سلام كاظم فرجإعطني وضعا قلقا/

أعطيك نهرا وأسماكا ملونة

وصقرا تبايعه الطيور/ ملونة هي الأخرى

انت لا تدعين طائر التم يكمل أغنيته..

وسط كل هذا الضجيج المفتعل.

ضجيج شعبك المعطاء

كنا معا حين خيرنا الصقر ما بين ميتة وميتة/ لكن يدينا/ ورغم وليمته المبيتة

كانتا متعانقتين وودودتين...

هل مرت عليك  قصتي حين توجت رأسي قبعة من العصافير السود؟

وكنت بعيدة؟؟ لكن قلبك كنت احسه قرب عيني ينبض. ..

الأسماك الملونة المخدوعة في نهر الخورة تعود ثانية  لتزدهر

والسيبة تضيء بسببك.. (ولكن عندي وحسب)

هل مررت على غسقها / السيبة / وهل نازعك الشوق للتنومة../ الطبكة /

وسفرات الطلبة؟؟ لم نعتنق والهوى يغري جوانحنا/ أستعير من عبد الوهاب

همسة حائرة لأحدثك عن الذي جرى ومن عليا مناديلا امسح بها دمع

البساتين المهجورة /

لكن كل تلك الأيام/ ضيعتها الحروب/ وكل المطر/ مطرك الرحيم/ ما أطفأ

الجمر بل اطفأ النيران..

سأروي لك المزيد من الخرافات حين نلتقي/ ستجدينها جميلة .. وتستحق ان

تعاش/ الطيور الفتية تزدهر بشغف عند كل ممارسة / تستمد خلاصها من

وصايا مالك الحزين للحمامة المطوقة/ ما زالت حمامتنا المطوقة تصدق

عهود الثعالب.. وحين تصلي تدعو لها بطول سلامة /  لكن الطيور الفتية

تتنازعها ثقافة الثعلب وثقافة مالك الحزين

وما بين تلك وهذه/

طائر التم وحده.. يغني...

***

سلام كاظم فرج...

 

سامي العامريفي كل عينٍ ألتقيك وطالما

أمضيتُ عمري في (لعلَّ وربمَّا)

(لعلَّ وربَّما)

عينان مثلُ الدمعتين أو الندى

في رقصه فوق الخدود ترَنُّما

أنا لست أفهم ما الخريفُ إذا أتى

إلاّ إذا حلَّ الفراقُ وخيَّما

وأنا بطبعي أعرف السرَّ الذي

يهدي القلوب، وطبعها أن تهجما

فإذا تفوّه بالمحبة خافقي

صمتتْ لغاتُ الأرض أو صارت دُمى !

*

هذا ابنُ فرناسَ الذي أحزانُهُ

مُدَّت إليك كما الجناح ودمتُما،

شيئان في بالي أرى رؤياهما

تتشابكان ولن أصرِّحَ ما هُما !

*

تنويع ضروري :

جيت اسألك يا نوح وين السفينه

حمّلت كل الناس بس ولفي وينه !؟

***

سامي العامري

 

آمال عواد رضوانوَتَتَوَغَّلِينَ بِي!؟

يَا مَنْ بِلَوْنِ أَمَانِيكِ

تَشَرْنَقَتْ دوَّامَةُ احْتِرَاقِي

تَتَشَاكَى

فِي قَطْرَةِ زَمَنٍ شَجِيٍّ!

***

بشَجَنٍ مُشَاغِبٍ

نَمَّشْتِ عَلَى صَلِيبِي

نَمْنَمَاتِ رُوحِكِ

وَفِي مَكَامِنِ جَنَّتِي!

***

أَنَا مَنْ أَحُومُ

عَلَى شفَتَيْ آهَةٍ

مِنْ عَهْدِ فَقْدِي الطُّوفَان

تَاهَ فِرْدَوْسُ حَرْفِي

فِي غَيْبُوبَةِ غَمَامٍ مَغْمُوسٍ

بِدَوَاةِ حُلُمٍ رَمَادِيِّ الأَجْيَالِ

يُنَاغِي خَتْمَ قَزَحِكِ الْمُقَدَّس!

***

قَرَابِينُ رَسَائِلِي

تَشَدَّقَتْ بِنُورِ الْخَيَالِ

تَرَتَّقَتْ أَرَقًا

عَلَى أَرْفُفِ صَمْتِكِ!

***

ضُلُوعُ أَبْجَدِيَّتِي

تَمَرَّدَتْ .. عَلَى مُرُوجِكِ الزُّمُرُّدِيَّةِ

أَنْبَتَتْ أَجْنِحَةً شَيْطَانِيَّةً

عَلَى مُنْحَنَى رَوَابِيكِ

أَتَهَبُ مَلَكُوتَ الْعَدْلِ فِتْنَةَ انْبِعَاثٍ؟

***

مَا أَشْقَاني

تَخُونُنِي إِلَيْكِ .. خُطَايَ الذَّائِبَةُ!

أَتُرَاهَا جِنِّيَّة سَحَابِكِ

تَرْفُلُ بِمَلاَمِحِكِ الْعَصِيَّةِ

أَم تَلُوذُ بِشَامَةِ حَنِينٍ .. عَلَى خَدِّ غُرُورٍ؟

***

سُحُبِي الصُّوفِيَّةُ

تَسْتَمْرِئُ مَرَاعِيَ الْمَلاَئِكَةِ

أَجْهَشُكِ نُذُورَ صَمْتٍ

أَنَا الْمُكَلَّلُ بِثَرْثَرَةِ الدَّهْشَةِ!

ولَمَّا تَزَلْ كُؤُوسُ أَبْجَدِيَّتِكِ الرَّاعِفَةِ

تُنَادِمُ تَضَرُّعِي

تُشَاكِسُ سَوَاحِلَ فَيْضِي

وَمَا أَنْهَكَهَا فَنَارُكِ !

***

عِصْمَتُكِ.. بَصْمَةٌ بِدَمِي

انْسَابَتْ قُدْسِيَّةُ عُرْيِهَا

فِي جَنَّتِي

عَانَقَتْ تَمْتَمَاتِ جِنّي

وَمَا خَدَشَهَا صَخَبُ ضَوْئِي

***

بِأَجْنِحَةِ طُفُولَةٍ مُعَمَّدَةٍ .. بِمَاءِ الْحُبِّ

رَ~ فْ~ رَ~ فَ~ تْ

تَنْهِيدَتُكِ الْمَزْفُوفَةُ .. بِمَرَاثِي مَلاَئِكَتِكِ

وَ~ حَ~ طَّ~ تْ

عَلَى كَتِفِ تَرْتِيلَةٍ عَاجِيَّةٍ

مَعْقُودَةٍ بِقُوتِ عُمْرِي الْمُرِّ

فِي مَحَافِلِ وَجَعِي الْمُرَفَّهِ!

***

مَشْبُووووبًا

أَبْحَرْتُ عَلَى مَتْنِ أُمْنِيَةٍ

وعَرَائِشُ الْمَاءِ

تُوَشْوِشُ نَوَاعِيرَ اشْتِعَالِي

بِشَذَاكِ الْغَضِّ!

***

توَسَّدْتُ شِرَاعَ أُفُقُكِ النَّدِيِّ!

تَسَرْبَلْتُ مَاءَكَ .. طَلاَسِمَ وِشَاحٍ

وَطُفْتُ بِحَلَقَاتِ مدَادٍ زِئْبَقِيٍّ

أُنْصِتُ لِشَفَافِيَّةِ جَنَائِنِ قُرُنْفُلِكِ!

أَأَفْتَرِشُ صَدْرَ سَمَاءٍ تَكَدَّسَتْ بِنَقَائِكِ

وَمَا اتَّسَعَتْ لابْتِسَامَاتِ رَبِيعِي؟

أَصَابِعُ لَوْزِكِ اسْتَأْثَرَتْ.. بِرِهَامِ فَيْحَائِي

وَانْهَمَرْتُ ضَحِكًا فَيْرُوزِيًّا!

مَزْهُوًّا؛

تَوَلَّهْتُ بِتَسَابِيحِ مُرَاوَغَتِكِ

وَاتَّكَأْتُ عَلَى فُسْحَةِ لِحَاظِكِ

تُلَألِئُنِي

وَتَلْهَجُكِ بَسَاتِينُ وَقْتِي!

***

عَرّيْتِ أَنْفَاسَ صَمْتِي

بِإِغْوَاءَاتِكِ الْمُقَدَّسَةِ

وَعُنْوَةً

انْسَدَلْتُ انْثِيَالَاتٍ تَتَوَهَّجُ

علَى عَتَبَاتِ غَمَامِ الْحُرُوفِ!

***

أَيَا وَجْدِي الصَّاخِبُ

كَمْ بِتُّ أَسْتَجْدِي مُحَالَكِ!

فِي حُقُول الْكَلاَمِ

تَعْصِفُنِي رَيَاحِينُكِ

أَتَسْتَمْرِئُنِي

سُحُبِي الْتَجْهَشُكِ

زَخَّاتٍ أَبَدِيَّةِ الضِّيَاء!؟

***

آمال عوّاد رضوان

 

صحيفة المثقفمَنْ أكون لكي أشتكي..

مَنْ أكون على هكذا منحنى أتكئ..

غير أني من ترابٍ وماءْ..

خذوا حذركم أيها السابله..

خطاكم على كاهلي نازله..

وصمتي سخاءْ..

وكل الذي في الوجود

أراه رهين الزوال

رهين البقاءْ..

ولكن ، سلوا عن رعودي

ضمير الشتاءْ..

أنا الغيمة المثقلة..

أجل ، إنني انتحي جانبًا

فاشهدوا مزنتي المرسلة..

فلا تنتحي الشمسُ

من غير ميقاتها

ولا تنحني السنبله..

إذا لمْ تكنْ مثقله..

أجل ، إنني أنتحي

تحت سقف العناءْ..

ولكنَ صمتي هو الجلجله..

وإن انتحائي هو الكبرياءْ

لكي أزرع الحب والسنبله..!!

***

21/11/2004 - Lisbon

(قصيدة مستلة من ديوان غدق البحر)

فاتن عبد السلام بلانمدخل

{لي خيالات المناطيد

والرّيح تهدّدني بالمخارز

لي بيادر الغيوم

والجُوع يُحمّصني بالتَّنُّور}

***

أيُّها الصُّمّ لـ آهي:

مُذْ فتحتْ

ربَّتُنا الأرض فمها

والتَّاريخ بقايا شواهد

 فوق .. رأس التُّراب ..

*

مُذْ فتحتْ

بابها غربيّ الوداع

وأنا أُخبّئُ

مفاتيح خطواتي

بين أَكُّف الأدعية

وتحت آباط النذور ..

*

أيُّها الصُّمّ  لـ آهي:

الكون أرق / شجن / وهم

وأضغاث محارق  

تسرقُنا رُفات النَّوْم

و خَبِيء الأحلام ..

***

 أُحلّقُ بأجنحة عطر

لأتيمّمَ برماد الزهور

وحدي أُحنّطُ زَأْرَة الشَّوق

في آنيات الياسمين

أُعبّدُ سيقان الذكريات للهروب

أشلُّ لِحى الدُّموع

حدّ .. الكُعُوب

أبيعُ تذاكر الأماني الأخيرة

و رصاص الرحمة

فالقطارات دماء

والغُبار يكتظُّ بالحروب .. !

*

الباب تحتنا مُشرَّع

وأنا أُخبّئُ مفاتيح الأمل

في عُبّ السَّراب

 وأُطلقُ رفرفة البطاريق

حريرَ واحات

أسايسُ ملامح الضباب

أتغابى على

نهيق الوحوش

وجعير البارود ..

***

مُذْ سلخوا لحم حلمي

عن  عظم فكري

وأنا (هيكل من الندوب)

شوهاء أُرعبُ

مشارح اللصوص

أين رجالكم أيُّها المُخنّثون

أعاهرات أم مخصيّون .. ؟؟

*

شبحُ شوهاءٍ

أُخيفُ المُستشمسين

بظِلال النور

أُفحمُ المُتسقّرطين

بالسُّكُوت

وأجمّدُ مَنيّ البلادة

من .. شهوة عُبور ..

*

لي خيالات المناطيد

والرّيح تهدّدني بالمخارز

لي بيادر الغيوم

والجوع يحمّصني بالتَّنُّور ..

***

مُذْ أبعدوا قضيب البلاد

عن .. فرج قلبي

والحُلم بجنين لجغرافيتي

خديج .. طريح .. !!

 أُحاديّ الوجع / ثنائيّ الظّل

ثُلاثيّ القهر / رُباعيّ التشَرُّد

رأسه خروم للبنادق

ومؤخّرته محشوّة بالخوازيق !

*

 أضَحيّة يا نُطفة الطَّرائد

لكُرُوش الغِرْبان

 والضِباع و الخفافيش .. ؟

***

أيـُّهـا الـزُّنـاة:

هاكم بِغال خطاياكم

أيُّتها المومسات:

هم اِستنساخ لأثمانكُنَّ

بائعو ضمير

عواهر / جواسيس

يهرشون اللُّعَاب

و العَانَة .. ليرة .. !!

يتكالبون على الصَّدأ

كأنّه بريق ذَهَب ..  !!

آهٍ يـا بَـلـد ..

*

كُلّ الوعُود أوراق يانصيب

الدَّواليب طواحين

والغَلَّة رؤوس أبطال

كالأمطار  تسقط

من مَقْاصِل السُّحُب .. !!

***

فاتن عبدالسلام بلان

قصي عطيةوتركُلُني الأمواجُ

على شاطئٍ مَهجورٍ

في جزيرةٍ للنّسيان..

ويَدُقُّ العالمُ أجراسَهُ في رأسي...

ويُغيّبني حلمٌ ضَبابيٌّ

عن هذا العالم

الغريبْ..!!

أيُّها الحُلمُ المُسَربَلُ

بدماءِ القَصيدهْ

أيُّها الوجعُ السّرمديُّ...

عَشقْتُكَ طفلاً...

وعهدْتُكَ تألَفُ نبضَاتِ قلبيَ

الرّاعشهْ...

تتراءَى لمُخيِّلتي... صُورٌ...

وأضواءٌ...

وألوانْ..!!

أحلاميَ في لَحْظةٍ تَتَلاشى

كفُقاعةِ صَابونٍ...

كحفْنةٍ من سَراب..

***   

وتَتهامَسُ العُيونُ بصَمتٍ حَزين..

ويَنُوسُ العُمرُ بطيئاً...

وتزحَفُ اللّحظاتُ مُتثاقِلةً...

مُمِلَّةً...

وكَريههْ...

عانقيني أيَّتها النّوارسُ الحَزينة،

فقد عشقْتُ أَلمي...

وتركْتُ قلبيَ مَدفوناً تحتَ حجرٍ

في صحراء الغربة...

في دمعةٍ تبرقُ من عينيها...

عانقيني أيَّتها الصُّوفيَّةُ العَينين

عانقيني... أو فاتْركيني

للكأسِ يشربني...

للّيلِ... للقمرِ..

للنّرجسِ الحزينِ..!

*** 

قصي عطية - شاعر سوري

 

ناظم رشيد السعديأتيتكِ والموعد مطر

أرتل قسمي

قطرات متهادية بنسائم الفجر

حيث الأقمار شهود.. وعينيك

عينيك قبلتي.. والقسم

دعي روحك تقاسمني نذور الشوق

تنوس آيات الأمان بين يدي

عنوانا لحياة بلا وجع

وسلسبيل لزمن العطش

ارسميني هناك

في أعماقك البحر

فوق ثريات العيون وبين أنهار شفتيك

سفينة أمان

وقبطان عاشق للندى

أمنحيني

هذا العشق الفيروزي

بي وجع أعوامٍ من الجمر

بي صراخ زمنٍّ أصم

حطمي صخور وحدته

تعهدي براعم لهفتي بالنمو

في روحي صنوبر موجوع

سئم جفاف الانتظار

امطري حرائقك الوادعة بنشوة

امطريها قطرة قطرة

ودعيه يلثم موسيقا حضورك

في غمرة كرنفال المطر

***

ناظم رشيد السعدي - السويد

 

سردار محمد سعيدالصفحة الأولى:

فهمت الآن لمَ يُصاب البقر بالجنون، والطيور بالإنفلونزا، ولماذا يفضل الأيدزخلايا القردة والبشر، سأصاب بأي منها، ببقائي في بلد يستورد الماء، والطماطم والكلمات المدهشة، ويصدرالجهل والخرافة وأحدث طرق السرقة، يحكمه المناضل عباس بيزة والرفيقة حسنة ملص .

 الديناصورات انقرضت والثيران المجنحة والسعالي والغيلان، والجرب والهيضة والطاعون وحلت محلها الشفافية والديمقراطية والسيكوريتي والوقوف على مسافة واحدة .

إذن كم نحن جهلة !!!

الصفحة الثانية

وساد العدل والأمان والحرية، فقاضي القضاة يُخرج (إياس) من البلاد، بدعوى أنه يفسد العباد .

ولكن لاعقوبة لصبي لم يفرّ مع الصبية خشية الخليفة .

 والمرأة تطالب جهراً بحقها في الفراش، ولم تعد تموت كعليّة وإن أصابها وابل بعد طل ّ.

وقررالبرلمان اجتثاث غصون الرمان لئلا تموت واحدة ك (حبابة) بحبة منه .

وسمع النبي قول امرأة (معه كهدبة الثوب) ولم تخجل فتبسم .

وتلك التي قالت بجرأة أنها لا تقوى بما معه لم ترم بحجر،

وتلك التي أجابت الخليفة أن أجمل ما في الحياة النكاح، ما كانت بغيّا،

وما كان الخلق مجتمع سوء، فحتى اللص الذي استطعم ملحاً ترك ماسرق وخرج خجلاً .

الصفحة الثالثة

لكن قاضي القضاة اليوم يقضى بهدم بناء الله، ولا يخجل، لو وضع لسانه على الصخر فلقه، كلامه تكاد القلوب تشربه والعقول تأكله، هو شخص الحق ماثلاً، ولسان العدل ناطقاً .

لاشك أن مجاري المياه القذرة كلها تصب في رأسه

كان أولى أن يسن قانوناً يسمى - المادة 4 تلوث - ينطبق على من يلوث الجو بالثرثرة والكلام الفارغ .

حسبنا الله فيك.

الصفحة الرابعة

أيها الرصيف الذي يعشق الأقدام، وطئتك جزمات الأمريكان، الإنجليز، المرتزقة الأفارقة، الأعراب،  تحمل الأجساد العاهرة بانتظارسيارة مراهق يرمي عليك بعض أوراق الكلينكس وواق ذكري من مخلفات ممارسات الشوارع الخلفية المظلمة.

ورحبت بحكم المغول الجدد، على صوت الآذان ضاع العلم والأدب

اصحيح ما يقول الجواهري في ألمعري:

من قبل ألف لو انا نرتجي عظة وعظتنا أن نصون العلم والأدبا .

ثم ضاعت الأجساد بدد وملأ العيون قذى والكبود كمد .

إذا تستهويك أجساد الفقراء في العراق.

 فإن جسد حبيبتي يأبى أن يتعرى للأغراب

باقية والربيع وريق

 يعشق العشق والعلم والأدب .

الصفحة الخامسة

رسمت على زجاج سيارات حمايات الساسة السريعة خيوطاُ حمراء، ورششت عليها حبات لحم رخيص.

بأي عين وقحة يستطيعون المواجهة

 وبأي وجه بلا ملامح كاللباس الداخلي لعاهرة فقد لونه من كثرة النزع يتضرعون في الأضرحة .

حزين زجاج النوافذ غير قادر على منع السموم

أنت الشاهد الوحيد فلا تدعهم يغسلوك أو يمسحون الندى الأحمر، فتضيع جرائمهم

حاول تقبيل رؤوس الأطفال الذاهبين إلى المدارس قبل التهشم

وابصق على سارق قوتهم حين يمر بسيارته المظللة

الصفحة السادسة

لعمق خوفهم من الناس ركبوا سيارات مقاومة للرصاص

مشهد اغتيال أنورالسادات لم يزل ماثلاً

وكندي في أحضان جاكلين

ليتكم كنتم كجيفارا المناضل

كعمر بن الخطاب

كعلي بن أبي طالب

أفحمتني حبيبتي التي طولهاها لايتجاوزطول بندقية الكلاشنكوف

وفمها كحبة الفستق وعيون تشبه اللوز

لا تأبه : إن للبرلما ن رب يحميه، ومن سرطان الدبريقيه .

الصفحة السابعة

زعق بائع الفاكهة المتجول حين رأى السياسي يترجل من سيارته السوداء

تف تف تف ولما نظر إليه بغضب قال بسرعة

تف تف تف تفاح تفاح

غض النظرومثّل ببراعة ممثلي الأفلام الصامتة .

الصفحة الثامنة

وكان وجهه حزينا

التقيت به حانة الوطن العربي، فأنكرني، قدمت له كأس نبيذ أحمرنقي لاشية فيه

قال الآن تذكرتك، أنت من جعلت الكتب متاريساً والأقلام رماحاً وغرزت في العقول دبابيساً

 ألم يقولوا العلم في الصغركالنقش في الحجر، العلم ياصاح وليست الخرافات

وطلاء الحواس، والرقص حول مأدبة لحوم الناس .

وجاءني صراخ فاطمة الفهرية من فاس

راودتها لوحت بقلمك

ولم تستجب

فمارست العادة السرية

 فاجتثه جساس

 يافاقد الرأسين

وسمعت صراخك في مصرعند قبر السيدة، وأتاني ثانية من دمشق من الجامع الأموي، وثالثة من جبال اوراس وأنت تكرع النبيذ الجزائري وتبكي مع امرىء القيس وأبو عبد الله الصغيرعلى ملك ضاع .

الصفحة التاسعة

العدد – ثمانون – ساحر

فما أشجع عبد الكريم قاسم بإصدار قانون 80 الذي قارب تأميم نفط العراق ففاجأ به البريطانيين والشعب على السواء.

سبقه الفرزدق ولكن في الإستهتار، فقال :

هما دلتاني من ثمانين قامة كما انقض باز أقتم الريش كاسره

وكذلك عوف الشيباني  :

إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

لكن اليافع البائس العاطل قاله بشكل ينسجم مع واقعه :

إن الثلاثين وبلغتها قد رشّحت جيبي إلى البرلمان .

ويروى، أقول يروى ويروى لا أصدقها أبداً

أن سليمان – ع – ضخم طوله ثمانون ذراعاً.

سأقرأ سورة يس لأحصل على عشرين رحمة في حياتي وعشرين عند وفاتي وعشرين في قبري وعشرين يوم القيامة .

الصفحة العاشرة

ذوبان

الملح يذوب والسكروالثلج، تغيرات فيزيائية

قلوب العشاق تذوب، تغيرات أدبية

لكن 7 مليارات تذوب، تغيرات لصوصية

***

إن الله لا يغيرما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

سترك رب العباد .

وللصفحات بقية

 

سردار محمد سعيد - نقيب العشاق بين بيخال والبنج آب

 

إباء اسماعيللوحاتُ الحياةِ تكبرُ بلا إطارْ

يضمُّها عنفوانُ السّماءِ

ونزيفُ الأرضْ..

أزهارُ البنفسَجِ تنْمو

 في  حدائقَ لا تتَّسعُ للرَّاحلينْ...

ولا قبورَ تُضيءُ جوفَ الأرضْ!

أسْتعيدُ لحظاتِ موتي القادمْ

لعلّي أنبعثُ من غصنِ شجرةٍ،

ورقةً خضراءَ جديدةْ.

أتأرْجحُ على الطُّرقاتِ

فَراشةً منْ رياحِ الغربةْ

حينَ تهبُّ رياحُكَ الخريفيّةُ

في طريقي!!

**

أيّها الطّائرُ الذي

 فَقدَ جَناحيهِ من وطأةِ الضّبابْ!

استيقظْ في خِضَمِّ اللحنِ الحزينِ

على وقْعِ خُطا الراحلينْ!..

لا أياديَ تُلوِّحُ لأجْنحتي...

جسدي صار جَرَساً

في كنيسةْ،

ودعاءً

في مئذنةْ،

صارَ صفيراً في رياحِ الحربِ،

ورَماداً معْجوناً بدماءِ الغائبينْ...

صارَ أغنيةَ طفلٍ

يبكي حضْنَ أمّهِ،

شمعةً في محرابْ،

ووطناً

يتهجّى أنفاسَهُ اللاهثةْ!!..

**

أتَجَمهرُ أنا وجسدي

هذا الذي صار جسدَكَ

صار فقاعاتِ أحْلامٍ مُشْتهاةْ

وخريفاً من زمنٍ بلا حُبّ ..

أُبدِّدُ يومي

على أطباقِ الذاكرة،

وساعاتي

على ترّهاتِ الصّمتْ...

أقرضُ أحرفي

بقصائدَ تحترقُ

أضعُها في مدخنة الروح وأبَخّرها

كي تفوحَ منها رائحةُ الشِّعرِ

في بنفْسجكَ الحزينْ..

ها أنذا تحتَ شموسِ الحُبِّ،

في أقبيةِ ظلامِ الغربةْ!..

وفي وطنٍ يتآكَلُ

ويزفُّ أعراسَ ياسمينِهِ

 بين أيدي الأطفالْ...

و يوزّع نجومَ براعمهِ الحزينةَ

على طلّاب المدارسْ..

هَلْ سيُخصِبُ الحلمُ يوماً؟

وترحلُ كوابيسُ الحربِ

 عن أسْطحِ منازلِ الراحلينْ؟!!

***

يا لتلكَ البيوتِ التي كانتْ

 مُضاءَةً بالحكاياتِ

والطفولةِ

كيفَ صارتْ أحجاراً صمّاءْ

 معجونةً بدماءِ المُغادرينْ؟!..

كتبٌ ملقاةٌ ، وألعابُ أطفالٍ بلا أذرع

وجماجمُ مُصطفَّةٌ

وقيثارةُ طفلٍ

 يعزفُ آخرَ موسيقى أحْلامهِ

قُرْبَ مدفأةِ الرَّمادْ!..

***

كَمْ طعمُ دموعِك مالحٌ

ومرٌّ أيها الوطنْ!!

كم مَبْسمُكَ الخَفيُّ

عصيٌّ على الظهور الآنْ!!

آآآآهْ على غزَلِ الحُبّ الذي باتَ يُملأُ

في خوابي الموتْ!!

كأنهُ لم يكنْ..

رحلتْ الصَّبيَّةُ وحبيبُها

رحلتِ الأمُّ

ورحلتْ الخوابي المُعتّقةُ بماءِ الحياةْ...

السلامُ عليكَ يا وطنَ الأحجارِ الكريمةْ!

كلُّ حجرٍ فيكَ أبكيهِ

كما أبكي كلَّ جرحٍ فيكْ

هكذا يُدْمي قلبي وأحرفي..

السلام عليكَ يا بُستانَ روحي

 المنفتحَ على أشجارِ الحزنِ

ثماراً للأغنياتِ الحزينةْ ..

كلُّ يومٍ أرتدي سوادَ الأرَقْ

وأنقشُ نجومَ قلبي بحَفنةٍ

من ليلِ الحزنِ الطويلْ ..

إلى متى أيتها العاصفةُ المشْؤومةْ

إلى متى ستظلّين مُنسَكبةً

 كالجحيمِ على قلْبي،

على أرضِ أجْدادي

على بقايا أحْلامي

يا غيومَ الليالي السوداءَ ارحلي...

ها هو الصبحُ يترنَّحُ بضوئهِ المخْتفي

 تحتَ ظلالِ الطّرقاتِ الفارغةِ

منْ أهلِها الغائبينْ!!..

وجوهُهمْ صارتْ أرغفةً من بقايا الرجاءْ

و دموعُهمْ تنسكبُ كشلالاتٍ جفَّتْ مياهُها

وغَصّتْ سواقيها بترابِ الخَرابْ!!..

***

أتَجَمهَرُ ضدّي أنا

أنا ضدّي أنا

أنا ضدُّ البصيرةِ العمياءْ،

 ضدُّ اللاشيء الذي يتبعثرُ داخلي

أنذرُ نفْسي للحُبِّ الذي يتبقّى لي

إنْ أذِنَ الحُبُّ لي،

أنْ أتهجّى باسْمِهِ

و أنثرَ أحرفَهُ نجوماً في السماءْ...

إنْ أذِنَ الحبُّ لي،

أنْ أنقشَ اسمَهُ

على  قبورِ شهداءِ الوطنْ.

***

يا عشقُ! أنت الذي سمّيتَهمْ شُهداءَ

سَمّيتهمْ واحداً واحداً

و أحْصيتَ بطولاتِهمْ واحدةً واحدةْ ...

 يا عشقُ! اسمَعْهُمْ

و لبِّ نداءاتِ أرواحِهمْ

 وقدْ صارتْ في سمائِكْ!!..

***

شِعر: إباء اسماعيل

 

صحيفة المثقفـ إنني أمك، يا عبدَ الأميرْ!

فلماذا أنتَ لا تصغي إليَّ؟

زوجك الثانيةُ الرعناء قد جارت عليَّ

إسألِ الجارَ أبا ليلى و سلْ أمَّ سمير ...

شتمتني،

دفعتني،

لوثتْ دشداشتي المكيةَ البيضاءَ- سلهم يخبروكْ!

آهِ لو كان أبوكْ

بيننا حياً، لما هانت حياتي!

- آهِ، يا أمي، أما يكفي الأنينْ؟!

كلَّ حينٍ تشتكينْ،

تنفثينَ الزفراتِ ...

يا تـُرى، هلا مللتِ؟

قبلَ يومينِ أهنتِ

زوجتي الأولى، مـُنى أمَّ فراتِ،

عافت الدار، مضت، دامعةَ العين، إلى بيت أبيها

أيَّ ذنبٍ قد جنته؟ خبريني!

إرحميني وارحميها!

آهِ، يا أمي، اسمعيني!

داخ رأسي، فكفاكِ!

ربما الأجدى لنا أنْ تبرحينا-

سافري للناصريهْ

وامكثي بعض الأسابيع لدى أختي عليـّـهْ،

خلــّــصينا!

رحم الله أباكِ!!

***

شعر: أ. د. حسن البياتي

لندن ـ 12/6/2006

 

نور الدين صمود

عندما تنذر برلين بسقوط جدارها اللعين

فِي الدَّوْرِ السّاَبِعِ وَالْعِشْرِينْ

مِنْ نُزْلِ مَدِينَةِ بِرْلِينْ

كُنْتُ أُطِلُّ عَلَى جَيْشِ اللَّيْلِ يُطَارِدُ بَحْرَ الأَنْوَارْ

يُسْدِلُ فَوْقَ الأُفْقِ سِتَارْ

وَيَنَامُ اللَّيْلُ الْحَالِمُ لَكِنْ

تَسْهَرُ فِيهِ عُيُونُ الأَضْوَاءْ

[وتشقُّ هُدوءَ الليل الساكنْ

وتموتُ الأضواءْ]

وَشَعَرْتُ بِأَنِّي كَالنَّسْرِ السَّابِحِ فِي الأَجْوَاءْ

فَسَرَى فِي الرَّأْسِ دُوَارْ

وَتَقُولُ مُرَافِقَتِي : مَازَالَتْ فَوْقَكَ عَشْرَةُ أَدْوَارْ

عَجَبَا ! أَحْمِلُ فَوْقَ الرَّأْسِ عِمَارَهْ !

وَصَعِدْنَا لَيْلاً نَحْوَ الْقِمَّهْ

فَإِذَا بِي أُبْصِرُ أَنْهَارَ ضِيَاءٍ زَخَّارَهْ

تَمْحُو أَشْبَاحَ الظُّلْمَهْ

فَكَأَنَّ اللَّيْلَ هُنَا قَدْ جَمَّعَ أَقْمَارَهْ

وَكَأَنَّ الأُفْقَ عَلَى الدَّرْبِ الْمُشْرِقِ كَدَّسَ نَجْمَهْ

لِيُشَارِكَ هَذَا الشَّعْبَ الْعَامِلَ فِي عِيدِ الْعُمَّالْ.

***

وَتَدَفَّقَ سَيْلُ الْبَشَرِ

يَسْبِقُ ضَوْءَ الصُّبْحِ الْمُزْدَهِرْ

رَفَعُوا فَوْقَ سَوَاعِدِهِمْ أَلْفَ شِعَارْ

وَعَلَى الْقَلْبِ قَرَنْفُلَةٌ تُشْرِقُ كَالثَّغْرِ الْبَسَّامْ

وَانْسَابَتْ فَوْقَ الطُّرُقَاتِ الأَقْمَارْ

وَامْتَدَّتْ غَابَاتُ الأَيْدِي نَحْوَ الأُفْقِ الْعَالِي

تَخْفقُ فِيهَا الأَعْلاَمْ

وَسَرَى فِي الْجَوِّ الْبَارِدِ دِفْءُ هُتَافَاتِ الأَحْرَارْ

تُطْلِقُهُ عَزَمَاتُ الثُّوَّارْ.

***

وَرَفَعْنَا أَكْؤُسَنَا

مِنْ أَعْلَى هَذَا النُّزْلِ الشَّاهِقْ

تَمْجِيدًا لِمَفَاخِرِ هَذِي الأُمَّهْ

وَرَفَعْنَا أَرْؤُسَنَا

لِنُشَاهِدَ قِمَّةَ بُرْجٍ سَامِقْ

يَفْتَرِعُ الأُفْقَ بِقَامَةِ صَارُوخٍ مُنْطَلِقِ

وَيُمَزِّقُ جَيْشَ الظُّلْمَهْ

بِسُيُوفٍ مِنْ نُورٍ مُنْبَثِقِ

َيْحِمي هَذِي الأَرْضَ مِنَ الظُّلاَمْ

يَغْسِلُ آثَارَ الْفَاشِيَّهْ

وَيُبَدِّدُ أَحْلاَمَ النَّازِيَّهْ

لِيَعُمَّ الْعَدْلُ جَمِيعَ الطَّبَقَاتِ الْكَادِحَةِ الشَّعْبِيَّهْ

***

يَا بِرْلِينْ

إِنِّي أَعْرِفُ أَنَّكِ فِي هَذَا الْعَهْدِ الزَّاهِرْ

جَاوَزْتِ جَمِيعَ الْقِمَمِ

وَأَزَلْتِ طُيُوفَ الظُّلَمِ

بعزيمة شعب ظافرْ

فإذا ما نظر النّاظرْ

من قمّة هذا البرج الدّائرْ

فسيبصر أعلى من هذي القمّهْ

قمما تتجاوز ما يخطر في الخاطرْ

تتمثّل فيها كلّ مفاخرْ …

كسبتها هذي الأمّه.

***

وصعدنا قمّة برج مدينة برلينْ

كانت قامتُه تُشبه قامةَ صاروخ عملاقْ

دار بنا في ساعهْ

وأرانا كلّ الآفاقْ

وبدا لي ما خلف جدار التّقسيمْ

ذاك الجاثِمُ كالتّنّينْ

يمتدّ كثعبان محمومْ

ينفث في الجو هواءً مسمومْ

يحبس شعبا في موطنه خلف الأبوابْ

تحرسه أسلحة الأغرابْ

ينهش من حاول أن يخرقه نهش كلابْ

***

عفريتا ذا أظفارْ

أضحى للنّاس مزارْ

وغدَا ما يحجُبُه حلما ممنوعا للأحرارْ

كالحائط بين الجنّة والنّارْ

***

يا حائط برلين الجبّارْ

لن تصمد في وجه الثّوّارْ

وستغدو بعد العزّ خرابْ

وسيُجلَى مِن حولك كلُّ الأغرابْ

وسيشرق بعد اللّيل نهارْ.

***

تونس / نورالدين صمود

برلين الشّرقية 1 ماي 1981(سابقا)

 

عبد اللطيف رعريوَتاعْ اللهْ أيا رْجَالْ بلادِي

هَاذِي رَجْلَةْ...؟

           هَاذِي فَعْلَةْ ...

ووجَاهْنَا للقَبلةْ ....

 نْحزُّوا فَذوَاخَلنَا الصَّمْتْ وَالحِيرَةْ

    ونَجُّوا سْلاهَمْ مَنْ لَوْدَحْ

تحْجَبْ عَالعِينْ شْطَارْةْ الِّليلْ

 بخَرْقَةْ

حَمُّورِيَّةْ

مْزَرْقْطَةْ

خْضُورَةْ ......

تْنجِينَا مَنْ قْرَايةْ المَكْتوبْ....

ونْظلُوا بْالبْهُوتْ فْرَادَى َ

نحَاكِيوْ....

هَاذْ المَجدُوبْ

 هَااذْ المعْطُوبْ ...

هاذ لفْدَنِيتُو حَارَتْ لقْرَايَةْ

 وتْكَسَّرْ عْلِيهْ لَقْلَمْ وَضَاعَتْ الدَّوَايَةْ

 نَقْرُوا بَلسَانْ طْوِيلْ حْيُوطْ الدَّارْ

  نْعلقُوا رْسَامْهَا بَالَوْدَعْ....

 وقَرْقَشْ انْتَ وَنْقَرْقَشْ أنَا ....

وبَخَّرْ انْتَ قْبَلْ مَانَتْشَخْوَشْ انَا

سَبَّبْ...

 تْمَرْمَدْ.... تْشَمَّرْ بالتَّعْوِيدَةْ....

 بحْجَابَاتْ النَّفَعْ ...

لِحَرْقَتْ ضَوَايَةْ الشَّمسْ....

 وقْرَاطَسْ الشَّمَعْ

 بْكتَانَةْ مَنْ لخْدَعْ

 ونْحَاسَةْ لِيكْ انْتَ وَنحَاسَةْ لِيَّ انَا...

عْليهَا كْتابَةْ شِيطَانِيةْ

مْجَرْدَةْ مَنْ التنْقِيطْ....

وحْرُ وفهَا مَلوِيَّةْ مَلْويَّةْ

 عْالسْبَعْ بْعَضَّةْ بْتَكْرِيشَةْ

 وَااغِيرْ اللِّيفْ شَادْ التْزَكْرِيمَةْ

وكُونْ قَبْرُو خَرْبةْ...

وَااغِيرْ المَعْوكُفَةْ مَنْ عْفَارْتْ البِيرْ

 تسَرْعُوا شَطْبَةْ  

وغير بَخَّةْ من ريقْ لمْحيَّرْ

 تَطَرْحُوا مَصْلُوبْ رَاسُوا عَالعَتْبةْ....

وبَاشْ مَا حَكْمَتْ المِيرَةْ

 نخَلْطُ الَّلوَانْ....

ونلبْسُوا هْدَاولْ الجَّدْبةْ ونزِيدُ التْسَرْسِيرَةْ 

 ومَلِّي يْسَلْمُو لَجْوَادْ لبْيَاضْ الحَالْ

 وَيبدَا طَايَحْ مِيزَانْ الوَادْ

تْكُونْ الدّْبِيحَةْ ضَمْنَاتْ. ...

 فَرُّوجْ ظْلاَمِي.

عَتْرُوسْ عَنزَاوِي 

وَتاعْ اللهْ أيا رْجَالْ بلادِي

هَاذِي رَجْلَةْ...؟

هَاكَا يضِيعُوا ولادْنا ...

جْنايَّزْ فالبْحَرْ ...

مُوجَةْ دَايزَةْ ولَخْرَى   تْجَرْ ...

من غْطَاسْ لَوْحَلْ    

الى جَنبْ الرْمَلْ  

بلاحْسابْ

 والجَّايْ

 مَادَى

 عْكَّايَزْ فَالبرْ ...

مَحْنةْ هَايجَةْ وَمَحنَةْ تحفرْ

مَنْ بَابْ الدَّارْ الى تْرَابْ لقْبرْ

مَكْتابْ

 عْليهمْ

التْجَرْجِيرَةْ ....

مَنْ شْحَالْ هَذَا.

 حْرَامْ فِيكُمْ الوَقْفةْ والتْبنضِيدَةْ

السَّميةْ

والتعْدِيدَةْ

حْرَامْ فِيكُمْ

 أنَا ....

والقْصِيدَةْ ....

حْرامْ فِيكُمْ قُرْبِي

وَحْرَامْ التَّجْرِيدَةْ ....

كْلاَمِي خْوِيتُوهْ مَنْ لمْعَانِي

 ودَرْتُونِي

 هْبِيلْ

 مْفَرْوَحْ

 كّْنَاوِي

 تنعتُونِي مْعَ لَرْذالْ الفَاسْقَةْ   

 حِيثْ

سْلاحِي

 كلْمةْ صْريحَة

ثَابتةْ

عَالصْفَا

والسِّيفْ البثَّارْ

 مَنهَا يَشْرَبْ لمْضَاوَةْ

منْهَا يَحْكمْ بَسْخَاوَةْ

عالمَاكْرِينْ بقْطيعْ الرَّاسْ

حِيثْ

 كَلمْتِي قَنْدِيلْ

 تنوَّرْ طْرِيقْ النَّاسْ

وَتقْطَعْ البَاسْ

 طْرَافْ

 طْرَافْ

وتَقْلبْ سْمَاهْ عْلَى عْلاَهْ

 بَشَمَّاليَّةْ ولاَّ مَخْطَافْ

حيث

 كَلمتِي فَكْتابْ

 ثوْرَةْ

 كَامْلةْ

 مَكْمُولةْ....

 مْعَانيهَا بالصَّدَقْ مجْبولةْ

مَا تَرْمِي عَارْ علَى كَذَابْ ....

مَا تْصِيبْ عْدِيمْ الحَقْ بثْقُولةْ

حتَّى يَتصَّدْ

 البَابْ

وزْكَارْمُوا تسْرحْ لَوَّايَةْ

عْلى عُنقْ ذَاكْ النَّصَابْ

 لِحْرثْ لحْرُوفْ فكَّاعَةْ عَشَّابْ

 وَنَاوِيهَا تَخْضَارْ

ومَنْهَا يْدَاوِي ذِيكْ الجَّهْلَةْ 

كلمْتي

زَهْرَةْ

  فَشْبَرْ مَنْ تْرابْهَا

 مْوَرْدَّةْ

مْنَسْمَةْ فَدَانْ ...

 مْبكْرَةْ فَجْنانْ الهْوَى تْزِيدْ العَاشْقِينْ أمَانْ

وحَافْظةْ سْرَارْ ذَاكْ الطِّيرْ

 لَمْسيَّجْ فَالظْلاَمْ

مَرَّةْ فرْحانْ ....

مَرَّةْ غَضْبانْ....

مَرَّةْ يَكْسَرْ

مَرَّةْ يتْحَجَرْ ويسَامَحْ فَالتَّغْرِيدَةْ....

 

عبد اللطيف رعري/مونتبليير /فرنسا

 

 

حيدر الهاشميرغم أنني وحيد جدا،

لكني لازلت مكتظاً بكِ،

أجلس على أحد الأرصفة،

أرسم وجوه المارة،

أرمي ساعتي العاطلة عن العمل

وأبحث عن زمن جديد،

يمر وجهكِ اللؤلؤ مثل غيمة عابرة،

فيبرق الحب نافذتي،

وتنمو الكلمات مثل زهرات برية،

يلسعني البرد ويمسح المطر ملامحي،

فلا شيء ينقذني من قسوة الشتاء،

سوى صورتكِ التي أحتفظ بها في جيب معطفي القديم،

كلما شاهدتها، اشتعل بالحنين !!؟

***

بقلم: حيدر الهاشمي

 

قصي الشيخ عسكروندى أعشاب البحر لاتسمع لأي منهم صرخة أو آهة وكان كل منهم من قبل في معسكر الترويض يتجاهل الآخر .. دمى .. دمى يقلبها موج البحر على رؤوسها فكيف ياترى زعق أحدنا ذات يوم بوجه الحراس فقيل إنه حدثهم بالروسية ثم اتفق معهم على أن ندفع رشاوى لهم عبر مهربين صيادين زاروا المعسكر ثم هو الوحيد الذي صرخ بوجه الحراس والزورق كاد ينقلب وسط حقل مغناطيسي فهمّ الحرس أن يطلقوا علينا النار. هل كان ذلك حقيقة عشتها أم مجرد أحلام بغيضة وخيالات عابرة .من الطبيعي أن أعيش في معسكر قاس أشرفت عليه إدارة " تالين" معي عوائل تغتصب .. فتيات .. أضواء ساطعة ساخنة في الليل. عوائل .. عزاب .. أنا واحد منهم .. نتبادل التحيات الصباحية يزور أحدنا الآخر. نقف صفا طويلا أمام دورات المياه. نقيم علاقات مع مهربين يتصلون في المعسكر بعلم الحراس. طفل يبكي يطلب من أمه قطعة شيكولاته .. الحارس يمنعها من الذهاب إلى مركز المدينة. فتاة عذراء ذات لون اسمر داكن ترشي الحارس لكي يبتاع لها من المدينة ملابس داخلية ذات خصوصية . الصومالية التي يقال إنها اغتصبت سمعتها تهمس للإيرانية أن الحارس سمح لها بالذهاب إلى المدينة فبحثت عبثا في كل المحلات عن محارم للدورة الشهريّة ولعلي سمعت صوتا شجيا حنونا يغني صاحبه أغنية من الجنوب بنكهة أقرب ماتكون إلى الكردية أو الآثورية:

ياصاح عودي ذبل وبكل دوا مايصح

والدمع سال وجره من ناظري مايصح

لاتنهضم على السبع لو صار علفه تبن

من حيث حتى التبن أكل السبع مايصح

ثم أدركت بعد شهر من بقائنا في المعسكر أننا تبلدنا .لم يعد أحدنا يعرف الآخر. هل يعقل إننا دخلنا المعسكر بحدود سبعين لاجئنا فلم يجرؤ أي منا على فتح أي حوار مع صاحبه .. خرس .. بلهاء .. وجس .. ريبة.في الحرب يتلاشى من روحك الخوف .. هي العشرة التي تطرد الريبة والكره والرعب .. هنا انعدمت الثقة تماما .. نفر أحدنا من الآخر .. وتشبثنا بأسماء وكنى لم تكن خلقت معنا بل رغبنا فيها منذ اللحظة التي عبرنا فيها الحدود .. صرنا لانشعر بالعطش والجوع سوى الوله إلى الرحيل إليك أيتها الدول الاسكندنافية، والحنين إلى ترابك .. لاأدري كم لبثت غائبا عن الوعي ولم يصدر عن الآخرين أي صوت فاقتنعت أنهم كانوا مثلي في غيبوبة كان الكهل وحده هو الصاحي الخائف الوحيد فينا يتمتم بكلمات مبهمة بين العربية والروسية لاأحس لها طعما .. وكان البحار العملاق الشرس يفتح الكوة كل نصف ساعة فنستقبل هواء لاندري ماطعمه سرعان ما تلتهمه قبلنا رائحة شبكة الصيد وبقايا أشنات البحر العالقة تحتنا .. منذ تلك اللحظة ياصديقي سميتك وسميت كل من ألقاهم فيما بعد وفق أهواء البحر وحالاته ومزاجه. هكذا فرض علي البحر شروطه .. نحن بعض من مزاجه، سكره والصحو .. كل الذين قابلتهم في السويد بعد أن تحررت بالرشوة أحيانا والتذلل والتملق من قبضة الحرس اللتواني الحديدية أطلقت عليهم أسماء مركبة. لاتعجبني الأسماء المفردة.عمي الوحيد هو من أغير اسمه كل ساعة بل كل دقيقة ولم أستقر له على اسم لحد الآن. ظاهرة محيرة في هذا الزمان المليء بالفوضى والمتناقضات .. وسوف أطلق علي اسما مركبا استقر عليه مدى الحياة فهذه هي الليلة الأولى التي أستطيع النوم فيها هادئا وكانت حبة منوم وصفها لي الطبيب كافية لتجعلني أستسلم لليل وأنقاد له مع ذلك سمعت طرقات عنيفة يكاد لها الباب ينخلع وشخصا يزعق:

- الصلاة خير من النوم! الصلاة!

- الصلاة خير من النوم. استفيقوا ياعباد الله!

الصلاة؟ كيف عرف ذلك الشخص ذو اللحية الكثة والجلباب القصير الذي يقرع الأبواب ويزعق الصلاة أني مسلم. ربما أكون مسيحيا أوصابئيا .. أبي رأيته يصليّ .. أمي تستيقظ مبكرة لئلا تفوتها صلاة الفجر .. لم يجبراني قط على الصلاة. .. كنت بنظرهما طائشا مراهقا سوف يأتي اليوم الذي أصلي فيه. قلت للمحققة الجميلة هناك في المعسكر السابق منعوني خلال الليل من النوم بإنارة ساطعة بعثت الحمى في رأسي ثم اكتشفت أن هؤلاء الذين استجاب الصليب الأحمر لرغبتهم فترك لهم غرفة خشبية في طرف المعسكر يمارسون فيها طقوسهم كانوا يقرعون عليّنا الأبواب عند الفجر وينادون الصلاة يا أهل المخيم الصلاة .. الصلاة خير من النوم وأقسم أني لم أر أحدا في معسكر الإعتقال الأول يصلي .. .لكني لابد أن اسخر منهم.حتى"لاحق السراب" صديقي أخفيت عنه الخبر.موجة الإيدز الجديدة ساعدتني على تنفيذ مخططي الجهنّمي.التقطت حفنة من القضب المطاطية مانعات الحملcondom .. وضعت في كلّ واحدة بعضا من الحليب ثمّ تسللت إلى المكان الذي جعلوه مسجدا لهم .. هناك رميت حفنة الموانع في ساعة متأخرة من فجر ذلك اليوم راقبتهم من بعيد .. رأيتهم يكنسون ويشطفون ويمسحون.كانوا يظنون بعضا من السويديين العبثيين دخلوا المسجد سرا ومارسوا فيه.لست مجنونا لأواجههم مثلما فعل المجنون مع خاله.إذا كان ولابد من أن أعيش في وقت واحد في بلدين فلأفعل كثيرا من الأمور خفية أو أراجع القضايا بالمقلوب كما أنا الآن ثم إني لما اختر لي اسما.من دون اسم يمكن أن أرتكب أغلاطا وجرائم متعددة لا تُنسَب لأحد أو تُتهمُ بها البشرية جمعاء:

- لكنك دخلت المنطقة الحرام وواجهت الموت.

- هل تصدق ذلك؟

- ولم لا أصدقك.

كنت غبيا عندما ارتكبت تلك المغامرة علنا ليقال عني شجاع فأحصل على مكاسب .. ذلك حدث قبل أن يمتحنني البحر .. كثيرون يعدون مقابلة الدكتاتور أشبه بالمحال كذبة اختلقتها محاولا التطاول ومعاشرة الوهم أما صديقي لاحق السراب فيقول إن الحرب الشرسة التي دامت ثماني سنوات واستخدمت فيها أسلحة فتاكة تبدو أسلحة الحرب العالمية الثانية مقارنة بها بدائية .. أربعون سنة من التطور، تلك الحرب غيرت بعض الحسابات .. انفلات في التقاليد المتزمتة .. العبثية .. عدم المبالاة .. لم يكن من عادتنا أن يموت أحد في بيته فلا يوقض الجيران إلا رائحته العفنة التي أبت إلا أن تهيج بعد أيام والأهم أنها زرعت في عقول العراقيين أوهاما كثيرة تصوروها حقائق لاتقبل الجدل ربما يلمح إلى مغامرتي والحق كنت مراهقا .. ولو دار الزمن وأنا متأكد من أنه سيدور مرة أخرى فإنّي الآن لاأفعلها:

لكني أجبر نفسي على الذهاب إلى "لاحق السراب"، فأقرأ وأنا في القطار عن جريمة الصباح.هؤلاء الإسكندنافيون يعدونها مهزلة.نوعا من الجنون.الخيانة عندهم تنتهي بالطلاق أو الاعتذار .. أحب شخصا آخر .. وقعت في غرام امرأة أخرى غيرك. ننفصل ونبقى أصدقاء .. لاغل ولاحقد. أي منا يحترم الآخر .. ربما يقال الحياة لاطعم فيها لأني بدأت من النهاية. عامل الإثارة يزول .. يتلاشى يصبح محالا من دون إثارة وغموض.الحياة مملة إذا عرفنا ماذا يحمل قادم الأيام لنا سلفا غير أني لاأجد مللا بل ازددت نشاطا وانا اتجه للمستقبل المألوف الذي لاأستطيع أن أغيره. لو ولدت هنا أو على أقل تقدير جئت وأنا طفل .. لأدع الإسكندنافيين يضحكون منّا حين نتحدث عن العار وغسله، وغشاء البكارة والدم .. يتهموننا بالجريمة والتطرف ويضعون بين أيدينا غرفا للصلاة.لو عشت معهم سنين وتداخلت فيهم لما عرفت كلّ خفاياهم.بين حين وآخر يتحدثون عن جرائم العديد منها يخص الشرقيين.يدّعون أنّ السويد تشهد كلّ خمسة عشر عاما جريمة قتل عالَم ٌمثال انهالت عليه حوادث العنف بقدومنا نحن الآسيويين.المفروض حسب مقياس الزمن الاعتيادي أن حادث موتي ومن قبل تهجمي على خطيبتي في الشارع وبعدها مداهمة عشيقها المزعوم في كافتيريا حورية البحر هي آخر انباء الفضائح والموت.ليس غريبا بعدئذ أن أقصد منزل صديقي "لاحق السراب" لاستشيره عن قلق كاد يفتك بي ولأعترف أيضا أن صديقي عانى ذات يوم بداية مجيئه إلى السويد من أزمة كادت تعصف به.كان يدرك أن الرجال الشقر بعد بلوغ الاربعين يصبحون تجارة بائرة ولا منفذ أمامهم سوى أن يغادروا إلى شرق آسيا تايلند .. الفلبين .. الهند .. .فيعودون بصحبة زوجات من هناك يبقين مخلصات لهم كل ذلك تجاهله وحين وعى- قبل أن يخط الشيب فوديه - طلب من والده تدبير أمر عروس له، فأحضر الرجل ابنة أخيه.كانت أخت "لاحق السراب" زوجة أخي العروس كما يفعل الشرقيون بالضبط.كان يعيش في بلدين بوقت واحد ولايفكر باختراع آلة تقفز به من عمر الثلاثين فجأة إلى الثمانين وتعود به في جولة من الموت ليصبح ماضية مستقبلا بالضبط كما التف ذلك المجرم من خلف جسد خاله محاولا خنقه:

- والله أنت عجول .. منذ البداية قلت لك إنك ستقابل رجلا يهمه جدا أن يزوج ابنته من شخص يجسد طبيعته هو يرى فيه شخصه .. شخص له القدرة على أن يكيف نفسه .. يربيه وفق هواه كما ربى ابنته وقد قبلتَ بهذه الشروط وفق هذا المبدأ رفض والدها خطبة عربي تقدم لها قبل سنة ثم طرد شابا عراقيا يقال إنها أعجبت به مجرد إعجاب أو لنفرض أنها أحبته، لنفرض قبلها تلك ليست جريمة لكن سيد البحر عمك كما تسميه ارتآى أن تذهب هي وأمها إلى القاهرة حيث بقيتا شهرين ومن هناك لفتا العالم ثم عادتا إلى السويدوكأن أمرا لم يكن!

- لكن لِمَ تظن والدها طرده؟

- يا أخي شاب ضائع يصادق الفتاة اليوم ويتركها غدا ثم لاتنس أن عمك ذكي حساس يقرأ الافكار والهواجس ولا شك أنه شعر بطمع من الطرف الآخر ولا أخفي عليك شيئا يبدو أن الشاب استمال الفتاة ولاتنس أنها مراهقة دلوعة صغيرة السن.

- هل تعرفه؟

- نعم أعرفه جيدا عمك نفسه سألني عنه بحكم وظيفتي التي تجعلني اطلع على سلوك الكثيرين فأجبته جوابا مبهما وهو ماشاء الله يفهم الكلمة فتأكدت شكوكه حول ذلك الشاب!

- ولم رفض العربي؟

- هو شاب من أب مصري وأم مغربية ذو طموح آخر كان يرغب أن يحصل على شهادة الدكتوراه في علم الجيولوجيا وينصرف إلى البحث والتدريس الجامعي وأظنه الآن في جامعة استوكهولم أما عمك فيريد لابنته وصهره أن يبقيا معه في عمله ليستلماه حين يعجز عنه!

- مع ذلك فاتخاذ قرار هنا بهذه الصورة مغامرة غير مضمونة إذ بإمكان الفتاة أن تذهب هي والآخر إلى دائرة البلدية فتتزوج غصبا عن الأب.

فقال وهو يهز كتفيه:

- لاأنكر أن هناك عراقية فعلتها يقال إنها حفيدة أحد كبار رجال الدين والأدهى إنها متزوجة ذهبت إلى البلدية مع عشيقها فوفروا لها الحماية هذا حدث قبل أن تأتي بثلاث سنوات " وأضاف وهو يزدرد ريقه بمرارة"تستطيع الاطلاع على الحادث إذا مارجعت إلى أرشيف الصحف بخاصة صحف الفضائح!

- وماالذي يمنعها من أن تذهب إلى البلدية وتفعل ماتفعله الأخريات!

- محال حتى لو أعجبت بأي شاب فإن المليونير الكبير الديمقراطي في الظاهر الديكتاتور حقا صاغ سلوكها وشخصيتها وفق طباعه يدعها تترك لعواطفها العنان فلا يتدخل إلا في آخر لحظة .. اللحظة المناسبة، ثم أنه لم يبخل عليها بالمال كل مافعله أنه عبّأ جيب ابنته بالنقود وقال لأمها خذيها إلى القاهرة لفِّي بها العالم ثم عودي بعد ثلاثة أو أربعة اشهر خمسة .. وأظن أن البنت نفسها قد تندفع أحيانا لكنها سرعان ماتتراجع وترضخ لأي توجيه من والدها!

 إنها حقا مغامرة حلوة أستطيع أن أخوضها .. هكذا ظننت .. غير أن المشهد الأخير فاجأني .. قلب جميع الاحتمالات رأسا على عقب .. ويبدو أني لم أكن مستعدا بما يكفي .. الشيء الذي غاب عن ذهني أن عمي " حوت البحر " يقول إنها تعمل في شؤون الرعاية والشاب الذي كان يتأبط ذراعها معاق ذهنيا، وصديقي الكردي الفيلي لايترك مجالا للشك:

- محتمل محتمل جدا

- لم تخبرني من قبل أنها متطوعة في دائرة الرعاية.

- قد تكون نسيت وربما رأت الأمر غير ذي ضرر هنا ينظر السويديون إلى التطوع في الخدمة الاجتماعية عملا يستحق التقدير والاهتمام.

- لم إذن لم تخبرني؟

- ولاعمك؟

- أبدا. كان الأمر مفاجئا لي.

- ماذا تقصد؟

رغبة تتلجلج في صدري . كان على عمي أن يعالج الحادثة بأسلوب هاديء يبعد عنه الفضائح.لم يكن ليقبل قط أي شخص يتمرد عليه سواء ابنته أم من ترتبط به في المستقبل.ولعله أدرك ذلك في الشاب الذي تقدم قبلي فرفضه وإن كانت ابنته زيزفون البحر ترغب فيه.وقد يكون شعر بعلاقة ما تربطها بسويدي فغض النظر إلى حين .. كان يراقب كل شيء ويعي مايدور حوله، ومن خلال عملي عنده في المحل عرفت مدى روح الانتقام فيه تلك التي تبدو للآخرين طيبة ممزوجة بالحنان .. هناك سويديون اشتغلوا قبلي فطردهم . أي طين صناعي لايشكله وفق هواه يقذف به بعيدا عنه. أما الذين اتهموه فقد أغدق عليهم المال .. كان يبذخ ويسرف بشكل مفرط .. ويقف مع أعدائه فيشتغلون عنده في محلاته الواسعة بأجور لايحلمون بها عمالا وخدما أو حمالين وهو ينظر إليهم ويسخر منهم .. أو يدعي أن زوجته مريضة فتسارع إحدى زوجات أعدائه السابقين لتساعد أم خطيبتي في الطبخ وتنظيف البيت. هكذا خيل إلي ولعلني لاأكون مبالغا حين أشك بأنه وجد فيّ أنا بالذات وفي ابنته قبلي ذلك الطين الصناعي الذي يشكله أي وقت يشاء وفق هواه:

- بدأت أشك في أن كون الشاب الذي رأيته مصادفة مع خطيبتي معوقا ذهنيا وهي قصة من اختراع عمي نفسه ليهديء الأمور.

- ياصديقي العزيز هنا الامور مكشوفة واضحة لالبس فيها.

قلت مفتعلا اعتراضا أشبه بالامتعاض:

- حتى في العراق بدت بعض الأمور تنكشف تخيل أن النساء زادت نسبتهن عن الرجال إلى درجة أنك كنت حين تعود من الجبهة تفاجأ مثلما حدث لمقاتل معي في الوحدة أن خطيبتك اختارت شخصا آخر غيرك يقدر أن يوفر لها حياة مستقرة بعيدة عن المشاكل!

فهز رأسه قائلا:

 - ممكن لِمَ لا الحروب والكوارث تغير المجتمعات

وتأمل لحظة حتى إني رأيت ملامح انزعاج تنطبع على وجهه:

- ياعزيزي أنت لم تخطب فتاة ولدت في كوخ معزول عن الناس طافٍ على الماء وسط أهوار البصرة أو داخل خيمة في صحراء الرمادي ولا على جبل زوزك .. لاتعجب إذا دعيت معها إلى مأدبة سويدية فتذوقت نتفا من لحم الخنزير أو احتست كأس بيرة .. .. وقد تسمع غمزا من بعض الشرقين مفاده أن علاقة ما جمعتها بشاب سويدي ذات يوم .. ماذا يعني ذلك؟ هل ترغب أن ترتدي جلابية تصل إلى الركبتين مثلما يفعل هؤلاء المرعبون الذين كانوا يوقظونكم للصلاة في المعسكر؟ خطيبتك مولودة في اسبانيا درست في بولندا ثم السويد .. تتحدث أربع لغات قد تكون أعجبت في يوم ما بشاب ما وربما التقت مصادفة شابا من أيام المدرسة فوضعت يدها بيده كثير هنا من المسلمات يعرفن طعم القبلة مثل الأوروبيات وربما امتدت يد لتلامس صدر إحداهن أو اندفعت مراهقة ما لمداعبات خفيفة لكنهن يقفن عند حدود لايتخطينها .. عصرة نهد لاتهم وأقصى حد المسح بطريقة الفرشاة الأمر لايزيد عند هذا الحد أنت تعيش في السويد وهذه أمور طبيعية لسنا في السعودية ولا حتى في السودان هل فهمت؟

ياعزيزي أنت لم تعرف بعد خطيبتي .. انتظرتني سنة واربعة اشهر .. ثم تزوجت ورحلت .. من أجلها هي فقط غامرت واختلطت الأمور برأسي .. واحدة بواحدة .. خطيبتي التي لن أدعك تسمع عنها أبدا جاء من اقتلعها مني وأنا جئت لآخرى تركت من ترغب فيه. كان يمكن أن أتزوج في إحدى الإجازات من " ملح البحر" فأظل طول عمري في العراق فقد تأكدت تماما أني لن أموت بعد ما حدث لي وإلا لم هربت والحرب في منتصفها؟ قد افقد كثيرا من الأشياء وأظل متأكدا أن لاخطر على حياتي الأمر الذي لم أخبرك به .. وسوف يظل طي الكتمان ولن يكتشفه الطبيب ولا تلك الآلة المتطورة البيضوية التي تشبه عقدة خيمت على راسي ذات يوم.

- لماذا أنت ساكت؟ هل فهمت؟

- فهمت والله العظيم فهمت لكني أقول مادمت تفكر بهذه الصورة فلم لم تتزوج من هنا أو تختر سويدية بل أتعبت نفسك بالذهاب إلى كردستان .. .

- إسمع جيدا أنا أكبر منك وأريد لك الخير قدمت إلى هنا عام 1974 قبل وصول عمك بأربع سنوات. هذا الكلام أقوله لك للمرة الأولى لأننا أصدقاء علاقتنا لم تعد علاقة مترجم بلاجيء فأنت طيب القلب لم تشك في أني عميل مزدوج للسويدين والعراق مثلما يسيء اللاجؤون بنا الظن انس فارق السن بيننا وأنك من الجنوب وأنا كردي فيلي ضع قبل كل شيء مصلحتك الخاصة مستقبلك مع عمك صحيح أنه طوّع ابنته وفق مايرغب واختارك لأنه توسم فيك القدرة على تطويعك أنا أوافقك في كل تصوراتك هذه لكن مستقبلك هو الذي يملي عليك أن تتصرف الآن بهذا الشكل وإلا أراك تضيّع كل شيء.

توقف يلتقط أنفاسه في حين لزمت الصمت ثم واصل:

- تذكر ماقلته لك منذ البداية: لقد لقنني زواجي من ابنة عمي درسا قاسيا ولو عاد الزمن إلى الوراء لما أقدمت قط على هذه التجربة لهذا أول ماتبادر إلى ذهني أن من الأفضل أن تختار فتاة من المجتمع الذي تعيش فيه إذا كنت ترغب في الزواج فهنا في السويد عشرات العوائل العربية وهذا الشخص الذي اخترته لك يفضل أن تتزوج ابنته من عراقي شرط أن يكون بقدر مسؤولية الزواج تبقى هناك أمور تافهة هل فلانة أحبت قبلي هل قبلها أحد ايام المتوسطة أم لا من مد يده إلى صدرها أمور لعلك لاتقتنع بها بعد مرور عشر سنوات!

- يا أخي موافق إذا كانت معجبة بأحد ما وهي مراهقة فسأجعلها تتعلق بي تحبني أكثر من نفسها!

أنت شاب وسيم لاينقصك شيء

أعرف " لاحق الضباب" جيدا. شخص حساس يحب الخير .. يحمل طيبة الفلاح الكردي ونقاء النبع ذنبه الوحيد أنه قَبِلَ أن يعمل مترجما ولو أخذنا كلنا كما يقول إلى الدكتاتور فعرضنا للبيع بالجملة لا أظنّ أنّه يقبض أكثر من دولارين.منْ نحنُ كي نساوي ملايين الدولارات؟ معارضة مضاريط وفق رأي " أعماق البحر" .. على النقيض من تصور اللاجئين ومبالغاتهم في تصوير الأحداث للجان التحقيق السويدية رأيته لطيف المعشر ينصحني ألاّ أسهب وأزج نفسي بتفصيلات غير ضرورية قد تؤخر حقّي في الإقامة .. وجدتني أخرج عن نصائح الشرقيين بل أصبحت واحدا من أصدقائه القليلين. عدت من منزله غير شاك في تعرضي لتهم.كنت أرى مسؤولة البلدية تنظر إليّ نظرات غريبة. في حين بدا حريصا على مصلحتي وفسر ريبة المشرفة بي نوعا من تعب السفر الذي تحملته في المعسكر وثمة في الزورق وماعانيته من حقل التيارات البحرية، وانقلاب ساعة رأسي البيولوجية عن صحو فرضه علينا ضوء ساطع في الليل ونوم أثناء النهار .. كان يتعاطف معي إلى أبعد الحدود .. حريص على مصلحتي ونفي شبهة المرض النفسي عني التي لايعرفها إلا هو بحكم عمله وطبيبي الخاص ثم خرجت علاقتنا عن إطار العمل فرحنا نتزاور ونلتقي عندي والأغلب في شقته فنتحدث عن بعض الخصوصيات .. .. كثيرا ما ذكر لي أن الكرد الفيلية مظلومون مثل العرب الشيعة في كل مكان . الأكراد السنة يعدونهم غير أصلاء يرونهم أقرب للعرب، والعرب يعدونهم أكرادا .. في إيران يراهم الفرس غرباء عنهم نحن العرب الشيعة نتعاطف معهم وربما دفعه شعوره هذا إلى أن ينفتح معي كوني من نفس طائفته.كان يقول الفيلية أكثر عروبة من العرب وأشد تعصبا لللقومية الكردية من الأكراد أنفسهم. عائلته هو لاتمانع من أن تزوج بناتها للعرب الشيعة وترفض العرب السنة وتقبل بزواجهن من الأكراد السنة. المهم أن تكون عربيا شيعيا أو كرديا . معادلة صعبة .. تدرب لتصبح بهلوانا ذا قدرة على المشي فوق حبل رفيع. بهذه الصورة يرى الأمور .. وهو يريد لي الخير وينفتح معي في مواضيع شتى جاء في مقدمتها عمي السيد " عباب البحر". يمكنني أن أسلك طريقة صديقي نفسه وعندما أصبح في الخامسة والثلاثين من عمري ولا سويدية تقبل بي أجد عندئذ باب الفرج في فتيات بولندا الرائعات .. إنهن كما يقول فاتنات ساحرات أول مايتعلم المغتربون المكبوتون على أيديهن المص واللعق .. بولندا مدرسة بحق .. أما إذا خفت من العدوى والإيدز ورغبت عن استخدام المانع فلا بأس من نكاح الفم .. العطل كثيرة وبولندا قريبة وسوف يسهل الأمر إذا انضمت إلى الاتحاد الأوروبي .. ساعات بالباخرة .. .إنهن يأتين إلى هنا لكن كل ما مر يمكن أن يعد عبثا كل أموال لاحق السراب تذهب إلى أهله في العراق .. يبدو أنه غير نادم لكن لو عاد به الزمان إلى الوراء كما أنا عليه الآن لاختار منذ البدء شرقية ولدت هنا في اسكندنافيا بغض النظر عن كثير من التفاصيل التي يهتم بها أهلنا هناك في بلداننا .. لعل صديقي لاحق السراب يعبر لي عما يجول بخاطره وخاطر السيد "أسد البحر" الذي يأمل بلا شك أن يرى حفيدا من صلبه .. لاأنكر أني اندفعت أيضا نحو الاقتراح فخطيبتي ابنة مليونير كانت عليه شبهة نفتها المحكمة فأذل بعد ذلك أعداءه أي إذلال من دون أن يشعروا.ألغى تماما فكرة عقابهم العلني أما أنا أنا فقد بدأت حياتي بالغاء اسمي المفرد وتعيين أسماء للآخرين أغيرها متى أشاء أمامي مشاوير كثيرة بدأتها باستعادة نومي الذي انقلب علي في المعسكر الأول من الليل إلى النهار ثم قبل ايام انقلب بالحبوب تارة وبالتمرين أحيانا إلى سيرته الأولى.

كنت لاأرغب في المواجهة قطعا فقد استطعت أخيرا أن أنام ليلا وأصحو نهارا .

درس جربت أن أستفيد منه في السويد .. بعد أن كذبني الناس ونفوا أني واجهت الدكتاتور في مجلس عزاء، .عرفت حالما وصلت السويد أني يجب ألاّ أواجه علنا .. وألا أكشف جميع أوراقي .. نجحت في تجربتي الاولى بزرع مسجد المتطرفين بموانع الحمل المطاطية المدهونة بالحليب. فماعادوا يوقظوننا من النوم .والمسؤولون السويديون بعد شكواي وشكاوى آخرين حذروهم بلهجة حادة من إيقاظ النائمين واقتحام الغرف يوم الجمع قبل الصلاة.المفروض أن أستمر في رؤياي الجديدة غير أني عدت للعيش في أكثر من مكان في زمان واحد فنسيت وغابت عني صورة المحل الذي اشتغلت فيه .. رأيت سويديين وعربا يندفعون إلى التبضع وكان عمي نفسه كما جرت العادة في المحلات الشرقية يبيع بأسعار أكثر رخصا من المحلات السويدية ويعلن في معظم الفصول عن أسابيع للتصفية فهناك " لاحق السراب" والمحاسب يرتبان له وضعية الضرائب وما من أحد من هؤلاء الشرقيين إلذين اتهموه بالعمالة لحكومة العراق إلا ويأتي للتبضع من محله. دفعني الفضول أو الاستهزاء وربما السخرية ذات يوم فرد علي انهم يأتون إلى محل العميل المشبوه تجذبهم الأسعار الرخيصة كما تجتذب الحلوى الذباب فؤلاء دنيؤو النفوس يمكن أن يبيعوا الوطن بقشرة موز!

كنت أسخر منهم حقا وأغفر للسيد " كوسج البحر" انتقامه الخفي حتى استيقظت على مشهد أنتشلني من أفكاري ومحا صورة صديقي الطيب من ذاكرتي ولو إلى حين .. كم هو مغفل الشاب التركي ابنة عمه خطيبته تنام في حضن أحد السويديين تفرط في كل شيء ماعدا بكارتها .. سمعت عن طعنة وجهت إليه من الشاب التركي خطيب الفاة .. فضيحة .. أقوال صحف .. ثم اختفى الإثنان .. فجأة هو نفسه يبدو من الخلف رفيعا كقلم الرصاص كثّ الشعر قذر السروال .. عيناي لاتخطآن.ظهرها طولها أما وجهها فلمّا تقع عليه عيناي بعد، وفي اللحظة التي واجهتها وهي تتأبّط ذراعه فرّ صديقها مهرولا نحو شارع فرعيّ وتلاشى عن بصري!

وجهت إليها صفعة وتضاعف غضبي إزاء دهشتها فركلتها برجلي.العيون الزرق تجمّعت حولي.نظرات غاضبة.صرخات.نساء .. .رجال:

- وحش!وحش!

- غبي!

- تصفع البنات؟

- شيطان!

- خنزير!

- قذر!

- خنزير. قذر .. . متوحش .. شيطان .. مجرم .. .

إذا كنت خنزيرا قذرا، فِلمَ تأكلونه أولِمَ تأكلونني بنظراتكم.أظنهم وأنا في موقفي الحرج بجهلون كثيرا من الخصوصيات بل ضيقوا حولي الخناق حتى حضرت سيارة الشرطة، وفُتِحَ معي تحقيق طويل عريض:

- لم ضربتها؟

- رأيتها مع شخص آخر.

- افسخ الخطبة.طلقها من دون تستخدم يدك!

 ياإلهي من أين جاء هؤلاء .. كأن الحيطان انشقت عن شرطة ومخبرين وجواسيس سدوا علي الطرق والمنافذ أسأل صديقي "لاحق السراب" عن عيني اللتتين لاتخطئان فيقول لي أنت غبي .. أترى من المنطقي أن تضع فتاة مخطوبة يدها بيد شاب غريب وسط شارع يعج بالمارة، وأنا لاأعرف عوقا سوى عوق البدن. تفقد يدا خلال الحرب، رجلا بحادث سيارة، تولد أعور، كيف فاتني أن يبدو الإنسان طبيعيا وهو غير ذلك؟

 وفي التوقيف زارني عمي وأسف لقرار اعتقالي المؤقت كان داهية حقا. يروم إقناعي وأظنه أقنعها ولا أراه يسعى للتفريط بي على الرغم من تهوري. أما أنا فمازلت على السرير تغطيني المريلة البيضاء. صديقي مثقب السراب يقول لاعليك سوف أمهد لك الطريق . العروس موجودة .. أنت انوِ فقط .. صحيح أن عمك بدأ ينفر من الأكراد بعد أن اتهموه بقضية التجسس لكنه يثق بي ثقة مطلقة لأنني كنت مترجمه الخاص في مكتب اللاجئين والمحكمة ثم رددت عنه ألسنة السوء من وراء ظهره واختلفت حول مسألة اتهامه بالتجسس مع كثير من جماعتنا الكرد وأصدقائنا اليساريين والإسلاميين ولاأخفيك أن الرجل شكرني على وقفتي معه وكافأني بأكثر مما أستحق فما دمتَ وحيدا ليست هناك من أم تمهد لك الطريق ولاأب أو قريب فأنا أعدك أحد اقاربي سأجس نبضه حول قضية الخطبة وإن شاء الله آتي إليك بما يسرك من أخبار.

 ذكرته في اللقاء ذاتة في بيته بقضية الساعة البيولوجية وحقل التيارات فامتعض قليلا وأكد أنه بحر واسع استوعب جميع الأسرار وأقسم عليها مثلما يقسم الأطباء.عمي نفسه لديه أسرار تقيّأها أمام الشرطة والمحققين وفي دائرة الضرائب وكان لاحق السراب معه يترجم ويشير عليه بعض الأحيان فيخرج عن مبدأ حياد يلزم المترجمون به أنفسهم أمام السلطات، وعقبت لكي اعتذر من شك لامسوغ له:

- المشكلة إن ماهو غير طبيعي عندنا طبيعي عندهم نحن نسميه جنونا وهو يدعو للعار.

فقال ومازالت نغمة امتعاض تغلف صوته:

- قل لمن يتجرأ على اتهامك إنه هو المجنون فثلاثة أرباع اللاجئين يمثلون دور المجانين من أجل أن يحصلوا على مكاسب مادية وامتيازات كثيرة أقرتها الدول الاسكندنافية لذوي الاحتياجات الخاصة.

- فرق كبير بين تمثيل دور المريض وكون المرض فيك حقيقة.

- هذا الأمر يقرره الطبيب لاأنت!

- لكني أنا صاحب القضية وأعرف أني شعرت بشيء غير طبيعي حين اهتز الزورق في البحر عند حقل التيارات وانقلبت على رأسي.

- لم تكن وحدك في المعسكر أو السفينة. كان هناك معك الكثيرون أصبحت أنا المترجم الشخصي لبعضهم ولم ْيبن عليهم أية علامات قط.

- تذكر أن قدرة الأجسام وتحملها مختلفة بين شخص وآخر أضف إلى ذلك إصابتي في الرأس خلال الحرب.

- لاتقل لي ذلك لقد حضرت جلسات بعضهم مع الشرطة فعرفت منهم حكايات عن المعسكر وقضية الشاب الذي خاطب بالروسية الحرس اللتواني هو نفسه حضرت مقابلة له مع شرطة الهجرة والجوازات وحكى قصة الحقل المغناطيسي وقبلها معسكر اللاجئين من حق كل واحد أن يعيش العزلة التي يفرضها على نفسه فيتحفظ ويشك ويخشى من أن في المعسكر من يحاول سرقته أو يتجسس عليه وهذه أمور طبيعية عايشها اللاجؤون قبل وصولهم إلى بر الأمان.

- وأنا لم أكذب أو أبالغ

- اسمع أقول لك شيئا واحدا إن لنا لقاء مع طبيبك وقد علمت من آخر التقارير التي طلبوا مني ترجمتها لك ومن تقرير الطبيب يعقوب الذي تحول من نبي لاحق إلى نبي آخر سابق أن الدلائل تبشر بخير هذا كلام سابق لأوانه ممنوع مني قوله إلا وقت اللقاء معك بحضور الطبيب وتكليف من دائرة الهجرة بترجمة ما مكتوب لكنك تعرف حكم الصداقة .. غدا وفق توقعي سينهي الطبيب الإخصائي ملفك أو ستجعلني أشك فيك فأتصور أنك تغالي في خيالاتك غرض الحصول على مكاسب مادية مثلما يفعل بعض اللاجئين أو أنك مثل شخص أعرفه لايرتاح إلا إذا قال له الطبيب انت مريض بل يكاد يطير فرحا للمرض ويغتم من لاشيء!.

إنه يضعني أمام الأمر الواقع .. كردي صريح لايجامل ولاينافق .. يتحدث بوجه واحد .. عيبه أنه مترجم فهل أشك فيه كما يشك هو في الآخرين أيضا:

- أنا شخصيا لاأعرف التمثيل ولعلها الموهبة الوحيدة التي أفتقر إليها!

قال بشيء من السخرية:

- إذا كنت غير مقتنع فيمكنك الذهاب إلى شرق آسيا للعلاج مثل شخص لن أذكر اسمه لم يرض بعلاج الدكتور السويدي فركب الطائرة إلى تايلند ظنا منه أنه يجد علاجا أفضل هناك !

- أنت تمزح؟!

- لا بل أقول الحق!

- عجيب أيوجد مثل هذا الشخص في السويد؟

 استغرق قليلا في قهقة:

- أسأل لو كان هذا الشخص كرديا فكم ياترى من النكات صغتم أنتم العرب عنه لكنه والحمد لله .. .

فقلت بشيء من الضيق المغلف ببسمة باهتة:

- فيما يخصني أنا ليس إلى هذا الحد!

- ياعزيزي فحصك كلف الدولة السويدية غاليا .. 25000 كرونة جهاز الفحص سعره ملايين الكرونات أم ترغب أن تثبت هوسك .. .أنا أريد مصلحتك كوننا اصبحنا صديقين فإذا ماظهر أنك طبيعي فإني سأسعى بعد غد في جس النبض حول زواجك!

 أنا طبيعي. عاقل .. المقاتل السابق الذي يقفز من خندق لآخر .. يطلق النار .. يقتحم حقل موت يصطدم رأسه بشيء صلب .. يحس بعدئذ بحرارة الصدمة في رأسه ويظل لايبالي بشيء سوى صداع حاد يهيج بين حين وآخر وهي لما تزل ترحل مع زوجها إلى إحدى دول البترول دوباي دوباي كما يقول الأوروبيون وهم يلوكون الاسم ولم أكن أسعى للآتي بل اكتشف الطبيب أن المستقبل نفسه سعى إليّ فاندفعت هاتفا:

- في صحتك يا لاحق السراب

قال بعد تأمل وقد زال امتعاضه:

- الشيء الذي لم أفهمه أنك اخترت لي هذا الاسم بالذات.

فهززت كتفي قائلا:

- السراب يا أخي يشبه الماء والسراب وهم فلا تزعل إذا قلت لك إنك كردي صحيح أنت طيب القلب فيلي مخلص لاتخون والدليل على طيبة قلوبكم وإخلاصكم أن الدكتاتور نفسه الذي جبنت أنا نفسي عن أن أمد يدي لمصافحته اختار واحدا منكم على رأس حمايته لكنكم تركضون وراء حلم يقبض عليه الاتراك والفرس والعرب سراب فهل التسمية لاتناسبك إذا كنت لاترغب فيها فلا مانع لدي من اختيار آخر شرط أن يكون متعلقا بالماء وحسب!

فقهقه ضاحكا وقدا بدا مقتنعا شيئا ما:

- وأنت ماذا سميت نفسك؟

كل ذلك مؤجل حتى حين لكني سميتها هي " حبار البحر":

- لم أعثر على اسم أوكنية مناسبة بعد؟

- مارأيك في سندباد البحر؟

- اسم تقليدي سبقت إليه منذ قرون إضافة إلى مغالطة تاريخية سوف تحدث فيما لوقبلت بالأسم وهي إن من على السفينة يغرقون كلهم وينجو السندباد وحده مصادفة أما الآن فكل ركاب السفن ينجون وعنصر المفاجاة غير موجود!

- ذو النون يونس الحوت .. يونس البحر .. نوح .. الفلك المشحون ..

- اسم تقليدي ديني ثم ماذنب يونس او نوح كي ألصق نفسي بأحدهما أو إني أقول لك دعني من إيجاد اسم لي الآن فلو اقترفت خطيئة الآن لحامت الشبهات حول الخليقة كلها ماعداي أنا .

- لا تزعل إذا قلت لك ما الفرق بينك وبين آخرين أطلقوا على انفسهم أسماء وكنى تخفوا وراءها.

ربما يقصد استفزازي يظل أبدا طيب القلب، هؤلاء اللاجؤون لايجرؤون على التصريح بأسمائهم.تبنوا أسماء مزيفة وكنى وألقابا من دون أن يعرفوا مدلولاتها، جبناء .. معارضة آخر زمان .. أنا وضعت هدفا للاسماء وحصرتها بالبحر وحده لكنني مازلت أتشبث بطيبة قلب " لاحق السراب"، فرغبت عن التمادي بإساءة الظنّ فيه:

- هؤلاء تخفوا بأسماء مستعارة خوفا من وهم أو من أجل أن يثبتوا أنهم معارضة أما أنا فقد ألغيت اسمي السابق ولو رجع بي الزمن إلى الوراء أو تقدم بي إلى ابعد مدى في الآتي المجهول كما لو أستلقي في تلك الآلة التي فحصت دماغي لما غيرت رأيي!

- المهم أريدك أن تنسى كل شيء .. انس الكلام الفارغ .. حقل ألغام .. جثة غامرت إليها .. السيد الرئيس .. إيجاد اسم جديد له علاقة بالبحر أو تؤجل ذلك على الأقل حاول أن تعمل في المحل كأنه محلك ولست مجرد عامل فيه حتى تثبت أنك أهل لمسؤولية عجز عنها غيرك فإذا ماتم ذلك وتيقن الطرف الآخر فإنه يقوم بتعيينك مشرفا على محلاته فتكون أنت صاحب السر الذي يعرف كل ما يدخل ويخرج!

- ومن يقوم بهذه المهمة الآن؟

- هو نفسه إنه لايثق بأي أحد مع أنه يحسب ألف حساب لعامل الزمن غدا قد لايتمكن من أداء هذا الدور والأحرى به أن يدرب ابنته لتكون مسؤولة الضرائب والحسابات وزوجها لمراقبة الصادرات والواردات فلاتضيع الفرصة من يدك.

- لن أقول لا.

- يعني نتوكل على الله!

- الرأي الذي تراه.

- إسمع جيدا إنك الآن عرفت كل التفصيلات لاتقل لي هذه فتاة متحررة كانت معجبة بعراقي أو مصري يوما وربما تعثر لها على صورة بالشورت وهي تلعب التنس مادمت نويت إنس كل شيء!

- قلت توكل على الله !

لكن من يقف فوق رأسي هادئا ينظر إلي بإشفاق وأنا مغطى بالمريلة البيضاء ليس "لاحق السراب" الذي أطلق عليه أيضا اسما آخر ولا عمي السيد " عباب البحر" لعلني ما عدت ثروته التي يخاف عليها من الضياع. لمن تذهب الملايين اي شاب يستحق أن يرث هذا العرش الضخم الذي يمتد من طهران إلى القاهرة وشمال إفريقيا.البامياء الصعيدية والملوخية المعلبة .. صناديق المنكا القادمة من القاهرة .الحمص .. الطحينية السورية .. الفستق الإيراني أطيب فستق رائع درجة أولى .. من قرية الرئيس رفسنجاني .. الحبوب والخضار والمكسرات تجعلك أكبر مليونير بأقل كلفة .. صدر إلى ليبيا كل ماتحتاجه من حبوب وتحاش أن تستورد منها النفط .. لاتحارب على أكثر من جبهة .. ماهذا ؟ باذنجان أبيض ؟ معقول؟ لم أر بيذنجان أبيض في العراق قط؟ وهل هناك من شيء في العراق؟هذا الباذنجان مثل مايكل جاكسون غيّرَ لونه بعملية تجميل .. افعل ماتشاء تستطيع أن تغير لونك من أسود وأسمر إلى أبيض لكنك لاتقدر أن تحول إلى أشقر مثل السويديين! المحل لايحتاج إلا لعامل أو عاملين فلم تذهب إلى النفط ورائحته الكريهة وكلفته الباهضة التي يمكن أن تضعك يوما ما في فم وحش مرعب .. هنا يمكن أن تختلط الفاصولياء بالملوخية بالنفط والسياسة بالحمص والفول من دونما خطر .. تعامل مع الشيطان مع بوش أو لينين إجلب عدسا من هناك وبطاطا إذهب إلى مزرعة رفسنجاني اقطف فستقا ولوزا تبعثه إلى مانديلا. المهم لاتتحرش بالبترول افرض أن النفط جف من ليبيا فماذا تفعل ستعود تستورد الحمص من سورية والفول من مصر وربما يكون قد فاتك قطارهما وقطار الفستق الإيراني .. عمي الذي يحاول أن يخلط كل هذه الأشياء يقبض على يدي ويقول بابتسامة لم يخفق في إخفاء ملامح من مرارتها التي ارتسمت على شفتيه:

- ياعزيزي أظنك كنت متعجلا في اندفاعك!

تعقيب الشرطي نفسه لكني اصر على صحة عملي:

- ماذا تريد أن افعل وقد رأيت يدها بيده.

فهز رأسه ضجرا وعقب:

- كان عليك أن تتاكد .. تسألها " ثم بنغمة أكثر حدة" ياأخي خطيبتك متدربة في في مجموعة تعنى بالمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة mental retedant متطوعة في منظمة ترعى هؤلاء بعضهم ذوو عاهات جسدية والآخرون من ذوي العاهات العقلية من أسبارجر ومتوحدين لاتميزهم من منظرهم الخارجي عن الناس الطبيعيين الأسوياء كان عليك أن تفهم الواقع قبل أن تتصرف ذلك التصرف الأهوج!

- أنا معك كان ذلك خطأ حقا.

أشبه بمن يحاول أن يخفف من وقع الأمر:

- لاألومك هل تعرف أن بعض السويديين يتصرفون مثلنا نحن الشرقيين لكنهم قلة!

 فضيحة جديدة تلتقطها الصحف فتطل علينا بها صباح الغد، وهناك بعض السويديين لم تسقط منهم قطرة الغيرة .. المحقق يتركنا وحدنا ويغادر غرفة التحقيق. ليتني أصدقه. ما أغباني حين تركت السويدي يفلت مني فأعرف إن كان من ذوي الاحتياجات الخاصة أم .. ليت الذي مر كابوس ثقيل تحررت منه.اقرؤ في عينيه توسلا لم يستطع إخفاءه. ماذا تقول وسائل الإعلام عن فضيحة جديدة تخص عمي السيد" كابتن البحر " هذه المرة الأكراد واليساريون والإسلاميون بعيدون لاعلاقة لهم بما يجري أنا وحدي استطيع أن أنزع الفتيل بصمتي :

- إسمع ستخرج الآن من التوقيف. اتصلت خطيبتك بالشرطة وأسقطت حقها يا أخي سامحتك من كل قلبها" ثم بابتسامة واسعة" يمكنك الرجوع إلى المحل وممارسة عملك وكأن شيئا لم يكن.

- هل حدث لها مكروه؟

- اطمئن من حسن الحظ أن كفك لم تسقط على أذنها " وابتسم مداعبا" لاعليك أنا فعلت ذلك مرات مع أمها لكن بعد الزواج هل فهمت أم يا .. . اصبر قليلا .. .

وقبل أن أغادر غرفة التحقيق استوقفني المحقق وعقب بلهجة حادة:

- الآن مادامت خطيبتك تنازلت عن القضية تستطيع المغادرة وسوف ارسل إليك رسالة بالبريد اوضح لك فيها يمكنك العمل في كل المجالات باستثناء قطاعي التعليم ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة " وأكد وهو يتلاعب بأنامله" مدة التحفظ في هذين الحقلين تستمر ثلاث سنوات.

 وفي السيارة قال لي عمي "ملاك البحر " الذي مازال يتحدث بأعصاب باردة:

- لاتفكر بالعمل ستظل معي في المحل وإذا تطلب الأمر فسوف اتحدث مع شريكي في كوبنهاغن أو مع فرع معمل سمن كلارا في شمال ألمانيا!

 بقيت صامتا في حين استرسل:

- أما خطيبتك فيجب أن تبتعد عنك بعض الوقت. سوف أرسلها بضعة أشهر هي وأمها إلى طهران والقاهرة تتدرب على بعض الأعمال التجارية في مكتب تصدير المكسرات الذي لي حصة لاباس بها فيه!

- كم تظل هناك ؟

حسب استيعابها للشغل أنا أريدها أن تتقن العمل هناك ومن بعد تلم بقضايا المحاسبة هنا فتاخذ هي الراتب الذي يأخذه المحاسب أتعرف أنه يستلم حفنة من النقود "وقهقه كأنه نفض عن صدره عبئا ثقيلا"دعهما هناك يشبعان زيارة و شمسا.

لاأدري لم خطرت صورتها لعيني وهي مغطاة من رأسها إلى كعبيها .. وصورتي بلحية كثة .. قد أسخر من نفسي حين أسخر منها .. لعلها تشاكس من أجل المشاكسة فقط .. قد تخرج مع شاب غيري وتمارس مراهقتها من باب الهواية .. بالأمس جلست معها في "حورية البحر" واختلست نظرة إلى ساقيها.ترددت أن أدعوها إلى منزلي .. الحق شعرت أن أباها معي في كل لحظة كالكون ينساب مع شمس هابطة من الشرق إلى الغرب.يحلم بالعودة إلى بغداد فيتذكرني ويستثني بعد أن تتلاشى ابنته وزوجته في الماضي الذي نستقبله كما كنا نستقبل الآتي من السنوات يعود شابا أعزب ليجد نفسه يتزوّج في العراق وتولد ابنته في أسبانيا.لاشكّ أني اكتشفت حقيقة أخرى: حين نسير إلى المجهول نكون مشغولين بالناس وأنفسنا أما حين نقلب المعادلة كما هي عليه الآن يكون الناس مشغولين عنا بأنفسهم فقط.

هجرة السيد "هدوء الساحل" حدثت في ستينيات من القرن العشرين.سيصبح خليطا من السياسة والتجارة.سوف يهاجر وتولد له في اسبانيا طفلة جميلة مثل حوريات البحر لعلها ترى الاشياء لعبة .. من المحتمل أن تصبح أستاذة جامعية .. ربان سفينة .. مديرة مدرسة. محاسبة وفق مخطط مدروس غير أنها تظل تنظر إلى الآخرين على أنهم لعب لاتفصلها عنهم حدود .. وكان السيد " سنارة البحر" منهمكا في البحث حتى يعثر علي ويظل يرافقني إلى أي مكان وربما اغتنمت غفلة منه فهويت على شفتيها بشفتي:

- زيزفون البحر هل هو جميل؟

- ما معنى زيزفزن؟

 

د. قصي الشيخ عسكر

.....................

الحلقة الثانية من رواية زيزفرن البحر

 

عبد الجبار الجبوري1- حين يبكي القمر

تغيبين وراء ستائرَ النسيّان، وخلف أنجمٍ لا تُضيءْ، وقمرٍ بعيدٍ حزينْ،موحشةٌ روحي بدونكِ، مثقلةٌ بالهموم، كغيوم تائهة، مكسورةٌ أغصانُ قلبي، موجعةٌ دمعتي التي تهطلُ من عَينيَّ كالمطر كلَّ يومْ، وأنتِ معي، تصعَدين مع نبض قلبي، تسرُقينَ أحرفي وهي عَليلة كما تدرّين، تُقبليّنَ شِفاهي، وهي ظمأى لشفاهكِ كما تدرّين، موجوعةٌ روحي، خائفةٌ أنجمي من ذلك الظلام الذي يلفُّ روحي، متعبةٌ خُيولي، لكنّها مسرّجةٌ بحبّك، مشلوحةٌ على ورق النسّيان أيّامي، وهي تراكِ تنوحين حُبّاً ولهفةً للقائي، وأعترّف إنيّ مثلَك مُلتّاع كطفلٍ، ومورقٌ كشجرة، وحزينٌ كقمر، أبحثُ عنكِ كلَّ يوم، في دروب مقفلةٍ،وأسرقُ من حقيبتك المليئة بأسرار البحر، شالَكِ الأحمرحين كُنّا معاً على ضفةِ البحر،أشمُّه وأتلّفع به، وألوّحُ لكِ بهِ حينَ تغيبين عَنّي، تعالي خُذي قبلةً من فَمي وإرحلي، فلاتجيئين، تعلكني الدروب، وتبكي على عتباتك دمعةُ القُبَل،كنتِ إذْ تجيئينَ ينهمرُ المطرُ من عينّيك، وتطلعُ من بين نهديّك،فراديسُ الغياب،سربٌ من الشموس يتلّفتُ نحوكِ، ويُزهرُ على خديّك الزمّان، أنتِ يابهجة حرفي وضوءه، أنتِ يا طلّة القصيدةِ وقامتها، أنتِ يا فرحَ الحروفِ الحبيسةِ في أقبّية الرّوح، إنتظريني عند ضفةِ الشوّق، ينحسرُ البَحرُ، فتُلقي النجومُ عباءتها عليكِ، ويبكيْ عند قدميّك القَمرْ..وأُحّبكِ أيتُّها الغافيةُ في حضنِ قلبي ....

2- يا أُختَ قَلبي

حياتي يبعثرُها صوتُك المبحُوّحُ، وتلمّلها آهاتُكِ الحبيسةُ في أعماقِي، يا أختَ قلبي، كلانا يعيشُ في عالمٍ آخر، وروحانا،روحٌ واحدةٌ،مشدودةٌ بحبلٍ منْ مَسَدْ،الى الابدْ، كيفَ يهونُ عليكِ، وبعضي يأكلُ بعضي،وأنتِ كلَّ لحظةٍ توقظينَ غِيلانَ حرفي، وتنقُشينَ على شُغافِ أيّامي، مسلةً للرحيّل، ينقصُها وجهَ القمر، ولا قمرَ سِواكِ في سماءِ ليلي الحَزين، أيتُّها الغائصةُ في وجعِ قصيدتي، وآهاتِ أحلامي، وشجنِ كبريائي، وسماءِ ظلامي، تعالي، وآهتفي لنجمةِ سُراتي، وبهجةِ كلامي، ياليلُ تعالَ ولاتأتْ، فإنّها تخلعُ ثوبَ قصائدي، وتلبسُ صحوَ هُيامي، يا أختَ قلبي، وحسرةَ دمّْعتي، وهي تنحدرُ حَرّى على خدِّ زعلي، وتُزّهرُ في شَدوّالسّهام،إنهضيْ من ركامِ حُزني،وإنسفحيْ شذىً على بساتينَ غرامي، أنا بُحّةُ صوتِك وعَبقُ ليلِكِ، وصَخبُ نشيدكِ، وترتيلُ أغانيك،وبعض رهاني،تجيئينَ لي، وأنتِ محملةٌ بالخَطايا، وأنا خطيئتي أني أحبك،وشاهدي طعنةُ الكلام، تجيئينَ مهرةٌ سكْرى، ونجمةٌ حَيْرّى، ووردةٌ تفوحُ من أردانها رائحةُ الخزامى، أصافحُ شالَكِ الأحمر وأشّمُهُ، وكأنّني أصافحُ آلهةَ الأيام، أصافحُ يدَكِ فيزعلُ قلبي، أُقبِّلُ عينيكِ فتزعلُ قصيدتي، ماذا أفعلُ بالله عليكِ، كي يُزّهرَ بُستّانُ أُنوثتِكِ، بشَبقِ النسيّان، ها أنا عاشقٌ أحدْ، لاشريكَ لي في حُبّك في هذا البلد، ولا مَدَدْ، أعترفُ أنّ حُبّكِ قاتلي، يُبعثرُني، ويضيعُني، ويأسرُني، تِهتُ بهِ،كما تاهَ في الأُفقِ البلد، أنتِ يا أختَ قَلبي، وضوءَ قافلتي التائهة، في سماءِ روحِك، أغثني يا ألله،حياتي مبعثرة،فَمَنْ يُلمّلمُ شأوها غيرَك..ولها أقولُ أُحبّكِ وكَفى،وَحدّهُ حُبّكِ يُلمّلمُ بَعثرةَ أيّامي، ويعيدها وهي رميم ....

3- بإنتظار شيء ما

لا أحب التَذلّلَ لها، ولكّني أُحبُّها بجنون، وأحتمي بظلِّ خيمتها من الحزن،الحزنُ الذي يداهمني كُلمّا غابَ عَنّي طيفُها، وكُلمّا حضَرْ،هي تُبعثِرُ أيّامي، وتشدُّ حَرفي من ياقتِهِ، وتَعبَثُ به، فتنشرُ الفوضى بقصائدي، أُبصرُها الآن تُفلِّي القصيدةَ حرفاً حرفاً، وتضحكُ في سرِّها من بَلاهتي،ومن وقاحتي، ومن صَراحتي، أننّي أركضُ خلف سرابها المليء باللذّاتْ، والطعناتْ، وشبقِ الكلماتْ، تقول لا تُبالي، سرّ خلف السراب،ربما تصِل الى مبتغاك ذات يوم، وتلتقي الأكفُّ، وتتصّافح العيونُ، ويورقُ هذا العذاب، لا أحبُّ التَذلّلَ، ولكّنني أُحبّها ويحبُّ طَلّتها حَرفي، لا أحلمُ منها سوى ب( ظلِّ نَعم)،فهو يُكفينَني،أنْ أعيشَ ملكاً في حضرتها،أبصرُها الآن تُداري خجلها، وتتشّاكلُ مع نفسها، وتحاولَ أنْ تَخْفي ما ظهرَ على وجهها،من إمارات الخجلْ،وتطأطىءُ رأسها حين أقولُ لها أُحبّك، تهربُ مِنِّي كما يهربُ البحرُ من موجةٍ غاضبةْ، وعاصفةٍ صاخبةْ،وقلبٍ جريح، ونجمةٍ هاربةْ، أعرفُ أنهّا تفكّر بيْ،كما أفكّر بها، وتَحلمُ بي كما أحلَمُ بها، وتهربُ من نظراتي، كما أهربُ من نظراتِها، ولكنَّ قلبانا يلتقيّانِ، ويتصافحان كلَّ لحظة، وشفاهُنا تتشّابكُ كلَّ لحظةٍ، وعيّنانا تحكيّان سرِّ المَطرْ، ما أروعَها إذنْ، وهي في صمتٍ تُعلنُ الحُبَّ، وفي سرّها تدفنُ الألم، هذا الذي يسري بدمها، ويُحطم الأسوار كلهّا، يقتلُ الوحشَ الذي يجثم على صدرها،يُكبِّلُ روحَها بسرِّ البقاء،  عندها ينحسرُ البَحرُ، الذي نحنُ أمامَهٌ، نجلسُ كطفلينِ خائفينِ من المَطر...

الموصل

***

عبد الجبار الجبوري

 

 

حسن العاصيفي الثلاثاء الخامس للحصاد

تختفي الخطى أمام مسار الماء

يرسم الطريق الضباب

وينطوي على عجل

تفصل ما بيننا الضفتين

وأنت ما زلت في صهوة السفر

مثل الخزامى على درب الأولياء

أي سر فيكَ لا يبارح؟

أنت وحدكَ أمير قصيدتي

يا أبي

صخب الليل يشق صدر الغيمة

فهل رأيت ماء المتضرعين؟

نضج اللوز على ظهور النساء

أعتلي في قافيتي سدرة الكروم

وأعلقْ في ألواح الإيمان

بين صدى القناديل ونار التراتيل

قالوا لا تقطف زهر اللوز

فالمركب بلا موج يتساقط

وابحثْ في أخاديد الحقل

عن الغيمة الغريبة

خلف ستار النهر

فلا باب هناك لخطاكً

ولا أزمنة لاحتشاد الأعناق

لكنني نسيت يدي على السرو المهجور

فرسمتني مرايا قلبي

ورداً مجنحاً على صفحة السماء

غفوت هناك مع الراقدين

كانت جداول الطين ترتعش

تدفع صرخة الريح نفحة الحياة

وأنا خلف لون الضوء

أبتهل مع التراب عبادة التائبين

لا يغادر الرحيل الجدران

لذلك عيون الدروب تائهة

ما كان للمواسم أن تحتار

لو أن الشراع عَبَرَ الأحزان

والمراكب لم تقع في غيبوبتها

أي بحر يفضي موجه إلى الجنون؟

رغم أني لم أكن زاهداً يوماً مثلكَ

إلا أنني فقدت جبهتي

وأنا ألملم لَهْوَ الغيم حد المطر

هكذا خذلني المعنى

ما زلت رغم الخطايا في سفر

أمسك ذيل المروج الباقية

وفراشتي يا أبي تتفيأ شراع الحقول

بيضاء بلا ضوء وباردة بلا ثمر

***

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

عبد الامير العباديمَنْ يؤطر صور البياض

لا أحد

هنا وحدها السلاسل

ذاكرة نرسمها

لازلنا نسمي الإنسان

فهدا ونمرا و أسدا

حيث الغابات لنا عِلوان

*

قلت أتمنى لبلادي أبراجا

قال هذا فسوق

رجس من عمل الشيطان

عدْ لا تتعلم

طريقك الهلاك!

*

ترجل من صهوة هذه البلاد

فثوبك طهارة الطرقات

أنت قبل البلاد

لولا عبيرك ماكانت

لنا اسماء

ترجل لن تجد غير

ورد محنط

قد يباع للطغاة

اذ يرفض ورد الله أيادي لوثتها

سنديانة الغرباء

*

دوما نعشق الأصوات التي  تثرثر،

على حافة التلال، زمن غابر،

وقائع موت،اغتصاب،

ولاءات جبانة،

خيانة (تنتظر كل الجوائز)

*

كل شيء مهجن

استنسل خواء الطرقات

جفاف العقل

الباعث سذاجة تأريخ

التنقيب عن الحجارة

والمسلات وبقايا

الاقوال السماوية

نريد أن نجير بؤسنا

حيث كل احلامنا

أننا  بعثنا

 نتمم محاسن الموت

*

البرجوازي البدين

اشترى كفنا

اوصى النجار

تابوت مريح

أخبر دفان العائلة

بناء قبر فسيح

ثم جلس يحتسي الواين الأصفر

تخيل أنه عضو برلمان

في دولة اللادولة

*

قبل القصيدة

صنع منصة

تركها في فضاء رحب

صفقت له الريح

خر راكعا

قال: هذه بركة الوهم

***

عبدالامير العبادي

 

صحيفة المثقفحينما دخل عقلها حيز الوعي، أحست بشيء من البرد يلسع جسدها، رفعت رأسها المتورم المشوش شيئا ما لتجد نفسها عارية الا من شبكة ذات فتحات كبيرة تغطيها تماما من أعلى رأسها الى أخمص قدميها حيث تنتهي بعقدة كبيرة . هنا مع غيمة الذهول التي اندلقت على عقلها زحفت بنظراتها الوجلة نحو ابنتها التي تنام معها مؤقتاً في نفس السرير تحسبا لحاجة قد تعتريها ليلا، ذلك إن زوجها مسافر الى مسقط رأسه منذ بضعة أيام وهي مقعدة تماما . وضحت الالتفاتة السريعة والنظرة الخاطفة إن ما جرى عليها جرى على ابنتها أيضا فهي أيضا شبه عارية تركت على جسدها المتخشب من لطف المجرم ملابسها الداخلية فقط وكانت عقدة الشبكة هذه المرة فوق رأس الابنة . حركت المرأة حنجرتها ويدها اليمنى معا لتوقظ ابنتها من سبات عميق فزعت البنت لما رأت أُمها داخل الشبكة ثم قفزت فزعا وهي ترى ما على جسدها هي من ملابس ومن.. ظنت لوهلة ان قد أُعتدي عليها ثم أحست بشيء من راحة وهي تطمأن على عذريتها ثم اشتعلت غيظا وهي تحاول بيد شلها الارتباك أن تتخلص من شبكتها لتفك عقدة امها فيدها اليسرى مشلولة تماما كساقيها . ما كادت تتم ذلك وهي مستغرقة في أفكارها تبحث في تلافيف فكرها عمن يكون من اقتحم عليهما غرفة نومهما ليعبث بهما معا حتى انتبهت لزجاجة على نضد دنو مخدتها رفعتها بيدها لتقرأ ما كتب عليها فإذا هي مادة مخدرة شديدة الفعالية قربتها من أُمها لتقرأها ظلت علامة استفهام كبيرة تنمو فوق رأسيهما معا من؟؟.

اشتد البرد مما عجل بعودة الوالد المسافر وكان قد مر يومان على اقتحام مخدعهما وحين سردتا ما حدث لم يصدقهما الوالد وطلب منهما عدم الحديث في هذا الموضوع والا ظنهما الناس مجنونتين وحينما أخرجتا له الشبكتين لتثبتا صدق مقولتهما سخر منهما وسألهما كم انفقتا على شراء السمك الذي تحبان في غيابه . نزولا عند نصيحة الأب امتنعتا معا عن سرد ما حصل الى اي أحد وأخذ الأب الشبكتين ليرميهما في سلة القمامة مشمئزاً، وأخفت الابنة الأمر حتى عن أخيها وزوجه بعد عودتهما من زيارة ذوي الزوجة في مدينة أُخرى نزولا عند طلب أبيها . وأغلقت الأُم فمها قسرا كي لا تبوح به حتى لأُختها المقربة التي تعودها بين آونة وأُخرى لتطمئن عليها كتمت الأمر عنها مع إنها كاتمة سرها وموضع ثقتها . ثم تقبلت الأُم والبنت الأمر وركنتاه في زاوية مظلمة من عقلهما وحسبتاه شيئا من الكوابيس وأضغاث الأحلام . غير إن الأبنة ثبتت الواقعة بالتفصيل الممل في دفتر مذكراتها الذي كانت تخفيه عن خلق الله جميعا في مكان مظلم داخل صندوق مغلق في قعر خزانة ملابسها مع بعض تحفيات ومنمنات صغيرة أحبتها واقتنتها عبر سنوات عمرها . كانت تتفرج عليها بعض الأحيان متذكرة وسابحة في حلم يقظة، منبسطة الأسارير، تخال نفسها في أُرجوحة أو فوق سحابة . وكانت تكتب بعض الأحداث المتميزة في بحيرة حياتها الراكدة والتي ارتبطت بقوة وتحددت مسيرتها لمرض أُمها وعجزها الدائم .

بعد أُسبوعين تذكرت زجاجة المخدر التي أخفتها قرب علب دهون ماكنة خياطة أمها المهملة في رف غائر وراء دراجة أخيها القديمة والمركونة في كراج سيارتهم المكتظ، لم تجدها مع إنها بحثت عنها بجد كما بحثت في أرجاء البيت الأُخرى دون جدوى . وهنا وعت إن يدا امتدت اليها عمدا لتخفيها، ولم يكن أحد يستطيع الوصول الى تلك الأماكن غير أخيها وزوجته وهما يسكنان ملحقا للمنزل وكذلك قد تصل اليها هي أو أبوها .

بعد شهر مر بصمت تكرر أمر الشبكة مع أُمها فقط هذه المرة وفزعت وهي تستيقظ متثاقلة وتحس رأسها جبلا ينهد على كتفيها يكاد يسحقها كان صراخ أمها ممطوطا غير متضح الحروف وبدا إنه يصل اليها عبر رواق طويل مظلم أو من قبر . كان والدها مسافرا هرعت منتصف الليل لتوقظ أخاها قبل أن تفك عقدة شبكة أمها لأنها أرادت أن تشركه معها في هذا الأمر رغم تحذيرات أبيها شديدة اللهجة . وحينما عادت الى غرفة نوم أمها مع أخيها وزوجته لم يجدوها في فراشها وما لفت نظرهم كومة ملابسها الملقاة بعبثية وفوضى على سريرها وكذلك القرط الذي ظلت ترتديه منذ أيام زواجها الأُولى ولم تخلعه مطلقا . أمر الأبن : لا يلمسن أحد منكم أي شيء . امتثلت المرأتان الجزعتان وكانتا تريدان رفع ملابس الأم لوضعها في مكانها المعتاد على الشماعة أو أخذها الى حيث الغسالة الكهربائية كما يفعلون كلما أبدلت الأم ما ترتديه .

وعند التحقيق معهم لم تتوصل الشرطة الى نتيجة وكذلك عند التحقيق مع الوالد الذي بادر بعودة سريعة بعد وصول برقية بما حدث لزوجته استلمها فى بيت أقاربه في مسقط رأسه .

ما وجدته الشرطة فقط هو نتفة من خيط صغير عند قدمي السرير وضعه المحقق في كيس وتحفظ عليه وبعد الفحص تبين إنه خيط من شبكة صيد . توجه محققا القضية الى بيت المقعدة المختفية وطرحا على الإبنة سؤالا واحدا فقط من منكم يمارس هواية الصيد أجابت الإبنة: لا أحد وحينما كرر المحققان سؤالهما قالت : لا أحد ثم قفزت بارتباك وهي تقول مفكرة أو متذكرة : ولكن ... ثم أغلقت فمها بعنف فلاحظ ذلك أحد المحققين فنهرها قائلا أتتسترين على خاطف أُمك ؟ أهذا جزاؤها منك أرخت الأبنة فمها وقالت بانفعال حسنا : تعاليا معي ومضت بهما الى حجرة نومها وفتحت خزانة ملابسها لتخرج صندوقا صغيرا، ناولت دفتر المذكرات الى المحققين بعد أن فتحته على ما كتبته مؤرخة منذ شهر . سألها المحققان بعد قراءة سريعة وأين كان والدك مسافرا عندها ؟ أجابت الى مسقط رأسه حيث ولد في قرية نائية زاهية بخيراتها عند مصب نهر جميل . هرع المحققان الى مركز الشرطة وقاما بعدة اتصالات مجدية حيث تبين إن للوالد زوجة شابة جميلة من أبناء عمومته لم تقتنع بوجود زوجته الأُولى وإنه كان يخشى طلاق زوجته المقعدة لئلا يفقد الوكالة على أموالها .

وعندما ووجه بالتهمة وبعد اعترافه وبعد العثور على زجاجة المخدر في سيارته الحديثة عالية السرعة، قال انه كان يخدر زوجته الشابة و يعود الى بيته متخفيا وإنه بعد أن خدر امرأته المقعدة مرة ثانية اثناء خروج الإبنة لتحضر أخاها ... حملها فوضعها في صندوق سيارته مسرعا الى نهر قريته فألقاها فيه عارية وإنه نزع قرطيها كيلا يتعرف عليها أحد من ملابسها أو من قرطيها قديمي الطراز . وإنه أوشك أن يقتل ابنته معها في المرة الأُولى لولا إن تشنجاً قاتلا أعجزه عن إتمام ما عزم عليه فأسرع هاربا لئلا ينكشف أمره، مؤجلا ما نوى فعله لفرصة أُخرى، وفعل ذلك كله ليتحرر تماما منهما وينصرف تماما لبيته وأُسرته الجديدة في قريته البعيدة .

***

سمية العبيدي/ بغداد

عبد الجبار الحمديغرابيب سود... تلك هي الأيام والليالي التي تنقضي لا تنجلي، مذ كان الغزو ملئت بشظايا النكسة، هُزمت أحلامي، مستقبلي، طموحاتي، حياتي، ما كان كابوسا حتى أستفيق منه بصفعة، بل كانت الصفعة على وجهي هي الكابوس الذي اراه في كل لحظة دون ان يسمح لي بالإستيقاظ كي أهرب منه الى حيث لا أدري.. عتمة لا أكاد ارى فيها نفسي، كل ما أعرفه أني قد أعتقلت سجينة فقط كون الشخص الذي أرادني شهوة غصبا قد زجرته بردعه والتف في وجهه.. ذلك كان اثناء ذهابي لجلب بعض الطعام والخبز للبيت فوالدي، أخوتي باتوا في خبر كان، إلا والدتي واختي الصغيرة، هكذا تعودت ان اشتري ما يلزم والمتوفر في نهار سماءه حالكة الظلمة، أسيرعبر معسكر شائك مليء بالمناظر الحزينة الكئيبة التي أحتلتنا، تسيدت قمعا هالة وهيبة شوارع وطني حين داهمها الشيطان في خلسة ليل و وضح النهار، المنطقة مسكونة بالجن والشياطين، الرعب في كل زاوية وركن تلك البساطيل، تلك الوجوه التي في يوم ما قد ألفتها على شاشة تلفاز أصفق لها لنصرها كأني أرتبطت معها بصلة رحم، باتت صورها مخيفة لا أرى فيها سوى أنياب تريد غرزها في وريد وطني، دلفت مبتعدة عن كل ما يعرضني الى عيونهم، الخوف يتشبث بأقدامي مثقلا إياها يتوسلني ان لا أزيد أكثر من الاقتراب، بل حثني وهلعي على العودة... غير ان حاجة وارض وطن أنا انتمي إليه لا إلى تلك البعوضات التي غزت أزهار حوائط ارضي، يا لي من مجنونة حين فكرت بجرأة اني قادرة على صد أنفاس وطَنين البعوض؟! سارع أحد من الذين تسيدوا الشارع نقطة تفتيش المؤدي الى المكان التجاري قفز متخصرا مسدسه قائلا:

توقفي... ما الذي تفعلينه هنا؟؟ ماذا تحملين بين يديك؟؟؟ سؤال اغبى من سؤال كان علي أن لا اجيب جاهل في كل شيء، خاصة أن رائحة العرق المصنة تفوح من كل جوانبه، نتن حد التقيؤ، ابتلعت كل هلعي بعد ان تربع قلبي بين أضلعي كالسجين يرومني طرقا في محاولة للهرب، دفع بحجراته صفق أبوابه مدويا كي يسمع من يسألني خوفي يطلب الرحمة لتركي في حال سبيلي، حزنت لنفسي، قهرت جبني بالرد بصلافة.. لم تسال؟ الم ترى أني متجهة الى الجمعية للتبضع؟ مالكم تتسكعون ترهبون المارة؟

لم يجبني.. وقف متسمرا ملتفتا الى من كان واقفا معه كأنه يستنجد به وقد خذلته رجولته وزَيهِ الذي يلبس.. تقدم من شعر بأن هناك صيدا ما فقال:

ماذا بشأنها هل لديها سلاح؟

يا لصفاقته هو الآخر!!! أي سلاح ذلك الذي يسأل ويبحث عنه!؟ أستغربت أكثر!!

تشجع من كان خاملا وهو يضحك... سيدي إنها لوحدها سلاح فتاك تقتل من يراها بثدييها، بعينيها وجسدها الذي يشبه الزبدة.. يموت من القهر هههههههه

يا الله!! إنه يتجاسر عَلَيّ في خضم البلاء والنكسة!؟ إنه يتغامز يتلاعب بأعضائه النجسة، مد يده لملامسة صدري في محاولة تبيان قصده الذميم...

صرخت...إبعد يدك القذرة ..عليك اللعنة.. الا تستحي!؟ الا تخجل!!؟ اليس عندك أخوات... زوجة؟ ألم ترى عين الله فوقك!؟؟؟

دون تردد قال لي بعد ان تطلع نحو السماء... الجود في الموجود... أنت حلوة ونحن نستاهل

جن جنوني، زاد رعبي، قفز كبريائي صارخا بثورة... لعنة الله عليك.. بل عليكم جميعا أيها الأنجاس، استبحتم وطني، غزوتم أرضي الطاهرة، بثثتم سمومكم بل نشرتم قذارتكم يا اولاد الرذائل... لم أكمل سيل غضبي حتى جاءني كف تطايرت من شدته شرار عيناي أسقطني على الارض، كُشِفَت ساقاي زاد من هيجانهم كشف افخاذي بعد ان تواكبوا جميعهم على ضربي، مزقوا عبائتي ثيابي التي تسترني... تمنيت على الله ان يميتني بركلة أحدهم، ينهي حياتي ولا اتعرى للسماء، طلبت الرحمة موتا لكنها كانت قد انزوت في تلك اللحظة كمن كان واقفا هناك دون حراك، تسيد شيطان الفجور أنفسهم، خالوني بضاعة وملهاة، بت سبية على أرضي أمام أهلي والأغراب، امد يدي مستنجدة بأي خيط ضئيل من الرجولة، التي تتطلع دون ان تتدخل، صرخت اين أنتم يا اهلي عشيرتي جيراني؟؟ الا يوجد فيكم من رجل شهم غيور؟؟ كنت اتلقى الضرب وضحكاتهم تتعالى، اسمعهم يقولون دعي شرفك ورجال وطنك يأتون ليروا كيف نفعل ببناتهم، نستبيح فروجهن كالساقطات، بتنا أهل وطن، بتنا أسياده... بين كل ذلك الوجع وجراحي ظني قلت لكبيرهم خسئت ومن معكم والله لن تنال مني إلا وانا جثة هامدة... صرخ فيهم توقفوا خذوها حيث سجن المقر هيا تحركوا...

لحظات كنت قابعة في قبر مظلم، أتحسس المكان كما اتحسس جسدي العاري في محاولة تغطية ما امكنني فكلي عارية، خجلة أنا من نفسي حاقدة على سجاني، اصوات أنين، صراخ رجال، نساء وحتى اطفال يتصاعد مع كل أزيز صدأ لباب ما مغتصب يفتح او يغلق، أتراني لم استوعب الموقف!؟ لا بل استوعبته جيدا إنه الموت المحتم المخزي على يد سجان زنيم، فتح الباب وقد صرخ مزلاجه قبلي بإنه لا يرغب بأن يفتح لهم، جاءته ركلة اطاحت به، دخل من لا أراه لكني عرفته من رائحته وهو يقول:...

لقد حانت الساعة، ليس هناك من يحميك مني سأزيح بكارتك إن كانت موجودة.. وإن لم تكوني باكرا سأقتلع فرجك بقضيبي هذا  ستتذوقيه يا كلبة... دفعت به ما ان اقترب مني، دفع الباب بالظلام بنور شاحب خجل ان يلقي ببصره نحوي لأرى الشيطان كي ادافع عن نفسي، إن الشيطان هذا قد أكل من قبل اللحم ميتا، فالحرام تلبسه حتى بدا عليه بهيئة بشر بل بهيئة حيوان.. صرخت ابتعد عني أيها الحقير، ابتعد لعنه الله عليكم، بعدها صرخت الرحمة.. الرحمة... تصاعد دوي الزنازين الأخرى اتركوها ايها الكلاب، إتركوها ايها الخنازير الا تعرفون الحرام؟!! إلا تعرفون الله!!؟ أولدتم من أمهات عاهرات اولا القحبة اتركوها.. صوت صرخ بشكل مدوي زلزل من أراد البطش بي، توجه حيث جاء الصوت شبه عاري... لم اسمع سوى أطلاقة رصاص مطلقها يقول: أنت أبن القحبة يا أبن الكلب.. خرست كل الاصوات، حتى الأنين ما عاد له من صوت.. رجع وقد تطاير شرار الشيطان من عينيه.. أمسك بشعري جرني حيث الممر يصرخ... انظروا كيف افعل بها؟ سأغرس قضيبي في فرجها في كل فتحة فيها سأذيقها ما لا تشتهيه وتخاف منه... سأقتلها به سأميتها شبعا بقضيبي هذا سأقتلع كل بذرة من شرفها وشرف من يدافع عنها بل شرف وطنها الذي سأعيث الفساد في جميع نساءه وفتياته حتى رجاله وشبابه... سأقتص منكم أيها الكلاب سالوغ في اوعيتكم المذهبة، سأتبول على اثاثكم، أفرشتكم، سجادكم، سأتغوط فوق رؤوسكم كوفياتكم... سأسحق عناوينكم التي تتغنون والبحر... حينها كنت أحاول الزحف بعيدا ألجأ الى الجدار الباكي بالدم. هو يتعرى من ثيابه، ممسكا بقضيبه يلوح بإغتصابي، طفقت ابحث في الأرض عن أي شيء ادافع به عن نفسي، مررت يدي على عجالة، زحفت مبتعدة الى الجانب الآخر، توقف ما ان تلمست باب ما ...طرقت الرحمة.. انجدوني... انقذوني من هذا الشيطان الفاجر، هذا الخنزير المستأسد يا اهل الغيرة، يا أهل الرحمة أليس فيكم من شريف، اليس فيكم من يخاف على عِرضه... اتوسل اليكم بالله ورسوله ابعدوه عني... كان توسلي مجرد صراخ ثكلى.. يدي بياس تلمست شيء ما صلب... اشبه بآلة حادة، رفعتها في وجهه..ضحك قائلا:

دعيها تنفعك يا عاهرة.. سيكون هذا اشد حدة حين تتذوقيه..

قربتها من عنقي في محاولة غرزها، فالموت اطهر لي وأشرف من البقاء بين فكي هذا الخنزيز، ليأخذ جسدي ميتا يفعل به ما يشاء ليراه الله ويراني... كأن ابواب رحمته قد أغلقت... لم أكمل جملتي بعد... حتى صرخ مضرجا بدمه .. إبن الكلب قتلتني من اجل قحبة... قذر لسانه حتى وهو يسقط مقتولا

يبدو كان هناك من يرى بعيني الله... ينتظر، لم اعي نفسي ومن معي حين استعدت وعيي في مكان آمن علمت ان هناك من قدم نفسه ضحية كي يحافظ على شرفي وشرف زيه بإبعادنا عن تلك الغرابيب... هو منهم لكنه أرتدى مخافة الله، الغيرة والشرف بدلة عسكرية تحت إمرة رجل بلا شرف.

 

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي

 

نبيل عودةيمتلئ صدر الأميرال أحمد بالنياشين، لدرجة انه أوكل جنديا بترتيبها كلما استبدل البدلة العسكرية بأخرى، كان الجندي يعتمد على صورة مكبرة تبين مكان كل نيشان على بدله الأميرال، حسب المقياس ألمليمتري.

لم يحصل الأميرال أحمد على نياشينه بسبب بطولاته العسكرية، فهو لم يخض معارك حربية حقيقية، ولا أحد يعرف كيف يمكن أن يتصرف لو واجه حربا حقيقية، ولا يبدو انه سيخوض معركة حربية في المستقبل، إلا إذا اعتبرنا التصريحات استعدادا لإنزال ضربة قاصمة بالمعتدين نوعا من الحرب، في الحقيقة لو سئل المواطن ضد من يتوقع حربا، لضحك من غرابة السؤال، فالمواطنون لا يعرفون عدوا يهدد بلادهم... ولكن هذا الكلام الحربي بات يردده كثيرون منهم كما يرددون النشيد الوطني في المناسبات السعيدة لجلوس سيد البلاد على رأس السلطة بحفظ الله وصونه.

ومع ذلك كان صدر الأميرال معرضا لكل النياشين التقديرية والبطولية، ويقال أن بعضها اقر خصيصا له، مع أن أحدا لا يعرف أي بطولة قتالية إجترحها الأميرال، إلا تصريحاته التلفزيونية.

كان قائدا للأسطول، وقريبا سيحتفل بمرور 30 سنة على قيادته للأسطول الحربي، وحتى لا يفهم تعبير أسطول خطأ نوضح انه ليس أسطولا أمريكيا مثلا، أو أسطولا لدولة أوروبية .. وان أسطول الأميرال أحمد عبارة عن خمسة قطع بعد أن غرقت القطعة السادسة بسبب قدمها والصدأ الذي فتك بحديدها.

القطع البحرية هي ثلاث قطع خفيفة التسليح والحركة، مع حمولة محدودة من جنود البحرية لا تزيد عن خمسة أفراد في كل قارب، تقوم بمهمات حراسة السواحل والمياه الإقليمية، ومعظم المتطاولين على حدود الوطن حتى اليوم كانوا من صيادي الأسماك من دول الجوار، عادة يجري حل الإشكال بتقاسم الأسماك بين الجنود والصيادين .. لمنع وقوع أزمة علاقات دبلوماسية وحرب اعلامية عبر كل وسائل الاعلام من تلفزيونات وراديوهات وانترنت وصحافة مطبوعة بين الدول الشقيقة. بالطبع دائما هناك حصة من أفخر الأسماك للأميرال أحمد. إضافة لهذه القطع التي تؤدي دورها العسكري الوطني في ضمان أمن البلاد والمواطنين، هناك البارجة العسكرية، من موديلات الحرب العالمية الثانية، جرى تحديثها بإضافة حمالات أعلام وبراويز لصور سيد البلاد، سعتها تسعون جنديا ولكنها تبحر دائما بمائة وثلاثين جنديا عدا طاقم المطبخ المكون من خمسة وعشرين عاملا. هناك أيضا غواصة عسكرية، سعتها خمسة وستون جنديا وطبعا عشرة أفراد في المطبخ حرصا على تغذية البحارة بما يليق بهم وبجهودهم العسكرية في خدمة الوطن. ضمن جنود البحرية هناك خفر السواحل الذين يستعملون القوارب المطاطية ويقضون معظم نهارهم في صيد السمك. طبعا لا بد من ارسال أطيب انواع السمك للأميرال أحمد، لأن حبه في القلوب هو جزء من حبهم الوطن . هو قائدهم وراعيهم وصهر عشرة من ضباط البحرية، كان يختار المصاهرة حسب جمال الضابط، الأمر الذي يشير الى جمال مؤكد تتمتع فيه أخته، من يرفض مصاهرة ابن العائلة العظيمة التي تدفع مهرا يجعل الضابط وعائلته من أغنياء الدولة وذوي الكلمة التي لا ترد في أجهزة الدولة؟ .. أخيرا يمكن إضافة فرقة الكوماندوز البحري، الذي يتميز نشاطهما الأساسي بالاستعراضات التي تلهب حماس الجماهير .

أكثرية معارك الأميرال البحرية جرت ضد أهداف وهمية، بحضور مختلف الملحقين العسكريين الأجانب والعرب وهو ما يمنع بالتأكيد الأطماع الصهيونية والامبريالية من التفكير بغزو البلاد .

عادة تجري المناورات في قلب البحر دون الخروج من المياه الإقليمية، إذ تبحر القطع الحربية، بقيادة الأميرال الذي يقود المناورة من مركز قيادته في البارجة، حيث يستضيف الملحقين العسكريين مقدما لهم شروحا حول المناورة وأهدافها. تبدأ المناورة بأطلاق النار على أهداف وهمية، تصاب كلها بالتأكيد دون خسائر في قطع الأسطول، طبعا التلفزيون الوطني يبث الانتصارات بثا حيا ومباشرا، تجرى المقابلات مع الأميرال أحمد الذي يتحدث بمصطلحات عسكرية تسحر المستمعين مثل :

- طوقنا، ضربنا، لاحقنا، أوقعنا، التففنا وحققنا مفاجأة إستراتيجية قاتلة للعدو، أخذنا المبادرة الإستراتيجية، طردناه خاسرا ذليلا من مياهنا الإقليمية، بعد إن مزقنا مخططه لاختراق دفاعاتنا البحرية وإقامة رأس جسر على سواحلنا.

لكن في الحقيقة أن صحفيا مدسوسا كتب أن ما يشغل بال الملحقين العسكريين خلال كل المناورة، حضور الحفل الشرقي الراقص، تناول المشروبات الروحية، المحرمة حسب القانون في البر، ولكنها موجودة بوفرة في مقصف البارجة .. إلى جانب أفخر أنواع الكافيار، وأفخر أنواع السمك وفواكه البحر، وتقريبا لا يهتمون بتطور أحداث المناورة التي يشاهدونها كل سنة مرة . لكنهم في النهاية يصطفون بالدور لتهنئة الأميرال أحمد على انجاز مهام المناورة بكاملها، وأنهم سينقلون لوزراء دفاع بلادهم، انطباعاتهم عن الجاهزية العسكرية المرتفعة لجنود البحرية وأسطول البلاد .

ذلك الصحفي اتهم بالخيانة العظمى والتجسس لصالح العدو الصهيوني وهو في سجنه ينتظر صدور قرار الحكم.

هذه المناورات وتغطيتها الإعلامية ترفع معنويات المواطنين، لدرجة يتوهمون أنهم أصبحوا دولة بحرية عظمى.. وأن نصر الله قريب ضد الصهيونية والإستعمار... لكن لا أحد يعرف كم يستغرق من الوقت وصول بحريتهم لسواحل العدو من أجل مقاتلته وهزمه، ولا كيف سيخوضونها ضد الاستعمار، الذي يستطيع إصابة كل قطع أسطولهم من مسافات بعيدة دون رؤيتها بالعين، بل عبر تحديد مواقعها بالأقمار الصناعية.

بعد كل مناورة وتغطية تلفزيونية وتصريحات أميرالية، يجري تكريم الأميرال في مجلس الشعب وفي قصر سيد البلاد. عادة يمنح الأميرال هبة مالية، كانت سابقا بالدولار، اليوم مع هبوط قيمة الدولار صار اليورو أوجب لتكريم عظماء الأمة وحارسي الوطن ومن المتوقع أن يهبه سيد البلاد مليون يورو اعترافا بدوره العسكري الوطني في ضمان أمن البلاد .

بعد انتهاء المناورة الأخيرة، بينما البارجة تعود إلى قواعدها والأميرال يستريح فوق مقعده العريض، مغمض العينين، يفكر فيما سيحصل عليه من تكريم وهبات وشهرة،وإذ بصوت مراقب البارجة يخترق اذنيه عبر الخط الأحمر الداخلي:

- سيدي القائد، هناك ضوء أمامنا لقطعة بحرية كما يبدو.. إذا واصلنا التقدم بهذا الخط سنصطدم بهم.

انتفض الأميرال واقفا مسرعا لمركز قيادته، أمر المراقب أن يرسل إشارات إلى مصدر الضوء ينبههم إلى ضرورة تغيير مسارهم بعشرين درجة على الأقل تلاشيا للاصطدام. نفذ المراقب الأمر... وتلقى جوابا وقحا بالإشارة .. احتار هل ينقل الجواب الوقح أم يرسل إشارة أخرى ؟ ولكنه ملتزم بأوامر قائده .. فحسم أمره :

- سيدي الأميرال، ردوا على الإشارة بوقاحة، يقولون لنا آن نغير نحن اتجاهنا بعشرين درجة .

غضب الأميرال أحمد، وصرخ بعصبية :

- سنقضي عليهم كما قضينا على الأعداء ..

وبعد أن تمالك أعصابه قال للمراقب :

- أرسل إشارة بأننا بارجة عسكرية يقودها الأميرال أحمد، وأننا في مسار تصادم مؤكد ويجب أن يغيروا فورا مسارهم بعشرين درجة .

نفذ المراقب الأمر، جاءه الجواب ونقله فورا للأميرال :

- سيدي جوابهم يقول ما يلي : أنا بحار بسيط سيدي الأميرال وأنا أناشدك أن تغير مسارك بعشرين درجة.

من الصعب وصف غضب الأميرال، بحار بسيط يواصل تحديه . سيلقنه درسا لن تنساه البحرية خلال قرن كامل . قال للمراقب أن يرسل إشارة لذلك البحار الوقح بأننا سفينة عسكرية وأوامرنا يجب أن تطاع وإلا سينزل بكم الأميرال أحمد عقابا رهيبا .

جاء الرد من البحار البسيط :

- سيدي الأميرال أنا مطيع لأوامرك، انا مشغل الفنار، لا أستطيع تغيير مكان الفنار، أرجو أن تنحرف عشرين درجة حتى لا تتحطم بارجتك على الصخور أمام الفنار !!

 

نبيل عودة