيحا أيضا أن المشاعر الانسانية لها أهمية قبل أفكار العقل المادية، علما أن ليس بأمكان أحد الغاء رابطة العقل الشعورية واللاشعورية السايكولوجية وما يتفرع عنها من عواطف ووجدانات وقيم أخلاقية وجمالية وفنية وغيرها كلها تعتمد بشكل وآخر مرجعية العقل في الاحتكام لها حتى وأن جاءت حدوسا لاشعورية...فالعاطفة والوجدانات ليستا تجريدا فكريا فطريا يقبع في الذاكرة وأنما هما فعالية معرفية تطبيقية بالحياة تكون مرجعيتها أعتماد العقل العملاني الحيوي..والتعبير عن العواطف والاحساسات بالقيم والجمال تكون صماء وعزلاء لا يمكننا أدراك أثرها بالحياة من غير تخليق وتعبير العقل لها بالافكارواللغة الصادرتين عن حدوسها..

كانط والوعي الذاتي بالاحساسات

يذهب كانط لشرح عملية تحويل مادة الاحساس الخام الى أنتاج ألفكر التام في الوعي الذاتي للموجودات عبر الآلية التالية:

اولا، تنسيق الاحاسيس الواردة من الخارج وأضفاء قالبي الادراك الحسي عليهما وهما المكان والزمان.6، ويعتبر كانط قالبي الزمان والمكان وسيلتي الادراك العقلي المحض في أعتبارهما معطيين فطريين قبليين في العقل سابقين على الموجودات والاحاسيس بها ويعتمدهما العقل في تنظيم المدركات الحسية الواردة له...

ثانيا، تنسيق هذه المدركات الحسية المتطورة عبر المرحلة الاولى بتطبيق أنواع الرأي عليها حتى نستخرج مدركات عقلية منها. 7

وتحويل الاحاسيس الى مدركات عقلية عن الشيء حسب كانط، في أعتباره تلك الاحاسيس هي المادة الخام التي يعتمدها العقل في قالبي المكان والزمان لأجراء عملية تخليق داخل العقل بما يعرف بمقولات العقل الفكرية عن الشيء.

أن الحقيقة الواجب الاشارة لها أن قالبي المكان والزمان في تنظيم الاحاسيس هو أفتراض وجودهما الفطري كمدركات وحيدة للعقل حسب نظرية كانط، لكن نرى لا تعطي مقبوليتها بغير أعتبارهما وسيلتا العقل الادراكي وقالبي أدراك جرى أكتسابهما معرفيا بعديا لا قبليا بالخبرة والتجربة المتراكمة ولا يمكن لأفكار فطرية أن تفهم وتدرك الموجودات المادية في الطبيعة في تطوراتها وتبدلاتها المتتالية عبر العصور، وبغير هذا المعنى يكون قالبي الزمان والمكان عاجزين عن نقل الاحاسيس المادية من والى ألعقل والتعبير عن تلك الاحاسيس والمدركات بالفكر واللغة أو بغيرهما من وسائل التواصل...

هل نستطيع مثلا القول بأن قالبي المكان والزمان هما عند الطفل والبالغ فطريان قبليان يتمتعان بنفس الوسيلة والمقدرة المعرفية الادراكية في حال أقرارنا الخاطيء مع كانط أنهما معطيان فطريان بالعقل سابقان على وجود الاشياء والمدركات؟ بالتاكيد لا يمكننا المساواة بين الادراكين ألا بتفريق أن كل ماهو مكتسب بالخبرة والتجربة يكون أكثر ترجيحا في فهم وأدراك الموجودات في عالم الاشياء المادية، لذا يكون أدراك البالغ أكثر جدوى معرفية منه عند الطفل الذي تكون مداركه الاستيعابية لفهم الوجود في طور التكوين الجنيني البدائي والمحدود في الاكتساب المعرفي.

من المسائل التي نراها ضرورية أيضا أن الزمان يدرك الاشياء قبل أدراك العقل لها، لأنه وسيلة العقل بالادراك سابق على المدرك العقلي للاشياء، ... وليس بمكنة العقل أدراك الاحاسيس عن الاشياء قبل الحواس والادراك الزماني لها... والزمان لا يعقل أدراكه الاشياء الا بوصاية وتوجيه من العقل له فالزمن لا يعي ذاته وقد لا يكون متيّسرا له أدراكه موضوعات الوجود من غير تداخل العقل معه... بمعنى أن الزمان الذي يكون وسيلة أدراك عقلي يصبح موضوعا لمدركه العقل، وهذا ما لا يقر به فلسفيا كانط وأشياعه من حيث أن قالبي المكان والزمان هما وسيلتا أدراك ولا يكونان موضوعين لادراك العقل كباقي موجودات الطبيعة والعالم الخارجي...

والقول الافتراضي غير الكانطي بوصاية العقل على الزمان في الادراك وتوجيهه له في حين هو أي الزمان لا يعقل نفسه سواء أكان وسيلة أدراك أو موضوع أدراك عقلي، كما لا يستطيع العقل فك مغاليق الزمان لمعرفته؟؟ ثم كيف تكون وصاية عقل على زمان لا يستطيع أن يعقله العقل كمدرك موضوعي وما هي صفاته وماهي ماهيته؟؟ وكيف يكون ويتم الزمان أدراكه الاشياء وهو لا يعقل ذاته، والذي لا يعقل ذاته، من المريب المشكوك به أن يدرك موضوعه من دون وصاية العقل وتداخله معه في توجيهه والوصاية عليه ولم يثبت هذا لا علميا ولا فلسفيا....

أمام هذا التعقيد الاشكالي كل مانستطيعه هو القول أن العقل والزمان يدركان الاشياء سوية في تداخلهما المتكامل غير الواضح وغير المعروف عنه شيئا، عن ذلك التداخل الادراكي لكليهما في فهم الاشياء وكيف تتم وبأية آلية ؟؟

وأذا ما قلنا أن الزمان هو وسيلة أدراك عقلي غير معروفة ماهيته ولا كيف يتداخل مع العقل في أدراكه الاشياء نكون بذلك وصلنا الى طريق مسدود يجعلنا نفكر خارج العقل المنطقي في قبول أن يكون الزمان معطى فطريا يعقل ذاته بمعزل عن العقل أو معه وهو خطأ وتناقض لا يغتفر، أذ أن الزمن لا يعقل ذاته، أذن في هذه الحال نحن ملزمون قبول أن للعقل وصاية على الزمن لا يدركها الزمن من جهة ولا يفهمها العقل من جهة أخرى، وهو تفكير وأستنتاج غير منطقي لكنه حقيقي في حصوله الادراكي للاشياء، في وقت نعجزفيه معرفة كيف يتم أدراك الاشياء ومن له الافضلية والاسبقية في عملية الادراك العقل أم الزمان؟؟

لا نخرج من هذه المتاهة المنطقية الا بأقرار أن الزمان مدرك عقلي لا يدرك ذاته وهو وسيلة وموضوع للعقل وليس وسيلة فقط كما يذهب له كانط وغالبية الفلاسفة المثاليين في اعتبارهم ما يدرك موجود وما لا يدرك غير موجود، والزمن لا يدرك أذن هو غير موجود وهو ليس بموضوع يدرك بالعقل...أستنتاج مثالي مضحك، ، وفي هذه الفرضية الخاطئة في أعتبارنا الزمن موضوعا للعقل لا يستطيع أدراكه.. يكون بهذا العقل ملزما أن يعطينا فهمه للزمن وهو أستحالة معرفية أدراكية معجزة للعقل... العقل عاجز عن معرفة شيء لا يكون موضوعا مدركا له كباقي موجودات الطبيعة، وفي حال اقحامنا له كموضوع فلا يغير هذا شيئا امام حقيقة العقل لا يدرك الزمان...كما نجد أن قالبي المكان والزمان ومعهما العقل جميعا في حقيقتهم أدراك زمني واحد متداخل لا يمكن التفريق والفصل بينهم، وكيف يكون الزمان (موضوعا) مدركا من غير معرفة ماهيته ولا ظواهره كمتعيّن موجود يمتلك حضوره الادراكي غير الحدسي فقط ؟

أن أدراك الزمان لشيء هو في حقيقته برأينا الغاء أدراكه المكاني فالمكاني الموجود لا قيمة أدراكية له منفردا عن أدراكية الزمان له، وقولنا أننا يمكننا تفريق الادراك الزماني عن المكاني عبث لا طائل منه، وهو مفهوم متداول بالفلسفة أن للمكان أدراك يختلف عن أدراك الزمان ولا يقر أو يعمل بهذا الفهم الخاطيء العلم الطبيعي.... الذي يعتبر كل مدرك مكاني هو في حقيقته مدرك زماني يلغي ويحتوي المدرك مكانا في ثباته وفي حركته... ومكان الشيء لا يحدد أدراكنا له من غير أدراك زمني يحتويه وينوب عنه في ثباته وفي حركته معا وهو ما يذهب له العلم التجريبي المتخصص وليس الفلسفة المثالية.. وقد أخطأ فلاسفة عديدون في تخطئتهم العلم بدلا من الفلسفة في هذه الحقيقة الاشكالية..من بينهم برجسون الذي قال متهكما أن العلم يحسب أدراك الاشياء في زمانها على أنه مدركها في مكانها!! والحقيقة التي تجاهلها هوسرل أن العلم لا يخطأ كما تخطأ الفلسفة..وليس من الصحيح تعليق أخطاء الفلسفة على مشجب العلم..

أن الخدعة التي يتداولها ويقوم العقل بها هنا أنه يدرك الاشياء (مكانيا) في غياب غير محسوس للزمان كموضوع مدرك عقليا في حضوره وسيلة أدراك فقط، الادراك الزمني الذي يحدسه العقل وحده في عملية أدراك الاشياء مكانيا، في حين الحقيقة العلمية تقول أن أدراك العقل للاشياء يكون زمنيا فقط، ومكان الشيء لا يستدل على وجوده بالعقل قبل أدراك الزمن له، وليس من موجود في الطبيعة ممكن أدراكه في حركته ومكانه الا بعد الادراك الزمني له وليس في أدراك العقل المستحيل للاشياء (مكانا) من غير أسبقية أدراكها الزمني...لذا يكون أدراك الزمان للاشياء سابق على أدراك العقل لها، وفي حقيقتهما أنهما أدراك واحد لشيء واحد أو مع عدة أشياء منفردة... وفي هذا المعنى يمكننا القول أن المكان ثابت في أدراك الزمن له، لكن الزمن متغير ومتحرك في أدراكاته الاشياء في أمكنتها..وبهذا يتمكن العقل أدراك الاشياء مكانيا في عجزه وعدم أدراكه الزمن كموضوع كما هوالحال في أدراكه الاشياء مكانيا كمواضيع...بينما يبقى الزمن وسيلة العقل الادراكية وليس موضوعا يدركه العقل كما في أدراكه المكان...

وبالنظر لخلاصتنا التي توصلناها أن الزمان والعقل يتداخلان في أدراكهما الاشياء بشفرة غير معروفة ولا مفصح عنها لا علميا ولا فلسفيا، في من له الاسبقية في التراتيبية الادراكية لكليهما، وكيف يتكاملان في أدراكهما الاشياء، ذلك يجعلنا نذهب الى القول أن الزمان والعقل يدركان الشيء الواحد في لحظة واحدة متداخلة يصعب علينا التفريق والفصل بينها في قدرة العقل عن قدرة الزمان ولا كيف تتم عملية الادراك للاشياء في تداخلهما أنما هي شفرة وتعقيد غير مفهوم في تعالقهما مع كل من الاحاسيس من جهة ومع منظومة الجهاز العصبي من جهة أخرى..ولا يمكننا أن نحسب للعقل لحظة أدراكه الاشياء لوحدها ولا للزمان مثل ذلك أيضا في لحظة أدراك لا علاقة لها بالعقل زمنيا ومحال أن لا يتداخل العقل والزمان أدراكيا..

السؤال الذي نختم به ولم نجد له جوابا هو، هل الزمان في تلبيته رغبة العقل نقل مدركات الاشياء زمنيا للعقل ينقلها بنوع من التنظيم التراتيبي الادراكي الذي تتداخل فيه مدركات الحواس مع زمانية الادراك للشيء الواحد؟

جوابنا المتواضع غير الشافي أننا نعلم أن العقل يدرك الاشياء في وجودها الخارجي بعشوائية في تعدد الحواس الناقلة للعقل عبرأستلام منظومة الجهاز العصبي آلاف الايعازات المختلفة والمتباينة والمتنوعة من حيث زمن تواردها وأختلاف أمكنتها وتنوّع مصادرها، ، ويقوم العقل في معالجتها وأعطاء الردود عليها تراتيبيا داخل العقل في أفكارتوليدية معبّرة عنها؟؟ ويبقى السؤال اللغز المحيّر ما دور الزمان بتلك الادراكات التي تنقلها الحواس وهل توجد آلية أدراكية تجمع الزمان بالحواس كما هي علاقة العقل بالزمان؟؟ مؤكد يوجد جواب لكني لا أعرفه !؟

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...................................

الهوامش

1- ويل ديورانت، قصة الفلسفة ص 335

2- المصدر السابق ص 337

3- المصدر السابق 339

4- المصدر السابق ص 319

5- المصدر السابق ص 322

6- المصدر السابق 337

7- المصدر السابق ص 338

 

 

علي رسول الربيعينظرا للأنتهاك الصارخ للحقوق في مجتمعات الدولة العربية، وغيًاب النقاش الواسع والعلني عن  فلسفة الحقوق ونظريات الحقوق واجراءات حفظ الحقوق وصيانتها من الأنتهاكات، أو ضعف  الدفاع عنها، نرى أنه من الراهن الفكري/ السياسي  فتح النقاش عن هذا الملف الحار والحارق. المشاركة في هكذا نقاش من قبل المختصين والمهتمين والمظلومين  يعتمد على مدى الوعي بالمسؤولية الفكرية والأخلاقية بهكذا قضية. سنتناول هنا في هذا القسم من الدراسة موضوعة محددة وهي العلاقة بين الحقوق القانونية والأخلاقية في أطار مسألة العدالة الإجتماعية.

الحقوق القانونية والأخلاقية والعدالة الإجتماعية

تتمثل نقطة انطلاق أولئك الذين يرغبون تحليل مفهوم الحق في التمييز بين الحقوق القانونية والأخرى الأخلاقية - بين حقوق الفرد التي تنشأ من موقعه في أطار نظام قانوني (كصاحب المُلك أو المتملك لشئ ما، على سبيل المثال، أو كطرف في عقد) وتلك التي تنشأ بطرق أخرى، مثل، تلك التي تنشأ من وعد أو اتفاق ليس له وضع قانوني. ولكن تفحص هذا التقسيم يكشف أنه تقسيم  تبسيطي جداً. فلدى معظم الناس عدد كبير من الحقوق وأنواع مختلفة منها، نتيجة لأدوارهم العديدة التي يقومون بها في المجتمع، كموظفين، وكأعضاء في أيً تجمع ، ومشاركين في أنشطة جماعية ، وما إلى ذلك ك، ولا يمكن استيعاب أو وضع  جميع هذه الحقوق بشكل  صحيح سواء تحت مقولة  قانونية أوأخلاقية؛ فحق استاذ في  الجامعة أن يضع درجات على اجابات الامتحان مثلا، ليس حقًا قانونيًا أو أخلاقياً بشكل مباشر (رغم أنه قد يصبح حقًا أخلاقياً في ظل ظروف معينة). يمكن للمرء بالطبع حل هذا من خلال النص عليها أو تأكيدها أو الأشتراط على أن جميع الحقوق غير القانونية يجب أن تعتبر "أخلاقية"، لكن ذلك لن يكون حلاً مفيدًا؛ إذ لايمكن أن تنشأ الحقوق الأخلاقية عن القواعد الأخلاقية بنفس الطريقة التي تنشأ بها الحقوق القانونية عن القواعد القانونية.

ومع ذلك ، فإن تركيز انتباه المرء على الحقوق القانونية والأخلاقية ليست عملية  مُضللة بكاملها. يمكن ملاحظة أن هناك أنواع الأخرى من الحقوق (التي يمكن أن نجمعها معًا تحت عنوان "الحقوق المؤسسية") تقع بين النوعين الخالصين، اقصد الحق القانوني والأخلاقي. انها تشبه قواعد الجامعة بإجراءاتها الثابتة، وقواعد المحاكم ، وحقوق الاستئناف، وما إلى ذلك، أنها نظام قانوني في صورة مصغرة. إن امتلاكك حقًا كعضو في الجامعة يشبه إلى حد كبير امتلاك حق قانوني. على النقيض من ذلك، إذا أبرمت اتفاقًا مع مجموعة من الأصدقاء تحدد كيف نستخدم منزلًا تتشاركون فيه، أنه يشبه تمامًا وعد رسمي ومختار بدقة؛ وأن الحقوق التي أمتلكها والتي يجب على الآخرين تنفيذها بما هو منصوص عليها في القواعد هي بمثابة حقوق للوفاء بالوعود. أرى  أن أفضل مقاربة  للحق المؤسسي في " نوعه المثالي"  القانوني أو حالته القانونية  المثلى - الذي اشرنا اليه أعلاه-  يعتمد على ثلاثة عوامل:

(1) تحديد القواعد التي تمنح الحق بوضوح.

(2) فرض العقوبات المحددة على من ينتهك هذا الحق.

{3) تحديد الأفراد المعينين لفرض مثل هذه العقوبات.

إذا كانت الحقوق الأخرى لها هذا الوضع الوسيط، فيمكننا أن نرى لماذا كان ينبغي على المنظرين السياسيين إيلاء معظم الاهتمام بالحقوق القانونية والأخلاقية المناسبة. هذه هي الحالات التي تمثل أكبر صعوبات التحليل، وبالنسبة للمجموعتين، فإن الحقوق الأخلاقية هي الأصعب في التعامل معها من وجهة نظر فلسفية. يُنصح فيلسوف السياسة بتجنب التحليل الفني( التكنيكي) لأنواع الحقوق القانونية، والتي ينبغي تركها لأولئك الذين لديهم معرفة دقيقة بممارسة القانون. سوف أعتبر هنا  نتائج أحد هذه التحليلات وأقصد تحليلات (Hohfeld's)[1]  البارزة و المشهورة جداً أمراً مفروغًا منه وأتساءل ما إذا كان يمكن تطبيق المخطط التحليلي هذا بشكل صحيح على الحقوق الأخلاقية. ولكن أرى من الضروري ابتداءً تقديم ملاحظة عامة حول القانون قبل أن ننتقل عنه.

ما تحدثت عنه حتى الآن، هو الوصف الوضعي للقانون بأعتبار أن نظرية القانون الطبيعي تبالغ في العلاقة بين القانون والأخلاق، فجاء القانون الوضعي كرد فعل ضد هذا الجانب من نظرية القانون الطبيعي. وعليه  فأن نظرية القانون الوضعية – وكما هو شائع - هي التي تقول أن القواعد أو القوانين القانونية صالحة ليس لأنها متأصلة في القانون الأخلاقي أو الطبيعي، ولكن لأن يتم تشريعها أو سنها من قبل سلطة شرعية وقد قبلها المجتمع على هذا النحو. وهنا يتم التمييز بوضوح بين الحقوق القانونية والحقوق الأخلاقية، وتقديم الحقوق القانونية باعتبارها ناشئة بطريقة مباشرة عن قواعد القانون الوضعي. بعبارة أخرى، يُنظر إلى القانون على أنه مجموعة من القواعد التي يكون مضمونها واضحًا وثابتًا نسبيًا، وتخلق هذه القواعد، في بعض الحالات، حقوقًا للأفراد الذين يخضعون لها. ولكن يمكن أن يُساءل هذا الوصف للقانون من خلال  الاعتراض الذي يقول: إن  الوصف الوضعي للقانون يجعله يبدو أكثر تحديدا مما يمكن أو ينبغي أن يكون.

لا تكون القواعد القانونية دقيقة تمامًا كما يوحي هذا الوصف، أذ تتطلب أن  يقدم لها تفسيراً مرافقا لكل حالة محددة، ومثل هذا التفسير يعدل القاعدة للمستقبل. لذلك، فإن إثبات أن لديك حقًا قانونيًا ليس مجرد ذكر للقاعدة ذات الصلة؛ ولكن عليك أيضًا تبرير التفسير الذي تقترح وضعه للقاعدة، وللقيام بذلك من الضروري طرح اعتبارات أخلاقية. ومع ذلك، لا ينبغي اعتبارها اسس قانونية اضافية أو أعتبارها اسس مستوردة من خارج  القانون كمبادى قانوية  لإصلاح أوجه القصور فيه.[2]

قد يكون هذا الأعتراض  موجها ضد موقف قانوني بسيط  لذا لا يبدو لي حاسمًا ضد  الصياغات أو النسخة الأكثر تطوراً له. قد يقبل الوضعي بأن قواعد القانون لا تفسر نفسها، وأن هناك حالات صعبة لا يعطي فيها القانون بصيغته القائمة أوالحالية أي إشارة واضحة إلى ماهية الحقوق القانونية للأطراف المختلفة. والسؤال هو كيف ينبغي النظر إلى هذا الوضع.  إنه يشير، من وجهة نظر الوضعي، إلى فشل في القانون، ويصبح من المناسب الخروج عن القانون نفسه للنظر في الجوانب الأخلاقية للقضية،وذلك من أجل أن يتم تشريع قانون مناسب لهذه القضية وغيرها من الحالات المماثلة في المستقبل. لكن من الواجب  أن تعتبر مثل هذه الحالات استثنائية وليست صفة أو خصيصة ثابته للطريقة التي تُقرر بها الحقوق القانونية. من ناحية أخرى، فإن الحالات الصعبة هي التي تكشف لنا عن الطبيعة الأساسية للقانون، كما يرى نقاد مثل رونالد دوركين.

لحسن الحظ، لا يتعين علينا اتخاذ قرار بشأن القضايا العامة المتعلقة بأهدافنا الخاصة. نحن مهتمون فقط بماذا يعني أن تمتلك حقاً قانونياً، وهذا ما ستفعله هنا النظرية الوضعية بالنسبة للغالبية العظمى من الحالات.  فمن أجل تحديد الحقوق القانونية لشخص ما، يكفي الرجوع إلى قواعد القانون ذات الصلة، دون الأخذ في الاعتبار الاعتبارات الأخلاقية. سيكون من الغريب القول عندما يأخذ شخص ما شيئاً يخصني، يجب أن أقدم أسبابًا أخلاقية لتأكيد حقي القانوني في الشيء المعني. لن يكون هذا مجرد وصف واضح لما يحدث بالفعل، ولكن النظام القانوني الذي  له هذه الخاصية سيكون له عيوب عملية واضحة. وبالتالي، بغض النظرعن مزايا أو جدارة النظرة المناهضة  للنظرية للوضعية بوصفها تفسير عام للقانون، إنها لا تساعدنا على فهم الحالات  الرئيسة، والخصائص المتمثلة في حالات وجود الحق القانوني.

واذا أنتقلنا إلى الحقوق الأخلاقية فأننا نجد أن هناك العديد من القضايا الأساسية التي يجب تسويتها قبل أن نتمكن من البدء في تحليل مفصل لمفهوم الحق الأخلاقي وعلاقته بمفهوم العدالة. أولاً هو ما إذا كان من المجدي التحدث عن الحقوق الأخلاقية على الإطلاق؛ لأنه قد يًقال، في بعض الأحيان، إن الحقوق القانونية هي فقط التي يمكن وصفها بأنها حقوق. لقد تم التعبير عن وجهة النظر هذه بشكلها الكلاسيكي  المعروف من قبل بنثام  Bentham، ولاحقا من قبل للامونت W. D. Lamont.[3] إن الحقوق من وجهة نظر بنثام، هي، ثمار القانون والقانون وحده. لا توجد حقوق بدون قانون - لا حقوق مخالفة للقانون - لا حقوق أمام القانون. وقد تكون هناك أسباب يُتمنى فيها وجود قوانين قبل وجودها.[4]

يقول منطوق حجة بنثام: أن المطالبة بحق أخلاقي أو طبيعي طريقة مضللة للادعاء بوجود حق قانوني معين. أنه لأمر مضلل  عندما  نعتبر القول أن هناك  حقاً قانونيا  مساوي أو مطابق  للقول أنه حقيقة واقعية بالفعل. لأن "الحقوق الأخلاقية" المزعومة لم يكن لها هذا الوجود الواقعي؛ أنها مجرد خيال. أرى أن وصف وتعليل بنثام هذا غير صحيح لسببين. أولاً، ليس صحيحًا أن الغرض من رفع دعاوى "الحق الأخلاقي" هو المطالبة بتشريع الحق القانوني المقابل أو المماثل؛ ففي كثير من الحالات، سيكون من غير المعقول أن يعزى  هذا إلى الشخص الذي يقدم المطالبة، كما في  في حالة الحقوق الأخلاقية الناشئة عن الوعود، على سبيل المثال. ثانياً، إن رأي بنثام غير متسق، وذلك لاستعداده بالاعتراف بأن الواجبات الأخلاقية قد تكون مدعومة بعقوبات على  شكل استنكار أونبذ اجتماعي، إلخ.

إن وجهة نظره بأن مَن يكون له الحق هو أن يكون مستفيدًا من واجب ما، وأن يكون من واجبه أن يواجه تهديدًا بفرض عقوبات، إذا لم يتم القيام بشيء ما، فقد لا يكون كافيًا في حد ذاته، "لكن إذا كان يعتقد بهذه الآراء فهو ملزم الاعتراف بوجود تلك الحقوق الأخلاقية المقابلة للواجبات الأخلاقية المعترف بها والمعاقب عليها. أما بالنسبة إلى لامونت فأن الحقوق  تنشأ من القانون. فإذا لم يكن هناك قانون، فلا حقوق، ويصبح هذا استفهام يعتمد على توسيع مفهوم القانون بما يتجاوز فهمنا العادي لفكرته، حتى يتم النظر إلى القواعد الأخلاقية كنوع من  القوانين. من الثابت اعتبار هذا بشكل عام اقتراحًا عقيما ومربكًا. إنه يشير إلى أننا عندما نفكر ونتحدث عن الحقوق، فإننا نعمل في مجال أخلاقي قانوني. نرى خلاف ذلك، أي لا يوجد شيء في ما يقوله بينثام ولامونت يجعلنا نغير ممارستنا المعتادة المتمثلة في إسناد الحقوق الأخلاقية للناس، دون التفكير في أنه يجب الاعتراف بهذه الحقوق قانونًا، أو أن هناك شكلًا من أشكال القانون الباطني متورط على أي حال.

الاعتراض الأكثر خطورة على فكرة الحقوق الأخلاقية هو أن "الحق الأخلاقي" تعبير غامض بحيث أن  القول "س له حق أخلاقي  في ص" لا يعني أكثر من "إنه من الصحيح أخلاقيا أن تعطى    ص لـ س "  أو "س يجب أن يُعطى ص". إذا كان هذا صحيحًا، فسيحظر اعتبار الحقوق أسبابًا مميزة لمطالب العدالة. ومع ذلك، أعتقد أنه يمكننا مواجهة النقد لو فكرنا في موقف نموذجي يتم فيه إنشاء الحقوق الأخلاقية، ايً  تقديم وعد. (س)  يعد (ب) بأنه سيعطيه شيئًا معينًا؛ هذا يخلق عند  (ب) حقًا أخلاقيًا في الحصول على الشيء ، ويستمر هذا الحق حتى يستلم (ب)  ذاك الشيء ما لم  يتخلى طوعًا عن التزامه. لكن لنفترض أن الشئ المعنى  سيضر بشدة بـ (ب) ، أو أن (ب) سيستخدم  الشيء  لإلحاق الضرر بالآخرين. لم يعد حقًا في إعطاء (ب) الشيء - لكن حقه الأخلاقي  في ذلك لا يزال قائماً (لقد تم تجاوز الحق الأخلاقي بسبب اشتراط تجنب إلحاق ضرر جسيم كلما أمكننا ذلك).

يمكن وضع الحجة بطريقة أخرى. إذا قلنا "يجب إعطاء  " ص لـ  س "، لأنه يتمتع بحق أخلاقي في ذلك" ، فإن الفقرة الثانية لا تعيد التأكيد على الأولى. إذا كان هناك ستة رجال على متن قارب في البحر، واحد منهم فقط يمكنه التجديف، فقد يكون من  الحق إعطاء رغيف الخبز الأخير كله، على أمل أن يتمكن من التجديف بهم على الشاطئ. ولكن هل لديه الحق في ذلك؟ هل يمكن أن يشتكي إذا تم اتخاذ قرار عام بتقسيم الخبز بالتساوي والتخلي عن فرصة إضافية للوصول إلى الأرض؟ لا أعتقد ذلك.

هناك بعض الإغراءات لتوسيع مفهوم الحق  ليتضمن هذه الحالات، ولا شك في أن الاستخدام اليومي العادي يمكن ذكره كداعم. لكنني سأحاول اثبات أنه ينبغي مقاومة هذا التوسع ، لأن الاستخدام الرئيس لهذا المفهوم هو تقديم نوع معين أو خاص من المطالبة الأخلاقية ، بدلاً من التعبير عن الحقانية بشكل عام. سنرى لاحقًا أن هناك عددًا محدودًا من الأسباب أو الأسس التي يمكن أن تستند إليها الحقوق الأخلاقية بشكل صحيح أو كما ينبغي، و ليس الرفاهية العامة واحدة من هذه الأسباب بالتأكيد.

النسخة الأضعف (والأكثر مقبولية) للوضع السابق هي الرأي القائل بأن "س له حق أخلاقي في ص" يعني "سيكون من المناسب إعطاء ص إلى س" ؛ أي أن العدالة تتعايش مع الحقوق. وهذا من شأنه أن يتجنب الاعتراضات المذكورة أعلاه، شريطة أن لا يطابق المرء كل  العدالة  بالأخلاق أو يستغرق العدالة بالأخلاق ويعتبرها كلها أخلاقية؛ لكن سيكون من الضار لطرحي هنا  القول: أن الحقوق هي نوع واحد من أسس المطالبات العدالة. ناقش جون ستيورات ميل هذا  الرأي قائلاً: "لا تعني العدالة شيئًا ليس فقط من الصواب القيام به، ومن الخطأ ألا تفعله، بل يمكن لشخص ما أن يطالبنا به كحق أخلاقي له."[5]

إن الأسباب التي أعطاها ميل للتأكيد على أنها مفيدة،  لأنها توضح السبب لماذا من المغري توسيع مفهوم الحق حتى يمكن التعبير عن جميع "مطالبات العدالة" وأنها "مطالبات حق " وصحيحة. فكلما حدث ظلم، يكون هناك شخص مظلوم سواء تعرض للسرقة أو معاملته بشكل أسوأ مما يستحق. وهكذا، يقول ميل، ينطوي الظلم على شيئين - خطأ تم القيام به، وشخص وقع عليه الخطأ. ثم يشير  من خلال افتراض ضمني أنه عندما يُظلم الفرد، تُنتهك بعض حقوقه الأخلاقية. لكن أرى أن هذا الافتراض الضمني  الذي يتبناه ميل خاطئ. والدليل على خطأه لاحظ حالة يُعامل فيها شخص ما أسوأ مما يستحق. وأنظر على سبيل المثال  ممرضة مخلصة ضحت بسنوات من  حياتها لرعاية شخص مريض ولم تحصل على أي جزء من الميراث عندما توفى ذلك الشخص. لقد تعرضت الممرضة للظلم، لكن من الخطأ القول لديها حق أخلاقي في الميراث. الخطأ والعدل ينتجان مباشرة من استحقاقها، فمن الخطأ أن نتدخل في حق وهمي بين الاستحقاق والخطأ. إذا كان هناك وعدا منه بأنه سيترك شيئًا للممرضة، عنئذ ستكون الحالة مختلفة؛ ولكن  في هذه الحالة سوف تنشأ حقوقها من الوعد وليس من استحقاقها. إنه من السهل أرتكاب الخطأ  الذي وقع به ميل، المشكلة أن هذا الخطأ يؤدي إلى تشويش كبير لإخفاقه في التمييز بين الأسباب المختلفة للتأكيد على أن هذا الفعل عادل أو غير عادل. سوف أعرض مزيدًا من الشرح  لاحقًا حول سبب وجوب الحفاظ على  التمييز بين مفاهيم الاستحقاق،  والألتزام في شيء ما.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

[1] يعرّف هوفيلد Hohfeld العلاقات المتبادلة من حيث العلاقات بين شخصين. في نظرية "الحقوق العينية"، هناك علاقة مباشرة بين الشخص والشيء.كان الهدف الرئيسي لمشروع هوفيلد هو توضيح العلاقات القانونية بين الأطراف المعنية. فيقدم لنا Hohfeld مخططًا تحليليًا يقسم الحقوق إلى أربع فئات مختلفة من العلاقات  تمثل عددًا من الفروق التحليلية بين المواقف القانونية المختلفة. يكمن تحليل هوهفلد للحقوق في الممارسة الوصفية للمواقف القانونية المرتبطة ببعضها البعض عن طريق العلاقات المنطقية بين الاستلزام والنفي. يتركز عمل هوهفلد على  الجانب التحليلي  والتعريفي ولا يهتم بالتحقيق الموضوعي أو التجريبي  لمفهوم الحق. لقد كان طموح هوهفلد  توفير تصور مفاهيمي لاستخدامنا للحق والواجب وما إلى ذلك في الممارسة من أجل  تسهيل فهم أفضل لطبيعة حقوقنا. وفلم يكن يهدف الى مع ذلك  إبلاغنا ما هي  هذه الحقوق والواجبات وما هي أو ينبغي أن تكون أو ما هي أساسها الأخلاقي أو ما هو ضروري لشيء  حتى يعتبر حق ، واجب وما إلى ذلك. فهو لا يقول أي شيء عن تبرير الحقوق. يقدم جدول هوهفلد تمييزًا بين أربع مجموعات مختلفة من العلاقات القانونية.  وهي طريقة لتقسيم مفهوم الحق إلى عناصره المكونة، وهي طريقة لها فوائد عديدة ومهمة.  تجعل هذه الطريقة الواضحة والدقيقة  تحليل هوهفلد للحقوق ليس أنيقًا وجذابًا فحسب ، بل أساسي أيضًا لأي شخص يرغب في إجراء تقييم مستنير وواضح للموقف القانوني بين الأطراف المعنية في ما يتعلق بالحقوق.

أنظر: htt//classic.austlii.edu.au/au/journals/MurUEJL/2005/9.html

[2]R. Dworkin, 'Is Law a System of Rules" in R. S. Summers (ed.), Essays in Legal Philosophy (Oxford, 1968).

[3] W. D. Lamont, 'Rights', Proceedings of the Aristotelian Society, Supp. vol. xxiv(1950(.

[4] Cited in C. K. Ogden, Bentham's Theory of Fictions (London, 1932}, p. cxxviii.

[5] J. S. Mill, Utilitarianism in Utilitarianism; On Liberty, · Representative Government, ed. A. D. Lindsay (London, 1g64), p. 46.

 

علي محمد اليوسف(أن اللاوعي يتجاوز الزمن).. فرويد

اللاوعي أي اللاشعورفي علم النفس هو حالة الانسان النفسية السلبية الساكنة لا تمتلك التأثير ولا القدرة على تجاوزها الزمان العشوائي الذي يكتنفها، لعدم أدراك حالة اللاشعورأو اللاوعي للزمن من حيث الزمان وسيلة أدراك عقلي وليس موضوعا للادراك وأنما يدركه العقل حدسا أستدلاليا في معرفة غيره من اشياء الطبيعة والموجودات،... والانسان لا يعي الزمن أدراكا حسّيا شعوريا موضوعيا لا في اليقظة ولا في المنام... بعكس الزمان الذي هو فعالية ديناميكية شغّالة بحيوية فائقة في حالة وعي الانسان أدراكه أشياء الطبيعة وليس هناك من أدراك شعوري لا يداخله الزمن، ولا قيمة حقيقية للزمان في حالة اللاوعي او اللاشعور.. ولا فاعلية للزمان يعتّد الأخذ بها في حالة النائم الحالم المغيّب عنه وعيه الحسّي المادي الادراكي لذاته والوجود فيكون الزمان في الاحلام عشوائيا غير منظّم بخلاف الزمان في حالة الشعور واليقظة فهو يقوم على تنظيم الاشياء المدركة في ملازمته الوعي الحسي والعقلي للاشياء...، ويبقى الانسان النائم اللاواعي الحالم محتفظا بالعقل في أدراكه صور الاشياء في الاحلام عشوائيا من غير أنتظام لكنه لا يتبادل الادراك مع الزمان الذي لا وجود له في عالم الاحلام كأدراك حدسي منظّم يقوم بترتيب تداعيات صور الاشياء، كما في حالة الحدس بالزمان شعوريا في الواقع الطبيعي للانسان كوسيلة أدراك، لذا فالزمان المنظّم الغائب هو الذي تتجاوزه حالة اللاوعي الحلمية عند الانسان من غير وعي به وأرادته وتكون الذات النائمة الحالمة متحررة من سطوة الزمان عليها نهائيا، لأنه لا وجود للزمان المحسوس كموضوع في أدراك العقل بل هو وسيلة العقل في أدراكه ألاشياء في حالة الشعوروالوعي الانطولوجي بها وليس في واقعها الحلمي الصوري التجريدي المبعثر، والزمان يمتلك حضورا وهيمنة على الانسان في وعيه، ولا سيطرة من الانسان على الزمن لا في وعيه ولا في غير وعيه في اللاشعور.....

وعدم حاجة عقل الانسان للزمان في حالة اللاوعي بسبب أن الزمن في حضوره بالاحلام وغياب الوعي يكون حضورا غير منتظم وعشوائي كما ذكرنا سابقا....والزمان في حالة اللاشعور هو حالة من التداعي الصوري المتداخلة في عشوائية في مرور صور الاشياء مكانيا في ذهن الحالم التي لا ينتظمها أدراك الزمن لها...، ومكانية الاشياء تكون هي الاخرى بالاحلام وغياب الوعي مشوّشة في تعدد وتوالي صور الاشياء وتداخلها مكانيا على شكل قطوعات صورية لا وصاية ولا حضور للزمن عليها في الذهن اللاشعوري الاسترجاعي من الذاكرة في تنظيمها، بل يكون في تداخل زمني عشوائي لا يستدل على تنظيمه صور تداعيات الاشياء والامكنة في أحلام النائم كما هوالحال على خلافه في المدرك الزماني شعوريا في اليقظة....، الزمان المنتظم في حالة الشعور الطبيعية عند الانسان في اليقظة هو وسيلة أدراك العقل الاشياء منتظمة بفضل تنظيم الادراك الزماني لها قبل توصيلها كمدركات حسّية أو غير حسية للعقل ومن بعده الدماغ فالذهن تحديدا...وفي حالة غياب الشعور اثناء النوم لا تتوفر للعقل قدرة أدراك الاشياء في طبيعتها المنتظمة في غياب زمن أدراكها تنظيميا.

أن حدس أو أدراك الانسان لموجودات الاشياء مكانيا تصبح لاغية وحالة من غياب الادراك العقلي لها في تغييب الزمان أدراكه الاشياء في مكانها بأنتظام قبل نقلها الى الدماغ أو العقل والوعي الذهني بها... لذا يكون الزمان في حالة الوعي والشعور الطبيعي هو نظام مدركات الاشياء زمنيا الذي تفتقده هذه المدركات في حالة حضورها في اللاوعي المجرد من الزمن الادراكي النظامي لها في الاحلام.

أن الاختلاف هنا بين أدراك الزمان للاشياء، وأدراك العقل للاشياء مكانيا أن جاز لنا التفريق بينهما هو أن الزمان في أدراكه وجود الاشياء يلغي ملازمة مدركه الزماني للشيء مع مدركه المكاني له كما يرغب ذلك الادراك العقلي للانسان، بمعنى أن الادراك العقلي للاشياء يتم مكانيا مجردا من زمن الادراك بخلاف الزمان الذي يدرك الاشياء مكانيا في زمنها وليس في وجودها في حيّز مكاني محدود يشير لها... أن الزمان الذي يدرك الاشياء بمعزل عن العقل أنما يدركها زمانيا فقط والعقل يدركها مكانيا فقط بوسيلة توصيل الزمن لها،.... لذا نجد أن الزمان يدرك الثابث والمتحرك مكانيا من الاشياء بآلية واحدة في لحظة واحدة هي خاصية أدراك الزمان للاشياء بعيدا عن فهم الادراك العقلي المكاني لها الذي يمنحه الزمان للعقل في أدراكه وجود الاشياء مكانيا مجردا من الزمان الادراكي لها،.... والعقل على خلاف الزمان لا يدرك من الاشياء زمانيتها بل يدرك وجودها مكانا أو موضوعا مدركا بالذهن في حالة تجريد العقل فهم الاشياء من وجودها المادي المكاني لمعالجتها وفهمها وتفسيرها بمقولاته....وفي هذه النقطة بالذات يكون للزمان أولوية أدراكية على العقل في أمتلاكه القدرة على منح العقل أدراك الاشياء مكانيا بوسيلة الزمن غير المدركة عقليا كموضوع بل كوسيلة أدراكية للاشياء،... والزمان الادراكي يعلو على العقل الادراكي ويسبقه في الاولوية، وبغير الزمان لا يمكن للعقل أن يعمل لا في أدراكه المحسوسات ولا في أمكانية معالجتها ويتوقف أدراكه للاشياء كليّا...ولنا توضيح أكثر لاحق لهذه المسألة..

والعقل لا يستطيع أدراك الاشياء في وجودها المادي مكانيا بغياب أولوية أدراك الزمان لها قبل الحواس والجهاز العصبي والعقل، والمدرك مكانا هو ما يمّثل كل وعي العقل بالشيء المدرك، ومدرك العقل لا يسحب معه زمانية ذلك المدرك بل يفهمه العقل كوجود موضوعي مكاني مجردا من زمانيته...

..وأدراك العقل يهمه معرفة الاشياء في وجودها كمواضيع للادراك ألمتعيّن انطولوجيا وليس في زمانيتها المغيبّة التي هي وسيلة العقل لادراك الاشياء في متخيل مكاني فقط مجردا من حدس العقل حضور الزمن أو لا حضوره كملازم ضروري في جعل الزمان المدرك للعقل هو مدرك مكاني فقط كما يرغبه ويريده العقل... فمعالجة المدركات بالعقل لا تحتاج زمانية أدراكها بل تحتاجها كموضوعات موضوعية موجودة مكانا كمتعيّن مادي، في حين يعجزالعقل عن جعله أدراك الزمان موضوعا للادراك بل الزمن هو وسيلة العقل في أدراكه وجود الاشياء في مكانيتها فقط...العقل لا يحتاج الزمان بعد توصيله أدراك الاشياء بالذهن ومحاولته معرفتها وأخضاعها لسلطة العقل النقدي لها وتفسيرها وفهمها... وفي هذه العملية لا يحتاج (الذهن) حضور الزمان كمدرك تعريفي للاشياء، والعقل لا يحتاج الزمن في تفكيره المجرد لكنه قطعا يحتاج مدركات متعينة مكانيا في الذهن تجري معالجتها كمواضيع للادراك منقولة له عبر الحواس في وعي الزمان لها وتنظيم أدراكها قبل وعي العقل بها.......وفي هذا تكون أسبقية الوعي الزماني للاشياء على مدركات العقل لها أنطولوجيا.

لماذا يحتاج العقل الزمان في أدراكه الاشياء مكانا؟ ألا يمتلك العقل آلية غير أعتماده الزمان في أدراكه الموجودات والاشياء مكانيا في وجودها الخارجي فقط بلا زمن يداخلها؟

الجواب على هذا التساؤل فيما نراه هو طالما لايكون أدراك الاشياء مكانا الا بواسطة الزمان، لذا لا يكون بمقدور العقل الاستدلال في وعيه الاشياء وأدراكه لها كموضوعات بمعزل عن أدراكها الزماني، أذ لا يوجد أدراك عقلي للاشياء مكانا قبل أدراك العقل لها زمانا.... وهذا يتم في عملية التخارج الخارجية التي تربط الزمان والعقل في عملية الادراك للاشياء في وجودها الانطولوجي المستقل ...

أما داخل الذهن فالعملية تختلف بعد أدراك العقل للاشياء وأستلامها عن طريق الحواس والجهاز العصبي والادراك الزمني لها، فالاشياء تصبح داخل الذهن مواضيع أدراكية لا يحتاج فيها العقل الزمان في معالجته لها وأنما يحتاج صور الاشياء بالفكر واللغة المجردين عن الزمان والمكان معا فقط.

اشكالية تداخل العقل والزمان في عملية الادراك

ماذكرناه قبل أسطر يضعنا في أشكالية جوهرية هامة جدا، هو كيف يكون الزمان وسيلة أدراك تنظيمية للاشياء والموجودات قبل توصيلها للعقل، في وقت أن الزمان وسيلة أدراك عقلي لا يعرف العقل الادراكي كنهها ولا ماهيتها هذا من جهة، ومن جهة أخرى الزمان فعالية ووسيلة أدراك ألاشياء وتوصيلها للعقل في وقت هو أي الزمان معطى قبلي أدراكي للعقل لا يعي ذاته وربما لا يعي ما يقوم به في عملية الادراك العقلي للاشياء؟ وربما يكون دور الزمان في أدراك الاشياء أفتراضا مغلوطا، وهذا غير صحيح ولن يكون لأستحالة أدراك العقل الاشياء بالحواس كموجودات فقط من غير ملازمة ذلك الادراك الحسّي زمن أدراكها....

وهذا يجعلنا نذهب ونلوذ الى ترجيح مفهوم كانط للزمان أنه معطى قبلي في الذهن سابق على أي وجود أو أدراك عقلي من دونه..... ومن هنا يكون الادراك الزماني للاشياء سابقا على أدراك الحواس والعقل للاشياء على الاقل في تراتيبية الادراك بدءا من الحواس وانتهاءا بالدماغ والذهن عبر منظومة الجهاز العصبي المعقدة، والزمان لا يعي الاشياء في أدراكها ألا بتوجيه مسّبق من العقل في الوصاية عليه وتوجيهه كوسيلة في الادراك لكنه يبقى الزمان لا يشكل موضوعا للادراك من قبل العقل أي لا يفهم العقل ماهية الزمان أكثر من الحدس الاستدلالي به في معرفة الاشياء...

ويبقى الادراك الحسي للاشياء زمانيا سابقا أدراك العقل لها تجريديا مكانا، وهذا تحليل تراتيبي فكري فلسفي منطقي مجرد لا يلزم العلم الأخذ به لما تحتويه عملية الادراك من تعقيد يشترك به وجود الشيء والاحساس به وكذلك تداخل كل من الزمان والعقل عبر الجهاز العصبي المستقبل والموصل للادراكات الى المخ.

ويبقى التساؤل المحيّر قائما ومشروعا كيف تكون علاقة تواصل الادراك الزماني للاشياء في ملازمته العقل الادراكي وأيهما أقرب للتصديق لاوعي الزمان في الادراك أم وعي العقل في الادراك وأرتباط الوعي الزماني بوصاية العقل عليه ؟؟ وكيف يرتبط أدراك الزمان مع أدراك الحواس والعقل للاشياء في عملية واحدة؟؟ وأيهما له الأسبقية والاولية بذلك؟؟ وهل ممكنا للزمان أدراك الاشياء بمعزل عن وصاية العقل عليه وتوجيهه؟؟ لا نجد المسألة سهلة تنتهي بأجوبة فلسفية منطقية غير مهتدية بما يقوله العلم بهذا المجال الاشكالي الذي لا يمتلك هو الآخر جوابا شافيا.

وتبقى مهمة البت في علاقة الارتباط الادراكي للاشياء مابين العقل والزمان ووفق أية آلية تتم لا تستطيع الفلسفة ولا المنطق الاجابة الشافية عنه....كما وليس من مهامهما القيام بذلك وأنما تبقى الاجابة على عاتق ومسؤولية العلم الطبي التخصصي في علم فسلجة الدماغ والجهاز العصبي، فالفلسفة في النهاية هي تجريد فكري منطقي لا تخضع منطلقاته ومباحثه الفلسفية الى نوع من التجريب المختبري أو التحليلي العلمي.

قد يكون من السهل علينا معرفة أكتشاف العلم كيف ترى عين الانسان والآلية الفسلجية المعقدة التي تجري بين الضوء والعين والدماغ والجهاز العصبي ومثلها مع بقية الحواس كالسمع والتذوق وغيرهما، لكن نجد من الصعوبة العلمية الأجابة كيف تتم عملية التفكير الوظائفي في الدماغ علميا قبل عجز الفلسفة الاجابة عن ذلك على حد معرفتي!؟ لا أعتقد العلم توصّل الى معرفة ألآلية التي يتم بها تفكير العقل ذاتيا بمواضيعه الادراكية داخل المخ وكيف يقوم بتخليق وتفسير وفهم مواضيعه المدركة قبل أعادتها الى العالم الخارجي مجددا....وسأطرح وجهة نظري في مقاربة توضيحية لهذا اللألتباس الشائك.

العقل والزمان في الادراك الشعوري واللاشعور

الزمان يحتاجه العقل في أدراكه الوجود والطبيعة والاشياء المادية الموجودة بالمحيط الخارجي، ولا يحتاجه في حالة تخليق الذهن للاشياء في الدماغ، الدماغ يفكر في صور الاشياء في رمزية اللغة وتعبير الفكر عن الوعي الذهني بهما... ولا يحتاج العقل الزمن النظامي في اللاوعي أثناء النوم والاحلام حيث ترتبط تداعيات صور الاشياء بنوع من عشوائية وتداخل المكان والزمان في قطوعات عشوائية مبهمة يقوم عليها اللاشعورفي غياب الادراك العقلي المنّظم لها، ولا يحتاج العقل الزمان أيضا في حالة أتمام العقل وصول مدركاته للاشياء الى الذهن في صورها المكانية وليس في ملازمة الزمان تفكيرالذهن لها،... العقل لا يقوم بالتفكير الذهني بالاشياء كموضوعات بالزمان تجريديا، أي الزمان ليس وسيلة من وسائل تفكير العقل بل هو وسيلة لأيصال مدركات الاشياء للعقل فقط... والعقل يقوم بمعالجة مدركاته في تعينّها كمواضيع والزمان ليس موضوعا ولا من ضمنها، علاقة الادراك الزماني للاشياء بالعقل التخليقي لها هو في توصيل الزمان مدركات العالم الخارجي له فقط كما هي وظيفة الحواس.... العقل ذاته لا يدرك تداعيات صور الاشياء الذهنية في حلم الانسان أثناء نومه في غياب تنظيم الزمان لاشعور الانسان من جهة وأختلاطات الصور الذهنية مكانيا من غير تنظيم زماني لها من جهة أخرى.....وسيلة العقل في التفكير بالاشياء في الذهن هو الفكرالمجرد واللغة الصورية فقط وليس الزمان كوسيلة أدراك من ضمنها....تفكير العقل الذهني لا يحتاج الزمن الادراكي للاشياء بل يحتاجها موضوعات مكانية يجري تجريدها في الذهن عند معالجة العقل لها بمقولاته المعرفية والتفسيرية.

ومدركات تداعيات صورالاشياء أثناء نوم الحالم في غياب الوعي أنما يدركها عقل الانسان الباطني اللاشعوري في عشوائية تلغي تحقيب الزمان أو توقيتاته المعتادة في تنظيم عالم الاشياء الخارجي في مرجعية الزمان للعقل، كما وتلغي عشوائية تداعيات صور اللاشعور أثناء النوم، وعدم تنظيم صورالمكان المتداخلة زمانيا - مكانيا في أستلام عقل النائم لها من ذاكرة الحالم فقط في أثناء لاوعيه،.

مجمل وعديد من صور الاشياء يتحرر فيها اللاشعور من وصاية أدراك الزمان والمكان لها في أشكال من تداعيات الموضوعات التي يستلمها اللاشعورعند النائم في أنسيابية ودون ترابط بينها أغلب الاحيان بأختلاف أن فهم العقل للاشياء وأدراكها في وجودها المادي الخارجي يكون شعوريا منظّما لأن مدركات الزمان لها يكون منتظما، وهو غيره نجده في تراجع دور العقل الواعي الذي يكون مقيّدا وبلا وصاية مؤثرة أثناء مرور تداعيات صور الاشياء في اللاشعور الذهني عند النائم التي لا وصاية للعقل عليها في أدراكها منتظمة غير مشّوشة وعشوائية وأن كان عقل الحالم حاضرا أثناء تداعيات صور الافكار والاشياء بشكل أدراكي غير منتظم.

الانسان لا يدرك الزمان وجودا ماديا ولا مدركا حدسيا كموضوع في الذهن، في حيويته وأهميته في حالة وعيه الحدسي به في أستدلال العقل لأدراكه موجودات الطبيعة في وجوداتها المستقلة، ولا يدرك العقل الزمان في اللاشعور أثناء النوم، كذلك الزمان لا يدركه اللاوعي في ثباته وسكونه أثناء النوم....،فالعقل شغّال من غير تنظيم أدراكي للاشياء في غياب الادراك الزماني اللاواعي أثناء النوم بسبب أن العقل لا يدرك نظام وتنظيم مدركاته من دون أن يقوم الزمان بهذه المهمة قبله أو بعده لا فرق بذلك فتنظيم الادراك بين العقل والزمان مشتركة وليس مهما معرفة الاسبقية الادراكية لأي منهما على الآخر....، كما أن العقل شغّال أيضا غير مفارق ذهن الانسان في حالتي الوعي واللاوعي، أي أن الزمان المنظّم لا يدرك حالة اللاوعي عند الانسان أثناء النوم في الاحلام، ولا يتدّخل بها كما هي الحال في تداخله مع وعي الانسان وأدراكه موجودات الطبيعة من الاشياء في اليقظة،.

وحالة الوجود اللاوعي أو اللاشعور عند الانسان لا يدركها العقل ولا الزمان في نفس آلية أدراكهما المنظّم تجليّات وعي الانسان في أدراكه أشياء الطبيعة والوجود الواقعي باليقظة الذي تتظافر به مجتمعة معطيات الحواس، والجهاز العصبي الناقل، وتعبيرات اللغة والفكر والدماغ في أدراك الاشياء وأعطاء تفسيرات لها...وكل هذه الفعاليات البيولوجية المعقّدة المعجزة تكون معطّلة في غياب فاعلية الزمان أدراكه الاشياء في وجودها المادي المستقل في الطبيعة وعالم الاشياء.. العقل كما هي الحواس أيضا تحتاج الزمن الادراكي لنقل فعالياتها الادراكية الى ذهن الانسان...ولا أدراك للاشياء في غياب زمن أدراكها، والحواس لا تدرك الاشياء من غير أدراك زماني ملازم لها متطابق معها في الادراك....

الزمان في حال كونه معطى أدراكا قبليا ثابتا في الذهن كوسيلة أدراك العقل للاشياء كما يذهب له كانط، أو كونه ديناميكية شغّالة يعتمدها العقل ترتبط بالحواس والمعطيات الادراكية المنقولة الى العقل أو الذهن فهو في كلتا الحالتين يكون الزمان حدسا في ملازمته الضرورية الوعي في تجليّاته الفكرية وليس موضوعا للادراك، ولا يدرك النائم الحالم الزمان في حالة اللاوعي عنده... كما أن ألزمان لا يدرك ذاته بأختلاف حالتي وعي الانسان أو اللاوعي الحلمي في محاولته أدراك ذاتيته المغيبّة وسط تداعيات مخيّلة الذاكرة التي يستلمها اللاشعور في عشوائية من التداعيات وانتقالات خارج الزمان والمكان المدركان في حالة وجود الانسان ضمن الطبيعة...أي أن النائم يخرق قوانين الطبيعة في أحلامه من دون وعيه وأرادته. وخرق قوانين الطبيعة لا يتم الا في تغييب الزمن وهذا متحقق في غياب الوعي عند الحالم....

وفعلا تبقى مقولة فرويد أن اللاوعي لا يحتاج الزمن أو هو متحرر منه صحيحة فالانسان لا يتحرر من سطوة الزمان عليه الا في حالة اللاوعي أو اللاشعور أثناء النوم والاحلام التي تتداخل فيها صور الاشياء بالذهن من غير زمن ينتظمّها، ويكون فيها اللاشعور في أوج فعاليته المتحررة في غياب وصاية الزمان التنظيمية لهذه الصور المتقافزة بالذهن في عشوائية نجدها في الاحلام مثلما لا نجدها في وصاية الزمان على الشعور والوعي في اليقظة وقيامه تنظيم المدركات الحسية والعقلية.

الزمان لا يشتغل الا مع وعي الانسان المتبادل معه حدسا أو أدراكا أستدلاليا في معرفة الاشياء والوعي بها.... بفارق أن الزمان يدرك الانسان كوجود في الطبيعة حاله حال جميع أدراكات الاشياء المحيطة به كمواضيع أدراكية له، لكن الانسان لا يقوى على أدراك الزمان كموضوع له سوى من خلال حدس تجليّاته الاستدلالية في أدراكه ألاشياء المنقولة للعقل عبر معطيات المدركات الحسية المادية للاشياء... كما لايستطيع الانسان أدراك الزمان في حالة اللاوعي أيضا كما هو الحال عند الانسان الحالم في تداخل المكان والقطوعات الزمنية غير المنّظمة المرافقة عنده من دون حضور الزمان المنظّم في تحقيقه وعي الانسان بذاته وفي محيطه في غياب لاشعور النائم وتداعيات صور الاشياء عشوائيا بالذهن الحالم.

أن اللاوعي في مفهوم علم النفس هو وعي مغيّب الحضور على مستوى تغييب الادراك العقلي له زمانيا، واللاوعي مرادف اللاشعور، لذا يكون اللاوعي أو اللاشعور الحلمي أثناء النوم وجود مفارق للواقع الزمني والمكاني، يلغي الحدود التي يضعها الشعور الافتراضي في تحقيب الزمن تاريخيا الى ماضي وحاضر ومستقبل وفي توقيتاته الزمنية في التقويم الزمني المعتاد المتواضع عليه في تقسيم اليوم والساعة والليل والنهار والفصول وغير ذلك أيضا.

في اللاشعور أو اللاوعي عند النائم لا يدرك الانسان ذاته ولا يدرك المحيط من حوله لأنه حالة ثبات في أنعدام الزمن المنظّم الواجب في ملازمته صور تداعيات الاشياء مكانا عند الشخص الحالم، ولا يمكنه أدراك متغيّرات صورية متداعية لا ينتظمها الزمان المنظّم للاشياء الصورية الحلمية وفي ترتيبه قطوعات المكان، بخلاف آلية الزمان الادراكية في وعيه الاشياء والطبيعة كما هي في حالة اليقظة، عن طريق نقل الزمان الذي يعتبره كانط أدراكا مقولبا ثابتا في العقل وسابق على وجود الاشياء، ونقله معطيات المحسوسات للذهن التجريدي، فاللاشعور في ثباته لا يدرك الزمان منتظما توقيتا أو تحقيبا تاريخيا، ولا يدرك المكان وجودا منتظما لأنه محكوم بزمن غائب ومتغير ومكان خارق لقوانين الطبيعة في تداخله مع تداعيات صور الاشياء بذهن النائم الحالم، عليه يكون تداخل التحقيب الزمني غير وارد ولا حاصل مع أدراك اللاشعور لصور الاشياء بأشكال مختلفة عنها أثناء النوم بالمقارنة في حضور أدراك الاشياء المادي الواقعي في حضور وتأطيرأدراك الاشياء بانتظام زمني وأنتظام مكاني معا،.. هنا نؤكد لما سبق أوضحناه أن المكان في غياب أدراك الزمان له غير موجود الا في وجوده المستقل في الطبيعة كمتعين مادي ولا وجود ادراكي له بالذهن قبل أدراك الزمان له وتنظيم الوعي به.... العقل عاجز عن أدراك الاشياء قبل أدراك الزمان لها...، ووجود الشيء مكانا في الطبيعة لا يمنح العقل أدراكه له من غير أدراك زمني له يزامنه في تسهيل مهمة العقل أدراكه. واللاشعور يدرك وجود الاشياء وأجترار الذاكرة الصور القصّية البعيدة والقريبة في عشوائية ذهنية مكانية حالمة لا يداخلها الزمني في حلم غياب الشعورأثناء النوم...أدراك الاشياء مكانيا في اليقظة وحضور الشعور أنما هو (زمن) حدسي قبلي يأتي بعد وجود الاشياء في العالم الخارجي المحسوس، وبعد أدراك العقل لها وأستقرارها في الذهن يعطي الذهن صحة مدركاته الاشياء في تنظيم ألوعي المعرفي بها في تداخل الادراك بين الزمان والعقل.

والانسان في وعيه الادراكي الشعوري الواقعي لذاته، وفي أدراكه وجود الاشياء من حوله في الطبيعة، أنما يتم له ذلك من خلال تحقيبه الزمن أدراكيا في وجود الاشياء وفي التوقيتات الزمنية بدءا من الساعة واجزائها وتعاقب الليل والنهار وليس أنتهاءا بتعاقب الفصول الاربعة. وبذلك تكتسب الاشياء أنتظام وجودها الزماني – المكاني في الطبيعة وليس في اللاشعورالذي يكون فيه حضور الزمن غير منتظم وغائب تقريبا.

أن أي تجزيء توقيتي للزمن أو تحقيب تاريخي له أنما هو عمل أفتراضي لا واقعي لزمن واحد يعيشه الانسان في وعيه الشعوري وأدراكه وجود الاشياء والتاريخ، ويتعذّر على الانسان تجزئة الزمان أو التقسيم أو التحقيب التاريخي في زمان مدرك كموضوع وأنما كقطائع أفتراضية واقعية، كما يعيشه الانسان فقط كوسيلة في مدركاته الاشياء في الطبيعة وليس في أدراك الزمن (بذاته) أو معرفة الانسان ماهيته فالزمن ليس موضوعا للادراك ولكنه وسيلة العقل في الادراك كما أشرنا له أكثر من مرة.... ألزمن لايدركه الانسان ولا يحس به وأنما يحدسه عقليا فقط في أدراكاته ونتائجه الاستدلالية وفي ملازمته الشعور فقط وليس اللاشعور...الزمن في تنظيم الانسان له على مدار الساعة وانتهاءا بالتحقيب التاريخي له ماض وحاضر ومستقبل، أنما هي عملية يقوم بها الانسان في تنظيم مدركاته للاشياء والوجود انطولوجيا وليس تنظيم الزمن في علاقته بالمكان.

والزمن واحد في تداعيات صور الموضوعات غير المنتظمة في أستقبال ذهن الانسان وذاكرته في أنتظام أدراك الاشياء عقليا...فالزمن ثابت ولا يتغير لافي ثبات الاشياء مكانيا ولا في تغيراتها زمانيا بالنسبة لادراك الانسان للاشياء وليس أدراك الزمان لها،... فالزمن لايعي ذاته ولا يعي دوره في تحقيق مهمة العقل أدراك الاشياء...والزمن يدرك حركة الاشياء في سيرورتها ولا يدرك الاشياء في ثباتها المكاني الافتراضي كما ذهب له كانط، فثبات الاشياء المكاني في أدراك الزمان لها هو في واقعه الحقيقي أدراك الاشياء زمانيا فقط ليس بالنسبة لأدراك العقل وليس لأدراك الزمن، بمعنى الزمن وسيلة أدراك الموضوعات والاشياء في زمانية هي خاصيته في أحتوائه الاشياء كمدركات مكانية ينقلها للعقل، وبالحقيقة المثبّتة صحتها علميا أنما يكون الزمن بهذه الحالة في أدراكه مكانية الاشياء في مهمة تسهيل أدراك العقل لها هي مدركات ألزمان لذاته فقط ويكون وجود الشيء مكانا أنما هو مدرك زماني...أمام هذه الحقيقة العلمية ذهب برجسون الى تخطئته العلم بمنطق الفلسفة الخاطيء.(تراجع مقالتنا بعنوان كانط والمعطى القبلي للزمان والمكان).

الزمان يدرك ذاتيته المرتبطة بالعقل ولا يدرك الاشياء في وجودها المكاني المستقل الا بأستثناء أفتراضي أن يكون الزمان مدركا عقليا يسيّره العقل كيفما يشاء ويريد.. وأنه ليس هناك زمن لا تكون فاعليته من غير عقل أنساني يسيّره....وهذا خلاف المنطق الفلسفي والعلمي فالزمان وجود قبلي في ملازمته حدس العقل الانساني له، والزمن يعمل في الطبيعة كواحد من قوانين الطبيعة المستقلة التي لا قدرة للانسان في السيطرة عليه سواء أدركه الانسان أو لم يدركه، فالزمن قرين وجود الطبيعة قبل أن يكون قرين وجود الانسان في تكوين معارفه وتشكيل وعيه....

وبالعودة مجددا الى مقولة فرويد، نجد غياب الزمن في اللاوعي أو في اللاشعور لايتم الا في فقدان الانسان شعوره المادي الواقعي بالحياة كوجود انطولوجي، كذات وموضوع معا، بمعنى أن حلم النائم هو موت مؤجل في الحياة يعيشه الانسان في لا شعوره به أثناء النوم بفارق بقاء ألعقل والنظام البايولوجي يعمل في الجسم أثناء اليقظة وأثناء النوم ولا يتوقف العقل عن حضوره الواعي والتفكيري الا بعد ممات الانسان.

وفي غياب الزمن التوقيتي أو التحقيبي أثناء النوم كما يجري في الاحلام تتوفر أمكانية أن يجد الانسان نفسه كائنا خارقا لقوانين الطبيعة،ويستطيع بكل يسر وسهولة وبغير أرادة مسبقة منه القيام بالخوارق في كسر قوانين الطبيعة في الزمان والمكان الذي نعيشه، والتي يستحيل على الانسان في عالمه الواقعي القيام بأبسطها في وجوده الطبيعي الشعوري، والسبب في هذا هو غياب الزمن في تنظيم تداعيات اللاشعور في صور الاشياء المتقافزة عشوائيا في الاحلام .. .. .أن خرق قوانين الطبيعة في الاحلام عند الانسان ممكنة الفعل والتصديق بها من قبل الفرد الواحد صاحب التجربة الحلمية، ولا يشابه هذا خرق قوانين الطبيعة التي يحتازها الانبياء وينسبوها لأشخاص يمتلكون بعضا من المعجزات كما في الاساطير الدينية على الارض، ويتم خرق قوانين الطبيعة عند غالبية الاشخاص زمانيا – مكانيا أثناء الاحلام، وبلا حدود واقعية فارقة تعودوها واستمدوها من وجودهم الارضي الواقعي الذي ينتظمه الشعور والادراك الواقعي الحسي العقلي وتنظيم الزمان لمدركات الاشياء... كما يتحقق للانسان أثناء النوم أن يعيش الزمن في بعد واحد فقط تتداخل فيه الامكنة غير المترابطة ولا المنتظمة زمانيا فأدراك الاشياء منتظمة لا يتم من غير ملازمة الزمان أدراكها والوعي بها، ولا يوجد هناك أكثر من بعد زمني واحد عشوائي تتداخل فيه صور الأمكنة الماضية بالحاضر والمستقبل المتخّيل في الاحلام... وأن تقسيم الزمن وتحقيبه هو من أبتداع ملكة الانسان العقلية والخيالية على السواء في تنظيم أدراكاتنا وأساليب حياتنا المتواضع عليها عبر العصورفي خضوع الانسان لتحقيب وتوقيتات الزمن التي أبتدعها وأوجدها ملائمة لتنظيم حياته في حدس الزمان وليس في أدراكه، ولم يكن الانسان في يوم ما مسيطرا على الزمن في تحقيق رغائبه وأمانيه، بل العكس هو الصحيح تماما فلا يقدر الانسان الفكاك من سطوة الزمن عليه وأستعباده له منذ الولادة وحتى الممات، فالانسان في تحقيبه الزمن تاريخيا وتنظيم مواقيت التقويم الزمني له يدرك ماذا يفعل مكانا وليس زمانا، بينما تكون سيطرة الزمان على الانسان عملية لا تعي ذاتها ولا تعي مايفعله الانسان بها ولا تدرك أن الانسان عبد لزمانه وليس سيدا عليه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

زهير الخويلديترجمة وتعليق: د. زهير الخويلدي

1- الرمز:

ظاهرة لسانية يشتغل عليها التحليل في حقلين مختلفين:

- مسطح اللغة، جثة هامدة، نسق مغلق حول نفسه.

- مسطح الكلام، من حيث هو حركة التي تتخذ من الجملة نقطة ارتكازها.

- المعنى الرمزي:

في الظاهر لا يعدو أن يكون سوى حالة خاصة من المعنى.

- الكلمات هي متعددة المعاني: إن لها أكثر من دلالة واحدة، حيث إمكانية عدة استعارات التي لها معنى مضاعف، أو معنى المعنى.

- تمثل الحلم يتطور في مشهد معين، لكن من جهة أخرى تريد صوره أن تقول شيء معين ولا تتجاوز إذن نحو ماوراء الصور ذاتها. نزيف المعنى.

- الانزياح، تشرد شعب، يعني في درجة ثانية بعد من الوضع البشري تم انتزاعه من مكان معين في حركة نحو مكان آخر.

- النور هو الوسط في مرآوية الأشياء، لكن هو أيضا رمز لشفافية الأشياء وللعلاقة بين الأشياء.

في كل هذه الحالات يتعلق الأمر بمعنى مضاعف، الذي هو في ذات الوقت حالة خاصة وحجر الزاوية في تحليل الدلالة. هذه الأخيرة تم اعتبارها طريقة في تناول الواقع، نمط في القول، لكن أيضا واقع كلام. إن تسلسل هاتين الوجهتين من النظر: وجهة نظر الكلام من حيث هو قطع مجرد من الكلام، انتعاشة وإعادة الحركة الى الكلام، يطرح مشكل المعنى المضاعف. وفي الوقت نفسه مواتية له لأن الأمر يتعلق بمقاربتين تم توزيعهما على مستويين استراتيجيين مختلفين. ولا يتعلق الأمر بنفس المستوى الذي يكون فيه كلامنا دالا ومن جهة أخرى تكون له بنية.

الاختصاصات في التأويل:

إنها تعمل على إظهار الرمز الذي يلاحقه التفسير في مستوى الوحدات الكبرى: تلك النصوص) المسرح، الشعر، الحلم (في حين يهتم المستوى البنيوي بالوحدات الأكثر صغرا: الكلمات، وحتى المعاني- وحدات هي تمثل عناصر من الدلالة. راجع غريماس: الدلالية البنيوية. مع النص، الوحدة العليا للجملة، يظهر الكلام الأساسي للجملة، لقول شيء ما الذي يتم أخذه من قولك عل القول، وحدة الكلام. لكن الرمز، في الوحدات الصغيرة أين يتم ترتيب العناصر الواحدة بالمقارنة مع الأخرى ليس أكثر من الكلام لا يقول شيئا. في مستوى ظهوره، يحيل الكلام إلى الواقع. يقود التحليل إلى عناصر إلى بنية الكلام وليس إلى وظيفته ولا يتزامن طريق التحليل مع التأليف.

يمثل مستوى التأويل سطحا منسجما: حتى لو تختفي مواضيعه، تظل قابلة للمقارنة من وجهة نظر معينة. لأن الحلم والأسطورة أو القصيدة تختلف بواسطة نمط تكوين المعنى، لكن تشترك في ظاهرة المعنى المتعدد. إنها تعني الكثير من الأشياء عندما تعني شيئا واحدا. انه المعنى المزدوج: عندما يدل الرمز على شيء فإنه يدل على شيء آخر دون أن ينقطع عن الدلالة على الأول. إننا نسمي تفسيرا، يكتب ديلتاي، فن فهم التجليات الحياتية المثبتة من طرف مؤلف النص. لكن النص لا يكشف عن تكوينه للمعنى المتعدد إلا عند مستوى معين من التعقيد. على سبيل المثال الحقبة التوراتية: قطيعة تأخذ بعين الاعتبار الكثير من الشخصيات والأحداث- هي موضوع نشر الكثير من طبقات المعنى التي بقيت مختلطة.

إنه داخل هذه المعمارية للمعنى التي تَكَوَّنَ فيها مشكل الرمز. على سبيل المثال علوم التحليل النفسي: انه برفض المعنى الأول غير المعقول يتطور الفهم في نص ثان. بالمثل تستند فنومينولوجيا الدين على تأويل للعلامات متجذرة في الكون (مارسيا ألياد). بالمثل أيضا بالنسبة إلى الرموز الاجتماعية والكلام الشعري.

انه دائما داخل مجموع كبير يصبح المعنى المتعدد كثرة منظمة، لكن ليس في مستوى وحدة صغيرة. ان الوحدة لمختلف التأويلات تتم بانفجارها في اتجاهات كثيرة. إذا كانت للرمز وحدة صورية في التكوين بواسطة تعدد المعنى فإنه قد وقع امتصاصه بواسطة الوظيفة الخارجة عن اللغة. انه تعبير حرفي لطبقة قبل لغوية: كون، حالة نفسية، مجتمع الذي تكمن وظيفته في أن يظهر.

إذا كانت الألسنية تشتغل تحت المسلمة المنهجية لانغلاق النسق الذي يكتفي بذاته، فإن النص،على سطح التأويل، يكون مفتوحا على المغاير عنه.انفتاح في اتجاهات مختلفة التي تختص بها هرمينوطيقيات مختلفة. وهذا الضرب للكلام على الوجود الذي يحدث وفق أنماط مختلفة أليس من غير الممكن جمعها في معرفة مطلقة؟. الحلم يضفر بين البعد الطاقوي والبعد التفسيري، الرمز هو وسط الانبثاق والتمفصل للمعنى لأي شيء كان غير لغوي. مشكل فرويد ليس مشكلا لغويا، بل مشكل تمثلات الرغبة التي تعلب وراء هذه الأقنعة. تكون سلطة الرمز، بين الايروتيقي والسيمنوطيقي، هي التعبير المتعدد لأقنعة الرغبة. إنها تخوف غير مباشر من تكوين التعبير لا نوجد له أي كلام مباشر. إن الأمر يتعلق بكثرة من التعبير التي لا تتجلى ليس بواسطة نقص في الوضوح، وإنما بواسطة انفجار في المعنى.

يعبر الرمز عن ظهور المعنى خارج انغلاقه: انه يوجد من أجل الآخر. وظيفته هي أن يظهر.

لا تختلف الهرمينوطيقيات المتنوعة سواء بواسطة تكوين الدلالة ولا بواسطة نمط الانفتاح. حيث هناك في ذات الوقت القوة والضعف في هذه الاختصاصات في التأويل، لأنها تأخذ الكلام في اللحظة التي يهرب فيها من نفسه. لهذا السبب يظهر على الاختصاص البنيوي الكثير من الدقة العلمية. لكن هذا الضعف هو الجانب المعاكس لقوة. لأنه في اللحظة التي يهرب فيها يأتي الكلام إلى ذاته ويقول شيء ما في حركة من الاكتشاف والاختباء. انه يلوح بالمعنى عند ماقبل السقراطيين. انه يكشف في ماوراء البني اللغوية عن غموض équivocité معنى الوجود (أرسطو).

دياكروني diachronie وتعدد المعانيpolysémie

ماذا يحدث عندما نغير مستوى الاعتبار لوحدات الدلالة التي تتكون منها الكلمة؟

في الواقع، الكلمة لها وجهين: إنها تنتمي إلى اللغة وتأخذ معنى بتنزيلها في الجملة. تضعنا المقاربة البنيوية في مواجهة العلامات المعجمية، والفوارق في نسق وليس البتة في موضع دلالة. يظهر هنا ميكانيزم المعنى المضاعف، تعدد المعني polysémie. بيد أن كل كلماتنا هي ذات معان متعددة، الأمر الذي يتطلب استخدام محورين في وقت واحد: السانكروني synchronie والدياكروني diachronic. إنها في الزمان قد تحصل الكلمة على عدة دلالات. إن مصطلح الاستعارة نفسه هو دياكروني : انه يفترض تحويلا في المعنى. والمعنى المتعدد لكلمة هو تسريع لعدة استعمالات. ما ندركه في مقاربة سانكرونية، هذه التكاثر في المعنى، هو التعبير عن لحظة معطاة في تحويل المعنى. بينما التفريق في العلامة مع محيطه تتنزل في السانكورني. تنتج البنية،في مستوى الرمز، عن مسارين. من كثرة التدليل، تفيد كلمات معينة العكس، وإذن لا تعني شيئا لأنها تنفجر في التناقضات:هذه كلمات الهائل، الفظيع. هناك من ناحية توسع لانهائي، شحن زائد للمعنى، لكنها من ناحية أخرى محدودة بالحقل السياقي. تم حظر التوسع بواسطة التحديد السياقي للعلامات داخل النسق. ومع ذلك، يحدث أن تتداخل الكلمات مع بعضها البعض في التشبيه homonymie والترادف synonymie. يبقي ذلك أن معنى الكلمات في معجمية هو تاريخ مسقط على حالة من النسق، وقوة الكلمات هي تبادل بين الحاضر والماضي. هكذا يأتي التاريخ إلى البنية ويجعلها تتحرك. انه على هذا العمق المتعدد من المعاني الذي يتمفصل فوقه الرمز. يجب إذن أن تكون بعض القيم مستخرجة في نفس الوقت من استعمال الجملة حيث يتم تحيين المعنى المتعدد. نمر من وجهة نظر الرقم code إلى وجهة نظر الرسالة. لو كانت كل كلماتنا متعددة المعاني، وحدها البعض منها تكون رمزية. لقد ظهر الرمز بعد المرور من التعدد العام لمعاني العلامات إلى التعدد الخاص للمعاني. ويوجد مفتاح المرور في مستوى الرسالة.

كل الدلالات في مستوى الرقم هي مجرد دلالات افتراضية. والنشر في السياق يكشف البعض ويحجب البعض الآخر. ثم سواء تتحقق نسبية وحدانية المعنى في السياق وعندئذ تحصل على تأويل واحد، أو يحافظ السياق على تعددية معنى الكلمة ونحوز على الرمز. ما تبقى من الكنز مع الرمز يعوم حول الجملة ويعطيها التباسا، كما هو الحال في المزاح أو الشعر. لم يتم إذن فرز تعدد المعني، لقد وقع حفظه،: اثنان أو أكثر من طبقات المعنى تم تثبيتها بواسطة الفعل المشترك لتعدد المعني في كل المصطلحات. هذه هي الطريقة التي تقرأ بها نشيد الأغاني كقصيدة حب، قصيدة صوفية أو كلمة مرور للحركة الثورية. هكذا يتم تبرير العديد من خطوط المعنى بتشكيل معنى الخطاب.

الرمز ككشف لتعدد المعنى:

 لقد تم تكوين رمزية الكلام بفضل هذا التغيير في السلم.

- في مستوى النسق، تَجَذَّرَ الرمز (الحلم، الأسطورة، الشعر) في غرض أساسي من الكلام: تعدد معنى الوحدات المعجمية، الكلمات المرتبطة فيما بينها، وأسقطت الصيرورة الاستعارية الزمنية في البنية السانكرونية أين تم تثبيت تعدد المعنى.

- في مستوى القول، هذا التعدد في المعنى الذي أثر في كل الكلمات يوجد متأثرا بسياقات معينة التي تتيح لتعدد المعنى بالظهور وحتى المحافظة عليه بدل أن تخرقه.

هكذا تفترض الرمزية شيئين. من ناحية الطابع متعدد المعنى للكلام مأخوذ من وجهة نظر الرقم، من ناحية أخرى تنظيم بعض السياقات الذي يسمح بظهور هذا التعدد في المعنى الممكن. بهذا المعنى، لا يصير الرمز ناطقا إلا في البنية: هناك توجد الحقيقة في البنيوية. داخل البنية، في حدود بنية ثقافة يشتغل عليها وفي حدود منظمة يتم تنظيم ثرائها وكأنها متقنة. لكن أصل ثراء المعنى لا يمكن تفسيره بهذا التحديد الذي لا يزال سلبياً. هذه هي فائدة هذا المنعطف اللغوي الذي يتوقف عن أن يكون لغزا لأنها تحدد في تعدد معنى الكلمات وتقع في خطة للعلاقات. لكن شيء ما لا يمكن أن يتم تبينه بواسطة سيمينوطقا بنيوية: لقد تم وضع انفتاح الرمز بين قوسين بواسطة القرارات المنهجية. تعود دراسة خطة ظهوره إلى اختصاص أخر، ذلك الذي يقترح فهم قصد الدلالة.

قد يكون هناك لغز في الكلام، ولا يوجد أي لغز في اللغة. الرمز الأكثر شعرية يعمل مع نفس المتغيرات السياقية مثل الكلمات في القاموس. لكن اللغز في الكلام يكمن في سطح ظهوره أين يأتي قول ثراء الوجود إلى الخطاب. تكمن مهمة الفيلسوف في الانفتاح نحو كينونة قول اللغة بينما ضرورة المنهج في الألسنية البنيوية ينغلق على النسق في علاقاته الداخلية.

2- قوة الكلمات:

يظهر الخطاب والعنف لأول مرة على أنهما متعارضان: إما أتكلم، وإما أضرب، وإما أخضع الآخر بالقوة، وإما أدخل في نقاش معه. لكن هذا التقابل في الكلام الذي يكونه العنف، هو أيضا شريك، ارتكاز وأيضا منبع ديناميكية التي تمنح القوة للكلامات. بيد أنه يجب الدفع بالفهم النظري إلى الأمام قبل دراسة علاقته بالعنف والتكلم عن مقصده في الخطاب لأنه على سطح المقصد، يجعل البحث عن المعنى العنف حقيقة إنسانية، وعلى العكس تماماً يجب أن يتم صده أو الالتفاف عليه.

مقصد الكلام في الخطاب

التحدث عن المقصد دائمًا مليء بالمخاطر والأوهام: إنه يخاطر بفرض الأهداف الخارجية، وفي الوقت نفسه يعرض نفسه لانتقاد الأسباب النهائية لديكارت، سبينوزا، كانط، نيتشه. ومع ذلك، فإن هذا النقد للغائية مفهومة كغائية خارجية، لا يستنفد مسألة المقصد. انه لا يبلغ سوى مستوى أكثر سذاجة من الغائية. توجد الغائية الحقيقية في الظهور الكامل للتوجه الحميم للديناميكية.

يجب أن نذكر هنا شخصية عظيمة تهيمن على فلسفة الكلام: هي غيوم دي همبولدت Guillaume de Humboldt الذي فكر في الكلام بشكل كامل. لا يمكن لفيلسوف الكلام أن يحصر نفسه في دراسة المنتجات الخاملة في مجموعة ميتة، بل يجب عليه أن يجد وراء هذه المجموعة حركة الإنتاج ذاتها، وبالتالي نشر جميع الديناميكية. من وجهة النظر هذه، فإن الغائية في الكلام هي المظهر الكامل لهذا النشاط الذي هو في أصل نشره بالكامل.

هذه الرؤية لا تأخذ كل معانيها إلا إذا تم استبدال الكلام كعنصر في دورة كبيرة من خلالها نعبّر عن العالم إلى أشياء من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا ما نحن نمتلك العالم لنكون فرديتنا الإنسانية أو فردية الشعب. انه مثل النبض الكبير الذي هو الحركة ذاتها التي يظهر من خلالها الروح.

من هذه الرؤية لهمبولدت يستنتج ثلاث لوازمcorollaires :

1- اللاّزمة الأولى: لو أخذنا الكلام في حركة دائرية أين يصير الروح ويتكون رؤية للعالم، فإنه ينبغي القول بأن التواصل ليس سوى هدف جزئي للكلام. بالطبع، لدينا الكلام للتواصل مع الغير، لأنني لا أستطيع الخلط بين سلسلتين من المعيش vecu: معيش وعيي ومعيش وعيي بالغير. انه بسبب إنغلاق هذا الوعي يجب انشاء التواصل. ولكن من ناحية أخرى، إذا كنا نتواصل، فذلك لأننا نتحدث عن نفس الشيء، من نفس العالم، وبالتحديد عن طريق استيعاب هذا العالم الذي أصبحنا فيه فردية، ذات متكلمة.

لكن الهدف من الكلام langageهو التعبير الذي يعمل في حركة مزدوجة. من ناحية أعبر عن نفسي: تصبح حميمية كياني موضوعا لي ولغيري، ومن هذه الضربة تنتشر في التفرد الحي والمفكر الذي كان مجرد استيعاب غامض. من ناحية أخرى، أعبر عن ماهو موجود، وأفقد من الوجود بالكلام. حركة مزدوجة حيث القصد هو استنفاذ المفكر فيه: هذا ما نسميه الخطاب discours .

2- اللاّزمة الثانية: منذ ذلك الحين، فإن المنطق البسيط، والتماسك المنطقي أو الذكاء الأداتي لا يستنفد قصد الخطاب بالكامل. لا يمكن للمصطلح عن المعقول أن يكون مختزلا في الذكاء الحسابي، لأن الذهن المقسم ليس كل المعنى. الحضارة التي نعيش فيها تترك مكانا كبيرا لهذا الذكاء الأداتي. بينما يبقى كل اختزال للمعنى المعقول إلى هذا الذكاء الأداتي المجرد في خارجه كل قسم من العقلانية الذي بنفس الضربة يجد نفسه متجها نحو العنف. لهذا السبب لا يبقى خارج الصراع من أجل تنظيم الطبيعة سوى عالم اللاّمعنى. ليس من قبيل المصادفة أن التقدم التقني أين يحكم التخطيط ولامعنى الشواذ و يظهران معا و في ذات الوقت، وأين يتفاعل الثاني ضد الأول. ومن هنا جاءت فكرة القتل من اجل القتل وتحرير إمكانية العنف التي لا تجد مكانها في استعادة المعنى.

3- اللازمة الثالثة: أي اختزال يفضي إلى الذكاء الجزئي. انه ارتقاء خاطئ لتخليص الذات من الموضوع للوصول إلى كائن محايد. انه إخلاء للذات المتكلمة لصالح اللغة بوصفها حركة مجردة في عملية كاملة. الإخلاء الذي يكشف عن الذهن الانقسامي ويترك المكان الفارغ من أجل الإثبات العنيف للذات. وبالتالي تطور عبادة الشخصية على الإخلاء للذات عينها. لأن كل ذكاء أداتي فقط هو شريك دائم في عبادة التفرد.

إن الكلام هو الوسيلة الحاملة للقصد الذي لا يفرغه من الخارج، بل ينظمه من الداخل، بفاعلية ذاتية الإدارة والتي هي إرادة المعنى. هذه الإرادة تتضمن انسجاما مع ذاتها واتفاقا مع الغير. ومن هذا المنطلق يطرح الخطاب نفسه بوصفه ضديد العنف. يتعارض الخطاب مع العنف، ويطرحان في تناقض يستمدان منه معناهما الكامل.

العنفviolence : هو مشكل يفتقر إلى وحدته الخاصة طالما أن المرء لم يقم بمواجهته عبر إرادة المعنى والخطاب. لم نكن لنقدم فكرة مطمئنة عن العنف إذا اختزلنه إلى أقصى شكل من أشكال القتل، أو إلى الطرف الآخر الذي هو قوة الطبيعة لما تقوم بالاعتداء على الإنسان ولا يقوم الإنسان بالسيطرة عليها: عنف الإعصار، والعاصفة، والوباء. بين هذه التطرفات توجد إمبراطورية بين الاثنين برمتها التي هي الفرد بوصفه عنف منظور وعلى حافة الإعصار: إنها الكراهية، والى جانب القتل: إنها العنصرية أو الامبريالية.

اعتراض: أليس من شأن ذلك إغراق جميع أشكال العنف أين تجري في مشاكل القمع والثورة والكراهية الخاصة من إنسان إلى آخر؟

تكمن مهمة الفيلسوف في اتخاذ مسافة عن الطبيعة الخارجية بالمرور عبر الطبيعة الداخلية وخلع القتل.

ليست وحدة مشكل العنف في شكل تعدد العبارات. وحدة هذا المشكل تكمن في الكلام الذي يواجه به: انه بالنسبة إلى الكائن الذي يتكلم ويقطع خطوة في اتجاه المعنى يمثل العنف مشكلا. لأن العنف يمتلك معناه من آخره: الكلام. وبالمقابل، فإن العقلانية تستمد معناها من ما تقوم به للحد من العنف. يقيس العنف والكلام كل بعقب الحقل الكامل لميدانه. لا يمكن لأحد أن يجادل عن العنف في قوله المضاد. من الذي يجادل، يود أن يكون على حق، وهكذا يترك سلاحه. إن التعارض الصوري بين الاثنين: يجب أن يكون المفهوم فارغا من الكلام وأن يكون العنف ممنوعا بشكل خاص من قبل أي شخص يتحدث. هذا التعارض الصوري لا يعمل سوى أن يحدد المشكل للبعد الأكبر الذي يقوم بغلقه الفراغ. لأن التعارض الذي نحن جزء منه ليس بالضبط بين الكلام والعنف، بل هو تعارض بين العنف والخطاب المتماسك. لأنه لا يمكن لأحد أن يدعي الحصول على الخطاب المتماسك بدقة دون أن يصبح بالضبط عنيفًا. ادعاء امتلاك الخطاب المتماسك هو الغموض الذي يجعل من الكلام يمارس العنف. وبالتالي إن العنف يتكلم، أي إنه هذا الذي يتكلم من أجل استهداف المعنى. الوسط بين العنف والخطاب هو مجال التعبير البشري ذاته. مثل هذا المشكل غير معروف على مستوى تشريح اللغة. إن المشكل يتم طرحه فقط على مستوى الفزيولوجيا. لأن اللغة في حد ذاتها تبدو بريئة، إنها لا تتكلم. انه مثال الخطاب، القول، الذي هو عرضة للتأقلم مع هذه الجدلية الخطاب –العنف. عندما نضع أنفسنا في ديناميكية الكلام ننضم إلى نقاش الخطاب – العنف. لكن من الضروري أيضا أن قصد قول شيء ما تخترق التعبير بحيث يمكن لهدف المعنى أن يتعارض مع العنف. هكذا يتلقي التعبير عن العنف وإرادة المعنى. أن اللغة كقول هي المكان الذي يأتي فيه العنف للتعبير، في الوقت نفسه الذي يعزّز فيه مقصد المعنى المعقول الوجود المنطوق. إن هذا القتال يستمر أكثر بشكل ملموس في كتابة الكلمة، وفي عمل التسمية داخل الكلام. يمكن للمرء التحقق من ذلك على ثلاثة أمثلة، وهي ثلاثة مجالات مختلفة من القول: القول السياسي والقول الشعري والقول الفلسفي- أين تكون الكلمة، تزويق القول، عقدة العنف والمعنى. يبدو السياسي أكثر قرب من النزاع بين إرادة المعنى والعنف. الشعري هو تسامي عن العنف في التعبير عن المعنى. الفلسفي هو في مكان ما بين الاثنين . لكن هذا التخطيط أمر مشكوك فيه.

السياسي: هو التقاء العنف والمعنى. نحن نميل هنا إلى اختزال تفكيرنا في الطغيان الذي يتكلم فيه العنف. إن السلطة القصوى هي عكس الفلسفة: يبين أفلاطون كيف أن الاستبداد يتم عن طريق الإقناع والإطراء. خدمة مقدمة من طرف الكلام إلى قوة الطاغية: خدمة السفسطائي. هتلر يمر بواسطة هذه الخدمة للسفسطائي، هذا قاده إلى الحل النهائي للمشكل اليهودي الذي حرك الكراهية واستدعى الموت. في العنف لكل ثورة، يقوم الصوت بتحريك القصد: ينبغي إيجاد تمفصل دونه ليس ثمة ثورة. لكن لكي نفكر في عمق العلاقة السياسية، يجب أن نعتبر السلطة لي في شكلها المغتصب بل في ممارستها العادية. هنا يكون الاقتران بين المعنى والعنف هو الأكثر خفية والأكثر قيمة. هناك سياسة لأن هناك مدينة، لأن الأفراد تخطوا عنفهم الخاص وأخضعوه الى قاعدة الحق. لكن في نفس الوقت الذي تسامت فيه المدينة عن عنف الأفراد لا يتم تجميع الجماعة سياسيا الا بواسطة قوة مضاعفة من هذا الشكل: الجماعة تم تجميعها في سلطة مركزية وفي حكومة. هناك مرور من السياسي كنظام للحق وشكل إلى السياسي كإرادة ومعطى كقوة. هذه الإرادة في نفس الوقت فرد كبير غضبي الذي يتحدث كلام الخوف والكرامة المهانة ويرجع للسفسطائي. انه عنف كبير الذي يمنح الكلام للقيمة والشرف، لغة تم الاستيلاء عليها ككلمة سلطة.

مفارقة سياسية ومفارقة الكلام: مفارقة المعنى والعنف. هذه المفارقة تسكن الكلمات الكبيرة التي ترفع الحشود في اللحظة التي يكون فيها الوطن في خطر ويواجه الموت. الكلام يفتن رغباتنا ويعبر المرء عن العنف كما يعبر عن عصير الفاكهة. إنه من خلال معنى السياسي يتم نقل العنف ولا يموت البتة.

كلام الشاعر: إذا ظهر أن الكلام لا يخرج من هذا التناقض، ينبغي أن يقال أن الكلام بأكمله مقيد بالعنف ومعرّف به. لكن كلام الشاعر هو انفتاح على الوجود الذي يظهر. يمنح هيدجر الكلام كخضوع إلى وصفة القيس والضبط المتعلقة بانفتاح الوجود. يمكننا أن نجد هنا نقطة الانطلاق للتفكير في الطاعة. إنها ليست معاكسة للتمرد بل إرادة السماح للوجود. إن الفعل الشعري هو النقطة المتقدمة من اللاّعنف. يحوز الكلام على القدرة الكلية للطبيعة بالمعنى للماقبل سقراطيين. حتى الآن يتم جمع في هذه النقطة القصوى الخصوصية العنيفة: وبالتحديد في قوة الضرب بالكلام. لو كان صحيحا أن الشاعر يمنح الوجود للكلام (هيدجر) فإنه في ذات الوقت يمنح الوجود إلى الكلمة. بيد أن تشكيل الكلمة، هيدجر يقول بأنها تمثل الفعل الذي من خلاله يشيد الإنسان الوجود في وجوده ومن ثمة يصونه في انفتاحه. صيانة ماهو مفتوح، هنا يحتمي العنف أين يقول عنه المرء بأنه يستدعي مملكة السماوات. انفتاح تم التقاطه: هذه هي الخصوصية العنيفة الشاعر في الوقت الذي يبلغ فيه الوجود المكتشف، ويكره الأشياء على التكلم، إنه جزء من اللعبة.

كلام فلسفي

ربما تعرف الفلسفة بالتمام بواسطة إرادة المعنى. انها اختيار من أجل الخطاب المتماسك. ليس ثمة فلسفة لا تكون عقلانية. هذا القصد ذاته يواجه الإخفاء والتكتم على الخصوصية العنيفة للفرد. إلا أنه يوجد هنا عنف ثلاثي: عنف السؤال: يطرق التحقيق الفلسفي إلى سؤال الذي يستثني به الآخرين. وضيق السؤال هو نقطة الانطلاق، حتى عندما نبدأ بالجوهر المطلق مثل سبينوزا. عنف التقليد: كل فلسفة تستعمل كلمات مبدعة سلفا. كل فلسفة هي في خلاف مع ذاتها وتفقد بالخطأ الكلام الذي يسبقها. ولكن أكثر من ذلك، إغلاق البناء الفلسفي هو عنفه. لأن الفلسفة هي دائما إغلاق سابق لأوانه، وكل كتاب هو توقف في جهد التشميل. هناك كل شيء في فلسفة عظيمة: يمكن للمرء أن نفسر أي سؤال جزئي وسط فلسفة معطاة. لهذا السبب، كل الفلسفات صحيحة، ولكن كل منها وفقًا لزاوية معينة. مثلما تنظر جميع الذوات إلى المدينة بأكملها، ولكن على جانب مختلف. انه من وجهة نظر خاصة، أرى فلسفات كل الكليات الخاصة. هذا هو السبب في عدم وجود طريقة أخرى للخروج من الصراع الودي بين الفلاسفة.

خاتمة:

يوجد استعمال جيد للكلام في الوسط بين العنف والمعنى.

1- من الضروري الإبقاء على هذه الحقيقة الصورية، بمعنى أحمق، حتى ولو كانت فارغة في نقطة الانطلاق: خطاب وعنف هما متضادان. لا يذوبان، انه الصدق. الاعتراف بهما كمتضادين، انه الشرط الوحيد للاعتراف بالعنف حيث يكون والعودة اليه اذا توجب الأمر. هكذا يتم احتساب الاثم والحد منه ويكون أيضا على درب المعنى.

2- هذا التعارض الصوري تم تحويله إلى أمر: لا يجب علينا، من أجل توحيد إيتيقانا قبل الأوان، أن نقبل نظامًا معينًا غير متوافق هو أخلاق الاقتناع. اللاّعنف هو المعنى الحاد للممكن. من هنا يتم التخفيض من أخلاق المسؤولية. تجنب هذا التوتر بين أخلاق الاقتناع التي هي مطلقة (لا تقتل) ومن ناحية أخرى معنى كل ماهو ضروري من الناحية التاريخية لصيرورة تواصلنا. هذا يقودنا إلى الاعتراف بالطابع المطلق لللاّعنف في النقاش. وبهذه الطريقة، من خلال الحفاظ على خطة الإيتيقا العقلانية دون تغيير، والتي بموجبها أدرك أن الآخر عقلاني وأستمر في احترامه، أي أن أحافظ من حيث الواجب على إمكانية الدخول في المناقشة. يجب ألا نرتكب في زمن الحرب شيئًا يجعل السلام مستحيلاً. الحد الداخلي هو الأمل الذي يخلو من المعنى إذا لم يكن لديه اللاّعنف كأفق. إن وظيفة اللاّعنف هي فقدان الشهادة أثناء النقاش، غاية العنف.

3- قبول التعددية اللغوية عن قصد: هناك عدة لغات قيد التداول، ويجب أن نتركها في مكانها (فتغنشتاين). هناك مساحة للكلام الحسابي للذهن، من أجل البحث عن المعنى، والكلام الشعري أو الأسطوري. والمكان المفتوح للتسمية التي تحترم التنوع هو الطريقة الوحيدة للعمل بمعنى معقول، أي اللاّعنف."

تعليق: ماذا تعني فلسفة الكلام اليومي؟ ومن أين تستمد الكلمات قوتها؟ وما علاقة الرمز بالفكر؟ وما الفرق بين كلام الشاعر وكلام الفيلسوف؟ وما السبيل للتخلص من العنف اللغوي وتأسيس اللاعنف؟ وهل يمكن استعمال الكلام بشكل جيد؟ وكيف ترد المفارقة السياسية إلى الكلام؟

لقد لعب ريكور دورا بارزا في فرنسا والقارة الأوروبية في استقبال وتعريف بالفلسفة التحليلية التي تنحدر من التقليد الانجلوسكسوني سواء كانت براغماتية أو تعلقت بفلسفة الكلام اليومي.

هذا النص هو جزء من تفكير بول ريكور حول علاقة الرمز والفكر الذي قطع من خلال طريقه الطويل عالم اللغة بأكمله وتناوله مسائل التفسير والترجمة والدلالة والقصدية والعالم المعيش.

تتمثل خاصية اللغة الرمزية في التمفصل بين الدال والمدلول والعبور من الثانية إلى الأولى. هناك رمز عندما تنتج اللغة علامات على درجة مركبة حيث يشير المعنى، وليس المحتوى لتعيين شيء ما، إلى معنى آخر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال هدفه. لذلك فإن الرموز هي تعبيرات ثنائية الاتجاه لمجموعات الإشارات "التي يدعو نسيجها المتعمد إلى قراءة معنى آخر بالمعنى الحرفي والفوري". إذا كانت سمة الرمز هي تعيين شعور غير مباشر بالمعنى المباشر وبمعنى مباشر، فما هو مكان عمل التفسير؟ وكيف يمكن القيام به؟ وماهي شروطه ومبادئه؟ وماهي حدوده؟

لو كان لبعض المصطلحات المستخدمة في السرد لها معنى مجازي، فليس كافيا أن يقصر عمل التفسير على فك شفرة شيء ما سيكون مجرد غطاء سطحي يسمح بالوصول إلى المعنى الثاني وحده أهمية. يجب التأكيد على أنه يمكن قراءة المعنى الثاني فقط بالمعنى الحرفي الفوري ويجب أن يضاف التحقيق الذي لا يتعلق ببعض المفاهيم، ولكن بالقصة كلها. فكيف حاول ريكور إقامة علاقة بين تعدد اللغات والحاجة إلى التأويل وبين وفرة المعنى في الكلام وحق الضيافة اللغوية؟

 

كاتب فلسفي

 ..................

 محاضرات بول ريكور،، فيفري، 1967،

Philosophie et langage, Paul Ricœur, Revue Philosophique de la France Et de l'Etranger 168 (4):449 - 463 (1978).

 

محمد كريم الساعديإن تكرار الصورة بين الماضي والحاضر، أو تأكيدها في حضورية الماضي في الوعي الجمعي وذاكرته، تجعل من مبدأ المطابقة لخطاب السلطات الممتدة على مر التاريخ، يقع تحت دائرة الشك، والدعوة الى ضرورة الفصل بينها وبين رغبات السلطة بمؤسساتها المختلفة، لذلك فأن القراءة التاريخانية لقصدية الإساءة والتشويه لمرتكزات الرغبة الثقافية في الخطابات السلطوية، تقوم على ما يقابلها من معاني الخفية لرصدها وتوضيح النوايا التي كانت وراء إخفائها، فأن أي منجز أبداعي، أو ثقافي، أو أخلاقي قائم على مبررات سلطة ما في فترة من الفترات، لابد ان يكون هناك مبررات لدعمه والترويج له في الوسط الثقافي في داخل مجتمعات السلطة أو خارجه، لذلك ان المعنى الذي ينتجها المنجز وخطابه، سواء كان منتج ثقافي أدبي فني أو ديني أخلاقي، أو سياسي، أو اجتماعي وغيرها من الجوانب، لم يكن دون تأثير للأجواء والبيئات الحاكمة آنذاك على هذا النتاج الثقافي سواء بطريقة مباشرة من توجيه ودعم وغير ذلك كما حصل في الحشد الخطابي للحروب الصليبية وما بعدها من حملات استعمارية غربية، أو عن طريق غير مباشر، من خلال أنتاج نصوص تروج لشيء معين في ذات الموضوع نحو جهة ما، كما حصل في جعل النصوص الشكسبيرية هي الحاكمة في أي نتاج أدبي يكون مقايسة النص الشكسبيري، حتى أصبح الأدب الانكليزي ممثلاً بالمسرحيات الانكليزية وخصوصاً الشكسبيرية قاعدة لتعلم الثقافة العالمية واللغة الرسمية الممثلة للعالم المتحضر وكما حدث في أفريقيا واسيا، وعندنا نحن العرب في مناهجنا الدراسية، علماً ان شكسبير كان قد كتب مسرحياته في فترات زمنية تعود الى أكثر من أربعة قرون مضت، ونحن الى الآن في عصر أصبح فيه النتاج الأدبي أكثر غزارة وتنوع، نعتمد على الفترة الشكسبيرية، وما أنتج فيها من نصوص، وهي تعبر عن السياسة الإمبراطورية الاستعمارية، وما مسرحية (العاصفة) الا مثال لحقبة الرجل الغربي المخلص لأي بقعة يدخلها ويحررها من الركود.

إن قراءة أهم النتاجات الثقافية الغربية، التي تناولت ظاهرة الإساءة والتشويه، والتي نحاول ان نقرأها من خلال المناهج السابقة التي ذكرناها في الخطاب والتفكيك والهيمنة الثقافية، ونضيف اليها القراءة التاريخانية التي سنتكلم عنها في هذه النقطة تحديداً، أي ان قراءة النتاج الثقافي الغربي سيتم من خلال البحث في الماضي والذاكرة والتاريخ وكذلك الحاضر الذي هو امتداد طبيعي لتلك الحقب، فالذاكرة الغربية وما تحتويها بحاجة الى قراءة تاريخانية وربطها بالخطاب الحاضري الغربي في صيغه ودلالاته، مثلاً أذا كان العربي شهواني وقاتل، فأن أوصاف هذا العربي المسلم الذي تجسدت في صورة الرسول محمد (ص) في الفيلم المسيء الذي أنتج في الوقت الحاضر، فهل هذه الأوصاف رآها المنتج والمخرج للفلم في الصورة الداعشية؟ أم انه استقاها من الذاكرة الغربية وما حفلت به من صور مشابه لذلك، وكذلك الرسوم المسيئة، وغيرها من أمور حاولت الإساءة والتشويه لمبادئ الدين وقيم الرسول الكريم (ص).

إن طبيعة النتاجات الثقافية ذات القصدية في الإساءة والتشويه لا يمكن ان نفصلها عن واقعها وبيئتها، لذلك فأن القراءة التاريخانية لهذه النتاجات الثقافية، تتطلب قراءتها ضمن سياقها لتاريخي مع التركيز على التاريخ الأدبي والثقافي والانفتاح على تاريخ الأفكار، التي كانت تعبر عن أيديولوجيات السلطة، أو الفئة المهيمنة، أو الطبقة الحاكمة، لأنها تعد من المرتكزات التي ساهمت في صنع الصورة المقصودة من النتاج الثقافي وطبيعة التوجيه الذي أريد منها في نعت الأخر، لذلك فان هذه القراءات التي ستجعل من النتاج الثقافي السلبي، ان صح التعبير، أو المشوه لصورة الآخر، كان في الأصل قائم في الأفكار والتوجيهات والأيديولوجيات المسيطرة التي عملت على تأكيد هذه الأفكار أو ما ساعد على قيامها في النتاجات الثقافية بصورة مباشرة من خلال تبني ودعم لهذه الأفكار في خطاباتها الصريحة، أو تحويلها الى ثيمات ثابتة في المجالات التكوينية التي تأسست عليها مفاهيم ثقافية قابلة لان تندرج ضمن خط، أو منهج أدبي، أو فني، أو ديني، أو أخلاقي يضمر في داخله هذه الأفكار، أو يتمظهر بها في سلوكياته وفعالياته المجتمعية، في كون ان المقابل تأسس عليه هذا البنيان، أو الهيكل المعرفي المسيطر على البيئات الفاعلة في الوسط المنتج للأفعال المؤثرة في عقول الناس وذهنياتهم، فأن أراد أي باحث أو مطلع على قراءة وتحليل هذه النتاجات، لا بد ان يعتمد بالدرجة الأولى على ان هذه الأفكار القابعة خلف النتاجات الثقافية هي ليست أمينة، أو حيادية في نقد الآخر أو أظهار ملامحه، بل هي قائمة على تأكيد ما في ذلك العصر من أيديولوجيات مسيطرة قائمة على الأفكار المناقضة للآخر، فلا بد للقارئ ان يعتمد على لغة التفكيك والتشريح وتقويض المقولات المركزية وفضح الأوهام الأيديولوجية السائدة في المجتمع، وتعرية أساطير المؤسسات الثقافية الحاكمة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن تاريخ متجانس متطور بشكل متسلسل كرنولوجي، بل هناك تاريخ متقطع يعرف مجموعة من الثغرات والبياضات، حيث تهمش فيه فئات، وتسود أخرى، لذلك يتقابل التاريخ المنسي مع التاريخ الرسمي الذي يُعبر عن الطبقات الحاكمة التي تسود المجتمع، ويعني هذا ان ثمة تاريخيين متناقضين: تاريخ السُلطة وتاريخ الشعب، أو تاريخ السيادة والتاريخ المهمش . وكذلك يوجد على وفق هذا التصنيف ثقافة السلطة، وثقافة الشعب، ثقافة السيادة، وثقافة المهمش، وآداب السلطة المتسيدة، وآداب المهمشين، وينتج عن كل هذا التصنيف في النتاجات الثقافية، من أفكار عليا تصبح مثال لكل من يريد ان يندرج تحت مظلة أدب العصر وثقافته، لينتج ايضاً، صور تكون هي صور السلطة في نتاجاتها الثقافية والأدبية والفنية المُعبر عنها بالأفكار والأساليب، التي تدعم ويروج لهما عالمياً في مقابل صور المهمش التي تقبع خلف المشهد العالمي وتكون ذات تاريخ وفكر منسي في ظل السيطرة على هذا المشهد الثقافي الكوني ومرجعياته ذات الأبعاد الثابتة في الفكر العالمي المسيطر عليه مؤسساتياً ومنهجياً وايدلوجيا وهذا هو منطق القوة، قوة الثقافية المدعومة بكل أنواع الدعم المادي والمعنوي، والتاريخي الذي روجت له السلطات المتعاقبة على صناعة التفوق .

ومن هنا فان طرفي النتاج الثقافي المرسل والمرسل اليه (الكاتب والقارئ) سواء كانوا أفراداً أم جماعات، فأنهم لا يخلون في نتاجاتهم وتلقي هذه النتاجات من تأثيرات ايدلوجية قائمة على التوجيه نحو هدف معين قريب كان أم بعيد، مباشر كان أم غير مباشر .

إن مفهوم الأثر الأيديولوجي يبقى هو المبرر الذي يستمر بعد الدائرة الاتصالية بين طرفي المنتج الثقافي، لذلك فأن القارئ كالمؤلف معرض للمؤثرات الأيديولوجية في عصره، ومن هنا فلا أمكانية لتفسير أو تقييم موضوعي للنص الأدبي، بل ان ما يحدث هو ان القارئ أما ان يُطبع النص – في حالة اتفاق أيديولوجية كقارئ مع أيديولوجية الكاتب – فيمنح خصائص الموضوعية والفنية صفه العالمية والديمومة، أو ان يستعيد النص – في حالة اختلافه مع الكاتب –بإسقاط فرضياته على ذلك النص، وفي كلا الحالتين فأن التأثير الايدلوجي موجود أصلاً حتى في حالات الاختلاف، فمن يقوم العمل لصالح الايدلوجيا الخاصة في ذلك العصر سواء كان الكاتب في نتاجه أو المتلقي فرداً وجمهور جماعته في تلقيها، لذلك فأن الايدلوجيا التي تشكلها المؤسسة الثقافية ستكون في كل الأحوال هي قادرة على نشر ثقافتها وتحقيق أهدافها من كلا الطرفين، أو من احدهما.

إن المؤسسات الحاكمة، والقصد بالحاكمة ليست فقط السلطات الدنيوية، بل حتى اللاهوتية، والاجتماعية والفكرية في عصر ما تستطيع ان تتفق على ان عدوها واحد هو من يريد ان يمحي أو يغير من كيانها وملامحها، لذلك فأن في اغلب الأحيان يمكن لهذه المؤسسات ان تتقاسم السلطات، أو ان تعيش في سياق ومبدأ عدم التصادم من اجل الاستمرارية في تشكيل المجتمع، حتى وان حصلت بينهما بعض الإشكالات المعرفية، لكنها تبقى شأن داخلي، أما في نظراتها الى خارج كيانها ومصالحها، فأنها تتحد من اجل ان تكون أكثر قوة وصلابة، وبهذه الطريقة تجاوز الغرب المسيحي خلافاته مع الملوك والأمراء وحكام المقاطعات في قضية الحروب الصليبية مثلاً، وكذلك أعيد المثال في الوقت الحاضر، إذ تم أعادة هذا التجاوز في الخلافات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001،  وقالها (بوش الابن) سواء كانت مقصودة، أم زلت لسان، بأنها حرب صليبية، والتاريخ قد أعاد نفس الأسلوب في التحفيز وإعادة صورة الآخر المسلم، فان هذا المثال هو سلوك منظم قائم في الوقت السابق وأعيد انتاجه في الوقت الحالي لذلك فأن دلالة الحروب الصليبية كبيرة وقد لا تتطابق مع الوقت الحاضر لدول تدعي العلمانية وبعيدة عن الدين، فما هذا التشابه، هل هو سلوك منظم لبناء صورة العالم من جديد، أم إعادة صورة الماضي من جديد في هذا العالم؟. وهنا يطرح (ستيفن غرينبلات) في مقدمته كتابه (التشكيل الذاتي لعصر النهضة 1980)، والذي يناقش فيه عدد من مؤلفي عصر النهضة، يركز على مفهوم تنظيم السلوك لإدراك العالم، وإذا ما طابقناه على كُتاب ومؤلفو الوقت الحاضر ستكون النتيجة متطابقة الى حد ما مع ما يريد ان يقوله (غرينبلات) في هذا الكتاب، اذ يشير فيه على وفق تصورات (هانتر كادزو) في التاريخانية الجديدة ونظرته لهذا الكتاب عن مؤلفي عصر النهضة قد تحكمت في هذا العصر مجموعة متنوعة من المرجعيات-المؤسسات كالكنيسة والبلاط والكتاب والعائلة والإدارة الكولونيالية، بالإضافة الى قوى أخرى مثل الرب والكتاب أو الكتاب المقدس من خلال وجهة نظر غرينبلات التاريخانية الجديدة، فأن المدونات المتنافسة والممارسات التي مولتها تلك المرجعيات كانت بنى ثقافية، قصص جماعية ابتدعتها تلك الجماعات من اجل تنظيم السلوك وإدراك العالم الذي هم فيه على الرغم من ان هذه السلطات نفسها مالت الى ان تبين أن تقاليدها أمور طبيعية، وبحثت في ان تمثل أعداءها على أنهم غرباء عن النظام الشرعي أو مقلدين هزليين له، ولأن القوى البشرية قد تأسست على ذوات في اللحظة التي خضعت فيها لواحد من هذه السلطات الثقافية، فأن سلوكها قد تشكل بالمدونات (الدساتير) التي مولتها المؤسسة التي يعودون اليها وتعلموا ان يخافوا أو يكرهوا (الآخر) الذي هدد وجودهم الفعلي، فمن هنا يأتي تشكيل الوعي بالآخر الذي هو مناقض للوجود الفعلي لهذه المؤسسات التي حاولت بناء نظام صارم تنوعت به الوسائل ولكنها اتفقت على هدف واحد وهو (الآخر)، قد تكون بعض الخلافات الداخلية موجودة في السيطرة على هرم الدولة والنظام العالمي، لكن هذا داخلياً لم يمنع من الاتحاد ضد من هو خارج الحدود الثقافية الغربية، فالصراع الداخلي يتضح من خلال تغير من هرم السلطة الغربية، في مراحله الأولى منذ تكون الصراع حول السيطرة، كانوا اليونانيون وبعدهم الرومان، وبعدهم الكنيسة ورجالها، ومن ثم في عصر التنوير تغير رأس الهرم نحو قيادات تؤمن بالتطور الصناعي والاقتصادي والتجارب التي أخذت من الواقع الغربي ورغم الصراعات الداخلية حول قيادة كل مرحلة، لكن الهدف الخارجي والعدو الخارجي بقي بمواجهة موحدة في كل الفترات حتى لا يتغير وجودهم الفعلي، وهو الذي أطلق عليه (هنتنجون) بصراع الحضارات، فالصراع الحضاري يبقى فيه العدو هو من يهدد حضارتهم ووجودهم وكيانهم، فان هذا الصراع سيتوج بصراع مع المسلمين فقط دون غيرهم، والمقصود في هذه الحرب هو وجود المسلمين الفعلي الذي هدد وجود الغرب، ومن أين يستمد المسلمون وجودهم وكيانهم وتعاليمهم؟، من نبي الإسلام محمد(ص)، لذلك فأن هذه المؤسسات المجتمعة كانت تنظر للآخر بأنه العدو، والآخر كان لابد ان يصور داخلياً في ذهنية أبناء المؤسسات الغربية، ويصور ايضاً في الخارج على وفق ما تريده هذه المؤسسة ليكون مصداقاً لكلامهم وهو ما حصل ويحصل في الوقت الحالي من جعل الإسلام كلمة مرادفة للإرهاب، بجعل المسلم الحالي في وجوده هو من يمثل بتصرفاته وسلوكياته نبي الرحمة محمد(ص)، حتى تنطبق هذه المواصفات بين الماضي والحاضر فالتشويه يقصد به الجذور وليس الحاضر فقط، حتى لا نعود ونقول بأن الجذور سليمة والحاضر مشوه، فعملية التشويه هي ليست آنية، بل لها امتدادات بعيدة تعود الى بدايات ظهور الإسلام وتشكل المرحلة الثانية من الصراع بين الإسلام والمسيحية.

لقد أرتبط هذا البناء المعرفي في جعل صورة الآخر مشوهه، ويجب ان تستمر من خلال رسم سياسة تخلف مستمر ثقافياً ومعرفياً، والسيطرة على البنى التاريخية والاجتماعية وتدوين تاريخ الشعوب، وان من يصيغ الحياة الجديدة هو ليس ابن الحضارة المحلية، بل ابن الحضارة المنتصرة في أواخر الحرب الكونية بين طرفي الصراع الحضاري، لذلك فبعد تنظيم السلوك لإدراك العالم الجديد في ضوء الحضارة الغربية، كان لابد من رسم سياسة مكملة في الجانب الآخر حتى تكتمل مراحل السيطرة الثقافية، وهو ما طالق عليه (تطور التخلف) في مختلف المستويات ومنها الثقافية، لذلك جاءت النظرة الى العالم الثالث بوصفه هامشاً على نظام اقتصادي عالمي، فيه المركز –أي الغرب- يراكم الأرباح، ويبقى العالم الثالث على الهامش في وضع التبعية الدائمة، وهكذا فأن التخلف ليس موقفاً بل هو عملية، والعالم الثالث ليس متخلفاً، ولكن الغرب يبقيه في حال من التخلف . وقد صاغ اندريه جوندر فرانك Andre Gunder Frank أكثر صيغة لافته له (تطور التخلف)، حتى لا يكون العالم الثالث ومنهم الدول الإسلامية قادرة على مجارات العالم الأول ثقافياً واقتصادياً، فأن تطور التخلف يرتبط بفلسفة الساسة الرومانية التي تجعل من الشعوب والحضارات التي تقع تحت سيطرتها غير قادرة وخاضعة وخانعة، ولا تواجهه، وتصل الى مستويات من عدم الإرادة في مواجهه المحتل، كذلك فأن (تطور التخلف) الذي يأتي من خلال إدراك العالم وجعله تحت سيطرة ثقافية كونية، فأن هذا الإدراك يأتي من خلال تجسيد خطر كل فئة، أو شعب، أو امة، أو حضارة على الجانب الغربي،  ومنها ما شكله الإسلام في ذلك، لذلك فقد خضعت هذه الشعوب الخارجة عن الحضارة الغربية الى أسلوب ممنهج من الدراسة والمعرفة، وما خلفته المصادر السابقة في هذا المجال من دراسات عن الشعوب سواء جاءت عن طريق الرحالة، وعدد كبير من المستشرقين، أو البعثات .. الخ، الذين قاموا بدراسة الشعوب كل حسب الخطر الذي يشكله ففي الأراضي الواطئة، على سبيل المثال، كانت تتم دراسة الصينيين، بسبب الجماعة الصينية المهمة الموجودة في جزر الهند الشرقية، وتتم دراسة اليابانيين بسبب (الخطر الأصفر)، كما تتم دراسة الإسلام بسبب خطر (التعصب الإسلامي). لذلك فأن الخطر الذي يأتي من الخارج سيصنف بحسب أهميته واستمراريته على المركز، ومهما كان الهامش بعيد لكنه يبقى ماثل في أعين وأذهان الناس في العالم الغربي، ويبقى التعامل مع الشعوب بحسب تاريخها وما قامت به من مواجهات مستمرة مع الغرب التمدد شرقاُ، لذلك فأن الشرق الأوسط كان الأهم والإسلام كان المهم والصراع هو حضاري وليس مصالحي أو من اجل أطماع وقتيه في ثروات وغيرها، وأكثر الذين استمر الصراع معهم في منطقة الشرق الأوسط الإسلامي هم الغرب ابتداءً من اليونان والرومان وأوربا المسيحية وصولاً الى الاستعمار وأخيرا وليس أخرا بعد أحداث (11سبتمبر 2001) وحربي أفغانستان والعراق والقادم أعظم في هذه المنطقة .

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نعود للمرة الرابعة والأخيرة ونكمل حديثنا عن القطيعة المعرفية عند فتجنشتين، حيث نقول  :في هذه المقدمة الطويلة يريد فتجنشتين أن يوضح أن هناك بعض المبررات التي جعلته يتراجع عن صحة ما كتبه من أفكار وقضايا فلسفية في الرسالة، ومن أهم تلك المبررات مناقشاته مع " فرانك رامزي "، والتي قال عنها فنجنشتين في هذا الصدد : " أن ما ساعدني على تبين هذه الأخطاء النقد الذي وجهه لأفكاري فرانك رامزي الذي كنت أتناقش معه مناقشات عديدة أثناء السنتين الأخيرتين من حياته ".ولقد فنجنشتين يقول إن مناقشاته تأخذ الطابع البرجماتي وخاصة حول كتابات رامزي المتأخرة . وكذا حول بعض الأفكار الواردة أيضا في " الأبحاث الفلسفية" لفتجنشتين ؛ وأيضا نقد سرافا Piero Sraffa – أحد الاقتصاديين الإيطاليين – وكان فنجنشتين قد التقي به في كمبردج، وقد عبر فنجنشتين عن ذلك بقوله إن مناقشاته مع سرافا كانت تجعله يشعر كأنه مثل الشجرة لم تكن لتورق من جديد إلا بناء علي ما فيها من حيوية وخصوبة . ويروي تورمان مالكوم كيف كان نقد سرافا للنظرية التصويرية للقضايا عند فنجنشتين ذا أثر كبير في تخليه عن هذه الفكرة فيما بعد، فيقول :" كان فنجنشتين وسرافا – المحاضر في الاقتصاد بجامعة كمبردج – يتناقشان كثيرا حول الأفكار الواردة في " الرسالة " . وفي ذات يوم كانا يركبان – فيما أظن – قطارا، وكان فنجنشتين ما زال مصرا علي أن القضية وما تصفه – يجب أن يكون لهما نفس الصورة المنطقية . ونفس الكثرة المنطقية فقام سرافا بعمل إشارة مألوفة عند أهالي نابولي تعني الاحتقار والازدراء – وذلك بحك أسفل ذقنه بظهر أطراف أصابع إحدى يديه . ثم يسأل فنجنشتين ما هي الصورة المنطقية لذلك ؟ وكان المثل الذي ذكره سرافا كافيا لكي يحدث في فنجنشتين شعورا بعدم جدوي إصراره علي أن القضية يجب أن يكون لها نفس الصورة التي يوجد عليها الشئ الذي تصفه هذه القضية . وهذا ما جعله، يتخلي فيما بعد عن فكرته القائلة بأن القضية يجب أن تكون رسما للواقع الذي تصفه .

وأهم الأفكار التي تناولها فتجنشتين في فلسفته الأولي، ثم تخلي عنها فيما بعد علي أنها أفكار خاطئة هي :

- إن العالم ينحل إلي وقائع لا أشياء .

- إن الوقائع الذرية تتكون من أشياء بسيطة بساطة كاملة .

- إن اللغة تنحل إلي قضايا، والقضايا تنحل إلي قضايا أولية تتكون من أسماء، كل منها يشير إلي شئ من الأشياء، فيكون معني الاسم هو الشئ الذي يسميه .

- إن القضايا ليس لها إلا تحليل واحد كامل، وذلك بردها إلي القضايا الأولية .

- النظرية التصويرية للغة – من حيث إن القضايا ذات المعني تكون رسما للوقائع الموجودة في الواقع الخارجي .

- فكرة الأنا وحدية .

- فكرته عن التصوف.

ومما هو جدير بالذكر أن كل هذه الأفكار، كانت نتائج طبيعية لفكرته عن الذرية المنطقية التي كانت بمثابة الأساس الذي شيد عليه بناءه الفلسفي المتمثل في الرسالة، أو كانت بمثابة المبرر الذي جعله ينتهي إلي مثل هذه النتائج .

ويمكن أن نجمل مظاهر القطائع الابستمولوجية في كتاب " البحوث الفلسفية " علي النحو التالي :-

1- تخلي فتجنشتين عن فكرته التي أفتتح بها "رسالته" من أن العالم ينحل إلي وقائع ذرية تتكون من أشياء أو من بسائط منطقية .. إذ أن السبب الأساسي الذي دعا " فتجنشتين" إلي القول بتحليل العالم إلي وقائع، كان هو ضرورة وجود وحدات أولية ينحل إليها العالم، لكي تقابل الوحدات الأولية التي تنحل إليها اللغة، بحيث يتوقف صدق أو كذب الوحدات الأولية للغة (وهي القضايا الأولية) علي وجود أو عدم وجود هذه الوحدات الأولية التي ينحل إليها العالم (أي الوقائع الذرية) . وعلي ذلك كان تحليل " فتجنشتين" عليها النحو تبريرا لتحليله للغة إلي مجموعة من القضايا الأولية . ولما غير " فتجنشتين" من وجهة نظره بتحليل اللغة في كتابه "الأبحاث الفلسفية"، تخلي بالتالي عن فكرته السابقة في تحليل العالم، فلم تعد اللغة تنحل إلي مجموعة من القضايا الأولية أو الذرية التي يتوقف صدقها أو كذبها علي مدي مطابقتها للوقائع الذرية الموجودة، والتي تعتبر جميع القضايا الأخرين دالات صدق لها، بل أصبحت في نظره اللغة وسيلة للاتصال بين الناس الذين طوروها بحيث تخدم الأغراض المختلفة لنشاطات حياتهم المتعددة .وعلي ذلك أصبح تحليل اللغة في نظره بمثابة الكشف عن التشكيلات اللغوية (أي ألعاب اللغة) المختلفة التي تستخدم فيها الألفاظ أو العبارات المختلفة وأصبح تحليل معني اللفظ، ليس هو البحث عما يشير إليه، بل هو الكشف عن الطريقة التي يستخدم بها في اللغة بالفعل. وهكذا نجده يتخلي عن فكرته الذرية المنطقية – من حيث تقسيم العالم إلي وقائع – لزوال المبرر الذي كان يبرر به اعتقاده في هذه الفكرة، وهو تحليل اللغة إلي قضايا ذرية .

2- إذا كان فتجنشتين قد نبه في رسالته إلي ضرورة وجود لغة كاملة منطقيا واعتقد الوضعيون المناطقة – من جانبهم – أنه يشير بهذا إلي الحساب الرمزي الذي كان يستهدفون تحقيقه من أجل تحليل اللغة العلمية، فإن فتجنشتين في مرحلته المتفاخرة قد رفض مثل هذا الحساب ولم يعترف بأهميته في حسم مشاكل الفلسفة، فقد ركز – بتأثير جورج مور – علي تحليل اللغة الجارية . وبعبارة أخري نستطيع أن نقول أن فتجنشتين قد استبعد اقتناعه الأول بأن منطق رسل يعد – علي نحو ما – حجر الأساس لكل فكر إنساني، فقد أصبح ينظر إلي منطق رسل علي أنه عرض لتركيب أنواع معينة من التفكير الرياضي المنظم .

3- كما تخلي فتجنشتين عن فكرته عن وظيفة اللغة التي كانت في فلسفته الأولي تصويرا للواقع الخارجي، فأصبحت في فلسفته الجديدة بمثابة وسيلة للتفاهم مع الآخرين والتأثير فيهم . وبمعني آخر بعد ان كانت وظيفتها فردية تتفق مع فكرة الأنا وحدية التي انتهي إليها، ومع فكرته عن الذرية المنطقية التي بدأ بها، أصبحت وظيفتها اجتماعية – وهو في هذا المعني يقول :"إنني لأقول (بدون اللغة ما كنا نستطيع أن نتصل بعضنا ببعض فقط) بل إنني أقول أيضاً (بدون اللغة لا يمكننا أن نؤثر في غيرنا من الناس) علي هذا النحو أو ذاك .

4- أما فيما يتعلق بأفكاره الفلسفية المتأخرة، فيمكننا أن نقول بصفة عامة إن فتجنشتين لم يستطع أن يسد كل الثغرات التي نشأت عن اعتقاده لبعض أفكاره الأولي . لأنه لا يتعرض في فلسفته المتأخرة لنفس المشكلات التي بحثها في فلسفته الأولي، فهو لا يبحث في كتابه " أبحاث فلسفية" في تحليل العالم الخارجي وما إذا كان مكونا من وقائع أو من أشياء، ولا ما إذا كانت الأشياء بسيطة أو مركبة – بل يحيل مناقشاته لمثل هذه الأفكار إلي مناقشة لغوية تتناول طريقة استخدام الألفاظ الدالة علي هذه الأشياء في اللغة . مثل استخدامنا لما هو بسيط أو مركب – فهو يقول مثلا " إننا نستخدم كلمة "مركب" (وبالتالي كلمة "بسيط") بطرق عديدة ومختلفة " . (وهل اللون الموجود في أي مربع من مربعات رقعة الشطرنج بسيط أم أنه مكون من ألوان قوس قزح ؟..) وفيما يتعلق بالسؤال التالي ؟ تكون الإجابة الصحيحة عنه هي" (إن ذلك يتوقف عل ما نفهمه من كلمة " مركب") " وعلي ذلك فمعيار بساطة الأشياء أو تركيبها إنما يتوقف علي طريقة نظرتنا إلي الشئ "، وعلي طريقة استخدامنا للألفاظ الدالة في اللغة .

5- إن فكرة الذرية المنطقية التي ذهب إليها فتجنشتين كانت تمثل مرحلة معينة من مراحل تفكيره وهي المرحلة الأولي – والتي كان ما زال متأثرا فيها بالاتجاهات المثالية الميتافيزيقية . ولذا فإننا نجده يميل إلي رفض هذه الفكرة في فلسفته المتأخرة التي عبر عنها في كتابه " أبحاث فلسفية "، ويرفض بالتالي تحليل العالم إلي وقائع وإلي أشياء، وإن لم يكن رفضه لها واضحاً قاطعاً شأنه في أغلب أفكاره الفلسفية المتأخرة، لأنه في كتابه " أبحاث فلسفية"، وفي كتابه " بعض الملاحظات علي أسس الرياضيات " من قبل، لم يكن مهتما بتحليل العالم أو ببحث العناصر الأولي التي يتكون منها، بل كان مهتما بتحليل اللغة- من حيث دلالتها، ومن حيث استعمالاتنا المختلفة لها .." فقد تبين فتجنشتين في " أبحاثة الفلسفية" أن العالم والخبرة ليسا منسقين بحيث نقسمهما قسمة ذات حدود فاصلة إلي وقائع  ذرية، كما أنه بدا ينظر إلي اللغة، بعد أن توقف عن اعتبارها وسيلة للتعبير عن قضايا ذات صورة منطقية ثابتة بحيث تصور هذه القضايا، والوقائع تبعا لقواعد محددة – بدأ ينظر إلي اللغة علي أنها وسيلة للاتصال  بين الناس الذين طوروها بحيث تخدم الأغراض المختلفة لنشاطات حياتهم المختلفة . ولذا نجده يناقش هذه النظرة السابقة إلي تحليل العالم إلي وقائع، وإلي تحليل الوقائع إلي أشياء بسيطة، بشكل غير مباشر في فلسفته المتأخرة أثناء مناقشته لمعني اللغة وتحليلها .

6- كان المنطق هو محور تفكير فتجنشتين في الرسالة ... ( فنحن لا نستطيع أن نفكر في شئ ما تفكيرا غير منطقي وإلا كان علينا أن نفكر بطريقة غير منطقية)، ونحن " لا نستطيع أن نفكر بطريقة غير منطقية، ولذا فنحن ملتزمون بقواعد المنطق في كل تفكير وبالتالي في كل كلام نقوله لا رتباط اللغة بالفكر . ولذا كان فتجنشتين حريصاً علي أن يوضح لنا الطريقة المنطقية الصحيحة للتفكير، حتي نأمن الوقوع في الخطأ، ويضرب لنا الأمثلة المختلفة لعملية التفكير الصحيح، وكيف نبدأ من القضية الأولية – التي يجب أن تشترك مع الواقعة الذرية في صورتها المنطقية – لكي نكون منها القضايا المختلفة التي تكون بمثابة دالات صدق لها . وبمعني آخر، كان فتجنشتين مهتماً في فلسفته الأولي بالقواعد المنطقية التي يجب اتباعها في التفكير، سواء كان تفكيراً مرتبطاً بالواقع الخارجي – من حيث البحث في الأسس التي يقوم عليها – أو كان تفكيرا استدلالياً يقوم علي استنتاج دالات الصدق من القضايا الأولية – وهذا كله ما كان يعبر عنه فتجنشتين بنية اللغة . إلا أن فتجنشتين تخلي عن هذا الموقف في فلسفته المتأخرة فلم يعد الاهتمام الأساسي عنده هو البحث في بنية اللغة من الناحية المنطقية، بل أصبح اهتمامه الأساسي بالطريقة التي تستخدم فيها الألفاظ بالفعل في اللغة الجارية . ويتلخص رفض فتجنشتين لموقفه القديم من المنطق في العبارة التي يقول فيها ساخرا مما كان يعتقد في صحته من قبل :" من الطريف أن نقارن بين كثرة الأدوات (أي كثرة عدد الألفاظ والعبارات)، في اللغة، والطرق التي تستخدم بها، وكثرة أنواع الألفاظ والعبارات، نقارن ذلك كله بما كان يقوله رجال المنطق عن بنية اللغة ( بما في ذلك مؤلف الرسالة المنطقية نفسه). إلا أن فتجنشتين لا يتخلي في فلسفته المتأخرة عن فكرته عن المنطق من حيث هو حد للفكر وبالتالي للغة، إنما جعله بمثابة حد لإحدى تشكيلات ( ألعاب) اللغة المختلفة، والواقع أن فتجنشتين بهذا إنما يستخدم نفس الفكرة مع شئ من التغيير الطفيف الذي يتفق مع تغيير وجهة نظره الفلسفية وموقفه الفلسفي الجديد . فهو يري في فلسفته المتأخرة أن معني اللفظ يتوقف علي استخدامنا الفلي للغة. ويشبه فتجنشتين اللغة في هذه الحالة باللعبة – أو هي لعبة بالفعل – نستخدم فيها الألفاظ، كما نحرك البيدق مثلا في لعبة الشطرنج إلا أن الإنسان أثناء لعبة الشطرنج لا يكون حرا في تحريك البيدق حسبما يريد، بل يحركه وفقا لقواعد اللعبة التي تسمح بتحريكه علي نحو معين وتسمح بتحريك قطعة أخري من قطع الشطرنج علي نحو آخر .

7- من الأمور التي عدلها فتجنشتين في البحوث الفلسفية موقفه من صدق قضايا المنطق والرياضيات ويقينها . صحيح أنه بقي علي موقفه السابق من انها تحصيلات حاصل ولا تقول شيئاً عن الواقع، وبهذا أصر علي التمييز الكانطي الشهير بين القضايا التحليلية والتركيبية . ولكنه غير الأرض التي يقف عليها فلم يقل إن صدق تحصيلات الحاصل يرجع إلي اتفاقها مع جميع إمكانات الصدق للقضايا الأولية، وإنما يرجع إلي الاصطلاح أو التواضع علي المعاني المحددة للرموز . ولم يكتف فتجنشتين هنا بأن يقول – كما قال الفيلسوف – كما قال الفيلسوف المنطقي س. أي . لويس – إن الآلة الاستنباطية في المنطق والرياضة يمكن أن تدور بغير إزعاج ما دمنا قد حددنا لكل رمز معناه، وإنما يضيف إليه أننا يمكن أن نصطلح علي معاني أخري للرموز ونختار قواعد أخري تترتب عليها عند التطبيق نتائج مختلفة . وليس ثمة ما يمنع منطقياً من أن يصطلح نوع آخر من الكائنات علي أن 2+2 لا تساوي أربعة بل تساوي أكثر أو أقل إذا اصطلحوا علي تحديد معني آخر للعدد غير المعني المتفق عليه بيننا نحن البشر.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

علي رسول الربيعي صناعة المواطن من النّاس: يعتبر التّصوّر اللّيبراليّ أنّ حجّة روسّو في العقد الاجتماعيّ تقود إلى خلاصة تتطابق مع آراء المنظّرين الجمهوريّين مع إدعاء بعض النّقّاد أنّها قد تفضي إلى الاستبداد.[1] فطبقا لفلسفة الجمهوريّة يعرَّف المواطن كمشارك في السّلطة وليس كمحلّ للامتيازات ولا كحامل للحصانات.[2] وهذا هو أساس الحجاج الرّوسويّ في إجبَار النّاس عند الضّرورة على أن يكونوا أحراراً من أجل حمايتهم من انتهاك القوانين التي أكسبتهم صفة المواطنة، فليس لمعترض أن يدفع بالحرّيّة ولا بالحاجة الطّبيعيّة إلى تلبية الرّغبات الذّاتية ليبرّر انتهاك القوانين وإنهاء العقد الاجتماعيّ بإعطاء المصالح الشّخصيّة الأسبقيّة على المصلحة العامّة... وبه تقوم حجّة روسّو على مفهوم النّظام السّياسيّ العادل أو دولة القانون كتعاون عمليّ يخضع لمبدأ الإنصاف، إذ يشير منطقه بشكل واضح إلى أنّ أحد الأْوجُه المهمّة لهذا المفهوم هو الرّغبة في تعزيز روح التّعاون من خلال تشجيع النّاس على التّفكير بأنفسهم كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات من ضمنها الخضوع لقوانين شرعوها بأنفسهم لأنفسهم.

إنّ أكبر إمكانات المجتمع السّياسيّ طبقًا لروسّو، هي رفع أيّ ظلم مادّيّ يمكن أن يقع بين النّاس بالتّوزيع العادل للثّروة والملكيّة، وبالمساواة الأخلاقيّة لأنّه "لا يبقى شيء من الحرّيّة في غياب المساواة"، ثمّ بإعمال قاعدة ترى أنّ "الحالة الاجتماعيّة تكون مريحة طالما كان الكلّ يملك شيئًا ولا أحد يملك شيئًا زائدًا أو غير ضروريّ"[3] فالسّلم الاجتماعيّ يقتضي ألاّ يكون هناك ثراء فاحش يستطيع معه الأثرياء شراء ذمم الآخرين، ولا فقر مدقع يضطرّ معه الفقراء لأن يبيعوا أنفسهم للآخرين".[4] هكذا تعزّز المساواة الحرّيّة بإقرار سلم اجتماعيّ يحمي النّاس من التّبعيّة للأثرياء والأقوياء، علما أنّ كره التّبعيّة هي روح الجمهوريّة عند روسّو يعتبرها أساس كلّ رذيلة ومبعثا على الفساد.[5] وأنّ فكرة العدالة في ظلّ القانون هي برأيه ما يمكّن النّاس من أن يتمتّعوا بالاستقلاليّة والحرّيّة الأخلاقيّة، ويشجّعهم على طاعة ما شرعوا لأنفسهم من قوانين، وعلى النّظر لأنفسهم بوصفهم مواطنين يتقاسمون الإرادة العامّة في مشاريع ومؤسّسات مشتركة. 

إميل وفكرة التّعاون

يناقش روسّو في كتابه (إميل) المسألة التّربويّة مشجّعا على التّعاون مثلما قام بذلك في العقد الاجتماعيّ عند الحديث عن التّشريع والإعلان المدنيّ عن الإيمان، فهو يعتبر الرّغبة في الاختلاط بالآخرين عاطفة حبّ بدونها لا يكون المواطن صالحاً.[6] ويمثل تأكيده على محاولة الجمهوريّين تضمين اللّيبراليّة نزعة مدنيّة خالصة دفاعه المستميت عن التّسامح وحرّيّة الفكر والتّعبير. فالدّين المدنيّ في نظره مسألة هامّة بالنّسبة للدّولة: "أن يكون لكلّ مواطن دين يحبّب له القيام بالواجب؛ وإن كانت عقائد هذا الدّين ليست من شأن الدّولة إلاّ بقدر ما لها من صلة بالأخلاق والواجبات التي يتعيّن على كلّ فرد الالتزام بها تجاه الآخرين في المجتمع. عدا ذلك، فإنّ لكلّ فرد حقّ اعتناق الآراء التي يرتضيها ولا يحقّ لصاحب السّيادة معرفتها،لأنّه ليس معنيّا بمصير الشّعب في الدّار الآخرة، وليست له أهليّة النّظر في أمورها ولا مخوّلا بالتّدخّل في ذلك طالما هم مواطنون صالحون في الحياة الدّنيا".[7] فالوضع القانونيّ والمعياريّ للدّولة يفرض تسامحا مع كافّة الأفراد بصرف النّظر عن عقائدهم ماعدا أولئك الذين يؤمنون بعقيدة غير متسامحة تدعوا للكراهيّة وتحرّض النّاس على مواجهة بعضهم فتقف بذلك ضدّ الفضائل المدنيّة. ويتّفق روسو من وجهة النّظر هذه مع جون لوك في "رسالة في التّسامح" اعتبارا للأسباب المدنيّة المحضة، بل إنّه يفوق لوك حزما بوضع معايير صارمة تضمن قداسة العقد الاجتماعيّ وسموّ القانون. فهو يرى أنّ المشرّع المكلّف بصياغة القوانين وترسيخ قواعد دولة المؤسّسات من الواجب عليه حتما "أن يؤمن بإمكانيّة تغيير الطّبيعة البشريّة مستعينا بفكرة الوجود الاجتماعيّ، وأن يسعى إلى مساعدة الأفراد على العبور من حَالة الوجود الفيزيائيّ المستقلّ أي من حالة الطّبيعة إلى حالة المجتمع حيث يصبح الفرد جزءا من كلّ أكبر، وعضوا في كيان متكامل يتلقّى منه الوجود...".[8] ومستعينا كذلك بما يُنتِجُ هذا العبور من حالة الطّبيعة إلى الحالة المدنيّة من "تغيير بيّن حين يصغي الفرد لعقله فيحلّ في سلوكه العدالةً محلّ الغريزة، والحقّ محلً الرّغبة ليضفي على أفعاله صبغة أخلاقيّة تستجيب لنداء الواجب وتتنزّه عن النّزوة الفيزيائيّة. فهو وإن ألفىَ نفسه مرغماً على العمل بمقتضى مبادئ تصرفه عن أن يستجيب لميول كثيرة تتأتّى له من الطّبيعة، فإنّه مع ذلك يجد نفسه قد حصل على مزايا أعظم من أن تقاس على شيء دونها: يجد ملكاته قد تمرّست ونمت، وأفق أفكاره قد اتّسع، ومشاعره قد ازدادت نبلاً، وسَمَت نفسه بأكملها فبلغت ما بلغت من درجات السّموّ فيبارك تلك اللّحظة السّعيدة التي انتشلته من وضع منحطّ إلى الأبد بأن صنعت من حيوان بليد ومقيّد الأفق كائناً ذكيّاً وإنساناً سويّا".[9] فمهمّة المشرّع إذن، هيً توفير الأساس القانونيّ والمؤسّساتيّ الذي يمنع الشّطط في استعمال السّلطة وسوء استعمال الحالة المدنية من خلال توجيه النّاس باتّجاه الإرادة العامّة بهدف استكمال مشروع التّغيير ومساعدة النّاس على استعادة حالة الطّبيعة.[10]

ما تبقّى من مشكلات

لقد استهدف روسّو من خلال ما صاغ في نظريّة العقد الاجتماعيّ من معايير تشجيع النّاس على أن يتصرّفوا كمواطنين. وإذا بدت بعض المعايير مُفْرِطة أو مُفَرِّطة فمردّ ذلك إمّا إلى صعوبة التّوفيق بين "ما يتيحه القانون وما تقتضيه المصلحة" وهي صعوبة استثنائيّة، أو إلى ما واجهت فكرة العقد الاجتماعيّ من تحدّيات واعتراضات حينما بدت بعض معاييره في غير محلّها، أو تنطوي على مفارقة تاريخيّة إذ ربّما كانت ملائمة للجمهوريّة الكلاسيكيّة أكثر من ملاءمتها للجمهوريّة اللّيبراليّة مثل إقصاء المرأة من المجال العامّ، ورأيه المتعلّق بدور المشرّع وشروطه، أو بالإعلان المدنيّ للإيمان. كما أثارت صياغته لمبدأ الإرادة العامّة التي تتطلّب من الأفراد التّصرّف كمواطنين لا كمجرّد بشر جملة من الأسئلة منها:

ـ كيف يمكن تطبيق الإرادة العامّة؟

ـ ماذا يعني القول بوجوب أن تخدم السّياسة العامّة المصلحة العامّة للمواطنين وتتجاهل المصالح الخاصّة للنّاس؟

ـ هل تظهر المصلحة العامّة للمواطن بشكل واضح دائمًا؟

ـ هل يكفي مشروع القانون المقترح للتّصويت الحصول على الأغلبيّة في المجلس التّشريعيّ ليكون جوابا صحيحا صوابه أكثر احتمالًا من رأي الأقلّيّة؟

ـ هل يعدّ لازما حمل رأي الأغلبيّة على الصّواب دائما؟ وهل يعدّ واجبا الاتّفاق معه باعتباره أكثر احتمالا أن يكون على حقّ؟

لقد خطّأ روسّو الأقلّيّة عند الحديث عن الدّولة العادلة وأثناء الحجاج دفاعا عن متطلّبات الإرادة العامّة، فهل ستتغير المسألة بالانضمام إلى وجهة نظره التي تعتبر الرّأي الذي أحرز الإجماع هو الرّأي الصّواب والأقرب إلى الحقّ والأكثر تجسيدا للإرادة العامّة.[11] ماذا لو فشلت سياسية الجهة الفائزة في التّطابق مع الإرادة العامّة؟

ألا يمكن أن تؤدّي هذه الحالة إلى العصيان المدنيّ؟

ألا يريد كلّ الأفراد في الدّولة الظّالمة أن يسود العدل وينتصر الجواب الصّحيح؟

لقد أهمل روسّو هذه الافتراضات فلم يجب عنها إمّا لأنّه رآها غير متوقّعة الحدوث باعتبار الظّروف السّياسية السّائدة في ذلك الحين، وإمّا لأنّه لم يكن مقتنعا تماما بفعل ذلك، لكن هل عليه أن يفعل هكذا؟

للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها يتعيّن الذّهاب إلى ما بعد روسّو حيث يكون من الضروريّ تنقيح تحليله ومفاهيمه وربّما طرح بعضها.

 

د. علي رسول  الربيعي

.....................

المصادر

 روسو، جان جاك، في العقد الاجتماعي،عبد العزيزي لبيب (مترجم)، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،،2011

 Adrian, O., Citizenship and Community: Civic Republicanism and the Modern World, (Routledge, 1990).

Andrew L., The Politics of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press,1976).

Barry, B,. Political Argument (London: Routledge and Kegan Pual,1965).

Barry, ‘’ The Public Interste’ in Political Philosophy,(ed)Anthony Quinton (Oxford: Oxford University Pres,1967).

John C., The Social Problem in the Philosophy of Rousseau (Cambridge: Cambridge University Press, 1974).

Klosko.G.: in The Principle of Fairness and Political Obligation,( Lanham,MD: Rowman and Littlefield.1992).

Lester C., Rousseau’s Social Contact: interpretive Essay (Cleveland, OH; The Press of Case Western Reserve University, 1968).

Levine, A, The Political of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press, 1976).

Maurizio,V., Jean-Jacques Rousseau and the ‘’ Well-Ordered Society’’ trans. Deerek Hanson ( Cambridge University Press, 1988).

Quentin S.,‘’The Republican Ideal of Political Liberty,’’in Machiavelli and Republicanism, ed. Gisela Bock, Quentin Skinner, and Maurizio Viroli (Cambridge: Cambridge University Press).

 Rawls,J,. A Theory of Justice ( Cambridge, MA: Harvard University Press,1971).

Riley, Patrick, The General Will before Rousseau: The Transformation of the Divine into the Civic (Princeton, NJ; Princeton University Press, 1986).

Rousseau,J,J,. Politics and Art: Letter to M.D’Alembert on the Theatre, Trans. Allan Bloom (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1968).

Rousseau.J.J.,Emile, trans. Bloom Allan (New York: Basic Books, 1979).

Rousseau, J.J, On the Social Contract, ed. Roger D. Masters and trans. Judith R. Masters ( New York: St. Martin’s Press. 1978).

Simmons. A.J., The Anarchist Position: A Replay to Klosko and Senor,’’ Philosophy and Public Affairs 16 (1987).

Simmons. A.J., Moral Principles and Political Obligations (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1979).

Talmon.J.L., The Origins of Totalitarian Democracy (New York: Praeger, 1960).

Trachtenberg, Z. M., Making Citizens: Rousseau’s Political Theory of Culture (London, Routledge, 1993).

 هوامش

 [1] أنظر على سبيل المثال:

Talmon J.L., The Origins of Totalitarian Democracy (New York: Praeger 1960), chap.3, and Lester Crocker, Rousseau’s Sociحخal Contact: interpretive Essay (Cleveland, OH; The Press of Case Western Reserve University, 1968).

[2] Rousseau J.J On the Social Contract P.54

 [3] المصدر نفسه، ص 58.

[4] المصدر نفسه، ص 75.

[5]Rousseau J.J. Emile, trans. Bloom Allan (New York: Basic Books, 1979) P.85.

 [6] Rousseau J.J On the Social Contract P. 13

[7] المصدر نفسه، ص 130.                    

[8] المصدر نفسه، ص 68.                   

[9] روسو، جان جاك، في العقد الاجتماعي،عبد العزيزي لبيب ( مترجم)، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2011، ص 98-99.

[10] Simmons A.J Moral Principles and Political Obligations

(Princeton NJ: Princeton University Press, 1979) P.139.

‘’ The Anarchist Position: A Replay to Klosko and Senor,’’ Philosophy and Public Affairs 16 (1987):269-79.

ولكن أنظر الدليل المناقض الذي قدمه

Klosko G.: in The Principle of Fairness and Political Obligation (Lanham MD: Rowman and Littlefield.1992) Appendix 2.

وايضا قوله: "أعتقد أن تفسير الإلزام السّياسيّ بواسطة مبدأ الأنصاف ملائم لتفسير شعور الفرد بالتزامه يتقوّى عند مباشرة أعباء عديدة يعتقد أنّ الآخرين يتولّون مثلها، ويضعف إذا ما أدرك أنّهم ليسوا كذلك". ص 148 .

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نعود للمرة الثالثة ونكمل حديثنا عن القطيعة المعرفية عند فتجنشتين، حيث نقول لا شك في أن هذا الهيكل (الموجود في الرسالة) لا يقدم صورة وافية لمضمون الرسالة بأبعاده الكثيرة وأفكاره الثرية، ولكنه يبين علي وجه الاجمال أن فتجنشتين قد اتخذ من التحليل للعالم واللغة منهجا وغاية – وهي (علاج) الفلسفة من أمراضها المزمنة، وتوضيح أن معظم مشكلاتها التقليدية ليست مشكلات علي الإطلاق . لقد رد الفكر إلي لغة، ورد اللغة إلي تركيبات علي صور معينة . كما رد العالم الخارجي إلي وقائع، قوام كل واقعة منها أشياء بسيطة مترابطة بشبكة من علاقات . ومعني هذا أن العالم ينحل " وحدات أولية " هي الوقائع الذرية .

وتتألف هذه الوقائع من موضوعات بسيطة تمثلها قضايا أولية تستقل منطقياً عن بعضها البعض لكي يكون للجملة دلالة ما يجب أن تعبر إما عن قضايا أولية صادقة أو كاذبة، في هذه الحالة تعد القضية المركبة دالة صدق للقضايا الأولية موضع الحديث . هناك حالتان محددتان قد تختلف القضية مع سائر إمكانيات الصدق الأولية وهنا تكون قضية متناقضة أو تتفق معها جميعها فتكون قضية تحصيل حاصل، سائر قضايا المنطق الصادقة قضايا تحصيل حاصل بهذا المعني، وبالمثل تكون قضايا الرياضيات البحتة، وإن فتجنشتين يفضل تسميتها قضايا الهوية Identities، تخدم قضايا تحصيل الحاصل، وقضايا الهوية في أنها تسهل عملية الاستدلال الاستنباطي، وإن كانت هي ذاتها لا تخبرنا بأي شئ عن العالم، القضية الأصلية genuine تصور أمراً من أمور الواقع . هذه الصور هي ذاتها وقائع تشترك مع ما تمثله في الصور المنطقية والتصورية ذاتها، تفشل القضية في تمثيل أي شئ ما لم تصور الجملة أي أمر ممكن من أمور الواقع، سواء كانت بسيطة أو مركبة، ولما لم تكن الأقوال الميتافيزيقية هي ذاتها قضايا أولية أو دالات صدق لقضايا أولية، فإنها لا تمثل أي شئ ، إنها لغو فارغ، أو هي في أحسن حالاتها محاولات للتعبير عما لا يمكن التعبير عنه، ولكن فقط عما يمكن إظهاره للغير . وينطبق هذا علي علمي الأخلاق والجمال، كما ينطبق علي أي محاولات لوصف شروط التمثيل، وهو ما يجعل قضايا الرسالة ذاتها قضايا لامعني لها، يشبه فتجنشتين هذه القضايا بسلم يجب علي القارئ إلقاؤه بعد أن يصعد يندرج ضمن الأشياء التي سوف يدركها فتجنشتين أن الفلسفة ليست مذهبا ولكنها نشاط، نشاط يوضح قضايا العلوم الطبيعية ويبين أن الميتافيزيقيا لغو فارغ، ينهي فتجنشتين الكتاب بالعبارة الآتية " يجب أن نسكت عما لا نستطيع الحديث عنه".

كانت النتيجة المترتبة علي هذا التحليل، الذي ارتبط منذ البداية بموقف حاسم مما يسمي بالمشكلات الفلسفية، أن يقتصر المنهج الصحيح في الفلسفة علي " ألا نقول شيئاً إلا ما يمكن قوله بوضوح " – وهذا الشئ الوحيد الذي يمكن قوله بوضوح، فيكون صادقاً وله معني، هو قضايا العلم الطبيعي، أي أنه شئ لا علاقة له بالفلسفة ! " وبذلك نبرهن دائماً للشخص الآخر الذي يريد أن يقول شيئاً ميتافيزيقياً علي أنه لم يعط أي معني لعلامات (أو الألفاظ) معينة في قضايا . كما تصبح وظيفة الفلسفة وفاعليتها توضيح ما نعرفه بالفعل من قبل عن طريق آخر غير الفلسفة – لأن كل ما يقوله الفلاسفة من قضايا وما يثيرونه من أسئلة ومشكلات هي مما لا يقال، وإذا قيلت لم تكن صادقة ولا كاذبة، وإنما خالية من المعني (حسب ما تقوله العبارة المشهورة في الرسالة، الفقرة 003،4) ومن ثم استطاع " فتجنشتين " في الرسالة أن يقول إن مهمة الفلسفة تقع فوق العالم الطبيعي أو دونه، وأن القضايا الوحيدة التي لها معني هي قضايا العلوم الطبيعية، وأن عبارات الميتافيزيقيا وعبارات الأخلاق والجمال، بل وعبارات الرسالة المنطقية نفسها هي علي أفضل الأحوال مما لا يمكن قوله وإنما يمكن أن يظهر أو يتجلي بنفسه.

وهنا نلاحظ مع بعض الباحثين أن " فتجنشتين "يستخدم التحليل كمنهج في الفلسفة لا كغاية فلسفية . فهو لا يستهدف التحليل لمجرد تقسيم العالم إلي مجموعة من الوقائع . أو رد اللغة إلي عدة قضايا، أو رد المعني إلي طريقة استخدامنا للألفاظ – إنما هو يستخدمه لكي يوصله إلي غاية أبعد من ذلك، وهي توضيح المشكلات الفلسفية التي إذا ما وضع معظمها تحت مجهر التحليل، زال عنها كل غموض واتضح أنها مشكلات زائفة، أو أنها ليست بمشكلات أصلاً . وفد عبر " فتجنشتين " عن هذا المعني تعبيراً دقيقاً بقوله :" إن معظم القضايا والأسئلة التي كتبت عن أمور فلسفية، ليست كاذبة، بل خالية من المعني فلسنا نستطيع إذن أن نجيب عن أسئلة من هذا القبيل . وكل ما يسعنا هو أن نقرر أنها خالية من المعني، فمعظم الأسئلة والقضايا التي يقولها الفلاسفة إنما تنشأ عن حقيقة كوننا لا نفهم منطق لغتنا" وكان هذا هو المنهج التحليلي هو الغاية التي يهدف إليها فتجنشتين في الفلسفة دائما . وفي هذا الصدد كان يقول " إن نظرته إلي أعماله الفلسفية لا تعني بما إذا كانت النتائج التي توصل إليها صحيحة أو غير صحيحة، فإن كل ما يهم هو أن منهجا جديدا قد وحد .

ولا جدال في التأثير الكبير الذي مارسته رسالة " فتجنشتين " علي فكر الوضعية المنطقية . فقد اعترف مورتس شليك بأن الرسالة وضعت الفكر الفلسفي المعاصر في مفترق الطريق . فهي – وكما يري – نقطة تحول حاسمة . وليس هناك شك في أن هناك شك في هناك نقاط اتفاق بين الأفكار الأساسية والسائدة لدي دائر فيينا ومواقف الرسالة . فهناك مثلا فكرة أن القضايا الأصلية عبارة عن دوال قضايا للقضايا الأولية، وفكرة أن الحقائق المنطقية والرياضية تحصيلات حاصل وأنها – من ثم – لا تقول شيئاً . وأن الفلسفة ليست جهازا من الحقائق، إنما فاعلية أو نشاط يستهدف توضيح الأفكار توضيحا منطقيا، وتعيين حدود المعني المشروع وتمييزه عن المعني غير المشروع .

ولكن هناك بين الرسالة والوضعية اختلافات، فالوضعية لم تأخذ – فيما يتعلق بالقضايا – بالنظرية التصويرية، وهي النظرية المركزية في الرسالة . والفكرة الأساسية لدي الوضعية المنطقية هي أن كل القضايا الأصلية تقبل الرد إلي قضايا تسجل الادراك المباشر أو تسجل المعطي المباشر في الخبرة . ولا توجد هذه الفكرة في رسالة فتجنشتين .

ومن جهة أخري، تزخر الرسالة بالشذرات التي تؤكد علي هذه النظرية التصويرية في اللغة (أنظر امثلة من الرسالة).إن فكرة " فتجنشتين " في أن اللغة مرآة العالم أو صورة له، أو أن اللغة تعكس العالم، ينبغي النظر إليها علي انها فكرة عن الامكانيات . فكل الاختيارات الممكنة التي بإمكان العالم المنطقي أن يختارها تنعكس بالفعل في لغة، وكل إمكانية يتم معادلتها بعبارة واقعية لها معني محدد . فكما يقول " فتجنشتين " أن عالم يمكن أن يأخذ شكله فقط من خلال إطار منطقي . واللغة التي هي اداة الفكر، تهدف إلي تقرير الوقائع، وهي تحقق هذا عن طريق تصوير هذه الوقائع أو عن طريق إنعكاس هذه الوقائع في اللغة التي هي مرآة لهذه الوقائع . فقد استهدف فتجنشتين من قوله أن اللغة تصور الوقائع أن يؤكد علي أن اللغة لابد أن تكون شبيهة، من حيث البنية، بما تصوره . فالقضية المثبتة هي صورة لواقعة ممكنة، بنفس الطريقة التي يمكن للخريطة أن تصور بلد ما، هذا علي الرغم من أنه قد يتعذر في كثير من الأحيان تبين الجانب التصوري من اللغة، فالمنطق يكشف عن بناء اللغة، ومن ثم عن بناء الواقع، لأن البنائيين هما في الحقيقة بناء واحد أو هما مثل المرء وظله .

وقبل أن ينهي " فتجنشتين " كتاب الرسالة تناول مسألة وحدة الأنا بطريقة نجد فيها صدي لقراءته لشوبنهور . يقول فتجنشتين " ما يقصده اتجاه وحدة الأنا صحيح ولكن فقط لا يمكن التعبير عنه بالقول ولكن فقط بالكشف عن نفسه في الواقعة التي مفادها أن حدود اللغة " اللغة " التي أنا فقط من يمكن فهمها " تعني حدود عالمي "، ثم قال بعد ذلك " لا تنتمي الذات للعالم ولكنها حدود العالم " مقارنا إياها في هذا الصدد بالعين التي هي ليست في ذاتها جزءا مكونا للميدان البصري، لتكون النتيجة أن اتجاه وحدة الأنا تنكمش إلي حد أن تصبح نقطة بلا امتداد، وهناك يبقي الواقع متضايفاً معها . ويقول اخيراً ما يدرج الذات في الفلسفة هو الواقعة القائلة بأن " العالم عالمي " والذات الفلسفية ليست الكائن الحي ولا الجسم البشري أو النفس الإنسانية موضوع علم النفس، ولكنها الذات الميتافيزيقية حيث حدود العالم ليس جزءا منها .

إن ما تقوله الأنا وحدية Solipsism لا يمكن التعبير عنه بألفاظ اللغة .. والأنا وحدية " هي ذلك الاعتقاد القائل بأنني وحدي موجود " وعلي ذلك فكل ما أعرفه أو أدركه هو ما يوجد أيضا بالإضافة إلي وجودي، وقد عبر رسل عن ذلك المعني بقوله " إن الأنا وحدية هي تلك النظرة القائلة بأنني لا أستطيع أن أعرف شيئا علي أنه موجود باستثناء ما يقع في خبرتي أنا" . وعلي ذلك " فالفيلسوف الذي يؤمن بالأنا وحدية – مثلاً – يشعر بأن كلمة مثل – أنا – لا بد أن تكون ملازمة لكل وصف أو خبرة ". وفتجنشتين في رسالته المنطقية الفلسفية كان يؤمن بفكرة الأنا وحدية، لأنها كانت نتيجة مترتبة علي فكرته عن القضية من حيث هي رسم يصور الواقع الخارجي ... والتي كان يذهب فيها إلي أن صدق أو كذب القضية إنما يتوقف علي مقارنتها بالواقع لمعرفة مدي تعبيرها . " فالوجود يقارن بالقضية "، " والقضايا يمكن أن تكون صادقة أو كاذبة بكونها رسوما للوجود الخارجي "، وعلي ذلك فحدود الواقع الذي أدركه هي حدود اللغة التي أعبر بها عن هذا الواقع طالما كانت القضايا رسماً للوجود الخارجي ... وكان هذا هو السبب في قوله " إن معني أن العالم هو عالمي، يتبدي في الحقيقة القائلة بأن حدود اللغة (اللغة التي أفهمها) تعني حدود عالمي ". إلا أن ما تقوله الأنا وحدية، هو مما لا يمكن أن يقال إذا طبقنا عليه مبدأ فتجنشتين نفسه، لأن فيه تجاوزا لحدود اللغة، فحيث " إن ما يمكن أن يتجلي بنفسه في التقابل الموجود بين العالم الذي أدركه من جهة – وبين اللغة التي أعبر بها عن هذا العالم من جهة أخري – فهي بالتالي مما لا يمكن الحديث عنه . وفضلا عن ذلك فطالما أنه ليس هناك إلا الوقائع التي أدركها في الوجود الخارجي، فإنني لا أستطيع أن أقول " إن العالم هو عالمي "، علي الرغم من ان ما تعنيه هذه القضية صحيح، إذ أن وجود العالم ككل، هو في مقابل اللغة التي أتكلمها (من حيث هي مجموع القضايا التي تصور الوقائع الخارجية) ككل . الأمر الذي أدي به إلي القول " بأن الجانب الملغز، ليس في كيف يكون العالم، بل في أن العالم موجود مطلق وجود .  ومن ثم ينتهي فتجنشتين إلي القول عن الأنا وحدية " بأن ما تعنيه، صحيح تماما، إلا أنه مما لا يمكن قوله، إنما يتبدي لنا فقط " . وبناء عليه، فكل ما نقوله عن العالم ككل، أو عن أن العالم هو عالمي – هو مما لا يمكن قوله، فإذا ما قلنا شيئا من ذلك، فإننا – بالنسبة لفيتجنشتين – إنما نتكلم كلاما لا معني له، لأنه يتجاوز حدود ما يمكن قوله، أي حدود اللغة . ومن الطبيعي أن هذا الحكم ينطبق علي كلام فتجنشتين نفسه .

ثالثا: القطائع المعرفية والبحوث الفلسفية

أخذ فتجنشتين بعد فترة من ظهور الرسالة في مراجعة الكثير من أفكاره وبدأ تحولا كبيرا في المنهج وأصبح معروفا في الأوساط الفلسفية، أن لفتجنشتين فلسفتين، يشار إلي أولهما بـ" فتجنشتين المبكر" وإلي " فتجنشتين المتاخر"، وقد قيل في وصف هذا التحول بأنه إذا كان " فتجنشتين" قد بدأ رسليا، إلا أنه قد إنتهي " موريا". لقد بدأ " فتجنشتين " " رسليا" وانتهي " موريا" فقد ساير رسل في ذريته المنطقية وتابعه في اعتقاده بأن المنطق هو اساس الفلسفة، فالفلسفة تتألف من المنطق والميتافيزيقيا، بحيث يكون المنطق أساسا لها . ولكنه تابع مور – فيما بعد – في تأكيده علي اهمية تحليل اللغة   الجارية، وبعبارة أخري نستطيع أن نقول مع " د. محمد محمد مدين"، أن فكر فتجنشتين المتأخر هو سلب أو نفي لفكرة المبكر " .

وقف فتجنشتين – متابعاً مور ورسل – في صف الثورة ضد المثالية إلا أنه قد بالغ في هذه الثورة، وجاهد فيها بعنف، حتي بدت هذه الثورة لا ضد المثالية فحسب، بل ضد كل أنواع التفكير الميتافيزيقي، بل وضد الفلسفة ذاتها . وقد أخذ الباحثون فلسفة فتجنشتين بأنها " كانت فلسفة ضد الفلسفة ... فعلي حين كانت أسمية " أوكام" نصلا يجتز به الزيادات الطائشة للفلسفة، كانت نظرية فتجنشتين عن اللغة فأساً يقطع بها شجرة الفلسفة " . ومن الملاحظ أن مساهمة فتجنشتين في الفلسفة تشكل تذبذباً بين آراء " رسل " وآراء " مور " فهو يبدأ في مرحلته المتقدمة علي أساس من آراء رسل، وينتهي في آرائه المتأخرة مناصراً لمور . فنظريته عن اللغة كما وصفها في كتابه المعروف باسم "رسالة منطقية فلسفية" (1922) تقوم علي أساس التحليل الميتافيزيقي الذي وضعه رسل . أما في فلسفته المتأخرة كما بدت في " الكتاب ألأزرق" (1958) أو " الكتاب البني " (1958) و" بحوث فلسفية" (1959) فهي تبتعد عن نظريته الأولي كانت تستلزم نسقاً ميتافيزيقياً، فرفضها ورجع أساساً إلي موقف " مور" . وباختصار، فقد كان في الطور الأول " رسلياً" مع حبكة لغوية . أما في الطور الثاني فقد كان " مور " معبراً عنه في حدود لغوية .وبذلك نلاحظ أن فتجنشتين في ذريته المنطقية المعروضة في " الرسالة" كان فيها متأثراً برسل، أو كان كلاهما متأثر بالآخر.

ويحدد بعض الباحثين المرحلة الأولي من مراحل تفكير " فتجنشتين" بالفترة المنتهية بعام 1911.أما المرحلة الثانية من مراحل تفكير " فتجنشتين" فهي تلك التي تبدأ من عام 1911 حتي عام 1930، وفي هذه المرحلة لم ينشر أي أبحاث أو كتابات، وما نشر من اعماله كان بعد وفاته، ومنها الكتابين "الأزرق" و"البني"، نسبة إلي للون غلاف كل منهما، و" الأزرق" أكثر أهمية من "البني " لأنه يحتوي علي " التمهيد" لما وصفناه بالفلسفة الجديدة، وبجانب هذين الكتابين هناك كتابه الهام " البحوث الفلسفية" الذي يعبر فيه " فتجنشتين " عن فلسفته الجديدة، وهو مكون من جزئين انهي فنجنشتين من أولهما عام 1945، أما الجزء الثاني فقد كتبه بين عامي 1947 و1949 . وقد قامت بترجمته إلي اللغة الإنجليزية تلميذته أنسكوم Anscombe  ، وقامت بنشره هي وريز R . Rhees  في مؤسسة بلاكوبل عم 1953، ثم أعيد طبعه عام 1958، ثم ظهرت الطبعة الثالثة له عام 1936 .

وفي مقدمة كتاب " البحوث الفلسفية " اعترف فتجنشتين بأنه حينما أكمل "رسالته المنطقية الفلسفية "، كان مقتنعا بأن النتائج التي انتهي إليها كانت صادقة صدقاً يقينيا، وبأن المشكلات الكبرى في الفلسفة قد تم حلها أخيراً – علي الأقل من حيث المبدأ – كما ذكر في مقدمة "رسالته" "... أن الأفكار التي سيقت هنا، يستحيل الشك في صدقها أو هي أفكار مقطوع بصدقها، ولذا فإنني أعتقد أن ما هو أساسي في مشكلات الفلسفة قد تم حله نهائيا" . ولذا كان من الطبيعي أن يترك فتجنشتين الاشتغال بالفلسفة، طالما أنه قد توصل إلي حل مشكلاتها الكبرى " .

وهذا إن دل علي شئ فإنما يدل علي أن فتجنشتين كان واثقاً تمام الثقة مما توصل إليه من نتائج في رسالته . ثم حدث له حادث فكري كان ناتجاً عن مناقشاته مع الآخرين ومع نفسه أن بدأت ثقته تقل في مدي صحة ما توصل إليه من نتائج فلسفية سابقة . ولذا قرر فتجنشتين العودة مرة أخري إلي الفلسفة، لكي يعيد النظر في موقفه الفلسفي . وباختصار لكي يبدأ من جديد " وهذا ما فعله فقد عاد مرة أخري إلي كمبردج عام 1919 لكي يستأنف عمله الفلسفي .

واخيراً يعترف فتجنشتين بوجود أخطاء فيما توصل إليه في الرسالة فيقول :" وقد أتيح لي قبل أربع سنوات أن أعيد قراءة كتابي الأول (وهو الرسالة المنطقية الفلسفية) وأشرح أفكاره . عندئذ خطر لي فجأة أن من الواجب علي أن أنشر تلك الأفكار القديمة، بحيث يلقي الضوء الصحيح علي هذه الأخيرة ويتيسر الاطلاع عليها من خلال تعارضها مع طريقتي القديمة في التفكير وعلي اساسها . ذلك لأنني اضطررت للاعتراف بوجود أخطاء فادحة فيما كتبته في ذلك الكتاب الأول . وقد حدث هذا منذ أن رجعت للاشتغال بالفلسفة قبل ستة عشر عاماً خلت . وساعدني علي تبيين هذه الأخطاء – إلي الحد الذي لا أستطيع أنا نفسي تقديره – ذلك النقد الذي وجهه " فرانك رمزي " لأفكاري، والذي ناقشته فيه طوال السنتين الأخيرتين من عمره خلال أحاديثي التي لا حصر لها معه . وبجانب هذا النقد – الذي كان صائباً وملزم علي الدوام – أشعر كذلك بدين أكبر لذلك النقد الذي لم يكف أحد أساتذة هذه الجامعة، وهو السيد " ب . سرافا "، عن توجيهه لأفكاري علي مدي سنوات طويلة . إن أكثر الأفكار اتساقاً في هذا الكتاب (ويقصد كتاب البحوث الفلسفية) ليرجع الفضل فيها لهذا التنبيه المستمر. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط