حيدر جواد السهلانيلايمكن دراسة الفن والجمال بشكل مستقل عن المبادئ الرئيسية لفلسفة هيجل، لأنه يعبرعن سعي الروح نحو الحقيقة، والفن هو أحد اشكال هذا السعي، اذ تتموضع فيه الروح ويعبر عن ذلك بشكل حسي. وبذلك يشكل الجمال موقعآ مهمآ في فلسفته لما لهو أثر في فلسفته، وقد صاغ نظريته في الجمال بالرجوع الى تاريخ الفن، فهو نظر الى الجمال من خلال الفن، وجعل الفن هو الذي يظهر الجمال الحق، أي بعكس الجمال الطبيعي الذي لم تظهر فيه الروح. وقد أفرد هيجل عدة محاضرات للجمال فظهرت في كتابه (دروس في فلسفة الجمال).

الجمال الطبيعي

يعتبر هيجل من القلائل الذين كان لهم الفضل في التعمق في مفهوم الجمال، ولقد ظفر علم الجمال عنده بشهرة واعجاب لا مثيل لها.(1) وقد سلك في عرضه لمذهبه الجمالي مسلكآ ميتافيزيقيآ.(2) ويرى هيجل الجمال نمط معين لتمثيل الحقيقة واظهارها في طابع حسي، لذلك يبدأ هيجل محاضراته في علم الجمال بالرد على كانت، ويرى أن ماوصل اليه كانت هو نتيجه لفصله بين عالم الظواهر وبين عالم الشيئ في ذاته، بينما الجمال ليس تجريدآ لملكة الفهم، وانما هو في ذاته العيني والمطلق.(3) وبذلك يرفض هيجل منذ البداية الجمال في الطبيعة لأنه يرى أنه لاجمال سوى الجمال العقلي وهو الجمال الموجود في الفن، لأنه نتاج العقل مع الاحساس، اذآ هيجل يرى الجمال الفني أرقى من الجمال الطبيعي لأنه متولد من العقل وهو من نتاج الروح، وأن كل مايأتينا من الروح اسمى مما هو موجود في الطبيعة .(4) والجمال هو الفكرة المتصورة التي توحد مباشرة بين المفهوم والواقع.(5) ويرى هيجل أن الجمال الطبيعي بوصفه أول تعبير عن الجمال، والتميز بين الجمال الطبيعي والفني أن الفكرة هي الجمال الكامل في ذاته، بينما الطبيعي هو الجمال الناقص، والجمال فكرة والفكرة تتقدم بأتجاه الواقع وهي لاتلقى هذا الواقع الا من الذاتيه الواقعية المطابقة للمفهوم.(6) وبذلك يرى هيجل الجمال الحقيقي هو الذي يتجسد في الفكرة والمضمون لا في الشكل الخالص، حتى اصبح الجمال عنده عبارة عن فكرة تطورت عبر التاريخ، من سيطرة المادة الى سيطرة الفكرة ومن الشكل الى المضمون.(7)

الجمال الفني

رأينا سابقآ عند هيجل الجمال هو التجلي المحسوس للفكرة، اذ مضمون الفن ليس شيئآ سوى الافكار، اما الصورة التي يظهر عليها الأثر الفني فأنها تستمد بنيتها من المحسوسات والخيالات، والفن اذا بلغ غايته فأنه لايلبث أن يسهم مع الدين والحياة في تفسير المطلق والقاء الضوء على جوانبه، وفي مجال الفن تتجلى الحقيقة أي المطلق الجمالي عن طريق الوسيط الحسي.(8) وعلى الفنان أن يفكر مليآ ويتأمل بعمق الفكرة التي سيعبر عنها من خلال العمل الفني ويحرص ان لا تكون بمعزل عن الحقائق الجوهريه في الحياة ونشاطات المجتمع الانساني وهذه هي الغاية الحقة للعمل الفني عند هيجل.(9) اذآ الجمال الفني ارقى من الجمال الطبيعي، وذلك أن العقل والعقل وحده قادر على الحقيقة ويستوعبها في ذاته حتى أن مايكون جميلآ لايكون جميلأ حقآ الابامشاركة في هذا العنصر الارقى وكشيئ مخلوق، وبهذا المعنى اذا كان هناك جمال في الطبيعة، فأنه لايكشف نفسه الا على أنه انعكاسآ للجمال الذي يمت للعقل.(10) والفن عند هيجل ليس تقليدآ للطبيعة أو محاكاة لها، وأنما يتخذ وسيطا للتعبير عن الجوانب المختلفة للوجود الانساني.(11) ويرى أن الفن ليس له من غرض سوى التعبير عن علاقة الذات بالموضوع في مستوى الوحدة المباشرة، وجوهر الجمال هو التوافق الوضعي الذي يحققه الجمال نفسه فيما بين الذهن والاحساس عن طريق التحرر الذي ينجم عنه، والفن عنده يقظة الاحساسات الملائمة المحببه عن طريق خلق الاشكال التي تعطي مظهرآ للحياة، فالفن هو وحده القادر على التعبير عن الباطن والظاهر وعن الفكرة بالشكل ولاوجود للجمال الا بالفن.(12) ويرى ايضآ أن الفنان لايستهدف من عملة الفني أن يكون غاية نفعية كأن يستعمل الفن كأداة للتعليم أو الوعظ الديني.(13) ويربط هيجل الجمال بالحقيقة ويرفض أن يكون الجمال تعبيرآ عن الواقع، أذ الجمال ليس سوى تحديد خاص يتم به التعبير عن الحقيقي وينكشف لنا.(14) وبذلك الفن عند هيجل حين يعبر عن المطلق لايتعامل بالتصورات المجردة بل هو يجمع اليها العيانات الحسية، ومن هنا يعرف هيجل الجمال هو تجلي الفكرة بطريقة حسية، وأن موضوع الاستطيقا لا يتناول الجمال الطبيعي ، وأنما يتعلق بالجمال الفني لأن الجمال في الفن أرفع مكانه من الجمال الطبيعي لأنه من ابداع الروح وخلق الوعي ونتاج الحرية وماهو من انتاج الروح يحمل طابعها ويكون اسمى من الطبيعة.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

.......................

الهوامش

1- ينظر محمد علي ابوريان: فلسفة الجمال، ص43.

2- ينظر أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال(اعلامها ومذاهبها)، ص124.

3- ينظر رمضان بسطاويس ومحمد غانم: فلسفة هيجل الجمالية، ص100.

4- ينظر مجاهد عبدالمنعم مجاهد: جدل الجمال والاغتراب، ص81.

5- ينظرهيجل: فكرة الجمال، ص39- 40.

6- ينظر هيجل: المصدر نفسه، ص77- 79.

7- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل في علم الجمال، ص43.

8- ينظر محمد علي ابوريان: فلسفة الجمال، ص44.

9- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل الى علم الجمال، ص43.

10- ينظر مجاهد عبدالمنعم مجاهد: جدل الجمال والاغتراب، ص79.

11- ينظر رمضان بسطاويس ومحمد غانم: فلسفة هيجل الجمالية، ص8.

12- ينظر عبد الفتاح الديدي: هيجل، ص171- 174.

13- ينظر محمد علي ابو ريان: فلسفة الجمال، ص45.

14- ينظر مجاهد عبدالمنعم مجاهد: جدل الجمال والاغتراب، ص84- 85.

15- ينظر أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال (اعلامها ومذاهبها)، ص125.

 

علي رسول الربيعييؤكد الادعاء الليبرالي التقليدي بأن مصطلح الحقوق يعبر عن مطالب لا خلاف عليها وهي مشتقة من قيًم جوهرية يمكن الوصول اليها او معرفتها بكل يسر وسهولة، وقد صاغها من خلال استخلاص مبرراتها من أي من القيم الجوهرية التي تجعل ملاحقتها ممكنة بحرية، وقد تمت صياغها بتفصيل وبوضوح لأول مرة من قبل جون ستيوارت ميل في تحفته عن " الحرية"، وأزدهرت في العقود الأخيرة مع جون راولز.لذا سوف أركز على راولز (في كتابيه نظرية العدالة، واليبرالية السياسية) حيث يمكننا العثور بكل وضوح على الحجة التي تدافع عن الحريات الأساسية للنظرية الليبرالية. سأعرضها بشكل موجز نظراً لأنها معروفة جدًا وتم دراستها كثيراً. إن هذه الحريات هي المبدأ الأول من مبدأي العدالة اللذين قال بهما راولز وأكد على أننا سنختاره في أي عقد اجتماعي ليس لدينا فيه معلومات من شأنها أن تقودنا إلى اختيار مبادئ منحازة لمصلحتنا، لاسيما ونحن نتعاقد على مبدأ عدم التدخل الذي يدلل على هذه الروابط الليبرالية المختلفة عندما نفتقر إلى المعرفة بمفاهيمنا الموضوعية الخاصة بالخير، بالإضافة إلى الافتقار إلى المعرفة بأشياء أخرى قد تعطينا أدلة حول ما هي قيمنا الموضوعية {على سبيل المثال، وضعنا في المجتمع، وعائلتنا وأنواع أخرى من الخلفية ، ومهننا ، وما إلى ذلك) إذا تم اختيار مبدأ عدم التدخل في ظل هذه الظروف وبشكل عقلاني، فمن الواضح (بمعنى أنه، بحكم التعريف) لن يحتكم تبريره الى مفاهيم جوهرية للخير. وبالنسبة إلى رولز، فإن حقيقة قيامنا بالاختيار العقلاني في ظل هذه الظروف ستكون جزءًا من مبرر تبني هذه الحريات (والسياسات والمؤسسات التي تديرها) في المجتمعات التي نعيش فيها.

 ولذلك فإن راولز يدرك تمام الإدراك أن علم النفس الأخلاقي ذو أهمية مركزية لبناء الحجة. إن السؤال الذي يطرحه هو: هل سيكون من العقلاني أن يختار شخص ما مبادئ ليكون محكوما بها إذا كان يفتقر إلى المعلومات المتعلقة بقيمه والتزاماته الجوهرية الموضوعية. لذلك، إذا نظرنا في مسألة ما إذا كان المطلوب أختيار مبدأ معين، وأن هناك ظروف محدد في المستقبل أعتقد فيه المرء أنه لن يكون هناك دوافع عقلانية لأختيار ذلك المبدأ، و مع ذلك اختاره، يُبنى عليه اذن للمرء المبرر للحكم على أن ذلك الظروف غير ذات صلة. بمعنى ستكون المبادئ العامة التي يجب أن تحكم المجتمعات عادلة وغير منحازة إذا تم اختيارها في حالة الجهل بمفاهيمنا الجوهرية عن الخير (وعن ظروفنا الاجتماعية). وعندما تكون هذه الاختيارات عقلانية، فذلك لأننا اخترناها من وراء "حجاب الجهل" بغض النظر عما نتخيله عن أنفسنا عندما يتم رفع الحجاب، أي بغض النظر عن الفكرة الجوهرية للخير الذي نتأمل الحصول عليه.

أن هذه هي الطريقة الأكثر إثارة للاهتمام لقراءة راولز، لأنه يقدم المشروع الأكثر طموحًا من الناحية الفكرية لهذه القضية. لكن، و من نقاشي لنظريته، أرى أنه إذا لم نطالب باختيار المبادئ بصرف النظر عما نتخيله، فربما يراهن المتعاقدون على أن لن يكون لديهم هذا المفهوم الجوهري للخير عندما يتم رفع الحجاب، وبالتالي قد يختارون المبادئ المنحازة لصالح مجموعة من القيم الجوهرية التي فضلوها. وهذا لن يفضي إلى مبادئ العدالة أو العدالة كأنصاف. وحتى لانصل الى مثل هذه النتيجة، المطلوب أن توضع بعض قيود بخصوص معنى الأنصاف على أولئك المتعاقدين، مما سيجعل النظرية أقل طموحًا، أي أن الطريقة ستبدأ في الظهور كإجراء للعدالة كأنصاف.

دعنا ننتقل بعد ذلك إلى مسألة ما إذا كان من العقلاني أو غير العقلاني أن نلتزم به في هذه الظروف. قد نقدم هنا، ثانياً، المجتمع كمثال حيث تم تعريفه بالتزامات سياسية ودينية. لنفترض حينئذٍ أننا نفكر في أيً مبادئ يتم اختيارها في حالة الجهل هذه، سنكتشف عندما يتم رفع حجاب الجهل بأن لدينا مفهومًا دينيًا جيدأًعن الخير، مع التزامات موضوعية مفصلة لنظام حكم يخضع لمجموعة من القوانين الدينية (مثل الشريعة)، وممارسة الرقابة على المعارضة الدينية الجادة (على سبيل المثال ضد كتاب تجديفي)، وأن معظم الآخرين في المجتمع يشتركون في هذه الآراء (هنا أفتقد مثالاً فعلياً لأنني لا أعتقد أن هذا صحيح حتى بالنسبة لإيران). هل يمكن للمرء أثناء التفكير في إمكانية العثور على دوافع لإلزام أنفسنا بمبدأ عدم التدخل مثل الذي نناقشه؟

من الواضح أنه يمكن أن يظن المرء أن المبدأ الأول للعدالة عند راولز يتحدث عن هذه الحريات المعيارية بالتحديد والتي يحملها المثل الأعلى لعدم التدخل، وأننا سنتعاقد بعقلانية من وراء حجاب الجهل، كما يعتقد راولز. لكني أرى من الصعب أن نتصور لماذا، إذا أعتقد المرء في أنه ينتمي الى أحد الطوائف الدينية، أنه سيختار، على سبيل المثال ، بشكل خاص عدم التدخل وحق حرية التعبير. على أي حال كان هذا الاستياء العام من قبل الجماعاتيين أزاء راولز. لأنهم يرون أن راولز لا يمكنه التعامل مع الالتزامات تجاه الجماعات الدينية وغيرها من جماعات؛ ويعتقدون إن نظريته موجهة فقط لنوع معين من المتعاقدين الذين يتمتعون بالأستقلالية الفردية أو المتحررين من الروابط الجماعية، والميالين الى اليبرالية. وإذا لم يكن الأمر كذلك ، فلماذا يختار شخص ما مبدأ حرية التعبيرهذه، إذا فكر في أنه عندما يتم رفع الحجاب، قد يكون شخصًا لديه قيم جوهرية لعقيدة دينية تطالب بضبط التجديف؟ فيكون من غير المنطقي أن يختار حرية التعبير، وإذا كان الأمر كذلك، فلن يكون لليبرالية حجة لأحد مبادئها المركزية.

أن السؤال، في الحقيقة، هو سؤال في علم النفس الأخلاقي. وقد قام راولز بالإجابة عنه في كتابه الأخير " الليبرالية السياسية" الذي تلى كتابه " نظرية العدالة" من خلال تدعيم قضيته بحجة أخرى تلجأ بشكل جليً الى النظر الأخلاقي والنفسي لتبرهن: حتى لو فكر المرء أنه سيكتشف عندما يتم رفع الحجاب، لديه قيم دينية جوهرية، فسيكون من المنطقي اختيار مبدأ حرية التعبير. إن الاعتبار الذي يحتكم اليه راولز هو نظير نفسي لنقطة انطلاق الشخص من الجهل بالتزاماته الجوهرية الخاصة بالمستقبل. فيقول إنه حتى هذه الجماعة الدينية سيكون لها معرفة نفسية أولية، مثله مثل أي شخص آخر، يكون قادرًا أو عرضة للتغييرات في العقل ووجهة النظر، وبالتالي تتغير رغباته، وتصوراته الجوهرية عن الخير. لذا، إذا كان المرء وراء حجاب الجهل يفكر في أنه عندما يرفع عنه قد يجد نفسه ضمن جماعة دينية، فإن المرء سوف يعارض أيضًا أنه في المستقبل قد يغير رأيه ويتوقف عن أن يكون واحدًا من تلك الجماعة. الآن إذا فكر المرء في هذا الأمر أيضًا، فسوف يرغب في التأكد من أن الفرصة ستحقق أي رغبات مستقبلية يريدها وليست رغبات الجماعة الدينية. لكن قد لا تتاح الفرصة للوفاء بها إذا تعاقد الفرد وألزم نفسه فقط بالمبادئ التي أقرتها الجماعة الدينية التي يتوقع نفسه جزء منها حالياً. في الواقع ، قد لايتحقق ضمان المرء لمستقبله، وحماية رغباته المتغيرة والحصول على أفضل عقد من أجل حرية التعبير وغيرها من الحريات الأساسية، في مجتمع يقمع المعارضة وغيرها من وجهات النظر غير الدينية.

تضع هذه الحجة عن قابلية رغبتنا للتغيير في الحسبان فقط الاعتبارات السيكولوجية المتاحة للفاعلين الذين يختارون هذه المبادئ، وهي ترجمة للجهل (وهذه المرة حول الالتزامات المستقبلية المحتملة لهم)، وتطلب منهم أخذ ضمان لألتزامات مختلفة للغاية في المستقبل، تمامًا كما في التجربة الفكرية التعاقدية الأولية في "نظرية العدالة"، يطلب منهم أن يأخذوا ضمان تأمين وذلك لأحتمال تغيًر مفهومنا الحالي للخير عندما يتم رفع الحجاب ونكون على علم بأنفسنا. أيً ، ما أريد قوله هو أنه إذا كان شخص ما وراء حجاب الجهل ، يفكر في نفسه كعضو في جماعة دينية، فإنه يفكر أيضًا في أنه قد يكون لديه مفاهيم عن الخير في المستقبل ليست مثل تلك التي يمتلكها حاليًا، وقد تكون مختلفة اختلافا جذريا عن تلك التي لديه حاليا، فأنه سوف يرغب بالتأكد من أنه لن يكون في وضع سيء في المستقبل، وهو ما سوف يكون عليه إذا تنكر لمبدأ الحقوق الليبرالية في عدم التدخل على أساس التزاماته الدينية المجتمعية الحالية المتوخاة وحدها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

حيدر جواد السهلانيوجد الفن مع بداية تفكير الانسان، وقد استعمل الفن كلغة للتواصل (أستعمل الرسم على الحجر كتعبير عن لغة التواصل مابينهم) ولم يقف الفن فقط للتعبير عن لغة التواصل، بل استعمل للأرشاد الانسان على طريق الحق فنرى في قصة كلكامش بحثآ اخلاقيآ مهم، واستعمل ايضآ في الارشاد الديني، فصوروا الالهة على شكل اجساد مادية. ومع بداية التفكير العقلي الذي بدأ مع الفلسفة اليوناني (بالتحديد مع الفيلسوف طاليس الذي يعد من اوائل الفلاسفة) بدأ الفن يأخذ منحى ثاني أكثر وعيآ مع تطور العقل الانساني، وقد جعل الفلاسفة من النثر والشعر وسيلة لطرح أفكارهم الفلسفية (افلاطون من الفلاسفة الذين نقدوا الفن ويرى الفن هو وهم لأنه يصور الحياة الواقعية والتي هي عبارة عن صورة للمثل فهو صورة للصورة، لكن مع ذلك افلاطون لم ينقد الفن الذي يصور المثل) وقد وضع الكثيرمن الفلاسفة اعمال مهمه في الفن منها على سبيل المثال لاالحصر (القصيد العينية لأبن سينا، نقد ملكة الحكم لكانت، دروس في علم الجمال لهيجل، هكذا تكلم زرادشت لنيتشه، الغثيان لسارتر).

الفن بالمعنى العام جملة من القواعد المتبعة لتحصيل غاية معينة جمالآ كانت، او خيرآ او منفعة، فأذا كان الفن وسيلة لتحقيق الجمال سمي الفن فن الجميل، واذا كان وسيلة لتحقيق الخير سمي الفن فن الاخلاق، واذا كان وسيلة لتحقيق المنفعة سمي الفن بالصناعة، والفرق بينه وبين العلم، الفن غايته تحصيل الجمال، العلم غايته تحصيل الحقيقة. أما الفن بالمعنى الخاص فيطلق على جملة من الوسائل التي يستعملها الانسان لأثارة الشعور بالجمال كالتصوير والنحت والنقش والتزيين والعمارة والشعر والموسيقى وغيرها (1). ولو رجعنا الى الاصل الاشتقاقي لكلمة (فن) لوجدنا أن هذه الكلمة تدل على النشاط الصناعي النافع بصفة عامة أي أن الفن يشمل الكثير من الصناعات المهنية كالنجارة والحدادة، وكذلك العرب فهموا الفن بهذا المعنى حيث كانوا يستعملون كلمة صناعة للأشارة الى الفن، وفي العصورالوسطى بقيت كلمة فن تشيرالى الحرفة أو الصناعة. وقد عرف الفن بعدته تعاريف منها جورج سانتيانا (1863- 1952)" الفن هو متعة جمالية" والمفكر لانج (1954- ؟)" الفن هو مقدرة الانسان على أمداد نفسه بلذة قائمة على الوهم" أما تولستوي (1828- 1910) "الفن هو ضرب من النشاط البشري الذي يتمثل في قيام الانسان بتوصيل عواطفه الى الاخرين" (2) ويرى ولتر ستيس (1886- 1967)" الفن غاية في ذاته، ومن ثم فهو مستقل عن أي قيم اخلاقية، غير أن التساؤل عن علاقة الفن بالاخلاق هو عند كثير من الناس مسألة مربكة ومحيرة وتسبب اللبس والاضطراب" (3) ويذهب الدكتور يوسف كرم (1886- 1959)، الفن هو تعبير عن حكم بالاعجاب سواء في مجال الفن او الاخلاق او الفكر. اما ماركس (1818- 1883) يرى الفن لحظة انسانية مرحلية تاريخية، فكل فن يعبر عن عصره بتطلعاته وحاجاته الانسانية، لذلك هو جزء من حضارة شعب ما ومعاناته. أما بندتو كروتشة (1866- 1952) الفن حدسآ أو مشاهدة عقلية. (4) اما هربرت ريد (1893- 1968) " الفن بشكل عام وبصورة مبسطة بأنه مايجلب المتعة. (5) ويبدو لنا أن الفن " هو صناعة ووسيلة بشرية تحاكي المجتمع والطبيعة، وهو ضرورة وحاجة انسانية"

النقد الفني، أن الناقد حين يقيم الاعمال الفنية لابد له من أن يحدد المعايير التي يقيم بها هذا الاعمال، وهو في تحديده لهذا لهذا المعايير يتأثر كل التأثير بالفلسفة التي اعتنقها او التي تسود عصره، وقد خضع النقد الفني على المدى العصور الى اتجاهات، منها مايثير في الجمهور من تأثيره أو يحدث في النفس الانسانية من بهجة ويتصف بأنه نقد تأثيري أو انطباعي، واتجاه اخر موضوعي يحاول فيه الناقد الاعتماد على معاييرموضوعية، وقد تستمد هذا المعايير من النظم الاخلاقية والسياسية السائدة في المجتمع. (6) أن النقد يحاول ان يفسر العمل الفني او تحسين العلاقة مابين العمل الفني وجمهور المتذوقين. (7) وهو ايضا تحليل للعمل الفني وبحث في نقاط القوة والضعف وليس غايته التحليل والتقدير فقط بل تتضح أهمية في ابراز القيم الموضوعية والتعبيرية والانفعالية في العمل الفني، ومن هنا ظهر نوعان من النقد، النقد التفسيري والنقد التقديري ويندرج تحتهما أنواع محددة من النقد كل منهما يركز بشكل متفاوت بين التقدير والتفسير

 

حيدر جواد السهلاني

......................

1- النقد التفسيري، يعقب عملية بناء الفنان لعمله، الذي وظف فيه الجهد والمواد والفكر، فهو تحليل نقدي يعمد الى دراسة أجزاء البناء الفني.

2- النقد التقديري، هو الحكم على العمل الفني وتقيمه وتقديره بعد ابراز المبررات التي تجعلنا نحكم ونقيم العمل الفني. (8)

وهناك بعض النقودات منها، النقد بواسطة القواعد ويسيطر على النقاد بأن الاعمال الكلاسيكية هي الانموذج الذي يجب ان يحتذى، ومن اهم جوانبه أن الناقد لايستطيع أن يدعم حكمه على العمل بلا معايير وقواعد تساعده، ومن المآخذ عليه أنه لم يعبرعن الحقائق الشعورية الحسية عند الفنان بل عالج بطريقة لاتثير أي انفعال. النقد الانطباعي ويرى بأن النقد عملية ذاتية ينبغي الاتخضع لمعايير تحولها الى عملية نقد موضوعي. النقد القصدي، فهو يتجه الى الفنان والقصد الذي أراده من العمل الفني وتسائل عن الكيفية التي حقق بها الفنان قصده، كما أن المعايير المستعملة في هذا النوع مرتبطة بشكل مباشر بقصد الفنان. النقد الباطني، يركز على الطبيعة الباطنة للعمل الفني، ويكون نقد متمثل في التحليل الدقيق والتفسير المتعمق في طبيعة العمل الفني الباطنة. (9)

 

..........................

الهوامش

1- ينظر جميل صليبا: المعجم الفسفي، ص165.

2- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل في علم الجمال، ص12.

3- ينظر ولتر ستيس: معنى الجمال، ص154.

4- ينظر غاده المقدم عدره: فلسفة النظريات الجمالية، ص15.

5- ينظر هربرت ريد: معنى الفن، ص11.

6- ينظرأميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص13- 17.

7- ينظر جيروم ستولينتز: النقد الفني، ص655- 656.

8- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل في علم الجمال، ص83- 85.

9- ينظرهديل بسام زركانه: المصدر نفسه، ص85- 95.

 

علي محمد اليوسفتوطئة: يمكننا تعريف الحقيقة المعرفية من جملة تعريفات عديدة متنوعة لها أنها نسق فكري منّظم في تعبير اللغة لمعرفة حقيقة الوجود الانساني بالحياة وحقيقة موجودات الطبيعة من أشياء..

ويعرّف لايبنتيز حقيقة الاشياء المدركة واقعيا بأنها هي (مايمكننا تحديده بالكامل)، أي ما يمكننا الاحاطة بأدراكه كاملا بصفاته وليس معرفته ماهويا، ويقصد لايبنتيز بذلك حقيقة وجود الاشياء المدركة في تطابقها مع التعبير اللغوي عنها في الصفات الظاهرة البائنة خارجيا، ومطابقة تصورات الذهن الفكرية عنها واقعيا، وبذلك لا يذهب لايبنتيز بعيدا عن الفهم الاشكالي الميكانيكي الذي يرى الحقيقة الواقعية هي مدركات العقل الحسّية التي يتطابق فيها الوعي مع أدراكها الواقعي في تعبير اللغة عنها.. وحقيقة الاشياء الاشكالية هو ما تدركه الحواس وتوصله في تطابق مافي الاذهان مع مافي الاعيان في مدركات الحواس المنقولة للذهن....

وحقيقة الشيء عند هيوم والمناطقة التجريبيين الانجليز هو ما يدرك بالحواس ويدركه الذهن داخله بالاستيعاب بما يرده ويصله عنه من أحساسات تقوم بتنظيم نفسها ذاتيا بالعقل، ولا يقر هيوم بآراء كانط أن مايقوم العقل بتخليقه بمقولاته المعرفية عن الاشياء في حقيقة وجودها الانطولوجي لا يكتفي بأدراكات الحواس المنقولة له فقط بل يعاملها تفسيرا وعلاقات بغيرها، فكل أدراك يكون قصديا وليس هناك أدراك من أجل الادراك الميكانيكي للشيء فقط.. وهذا النوع من معرفة الحقائق الادراكية أنما يكون نسبيا على الدوام تبعا للتغيرات الطارئة على المدركات في صفاتها وحقائقها منها ماهوية تلك المدركات..

أما مطلق الحقيقة فهي لا تخرج عن كونها أستدلال معرفي متغير مستمرعلى الدوام غير مدرك ولا يمكن الاحاطة به ثابتا، أكثر منها حقيقة يمكن أدراكها ومعرفتها كاملة كما يرغب لا يبنتيز في تعبيره معرفة حقيقة الشيء هو ادراك الاحاطة الكاملة به في التحديد له بالذهن والفكر، ولا يمكن التعبير اللغوي عن مطلق الحقيقة معرفيا بل أستدلالا حدسيا...فالذي لا يدركه العقل لا يكون موضوعا حقيقيا للمعرفة... والحقيقة المطلقة تحولات وتغييرات لا يحكمها الادراك الزماني - المكاني الساكن كما يجري الحال مع مدركات الاشياء المادية في العالم الخارجي في ثبات أدراكها النسبي...

في تناقض مثالي أكثر تطرفا مضادا لافكار لايبنتيز يذهب ديفيد هيوم (1711- 1776) (أنه لا يوجد قيمة موضوعية للقوانين العامة، والعالم الحقيقي أنما يقوم على الاعتقاد فقط)، أن هيوم من شدة أيمانه اليقيني المثالي في مناوئته المنهج المادي في التفكير الفلسفي بضراوة، يذهب بأن كل معارفنا الادراكية عن الاشياء هي فعاليات ذهنية صرف ينتج عنها افكار تعبّر عن مدركات الحواس والعقل، وينكر هيوم وجود قوانين عامة تحكم الانسان والطبيعة والموجودات بموضوعية لأنها غير مدركة كموضوعات حسّية واقعية مباشرة، ولأن تلك القوانين العامة لا يمكن للعقل البشري أدراكها حسّيا واقعيا كما هو الحال في أدركات غيرها من الاشياء والموجودات في الطبيعة، أذن فهي ليست لها قيمة موضوعية ولا فائدة حتى من أدراكها حسب فهم هيوم، وكل ما لا يقوم العقل بخلقه بالفكر ويتمثله بالذهن لا وجود له في عالم الاشياء الخارجي، فمثلا تماشيا مع هذا الخطأ يمكننا القول أنه قبل اكتشاف نيوتن قانون الجاذبية لم يكن هناك قانون جاذبية يحكم موجودات الارض وكواكب المجموعة الشمسية لأن قانون الجاذبية لا يمتلك واقعة موضوعية يمكن للحواس والعقل أدراكه كحقيقة متعينة ماديا وليس كقانون كوني تبنى عليه العديد من النظريات العلمية التي لا يمكن دحضها... عليه يكون قانون الجاذبية حسب أدعاء هيوم لا يمتلك موضوعية وجوده وأدراكه في العالم الواقعي ولا ما يترتب عليه من كشوفات وأختراعات علمية أعجازية تقوم عليه؟؟

ومثل ذلك نقول عن قانوني الزمان والمكان في الطبيعة.. قانوني الادراك الزمني والمكاني يحكمان الانسان والطبيعة ويعملان بمعزل عن أرادة الانسان في أدراكهما وفي عدم أدراكهما على السواء لكن لا يمكن لعاقل انكار وجودهما الحدسي في ظواهره، ويبقى قانونا الزمان والمكان غير مدركان موضوعيا كمتعينات انطولوجية محسوسة مباشرة بمعنى اوضح الزمان والمكان ليسا موضوعي أدراك بل هما وسيلتي أستدلال أدراكي لغيرهما، وليس بمستطاع عاقل مفكر انكار مؤثرات هذين القانونين على ادراكنا للاشياء سواء في العالم الخارجي أو في الذهن... وليس كافيا الحكم انهماغير موجودين لأن العقل يعجزادراكهما كحقيقة حسية واقعية موضوعية والاحاطة بهما حالهما حال موجودات الطبيعة المادية التي لا حصرلها؟؟

لا يكفي بحسب مجاراة هيوم في رأيه المثالي الابتذالي الخاطيء نفي وجود كل شيء لا يدركه العقل بالذهن مباشرة، فهذه سذاجة في الحكم على أنكار وجود الاشياء والعالم الخارجي لأننا عاجزين عن أدراكها، فالوجود معطى انطولوجي طبيعي بدهي لا يحتاج أدراك العقل لأثبات وجوده..والا كنا نحتاج البرهنة على بديهية وجود الانسان على الارض، كون العقل لا يمكنه ادراك وجود انسان سوى الماثل أمامه فقط وما لا يدرك العقل وجودهم من البشر يكونون غير موجودين..هذا ما فعله بيركلي وهيوم ولوك في نكرانهم وجود شيء أسمه مادة، ووجود شيء أسمه العالم الخارجي وحتى وجود شيء أسمه العقل بالمنظور المعرفي..

ربما نستبق الامور كثيرا ونحن نحاول عرض الحقيقة البراجماتية، أن هيوم في افكاره المثالية المغالية وفي تكريسه أهمية الاحساسات وأفكار الذهن المعبر عنها تجريديا يكون أبتذاليا فلسفيا في أبتعاده عن المفهوم البراجماتي في فهم كلا من الحقيقة والوعي والفكر المتعالق بهما كمثل أبتعاده عن التفكير المنهجي المادي..فالفهم الفلسفي البراجماتي يرى الافضلية والاسبقية لادراك حقيقة الاشياء، هو في مدى تطابقها مع افكار أختبارية (تجريبية) تسعى نحو تحقيق (منفعة) تطبيقية ولا قيمة حقيقية تمتلكها أفكار تعبيرية لغوية عن شيء لاتقوم على مبدأ أرتباطها بالتجربة العملانية في بلوغ صحة وصدق وصوابية تلك الافكار التي تحددها التجربة فقط وليس الاقتناع العقلي بصحتها فقط كما يرى هيوم، ولا أهمية ولا قيمة تترتب على أدراك الاشياء في تطابق الفكر التعبيري عنها أن تكون صائبة وصادقة بمجرد الاقتناع الشخصي بصحتها.. وأدراك الشيء ومعرفته لا يمنحه حقيقة أنه صادق وصائب بقرار وأعتقاد من صاحبه كما يذهب ويريد له هيوم..

كانط وفلاسفة الوضعية المنطقية الجديدة

وضع كانط أفكاره التي كانت اللبنات الصلبة التي أوقعت الفلاسفة المناطقة الانجليز الجدد في تطرف مثالي أبتذالي لدى بيركلي وهيوم ولوك، في أنكارهم وجود المادة والعقل والعالم الخارجي معتمدين مقولة كانط التي تبدو صحيحة ومتماسكة منطقيا ظاهريا (أن الاحساسات مصدر مقولات العقل ومن دونها يكون العقل فارغا)(1) الصحيح الذي لا يمكننا تخطئته في عبارة كانط هذه أن العقل (يتوقف) عن أصدار مقولاته بلا مادة خام تنقلها له الحواس هي الاحساسات، لكن مع هذا يبقى العقل غير فارغ محتفظا بأستعداد فطري ومكتسب في خزين من الذاكرة والخيال تجعل غياب الاحساسات عنه أمرا ثانويا في الحكم على فراغ العقل من دون ورود الاحساسات له عن طريق الحواس، العقل فاعل وشغّال في معالجته موضوعات عديدة في الذهن يستمدها من الخيال وخزين الذاكرة ليس مصدرها الحواس ولم يستلمها مادة خام تنقلها له الحواس ولا يكون فارغا بدون الاحساسات، تفكير العقل بالاشياء وأصدار مقولاته بشأنها لا يقتصر على ماتنقله الحواس له من احساسات فقط..بل فيما يستطيعه الخيال والذاكرة من أمداده بمواضيع تفكير لا تنضب ولا حصر لها..

من الملاحظ في جنبة أخرى لتوضيح مفهوم كانط، أنه كان خطأه بمقولته مصدره الاساس مقولة ديكارت وجود جوهرين أثنين أولهما جوهر (العقل وماهيته الفكر)، والثاني جوهر (المادة وماهيتها الامتداد).. لذا يكون كانط عن غير قصد مسّبق مؤسس الابتذالية المثالية المنطقية التي تداولها الفلاسفة الانجليز بداية القرن التاسع عشر في أعتبارهم الافكار العقلية هي الواقع الخارجي لعالم الاشياء ومن دون تلك الافكار لا وجود لعالم خارجي، مستمدين هم ومن قبلهم كانط فكرتهم من مقولة ديكارت أن جوهر العقل وماهيته الفكرفقط ... والاحساسات المنقولة الى العقل حسب كانط هي التي تملأ العقل ومن غيرها يكون العقل فارغا؟؟

المعنى اللغوي الدال الظاهري للعبارة يلتقي مع مقولات المناطقة الجدد أن ماتنقله الحواس من أحساسات لمدركات العقل هو ما يمثل وجود العالم الخارجي بالذهن، وما لاتدركه الحواس ولا تنقله للذهن غير موجود في الواقع المادي بأستقلالية عن الانسان سواء أدركته الحواس والذهن أم لم يدركانه، متناسين حقيقة جوهرية مادية لا يمكن نكرانها بمزاجية ذاتية هي أن موجودات العالم الخارجي معطى انطولوجي يسبق ادراك العقل والحواس له، ويسبق تعبيرات اللغة عنه..وليس مهما أثبات وجوده من عدمه في ارتباط ادراكنا له علة ومعلول أو سبب ونتيجة...فالوجود عالم قائم بذاته في استقلالية تامة عن أدراك أو عدم أدراك الانسان له...

أن في محاكمة أفكار كلا من ديكارت وكانط بمنهج الفهم البراجماتي الفلسفي، يكونان كلاهما بافكارهما خارج قوس أهتمام البراجماتية بضوء أن البراجماتية لاتؤمن بالوعي أساسا وسيلة أدراك الموجودات، ولا تهتم كيف يتم ويكون الوعي، ولا تعترف بأهمية علاقة الفكر بالواقع بل الأهم من كل هذا ليس الوعي والادراك وأنما هو مبدأ التجربة العملانية لكل فكرة لتبيان صدقها وصواب تطبيقها العملاني عن زيفها، فما يقوله ديكارت أن العقل ماهيته الفكر، وما يقوله كانط أن العقل من غير الاحساسات فارغ، لايخرجان بحسب المنطق البراجماتي عن أنهما يقومان بتوصيف علاقة العقل بالادراك واللغة على وفق آلية غير واقعية ولا تطبيقية في الميدان المجتمعي الحياتي، كما تستهجن البراجماتية أن كل شيء يتم بالذهن المجرد والفكر التوصيفي بدلالة تعبير اللغة في أثبات وجود المادة والعالم الخارجي...وبالتالي تكون النتيجة أننا أمام فلسفة افكارمجردة وليس فلسفة واقع حياة نعيشها تحقق لنا منفعة وجدوى..

وربما يتبادر الى ذهن البعض أنه طالما كانت الذرائعية البراجماتية تؤمن بواقعية الفكر وماديته وليس تجريديته عن الواقع ومثاليته فهي بالمحصلة تلتقي مع الفلسفات المادية منها الماركسية مثلا أيضا !ّ! والحقيقة أن الفارق بين الاثنين كبير جدا والاختلاف بينهما بما لا يمكن مقارنته، وأبسط فرق بينهما أن مفهوم تحقيق المنفعة في الفلسفة البراجماتية لا تمنع من تحقيقها للرأسمالي حتى لو كانت على حساب غمط حقوق الفقيروالاقرار البراجماتي المجحف بوجوب تفاوت مستوى معيشة الطبقات الاحتماعية، فالبراجماتية تدين ضمنيا جهل الطبقات الفقيرة المقهورة عدم قدرتها أن تجني منافعها بأختيارها لحقائق وتفكير الحياة الصائبة العملية التي تؤدي الى كسب منافع لها.. بينما مادية الفلسفة الماركسية على سبيل الاستشهاد تقوم على تحقيق المنفعة المجتمعية للطبقات المحرومة الفقيرة المسحوقة من ظلم نظام الرأسمالية ولا تقر بأن جهل الطبقات الفقيرة في أنتهاج حقائق الحياة الصحيحة المجدية هو سبب فقرها وتخلفها، فهذا قفز فوق حقيقة أن بؤس الفقراء وجهلهم هو ناتج أستغلال الرأسماليي للضعفاء الفقراء..وليست المسألة تكمن في ذكاء الرأسمالي وجهل المستغل الفقير بسبب جهله، فالفقر والجهل بالمفهوم الماركسي نتيجة وليس سببا..

وليفريد سيلارز واللغة

وليفريد سيلارز 1912 - 1989، فيلسوف أمريكي يعتبر من المطّورين الاساسيين لمفهوم الواقعية النقدية، وله بصمات على تغييرات الفلسفة الامريكية واتجاهاتها، وكان له تأثير كبير على هيدجر وكارناب....

لنرجع قليلا للوراءعندما أطلق ديكارت مقولته (جوهر العقل ماهيته الفكر) في القرن السابع عشر فهو لم يوهم كانط ولا المناطقة الانجليز بالايغال الخاطيء في مثالية افكارهم الفلسفية وحسب بل أمتد الأمر الى فيلسوف آخر امريكي هووليفريد سيلارز الذي ذهب الى القول وبتطرف كان له تداعيات خاطئة قوية على كل من فنجشتين وجاك دريدا،  سيلارز في مقولته الصائبة قال (أن الوعي كله شأن لغوي وبدايته هو اللغة )لا نستطيع الجزم بثبات قاطع أن هذه المقولة مستمدة من ديكارت مرورا بالمناطقة الانجليز أنها كانت محور تفكير فنجشتين ومن بعده دريدا اللذان ذهبا الى أن مرتكز اشكاليات الفلسفة هو (اللغة) وأن حل مشاكل الفلسفة العالقة أنما يكمن في حل معضلات ومخاتلة وأخطاء اللغة في تعبيرها القاصرعن الافكار.. وقد أنسحبت هذه الافكار ليس في الانصراف عن معالجة معضلات الفلسفة الحيوية بضوء معطيات واقع الحداثة وما بعد الحداثة الى أن تكون فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات منهجا تحليليا مفلسا على مستوى النقد الادبي الذي أدخل النص الادبي في مجاهل ومتاهات علم اللغة واللسانيات وليس مباحث فلسفة اللغة، ومعالجة النصوص بما هي أدب صرف يقوم على النحووالصرف والبلاغة والاستعارة والمجاز وليس فلسفة آراء معرفية أداتها التعبيرية اللغة، وهو ما قامت عليه تفكيكية دريدا ومن قبلها بنيوية دي سوسير وجان بياجيه وبارت في علم اللغة حيث أصبحنا أمام فكر لغوي فلسفي تجريدي لا يلتقي مباحث الفلسفة الحيوية بل أكثر عمل وبأصرارمتعمد على تغييبها...فتفكيكية دريدا ليست فلسفة معرفية بل هي في أبعد الاحكام ايجابيا عليها لا منهجية نقد نصوص ادبية.. تقوم على تفكيك اللغة بما هي لغة فقط خالية من دلالة المضمون ومحمولات المعنى..في الغاء المرجعية والثبات والعقل بأعتبارها جميعها مثابات أرتكاز ميتافيزيقة علينا مغادرتها..

وبعيدا عن منطلقات البراجماتية التي لا تعترف بما يقوله سيلارز الذي كان في منتهى أجادته التعبير الفلسفي في تلخيصه الوعي كله أنه شأن لغوي، وبعيدا أيضا عن الفهم البراجماتي الذي لا يعترف بشيء أسمه (وعي)، الا أن سيلارز كان صائبا تماما في عبارته ولا يتحمّل أخطاء غيره بتفسيرها حسب أهوائهم من بعده كما فعل دريدا مثلا وفاتيميو في العدمية والى حد ما في البنيوية عند دي سوسير، فجميع الفلسفات المثالية والمادية التي تعتمد العقل أو المادة أو الفكر أو الحواس أو الحدوس وغيرها تلتقي في مصب واحد هو ماقاله سيلارز أن تفسير العالم كله هو لغة بداية ومنتهى، لكن أي نوع من اللغة ؟ ووفق أية آلية يعمل الوعي والادراك لغويا؟، وما هو الهدف القصدي وكيف يتحقق تفسير العالم الخارجي وحتى النفسي باللغة؟ الى آخر ذلك من أسئلة متناسلة عديدة لا تدين مقولة سيلارز الاشكالية بل تدين التفسيرات الخاطئة لها من بعده.. لقد أعاد سيلارز الاعتبار الى مقولة ديكارت العقل جوهر ماهيته اللغة.. لكن لم ينج ويخلص المناطقة التجريبيين الانكليز من شراك الاخطاء التي وقعوا بها التي لم ينصبها لهم سيلارز فهو جاء بعدهم وحاول تصحيح أخطائهم.. أحتمال كبير أن ما أراد التعبير عنه سيلارز كان صائبا من حيث أن الوعي قاصر تماما في بدايته الادراكية للاشياء، أنه يمثل اللغة التي تنقل مقولات العقل المنظمة للاحساسات في الذهن، أيضا يعتبر فهم سيلارزللوعي وتفسيره العالم لغويا بأعتباره آلية ادراك ووسيلة أدراك وليس تحقيق نتائج أدراكية هي هدف كل أدراك، صحيح الوعي هو شأن لغوي،  لكن عجز سيلارز توضيح غاية الوعي الادراكي في عدم تحقيقه هدفا معلوما أو متوخى مطلوبا يمثل ثغرة كبيرة جدا في صحة تأويل مقولته..أن النجاح الذي يحسب لسيلارز هو تكريسه مبدأ عدم وجود ادراك لشيء خارجي مادي من غير تعبير لغوي عنه، وهو ما قاله هيدجر بعبارة أخرى مشابهة مامعناه معرفة العالم تبدأ لغة... والاخفاق بهذا الطرح من وجهة نظر براجماتية أن الوعي والادراك اللغوي للاشياء لا يعني المعرفة التامة بالاشياء اذا كانت صحيحة صادقة ومثمرة أم كانت لا معنى لها، كما أن من المهم أدانة سيلارز براجماتيا في أن صحة توصيف العقل أدراكه للاشياء ليس سببا كافيا لمعرفتها وجني المنفعة منها، ومعرفة الاشياء بالفكر ليس مهما قدر الحاجة الى وضع تلك المعرفة تحت أختبارالتجربة والتطبيق في الحياة لمعرفة أن تكون صادقة وهادفة ذات جدوى منتجة ونافعة..الفكر الصحيح المتسق بالعقل واللغة لا قيمة له براجماتيا من غير تجربة عملية تؤكد أهميته وصوابه وصدقه في التطبيق..وأهمية تعبير اللغة هو في جعل المدركات الخارجية واقعية، لكنما لا يؤكد أهميتها بالمنفعة ولا يحدد صوابها اذا كانت صادقة أم كاذبة الا بالتجربة وحدها..

سقراط والعقل الادراكي

أعتبر سقراط قبل ديكارت وكانط (العقل علّة وسبب كل شيء، وليس مجرد أستعارة مجازية على أنه مرآة الواقع ) (2)

هنا يؤكد سقراط أن العقل ليس وسيلة أدراك محايدة ميكانيكية لموضوعات أدراكه، وأنما تعبيره ينطوي على أن العقل يمنح مدركاته علة وسبب وجودها ومعرفتها، كما يمنح العقل لمدركاته الواقعية مقولاته التخليقية الجديدة لها، وبهذا الفهم يكون سقراط أستعار عقيدة برتوغوراس (العقل خالق النظام وهو علة وسبب كل شيء ) والتي هي تكملة نسقية فلسفية مضافة لمقولته الصائبة (الانسان مقياس كل شيء) (3)..هذا التمهيد السقراطي في تعالق حقائق الاشياء والموجودات كمدركات موضوعية للعقل، ومحاولة نقلها بالتناص مع الفلسفة البراجماتية عند أقطابها الثلاثة، تشارلز بيرس، وليم جيمس، وجون ديوي، يضعنا أمام آراء عرّاب البراجماتية وليم جيمس حول مفهوم الحقيقة البراجماتية.. ماهيتها وكيفية الحصول عليها..لنرى..

وليم جيمس والحقيقة البراجماتية

وليم جيمس 1842- 1912 لا يقر بأهمية أدراك العقل للاشياء ويعتبر ذلك ثانويا بالقياس الى أهمية تحقيق قصدية وهدفية الادراك ليس على صعيد الشخصانية في الاشباع الادراكي كما هي في فلسفة جون سيرل الذاتية الفردانية، ويرفض جيمس تحديد أدراك الحقيقة لتحقيق هدف انفرادي يغفل فائدة المجموع، لذا يحدد جيمس الحقيقة الصادقة الصائبة براجماتيا بما يلي:

- كل حقيقة لا يحدد صدقيتها وصوابها الادراك العقلي لها، وأنما تحدد ذلك التجربة في التطبيق انها صائبة صادقة حق ونافعة..

- ليست كل الحقائق المدركة عقليا والمعبر عنها بالفكر هي صائبة حتى في مقبوليتها العقلية على صعيد ادراك الفرد لها وقناعته بها .فالاقتناع الشخصاني بالصواب لفكرة ليس كافيا لأعتمادها قبل مرورها بالتجربة والاختبار..

- لا تكون الحقيقة صادقة وصحيحة مالم تكن نافعة، ولا تكون نافعة اذا لم تكن صادقة بالتجربة.(4)

صدق الحقيقة عند وليم جيمس ليس في تجريبيتها مختبريا مثلما يجري في العلوم الطبيعية وأنما الصحة والمصداقية والصواب هو في نجاح الفكرة أنها الحقيقة بأختبار مرورها بالتجربة الاجتماعية الميدانية التطبيقية بنجاح، والحقيقة التي لا تكتسب مصداقيتها بالتجربة المجتمعية لا معنى لها ولا قيمة لها... ويحضرني هنا تعبير براجماتي لرئيس جامعة هارفارد الامريكية سامرز قوله : ان حقيقة صادقة صحيحة واحدة في التطبيق تعادل عندي الف نظرية ونظرية مكتوبة على الورق..

وصدق الحقيقة عند جيمس (أنها تمثل الافضل لأعتقادنا العملاني بصدقها، وليس صدق تمثيلها الواقع.)(5) ولا صدق قناعة شخص او مجموعة اشخاص بها.. وصاغ جيمس نظريته البراجماتية في صدق الحقيقة مفادها أن صدق تصوراتنا لا تكمن مقبوليتها والتسليم بصحتها وصوابها أنها تتطابق مع الواقع وتتماثل بالفكر مطابقة تامة معه، فهذا ليس كافيا لنمنح أدراكاتنا الاشياء صدقها وصوابيتها، والصدق الحقيقي لأية فكرة هو أختبارها في تجربة تطبيق تحقيقها المنفعة بالحياة، كما يعتبر جيمس صدق تصوراتنا لا يكون (سكونيا)، أي لايكون من حصة الاقتناع الذاتي بها، ولا يكون سكونيا فكريا تجريديا في مطابقة الواقع وتماهيه معه، ولا تكون سكونية في عدم تداخلها المتخارج مع الواقع، فالتصورات بنظره لا تمتلك صدقيتها الذاتية من خلال قناعة مدركها أو قناعة مجموعة من الناس بها أنها صحيحة بمجرد مطابقتها لحقيقة الاشياء في وجودها الخارجي المتعين أدراكيا..والسبب في ذلك حسب تعليل جيمس أن الواقع لا يمتلك خصائص الصدق الجاهزة قبل أختبار التجربة العملانية على تلك التصورات مؤكدا على ذلك بقوله ( أن المعرفة عن الاشياء والواقع ليست جاهزة – كي يدركها العقل – بل هي أبنة التجربة )(6) لكي يدرك العقل منفعتها التي هي تاكيد صدقها، بمعنى هنا يؤكد جيمس صدقية الحقيقة هو ناتج التجربة البعدية وليس جاهزية الاقتناع الادراكي بها قبليا قبل التجربة..

وأراد جيمس أكثر من ذلك في تأكيده معنى التجربة أن صدق الحقيقة ليس معزولا منفصلا عن وعي الضرورة بأهميتها في معرفة واقع الاشياء على حقيقتها وصدقها، والصدق هو صدق الفكرة عن الواقع التي لا تكون صحيحة من غير مرورها بأختبار تجربة المنفعة العملانية معبرا عن ذلك (كل ماهو نافع صادق أو حق، وكل صادق أو حق يكون نافعا) (7).

الشيء الاكثر أشكالية جدلية مريبة في فلسفة وليم جيمس البراجماتية هو أنه ينكر وجود شيء يطلق عليه (الوعي)، الذي يفصح عن نفسه بصورة تجليات تصوراتية فكرية مادية أو جوهرية كناتج مدركاته الاشياء، في حين عنده (أن الواقع الوحيد هو التجربة التي يمكن الركون اليها في أختبار كل شيء، ومعرفة كل الذوات العارفة صاحبة الوعي والموضوعات المعروفة المدركة).(8)، بعبارة توضيحية مكثفة جدا انه لا توجد معرفة قبلية ولا بعدية (قبل) التجربة يمكننا الاخذ بها واعتماد صحتها وصدقها...

وليم جيمس والوعي القصدي

وليم جيمس ينسف مفهوم الوعي ليس عن سذاجة فلسفية تدينه بحسب ما نادى به قصديا كلا من هوسرل وهيدجر وسارتر، فثلاثتهم كانوا متفقين في خروجهم على ديكارت في الكوجيتو الذي يقول أن الوعي الادراكي يكتسب ذاتيا بالتفكير المجرد في اثبات الوجود.. وقال فلاسفة الوجودية بالوعي الحقيقي القصدي انما يكون في تحقيقه هدفا والا يكون وعيا فارغا بلا مضمون ولا معنى...وبنفس المنحى جاءت فلسفة جون سيرل في الوعي القصدي...*

وليم جيمس يعتبر الوعي الشخصاني الاشباعي كما هو عند جون سيرل بمثابة تضليل لأفراغ مدركات حقائق الاشياء من قصديتها الاجتماعية الشمولية في التطبيق الميداني بالحياة، وهو ما ينطبق بالادانة البراجماتية على مفهوم جون سيرل بما أطلق عليه الوعي الشخصاني الاشباعي الهادف للوعي بالاشياء، فالوعي عند سيرل هو الوعي الادراكي الذي يحقق منفعة قصدية ينشد تحقيقها.. والوعي الفردي الشخصاني تكون قصديته ترافقه معه في الذهن مسبقا ويسعى لاشباعها، وهو نفس التعبير الذي سبقه به هوسرل...

وليم جيمس لم يسبق عصريا جون سيرل الذي هو فيلسوف معاصرلم يجايل وليم جيمس في عصره، لكنه طوّر بصورة غير مباشرة الوعي القصدي عند أقطاب الوجودية من غير تسميتهم، وفلسفة جون سيرل في الوعي هي أمتداد متطورلوعي الذات القصدي في الوجودية..

لكن البراجماتية تشترط في كل وعي أدراكي محققا منفعة أن يكون وعيا ادراكيا مدّعما بتجربة سابقة عليه، وعي الحقيقة وأدراكها حسب جيمس أن تكون تلك الحقيقة صادقة صائبة للجميع وليست مرهونة بصدقيتها لفرد في وعيه الانفرادي لها حتى وأن أمتلك الوعي الادراكي الانفرادي هدف أشباع منفعة قصدية كما يفهمهما جون سيرل في فلسفته، وحتى حين يكون الوعي شخصانيا فرديا تحكمه الضرورة الادراكية في تحقيق المنفعة سلفا في الذهن، الشيء الآخر المهم براجماتيا أن قناعة الفرد بأصالة الحقيقة وصدقها لا يمنحها تفويضا مقبوليا جماعيا أنها حقيقة أصيلة تمتلك صلاحية الافادة منها في كل الظروف ومختلف التوظيفات الميدانية التطبيقية.. فوعي الفرد الصائب لا يلزم عنه مماثلة وعي المجموع بالنسبة لادراك حقيقة واحدة تمثل موضوعا مشتركا لهم..

وفي المنحى البراجماتي ذاته يذهب ريتشارد رورتي في أدانته ما أطلق عليه الخطأ الشائع بالفلسفة (أن الصدق يعني التطابق مع الواقع )(9) ويقصد تطابق فكر التعبير اللغوي عن الشيء مع وجوده في صفاته الخارجية البائنة..مؤكدا أيضا على أن الصدق يكون صدق التجربة العملانية في الواقع والحياة التي تحقق المنفعة ..ورورتي فيلسوف براجماتي تمثل فلسفته أمتدادا طبيعيا لفلسفة الرواد الثلاثة الاوائل للبراجماتية بيرس، وديوي، وجيمس.. وسنأتي مستقبلا على بعض آراء رورتي الفلسفية في مقالات قادمة أخرى..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...........................

الهوامش

* لمزيد من التوضيح لافكار فلسفة جون سيرل حول الوعي الذاتي القصدي يراجع مقالتنا المنشورة على مواقع المثقف وكوة وفيلوبريس بعنوان (الوعي القصدي في فلسفة جون سيرل )

1- ريتشارد رورتي - الفلسفة ومرآة الطبيعة– ت :حيدر حاج اسماعيل- ص 16

2- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

3- نفس المصدر السابق ص 19

4- نفس المصدر السابق ص 21 بتصرف

5- نفس المصدر السابق ص 27

6- نفس المصدر السابق ص23

7- نفس المصدر السابق ص 21

8- نفس المصدر ص 24 بتصرف

9- نفس المصدر ص 27 بتصرف

 

 

حاتم حميد محسنفي كتابه (رؤية من لامكان، 1986) يناقش الفيلسوف الامريكي توماس ناجل مختلف المشاكل الناجمة من التعارض بين العالم الموضوعي الذي نعيش فيه والذي نحن جزء منه، والطريقة المتأصلة ذاتيا التي ننظر بها لذلك العالم. يرى ناجل ان فهم العلاقات بين هاتين الرؤيتين الخارجية والداخلية هو اساسي لحل تلك المشاكل: "انها القضية الاساسية حول الاخلاق، المعرفة، الحرية، الذات، وعلاقة الذهن بالعالم المادي"(ص3). سنستعرض هنا المشاكل التي يشير اليها ناجل، ونسلط الضوء على الاهمية المركزية لهذه القضية ضمن الفلسفة.

الكلمات الاولى للكتاب تؤكد بوضوح ان ناجل يركز اساسا على مشكلة واحدة: وهي "كيف نجمع بين رؤية فرد معين داخل العالم مع رؤية موضوعية حول نفس ذلك العالم، الفرد ووجهة نظره جرى تضمينهما". بعد ذلك هو يذهب لمعالجة المشاكل المعينة التي يرى كل واحدة منها ليست الاّ مظهرا لتلك المشكلة الكلية الواحدة.

مشكلة رقم 1: كيف نفسر وجود التجربة الذاتية ضمن الكون المادي الموضوعي؟

هذه المشكلة هي صيغة حديثة لمشكلة الذهن/الجسم، اي، ما هي العلاقة بين الذهن والجسم؟ هل هما وجودان منفصلان، ام انهما مظهران مختلفان لشيء واحد؟ السؤال طُرح في مقال لناجل عام 1974 بعنوان"ماذا يعني ان تكون خفاشا؟"وجرى إحياء هذه المشكلة اخيرا في عمل شالمرس"المشكلة الصعبة للوعي (Chalmers، 1995).

يرى ناجل بانه على الرغم من اننا قد نفهم الطريقة التي يستخدم بها الخفاش الصدى لفهم عالمه، ليطير ويمسك الحشرات، لكننا لا نعرف ابدا ماذا يشعر الخفاش وهو يستعمل الصدى، ذلك بالضبط لأننا لسنا خفافيش. فهمنا لصدى الخفاش يمكن ان يكون فقط تفسير فسيولوجي ووظيفي، نحن لدينا فقط رؤية عن صدى الخفاش من الخارج. تصورنا للكيفية التي يشعر بها الخفاش بالصدى من الداخل وفهمه للعالم، هي نفس الطريقة التي نرى بها العالم مستعملين عيوننا . وبما ان صدى الخفاش كطريقة غريبة لفهم العالم قياسا برؤيتنا الانسانية، عندئذ يمكن الاستنتاج ان تجربة الصدى الداخلية للخفاش هي غريبة كليا عن تجربتنا البصرية، واننا سوف لا نعرف ابدا ماذا يعني ان تكون خفاشا.

الهدف من جدال ناجل هو لكي يبين ان هناك حقائق حول العالم ليست متاحة للفهم العلمي والموضوعي، حقائق يمكن معرفتها فقط من وجهة نظر محددة. الخفاش هو مثال على هذا. العلم ربما يكشف عدة حقائق حول الطريقة التي يطير بها الخفاش وكيف يتصرف وكيف يفهم العالم، من خلال الملاحظة والتجربة . غير ان هناك شيء واحد حول الخفاش لا يمكن كشفه وهو كيف يشعر بارتداد الصوت. هذه التجربة هي عالم خاص للخفاش. ناجل يمدد الجدال ليقول ان شعور التجربة الذهنية للانسان لا يمكن اختزاله الى مفاهيم موضوعية مادية.

كتب ناجل مقاله كتحدّي للسلوكيين الذين كانوا وقت نشر المقال في موقف فكري قوي. هذه الجماعة تدّعي اما ان الظاهرة الذهنية يمكن اختزالها كليا الى عالم مادي، كما عُرف بواسطة العلم، او انها لاتوجد ابدا. ناجل سعى لأعادة التاكيد على وجود الاثنين، وليبيّن انه لا يمكن اختزال الظاهرة الى اشياء مادية موضوعية.

رغم ان جدال ناجل هو مقنع ضد الاختزالية المادية، لكنه بطريقة ما هو ببساطة يعيد عرض المشكلة القديمة للذهن/الجسم. هو يجادل بان الذهن والمادة لهما خاصيتان متميزتان، الاول يمكن ممارسته فقط ذاتيا – من وجهة نظر الفرد، والاخر يُعرف موضوعيا، ولهذا فانهما لا يمكن ان يكونا نفس الشيء. وكما يقترح ناجل، هما ربما مظهران ثنائيان لنفس الجوهر. السبب الذي يجعل رؤية ناجال في هذا الادراك متميزة جدا عن الجدال الديكارتي التقليدي هو ان جداله يبدأ من وجهة نظر الشخص الثالث (3PA) (1). جدال ديكارت يبدأ من تقييم الوعي من خلال تحقيقات الشخص الاول (1PA) لخواص متميزة وغير اختزالية للوعي . منظور الشخص الثالث لناجل ينطوي على قوة وضعف.

مظهر الضعف يأتي بسبب ان المعارض له قد يجادل بان ما يقترحه ناجل في امتلاك الوعي ربما هو غير موجود. في مقال ناجل، يفترض ان الخفاش واع . لكن الحجة المضادة بسهولة ترى ان الخفاش طائر ليس له شعور داخلي ابدا. كذلك لا دليل على اي وعي للخفاش، هناك فقط المعرفة العلمية بسلوك الخفاش ووظيفته . ولكن الى اي مدى يمكن الاعتماد على هذه الحجة المضادة؟ اذا كان الخفاش غير واع فهل الكلب واع؟اذا كان الكلب غير واع فهل انسان اخر واع؟ بالتاكيد المعارض لا يستطيع الجدال بان الناس الآخرين ليس لديهم حياة ذهنية؟ ماذا يمكن ان تكون شخصية عبقرية متميزة كبيكاسو مثلا؟ الناقد يمكن ان يستمر بموقفه السوفسطائي، بان جدال ناجل هو غير صائب لأنه يبدأ بافتراض ان هناك اذهان واعية اخرى. لهذا الحد، يكون لاتجاه الشخص الاول افضيلته تجاه عرض ناجل للمشكلة، وعي الشخص الاول هو ببساطة هناك، واضح لذاته.

غير ان قوة جدال ناجل في الشخص الثالث هي في كونها تجعلنا نفكر في منظور غريب والذي لا يمكن تخيله تماما لنا ومختلف كليا عن الطريقة التي نفهم بها العالم كبشر، القارئ يأتي لإدراك ان هناك فرق نوعي بين الطريقة المادية الموضوعية للعالم، والطريقة الذاتية التي يُدرك بها بوعي. ان تجربة الخفاش لعالمه تختلف عن العالم المادي ذاته. من الصعب انجاز هذه المسألة وفق الصيغة الديكارتية للجدال لانه عندما يفكر شخص ما بوعيه الذاتي سيكون من الصعب فصل تصوره للعالم عما يكون عليه العالم ذاته: عندما أرى الكرسي، من الصعب فصل تصوري الواعي للكرسي عن الذرات والطاقة التي هي بالفعل تشكّل وجود الكرسي بالعالم المادي، والذي هو مستقل تماما عن رؤيتي له.

لكن جدال ناجل هو بالنهاية ايجابي، بصرف النظر عن مظاهر الضعف أعلاه، لأنه بالفعل يمكّننا من الاعتقاد بالفرق الحقيقي بين المعرفة الذاتية والموضوعية.

مشكلة 2: كيف نتأكد ان الطريقة التي نفهم بها العالم هي نفس الطريقة التي يكون فيها العالم حقا؟

من المؤكد، نحن ننظر للعالم وفق رؤيتنا الذاتية. عندما أنظر نحو أسفل طريق مستقيم، انا أرى الطريق وكل البيوت الممتدة على طول الطريق متناقصة في الحجم كلما ابتعدت عني. بالطبع، المنازل الممتدة على الطريق هي في الحقيقة ليست أصغر. تلك ببساطة الكيفية التي تبدو لي من نهاية الطريق بسبب المنظور البصري الذي خلقته زاوية نظري . لو أسير الى النهاية الاخرى للطريق، وانظر نحو الخلف الى البيوت من ذلك الموقع، فجأة أجد البيوت التي كانت أبعد وأصغر اصبحت أقرب وأكبر. انا أعرف ان البيوت هي حقا كلها بنفس الحجم وان الالتباس نتج لأني دائما انظر اليها من زاوية نظر. انا لا استطيع الهروب من المنظور، و لا يمكنني ابداً النظر مباشرة الى الطريق والبيوت بطريقة يختفي فيها الالتباس. المحصلة من هذا هو اننا نستطيع فقط معرفة العالم الخارجي من خلال توسّط رؤيتنا الذاتية. ومن هنا يُثار سؤال: كيف يمكن لنا ان نتأكد بان هذا الوسيط هو مؤشر جيد للعالم الخارجي؟ ماذا لو ان تصوري الذاتي هو أوهام او أحلام ؟ هذه الاسئلة اثارها ديكارت (1641) وهي امثلة عن مشاكل المعرفة الشكية.

رغم ان ناجل يعترف ويعالج هذه المشكلة، لكن تعليقاته لا ترقى الى الجواب. هو يكتب، "ان البحث عن المعرفة الموضوعية، وبسبب تبنّيها لصورة واقعية، فلا مفر من ان يكون البحث عرضة للشك الذي لايمكن دحضه ولكن يجب ان يتقدم البحث تحت ظلاله"(ص71). لذا فان الشك هو محصلة ضرورية للواقعية. وحتى لو قبلنا الواقعية كحقيقة (بمعنى، ان هناك اشياء وعمليات في العالم توجد مستقلة عني وعنك)، لكن تعليقات ناجل لا تجيب على الاتّهام الذي اثارته الشكية، بان العالم ربما يختلف عن الطريقة التي اعتدنا للاعتقاد بها من خلال تصوراتنا.

مشكلة 3: الرغبة الحرة والقدرية

العالم يُفهم موضوعيا كنظام من الأحداث التي تحدث طبقا للقوانين الطبيعية. في ضوء هذه الطريقة من الفهم، يبرز سؤال هل هناك مكان للفرد المستقل في ذلك النموذج الموضوعي ليتصرف برغبة حرة؟اشياء مثل الفرد المستقل والرغبة الحرة تبدو مفاهيم غريبة في العالم المادي. تلك المفاهيم هي عناصر ذاتية لنا لا ترتبط بفهمنا الموضوعي.

مشكلة 4: الاخلاق

المشكلة الاخلاقية هي في كيف نربط حاجات النظام الاخلاقي الموضوعي للمجتمع مع حاجات الافراد وافعالهم. هل يمكن لحاجات الاكثرية في المجتمع ان تهيمن على حاجات فرد معين (النفعية)؟ او هل ان الفرد دائما يُسمح له ليقوم بما يريد بصرف النظر عن النظام الاجتماعي (الفوضوية)؟ هنا تبرز الصعوبة في التوازن الذاتي/الموضوعي .

مشكلة 5: الاستدلال التجريبي

هذه المشكلة تُعد هامة بسبب تأثيرها على العلوم التجريبية. الاستقراء هو جوهر الطريقة العلمية. انه يسمح للعلماء بالتعميم من خلال الاستنتاج من حالات معينة او أحداث معينة. مشكلة الاستنتاج هي كيف نستطيع تبرير الاستدلال. هل فقط بسب ان جميع الغربان التي لوحظت حتى الان هي سوداء اللون، استطيع الاستنتاج بثقة ان كل الغربان سوداء؟هذا السؤال هام لأنه يستلزم العلاقة بين الملاحظة الذاتية لأحداث معينة و تكوين وتبرير تعميمات موضوعية.

من بين جميع المشاكل أعلاه، نجد المشكلتين الاولى والثانية يعبّران عن المشكلة الاساسية للعلاقة بين العالم الموضوعي والذاتي. المشكلة الاولى تسأل كيف نفهم التجارب الذاتية في ضوء وجود العالم المادي الموضوعي،، مشكلة 2 تسأل كيف يستطيع كل واحد منا بناء رؤية عالمية موضوعية موثوقة من وجهة نظرنا الذاتية المعينة. وكما يؤكد ناجل في المقدمة ان جميع المشاكل الموضحة أعلاه هي مظاهر لنفس المشكلة الكلية الأكبر، لكن هاتين المشكلتين تحديدا يمثلان الصعوبة الحقيقية في ربط وجهتي النظر.

 

حاتم حميد محسن

..............................

الهوامش

(1) وجهة نظر الشخص الاول عادة نتحدث فيها عن انفسنا او افكارنا او الاشياء التي تحدث لنا، هي محتوى ذهني ذاتي يعيه الشخص ويمكن ابلاغه الى الاخرين عند الطلب او الرغبة عبر الكتابة او التلفظ او السلوك المقصود مثل لغة الاشارة. من الامثلة على تفكير الشخص الاول (انا اشعر سعيد اليوم)، (انا ارى وردة ذات لون زهري)، (كان من الافضل ان اقوم به غدا). اما بالنسبة لتفكير الشخص الثالث (معرفة عن العالم الخارجي) فهو مشابه للاول مع اضافة الترابط العصبي والنفسي الذي يحصل للناس الذين يلاحظون او يقيسون العمليات الذهنية والسلوكية الاخرى. امثلة لفظية على ذلك (هو يبدو سعيدا)، (هي تنظر الى الوردة). وفيما يتعلق باسلوب الشخص الثاني فهو موجود لكنه اقل شيوعا من الاسلوب الاول والثالث، وعادة يُستخدم فيه الضمير (انت).

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الخامس والأخير عن الفروض المساعدة ودورها في ميثودلوجيا برامج الأبحاث عند إمري لاكاتوش، وفي هذا يمكن القول: من الأهمية بمكان أن نلاحظ أنه لا يمكن التنبؤ من النظرية فقط، ولكن من ارتباط النظرية مع الفروض المساعدة، وحقيقة فإنه بالكاد يمكن أن تعد الفروض المساعدة جزءا من النظرية .

فالنظرية هي مجموعة من القوانين، والقوانين هي العبارات التي نأمل أن تكون صادقة، ويفترض أنها صادقة بواسطة طبيعة الأشياء ولا يكون صدقها عرضيا فقط، ولا يكون للفروض المساعدة مثل هذه السمة فمثلا نحن لا نعتقد فعلا أنه لا يوجد أجسام سوي الشمس والأرض مثلا كما ورد في الفرض المساعد السالف الذكر، ولكن فقط كل الأجسام الأخري تمارس قوي ضئيلة بدرجة يمكن إهمالها .

فلا يفترض أن تكون الفروض المساعدة قوانين طبيعية، بل هي مجرد عبارات خاصة " بالشروط الحدية Boundary Conditions والتي تعتبر كحقيقة في نسق معينة . إن أحد الفروق الهامة بين النظرية و الفروض المساعدة هو العناية الفائقة التي يوليها العلماء عد ذكر النظرية، بينما أن الفروض المساعدة هي العرضة للمراجعة والتعديل والتنقيح وليس النظرية .

مثال ذلك لقد قبل قانون الجاذبية العامة لأكثر من مائتي عام باعتباره حقيقة لا تقبل المناقشة واستخدم كمقدمة في مبرهنات علمية لا حصر لها . أما الفروض المساعدة والتي لم تؤدي إلي تنبؤات ناجحة في هذه الأثناء فإنها هي التي عدلت وليس النظرية . فلقد أعتبر أن التنبؤات الخاطئة لم تكن نتيجة خطأ في النظرية ولكن نتيجة خطأ في الفروض المساعدة . ومن ثم فإن المتناقضات المصاحبة لنظرية الجاذبية لم تؤد إلي رفضها لأنه من المحتمل أن الخطأ كان في الفروض المساعدة .

ومثال ذلك عندما لاحظ الفلكيون وجود بعض الظواهر غير المنتظمة في حركة الكوكب أورانوس Uranus ولم يكن من الممكن تفسير هذه الظواهر علي أساس نظرية الجاذبية العامة افترض كل من ليفريه Leveries في فرنسا، وأدامز Adams في إنجلترا وجود كوكب آخر لم يكتشف بعد هو المتسبب في الحركات غير المنتظمة لأورانوس . ولقد ثبت صحة هذا الافتراض عندما اكتشف الكوكب نبتون فيما بعد .

ويمكن أن نوضح الرسم التخطيطي لدور الفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني، وذلك علي النحو التالي :-

إن نظرية نيوتن الكاملة (ولنرمز لها بالرمز ن) تكونت من ثلاثة قوانين في الحركة (ن1، ن2، ن3) بالإضافة إلي قانون الجاذبية ن4 . ومع ذلك، فإنه لا يمكن أن نستمد من ن في حد ذاتها أية نتائج قابلة للملاحظة فيما يخص نظام المجموعة الشمسية . ولكي يتسني لنا ذلك فنحن في حاجة إلي إضافة عدد من الفروض المساعدة إلي ن : منها علي سبيل المثال أنه لا توجد قوى أخري تؤثر في الكواكب غير قوي الجاذبية، وأن التجاذب فيما بين الكواكب ضئيل جدا إذا ما قورن بالتجاذب بين الشمس والكواكب، وأن كتلة الشمس أكبر بكثير من كتلة الكواكب، وهكذا .

ودعونا نرمز لمجموعة الفروض المساعدة هذه التي تلائم حالة ما، بالرمز أ . ستكون لدينا الآن الصياغة الرمزية الأتية : إذا كانت ن1، ن2، ن3، ن4، أ صادقة فإن ل تكون صادقة، لكن ل كاذبة

يلزم عن ذلك كذب (ن1، ن2، ن3، ن4، أ) يلزم أن يكون عنصر علي الأقل من المجموعة (ن1، ن2، ن3، ن4، أ) كاذبا، لكننا لا نستطيع أن نقول أيا منها كذلك .

وكما يوضح تاريخ العلم، غالبا ما تكمن مشكلة حقيقية في البحث العلمي عند تحديد فرض ينبغي تغييره من بين مجموعة من الفروض . وأن نتأمل علي سبيل المثال كشف كل من آدامز ولوفيرييه لكوكب نبتون عام 1846 فمن خلال نظرية نيوتن "ن" بالإضافة إلي الفروض المساعدة، تمكن الفلكيون من حساب المدار النظري لكوكب أورانوس (أبعد الكواكب التي عرفت وقتها).

لم يتفق هذا المدار النظري مع المدار الذي تم ملاحظته . وهذا كان يعني أنه إما أن تكون ن أو أحد الفروض المساعدة كاذبة . توصل آدامز ولوفيرييه إلي حدس افتراضي مفاده أن الفرض المساعد المتعلق بعدد الكواكب كان خاطئا وافترضا وجود كوكب جديد أبعد من أورانوس، وهو كوكب نبتون وحسبا كتلته والموقع الذي يجب أن يكون موجودا فيه حتي يتسبب في الاضطراب الملحوظ في مدار أورانوس . وفي 23 من سبتمبر عام 1846 تم رصد كوكب نبتون منحرفا 52 درجة فقط بعيدا عن الموقع المتنبأ به .

وهذا الجانب من القصة معروف جيدا لكن ثمة أحداثا تالية ترتبط أيضا بدور الفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني . إذ واجه علماء الفلك في ذلك الوقت، صعوبة أخري تتعلق بعدم انتظام حركة الحضيض الشمسي لكوكب عطارد التي وجد أنها تتقدم أسرع قليلا مما ينبغي أن تكون عليه وفقا للنظرية القياسية . حاول لوفبرييه أن ينهج النهج نفسه، الذي اتبعه في تفسير عدم الانتظام الذي كان يعتري حركة كوكب أورانوس، والذي تكلل للنجاح .

فافترض وجود كوكب أقرب إلي الشمس من كوكب عطارد، وأطلق عليه اسم فلكان Vulcan وله من الكتلة والمدار وإلي غير ذلك ما قد يفسر الزيادة في حركة الحضيض الشمسي لعطارد . ورغم ذلك لم يستدل علي وجود مثل هذا الكوكب .

إن الفرق هنا يكون ضئيل للغاية . وفي عام 1898 قدر نيوكومب قيمته بما يساوي 41024 درجة أي بما يقل عن جزء من ثمانين من الدرجة في كل قرن . ورغم ذلك فإن الانحراف الضئيل للغاية في حركة كوكب عطارد قد تم تفسيره بنجاح بواسطة النظرية النسبية العامة " ن " التي توصل إليها أينشتين عام 1915 لتحل محل نظرية نيوتن " ن " . فقيمة الزيادة في الحركة غير المنتظمة للحضيض الشمسي لكوكب عطارد قد تم تقديرها من خلال النظرية النسبية العامة كانت 42089 درجة في كل قرض، وهو رقم يقع ضمن النطاقات التي وضعها نيوكومب .

ونري أنه علي الرغم من التشابه الشديد الذي يبدو للوهلة الأولي لعدم الانتظام في حركة كل من أورانوس وعطارد، فإن النجاح تحقق في احدي الحالتين بتعيد أحد الفروض المساعدة أما في الحالة الأخري فكان من خلال تعديل النظرية الرئيسية نفسها .

هذا هو الدور الخاص بالفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني، ويمكننا هنا أن نقدم شرح للمخطط الذي قدمه فيلسوف العلم الشهير هيلاري بوتنام " لاكتشاف كوكب نبتون في إطار النموذج الاستنباطي الناموس، وهو في هذا يعضد الموقف الذي اتخذه لاكاتوش إزاء الفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني:-

يبدأ الأستاذ بوتنام لاكتشاف كوكب نبتون من خلال تقديم مخططات للمشكلات العلمية في إطار النموذج الاستنباطي الناموسي، وهذه المخططات هي :-

           (1)                     (2)                          (3)

             نظرية                  نظرية                        نظرية

        عبارات مساعدة              ؟؟؟؟                        ؟؟؟؟؟

                 ـــــــــــــــــــــــــــ    ــــــــــــــــــــــــــــ      ــــــــــــــــــــــــــــ

    التنبؤ – صادق أم كاذب     الواقعة المراد تفسيرها           ؟؟؟؟؟

ويعرض المخطط الأول لمشكلات علمية . وفي نمط المشكلة لدينا نظرية ولدينا نظرية ولدينا بعض العبارات المساعدة AS وتوصلنا إلي تنبؤ . ومشكلتنا هي أن نعرف ما إذا كان التنبؤ صادقا أو كاذبا، والحالة مؤكدة بمعيار فلسفة العلم . أما المخطط الثاني للمشكلة فهو مختلف تماما . ففي هذا المخطط من المشكلة لدينا نظرية ولدينا واقعة مفسرة، بيد أننا نفتقد بعض العبارات المساعدة AS، والمشكلة هي أن نعثر علي AS إن أمكن، وهي صادقة أو صادقة تقريبا (أعني أنها تبسيطات عالية نافعة الصدق)، وقد تلحق بالنظرية لنحصل علي تفسير للواقعة . أما المخطط الثالث فيعرض نظرية وبعض العبارات المساعدة، وتصبح مهمتنا هي أن نعرف ما هي النتائج التي يمكننا أن نتوصل إليها. وهذا المخطط الأخير غير مهم لأن المشكلة رياضية بحتة .

ويوضح بوتنام بعض الأفكار الأساسية التي تظهر في تلك المخططات، فيشير إلي النظرية العامة – مثل نظرية الجاذبية العامة – لا تستلزم أي عبارات أساسية . ويعود ذلك إلي أن لكل حركات الأجسام الطبيعية تتفق معها، ما دامت النظرية لا تقول شيئا عن القوي الموجودة بخلاف قوة الجاذبية التي لا تقبل القياس بصورة مباشرة .

وعلي هذا فإذا أردنا استنباط تنبؤات من النظرية – كي نطبقها علي موقف فلكي – فلا بد من تقديم بعض الافتراضات المساعدة . وعلي سبيل المثال عندما نطبق هذه النظرية علي مدار الأرض سيتعين أن نقدم بعض الافتراضات التقريبية، مثل :

1- لا توجد أجسام باستثناء الشمس والأرض .

2- الشمس والأرض يوجدان في فراغ تام .

3- الشمس والأرض لا يخضعان لقوي جاذبة العامة مع العبارات المساعدة أن نستنبط بعض التنبؤات.

لكن العبارات المساعدة ليست صادقة تماما . ولذا نجد العلماء يقدمونها بصورة غير حذرة وموقنة علي العكس ما يفعلون مع النظرية . وبالتالي تخضع هذه العبارات لمراجعة جذرية دائما. ويضرب بوتنام مثلا علي فكرته السابقة بمدار كوكب أورانوس، فقد أثبتت ملاحظات العلماء خطأ التنبؤات القائمة علي أساس نظرية الجاذبية العامة UG ومع افتراض أن الكواكب المعروفة عندئذ هي كل الكواكب الموجودة . وقد تنبأ العالم ليفريه في فرنسا وأدامس في إنجلترا بأنه لا بد من وجود كوكب آخر . وتم اكتشاف ذلك الكوكب بالفعل، وكان هو كوكب نبتون .

إن بوتنام يري أن تلك الحالة التاريخية تضرب مثلا علي فكرة كون عن حل المعضلات، كما يري أن المخطط الثاني يعتبر النموذج المناسب لعرض هذا النشاط فلو سلمنا بصحة الوقائع المعروفة عندئذ عن مدار أورانوس والوقائع المعروفة قبل عام 1864 المتعلقة بالأجسام التي تؤلف النظام الشمسي، والمعيار AS، حيث أن تلك الأجسام تتحرك في فراغ تام، وتخضع فقط لقوي جاذبية متبادلة، الخ . ومن الواضح أن مشكلة ما كانت تواجههم : إذ لا يمكن حساب محور أورانوس بنجاح إذا أفترضنا وجود جميع الكواكب : عطارد والزهرة وزحل وجوبيتر وأورانوس، وافترضنا أنها مع الشمس تؤلف النظام الشمسي الكلي . فلنجعل s1 متجاورة مع AS المتعددة التي سبق أن أشرنا إليها من قبل، ويشتمل ذلك العبارة التي يحتوي فيها النظام الشمسي علي الأجسام المشار إليها علي الأقل . ولكن من الضروري فقط . وعندئذ تواجهنا المشكلة التالية :

نظرية : UG

S1: AS

عبارات مساعدة إضافية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المفسر : مدار أورانوس

وهذه المشكلة لم تصل إلي قوانين تفسيرية أبعد (برغم أنها قد تصل أحياناً في مشكلة تعبر عنها صورة المخطط 3)، وإنما نصا إلي افتراضات أبعد من الشروط الأولية والحدية المتحكمة في النظام الشمسي، بالإضافة إلي قانون الجاذبية العامة والقوانين الأخري التي تؤلف UG (أعني قوانين الميكانيكا النيوتونية) سيتمكن المرء من أن يفسر مدار أوارانوس . فإذا لم يفرض المرء أن تكون العبارات المحذوفة صادقة أو صادقة بصورة تقريبية، سيكون لدينا عندئذ عددا لانهائياً من الحلول المعبر عنها رياضيا إلي حد بعيد . وحتي إذا ضمن المرء في S1 أنه ليس ثمة قوي جاذبية تؤثر علي الكواكب أو الشمس، فسيظل هناك عددا لا نهائيا من الحلول . بيد أن المرء يختبر أولا الفرض الأبسط، أعني :

نظرية : UG

S1.S2: AS

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نتيجة ؟؟؟ - تثبت في النهاية أنها ذلك الكوكب غير المعروف والذي ينبغي أن يكون له مدار معين صفر

وهذه المشكلة تعد مشكلة رياضية ساهم كل من ليفريه وآدامس في حلها (مثال للمخطط 3). لكن حل تلك المشكلة طرح مشكلة أخري هي :

نظرية : UG

S1.S2: AS

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنبؤ : هل يوجد كوكب يتحرك في مدار صادق أم كاذب ؟

وتعد هذه المشكلة مثالا للمخطط 1 – وهو مثال يفترض المرء عادة لأن أحد عبارات AS، أعني العبارة S2لانعرف علي الاطلاق أنها صادقة ويشار في الواقع إلي S2 علي انها فرض ذو مستوي – منخفض نروم اختباره . بيد أن الاختبار لا يعد اختبارا استقرائيا بالمعني المعتاد، لأن تحقيق لـ S2 – أو هو بالأحري الصدق التقريبي لـ S2 (والتي تعد جميعها ذات أهمية قصوي في هذا السياق)- فلم يكن الكوكب نبتون هو الكوكب الوحيد غير المعروف في عام 1846، وإنما كان هناك بلوتو الذي اكتشف فيما بعد . والواقع أننا كنا نولي اهتماما بالمشكلة عالية في العام 1846، لأننا نعرف أنه إذا كان التنبؤ سيثبت في النهاية أنه صحيح، إذن فذلك التنبؤ هو علي وجه التحديد العبارة S3 التي نحتاج إليها للاستنباط الأتي :

نظرية : UG

S1.S2: AS

ـــــــــــــــــــــــــ

المفسر : مدار أورانوس

وتشير العبارة S3 إلي أن الكوكب المشار إليه في S2 له علي وجه الدقة المدار " صفر" وتلك العبارة هي حل المشكلة التي بدأنا بها . ويستنتج بوتنام ما يلي " أريد أن أقترح أن المخطط الثاني يعرض الصورة المنطقية لما يطلق عليه كون أسم معضلة " ويبحث المرء في هذا النوع من المشكلات العلمية عن شئ ما يسد ثغرة، لكنه لا يحاول استنباط تنبؤات من النظرية، فمشكلته بالأحري تتمثل في إيجاد بعض العبارات المساعدة المناسبة . وبناء علي هذا، تصبح لنظرية العلمية قابلة للتكذيب أو التأييد، ولذا يقول بوتنام " إن مظاهر الفشل لا تكذب النظرية، نظرا لأن الفشل ليس تنبؤا كاذبا من النظرية عندما نضيف إليها وقائع معروفة موثوقا من صحتها . فالفشل هو إخفاقنا في أن نجد شيئا ما، أي أن نجد العبارات المساعدة . ومن ثم فالنظريات تكون إلي حد ما كبير منيعة من التكذيب إثناء مدة سيطرتها .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

علي رسول الربيعيالمقدمة: أن المقصد الأسنى والدافع الأساس للبحث في سياقات نصوص أدورنو وفوكو و وقضاياها ومناهجهم النقدية وأواتها، إضافة الى خلفياتهما الفلسفية وابعادها. وماذا كانت متشابهة رؤاهم أم لا، والنظر في في أراء المفكرين الذين تعاملوا هم معها، وتناول بعض موضوعاتهم البارزة تاريخياً ضمن التقاليد الفلسفية، ومناقشة مقارباتهم النقدية، هو في المطاف الأخير الأمساك في العقل النقدي الغربي وهو يمارس نقد الذات المنعكسة على ذاتها، أيً ننظر في مسـالك نقده ذاته حتى ما يمكننا هذا من التدرب على التفكر النقدي والتعلم من نقدهم في كسر الدوغمائيات التي تطوق العقل الجمعي لمجتمعاتنا وكيفية أستعمال الأدوات المنهجية والمفاهيم الأجرائية والمنجزات المعرفية لفتح أنغلاقات الروح الفردية والجمعية للمجتمعات في السياق العربي- الإسلامي.

بروفايل

زار أدورنو باريس عدة مرات خلال الخمسينيات والستينيات، حيث ألقى محاضرات في كلية فرنسا (الكولج دي فرانس) والسوربون.[1] ومع ذلك، لم يشر (في الأعمال المنشورة على الأقل) إلى ما يمكن أن يُعرف باسم ما بعد البنيوية أو بشكل أكثر تحديداً الى فوكو.[2] ومع ذلك، أشار فوكو إلى مدرسة فرانكفورت - أو النظرية النقدية - في عدد من المناسبات. قال فوكو لدوشيو ترومبادوري في مقابلة أجريت معه في عام 1978، أنه ما أن تعرف على النظرية النقدية حتى أدرك أن منظريها قالوا بالفعل أشياء كان "يحاول أن يقولها لسنوات عديدة: ولو كان قد علم بعملهم في وقت سابق، لكان هناك اشياء عديدة "لم يكن في حاجة إلى أن يقولها"، وكان سيتجنب بعض الأخطاء: وقال أنه افتتن بالمنظرين النقديين لدرجة أنه لكان "لم يفعل شيئًا آخر سوى التعليق عليهم":[3]

على الرغم من أن هذه الملاحظات تكشف أن فوكو كان على دراية بالنظرية النقدية، إلا أنه ليس من الواضح على الإطلاق ماهيً الأعمال التي قرأها. ذكر فوكو في حديثه مع ترومبادوري، كتابًا كتبها أوتو كيرشهايمر ومنظرين أقل شهرة، مثل جورج روش مؤلف كتاب " العقاب والبنية الاجتماعية"، والذي استشهد به في كتابه المراقبة والمعاقبة.[4] وقد أشار فوكو إلى أن هذا الكتاب أثار اهتمامه بالنظرية النقدية، وأضاف، أنه قد قرأ "بعض نصوص ماكس هوركهايمر" لكن دون أن يذكرها.[5] و لم يشر مطلقًا، في هذه المقابلة أو في أي أعمال منشورة أخرى – في حدود معرفتي-، إلى أي من أعمال أدورنو. هذا الأمر أكثر إثارة للدهشة لأن فوكو أخبر مارتن جاي ذات مرة في محادثة خاصة في عام 1980 أنه رأى موازاة مذهلة بين تحليله الخاص للمجتمع التأديبي والقسري وأراء أدورنو في هذا السياق.[6] يبدو أن ذكره الوحيد للنص الذي كتبه أدورنو قد تم في سياق محادثة أخرى غير منشورة حيث قيل له أن هابرماس معجب بجديلية التنوير - وهو كتاب شارك أدورنو في تأليفه مع هوركهايمر.[7]

حاول بعض المعلقين استكشاف أوجه التشابه بين عمل أدورنو وفوكو طبقاً لما ذكر فوكو في محادثته مع جاي. كذلك نجد هناك محاولتين مبكرتين، شارك بهما كل من أكسل هونيث في مقارن موجز، عن أدورنو وفوكو، و كذلك حاول ديفيد هوي استكشاف بعض الصلات بينهما في سياق دفاعه عن فوكو ضد هابرماس.[8] إن تقييماتهم جديرة بالملاحظة، ليس فقط لأنها نادرة نسبياً كمصادر ثانوية عن أدورنو وفوكو، ولكن لأنها تقدم رؤى مهمة عملهما. لم تكن منشورة محاضرات أدورنو وفوكو في الوقت الذي كتب فيه هونيث وهوي كما هو واضح من تاريخ أصدارتهما. فقراءة هكذا مقالات ومقابلات تعطي أمكانية تقديم شكلاً أكثر دقة لفكر أدورنو وفوكو، مما يجعل من الممكن إجراء تقييم أكثر ثراءً لأفكارهم. الآن بعد نشر العديد من النصوص لأدورنو وفوكو، اصبحت متاحة ويمكن الوصول اليها بسهولة.

على الرغم من الاختلافات الكثيرة بين أدورنو وفوكو والتي تجعل من المستحيل اختزال أحدها بالآخر، فإن نظرياتهم تتقارب عندما يدرسان التشكيل الدقيق لهوياتنا الخاصة وتقييم احتمالات صمودها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] Miiller-Doohm, Stefan. Adorno: A Biography. Translated by Rodney Livingstone.Cambridge: Polity Press, 2005.pp. 403,407 and 448.

[2] توفي أدورنو بنوبة قلبية بعد بضعة أشهر من صدور كتاب فوكو أركولوجيا المعرفة في مايو 1969. على الرغم من أنه لم يذكر أبداً ما بعد البنيوية، إلا أنه كان على دراية بالتيارات الفكرية في فرنسا فقد ذكر أعمال ليفي شتراوس وجاك لاكان في محاضراته عام 1968 في علم الاجتماع. انظر:

'Sociology and Psychology'. Translated by Irving N. Wohlfarth. New Left Review 47 (1968), pp. 79-97.

[3] Foucault, 'Interview with Michel Foucault'. Essential Works:Power ,p. 274.

[4] Foucault, Discipline and Punish, p. 24. وأنظر ايضا Rusche and Kirchheimer, Punishment and Social Structure.

oucault, 'Interview with Michel Foucault', Essential Works: Power, p. 273.

[5] Jay, Martin.Adorno. London: Fontana, 1984.22.

[6]Martin Jay, Adorno, p. 22.

[7] تحدث جيمس ميلر عن هذه المحادثة في The Passion of Michel Foucault، pp. 456-7 n. 52.

[8] أ،ظر:

Axel Honneth, Honneth, Axel. The Critique of Power: Reflective Stages in a Critical Social Theory.Translated by Kenneth Barnes.Cambridge MA: The MlT Press, 1991.

Hoy, David Couzens and McCarthy, Thomas. Critical Theory. Oxford: Blackwell, 1994. Jameson, Fredric. Late Marxism: Adorno, or, the Persistence of the Dialectic. New York:

Verso, 1990.

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الثالث عن الفروض المساعدة ودورها في ميثودلوجيا برامج الأبحاث عند إمري لاكاتوش، وفي هذا يمكن القول: إن إعادة البناء العقلاني للعلم في تصور لاكاتوش قائم علي أن النظرية العلمية المتقدمة هي النظرية التي تنتقل فيها نظرية ما إلي الأمام ومعها محتوي معرفي وتجريب ومنطقي أكبر من نظرية أخري مما يؤدي إلي سلسلة من الاكتشافات لوقائع جديدة . إن ما حاول لاكاتوش أن يقوله هنا هو أن النظرية العلمية التقدمة لم تعد كما كان يؤكد علي ذلك أصحاب الوضعية المنطقية، متقدمة باتفاقها مع الوقائع الملاحظة، بل أصبح المعيار التجريبي لتقدمها يكمن في تقديم النظرية العلمية لوقائع جديدة؛ يقول لاكاتوش:"إذ قدمنا نظرية لحل تناقض بين نظرية سابقة ومثل مناقض بطريقة تجعل النظرية الجديدة تقدم فقط إعادة تفسير مبني علي تناقض المحتويات (لغوياً)، بدلاً من تقديم تفسير مبني علي زيادة في المحتويات (علمياً)، فإن التناقض يحل بطريقة لا تتعدي تفسير معاني الكلمات، غير العلمية . فواقعة معينة تفسر علمياً فقط إذا فسرت واقعة جديدة أخري معها .

ومن هذا المنطلق نود أن نتساءل: ماذا لو كان لدينا سلسلة من النظريات لديها محتوي معرفي أكبر وتتنبأ بوقائع جديدة، ولكن يوجد في هذه السلسلة بعض النظريات المتناقضة؟

يجيب لا كاتوش بأننا لو كان لدينا هذه السلسلة من النظريات ويوجد بينها عدد قليل من النظريات المتناقضة، فإننا لا بد أن نستبعد الواحدة تلو الأخري من تلك النظريات المتناقضة، حتي إذا كان لدينا نظريتان في النهاية نفاضل بينهما عن طريق معرفة أيهما تقدم المحتوي الأكبر المعزز الذي يمدنا بشكل التقدم الذي تتخذه النظرية .. أما سلسلة النظريات المتبقية فإنها تشكل متصلا يستمر ويلتحم ليشكل برامج للبحث .

وهنا يصل لاكاتوش إلي نفس النتيجة التي وصل إليها كلا من بوبر وتوماس كون، ولكن لأسباب مختلفة،  فنحن نعرف أن بوبر ذهب إلي  لا علمية نظريات التنجيم والتحليل النفسي والماركسية لعدم قابليتها للتكذيب، كما أن كون وصل إلي نفس النتيجة ولكن بسبب عجز هذه الأنساق عن تكوين أسلوب لتكوين وحل الألغاز . أما لاكاتوش فيري أن هذه الأنساق لم تنجح في التنبؤ بوقائع ناجحة غير مطروقة أو غير  متوقعة . فهل نجحت الماركسية في ذلك ؟ لم يحدث علي الإطلاق، علي العكس فللماركسية تنبؤات فاشلة معروفة . فقد تنبأ الماركسيون بالفقر المطلق والأكيد للطبقات العاملة، كما تنبؤا بحتمية حدوث الثورة الاشتراكية الأولي في أكثر البلدان الصناعية تقدما، وأن المجتمعات الاشتراكية ستخلو من الثورات والإضرابات العمالية، وبعدم حدوث صراع أو تضارب في المصالح بين الدول الاشتراكية . ونحن لا ننكر بالطبع أن هذه التنبؤات العلمية عند نيوتن وأينشتين، ولكن الفارق الأساسي بينهما هو أن هذه التنبؤات الأخيرة فشلت جميعاً . وكلنا يعرف ما حدث للاتحاد السوفيتي السابق عقب تفكك الجمهوريات السابقة وانهيار النظام الشيوعي في معظم البلدان التي أخذت به . ويبدو الموقف لنا وكأن لاكاتوش كان لا يستقرئ فعلا ما سوف يحدث بعد وفاته بثلاثة عقود . فقد رفض الماركسيون بعد فشل تنبؤاتهم الاعتراف بهذا الفشل، ومن ثم حاولوا تفسير وتبرير هذا الفشل . ففسروا ارتفاع مستوي معيشة الطبقات العاملة في البلدان الصناعية باختراع نظرية الامبريالية العالمية، وفسروا سبب حدوث الثورة الاشتراكية الأولي في روسيا المتخلفة صناعيا آنذاك بدلا من حدوثها في أحد البلدان المتقدمة، كما فسروا حدوث ثورات شعبية في البلدان الاشتراكية كالتي حدثت في برلين عام 1953 وبودابست عام 1956 وبراج عام 1968، وأخيرا فسروا الصراع بين البلدان الاشتراكية ذاتها كالصراع بين روسيا والصين . وقد استعانوا في كل هذه التفسيرات بفروض مساعدة إضافية ثم تلفيقها بعد وقوع الأحداث وليس قبلها كما يحدث في النظريات العلمية .

ومن جهة أخري اعترض لاكاتوش علي بوبر بشأن التقدم العلمي، فقد أكد بوبر  علي اختبار الفرض علي حده وبصورة منفصلة، وأعد ذلك مسألة جوهرية لتقدم العلم وقياس ما يضاف إليه حقيقة، فالذي لا شك فيه أنه لا يمكن أن يقرر أحد إذا كانت نظرية جسورة مهما كانت، وذلك عن طريق اختيارها علي انفصال، لكن فقط عن طريق اختبارها في ضوء سياقها المنهجي التاريخي .

وهذا معناه أنه إذا كان بوبر في محاولته للتقدم العلمي يؤكد عمومية النظرية العلمية، مع وضع في الاعتبار تكذيب النظرية اللاحقة للنظرية السابقة عند تناقضها، فإن لاكاتوش يؤكد علي أن أي نظرية تتمثل وتولد في خضم هائل من التناقضات، ومن ثم يمكن عمل تعديل في النسق النظري العلمي، وطبقا لذلك رأي لاكاتوش أن أي برنامج بحث يتألف من قواعد منهجية ؛ يقول لاكاتوش : " طبقاً للمثيودولوجيا التي أدعو إليها، فإن الإنجازات العلمية العظيمة ليست سوى برامج بحث يمكن تقييمها في حدود مشكلة الدورات المتقدمة والمتفسخة، حيث تشمل الثورات العلمية على برنامج بحث واحد (يتخطى في التقدم آخر) ويحل محله . وتسعى هذه الميثودولوجيا إلى إعادة بناء عقلاني جديد للعلم .

ويؤكد لاكاتوش أن هذه الميثودولوجيا  تقدم برامج البحث صورة عن لعبة العلم تختلف كثيراً عن الصورة التي تقدمها ميثودولوجيا التكذيبي . حيث أن أفضل استهلال افتتاحي ليس افتراضاً يمكن  تكذيبه . (ويكون لذلك متسقاً)، وإنما هو برنامج  بحث .

وهنا يقترح لاكاتوش وحدة جديدة للتقييم، فبدلاً من النظريات المؤيدة التي قدمها بوبر والنماذج الإرشادية التي قدمها كون ، يركز هو علي برامج الأبحاث العلمية . ويرفض لاكاتوش السؤال الأساسي للوضعية المنطقية وهو متي تكون النظرية مقبولة؟ أي متي تكون مبررة بالمعني الذي يوضح أنها صادقة أو علي الأقل محتملة الصدق بدرجة ملائمة؟ كما أنه يرفض السؤال الذي طرحه كون وهو: متي يتحتم علينا قبول نموذج إرشادي في العلم؟ حيث تتمثل الإجابة في إجماع العلماء علي احترام نموذج إرشادي معين، وحيث يتخلي كون عن معيار الإثبات أو التأييد الاستقرائي التجريبي والذي يعد معيارا موضوعيا، ويتخلي أيضا عن المدي المفاهيمي البوبري للتعزيز بوصفه معيارا عرضه للخطأ، والذي يعد أيضاً معياراً موضوعياً، يتخلي كون عن كل ذلك لأجل الاتفاق الذي يتسم بطابع الذاتية . ومثلما فعل كون نجد لاكاتوش أيضا يتخلي عن سائر الأسئلة المطروحة سابقا ويطرح سؤالا جوهريا مؤداه: متي يكون من المعقول أن نقبل أو نرفض برنامج بحث .

لم يغفل لاكاتوش الدلالة التاريخية لنمو النسق العلمي أو الأنساق العلمية، أي لم ينظر إلي النظرية منفردة، بل برنامج متكامل للبحث، وذلك لأن التقدم العلمي عنده يتم بالانتقال من برنامج متدهور إلي آخر تقدمي، وهذا ما جعله علي خلاف مع كثير من فلاسفة العلم المعاصرين وخصوصا كارل بوبر علي الرغم من أنه أخذ منه الكثير من الأفكار تطبيقها ويتألف برنامج البحث العلمي عند لاكاتوش من ثلاثة أشياء:

1- النواة الصلبة .

2- الحزام الواقي .

3- الموجه الإيجابي والسلبي.

أو يتألف من جزئين بنائيين هما:

- النواة الصلبة والحزام الواقي في ضوئهما يقدم نظاما من الاستمرارية لأي سلاسل من النظريات العلمية.

- قاعدتين منهجيتين رئيسيتين : قاعدة الموجه الايجابي وقاعدة الموجه السلبي.

النواة الصلبة (Hard Core ) : بالنسبة لأي برنامج بحث علمي تبدو ثابتة ومحددة وتتألف من معتقدات رئيسية للبرنامج، وهي ليستموضع جدال أو تساؤل . وهذا يعني أنه إذا لم يسلم أي باحث بصحة النواة الصلبة بالنسبة لبرنامج البحث، فإنه في حل في أن يترك برنامج البحث، أي أن النواة الصلبة بمثابة البديهيات والمصادرات النظرية الأساسية بالنسبة لأي برنامج، كما أنها لا تخضع للتكذيب، ولا تقبل التفنيد فهي فرضيات عامة جدا هي اللب أو الصلب الذي علي أساسه ينمو برنامج البحث ويتطور.

رابعاً : دور الفروض المساعدة في قبول أور رفض برنامج بحث:

تتناول منهجية لاكاتوش القرارات التى يتخذها العلماء والاختبارات التى يقدمون بها . هذه القرارات والاختيارات التى يتخذونها عن طريق تبنيهم لنواة صلبة ولمساعد على الكشف الإيجابي . والمساعد على الكشف الإيجابي هو سياسة للبحث أو " تصميم أو خطة تم تصورها مسبقا " يختار المشتغلون بالعلم تبنيها. والمشاكل التى يختارها العلماء المشتغلون على برامج للبحث اختبار عقلانية، هى المشاكل التى يحددها المساعد على الكشف الإيجابي ؛ ويقول لاكاتوش: " طبقا للميثودولوجيا  التى أدعو إليها، فإن الإنجازات العلمية العظيمة ليست سوى برامج بحث يمكن تقييمها فى حدود مشكلة الدورات المتقدمة والمتفسخة، حيث تشتمل الثورات على برنامج بحث واحد (يتخطى فى التقدم آخر) ويحل محله .

وهنا يقول إيان هايكنج :" كان لاكاتوش يولي اهتماما كبيرا بتعيين الحدود الفاصلة لما هو علم، حيث أن الميثودلوجيا التي يدعو إليها معيارية إلي درجة أنها قد تحكم علي بعض الأحداث الماضية في العلم بأنها ما كان ينبغي عليها أن تسير علي هذا المنوال . بيد أن فلسفته لا تيسر أي تقييمات متقدمة لنظريات علمية متنافسة في الوقت الحاضر . وإنما توجد علي الأكثر مؤشرات قليلة بأنها مشتقة من " ميثودولوجيته " فهو يقول أننا ينبغي أن نكون متواضعين في آمالنا المتعلقة بمشروعاتنا الخاصة، لأنه قد يكون للبرنامج المتنافسة الكلمة الأخيرة . وعندما لا يسير برنامج أحد منا في الطريق القويم ينفسح المجال أمام العناد، فيضحي تكاثر النظريات، والتساهل في التقييم، والتقييم المشرف عندئذ هي الطرق المتبعة لرؤية أي برنامج هو الذي يثمر نتائج ويواجه تحديات جديدة .

والسؤال الآن، متي يتم استبعاد برنامج بحث علمي طبقا لميثودولوجيا  لاكاتوش؟ إن استبعاد برنامج بحث علمي يأتي عندما يقدم برنامج البحث العلمي الجديد المنافس تفسيرا لنجاح برنامج البحث العلمي السابق عليه، وتقديم خطوات تجريبية إيجابية، ويتنبأ بوقائع جديدة أكثر من برنامج البحث العلمي السابق . ولكن ليس معني هذا الاستغناء عن برنامج البحث العلمي السابق، يقول لاكاتوش " إن برنامج البحث العلمي الجديد الذي يدخل في منافسة ربما يبدأ بتفسير وقائع قديمة بطريقة جديدة ولكن ربما يأخذ وقتا طويلا قبل أن يري ويقدم وقائع جديدة حقيقية ".

وفي فقرة أخري يقول لاكاتوش:" " لا يوجد هناك تجارب حاسمة إذا عنينا بذلك تجارب تؤدي مباشرة إلي القضاء علي برنامج معرفي معين . وفي الحقيقة فإنه في حال انهزام برنامج بحث معرفي واستبداله ببرنامج معرفي آخر، يمكننا مستفيدين من مرور فترة طويلة من الزمن " تسمية تجربة حاسمة إذا ظهرت جلياً أنها كانت مؤيدة للبرنامج المنتصر وداحضة للبرنامج المهزوم "، " وبعبارة أخري لا يعير العلماء آذانهم بسهولة إلي نتائج التجارب السلبية بادئ الأمر ولابد من مرور فترة طويلة من الأبحاث والاختبارات كي يقبل سوادهم بفشل النظام المعرفي الذي دحضته التجربة، فلا تصبح هذه الأخيرة حاسمة في انهزامه إلا بعد أن تكون قد ترسخت النظرية الجديدة في الأوساط العلمية، فيمكننا فقط عندها القول بأنها تجربة حاسمة .

وقد تأخذ الأمور منحي أكثر تعقيداً حسب لاكاتوش :" فإذا وضع عالم من أنصار المعسكر المهزوم بعد بضع سنوات تفسيراً علمياً لما دعي بـــ "التجربة الحاسمة" يجعلها متفقة مع البرنامج المهزوم، فإن صفة الشرف يمكن نزعها عن تلك التجربة وتتحول بذلك " التجربة الحاسمة " من هزيمة إلي نصر للبرنامج القديم .

وهكذا قد تستمر نظرية ما في مقاومة التغيير لفترات طويلة، وقد تصبح عائقاً أمام أي محاولات جدية لدحضها فتسد آذان العلماء عن صوت البني الطبيعية المناقض لها وتخلق انقطاعاً مرحلياً في المسار العلمي نحو الحقيقة . وقد يطول هذا الانقطاع أو يقصر جاعلاً من مفهوم التقدم نحو البني الموضوعية مفهوماً تاريخياً لا تندرج فيه أية حقبة منعزلة من تطور المعرفة، بل المسار التاريخي برمته .

فعلي سبيل المثال، فإن نظرية الحرارة قد بدت متلكئة وراء نتائج النظرية الفينومينولوجية لعشرات السنين قبل أينشتين – سموكوتشوفسكي للحركة البراونية عام 1905، بعد هذا ما كان قد بدأ علي أنه إعادة لتفسير وقائع جديدة عن الحرارة، علي سبيل المثال قد تحول علي أنه اكتشاف لوقائع جديدة عن الذرات .

وهذا القول يدلنا علي أننا لا نستبعد برنامجا للبحث فقط لأنه قد فشل في أن يلحق بمنافسه القوي . ذلك لأن هذا البرنامج للبحث يمثل تقدما في غياب منافسه القوي، وأننا لا بد أن نعطي لبرنامج البحث الموجود الفرصة طالما كانت لديه القدرة علي ذلك لإعادة بناء نفسه من أجل تحقيق التقدم في العلم .

فالعلم في نظر لاكاتوش يتقدم عن طريق برامج البحث العلمي المتنافسة، فبرنامج البحث المتقدم يكون له نواة صلبة لا تقبل التفنيد، وذلك لوجود حزام واق من الفروض المساعدة، حيث تتجه التفنيدات إلي هذا الحزام الواقي المكون من الفروض المساعدة التي تتحمل صدمة الاختبارات، وتتعدل مرة بعد أخري  حتي أنها يمكن أن تستبدل كلية من أجل حماية النواة الصلبة لبرنامج البحث العلمي . فإذا نجح برنامج بحث علمي ما في هذا الاستبعاد للفروض المساعدة وإحلال فروض أخري تحقق الخطوة الأولي من برنامج بحث متقدم، هي زيادة الفروض المساعدة وزيادة مضمونها التجريبي وقدرته علي التنبؤ بوقائع جديدة . وتأتي خطوة ثانية لتحقيق التقدم في برنامج بحث علمي ما، وهي خطوة إيجابية في هذه المرة والتي تتلخص في " تغيير وتطوير الأشكال المختلفة القابلة للتفنيد لبرنامج البحث، وكذلك كيف تعدل وتطور الحزام الواقي القابل للتفنيد؛ وفي هذا يقول لاكاتوش :" تتميز جميع برامج البحث العلمي "بجوهرها الصلب "  . والمحاولة التجريبية السلبية للبحث تمنعنا من توجيه طريقة التفنيد إلي الجوهر الصلب .وبدلاً من ذلك، علينا أن نستخدم مهارتنا في صياغة أو ابتكار " افتراضات مساعدة"، تشكل حزام الأمان حول ما هو الجوهر الصلب ويجب أن نعيد توجيه طريقة التفنيد إليها . فحزام الأمان من الافتراضات المساعدة هو الذي يجب أن يتحمل حدة صدمة الاختبارات وتتعدل مرة أخري بعد أخري، حتي يمكن أن تستبدل كلية لكي تحمي الجوهر الصلب . فبرنامج البحث يمكن أن ينجح إذا أدي كل هذا إلي تحول إشكالي تقدمي، ويفشل إذا أدي هذا إلي تحول إشكالي تأخري .

ويعطينا " لاكاتوش " مثالاً علي ذلك من برنامج البحث النيوتوني ؛ حيث يلاحظ أن النواة الصلبة لهذا البرنامج تتمثل في الجاذبية، وأنه لا شك في أن بين النواة والظواهر الحزام الواقي من الفروض المساعدة التي تحتك بالاختبار والتكذيب . ومن هنا قبل الحزام الواقي التعديل والتطوير ليحمي النواة، وهذا التطوير يتم بناء علي الموجه الإيجابي المساعد علي الكشف؛ أي أننا حين اكتشفنا أن كوكب يورانوس لا يتفق مع التنبؤات الخاصة بنظرية نيوتن لم نستنتج من هذا أن النظرية كاذبة، بل علي العكس، فالنظرية أو برنامج البحث النيوتوني عامة لا يزال تقدمياً . وبعد فترة من الزمن أصبح هذا البرنامج متفسخاً ومتدهوراً لظهور برنامج أخر، وهو لآينشتين الذي فسر حركة الكوكب عطارد التي لم يستطع برنامج نيوتن حلها . هذا فضلاً عن أن برنامج آينشتين قد تنبأ بانحراف الأشعة الآتية من النجوم تحت تأثير مجال الجاذبية ؛ يقول لاكاتوش :" والمثل التقليدي لبرنامج البحث الناجح هو نظرية الجاذبية لنيوتن : ربما يكون أنجح برنامج بحث . عندما قدم في بادئ الأمر غرق في محيط من الشواذ (أو الأمثلة المضادة، إذا أدرت)، وعارضته نظريات الملاحظة التي تدعم هذه الشواذ . لكن أتباع نيوتن حولوا بذكاء وإصرار واضح الأمثلة المضادة واحدا بعد الآخر إلي أمثلة مثبتة، برفض نظريات الملاحظة الأصلية التي بنيت الأدلة المضادة في ضوئها بصورة رئيسية . وفي أثناء هذا الإجراء قدموا أمثلة مضادة جديدة قاموا أيضا بالرد عليها . ولقد حولوا كل صعوبة جديدة إلي نصر جديد لبرنامجهم . في برنامج نيوتن التجريبية السلبية تطلب منا أن نحول طرق تفنيدنا عن قوانين نيوتن الثلاثة عن الديناميكا وقانونه عن الجاذبية . هذا الجوهر الذي لا يفند عن طريق قرار منهجي من الأنصار. فالشواذ يجب أن تقود التغييرات فقط من حزام الأمان المساعدة والافتراضات الملاحظة والظروف الابتدائية . ولقد قدمت مثلا صغيرا جدا مبتكرا للتحول الإشكالي التقدمي انيوتن . إذا حللناه نجد أن وصلة متتابعة في هذا التمرين تتنبأ بحقيقة جديدة معينة، كل خطوة تمثل زيادة في المحتوي الامبريقي: والمثل يشكل تحولا نظريا تقدميا مستمرا . وأيضا كل تنبؤ يتحقق في النهاية علي الرغم من أنه في ثلاث مناسبات متتالية كان يبدو عليها أنها " مفندة" مؤقتا . بينما " التقدم النظري (في المعني المشروح هنا) يمكن أن يتحقق مباشرة، لا يمكن ذلك بالنسبة للتقدم الامبريقي، وفي برنامج البحث يمكن أن يصيبنا الاحباط بسبب سلسلة طويلة من " التفنيدات " قبل أن يحول افتراض مساعد متزايد في المحتوي ساذج محظوظ سلسلة من الهزائم – بالبصيرة إلي قصة نجاح رنانة، إما عن طريق مراجعة بعض الوقائع الخاطئة أو بإضافة افتراض مساعد جديد . ويمكننا أن نقول عند ذلك إننا يحب أن نطلب أن تكون كل خطوة من برنامج البحث تحولا إشكاليا تقدميا بصفة مستمرة . وكل ما نحتاج إليه بالإضافة إلي هذا هو انه علي الأقل من حين لآخر يجب أن يلاحظ أن الزيادة في المحتوي قد تحققت بأثر رجعي : والبرنامج ككل يجب أن يبين تحولا امبريقيا تقدميا  مترددا . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن الفروض المساعدة ودورها الرئيسي في ميثودلوجيا برامج الأبحاث عند إمري لاكاتوش وفي هذا نقول: ولكن ماذا نفعل عندما تتمثل أمامنا صعوبة تحول دون إتمام الاختبار؟

يجيب "بوبر": ينبغي أن ندخل فروض جديدة يمكن أن نطلق عليها الفروض المساعدة لتفسير صعوبة ما عند إجراء عملية الاختبار أو لمساعدة النظرية على اجتياز الاختبار . وهذه الفروض تختبر بذاتها أو مستقلة، على حين تقابلها الفروض العينية غير القابلة للاختبار مستقلة، ووضعت فقط للتملص من التكذيب . إن الفروض المساعدة هي من أهم أساليب تطور النظرية وإعادة تعديلها . هذا يعني أنه من منطلق الحرص على تقدم المعرفة والاقتناع بل طرح الفروض القابلة للتكذيب هو أضمن أساليب هذا التقدم، لأننا حين نضع على مواطن الكذب سوف نتمكن من الوصول إلى الفرض الأصوب الذي يتجنبها . وهكذا دواليك ....

ومن هنا لا بد وأن نأخذ على خط مستقيم قاعدة منهجية وهي أن نحكم الفروض المساعدة بحيث تتفادى عملية إبطال عملية التكذيب، أي أن نقبل فقط الفروض التي تقلل درجة قابلية التكذيب للنسق المطروح للبحث، بل على العكس تزيدها . وهذا الفرض الجديد الذي سيزيد بدرجة القابلية للتكذيب، وأن يؤخذ دائماً لمحاولة بناء نسق جديد، نسق نحكم عليه على أساس ما إذا كان سيمثل بالفعل تقدما ما في معرفتنا بالعالم الخارجي أم لا . وفي هذا يقول:"... أما بالنسبة للفروض المساعدة، فإننا نقترح أن نضع القاعدة القائلة: إننا نقبل الفروض المساعدة التي لا يكون إدخالها مفضياً إلي تقليل درجة قابلية التكذيب، أو قابلية اختبار النسق موضع التساؤل، وإنما علي العكس من ذلك نقبل الفروض المساعدة التي تزيد من قابلية التكذيب أو قابلية الاختبار ... وإذا زادت درجة قابلية التكذيب، فقد أثر إدخال الفروض في النظرية فعلاً ".

مثال:

عندما لوحظ أن ثمة انحرافات في مدار كوكب يورانوس، افترض لافيري وآدمز ضرورة وجود كوكب آخر كي يفسر هذه الانحرافات البسيطة . وقد انتهى الأمر بمحاولة لهما بمساعدة آخرين إلى اكتشاف كوكب نبتون بالفعل، وهنا نلاحظ أن الفروض المساعدة لا تخل بمعيار القابلية للتكذيب، بل على العكس زادت به .

والنتيجة أن نظرية الجاذبية عند نبتون أعيدت للاختبار من جديد متمثلاً ذلك في الكشف عن هذا الكوكب . وهذا الاكتشاف فيما يرى " بوبر " تجربة حاسمة صارمة أخرى اجتازتها نظرية نيوتن وبنجاح، أو تعزيز عبور نظرية نيوتن من التكذيب هنا عن طريق فرض مساعد ليبقي معناها أنها غير قابلة للتكذيب .

ولذلك راح بوبر يعلن أن النظرية (أو الفرض) يمكن إنقاذهما دائماً من مأزق التكذيب إذا عززناها بفروض إضافية مساعدة، وطبقا لبوبر يكون هذا مسموحا به فقط لو أن الفرض المساعد الجيد (أو الفروض) تزيد من عدد النتائج الملاحظة. ذلك لأنها ينبغي أن تزيد من " المضمون التجريبي " للنظرية . وإن لم تفعل ذلك، ينظر إلى الفرض المساعد بأنه وضع لغرض معين، وهو غير مسموح به طبقا للقواعد المنهجية المفضلة لبوبر.

معني هذا أن "بوبر" يري أن إدخال الفروض المساعدة يكون مقبولاً إذا كانت تزيد من قابلية الفرض للاختبار . والحقيقة أن عملية إدخال الفروض المساعدة أو تعديلها أو تنقيحها قد يؤدي إلى ما يمكن أن نطلق عليه " بالفروض الغرضية " كما أن قبول أو رفض هذا النوع من الفروض يتوقف على الغرض منها .

وهنا يشجب بوبر الفروض المساعدة التي يدعي الاصطلاحيون أنها يمكن أن تبطل دائما عملية التكذيب، ويؤكد أنه يمكن أن نحكمها بقاعدة نتفادي بها هذا، وهي: تقبل فقط الفروض التي لا تقلل درجة قابلية تكذيب – أي اختبار النسق المطروح للبحث، فعلي العكس تزيدها . وهذا الفرض الجديد الذي سيزيد درجة القابلية للتكذيب، من شأنه أن يقوي النظرية فيجعلها تستبعد أكثر وتمنع أكثر مما كانت تمنعه قبل طرح الفرض . وعلي هذا يصبح تقديم فرض مساعد جديد، يجب وأن يؤخذ دائما لمحاولة لبناء نسق جديد، نسق نحكم عليه علي أساس ما إذا كان سيمثل بالفعل تقدما في معرفتنا بالعالم الخارجي أم لا . وبهذا نلاحظ أن تقديم الفروض المساعدة لا يشكل عقبة ميثودولوجية في وجه القابلية للتكذيب، بل علي العكس سيساهم في تأكيدها، إذ سيساعد علي نمو العالم . وهذا هو الرد علي كل من يتمسك بإمكانية تحصين النظريات ضد التكذيب سواء أكان اصطلاحيا أم غير اصطلاحي .

وفي موضع آخر يصب جام غضبه علي المذهب الاصطلاحي ورواده، فيقول " لقد أدرك كل من بوانكاريه ودوهيم استحالة تصور نظريات علم الطبيعة علي أنها قضايا استقرائية . وقد تحقق لهما أن المشاهدات القياسية التي قيل أن التعميمات تبدأ منها، هي علي العكس من ذلك، تأويلات في ضوء نظريات .. ومن ثم فالنظرية العلمية لا تحوي معرفة صادقة أو كاذبة، فهي ليست إلا أدوات لنا أن نقول عنها فقط إنها ملائمة أو غير ملائمة، مقتصدة أو غير مقتصدة، مرنة، دقيقة أو جامدة، لذلك نجد دوهيم يقول انه لا توجد أسباب منطقية تمنعنا من أن نقبل في وقت واحد نظريتين متناقضتين أو أكثر ... وعلي الرغم من أنني أوافقهما علي ذلك، إلا أنني أختلف معهما عندما اعتقدا باستحالة وضع الأنساق النظرية موضع الاختبار التجريبي، فلا بد أن تكون قابلة للاختبار – أي قابلة للتفنيد من حيث المبدأ وليست أدوات .

ثانيا: الفروض المساعدة وأطروحة دوهيم- كواين

إذا كان "كارل بوبر" قدم بناءً عقلانياً للعلم يتمثل في أن التقدم العلمي سلسلة من الحدوس والتفنيدات، أي أن النظرية الجديدة يجب أن تمر من الاختبارات الجديدة القاسية . فلكي تكون النظرية علمية ينبغي أن تكون قابلة للتكذيب بدون زيادة مستمرة تبدو قليلة الأهمية، فإنه علي الطرف الأخر طرح " بيير دوهيم "، الفيلسوف الاصطلاحي الفرنسي الشهير، هذا السؤال: ماذا نفعل عندما تتمثل أمامنا صعوبة تحول دون إتمام الاختبار الحاسم؟ هل يتطلب الأمر دخول فروض جديدة تحل هذه الصعوبة أو تلك؟ وإذا كان ذلك كذلك فما هي الفروض الجديدة، هل هي فروض مساعدة تخل بمعيار التكذيب وتبطل التجربة الحاسمة؟

وقد أجاب" بيير دوهيم " Pierre Duhem (1861-1916) أن الفيزيائي حين يقوم بإجراء تجاربه لا بد له أن يخضع في عملية التجريب لقاعدة الفروض المتعددة Multiple hypotheses ، أي أن العالم لا بد أن يضع أكبر عدد من الفروض، تظل كلها مائلة أمام الذهن أثناء التجربة، ونتائج التجربة وحدها هي التي تقرر الفرض في النهاية، علي حين تكذب نتائج التجربة الفروض الأخرى، ومن ثم نستبعدها ويتضح لنا هذا المعني من نص " دوهيم " القائل: " إن الفيزيائي لا يمكنه أن يخضع فرضاً واحداً بمفرده للاختيار التجريبي ، بل مجموعة كاملة من الفروض "، وهذا يعني أن التجارب الفيزيائية هي ملاحظة للظواهر مصحوبة بتأويل لها في ضوء النسق المعمول به، لذلك فإن الفيزيائي لا يخضع فرضاً منفرداً للتجريب، بل مجموعة فروض معا .

ويوضح ذلك قائلاً:" لا يمكن مطلقا لأية تجربة فى مجال علم الفيزياء أن تحكم على فرض معزول، لكن يمكنها فقط أن تحكم على مجموعة نظرية من الفروض ككل "، " ثم يفسر الأطروحة لاحقا فى هذا القسم على النحو التالى: " وخلاصة الأمر أن عالم الفيزياء لا يستطيع مطلقا أن يخضع فرضا معزولا لاختبار تجريبى، لكنه يستطيع أن يخضع مجموعة برمتها من الفروض، وحينما لا تتوافق التجربة مع تنبؤاته، فإن ما يتعلمه هو أن واحدا علي الأقل مع الفروض المكونة لهذه المجموعة غير مقبول وينبغي تعديله، لكن التجربة لا تحدد أيا من هذه الفروض هو الذي ينبغي إدخال تعديلات عليه ".

ولكي نناقش أطروحة " دوهيم "، من المفيد أن نقدم الفكرة المتعلقة " لقضية الملاحظة" . أما الآن. فسوف نتناول قضية ملاحظة ولتكن قضية يمكن الاتفاق مؤقتا علي أنها إما صادقة أو كاذبة بناء علي الملاحظة والتجربة . وفقا لأطروحة دوهيم، لا يمكن قط تكذيب فرض معزول في مجال علم الفيزياء . إذ من الأمور المشكوك فيها، وجود تعميم يغطي كل الفروض المتعلقة بعلم الفيزياء، لأن هذا العلم يتضمن علي ما يبدو، بعض الفروض القابلة للتكذيب .

ومن ناحية أخري يري دوهيم أنه عندما تكون التجربة علي عدم وفاق مع تنبؤاتهم أو نتائج النظرية تخبرنا بأنه علي الأقل، واحداً من هذه الفروض المؤلفة لهذه المجموعة خطأ أو تحتاج إلي تعديل، ولكنها – وهذه هي المشكلة لا تخبرهم بالفرض تحديدا الذي هو موضع الخطأ الذي يجب تغييره ... ويستطرد دوهيم قائلاً " كلا، الفيزياء لم تكن ألة تضع نفسها في فوضي وتفكك... الفيزياء يجب أن تكون كائنا عضويا قائماً، في قطعة واحدة يستحيل أي عضوا في هذا الكائن أن يقوم بوظيفة دون الإجراءات الأخري، وبالتالي فإن ثوب أي نظرية فيزيائية يشكل كلاً غير قابل للتجزئة ... كما أنه لو افترضنا أن تأييداً تجريبياً لتنبؤ أو نتيجة من نتائج هذه النظرية أو تلك، فإن هذا الـتأييد لهذا التنبؤ أو ذلك لا يكون البتة برهاناً حاسماً للنظرية ... ولا يكون ذلك بمثابة تأكيد علي أن النتائج الأخري لهذه النظرية غير متناقضة عن طريق التجربة .

وعندما يقول دوهيم أن ثوب النظرية كل متكامل، فهذا معناه أنه لم يكن ممكناً أن تخضع أجزاء النظرية علي انفصال لاختبار التجربة، ومن ثم نبعد التحقيق التجريبي المهلهل عن اختبار النظرية، وبالتالي لا يمكن أن يعد الدليل التجريبي في حد ذاته تكذيبا حاسما للفرض، وليس هناك تجربة حاسمة بصورة قاطعة .

إذن في هذا التوجه يتمسك دوهيم بضرورة أن تكون جميع فروض النظرية ماثلة أمام الذهن (وهو ما كان بفعله العلماء قبله) حين يقوم العالم بإجراء عملية حذف أو إسقاط بعض الفروض . بيد أن حذف فرض ما يعني الانتقال من هذا الفرض إلي الآخر، إلي أن يتم حذفها جميعاً . وهذا إن أدي إلي شئ، فإنما يؤدي إلي فشل التجارب تماماً، ومن ثم لا ننتهي إلي نتيجة ما في حينها , بل الأمر يتطلب تمثل الفروض جميعاً أمام الذهن مما يتيح لهذا العالم الفرصة في الكشف عن تفسير الظاهرة موضع التساؤل .

ويؤيد "أينشتين" "دوهيم" في هذا الرأي، حيث أكد الأول على أنه قد استبدل بنظرية " نيوتن " ككل نظرية جديدة في النسبية العامة، وليس بتغير فرض أو فروض من النظرية العلمية أو من النسق العلمي ككل . وهذا يؤيد صعوبة اختبار فرض من فروض النظرية منفصلاً، ويرفض التجربة الحاسمة، لأنه من غير الممكن أن يكون هناك تجربة تحكم على الفرض (من فروض النظرية أو النتائج) منفصلاً، والسبب في ذلك كما رأينا يرجع إلى أنه من الصعب أن نجد فرضاً بذاته يمتلك حيثاته من نتائج التجربة يكون هذا الفرض أو غيره قابلاً للتكذيب، وذلك عن طريق فصله عن كل الفروض الأخرى للنظرية بغرض اختباره .... الفروض النظرية ينبغي ألا تكون منفصلة لغرض الاختبار، وفي نفس الوقت الذي رفض فيه " دوهيم " اختبار الفروض منفصلة، رأى ضرورة أن تتجنب هذه الفروض التفنيد وذلك عن طريق معرفة سابقة أو فروض مساعدة.

كما يتفق مع " دوهيم " " فرانكين A. Franklin " حيث يؤكد الأخير على أن وجود الفرض أو القانون العلمي أو النظرية مع الفروض المساعدة الخاصة بها أو بها هو ما يحول دون التفنيد، أي يمكننا أن نحمي القوانين والنظريات العلمية من التفنيد، وذلك بتعديل وتغيير الفروض المساعدة أو المعرفة السابقة بشأن هذه الفروض أو القوانين أو النظريات الأصلية موضع التساؤل .

ثالثاً: موقف لاكاتوش من توجهات بوبر إزاء الفروض المساعدة

إذا كان بوبر قد ذهب إلى أن النظرية (أو الفرض) يمكن إنقاذهما دائما من مأزق التكذيب إذا عززناها بفروض إضافية مساعدة، وأنه إذا كان طبقا لبوبر يكون هذا مسموحا به فقط لو أن الفرض المساعد الجيد (أو الفروض) تزيد من عدد النتائج الملاحظة. ذلك لأنها ينبغى أن تزيد من " المضمون التجريبي " للنظرية . وإن لم تفعل ذلك، ينظر إلى الفرض المساعد بأنه وضع لغرض معين، وهو غير مسموح به طبقا للقواعد المنهجية المفضلة لبوبر . وهذه النقطة بالذات هي التي تناولها لاكاتوش لكي يطور على أساسها وصفا " لديناميكا " النظريات. فعمل على أن يحلل ليس فقط بنية النظريات العلمية. والطريقة التى بها تكذب، وإنما أيضا العمليات التى بها تفسح نظرية (أو فرض) مجالا لنظرية أخرى (أو فروض آخر) في " برنامج بحث " متطور بصورة تدريجية بهدف تجاوز النزعة التكذيبية البوبرية، والتغلب على الاعتراضات التى وجهت إليها.

ولقد قدم لاكاتوش تفسيرا لذلك من خلال الظروف التي يمكن عن طريقها الحكم علي أن برنامج بحث ما متقدم علي غيره، وذلك في دراسة له تحمل عنوان "التكذيب وميثودولوجيا برامج البحث العلمي"، حيث يتناول لاكاتوش في هذه الدراسة مناقشة معيار القابلية للتكذيب وتطوره عند بوبر، وكيف أن هناك نوعين من التكذيب: التكذيب الساذج Naïve Falsifications ، والتكذيب المنهجي Methodological Falsifications، فبالنسبة للتكذيب الساذج، فإن البرنامج أو النظرية تكون مقبولة، ومن ثم متقدمة قابلة للتكذيب بطريقة تجريبية، إلا أن لاكاتوش يرفض هذا النوع من التكذيب إذ إن كل قضايا العلم قابلة للخطأ. أما النوع الثاني فهو التكذيب المنهجي، ومن خلاله تكون النظرية مقبولة أو علمية فقط إذا عززت المحتوي الامبريقي بصورة زائدة عن سابقتها أو منافستها .

ولذلك يعطي لنا لاكاتوش تلخيصاً لتصوره بقوله:" إن النظرية العلمية "ت " تكذب إذا اقترحت نظرية أخري (ت) بالمواصفات التالية: (ت) بها محتوي إمبريقي زائد عن (ت): وهذا معناه أنها تتنبأ بوقائع جديدة، وقائع غير محتملة في ضوء (ت) أو حتي محرمة عن طريقها. (ت) تفسر نجاح (ت) السابق، أي أن المحتوي الغير مرفوض في (ت) يدخل في محتويات (ت)(من خلال الخطأ الملاحظ).

بعض المحتويات الزائدة في (ت) معززة

ويستطرد لاكاتوش فيقول:" .. ولكي نستطيع أن نقيم هذه التعريفات نحتاج إلي أن نفهم الخلفية المشكلة لها ونتائجها . أولاً، علينا أن نتذكر الاكتشاف المنهجي للإصطلاحيون من انه لا توجد أي نتيجة تجريبية تستطيع أن تقتل النظرية: وأن النظرية يمكن أن تنقذ من المناقضة إما بواسطة فرض مساعد أ, بإعادة شرح مناسب لألفاظها . وقد حل المكذب الساذج هذه المشكلة بإبعاد الفروض المساعدة إلي مستودع المعرفة الخلفية الخالية من المشاكل – في تعبيرات حاسمة، مستبعدا منها النموذج المستنبط لاختبار الموقف، وبذلك يجبر النظرية المختارة علي العزلة المنقية، التي تصبح فيها هدفاً ساكناً لهجوم التجارب الاختبارية . لكي حيث أن هذه الطريقة لم تقدم إرشاداً لإعادة البناء العقلاني لتاريخ العلم، فيمكننا أيضاً أن نعيد التفكير في طريقتنا كلية. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنلنفرض ان شخص ما لايتفق اخلاقيا مع شخص آخر حول قضية معينة، مثل عدم الاتفاق حول فكرة ان وضع الانسان الاقتصادي يتقرر وفقا للثروة التي كانت معه عند الولادة. في مثل هذا النقاش، احد المتحدثين يعتبر نفسه صائبا في القضية بينما الطرف الاخر هو على خطأ. الطرف المقابل في الحديث يفترض ان الاول يرتكب حماقة. بكلمة اخرى، كلا الطرفين يفترضان ان احدهما فقط على صواب. النسبيون يرفضون هذا الافتراض.هم يعتقدون ان الفكرتين الاخلاقيتين المتصارعتين كلتاهما على صواب. الاشتراكي المتطرف والرجل الآخر المخالف له في الرؤية كلاهما متساويان في الصواب، هما فقط يشغلان رؤية اخلاقية مختلفة.

تعرضت النسبية للنقد على نطاق واسع، انها هوجمت باعتبارها فكرة سخيفة وغير ناضجة وحتى غير منسجمة. الفلاسفة الاخلاقيون والثيولوجين وعلماء الاجتماع يحاولون تحديد القيم الموضوعية لكي يمكنهم التصدي لتهديد النسبيين، لكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل . النسبية الاخلاقية هي عقيدة معقولة ذات مضامين هامة في كيفية التصرف اثناء حياتنا وتنظيم مجتمعاتنا والتعامل مع الآخرين.

آكلو لحوم البشر وزواج الاطفال

تختلف الاخلاق جذريا عبر الزمان والمكان.احدى المجموعات الخيّرة يمكن ان تكون مجموعة اخرى شريرة. انظر الى آكلي لحوم البشر وهي الحالة التي مورست من قبل جماعات في كل جزء من العالم. الانثربولوجي Peggy Reeves Sanday وجد دليلا على آكلي لحوم البشر في 34% من الثقافات. او انظر الى المباراة الدموية التي مورست في المسارح الرومانية والتي كان فيها الالاف من المشجعين المتحمسين يشاهدون اناسا منخرطين في معارك مميتة. القتل لأجل المتعة لوحظ ايضا بين الثقافات التي كانت تعتبر قطع الرأس كفعالية ترفيهية. العديد من المجتمعات مارست ايضا اشكال متطرفة من التعذيب والإعدام، كما كان يحصل في اوربا قبل القرن الثامن عشر. وهناك ثقافات ترتكب أشكال مؤذية من تحوير وتعذيب الجسد، مثل قطع الجلد و الاخصاء و تكبيل قدمي الفتاة وهي ممارسة استمرت في الصين لأكثر من الف سنة واستلزمت عذابا مؤلما للبنات الشابات. الاختلافات في المواقف نحو العنف يتوازى مع اختلافات في المواقف نحو الجنس والزواج. عند دراسة المجتمعات المستقلة ثقافيا، وجد الانثربولوجيون ان اكثر من 80% منها يجيز تعدد الزوجات. الزواج المرتّب شائع ايضا وفي بعض الثقافات يتزوج البعض من بنت لاتزال لم تنضج جنسيا او حتى اقل عمرا. وفي أجزاء من اثيوبيا، تتزوج نصف البنات قبل سن الخامسة عشرة.

بالطبع، هناك ايضا تشابهات ثقافية في الاخلاق. لا يمكن لجماعة معينة الاستمرار طويلا لو سمحت بهجمات غير مبررة على الجيران او لا تشجع تربية الاطفال. ولكن ضمن هذه القيود الواسعة، تقريبا كل شيء ممكن. بعض الجماعات تمنع الهجوم على البيوت المجاورة لكنها تشجع الهجوم على القرى القريبة. بعض الجماعات تشجع الآباء على ارتكاب وأد الاطفال، او استعمال العقوبة الجسدية ضدهم او إجبارهم على العمل الاجباري او العبودية الجنسية.

مثل هذه الاختلافات تحتاج الى توضيح. اذا كانت الاخلاق موضوعية الا يجب ان نرى اجماع كبير عليها؟ الموضوعيون يجيبون بطريقتين مختلفتين: اولاّ إنكار الاختلافات. بعض الموضوعيين يقولون ان الاختلافات الاخلاقية جرى تضخيمها كثيرا – الناس في الواقع، يتفقون حول القيم لكن لديهم معتقدات واقعية مختلفة او ظروف حياة تقودهم للتصرف بشكل مختلف. فمثلا، مالكو العبيد ربما يعتقدون ان عبيدهم هم في مرتبة فكرية متدنية، وان الجماعات التي مارست الوأد ربما اُجبرت على ذلك بسبب نقص الموارد في مناطق التندرا الفقيرة. لكن من غير المقنع ان كل الاختلافات الاخلاقية يمكن توضيحها بهذه الطريقة. الاختلافات في المعتقدات وظروف الحياة نادرا ما تبرر السلوكيات قيد التساؤل. هل ان عقدة النقص لدى جماعة معينة تبرر حقا استعبادها؟ اذا كان ذلك صحيحا لماذا لا نعتقد انه من المقبول استعباد الناس ذوي المرتبة المتدنية؟ هل الحياة في مناطق التندرا تبرر الوأد؟ اذا كان الامر كذلك لماذا لانقتل الاطفال الفقراء حول العالم بدلا من منح التبرعات لجمعية اوكسفام الخيرية؟ الاختلاف في الظروف لا يبيّن ان الناس يشتركون بالقيم، بل يوضح لماذا تكون القيم مختلفة.

ثانيا، إنكار ان الاختلافات مهمة. الموضوعيون الذين يعترفون بوجود الاختلافات الاخلاقية يجادلون ان الاختلافات لاتعني النسبية، النظريات العلمية تختلف ايضا، ونحن لا نفترض ان كل نظرية صحيحة. هذه المقارنة محكوم عليها بالفشل. الاختلاف في النظرية العلمية يمكن توضيحه بملاحظات غير كافية او وسائل فقيرة، التحسن في كل منها يقود نحو الالتقاء. عندما يُحدد الخطأ العلمي، تُجري التصحيحات. بالمقابل، الاخلاق لا تتبع مسار الاختلافات في الملاحظة، ولايوجد هناك دليل على التقاء عقلاني نتيجة للصراعات الاخلاقية. العبودية الغربية لم تنتهي بسبب الملاحظات العلمية الجديدة، وانما انتهت مع الثورة الصناعية التي بشّرت بالاقتصاد القائم على الاجور. في الحقيقة، العبودية اصبحت اكثر انتشارا بعد التنوير عندما تحسنت العلوم. حتى مع فهمنا الحديث للمساواة ، اوضح بنيامين سكنر ان هناك الكثير من الناس يعيشون في عبودية حقيقية في العالم اليوم مقارنة بتجارة العبيد عبر الاطلسي. عندما تلتقي المجتمعات اخلاقيا، فهي عادة بسبب ان احداها تسيطر على الاخرى(كما في البعثات التبشيرية لإنهاء اكلي اللحوم البشرية). اما الاخلاق، فهي على خلاف العلوم، لاوجود لمعيار متميز جدا يمكن استخدامه لإختبار وتأكيد او تصحيح حالات عدم الاتفاق عند بروزها.

الموضوعيون ربما يجيبون بان التقدم الاخلاقي حصل بالفعل، أليست قيمنا افضل من تلك السائدة في المجتمعات البدائية التي مارست العبودية، او اكل البشر؟ هنا نحن في خطر التعجرف في افتراض التفوق. كل ثقافة تفترض انها تمتلك الحقيقة الاخلاقية. من المنظور الخارجي، ربما يُنظر الى تقدمنا كتراجع. انظر الى التصنيع في قطاع الزراعة، التحطيم البيئي، اسلحة الدمار الشامل، الاستغلال الرأسمالي، العولمة القسرية، التقوقع في اطراف المدن، ممارسة إرسال الاقارب من كبار السن الى بيوت الرعاية. ربما تبدو طريقتنا في الحياة غريبة للعديد من الناس الذين جاءوا من قبل وللعديد الذين سيأتون لاحقا.

المشاعر والتلقين المتكرر

الاختلافات الاخلاقية يمكن توضيحها بشكل افضل عبر افتراض ان الاخلاق، خلافا للعلم، لاترتكز على العقل او الملاحظة. على ماذا اذاّ ترتكز؟ للاجابة على هذا السؤال نحتاج للنظر بالكيفية التي يتم بها تعلّم الاخلاق.

الاطفال يبدأون تعلّم القيم عندما يكونوا صغارا جدا وقبل ان يتمكنوا من التفكير بفاعلية. الاطفال الصغار يتصرفون بطرق لا يمكن ان نقبلها ابدا مع البالغين: هم يصرخون، يرمون الطعام، يخلعون ملابسهم امام الناس، يضربون، يخدشون، يلسعون، وعموما يخلقون مشاجرات. التعليم الاخلاقي يبدأ منذ البداية، حينما يصحح الآباء هذه السلوكيات غير الاجتماعية، هم عادة يقومون بهذا عبر التأثير على مشاعر الاطفال. الآباء يهددون بالعقوبة البدنية (هل تريد الضرب؟)، او التهديد بسحب الحب (انا سوف لن ألعب معك مرة اخرى)، او النفي دون محاكمة (إذهب الى غرفتك)، الحرمان (لن تحصل على حلويات بعد الآن)، او الافصاح عن عدم الثقة الضمني (انظر الى الألم الذي سبّبته). كل واحدة من هذه الطرق تدفع الطفل ذو السلوك السيء لممارسة مشاعر سلبية وربطها بالسلوك المعاقب. الاطفال يتعلمون ايضا عبر التنافذ العاطفي. هم يرون ردود افعال آبائهم للاخبار الجديدة او كتب القصص. هم يستمعون ساعات الى أحكام حول الجيران غير الناضجين، زملاء العمل اللااخلاقيين، الاصدقاء غير المخلصين . الاطفال كمقلدين ماهرين يستوعبون المشاعر التي يعبّر عنها الآباء، وزملائهم عندما يتقدمون قليلا في السن .

ردود الافعال العاطفية ليست فقط وسيلة ملائمة لإكتساب القيم: انها ضرورية. الآباء احيانا يحاولون التفكير مع اطفالهم، لكن التفكير الاخلاقي يعمل فقط عبر توجيه الانتباه للقيم التي استبطنها الطفل سلفا من خلال ردود الافعال العاطفية. مهما كان مقدار التفكير لا يمكنه الإضرار بالقيم الاخلاقية لأن كل القيم هي بالتأكيد، مواقف عاطفية.

هناك بحث حديث في علم النفس يدعم هذا التنبؤ. نحن نقرر ما اذا كان شيء ما خاطئا عبر التأمل الذاتي في مشاعرنا. اذا كان الفعل يجعلنا نشعر بسوء، نحن نستنتج انه خطأ. بالانسجام مع هذا، أحكام الناس الاخلاقية يمكن تحويلها عبر تغيير مواقفهم العاطفية.فمثلا، عالم النفس Simone Schnall وزملائه وجدوا ان التعرض للقاذورات او روائح الانسان الكريهة او الافلام المثيرة للاشمئزاز يدفع الناس لاتخاذ احكام اخلاقية قاسية حول ظاهرة ليست ذات علاقة . عالم النفس Jonathan Haidt وزملائه بيّنوا ان الناس يتخذون احكاما اخلاقية حتى عندما لا يستطيعون اعطاء اي تبرير لها. فمثلا، 80% من طلاب الكلية الامريكيين في دراسة Haidt قالوا من الخطأ ممارسة الجنس بالتراضي بين اثنين من البالغين الاقارب حتى مع استعمالهما وسائل منع الحمل ودون وقوع اي ضرر . عواطفنا تؤكد ان مثل هذه الافعال خاطئة حتى عندما لا تنتج عنها اي آثار او أضرار للضحية .

اذا كانت الاخلاق مرتكزة على اساس عاطفي، عندئذ فان الناس الذين يفتقرون لعواطف قوية سيكونون منغلقين عن عالم الاخلاق. هذا التنبؤ ثبت صحته لدى المرضى النفسيين الذين اتضح انهم يعانون من عجز عاطفي عميق. عالم النفس James Blair اوضح ان المرضى النفسيين يتعاملون مع القواعد الاخلاقية كمجرد أعراف. هذا يشير الى ان العواطف هي ضرورية لعمل احكام اخلاقية. الحكم بان شيء ما خاطيء اخلاقيا هو استجابة عاطفية. ذلك لا يعني ان كل استجابة عاطفية هي حكم اخلاقي. الاخلاق تستلزم عواطف معينة.البحث يقترح ان العواطف الاخلاقية الرئيسية هي الغضب والاشمئزاز عندما يتم الفعل من قبل شخص اخر، والشعور بالذنب والعار عندما يتم الفعل من قبل الشخص ذاته. يمكن القول ان المرء لا يلجأ الى موقف اخلاقي تجاه شيء ما ما لم يميل ليكون لديه كل من هاتين العاطفتين الموجهتين (الذات والاخر) . انت ربما تشمئز من تناول لسان البقرة ولكن ما لم تكن اخلاقيا نباتيا فانت سوف لن تخجل من تناولها.

في بعض الحالات، العواطف الاخلاقية المكتسبة في الطفولة يمكن إعادة اكتسابها لاحقا في الحياة. الشخص الذي يشعر بالخجل من شيء ما ربما لاحقا يشعر بالخجل من الشعور بالخجل. هذا الشخص يمكن القول لديه نزعة تلقينية للنظر الى ذلك الشيء باعتباره غير اخلاقي، ولكن ايضا لديه ايمان بان هذا الشيء مسموح به، والايمان الاخير يساعد في كبح النزعة الاولى بمرور الزمن.

هذا لا يعني القول ان العقل غير ملائم للاخلاق. يمكن للمرء من خلال التفكير المكثف اقناع شخص ما بان تناول اللحوم عمل خاطئ، لكن الحجة الوحيدة التي تعمل هي تلك التي تلجأ الى العواطف القبلية. سوف لن تكون هناك فائدة من الجدال حول النباتية مع شخص لا يرتعش من فكرة قتل الابرياء. وكما ذكر ديفد هيوم ان العقل دائما عبد للعاطفة.

اذا كانت هذه الصورة صحيحة، فنحن لدينا مجموعة من قيم اساسية مشروطة، وقدرة على التفكير، تسمح لنا بتمديد هذه القيم الى حالات جديدة. هناك اثنين من المضامين الهامة. الاول، هو ان بعض النقاشات الاخلاقية لايمكن الوصول فيها الى قرار بسبب ان كلا الجانبين لديهما قيم اساسية مختلفة. هذا عادة الموقف مع الليبراليين والمحافظين. البحوث تقترح ان المحافظين يقيّمون بعض الاشياء التي هي اقل اهمية لليبراليين، بما فيها هياكل السلطة الهرمية والثقة الذاتية والتضامن ضمن الجماعة والنقاء الجنسي. النقاشات حول الرفاهية والسياسة الخارجية والقيم الجنسية اصبحت في وضع حرج بسبب هذه الاختلافات الاساسية.

الثاني، هو اننا لا نستطيع تغييير القيم الاساسية بواسطة العقل وحده. مختلف الأحداث اثناء الطفولة ربما قادرة على إعادة تشكيل عواطفنا المغروسة بما فيها الصدمة و غسيل الدماغ و الانغماس في جماعة جديدة (نحن لدينا ميل لا واعي نحو الامتثال الاجتماعي). العقل يمكن استخدامه لاقناع الناس ان قيمهم الاساسية هي بحاجة للمراجعة لأن العقل يمكنه اكتشاف متى تكون القيم غير منسجمة ومدمرة ذاتيا. مقال في النسبية ربما يقنع المرء في التخلي عن بعض القيم الاساسية على اساس انها منغرسة اجتماعيا. لكن العقل وحده لا يستطيع غرس قيم جديدة او التأكيد على نوع القيم التي يجب ان نمتلكها. العقل يخبرنا عما هو كائن وليس عما ينبغي ان يكون.

باختصار، الأحكام الاخلاقية ترتكز على العواطف، وان التفكير عادة يساهم فقط بمساعدتنا على الاستنباط من قيمنا الاساسية حالات جديدة. التفكير يقودنا فقط لاكتشاف ان قيمنا الاساسية منغرسة ثقافيا وانها قد تدفعنا للبحث عن قيم بديلة، لكن العقل وحده لا يستطيع اخبارنا اي القيم نتبنّى ولا يمكنه غرس قيم جديدة.

 هل هناك دليل اخلاقي موضوعي؟

فرضية ان الأحكام الاخلاقية ذات اساس عاطفي يمكنها توضيح لماذا هي تختلف عبر الثقافات وتقاوم التحول من خلال العقل، لكن هذا لا يكفي لإثبات ان الاخلاق النسبية صحيحة. الجدال حول النسبية يجب ايضا ان يبيّن ان لا اساس للاخلاق يتجاوز العواطف التي كنا نتحلى بها . النسبيون يجب ان يعطوا اسبابا للاعتقاد بفشل النظريات الموضوعية للاخلاق .الموضوعية تؤمن بان هناك اخلاق واحدة صحيحة ملزمة لكل منا. لكي ندافع عن مثل هذه الرؤية، يجب على الموضوعي ان يقدم نظرية توضح من اين تأتي الاخلاق لكي يمكن ان تكون عالمية وفق هذه الطريقة. هناك ثلاثة خيارات رئيسية: الاخلاق يمكن ان تأتي من اله خيّر، او انها يمكن ان تأتي من طبيعة الانسان (مثلا، تطوير مجموعة فطرية من القيم الاخلاقية)، او انها تأتي من مبادئ عقلانية يستطيع تمييزها كل الناس العقلانيون، مثل قواعد المنطق والرياضيات. الكثير من الجهد بُذل في الدفاع عن كل من هذه الخيارات، وسيكون من المستحيل هنا تقديم مراجعة نقدية لكل النظريات الاخلاقية. بدلا من ذلك، لننظر في بعض الاسباب البسيطة لكل من تلك الخيارات.

المشكلة مع الأوامر الدينية كعلاج للنسبية هي ان لا وجود هناك لإجماع بين المؤمنين حول ما يريدنا الله ان نعمل . حتى مع وجود كتب مقدسة تحتوي على قائمة من الاوامر الدينية، هناك عدم اتفاق حول التفسيرات.هل (لا تقتل) تشمل الأعداء؟ ام تشمل الحيوانات؟ هل انها تجعل المرء مذنبا في القتل غير المتعمد او في حالة الدفاع عن النفس؟هل هي تمنع الانتحار؟ان التحدي الفلسفي لمسألة الاله والاتفاق على نوع القيم المقبولة دينيا هي كذلك عملية اصعب.

المشكلة مع طبيعة الانسان كأساس للاخلاق العالمية هي انها تفتقر للقوة المعيارية، ذلك انها ذاتها لاتزودنا باي رؤية معرّفة للخير والشر. افرض لدينا بعض القيم الاخلاقية الفطرية، لماذا يجب ان نقيّد انفسنا بها؟ الكائنات اللاانسانية عادة تقتل وتسرق وتغتصب دون ان تنال العقوبة من اعضاء جماعتها. ربما قيمنا الفطرية ترسخ ذلك النوع من السلوكيات ايضا. هل ذلك يعني اننا يجب ان لا نعاقب عليها؟ بالتأكيد كلا. اذا كانت لدينا قيم فطرية عرضة للنقاش، فهي تطورت لمساعدتنا في مسايرة الحياة كما في جامعي البذور لدى بعض الجماعات الصغيرة. لكي نعيش في مجتمعات كبيرة مستقرة، فمن الافضل اتّباع القيم "المتحضرة".

اخيرا، المشكلة مع العقل كما رأينا، هي انها لاتضيف شيء الى القيمة. عندما اقول لك ان الخمر فيه نوع من التوازن بين الحموضة وعناصر اخرى للذوق فلا يعني انك ستجده لذيذا. ونفس الشيء، العقل لا يمكنه ان يخبرنا اي من قيمنا هي غير منسجمة، واي الافعال تقودنا الى انجاز اهدافنا. ولكن في ضوء اللاانسجام، لايستطيع العقل ان يخبرنا اي من قيمنا المتصارعة يمكننا اهمالها، واي الاهداف نتبعها. اذا كانت اهدافي تتعارض مع اهدافك، فان العقل سيطلب مني اما إحباط هدفك او التخلّي عن هدفي، فالعقل لا يستطيع اخباري بافضلية خيار على آخر.

عدة محاولات حصلت لدحض مثل هذه المخاوف لكن كل محاولة لم تقد الاّ الى مزيد من النقاش . وفي ضوء القيود الاساسية المذكورة اعلاه(غموض الاوامر الدينية، الفراغ القيمي للتطور، الحيادية الاخلاقية للعقل)، فان الموضوعية تبدو غير محتملة.

الاعتراضات على النسبية الاخلاقية

الناس عادة يرفضون النسبية لأنهم يعتقدون انها لها مضامين غير مقبولة. دعنا ننظر في بعض الادّعاءات والاجوبة عليها.

ادّعاء 1: النسبية تعني ان كل شيء مباح:

الجواب: النسبيون يعترفون اذا كنت تغرس اي مجموعة من القيم، فان هذه القيم ستكون صحيحة لأولئك الذين يحوزونها. لكننا لا توجد لدينا حوافز لغرس القيم عشوائيا. لو درّبنا اطفالنا ليكونوا قتلة قساة فهم ربما يقتلوننا او يُقتلون. القيم المدمرة ذاتيا لا يمكنها ان تستمر.

ادّعاء 2: النسبية تعني اننا ليس لدينا طريقة لنقد هتلر:

الجواب: اولاً، ان أفعال هتلر كانت عمليا مرتكزة على عقائد زائفة بدلا من القيم (العنصرية العلمية، الاستبداد الاخلاقي، احتمالية الهيمنة على العالم). ثانيا، المشكلة مع هتلر هي ليست ان قيمهُ كانت زائفة وانما هي كانت ضارة وخبيثة. النسبية لا تعني اننا يجب ان نتسامح مع الدكتاتوريين السفاحين. عندما يهددنا شخص ما فنحن نتحفز بقوة لحماية انفسنا.

ادّعاء 3: النسبية تعني ان النقاشات الاخلاقية هي بلا معنى طالما كل شخص هو على صواب:

الجواب: هذا هو سوء الفهم الكبير. العديد من الناس لديهم قيم اخلاقية متشابكة، ويمكن للمرء تسوية النقاش باللجوء الى ارضية اخلاقية مشتركة. نحن نستطيع اجراء نقاشات هامة حول كيفية تطبيق وتوسيع قيمنا الاساسية . بعض النقاشات بلا معنى. ان الليبراليين الملتزمين والمحافظين نادرا ما يقنعون بعضهم البعض، لكن النقاشات العامة حول السياسة يمكنها تهيئة الاساس وتسوية غير المقرر.

ادّعاء 4: النسبية لا تسمح بالتقدم الاخلاقي:

الجواب: قد يكون هذا صحيح بمعنى ما، القيم الاخلاقية لا تصبح اكثر صحة. لكنها يمكن ان تصبح افضل في جوانب اخرى. فمثلا، بعض القيم هي اكثر انسجاما وتؤدي بشكل واضح الى الاستقرار الاجتماعي. اذا كانت النسبية الاخلاقية صحيحة فان الاخلاق يمكن اعتبارها وسيلة، ويمكننا التفكير حول ما نحب ان تفعله لنا هذه الوسيلة ثم نراجع الاخلاق طبقا لذلك.

 

حاتم حميد محسن

 

حيدر جواد السهلانيالجمال صفة تلحظ في الاشياء،وتبعث في النفس السروريقول كانت"الجمال هو مايبعث في النفس الرضا".(1) أن احساس الانسان بالجمال هو شيئ فطري حيث ترى الانسان يستمتع به بشكل لاارادي(2). ويرى ولتر ستيس " ان الجمال هو أمتزاج مضمون عقلي، مؤلف من تصورات تجريبية غير ادراكية، مع مجال ادراكي، بطريقة تجعل هذا المضمون العقلي وهذا المجال الادراكي لايمكن ان يتميز احدهاما عن الاخر"(3) . ويرى هربرت ريد " ان الجمال هو وحدة العلاقات الشكلية بين الاشياء التي تدركها حواسنا" (4) . وترى الدكتورة أميرة حلمي مطر انه من الصعب ان نحدد مالجمال أو نقدم تعريفآ للجميل، فقد يرى البدوي في الصحراء جمالآ لايراه أبن المدينة، وقد يرى البدائي في الوشم والوان الزينة جمالآ لايراه الاوربي ومايعجب الصيني قد لايعجب من يعيش في فرنسا، بل يختلف الذوق بين ابناء الحضارة الواحدة، وذلك بحسب ثقافتهم وبيأتهم ، بل يختلف ذوق الانسان نفسه بحسب درجه تدريبه وتهذيبه.(5) ويذهب الدكتور حسام الالوسي الى  أن الجمال احساسآ بالراحة، وعكس ذلك القبيح الذي يشعرنا بالألم والنفور، وليس كل ماترتاح له النفس جميلآ ذلك لأن اللذة التي تحدث من الجمال نتيجة تأثير العقل او الوجدان بواسطة الحواس، وليس كل الحواس، أنما الحواس الراقية وهي حاستا السمع والبصر.(6) أما الدكتور توفيق الطويل يرى أن طبيعة الجمال كانت مثارآ لخلاف بين الباحثين ادى الى وضع نظريات، وقد ثار بين مدرستين احدهما ترى ان الجمال صفات أو خصائص عينية موضوعية مستقلة عن العقل الذي يدركها، ولاترى المدرسة الثانية أن الجمال وجودآ موضوعيآ فترده  الى القوى التي تدركه ومن انصار المدرسة الاولى التي ترى الجمال موضوعيا برايس والثانية التي ترى الجمال ذاتيآ تولستوي.(7)

يبدو لنا أن الجمال حالة ذوقية تارة يكون موضوعيآ وتارة يكون ذاتيآ، اما الموضوعي فهو مرتبط بالعادات والتقاليد والدين فمثلا حالة الصوفي الذي يضع خيمة في الصحراء ويتعبد ويحصل له ارهاق كثير هذه حاله جميلة لدى المتصوف، والبوذي يجلس يقضي ساعات في التأمل وهذه حالة جميلة لديهم والاوربي الذي يشترك بمسابقة الثيران ويتعرض الى كثير من الاذى هذا حاله جميلة لديهم، اذا الجمال هو ليس قاعدة اويمكن أن يخضع الى معايير محدده أذ هو مرتبط بعادات وتقاليد الشعوب. أما  ذاتيآ فهو مرتبط بعدة عوامل للفرد، منها (تعلم الفرد، سايكلوجي، سكن الفرد في الريف أو المدينة، عمر الفرد، الاسرة). اما تعلم الفرد فهي تعطي للشخص المتعلم رؤية جمالية تختلف عن الغير متعلم، والسايكلوجي يلعب دور كبير في تحديد الجمال لدى الفرد، أما سكن الفرد فهو ايضآ يحدد من رؤية الجمالية ، وعمر الفرد هو في حالة تغير فمثلا الطفل يرى القفز واللعب هي اشياء جميلة وفي الكبرلايراها بذلك الجمال الذي كان يراه، والاسرة هي ايضأ تأثر بشخصية الفرد ورؤية للجمال ، اذ كانت الاسرة متعلمة أم غير ذلك.

أن علم الجمال يجب أن يعد فلسفة لأنه علم معياري له منهج معياري، يقرر ماينبغي أن يكون عليه الفن ووظيفته ويضع  القواعد والمقايس للفنانين والمتذوقين.(8) وتتميز فلسفة الجمال عند تناولها للفنون الجميلة وتارخها بأنها لاتتناول الاثار الماضية بقدر ماتتناول العوامل والمؤثرات المكونة للوعي الجمالي عند الانسان.(9) أذآ فلسفة الجمال تختلف عن الشعور بالجمال ومايصاحبه من بهجه، لأنها عملية ايضاح له، وعلى ذلك أن الجمال في الفلسفة ليس جمال الكلمة التي تشترك مع  الادب فيها.(10) الجمال هو علم يبحث في شروط الجمال ومقايسه ونظرياته وفي الذوق الفني وفي احكام القيم المتعلقة بالاثار الفنية، وهو باب من ابواب الفلسفة، وله قسمان نظري وعملي، اما النظري فيبحث في الصفات المشتركة بين الاشياء الجميلة التي تولد الشعور بالجمال فيحلل هذا الشعور تحليلا نفسيا ويفسر طبيعة الجمال تفسيرآ فلسفيآ ويحدد الشروط التي يتميز بها الجميل من القبح فهو علم معياري كالمنطق والاخلاق، اما العملي فيبحث في مختلف صور الفن ويطلق على هذا القسم النقد الفني وهو لايقوم على الذوق وحده بل على العقل ايضآ، لأن قيمة الأثر الفني لاتقاس بما يولد في النفس من الاحساس فحسب بل تقاس بنسبته الى الصورالغايئة التي يتمثلها العقل.(11)

وقد جاءت لفظة علم الجمال من الكلمة اليونانية(aistheticos) استطيقا ومعناها ادراك حسي واطلقت على الاحساس أو الشعور بالجمال وبقيت الكلمة تعني علم الجمال مع أنه اصبح لها معنى اوسع، فالشعور بالجمال يتضمن الحواس والعقل ايضآ، أن أول من استعمل هذا اللفظة هو بومغارتان(1714- 1762) وأول من جعل هذا العلم فرعآ من الفلسفة مستقلآ.(12)  وقد تعددت التعريفات فيه فقال بول فاليري( علم الجمال هو علم الحساسية) وعرفه ايضآ ( كل تفكير فلسفي في الفن).(13) وعرفه كانت(هو العلم المتعلق بالشروط الخاصة بالادراك الحسي) وبذلك يتفق الباحثون أن الجمال نشأ في البداية بأعتباره فرعآ من الفلسفة، ويتعلق بدراسة الادراك للجمال والقبح، وقد يعرف الجمال( بأنه فرع من الفلسفة يتعامل مع طبيعة الجمال ومع الحكم المتعلق بالجمال ايضآ) أو كما جاء في قاموس وبستر(الجمال هو المجال الذي يتعامل مع وصف الظواهر الفنية والخبرة الجمالية وتفسيرها).(14) وقد عده بعض الباحثين الجمال علمآ لأن له منهجه الخاص به، وهو المنهج العلمي الذي يميز أي تفكير علمي ويفرق بين ماهو علمي وماهوغير علمي، ويعتقد البعض أن العلم لايسمى علمآ الابالمعنى التجريبي الوصفي، لذلك اضفوا عليه صفة التجربة واستعملوا طرقآ لقياس شدة او ضعف الاحساس بالجمال، وقد ظهر في القرن التاسع عشر اتجاه تجريبي في الفن والجمال، ورائد هذا الاتجاه هو فخنر الذي يعد اول باحث في علم الجمال التجريبي في كتابه مقدمة في علم الجمال الاستقرائي فقام فخنر بعدة تجارب لقياس شدة الجمال.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

....................

الهوامش

1-  ينظر جميل صليبا: المعجم الفلسفي،ج1، ص407- 408.

2- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل في علم الجمال، ص7.

3- ينظر ولتر ستيس: معنى الجمال، ص73.

4- ينظر هربرت ريد: معنى الفن، ص10.

5- ينظر أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص5.

6- ينظر حسام الالوسي: مدخل الى الفلسفة، ص218- 219.

7- ينظر توفيق الطويل: أسس الفلسفة، ص467- 473.

8- ينظر نبيل سعيد رشاد:مدخل الى علم الجمال، ص32- 33.

9- ينظر أميرة حلمي مطر:مقدمة في علم الجمال وفلسفة الفن، ص7- 8

10- ينظر هاني يحيى نصري: الفكر والوعي بين الجهل والوهم، ص198- 199.

11- ينظر جميل صليبا: المعجم الفلسفي، ص408- 409.

12- ينظر نبيل سعيد رشاد: مدخل الى علم الجمال،ص11.

13- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل في علم الجمال، ص8.

14- ينظرشاكر عبدالحميد:التفضيل الجمالي،ص18.

15- ينظر نبيل سعيد رشاد:مدخل الى علم الجمال،ص33- 34.

 

علي رسول الربيعيسوف نناقش تحت هذا العنوان  مايلي:

ثلاثة أنواع مختلفة من اللغة الأخلاقية

بعض المصطلحات الرئيسية المستعملة في اللغة الأخلاقية

أربع نظريات أساسية حول اللغة الأخلاقية.

ثلاثة أنواع من اللغة

للإدلاء بأقوال أو عبارات أخلاقية، أو الجدال حولها في النقاش الأخلاقي، يتعين علينا استعمال اللغة، وقد كان الكثير من النقاش الفلسفي حول الأخلاق في القرن العشرين معنيًا بمعنى بالعبارات الأخلاقية، وما إذا كان من الممكن إثبات أنها صحيحة أم خاطئة. لذلك، بمجرد أن نقرر أننا أحرار في اتخاذ الخيارات الأخلاقية والتحدث عنها، نحتاج إلى معالجة مشكلة نوع اللغة التي نستعملها للقيام بذلك.

أننا نستعمل ثلاثة أنواع مختلفة من اللغة في الأخلاق. ونحتاج إلى: التمييز بينها بعناية، ومعرفة ما نستعمله  منها وفي أيً وقت أو موقف.

الأخلاق الوصفية

هذا هو الشكل الأكثر مباشرة للأخلاق. إنه يتكون من وصف للطريقة التي يعيش بها الناس، والخيارات الأخلاقية التي يتخذونها. إنه يعرض الحقائق بكل بساطة. هناك مثالان بسيطان للأخلاق الوصفية.

تحصل معظم جرائم السيارات التي يقوم بها الشباب في المناطق التي ترتفع فيها معدلات البطالة.

قد تكون المعلومات الفعلية صحيحة أو غير صحيحة. يمكن التحقق من ذلك عن طريق الرجوع إلى سجلات الشرطة وإحصاءات الموظفين أو العاملين. لكن لاحظ أن العبارة لا تقدم أي ادعاء أخلاقي حول الشباب والجريمة، ولا تقول ما إذا كانت البطالة شيء جيد أو سيء. حتى أنها لا تشير  (على الرغم من أنه قد  تشير ضمنا) إلى وجود صلة بين الجريمة والبطالة.

قد يتزوج الرجال المسلمون حتى أربع زوجات، شريطة أن يكونوا قادرين على توفير العيش لهن ومعاملتهن على قدم المساواة. لا يصدر هذا التعبير حكمًا أخلاقياً، ولا يستفسر عن أنه ماذ اذا كان من الممكن معاملة الزوجات على قدم المساواة. إنه ينص ببساطة على حقيقة ما هو مسموح به في محيط ديني وثقافي معين.

الأخلاق المعيارية

تهتم الأخلاق بالأفكار حول ما هو صواب، وبالعدالة، وكيف ينبغي أن يعيش الناس. إنها تبحث في الخيارات التي يتخذها الناس، والقيم والمنطق الذي يكمن ورائها. وهذا ما يسمى أحيانًا الأخلاق "الموضوعية" أو "المعيارية". كل الحجة الأخلاقية تقريبا هي من هذا النوع عندما يتعلق الأمر بحقوق أو أخطاء قضايا معينة،.

إن القول  الشرقة  خطأ دائما، هي  عبارة  معيارية. يمكن الطعن فيها  باستعمال قول معياري آخر، على سبيل المثال، أعتقد أنه من الصواب أن تسرق في بعض المناسبات. ما لا يمكنك فعله هو تحدي قول أو عبارة معيارية باستعمال عبارة وصفية. لذا فإن الشخص الذي يقول "لكن الجميع هنا يسرقون إذا كانت هناك فرصة" لا يعولون على الادعاء بأنه خطأ. قد يقوم الجميع بفعل ما  لكن هذا لا يجعله صحيحًا.

وعلى هذا الأساس  تدور الأخلاق الوصفية  حول الوقائع، بينما تدور الأخلاق المعيارية حول القيم. كلاهما ضروري ، ولكن من الضروري إدراك أنه لا يمكنك الأنتقال  في المناقشة مباشرة من احدهما إلى الأخر: أيً لا يمكنك الحصول على الـ "يجب" من الـ  "هل".

ميتا - أخلاق

من الممكن أيضًا التراجع عن العبارات الأخلاقية والسؤال:

- ماذا يعني أن تقول أن هناك شيئًا ما صحيحًا أم خاطئًا؟ هل هناك أي معايير موضوعية يمكنك من خلالها تقييم  العبارات الأخلاقية؟

- ما هي اللغة الأخلاقية؟ هل هي عبارات حول الحقائق من أي نوع؟

-هل يعبر التعبير الأخلاقي عن رغبات أو آمال الشخص بشأن ما يجب أن يحدث؟

- بأي معنى يمكن القول بأن العبارة الأخلاقية صحيحة أم خاطئة؟

أسئلة كهذه ليست معنية بمضمون الخطاب الأخلاقي ، ولكن في معناه. يتناسب هذا بشكل وثيق مع فلسفة القرن العشرين، التي تستكشف طبيعة اللغة والطريقة التي يمكن بها إثبات أن العبارات صحيحة أو خاطئة. إن النظر إلى العبارات الأخلاقية بهذه الطريقة يسمى الميتا-أخلاق.

- هل هذه النظرية صحيحة لتجربتي في الأدلاء بعبارات أخلاقية؟

-هل تساعدني حقًا في تقرير ما إذا كان هناك شيء ما صحيح أم خطأ؟

سوف نلقي  لاحقاً نظرة على معنى بعض الكلمات الأخلاقية الهامة – أيً بعض التعاريف التي قدمها الفلاسفة اليونانيون القدماء، والتي كانت جزءًا من الأخلاق منذ ذلك الحين. لكننا سننظر أيضًا في عدد من النظريات الميتا- أخلاقية. على الرغم من أن  الميتا- أخلاق قد جاءت مؤخرًا إلى المشهد الفلسفي، إلا أنه يجدر النظر فيها الآن، حتى يمكننا أن  ننظر إلى النظريات الأخلاقية في الماضي، وتقييمها من حيث المعنى، وكذلك من حيث استنتاجاتها الأخلاقية.

لاحظ عزيزي القارى أن كل نوع من اللغات الأخلاقية له مخاطره:

- خطر الأخلاقيات الوصفية هو أن الوقائع سوف تكون خاطئة بالنسبة للقيم.

- إن خطر الأخلاقيات المعيارية هو أنه عند القول بأن شيئًا ما صحيحًا أو خاطئًا ، قد ينتهي الأمر بالوعظ بدلاً من الإبلاغ ، والتوصية بمسار عمل معين بدلاً من تحديد كل الاحتمالات والنتائج والقيم.

- إن خطر الميتا-أخلاق هو أنه قد يصبح الشخص مهووسًا بمسألة المعنى بحيث يصبح من المستحيل تقديم أي توجيه عملي للخيارات الصعبة التي يتعين على الناس القيام بها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

محمود محمد عليإن الثورة العلمية التي أحدثها "أسحاق نيوتن"Isaac Newton 1642-1727، قبل القرن التاسع عشر، وبالذات  في مجال الرياضيات والبصريات وما أستتبعها من نتائج عملية في مجال الرياضيات التطبيقية، وعلي وجه الدقة في الميكانيكا والفيزياء العملية، أفضت إلي استخدام التجريب بصورة تكاد تكون شبه دقيقة إلي حد ما في مجالات العلم المختلفة . ومع ازدياد التجريب أصبحت النتائج التي أمكن الحصول عليها من التجارب بمثابة محصول نظري جديد يسمح لنا بتنبؤات وتجارب أخري، وعلي هذا الأساس نتجه إلي مزيد من التجريب إذا ما أيدت هذه التنبؤات مشاهدات ووقائع جديدة تتفق مع المعطيات النظرية . أي أنه بصورة أو بأخرى يمكن لنا القول بأن حصيلة البحث في الاتجاه الاستقرائي ازدادت بصورة ملحوظة بعد عصر نيوتن، مما جعل الباحثين يتصدون لتفسير الوقائع علي أسس منهجية .

ومن هذا المنطلق كان الاهتمام الرئيسي لأصحاب الاتجاه الاستقرائي ينصب حول الطريق المؤدي إلي الكشف عن القوانين، واعتقدوا أنه من الممكن رسم منهج لتحقيق ذلك، فنجد أن كلاً من " " فرنسيس بيكون " ) Francis Bacon  (1561-1626، و" وجون ستيوارت مل" J.S.Mill (1806-1873)، قد حاولا تشييد منطق للكشف موازياً لمنطق البرهان، وقاما بصياغة المناهج التي من وجهة نظرهما، تمكن من اكتشاف قوانين الظواهر كنتيجة لتحليل وقائع الملاحظة والتجربة، كما وضع كل منهما منطقاً منهجياً علي غرار المنطق الأرسطي من أجل الوقوف علي الحقائق   الكونية، ومن ثم ادعت بأن قواعد الاستقراء تفسر العملية المنطقية للكشف عن القوانين .

ولذلك نشأ تصور للاستقراء باعتباره وسائل منطقية لصياغة العمليات الخاصة بتكوين واكتشاف المعرفة العامة للارتباطات القائمة بين الظواهر علي أساس معرفة الوقائع الجزئية . وبصفة عامة رد الاستقراء إلي ما يسمي بالمنهج الاستقرائي للبحث والذي تمثل في الخطوات التالية:

الخطوة الأولي: الملاحظة التجريبية . فلابد أن يقوم العالم بملاحظة أمثلة عدة للظاهرة موضوع الدراسة، ملاحظة دقيقة مقصودة منتقاة وهادفة، مرتبة ومتواترة، تتصف بالنزاهة والموضوعية والدقة التي توجب استخدام الأجهزة المعملية إلي أقصي حد ممكن للتكميم الدقيق. وما التجربة المعملية إلا اصطناع الظروف المطلوب ملاحظتها .

الخطوة الثانية: هي التعميم الاستقرائي للوقائع التي لوحظت، فإذا اشتعل الخشب كلما تعرض للهب في سائر الوقائع التي لوحظت، أمكن الخروج بالتعميم الاستقرائي: الخشب قابل للاشتعال .

الخطوة الثالثة: هي افتراض فرض يعلل أو يفسر هذا التعميم، كافتراض أن الخشب قابل للاشتعال لأنه يتحد بالأكسجين .

الخطوة الرابعة: هي التحقق من صحة الفرض عن طريق اختباره تجريبيا . ويكون قبول الفرض أو تعديله، أو رفضه والبحث عن فرض آخر إذا دحض كل هذا وفقا لنتائج محكمة التجريب، تنفيذ حكمها يعني الخطوة الأخيرة للمنهج، وهي بلوغ معرفة جديدة والإضافة إلي بنيان العلم .

وقد أشار "بيفردج" إلي كل ذلك (خاصة فيما يتعلق بالخطوة الرابعة)، وإلي ضرورة عدم التشبث بالأفكار التي لا تثبت صلاحيتها " فينبغي أن نكون علي استعداد للتخلي عن فروضنا أو تعديلها طالما يتضح أنها لا تتمشي مع الوقائع . وليس هذا بالأمر الهين كما يبدو للوهلة الأولي . فعندما يبتهج المرء أن يري احدي بنات أفكاره الجميلات تبدو قادرة علي تفسير كثير من الحقائق التي لولاها لكانت متنافرة، وعندما يجد هذه الفكرة مبشرة بالمزيد من التقدم، فقد يغريه هذا بالتغاضي عن آية مشاهدة لا تتفق مع الصورة التي نسجها، أو علي التخلص منها بأى تفسير، فليس من النادر أبدا أن يتمسك الباحثون بفروضهم المهلهلة، متغافلين عن الأدلة المعارضة لها، وأن يتعمدوا إخفاء النتائج المخالفة لفروضهم،  أي المكذبة لها . بل وحل بيفردج هذا بقاعدة شبيهة بقاعدة بوبر، لكن طبعا ليس في دقتها إذ قال إذا فشلت نتائج التجربة أو المشاهدة الأولي في دعم الفرض فمن الممكن أحيانا بدلا من نبذه كليا في أن نوفق بينه وبين الحقائق المعارضة له بواسطة فرض ايضاحي  ثانوي، أي مساعد المهم دائما هو قبول النقد .

ومعني هذا أنه عندما يضع العالم فرضاً لتفسير ظاهرة ما، فإنه يقوم بالاستنتاج من هذا الفرض بعض النتائج التي تمثل إختيارا لهذا الفرض، والحقيقة أن عملية الاستنتاج لا تكون من الفرض وحده، ذلك أن العالم يقوم بالاستنتاج من الفرض مقترناً مع مجموعة إضافية من الفروض , وهي ما يطلق عليها الفروض المساعدة Auxiliary Hypotheses (الفرض المساعد هو الذي يمكن اختياره فى حد ذاته، وتؤيده أمور أخرى غير التي وضع لتفسيرها فتزيد من مضمون النظرية وقوتها). وقد تكون هذه الفروض المساعدة غير مذكورة صراحة مع الفرض الأساسي . ولكن أحياناً ما يكون الفرض الأساسي متضمنا لها .

ويعطينا كارل همبل مثالاً  قائلاً:" ولنأخذ علي سبيل المثال فرض سيملويز القائل بأن حمي النفاس يحدثها التلوث بالمادة المعدية . لنفحص اللزوم الاختباري القائل بأنه إذا كان علي الأشخاص القائمين علي رعاية المرضي أن يغسلوا أيديهم بمحلول الجير المنقي بالكلور فإن نسبة الوفاة حينئذ من حمي النفاس تقل هذه القضية لا تنتج استنباطا من الفرض وحده. فاشتقاقها يفترض مسبقا المقدمة الاضافية القائلة بأنه بخلاف الصابون والماء وحدهما سيقضي محلول الجير المنقي بالكلور علي المادة المعدية. هذه المقدمة التي يسلم بها ضمنا في البرهان تلعب دورا فيما نطلق عليه الفرض المساعد في اشتقاق القضية الاختبارية من فرض سيملوبز ومن ثم لا يجوز لنا أن نقرر أنه إذا كان الفرض "ف" صادقا كان اللزوم الاختباري "ل" . كذلك ولكن إذا كان كل من ف والفرض المساعد صادقين كان اللزوم الاختباري " ل " كذلك . الاعتماد علي الفروض المساعدة هو القاعدة أكثر منه الاستثناء في اختبار الفروض العلمية وله نتائج هامة لمسألة ما إذا كانت نتيجة من نتائج الاختبار غير موافقة لواحدة من النتائج التي تبين أن  " ل " كاذبة . فقط يمكن التمسك بها لدحض الفرض موضع الاختبار .

وغالباً ما يتم تغيير وتعديل في الفروض المساعدة بغرض المحافظة على الفرض ". ويختلف فلاسفة العلم بشأن عملية التعديل والتنقيح التي تتم للفروض المساعدة . فنجد أن البعض مثل " توماس كون Kuhn T." (1922-1996)، يذهب إلى أنه يمكن أن تعدل كل النظريات بدون أن تفقد خطوطها الرئيسية بواسطة التعديل في الفروض المساعدة . بينما يعتقد البعض الآخر مثل "كارل بوبر" Karl Popper ( 1902-1994)  أن التعديل في الفروض المساعدة يمكن أي فرض من أن يكون متفقاً مع الظواهر، وهذا مما قد يسعد الخيال، لكن لن يساعد على تقدم المعرفة . ويرى "بوبر" أن إدخال الفروض المساعدة يكون مقبولاً إذا كانت تزيد من قابلية الفرض للاختبار. والحقيقة أن عملية إدخال الفروض المساعدة أو تعديلها أو تنقيحها قد يؤدي إلى ما يمكن أن نطلق عليه " بالفروض الغرضية " كما أن قبول أو رفض هذا النوع من الفروض يتوقف على الغرض منها .

ويجب أن نميز بين الفروض المساعدة والفروض العينية علي أساس أن الفروض العينية مغرضة، وهي التي تعني (في نظر كارل بوبر وأتباعه)، التملص من التكذيب.. والفرض العيني هو الفرض الذي يوضع لتفسير ظاهرة بعينها أو حدث بعينة، وليس له ما يؤيده غير هذه الظاهرة أو هذا الحدث ويقابله الفرض الذي تقوم علي صدقه بينة مستقلة، أي الذي تؤيده أمور أخري غير التي وضع أصلاً لتفسيرها، وهذا هو الفرض المساعد حقيقة . والفرض العيني لا يمكن اختباره مستقلا عن النسق ككل، بعكس الفرض المساعد . ويمكن دائما وضع فرض عيني يغطي موضع الكذب الذي نكشفه في النظرية مما يحمي النظرية من التفنيد . ومن ثم يجعل محاولة التكذيب مستحيلة الوصول إلي نهاية معينة وحل هذه المشكلة كما يثيرها الاصطلاحيون أو أي سواهم – يكون بالتمييز بين الفروض المساعدة والفروض العينية، فنقبل الأولي ونرفض الثانية والتمييز بين الفرض العلمي والفرض المساعد مثل أي تمييز ميثودولوجي أمر مبهم يكون فقط علي وجه التقريب . مثلا قدم فولفجانج باولي فرض (لنيوترينو) تماما فرض عيني ولم يأمل في إمكانية التوصيل يوما إلي دليل مستقل له بل وكان مثل هذا الدليل مستحيلا في وقته، لكن مع تطور المعرفة عن جسيمات الذرة أصبح فرضا مساعدا وأمكن اختباره مستقلا. لذلك لا يجب أن نتحامل بقسوة علي الفروض العينية، فقد تصبح يوما ما قابلة للاختبار المستقل وقد يكون اختباره مفندا فيؤدي بنا إلي التخلي عن الفرض والتوصل إلي فرض عيني جديد، قد يصبح مع الأيام فرضا مساعدا وهكذا .

وفي هذه المقالات نحاول أن نجيب علي تلك التساؤلات: هل نجح لاكاتوش في الوصول إلي تفسير ابستمولوجي لبرامج الأبحاث أم لا؟. كل هذه الأمور سوف نكشف عنها من خلال  إلقاء الضوء علي فلسفة لاكاتوش في تفسير الفروض المساعدة ودورها في ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية، ثم إعادة بنائها في ضوء المناقشات التي أحاطت بها، والانتقادات التي تعرضت لها . وعلي هذا فإن هذا البحث يرمي إلي فهم وتأويل فلسفة لاكاتوش في الفرض المساعدة، برؤية تحليلية نقدية.

وبهذا تتجسد محاور المقالات علي النحو التالي:

أولاً: موقف كارل بوبر من الفروض المساعدة

ذهب  " كارل بوبر" أن منهج العلم قائم علي التخمينات والمحاولات المتكررة بوصفها صيغة لـ " منهج المحاولة واستبعاد الخطأ " Method of Trial and Error. ومن ثم فإن نمو المعرفة يتقدم ابتداء من حذف الخطأ Elimination of Error  ويمكن الإشارة إلي هذه العملية بصيغة بوبر الآتية:

P1--------TT-------EE--------P2

حيث نبدأ بمشكلة ما، ونصيغ حلاً مؤقتاً، أو نظرية مؤقتة، ثم نعرضها بعد ذلك لكل الاختبارات الشاقة الممكنة في إطار عملية حذف الخطأ الذي يقودنا لصياغة مشكلات جديدة، وهذه المشكلات تنشأ من نشاطنا الخاص المبدع،  يقول بوبر:" يستند التقدم في العلم أو في الكشف العلمي إلي الاستخدام الثوري لعملية المحاولة النقدية وحذف الخطأ التي تتضمن بدورها البحث عن اختبارات تجريبية عديدة أو محاولات ممكنة لضعف النظريات العلمية أو تفنيدها " .

بيد أن الموقف الذي اتخذه بوبر هنا من العلم قائم علي أن هناك سمة أساسية في ضوئها تميز بين ما هو علمي وما غير علمي هذه السمة هي " القابلية للتكذيب Falsifiability "، حيث أن ما يشغل خيالنا بل ويشده فيما يري بوبر هو تفنيد نظريته المبكرة عندئذ يكتسب العلم دلالته وخصوصاً عندما يكون واحداً من المغامرات الفكرية التي يسعي إلي ممارستها الإنسان . وبوبر هنا يري أن مبدأ القابلية للتكذيب يقرر ما إذا كانت النظرية تعطينا محتوي إخباريا أم لا،  وذلك في ضوء حجج تجريبيه وملاحظات .... فمهمة العلماء هي أن يحكموا النظريات في ضوء اختبارات قاسية .

ولذلك إذا ما تم لنا اختبار النظريات، فإننا نقبل النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، والأكثر قابلية للاختبار، والأكثر في المحتوي (سواء المحتوي التجريبي أو المحتوي المنطقي). وعندما نتعرض للعلاقة بين القابلية للتكذيب وبين المحتوي المعرفي للقوانين والنظريات، نجدها علاقة وطيدة، إذ أن المستهدف من وراء ذلك هو محاولة تكذيب أو تفنيد المحتوي المعرفي لأي قانون أو نظرية. والواقع أن سبب هذه العلاقة القوية بينهما هو أن التحليل الدقيق لنظرية القابلية للتكذيب يظهر لنا أنه من الضروري أن نبحث عن النظريات الأكثر في محتواها المعرفي، النظريات الجسورة أو الجريئة متذكرين دائماً أن النظرية الأفضل هي التي تخبرنا أكثر، أو ذات محتوي معرفي أكثر، وهي بالتالي الأكثر قابلية للتكذيب.

والسؤال الآن ماذا نفعل إذا وجدنا أنفسنا بمواجهة أكثر من نظرية تتوافر فيها شروط القابلية للتكذيب، القابلية للاختبار والمحتوى المعرفي؟ كيف نفاضل بين النظريات ونختار؟

وفي نظر بوبر إذا تعرضت النظرية لاختبار القابلية للتكذيب، واستنبطنا منها عبارات أساسية جديدة، وكانت هذه العبارات متوافقة مع الواقع، بعبارة أخري لم نجد فئة عبارات أساسية تناقضها، فأثبتت مادتها فلابد من قبولها فقط لأننا ليس لدينا داع لرفضها . فالتعزيز – الذي هو جواز مرور الفرض إلي عالم العلم – هو مدي صمود الفرض أمام اختبارات منهج العلم القياسية، وكلما كانت الاختبارات أقسي كلما حازت النظرية التي تجتازها علي درجة تعزيز أعلي . وكلما كانت النظرية أعظم أى أغزر في المحتوي المعرفي وأجرأ في القوة السارحة وأكثر اقترابا من الصدق – أى أكثر قابلية للتكذيب، كلما تمكنت من الصمود أمام اختبارات أكثر قسوة وبالتالي كلما كانت درجة تعزيزها أعلي . لذلك كان بوبر يؤكد دائما علي قسوة الاختبار حتي لا تستطيع النظرية أن تعزز وتعبر إلي نسق العلم بسهولة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

علي محمد اليوسفأستهلال

- أجمل الاشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل – نيتشة.

- الايمان بالحقيقة هو الجنون بعينه – نيتشة.

- الخبرة الفردية جنون متفق عليه – لانج عالم نفس.

- الجنون هو التدمير الكامل للعمل الفني – ميشيل فوكو.

- من أجل الحديث عن الجنون علينا أمتلاك موهبة شاعر – فوكو.

- ليس المجنون من فقد عقله بل المجنون هو الذي فقد كل شيء ماعدا العقل- جاك لاكان.

- الجنون يفضح كل ماهو غير انساني في الانسان – فوكو.

التساؤل الذي نستهل به ورقتنا هذه هو هل مثل هذه الافكار الفلسفية المعجزة في التعبير التي لا تحدها حدود معرفية وجمالية في نفاذها أعماق الوجدان الانساني، تعتبر ضربا من كشف عقلي فوق طبيعي وغير أعتيادي لا يمكن لأي شخص عادي مهما حاول بلوغ تخومه ومدياته؟؟ أم أنه ضرب من عبقرية الجنون التي تصاب أغلب الاحيان بشطحات من التفكيرالفلسفي الذي نجد له بصمات واضحة في تعبيرات لغوية من التفكير الأخرق الجّذاب الذي يستهوينا بأندهاش وجداني مؤثر غير طبيعي ولا محدود يتمثّل في عجزنا ألالمام به؟

كان نيتشة وهو يمّر بمحنة الجنون لمدة ثلاثة عشر عاما أستثمرتها والدته ماليا بقطع تذاكر زائرين لمشاهدة أبنها المريض، مسّجى على سريره يردد: هناك أمر واحد سيظل أدراكه مستحيلا الى الابد الا هو أن يبقى الانسان عاقلا.. لقد كان نيتشة مؤمنا بشّدة أن الحقيقة لاتدرك بوسائل تقليدية يفهمها جميع الناس، بل بوسائل غير أعتيادية غرائبية أحداها الجنون..

كتب باسكال في أستشهاد كان جاك لاكان أحد أقطاب الفلسفة البنيوية في علم النفس يستشهد به كثيرا قوله، أن الناس مجانين حتما، وكل أنسان مجنون بضرب معيّن منه، وهذا يعني كي نكون طبيعيين عاديين يجب أن نكون مجانين، وهناك جنون ضروري للكائن البشري. ولن نكون بالجنون أسوأ من الذين يسّلمون أنفسهم للعقل ويؤمنون كليّا بحكمته الخاصة (1).. .

وكتب كلود كيتل في كتابه /تاريخ الجنون من العصور القديمة الى وقتنا الحاضرترجمة سارة رجائي ص9 قائلا: واحدة من نقاط الضعف البشري العظيم هو العجز عن ملاحظة أولئك الذين نعتبرهم مجانين بعيون لا تمنحهم قليلا من العقل والحق، أو النظر الى أنفسنا بعيون المجانين من الزاوية التي ينظرون هم لأنفسهم بها أنهم غير مجانين ..

كما عبّر جان لاكان عن أنتقاده النظرية العضوية للجنون كما يعتمدها علم النفس على أنه أختلال عقلي فسلجي وظيفي في عمل الدماغ، متماهيا مع وجهة النظر التي ترى في الجنون ظاهرة أجتماعية ثقافية تمتاز بميزات تختلف من مجتمع وآخرومثله ذهب أغلب الفلاسفة الذين كتبوا عن أهمية رد الاعتبار أنسانيا للمجنون، وربط لاكان الحرية بالجنون بقوله: كي نكون بعيدين عن أهانتنا الحرية، يجب الاقرار أن الجنون رفيقها الوفي الذي يحرص على أقتفاء خطواتها بأخلاص، والكائن البشري لا يمكن فهمه من دون الجنون وحسب، بل أنه لا يكون كائنا بشريا أذا لم يكن يحمل بداخله الجنون قيمة من أحدى قيم الحرية. (2)

بألتاكيد تلك الافكار الفلسفية التي مررنا عليها بعجالة هي جوانب أنسانية فلسفية معيارية أخلاقية تحاكم المجتمع ليس بمقولات علم النفس، الذي يضّحي فيه المجتمع بالمجانين على أنهم عبء يتوجب الخلاص منه بالحجر الطبي كما ذكر ميشيل فوكو عن سفينة الحمقى الاوربية التي تعتبر أحدى صور وأشكال جرائم لجان التفتيش سيئة الصيت التي أدانها في كتابه عن تاريخ الجنون من جنبة تعاملها اللاانساني الوحشي مع مرضى الجنون والجذام والانجذابات العصابية المرضية والفقراء المشردين، وأخذت آراء فوكو والعديد من المفكرين والادباء والفنانين هذا المنحى الانساني خاصة بعد التقدم الكبيرالذي حصل في عالمنا اليوم في مجال حقوق الانسان الذي يريد تصحيح المعادلة الخاطئة التي تنكر على المجنون والمريض أنه ضحّية مجتمعه قبل أن يكون ضحية مرضه، وما يهمنا هنا مناقشة الجنون في تعالقه الوثيق بعلم النفس الطبّي من جهة وعلاقته بالابداع الادبي والفني من جنبة أخرى، في قاسم مشترك هو وظيفة ودور اللاشعور في كلا المنحيين.. أذ ان حقيقة اللاشعور سلبا وايجابا تكون في تغييب أو غياب العقل فقط... كما سيتضح معنا في سطور قادمة..

اللاشعور بين العقل والجنون

العقل يفكر في حضوره اللاشعوري أثناء النوم عند عامة الناس في ملازمته تداعيات اللاشعورالحلمي، ويفّكر العقل أيضا عند الخاصة من الادباء والفنانين وهو في حالة اللاشعور الألهامي حلم اليقظة وتكون حصيلته النهائية النتاجات الابداعية الادبية والفنية والجمالية، ويختلف اللاشعورعند المبدع الادبي والمبدع الفنان عنه في اللاشعورالهلاوسي المنفلت بلا هدف عند العصابي والانفصامي والمجنون الذي يكون اللاشعور عندهم مرضي غير منتج ولا مسيطر عليه ولا ألهامي مبدع من حيث يفتقد فيه (المجنون) قدرة التعبير اللغوي التواصلي المنطقي المتماسك عقليا واقعيا.. ويفتقد المجنون أيضا قدرة أبتداع وسائل تواصلية أخرى غير اللغة التداولية التي تلتقي الآخر وتحاوره بالكلام غير المنطوق الاشاري سيميائيا بدلالة المفهوم والمعنى التواصلي الدارج المطلوب تحقيق غاية أندماجه المجتمعي الطبيعي التي تكون هي الأخرى غائبة عن أدراك المجنون ..فالمجنون لا يحس حاجته لمجتمع هو مستغني عنه ولا يدرك وجوده الذاتي ولا المجتمعي مثلما هم لا يدركون وجوده الانساني ولا هو مدرك وجودهم اللاانساني معه أيضا..

اللاشعور في الادب والجنون

اللاشعور عند المبدع الاديب أو الفنان يبدأ برحلة أغتراب نفسي منتج مقصود لذاته يعمد فيه المبدع أتخاذه اللاشعور المغترب وسيلة تخصيب رؤاه الواقعية الابداعية بنوع من التهويم والذهان التفكيري المصنوع ذاتيا في ولوج عوالم من الخيال المخصب والفنتازيا وتفكير العقل اللامعهود الفوق طبيعي المتعالي على عالم واقع الحياة المعيش، وكذلك في أعتماد المبدع اللاشعور المصنّع من قبله في تنشيط ذاكرة التجريد التعبيري اللغوي وغير اللغوي الخيالي المستمد من اللاشعور بعيدا عن نمطية ورتابة الواقع الحقيقي، ويكون اللاشعور عند الاديب أو الفنان بخلاف عامة الناس هو وسيلة أبتداعه لغة ووسائل توصيل غير ميسورة ولا متاحة للعقل الشعوري السوي المرتبط بالواقع القيام بها عند العامة،

اللاشعور عند الفنان هو تحريرالفعالية الابداعية المعطّلة لديه كطاقة مكبوتة لا تفصح عن تجليّاتها في أنشغالاتها بالشعور والوعي الرتيب بواقع الحياة التي يستهلكها الاشباع الغريزي لحاجات بيولوجيا الجسد في الاكل والنوم والعمل والجنس وغيرها.. اللاشعور عند الفنان أو الاديب فعالية منتجة وحساسية نوعية مرغوبة لا يتوفر عليها غيره، يبدأها برحلة أغتراب وعزلة نفسية عن الواقع مقصودة ومتعمّدة يصنعها المبدع في أعتزال عوالم الحياة المعتادة في كل واقعيتها الطبيعية المعهودة ليعود في نهايتها الى الواقع ثانية بحصيلة من اللقى الثمينة هي أنتاجه الادبي أوالفني، عوالم خيالية غير عادية ولا مسبوقة هي مزيج من توليفة واقع الحياة مع تهويمات اللاشعور الخارجة تماما عن ضوابط عالم الواقع الذي يعيشه الآخرون برتابة يومية لا تجديد حقيقي فيها ولا تخرج عن أشباع حاجات الجسد البايالوجية كما ذكرنا،

وقد يلجأ البعض من الادباء والفنانين الى تناول المخدرات والمسكرات لتخصيب ملكة الابداع الخيالي لديهم في تغليبهم عوالم اللاشعور في منتجاتهم الابداعية، من حيث أن الابداع الادبي الحقيقي الخالد والمطاول للزمن في البقاء والتداول عبر الاجيال هو الذي لا يكون محاكاة أستنساخية مأخوذة من الواقع بحرفية أحداث المعيش ونقلها فقط، وأنما الابداع الادبي والفني الذي يشترك اللاشعور في خلقه واستحضاره هي مزيج أبداعي تقني جمالي في توليفة بنائية تجمع بين موجودات الواقع ومعطيات الخيال غير المدرك المحسوس، ومثل ذلك نقول عن الفنون التشكيلية من رسومات ومنحوتات فهي لا تكون أيضا محاكاة أمينة وصادقة في نقل الواقع الخالي من بصمات الابداع المتّخيل اللاشعوري الممّيز، وألا كانت الكاميرا أصدق تعبيرا عن الواقع من الفنان الرسام صاحب اللوحة..وكانت أحاديث التلفزيون والراديو كافية لمعرفة مجريات الحياة بلا أدب متنوع وموزع بين الشعر والرواية والقصة والسينما والموسيقى وضروب الابداع الادبي النثري والثقافي الاخرى..

الحقيقة التي لا يقوى أنكارها أحد هي لا يمكننا تصور أنفسنا نعيش في عالم خال من اداب وفنون تشكيلية وجمالية تتوزعها الرسومات والمنحوتات وغيرها من ضروب الابداع الفني والادبي التي من غيرها لا يبقى معنا معنى وجداني ولا روحاني تتوفر عليه حياتنا في جفافها المادي القاتل ورتابتها في غياب تلك الابداعات وأفتقادنا لها في ضرورة موازنة الكيان الانساني المادي والروحي..

الفنون والابداعات الادبية هي كالاساطير والميثالوجيا والديانات في حياة الانسان، هي حاجة أنسانية الاستغناء عنها يعني نقص وأختلال في الوجود الانساني الذي يمنحنا أحساسا حقيقيا لادراك وجود متكامل ماديا وروحيا في حياة نعيشها لها معنى حقيقي جديرة أن نحياها..

اللاشعور في السريالية واللامعقول الادبي

وأصرخ مثال على ما ذكرناه في سطور سابقة نجده في تيارات الفنون والادب السريالي، والعبث، واللامعقول، والدادائية، والبرناسية، والتجريد الفني الذي أبتدعه رائد فن التجريد التشكيلي كاندنسكي وأخذه عنه عدد لا يحصى من الفنانين والادباء منهم سلفادور دالي واندريه بريتون وصوموئيل بيكيت وكافكا والبير كامو وازرا باوند وجان جينيه واونيسكو وآخرين لا حصر لهم.. فابداعات هؤلاء في مختلف ضروب الادب والفن والمسرح ليست نسخا مكررة منقولة بحرفية مستمدة من أحداث واقعية تحصل مئات المرات في الحياة الطبيعية، وأنما هي فتوحات وكشف غير مسبوق لعوالم غير معهودة وبنى رمزية تعبيرية جمالية أحيانا غير مألوفة لا يتوفر عليها واقع الحياة التي نعيشها، ويحملها الأثر الادبي أو الفني لم تكن معهودة متوقعة أن تحصل بالحياة العادية في تنوع المجتمعات، أبداعات تتحدث عن عوالم خيالية غريبة لم يسبق للناس أن عاشوها ولا سمعوا عنها شيئا فهي جديدة ومدهشة في غرابتها غير الطبيعية ولا العادية التي كانت حصيلة أبداعاتهم الخالدة زمنيا..

الاداب والفنون ليست تاريخا انثروبولوجيا، وانما هي أبداعات تكتب تاريخا متخّيلا لم يعشه الانسان لكن يوجب عليه أن يعيشه من خلال المنتج الادبي والفني فهو أصدق من تاريخ الاحداث التي عاشها الانسان في الواقع، والتاريخ الروائي المتخيّل أبداعيا مثلا بأحداثه المدوّنة وعلاقاته الغريبة بين شخوصه تكون تعويضا مجزيا نوعيا بما لا يقاس مع الأبداعات الروائية الادبية المستمد بعضها من أحداث التاريخ الواقعي المعيش كما حصلت في عصور سابقة ومنقولة بحرفية تماهي كتابة التاريخ ولا تماهي جمالية وغرائبية العمل الابداعي المميز بقدرات خيالية غير محدودة تستثير الدهشة والانبهار..

كان أندريه بريتون مؤسس الحركة السريالية في الادب والشعر حصرا التي تقوم على محورية مرتكز تداعيات اللاشعورفي تفكيك اللغة الشعرية وأعدام فرص قول الشعر الواقعي بنظام اللغة العادية تداوليا، يؤكد أيمانه بأن الجنون يمّثل الوضع الطبيعي للانسان الا أن ذلك يتطلب سلوك طرق ملتوية غير متاحة في وضع تحكمه مؤسسات لا تقر ذلك وتعتبره خارج العرف المجتمعي المتواضع عليه وكان بردد مقولته: القصيدة الشعرية عندي هي حطام العقل، التي يعني بها أنحلال اللغة عن نظامها العقلي المنسّق المتواضع عليه عند العامة الى أهمية حضور لغة اللاشعور المتحرر كليا من رقابة العقل في أنتاجه اللغة المفككة السائلة الخالية من محتوى منّظم والشكل المدرك طبيعيا.. وفي المعنى السريالي التجريدي هذا على صعيد الفن يمكننا تصنيف أعمال بيكاسو في التكعيبية والتجريد الفني الغرائبي ونزعة العودة الى بدائية الفن، وفنتازيا رسم الوجه والعين على غير طبيعتهما من مساحة اللوحة، ورسم الوجوه والكتل والفراغات والخطوط في اللوحة بأبعاد هندسية حادة كلها تعبيرات غرائبية غير طبيعية تماما يمكننا تلمس فيها ما يصطلح عليه عبقرية الجنون الموزّعة في ثنايا أعماله ورسوماته الابداعية..وربما كان سلفادور دالي متطرفا في غرائبية التجريد الفني أكثر من بيكاسو..بما يمكن أن نطلق عليه جنون العبقرية في الفن..

اللاشعور المصنّع بالمخدرات

وهناك جانب تخييلي أبداعي متصل بالاوهام والهلوسات والذهانات الفكرية الهذيانية التي تمتاز بضرب من الفصام العصابي والجنون، والذي تمّكن بعض المغامرين من الفنانين والادباء تجربته وتذوقه في محاولتهم تخصيب مخيلتهم وملكة الابداع لديهم بملازمتهم عوالم من اللامعقول الذي يبتعثه اللاشعور والذي يجري تصنيعه وأستحضاره بالمخدرات والاعشاب وتناول المسكرات التي تفقد متعاطيها الوعي الشعوري بالعالم الواقعي تماما وتجعله معايشا لعوالم خيالية من صنع غياب الوعي بعيدا عن معيارية الادانة المجتمعية الكاذية التي لا تصلح فيها محاكمة الابداعات والفنون بمنطق أزدواجية الاخلاق.الفنون والاداب فعالية من تجريب ابداعي متطور على الدوام تعتبر محاكمته في الجودة والقبول الاستقبالي بمنطق الاخلاق المجتمعية النسبية والجاهلة تذوقا جماليا سذاجة معيارية لا تصلح تماما..

وهناك رغبة عارمة منتشرة بشكل واسع بين أوساط من الكتاب والادباء والفنانين عالميا اليوم أن الانفصام والذهان والعصاب المرضي بجميع أنواعه أنما يدخل في صلب العمل الفني والابداعي كأستثارة تحفيزية سببية بما لا غنى عنه ولا يمكن تجنبه لأنجاز الابداع بل العكس يتوجب السعي له واستثماره الى اقصى مدى متاح وممكن... ويعبر الفيلسوف الفرنسي والشاعر العدمي المتشائم أميل سوران عن هذه الحال في أستحضار أجواء عوالم اللاشعور الخيالي المخصب بالمخدرات والمشروبات الكحولية قائلا: الذهانات تتميز في بداياتها بمرحلة من الانتشاء الفاقد للوعي المصاحب لأنهيارات الحواجز والعقبات النفسية لفتح الطريق لسكر داخلي يكون أخصب أثمارا في الادب والفن ..

العصاب الانفصامي واللاشعور

كما ذكرنا سابقا تكون رحلة العصابي الانفصامي أو المجنون في اللاشعوروغياب الواقع المعيش عنده حالة أستلابية تتلبسّه لا يقوى الخلاص منها لأنه يجد في اللاشعور عالمه الحقيقي الذي لا عودة منه ويرى في عوالم الآخرين الاسوياء الواقعي الذي لا يستطيع أدراكه أنهم يعيشون عالمهم الزائف غير الحقيقي الواقعي... ونحن نرى في المجنون العكس أنه مريض يعيش عالم الوهم تاركا عالم واقعنا السوي الطبيعي..ومن المحتمل الذي يؤكده عديد من الفلاسفة والادباء والفنانين أننا لا نعيش عالمنا الحقيقي الذي لا يتصوره المجنون وننكر عليه فقدانه، وكما كان لافلاطون قصب السبق بالتبشير بزيف الواقع الذي نعيشه عندما أعتبر واقعنا هو الصورة غير الحقيقية عن الاصل للوجود الحقيقي، ومن يستطيع الجزم أن لا يكون عالم الجنون هو عالم الحقيقة غير المتفق عليه أجتماعيا من قبلنا أذا ما أستعرنا بعضا من مقاربة التعبيرمن وحي نيتشة في شذراته الفلسفية عن الجنون الذي يصفه على أنه حقيقة الانسان المطلقة في هذا العالم التي ينكرها الاسوياء؟؟ ولم يكن نيتشة الفيلسوف الوحيد الذي وجد في الجنون عالم الحقيقة الغائبة عن عالمنا الذي نعيشه.. بل من بينهم ليتريامون وهولدرين وهكسلي وبيكيت وكافكا وعديدين آخرين..بعضهم تقمّص حالة الجنون ليعرف الحقيقة فيه ورغبة الوصول الى تخوم تجربة الجنون..فكانت النتيجة الجنون المطبق لهم الذي سعوا اليه في محاولتهم معرفة حقيقة الجنون..منهم الشاعرالمعروف انطون آرتو وراقص الباليه الروسي العالمي ياجنسكي الذي أنهى حياته بالانتحار بعد تجربة الجنون..والشاعر الالماني هولدرين الذي فتّ الجنون في تجربته الشعرية وقواه العقلية..وفان كوخ وعديدين من الفنانين ...

اللاشعور بين الابداع والجنون

السؤال الطبيعي في البحث عن السبب الحقيقي هنا لماذا يكون اللاشعور بهذه الأهمية في الخلق الابداعي الفكري عموما، وفي انتاج الابداع الادبي والفني خصوصا ولا يتوفر ذلك اللاشعور على فعالية انتاجية ابداعية من أي نوع في ادنى مراتبها لدى الانفصامي أوالمجنون؟؟

الاجابة عن هذا التساؤل من وجهة نظر علم النفس الطبي مربك ومعقد أذ توجد نظريات في علم النفس تذهب الى الجمع بين أعراض الانفصام (الشيزوروفينيا) أو الجنون العصابي الخفيف واشكال الهلاوس والهذاءات الجنونية، وبين ملكة الابداع الادبي والفني سببيا، وهي نظريات لها أستشهادات ميدانية وبحوث سايكولوجية معمّقة معتمدة طبيا لايستهان بها في هذا المجال ليس هنا مجال أستعراضها، فالكثيرين من علماء النفس يذهبون الى تأكيد هذا المنحى في ربط العبقرية بالجنون..فقد عانى فوكو من عصاب مرضي حاول فيه الانتحار وكان نزيل مستشفى أمراض عقلية جمعته بالفيلسوف التوسير المريض عقليا أيضا، والذي قتل زوجته في أحدى نوبات مرضه العقلي، كما كانت مظاهر جنون العبقرية تلازم فنان عصر النهضة بلا منازع مايكل انجلو، وكذا الحال مع فان كوخ وسلفادور دالي.. وعشرات آخرين.

ونعود الى الاجابة عن التساؤل المار ذكره بأقل الكلمات أن الاديب والفنان يمتلكان الشعور واللاشعور في وقت واحد في نفسية غير مرضية سويّة بمعاييرنا العامة على الاقل المستمدة من علم النفس الطبي، بمعنى الاديب والفنان يمتلكان الواقع والخيال معا تحت رقابة العقل الصارمة الحازمة، وهذا ما لا يتوفر عليه المجنون من حيث هو يعيش اللاشعور كعالم من الخيال الحقيقي الذي لا يوجد ولا يعيشه غيره وليس بمستطاع المجنون كما يفعل الفنان العودة من رحلة اللاشعور الى عالم الشعور الواقعي.. ثمة شيء آخر أن اللاشعور عند الفنان هو تخصيب منتج لملكة الابداع لأنه مسيطر عليه عقليا وليس لاشعوريا سائبا غير منتظم يتسّيد صاحبه ويتلبّسه كما هو الحال عند المجنون المريض بما لا فكاك منه أبدا في أمكانية العودة للواقع..

أن من المهم الاقرار بأن الابداع الادبي والفني قرين أنتاجية التفكير العقلي المنّظم والمتماسك سواء في أفصاحات وتعبير اللغة كما في الابداع الادبي، أو في أفصاحات التعبير غير اللغوي الكامن داخل الابداع الفني بحالة من الكمون التعبيري اللغوي غير المفصح عنه في التوصيل التقليدي المباشر الذي يستبطن في دواخله تعبيرات تواصلية تخاطب الوجدانات والعواطف وصمت الذاكرة ولا تخاطب العقل مباشرة كما تفعل اللغة التواصلية التداولية في الادب..

ما ذكرناه لا ينطبق على الانفصامي المريض ولا على المجنون حينما تكون فاعلية اللاشعور لديهم طاغية في الغائها حضور تنظيم العقل للافكار ورقابته عليها، اللاشعور على مقدار ما يمتلكه من قدرة تخصيب للخيال الابداعي الا أنه ليس كافيا ولا بمقدور صاحبه أنتاج فعالية أدبية او فنية خالية من لمسات الحبكة الفنية والمجردة من حرفية صياغة الافكار في تنظيم ابداعي هو ميزة الاديب والفنان فقط..اللاشعوروحده حتى عند الفنان لا ينتج عملا ابداعيا منبّت ومقطوع الصلة نهائيا عن الواقع وادراك العقل في وصايته تنظيم الافكار وجميع وسائل ادراك الوجود..فالفنان يجمع الشعور الواقعي بالاشياء مع اللاشعور الخيالي التجريدي للواقع في انتاجه فعالية واحدة هي الاثر الابداعي..

فنحن مثلا نجد النائم يتكلم أحيانا بتداعيات اللاشعور كما يتكلم المجنون في يقظته وبصوت مسموع أثناء تداعيات اللاشعور في هذاءاته الصوتية اللغوية غير المترابطة ولا المفهومة ولا المنتظمة بسبب غياب تنظيم العقل الزماني والمكاني لها وعدم فهمها وأدراكها أستقباليا عند المتلقي فهي تتحدث عن واقع غير الواقع الذي نعيشه الذي ربما يكون أكثر براءة أنسانية مما نعيشه في واقعنا نحن الاسوياء.لكنا نعجز عن فك طلاسم تلك العوالم والتعامل معها في عجز تنظيم عقولنا لها..

اللاشعور السوي واللاشعور المجنون

طبعا هنا يكون التساؤل واردا مرة ثانية وفي محله لماذا يكون هذا الاختلاف باللاشعور بين السّوي والمجنون؟

الاختلاف أن عقل الانسان السّوي الطبيعي بمقاييسنا نحن الاسوياء هو عقل مبرمج على الادراك الزمني الواقعي (الشعوري) اليقظ باستمرار الذي ينتج عنه كل المعارف والمدركات والتواصل الاجتماعي عبر اللغة، ويأتي هذا من أعتماد الشخص السّوي حالة الشعور اليقظ الذي يلازمه تنظيم الزمن لمدركات العقل السوي، أما العقل عند المجنون فهو عقل (اللاشعور) المبرمّج بالعادة المرضية الانفصامية عن الواقع الذي نعيشه نحن، وعلى غياب الواقع المادي الذي يعيشه الاسوياء والاستعاضة عنه عند المجنون بتداعيات عالم الخيال المرضي الاجتراري القهري، والمجنون لا يمتلك الشعور اليقظ كما هو عند الاسوياء بل يتعامل مع اللاشعور في مجمل تصرفاته وتعبيراته الهذائية..في حين يتعامل السوي مع اللاشعور أثناء النوم وبعض حالات فقدان الوعي أو الذاكرة أو المرض فقط... أما في حالات استحضار اللاشعور كوظيفة تخصيب الخيال الابداعي عند الاديب والفنان فقد سبق لنا شرحها في سطور سابقة..بكلمات قليلة اللاشعور عند الفنان والاديب مسيطر عليه عقليا بينما يكون اللاشعور عند المجنون منفلتا سائبا لا عقل يلجمه، ويكون المجنون كائنا خياليا يعيش حياته في بعد واحد فقط هو الخيال وفي أستعباد اللاشعور له بما لا يمكنه الخلاص منه.....

خاتمة

اللاشعور في الجنون هو غياب العقل والزمن الادراكي المنتظم الذي يتلبّس المجنون على أنه يعيش عالمه الحقيقي وأن عالمنا نحن الاسوياء الذي هو عالم الشعور بالنسبة للمجنون هو عالم غير واقعي ولا حقيقي عنده لأنه لا يدركه ولا يعيشه، ومن الملاحظ أننا نعكس الآية معكوسة في نعتنا عالم الجنون اللاشعوري أنه عالم غير حقيقي بالنسبة لنا لأننا لا نعيشه أيضا ولا يمكننا أدراكه ولا فهمه، ويكون العقل فيه لا يقوى على تنظيم الافكار التعبيرية الصادرة عنه تحت وصاية ورقابة الزمن المعقلن برقابة ووصاية العقل، لذا من العسير جدا علينا فهم هذاءات المجنون على أنها لغة تواصل معنا نفهمها، والسبب كما أوضحناه أن لغة الاسوياء منظمّة زمنيا وعقليا ولا تصبح فاعلة تواصليا من غير أن تستظل بفيء الشعور اليقظ على الدوام..بخلاف هذاءات المجنون التي هي ليست لغة تواصلية لافتقادها العقل المنظم لها والزمن والشعور بواقع الحياة..وأستبدالها بفوضى التعبير وغياب الزمن المنظم وحضور اللاشعور الدائم عند المجنون كواقع حقيقي وليس كحالة مؤقتة تزول بعد الاستيقاظ منها كما هي عند الشخص السّوي..وأختم بعبارات لشوبنهاورأترك فيها المجال للقاريء الأخذ بها من عدمه فهو يقول: المجنون يمتلك معرفة حقيقية بما يدور حوله، ويعرف بعض الماضي أيضا، غير أنه يخطيء الربط بينهما فيرتكب أخطاءه، ويتقوّل أشياء تخلو من كل معنى، وهي ذي نقطة التماس التي تفصل بين المجنون والعبقري..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

هوامش: 1، 2، نقلا عن موقع خبر الالكتروني،

 

علي رسول الربيعيشرعية المؤسسات القانونية: أودأن أطرح في هذه الدراسة، مرة أخرى الأسئلة المهمة حول شرعية الأساس القانوني. لايتعلق هذا السؤال بمهمة المراجعة القضائية التي تخص المشرعين والقضاة حصريًا. أود أن أطرح السؤال من وجهات نظر فلسفية، أي مسألة نظرية الخطاب في القانون. كما لاحظنا في المقال السابق الذي نشرناها تحت عنوان: الخطاب النظري للقانون وحقوق الإنسـان عند هابرماس.

 لابد أن يكون هناك سبب دفع هابرماس  لتقديم نظرية الخطاب (التي تتعلق بالقانون) على الرغم من وجود العديد من النظريات القانونية.  سنفحص بالتفصيل ما حدث بالفعل في سلك الحياة للنظام القانوني. سأنظر أبتداءً وقبل كل شئ  في فلسفة كانط للعدالة، ثم أسلط الضوء على مشاكلها، خاصةً مسألة خضوع القانون للأخلاقية. ثانياً، سأبحث في أساس صلاحية نظرية العدالة لدى راولز. ثالثا، بما أن نظرية النظام (القانوني) هي عادة ناقد لنظرية الخطاب (القانوني) فيترتب على ذلك أنه إذا وجدنا أساسًا صحيحًا وموثوقًا به في نظرية نظام القانون، فإن صحة أساس نظرية الخطاب في القانون ستكون موضع تساؤل وشك. سأبحث إذن عن أسس ومطالبات نظرية النظام. رابعا، سأنظر في علم اجتماع القانون، مع إشارة خاصة إلى فيبر من جانب، بارسون ومارشال من جانب أخر.سأخذ  بنظري كل هذا في سياق نظرية الخطاب لهابرماس  حول القانون. وبالتالي، ومرة اخرى  سيكون  مدار هذه الدراسة  هو كتاب هابرماس الذي اشرنا اليه في الجزء الأول (المقال السابق)، ايً: (Facts and Norms) بين الوقائع والمعايير

فلسفة العدالة الكانطية

لماذا نحتاج القانون؟

ساهم كانط كثيرًا في الفلسفة القانونية، تمامًا كما فعل في فروع الفلسفة الأخرى. تأثر واستلهم جان جاك روسو، الذي سعى عقده الاجتماعي إلى حل مشكلة التوفيق بين الإكراه والحرية الفردية. بالطريقة نفسها، سعت فلسفة كانط للعدالة التي تلعب فيها الحرية دورًا رئيسيًا، إلى تقديم  فهم منهجي للمبادئ الأساسية لجميع القوانين التي ستمكننا من تقرير ما إذا كانت هذه القوانين تتفق مع المبادئ الأخلاقية أم لا. أود، في ما يلي، أن أبرز الأفكار الأساسية  التي تقف وراء فلسفة كانط   للقانون والأخلاق، حتى نتمكن من أن نرى بشكل واضح، مراحل تطور هذه النظرية  ومشاكلها أيضاً.

يقول هابرماس إن الإكراه أو الإذن بالإكراه عند كانط له ما يبرره فقط على أساس ما يمنع أو يعيق  الحرية، أي منع التعدي على حرية كل فرد؛ وأن المطالبة بصحة شرعية القانون يتم التعبير عنها بالتزامن الداخلي للإكراه الشامل المتبادل مع حرية كل واحد (بين الوقائع والمعايير Between Facts and Norms 28).  وكما لاحظنا، تلعب الحرية دورًا رئيسيًا في فلسفة كانط.  وتتضح  أهمية الحرية في فلسفة كانط  حول العدالة من الشعور الحقيقي بالاستقلالية والمسؤولية الأخلاقية. لا يمكن للإنسان أن يكون مسؤولاً أخلاقياً عن أفعاله إلا أذا كان كائن  مستقل وعقلاني وحر. وبعبارة أخرى، إن جميع الأعمال التي تُنفذ تحت وطأة القوة أو الإكراه لا تتحمل أي مسؤولية أخلاقية. ينطبق هذا الفهم للحرية فيما يتعلق بالأخلاق على نظامه القانوني أيضًا. ومن الدلائل الأخرى، تدعم نظريته فكرة أن  يكون  الشخص حراً أو يتصرف بحرية قبل أن يعتبر مسؤولاً عن أفعاله قانونياً.

إن حماية هذه الحرية التي تقوم على أن كل شخص يتمتع بالأستقلالية، والأخلاقية، والقانونية  تخدم الإكراه في نظرية العدالة في الفلسفة الكانطية. وبعبارة أخرى، إن قدرة الشخص على الحرية  تتحد مع قدرة أي شخص آخر، وفقًا لقانون الحرية الشامل. سيتم،في هذه الحالة، فهم الإكراه كوسيلة للحفاظ على الأنتظام في مجتمع من المتواطئين الأحرار. وبالتالي، فإن الإكراه الذي تحمي الحرية يربط  كل الحريات الأخرى، ويضبط الحرية في الوقت نفسه. و يشكل هذاأيضا البنية الأساس للعقود الاجتماعية. ومن ثم، وفقًا لنموذج العقد الاجتماعي، يكتب كانط: لا يمكن أن تعزى السلطة التشريعية إلا إلى الإرادة الموحدة للشعب. لأن من المفترض أن تنطلق جميع الحقوق والعدالة من هذه السلطة، فلا يمكنها أن تؤدي الى أي ظلم على الإطلاق. عندما يأمرأحدهم الآخر، من الممكن أن يؤدي ذلك الى ظلم الآخر، لكن هذا ليس ممكنًا أبدًا  عندما يقرر الشخص هو لنفسه. ومن ثم، فقط من خلال إرادة الشعب الموحدة والموافقة يمكن كل واحد منهم  أن يقرر الشيء نفسه بالنسبة للجميع، وجميعهم يقررون الشيء نفسه  لكل ... فيمكنهم التشريع .[i]

السؤال الأول الجاد هنا هو كيف  تتحد أو تتحق  الإرادة الموحدة للشعب؟ يؤكد النقاد وفقًا لهابرماس أن خيال الإرادة الشعبية الموحدة لا يمكن أن يتحقق إلا على حساب إخفاء أو قمع تجانس الوصايا الفردية. أنا شخصياً أشعر أن طغيان الأغلبية  (في ظروف معينة) سيجد منزلاً في فكرة الإرادة الموحدة هذه. يجب مراعاة مجموعة متنوعة من المصالح وتعدد الآراء.

إن التصرف طبقاً للواجب، أي طاعة القانون بدوافع أخلاقية، وفقاً لهابرماس، لا يمكن  أن يحصل بالإكراه. فلا يستدعي هذا التصرف أي حاجة للإكراه، لأنه ليس من المناسب تأديب شخص يطيع القانون. لا يمكن، من ناحية أخرى، توحيد أو مزج  بين الاختيار الحر لكل شخص مع أختيارات الآخرين من أجل التكامل الاجتماعي، إلا على أساس قواعد صالحة من الناحية المعيارية ودون إكراه، وهذا يعني، أن ياتي بدوافع عقلانية، و دوافع الاعتراف من وجهة النظر الأخلاقية ... وفقًا لقانون الحرية الشامل. (بين الوقائع والمعايير، 28_29)

إن التصرف حسب الواجب هو أختيار حر، حتى عندما يكون الأختيار صعبًا، لكن طالما أنه فعل أخلاقي، فلا يلزم الإجبار به أو عرقلة بالإكراه. عندئذ، يتطلب توحيد الاختيار الحر لكل منها مع الآخرين بعض التحديدات، على الرغم من أن يتم ذلك وفقًا لقانون الحرية الشامل. السؤال الضروري هو: ما الذي يمكنني اختياره ويتوافق مع اختيارك واختيار كل شخص آخر؟ مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات في الذوق ووجهات النظر. يشير هابرماس إلى أن هذا (التكامل الاجتماعي) لا يمكن تحقيقه إلا على أساس قواعد صالحة من الناحية المعيارية دون إكراه. يبدو لي أن هذه القاعدة المعيارية الصالحة تعني اليوم أكثر مما كانت عليه في وقت كانط. يجب أن يكون لهذه القاعدة الصحيحة ما يبرر أسبابها أو مطالبها في مجتمع تعددي قبل أن تستحق اهتمامًا بعدم قسريًة خطابها . ما أقوله في الواقع هو أن توحيد كل اختيار حر يتطلب   تحديداً تعريفًا في عصرنا أكثر مما هو مطلوب في وقت كانط . أيضا من وجهات نظر نظرية الفعل عند هابرماس يلاحظ أن هناك جوانب مزدوجة من الصلاحية القانونية وهي الإكراه والحرية. هذان العنصران موجهان نحو الشرعية والاعتراف الاجتماعي وهما من الصفات المميزة للقانون  الشرعي. يتم تحديد الصلاحية الاجتماعية للمعايير القانونية، وفقًا لهابرماس، من خلال الدرجة التي يتم بها تطبيق هذه المعايير، وبالتالي من خلال مقدار  ما يمكن للمرء توقع قبولها من قبل  دائرة المرافعين القانونيين قبولها. كذلك يتم قياس شرعية القواعد من قدرة الخطاب أكتساب متطلبات صلاحيته المعيارية ... أيً وفقًا لما إذا كانت قد  حصلت من خلال عملية تشريعية عقلانية، أو على الأقل يمكن تبريرها من وجهة نظر براغماتية أو أخلاقية . (بين الوقائع والمعايير، 30) هذا يعني أن كل قاعدة يجب أن تكون قادرة على تبرير سبب وجودها. ولا يكفي وضع القواعد، فالمطلوب أن تكون القواعد مقبولة اجتماعيًا وأن تكون متماسكة مع النظام القانوني المعترف به وأن تأتي من سلطة شرعية صحيحة تتمتع بحق التشريع.

عندما نسلط الضوء على هذه الشروط مقابل  الخلفية الفلسفة الكانطية للعدالة، يصبح الفرق واضحاً . أقام  كانط نظريته المثالية الأخلاقية والقانونية على الحرية. ومع ذلك، فقد ذكر الحرية نفسها من بين النقائض في نقد العقل المحض، وهي تلك الأشياء التي يمكن أن تكون أو لا تكون. وفي حالة الحرية، قد تكون محدودة أو غير محدودة، اعتمادًا على خط الحجة. يطرح هذا التوجه مشكلة جدية في مايتعلق بالتطبيق على النظرية القانونية الكانطية في مجتمعات الحالية. فلا يزال بوسعنا أن نتصور هذه الطبيعة القطبية للحرية في النظرية القانونية الأخلاقية. هنا، تتمثل الوظيفة الفريدة للإكراه في منع إعاقة الحرية، أو عرقلة الحرية في حماية الحرية. يمكن للمرء أن يجادل بأن إعاقة الحرية غير المسيطر عليها والحرية الخطرة، يتم بالقانون، وبهذا المعنى، هي حرية مؤسسية مقبولة تحكم بعض الحريات الأخرى. ومع ذلك، طالما تسمم السلطة بعض حامليها أو تدعهم ثملين بها، فقد نطالب في بعض المعايير لتحديد الوسائل القسرية وكيف ومتى يتم تطبيقها لحماية الحرية.

وضع كانط، تحت تأثير روسو، الأساس القانوني للأعتراف بحقوق كل شخص، أو يفترض أن يتم الاعتراف بها، من قبل جميع الأشخاص الآخرين. وهذا بدوره يعتمد على الشرعية التي تأتي من إعطاء حرية متساوية لكلشخص . ومن هنا تتعايش حرية الجميع.

ومع ذلك، يبدو أن هذا الإنجاز أو صحة الأساس القانوني  عند كانط أحد ضحايا  مصادفات التاريخ في التطور القانوني. كان يمكن أن ينجح بشكل جيد عندما لا يتم التمييز بشكل كبير بين القانون والأخلاق. في هذا العصر، اذ لم تعد الشرعية القانونية مستمدة من الحرية الأخلاقية وفقًا لهابرماس. سأوضح هذا لاحقاً. علاوة على ذلك، تم تطوير فلسفة كانط  عن العدالة  تحت تأثير ما يسميه هابرماس  فلسفة  الذاتية أو فلسفة الوعي، أي في الوقت الذي لعبت فيه الذاتية دورًا رئيسيًا في الفلسفة. فلسفة الذاتية هذه ابدأت مع الكوجيتو الديكارتي واستمرت مع كانط ..الخ.، حيث  سيطرت الأنا، انفس، أو الذات، على الأفكار الفلسفية.  ونشهد هذا في ثورة  كانط الكوبرنيكية، حيث لم يعد العقل سلبيًا ولكنه نشط وفعاًل، ويقوم بفرضَ الشروط المسبقة للمعرفة والفهم.

لقد حصلت أشياء كثيرة داخل النظم الاجتماعية منذ زمن كانط حتى اليوم.  فقدحدث ترشيد النظم الاجتماعية وهذا أثر  كثيراً على النظم القانونية. ونما المجتمع وتحول من التوحيد إلى التعددية، من الذاتية إلى  الموضوعية ومن عالم واحد إلى العديد من العوالم. وعليه، فإن بعض المبادئ التي استندت أو استمدت من الافتراضات الشائعة للحقيقة غير القابلة للنقاش في ذلك  الوقت أصبحت قضايا  محل جدل. فعلى سبيل المثال يكتب كانط. عندما أفكر في ما يجب أن أقوم به، فأنا أفكر أيضًا في ما يجب أن تفعله جميع الكائنات العاقلة، لأنه إذا كان القانون أو القانون الأخلاقي صالحين بالنسبة لي ككائن عاقل، فيجب أن يكون صالحًا لجميع الكائنات العاقلة. لذلك، هناك اختبار رئيسي لجميع الأعمال الجيدة من الناحية الأخلاقية، وهو ما إذا كان يمكن تطبيق مبدأه على جميع الكائنات العاقلة بشكل ثابت ومستمر.[ii]

دون أي شك بشأن حقيقة المبادئ الأخلاقية الصحيحة أو التي تمتلك الشرعية الآن، قد يكون من الصعب تبرير الادعاء بأن نظرتي الى الفعل الصحيح من ناحية الحق يمكن أن تمثل بشكل مطابق وصحيح  وجهة نظر جميع الكائنات العقلانية المتساوية. وهذا لأن العقلانية نفسها  تم ترشيدها. ويصبح الأمر أكثر صعوبة عندما نكتشف أنه لا أحد يتحدث من موقع معلق في الفراغ. وبالتالي قد يكون من الصعب تجنب سلاسل التأثيرات مثل الوراثية والاجتماعية والثقافية والبيئية والتقنية والنفسية والأنثروبولوجية والنفعية والسياسية والدينية، على سبيل المثال لا الحصر. قد يجادل المرء بأن الخير أو فكرة الخير تتجاوز كل هذه العوامل المذكورة. مثل هذه الحجة يمكن أن تدعي تقديرنا المشترك لأشياء مثل أن الحياة هبة، والصفات الجمالية، والموسيقى، وما إلى ذلك. يمكن المحاججة أو الأعتقاد بهذه الحجة لكن جينالوجيا الأخلاق  لنيتشه تتركنا في حيرة، وعلى كل حال، منذ زمن نيتشه إلى اليوم يرفض  صوت الأخلاق أن يدفن على قيد الحياة. المشكلة العنيدة هي كيف يمكننا تعريف القضايا الأخلاقية؟ أعتقد أن هذه هي إحدى المهام الأولى التي يجب على الكانطيين الجدد مواجهتها، قبل مراجعة المبادئ الأخلاقية الكانطية.

مرة أخرى قد يكون من المفيد، في وقت كانط،  استخدام  رأئي الخاص عن  لأفعال الأخلاقية كمحك أو معيار لجميع الذوات العقلانية الأخرى. بينما اصبح، القول "رأسان أفضل من رأس واحد" أكثر صحة اليوم. من أجل لفت أنتباهنا  إلى البيذاتية. لقد انتقلنا من المونولوج إلى الحوار، من الإملاء إلى المناقشة، من نظرية التأمل إلى نظرية الخطاب.  وهنا يتساءل المرء إلى أي مدى يمكن أن يمضي  تحليل واختبار كانطي  للفعل  الجيد أو الخير  من الناحية الأخلاقية في مجتمع تعددي، حيث يتنافس الأشخاص ذوو الآراء والتوجهات والأهداف المختلفة في عالم حر.

 هناك حالات تعتبر  فيها التصرفات التي لها ما يبررها أخلاقياً من جانب مجتمع أو جماعة غالبًا ما  غير مقبولة من قِبل الآخرين. فتصبح مسألة صحة أساس النظرية القانونية الكانطية أكثر صعوبة لأن  نظريته القانونية مستمدة من المبادئ الأخلاقية. تقول موسوعة الفلسفة أن النظرية هي تطبيق لنتائج الفلسفة الأخلاقية على ظروف الناس بوصفهم مجرد  ناس.[iii] يوضح هابرماس أن كانط  وضع مبدأ الحق العالمي من خلال تطبيق المبدأ الأخلاقي على العلاقات الخارجية وبدأ نظريته القانونية بهذا الحق المستحق لكل إنسان بحكم إنسانيته، أي الحق في المساواة في الحريات المدعومة من الحق في الإكراه. (بين الوقائع والمعايير، 100). ويسمكن فهم هذا بشكل أفضل بعد النظر والتبصر في المحتوى المعياري لنظام الحقوق.

 إن نظام الحقوق هذا (الحقوق الشخصية)، الذي ينتمي إلىه كل كائن بشري غير قابل للتصرف، ولايمكن التخلي عن هذه الحقوق  حتى لو اراد  المرء، ويتم إضفاء الشرعية عليها قبل تسن  في شكل قوانين، على أساس المبادئ الأخلاقية، و بشكل منفصل عن أن الاستقلال السياسي للمواطنين الذي يشكل  في البداية مع العقود الاجتماعية فقط. (بين الوقائع والمعايير، 101). وهذا يعني، أن شرعية نظام الحقوق الكانطية يتم قبل استيعاب أو تشريع هذه الحقوق على شكل قوانين. وتستند شرعيتها إلى مبادئ أخلاقية مستقلة عن الاستقلال السياسي. وعليه ليست شرعيتها سوى جزء من الكل. إنها شرعية خاصة فقط ولا يمكنها التأثير على الاستقلال العام أو السياسي للمواطنين. الحق المدني فقط  هو المؤهل لهذا الاستقلال السياسي. لذلك، تؤكد فلسفة العدالة الكانطية على الاستقلالية الأخلاقية على حساب الاستقلال السياسي.

تسبق حرية الذات عند كانط إرادة المشرع السيادي، وفقا لهابرماس. وبالتالي، فإن سيادة الإرادة المتزامنة والموحدة للمواطنين مقيدة بحقوق الإنسان ذات الأساس الأخلاقي. هذا الحق يحمي الأفراد من التدخل الخارجي. وغالبا ما يطلق عليه حق سلبي أو حرية سلبية. يمكن للأفراد من خلال الحقوق السلبية، الانسحاب من الأماكن العامة ومن الالتزامات الخاطئة المتبادلة إلى موقف المراقبة المتبادلة.

ومع ذلك، فإن استنباط النظرية القانونية من الحرية الذاتية يضع قيودًا مهمة وجدية على هذه النظرية القانونية. غالبًا ما تُترجم الكلمة الألمانية Freiheit باللغة الإنجليزية باسم الحرية والحرية والحق والاستقلال والامتياز والحكم الذاتي. ومن هنا يمكن قراءة مصطلح حرية الذات وفهمها كحق شخصي أو حرية ذاتية وما إلى ذلك. تكشف نظرية الخطاب في القانون أيضًا أنه وفقًا للحق الشخصي الذي يحمي خصوصية كل فرد، يتمتع كل مواطن (كل شخص) أيضًا بالحق المدني أو بالحق السياسي. فبينما الحق الشخصي خاص، تكون الحقوق المدنية عامة. ويمكن للشخص مع الحقوق المدنية الانخراط في التواصل البيذاتي والأنشطة العامة، السياسة مثلاً.  إن الحق الذاتي وحده لا يمكن أن يؤهل الشخص للأنشطة السياسية. كذلك، لا يمكن أن ينبثق القانون الحديث من وراء الترتيب السياسي. لذلك، فإن النظرية القانونية الكانطية، التي تنبثق من الحقوق الشخصية، تحرز درجات أقل في النسق أو مجال الحقوق اليوم، وبالتالي لم تعد مؤهلة لمجابهة  التحديدات ووتعزيزي التفضيلات الحالية. لا يدمر هذا نبل الشرعية الكانطية، لكنه لا يدخل في السياق القانوني الحالي.   وحتى اذا  مازال يستخدمها بعض المحامين والقضاة  فأن هذا لا يبرر صلاحيتها في تقييمنا الحالي.

في الدولة الديمقراطية التي تدار فيها الحكومة بموجب القانون، القانون الوحيد هو القانون الذي يتمتع بالحماية التشريعية. مثل هذه الحماية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال ترخيص من الحقوق المدنية. ويمكن أن يأتي هذا من خلال سلطة الهيئة التشريعية أو في بعض الأحيان، السلطة القضائية  النظام. (من حيث التشريع القانوني). وحتى  المدخل الأساسي للمنصب التشريعي يتطلب هذا الحق المدني أو السياسي. ولا بد من إضافة مؤهلات أخرى إلى هذا الحق. وبالاسلوب نفسه، تتمتع شرعية القانون بدعم الحقوق المدنية من قبل  المواطنين الذين يقبلون مثل هذا القانون كحق خاص بهم.

 وعلى اساس هذا الفهم، سيكون هناك تشويش خطير إذا كانت السلطة التشريعية تعتمد على الحقوق الشخصية. هذا يعني أن أي شخص في أي مكان له الحق في المشاركة السياسية في كل موقع، فيما طالما يتعلق بحرية الشخص. يجب أن نتذكر أن الحرية الذاتية هي حق خاص - شخصي يبقى مع الفرد في كل مرة بقدر ما هو / هي شخص بشري. أحد الأسئلة الحاسمة هو كيف يمكننا إذن أن نوفر للقانون الحديث، البعد الأخلاقي المهم الذي يتمتع به القانون في النظرية الكانطية؟  فصل الأخلاق عن القانون بطريقة مشددة قد يعطي وجها غير إنساني للشرعية.  ثم أن الشخص نفسه  الذسي يعتبر كائن قانوني هو أيضا كائن أخلاقي. ومن المفترض  أن يأتي  وجود كل من القواعد القانونية والأخلاقية من أجل رفاهية الإنسان. لتناول  هذه القضية، سنستشير هابرماس في  مسألة التمييز بين القانون والأخلاق. ايً سنتناول  في الحلقة القادمة العلاقة بين القانون والأخلاق.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

  ......................

[i] Kant; Metaphysical Element of Justice, trans. J. Ladd, New York, 1965 p78.

[ii] S.E. Stumpf; Philosophy History and Problems. McGraw-Hill, Inc. 1994 p.316.

[iii] Encyclopedia of philosophy, vol. 6. p.260.

 

الزهرة قنيتتمحور هذه الدراسة حول رؤية تحليلية لإشكالية الحداثة وما بعد الحداثة وفق مساءلة نقدية فلسفية للسوسيولوجي والفيلسوف البولندي "زيغمونت باومان"، وبتعبيره المخصوص لمصطلح "الحداثة السائلة" الذي حاول من خلاله تقديم مقاربة مجازية نقدية عملت على شرح الحداثة الغربية في مسيرتها وانتقالها من مرحلتها الأولى المتميزة بالصلابة والتي دشنها عصر التنوير، إلى زمنها الثاني المتسم بالسيولة وسرعة التغير.

وفق هذا التحليل النقدي المجازي للحداثة الغربية يكون باومان قد ألقى على عاتقه مهمة توصيف الوضع الإنساني المعاصر في مرحلة السيولة، وفق إشكال يتموضع في صميم الراهن بامتياز وهو: هل يعتبر الوضع الإنساني الحديث في مرحلة السيولة ارهاصا أم نموذجا آليا أم استشرافا أم نذيرا بما هو آت؟ أو هل كان على النقيض من ذلك، تسوية مؤقتة عابرة يشوبها الخلل والنقصان وعدم الاكتمال، وكأنها فاصل زمني بين استجابتين بارزتين ومختلفتين تتسمان بالاتساق والكمال والدوام إزاء تحديات الوجود الإنساني المشترك؟

إن هذا السؤال الإشكالي يسلط الضوء على ما وصل إليه الإنسان والمجتمع ككل بكل أطيافه وعلى اختلافها في خضم عصر ينوء بالتحولات المتسارعة وبالتحديات التي لا تنتهي، وعرضه للمآلات الكبرى التي أدت إليها الحداثة السائلة في زمننا هذا، وتجلياتها في أحوال الإنسان اليومية، وفي مشاعره واختياراته، وما يمر به من أزمات بفعل النزعة الاستهلاكية التي ارتفعت وتيرتها وتعمقت آثارها بفعل العولمة، ففي العولمة يتضح الكثير مما يعنيه باومان بالسيولة، سيولة البشر بتدفقهم من مكان لآخر، وسيولة المال وسيولة الهويات بتغيرها المستمر.

ومن منطلق هذا الإشكال المعرفي الذي تناوله زيغمونت باومان يبدو أن أهمية مقاربة إشكالية الحداثة الغربية باتت أكثر راهنية من أي وقت مضى وذلك نظرا للأفق الذي صار الإنسان يحيا ضمنه وما يحتمله من توترات وإشكالات زادتها التوترات العالمية كالحروب والإرهاب حدة، لذلك طرحنا مشكلة الحداثة الغربية عند باومان في بعدها الكوني ضمن الخطاب الفلسفي المعاصر، وذلك من أجل معالجة الواقع الراهن الذي تمر به الإنسانية وحاجتها الماسة إلى الحوار لبناء مجتمع إنساني متماسك وفق أفق العيش الإنساني المشترك.

ولما سبق يكون زيغمونت باومان قد استطاع أن يصور الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي عرفته المجتمعات الإنسانية عبر مراحل الحداثة، وأن يبين الدور الذي لعبته العولمة باعتبارها أحد تجليات الحداثة التي ساهمت في تغيير أنماط العيش الإنساني، فالنص الباوماني نص شارح لزمن السيولة في دائرة اليومي والشخصي.

تمهــــيد إشكالي:

نادرة هي الكتابات عن فلسفة الفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي المخضرم "زيغمونت باومان"(1)، والذي توفي مؤخرا في (09/01/2017م) عن عمر يناهز 91 سنة، والذي اشتهر بتأسيسه لنظرية ‹‹الحداثة السائلة››، إنه من الشخصيات المفهومية والمميزة عالميا نظرا لرؤاه الجريئة والجديرة بالعرض وبصمتها الكبيرة في النظر إلى العالم اليوم من منظور الحداثة Modernity  وما بعد الحداثة poste Modernity، فلقد تميز المسار الفكري والفلسفي لزيغمونت باومان بنقده الجذري للحداثة وما بعد الحداثة، هذه الأخيرة من أكثر الإشكاليات الفلسفية الراهنة اشتغالا داخل المتون الفلسفية الحداثية.

حاول السوسيولوجي والفيلسوف المعاصر زيغمونت باومان أن يضع ويبتكر مقاربة نقدية مجازية تبلورت فيما عرف لديه بــ "الحداثة السائلة"، وذلك من خلال مساءلته النقدية للفكر الحداثي وتحليله وتتبع مساراته، حيث عمل باومان على شرح الحداثة الغربية وانتقالها من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة، مفصلا مآلات الحداثة السائلة في الوعي بالذات والخيارات الشخصية.

والسؤال الذي يتحكم في مقاربة باومان النقدية للحداثة الغربية هو: كيف يمكن تفسير ظاهرة الحداثة الغربية في تشكل مسارها الذي انعطف من الصلابة إلى السيولة وفق رؤية باومان النقدية؟

إن هذا السؤال الإشكالي تندرج ضمنه عدة تساؤلات تضعنا فيها النصوص الباومانية وللتعرف على القراءة التي قدمها باومان حول قضية الحداثة الغربية نطرح الإشكالات التالية: هل يمكن العثور على نوع من الاتساق بين البدايات الأولى للحداثة الغربية والمآلات المناقضة لبداياتها؟ وفي ظل هذا التحول الدؤوب كيف يمكن قراءة الوضع الإنساني المعاصر في مرحلة السيولة؟ وإلى أي مدى يمكننا الحديث عن مجتمع إنساني اليوم في عالم استهلاكي معولم؟ ماذا يقصد باومان بالسيولة؟ وماهي هوية مصطلح السيولة المعاصر عند زيغمونت باومان؟ وما مرجعية الرؤية السائلة لزيغمونت باومان؟ وما مآلات الحداثة السائلة في الوعي بالذات والخيارات الشخصية؟

- نحاول في هذه الدراسة الاستفادة من عصير أفكار باومان من خلال تحديد المحاور التي عمل عليها باومان في كتاباته (الخطوط العامة لفكر باومان).

المقاربة الفلسفية للحداثة الغربية عند زيغمونت باومان

أولا- من الحداثة الصلبة إلى الحداثة السائلة:

1- الحداثة السائلة...إشكالية المفهوم وهويته:

- ونحن بصدد تحليل هذه المقاربة النقدية الجديدة التي جاء بها باومان للحداثة الغربية لابد لنا أولا أن نقف على مصطلح "السيولة" الذي وسم مجموعة من مؤلفات الكاتب والذي يعتبر سؤالا يثير في القارئ فضولا حول هوية هذا المصطلح يفسره قول باومان في كتابه الحداثة السائلة والذي جاء كالتالي:‹‹ ما قررت أن أسميه بوضوح" الحداثة السائلة" إنما هو الإيمان المتنامي بأن التغير هو الثبات الوحيد، وان اللايقين هو اليقين الوحيد إذ كانت الحداثة في المئة عام الماضية، تعني محاولة الوصول إلى حالة نهائية من الكمال أما الآن فإن الحداثة تعني عملية تحسين وتقدم لا حد لها، من دون وجود حالة نهائية في الأفق ومن دون رغبة في وجود مثل هذه الحالة››(2).

والحداثة السائلة مفهوم جديد نحته باومان لكي يكون أداة شاملة لفهم النسخة الراهنة من الحداثة في الفكر والحياة اليومية والأدب وفي العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وهذا المفهوم من اشتقاقات زمن العولمة وعالم ما بعد الحداثة(3)، وعليه فالحداثة السائلة هي الحالة المعاصرة التي يتجلى فيها ذوبان الهياكل والمؤسسات الاجتماعية الصلبة في ظل تنامي السيولة في كل شيء من حولنا، فالسيولة هي نموذج لنمط حياتنا المعاصرة.

استلهم زيغمونت باومان مصطلح "السيولة" من أدبيات التفكيك النقدية لجاك دريدا(4) وطروحاته ما بعد الحداثية، متخذا من التفكيك حاضنا ثقافيا، حيث  نجد أن التفكيك في أصله اللغوي هو فعل عملي صناعي، فباومان استعار مصطلح التفكيك بمعناه الصناعي بعنصر من عناصر الطبيعة الأربعة التي كان الفلاسفة الطبيعيون القدماء قد انشغلوا بها وحاولوا أن يكشفوا ماهية الموجودات من خلال إعادتها إلى العناصر الأربعة، وهي الهواء والتراب والماء والنار، واختار باومان الماء لسيولته ولأن فيه تتجسد فاعلية الحياة ومن ثم مادية العالم المعاصر، وهذه المادية التي يراها باومان غير جدلية وهي في الأساس مادية طبيعية وبهذا التوجه الفلسفي لما هو طبيعي يكون باومان قد تجاوز الدلالة الصناعية للتفكيك بدلالة طبيعية تبنى عليها مدلولات الموجودات ومكوناتها وكأن ليس للصنيع البشري فيها أي دور بل البشر منساقون في خضمها بلا حول وبلا قوة، وتاريخهم تاريخ طبيعي ينتقل بشكل مادي من حالة الصلابة الحياتية التي لها شكل الثبات والتحجر والتي تمثلها مرحلة ما قبل الحداثة إلى ميوعة مخلخلة تمثلها مرحلة الحداثة في أشكال مراوغة وغير مستقرة والتي لن تفضي إلا إلى الهوائية /الغازية اللانهائية بهلامية لا شكل لها ولا عنوان وهو ما ستمثله مرحلة ما بعد الحداثة، وهذا التشكل وشبه التشكل واللاتـشكل هو ما جعل توجه باومان ومقصديته المخلخلة والاهتزازية تبدو جديدة لا صلة لها بالتفكيك بينما يكمن التفكيك أصلا في هذا الاستبعاد للفاعلية الصناعية المفككة، والاستعاضة عنها بالفاعلية الطبيعية المخلخلة التي هي حتمية وليست احتمالية.

إذن، باومان من خلال مفهومه "للسيولة"، ومن خلال كتبه حول السيولة، التي يحاول فيها أن يجعل مادية العالم متقولبة في إطار فيزيائي سائل، تدل هذه الرؤية المادية على استشراف تشاؤمي للمستقبل لا يخلو من الرهبة والخطر كونها تصب في باب الإنذار والتنبيه على سلبية القادم(5).

استخدم باومان مصطلح "السيولة" ليصف مرحلة راهنة تمر بها المجتمعات المعاصرة ومصطلحي حداثة صلبة وسائلة هما المصطلحان اللذان جاء بهما باومان كبديل لمصطلحي حداثة وما بعد حداثة على الترتيب، لقد أدخل باومان مصطلح السيولة كصورة مجازية لأجل فهم وتحليل وتقويم حالة الإنسان الحاضرة، ويفسر اختياره لهذا المفهوم بأن عصر الحداثة وما بعدها يعني تفكيك النظم والمبادئ والقيم وتخلخل الروابط التي كانت تجمع تلك المواد الصلبة (الأخلاق والمرجعيات والقيم) وباتت مثل المواد السائلة التي يتغير شكلها بتغير الحيز الذي توضع فيه، وأكدت هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب "الحداثة السائلة" إلى أن باومان لا يعطينا لقطة ثابتة لصورة ساكنة، بل يشرح لنا الحداثة في حركتها ومسيرتها وتحولاتها، فهو ينتقل في تحليله من وصف الحداثة الصلبة التي تسعى لنفي الغيب والهيمنة على العالم، وتحديد القواعد وبناء الدولة وصناعة القومية الصلبة، والسعي لليقين المادي المبني على زعم القدرة على التحكم، إلى الحداثة السائلة التي تقوم على منطق الاستهلاك بمعناه العميق للمكان والقيم والأشياء والعلاقات في ظل العولمة(6)

2- ما بعد الحداثة.. السيولة وإذابة المفاهيم:

إن الوضع الراهن اليوم يمضي لجهة السرعة، التبدل، أو تلك الحالة التي أسماها باومان "بالسيولة" والتي صار عالم اليوم يحيا توجهاتها، في سلوك إنسان ومجتمع الإستهلاك فالحداثة السائلة ترفض كل ما هو ثابت، والثبات الوحيد الذي تؤمن به هو التغير فأصبح المجتمع الحديث في زمن السيولة يعظم المرونة وسرعة الزوال والتخلص من الأشياء والتخلي عنها، "فالحياة الاستهلاكية حياة من التعلم والنسيان السريعين"(7)، وعليه فالنسيان يعتبر واحدا من عناصر اللعبة الاستهلاكية، في عصر الحداثة السائلة فباومان يرى أن الحياة السائلة هي حياة استهلاكية، فالواقع هنا يفرض منطق السرعة على حركة المستهلك.

ومن هذا المنطلق فإن هذه الرؤية تتوافق مع المبدأ الأساسي للنظام الإستهلاكي الرأسمالي ذلك المبدأ الذي يتلخص في عبارة (اشتر، استعمل، ارم)، حيث تظهر أهمية تحديد صلاحية كل موضة/منتج بوقت معين فمن الضروري أن تنتهي صلاحية كل منتج في فترة زمنية محددة حتى تتاح الفرصة لمنتج آخر ليحل بديلا له، فإذا كان المبدأ الأخلاقي للنشاط الإنتاجي-  بحسب "ماكس فيبر"-  هو تأجيل الإشباع، فإن المبدأ الأخلاقي للحياة الاستهلاكية إن اعتبرنا ان فيها مبادئ أخلاقية سيكون وهمية الشعور بالإشباع، ومن هنا فإن شعار تلك المرحلة هو أن يكون العميل راضيا، وفي الوقت نفسه أن تتولد (حاجات زائفة) متجددة، بحيث يشعر العميل بالحاجة إلى تلبيتها وإرضائها واشباعها.(8)

وعلى هذا النحو، أصبحنا نشهد اليوم انتشار ثقافة الإستهلاك وشيوع العقلية الاستهلاكية فالاستهلاك هو المرتكز الأساسي الذي آل بالإنسان إلى الاغتراب عن نفسه وعن مجتمعه ووجد الفرد نفسه أمام خيارات لا تنتهي نتيجة انتاج آلاف السلع الغير ضرورية، ويضرب لنا باومان مثالا على ذلك بطاولة تحتشد بألوان عديدة وكبيرة من الطعام، لكن الأكّالون هم المستهلكون، والذين سيصعب عليهم تحديد أولوياتهم، وهنا تظهر أهم التحديات أمام المستهلك في عصر الحداثة السائلة، وهي مسألة (تحديد الأولويات)، فالبؤس الذي يعانيه المستهلك هنا هو مشكلة الخيارات المتعددة، وليست الخيارات النادرة التي كان يقف أمامها إنسان عصر الحداثة الصلبة، وبالتالي فالسيولة التي تطرح أمامنا الخيارات اللامتناهية تضيق علينا أكثر فهي تدخل الفرد في حالة من عدم الانتهاء واللايقين، فلا سكينة ولا هدوء روحي بسبب امتزاج كل شيء وغياب الشيء الواضح والمفهوم والثابت ، وعلى الرغم من أن الاستهلاك عالم يتبع فيه الإنسان غيره لكنه يبقى هو الشخص الذي يختار ما يرغب فيه، وهو الذي يسمح لسلطة ما في أن تكون سلطة من خلال هذا الفعل. في عالم الاستهلاك هذا، لا وجود لسلطة رادعة، بل سلطة ناعمة تتودد إلى صاحب الاختيار وتحاول إغواءه وإغراءه بشكل دائم(9).

ويعزي باومان السيولة التي تتسم بها أزمنتنا الى تفكيك النظم، بمعنى فصل السلطة (القدرة على فعل الأشياء) عن السياسة (القدرة على تحديد الأشياء التي ينبغي فعلها) فالأشكال الاجتماعية اليوم التي حددت اختياراتنا وعززت أنماط السلوك المقبول في السابق لم تعد قادرة على الاحتفاظ بشكلها زمنا طويلا لذلك فإن "مشروع الحياة" يخضع الآن للانصهار والتحلل، وعليه لم يعد بوسعه أن يكون مرجعية لأفعال الأفراد ولاستراتيجيات الوجود الاجتماعي، بأثر عمره القصير، كما أنه غير قادر جراء ذلك على استحداث ما هو متماسك ومتسق، بموازاة الانفصال الحاصل بين السلطة والسياسة التي شكلت سابقا مفهوم الدولة الأمة، شيء من عدم اليقين يحكم مثل هذه العلاقة، الدولة الخاضعة إلى تأثير فضاء معولم يقع خارجها، فالسياسة بمعنى القدرة على تحديد اتجاهات الفعل وأهدافه ليست قادرة على الفعل العالمي فهي تظل سياسة محلية ولا تحتفظ بقوة تحديد مسارات الفعل السياسي  وأهدافه، لا الدولة إذن باستطاعتها حل مشكلاتها، ولا السياسة أيضا، قادرة على جذب مواطنيها ما يعني تحول المسؤولية إلى قوى السوق المتغيرة، يقول باومان ‹‹الفعل يستلزم القوة لتتمكن من اتخاذ القرارات وبالطبع نحتاج السياسة، التي تعطيك القدرة لتقرر ما تحتاجه لكن التزاوج بين القوة والسياسة انتهى في الدول القومية، القوة تمت عولمتها، لكن السياسة لا تزال شيئا محليا. يمكننا أن نعتبر أن السياسة فقدت ذراعيها، كما أن الجماهير توقفت عن الإيمان بالنظام الديمقراطي لأنه لا يحفظ وعوده››(10)

وهكذا اختفت الأطر المرجعية والسياسية التي كانت سائدة في عصر الحداثة الصلبة أو بلغة "ليوتار"(11)‹‹ سقط ما نسميه الأنساق الفكرية الكبرى ولن يعود لها وجود››، فالحداثة السائلة هي عملية تفكيك البنيات الاجتماعية واستبدالها ببنيات جديدة لغتها تحرير السوق  تعظيم مجتمع الاستهلاك وعولمة التجارة ورأس المال، وبالتالي فالحداثة السائلة تعبر عن غياب المرجعيات وتآكل الذات، وفقدان حدودها نتيجة تسليم الأمر لقوى العولمة التي باتت ترشد العالم الى وجهات غير مستقرة في غياب تأثير الدولة الأمة التي فقدت تأثيرها في مجرى الأمور.

وفي ذات المسار، يحاول باومان في حداثته السائلة أن يدرس ظاهرة الفردية، انطلاقا من ملاحظته أن مجتمعنا اليوم هو مجتمع خاضع لسيرورة النزعة الفردية، يقول باومان: "حداثتنا الغربية نسخة يطغى عليها الطابع الفردي والطابع الخاص.."(12) ، فالفرد هو الفاعل الوحيد في مرحلة السيولة، فالكل يؤول إلى الفرد وحده، هو فقط من له الحق في تقرير الأشياء ذلك أن الأفراد في عالم الحداثة السائلة ينعمون بحرية الاختيار فأصبح العالم خاليا من ذلك الأخ الأكبر الذي ذكره "جورج أورويل" في روايته الأشهر (1984م)، كما أنه أيضا لا يوجد الأخ الأكبر الحنون الذي قد يساعدك ويحنو عليك ويمد يد العون لك في الظروف الصعبة والأوقات الحرجة، ومن هنا أصبح كل ما يتعلق بمصير الفرد في يد (الفرد) ذاته، فالفرد هو الذي يقرر الأشياء التي بمقدوره أن يفعلها، وينمي هذه المقدرة بأقصى المستطاع، ويحدد الغايات التي تتوافق وهذه المقدرة، بحيث يتحقق له كل الرضى الذي يبتغيه، وكل متعة يمكن أن يتصورها العقل أو يخطر على البال، فالأمر بأكمله متروك للفرد(13). هذه النزعة الفردية أدت إلى هيمنة الفضاء الخاص على الفضاء العام، فلقد أصبح الفرد مهتما بشؤونه الذاتية والخاصة عوض شؤون مجتمعه والمصلحة العامة، وهذا ما مثل عائقا ومشكلا للمواطنة، فالفردانية أدت إلى تفكك المواطنة، وتآكلها ببطء يقول باومان في هذا الشأن: ‹‹ الأفراد هم المتضررون من الضغوط التي تفرزها سيرورة النزعة الفردية، فهم يجردون تدريجيا ولكن باستمرارية دائمة، من درع المواطنة الواقي، وتنزع منها مهارات المواطن واهتماماته››(14)

ثانيا- مآلات الحداثة السائلة في الوعي بالذات والخيارات الشخصية:

1- صناعة الخوف وهيمنة اللايقين:

‹‹الخوف من المعاناة، هو أشد ألوان المعاناة››/ سيغموند فرويد

- في مشروعه الفكري لفهم الحداثة ذكر باومان في الحداثة السائلة: ‹‹ في ظل حركة السيولة، كل شيء يمكن أن يحدث، ولكن لا شيء يمكن أن نفعله في ثقة واطمئنان، فتتولد حالة من ( اللايقين تجمع ما بين الإحساس بالجهل (استحالة معرفة ما سيحدث) والعجز(منع ما سيحدث) والإحساس بالخوف دون أن نستطيع إدراكه ولا تحديده››(15)، بمعنى أنه في ظل العولمة ذات التحولات السريعة والمتلاحقة بلا نقطة مرجعية زادت درجة الخوف عند الأفراد من تغير الأحوال، وهذا ما يجعل الحياة مملوءة بالمخاوف التي يرى باومان أنها قرينة على عدم اليقين وبالتالي يتولد داخل الإنسان شعور داخلي بالهشاشة والخوف.

حالة الخوف تلك التي أفرد لها باومان كتابا مستقلا وكنتيجة متوقعة من هذا العصر السائل والعلاقات الإنسانية العابرة في زمن اللايقين، يخرج "زيغمونت باومان" بنقد آخر للحداثة في مرحلتها السائلة بخصوص الخوف الذي يحياه إنسان العصر الحديث، فيخبرنا بأن العهد الذي قطعته الحداثة على نفسها بتحرير الإنسان من الخوف قد تم نقضه، فلقد كان من بين وعود الحداثة الغربية في مرحلة الصلابة، استئصال الخوف من العالم، لكنها لم تحقق ذلك(16).

لم تحقق الحداثة إذن، ثقة الإنسان في نفسه بعد نفي اليقين الديني والتقاليد لهامش الحياة    الخاصة وفرض منظومة المنطق المادي، فالتقنية المتطورة التي وصلت إليها الحداثة أصبحت تخنق العالم المعيش وتنشر جرائم الأحداث والعنف وفقدان الأمان،" فالحياة السائلة حياة محفوفة بالأخطار يحياها المرء في حالة من اللايقين الدائم"(17)، وبالتالي أصبح اللايقين والخوف من المستقبل آفة الحداثة السائلة، فعالم الحداثة السائلة هو عالم ساد فيه الإحساس بعدم الأمان واللايقين، وفقدان الاستقرار، فالسمة البارزة في عالمنا المعاصر هي الخوف من كل شيء، وهو خوف معمم يعصف بكينونة الإنسان والوجود الإنساني يستحق أن نطلق عليه (الخوف الكوني)، فالإنسان الذي سقط في سجن الخوف، صار يشعر بالتهديد الدائم من المستقبل والخوف المستمر من مصيره المجهول لما أدت إليه السيولة من سرعة في الإستهلاك والاستبدال، إنه "قلق الحضارة" كما وصفه سيغموند فرويد.

عملت الحداثة في طورها السائل على خصخصة الأمن، حيث ظهر السوق كبديل للدولة في تقديم خدمات الأمن، فلقد انتقل دور السلطة والدولة من دور (الرعاية الاجتماعية) وتقديم الخدمات للمواطنين، وتأمين الضمان الاجتماعي إلى دور( الدولة الأمنية) التي غايتها مكافحة الإرهاب والجريمة(18)، وبالتالي صارت السلامة الشخصية منفذ بيع رئيس وهو ما يتماشى مع طرح أولريش بيك حينما تحدث عن " اقتصاد الخوف"، ملاحظا أن الأمن الشخصي أصبح سلعة استهلاكية مثل الكهرباء والماء، يتم تنظيمها من طرف قطاعي العام والخاص، غير أن حدود التفكير السائل في المجتمع الذي ينبني على تأمين السلامة الشخصية لدى الفئة القادرة على تحقيقها بدافع الخوف، يتجلى في فكرة الخطر لدى أولريش بيك بكونه خطرا ديمقراطيا يصيب الأغنياء والفقراء والأقوياء أيضا(19)، ويرجع السبب في زيادة معدل الخوف إلى تزايد وتيرة النزعة الاستهلاكية والى النظام الرأسمالي، تقول هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب الخوف السائل:" إنها الرأسمالية في ثوبها الجديد، حيث يسكن الخوف النفوس، وتدار الحياة بشكل لا يمنح الأمن ولا يحقق السعادة"(20) فاستهلاك الحماية وتحولها الى سلعة كل ذلك ناتج من تطور الرأسمالية، فمع انتشار المخاوف وسيرورة النزعة الفردية، أصبح الأمان بدوره مهمة الفرد وحده، تقول هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب المراقبة السائلة:" إن أكبر التحديات التي نواجهها هي تخلي دولة المراقبة عن وظيفة الأمن وتركها للمواطن وحده"(21).

ولا ينفك فهم الخوف عن إدراكنا للشر، فالخوف الذي نواجهه في عالم اليوم ليس ناشئا عن فزع من شيء محتمل غير مقصود استنادا لتصور أن الخير أصيل في الإنسان، بل هو خوف يتأسس على وعي متزايد بتنامي التوحش في هذا العالم، واعتيادية الشر فيه ويزيد هذا الخوف من احتمالية قبولنا للشر، بل والتطبيع معه، مادام يوفر لنا الحماية(22)، فقد توغل الشر في نسيج الحياة اليومية وترسخ في قلبها، وعندما يجري تحديده فإنه يجعل كل الصور البديلة للحياة تبدو غير معقولة، بل وغير حقيقية فالسم القاتل يصور نفسه بصورة مخادعة على أنه ترياق منقذ للحياة من شقاء الحياة.(23)

وعليه فإن الخاصية الأحدث في هذا المجتمع هي ذلك الشعور العميق بفقدان الأمان غير أن هذا الشعور الذي نحسه ناتج للتطور التكنولوجي، فالتقنية المتطورة التي وصلت إليها الحداثة أصبحت تخنق العالم المعيش وتنشر جرائم الأحداث وأعمال العنف، على شكل حرب يخوضها الكل ضد الكل، فيقبع هذا الفرد في القلق، فلقد ذهب أنطوني غيدنز إلى أن "العولمة تشكل السمة الأساسية للحظة الراهنة في عالم اليوم، وأن الانفلات هو أحد سمات العولمة إن لم يكن سمتها الأبرز، لهذا أطلق على هذا العالم بأنه عالم منفلت والحركة فيه لا تخضع لسيطرة البشر بشكل كامل"(24)

وعليه فإن التقنية التي أفرزتها الحداثة والتي كانت تعد الإنسان بالأمان أصبحت اليوم تمثل أزمة إنسانية لإنسانية فقدت إنسانيتها، وساهمت في صناعة الخوف وزيادة معدلات الجريمة، "فلقد جر الإيمان المطلق بفاعلية العقل والمبالغة في استعماله إلى خيبات تجرعها إنسان الحداثة، وإلى مآزق فكرية ووجودية عبثت بجوهر الإنسان وماهيته، فلهذا أعلن المشروع الحداثوي إفلاسه، وقضى على الجانب الروحي في الإنسان وغيب القيم واحتفى بالمادة"(25).

إنها صيرورة أزمة ترجع إلى إفلاس العقل الحداثي، أي ذلك العقل الأداتي الذي هيمن على الحضارة الغربية وخلص بها إلى تشظي الحقيقة وأفول الإنسان، وأدخل الكينونة الإنسانية في عالم العدمية واللامعنى.

2- اللاجئون ومشكلة الهوية:

‹‹اللاجئون هم التالف البشري في تخوم الأرض، الغرباء وقد تجسدوا الغرباء حتى العظم الغرباء المرفوضون والمقابلون في كل مكان بالكراهية والحقد›› / زيغمونت باومان.

‹‹في هذا الزمن السائل، لا يبقى للهوية معنى، بل إن حالات الهجرة واللجوء والسفر المتواصل سعيا لعيش أقرب ما يكون إلى كريم، يعزز من مفهوم اللايقين الذي يصفه الكاتب ويحول الهوية أيضا إلى شكلها السائل›› / زيغمونت باومان.

يتحدث باومان عن أزمة اللاجئين كمخرج من مخرجات الحداثة السائلة، فموجة الهجرة التي يشهدها العالم حاليا أنزلتنا إلى واقع صعب وغريب ومشتت وهو واقع يتشكل يوميا ويشكل هوية جديدة لكنها هوية معولمة تصنع خارج الهوية المحلية المسيجة بقيم مؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية، إنها هوية سائلة تصنع هناك وفي مكان ما، وإن شئنا التدقيق في اللامكان، لاتبالي بتنوع القيم ولا باختلاف العادات والتقاليد تهدف إلى هندسة مجتمعات مقولبة وسائلة بلا أصل وبلا تاريخ يقول باومان: ‹‹فالهجرة المكثفة في العصر الحديث ليست شيئا جديدا ولا حدثا فرديا، ولكنها في الواقع تأثير ثابت ومتواصل لنمط الحياة الحديثة بانشغالها الدائم ببناء النظام والتطور الاقتصادي تعمل هاتان الخاصيتان كمصانع بإمكانها إنتاج أشخاصا زائدين عن الحاجة، هؤلاء إما غير قابلين للتوظيف محليا أو مرفوضين سياسيا، وبالتالي مجبرون على التماس مأوى أو فرص حياة أفضل بعيدا عن أوطانهم››(26)

ويرى باومان أن أوروبا وعلى الرغم من كل تقاليدها التنويرية والكانطية والكوزموبوليتانية وصل خطابها السياسي إلى نقطة العداء الصريح تجاه الغرباء والمشردين من بقاع أخرى من العالم في تنكر معلن للقيم الإنسانية وتقوقع على الحدود الذاتية مع أن "الترحال والهجرة كانا أشبه بثوابت أنثروبولوجية على مر التاريخ البشري" كما يقول باومان، وفي ضوء ذلك يعرب باومان عن سخطه إزاء التنكر التاريخي الصارخ الذي يواجهه اللاجئون الهاربون من الحرب وأولئك المحرومون الذين يسعون إلى حياة أفضل، ووفقا لما ذهب إليه زيغمونت باومان فإن ذلك يدل على عمق مأزقنا المعاصر الذي يربطه باومان بهيمنة القيم الرأسمالية على وجودنا مستندا إلى رؤى من الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي(27).

وعليه فإن باومان يرصد أزمة تمر بها المجتمعات اليوم أسماها "النفايات البشرية" واعتبرها كأحد النتائج الوخيمة للرأسمالية، فالانتصار العولمي للرأسمالية أسهم بشكل من الأشكال في زيادة فائض البشر بلا انقطاع، ومن أبشع تبعات العولمة في نظره هو تحرير الحرب من القيود والضوابط وإضعاف سلطة الدولة، الأمر الذي جعل من الصراعات اليوم تنتشر بشكل مستمر، وهو ما يؤدي إلى فرار الأفراد خارج نطاق هويتهم ما عدا عنصر واحد وهو اللاجئ، على هذا الأساس يفقد الفرد وجوده الاجتماعي والأشياء الحاملة للمعنى؛ الأرض المنزل، الممتلكات... فباومان في حديثه عن الهوية يقدم مثال اللاجئين يقول: ‹‹ في الطريق إلى المخيمات يجرد الناس من كل عنصر فريد من هوياتهم ماعدا عنصرا واحدا ألا وهو اللاجئ "غير الشرعي" الذي لا وظيفة له، ولا مكان، ولا دولة له، فداخل أسوار المخيم يصير اللاجئون كتلة مضغوطة مجهولة، بعد ما حرموا من المزايا الاجتماعية الأساسية التي تستمد منها الهويات...فتلك المخلوقات المنجرفة المنتظرة لا تملك سوى حياتها العارية...››(28)، فلا يبقى سوى الجدران، والأسلاك الشائكة، والبوابات المحكمة والحراس المسلحين، وبين كل ذلك تتحدد هوية اللاجئين، بل تنتهي آمالهم في الحق بتعريف الذات فمشكلة اللاجئ تتبدى أنه في المكان ولكن ليس منه، وسيبقى ينظر إليه كدخيل وغريب لا ينتمي للمكان، يقول باومان: "...دعوني أكرر: إن من يسكنون مخيمات اللاجئين، لا يمكن أن يعودوا إلى حيث أتوا، فالبلدان التي تركوها لا تريدهم أن يعودوا...فلا أمل في العودة ولا طريق إلى الأمام، فما من حكومة ترحب بتدفق ملايين النازحين والمشردين...فالمخيمات التي أقيمت على أنها مخيمات مؤقتة تتحول إلى دائمة، فإذا أصبح المرء لاجئا فإنه يصير لاجئا إلى الأبد،"(29)، إنهم حالات يستعصي وصفها وتعريفها بالمصطلحات المعتادة التي نسرد بها الهويات البشرية، إنهم التجسد الحقيقي لما أطلق عليه "جاك دريدا" ‹‹ الحالات المبهمة التي يستعصي البث فيها›› (Indécidables)، فهم ليسوا مجرد منبوذين، بل إنهم خارج طوق الفكر(30)، وبالتالي تصبح هذه الفئات المهمشة في مجتمع الحداثة الغربية تعاني من غياب ما يعرف بـ "الهوية"، هوية تحدد مكانتهم ضمن الشعوب.

ونأخذ مثال على ذلك بما حل ببلادنا العربية في الآونة الأخيرة لندرك أن مشكلة اللاجئين تتجاوز في أثرها الحيّز المحلي لتمتد إلى كافة أنحاء العالم. فالدول المتقدمة التي تدخلت في إدارة الصراع والثورات بما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى، قد ساهمت في ارتفاع معدلات اللاجئين بعد ما يسمى بـ «الحرب على الاٍرهاب» في سوريا والعراق وأفغانستان قد تأثرت بقضية اللاجئين، ما إن يعبر هؤلاء حدود بلدانهم الأم ــــــ حتى يتوقفون عن كونهم مواطنين ويغدون لاجئين ويفقدون كل حقوق المواطنة ويكتسبون لا إراديا وضع " اللاموجود" فمشكلة اللاجئ تتبدى في أنه في المكان ولكن ليس منه، وسيبقى ينظر إليه كدخيل وغريب لا ينتمي للمكان!(31)

ويكفي أن نفكر في الأزمة السورية وأن نشاهد سيل الصور التي يتداولها الإعلام، إذ تجهد كثير من القوى لـحل المسألة السورية، لندرك أن عبور الحدود بات أمرا منقذا للحياة ولو مؤقتا حتى وإذا كانت المخيمات هي كل ما ينتظر اللاجئين على الضفة الأخرى وبينما يمثل السوريون النسبة الأكبر من اللاجئين حاليا، فإن الكثير من شعوب دول العالم الثالث مازالت تمثل عددا كبيرا منهم كذلك بمعنى أن ما يسود المشهد اليوم هو إرث الحداثة الغربية السابقة معطوفا على المزيج السام من النظام الاقتصادي الرأسمالي، والرغبة في السيطرة إنه الجانب الاستبدادي لأنظمة العالم الثالث الذي يسحق شعبه ويدفع بناسه إلى قارب يمكن أن ينقلب في أقل من نصف ساعة، لكن حتى في مثل هذه الأزمات لا تتحقق المساواة فبينما يفر الرجال والنساء من الحروب الأهلية والأوضاع الاقتصادية المريعة، والتعذيب الجسدي، والاعتقالات العشوائية والقتل الجماعي على النساء أن يواجهن خطرا مضاعفا وفي أثناء الهرب من نظام مستبد في ظل كافة التبعات التي تنجم عن ذلك، يضاف إلى النساء بعد آخر يستدعي الهروب، وهو كل الأهوال التي تقع عليهن لمجرد كونهن نساء يفضي هذا البعد الجندري إلى احتمالية المعاناة من الاغتصاب والتحرش الجنسي، والزواج القسري، والإجهاض القسري. إلخ(32).

ـــــ وكتب باومان يقول:" تعزل الرموز الثقافية عن الخيط الشامل وتنسج الهويات المختلفة فالصناعة الذاتية المحلية المتمايزة تصبح علامة محددة تحديدا شاملا للقرن العشرين المتأخر... وتحتم الأسواق الشاملة الخاصة بالمواد الاستهلاكية والاستعلامات اختيار ما يجب امتصاصه من أجل إعداد علامات رمزية للعلامات الخاصة بالهويات المضمحلة والمبعوثة، والتي من شأنها أن تقتلع الشخصية من جذورها وقد انغرست في المجتمع الشامل في هذه المرة ليست هي البلسم المضاد للعولمة، وإنما هي إحدى نتائجها الشاملة التي لا محيد عنها إنتاجا وشرطا"(33).

وبالتالي فالعولمة أخرجتنا من هويتنا الصلبة المسيجة بالأعراف والتقاليد والقيم المتوازنة واستطاعت أن تصنع لنا هوية سائلة لا تعترف بالثبات والقيم والأعراف، هوية يتداخل فيها الصراع ما بين الأنا والآخر، وعليه يجب تحقيق التكامل بين الأنا والآخر من أجل تحقيق وحدة الإنسان في إطار احترام التعدد والاختلاف، والاعتراف بخصوصياته التي تميزه وكذلك الاعتراف بهويته فالهوية مطلب إنساني وشرط صميم لبقاء الوجود الإنساني.

3- الحب السائل وهشاشة العلاقات الإنسانية:

‹‹ إن الإنسان لا يعرف الحب بصورة أكبر عن طريق التنقل بين العلاقات، ولا يصبح خبيرا في الحب بتعدد علاقاته، فهذا التنقل بين العلاقات لن يختبر الحب إلا كمجموعة أحداث منفصلة صادمة وهشة ولن يزداد معرفة بالحب››/ زيغمونت باومان- الحب السائل.

- غيرت الحداثة صورة المجتمعات المعاصرة، وأحد الجوانب التي شهدت التغيير هي العلاقات الإنسانية ويرى باومان أن ما يحكم العلاقات في المجتمع الحديث السائل هو التعامل مع العاطفة بالتعامل نفسه الذي نتعامل به مع السلعة فهو عالم من الصلات العابرة التي يمكن الاستغناء عنها كأي منتج تم استهلاكه، فكل الروابط التقليدية الثابتة قد فقدت سيطرتها ولم تعد مرغوبة(34)، معناه أن الروابط الثابتة والممتدة في الأسرة، والطبقة الاجتماعية والدين، والزواج، وربما حتى الحُب لم تعد حقيقية أو مرغوب فيها كما كانت من قبل.

وفي زمننا هذا، يرى باومان أن الاستهلاك قد تجاوز فكرة السلعة المادية إلى استهلاك العواطف والعلاقات الإنسانية وتكنولوجيا التواصل، بالصورة التي أثرت كثيرا على معاني الحياة والحب والأخلاق، وبالطريقة التي جعلتنا مراقبين باستمرار بسبب استهلاكنا النهم للتكنولوجيا الحديثة، مما أدى إلى سيولة الخوف تحت وطأة الاستهلاك والقلق مما يخبئه الغد، وأنتج لنا اضطرابا أخلاقيا أصبح معه الشر مبررا حتى من جانب الدولة(35).

هذا التحديث المتتالي وذلك الاستهلاك المستمر قد تسبب في حالة من الفردية طغت على أهمية الجماعة، فأصبح كل فرد يواجه الحياة بمفرده، فأضحى المجتمع عبارة عن جماعة تواجه مشاكلها بشكل فردي، كل فرد على حدا، فأصبحت التجمعات البشرية في الحفلات والمعارض والمنتجعات السياسية والمراكز الرياضية، تجمعات صاخبة تخلو من أي علاقات إنسانية بل هي علاقات سطحية استهلاكية أو بلغة عبد الوهاب المسيري(36) علاقات تعاقدية تقوم على ممارسة اللحظة الحاضرة واستهلاكها دون الاهتمام بتكوين روابط حقيقية.

وهذا ما يوضح مدى هشاشة العلاقات الإنسانية، وكيف دمرت كل ما تتسم به العلاقات الوجدانية من عفوية وتلقائية عاطفية فكل الروابط التقليدية الثابتة قد تفككت وغدت مجرد علاقات موضوعية بلا معنى.

كما يتطرق باومان لسيطرة العوالم الافتراضية على عالمنا الحقيقي، وكيف أن العلاقات في الواقع أصبحت تقاس بمقاييس الواقع الافتراضي، أي أن ضغطة زر واحد على "حذف" أصبحت تستعمل في الحياة الحقيقية كتعبير عن سرعة إنهاء العلاقات وكأنها لا شيء وكذا تسرب الملل إلى الحياة الزوجية عما مضى بسبب استشراء معاني الاستهلاك داخل النفوس بالبحث الدائم عن اللذة الفورية قصيرة الأجل، ففي ظل تنامي السيولة في كل شيء، وتحول "المجتمع" إلى مجرد "تجمع بشري"، تحول هذا الإنسان من "وضوح العلاقات الاجتماعية" إلى "غموض الصلات العابرة"(37)

إن العلاقات العابرة في ضوء الحداثة السائلة، سعادة حالمة بلا روابط، سعادة لا تخشى الآثار الجانبية وتتناسى تبعاتها، سعادة تخاطب المستهلك قائلة: "إن لم يحقق لك المنتج الرضا الكامل، يمكنك رده واستعادة نقودك كاملة"، إنها أكمل تجسد للحرية من منظور الممارسة السائدة للمجتمع الاستهلاكي.

وفي ظل هذا تنمو العلاقات الافتراضية وهي على عكس العلاقات الحقيقية، حيث يمكن خوض العلاقات الافتراضية بسهولة كما يمكن التنصل منها بسهولة. تبدو العلاقات الافتراضية ذكية وسريعة، بالمقارنة مع العلاقات الحقيقية الثقيلة، التي تتحرك ببطء ويتطلب الخروج منها الكثير من الجهد كما أنها لا تخمد بسهولة.

لقد كبرت العلاقات على الانترنت عبر مواقع المواعدة على حساب الأشخاص، الأماكن التي قد تجمعهم بشريكهم والأعمدة التي تتحدث عن الحب في المجلات والصحف، لكن تبقى ميزة العلاقات الافتراضية كما وصفها أحدهم: “يمكنك دائماً أن تضغط زر الحذف (Delete)(38).

خلال هذه العلاقات الافتراضية يكون التواصل عبر الموبايل ووسائل التواصل الاجتماعي هو الحالة النموذجية للعصر السائل الذي نعيشه، فالعلاقة مؤقتة وليست مبنية على الالتزام والاستمرار.

بالإضافة كذلك إلى أن الانسحاب التدريجي للدور الاجتماعي للدولة، ضد عجز الأفراد  قد جرد الفعل الجمعي من كثير من سحره السابق، وهكذا فإن مفهوم المجتمع بوصفه الرابطة الكلية التي تجمع أهل البلد في أرض الدولة السيادية يبدو كلمة جوفاء إلى حد كبير، وهكذا صارت الروابط الإنسانية هشة إلى حد كبير ومؤقتة، ولذلك صار المجتمع أقرب إلى الشبكة منه إلى رابطة كلية صلبة(39)، فباومان يشرح لنا الدرجة التي وصل إليها المجتمع من تهاون في حق الحب الحقيقي،  وعليه أصبحت العلاقات طويلة الأمد في هذا العالم مملة، ويضرب باومان مثالا على ذلك بالملل من العلاقات الزوجية فمن قبل كانت بعد سبع سنوات من بدايتها أما الآن فالملل يبدأ بعد ثمانية عشر شهرا أو سنتين على الأكثر، ويقول في هذا السياق: "...العقلية قصيرة الأمد التي جاءت لتحل محل العقلية طويلة الأمد، فالزيجات القائمة على مقولة تعاهدنا ألا يفرقنا إلا الموت صارت، موضة قديمة تماما، وصارت عملة نادرة فلم يعد الشريكان يتوقعان البقاء معا طويلا..(40)، فلا وجود للالتزامات الدائمة في هذا العصر الحديث السائل فالوعد الوحيد الذي يقطعه انسان الحداثة السائلة هو البقاء في حركة دائبة مع سرعة هذه الحركة، إذن فالميوعة والهشاشة مست كل شيء حتى العلاقات الإنسانية وتم فقدان الاستقرار.

ثالثا- القيمة الإبستمولوجية لأطروحة باومان:

1- قيمة أطروحة باومان في فهم الإنسان للواقع المعاش:

تمثل أعمال باومان في مجموعها منظومة نظرية فلسفية نقدية متكاملة لفهم تجربة الوجود الإنساني في القرن العشرين قد توازي في أهميتها المشروع الهيغلي المهم في بناء تصورنا للعالم كما كان في القرن التاسع عشر، وهو إن لم يقدم برنامجا لتغيير العالم فإنه دون شك تجرأ على وضع الواقع المعاصر أمام قفص الإتهام ناقدا كل مراحل التجربة الإنسانية من الحداثة وزمن اليوتوبيات الكبرى إلى فترة خلو العرش على حد تعبيره، وهي فترة تعطلت فيها الممارسات القديمة فلم تعد تصلح فيها أنماط العيش الإنساني المشترك. بالإضافة إلى أن ما يميز أسلوب باومان أنه أسلوب موسوعي بامتياز من خلال طرقه للأبواب المختلفة من أجل فهم الدور الذي تلعبه الحداثة في الحياة المعاصرة، وهذا ما يتجسد في أعماله المتعددة حول الهولوكوست والحرية والعولمة والطبقة العاملة والحب والهجرة...إلخ، فكل هذه الأبواب التي يطرقها تؤدي إلى نفس الإتجاه في فهم الواقع الاجتماعي من منظوره الخاص، فهو غير ملتزم بمدرسة فكرية واحدة في تحليلاته، يقول: ‹‹ كنت أسعى للحصول على إجابة على نفس الأسئلة طوال الوقت، وإذا لم أجد ذلك أخذت الأسئلة معي››(41)، معنى هذا أن باومان يعتمد في تحليلاته على مجموعة متنوعة من التخصصات والمصادر والأفكار ذات الطابع الاختياري بدلا من أن يحتكم إلى توجه نظري معين فهو وبلا شك من السوسيولوجيين الموسوعيين بامتياز في مجال العلوم الإنسانية، فمن أكثر ما يميز باومان هو قدرته الباهرة على التحليل، وذلك من خلال ربطه التوجهات النظرية في علم الاجتماع بنظيرتها في الأدب، الفلسفة، والتاريخ، ثم يفسر من خلال تلك التوليفة ما يحدث في العالم من حولنا، فلقد قدم لنا تحليلا حيا ودقيقا للوضع العالمي المعاصر، فالنص الباوماني يملك من القدرة التفسيرية ما يجعله مناسبا لفهم وتحليل تحولات كثيرة يمر بها عالمنا، وقد صنف بعض المختصين والباحثين في علم الاجتماع باومان خارج حدود التخصص وتلقيبه بـ "الفيلسوف الاجتماعي"، فلقد عايش باومان بشكل مباشر العديد من أحداث الرعب في القرن العشرين والتي لونت بدورها طريقة رؤيته للعالم، وتأتي أعماله بمثابة رسالة من القرن العشرين لجيل القرن الحادي والعشرين من خلال تفسيره وتحليله للأزمة الحالية العالمية وبالتالي تزود كتابات باومان المتابع لها بقدرة أعمق على التعامل مع الواقع وبناء رؤية وموقف اتجاهه.

زيادة على ذلك نجد هبة رؤوف عزت في مقدمتها لكتاب "الحداثة السائلة" تشير إلى أن سلسلة كتب باومان تقع ضمن ما نسميه ‹‹فقه الواقع›› الذي يتعرض لمسألة فقه الحداثة ومنطلقات فهمها وتجليات منظومتها في الواقع الذي نعيشه، فباومان يقترب من الحداثة بصيغها الحداثية ويجد القارئ نفسه مستوعبا الظاهرة التي يقرأ عنها ويدرك أنه في داخلها ولا يعني ذلك أن أفكار باومان تعينه على فهم ما يعيشه من مشكلات وما يواجهه من تحديات فحسب بل تساعده على بناء فهم نقدي لمساراته الشخصية الراهنة(42).

وعليه فإن مؤلفات باومان والتي ترجمت إلى العديد من اللغات بما في ذلك اللغة العربية تشكل حاجة ملحة في فهم الواقع الاجتماعي الذي نعيشه اليوم من تحولات وتغيرات اجتماعية واقتصادية تقول هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب الأزمنة السائلة:‹‹ فكتابات باومان ليست إعادة انتاج ميكانيكية للأفكار، فقد غدت الكثير من الكتابات الأكاديمية والفكرية مجرد تكرار وإعادة تدوير لما قاله الآخرون، لكن كتاباته كاشفة ومهمة لأنها تبين لنا ملامح الوجود في زمن التحولات ودلالة السيولة وآثارها التي نعيشها كل يوم وتساعدنا على الخروج من وهم المأساة الفردية إلى رحابة النظر الأوسع، وتعيننا على استعادة الوعي بفلسفة الزمن واقتراب الوقت بالمنطق الحاكم وبالنظم الحاكمة وهي أول خطوة للتفكير الجمعي في حلول مختلفة، وفي صيغ تاريخية للمقاومة››(43).

2- المشروع الفكري لزيغمونت باومان:

إن إمكانية التفكر في نصوص زيغمونت باومان تدفع كل باحث في أن يستحضر الأفكار والتحليلات النظرية التي عمل عليها باومان حول اشكالية الحداثة وما بعد الحداثة، هذه الأخيرة تمثل أهم مشروع فكري نقدي بدأه باومان منذ أواخر الثمانينات من القرن العشرين ومنذ ذلك الحين وهو يسعى إلى بلورة رؤية شاملة للحداثة وما بعد الحداثة وفق أفق الجغرافيا الغربية.

وتمشيا مع هذا الطرح، فإن ما يميز سوسيولوجيا باومان وتحليلاته ذات الطابع الاستثنائي والتي تتميز بقدرتها المخصوصة على الكشف عن ملامح المجتمع المعاصر في زمن التحولات وآثار السيولة على الفرد والمجتمع معا، فكتابات باومان تعيننا على استعادة الوعي بفلسفة الزمن الراهن، وهي أول خطوة لتأسيس تفكرية جديدة للتفكير الجمعي وفق أفق العيش الإنساني المشترك.

ويتمثل المشروع الفكري لباومان في تقوية التماسك الاجتماعي فهدف باومان في أطروحته يتمثل في خلق وجود اجتماعي يمكن للأشخاص العقلانيين والمتحررين من ممارسة حريتهم بطريقة خلاقة وأراد أن يشجع عملية الحوار داخل المجتمع المدني فكان أمله أن يعمل المثقفون أمثاله على تشجيع الأفراد العاديين للقيام بمشاركة قوية ونشطة في جعل المجتمع أكثر حرية وأكثر مساواة وأكثر عدالة.(44)

- وعليه فإن نقد باومان ليس مجرد نقد سلبي ارتكاسي، وإنما يوجه الإنسان الحديث، إلى أهمية تقوية التماسك الاجتماعي، وخلق وعي اجتماعي وإعادة الاعتبار للمسؤولية الاجتماعية في مقابل الفردية المنكفئة على ذاتها، إن التحرر من ثقافة الانكفاء على الذات، والتمركز حول الجسد، والاستغراق في الاستهلاك، لا يكون إلا بإحياء المجال العام، وتقوية التفاعل الاجتماعي،(45)

إن المشروع الفكري لباومان يشكل نافذة مطلة على الوضع الإنساني الراهن فيما يتعلق بآفاق أنسنة العالم البشري وجعله أكثر رحابة وقبولا للإنسانية، فباومان ليس متشائما بصفة مطلقة فهو يرى أنه ورغم انتصار الفردانية المفككة فإننا نسعى إلى انقاذ وجودنا الفردي المميز، ما يعمل على تكوين ذات فاعلة حرة ومحط الرهان في هذا هو الحوار والتواصل، فمادام الإنسان انسانا فالأمل مستمر، يجب على الإنسان أن يتذكر انسانيته.

- غاب زيغمونت باومان حقا، عن عالمنا لكن مشروعه الفكري سيبقى دون شك دليلا علميا لكل من يتصدى لمهمة تفكيك وفهم تحولات الأزمنة وتقلبات التاريخ خلال العقود المقبلة، وبهذه المقاربة النقدية لأطروحة باومان نكون قد لمسنا ولو القليل مما تطرق إليه باومان في نقده للحداثة الغربية، بالرغم من أنه مازال الكثير الذي لم يدون عنه، وما ذكرناه هنا هو نقطة من بحر ما قدمته أعماله.

خـلاصـــات:

من كل ما سبق يمكن استخلاص ركائز المشروع الباوماني فيما يلي:

1 - إن المحور الرئيسي في فكر زيغمونت باومان هو حال الإنسانية في تقلبها بين أطوار الحداثة.

2- عمل باومان على شرح الحداثة الغربية عبر مسيرتها وانتقالها من مرحلتها الأولى المتميزة بالصلابة إلى زمنها الثاني المتسم بالسيولة وسرعة التغير، فانتقلنا من زمن الارتباط الى زمن فك الارتباط، إذ أصبح التفكك والانقطاع من السمات العادية في حياتنا وهو نتيجة حتمية لعمليتي الإذابة والتمييع التي تركت بصمتها على كل شيء حتى على العلاقات الإنسانية.

3 - الحداثة في هذا المسار أحالت كل المواد الصلبة في طريقها إلى سائلة، بفعل دعوتها إلى التحرر من الماضي والدين والمقدس لكنها في الوقت ذاته كانت قادرة على خلق مواد أكثر صلابة، وهنا كان مبعث المشروع النقدي لدى باومان، ورافق هذا الانتقال من الصلابة إلى السيولة، انتقال المجتمع من المجتمع المنتج إلى المجتمع المستهلك كنتيجة لقلب القيم (الدوام والزوال) ما مس الكثير من أسس الحياة.

4 - وفي ذات المسار أصبح لكل شيء عمر افتراضي، وغير متماسك حتى الهويات والتي غدت متغيرة وباستمرار تماشيا مع روح العصر فأصبحنا أمام هوية مصطنعة إضافة إلى أن الحداثة ساهمت في تغيير المفاهيم هذا القلب في المفاهيم والتغيير في الكثير من الأسس جعل العلاقات الاجتماعية تدخل السيولة، فغدت مجرد "علاقات استهلاكية" وعابرة تفتقر للأبدية.

5- ومن أهم نتاِئج الحداثة السائلة كذلك انتشار الخوف وعدم توفر الأمان، وهم مزمن هشاشة، غياب الشعور بالوحدة الإنسانية، افتقار أدوات وجود انساني مشترك.

6- وبناءا على ما تم عرضه وتحليله من موقف زيغمونت باومان من الحداثة الغربية ومآلاتها الكارثية على الإنسان يمكننا القول إجمالا بأن فكر باومان يشكل نافذة مطلة على العالم المعيش، لما تضمنه مشروعه من جدة في الطرح، وإبداع للمفاهيم، وما زاد فكر باومان تألقا وخصوصية، هو راهينته لكل ما يعانيه الفكر الإنساني المعاصر من أزمات وتلمسه لموضوعات العصر بعين فاحصة، فبارمان يصف أمراضنا المجتمعية بدقة وعمق ويعرض أفكارا شديدة الجدة والأصالة والأهمية لفهم وضعنا الراهن في عصر السيولة على حد تعبيره.

- لكن كيف يمكننا الخروج من هذا التفكك للعيش الإنساني المشترك؟ وكيف يمكن استرداد إنسانية الانسان؟ وأي مسلك ابستمولوجي يمكن أن نسلكه للخروج من هذا المأزق الأنطولوجي في ضوء مساءلة باومان النقدية للحداثة الغربية؟

 

الزهرة قني  - ماستر فلسفة

.................................

(1) زيغمونت باومان: هو مفكر وعالم اجتماع بولندي من مواليد 19 نوفمبر 1925م ببولندا، وتوفي في: 9 جانفي 2017م لأسرة يهودية فقيرة استقر في انجلترا بعد ما تم طرده من بولندا عام 1971م بتهمة معاداة السامية، يجمع الكاتب بين علم الإجتماع والفلسفة ويحذو حذو ‹‹مدرسة فرانكفورت›› في نقدها للحداثة وهو صاحب الإشتقاق الإصطلاحي "للحداثة الصلبة" و"الحداثة السائلة"، والذي يظهر من خلال عناوين كتبه، بروفسور علم الإجتماع في جامعة ليدز (ومنذ عام 1990م أستاذ متقاعد) عُرف باومان بسبب تحليلاته للعلاقة بين الحداثة والهولوكوست، وأيضاً ما يتعلق بالمذهبية المادية (الاستهلاكية) لما بعد الحداثة.

(2) زيجمونت باومان، الحداثة السائة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2016م) ص27.

(3) أنديرا مطرا، عصر "الحداثة السائلة": أفول الإنسان العمومي، القبس الإلكتروني، 31 ديسمبر 2017م.

(4) جاك دريدا ( Jacque Derrida): (1930 2004م) فيلسوف فرنسي وناقد أدبي يمثل الجيل اللاحق للبنيوية Post Structuraliste، أي الجيل الذي استفاد من البنيوية ولم يقبلها كلية، ورفضها ولم يتخلص منها كلية أيضا عرف دريدا عبر مصطلحه الشهير ‹‹التفكيكDéconstruction ‹‹ ومن ثمة عرفت فلسفته بالتفكيكية، ومن أهم مؤلفاته of Grammatology أو "في علم الكتابة" وWriting and Difference أو "الكتابة والإختلاف".

(5) نادية هناوي، الخلخلة والفكفكة بين زيغمونت باومان وجاك دريدا، لندن، صحيفة القدس العربي، 5/4/2018م.

(6) مقدمة هبة رؤوف عزت، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص11.

(7) زيغمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، تر: سعد البازعي وبثينة الإبراهيم (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، ط1، 2016م) ص197.

(8) عارف عادل مرشد، الحداثة السائلة كبديل عن ما بعد الحداثة عند زيغمونت باومان، أفكار ص 60.

(9) سعد القصاب، زيغمونت باومان مفكر يرى العالم ليس كما نراه، لندن، صحيفة العرب، 31/12/2016م، العدد 10500.

(10) المرجع نفسه

(11) جان فرانسوا ليوتار(1924 1998م): فيلسوف وعالم اجتماع ومنظر أدبي فرنسي اشتهر بأنه أول من أدخل مصطلح ما بعد الحداثة إلى الفلسفة والعلوم الاجتماعية وعبر عنها في اواخر سبعينيات القرن العشرين، كما حلل صدمة ما بعد الحداثة على الوضع الإنساني. وساهم مع كل من جاك دريدا وفرانسوا تشالي وجيل دولوز في تأسيس المعهد العالمي للفلسفة.

إسهامه الرئيسي في الفلسفة هو نقده للحداثة وكتابته عن سقوط الأيدولوجيات الكبرى التي يسميها السرديات الكبرى ومن خلالها ينتقد فكرة التنوير نفسه، لأن كل هذه الأيدولوجيات من نتاج التنوير وكلها كان لها هدف واحد هو التحرر وتحقيق سعادة الإنسان ولكن يرى ليوتار أنها سقطت وفشلت فشلاً ذريعا، ويدعوا للخروج من هذه الحداثة التي أدت للهولوكوست، وهيروشيما وناجازاكي.

(12) زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص49.

(13) يسرى وجيه السعيد، مصطلح السيولة المعاصر وارتداداته عند زيغمونت باومان، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ديسمبر 2016م.

(14) زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص88.

(15) زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص 33.

(16) حيدر الجراح، مركز الإمام الشيرازي يناقش الخوف من الآخر بين العزلة والإنفتاح، ملتقى النبأ الأسبوعي، 19 04 2018م.

(17) زيغمونت باومان، الحياة السائلة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2016م) ص15.

(18)ـــ زيغمونت باومان، الأزمنة السائلة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2016م) ص39.

(19)ـــ أولريش بيك، مجتمع المخاطر العالمي: بحثا عن الأمان المفقود، تر: علا عادل وهند إبراهيم (القاهرة: المركز القومي للترجمة،2013)، ص32.

(20)ـــ زيغمونت باومان، الخوف السائل، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2017م) ص12.

(21)ـــ زيغمونت باومان وديفيد ليون، المراقبة السائلة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1 2017)، ص 20.

(22)ـــ مقدمة هبة رؤوف عزت، الخوف السائل، مصدر سابق، ص16.

(23)ـــ زيغمونت باومان وليونيداس دونسكيس، الشر السائل، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر ط1، 2018م)، ص21.

(24)ـــ أنتوني غيدنز، عالم منفلت: كيف تشكل العولمة حياتنا، تر: محمد محي الدين (القاهرة: دار ميرية، د ط،2005) ص17.

(25)ـــ محمد سالم سعد الله، (مدرسة فرانكفورت: النظرية النقدية وفلسفة النص)، مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية سطيف، العدد09،20ـ20م، ص168.

(26) نورا حلمي، زيجمونت باومان: أزمة اللاجئين هي أزمة الإنسانية، 14 03 2019م

(27) إبراهيم قعدوني، زيغمونت باومان يرصد انحراف البوصلة الأخلاقية لأوروبا، العرب، الأحد 08 07 2018م.

(28)ـــ زيغمونت باومان، الأزمنة السائلة، مصدر سابق، ص61.

(29)ـــ زيغمونت باومان، الأزمنة السائلة، مصدر سابق، ص 60.

(30) المصدر نفسه، ص ص66 67.

(31) رائدة نيروخ، كتاب الأزمنة السائلة: حين تموت المرجعيات الكبرى، إضاءات، 20 02 2019م ttps://www.ida2at.com/liquid times book

(32) شيرين أبو النجار، مأزق ما بعد الاستعمار: التفاوض أم الرفض؟، مجلة الأبحاث الجسد والجندر، مجلد2، عدد2، 2016م، ص ص220 221.

(33)ـــ أولريش بيك، ماهي العولمة؟، تر: أبو العيد دودوا (بيروت: منشورات الجمل، ط2،2012م)، ص98.

(34) هبة رؤوف عزت، من مقدمة كتاب الحب السائل لزيغمونت باومان، مصدر سابق، ص18.

(35) سامح عودة، مجموعة السوائل طريقك إلى نظرية باومان في علم الاجتماع، https://midan.aljazeera.net/intellect/sociology/2018/1/22

(36) عبد الوهاب المسيري (1938 2008م ): مفكر وعالم اجتماع مصري وهو مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية أحد أكبر الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين، ونلمح أثر زيغمونت باومان في رؤية عبد الوهاب المسيري للحداثة العلمانية من خلال الرؤية النقدية للحداثة الغربية، حيث نجد الدكتور عبد الوهاب السيري وجه بدوره سهام النقد للحداثة الغربية، فعادة مايشير المسيري إلى باومان في مقدمة مؤلفاته: ( العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية اليهود واليهودية والصهيونية) ويشيد بدوره في تشكيل رحلته الفكرية، يقول في ذلك الدكتور والناقد الأدبي حجاج أبو جبر في مقدمة كتاب "الحداثة السائلة": ‹‹... ربما يكون عبد الوهاب المسيري هو أول بحار التقط الزجاجة المغلقة وأخرج الرسالة، وقرأها واستوعبها، وصاغ منها النماذج التفسيرية الأساسية في نقد الحداثة الغربية وتحولاتها في مرحلتي الصلابة والسيولة، وتبدأ الحداثة الغربية بما يطلق عليه المسيري: "العقلانية المادية الصلبة القديمة" أو " الحلولية الكمونية الواحدية المادية الصلبة" وتنتهي بما يسميه: "اللاعقلانية المادية السائلة الجديدة" أو "الحلولية الكمونية الواحدية المادية السائلة ››، كذلك يتتبع حجاج أبو جبر أثر زيغمونت باومان في رؤية عبد الوهاب المسيري للحداثة الغربية من خلال مقارنته بين كتاب المسيري" الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ" (1997م) وكتاب "الحداثة والهولوكوست" الذي صدر عام 1989م لمؤلفه زيغمونت باومان، كما نوه به في مقدمة موسوعته "اليهود واليهودية والصهيونية": نحو نموذج تفسيري جديد"(1999م)، واعتبر أعماله من أهم الكتابات التي شكلت مرجعيته الفكرية ومقولاته التحليلة.

(37) سامح عودة، مجموعة السوائل طريقك الى نظرية باومان في علم الاجتماع، مرجع سابق.

(38) قراءة في كتاب "الحب السائل، عن هشاشة الروابط الإنسانية"، دراسات وتقارير، في دائرة الضوء، 27 سبتمبر 2016م،

https://www.lahaonline.com/articles/view/51165.htm

(39) ـــ زيغمونت باومان، الأزمنة السائلة، مصدر سابق، ص26.

(40)ـــ زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص215.

(41) عبد الإله فرح، زيجمونت باومان والسوسيولوجيا، مؤمنون بلا حدود للأبحاث والنشر، نوفمبر 2017م.

(42) مقدمة هبة رؤوف عزت، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص11.

(43) من مقدمة هبة رؤوف عزت، زيغمونت باومان، كتاب الأزمنة السائلة، مصدر سابق، ص23.

(44) عبد الإله فرح، زيجمونت باومان والسوسيولوجيا، مرجع سابق.

(45) مقدمة هبة رؤوف عزت، زيغمونت باومان، الحياة السائلة، مصدر سابق، ص 18.

 

علي محمد اليوسفتقديم: يعتبر وعي الذات مبحثا فلسفيا كلاسيكيا مجمعا على تناوله لدى العديد من الفلاسفة على امتداد عصور طويلة، لما له من أرتباط وثيق بالانسان كوجود عاقل مفكر ناطق، وأرتباط وعي الذات أيضا في التخارج مع الموضوع جدليا، وعلاقتهما الاثنين (الوعي والموضوع) باللغة كتعبير عن عالم الموجودات الخارجي.

ان وعي الذات (الخالص) الذي أشار له سارتر هو وعي (بذاته)، وفي التعبير الفلسفي الفينومينولوجي (نومين/ وجود في ذاته)، وفي هذا النوع من الوعي الانساني يلازمه أستحالة أدراكية للعقل لا يمكن الانسان بلوغها في ادراكه ماهيته الذاتية وكذا معرفته ماهيات الاشياء والموجودات غير المدركة وليس صفاتها المدركة فقط ، فالموجودات في الطبيعة بذاتها لا يستطيع الانسان أدراك ماهياتها انطولوجيا،، ولا تمتلك هي (وعيا بذاتها)، بمعنى أنها ثوابت تحمل ماهاياتها وصفاتها وظاهرياتها معا، ولا يمكن التأثير فيها خارجيا أو تحريكها أو التفاعل معها بوعي مشترك متبادل متخارج معها أنسانيا وغير انساني،،، لذا فهي (وعي بذاته) مكتسب كل الاستقلالية عن الآخر من نوعه في العالم الخارجي للموجودات ماعداالانسان كوجود نوعي متعايش معها،، الوجود بذاته يكون خارج مدركات الانسان العقلية..

والموجودات التي تنطبق عليها مقولة كانط (موجودات بذاتها) تتصف في عدم وعيها لذاتها من جهة، ولا تعي أدراكها الطبيعة من حولها من جهة أخرى،، بخلاف الانسان الذي يعي وجوده الذاتي ويعي موجودات الطبيعة من حوله،، وفي مثل هذا النوع من الوجود(بذاته) لا قيمة أنسانية تتمثل فيه بل تكون قيمة الموجودات (بذاتها) تتمثل في أهمية أدراك الانسان لها في وجودها الظاهري كصفات خارجية فقط وليس كجواهر ماهوية ساكنة بذاتها غير بائنة حسّيا ويتعّذر أدراكها عقليا.

والوعي في ذاته أو بذاته بالنسبة لموجودات الطبيعة غير الانسان، هو الموجود الذي لا يعقل غيره أو لاحاجة له بذلك، ولا يمتلك قدرة تغيير الاشياء والموجودات من حوله أو تبادل الادراك المتخارج معها...وهذا النوع من الوعي الوجودي بذاته المغيّب يمكننا أعتباره وجودا أفتراضيا لموجودات الاشياء يلازم وعي الوجود الانساني الذي يتوفر على طبيعة نوعية في وعي الوجود المتخارج مع الموجودات....بمعنى الوجود بذاته في الموجودات هو موضوع متحقق مدرك أفتراضا حدسيا ولا يطاله الادراك الانساني حقيقة قصديا في ماهيته وجوهره من قبل الموجود لذاته (الانسان) ولا يتبادل الادراك معه...كون موجودات الاشياء لا تعقل ذاتها ولا تدرك الانسان في تعالقه معها ولا تستطيع مجاراته بأدراكها له كما يفعل الانسان معها ومع موجودات الطبيعة التي يرغب معرفتها..

سارتر و(الوعي الخالص)

الوعي (الذاتي الخالص) هو مقولة سارتر في تعريفه هذا النوع من الادراك الانساني الذي لا قدرة للانسان الفيزيائي بلوغه، فهو نوع من النشدان والطموح  المثالي الملازم في محاولة وصوله درجات من التسامي الصوفي الذي لا يحتازه ويمتلكه الانسان الطبيعي السوي، وهو وجود لا يتعيّن أدراكه بوعيه بذاته ولا وعي وجوده في تعالقه بوعي الآخرين لوجوده...وأمثلته نجدها في ظواهر طبيعية أوظواهر خارقة للطبيعة محدودة جدا.الوعي الخالص لا تمتلكه الموجودات غير العاقلة،، أما بالنسبة للانسان فهو وجود بذاته أيضا لا يتوفر عليه الانسان ولا يتمكن الافصاح عنه كمدرك موضوعي لغيره..

فالله وجود (بذاته افتراضا) وهو وجود ذاتي خالص يمتاز بأنه لا حاجة له في وعي الانسان أو الطبيعة به ولا يتحدد أدراكه الوجودي الايماني الغيبي بوعي الاخرين له ، وكذلك هو في غنى عن وعي الطبيعة في كل موجوداتها ومظاهرها وأشيائها كموجودات في ذاتها أن تدركه، فالطبيعة لا تمتلك وعيا أدراكيا تعرف به الله كما لا حاجة بها أن تعي الوجود الخالص غير المتعّين وغير المدرك انسانيا وتعجز عن ذلك كما هو عجز الانسان مثلها في أستحالة معرفته الوجود الذاتي الخالص للخالق الذي هو وجود مكتف بذاته،،،

وعي الانسان في ادراك ذاته والطبيعة

موجودات الاشياء بالطبيعة لا يمكنها أن تعي بعضها البعض الآخرفي تبادل أدراكي مثمركما في علاقة الانسان الادراكية معها.....لذا تبقى حاجة الانسان لوعي الطبيعة والاستفادة منها قائمة وضرورية، في حين تعجز الطبيعة أدراك ذاتها ولا تعي غيرها من الموجودات والكائنات فيها أو من حولها... أن وعي الذات الانسانية للطبيعة هو في أن يعقل الانسان وجوده وفي أن يعقل ويدرك وجود الموجودات والاشياء في الطبيعة وفي العالم الخارجي من حوله كموضوعات... والانسان يكون وعيه لذاته والاخرين من نوعه أو من غير نوعه كموجودات يتم بالتمايزالنوعي المفارق بينهم جميعا،،، وعي الذات أدراك أنساني لذاته كونه متعالقا وجودا ومتغايرا مفارقا مع وجوده (في – ذاته) الذي هو حالة من الوجود الذي لاقيمة حقيقية له سواء أدركه الانسان أم لم يدركه، لكنه بالنسبة لموجودات الاشياء في الطبيعة من غير الانسان يكون الوجود (بذاته) السمة الجوهرية السالبة الغالبة على وجودها الطبيعي كمدركات للعقل الانساني في وقت لا تعي هي (ذاتها) ولا تبادل الانسان أدراكه لها، والنومين أي الوجود (بذاته) في أشياء وموجودات الطبيعة هو ضرورة انطولوجية لها في أدراك الانسان لها كموجودات بصفاتها الخارجية فقط من غير معرفة ماهياتها، والوجود بذاته في موجودات الطبيعة من غير الانسان، أنما هو جوهر ملازم طبيعي أن تمتلكه الاشياء في الطبيعة الجامدة ولا يمتلكه الانسان ولا يسعى الانسان أمتلاكه لأن الموجودات بذاتها هي مواضيع أدراك العقل الانساني في صفاتها وليس في ماهياتها غير المدركة، لكن في تمايز الانسان عنها أن الانسان لا يكون موضوعا مدركا لها أي لموجودات الطبيعة....

- فالوجود بذاته -  حالة سلبية يتعذر على الانسان السوي نشدان تحققها ذاتيا في (أناه) فهي تقعده تماما عن أداء دوره ومهمته كفرد منتمي لمجتمع...والمدركات بذاتها في موجودات الطبيعة هي مواضيع للادراك العقلي الانساني على الدوام متفاعلا معها من حوله وفي حالة حركة دائبة مستمرة من التفاعل والتخارج معها،،،توجب على الانسان أن يكون جزءا منها ومعايشا لها في الطبيعة، لكنه مفارق ومتخارج معها متمايز في أدراكه لها في عجزها هي أدراكه.

كيف يعي الانسان نوعه والطبيعة

أن الانسان ذات وموضوع في وقت واحد،فكروتعبير،مادة وأدراك، يتبادلان الادراك ألتأثيري التناوبي التخارجي، فالانسان يدرك الموضوع ويعيه حسّيا وعقليا، ويتناوله تفكيرا ماديا أو خياليا،ويعبّر عن هذه العلاقة باللغة وبغير اللغة من وسائل التواصل مثل لغة حركات الجسد في اليوغا والمسرح الصامت ولغة الفن الكامنة في قلب التجريد التشكيلي في الرسم والنحت وضروب الجماليات الفنية... والانسان يعي ذاته الفردية عقليا أيضا،بخلاف مع موضوع أدراكه غير (الانسان)، فالموضوع الذي يدركه الانسان لا يشترط به أدراك ذاته ولا الانسان ولا الطبيعة لا داخليا عقليا بالذهن ولا خارجيا عقليا في التعبير ولا تمتلك الموجودات علاقة تناوبية متخارجة مع الموجودات والاشياء من نوعها بخلاف ما يفعله الانسان بعلاقته معها...

فالموضوع يكون مادة يدركها الانسان بمقدار أهميتها وحاجتها له، وهي أي المواضيع لا تدرك ولا تعي مبادلة الانسان وعيه وحاجته لها، وهذه العلاقة الادراكية الواعية القصدية بين الانسان والموضوع المادي تختلف عن علاقة أدراك الانسان للانسان من نوعه... فالموضوع يكون موضوعا مدركا ثنائيا بشرط أرتباطه التعالقي المتخارج بمن يدركه وهو الانسان...بمعنى أن الانسان يدرك ذاته ويدرك موضوعه ويدرك غيره من نوعه أنسانا آخر، بأختلاف جوهري هو قدرة الانسان العقلية والمحسوسة في أدراكه الموضوعات والاشياء من غير نوعه في الطبيعة ولا تشاركه هي الادراك ولا تبادله معه... ولا يدرك الانسان غيره من نوعه بنفس (الكيفية) التي يدرك بها الاشياء وموجودات الطبيعة... فأدراك الانسان لنوعه أي الانسان الآخر، يكون ضمن علاقة جدلية وتخارجية نوعية تواصلية تتعدى حدود أدراك الانسان للموجودات، ولا يمارس الانسان نفس الالية في أدراكه الموضوعات في الطبيعة كما في تواصله الادراكي مع غيره من نوعه، فمدركات الطبيعة لا تبادل الانسان وعيه بها، وأدراك الانسان للانسان من نوعه هو تبادل وعي عقلي أدراكي بين محاور ومتلق أدراكي يماثله ويحاوره أو يتقاطع معه في بعض جوانب خلافية، أما وعي الانسان لموجودات الطبيعة فهو يختلف حين يكون الادراك الانساني لها أحاديا من جانب واحد فقط، وموجودات الطبيعة لا تدرك نفسها ولا تعي أهمية تعالقها بوعي الانسان وأدراكه لها... أن الانسان في هذه الحالة يدرك ذاته وموضوعه معا ، في وقت لا يدرك ويعي الموضوع ذاته – بأستثناء الانسان حين يكون موضوعا لغيره من نوعه كأنسان – ولا يعي الموضوع غير الانسان من الموضوعات وعي الانسان به وأدراكه له...وأغلب مواضيع الادراك من موجودات الطبيعة والمحيط والعالم الخارجي للانسان تكون فاقدة الوعي الادراكي الذاتي والموضوعي معا وهو ما لا ينطبق على الانسان حين يكون موضوعا مدركا لانسان آخر من نوعه..

ربما تتمتع الطبيعة بنوع من الروحانية غير المدركة ماديا،في أنواع من التمظهرات المادية والجوهرية أيضا لكن كلتا الحالتين لا تمتلكان عقلا منظّما يديرهما في وعي الذات أوفي وعي الآخر، وهنا تعتبر الطبيعة في تجليّاتها المادية وغير المادية الساحرة وجود سلبي لأنها غير عقلانية حتى في قوانينها الازلية العامة التي تحكمها وتحكم الانسان معها بها في استقلالية عن الانسان...القوانين العامة التي تحكم الطبيعة لم تخترعها الطبيعة لتحكم الانسان بها فكليهما الانسان والطبيعة محكومين بها أزليا وتعمل باستقلالية تامة عن رغائب الانسان والطبيعة معا،وأقصى غاية يمتلكها الانسان حيال تلك القوانين هو محاولته أكتشاف بعضها وتسخيرها لوجوده في علاقته بالطبيعة،، بعكس قوانين الانسان التي يخترعها والتي يبغي فيها هيمنته وسيطرته على الطبيعة لتحقيق مصالحه في الوجود المتعالق مع الطبيعة..

وعي الذات الانسانية القصدية والديناميكية

أخذ الفلاسفة الماديون الماركسيون (هيجل ،فيورباخ، ماركس) ومعهم فلاسفة الوجودية سارتر وهيدجر، مسلمّة مادية الكون أن الوجود سابق على الوعي به في ظواهره غير الماهوية أي بصفاته فقط، بخلاف الفلاسفة المثاليين الذين يرون العكس من ذلك أن الفكر والوعي في وجود الاشياء في الطبيعة هو الذي يحدد الادراك بها والوعي بمعرفتها وقيمتها الحقيقية هي في الذهن وليس في وجودها ضمن عالم الاشياء الخارجي.

الشيء الاكثر أهمية أن بعض الفلاسفة غير الماركسيين لم يكتفوا بذلك بل ذهبوا بأن وعي الوجود الذاتي يقترن ب (قصدية) كما في تعبير هوسرل، وأضاف هيدجرعليها أن وعي الذات مرتبط ارتباطا وثيقا ب(هدف) يسعى تحقيقه أطلق عليه(ديناميكية) وعي الذات، معتبرا ديناميكية وعي الذات هو الوعي الحقيقي الفاعل في وجود الانسان في تعالقه المتعايش مع جميع ظواهر الطبيعة من حوله وفي كونه جزءا لايتجزأ من الكلية المجتمعية التي تحتويه ووعي الذات الحقيقي يكون متحققا في - عالم... وهذه الديناميكية الهيدجرية مستمدة من هوسرل أستاذه في الدعوة ان وعي الذات لا يكتمل ألا بارتباطه بنوع من القصدية الهادفة التي تعيّن هدفها مسبقا يحققها له أندماجه بالكليّة المجتمعية سلبا أو أيجابا. وأراد سارتر أقتفاء أثر هوسرل وهيدجر في أن وعي الذات لا يكتفي من أجل أثبات وجوديته الفردية السلبية كما هي في الكوجيتو أنا أفكر أذن... في ربط ديكارت تحقق الوعي الذاتي بالتفكير المجرد، ودعا سارتر الى أن وعي الذات الاصيل هو الالتزام بالحرية المسؤولة التي ينوء بحملها الانسان الفرد كونه كينونة أجتماعية يحمل همومها وتبعاتها بمسؤولية عن ذاته ومسؤولية عن نوعه الانساني في مجتمعه والعالم، رغم أن انسان سارتر يعيش عدمية وجوده الملازمة له الذي تقعده كحقيقة وجودية فردية عن أي التزام مصيري بالآخرين.

وعي الذات فينومينولوجيا (ظاهراتيا)

بضوء التمهيد السابق نناقش رأي ميرلو بونتي المحسوب على أقطاب البنيوية، في تعالق وعي الذات بالظاهراتية (الفينومينولوجيا) التي جاء بها هوسرل في الفلسفة الحديثة، التي ترجع ارهاصاتها الاولية الى فلسفة افلاطون (بالمثل) وفلاسفة آخرين قبل وبعد افلاطون أبرزهم كان أرسطو، الذي وضع  حدا لعالم المثل دام ما يقارب أكثر من الفي عام أعلى فيه شأن العقل في تأكيده على الانسان في وجوده الارضي...وظلت آراء ارسطو فاعلة ومؤثرة بالقرون الوسطى الاوربية، الى أن أنتهى مآلها في النهضة الاوربية في القرن الثامن عشر وما بعدها وتم تجاوزها في تبني أولوية الانسان والعلم ومنجزاته في عصري النهضة والانوار وفي مرحلة متأخرة في  الحداثة الاوربية.

يقول ميرلوبونتي :(نظرية الظواهر ترتبط أرتباطا مباشرا بوعي الذات، فهو ليس حقيقة خارجية خالصة ، ولا عملا عقليا صرفا).(1) عبارة دقيقة وصحيحة وهي أمتداد لمقولات هوسرل وهيدجر وسارتر ليس من حيث الصياغة الفلسفية لغويا، بل من حيث المعنى الذي تستبطنه اللغة التعبيرية في أحشائها كمحمول دلالي تأويلي متعدد المعنى. وفي تعبيره أن الوعي ليس عملا عقليا صرفا هي أدانة لديكارت فقط، ولا يمكن الأخذ بها من حيث الدلالة الوظيفية للعقل والادراك والشيء المدرك والمعبر عنه لغويا أو غير لغوي لا يقتصر دوره ولا ينحصربهذا التوصيف المقتضب،ويأتي التوضيح في الاسطر لا حقا.

أن ظواهر الاشياء التي يدركها العقل حسيّا – داخليا تتم في عملية (تخارج) متبادل جدلي بين الوعي ووجود الاشياء الخارجية، وهذه العملية التخارجية الجدلية لا تجعل من الوعي وجودا خارجيا مستقلا، كمثل وجود الموضوع المدرك عقليا ذاتيا في وجوده الخارجي المستقل في الطبيعة، وأن التخارج المتبادل بين الذات والموضوع وتعالقهما لا يلغي أستقلالية وجودهما المفارق كلا عن الآخر، وهما في هذا التخارج التعالقي بينهما يتحدد وعي الوجود من جهة ويتعين وجود الاشياء المدركة والموضوعات من جهة أخرى...والقول بأن وعي الذات ليس عملا عقليا صرفا أدانة صائبة بحق مقولة ديكارت المثالية السلبية (انا افكر أذن انا موجود ) على ما تحمله العبارة من تأويل فلسفي متعدد متضاد في تعبيرها ومعناها في الوعي المثالي السلبي غير المادي رغم الاجماع الفلسفي على أن ديكارت هو أبو الفلسفة العلمية الحديثة في تركيزه أعتماد التفكير الفلسفي العقلي الذي يسهل مهمّة العلم، لكن في الكوجيتو حصر ديكارت أثبات الوجود في/ عن ناتج التفكير الذاتي المجرد المكتفي بذاته في أثبات وجوده الانفرادي وحده ، ويعتبر ديكارت أمكانية وعي الذات في التفكير العقلي المحض الذي يحدد الوجود المادي المفكّر به، وبذلك يمكننا أدراك الذات تفكيرا عقليا مثاليا خياليا في أي موضوع مستمد من الذاكرة يكون مادة أدراكية للعقل لا يفصح عنها،، وديكارت في الكوجيتو ربط وعي الذات بالموضوع المفكر به خياليا ذاتيا فقط ولم يتعداه الى مدركات المواضيع الاخرى في وجودها المادي المستقل في عالم الاشياء التي هي مواضيع أدراكية للعقل لا تقل أهمية بل تزيدها التي هي مواضيع العالم الخارجي والاشياء... كما يصبح وعي الذات في الكوجيتو تفكيرا خارج أدراك وجود العالم الخارجي المستقل بالتعبير عن ذاتيته الوجودية صمتا سلبيا غير معبّر عنه لغويا أوغيرها من وسائل أثبات الوجود التواصلي...

وهذا خلاف أن وعي الذات (الديناميكي)  عند هيدجر ، والوعي (القصدي) الهادف كما عند هوسرل لا يتحقق الا في تخارج الوعي التناوبي مع موضوعه في جدلية ديالكتيكية من التأثر والتأثيرالتي تعطي الذات فاعليتها الوجودية ، وتمنح الموضوعات وجودها المتعالق بالوعي والادراك الحسي والعقلي لها،كما تعطي كلا من الذات والموضوع تمايزهما النوعي بأستثناء وعي الانسان بمثيله النوعي الذي هو الانسان الآخر في تبادلهما الادراك التواصلي بكيفية مغايرة عن علاقة وعي الانسان بالموضوعات والاشياء اللاعقلانية.

الاشياء ومواضيع العالم الخارجي ومظاهره التي لا تحصى كثرتها هي وجود مستقل سواء جرى أدراكها أو بعضها أم لا، ووعي الذات كما ذكرنا لا قيمة حقيقية وجودية له في حال أحتفاظه بوجوده المستقل بذاته عن أدراك الاشياء(نومين)، لذا يستلزم وجودهما الادراكي(الذات والموضوع) تخارج جدلي متبادل بينهما كي يأخذ كل منهما معناه ووجوده... وبذا يمكننا أعتبار وعي الذات الديناميكي الهادف عند هيدجر، أنما يكون  وجودا أنسانيا لذاته وليس سلبيا بذاته، كنتيجة لعملية التخارج المتبادل مع الموضوع، الكفيل به وعنه وبواسطته يكون أثبات وجودهما الانطولوجي لكليهما معا الذات وموضوعه المدرك.

مع ميرلوبونتي ثانية

في عودتنا الى ميرلوبونتي ثانية قوله (يكون الموضوع حقيقة مباشرة تفرض نفسها أمام الوعي، والموضوع يتوقف على الوعي به من حيث هو جوهرفي وجوده،)(2)

هنا كي نعتبر هذا التعبير صحيحا فلسفيا منطقيا، علينا تحديد نوع وماهية الموضوع المدرك عقليا كي يكون الوعي ملزما لنا في تقبّله وفرض أدراكه على الوعي الانساني به،واذا كان الموضوع يمتلك جوهرا أوماهوية لها أهميتها في ألزام أدراكه بأعتباره جوهرا على حد تعبير ميرلوبونتي، فليس كل موضوع يحمل جوهرا لافتا الاهمية في لزوم وألزام الذات الانسانية أدراكه في عملية تخارجية معه، ولا بد لنا من معرفة طبيعة ونوع وأهمية وخصائص الموضوع الذي يطرح نفسه أمام الوعي به كألزام وجودي لأدراكه... ولا يكفي أن يكون للموضوع جوهرا، كي يلزم عنه الوعي الذاتي أدراكه ودراسته، كما أن جوهر الموضوع المحتجب لا يسبق أدراك (الموضوع) ذاته كوجود وكينونة مستقلة بمجموع صفاتها وجوهرها، ربما تحمل حمولات ماهوية تلزم الذات وعيها بها أو أحتمال كبير أن لا تمتلك كل الموضوعات المدركة مثل هذه الخاصّية المسّماة جوهرا وتكون ملزمة للادراك ، فليس كل الاشياء مهمة وصالحة وضرورية أن تكون مواضيع أدراك ذاتي وعقلي محايث يعنى بها الانسان في وعيه لها وأهتمامه بها.

ويعتبر ميرلوبونتي (أنه لا فكر خارج العالم أو خارج الكلمات) (3).وهي عبارة صحيحة من حيث أن الفكر الذي يتأمله العقل مادة للتفكير داخليا في قطيعة وصمت تعبيري عن العالم الخارجي يكون معطّلا وجوده خارج العقل، وكذلك كي يكون الفكر متعيّنا وجودا خارج ذاتيته يتوجب عليه أن يتوّسل الكلمات الشفاهية الكلام أو اللغة المنطوقة أو المكتوبة أو أية وسيلة تحقق تواصلها في التعبير عن وجود الفكر الكيفي خارجيا.

أن الفكر والكلمات (اللغة) في الصمت الذاتي هي حوار وتفكير جوّاني يحتويه حيّز العقل وظائفيا ، ويكون الفكر بهذا هو موضوع التفكير في أستثارته العقلية أيضا غير مفصح عن تحققه الوجودي خارج ملكة اللغة في التعريف به وفي التعبير عنه.

الصمت لغة تواصلية

والافصاح اللغوي عن الموجودات والاشياء لا يتم فقط بلغة التواصل والتداول العادية (الكلام اوالكتابة أو الكتابة الصورية أو حتى الاشارية والرمزية منها)،فهناك مثلا تعبيرات لغوية لا تحتاج أن تكون اللغة فيها منطوقة أو مكتوبة أو صورية مرئية أو حتى أشارية سيميائية، وتبقى تداوليتها وأستقبالها صمتا يديره العقل بأفصاحات حركية يقوم بها (الجسد) نيابة عن اللغة تواصليا، كما في التعبير اللغوي الكامن في الجماليات النحتية واللوحات والفنون التشكيلية برمتها،.وكذلك في طقوس العديد من العبادات الدينية الوثنية (اليوغا) التي تكون أيضا فيها اللغة في حالة كمون وجداني أيماني روحاني لا تحتاج معها اللغة المسموعة أو المنطوقة  تعبيرا محتاجا لها...وكذلك نجد لغة الصمت التواصلية في رقص الباليه في أعتماد حركات الجسد لغة أيحاء تواصلي صامت بمرافقة الموسيقا، ومثلها في المسرح الصامت الذي يتوّسل الجسد حركيا أيمائيا بعيدا عن اللغة المنطوقة أو المسموعة في التداول المعهود تواصليا أيضا بمصاحبة الموسيقا التصويرية...كل هذه التجليات تكون اللغة أوالفكر في حالة  كمون عقلي وليس كما يدعي ميرلو بونتي لا يوجد فكر خارج الكلمات في التعبير.فجميعها تعبيرات لا تتوّسل الكلمات في التواصل الخارجي، بل تتوّسل لغة الايحاءات داخل التفكير العقلي الذي يفصح عن نفسه خارج اللغة المنطوقة أو المكتوبة بحركات الجسد.

من المهم الاشارة الى ضرورة التفريق بين عبارة ميرلوبونتي في أنعدام الفكر من غير التعبير اللغوي عنه ، وبين عبارة هيدجر التي يذهب بها أن الكلمات تعطي الوجود تعيّنه الحضوري..هنا ميرلوبونتي في عبارته السابقة مثالي صرف لا يختلف عن هيوم وبيركلي وجون لوك ممن يعتبرون الفكر سابق على المادة ولا وجود لعالم خارجي لاتتمثله الحواس الناقلة للعقل ،وأن المادة والوجود هو مجموعة التصورات الذهنية عنهما، وهذه التصورات الذهنية المجردة هي كل ما نعرفه عن الوجود وعالم الاشياء،،أما عبارة هيدجر فهي عبارة مادية وجودية مستمدة من الماركسية ترى أن الفكر هو أنعكاس الواقع السابق علي الافكار المجردة وجودا، ولا وجود لفكر لا يسبقه واقع مادي للاشياء والموجودات..

الذات في تحققها الادراكي

من جهة أخرى فأن العقل يعقل نفسه والعالم الخارجي في كل شيء، ولا يعمل التفكير العقلي في فراغ أنطولوجي أو في عدم موضوعي ولا في فراغ أو عدم لغوي، فالتفكير العقلي هوالفكرة ولغتها المعبّرة عنها في أدراك موضوعها.

والعقل في الوقت الذي يعقل ذاته صمتا تخييليا فهو يعقل الاشياء المادية والمجردة منها أيضا على السواء صمتا صوريا أو تعبيرا فكريا لغويا عنها، ولا يوجد منطقة (عدم) لا يكون تفكيرالعقل السليم فيها حاضرا في دور محوري يدخل من ضمن وظائف العقل، ألا في أستثناء الحالات المرضية كالجنون والموت أو غياب الوعي أو الانفصام أو الذهان المرضي وغيرها  من الحالات المرضية التي يعتبر العقل فيها ميّتا سريريا.

فالعقل يدرك الموجودات عقليا ماديا، ويدرك ويفكر في الموجودات والاشياء التي ينعدم التفكير المادي بها وجوديا لكن العقل يفكر بها خياليا تجريديا ويعقلها في غير وجودها المادي مثل وعيه بالقيم والسلوك والاخلاق والجمال والفن والموسيقا وغيرها... وفي كل الاحوال العقل لايعمل في فراغ عدمي يمنعه من التفكير في أدراكه المواضيع المادية في العالم الخارجي،  وفي تفكيره الخيالي التجريدي الذي لا يعتبر فيه تفكير العقل لاغيا لمجرد عدم أفصاحه عن الموضوع المفكر به عقليا لغويا أو بكلمات التعبير التواصلي...فالفكر مادة في العقل قبل أن يكون مادة في الواقع، ويستطيع الفكر التعبير عن المادي والروحي والقيمي تجريديا منطقيا معجزا ولغويا دالا متقنا في دلالة التعبير.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

1- ميرلوبونتي /د. عبد الوهاب جعفر/ الفلسفة واللغة ص 105

2- المصدر نفسه ص106

3- المصدر نفسه ص 107

 

حاتم حميد محسناستعمل ارسطو (384-322 ق. م) المقارنة بين رحلة اديسوس الملحمية وسفينة الدولة لكي يجيب على ثلاثة من أهم الاسئلة الدائمة في الفكر السياسي. وهي 1- ما اذا كانت الفضيلة للشخص الجيد هي نفس الفضيلة بالنسبة للمواطن (السياسة، 1276b 20 ) 2- ما اذا كانت فضيلة الحاكم الجيد هي نفس فضيلة الشخص الجيد (1277 a20 ) 3- ان كان بالإمكان تعليم الحكمة والفضيلة.

كتب ارسطو ان "المواطن كالبحّار عضو في جماعة". للبحّارة الآن وظائف مختلفة، احدهم مُجدف، الثاني ملاح والثالث مراقب . وبينما ينطبق تعريف كل فضيلة خصيصا على شخص معين من طاقم السفينة، لكن في نفس الوقت هناك تعريف مشترك يمكن تطبيقه على كل افراد الطاقم. ذلك انهم جميعا لديهم هدف مشترك وهو "سلامة الإبحار"(1276b 25 ).

يستخدم ارسطو مصطلح "فضيلة" بمعنى "التميّز excellence في اداء الوظيفة". ما يجعل المجدف ممتازا هو القوة والمهارة في استخدام المجاديف. اما الملاح فهو بارع في الابحار. الحارس او المراقب يجب ان تكون لديه المعرفة في تفسير الغيوم والرياح والتيارات وحركة المد . في هذا السياق لا يهم كثيرا ما اذا كان المجدفون اناس جيدين بمقدار ما ينصب الاهتمام على مهارتهم وقدرتهم على التجديف الجيد، ونفس الشيء ينطبق على الآخرين. الكابتن يتولى تنسيق هذه الفعاليات (1279a5). اذا كان المجدف والملاح والمراقب يُحكم عليهم بأدائهم لنشاطاتهم المحددة، فان الكابتن يُحكم عليه طبقا للمقدرة على ايصال السفينة سالمة الى الميناء.

ان طيبة المجدف حفّزت اوديسوس ليختار أهون الشرين (بين الوقوع في فخ وحش عملاق قد يلتهم السفينة كلها او الغوص الرهيب في تيارات بحرية هائلة). سلطته على البحّارة لم ترتكز على القوة او المكانة وانما على الاحترام والصداقة. هم كان بامكانهم عدم طاعته . في الحقيقة، بعد وقت قصير من الهروب من المأزق الخطير، هم رفضوا قراره في تجنّب الاغواء اللذيذ لجزيرة هيلوس . عندما تمرد Eurylochos وهو الشخص الثاني في سلّم القيادة وقاد المجدفون الى الجزيرة، قال اوديسوس "انا يجب ان استخدم القوة. انا واحد ضد الكثرة". لكن هوميروس اراد التأكيد على اهمية نتائج عدم طاعتهم. بعد ان تناول المجدفون طعام هيلوس تحطمت سفينتهم ولم ينج الا اوديسوس.

هل يمكن تعليم الفضيلة؟

كان اوديسوس كابتنا جيدا لأنه دائما يضع طاقمه في اولى اهتماماته ولم ينسحب ابدا من الخطر حرصا على سلامته الذاتية. كذلك، هو جعلهم افضل بحارة. اوديسوسس لم يعمل في شراكة مع افراد طاقم خجولين وجبناء، وانما مع افراد ذوي مقدرة على الشجاعة والتضحية الذاتية. المأزق الاكثر صعوبة هو في التضحية بالقلة لأجل سلامة الكثرة، غير ان المقدرة على عمل هكذا تضحية تعتمد على سياسة الموارد الثمينة: فكرة الصالح العام والمقدرة على ترسيخها عبر تكوين التميّز. هل نستطيع غرس المقدرة على الخير في كل من الناس والحكام؟ ارسطو عُين من قبل فيليب الثاني مدرسا لابنه الاسكندر، لذا بالنسبة له السؤال "هل يمكن تعليم الفضيلة؟" لم يكن سؤالا افتراضيا . في رواية (الوسط الذهبي، 2009) للروائي الكندي انابيل ليون، ارسطو يسأل الاسكندر ليسمي الفضيلة. الاسكندر الذي يطمح للمجد سماها "الشجاعة". ارسطو يوضح ان الحاجة للشجاعة هي جبن، بينما زيادة الشجاعة هي طيش. في البدء الاسكندر يسخر من استاذه متوقعا جداله بان الفضيلة تتبع مسار الوسط قائلا:"انت تثمن الوسطية".

يجيب ارسطو، بالنفي، "الاعتدال والتوسط ليسا نفس الشيء". هنا يتحدث الاسكندر عن اخيه الذي يشعر بالخجل نتيجة عجز ذهني او جسدي. هو يسأل "هل انا اجسّد حد التطرف امامه ؟". ارسطو يجيب عبر دعوة الاسكندر لإمضاء يوم على الساحل مع اخيه. الدرس هو الشهامة – لتكون معتدل تجاه المرؤوسين(Nichomachean Ethics,1124b20 ). درس آخر هو ان الفضائل تعزز بعضها البعض. ارسطو ادرك ان تلميذه الشاب كان تافها وقاسيا. بدون شهامة هو لا يستطيع ان يطور شجاعة مدنية تستلزم الشعور بالخجل من اللاشرف. ادراك هذا يتطلب شخصية وحكم من النوع الذي يسميه ارسطو "الحكمة العملية"والتي هي مقدرة الفرد على التشاور جيدا حول ما هو جيد وملائم وموصل عموما الى حياة جيدة (NE,1140a 25-30). الحكمة العملية يعتبرها ارسطو فضيلة الفضائل، بدون حكمة عملية فان شخصا مثل الاسكندر ربما لديه تميّز عملي كالمهارة في القتال لكنه تنقصه الشخصية والحكم في إظهار الشهامة تجاه اولئك المنهزمين امامه . هذا سيجعله جنديا باسلا لكنه شخص مرعب، وهكذا سيكون حاكما فقيرا. "فضيلة الحاكم تختلف عن فضيلة المواطن"(السياسة، a1277( 20-25، وهما ليستا متساويتين في القيمة. المواطن ربما يكون جنديا او معلم او بحّار او طبيب. في ضوء التنوع في المواطنين وأشكال المؤسسات، ليس كل المواطنين يحتاجون الى فضائل متشابهة. البعض ربما يحوز على حكمة عملية، لكن كل من يحكم يجب ان يحوز على ذلك. كيف يمكن للمرء اكتساب الحكمة العملية؟ جواب ارسطو انه : عبر ممارسة الاعتدال في كل شيء .

ذلك كما يبدو ليس امرا سهلا، اولا الصعوبة في ايجاد طريق الوسط الذهبي او عدم التطرف. هذا ليس متوسط حسابي. السفينة التي تبحر في ممر ضيق ربما تنحرف كثيرا تجاه احد الجوانب، ولكن هناك سيكون دائما طريق افضل للوصول الآمن للميناء. ثانيا، لا توجد هناك طريقة حسابية يمكن ان يتعلمها الملاح ليجد افضل مسار في ظل الظروف المتغيرة للمد والرياح والطقس، لكن الملاح يمكن ان يتعلم من خلال الممارسة والتدريب مع احسن الخبراء كيفية ايجاد المتوسط في الظروف المتغيرة. هذا يفسر لماذا المعلمون هم الاكثر اهمية". (الاتصالات الشخصية، جولاي 17، 2018).

هل يمكن تعليم الاخلاق السياسية؟

يقول ارسطو ان خلاص الجماعة هو المهمة المشتركة للمواطنين (السياسة، 1276b 30 )، ولأجل هذه الغاية هم يجب ان يؤدوا عملهم جيدا(40). ولكن مثلما في الكابتن الذي يجب ان يقود السفينة بأمان الى الميناء، الحاكم يجب ان يمتلك الحكمة والفضيلة لكي يتجاوز وجهات النظر الخاصة بالمواطنين ويركز على الصالح العام (1287b5 ).

فكرة ان الحاكم يجب ان يكون اكثر حكمة واكثر فضيلة من المواطنين العاديين هي فكرة غريبة عن فهمنا للسياسة، نحن لا نعتبر المسؤولين المنتخبين كمثال للمواطنين.

غرابة رؤية ارسطو عن فضيلة الحكام يجب ان تدفعنا للتساؤل لماذا اصبح السياسيون اقل قيمة في نظرنا.

ادرك ارسطو ان الديمقراطية تستلزم المشاركة المباشرة للمواطنين في الادارة العامة. الديمقراطية تمكنت عندما كانت الدولة "مؤطرة بمبدأ المساواة والتشابه"، الذي بموجبه يعتقد المواطنون " انهم يجب عليهم استلام السلطة بالتناوب"(1279a 10 ). هذا يوضح لماذا ارسطو كما في العديد من معاصريه، نظر الى الديمقراطية كنظام حكم مطلوب خصيصا: انه تطلّب حكمة عملية لجميع المواطنين، او على الاقل اولئك الذين يمسكون الادارة العامة – والذين بالنسبة لارسطو يمكن ان يكونوا من حيث المبدأ اي مواطن.

سفينة ارسطو المقارنة تقترح بان اولئك الذين في السلطة يحتاجون للحكمة العملية من اجل تحقيق الاهداف المشتركة التي يتقاسمونها مع المواطنين الذين يتحمل الحكام المسؤولية تجاههم. ولكن تجدر ملاحظة ان ارسطو كان مهتما بنوع خاص من الحكم: نوع "يُمارس تجاه الناس الاحرار والمتساوون في الولادة". هو كان يفكر ليس في العلاقات بين الخادم والسيد (لأن الخادم يطيع نتيجة للضرورة وليس للمنطق)، وانما نوع من العلاقات توجد بين المواطنين الاحرار. في مثل هذه العلاقات تحتاج السلطة للحكمة العملية لكي تجد طرقا في خدمة الصالح العام. هذا يفسر لماذا احتضن ارسطو رؤية ان "كل من لم يتعلم كيف يطيع لا يستطيع ابدا ان يكون قائدا جيدا"(1277b10 – 15 ). ولكن ليس كل كابتن او معلم او حاكم لديه مثل هذه الحكمة العملية. هذه اعتبرها ارسطو مشكلة خطيرة.

(هانا ارندت) ايضا اعترفت بمركزية الحكمة العملية للديمقراطية عندما جادلت في (وعد السياسة، 2005) ان السياسة هي فن بواسطته نقود تعدديتنا واختلافاتنا. كل مواطن عندما يدخل المجال العام يجب ان يوازن بين مختلف الاهداف. عادة نحن نتحفز بالسبب او القضية ولكن عندما ننخرط في مشاورات او أحكام ونتصرف بحرية كمتساوين مع الآخرين، سنواجه تحديا اكبر في موازنة اهدافنا الشخصية مع اهداف الآعضاء الاخرين للجماعة السياسية. ذلك يتطلب حكمة عملية.

انه لهذا السبب سيكون من المقلق للغاية اننا لا نسعى لتعليم العامة ولا قادتنا على فنون السياسة والمواطنة. في الحقيقة، انها حقيقة مدهشة للحياة الحديثة ان لا جهد بُذل من جانب المؤسسات العامة لتعليم السياسيين فنون القيادة. لا توجد فرص لإعداد الناس للدخول الى السياسات العملية. الاحزاب السياسية احيانا تقدم بعض التدريب للمرشحين قبل الانتخابات، وعادة يقدّم المشرعون تدريبا اساسيا للمشرعين المنتخبين الجدد، ولكن لا توجد مؤسسة قائمة تزود التدريب والتوجيه للناس الذين يطمحون للدخول الى السياسة. الديمقراطيات تثق بالهواة لإدارة معظم المنظمات المعقدة في المجتمعات الحديثة، هؤلاء يديرون اكبر الميزانيات ويتخذون القرارات منخرطين بكل شيء من القواعد القانونية حتى التفاصيل التنظيمية.

لماذا لا ندرّب السياسيين؟

احد الاسباب هو الاعتقاد بان السياسة يمكن تعلّمها و ليس تعليمها – اي ان التعليم يحدث اثناء الوظيفة وليس من قراءة الكتب المنهجية والدراسة. بالتأكيد السياسة كأي ممارسة، تُكتسب من خلال التجربة ولكن هناك العديد من الممارسات التي تُعلّم ايضا. الكثير مما يمارسه السياسيون على اساس يومي هو يمكن تدريسه تماما – بما في ذلك عمل القوانين والتحليلات التشريعية والموازنات والتقديرات، فواتير النقود، اجراءات وقواعد برلمانية، عمل اللجان، عمل التكتلات، الادوار والمكاتب، الاتصالات السياسية، العلاقات مع الخدمة المدنية، اللوبيات والاعلام. كذلك، تزود المدارس المهنية عدة امثلة من الوسائل يمكن فيها شحذ الممارسات من خلال التعلم التجريبي، بدءاً من المحاكم الصورية في القانون، الى الممارسات الاكلينكية في الطب، الى ألعاب الحروب في الجيش.

تبرز هنا معارضة قوية وهي انه حتى لو أمكن تعليم آلية السياسة، فليس من الواضح ان السياسيين الطموحين يمكن تعليمهم ليكونوا خيّرين. يجب الاعتراف ان الناس من غير المحتمل ان يتعلموا الفضيلة السياسية من مدارس السياسة ما لم يدخلوا على الاقل ومعهم احساس بالخدمة العامة – بعض الناس يدخل السياسة لأسباب خاطئة، او لفقدانهم الميول الحقيقية ليصبحوا ممارسين حكماء. مع ذلك، نفس المعارضة يمكن توجيهها الى اي مدرسة مهنية اخرى، مثل مدارس القانون او مدارس الاعمال. الاساس في هذه المدارس هو بالضبط لغرس الممارسة الجيدة. مدارس القانون التي لا تغرس الاعجاب بقواعد القانون، ومدارس الاعمال التي لا تشجع على ممارسة الاعمال الاخلاقية، او مدارس الطب التي لا تضع عناية المرضى في الصميم، ستُعتبر فاشلة من جانب معظم الممارسين.

ربما المعارضة الاكثر إشكالية التي يثيرها الناس هي ان السياسة غير اخلاقية وفاسدة في الصميم وان اي تدريب اخلاقي للسياسيين سيجردهم من السلاح بوجه الخصوم الميكافيليين. مهما يظن المرء حول هذه الرؤية المتشائمة للسياسة، فان التحدي في التعليم هو لإعداد السياسيين لعمل أحكام حكيمة في ظل ظروف غامضة اخلاقيا. هناك حالات تحصل لكل سياسي في الحياة عندما يصطدم ضميره مع متطلبات الوظيفة ويصبح التعامل مع هذه المواقف يتطلب نوعا من الاستعدادات . ربما القليل من هذه الاستعدادات يمكّن السياسيين من التعامل مع هذه الاشكالات باخلاقية اكبر.

الديمقراطية والحكمة العملية

 يتعلم المرء ليكون كابتنا للسفينة بالعمل تحت قيادة كابتن ثم يصدر الاوامر لملاحي السفينة (السياسة 1277b 586 ). ونفس الشيء المقدرة على الحكم تعتمد على المهارات والمعرفة التي تُكتسب جيدا عبر الممارسة تحت اشراف رجال دولة ذوي تجربة. اليونانيون القدماء فهموا ان غرس الفضائل ضروري للحكام الجيدين والمواطنين في الدفاع ضد تضخم الذات والتلهف للسلطة والديماغوجية الانتهازية. نحن حتى وقت متأخر كنا اقل اهتماما بهذا الخطر . اصبح الناس مولعين جدا بالانقسام الزائف بين حكومة القوانين وحكومة الناس، ونسوا ان القوانين لا تفرض ذاتها، وانما تُفرض من جانب الناس. عندما يحصل الدجالون على السلطة فان دفاعنا الجيد هو في الشخصيات وأحكام الناس عنهم، وليس القوانين وحدها. طالما الدفاع عن مؤسساتنا هو بأيدي موظفي الخدمة المدنية والحكام، الا يجب ان نعتني بتعزيز شخصياتهم وأحكامهم؟

اذا كان الجواب نعم، عندئذ فان تدريب السياسيين هو ليس سوى عمل نخبوي. ربما المؤسسات الاكثر نخبوية تفشل في اعداد المواطنين لممارسة الخدمة المدنية. مع ذلك احدى سمات المواطنة الديمقراطية الاكثر تحديا (ومصدر التوتر بين الديمقراطية والليبرالية) هي ان الديمقراطية لكي تعمل جيدا، يجب على المواطنين امتلاك فضائل مدنية. ذلك يفسر لماذا نحتاج الى بعضنا لنكون فضلاء. على اقل تقدير، الديمقراطية تتطلب مواطنين ذوي شجاعة ليكونوا مدافعين موثوقين عن المؤسسات الديمقراطية. اليونانيون ادركوا انهم ليكونوا شجعانا يعني انهم اشخاص يمكن وضع الثقة بهم. ذلك النوع من الشجاعة لايبرز تلقائيا انه يجب ان يُغرس. اذا اردنا إعداد المواطنين للحياة العامة يجب ان نذهب الى ما وراء المدارس القديمة للتعليم المدني. إعداد الناس للديمقراطية يجب ان يكون في قلب الرسالة التعليمية للمؤسسات والمدارس العامة. التعليم يجب ان يستلزم ترويض وتعويد الممارسين الطموحين ليشعروا ويتشاوروا ويحكموا ويعملوا في خدمة الصالح العام، انه يجب ان يزرع فضيلة مدنية عبر تهيئة الفرص وغرس المعرفة والمهارة والتحفيز ليكونوا مواطنين جيدين ورجال دولة، وانه يجب الحفاظ على فكرة ان السياسة فعالية نبيلة.

ارسطو شكا من ان السياسيين عملوا القليل لتعليم زملائهم المواطنين كيفة التشريع (NE,1181a). تلك الشكوى لازال صداها بعد الفي سنة.

 

حاتم حميد محسن

 

كُل فلسفة لا تتكرَّس في قلب اللغة رُوحًا ومادةً، ستقع في الفراغ، وتُؤسِّس للعدم . ولا يُمكن للأنساق الفلسفية أن تعيش وتنمو وتتكاثر، إلا إذا ارتمت في أحضان اللغة بشكل إرادي لا قَسْري . واللغةُ الحاملةُ للفلسفة هي وسيلةٌ للتخاطب، ونظامٌ للرموز، وعَالَمٌ مِن الإشارات، ومكانٌ لتوليد الأحلام، وزمانٌ تَوحيدي للمراحل، أي إن اللغة تُوحِّد الماضي والحاضر والمستقبل في زمن فلسفي واحد، يمتد في أعماق الإنسان وتفاصيل المجتمع وجزيئات الأحلام .

2

لا مكان في الزمن الفلسفي لعملية حَرق المراحل، لأن المراحل وُجِدَت لتبقى علاماتٍ في الطريق، ومعالم في مسيرة الإنسان . وما يحدُث هو ظُهور قفزات ذهنية عابرة للمراحل، وهذه القفزات الذهنية تكون على شكل طفرات اجتماعية (تغييرات في تسلسل أنماط الوجود الاجتماعي، تُؤدِّي إلى تكوين أنماط جديدة تمتاز بالقُدرة على بعث الدهشة والانبهار). وهذه التغييرات مُفاجئة وصادمة وغير مُتوقعة، لأنها تقوم على الإبداع وصناعة الفِعل، وليس الاتِّباع وانتظار رَد الفِعل. والمراحلُ لا تُعيق انطلاقَ الفكر، وإنما تُنظِّم حركته، وتضبط تحرُّكاته، تمامًا كإشارات المرور التي تُنظِّم حركة السيارات، وتمنع تصادمها. والسياراتُ تتحرَّك وتمضي إلى وُجهتها، في حين أن إشارات المرور تظل ثابتة في مكانها . ومَن يُطالب بحرق المراحل لضمان تدفُّق الأفكار وانطلاقها نحو المستقبل، كَمَن يُطالب بحرق إشارات المرور للسماح بانطلاق السيارات إلى هدفها .

3

الواقعُ انعكاس لمحتويات الذهن . والتغييرُ الاجتماعي على الأرض إنما يبدأ بفكرة ذهنية . والسفينةُ تُصنَع على اليابسة، ثُمَّ يتم إنزالها إلى البحر . وهذا يدل على الارتباط الوثيق بين فلسفة التغيير الواقعية ولغة الذهن المُجرَّدة . وإذا استطاعت الفلسفةُ أن تندمج في اللغة، وتُحوِّلها إلى بَوتقة لصهر الأحلام الإنسانية، وتحويل الأفكار المُجرَّدة إلى واقع محسوس، ستصبح _ أي الفلسفة _ هي التعبير الدقيق عن فاعلية الفرد (قُدرته على إحداث تأثير إيجابي) ودَافعيةِ المعنى الاجتماعي ( حالة المجتمع التي تُسهِّل استجابته للتأثير الإيجابي وُصولًا إلى التَّوازن بين الفكر والغريزة ) .

4

إن بناء الزمن الفلسفي على لغة الذهن، يستلزم التفريق بين البُنية القَصْدِيَّة في الفلسفة (قَصْدِيَّة الفلسفة) والبُنيةِ الحَدْسِيَّة في اللغة (حَدْسِيَّة اللغة) . وهذا التفريقُ ضروري لتحديد أسبقية العوامل الفكرية، وترتيبها بشكل منطقي وفعَّال، وتعيين الفِعل ورَد الفِعل دُون الخلط بينهما . وقصديةُ الفلسفة هي التَّوَجُّه المركزي في أنساق الشعور الفكري نَحْو معرفة خصائص الأشياء، وطبيعة العناصر، وظواهر المجتمع، وتحليل جُزيئاتها بشكل منطقي مُتسلسل، للوصول إلى نقاط القوة ونقاط الضعف، والربط بين العِلَّة (السبب) والمَعلول      (النتيجة) . أمَّا حَدْسِيَّةُ اللغة فهي انبعاث الشُّعور في الداخل الإنساني دُون القُدرة على تفسيره. وهذا الانبعاثُ يكون مُفاجئًا، لأنه يَظهر دُون ترتيب مُسبق، ولا تخطيط منطقي . ورغم هذا، فإن الشعور الإنساني غير المُفسَّر هو نوع المعرفة، وله منطق خاص به. ووظيفةُ الفلسفة أن تكشف عن هذا المنطق الخاص.

5

الإنسانُ يَستمتع بزقزقة العصافير، ويَشعر بها، وتُسيطر على حواسِّه وأحاسيسه، ومع هذا فهو عاجز عن تفسير هذه الزقزقة، ولا يَعرِف معناها . ويَطرَب لصوت المطر أو هدير أمواج البحر، ويتفاعل مع تفاصيل الصَّوت بكل مشاعره . ورغم هذا، لا يَقْدِر أن يُفسِّره ويَفهمه. ورُبَّما يبكي الإنسانُ من الفرح، أو يَضحك مِن الألم (شَر البَلِيَّة ما يُضحِك) . وهذا الأمرُ له منطق خاص في حالات مُحدَّدة، ولا يُمكن تعميمه، ولا أخذه على إطلاقه . وقانونُ المنطق العام يَرفض العلاقةَ بين البكاء والفرح، أو الضحك والألم . وفي العقل الجمعي، يرتبط البكاءُ بالألم، والضحك بالفرح . وهذا يُثبِت أن للمنطق مَفْهُومَيْن: خاص (نِسبي) وعام (مُطْلَق). وإذا استطاعت الفلسفةُ دراسةَ الأشكال الاجتماعية المُنبثقة عن هذين المَفْهُومَيْن، سيتجذَّر المعنى الفلسفي في المجتمع كلُغة رمزية قائمة بذاتها، وقادرة على كشف الأنساق الفكرية المُستترة في مشاعر الفرد، وأحاسيس الجماعة، وعواطف المجتمع . وعندئذ، تُصبح فلسفةُ اللغة الكاشفة للأنساق الاجتماعية، هي لغة الفلسفة التي تُعيد تعريفَ الفردِ والجماعةِ والمجتمعِ، اعتمادًا على الجوهر لا الشكل .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

علي رسول الربيعيسوف نتناول تحت هذا العنوان:

ـ الحرية السلبية والإيجابية.

 ـ النظر فيما إذا كان يجب أن يكون لحرية التعبير حدودأ.

 ـ وجهة نظر جون ستيورات ميل التي مفادها أنه يجب أن تكون حراً في فعل ما تريد، بشرط ألا تؤذي أحداً آخر.

 ربما تكون الحرية هو المفهوم الأساسي والأكثر أهمية في الفلسفة السياسية. ويتفق الجميع على أن الحرية شيء جيد، ولكنها تثير الكثير من الأسئلة:

- ما هو الغرض من الحرية؟

- هل أريد ببساطة ألا يفرض المجتمع أي قيود على ما يمكن أن أفعل؟

- هل أريد أن أكون حراً في التخطيط لحياتي كما أتمنى؟

- كيف تتلاقى رغبتي في الحرية مع الحاجة الواضحة إلى نوع من النظام السياسي والاجتماعي؟

- إذا كان ما أريد فعله يتعارض مع مصالح الآخرين، كيف سيتم التوفيق بين حريتي في القيام بذلك وحريتهم في إيقافها؟

إذا لم تكن هناك مشاكل مع الحرية، فربما لن تكون هناك حاجة إلى الفلسفة السياسية أو السياسة بالفعل. لدينا مشكلة لأنه من الواضح في مجتمع معقد، لا يمكن للناس ببساطة القيام بأشيائهم الخاصة دون إدراك أن ما يفعلونه يؤثر على الآخرين، وأنهم يتأثرون في المقابل. وبالتالي، فالسياسة هي وسيلة للتفاوض بين القيد المنظم وحرية الفرد.

إنً الأسئلة الرئيسية هي:

- كيف ترتبط فكرة الحرية بالحاجة إلى القانون ووالحكم أو السيطرة السياسية؟

- أين هو الخط الذي يجب رسمه بين الأشياء التي يجب تركها للفرد وبين الأشياء التي يكون التوافق فيها مع الدولة هو الخيار الأفضل؟

من الواضح أن الحرية الكاملة للجميع قد تؤدي إلى الفوضى (بالمعنى المشترك لهذا المصطلح)، وتتعارض مع الطبيعة المعقدة للمجتمع - لا يمكنك تنظيم التعليم والرعاية الصحية والدفاع وما إلى ذلك، إذا كان الجميع حر في فعل ما يحلو لهم، لأن كل هذه الأشياء تعتمد على قابلية الناس للتوقع ومطابقة للقواعد الأساسية لتمكين المجتمع من العمل.

من ناحية أخرى، لا أحد سيعتبر أنه من الصحيح للناس أن يتصرفوا مثل النمل، وأن يطيعوا القواعد الثابتة وأن يكرسوا كل طاقاتهم دون تفكير لصالح الجماعة ككل. إن أشد الانتقادات التي كانت موجهة إلى بعض الدول الاشتراكية والشيوعية هي أنها حاولت، من أجل الصالح العام، حرمان الناس من حرية العيش كما يختارون. بوضوح، يجب أن يكون هناك توازن.

السؤال الأساسي هو بكل بساطة: لماذا يجب أن أقبل من أي شخص آخر أن يقول لي ماذا أفعل؟ لماذا لا يجب علي أن أفعل ما يعجبني؟

يؤدي هذا إلى تعريف سلبي للحرية - بمعنى آخر، الحرية هي ما تبقى لك بمجرد تأخذ تدخل الآخرين في حياتك في الاعتبار. ومع ذلك، تعني الحرية، بمعناها الإيجابي، اختيار كيفية العيش، وما يجب القيام به، والقدرة على تحديد جدول أعمالنا وأهدافنا.

 أشتهر إشعياء برلين بهذين المعنيين للحرية - الحرية السلبية والحرية الإيجابية - في محاضرة بعنوان "مفهومان للحرية"، ألقاها في جامعة أكسفورد في عام 1958، وهي نقطة انطلاق جيدة للغاية لأي شخص مهتم بـ الفلسفة السياسية.

الحرية السلبية

 الحرية هي التحرر من تلك الأشياء التي تحد مما يمكننا القيام به. يحاول الفلاسفة الذين يركزون على هذا الشكل من الحرية تحديد الحد الأدنى من الحرية الذي يجب السماح به للأفراد حتى يتمكنوا من الحفاظ على كرامتهم كبشر. إنها الحرية "من" بدلاً من الحرية "إلى".

اقترح جون ستيوارت ميل (1806-73)، الذي يعد كتابه On Liberty نصًا أساسيًا للنظر في هذا النهج للحرية، أن الإبداع الإنساني سيتم سحقه دون مستوى مناسب من الحرية. لم يوافق إشعياء برلين على ذلك، بحجة أن الإبداع يمكن أن يزدهر حتى داخل أكثر الأنظمة قمعية. هذه نقطة مهمة، لأنه إذا كان ميل على حق، فإن الحرية من القيود ضرورية للغاية إذا كان لديك الحرية في التعبير عن نفسك وتطويرها كفرد مبدع. من ناحية أخرى، إذا كان برلين على حق، فإن الوعي بـ "الحرية في" تستطيع أن تمكّن من العيش بشكل إيجابي وخلاق، حتى في الحالات التي تكون فيها الظروف الخارجية قاسية وتقييدية.

مبدأ ميل "الضرر"

أدرك ميل أنه ليس كل مجتمع مستعد أفراده لتحمل مسؤولية الحرية بالطريقة التي كان على وشك أن يقترحها. فيقول عن الحالة التي يسميها: الاستبداد هو أسلوب شرعي للحكومة في التعامل مع البرابرة، بشرط أن تكون بهدف تحسينهم، وتبرر الوسائل من خلال تأثيرها الفعلي من أجل تلك الغاية. (من: كتاب الحرية)

بمعنى آخر، تقوم الحكومة بتحسينهم حتى يصلوا الى النقطة التي يمكن أن يتصرفوا فيها ويفكرون كأفراد مستقلين. إن كل ما يحتاجه الناس هو حاكم حكيم يخبرهم بما يجب عليهم فعله.

أراد ميل تعظيم الحرية. فيجادل بأن: الغرض الوحيد الذي يمكن من خلاله أن تكون السلطة شرعية، وتمارس على أي عضو في مجتمع متحضر، ضد إرادته، هو منع إلحاق الأذى بالآخرين. فمصلحته، سواء الجسدية أو الأخلاقية، ليست أمرًا كافيًا. لان: الفرد هو صاحب السيادة على جسده وعقله، فقط (كتاب الحرية)

بمعنى آخر، حتى لو كنت تعتقد أنه سيكون لمصلحة شخص ما، أو سعادة طويلة الأجل، أنه يجب إجباره على القيام بشيء ما، أو الامتناع عن فعل شيء ما، فهذا سبب غير كاف للتدخل. حتى لو استطاع المرء أن يرى أن شخصًا ما سوف يؤذي نفسه، فيجب ألا يُمنع من ممارسة حريته من القيام بذلك. القيد الوحيد هو أنه لا ينبغي السماح لهم بإيذاء أي شخص آخر. يجب أن يكون الشخص حرًا في التخطيط لحياته لتناسب شخصيته، ولديه الحرية الكاملة في "الأذواق والملاحقات"، حتى لو اعتقد الآخرون أنه "أحمق أو منحرف أو مخطئ".

وعلى هذا الأساس، يناقش ميل حرية الضمير والفكر والشعور والتعبير، وكذلك حرية الاتحاد مع الآخرين. بمعنى آخر، يجب أن يُسمح لك بحرية بالتفكير والتحدث والتصرف كفرد - وجمع الأشخاص الآخرين معًا للقيام أو التفكير أو التصرف - بشرط ألا يحدث أي ضرر للآخرين في هذه العملية.

والحرية الوحيدة التي تستحق الاسم، هي السعي لتحقيق مصلحتنا في طريقتنا، طالما أننا لا نحاول حرمان الأخرين من حريتهم، أو التغلب عليها. (كتاب الحرية)

حرية التعبير

يرى ميل في كتاب الحرية: إذا أنعقد إجماع البشر على راي وكان هناك شخص واحد له راي مخالف، فلن يكون هناك ما يبرر للبشرية اسكات ذلك الشخص وبالمقابل لا يحق له اسكات البشرية اذا أمتلك سلطة تمكنه من ذلك، حتى لو كان الراي لا قيمة له الاً عند صاحبه.

من بين السمات الرئيسية لوجهة نظر ميل للحرية حرية التعبير، والتي اشرنا اليها أعلاه هو التعبير الأوضح والأكثر تطرفًا. ومع ذلك، هناك بعض القيود التي قد تفرض عليها، في ضوء مبدأ "الضرر" - حيث يمكن اعتبار التعبير عن وجهة نظر بمثابة تحريض على الكراهية. وبالتالي هناك قيود على حرية التعبير وضعت لمنع ارتكاب أي جريمة على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو العمر مثلاً.

المشكلة في هذا هي معرفة بالضبط ما يمكن اعتباره يسبب جريمة أو أذى. ماذا عن الفكاهة أو السخرية؟ ألا يستطيع الكوميدي أن يشير إلى الدين أو الجنس أو العرق أو العمر في مزحة؟ هل القصد من أهمية مثل الكلمات المستخدمة؟

لذلك، عند النظر في هذا الموقف، نحن بحاجة إلى تحقيق التوازن بين مبدأ ميل "الأذى"، مع إصراره على حرية التعبير حتى بالنسبة لشخص ما في أقلية واحدة. ومع ذلك، قد يقيد ميل حرية التعبير لوجهات نظر في موقف من المحتمل أن يثير المتاعب. وبالتالي، لن يكون لديه أي مشكلة مع فكرة تقييد حرية التعبير حيث يكون عرضة للتحريض على الكراهية - في الواقع، كان يرى أنه هذا بالضبط نوع الموقف الذي يجب أن يتدخل فيه القانون لمنعه.

الاعتراضات على ميل

هناك اعتراضان أساسيان على الأقل على وجهة نظر ميل للحريات التي ينبغي السماح بها للأفراد. الأول هو:

- قد يكون لكل عمل تأثير على الآخرين، حتى لو لم نكن على دراية بما قد يكون عليه هذا التأثير. بعبارة أخرى، من السذاجة أن نفترض أن ما أقوم به في خصوصية منزلي لا يكون مصدر قلق للآخرين.

على سبيل المثال الشديد، يتم تنزيل الصور الإباحية للأطفال مثلاً، ويمكن القول أن المادة متاحة بالفعل على الويب، في انتظار الشراء، وبالتالي فإن إجراء أي تنزيل معين لا يضر أي شخص ماديًا. قد لا يؤثر إجراء التنزيل على أي شخص آخر، ولكنه يعتبر جريمة جنائية خطيرة، لأن الاتجار في المواد الإباحية عن الأطفال يستند إلى الاستغلال الجنسي للأطفال. لذلك فإن الشخص الذي يقوم بالتنزيل يكون بالنتيجة متورط في إنتاجه، وبالتالي ضرر السابق لحق بهؤلاء الأطفال. بالطريقة نفسها، لا يمكن فصل الفعل الخاص بتناول المخدرات غير القانونية عن الضرر الذي قد يحدث للآخرين من خلال الطبيعة الاستغلالية لتجارة المخدرات.

وبالتالي، على الرغم من أن تلك الأفعال يبدو أنها تتم على انفراد، إلا أن حجة ميل ستظل تدينها على أساس الأضرار السابقة التي حدثت. هذا لا ينكر أنه قد تكون هناك حالات حيث يجب السماح بالنشاط الخاص لأنه لا يضر حقًا بأي شخص آخر - إنه يشير ببساطة إلى أننا بحاجة إلى استعمال الشدة للغاية. ونكون حذرين عندما نحاول رسم الحدود بين الأفعال الخاصة وآثارها العامة.

الاعتراض الثاني أكثر أهمية من منظور الفلسفة السياسية:

- إنه يجب أن تهتم الدولة بالرفاه الأخلاقي للمواطنين. لا ينبغي تركهم لتقرير ما الذي سيفعلونه بأنفسهم.

لقد أعتقد أفلاطون وأرسطو أن الدولة تتحمل مسؤولية توفير الظروف التي يمكن للناس أن يعيشوا فيها حياة جيدة، وبالتالي فإن الأسئلة التي تحدد طبيعة هذه الحياة الجيدة كانت بحق جزءًا من الفلسفة السياسية.

بالنسبة لميل، فإن المسؤولية التي منحها الإغريق القدماء للدولة أصبحت الآن تُمنح للأفراد. يجب على الناس أن يحددوا لأنفسهم ماهية حياتهم، ومهمة الدولة هي السماح لهم بمتابعة هذه الحياة الطيبة بكل الوسائل الممكنة، شريطة ألا تقيد قدرة الآخرين على فعل الشيء نفسه.

ولكن هل كان محقًا في التركيز كثيرًا على الفرد؟ ندرك اليوم أن آراء الناس تلون من قبل وسائل الإعلام والمواقف العامة للمجتمع، وكلاهما قد يتاثر بالحكومة. ومن المتوقع أن تتبنى الحكومات وجهات نظر حول الصحة والبيئة والتعليم والعصيان المدني واحترام السلطة وما إلى ذلك. لكن من خلال القيام بذلك، فهم يؤثرون في مجال الحياة الذي ربما يعتبره ميل مسؤولية الفرد وحده. لذلك، بالنظر إلى طبيعة وسائل الإعلام والمجتمع، هل من العدل أن نتساءل عما إذا كان نهج ميل الفردي لا يزال واقعيا؟

الحريات الأساسية

تعتمد درجة الحرية المسموح بها للفرد على ما إذا كنت تعتقد أن الأشخاص، الذين تركوا لوسائلهم الخاصة، سيعملون بشكل منسجم فيما بينهم، وفي هذه الحالة يمكنك السماح لهم بالحرية القصوى. أما إذا شعرت، مثل الفيلسوف هوبز، أنه في الحالة الطبيعية، يكون الكل في حرب مع الكل وتحدث فوضى، فربما تريد تقييد الحرية أكثر من ذلك.

يتناقض راي بنيامين كونستانت (1768-1830)، الذي كتبه في فرنسا في أعقاب الثورة الفرنسية وحكم نابليون، مع "حرية القدماء"، التي كانت هي حرية المشاركة في الحياة السياسية للجمهورية كما في اليونان القديمة وروما، مع "حرية الحداثة" التي حددها من ناحية تلك الأشياء التي يمكن للأفراد القيام بها دون خوف من سيطرة الحكومة أو الاعتقال.

 أيً، أنه قام بالتمييز بين الحرية الإيجابية والسلبية. فبالنسبة له، كان هناك أيضًا تناقضًا بين محاولة الثورة الفرنسية بالعودة إلى تقليد جمهوري للحياة المدنية، والذي لم ينتج الحرية المقصودة، و "الثورة المجيدة" في بريطانيا عام 1688، التي أسست حكم القانون في ظل نظام ملكي دستوري، يضمن الحريات الأساسية للمواطنين. من الواضح أنه، يأسًا من الأول، اختار كونستانت الشكل الأخير من الحرية؛ الذي يحدد بعض الحريات الأساسية، والتي يتم اعتمادها على نطاق واسع كحد أدنى، وهي حرية:

- الدين

- الرأي

- التعبير

- الملكية.

كان يعتقد أن المجتمع يجب أن يحمي كل فرد من العقاب أو القيود في سعيه لهذه الحريات الأربع. يميل تعريف الحرية بهذه الطريقة، إلى تعزيز النظرة الفردية للبشرية - وبعبارة أخرى، أننا نعرّف أنفسنا بشكل رئيسي بما نختار القيام به كأفراد، بدلاً من اعتبار أنفسنا أجزاء صغيرة من كل اجتماعي أكبر.

كما كان كونستانت يدرك جيدا، هذا هو التقليد الذي تطور في العصر الحديث. إذا عدت إلى اليونان القديمة، كان هناك شعور بأن الفرد لا يمكنه إلا أن يعمل ويؤدي هدفه من خلال المشاركة في السياق الاجتماعي والسياسي بأكمله. فبالنسبة لأرسطو، كان الإنسان حيوانًا سياسيًا، وليس حيوانًا فرديًا يعمل لمصلحته الشخصية، بل للاتفاق مع الآخرين حول كيفية العيش معًا. لكن هذا، بطبيعة الحال يقع تحت مسألة " الحرية الإيجابية".

الحرية الإيجابية

الحرية الإيجابية هي حرية اختيار ما سنفعله في حياتنا، ووضع الأهداف والعمل لتحقيقها. هل ينبغي للحكومات أن تعزز هذه الحرية؟

يكمن الخطر في هذه المقاربة، كما قدمه برلين، أن هناك إغراءً أن يتمتع الناس بحرية "أعلى" من تلك التي يختارونها بالفعل لأنفسهم. وبعبارة أخرى، من المغري لمن هم في السلطة ويمتلكون القوة أن يعتقدوا أن الناس يجهلون إمكاناتهم الخاصة وأفضل مصالحهم.

وهناك خطر من إخبار الناس بأنهم أحرار حقًا، عندما تكون قد فرضت عليهم حقًا تصور عما يجب أن يكونوا "أحراراً" في فعله. إنها خطوة قصيرة من ذلك إلى تقييد الأشخاص الذين لديهم تصور أنانية أقل أو أكثر حول ما يجب أن يكونوا أحرارًا في البحث عنه في الحياة.

يقتبس برلين في محاضرته المعنونة "مفهومان للحرية" من كتاب كانط قائلاً "الأبوية هي أعظم طغيان يمكن تخيله". هناك دائمًا خطر قيام مصلح حسن النية بمعاملة الناس على أنهم مادة تتشكل من خلال الإصلاحات التي اختارها، سواء اختاروا المساعدة أم لا. وتلك الأهداف المفروضة، والحرية المفروضة لتحقيقها، هي في الحقيقة مجرد شكل آخر من أشكال السيطرة.

هناك مثال واضح لفرض الحرية الإيجابية في أعمال روسو، حيث يقول إن السعادة والحرية الحقيقية للناس تكمن في تنحية إرادتهم الخاصة وإيجاد حريتهم الحقيقية عن طريق التوفيق من أجل الإرادة العامة للناس. وبدلاً من أن يظلوا عبيداً لمشاعرهم وتوجهاتهم الخاصة، فإنهم سيختبرون بعد ذلك حرية إعطاء أنفسهم للمشروع السياسي الأكبر. وبطبيعة الحال، إذا لم يدرك الناس أن مصلحتهم وحريتهم الخاصة تكمن في هذا الاتجاه، فسيتعين عليهم - حسب عبارة روسو المخيفة - أن يكونوا مجبرين على أن يكونوا أحرارًا.

يجادل برلين بأنه لكي يكون المجتمع حراً، من الضروري ألا تعتبر أي قواعد مطلقة. بمعنى آخر، من حق الفرد دائمًا أن يفسر ويفهم أي قاعدة كما هي تنطبق عليه، ولا يجب إجبار أي شخص على التصرف بطريقة غير إنسانية. من المهم أيضًا أن تستند هذه الحرية إلى تعريف ماذا يعني أن تكون إنسان. يحتاج الناس أن يكونوا قادرين على تطوير فكرة عن نهاية أو غرض الحياة البشرية؛ يجب أن كونوا أحراراً في النظر في هذا ومناقشته، وتعديله حسب الاقتضاء. وفي النهاية، هذا ليس شيئًا يمكن فرضه على الناس، إنه شيء يتعين عليهم احتضانه بأنفسهم.

يتعلق جانب آخر من جوانب الحرية الإيجابية بتشجيع المشاركة في النظام السياسي (وليس وفقًا للجمهوريين، كما هو موجود في مدينة اليونان القديم) من خلال تقديم مدفوعات لكل مواطن، حتى لا يحتاجون إلى توظيف من أجل التمتع والمساهمة في المجتمع. يشير هذا إلى أننا قد لا نكون أحرارًا في القيام بما نشاء لأننا مشغولون للغاية في كسب المال - وقد تحررنا من هذه الحاجة، وسنكون أحرارًا في استخدام وقتنا بشكل أكثر إبداعًا.

من ناحية أخرى، فإن طرح مثل هذه الحرية سيتداخل مع الكثير من الافتراضات حول العمل والنظام الاقتصادي، بحيث يصعب رؤية كيف يمكن تنفيذها دون بعض الجملة.

الحرية الفعالة

من المهم التمييز بين أن يُسمح لك قانونًا بعمل شيء ما، وبين القدرة فعليًا على القيام بذلك. يمكن إصدار قانون يسمح لكل واحد، إذا رغبوا في ذلك، بالجري مسافة ميل في دقيقتين. ومع ذلك، لن يؤدي ذلك إلى زيادة حريتهم الفعلية، لأنه على الرغم من السماح لهم بذلك، فإنهم غير قادرين عليها فعليًا. وجود حد أدنى من القيود والحد الأقصى من الاحتمالات على ما يرام. ولكن في العالم الواقعي، لن تتاح الفرصة أمام الناس أبدًا إما لأن يصبحوا كل ما يسمح لهم بأن يصبحوا فيه، أو يحتاجون إلى ضبط النفس من القيام بكل ما هو ممكن لهم. تعتمد حريتهم الفعالة على امتلاك الوسائل والقدرة على فعل ما يختارونه.

إن فكرة الحرية الفعالة هذه تعود إلى النظر في الإنصاف الذي ناقشناه في حلقات سابقة من هذه السلسلة. إن السعي من أجل مجتمع عادل - سواء من خلال نوع من الاتفاقيات التي اقترحتها راولز، أو من خلال التقييم النفعي للفوائد - هو في نفس الوقت السعي لتحقيق مجتمع يتم فيه تعظيم الحرية الفعالة. أن تُعامل بشكل غير عادل هو أن يكون لديك إمكانات محدودة، وبالتالي أن تُحرم من الأشياء التي من الممكن أن تحصل على نصيب أكبر من الموارد. لا يقتصر الفقر على عدم وجود أموال أو موارد كافية، بل يتعلق الأمر أيضًا بالحرية في القيام بالأشياء التي يستطيع الأشخاص الذين لديهم أموال أكثر أن يختاروا القيام بها بحرية.

يبدو لي أنه يجب الحكم على النظام السياسي من خلال درجة تمكن شعبه من الاستفادة من الحريات المقدمة، وليس فقط من خلال استحقاقهم لها. السؤال الأساسي: ما الفرق الذي تحدثه هذه الحرية بالنسبة لي؟

تتحسن الحرية الفعالة إذا كان المجتمع مستقراً ومنظمة تنظيماً جيداً. علق ديفيد هيوم، في مقالته "حول الحرية المدنية"، والمهتم بتوازن الحرية والسلطة، وفوائد الأشكال السياسية المختلفة، على كيف أصبحت الحياة أفضل في ظل الملكيًة:

"لقد تأكد أن الملكية المتحضرة، وكما قيل سابقًا في مدح الجمهوريات وحدها، إنها حكومة قوانين، وليس حكومة اشخاص. أنها حساسة للنظام، والأسلوب، والثبات، لدرجة مذهلة. تشجع الصناعة، تزدهر الفنون، ويعيش ولأمير في أمان بين رعاياه، مثل الأب بين أطفاله." (كتاب الحرية)

على الرغم من أنه لا يعتقد أن الملكية هي شكل مثالي من أشكال الحكومة، إلا أنه يتخذ موقفا براغماتيا. إذا تم وضع القوانين وتطبيقها بنزاهة، وأصبحت الممتلكات آمنة، فمن غير المرجح أن يعيش الناس في خوف وبالتالي تزداد حريتهم الفعلية.

الخوف من الحرية

جادل الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر بأن الوجود يسبق الماهية - وبعبارة أخرى، ليس لدينا ذات ثابتة نحتاج إلى التوافق معها، لكننا نبني من نحن كما نمضي في الحياة. لكن هذا يجلب معه مسؤولية فظيعة، وهي أننا أحرار في اختيار ليس فقط ما سنفعله، ولكن أيضًا ما سنصبح. بالنسبة لسارتر وغيره من الفلاسفة الوجوديين، مثل مارتن هايدغر، فإن هذا النوع من الحرية هو شيء يغري كثير من الناس بالفرار منه. إنه تهديد وكذلك تحد. من السهل اعتماد دور أو قناع ثابت بدلاً من مواجهة حرية تشكل حياتنا.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ