مصطفى عليعلى سُفوحِ النُهى والطورِ أوقفني

                فجراً وزلْزلَني في صورِهِ العاتي

كاشَفْتهُ فاسْتَوى نوراً وكاشفني

             لا التينُ غطّى ولا الزيتون عوْراتي

ناديْتُهُ يا أنا! رَدَّ الصدى فَمَحا

                      ظِلَّ المُنادي بأسْرارِ المُناداةِ

يا زارِعَ التوتِ في أقصى غِوايَتِنا

                  أخْصفْ لنا وَرَقاً سَجْفاً لِسوْءاتِ

أ كُلَّما غَرّدَ الوِجدانُ في وَلَهٍ

                    خالوهُ مُبْتَدِعاً يهْوى الرطاناتِ

وَقيلَ ذَا مارِقٌ يهذي بِهرْ طقةٍ

                تحْتزُّ في هيْكلِ الموْروثِ ثغْراتِ

وَجيئ بالنطْعِ والسيّاف يسْبِقُهُ

                    وَواعِظٍ يسْألُ الزِنْديقَ (تاباتِ)

أهْلُ العقائدِ راموا في وسائلِهم

                    رَهْنَ الحقيقةِ في أقوالِ أمْواتِ

تَوَهّموها أسانيداً مِكبّلةً

                       في حَبْلِ عَنْعَنَةٍ حُبلى بِآفاتِ

كم أخطأوا رَمْيَةً حتى إذا إجتهدوا

                  شَنّوا على مُنْكِرِ التَقْليدَ صوْلاتِ

شمسُ الحقيقةِ في الوجْدانِ مطلعُها

                    في طيْفِ ألوانِها سِرُّ الكِناياتِ

مِشْكاتُها أشرقتْ للعارفينَ سنىً

                  ثُمَّ إسْتَحالوا لشمسِ ألحقِّ هالاتِ

تَوَضّأوا لوْعَةً في نورِها ونَسوا

                 سَعْيَ الأوائلِ في حَلْبِ الرِواياتِ

خاضوا بُحوراً على شُطئانِها وقفت

                فَوارسِ الوحْي حُرّاسِ الرِسالاتِ

تعمّدوا في لهيب الوَجْدِ وإنطلقوا

                     رُهبانَ معرِفةٍ جذلى وقاماتِ

السالكون طريقَ الحقَّ ما فتئوا

                    صرْعى بِأودِيَةٍ شتّى وغاباتِ

يُعانقون تخومَ الغيْبِ في وَلَهٍ

             وَيشْهدونَ خُطى الماضي الى ألأتي

يا أيُّها الشاعِرُ المأخوذُ ضَعْ بِدَمي

                   سِرَّ الطريقةِ أو جمرَ الكراماتِ

علي أرى طيْفَهُ المحجوب عن بصري

              في مِجْهرِ الحدْسِ لا سُكْرِ الثُمالاتِ

من وحْي كشْفٍ ومن ذوقٍ وخاطِرةٍ

              في قلبِ مَنْ سَلَكوا أودعْتَ شاراتِ

قل للفقيهِ الذي أفتى بزندقتي

                أعماكَ حُبُّ الأنا عن صِدْقِ نِيّاتي

إنَّ اليقينَ الذي لُقِّنْتَهُ تَرَفاً

               خطّاهُ في مهجتي شكّي و(لاءاتي)

دعْ عنكَ زندقتي وإشرب دَوارِقَنا

               من كوثرِ الروحِ ملئى بالفيوضاتِ

***

قُلْ للسُراةِ الأُلى تاهوا بحيْرتِهم

                    إني أرى قبساً بالغيْهبِ الشاتي

آنَسْتُهُ مِثْلَما هامَ الكليمُ بهِ

                في التيهِ فاشْتعلتْ روحي كَمشْكاةِ

كُنْتُ المُعنّى بأهْواءٍ مُشتَّتَةٍ

                   مُذْ لاحَ لى طيفُهُ لَمْلمْتُ أشْتاتي

كان التعلّقُ بالتمثالِ يحْجُبُني

                عنْ ومْضةٍ بَرَقتْ في وَجْدِ نَحّاتِ

فلاحَ لي في المدى نورٌ بهِ إتّقدتْ

              بصيرتي وإنتشى قلبي بِ (أوقاتِ)

قُلْ للّواتي سلبْنَ اللُّبَّ مَعْذِرةً

              هشّمتُ كأسَ الهوى في قيدِ مولاتي

في راحتي سُكِبتْ راحي فما صَهِبتْ

                  ومن دِنانِ الطِلا أغرقْتُ حاناتِ

حيْثُ النوادلُ والنُدمانُ قد غرِقوا

                 مُذْ طَلّقتْ مُهْجتي لهْوي وملْهاتي

***

وغائبٍ عن حِمى ليلى لَهُ إنسكبتْ

                 من جانبِ الطورِ ألاءُ السمَاواتِ

قَالَ أُمْكُثوا هاهُنا فَعَوْدتي مَطَرٌ

                 تسقي العطاشى لنورِ أللهِ كاساتِ

كَحالِبٍ ثَدْيَ معنى الغيْبِ أنْبِذَةً

                 وعاصِرٍ فَوْقَ كَرْمِ اللوحِ غيْماتِ

في البُرجِ من فَلَكِ الأسرارِ مُغْتَبَقي

                  في وهْجِ أنوارِهِ يُخْفي العلاماتِ

يا مَنْ تَرى عَوَزاً يكسو أدلّتِنا

                دعْ ذَا الدليلَ لهم وإحْصِد دلالاتي

إن باهلوكَ الأُلى ذَمّوا طَريقَتنا

            فأرشفْ طْلى لُغتي وإصْطدْ إشاراتي

سِرْنا طريقاً بدأناهُ بتوْبتِنا

                       حتى الفناءِ بِينْبوع النُبوءاتِ

ثُمّ الإياب لِدارِ الحقِّ أُغنيةً

                     تهمي بُروقاً على أنغامِ أوْباتِ

فما إستراحتْ من الأسفارِ قافلتي

                    تحدو ويُسْكِرُها طيُّ المسافاتِ

ففي الفراقِ عِناقٌ لسْتُ أجهلهُ

                       وفي الفناءِ بقاءٌ دُونَ ميقاتِ

غيبوبةُ السُكْرِ ما أبقت لنا أثَراً

                  في حانةِ الخلْقِ أربابِ الولاءاتِ

حتى إذا فَنيتْ فيها مُدامَتُها

                 عادتْ بِنَا الحال من مَحْوٍ لِإثباتِ

ما قوتُ قلبي سوى ياقوتِ موْجِدَتي

                 وكأسِ ذِكْرٍ بكى خمري وأقواتِ

من اللسانِ سرى حتى الجِنانِ كما

                يحدو السماعُ بِمَنْ صَلّى بِإنصاتِ

والنفسُ لا تَمّحي حتى ترى وتعي

                        للحقِّ في طينِها هُدْباً لآياتِ

تطوي المنازلَ إذ ترجو معارِجَها

                       ضمْياءَ راوَدها نبْعُ البداياتِ

عوْدٌ على بدْأةٍ فالأصْلُ منْهلها

                        بدايةٌ تشتهي شهْدَ النِهاياتِ

فالعوْدُ أحْمدُ إن عادتْ لِفطْرَتِها

                 هل أنكرَ القطْرُ عوْداً للمحيطاتِ

 

تبقى (أنا ألحقُّ) للعرْفانِ منقبةً

                هيهاتَ يفهمها أسرى هوى أللّاتِ

***

مصطفى علي

 

منصر فلاحتنداح بي هاهنا دوامة المنفــــــى

وفي شفاهي يضج البحر والمرفا

.

مشردٌ في قفار الموت سيدتـــي

في كل ترنيمةٍ أستنهض الحتفا

.

لا النزف في أَحرفي يسلو ولا وطني

في خافقي يرتضي أن أترك النزفـــا

.

عواصف التيه تمحو شكل خارطتي

تُمَزِّقُ الخَطْوَ إِنْ نَسْفَاً وَإِنْ قَصْفَــــا

.

صنعاء رغم جفاف اللحن تعرفني

أنا المُعَنَّىَ الَّذِيْ قَدْ أَدمَنَ العَزْفَــــا

.

رأيتها والـــــــــدجى يُلقي تمائمَهُ

والضوء في ثغرها يستفتح الرشفا

.

كفكرة من ثقوب البــــــوح ترمقني

من ذا إلى حرفها يستقريءُ الحرفا 

.

ماذا أحدث والآلام ياوجعــــــي 

قصيدة خالفت في حزنها العرفا

.

كل الجهات على خبزي تراودني

وتشتهيني حصارا يخنق الوصفا

.

أنا الذي ما شكا جورا ولاعنتا

ولا يراعي أتى يستلهم العطفا

.

حَتَّى الأعاصير في فنجان قافيتي

ما أوهنت في دمي ساقا ولا كفـا

.

أصافح الريح , أعدو فوق لاهبتي

فأضلعي من غضى نيرانها أدفــا

.

لازلت أعدو لعلي حين أدركهـــا

في حفلة الغيم وشفا يغسل الوشفا

.

سحابةٍ من لمى "آزال' تمطرني

وقفاً على بدئها أستعذب الوقفـــا.

.

الوشف =زخات مطر خفيفة متقطعة.

آزال =صنعاء.

**

الشاعر منصر فلاح - صنعاء

 

قصي الشيخ عسكرلو أدركني النوم إلى حلم غريب لوجدت أن عين البصرة العملاقة أصبحت تسيل بمصابيحها على الماء فتصل خيوطها اللامعة الى بستاننا في ضفة شط العرب. كانت المتناقضات مع افتتاح مدينة الالعاب والعين السحرية تجري من حولي متقابلة يصدم بعضها بعضا، لولا الصداع لوجدتني حقاً في حلمٍ غريبٍ عجيبٍ . الشوارع اللاهثة تحت الأزبال ونصوع (المولات) الجديدة والعتمة التي تشمل البيوت تذوب في بريق الأسواق الحديثة ومدينة الالعاب ثم الغياب المفاجيء لقريبي الذي يأتي بفكرة عن مشروع من بغداد أو خلال زياراته إلى دول الخليج وأوروبا، وإعراضه عن الحضور لافتتاحِ أيِّ مشروع بحجّة تكليفه في سفر رسمي .

قلت أجسّ نبضه قبل السفر بفكرةِ الهدد الجديدة:

- ما رأيك في أن نعمل من مدخل البستان الفارغ حديقة حيوانٍ صغيرة؟

- هذا امر يحتاج إلى تأمّلٍ، معنى ذلك يشير إلى تحركٍ وسعيٍ، وهذا يدل على أنك تضع رِجْلك في الموضع الصحيح!

كان المحافظ يقصّ الشريط نحيط به نحن الملاحظين. أخي انتهج السلوك ذاته يوم انضوى تحت مظلة الجماعة فنزل عن رتبة مدير وأصبح يسافر كثيرا، أحيانا ينسى أن يمرَّ على والدي فيودعه قبل السفر، أما أنا فقد فكرت بالسفر للعلاج اخترت تركيا وإيران ومرت بخاطري الهند . زرت أطباء عديدين فأكدوا أن لاشيء لا سرطان ولا ورم . ربما هي الشقيقة، مع ذلك بدأ وزني يهبط ولاح ذبول على وجهي وبقي الصداع المتفاقم ينتشلني من تلك الأحداث المتناقضة الهائلة السرعة التي لا تتحقق إلا في الأحلام .

كنت في مكتبي والوقت لما يزل مبكرا على المغادرة إذ أنهينا مسح أراضيَ من البوارين إلى الصالحية وعلمت أن اليوم افتتاح المدينة ولم أُفاجأ بسفر قريبي كما لم أفاجأ بتفاقم الصداع . أمرت السائق أن يجهز السيارة وفي بالي أن أمر على الدكتور . لا شيء . قلت ذلك غير مقتنع . صداع وليس وهما . الأشعة والتحاليل تؤكد أن لاشيء. وسوف أتناول حفنة من الأسبرين والمسكنات. مادام لاشيء خطر فلابد أنها الشقيقة . داء لا دواء له . وقبل أن أغادر مكتبي طرق علي الفراش الباب . فوجئت بحشد من أهالي شط العرب ذوي البساتين المحروقة . محسن النبهان، علي إسحاق، كامل الأعسم وآخرون في دهشة من أمرهم . ملاك اراض وبساتين طحنتهم حرب الخليج الأولى وابتلعت أراضيهم التي اختلطت على مشارفها الجثث بألغام، وشخصت عندها الجذوع كشواهد قبور، نخل محترق وحصاة زاهية الألوان غفلت عنها العيون . ضاعت ولا أحد غيري يلتفت إليها . كانوا التمسوا المحافظ في أن يفرز الأرض ويشق أنهارا طمست ليتركوا العشار ويرجعوا إليها، أما تقرير المحافظة فقد أنكر القرى الهالكة . لا قريةَ تُدعى الدعيجي ولا سجلات تثبت أن هناك بساتين اسمها نهر جاسم، وإن احتفظ بعض ملاكي الأرض بأوراق ملكية صفراء باهتة تطاولت على الزمن . كان البَرَم يلوح على وجه العم محسن. لم يكن المحافظ في مكتبه، وصالح مازال في بغداد، ولعله قصد مكتبي ليعرف نتائج المساحة التي نكاد نفرغ منها . توقعت أن يصنفني في قائمة الذين يتوجس منهم خيفة فأنا رئيس الملاحظين والمشرف على عمليات المسح، وعلى الرغم من بَرَمِه إلا أنني لا أجد أيَّ انكسارٍ على وجهه، رجل لايقرّ بالهزيمة، ويظنّ عن حسن نية أن التسويف لاينفع معه ولا يجعله يلين، قال:

- ياولدي هذه فرصة لتستعيد الأرض عافيتها منذ العهد العثماني والولاة علىالبصرة غرباء، المحافظ ليس من البصرة غريب عنها لا يعرف أيّ شيء إلا أنك من كردلان وابن عمك صالح من الصالحية يعني ذلك أنكما تدركان ماعانته البساتين منذ الحرب الأولى!

وقال علي إسحاق الذي استمد حماسه من محسن، متذمرا:

- أليست مشيخة بني تميم كانت في كوت سوادي قبل الحرب ألم يكن شيخ العيدان في الصالحية وكوت الجوع؟

- واندفع آخر لا أعرفه:

قبل الحرب ظلت الإذاعة والصحف تتحدث عن محور نهر جاسم وعرب بني تميم والعطب والقطارنة أكل ذلك كان لاشيء!

فقاطعت ليكون جوابي مهدئا :

- لا بد أن يكون هناك التباس في الموضوع . أنا نفسي خرجت مع لجنة المساحة التقارير جاهزة حتى يعود السيد "صالح"ولن يكون إلا خيرا!

لا أدري كيف ستحل المحافظة العقدة . القرى غرقت . غطتها ملوحة الماء الصاعدة مع المدّ فتطاول رأسا النهر بمطارق وألسن أضحت مستنقعات فَتَحْتَ الماء جثث وفوق التراب حصى . يقال كماشاع أن تركيا تضخ لنا ربع الماء . ولن تعود القرى إلا بشق الأنهر والأنهر لن تكون إلا حين نبني سدّا والسدّ لا تقبل به إيران ودول الخليج !

حكاية مدورة تبدأ من حيث تنتهي وتنتهي من حيث تبدأ .

حالما خرجوا غادرت إلى الطبيب، النتائج نفسها، والتطمينات . أحسّ صداعا، والعلم يقول لاشيء . أكاد أحارب دوامة مجهولة:أسمع انفجارا عند أسد بابل يؤكده الجميع، ويؤلمني رأسي ليكون بعدئذٍ لاشيء . هناك نية السفر إلى الهند لأتاكد من سلامة رأسي . وصلت البيت فوجدت الهدهد يغني مسرورا . بعد شهر من الصمت في القفص بدا يغني ويتراقص على العارضة . لمحت الحبوب فوجدته التهمها بشهية مفرطة:

سألت:

- أية ساعة بدأ الهدهد يغني!

قالت أمي:

- وقت الضحى!

وعلق أبي:

- نريده أن يسكت فلم يسكت.

- لولم أسمعه يغني في الفخ لظننت أنه أخرس!

أجابت أمي:

- بعض الطيور تحتاج مدة طويلة حتى تألف المكان بالأخص إذا كانت وحيدة في قفص.

ضحك أبي وقال:

- أتظنه ذكراً أم انثى!

- لا أدري.

عقبتُ وقالت أمي:

- أظنه ذكر.

- خذه إلى سوق الطيور سيعرفون جنسه هناك وابتع واحدة له!

تجاهلت كلام أبي وألقيت ملف الأشعة على المنضدة فوق جرارٍ ملأته بالحجارة النادرة وسبقت أبوي اللذين شغلتهما معي حكاية الهدهد:

-لاشيء إنها الشقيقة وفق رأي الأطباء! قد أسافر إلى الهند للعلاج"والتفتُ"إلى أبي:ابن عمك محسن النبهان كان عندي في المكتب !

- حقه والله حقه الحكومة السابقة منحت كل عائلة تركت أرضها بسب حرب إيران مائة دولار بالشهر ماذا تفيد مائة دولا ؟" ومطت أمي شفتيها" ماقيمتها الآن سبحان الله اصبحنا نحسب بالدولار!

تحدث أبي بطيبة متناهية عن ابن عمه الذي دخل بأكثر من صراع معه خرج منه خاسرا بدءا بالتجارة وضمان الاراضي ثم منافسته إياه على حب أمي لكن جدي فضل أبي عليه، وأخيرا منزلة أخي في الحزب قبل السقوط ومركزه الحكومي، وكان بعد زيارته لمكتبي يظن الصراع الحالي لا بينه والمحافظة بل يُدْخِلُ فيه صالحا النبهان وربما عائلتنا، وكان محسن النبهان من شدَّةِ غيرته وحمقه يُفْلِتُ كلمات قاسية بحق عائلتنا:

- يا أبي القضية أبعد مما تصور إنه يريد أن نفصل الأرض كما كانت قبل الحرب مع إيران فنعيد الانهار والبساتين إلى عهدها السابق!

- دعه يحلم. كان الله في عونه!

8 عواء

وأظنني لست أحلم.

فهل كان الهدهد ينغص عليّ نومي، وقد تيقنت تماما أنه غنّى في النهار وصمت خلال الليل.

تلك الليلة كان نومي متقطعا فرحتي برجوع الهدهد إلى الغناء جعلتني أتناسى ولو إلى حين بعض الألم والدوار فلا بد أن أرتب أوراق سفري إلى الهند فأعالج نفسي وإن لم يكن هناك من شيء ذي بال سوى الصداع، فهل كان الهدهد ينغص علي نومي . يلعب معي لعبة جديدة . يغني عندما أغفو ويصمت حالما أستيقظ. نهضت من فراشي وأنرت المصباح، التفت اليه فوقعت عيناه على عينيّ، رفع رأسه يحك قنزعته بالسقف، وتخطى باتجاه الحَبِّ المتناثر في القفص . تيقنت من صمته . وانتبهت إلى أن هناك صوتا آخر أيقظني من نومي المريب . أنين أو شبيه به، أصغيت فتبينت عواء ذئب أقرب للأنين. ما أسمع يأتي من بستاننا عند السياج البعيد عن حافة الجرف . عند حافة الساقية من ناحية البرّ. عواء لاريب . ذئب في بستاننا . تواصل العواء متقطعا بضع دقائق ثم سمعت نباح كلاب من بعيد . كيف تخطى الذئب حافة البرِّ الخالية من الألغام . من قبلُ وحتى هذه اللحظة تهامس الاهالي أن الذئاب اتخذت من بعض حقول الألغام مأوى لها، وكانت الكلاب قبل حرب الخليج الأولى شرسة تحمي بساتيننا من الضباع والذئاب والثعالب وبعد الحرب وفي الحصار تهجنت. أضحت تختلط بالناس وتتزاوج بالحفر التي عملها الجيش الشعبي والحزبيون لصد التحالف فأضحى الشامتون يصفون الكلاب السائبة الكثيرة . بالرفاق اسمع نباح كلاب وأشك في أنها تتعقب ذئبا أوتُعنى بثعلب . عليّ أن افتح الباب الخارجي وأتنكب البندقية . كان هناك ظلام فعين البصرة أطفأت أنوارها ورصيف الداكير قَبِعَ في عتمته المألوفة كلَّ ليلة، فهجعتْ تلك الساعة ضفة العشار تحت ظلام مريب. سرت نحوخاصرة البستان المطلة على السبخة عند شجرة سدر كبيرة. الظلام جنبني أن أقع في مصيدة . كأنما الحباحب . شيء ثابت يلمع في الهواء . وعند العينين الراسختين في الهواء عاد العواء ينطلق بشكل حاد. ز زمجرة بوجهي ونداء قصير . ظهري يحتمي بشجرة السدر . .

أعترف لنفسي ان شيئا من الخلف استفزني .

بعض الهلع نعم . .

خوف. لا أنكر . ظهري للسدرة ويدي على الزناد .

 . ربما هي هواجس وريبتي من الظلام . أهل التنومة يقولون أبناء الدعيجي ونهر جاسم وكوت سوادي أشجع منكم. هناك البساتين حين يغيب القمر يغطيها ظلام مطبق لكن الضوء يأتي إلى بستاننا من أضوية العشار المتراقصة على صفحة الماء، ويتسرب إلينا من شارع الساحل الهابط من التنومة وبستان الشعيبي أو ضفة العشار حيث ترسو البواخر قبل حرب الخليج الأولى. هل أطلق رصاصة نحو الزمجرة والعينين اللامعتين ولو فعلت لتوارى السكون ونغصت على أبويّ نومهما ولابد بعد ذلك من أن أواجه تساؤلات أحارفي الجواب عنها.

لكنْ

ليكن مايكون فعند الصباح أعثر على جثة ذئب في البستان أو أيِّ أثر من دم يشير إلى زيارته الغريبة.

جثوت على ركبتي ورفعت البندقية إلى كتفي . كنت مصمما على أن أطلق النار، ولا أنتظر . غير أن المخلوق القابع في الظلمة انطلق أسرع من البرق . لمحت عينيه تطيران في الهواء. سمعت رفرفة خشنة بعدها. ربما حمامة أثارتها الحركة المريبة . ثم خيم السكون لحظاتٍ تلاها من رطوبة السواقي صرير جندب ونقيق ضفادع عندئذٍ تأكدت تماما أنَّ هناك ذئبا اجتاز البرَّ الذي بموازاة السبخة إلى بستاننا وانطلق يعوي على مسافة من الكلاب، رجعت إلى المنزل فوجدت كل شيء ساكنا، فاستلقيت على سريري ثانية دون أن التفت إلى الهدهد .

وفي الصباح نظرت بريبة إلى والديّ اللذين لم يحسا شيئا . ولاريبة في نظراتهما إليّ . حركتي الليلة الماضية مرت بسلام، فقالت أمي وهي تدير كأس الشاي:

هل خف الصداع ؟أنمت مرتاحا؟

قال أبي وهو يلوك اللقمة:

دعيه أنا أعرف سرّ صداعه ولدك لا ينفع معه إلا الزواج!

ضحكت وقلت: كل شيء بأوانه!"زدت ممازحا دون أن أدري لِمَ خطرت لي الفكرة وإنكانت تافهة"مع ذلك سأقبل فورا من دون قيد أو شرط إذا وافق عمي الشيخ محسن النبهان أن يزوجني إحدى بناته !!

قلت عبارتي وتطلعت بوجه أمي التي قالت:

دعك من هذا الكلام شيخ من قال ذلك؟الحاج محسن شيخ آل النبهان . لا شيخ يستحق المشيخة إلا جدك رحمة الله عليه!

أما أبي فقال مواسيا: سيكون هذا زواج مصلحة بين المحافظة والشيخ محسن أما أنا فأرى أن يكون زواجك بعد أن تبتاع أنثى للهدهد!

معهما وذهني مشغول بالبستان، أتتبع على ضوء النهارالساطع أثر العينين اللتين حلقتا نحوي في الظلام. يتداول الناس حكايات عن ذكاء الذئاب لكنها كيف تستطيع أن تمحو آثار أقدامها . قصدت المكان ذاته جلت في الساقية، وعند نهاية البستان بحثت في الحشائش والحلفاء . ربماعثرت على لزوجة ذات بريق تركها قوقع على الحشيش وليس من أثر لأقدام ذئب . ثمة في ذهني أمر آخر . الهدهد اصطدته بيدي، فلم لا أعيد المحاولة . إن كان ذكرا عثرت له على أنثى وإن كان أنثى قدمتُ بذكر . لأنس قليلا زيارة الذئب المفاجئة لي ليلة أمس . أذهب إلى المكان نفسه . فرحي بصيد عوضني عن طيور جميلة . جعلني لا أتذكر الشباك على الأرض سأعود لها أنثر فوقها بعض الحبوب والدود.

يمكن أن أسميها لعبة الطيور . .

هكذا نويت، وإذا بي أبصر في المكان نفسه مشهدا مقززاً . قد تبدو جريمة اقترفتها ولم أقترفها في الوقت نفسه!

ليست هي الطيور الجميلة الغريبة التي حالما تضعها في قفص تمارس الانتحار!

كنت أقف على مجزرة مروعة . بقايا عظام وريش وآثار أقدام غريبة . قد تكون لقطط بريّة وضباع وثعالب . ما يقع عليه بصري في النهار يختلف عمّا حدث في الليل. كنت وجها لوجه مع الذئب . وماوجدته هو بقايا طيور وقعت فوق شباك نسيتها في مكانها . عالجت طويلا عبثا لتتخلص حتى جاءت وحوش البر فمزقتها، وإذا بآثار دماء جافة على المكان وبقايا عظام وريش متناثر تلفَّعَ بالطين والتراب ففقد لونه وتلاعبت به نسائم الليل وزمهرير النهار . اختلطت البقايا ببعضها فلا أثر يدلني على أن الطيور الجميلة الزاهية الألوان التي تنتحر بالاقفاص وقعت في الشرك . ربما سقطت . كل شيء محتمل . ولا نأمة في المشهد الميت الساكن ذي البقايا من ضحايا الطير إلاّ البقر العائم، وطيور الرخيوي والغواص .

إذن مارست القتل عن بعد دون أن أدري، ولو أني وددت أن أرى الطيورالغريبة التي لا أعرف اسما لها أن تضرب رأسها بقفصٍ آسِرُها فيه ربما أرق لها فأطلق سراحها . قد لا أرغب أن أتابعها وهي تقترف الموتَ. بسببي. كانت الشِباكُ ملوَّثةً مشوَّهةً. كأسنانٍخرة . تلك اللحظة خطر بذهني الهدهذ الذي جاء للشبك وحده فأسرته. جئت لاصطاد له أليفا. لن آخذه لسوق الطيور فأعرف جنسه ولن أبتاع له ذكرا أو أنثى على الأقل في الأيام القريبة القادمة.

هل يمكن أن يكون من بين الطير الممزّق في الشباك المنسية طائر هدهد؟ كلّ شيء محتمل!

حدثت نفسي بذلك الحديث وغادرت المكان.

9 - عواء

زار عمنا محسن النبهان المحافظة بعدعودة قريبنا"صالح "من سفره، رأيتهما يخرجان من مكتب السيد المحافظ وفي آخر مرة بدا التجهم على وجه الجميع بصورة تنذر بوقوع حدثٍ لا أستطيع تأويله والتكهن به: الضيوف والمتحدث باسمهم قريبنا.

قرأت الشرر في عيون الجميع .

وهناك وعيد .

الوحيد الذي خرج بوجه دونما ملامح الكبير "صالح". انفردت به في الغرفة فانقلبت سحنته إلى غضبٍ عاتٍ . كل آل النبهان لي فضل عليهم أما هذا فقد غامر في قضية خاسرة لا أمل فيها!

قلت أخفف من حدته وتذكرت قصته في حب أمي:

- دائما هو هكذا يغامر بقضايا خاسرة منذ خلقه الله!

والله أشعر أن هناك دافعا ما يحركه ربماحسد الاقارب في بعض الاحيان الأقارب عقارب أتذكر يوم حمل عليكم زمن النظام السابق.

- لم ارتح لعبارته فقاطعت:

- لا تنس أنه عمي وعمك!

فنهض من مكتبه وخفض صوته

- هذا عمى وليس عمّا . هاهو يدخل في عداء مع المحافظة يعني عداء مع بغداد وذلك معناه أنّك تعادي إيران وامريكا ودول الخليج فضلا عن تركيا يا أخي مجنون!

فتطلعت إليه بنظرة لائم:

- اعتقد أنك تبالغ!

- لا أبدا أنا خائف عليه أنظر إلى الأرض من الداكير إلى الخورة فالقصور الرئاسية أصبحت جنة والأرض من البوارين على الضفة الأخرى إلى كوت الجوع لها تقدير آخر ربما معامل حليب وورق أما عمك هذا فيريد ان نعيد البساتين والقرى إلى ماكانت عليه ولا يفهم أن النخيل انتهى زمنه . مات . هل يمكن ان يعود ميت للحياة!

- والحل هل أبعث والدي إليه يقنعه؟

- أبوك؟من أبوك بالنسبة إليه . منافس قديم . هه إنه تيس لا فائدة منه ليقبل بتعويضٍ مجزٍ ليقنع الحشد الذي معه بتوافق ما . لا أخفيك أخشى أن تكون المحافظة رأت فيه عدوا "صمت برهة وواصل" أناخائف عليه لا أريد أن نفقد أحدا من آل النبهان!

تهديد أم مجرد توقع . تلميح . الحق إني توقعتها مبالغة من قريبي الذي ودّ أن يقبل آل النبهان عروضا أخرى مثلما رضخ والدي فضمن سلامة أخي. تخويف لا أكثر . وقتها تحاملت على العم"محسن"، وكان ذهني مشغولا بحدث آخر. غادرت مع أبي نبيل إلى القنصلية الهندية، وحدث البارحة يصرفني عن التفكير بزيارة أهل الدعيجي والصالحية يقودهم عمي للمحافظة، وثرثرتي عنه مع قريبنا السائق حيث أخذت حوادث البارحة والليالي قبلها تصرفني عن أية قضية تخص العائلة . اكاد أصبح مغلقا عن الناس فما رأيته في الليلة لاولى حاولت تفاديَه بالصمت. أعدّه حلماً . ليكنْ أحيانا بمرور الوقت نظنّ كثيرا من الحقائق السابقة أحلاما وإن كانت واقعا . قلت إنها المصادفة، وفي هذه اللحظة وأنا أقبض على التأشيرة أسال أبا نبيل:

- أتظن أن ذئبا ما يستطيع أن ينفد إلى أي بستان مع كثرة الكلاب السائبة!

ردّ متأملا:

- ممكن الذئاب ذكية تدع بعضا منها يشاغل الكلاب فيتسلل واحد أو اثنان إلى أيِّ مكان!

- قد تسوقها الرائحة فتأتي إلى بستان يخفي لها حجرا أسيرا فَلِم لا نرى لها أثرا!

أووه البساتين تغطيها الحشائش والزرع . فيها مايخفي الاثر من عاقولٍ وخبيزٍ وحندقوق بطوش . شفلّح أووه، والبرّ مكشوف لايخفي الأثر مفضوح.

وإنِّه لكذلك وفق مشهد البارحة الذي لم أحِّوله إلى حلم وكان يشغلني عن زيارة قريبنا اللاهث وراء جوع النخل، ويحثني أن أهرع إلى القنصلية لعلني أجد في قارة السحر والحكمة بعض الدواء لعلاج الصداع الذي نخر رأسي . فهاهوالوجع يغلبني عن النوم . يبدو في النهار صداعا قويا وفي أثناء الليل يتحول إلى مطارق. مثقب طبيب اسنان يحفر في الجمجمة . شهيتي للطعام تلاشت وقلَّ وزني . ربما أفكِّر باصطحاب أبي نبيل معي إلى الهند . ولعلني أستدعي أخي موظف المطاحن . مهما يكن، فالهدهد استغرق بصمت . وفي باحةالبيت لم أسمع أي َّصوتٍ لقطرات الماء في الحوض منذ أن اصبح الماء مالحا ولا أحد يشرب من الحنفية. كأن كل شيء يصمت ليوصل إليّ الأصوات الغريبة . عن بُعْدٍ سمعت نباحا وبعض عواء، ومن مكان ما في البستان خلته هذه المرة أقرب إلى ضفة الشط . لم أغامر كما فعلت في ليالٍ مرّت. هناك أكثر من عواء . ذئبان أواكثر . مخلوقات غريبة لا أراها في النهار تحاول أن تدركني عند الليل . أبي وأمي ثقيلا السمع في مثل هذا العمر، فمن يتخيل أنَّ ذئبا يقدر أن يسيح في البرِّ فينجو من الألغام ليأتي إلى بستاننا؟أعرف أكثر من غيري وأحاول أن أتناسى. أعاند الخرافة التي تحيطني، مادامت هذه الأحجار غريبة الألوان والأشكال فهي خرافة ستحولني إلى شبحٍ بعدما تعشعش في رأسي. هل أناقض نفسي وأترك تخصصي. الهواية التي عشقتها وأنا صغير، الحجر الذي جلبه لي جار الله الأعمى من النهر . لا صداع معه ولا ذئاب حتى نسيت أين وضعته . يا أبا نبيل لنفرض أن ذئبا طارد جنيا قبل خمسمائة عام . ألف عام . ألا ترى أن الذئب مات والجني في الحجر. ؟وأنا اعترف أني ذهبت مع مجموعة الطلبة برفقة أستاذنا إلى الخطوة ومنارة الإمام . هناك معركة الجمل . لا حجرَ لفت نظري . لاحياة في الحجر هناك . لا حرارة تشدكّ إليه . مثل صورة الطالبات في قسمنا. نساء يشبهن الرجال . أسماؤهن نفسها خلت من تاء التانيث . يا للمصادفة . معركة طويلة عريضة جرت لا تخلف وراءها غير حصوٍ وحجارةٍ لا حياة فيها . وما انكشف لعيني من حرب الخليج التي أبعدتني المدرسة والجامعة عنها كان أعظم . هل يعقل أن الجرَّافات بعدها فتحت الطرق لتطغى على أطراف الارض حجارةٌ زاهيةُ اللون تحسّها تتحدث تغنَّي بلونها والناس مشغولون عنها بالحمام والطائرات الورقية، بل كلهّم مثل السائق أبي نبيل يرونها الجمال الكامن في الشرّ كأكلة جميلة محشوةبالسمّ، أوفتاة رائعة الحسن مصابة بذلك الداء الخفي المميت، لكني مازلت أقول لنفسي لو كان ما يهاجمني خرافة عشعشت في رأسي فانكرتها ووجدتها في ذئب يتسلل إلى بستاننا، فماذا عن ذئب يطارد جنيا يدلف في حجر هربا منه ثم يموت ولا يخلف عقبا . كل ذئب يبول على حجره فإذا مات تعقبت أحفاده بأنوفها الحجارة فعرفت اين يكمن ثأر أبيها ألا يحتمل أني عثرت على حجارة يكمن فيها جنٌّ لذئاب لا عقب لها . غاب عنّي أنّي حين أنفي الخرافة أوغل فيها فأصبح طَرَفَاً يها. ترجلت من سريري ممسكا بجبهتي.

الذئاب المبهمة تطاردني أم أطاردها؟

لن أغامر بالخروج إلى البستان. عبرت باحة البيت مُتسللا عبر الدرج . نسيت، وعدت بخفة إلى غرفتي . لا بندقية هذه المرة معي . حملت كشاف الضوء وعدت إلى الدرج ثم ارتقيت السطح . جالت عيناي في الظلام . لاشيء يزيح العتمة. اختفت أنوار العشار وأضواء الداكير وغفت عين البصرة العملاقة . لا يبدو من بعيد على الماء إلا شبح الزورق المقلوب على ظهره في الماء جنب مرسى الداكير، وفوق الطرف القريب من النهر لمحت أربعة جمرات يتقدن في البستان لو وقفت في البر عند الليالي المعتمة الخاوية من القمر لخيل إليّ من دون شكّ أنها أربعة حباحب تعوم وسط العتمة كبواخر تشق عباب البحر، وهمهمة ما تحاذر صرير الجنادب ونقيق الضفادع . ومن الجهة الاخرى البعيدة سمعت نباحاً وعواءً . زمجرة حيوانات تختلط . لا أعرف لحد الآن ماذا يطاردني أم ماذا أطارد . أي حيوان اقتحم بستناننا وَفِيّ رغبة أقرب للانتقام رفعت الكاشف باتجاه الجمرات الأربع المعلقة بالهواء، فانكشف لي المكان. كانت هناك ذئبان ينطّان بعيدا . يرتدان بأسرع من لمح البصر إلى حيث المكان الآخر حيث تشاغل ذئاب أخرى الكلاب .

لا أتذكر أني نمت جيدا بعدما رجعت من السطح . ظل الهدهد إلى الصباح ساكنا، واستدركت أنَّ أبَوَيَّ لم يسمعا شيئا. دفعني الفضول:

- كأني سمعت البارحة عواء ذئب يقترب من البستان!

سألت أمي:

- هل كنت تحلم؟

- لا أبدا لم أنم من الصداع إلا قبل الفجر!

قال أبي بشكل عفويّ:

- حتى وإن كان هناك ذئب فلا خطر إذ لا يخرج في الليل إلا السراق والعصابات المسلحة!

ولم يكن هناك من داعٍ لأن أخرج فأبحث عن أثرٍ لحيوانٍ، فقد جعلني الكشّاف أبصر الذئبين، وإن كانت الحشائش والعاقول تخفي أثريهما عن العيون.

9 - انفجار

كان ذهني مشغولا بحدث آخر يبدو أنه اكثر أهمية من زيارة عمنا "محسن النبهان" إلى المحافظة إذ شاع خبر عند الصباح مفاده أن أهل كردلان وجدوا على أطراف البساتين كلبا مقتولا من الكلاب السائبة، وعثر بعض كبار السن ممن لهم الخبرة أن على الطريق المكشوف آثارَ ذئابٍ فمثلما تعرف الذئاب الجن في الحجر بأنوفها تعرف أيضا حقول الألغام فتلجأ إليها من أي خطر، ربما ليس هناك من يهمه -شأن أبي- ما يجري في الليل، أما أبونبيل فقال دع العصابات في الظلام يقتل بعضها بعضا ودع حيوانات البرية تقتلهم ويقتلونها . لن يهدأ الليل مادامت الشوارع معتمة، هذه أمريكا التي صرفت المليارات لا أظن أنّ محطة توليد كهرباء تنير البلاد كلهّا تكلفها أكثر من مليار، فدع الخلق للخالق ولنسكت عن كثير مما لانرضاه، . ربما كنت الوحيد الذي يقبض على سرِّ المدينة من حقي بعدئذٍ أن لا أعير اهتماما لأي حَدَثٍ مهما كان وإن تعلق بالعم"محسن النبهان " الذي جاء إلى المحافظة مع علي إسحاق يتأبط ملفّا دخل غرفة "صالح النبهان" بقي أكثر من نصف ساعة ثم قصد الثلاثة غرفة المحافظ . سخرت قليلا وقلت مع نفسي: لو ان جَدّي وافق على زواج أمي منه فكيف أكون . مقدر ومكتوب شكلي منذ الأزل بهذه الصورة التي أنا عليها، ولو انقلبت ملامح وجهي إلى صفات تشبهه سأقول نحن من أصول واحدة . لكن – كوني ابنه -هل أختار قسم الآثار فأطارد الحجارة . أقتنص ما لايأبه به الآخرون، أم تولد معي موهبة أخرى؟إذن كانت هناك معركة في الظلام الدامس قريبة من أطراف البساتين بين كلاب وذئاب آثارها واضحة في الصباح ومع تكتمي على هواجسي في أن لي يدا بالأمر لمحت العم "محسن" يخرج والملف تحت إبطه مع علي إسحق من مكتب المحافظ ومعهما "صالح"ثم يغادران بهيئة تنذر بالشرر . تركا المحافظة دون أن يلقيا بالتحية على صالح الذي لاح على وجهه قتام ويأس . لحقته إلى مكتبه، فبادرني بحدّة:

- لقد رفعت يدي من قضية عمك!الآن هو والمحافظة وجها لوجه!

- ماذا حدث؟ لم أفهم لحد الآن ماذا يريد!"راح يعيد القول كلما سنحت له فرصة للتعريض بمن يخالفه":لم أُقَصِّرْ قطُّ معكم. ألم أخدمكم أنتم آل النبهان هي فرصة لم لا تغتنمونها أرأيت حيوانا يقال له ستصبع مليونيرا فيرغب أن تخضر جذوع النخل الموتى!؟

خرجت وعقلي مشحون بسفري إلى الهند والكلاب والذئاب . ماذا يحدث هذه الليلة هل تتسلل الحيوانات وتتشاجر، وفي الصباح يتحدث عنها الناس قبل أن تفاجأهم حوادث القتل والانفجار، بغض النظر عن كل شيء فقد تجاهلت الصداع الذي يبدأ خفيفا في الصباح فيصبح سكينا تقسم رأسي نصفين عند الظهر وحالما يجن الليل تبدأ المطارق تهوي على دماغي!

وقد أطل عليّ الوجع اليوم وانا في طريقي إلى البيت. دفعني الحادث الأخير إلى أن التزم الصمت في السيارة، وتظاهر "أبونبيل"بمتابعة الطريق. تلك قضية تخصّ آل النبهان، ولن يزجّ بأنفه فيها أمّا إذا تطلب الأمر فإنّه بلا شكٍّ سيقف في صفّ ابن عمه صالح . لقد وجد مثلي راحة في الصمت . تناولت حَبَّتي أسبرين وكرعت قنينة ماء، وعندما ترجلْت خُيِّل إلي أني سمعت انفجارا هائلاً هزّ البصرة . انصرف فكري إلى غارة لطائرة أمريكية رصدت مقاتلين في مكان قريب من العشار . شعرت أن قواي خارت . تهاوت، ولا أستطيع المشي . تهاديت بتثاقل مثل بطة عرجاء إلى باب الدار . سألت كاتما وجعي:

- هل سمعتم شيئا ما.

قال أبي وهويهرع إليّ:

- يبدو أنَّه انفجار قريب!الله الحافظ.

لم أكن احلم وإن عشت الحقيقة والحلم بوقت واحد. اتكات على أبي وقالت أمي التي شغلها وضعي عن صوت الانفجار:

- مابك هل حدث شيء؟

لعلني مثل السمكة التي تفقد توازها من ديناميت صيادٍ ينفجر عن بعدٍ فتظلُّ تترنح على الماء . هكذا كنت . فقدت توازني. وتلمست طريقي بعون أبي وأمي إلى غرفتي وفي النهاية تهاويت على السرير.

لحظتها لم يكن الهدهد صامتا كان يترنم بأغنية طويلة . لم أعلم حقّاً أنها الاخيرة فقد غبت عن الوجود تماما وكأنَّ الانفجارَ وقع في رأسي لا في العشَّار!

10 - غيبوبة

دامت غيبوبتي ثلاثة ايام وفي اليوم الثالث تغلبت على المرض، وجدت أمي تطالعني بقلق، وأبي يطمئنني أن الطبيب حضر فأكَّد أن لاخطر. لكن الايام الثلاثة التي انصرمت جعلتني لا أدرك مايدور حولي، زارني "صالح النبهان" . رحت أهذي كما يُروى بالذئاب والحجارة والشط والسائق أبو نبيل يسمعني. ذئب . حجر . الشط . أما الذئاب التي سمعتها في البستان ورأيت أشباحها خلال الظلام فقد شاهدها غيري عند الفجر تنسل إلى البرَِّ المليء بالالغام . لاأتذكر أيا من أحلام الغيبوبة تلك. وفق رواية أمي كانت شريرة إلى حد بعيد . جامحة . شرسة، تعرضت وأنا صغير، مثلما تتحدث، لحُمَّى وأمراض دفعت بي إلى الهذيان . الحصبة، مرض الجدري، فلاونزا، حكت أني صرخت كدت أطير وقفزت من فراشي، رأيت في نومي لصوصا تسلقوا النخيل، وفِيلا يضحك، ومعلم المدرسة يسبح في النهر . أصعب الاحلام تقول أمي كانت ليلة وقفت على السرير وصحت ها أنا اطير . أحلِّق، ولاشكَّ أن هناك احلاما جميلة حلوة تذكرتها في الصباح . رأيت فيلا يطير من غير جناحين وديك القُنِّ يُطارِد ثعلبا. كلُّ أحلامي التي نسيتها ظلت ذاكرة أمي ساطعة تحتفظ بها إلى زمنٍ متأخّرٍ غير أني هجرت مرغما غرفة والديّ حالما غادرنا التنومة فانتصب سريري في غرفة أخوي وعندما عدنا بعد توقف الحرب ضمتنا ثلاثتنا الغرفة التي أصبحت لي وحدي، أما في أحلام الليالي الثلاث الماضية فكنت والعياذ بالله أعوي كالذئب وأصرخ من ألمٍ مجهولٍ يفتكُ برأسي . أحلام جديدة . كوابيس بشكلٍ مخيفٍ . أصرخ وأصفع رأسي أروم أن أخرج شيئا ما يعشعش فيه . شاركتني أمي الغرفة وكان أبي يعاونها . يُثَبِّتُ يَدَيَّ علىالفراش حتىلا أفِرَّ من سريري . وإذ استفقت في اليوم الأخير لرحلتي الغريبة رأيت "أبا نبيلٍ"يهز رأسه ويتحدث مع أبي بهمس . وأسوأ خبر انتهى إليّ أن الانفجار الذي سمعته قبل أن يُغْمَى علي استهدف العم "محسن النبهان" وعليّ إسحق.

احترقا في سيارتهما .

عبوة ناسفة.

في اللحظة التي بدأت أوغل في غيبوبتي . .

شغلت عن مرضي بالخبر وتساءلت:هل علم "صالح النبهان" من قبل بعملية الاغتيال؟ وأمام تأنيب ضمير وشكًّ راودني هاجس أن له يدا في القتل . رجل داهية لاتخفى عليه خافية من أسرار المحافظة . لا يرغب أن يصبح هو نفسه محافظا ولا يحبِّذُ أن يشغل المنصب ذاته أيّ من آل النبهان . لم ينطق صراحة مايجول بخاطره لكن سلوكه ينم عن خفايا كثيرة أدركت بعضها يوم جعل أخي عقيلا يعود إلى منصب معاون مدير المطاحن . وكم أودُّ أن يخيب ظنى فيه على الاقل هذه المرة . لعل وجوده في الخارج مدة طويلة أكسبه صفة التخمين لما يمكن أن يحدث قريبا أو بعيدا . موهبة تلتصق بقراءة الغيب . قال لي إنه يذهب ويأتي بمشاريع يستحسنها الكبار فيظنه الآخرون يبتدعها مع أنه ينتزعها من أفكارٍ عامة ينطق بها غيره، فيعيد صياغتها بموهبته . صناعة تجميع . الهند كانت تجمع الأشياء إلى أن وصلت إلى الفضاء . الصين. هذا لمَلَمةٌ لأفكارٍ تبدو إلى حدٍّ ما متباعدة يمكن أن نجد لها صيغة تجعلها أقرب إلى بعضها بشكلٍ مقبولٍ، لا أنسب إليه التواضع، ولا أجده يمزح مع غيري مثلما يفعل معي . كان يرى ان النظام السابق بنى جيشا قويا وجهاز مخابرات وحرسا جمهوريا فانهار كل ما بناه في بضع ساعات . أما الدولة الجديدة فلها وضع آخر . آل النبهان ومنهم عائلتنا وافقت . اتبعناه في أن ننسى ماكان ونقطف ثمرة الآتي، صحيح أنَّ بستاننا لم يتضرر ولم نفقد أرضنا لكننا كنا مع الناس . مادمنا لانستطيع إعادة الموتى إلى الحياة ولا البساتين إلى ماكانت عليه قبل الحرب الاولى فليكن الحل الآخر . لعلني الوحيد الذي ساورني الشك فيه بضع ثوان إذ أن آل النبهان يعدون ابنهم الكبير منزلةً في المحافظة شبه إلهٍ شملتهم مكرماته فهناك من اشتغل بتوصية منه في البلدية، وآخر بالصحة وثالث عمل في النفط ورابع . وخامس . لا يكاد مكان يخلو منا ولا أنسى نفسي قط يوم وُظِّفْتُ بإشارة منه رئيس ملاحظين أبي نفسه ممتن ل" صالح " يتحدث بفضائله التي فاقت التصور:إلى الحدِّ الذي جعله يسجل في قوائم الشهداء جميل النبهان البعثي المعروف الذي مات بالسكتة القلبية بعد الحرب الثانية، ويصدِّق أن أخي الأكبر كان زمن النظام السابق ينسق مع المعارضة في الخارج!عقيل غامر بحياته تداخل في الحزب واضعا روحه على راحته زمن حكم فقد الشفقة والتسامح، لوكشف أمره لواجه الإعدام ولولا صالح النبهان لبقيت الشبهة تحوم حول ولدنا لكن الله لطيف خبير . من لا نفع فيه لأهله لانفع فيه للآخرين، ولم يبق في العشيرة إلا عمنا "محسن النبهان" مازال يعيش في عناده . لا يدري أن الدعيجي إذا تغيَّرت تغيَّر العالم . يريد أن نعيد الحياة لجثَّةٍ ماتت . لسنا وحدنا . العالم كله يريدها أن تكون بهذا الشكل. حين أحكّم عقلي أجد أنّه من السهل جدا على العالم أن يرى نفسه في بقعة ما عندذاك يجد أبناء ذلك المكان صعوبة في تشكيله وفق هواهم . كان محسن النبهان يطعن نفسه بيده . كل يوم يفقد سلاحا من أسلحته ولم يبق عنده إلا ملفٌ يتأبطه وعناد متجذِر لا يستطيع أي مخلوق مهما أوتي من قوة أن يسلبه إياه . يقال إنه حين رآى جدي يفضل عليه أبي آلى على نفسه ألا يزور بيتنا إلا في الاحزان . ووجدناه يُبِرُّ بقسمه فحضر وفاة الجد وعزاء أخي قتيل الحرب. كان يجلس أقل من ساعة كأيِّ غريب . وكان أبي يقابله بالمثل فيحضر بيته مواسيا ومعزيا . أما أنا فبعدكل ما قيل كنت أشاكس أمي، فأسالها في حضور أبي أم غيابه: قولي بصراحة أيهما نال إعجابك قبل الزواج أبي أم"محسن"؟فتشيح بوجهها عني:استح يا ولد في أيامنا لم يكن هناك حب! . الجواب نفسه ترد به أية امرأة في أي عصر ولو بعد ألف عام . فألح:أنا لا أتحدث عن الحب بل الإعجاب!. كلامك مثل الطعام من دون ملح! دعينا من الحب الآن : أيهما أكثر وسامة، فتقهقه من كل قلبها وتقول: لا أحد وسيم في آل النبهان!

وكم تأسفت لأنني مارست غيبوبتي ساعة الانفجار فلم أر أية ملامح ارتسمت على وجهها حين ورد النعي . السيارة وقفت في شارع فرعي ساعة دخول السيد "محسن النبهان" ولست أدري هل كانت تنفجر لو اتفقوا معه في المحافظة على حلّ ما . أيُّ فاقد للضمير يمكن أن يدس عبوة ناسفة في سيارة ما . الحكاية تبقى على الألسن تدور بضعة أيام . ثم تتلاشى أمام عنف تالٍ، والآن استفقت فوجدت العزاء انتهى والناس مشغولين بانفجار جديد واغتيالات متناثرة، تطبع على على وجوههم علامات ذبول وذهول . مامر كنت غافلا عنه، بل إني احاول أن أتخلص من هذا الصداع الذي ينخر رأسي بل كيف أعالج هزالا دبّ في جسدي!

 

د. قصي الشيخ عسكر

.........................

حلقة من رواية: النهر يلقي إليك بحجرا

 

محمد شداد الحراقفي شقة صغيرة هامشية بحي (الدرادب) الشعبي في مدينة طنجة، تكمن الغرابة وتسكن العجائبية ويستقر اللغز المحير. وحول ما يجري خلف باب الشقة الموصد دوما تتناسل الأسئلة وتتكاثر التأويلات وتحوم علامات الاستغراب والاستفهام. كنا صغارا نتلصص لعلنا نكتشف السر الذي حير الجميع. نسترق السمع لنتصيد فحوى بعض الحكايات العجيبة التي يرويها الناس. نختلط بكبار الحي لالتقاط تلك التأويلات الغريبة التي تتردد على ألسنتهم.

صار الجميع ينظر إلى السيد الغريب المقيم بتلك الشقة نظرة ريبة وحذر. كان بائعا متجولا يحمل كل صباح صينية معدنية مستديرة بها أكلة (الكالينطي) الشهيرة بمدن شمال المغرب، فيجوب الطرقات والأحياء المجاورة. يقتطع قطعا صغيرة ليلبي طلبات الصغار الذين يعشقون تلك الأكلة. لباسه المهلهل المزركش التقليدي يزيده غرابة، وصوته الجهوري المدوي يميزه عن الجميع، حتى أضحى سمة لصيقة به تزيد الناس شوقا إلى رؤيته ورغبة في التقرب منه والتعرف عليه. سمّاه سكان المدينة (صوت العرب) لخصوصية ذلك الصوت الغريب الذي يذكر المواطنين بإذاعة صوت العرب. لكن الرجل لم يكن يكترث للناس ولا يزيد على عبارات التحية وإشارات السلام. شخصية تحب العزلة دائما وترفض الاختلاط بالناس. شخصية غامضة مثيرة للفضول. ليس له أصدقاء ولا يطيل الحديث مع زبائنه. اختلف السكان في تحديد أصوله واحتاروا في التعرف على هويته. قال البعض إنه مهاجر مختل جاء من المشرق العربي. وادعى البعض الآخر أنه دجال محتال يخطط في السر لأمر عظيم.  بل ذهبت بعض التحليلات المغالية إلى القول إنه جاسوس متنكر جاء لمهمة استخباراتية خاصة، ولذلك فهو يرتدي هذه الألبسة الرثة ويمتهن هذه المهنة البسيطة ويقطن تلك الشقة المتواضعة حتى لا يثير حوله الشكوك. لكن غرابة أحواله وقصاصات الأخبار والحكايات التي نسجتها الساكنة حوله جعلت الأنظار تلتفت إليه وتتبع خطواته صباح مساء. أصبح الرجل حديث الصغار والكبار، تستفز شخصيته أسئلة الناس وفضولهم ، وتطلق العنان لمخيلاتهم المبدعة لتخلق قصصا مشوقة وأساطيرغريبة...

(صوت العرب) متزوج من امرأة جنية.

هذه الشائعة كانت تتردد على الألسنة وتتناقل بسرعة قياسية بين سكان الحي. والكل يريد أن يكتشف هذا السر ويفك شفرات هذا اللغز المحير.

هل هذا حقيقي؟؟ هل هذا ممكن؟؟

البيت مغلق دائما ولا يخرج منه أو يدخل إليه سوى (صوت العرب). ولم ير الناس به غيره. ولكن الجميع يؤكد أن كل من اقترب من الباب ليلا يسمع بكاء الأطفال وحديثا وحركة غير عادية. الكل صار يعلم أن البيت يضم أسرة مجهولة لا يُرى ولا يُعرف منها سوى السيد الغريب. الجميع مقتنع أنه يوجد سر خلف تلك الأبواب الموصدة. كيف يكون بالبيت ضجيج وبكاء وحديث ليلا، ولا يسمع الناس ذلك بالنهار؟؟ مع من يتكلم هذا السيد الغريب؟؟ لماذا لا نرى أفراد أسرته يدخلون أو يخرجون؟؟؟

حاولنا أكثر من مرة أن نحظى بمتعة الاستماع إلى صوت الجنية وصغارها لكن دون جدوى. كنا في الكثير من المرات نتظاهر باللعب على مقربة من البيت، وتظل آذاننا مركزة على ما ستلتقطه من أصوات.

    يقول صديقي: سمعت بكاء رضيع، فيرد الآخر: أنا سمعت نحنحة امرأة. ويقول الثالث: أنا فقد سمعت وشوشة هامسة... ربما تحاول الجنية عدم إسماع صوتها.. أما أنا في الحقيقة لم أسمع شيئا، ولكنني نسجت من كلام أصدقائي ومن رواياتهم المثيرة رأيي الخاص. تخيلت أنني بدوري سمعت أصواتا هامسة مثلما سمعوا. التصقت هذه التهيؤات  بجدار ذهني حتى صارت حقيقة اقتنعت بها مع مرور الأيام، وصرت أرويها لغيري بكل يقين واطمئنان.

في مساء أحد الأيام، كنا جلوسا على الدرج الأول من الزقاق المفضي إلى الحي، نراقب دخول (صوت العرب) إلى البيت، ولما أغلق الباب خلفه، قال لنا أحد الشبان من أبناء الحي، يكبرنا سنا ويفوقنا معرفة وتجربة:

- (صوت العرب) أسعد زوج وأكثرهم حظا.هو الوحيد الذي يستمتع بزواجه.

لم نفهم فحوى كلامه لصغر سننا. لكننا طلبنا منه تفسيرا يخلصنا من سذاجتنا البريئة، فصعقنا بجواب غريب لم تكن عقولنا الصغيرة قادرة على استيعابه بعد.

- اسمعوا.. الجنّيّّ له القدرة على التشكل، فهو يستطيع أن يغير شكله ومظهره كما يشاء. وليس له شكل واحد ملازم له دائما. فزوجة (صوت العرب) مثلا ليس لها جسم محدد . فكل يوم تتخذ شكلا بهيا  وجسما جميلا وقدا رشيقا. وتحرص على أن تكون أجمل النساء على الإطلاق. ولذلك قلت لكم إن (صوت العرب) زوج محظوظ. هل فهمتم الآن؟؟

كان هذا الجواب كافيا لتشتغل مخيلتنا الصغيرة المبدعة، ونتخلص من براءتنا وبساطتنا الطفولية. أخذنا نقوم بإسقاط صورة أجمل النساء اللواتي نشاهدهن في التلفاز على صورة الجنية. حتى صرنا نغبط (صوت العرب) على هذا الحظ النادر المبهر، بل نتمنى لو كنا مكانه. كان صديقي يقول:

لو كنت مكان (صوت العرب)، لطلبت من الجنية أن تتشكل في صورة (ريكها) معشوقته الممثلة الهندية أو (مارلين مونرو).

ويقول الآخر: أنا سأطلب من الجنية أن تتشكل في جسد (صوفيا لورين).

 أما أنا فأظل حائرا في اختيار الجسد الذي يغريني في التلفاز والسينما. فأكتفي بحلم بسيط ولكنه كان يعني لي الكثير، وهو أن تسكن الجنية جسد ابنة الحي الشقراء التي أعشقها عشقا طفوليا غير متبادل وأفضلها على نساء الكون كلهن.

سألت والدي يوما: هل بإمكان الإنسان أن يتزوج جنية؟ فأكد لي ذلك، بل أعطاني دليلا ملموسا ومثالا من الواقع يجعل الأمر حقيقة لا ريب فيها. قال لي إنه يعرف فتاة مقعدة جميلة لا تخرج من البيت أبدا. وهي متزوجة من جنيّ. لها من الحليّ ما يعجز الأغنياء عن اقتنائه، ولها من اللباس والأثاث ما يبدعه أمهر الصناع في العالم. وتملك ثروة هائلة تجعلها من أغنياء الأرض. ولم تكن تلك الثروة إرثا من والدها المتوفي، وإنما من زوجها الجنيّ الذي يمنحها كل ما تحلم به.

زاد هذا الكلام من جرعات خيالي ومن تدفق سيول أحلامي وأمنياتي...ولكنني فجأة انتبهت لحال (صوت العرب). فقلت في نفسي: لماذا لا يعيش هذا السيد غنيا ما دامت زوجته جنية؟ ولماذا يمتهن هذه المهنة البسيطة ويسكن هذا البيت المتواضع ما دام بإمكانه أن يكون ثريا مترفا؟؟؟

مع مرور الأيام صار (صوت العرب) يتضايق من نظرات الناس ومن حكاياتهم العجيبة التي يصوغونها بكل براعة وإبداع. كل مساء، وقبل أن يلج الباب، يكون له فصل من مسلسل الخصومات اليومية مع أبناء الحي الذين يتكاثرون ويحلو لهم المقام قرب بيته قصد اكتشاف السر المحير. يجبرهم على الابتعاد قليلا، لكنهم سرعان ما يعودون إلى أماكنهم. كان حلمهم الوحيد جميعا هو أن يحظوا برؤية الجنية وأبنائها.

وفي صباح يوم كئيب، استيقظنا على خبر موجع تألم له أهل الحي كلهم. فقد افتقدنا (صوت العرب). افتقدنا الصوت والصورة. وجدنا الباب مفتوحا على مصراعيه والشقة خاوية على عروشها، لا إنس فيها ولا جن ولا أصوات ولا أطياف. غاب الرجل فجأة واختفى عن الأنظار، وظل السر الغامض المحير محيرا. ولم يبق من الرجل الغريب إلا الذكرى. لكن مخيلة الناس ظلت نشيطة مبدعة تصوغ حكايات جديدة حول سر هذا الاختفاء الفجائي.منهم من قال... ومنهم من قال....

  ***   

قصة قصيرة

د. محمد شداد الحراق

 

مامون احمد مصطفىفي احد الأيام، كنت اجلس وأنا أقرا كتابا عن حرية المراة، كتاب طويل، يناقش المسالة من النواحي النفسية والاجتماعية والثقافية، بطريقة ممتعة جذابة، وكنت في بعض الأحيان أرسل زفيرا حادا أو اخذ شهيقا حادا، وكانت أمي التي تجلس على الأرض تسبح وتذكر اسم الله تلاحظ الملل الشديد الذي أصابني من الكتاب ومن قراءته، فسألت بعد أن قطعت التسبيح – " شو يما انت ما بتمل من الشعر، مالك اليوم على غير عادتك "؟ نظرت إليها وأنا ابتسم ابتسامة عريضة، فهي أمية لا تقرأ ولا تكتب، لكنها كانت تملك أذنا رائعة للإصغاء، وخاصة لشعر عنترة بن شداد وقلت- " أنا اليوم لا اقرأ شعرا، بل أقرا عن المرأة العربية المسكينة المضطهدة، أقرأ عن الحقوق المسروقة منك ومن غيرك من النساء ".

أشاحت بوجهها وعادت للتسبيح من جديد، وعدت أنا للتدقيق بملامحها العربية، وغصت بعيدا خلف الملامح، غصت في أغوار الأيام والسنين الطويلة التي قضيتها بين أبي وبينها، بين أخواتي وأخوتي، وانطلقت من تلك الملامح إلى الحارة المجاورة، ثم إلى المخيم، ومن المخيم إلى المدينة، ومن كل هذا إلى القرى المجاورة، وعشت تفاصيل المراة التي تحيا في هذا المجتمع البسيط، فلم أجد أي شيء يمكن أن ينغص عليها عيشها أو يكبت حريتها إلا المطالبة بالحرية فخطر لي خاطر، لم لا أقرأ لأمي بعض ما في هذا الكتاب، كما كنت أقرأ لها أشعار عنترة بن شداد والمهلهل والزير والبارودي؟ لأقارن ردة فعلها حول هذا الموضوع وتلك الأشعار.

ورحت أقرا لها وأفسر، أخبرتها أن الكتاب يريد منها أن تتساوى مع والدي في كل شيء، ردت بدهشة " كل شيء، كل شيء، شو يعني كل شيء "؟ أخبرتها أنها تستطيع السفر إلى أي بلد شاءت في أي وقت تشاء، فقالت-: دون محرم؟ قلت نعم لان المحرم ليس ضروريا، فأشاحت بوجهها وهي تتمتم "هاذا هو العلم اللي في الكتب"؟ ورحت اقرأ وأفسر، وراحت هي تشيح وتستهجن، وقفز إلى بالي خاطر ومض مع ابتسامة واسعة وقلت-" ما رأيك لو ألبستك اليوم سروالا من الجينز وبلوزة حفر تظهر الصدر، فتكوني كنساء العصر وفتيات اليوم" بلعت ريقها وقالت-" وشيبتي هاي شو أساوي فيها" قلت- " نصبغها "، قالت-" يما، إحنا بنركض ورا الستر والله يعلم نلحقه ولا لأ، خلي الناس تساوي اللي بدها إياه، وخلينا إحنا نساوي اللي بدو إياه ربنا، وإذا أرضينا ربنا مليح، رضيوا الناس بعدها ولا ما رضيوا".

طويت الكتاب وغبت ابحث وأنقب في ألفاظ أمي وإيمانها، ألفاظ بسيطة تتناسق وتتعانق مع الفطرة ودلالاتها، أفكار نابعة من " إيمان العجائز "، من انخراط عميق في قلب الأخلاق والمعرفة، من رضا في التركيبية السوية للمرأة العربية المسلمة، دون الحاجة للألفاظ المنمقة المزخرفة التي تستهوي المثقفين المتخرجين من جامعات الوطن الغائص بأفكار فرويد وقاسم أمين، إيمان الواثقة من أنوثتها التي خلقت لتصان في مجموعة من المشاعر الرقيقة والأحاسيس المخملية، تلك المشاعر التي ترفض أن تشوه بأفكار العصر وأباطيل التحرر، وتلك الأحاسيس التي تخشى على شيبة الكبر والشيخوخة من التدنس بأوحال نوال السعدواي وغادة السمان، وحين كنت منهمكا في التفكير بالقدرة الفذة للارتباط بالمبادىء التي تتمتع به هذه المرأة والنساء اللواتي في عمرها، كنت في ذات الآن أراقبها وهي تتحرك بعجلة من أمرها لتعد طعام الغداء لوالدي الذي بدأت الساعة تشير إلى قرب عودته للبيت، كانت تعمل بجهد، كخلية نحل، بحب، باطمئنان ورضا، وكانت بين الفينة والأخرى تطلب مني مساعدتها حتى لا يعود والدي والطعام غير جاهز، وكنت أتساءل بيني وبين نفسي " ما الفرق بين هذه المرأة والنساء اللواتي يحلمن بإصبع من احمر الشفاه أو عقد من الذهب "؟

هذه المرأة علمتني الكثير، فانا أدين لها بكل ما املك اليوم من معرفة، لأنها كانت وفي كل لحظة تحضني على الدراسة، على التعلم، على المعرفة، وكانت تخصص لي مبالغا من المال الذي تستقطعه من مصروف البيت لاشتري به الكتب التي أريد، وان كنت انس فاني لا انس اليوم الذي ظهرت صورتي فيه في أحدى الصحف، كانت فرحتها هائلة، وكانت سعادتها غامرة، حملت الجريدة وأخذت تدور بها بين أزقة المخيم، تدخل هذا البيت وتخرج من ذاك، تطنطن باسمي وتعرض صورتي وهي تقول بنبرة يملأها الفرح والافتخار والزهو" هاي ابني، شايفات الله عوض صبري وصبر أبوه خير" ثم تحتضن الجريدة وهي تقول: " يا حبيبي يما، الله يرفع مقاصدك فوق وفوق".

هذه المرأة التي انتزعت من ارض حيفا الطاهرة، من قرب الشاطئ، مخلفة خلفها روائح الياسمين والبحر والبرتقال والليمون، لتسير مع والدي حافية القدمين، فوق الحصى والصخور والأشواك، بثوب واحد وخرقة واحدة، لكن بنهر من الدموع، ومحيطات من الأسى والانكسار، لتعانق الفقر الشاكي من الفقر، ولتلتحف العناء الضاج من العناء، ولتتوحد وتنصهر في تكوين العذاب وتشكيلة الألم.

هذه المرأة التي فقدت كل أهلها، حين اختارت مرافقة زوجها حين خرج من حيفا مكسور مهيض الأمل، كانت وستبقى هي المرأة التي اعتز وافتخر بالانتماء إلى رحمها الخصب النابض رغم الموت ببريق العزة والشموخ لمفاهيم أدركتها ببساطة تكوينها وتأصلها في الحلم السندسي المورق طهارة ونماء وعفة.

وتلك المرأة الكريمة الوجه، السمحة التكوين، الغزيرة الجود، تلك المرأة المتقدمة برضيعها الراقد على صدرها بهدوء الروح واطمئنان السكينة، نحو السهل، وهي تحمل على رأسها زوادة بسيطة من خبز الطابون والزيت والزعتر، لتقف بجانب زوجها، وهو ينثر البذار بيده الطيبة الكريمة، بأعماق الأرض المشرعة رحمها لخفقات قلبه وقلبها وقلب رضيعهما، لتضع البذار في جوف الخفقان، ردحا من زمن، ثم ترسله نماء وعطاء وكرما.

تلك المرأة هي أمي الثانية، وهي الأم التي افخر بانتمائي إلى جهلها المتسع لكل الأخلاق والعادات والتقاليد والدين، تلك الأم التي استطاع جهلها أن ينتج أجيالا من رجال توزعوا في قارات العالم وهم محملين بعبق الأمومة والعلم والمعرفة.

وتلك المرأة الجالسة على رصيف في المدينة، مكومة أمامها كل أصناف أعشاب الأرض، لتعود ظهرا إلى بيتها، محملة بالرضا والصبر، بالقناعة والاقتناع، لتعد طعام الغداء لزوج أزفت عودته للبيت وهو ملوح بالتعب والشقاء، مغسولا بالعرق الهاطل على كل ذرات جسده.

تلك المرأة هي أمي، وكل نساء المخيم، كلهن، أمهاتي، سروة العلوط، التي كانت تسكب الطعام لنا حين نصل للهو مع ولدها، في صينية كبيرة، والبخار يتصاعد منه، ورائحته العابقة برائحة سروة الأم، آم الجميع، وهي تخرج الحروف والكلمات من أعماق أعماق قلبها المجروح غربة واغترابا، " كلوا يما، صحتين وعافية، مطرح ما يسري يمري" تلك المرأة السوداء البشرة، البيضاء القلب والروح، هي أمي، أمي التي ما زلت اذكر تقاسيم السعادة المرتسمة على وجهها حين ترفع الصينية فارغة من كل اثر لطعام، وحين كان يصل زوجها ويسألها عن الطعام، وتخبره بفرحتها وطيبتها بان الأولاد لم يبقوا على شيء، كان يبتسم، ابتسامة ارض عذراء، يسقط الهمي عليها بعد طول غياب، ويقول: " الله يطرح البركة فيهم، هاتي خبزة وزيت وملح".

أم علي قرطوم التي لحقت بزوجها بعد انتهاء بيت الأجر، تلك المرأة التي رفضت البقاء على بسيطة غادرها زوجها، وغاب تحتها، تلك المرأة التي ضاقت بالروح والوجود وفاء وعهدا لرجل اقترنت هنيهات عمرها بهنيهات عمره، فخرجت من الوجود خروج النسمة من رحم اللطافة والسماحة، تلك المرأة هي أمي، وأم كل رجل يعرف معنى وفاء الأنثى وعهدها، وفاء الأنثى الممتلئة بخصوبة الدنيا والجنان والرياض.

أم الصابر، تلك المرأة التي رفضت بكل ما فيها من أنوثة وطهارة ونقاء، أن تغرب الشمس عليها وهي تحيا بوجود غاب عنه زوجها، فغادرت الوجود بعد ساعات، ساعات قليلة من غيابه ومغادرته للوجود.

كنت قد التقيت بأصدقائي، حيث اعتدنا إذا ما كان علينا المشاركة بفرح أو ترح، أن نذهب مجموعة واحدة، كي نؤدي ما علينا من واجب.

وحين وصلنا بيت أم الصابر، لم نجد أحدا، لا بيت عزاء، ولا صوت ولا حركة، دهشنا، فليس من المعقول أبدا، أن يخرج أهل الميت في ساعات الموت الأولى لوالدهم، ولكن حين اخبرنا الجيران بما حصل، زالت الدهشة، وانتفى الاستغراب.

أم الصابر، جلست في بيت العزاء، بين النساء، وأسندت يدها على مسند، وألقت بوجهها على كف يدها، وأغمضت العينين، وكانت تلك الاغماضة الأخيرة.

حدثني ولدها عبد الحكيم، قال:- كنا نعلم بأنها ستموت كمدا وحزنا، فهي تحب والدي بنفس القدر التي أحبت فيه الحياة لأنه يخطو فيها، كنا نخاف من اليوم الذي يغادر فيهما احدهما دون الآخر، وكنا نتساءل بيننا في أحايين كثيرة، ماذا لو مات والدنا قبل والدتنا؟ وماذا لو ماتت هي قبله؟ وفي أعماقنا كنا نتمنى بان يأتي الأجل لهما في ذات اللحظة، رحمة ورأفة بمن سيبقى بعد الآخر، وحين مات والدي، أحسسنا بغصة الحزن والموت، لكن غصة الحزن على أمنا كانت أعظم وأقوى من غصة الموت ذاته.

لكنها رحلت، لم تنتظر إلا سويعات، سويعات غزاها الم ووحشة لم تستطع الروح احتمالها، فغادرت إليه، براحة بدت على محياها وهي تنزل القبر المجاور لقبره، بكينا عليها وعلى فراقها، ولكننا – وقد لا تصدق – شعرنا بالفرحة ونحن نزفها إلى العالم الجديد، حيث زوجها الذي مات وهو يدعوها للمكوث معه.

نعم، أم الصابر، أمي، أمي التي افخر الآن بالحديث عنها، وتفخر حروف لغتي بالانتماء إلى وفائها وقدرتها على الالتحام بعهد أقوى من العروة الوثقى.

تلك النساء، والخنساء، تلك النساء وما عرفنا من حرائر العرب عبر التاريخ، هن العلامة الفاصلة بين المرأة التي أدركت سر أنوثتها وأمومتها، فاندفعت بكل ما فيها نحو الطهارة والنقاء والوفاء والأنوثة، الأنوثة الضاجة بالخصوبة الذاتية الصانعة للأجيال التي لا تهزم.

أما السعداوي، والسمان، ومن مثلهن، فهن لسن سوى علامة سوداء في جبين الأنوثة وندبة وقاحة في عمق الحرية التي يدعين.

رحمة عالية مغدقة عليك يا أمي، يا من بحثت عن الستر بين أنياب القهر والعوز والحاجة، أنت وكل نساء مخيمنا الطاهر في الزمن الطاهر، حين روضتن الحاجة، واثبتن بصدق التجربة مقولة الحرائر" تموت الحرة ولا تأكل من ثديها" وحين اثبتن وانتن القادرات على الإثبات في زمن يحتاج إلى عزم الرواسي والزلزال، قدرتكن على إثبات وتثبيت معنى السكينة في الحياة الزوجية، ومعنى الأنوثة المتفجرة قدرة ومقدرة في جمع المختلف ولملمة المفترق.

***

مأمون احمد مصطفى

فلسطين- مخيم طول كرم

النرويج - 2006

 

نور الدين صمودالإهداء الساخر

"إلى الغِربان التّي لم تستطع فهم لغة البلابل...

إلى الذين ينكرون نور الشّمس فيشعلون شموعهم في رأْدِ الضّحَى"

 

(أسطورة من الواقع)

يَرْوُون أن حائطَ المدينةِ العتيدهْ

مدينةِ الأحرارْ

لم تستطع تهديمَهُ المدافعْ

بما رمتْ من نارْ

وكان حولَه الجيوشْ

يكشّرونَ كالوُحوشْ

ويقذفون سُوَرها العتيدْ

بالنّار والحديدْ

ويخنقون كلّ زهرة تضوعْ

ويُسكِتونَ كلَّ أطيارِ الرّبيعْ

ويَقطعون، في الظّلامْ،

أَلْسِنَةََ الشّموعْ

لأنهم قد كرهوا السّلامْ

وعشِقوا الدّموعْ

فحُطَِّم الجدارْ

واندكّتِ الأسوارْ

في أوجُه التّتارْ

من بعد أعوامٍ من الحصارْ

لكنّهم لم يفتحوا مدينة النّضالْ

لم يهزموا سكّانها الأبطالْ

لم يُسكتوا الطّيورْ

لم يخنقوا الزهورْ

لم يُطفِـئـُوا الشّموعْ

لم يقتلوا الرّبيعْ

لأنهم، إذا هدّموا الأسوارْ،

جابَهَهُمْ سكّانُها الأحرارْ

أقوَى من الأسوارْ

فطردوا التّتارْ

وأطلقوا أَلْسِنَةَ الأطيارْ

بأعذبِ الأشعارْ

وسيّجوا بلادَهم بالحبّ و الأزهارْ.

***

شعر: نور الدين صمود

 

مصطفى غلمانكما لو أنها بين لسان من ترياق روحينا ..

شهدا يخاتل المدى،

ويسقط في بئر الحب ..

 ـ2

القرنفلة الشاعرة التي تورق بالفرح كومضة النبوغ

غر الثنايا ناصعة ..

تستهويني ..

تذر خوالفها ،

كما الريح تستتر العطر من خجل المحار ..

 3ـ

الودق من دم الغناء ،

فرس مسبلة ..

جنينة في ريش طائر ..

أَهَوًى أَرَاكِ ..

وأشرب نخب السرائر

وأغلو في دينك العشق ..

4 ـ

أنت تدنو من شاهقة هيفاء حارة

تُعَطِّشُ الْماءَ ..

بين ضامر ورقيق ..

تتحلل الأشعار كعقيق مقمص

ثم تهش الأنفاس من أطرافها

كفراشة تتندر بأطلال البوح ..

معشوقتي ..

 التي تتجرد من الزمان وتكبر في الطفولة

وتصغر بين حنايا القلب

ما أبلغ العزلة في كهفها!

5 ـ

لن أقرع الأجراس بعد اللحظة ..

سأكون منتبها جدا للساعة التي تلي الغروب

سأوزع الابتسامات وأنتظر

لن أخسر شيئا..

هناك عمر جديد سيعذرني

وهناك بقايا أفكار تستهويني

وشاعرة بألف قصيدة

وموت مؤجل

وماء يسهب الحواس ويمسك بآثار الورد

في فجر يطول عناقه ..

6 ـ

أنا لن أوقظ النهار غدا

سأقول لحبيبتي : دعي الشمس تقبع في الستائر

وفي شجرة البرتقال التي تتسلل كل صباح إلى السرير

كسرناف الضوء الذي يجرد أحلامنا من عريها ..

سأنسى كل مواعيدي ..

كل الطاقة التي تغضب

والخوف، ..

فورة الآجام الجافلة

وعذاب اليوطوبيا

ونار الغيرة

وآه من الغيرة ....

7 ـ

الحسن في عينيك

والنار موقدها ..

والعقل نافلتي في غياهب الرشف

يحق لي أن أقود الورد إلى حيث ألقى ماء الحياة

8 ـ

أمسكتني أرقب سانحة فجرها.. فدللت بالشراب عين الجلاء.. ثم هجهجت وأدركت.. ووفيت سر القبول ..

9 ـ

تعلق قلبي والتاع ..

كبحر يتلحف رغوة الفناء

10 ـ

كومضة سحر بوهيمي

تحصي الأنفاس وتزأر لقيامة حريبة

أصعد ..

لا أرقب ظلي  ..

حيث السراب جائلة في سحاب الشياطين !

***

شعر : د. مصــطفى غَــلْمَـان

 

صادق السامرائييُذكّرني بأيّامٍ تناءتْ

                    وأحلامٍ بما سُقِيَتْ أناءَتْ

نواجهُها بإصْرارٍ وعَزمٍ

                    ونُلقيها على سُفُحٍ تدانَتْ

فَكنّا رُغم إعْثارٍ وصَدٍّ

            نُسابقُ خطوَها حتى اسْتخارتْ

 مَشيناها كما شِئنا وشاءَتْ

                    بواثبةٍ على سُبلٍ ترامتْ

فمَنْ طلبَ العُلى أرْدى مُحالا

                  وكلّ عزيمةٍ منهُ اسْتقادتْ

تباركَ سِفرها والعُمرُ ماضٍ

               إلى زمنٍ به الأزمانً شاختْ

مَدينتنا تساوى الحُسنُ فيها

                      بأخلاقٍ وأفعالٍ أجادَتْ

هيَ الدنيا بما وَسِعتْ جَمالا

            هيَ الذِكْرى بها كبُرتْ وطافتْ

مَدينتنا إذا سُرّتْ سُررْنا

           وكمْ بسرورها سَطعتْ وفاضَتْ

بها الأيامُ دارتْ نحوَ شأوٍ

                       يباغِتها بنازلةٍ أغارتْ

فأدْمَتْ كلّ مَشموخٍ بعِزٍّ

                  وأضْنَتْ ما يُسامِقها وآذتْ

تُخرّبها العواذلُ دونَ ذَنبٍ

                   وتدْحوها بموجعَةٍ أكادَتْ

وقدْ عاشتْ بأجيالٍ تآختْ

           ومنْ حَدَبٍ على بَعضٍ تواصَتْ

فكيفَ تكونُ مُعْترَكا مُدانا

                     وما يوما بها أبدا أدانَتْ

تحيِّرها أضاليلٌ توالتْ

                  وتفزِعُها بما كتمتْ وبانتْ

وكمْ صَمدَتْ على الويلات دوما

               وما جَزعتْ ولكنْ إسْتجارتْ

بحاميها ومُنجدها المُزكى

                    إمامٌ هاديٌّ وبهِ اسْتنارتْ

تطوفُ بنا مواكبُها ونَبقى

                  نُبادِلها العزائمَ فاسْتراعتْ

غيومُ الصيفِ راحلةٌ وشمسٌ

                    إذا سَطعتْ بأيامٍ تزاهَتْ

وٌطيْنا يا بلادَ المجدِ أضْحتْ

                 مَرابعُنا بما كسبتْ وقاستْ

"أبا سَبْتيْ" وما سَبتتْ مُنانا

                 بلغناها كما رَغِبتْ وشاءَتْ

بإقدامٍ وإيمانٍ وفَخرٍ

                   نواصلها ونرويها فكانتْ

فبثْ أملا وساهمْ في عُلاها

                وطِبْ نفسا إذا بلغتْ ودانتْ

كريمُ النفس من أصلٍ عَريقٍ

                 وكلُّ أصيلةٍ دوما أعانتْ!!

فكمْ سُرّتْ نفوسٌ في صِباها

        وإنْ حَضرتْ مواطنها اسْتفاقتْ!!

هيَ الدنيا بنا رَسمتْ خُطاها

            فخُضْناها وإنْ مَحُلتْ وغاضتْ

فلا تعْجَبْ من الذكرى بيوْمٍ

                 إذا جمَعَتْ سوالفَها وزادتْ

كأنّ المجدَ مقرونٌ بمجدٍ

            وأنّ شموخَها يأبى "تهاوتْ"!!

سلامٌ من ربى ذكرى وذكرى

                    بمسْبَحةٍ بها الأيامُ فاهَتْ

فهلْ ذهبتْ وما عادتْ ترانا

            وهلْ فرضتْ علينا ما أرادتْ؟

وإنْ أجّتْ بأعماقٍ لظاها

             فما هَمَدَتْ ولا عنها أشاحَتْ!!

أراها ذاتَ إمْعانٍ بسِفْرٍ

                    وكائنةً بأكوانٍ تماهتْ!!

فسامراء مَوطننا المُعلى

             بها الأجيالُ ما وفدتْ تباهتْ!!

***

د-صادق السامرائي

3\1\2019

 

 

سلوى فرحنَهَدَ القَمرُ

وَظِلَالُنَا فَارِغَةٌ حَتَّى مِنَّا

وُرَيْقَاتُ الجُورِي

تَهْذِي وَحِيدَةً

فُستُقَةٌ شَارِدَةٌ

بَيْنَ مَدَافِئِ اللَّيْلِ

تَتَلاَشَى فِي الشَّوْقِ..

***

صَفيرُ الذِّكْرَى..

أَنِينُ نَوْرَسَةٍ

***

لَسَعَاتُ الحَنِينِ

تَبْتَلِعُ شَهَقَاتِي

عَصَافِيرٌ تَرْتَعِشُ

***

أَنا فَتَاةُ الثَّلْجِ

عَلَى ثَغْرِكِ يَا شَامُ

أَذُوبُ لَهْفَةً

بَيْنَ يَاسَمِينِكِ

تَسْقُطُ بكَارَةُ قَلْبِي

****

أَحْمِلُ سَلَّاتِ السَّكِينَةِ إلَيْكَ

بِنُكْهَةِ البَرَاءَةِ

أَرْتَدِيْتك عِطْرَ بْقَائِي.. 

 مِعْطَفَاً لِأنْفَاسِي

عَانِقْنِي بَعِيدًا

عَنْ تَرَاتِيلِ الفَنَاءِ

***

شَوَاطِئٌ تُسَافِرُ

 مَعَ كُلِّ مَوْجَةٍ

البَحْرُ صَامِدٌ

العَدَمُ  أَسِيْرُ الوُجُودِ   

وُجُودُنَا مَرَافِئُ

لَا اااااااااااااااتَرْحَل

***

سلوى فرح

كندا

عبد الرزاق اسطيطوكنت جالسا قبالة البحراستمتع بدفء الصيف، وكان صوت المصطافين خاصة الصغاروالمراهقين منهم، يزيدالشاطىء صخبا مما غيب معه صوت البحر والنوارس وسحر الغروب ... حاولت أكثر من مرة أن أغوص من جديد بين صفحات الرواية التي بين يدي في محاولة لإنهائها،لكن هيهات!. ولمت نفسي لأنني لم أحسن اختيارالرواية أثناء شرائها، ثم أرجعت الأمرللصخب، والحرارة المفرطة، وأنا أبحث عن تبريرلكسلي هذا أثناء القراءةوقف قبالتي شاب وسيم، طويل القامة بشعر أسود مصفف بشكل أنيق، يرتدي قميصا أبيض اللون وسروالاقصيرا، وينتعل حذاء رياضيا، وبيده هاتف نقال. مد إلي يده مصافحا فتركت الرواية جانبا، ووقفت أسلم عليه فمن محياه ونظراته يبدوأنه يعرفني تمام المعرفة.عانقني بود... وأنا أرحب به استرجعت صور التلاميذ الذين درستهم فيما مضى عساني أعثر على ما يذكرني به ...دعوته للجلوس ففطن بدهائه أنني لم أتذكره، فعرفني باسمه قائلا :"اسمي اسماعيل الهايم ، كنت أدرس عندك ألا تتذكرني أستاذ..!.فأجبته بلطف :" نعم.. نعم.. تذكرت التلميذ الهايم المشاغب الذي كان يشتكي منه الكل إلاأنا طبعا" فقاطعني وهويربت على كتفي" طبعا إلا معك لأنني كنت أحبك وأحترمك" .

وأثناء جلستنا حدثني عن هجرته، وحياته باسبانيا وعن فرص النجاح هناك وعن الفرق الشاسع بيننا وبينهم قائلا "هنا الذل والهوان كل شيء يقاس بالمال والجاه والحسب "وهناك كل شيء يقاس بالكد والاجتهاد والتعب، هناك منحتني الحياة كل شيء العمل، والزوجة،والبيت  واللغة ..هناك أستاذي ولدت من جديد. وهو يتحدث عن رحلته وسعادته بدا شابا طموحا، وناجحا وصاحب مقاولة للبناء. غير التلميذ الذي  كان يصرخ في وجهه حارس المدرسة، ويطرده الأستاذ من فصله بداعي الشغب. لما ودعني بعد غروب الشمس عادت بي الذاكرة من جديد إلى أيام خلت حيث كنت أدرس بثانوية "المجد للعرفان " واستحضرت ذلك اليوم البارد من أيام الشتاء عندما انتهت حصة الصباح وخرج التلاميذ من الفصل ظل إسماعيل واقفا قبالة باب الفصل المشرع على أشجارالحديقة التي تزين الساحة بدا قلقا، وحزينا ومرتبكا، وهو يبحث عن كلمات تليق بتوديعي . بكلمات مقتضبة شجعته على الحديث... نظر إلي بعيون منكسرة قائلا "سوف أهاجر إلى اسبانيا هذه الليلة عبرقارب من قوارب الموت .ولأنك عزيزعلى القلب أردت توديعك" حاولت أن أغير فكرته، ووجهته، لكنني وجدته مصراعلى الهجرة حتى وإن كانت على كف عفريت.عانقني بود وضغط على يدي ورحل.

ظللت طوال اليوم أحدث نفسي تارة، وأصمت تارة أخرى كمن أصابته ضربة شمس.. عفت الأكل والموسيقى والقراءة، ولذت بالبحر كعادتي، وبداخلي أسئلة كثيرة تتلاطم كالأمواج الصاخبة على حجارة صماء لميناء مهجور، لأنني فشلت في إقناعه وإقناع الآخرين بالعدول عن فكرة الرحيل . فهل حقا كنت صادقا معهم في هذا القول، وأنا الذي كنت أجهزأوراقي، وحقائبي للرحيل إلى الضفة الأخرى؟!

 

عبدالرزاق اسطيطو

 

جميل حسين الساعديكَــــمْ هوى مِنْ صنـــــــمٍ بعْدَ صنَمْ

وهْــــــــــوَ باقٍ شامـــخٌ فوقَ القِممْ

 

إنْ دهـــى خَطْبٌ مشينـــا خلفــــــهُ

وافتدينـــــــــــــــــــاهُ بأرواحٍ  ودمْ

 

لا تقُــــلْ هــــذا قمــــــــــــاشٌ إنّما

هُـــوَ روحٌ حيّــــــــــة ٌ مُنـــذُ القِدَمْ

 

رَفْرفتْ فـــــــــــي عَلـــمٍ خفّاقـــــةً

فأرتنْــــا الحزمَ فيــــــــها والشَمَــمْ

 

لا تقُلْ هــــــــذا قماشٌ إنّــــــــــــهُ

مجدنـــا الخالـــــــدُ ما بيـــنَ الأممْ

 

مُفْصـــــحٌ أبلغُ مِــنْ كُلِّ اللغـــــــى

ناطـــــــــــقٌ لا بيــراعٍ أو بِفَـــــمْ (1)

 

فَهْوَ فــي الأرزاءِ مَـــــنْ يجمعُنــا

ويصونُ الأرضَ مِنْ أنْ تُقْتَســـــمْ

 

كلُّ شـــــــــــئٍ زائلٌ يــا صاحبـي

وسيبقــــى خافقاًهــــــــــذا العلـــمْ

 

حاكيـــا ً عـنْ جرحنا الدامي وعنْ

ألـــــــمٍ زادَ علــــــــى كُـلِّ ألَـــــمْ

***

 

في عام 1978 مثّلت بلدي العراق تلبية للدعوة التي وجهتها اليابان إلى ستة عشر بلدا يمثلون القارات الثلاث آسيا، إفريقيا وأمريكا اللاتينية للمشاركة في برنامج علمي فني، هدفه دعم وتطوير إقتصاديات الدول النامية، وقد اختير وقتها العراق ومصر ممثلين عن العالم العربي .وفي إحدى اللقاءات وضعت أعلام بلداننا أمامنا، فماكان مني سوى أن ألفّ العلم العراقي على وسطي، ويوم أمس تذكرت المشهد كاملا، فأوحى لي بهذه القصيدة التي أنشرها مع الصورة

628 جميل الساعدي

         صورة الشاعر  وقد لفّ صدره ووسطه بعلم بلاده

 

جميل حسين الساعدي

برلين 20/1/20019

.........................

(1) اليراع: القلم

 

سعد جاسم(وشم سومري)

أنفاسُكِ

تُذكّرُني برائحةِ الشمسِ

ورائحةِ الانهار والينابيع

ورائحةِ رغيفِ الخبزِ الحار

وكذلكَ تُذكّرُني

برائحةِ القرنفلِ والبنفسج

والنرجسِ والجوري

يااااه ... ياأنتِ

رائحتُكِ تُذكّرُني

برائحةِ الطينِ

التي تسكنُ جلدَكِ

مثلَ وشمٍ سومري 

 

(وطنٌ آخر)

لأَنَّ وطني

مرعبٌ ومُلتبسٌ

وقاسٍ حتى في حبِّهِ

وفي إبوّتهِ

إخترتُكِ أنتِ

 كي تكوني

 وطناً لي

 

(غوايةُ الينابيع)

لا شيءَ يُضاهي رائحتَكِ

وأنا ...

حتى لو اعتُصرتُ

كلَّ حقولِ النرجسِ والقرنفل

وجنائنِ البنفسجِ والياسمين

إعتَصرتُها في نهرٍ

أو في زجاجةِ عطر شاسعةٍ

فستبقى رائحةُ جسدِكِ

أكثرَ بلاغةً من المسكِ

وأكثر إنوثةً وغوايةً

من غزالاتِ الينابيع

*

ياااااااه يا أنتِ

في كلَّ مرةٍ أشمُّكِ

أشعرُ كأنني

سأطيرُ بكِ ومعكِ

الى هناااااااك

وأعْني : 

الى فراديسِ الأبدية

 

***

سعد جاسم

 

629 اية مصاروةلم أعرف المرحومة آية مصاروة،

 لكني عرفت عنها كل خير

 

الوحش تربصْ

الوحش يراقب وردهْ

عبقتْ

حمَلت حلمًا

أن تنجح أن تتفوق معتده

*

تنسج من ألسنة العالم

 لغةً تلوَ لغة

ترقى بدروس العلمِ

طالبة ومجدّه

*

الوحش يراقب أنغامًا هي إشراقُ

ويراقب دربًا

سار به قلب خفّاقُ

قلبٌ ببراءة طفل يبدي ودّه

يرشفُ من إيمان بالله

يرشف شهدَه

*

الوحش تعدى

شيطان أودى

أودى بالرقة والألفة

واغتال الشوق يضيءْ

بعيون إذ رفّت رفّهْ

*

فإذا آيتُـــنا بنتُ العفة

تصرخ تبكي

لا أحد ينجدها

يا ويلي يا حسره

لا أحد ينجدها

ونجوم الليل بكت في ساعة شده

*

وإذا الموت

يأتي يحمل حتفه

ومضت آيه

قطف الموت له قطفه

*

وإذا الغربه

كل فيها يظهر حبه

يتجلى معنى الإنسان

في وقت الكربه

***

شعر: ب. فاروق مواسي

........................

آية مصاروة: طالبة فلسطينية تبلغ من العمر 21 عاما قُتلت في مدينة ملبورن الاسترالية بينما كانت تتحدث مع شقيقتها عبر الهاتف. يوم 27 – 1 – 2019م

 

 

عدنان الظاهرنجحتُ في ترتيب لقاءٍ عجيب ٍ غريب ٍ لا مثيلَ له في تأريخ الملوك والآلهات إذ ْ جمعتُ ما بين عشتارَ ربّةِ الجنس والخصب والتناسل في بابلَ وربّة حمص (جوليا) . كان جمعاً ولكنْ كان جمعَ نقيضين . كانت عشتارُ ترفلُ بالنعيم الفائق كثيرة َ الطربِ والغناءِ وهزِّ الرقبة والكتفينِ وما تحتهما في حين كانت (جوليا) كثيرة َ الصمتِ مُفرطة ً في جديتها وصرامةِ تقاسيم ِ جميل ِ وجهها . ما كانت عشتارُ لتضاهي أو حتى لتقتربَ من سحر ِ جمال ِ جوليا وفتنة ِ عينيها الآسرتين ومُنصَهرِ ذهبِ خيوط ِ شعرها الذي تنكسفُ الشمسُ إزاءَهُ . أجلْ، آمنا باللهِ، عشتارُ وما أدراكَ ما عشتارُ ربّة ٌ للجنس ِ والتخاصب ِ وإكثار ِ البشر ِ في حين أنَّ جوليا هي آلهة ُ الفن رسماً ونحتاً وقد جبلها ربّها الأعلى منحونة ً من معادنَ شديدةِ الندرةِ والخصوصية . جمع خاماتها الأولية َ في غضون عام ٍ واحد فقط لكن َّ إعدادَ قوالبها وصبّها في معادنها الأزلية الطبيعة قد إستغرقه عاماً ضوئياً كاملاً . فمن ترى يُضاهيها ومن يجرؤُ على الدنوِّ منها ومن ذا الذي لا يتوسلُ القربَ منها والتبركَ بها وبجمال ِ ودقةِ أناملها وإقتباس ِ الضوءِ واللون ِ منها ومما نحتَ الربُّ لها فبريقُ معدنها يتخطفُّ الأبصارَ ويعمي البصائرَ . كانت عشتارُ المضيّفة ُ المضيافة ُ كثيرة َ السرورِ بزيارة نظيرتها المتفوّقةِ عليها بعام ٍ ضوئيٍّ كامل حُسناً وقواماً زارتها وما كانت تحملُ معها ذهبا ً أو شيئا ً من حليٍّ وجواهرَ إلا إكليلَ زمرّد ٍ أخضرَ يحاكي حيناً ويعكسُ لونَ زمرّد عينيها أحيانا . وكان الإنسجامُ على أشدّه بين شعاعات ِ الذهبِ الإبريز في خيوط شعرِها وأشعةِ خضرة ِ الزمرّد الذي رصّعهُ ربُها الشاميُّ الكنعانيُّ في محجري عينيها . ما كان دوري في محفل الضيافة ذاك بعدَ أنْ نجحَ جهدي في الجمع ما بين الربّتين المتباينتين خِلقة ً وسلوكاً؟ ما دوري اللاحق وما نفعي مما وقع ومما سيقع؟ عشتارُ لا تحلو لي فهي أنثى فيها ومنها تتفرعُ طرق ٌ شتى غريبة ٌ في هندستها وطبيعة مواد بنائها . أما جولي فإنها آلهة ٌ بِكرٌ عاقرٌ صارمة ٌ في وجومها شديدة التحفظ على سرِّ أحجار ِ مغناطيس ِ القمر ِ في مركزِ حديدِ ثقلِ السحرِ في طود ِ حقولِ التجاذبِ غير المرئي . فاجأني مليكُ بابلَ جلالة المعظّم حمورابي هامساً في أذُني: ويلكَ، آلهة ُ بني كنعانَ وباقي سلالات آمورَ ليست بكراً ولا عاقراً ً، إنها متزوجة وقد تُنجبُ أطفالاً إذا شاءتْ . كدتُ أتهاوى على الأرض من فرط ِ فجاءة ِ ما سمعتُ من قول مليكنا المُفدّى وهو عارفُ كلَّ شيءٍ وهو قارئُ الغيبِ ومالكُ جميع أراشيف المعلومات في الدنيا ويعرفُ الأسماءَ الحُسنى وغير الحُسنى جميعاً فقد تعلمَ الصنعة َ من أبيهِ آدمَ . كيف؟ كيف تكون الآلهة ُ متزوجةً ً يا (حامي) (ربّي)؟ ضحك حمورابي وربتَ عنيفاً على كتفي الأيسر ثم قال : يا غبيُّ ! ما الذي يمنعُ الربّاتِ من الزواج؟ أفلمْ تكنْ دايانا زوجاً لآدونيسَ وعشتارُ القديمةُ زوجاً بالخفاء لأمبراطور سومرَ جلجامشَ ثم شاركه فيها زواجَ متعة ٍ صديقهُ الحبيبُ أنكيدو؟ ألا تعرف أنَّ الملوكَ يمارسون مَن يشاؤون من جواريهم وسراريهم ومسبياتهم دون زواج؟ مجرَّدَ نزوة ٍ ومتعةِ حرام ٍ لها طعمُها الخاص ومذاقها الخاص خارج مناخات ِ وأسرّة الزوجية . تماماً مثل مذاق التفاح ِ المسروق للتوِّ من بساتين الناس الآخرين وجيّد تمور ِ نخيلهم . يملون نساءَهم الكثيرات فيجنحون للتغيير ِ المتعددِ الأشكال والألوان . (تذكرتُ خلفاءَ المسلمين الأولين منهم والآخرين) . آلهة ُ الفن ِ والرسم ِ والنحت ِ جولي إذا ً سيدة ٌـ آلهة ٌ متزوجة ٌ ولا أدري. على أية حال، كيف إنقضت الليلة الأولى وهي في ضيافة عشتار؟ كانت ليلة ً صاخبة ً لم تنم ْ خلالها بابلُ ولا أهلُ بابلَ . حضرت فرقُ الرقص والغناءِ والألعاب السحرية والمهرجين وجماعات الغجر مع الطبول والصنوج والمزامير والأعواد جاءوا من آشورَ ومن ضفاف أهوار سومر ومن كل فج ٍّ عميق . لكنَّ الحفلَ الملكيَّ الصاخبَ كان مهرجانَ حريم ٍ صِرفٍ لم يحضره إلا رجلٌ واحد يرى ولا يراه أحدٌ ... مليكُ بابلَ حمورابي . واصلتْ جولي وقارَها وصمتها ولم تبتسمْ إلا قليلاً حين يضج ُّ الباقون بالضحك على هذه الفعالية أو تلك . مع ذلك لم تكنْ ثقيلةَ الظل والحضور . جمالها وسحرُ عينيها طغى فأسكرَ الحضور حتى ألهاهم عمّا هم فيهِ من طرب ٍ وسُكرٍ ومجون . قضى حمورابي جُلَّ وقته مركزاً بصره على جولي لا يكاد يفارقها إلا حين يعبّ كأسَ خمرته حتى الثُمالة . لم ينفض الحفلُ إلا مع خيوط الفجر الأولى حيث كان الكل ُّ بين نائم ٍ أو بين الصحو والنوم أو الغاط بالشخير . إلى كمْ ستبقى جوليا في بابلَ ومَن سيرافقها في طريق عودتها إلى مملكتها في بلاد الشام؟ سألت حمورابي قال أنتَ، أنتَ الذي سيكون مرافقها وحاميها لأتها لا ترتاحُ إلا لك َ ولا تثقُ إلا بك وبكلمتك وتستأنسُ كثيراً برفقتك وجميلِ الفاظك وقد عرفتك قبلَ أن تلتقيك . واصلَ حمورابي كلامه فقال : لكني أرى أن تبقى آلهة ُ حمصَ الكنعانية ُ معنا في بابلَ لديَّ لفترة أسبوع ٍ واحد في الأقل ولكنْ بإسم عشتارَ لا بإسمي . أنا راعيها لكنَّ عشتارَ وصيفتها ومضيفتها الرسمية . فكرة معقولة يا صاحبَ العصمة ِ والجلال والكرم ... قلتُ ... فكرة صائبة وأنتم صاحبُ الرأي والفكر ِ والمشورة . قال هل ستفاتحها أنتَ بهذا الموضوع أم نتركه لنائبتنا عشتار؟ بل أتركه يا مولاي لمضيفتها عشتار . قد تروق الفكرةُ لها تسمعها من فم عشتارَ وقد لا تروق لها خارجة ً من فمي أو من فمك المقدّس ِ سيّدي . قال لحكمتك هذه ونباهتك لم أقتلك إذ تجاسرتَ ذاتَ يوم ودعوتَ عشتارَنا لزيارتك في عالمك الآخر ونفّذتْ عشتارُ دعوتك بالفعل دون أخذ الإذن مني أنا صاحب الشأن ثم نالها من أجل ذلك ما نالها من أذى وعقوبات ٍ . لذتُ بالصمت ومن ذا الذي يجرؤ على رفع عينيه حين يتكلمُ حمورابي منفعلاً غضبانَ؟

نام القومُ طويلاً ولم أنمْ . كنتُ متأرِقاً قلقاً على صحة نبيتي جولي وهل ستنام ُ جولي طويلاً وعميقاً أم أنها كعهدي بها لا تنامُ جيّداً إذ ْ يتغيرُ مكانُ وفراشُ نومها . إنها مثلي في هذا الأمر تماماً . نهضَ الجميع ُ بعدَ الظهر بقليل وكان طعامُ الغداءِ جاهزاً يكفي لسَكنة ِ بابلَ وما جاورها من قرى وقصباتِ أشراف وعليّة القوم . ظلَّ الجناحُ الغربيُّ مخصصاً للنساء والشرقيُّ للرجال فأكلوا وشربوا الأنخابَ أنخابَ زيارة ِ وسلامة وصول ِ رسولة ِ حمص الكنعانية وهي أول زائرة ٍ ساميّة ِ المقام ِ والرُتبة ِ في درجات ِ الأنبياءِ والرُسُل ِ تطأ قدماها أرضَ بابلَ . ما كانت تميلُ لشرب الخمرةِ وما كانت تتناولُ من الطعام إلا أيسرَهُ وبحسابات دقيقة فهي تعرف نظامَ السعرات ِ الحرارية (الكالوري) وإنها شديدة الإهتمام برشاقة ِ جسدِها والمحافظة ِ على وزنه ثابتاً لا يتجاوزُ حدّا ً إلتزمتهُ لسنينَ طوالٍ . لا أدري ما كان يجري هناك في مجتمع الحريم لكنَّ مليكَ الملوك جلالة حمورابي كان على علم ٍ تامٍ بتفاصيل ودقائق ما كان يجري . له وسائله الخاصة في تقصّي وجمع المعلومات مما يبثُّ من عيونٍ سريّة ٍ من الصبيّاتِ وساحراتِ العجائزِ وبعض الراقصاتِ والعازفات . ثم كانت تحت تصرفه أرقى أجهزة المراقبة المخفيّة وأحذق الخبراء الأجانب في عالم الألكترونيات . ما كان يهمني من كل هذا العالم الغريب المريب إلا صحة ُ وسلامة ُ النبيّة الفاتنة التي إستجابت لمقترحي وقبلت دعوة عشتار بابلَ ورافقتني حتى دخولنا المملكة َ وقصرَ عشتارَ . طلبتُ مقابلتها بعد الغداءِ بأقل من ساعةٍ فأتتني مستبشرة ً باسمة ً أو هكذا خيّلَ لي أو هكذا أردتها لأنني لا أطيقُ أن أراها حزينة ً أو منقبضة ً أو مكتئبة ً كما عرفتها لقرون وقرون . سألتني ما الخبرُ يا صديقُ؟ أردتُ أنْ أسألكِ هل أنتِ مرتاحة هنا وبخير أم تودين الأوبة سريعاً لبلدكِ ومملكةِ عرشك في أرض كنعانَ؟ قالت كلُّ شيء حتى الساعة على ما يرام لكني لا أتصور أني أُطيقُ البقاءَ هنا على أرض بابلَ لفترة أسبوعٍ كامل . ثلاثة ُ أيام ٍ تكفي وإني سأطلبُ السماحَ لي أن أختلي بكَ وحدكَ كي تشاركني تمشياتٍ طويلة ً خلال غابات ِ نخيل ِ وبساتين بابلَ المشرفة على نهر الفرات وهو نهر مشتركٌ كما تعلم بين أرض كنعان وأرض شنعار . هززتُ رأسي المتعب فسألتني ما الخبر؟ لم أردَّ فأعادت سؤالها ولم أردَّ فأصرّت عليه فقلت مُضطراً : لن يدعَ حمورابي شخصين وحيدين يتمشيان في بساتينه وغاباته أبداً أبداً . هاجسهُ الأمني ُّ أو القوميُّ بلغة أهل أمريكا في أعلى مستوياته فليس من قبيل المُبالغة أنْ تعرفي أنه وضعَ على رأسِ كلِّ نخلةٍ من نخيل بساتينه جهازاً سرياً متطوِّرا ً يُسجِّلُ الأصوات ِ ويلتقطُ ُ الصورَ الملوَّنة َ بمعدّل صورةً ٍ واحدة ٍ في الثانية . بقيَ وجه ُ حبيبتي ونبيتي محايداً خالياً من أيةِ علامة ٍ أو حركة ٍ أو إنفعالٍ . وحين أحسّت بحيرتي من أمرها أخذت هي الأخرى تهزُّ رأسَها الملكيَّ الذي يعلو خيوطَ ذهبه إكليلُ الزمرّد النفيس الذي لا مثيلَ له في كل الوجود ... والت هزَّ رأسِها ثم تنهّدت وقالت : لكأنك تصفُ ما في غابات وبساتين مليكِ مملكة كنعانَ تماماً وبالضبط ... هل هما ينسّقان معاً أم أنها متطلبات هَوَس وجنون الأمن القومي لا تحتاجُ إلى إتفاقات ٍ وإتفاقياتٍ مكتوبة، إنها وصفات ٌ عالمية ُ الطبع ِ والطابَع . هواجسٌ قديمة ٌ منذُ أنْ إكتشفَ أبونا آدمُ أنَّ ربّهُ الأعلى يتجسسُ عليه وزوجهِ حوّاءَ وقد سوّلت لهما نفساهما قضمَ تفاحة ٍ واحدة ٍ لا أكثرَ من تفاحِ بستانِ الخلود الخاص بمملكة الربِّ وملائكته والأقربين من خاصته وحواريه من خيرة الندامى وقارعي كؤوس ِ النبيذ ِ والخمرة ِ الصهباء والعقيقية . كلُّ البساتين وكلُّ الجنائن والغاباتِ محشوة بالأجهزة السرية المعقدة المعدّة للتصوير وتسجيل ِ الأصوات . مسكينٌ آدمُ ومسكينة أمّنا حواءُ ما دار في خلديهما أنهما مراقبان فحسبا أنهما في أمانٍ مطلق فتمردّا على الأمر المفروض وإقتربا من الشجرة المحرّمة وأكلا ما أكلا فضبطهما ربّهما متلبسين بالجرم المشهود نصفُ تفاحة ٍ في يد آدمَ وفي كفِّ زوجه النصفُ الآخرُ منها فهل ينكرانِ ما فعلا وكان مع ربهما جمعٌ غفيرٌ من الملائكة الشهودِ شهودِ عيانٍ لا شهود زورٍ وبهتانٍ !! ورفعاً للحَرَج كيّفَ محامو الربِّ الدعوى على أنْ ما حصل لحواءَ وآدمَ كان من فعل إغواء الشيطان وأنَّ هذا الشيطانَ نفسه راح وشاغبَ ونقلَ الخبرَ إلى ربِّ الجميع، ربِّ الملائكةِ والشياطين . هزّت النبية جولي رأسَها مع قليل من ظلال أسى ً عميق ٍ ثم قالت ببطءٍ شديدٍ : ألمْ أقلْ لكَ إنَّ ما يحصلُ في بابلَ كأنه نسخة طبقَ الأصل ِ مما يحدث في أرض كنعانَ وكلتاهما من بعض ممالك الرب؟ نعم يا نبيتي ويا آلهة َ الجمال ِ والفن ِ الكنعانية ِ الأصل ِ والفصل ِ والدم ِ ... نعم، إنك على حق، حتى اللهُ يستخدم العَسسَ والشُرطَ السرّية َ والمخبرين والجواسيس يختارهم من بين عناصر ملائكته ثم يُطلقُ عليهم إسمَ شياطينَ وأبالسة . ملائكة ٌ يمتهنون الجوسسة والإستخبارات يترصدون باقي المخلوقات ويرفعون التقاريرَ اليومية لربّهم مباشرة ً حيثُ لا من وكلاءَ له ولا يقبلُ إستشارة أحد من بين رعيته . كيف ستمضين يا جولي يومك الثالث والأخير في مملكة بابلَ؟ قالت سأنامُ مبكّراً تأهباً للسفر الطويل خاصة ً ما زال الجو حاراً وفيَّ رغبة ٌ عارمة ٌ أنْ أعرِّج لأزورَ آثار البتراء إذْ طالما قضيتُ هناك أوقاتاً كثيرة ً أنشدُ الهدوءَ والبعدَ عن الصخبِ والضوضاء وعيون المخبرين والمخبرات . هل لديك صورٌ هناك؟ قالت أجلْ، وسأرسلُ لك واحدة ً منها فإحتفظْ بها لديك ولا تسمحْ لأحدٍ سواكَ يراها ... ليس للآلهاتِ أصدقاءٌ كما تعلم . إنها صورة ٌ حديثة كنتُ فيها أرتدي بنطرون الجينز الأزرق ماركة (براكس) وخُصلٌ من شعريَّ الذهبي ّ تتدلى على ظهري .

تسلل القوم، آخر ليلةٍ على إقامة الضيفة الكنعانية، إلى مضاجع نومهم وهكذا فعلت نبية ُ حمص إذ قادتها عشتارُ إلى جناح قصرها الغربيِّ المخصصِ لإقامتها .

 

عدنان الظاهر

01.10.2008

 

محمد المهديصوت الصمت يناديني،

من خلف الاصوات ويستهويني.

يراودني عن بوحي ويغريني ..

كلما طلبت الوصل يثنيني

واذا ما تلبست بي الحياة يرديني !!

فلما يا ايها البوح لا تجاريني،

لا سرج الكلمات بهمس بمن شراييني،

فانت صوتي الذي اليه أبوء في وجعي.

وانت الذي به أستجير من ظنوني،

وبه اهش على سرب شجوني ..

لأرسمها على ورق،

حفظته بين جفوني . 

كتبت عليه تاريخ حبي

ونوبات جنوني ..!!

فلا تكن قيدا في دمي،

أنوء به ويعييني ..

وكن طائرا مهاجرا

يسافر بي عبر الأكوان..

يحزنني حينا،

واحيانا يشجيني

****

محمد المهدي - تاوريرت

 

حيدر الهاشميأستيقظ في الصباح الباكر، عثر على حبلٍ قطني، يلتف حول رقبته، وينتهي عند أطراف قدميه، مربوطاً به على السرير بشكلٍ جيد .

صاح بصوتٍ عال: لن أستسلم مهما فعلتم، سأدافع عن فكرتي حتى الرمق الأخير

كلما قطعوا جذوره، امتدت له من جديد، نجح في فك قيوده، جمع قواه، مسك فرشاته وأخذ يرسم على جدران الغرفةِ أشجارٍ وغاباتِ كثيفة .

في الثامنة صباحاً، دخلت عليه أحدى الممرضات وحين شاهدته سقط الإناء من بين يديها وقالت: البارحة كان لديك ثقب واحد، واليوم أنت تشبه الناي، جسدك  مليء بالثقوب، هرعت نحو أدارة المشفى .

أجتمع حوله الجميع، قال المدير: نحن نسمح لك بالتحول الجنسي، اذا رغبت في ذلك، سنهتم بك ونساعدك، لكن أن تتحول إلى شجرة، هذا أمر مرفوض، لأنك تنتهك الدستور والأعراف الإنسانية، راجع قرارك جيداً، فلا أريد أن أتخذ معك إجراء قاسياً، ما عليك هو أن  تلتزم الصمت وتعود إنساناً .

صرخ في وجوههم، أتركوني وشأني، أريد أن أعيش مثلما أريد، لا أريد أن أشبهكم بشيء، أخرجوا حالاً وخذوا معكم تلك الحقن اللعينة

قال المسؤول الأمني: عثرت على زهرة قديمة في أحد جيوب معطفه الأسود، كان كلما يشتم عطرها، تخضر يديه وتحوم من حوله الفراشات .

وقبل أن يغادر المدير الغرفة، عاد خطوتين إلى الوراء، وقال لهم: حاولوا كتمان هذا الموضوع، لاتدعوا الخبر يتسرب إلى الصحافة، فلو علم الناس سيتحول الجميع إلى أشجار وحيوانات أليفة، هيا أخرجوا  تلك المزهريات وحاولوا اسكاته، مسكوه جيداً، جردوه من ثيابه وعلبة الرسم، قصوا شعره، وهو يصرخ ويصرخ ويصرخ: لا أريد تلك العقاقير، كانت أخر حقنه في صدرة، هي التي أسكتته إلى الأبد، تخشبت يداه وأنكسر مثل قلم رصاص .

 

حيدر الهاشمي 

 

صالح البياتيجاء الأب فإنتقلنا لغرفة الجلوس، كنت اريد ان اطلب يدها منه، ولدي أحساس انها ستوافق، وأنها تنتظر مني القيام بالخطوة الأولى، ولكن كنت متردد بنفس الوقت، لأنها اصغر مني بعقد ونصف، الفرصة مواتية الليلة لإعلان خطوبتنا،  فقد شجعتني امي، وإزداد إعجابي بها، بعد الحوار الذي دار بيننا قبل مجئ ابيها، قررت ألا أفوت الفرصة، التي قد لا تتكرر مرة أخرى. فقلت:

" عمي، اتشرف بطلب يد كريمتكم، الآنسة سيناء، ويسعدني قبل كل شئ أن أحظى بقبولكم، ولكن أحب أن أسمع رأيها مباشرة، أحب أن يكون القبول أو الرفض نابع من إرادة حرة، ورغبة بالزواج مني، وليس نتيجة للظروف الشاذة التي نمر فيها.."

ساد بيننا صمت متوتر، شعرت أن كلامي لم يكن مسبوكا بشكل جيد، ويخلو من اللباقة والكياسة، أو الأسلوب الفني المتعارف عليه في مثل هذه المواقف الدقيقة.

" فيما يخصني كأب، أقول، يشرفني أن تصبح صهري، أما بالنسبة لسيناء،  فهي الوحيدة التي لها الحق أن تجيب عن السؤال الذي يخصها. نظرت سيناء لأبيها نظرة مليئة بالود والإعجاب. تكلمت بهدوء وثقة كبيرة بالنفس، لم تتصنع الحياء كما تفعل بعض الفتيات.

" قبل أن تبدأ الأزمة، كان ابي يرغب أن تتقدم لخطبتي، وبعد أن وجدني لا أعترض، تكلم مع العم موسى الكيال كما علمت أخيراً، ليعرف بشكل عام تطلعك ونيتك للزواج، أنا نفسي لا أحب أن يكون الزواج نتيجة لظروف قسرية، فرضت علينا فرضا، أو أن يكون سعياً لتحقيق هدف معين."

" حسنٌ، هل لا زالت حالة عدم الإعتراض التي تكلمت عنها قائمة الى الأن؟" توردت وجنتي سيناء خجلاً، لأني فاجأتها مباشرة وأمام والدها.. ظلت صامتة لا تتكلم، فقال العم سبتي ملاطفاً

" السكوت علامة الرضا، هذا هو الجواب، هل اقتنعت الآن."

" تماما، لأقم أدخل الفرح على قلب أمي."

كانت أمي لا تزال صاحية تستمع لما كان يدور بيننا من حديث، قبلتُ رأسها، وقلت لها افرحي يا أم نوح بزواج ابنك أخيراً، ولتذهب الدكتوراه الى الجحيم. قامت أمي وسلمت على الحاج سبتي وشكرته، وقبلت سيناء فردت قبلتها وتعانقتا هنيهة، ثم جلسنا لنحتفي بهذه المناسبة، بشرب الشاي الساخن بإستكانات صغيرة، أعدتها لنا سيناء بطريقتها المميزة، بتحضير الشاي بنكهة حب الهال، الذي فاحت رائحته العطرة في أرجاء الصالة، واتفقنا على الذهاب غداً صباحا لشارع النهر لشراء خاتمي الخطوبة، وأن نلتقي بعد الظهر للغداء في مطعم قريب من مكان إقامتنا..

قضيت ليلتي مسهدا ولكن سعيداً في آن، أفكر بسيناء التي صدمني ذكاؤها وفطنتها في إدارة الحديث، وأفكر أيضاً بما ستؤول اليه الأمور إذا اشتعلت الحرب وبمصير الكيال، وبرسالته التي لم أفتحها بعد، وبوعده إن يتصل بي بطريقة أو بأخرى حالما يصل الى إيران، وفكرت:

لا بد أنه وصل الآن، لقد مر أكثر من إسبوع على اجتماع غرفة تجارة بغداد، وربما يحاول الاتصال بي دون جدوى..

قررت أن أترك الحزب الذي انتميت اليه من اجل بعثة دراسية للخارج، وأن استقيل من وظيفتي في البنك، واشتغل في الأعمال الحرة..

ولكن تصاعد صيحات الحرب، كنباح كلاب لا ينقطع، أربكني، حاولت بكل ما أوتيت من قوة، إيقاف تأثيرها على علاقتنا العاطفية، التي بدأت تنمو بسرعة، بقيت ساهرا أقلب الأمر على أوجهه المختلفة، فأرى كل وجه أشد قتامة من الآخر، حتى أصابني الأعياء، وكرهت الحياة التي عقدتها السياسة وأفسدتها الأطماع، وطمستْ وشوهتْ كل شيء جميل وخير فيها، حتى غدت شيئا آخر مختلفا تماما، عقابا وعبثاً وعبءً ثقيلا، ولكن الأمل بحياة سعيدة مع سيناء خفف من وطأة هذا التشاؤم..

في صباح صيفي حار، كان هواء الغرفة خانقا وراكدا، وكانت أمي مستلقية على السرير، ومن النافذة تسللت أشعة الشمس، فتلألأت حبات العرق من جبينها الأبيض وبين مفرق شعرها كاللآلئ الصافية..

كانت جلسات الإشعاع في مستشفى الطب الذري بين يوم وأخر، وستكون أمي مسرورة غداً، لا نها لن تضطر للذهاب لجلسة شعاعية مرهقة، وسنقضي يوما ممتعا بالذهاب لشارع النهر، لاختيار خاتمي الخطوبة، ثم العودة للشقة للاستراحة قليلاً، ريثما يأتي العم سبتي ليكتمل شملنا، وبعدها نخرج لتناول طعام الغداء، في أحد المطاعم على شاطئ الأعظمية الجميل..

في صباح اليوم التالي، حكت لي أمي ما رأت في المنام، وقد انشرح صدرها وهي تتكلم بهدوء، شعرتُ أن دفقة فرح طارئ غمر وجهها بالنور، رأيته يشع عذباً ناعما كالحرير، قالت، طاف عليَّ ليلة البارحة الأمام موسى الكاظم، مرحبا بإسمه، فشكوت معاناتي من آلامي الفظيعة، فقال لا باس عليك، لقد عانيت كثيراً في حياتك، ولكن سترتاحين قريباً، وسألني عن مكان سكني الآن، فأخبرته، فقال انت قرب الأمام أبي حنيفة النعمان، أذهبي لزيارته، وقولي له، "الأمام يُقرئك السلام" واختفى كما ظهر أول مرة، نوراً مرَّ خاطفاً، أمام عيني اللتين كانتا لا تفارقانه..

"سنزوره بني.؟"

في ضحى يوم جمعة، أدت أمي الزيارة، لمرقد الإمام أبو حنيفة النعمان، وقفت بطول قامتها، عند الشباك الذي يضم الضريح، المزين بكرات فضية، كالتي رأيناها في مرقد الإمام الكاظم، أطبقت امي أصابعها المعروقة على اثنتين منهما، نقلت اليه بصوت خفيض مرتجف، سلام الأمام الكاظم، قالت: الإمام يُقرئك السلام، رفعت يديها وقرأت فاتحة الكتاب، وترحمت عليه، ثم تنحت جالسة في أحد الأركان، خرجت أنا من الباب الداخلية للضريح، وأرسلت نظري بعيداً الى الضفة الأخرى من النهر، حيث تُرى منائر الكاظمية الذهبية، تتماهي مع شعاع شمس الظهيرة، لا يفصلها عن المكان الذي كنت أقف فيه، سوى الماء الجاري، الذي يسميه المندائيين، اليردنة، رأيت الجروف الطينية العالية، والجزر الرميلة، التي تظهر كل سنة في فصل الصيف، تحط عليها النوارس، بدت لي من بعيد، كغيمة بيضاء، ورأيت سرب حمائم تحلق عاليا في مجموعة متناسقة، تطير بين ضفتي النهر، فتقطعه ثم تعود كرة آخرى، هكذا لعدة أشواط من الطيران المتواصل، ولكنها تنحرف لأقصى الشرق عندما تقترب من مجمع المخابرات عند رقبة الجسر، وفي المرة الأخيرة تنهي استعراضها الرائع، وتنزل على أسطح البيوت وتختفي. كنت أراقبها طوال الوقت، فقلت أحدث نفسي، ربما تلك الحمائم الوادعة أذكى من الإنسان، فهي تتجنب الطيران فوق المجمع، قد يكون ذلك لتجربة سابقة مرت بها، حينما كانت تحلق فوقه، فسمعت صوت إطلاقات نارية، أرعبتها فكفت عن الطيران فوقه تجنبا للخطر..

 وعند الليل، قصدت الجامع، كانت معي سيناء، وكان الجو في تلك الليلة الصائفة حارا، تلطفه نسمات باردة، تهب من النهر القريب، كانت أعمدة النور العالية، تحيل المكان الى نهار ساطع، تنير الأروقة والصحن الواسع، حتى رصيف الشارع، امتلأ الصحن بالزائرين، كنا عند جلوسنا في الشرفة كل أمسية، نرى البرج الاسطواني الشكل، المصنوع من الألمنيوم الذهبي اللون، ونرى الساعة الكبيرة التي تتوج رأسه من جهة الشارع، كان الوقت يشير الى الثامنة، الهدوء والأمان كانا سمة المكان في الليل، قبتان ومنارتان، الواجهة الأمامية عند المدخل عالية، عبارة عن مستطيل كبير بداخله مستطيل أصغر، يشكلان إطارا يمتاز به فن العمارة الإسلامي الرفيع، في بناء الجوامع والأضرحة، وعلى الجانبين، يتكرر الشكل الهندسي المستطيل، ولكن بارتفاع أقل، و ما يميز الجامع أيضاً، الكتابة الضوئية لكلمة الله، وتحتها كلمة النبي محمد بضوء الفلورسنت البراق، تراهما عن بعد، الواجهة العالية والسور الخارجي، كلها مشيدة بالطابوق الذهبي البغدادي الصنع، ومزخرفة بالخزف القاشاني الأزرق الجميل.

تذكرت عندما رأيت الحمائم تعود الى أبراجها ظهيرة اليوم، فقلت لسيناء:

" ليس في هذه الدنيا ما هو أذكى وأروع وأجمل وأنبل وألطف من الحمائم، لأنها أسعد المخلوقات على الإطلاق، فهي تعود لأبراجها آمنة ومطمئنة، ليتنا يا سيناء، كنا حمامتين، وفكرت في نفسي، وليتهما ذكر وأنثى، لتكتمل سعادتنا."

في المساء عندما جلست لوحدي في شرفة الشقة، كنت لا زلت سابحاً في لجة أفكاري، حول ما شاهدته اليوم وقبله منذ أيام، قلت أحدث نفسي، لا بد أن هذه الأضرحة كانت في بداية ظهورها الأول، كسائر القبور، ثم أنها تطورت، فشيدت فوقها قباب متواضعة، ثم مع تقادم الزمن تحولت الى مزارات، للتبرك والسلام على أرواح الثاويين فيها، منذ مئات السنين، وبمحبة صارت مقامات ذوات شأن رفيع، وإلا لما كانت من قبل والى اليوم، مقصداً يشد اليها الرحال، لولا أنها أماكن لرفع أسم الله وأداء الصلاة فيها، للتقرب وطلب الشفاعة والرزق والشفاء.

 

صالح البياتي

حلقة من رواية: بيت الأم

 

 

بتول البستانينينوى تنحب تقول

هدموا منائري

قطعوا ضفائري

علقوني من هُدبي

والضلالة استباحت ظلالي

فلماذا رحلت عنها يا بتول

***

السحابة  بتول

غادرت وقت العطش

فامطرينا ياسماء

قطرات من الماء

فحروفنا أصابها الذبول

من الألف إلى الياء

***

يا شعراء الجاهلية

العرب الأقحاح

أسرجوا الخيول

اليوم تُزف إلى النجوم

سيدة العفاف بتول

***

مَنْ هذه المتوشحة بالإصفرار

أظنها بتول

لا . لا .ذا لون الغبار

ليته يبقى يُثار

حتى لا أرى من تكون

***

تظهر اليوم بتول

تلملم أشلاء منارة الحدباء

تنثر بذور القمح

تجمع كتب آشور

دعوت الله أن تؤول

شجرة سدر وريقة

في كل الفصول

***

ما لي اراكم تبكون؟

قد أخذتكم الظنون

أن بتول تُنسى

وبتول التقمها حوت المنون

في غفلة إتخذ طريقه سربا

سيستقر حيث ينبت العلم

ويعشوشب السفح أدبا

***

إني رأيت نجمة نورها لا يزول

وقودها من سدرة المنتهى

لن تأفل النجوم في نينوى

والأقحوان ديس بالجزمات

ومن قهرها ابيضت عيون الكلمات

لا تقولوا ماتت بتول

إنها في سبات

***

سردار محمد سعيد

هناء القاضيأما تعبت؟

لسنين وأنت تحاول أن تبتكر لنفسك وطن

تشّكل الناس

تختار الهواء

ترسمُ الطيور في السماء

ثم تغمضُ عيناك على كل هذا وتحلم بوطن

**

تحلمُ بشمس تستيقظُ على احاديث العصافير

وصباحاتِ تتهادى على موسيقى النواعير

وبساتين نخيل ونارنج تصاهر النهر

تفتحُ ذراعيها للمساء

تنام ُ قريرة العين

**

تحلم بمدينتك، بشوارعها العريضة

بركنك الدافيء وجدران حفظت حكايات  أثيرة

بشجرة منوليا

تركتها بعدكَ وحيدة

**

تحلمُ .. أحلمُ

والأحلام  شغف، خوف، هذيان شوق

والغد

نخّاس يبيعُ الأحلام

ولا يأتي

***

د. هناء القاضي

5-12-2018

 

لمياء عمر عيادوجعي من تاريخ

أُعدمت رؤوس اقلامه

ثم انحنت للفراغ ....

إنتظار سَكب حبرا أحمرا

وتقلصت سطوره والعناوين

نار خلف مدن الضياع

ولعنة دمٍ أنبتت موتا

ظلالهُ ... تمتدّ على طول خريطةٍ

مفتاحها أضحى اسماء قبورٍ !

وتُرجمانُها كفن !

انه مدّ الجياع يا..

أوفى من ارضٍ

مشت فوقها فضيلة زائفة

وذاك زبد ...

امتص نصف طفولةٍ

وأستباح تأريخهُ نصفها الآخر!

فكيف سيكتمل القمر؟

وكيف المضي فوق الورق؟

والآتي يُتم انسان !

او كيف بسطرٍ فارقته نقاط حروفهِ ؟

ومن قبلهِ .....

ودع رؤوس الاقلام

بقلم: لمياء عمر عياد