حاتم حميد محسنمن الواضح ان ظروف الانسان لا يمكن النظر اليها بمعزل عن الآخرين، نحن بالضرورة كائنات اجتماعية متشابكة ضمن سياق اجتماعي. يعترف سارتر بهذا العامل وهو بالاضافة الى الاساليب الرئيسية لـ (الوجود لأجل ذاته)، و(الوجود في ذاته) يستخدم عبارة الوجود لأجل الاخرين ليصف الابعاد المتداخلة للوجود الذي يعترف بوجود "الاخرين"وكيف يمكننا مواجهتهم ضمن العالم ككل. في الحقيقة، ان الفرد نادرا ما يكون وحيدا في العالم وهو باستمرار يواجه وجود "الآخرين"كأجسام او اذهان. ورغم ان سارتر يعتبر الناس الآخرين من اهم الوسائل لدينا لأجل معرفتنا بانفسنا، فان اساس العلاقات الانسانية هو المسؤول عن فقدان المرء الفهم لوجوده والسيطرة عليه . "الآخر"لا يمكن النظر اليه مجرد شيءآخر في العالم(وجود في ذاته) لأنه في الواقع فرد(وجود لأجل ذاته) يحوز على المقدرة عبر "النظرة" للحكم علينا وبالنهاية يختزلنا الى شيء في عالمه. ولذلك، فان مفهوم الوجود لأجل الاخرين يستلزم تداخلا معقدا بين الذاتية والموضوعية، وبالنتيجة، فان استنتاج سارتر المتشائم هو ان علاقاتنا الرئيسية مع الآخرين هي مرتكزة على الصراع : "الجحيم هو الآخرون".

طريقتان للوجود

لنتذكر ان في فلسفة سارتر خاصة انطولوجيا الكائن الانساني، هناك طريقتان مختلفان للوجود في العالم، (الوجود لأجل ذاته) و(الوجود في ذاته) . الاخيرهو بالضبط وجود الاشياء التي ليس لها وعي ولا تتغير، هي مليئة بذاتها . اما الوجود لأجل ذاته هو بالضرورة شكل الوجود الواعي لكنه ايضا غير كامل، انه وجود الكائن الانساني، وعي بذاته، يفكر حول ذاته وبالنهاية له علاقة مع ذاته.

يرى سارتر ان هذه الطبيعة غير المعرّفة والغير محددة للوجود لأجل ذاته هي التي تحدّد الانسان. طالما الوجود لأجل ذاته (كالانسان) يفتقر الى كينونة مقررة فهو سيُجبر على خلق ذاته من اللاشيء. هذه العدمية طبقا لسارتر هي السمة المعرّفة للوجود لأجل ذاته . الشجرة هي شجرة وتفتقر للقدرة على التغيير او خلق وجودها. الانسان من جهة اخرى، يصنع نفسه من خلال العمل في العالم . فهو بدلا من ان يكون مجرد وجود مثلما هو الشيء في ذاته، الانسان كشيء لأجل ذاته يجب ان يحرّك وجوده.

بعد ذلك ينتقل سارتر لإدخال حقيقة متصلة وهي ان الوجود لأجل ذاته يمتلك المعنى فقط من خلال رحلته الابدية الى المستقبل المجهول. بكلمة اخرى، الانسان ليس بالضروره ما يصفه المرء كما هو الان. ، فمثلا، اذا كان هو مدرس، هو ليس مدرس بالطريقة التي تكون بها الصخرة كوجود في ذاتها كصخرة. الانسان ليس له كينونة ابدا، لا يهم كم هو يكافح للكينونة الذاتية. الطريقة التي يفسر بها ماضيه ويتنبأ بها مستقبله هي ذاتها سلسلة من الخيارات.

يوضح سارتر حتى لو قيل ان الفرد لديه طبيعة فيزيقية معينة، مثلما لدى الكرسي (هو بطول ستة اقدام والكرسي قدمين)، مع ذلك فانه يقيّم نفسه باضفاء معنى الى او اخذ معنى من خصائصه الملموسة وهكذا يقوم بنفيها.

المأزق الكبير هنا هو ان الوجود لأجل ذاته يرغب ليصبح وجودا ضمن الوجود في ذاته، يفرض موضوعيته على ذاتية الآخرين وهنا يتأكد اللانسجام الغير قابل للتسوية بين الوجود في ذاته والوجود لأجل ذاته.

ثنائية الوعي

 فيما يتعلق بالوجود لأجل ذاته يفترض سارتر ثنائية في الوعي، وعي ما قبل التفكير prerefletive consciousness ووعي التفكير reflective. طريقة الوعي في ما قبل التفكير التي يعتبرها سارتر طريقة رئيسية تصف الوعي في حالته الخام والتي هي مقصودة وموجّهة بفاعلية نحو الخارج باتجاه اشياء في العالم بينما طريقة التفكير تمثل تفكير بالذات، فهو وعي بهدفه وافعاله الخاصة .

نظريا، في اي لحظة زمنية سابقة للتعرف على الآخر، انا فرد حر والخالق الوحيد للمعنى في عالمي. لكن، حالما يبرز الاخر فان حريتي سوف تضطرب وتنكمش . وبالتالي انا افقد كل ما لدي من سيطرة، وان وجودي لأجل الاخرين يتقرر الى حد كبير بواسطتهم، هم يمتلكون الآن القوة والسيطرة لإعطاء اي معنى لأفعالي التي يرغبون هم بها، كشيء للاخر انا لم اعد موجود كفرد حر لنفسي وبدلا من ذلك اصبح موجود كشيء غير حر للآخر. سارتر يتصور الاخر كفجوة للاستنزاف يتدفق نحوها عالم تفكير الافراد الأنوي. هذه العملية هي جوهر التفاعل المعقد بين الذات والموضوع المتجسد في وجود سارتر لأجل الاخر وجرى وصفه بمصطلح "النظرة" التي تصف وعي الافراد بكونهم شيء"لنظرة" الآخر.

"كل شيء في مكان، كل شيء لايزال موجودا لي، لكن كل شيء يتنقل برحلة غير مرئية ومثبت في اتجاه واحد لشيء جديد. ظهور الاخر في العالم يتطابق مع انزلاق ثابت لكل الكون، الى حالة من فقدان السيطرة تتحقق لي في نفس الوقت".

بينما انا اعيش الحياة من الداخل أنظر الى الخارج بعيدا عن نفسي(وعي قبل التفكير)، مقابل ذلك عندما ينظر الاخرون لي انا اصبح شيء للتقييم لهم في عالمهم مثلما اي شيء اخر يلاقونه، وبالنتيجة انا الان اصبح واع بنفسي كشيء (تفكير ذاتي). وبهذا، فان الوعي الذي كان يعمل باسلوب قبل التفكير اصبح الان عبر "نظرة" الاخر ينظر الى نفسه كشيء ثابت في المكان والزمان بخصائص ونوعيات محددة. سارتر، يرى هذه كنقطة جوهرية حيث ان الاخر يصبح وسيط بيني وبين ذاتي . بدون الاخر انا لا استطيع الهروب من تجربتي ومنظوري الموضوعي الخاص بي. وعليه، بالنسبة لسارتر، نظرة الاخر تسمح لي لانجاز معنى الذاتية حول نفسي. سارتر يؤكد على ان الذات يمكن فقط تصورها عبر وجود الاخرين، حيث انه قبل وجود الاخرين لا معنى لمفهوم الذات. من خلال كوننا واعين بالاخر فاننا بدورنا نصبح واعين بانفسنا. وبالنتيجة، بالنسبة لسارتر اننا عندما نسمح لانفسنا لنكون عرضة لـ "نظرة" الاخر فان عواطف معينة كالفخر والخجل تجسد نفسها. المثال الذي استخدمه سارتر في التنصص والنظر الخاطف يمكن توظيفه لتوضيح هذا الادّعاء:

 لو كنت بدافع الفضول، او الحسد او الشر واخترت الاستماع او النظر من خلال ثقب المفتاح الموجود في الباب، فانا اساسا في طريقة التفكير السابق للوعي حيث ان وعيي الكامل موجّه نحو ما يحدث في الجانب الاخر من الباب. لكن، لو فجأة عند سماع وقع خطى خلفي انا اصبح واع بان شخص ما ينظر لي. هذا الحضور للاخر يقلقني، انا الان اصبح شيء لأجل الاخرين في عالمهم، وبالنهاية انا ارى نفسي لأن شخصا يراني. انا الان ارى واشخّص افعالي من خلال عيون الاخرين، جسدي ينحني للنظر عبر ثقب الباب. انا أحكم على نفسي من خلال عيون الاخر كمتلصص وبالنتيجة اشعر بعواطف الخجل عند ظهور كهذا. اذا كنت وحيدا في العالم فسوف لن يكون هناك سبب للخجل من سلوكي. ان سارتر يؤكد بان الاخر لا يحتاج ليكون حاضرا فيزيقيا لكي يمكن للنظرة ان تتجاوز الى تفكيرنا ووجودنا، فقط التفكير بالاخر يمكنه التاثير في تصوراتنا عن الذات من خلال النظرة الخيالية والحكم على الاخرين. يرى سارتر ان "النظرة"للاخر هي التي تبدأ الصراع الحتمي المترافق مع جميع العلاقات الاجتماعية. عبر النظرة للاخر، انا امارس احساسا بالاغتراب عن نفسي لأن "النظرة" تجسّمني وتختزلني الى وجود في ذاته بدلا من وجود لأجل ذاته محتويا على طبيعة ثابتة وتُنسب لي سمات شخصية خارج سيطرتي، تهدد بدورها حريتي الشخصية. في محاولة لتجنب هذا الاحساس بالاغتراب انا ادافع عن نفسي بمحاولة تشيؤ الاخر، وعليه احتفظ بحريتي الشخصية وانكر مقدرة الاخر على تشخيصي. غير ان عمل كهذا يعزل الاخرين كثيرا بما يقودهم لتصنيفي مرة اخرى بطريقة او باخرى وهكذا تبدأ دورة الذات - الموضوع مرة اخرى.

"كل شيء يقال عن علاقاتي مع الاخرين ينطبق عليهم ايضا. بينما احاول تحرير نفسي من التقيد بالاخر، فان الاخر يحاول تحرير نفسه مني، بينما انا اسعى الى استعباد الاخر، فان الاخر يسعى لاستعبادي." 

السيد والعبد

منطلق سارتر الاساسي هذا تمت استعارته من تعبير هيجل "السيد والعبد" الذي ينقل قصة تتعلق بشكلين اثنين من الوعي الذاتي في التاثير على الكائن الانساني. كل واحد يبحث عن الاعتراف والمكانة في العالم. وهكذا، عند الالتقاء فان الاثنين يدخلان فورا في نزاع حتى الموت حيث ان كل واحد يحاول التغلب على الاخر لكي يدّعي وجوده الخاص، احد الوعيين يهدد رؤية الاخر في الحرية والاستقلال. غير ان المفارقة هي ان موت الاخر سيقضي على الشاهد الوحيد كبرهان. ولذلك، سيسمح المنتصر للخاسر ليعيش متبنيا دور السيد بينما الخاسر يصبح عبدا. احد الوعيين يوجد كوسيط من خلال وعي الاخر. عبر هذه العملية الديالكتيكية كلاهما يتعلم بان الهوية الفردية هي مركب معقد من الاستقلالية واللااستقلالية والتي لايمكن للوجود الفردي ان يكون مسؤولا عنها، لا وجود هناك للسيد بدون العبد ولا عبد بدون سيد. ولذلك، من الواضح ان كل العلاقات هي بالنتيجة لايمكن لأحد ان يعيش مع الاخرين ولكن في نفس الوقت لا يستطيع العيش بدونهم. غير ان هذه العلاقات هي هامة جدا لانها المفتاح لفهم كامل لوجودنا في العالم.

وفي النهاية، انا باعتباري وجود لأجل ذاته فان رغبتي هي تحقيق كينونة ثابتة (وجود في ذاته) ابحث عن القوة والاستقرار ومع ذلك في نفس الوقت انا اقاوم مثل هذه المحاولات لكي لا اخسر حريتي (وجود لأجل ذاته). انا اتابع هيكل الوجود في ذاته، لكن، الوجود لأجل ذاته بطبيعته هو من كليهما. السير و المتابعة لايصلان ابدا وهما دائما في حركة. ولذلك، الشيء المثالي هو الوجود في ذاته لأجل ذاته، شيء بدون خسارة وجوده كوعي حر. مع ذلك، انه فقط من خلال مساعدة الاخر اتمكن من انجاز هذه الحالة التامة للوجود لان الاخر هو الذي يمسك المفتاح لذاتيتي ومن ثم أسرار وأصل وجودي، ومع ذلك بالنسبة لسارتر، هذا المشروع محكوم عليه بالفشل من البداية.

السادية والماسوشية

يعرض سارتر موقفين اساسيين عند مواجهة الاخر، الاول محاولة تقليل نفسي الى لاشيء الاّ شيء في ايدي الاخر، لكي امسك بحرية الاخر ولكي اصل وانظر الى ذاتيتي، وهذه تسمى الماسوشية. الثاني يستلزم محاولة تجاوز الاخرين، انكار حريتهم في جعلي شيئا، هذا الموقف يسمى السادية. يصر سارتر ان اي من الموقفين لن ينجح في تحقيق الحالة المرغوبة للوجود في ذاته ولأجل ذاته لأن الآخر ايضا سوف يتبنى ستراتيجيات مشابهة عندما يواجهني، ولذلك، يقود الى دورة حتمية من صراع السيد العبد.

 في الحقيقة، ان الماسوشية محكوم عليها بالفشل لأني لا يمكن بحكم تكويني كوجود لأجل ذاته ان افقد النظر الى موضوعيتي واصبح شيئا الى الاخر الى ما لانهاية . وفيما يتعلق بالسادية هذا سيفشل ايضا لأني عندما أجعل الاخر شيء لي معنى ذلك ان الاخرين لا يستطيعون تزويدي باساسي للوجود لانه فقط الشخص يستطيع بالنهاية تزويدي بهذا. بالاضافة الى هذين الموقفين هناك موقف ثالث متوفر لي، هو اللافرق، عندما اختار هذا انا اسعى لرفض او الاعتراف بموضوعية الاخرين انظر اليهم مجرد عقبات يجب تجنبها او كاشياء وظيفية في العالم يجب استخدامها عند الحاجة .

يعرض سارتر هذا الموقف كشكل من العمى الذي رغم انه يضعف احساسي بالاغتراب من خلال رفض التشيؤ، لكن هذا بالنتيجة يمنعني كليا من الوصول الى ذاتيتي، في الواقع انه يؤدي الى اغترابية لانه يجعل من الضروري التخلي عن محاولة تاسيس وجودي على العلاقة مع الاخر. 

علاقات الحب

في محاولة لتعريف علاقات واضحة يناقش سارتر مفهوم الحب، الذي بُني على اساس من الوجود الانساني (وجود لأجل ذاته) مفتقرا الى هوية وطبيعة معينة (وجود في ذاته). في مشروع الحب هدفي هو تحقيق كلية الوجود (لأجل ذاته- في- ذاته) من خلال استعمال الاخر، الذي قد يقدّم راحة مؤقتة من الألم الوجودي المرتبط بهذا النقص ومن ثم يبرر وجودي. بدون الاخر انا سيادة خالصة، ولذلك، انه عبر توظيف "النظرة" للاخر كوسيط، فان مصدر الذات او الهوية الفردية هو متوفر لي، الاخر هو اصل وجودي، انا ابحث عن الاخر كي اعرّف نفسي عبر دمج منظور الاخر مع منظوري. غير ان هذا بالنسبة لسارتر مشروع بلاجدوى محكوم عليه بالفشل. الحب يجب ان يفشل بسبب طبيعة الوعي ومع ذلك هو سوف يبحث عنه الى الابد، الحرية (الوجود لأجل ذاته) سوف دائما تمنع المعرفة الذاتية والهوية لأن الوعي يرغب بمعرفة ذاته لكنه سوف لن يستطيع ذلك ابدا.

 يتصور سارتر الحب كاتحاد بين شكلين من الوعي الحر، اتحاد يشكل وعيا واحدا. غير ان، هذه الفكرة تخلق تناقضا في ان هذا الاتحاد الاحادي سوف يزيل اخروية الاخر التي هي بالنهاية الاساس لوجودي. انا يجب ان لا أحرم الآخر من خاصية كونه شيء ما غيري لأن عمل كهذا يؤدي الى تحطيم وجودي لأجل الآخرين ومن ثم، تحطيم ايّ تصور واضح لهويتي المتحققة . انا احتاج لإمتصاص الآخر ولكن ليس كشيء لأن الشيء غير قادر للنظر لي واعطائي كينونتي. حرية الاخرين مطلوبة لتزويد الاساس لوجودي ومع ذلك تبقى تلك الحرية هي التي تُدخل الصراع الى العلاقات وان مشروع الحب كحرية لا يمكن حيازته ابدا، في الحب انا احتاج الحرية المستسلمة من اجل توفير الآمان لكني لاازال أرغب لأكون محبوبا عبر حرية تختارني. اساسا، انا ارغب في ان أعرض نفسي جيدا بما يكفي للآخر لكي يقيّد حريته ويكون مختارا بحرية على هذا الاساس. هذه العملية بالنسبة لسارتر هي هشة جدا وسوف تنتهي حتما بصراع الذات-الموضوع فيه يحاول احد تجاوز الآخر، وطبقا لذلك فلن تكون هناك راحة :"الجحيم هو الآخرون". وبالنهاية، لا إنكار لوجود الترابط الوثيق ضمن عالمنا في علاقة لابد منها بين الذات والاخر . نحن كأفراد نبذل وقتا وجهدا كبيرين في متابعة وبناء علاقات مع الآخرين، ولكن اذا كانت الحقيقة هي صراع حتمي تبادلي، كيف لنا كأفراد ان ندير هذا التحدي؟ سارتر يرى الحل الاساسي هو تبنّي الايمان الزائف(1).

 

حاتم حميد محسن

...........................

المصادر:

-1Hell is other people: Sartre and being-for-others, Pathways philosophy

-2Being and Nothingness,SparkNotes philosophy study guide

الهوامش

(1) الايمان الزائف bad faith هو مفهوم فلسفي استخدمهُ كل من الفيلسوف الوجودي سيمون دي بيفور وجان بول سارتر ليصف الظاهرة التي يكون فيها الانسان تحت ضغط شديد من القوى الاجتماعية السائدة، فيضطر الى تبنّي قيما زائفة منكرا ومتخليا عن حريته الفطرية وبالتالي يتصرف بلا أصالة.

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: يذهب امام عبد الفتاح امام في هامش تقديمه وترجمته لكتاب والتر ستيبس(التصوف والفلسفة) ص259 الذي نعتمده كمصدر وحيد في هذه المقالة، ان مصطلح وحدة الوجود pantheism يوناني مؤلف من مقطعين pan بمعنى شامل أوعام وtheism بمعنى الاله، أي شمول الالوهية لكل شيء، او ان وجود الله ووجود العالم هما ضرب واحد من الوجود.

ومذهب وحدة الوجود في الكتابات المسيحية التصوفية يشير الى العلاقة بين الله وجزء خاص من العالم، الذي هو الذات الفردية للمتصوف عندما يصل حالة الاتحاد الصوفي بالله.وينسب للبروفيسور ابراهام ولف (ان وحدة الوجود في الفلسفة واللاهوت تعني النظرية التي تقول ان الله هو كل شيء، وكل شيء هو الله، فالكون ليس خلقا متميزا عن الله، فالكون هو الله، والله هو الكون).1

لاشك ان التصوف يرتبط ارتباطا وثيقا بالدين واللاهوت الديني في جميع اشكالاته اكثر من محاولات طرحه كاشكالية ترتبط بالفلسفة، وهذه الإشكالية ليست لغوية صرف كما هو مطروح متداول في الفلسفة الغربية المعاصرة (البنيوية والتفكيكية). وربما تكون دراسة التصوف فلسفيا احدى هذه الإشكالات التي ليس من السهل البت بها او التوصل الى نتائج يمكن الركون لها والتسليم بها، لذا نجد من العبث ربط إشكالية التصوف باشكاليات الفلسفة وموضوعاتها لأننا والحالة هذه لن نصل الى مايرضي الفلسفة ويرضي التصوف معا، فالغيبيات الميتافيزيقية التصوفية طاغية بشكل يصادر الجهد الفلسفي بما اطلق عليه كانط ثم ديكارت منذ القرن السابع عشر نهاية الميتافيزيقا وأن ميادين الميتافيزيقا مضيعة للجهد الفلسفي، فهي ميادين بحثية لا معنى حقيقي لها، وهي المانع الأهم في عدم إمكانية الوصول الى مفاهيم تساعدنا على فهم التصوف فلسفيا.وعليه تكون الجهود المبذولة في ربط التصوف بالفلسفة هي من باب الاجتهادات الفردية في مسائل قد يأتي يوم يؤخذ على الفلسفة انها حاولت العناية بموضوع لايقبل الصدق او الوثوق به في نفس وقت انعدام البراهين التي تجعلنا لا نثق به وبذا يكون التصوف (ديني وميتافيزيقي فلسفي معا) اذا اريد له ذلك والعودة المتكررة لدراسته فلسفيا.

وحدة الوجود في الاديان

لايؤمن الإسلام بوحدة الوجود التصوفي، بل وحدة الوجود الطبيعي، خلاف الديانات اليهودية والمسيحية والبوذية والهندوسية التي تؤمن جميعها بوحدة الوجود الديني، ويتوّسل متصوفي هذه الأديان العرفان الاشراقي الحلولي لتحقيق اندماج الذات التصوفية في النور الإلهي الغامر والذوبان النفسي فيه بطريقة تتجاوز فيزياء الطبيعة والوجود وقوانينهما التي تحكم علاقة الانسان معها ومع الحسي والوجداني العاطفي النفسي (مجاوزة الزمان والمكان كليّا). ورغم ان الديانات الوثنية لا تعترف بوجود الله الخالق لذا فهي تربط الحلول الذاتي والتصوفي مع براهما او بوذا في بلوغ النرفانا التي هي معناها الخواء والعدم، وتحقيق اشباع الانجذاب التصوفي الروحي الحلولي تجاه المعبود وفي آيات الخلق والوجود الللامتناهي غير المحدود في اسراره وجماله ونظامه في الطبيعة والكون.الخواء والعدم تعابير مجازية غير حقيقية فهي من وسائل الادراك للوجود والاشياء بواسطتها، (واسطة الدلالة بها) وليست هي مدركات موضوعية يمكننا التحقق منها بذاتها فهي غير قابلة للتحقق وبلا معنى من أي نوع.

وحجّة الذين ينكرون وحدة الوجود التصوفي يذهبون ان هناك حاجزا يفصل الهوية الفعلية للارواح عن الخالق او المعبود.1رغم ادعاءات المتصوفة في مقدمتهم متصوفة المسلمين بوحدة الوجود دينيا التي ينكرها عليهم بعض فقهاء الدين الاسلامي وفلاسفته. الإسلام يفهم وحدة الوجود في آيات الله في الطبيعة وفي الانسان وفي مخلوقاته فقط، وان وحدة الوجود البشري مع الله في كسر قوانين الطبيعة شرك. في حين تبدي المسيحية الموافقة المشروطة على وحدة الوجود (الله والطبيعة والانسان) معتبرة وحدة الوجود لا تتقاطع مع الثوابت اللاهوتية، لكن بعض المذاهب المسيحية تلتقي بنظرة الإسلام وتعتبر وحدة الوجود التصوفي (هرطقة ) من حيث ان الوصول الى الانا الفردية الخالصة المتجردة عن انسانويتها تماما لا تتوفر للإنسان ذي القدرات المحدودة بعاملي الزمان والمكان اللذين ليس من السهولة والمتاح مجاوزتهما، وكذلك عامل محدودية قدرات الانسان تجاه الذات الإلهية العصّية وماهيتها الغامضةعلى كل التصورات والادراكات العقلية المادية او الخيالية.التي تفتح الطريق امام المتصوف ولوج مرحلة التسامي الروحاني التي يجادل المتصوف في نسبتها له وتعلقه بها بحب وعشق الخالق والذوبان في تجلياته وفي كليته الذاتية.

الحلول الاشراقي في الذات الالهية

يصف منصور الحلاج وصوله مرحلة التسامي والحلول والاشراق العرفاني بالله بقوله مرددا (انا الحق) وهي لفظة ناقصة عن عبارة السيد المسيح (انا الحق والحياة والطريق) وكثيرا ما يتحدث الحلاج عن الروح الإلهي والروح البشري على انهما محبّان يتناجيان في حالة من الغبطة والسكر والنشوة الممزوجتين تماما كما في الابيات التالية:

مزجت روحك في روحي كما.......تمزج الخمرة بالماء الزلال

فاذا مسّك شيء مسّنـــــــــــــي...... فاذا انت انا في كل حال

انت من اهوى ومن اهوى انا........نحن روحان حللنا بدنا

كما يقول السهروردي:

لا تظنوني باني ميت..............ليس ذا الميت والله انا

ويعتقد اللاهوتيون (المؤلهة) في المسيحية الذين ينكرون امكان تحقق الحلول العرفاني، بخلاف ابيات الحلاج الشعرية التصوفية والسهروردي الذي ادعى أيضا ان الله كلمّه مثلما كلّم النبي موسى، (انه حتى في حال الاتحاد بالله فلابد ان تظل فردية المتصوف منفصلة ومتميزة عن الله).2 وهو امر مفروغ منه لا يحتاج مناقشة اثباته لاقناع غير المتصوفة من الناس.

انه من المشكوك به اثبات وصول المتصوف مرحلة الاندماج بالذات الإلهية الكلية التي حسب الادعاءات الصوفية تتجلى في حدس مبهم غامض لا يتاح الإفصاح عنه او شرحه جماعيا من قبل أصحاب التصوف فهو فوق قدرة الوجود الإنساني معرفته حسّيا او الإحاطة بجزء منه، وحتى في الأديان الوثنية البوذية والهندوسية، فالقدرات البشرية مهما تسامت فوق قوانين الطبيعة وادراكات الزمان والمكان فهي قدرات محدودة مكبّلة وعاجزة في الحلول في فضاء الانجذاب النوراني الرباني، لانها بالنتيجة لا يمكنها ان تترك وقع اثار اقدامها على الأرض.فطبيعة الانسان لا يمكن ان تتشابه مع اية طبيعة متصورة ذهنية للاله الخالق في حال اقرارنا إمكانية تشيؤه (الله) على شكل او صورة من الادراك التي يستطيعه البشرلفهم هذا التشيؤ الافتراضي المستحيل.

كما انه ليس من السهولة ان نجد ذاتا الهية تخص بعضا من البشر بنوع من المحبّة والأيثار دون غيرهم وتقرّبهم من الاتحاد بأناها الإلهية، وامام هذا المأزق نجد ان المتصوف يدور في حلقة مفرغة قطباها أولا الدوران حول الذات في عوالم من التصورات الانجذابية الحلولية التخييلية اللاشعورية، وثانيا الدوران حول التهرب من الإفصاح عن التجربة التصوفية التي يمر بمراحلها المتصوف بواسطة الدلالة اللغوية او الرمزية والاشارية ليفهم الآخرون تجربته. وبهذين المعنيين تنعدم امامنا صدقية التجربة الصوفية من عدمها في زيفها وادعاءاتها لأننا لا نستطيع الحكم على شيء لا يفصح عن نفسه او دلالاته بأية وسيلة ادراك تثبت صدقيته او نفيها.

ونجد هذين الافصاحين يرددهما جميع المتصوفة وفي جميع الأديان وفي مختلف العصور ومختلف الثقافات والأمم. من ان تجاربهم الصوفية هي من الاسرار التي لا يجوز البوح بها للاخرين وانها تفوق الوصف ومن غير اللائق بالمتصوف الحديث عنها!! ويشير والتر سيبس الى ان الاوبنشاد الف وخمسمائة ق. م وهي اقدم الوثائق المعروفة عن التصوف الهندي، وهي تصف على نحو ثابت لا يتغير التجارب الصوفية بانها بلا صوت ولا شكل وغير ملموسة وتخلو تماما من المضمون الحسي.3

وعن مقاربة هذه الدلالة والمعنى نجد القديسة تيريزا، من منطلق استحالة الكتابة عن التجربة الصوفية اثناء حدوثها والمرور بها، وانما يتم ذلك بعد الخروج منها ومحاولة تذّكر وقائعها تصف لنا قائلة:(اثناء الغبطة نفسها كثيرا ما يكون البدن كأنه ميّت وعاجز تماما، وتضعف الحواس وتهن غير ان قوة الابصار والسمع تبقى بصفة عامة، لكن كما لو كانت الأصوات المسموعة والاشياء المرئية تقع على مسافة بعيدة جدا، وانا لااقول ان النفس تسمع وترى عندما تكون الغبطة في قمتها، عندما تضيع الملكات بسبب الاتحاد العميق بالله، فانها عندئذ لا تسمع ولا ترى ولا تدرك، وهذه التحولات التامة لا تستغرق سوى (لحظةّ!!!!).4

التصوف بين الذاتية والموضوعية

يقسم المختصون بدراسة الصوفية الى ان جميع تجاربها يمكن اجمالها جميعهاعند مختلف الأمم ومختلف العصور والازمنة في منحيين، هما أولا التجربة المسماة الانبساطية في حب الله، والتي يطلق عليها أيضا الغبطة واللذة. والثانية التجربة الانطوائية المتأملة ذاتيا في تداعيات الحلم التصوفي والانجذاب، وهي تجربة ربما يعتبرها البعض اكثر نضجا من التجربة الانبساطية في التصوف.

وفي الوقت الذي يذهب فيه وليم جيمس وبرود وكتاب اخرين الى ان التجربة التصوفية ذاتية وليست موضوعية، وهو رأي اكثر مقبولية من دعاة ان التجربة التصوفية موضوعية، فالادعاء بان الذات الكلية الإلهية هي حقيقة واقعية موضوعية فيها الكثير من شبهات التجسيم الإلهي الذي يرفضه الإسلام وخاصة في اراء فرقة( المعتزلة) وهو رأي يعتد الاخذ به فلسفيا ايضا، فالمتصوف الذي يعي ذاته هو عندما يجد ان الذات الإلهية ذات مفارقة لوجود الانسان ووعي هذا الوجود، يعطيه مشروعية ان يكون جزءا منفصلا او متحدا مع الكلية الإلهية التي يدركها وهو محال عقليا فيزيولوجيا لغير المتصوف ادعاؤه، وفي كلا الادعائين فان الذات هي الفاعلة وفي هذا مصداقية لمقولة ديفيد هيوم في تعريفه (الانا) بانها ليست سوى تيار الحالات الواعية، ويكون هيوم بهذا يزرع بذور الشك بالروحانيات ويستبطن نظرية الالحاد في عدم وجود الله في ثنايا عبارته، والأكثرمنها انه يستبعد نهائيا ان يكون لتداعيات وخيالات اللاشعور قدرة امتلاك وثوقية الحقائق الواقعية او الموضوعية.كما انها عاجزة عن امتلاك الادراك والتصورات التي تثبت الكلية الإلهية حقيقة واقعية او موضوعية. وهذا التفسير لا تستطيع دحضه الأديان من غير الإسلام ولا الفلسفات التي تعترف بصدقية التجارب الصوفية ولا زالت القضية موضع تجاذب ونقاش مستمر.

في تعريف الموضوعية: (ان المعيارالمطلق لمعنى الموضوعية هو انها نظام او ترتيب يخضع لقوانين الطبيعة) 5 وهو معيار مختلف تماما عن معنى الذاتية التي هي نظام شعوري تارة، ونظام لا شعوري تارة أخرى يستطيع كسر حاجز قوانين الطبيعة كما في حالات النوم والاحلام والتخييل او التصوف، وبهذا يصعب البت في إعطاء التخييل الحلمي وبضمنه التصوفي على ان مايدركه ويعيه انه شيء حادث او ممكن الحدوث في الواقع او في الخيال على اعتبار ان الله عصي على التشيؤ في اية صورة يستطيع الانسان ادراكها.

لا يستطيع المتصوف ادعاء ان الذات الكلية الإلهية التي يتحد او يتواصل معها انها كليّة (ذاتية) فقط او كليّة (موضوعية) فقط وانما يقول هي كلية ذاتية وموضوعية في وقت واحد، وفي كلا الافتراضين فان هذه الكلية متمايزة جوهريا بذاتها وماهيتها وخصائصها، ان تكون حاملة لأي من مواصفات البشر التي يمكن ادراكها بوسائل الادراك البشري والاتحاد بها.كما اننا في كلتا الحالتين يتعذر علينا نحن غير المتصوفة الوثوق في إمكانية الاتحاد بهذه الكلية الإلهية تصوفيّا.

فاذا اعتبرنا الكلية الإلهية ماهية ذاتية في مقابلة الوجود البشري التصوفي كذات أيضا بمواصفات اختلافية جدا فمن المتعذر التصديق بالقول امكانية الاتحاد معها، وان ما يمر به المتصوف ليس اكثر من تداعيات وتصورات يتداخل بها النفسي مع الموضوعي الحسي بمعزل عن وجود آخر حتى لو كان اثيري او نوراني تتجلى به الذات الكلية للمتصوف. كذلك ان نقول الذات الكلية الإلهية موضوعية تنفي امكانية التواصل بها لما تحمله من تجسيم لا يتعدى مدارك ووعي الصوفي في اسباغ كل تداعيات اللاشعور الذاتي على موضوعه المفترض خياليا فقط. وبهذا المعنى يمكننا اعتبار التجربة الصوفية مرحلة متأخرة من تطور الدين عبر الازمان.

وحدة الوجود والفلسفة

في السطور السابقة اشرنا الى فشل وعجز الاجماع في دعم النظرية التي تقول ان التجربة الصوفية تشهد او هي دليل على وجود حقيقة واقعية تتجاوز الذاتية الفردية للوعي الصوفي، (وان التجربة الصوفية ليست ذاتية وحسب، بل هي في صميم ما يزعمه المتصوفة انها تجربة مباشرة بالواحد، وبالذات الكلية، والله).6

يعتبر اسبينوزا اهم فلاسفة وحدة الوجود اذ يعتبران الله والطبيعة مفهومان مترادفان لمعنى واحد ولا يقر بوجود خالص خارج الطبيعة، والكون عنده يتألف من جوهر وصفاته وهي صفات الله ولا يوجد شيء غير ذلك .7

ان اسبينوزا هنا لا يقر بوجود خالق قائم بمواصفات ذاتية بمعزل عن توزعات هذه الصفات الالوهية على الطبيعة وقوانينها التي من ضمنها الانسان في تغطية وحدة الوجود وان كل شيء في الوجود والكون هو في النهاية يدّخر ذاتيا خصائص الهية هي من صنع واغداقات الخالق على الطبيعة والانسان بكل مميزاتها البشرية وتعقيداته الوجودية التي تعزى الى الخالق في غموضها المستعصي على الوضوح في اغلب الأحيان وتعتبر بمثابة اعجازات الخالق في مخلوقاته (الانسان وفي الطبيعة). وتمتاز هذه الموجودات بانها جواهر وصفات غير محدودة ولا نهائية لا يمكن احاطتنا بجميعها ولا وجود لشيءخارجها ومنفصل عنها.بمعنى مختصر ان الله هوصفات مخلوقاته في كيفياتها اللانهائية فقط ولا وجود له (الله) على شاكلة أي نوع من الصفات المستقلة به ذاتيا الغير مدركة في بعضها في الطبيعة والانسان والنظام الكوني الذي يجعل الوجود واحدا في تداخل الإلهي كصفات أرضية وطبيعية فيه مع البشري والطبيعي والكوني بما يستلب من الانسان مركزيته الوجودية وحاجته الى رد الأمور المستعصية على تحملها الى قدرة الله المتجلية في بعض مظاهرها امامه في نفسه وفي الطبيعة وتشعره بالتقزيم الملازم لوجوده.

اذن وحدة الوجود الاسبينوزي تدحض بالصميم ان يكون الخالق ذاتا او موضوعا مستقلا يمكن ادراكه ويتأمله بعض الناس المتصوفة دون غيرهم.فالواحد الالهي هنا في هذه الحالة هو في حقيقته (كثرة) متوزعة بما لانهاية له من التجليات والصفات، غير محدود ولا نهائي وليس واحدا كيانيا قائما لا في ذاته ولا كموضوع لذا يكون من المتعذر على الصوفي ان يتحد بالذات الإلهية كما يدعي.

ورفض ديفيد هيوم ومعظم فلاسفة الوضعية التجريبية والتحليلية الإنكليزية مثل فرانسيس بيكون وجون لوك وجورج مور وبراتراندرسل إمكانية ومقدرة وصول المتصوف مرحلة وجود الانا الخالص التجريدي والمتحرر من مقيّدات الوجود الإنساني الواقعي الطبيعي الفيزيائي في الزمان والمكان. ويضيف هيوم دحضه وجود الانا الخالص في تعريفه الانا: (ان الانا الخالصة ماهي الا تيار الحالات الواعية) 8 بمعنى وعي الذات لوجودها المادي والتخييلي التصوري وادراكاتها للمحيط والموجودات إدراكا ذهنيا عقليا حسيا شعوريا وبهذا ينفي هيوم الوجود المادي ان يكون سابقا على الفكر والادراكات والتصورات كلية في تأكيده ان الذات ادراك واعي. وان وجود الشيء هو ان يدرك، وهي قمة المثالية التي يشاطره بها بيركلي عندما يقول لا وجود لشيء خارج ادراكي له فكريا وذهنيا، وفي حال تجرد الانسان من حواسه في ادراك الوجود سوف لن يكون هناك وجودا قائما بذاته كما تذهب له المادية في ان وجود الشيء يسبق ماهيته وادراكه والتفكير به.

ان الزعم بتحقق وحدة الوجود تصوفيا امرا لايمتلك براهينه الفلسفية المنطقية فاذا اخذنا (النوع الانطوائي من التجربة الصوفية، فهي غير حسّية مادامت جميع الاحساسات والتصورات استبعدت منها )9 لكنها تبقى تجربة ذاتية غير موضوعية (فهي ذاتية بالمعنى الذي يكون فيه الهذيان والهلوسة والاحلام مصادر تنبعث بالضرورة ذاتيا وليس موضوعيا)10أي ان هذه الحالات عند المتصوف لا تخضع الى انتظام قوانين الطبيعة في فهم ماهو الموضوعي.لكنما اذا ما اخذنا المتصوف كوجود متعين زمانا ومكانا من خلال تجريده عن جميع حالات الهذيان والاحلام التخييلية فيصبح وجوده موضوعيا ماديا لاعلاقة له بالفكر المدرك لوجوده في وعي ذاته، ولا بحالات الهلوسة التي امتلكت صفة الذاتية المنعزلة عنه، وهوتصنيف غير مقبول منطقيا، كون الانسان وجود مادي يتحدد بالعقل بالفكرواللغة والوعي، لكن ما يبرره هو ادعاء المتصوف ان حالاته الحلمية التخييلية تمتلك موضوعيتها من موضوعية وجوده الأرضي المتعين التي اكتسبها من مقارنه وجوده مع الوجود (الموضوعي) للذات الإلهية التي يدعي حدسها والتقرب المتزايد منها كذات وموضوع وهومالا يؤخذ به لأنه لا توجد لحد الان براهين لا هوتية ولا علمية تؤكد وجود الخالق بالمواصفات الذاتية التي نحدسها ومعنا يشترك المتصوفون بها أيضا في هذا العجز.

كما لا نعتقد أن الصوفية حسمت أمرها في ان الادراك التصوفي لله يقوم على اعتبار الله (ذاتا) بمواصفات الهية يصعب على الانسان الإحاطة بها او الاتحاد بها؟ ام ان الله موضوع تأملي بمواصفات الهية ليس من اليسير الإحاطة بها او ادراكها ايضا؟ وفي أي من العلاقتين يتحدد الادراك التصوفي للذات الالهية؟ في اعتبارها ذاتا ام موضوعا يتيسر للذات البشرية الحلول والذوبان الاشراقي في الوجود الإلهي وكيف؟ ليس هناك من أجوبة شافية قاطعة.وبضوء ما ذكرناه (نجد اجماعا من جميع متصوفة العالم الى ان التجربة الصوفية لا هي ذاتية ولا هي موضوعية، وهم لم يصلوا الى هذه النتيجة استدلالا منطقيا مقبولا، وانما يشعرون به حدسيا وهي التاويل الوحيد الطبيعي لتجاربهم.)11

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................

الهوامش

1. التصوف والفلسفة/والتر ستيبس/ ترجمة وتقديم امام عبد الفتاح امام/ص267

2. المصدر السابق ص53

3. المصدر السابق ص 76

4. المصدر السابق ص 166

5. المصدر السابق ص 87

6. المصدر السابق ص 269

7. المصدر السابق ص180

8. المصدر السابق ص 197

9. المصدر السابق ص 210

10. المصدر السابق 217

11. المصدر السابق ص 184

 

 

حاتم حميد محسنالحوار الرئيسي يبدأ عندما يتوجه سقراط بالسؤال الى بروتوغوراس ليعرف ماذا يعلّم تلاميذه؟ بروتوغوراس يعلن انه يعلّم طلابه السياسة وكيفية ادارة الشؤون الشخصية. لكن سقراط يسأل حول ما اذا كان هذا حقا موضوع يمكن تعلّمه. يجيب بروتوغوراس بحديث مطول عن خلق العالم. الفضيلة، حقا، يمكن تعلمّها لأن الانظمة السياسية تأسست على اساس ان جميع المواطنين يمكن ان يحوزوا على الفضيلة. كذلك، وبنفس الطريقة، ترتكز العدالة الجنائية على فكرة ان الناس يمكن إصلاحهم- اي يتعلمون كيف يكونوا فضلاء. سقراط يحوّل موضوع النقاش للتركيز الدقيق على ماهية الفضيلة بالضبط. هل هي شيء واحد ام عدة اشياء؟ لكن هذا الخط من الجدال لم يتقدم كثيرا قبل ان ينهار الحوار كليا. سقراط وبروتوغوراس يتجادلان حول اشياء فرعية مثل كم يجب ان يكون طول الاجابة على اسئلة كل منهما : سقراط يفضل اجوبة قصيرة واسئلة سريعة بينما بروتوغوراس يرغب بأجوبة مطولة . متحدثون آخرون يتدخلون في النقاش ويقنعون الاثنين للعودة الى موضوع النقاش الاصلي. بروتوغوراس يسأل سقراط اولا ثم يأتي الدور لاحقا الى سقراط.

ينتهز بروتوغوراس الفرصة للتحول في الموضوع الى قصيدة لسيمنديس. وحين اشار الى التناقض في القصيدة، راح يتحدى سقراط للاجابة. سقراط كان ذكيا في جداله، هو يفسر القصيدة كرد فعل لإدّعاء بيتاكوس، Pittacus، بانه من الصعب ان تكون خيّرا . حسب تفسير سقراط، ان القصيدة تزعم بانه من الصعب ان تكون خيّرا لكنه من المستحيل ان تكون خيّرا في كل الاوقات، لأن الناس مجبرون على السلوك السيء بفعل أقدار حتمية . سقراط عندئذ يذهب بتفصيل اكثر: الحظ السيء لا يعني الفقر او نقص الشيء، وانما هو الجهل. يرى سقراط ان الشر هو نقص المعرفة لأنه من المستحيل التصرف بشكل خاطئ مع وجود المعرفة بالخير. يستمر سقراط في متابعة هذا الخط من التفكير ليسأل بروتوغوراس بعض الاسئلة. يرى سقراط ان الخير الوحيد هو المتعة، ارتكاب فعل الشر هو اختيار غير واعي للألم مقابل المتعة. ما نحتاج اليه هو طريقة يمكن بها ان نحدد بوضوح الشكل الاكثر متعة للفعل في اي موقف. كونه نال موافقة بروتوغوراس لهذا الموقف، يجادل سقراط حينئذ بان الجُبن هو الفشل في الخوف من الاشياء الصحيحة، والخوف من الاشياء التي يجب ان لا يُخشى منها.الشجاعة، هي لذلك، شكل من المعرفة. كان بروتوغوراس اقتنع سلفا ان الحكمة والاعتدال والعدالة والقداسة كلها تأتي تحت اسم واحد هو الفضيلة. سقراط اثبت ان الشجاعة مرادفة لهذه المسميات وان الفضيلة ذاتها هي فقط اسم آخر للمعرفة. اذا كانت الفضيلة معرفة، عندئذ يمكن تعلمّها. وهكذا، كل من بروتوغوراس وسقراط ينهيان النقاش بالضد من موقفهما في بداية الحوار، الحوار ينتهي بشكوى سقراط من ضياعه لأحد المواعيد.

السياق التاريخي

من بين حوارات افلاطون كان حوار بروتوغوراس الذي يبدو فيه شيء من الغرابة كونه وُجد قبل مولد افلاطون وفي فترة لايزال فيها سقراط شابا. سقراط حوكم واُعدم عام 399، افلاطون وُلد قبل ذلك بثلاثة عقود في عام 427. حوار بروتوغوراس وُجد قبل بداية الحرب بين اسبارطة واثينا حوالي عام 433. هذه الحرب كانت كارثية لأثينا. فبعد قتال مرير ومكلف اعترفت اثينا بهزيمتها امام خصمها اللدود سبارطة. في إعادة البناء السياسي اللاحق جرى استبدال نظام اثينا الديمقراطي بنظام اوليغارتي (نظام الثلاثين طاغية)، غير ان هذا النظام الجديد اطيح به فورا وتمت إعادة تأسيس النظام الديمقراطي.

في أعقاب هذا التغيير في الانظمة السياسية جرت محاكمة واتهام سقراط في عام 399. بالنسبة لقرّاء بروتوغاروس الاوائل وكما هم قرّاء اليوم، يُعتبر حوار بروتوغوراس عملا تاريخيا يصف احداثا وقعت في اثينا التي تغيرت دراماتيكيا في الاربعين او الخمسين سنة اللاحقة. في عام 433، كانت اثينا في اوج نفوذها السياسي، كونها قادت تحالفا من المدن اليونانية في هزيمتها للغزو الفارسي. نظامها السياسي كان الاكثر ديمقراطية من اي مجتمع(لو تجاهلنا استبعاده للمرأة واستعماله للعبيد). كل المواطنين الاحرار شاركوا في العملية السياسية الاثنية، القرارات تُتخذ جماعيا بدون ان يتوسطها نظام تمثيلي للحكومة. عندما كتب افلاطون الحوار كانت اثينا بعيدة عن هذه الذروة.

نقاش سقراط وبروتوغوراس للفضيلة السياسية يكتسب اهمية جديدة حالما يؤخذ هذا السياق التاريخي بالحساب. السؤال عن كيفية اكتساب الفضيلة كان بالتأكيد اكثر الحاحا لإفلاطون - الذي رأى استاذه يُحاكم ويُعدم- بدلا من ان يكون لأجل المشاهدين المتجمعين في مقر هيبوس للاستماع لسقراط وبروتوغوراس. كل من سقراط وبروتوغوراس، ومع كل الاختلافات بينهما، يعرضان رؤى متفائلة عن منافع التعليم في الانظمة السياسية والاجتماعية. بالنسبة لبروتوغوراس، كل الناس لهم حقوق وواجبات متساوية في المشاركة بعملية صنع القرار. بالنسبة لسقراط، (في نهاية الحوار) السلوك الاخلاقي يمكن تعليمه. ايّ منهما لم يعرض رؤية تشاؤمية عن طموحات وامكانية التفكير الفلسفي في المجتمع. لكن، الحوار ذاته لا يلبي هذه الآمال المتفائلة. اذا كان سقراط نجح في اقناع بروتوغوراس بموقفه، فان بروتوغوراس وافق على ذلك فقط بتحفظ وبمزاج سيء. هو ربما محق في شكوكه، لأن العديد من حجج سقراط لاتبدو متماسكة. ونفس الشيء، سقراط ذاته يلخص الحوار بالقول ان جميع الحجج تحتاج لتبدأ مرة اخرى، اي انهما وصلا ليس الى النهاية وانما الى البداية. بعد حوالي مائة صفحة من الفلسفة الثقيلة، يعرض افلاطون فقط استنتاجات غير مؤكدة لدرجة ان القارئ يجب ان يكون غير واثق من قبوله لها بأي مقدار، هذه ليست نهاية متفائلة.

السياق الفلسفي

حوار بروتوغوراس، اُعتبر، كما ذكرنا اعلاه حوارا قديما. وكما في معظم الحوارات القديمة الاخرى، انه يبدأ بتعريف ماهية الفضيلة، لكنه يفشل في التوصل الى اي استنتاج منهجي وتعريفي. في الحقيقة، ان تقليد طريقة الفيلسوف اليوناني بروديكوس prodicus – الذي يحاول انتزاع تعريفات دقيقة للكلمات – يشير الى ان هذا المشروع التعريفي هو خاطئ من البداية.هل التوصل الى تعريف دقيق للفضيلة يساعد المرء في التصرف بفضيلة؟ربما ليس كذلك، رغم اعتقاد سقراط بانه من المستحيل التصرف بسوء عند معرفة الخير.

في الحقيقة، ان إثارة اسئلة الفضيلة في هذا الشكل التعريفي يشير فقط الى مدى غرابة هذه التحقيقات الفلسفية، هذا يعني ان افلاطون ينوي عمل شيء ما آخر في هذه الحوارات الى جانب الوصول الى تعاريف دقيقة. جزئيا، هذه الحوارات يمكن اعتبارها كإزالة للافتراضات المسبقة الزائفة وتفكيك للآراء المطروحة، انها عملية تنظيف فكري تام مطلوب القيام به قبل البدء بالبناء العظيم للجمهورية . لكن قراءة هذه الحوارات القديمة كآداء لمثل هذه الوظيفة السلبية كليا ايضا تبدو عملية اختزالية. بالتأكيد هناك تحطيم كبير للعقائد الزائفة في هذه الحوارات، بلاشك سقراط يستخدم قوة السؤال والاجابة بطريقة مؤثرة. غير ان هاتين العمليتين ليستا متشابهتين. اذا كان سقراط يستخدم طريقة الديالكتيك لمهاجمة حجج خصومه، فهو ايضا يستخدم هذه الطريقة لصياغة معتقداته الخاصة.المشارك له في الحوار ليس مجرد معارض قوي، وانما يمكن ان يكون مساعدا. في مكان ما من الحوار يقتبس سقراط قول هوميروس "عندما يفكر اثنان مجتمعان، فان احدهما يرى قبل الآخر"(348D).التفكير مجتمعا يمكن ان يسير أسرع بكثير من التفكير الاحادي. هذه الطريقة ليست مفيدة فقط للتفكير السلبي – لتحديد ونقد ضعف الحجج- وانما يمكن ايضا ان تُستخدم للوصول الى اسئلة اكثر حدة تقود الى استنتاجات حاسمة. اذا كانت الحوارات القديمة لا توفر دائما استنتاجات، فانها تؤسس عملية ممتازة وفعالة يمكن بواسطتها الوصول الى الاستنتاجات. هذا بحد ذاته نوع من الاستنتاج. لذلك فان الأسئلة المثارة في بروتوغوراس (ما هي الفضيلة وكيف تُكتسب؟) هي اجوبة، رغم ان هذه الاجوبة لا تظهر بنفس الشكل كالأسئلة. قراءة هذه الحوارات هي تعليم بطرق التفكير، وهذه الطرق من التفكير، كما يرى سقراط، ستقود للمعرفة الحقيقية. الاعتقاد المقتبس اعلاه (اننا لا نستطيع التصرف بسوء بوجود المعرفة) سوف لن يكون غريبا. لكي نصل للمعرفة المرادفة للفضيلة يجب علينا التفكير مجتمعين، نطرح اسئلة في كل خطوة على الطريق.الفكر الفلسفي يجب عندئذ ان يحتوي على هذين المظهرين، انه يجب ان يتضمن اصواتا تختبر وتستنطق بقوة اتجاه النقاش في جميع المسائل. هذه الاسئلة هي التي تقود الى استنتاجات. طريقة التعلّم بالحفظ والتذكر لا يمكنها تعليمنا كيفية اكتساب الفضيلة.

 

حاتم حميد محسن

 

علي المرهجاستخدم هيجل مفهوم "الوعي الشقي" ليُشير به إلى إحساس الفرد بالاغتراب، حينما يشعر الفرد (العبد) أنه خارج "كابينة" السعادة التي صاغها (السيد)، فالفرد (العبد) يظل شقياً لأنه ينوء بحمل الوعي المُستلب، الذي لا تمثيل لذاته فيه (الوعي)، إنما هو تمثيل وحضور لذات السيد (الحر)، فلا حضور ل (العبد) بذاته، ولا هو حاضر كما هو حضور (سيده)، إنما هو حضور ولا حضور في الوقت ذاته، فلا هو قد تمثل حضوره الحقيقي بوصفه (عبد)، ولا هو قد تمكن من تشكيل هذا الحضور بحيوية وفاعلية حضور (السيد)، لذلك هو "وعي شقي".

إنه وعي الاغتراب، وعي اللاتجانس مع الذات والتماهي معها، هو (وعي مرذول) لذات أخرى أعلى منه وأشد سطوة، فلم يجد (العبد) وجوده مُتحقق بذاته، ولم تُحقق هذه الذات المُستلبة إلا بحضور الضدّ، ولن يستطيع هذا (العبد) الخلاص من وعيه الشقي هذا إلَا بالفناء بعوالم (سيده)، وهي عوالم مُفارقة لطبيعته، أو العودة لعوالمه الخاصة، عوالم الوجود والطبيعة خارج تماهيها مع المُطلق.".

وفي هذا الحال سيكون مصيره كمصير (آدم) الذي أغوته التفاحة، فظل يعيش غربته الداخلية بـ "وعي شقي"، فلا هو نال حظه من طبيعة الوجود الأخرى بعد أن غادر طبيعة وجوده في عوالم "المُطلق"، وإسمحوا لي أن أستخدم مثلاً شعبياً عراقياً هو: "لا حِظّت بِرجيلها ولا خَذت سيد علي"، فبعد أن كان سيداً في عالم "المُطلق" نزل إلى عوالم الواقع "النسبي" (السلبي)، ولكنه لم يستطع أن يعيش وفق أنظمته وطبائعه، فكانت التفاحة (اللذة) التي أكلها مصدر شقائه في الواقع. وكان في توّق آدم لـ "اللذة" مُفارقة لـ "المُطلق" وإخراجه من "كابينة" السعادة الألهية، كي يُحكم عليه بالعيش في عوالم لا سرمدية ناقصة، لم يعتد على العيش فيها، فهو ليس من جنسها، وهي ليست عوالماً تتقبل وعيه المُفارق للوجود الطبيعي "اللَذي".

إذا كان (آدم) قد عاش (شقاء الوعي)، فكيف ب (العبد) الذي لا مناص له بحكم وجوده المتماهي جوهرياً مع الوجود الطبيعي يستطيع الفكاك أو الخلاص من هيمنة وعي الآخر وسطوته (السيد)، لمن مُتطلبات الوجود (الثنوي) في ضوء الجدلية الهيجلية هذه بين (السيد) و(العبد) أن يسير (العبد) وفق منطق صيّره وشكّله له (سيده)، وينبغي على (العبد) أن "يعترف" لسيده بأنه مصدر الوعي، وأنه عينه التي يرى فيها الوجود وأسبابه، فذات (العبد) ووعيها يتشكل من خلال وعي الآخر بذاته، ولا مقدرة للذات الشقية أن تعي وجودها الحقيقي، لأن وعيها ليس سوى صورة شكّلها من له القدرة على "الوعي بذاته" (السيد)، ولا مهمة لـ (العبد) سوى قبول تصوره لذاته التي خطّها ورسمها له وعي (السيد).

إنه وعي يُذكرنا بقصة "روبسن كروزو" لـ "دانيال دوفو" التي جسّد فيها شخصيتي "روبسن كروزو (السيد)، و فرايدي، (العبد)" ، وقد تنبه لهذه الرؤية أستاذنا مدني صالح في كتابيه: (ابن طفيل: قضايا ومواقف)، و (ابن طفيل وقصة حي ابن يقضان)، حينما وجد في قصة (دانيال دوفو) تمثلاً واقتباساً لقصة (حي بن يقظان لابن طفيل)، وهذا الأمر ليس مقصدنا في مقالنا هذا، ولكن الذي يعنينا، هو قراءة مدني صالح المُتفردة لقصة (دوفو) وإلتفاتته إلى أن (كروزو) في قصة (دوفو) هو (السيد) و (فرايدي) هو (العبد) وذلك واضح في القصة، وما تميَز به مدني صالح هو قراءته لعلاقة (السيد) بـ (العبد) وفق تأويل هيجلي، رغم مقته لهيجل.

أظن أن مدني صالح قد وظف تأويل هيجل في قراءته لمضمون هذه القصة، فهو (أي مدني صالح) يرى أن صورة (فرايدي) = (العبد) قد شكّلها (كروزو) = (السيد) وقد تماهى (فرايدي، العبد) مع توصيف سيده (كروزو) وظنّ أن ما رسمه له (السيد) هي الصورة الحقيقية له، والتي لم يستطع إدراكها بحكم عبوديته، وقد تكن (سيده) من تشكيل وعيه بها، لأنه مصدر الوعي الذي يستقي منه (فرايدي = العبد) معارفه، ولن أخوض في تصور مدني صالح لعلاقة الغرب بالشرق بوصف الغرب كما فهم الشرقيون على أنه (سيد) وتماهى دُعاة الشرق مع تصوير(السيد) لهم على أنهم (عبيد) عليهم أن يفهموا صورتهم وفق تصورات وصياغات (السيد) لهم.

لقد نجح الغرب في إخراج الشرق من "كابينة" السعادة، التي كان يحلم بها فلاسفتهم، بفلسفاتهم التأملية (الحالمة)، وقد تمكن الغرب بعد تمكنه من ترتيب العلاقة بين (السيد) و (العبد) خارج التصور الهيجلي، قريباً من التصور (النيتشوي) بطابعه الوجودي من بناء وعي لـ "السوبرمان" الذي يستطيع قلب القيم، ليُخرج كل قيم "الوعي الشقي" الهيجلي من بناها التقليدية (المثالية) ليصنع قيماً جديدة يكون فيها (عبد) هيجل (سيداً) في المنظومة النيتشوية، و (سيد) هيجل (عبداً).

"السوبرمان" في فلسفة نيتشه، رغم وجود ملامح لبقايا مثالية في تصورنا له، نجده يستمد "إرادة القوة" من عالمه الواقعي، ولكنه إنسان قوي لا يرضخ لتصورات إنسان آخر يُشكل له وعيه، إنما هو إنسان يمتلك "إرادة القوة" فينهض من ركام أخلاق المُستضعفين التي تربى عليها أبناء الديانة المسيحية، ليصنع قيمه بنفسه، خارج أخلاق الذُلَ والضعف وخرق نُظمها العقلانية والروحية للعودة للأخلاق بطابعها الغرائزي الذي وُجد فيها الإنسان بوصفه كائن غريزي، لا من وجود خارج "كابينة" السعادة الأرضية التي يعمل على تحقيقها نيتشه في تصوره للـ "السوبرمان".

يخترق نيتشه في تصوره لفكرة "السوبرمان" و إرادة القوة" منظومة هيجل المعرفية، بل والأنطولوجية، ليقلب مفهوم "الوعي الشقي" الهيجلي، ليكون فيه كل نتاج هيجل وتنظيراته بين اليهودية بوصفها "وعي شقي"، والمسيحية بوصفها "كابينة" للسعادة، ليبني وعياً إيجابياً مُضاداً لكل معرفة أقيمت على أسس لاهوتية، أو مثالية، أو ميتافيزيقية، ليجعلها في مصاف "الوعي المرذول" لأنها تخترق نُظم الوجود الإنساني الخلَاق، لتجعل منه وعياً أسير رؤى لا مصداق لها ولا تحقق لها في عوالمنا وفق قول الوضعيين المناطقة فيما بعد في عالمنا الواقعي.

لقد جعل نيتشه من الواقع وصراعاتنا وتنافسنا فيه مجالاً حياً للوعي الإيجابي، بينما نجده ينظر إلى عوالم سقراط وإفلاطون وكل الفلاسفة المثاليين والميتافيزقيين واللاهوتيين، على انهم مثالاً للـ "الوعي الشقي"، لأن مثل هكذا فلسفات ورؤى دينية لا تُساعد الإنسان على الإبداع والخلق، إنما هي تخلق منه إنساناً يسير مع الركب أو الجمع، لا رؤية له خارج هذا الركب، ولا قُدرة فيه للخلق.

الوعي الخلَاق عند نيتشه هو وعي لا ديني، "ضد المسيح"، أعلن من خلاله "موت الإله" حسب التصور الديني المسيحي، ليكون "السوبرمان" هو "الإنسان الخارق" الذي يصطف مع نفسه ليخرق نُظم الديانة التقليدية (المسيحية) التي تدفع باتجاه سيادة نمط واحد من الأخلاق هو "أخلاق العبيد" ليظهر "زرادشت" في العالم الأرضي ليكون حضوره كمثال حضور الإله، كي يُعطي دفقاً حيوياً للبشر ليكونوا "سادة" يخلقون قيمهم، لا "عبيداً" خانعين، لا مِكنة لهم ولا قُدرة سوى السير بـ "وعي شقي" إتباعي لا إبداع فيه ولا خلق.

وإن كان في "زرادشت" قُدرة على خرق نُظم المعرفة والتقاليد السائدة، بوصفه "سوبرمان" عصره، إلَا أن هذا لا يعني أنه سعيد، بقدر ما يُمكن أن يكون راضياً، والرضا لا يعني السعادة بتمامها، إنما يُمكن أن يكون مرحلة من مراحل ومرامي الوصول للسعادة.

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

 

 

حاتم حميد محسنمع ان الفيزياء الحديثة اكتشفت الكثير عن بناء الذرة، لكن الفيزيائيين لم يقتربوا كثيرا من توضيح الطبيعة النهائية للمادة؟

ان نظرية فيزياء الكوانتم قسّمت الذرة الى عدد من الجسيمات الأساسية دون الذرة. ورغم ان الفيزيائي كشف عن ان الذرة ليست شيئا صلبا لا يتجزأ، غير انه لم يكن قادرا على ان يجد جسيما يمتلك بالفعل تلك الخصائص. ان الحديث عن الجسيمات هو امر مثير للالتباس لأن الكلمة تقترح شيئا ماديا. لم يكن هذا هو المقصود في استعمال الكلمة في فيزياء الكوانتم. جسيمات الكوانتم هي بدلا من ذلك، تجسيدات لأفعال وردود أفعال للقوى في مستوى دون الذرة. في الحقيقة، الفيزيائيون هم أقل اهتماما في البحث عن جسيم مادي يشكل الاساس في كل الاشياء المادية، هم اكثر اهتماما في توضيح كيفية عمل الطبيعة. نظرية الكوانتم هي الوسائل التي تمكّن الفيزيائي من التعبير عن تلك التوضيحات بطريقة علمية.

يرتكز العلم الحديث على دليل مادي تجريبي، ولكن اذا كانت المادة هي غير مادية مثلما تشير القوى الاساسية الفيزيائية physicists fundamental forces(1)، فان ذلك العلم سوف لن يكون قادرا على تفسير ماهية المادة. انه يستطيع فقط توضيح كيفية عمل الطبيعة من خلال ملاحظة التأثيرات على الاشياء المادية. في كتابه (In search of schrodinger’s Cat)، يقترح (Gribbin ) امكانية ان لا وجود حقيقي للجسيم حتى تتم ملاحظته. ان فعل الملاحظة يحطم وظيفة الموجة لكي يصبح احد النيوترونات(من بين العديد) جسيما حقيقيا. هذه الفكرة مشابهة للمثالية وجدالها في الظهور والواقع appearance and reality. (غربن) لا يذهب بعيدا في النقاش لذا سننظر في الحجة الفلسفية بدلا من الحجة الفيزيائية. الماديون يدّعون ان كل شيء هو اما شيء فيزيقي او مظهر لشيء فيزيقي، ولا وجود لشيء فيزيقي معتمد على الذهن. الشيء الفيزيقي ليس بالضرورة شيئا صلبا، وانما هو شيء ما يملأ حيزا بثلاثة أبعاد. حجم من الماء او غيمة من الغاز هي شيء فيزيقي مثلما هي الصخرة الصلبة. انتقادات النظرية المادية تتركز حول الجدال بان معرفتنا بالعالم هي فقط تصوّر في الذهن. لهذا، العالم هو معتمد على الذهن لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها تصور اي شيء.

الجواب المادي لذلك النقد هو اذا كنا نتصور شيء ما في الذهن، فيجب ان يكون هناك شيء في الخارج يتم تصوره. يجادل رسل حول هذه النقطة في (مشاكل الفلسفة فصل 2، 3).

هذه الحجة تبدو اكثر اقناعا عندما يُنظر اليها مقابل الاشياء التي تنتقل من جيل الى آخر. عندما انظر الى لوحة بيزار Pissaro (Dulwich college 1871)، فانا اتصور نفس الشيء الذي رسمه بيزار وتصوره. ربما ايضا ازور كلية دولش واتصور البناية ذاتها. بمقارنة رؤيتي مع لوحة بيزار انا استطيع رؤية تشابه يكفي للافتراض اننا نتصور نفس الشيء العام المحايد. مفاهيميا، هذه الاشياء يجب ان توجد مستقلة عن الذهن الذي يتصورها.

من وجهة نظر الفيزيائي، المادة مهما كانت فهي توجد من وجهة نظر موضوعية محايدة، وهي مستقلة عن اي فرد واع. وباللغة المادية، المادة ستكون شيء عام محايد. غير انه تبقى امكانية الجدال حول ما اذا كانت مختلف اشكال الاشياء التي نتصورها يمكن اعتبارها كأشكال مختلفة للمادة. من الممكن ان تكون المادة شيء محايد عام نهائي يضم ويؤطر الاشياء العامة المحايدة التي نتصورها كأشياء في العالم. المادية تسمح للمادة باستقلالها عن الذهن، لكنها لاتزال بعيدة عن توضيح ما هية المادة. قبل ان ننتقل الى نظريات ميتافيزيقية اخرى، لننظر في احدى الهجمات على فكرة المادة لنرى ان كانت الاشياء تصبح اكثر وضوحا. (كليمبر) يعرض مثل هذا الهجوم في (الميتافيزيقا وحدة 2). تجربتنا عن العالم هي فقط تصوّر في الذهن. نحن لا نستطيع تجربة الواقع النهائي مباشرة، وانما فقط كتصورات في الذهن. المحصلة من هذه العقيدة هي ان تجربتي للناس الآخرين هي ايضا فقط تصورات في ذهني. لكي اتجنب الوقوع في الأنوية(الايمان بالذات فقط)، استطيع الاعتراف بان الآخرين لهم تصوراتهم الخاصة بهم عن العالم تماما مثلما لدي. كلانا لديه تصوراته لنفس الواقع النهائي. ولكن، بسبب اننا لا نستطيع ابدا معرفة الواقع النهائي مباشرة، فنحن لا نستطيع معرفة ما اذا كانت تصوراتنا حقيقية ام زائفة. كل ما نستطيع القيام به، من خلال الحكم على كل الرؤى الاخرى، هو الاتفاق على تصور للعالم الموضوعي. ذلك لا يعني ان الاشياء الفيزيقية في ذلك العالم الموضوعي لها اي حقيقة في ذاتها. الواقع النهائي يسمح لنا فقط ببناء نظرية لعالم الاشياء الفيزيقية. المادة، اذاً، هي ليست اكثر من بناءات لتلك النظرية. يتبع ذلك، ان اذهاننا مسؤولة عن بناء العالم الفيزيقي. اذا كان ذلك حقيقة، فان الفيزيائي ربما يسأل مْن المسؤول عما يبدو من استقلالية للاشياء في العالم الفيزيقي. للاجابة على هذا السؤال سوف نلتفت الى اللاماديين، ومنهم (باركلي) الذي يعرض نظرية مثالية كلاسيكية عن مبادئ الفهم الانساني.

نظرية باركلي ترتكز على فكرة ان كل شيء نعرفه حول العالم هو يُعرف فقط كتصورات في الذهن. وبالنتيجة، كل شيء موجود هو فقط كفكرة في الذهن ولا وجود لشيء مادي خارج الذهن. هو يميز بين افكار التصورات التي، هي نتاج لرغباتنا، والتي تكون مؤقتة وغير منسجمة، وافكار الحواسIdeas of sense (2) التي ليست عرضة لرغباتنا والتي تبقى مستمرة ومنسجمة. افكار الحواس هي التي تسمى عادة بالاشياء او الاشياء الحقيقية التي نتصورها في العالم الموضوعي. يرى باركلي بما ان افكار الحواس ليست عرضة لرغباتنا، فهي يجب ان تكون عرضة لبعض الرغبات الاخرى والتي يجب ان تكون الله. وبالنهاية كل ما يوجد هو ذواتنا كروح او افكار الله.

الفيزيائي قد يقبل بان المادة ليست شيء فيزيقي لكنه لايزال يصر انها شيء ما مستقل عن الذهن. بيركلي يجادل ضد عالم الذهن المستقل بثلاثة خطوط من التفكير(الجزء الاول، قسم، 19، 20).

1- اذا كانت هناك اجسام مستقلة عن الذهن فنحن سوف لا يمكننا ابدا معرفتها لأننا نستطيع فقط معرفة تصوراتنا الخاصة عنها.

2- ذلك سيعني ايضا ان الله خلق الموجودات التي هي بلاحياة ولا تخدم اي غرض مفيد.

3- هو يجادل بان الذكاء المجرد من الاجسام يمكنه وبدون مساعدة الاجسام الخارجية ممارسة نفس الافكار والاحاسيس كما نحن نقوم به الان.

جدال باركلي يبدو انه يثق بكثافة في الله الذي يعطي مباشرة افكار الحواس. قد يقال ان الله يُستعمل كسبب لأي شيء لا يستطيع باركلي توضيحه. اذا كان الله موجودا عندئذ هو يستطيع توفير الاشياء التي الغرض منها هو ان نتصورها بشكل غير مباشر كافكار للحواس. ان فكرة الذكاء المجرد من الاجسام الذي يمارس نفس الاحاسيس مثلنا ربما هي صحيحة. لكن، اي فكرة يمارسها ذكاء بلا اجسام يجب ان تكون فقط فكرة للتصور ولا يمكن ان تحوز على الخواص المستمرة والمنسجمة مثلما في افكارنا للحواس. باركلي يرى اننا نستطيع معرفة وجود الله لأن اعمال الطبيعة لم تُنتج من قبل الانسان، ولذلك يجب ان تكون منتجة من قبل الله. هناك مفهومان رئيسيان في مثالية باركلي التي يجد الفيزيائي صعوبة في قبولها. الاول هو رغم ان الطبيعة قد لا تكون من خلق الانسان، ذلك لا يتبعه انها يجب ان تكون من خلق الله او ان الله موجود. الثاني هو اذا كان الله مستقلا عن الذهن، عندئذ من الممكن ايضا لبعض الاشياء الاخرى ان تكون مستقلة عن الذهن. رغم ان كل من المادي والمثالي يطرحان حجة مبررة لعقيدتهما، لكن هناك شكل آخر من المثالية تسمح للمادي بالحفاظ على عقيدته في المادة.

الشيء الوحيد الذي نعرفه وهو موجود بيقين هو وعينا. هذا يجعلنا نطرح مقدمة وهي ان الشيء الوحيد الذي يوجد نهائيا هو الوعي الخالص الذي نسميه المطلق او التام Absolute. يتبع ذلك ان المطلق هو الشيء الموجود الوحيد، وبما ان الوعي ليس شيئا ماديا فلا وجود هناك لشيء مادي. المشكلة عندئذ هي في توضيح كيف لنا ان نوجد كأفراد بأذهان مستقلة واجسام مادية. اذا كان المطلق هو الشيء الوحيد الموجود عندئذ فان اذهانا كوعي يجب ان تكون تماما مثل الوعي المطلق وسنبقى بحاجة لتوضيح لماذا نحن نتصور انفسنا كأذهان مستقلة محدودة. الأجسام المادية التي نتصورها يجب ان تكون مجرد مظهر في الوعي.

اذا كان المطلق وعيا، عندئذ فهو يجب ان يكون قادرا على خلق الافكار ضمن ذلك الوعي. تلك الافكار ربما تتضمن مفاهيم عن المحدودية، مثل الحجم، الشكل، المسافة وغيرها. هذه المفاهيم تسمح للمطلق ليشكل تقسيمات ضمن وعيه. الاجزاء المخلوقة من جانب هذه التقسيمات هي وعينا الفردي، وهكذا، فان وعي كل فرد هو جزء من وعي المطلق. كافراد نحن كل واحد منا يكوّن افكاره الخاصة عن الوعي. تلك الافكار هي متميزة عن اجزاء المطلق بسبب مفهوم المحدودية المكوّن بواسطته.

ان المطلق ايضا يشكل افكار الوعي والتي هي ليست عرضة لمحدودية الاجزاء. تلك الافكار يتم تصورها من جانب الفرد كافكار للحواس تعطي الظهور للعالم المادي. بالنسبة للمطلق ككل، العالم الموضوعي ليس له حقيقة وهو ليس اكثر من فكرة في الوعي. اما بالنسبة للمطلق كأجزاء، يبدو العالم الموضوعي حقيقيا بسبب مفاهيم المحدودية Limitation، المادة وهكذا. كافراد، نحن جزء من العالم المادي. مفهوم المحدودية وافكار الحواس تعزز تلك العقيدة. مع ذلك، لو امكن لنا ان ندرك حقيقة وجودنا كمطلق عندئذ فان العالم الموضوعي سوف لم يعد يظهر لنا كحقيقة.

The ultimate Nature of matter, Alan Bradnam, Pathways philosophy

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش:

(1) القوى الاساسية الفيزيائية هي اربع، الجاذبية، والقوة الكهرومغناطيسية، القوة النووية القوية، القوة الضعيفة، هذه القوى هي التي تحكم الكيفية التي تتفاعل بها الاشياء او الجسيمات وايضا الكيفية التي تتآكل بها.

(2) في القسم الاول من المبادئ، يقسّم باركلي اشياء المعرفة الانسانية الى ثلاث مجموعات، فهي اما افكار تنطبع على الحواس، او افكار يتم تصورها بالتعامل مع العواطف وعمليات الذهن، او اخيرا، افكار تتكون بمساعدة الذاكرة والخيال عبر تركيب او تقسيم او مجرد تجسيد لتلك الافكار التي جرى تصورها في الاصل بالطريقتين السابقتين. يستمر باركلي ليصنف القسم الاول (افكار الحواس) التي تمثل اشياء حقيقية لكل واحدة من الحواس الخمس. فمثلا، بواسطة الشم يتم تصور العطور، وكذلك بالاستماع يتم تصور المسموع. بما ان العديد من هذه تُلاحظ مترافقة مع غيرها، فهي تأتي تحت اسم واحد، ومن ثم تُفترض كشيء واحد. باركلي وضع قائمة بالاشياء التي تتشكل بافكار الحواس مثل التفاح، الحجر، الكتاب.

 

 

علي محمد اليوسفانا افكر اذن انا موجود... ديكارت

انا افكر حيث لا اوجد، واوجد حيث لا افكر... جاك لاكان

انا افكر في شيء ما اذن انا موجود... هوسرل

سبق لي ان كتبت مقالة نشرتها لي صحيفة المثقف الغراء بعنوان (هوسرل / علاقة الذات بالموضوع) ونشرها موقع كوّة الفلسفي، وصحيفة الديار اللندنية لذا سأكتفي بمناقشة عبارة جاك لاكان بضوء مقتطفات من كتاب نقد الحقيقة للمفكر علي حرب.

لا أرغب مصادرة عبارة لاكان بأن الوجود عنده أمنية الفيلسوف أن يوجد في وجود انساني أصيل غير ما هو فيه من وجود مجتمعي زائف، وأنّ وجوده العياني الماثل هو وجود مجتمعي لا قيمة ولا نفع من التفكير من خلاله.هذا هو فهمي التأويلي للعبارة (انا افكر حيث لا اوجد، واوجد حيث لا افكر) ولا يشترط ذلك أن غيري لا يقرأوها بفهم وتأويل مغاير بتعدد وتنوع واختلاف القراءات.

امّا لو اننا اخذنا عبارة علي حرب مثالا في تفسيره لعبارة (جاك لا كان) فهو يذهب الى تفسير نوع من العدمية التفكيكية المباشرة في الغاء أن يكون الانسان ذاتا مفكّرة، لأن كل ماهو في حجب الغيب ويمتنع الافصاح عن حقيقته يكون ذاتا غير مفكّر بها فتوجد حيث لا وجود وهذا دليل تفسيره في العبارة وفق منهجية تفكيكية - استعمالنا مفردات (منهجية تفكيكية عدمية) خطأ اصطلاحي فلسفي ومفهومي فالتفكيكية لا منهج لها وليست نظرية - (الانسان ما يريده او يعيه او يفكّر به، انه ذلك الشيء الذي يجهله ولا يفكر به بكلمة اخرى / انا اوجد حيث لا افكر، او افكر حيث لا اكون) ص137 من كتاب نقد الحقيقة.

يشرح علي حرب في كتابه نقد الحقيقة، أنّ هناك فجوة بين الوجود والفكر بضوء كوجيتو ديكارت (انا افكر اذن انا موجود) ودحض جاك لاكان فيلسوف البنيوية وعالم النفس لها في عبارته التي مررنا عليها اعلاه. وكذا فعل هوسرل في ان وعي الذات هو الوجود.

يقول علي حرب (الهوّة التي تقوم في الاصل بين الوجود والموجود، أي الى نسيان الموجود للوجود، نعني نسيان الانسان لوجوده على مايذهب اليه هيدجر، وهذه الهوّة تجعل اللامفكر فيه سلطة على الفكر، اي هي الأصل في قيام مسافة بين ما يقوله القول وما لا يقوله) نقد الحقيقة ص26.كما يقول(ان الفكر الذي يتأمل موضوعه فهو يحمل صفة تأمل ذاته) ص 118

بعد ان نقّر بوجود فجوة او مسافة بين الوجود العاقل للانسان والفكر، لكنما ليست بالضرورة بين الموجود والوجود على صعيد انتاجية وقراءة النص في مجال اللغة، قراءة بنيوية منهجية حديثة كما في حفريات المعرفة، أو قراءة تفكيكية، وانما في المجال الانطولوجي الذي يتداخل فيه حقيقة الوجود العاقل واللغة وما يعرف بالقراءة الجديدة.وما يفصل الوجود عن غير الوجود الاصيل، هو حالة وعي الذات لوجودها الحقيقي والعالم الخارجي، وغياب الوجود يكون في الموجود المجتمعي الذي لا يعي ذاته، عندها يكون متعيّنا موجودا وليس متعيّنا وجودا، وفقدان وعي الذات اغتراب للوجود، والوجود الحقيقي الحر والمسؤول هو في وعي الذات وعيا ادراكيا عقليا، يعمل في دائرة المفكّر به وهو ما يمليه العقل ويضطلع به مقصيّا تأثير اللغة الهامشي في توظيف تحديدات الوجود العاقل.هنا للفكر أسبقية على اللغة في ادراك الوجود، والعقل أسبق على الاثنين.

هذا الوجود الذي يقصي الموجود او الوجود الزائف الذي لا يعي ذاته الحقيقية ولا حريته المسؤولة، فهو يعيش نسيان الوجود ويكون وجودا هامشيا طارئا .. وهنا يمكننا القول لكن بحذر شديد ان نسيان الوجود هو (وجود ثان) بغض النظر أن يكون وجودا حقيقيا أم وجودا زائفا.لكن نحن نميل الى أن نسيان الوجود يكون وجودا زائفا كما يذهب له هيدجر، فالوجود المتحقق ذاتيا كوجود أصيل لا يحتاج مفارقة وجوده في نسيان الوجود أي الاندماج في الكليّة المجتمعية.

اذا اردنا ان نناقش بعض المنطلقات الفلسفية لكتاب الاستاذ علي حرب نقد الحقيقة، نكون ملزمين في توخّي الدقّة والحذر ان لا ننزلق بين قراءة النص قراءة بنيوية على صعيد التشكيل اللغوي واللساني المحض، وتناصّه المتداخل مع الفلسفة، وهما النص الادبي والنص الفلسفي وان هما يلتقيان منهجيا كما في البنيوية الا أنهما في حقيقة الامر يمتلكان استقلاليتهما وخصوصية أحدهما عن الثاني على صعيدي التجنيس الادبي والتجنيس الفلسفي وعلاقتيهما باللغة والفكر، عليه ستكون مناقشتنا على صعيد قراءة النص الفلسفي وتعالقه مع لغة النص الادبي والشعري منه تحديدا، يقوم على الأخذ بنظر المناقشة أنهما يختلفان اختلافا كبيرا حتى وأن جمعتهما اللغة كوسيلة تعبيرية واستنطاق لكليهما.ولتوضيح اكثر فان النص الفلسفي هو غيره النص الديني او التصوفي وهما غيرهما في النص الادبي، فلكل واحد منهم مجال اشتغاله وميزته بخصائص تفرده الفني والجمالي والتركيبي.

(في الشعر كما في الفلسفة تستنطق الاشياء من جديد، ويعاد خلق العالم بالاسماء والكلمات، او بالفكر والمفهوم، فالشاعر والفيلسوف كلاهما يسعى الى الاستنطاق واعادة الخلق والانتاج، كل على طريقته) كتاب نقد الحقيقة/ علي حرب. ص119

ان الفجوة التي تفصل او تتوسط (الفراغ) الافتراضي بين الوجود والفكر، وهو افتراض قائم ادراكيا عقليا قبل ان يفهم او يحدس فكريا او لغويا، هي فجوة لا تتوسط وجودين ماديين أثنين، بل ان الوجود والفكر هما وجود حقيقي مادي واحد هو كينونة الانسان بعلاقته الذاتية مع جوهره المثالي الأصيل الذي يرغب بلوغه. علاقة الذات بجوهروجودها، بأغترابها وأنعزالها عن الناسيّة في الوجود على حد تعبير هيدجر، أي الاندماج فيما يطلق عليه هيدجر مفارقة الانسان لوجوده الحقيقي من خلال اندماجه المتكيّف والتام بالمجتمع او انماجه بالكلية حسب تعبير هيجل.

أما في حال نشدان أوالتطلع لتحقيق الكمال المثالي في نزوع الذات تحقيق وجودها الفاعل الأسمى بالحياة او على الاقل في السعي نحو بلوغ مراتب تصاعدية في محاولة تحقيق مثل تلك الاهداف فهو نزوع نوعي وجودي لفرد او مجموعة افراد مستقلين عن الاندماج في مجتمع نسيان الوجود.

الناسّية في الوجود كما عّبر عنها هيدجر هي بتعبير مباشرعن وجود الفرد كينونة انسانية هامشية زائفة لا تملك الحد الادنى من الخصائص النوعية التي يحتازها الوجود الاصيل للفرد. بل هي تشترك بجميع المواصفات المجتمعية السطحية التي تبعد الانسان وتقصيه من الحصول على الوجود الاصيل بالحياة. والكليّة المجتمعية ما هي الا صهر الكيانات المتجانسة بالنوع مجتمعيا في معترك الحياة الرتيبة التي يتوزعها اشباع غرائز البقاء وغرائز اللذة فقط. عن هذه الحالة في نسيان الوجود الاصيل في معايشة الوجود الزائف يطلق عليها هيدجر توصيف قاسي جدا اذ يعتبرها انحطاطية في الوجود.

المجتمع او الموجود الجمعي لنسيان الوجود الحقيقي هو دائرة مقفلة تتقاذفها بلا انقطاع هواجس الحياة اليومية، ويملأها اشباع غرائز الحاجة الى الطعام والجنس والعمل والنوم، وجميعها عوامل تغييب الوجود الاصيل، في استبعاد الوجودات النوعية وليس الوجودات الهامشية المجتمعية المتكيّفة مع الكلية العامة. الوجود النوعي معناه أن تعي ذاتك جيدا، ووعي الذات يقود لا محالة نحو الانفراد عن مجتمع الناسيّة، مجتمع نسيان الوجود، الوجود الاصيل الذي يتجسّد فيه وعي الذات، باغترابه عن مجتمعه في محاولته الوصول الى تراتبية أعلى في سلّم الحصول على صفات التمّيز والتفرّد النوعي في محاولة الوصول الى (مثل) الانا العليا. ، وهي نزوع مثالي في محاولة بلوغ مراتب الكمال، تشبه من حيث الغاية النزعة التصوّفية باختلاف الوسيلة والهدف، وكلاهما نزعتين لا يمكنهما التحقق.

لمناقشة علاقة الفكر بكل من اللغة والعقل، تكون المسافة التي تفصل بين الوجود والفكر هي علاقة الانسان بذاته لا غير، أي علاقة وعي الذات المحكوم بالتفكير والادراك العقلي. وان العقل وليس الفكر هو السلطة المتنفّذة في وصايتها وحمايتها للوجود الانساني الفاعل، وفي تغييبنا لهذة الأولوية للعقل من أجل فرض سلطة الفكر على الوجود نقع في مفارقة تراتيبية في الوظائف العقلية التي يرفضها العقل قبل رفض النسق المنطقي التجريدي لها، هذه المفارقة في تراتيبية النسق الوظيفي للعقل، يدفعنا الى التساؤل أيهما أسبق تاثيرا على الوجود العقل ام اللغة؟ طبعا يكون الجواب هو العقل منتج الفاعلية اللغوية التي هي ملكة يعبر بها الوجود عن حقيقته وواقعيته كوجود عاقل.أذ لا وجود اصيل بدون عقل، ولا وجود لغة او فكر من دونه ايضا.

أن تعابير مثل المسكوت عنه واللامفكّر فيه والغائب في ماوراء النص كلها تعبيرات لا معنى لها من دون فاعلية العقل في كشفها وعلاقته بهما (الوجود واللغة). اما في جعل اللامفّكر به بأنه يمتلك سلطة على الوجود في تغييب العقل نرى لا حاجة لمحاججته ودحضه كونه اخلالا وظيفيا في قدرات العقل الفسلجية وتراتيبية علاقته بكل من الوجود والفكر، مقارنة بفضاء اشتغالات واستعمالات اللغة.وتأثيرها في تحديد الوجود الزائف والوجود الاصيل.ومن حيث اللامفّكر به احتمال او تأويل يتعدد ويتجاذب ويتضاد، وقياسا به بسلطة (اللامفكّر فيه) في قراءة النص ومن ثم تأثير ذلك على الوجود هومحض قصدية في تجاوز والغاء دور العقل في الاستجابة الادراكية للوجود او تعطيله قبل تعطيل النص واللغة المتعالقتان معه.

يقول علي حرب(يبنى النص على الغياب والنسيان، لا على الحضور والتذكّر، والغياب هو غياب الجسد والدال، وهما الحقيقتان اللتان لا ينفك عنهما وجود الانسان) ص27

هنا نود تسجيل الملاحظات التالية:

1.ليس الجسد واللغة حقيقتا الوجود فقط، بل العقل واللغة، فقد يكون الجسد مفارقا وجوده العقلي والفكري معا كما في جسد الميت او المجنون او المريض بمرض نفسي عصابي او عقلي، أن في تعطيل العقل لا يبقى لوجود الجسد ولا اللغة أي معنى او قيمة، و تنتفي في عطالة العقل فاعلية وحضورالفكر و اللغة. على سبيل الفرض، فالجسد لا يمثّل الوجود، كما لا يتحدد الوجود بتلازم الجسد والفكر فهما غير كافيان في اثبات الوجود بدون العقل.وقريب من هذا المعنى متداخل معه يعبر ناعوم جومسكي فيلسف وعالم الغات في اتجاهه البنية التحويلية التوليدية معارضا الفهم البنيوي والتفكيكي قائلا: ان الانسان المتكلم هو المولد للكلمات والعبارات، وله الدور الفاعل في صنع اللغة وإيجاد توليدات جديدة لا تنتهي، وبهذا فهو يقاطع البنيوية حسب صلاح فضل.

2.يتوجب علينا الحذر كما اشرنا له سريعا سابقا من الانزلاق في الخلط بين قراءة النص الادبي او السردي وفق منهجية القراءة البنيوية او التفكيكية التحليلية في علوم اللغة واللسانيات الحديثة من جهة ونص الفلسفة من جهة اخرى، فقراءة النص الادبي تكون وظيفة اللغة فيها تداولية تعبيرية تنحصر في ثنائية (نص ومتلقي) وهنا يكون مجال اشتغال اللغة الثري في تأثيث علاقة النص بالتناص، بالظاهر والمخفي، بالمعلن والمسكوت عنه وهكذا من ثنائيات متعددة تخرج النص ان يكون نصّا فلسفيا في علاقته بالوجود الانساني من حيث هو وجود أصيل أم وجود زائف. النص المكتوب او المرئي او المسموع لا يحدد وجود الشيء بدون مرجعية العقل، بل يمكنه تحديد الفكر من خلال النص.وكل وصاية على اللغة او الفكر او الوجود الاصيل مردّه ومرجعيته وصاية العقل اولا واخيرا ولا وصاية قبلها.

3. ليس باللغة يتحدد الوجود ولا بالفكر، بل باللغة يتحدد الموجود، الذي هو نسيان الوجود الحقيقي، وبحسب الاستاذ حرب، فقد وضعنا هو امام مفترق طريقين لا نعرف أيهما نختار، هل نأخذ بالغياب والمنسي والمسكوت عنه في النص، ام نأخذ حضور النص كما هو نص مدرك واقعيا وكل مدرك واقعي يكون عقليا، تتعدد قراءاته و تتعدد وظائفه في تحديد الوجود، و في نقد النص او تأويله لغويا فقط لا نكتسب وجودنا، وبأي المعنيين اللذين ذكرناهما يكون تعاملنا مع النص سليما لغويا كوسيط تداولي او تأويلي فلسفي ملازم؟ من المعلوم المتداول ان اللغة ليس متعينا ثابتا بل هي فعالية ألسنية متغيرة ومتطورة باستمرار يمكن التعبير بها فقط.

ورد ص24 من كتاب علي حرب (لقد تبدّلت حقّا النظرة الى النص الفلسفي تبدّلا كليّا، فلم يعد يقرأ بوصفه خطاب الحقيقة المطلقة، والماهيّات الازلية، والهويّات الصافية، واليقينيات الثابتة، ولم يعد ينظر اليه فقط من جهة صدقه العقلي، او صحته المنطقية، او تماسكه النظري، او تواطئه الدلالي، وانما ينظر اليه من جهة اختلافه او كبته، او سياسته وهيمنته، او ضلاله وتلاعبه.. الخ).

تعقيبنا أن خطاب الفلسفة منذ عصر الاغريق والرومان والى يومنا هذا لم يكن خطاب الحقيقة المطلقة وليس جديدا ان لا يكون كذلك بالامس واليوم، ومن المؤكد ان الفلسفة على امتداد التاريخ لم تكن الحقيقة شيئا مسلمّا به لتعدد معانيها واختلافات دلالاتها ومحدداتها الهلامية. فالخطاب الفلسفي شأنه شأن أي خطاب مبني اي (بنية) فكرية لغوية تداولية ذات منشأ بنيوي، خطاب يحمل كل تناقضاته الداخلية، وكل نقائصه وعوامل انحلاله الذاتية والموضوعية داخله، ولم يأت عصر عومل به النص الفلسفي كيقينيات غير مشكّك بها الى حد أن كلود بيرنار قال (أكاد اجزم أن العالم ينام على وسادة من الشك). وهي عبارة قيلت بعد ان كتب ديكارت (مقالة في المنهج) قبل قرن حول الشك.حتى القراءات البنيوية والتفكيكية الحديثة الفلسفية وحفريات المعرفة والتنّاص اللغوي، تعامل اليوم وتتعرض الى نقد لا ذع يستهدفها بالصميم، وسيطالها تجاوز لاحق، وتعامل كما هي اليوم لا يقينيات معرفية ولا يقينيات منهجية في الافصاح الفلسفي والتعبير الفكري وعلى صعيد اشتغالات اللغة وحفريات المعرفة السائدة اليوم أيضا، نحن اليوم نعيش في عالم يتغير بالدقائق على صعيد كل محمولات الحياة وليس النص الفلسفي استثناءا من هذا التغيير.

أن في خروج النص عن وصاية المؤلف يقع تحت وصاية المتلقي وتعدد القراءات الاختلافية التأويلية له، لذا لا يمكن لنص يتداوله اثنان قرائيا لا يختلفان عليه مهما كانت نوعية تلك القراءة حرفية او منهجية او فلسفية او موضوعية او غيرها. وكل ما يمكننا قوله سبقنا غيرنا بقوله ربما بافضل منا، ولنا عليه شروحات وتفاسير واضافات جديدة ولا اكثر، وما نقرأه ونقوله اليوم سيأخذ السلسلة التراتيبية في التداول حاضرا وفي المستقبل بنفس مناهجية التداول المعرفي في التجاوز او الالغاء.

موت النص بعد موت المؤلف

في الفلسفة البنيوية التي اعتمدت ما سمّي بالقراءة الجديدة، او القراءات التأويلية المتعددة للنص، نجد انه جرى تداول تلك الاطروحات اللغوية و الفلسفية عندنا، كما هو الشأن في جميع الصرعات الفكرية التي ظهرت في فرنسا على وجه الخصوص، ومن ضمن تلك التيارات الفكرية ما جاء به تروبتسكي وجاكوبسن ودي سوسير وفنجشتين واخرين في مجال اللغة واللسانيات، ان انزياح واستبعاد النص الاصل يكون من خلال القراءة او القراءات التأويلية التي تختلف عن أصل النص، الذي يصبح ميّتا او ملغيا بعد موت المؤلف حسب مقولة رولان بارت،

وقد اعتمد الشكلانيون الروس في مؤتمر لاهاي عام 1929 مصطلح البنيوية الذي وضعه جاكبسون، وقد رفضت هذه المدرسة التي أسست البنيوية التي جاء بها شتراوس واخرين دوسيسير ولاكان وفوكو والتوسير فيما بعد فكرة عدم توظيف النص الادبي لنصرة معتقدات فلسفية معينة، ونادى الشكلانيون ضرورة ووجوب اعتماد النظر على الشكل الجمالي للادب، أي في اعتبار الادب ادبا صرفا يتميز بعدة دلالات تعبيرية لغوية جمالية تجعله جنسا تعبيريا مستقلا مفارقا لنصوص الفلسفة والدين والايديولوجيا وغبرها.

ولنقرأ النص التالي من كتاب علي حرب نقد الحقيقة (ان كل قراءة تختلف لامحالة عن النص الذي تقرأه او تقرأ فيه، سواء أكانت القراءة شرحا وتفسيرا، او استنباطا وتأويلا. وهي تنزع من ثمّ، وبحكم اختلاف ما تقرأه، الحلول محله)، ولما كانت كل قراءة تأويلا(وحمل لمعنى ما على المقروء، وترجيح لمعنى آخر، أي هي تأوّل، ومآل التأويل أن يحل محل التنزيل) ص 96

أن الانزياحات التأويلية لأصل النص في تعدد القراءات واختلافها، يعطينا بحسب أحكام الاستاذ حرب، أن فكرة او محتوى او مضمون النص، يعطينا ترجيحا الى أن جميعها افكار اومرموزات لغوية اشارية متعالقة بما يتعّلق بأصل النص، وبعد أجراء القراءات التأويلية والتفكيكية عليه يكون لا معنى لنص الاصل ولوجوده أيضا كمرجعية، ولا يعد اصل النص يمتلك حضورا حقيقيا بعد تعدد قراءآته المختلفة. وبذا بدلا ان يكون أصل النص مرجعية ثابتة تحاكم بها وعلى ضوئها، صحة قراءات الهوامش على النص الاصل الجديدة والتأويلات المتعددة له، نقوم بأعدام اصل النص الذي هو أساس ومرجعية جميع القراءات بتعدد واختلاف اشكالها له، وكيف يمكننا البرهنة ان التأويلات القرائية هي اكثر مقبولية وحكمة وصواب من محتوى النص الاصل الذي قامت القراءات التأويلية التفكيكية بأعدامه والغاء قيمته لأنه لم يف بالتزامه في كشفه المسكوت عنه.وكيف لنا ان نعرف ان المسكوت عنه هو الصحيح وليس ما يبوح به اصل النص وليس ما يذهب له وتدعيه الهوامش من صدقية افتراضية.؟ ف بحثها الدؤوب عن فائض المعنى الذي تخلفة اللغة في تعدد القراءات والاجتهاد بتاويلها.

نستبق التعليق أن جاك دريدا في التفكيكية يلغي تماما اية مرجعية ثابتة يمكن الاحتكام لها، ويعتبر دريدا انه حتى العقل لايمثّل مرجعية، لأن هذه المرجعية طالما نعتبرها ثابتة فهي ميتافيزيقا يتوجب مجاوزتها، كما ان دريدا يرفض المنهج باعتبار ان التفكيك لايحتاج المنهج لأنه استراتيجية آلية تفكيكية تطال كل شيء، وحتى التفكيك يعقبه تفكيك الى ما لا نهاية له او توقّف عنده.كما ان دريدا هاجم هيدجر واعتبره ميتافيزيقي يؤمن بمرجعية العقل الذي هو ثبات لا يعتد الاخذ به.

واذا نحن سّلّمنا بهذا التحليل القرائي التفكيكي او البنيوي للنص الاصل، فسنكون في حالة ضياع وتيه في استقصائنا أين يكمن المعنى الصحيح وفي أي من القراءات التأويلية التي طالت نص الاصل وغيّبته قسرا نعتمد في الوصول الى الحقيقة؟.ويصبح التشتت القرائي الاختلافي هو سيد التيه والضياع، نتيجة منطقية لما يتوجب علينا معايشته في تعدد الانزياحات المتناوبة في استهدافها أصل النص بالتغييب العمد كهدف مطلوب في ذاته ولذاته فقط في اشباع هوس التفكيك.

نعتقد أن أصل النص هو حقيقة مرجعية ليس سهلا الاستغناء عنها او تغييبها، وانه ايضا خلفية استرجاعية ثابتة لمعرفة ماذا اضافت القراءات التأويلية الشارحة عليه، وأين اصبح موقع اصل النص بعد تناوب القراءات الالغائية له وماذا بقي منه؟ واين أوجه القصور والخطأ به.؟ والنص منتج عقلي، والعقل والنص مرجعيات نحتكم لها ليس لحقيقة وجودها وثباتها، بل لانها من الضرورات البدهية التي بضوئها نستطيع الحكم على مدى اهمية قراءاتنا اللانهائية الافتراضية لأصل النص.

من المهم التذكير بان رولان بارت على خلاف مع التفكيكية التي تذهب الى اعدام اصل النص تفكيكا اختلافيا تداوليا، انما اكتفى بالغاء هيمنة المؤلف على النص ووصايته على القاريء، واوصى ان يكون حضور النص مرجعيا هو فقط دون غيره.(لا شيء خارج النص).

اننا نفهم أن كل نص هو كيان مادي قائم بذاته، والافكار قوة مادية تأخذ أنسنتها الطبيعية من المتلقي به واليه، ويتوجّب علينا ان ننطلق من أن كل قراءة او عدّة قراءات لأصل النص مهما أوتيت من قدرة تأويلية ذكيّة فهي ليس بامكانها ولا بمستطاعها الغاء حضور (أصل النص) حتى لو تعاملنا مع الغائه مجازّيا وليس حقيقيا، ثم والأهم لماذا نحن نعامل القراءات الهامشية الدائرة حول مركزية النص الاصل انّها هي مايمّثل الحقيقة المطلوبة وليس العكس في عدم اعتمادنا مركزية أصل النص انها هي الحقيقة التي على ضوئها نحكم على صحة منطلقات الهوامش القرائية التي تدور حول اصل النص وتستهدفه بالالغاء؟ من جهة اخرى اننا سنضع انفسنا بهذه الحالة امام سلسلة لا تنتهي من الالغاءات المتناوبة على استهداف اصل النص في اعدامه واخراجه من دائرة التلقي في تعدد وتنوع القراءات له .وهذا هوما تنادي به التفكيكية وتعتمده بالصميم.

العقل وفلسفة الشعر

ذهب علي حرب الى (ان الفلسفة الى ماقبل نيتشة كانت (عقلية) تبحث عن البداهة في معرفة الاشياء، وكانوا جميعا ينتمون الى الفضاء العقلي نفسه، اما ما حاوله نيتشة هو الخروج من هذا الفضاء بفتح الممارسة الفلسفية على الجسد والرغبة، على الارادة والقوة، وبكتابة نص فلسفي ينبض بحرارة الشعر ويعيد الاعتبار للجسد المقموع وللشعر المطرود) ص107

ويمضي مكمّلا (بيد ان الشعر لم يصبح اجراء فلسفي (هكذا بالاصل) من اجراءات الحقيقة قبل هيدجرالذي فتح الممارسة الفلسفية على المجال الشعري قراءة انطولوجية....... وان هيدجر باهتمامه بالشعر سيقصي الاجراء المنطقي العلمي كشرط رئيس من شروط التفلسف لصالح الاجراء الشعري، معتبرا انه لا شيء يضاهي الفلسفة في قول الوجود غير الشعر) ص 107 ايضا.

ولنا الآن تسجيل ملاحظاتنا:

1. انه بغضّ النظر عن أن نص الفلسفة يضاهي النص الشعري ويتماهى معه أو يضّادده، ومن هو الباديء بهذا الترويج، ؟ نجد حقيقة الشعر ماثلة امامنا لا يمكننا مجاوزتها بالالفاظ واللغة فقط، ان الشعر فعالية يغلب عليها اللاشعور غير المنطقي الذي يقاطع نص الفلسفة بالصميم، وفي تجاوزه لغة النمطية التداولية المجتمعية الى ما فوق التراكيب المعتادة، كما نجد اختلاط المخيال اللاشعوري في تغييبه الادراك العقلي للواقع، وأبتداع الشعر للصور الشعرية المحّلقة بلغة حركية تخييلية غير منضبطة عفوية وانسيابية، في تغييبها وصاية العقل، وانثيالاتها في تداعيات من العاطفة التهويمية يصعب معها السيطرة عليها وتنظيمها اغلب الاحيان ولا تتدخل الذهنية العقلية بها او محاولة لجمها قبل برود العاطفة وحضور العقل، واغلب الاحيان لا يكاد تداخل العقل بالشعر يعتد ويؤخذ به اذ يصبح عندها جميع الناس شعراء وكل كلام الناس العادي شعرا. وبهذا المعنى لا يمكننا الاقرار امكانية ان يكون الشعر فلسفة، والفلسفة شعرا وهو ما حاوله فيورباخ ونيتشة وهيدجر و وفلاسفة آخرون.ان لغة التجريد في الفلسفة والشعر وان التقيا على صعيد التعبير التداولي فهما يختلفان كليّا في الفهم الوجودي للانسان.

وليس معنى ان تجارب هؤلاء الفلاسفة تعطينا مبررا كافيا في تماهي الخطاب الفلسفي مع الخطاب الشعري فكريا او منطقيا متعذرّا، فهما كبنية إبداعية فنية وجمالية مختلفتان ولا تلتقيان مهما بذلنا من جهود في التنظيرلتسويغ مثل تلك المحاولات العقيمة.وتبقى المسألة ضمن اجتهادات لا تلزم غير متبنيها الأخذ بها كمسّلمة يقينية فلسفية او حقيقة ابستمولوجية نخلص لاهميتها وصحتها.

2.المسألة الثانية أن هيدجر بسبب هذه الاشكالية الفلسفية كان يتبادل التهم مع العديد من الفلاسفة الذين نعتوه بالفيلسوف الميتافيزيقي وردّه عليهم هو أن نيتشة كان آخر الفلاسفة الميتافيزيقيين الذين اوصلتهم عربة الميتافيزيقا الينا، ومن الغرابة ان يحذو هيدجر حذوالنعل بالنعل لنيتشة في اعلائه أهمية الشعر الى مستوى التفلسف وتداخلهما، نص الفلسفة ونص الشعر.ومحاولته تفسير الوجود فلسفيا بماهية الشعر.

3.ان هذه الافكار الشعرية المتداخلة مع الفلسفة هي التي قادت كل من نيتشة وهيدجر الى التبشير وفتح الطريق والابواب الموصدة امام ظهور النزعتين اللتين دمرتا العالم في الحربين العالميتين . النازية والفاشية، التي راح ضحّيتها مئات الملايين من القتلى والجرحى والمعاقين والمفقودين. فلو كان تسنّى لنيتشة قبل جنونه ووفاته لما تردد لحظة واحدة في الانضمام لحزب هتلر النازي كما فعل خلفه هيدجر، ولو حاكمنا افكار نيتشة الفلسفية – الشعرية وافكار هيدجر الشعرية بمعيار النقد العقلي البسيط، وبقليل من البراجماتية الخسيسة التي ينعتها براتراند رسل بفلسفة النذالة، فهل كان بقي لافكار أرادة القوة وارجاع الاعتبار الى لذة الجسد ومتعة الشعر النيتشوي اي معنى؟

4.ان ما يعيب محاولة نيتشة ومن بعده هيدجر في اقصائهما النص الفلسفي عن مجال اشتغاله العقلي المنطقي، لغاية تمجيد الشعر، والتخييل التهويمي غير المنطقي الذي يقاطع النص الفلسفي، منذ مقولة افلاطون في طرده الشعراء من جمهوريته الفلسفية والى يومنا هذا، هو تاثير شعراء كبار من امثال غوتة، فيختة، وهولدرين وشكسبير وغيرهم من الذين كان تأثيرهم على الفلسفة مهّما ولا يستهان به.

أن ما يعرف بتاريخ الجنون لفوكو الذي تطرق الى ما يسميه الفلاسفة تنويعة هولدرين، التي حاول فيها الشاعرالالماني الكبير تقمّص حالة الجنون الى ان أودت به الحال الى الجنون المطبق، وكذا فعل الشاعر لتريامون، وقد حاول هيدجر دراسة شاعرية هولدرين، في تفسيره الوجود بماهية الشعر، ودعا الى هذا المنحى بالفلسفة .ولم يكتب لغيره النجاح في هذا المسعى على ما اعتقد، حيث في نهاية كل نفق لا بد من وجود نور عقلي يعيد المسارات الضالة الى الطريق الصحيح. 

 

علي محمد اليوسف - الموصل

 

 

في سياق نقده لمظاهر الحداثة الغربية ومقوماتها، وكشفه عن آفاتها، وجَّه طه عبد الرحمن سهام نقده للعقلانية التي رفعت الحضارة الغربية من شأنها، فأصبحت ملازمة لها دون سواها، واعتبرها البعض " القاعدة الحتمية التي يجب التقيُّد والالتزام بها، والمثال الذي يجب أن يُحتدى به في سبيل التقدم وتحصيل المطلوب من التحضر، وذلك في تصورهم لكمال مبادئها، وتجانس مناهجها"[1]، فصار مبدأ العقلانية لصيقا بالحداثة حتى "أصبح البحث في الحداثة يستوجب الخوض في العقلانية، وكل بحث في العقلانية، يُقرن بصورة واضحة ومباشرة بالحداثة حتى قيل: الحداثة العقلانية أو عقلانية الحداثة، وذلك بسبب العلاقة الوطيدة بينهما"[2]، فصارت -مع هذا القول بالعقلانية كـأساس للحداثة الغربية- جميع مناحي الحياة معقلنة.

يرى طه عبد الرحمن أن" موضوع العقلانية قد كثر الخوض فيه حتى تواردت عليه ضروب من الشبهة والإشكال وتطرقتْ إليه صنوف من الخلل والفساد. هذه الضروب والصنوف التي تحتاج إلى استجلاء أوصافها وبيان أسبابها وتحديد آثارها حتى نتحرز من الوقوع فيها ونهتدي إلى طريق في العقلانية يكون موافقا للأخلاق الإسلامية"[3]، وذلك في سبيل تفادي ما وقع فيه المفكرون والمُنظِّرون من المسلمين والعرب الذين جعلوا العقلانية على رأس وسائل النهوض بواقع العالم الإسلامي والعربي التي وجب التعلق بها والاحتجاج بها والاحتكام إليها.

ينطلق طه عبد الرحمن من أن كل تحديد للعقلانية لا بد أن ينضبط لثلاثة معايير وهي:

1 – معيار الفاعلية ومقتضاه "أن الإنسان يحقق ذاته بواسطة أفعال مجالها متسع ومتنوع"[4].

2 – معيار التقويم "الذي يقتضي أن يكون سلوك الإنسان ضرورة مستحضرا لما ينبغي أن يكون ومتطلعا له أي مشدودا لا لأحكام الواقع فقط ولكن لأحكام القيمة أيضا".[5]

3 – معيار التكامل ومقتضاه أن الإنسان على اختلاف مظاهره السلوكية وتعدد قدراته النفسية ووظائفه العضوية تتكامل فيه " مظاهر القوة مع مظاهر الضعف وصفات العرفان مع صفات الوجدان ومستويات النظر مع مستويات العمل، وقيم الجسم مع قيم الروح"[6].

وبناءا على هذه المعايير عمل طه عبد الرحمن على بيان محدودية العقلانية المجردة التي تغنَّت بها الحداثة الغربية وذلك من خلال نقد وتقويم حدين للعقلانية " أحدهما قديم له بالغ الأثر في التراث الإسلامي، وهو التعريف الأرسطي، وثانيهما لا يقل أثرا في الخطاب الإسلامي والعربي المعاصر وهو التعريف الديكارتي"[7].

أ‌- التعريف الأرسطي للعقل:

يرى طه عبد الرحمن في سياق نقده للعقلانية الأرسطية " أن "أرسطو" جعل من العقل جوهرا قائما بذاته والحقيقة غير ذلك، فهذا الفهم للعقل لا نجده في نص من النصوص الدينية وكل ما نجده هو أن العقل فعل من الأفعال التي يقوم بها الإنسان ولا فرق بينه وبين باقي الملكات الأخرى"[8].

ومن خلال معايرة هذا التعريف بمعايير تحديد العقلانية يتضح أنه لا يقوم بمعياري الفاعلية والتكامل، وإن كان يقوم بمعيار التقويم،" أما من ناحية معيار الفاعلية فهذا التعريف يجعل من العقل جوهرا أي شيئا ينزل منزلة الذات "[9]، لا منزلة الفعل الدال على الفاعلية، ذلك أن العقل داخل في الأفعال الإنسانية، فالعامل مثلا يعمل وهو يَعقِل في عمله، إضافة إلى أن العقل تعتريه أحكام الحسن والقبح فيحسُن بسلوك مسلك المعرفة الحقيقية، ويقبُح بسلوك مسالك الشبهات والأهواء، ثم إنه يتحول ويتغير كما تتحول وتتغير باقي الأفعال الإنسانية إذ من الممكن أن يتحول الفعل العقلي " من وصف عقلي إلى وصف عقلي آخر أفضل وأعقل منه"[10]، أما من حيث معيار التكامل فإن هذا التعريف يُقسِّم الإنسان إلى قسمين، ذلك أن وصف العقل بالذات القائمة بالإنسان يجعله منفصلا عن الأوصاف الأخرى المحددة لماهية الإنسان كالعمل والتجربة فيجوز إذا أن يكون العمل ذاتا قائمة به، وتكون التجربة هي الأخرى ذاتا قائمة به.

وبالتالي تتعدد الذوات القائمة في الإنسان وهذا مناقض لحقيقة وحدة الإنسان الذي تتكامل أوصافه وتتداخل أفعاله، ولهذا يؤكد طه عبد الرحمن أن العقلانية الأرسطية بإخلالها بالمعايير المحددة للعقلانية وإساءتها استعمالها تنزل رتبة دنيا في العقلانية هي " مرتبة التجريد".

ب‌- التعريف الديكارتي للعقل:

يذهب ديكارت في تحديده لمعنى العقلانية إلى جعلها " قائمة في معنى استخدام المنهج العقلي على الوجه الذي يتحدد به سياق ممارسة العلوم الحديثة ولا سيما الرياضية منها"[11].

يقرر طه عبد الرحمن بداية قبل معايرة العقلانية الديكارتية بمعايير تحديد العقلانية أن هذه المعايير تترتب عنها بعض النتائج، ذلك أن" معيار التقويم يتعلق بالمقاصد وأن معيار الفاعلية يتعلق بالوسائل وأن معيار التكامل يتعلق بالنفع في المقاصد والنجوع في الوسائل "[12].

وعند التساؤل عن مدى تعلق المنهج العقلي العلمي بهذه الشروط يتضح أن مقاصده نسبية، فالعلوم تتكاثر وتختلف بحيث ما يصح في بعضها قد لا يصح في البعض الآخر، وبالتالي " فإن إنشاء خطاب علمي عن العقل الإنساني بوصفه حقيقة واحدة مشتركة بين الناس لا يمكن اعتباره مقصدا من المقاصد التي يتوخاها المنهج العقلي العلمي الحديث"[13]، إضافة إلى أنه يَستَرِقُّ الإنسان من حيث أراد تحريره، ذلك أن التقنيات انقلبت على الإنسان لأنها أخذت بغير بصيرة من الإنسان، تستقل بنفسها وتسير وفق منطقها الخاص، وذلك وفق مبدأين : أحدهما لا عقلاني يقتضي " أن كل شيء ممكن" ما يجعل الآلة تستبيح كل شيء في الإنسان، والآخر لا أخلاقي يقتضي " أن كل ما كان ممكنا وجب صنعه" ما يدفع إلى استخدام الآلة دون الاكتراث للموانع الأخلاقية المؤدية إلى المكارم" أضف إلى ذلك التقاطع والتعارض القائم بين النظريات العلمية عوض تكاملها وتراكبها وكأن العلم في نموه يميل إلى الفوضى والتهادم و الفوضوية عوض النظام و التكامل " [14].

وبالتالي تكون مقاصد هذه العقلانية العلمية المتداولة ضارة لا نافعة فتكون إذن مُخلة بركن النفعية في العقلانية السليمة.

أما من حيث الوسائل فإن الناظر في الوسائل التي يعتمدها المنهج العقلي العلمي يجدها محدودة النجاعة، ذلك أنها تتكلف الموضوعية، " إلا أن التوسل بهذا المبدأ في فهم ظواهر الطبيعة لم يُحقق شرط النجاعة لأنه أفرغ كل القيم والمعاني الأخلاقية بحُجة قطع الطريق أمام الذاتية باسم الملاحظة المباشرة، والتجربة العِيانية"[15]، والحقيقة " أن تحصيل تمام الموضوعية غير ممكن وكل ما تفعله هذه الممارسة العقلانية هو أنها تستبدل بالمعاني الأخلاقية الدينية معاني وقيما أخرى غير دينية وغير أخلاقية بما فيها الموضوعية نفسها"[16]، إضافة إلى أن هذا المنهج العقلي العلمي يكتفي في دراسة موضوعاته ظواهرها دون الحقائق الباطنة التي تستند إليها هذه الموضوعات مُدخِلا لكل شيء في حيز المكان والزمان، فحُرمت وسائله من وصف النجوع الذي يستلزم تحصيله الجمع بين ظاهر الأشياء وباطنها، والسعي وراء تحصيل المعاني السامية التي لا تَتحدد، لا زمانا ولا مكانا.

ثم إن هذا المنهج يتخذ الوسائط المادية في ضبط الظواهر وصفا وتجريبا ومراقبة وتنبؤا، ما جعله قاصرا عن إدراك المعاني الروحية التي لا تتأتى بطريق هذه الوسائط المادية.

وبالتالي جاز أن تنزل العقلانية الديكارتية هي الأخرى منزلة العقلانية المجردة لعدم نفعية مقاصدها ونجوع وسائلها، شأنها شأن العقلانية الأرسطية.

ج- من العقلانية المجردة إلى العقلانية المؤيدة

إذا كانت العقلانية المجردة عند طه عبد الرحمن " عبارة عن خاصية الفعل الإنساني الذي يقوم في السعي إلى تحقيق مقاصد لا يقين مع نفعها بوسائل لا يقين في نجوعها"[17] ، فإنه "يقترح نسقا عقليا أوسع لتجاوز النسق الحداثي الضيق ومرتبة أرقى من العقلانية المجردة"[18]، هذه العقلانية سماها طه عبد الرحمن " العقلانية المُسدَّدة " باعتبارها " خاصية الفعل الإنساني الذي يقوم في السعي إلى تحقيق مقاصد نافعة بوسائل لا يقين في نجوعها"[19]، وذلك " من خلال الربط بين النظر المجرد وبين العمل على مقتضى الشرع" [20] فيكون " العقل المُسدَّد عبارة عن الفعل الذي يبتغي به صاحبه جلب منفعة أو دفع مضرة متوسلا في ذلك لإقامة الأعمال التي فرضها الشرع"[21]، فيكون إذن هو " العقل الذي اهتدى إلى معرفة المقاصد النافعة " [22]، إلا أن هذه المعرفة " قد تفتقر إلى تحصيل الوسائل الناجعة لتحقيق هذه المقاصد التي تم الاهتداء إلى معرفتها"[23] لذلك يتعين على العاقل طلب تجاوز العقلانية المُسدَّدة قصد تحصيل الوسائل الناجعة وتتميم المعرفة بالمقاصد الدينية، "ولن يتأتى هذا التتميم إلا بالارتقاء إلى رتبة عليا من العقلانية" [24]، سماها طه عبد الرحمن " العقلانية المؤيدة " وهي " عبارة عن خاصية الفعل الإنساني الذي يقوم في طلب تحقيق مقاصد نافعة بوسائل ناجعة، ولا يتم الجمع بين نفع المقاصد في ثبوتها وشمولها وبين نجوع الوسائل في تغييرها وخصوصها إلا بدوام الاشتغال بالله والتغلغل فيه "[25].

والعقلانية المؤيدة " تُسلِّم بوصل العقل بالفعل وعدم انفصال المعرفة بالله عن العلم بالأشياء، وتؤمِن بعدم انفكاك الزيادة في المعرفة عن الفائدة وهي المرتبة الأسمى من العقلانية التي تُمكن صاحبها من تلقي الخطاب القرآني بمعانيه الروحية، وليس برسومه اللفظية وكأن المتقرب في تَرقِّيه إلى مرتبة العقل المؤيد غايته تدارك الآفات الخُلقية والعلمية التي ورثتها كل من العقلانيتين المجردة وبالخصوص المُسددة"[26].

وبالتالي فالعقل المؤيد " يتوجه إلى طلب المقاصد الدينية باعتبارها الأنفع والأيقن توجها، سالكا لطرق نافذة ومؤَدية إلى تحقيق هذه المقاصد"[27].

والحاصل فيما سبق حسب طه عبد الرحمن، "أن المتخلق بأخلاق الدين وحده هو الذي يُحصِّل رتبة العقلانية المسددة (و) أنه يرتقي منها الرتبة العقلانية متى اتقى الآفات التي قد تدخل على عمله (و) أن واجبه هو أن يعمل جاهدا من اجل الارتقاء الى هذه الرتبة الثالثة التي تجعل له عقلا كاملا يُدرك ما لا يدرك غيره ويصيب حيث لا يصيب"[28].

 

ياسين كارديدي/ باحث في الفكر الإسلامي والفلسفة وعلوم الأديان/ جامعة عبد الملك السعدي المغرب.

............................

[1] ـ عبد السلام بوزبرة، " طه عبد الرحمن ونقد الحداثة"، جداول، لبنان ط: 1 / 2011م، ص: 94 – 95.

[2] ـ المرجع نفسه، ص: 43.

[3] ـ طه عبد الرحمن، "سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة : 5 / 2013م ص: 60.

[4] ـ " سؤال الاخلاق" مرجع سابق ص: 61.

[5] ـ حمو النقاري، " منطق تدبير الاختلاف من خلال أعمال طه عبد الرحمن"، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، ط: 1 / 2014م، ص: 93.

[6] ـ "سؤال الأخلاق" مرجع سابق ص: 62.

[7] ـ المرجع نفسه ص: 62.

[8] ـ " طه عبد الرحمن ونقد الحداثة" مرجع سابق ص: 97.

[9] ـ "سؤال الأخلاق" مرجع سابق ص: 63.

[10] ـ " المرجع نفسه ص: 63.

[11] ـ "سؤال الأخلاق" مرحع سابق ص: 64.

[12] ـ المرجع نفسه ص: 64.

[13] ـ " المرجع نفسه، ص: 65.

[14] ـ طه عبد الرحمن ونقد الحداثة ، مرجع سابق ص: 102.

[15] ـ المرجع نفسه، ص103.

[16] ـ سؤال الأخلاق، مرجع سابق، ص: 67.

[17]ـ المرجع نفسه، ص: 75.

[18] ـ طه عبد الرحمن ونقد الحداثة مرجع سابق، ص: 108.

[19] ـ "سؤال الاخلاق" مرجع سابق، ص: 75.

[20] ـ طه عبد الرحمن ونقد الحداثة، مرجع سابق ص: 108.

[21] ـ طه عبد الرحمن " العمل الديني وتجديد العقل" ص: 53.

[22] ـ "سؤال الاخلاق" مرجع سابق، ص: 71.

[23] ـ "منطق تدبير الاختلاف من خلال اعمال طه عبد الرحمن مرجع سابق ص: 97.

[24] ـ المرجع نفسه، ص: 97.

[25] ـ "سؤال الاخلاق" مرجع سابق، ص: 75 – 76.

[26] ـ "طه عبد الرحمن ونقد الحداثة مرجع سابق، ص: 116.

[27] ـ " منطق تدبير الاختلاف، من خلال أعمال طه عبد الرحمن، مرجع سابق ص: 96.

[28] ـ "سؤال الأخلاق" مرجع سابق، ص: 76، بتصرف.

 

 

علي رسول الربيعينرى أن مسألة العلاقة بين الفلسفة التي تطمح للعالمية والعقل العمومي الذي يستعمل المحاججة العقلانية وبين الدين الخاص، الذي يستعمل اللغة المجازية لها اهميًة، ومن هذا الموقع ننظر في أقوال الفلاسفة السابقين عن هذه العلاقة بين الدين والفلسفة ونظرية "الحقيقة المزدوجة" تنص "نظرية الحقيقة المزدوجة على أن الفلسفة والدين لا يحملان نفس الآراء، وبعبارة أخرى، مواقفهما تختلف في مواضيع معينة. أنهما يفسران الواقع بطرق مختلفة، وحتى غير متوافقة. هناك فلاسفة كان لهم دور بارز في تناول هذه القضية ومهم في تاريخ الفلسفة ومن بينهم أبن رشد وهيجل. لانقصد هنا ان نقيم مقارنة تاريخية بينهما ولكن موضوعاتية. فلدى أبن رشد وهيجل وجهات نظر متشابهة بشكل ملحوظ حول العلاقة بين الفلسفة والدين.

فيما يخص مكانة الكتاب المقدس أنه هو سلطة أكبر من أفلاطون أو أرسطو. على الرغم من أنه لا يمكن إغفال المعنى الحرفي للكتاب المقدس الاً أنه توجد هناك قراءة غير حرفية للكتاب المقدس مع أوغسطين وتقبلها الأكويني أيضا، فقد قبل الأكويني أنواعًا مختلفة من القراءات المجازية للكتاب المقدس، لكن يجب أن يكونوا خاضعين للمعنى الحرفي للنص.

يساوي هيجل في محاضراته حول فلسفة الدين، بين مفهومه للروح والروح القدس كما هو في الكتاب المقدس واللاهوت المسيحي. ومع ذلك، لا يمكن القول بأن وجهات نظره حول الروح تتوافق مع اللاهوت المسيحي، اللوثري أو الكاثوليكي، بالنظر إلى أنه يقلل أو يبدو أنه ينتقد الصور الدينية التي نجدها في الكتاب المقدس، مثل مفهوم الأب والابن الذي ينسب إلى الله.

هناك مكانة كبيرة لأبن رشد وهيجل في مسألة العلاقة بين الفلسفة والدين ولاسيما أطروحة "الحقيقة المزدوجة. إذا أردنا توضيح هذه النظرية، فعلينا أن نشير إلى أنه في حين ينص الدين (المسيحية والإسلام) على أن العالم قد خلق في وقت معين، يقول فيلسوف مثل أرسطو أن العالم أبدي، بمعنى أنه لم يكن هناك وقت لم يكن العالم فيه غير موجود أبداً. وهذا يجعل من الصعب مقارنة آراء أرسطو مع الكتاب المقدس والتفسير القرآني للخلق.

فيما يتعلق بابن رشد وهيجل، لا بد من القول بأن أيا منهما لم يدافع عن أطروحة الحقيقة المزدوجة بالمعنى القروسطي للعبارة. كلاهما دعا إلى أن الحقيقة يمكن التعبير عنها بطرق مختلفة في الفلسفة والدين. ربما لا يزال هناك غموض في ما يتعلق باراء كلا الفيلسوفين حول الدين، لأن كلاهما ذكر أن الدين يصور الحقيقة بطريقة مجازية، بينما تعبر الفلسفة عن الحقيقة بطريقة صارمة أو صريحة أو حرفية. من الواضح أن هناك تفضيلاً للطريقة الفلسفية للتعبير عن الحقيقة عند كل من ابن رشد وهيجل.

لم يقم هيغل، في الواقع بدراسة ابن رشد ولم يكن لديه رأي مهم او ذو قيم فيما يتعلق بالفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى، لكن اذا كان ذلك كذلك فما وجه الأتصال بينهما؟

قدم هيجل مساهمة كبيرة للغاية في دراسة تاريخ الفلسفة. حتى انه حدد الفلسفة مع تاريخ الفلسفة. أما من افتتح البحث في الفلسفة الإسلامية كموضوع دراسي فعليا فقد كان رينان عندما كتب عن ابن رشد و نشر كتابه لأول مرة في عام 1852. وعليه، كان هيجل محدود الأطلاع بالمصادر المتاحة له أنذاك. فقد كان ينظر إلى الفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى على أنهم مجرد معلقين على أعمال أرسطو. ويحدد الفكر الإسلامي الحقيقي بعلم الكلام الإسلامي في العصور الوسطى. إن مصدر أراء هيجل عن الفكر الاسلامي في العصور الوسطى مستمد من دراسته لموسى ابن ميمون الذي كان يشارك في النقاش مع علماء الدين الإسلامي.

كان هيغل على معرفة بأبن ميمون وكان أيضا من المعجبين بفلسفة سبينوزا الذي كان بدوره قارئًا لابن ميمون. ومن المعروف أن أحد التأثيرات الفلسفية العظيمة على بن ميمون كان الفارابي، والذي كان بدوره دافعًا لابن رشد ايضا الذي راى في عمله الرئيس تاكيدا على أن الواقع يمكن التعبير عنه بشكل مختلف بين لفلسفة والدين. فلا يختلف موقف ابن رشد حول هذا الموضوع جذريًا عن موقف الفارابي، وكان أبن رشد ملمًا بفكرة الفارابي. أما هيجل فقد تعلم عن أطروحة الحقيقة المزدوجة من خلال سبينوزا وابن ميمون.

لكن ماذا عن السياقين المختلفين تمامًا الذين عمل هذان الفيلسوفان، ابن رشد وهيجل، من خلالها. والاختلافات الرئيسية بين الإسلام السني في القرون الوسطى عند ابن رشد ومذهب هيجل مابعد اللوثرية المسيحية وما بعد عصر التنوير؟ عاش هيجل في مجتمع ما بعد عصر التنوير، عصر العلمنة التدريجية في المجتمع. لكن لاتزال ألمانيا هيجل انذاك محافظة للغاية، و كانت الاتهامات بالالحاد ضد الفلاسفة سائدة، فقد أتهم فيشته بالحاد أولاً وأتهم هيجل بالحلولية في برلين لاحقا. لم يفقد الأخير موقعه الأكاديمي على عكس فيشته من قبله، فكان في ألمانيا مجتمعاً عميق التدين. أما ابن رشد فقد عاش في إسبانيا الإسلامية في العصور الوسطى ولم يكن الإسلام مجرد دين بل هو أسلوب حياة هيمن على جميع جوانب المجتمع. نعم عاش ابن رشد في مجتمع ديني ، لكن كان هناك أفراد أقوياء كانوا مهتمين بالفلسفة والترويج لها بغض النظر عما إذا كانت تنسجم مع الدين أم لا، مثل الأمير الذي قرأ أرسطو وبعض تعليقات ابن رشد، أقصد أبو يعقوب يوسف. بالإضافة إلى ذلك، فقد اعتبر البعض أن ابن رشد هو مقدمة لعصر التنوير؛ نظراً لتأكيده على قوة العقل وقدرته للتفكير بشكل مستقل عن الوحي، بينما كان هيجل مهتمًا بشدة بالدين، ودمج المواضيع المسيحية في فلسفته. بعبارة أخرى، عاش كل من أبن رشد وهيجل في فترات تاريخية مختلفة جوهريًا، لكنهما كانا مهتمين بشدة بالتقاطع بين الفلسفة والدين والعقل والإيمان.

ولنا أن نسأل إذن كيف وضع ابن رشد نظرية "الحقيقة المزدوجة" في كتابه " فصل المقال..." و " تهافت التهافت" "" و أعماله التي تشرح أرسطو؟ وكيف يرى العلاقة بين الإسلام والفلسفة والانسجام بينهما وعلى وجه الخصوص؟ وكيف كانت قراءته غير الحرفية للقرآن في ذلك الوقت؟ يؤكد ابن رشد بوضوح على وجود حقيقة واحدة فقط، ولكن يتم التعبير عنها بطرق مختلفة في الفلسفة والدين. وهو يعتقد أن الحقيقة يتم التعبير عنها بطريقة حرفية في الفلسفة، ولا يمكن صياغة الحقيقة في الفلسفة بشكل مختلف. بينما يعبر الدين عن الحقيقة بطريقة مجازية. على سبيل المثال، يشير القرآن إلى يد الله. وفقاً للفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى، لا يمكن أن يكون لـ لله خصائص إنسانية، مثل الجسد (الذي قد ينطوي على الحد من طبيعة الله اللانهائية) ، وبالتالي فهو لا يملك حقًا اليد. يجب أن تُفهم الإشارات إلى يد الله بطريقة مجازية بمعنى قوة الله.

يميز ابن رشد ،في هذه النقطة بين الطرق المختلفة للتعبير عن الواقع نفسه، أي الطريقة البرهانية والجدلية والخطابية. وهو يشرح طبيعة هذه الأنواع اللغوية الثلاثة في كتابه " فصل المقال" التي صيغت كمسألة قانونية حول ما إذا كان ينبغي السماح للمسلمين بدراسة (الفلسفة اليونانية القديمة والهلينية). ويستند تمييزه بين هذه التخصصات أو أنواع الخطاب على أرسطو، وقدم ابن رشد التوضيح في تحليلاته الثانية، وهو العمل الذي ألفه من ضمن الشروحات، بما في ذلك الشرح الكبير المفصل جدا. يتم تعريف الخطاب البرهاني من قبل أرسطو بأنه هو مالطلوب للعلوم والتحقيقات العلمية. على هذا النحو، فإنه يتميز بعدم غموضه ولا يستعمل الاستعارات أو الرموز. يؤيد ابن رشد هذا الرأي. وبطبيعة الحال، لا ينطبق هذا النوع من الخطاب أو اللغة على العلوم بالمعنى الحديث لمصطلح اليوم فحسب، بل ينطبق أيضًا على الفلسفة المظلة تنطوي تحتها معظم أشكال المعرفة في العصور الوسطى.

يحدد ابن رشد اللغة الدينية بالخطاب الجدلي و بخطاب البلاغة. كتب أرسطو عن موضوعة الجدل وعن البلاغة في كتابه بعنوان البلاغة. وكتب ابن رشد الشروحات على كل من هذه الأعمال ، وكذلك على التحليلات الثانية قبل تأليف " فصل المقال". علاوة على ذلك، لا ينظر ابن رشد إلى هذه على أنها أساليب فقط ، لكنه يحددها مع ثلاث فئات من الناس في إسبانيا الإسلامية في العصور الوسطى. فئة البرهان التي يحددها بالفلاسفة، وهم أقلية. وقد امتلكت إسبانيا في العصور الوسطى تقليدًا متميّزًا للفلسفة الإسلامية، حيث أنتجت مفكرين بارزين مثل ابن حزم وابن باجة وابن طفيل (الذي كان صديقاً شخصياً لابن رشد).

وحدد فئة أهل الجدل بالمتكلمين وفئة أهل البلاغية بالمؤمنين المسلمين العاديين. ينتقد بشكل خاص علماء الكلام لقيامهم بتضليل غالبية المؤمنين، الذين لا يتم تدريبهم على الفلسفة أو أي نوع من التفكير المجرد. ينخرط علم الكلام الإسلامي في التفكر والتأمل حول معنى القرآن، لكنه لا يأخذ في الاعتبار تمامًا الفلسفة القديمة، من ناحية، وهو معقد للغاية حتى يمكن أن يفهمه غالبية الناس، من جهة أخرى. فيرى ابن رشد أنه من الأفضل أن الفلاسفة (وليس علماء الكلام) هم من يشيروا إلى الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها آيات قرآنية معينة من قبل غالبية المسلمين.

إن الطرق المختلفة التي يمكن أن تدرك بها الحقائق الأساسية، مثل وجود الله ، تعني أن على الفلاسفة أن يفكروا في الله بطرق مجردة، في حين أن غالبية المسلمين الذين ليس لديهم القدرة على فهم أو الانخراط في دراسة الفلسفة يسمح لهم بالتفكير في الله في طرق أكثر مجسمًة. وفقا لابن رشد تناسب الرسالة القرآنية جميع فئات الناس، من الفلاسفة إلى جميع المسلمين الآخرين.

اذن إن مفتاح أنسجام جميع أنواع الخطاب هو طريقة قراءة القرآن طبقا لأبن رشد، الذي يقول – كما اسلفنا- أن الفلاسفة وليس المتكلمين من يجب أن يكون لهم القول الفصل في كيفية تفسير القرآن.

فبالنسبة لأبن رشد الفلسفة والدين لهما المضمون نفسه ولكنهما يعبران عنه بشكل مختلف، على سبيل المثال فيما يتعلق بطبيعة الله. سوف يفهم الفيلسوف قدرة الله المطلقة على كونه السبب المطلق لكل شيء، في حين أن غالبية المسلمين يمكنهم الاعتماد على تصورات أكثر مجسمًة عن لله متوفرة في القرآن. فيجب قراءة الوصف المجسم لله في القرآن بطريقة مجازية من قبل الفلاسفة، ولكن ليس من قبل المسلمين الآخرين. لا يقول ابن رشد أن كل شيء في القرآن مجازي، في الواقع يمكن أن يفهم بعض الآيات حرفيا من قبل أي مسلم.

وفيما يتعلق بالتفسير، يؤكد ابن رشد في كتابه "فصل المقال" أنه منذ التاريخ المبكر للإسلام، تم القبول بأن القراءات المجازية للقرآن كانت ضرورية فيما يتعلق ببعض الآيات، ولكن ليس كلها. انه يضع القواعد لتفسير هذه الآيات وفقا لقواعد اللغة العربية واستخدامها. ويذكر أيضًا أنه عندما تتعارض الآية القرآنية مع فكر أرسطو، يجب قراءة الآية بشكل مجازي، نظرًا لأن نصوص أرسطو ذات طبيعة برهانية ويجب أخذها حرفياً. وبهذه الطريقة، يسعى دائمًا إلى التوفيق بين فكر أرسطو والقرآن. يدعي ،على سبيل المثال، أن الإشارات إلى جلوس الله على العرش قبل الخلق الموجودة في القرآن تشير إلى وجود شيء ما إلى جانب الله دائما، واستعمله كمؤشر على أبدية العالم. لكن على ما يبدو، لم يقنع هذا التفسير بعض المتكلمين الإسلاميين، لأن القرآن يذكر أيضا خلق الله للعالم في ستة أيام.

كانت هناك مدارس في علم الكلام الإسلامي في القرون الوسطى، مثل مدرسة المعتزلة التي فضلت قراءة مجازية لبعض الايات، في حين كانت هناك الأشعرية ومدرسة لاحقة للمعتزلة حبذت القراءة الحرفية للقرآن. تسود المدرسة الأشعرية في الإسلام السني اليوم، لكن كانت هناك محاولات لإحياء آراء المعتزلة، لذلك فإن الطريقة التي يقرأ بها القرآن مفتوحة للنقاش بين عموم المسلمين ومن مختلف المذاهب. ومن الواضح أن هناك تقليدًا منذ القرون الوسطى حول الطرق غير الحرفية لفهم القرآن، ويمكن إعادة إحياءها من قبل علماء مسلمين دائما.

هناك مجال آخر من الجدل حول التوفيق بين الرؤية الدينية للعالم والرؤية الفلسفية، وتتعلق بمسألة المصادفة والحتمية. وعليه يُطرح هنا السؤال، فكيف تعامل ابن رشد مع قضايا مثل الحرية والمسؤولية إلى جانب العناية الإلهية وإرادة الله؟ هل اعتقد أنه يجب أن يصمم فلسفته طبقا لدينه أم العكس؟ أظن أن كل هذا يعود إلى السؤال كيف يمكن أن يجمّع بين تفسيره الأرسطي للطبيعة مع القرآن؟ نعم ، إن مسألة الصدفة والحتمية تدل كذلك على محاولات ابن رشد للتوفيق بين الدين والفلسفة أو العلم.

فيما يتعلق بمسألة الحرية والمسؤولية يجب على المرء أن يأخذ في الاعتبار نوعين من المصادر التي استعملها ابن رشد، أرسطو من جهة، والقرآن من جهة أخرى. وهنا لابد من الشارة الى إن أرسطو نفسه في أعماله المكثفة لا يبدو له موقف واضح المعالم بشأن مسألة حرية الإنسان. في حين يبدو أنه يشدد على المسؤولية الإنسانية في أعماله الأخلاقية، هناك تركيز قوي على السببية بل وحتى الضرورة في أعماله الطبيعية. علاوة على ذلك، فإن الصدفة عند أرسطو ليست سبب أساسي، بل هي سبب عرضي يرتبط مع الأسباب الأساسية الأخرى، مثل السبب النهائي أو الفعال كما يوضح بوضوح في فيزياءه.

تشير بعض الآيات القرآنية إلى أن البشر أحرار في الإيمان أو عدم الايمان، في حين تشير الآخرى إلى أن الله هو سبب الإيمان وعدم الإيمان للبشر. كانت هناك مدارس مبكرة في علم الكلام الإسلامي في العصور الوسطى، وكان الفلاسفة يشاركون في الحوار ايضا، تؤيد مفهوم الحرية الإنسانية، كحماية لمبدأ لعدالة الله، بينما تم تركيز، في وقت لاحق، على القدرة الكلية الإلهية والتقليل من حرية الإنسان، التي لا يمكن أبدا أن تقف في طريق القدرة الإلهية والقضاء والقدر. أيً أن الله هو سبب الإيمان وعدم الإيمان الكائنات البشرية.

أعتقد أن تطور مفهوم الحتمية الطبيعية في علم الكلام الإسلامي في العصور الوسطى أثر على فكر ابن رشد كما اثر على ابن سينا قبله. يشدد ابن رشد على الضرورة الصارمة لعمل الطبيعية في تعليقاته على أرسطو. إنه يعتبر الصدفة حالة عرضية وليس سببًا أساسيًا. هذا يعني أنه عندما ننظر الى حادثة صدفة، فهناك سبب أساس يرتبط به العنصر العرضي. على سبيل المثال، إذا كان الموسيقار يبني بيتًا عرضا، فإن الأمر ببساطة هو أن المهندس المعماري الذي قام ببناء المنزل هو أيضًا موسيقي.

عندما يناقش ابن رشد الجوانب اللاهوتية لقدرة الله على الحوادث في اعمال المتكلمين المسلمين، يلاحظ أهمية الحفاظ على الحرية الإنسانية (وإلا فإن العدالة الالهية ستصبح موضع تساؤل) ولكنه يشير أيضًا إلى أن السببية في الأفعال الإنسانية تخضع إلى السببية والقدرة الالهية.

كان ابن سينا عملاق آخر في الفلسفة الإسلامية. وهنا نسأل هل كانت مقاربة ابن رشد للمصادفة والحتمية مختلفًا اختلافاً كبيراً عن مقاربة ابن سينا، وهل اختلفوا حول أنسجام الفلسفة والدين؟

أعتقد أن ابن سينا كان أكثر وضوحا في دفاعه عن الحتمية من أبن رشد. وعلى عكس الأخير، تأثر ابن سينا كثيراً بالأفلاطونية المحدثة - من خلال ثيلوجيا أرسطو، وهي نسخة عربية من أجزاء من التاسوعيات التي كتبها أفلوطين ونسسبت الى أرسطو - ونظريته عن الفيض أو الصدور. تتكون هذه العملية من الطريقة التي تفيض فيها العقول من العقل الأول . يحرص ابن سينا كثيراً على فكرة صارمة عن السببية الضرورية في العالم السماوي والأرضي. فلا يبدو أن هناك مكان في نظامه الفلسفي لسبب حر مستقل من قبل البشر، وبالتالي يمكن اعتبار ابن سينا مؤيدأً لحتمية شاملة. يقول نظامه الميتافيزيقي أن كل ما هو موجود بالفعل ضروري الوجود لوجود سببه. وما هو ممكن هو لا يوجد في الواقع حتى الآن ولكن يمكن أن يوجد بوجود سببه. وكل ما يوجد بالفعل موجود بالضرورة لوجود سببه. الله وحده لامسبب له، وفقط هو ضروري بذاته، وليس من خلال سبب اخر.

يقول ابن سينا في كتاباته حول موضوع القدر (تصميم الله أو الأقدار المسبقة للأحداث)، إن كل شيء يحدده الله، بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال أسباب ثانوية، ولكن لا شيء يفلت من إرادة الله وسببيته بما في ذلك الأفعال والأفكار الإنسانية.

أما فيما يتعلق بالاختلافات بين ابن سينا وابن رشد حول هذا الموضوع، يؤيد ابن سينا نوعا من الحتمية الآلية، والتي تكون فيها السببية الخارجية أو السبب الكافي فعال دائما، في حين يؤكد ابن رشد على موضوع الفعل (طبيعي أو إنساني) ويفضل رؤية أكثر غائية للطبيعية. وبهذا المعنى، يؤكد ابن سينا على ارتباط السبب العرضي بالسبب النهائي، في حين يربط ابن رشد قضية السبب العرضي بالسبب الفعال.

لم يقم ابن سينا بإنتاج أعمال جوهرية حول الأخلاق، وبالتالي لا يبدو أن مسألة حرية الإنسان قد ظهرت. ويسعى كل من ابن سينا وابن رشد الى الأنسجام بين الفلسفة والدين، لكن أبن رشد يفعل ذلك بشكل صريح لا سيما في " فصل المقال"، في حين يقوم ابن سينا بذلك ضمنا، من خلال دمج المواضيع الإسلامية في فلسفته. على سبيل المثال عندما يكتب ابن سينا حول نظرية أرسطو عن الروح، يوسع نظريته في الخيال ويؤكد دوره في عملية النبوة والنبوة.

ومن جهة اخرى اذا ما نظرنا إلى مقاربة هيغل لنظرية "الحقيقة المزدوجة" من خلال الإبستيمولوجيا والميتافيزيقا. هل يمكننا أن نحدد ما هي الطرق المختلفة ولماذا تفيد في محاولة فهم هيغل للعلاقة بين الفلسفة والدين؟ نجد هيجل في الدين والفلسفة كأنه يحكي الحكاية نفسها كما هي عند ابن رشد وقبله ابن سينا والفارابي، ولكن بطريقة مختلفة. فيمكن للمرء- عند هيجل- أن يفكر في الواقع بطريقة مفاهيمية من خلال العقل أو مجازيا من خلال الخيال أو التمثيل؛ حيث تتم ترجمة مصطلح الفكرة على أنها "التفكير التصوري" أحيانًا. يستخدم التفكير الديني الصور ويعتمد على الخصوصية، على عكس التفكير الفلسفي يعتمد العالمية. ومن هنا كان الجانب المعرفي للسؤال، بالنظر إلى اختلاف أساليب التفكير أو طرق فهم الواقع. لايمكن فصل الابستيمولوجيا والأنطولوجيا أو الميتافيزيقية أبداً عند هيجل. على سبيل المثال، في فينومينولوجيا الروح، هناك تقدم تدريجي من طرق أكثر بساطة لإدراك الواقع وصولًا إلى الفهم والعقل الذي يدرك الواقع بطريقة أكثر شمولية وتعقيدًا. وغالباً ما يكون هناك تناظر بين طرق التفكير والفترات الفعلية في تاريخ العالم (بما في ذلك فترات في تاريخ الفلسفة) ، مثل اليونان القديمة والتنوير. وفقا لهيجل، العقلاني واقعي والواقعي عقلاني، وبالتالي فإن تفكيرنا يعكس الواقع، والواقع والتفكير يسيران يدا بيد. ولهذا السبب، فهو بالتأكيد لا ينادي بمثالية ذاتية، بل بالمثالية المطلقة والمعرفة المطلقة، مما يعني أنه لا يوجد شيء مخفي عن الذات، وبالتأكيد ليس من ذات تعرف بلا حدود.

قدم الفلاسفة وعلماء الكلام قبل ابن رشد شئ شبيه بفكرة "الحقيقة المزدوجة"، إذن، كيف أصبحت النظرية مرتبطة بأبن رشد داخل الكلام والفلسفة الاسلامية؟ مسألة الحقيقة المزدوجة هي سؤال حول العلاقة بين الفلسفة والدين. ويدّعي هذان النظامان اللذان يعرفان كلاهما أنهما يصوران الواقع بأكمله، ومن هنا كان التنافس بينهما. نعرف أن هناك العديد من الفلاسفة الذين اتهموا بعدم التقوى في أثينا القديمة، مثل أناكساغوراس وسقراط وبروتغوراس وأرسطو. طرح أفلاطون نظريته عن "الكذبة النبيلة" في الجمهورية للإشارة إلى استخدام الأسطورة لغرض تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وفي نفس العمل يفكر في الإيمان (pistis) كرتبة أقل من العقل (dianoia) أو الذكاء (nous) في حجم عمليات التفكير البشري. لقد كثرت في الفلسفة ابان العصور الوسطى المواضيع الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية وبدا أن الدين يسيطر على الفلسفة. في السياق الإسلامي في القرون الوسطى، لا يمتلك علم الكلام طابعًا دوغمائا وهو يتفكر في الطبيعة. وهذا أعطى مجالا واسعا للفلاسفة المسلمين لتبني الأفكار الأفلاطونية أو الأرسطية. جاءت الحاجة إلى انسجام واضح للفلسفة والدين في أعقاب هجوم الغزالي (1111 م) على الفلاسفة المسلمين، ولا سيما على ابن سينا. جادل الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" بأن العديد من نظريات الفلاسفة لم تكن متوافقة مع الرسالة القرآنية، اتهم الفلاسفة بالالحاد على ثلاث قضايا. كان على ابن رشد أن يتعامل مع هذه الاتهامات بشكل مباشر، وهو ما فعله في كتابه "فصل المقال" و كذلك في "تهافت التهافت" حيث رد فيه على حجج الغزالي نقطة نقطة لتفنيدها.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

حاتم حميد محسنمن بين الاختلافات العديدة بين الفلسفة القارية والفلسفة التحليلية(1) هي الاختلاف في طرق النقاش حول علاقة المرء بالناس الآخرين. في الفلسفة التحليلية يتجسد ذلك بالسؤال عن امكانية المعرفة تحت عنوان "مشكلة الأذهان الاخرى". "المشكلة" في السؤال هي كيف نستطيع معرفة وجود الأذهان الاخرى طالما ان اي ذهن لا يظهر بشكل واضح امام الحواس لأننا لانستطيع رؤية او لمس الاذهان.

الجواب الكلاسيكي لهذا السؤال والذي لقي صدى لدى العديد من الكتّاب اللاحقين جاء من جون ستيوارت مل:

"انا استنتج ان الناس الآخرين لديهم مشاعر مثلي، بسبب اولا، هم لديهم اجسام مثلي، وهو حسب ما أعرف شرط سابق للشعور، وبسبب ثانيا، هم يعرضون افعالا واشارات خارجية اخرى والتي حسب ما أعرف من التجربة انها تنشأ بواسطة المشاعر". (اختبار لفلسفة السير وليم هاملتون، 1865).

من الواضح ان عملية الاستنتاج التي عرضها (مل) ليس لها علاقة بالسبب الذي يدفعنا للاقتناع بوجود اذهان خاصة للناس الذين حولنا . حتى الملاحظات السريعة للاطفال تنبّهنا لحقيقة ان مشكلتهم حينما ينمون تدريجيا ويصبحون اكثر اطّلاعا بالعالم، هي مناقضة تماما للمشكلة التي اقترحها (مل).

اساسا، الاطفال ينسبون حالات ذهنية لكل شيء، هم يعتقدون بوجود عقول ومشاعر في لعبهم بنفس مقدار ما لدى آبائهم، وبمرور الزمن يحصل انحسار في مفهوم الوجودات التي تُنسب اليها الحالات الذهنية. الحيوانات تبقى ضمن هذا المفهوم فترة اطول، وحتى البالغين هم قادرين على ان ينسبوا حالات ذهنية غير واضحة لحيواناتهم المنزلية. في الحقيقة، من السهل لنا ان ننسب الكراهية خصيصا للاشياء المتمردة غير الحية : مفك البراغي الذي لايفك، السحّاب الذي يرفض الحركة، الباب الذي لا ينفتح.

لذا يبدو اننا جميعا نبدأ بافتراض حالات ذهنية في كل الوجودات في عالمنا، بطريقة مشابهة لتلك التي نسبت بها الاديان القديمة الروح للاشجار والانهار وكل الاشياء في العالم الطبيعي. هذا يبدو من الطرق الفطرية التي نميل اليها في التفكير. لذا فان الاعتقاد بان شيء ما لديه ذهن هو امر غير مشتق من تجربتنا او مستنتج من الدليل وفق اسلوب (مل)، وانما الافتراض يسبق تجاربنا. نحن اذاً نسعى لوضع الوجودات التي نواجهها ضمن هذ المفهوم.

هذه فكرة عمانوئيل كانط عن المفهوم القبلي (قبل ان نحتك بالعالم) لطرق التفكير. هذه المفاهيم اوضحها كانط في كتابه (نقد العقل الخالص عام 1781) رغم ان "الفرد الآخر" ليس من بين المفاهيم التي ناقشها كانط في ذلك الكتاب. تركيزه هناك كان منصبا على تحديد المفاهيم الضرورية لنا لنكون قادرين على امتلاك التجربة بالعالم المادي. ومن هنا فان قائمته بالمفاهيم تتضمن اشياءا مثل "جوهر" و"سببية". بدأ كانط بدراسة علاقتنا بالناس الآخرين فقط في كتابه اللاحق (نقد العقل التطبيقي عام 1788)، حيث اوضح رؤيته بان الخاصية الحاسمة التي تميز علاقاتنا بالناس الآخرين عن علاقاتنا بالاشياء غير الحية هي القانون الاخلاقي. احدى صياغاته للقانون الاخلاقي هي "دائما تعاملْ مع الآخرين كغايات في ذاتهم وليس كوسيلة لغاية". لذا بالنسبة لكانط فان عمليات القانون الاخلاقي الذي اعتقد به هي التي يمكن استنتاجها بواسطة العقل الخالص، والتي تخلق "مملكة الغايات": عالم الافراد الاحرار المستقلين.

اللاحقون لكانط تُركت لهم مهمة متابعة نتيجة اعتبار "الآخر" او "الشخص الآخر"، كمفهوم قبلي. الفلسفة القارية استمرت الى الوقت الحاضر في التحقيق بهذه الفكرة التي لقيت اهتماما قليلا من الفلسفة التحليلية.

الأذهان الاخرى تستمر كموضوع للتصور حتى عندما لا توجد بشكل واضح، وذلك بسبب الوجود القبلي لمفهوم الآخر في تفكيرنا.

هيجل واتباعه اللاحقون

كان هيجل اول فيلسوف بعد كانط عالج اسئلة محددة تتصل بهذا المفهوم. في القسم الاول من عمله فينومينولوجيا الروح 1807 كتب هيجل حول الاسئلة المألوفة المتعلقة بالعلاقات بين الشخص الملاحِظ والاشياء تحت الملاحظة. هو أطلق على هذا اسم "ديالكتيكية الوعي". اما الجزء الثاني من كتابه يعالج القضايا المحددة التي تبرز عندما يتم تمييز الاشياء قيد الملاحظة ذاتها كفرد آخر. يسمي هيجل هذا "ديالكتيكية الوعي الذاتي". الناس ليسوا فقط وعي وانما هم ايضا وعي ذاتي، وحسب رؤية هيجل فان وعينا الذاتي مرتبط بوعينا بالآخرين. علماء النفس المعاصرين سمّوا وعينا بالآخرين "نظرية الذهن"والتي يقصدون بها القدرة على التمييز بان الناس الاخرين لهم عقول، وبهذا هم يضعون استنتاجات تتعلق بما يفكر به الآخرون. ولكن بالنسبة لهيجل فان الوعي بان ذاتي انا ايضا شيء للتفكير في هذا الآخر الذي سيضع افتراضاته الخاصة حول افكاري، يُنتج تاثيرا يشبه مرآتين تواجهان بعضهما، كل واحدة تعكس الآخر في سيل من الصور المتكررة الى ما لانهاية. خاصية الانعكاس المتبادل لوعي الانسان الذاتي هذه شغلت التفكير العميق للعديد من المفكرين اللاحقين في الفلسفة القارية، مولّدين سلسلة من مختلف التفسيرات. هيجل ذاته اعتقد بان المواجهة بين الوعيين الاثنين تستلزم من المرء محاولة التغلب على الآخرين بدمج منظورهم ضمن منظوره. وحتى عندما يفشل هذا فان المحاولة ذاتها ستعدّل طبيعة الوعي الاول. وهكذا تبدأ السلسلة من مختلف اشكال الوعي التي تشكل تفسير هيجل عن الحياة الانسانية والتاريخ. هذه العملية يمكنها ان تبدأ فقط بوعي واحد يعترف بوجود الآخرين.

هناك رؤية مقابلة اتخذها جين بول سارترفي الوجود والعدم (1943). هنا يصف سارتر ظروفنا بالوجودات التي هي مُلاحظ (لأنفسنا) وايضا شيء تحت الملاحظة (بالنسبة للاخرين) . لكننا يستحيل ان نعي هذين المظهرين في وقت واحد. وعليه، فان وعينا يتأرجح بين هذين القطبين، لا يستطيع ابدا فهم الموقفين بوقت واحد. من هذا الموقف تبرز تلك المآزق للتفاعل الانساني التي يصفها سارتر بجدارة في هذا الكتاب. يختلف سارتر عن هيجل في ان هذا التأرجح لا يقدّم اي سلسلة ممكنة للمراحل التقدمية، وبهذا لا وجود لتطور تاريخي للوعي كما في الاسلوب الهيجلي.

ان فكرة هيجل عن التطور الديالكتيكي لن يكون لها تأثير في الذات والموضوع السارتري. هذا هو السبب الأصلي في الصعوبة التي واجهها سارتر بدمج التاريخ ضمن مشروعه الفكري مما قاد الى فشله في محاولة التوفيق بين فلسفته والفلسفة الماركسية.

اتجاه آخر لنفس هذه القضايا يمكن العثور عليه في اعمال الفلاسفة القاريين امثال الكسندر كوجيف و مارتن بوبر و عمانوئيل ليفان و ميخائيل فوكلت وآخرين. الموضوع اثبت انه حقل خصب للتحقيق، يُنتج تأملات عميقة حول الخصائص الاساسية للتفاعل الانساني.

لاكان والمحللون النفسانيون

من بين العديد من المفكرين الفرنسيين الذين ساهموا بتطوير هذا النقاش هو المحلل النفساني المثير للجدل جاك لاكان(1901-1981). لاكان انكر مرارا كونه فيلسوف، لكنه في مقابلة مع احدى المجلات اشار"احيانا يحدث شيء ما في الفلسفة الحديثة يخلق ارتباطا مميزا مع حقول اخرى. فمثلا في التحليل النفسي اننا فقط عبر قراءة التحليل النفسي من خلال المثالية الالمانية نستطيع الوصول الى ما بلغته ثورة التحليل النفسي". من المثالية الالمانية فقط – وخاصة التفكير الهيجلي – برزت مختلف النظريات الحديثة للآخر.

ابتكار لاكان كان إعادة تفسير نظريات اللاوعي وفق ديالكتيكية الذات والآخر بدلا من البواعث البايولوجية التي اقترحها فرويد. في نظرية الآخر، ساهم لاكان ايضا في التمييز بين الآخر الكبير(المشار اليه بـ A) والآخر الصغير (المشار اليه بـ a). في العمل المبكر للاكان تشير (a) الى فرد آخر اعتُبر قرين لنا، ومرآة لأنفسنا، شريك متساوي في الحوار، بينما (A ) الاخر الكبير او "المطلق الاخر" يحوّل مفهوم الآخرية الى وجود منفصل خالقا "الآخرية في ذاتها". هذا التحويل في الفكرة يعترف بقدرتنا على فصل مفهوم الآخر عن اي فرد معين وحتى عن اي وجود مادي مثل الانهار او الاشجار او الصخور. لاكان يعتقد كذلك اننا بواسطة هذا التجريد لمفهوم الآخرية نستطيع توليد مفهوم عن الله. عندما يصرح لاكان "من المستحيل عدم الايمان بالله"، هو يشير الى التوليد الحتمي لبعض التجلّي للآخر في بناء اذهاننا. وبنفس الطريقة، تاريخيا، جرى استبدال الاديان القديمة وايمانها بالعديد من الارواح بالاديان التوحيدية "الآخرية في ذاتها" التي تتجاوز اي شيء نواجهه في العالم. محاولات جلب هذا الاله الى الارض مرة اخرى تميل لتكون كارثية، تعطي لفرد معين مكانة مطلقة بدلا من الله كما يحدث مع الدكتاتوريين.

لكن الآخر ربما ايضا يتشخص بالمجتمع ذاته بكل قواعده وافتراضاته وقوانينه التي نُخضع لها انفسنا. والخيار الآخر بالنسبة للاكان هو ان نفهم الآخر كمصدر للّغة نستمد منه كلامنا. عندما اتحدث مع قرين آخر (a صغير)، فان الكلمات والنحو الذي نستعمله لا تعود الى اي منا . نحن نستعير ونستعمل اللغة من مصدر خارج انفسنا – الآخر الكبير. من هنا هو يشتق حقيقة انني لا استطيع ابدا السيطرة كليا على المعاني المنقولة بواسطة كلماتي – ما أقوله سوف يمتلك دائما النزعة لتجاوز النوايا التي لدي في الكلام. وفق نظرية لاكان، هذا التجاوز هو اللاوعي. لذا فان اللاوعي ينتج عن استعمالنا للّغة، ينتج عن الحقيقة الاساسية باننا كائنات تتحدث. سواء قبل المرء المفهوم اللاكاني للّاوعي "خطاب الآخر"، او المفهوم الفرويدي كمكان للذهن مكبوحا عن الوعي، فان المرء ملتزم بالاعتراف ان الذهن الانساني ليس شفافا لذاته، ولا يمكن كشفه كليا بأي مقدار من اختبار المشاعر والآراء . هذه الفكرة جرى الأخذ بها من جانب الفلاسفة التحليليين الذين بالنسبة لهم يميل الوعي ليكون وعيا ذاتيا واضح كليا. وسواء قبلنا ام لم نقبل بافتراضاتهم، فان وجود هذه النظريات للتحليل النفسي تُظهر ان هذا الافتراض بالوضوح التام للوعي الذاتي هو مشكوك فيه ويتطلب تبريرا. في الحقيقة، اذا كان الفلاسفة التحليليون اكثر وعيا بالوسائل الاخرى للتفكير فهم سيصبحون واعين بالطبيعة المثيرة للجدل للعديد من افتراضاتهم الاساسية غير المؤكدة. ان الانقسام بين الفلسفة القارية والتحليلية في الفلسفة الغربية لا يفيد اي طرف، لكنه لا يعطي اي اشارة عن امكانية ردم الهوة بينهما في المستقبل القريب. النظر في مفهوم الآخر يساعدنا في إلقاء الضوء على طبيعة هذا الانقسام.

The concept of the other from Kant to Lacan,Philosophy Now Aug/Sep 2018

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) الفلسفة القارية continental philosophy، هي الفلسفة الاكثر شيوعا في دول اوربا الغربية غير الناطقة بالانجليزية كآلمانيا وفرنسا. الآباء المؤسسون لهذه التقاليد الفلسفية هم هيجل ونيتشة وهايدجر، والاهتمام الرئيسي لهذه الفلسفة هو الممارسة والتركيز على فهم "الظروف الانسانية". الفلاسفة القاريون يرفضون فكرة ان العلوم الطبيعية هي الطريقة الوحيدة لفهم الظاهرة وانما يعتبرون العلم يعتمد على "خبرة نظرية قبلية"، وان الطريقة العلمية ليست كافية للفهم. اما الفلسفة التحليلية Analytic philosophy والتي تسود في دول تتحدث الانجليزية كبريطانيا وامريكا هي مجموعة من التقاليد الفلسفية اسسها الآباء Freg, Russell, Wittgenstein, Moor، ومصادرهم الاساسية هي المنطق والعلوم والرياضيات. اهتمامهم ينصب على ما هو موجود وكيفية معرفته .

 

عدنان عويدفي المفهوم: نقول هنا: إن الحرية في سياقها العام، مفهوم إشكالي يرتبط بالقيم الأخلاقية فكراً وسلوكاً قبل أي شيء آخر. وهي من حيث المضمون، تمثل أسلوب حياة يمارس لتحقيق سعادة الإنسان وعدالته وامانه واستقراه وكرامته، وكل ما يعبر عن الجوهر الإيجابي لإنسانيته. أما من حيث الشكل، فهي وعي الإنسان (الفرد والمجتمع)، لحاجاته الإنسانية المشروعة، الروحية منها والمادية، ومسؤوليته، في العمل على تحقيق هذه الحاجات دون إكراه أو إلزام للآخرين.

إذا كانت الحرية في المضمون واضحة في معطياتها ودلالاتها، فهي في الشكل بحاجة للتوضيح أكثر كونها تقع في مجال الوعي والممارسة والمسؤولية. وإذا كانت الحرية في الشكل هي وعي وممارسة لتأمين الحاجات الإنسانية، أي، هي (وعي الضرورة)، فهذا يعني أن الحرية في هذا المعنى قد فُتحت على المطلق في دلالاتها. أي هي الحرية في معطياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. أو بتعبير آخر، هي السعي لكشف وتجاوز كل ما يعيق أو يمنع الإنسان الذي هو مركب حاجات في نهاية المطاف، من تحقيق إنسانيته بشكل دائم أو مستمر .

مقومات الحرية وشروط ممارستها:

أولاً- الوعي بمفهوم الحرية. أي (المعرفة) بشقيها، النظري والعملي معاً.

فعلى المستوى النظري: لا بد لطالب الحرية أو ممارسها أن يدرك أهمية معرفة الحرية ودلالاتها. ففاقد الشيء لا يعطيه. فكيف يستطيع الإنسان أن يطالب بقضية أو يريد ممارستها دون أن يعرف معناها ودلالاتها والنتائج المترتبة عليها. وأقف هنا عند دلالات الآية القرآنية الكريمة التالية وهي أول آية نزلت: (إقرأ بإسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.). إن من يتمعن فكرياً في دلالات هذه الآية الكريمة، يجد أن الله قد دعا الرسول إلى معرفة الدين الذي سيقوم بالدعوة له قبل إعلان دعوته، أي أن يتحرر من جهل الحرف وكل ما يترتب عليه من أجل معرفة الرسالة التي سيحملها وينشرها بين الناس أولاً، ثم معرفة الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية المحيطة به ثانياً. لذلك أمره الله أن يقرأ ويتعلم بالقلم ما لم يعلم، والمعرفة هنا تكتسب اكتسابا، بل تغتصب بجهد الإنسان ولا تأتي من فراغ أو منة من أحد. وهذا يدفعنا إلى الحديث عن الشق الثاني في الحرية وهو:

المستوى العملي: إذا كانت المعرفة النظرية هي الوجه الأول للحرية، فإن الممارسة هي الوجه الآخر لها، وبها تكتمل مسألة اكتساب أو تحقيق الحرية. فالممارسة تبين لنا جوانب صحة رؤانا ومعارفنا والسعي لإغناء هذه المعارف والممارسة معاً، وكذالك اكتشاف أخطاء وعيوب هذه الرؤى والمعارف والممارسة والعمل على تلافيها. ففي الممارسة تسير المعرفة نحو التقدم دائماً، لتدخل في كل مسامات حياة الإنسان .. تدخل إلى مهاراته وبنيته النفسية وحتى اللاشعورية، حيث يصل إلى معرفة أن اللاشعور هو مكتسب وليس مجر تخيلات تفرخ بشكل مجرد.

ثانياً- المسؤولية تجاه ما نسعى لمعرفته وممارسته. وهي مسؤولية مشتركة ومركبة معاً. مسؤولية الفرد تجاه ذاته واتجاه المجتمع والطبيعة التي يعيش عليها، ومسؤولية المجتمع اتجاه ذاته واتجاه الفرد والطبيعة أيضاً. وهدف هذه المسؤولية هو ضبط ممارسة الحرية بما يخدم إنسانية الإنسان ونموه ورقيه الدائمين. وإذا كانت مسؤولية الفرد مرتبطة به هو ذاته، أي مرتبطة بدرجة وعيه وقيمه الأخلاقية الحميدة، وشعوره بالمسؤولية تجاه الآخرين. فإن مسؤولية المجتمع هنا مرتبطة بمؤسساته الرسمية والمدنية أيضاً، وبالتالي فإن ممارسة المسؤولية تقع هنا على كافة هذه المؤسسات ممثل بحواملها الاجتماعية.

ثالثاً – نسبية الحرية: كل شيء في هذه الحياة نسبي، وكذلك الحرية، والحرية غير المشروطة بإنسانية الإنسان تتحول إلى فوضى. لذلك لا بد للحرية من قوة تحميها وتصونها وتضبط حركة سيرها وصيرورتها في المسار الصحيح، وهنا يأتي دور المسؤولية بشقيها في ضبط هذه المسيرة، ممثلة بوعي الفرد وثقافته وتربيته من جهة، ثم مسؤولية المجتمع بمؤسساته، وقوانينه وأعرافه وتقاليده وغير ذلك من جهة ثانية.

مدارس وتيارات الحرية:

المدرسة الليبرالية: وتقسم إلى مدرستين هما:

اولاً: المدرسة الليبرالية الكلاسيكية: فيوجد فيها تياران فكريان تنافسا على استخدام مفهوم الحرية بالذات والقضايا المتعلقة بهذا المفهوم. وتقسم بدورها إلى تيارين هما

التيار الأول: ويعتقد دعاته أن الحرية الوحيدة التي تكتسب المشروعية هي التي تدعو إلى امتلاك القدرة على التحرر من الإكراه والجبر الذي يفرض على الفرد والمجتمع، وبالتالي فإن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ومحاولة التخطيط له، يشكل قوة جبرية تحد من حرية الأفراد الاقتصادية، لذلك هم يرفضون تدخل الدولة في هذا الاتجاه، كما أنهم يعارضون ما يسمى دولة الرفاه. وهي الدولة التي تدعوا إلى التصالح الطبقي أكثر من دعوتها إلى حل مسألة الصراع الطبقي حلاً ثورياً.

التيار الثاني: وهو تيار يدعو إلى توسيع مجال الحريات الاجتماعية، ويؤكد على ضرورة أن تأخذ الدولة أي دور فاعل وقادر على النهوض بحرية المواطنين، كما يعتقد دعاته أيضاً بأن الحرية الحقيقية يمكن أن توجد فقط عندما يكون المواطنون في حالات ازدهار اقتصادي وثقافي ومتحررين فعلاً من فقرهم المدقع، هذا إضافة إلى تأكيده على تحقيق حقوق المواطنين في الصحة والتعليم والأجر المناسب للعامل. كما أن دعاته يفضلون سن القوانين التي تواجه التمايز في المسكن والعمل، وتلوث البيئة والمساعدة على تحقيق الرفاه الاجتماعي، والحد من البطالة وتقديم الإعانات والمنافع المادية للمشردين والمنكوبين من الكوارث البيئية.

إن هذه المدرسة جاءت في الحقيقة متزامنة مع قيام الثورة الصناعي في أوربا من جهة، وما أفرزته هذه الثورة من معاناة إنسانية للشعب عموماً، والطبقة العاملة على وجه الخصوص من جهة ثانية، هذه المعاناة التي كانت وراء أفكا روسو، ومونتسكيو، وفولتير، وهيوم وغيرهم ممن نظروا للحرية والعدالة والمساواة ودولة القانون، وغير ذلك من الشعارات التي أسست للثورة الفرنسية فيما بعد. هذا إضافة لمعاصرة هذا التيار المد الاشتراكي وقيام المنظومة الاشتراكية، لذلك كانت شعاراته ومطالبه تميل كثيراً إلى العدالة الإنسانية، بغية الحفاظ على استقرار المجتمع الرأسمالي وتجنبه السير في ثورات شعبية سياسية ممكن أن تقضي على النظام برمته في أوربا.

ثانياً: المدرسة الليبرالية الجديدة: وهي المدرسة التي بدأت إرهاصاتها الأولية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن ثم راحت تتعمق في طرحها وتكشف عن نوايا وطموحات دعاتها بعد انهيار المنظومة الاشتراكية.

أما أهم أطروحاتها فهي، العمل على نفي وتدمير وتجاوز كل ما هو إنساني، أو يدعوا إلى الرقي بالإنسان، بالتالي لابد من التمسك بما يساعد على تجسيد وتعميم ثقافة وأخلاقيات كل ما يساهم في تكريس مفاهيم الموت والدمار وعدم لتواصل والتفكيك والتذرير المجتمعي والدولي وغير ذلك من المفاهيم المنتمية إلى العبث واللامعقول.هذا وقد روج لأفكار هذه المدرسة العبثية أو ما سمي في الفكر الفلسفي والأدبي والفني بـ (ما بعد الحداثة)، العديد من الفلاسفة والأدباء والفانيين. ففي الفلسفة كان سارتر في وجوديته، وروجيه غارودي ودعوته إلى التفتيتية في كتابه (نداء إلى الأحياء)، وهناك ميشال فوكو وجاك ديدرا وهبرماس وبشلار. وفي الفن كان السلفادور دالي في (الدادية) ممثلة في السريالية، كما كانت هناك المدرسة التكعيبية، وفي علم الاجتماع، كانت المدرسة الوضعية والبنيوية والدارونية الاجتماعية والفرويدية والنيو فوريدية... وغير ذلك الكثير من المدارس، بحيث لم يعد حتى بمقدور المتابع للحركة الفكرية والأدبية والفنية الركض وراءها والوقوف عند دلالاتها أو ممثليها.

إن كل ما طرحه دعاة هذه المدرسة أو التيار الليبرالي الجديد، راح يشير في الحقيقة إلى الموت والعدم والعبثية. فنهاية التاريخ لفوكو ياما كانت المشروع الفكر ي والسياسي لتأبيد النظام الرأسمالية في صيغتها الاحتكارية، وهي المرحلة التاريخية التي حملت حقيقة في سياقها العام الأفكار الأساسية لما بعد الحداثة وهي: موت الفن، وموت النزعة الإنسانية، والعدمية، وعودة الميتافيزيقيا، والتفكيكية، والتشتت واللااستمرارية، والتذرير الاجتماعي والقومي.

الحرية في التراث العربي الإسلامي

لقد ساد سجال وصراع عميقان في التراث العربي الإسلامي، ولم يزالا قائمين حتى عصرنا الحاضر بين كل من نادى بالأمس ولا زال ينادي اليوم بالجبرية أو القدرية، علماً أن مرجعية كلاهما هي القرآن الكريم. فالجبرية أخذوا بالآيات التي تقول بأن الإنسان مسير وليس مخيراً، كقوله تعالى: (وما يصيبكم من شيء فمن عند الله). فالخير والشر كلاهما مقدر من عند الله، وما على الإنسان إلا الرضا والتسليم بقدره أو ما كتب له في لوح محفوظ. أما القدرية، وهم من قال بحرية الإرادة الإنسانية، وقد اعتمدوا في رأيهم على الآيات القرآنية أيضاً التي تقول بأن الإنسان مخير في أمره من عند الله كما تقول الآية الكريمة التالية على سبيل المثال لا الحصر: (وهديناه النجدين)، أي إن الله قد خير الإنسان في فعل الخير أو اشر بإرادته، وليس جبرياً .

إن هذين الموقفين بالنسبة لمسألة الحرية في تراثنا ومعاصرتنا معاً توقف عليهما الكثير من الإشكالات النظرية والعملية. فإذا كانت الإشكالات النظرية والمعرفية للفكر القدري المنادي بحرية الإرادة قد بدأت إرهاصاتها الأولية تطرح نفسها بعد وفاة الرسول الكريم، وهذا ما يشير إليه ذاك التساؤل الذي راح يٌطرح على الخليفة علي بن أبي طالب، وهو أول من قال بحرية الإرادة قبل أن يقول بها المعتزلة، كما يقول أبن أبي حديد في نهج البلاغة –(نقلا عن تاريخ الإسلام – حسن إبراهيم حسن- ج1- ص73). عندما سأله أحد المقاتلين معه في صفين قائلاً: (أكان ألْمَسِيرُ بقضاء الله وقدره؟. فكان رد علي عليه: لعلك تظن قضاءً واجباً، وقدراً حتماً!. ولو كان الأمر كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، ولما كانت تأتي من لله لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن.. وهذا رأي إخوان الشياطين وعبدة الأوثان وشهود الزور وخصماء الرحمن وأهل العماء عن الصواب في الأمور ...إن الله أمر تخيراً، وانهي تحذيراً، ولم يكلف جبرا، ولا بعث الأنبياء عبثاً...). إلا أن هذا الفكر أو التيار القدري راح فيما بعد يتبلور أكثر فأكثر في الحياة الفكري والسياسية للدولة العربية الإسلامية مع غيلان الدمشقي، وجعد بن درهم، ومعبد الجهني، والمعتزلة، إلى مدرسة فكرية تواجه الحكم الأموي الذي حول الخلافة إلى ملك عضوض. ومع الخلفاء العباسيين (الأمين والمأمون والمعتصم والواثق) تحول الموقف القدري إلى موقف سياسي تتبناه الدولة ذاتها، ليأخذ بالانحدار فيما بعد شيئاً فشيئاً مع الخليفة العباسي (المتوكل)، الذي أصدر فرمانا أنهى فيه دور الاشتغال بالعقل والتوجه نحو النقل، حيث تحول إلى موقف فكري وسياسي معاً تبناه الحنابلة والأشاعرة والماتريدية وما سمي بأهل الحديث.

أما في عصرنا الحاضر فقد تجسد الفكر القدري لدى كل الكتاب والمفكرين والتنظيمات السياسية والثقافية الليبرالية واليسارية التي تتبنى الفكر العقلاني والعلماني رؤية ومنهجاً في حياتها العملية والفكرية.

إذا كنا قد قدمنا في هذه العجالة مسيرة الفكر القدري في سياقه التاريخي، فسنشير أيضاً بالعجالة ذاتها إلى مسيرة الفكر الجبري، لنقول: إن بداياته النظرية والسياسة معاً كانت بعد وصول البيت الأموي إلى الخلافة وتحويلها إلى ملك عضوض، حيث اعتبر دعاة هذا الفكر أن ما يقوم به الأمويون هو أمر مفروض ومقرر من قبل الله، وما على الرعية إلا الخضوع لإرادة الله. وإن أول شخصية فكرية عبرت عن هذا الموقف الجبري المساند للبيت الأموي هو (جهم بن صفوان)، ثم راح يؤصل هذا الفكر نظرياً كفكر جبري يقف ضد إرادة الإنسان وحريته الفكرية منطلقاً في رؤيته هذه ومؤسساً لها من النص القرآني ذاته أولاً، ومن التأصيل الفقهي الشافعي وكل امتداداته الفقهية السنية ثانياً. ولكن مع وصول (المتوكل – بداية العصر العباسي الثاني) إلى الخلافة، وإصداره الفرمان الذي أنهى به العمل بالعقل كما أشرنا قبل قليل، والفسح بالمجال واسعاً أمام الحنابلة بقيادة ابن حنبل أن يمارسوا دورهم في تجذير الفكر السلفي الجبري الإمتثالي، حيث راحت تشكل محاكم تفتيش بكل معنى الكلمة لكل من يقول بالرأي أو يخالف أهل الجماعة. ومع مجئ أبو حسن الأشعري، تمت عملية التأصيل الكلامي للفكر السلفي لأهل الحديث، ومع أبي حامد الغزالي صُبغ هذا الفكر بنزعته الصوفية وخاصة عند الاشاعرة. أما الحديث الذي اعتمده أهل الحديث أو ما سمي بأهل الجماعة فقد وضعت كتبه الستة منذ الفترة الزمنية التي بدأ فيها الحنابلة يسيطرون سياسياً على الدولة بعد أن أعطوا ذاك المد اللامحدود من قبل المتوكل. فما بين أعوام ( 256هـ حتى 303هـ)، وضع كل من البخاري، ومسلم، وابن ماجة، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، كتب الحديث المعروفة لدى أهل الجماعة أو أهل الحديث.

إن أخطر ما مثله هذا الفكر في عصرنا الحديث هو ظهور الحركة الوهابية كحركة فكرية وسياسية قام بها محمد بن عبد الوهاب الذي اتكأ فكرياً على الفكر الحنبلي، وفكر طلاب مدرسته مثل ابن تيمية وابن قيم الجوزية. وهي المدرسة التي تمارس اليوم قهرها وجهلها واستبدادها على حياتنا ومستقبلنا، يساندها في همجيتها هذه كل القوى السلفية التكفيرية المدعومة مادياً وسياسياً من القوى الحاكمة الاستبدادية في عالمنا العربي.

 

د.عدنان عويَد - كاتب وباحث من سورية

 

 

حاتم حميد محسنالهوية الاجتماعية هي تصورنا عن انفسنا (منْ نحن) وعن الآخرين (منْ هم) وكذلك تصور الآخرين عن انفسهم وعن غيرهم . والهوية هي شيء قابل للنقاش وتأتي اثر عمليات التفاعل الانساني. هي تستلزم عمل مقارنات بين الناس كي تؤسس اوجه التشابه والاختلاف بينهم. فاولئك الذين يعتقدون بوجود التشابه بينهم وبين الآخرين يشتركون في هوية تتميز عن هوية الناس الذين يعتقدون انهم مختلفون ولا يشتركون بذات الهوية.

يرى (جنكز) ان الهوية الاجتماعية هي حول المعاني، وهذه المعاني تتشكل اجتماعيا وليست تعبير عن الاختلافات الضرورية بين الناس. فمثلا هو يناقش مسألة تحوّل الانسان الى مرحلة الكبر او التقاعد. ان التغيرات في الهوية وفي الدور الاجتماعي المصاحب لها ترتكز على تمييز عشوائي بين من هم في سن الـ 64 واولئك الذين في سن الـ 65. غير ان تلك التغيرات لها تأثير كبير جدا على هوية الفرد. (تصور مثلا في صباح اليوم الذي تصبح فيه بعمر الـ 65 سنة، في هذا اليوم ومعك بطاقة الميلاد سوف تدخل سنة التقاعد، ولديك بطاقة مخفضة للسفر في وسائل النقل العام، وسعر مخفض للحلاقة كل يوم ثلاثاء. ورغم انك ترى نفس الوجه في المرآة الا انك سوف لن تكون نفس ذلك الفرد يوم امس ولن تستطيع ان تكون كذلك مرة اخرى).

فالهوية برأي (جنكز) هي جزء مكمل للحياة الاجتماعية وهي تتشكل فقط عبر التمييز بين هويات مختلف الجماعات والتي يمكن ربطها بأناس آخرين، والاطلاع على مختلف الهويات يعطي اشارة عن نوع الفرد الذي تتعامل معه ومن ثم كيفية الارتباط به. ان ما لدينا من فهم حول مختلف الهويات ربما يكون محدودا او خاطئا، ولكنه جزء حيوي من الحياة الاجتماعية كونه يجعل التفاعل ممكنا. (من الشائع جدا ان نرى الرجال والنساء يخرجون في حياتهم اليومية وهم مهتمون بهويات اجتماعية معينة. نحن نتحدث مثلا عما اذا كان الناس مرحين منذ الولادة ام انهم اصبحوا مرحين نتيجة لطريقة التربية التي نشأوا عليها. نحن نتحدث حول معنى التربية او حول الفرق بين الكندي والامريكي. حينما نلاحظ احدى العوائل التي قدمت توا الى محلتنا نهز رأسنا، ماذا نتوقع منها، ربما جاءت من مكان غير مألوف في المدينة. نحن نشاهد اخبار التلفزيون ونطرح مختلف انواع الاستنتاجات حول الاحداث الجارية بناءا على تحديدات مثل مسلم او اصولي او مسيحي وغيرها).

يصل جنكيز للاستنتاج (لن يكون هناك مجتمع بدون هوية). وعلى الرغم من اتفاق معظم علماء الاجتماع مع جنكز حول اهمية الهوية في المجتمع الا انهم لا يتفقون حول العوامل التي تشكل الهوية في المجتمعات المعاصرة، اما الطريقة التي تطورت بها الهويات هي تلك التي طورها ستيوارت هول والتي تعرض ايضا البداية الملائمة في بحث الالتباسات المحيطة بقضية الهوية.

(ستيوارت هول) والمفاهيم الثلاثة للهوية

يعتقد هول ان فكرة الهوية مرت عبر ثلاث مراحل سيطرت في كل منها فكرة الهوية على التفكير السائد حول المجتمع وهذه الافكار هي:

1- موضوع التنوير

2- موضوع لعلم الاجتماع

3- موضوع لما بعد الحداثة

هويات ما قبل الحداثة

يرى (هول) ان المراحل المبكرة للحداثة حصل فيها ظهور جديد وحاسم لشكل من الفردية، كان فيها موضوع الفرد والهوية الفردية هو المحور الاساسي. في مجتمعات ما قبل الحداثة كانت الهويات تتركز بشكل كبير على الهياكل التنفيذية، خاصة تلك المرتبطة بالدين. فموقعك في المجتمع وهويتك يأتيان من الموقع الذي وُلدت فيه والذي هو (كما كان يُظن) انعكاس لرغبة الاله. فالناس لم ينظر اليهم كافراد متميزين لهم هويتهم الخاصة وانما هم مجرد جزء من سلسلة طويلة للوجود. وهذه الفكرة نظرت الى كل كائن حي باعتباره له مكان في نظام الاشياء. فهناك هيكل تراتبي يمتد من الرب في اعلى القمة ومرورا بالملوك ثم الكائنات البشرية الاقل اهمية وانتهاء بالحيوانات والاشياء غير الحية. هويتك جاءت من موقعك في سلّم الاشياء بدلا من اي خصائص فردية.

موضوع للتنوير

ومع حلول الحداثة تغير هذا المفهوم. اذ في الفترة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر ظهر مفهوم جديد للهوية واصبح هو المسيطر، وهذا المفهوم الجديد للهوية له خاصيتان رئيسيتان:

1- موضوع الفرد كان يُنظر اليه كونه غير قابل للقسمة. فكل فرد له هوية بذاته وهذه الهوية موحدة ولا يمكن تجزئتها الى وحدات اصغر.

2- ان هوية كل فرد كانت متميزة .

فالفرد لم يكن جزءا من شيء اكبر (من السلسلة العظيمة للوجود) وانما كان يُنظر اليه باعتباره ذو هوية متميزة قائمة بذاتها. وطبقا لـ (هول) فان هذا المفهوم للهوية نشأ من افكار الفيلسوف الفرنسي ديكارت (1650-1596). اذ اعتقد ديكارت بوجود فارق اساسي بين الفكر والمادة . وكانت الفكرة لديه مزدوجة عن الانسان الذي في رأيه ينقسم الى جزأين : العقل والجسم. وعقل كل انسان منفصل عن عقل اي انسان آخر، وبالتالي كل شخص يصبح متميزا. ان التمييز في عقل الانسان عبّر عنه ديكارت بقوله انا افكر اذاً انا موجود.

والفرد طبقا لمفهوم الهوية هذا هو موحد او فرد كلي له القدرة على التفكير عن الكل. والافراد يرون انفسهم متميزين ومنفصلين عن الافراد الاخرين ومكتملين ذاتيا. والفرد هو راشد قادر على حساب الاشياء وفقا للمنطق وهو غير مقيد بموقعه في المجتمع او عقيدته التقليدية. ويصف (هول) ذلك بقوله (موضوع التنوير كان يرتكز على مفهوم المركزية التامة للانسان الفرد القادر على التحليل والادراك والفعل . هذه المركزية تتألف من جوهر داخلي نشأ بالاساس مع ولادة الانسان ثم تطور معه تدريجيا. وطوال وجود الفرد بقي هذا المركز الاساسي للذات هو ذاته بشكل مستمر ويشكل الهوية الفردية).

موضوع لعلم الاجتماع

في القرن التاسع عشر بدأت تتطور العديد من مفاهيم الموضوع والهوية الفردية. ويرى (هول) ان تلك التطورات جاءت كنتيجة لتطور المجتمع.

ومع بداية الثورة الصناعية والتمدين اصبح المجتمع وبشكل متزايد يعتمد على المؤسسات والهياكل التي طبعت حياة الناس. وفي بدايات القرن العشرين مثلا تحولت الشركات الفردية التي يديرها افراد مبدعون الى شركات مساهمة يملكها الاف المساهمين وتدار بادارات معقدة. وكذلك المواطن الفرد اصبح جزءا ضئيلا ضمن الماكنة البيروقراطية والادارية للدولة الحديثة. كل فرد لم يعد شيء متميز ومنفصل عن الافراد الاخرين، بل ان العلاقات بين الافراد والمجتمع تدخلت فيها المعتقدات الجماعية وعمليات الجماعات. فمثلا هوية الفرد كانت مرتبطة بعضويته في طبقة اجتماعية معينة او بمهنة محددة او باصوله ضمن دين معين او قومية وما شابه.

الهوية والتفاعلية الرمزية

يرى (هول) ان التفاعلية الرمزية هي افضل مثال على فكرة الهوية الفردية. فهوية الفرد تتشكل فقط من تفاعل الفرد مع الاخرين. ونظرة الفرد للاخرين تتشكل جزئيا من طريقة نظر الاخرين لذلك الفرد. وطبقا لفريق التفاعلية الرمزية فان الناس يستمرون في امتلاك فرديتهم ولكنها ليست فردية متميزة كليا عن المجتمع. فالهوية تعمل كجسر بين الفرد الاجتماعي والفرد الخالص. وبامتلاك الافراد لهوية معينة هم انما يتمثلون قيم ومبادئ معينة تصاحب تلك الهوية، فهي تسمح لسلوك الافراد ليكون متشابه مع الاخرين وكذلك تجعل السلوك في المجتمع اكثر نمطية وانتظاما. وهذه الرؤية جرى توضيحها بمثال عن الطبقة الاجتماعية. فهوية طبقة معينة تشجع الناس على التصرف بطريقة معينة. فالطبقة العاملة التقليدية والطبقة الوسطى لهما هويات مختلفة وارتبطتا بمختلف الثقافات الفرعية. ان وجود هذه الثقافات الفرعية عزز بناء الطبقة في المجتمع وجعلها اكثر حضورا. يقول (هول) وبذلك قامت الهويات بدمج او إدغام الفرد ليصبح جزءا من البناء. هي عملت على تحقيق الاستقرار لكل من الافراد والعوالم الثقافية التي يعيشون فيها مما جعل كل منهما اكثر توحدا وبالامكان التنبؤ بهما. يرى هول ان المجتمعات المعاصرة تميزت كثيرا بوجود الهويات الجزئية والناس لم يعد بوسعهم امتلاك فكرة موحدة عن هويتهم وانما يمتلكون العديد من الهويات التي تكون احيانا متعارضة وملتبسة وهي هويات ذات مصادر متعددة.

الحركات الاجتماعية الجديدة

في الماضي وفّرت الطبقة الاجتماعية شيئا من الهوية العليا همشت الهويات الاخرى وكونت الاساس للصراعات السياسية. وفي الستينات والسبعينات بدأ الناس بالاهتمام والتمحور حول قضايا غير الطبقة. فالحركات الاجتماعية الجديدة نشأت وهي مهتمة بالعديد من القضايا والهويات منها مثلا النسوية وصراع السود والتحرير الوطني والحركات المناهضة للاسلحة النووية وحركات البيئة. وبدلا من ان يشعر الناس بكونهم جزءا من طبقة واحدة اصبحت هويتهم مجزأة طبقا لجنسهم وقوميتهم ودينهم او العمر او الوطن او الرؤية نحو البيئة وغيرها.

العولمة

وهي عامل آخر من العوامل التي اثّرت في خلق الهويات الجزئية. فالتطور السريع في الاتصالات وسهولة وسرعة انتقال الناس حول العالم، والطابع العالمي للتسويق من حيث الاماكن والاساليب الانطباعية كل ذلك قاد الى خلق تأثيرات ثقافية. الناس لم تعد هوياتهم مقتصرة على المكان الذي وُلدوا فيه بل اصبح بامكانهم الاختيار من بين نطاق واسع لمختلف الهويات. فهم يستطيعون تبنّي شكل الملابس وطرق التحدث وكذلك اسلوب الحياة والقيم الخاصة بأي مجموعة. ومن جهة اخرى يمكن لعولمة الاستهلاك ان تقود الى زيادة التشابه والتجانس بين الناس. فالسلع يُتاجر بها عالميا، والسلعة الاكثر نجاحا (مثل الكوكا كولا) يمكن العثور عليها في اي مكان من العالم. ولذلك فهناك اتجاهات متناقضة ضمن العولمة وجميع تلك الاتجاهات تؤدي الى إضعاف الحريات الموجودة سابقا. فتجانس المستهلك العالمي يساهم في إضعاف وتجاهل الهويات القائمة على الانتماء الى جماعات اجتماعية معينة . ان مقدرة الفرد على تبنّي المزيد من الخيارات حول هويته معناه ان الناس الذين يعيشون قريبين من بعضهم وينتمون الى نفس الطبقة اصبح لديهم هويات مختلفة، فالعولمة فتحت العديد من الامكانات.

العولمة والمصادر المختلفة للهوية

حاول (هول) دراسة التأثير الحقيقي للعولمة على الهوية. هو يقول : في المجتمعات الحديثة كانت القومية تشكل عنصرا هاما للهوية. معظم الدول القومية أكدت على اهمية الامة (nation) وحاولت استعمال الهوية الوطنية لخلق التضامن بين المواطنين من مختلف الطبقات او الاصول العرقية. وفي ظل العولمة لم يعد ذلك ممكنا وفعالا. هناك ثلاث استجابات رئيسية للعولمة من حيث علاقتها بالقومية:

1- في بعض الاماكن حاول الناس اعادة التأكيد على هويتهم القومية كوسيلة دفاع حيث اعتقدوا بوجود تهديد لهويتهم القومية من جانب المهاجرين مثلا. ففي بريطانيا أدت ردود الافعال هذه الى التوجّه نحو الاثنية المطلقة كمحاولة للدفاع ودعم الامة، وكذلك التشبث بالهوية الانجليزية.

2- ان اولى ردود الفعل تجاه العولمة تبلور بين الاثنيات الكبيرة ولكن الجاليات او الاقليات الصغيرة ايضا استجابت بطريقة دفاعية، فاستجابة للتمييز العرقي والفصل، قامت الاقليات العرقية باعادة التأكيد على ثقافتها وهويتها الاثنية، وهذا تمثّل في بريطانيا باعادة الالتزام بثقافة الاصل (شعوب الكاريبي، الهند، بنغلاديش، باكستان)، وببناء اقليات قوية عبر التشخيص الرمزي للشباب من الجيل الثاني انعكست في طريقة ارتدائهم للملابس وبما يوحي انتمائهم لبلد الاصل.

3- اما رد الفعل الثالث تجاه العولمة تمثل في تشكيل هويات جديدة . في بريطانيا مثلا تجسد ذلك بتشكيل هوية السود وتضم البريطانيين من افريقيا والكاريبي واسيا. هوية السود البريطانيين جاءت استجابة للتمييز والابعاد واصبحت الهويات الجديدة مختلفة وتضم اكثر من هوية واحدة.

ان الاستجابتين الاولى والثانية تجاه العولمة ادتا الى انعاش الاثنية كمصدر للهوية وبشكل مضاد للقومية السائدة. وفي عدة اماكن من العالم طالبت الجماعات الاثنية بدولتها القومية حينما تفتّتت الدول القومية الكبرى مثل الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا، الامر الذي قاد الى موجات من العنف واحيانا الى حرب اهلية. يرى (هول) ان مثل هذه القومية الصارمة تستند على ان الاختلافات الحقيقية او الوهمية بين الاثنيات تشكل نزعة تهديدية. ان فكرة الصفاء العرقي هي مجرد اسطورة، فكل الناس جاؤوا من خلفيات عرقية متنوعة. ان معظم الثقافات هي ثقافات هجينة واي محاولة لخلق هويات اثنية نقية ستكون عملية خطيرة.

رؤية اخرى للهوية – الهوية كسفرة لزيارة مكان مقدس

حاول (زجمنت بومان) التوغل اكثر من (هول) في تبنّي رؤية ما بعد الحداثة للهوية. حيث يرى (بومان) ان الهوية اصبحت ليست فقط مجزأة بل وايضا لم يعد لها اساس ثابت، فهي ببساطة مسألة اختيار، وهي اختيار ليس بالضرورة ان يكون منسجما ومنتظما، فالافراد يستطيعون تغيير هويتهم متى ما ارادوا.

الهوية في ظل الحداثة يمكن النظر اليها كرحلة دينية. في الزيارات الدينية يسعى الافراد الى رسم صورة معينة لحياتهم المستقبلية، فلديهم هدف معين هو الوصول الى المكان الذي خططوا له في بدء الرحلة، وكل تصرفاتهم تتجه لأجل تحقيق ذلك الهدف. فيجب ان لا ينشغلوا باي شيء آخر يصرف انتباههم كممارسة الاشياء الترفيهية او التمتع في اوقات الضيافة، فلابد ان يكون لديهم هدف مقصود، فيجب ان يتعاملوا مع العالم الذي حولهم كما لو انه صحراء ليس فيه اي انشغالات اخرى. وفي الصحراء ايضا يستطيع الافراد رؤية آثار اقدامهم بما يوحي لهم مقدار المسافة التي قطعوها اثناء الرحلة. يرى (بومان) ان تشكيل هوية المجتمعات في ظل الحداثة مشابه تماما لتلك الرحلات الدينية. فاستراتيجية الناس في الحياة ترتكز على امتلاكهم احساس واضح بما يريدون ان يكونوا عليه، او (منْ هم). وحياتهم تسير نحو انجاز ما يصبون اليه من هوية. هذه الهوية كانت عادة ترتبط بالمهن، فهم عملوا في مهنة معينة وحرصوا على النجاح في عملهم المهني، حيث وضعوا خريطة لمستقبلهم ينظرون الى الامام نحو تحقيق اهداف العمل وينظرون الى الخلف ليدركوا المسافة التي قطعوها منذ بداية تاريخهم المهني.

رؤية ما بعد الحداثة للهوية – رفض فكرة السياحة الدينية

ان الرحلات الدينية تتطلب مقدار من التأكد حول العالم، فلابد للزائر ان يتأكد بان المكان الذي يقصده سوف يبقى هناك عند الوصول اليه والّا لن يكون هناك معنى للزيارة. ما بعد الحداثة تنكر اعتبار تلك الرحلات كاستراتيجية للحياة بسبب حالة عدم التأكد. فالتغيرات في مجتمعات ما بعد الحداثة سريعة جدا لدرجة لا يمكن الوثوق معها ببقاء مكان معين او مهنة معينة خلال 10 او 20 سنة قادمة. يقول (بومان) "ليس فقط اختفت المهنة مدى الحياة (job for life ) وانما اعمال التجارة والتخصصات ذات الطابع الملتبس بظهورها في مكان غير محدد وضياعها دون اشعار، من الصعب استمرارها كما كان في السابق. فالطلب على المهارات الضرورية لممارسة تلك المهن والوظائف نادرا ما يستمر بمقدار الفترة المطلوبة لإكتساب تلك المهارات".

وبناء على ذلك لا فائدة من البدء بالرحلة لأن المكان المقصود (الوظيفة او المهنة الناجحة) قد تلاشت قبل الوصول اليها. وبما ان الوظائف تتغير بسرعة فان الانجازات المهنية للفرد على صعيد العمل ستكون غير ملائمة لوظائف المستقبل وسوف تصبح بسرعة في وادي النسيان. كذلك وبالتشابه مع الرحلة في الصحراء، فان العواصف قد تهب وتحمل معها الرمال لتغطي كل آثار الرحلة مما يجعل من الصعب معرفة الشوط الذي قُطع باتجاه الهدف المقصود.

الاستراتيجيات المطلوبة

في ضوء الموقف اعلاه وطبقا لما يراه فريق ما بعد الحداثة لابد من اتباع استراتيجيات جديدة للحياة . هذه الاستراتيجيات تلغي فكرة خلق اي هوية دائمة منفردة ومركزية. وبدلا من ذلك يغير الناس هوياتهم حسب رغباتهم ولا يلتزمون بتحقيق اي هوية محددة. يحدد (بومان) اربع ستراتيجيات لحياة ما بعد الحداثة:

1- المتجول (stroller) هو شخص ما يتجول حول المدينة يشاهد ويستمتع بمظهر المدينة، هو ليس له هدف محدد في ذهنه لكنه يتجول فقط لغرض التسلية. المتجول هو المستهلك الساخر الذي حل محل العامل او المنتج الصارم للحداثة. ان مراكز التسوق متوفرة بحيث تستطيع ان تتجول وانت تتسوق او تتسوق وانت تتجول. تستطيع ملاحظة نماذج من عدد لا متناه من السلع وتشتري ما ترغب ثم تؤسس الهوية التي تختار وتغيرها في اليوم التالي اذا شئت. وبوجود التلفزيون متعدد القنوات والانترنيت اصبح بامكان المتجول ان يتمتع دون الحاجة لمغادرة مقعده المريح.

2- استراتيجية المتشرد (vagabond): في الماضي كان المتشرد يتنقل من مكان الى آخر رافضا الاستقرار في مكان معين. والسلطات كانت تكره المشردين لأنهم لا يمكن التنبؤ بسلوكهم، ليس لهم هدف معين في تجوالهم مما يجعل من الصعب معرفة المكان الذي يقصدونه، وهو امر مختلف جدا عن الحركات المتوقعة اثناء السياحة الدينية. المشرد دائما غريب اينما يتجه وليس له مستقر في العالم.

في عالم ما بعد الحداثة اصبح هناك معنى للتجوال من هوية الى اخرى دون الاستقرار في اي منها، فعملية الاستقرار اصبحت بالغة الصعوبة.

3- ستراتيجية (السائح). والسائح هنا يشبه المشرد كونه ينتقل من مكان الى آخر لكن حركته تختلف كونها ذات هدف او غرض معين. السائح يعرف الى اين ذاهب لكنه ليس كالحاج كونه لم يسافر لتحقيق هدف نهائي، هو يسافر فقط للحصول على تجربة جديدة او رؤية مكان مختلف او ليقوم بعمل لم يمارسه في السابق. في مجتمعات ما بعد الحداثة الناس لا يُجهدوا انفسهم من اجل خلق هوية معينة فهم كالسائح الذي يبحث عن خبرة جديدة .

4- الاستراتيجية الاخيرة (اللاعب) وتتطلب التعامل مع الحياة كما لو انها لعبة. الالعاب تُمارس لغرض الفوز لكن النتائج ليست ذات صفة مستمرة. فانت سواء ربحت ام خسرت سوف تنسى آخر لعبة وتنتقل الى لعبة اخرى. ونفس الشيء في مجتمعات ما بعد الحداثة يستطيع الناس ممارسة اللعبة التي لها هوية معينة لفترة زمنية (مثلا طلاب ينتمون الى الجناح اليساري الراديكالي في فترة شبابهم ولكن لاحقا يغيرون اتجاههم السياسي).

تقييم آراء (هول) و(بومان)

بالرغم من الاختلاف بين الرجلين الا انهما يتفقان على وجود اتجاه عام في الابتعاد عن الهويات الثابتة نسبيا والمرتكزة على عوامل اجتماعية مثل الطبقة، والتحول نحو الهويات الصغيرة. واذا كان (بومان) يركز على مدى امكانية الناس في اختيار هويتهم فان (هول) يؤكد بشكل كبير على الاهمية المتزايدة للخصوصيات الاثنية في رسم الهوية. هذه الآراء جوبهت بعدة انتقادات:

1- هناك بعض السوسيولوجيين ينكرون فقدان الطبقة لأهميتها كمصدر للهوية. فمثلا (مارشا) و (روس) و (فوكلر) يرون ان الشعب البريطاني لازال افراده يرون انفسهم اعضاءا في طبقات وان الطبقة لازالت مستمرة في تاثيرها على عقائد الناس واختياراتهم في الحياة.

2- ان بعض انصار النسوية feminists يعتبرون الجنس gender هو المصدر الاساسي للهوية وهو الاصل في الاستغلال في المجتمعات البطرياركية. وهم بذلك يقفون بالضد من رؤية بومان التي تؤكد الاختيار الحر للهوية البعيد عن اي ارتباط اجتماعي. فالجنس يشكل عاملا رئيسيا في تشكيل الهوية حسب زعمهم.

3- يرى (ريجارد جنكز) عام 1996 ان بعض الكتّاب مثل (بومان) يبالغون كثيرا في زعمهم بالهويات المجزأة والقصيرة الأجل التي تختارها المجتمعات المعاصرة. وهو يشك في الادّعاء بوجود نوع متميز لهويات ما بعد الحداثة. هو يؤمن بان الهوية تبقى مرتبطة في جذورها بالخبرة الاجتماعية وبالعضوية في الجماعات، وهي ليست شيئا يمكن تغييره حسب الرغبات. ويؤكد جنكز ان الهويات تحتوي على عناصر من الفردية المتميزة وعلى عناصر اخرى يشترك بها الافراد جماعيا. واذا كان لكل فرد هوية خاصة به فان تلك الهويات تكتسب طابعها عبر الانتماء الى جماعات اجتماعية. ان العناصر الفردية للهوية تؤكد على الاختلاف بينما العناصر الجمعية تركز على التشابهات مع ان الاثنين يرتبطان بإحكام.

 

حاتم حميد محسن

 

 

صباح الحاج مفتنيرتبط مفهوم المكان بالحركة ذات المفاهيم المتعددة، من قبيل: الكثرة، الواحد، الثابت، الفراغ، التغير، اللامتناهي، الصيرورة. وقد توضَّحَت هذه المفاهيم وانتظمَت مع أرسطو؛ إذ لم تكن كذلك في العصر الإغريقي ما قبل سقراط؛ فنجد زينون الايلي- بحسب ما يذكره أفلاطون في محاورة بارمنيدس- يستخدم الجدل في إثبات أو نفي هذه المفاهيم من خلال برهان الخُلْف؛ فبَعْدَ أنْ استخرَجَ بارمنيدس خصائص الوجود من ماهية الوجود نفسه، حاول زينون أنْ يثبت تناقض المذاهب المضادّة لدعوى بارمنيدس بوجود الواحد الثابت: "إذا كان من المستحيل أنْ تكون غير المتشابهات متشابهات، والمتشابهات غير متشابهات؛ فلابد أنْ يكون وجود الكثرة مستحيلة؛ لأنَّ الكثرة لا يمكنها تجنُّب هذه المستحيلات". وعليه يبرهن زينون: إذا كان مبدأ الواحد باطلاً فلابد أنْ يكون مبدأ الكثرة صحيحاً، وما دام مبدأ الكثرة يؤدّي إلى متناقضات فهو باطل، وبالتالي فإنَّ مبدأ الواحد الثابت صحيحاً.

والحقيقة أننا وبحسب هيجل في مؤلفه المنهج الجدلي، لا يمكن أنْ نجزم بأنَّ زينون استخدَمَ لفظة الجدل، وإنْ كان قد مارَسَ الطريقة الجدلية، لكنَّ أفلاطون أول من ذكَرَ هذه الكلمة في محاوراته.

ويبدو أنَّ زينون يقصد بهذا البرهان أنَّ مبدأ الفيثاغوريين الذي يؤلِّف العالَم من أعداد منفصلة غير متصلة، يناقض اتّصالية كرة بارمنيدس الواحدة. ويقدِّم زينون حجّتان يبطل بهما الكثرة: الأُولى، إذا كانت الكثرة مقادير ممتدَّة، فالمقدار يكون قابل للقسمة أبداً، وهكذا دون أنْ تنتهي القسمة إلى آحاد غير متجزِّئة، وحينها يكون المقدار المحدود المتناهي حاوياً أجزاء حقيقية غير متناهية العدد، وهذا خُلْف، والثانية، إذا كانت الكثرة آحاد غير متجزّئة، فهي متناهية العدد؛ لانَّ الكثرة الحقيقية معيَّنة، وهذه الآحاد منفصلة حتّى لا تختلط ببعض، لكنّها مفصولة حتماً بأوساط، وهذه الأوساط بأوساط، وهكذا إلى ما لا نهاية، وهذا خُلْف.

إنَّ إبطال الكثرة عند زينون يدفع به إلى إثبات استحالة تَصوُّر أي حد للمكان: "إذا كان كل شيء يُوجَد في مكان، فهذا المكان يجب أنْ يكون نفسه يُوجَد في مكان أيضاً، وهكذا إلى ما لا نهاية"، فيكون الكل جزءً واحداً متّصلاً يستغرق جميع الكون، بحيث يصبح فيه الجزء الصغير بقدر الكون كلّه، وهذا باطل عقلاً، وعليه فالكثرة حسب دليل الخُلْف باطلة، إذن تكون الموجودات شيء واحد متّصل.

هذه الاتصالية تستتبع عند زينون نفي الحركة، ويقدَّمَ على ذلك حججاً أربعة: الأُولى حجّة القسمة: لكي نقطع مسافة محدَّدة يجب أنْ نقطع نصفها، وحتّى نقطع نصفها يجب أنْ نقطع نصف هذا النصف، وهكذا إلى ما لا نهاية، ولَمّا كانت القسمة لا متناهية فحينها تستحيل الحركة في زمن متناه. الثانية حجّة أخيل والسلحفاة: إذا فرضنا أنَّ السلحفاة تسابقَت بوقت واحد من الحركة مع أخيل، فتقدَّمَت عليه مسافة قصيرة، فإنَّ أخيل لنْ يدرك السلحفاة إلاّ إذا تجاوز المسافة الأُولى الفاصلة بينهما، وحينها ستكون السلحفاة قد تقدَّمَتْهُ إلى مسافة أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية. الثالثة حجّة السهم: إذا قَطَع السهم مسافة ما في وقت محدَّد، فإنّه سيقف في كل جزء من أجزائها بمقدار معيّن، وهو حاصل قسمة المُدّة على المسافة، فالحركة إذن هي مجموعة وقفات وسكون، وهذا غير ممكن عقلاً؛ لأنّه جَمع للنقائض، فالحركة إذن باطلة. الرابعة حجّة الملعب: لنفرض أنَّ أ ساكن، وانَّ ب و ج يتحرَّكان بحركة واحدة باتجاهَين متضادَين، ومع الوقت سيكون أ، و ب، و ج، متوازنة كُلّها في مكان واحد، وأنَّ ب سيكون قد اجتاز أ و ج، فحينها يحتاج أ لكي يقطع ج ضعف الزمن الذي يقطع فيه أ، ولكنَّ الزمن الذي يستغرقه ب و ج ليصِلا ويوازيا موضع أ هو نصف الوقت السابق وليس ضعفه، فيكون نصف الوقت مساوٍ لضعفه، وهذا خُلْف، فتمتنع الحركة.

وبالنتيجة نرى أنَّ اتصالية الكرة الايلية الواحدة تنفي وجود الفراغ (الخلاء)، فلا يوجد شيء آخر خارج هذه الكرة، وعلى ما يبدو أنّ زينون لم يكن يفرِّق بين المكان والخلاء، فراح يرفض وجود المكان تبعا لعدم وجود الخلاء.

إذا كان زينون يبحث هذه المفاهيم جدلياً من خلال مفهوم الوجود الواحد الثابت، فإنَّ أرسطو ينطلق في بحثه لهذه المفاهيم منطقياً من خلال الحركة التي تُعد موضوعاً أساسياً في فلسفته الطبيعية؛ لأنَّ الحركة تعني التغيّر في الوضع، فتكون شرطاً لازماً في تضمّنها لكل عمليات الطبيعة، فهي تشمل جميع أشكال الصيرورة، وتُعبِّر عن معانٍ واسعة تَضُم كل العمليات التي تصبح بها الأشياء على ما هي عليه، فيميِّز أرسطو في كتاب الطبيعة بين أربعة أنواع من الحركة تتَّفق مع مقولات أربعة: الكون والفساد، أي ظهور شيء جزئي إلى الوجود ونهاية وجوده، فما هو إنسان بالقوة يصير إنساناً بالفعل، والاستحالة، أي حدوث تَحوّل في كيفية الشيء، فما هو عالماً بالقوة يصير عالماً بالفعل، والنمو والنقصان، أي حدوث تَغيّر في كم الشيء، فما هو طوله عشرة أقدام بالقوة يصير عشرة أقدام بالفعل، والنقلة في المكان- وتُعَد أهم أنواع الحركة لأنّها تتكرَّر في الأنواع الأخرى- أي الانتقال على خط مستقيم أو الدوران في محيط دائري، فما هو بالقوة في مكان فهو نقلة في ذلك المكان.

إذن يرتبط الجسم الطبيعي بمقولَتَي الفعل والانفعال بوقت واحد، فهو يُسمّى فعلاً لأنّه صادر عن المحرِّك، ويُسمّى انفعالاً لأنّه حاصل في المتحرّك، وقد يُسمّى الانفعال فعلاً والفعل انفعالاً حسب الموضوع؛ فالإنسان الذي ينجب إنساناً، كان قَبْلَ إنجابه أباً بالقوة، وبَعْدَ إنجابه صار أباً بالفعل، كذلك قبل أنْ تتغير النطفة إلى طفل، كانت طفلاً بالقوة وصارت طفلاً بالفعل في الوقت الذي صار فيه الرجل أباً بالفعل. وعليه يكون المحرِّك والمتحرِّك سبب كمال أحدها الآخر.

تَشترك أنواع الحركة في خاصية واحدة هي الصيرورة من حال إلى حال، بينما موضوع الحركة يبقى على حاله؛ فالموضوع أو الحامل لا يتحرَّك وإنّما تتغيَّر محمولاته، ومن طبيعة الحركة أنها تفترض علّة للحركة تَستمد حركتها من مُحرِّك آخر، وهكذا تنتهي سلسلة المحرِّكات إلى مُحرِّك أوَّل لا يتحرَّك يكون عِلَّة الحركة الأصلية في الكون ومبدؤها الأول. ويميِّز أرسطو بين التغيُّر الذي ينطوي على تحوُّل في الجوهر، وبين التغيُّر الذي لا ينطوي على تَحوُّل في الجوهر؛ الأول يتمثّل في الكون والفساد الزوجان غير المنفصلان، فإذا تَحقَّق شيء ما في الوجود فهو نتاج مادة شيء آخر تلاشى، فقوام الطبيعة وجوهرها يبقى ثابتاً، أمّا الثاني فهو التغيُّر في الكمية والكيفية والوضع: الكمية هي تَغيُّر مُتَعلِّق بالحركة في المكان من حيث الامتداد، والوضع هو حركة موضعية متغيِّرة تُحقِّق إمكانية الوجود في مكان آخر، لذلك يتطلَّب تَحقُّقها سبباً موجوداً أصلاً بالعقل؛ لأنَّ الشيء لا يمكنه تحريك نفسه، ولا يفترض حركة ذاتية ليس لها سبباً، أمّا الكيفية فلم يكتفِ أرسطو مثل أفلاطون بمعرفة كيفية وقوع الشيء، بل معرفة عِلِّة وقوعه.

فالصيرورة عند أرسطو ليس لها بداية ولا نهاية، فهي تمضي دوماً من الوجود إلى اللاوجود وبالعكس، وتجد في ذاتها منابع تَجدّدها الدائم، لذلك كان تمييز أرسطو بين القوة والفعل وسيلة لحل مشكلة التغيُّر التي أنكَرَها الايليون على أساس إنكار الكثرة، في حين أنَّ التغيُّر هو انتقال من تَحقُّق بالقوة إلى تَحقُّق بالفعل، كما أخَذَ أرسطو على الطبيعيين في أنهم لَم يدركوا سوى العلة المادية دون العلل الثلاثة الأُخرى الصورية والغائية والمحرِّكة؛إذ إنَّ الحركة تقتضي الصورة بعللها المختلفة، والمادة المتغيِّرة، ولَمّا كانت الصورة والمادة أزليتان وأبديتان، فلا بد أنْ تكون الحركة الناتجة عن اجتماعهما أزلية أبدية هي الأُخرى؛ فلا وجود للأشياء إلاّ بافتراض الحركة: "إن كمال ما يستحيل هو الاستحالة، وكمال النامي وعكسه هو الزيادة والنقصان، وكمال المتكوِّن والفاسد هو الكون والفساد، وكمال المنتقل هو النقلة".

من ناحية الأزلية، فكل حركة تقتضي وجود محرِّك ومتحرِّك حادثَين أو قديمَين، فإنْ كانا حادثين فهذا يعني وجود حركة حدوث قَبْلَ أوَّل حركة، وهذا تناقض،، وإنْ كانا قديمَين فمعنى ذلك قد سبَقَت الحركة أوَّل حركة بسكون، والسكون هو عدم الحركة، وإنَّ إحداثه يقتضي ثَمّة حركة تكون قَبْل أوَّل حركة، وهذا تناقض؛ فإذا كان المُحرِّك والمُتحرِّك أزليَّين، فكيف يتسنّى وجود الاثنين معاً ولا تَحدث الحركة منذ وجودهما في الأزل ما دام في طبيعة الواحد أنْ يُحرِّك والآخر يتحرَّك؟ وإذا قُلْنا ليس في طبيعتهما ذلك فهذا يعني لا بد من وجود شيء يَحدث فيهما الحركة قبل أول حركة، وهذا تناقض. وإذا نَظرْنا من ناحية أخرى إلى الحركة من جانب المحرِّك، وجدنا أنَّ المحرِّك لكي ينتج الحركة فلابد أنْ يكون موجوداً في حالة تماس مع المتحرِّك، أمّا إذا كانا بعيدان عن بعضهما، فلا بد من تقريبهما لكي تَحدث أول حركة، وستكون هذه الحركة سابقة على أول حركة، وهذا تناقض، فمهما نَظَرْنا إلى الحركة من جانب المحرِّك والمتحرِّك معاً فلا بد من القول بأزلية الحركة. ومن الناحية الأبدية، فيمكن البرهنة عليها بالطريقة ذاتها: إنَّ انتهاء الحركة يعني ابتعاد المحرِّك عن المتحرِّك، ولا يتم ذلك إلاّ بحركة تأتي فتحدّه، وهذه تحتاج لإحداثها إلى حركة، وهكذا إلى ما لا نهاية، لذلك فالحركة لابد أنْ تكون أبدية.

يبحث أرسطو حجج زينون ضد الحركة من خلال مفهوم اللامتناهي؛ إذ يرى أنَّ اللامتناهي لا وجود له بالفعل: "لا يمكن أنْ يكون اللامتناهي شيئاً قائماً بنفسه بلا نهاية، ومفارقاً للمحسوسات، بل هو نفسه جوهراً لا عرض"، وإنما اللامتناهي موجود بالقوة، لكنّه لا يخرج إلى الفعل من حيث أنّه كل؛ وإنّما يخرج إلى الوجود جزءاً بعد آخر: "يجب أنْ يكون اللامتناهي غير منقسم؛ لأنَّ المنقسم مقدار أو عدد لا يمكن أنْ يكون بلا نهاية إلاّ على الوجه الذي يقال أنَّ الصوت غير مرئي". ويرى بدوي أنَّ القوة التي يوجَد فيها اللامتناهي ليس من الضروري أنْ تصبح بالفعل، فهو كانتفاء الحركة التي هي بالقوة حين تتحقَّق الصورة، لذلك فاللامتناهي أقل درجة في الوجود من المتناهي الذي وَجَدَ فيه أرسطو الكمال التام.

اللامتناهي إذن ليس هو ما يشار إليه بـ"هذا" مثل الإنسان والحصان، بل أنَّ وجوده يقوم في عملية كون وفساد مستمر، فهو يختلف عن وجود الجوهر في الكون الذي يحتاج دائماً إلى شيء لا نهاية له، فحركة اللامتناهي دائرية، فيها تفسد الأشياء وتكون، وهكذا باستمرار، وعليه فلا حاجة إلى تَصوُّر شيء لا متناهِ يَستمد منه الكون اللامتناهي للجواهر. هكذا يُحرِّر أرسطو الفلسفة من التصور الذي يَعُد اللامتناهي مصدر متجدِّد للأكوان والعوالِم، إلى تَصَوُّر يَعُد اللامتناهي حد مضاف إلى المتناهي والمكتمل، ويجد مادَّته فيهما؛ لأنَّ من المستحيل أنْ يكون ما لا يُعرَف وما لا حدود له هو الذي يحوي ويُعرَف.

إذا كان اللامتناهي موجود بالقوة، فتكون حجج زينون ضد الحركة باطلة؛ لأنّها قائمة على أنَّ المكان شيء لا متناهي يمكن تقسيمه إلى وحدات منفصلة بالفعل، والحال أنَّه متَّصل ومتناهي لكنّه قابل للقسمة إلى أجزاء لا متناهية بالقوة، كما أنَّ الايليين صَوَّروا الكون على أنّه كرة، وهو تَصوُّر مكاني للوجود يجعل المكان قابل للانقسام: "لا يمتنع أنْ يُوجَد المكان في شيء غيره، وإنّما كما تكون الصحة شرطاً في الأشياء الحارة؛ لأنَّ الحرارة في الجسم تكون على أثر انفعال أو عَرض، فلا يلزم حينها الاستمرار إلى ما لا نهاية".

وبالتالي يرى أرسطو إنَّ وجود المكان أمراً بديهياً تدل عليه ظواهر الحركة، ويبرهن على وجوده كالآتي:

أولاً- ظاهرة حلول أجسام وتعاقبها على محل واحد؛ إذ إنَّ المكان شيئاً قائماً بذاته تُوجَد فيه الأشياء المختلفة، وإلاّ لَما استطعنا أنْ نتصوَّر حلول أشياء مختلفة في مكان واحد.

ثانياً- ظاهرة الحركة في المكان؛ إذ لا يمكن للنقلة أنْ تتم إلاّ إذا تَصوَّرنا هناك مكاناً ينتقل فيه المتحرِّك من جهة إلى أخرى باتّجاه معلوم.

ثالثاً- المكان تقتضيه حركة الاستحالة؛ إذ تَرجع هذه الحركة بالنهاية إلى حركة التخلخل والتكاثف، وهما بدورهما حركتان في المكان، وهذا يدل على أنَّ المكان شيئاً موجوداً.

رابعاً- وجود الجهة؛ إذ إنَّ لكل عنصر مكانه الخاص: مكان النار والهواء فوق، ومكان التراب والماء تحت، فإنَّ الفوق والتحت هما المكان الذي تطلبه الأجسام الثقيلة والخفيفة، وهذا يجعلنا قطعاً أنْ نقول بالمكان وصفاته الخاصة، وأنْ نضعه كائناً إلى جانب بقيّة الكائنات، بل وحتّى جوهراً ما دمنا نجعل النقلة أُولى الحركات؛ فإذا كان المكان شرطاً لهذه الحركة، وإنَّ ما يتوقَّف على شرط يتوقَّف على الشيء نفسه، إذن يمكن القول أنَّ المكان هو الموجود الأصلي.

المكان متميِّز عن الجسم الذي يحل فيه أو العناصر التي تدخل في تركيبه؛ فهو ليس عين الجسم، لكنّه كالجسم يمتلك طولاً وعرضاً وعمقاً، وهو ليس عنصراً، لكنَّ له حجماً؛ فلو كان المكان جسماً لتوجَّب أنْ يكون له مكان يقوم فيه، ولهذا المكان مكاناً آخر، فيتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، ولو لَم يكن المكان غير الجسم لتوجَّب أنْ ينقص مكان الجسم أو يزيد تبعاً للجسم الذي يحتويه، وهذا تناقض؛ لأنَّ لكل جسم مكاناً خاصاً به، وفي كل مكان جسماً ما.

لا يمكن أنْ نُطبِّق مفهوم الصورة والمادة على مفهوم المكان؛ لأنّه لَم يتّخذ صفة أو حالة من قِبَل شيء ما، لكنّنا حين نتحدَّث عن المكان نقول باستمرار إنَّ شيئاً في شيء، فكأنَّ طبيعة المكان تتلخَّص في أنَّ "الوجود في": يُوجَد المحمول في الموضوع لأنّه داخل فيه، فكما نقول عن الموضوع إنّه داخل في ما صدق المحمول، كذلك نقول عن الشيء إنّه يوجَد في الوعاء. وكلمة "في" تَرجَع إلى معنيين: الأول عام ننظر فيه إلى الشيء ككل دون أجزاء، والثاني خاص ننظر فيه إلى الشيء ككل وفيه أجزاء، والخاص هو المعنى الأدق للمكان؛ فإذا نظرنا إلى وعاء كبير من الماء، فيمكننا القول أنَّ الماء في هذا الوعاء، أو أنَّ الشيء في نفسه مجزّئ إلى جزأين أحدهما في الآخر، ولكنْ إذا نَظرْنا إليه ككل فلا يمكننا القول عن الشيء أنّه في نفسه، بل نقول أنّه موجود في شيء آخر، أي هناك شيئاً حاوياً للشيء، وأنَّ الآخر وعاءً له: "المكان هو الحد اللامتحرك المماس للحاوي، أو هو حدود جسم الشيء أو السطح الداخلي له".

ومن هنا يرى أرسطو أنَّ الفراغ ليس مكاناً لا متمكّن فيه، فهو قول يثبت أنَّ الأشياء تتحرَّك بسرعة واحدة على نظام واحد، في حين أنَّ الأشياء تتحرَّك حركة طبيعية إلى مَحلّها الطبيعي. وأمّا المكان المُطْلَق فهو السطح القائم بالفعل خارج السماوات التي تحوي بداخلها كل شيء ولا يحويها جسم أبعد منها؛ وعليه فالأشياء جميعاً تقع في هذه السماء، بينما هي ذاتها لا تقع في شيء غيرها، فنجد أرسطو يماشي اتجاه اليونانيين نحو التوحيد بين الخاصية المميّزة للمكان المُطْلق وبين الحد؛ فيرى أنَّ السماء القصوى تقع على مسافة محدودة منّا لا نهائية؛ وعليه فالمكان الفعلي محدود مكانياً؛ فمهما تعدَّدت قِسْمتك، فإنّك لن تستطع الوصول إلى نقاط أو مواضع من دون كتلة قابلة للانقسام، أمّا الكون فليس له مكان؛ لأنَّ كل حيِّز حقيقي إنّما هو من الكون، وهذا يلزم أنَّ الكون متناه؛ لأنَّ غير المتناهي مجال بالفعل ولا يحيطه خلاء أو ملاء.

يستتبع تعريف المكان عند أرسطو عدم وجود الخلاء؛ إذ لا يمكن أنْ يكون هناك مكان ليس فيه شيء أصلاً، ولَمّا كانت الحركة ليست مكانية لأنَّ الأجسام تتحرَّك باحتلال بعضها مكان بعض، فليس ثَمّة حاجة لافتراض وجود الخلاء، كما أنَّ لكل عنصر نقلة طبيعية خاصّة، فلا يمكن أنْ يكون الخلاء المتشابه والمتجانس شرطاً للنقلة، ولَمّا كانت الحركة الطبيعية مختلفة، فالأشياء الموجودة بالطبيعة تكون مختلفة، لذلك: "إمّا أنْ تنعدم الحركة الطبيعية، وإمّا ينعدم الخلاء، وبما أنَّ النقلة موجودة، إذن فالخلاء معدوم".

ولذلك ينقد أرسطو القول بضرورة وجود الخلاء؛ إذ إنَّ البناء المادي للأشياء يتنافى مع وجوده، فنحن لا نعرف سوى حركات الأجسام الطبيعية نحو محلّها الخاص، والحال أنَّ لا شيء من ذلك في الخلاء، فالمتحرِّك لا يتوقَّف عن الحركة في الخلاء عند أي نقطة كانت، ولا يواصل الحركة إلى ما لا نهاية؛ لأنَّ الإقرار بصحّة ذلك يلزم عنه أنَّ الجسم المتحرِّك ليس له خواص مادية، في حين أنَّ الحركة نتيجة لهذه الخواص، كما أنَّ جوهر القوة هو الظهور على مقاومة، فإنَّ قوة القطار الذي يسحب مَرْكباً، لا تتناسب سرعته مع القوة؛ لأنَّ المَرْكب الثابت لا يبدأ بالتحرُّك إلاّ مقابل مقدار معيَّن من الجهد، وحينما يتوقَّف الجهد يتوقَّف المَرْكب، والسرعة منوطة بالمقاومة؛ فإنْ قَلَّت المقاومة، زادت السرعة، وإنْ انعدَمَت، صارت السرعة لا متناهية، وما يقال عن السحب يقال على الدفع، وهذا هو حال الخلاء تماماً.

وبالنتيجة ذهب أرسطو إلى اعتقاد آخر عن المكان يختلف عن زينون؛ إذ يبدو أنَّ ما دفع أرسطو إلى نفي الفراغ أو الخلاء هو حتّى يثبت وجود المكان أو الملاء ، وبالتالي تفنيد مزاعم زينون وحججه الجدلية.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

علي رسول الربيعيطورت سيلا بن حبيب نظرية أخلاقية (في كتابها Situating the Self الذي سنعتمده في النقاش في هذه المقالة) عن وضعية وموقع الذات في صيغة كونية أو عالمية تفاعلية معتمدة بشكل كبير على عمل هابرماس. تبدأ من تمييزها بشكل واضح بين (أنواع أو أنماط) الخطاب الأخلاقي (Ethics) والأخلاقي (Moral). (للتوضيح: يشير مصطلح الأخلاق كـ Ethics الى المبادئ والقواعد والمعايير العامة المفروضة من الخارج (الأديان مثلا) بينما يشير مصطلح الأخلاق كـ Moral الى مبادئ السلوك الخاصة بالفرد وقواعد السلوك الصواب أو الخطأ وما ينبغي فعله أو لاينبغي) إن مشروع بن حبيب هو إعادة بناء أفكار الحداثة الأخلاقية والسياسية في مابعد عصر التنوير من خلال عالمية هذه الأفكار من جهة، ومن خلال تفاعلها الجدلي مع المخاوف والشكوك التي تثيرها حركات الجماعاتية، والنسوية، ومابعد الحداثة من جهة أخرى.

Benhabib, Seyla. Situating the Self: Gender, Community and Postmodernism in Contemporary Ethics. Cambridge: Polity Press, 1992.2.

تفسر بن حبيب الأعتراضات على الصوغ الصوري الشكلاني الكانطي للأخلاق بأنها أدعاء يرى أن أيً نظرية أخلاقية أجرائية تواجه خياراً لامفر منه بين التفاهة او عدم الأنسجام. أذ يرى النقاد أن القواعد التي تبررها مثل هذه الأجراءات تكون إما بديهية أو ذات تأثير ضئيل أو أن تصبح إجراءات التبرير أو التسويغ في حد ذاتها أكثر جوهرية من ما مطلوب الأعتراف به أو قبوله. وعليه ترى بن حبيب أن إجراء اختبار للمعايير الأخلاقية من خلال الأخلاق التواصلية يُمكًن من تجنب مثل هذه المعضلة ,p,34.) Benhabib, Seyla. Situating the Self). أما هابرماس فيرى أن القواعد والقيم لا يتم إنشاؤها عن طريق الفلسفة ولكن من واقع الحياة. (أنظر:

Habermas, Jurgen Moral Consciousness and Communicative Action. Cambridge: Polity Press, 1990.240.

فالفلسفة، هنا، تقوم بتفسير ودعم إجراء الحجج الأخلاقية التي يمكن أن تسمح لنا باختبار الصلاحية القواعد المشتركة المتنازع عليها والتي يتم طرحها علينا في ممارسة التواصل اليومي. وطبقا لبن حبيب، فإن ما يحققه هذا الإجراء هو وضع قيود جوهرية على حدسنا الأخلاقي، ويعطي معايير لما هو مسموح به أخلاقيا أو غير مسموح به، لكن دون أن يخبرنا ما هو أكثر قواعد العمل الأخلاقية قيمة في سياق معين.

تدعو بن حبيب إلى أخلاق ما بعد تقليدية وأحد الآثار المترتبة على ذلك هو أنه لم يعد بالإمكان الحفاظ على تمييز هابرماس بين الأخلاق كـ Ethics والأخلاق كـ Moral للعقل العملي. (تعتبر الأخلاقيات ما بعد التقليدية أعلى مرحلة من الأخلاق في نموذج Kohlberg للتنمية الأخلاقية التي طورها جان بياجيه في ثلاث مستويات وهي الأخلاق ما قبل التقليدية، التقليدية، ومابعد التقليدية، حيث يطور الأفراد مجموعة خاصة بهم من الأخلاق والأخلاقيات التي يستخدمونها لدفع سلوكهم.) وليس هناك إمكانية للتمييز بين معيار أخلاقي يعبر عن مصلحة عامة واتفاق مبني على التزام مسبق لصالح نمط حياة مشترك. في تصور بن حبيب للأخلاقيات التواصلية يمتد نطاق المجال الأخلاقي ليشمل التفكير العملي المتعلق بمفاهيم محددة أو مخصوصة للخير. وأنه مع قبولنا بأن توافقًا عالميًا وعقلانيًا غير قابلٍ للتحقيق في مثل هذه القضايا، يمكننا، حسب رأي بن حبيب، أن نسمح بالنقاش الأخلاقي المتبادل بين الذوات والتفكير في الأسئلة التقييمية. ( Benhabib, Seyla. Situating, p, 75)

إن تقييد المجال الأخلاقي بمسائل العدالة الكلية والعالمية universal justice في المعنى الذي يطرحه هابرماس، يتتطلب أجماعاً عقلانياً لكن هذا غير مقبول، لأنه هذا يتغاضى عن أكثر من سمة مهمة ومميزة للمطالبات الأخلاقية الصحيحة من وجهة نظر بن حبيب. أما بالنسبة لهابرماس تمتلك هذه الادعاءات الأخلاقية مبررًا إدراكيًا قويًا. ولا يتم التحقق منها بإجراءات المناقشة والمحاججة فقط، ولكن من حقيقة تعبيرها عن إرادة مشتركة. وهذا يعكس بصيرة أخلاقية يتم تحقيقها تواصليا في مصلحة عامة حيث يتشارك الجميع في هذه القناعة معًا. ومن موقع يرى أن أي معيار يصبح صحيحا أذا ما توفرت الأسباب الدعمة له وكانت مسوًغة عقليا؛ تقول بن حبيب إن هابرماس يعتمد وبدون ضرورة على فكرة الإجماع كضمان لصحة المعايير؛ وتدافع عن المعرفة الأخلاقية بأعتبار أن المعايير الصحيحة يجب أن تكون مدعومة بالأسباب، لكن هذا الادعاء يبقى ضعيفاً لأن هذه المعايير في غير ذي حاجة للتعبير التعبير عن إرادة مشتركة. وبالتالي عليها أن تقبل هذه النتيجة باعتبارها الثمن الذي يجب دفعه مقابل مثل هذا النطاق الأخلاقي الواسع. (أنظر:

Cooke, Maeve. "Habermas, Autonomy and the Identity of the Self." Philosophy and Social Criticism 18 (1992): 269-92.

تحاول بن حبيب الأبتعاد عن الصياغة الكانطية الصورية من أجل أن تكون أقل عرضة من هابرماس للنقد من قبل ممثلي الأتجاه السياقي، ايً النقد الذي يوجه فلاسفة الأتجاه السياقي الذي سبق ذكر أتجاهاتم، فالزر على سبيل المثال. فتلزمها نظريتها الدينطولوجية الأخلاقية الضعيفة ببعض الافتراضات الجوهرية والواقعية، وهي تسلم بأن هذا الالتزام لا مفر منه. Situating the Self, 75.)) وتُبرر الأخلاقيات التواصلية بأنها وعي ذاتي تاريخي بالكونية يُؤسس لمبادئ الاحترام العالمي والمعاملة بالمثل كتفسيرنا الفلسفي لمكونات وجهة النظر الأخلاقية من داخل الأفق التأويلي المعياري للحداثة"(أنظر نقد Cooke, Maeve. " لسيلا بن حبيب في: Habermas and Consensuses.

Cooke, Maeve. "Habermas, Autonomy and the Identity of the Self.

إنها تقدم هذا كبديل عن استراتيجية هابرماس لإعادة بناء الكفاءة والأهلية للعالمية المفترضة لجميع الأطراف الفاعلة في التواصل في سياق الحياة في العالم الحديث.

لا يمكنني، في الواقع، تمييز موقف بن حبيب عن وجهة نظر هابرماس في هذا الشأن. ذلك إن دفاع بن حبيب عن نشر الأخلاق مابعد التقليدية ومفهوم الحداثة الذي تصوغه يعتمد إلى حد كبير على إعادة البناء تلك التي قام بها هابرماس.) إعادة البناء هذه قدمها هابرماس في مجلدين تحت عنوان: نظرية الفعل التواصلي.) والدليل أعتمادها على ما يمكن أن ندعوه بالتفسير النقدي الفيبري للحداثة، انظر: Benhabib, Seyla. Situating the Self). ففي الوقت الذي تؤكد أن التفسيرات الأخرى لمتطلبات الكفاءة الأخلاقية ما بعد التقليدية لا يمكن استبعادها من حيث المبدأ، فقد تم التسليم بها من قبل هابرماس مسبقا ايضاً. وكانت هذه النقطة بالتحديد هي التي قدمها في إعادة البناء (الأخلاقي) التي قام بها على أنها غير معصومة من الخطأ أثناء رفضه لمفهوم التبرير النهائي الذي قدمه أبيل Karl-Otto Apel. علاوة على ذلك، فقد شدد على حقيقة أن دفاعه عن أخلاقيات الخطاب ضد نظريات أخلاقيات ما بعد التقليدية، مثل نظريات راولز Rawls وسكانلون Scanlon، يقوم على حجج فلسفية "تغذيها التجربة التاريخية".

Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action. Cambridge: Polity Press, 1990,175.

فتتحول هذه الحجج من مفهوم أحادي إلى مفهوم حواري لوجهة نظر غير متحيزة. فإذا كان للكرامة أن تحترم، فإن الروابط الاجتماعية المشتركة والمتبادلة للاعتراف المتبادل والتي تعتمد عليها هوية هذا الشخص يجب أن تكون محترمة.       

Habermas, Jurgen., "Justice and Solidarity: On the Discussion Concerning ‘Stage 6."' In Michael Kelly (ed.), Hermeneutics and Critical Theory in Ethics and Politics, 32-52. p,200 and Justification and Application: Remarks on Discourse Ethics. Cam­ bridge: Polity Press, 1993.pp, 67-69.

هذا التوضيح للسمات البنيوية للحياة الخيرة التي يدرجها هابرماس في مفهومه الدينطولوجي الاخلاقي للعدالة يمكن اعتباره تعبيرًا عن الافتراضات الموضوعية التي تأخذه، مع بن حبيب إلى أبعد من الصورية الصارمة لكانط.

هناك مسألة أخرى مهمة بين بن حبيب وهابرماس تتعلق بنطاق المجال الأخلاقي. إنها تتعلق بحساسية أخلاقيات الخطاب أزاء سياقات أخلاقية معينة والاختلافات التي تتصل بالأخلاق بين الأفراد. وحسب بن حبيب، فإن مفهوم هابرماس لوجهة نظر غير متحيزة منطقي - عقلاني أكثر من اللازم ولا يتوضع أو يتموقع في السياق الإجتماعي وقضايا الجندرية بشكل كافٍ. Benhabib, Seyla. Situating the Self, p,8.

تعطي بن حبيب اولوية للرعاية والاهتمام بالآخرين بشكل ملموسين على العدالة والحقوق. وتتهم هابرماس بإحالة العناية إلى هوامش المجال الأخلاقي الذي يتركز حول قضايا العدالة. فبينما لا ترغب بن حبيب في التقليل من أهمية اهتمامنا الأخلاقي بالعدالة في الترتيبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، الا أنها تؤكد أن النزاعات الأخلاقية التي تشغلنا تتعلق على الأرجح بالقرارات الشخصية المطلوبة منا في العلاقات، في العمل في التفاعل الاجتماعي في حياتنا اليومية. Benhabib, Seyla. Situating the Self, pp., 148-185.

أرى إن العدالة والتضامن وجهان لعملة واحدة في دفاع هابرماس عن الخطاب الأخلاقي، فالأهتمام بالحقوق الفردية ورعاية الآخر له الجذر نفسه، وكذلك حماية الروابط الاجتماعية التي تشكل شبكة من الاعتراف المتبادل بين الجنسين. والتفكير الأخلاقي المتبادل في مابين المشاركين مستحيل دون حس التعاطف. (هامش- Habermas J., Moral Consciousness and Communicative action, Cambridge, Polity Press,1990, 199-203.

يصر هابرماس على أن هذا مجرد شرط للتبرير العقلاني نفسه. لذلك لا يجب التفكير كمهمة لتحقيق توازن مناسب لأدوار العقل والعاطفة في الخطاب الأخلاقي.

Habermas J., "Justice and Solidarity: On the Discussion Concerning ‘Stage 6."' In Michael Kelly (ed.), Hermeneutics and Critical Theory in Ethics and Politics, 40-41.(

لكن من الغريب أن بنحبب تعترف، وهي محقة، بأن هابرماس قد أدرج مسألة الأهتمام بالآخر في سياق تصوره لوجهة نظر متجردة وغير متحيزة، ولكن دون أن تسحب انتقاداتها تلك. وأظن أن استمرار قلقها يرجع إلى تقييد هابرماس للمجال الأخلاقي بحدود الأسئلة التي تعترف بالتبرير العقلاني من حيث المصالح العمومية. أعتقد أن بن حبيب يمكن أن تعفي نفسها من هذا الأرتباك لو أنها نظرت في حقيقة أن الأسئلة التقييمية في أعمال هابرماس الأخيرة تعترف بحل معقول رغم أنه يتوصل الى ذلك من خلال توظيف أخلاقي بمعنى الـ (Ethical)، وليس أخلاقي بمعنى الـ (Moral) الذي اشرنا اليه سابقا، للعقل العملي.

لاتمنح الأسئلة التقييمية إجابة صالحة لكل فرد. ففي السعي بعقلانية للإجابة على السؤال "ما هو مناسب لي؟" أو "ما هو الصواب بالنسبة لنا كمجموعة معينة تتقاسم بعض المثل العليا؟" يجب علينا أن ننشد معايير محددة تشكل الهوية المعنية. وهذا ينطوي على مهمة نقدية لتوضيح التأويلي الذاتي للمصالح. وما هو على المحك، هنا، مسألة الهوية التي تعتمد على التزام مسبق بطريقة حياة معينة واعية. ومن ناحية أخرى، لا تُحل الأسئلة الأخلاقية أي شكل معين من أشكال الحياة ولكنها تهتم بتبرير المبادئ التي يمكن أن تكون مقبولة للجميع.

Habermas, Justification and Application: Remarks on Discourse Ethics. Cambridge: Polity Press, 1993.PP,4-8.

لا يمكننا معرفة ما إذا كان السؤال أخلاقيا أو تقييما الأً بعد الدخول في مجريات النقاش والمحاججة وليس قبلها، كما هو الحال مع راولز الذي يقييد نطاق الالتزامات الأخلاقية المشتركة المحتملة مقدما. فيبدو، هنا، أن هابرماس وبين بن حبيب متفقان على أن الأسئلة الأخلاقية، التي لا يحددها هابرماس بالتوافق المعياري، يمكن تقديم أجابة عقلانية عنها. وعلى الرغم من أنهم يحددون المعنى الأخلاقي بطرق مختلفة، إلا أنهم يتفقون على النقطة الدينطولوجية التي تقول إن المعايير الأخلاقية تقيًد المفاهيم المعقولة للخير. Benhabib, Seyla. Situating the Self,p,187

بالنظر إلى هذا، ليس من الواضح أن بن حبيب تربح أي شيء من التخلي عن التمييز بين الأخلاقي (Ethics) والأخلاقي (Moral)، ولا يبدو ذلك في الواقع ضروريًا. لكن ما يتبقى والتي يمكن لنا أن نراه هي مدى المكاسب التي يحققها هابرماس من خلال التمسك بهذا التمييز. وما هو واضح هنا هو أن هابرماس، ليس أقل من بن حبيب أهتماما في السياق، فقد أدرج العديد من الأفكار السياقية في تفسيره لأخلاقيات الحوار.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

صباح الحاج مفتنتمثل فكرة الاختلاف مفهوماً مركزياً عند فلاسفة ما بعد الحداثة، بيد أنَّ هذا المفهوم تتخلله اختلافات متباينة لدى هؤلاء الفلاسفة، فهو ليس مفهوماً متفقاً في جزئياته وتفاصيله الدقيقة. وسنحاول تسليط الضوء على ما يعنيه الاختلاف الما بعد حداثوي على وفق ما أفرزته لنا أبرز طروحات هذا الاتجاه الفلسفي.

انطلقَتْ ما بعد الحداثة من عمليات نقد الحداثة؛ فبعد أنْ عبَّرَت الحداثة عن ثورة معرفية على جميع التصورات السابقة لها، ومثَّلَت مشروع قام على أُسُس ذاتية وعقلانية، آمَنَت فيه بفكرة التقدم الإنساني وحتمية التاريخ والطبيعة، عمَلَت ما بعد الحداثة على هدم وتقويض هذه المعالِم الأساسية للحداثة؛ فألغَت البنية الفكرية المغلقة التي ترتكز على العقل وتمجِّد الإنسان والحقيقة الكلية بشكل مُطْلق؛ إذ رأت بأنَّ معرفة الحقيقة تقوم على تفسير متضارب لحقائق متعددة ومنفصلة، وبالتالي قامت هذه الفلسفة على التشتّت والصدفة والغياب والفوضى والاختلاف والكثرة والتعدد الثقافي والخطابي والاجتماعي والديني.

أبرز فلاسفة ما بعد الحداثة هو "ليوتار" الذي عُرِف فيلسوفاً للاختلاف؛ إذ أصبحَت معه قراءة النص من الداخل، وكل ما هو خارجه لا يمثل شيئاً، الأمر الذي يجعل من فلسفته تتميز بالتعددية والتنوع، وتحرير فلاسفة كُثُر من قبضة الفكر الشمولي، فوقف بالضد من هيمنة أنساق الفلسفة التقليدية التي تدّعي أنَّ الفلسفة ماهية أو جوهر، وعدّها مصدراً لآلام البشرية، وركَّزَت فلسفته حول فعل التفلسف وحركته، وكانت شاهدة على المختلف، مستوعبة كل الرؤى الأساسية عَبْر تاريخ الفلسفة ومناقشتها من موقع المختلف والآخر والفارق.

أمّا "دريدا" فقد تميَّزَ بمذهبه التفكيكي؛ إذ عملَ على تفكيك الميتافيزيقا الغربية، فكان معبّئاً بخلفية كبيرة من المناهج الفلسفية والإنثروبولوجيات الغربية، وأُسس الكتابة في مواجهة الخطاب الشفاهي للثقافة، فهو يقف ضد ميتافيزيقا الكلام وحضوره الكتابي، ويقوم تصوره على مفهوم الاختلاف الذي يفكك به ما يميز المركزية الغربية وتماسكها، من أجل أنْ يعطي للفعل الفلسفي انبعاثاً جديداً ونشاطاً حياً، وأنْ تكون الفلسفة وسيلة للالتزام السياسي والفلسفي والإيديولوجي، وتتحرر من سلطوية الخطاب الحاضر.

يمثل علْم الكتابة "الغراماتولوجيا" الخيط الناظم للنقد الجذري للانغلاق الميتافيزيقي لمجمل الثقافة الغربية، ولذلك يؤكّد دريدا بأنَّ الكتابة ليست سبيلاً وحيداً ولا ملحقاً أو عرضاً في مقابل الكلمة الحية؛ فإنَّ ظاهرة الاختلاف أو الأثر المدرك بما هو إنتاج، هي لعبة تتعذر عن الإدراك إلاّ بناءً على الاختلاف والفارق اللتان تولّدهما، أي توجد غيرية في اللغة، وغياب ونظرة وإرجاء وغرائبية، تجعل من كل تملُّك للفكر باسم الفكر نفسه أمراً مستحيلاً. فالاختلاف يعمل على إثارة تعطيل وإفساد هذا التملّك، فيكون التفكيك الفلسفي هو اجتياح لما يفرزه المعنى المرتبط بالنص في صورة لا نهائية، فيصبح معنى مؤجَّلاً ومرادفاً للاختلاف، فهو يستهدف الإنماء النظري قبل أوانه حتّى يتحصّل الانزياح.

التفكيك هو إستراتيجية تسمح بممارسة كتابة ذات طابع خصوصي لكي تتخلص من سلطة النص الميتافيزيقية، ويمكن معها التوجه نحو إمكانية التحاور داخل مختلف اللغات وإجراء أنواع مختلفة من التناص، إنه التعدد في الواحد؛ فهو يعمل على ممارسة الاهتزاز والإزاحة التي تضيفها الأنا على الآخر من داخل اللغة، فيعمل فعل التفكيك من جهة نوعاً من الاستمرارية في إنتاج الاختلافات الكامنة في النص ذاته، ومن جهة ثانية يعمل على ضرورة استعادة ابتكار هذه الاختلافات وبيان هشاشة النص واندثاره؛ فالعالَم كُلّه موجود في النص ولا شيء خارجه؛ إذ إنَّ ما هو خارجه يمثل تجسيداً للميتافيزيقا، فيكون النص موطن التفكيك الذي لا موطن له، إنه ممارسة نقدية على أنظمة متجذرة، وليس هدماً وتقويضاً للأنسقة الميتافيزيقية بصورة مطلقة، بل هو هدم وبناء في آن معاً، فهو يتخلص من التناقضات الميتافيزيقية بصورة غير نهائية حتّى ينسج تناقضات أخرى تعمل على إدامة حياة النص أكثر، وبالتالي فالتفكيك هو ابتكار وتكرار ما تم إحياءه وقتله داخل النص.

إذن فالتفكيك يعود إلى الأصول المسلَّم بها بوصفها بديهيات لا يمكن تجاوزها، فيقوم بتفكيكها، فالأصل في التفكيك هو إنه لا يخضع للتحديدات الزمانية الميتافيزيقية، فهو الأثر المتجاوز للأصل الميتافيزيقي؛ إذ استعارَ دريدا من "ايمانوئيل ليفيناس" مفهوم "الأثر" بمعنى الماضي الذي لم يحضر قط، هو الممتنع عن التحديد عبر مفهوم الحاضر؛ لأنه الحضور الممزق الذي يختلف مع الأصل.

يذهب التفكيك إلى الأصول بمعوله ليكشف تناقضات النص، والخروج من منطق الثنائيات، ليمنح الأولوية للجانب المهمّش منها، فيعطي الاعتبار للظاهر والاشتقاق والتعدد والغياب والاختلاف، ويتعمق فيها حتّى يتخلص من المنطق التقليدي، ليؤسّس منطقاً قائماً على التعدد والتشتت، إنه يسعى إلى تفكيك البداهات، والتفكير بما لم يتم التفكير به، وإلى استذكار المنسي بعيداً عن البداهات الجوهرية والماهوية، وبعيداً عن الأصل والنقاوة. وبذلك يصبح التفكيك نظاماً استراتيجياً لتحطيم الأنساق الميتافيزيقية، والإعلان عن ميلاد الأثر، فليس هنالك مرجعاً أخيراً تستند إليه الفلسفة والتاريخ كما كانت من قبل تستند إلى الكلمة والعقل واللوجوس، وبالتالي تتفكك كل أنساق الفلسفية الغربية وتصبح رماداً وأوهاماً.

وفي جانب آخر هناك "دولوز" الذي تميَّزَت فلسفته بشعار الاختلاف المعبِّر عن الكثرة، والتخلص من منطق الجدل والتناقض، وإلغاء الهوية والوحدة؛ لأنه منطقاً يعمل على إنتاج السلب وتوكيد الهوية، في حين أنَّ الكثرة تتطلب تحرير الاختلاف. ومن هنا أكَّدَ دولوز تأييده الكامل للتنوع بوصفه فكر يعمل على انجاز الكثرة وتحقيق المحايثة في الفكر. والمحايثة عند دولوز تعني "تعود" أي "تصير" فهي التربة التي تنبت عليها الفلسفة؛ فنظر دولوز إلى المعطيات على أنها تركيب لمجموعة من الأحاسيس والصور والمدركات، إنها مجموع ما يظهر، فهي إذن كثرة رغم تغيّرها وحركتها الدائمتين، هي اختلاف بلا هوية ولا قانون، وحتّى الفكر أو المخيّلة، فهي ليست مبدءاً للتنظيم ولا ملكة، إنها ذلك التركيب وتلك المجموعة. فمن هذه المعطيات تأسَّس مبدأ الاختلاف لدى دولوز.

ولا يعني الاختلاف الكائن بما هو كائن سلبي كما عند هيجل؛ وإنما هو ذلك الكائن الإشكالي أو اللاوجود الذي يعبّر عن شيء آخر غير السلب، هو الذي يوجد وحده ويختلف في ذاته، وهو ليس الاختلاف الحسي أو التجريبي بين شيئين، بل هو مكان شيء متميز عن شيء آخر، فمثلاً أنَّ تمييز البرق ليلاً لا يتم بالمقارنة مع شيء آخر؛ لأنَّ ما يظهر البرق هو اختلافه عن الليل أو العتمة، اختلافه مع غيره بموجب فروقات تفصل وتجمع المختلفات في آن. فالاختلاف الأصيل هو ابتعاد عن كل شبه. وهذا ما اختلف فيه دولوز مع الفلسفة منذ أفلاطون حتّى هيجل؛ لأنها فلسفة تعاملَت مع الاختلاف من خلال التمثل المتناهي: اختلاف الحسي والتجريبي بين شيئين، واختلاف الجنس والنوع من ناحية الكيف، في حين أنَّ الاختلاف الدولوزي هو قلب هذا التمثل حتّى يتمكن من تحديد المسلمات الأساسية لصورة الفكر، فهي محاولة أصيلة في اختلاف متعالٍ يكون فيه الكائن أو الموجود مختلفاً بكل شيء ووراء كل شيء، ولكن من وراءه لا يوجد شيء، فهو يمر بكل الأشياء ويوجد داخلها، فالاختلافات وحدها التي تتشابه وتتماثل وتتعارض وتتماها، فليس للاختلاف عمقاً يحمله معه ويظهر بظهوره، فالصرخة هي ما يسمعنا الهدوء، ووميض البرق هو ما يجلي إلينا ظلام الليل، وأنَّ ما يظهر إلى السطح هو اللامحدود أو العماء أو السديم، والذي يصعد إلى السطح هو العمق دون أنْ يكف عن كونه عمقاً. وهنا يميز دولوز بين الاختلاف واللامحدود: العمق يسعى لإنقاذ الاختلاف من اللامحدود واللامبالي من التمثل الذي يسعى إلى إلحاقه بالصور واختلاف المفهوم والحاقة بالماهوي.

فالفلسفة ومفاهيمها تنمو وتتكاثر عبر موقع الوسط، وتهتم بما يجري بين البداية والنهاية، وهو ما يسمح لها أنْ تمارس الكثرة، ويسمح للفكر أنْ يتخلص من الواحدية الميتافيزيقية، ومن عالَم الجواهر. ويعني مفهوم الوسط الفلسفي الواصلة والفاصلة أو الربط بينهما، إنه جوهر كل علاقة، ومنه نفهم الطبيعة على أنها سلسلة لامتناهية من العناصر، فالطبيعة ترابطية. وهنا يبرز مفهوم الترتيبات بدور الوصل والفصل؛ إذ إنَّ الوسط يسمح في آن واحد بالربط بين المختلفات والتمييز بين المعاودات، فهو اختلاف ومعاودة، هو اشتغال يقوّض الثنائيات ويحقق المحايثة بإنتاج فكر لا زمني، فاللازمني هو كل الأزمنة، وهو الصيرورة نفسها.

تتطلب فلسفة الاختلاف تجاوز الثنائيات عبر موقع الوسط وعبر الفكر القادر على تسلّقها وتحطيمها. وهنا يرفض دولوز "الكتابة" خلافاً لدريدا؛ لأنها تعني استعادة خطاب الميتافيزيقا، بينما المطلوب هو خلق خطاب مختلف يفتح أُفقاً مغايراً للفكر. ولكي ينجح التفكير في المحايثة نفسها من غير أنْ نردّها إلى شيء ما أو كائن ما، علينا التفكير في اللامفكر فيه، وردّ الجوهر والصفات إلى فضاء المحايثة لا إلى الثنائيات ولا أنْ نلحقها بالمفاهيم المتعالية.

الفلسفة ليس لها تاريخ، بل صيرورة لا متناهية تتقاطع مع تاريخها ولا تذوب فيه، فهي لا تستبعد الما قبل والما بعد، بل تنضدّهما معاً تبعاً لترتيب طبقاتي، هي تعايش فضاءات لا تتابع منظومات، وبالتالي فإنَّ الفلسفة ليست تاريخاً راهناً أو أزلياً، بل هي اللاراهن واللازمني، فهي تقف ضد الراهن وتهاجمه وتقوّضه، هي إحراج لكل ما يمثل توقفاً وهدوءاً ومصالحة مع الثبات، هي رحلة إلى أمكنة حيّة في خلق وابتكار المفاهيم لتعبِّر بها عن مشاغلها.

يرى دولوز أنَّ الفلسفة هي الصورة التي تتعلق بإعادة توجيه الفكر، فلا تبحث عن الأعماق ولا تتّجه إلى أعلى، وإنما هي مجرد سطح، هي إنتاج وتوجّه لخطاب جديد أوضحَت فيه أنَّ اللاجسدي يوجد على السطح نفسه، إنه ليس علة، بل أثر سطح، وليس ماهية، بل حدث. وهذا ما أراده دولوز من الفلسفة؛ هي صورة جديدة للفكر في جغرافيا جديدة لا تنظر إلى التاريخ والأصل، هي فيزياء الحدث والنظر إلى الكل كمجموعة أخلاط، هي وحدة الأسباب والنتائج. فعلى سطح هذه الفلسفة يجري الحدث مستقلاًّ عن الأعلى وعن العمق حيث المعنى والأخلاط التي نظفر بها بكل اتجاه معاكس.

بيد أنَّ هذه الصورة قد عملَ عليها نيتشه- الذي يعد الدعامة الأساسية لفلسفة ما بعد الحداثة في العالَم الأوربي- في بحثه الجينالوجي، ولكنّه بحَثَ في العمق فحسب؛ لأنه بحث في ديونوسوس من دون أبولون، في حين كان بحث دولوز مغايراً للعمق والأعلى، فهو عملَ على ممارسة صورة الفيلسوف مستثمراً مجالات جديدة من قبيل الأدب والتخيل النفسي والسينما والرياضيات، فهي صورة لا تقال، بل تفهم في سياق الحدث، وفي لحظة انسجام الكلي مع الطبيعة، ويكون فيها موقع الفيلسوف ممارسة الانحراف والإرباك للسائد، وخلق تصورات مغايرة تجدد الفكر وتبدع المفاهيم المدهشة، وتنتج عالماً غريباً يكون في عملية انزياح دائم، ومجاله السطح بوصفه فضاء ينتج المعنى، وانحراف يكشف معنى إضافي يعمل الفيلسوف على إظهاره. وهذا الانحراف الفلسفي ليس نظاماً أو مركزاً للخطاب والنصوص والأفكار، وإنما هو فوضى وانزياح، ولكنه فوضى ذات معنى ودلالة. هكذا كان دولوز يعمل على التسليم بوجود معنى إضافي يحرر الآلة الفكرية من الداخل، ويميل بها إلى حيث تبوح لها برغبتها المكبوتة، ويعمل على توجيهها نحو الخارج ثم يلفت الانتباه إلى أنَّ هذا الخارج المتروك والمنسي هو عمقها الحقيقي، فيكون الفيلسوف مع دولوز هو الطبيب والفنان معاً؛ هو الذي يخلق ويبتكر وينتج الكثرة، فهو يربط الفلسفة بالصحة ويساعد على خلق إمكانات وقيم جديدة للحياة، فهو يقلق ويربك القناعات، إنه فنان ومبتدع ومختلف ومنحرف، إنه صانع المفاهيم وفن تشكيل وابتكار التصورات وفبركتها.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

 

علي رسول الربيعيسنقيًم ونقوّم ابتداء هذة المقالة صلة المفهوم الحديث للمواطنة بتقاليده المدنيّة الجمهوريّة، وسنفحص مساهمته في النّظريّة الدّيمقراطيّة لنتعرّف سويّا مدى توجيهه للقضايا التي تتعلّق بممارسة المواطنة في المجتمع السّياسيّ.

كموضوعة مؤسّسة لا بدّ من الإشارة إلى حقيقة أنّه لكي يصبح المواطن فعّالاً يتعيّن إكسابه المهارات اللاّزمة كالمعرفة والوقت، ومنحه الوسائل الضّروريّة للتّنفيذ كالسّلطة والتّفويض، ثمّ تنميّة الدّافعيّة المطلوبة لديه ليتسنّى له أخذ دور في ممارسة المواطنة بشكل جدّيّ سواء من حيث الانتفاع بالحقوق أو من حيث أداء واجبات العضويّة في المجتمع، فالتّأهيل شرط رئيس ولازمة من لوازم تأسيس الفعّاليّة في المشاركة. وممّا هو مطلوب أيضاً في هذا الصّدد العمل بنزاهة وبما يلزم من انسجام مع التّوجّهات الحديثة على إرساء النّمط الحديث في تدبير الشّأن العامّ بتقعيد "لامركزة"، "لاتركيز" و"لاتركّز" السّلطة السّياسيّة والاقتصاديّة ..

حقيقة الاختلاف ثابتة والمدنيّة هي احترام المغايرة

تكتسب المدنيّة بممارسة المواطنة التي تستمدّ زخمها من قوّة الدافعيّة وتأثير حوافز المواطنيّة لدى الأفراد، ولعمري فإنّ الجمهوريّة المدنيّة تبدو أقرب إلى الفلسفة الجماعاتيّة بتأكيدها على ما يختلف به الأفراد بعضهم عن بعض وعن المجتمع، وبما يشتركون فيه ويدمجهم في ذلك المجتمع. وقد تحدّث كل من ميكافيلّي، روسّو ودي توكفيل عن روابط الولاء والالتزام بالمشروع المجتمعيّ المشترك بين مواطني الجمهوريّة، كما تحدّث هيغل عن تحقّقه بالفهم العميق للحياة الأخلاقيّة بمفهومها الحديث حيث يعتبر الاختلاف بين الأفراد في هوّيّاتهم الشّخصيّة وصفاتهم ومصالحهم حقيقة تجريبيّة تخلق الأشكال العليًا للحياة في وجهيها الضّروريّ والممكن في الوعي أو الذّات، وفي أبعادها المتراوحة بين الخاصّ والعامّ. فميكافيلّي قاده إدراك الاختلاف في الموهبة والمقدرة والمهارة بين الأفراد إلى استخلاص حقيقة أنّ الحكومة الجمهوريّة أكثر قوّة ومتانة من الإمارة لأنّ بتلك المهارات يكون الأفراد أكثر مرونة في التّعامل مع أي مشكلة تواجههم. ومن جهته أثنى دي تو كفيل على النّزعة "الفرديّة" معتبرا أنّها أكثر تعبيراً عن الحرّيّة الإنسانيّة التي تتجلّى أرقى أشكالها في اللّيبراليّة السّياسيّة. بينما اعتبر روسّو الاختلاف خطرا كامناً يهدّد الحرّيّة المدنيّة التي لا يمكن ضمانها بنظره إلاّ من خلال الإجماع السّياسيّ مؤكّدا في الوقت نفسه على أنّ إرادة الفرد دليل على قوّة موقفه الأخلاقيّ حينما يُخضِع خصوصيّته للإرادة العامّة التي هي إرادته كمواطن، وأنّ أقوى تحقّق لاستقلاليّتها لديه يكون في ظلّ الجمهوريّة المدنيّة.

الوطنيّة وواجبات المواطنة

يتعيّن بالنّسبة لميكافيلّي ترسيخ الفضائل المدنيّة، وبالنّسبة لروسّو فإنّ تلك الفضائل تعني الحرّيّة المدنيّة، أمّا بالنّسبة لهيغل فهي حرّيّة الذّات. يرى دي تو كفيل أنّ المصالح الشّخصيّة التي تفضي إلى اختلاف الأفراد باختلافها بين كلّ واحد منهم تنمو وتتجذّر بتطوّر الحياة الاقتصاديّة وأنماط العيش، لذلك لم يألُ جهداً في تمييز مصطلحه "تسليط الضّوء على المصالح الذّاتيّة" عمّا يدعوه مونتسكيو الفضائل المدنيّة للتّعبير عن نكران الذّات والولاء لغايات وأهداف المجتمع، ليصبح معناها بحسبه هو نشر الفضائل المدنيّة المعبّرة عن إرادة المشاركة في قضايا الشّأن العامّ التي تجعل الفرد يحدّد مصالحه الحقّة عند الانخراط في خدمة أهداف الجمهوريّة والدفّاع عنها بوصفها ضمانا لمكانته في النّظام السّياسيّ، ووسيلة تمكّن من الوصول إلى حماية المصالح الشّخصيّة. هكذا ينكبّ مواطن روسّو عند ممارسة الحرّيّة المدنيّة على تعزيز مصالحه الشّخصيّة من حيث هي جزء من المصالح التي يشترك بها مع الآخرين، والتي تجد تعبيرها في القانون من خلال إرادة عامة تأتي من الكلّ لتطبق بالتّساوي على الكلّ، بينما يعبّر مواطن هيغل عن الحرّيّة الذّاتيّة عبر الوعي بوحدة الغايات الخاصّة والغايات العامّة للدّولة فلا تتطلّب منه فضيلة المواطنة في الجمهوريّة المدنيّة أيّ نكران للذّات.

واجب المواطنة الجوهريّ

ـ يكتسب مواطنو الجمهوريّة المدنيّة صفة المواطنة عبر الممارسة، أي من خلال النّهوض بمسؤوليّات تحدّد ميزة تلك المواطنة وعبر القيام بواجبات ترتبط أساساً بالدّفاع وبـإبداء الرّأي حول القضايا المشتركة. فالخدمة العسكريّة هي واجب المواطنة الجوهريّ عند ميكافيلّي لأنّها ضمان وحدة واستقلال الجمهوريّة وسلامتها ممّا قد تواجه من تهديد، أيضا لأنّها مساهمة تحمي الحرّيّة، تدعم الجهد التّنمويّ، وتساعد على الاستقرار فتمنح الدّولة قوّة وهيبة.

ـ ويأخذ مواطنو العقد الاجتماعيّ واجباتهم بجدّيّةِ يشاركون بالرّأي في مشاورات الجمعيّة التّشريعيّة كمواطنِين فيُقدّمون هذا الجزء العموميَّ على مصالحهم الخاصّة، فإن تخلّوا عن أداء هذه الواجبات أو أنابوا عنهم الغير للقيام بها فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى نهاية ممارسة المواطنة فقطّ، ولكن إلى موت الجمهوريّة أيضاً. فبإدراك هذه الحقيقة يكون أداؤهم للواجب لمصلحتهم فيكونون أحراراً باعتبار أنّ إنجاز الواجب من قبل الفرد حرّيّة أخلاقيّة وسلوك فاضل يجعله سيّدا يمكنه الحصول على السّعادة، وبذلك يكون أداء الواجب لا يدعم الجمهوريّة فقطّ ولكن سلوكا ينشد بصدق مصلحة المواطن وهي السعادة.

ـ أمّا بالنّسبة لهيغل فإنّ إدراك الفرد لما عليه تتوقّف حرّيّة الذّات يُلزِمُه بمطابقة الفعل للبنية المؤسّسيّة للدّولة، ومع ذلك فإنّ المواطنين الذين ينجزون أنشطتهم السّياسيّة من خلال النّقابات ومؤسّسات المجتمع المدنيّ أو المجلس التّشريعيّ يقومون في الواقع وبأكبر قدر ممكن من النّيابة عن غيرهم ولحساب أنفسهم أيضا بدور الوسيط بين الخصوصيّة الفرديّة والرّوح العموميّة. ومن المعقول جدّا أن يُعتَبَرَ نشاطهم هذا أداء لواجب المواطنة وإن لم يكن هذا متضمّنا في وصف هيغل للنّشاط السّياسيّ.

ويبدو واضحا أنّ واجب المواطنة بحسب ميكافيلّي هو الخدمة العسكريّة التي يعبّر المواطنون من خلالها عن رغبتهم في المخاطرة بحياتهم من أجل الدّفاع عن الدّولة التي أقاموها لبلوغ حرّيّة الذّات عبر إدماج كامل خصوصيّاتهم في الحياة الأخلاقيّة العامّة للدّولة. كما يبدو من تحليل دي توكفيل للحياة السّياسيّة الأمريكيّة أنّ إحدى واجبات المواطنة هي الدّفاع عن الوحدة. فالمواطنون يؤدّون واجباتهم بشكل اعتياديّ طبقاً لما يحملون في وعيهم من أحكام عن قضايا الشّأن العامّ في منطقتهم، ويعتبر هذا دليلا على اهتمامهم بمصالح أكبر من مصالحهم الشّخصيّة. ومثال ذلك ما يقدّمون في المجالس التّشريعيّة وفي مختلف الجمعيّات التّطوّعيّة، لذلك يعرب دي توكفيل عن تخوّف مفاده أنّه إذا حرّض المواطنون على الانسحاب من التّنافس حول خدمة قضايا الشّأن العامّ فإنّهم لن يهتمّوا سوى بالسّعي وراء المكاسب المادّيّة فقطّ، وعندئذ لن تعني الحرّيّة السّياسيّة بالنّسبة لهم أكثر من هذا.

الحسّ الوطنيّ والتّضامن

إنّ الحسّ الوطنيّ أو حبّ الوطن الذي ينعته هيغل بالعاطفة السّياسيّة هو الخصّيصة التي تعبّر عن الرّغبة في القيام بالواجبات العامّة في الجمهوريّة المدنيّة، والتي عبرها يظهر الولاء للمجتمع وبممارسة المواطنة تتعزّز. إنّه يقوم كما يرى دي توكفيل على تفكير المواطن بمصالحه الحقّة أي بمعناها الواسع، وفي هذا السّياق تجدر الإشارة إلى مسـألة الحرب في الفكر السّياسيّ لميكافيلّي وهيغل، فالأوّل يعتبر الفضائل العسكريّة والدّفاع عن الدّولة تعزيزا لممارسة المواطنة؛ بينما يعتبر الثّاني المخاطرة بالحياة من أجل الدفاع عن الدّولة دليلا على حرّيّة الذّات. فالحسّ الوطنيّ أو العاطفة السّياسيّة الوطنيّة موجود لدى جميع المواطنين وإن بشكل كامن يظهر للعيان إذا تعرّض المجتمع للتّهديد، وليست الحرب وحدها ما يخلق التّضامن بين المواطنين ولكن أيضا أيّ شكل من أشكال نزع الاستقلاليّة عن المجتمع. ينطبق هذا على الدّولة بأكبر قدر ممكن، كما ينطبق على الوحدات السّياسيّة المحلّيّة داخلها كالجمعيّات التّطوّعيّة عند دي توكفيل أو الهيئات والمؤسّسات عند هيغل.

المواطنة والمشاركة

تشغل المشاركة حيّزا مهمّا من الفكر الجمهوريّ تمثّل وجهة نظره في أيّ نقاش حول ممارسة المواطنة، فهي جزء طبيعيّ من نشاط المواطنين في أداء الواجبات لذلك كان حجم الدّولة محلّ معالجة من قبل هيغل ودي توكفيل على خلاف روسّو الذي رأى ضرورة أن تكون الدّولة صغيرة لكي يكون الفرد مواطنا بالمعنى الكامل للمواطنة. ففي تحليل ميكافيلّي للجمهوريّة الرّومانيّة يساهم المواطنون مع أنّهم أقلّيّة بين رعايا الرّومان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في التّشاور والتّداول حول القضايا العامّة في الجمهوريّة.

لقد أدرك هيغل أنّ فرص الحياة السّياسيّة محدودة لذلك رأى من الضّروريّ أن تساعد الدّولة على تشكيل هيئات ومؤسّسات اجتماعيّة توفّر للمواطنين فرصا أكثر، فهذه الهيئات والمؤسّسات بنظره من المقوّمات الأخلاقيّة للدّولة التي لها مصلحة فيما تقوم به من وظيفة الوساطة تحقّق لها ولأعضائها غايات عامّة. ومع أنّ نقاش دي تو كفيل عند التّطرّق لوظائف المؤسّسات التّطوعيّة المدنيّة كان أقّل صرامة فلسفيّة من هيغل إلاّ أنه لفت الانتباه في تحليل الفيدراليّة الأمريكيّة إلى حقيقة أنّه إذا كان للحرّيّة السّياسيّة معنى في دولة كبيرة فإنّ الواجب السّياسيّ يقتضي منها تفكيك مركزيّتها وتوزيع المسؤوليّات بطريقة محصّنة حتى لو أدّى هذا إلى فقدان فعّاليتها على العموم. إذ لا تـُمارس الحرّيّة السّياسيّة بمعناها الأتمّ إلاّ في المحلّيّات حيث يمكن أن ينتقل المواطن بسهولة من المصالح الخاصّة إلى الوجبات العامّة، لذلك يتعيّن على هذه المحلّيّات ضمان حرّيّة المواطن واستقلاليّته وإلاّ فإنّه لن يحسّ بقيمة مشاركته في المشاورات حول قضايا الشّأن العامّ.

المواطنة والقيادة السّياسيّة

حينما يؤكّد الفكر المدنيّ الجمهوريّ على المواطنة فإنّه لا ينكر أو يستهين بالحاجة إلى القيادة السّياسيّةّ، لأنّ الحكومة الجمهوريّة حكومة مختلطة وليست حكومة الدّيمقراطيّة المباشرة، فعندما تكون الجمعيّة التّشريعيّة هي صاحبة السّيادة تكون الدّيمقراطيّة حقيقيّة، ويكون الاهتمام منصبّا على شكل الحكم وعلى النّظام القانونيّ. لم يحتلّ الحكم سوى مكانة ثانويّة في تفكير روسّو الذي رأى أن لا ضير في أن يكون ملكيّا أو أرستقراطيّا طالما يطبّق القانون الذي به تتحقّق السّياسية الجمهوريّة. ومن غير الحكمة بالنّسبة له أن تطلق صفة الدّيمقراطيّة على حكومة تتعامل مع القانون تعاملا أداتيّا أو بانتقائيّة استجابة لظرفيّة خصوصيّة أو فرديّة.

فوظيفة الحكومة عند روسّو هي الحفاظ على كافّة المؤسّسات مع ضمان أداء المواطنين للواجبات، وهي نفس وظيفة القيادة السّياسيّة في فكر ميكافيلّي متمثّلة في الاستجابة للأزمات ومعالجتها بفعّاليّة عند إلغاء المَلَكِيّة وتأسيس الجمهوريّة. إنّ القادة يقدّمون للمواطن مثلا في الإخلاص وفيما يأمل النّاس رؤيته ساريا بينهم من القيم الجمهوريّة، وبهذا يؤدّون أدواراً بطوليّة يمكن قياسها على دور المشرّع في سنّ التّشريعات.

أمّا عند هيغل فتتجلّى سلطة القيادة السّياسيّة بشكل واضح في الحكومة الملكيّة الدّستوريّة والطّبقة العامّة من موظّفي الخدمة المدنيّة، وهي بالنّسبة للمواطن رمز الوحدة الفعّالة لإرادة الدّولة. فالملكيًة التي تحدّث عنها هيغل في زمنه هي ملكيّة تنفيذيّة مدعومة بطبقة عامّة وظيفتها تطبيق الغايات التي تحدّدها أجهزة الدّولة ومؤسّساتها على الحالات والمصالح الخاصّة للأفراد.

بالمقابل، اعتبر دي توكفيل أنّ القيادة السّياسيّة في الدّستور الأمريكيّ رمز للوحدة فقطّ، لهذا لم يتوقّع للرّئيس دورا أكثر من ذلك، فالضّامن الأسمى للحرّيّة السّياسيّة بنظره هو الاعتقاد الدّينيّ الذي إذا فشل فلن تعادل القيادة السّياسيّة دوره في حماية الأعراف الوطنيّة وغرسها في صميم ممارستها لأن مهمّة تلك القيادة في الجمهوريّة المدنيّة كما يراها هي التّعامل مع الضّعف البشريّ ومع الجهل ليس إلاّ. وبالإشارة إلى الجوانب النّاجمة في مجملها عمّا يفضي إليه الجهل والأنانيّة من إعاقة تحجب رؤية الفرد لمصالحه الحقّة أو تجعله أميل لنسيانها كتب ميكافيلّي وروسّو عن الوجود الملائم والخير وكيفيّة تشكيل الوعي عبر القيام بدور المشرّع الذي له أن يمدّ النّاس بالقرارات المميّزة لكن لا يمكنه قولبتهم بهذه الطّريقة أو تلك رغبة في القضاء على الضّعف الإنسانيّ.

المواطنة والدّين المدنيّ

وفي سياق الحديث عن الدّين المدنيّ كتب روسّو عمّا تحتاج إليه ممارسة المواطنة من مؤازرة وإسناد، فمهمّة الدّين سواء بالنّسبة لميكافيلّي أو روسّو أو دي توكفيل هي مدّ يد العون للضّعف الإنسانيّ بما يدعم الإرادة ويمنحها القدرة والقوّة في أداء الواجب المدنيّ. أمّا بالنّسبة لهيغل فقد كانت مقاربته للدّين مختلفة حينما اعترض على الموقف المسيحيّ الذي يضع التّحرّر والخلاص النّهائيّ للرّوح في العالم الآخر، بينما الحقيقة الموضوعيّة التّاريخيّة للرّوح تسعى إلى التّحقّق في هذا العالم وليس في غيره. وهو ما دفع إلى اعتبار فلسفته السّياسيّة علمنة للدّين. إنّ التّوفيق الفلسفيّ هذا ضروريّ للتّقدّم التّاريخيّ الذي ينجزه الأفراد بممارسة حرّيّاتهم الذّاتيّة، قد لا يدعم الدّين كثيرا أداء واجب يُعْرَفُ من مصادر أخرى غيره فيلزم التّوفيق الفلسفيّ بطريقة سقراط الذي اعتبر أنّ معرفة الواجب تنشأ عندما ينتفي الجهل.

سؤال تعزيز المواطنة

تمتدّ المطالبة بتعزيز المواطنة إلى ما هو أبعد من الدّين الطّبيعيّ، فقد كتب ميكافيلّي عن القانون، وروسّو عن التّربيّة، وكلاهما عن الأعراف والعادات والقواعد الأخلاقيّة وطرق غرسها في ذهن الفرد المواطن، ويظلّ السّؤال قائما: كيف يمكن تحقيق الانسجام في الاستقلاليّة الأخلاقيّة للمواطن في كافّة مجالات الحياة؟.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

علي رسول الربيعيهل الله مصدر الأخلاق، ومن دون الله، لا يمكن أن يكون لنا واجبات حقيقية؟ هذه مسألة ملحة بالنسبة للفلاسفة وغيرهم على حد سواء. يصر السياسيون والوعاظون: وأولياء الأمور على أن وجود المجتمع ذاته يتطلب قيمًا أخلاقية قوية لا يمكن أن توفرها إلا الدين والتربية الأخلاقية الدينية. يحتج غير المؤمنين على أنهم يساء فهمهم وهناك تعصب مسبق ضدهم وهم أخلاقيين مثل المؤمنين.

نتناول هنا نظرية الأوامر أو الأحكام الالهية التقليدية التي ترى أن الواجبات الحقيقية تعتمد على ارادة الله. ساستعرض هذه النظرية عند سي. اس لويس ( 1898-1963) والنظريات التي تشبهها. وجاء الأهتمام واختيار لويس، لأنه استاذ أدب العصور الوسطى وعصر النهضة في أكسفورد وكامبردج لأكثر من ثلاثين سنة، ولأنه رجل حكيم، أصبح مشهورا في كتبه في دفاعه عن العقائد الدينية (المسيحية) ولازال مؤثرا حتى اليوم فقد بيع من كتبه مئة مليون نسخة. وأن معظم طلاب الجامعة في المنطق والفلسفة يقرأونه، دعته أذاعة الـ بي بي سي للتحدث عن فكره وإيمانه، ولأنهم يعرض لنا مقدمة قيمة ومهمة لأنها واضحة، ثاقبة، مسلية، ومؤثرة.

يناقش لويس في الفصل 3 من كتابه: Lewis, C. S. (1952) Mere Christianity, New York: HarperCollins, 2001.، الذي سنعتمده في هذه المقالة، ومن يريد تفصيلا عن نظريته يمكن له مراجعة كتابه ذاته، نظرية الأوامر أو الأحكام الألهية التي تؤكد على أعتماد الأخلاق على ارادة الله. ويرى (1952: 3-32) أن هناك قانون أخلاقي موضوعي وأن هذا يتطلب وجود الله.

أولاً، يؤكد لويس أن الجميع يقرّون بواجبات أخلاقية موضوعية، ويدافع عن هذا بطرق مختلفة. لقد سمعنا جميعا مشاجرة. يقول الناس فيها مثلاً، " هل تقبل أن يفعل شخص ما الشيء نفسه لك؟" - ". هذا مقعدي، أنا جلست به قبلك" - "اتركه وحيدا، لا يؤذيك" "أعطني بعضا من العصير الذي تشرب، سأعطيك بعضا منه "-" لكنك وعدت ". الناس هنا يلجأون، ليس الى ماحبونه أو يكرهونه، ولكن للمعايير التي يتوقعون أن يدركها الآخرون. عادة ما يقبل الآخرون هذه المعايير لكنهم يدعون أن أفعالهم لا تنتهك ذلك أو أن لديهم عذرًا جيدًا لانتهاكه. لذلك يدرك كلا الطرفين القانون أو حكم المعاملة النظيفة أو السلوك اللائق. فنفترض أن كل شخص يعرف المعايير (ربما باستثناء فرد معيوب غير عادي).

لكن اليس الثقافات المختلفة لا تتفق وبشكل عميق حول الأخلاق؟ نعم، هناك اختلافات أخلاقية ولكن ليس عدم أتفاق كلي. الأخلاق هي في الغالب هي نفسها ولكن ما يختلف الناس حوله متى يجب أن يكون الفرد غير أناني ازاء عائلته فقط أم أبناء بلده أو لكل فرد أخر. لكنهم يتفقون على أنه يجب أن لاتضع نفسك أولا اي لاتفضلها على الآخرين. ويختلف الناس حول ما إذا كان يمكن ان تكون لك زوجة واحدة أو أربعة. لكنهم يتفقون على أنه لا يجب أن ترتبط أو تملك أيً أمرأة لمجرد أنها أعجبت. تلخص القاعدة الذهبية "افعل كما ترغب لكن من خلال مايعرفه أو يعتبره الجميع عادة أنه الصواب (لويس 1952: 82).

إن الذين يقولون أنهم لايؤمنون بصحيح أو خطأ حقيقي سوف يعودون الى ذلك لاحقا. فقد ينقضون وعدهم لك، ولكن إذا ما حاولت أن تنقض وعدا لهم، فسوف يشكون "هذا ليس عدلاً". قد تقول أمة إن المعاهدات لا تهم، ولكنها تفسد قضيتها بقولها إن المعاهدة التي يريدون كسرها غير عادلة. ولكن إذا لم يكن هناك خطأ وصواب، فما الفرق بين معاهدة عادلة وبين معاهدة غير عادلة؟

يعترض البعض على أن ما يسمى بالقانون الأخلاقي بوصفه مجرد موافقات اجتماعية يضعها لنا التعليم. لكن أيضا قد نتعلم الحقائق الموضوعية، مثل الإضافات الحسابية. وتتنوع المواثيق الاجتماعية (مثل أي جانب من الطريق الذي يجب السير عليه) على نطاق واسع، بينما قد لا تتفق على المعايير الأخلاقية الأساسية. كلنا نعتقد أن بعض الأخلاقيات أعلى مكانة من غيرها (حب جارك أعلى مكانية أخلاقية من الإبادة الجماعية مثلا) - وهو ما يفترض أن بعض الأخلاقيات تتطابق بشكل وثيق مع ما هو صحيح حقًا أو خطأ. إن بعض الاعتراضات التي استخدمها الإنجليز لإضطهاد الساحراتهي: هل يتفق هذا مع قاعدة أخلاقية موضوعية؟ لكن هناك خلافأو نزاع، ليس حول المبدأ الأخلاقي، بل حول الوقائع، حيث ظن بعض الناس أن هناك سحرة لديهم قوة من الشيطان لقتل جيرانهم. بالطبع نرفض اليوم مثل هذه المعتقدات. فلا يجب أن يكون هناك خلاف حول المبدأ الأخلاقي هنا، فالخلاف هو حول المسائل الواقعية.

اعترض البعض على أن معايير الصواب والخطأ تصف فقط كيف يتصرف الناس. لكن هذا غير صحيح - لأننا غالبا ما نتصرف ضد المعايير الأخلاقية التي نعترف بها. هذه المعايير شيء لا نتبعه دائماً ونعرف أنه يجب علينا اتباعه.لكن كيف تؤدي الواجبات الموضوعية إلى الله؟

يدعي لويس منذ البداية أن الناس في حيرة ودهشة كيف وجدَ الكون. وعموما هناك نوعان من وجهات النظر. النظرة المادية التي تقول أن المادة موجودة دائما، ولا أحد يعرف لماذا، والمادة، من حسن الحظ، أنتجت كائنات تفكر مثلنا. تتحدث الأشكال الأخيرة من هذا النقاش عن التطور والعدد الضخم من الكواكب، ومن المرجح أن كوكبًا واحدًا على الأقل قد يتطور حياة ذكية. في المقابل، تقول النظرية الدينية أن وراء الكون عقلًا عظيمًا بوعي، وأغراض، وتفضيلات فخلق الكون لإنتاج كائنات ذكية مثلنا. يظهر كلا وجهتي النظر أينما يوجد أشخاص مفكرين.( McGowan, Dale (2013) Atheism for Dummies, Mississauga, ON: John Wiley.

يرسم McGowan (1.013: 63-167) تاريخ الإلحاد من العالم القديم (بما في ذلك الهند والصين واليونان وإسرائيل) إلى القرن الحادي والعشرين.)

لا يستطيع العلم أن يقرر أو يفصل بين وجهات النظرهذه. فالعلم يتعلق بما مكن ملاحظاته ويربط بين الملاحظات. فلا يمكن أن تخبرنا لماذا يوجد الكون أو المعنى العميق الذي نمتلكه عن هذا السؤال.

لدينا، لحسن الحظ، معلومات داخلية كبشر هي أننا خاضعين لقانون أخلاقي لم لم نخلقه نحن . إذا كانت هناك قوة تحكم خارج الكون، فإنها لا يمكن أن تظهر لنا كحقيقة ملحوظة داخل الكون؛ ويمكن أن تظهر نفسها فقط داخل أنفسنا، كنفوذ أو قيادة. وهذا ما نجده. ذلك نصل إلى أن هناك شيء يوجه الكون الذي يظهر فينا كقانون يحثنا على القيام بالعمل الصحيح ويجعلنا غير مرتاحين عندما نخطئ. لذلك علينا أن نفترض أن هذا الشئ يشبه العقل أكثر من أي شيء آخر. نحن نعلم؛ الشيء الآخر الوحيد الذي نعرفه هو المادة التي لا تستطيع إعطاءنا التعليمات والوصايا. وهكذا، من خلال معرفتنا بالصواب والخطأ، نصل إلى معرفة الله لكن بمعنى غامض للعقل شبيه بالقانون الأخلاقي.

تسمح مقاربة لويس لغير المؤمنين بمعرفة الصواب من الخطأ. ترى هذه المقاربة بما أن المعايير الأخلاقية الأساسية كما هي في ضميرنا أو في داخلنا بأعتبارنا بشر معروفة للجميع. إنها تفسح مجالا لغير المؤمنين أن يكونوا من أهل الخير، رغم أنهم لا يرون أن الأخلاق تفترض الإيمان بالله. ويجيب عن الاعتراضه على الله، على أساس أن هذا العالم فيه ظلم و غير عادل. فيرى أن هذا الاعتراض يفترض تمييزًا أخلاقيًا موضوعيًّا بين العدل والظلم، وهو ما يُلزمنا بالاعتقاد بالله (لويس 1952: 38).

يذهب لويس الى أن هناك قانون أخلاقي موضوعي.

وإذا كان هناك قانون أخلاقي موضوعي، فهناك إله.

اذن هناك إله.

دافع لويس عن قضية (1) على رغم أن البعض قد لايوافق عليها. ثم أنه في الحقيقة لم يقل الا القليل عن القضية (2)، فقط قال "إذا كان هناك قانون أخلاقي موضوعي، فهناك إله". لكن لماذا علينا أن نصدق أفتراضه هذا؟ الفيلسوف جورج مورG. E. Moore، الذي دَرس َأيضًا في كامبردج ايضا، قبل أن هناك قانونً أخلاقيً موضوعي لكنه رفض وجود الله. ماذا ماذا كان رد لويس على مور؟ قال لويس أن ألأخلاق قد تعتمد على الله في ثلاث طرق على الأقل:

• إنه مصدر اﻟﻮاﺟﺒﺎت: لله ﻓﻘﻂ من ﻳجعل الأعمال صائبة أو خاطئة.

• الدافع الأخلاقي: فقط أولئك الذين يؤمنون بالله يمكن أن يكون لديهم الدافع الكافي للحياة الأخلاقية.

• المعرفة الأخلاقية: فقط أولئك الذين يؤمنون بالله يمكن أن يعرفوا الصواب من الخطأ.

الخيار الأول هو المناسب والأفضل بالنسبة الى لويس. لذا سوف يصوغ حجته بما يلي:

هناك قانون أخلاقي موضوعي.

إذا كان هناك قانون أخلاقي موضوعي، فهناك مصدر للقانون الأخلاقي.

وإذا كان هناك مصدر للقانون الأخلاقي، فعندئذ هناك إله.

أذن هناك إله.

نحن بحاجة إلى النظر في القضايا 2 و 3. القضية 3: "إذا كان هناك مصدر للقانون الأخلاقي، فإنه هناك إله".قد يدافع المرء عن هذا بحجة أن هذا المصدر يمكن أن يكون غير شخصي، أو أنت، أو أفرادًا آخرين، أو مجتمعًا، أو الله. لكن البدائل غير الدينية لن تنجح. مصدر الالتزام لا يمكن أن يكون

• غير شخصي - وهذا أقل شأنا من الأشخاص وبالتالي لا يمكنه فرض التزامات على الأشخاص.

• أنت ( كفاعل) – لا يكون عليك واجبات مُلزمة لأنه يمكن أن تحرر نفسك منها كما تشاء. لأن لايكون يكون لديك واجبات ملزمة،ولأنك يمكن أن تحرر نفسك كما تشاء

• أفراد أو مجتمع آخر - بما أن هؤلاء لا يملكون سلطة أخلاقية علينا إذا قالوا أفعلوا الخطأ.

الله هو المصدر العملي الوحيد لقانون أخلاقي موضوعي. لذا فإن الإيمان بهذا القانون الأخلاقي يلزمنا بالاعتقاد بالله.

لكن لويس يقدم هذه الحجة بشكل سريع جدا. فيرى المفكرون غير الدينيين أن الأخلاق موضوعية ولكن يوجد لها مصدر آخر غير الله، على سبيل المثال • المراقب المثالي يرى أن: القواعد الأخلاقية تعبر عن الكيفية التي يريد أن يحيًا الناس بهديها اذا كانوا عقلانيين (مطلعين، متسقين، غير منحازين، وهكذا).

• العقد الاجتماعي: القواعد الأخلاقية هي أعراف وتقاليد يتفق عليها الأفراد العقلانيون من أجل مصالحهم المتبادلة.

إن هذا يتطلب أن، اخذ بنظر الأعتبار المقدمة 2: "إذا كان هناك قانون أخلاقي موضوعي، فهناك مصدر للقانون الأخلاقي". "إن المؤمنين مثل سقراط واللاأدريين مثل جورج مور سينكرون ذلك. إنهم يرون أفكارًا أخلاقية مثل" كراهية الناس شرًا هي حقائق ضرورية لا تحتاج إلى مصدر. فماهو مصدر "س = س" أو "2 + 2 = -4" أو ما الذي جعل هذا صحيح؟ أنها صحيحة بطبيعتها الذاتية. أو هي غير صحيح لأن شيء ما جعلها غير صحيحة. قد تكون الحقائق الأخلاقية الأساسية متشابهة. ربما "كراهية الناس شر" هي حقيقة أخلاقية مستقلة وموضوعية. إنها صحيحة بحد ذاتها وليس هي حقيقة لأن شيء ما جعلها حقيقة. هذا هو راي من ينظر الى الواجبات الأخلاقية بوصفها مستقلة بذاتها.

لذلك ربما يمكن أن تستند الواجبات الموضوعية على أفكار غير دينية كالواجبات الأخلاقية المستقلة، أو المراقبين المثاليين، أو العقود الاجتماعية؛ سيكون مهمة كبيرة وصعبة أن تثبت أن هذه لا يمكن أن تشتغل. ويتساءل البعض عما إذا كانت إرادة الله (التي كان يمكن أن تكون تعسفية أو قاسية) أن تعطي أساسا كافيا للواجبات الموضوعية. إن منطق لويس لا يقدم هنا حجة قوية لوجود الله.

( أو قد ندعي أن كل قانون يتطلب مشرعًا، وأن الله وحده يستطيع أن يعطي القانون الأخلاقي وقد اشار الى هذا Anscombe, G. E. M. (1958) "Modern moral philosophy," Philosophy 33: 1-19؛. لكن هناك العديد من القوانين (مثل تلك الموجودة في المنطق والرياضيات) لا تحتاج إلى مشرع لها. لذلك من المشكوك فيه أن كل قانون يتطلب مشرعا. أو ربما يتطلب كل قانون أخلاقي مشرعا قانونيا؟ ولكن بعد ذلك، من غير الواضح أن المعايير الأخلاقية يجب أن تعتبر "قوانين".)

2-2 نظرية الأمر الألهي

إن المفكرين الذين يؤمنون بأن الله هو مصدر الأخلاق غالبا ما يؤيدون نظرية الأوامر أو الأحكام الألهية . تقول نظرية الأوامر الألهية أن الأعمال جيدة أو سيئة، صحيحة أو خاطئة، طبقاً لإرادة الله (رغباته أو أوامره) . فإرادة الله هي التي تخلق النظام الأخلاقي والتمييز بين الصحيح و الخاطئ.

يبدو أن لويس يعتقد بهذا، لكنه لم يعبر عن نفسه بهذه الطريقة. فنقاشه كان أساسا حول وجود الله . إلا أن معظم مفكري نظرية الأوامر الألهية لا يلجأون الى الأخلاق في محاولتهم اثبات وجود الله، أنهم يلجأون الى الأعتقاد المسبق بوجود الله ليناقشوا أعتماد الأخلاق على إرادة الله.

تقوم القواعد الأخلاقة في نظرية الأوامر الالهية على إرادة الله.، وهناك، على الأقل، أربع طرق تقول أن الله مصدر الأخلاق. قد يجعل الله الأفعال جيدة أو سيئة من خلالها

• إرادته: اللطف خير لأن الله يريد اللطف.

• طبيعته: اللطف خير لأن الله طيب.

• خلقه: اللطف خير لنا لأن الله خلقنا بطبيعة معينة، والعقل العملي يمكن أن يكشف أن ذلك خير للكائنات من هذا النوع أن تكون لطيفة.

• عقله: اللطف خير لأن الله (من خلال البصيرة المباشرة أو العقل العملي) يعرف أن اللطف خير.

سنناقش في حلقات أخرى ضمن نقاشنا للعلاقة بين الدين والأخلاق الاعتراضات على الخيار الأول من نظرية الأوامر الالهية، ثم لاحقا التعديلات التي أدخلت على هذه النظرية لتجنب الاعتراضات. بعد ذلك، سننظر في خيارات "الخلق" و "العقل"، والتي هي جزء من نظرية القانون الطبيعي المنافس لنظرية الأوامر الألهية.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

حاتم حميد محسن"حينما ننظر في السماء ونتأمل في الكواكب، فهل هناك ما هو اكثر وضوحا من ذلك التجلّي للذكاء المتعالي"؟- شيشرون، De Natura Deorum.

تيلوس الشيء(ويعني في اليونان القديمة الغاية او الغرض) هو "النقطة النهائية او الهدف الذي يتجه نحوه"ذلك الشيء. فمثلا، عندما أذهب الى الدكان لشراء بعض الحليب، فان شراء الحليب هو التيلوس من ذهابي الى الدكان. الجدال التيلولوجي حول وجود الله يرى ان الكون المادي هو ذو غاية، او موجّه نحو هدف في الطبيعة ومن هنا يستدل على وجود الله كمهندس او مصمم للكون المادي.

القصة الفلسفية

في صباح احد ايام الصيف من عام 450 قبل الميلاد، كانت الشمس تشرق لتوّها والفيلسوف القديم يجلس على التل المطل على اثينا القديمة، يراقب ويستمع، مفكرا في الحياة، متأملا في اشعة الشمس الذهبية والأزهار المتفتحة برائحتها العطرة . في جوار التل، هناك شاة تضع وليدها، جدول صغير يتدفق نحو البحر. وكما كان في السابق يفكر عدة مرات هو يفكر الآن مرة اخرى:

كل شيء في الطبيعة له دوره الخاص يلعبه ضمن النظام الكلي للاشياء. هو يفكر في هذا النظام الكلي:

ضمن نظام الطبيعة ككل، جميع الاجزاء نُسجت ورُتّبت كالنوتات الموسيقية في اغنية جميلة .

الطبيعة هي نظام يعمل، كلّ معقد صُنع من اجزاء مترابطة مع بعضها تعمل بانسجام.

ان الكلمة اليونانية القديمة للكون كانت (كوسموس)، وتعني "كلّ متناغم منتظم". اليوم، كلمة كوسموس kosmos تحمل نفس المعنى اليوناني : الكون يُفهم ككل منظّم ومنسجم. الآن ينظر الفيلسوف القديم الى المدينة من الاسفل. اثينا تبدأ في الاستيقاظ. المزارعون ينقلون منتجاتهم عبر الطرق نزولا الى المدينة. الناس يتجمعون في ملتقى عام في مركز المدينة، السوق الرئيسي (اغورا) يفتح ابوابه. وحينما فكر في المدينة رأى كل جزء فيها له دوره المتميز يلعبه ضمن نظامها الكلي . الطرق توجد لكي يستطيع المزارعون والتجار نقل بضائعهم من والى المدينة، السوق الرئيسي هو المكان الذي يبيع فيه الناس ويشترون، الخطابات العامة تُلقى في الملتقى وهكذا. الكل سوف لن يعمل اذا كان كل جزء لا يخدم هدف ذلك الكل. هو يتأمل في هذا النظام الكلي:

مثلما الطبيعة، المدينة لها نظام متناغم. هي تشبه نظام الطبيعة، تتحرك من خلال دورات، سنة بعد اخرى، الاجزاء المتداخلة تتوازن ضمن تناغم وانسجام. في المنطقة المجاورة هناك اشجار زيتون، الراعي يعزف بمزماره. الموسيقى الناعمة تدفع الفيلسوف للتفكير مرة اخرى. هذه المرة هو يفكر:

كل نوتة في الاغنية تساهم في جمال وانسجام الكل. كل نوتة لها دورها الخاص في اللعبة(1).

التوازن والتناغم في الاغنية يذكّر الفيلسوف بشيء ما حدث في يوم آخر. عندما كان يقف امام معبد بارثينون في اثينا، هو كان يتأثر بجمال ذلك المعبد. وفي تلك اللحظة هو فكر مع نفسه: جمال الهيكل له علاقة بتوازن وتناغم اجزاءه العديدة. كل صف، كل قطعة من الكرات الملونة، كل نصب، كل عنصر يضيف مساهمات للهيكل ككل. الجمال يبرز من الطريقة التي ترتّبت بها الاجزاء(2) . وكما في الطبيعة، البناية الرائعة هي ايضا كلّ صُنع من اجزاء متوازنة ومتداخلة تعمل بانسجام.

في قصتنا هذه يقيم الفيلسوف القديم مقارنة او تشابه بين الاشياء. الاشياء التي جرت المقارنة بينها هي:

1- نظام المدينة

2- نظام الاغنية

3- نظام البناية

4- نظام الطبيعة

كل هذه الامثلة عن النظام تشترك بخاصية واحدة هي ان عدة اجزاء اندغمت ونُسجت بتوازن ضمن بناء كلّي عملي.

هناك مبادئ منطقية للتفكير حول المقارنات. احد اقدم المبادئ المنطقية للتعليل جرى تلخيصها بالشعار التالي "التأثيرات المتشابهة لها اسباب متشابهة". فمثلا، افرض ان شخصا اصيب بمرض ولديه اعراض معينة. افرض في اليوم التالي ان اخاه اصيب بمرض ولديه نفس الاعراض. اذا اكتشف الطبيب ان سبب مرض ذلك الشخص هو فايروس انفلونزا فمن المعقول الاستنتاج ان سبب مرض الاخ هو فايروس الانفلونزا ايضا. التأثيرات – الأعراض- متشابهة ولذلك نحن نعتقد ان السبب في كل حالة هو متشابه ايضا.

هذا التفكير بالطبع يعطي دفعا للحجة التالية التي عرضها الفيلسوف القديم في عدة مناسبات مختلفة:

نحن ندرك السبب الاساسي لنظام او هيكل المعبد، انه صُمم من جانب معماري لغرض معين. كذلك نحن نعرف سبب نظام اثينا، انه نتيجة جهد مخططي المدينة. بنفس الطريقة، الانسجام في الاغنية وُضع بعناية من قبل المؤلف. في جميع تلك الحالات، السبب الاساسي هو واحد. مصمم ذكي يفرض النظام والهدف على جميع الاجزاء لكي يخلق الكل.

طالما نوع النظام الذي نراه في الطبيعة هو مشابه لنوع النظام الذي نراه في البناية او المدينة او الاعمال الفنية، بمعنى، أجزاء رُتبت في بناء يعمل، وطالما التاثيرات المتشابهة لها اسباب متشابهة، فان سبب نظام الطبيعة يكون مشابه لسبب الانواع الاخرى من النظام . ذكاء المصمم، هو ذكاء يكفي لوضع كامل نظام الكون، او نظام الطبيعة وهو الكائن الذي يسمى الله. هذه احدى طرق الحجة التيلولوجية في الاستدلال على وجود الله.

الفيلسوف يبدأ مساره المفضل نحو اشجار الزيتون القديمة، يتّجه نحو السوق الرئيسي حيث يجتمع الناس. يفكر في كل تلك الاشياء، من أين جاءت والى اين تسير.

الفيلسوف اليوناني اناكساغوراس هو اول فيلسوف في التاريخ عرض نسخة مكتوبة حول هذا الخط من التفكير كموقف فلسفي عن وجود مصمم الكون . ومنذ ذلك الوقت جرى الدفاع عن الحجة من جانب الفلاسفة كالمدرسة الرواقية في اليونان وفي روما لاحقا وكذلك من جانب اوغسطين وتوما الاكويني و ليبنز و بالي. اول نقد منهجي للجدال التيلولوجي عرضه الفيلسوف الاسكتلندي ديفد هيوم 1711- 1776. كذلك تعرّض للنقد من جانب كانط ودارون وآخرين. الفلاسفة اليونانيون القدماء فكروا في الكون ككل منظم متناغم. الفيلسوف المعاصر ديفيد ستيوارت اعتبر فكرة الكوسموس "قفزة لامعة نحو الامام في تاريخ الفكر، وتقدّم ضروري لتطور العلم الفيزيائي الحديث". غير ان اليونانيين القدماء ذهبوا أبعد من ذلك واقترحوا ان نظام الكون هو شيء يمكن التحقق منه وفهمه في النهاية بواسطة العقل الانساني المستقل . L. P. Gerson الباحث في الفلسفة القديمة كتب بانه "كان تقدما ملحوظا في الفهم الفطري العام بان هناك اسباب للانتظام في الكون وان مختلف انواع الانتظامية او النماذج في الطبيعة مرتبطة بمبادئ مشتركة يمكن فهمها بالعقل الانساني". هذا الافتراض او المبدأ المرشد بان الكون يمكن توضيحه عقليا، يدّعي غيرسون "انه بدونه لا يمكن البدء او الأمل باي مشروع علمي"(3). وسواء اتفق المرء ام لم يتفق مع الجدال والافتراضات التي قام عليها، فان النقاش الفلسفي حول الجدال التيلولوجي كان علامة مضيئة في طريق العلم الحديث.

الذريون يعارضون الجدال التيلولوجي

في القرن الخامس قبل الميلاد اقترح الفيلسوف اليوناني ليسوبوس Leucippus نظرية تحمل شبها مدهشا مع فيزياء الذرة الحديثة جادل فيها باننا لو بدأنا بتقطيع قطعة من المادة، كصخرة مثلا، الى اجزاء صغيرة ثم اصغر، فان العملية لا يمكن ان تستمر الى الابد، بالنهاية سنصل الى جزء لا يمكن قطعه الى نصفين. لأنه اذا استمرت العملية الى الابد معنى ذلك ان اصغر جزء من شيء محدود الحجم (متناهي) سيكون مركبا من عدد لا متناهي من الاجزاء المتناهية في الحجم، الامر الذي يعني ان اي شيء متناهي في الحجم هو حقا لا متناهي، وهو امر مثير للسخرية. وهكذا، استنتج ليبوسوس بانه يجب ان يكون هناك اصغر جزيء ممكن – لا يمكن رؤيته لصغره- جزيء من المادة لا يمكن قطعه الى نصفين سماه "الذرة". رأى ليسوبوس ان كل شيء يجب ان يتركب من ذرات. مدرسة ليسوبوس وزميله ديموقريطس سميت "الذرية" لأنها اختزلت كل الاشياء الى الذرات.

السؤال الذي يبرز هو كيف أمكن للذرات ذاتها ان تضع نفسها في هياكل منظمة ومعقدة نراها حولنا وفي هيكل كلي نسميه الكون؟بكلمة اخرى، كيف برز نظام الكون وما في داخله؟ اقترح ليسوبوس فرضية جريئة يمكن تلخيصها بالتالي: ان اصل كل النظام هو ببساطة تصادفي اي ليس هناك اله او "مصمم ذكي"، البناء المنظم الذي نسميه كون هو مجرد حدث واحد كبير غير مقصود. منذ وقت طويل، كانت الذرات تسقط عشوائيا في فضاء فارغ، وبالصدفة الخالصة، وعبر تصادم تصادفي سقطت في شكل من الكون المنظم. انها فقط حدوث بتلك الطريقة بدون اي سبب.

بالطبع قد يسأل المرء كيف نشأت الذرات ذاتها؟ الا يفرض علينا المنطق الافتراض انها خُلقت اصلا بواسطة الاله؟ ليسوبوس فكّر بهذه الامكانية ورفضها باعتبارها استدلال توضيحي غير ضروري. هو يقول، من الأبسط الافتراض ان الذرات وُجدت دائما. اذا افترضنا انها ابدية عندئذ لا حاجة لنا لتوضيح كيف جاءت. هذا المنطق دفع ليسوبوس واتباعه الذريين لافتراض ان هناك ثلاثة اشياء ابدية وغير مخلوقة وهي الذرات والحركة والفضاء الفارغ الذي سماه الذريون The void.

لايوجد شيء آخر، حسب قول الذريين، لا مصمم للكون، كل شيء هو مجرد ذرات و فضاء فارغ. وبهذا اغلق ليسوبوس دكانه الفلسفي في ذلك اليوم قائلا"حان وقت الذهاب الى البيت، تمت الاجابة على جميع الاسئلة".

الرد على الذريين

الجدال الذري هو استدلال على احسن توضيح (IBE)، ويسمى ايضا "حجة التوضيح". ولكن قديما لم يوافق كل شخص على صدفة الكون كأحسن توضيح للنظام. فمثلا، سقراط وافلاطون وارسطو والمدارس الفكرية المتفرعة عنهم جميعها رفضت الصدفة الخالصة كمصدر معقول لنظام الكون. في النهاية، جاء استنتاج الحجة التيلولوجية كرد على الحجة الذرية، خاصة من جانب اعضاء المدرسة الرواقية . هنا طريقة الجدال:

ما الذي يوضح حقيقة ان الكون هو (كوسموس) وليس فوضى؟هناك عدة فرضيات محتملة:

1- ان الذرات كانت دائما قد رُتّبت باسلوب منتظم. المشكلة هي ان هذا الافتراض لا يجيب على السؤال المطروح. هو ليس جوابا على السؤال . انه لا يختلف عن الجواب "هو دائما هناك" لسؤال "لماذا هناك نهر في قعر وادي كانون". القول عن استمرارية شيء ما لا يوضح حقيقة وجوده.

2- "ربما حدث بالصدفة".

هذا هو افتراض الذريين . المشكلة هي ان الصدفة وحدها – بدون آلية او عملية توضح الكيفية التي نشأ بها النظام من الصدفة - ليست توضيحا مقنعا لشيء بدرجة عالية من التعقيد مثل الكون.

3- في جميع تجاربنا، عندما نرى نظام يأتي للوجود، وعندما نستطيع تعقّب النظام رجوعا الى المصدر، فان المصدر هو دائما ذات الشيء: ذهن ذكي، مصمم، مخطط. تجربتنا الشخصية تعلّمنا ان النظام ينشأ من ذهن ذكي . في تجربتنا، لا نجد مصدر نهائي آخر للنظام.

كذلك، التنظيم هو وسيلة لغاية، ترتيب لعناصر مع هدف كلي في الذهن، توجيه الأجزاء نحو التيلوس. هذا يبدو من الفعاليات الرئيسية للذهن الذكي، الخاصية الاكثر تميزا.

4- طالما لا شيء آخر في تجاربنا يمكنه انتاج النظام كوظيفة رئيسية له فان الفرضية الاكثر معقولية في افضل توضيح لنظام الكون هي انه برز من مصمم للطبيعة، ذهن متجاوز اطّر هيكل نظام الكون.

الحجة التيلولوجية اعلاه هي مقارنة للطبيعة ترتكز على المقارنة بين شكل خطة المدينة، والتصميم الهندسي، ونظام الطبيعة. هذه الصيغة للجدال التيلولوجي ترتكز على فكرة ان مصمم الطبيعة هو احسن توضيح لنظام العالم. العديد من الفلاسفة يعتقدون ان الحجة هي اقوى في شكلها الـ IBE(الاستدلال على احسن توضيح) .

نقد هيوم لحجة التصميم

ديفيد هيوم هو اول فيلسوف حديث هاجم الجدال التيلولوجي. هجومه كان على اربع جبهات.

اولا، هو رفض المقارنة بين الطبيعة او اي جزء منها مع الماكنة المصممة فكريا. الطبيعة حسب هيوم لا تشبه كثيرا الماكنة المصممة فكريا، هناك العديد من الاختلافات.

ثانيا، هيوم هاجم الادّعاء بان المصمم الذكي للطبيعة هو الاستنتاج الاكثر معقولية. ربما نظام الطبيعة يأتي من مصدر غير ذكي، اكثر شبها بعنكبوت ينسج شبكة معقدة ومنظمة قياسا بمصمم معماري ذكي لبناية.

ثالثا، هيوم هاجم الاستدلال بان المصمم هو الله كتصور تقليدي بانه، عظيم القوة وتام المعرفة يهتم بالكائن البشري. اذا كان هناك مصمم للطبيعة فهو ربما ليس العارف بكل شيء وقد لا يشبه اي شيء يُعتقد به كاله. هيوم يجادل لماذا نفترض وجود مصمم واحد فقط او اله واحد؟ لماذا لا نفترض التعددية في الآلهة. الماكنة او الآلية المعقدة هي بالاساس نتاج لمجموعة من عدة مصممين. "اذا كان عدد كبير من الناس يشتركون في بناء بيت او سفينة . . فلماذا لايشترك عدة مصممين في بناء العالم؟"

الرد على هيوم

افرض ان لدينا ظاهرة تحتاج توضيح وهناك فرضيتان كلاهما متساويتان في توضيح كل البيانات، وكانت احدى الفرضيات ابسط من الاخرى. (الفرضية ابسط من الاخرى عندما تحتوي على القليل من الافتراضات، وفيها بناء بسيط، وتستخدم اشارات الى اقل عدد من الوجودات التوضيحية). من المقبول كمبدأ في الطريقة العلمية اننا عندما يتوجب علينا الاختيار بين فرضيتين توضيحيتين متساويتين في توضيح البيانات، فان الفرضية الأبسط هي الخيار الاكثر عقلانية. هذا المبدأ صيغ اول مرة في القرون الوسطى من جانب الفيلسوف البريطاني وليم اوكام ويعرف باوكاما ريزر Ockams’Razor. يذكر اوكام:

ما يمكن توضيحه باقل العبارات لا جدوى من محاولة توضيحه بالكثير. هو يذكر ايضا:

لا يجب على المرء مضاعفة الوجودات اكثر مما هو ضروري لتوضيح الظاهرة، فمثلا، افرض ان احد خبراء الجريمة فحص مسرح الجريمة ووجد 60 بصمة قدم لأحذية بحجم 12. هناك عدد من الفرضيات، منها ان شخصا واحدا ربما يرتدي حذاء بحجم 12 ترك كل البصمات. او ربما شخصان كولومبيان ضربا رجلا وكانا كلاهما يرتدي حذاء متشابها في الحجم وتركا البصمات وهكذا. اذا كانت كل الفرضيات متساوية بالانسجام مع الدليل، فان الفرضية الاولى هي الخيار المعقول.

في محاولاتهم توضيح تعقيدية العالم، يحاول العلماء توضيح المعقد نسبة الى الاقل تعقيدا، والذي بدوره يتوضح بعبارات اقل تعقيدا، حتى يتم بلوغ مستوى من البساطة . فمثلا، توجد الملايين من مختلف انواع الكيمياء . لكن التعقيدية في معظم هذه الملايين من الكيمياء تتوضح فقط بـ 92 عنصر كيميائي. (كل مركب كيميائي هو مجموعة من عدد قليل من هذه العناصر). كذلك، جدول العناصر الكيميائية (periodic table) هو بدوره يتوضح بمجموعة اقل من الوجودات تسمى "الجزيئات دون الذرة". وبهذا فان تعقيدية العالم الكيميائي تُختزل الى اساس من البساطة.

اوكاما يفضل اله واحد على التعدد في الالهة لأن الاله الواحد هو ابسط من الكثرة: الوحدانية توضح تصميم الطبيعة بعبارات من مصمم واحد بينما التعدية توضح النظام بعبارات عدة. الواحد ابسط من الكثرة. وهكذا عندما نتبع تطبيق علمي سليم مسترشدين بنظرية اوكام فان الوحدانية تبدو اكثر مقبولية من التعدد في الالهة. (4)

بعض المتدينين اقترحوا ردا آخر على هيوم. في حالة وجود خطة هندسية معقدة، فان هيئة المهندسين او المصممين هي دائما يترأسها مصمم رئيسي واحد . في خطة التصميم الكبيرة، هناك دائما يجب ان يكون شخص في المسؤولية، والاّ فان المهندسين سوف يتدخلون بعمل بعضهم وتحدث الفوضى. لذلك حتى لو افترضنا هيئة من المصممين مسؤولة عن الكون فاننا لانزال لدينا سبب للاعتقاد بوجود المصمم الاعلى الذي تمتد سلطته لكل الكون.

رابعا، هاجم هيوم الادّعاء بان المصمم الذكي هو احسن توضيح لنظام الطبيعة. جادل هيوم ان الذكاء الالهي ليس الطريقة الوحيدة لتوضيح ما يبدو من تصميم في العالم، فهناك فرضية العنكبوت او فرضية الميكانيكا الحمقاء ايضا يوضحان نظام الطبيعة بدون الحاجة الى مصمم ذكي.

المعارضة الاخيرة: منْ صمم المصمم؟

يرى التيليلوجي ان المصمم الذكي مسؤول عن تصميم الكون. غير ان هيوم يجادل بان ذهن مصمم الكون سيكون هو ذاته شكل من نظام معقد. اذا كان المؤمن يفترض ان النظام المعقد يدين في وجوده للمصمم الذكي، فان التصميم ضمن المصمم سيحتاج لكي يُوضح بالإحالة الى مصمم المصمم. ولكن هذا بدوره يحتاج ليُوضح نسبة الى مصمم أعلى، مصمم المصمم المصمم وهكذا الى ما لانهاية. يؤكد هيوم ان المؤمن اذا كان يسأل "منْ صمم الكون؟"عندئذ فان الملحد يسأل "منْ صم المصمم". اذا كان المؤمن يجيب ان لا شيء صمم المصمم، عندئذ فان الملحد سيجيب ان لا شيء صمم الكون.

دارون- التحدّي الجديد

حسنا، قد يجيب احد ان الجدال التيلولوجي قد يكون صحيحا في العصور القديمة لكن العلم الحديث جعله شيئا بلا معنى. في عام 1859 نشر دارون كتابه "اصل الانواع"، فيه مثّلت نظرية التطور اول توضيح غير تيلولوجي للحياة المعقدة. اوضح دارون كيف ان نظاما معقدا وأشكالا معقدة من الحياة تنشأ من خلال عمليات مادية لا واعية وغير مخططة، لم تُصمم من قبل اي مصمم ذكي. بعبارة اخرى ادّعى دارون انه اكتشف عمليات غير واعية وغير مصممة قادرة على انتاج نظام من اللاّنظام. فكرة دارون هي كالتالي:الكائنات الحية تميل لإنتاج ذرية اكثر مما تتحمله البيئة. وبالتالي، كل جيل من الكائنات الحية يتنافس في صراع البقاء والعديد من الكائنات تموت اثناء مسيرة حياتها. الذرية تشبه آبائها كثيراً لكنها تتغير قليلا. بعض التغيرات في الذرية مفيدة في صراع البقاء وتمكّن حاملها ليعيش اطول وينتج عدد اكبر من الذرية. تغيرات اخرى تكون مؤذية وتتسبب بموت حاملها دون انتاج ذرية. وعبر فترات طويلة جدا، يفترض دارون انه وبمرور عدة اجيال، هذه العملية من الغربلة التي تعمل بدون اي موجّه او مصمم، ستؤدي الى بروز اشكال معقدة من الحياة من اشكال حياتية بسيطة.

الرد على دارون

المدافعون عن الجدال التيلولوجي لم ينتظروا طويلا، بل ردّوا بسرعة. يقولون ان مستوى أعمق من النظام الوظيفي يجب ان يكون حاضرا قبل امكانية انطلاق أي عملية تطورية دارونية. هم يجادلون بان هذا النظام الخلفي السابق للتطور له كل معالم التصميم الذكي، بما فيه وجود الانظمة والانظمة الفرعية مع العديد من الاجزاء رُتبت في نظام معقد . وهكذا، رغم ان عمليات الاختيار الطبيعي قد توضح وجود الأشكال المعقدة للحياة، فان الادّعاء هنا لا يستطيع توضيح وجود هذا المستوى الأعمق للنظام، نظام خلفي عالي التعقيد في مستوى الذرة وفي مستويات ما دون الذرة والتي يجب ان تكون حاضرة قبل ان تبدأ اي عملية تطورية.

 

حاتم حميد محسن

............................

الهوامش

(1) عندما يضرب العازف الموسيقي نوتة خاطئة، يستطيع المستمع تمييز ذلك حالا، باعتبار ان هذا لا ينسجم او لا يعمل في تناغم مع بقية النوتات الاخرى.

(2) Parthenon كان يمثل المعبد الرئيسي في اثينا القديمة، جرى استكمال بناء المعبد حوالي 438 قبل الميلاد واُعتبر اول وأجمل معبد آنذاك.

(3) L. P. Gerson، الله والفلسفة اليونانية، دراسات في التاريخ المبكر للثيولوجيا الطبيعية، ص14.

(4) في ايام هيوم كانت هناك اعتبارات اخرى تفضل الوحدانية بعد ان كشفت فيزياء نيوتن في اواخر القرن الثامن عشر عن وحدة الكون. طبقا لفيزياء نيوتن، ان هناك شكل واحد من النظام يتم التعبير عنه بقوانين رياضية تسود كامل الكون. نموذج واحد للنظام يشير الى مصمم واحد. فرضية المصمم الواحد تبدو ابسط طريقة لتوضيح نظام واحد للكون. هذا سبب اخر لتفضيل مصمم احادي للكون وبالضد من فرضية التعدد في المصممين.

  

 

نبيل عودةنشأت الفلسفة في اليونان القديمة (بلاد الاغريق) على قاعدة تفسير الظواهر الطبيعية عقلانيا بعيدا عن ربطها بآلهة تتحكم بها. لذلك عرفت باسم الفلسفة الطبيعية .. طبعا الى جانب الاهتمام بعلم الأخلاق والقانون وشكل الدولة والتقسيم الاجتماعي وعلم المنطق .. الخ.

الفلاسفة الإغريق في وقتهم حسموا بموضوع أن عالمنا قائم على العقل وليس على النقل. على العلم وليس على الإيمان بالخوارق. الإيمان هو عملية نقل، ظاهرة تنقل بالوراثة وليس بالوعي. لا انفي أهمية الدين الأخلاقية كمحاولة لوضع قواعد تعامل اجتماعية بين البشر، لكننا نواصل منذ ستة آلاف من السنين التمسك بما أثبتت الفلسفة الإغريقية بطلانه ورفضت جعله معيارا فكريا سائدا تفسر به الوجود الإنساني والطبيعة.

في الفكر العربي نجد ان "إخوان الصفا" أقروا أن الفلسفة هي محبة العلوم وأوسطها معرفة حقائق الموجودات حسب طاقة الإنسانية وآخرها القول والعمل بما يوافق العلم ... اليوم يسود النقيض لفكرهم المتنور!!

ديكارت (ابو الفلسفة الحديثة) قال ان الفلسفة كلها بمثابة شجرة جذورها الميتافيزيقا وجذوعها الفيزياء وغصونها المتفرعة عن هذا الجذع هي كل العلوم الأخرى. أي ربط الحصان أمام العربة وليس وراءها، كما يفعل الفكر الديني.

الفلسفة الماركسية التي اعتبرت بجدارة فلسفة القرن العشرين لم تكن اختراعا بل كانت دمجا مع مادية الفيلسوف الألماني المادي لودفيج اندرياس فيورباخ (1804 – 1872). الذي كان في البداية تلميذاً للفيلسوف الألماني جورج فلهلم فريدريش هيجل (١٧٧٠١٨٣١) ثم أصبح من أبرز معارضيه. ويعتبر هيجل أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. لقد اعتمدت الفلسفة الماركسية على ثلاث قوانين جدلية (ديالكتيكية) فلسفية رئيسية، اقتبستها من هيجل وهي: قانون نفي النفي، ووحدة وصراع المتناقضات، وتحول الكم إلى كيف.

حظيت فلسفة هيجل بتأثير كبير وهام على الفكر الحديث، وكان كارل ماركس أبرز الفلاسفة الذين تأثروا واقتبسوا من هيجل فلسفته الجدلية قالبا اياها رأسا على عقب: إذ أن جدلية هيجل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو “الفكرة المطلقة” وقد سميت “بالجدلية المثالية”. بينما منهج ماركس الفلسفي الجدلي رأى بأن جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية (المادة تسبق الفكرة) أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطوره. اذن هيجل قدم مساهمة عظيمة حول الجدلية، عبر فكره المثالي (الفكرة المطلقة) بينما ماركس أخذ الجوانب العقلانية لجدلية هيجل معترفا بمساهمة هيجل في تعميق مفهوم الجدلية بقوله: لقد أصبحت الجدلية بين يدي هيجل روحية لكن هذا لا يمنع بأنه أول من بين أنواع الحركة العامة للجدلية بجميع خصائصها، وقال لينين قائد ثورة اكتوبر الاشتراكية وزعيم البلاشفة في روسيا ان "هيجل كان في جدليته موضوعيا أكثر منه مثاليا".

رغم ذلك لا نشهد ان التطور الفلسفي والثقافي قد ترك آثاره على تطور الفكر العربي او تطور فلسفة عربية. بعض رجال الكهنوت يدعون ان الدين هو فلسفة، لكنها ادعاءات لا تصمد أمام الواقع الفكري البسيط. إذا اعتبرنا الدين فلسفة نجد انه لا يفسر أي شيء بطريقة علمية إنما بالاعتماد على الفكر العجائبي والخرافي.

الفكر الماركسي واجه ويواجه اليوم نقدا حول العديد من القضايا التي كانت تبدو نهائية، مثلا الفكر المادي التاريخي يواجه اليوم إشكالية كبيرة، بل والبعض يعتبر المادية التاريخية لماركس نظرية خاطئة لم تثبت نفسها. الجدلية المادية نظرية تتناول تطور المجتمع البشري وتحولاته حسب فكر الصراع الطبقي الذي يقود الى صراع بين الطبقات يسفر عن انتصار الطبقة البروليتارية (العمال) على البرجوازية وبناء النظام الاشتراكي .. نظام ديكتاتورية البروليتارية. وقد ثبت ان التطورات نقضت هذه النظرية، لكن لا يمكن تجاهل حقيقة هامة ان الماركسية بجوهرها لم تطبق في النظام الاشتراكي (السوفييتي في حالتنا) بل طبق نظاما استبداديا رهيبا لم يتوان عن اعدام ونفي الملايين وقمع كل صوت معارض لنهج ستالين حتى من قادة الحزب الشيوعي السوفييتي وقادة ثورة أكتوبر. بنفس الوقت طرح فكر الصراع الطبقي التناحري، اعتمادا على ما كان سائدا في القرن التاسع عشر، حيث الطبقة العاملة لم تكن قد ارتقت فكريا ومهنيا ومكانة اجتماعية، والنظام الرأسمالي لم يكن قد وصل بثروته الى مستوى سبق فيه العالم الاشتراكي بنسب كبيرة جدا، ووفر للطبقات العاملة شروط عمل واجور ورفاهية تجاوزت ما كان سائدا في الدولة الاشتراكية السوفييتية.

قرأت وثيقة هامة لقائد شيوعي تفسر مشكلة الماركسية والفكر الشيوعي وتطبيقاتها السوفييتية كتبها مثقف شيوعي عقلاني هو الأمين العام للحزب الشيوعي الأميركي صموئيل ويب (Samuel Webb) كتب:

"قرأت ماركس ولينين ولوكسمبورغ وغرامشي وكتابا آخرين كثيرين كتبوا عن الماركسية وغير الماركسية، ولو سئلت بعد كل هذه القراءات عن النتيجة التي خرجت بها لقلت .. أن البنيان النظري للشيوعيين أي الماركسية اللينينية بوصفاتها الثابتة والمحددة لا ينسجم والتحليلات القائمة التي يكتنفها افتراضات لم يُقطع بها وتقوم بمنهج غير ديالكتيكي (جدلي) شديد المركزية والنتيجة سياسات تتجاهل الواقع"!!

كلام واضح. البنيان النظري للشيوعيين كان شديد المركزية .. أي طروحات ثابتة لا تتغير ولا ترى التحولات العظيمة في عالمنا. أي لا شيء جدلي (ديالكتيكي) في فهمهم للتحولات، واستيعابهم مثلا للتحولات بواقع النظام الرأسمالي، بواقع الطبقة العاملة، تطور مستوى الحياة والرفاهية في النظام الرأسمالي، تطور الحريات ومختلف الحقوق الإنسانية. رغم كل ما تبقى من ظواهر سلبية كبيرة، الا ان الصراع الطبقي بدا يتحول الى نضال طبقي بعيد عن العنف .. حتى دور النقابات العمالية بدأ يتلاشى الى منظمات حقوقية واجتماعية وليس نضالية تؤجج الصراع الطبقي التناحري. أي ان التحولات أضحت عبر صناديق الاقتراع وليس عبر نضال بالشوارع ووراء المتاريس. بينما النظام الاشتراكي فرض نظاما ديكتاتوريا قمعيا رهيبا. انهياره كان بلحظات، ولم يجد من يدافع عنه حتى جيشه الشيوعي الأحمر وقف متفرجا.

طبعا ما اريد تأكيده في هذه العجالة الى ان مجتمعا لم يستوعب التطور الفلسفي والثقافي من عصر الإغريق مرورا بعصر التنوير وصولا الى عصرنا الراهن، وقمع فلاسفته واعتبر فكرهم كفرا وزندقة، هو مجتمع يعيش في الظلام الحالك، حتى لو ملأ الدنيا صراخا وابتهالا وعبادة.

السؤال المقلق والمفتوح: هل يمكن ان ترقى ثقافة روحية وثقافة مادية بظل سيادة فكر ديني يتمتع بجبروت كامل وسيادة مطلقة، وتطور أشكال إرهابية بغلاف ديني؟ هل يمكن ان نشهد عودة الى نشوء فكر فلسفي عربي في الواقع المتهافت الذي يعيشه عالمنا العربي؟

رؤيتي ان التاريخ اخرج العرب من حسابه حتى تاريخ غير معلوم. ولا أرى ان الفكر العربي والثقافة العربية مؤهلة في الظروف المؤلمة السائدة في العالم العربي على إحداث تحول ثوري ينقل الشعوب العربية من الانعزال الى المشاركة في حركة التاريخ. أين نحن من حركة الثقافة العالمية؟ من الإبداع الروحي والإبداع المادي. لا حضارة بلا ابداع مادي، أي إنتاج الخيرات المادية وتوفيرها للمواطنين عبر تحقيق رفاهية اجتماعية. لدينا مبدعون لكنهم أول من يقمع من جهاز السلطة ولا قراء لتعويضهم عن جهدهم الفكري والتفاعل معهم. لدينا طاقات علمية لكنها تغادر أوطانها بحثا عن أسواق عمل تناسب تخصصاتها. مجتمعاتنا تعاني اليوم من فقر في الاختصاصات، أي تفتقد للقوى المفترض ان تقود عصر تنوير عربي.

ان الإفرازات التي يخلفها هذا الواقع تعيث اليوم فسادا ودمارا للطبيعة والإنسان!!

 

نبيل عودة

 

 

حاتم حميد محسنالدين هو ممارسة العقيدة، وفي أغلب الحالات ارتبط بوجود اله متجاوز. مقترحات افلاطون التي سنناقشها سوف تتبع التعريف العام بان الدين هو "الايمان القوي بقوة خارقة للطبيعة تسيطر على قدر الانسان". هذا سيسمح بنطاق ملائم للنقاش ويساعد في استكشاف افكار تتجاوز تعريف الدين كمجرد ممارسات سلوكية من عبادة وطقوس وقوانين دينية، لأن هذه ليست مسألة هامة ضمن أعمال افلاطون. ان افكار افلاطون التي جاءت ضمن سياق ديني قد اثّرت على انثولوجيا مختلف المعتقدات من خلال التأثير والابداع والتعبير في حواراته الناقلة للنظريات. البعض يصف افلاطون كمخترع للفلسفة، بينما (وايتهد) استنتج بان "السمات العامة لتقاليد الفلسفة الاوربية هي انها تتألف من سلسلة من هوامش افلاطون". وهنا يبرز النقاش عن حجم تأثيره الكثيف على الفلسفة الدينية.

اثناء فترة افلاطون في اليونان القديمة، كان قد جرى للدين تنظيرا لاعقلانيا ليكون مسؤولا عن افعال الطبيعة الغير واضحة. ضرورة خدمة الآلهة وتقديم القرابين، الى جانب العقائد الاخرى، قيل انها ترتبط بطبيعتنا الانسانية. انها طبيعتنا الانسانية ان نسأل، افلاطون نظر في سبب وجودنا، طبيعة الواقع، وفكرة الروح. نحن كبشر نبحث عن اجابات، غير ان المبدأ المشترك لجميع الاديان هو القصد المتأصل لدى الانسان للبحث واكتساب المقدرة على التأثير على قدرنا في هذا العالم والعالم الآخر. من الملاحظ انه السبب في قيام اليونان القديمة ببناء المعابد وتقديم النذور للالهة، وانه سبب قيام المسيحيين اليوم بالصلاة ومحاولة الاتصال بالله. طبيعة الانسان تجعلنا ننظر الى شيء ما اكبر، نستجوب موقعنا الروحي ونبحث عن الغرض. حتى (دكنز) تسائل فيما اذا كان الانسان "حقا ضعيف جدا في طبيعته لدرجة ان المجتمع سينهار بدون الدين"."العقيدة، الممارسة والعادات ومهما كانت الاعراف الفردية والجماعية جميعها تم تقاسمها في الفعل والتعبيرات في كل العالم". التعبير عن العقائد الدينية كان دائما متكاملا مع ثقافة الانسان. اما اليوم اعتُبر من الضروري مناقشة ومسائلة اي بيانات اعطيت لنا لوضعها مع ما نؤمن به كحقيقة. الصيغة الشائعة لعمل افلاطون كان ان يفترض مأزقا ويناقش القضية من رؤية ذات خصوصية معينة. " سقراط خلق طموحا لهذا باشراك الناس بمحادثات للتحقق من اساس عقائدهم. عبر توجيه خط من التحقيق، كان النقاش في العقائد عرضة للتمحيص واصبح يُنظر اليه كمأزق بحاجة للاختبار. "في عرضه لنسخته الاصلية في الجدال الكوسمولوجي، يشير افلاطون في (القوانين) ان الاشياء في الكون تتحرك وتتغير"، غير ان الحركة او التغيير في شيء ما، ينشأ بفعل حركة او تغيير في شيء آخر يؤثر عليه. ولكي ننهي هذه السلسلة من الاسباب نحن يجب ان نتصور ان الحركة او التغيير انما تنشأ من محرك ذاتي اصلي. افلاطون اعتقد ان هذا المحرك يجب ان يكون مصدرا للتغيير بكل ما حدث ويحدث. لاحظ افلاطون ان هناك ضرورة "لننهي سلسلة الاسباب". ربما يتصور المرء ان هذا هو نسخة اساسية لمنطق (ليبنز) بانه يجب ان يكون هناك سبب كافي لإنطلاق او لبداية السلسلة. لذلك، فان رؤية افلاطون اطلقت شرارة النقاش فيما اذا كان يتوجب قبول او رفض امكانية التراجع اللانهائي في العلل. نقاشات المذهب السببي نجدها بارزة في عدد كبير من الاعمال الفلسفية. افتراض الضرورة حفز النقاد لعمل تحقيقات مكثفة بمثل هذه الحجج الدينية. (رسل) رفض لغة الحدوث contingence باتهامه الاستنتاج ينطوي على افتراض غير موجود في المقدمة. (هيوم) فحص الحجج المتعلقة "بالقفزات" اللامنطقية للمقدمة، ونظر بمدى مقبولية المسائل المتضادة بشأن الحجة الاصلية. هذه النقاشات الكوسمولوجية ضمن فلسفة الاديان الغربية كلها تأثرت باعمال افلاطون.

توما الاكويني ايضا بنى على حجج افلاطون الكوسمولوجية، عبر افتراض الله الارامي في الايمان الكلاسيكي ككيان عظيم حكيم رحيم. هذا يختلف عن الافتراض الاصلي لافلاطون بخالق مسؤول عن الخلق.الخالق جرى تصوره كموجد للنظام مقارنة باله ابراهيم الوارد في النصوص المقدسة . غير ان الاله لم يتم تصوره كخالق للكون من العدم وانما كصانع للمادة قبل الوجود. ايضا افلاطون نظر بحذر في مشكلة الشر في توضيح الاله. الخالق هو عظيم لكنه ليس رحيما. وفق طبيعة الله هذه فان الشر اذا كان موجودا، فهو لا يستطيع امتلاك كل من العظمة والرحمة. "دور الله محدود ببدء العملية التطورية". هذا مثال عن الجدال المعاصر الذي هو بوضوح تأثر بافلاطون ومع ذلك بقي جزءا مكملا للإستنتاجات العلمية الحالية.

رأى افلاطون بانه يجب ان يكون هناك مقياس للخيرية لكي نحدد الاله كمتسامح، واكد ان هناك مستوى للخيرية غير معتمد على الله. هذا اصبح الاساس لمعظم افكار افلاطون الاساسية المتطابقة مع فكرته عن الروح. نظرية الأشكال التي طغت على فلسفة الدين الغربية، تحاول توضيح معرفتنا الاخلاقية الفطرية.

هو يبدأ بمناقشة معنى الكلمات وهو التكتيك الشائع الذي اكتسبه من سقراط. افلاطون يؤكد اننا نمتلك فكرة تامة عن مواضيع معينة يمكننا ضمن الزمان والمكان التعبير عما تشبهه. الجمال، مثلا، يمكن نقله لأن الاشياء قد تشبه الجمال بطرق مختلفة. في (الفيدو)، هو يذكر محادثة يجادل فيها سقراط بان طبيعة المعرفة تبيّن ان الروح تسبق في وجودها تصور الجسد. هذا عُرف بحجة التذكّر حيث يعتبر افلاطون احاسيسنا الجسمية غير تامة ولذلك ليست مطّلعة تماما على الافكار التامة التي تترجمها الاشكال. في حوار (مينو) يحاول سقراط اظهار هذا الجدال باستعمال الولد العبد الذي ليس لديه معرفة سابقة بالهندسة. "افلاطون يكشف ان هناك احساس فيه السائل يعرف ولا يعرف ما يبحث عنه ". هذا اصبح يعرف بـ "مازق مينو".

افلاطون استخدم هذا الجدال كاساس لعقيدته في الأشكال. هو اكد اننا لا نستطيع اكتساب المعرفة بالحقائق المجردة من تجارب الاحاسيس الجسمية، وان معرفتنا السابقة للوجود بالاشكال هي التي تسمح لنا للتحقق من طبيعتها في المقام الاول. افلاطون وصفها بـ "الحيازة الفطرية" التي لهذا السبب تشكل روحنا السابقة في الوجود على الاجسام.افلاطون ايضا يضيف بان افتراض السابق في الوجود هو الذي يفتح التحقيق في ما بعد الوجود. خلود الروح يشير الى ان الخالق اعطى الحياة للكائن البشري لهدف أعظم." ان الروح عندما تنفصل عن البدن فهي تتحرر من امراض الانسان وتعيش في سعادة عظيمة لأنها لم تعد تفسر الاشكال من خلال احاسيس ناقصة. خلود الروح قد يكون نتيجة لخصوصيتها الفطرية غير القابلة للتحطيم. انها لا تعتمد على مغفرة الله ولا على اي صفات اخلاقية او دينية للروح. هذه كانت مسالة اساسية في النقاش الذي منه انطلق مازق ايوثيفرو. المازق سعى لتحدي نظرية الاوامر الالهية وتسائل ما اذا كانت هناك اي نوايا روحية للخالق.

ان مازق ايوثيفرو يستجوب طبيعة العلاقة بين الله و"شكل" الاخلاق . سقراط يسأل ايوثيفرو "ما هي القداسة؟" وسؤال واحد مهم يبرز هنا :"هل ان الفعل جيد اخلاقيا لان الله امر به ام ان الله امر به لانه جيد اخلاقيا؟". وفق نظرية الاوامر الالهية، الفلاسفة اعتبروا ان لا شيء هناك كافي لتاسيس الاخلاق عليه، وان وجود الشر يتضمن ان الله قد يأمر كل الافعال الاخلاقية(حتى القتل) لتكون جيدة اخلاقيا لأنه قوة عظمى. سقراط اعترف ان الخير الاخلاقي لا يمكن ان يكون من اوامر الالهة لأنهم يتصارعون ويتنازعون ويسرقون الزوجات من بعضهم. الموقف الذي تم التوصل اليه هو ان اوامرهم المختلفة لا يمكن ان تكون جيدة اخلاقيا. هذا اعطى قوة لنظرية افلاطون في المستوى المستقل للخيرية. " الاشكال لا يمكن ابدا رؤيتها في هذا العالم، طالما انها دائمة ومفاهيم ثابتة لا تتغير- العدالة الحقيقة الجمال والخيرية- التي اعتقد افلاطون اننا نمتلك اعجاب فطري بها حتى لو كنا لا نعرف ابدا مثالا تاما عنها. الاشياء ضمن العالم الفيزيقي تتغير دائما ولذلك هي ليست مصدرا لمعرفة الحقيقة. خبرتنا تعتمد على ما تفسره حواسنا وحواسنا ليست تامة.

في التطبيق المسيحي، كان جدال توما الاكويني متأثرا بوضوح بنظرية الاشكال. يشير الاكويني الى الحاجة الى أعلى مصدر للخيرية والحقيقة والرفعة، والتي اشار لها بـ الله. فمثلا، الشيء الذي يقال (أسخن) هو منسجم مع المقارنة بما هو (الاشد حرارة)، ان المقياس المستقل الذي تحقق منه افلاطون في هذه الحالة يجب ان يكون الحرارة. وللمقارنة البسيطة، حواسنا ستكون اشبه بمقياس الحرارة والذي هو ليس قياسا دقيقا. نظرية الاشكال كانت مؤثرة جدا في تطوير افكار حول الخيرية والواقع. السجناء في قصة الكهف سيكونون مستعدين لقبول ما يتصورونه كواقع حقيقي، وسوف لن يكونوا قادرين على فهم الشكل المطلق والحقيقي للخير. افلاطون جادل باننا سنرتكب فقط الفعل السيء لاننا لا نعرف الاحسن. غير ان افلاطون في النهاية سيكون صائبا فيما يتعلق بالتصور حينما نقوم بالفعل دون ان نكون واعين تماما بنتائجه. فكرة افلاطون عن الروح تضمنت مفهوما يتطابق مع ثقافة اليونان القديمة. كانت هناك سلفا فكرة ثنائية بان الانسان مركب من عنصرين متميزين الروح والجسم. وهي ايضا جاءت ضمن الميثولوجيا اليونانية في امكانية وجود الاشباح المؤقتة في عالم تحت الارض. وفي كتاب الجمهورية اكد سقراط ان جميع البشر سيتمتعون بحياة بعد الموت. اليونان القديمة لم تفترض مسبقا اي حياة بعد الموت حيث كان الاعتقاد ان الخلود يعود لآلهة الاولمب. اما افلاطون اعتبر الروح هوية كل فرد منا . فهو يوضح بان الروح يجب ان تنفصل عن الجسم اذا اريد لأي شيء يتبقى منا لأن الجسم المادي لن يبقى بعد الموت.

سايكولوجيا، سقراط وافلاطون ربما صاغا هذه العقائد التي اعجبتهما بسبب عدم مقدرة الانسان لتقبل او فهم فكرة الموت. هذه العقيدة هي ايضا جاءت ضمن المسيحية واديان اخرى وهي ربما تنطلق من طبيعتنا في حب الاجتماع مع الاخرين. المرء قد يتقبل العقيدة باننا سنجتمع مرة اخرى مع من نحب في الجنة ونعيش حياة الخلود. في كل من (فيدو) و(الابولوجي)، من الواضح ان سقراط يعتقد تماما بالوجود المستمر لدرجة هو لم يخش او يستاء من الموت.الروح بالنسبة الى افلاطون ليست دائما تامة فهي "سُجنت في الجسم وتلوثت به". اعتبر افلاطون الاعتناء بالروح هي المهمة الاساسية في الحياة. الفرد يجب ان يعتني بالروح من خلال السيطرة الذاتية على الرغبات الجسمية. عندما نخضع للحوافز غير الرشيدة للرغبات الجسمية ستكون هناك مخاطرة في الإضرار بالروح. افلاطون يؤكد ان الفرد عندما يقوم بعمل خاطئ فهو يؤذي نفسه اكثر مما يؤذي الآخرين عبر الإضرار بروحه. "المسيحيون الزاهدون استخدموا افكار افلاطون في وصف الجسم كشيء شرير بذاته يجب قمعه والتغلب عليه" . افكار افلاطون حول الروح جوبهت من البعض بالرفض لانها تعتمد على رؤية للعلاقة بين الروح والجسد اُعتبرت شديدة التجريد. العديد من الفلاسفة تبنّوا اتجاها اكثر عملية ينظر من زاوية سايكولوجية في فحص مدى معقولية مرشد اخلاقي فطري، لأن المضامين تتباين بوضوح. فرويد اعتبر الاخلاق تُكتسب فقط من الظروف الاجتماعية من خلال التأثير والتطوير. هذا سيكون مسؤولا عن الاختلافات في الاخلاق التي نسبها افلاطون الى الحواس غير التامة لأن التجارب والتأثيرات هي فردية وشخصية .

الافكار حول الله ضمن فلسفة الاديان الغربية يمكن القول انها تطورت من تأثير فرعين اساسيين ضمن فلسفة الاغريق القديمة وهما افلاطون وارسطو والايبيقورية (المفهوم المسيحي لله لم يظهر مباشرة في تفكير هذين الفيلسوفين لكن الاسئلة الاساسية التي عالجاها كانت مؤثرة جدا ووضعت الاجنده للعديد من النقاشات اللاحقة). افلاطون هو من بين المفكرين القلائل الذين باستمرار جرت الاشارة الى اعماله الاصلية. هذا يعود الى الاصالة والعبقرية التي تميزت بها اعماله. افلاطون تبنّى طريقة سقراط في عرض الجدال على شكل حوارات.

في الواقع ان بعض الحوارات هي فقط تكيفات بسيطة لشخصية سقراط ولنقاشاته الحقيقية التي حدثت بين سقراط وزملائه. من المعقول الافتراض ان افلاطون كان يشجع افكار سقراط وطرقه وخطه في الاستجواب. وان افلاطون اراد بسط شهرة المعلم الذي ادّعى عدم المعرفة باي شيء. من الصعب التمييز بين سقراط وافلاطون، غير ان افلاطون في صياغة عمله يكون قد اخترع بكفاءة موضوع الفلسفة . هذا بسبب ان سقراط لم يكتب اي شيء على الورق وان ما سُجّل فقط مباشرة من الحوارات هو ذلك المتعلق بمحاكمته وبنهاية حياته.ولهذا فان اسس فلسفة الاديان الغربية برزت فقط من شخصية سقراط الناطقة ومن الظروف التي احاطت بوفاته والتي حفزت العديد من الاتباع بما فيهم افلاطون على الاستمرار في البحث عن الحقيقة.البعض اعتبر ان ما كتبه افلاطون على الورق حقق نفس التأثير الذي انجزه سقراط في الكلام حتى مع اختلاف المحتوى. وبالرغم من ان بعض اعمال افلاطون تعرضت للانتقاد بسبب طبيعتها التجريدية، لكنه لايزال مؤثرا رئيسيا في الفكر الفلسفي الغربي. المترجمون مثل افيروس هم ايضا ذوي اهمية كبيرة حين سمحوا لأعمال ارسطو وافلاطون لتكون متاحة في العالم الغربي واثارت نقاشات مستقبلية. وبالتالي، فان التأثير على مستقبل فلسفة الاديان سيستمر الى ما لا نهاية لأن الحوارات عملت كمدخل وكدعوة للقارئ للتفكير.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي المرهجمحمد المصباحي مفكر من المغرب من مواليد 1945، من مدينة القصر الكبير، مُهتم بالدراسات الرشدية، ورئيس وحدة فضاءات الفكر العربي والإسلامي، عضو الجمعيتين الفلسفية المغربية والعربية، وعضو جمعية فلسفة القرون الوسطى، وعضو الجمعية الدولية للعوم والفلسفة العربية، فضلاً عن كونه عضواً في الاتحاد الفلسفي العربي.

تأثر بدراسات جمال الدين العلوي لا سيما في كتابه "المتن الرشدي"، وهو ناقد حصيف لمقولات محمد عابد الجابري في نقده للعقل العربي في كتابه نحن والتراث" أو ثُلاثيته "تكوين العقل العربي" و "بنية العقل العربي" و "العقل السياسي العربي"، ولكن جُل نقده للجابري إنصب على نقد عقل "أمة ثقافية" يعتقد أنها سابقة للحداثة، هي الأمة العربية". ناقداً لنزوعه الأيديولوجي الذي إبتعد به عن التناول الفلسفي كما هو مُتعارف عليه، لأنه تعامل مع التراث نقداً وتحليلاً "بحماس المُناضل الثقافي" عبر تعامله النقدي للتراث بإندفاع وحماس شبيه "بحماس المُستشرقين وغُلاة الفلاسفة ذوي النزعة المركزية الأوربية، لإثبات أن علة العُقم الفلسفي للعقل العربي كامنة في إتباعه للعقل اليوناني واستمرار حضور هذا العقل فيه".

من مؤلفاته: (مقولات في تاريخ الوجود والعقل)، (دلالات واشكالات)، (من المعرفة إلى العقل)، (إشكالية العقل عند ابن رشد)، (الوجه الآخر لحداثة ابن رشد)، (الوحدة والوجود عند ابن رشد)، (جدلية العقل والمدينة في الفلسفة العربية المعاصرة)، (نعم ولا، الفكر المنفتح عند ابن عربي)، (من أجل حداثة مُتعددة الأصوات)، (تاريخ الوجود والعقل)، (فلسفة ابن رشد)، (مع ابن رشد)، (العقل الإسلامي بين قرطبة وأصفهان)، (فلسفة ابن سينا).

كنت قد حاورته في عام 2002، حينما شارك في المؤتمر الفلسفي الأخير لبيت الحكمة البغدادي قبل سقوط نظام صدام حسين.

يُمكن أن يُعد في توجهه الرشدي قريباً من رؤى جمال الدين العلوي (1945ـ1992) أستاذ الفلسفة المختص في دراسات المغربية، على وجه العموم، والرشدية، على وجه الخصوص، وإن لم ينل من الشهرة ما يستحق.

كان المصباحي ناقداً لمحمد عابد الجابري في فصله وتقسيمه للعقل العربي إلى مشرقي ومغربي، فهو يرى في هذا الطرح بعض من بقايا تأثير العقل الإستشراقي في الثقافة العربي، بل فيه تبعية وتقليد، ولا ابداع في مثل هكذا رأي ولا تجديد.

لم يُنكر المصباحي اختلاف الطرح والرؤية الفلسفية بين ابن سينا وابن رشد، فهذا أمر تبتغيه الفلسفة وتنشده، لأنها قول يرفض التكرار، والسعي وراء المألوف من المقول والمدون لفيلسوف سبق، ولكن هذا لا يمنع من أن يكون ابن رشد قارئاً جيداً لابن سينا، وهذا لا يمنع من أن يكون ابن رشد في بعض من مواضع فلسفته مُتأثر بابن سينا، كما بين المصباحي ذلك في كتابه: "الوجه الآخر لحداثة ابن رشد".

لا يُنكر المصباحي وجود تفكير عقلاني نقدي في الفلسفة الإسلامية رغم تبعيتها في جل ما كتبه الفلاسفة العرب والمسلمين لأرسطو، ولكن فضاء النقد لا يختص به من تبنى التفسير العقلاني فقط، فعالم الفلسفة أرحب من أن نُقصره بعوالم البرهان والإستدلال، لأن قوم الفيلسوف المغامرة والتجريب: المغامرة في نقد المألوف والسائد من الفكر اجتماعياً كان، أم علمياُ، أو فلسفياً، والتجريب، هو الحفر أو الحرث في مناطق لم تنل حظها في الدراسة والتحليل والنقد والتمحيص، أو التشخيص، وفي هذه وتلك يُنتج الفيلسوف رؤيته التجديدية، أو النقدية، التي لا تنفصل عن سياقها التاريخي، بقدر ما تعي تراكيبه ونُظمه الاجتماعية والسياسية والعلمية المحافظة، كي تُعيد انتاجها وفق ظروفها ومعطياتها التاريخية لانتاج رؤية جديدة.

إن مهمة الفلسفة، إنما هي مهمة كونية، ولكنها لا تلغي الخصوصية، فالفيلسوف ابن مجتمعه وبيئته، ففلسفة ابن رشد تُعبر عن خصوصية المجتمع الذي عاش فيه، ولكنها في الوقت ذاته، لا تفقد ميزتها بوصفها خطاباً إنسانياً، وذات الأمر ينسحب على أطروحات بدوي، الذي تأثر بالفلسفة الوجودية، ولكنها تستمد عمقها الفلسفي من التراث الشرقي عموماً، والصوفي، وخطاب الممانعة العقلاني النقدي عند أصحاب الرؤى الناقدة للدين في التراث، وعثمان أمين في جوانيته، المستمدة من النزعات المثالية والحدسية في الفلسفة الغربية، ولكنها لم تفقد جذرها التراثي في فلسفة الغزالي على وجه الخصوص، والفكر الصوفي على وجه العموم، وكذا الحال مع عبد العزيز الحبابي، في شخصانيته التي إستمدها من الوجودية، ومن الفلسفة الشخصانية لمونيه، ولكنها لم تفقد أصلها التراثي في تأكيده على النزعة الإنسانية في الفكر الإسلامي، وهؤلاء من المفكرين العرب وأمثالهم كُثر إنما يُمثلون بداية لحظة التأسيس الفعلي لرؤية فكرية عربي معاصرة ناهضة.

علاقة "الأنا" بـ "الآخر" في فكر المصباحي

في ضوء ما ذكرنا نجد المصباحي يؤكد على ضرورة مغادرة الثنائيات في الفكر العربي المعاصر، فلم يكن نتاج الفلاسفة المسلمين محصوراً ومُقيداً في ما قاله أرسطو، وإن كان أرسطو مُحركهم الذي يتحرك في وجدانهم وعقولهم، كي يُنتجوا فكراً مُماثلاً لفكره، أو مُباين له، وفي كلا الحالين، في الشرح والتوضيح، أو التلخيص، كثير من الوعي، وفي حال الخروج عن هيمنة أرسطو، فذلك ابداع يُحسب لفلاسفة العرب ووالمسلمين، فلم تكن خطابات الفلاسفة المسلمون ترديد (ببغاوي) لمقولات أرسطو والفلسفة اليونانية، كما ذهب إلى ذلك "رينان" ومن شابهه من المُستشرقين، كما لم تكن كل فلسفات مفكرينا المعاصرين تقليداً لفلسفات معاصرة يحذون حذوها حذو النعل بالنعل، إنما هي نقل لتجربة فكرية، ربما تكون صالحة للنشأة في تربة أخرى، وفي النقل والنسخ بعض من التعديل والتجريح، فلم تكن وجودية بدوي هي ذاتها وجودية "هيدغر"، وكذا الحال مع زكي نجيب محمود في وضعيته المنطقية، فهي ليست وضعية "كارناب"، لا سيما في كتابه "تجديد الفكر العربي". وهذا الحال ينطبق على الفلسفة الغربية، فلن تجد فيها فلسفة نقية خالصة، ينطبق عليها لفظ الإبداع، فلم تكن الوضعية المنطقية (على سبيل المثال) سوى إعادة تركيب وترتيب ومزج وتوفيق بين الفلسفة التجريبية وفلسفة كانت النقدية، فلا وجود لابداع بالمعنى المطلق، فكل كتابة جديدة هي تحشية على كتابة قديمة، وكل نص جديد يُخفي نصوصاً قديمة، أ لم تكن فلسفة (فوكو) تحشية لفلسفة (نتشه)؟، وأ لم تكن فلسفة (دريدا) سوى ترديد ذكي لفلسفة (هيدغر)، فجوهر الفلسفة الترديد، ولكن بطريقة جديدة للتوزيع وتنسيق سمفونية و "هارمونية" العازف الأقدم، وكأن جوهر الفلسفة الترديد لموسيقى تفسير الوجود وعلاقة الإنسان به، مرة وفق هرمونية غربية ثنائية "العالم + الإنسان"، وأخرى "هرمونية" إسلامية عربية ثلاثية "الله +العالم + الإنسان"، كما يؤكد محمد عابد الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي".

الغرب نتاج تراث علمي ومدني وثقافي وحضاري، ورثه من شعوب سبقت، ومنها أمة العرب والمسلمين ـ كما يرى المصباحي ـ فلا وجود لغرب عقلاني تنويري خارج دائرة تأثره بالحضارة العربية والإسلامية، فالغرب ليس مفهوماً جُغرافياً أو عرقياً، إنما هو ثقافة وفكر، نهضته لم تبدأ من الصفر، بل بدأت من رقم مُتقدم في ساحات الفكر والعلم والثقافة، كان العرب من صُناعه، فنحن من عرَف الغرب بالكثير من تاريخ علومهم وفلسفاتهم، لأننا كُنَا جسر هذه المعرفة الواعي.

نحن من كنَا نُقبل على المعرفة، لنُعيد إنتاجها، وطرحها وفق تصوراتنا الحضارية الإسلامية مرة، ووفق تحولات المعرفة الكونية مرة أخرى، فبنا ومنَا بدأت المعرفة بالانتشار، وكأن العولمة نتاج لنا، أو نحن من جعل من المعرفة الكونية "الكوكبية"، معرفة في مُتناول الجميع ممن رغب تقدماً في العلم وتطوراً.

يرى المصباحي أن هناك عدة طُرق لمواجهة المد الفكري والثقافي الغربي، أهمها المواجهة التقليدية، وهي المواجهة المعروفة عندنا في الرفض والإنكار أو القبول والتبعية، هذه هي ليت مواجهة بقدر ما هي مُسايرة. أما المواجهة الثانية، فهي المواجهة النقدية، التي تستدعي استيعاب النتاج الثقافي العربي والإسلامي (التراث)ونقده، واستيعاب النتاج الثقافي الغربي (المعاصر) ونقده. هذا النوع من المواجهة سسجعلنا قادرين على الوصول إلى مرتبة الجودة في الإنتاج الثقافي الفلسفي والعلمي، لأنها تقويض وبناء، تقويض للرؤية السلفية بكل تمظهراتها الأيديولوجية والدوغمائية عند أصحاب النظرة التقديسية للتراث، أو السلفيين ممن "المُتفرنجين" بعبارة الوردي، وهذا الفريق وذاك، لا يُتقن إعمال العقل والتفكير بقدر إتقانه للتقليد وإتباع الغير، أو ما أسماه المصباحي في كتابه "جدلية العقل والمدينة) بـ "التبعية المُزدوجة للماضي وللغرب"، "السقوط بين عدميتين: عدمية إزاء ثقافة الغرب الحداثية، وعدمية إزاء الثقافة التراثية".

في ذات السياق وجدنا المصباحي ينظر إلى العولمة بوصفها من نتاجات الحداثة، بل هي المرحلة الأكثر تقدماً من الحداثة، وهي اليوم باتت أمر ضروري لمن يرغب بركوب (قطار الحداثة)، ولها وجهان:

ـ الأول: هو الشكل الإيجابي، باعتبارها ثورة في المعلومات ووسائل التواصل المعرفي والاجتماعي، بل هي أخطر ثورة عرفتها الإنسانية منذ وجودها على هذه البسيطة، ثورة تسمح للجميع اللحاق بها شريطة أنت يتم هذا الإلتحاق بسرعة، لأنها ثورة في بداياتها وبمستطاع الجميع أن يستوعب أسرارها وقدرتها، طالما أنها لا زالت في بداياتها.

ـ الثاني: هو الوجه السلبي، وهو ما تعالق معها من عولمة اقتصادية وعسكرية وسياسية، يبتغي أصحابها الهيمنة على دول الجنوب بقصد إلغاء الهُوية والقضاء على التنوع الثقافي ونشر نمط واحد من الفكر هو الفكر الأمريكي بسبب سيطرة رأس المال الأمريكي على أغلب المؤسسات العولمية والشركات مُتعددة أو مُتعدية الجنسية.

"المكان المُحايد" فكرة مصباحية

طرح يحيى هويدي مفهوم "الحياد الفلسفي" بكتيب صغير رام من خلاله التناغم الفكري مع أطروحات جمال عبدالناصر في في نزوعه نحو بناء رية أيديولوجية محمد المصباحي في كتابه "الوجه الآخر لحداثة ابن رشد" فكرة "المكان المُحايد" التي استمدها من نظرية العقل التي إشتغل عليها في كتابه "إشكالية العقل عند ابن رشد". تقوم نظرية العقل هذه على أساس وجود عقل أو مادة عقلية أولى "مُحايدة" "عقل هيولاني" بعبارة أرسطو، ولكنه عقل تنتمي إليه كل البشرية بغض النظر عن الزمان والمكان. هو "مجال عام مُشترك بين كل العقول وكل الحضارات، مكان تتساكن وتتحاور فيه تجارب الإنسانية من كل مكان وزمان"، وهذا هو معنى الحداثة التي يفهمها المصباحي، بوصفها "مكان مُحايد" يسمح لنا بحرية أكثر في التفكير والعمل، يسمح لكل العقائد والحساسيات الفكرية والثقافية بالوجود، فهو "المكان الشفاف" الذي نستظل بظله نحن بني البشر في عالمنا المتنوع والمُتعدد يقينا شر الصراع والتقاتل بين الأعراق والثقافات والأيديولوجيات المُختلفة، وهو "شرط الممارسة الفلسفية والإنفتاح على الآخر، لأن ما يُميز الفلسفة هو أنها خطاب موجه إلى مُتلق عام، إلى الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو مُنتم إلى ملة دون أخرى، أو إلى زمن دون آخر".

وفق هذه الرؤية للعقل يكون معنى "المكان المُحايد"، هو ذلك المكان العلمي أو العقلي الذي يضمن للمعارف والمفاهيم شروط المصداقية الذاتية التي تجعلها قابلة للتواصل بين جميع الناس مهما إختلفت جنسياتهم أو أعراقهم القومية والأيديولوجية وحتى الاجتماعية. "المكان المُحايد" أو "حياد الحداثة الثقافية" هو برزخ بين ثقافات مُتعددة يستفيد منها دون أن يتوحد مع أي منها"، لأن الحداثة "مُلك مُشاع" ومكان ثقافي مُشترك بين كل الإنسانية بكل تنوعاتها الثقافية اللاعُنفية على أنها إضافة معرفية للغائب عن العقل الساكن و "المُستقيل" بعبارة محمد عابد الجابري، و "المُستغني" عن العقل "الآخر" وعن حضوره وفاعليته، بحسب ما يرى المصباحي، على ما بين الجابري والمصباحي من إختلاف في الرؤية والمنهج.

ولكن كي نُعيد تنشيطه وتفعيله لإنتاج معارف جديدة تخترق نُظمه وأطره التقليدية لفتح مغاليق "الراكد" وكسر أطر المعرفة "الدوغمائية" المُتكورة حول ذاتها بتسييدها لنمط واحد من المعرفة الموروثة أو المُكتسبة وتصديره وكأنه هو النمط أو الشكل الوحيد من أشكال المعرفة الإنسانية القادر على تخليص الإنسان من ضغط الحياة الواقعية وضياع الإنسان فيها.

عبر تنشيط فاعلية هذا العقل المُستكين واستفزازه وتخليصه من هيمنة فكرة "طريق الخلاص" الأوحد يُمكن لنا كشف الغائر من فاعلية هذا العقل وقُدراته الكامنة أو الغائرة خلف هذه الاستكانة التي جعلة منه عقلاً "ستاتيكياً" قابعاً في ظُلمات التقليد والتبعية.

إنه مكان يُتيح للجميع التلاقي فيه، لأن لا سقف له سوى سقف الإنسانية الحر يجعلنا أقرب للمُتمنى الذي نروم أن يكون عليه الإنسان، بوصفه كائن عقلاني حر، هو نزعة أنسنة كونية بتفسير جديد مُستمد من نتاج الفلسفة لإسلامية الرشدية وفلسفة ابن باجة بجذورهما الأرسطية، وفمن قبلهاما فلسفة ابن سينا بنزعتها اللاتقليدية للخروج من عباءة أرسطو المعرفية.

"المكان المُحايد" هو المكان المُشترك الذي يجعل المُتلاقين وكأنهم "وحدة مُطلقة" بعبارة ابن باجة بين مُنتجي الفكر الأساسيين.

لقد كان ابن باجة يقول "أنه عند الوصول إلى مرتبة مُعينة (من الوعي) يصبح فيه سقراط وإفلاطون وهرمس شيئاً واحداً" حسبما يقول المصباحي.

إن فكرة "المكان المُحايد" تُحررنا على مُستوى اللحظة الفلسفية من إنتماءاتنا المُختلفة لكي لا تُبقي منها سوى إنتماء واحد نجتمع تحت ووفق رحابه هو الإنتماء للنوع الإنساني، لأننا مُحتاجون لمُخاطبة بعضنا على إختلاف إنتماءاتنا وفق شروط "المكان المُحايد"، كما نحتاج لهذا الفهم المُحايد لطريقة التعاطي مع التنوع المعرفي للتعامل وفق مُعطياته مع الثقافة والعلم الغربيين، لأن هذا الفهم يمنحنا القدرة على تجاوز نزعاتنا الدوغمائية التي فرضتها ظروف تواجدنا في بيئة ثقافة وفكرية مُنغلقة لننفتح على رحابة الفكر واللغة الكونيتين اللتان فرضتهما شروط "العولمة الثقافية" المؤنسنة، التي من المُمكن المُتاح لنا في حال تعقلنا لمفهوم "المكان المُحايد" من تحقيق هذا النوع من "العولمة المؤنسنة في حال اهتمامنا بالجامعة بما تقتضيه من نشر للوعي المُنفتح والحر على "الآخر"، والاهتمام بالتنمية الاقتصادية بما تقتضيه تحولات الاقتصاد الحر وآلياته الموضوعية التي يتعاطى معها العالم المُتقدم اليوم بشطريه: الأوربي = الأنكلوسكسوني، والآسيوي، المُتمثل بنهضة الشرق الأقصى في اليابان والصين، حتى ماليزيا.

لذلك نراه يبحث في "فكرة الإتصال الرشدية" بكتابه "الوجه الآخر لحداثة ابن رشد" عن طُرق مُتعددة للحداثة، لا "حداثة واحدة تدعونا لنوع واحد من السعادة، بعد أن ولى زمن الإحتكار العقائدي والفلسفي للحقيقة الواحة والفعل الواحد".  

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة