نبيل عبدالامير الربيعيمنذُ أن أقدم مجلس الحكم الانتقالي بعد سقوط النظام السابق عام 2003م، لمناقشة كيفية إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة وعادلة في العراق ولغاية هذه اللحظة، لم نجد أن القانون الذي وضعته اللجنة المكلفة من قبل الأمم المتحدة لوضع الخطوط العامة، وصادقت عليه أغلب الكتل الكبيرة لم يلبي الطموح للفرد العراقي.

القانون الحالي للإنتخابات وطريقة اجرائها في العراق لا يعد عادلاً، من خلال متابعة نتائج الانتخابات لزهاء (13) عاماً، إنما يتبع هذا القانون آلية ديمقراطية فقط تعتمد على أكثرية الأصوات دون الأخذ بنظر الأعتبار جوانب العدالة والديمقراطية. لمطالبة قادة القوائم والكتل الكبيرة المتنفذة التي أيدت وطالبت بالإبقاء عليه.

قانون الانتخابات الحالي يعتبر المحافظة دائرة انتخابية واحدة، ومن خلال هذا القانون يتم صعود اشخاص ليست لهم أية دراية سياسية أو مكانة اجتماعية، وقد حصلوا على أصوات ضئيلة لكنهم فازوا بفضل المتنفذين في القائمة من الذين حصلوا على اصوات كبيرة ساهمت بصعود من لم يحصل على اصوات قد لم تتجاوز 150 صوت.

المواطن العراقي يتطلع لقانون انتخابي عادل يقسم المحافظة لعدة دوائر حسب أعدد من يحق لهم التصويت في الانتخابات، ومن خلاله ينتخب عضو البرلمان الذي يمثل منطقته ومن ثم محاسبته على الاهمال والتقصير في واجباته تجاه برنامجه الانتخابي الذي اعلنه لخوض الانتخابات، وهذا ما لمسناه في اغلبية الدول الديمقراطية، ولو كان القانون الانتخابي الحالي يقسم المحافظة إلى عدة دوائر انتخابية صغيرة مما يقلل الاحتقان والنفوذ العشائري والطائفي، ويجعل احقية التنافس أقرب للعدالة.

لكن قانون الانتخابات الحالي لاعتبار المحافظة دائرة انتخابية واحدة ولعموم المحافظة جعل من المتعذر فوز شخص بمفرده مهما كانت مكانته الاجتماعية والسياسة، حتى وأن حظي بتأييد كبير من قبل المؤيدين لبرنامجه الانتخابي، ومثال ذلك ما حصل للناشط المدني جاسم الحلفي في انتخابات عام 2014م، إذ حصل على 17000 صوت ولم يفوز، بينما مرشح آخر ضمن قائمة كبيرة حصل على 150 صوت وبفضل قائمته وصل إلى البرلمان.

لذلك ندعو من خلال هذا الاجحاف بحق الناخب إلى الدعوة لقانون انتخابي يقسم المحافظة إلى عدة دوائر انتخابية وليست دائرة انتخابية واحدة، ليتمكن الناخب من تحديد المرشح الذي يجد في برنامجه الانتخابي ما يلبي طموح أبناء محافظته لتقديم الخدمات، وتمكنه من محاسبة المرشح في حال تقصيره أو اهماله لواجباته عند عدم تطبيق البرنامج من خلال متابعة الناخبين لممثليهم بمكاتبهم المتواجدة في مناطقهم، لأن الناخب يعتبر صاحب الفضل على المرشح الفائز لأنه هو الذي أوصله إلى قبة البرلمان.

بينما النظام الانتخابي لدائرة واحدة لعموم المحافظة نجد من خلاله أن النائب الفائز لا يجد من يحاسبه لتقصيره ولا يشعر بأية مسؤولية تجاه عدم تطبيق برنامجه الانتخابي، فضلاً عن عدم تمتعه باستقلالية اتخاذ القرار حول المشاريع المرشحة للتصويت عليها تحت قبة البرلمان بسبب سيطرة رؤساء الكتل على قراراتهم واختياراتهم وهم من يتحكمون بمصيرهم، وهذا لا يمثل تبني العدالة والديمقراطية وفق هذا القانون.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

حسام الدجنيحسب بيان سابق لغرفة العمليات المشتركة اعتمدت المقاومة الفلسطينية استراتيجية الدفاع وليس الهجوم من خلال تبني نظرية القصف بالقصف، وهذا يدعم من فرضية أن المقاومة غير راغبة بالذهاب لمواجهة عسكرية في هذا التوقيت، وأن الكرة في ملعب الاحتلال الصهيوني.

وفقاً لتحليل البيئة الاستراتيجية لكل من الاحتلال والمقاومة الفلسطينية فإن فرص الحرب تكاد تكون منعدمة، ولكنها ليست مستحيلة، وعلى الجميع تحمل مسؤولياته والعمل لمنع نشوبها، وأهم الخطوات لتحقيق ذلك، الذهاب لتهدئة طويلة مقابل رفع كامل وشامل للحصار المفروض على قطاع غزة.

أولاً: تحليل البيئة الاستراتيجية لدولة الاحتلال الصهيوني.

هناك عوامل داعمة لاندلاع الحرب ووزنها النسبي أقل بكثير من العوامل التي تبعد شبح الحرب في قطاع غزة.

1. تحليل البيئة الإسرائيلية الداعمة للحرب.

أ‌. تطرف المجتمع الصهيوني واتجاهه نحو أقصى اليمين، وحالة الاستقطاب الحزبي داخل إسرائيل، يشكلان حالة رأي عام ضاغط على الحكومة الصهيونية للذهاب باتجاه المواجهة العسكرية في غزة.

ب‌. فشل سياسة الجزرة مع المقاومة الفلسطينية قد يدفع إسرائيل وبغطاء إقليمي ودولي للتوجه نحو العصا عبر استثمار وتوظيف حدث أمني تستخدمه إسرائيل لشن عدوان واسع لتقليم أظافر المقاومة في قطاع غزة.

ت‌. تدحرج كرة الثلج من خلال القصف بالقصف وانزلاقها باتجاه مواجهة مفتوحة.

2. تحليل البيئة الإسرائيلية الرافضة للحرب.

أ‌. إسرائيل تريد لمشروع التطبيع أن يسير للأمام وأي عدوان على غزة قد يحرج فريق المطبعين من الدول العربية والإسلامية.

ب‌. استراتيجية الجيش الإسرائيلي تقدّم تهديد الجبهة الشمالية على الجبهة الجنوبية وبذلك تبريد جبهة غزة مصلحة استراتيجية إسرائيلية في هذا التوقيت، لا سيما حاجة إسرائيل في استكمال بناء الجدار على حدود غزة للقضاء على الأنفاق الاستراتيجية للمقاومة الفلسطينية.

ت‌. الخشية من انفجار الضفة الغربية، وذهاب الضفة الغربية باتجاه خيار الفراغ السياسي والأمني، وهو ما لا تريده إسرائيل.

ث‌. الخوف من الغرق في الوحل الغزاوي وبذلك تهتز صورة إسرائيل أمام العالم.

ج‌. مازال هناك متسع للتلويح بالجزرة لتمرير صفقة القرن.

على صعيد المقاومة الفلسطينية، فهي الأخرى لا تريد الحرب للأسباب التالية:

1. إدراك المقاومة الفلسطينية لخطورة غياب الظهير العربي والإسلامي الداعم لها لو اندلعت حرب (البيئة المعادية للمقاومة).

2. الواقع الإنساني الصعب في قطاع غزة يدفع المقاومة للتفكير بالحلول الأخرى البعيدة عن الحل العسكري، لكن بقاء هذا الواقع الكارثي دون أدنى أفق لتجاوزه قد يدفع المقاومة نحو الانفجار.

3. إدراك المقاومة بأن مسيرات العودة وأدواتها تؤثر على الاحتلال بشكل أكبر لاسيما أن المقاومة تمتلك سلاح يستطيع أن يردع الاحتلال عند ارتكابه أي حماقة ضد المدنيين.

ما سبق يدعم من فرضية احتواء الموقف وعدم ذهاب الاحتلال الإسرائيلي باتجاه سيناريو المواجهة العسكرية الشاملة، وأن تتدخل القاهرة وأطراف دولية لدى المقاومة والاحتلال للعودة للهدوء مجدداً، وهو ما بدء بالفعل من خلال جهود مصرية للعودة للتهدئة، بحيث بات هذا السيناريو هو المعمول به بشكل مستمر دون البحث في جذور المشكلة والمتمثلة في الاحتلال والحصار، وسوء الأوضاع المعيشية في قطاع غزة، ما قد ينذر بأن تنفلت الأمور ذات مرة وتتدحرج كرة الثلج باتجاه المواجهة حتى وإن رفضها الجميع. ويبقى السؤال الأهم: ماذا ستستفيد الأطراف من سيناريو المواجهة العسكرية...؟

1. المكاسب الصهيونية: توجيه ضربة عسكرية من وجهة نظر إسرائيلية قد تعيد حركة حماس وفصائل المقاومة بل قطاع غزة برمته لعشرات السنين للوراء، وهو مكسب استراتيجي إسرائيلي، ولكنه مكسب يضلل المجتمع الصهيوني والرأي العام الغربي، فحرب العصف المأكول نجحت المقاومة في مضاعفة قوتها العسكرية أضعافاً مضاعفة خلال فترة زمنية قصيرة، وبذلك لا يمكن من تحقيق مكاسب صهيونية حقيقة تتمثل في إسقاط حكم حماس وتفكيك بنيتها العسكرية والسياسية في القطاع دون احتلال كامل لغزة، ويبقى السؤال هنا: نجحت إسرائيل في احتلال غزة، هل ستنجح من الخروج منها..؟ أعتقد لا، وربما تجد إسرائيل نفسها تغرق في وحل غزة وتصبح القنبلة الديموغرافية أكثر خطراً وفتكاً بالمشروع الصهيوني من بقاء حكم حماس في قطاع غزة، يضاف إلى ذلك مدى قدرة الرأي العام الإسرائيلي على تحمل فاتورة الخسائر البشرية والاقتصادية والاعلامية والسياسية والقانونية نتيجة تلك الحماقة.

2. المكاسب الفلسطينية: قد يرى البعض بأن سيناريو المواجهة العسكرية يشكل عامل ضغط على الاحتلال والمجتمع الدولي لإيجاد حل للواقع الإنساني في قطاع غزة، وتبدأ عجلة المساعدات ورفع العقوبات تعود من جديد، وبذلك تشكل الحرب بارقة أمل للفلسطينيين للخروج من عنق الزجاجة في ظل تعثر كافة محاولات المصالحة الفلسطينية.

الخلاصة: من يرغب بتجاوز شبح الحرب على غزة ، عليه التفكير بسحب صاعق التفجير وهو الحصار الظالم وانعدام فرص الحياة الكريمة من غذاء وعلاج وحرية في التنقل والسفر، وهي مطالب مشروعة بالقانون الدولي، ولا ينبغي أن ينتظر المجتمع الدولي أكثر من ذلك، فغزة تناشد كافة الضمائر الحية وتقول: نريد الحياة ما استطعنا إليها سبيلا، ابعدوا عنا شبح الحرب، ولكننا لسنا بجبناء وسنقاتل لو استمر العدوان والحصار الصهيوني الظالم.

 

بقلم: د. حسام الدجني

 

 

محمد توفيق علاويلقد وصلتني رسالة مع فلم فيديو تظهر إعطاء وسام للسيد علي العلاق محافظ البنك المركزي العراقي على اعتباره افضل محافظ بنك مركزي في العالم العربي مع الكثير من التهاني للكثير من الشخصيات التي اخذت الامر على ظاهره كما اخذته انا ابتداءً؛ لقد انتابتني مشاعر الفرح لتميز العراق في بادئ الامر ولكني صدمت حينما فكرت ملياً، حل حقاً علي العلاق افضل من رياض سلامة محافظ البنك المركزي اللبناني؛ هذه من المستحيلات!!!! ثم اطلعت على رسالة من الدكتور زهير الحسني كما نشرتها في موقعي كشف فيها المستور؛ لقد كانت هناك مراسلات بيني وبين السيد علي العلاق على عدة حلقات نشرت في الاعلام قبل اكثر من سنتين اقارن فيها بكل موضوعية بين انجازاته لإدارة البنك المركزي وبين انجازات السيد سنان الشبيبي؛ وجدت من المهم ان انشر احدى الحلقات لهذه المراسلات لكي يعرف المواطن الكريم كيف تجري الامور في العراق؛ لو حدث هذا الامر في اي دولة من دول العالم التي تحترم نفسها لقامت الدنيا ولم تقعد؛ أأمل من الدكتور حيدر العبادي ان يظهر نوعاً من التقدير والاحترام لبلد اسمه العراق ارتضاه ان يكون رئيساً لمجلس وزراءه؛ واقول له ان المنصب الذي انت فيه يحتم عليك ايقاف هذه المهازل وهذا الاستخفاف بعقول المواطنين الشرفاء من ابناء بلدنا الكرام؛ مع وافر تقديري واحترامي لشخصك الكريم.

أدناه مقتطفات من رسالتي الجوابية الى السيد علي العلاق:

(السياسة النقدية للسيد علي العلاق المحافظ الحالي للبنك المركزي) (الحلقة الثالثة)

ذكرنا في الحلقة السابقة المحاور الستة التي تمثل السياسة النقدية للدكتور سنان الشبيبي مع ذكر نجاحاته وإخفاقاته، أخي السيد علي العلاق، لقد قرأت رسالتك أكثر من مرة والتي تحوي على الكثير من التفاصيل، لا أخفيك سراً إنني حاولت أن أوجد لك معالم لسياسة نقدية ما بين سطور رسالتك، ولكني للأسف الشديد أقولها وبألم أنك لا تمتلك إلا النزر اليسير مما يتعارف عليه كسياسة نقدية، بل إن الكثير من المحاور التي ذكرتها أنا في الحلقة السابقة والتي تمثل السياسة النقدية للدكتور سنان الشبيبي انقلبت إلى سياسات سلبية نقيض ما حققه الدكتور سنان الشبيبي، فالحفاظ على سعر ثابت للعملة انتهى، نعم قد لا يكون السبب أنك لست متخصصاً في المجال المصرفي فحسب ولكن تدهور أسعار النفط العالمية، أما احتياطي البنك المركزي فقد تم هدر ما يقارب نصف الاحتياطي خلال سنتين من توليك المنصب، ومن دون وجود سياسة نقدية حكيمة فسينتهي كامل الاحتياطي خلال فترة بسيطة وسينهار الدينار العراقي وسينهار الاقتصاد العراقي وسيعاني المواطن العراقي معاناةً قد تشابه معاناته خلال فترة التسعينات في فترة الحصار على العراق، وإنك تفتقر لسياسة توحيد السعر بين البنك المركزي وسعر السوق، بل إن الفرق قد بلغ أرقاماً قياسية لم يشهد لها العراق مثيلاً منذ عام ٢٠٠٣، حيث كان الفارق خلال ثمان سنوات منذ عام ٢٠٠٣ حتى أواسط عام ٢٠١١ لا يتجاوز النقطتين بعد احتساب عمولة البنك، أما الفرق الآن فقد تجاوز التسعين نقطة وهو بازدياد بشكل يومي، ومعناه إن السرقات قائمة على قدم وساق مع هذه المعاناة العظيمة للمواطن الشريف في يومنا الحالي، كما إن الثقة التي تولدت في عهد دكتور سنان بالمصارف الأهلية فقدت في يومنا الحالي، وبدأ الناس يفزعون من إيداع أموالهم في المصارف الأهلية العراقية، بل أخذوا يستلمون ودائعهم بالقطارة من المصارف الأهلية، والبنك المركزي لم يتخذ أي خطوة في الدفاع عن حقوق المواطنين للأسف الشديد، وكأنه ليس المسؤول الأول عما يحصل في الكثير من المصارف الأهلية حيث الطوابير بالعشرات من المواطنين وكأنهم لا يطالبون بأموالهم وحقوقهم وإنما أصبحوا هم المعتدين والبنك الأهلي هو صاحب الفضل عليهم في إعطائهم أموالهم !!!!!!!، والحقيقة فإن هذه مفارقة عجيبة وغريبة انفرد بها العراق الجديد، فأي مصرف في العالم إذا عجز يوماً واحداً عن دفع أموال المودعين يعلن البنك المركزي إفلاسه، وهذا ما حدث لبنك أنترا في لبنان عام ١٩٦٦ حيث زادت استثماراته العينية على حساب السيولة التي يجب أن يوفرها، وعندما عجز يوماً عن الاستجابة لمتطلبات المودعين أعلن البنك المركزي اللبناني إفلاسه، مع العلم إن موجودات البنك من السيولة المالية ومن الموجودات العينية تفوق إيداعات المودعين لأنه من غير المسموح عالمياً أن يتوانى البنك أو يتأخر ولو لمقدار بسيط من الوقت في دفع ودائع المودعين، لأنه بخلافه يفقد البنك مبرر وجوده بتخليه عن وظيفته الأساسية. أما بالنسبة لزيادة أسعار المواد الغذائية والسلع الضرورية فقد انعكس ذلك سلباً بشكل كبير على المواطن بسبب الفرق الكبير بين سعر الدولار المعروض من قبل البنك المركزي وسعر الصرف الموازي في السوق وما يعني ذلك من زيادة الأعباء وبالذات على كاهل المواطن الشريف الذي لا يقبل على نفسه أخذ الرشوة والفساد والإفساد والتمتع بأموال الحرام التي غدت وللأسف الشديد الثقافة السائدة للكثير من السياسيين والعاملين في دوائر الدولة اليوم، لقد قلت أن التضخم هبط في وقتك إلى ٢٪ وهي نسبة متميزة، ولكني أقول لك، إن انخفاض التضخم لا يكون بالضرورة مؤشراً إيجابياً، نعم بالتأكيد إن انخفاض التضخم نتيجة لسياسة نقدية مدروسة من قبل ألبنك المركزي بهدف تقليل حجم السيولة وتقليص الكتلة النقدية مؤشر إيجابي ودليل على نجاح السياسة النقدية للبنك المركزي، أما إذا كان انخفاض التضخم بسبب ظرف خارجي وقاهر، كما هو الحال الآن في العراق، حيث تقلصت موارد البلد وفرضت سياسات تقشفية من قبل الدولة، وتقلصت المعاشات وفرضت تكاليف ورسوم أخرى على المواطن، وهاجر المواطنون خارج البلد، وعرضوا مساكنهم للبيع أو الإيجار بأبخس الأثمان، فانخفضت أسعار العقارات، وانخفضت الإيجارات، وكم تعلم فإن وزن الإيجارات يأتي بالدرجة الثانية بعد وزن المواد الغذائية عند احتساب التضخم، فكان انحسار التضخم بسبب انكماش الاقتصاد، وهذه الحالة مؤشر سيء، ويمكنك أن تسأل الكثير من الاقتصاديين ممن هم حولك في البنك المركزي إن كان هذا الهبوط نتيجة لسياسات غير موجودة أصلاً لدى البنك المركزي أو بسبب انكماش الاقتصاد، فسيخبروك الحقيقة، للأسف لا يمكنك في هذه الحالة التباهي بانخفاض التضخم، بل على العكس ذلك دليل التدهور وافتقار المواطن وزيادة معاناته.

أخي العزيز قلت لي أن أسأل، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وجهات اخرى بشأن كفاءتك، والحقيقة أنا لم أطلب من الدكتور العبادي غير أن يطلع على مقابلتك مؤخراً مع (Osgood) التي تدل على جهلك الواسع بمفهوم الاقتصاد والسياسة النقدية، فضلاً عن ذلك فإني ذكرت في الإعلام أن بريطانيا بعظمتها وعظمة جامعاتها اختارت رجلاً غير بريطاني (Mark Carney) وهو رجل كندي لتعيينه كمحافظ لبنكها المركزي (Governor of Bank of England) لأهمية هذا الموقع وأهمية الشخص ألذي يتسنم هذا المكان، ولا أريد هنا في هذا المجال أن أشكك بكفاءتك، ولكن أقول بأنك تعلم حق اليقين أن هناك من العراقيين من هم أكفأ منك بكثير في هذا المجال وأحق منك بهذا الموقع، كما أقول بشأن مقابلتك مع (Osgood) إن الذي استنتجته من مقابلتك ليس انتقاصا لك ولكنك قد لا تمتلك الرغبة لمتابعة التطورات الاقتصادية والتحليلات الاقتصادية، ونصيحتي لك أن تشكل لجنة لتزويدك بشكل يومي بتقرير لأهم التطورات الاقتصادية والتحاليل الاقتصادية المهمة في العالم والتي لها انعكاسات على الوضع الاقتصادي العراقي، وتعتمد على هذا التقرير قبل إجرائك أي مقابلة صحفية عالمية، بل تعتمد على هذا التقرير لرسم الأسس التي يجب اعتمادها لوضع سياسة نقدية سليمة وواضحة للبلد.

لقد زرت البنك المركزي العراقي عام ١٩٧٧ عندما كنت طالباً ضمن أطروحتي الجامعية المرتبطة بهذا لأمر لأطلع على مصادر ألمعلومات الاقتصادية التي يعتمدها البنك المركزي في ذلك الوقت، فوجدت قاعة كبيرة يتوسطها جهازي (تلكس) وكان أحد هذين الجهازين شغال بشكل مستمر وأطلعت على مضمون المعلومات فكانت رسائل إخبارية قصيرة أغلبها من وكالة (رويترز)، فطلبت من المسؤول إمكانية أخذ صورة لهذه الرسائل، فقام هذا المسؤول باقتطاع عدة أمتار من آخر الأخبار وأعطاني أياها، فسألته إن كان يريد النص الأصلي حيث المعلومات تطبع بأكثر من (Copy)، فقال لي إننا نرمي هذه المعلومات ولا نحتاج منها لغير جزء صغير وهو أسعار العملات العالمية المختلفة بالنسبة للدولار فضلاً عن أسعار المعادن الثمينة ونصدر من هذه الأسعار نشرة دورية باللغة العربية، هذا الوضع كان قبل أربعين عاماً، وأخشى إن البلد لم يتغير وضعه كثيراً الآن، ولكن اليوم تتوفر كافة المعلومات والتحاليل الاقتصادية لكل من يملك جهاز حاسوب، وهناك العشرات من الخريجين المتميزين بقدراتهم وإمكانياتهم، وبإمكانك بكل سهولة تشكيل فريق من هؤلاء لتقديم خلاصة الأخبار والتحليلات الاقتصادية وإصدار نشرة دورية توزع على جميع المؤسسات الاقتصادية ومجلسي النواب ورئاسة الوزراء وتتبنى هذه التقارير لرسم سياسة نقدية ومالية واقتصادية سليمة تنقذ البلد من الوضع المتردي الذي نحن فيه.

إني لا أبتغي الانتقاص منك أو ذكر سلبياتك، ولكني كما ذكرت في رسالتي الأولى لك هدفي إنقاذ البلد وتخفيف معاناة مواطنينا الأعزاء والشرفاء وتوعيتهم، فإنهم يستحقون منا كل تضحية وكل أيثار بالغالي والرخيص لتخليصهم مما ينتظرهم من كربات ومصاعب وابتلاءات وأيام مدلهمات فيما هو قادم منها؛ وإني أعلم إن نجاحك معناه نجاح البلد وإنقاذه وإنقاذ أهله مما يمكن أن ينتظرهم من مصير مجهول ، لذلك فإني أقترح عليك بعض المقترحات إن عملت بها كانت لك نجاح وتطور، وللبلد نهوض وازدهار، وللمواطنين خير وخلاص وتخفيف كبير لمعاناتهم؛ إن هذه المقترحات هي غيض من فيض إن أخذت بها وفيت بجزء كبير من حق بلدك عليك وحق شعبنا الكريم علينا، وهذا ما سأتناوله في الحلقة القادمة إن شاء ألله .

الحلقات السابقة ورسالة السيد علي العلاق على الموقع: mohammedallawi.com تحت باب (انقاذ الاقتصاد العراقي من انهيار حتمي).

 

محمد توفيق علاوي

جاسم الحلوائيلقد كتب عن ثورة 14 تموز 1958 مئات الكتب وآلاف المقالات والبحوث، ولا زال الجدل حولها مستمراً بين مؤيديها وخصومها. وهذا الأمر طبيعي في الثورات التي تجري تغييراً جوهرياً في طبيعة العلاقات الطبقية في المجتمع. فالثورة الفرنسية العظمى مثلاً، والتي اندلعت في عام 1789، لم يُحتفل بها رسمياً، لوجود خلافات حولها، إلا بعد مرور مئة عام على قيامها!

إن ثورة 14 تموز أجرت تغييراً جذرياً في النظام وعلى مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلكً تغيير طبيعة علاقات الطبقات الاجتماعية. فقد قرر هذا الحدث مصائر بعض الطبقات ومستقبلها، بحيث صار بعضها جزءاً من تراث الماضي، كالإقطاعية والكومبرادورية وكان ذلك لصالح نمو وتطور طبقات وفئات أخرى، وحررت الثورة العراق من الأحلاف العسكرية ومن التبعية للاستعمار، ولذلك فإن لهذا الحدث أنصاره وخصومه.

وسأتوقف هنا عند رأي مهم جداً يتعلق بالمشروعية التاريخية للحدث، فهناك من يعتقد بأنه كان من الممكن للعراق أن ينمو ويتطور سلمياً ولو ببطء بدون ثورة 14 تموز. ويعتقد حملة هذا الرأي بأن ذلك كان أفضل للعراق، لأن هذا الحدث أدخل العراق في دوامة الانقلابات العسكرية والعنف. وهذا الاعتقاد لا يقتصر على الخصوم وحدهم، بل أن هناك وسطاً غيرهم وبعضهم من أبنائها، الذين ساندوها وضحوا من أجل تحقيق أهدافها، يتعاطف مع هذا الرأي. والسبب في ذلك يعود إلى شكل الثورة التي بادر في تفجيرها الجيش العراقي وإلى مسيرة الثورة المتذبذبة ومآلها المخيب للآمال بنهايتها الكارثية، وإلى الحروب والمحن والكوارث التي لحقت بالعراق بعد إسقاط حكومتها غدراً، وحتى يومنا هذا. وهذا الرأي، إن صح، فمن شأنه أن ينفي المشروعية التاريخية للثورة، فمن الأهمية بمكان مناقشته.

إن مجرى تطور الأحداث والظروف التي أحاطت بالبلاد، داخلياً وإقليميا وعالمياً، لاسيما خلال العقد الأخير الذي سبق ثورة 14 تموز ليس لصالح الرأي المذكور. فالأقلية الحاكمة في العراق آنذاك، باتت تشكل حجر عثرة أمام التطورات المطلوبة موضوعيا للعراقً من النواحي السياسيةً والاقتصاديةً والاجتماعية.

وسدت تلك الأقلية السبل السلمية بوجه القوى الوطنية، التي كانت تنشد التغيير وتحمل مشروعا تقدمياً سلمياً، من أن تلعب دورها في تطوير البلد. واستخدمت تلك الأقلية العنف ضد أي تحرك جماهيري بما في ذلك التحركات المطلبية كإضرابات العمال وتمردات الفلاحين السلمية. وسأحاول هنا الإشارة باختصار إلى بعض ملامح تلك الفترة.

فعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، فإن أبرز ما يمكن ملاحظته هو تعمّق التمايز الطبقي في المجتمع خلال السنوات التي سبقت ثورة 14 تموز في كل من الريف والمدينة على حد سواء. ولكن هذا التمايز اتخذ في الريف أبعاداً أوسع، وأفرز نتائج أخطر امتدت آثارها إلى المدينة، لأن تعاظم الفقر الذي حاق بالفلاحين، دفع بمئات الألوف منهم إلى ترك ديارهم والهجرة إلى المدينة حاملين معهم إليها كل أوضار المجتمع الريفي الفقير المتخلف. وكان العامل الأول في إفقار الفلاحين هذا قد نتج عن اتساع عملية استيلاء الملاكين الكبار على الأراضي الزراعية.

وجرت العملية المذكورة نتيجة لسياسة الحكومة التي كان يهمها تطمين مصالح الإقطاعيين الذين باتوا أحد أعمدة النظام الأساسية. فشرّعت الحكومة الكثير من التشريعات لتحقيق تلك السياسة، حتى بلغ التفاوت ما بين ملكية الملاكين للأرض الزراعية وملكية الفلاحين، حداً لا مثيل له في أي بلد في العالم. إن 3% فقط من مجموع مالكي الأراضي الزراعية في العراق كانوا يملكون ثلثي الأراضي الزراعية في عام 1958. . وكان هناك ثمانية ملاكين عراقيين فقط بحوزة كل واحد منهم أكثر من مائة ألف (100000) دونماً.

أما القطاع الصناعي فقد حُرم من أموال مجلس الاعمار بحجج مختلفة. وظلت الشركات الاحتكارية الأجنبية تحتكر معظم تجارة التصدير والاستيراد حتى ثورة 14 تموز بالتعاون مع بعض التجار المحليين الكبار.

لقد شهدت البلاد في خمسينات القرن الماضي نهوضاً وطنياً عاماً عكس نفسه في الاستعداد الجماهيري لخوض النضالات المطلبية والسياسية، والنزوع القوي نحو الاستقلال الناجز للعراق ورفض جميع الاتفاقيات المكبًّلة لحريته مع الدول الاستعمارية. وكانت الظروف الدولية مشجعة لذلك، وتمثل ذلك في انتصار الثورة الصينية وحصول الهند واندونيسيا والعديد من الدول الآسيوية الأخرى على استقلالها، والبدء عملياً بتصفية الإرث الاستعماري وتحرير المستعمرات نتيجة لنضال شعوبها. وعلى الصعيد الإقليمي، نالت سوريا ولبنان استقلالهما، وأممت إيران نفطها، وسقط النظام الملكي الموالي للاستعمار في مصر، وتصاعدت حركة السلام العالمية، وظهرت كتلة عدم الانحياز. في مثل هذه الظروف كانت الأقلية الحاكمة في العراق تسبح ضد التيار، وتسعى بكل قواها إلى ربط العراق بالأحلاف العسكرية الاستعمارية. وقد حققت الفئة الحاكمة ذلك بانضمامها إلى حلف بغداد، بعد بطشها بالشعب وقواه الوطنية. وبذلك فضحت نفسها أكثر فأكثر باعتبارها فئة موالية للاستعمار.

في صيف عام 1954 أصبح نوري السعيد رئيساً للوزراء من جديد. وقد أصدر من 22 آب إلى 12 تشرين الأول جملة من المراسيم التعسفية التي اشتهرت باسم (المراسيم السعيدية). كانت هذه المراسيم معادية لأبسط الحقوق الديمقراطية ومخالفة لدستور البلاد. وكان باكورة هذه المراسيم مرسوم حل المجلس النيابي، الذي كان يضم 11 نائباً معارضاً لم يتحملهم نوري السعيد وكان شرطه الأول لتشكيل الحكومة هو حل المجلس المذكور! ولم يحظر نوري السعيد نشاط الأحزاب المجازة فحسب، بل حلّ جميع الجمعيات المجازة بمختلف أنواعها وأغراضها أيضاً، وألغى امتيازات جميع الصحف. وأجاز فقط ثلاث صحف موالية للحكومة. وألزم نوري السعيد السجناء الشيوعيين الذين ينهون مدة محكومياتهم بإعطاء براءة من الشيوعية والتعهد بخدمة الملك وإلا ستسقط عنهم الجنسية العراقية! وأقدمت حكومته فعلا على إسقاط الجنسية عن عدد من الشيوعيين والديمقراطيين.

وبادرت حكومة نوري السعيد إلى شن حملة اعتقالات واسعة في صفوف القوى الوطنية. وفصلت عدداً كبيراً من أساتذة الجامعات والمدرسين والمعلمين والموظفين والطلبة ذوي الميول الوطنية والديمقراطية وحجزتهم في معسكرات تحت عنوان أداء الخدمة العسكرية. وباتت (البراءة) من الشيوعية مطلوبة للقبول في الكليات حتى ولو كان المرء قومياً! وأضحى جلياً بأن كل هذه الإجراءات هي مقدمة وتمهيد لربط العراق بالأحلاف العسكرية الامبريالية.

إن سياسة نوري السعيد قد عزلت العراق عن شقيقاته العربيات، وراح يتآمر ضدها على المكشوف، مما وسع السخط وعمّقه ضد الحكم الرجعي. فعندما حصل العدوان الثلاثي على مصر من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في 29 تشرين الثاني 1956، تأججت المشاعر الوطنية والقومية لدى الشعب العراقي. ولكن الحكم الرجعي واصل مواقفه المنافية لأبسط مستلزمات التضامن القومي. فاندلعت انتفاضة تشرين الثاني 1956 لنصرة مصر وكانت حركة التحرر الوطني العربية في أوج نهوضها. وخرجت الجماهير الشعبية العراقية في مظاهرات احتجاجية عارمة على العدوان ولنصرة مصر الشقيقة، وهتفت بسقوط حكومة نوري السعيد وحلف بغداد. وجوبهت المظاهرات من قبل حكومة نوري السعيد بالقمع العنيف وذلك بإعلان الأحكام العرفية وتعطيل الدراسة في الكليات والمدارس. وسقط الكثير من الضحايا، وتعرض حوالي عشرة آلاف طالب إلى الفصل والإبعاد والسجن، وأرسلت المحاكم العسكرية المئات من المناضلين إلى السجون. وكان كاتب هذه السطور واثنان من أخوته من ضحايا تلك المحاكم.

كانت الأحزاب السياسية حتى انتفاضة تشرين 1956 عازمة على إجراء التغيير في الحكم سلميا. وقد نصت وثيقة الكونفرنس الثاني للحزب الشيوعي العراقي، الذي يمثل الجناح اليساري في الحركة الوطنية، الصادرة في أيلول 1956 على اعتبار المعركة "ذات طابع سلمي غالب". وكانت هذه الانتفاضة ثالث انتفاضة خلال ثمانية أعوام، ولم تتمكن من تحقيق تغيير في طبيعة الحكم.

فقد قمعت الحكومة بقسوة شديدة وبالحديد والنار جميع المبادرات النضالية. وتهجم نوري السعيد في خطابه رداً على انتفاضة تشرين بعنف وصلافة. وقد ختم خطابه مردداً باستهتار الأهزوجة لمعروفة (دار السيد مأمونة)، ليستفز المشاعر الوطنية والقومية ويدفع جميع القوى الوطنية إلى اليأس من إمكانية إجراء التغيير سلمياً. وهكذا لجأت الأحزاب السياسية إلى الجيش فوجدته جاهزاً للعمل.

وهكذا نرى أن نظام الحكم الملكي بزعامة نوري السعيد لم يقف عائقاً أمام تطور البلد فحسب، بل وقد سد كل السبل أمام الشعب وقواه الوطنية والتقدمية من أن تلعب دورها في تقدمه بالطرق السلمية. ومن هنا اكتسب سقوط النظام الرجعي، الموالي للاستعمار والإقطاع، وبالعنف، مشروعيته التاريخية.

ولم يكن ما حدث في 14 تموز انقلاباً عسكرياً كما يسميه خصومه بهدف انتزاع مشروعية الثورة التاريخية، فالانقلاب العسكري يقتصر على تغيير النخبة الحاكمة بالعنف عسكرياً، أو التهديد به، وتبديلها بأخرى. ولا تهدف إجراءات الانقلاب العسكري إلى تغيير طبيعة العلاقات الطبقية في المجتمع، أما دور الجماهير فيه فيكون صامتاً ومتفرجاً عموماً. بعكس الثورة التي تستهدف تغيير جذري في العلاقات الطبقية في المجتمع وتلعب أوساط واسعة من الجماهير في صنعها وتقرير نجاحها، وهذا ما حصل في ثورة 14 تموز.

ويعلق المؤرخ المشهور حنا بطاطو على دور الجماهير في كتابه الثالث (العراق:الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية ص 115) بالقول " كان لخروج مئة ألف شخص إلى الشوارع، والوحشية التي عبر فيها بعضهم ـ على الأقل ـ عن مشاعره، وزن كبير في تحديد النتيجة التاريخية لذلك اليوم المصيري... فقد عرقلت هذه الحركة أية أعمال مضادة معادية ممكنة لسدها الشوارع والجسور، لا في بغداد فحسب بل في مدن أخرى أيضاً. والأهم من هذا هو أنه كان للجماهير، بفضل عنفها، تأثير نفسي هائل، إذ إنها زرعت الرعب في قلوب مؤيدي الملكية وأسهمت في شل إرادتهم، وأعطت الانقلاب طابع العمل الذي لا سبيل إلى مقاومته، وهو ما شكل الحصن الحصين له".

وهكذا أسدل الستار على نظام الحكم الملكي الموالي للاستعمار والإقطاع، والذي عانى الشعب منه كثيراً واستلمت السلطة المعارضة متمثلة باللجنة العليا للضباط الأحرار وقادة من جبهة الاتحاد الوطني. وكان ذلك، فضلاً عن مساهمة الجماهير الفعالة في مساندة الثورة، بمثابة دلائل مهمة على أن الحدث ثورة، وهذه أولى حلقاتها. وتوالت الحلقات الأخرى سريعاً في السنة الأولى من الثورة. فقد ألغيت أغلب المراسيم التي أصدرها نوري السعيد. وأطلق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين. كما صدر قانون لتطهير الجهاز الحكومي وآخر لتطهير الجهاز القضائي. وشُرّع قانون الإصلاح الزراعي الذي حرر ملايين الفلاحين من سطوة الإقطاعيين وكبار الملاكين. وشاهد الفلاح بأم عينه واقتنع بأن سطوة الإقطاعيين والأثرياء التي ورثها أباً عن جد لم تكن قدراً من الله ينبغي الاستسلام له. فغدا مرفوع الرأس وأخذ يميّز بين أعدائه وأصدقائه.

وأطلقت الثورة إلى حدود معينة الحريات العامة والنشاطات الحزبية، فأمكن خلال فترة قصيرة جذب أعداد غفيرة، من شغيلة المدن والأرياف، نساء ورجالا، إلى النشاط السياسي. وتم تنظيمها في النقابات العمالية والجمعيات الفلاحية والاتحادات الطلابية، وكذلك في مختلف المنظمات الديمقراطية والمهنية. وامتد هذا النشاط السياسي إلى كل زاوية من زوايا البلاد. وفي هذه الفترة تواصلت المظاهرات والاجتماعات للمطالبة بتحقيق المطالب الشعبية المهمة التي لم تكن قد تحققت حتى ذلك الحين. وتولت كوادر ديمقراطية ويسارية مهمة الإشراف على الإذاعة والصحافة.

واستجابة لمطالب الجماهير، ورداً على حملات ناصر الدعائية، أقدمت حكومة عبد الكريم قاسم على فك ارتباط العراق بحلف بغداد في 24 آذار 1959، وإلغاء الاتفاقية الخاصة مع بريطانيا، واتفاقية الأمن المتبادل مع أمريكا مع ملحقاتها الاقتصادية والعسكرية. وأعلنت الثورة الخروج من منطقة الإسترليني. وعقدت الحكومة مع الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الأخرى مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية والفنية والتجارية تساعد على نهوض البلاد الصناعي والزراعي. وبتحقيق الاستقلال الناجز، وقضت الثورة على فئة الكومبرادور، وهي الفئة الاجتماعية التي ارتبطت مصالحها بمصالح الاستعمار.

وأصدرت حكومة الثورة قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، وهو أول قانون مدني ينظم العلاقات العائلية في العراق بعد أن كانت تخضع لشرائع وأعراف مختلف الطوائف والأديان المتواجدة في العراق. كما صدر القانون رقم 80 لسنة 1961 الذي حرر 5, 99% من منطقة الامتياز الذي كان يشمل كل الأراضي العراقية من سيطرة شركات النفط الاحتكارية.

ولكن بعد السنة الأولى من الثورة تراجعت قيادتها أمام ضغط القوى الرجعية وبما يشبه الاستسلام لها، ومن ثم تحولت إلى حكم عسكري فردي. لقد وفر هذا الحكم، بسياسته المنافية لحقوق الشعب الديمقراطية وانعزاله عن جميع الأحزاب والقوى السياسية الحريصة على الاستقلال الوطني والنهج الديمقراطي، الأجواء الملائمة للنشاط التآمري والرجعي. فتزايدت صلافة القوى الرجعية وتجاوزاتها على حقوق الجماهير التي حُرمت من وسائلها لتنظيم نفسها للدفاع عن حقوقها، وبالتالي الدفاع عن الحكم. وجاءت الحرب التي شنتها الحكومة ضد الشعب الكردي، لتُضعف كثيراً من قدراتها العسكرية، وتُزيد من أعبائها المالية، في وقت كان الحكم يُعاني من ضغط شركات النفط وسياساتها في خفض الإنتاج، مُستهدفة من ذلك إشغال الحكم عما كان يُدبّر له. وزادت مشكلة الكويت ومُطالبة عبد الكريم قاسم بها، من التعقيدات السياسية التي كان يواجهها. وهكذا وفر الحكم الظروف الملائمة لإسقاطه.

فهل سقطت ثورة 14 بسقوط حكم قاسم العسكري الفردي؟ أعتقد بأنها لم تسقط،، بمعنى معين، لأنها لم تكن، في التحليل الأخير، انقلاباً عسكرياً. فبقيت روحها حية في قلوب وعقول وضمائر العراقيين الذين واصلوا ويواصلون كفاحهم ببسالة من أجل تحقيق هدفها الأساسي، ألا وهو إقامة نظام وطني ديمقراطي مؤسساتي يسعى لتحقق العدالة الاجتماعية ويلبي، مطامح الشعب الكردي القومية، وكذلك حقوق القوميات وكافة مكونات الشعب العراقي.

 

جاسم الحلوائي

 

رائد عبدالحسين السودانيلم تكن التظاهرات في البصرة جنوبي العراق وباقي مناطق الجنوب مستغربة وغير متوقعة نتيجة لعدة اعتبارات أولها ان هذه المدينة ذات المكانة الاقتصادية الكبيرة جدا يعيش أبنائها تحت ظل الفقر المدقع الناتجة عن السياسات الاقتصادية للحكومتين المركزية والمحلية كما انها تعيش في ظل أزمات صحية لابنائها نتيجة تلوث البيئة جراء حقول النفط التي تزود العراق بالخيرات ولم تعد على أهل البصرة إلا بالامراض، تستقدم أيد عاملة لشركات النفط الاجنبية من بنغلاديش والهند وباكستان وابناء البصرة يعيشون في حالة ضياع جراء السياسات الخاطئة والبرامج التقشفية التي شرعتها حكومة العبادي وقبلها هدر الاموال اثناء حكومتي المالكي لثمان سنوات.البصرة ميناء العراق الوحيد لكنه لم ينفع أبناء البصرة .البصرة تحادد عدة دول وامتدادها البحري الى بلدان الخليج العربية واحدى هذه البلدان، قطر بالتحديد تنظر للبصرة بعين الريبة لأنها تحوي على غاز ما يفوق غاز قطر بكثير فإن استخرج وتم تداوله بالاسواق ستتاثر هذه الامارة كثيرا .البصرة كباقي المناطق الحدودية تاثرت من السياسة الامريكية التي أبقت الحدود مفتوحة ومستباحة مما أثر على الزراعة والتجارة فيها .الجانب الأمني في البصرة يشهد ومنذ وقت طويل انحدارا نحو الهاوية مقابل صفر خطوة باتجاه التصحيح من قبل الحكومة .النزاعات العشائرية أثرت على الجانب الاجتماعي فيها، سيطرة الاحزاب على مقاليد الامور الاقتصادية جعلت ابن المدينة معزولا لا ناصر له، وجود دول تنطلق مخططاتها نحو العراق من البصرة ولذلك نرى بعض الحركات المنحرفة قد انطلقت منها أي من البصرة.الكهرباء التي هي عصب الحياة وفي مدينة حارة وجافة مثل البصرة يؤدي انقطاعها الى تضرر الانسان لاسيما الاطفال وكبار السن صحيا ناهيك عن تضرر أصحاب المهن والمحلات التجارية بالانقطاعات المستمرة لمدد طويلة .ملوحة المياة وأزمة مياه الشرب دخلت على خط الازمة في المدينة يقابله عجز حكومي عن معالجة الموضوع .تشترك البصرة مع المدن الاخرى في مشاكل من نوع آخر مثل عدم وجود مدارس كافية لتعليم الاطفال، استشراء الفساد الاداري، عدم وجود طرق ذات معايير صحيحة، الزيادة في أعداد الارامل والايتام جراء العمليات الارهابية وحرب داعش وهؤلاء يعيشون في أدنى مقومات الحياة إن لم تكن معدومة أصلا هذه المقومات حتى بدرجاتها الدنيا، وفوق كل هذا وذاك تشكيل طبقة سياسية لا شاغل لها سوى مصالحها ولا تفكر إلا في كيفية تعزيز مواقعها تحت أي ظرف والدليل على ذلك الانتخابات وما رافقها من تداعيات، كل هذه عوامل تفرض على المجتمع وعلى الافراد في أن يحتج على عدم وجودها ويطالب بالتصحيح، والثورة تبدأ بحلم ولا نستغرب عندما نشاهد أطفالا يبدأون الاحتجاجات، فالحرب السورية بدأها أطفال عام 2011من منطقة درعا وامتدت لباقي انحاء سوريا .العراق يحتاج الى حلول جذرية لا ترقيعية .

 

رائد عبد الحسين السوداني

 

 

تظاهرات الجنوب العراقي.. لماذا

حسن العاصيمع انتهاء الحرب الباردة التي كانت قائمة بين المعسكرين الرئيسيين في العالم، المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وقوتهم الضاربة "حلف الناتو" من جهة، وبين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق وجناحهم العسكري "حلف وارسو" من جهة ثانية، في بداية التسعينات من القرن الماضي، بانهيار الاتحاد السوفييتي وحصول دوله على استقلالها، إذ أصبحت دولاً بذاتها بعد أن كانت جزء من امبراطورية استمرت عقوداً. نهاية الحرب هذه أفضت إلى وضع بدأت تتشكل معه معالم الشكل الجديد للعالم ذو القطب الواحد المتمثل بالرأس الكبير وهو الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة العظمى الأكبر اقتصادياً وعسكرياً .

غواية الاستبداد

تميزت هذه الفترة وحتى نهاية ولاية الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، بالغطرسة الأمريكية والعربدة، كقوة انفلتت من عقالها، وظهرت الولايات المتحدة في صورة الدولة الزاهية التي انتصرت على الظلام، وبدا رئيسها كسيد لهذا العالم، يريد نشر وتعميم الثقافة والقيم الأمريكيتين، وتميزت الفترة أيضاً إضافة إلى كونها أضحت أحادية القطب، في غياب مبدأ الحوار بين الشعوب والدول، هذا بسبب أن سيدة العالم -الولايات المتحدة- تستطيع أن تفرض الإملاءات والشروط على الآخرين دون حوار لأنهم لا يملكون القوة التي تمكنهم من مقاومة النموذج الأمريكي، وبالتالي فإن الولايات المتحدة لم تكن تلجأ إلى الحوار إلا عندما تواجه صعوبات في تشكيل العالم كما تبتغي.

استيقظ العالم على قدر بدا وكأنه لا مفر منه، وبدأت مرحلة أمركة العالم سواء عبر وسائل الإغراء او بواسطة العنف. إما عبر تصدير السلع والمنتجات الأمريكية إلى العالم، وبالتالي الاستحواذ على الأسواق العالمية وخاصة الناشئة منها، ونشر الثقافة الأمريكية وإظهار النموذج الأمريكي الأفضل للعيش الرغيد، وبالتالي بسط السيطرة الفكرية على مناطق متعددة، وشعوب متنوعة، أو عبر الاحتلال والقوة العسكرية، فما هو مهم لدى الإدارة الأمريكية هو تحقيق النتائج، حتى لو كان عبر التدخل الوقح في شؤون الآخرين، واللعب على التناقضات بين الأطراف في المناطق الساخنة في هذا العالم، وبالتالي بسط الهيمنة على العلاقات الدولية، وتسخير مقدرات الكون لمصلحة الإمبراطورية الأمريكية .¨

عربدة التسعينيات

لقد كانت القوة العسكرية الأمريكية في التسعينات غبر مسبوقة، فالإنفاق العسكري الأمريكي كان يزيد عن إنفاق عشرين دولة متطورة، وما أنفقته على البحث العلمي يعادل إنفاق العالم كله، وهي القوة الاقتصادية الأكبر في العالم، رغم تراجع نصيبها في التجارة الدولية عمّا كان عليه في الخمسينات والستينات من القرن الماضي .

وبالرغم من كل هذه القوة فشلت الولايات المتحدة في فرض إرادتها المطلقة على عالم التسعينات، ولم تنجح في تحويل عالم القطب الواحد ينصاع إلى إرادة القطب الواحد، بسبب رفض العالم تحكم قوة واحدة في شؤونه، أيضاً لأن مقياس التحكم والقيادة لم يعد ينحصر بالأساطيل، بل في مصداقية السياسة والالتزام بالقيم المشتركة بين شعوب العالم. فقد خرجت الولايات المتحدة من فترة الحرب الباردة متسلحة بأيديولوجية الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها في ذات الوقت استمرت في حصارها غير المبرر لكوبا، وتنكر واضح للحقوق الفلسطينية.

وما أن ختم كلينتون ولايته في نهاية التسعينات، حتى كانت سياسة العولمة الاقتصادية غير العادلة التي قادها، قد أدت إلى انهيار الاقتصاد الاندونيسي، وإلى تراجع خطير في اقتصاديات دول شرق وجنوب شرق آسيا، وإلى إفلاس الأرجنتين، وتراجع متسارع في اقتصاد جميع دول أمريكا اللاتينية .

المناطق الوحيدة التي لم تتأثر نسبياً من دكتاتورية العولمة الأمريكية هي دول أوروبا الغربية، والصين التي لم تكن قد انضمت إلى منظمة التجارة العالمية، واليابان عملاق الثمانينات المرعب هوت إلى مرحلة من عدم التوازن الاقتصادي .

التسعينات حملت معها أيضاً فشل أمريكي تدلّل عليه على سبيل المثال، الانفجارات التي حصلت في منطقة البلقان، وصمود كوبا في وجه استمرار الحصار الأمريكي، وتحول الصين إلى قوة لا يستهان بها في الاقتصاد العالمي، استمرار كوريا الشمالية في برنامج التسلح وإطلاقها صاروخ تجريبي فوق اليابان، وانهيار اتفاق أوسلو ومعه انهار وهمُ تغيير وجه الشرق الأوسط الذي أطلقه الرئيس الأمريكي كلينتون .

تطرف المحافظين الجدد

ومع وصول الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض في بداية عام 2001، لم يكن أحد من أفراد طاقم الرئاسة يختلف حول ضعف الموقف الأمريكي، لكنهم كانوا منقسمين في الموقف حول الآليات التي يجب اتخاذها في معالجة هذا الضعف .

فقد ظهر صوت قوي من داخل الإدارة الأمريكية يدعو إلى انسحاب أمريكي محدود من الشأن الدولي، وصرف النظر عن مشروع العولمة، والدفاع عن المصالح الأمريكية الاقتصادية في مواجهة الإجماع العالمي، وتعزيز القدرات العسكرية الاستراتيجية لمواجهة التحديات المحتملة .

لكن هجمات الحادي عشر من أيلول-سبتمبر- عززت نفوذ أنصار الخيار الثاني، خيار الانتشار الأمريكي الإمبريالي في العالم، وفرض الإرادة الأمريكية بالقوة المجردة إن اقتضى الأمر.

وما حصل أن سياسة بوش الخارجية كانت في الحقيقة انتهت إلى اجتماع الجوانب الأسوأ في الخيارين، فأعلنت الحرب على أفغانستان عام 2001 وعلى العراق عام 2003، بذريعة مكافحة الإرهاب، واستمرت الولايات المتحدة في الاستهتار بإرادة المجتمع الدولي في مواضيع كثيرة، منها قضايا البيئة، المحكمة الجنائية الدولية، اتفاقات الحد من الأسلحة الكيمائية، وحتى فيما يتعلق بالتجارة العالمية التي صاغت قواعدها الولايات المتحدة في الأصل لم تحترمها، وأبدت الإدارة الأمريكية استهتاراً ملحوظاً بالأمم المتحدة وشرعية القرار الدولي، ومضت في استفزاز القوى العالمية بتطوير حائط الصواريخ البالستية بعيدة المدى، ونشرت عشرات الآلاف من قواتها في أماكن متعددة من العالم، وقامت باحتلال العراق وإسقاط نظام صدام حسين، وتحكمت في مصادر العراق النفطية .

حاولت هذه السياسة في عهد الرئيس جورج بوش تحقيق ما عجزت إدارة الرئيس كلينتون عن تحقيقه خلال عقد التسعينات، وقد ظهرت مع وصول بوش الابن إلى البيت الأبيض تحولات في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، بأن اعتمد في إدارته على مجموعة من المفكرين الذين لا ينتمون إلى أي حزب لكنهم يمثلون مراكز الدراسات الاستراتيجية، فكانت حقبة بوش الابن هي المرتع والمناخ الملائم الذي احتضن أفكار - المحافظين الجدد- الذين استطاعوا السيطرة على الرئيس الأمريكي طوال فترة رئاسته، واستغلوا أحداث الحادي عشر من أيلول للترويج لنظرية الأمن القومي التي تعتمد على الاستخدام المفرط للقوة العسكرية، وفرض توجهاتهم المتطرفة على مخططي السياسة الخارجية الأمريكية، وكانت أهم ملامح هذه السياسة المتشددة إعلان الحرب على الإرهاب كأولوية للسياسة الخارجية الأمريكية، وظهر مبدأ ابتدعه المحافظين الجدد باسم "الحرب الاستباقية ضد عدو محتمل" فتم إعلان الحرب على أفغانستان عام 2001 للقضاء على حركة طالبان، وتم احتلال العراق عام 2003 بذريعة امتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل، وتم تشجيع إسرائيل لشن عدوانها على لبنان عام 2006 للقضاء على حزب الله، ومن ثم أرسلت الولايات المتحدة قواتها العسكرية إلى الصومال عام 2005 لدعم أمراء الحرب ضد المحاكم الإسلامية، وفي عام 2008 سعت الإدارة الأمريكية إلى محاولة بناء درع دفاع صاروخي في بعض الدول الأوروبية المحاذية لروسيا، وأدت إلى اشتباكات دموية بين روسيا وجورجيا بشأن أبخازيا وأوستيا، واستخدمت الولايات المتحدة القوة المفرطة في أماكن متعددة، وحاولت تفعيل نظرية المؤامرة ضد أنظمة حكم في بلدان أخرى ادعت إدارة بوش أنها دول معادية لأمريكا مثل إيران وسورية والعراق وكوريا الشمالية وفنزويلا وغيرها من الدول، ومن أجل تحقيق هذه السياسة تكبدت الولايات المتحدة أعباء مالية ضخمة، وأدت إلى آثار سلبية تم إلحاقها بالاقتصاد الأمريكي، وأدت إلى أزمة مالية بدأت في العام 2008 ألحقت أضراراً بالاقتصاد العالمي، ومازالت آثارها مستمرة حتى يومنا هذا .

بيت الطاعة الأمريكي

كل هذا ينطلق من النظرة الأمريكية إلى العالم على أنه عبارة عن أقاليم متمردة يجب إعادتها إلى بيت الطاعة، واتبعت الإدارة الأمريكية الفاوستية روحها الشيطانية لتغيير العالم كما تشاء، وكان لابد من وجود الآخر الذي على خطأ تماماً، ليوحي للقطب الأوحد بجدوى وجوده، وتصرفت الولايات المتحدة كعصابة في خضم الأحداث المتلاحقة في فترة الرئيس بوش، وليس كدولة، إذ أنها انفلتت من عقالها وأصبحت خارج اي قانون، فبدلاً من الجهد الجماعي العالمي والمنظم لمكافحة الإرهاب وأسبابه، انفردت أمريكا بإعلانها وخوضها لحروب على أعداء قد لا يكونون بالضرورة أعداء حقيقيين للعالم بأسره .

السؤال المهم هنا والذي يدعو إلى التأمل هو السؤال التالي: ما الذي جعل الولايات المتحدة تفقد عقلها على أثر انهيار برجي نيويورك ؟ هل بسبب سقوط ضحايا أم أنه خدش هيبة الاستبداد؟

مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة لا تهتم بسقوط آلاف الضحايا، إذ أن القيم لا تتجزأ، فهو ذات النظام الذي قتل عشرات الآلاف في العراق وأفغانستان وغواتيمالا وتشيلي وفيتنام وبنما وجرينادا. إن دولة كهذه ليست معنية بالضحايا الذين سقطوا بسقوط برجي التجارة، إنما ما يعني هذه الدولة هو المس بهيبتها وغطرستها، وما يمثله هذا السقوط من اعتداء على الرمزية التي يعنيها هذان البرجان من جنون العظمة الأمريكية .

انتهت مرحلة جورج دبليو بوش الذي كان أكثر الرؤساء الأمريكيين تطرفاً وصلفاً على صعيد السياسة الخارجية، وأوصل العالم إلى أقصى درجات التوتر والاحتقان غير مسبوقة خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بسبب السياسات العليائية والعدوانية المخالفة للقوانين الدولية، إذ لم تعرف أمريكا والعالم كذباً ونفاقاً سياسياً كما عرفته في عهد الرئيس بوش الذي ودع البيت الأبيض بفوز الرئيس أوباما في الانتخابات الأمريكية عام 2008 على وقع الأزمة الاقتصادية الكبرى التي تسببت بها إدارة بوش، وكانت إدارة أوباما بمثابة إدارة لخروج الاقتصاد الأمريكي من مغبات هذه الأزمة ووضع الخطط للحد من تداعياتها.

الادارة الهزيلة

خلال السنوات الأولى من فترة رئاسة أوباما كان يحاول أن يحقق أهداف سياسته الخارجية باعتماده بدرجة كبيرة على مبادراته الشخصية، وشعوره بأهمية عامل الوقت، إذ قام بإعداد جدولاً زمنياً لانسحاب القوات الأمريكية من العراق، وحدد بعض السياسات لإنهاء حرب الاستنزاف في أفغانستان، وحاول أوباما أن يتشارك العالم مع أفكاره خلال فترتيه الرئاسيتين، لكنه يبدو أنه اكتشف أن كافة الدول لديها أفكارها وخططها الخاصة، وحاول أن يقدم نفسه كصانع سياسات جديدة ومختلفة في علاقة الولايات المتحدة مع العالم العربي الذي استبشر بقدوم رئيس أمريكي أسود ومن أصول مسلمة ومن بيئة مختلفة عن بيئة سلفه بوش، أوباما كان عاجز عن تقديم أية دلائل للبرهنة على نيته فتح صفحة جديدة مع العرب، وفيما يتعلق بالصراع العربي -الإسرائيلي مازالت الإدارة الأمريكية تتبنى الرواية الصهيونية وتقدم لها كافة أشكال الدعم السياسي والعسكري بلا حدود .

العالم الذي واجهه الرئيس أوباما مختلف كثيراً عن ذلك الذي قبله كان حين داخل البيت الأبيض سيد آخر. فبعد كل هذا التردد والغموض والارتباك في سياسة أوباما الخارجية، بدا أن مجريات الأحداث قد خرجت عن سيطرته، فالرئيس أوباما الذي حاول خلال فترة رئاسته وضع رؤية خاصة به لسياسة داخلية وخارجية، وقارب ذلك بمهارات التواصل والخطابة، يواجه عالم فقد عقله وحروب في أكثر من مكان، ويواجه تهديدات للمصالح الأمريكية ولحلفائها في المنطقة، ويواجه أيضاً الشعب الأمريكي الذي ملَّ الحروب ونفذ صبره من التدخلات العسكرية الأمريكية في شؤون العالم، وربما أننا أمام حالة عنوانها أنه منذ الحرب العالمة الثانية يظهر شعار أن على الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها قيادة العالم غير حقيقي لا سيما في الوقت الراهن .

الولايات المتحدة في عهد أوباما لم تحقق أية اختراقات في الملفات الساخنة في السياسة الخارجية لا في منطقة الشرق الأوسط ولا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ولا في ملف إيران النووي، وفشلت في إعادة الأمن والاستقرار إلى العرق بعد انسحاب قواتها، وكذلك فشل ذريع في موقف عدم الموقف من المتغيرات المتسارعة التي تحصل في العالم العربي، كما أن خطة الخروج المنظم من أفغانستان تترنح مكانها، وشارفت روسيا على غزو أوكرانيا ولم يجرؤ أوباما على منعها، وفي الوقت الذي يظهر فيه العالم مشتعلاً في أكثر من مكان، يتابع الرئيس أوباما عطلاته لممارسة رياضة الغولف، وقيامه بالإدلاء بتصريحات صحفية والحديث عن الصراعات في العالم، فيما يظهر وهو هادئ ذو رؤية مشوشة، متردد، غير واثق، بدا وكأنه رئيس غير ملائم لهذه المرحلة.

غطرسة أمريكية ونفاق

جاء ذبح الصحفي الأمريكي على أيدي تنظيم الدولة الإسلامية في منتصف العام 2014، والذي جرى تصويره وتناقلته وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وشكل صدمة مروعة للشعب الأمريكي وللعالم، نقول جاء هذا الحدث ليشكل تحدياً لقوة الولايات المتحدة وصفعة قوية لهيبتها ونفوذها، حينها فقط تحركت الولايات المتحدة واستنفرت الإدارة الأمريكية طاقمها من أجل حشد تحالف واسع لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية والقضاء عليها، أفضت في النهاية إلى تشكيل ما سمي بالتحالف الدولي الذي ضم أكثر من أربعين دولة من ضمنهم ثمانية دول عربية، هذا التحالف الذي باشر أعماله الحربية بشن طائراته غارات يومية على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة في العراق وسورية .

وأصبح أوباما يطل علينا كل يوم بقامته الفارعة لينظِّر عن الإرهاب الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة والعالم الغربي والحلفاء الإقليميين، هذا الإرهاب الذي لابد من القضاء عليه لكن الولايات المتحدة لن ترسل قوات تقاتل عن أحد، إذ أن المطلوب قيام مشاركة الجميع في دفع تكاليف فاتورة الصلف والعهر الأمريكي .

لكن أوباما وإدارته لم تشاهد قيام الكيان الصهيوني بارتكاب مجاز يندى لها جبين الإنسانية في فلسطين المحتلة، وقتل آلاف الفلسطينيين ومن بينهم مئات الأطفال والنساء، وهدم عشرات آلاف المنازل والمنشآت، ولم نسمع إدانة واحدة من هذا المجتمع الدولي الذي يسارع الآن المشاركة بحماس في ضرب تنظيم الدولة .

سيد الصفقات

أخيراً وصل السيد الجديد للبيت الأبيض، الملياردير العقاري الذي يرغب في تسويق صفقة القرن على حساب الفلسطينيين ومصالح الأمن القومي العربي. إن إدارة الرئيس الأمريكي الجديد "رونالد ترامب" القادم من الأسواق المالية ما زالت تتخبط في معالجة كثير من الملفات الساخنة حول العالم، وترامب نفسه يتبع سياسة مربكة لكنها أيضاً تستمد خطابها من الغطرسة والصلف الأمريكيين، وبرغم أنه لا يفوت فرصة لانتقاد سياسة سلفه أوباما، إلا أنه يرتكب نفس الأخطاء.

في الأزمات الحالية

ينسى الجميع أن الإشكالية الحقيقية تعود جذورها إلى أن من يبيع روحه للشيطان يأكله الشيطان في النهاية، وأن من يربي وحشاً ويسمِّنه، سوف يرتد هذا الوحش يوماً ما نحو صاحبه ليأكله بعدما يأكل جميع الخراف ولا يعود هناك حملان صغيرة للطعام.

هذا ما حصل مع أمثلة كثيرة لعل أبرزها، تحول جنرال بنما نورييغا الطفل المدلل للمخابرات المركزية الأمريكية إلى مطلوب للعدالة، وهذا ما حصل حين تحول مقاتلو طالبان تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن من مقاتلين من أجل الحرية حين كان هذا القتال يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية، إلى مجرد إرهابيين وأشخاص مطاردين ومطلوبين للعدالة الدولية بعد أن انتهى زواج المصلحة معهم

بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وسط حاملات الطائرات والبوارج الحربية الأمريكية المتجهة إلى الشرق، لم يكن أحد يريد أن يتوقف قليلاً من أجل معالجة أكثر حكمة وعدلاً، لقد فقد العالم السيطرة على توازنه لمصلحة الانصياع الكامل للإرادة الأمريكية.

في المشهد الحالي في فلسطين والعراق وسورية يتكرر الصلف الأمريكي، في قيادة العالم مرة أخرة نحو الهاوية، لأن أمريكا تعتقد أن هذه القيادة في تمثلها بالسلطة تمنحها أمناً داخلياً، لكنها تتحول إلى الاستبداد حين تشعر بتفوقها، وهذا النوع من الأنظمة نراه ينزع إلى حدود السلطة المطلقة، لأنه مقتنع أن القوة إلى جانبه وكذلك الحق، ولا يكتفي بالنصر في أي حرب، بل لابد من أن يكون الآخر الذي انتصر عليه مجرماً شريراً، هذا تماماً ما فعلته الولايات المتحدة مع جميع خصومها المفترضين، وهذا ما تفعله الآن في أماكن متعددة حول العالم في فلسطين وسورية والعراق وبقاع أخرى.

تحاول الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب أن يضع العالم أمام خياران، إما أن تكون مع قوى حلف الناس الطيبين المتحضرين الذين يريدون محاربة التخلف والهمجية، أو أنك ستكون في حلف آخر مع فريق يتبنى التشدد الديني وخطابه متعصب يعتمد على قطع أعناق الآخرين. هذا الأمر يشكل استبداد من قبل الولايات المتحدة، لا يقل عن استبداد القوى التي تعتبرها أمريكا أنها قوى ظلامية وتريد محاربتها، فأي الاستبدادين أخطر؟

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

كاظم الموسويلم يجرؤ مخططو صفقة القرن على نشرها علنا والتقدم بها كمشروع لهم. بل كل ما يجري هو تسريبات غير كاملة ومحاولات متعددة وعلى مختلف المستويات، السياسية والإعلامية لغسل الأدمغة وتشويه الوعي بها واشاعة الغموض والابهام عن مخاطرها التي لخصت في الكثير من وسائل الاعلام كخطة صهيو أمريكية تستهدف المنطقة العربية وخارجها أيضا وتعمل ضمنها بشكل رئيسي إلى توطين الفلسطينيين في وطن بديل، خارج فلسطين المحتلة، وإنهاء حق العودة لللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين. اي تصفية القضية الفلسطينية وانهاء الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في تقرير المصير والعودة والحرية والاستقلال، وتمرير تغيير المنطقة جغراسياسيا. وتشير التقارير الاعلامية ان الادارة الاميركية تعكف حاليا على وضع اللمسات الاخيرة لهذه الخطة من خلال المشاورات التي يقودها صهر الرئيس الامريكي ترامب ومساعده الخاص، أو ولي العهد كما سماه الكاتب الصحفي المعروف روبرت فيسك، جاريد كوشنير، ومبعوثه الخاص جيسون غرينبلات مع بعض الحكام العرب. اي أن واضعها يعرف انها صفقة لتدمير ما تبقى للفلسطينيين من قضية وعدالة وآمال وطنية، وبالضد من مصالح شعوب المنطقة وبلدانها في النهاية. فلهذا يسرب ويهيا الأجواء لها ويحاول تمريرها بقوة الضغط والرشوة والإذلال.. ولعل ما يتسرب منها لحد الان هو الأخطر في الصفقة، أو الصفعة الصهيوأمريكية الجديدة.

أمام ما عرف من هذه الصفقة وما نشر أو تسرب الى النشر مع غموضه وعدم التأكيد عليه يتوجب التصدي لهذه الصفقة ومقاومتها بكل الاشكال والسبل القانونية والسياسية، رسميا وشعبيا، ويتحمل الشعب الفلسطيني مع ما تحمله من كل السياسات الصهيوغربية التي واجهته أن يبدأ هو بالتحدي ورفض قبولها ومنع الخضوع لاشتراطاتها وما ستولده من اخطار فعلية على مصير قضيته وعلى المنطقة بكاملها، ليكون الشرارة الأولى والمحفز الاول لتوسيع الممانعة والشعور بالمسؤولية الجماعية لما تتضمنه الصفقة وما تستهدفه اساسا. وبعده وقبل كل شيء وقف عمليات التطبيع الرسمية والأهلية التي تقوم بها بعض الحكومات العربية، ومنعها من الإستهانة بالحقوق والنضالات الوطنية، ورفض الانصياع لأوامر الإدارات الغربية التي لم تكن في يوم من الايام بعيدة أو غير ضالعة في مخططات العدوان والحروب والدمار والتخريب في منطقتنا العربية خصوصا.

إن حركة التحرر الوطني الفلسطينية والعربية من بعدها في حالة كفاح تاريخي مستمرة حتى تحقيق أهدافها الوطنية في التحرر الكامل، وبناء الدولة الوطنية الحرة المستقلة، كاملة الحقوق والحريات الأساسية. ولعل في خطوات الانتفاضات الشعبية بكل وسائلها هي مؤشر على استعداد الشعب الفلسطيني وتقديم نموذجه النضالي الذي تقره القوانين الدولية والأعراف الإنسانية والتاريخ السياسي، ويستشهد به ويشهد له.

ما تم من مواقف فلسطينية ازاءها تصب في رفض الصفقة وتوابعها، وعدم الاستجابة للضغوط الشديدة التي توجه عليها، سواء من واضعي الصفقة أو مروجيها او داعميها وممولي جرائمها التصفوية، وهذا أمر يأخذ في الحساب، ويثمن في المشهد السياسي، واستمراره بعزيمة تصلب من أو تشد من ازر الكفاح الوطني الفلسطيني ونضاله المشروع وحقوقه العادلة.

ولعل ايضا مسيرة العودة الكبرى التي انطلقت من غزة تضع هي الأخرى في الواجهة موقف الشعب الفلسطيني، والذي عمده بدماء الشهداء من كل الأجيال ودون توقف أو انتظار. كما ان استمرار المسيرة وبطابعها السلمي وتزايد أعداد المشاركين فيها، وتوسعها ليس في غزة وحدها، بل في كل مدن فلسطين المحتلة، تأكيد اخر على إصرار الشعب الفلسطيني على استمرار نضاله التحرري وكفاحه الوطني وصموده المشهود له به وتضحياته الجسيمة التي يتوقف عندها كل من له ضمير انساني.

هذه المسيرات باستمرارها وبسلميتها وتضحياتها تحرض الضمير الإنساني لإعلان تضامنه مع الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، فانطلقت من جديد سفن التضامن العالمي من أغلب المدن أو عبرها معلنة وقوفها بصوت عال مع الشعب الفلسطيني وحركة تحرره الوطني ضد الاحتلال والحروب والعدوان والظلم والاضطهاد والعسف الإسرائيلي. كما تقدمت مواقف وتصريحات تعبر عن هذا التضامن الإنساني.

عربيا كانت صنعاء، عاصمة اليمن، المحاصر جوا وبحرا وبرا من تحالف يحمل اسم العربي، ويشن على شعبه حربا شعواء راح ومازال يروح آلاف الشهداء من كل اجياله فيها، من صنعاء هذه خرجت اولى تظاهرات يمكن القول عنها مليونية، ترفع شعار التضامن مع نضال الشعب الفلسطيني وتقول من هناك أن الشعب اليمني وصنعاء بالذات لا تتضامن فقط وانما تتحرق الى المشاركة مع الشعب الفلسطيني في نضاله اليومي وتدافع عن القضية المركزية للامة العربية. وفي هذه المناسبة ادعو الأخوة في قيادة أو تنسيق مسيرات العودة الكبرى اعلان يوم تضامن مع الشعب العربي في اليمن والدعوة لوقف الحرب والعدوان عليه فورا والعمل على إعادة الإعمار وحماية السكان من جرائم الحرب والإبادة الوحشية. وتأتي أهمية مثل هذه الالتفاتة تعبيرا عن روح التضامن والتحالف والمشاركة في معارك التحرر الوطني والقومي .

لقد تعلم الشعب في اليمن كما الشعب في فلسطين من تجاربه في محاربة الاستعمار واذياله ومروجي الحروب وممولي الدمار والخراب، كما أن الشعب الفلسطيني يواصل فعالياته الجديدة وهو منطلق من تجاربه والعالم في التخلص من الاحتلال والاستعمار الاستيطاني.

اختار الشعب الفلسطيني بوعي وإرادة كاملة طريق التحرر الوطني ويعلم مهماته ومنجزاته. وخاض ومازال يواصل تجربته منذ هبات وانتفاضات وثورات اعوام 1919 و1929 و1936 وما تلاها والى اليوم، دفاعا عن حقوقه المشروعة وعدالة قضيته وصراعه الوجودي.

عبرت مسيرات العودة، أو قدمت الرسالة والدرس في التأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني، وأهميتها في مواجهة التحديات والانتصار فيها. وما تجسد منها في المسيرات وكسر الحصار يضمن قوة الإرادة الشعبية ويكون الحصن الحصين للوحدة الوطنية والمقاومة الموحدة. وبها يقوم الشعب الفلسطيني في صفع الصفقة وردها إلى أصحابها واركانها واعتبارها جريمة أخرى ضد حقوق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة وخياراتها التحررية المشروعة. وما رفع من شعار في مسيرة يوم الجمعة (2018/7/6) " اسقاط الصفقة" الا دليل واضح.

 

كاظم الموسوي

 

 

عبد الخالق الفلاحلم يتوقع تدنى علاقة امريكا مع حلفائها التقليديين في امريكا الشمالية واوروبا واسيا، وحتى مع الدول الدائرة في فلكها، والصفعة المدوية التي انهالت على وجه الدبلوماسية الامريكية ودفعتها اكثر في اتون العزلة، ومنها كانت “الفيتو” الامريكي لمنع صدور قرار عن مجلس الامن يندد بالاعتراف الامريكي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، حيث ظهرت واشنطن معزولة تماما دوليا بعد ان صوت باقي الأعضاء الأربعة عشر بينهم القوى الكبرى الاربع الدائمة العضوية لصالح مشروع القرار. الى هذا المستوى الذي وصلت اليه اليوم من التراجع في عهد الرئيس دونالد ترامب. من المؤسف أن السیاسة الخارجیة الأمریکیة إن کانت هناک سیاسة فی الوقت الحالی تعیش علی التصورات الواهیة وأوهام فارغة والاستغراق في الأحلام. ومبنیة علی التهم الکاذبة والکیدیة الموجهة باستمرار من قبل کل من الرئیس الأمریکي دونالد ترامب فی قراراته الفجائیة البعیدة عن المنطق الی کل الاتجاهات وبدات العزلة تضيق علیها والدبلوماسیة الفاشلة التی تعمل بها بعد انسحاب ترامب من اهم المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بذريعة انها لا تتفق مع مصالح امريكا،، مما یتعارض تعارضا سافرا مع الأعراف الدولیة المعترف بها، کما تتعارض تماما مع أحکام القانون الدولي والسلوک الحضاري. إن هذه التصرفات قبل أي شيء، تمثل رد فعل مرتبک من قبل الحکومة الأمریکیة تجاه الموقف الدولي الموحد والمعارض للجهود الأمریکیة الرامیة إلی تمزیق العالم وتحاول ان تحرف الرأي العام الدولي عن هذا الاعمال الغیرالقانونية وانتهاکات لقرارات مجلس الأمن الدولي ویدل نهجها المدمر من خلال رفضها لمبدأ “الوفاء بالعهد” الأساسي. ان الفقاعات الیومیة التی تطلقها الولایات المتحدة الامریکیة بین حین واخر بالتهدید للدول الاخر کما فعلت ضد بیونغ یانغ وتدل علی الضعف والوهن وعدم وجود نبة للولایات المتحدة لشن اي حرب جدیدة في الظروف الراھنة ویعني الخوض في حلقة قمار خطر للغایة اذا ما فعلت ولا تجنی منها سوی الندم وذلک بغض النظر عن الظروف الاقتصادیة التي تعیشھا لو تحدثنا عنها ولن ترید تحت اي ظرف ان تصرف الدولارات فی حروب عبثة جدیدة وایة مبالغ لرفاھیة مغامرات ترامب في شرق أسیا وخاصة کوریا الشمالیة التی اظھرت بتجاربھا النوویة المستمرة خلال العقد الاخیر انھا لن تمتنع عن القیام باي محاولة حتی استخدام القنبلة الذریة للدفاع عن نفسها ومن هنا کانت الاتصالات التی ادت الی لقاء الرئیس الکوری الشمالی كیم جونج أون

مع الرئیس دونالد ترامب فی سنغافورا والتی لم یجنی منها ای ثمر رغم التنازلات الکثرة التی قدمتها واشنطن واخذت تتحدث عنها ووضعتها من اجل حل المشکلة والتی جوبهت بالرفض من قبل القیادة الکوریة الشمالیة فی بیونغ یانغ . کما إن انسحاب أمیرکا من عدد من الاتفاقیات الدولیة وتعریضها لعدد آخر منها للخطر، سیما الإجراءات التي هي بصدد تنفیذها ضد المنظمات الدولیة . کل ذلک نماذج عن الإجراءات التدمیریة التي قامت بها هذه الإدارة حتی الآن، مما جعل ـ للأسف ـ آفاق النظام الدولي مظلمة. ومن البدیهي أن الاستمرار في مثل هذه السیاسات من شأنه أن یعرض استقرار المجتمع الدولي للخطر ویجعل الحکومة الأمریکیة في موقع “متمرد دولي خارج علی القانون ومحاولات حاشیته لإیجاد مبررات وأعذار لغرض إقناع المخاطبین في الداخل والخارج، واصبحت مع الأسف إلی سمة بارزة لمسار اتخاذ القرارات في واشنطن خلال السنة الماضیة.من عمر الرئاسیة لترامب فی اتخاذ قرارات وإطلاق التصریحات والقرارات الغیر المدروسة المرتبکة لتبریرها حتی فی العلاقات مع الدول الاوروبیة والصین وروسیا التی تزداد فجواواضطرابا یوما بعد یوم. وعلی سبیل المثال فقد اعربت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، عن `قلقها البالغ` حيال الإجراءات الحمائية التي أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أنه سيتخذها، لجهة فرض رسوم جمركية على واردات الفولاذ والألومينيوم. خلال اتصال هاتفی `أعربت عن قلقها البالغ حيال عزم الرئيس ترامب فرض رسوم جمركية على الفولاذ والألومينيوم، معتبرة أن تحركا متعدد الطرف هو السبيل الوحيد لحل مشكلة الفائض العالمي لما فيه مصلحة جميع الأطراف. هذه السیاسات السلبية التي تتبعها الولايات المتحدة، تؤدي إلى حدوث الكثير من الأخطاء وسوف تسمح لشركائهم الإقليميين بمتابعة جدول أعمالهم بدون الرجوع إليها.، کما ان ارتباط المصالح الأمريكية والسعودية في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة ترامب وتواصل الدعم الأمريكي للعدوان السعودي على اليمن إضافة إلى استكمال سلسلة من صفقات الأسلحة الموردة للسعودية رغم الانتقادات والمطالبات الدولية بوقفها جعل حتی البيت الأبيض یقلق من سياسة ترامب المتهورة خصوصا عندما أمر ترامب بشن ضربات على مطار الشعيرات بريف حمص فی العام الماضی .ان هذه التصرفات خلقت حالة من الرعب لدى كل دول المنطقة إزاء هذا النهج وهذه السياسة التي يستخدمها “ترامب” في منطقة الشرق الأوسط، التحركـات الامیركیـة تجـاه دول المنطقـة تلعـب دورا مهمـا فـي رسـم وتـشكیل حـدود الـدور والمكانـة للقـوى الاقلیمیـة وفقا للرؤیة الإسرائیلیة سـیكون فـى إطـار الـدور المعرقـل لأیـة تـسویة أو ترتیبـات إقلیمیـة جدیـدة والتی لها مصالح معها وولدت الكثير من الخوف والقلق حتی لدى بعض أصدقاء أمريكا المقربين في المنطقة .وتسبب إلى تشوه مصداقية الولايات المتحدة كزعيم عالمي غیر موثوق به في العالم وخاصة بعد ان اخلت بالتفاق النووی وانسحبت منه مع ایران الاسلامیة

وقد ردت فیدیریکا موغرینی منسقة السیاسیة الخارجیة فی الاتحاد الاوروبی علي ما یسمي بالاستراتیجیة الامیركیة الجدیدة التی اعلنها وزیر الخارجیة الامیركی مایك بومبیو فی تصریحات ملیئة بالاكاذیب والاتهامات التی لا اساس لها ضد الجمهوریة الاسلامیة الایرانیة، فی استراتیجیته الجدیدة لمواجهتها بعد خروج بلاده من الاتفاق النووی ضد ایران . حیث عقبت علی ذلک موغرینی بالقول من ان الاتفاق النووی مع ایران واستمرار دعمه یعد من بین الانجازات الرئیسیة علي صعید الدبلوماسیة الدولیة والذی یشكل ضمانة لابقاء النشاطات النوویة الایرانیة ضمن المجالات السلمی. والاتحاد الأوروبی بحاجة الی التعاون الایرانی کقوة فاعلة ومفتاحیة هامة لتسویة المعضلات والتحدیات الاقلیمیة وقالت:"الاتحاد الأوروبی ملتزم بتطبیق التعهدات بشکل کامل ومصمم علی توثیق الشراکة الاقتصادیة مع ایران لمصلحة الطرفین وان ما یتوقعه المجتمع الدولی من جمیع اطراف الاتفاق النووی هوالالتزام بتعهداتهم واکدت موغرینی بان الاتحاد الاوروبی ملتزم باستمرار التنفیذ الكامل والمؤثر للاتفاق النووی ومادامت الجمهوریة الاسلامیة الایرانیة ملتزمة بذلک ویبقی الاتحاد الاوروبی ملتزما ایضا مثلما كان لغایة الان وهو ليس اتفاقا ثنائيا ليكون بامكان ترامب الانسحاب منه، وهو ذات الموقف الذي اتخذته برلين وباريس ولندن وبكين وموسكو.".

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامی

 

ابراهيم أبراشفي حالة كالحالة الفلسطينية حيث الاحتلال الاستيطاني الإجلائي يُطبِقُ على كل فلسطين فإن وظيفة الأحزاب وكل قوى الشعب يفترض أن تكون مواجهة الاحتلال، وحتى في ظل وجود سلطة فلسطينية تحت الاحتلال فإن الأولوية يجب أن تكون لمواجهة الاحتلال وليس للصراع على السلطة، فكلما توسع هامش الصراع على السلطة يكون ذلك على حساب مواجهة الاحتلال، وهذا ما لمسناه منذ سيطرة حماس على قطاع غزة حيث أصبحت مواجهة الخصم الوطني أو (العدو الوطني) لها الأولوية على مواجهة العدو الرئيسي إسرائيل .

إن كانت نظرة الأحزاب الفلسطينية لبعضها البعض سلبية ومتأثرة بالصراع على السلطة وعلى المصالح واختلاف الأيديولوجيات فمن الضروري عدم نقل هذه النظرة والتقييم إلى الشعوب المؤيدة والمتعاطفة مع فلسطين . حدوث ذلك سيسيء للقضية الوطنية ويضعِف من القدرة على تحشيد وتوحيد الجهود في مواجهة الاحتلال، كما سيؤدي لتشويه صورة النضال الفلسطيني من خلال تشويه كل حزب لبقية الأحزاب، وهو تشويه محصلته تشويه كل التاريخ النضالي الفلسطيني .

كان لحركة فتح وفصائل منظمة التحرير انجازات في المقاومة بكل أشكالها وبالعمل الدبلوماسي وتثبيت صمود الشعب وبناء مؤسسات للدولة المستقبلية، إلا أن حركة حماس لا ترى في حركة فتح إلا الاعتراف بإسرائيل والتنسيق الأمني مع الاحتلال وفساد السلطة بل وتنقل هذه الصورة السلبية عن حركة فتح إلى العالم الخارجي، وفي هذا اهانة للتاريخ النضالي لحركة فتح وفصائل منظمة التحرير وللجهود الوطنية الصادقة لمن يشتغلون بالعمل السياسي والدبلوماسي بما هو ممكن ومتاح .

أيضا البعض في حركة فتح لا يرى في حركة حماس إلا أنها مشروع إسلاموي دخيل ومشبوه وأنها تدفع الشباب للموت لتثبت سلطتها في غزة وأنها سبب الانقسام وديمومته الخ، وعندما يتم نقل هذه الصورة للخارج عبر الإعلام فإن ذلك يسيء لمبدأ وشرعية مقاومة الاحتلال وليس لحركة حماس كحزب كما يقلل من فرص توظيف صمود الناس ونضالهم . في الحالتين كانت إسرائيل توظف كل ذلك لإدانة الطرفين والتشهير بهما وتبرير تهربها مما عليها من التزامات دولية .

وعلى المستوى الخارجي انتقلت صورة وتقييم الأحزاب الفلسطينية لبعضها البعض في سياق مناكفاتها السياسية الداخلية إلى فلسطينيي الشتات كما أثرت على مواقف بعض المؤيدين والمتعاطفين الأجانب مع الشعب الفلسطيني، إلا من آمن بأن فلسطين أكبر من أحزابها وقياداتها .

ففي إحدى زياراتي للمغرب قبل سنوات التقيت بزميل عمل سابق في جامعة محمد الخامس في الرباط وهو قيادي في حزب التقدم والاشتراكية – الحزب الشيوعي سابقا -، وتجاذبنا أطراف الحديث عن الأوضاع في فلسطين والخلافات الداخلية بين فتح وحماس فوجدت منه تقديرا لحركة حماس ليس من منطلق عقائدي بل تأييدا لها كحركة تقاوم الاحتلال وترفض الاعتراف بإسرائيل .

كان لسان حال زميلي المغربي الشيوعي ويشاطره الشعب المغربي والشعوب العربية يقول : نحن تربينا على حب فلسطين وأهلها وحب وتقدير المقاومة الفلسطينية ورفضُنا للصهيونية وسياساتها، وبالتالي عندما نرى طرفا فلسطينيا يعترف بإسرائيل ويوقع معها اتفاقية تسوية ولم يحصل على شيء بالمقابل، يقابله طرف آخر يرفض الاعتراف بإسرائيل ويمارس المقاومة ضدها فنحن لا يمكننا إلا أن نقف إلى جانب الطرف الثاني دون أن ندخل في تفاصيل الخلافات الفلسطينية الداخلية فهذه معادلة خاصة بكم و شأن لا يعنينا، ونحن سنبارك كل مَن يقاوم الاحتلال أي كان، دون أن يعني هذا الموقف أننا ضد العمل السياسي والدبلوماسي أو معارضين لمنظمة التحرير والسلطة وحركة فتح .

هذا الموقف أو الرؤية تجاه فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي يمثل قاسما مشتركا لكثير من المفكرين والسياسيين والجماهير العربية الذين يساندون الشعب الفلسطيني بعيدا عن أي انحياز ايديولوجي أو مصلحة حزبية، وبالرغم مما يشعرون به من ألم وغضب على ما آل إليه الوضع الفلسطيني الداخلي إلا أن ايمانهم بعدالة القضية لم يتزعزع ويواجهون بشجاعة الحملات المغرضة ضد الفلسطينيين وكل إغراءات التطبيع مع إسرائيل .

الشعوب العربية وشعوب ودول العالم ما زالت في أغلبيتها مع الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته وليس مع حزب أو فصيل بعينه .

فعندما يصدر قرار دولي لصالح الفلسطينيين أو تخرج المظاهرات والمسيرات في مختلف دول العالم مؤيدة لفلسطين ومنددة بالممارسات الصهيونية أو تتوسع حملات مقاطعة إسرائيل الخ فليس هذا انجازا أو تأييدا لحركة فتح أو حركة حماس بل دفاع عن عدالة القضية بشكل عام، وعندما يصادر الاحتلال أرضا فإنه لا يميز إن كان صاحبها فتحاويا أو حمساويا أو جبهويا الخ، و عندما يستهدف جيش الاحتلال مناضلا بالقتل أو الاعتقال فإنه لا يقوم بذلك انطلاقا من الانتماء الحزبي للمناضل بل لأنه فلسطيني يقاوم الاحتلال، حيث لم يميز الاحتلال حزبيا بين أبو عمار وأبو علي مصطفى والشيخ ياسين وفتحي شقاقي أو بين نصر جرار وزياد أبو عين وإبراهيم أبو ثريا ورزان النجار عندما قام باغتيالهم، كما لم يميز في سياسة الاعتقال بين مروان البرغوثي ويحيى السنوار واحمد سعدات أو بين الشيخ رائد صلاح و النائبة في التشريعي خالدة جرار أو عهد التميمي الخ .

وخلاصة القول، نتمنى من الأحزاب الفلسطينية عدم نقل خلافاتها الداخلية للجماهير العربية والأجنبية، والتوصل إلى تفاهمات حول خطاب وطني موحَد يغزز من حضور القضية الفلسطينية عالميا، وهذه مهمة قد تكون الجاليات الفلسطينية في الخارج الأكثر قدرة على تحقيقها ما دامت المصالحة الداخلية متعثرة.

 

د. إبراهيم ابراش

 

جوتيار تمرتعبتر القضية الكوردية احدى ابرز القضايا التي تم تدوالها منذ بداية انحلال الدولة العثمانية ومحاولة القوى العظمى تقسيم تركتها فيما بينهم، وفق الاجندات التي قدمت بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى من قبل فرنسا وبريطانيا كانت المسألة الكوردية تحتل مكانة بارزة ضمن الكثير من المسائل الاخرى، حيث افرز الواقع رؤية غربية متمثلة بتلك الدولتين حول امكانية انشاء كيان كوردي مستقل، لاسيما بعد مؤتمر السلام الذي انعقد في باريس والذي فيه رات الدول المشاركة بامكانية اقامة دولة كوردستان، ولكن تلك المسألة كبعض المسائل الاخرى لم تنجح في تحقيق مساعيها، وذلك لاسباب متعددة ولعل ابرزها ماهية المصالح الدولية لاسيما لكل من بريطانيا وفرنسا في المنطقة، ومن خلال هذا السرد الموجز سيتم الوقوف بشكل اكثر دقة وتفصيلية على اهم الاسباب التي وقفت وراء عدم اقامة دولة كوردية، على الرغم من وصول القضية الكوردية وقتها الى مستويات عالية في التداول الاقليمي والدولي، لاسيما فيما يتعلق بالحقوق القومية، ولقد لعبت الاوضاع العامة وقتها دوراً مهما في ايصال ذلك الصوت، ولكن في الوقت نفسه بقي دور القوى الاقليمية والدولية سلبياً تجاه القضية الكوردية، وبلاشك هناك اسباب عديدة وراء ذلك، فالاتحاد الاوربي والولايات المتحدة الامريكية كل من جانبها اثرت بشكل واخر على سير القضية الكوردية، ولايمكن اخفاء ذلك حتى في وقتنا الحاضر لاسيما بعد دخول الكورد ضمن منظومة التحالف الدولي في حربها ضد احدى اشرس الجماعات الاسلامية " تنظيم الدولة داعش" في كل من سوريا والعراق، فقد اصبح الكورد في الحرب السورية الدائرة حالياً ورقة ضغط كبيرة على المسارات السياسية وذلك بتحالفهم مع الولايات المتحدة التي تقود بدورها التحالف الدولي ضد الارهاب، في حين نرى المساعي التركية والايرانية الجاهدة في ابقاء الكورد ضمن دائرة الارهاب في سوريا، هذا التضاد خلق نوعا من الامتعاض الكوردي ولكن في الوقت نفسه يتضح بان الولايات المتحدة لم تزل متمسكة بذلك التحالف، فضلا عن وجود تعاطف روسي حيال الكورد في هذا الشأن لاسيما بعد ان اتضحت معالم توجههم الحقيقي والذي يميل الى النظام السوري الحاكم المدعوم من روسيا، وفي الجانب الاخر حدثت تطورات كبيرة في مسالة الوعي القومي والمطالبة بالحقوق القومية للكورد في كوردستان العراق التي بدورها دخلت في تحالف مباشر مع القوى الدولية لمحاربة الارهاب، ذلك التحالف الذي اعطى للكورد مساحة واسعة للظهور الدولي بحيث اصبحت قضيتهم في العراق تتداول في العديد من المحافل الدولية، ذلك التداول الذي اسفر في النهاية الى قناعة لدى الاوساط السياسية الكوردية بضرورة اجبار بغداد على اتخاذ سياسة واضحة تجاههم، واعطاء حقوقهم الدستورية الامر الذي افضى الى اتخاذ الساسة في كوردستان العراق قراراً باجراء استفتاء للاستقلال، فعلى الرغم من هذا القرار التاريخي المهم للحركة التحررية الكوردية الا ان المواقف الدولية تغيرت تجاههم بحيث لم تقدم لهم الدعم اللازم مما جعلوا من تجميد نتائج الاستفتاء امراً وارداً.

مر الشعب الكوردي كغيره من شعوب المنطقة بمراحل تاريخية عديدة، وتثبت الدراسات التاريخية والاثرية برسوخ قدم الكورد في المنطقة سواء من الناحية الاثنية او الجغرافية، ولقد ترك الكورد خلال العصور التاريخية معالم حضارية واضحة تشهد لهم بامتلاكهم القدرة على البقاء والثبات امام الصعاب، وتعد مرحلة عاصفة الصحراء 1990 الى ما بعد سقوط بغداد وانحلال نظام البعث العراقي 2003 احدى اهم المراحل التاريخية والسياسية للكورد في كوردستان العراق حيث تم تقييد نظام البعث وجيشه وذلك من خلال اقامة منطقة عازلة باشراف دولي، وفي الوقت نفسه دخل الكورد بشكل فعال للمنظومة السياسية الداخلية بتشكيل حكومة كوردية وبرلمان كوردي ومن ثم التوافقات السياسية بين الاحزاب الرئيسية في كوردستان العراق، ومن الناحية الاخرى دخولهم وبشكل قوي في تحديد معالم وملامح السياسة العراقية واستطاعوا من فرض ارادتهم في صياغة العديد من المواد الدستورية الاولية التي تضمن لحد ما حقوقهم داخل الدولة الجديدة بالطبع من خلال دخولهم ضمن اللجان المكلفة باعداد مواد الدستور والتي استمرت لفترة طويلة قبل ان يتم الاعلان عنه، ولكن كل ذلك مرة اخرى اصطدم بواقع المصالح الدولية التي سعت بدورها الى تفعيل الورقة الكوردية للضغط على بغداد وايران من جهة وللحد من التوغل التركي ايضا من جهة اخرى، فمصالح تركيا هددت الى حد ما المصالح الامريكية على الرغم من التحالف الامريكي التركي، كما اصبح التواجد التركي في العراق لاسيما في كوردستان معياراً سلبياً بوجهة نظر الاتحاد الاوربي لتعارضها مع مصالح الاتحاد وكذلك لكون الاتحاد يدرك تماما المساعي التركية لضرب حزب العمال الكوردستاني من خلال هذا التوغل.

من خلال رسم الملامح السياسية عقب فترة سقوط النظام العراقي وبداية التحولات السياسية العراقية والتي سبق وان نوهنا عنها بتشكيل اللجان الدستورية ودور الكورد فيها، اصبح المشهد العراقي شبه واضح المعالم للغرب الاوربي والامريكي من جهة وللدول الاقليمية المجاورة لاسيما ايران وتركيا من جهة اخرى، حيث ان التدخلات الاجنبية في الشؤون العراقية لم يعد مقتصرا على جهة معينة بل تحول العراق ساحة لعب للمصالح الدولية لاسيما لتركيا التي باتت احدى اكبر الدول استثماراً في العراق وبالاخص في كوردستان العراق وباتت تتحكم اقتصاديا في العديد من المواقف السياسية، لكونها تتحكم في الاصل بالممر المهم والرئيسي لانفتاح كوردستان العراق على العالم الخارجي، ولقد سعت تركيا من خلال ذلك لفرض وجودها، وسياستها في الكثير من الاحيان وذلك لاعتبارات خارجية، فتركيا التي تعاني منذ عقود طويلة في مسالة الدخول للاتحاد الاوربي واجهت الامر بطريقة مغايرة وذلك بفتح قنوات اقتصادية وسياسية تعطيها حضوراً مميزا في الشرق الاوسط، مما يعني بالتالي امكانية الضغط على الاتحاد الاوربي لقبولها، ولكن في الوقت نفسه واجهت ضغوطات عديدة من منافسيها في المنطقة سواء ايران، او الولايات المتحدة التي وجهت للعديد من المرات انتقادات واضحة للتوجهات التركية وسياستها في المنطقة، وبلاشك ان تلك السياسة لم تلقِ استحسانا اوربيا ايضاً بل اثر كثيرا على المساعي التركية، ونتيجة هذا الصراع بين الدول الاقليمية والاتحاد الاوربي وامريكا دخل العراق مرحلة من الضياع السياسي استطاع الكورد من الاستفادة من تلك الظروف لبناء انموذج للحكم ضمن حكومة شبه مستقلة.

اصبح التوغل الاقتصادي التركي في كوردستان العراق محل شك للعديد من الاوساط المحلية والاقليمية، ولكنه في الوقت نفسه استطاع من اخراج حكومة الاقليم من العديد من الازمات، وبذلك فان هذا التوغل الاقتصادي منح الكورد فرصة كبيرة للانفتاح على الاسواق العالمية، فتركيا وحدها كانت تحمل تلك السمة الانفتاحية للكورد، لكون جغرافيا سوريا التي تعيش واقعا مأساوياً لايمكنها ان تمنح كوردستان العراق الممر الامن، ولا ايران التي تتحكم بزمام الامور السياسية في العراق وبذلك لم يعد امام الكورد الا تركيا، فعلى الرغم من التنازلات التي قدمها الكورد لتركيا الا انهم استطاعوا من استغلال ذلك لفرض واقع اقتصادي مؤثر، بحيث لم تعد تركيا تستطيع الى حد ما الاستغناء عنه، وهذا بلاشك يعد مكسباً لحكومة اقليم كوردستان، ومفتاحاً مهما للتنمية الاقتصادية لاسيما اذا ادركنا بان تركيا تنعم بموقع استراتيجي على الساحة الدولية سواء في المجال السياسي ام الاقتصادي، ولكن مع ذلك لايمكن انكار الاثار السلبية التي قد تتركها تركيا فيما يخص الواقع السياسي الكوردي الساعي لتحقيق دولة وكيان كوردي مستقل، فتركيا كانت ولم تزل من اشد الدول معارضة لهذا المسعى لادراكها بان استقلال كوردستان العراق يعني بالتالي فتح الممر والمجال مع الجنوب التركي للتحرك ضمن مساعي دولية وسياسية وحتى عسكرية لنيل حقوقها، وبالتالي فان تركيا كانت ولم تزل توجه كامل طاقتها للحد من استقلال كوردستان العراق ولقد شهدت الاحداث الاخيرة بعد الاستفتاء هذا السعي التركي حيث لاول مرة منذ عقود تاريخية نجد تركيا تقدم تنازلات واضحة لغريمتها ايران على حساب وقوف الاخيرة معها ضد المصالح الكوردية.

تتضح معالم الرؤية الدولية للقضية الكوردية وفق معايير المصالح المشتركة فيما بينها من جهة وعلى الوحدة الكوردية من جهة اخرى، فالقضية الكوردية تعيش واقعاً صعباً من خلال جغرافيتها الصعبة، حيث تستفحل الدول القومية في المنطقة بشكل واضح وجلي، وتتحكم تلك الدول بزمام السلطة ضمن جغرافيتها وفي احيان كثيرة تتحكم بمسارات اخرى للاحزاب الكوردية داخل حدود الدول المجاورة لها، وهذا يعني امكانية استغلال التيارات الكوردية من قبل تلك الحكومات القومية وفق مصالحها ومعاييرها واستراتيجياتها الخاصة واجنداتها، فتركيا الدولة القومية التي كانت ولم تزل تتحكم بقوة بزمام الحكم ضمن جغرافيتها تتدخل بشكل واضح ومؤثر في كوردستان العراق، وفي الجانب الاخر العراق نفسه المدعوم من ايران نراه يتحكم بمناطق كثيرة وفق نهجها الخاص، وبالتالي فان القضية الكوردية تعيش واقعاً افتراضياً موحداً، وواقعاً عيانياً مفترقاً، وهنا تبرز اللعبة الاكثر تحكما بالمساعي التركية لبسط نفوذها في المنطقة وهو الصراع التركي الاتحاد الاوربي حيث تشكل الاخيرة معلماً بارزا في تحديد المسارات السياسية التركية، بحيث كان الترك ومازالوا يستغلون ورقة التحكم بالعديد من الممرات الاقتصادية المهمة لكوردستان العراق لتوجيه الرأي العام الاقليمي، في حين لم يزل الاتحاد الاوربي يرى في السياسة التركية منافية لجميع القوانين الدولية والتي تفضي الى عدم اهليتها للدخول في الاتحاد.

فالتوغل التركي في سوريا ومساهمتها الفعالة في ايواء المعارضة السورية ومن ثم اتباعها النهج العسكري لتوثيق مواقفها ورغبتها التوغلية تجعل من مهمة قبول الاتحاد الاوربي لتلك الافعال والاعمال شبه مستحيل، لاسيما بعد ثبوت العديد من الادلة بارتكابها مجاز حقيقية وايوائها لبعض الجماعات الارهابية، ومن ناحية اخرى رفضها القاطع للتعامل مع الاحزاب الكوردية الفعالة والتي تدخل ضمن التحالف الدولي ضد الارهاب، كل هذا جعل من القضية الكوردية تدور في حلقة فارغة ضمن اطارات لم تحدد ملامحها المستقبلية بعد، ومن جهة اخرى فان التعامل الدولي مع الكورد على الرغم من ولولوجهم الى التحالفات الدولية معهم، بات امراً يعقد من ادراك معالم القضية الكوردية المستقبلية، فالكورد رغم كل ما قدموه مازالت قضاياهم يتم التعامل معها وفق سياق محدد وهو الدولة القومية التي يشكل الكورد جزء منها، فالتعامل مع اقليم كوردستان العراق يتم عبر بغداد، ومع الكورد في سوريا وفق المنظومة السورية ناهيك ان ايران وتركيا لايعترفان اصلا بوجود كوردستان، فكل التعاملات تتم عبر انقرة التركية وطهران الايرانية.

لقد ساعد التشتت الكوردي نفسه هذه الدول على الاستقواء عليها، وحصر قضيتهم في الدوائر الداخلية للدول نفسها، وعدم اعتبار القضية الكوردية قضية دولية او قضية قومية تحتاج الى حلول دولية، هذا التشتت له اسباب عديدة، ولعل ابرزها هو التحزب والانقسام في الرؤية الكوردية حيال قضاياه، وعدم وجود قيادة تستطيع ان تتحكم بالكورد وتوجههم الى بر الامان، فكل الاحزاب الكوردية لاتملك مشروعاً قومياً منطقياً وواقعياً يمكنه ان يتماشا مع رؤية اغلب الاحزاب المتحكمة الاخرى، بل ان اختلاف وجهات النظر الكوردية الكوردية ادت في العديد من المرات الى الاقتتال الداخلي فيما بينهم، وهذا ما وسع الشرخ بين الرؤية الكوردية لقضيتهم وبين الرؤية الدولية التي وبحسب مصالحها تريد وتيرة موحدة للرؤية الكوردية كي تقدم الدعم لها، ان التنافس الحاصل بين القوى الحزبية الكوردية اضرت بالقضية الكوردية بدرجة انها لاتستوعب مدى حجم تلك الاضرار، ولم يعد يهمها الا الشعارات القومية التي بدورها لاتنفع ولاتقدم للقضية اية حلول مناسبة، هذا الانقسام الظاهر في الجسد الكوردي لم تجعل الهوية الكوردية في خطر فحسب بل انه بات يهدد مستقبل القضية ومستقبل الجنسية الكوردية في دولها وفي المنطقة باجمعها، بحيث لم يعد التغني بالاسطورة الكوردية التي استطاعت الوقوف بوجه الظلم والارهاب تنفع، لان اساس اية اسطورة حية التوافق والالتحام والتوحد وهذا ما لايوجد في دائرة الساسة الكورد، وبالتالي فان الاسطورة بكل قوتها لاتستطيع ان تخلق واقع سياسي يتمكن فيه الكورد من تشكيل دولة او اقامة كيان مستقل.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

عبد الجبار الجبوريتداولتْ الفضائيات والصحف الغربية والأمريكية، تهديداً إيرانياً بغلق مضيق هرمز، أمام تصدير النفط الخليجي الى العالم . في حال تنفيذ أمريكا تهديدها، بمنع الدول الغربية الاوربية إستيراد النفط الايراني، هذا التهدَيد جاء على لسان الرئيس الايراني حسن روحاني، في مؤتمره الصحفي في جنيف أثناء زيارته لسويسرا، معتبراً هذا الإجراء إعلان حرب على إيران. في حين هدّد قائد الحرس الثوري الايراني، رداً على تهديدات إدارة الرئيس ترمب بقوله ( إن الحرس مستعد لتطبيق استراتيجية تعرقل صادرات النفط الإقليمية حال حظرت أميركا مبيعات النفط الإيرانية)، وبهذه التهديدات الايرانية، تدخل المنطقة في حالة حرب حقيقية، فسرّها المراقبون، بأن إيران إتخذّت عدّة خطوات لمواجهة خطر الحرب عليها، ومنها إلحاق الضرّر بالمصالح الإستراتيجية الامريكية في المنطقة، وكذلك مصالح الدول الخليجية ومنها، غلق مضيق هرمز الذي تصدّر منه الدول الخليجية، أكثر من 18 مليون برميل نفط يومياً، أغلبها من السعودية والكويت وقطر والإمارات، هذا التحوّل الإستراتيجي في الخطاب الإعلامي الايراني من الدفاع الى الهجوم، يعدّ الأخطر، والذي يعني دخول المنطقة كلّها في حرب غير معلّنة، تنتظر الإشارة، لاسيمّا، والاتصال الهاتفي بين الرئيس ترمب والملك سلمان، وتعهّدْ المملكة على تعويض النفط الايراني، إذا نفذّت الدول الاوروبية الطلب الأمريكي، برفض النفط الايراني، في وقت كان تصرّيح مدير التخطيط الامريكي بوزارة الخاجية براين هوك (أن بلاده واثقة من وجود ما يكفي من الاحتياطات النفطية للاستغناء عن النفط الخام الإيراني، وأن هدف حكومته هو خفض عوائد إيران النفطية إلى صفر)، هذا يعني إن الخطوات الامريكية ماضية قدماً، في زعزعة الامن والاستقرار داخل إيران .من خلال الحصار الاقتصادي الخانق عليها خارجياً، والذي ادّى الى تظاهرات وإحتجاجات داخيً، كما جرى تفجيَّر الشارع الايراني بتظاهرات شعبية عارمة، وأعلن المرشد الايراني مباشرة إتهامه لأمريكا، أنها هي من وراء هذه التظاهرات الشعبية في جميع المدن الايرانية، وهذا السيناريو إعتمدته أمريكا في أكثر من مكان ونجحت فيه، كما حصل في سوريا وحكومة مصدق عام 1953 لتغيّير النظام من الداخل، ويقف خلف هذه التظاهرات الموساد الاسرائيلي والسي اي اي الامريكي. إن غلق مضيق هرمز من قبل ايران، يعني بكل تأكيد إعلان الحرب في المنطقة، وهو الشرارة التي تسعى امريكا وسرائيل إشعالها، والتي تعدهأ أمريكا ذريعةً ومبرّراً لغزو إيران .تماماً كما حصل مع غزو العراق، وأزاء هذه الخطوات الامريكية المستفزة لإيران، والتصريحات النارية لأركان إدارة ترمب، كما حصل في مؤتمر المعارضة الايرانية لمجاهدي خلق في باريس. حيث قال رودي جولياني احد العاملين في فريق ترمب القانوني مانصّه مبشراً الايرانيين والمعارضة (نراكم في طهران في العام المقبل)، في إشارة الى سعي أمريكا واصرارها على تغيير نظام الملالي في طهران وإسقاطه، ونعتقد أن قرار التغيير قد حسمته إدارة الرئيس ترمب، وتحشيد الجيش الامريكي وأساطيله وبوارجه الحربية، وتكدسّها في الخليج العربي والمنطقة، والقواعد الامريكية العسكرية فيها، ولكنْ هذا التغيير لن يَتم قبل أن تحسم أمريكا وحلفاؤها وروسيا الاوضاع في كل من العراق وسوريا واليمن. أمريكا والسيناريو الامريكي لمواجهة إيران وتغيير نظامها، ماضٍ بقوة الى الامام ولا رجعة عنه، خاصة بعد المصالحة التأريخية بين أمريكا وكوريا الشمالية، وتسليّم كوريا ملفّات البرنامج النووي الايراني للإدارة الامريكية، ولكنّه بطيئ جداً للاسباب التي ذكرناه، لذلك كات تهديدات روحاني مباشرة وصريحة (أن إجراء غلق مضيق هرمز سيكلّف أمريكا والدول العربية والخليجية ثمناً باهظاً جدا أكثر خطورة وربما وجودياً)، لأن قطع النفط الايراني بحسب (الرئيس روحاني)، يعني قطع عنق إيران وقطع رزق شعبها، وهذا ما لاتقبله إيران مهما كانت النتائج، وهي مستعدة لإسوأ الاحتمالات وهي الحرب، إذن نحن أمام سيناريو حربي جديد في المنطقة، تقوده الادارة الامريكية والدول الخليجية وإسرائيل ضد إيران، فماذا ستفعل إيران أزاء هذا السيناريو المرعب لها. والذي يهدّد نظامها وإقتلاعه، وهي غائصة الى أذنيها في مستنقع سوريا والعراق واليمن، هذا المشهد لابد ان نعود الى جذوره وتداعياته، فالوضع العسكري السوري يشارف على نهايته، بعد تفاهم المعارضة والفصائل العسكرية، وتوقيع اتفاق سلام وهدنة مع النظام وروسيا، وتسليّم سلاحها في درعا وغيرها، مما يفتح الطريق لأنهاء الحرب هناك، وهزيمة تنظيم داعش والنصرة نهائياً في سوريا، مصاحباً لإخراج إيران من سوريا وإنسحاب أذرعها الميليشاوية العراقية وحرسها الثوري وحزب الله، وكذلك الحال التفاهم بين تركيا وأمريكا والنظام السوري في شمال سوريا وإستقرار الاوضاع في منبج وعفرين. والشريط الحدودي التركي –السوري، وإستسلام الوحدات الخاصة الكردية وخروجها من المدن، أما اليمن فهزيمة الحوثيين في الحديدة ومطارها ومينائها، وتقهقرميليشياتها في اكثر من مدينة وإعلانها الإنسحاب من الميناء دليل هزيمتها، ونعتقد ان هزائم الحوثيين أمام الجيش اليمني الوطني. وأمام المجتمع الدولي، قد أصبح وجودها وهزيمتها العسكرية وإعلان استسلامها مسألة وقت لا اكثر، ولكن التحديات الكبرى التي تواجه الادارة الامريكية، كما وصفها وزير الخارجية الامريكي ماك بومبيو هي الميليشيات في العراق، وضرورة دمجّها في القوات الامنية والجيش وتحجيّم دورها في العراق، لذلك نرى ان الحراك الامريكي، وإرسال الرئيس ترمب مبعوثه الشخصي بريت ماكغورك، الى بغداد اليوم، هو لإجراء محادثات مع رموز العملية السياسية، ووضع اللمسّات الأخيرة. لتشكيّل حكومة عراقية، برئاسة شريكها حيدر العبادي، ومعلناً في الوقت ذاته، فشل جميع التحالفات السابقة التي أعلنها مقتدى الصدر زعيم قائمة سائرون، مع قائمة الفتح والنصر ودولة القانون، وإنها ليستْ تحالفات وإنمّا تفاهمات، لم ترقَ الى تحالف حقيقي لتكوّين الكتلة الأكبر، لأن إعلان الكتلة الاكبر، وحسب الدستور المسخ، سيكون داخل جلسة مجلس النواب وليس خارجها، وهكذا أفشل بريت ماكغورك بزيارته السابقة لبغداد، محاولات قاسم سليماني لإنشاء تحالف كبير يضمن حكومة تابعة لإيران، كانت أولى خطواته إعلان الصدر تحالفه مع هادي العامري زعيم قائمة الفتح، يعود اليوم بريت ماكغورك ليضع الأمور في نصابها الصحيح أمريكيا، وكما هو مخطط لها أمريكياً، وهو تشكيّل حكومة شاملة عابرة للطائفية، وبعيدة عن السطوة الايرانية تماماً، وتحجيّم وإنهاء دور الميليشيات في العراق، التي تُعدّ أكبر تحدِّ للإدارة الامريكية، ومعرقلاً أساسياً لمشروعها في العراق والمنطقة، خاصةً بعد تهديدات قادة الميليشيات بضرب القواعد الامريكية في العراق، والسفارة الامريكية والمستشارين الأمريكان وخطّفهم، وكذلك إنهاء وتحجيم الدوّر والتدخل الايراني العسكري في العراق، هذه هي أهم التحديّات التي تواجه أمريكا ومشروعها في العراق، فماذا أعدّت الادارة لمواجهة هذه التحديّات، أولى الخطوات هو إعادة التوازن، في تشكيل حكومة شاملة، لاتهميش فيها لإيِّ مكوِّن، وإخراج قوة الميليشيات خارج المعادلة السياسية، وحصر السلاح بيد الدولة، ونزعه من يدِّ الميليشيات، وما التفجيرات التي حصلت في مدينة الصدر والبصرة ودهوك وبابل والسليمانية وغيرها، إلا إشارة واضحة على تقليم أضافرها، وما يجري من حراك سياسي في الدول الاقليمية، قد فشل في توحيد الخطاب السياسي بين القوائم والكتل وبقي الخلاف قائما، والصراع على أشدّه بينها جميعاً، فلا يوجد تحالف يمكن من خلاله تشكيل حكومة ذي صبغة طائفية، خاصة وإن عملية العدّ والفرز ستطول ربما شهرين، وسيفّجّر صراعات خطيرة، بين الكتل المزوِّرة والكتل الخاسرة، وهذا يصبّ في صالح الإدارة الامريكية، لحسم الصراع لصالحها .في إعلان حكومة الانقاذ الوطني الحل الوحيد لإنقاذ العملية السياسية من حرب أهلية طائفية تتسعى وتبشر بها قائمة دولة القانون والمفوضية اللامستقلة، وهو ما تريده طهران لخلط الاوراق، وإشغال الادارة الامريكية في العراق، وإبعادها عن أزماتها الداخلية، التي أصبحت تهدّد كيانها ووجودها، من خلال التظاهرات الغاضبة في شوارع إيران، فهل تستطيع إيران غلق مضيق هرمز، أجزم أنها لن تسطيع لأنها ستخنق نفسها بيدها وتموت، إيران تعيش أيامها الاخيرة قبل الطوفان، وحانت ساعة الحساب فعلا، الأيام القادمة حُبلّى بكل أنواع المفاجآت...

 

عبد الجبار الجبوري

 

 

ابراهيم أبراشإن كان انهيار المعسكر الاشتراكي رسميا بداية التسعينيات من القرن الماضي دشن لحقبة جديدة أو لنظام دولي جديد أنهى النظام الدولي أو العالمي الذي وضعت أسسه اتفاقية يالطا في فبراير 1945، فإن التطورات داخل المعسكر الغربي وعلاقة هذا الأخير بالإدارة الأمريكية بزعامة دونالد ترامب تؤسس لنظام دولي جديد يتجاوز ويتعارض مع جديد (النظام الدولي الجديد) السابق .

وقبل الحديث عن ملامح ومؤشرات النظام الدولي الجديد الذي يسعى الرئيس ترامب لفرضه، نستحضر أهم المتغيرات والتحولات التي كانت وراء الحديث عن النظام الدولي الجديد بعد حقبة الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي، وهي كما يلي :

1- الانتقال من الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، مع مؤشرات إلى تعددية قطبية مرنة .

2- انهيار المعسكر الاشتراكي وتحوَّل روسيا الاتحادية إلى مجرد دولة كبيرة كغيرها من عديد الدول .

3- استمرار بل وزيادة قوة المعسكر الغربي – اتحاد أوروبي وحلف أطلسي- بعد انضواء غالبية دول أوروبا الشرقية إليه .

4- وجود الولايات المتحدة الامريكية على رأس العالم الغربي / الحر.

5- الانسجام والتوافق ما بين دول أوروبا وواشنطن وإقرار الأولى بالزعامة الأمريكية بدون منازع، وانسجام وتوافق ما بين دول الاتحاد الأوروبي .

كانت المراهنة بأن العالم بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وفي ظل النظام الدولي الجديد سيصبح أكثر أمنا واستقرارا وخصوصا أن انهيار المعسكر الاشتراكي أوجد حالة من نشوة الانتصار – انتصار بدون حرب - والطمأنينة بأن الخطر النووي والعقائدي الاستراتيجي الذي كان يهدد الغرب عسكريا وحضاريا قد زال، وما عزز حالة الطمأنينة تزامن ما سبق مع انتشار ظاهرة العولمة التي بشرت بإزالة الحدود والحواجز والانفتاح بين دول العالم، بل وصل الأمر ليبشر البعض بنهاية زمن الصراعات والتَسيّد الأبدي للغرب بزعامة واشنطن على العالم - نظرية نهاية التاريخ للمفكر الأمريكي الياباني الأصل فرانسيس فوكوياما - .

عدة أحداث عززت حالة الثقة بالنظام الدولي الجديد وثقة بقدرة واشنطن على قيادته، فخلال العقدين المواليين لانهيار المعسكر الاشتراكي : انضمت عدة دول من أوروبا الشرقية لحلف الأطلسي، حرب الخليج الثانية ونجاح التحالف الغربي في إجبار جيش صدام حسين على الانسحاب من الكويت ولاحقا احتلال العراق 2003، عقد مؤتمر مدريد للسلام 1991 ثم اتفاقية أوسلو 1993 بين الفلسطينيين والإسرائيليين تلتها اتفاقية وادي عربة مع الأردن 1994، التدخل الأطلسي لحسم الحرب في البوسنا والهرسك 1992، الخروج بأقل الخسائر من الأزمة الاقتصادية 2008 مع أسعار متوازنة للنفط، فوضى الربيع العربي ونتائجها الكارثية على العرب والإيجابية للغرب وخصوصا واشنطن، توقيع اتفاقية الملف النووي مع إيران 2015، هذا بالإضافة إلى نشوة الانتصار لدى حلفاء الغرب التقليديين وخصوصا إسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية ودول الخليج العربي .

كل شيء أخذ بالتغير داخل الحلف أو المعسكر الغربي وعلى مستوى النظام العالمي بكامله مع فوز الرئيس الأمريكي ترامب في انتخابات 2016 . لم يكن فوز الرئيس الأمريكي ترامب مجرد تحول وانتقال ديمقراطي داخلي من الحزب الديمقراطي للحزب الجمهوري بل كان لسياساته الخارجية تأثيرا على النظام الدولي لا تقل أهمية عن انهيار المعسكر الاشتراكي، وهي تأثيرات مست كل المناحي التي كانت تشكل معالم أو مرتكزات للنظام الدولي الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والعسكرية والإستراتيجية، وقد تزامن هذا مع متغيرات داخل أوروبا نفسها كاتحاد وكدول تشبه حالة التفكك، مع عودة قوية لروسيا الاتحادية إلى المشهد العالمي .

في عهد الرئيس ترامب لم يعد الحديث يدور عن الصراعات التقليدية بين الغرب والشرق أو بين الحلف الأطلسي وروسيا الاتحادية، بل عن صراعات وخلافات داخل المعسكر الغربي أو العالم الحر ذاته، مما ينذر بتحولات جدية على المعسكر أو الحلف الغربي وعلى النظام الدولي ومن أهم هذه المتغيرات أو المؤشرات على التحول :

1- رفع الرئيس ترامب ومنذ حملته الانتخابية شعار (أمريكا أولا) .

2- الخلافات بين إدارة ترامب وأوروبا حول مسألة أو اتفاقية المناخ وانسحاب واشنطن من الاتفاقية .

3- خلافات أمريكية أوروبية حول اتفاقية التجارة الحرة وفرض الرسوم .

4- خلافات أمريكية أوروبية حول الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي وتشكيك ترامب بجدوى وجود هاتين المؤسستين .

5- الموقف الأمريكي المعادي للقانون الدولي والأمم المتحدة .

6- تباين المواقف حول عملية التسوية السياسية في الشرق الأوسط ومن صفقة القرن الأمريكية .

7- خلافات حول الهجرة واللاجئين .

8- التصويت البريطاني على الخروج من الاتحاد الاوروبي "Brexit" وتهديد دول أخرى بخطوات شبيهة .

9- أزمات اقتصادية تضرب أكثر من دولة أوروبية وآخرها اليونان .

10- خلافات حول ملف الهجرة وخصوصا ما بين ايطاليا من جهة وألمانيا وفرنسا من جهة أخرى .

11- تصاعد الشعوبية لدرجة مطالبة بعض الأقاليم بالانفصال عن الدولة الأم كما هو حال إقليم كاتالونيا في أسبانيا،واسكتلندا مع بريطانيا الخ

12- لم تعد أوروبا تنظر لواشنطن كزعيمة للمعسكر الغربي .

13- خلافات أمريكية أوروبية حول اتفاقية الملف النووي الإيراني .

14- عودة روسيا بقوة إلى المشهد الدولي عسكريا وسياسيا واقتصاديا .

ما يؤكد التحولات في النظام الدولي وفي العلاقات داخل ما يسمى المعسكر الغربي أن القمة القادمة بين الرئيس الامريكي دونالد ترامب والروسي بوتين في السادس عشر من يونيو الجاري تثير تخوفات حتى عند الدول الأوروبية نفسها التي لم تعد تشعر في عهد ترامب بأن واشنطن زعيمة للعالم الحر ومدافعة عن مصالحه، فخلافات ترامب مع أوروبا تثير خشية أوروبا من أن يكون التفاهم الروسي مع ترامب على حساب مصالح أوروبا، كما أن اللقاء يثير قلق حلفاء آخرين كاليابان وكوريا الجنوبية وحلفاء في الشرق الأوسط . فماذا تبقى من المعسكر أو الحلف الغربي؟ .

 

د. إبراهيم أبراش

 

 

سليم الحسنيلا تهتم الولايات المتحدة كثيراً لنفوذ إيران السياسي في العراق، فهي تتعامل معه على أنه حالة طبيعية في كل الدول القلقة، حيث تكون ساحة مفتوحة لتدخلات دول الجوار. كما أن النفوذ الإيراني في العراق يمكن السيطرة عليه، فالسفارة الأميركية في بغداد تتحكم بالمفاصل الأساسية في العملية السياسية، وعليه فالنفوذ الإيراني ليس كما يُتداول اعلامياً، لكن الذي يقلق واشنطن الشطر العسكري من هذا النفوذ.

لقد أفسد الدعم العسكري الإيراني لقوات الحشد الشعبي، مشروع أميركا الكبير في تفتيت المنطقة عن طريق الجماعات الإرهابية وأبرزها تنظيم داعش. وبنهاية دولة البغدادي، تهاوى بناء ضخم كان يوشك على الاكتمال. وبتحرير الموصل وصلاح الدين والأنبار، أصبح مؤكداً لدى البيت الأبيض أن مشاريع الفوضى لن يكتب لها النجاح طالما هناك دعم إيراني يواجه الجماعات الإرهابية بقوة عسكرية ضاربة وذات خبرة عالية.

كانت حرب التحرير ضد داعش، في حقيقتها حرب المحور الإيراني ضد المحور الأميركي. وكان العراق بحسب المخطط الأميركي هو المنطقة المركزية لهذه الحرب، أما سوريا فهي منطقة القتال الثانية بحسب الأهمية الاستراتيجية.

وعندما فشل مشروع الكيان الإرهابي في العراق، لجأت الولايات المتحدة الى استخدام استراتيجية جديدة، تمثلت في الضغط على إيران وفق معادلة (العراق مقابل التهدئة)، بمعنى ان تترك إيران العراق نهائياً سياسياً وعسكرياً، مقابل أن تحظى بهدوء مع المحور الأميركي. والمقصود بالتخلي الإيراني عن العراق، أن لا تعود الى نجدته حتى لو رأته يحترق بحرب أهلية أو اقتحام جديد لجماعات إرهابية يمكن ان تصل الى كربلاء والنجف، بما في ذلك عدم تدخلها في ما قد يشهده العراق من انفصال كردي او تشكيل إقليم سني.

وفي ضوء هذه المعادلة، فان أميركا لا تريد إبعاد إيران من العراق، لأنها صاحبة نفوذ فيه، إنما تريد إبعادها لكي تتصرف أميركا بالعراق ضمن الخطة الثابتة التي تعتمدها وهي الشرق الأوسط الكبير، والتي أخذت تسمية جديدة على عهد ترامب تحت عنوان (صفقة القرن) ـ سأتناول ذلك في مقال قادم ـ وهذا يعني أن فترة طويلة من الأزمات والفوضى يجب أن يعيشها العراق، ولأميركا وحدها قرار تحديد مدتها ومدياتها.

لقد بدأت أميركا العمل على تنفيذ هذا المخطط، بالاعتماد على السعودية لتكون أحد محطات التنفيذ الفاعلة، وذلك بتكليفها بمهمة محددة هي تمزيق الصف الشيعي العراقي، ومواصلة سيطرتها على القيادات السنية، مع محاولة تحويل بعض القيادات من الولاء القطري الى الولاء للرياض.

وبدأت السعودية المهمة بحماسها المعهود لكل مشروع يستهدف الشيعة، فاستطاعت استيعاب زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، ومدت يدها الى داخل منظمة بدر عن طريق قاسم الأعرجي الذي دان لها بالطاعة والامتثال، وتناغم رئيس المنظمة هادي العامري مع هذا التوجه من حيث يدري أو لا يدري مدفوعاً برغبة جياشة لتولي رئاسة الوزراء.

وأناطت السعودية بالكويت مهمة المساعد على تنفيذ هذا المخطط، عبر التحكم برئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم، وفتح جسر اتصال إضافي مع مقتدى الصدر.

أما رئيس الوزراء حيدر العبادي فهو مضمون التوجه يلتزم بما تقرره السفارة الأميركية في بغداد.

بهذه التشكيلة الميدانية القائمة حالياً، فان أميركا تقول لإيران، بأن الكتلة الشيعية الأكبر، قد استطعنا تقسيمها. وأن نفوذكم السياسي قد انحسر أو في طريقه الى الانحسار بعد بضعة أشهر، وعليه فلا بد ان توافقون على صفقة (العراق مقابل التهدئة).

في إجراء تصعيدي، أعلنت إدارة ترامب إلغاء الاتفاق النووي، ثم تبعته بحرب اقتصادية مؤثرة ضد ايران، سخرت فيها عصب الاقتصاد الإيراني وهو النفط، وهي إشارة عاجلة مفادها (العراق مقابل النفط).

 

سليم الحسني

 

 

ابراهيم أبراشحالة غير مسبوقة من التكهنات والأخبار والإشاعات تغزو الساحة الفلسطينية، فما يمر يوم إلا ونسمع عن مبادرة أو مشروع لحل إشكالات الأوضاع المتردية في قطاع غزة، وهي جميعا وإن كان عنوانها الظاهر إنساني فإنها تُضمر حلولا غير وطنية للقضية الفلسطينية بشكل عام .

ميناء في غزة، ميناء في العريش المصرية، جزيرة اصطناعية في بحر غزة، سفينة تركية لإمداد القطاع بالكهرباء، محطة لتوليد الكهرباء بالغاز، إقامة منطقة حرة على الحدود المصرية الفلسطينية، إسرائيل ستسمح لعمال غزة بالعمل فيها، إسرائيل ستسمح لسكان غزة بزيارة المسجد الأقصى، مشروع قطري لحل مسألة موظفي غزة، مؤتمر في واشنطن لبحث الأوضاع الإنسانية في غزة، مبادرة إسرائيلية بالسماح بممر مائي إلى قبرص مقابل أسراها عند حماس، إحياء مخطط أيغورا أيلاند حول توسيع غزة باتجاه سيناء، عودة الإدارة المصرية للقطاع الخ .

هذا بالإضافة إلى السيناريوهات والأخبار الملتبسة حول صفقة القرن التي لا يعرف أحد كل تفاصيلها حتى الآن وأزمة الأونروا، وإشاعات حول صحة الرئيس وخلافته وحول رواتب موظفي غزة حيث حبل الكذب بهذا الشأن طويل الخ .

ليس هذا فحسب بل تطُل علينا بين الفينة والأخرى شخصية جديدة قضت غالبية عمرها في الغرب لتطرح مبادرة جديدة وتُوعِد الفلسطينيين وخصوصا أهالي قطاع غزة بالفرج القريب مما يكرس ما تريده واشنطن وإسرائيل بأن القضية الفلسطينية ليست قضية وطنية سياسية بل مسألة إنسانية يمكن حلها من خلال المال، وتتبارى أقلام ومثقفون ليبشروا بقائد جديد كل مؤهلاته أنه يملك الثروة والعلاقة الحسنة مع واشنطن !!! هذا لا يعني أن الحالة الفلسطينية لا تحتاج لتجديد في الأشخاص والبرامج حيث العمل السياسي والحق بالقيادة والزعامة ليسا حكرا على الطبقة المهيمنة والأحزاب التاريخية أو على قاطنة غزة والضفة فقط، ولكن المطلوب أن يكون الجديد والتجديد في الإطار الوطني وممن يختارهم الشعب وليس ممن تريدهم واشنطن .

يضاف إلى كل ما سبق من التباس مقصود التزامن ما بين وجود الوفد الأمني المصري في قطاع غزة منذ أكتوبر الماضي والوجود شبه الدائم للسفير القطري العمادي في القطاع في هذا الوقت الذي يشهد المرحلة الأخيرة من صناعة دولة غزة، وهو وجود يذكرنا بما جرى خلال المرحلة الأولى لصناعة دولة غزة ما بين 2004 حتى سيطرة حماس على القطاع في يونيو 2007، فآنذاك كان يتواجد وفد أمني مصري استمر حتى سيطرة حماس على القطاع كما كان تواجدٌ قطري قوى من خلال تحركات وزير الخارجية القطري آنذاك حمد بن جاسم، ولا نعتقد أن هذا التزامن جاء مصادفة أو له علاقة بانجاز المصالحة الفلسطينية أو تقديم المساعدات الإنسانية لأهالي القطاع !!!.

يجري كل ذلك وكأن قطاع غزة والشعب الفلسطيني بشكل عام لا قيادة أو عنوان له، وأن الشعب الفلسطيني بتاريخه النضالي ومؤسساته وأحزابه فقد القدرة على الفعل وأصبح ينتظر المُنقذ الخارجي ليحل له مشاكله ويخطط له مستقبله، وكأن لا قيادات المقاومة والجهاد مؤهلة لقيادة الشعب ووضعه على طريق الخلاص، ولا القيادات الوطنية في منظمة التحرير بكل فصائلها قادرة على ذلك، وأن تصمت كل هذه القيادات عن ما يجري أو تكتفي بخطاب رفض خجول فهذا معناه الاعتراف بالعجز والفشل، فشل مشروع أو هجوم السلام الفلسطيني الذي دشنه الراحل أبو عمار عام 1988، وفشل مشروع المقاومة المسلحة أو الجهاد لتحرير فلسطين الذي نادت به حركة حماس واكتسبت شرعيتها من خلاله .

إن كنا لا نريد التساوق مع تسريبات من هنا وهناك عن اتصالات تجريها واشنطن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة مع قيادات فلسطينية من السلطة ومن حركة حماس للتعامل مع الحلول غير الوطنية المطروحة، وإن كنا أيضا لا نريد تضخيم الحديث الذي يجري عن تساوق حركة حماس مع حلول لغزة بمعزل عن الضفة وعن القيادة الفلسطينية، إلا أنه يجب الحذر من الاكتفاء بخطاب الرفض والتنديد بصفقة القرن وبكل ما يتم طرحه من حلول وتسويات غير وطنية لمشاكل قطاع غزة، فالرفض ليس دائما موقفا وطنيا . حتى يكون الرفض موقفا وطنيا يجب أن يكون مصحوبا بخطة هجوم تُعيد للقيادة الفلسطينية وللشعب استعادة زمام الأمور ومواجهة كل الأطراف المشبوهة التي تلعب في ساحة غزة وفي الساحة الفلسطينية بشكل عام، وخطة الهجوم هذه تبدأ باختراق الجمود في ملف المصالحة الوطنية، وهذا ممكن من خلال تسليم حركة حماس المسؤولية عن قطاع غزة لحكومة وحدة وطنية تقودها شخصية وطنية مستقلة تهيئ لانتخابات شاملة في اقرب وقت.

أي حل وطني لمأزق الانقسام وللأوضاع في قطاع غزة سيكون أفضل بكثير من كل الحلول المطروحة لفصل قطاع غزة وتأسيس كيان فلسطيني جديد سيكون شكليا تحت سلطة فلسطينية – حماس أو غيرها – ولكنه عمليا سيكون تحت إشراف إسرائيل وواشنطن وجهات مانحة .

الحل الأول، وبالرغم من كل ما يكتنفه من صعوبات كرفض إسرائيل إعادة توحيد غزة والضفة في إطار سلطة وحكومة واحدة دون الخضوع للشروط الإسرائيلية، ومدى استعداد حماس لتسليم غزة، ومدى استعداد السلطة أيضا لاستلام غزة، بالرغم من كل ذلك سيحافظ على وحدة الأرض والشعب وعلى الحد الأدنى من استقلالية القرار الفلسطيني وروح المقاومة والممانعة . أما الحل / الحلول الأخرى فستجهض وتصفي المشروع الوطني بكامله وستقضى على أية إمكانية لبروز حالة وطنية مقاوِمة في القطاع، وسيستمر القطاع تحت رحمة إسرائيل وفي مرمى جيشها وتحت رحمة الجهات المانحة وفي مرمى تهديد وقف المساعدات وخاضعا لتقلبات الأوضاع السياسية في مصر .

 

د. إبراهيم أبراش

 

 

بقى الشيعة الاثنى عشرية تاريخيا وفقهيا ولقرون طويلة ما عدا فترة الحكم الصفوي ينظرون باحتقار الى الدولة والسعي الى السلطة واعتبروا تحقيق وجودهم يتجسد في انتظار المهدي المنتظر. واختلقوا العديد من الروايات كما اختلق من قبلهم الفكر الاموي ولاحقاً فكر السنة والجماعة العديد من الاحاديث التي تبرر سلوكهم السياسي. أعتبروا في روايتهم المنسوبة الى ائمتهم، إن اي راية ترفع قبل ظهور المهدي هي راية ظلالاً وكفروا اي مسعى باتجاه النضال من اجل السلطة في عصر الغيبة. تبلور الفكر السياسي الشيعي، بالذات حول الدولة، في فترة متاخرة ولاحقة، قياساً للقكر السياسي الاموي او السني لاحقا (اهل السنة والجماعة هم شيعة بالاصل- أنظر مقالتي المنشورة - عراق بدون سنة-). كان فكراً موازياً له او ردة فعلاً له. كان فكر الامويين ولاحقا العباسيين يقوم على تاويلهم للقران باطاعة الله والرسول وولي الامر ولو جاء بالسيف والغدر وعلى بحور من دماء المسلمين (أنظر مقالتي – قادة الاسلام الشيعي وإمارة المتغلب-)، بينما بقيت الدولة عند الاثنى عشرية غير شرعية والقائمين عليها غاصبين لحق ولاة أمرهم، هي دولة نواصب، رغم ان مصطلح النواصب اخرج من سياقة التاريخي وجرى تسيسه عبر التاريخ، في حمى الصراع الطاحن، اضافة للخلافات في تحديد من هم النواصب والموقف منهم. أختلقوا روايات منسوبة لبعض إئمتهم (في جوهرها إساءة لهم) تسمح بسرقة اموال الناصبي وسبيه مقابل دفع الخمس للامام، اضفة لشرعية قتله خلسةً. هم في المحصلة الاخيرة لم يستطعوا اين يحققوا ذواتهم لقرون طويلة، بل على العكس قدمت فكرة المنتظر اكبرخدمة للسلطات الحاكمة أو من جانب أخر، احرجتهم تاريخيا حينما قدمت خدماتها واضفت شرعيتها على حكام الدولة الصفوية، الذين لم يكونوا يختلفون عن غيرهم من الحكام الامويين والعباسيين والعثمانيين . حتى التطوير الذي جاء متاخراٌ، باختلاق ولاية الفقيه باعتباره مخرجاً لمأزق نظرية الامامة وتحديثاً لها، لم يقود الا الى ظهور نظام ديكتاتوري دموي أغرق شعبه ووطنه الجميل والغني بالماسي والمحن. كانت شرعية الدولة والحكم هي احد المأزق الحقيقية للفكر السياسي الاثنى عشري. تاريخيا كان الشيعة عموما هم حزب المعارضة الاساسي لحكم الاستقراطية العربية، لكنه تحول وبالذات، فكر الاثنى عشرية، وبسب باطنيته وهي جزء من باطنية الفكر الشيعي ولاسباب اخرى، منها العنف الدموي الذي عاناه حزب الشيعة، إضافة لتبنه لاحقا من قبل الدولة الصفوية باعتباره مذهبها الرسمي وتحوله الى سند اساسي لحكم الاستبداد والظلامية. هو بذلك لم يختلف على الاقل في مستواه السياسي عن الفكر السياسي السني.

يبقى السؤال حول شرعية الدولة والحكم فقهياً وسياسياً قائماً أمام أحزاب الاسلام السياسي الشيعي والمرجعيات العقائدية.

حاليا تبدوا احزاب الاسلام السياسي الشيعي في العراق، تائهة مثل موسى وقومه في البحث عن شرعية الدولة التي تسعى الى اقامتها او قيادتها. من الركض وراء الفقيه الولي في ايران، الى سلطة ابوية تحت اشراف المرجعية ورجال الدين. أو البحث عن ولايةِ فقيه بلباسِ عراقيِ، او ممهدون لامامِ غائبِ، لا يعرف زمن عودته، أخرون يتصلون بالمهدي المنتظر وغيرهم من هلم جرا، مشطورون بين عالم حقيقي متحرك ومفعم بتناقضاته الصارخة وبين باطنية تمتد الى اعماق الفكر السياسي الشيعي عموما والاثنى عشري خصوصاً، غطت مساحة تقارب 12 قرناً من تاريخه. صراع يتأرجع بين من يمسك الاحزاب وقياداتها التي تريد ابقاء المراجع تحت خميتها وبما يعكس رؤيتها السياسية (منهج حزب الدعوة) أو العكس، اضافة لمن يرى في منهج التخادم والبراغماتيه ، باعتباره افضل الطرق واقصرها والتي حققت بفضله نتائج كبيرة. هذا التخادم وجد طريقه الواضح حين دعمت مرجعية النجف احزاب الاسلام السياسي الشيعي بما حقق لها الفوز الكبير في انتخابات 2005، لاحقاَ اخذ التخادم مسارات أخرى. كان من الممكن ان يحقق هذا الفوز شرعية الحكم فما لو ارتبط بانجازمشروع وطني عراقي ينتشل الشعب من سبات الظلام والاذل الذي اوصله الية نظام صدام وبعثه الساقط. لكن الغرق في مستنقع الفساد واللاوطنية والمحاصصة وغيرها، أعاد الى الاذهان شرعية الدولة والحكم، باعتبارها المهمة المستحيلة تحقيقها فقهياً وسياسياً.

تبدو الصورة مركبة بشكل كاريكاتيري، حين تجتمع هذه الاحزاب وهي مستندة الى قاعدة عقائدية في تأسيسها ونشاطها داخل قبة البرلمان العراقي الذي تتصدر واجهته الاية القرانية (وامرهم شورى). هو مبدأ يتناقض مع عقائدهم باقامة دولة الامامة العادلة أو دولة الولاية النائبة عن الامام الغائب. لم يكن معيباً ان تلجئ هذه الاحزاب الى اليات الحداثة والديمقراطية لبناء الدولة الحديثة الخادمة والمديرة للمجتمع، لكن مهزلة الوضع حين يكون جسمها وعقلها في الماضي والعقيدة وظلها المشوه في الحاضر. ربما يكون هذا احد المنطلقات لاسقاطها نتائج الانتخابات الاخيرة، رغم المؤشرات المتنوعة والعديدة على كونها لم تخرج عن نهح الانتخابات السابقة في عدم نزاهتها. لذلك ياتي اصرارها على نظام المحاصصة بحيث يضمن لها أغلبية طائفية واقرارها قانون يعاكس كل ماهو متعارف علية وتقره نظم الديمقراطية الحديثة في تشكيل الكتلة الاكبر، أضافة لاصرارها على ان تكون رئاسة الوزراء شيعية، وبالذات مرتبطة بالاحزاب والقوى المتنفذة والمرتبطة بشكل أو اخر بالهيمنة الايرانية وولايتها. لا تقلق هذه الاوساط الان و بشكل كبير كما اعتقد رغم الضجة الاعلامية، على إعادة التحالف الشيعي بشكل أو اخر أو تشكيل الكتلة الاكبر، وربما ستكشف الايام القادمة عن اساليب اكثر خبثاً مما عرفناه سابقاُ لتشكيلها، لكن تبقى حسرتها طويلة على شرعيتها المهزومة فقهياً وسياسياً.

هناك قلق اخروربما يكون أحد المظاهر الجديدة، الذي لم تظهره الاحداث بعد وبشكل واضح، هو البحث عن لا شرعية المعارضة، خاصة فما لو اتجهت اليها سائرون وقوى اخرى، وفي ظل أوضاع مأزومة بشكل لا تحمد عقباه. هي تدرك فشلها وهشاشة مشروعها الوطني الذي كانت تتنقب به وضعف ارادتها الوطنية وعمق الفساد والعنف الذي اصبح جزءاً عضويا من تركيبها، لذلك تخشى هذه القوى اية معارضة وطنية صادقة مهما كان حجمها ، هذا الحجم والفعل الذي يمكن ان يتغير بسبب عمق الازمة وامكانية تفجرها بشكل أو أخر وخارج حسابات المنتفذين.

يبدو أن الاستخارة غير قادرة على تأمين النجاح لمشروع المرجعية الدينية الشيعية باعتيارها الفئة العقلانية من الاليغارشية المالية (البيوت المالية) العراقية (أنظر مقالتي- أفكار حول بنية السلطة في العراق-)، باقامة نظام تُمثل فيه كل الاطراف وليكن ابوياً كما يحلو للبعض ان يطلق عليه هذا الاسم، في استعادة شرعية الحكم فقهيا وسياسياً وعملياً، حتى ولو كانت بشكلها البائس وفي حفظ التوازنات والاستمرار بسياسية التثويل ومسخ العقل واستمرار نكبة العراقيين.

قوى الاسلام السياسي الشيعي المدججة بالمال والسلاح والغارقة في الفساد وإحتقار مطاليب الشعب في حياة كريمة ووطن أمن والمدعومة ايرنياً، تبقى بحاجة لغطاء عقائدي/ سياسي لتبرير منهجها الحالي، وستبقى عاجزة عن تحقيق المهمة المستحيلة في ضوء عقائدها في تجسيد شرعية الدولة التي تسعى اليها، ولسبب يبدوا بسيط جدا ولكنه يشكل جوهر المشكلة وهو إنها مهمة تقع خارج التاريخ.

 

د. أحمد الشيخ أحمد ربيعة

 

 

ماجد احمد الزامليمرحلة ما بعد خروج القوات البريطانية في اعقاب الحرب العالمية الثانية، وإسقاط حكومة الإنقاذ برئاسة الكيلاني حيث استهلت بتشكيل نوري السعيد لوزارته بولائه للحكومة البريطانية، وتميزت هذه الحقبة بولاية الوصي على العرش عبد الإله ومن بعده الملك فيصل الثاني.حيث اتسمت حركة التنمية بوتيرة منخفضة، فسادت اجواء التخلف وتباطؤ حركة البناء والعمران تحولت الحياة السياسية إلى حالة من الركود حيث انتابت الحركة النيابية الجمود وأصبح البرلمان لعبة بيد مراكز القوى السياسية كنوري السعيد وعبد الإله، اما الأحزاب والقوى الوطنية فقد انحسر دورها، وطفت على السطح الأحزاب الشكلية الخاوية من ايديولوجيات أو برامج العمل. كما ان الحكم الملكي اضطهد قيادة حركة مايو / مايس 1941 واصدار احكام الإعدام بحقهم، وربط العراق باحلاف سياسية ومعاهدات جائرة مع بريطانيا مسّت سيادته وهدرت ثرواته الوطنية، دون النظر إلى المصلحة العراقية الوطنية. و كانت اتهامات لحكومات وزعامات الحكم الملكي بفساد النخبة السياسية من غير الملك وعائلته، وانتشار المحسوبية والفساد الإداري والمالي. وكذلك يؤخذ على الحكم الملكي عدم حل المشكلات الداخلية كالتلكوء بمنح الاقليات الحقوق الثقافية. وعلى الصعيد الخارجي اثرت السياسات والصراعات الداخلية على المواقف العربية، فبدأ الحكم الملكي يتخذ مواقف هدفها تنفيذ المصالح البريطانية في المنطقة على حساب مصالح بعض الدول العربية كعدم الجدية في الوقوف مع القضايا العربية التي تمس الامن الوطني العراقي كظهور الكيان الصهيوني على أرض فلسطين وخسارة الحرب الفلسطينية الأولى عام 1948، على الرغم من المشاركة الواسعة والفاعلة للجيش العراقي، إلا أن تدخل الحكومات قوض النصر الحاسم في المعركة.، وكذلك عدم الجدية بالوقوف مع مصر في العدوان الثلاثي عليها وحملة العداء على سوريا . ما كانت عليه الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة آنذاك. وكيف كانت البلاد نفسها تمضي في مهب الريح، والدليل على ذلك تشكيل نوري السعيد 13 وزارة استمرت كل منها فترة قصيرة قبل أن تسقط. بينما كانت البلاد تغرق في الفقر والجهل وتعيش تحت رحمة نظام إقطاعي ظالم مصادر لحقوق الفلاحين.

بدات حركة الجيش العراقي في 14 تموز 1958 كأنقلاب عسكري وسرعان ما تحوّلت إلى ثورة تدعمّها الجماهير الشعبية، فقد تم تحقيق أنجازات كبيرة لمصلحة الشعب لا يمكن أن يجادل أي أنسان موضوعي بأهميتها. اسقاط النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري، وتبني سياسة عدم الإنحياز، وإلغاء جميع المعاهدات الاستعمارية الجائرة المخلة بالاستقلال الوطني، والخروج من الأحلاف العسكرية (حلف بغداد)، وتحقيق الإستقلال السياسي التام والسيادة الوطنية الكاملة، وتحرير الاقتصاد والعملة العراقية من الكتلة الإسترلينية، وإلغاء حكم العشائر، والنظام الاقطاعي، وتحرير الملايين من الفلاحين الفقراء من سيطرة الإقطاعيين بإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وتحرير الأراضي العراقية من سيطرة الشركات النفطية الاحتكارية بإصدار قانون رقم 80، وتحرير المرأة بإصدار قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، وازدهار الصناعة، وبناء عشرات الأحياء السكنية للفقراء، والتفاف الجماهير حول قيادة الثورة وحماية منجزاتها…وغيرها والقائمة تطول…

كان قاسم وطنياً لا خلاف على ذلك بالرغم من الأتهامات الباطلة حول عمالته للأنكليز . وكان من أبناء الطبقة المتوسطة ولا يمكن لعسكري ينتمي بعقليته إلى تلك الطبقة مع وطنيته إلا أن يتصرف وفقاً لما تعلّمه وعرفه ومارسه في ذلك الوقت من نهاية خمسينيات القرن العشرين . ولابد لنا من تقييمه موضوعياً وتأريخياً فبالرغم مما أنجزه من أصلاحات وقوانين جيدة إلا أن قاسم أرتكب أخطاء كثيرة أودت في النهاية بالجمهورية الوليدة. عبد الكريم قاسم واحد من أهم الوطنيين العراقيين، الذين وصلوا إلى حكم البلاد، وكان الرجل نزيهاً وعفيفاً وعمل على أصلاح بلده, وخلافا لإدعاءات القوميين وقت ذاك، فإن الزعيم عبد الكريم قدم الكثير لنصرة الثورة الجزائرية، وللشعب الفلسطيني، وهو لم يكن، كما ادعوا، عدوا للوحدة العربية، وإنما كان رجلا واقعيا، ويرفض الوحدة الاندماجية التي أرادها الناصريون والبعثيون، وهي الدعوة التي فجرت التناحرات الحزبية العنيفة، وأشعلت صراعات أربكت الثورة وزعزعتها، وشكلت ضغوطا هائلة على خطوات الزعيم، وأحبطت قراره بصياغة دستور دائم والانتقال لعهد أكثر استقرارا. تلك الصراعات قد تركت آثارها المؤذية على التطور العراقي اللاحق . ولا زلنا نعاني من فرقة الأحزاب الوطنية في الوقت الحاضر ونحن نجابه حرباً طائفية وخارجية،اضافة الى ماعانينا ولازلنا نعاني منه" الإرهاب".

لقد فرضت ثورة 14 تموز 1958 وضعا جديدا كانت الحاجة فيه لاول مرة الى مقاربات فكرية جديدة تنتج مواقف سياسية مناسبة للاحداث غير المسبوقة, اذ رغم الحاجة الدائمة لمناضلين اصحاب قدرات تنظيمية لكن الاولوية اصبحت للافكار سيما وان العمل شبه العلني فرض على القادة الذين عملوا طويلا في السر، الظهور واتخاذ مواقف سياسية لاحداث مستجدة ومتغيرة . واِنعكس التطور على صعيد النفط العراقي بضرب شركات النفط بمصادرة الأراضي التي كانت في حوزة الشـركات الأجنبية بعد إصدار القانون 80 لعام 1961، الذي يعني تنفيذه في نهاية المطاف : (تجريد الشركات من حقوق التنقيب المعطاة لها بموجب اِتفاقية النفط) مما أعاد الحقوق الوطنية التاريخية العراقية في جميع الأراضي . وقامت الشركات بالاِعتماد على الأنظمة المجاورة للعراق في زيادة إنتاج النفط من الدول المجاورة كونها تمثل وحدة اِحتكارية متحدة بغية عدم زيادة الإنتاج النفطي من العراق، وبالتالي التوقف عن زيادة العائدات المالية الحكومية في العراق بهدف إحداث اِرباكات سياسية واِقتصادية في الدولة العراقية . وكذلك اِنسحبت الدولة العراقية من حلف بغداد العسكري والسياسي . وخرجت من منطقة الخضوع للجنيه الإسترليني البريطاني.

 

د. ماجد احمد الزاملي

 

 

هل تم الإنتصار على الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" حقاً وسحقها نهائياً؟ الجواب ليس بهذه البديهية الظاهرة والتي اقتنع بها كثيرون. فسقوط عاصمتي داعش السياسية والإدارية، الموصل في تموز 2017، والرقة في أكتوبر 2017، وفقدان أغلب الأراضي التي كان يسيطر عليها هذا التنظيم الإرهابي تحت مسمى دولة الخلافة المزعومة، هو الذي خلق الانطباع بأن داعش اندحرت تماماً، والحال أن قيادات داعش توقعوا هذه الهزيمة العسكرية واستعدوا لها منذ حوالي عامين بإعدادهم للبديل عن السيطرة على الأراضي والمدن وإدارتها على نحو علني ومباشر،واستبدال وجودهم العلني بوجود ونشاط سري وشن حرب عصابات سرية والاعتماد على الأفراد " الذئاب المنفردة" و "الخلايا النائمة" والفلول المنتشرة هنا وهناك، وأعادت تنظيم نفسها على شكل حلقات صغيرة بعدد محدود من الأفراد لشن هجمات محدودة ــ اغتيالات وتفجيرات موقعية ومحلية وزرع ألغام وعبوات ناسفة وعمليات انتحارية فردية ونصب سيطرات وهمية وكمائن لدوريات عسكرية ضد القوات الأمنية العراقية والسورية الخ .. بعبارة أخرى التحول إلى أسلوب التمرد العسكري المسلح السري، ونظرا لتعقيد الوضع في سوريا وكثرة الجهات المتقاتلة والمتنازعة على الساحة السورية، ــ أمريكا وروسيا وإيران وتركيا والسعودية وقطر والعراق ، وداعش والقاعدة والجيش الحر السوري وقوات سورية الديموقراطية ذات الغالبية الكوردية، وبالطبع القوات النظامية السورية الموالية لبشار الأسد ــ استغلت داعش هذا الوضع المتداخل والشديد التعقيد للحفاظ على ملاذات أرضية متوزعة هنا وهناك ماتزال تحت سيطرتها لا سيما في المناطق المحصورة بين الحدود العراقية والسورية ، والانطلاق منها لشن غارات مباغتة وهجمات من نوع حرب العصابات في العراق مستغلة الظرف السياسي المتأزم في هذا البلد خاصة بعد الانتخابات التشريعية وما نجمت عنه من تجاذبات وتوترات واتهامات متبادلة وتزوير وتدخلات إقليمية ودولية في الشأن العراقي الداخلي مما مهد لعودة التنافرات وانعدام الثقة بين أطراف العملية السياسية ما يعني تهيئة الأرضية لإيواء العناصر والفلول المتبقية من داعش ، خاصة من عناصرها العراقية ومنتسبيها من أصل عراقي، إذ أن العناصر العربية والأجنبية تكون، إما قتلت أو أعتقلت أو هربت وعادت إلى بلدانها الصلية أو انتقلت إلى أماكن أخرى خارج العراق حسب معلومات من مجموعة سوفان Soufan Group و غلوبال ستراتيجي نتورك The Global Strategy Network حيث قدر عدد العائدين من الإرهابيين الأجانب بــ 5600 إرهابي،. فالعناصرالإرهابية العراقية يمكن استخدامها كأداة ضغط وتهديد لتحقيق مكاسب سياسية ونفوذ وعائدات مالية من قبل العديد من الكتل السياسية التي يمكن أن توفر لها الحماية والتغطية العشائرية والطائفية، كل حسب أسلوبه وعلاقاته . ففي سورية نجحت بقايا داعش بالاحتفاظ بمناطق نفوذ بعد أن فشلت قوات سوريا الديموقراطية في استئصال داعش وتطهير المناطق التي كانت تسيطر عليها في الشرق السوري لا سيما الجيوب الموجودة شمال نهر الفرات في مناطق هجين والشفاء وما تزال داعش تسيطر على الشريط الحدودي الفاصل بين العراق وسوريا. قامت قوات الحماية الكوردية بحماية نفسها من هجمات الداعشيين وحاولت تعزيز مواقعها في عفرين ضد التهديدات التركية بالتعاون مع بعض الجماعات السورية المسلحة المتمردة على النظام لكنهم لم يتمكنوا لحد الآن من إخراج داعش من مناطق كثيرة مازالت تتمسك بها وتديرها عسكرياً وإدارياً خارج نطاق أي نفوذ آخر وذلك لغياب الغطاء الجوي الفعال الذي ينبغي أن توفره قوات التحالف الدولية على غرار ما حصل في العراق إذ بدون ذلك يستحيل على القوات المحاربة لداعش أن تحقق انتصاراً ملموساً على الأرض. ولإنشغال القوات النظامية السورية بعمليات تطهير الغوطة بالقرب من دمشق التي تشكل منطقة تهديد ذات أولوية بالنسبة للنظام السوري بعد تحريره لألبوكمال في نوفمبر 2017 استعدت أفضل الوحدات القتالية في الجيش السوري لشن هجمات على أدلب لغاية شهر يناير كانون الثاني 2018. لذا لا تزال داعش تناور في بعض المناطق المحاذية لألبوكمال والميادين وفي الغرب في المنطقة الصحراوية لمدينة دير الزور حيث تمارس ضغوطاً على طرق الاتصالات ومنشآت الجيش السوري النظامي.بل إن داعش كانت موجودة حتى في قلب دمشق من خلال نفوذها داخل مخيم اليرموك الفلسطيني الذي تم تحريره قبل بضعة أسابيع. ولقد استغلت داعش عملية إجلاء المقاتلين المناوئين للنظام السوري من تنظيمات أخرى من "القدم" إلى "أدلب" للتغلغل إلى المنطقة ومهاجمة القوات السورية وتدمير دبابة من طراز ت 72 وقتل أكثر من مائة جندي وضابط ، الأمر الذي أخفته السلطات السورية وتجاهلته إعلامياً بينما نشرت داعش أشرطة مصورة عن إنجازها العسكري هذا وسيطرتها على هذا الحي وقامت بإعدام سجناء اتهمتهم بأنهم جواسيس للنظام وتنفيذ عقوبات كقطع يد السراق الخ .. تجدر الإشارة إلى أن جيش خالد إبن الوليد ، التابع والمبايع لداعش، كان يسيطر على جزء كبير من مخيم اليرموك لغاية تاريخ تحريره واجتياح القوات السورية للمخيم وتقديم تضحيات كبيرة في الأرواح والمعدات. أما في العراق، وبالرغم من الإعلان الحماسي للسلطات العراقية بدحر داعش إلا أن هذه الأخيرة ما تزال تسيطر مناطق في محافظة ديالى الواقعة شمال شرق العاصمة بغداد وبعض المناطق الواقعة غرب محافظة الأنبار بالقرب من الحدود العراقية السورية وفي الممر بين الرمادي والفلوجة لغاية العامرية وهو الممر الذي أتاح لها التسلل للسيطرة على منطقة جرف الصخر في محافظة بابل قبل تحريرها على يد قوات الحشد الشعبي في نهاية عام 2014 بعد أن أفرغت من سكانها قبل المواجهة الكبرى التي تمثلت بمعركة تحرير الموصل سنة 2017. ما تزال فلول داعش الإرهابية متحصنة في جبال حمرين في المغارات والأنفاق التي حفروها هناك . ومنذ نوفمبر 2017 ظهرت جماعات إرهابية مسلحة أطلق عليها تسمية " أصحاب الرايات البيضاء حيث يبدو على أعلامها رأس أسد على خلفية بيضاء عكس الراية الرسمية لداعش السوداء وعليها شعار الله رسول محمد، ولقد قدمت هذه الجماعات على أنها مقاومة كوردية غير نظامية منفلتة ضد الحكومة المركزية ، أي ليست جزءاً من البيشمركة النظامية الكوردية، تنشط ضد القوات النظامية العراقية والحشد الشعبي الذين استعادوا كركوك الكوردية وطوز خورماتو في محافظة صلاح الدين بالقوة ، مما استدعى مواجهاتها بالقوة المسلحة وبالمقاومة تحت مسمى الرايات البيض والحقيقة أن أغلبية هؤلاء هم من جماعة أنصار الإسلام التكفيرية المتشددة الموالية والمبايعة لداعش حيث التحق بهم العديد من الفارين أو الناجين من فلول داعش بعد هزيمتهم ميدانياً في الموصل، وأدعى البعض أنهم بنتمون إلى تنظيم الــ PJAK وهو فرع وامتداد لتنظيم حزب العمال الكوردستاني التركي الــ PKK، الذي يحارب ضد تركيا وإيران ويتواجد على الأراضي العراقية أيضاً ، ويتعاونون مع عصابات مافيوية ومهربين . فمنذ نوفمبر 2017 ضاعفت فلول داعش من هجماتها الإرهابية على الطرقات والقرى المنعزلة ومعسكرات الحشد الشعبي من خلال خلاياها النائمة وعناصرها الناجية من المجابهات العسكرية في الموصل وغيرها من المناطق التي كانت تحت سيطرة الدولة الإسلامية في العراق والشام داعش وخسرتها بعد تحريرها على يد القوات العراقية والحشد الشعبي وبالأخص في مدينة كركوك وضواحيها وشن هجمات في الرطبة والقائم وفي ديالى في بعقوبة وفي صلاح الدين وتكريت ضد قوات الشرطة وقوات الأمن والحشد الشعبي من خلال نصب الكمائن والسيطرات الوهمية والقناصين والسيارات المفخخة والهجمات الصاروخية والعلميات الانتحارية بغية إرهاب السلطات الحكومية المحلية واستعادة السيطرة على بعض المناطق الريفية النائية التي تكون فيها القوى الأمنية العراقية ضعيفة أو غائبة، وذلك لتشكيل مناطق نفوذ وإيواء ونقاط انطلاق لعمليات في مناطق أخرى تحت سيطرة السلطات العراقية الشرعية ، وهذا يعني أن داعش لم تمت ولم تستأصل نهائياً في العراق وسوريا بل كيفت تكتيكها القتالي وغيرت من طريقة صراعها مع السلطات العراقية والسورية من خلال انتهاجها أسلوب حرب العصابات وحرب المدن والعمليات الإرهابية السرية المخطط لها في السر وهو النهج الذي كانت تسير عليه منظمة القاعدة الإرهابية بقيادة المقبور أبو مصعب الزرقاوي قبل نشوء داعش. وإزاء هذا الواقع الجديد والتحدي الذي يواجه السلطات العراقية قامت هذه الأخيرة بشن حملات أمنية واسعة منذ بضعة أيام، ونجحت في تفكيك العشرات من الخلايا الإرهابية والعثور على مستودعات أسلحة وعبوات تعود لداعش وإلقاء القبض على مطلوبين ومشتبه بهم بناءً على دلالة المواطنين، فالأمن والاستقرار ليس من اختصاص الحكومة والقوات العراقية الأمنية وحدها بل هو شأن يمس المواطن نفسه الذي يتعين عليه أن يتعاون مع القوى الأمنية ، وعلى هذه الأخيرة أن تعزز الثقة مع المواطنين ووتعاون معهم بغية حمايتهم من خطر داعش الإرهابية كما يقول الباحث الاستراتجي والمتخصص بداعش والجماعات الإرهابية الدكتور هشام الهاشمي.

 

د. جواد بشارة

 

 

صالح الرزوقفي كتابه (ما بعد الربيع العربي) يرى جون آر برادلي* أن الثورات انتهت بنتائج كئيبة لسببين: الأول هو تدخل الإسلاميين في اللحظة الحاسمة واختطاف النتيجة، مع أنهم لم يشاركوا في بداية الاحتجاجات. وظاهرة التريث لم تكن لكسب الوقت ولكن للتأكد من أن ميزان القوى لا يعمل لمصلحة الحكومات الفاسدة المصابة بالعجز والترهل. وأغرب نقطة أن الزعامات الدينية كانت في المنفى وعادت لتحصد النتيجة بعد سقوط الدكتاتور (ص150). وهذا ما حصل في كل من تونس ومصر.

في تونس عاد راشد الغنوشي من منفاه في لندن ليقود حزب النهضة الإسلامي إلى أكثرية تصل لـ 41 بالمائة من الأصوات. لكن هذا لا ينفي أن نسبة المشاركة في الاقتراع كانت حوالي 80 بالمائة. وعدد المسجلين في قوائم الاقتراع لا يزيد عن 50 بالمائة من إجمالي السكان. وهذا يعني أن من اختار النهضة لا تزيد نسبته عن 20 بالمائة. وراشد الغنوشي من مواليد منطقة الحامة عام 1941 وهي تابعة لقابس. وكانت عائلته معروفة بإعجابها بعبدالناصر. وقد ورث هذا الإعجاب في شبابه، حتى انتقل لدراسة الزراعة في جامعة القاهرة، وهناك شعر بالسخط على الواقع الناصري. لكن خلال دراسته للفلسفة في دمشق وبعد طرده من مصر (لأسباب لا يد له فيها وتعود لخلاف بورقيبة مع عبدالناصر) تحول للإعجاب بالتجارب الطوباوية والرومنسية الأوروبية. وانضم لجماعة حزب الاشتراكيين الأوروبيين، ثم للمنتدى الدولي للديمقراطيين الإشتراكيين. ولاحقا للاتحاد الاشتراكي الموالي لعبد الناصر. وكل ذلك قبل أن يستقر على حزب الإخوان المسلمين. ويرى الغنوشي أن هذه المحطة كانت حاسمة في حياته لأنه عندها انبلج نور الحقيقة، وأدرك أن روح هذه الأمة وصانعها هو الاسلام (ص43). وقد ابتكر بالنتيجة مزيجا غريبا يجمع بين الأصولية الإسلامية والقومية التونسية والاشتراكية العاطفية (ص44). أما في مصر فقد تدخل الإسلاميون في وقت متأخر من الاحتجاج. وتآزرت الجماعة الإسلامية (باسم حزب الحرية والعدالة) والسلفيين (باسم حزب النور) لوضع حد لطموحات الليبراليين. وعقدوا صفقة مع المجلس العسكري للإطاحة بمبارك، ولكبح جماح الشباب (ص61). ويبدو لبرادلي أن حالة مصر تلاعبت فيها أوراق المؤسسة العسكرية والخوف الإسرائيلي الوجودي من مصير معاهدة السلام. وإذا كان الإسلاميون لا يحكمون الآن مباشرة فقد بدلوا من مآل الثورة، وصبغوا مصر بصبغة بلد محافظ ينصاع للعادات الوهابية (ص65). ووضعوا في الواجهة حكومة لا يهمها الواقع السياسي بقدر ما تهمها السلطة بحد ذاتها. ومن الواضح أنهم تخلوا عن الرئاسة مقابل الاحتفاظ بالاستبداد الثقافي (ص66).

ويمكن إضافة ماليزيا لهذا المشهد لعدة أسباب. أهمها قوة حضور الحزب الإسلامي الماليزي بزعامة أنور إبراهيم، وتمسكه بالإسلام السني، واللعب على كافة الحبال لتقديم مسوغات عصرية للحكم مثل الديمقراطية المقيدة والمزاوجة بين الإستبداد والنجاح الإقتصادي. فالسنة أساسا هم من صنيع تجار قريش، ويؤمنون باقتصاد السوق وبالتكافل الاجتماعي، ولا يهتمون بالاقتصاد الريعي. وقد قدم الأمويون الحماية للسنة بالسيف، وأجازوا الدكتاتورية وتوريث السلطة، والتحكم ببيت المال (الخزانة).

ويذكر برادلي أن النسخة الماليزية من الإسلام منقسمة على نفسها بين اتجاه محافظ متشدد اجتماعيا وهو رهينة للفساد والدعارة المستورة والصراع على المناصب، واتجاه متشدد في الشعائر والتشريعات. وتغلب عليه الانتقائية وكل الموبقات التي تنجم عن عدم فهم روح النص والتمسك بقشوره. ومن دواعي السخرية أن يحمل الحزب الإسلامي اسم (بيرسيه = نظيف)، وأن يكون زعيمه مدانا بالميول المثلية (ص122). لقد حكم الإسلاميون في ماليزيا أربع ولايات فيدرالية، وكانوا فيها يعزلون النساء عن الرجال في الأماكن العامة، ويعملون جهدهم لأسلمة قاعدة المجتمع (ص125). ويحذون حذو السعودية في ما يخص هامش الحريات ومنها نشر شرطة دينية لتأديب من يتجاوز حدود الشرع (ص126). ويكفي أن نذكر أن المدارس الدينية بدعم سعودي تغطي كل جنوب شرق آسيا (ص127). ومنها تايلاند أيضا التي انفصلت عام 1902 عن مملكة باتاني المسلمة، واليوم يوجد 5000 تايلاندي انفصالي مسلح يقاتل في سبيل الإسلام. مع 160 معلما التحق بمؤسسات سعودية و1500 آخرين يدرسون في مصر (ص130). وساعد على توسيع الظاهرة:

1- تدفق العمالة الآسيوية إلى السعودية.

2- إتاحة فرص العمل بمستويات منخفضة (ص129).

3- عدم إتقان الآسيويين العربية وقلة فهمهم للقرآن ولغته المعقدة (ص130).

حتى أصبحت آسيا خزانا للجهاديين المتطرفين الذين قاتلوا مع طالبان (ص132).

السبب الثاني لتدهور الثورات هو تدخل السعودية بالقوة، وهذه هي حالة البحرين واليمن. فقد كانت الوهابية مرغمة للتحالف مع الجمهوريات العلمانية تحت شعار وقف الزحف الصهيوني. لكن دائما كانت يدها الخفية تمد المتمردين بما يكفي من دعم مادي لشراء الذمم من ناحية، ولتوفير العتاد من ناحية أخرى. والعتاد يشمل السلاح والمتطوعين أو المقاتلين. لكن لم تكن أمامها أي بادرة تسامح عندما تفجرت ثورة البحرين عام 2011 ضد الأقلية السنية الحاكمة، لأنه سرعان ما تدفقت الدبابات عبر الجسر الذي مولت بناءه لهذه الغاية. وضربت مثالا لا ينسى عن تشابه الحكومات الأمنية في كل أرجاء العالم بغض النظر عن الإيديولوجيا. فكبح الانتفاضة في المنامة يكرر ما حصل في براغ عام 1968 وإعادة تشكيوسلوفاكيا لما وراء الستار الحديدي الذي رعاه السوفييت خلال ما يربو على مائة عام (ص77).

ويغتنم برادلي الفرصة ليقارن بين أساليب السنة والشيعة في الجهاد. فالشيعة لا يرمون السنة بالكفر أو الزندقة، ولا يشجعون روحيا على قتلهم. بينما ينظر السنة لهم كمارقين على الدين. وهذا يفسر لماذا جميع الهجمات الانتحارية تقريبا نفذها السنة (ص78). بينما الشيعة يقودون أعمالا يائسة ضد قوات الاحتلال الغربي فقط. وإذا نظرت لواقع الحرب الأهلية في العراق سيدهشك أن معظم الهجمات الانتحارية لم ينفذها عراقيون، ولكن سعوديون يعتنقون الفكر الوهابي (ص78). وكان وراء استماتة السعودية ضد ثورة البحرين، إلى جانب دعم الحكومة الملكية السنية الموالية للوهابيين، وتأمين القاعدة الأمريكية الهامة، ثلاثة أهداف يجملها برادلي فيما يلي:

- قمع الاحتجاجات في المنطقة الشرقية من السعودية، وهي منطقة شيعة وغنية بالنفط.

- منع إيران من كسب نفوذ سياسي أكبر في العملية السياسية للبحرين.

- إقامة الدليل أن السعودية مزمعة على التدخل بكافة الأشكال، من الدبلوماسية الناعمة وحتى التدخل العسكري لنشر الوهابية واستبدال نموذج الجمهوريات بنموذج المملكة.

وهذا ما تفعله في أحداث اليمن. فقد زجت بقواتها وعتادها، وأجرت تفاهمات مع القبائل ذات الصفة الإسلامية، ومنها قبيلة الأحمر الممثلة لحزب الإصلاح الإسلامي. فعقدت حلفا متينا مع الشيخ صادق الأحمر أكبر زعماء حاشد، ومع شقيقه صادق الأحمر رجل الأعمال البارز. واستوعبت اللواء علي محسن الأحمر بالإغراءات والوعود. وضمنت بهذه الطريقة ضرب نطاق أو حصار حول جماعة أنصار الله (الحوثيين الشيعة الزيدية) (ص93). ومنذ البداية كانت الانتفاضة في اليمن لتنفيذ حسابات سياسية، وليس بينها أي دافع لمحاربة الإرهاب المستشري في البلاد. فالحلف الوهابي لم يكن لديه وقت لمحاربة القاعدة ولا وقت للديمقراطية. وهم أقل الناس اهتماما بحرية الرأي والتعبير (ص93).

إن اليمن برأي برادلي ليست منبعا للنفط مثل ليبيا، ولكنها تتحكم بمعابر إمداد النفط في البحر الأحمر، وهذا ما دفع السعودية لعقد صفقة مع الولايات المتحدة: غزو البحرين واليمن مقابل التصويت مع قرار الأمم المتحدة 1973 الذي يجيز تدخل الناتو في ليبيا (ص93).وقد شاركت السعودية مشاركة رمزية في غزو ليبيا (ص97). لكنها لعبت على الوتر الديني. ويمكن أن تستنج مسار الثورة الليبية من اختيارات قائدها عبد الجليل. فقد رأى أن يشن الهجوم على طرابلس في شهر رمضان للتوافق مع ذكرى موقعة بدر الإسلامية (ص99). وهذا لا يبشر بمستقبل ليبرالي علماني. وبعد مقتل القذافي على أيدي الدهماء، كما يقول برادلي، أعلن الحاكم المؤقت إلغاء كل القوانين التي لا تلائم الشريعة الإسلامية (ص102).

ويستغرب برادلي من سياسة أمريكا حيال مسار الربيع العربي. فهي تنحاز للسعودية ضد سياسات إيران، مع أن سجلات البلدين سيئة السمعة في أروقة الأمم المتحدة وفي جمعيات حقوق الإنسان. ولا يفهم لماذا تسكت أمريكا عن تساهل السعودية في الخدمات العامة في أراضيها، وتلوم إيران وحدها على ذلك. وحتى الآن يستغل أعداء إيران نقطة توازن محرجة: فنصف السكان من الفرس، بينما النصف الثاني من أقليات بينها العرب والتركمان والأذر، مع أقلية كردية تسعى للانفصال. حتى أن الإيراني المغترب أمير طاهري، المؤيد لسياسة المحافظين الجدد، حذر من إشعال فتنة طائفية في إيران لأن هذا يسهل تقسيم البلاد مثل يوغوسلافيا، ويطلق عنان قوى أكثر توحشا من الخمينيين (ص119).

لا يخلو كتاب برادلي من نوستالجيا لحكومات الإستقلال المصابة بالعجز والشيخوخة، مع نغمة تعزية لليبراليين وأنصار العلمانية، لكنه أيضا يغفل خمس ملاحظات:

الأولى، الصبغة الدولية والإقليمية للثورات التي تحولت لنزاع على مناطق النفوذ. وهذا يمكن قراءته بسهولة بعد تدويل أزمة سوريا وما تخللها من فيتو صيني – روسي.

الثانية، عدم استعداده للاعتراف أن وراء ما حصل تململ بين صفوف العسكر والأمن. وأن التستر على الإعداد لتلك الثورات هو جزء من التواطؤ المدفوع الثمن. وما يؤكد ذلك انحسار الإسلاميين من الواجهة، وعودة الشباب لعزلتهم الذاتية والطوعية. فلا الفرصة ناضجة للانضمام لركب عصر الأنوار الأوروبي، ولا هي ملائمة لينتقم الإسلاميون من أعدائهم التقليديين. وما جرى في مصر عام 2013 يشبه ما حصل عام 1954. وكل ما هنالك أن حكم نجيب الموالي للإسلاميين استمر سنتين بينما حكم مرسي دام لسنة واحدة فقط. فهل التاريخ يعيد نفسه وبصورة فجة وفاضحة؟..

الثالثة، أن هذه السيرة البانورامية شملت نمور آسيا، واستثنت تركيا مع أنها لاعب أقوى على الساحة. وهي موجودة في أزمة قطر مع السعودية وفي أزمة سوريا وفلسطين. ونمور آسيا بالذات أبعد من تركيا لأنها موزعة بولائها بين نسخ متعددة من البوذية والهندوسية وبين إسلام متعولم عابر للجنسيات واللغات. ولا يلمس شغاف الإسلام العربي بخصوصياته المحلية. ويبدو أن اللغة التي تعلمها الآسيويون من الإسلام هي مزيج من الاقتصاد الأموي والانتقام العباسي. لذلك انتشرت لديهم معدلات عالية من الاغتيالات مع جمعيات التعاون الإسلامية للادخار والخدمات والثقافة.

الرابعة هي عدم التمييز بين القائد الإيديولوجي والسياسي. فنموذج سوهارتو ومهاتير محمد وأردوغان، لا يتشابه مع كاريزما سيد قطب والغنوشي. فالدعوة لأسلمة المجتمع بطريق صناديق الإقتراع يختلف عن الجهاد لتبديل الدولة بالقوة. ولكن لم يفشل في ملاحظة جهود الإسلاميين التي تركز على تخدير المسلم عوضا عن رفع درجة وعيه الاجتماعي والحضاري. فالغاية هي في توظيفه حين اللزوم بشكل لوبي ضاغط وليس في فتح الآفاق المسدودة أمامه أو توسيع نطاق وعيه وثقافته (ص160). ولذك يرى الباحث ماجد الغرباوي أن هذه الاتجاهات هي حركات (ويلح على وصفها بتيارات حركية)، ولا يفضل أن يقول إنها أحزاب.

الخامسة والأخيرة. هي إغفال برادلي لظاهرة الحرب الباردة بين الإسلاميين. فالحركات السلفية لا تضع ثقتها بالسياسيين. ومعظم الأحزاب السياسية في الشرق الأوسط تحمل هذا العيب البنيوي ولا تعرف الفرق بين شؤون القلب والعقل أو المبدأ والسلطة. وتوجد شريحة واسعة من المتسلقين الذين ينظرون لأي حزب ديني أو علماني على أنه جسر للعبور نحو مقاليد الحكم. لقد اختلطت المشاعر القومية مع الدين بشكل معقد في رسم حدود الصراع الحالي. فالمسلمون في بانكوك ليسوا من الملايو و لكنهم تايلانديون. و لهؤلاء حصانة من الهوس الديني. وقل نفس الشيء عن الأتراك. فهم غالبا تجار محافظون أو فلاحون لديهم وعي بالقيمة الرأسمالية للأرض وطرق استغلالها وتوزيع ريعها. بعكس العرب في السعودية، فقد تعلموا من السلفية الوهابية الخشونة والمباشرة في استغلال الثروات ومنها الثروة الروحية أو الدين. حتى أن برادلي يقر أن السعودية تنظر لله والأرض على أنهما وحدة واحدة وكل متجانس. بينما في تركيا أو جنوب شرق آسيا يوجد عدو داخلي وخارجي يتهدد الإسلاميين، ولذلك يمكن للإسلام السياسي أن يجد موطء قدم له (ص136) وبعبارة أوضح لا يمكن عزل السلطة الزمانية عن الروحية في السعودية. فالدولة تختلط بالسياسة والدين بطريقة لا يوجد مثلها إلا في الفاتيكان.

بقيت الإشارة لمغالطات طفيفة وردت في الكتاب. فقد ذكر برادلي وبوضوح أن إسرائيل تفضل عدوا تعرفه على عدو تحتاج للتعرف عليه. و لذلك هي تدعم نظام سوريا الجمهوري ضد الخلافة الإسلامية بنسخها الكثيرة (حتى الآن يوجد ثلاث نسخ: داعش والنصرة والجيش الحر الموالي لحماية تركية). و يضيف إن سوريا لم تطلق رصاصة على إسرائيل بعد حرب حزيران عام 1967.

وهنا يمكن فرز عدة أخطاء.

أولا من المعروف للجميع أن الجبهة السورية اشتعلت عام 1973، وأعقب ذلك حرب استنزاف طويلة الأمد، أنهكت سوريا ذاتها ووضعتها على حدود الإفلاس، لو لا تدخل الاتحاد السوفياتي ماديا وعسكريا والمؤازرة الفورية من أعضاء حلف وارسو والنقابات المعادية لسياسة الغرب عموما. هذا غير حرب عام 1982 والتي انتهت بمأساة حصار بيروت واندحار الفلسطينيين والمقاومة إلى تونس وقبرص.

ثانيا. كل المؤشرات تؤكد على حيرة إسرائيل من مجمل الأحداث. فهي لا ترعى الإسلام الراديكالي، وتشجع محاولات تبديل النظام بأدوات معتدلة، وتنظر بعين الشك لتوسيع رقعة إيران وحزب الله على الأراضي السورية.

ثالثا. لا تحبذ إسرائيل حكومة قومية، ولا حكومة جهادية. لكنها تستطيع أن تتعامل بحذر مع الإسلام الحركي، مستفيدة من الأحقاد والنكايات. وأوضح مثال على ذلك موقفها المتشنج من حزب الله وتفهمها لسياسة حزب المستقبل. ناهيك عن ثقتها أن الإسلام السياسي لديه مشوار طويل قبل أن تظهر مخالبه. وخبرتها مع حكومة مرسي تؤيد ذلك. فهو لم يعرض معاهدة السلام في مصر لأي خطر جدي.

 

د. صالح الرزوق

.......................

*ما بعد الربيع العربي: كيف اختطف الإسلاميون ثورات الشرق الأوسط. جون آر برادلي. ترجمة شيماء عبدالحكيم طه. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. 194 ص.

 

كان عام 2017 كارثياً على داعش من الناحية العسكرية وتوالي الهزائم العسكرية وفقدانها لأغلب المدن والأراضي التي كانت تسيطر عليها وتديرها والتي أقامت فوقها دولة الخلافة المزعومة، إلا أن هذه المنظمة الإرهابية ما تزال تمتلك قدرات عسكرية مهمة وعدد من المقاتلين الموزعين على الكثير من بلدان العالم وبإمكانها العودة وشن هجمات خاطفة ومؤذية سواء في العراق أو في سوريا حيث هناك بقايا لفلول وخلايا نائمة وتجمعات سرية متخفية هنا وهناك لا سيما في المناطق المتاخمة للحدود العراقية السورية.

ففي نوفمبر سنة 2017 خسرت الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" منطقة نفوذها المركزية في العراق عندما شنت قوات الجيش العراقي والشرطة الإتحادية ومتطوعي الحشد الشعبي، بمؤازرة قوات التحالف الدولي وبتغطية جوية مكثفة، وحررت مناطق غرب الأنبار ـ راوة والقائم ـ وقبل ذلك التاريخ بشهر نجحت في تطهير الحويجة من الإرهابيين الدواعش وتصفية هذا الجيب الإرهابي الخطير وفي شهر آب تحررت منطقة تلعفر ولكن المواجهة الأهم كانت في تموز 2017 إبان معركة الموصل، ولقد لوحظ أن داعش استقتلت للحفاظ على تلك الأراضي بيد أنها كانت تعلم وتستعد لفقدانها والاستعداد للعودة للعمل السري الذي كانت تمارسه قبل ذلك في نيسان 2013، أي قبل ولادة دولة الخلافة في عام 2014. فتجربة الحكم العلني ومحاولة تأسيس دولة بالمعنى الحديث لمفهوم الدولة خلال ثلاث سنوات ونصف قد منحت هذا التنظيم تجربة وخبرة عسكرية لا يستهان بها أضيفت لتجاربها السابقة، فقد امتلكت خبرة وامتلكت أداة إعلامية ودعائية مؤثرة. وفي نفس الوقت تمرست القوات المناوئة لداعش في الميدان وعلى أرض المعارك على أساليب ومناهج حرب العصابات وحرب المدن وهذا ينطبق على نحو خاص على قوات الحشد الشعبي التي تأسست في حزيران 2014 إثر فتوى للجهاد الكفائي أطلقها المرجع الشيعي الأعلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني .

شهدت الأشهر الأولى من عام 2018 تصاعداً لتحركات إرهابية جديدة في العراق في المناطق التي حضرت داعش لعودة عصاباتها المسلحة إليها لشن حرب عصابات خاطفة باسلوب ـ الكر والفر ـ ولقد سبق أن أعلنت داعش هذا التكتيك القتالي الجديد وعممته على مسلحيها الناجين من عمليات التحرير، كما جاء في العدد 125 من مجلتها الدعائية الأسبوعية " النبأ" الصادرة في 29 آذار 2018. وغدت الهجمات أكثر كثافة ابتداءاً من شهر آذار من هذا العام. ورغم ذلك لم تفلح داعش في تهديد أو عرقلة، ناهيك عن منع، تنظيم الانتخابات التشريعية العراقية التي جرت في الثاني عشر من شهر آيار 2018، وما تزال تناور عسكرياً في عدد من المناطق العراقية خاصة من قبل العناصر العراقية للتنظيم، وأكثر مناطق التمرد الداعش المسلح تجلت في " ولاية كركوك" كما يسمونها حيث بقيت داعش مسيطرة لغاية شهر أكتوبر 2017خاصة في منطقة " الحويجة" وبعد تحرير الموصل بقي هذا الجيب الداعشي نشطاً خاصة في مجال الدعاية والبروباغندا مقارنة بباقي جيوب المقاومة، حيث شنت فلول داعش هجمات ليلية مباغتة خلال صيف 2017 ضد مواقع كردية عراقية أو تجمعات مسلحة تابعة للحشد المطوقة للجيب الداعشي المذكور. انسحبت عناصر داعش للمناطق الريفية والجبلية المحيطة ولم تشتبك في مواجهات مباشرة في الأزقة والشوارع للحفاظ على حياة أكبر عدد ممكن مما تبقى من مقاتليها وإعدادهم للعودة للتمرد العسكري السري . حيث يختفون بعد هجماتهم في المغارات والأنفاق التي حفروها خاصة في جبل حمرين . وقد راقبوا المعارك المحدودة التي اندلعت بين القوات النظامية العراقية وقوات البيشمركة الكوردية عند استرجاع الحكومة العراقية لكركوك من سيطرة الكورد عليها، واستغلوا هذا الظرف لإعادة ترتيب أوضاعهم . ولقد ظهرت في هذه الأثناء منظمة سرية مسلحة مجهولة سمت نفسها " الرايات البيضاء" وهي غامضة وبعيدة عن أساليب الدعاية إلا فيما بين أعضائها ومنتسبيها. ويعتقد أن من بين أعضائها عدد من مقاتلي داعش وبعض الكورد المستائين من عودة الجيش العراقي النظامي للمنطقة بالقوة. ولقد نصبوا كميناً لبعض قوات الحشد الشعبي في منطقة الرياض الواقعة جنوب شرق الحويجة وذلك في أكتوبر 2017 في قرية السعدونية تحديداً جنوب غرب الرياض، استشهد فيها 27 مقاتلاً من قوات الحشد الشعبي . وهذا مؤشر على قدرة داعش على ترميم صفوفها بالقرب من الحويجة والرياض على الطريق الدولي بين كركوك وبغداد.وفي آذار أقامت داعش سيطرة وهمية وتمكنت من أسر وإعدام العديد من مقاتلي الحشد الشعبي أو من الشرطة الإتحادية أثناء عودتهم في إجازتهم، وقاموا بحرق منازل منتسبي الحشد أو المتعاونين مع القوات العراقية النظامية، وقاموا بتفجير سيارة مفخخة في كركوك نفسها، كما أقدم تنظيم داعش الإرهابي على الهجوم على منزل عائلة في مجمع حمرين، وقام بقتل أفراد العائلة وسرقة جميع المصوغات والأشياء الثمينة الموجودة في المنزل"، حيث أن "المجموعة الإرهابية قتلت جميع أفراد العائلة وهم أم و3 بنات، إحداهن تعمل في مكتب مفوضية الانتخابات في محافظة ديالى"، كما نشر تنظيم "داعش" مقطع فيديو لستة أشخاص اختطفهم التنظيم الإرهابي على طريق كركوك بغداد، بينهم أشخاص من كربلاء واحدهم من محافظة الأنبار، حيث هددوا بقطع رؤوسهم ما لم يتم الإفراج عن نساء التنظيم المتواجدات بالسجون العراقية.إثر ذلك اجتمع القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي مع قادة الأجهزة الأمنية والإستخبارية، فقد اتخذت خلاله عدة إجراءات وأوامر لتشكيل عمليات خاصة لحماية المواطنين وتأمين الطرق من عصابات الإرهاب والجريمة"، كما جاء في بيان حكومي، وقد تم على الفور تنفيذ حملة لملاحقة العناصر الإرهابية"، حيث تصدت للإرهابيين "قوة أمنية تمكنت من إلقاء القبض على عدد من عناصر عصابات الإرهاب والجريمة التي لها صلة بحادثة الاختطاف التي حصلت على طريق محافظة كركوك مؤخرا، وبالأخص اختطاف عدد من المدنيين والمنتسبين. يمكننا القول أن جل النشاطات الإرهابية الأخيرة لفلول داعش تركزت جغرافياً حول الحويجة وما يحيطها، والرياض وما يحيطها، بالقرب من الطريق الدولي بين كركوك وبغداد، وأحياناً تتمدد إلى منطقة الزاب غرب محافظة كركوك والراشد جنوب محافظة كركوك وفي الداقوق جنوب شرق المحافظة حيث نشطت بقايا داعش في وضح النهار في بداية شهر آيار وكذلك في منطقة الدبس شمال محافظة كركوك. ومما لاشك فيه أن هناك خلايا خفية وسرية ما تزال تعمل داخل كركوك نفسها. تبدو النشاطات الإرهابية كلاسيكية وعشوائية غير مبرمجة استراتيجياً، وتتلخص أحياناً بزرع عبوات ناسفة وألغام ضد السيارات على الطريق الدولي وفي الشوارع ونصب كمائن وسيطرات وهمية ضد العجلات والمسافرين و وقصف ومهاجمة بيوت لمسؤولين وتجمعات للجيش والشرطة والحشد الشعبي. أثارت مثل هذه النشاطات الإرهابية قلق السلطات العراقية خاصة في جنوب غرب محافظة كركوك فلقد هاجمت عناصر داعش الإرهابية خطوط نقل الطاقة الكهربائية مما حرم الحويجة وتكريت من الكهرباء. استخدمت قوات التحالف الدولي الطائرات وقصفت أماكن تواجد الإرهابيين داعمة القوات الأمنية العراقية المحلية وشاركت الطائرات العراقية بعمليات القصف كذلك. وقد نجحت القوات الأمنية في إلقاء القبض على بعض الإرهابيين ومن ساعدهم وقدم لهم الدعم اللوجستيكي من أبناء المنطقة. أما غرب كركوك فقد اقتصرت العمليات الإرهابية على مهاجمة سيارات قياديين في الحشد الشعبي بعبوات ناسفة أو بزرع ألغام في طريقها. ولقد حوصر ثمانية مقاتلين في داعش في قرية الغريب الواقعة جنوب الزاب مما اضطر بعضهم إلى تفجير أنفسهم بأحزمة ناسفة أو قتلوا في المواجهات المسلحة. من بينهم الأشخاص الثلاثة الذين تنكروا بزي الحشد الشعبي في 23 آيار الماضي وأعدموا مسؤول قرية ذوربان جنوب غرب الحويجة، محجوب مختار، ولقد انتشرت الفرقة الذهبية لمكافحة الإرهاب في محافظة كركوك لمواجهة هذا الخطر الإرهابي الجديد الذي نشط بعد اندحار داعش رسمياً.

يختلف الوضع قليلاً في ما سمته داعش بــ " ولاية ديالى" فلقد تحولت داعش إلى وضع التمرد السري في المنطقة منذ ثلاث سنوات بعد أن كانت محافظة ديالى مرتعاً للإرهابيين منذ فترة انتشار تنظيم القاعدة الإرهابي في العراق وكانت تستخدم كمنطقة انسحاب للعناصر الإرهابية بعد أداء مهماتها الإرهابية للاستراحة والإحتماء وكانت بمثابة منطقة نفوذ وانطلاق جغرافية للقاعدة وفيما بعد لداعش. ففي حزيران 2014، بعد سقوط الموصل بيد داعش الإرهابية، وتوسع وانتشار داعش في مناطق شمال وغرب العراق، حاولت المنظمة الإرهابية التوسع انطلاقاً من الشمال الشرقي للمحافظة والتسلل نحو الجنوب والاقتراب من بغداد كأحد المحاور لتطويق العاصمة العراقية. ولقد اصطدمت بجماعات مسلحة سنية أخرى متمردة على السلطة المركزية في المحافظة. كانت الحكومة العراقية آنذاك مضطربة وضعيفة وغير قادرة على مواجهة الخطر المحدق ببغداد فقبلت بتكليف منظمة بدر بقيادة هادي العامري للدفاع عن المحافظة ومنع تقدم عناصر داعش الإرهابية نحو بغداد وذلك في 13 حزيران 2014 ولقد أصبح هادي العامري هو المسؤول الأمني عن محافظة ديالى كما أخبرنا بنفسه في لقاء خاص معه.قدمت إيران الدعم لقوات بدر في شمال شرق ديالى من خلال ضربات جوية نفذتها طائرات أف 4 ي فانتوم وطائرات سو 25 فورج فوت ولقد نجحت منظمة بدر والقوة النظامية المساندة لها في وقف الزحف الداعشي على بغداد انطلاقاً من ديالى ودفعها إلى خارج المحافظة في نهاية عام 2014، حسب رواية هادي العامري في المقابلة التي أجريناها معه. فتحول تكتيك المنظمة الإرهابية داعش في تلك المنطقة إلى حرب عصابات ونشاط سري ولم تنجح القوات العراقية النظامية متمثلة بالفرقة الخامسة المتمركزة في المحافظة، ولا منظمة بدر المسلحة، في احتواء العمل الإرهابي السري لداعش وسيطرتها على المناطق الريفية المحيطة بالمحافظة. وكانت ولاية ديالى الداعشية تنشر أشرطة فيديو داعشية باستمرار عن العمليات الإرهابية التي تقوم بها ولكن ليس على طريقة البث المباشر، وأصدرت 21 بيان في الخمسة عشر يوماً الأولى من شهر آيار 2018 وهي المنطقة الأكثر حيوية وديناميكية لمنظمة داعش الإرهابية بعد اندحارها العسكري الشامل ويعتقد أن خلايا داعش السرية تتمركز جغرافياً في شمال شرق بعقوبة وحول مدينة المقدادية وفي منطقة مندلي على الحدود العراقية الإيرانية وحول قرية تابا ومدينتي جلولاء وخانقين في شمال شرق المحافظة. وتتبع داعش أسلوب التمرد المسلح السري وحرب العصابات في المدن والأرياف في هذه المنطقة على غرار نشاطاتها الإرهابية في كركوك. فهي تزرع عبوات ناسفة وألغام في الطرقات والشوارع وتنصب كمائن وسيطرات وهمية وتشن هجمات صاروخية الخ.. كما تمارس عمليات قتل واغتيال عن بعد بواسطة قناصين متخفين في البنايات وهناك صلات واتصالات وتنسيق بين خلايا داعش في ديالى وخلاياها السرية في محافظة صلاح الدين وتحاول قوات الحشد الشعبي والقوات النظامية العراقية قطع تلك الاتصالات والتنسيق بغية منع الإرهابيين من التنقل بين المحافظات بسهولة ولقد داهمت قوات عراقية مشتركة منطقة المطيبية الواقعة على الحدود الرابطة بين ديالى وصلاح الدين وتمشيط المنطقة بحثاً عن القناصين فيما تمكن الإرهابيون من ضرب بغداد وتنفيذ عمليات إرهابية في العاصمة العراقية بعد قدومهم من بعقوبة . ففي منطقة جلولاء وحدها هناك حوالي ألف مقاتل من داعش حسب تقارير لجهة استخباراتية كوردية، يقومون بشن هجمات سريعة مباغتة من قبل مجموعات تضم حوالي 50 إرهابياً في كل مجموعة. فقوات الحشد الشعبي تسيطر على المنطقة في النهار لكن داعش هي التي تسيطر في الليل ولكن السلطات العراقية كذبت هذا التشخيص الإستخباري، والحال أن داعش تشن هجمات ليلية في هذا القطاع كما حصل في 3 آيار ضد مركز للشرطة ولقد أعلنت وزارة الداخلية العراقية اعتقالها للمسؤول المالي لداعش في المنطقة في 15 آيار وسبق أن أعتقلت المسؤول العسكري والتسليحي لداعش في الأول من آيار وبحوزته ما لا يقل عن 41 مدفع رشاش رشاشة من طراز أ ك47 . صلاح الدين تشكل المنطقة الثالثة للنشاطات الإرهابية السرية لداعش منذ سقوطها وهي نشاطات حديثة العهد ظهرت قبل بضعة أشهر فقط حيث ظلت تقاوم القوات العراقية المهاجم لغاية أكتوبر 2017، ومن ثم انسحبت من منطقة الشرقاط شمال محافظة صلاح الدين كآخر معقل لها هناك. حيث تحولت إلى العمل السري والكفاح المسلح السري كما أظهر ذلك شريط فيديو دعائي بثته داعش مؤخراً. فما تزال هناك فلول وخلايا سرية لداعش في غرب وشرق بيجي، شرق تكريت، وداخل وحول محيط سامراء حيث تقوم بعمليات اغتيال لأهداف محددة في قلب المدينة، وتنسق مع خلايا في ولاية شمال بغداد لضمان تنقل الإرهابيين بشكل سري حيث انسحبت بعض الخلايا إلى جبال حمرين ومنطقة المطيبية على حدود ديالى ولقد هاجمت مركزاً للشرطة ليلاً في 25 آيار 2018 بالقرب من تكريت واعترفت الشرطة الاتحادية باستشهاد إثنين من منتسبيها أحدهما الجنرال محمد الحماش والثاني العقيد سامر صالح اللذين كانا ضحيتي كمين نصبته عناصر داعش الإرهابية لهما شرق تكريت. وتمارس داعش نفس التكتيك الإرهابي المتمثل بعمليات القنص وزرع العبوات الناسفة والألغام والكمائن والسيطرات الوهمية وكلها تحدث في الليل ولقد هاجمت فلول داعش الإرهابية قرية ذولوية شرق سامراء في الثاني من حزيران وقتلت إثني عشر شخصاً .

ما تزال داعش تنشط فيما تسميه " ولاية شمال بغداد" وهي المنطقة الرابعة للتمرد السري المسلح لداعش في مناطق الطارمية والأبايج والتاجي والعشاقي بالتنسيق مع خلايا ديالى وصلاح الدين. وهاجمت بعض القرى لنشر الرعب وتخويف السكان وتفجير سيارات مفخخة في التاجي ومحاولة السيطرة على الممر المؤدي إلى بغداد ليلاً. وفي ولاية نينوى تحولت داعش للعمل الإرهابي السري أيضاً على يد العناصر العراقية للتنظيم من سكان المنطقة. ولقد نشطت في الآونة الأخيرة ابتداءاً من منتصف شباط وآذار 2018 وهي تحتل المنطقة الخامسة للتمرد المسلح الإرهابي الذي تخوضه داعش ضد القوات النظامية العراقية وقوات الحشد الشعبي. فما تزال هناك خلايا سرية لداعش في شرق وغرب الموصل وفي جنوب المدينة حول منطقة حمام العليل وفي الشمال الغربي في بادوش وقامت بعمليات هجومية بالقرب من سد الموصل وفي تلكيف وكلها بواسطة العبوات الناسفة والألغام وحاولت داعش اختبار مدى مقاومة الاستعدادات العراقية النظامية عند مهاجمة قرية شيخ يونس جنوب الموصل وقد قتل في العملية سبعة عناصر إرهابية من داعش وتدمرت ثلاث عجلات واستشهد جندي عراقي وجرح ثلاثة آخرون، وسرقت داعش براميل نفط وحاولت معرفة قدرة الدفاعات العراقية ونوعية الرد المسلح . وفي نفس اليوم اكتشفت القوات العراقية متمثلة بالفرقة العشرين نفق الحسينية في قلب الموصل والذي كانت تختفي فيه خلية داعشية من عشرة أشخاص وتم تدمير النفق وردمه. وقد أعلنت وزارة الداخلية العراقية اعتقال زعيم الخلايا الإرهابية الداعشية في الموصل في حي النور شرق الموصل، وتم تعزيز الأمن في المنطقة بقوات من الحشد الشعبي في 27 آيار خاصة في الموصل القديمة وقد صدت قوات الحشد الشعبي ثلاث هجمات إرهابية على قرية جنوب الموصل خلال 24 ساعة. وفي 28 آيار تم اعتقال 22 عنصراً إرهابياً من داعش في بادوش وهو دليل على امتلاك داعش لخلايا نشطة ولو على نحو سري في المنطقة وفي 31 آيار تم اعتقال إمرأة داعشية في حي المأمون غرب الموصل وكانت قد اغتالت أرملتين لضابطين في الشرطة الاتحادية استشهدا في معارك تحرير الموصل، وذلك قبل اعتقالها بقليل.

ما تزل هناك بقايا لفلول داعش تنشط في العاصمة بغداد وضواحيها لا سيما بالقرب من أبو غريب أو قيام انتحاريين عزل بهجمات انتحارية ضد أهداف مختارة في غرب بغداد، أما في الأنبار فالنشطات الإرهابية لداعش باتت نادرة في غرب وشمال غرب الرمادي وبالقرب من الرطبة من خلال إطلاق قذائف صاروخية، ويبدو أن المنطقة فقدت قدرتها القتالية الداعشية في أعقاب الضربات التي سددتها القوات الأمنية العراقية وقوات الحشد الشعبي وتعرضها لضربات في الجانب السوري أيضاً . ولقد عادت للظهور ما سمي بــ " ولاية دجلة" بعد تحرير الموصل وهي تضم جنوب المدينة وشمال صلاح الدين وغرب مدينة كركوك حيث انكفأت عناصر التنظيم الإرهابي في منطقة الحويجة وهي تحاول أن تنشط في جنوب الموصل شمال القيارة في منطقة الشرقاط وفي غرب محافظة كركوك حول الزاب، لقد تمكنت العناصر الإرهابية من قتل أربعة جنود عراقيين بعبوات ناسفة قرب قرية حنكة في منطقة الشرقاط ما يعني أن هذا يشكل إعلان دعائي عن تواجد هذا النظيم الإرهابي في المنطقة. وهناك " ولاية الجزيرة" التي استبدلت منذ سبتمبر أيلول 2017 بــ " ولاية البادية" التي ظهرت على لائحة التمرد الإرهابي المسلح السري الذي تقوم به داعش بعد اندحارها عسكرياً، وقامت بزرع عبوات ناسفة وألغام شرق تلعفر على الطريق باتجاه الموصل وقد قامت استخبارات الفرقة الخامسة العراقية باعتقال 5 عناصر من داعش في تلعفر في الخامس من آيار. وأخيراً تبنت داعش عملية حرق نساء في " ولاية الفلوجة" وقصفت في " ولاية الجنوب" بيتاً لأحد المرشحين للانتخابات في جرف الصخر التي كانت أحد مناطق النفوذ لتنظيم القاعدة الإرهابي بقيادة أبو مصعب الزرقاوي ومن ثم سيطرت عليها داعش قبل عمليات التحرير.

ومن خلال تحليل الوسائط الدعائية لداعش وفحص الأشرطة والبيانات يتضح أن المنظمة الإرهابية تعاود نشاطها من خلال التمرد المسلح السري وخوض حرب العصابات في المناطق الخمسة المشار إليها أعلاه وتشكيل قوس يغطي منطقة تمتد من شمال شرق بغداد إلى شمال وشمال شرق الموصل وتحتضن نواة الكفاح المسلح السري لداعش ولقد لوحظ تصاعد ملموس في النشاط الإرهابي السري لداعش في الأشهر الثلاثة الأولى لعام 2018، وانخفاض ملحوظ في شهر نيسان وانتعاش مفاجيء في شهر آيار بمناسبة الانتخابات التشريعية خاصة الأسبوع الثالث من شهر آيار الذي تميز بهجمات انتحارية الأمر الذي لم يكن موجوداً منذ أيلول 2017 ما يعني أن داعش تمكنت من إعادة تنظيم صفوفها وخلاياها السرية والتحول نحو النشاط الإرهابي السري في العراق بعد هزيمتها في المواجهات العسكرية العلنية .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

ابراهيم أبراشجهود واتصالات أمريكية مكثفة علنية مع دول عربية وسرية وعبر وسطاء مع أطراف فلسطينية لاستكمال إخراج ما تسمى صفقة القرن أو صفقة العصر، وكأن هناك سباق بين الجهود السياسية لتمرير صفقة القرن وقرع طبول الحرب من إسرائيل كجزء من سيناريو حرب قادمة تلوح في الأفق لفرض صفقة القرن .

صفقة القرن تسوية فرض الأمر الواقع

بغض النظر عن المسمى وعما إن كانت تسوية لإنهاء الصراع أم لتجديد أدوات وشكل إدارته فإن الرئيس ترامب وفريق إدارته وظفوا متغيرات ووقائع تراكمت خلال سنين ليبنوا عليها مشروع التسوية الجديدة الذي باشرت إدارة ترامب تطبيقه حتى قبل الإعلان عنه، وذلك من خلال إجراءات وقرارات الرئيس ترامب وإسرائيل حول القدس واللاجئين وتعطيل الجهود الفلسطينية في مجلس الأمن وما يجري من اتصالات ومشاورات حول مستقبل قطاع غزة .

المرتكزات التي يعتمد عليها مشروع التسوية الجديدة (صفقة القرن):

1- وصول مشروع التسوية السياسية الذي عنوانه اتفاقية أوسلو لطريق مسدود وغياب أي حراك دولي جاد لتسوية بديلة.

2- الأمر الواقع الذي فرضته إسرائيل بمباركة أمريكية في الضفة والقدس من استيطان وتغيير ديمغرافي، وفيما يخص قضية اللاجئين من خلال محاولة إنهاء خدمات الأونروا .

3- فشل المراهنة على الأمم المتحدة ومجلس الأمن تحديدا لإنصاف الشعب الفلسطيني قي قيام دولته المستقلة .

4- تجاهل قرارات الشرعية الدولية حول القضية الفلسطينية .

5- الانقسام الفلسطيني والإفشال المُتعمد لكل جهود المصالحة .

6- ضعف السلطتين القائمتين في الضفة وغزة .

7- الاشتغال الممنهج على قطاع غزة لخلق أوضاع إنسانية تهدد بالانفجار مما يتطلب حل سريعا .

8- فوضى الربيع العربي وانهيار معسكر الصمود والمقاومة في مقابل بوادر استعداد للتطبيع مع إسرائيل والالتفاف على المبادرة العربية للسلام .

9- المعادلات والتحالفات الجديدة في المنطقة التي تغير من طبيعة الصراع في الشرق الأوسط وأطرافه .

لأنها مشروع تسوية أمر واقع فإن علاقة قوية توجد ما بين صفقة القرن والانقسام الفلسطيني والإفشال المُتعمد للمصالحة . الرفض الفلسطيني الرسمي المُعلن للصفقة مثله مثل التهوين من الصفقة والقول بأنها مجرد فزاعة أو ولِدت ميتة لن يوقف مسار مشروع التسوية إن اقتصر على مجرد الرفض أو التجاهل، الرفض دون استراتيجية فلسطينية موحدة لمواجهة الصفقة قد يؤول إلى قبول ضمني .

قد يقول قائل إن الحديث عن (صفقة القرن) ظهر حديثا مع ترامب منذ حوالي العام فقط بينما الانقسام وفشل المصالحة يعودا لأكثر من عقد من الزمن، وهذا كلام صحيح من حيث التسلسل الزمني والمسميات، ولكن من يرجع إلى ما تسرب عن صفقة القرن وما يتم تنفيذه منها سيجد أنها تُبنى وتؤسس على الأمر الواقع الذي نتج عن فشل تسوية أوسلو وعن الانقسام وتداعياته من حيث خروج غزة عن سيطرة السلطة وخلق أوضاع إنسانية صعبة في غزة تدفع الناس فيه لأي حل، وما تقوم به الإدارة الامريكية هو تحويل هذا الأمر الواقع إلى صفقة سياسية توافق عليها كل الأطراف أو أغلبيتها، علنيا أو ضمنيا، مع إدخال تعديلات على أطراف المعادلة وجغرافيا المنطقة .

هل ستكون الحرب مدخلا لتمرير صفقة القرن ؟

صفقة القرن ليست مجرد افكار محل تداول بل مخطط يجري تنفيذه عمليا والمشكلة تتمحور حول كيفية تكريسها رسميا، وفي هذا السياق يوجد سيناريوهان رئيسيان :

السيناريو الأول: تمرير الصفقة سلميا من خلال :

1- أن لا تعلن الإدارة الأمريكية عن الصفقة رسميا فيما تستمر وإسرائيل في تنفيذ بنودها ووضع العالم أمام الأمر الواقع كما جرى بمسألة القدس ويجري بخصوص قضية اللاجئين وبفصل غزة عن الضفة .

2- أن تعلن واشنطن عن صفقة القرن من طرف واحد وتقوم إسرائيل بما عليها من استحقاقات بمقتضاها دون موافقة أي طرف فلسطيني وهذا يعني استمرار الأمور على حالها في غزة والضفة مما سيؤدي لتآكل سلطتي الضفة وغزة .

3- أن يوافق طرف فلسطيني على التعامل مع الصفقة .

4- عقد مؤتمر على شاكلة مؤتمر مدريد 1991 لتمرير التطبيع مع إسرائيل والتخلي عن المبادرة العربية للسلام وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، يتبعه اتفاقية جديدة على شاكلة اتفاقية أوسلو ولكن أكثر سوءا ليتنازل الطرف الفلسطيني من خلالها عن حق العودة والحق في القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية .

السيناريو الثاني : أن يتم تمرير الصفقة عن طريق حرب

وهذا سيناريو أكثر كارثية من الأول وهدف هذه الحرب ما يلي :

1- تدمير ما يمكن تدميره من مواقع المقاومة وقياداتها وزيادة الأوضاع الإنسانية في غزة صعوبة .

2- افتعال حرب أهلية في قطاع غزة حول مَن يحكم قطاع غزة، وفي هذه الحالة سيتم نقل مركز ثقل السلطة من الضفة إلى غزة بحيث يتم تصفية الحالة الوطنية في الضفة الغربية إما لصالح تقاسم وظيفي مع الأردن أو ضمها لإسرائيل، وحلول السلطة الوطنية محل سلطة حركة حماس في قطاع غزة، أو استجلاب طرف ثالث ليحكم قطاع غزة .

3- تهجير مئات آلاف الفلسطينيين إلى شمال سيناء، وفي هذا السياق نذكر بما جرى بداية الأحداث في سوريا حيث تدفق ملايين السوريين إلى دول الجوار بتواطؤ دولي وتحت مبررات الأوضاع الإنسانية .

4- استدعاء تدخل دولي للتعامل مع الواقع الجديد وقد يتم إرسال قوات دولية للقطاع .

5- فرض دولة غزة .

في جميع الحالات فإن هذه الصفقة لن تنهي الصراع أو تحقق السلام حتى وإن شاركت فيها أطراف عربية وقد يكون مصيرها مصير اتفاقات مدريد وأوسلو وتستمر لعقود مع إدارة جديدة للصراع .

حتى مع موافقة طرف فلسطيني على الصفقة،رسميا أو ضمنيا، فلن ينتهي الصراع لأن الطرف الفلسطيني الذي سيوافق إما أن تكون حركة حماس وهي لا تمثل الشعب الفلسطيني، أو منظمة التحرير وفي هذه الحالة ستفقد أهليتها لتمثيل الشعب الفلسطيني الأمر الذي سيدفع غالبية الفلسطينيين لتأسيس منظمة تحرير جديدة أو كيان سياسي جديد يمثل حالة الرفض لتسوية الأمر الواقع، مع عدم تجاهل إمكانية إيجاد طرف فلسطيني ثالث مستعد للتعامل مع الصفقة .

وفي الختام نتمنى أن لا تدفن القيادات الفلسطينية رأسها في الرمال مجددا،فبعد ربع قرن اعترفت بفشل تسوية أوسلو وعدم نزاهة الوسيط الأمريكي !!!، وبعد أحد عشر عاما نسمع تصريحات من قيادات في منظمة التحرير والسلطة بوجود مخطط لفصل غزة عن الضفة وتتراشق حركتا فتح وحماس الاتهامات بالمسؤولية عن الانقسام !!! وما نخشاه أن نسمع من نفس القيادات بعد حين اكتشافها وجود مخطط يتم تنفيذه يسمى صفقة القرن وتتراشق الاتهامات مع بعضها البعض عن المسؤولية عن تمرير هذه الصفقة !!! .

 

د. إبراهيم أبراش