سعد جاسم (أسرار)

دائماً ...

ثمَّةَ ضوءٌ

يسطعُ من أصابعي

فأُطلقهُ طائراً نورانياً

ليخطفَ الأبصارَ والرؤى

ويجعلَ الأرواحَ تترنمُ :

سبحانَ الذي أودعَ سرّهُ

في ريشةٍ بيضاء

تكمنُ فيها لذّةُ الطيرانِ

وفتنةُ الشعرِ

وغوايةُ الأُنثى

وتتجلّى فيها

 اسرارُ الحبِّ

 والكتابةِ

والموتِ القاسي

والله في غموضهِ

وصمتهِ

وحزنهِ القديم

 

(حقيقة الحب)

في الحبِّ

لسْنا مضطرينَ

لنقولَ نصفَ الحقيقةِ

لأنَّ الحبَّ كما الموت

هو الحقيقةُ الكاملةُ

والوحيدةُ التي لاتحتاجُ

الى برهان

 

(حدس الرائي)

دائماً أُحاولُ اعتمادَ

بصيرتي لا بصري

في رؤيةِ الاشياءِ

وإكتشافِ جوهرِها

بحدسِ الرائي

 

 (روحُ العالم)

هذهِ الروحُ

لمْ تُخلقْ

لتكونَ رهنَ اشارةِ الفم

هذهِ الروحُ

روحُ العالم

 

 (الرائي)

ببصيرتهِ يكتشفُ العالمَ

ومن جبينهِ يطلعُ الضوءُ

ويرى بأعماقهِ

كلَّ مايريدُ أنْ يراه

 

(كما طائر وحيد)

وحدي ... هنااااااك

حيثُ السماءُ قريبةٌ ونظيفة

وحيثُ الأعالي بلا ضغائن

وبلا رصاص

وحيث لا حمقى

ولا مخبرون

ولا مفخخون

وحيثُ لا حفّارو قبورٍ

في قلوبِ الإمهات

*

وحدي ... هنااااك

مثل نورسٍ حكيمٍ

وناصعٍ

ولكنني محتشدٌ

بروحي الزاهده

 

(الله)

كلّما أراهُ في قلبي

أشعرُ بفرحٍ خفيٍّ

وأُغمضُ عينيَّ

على صورٍ

وأصواتٍ

وأخيلةٍ مُجنَّحةٍ

تطيرُ بي نحوَ الابدية

***

سعد جاسم

 

زيد صالحما زلْتُ دوماً بٱنتظارِكْ

                    مائي يحنُّ لكأسِ نارِكْ

ســكـك الفـؤاد تنوحُ سرّاً

                 من جفاف خطى قطارِكْ

ويــحــوك لــيــلي شوقه

                 قـبـلاً على شفتيْ نهارك

ٱسقي بريدي غــيـمة

                   أو لوحة من بوح دارك

لا تتــركيـني فالرفوف

                تــــئـن من ذكرى غبارك

اوقدت ِ مني نــجــمةً

                  قامتْ تفتّشُ عن مداركْ

فــــغياب ريحك أدخل الــ

               رمل المحصن في معارك

***

زيد صالح

صحيفة المثقفإن لم يكن كلمي مثل تفاحة للقطاف

إن لم تكن فصحى ضفافي

إن لم تكن صُحفي مثل أقاحةْ

إن لم تكن قيد إزاحاتي الصراحةْ

دعوني أطوي سجلي

من سرر الكلام

ذروني أُعلن غيضي

على بسط  الريح

دعوني أُطفىء مصباحي

***

جرابي كاد ينفد

من قصص الموتى

ومن غصص الأحياء

ولا زلت وحدي

أرتكب القلق مفتاحا لأقبية الطريق

وامتحن الروح بالإعصار

في خلد الرماد

منارة من هباء

دعوني أُطفىء مصباحي

***

لم تردني المدائح مضفورة

كتاج حول رأسي

ولا وعاني الجمال

" إيقونة " من سراب

أُغنيةٌ .. ما أقول

لم يرددها الصدى

ولا تلاها لساني

في حضرة الصمت

دعوني أُطفىء مصباحي

دعوني إذن أطفىء مصباحي

***

سمية العبيدي - بغداد

 

عقيل العبودالأشجار علوها يواصل إصراره،

يتحدى آفة الموت،

ينمو دون حاجة منه الى إستئذان. 

*

العنفوان، أسارير ، ينام فوق أنحائها الورد،

 الأغصان انفاسها بعيدا تسافر،

 تنأى صوب ملاذات تتجنبها الأفاعي.

*

الخريف، سنبلات،

ألوانه، تتمسك بها اطياف العاشقين،

يستقبلها المطر. 

*

السماء، محيطات تفترش زرقتها أثواب العصافير، تعشقها الصباحات،

ينبت من صفائها الياسمين.   

*

الأوراق تلك النتؤات المتقاطعة،

 يعشق كبريائها الليل،

الصخرة التي في مخبئها ترقد الجذور،

يستغرقها الصمت،

 يكبر في جوفها. 

*

المرقد عندئذ ينهض من نومته،

 يستأنف شروط محبته،

الارتفاع، ينمو هكذا رويدا، رويدا.

لذلك تنبت الكرامات.

***

عقيل العبود/ San Diego

 

حسن برطالالانفجار العظيم

مند أن اطلقتْ بالونها الوردي في الفضاء

وهي تتردد على نفس الشرفة تنتظر سقوط

أشلائه..بنيتي لا تحزني فما دامت الأمور على

حالها ولم يظهر كون جديد فبالونك لم ينفجر بعد,,/

 

الدم البارد

الثعبان يلتف حول عنقها و بينما هي تختنق

كانت البسمة لا تفارق محياها..هي سعيدة

بهذا العناق الدافئ حتى الموت../

 

روسيكلاج

المرأة التي تخلتْ عن رضيعها وتركتْه وحيدا

داخل حاوية القمامة، هي الآن تبحث في المواد

التي تمت معالجتها..ربما فيها شيء من دمه../

 

وشاية كاذبة

بلغ عن الكرة (الميتة) التي (قتلتِ) المباراة.. لكن

مسرح الجريمة لم يكن سوى ملعب جميل وبجمهور

سعيد بفوز فريقه في الدقيقة 90 ..فتمت متابعة المعلق

الرياضي بتهمة إهانة الضابطة القضائية../

 

المرأة السيليكون

سارق الدمية يشعر بالخوف .. يقطعها أطرافا ، أطرافا

 ثم يدفن الرأس، الصدر والمؤخرة

في أماكن مختلفة من جسد الممثلة هيفاء../

 

إقصاء

الديك يشهر ورقته الحمراء التي فوق رأسه

برنامجه: (مؤذن حتى الذبح) استيقظ

 كعادته مع الفجر وصاح، فتم إقصاؤه بسبب

حملته الانتخابية المستمرة إلى ما بعد منتصف الليل../

 

لباس البحر

كانت السباحة الأسرع..تفوقتْ عليهن جميعا

بفضل برقعها..كل السباحات كن بـ(البوركيني)

أو (لكرواكيني) وهي الوحيدة التي تلبس (عداء كيني)../

 

الكافر والغيث

لما دعا الإمام بعد نهاية الصلاة ب (اللعب واللهو والزينة)

لا أحد من المصلين قال (آمين)..لم يدركوا أنه كان يطلب

لهم (الحياة الدنيا) التي يعشقونها جميعا../

 

قانون اللعبة

رَجل بقدمين سيطر على الكرة (الأرضية) ولاعبَها..

ومُقعد لم يتيمم عبيرا طيبا خوفا من خطأ لمس الكرة باليد../

***

قصص قصيرة جدا

بقلم: حسن برطال

 

وحيد خيونفداؤُكَ روحي معَ المرْفَقِ

                 وما راحَ منِّي وما قد بقي

فداؤُكَ ماءُ العيونِ الذي

               مِنَ المَوتِ قَدْ عُدَّ مِمَّنْ يَقِي

حُسيْنٌ لأنّا لبعْضٍ نكونُ

                 ففي كلِّ ما لم يَكُنْ نلتقي

مَشَيْنا على الرّمْلِ مَشيَ الضميرِ

             على اللوْمِ والعَتَبِ المُحْرِقِ

فلمّا وصَلْنا إلى كَرْبَلا

                 دَخَلْنا مِنَ المَدْخَلِ الأسْبَقِ

ونهْمِسُ هَمْساً إلى بعضِنا

                إذا جاءَنا الموتُ لن نستَقي

ألسنا شَرِبْنا مِنَ الأُمّهاتِ

                      لذيــــذَ التَشَيُّعِ والمَوْثِقِ

فلا أشربُ الماءَ إلاّ وقدْ  

                      تنَهّدْتُ تنهيدةَ المُشْفِقِ

ومرّتْ أمامي خيامُ الحُسينِ

                وزينبُ مِنْ خِدْرِها المُشْرِقِ

تُقبِّلُ آثارَ أقدامِها

                  جراحي التي قبَّلَتْ مِفْرَقي

وكفّا أبي الفضلِ مَرّتْ على

                  عيوني بتوديعِها الألْيَقِ

وكانتْ تُعاتِبُ ماءَ الفراتِ

                أما زلتَ في لونِكَ الأزرقِ

تعسَّرَ في النَّهْرِ مجرى المياهِ

                  فسالتْ دماكَ إلى الأعْمَقِ

فمنها توضَّأَ وجْهُ الفراتِ

               وصبَّ الدِّماءَ إلى المِرْفقِ

ومنها تسَرَّبَ ضوءُ النَّهارِ

               فمنها الصَّفِيُّ ومنها النّقي

ومنها تحَقّقَ وَعْدُ السّماءِ

              لكي يَرِثَ الأرضَ عبدٌ تقي

ومنها تفرّعَ غُصْنُ الحياةِ

                 لِيُعْرَفَ بالمُثْمِرِ المورِقِ

رشَفْناكَ أيامَ كُنّا ندورُ

                على الذرِّ مِنْ بابِهِ المُغْلَقِ

ومِنْ وَهْنِ أُمٍّ لضيقِ القِماطِ

                  إلى يومِ عاشِرِنا الأضْيَقِ

تعلَّمْتُ منهُ فنونَ الوصولِ

                  إلى اللهِ مِنْ نورِهِ المُطْبِقِ

أحاديثُ نفسي أحاديثُهُ

                    إذا جاءَ بالأدَبِ الشَيِّقِ

أرى النّفسَ تغرقُ في عِشْقِهِ

              فيا نفسِ في عِشْقِهِ إغْرَقِي

وعيشي حياتَكَ رَهْنَ الحُسينِ

               وكوني معَ السِّبْطِ في خَنْدَقِ

كأنّكِ ما عِشْتِ قبلَ الحُسينِ

                     ولا تَعْشقِينَ ولم تُعْشَقِي

فشتّانَ ما بينَ عشقِ الحُسينِ

                   وعشقٍ مشى بكَ للمَزْلَقِ

و يا رئتي لا لغيرِ الحُسينِ

                 تردّي وتُخْفي وتستنشِقي

ويا عينِ لا تُبصِري غيرَهُ

                      ويا قلْبِ للغيْرِ لا تَخْفِقِ

ويا عَقْلَ حُرٍّ أنا بعْضُهُ            

            هو الكُلُّ فاسْبَحْ ولا تَغْرَقِ  

ويا كفِّ لو مالَ عنْ مُهْرِهِ

                    تَلَقِّيهِ قبلَ المنايا وقي

ويا جِسْمِ أعْطيْتُ روحي لهُ

              وأَعْطيكَ كالمُرْسَلِ المُرْفَقِ

إلى سيِّدي وإمامي الحُسينِ

                 إلى حضْرَةِ الزّاهِدِ المُتّقي    

إذا سرَّحَ القلبُ تسريحَهُ

                    وجدتُكَ في حُبِّهِ المُطْلَقِ

تُنادي وتصْرَخُ هلْ مِنْ مُغيثٍ

                    وحيداً وفي موقِفٍ مُقْلقِ

نعمْ نحنُ جِئْناكَ مثلَ الليوثِ

                      كتَبْنا على دَفَّةِ البيْرَقِ

حسينٌ أتيناكَ مُسْتَنْفرينَ

                  يزيدُ الفصيلُ على الفيْلَقِ

مِن الشّوقِ فينا إلى مُلتقاكَ

              إلى الموتِ أشوقُ مِنْ أشوقِ

فما عُدْتَ في كربلا واحِداً

             بلِ الكونُ في كربلا يلتقي

فلولاكَ ما دارَ مِنْ كوكَبٍ

                 وكلُّ الكواكبِ في مأزِقِ

ولولاكَ لا شرقَ مِنْ مَغْرِبٍ

             ولولاكَ لا غَرْبَ مِنْ مَشْرِقِ

جديرٌ بكلِّ الذي أنتَ فيهِ

              مِنَ النّورِ واللهَبِ المُحْرِقِ

وتَبّاً لأعدائكَ الخاسرينَ

               ولَعْناً على النّاصِبِ الأحْمَقِ

ويا دهرُ مَزِّقْ نياطَ الفؤادِ

                 إذا قامَ مِنْ حُزنِهِ المُسْبَقِ

تُسائِلُني الناسُ عنْ حالةٍ

                    تُمّيِّزُني عنْ دَعِيٍّ شَقي

ستعرفني من فريقِ الحسينِ

              من الوجْهِ واللونِ والمنطقِ

       ***  

وحيد خيون

ليلة العاشر من محرم

 

نور الدين صمودإذا لم يحركْ بني العُـرْبَ هـذا القصــيـدْ*فسـوف يظـَلـُّون طــولَ الحيـاة عـبــيـدْ

فقد فـَـرَّقـوهم لكي ما يـسـودوا عليهم*وفي خـُلـْفهم سوف يطغى العدوُّ العَـنودْ

وهذا الخلاف وبالٌ على العُـرْب جـمعًا*ولم ألْقَ في الحُمْـقِ مثل الصديق اللدودْ

فبعــض الأقــارب مثـلُ العقـارب لكنْ*سُـمومُ العـقارب فــيها الـدواء المُـفـيــدْ

ويفتح للغرب في الشـرق بابا عريـضا*يَـعــودُ إليـه كــمـا كــان مــنـذ عُــقــودْ

فقولـوا: على المـتقارب قـال الخـلـيـل*فـعـولـن فـعـولـن أظــلُ لهـا أســتـَعــيـدْ

(إذا الشعب يـوما أراد الحيـاة) كريمـًا*(فلا بُـد أن يــستجـيب) القضاءُ المُـريـدْ

(ولا بــد لليــل أن يــنـجــلي) بصباحٍ*ولا بـــد أن تــتــحــطـّـمَ كــلُّ الــقــيــودْ

وشتـّان مـا بيــن مَـن كان فيكم فعولا*فعولا، وما بيـن مَــنْ نـام تحـت اللحـودْ

إذا لم يُــفِـدْكَ الصديقُ الوفيُّ الوَدودْ*فأحـســنُ منه صــديـق الـعــدو اللــدودْ  

 ***

نورالدين صمود

 

قادة جليدتفرق دمي بين سيوف القبائل

وأبو جهل يهجوني بقصيدة قديمة

لم تعلن القصيدة اسمها

ولم يعلن اسم القائل

ولكن أبو جهل أصر على سفك دمي

رغم براءتي وبراءة القصيدة

ورغم صراخ أمي وجدتي والعشيرة

وكما هو معتاد

اشتكاني أبو جهل إلى دار الندوة

وفي الميعاد و بدون أخذ إفادتي

تقرر بالإجماع

هكذا حكمت عدالة قريش

باسم القصيدة

وباسم أبي جهل

وباسم الشعب العربي من المحيط إلى الخليج

يقطع رأس كل عربي حر

يقرأ تبت يدا الحاكم العربي

ولكن بعد موتى

و موت أمي وجدتي والقبيلة

رأيت من قبري ملاكا شفافا

يغرس فسيلة

وراح يسقيها كل صباح

ويتأملها كل مساء

و عندما كبرت سماها

شجرة الحرية

***

الدكتور قادة جليد      

 

عبد الله سرمد الجميليا بصرةَ (سعدي) و(السيّابْ)،

يا أُخْتَ المَوصِلِ باعدَنا أوغادُ المِنْطَقةِ الخضراءْ،

ما زُرْتُكِ إلا في حُلُمي،

في كُتُبِ (الجاحظِ) و(الحسنِ البصريِّ)،

و(سِيْبَوَيْهِ) و(بشّارَ بنِ البُرْدِ)،

و(البريكانْ)،

في (الأخفشِ) و(الخليلِ بنِ أحمدَ) وهُوَ يرسِمُ معجمَ (العينِ) الأصيلْ،

في (الأصمعيِّ) وهو يمتدحُ (الفرزدقَ): يا فرزدقُ لولاكَ لضاعَ ثُلْثُ اللغةْ،

قلْتُ: المِرْبَدُ يجمعُنا،

لكنْ من يُدعى للمِرْبَدْ ؟!

يُدعى من يرفَعُ مفعولاً،

أو ينصِبُ مجرورا،

يُدعى من يُبدِلُ أمطارَ السيّابِ قبورا،

تِمثالَ السيّابِ أخافُ عليكْ،

من هَمَجٍ ورَعاعٍ هدَمُوا تِمثالَ أبي تمّامْ،

ممّا دَسُّوا في جيبِكَ من ملحِ الأيّامْ،

بغدادٌ تدعو صاحبَ (قرآنِ النَّحْوِ) أميرَ نُحَاةِ البصرةِ (سِيْبَوَيْهْ)،

كي يقتُلَهُ في (المسألةِ الزُّنْبُوريَّةْ)،

أحدُ القرّاءِ السبعةِ والأعرابْ !

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر من العراق

 

صحيفة المثقفمنذ بدايتها

كانت، صراعات بين الأنصافْ

على سطح الماء ..

تتجلى

حيث الخلق، وحيث الموت

صراعاتٌ لا تخلو من أشياء ..

نصف عميٌ

مهووس بالحرب

ونصف مجذوب

يحكي قصة أنكيدو

ووحش الغابة

في عتمات الليل..

إنليل ..

لماذا طاف ضياؤك بين الأشجار..؟

ولماذا هذا الإبحار..؟

ولماذا غاب الكل عن الأنظار..؟

ولماذا يبقى الذئب،

طوال الليل، يصرخ عشتار ..؟

إنليل يبقى غريبًا

بين رحاب الأرض

وبين سموات عائمة

يشكو وهمًا أبديًا لا يصحو منه

ولا يدري كيف يعود

فأبيه في الأعلى يدور..

وأمه ما زالت بين الغابات تخور..

تصارع بين الأشجار ضواريها..

وتمازح في الظل حواريها ..

فلا إنليل يعود

ولا إنكيدو يسود

وتظل الشامات،

تنثر ماء الشهوات..

وعنف النزوات..

فالأرض تبقى تبور..

وسماء الكون تخور..

وبينهما روح التكوين

شياطين

ويظل الإغواء مثالاً

يسبح فوق مياه النهر

حيث (إنليل) يسير

و(ننليل) عند الجرف

تنثر شهوتها

أريجًا أبديًا، في الأجواءْ ..!!

* * *

د. جودت العاني

21/09/2018

 

349 رواية نهر جاسمأخيرا

بساعات قبل رجوع حسن رأت نهر جاسم القتل في كلّ مكان، هكذا فجأة، بين الممكن والمحال انكشف الغموض، ووقعت العيون والآذان على الصّور، والأصوات في التلفاز والمذياع. عرفوا أنّ مؤامرة كبيرة أخفقت، وأنّ هناك دولة مجاورة تعاون معها المرتدّون لإسقاط الرئيس. المؤامرة، هذه المرّة، قادها كما يزعم التّصريح الرّسميّ، أعضاء كبار في الحزب الحاكم. مادام الخونة بعثيين، فقد فهم القاصي والداني من هي الدّولة المجاورة. ولاح في الأذهان أنّ مشروع الوحدة سوف يؤول إلى زوال. واتضح للداهية الآن سرّ سفر العمّ النّمر المفاجيء إلى لندن، واللغز الذي اكتنف تصفية أملاكه. كان الرجل، كما شاع، يرتبط بعلاقات وثيقة مع المسؤولين الكبار في البصرة وبغداد من المحسوبين على الرّئيس السّابق، لكنّ الثعلب يشم الخطر عن بعد. قبل أوانه. وربّما غلب على ظنّ بعضهم أنّ عددا من المسؤولين الذين عجزوا عن الهرب وحُوكموا فيما بعد كلفوا الثعلب أن يحمل معه بعض أموالهم لقاء عمولة تقاضاها. امّا أكثر النّاس إظهارا للشماتة، فكانت الداهية التي علقت على نجاة النّمر بأنّه كلب انكليز. صناعة بريطانيّة. الحادث المشهود ترك طابعه على قرية نهرجاسم، فليس من باب المصادفة أن يخيّم التشاؤم من جديد، لموقع نهرجاسم القريب من الحدود، وحين عاد حسن، عرف القاصي والداني أنّ الدولة اختارت بعثيين من كلّ المحافظات ليعاقبوا الخونة. العراق كله مارس القتل، ونهر جاسم وجدت نفسها تطلق النار بيد ابنها حسن. هذه اللعبة البريئة التي داعبت خيال الصغير ذات يوم، فتلقفها كما يتلقف الكرة، وإذا بالاختيار يقع عليه ليقتل!!النّبؤة كبرت، والداهية معتكفة حتّى خفّ وجعها، وخفت الورم عن شفتيهاوفكها. لم تكن الحرب جديدة عليها. رأتها في أثناء طفولتها. عاشرت الموت. مهما بعدت عن المأساة، يبدو أنّها أصبحت أكثر قربا منها، غير أنّ صوت وحيدها لمّا يزل يلحّ في أُذنها:

ـ ياداهية لنرحل مؤقتا.

مقتنعة أم لتؤكّد:

ـ أكثر من الحشود التي وقعت بين عبد الكريم وشاه إيران أيام زمان ولم تقع الحرب.

ملكة الليل تؤكد أيضا:

ـ يُقال إنّ الشّاه ترك سلاحا يستطيع أن يمحق به كلّ الدول العربيّة مجتمعة فمن يجرؤ أن يتحرّش بإيران.

كلّ ذلك يمكن أن يكون كلاما لكنّها راحة البال التي امتحنها الله بها في أحلك الأيّام، والطفلة القادمة من حرب لاتعي ملامحها القاسية إلا عبر أبيها وأخيها. تدرك أنّ في الأفق حربا مدمّرة، ولاتريد أن تصدّق نفسها. إنّها ليست متأكدة من الزّمن فقط. ربّما تقع الحرب بعد دقائق أو قرون، بل تخجل أن تزور قبر أبيها الوليّ بوجهها المشوّه، ولكي تتأكّد من مخاوفها، انتظرت إلى الخميس حتى زال الورم تماما، ولم تعد تخشى من شماتة الكارهين. ذهبت إلى الضّريح. أشعلت الشّموع، وجلست تتملى خواطرها. الخجل ممّا بدر منها في الحلم، وقد حدثت نفسها ألا تتكلم بعد الآن. الرّؤيا وحدها تكفي، وأمامها عجب الأشياء: النهران الأعمى والكودي يعانق كلّ منهما الآخر. نهر شطّ العرب التحم بالمالح قادما من جهة الشّمال. المشاهد تكدّست وجثمت ساكنة أمامها. حشرات من حديد. بعوض غريب. ذباب. جعلان. صراصر. نمل. عقارب من حديد. حمرة تلوح من بعيد على وجه الأفق، وفوق المياه. وسط ذلك العالم المليء بالحشرات المعدنيّة الكبيرة، راحت تسأل عن أبيها أين هو كأنّه لم يمت أو ظنته حيّا إلى هذه الساعة الموحشة بالأفق، والمتوحّشة عن البشر، وحين التفتت من دونما كلام، كان لها ماأرادت. وجدت المعتوه أمامها. التفتت باتّجاه آخر، فوقع على عينيها وهو يسبق التفاتتها، فيشخص في كلّ مكان، ثمّ فاجأها بنطقه الواضح القويّ العذب:

ـ هل دعوتني ياداهية؟

ـ بل دعوت أبي.

ـ أنا أبوكّ!

ـ إنّي أعرف أبي.

ـ أجئت تسألينني عن الحرب؟

لافرق بين المعتوه والوليّ، وبينها أو حسن، والمختار، وابن النّبهان، الموتى والأحياء يسألون عن شيء ما. مجهول. معروف. أصبحوا أشبه بالمجانين. الحرب. من عهد آدم وهو الشّجار باق إلى اليوم، والوليّ الذي ترك الحرب يوم كانت الدنيا غضّة طريّة لايجيب، وهو يعرف أن لاأحد يسأل عن الأمان ومتى يحلّ على الأرض ؟ اليوم رأت مالاتراه عين حتّى كادت تنفجر من الغيظ:

ـ هل تحدث حرب؟متى؟ أريد أن أعرف. أخبرني؟

نظر إليها نظرات غريبة مبهمة غموض الساعة التي هي فيها، وغادر المكان. القبر. كان حقّا المعتوه. وقد ازداد اللغز غموضا. هل كلمته نائمة أم في حالة صحو، ومع التفاتها، وعيناها تتعقّبانه، وهو يهرول إلى مكان ما تناهت إلى سمعها أصوات خشنة حادّة، ورأت عبر الفضاء المترامي من طرف البرّ حركة لناقلات ودبّابات، وسمعت أزيزا في الجوّ، فاستعاذت باللّه من الشّرّ القادم، وأطفأت الشّمعة، ثمّ غادرت المكان، ومن حولها، عن بعد، عند طريق البرّ، على الحدود، تزداد كثافة الأصوات، وحركة النّاقلات المتوجّهة نحو الجنوب والشّرق.

ـ 8 ـ

…لم يكن أمامه بدّ …عرف أنّه استنفد كلّ وسائله، ولم تجد ملكة الليل لمزاحها من منفذ أمامه سوى أن تقول له قبل أن يخرج:

ـ رفيق. . رفيق. . متى تعود!

أمّا الداهية، فقالت:

ـ إذا طرحوا عليك مسألة الجيش الشّعبي والتّدريب على السلاح، فأنت مريض ومعفى من الخدمة الإلزاميّة. لاتنس ذلك مفهوم؟

وهو آخر يوم وأوّل يوم. هكذا نحن نتخبّط في الأيّام فما أتعس الذين يلهثون وراء مابين الأمس واليوم، وقد كان القلب يسيل أمام الرّغبة والرّهبة، فإذا هو يخرّ أمام الخوف وحده، والدّاهية تخاف عليك من التدريب والجيش الشعبي، وربّما يقولون لك حسن لاتتدرب لكن تعال معنا لتقشر البصل والثّوم، حسن سبقه بسنوات، ومارس القتل قبل أيّام،

فأيّة دنيا سوف يدخلها بعد عالم الحاجّة الخرافي اللذيذ، ودنيا الداهية الصّارمة الزّاهية، ثمّ الحياة الحلم مع امبراطورة القلب ناهدة! كلّهنّ نساء، وها أنت ياعبد تسير كالسلحفاة إلى عالم جديد. تكون بعثيا. أخيرا اقتنعت؟ أو الأيّام هي التي أقنعتك. المهم أن تقتنع أنت، وتغضّ النظر عن تلك الكشرة التي تسفر عن أسنان صفراء، وتردد مثلما يردد المسؤول الأعلى. ألم يعترف حسن أنّ الحزب علمه التدخين وشرب الشاي تلك السيرة التي أثبتت أصالة الحزبيّ أيّام النضال السلبي، ومثلما رأى الموت ذات يوم يحوم في أمّ البروم وبينهما عدّة أمتار. سياج واطيء فقد ذو قضبان، لتدور الأيّام فتبرز نهر جاسم إلى القتل من جديد. تمارسه عبر حدودها. كان أهلها حين يجد خلاف بينهم يقتل بعضهم بعضا، وآخر موجات العنف وفق رواية أمّه الدّاهية، والمرحومة، وملكة الليل كانت يوم طرد آل الحاج عبّاس عائلة النمر، أبعد كلّ تلك العقود والسّنوات تشتاق القرية إلى القتل، فلاتقدر أن تأكل بعضها إذ لم يعد في جسدها مايؤكل، لكنّها تمتدّ إلى أبعد من نفسها ، فتقتل الآخرين:

ـ لديّ بعض الآراء الصّريحة أرجو ألاّ تنزعج منها.

ـ أنظر كيف اكتسبت شجاعة حالما انتسبت إلى الحزب.

ساعة ألقى الاستمارة على المنضدة، راوده نفور من زمن الطّفولة، وعاوده الحماس ذاته الذي أبداه أمام الداهية، والشجاعة نفسها التي اعترف بها:

ـ هل مارست القتل حقّا؟

ابتسامة، ويمسح شفتيه بكمّه:

ـ هؤلاء خونة، ومن حقّك أن تستفسر، لكنّي أقول لك إنّ الطّعنة إذا جاءت من الأقرب تكون أشدّ، فالعقاب يلزم أن يكون أكثر حدّة.

الطفولة انتهت بالجنون والقتل العلنيّ، فهل ينفع التمرّد الآن، واللحظة تؤذن بخراب البلد كله بدءا من شيء معروف مجهول:

ـ هل أنت نادم.

ـ أبدا…أبدا.

ـ إسأل أيّ شيوعيّ سابق بعثيّ الآن عن وضعه الماضي والحاضر أيّهما أفضل…

ـ من حقّي بعض الاعتراضات. .

ـ هذا أفضل، ربّما تلتقي بمسؤولين في جلسات ومناسبات قد لايفهمونك مثلي فلاتتردّد معي في السؤال عن أيّ إشكال.

ـ أُفرض أنيّ اقتنعت، ماذنب الآخرين؟ومافائدة كسب الفلاح الأمّيّ والفلاحة الأُمّيّة اللذين يظنان حصانا مشوّها عفريتا أو جنيّا ممسوخا. لو كنت هنا ورأيت كيف كبرت قريتنا بقدرة قادر، وتحوّلت…

ـ الرّهان على هؤلاء لأنّهم يمثلون الأغلبيّة.

ـ الشّيوعيّون في فترة من الفترات اهتمّوا بالكمّ لاالنّوع فسقطوا.

ـ ليس هذا هو السبب بل لأنّهم استفزّوا عواطف النّاس ومعتقداتهم.

ـ إذن هذا هو المحور. كيف يقتنع الإنسان البسيط بالانضمام إلى حزب أسسه مسيحيّ سوريّ.

ـ حسب هذه القاعدة يجب ألاّ نقبل إسلام الصّحابة. كانوا يعبدون الأصنام. كيف نقبل إسلام محمّد علي كلاي، ونرفض إسلام عفلق، ثمّ إنّ الرّجل قال ياعرب كونوا أمّة واحدة. ماعلاقة الفكرة بالدين، أو كونها تتعارض مع الإسلام، بالعكس. !

ـ أنا معك، لكنّ الموضوع حسّاس وربّما تستفيد منه إيران في أيّ نزاع ينشب بيننا وبينها.

ـ لهذا السبب نقول من ليس منّا فهو علينا.

ـ أنا منكم يارفيق!!

ـ من حسن حظك أن أكون أنا مسؤولك، فتستطيع أن تسألني عن كلّ شيء، وتلزم لسانك مع الرّفاق في أيّ اجتماع، وسوف أصحبك إلى اجتماعاتي في القرى، والمراكز فتحضر معي الندوات واللقاءات لتزداد خبرتك.

ليقل مايشاء، وليقل هو مايشاء. المهم إنّه بعد سنوات نفث مافي صدره أمام الداهية أُمّه، واكتسح حسن رفيق طفولته، فلامناص من أن ينساق مع أحد الأطراف الثلاثة. الجنون حيث عالم ناصر المسعود يرى كلّ شيء، ولايبصر أيّ شيء، لاأحد يسأل عنه ولايسأل هو عن أحد، وهناك عالم المرحومة والداهية، ولامفرّ إلا أن يختار العالم الجديد على مضض، فيعيش لحظات الفرح والخوف، على الرّغم من كرهه لذلك العالم، ونفوره من حسن الوحيد الذي يأمن إليه لحدّ الآن!!

في الأيّام القادمة راحت الداهية تسابق الزّمن، كأنّها في مشوار لايريد أن ينتهي. بدأت تخرج كلّ يوم إلى الضريح. كانت كلّما ازدادت ضجّة البرّ وحركة الناقلات، توغّلت في شرودها وثمّت تحوم عيناها في الفراغ علها تعثر على بصيص من بعيد، غير أنّ المشهد أبى إلاّ أن يطالعها بشكله الأخير غير مبال بخاطرتها اللاهثة وراءه. كان يتوحّد في كلّ الاتجاهات:الأنهر يسير أحدها نحو الآخر. البرّ يلتقي بالنهر، فلاالأرض أرض ولا البحار بحار. الحمرة تغطّي الضباب ومياه الأنهار، أمّا الذباب، والبعوض فيصبح من معدن وحديد…

اليوم أم غدا…كانت تقول لأبيها الصّامت أمامها:إنّ الطريق لم يعبّد بعد، ومانسمعه أو نراه من تهديد أو حشود أمر حدث كثيرا، لكنّه زاد عن حدّه في هذه الأيّام، فما تقول أنت؟

هذا مايمكن أن يكون وفق ماوقعت عليه عيناها وسمعته أُذناها…

السكون غائب

صخب قبل الهدوء، وقلبها يعرف من زمن أنّ المصائب تجري حيث يسبق السكون!

ضجّة وشتائم…

حديد يقطع البرّ

فجأة …. .

ومن حيث لايعلم أحد،

ولاالداهية صاحبة النّبوءة،

فجأة… من كلّ مكان يطلّ وجه الحرب…الحرب!

فعلا ياداهية إنّها الحرب، وقد راهنت على كلّ شيء : النّبوءة، السكون، الخوف، الإذاعات…

ويبدو أنّ الأحداث مرّت كلمح البصر أكبر من قدرة نهر جاسم عى الاستيعاب، وأوسع، فاستعصت، وهي تحلّ في غير وقتها، على فهم الداهية الواثقة بنبوءة آخر زمان. في البداية اندفع الجيش داخل الأراضي الإيرانيّة، عندها كانت نهر جاسم تغفو بأمان أوّل الحرب، وتلمس بهاجسها حدث الحرب لحظة بلحظة : عربات الجيش مرّت من الطّريق الترابيّ. مدرّعات بالمئات تندفع من طريق البرّ. طائرات تغطي السّماء. ولا أحد يشكّ في أنّها هي الحرب أمام السّمع والبصر. وتكاد القلوب تنفيها. أيُعقل أن يجري ذلك بساعات وأيام، وفي الليالي الأولى استمرّ الصّخب عند طريق البرّ ثمّ خفتت حدته. خلال تلك الأيّام لم يفكر أهل نهر جاسم بالنّزوح. قالت الداهية هذه ليست الحرب المقصودة بالنبوءة، فالدرب لم يعبّد بعد، ولاحرب حقيقيّة من دونه، ولعلّ إيران المتعبة من الثورة، والمشغولة بأمريكا تقبل بوقف القتال، وعلى الرّغم من كلّ مظاهر الحرب إلا أنّ نهر جاسم مازالت في أمان، وخامر الظنون أن تنتهي المعارك بعد بضعة أيّام، وهتف عبد حين سمع أنّ الجيش أصبح على مشارف الأهواز:المكبس سلم من الخطر، وبركة الضّريح تظلل على القرية. كان حسن كثيرا مايصحب عبد في جولاته، وجهوده الإعلاميّة. بعض الأحيان يخالط لهجته الخطابيّة تهديد واضح. العراق لم يخف من موسكو حين رفع العصا بوجه الشيوعيين، ولامن عبد الناصر ونحن نؤدّب القوميين المنحرفين، أو من إسرائيل حيث أعدمنا الجواسيس، فمن تكون إيران، ومن هؤلاء أصحاب اللحى والوجوه المصفرّة:

ـ إيران لم تتحرّك بعد…

ـ أين هو جيش الشاه؟

وفق تلك الصّورة جرت الأحداث. عبادان سقطت. الأهواز محاصرة. الأهالي يذهبون إلى العشار للتبضّع شانهم أيام السلم، ثمّ يتابعون البلاغات، ولايزعجهم سوى ظلمة الليل، وصفارات الإنذار، ويبدو أنّ القرية، والحرب تطول، بدأت تفقد شبابها، وتقرّ أخيرا بهاجس مشوش، وكثيرا ماكانت النفوس، تلوك وسط نشارة الدم، سؤالا تنمّ عنه العيون وتخشى الألسن من أن تبوح به : لمَ اندلعت الحرب؟ وعلام اندفع الجيش داخل الحدود؟ ماذا لو كان عند إيران جيش؟ وتميل التخرّصات إلى السلاح النووي، والكيمياوي، والأسلحة السرّيّة، مع ذلك لابدّ من الفرح، وبين السعادة المصطنعة، وبداية تململ الخوف، استهلك الأهالي قواهم، وزادهم تعبا أنّ النبوءة، ألقت، في مثل هذه الظروف، بكاهلها على صمتهم الذي لابدّ منه. بدأت النبوءة تطلّ بمعالمها عليهم، وتنفض رويدا رويدا غبار الزمن عنها. كانت تملي الواقع من جديد كما أرادت من قبل: بين عشيّة وضحاها غزت الأنظار عشرات السيّارات والشاحنات المحمّلة بالحصىوالرمل، وفاحت رائحة الزفت والقار، ومثل أيّ كابوس كريه جثمت على الأنفاس آلات المزج والخلط والنخل والرصف، فأُدرِك أنّ النبوءة ربّما تتأخّر لكن لاتكذب نفسها. لقد أصبحت رائحة الزمن ماثلة للعيان، ومعها خرجت الدنيا عن وهمها، فسقطت على الطريق الذي بدأ يتلوّى بالزفت والقير!!!

معقول!!

ياألله أحقا حدث ذلك؟!

الشؤم فرض نفسه قبل الأوان، كمن به مرض مخفيّ، يشك فيه ، تلك الحكاية التي نامت طويلا ثمّ استفاقت منتصف الحرب، فكانت الداهية تبصر القتال والقتل ولاتدركه، وكان أهل نهر جاسم يعيشون الحرب، ولايرونها فكم من ولاة فكّروا وأعرضوا ، كم من رؤساء وملوك مرّوا، عندئذ شهقت الداهية، وأخرست عبد الدهشة، أما حسن فكان يتباهى أمام الأهالي، وهو يؤكد فكرته القديمة في أنّ الطريق كان قبل الحرب يخدم الجانب الإرانيّ، أما الأن وقد احتل الجيش عبادان، وأصبح على مشارف الأهواز، فلم يعد من مسوّغ لتركه كما كان، وليعلم الناس أنّ الحكومة تركت طريقهم من دون تعبيد لهدف يصعب فهمه من قبل العوام وإلا فما قيمة طريق يستره الزفت والقير أمام منجزات عظيمة كالتأميم وبيان آذار. والحقّ فإنّ نهر جاسم بعد التعبيد بدأت تفتح عيونها بالخوف والقلق على عوالم أُخرى. مرّت بها قرى جديدة، واحتكت بالجنود العائدين من الجبهة المارين بها. كانوا محمّلين بالغنائم. ساعات. . راديوات. . تلفزيونات. . مسجّلات. . قلائد. . وكان بعض الضبّاط يستقلون سيّارات تركها أهلها وفرّوا أو استولوا عليها من معارض في عبادان، وتناقلت العيون بالصمت حكايات كثيرة لكنّ أحدا لم يجرؤ على البوح، كأنّ العيون والذاكرة والهواجس انتقلت من إنسان إلى آخر من غير الحاجة إلى آذان وألسن وكان أقصى ماتستطيع أن تفعله الداهية أما مايعرضه الجنود من غنائم للبيع، هو أن تستعيذ بالله مما تراه : المال الحرام!

ـ متى تحين السّاعة؟

ـ هل ينتهي العالم عمّا قريب!

ـ الدنيا لم تشخ بعد.

ـ الدجال.

ـ الدجال أعور!

ولاتلمّ نفسها إلا حين تعود من الضريح، وتأوي إلى البيت، فينطلق لسانها مع ملكة الليل وعبد عمّا رأت وسمعت ذلك النّهار وهي مأخوذة بمنظر الجنود العائدين من الجبهة، والحقّ إنّ الحرب جعلت مقام أبيها الوليّ يزداد رفعة ليس فقط لأنّ العرب الرحل ضربوا بخيامهم حول الضريح عند اندلاع الحرب فازدهى المكان بالحياة وامتلأت الباحة الفراغ إلى بداية"عريزة" بل شملت بركته بعض الجنود الذاهبين من الجبهة بأجازات إذ شوهدوا يتوفٌفون أمام الباب فيقرؤون الفاتحة أو يلقون إليه ببعض النقود.

في غضون ذلك تحتم على نهر جاسم أن تحتضن الموت. أشبه بإعدام حصان معتوه بدلا من أن يذهب أهلها إلى مكان آخر ليعزوا ذوي الموتى، وبعد انتشار الأحاديث عن الأعور الدّجال ، ومرور أشهر على الحرب، رابطت في المفرق إلى اليمين عن الضريح حيث طريق البر المكتظ بالحركة فرقة يتحدّث أفرادها لُكنة غريبة ، ويبدو أنّ الناس تحاشوا الاحتكاك بجنود الحاجز مبتعدين بالمرة عن طريق البر، باستثناء المعتوه الذي يكلم الجميع مدنيين وعسكريين، كان في أغلب الأوقات يقف عند الحاجز، فيجد المسلحون فرصتهم لممازحته، مع أنّه لايقف هناك ـ شأنه في أيّ مكان ـ أكثر من بضع دقائق، حتى طرق حسن ذات يوم البيوت بيتا بيتا يعلن أنّ على أهل نهر جاسم الحضور بأمر الحكومة والحزب إلى الحاجز، فخشيت الداهية على ابنها عبد ولم يطاوعها قلبها أن تتركه يذهب وحده، فصحبته إلى هناك، مما دفعه ألى مجاراتها في أثناء المشي، والخروج قبل الموعد المقرر بساعة على الأقل.

وقبل أن ينجلي المشهد، كانت الظنون تميل بالناس نحو تأويلات شتى. أيّ خبر هذا الذي تجمّع له الناس فرضا، فما كان لابن العمران أو غيره من الحزبيين أن ينادوا بجمع الناس كلهم قسرا. إنّها نهاية الحرب أم أيّ خبر. تبرع للمعركة. تطوّع. تحذير من إيواء هاربين، أمّا قرب الموقع فقد تجلى بعض الغموض: ثلة من الجنود ذوي اللكنة الغريبة يرتدون ملابس خضراء مرقطة، وعلى مدى خطوات شاحنة عسكريّة، وسيارة جيب صغيرة استند إلى مقدمتها ضابط طويل، أحمر أشقر. كان المسلحون والضباط يشيرون إلى ثلاثة جنود معصوبي العيون، جثموا مكتوفي الأيدي إلى ظهورهم، وبتوارد الدقائق ازدحم المكان بالأهالي، والعرب الرحّل، ولكون الفضاء مفتوحا، فقد تمكنت الداهية وبعض النسوة من متابعة المنظر وهنّ جالسات. ظلّ عبدواقفا جنب أمّه، وعيناه تتأرجحان بين حسن الواقف ضمن مجموعة الحاجز، وجنود الإعدام، أو الجنود معصوبي العيون ثمّ تستقران على وجه أمّه المتعب. علامة الموت تحوم مرّة أُخرى. الحصان…المشنوقون الثلاثة في ساحة أمّ البروم. المحافظات كلها تشترك في الإعدام. المشنوقون يدلعون ألسنتهم بوجوه المتفرجين. سيارة من زمن بعيد، أيّ عهد كان تأتي عن طريق البرّ ترابط في الفسحة يقال عنها سينما متجولة. ملكة الليل والعبيد ذهبوا حالما غابت الشمس، وتناثرت الأنوار من السيارة : ضحك إنّه الضحك الذي نسمع به من ابن الرواس. قالت له لو كنت في بلد آخر لأصبحت ممثلا مثل الذي رأيناه يدلع لسانه، وقال لها ياملكة الليل، أمّا أنت فسوف تقفزين من مقعدك لأنّك ستظنين السيارة في الشاشة تسير نحوك!كلّ ذلك يجري و الممثل يتغيّر. يقفز من طائرة، يدخل مسمارا في أذن فيخرجه من أخرى. الجمهور يضحك، ونهر جاسم تكبر فلا تعرف نفسها على حقيقتها إلا في البكاء والضحك. يرتفع الضحك، ولابدّ من الاحتفال : أم البروم أم ذات مساء حين تأتي سينما متجوّلة، وخلال لحظلت يستعدّ جنود الحاجز. الجبناء حاولوا الفرار. الضابط يشير بيده، ثمّ يزعق فيردد البرّ صيحته:

ـ استعد !

جثا ثلاثة جنود، أمام المكبلين، فلم يتأخر الضابط بصيحة ثانية:

ـ ارم!

انطلقت الرشاشات. الموت. لاأكثر من رعشات خفيفة. زغردت بعضهنّ. وملكة الليل كادت تغمض عينيها وتفرّ بهما إلى السينما المتجوّلة التي طالعتها ذات مساء. أمّا الداهية فلاذت بعينيها عن المشهد إلى أيّ مكان. . أهو الكبر أم التعب جعلها تقرف، وهي التي فتحت عينيها على الموت. كنّا نعايش القتل بأيد طليقة وعيون مفتوحة. نقتل ونُقتل، فلانقرف من منظر الدم كمشهد اليوم، وكم رأت لعاب أبيها يسيل للدم ورائحة الموت قبل أن يعرض عنه تماما، ولم يكن قطّ ليكبّل أيدي أعدائه ويعصب عيونهم، وكأنها منذ ذلك العهد البعيد شدّت بيدها طرف سروال عبد، فذابت تنهيدتها وسط الأصوات الطّائشة:

ـ خونة يستحقّون.

ـ النبي قال الدفاع عن الأرض والعرض والمال.

ـ من يدافع عنّا إذا انهزم الجند.

ـ والله لو كانت لنا حدود مع إسرئيل…

ـ في العراق رجال…

وفي أيّ وقت كان عصرا أم ظهرا، أيّ وقت للإعدام، وغالبا مايكون قبل أذان المغرب، كانت القرية تعود من مراسم الإعدام صامتة. تلك الليلة أعرض عن الطعام، وبان الإرهاق على وجه الداهية إلى درجة أنّ عبد لامها بلطف على مرافقتها له، وكان يعلم أنّ قلبها لايطاوعها أن تتركه وحده:

ـ ألم أقل لك لم يكن لحضورك أيّ معنى!

ـ من منا لم ير الموت، لكنه لم يكن بهذا الشكل.

وقالت ملكة الليل، وذاكرتها تومض ثانية بين السينما والإعدام:

ـ ياقلوب أمهاتهم.

بعد الحادث السابق بدأت نهر جاسم تعي نهايتها، ولاتبالغ الأخبار إذا عدت تعبيد الطريق حسبما ورد في النبوءة القديمة علامة لزوال تلك القرية كما زال من قبل قوم عاد وثمود فمع ازدياد الحواجز وتنفيذ أحكام الإعدام علنا بالجنود الجبناء على مشارف القرى ازدادت التكهنات في أنّ أمرا ما سيحدث بعد أن ظنّ الجميع في أنّ الحرب ستتوقف باندفاع الجيش داخل الأراضي الإيرانيّة، لكن شيئا فشيئا بدأت أصوات المدافع والانفجارات تقترب حتى كادت تُسمع في القرية التي تحدثت هذه المرة عن حرب شعواء تأكل الاخضر واليابس وتعيد العالم إلى زمن السيوف والرماح والسهام. هي الحرب الثالثة. البشرية ترجع إلى عهد آدم. تختفي مظاهر العمران. الناس يركبون الحيوانات، وفي آخر خميس للداهية مع أبيها في ضريحه، رأت بين فرق الإدام المقتفية أثر الهاربين، وهدير الدبابات، رأت أخاها عبد وزوجها الغالي النمر. أبصرت كلّ من ماتوا، وبرفقتهم الأحياء يحيطون بالوليّ. كان يجلس على عرش الماء، وفوق رؤوس المريدين تحلق غمامة هابطة من السماء، ولم يطل الصمت بالولي بل انتفض فجأة فتطاير الماء حوله وهدرت السماء، ليزعق بالأحياء دون الموتى:

ـ انفضّوا من حولي!

من تجرّأ على الكلام الداهية وحدها:

ـ المقيم ياداهية كالراحل!

ـ قد تنتهي الحرب ياأبي.

ـ كلكم قاتل وكلكم مقتول.

ـ سمعت من قبل!

- كلكم قاتل ومقتول!

إلى هنا يختفي دور الراوية فلم يعد لها وجود لأنّ الحرب تغيرت فجأة وليس بوسع الأهالي إلا الاستعداد للهرب المفاجيء، فعند الظلام تحققت النبوؤة عبر طرفيها المتناقضين: الماء والنار. غاب النوم من العيون. واضطرّوا للسهر كي يتابعوا البلاغات. وفي ساعات الفجر انقلبت لهجة مذيع بغداد، كأنّه يتكلم بانكسار. الظواهر الجارية تدلّ على حدوث شيء ماليس في مصلحة البلد. وكانت الداهية تزداد قلقا على عبد، وفكرت حقّا بالفرار، وبين اللحظتين:الهرب الأوّل، والفرار الأخير، تلخّصت سنين طويلة استلها منها توقف المذياع عن بثّ الأناشيد الحماسيّة وإذاعة بيان لم تفقه من معناه أيّة كلمة، وعندما رجع الغالي ظهرا، وكان قي مقرّ الشباب مع حسن، حدّثها عن صديق الطفولة، ومافعله قبل انطباق الماء المفاجيء على نهر جاسم، فحالما شاعت هزيمة الجيش في عبادان، فقد حسن أعصابه، وصرخ أنّ الجيش تراجع ليعيد الكرة، ويستعيد أراضي أكبر مما كانت في قبضته، الحكومة واثقة من نفسها لأنّ إيران لم تخترق حدودنا بعد، وأهل قرى شط العرب خاضعون للأمر الرّسميّ الذي يفرض عليهم البقاء، ولكي لايبدو بهيئة المتنصّل من كلامه أكد في اجتماع دعا إليه بمبنى الشباب أنّه سوف يمثل القرية في المعركة القادمة، خير تمثيل، فإمّا أن يرجع ومعه سيارة تكافؤه الدولة بها شأنها كلّ مرّة مع المبدعين في الحرب، أو أن يعود بتابوت…

أمّا كيف حدث الأمر فهناك أكثر من خبر…

قيل إنّ إيران بعد استيلائها على عبادان، واندفاع جنودها نحو الحدود وضعت نهرجاسم أوّل هدف لها حيث تقطع اتجاه الجنوب، ومن سخرية القدر أنّ كلا الفريقين كان يتعامل مع النبوءة من دون أن يدري، إيران كسرت سدّ الكارون لتغرق الكتائب المنتشرة في البر، أمّا العراق، فقد فتح قنوات الماء كي يغرق البساتين، فيعيق الإيرانيين…ولم يكذّب أهل القرية عيونهم وهم يرون الموت يزحف، ويلتهم أوّل المتحمّسين للوقوف بوجهه : حسن العمران. كانت الضجّة أكبر من أيّ حزن، ففي خضم الأحداث العظيمة ينسى الناس أنفسهم وتظلّ مألوفة في الحرب صورة الموت، ولم يحضر جنازة ابن العمران أحد، فالجميع يتأهبون للفرار، ربّما تكون الداهية أكثر من بكى في مجلس الفاتحة. كانت ساعة العزاء تذرف الدمع لمصرع الأحبة، فمن رآى دموعها لم يشك لحظة في أنّها تنزل حسن منزلة ولدها، وهي وحدها تعرف جيدا أنّه الفيضان القديم جاء هذه المرّة بالماء والنار، فعلى من ياترى يحلّ الدور بعد ابن العمران؟

إنّه القدر المبرم والذي معه جاءت الأشجار تهوي، وجذوع النخل تجثو كهياكل نافقة في الرّمال، فأين هي العيون من الذباب وقد بدا يحوم على بقع حمراء يزاحم بعضها بعضا على الأرض، مع ذلك قد يكون مايحدث وهما يجري أمام العيون لولا هي الحوادث السابقة جاءت تذكر الداهية بطفولتها. آه من وجه للحوادث غير غريب خادعها بثوبه الجديد، فكيف عرفته ولم تدرك وقتها أنّه الوليّ الذي أغمد سلاحه وصرخ ثمّ هرب فيما حوله، في هذه الساعة وهو صامت لايسمعه إلا الداهية، نعم هي التي تسمع فقط ولكن لاتدرك كلماته!!

وشيئا فشيئا…

رأت المياه…أبصرت كلّ شيء. كانت نهر جاسم أو بقاياها تلتفت إلى نفسها وتنسى للمرّة الأولى موسكو وواشنطن وبغداد وبكين وطهران و……

كانت المياه تبتلع الطريق، والنار تهبط من السماء. العنفوان. الموت. الأيّام كلّها تساقطت الميمونة والمنحوسة. هي ذاتها الحشرات الحديد التي ظهرت في التجلي الأخير. المشهد الساكن تململ، والوحش الخرافيّ، غامض الملامح، وكان هناك معتوه، يركض بين الماء والنار…أمّا الداهية فكانت تهرول جهد سعيها مع من هرولوا يسندها ولدها عبد وعصاها ومن خلفهما ملكة الليل. لقد حاصرها الوقت وضايقها الماء، والنار والحديد.

ولأنّ الراوية اختفت، فكلّ شيء يخضع للتخرّصات، وكلّ الأحداث تعتمد على الوصف الخارجيّ، ففي حالة مثل هذه يتساوى الظاهر والباطن، والخارج والداخل، يُقال:السيل قدم من الشرق، والدماء سالت فوصلت الركب. النخل احترق، وانمحقت الخضرة. جثث الشجر المحروق اختلطت بالماء:الصفصاف والسدر والعنب. النخيل من غير رؤوس. هياكل محروقة من أعلاها، ومن أسفل تعفنت بالماء. تلة الموتى جبل عريزة تكدست عليها الجثث فاختلطت عظام الكباربالصغار أمّا الضريح فقد رفضت ذاكرة من بقي من القدامى أن يصيبه أيّ مكروه. قد يصل الماء إلى بابه، ويقف، أو تعجز ألسنة النار أن تأكل عتبته، ولعله يغرق ثمّ يظهر من جديد بعد سنوات فتصاحب ظهوره المفاجيء معجزة جديدة. الحقّ لاأحد يقدر أن يعطي وصفا دقيقا لما أصبح عليه الضريح بعد النكبة ماعدا ذلك الخبر الذي ارتبط بالمعتوه ناصر المسعود يوم اندفاع السيل والنار. هو وحده لم يفر تشبّث بالضريح يزعق بصوت واضح:الحرب الموت الحرب حينئذ انقطعت أخباره، وقد اشتبه به بعض الأهالي الذين نزحوا إلى العشار ومحافظات أخرى عند اشتداد الحرب، فخيل إليهم أنهم رأوه أو رأوا أشخاصا يشبهونه في مناطق مختلفة. أبصروه في الناصرية، والحلّة، وبغداد. في كربلاء والنجف، وهناك من رآه في الرمادي والديوانية والكوت، وكلّ من رآه يدرك أنّه ناصر المسعود وليس شخصا آخر. المواصفات نفسها. الهيئة ذاتها. الملابس هي لم تتغيّر، كأنّه انشطر كالحرب القائمة إلى عشرات الصور.

أمّا الداهية وابنها عبد، فيقال إنّهما استقرا في قرية أخرى بعيدة عن الحدود، وانقطعت أخبارهما عن كلّ مخلوق، اللهمّ إلا إذا التقينا راوية أخرى جديدة عاشت معهما في مكانهما الجديد، وراقبت أخبارهما عن كثب، مثلما حدث في المرة السّابقة…

ولعلها تكون ملكة الليل….

تمّ الانهاء من كتابة هذه الرواية

في كوبهاغن بتاريخ23/3/1993

د. قصي الشيخ عسكر

صبيحة شبرما زالت الذكريات تؤلمك،، تشجيك، وتسعدك معا،مشاعر متناقضة تعيشين بها، طوال حياتك،تتراءى أمامك المشاهد، وتتوالى معك الأحداث،وأنت جالسة في مقعدك المعتاد، قرب النافذة، لا احد قربك، يبادلك الحديث، او تشاركينه لوا عج النفس، وآلام الذكريات، أنت غريبة هنا،، مهملة،، يطالبونك باستمرار،، أن تعتني بهم،، تنفذي رغباتهم، وأنت جندي مجهول، تعملين بصمت، لا احد منهم يكلف نفسه عناء سؤالك عن رغباتك

- ماذا تريدين سيدتي؟ ولأي شيء تطمحين؟

تركك المخلوق الوحيد الذي تعشقين، لم يتركك مختارا، بل اجبر على هجرك، تعلق به قلبك المفعم بأشعة الحياة وسناها، ازددت تعلقا به وهياما،، ولم تصدقي أياما طويلة انه قد تخلى عنك، لم ينفذ ما اتفقتما عليه، وما تعاهدتما حوله،،

تحرقك اشعة الشمس المنبعثة من النافذة، ولكن حرارة الذكريات أكثر وهجا وإحراقا، فلم تتمكن الشمس منك تمكثين في مكانك المعتاد قرب النافذة، يبدو عليك السكون و يحيط بك من كل الجوانب، وأنت ظمأى تحترقين بحديث الذكريات وألمها الممض

تعقدين المقارنات بينهما رغما عنك، أنت لا ترغبين، ولكن شيئا قويا يجبرك على القيام بها بسكون، يخيل للرائي إليك انك ميتة، من يدري انك مشغولة فكرا، قلبك يئن ويتلوى ألما، وأنت محبطة، قد أصابتها السهام المصوبة اليها بالتعب ونالت منها مقتلا

فكرك يمتليء بحوادث كثيرة تجعلك تقدمين على إجراء المقارنات،، كانا صديقين، يتشابهان بأمور كثيرة، الأول احبك، وقدم لك قلبا مملوءا إخلاصا وفهما ومودة، شاركك طموحاته ومشاريعه، أطلعك على آرائه وأفكاره،، جعلك ندا له في نضالا ته وكفاحه الطويل، تشهدين مناقشاته مع صحبه، كنت صامتة في الأيام الأولى، ولكن رغبتك القوية ان تكوني له شريكة، وصديقة وزوجة مؤازرة، جعلك تشتركين في الأحاديث وتبدين رأيك بها، وان كانت تتناقض أحيانا مع ما يبديه هو من آراء،، لم يكن يغضب او يرتعد،، كما يفعل الثاني، الذي جعله الجميع شبيها وقرينا، وأنت على قربك بالأول، وحبك له، واعتزازك بعلاقتكما القوية المتينة، قد صدقته بما ادعاه من حب وهيام

تفكرين، وتفكرين،، تتراءى المشاهد أمامك، وأنت وحيدة كالعهد بك دائما، خرج الجميع، وتركوك بمفردك، تحاولين لم ما تبعثر من أشياء في منزلكم الصغير، وإعادة كل امر الى مكانه المعهود، يطالبونك باستمرار، أن تنفذي رغباتهم المتزايدة ، كل ساعة ,وأنت من لك ؟؟ يسمع أوجاعك ؟ويهتم بآلامك، ويحاول تخفيفها عن كاهلك

- لا وقت لدي كي اسمع هراءك

- انت صخرة سيدتي، لا يمكنها ان تشكو او تتذمر، ارسمي على ثغرك ابتسامة بلهاء، طويلة، تخبر الناس عن سعادتها المستمرة وسرورها المستديم

صديقان يتشابهان في الوجه، بشكل يدعو الى الاستغراب، لون الشعر،طول القامة، طريقة السير، حركات اليدين عند التحدث، الاهتمامات مشتركة، الاثنان تعلقا بك، الأول بادلت حبه، عشقته بقوة، حاول ان يجعل منك امرأة قوية، واثقة من نفسها، تعرف ماذا تريد، تسعى لتحقيق أحلامها، والثاني سلب منك ما بناه الأول بمهارة، وثقة وإصرار،

- ابتعدي، الشمس ستحرق بشرتك الحساسة

تنتبهين الى تحذير تطلقه إحدى جاراتك المقربات، لا تكترثين، لتحرق الشمس ما تريد من بشرة ،،كنت تطمحين ان تكون مشرقة لتعجبي من أحببت بعنفوانك القديم

كيف يمكنك ان تعرفي منذ البداية ÷، ان الصديقين المتآزرين المتفقين، في أمور شتى، يختلفان ذلك الاختلاف الكبير أين الثرى من الثريا ؟ صديقتي المسكينة،واحد يبني والآخر يهدم بكل ما لديه من رغبة في هدم الأشياء الجميلة على رؤوس الأحباب والأصحاب

انت تجلسين، في مكانك المعهود، بعد ان تم تناول طعام الغداء، تعبت في تحضيره لهم، كما هو الشأن كل يوم، ولا تسمعين كلمة تدل على الشكر او الاعجاب، الست خادمة سيدتي ؟ تتعبين نفسك في إعداد الوجبات، وتجتهدين، فلا تسمعين كلمة واحدة

تتراءى لك المشاهد عن رجلين، في حياتك، الأول تركك رغما عنه، اغتالته بد المنون، قبل ان يحين الأوان، وقضت على زهرة شبابه، التي طالما أثارتك، وأعجبتك، وأمدتك برغبة قوية،، بالتمتع من زهراتها العابقات بالشذى والجمال، الثاني لم بلتفت إليك، ولم يسمعك كلمة إعجاب واحدة، نروي ظمأك المتأصل ، تغنى بجمال كل النساء، الا انت،، أبعدك من قلبه، قد لا يرى فيك امرأة سيدتي ؟؟ يظن انك مخلوقة للطبخ والكنس والكي، وانك حافظة نقود،، تصرفين عليهم أي وقت يريدون

انك في كرسيك المعهود، تتراءى أمامك المشاهد

الأول اصطحبك في مسيرة سلمية، مطالبين ببعض الحقوق، الجميع سائرون بأمان، فجأة ينطلق الرصاص، مزمجرا هادرا، كنت في الوسط سيدتي، يد قوية تدفعك الى الخلف، تتلقى بصدرها أزيز الرصاص المنهمر، تتوالى أمامك الذكرى وتتمنين ان كل ما حدث مجرد أحلام شيطانية آن لك ان تفيقي منها

أنت في مكانك المعهود، ككل يوم بعد طعام الغداء، تتراءى لك المشاهد، الثاني يشبه الأول في كثير من الصفات، جاءك معلنا حبا يستبد به حتى النخاع، صدقته، وكان الصديق الوفي، لحبيبك الذي تعشقين، وان لم يصدق القلب، فانك رغبت بالتصديق، من يتحمل حياة الوحدة سيدتي ؟؟ بعد ان اعتاد على حياة الألفة والوصال

اختلفتما أول الأمر، حين هاجم حبيبك الذي تعشقين، هالك موقفه، وهو الصديق الوفي الأمين

- كان حالما كبيرا،، ضحى بحياته من اجل لا شيء

أنت لاشيء سيدتي، تتراءى لك الذكريات تباعا، وأنت جالسة وحيدة، ككل الأيام، تأتيك المشاهد صاغرة، أنت تتألمين، ماذا يمكنك ان تفعلي لتوقفي نزيف الذكريات من الاندلاع ؟ اثنان، صديقان يتشابهان،، تشابها يدعو الى العجب والاستغراب، يقعان في حبك، الآن بعد مضي الأعوام تتساءلين

- احقا احبك الثاني؟

- هجرك منذ الأيام الأولى متعللا انك ما زلت تتذكرين

انت جالسة في مكانك المعهود، وشريط من الذكريات السعيدة والمؤلمة، تحيط بك، تغمرك في يم متصارع الأمواج، تتقاذفه الرياح

- استشهد احمد مدافعا عن حياتك

لم تعرفي منذ البداية، الاختلاف الكبير بين الشخصيتين، يبدوان صديقين متآلفين، ولكن الأيام الأولى أثبتت لك التناقض الشاسع بينهما

- احمق، من يضحي في سبيل الآخرين

يبعدك عن حياته، يهجرك، تتكلمين، لا يسمع ما تقولين، يحاول سلبك ايمانك، كل ما تؤمنين به يهاجمه بقوة

تتراكم عليك الذكريات، تحيط بك، صارخة تستغيثين

 

صبيحة شبر

 

ضياء العبوديوطني :

طفل لن يبلغ سن الرشد!

لكنه لم ينهي جنديته بعد

ولاة امره :

اصغر منه اسما !

بابليون ..

سومريون ..

امويون ..

عثمانيون ..

صفويون ..

بعثيون وما سقط من دبرهم على اكتاف خمسة اجيال .

بين اليسار واليمين :

فقد بطاقته المدنية !

لكنه يقلق دوران الارض .

فأهواره إغراء لكل القديسين .

عنده آخر سفر للتوراة لم يكتب .

الف نبي ..

الف شهيد ..

والف اخرى هنا ..

والف اخرى هناك ..

والاف اخرى بين عينيه ..

مقابر تملأ وجهه كبثور مزمنة ..

لكنه :

مازال طفلا !

عمره نوبة صراخ !

ضعنا ذات مرات

ورحنا ننادي عليه في جوامع يمقتها.

يختبىء..

نعاقبه ..

نصفعه ..

فنسقط من وجهه كطلاء رخيص .

يبكي ..

فراتين ماءا للوضوء ..

يلفان الدنس والرجس .

نرتكب العيش قهرا ..

لاننا لا نتقن الغرق على ضفاف مقلتيه !

***

ضياء العبودي

حوا بطواشمات فنان ووطني كبير. حدّقتُ في الصورة التي أمامي في أعلى صفحة الجريدة. نفس الملامح المألوفة، العينان العسليّتان الكبيرتان ذات النظرة الحادّة، الشفتان الغليظتان الحازمتان بدتا أكثر صرامة، الشعر البنيّ الأملس كان لا يزال غزيرا ومتدليّا على جبهته العريضة، في وجهه المستدير ذي البشرة البيضاء، الصّافية رغم مرور السنين.

أسامة رباح.

اتّسعت عيناي دهشةً.

مات؟؟

ولكن اسمه في الجريدة ليس كذلك. عبد الرحمن السعيد.

عدتُ لأتأمل في الصورة من جديد. تفرّست فيها دقائق طويلة.

لا. لست حمقاء. أعرف ما أرى.

لم يكتبوا الكثير عنه. فنان ووطني كبير. لا أكثر ولا أقل. لم يكتبوا ماذا فعل حتى يصبح وطنيا كبيرا. بدا الأمر كلّه مكتنفا بالأسرار. تماما كما عرفته قبل عشرين عاما.

قال لي حينذاك إنه يحبّني، وأنا أيضا قلتُ له ذلك. كنت أحبّه كثيرا. في تلك الأيام، كنتُ شابة في العشرين من العمر فقط، صغيرة كي تحب رجلا آخر. صغيرة كي تطلب الطلاق.

في الثامنة عشرة تزوّجتُ من عدنان. كنا مخطوبين مدة سنتين. أراد أن نتزوج بعد سنة من الخطوبة، ولكنني صمّمتُ على إكمال امتحاناتي النهائية والالتحاق بالجامعة. كان ذلك شرطي الوحيد، فلم يعارض. هل كان ذلك خطأ؟

كان حملي بسيرين هو الخطأ، ولكنني كنتُ مصمّمة على إكمال دراستي الجامعية رغم ذلك. ثم التقيتُ بأسامة.

طويلا، ممشوقا، بقميص كحليّ وبنطلون أسود، وقف هناك على محطة الباصات، يتأهّب للركوب. وأنا جالسة قرب الشّباك، في طريق عودتي من الجامعة إلى البيت، ظننتُ أنني أعرفه. ولكنه قال لي، بعد أن جلس إلى جانبي في الباص، إنه حديث السكن في المدينة، ورغم أنني كنت متأكدة أنني رأيته من قبل في مكان ما، ورغم محاولاتي للتذكّر، إلا أنني لم أفلح في ذلك، ولكن ذلك لم يكن مهما، لأنني عرفته جيدا منذ ذلك اليوم. أو هكذا ظننت.

لا، لا. كنت أعلم أنني لا أعرفه. كان مصمّما ألا أعرف عنه شيئا. وقد نجح في ذلك.  

جذبني الحديث معه وأثار اهتمامي به. قال لي إنه رسّام يجوب العالم بحثا عن الجمال وإن لديه في هذه الأيام معرضا في المدينة ودعاني لحضوره.

في المعرض، قال لي، بعد أن شكرني على الحضور وأخذني في جولة قصيرة بين لوحاته، إن لديّ عينين مسكونتين بالحزن، وهذا ما شدّه إليّ.

حزن؟؟

نعم. حزن عذب لم يرَ مثله في حياته.

ثم قال أيضا إنه يريد أن يرسمني، فهل أقبل؟؟

أخذتني الدهشة من كلامه. لا، لم أقبل في بادئ الأمر، ولكنني قبلتُ أن آخذ منه رقم هاتفه.

«اتّصلي بي... إن أردت.» قال لي.

لم أتّصل به طوال شهر كامل وكدتُ أنسى وجوده. نعم، ربما كنتُ سأنسى وجوده تماما... لولا مشكلتي مع عدنان.

أتذكّر ذلك اليوم جيدا. لم أفكّر بشيء حين تركتُ البيت في ذلك الصباح، كما في كل صباح، متوجّهة إلى الجامعة. توقّف الباص على المحطة. وفجأة، مرّت صورته أمام عينيّ كما رأيته أول مرة.

هبطتُ من الباص.

لم تبدُ عليه الدّهشة حين اتّصلتُ به. كأنه كان يعلم تماما وينتظر اتّصالي في أية لحظة، ولكنه لم يقل شيئا حين فتح لي الباب. فقط ابتسم ودعاني للدخول.

وفي ذلك اليوم، قال لي كلاما لم يقله لي رجل في حياتي. لا أدّعي أنني عرفتُ الرجال من قبل، وما يمكنهم أن يقولوا لإمرأة، ولكن عدنان، الرجل الوحيد الذي عرفته حتى ذلك الوقت، لم يقل لي شيئا من ذلك حتى في أجمل أيامنا. وفي الحقيقة، لم يكن ملزما أن يقول. كل شيء كان جاهزا وحاضرا وينتظر، فلماذا يقول؟

جلسنا على الأرائك التي في غرفة الجلوس، جنبا إلى جنب. قال لي إنه يراني رمزا للأنوثة والرّقة وإنني النموذج لإمرأة أحلامه.

وأنا قلتُ له: «غريبة هذه الحياة كم تخبّئ لنا من أمور لم نكن نتوقعها على الإطلاق.»

فقال: «الحياة مليئة، غنيّة وكريمة أيضا. علينا أن نعرف كيف نقتنص منها لحظات السعادة.»

كانت له دائما فلسفته الخاصة في الحياة التي لا تشبه شيئا عرفته من قبل.

عدتُ إلى البيت بعد أن اتّفقنا أن أزوره في الغد حتى يبدأ برسم ملامحي. أحسستُ أن سعادة مفاجئة سكنت روحي.

لم يكن متزوّجا. في الخامسة والثلاثين من العمر كان لا يزال دون زواج، ويقول إنه يشعر كأنه ما زال مراهقا.

«أحسّ أنني قادر أن أحب بتدفّق حتى أكثر من زمان.» قال لي ذات يوم.

كانت علاقتنا تسعدني وتخيفني في ذات الوقت، فتارة أحسّ أنني محظوظة به وتارة يساورني الخوف لأن علاقتنا تحوّلت إلى شيء لم أخطّط له ولم يكن في الحسبان. ذلك الرجل المملوء بالأسرار أضحى أجمل شيء في حياتي. معه أحسستُ بسعادة لا تتّسع لها الدنيا.

كان قليل الكلام، لا يحب الأسئلة وعندما يحسّ أنني بالغت، كان يُسرع لملء الجو بالموسيقى.

«استمعي لهذه الموسيقى. إنها السيمفونية السادسة لبيتهوفن. ياه! اسمعي جيدا وأحسّي بها. أليست رائعة؟» ثم يجلس على الأريكة، يغمض عينيه ويطلب مني أن أفعل نفس الشيء. كنت أجلس بجانبه وأفعل ما يقول، ولكنني كنت أستغرب ذلك الوضع وأبقى أفتح عينيّ قليلا، أسترق النظر إليه، فأجده في عالم آخر بعيد... بعيد جدا... إلى أن تنتهي المقطوعة... فيفتح عينيه شيئا فشيئا، ويبقى يتأمّل في اللاشيء دقائق طويلة.

كان يعشق الموسيقى الكلاسيكية ويحلّق بها بعيدا عن هذا العالم، عن كل الهموم والأحزان، ويستبدل بها الثرثرة التي كنت أمتاز بها.

ذات يوم، بعدما فتح عينيه المغمضتين، تأمّل في وجهي طويلا، وقال: «لا أدري كيف لا ينتبه زوجك إلى كل هذا الجمال.»

«ومن قال لك إنه لا ينتبه؟»

«لو كان كذلك لما كنتِ تلتقين بي.»

فكّرتُ في كلامه. «يبدو أنك تعرف النساء جيّدا.»

ضحك من كلامي، وقال: «يعني أنني مُحقّ؟» ودون أن ينتظر جوابي، استطرد قائلا: «تعلمين ما مشكلة العديد من الرجال؟ أنهم لا ينظرون إلى نسائهم كثيرا، أعني لا ينظرون... لا ينظرون حقا، ربما لأنهم يجدونهن أمام وجوههم كل يوم فلا يشعرون بحاجة لرؤيتهن.»

«هل هذا يعني أنك ضد الزواج؟»

فكّر قليلا في سؤالي، ثم أجاب: «لا.»

«إذن، لماذا لم تتزوّج إلى الآن؟»

فضحك كثيرا، وقال: «لأنني لم أجد من تقبل بي.»

«معقوووول؟؟»

«ولِم لا؟؟»

«رجل مثلك يمكنه أن يجد العشرات من النساء بإشارة صغيرة من إصبعه.»

ضحك مرة أخرى ضحكته الساخرة. «المهم أنني وجدتكِ أنت.» قال فجأة، وأنا تأمّلتُ في وجهه، ابتسامة حلوة ارتفعت فوق شفتيه، غامضة الحزن.

لم يطل بي الأمر حتى طلبت الطلاق من عدنان.

لم يكن بالإمكان استمرار الحياة بيننا بعدما ذقت طعم الحب. رميتُ كل شيء قدمه لي عدنان وما كان بإمكانه أن يقدمه لي، وذهبت. استأجرت شقة في المدينة وسكنت مع سيرين. لم أقبل العودة إلى القرية رغم إصرار أهلي.

كنتُ قد أنهيتُ دراستي الجامعية، بدأت العمل وبقيتُ ألتقي مع أسامة في شقته.

كان يغيب كثيرا. كان يقول إن لديه عمل ما فيسافر، ويغيب أحيانا ليومين أو ثلاثة، أحيانا لأسبوع وحتى أسابيع. غيابه بات يثير في نفسي الفضول والشكوك. لم يكن يقبل أن يفسّر.

لم أعرف ما سرّ هذا الغموض الذي يكتنف هذا الرجل؟ إلى أين يسافر؟ وماذا يعمل؟

«ذلك لا يهم.» كان يقول. «المهم أننا نلتقي، نحب ونفرح.»

سألته ذات يوم، في شقته، على تلك الأرائك الحمراء التي في غرفة الجلوس، إذ كنا نرتشف القهوة التي حضّرها كما في كل مرة: «ماذا تريد مني؟» ذلك السؤال الذي شغل فكري طويلا.

نظر إليّ نظرة تعجّب ممزوج بالسخرية وارتشف من فنجانه. «ماذا تقصدين؟»

«أقصد أننا نلتقي هنا منذ ثلاث سنوات. كنتُ متزوّجة، والآن... لم أعد متزوّجة.»

«ماذا يعني ذلك؟»

«يعني لم يعُد يمنعك عني شيء.»

ضحك طويلا ضحكته الساخرة، المستفزّة. «لم يكن يمنعني عنك شيء حتى من قبل.»

لم أعُد إلى تلك الأسئلة بعد ذلك اليوم. أظن أنني لم أعد أكترث بها. الحب أكبر من تلك الأسئلة التافهة، قلت لنفسي مرارا وحاولت أن أطمئنها. لقد رفض أن يقول، وأنا كنت العاشقة الولهانة التي لم تعرف الحب من قبل.

لا أستطيع أن أتخيّله ميتا. كيف؟ وقد كان مفعما بالحياة، نابضا، هائجا، عاصفا، جذّابا... ولا أدري حقا كيف استطعت مقاومة كل ذلك في تلك الليلة... قبل رحيله.

كان ذلك بعد عودته من غيابه الطويل، الأخير. بدا مختلفا عما عهدته. كنتُ قد بدأتُ أرتاب من غياباته المتكرّرة وأحسّ أنه متورّط في أعمال مشبوهة يرفض الإفصاح عنها، تتصارع الأفكار في داخلي وتتشابك، ورغم حبي وانجذابي إليه، لم أستطِع رمي كل شيء مرة أخرى. لم أكن واثقة أبدا.

كنا واقفين هناك، على شرفة بيته المطلّة على البحر، ريحٌ باردة هبّت على وجهي، تطايرت معها خصلات شعري المموّج الطويل، وسرت في جسدي قشعريرة. وقفنا دقائق طويلة نتبادل النظر بيننا والصّمت مطبق علينا.

«عليّ أن أقول لك شيئا.» قال.

«ما هو؟»

لم يتعجّل. فكّر طويلا وهو يتأمّلني بنظرة غريبة لم أعرف تفسيرها، ثم قال بصوت هادئ جدا: «سأرحل.»

فوجئتُ به. «إلى أين؟؟!»

«يجب أن أترك هذه البلاد.»

أحسستُ بانقباض في صدري وأخذت دقّات قلبي تتصارع في داخلي. أرخيتُ وجهي وأحسستُ بالدموع التي تبلّل عينيّ. لا، لم أكن مصدومة. كنتُ أعلم في داخلي أن ذلك اليوم سيأتي لا محالة.

اقترب مني بخطوة، أمسك بيدي وغمرني بنظرات دافئة، حانية. «أريد أن أعرض عليك أمرا.» قال فجأة.

رفعتُ إليه رأسي وتأمّلته بإمعان. لم أكن قادرة على تخمين ما سيقول على الإطلاق.

«تعالي معي.»

بُهتُّ. «إلى أين؟»

أمسك بيدي الأخرى. «أريدك معي هناك.»

أحسستُ بلمسة يديه الناعمة ولم تكن بي رغبة في تلك اللحظة إلا أن أرتمي في حضنه وأحتمي في دفء عينيه، ولكنني وجدتُ نفسي أقول مرة أخرى: «أين؟»

«لا تسألي شيئا. فقط تعالي.»

حدّقتُ في عينيه الجميلتين، السّاحرتين، المغريتين، الزّاخرتين بشتّى المعاني.

«سأكون وحيدا جدا دونك.» قال ونبرته طافحة بالصّدق، وأنا أحسستُ بتوق لحمايته كما لم أحسّ من قبل.

لم تكن لي قدرة على قول شيء. أفكارٌ كثيرة انثالت على رأسي واستولت على كل كياني.

ثم اقترب مني أكثر وقبّل شفتيّ ببطءٍ ورقة خدّرتني، قبلة بائسة، مترجّية.

همس في أذني: «أحبّك جدا.»

نظر إليّ نظرة مستعطِفة، ينتظر ردّي. حاولتُ جاهدة التخلّص من قلقي وتوتري. «... أنا...» تمتمتُ، ولكنني توقفت.

ابتلعتُ ريقي بعسر. «... أظن... أنني... لم أعُد أحبّك جدا.»

لوهلة، لم أصدّق أن الكلمات قد خرجت من فمي. كيف؟ وقد كان حبه يتدفّق بداخلي ويتأجّج الشوق بين شراييني؟! ولكنني لم أعُد قادرة على التحمّل.

اتّسعت عيناه دهشةً وظلّتا مسمّرتين في وجهي، مشدوهتين لحظات طويلة... ثم أرخى نظرته، أخيرا، وابتعد عني بخطوة، أغمض عينيه وتنهدّ عميقا. لم يضِف شيئا. ولم أقُل شيئا. لم يعُد هناك ما يُقال.

لم أسمع منه بعد تلك الليلة ولم ألتقِ به أبدا. انقطعت عني أخباره تماما. أحيانا كنتُ أعود إلى تلك البناية التي كانت فيها شقته، أقف على الرصيف المحاذي، أو أجلس على المقعد الخشبي بالقرب من المكان، أتأمّل البيت وتلك الشرفة فتنثال أمام عينيّ عشراتٌ من صور الماضي من تلك الأيام الخوالي.

مضت بي الأيام وبقي يلازمني في أفكاري، ويراودني في أحلامي، وتتردّد في ذهني الأسئلة طوال سنوات. ولكن حياتي لم تتوقّف عنده. الحياة لا تتوقّف عند أحد. هكذا علّمتني الأيام التي سبقته والتي جاءت بعده. سنواتٌ كثيرة مرّت.. حتى اختفت صورته من ذهني تماما.

 

قصة: حوا بطواش - كفر كما

15.9.2018

 

كريم مرزة الاسدي1- قصيدة ارتجالية من البحر المتقارب:

سَلَامَاً عَلَيْكَ أبَـــا الثَّائِرِينْ **سَلَامَاً عَلَــى نَهْجِكً الثَّـــائِرِ

سَلَامَاً عَلَـى الجَّمْعِ أنَّى يَكُونْ **وَيَهْفُو فَمُ الْعِشْقِ (لِلْحَائِرِ)

سَلَامَاً بِيْوَمٍ يَعِــجُّ الْعـِــرَاقْ **بِفَوضَى الْحِرَابِ مِـنِ الجَّائِرِ

سَلَامَاً وَ دَمعْي إلَى كَــرْبَلَاءْ **يَصِبُّ غَرِيْبـَـاً دَمَ الْحَـــــائِرِ!

فَلَا أنـَــا مِمّنْ يَخُوضُ الرِّيَاءْ **لِلَبْسِ الْقِنـَــاعِ كَــذَا الْعَاهِرِ

سَلَامَاً عَلَيْكَ حُسَــيْنِ الْفـِدَاءْ **عِرَاقُ الْحُسَيْنِ ثَــرَى الزَّائِرِ

سَلَامَاً فَلَا نَنْسَى دَرْبَ الْـوَفَاءْ **وَهـَذَا ارْتِجَالٌ مـِنِ الشَّـاعِرِ

 

2- من الملحمة الحسينية

من البحر الكامل التام المقطوع ، والقافية متواترة

أدميتَ أفئدة َالأنـام ِ بكاءا *** لمّا تقحّمتَ المنونَ فِــداءا

أججّتَ جذواتِ النفوس تحرَراً* ونصبتَ فوقَ العالمين لِواءا

يمتدُّ منْ يوم ِالطفوفِ مع البقا** ويشعُّ للجناتِ منهُ سناءا

جاوزتَ همّكَ في الوجودِ تعيشهُ**حرّاً ولو كانَ المماتُ شفاءا                

فالغايةُ القصوى لمعرفةِ الفتى**انـّـى يرى لهمَ الحِمام بقاءا

سبحانَ مَنْ رفعّ العقولَ كرامة ً ***حتّى تجلّتْ ديمة ًهطلاءا

إنَّ الحسينَ نسيجُ وحده منهجٌ ** للثائرينَ ولنْ يـروا نُدَدَاءا

يا سيدي دنيا أردتَ صلاحَها ** فسدتْ وعمَّ ضلالـُها الغلواءا

واذا العبادُ لذلّةٍ   أعمارهمْ **** قدّمتَ عمركَ تخطبُ العلياءا

لهمُ الحياةُ خداعَ زخرفةٍ مضتْ * تغري الجهولَ وتـُزهِدُ العظماءا

فرسمتَ خطـّـة َ فيصلٍ بينَ الإبا * والضيم ِما ألفت لها إلواءا

                                     ***

شُرِعَ القتالُ بهانىءٍ وبمسلم ٍ** فتبيّنَ الخذلانُ يســري جلاءا

لا (طوعة) فلحتْ تطوَعُ ابنها *و(شريحُ) هبَّ لـ(مذحجٍ)إطفاءا

طبعُ الظواهرِوالبواطن ِغيّرا** مجرى الشعوبِ خساسة ًورياءا

فالقلبُ   للخيـرِ ِالظليل ِ بفيئهِ** والسيفُ يمضي للقوي مضاءا

هذا هو الداءُ الذي بليتْ بـــهِ ***أممٌ ومـا وجدتْ إليهِ دواءا

عشقَ الدما لا للدماءِ وانـّما ** دفعَ الدماءَ فريضةً ً وعطـــاءا

هذا هو الإنسانُ يألفُ جنســــهُ ***ويصبُّ ويلاتٍ عليهِ مـــراءا

هذي هي الدنيا متاعُ خطيئةٍ**تعطــــي لذاذتَها وتقـــضي جزاءا!

لم يجزع ِ الموتَ المهيضَ جناحهُ * بلْ زلزلَ الأكوانَ والأجواءا

صوتُ النعيِّ فمُ الزمان ِ يذيعــــهُ ***وعلى جبينهِ غمّة ٌ تتـراءى

حتـّى تلاقفتِ العصورُ حِمامـــهُ **** وتهافتتْ أجيالـُها استفتاءا

وتحيّرت تلكَ الخلائقُ دهشة ً*** أتقيمُ عرســـاً أمْ تقيمُ عــزاءا؟!

                                   ***

ليسَ (الحسينُ) الرمزُ قـَد خُصـــت بهِ** شيعٌ ولكنْ يستطيلُ فضاءا

أضحى كنبراس ٍيضيءُ لمـنْ هفا*****يستنشقُ الحريةَ الحمراءا

أضحى لكلِّ العالمينَ هدايـةً **** هــــو والمسيحُ يشهدّان ِ سواءا

راحَ اسمهُ طولَ الحياةِ وعرضها *** إذ ْ يهتفونَ بهِ الجهادَ نداءا

منْ مغربِ الدنيا إلــــى إشراقـها ** رفعوا شعارهُ ثــــورة ًغـرّاءا

هل علـّمَ التــــاريخُ أبناء الدُّ نى*** أمْ ضيّعَ   الآبـــــاءَ والأبناءا

هذا هو اللغزُالذي نبكي بـــهِ ** رزءَ الحسينِ ونصنعُ   الأرزاءا!

                                 ***

إنَّ الحسينَ لقدْ تطاولَ أفقــــهُ** ليرى لهُ فوقَ السماءِ سماءا

فأقمْ شعائـرهُ بنفس ِمجاهــــدٍ*** يأبى الخنوعَ ويقـحمُ الهيجاءا

واقصدْ بوجهكَ للكريم ِترفعاً***هـلْ يُرتجى غيرُ الكريم ِرجــــاءا!

لا تبدِ عطفكَ للزمانِ ِ تودّـــــداً ** فــإذا تنـاءى عنكَ عنهُ تنـاءى

وآعززْبنفسكَ وآسحقِ النكباتِ إذْ** تطــــغي عليكَ وشدّدِ البأساءا

كمْ ذا تقارعُها وتلوي عنقـَها ****وتمجَ ُ همّــازاً بها مشَـــــاءا

لا تعطِ إعطاءَ الذليـل ِيداً ولا ***** كالعبـدِ قــرَّ بعشرةٍ إمضـاءا

نحنُ بنو الشـرفِ الرفيع ِبناتـهُ**** إرثـاً وأرسـوا مجدَهُ أكفـاءا

                                     ***

يا أيّها الشعراءُ منْ لمْ يلتمسْ*** نــورَ الحسـين ِ بطولة ً وفداءا

بخسَ الشهادة َحقـَّها وجهادَها * ورأى الحقيقة َفي الورى عـوراءا

تبكي على عينِ العدالةِ إذ عمتْ*** وتوّدَ لو كانتْ - كـذي- عميـاءا

وإذا نظمتُ العِــقــدَ ملحمة ً فهلْ ****** أدّيتُ دَينـي ذمّـــة ً ووفــاءا

قلْ ذاكَ مطلعُها وهـــذا ختمُها ****   فأحكمْ بعقلكَ قدْ ختمـــتُ أداءا !

 

3 - وَلَا يَبْقَى سِوَى نَهْجِ (الْحُسَيْنِ).

ألا يا خادمَ السبطِ (الحسينِ) **لهُ منـّي الفدا روحي وعيني

لكَ البشرى بدائرةٍ تسـامتْ *** إلى العلياءِ كالغيثِ الهتون ِ

فدائرة ُ الحسين ِتشعّ ُ نوراً ****مصدقة ًبـ (صادقِها) الأمين ِ(1)

سعيتَ إلى العُلا والمجدِ حقـّاً*** فمنْ يعلو على الحقِّ المبينِ؟

فكلّ ُلذاذةِ الأيّـــــــام ِتـُفنى****ولا يبقى سوى نهج ِ(الحسينِ)

فسلْ أينِ الطغاة على عروش ٍ*** وأينَ يزيـدُهمْ بعـــدِ القرونِ

كـــــأنْ لم يُخلقوا إلا هبـاءً*** وإنْ ذرّوا الجراحَ على العيون ِ

فسمعاً أيّها الدّنيــا لصـوتٍ***يصكّ ُالســمعَ بالخبر ِ اليقيــن ِ

بأنّ العمرَ في لحظات خُلدٍ*** لأطولُ منهُ من عمـــر ِالسنينِ

دعوني للقريض ِفقلتُ همساً***هوى شعري مقرظكمْ دعوني

هبوني قد نسيتُ الشرقَ طرّاً**** فكيفَ بكربلا أرض ِالشجون ِ

فإنْ أنسى فلا أنسى عليــــاً**** ولا السبطَ الشهيدَ ولا حنيني

إذا مـا الأمرُ خصَّ أبا عليٍّ***غضضتُ الطرف عن جيم ٍوسينِ

إذا لم أعطِ للأيّــــــام حقـّاً***** يطالبني الوفــــا دَيني و دِيني

فمرحى يا بناة َالمجدِ مَرحى ***جنانُ الخـُلدِ بـ (الكنز ِالثمين ِ)(2)

.................

ولدت هذه القصيدة ، ببحرها (الوافر)، ولفظ قافيتها (المتواتر) في مدينة (اتلانتا) في 13 /2 / 2000م ، ونشرتها مجلة (المرشد) الدمشقية العدد (11 - 12) سنة 2002، وسماحة الدكتور حسين شحادة في (زنابقه) الصادر من بيروت 2004م، مع ترجمة لكاتب هذه السطور بما هو مذكور:

***

كريم مرزة الأسدي

اتلانتا - 2000م

.................

(1) كما لا يخفى (صادقها) تورية عن سماحة الشيخ آية الله محمد صادق الكرباسي الذي أدرج ملحمتي الهمزية عن الإمام الحسين (ع) مع الترجمة ضمن شعراء القرن الخامس عشر الهجري، وقد نـُشرت في عدة مواقع وصحف عراقية وإسلامية.

(2) (الكنز الثمين) كناية عن ( دائرة المعارف الحسينية)، بما تتضمن من فكر وخلق وشهادة الإمام الحسين (ع) ومبادئه.

 

عطا يوسف منصورنفسُ الوجوهِ تَعودُ يا لَلمهزلَهْ

        أبْشِرْ عِراقَ الخيرِ للماضيْ صِلَهْ

وانْعَمْ عِراقَ الخيرِ هذا شعْبُنا

          أعطى القيادَ وقد تَناسى المُشكِلَهْ

يشكو جراحاتِ اللصوصِ وإنّهُ

            في ساعةِ الصفرِ يُفارقُ مِعولَهْ

لِيَعودَ مُنتخِبًا لهمْ مُتناسيًا

           مُرَّ السنينِ وما جرى مِنْ بهذلَهْ

ويُريدُ أنْ يحيا كريمًا شامِخًا

       يا شعبُ كيفَ وأنتَ أصلُ المُعضلَهْ

فالقومُ لا شرفٌ لهمْ لا ذمّةٌ

             ماذا سَتفعلُ والمصائبُ مُقبِلَهْ

ها أنتَ عُدتَ الى اللصوصِ مُخَيّرًا

             أتُراكَ تشتاقُ الاسى ومُسلْسَلَهْ

ومتى تكونُ كما الشعوبُ وتنتهي

               مأساتُكَ الحُبلى لِتَقطَعَ مَرحَلَهْ

كلُّ الشعوبِ مَشَتْ طريقًا واضحًا

             إلّاكَ يمشي في العمايةِ حَنجَلَهْ

لا تدري كيفَ ولا لأينَ ولا متى

             سأراكَ شعبًا والكرامةُ مَنزِلَهْ*

يا شعبيَ المفتونِ أنتَ كما أرى

               مَنْ يُسلِمُ الجَلّادَ طوعًا مَقتَلَهْ

يا شعبُ أنتَ بطبعهِ مُترددٌ

                     بعواطفٍ أحوالُها مُتَنَقِلَهْ

والى النفاقِ تَهِبُّ فيهِ ولاهجًا

              والدينُ عندكَ لُعقةً في جَلْجَلَهْ

مُتَواكلٌ مُتَخاذلٌ بِجِبِلّةٍ

             حُقِنَتْ وغازُ الحقدِ يُوقِدُ مِرْجَلَهْ

هي فورةٌ تأتي وتَذهبُ عاجِلاً

             لا تزعلوا منّي الحقيقةُ مُخْجِلَهْ

هذا هو التأريخُ يحكي واقِعًا

                 مِن كربلاءَ ليومِنا ما سَجّلَهْ

لم يأتِ إلّا بالقليلِ وينتهي

               كغمامةٍ مَرّتْ بأرضٍ مُمْحِلَهْ

وبهِ يَضيعُ المُخلصونَ وهكذا

             لمْ يَبقَ إلّا مَنْ يُلازمُ مَنزِلَهْ**

يا شعبُ أنتَ (وليسَ غيرُكَ) قادرٌ

               مِنْ أنْ تُعيدَ الحقَّ ليسَ السفَلَهْ

ما قُلتُ مِنْ ألمي على وطنٍ غدا

                   نهبًا وشعبًا لا يُحرّكُ أنمُلَهْ

مِنْ دونِ كلِّ العالَمينَ يسوسُهُ

               اهلُ الفسادِ كأنّ شعبيَ مزبَلَهْ

ما فيه غيرُ قُمامةٍ وحُثالةٍ

                 تأتيْ لِتَحكُمَهُ وتصبحَ موئلَهْ

يا شعبي يا وطني ابتُليتُ فأنتُما

             مَنْ أوقدا قلبي وشجوي أشعَلَهْ

ما عِشتُ لنَ أجدَ البديلَ وإنْ نأى

             جِسمي وشِقْشِقتي أتتكَ مُحَمّلَهْ

بلواعجٍ ما كُنتَ تَعلُمها غدتْ

          نبضَ القصيدِ وبالشجونِ مُوَلْوِلَهْ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن    

.......................

* المنزلة : المكانة والقدر

** منزله : مسكنه

صحيفة المثقفعَميَت عُيونٌ جَفَ فيها الأدمُعُ

                         أو إنها تأبى عَليكَ تُدَمِعُ

يالَيتَها تَبيَضُ مِن فَرطِ البُكا

                   حُزناً عَليكَ وَحُزنُها لا يَهجَعُ

أنتَ الحُسَينُ بَكَتكَ أملاكُ السَما

               وَبكربلا قَد رُضَ مِنكَ الأضلُعُ

ياخامِسَ الأنوارِ مِن آلِ العَبا

               ذَبحوكَ والجَسَدُ المُطَهرُ يُصرَعُ

عَمدوا لِرَأسِكَ بالصَقيلِ تَجَبُراً

                       وَمِنَ القَفى اللهُ أَكبر يُقطَعُ

الجِسمُ مِنكَ على التُرابِ مُهَشَمٌ

               وَعلى سِنانِ الرُمحِ رَأسُكَ يُرفَعُ

مِن بَعد وَعضُكَ بالكَلامِ مُخاطِباً

                 لِلقَومِ في القَولِ الجَميلِ وَتُسمِعُ

لكِنَ أبناءَ البَغايـــــــــا قَد أبوا

                           ألا بِقَتلِكَ نَفسُهُم تَتَمَتَعُ

ذَبَحوكَ عَطشاناً بِعَرصَةِ كَربلا

                وَدِماءُك الحمراءُ راحَت تَنبَعُ

ما ذَنبُ طِفلِكَ في المهاد وَنحرُهُ

                     بُسهامِ حَرمَلَةَ اللعينةِ يُقطُعُ

قَتَلوا رَسولَ اللهِ في ذاكَ الفَلا

                     قَتلوا بَتولاً والأميرَ الأنزَعُ

رَغمَ أتِصالَكَ بِالنَبي سُلالَةً

                     عَن قَتلِهم أياكَ لَم يَتَوَرَعوا

داسوا على أشلاءِ جِسمِكَ قَسوَةً

                   بَين الحَوافِرِ والثَرى تَتَوَزَعُ

سُبيَت عِيالُكَ سَيدي عُذراً أذا

                   قَد قُلتُ عَنهُم أنَهُم قَد رُوِعوا

خَرَجَت الى البَيداءِ خَوفاً تَرتَجِف

                 فَالقومُ راحَت بالعِيالِ تُجَعجِعُ

اهٍ لزَينَبُ قَد غَدَت في حَيرَةٍ

                   في ذلك المَوقِفِ ماذا تَصنَع

هَل تُطفئ النار التي قَد أُضرمَت

                     أم للأرامِلِ واليتامى تَجمَعُ

أم تَقصُدُ الجَسَدَ الشَريفَ بِلَهفَةٍ

                       تَحنو عليه بِدمعها وَتُوَدِعُ

أم تَقصُدُ العَباسَ كافُلُ رَحلِها

                 عِندَ الشَريعَةِ بالسَيوفِ مُقَطَعُ

ماذا أقولُ فَيا عَظيمِ مُصابكم

                 ولَهولِه قُلبُ الرَضيعِ سَيَجزَعُ

ماغابَ بَدرُكَ ياحُسُينُ وما أفل

                 في كُلِ يومٍ أنتَ شَمسٌ تَسطَعُ

سَيَظلُ أسمُكَ صَرخَةً جَبارَةً

                   تَهدي البَريَةَ والمَسامِعُ تَقرَعُ

ومآتم الاحزان في احداقنا

                     وقلوبنا تدمى اليك وتَخشَعُ

مادامَ أسمُكَ ياحُسُينُ يَقودُنا

                     لَلظالمينَ ونَهجِهِم لا نَركَعُ

***

مُخاطبة للحُجة المُنتظَر عج

ياغَضبَةَ الجَبارِ قَد طالَ المَدى

                 فَمتى الى الأنظارِ نورُك يَطلَعُ

أنهَض الى ثأرِ الحُسَينِ وَخُذ بهِ

                    فالظُلمُ في ظِلِ السَكينَةِ يَقبَعُ

***

اسماعيل العتابي

 

صحيفة المثقف(1) برميل

لما إنتقلنا إلى شقّةٍ أخرى، كان ثمة برميل خشبيٌّ حائل اللون ينتصبُ في ركنٍ مما يسمى مجازاً

حديقة، على صغر مساحتها، يستقبلُ ماء المطر المنسرب من المزريب . كان المستأجرون

قبلنا يستخدمون ماءه لسقي الزهر والآعشاب .

جارتنا الجديدة، التي تسكن فوقنا، قالت من شُرفتها المُطلّة علينا مُنبهةً :"أتمنى عليكم ألاّ تُبدّلوا البرميلَ، وإنْ بدا قديماً متهالكاً ... فأنه من الخشب الطبيعي، وهو أمرٌ نادرٌ في عالمٍ يمتليءُ

بمواد مصنعة تضرُّ بالطبيعة !"

البرميلُ كان فيه ماء، يزداد منسوبه كلما هطلَ مطرٌ، ويقلُّ في الصيف، يغدو مرتعاً لتفقيس بيوض البعوض، الذي تُصرُّ جارتنا على أنه (البعوض) جزءٌ من توازن الطبيعة !

هرمَ البرميل، فقد أكلَ الدهرُ عليه وشرِبَ – على ما يُقال ! – ولم يعد يقوى على حِفظِ ما به

من ماء، فراحَ يُسرِّبُ ما لا يقوى على حِفظه، عبرَ شقوقٍ في ألواح الخشب، مما أحال

التربة حوله إلى بُركةٍ من الطين، ما كانت تزعجُ أحداً ...

ذاتَ يومٍ لم يصمد أحد الألواح امامَ ثقل الماء وضغطه، فأنكسرَ وإندلقَ ماءٌ كثيرٌ في الطريق .

كانت بي رغبةٌ أن أستبدلَ البرميل المتهالكَ بحاويةٍ معدنيةٍ أو من البلاستيك المتين، لكن "تحذيرَ" جارتنا إنتصبَ أمامي ... ! أصلحتُ اللوحَ ورتقته بقطعة خشب، غير أنَّ المساميرَ لم تجد ما تتشبَّثُ به بقوّة .. فحزّمتُ بطنَ البرميلِ بسلكٍ، كي أُحكِمَ سَدادَ الفتحة .

بعدَ فترةٍ غيرِ طويلةٍ، تداعى لوحٌ آخر .. أصلحته وحزمته برباطٍ جديدٍ من السلكِ أيضاً ... تباعاً تداعت بقيةُ الألواح، وتسرّبَ ماءٌ كثيرٌ في الممررِّ الجانبي من الطريق .. فيما كانَ المارةُ يرموننا بنظراتٍ خاصة تشي بـ " لماذا لا تستبدلون البرميلَ العجوز ؟!"

مع مرور الوقت و"عمليات الترقيع " فقدَ البرميلُ شكله البيضوي، وظلَّ الماءُ ينسرب . ذاتَ

يومٍ إنهارَ، تداعت ألواحه على الأرض مثلَ خَرِبَةٍ هَدَّها زلزالٌ عنيف ...!

شيّعناه إلى حاوية النفايات الطبيعية !

على مدى سنوات عمره، كان يحتضنُ ملايينَ من قطرات المطر ... يحفظها للصيفِ، نسقي

بها الزرعَ والزهرَ .. حتى إنتهى كئيباً يستدعي الشفقة، مُفرَقَ الألواح ..!

إستبدلناه بآخرَ معافىً .. لكنه بقيَ مستوحداً هناك في الزاوية، فاغِرَ الفاه يحلمُ بقطرٍ يبُلُّ به

جوفه اليابس ...!!

***

(2) كائنٌ صوتي

هلْ مرَرتُم بحالةٍ من "القَرَف" لا تستطيعون فيها فِعلَ شيءٍ أو قولَ شيء؟!

سأحكي لكم عن " كائنِ صوتيٍّ " بأمتياز! لا هو صينيٌّ ولا فيتناميٌّ * إنه "بَلَدياتنا"

على ما يقولُ إخوتنا الفلسطينيون !

تجلسُ معه لتناولِ وجبةٍ .. يأكلُ بنَهَمٍ حيوانيٍّ، ملءَ فمه ... يُصدِرُ أصواتاً مُقرِفة لمّا يمضغ، فتضيعُ شهيَّتك، يُقرقِرُ كالبالوعة لمّا يشرب أو يبتلع شيئاً، يتمطَّقُ، حتى بالحساء ..

وحينَ ينتهي من الوجبةِ، يمسحُ فمَه بظاهرِ كفِّه، يتنفَّسُ بقوة، ينفخُ ويضرب صدره بكفٍّ مضمومةٍ فيتجشّأُ عالياً، ثم يُتبعها بـ " الحمدُ لله "!، يُرسِلُ بعدها بزفيرٍ حادٍّ ... كأنه إنتهى من مهمة شاقّة !!

عندما تتَطلَّعُ إليه مستغرباً، يتضايقُ فيقولُ لكَ :" مالَكَ تنظرُ إليَّ شَزراً ؟! يا أخي، دعني أستمتعُ بحريتي، فنحنُ ندفع فلوساً، وليس هناك مُتفَضِّلٌ علينا !"

...............

* الصينيون واليابانيون وكذلك الفيتناميون يتمطقون عندما يستذوقون طعاماً أو شراباً، فالتمطُّقُ عندهم عِرفانٌ

بمهارةِ الطبخ ...إلخ

***

(3) هكذا هو أنا

* لا أُحبُّ المشي مسافاتٍ طويلة.. فما عُدتُ أقوى على ذلك، لأنني مشيتُ ما يكفي لعُمرينِ أو يزيد، حتى أُصيبت ركبتايَ بعطَبٍ لا يمكنُ إصلاحه ..،

* أُحبُّ الجلوسَ فوقَ عشبٍ يانعٍ في حقلٍ فسيحٍ .. على ضفَّةِ نهرٍ أو بحيرة ..،

* لا أُحبُّ المَطَرَ .. يُذكرني بطفولةٍ كانَ المطرُ يحوِّلُ الأزقّةَ والدرابينَ إلى أوحالٍ تمنعنا من اللعبِ، فنلبثُ في البيوتِ نَلوكُ الضجر ..،

* تُسحرني زهرةٌ فوّاحة العطرِ، تتَشبَّثُ بصخرةٍ، عاريَةَ الجذور ..،

* أُفكِّرُ بالعبور إلى " الضفة " الأُخرى، وأتركُ خلفي " النقَّ " والفقرَ وكلَّ النَكَد، الذي يُكدِّرُ العيش ..،

* أُحبُّ الغناءَ في شوارعَ خاويةٍ ليلاً أو في الغابة، وأضحكُ من قاعِ قلبي، كطفلً، متناسياً

الناسَ في القطار لمّا أقرأُ كورت توخولسكي وقفشاته الحلوة، القاطعة كالسيف ..،

* لا أُحبُّ أقنعةً مطليَّة بالضحكِ، تستبطنُ الشرَّ، تَتَمترسُ خلفها وجوهٌ مُتجهّمة !

* أُحبُّ الرقصَ، لاسيما الفالص والتانغو، حتى إنْ لمْ أجد مَنْ تُراقصني، فأحتضنُ نفسي وأَضمُّ يدايَ حولَ وسطي، كي لا أقعَ أو أطيرَ بعيداً، بعيداً في المدى ..،

* أمقُتُ الخنوعَ والخيانةَ، وأحبُّ الحريةَ للآخرينَ ولنفسي ..،

* لا أُحبُّ، بل أرثي لكلِّ مٌتنطّعٍ ونَفّاج ...،

* أُحبُّ رائحةَ سريري، تذكرني بعطورِ أسرَّةٍ مرَّتْ بي فأسكرتني .. أدفُنُ وجهي في وسادةٍ

تنِزُّ برائحةِ الحُب .. فتحضرُ طيوفٌ لم تَتعبْ من النقرِ على باب الذكرى،

* أكره تبريرَ الإستقواءِ بالأجنبي، فالأوطانُ ليست مِلكـاً للحُكّام،

* أُحبُّ أنْ أُريحَ رأسي على صدرها، يحكي لي قصصاً، تُنسيني نشرةَ الأخبار، التي أُتابعها

في التاسعة مساءاً ..،

* أَتَلذّذُ بما يُصيبني من إنهاكٍ، بعدَ كلِّ إنتصارٍ... على نفسي ..!

***

هكذا هو أنا .. بكلِّ عِلاّتي !

أَلمْ أَقُلْ لكم، هي أشياءٌ عادية، تشبه المألوفَ،

لا تحتمل التأويل ولا طَلَب "الفتوى" ؟!

................

* الصينيون واليابانيون وكذلك الفيتناميون يتمطقون عندما يستذوقون طعاماً أو شراباً، فالتمطُّقُ عندهم عِرفانٌ بمهارةِ الطبخ ...إلخ

***

يحيى علوان

احمد ختاويما كان نوّابٌ 1 وطواطا َ.

حين هجا لامية العرب

وما كانت به تأتأة ..

وما كان الشنفرى ذِكْرا يٌتلى ..

حين قال :

أَقِيمُـوا بَنِـي أُمِّـي صُـدُورَ مَطِيِّـكُمْ

                     فَإنِّـي إلى قَـوْمٍ سِـوَاكُمْ لَأَمْيَـلُ 2

وما كان دحبور3من الرعاة

حين انتعل البحر

وشرب ماءه

من

البحر الى البحر .

من طنجة الى بحر العرب .

ما كانت الأرض شهباء ..

ولا عجوزا شمطاء

ساحرة ..

حين أصابتها التأتأة ..

حين أصابها رجع الصدى ..

وما كانت امرأة لوط من البغاة ..

ولا من جبابرة بعلها .. ..

أيا ابْنَ جلدتي ..

إن كنت "مسعورا "

أو كنتََ جنيبا

لا تغتسل بمياه دجلة ..أو طليطلة

لا تقرب ماءهما الأسن ..

ولا ماء نهر الفرات ..

قد تصيبك التأتأة ماأقمتَ بها ..

وإن كنتَ من رواد الاسواق ..

لا تقرب بلحا مغشوشا ..

ولا تأكلْ من السدرة نبقَها ..

إن كنتَ ذميما..

فالسدرة لا تقبل أحدا سواك

ولو كنت وسيما ..

شجر السدر لا يحتمي

الا الرقاة تحت ظله ..

ورّفْ - أيا صاحبي -

ظلك حيث تبغي ..

عروبتنا تسكنها التأتأة .

تسكنها الثرثرة ..

يسكنها رجع الصدى ..

لولا هذا ما قال الشنفرى:

أَقِيمُـوا بَنِـي أُمِّـي صُـدُورَ مَطِيِّـكُمْ

                   فَإنِّـي إلى قَـوْمٍ سِـوَاكُمْ لَأَمْيَـلُ

لولا هذا ما كانت أحاجي

جحا تشكو حلحلة ..

تشكو هي الاخرى التأتأة ..

***

أحمد ختاوي / الجزائر

.......................

هوامش

1- في إشارة إلى الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب .

2- تضمين البيت الاول من قصيدة الشنفرى : لامية العربية

-3- في إشارة الى الشاعر الفلسطيني المرحوم : أحمد دحبور .

 

عبد الجبار الجبوري1- أنتِ وجعُ حرفي وفضّةُ أيّامي:

يوماً،سترسو سُفُني في ميناء بَحركِ،فأوقظُ النجمةَ الغافيةَ على ساعديّك، لتُضيءَ لي عُتمةَ أيّامي،وتفركُ عيونَ صَباحي،وتُفلّي شَعرَ كلامي،وتُقبِّلُ شِفةَ حرفي، وتعيدُ لي طقوسَ غَرامي،أنت سماءُ الكلامِ، وفضة الشوّق المنقوشةُ، على صفحات روحي، وفضّةُ أيامي، وأنتِ دمعةُ قصائدي، قصائدي التي تُزهّرُ بين يديّك غَراماً فوق غرامي، غداً سأوقدُ كلَّ قناديلِ العشق، حين تُطليّن،من كُوّةِ روحي، وتُلقيّن السلامَ على سلامي،ياوجعَ المسافاتِ التي تَعبًرّينها الى قلبي، بين صحراء وجَعي، ويَباسُ هُيامي، ياكلَّ كُلّي، ويا نبْضَ نبْضيْ، وسُقم عظامي،تعالي كي تَخضّر روحي العطشى، وتعْشِبُ دقّات قَلبي، ويرقصُ طرباً غصنُ كلامي، ها أنا أهذي، إعتبريني أهذي بحبّك ألآن، حتى تلتقي الشفتان، ويتعانقان الشمس والقمر، وتُناجي أرواحُنا بعضَها،تحت ظلِّ حرفي، وتضحك العصافير فوق الشجَر، ها أنا مُلتّاعاً، أنتظر الليّلَ، كي أرى الليلً،مرسوماً على شفتيك، غداً يكتمَل القمَرُ، ليصيرَ وجهُك في روحي بدراً،وترحلُ الغيوم الى عينيك، لتُمْطرَ فَرحاً،فرحا ًترسمُه القُبُلاتُ على شفتّيك، فتعاليْ ياسماءَ كلامي، ويا فِضّةَ أيّامي، لأفرشُ لكِ،قلبي سجّادةً،ورُوحي عَباءةً، وقصائدي خيمةً ....لتكونينَ ومضةً مقدسةً في حضرة الكلام..

 

2- أنتِ بمنزلة قلبي

أمسِ، حين رَحلْتِ،وَجعٌ من شَجرِ القَلبِ تشظّى، جفَّ النهرعند قدمّيكِ، وبَكى الليّلُ،وإمتلأتْ روحي بهمسِ القُبَل، وحينَ رحلْتِ،تَلّفّتَ القلبُ إليكِ وإنكسفَ القَمر، وغِبْتِ في دوائر الضباب،أنتِ بمنزلة القلب مني، بمنزلةِ وجعي، بمنزلةِ قصائدي التي تلهّجُ بإسمكِ،بمنزلةِ السماءُ للقمر، ومنزلةِ الليّل للنجوم، ومنزلةِ الشمس للأرضِ، والأرضُ واقفةٌ عن بابكِ، بابُكِ الذي أوصدْتُهُ الرِّيحُ بوجهي، حينَ ضجَّ الكَلام،وسادَ ذلك اليوم الظلام، رأيتُكِ أوّلّ مَرّةٍ على صَهوة الحُلُمِ، فأفقتُ،وجدتك ترحلين وراء الأُفق، وخلفَ التلال البعيدة، حزينة وحيدة،فبَكيتْ، كانتْ غزالاتُ صدرك،تلّهثُ من العَطش، وكنتُ ألهثُ من العَطش، فإلتقيّنا عند رصيفِ الشِفاهِ غريبين، نَعْلكُ أسى الطريقْ، ونوقظُ مساءاتِ البَعاد، تعالَ ياقمرْ، تعالَ يا قمرْ، ولاصَدىً يُعيدُ للبحّرِ أمواجَه، وللطّير أعشاشَها، وللعصافير زقزقتَها، وللسماءِ نجومَها، ولقلبي سماءَك، بَلى فأنتِ بمنزلةِ قَلبي، بل أنتِ شهقةُ قَلبي،تنامين بين عيونه، فلترقصُ شفاهُكِ لهُ رقصةَ البَحر، فترحلُّ النجومُ ويضحكُ القمَرْ....

 

3- الليل في عزلته الاخيرة

ينامُ الليّلُ وحَيداً،على سريرٍالبحر، يرتدي قميصُ الشوق،ويَحلمُ بشفاهٍ مُزينّةٍ بأحمرِ الشِفاه، وشالٍ أحمرَ كالجُنون،يسكبُ فوقهُ مسّرةَ الحنين، كانَ الليّلُ غريباً وكنتُ غريباً، وكانتْ تُلوّنُ نَهاري بأحلى القُبَلْ، حين طَلّتْ ذات فرحٍ أبيض كقلبي، من وراء الغيوم، ترّتدي وجعَها المنقوشَ على بياضِ السمّاء، ولا بياضَ سوى وجهِها الملائكي، وعينَيها الواسعتين، كبحرٍ بلا أمواج، وقامةٍ تطاول السّماء، ووجعٍ يحفرُ في الروح،دروبَ المساء، أنت يا وجعَ روحي، أنتِ يا سماءَ قصائدي، أنتِ ياقِبْلةَ أيّامي، ومعبودةَ شفاهي، شفاهي العطشى لأحمر شفاهِكِ، وأحمرَ شالِكِ، وأحمر أحزانكِ، وأحمرَ سمواتِكِ البعيدة،كلُّ شيءٍ، فيكِ يُزينُّه اللوّنُ الأحمرُ،حتى ضحكتُك المُجلجلّة بروحي حمراء، ياااااااااااااه كمْ أتعّبني الرّكّضُ خلف ضحكتِها، وهي تتغّنجُ بها قُدّامي، وتُمسِكُ حروفي، وتقودها(عُنوّةً)،لتُقبِّلَ خَطو شفاهِها، وبُحّةَ صوتِها، وقمرَ سمائها، ولفتةَ عينيّها، وعسلَ بوّحِها، وشَبقَ إبطيّها المُعشوشّبين بنارِ الكلام، خَفّفْ أيُّها اللّيل الوَطْءُ، فهي تعزف على وترِ أيّامي،لحناً حزيناً إسمهُ الغِيّاب،وتَحلُمُ بنجمةِ تائهةٍ، على ساحل الزَّمان، تِهْ أيُّها الّزّمان، هاهي المرأةُ المشتهاةُ، توقظُ الحُلْمُ، وتُعرّي الذكرياااااااتْ، ليسَ لي سوى،أن أغلقَ نافذةَ أحلامي،وأقولُ لها أُحبُّكِ،رغمَ الزّعلِ،ورغمَ عزلة الليّل الأخيرة.... سلاماً أحبك وكفى.....

 

عبد الجبار الجبوري