علي المؤمنبعد غزوها العراق في العام 2003، شرعت واشنطن بتنفيذ مخططها بالتأسيس لدولةٍ عراقية تابعة لمشروعها في أبعاده السياسية والأمنية والفكرية، وتكون ركيزة أساسية لمنظومتها الشرق أوسطية؛ حالها حال إسرائيل والسعودية. كما خططت أمريكا لنظامٍ سياسي عراقي لصيقٍ بأجنداتها، وديمقراطيةٍ علمانية متغربة تقضي على تأثير الإسلام والتشيع المقاوم في الواقع الرسمي وشبه الرسمي، وتطبق هذه الإجندات حكومات عميلة؛ وإن تشدّقت بالنضال والوطنية في الظاهر؛ ليكون العراق الجديد نموذجاً تعيد أمريكا إنتاجه في سوريا وتركيا وإيران وبلدان عربية وإسلامية أخرى.

ولكن الذي حدث كان مفاجِئاً للولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد قوبل مشروعها بواقع إسلامي شيعي عراقي فاعل رافض، يتمثل في أضلاع المثلث الشيعي التاريخي المقاوم: الضلع الثوري، والضلع السياسي، والضلع الديني، والذي قلب الطاولة على معظم مفاصل المشروع الأمريكي؛ ليس في العراق وحسب؛ بل في المنطقة برمتها، وحوّل العراق الى أحد مرتكزات رفض السياسات الأمريكية والإسرائيلية والسعودية في المنطقة، بدءاً من الإصرار على الانتخابات والدستور الدائم، وانتهاءً بصعود الإسلاميين الشيعة الرافضين لتطبيق المشروع الأمريكي في العراق؛ الأمر الذي جعل الواقع العراقي الجديد عرضةً لكل ألوان التآمر السياسي والتخريب الأمني والتدمير الإقتصادي والتسقيط الثقافي من أركان محور الهيمنة الأمريكي الإسرائيلي السعودي. وهذا لايعني أن واشنطن فشلت بالكامل في تحقيق أهدافها؛ لكنها لم تستطع حتى الآن تحقيق أكثر من 20 بالمائة من أهداف مشروعها؛ برغم استخدامها لكل الوسائل غير المقبولة إنسانياً وسياسياً وأمنياً.

أما تل أبيب فقد كانت تطمح لعراق يطبّع معها سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، ويرفع علمها فوق سفارةٍ إسرائيلية فاعلة في بغداد، كما هو الحاصل في القاهرة وعمّان وغيرهما، ويسمح لليهود الإسرائيليين بالحضور الى العراق بكل العناوين؛ لكنها فوجئت بممانعة عراقية حقيقية حالت دون فتح ثغرة رسمية وشعبية في الواقع العراقي؛ باستثناء ثغرات صغيرة تحميها أمريكا بكل وسائل الإبتزاز في الشمال العراقي، وهي موجعة للعراقيين؛ برغم صغرها.

بينما ظلت الرياض تخطط لاستثمارات سياسية ومذهبية وايديولوجية في المحافظات السنية العراقية؛ بهدف اختطافها وجعلها حديقة خلفية للسعودية، من خلال جماعاتها وعملائها السياسيين والدينيين، وكذا فتح ثغرات سياسية واجتماعية ومذهبية في المحافظات الشيعية لتشكل جدار حماية لمشروع النفوذ السعودي العميق في مفاصل الدولة العراقية. إضافة الى إعادة تدوير المليارات التي سبق للسعودية أن دفعتها لصدام حسين لتدمِّر بها العراق وإيران. وفضلاً عن أهداف السعودية المشتركة مع أركان محور الهيمنة؛ فإن لها هدفاً ايديولوجياً خاصاً؛ يتمثل في تدمير تجربة المشاركة الشيعية في حكم العراق، وعدم السماح للعراق باستعادة هويته التي تمثلها الأغلبية الشيعية. وهذه الايديولوجيا تنطلق من عقيدة التكفير التيمية الوهابية التي تعدّ الشيعة أو ماتسميهم بالرافضة، كفرة أنجاساً مهدوري الدم. ورغم أن النظام السعودي لايصرح بهذا الهدف غالباً، إلا أنه لايزال يسعى بكل الوسائل الى تحقيقه على الأرض.

بيد أن النظام السعودي تفاجأ ـ هو الآخر ـ بعمق الحالة الإسلامية الوطنية الشيعية التي ترفض حتى رائحة الوهابية أو أي نفوذ للسعودية، كما أنه تلمّس حجم الحساسية الكبيرة والكراهية المتأصلة تجاه العقيدة الوهابية التي تمثل ايديولوجيا مشروع النفوذ السعودي. ولم يستطع النظام السعودي ـ رغم كل وسائل الابتزاز والضغط والدعاية والمال ـ خداع الرأي العام العراقي ببرائته من خلق الجماعات التكفيرية الوهابية ودعمها؛ ليس بدءاً بالقاعدة، وليس انتهاءً بداعش. وإذا استطاعت السعودية أن تحقق بعض الإنجازات في الواقع العراقي؛ فإنما هي إنجازات تخريبية لاتمت بصلة الى الشرف والضمير والإنسانية، وفي مقدم ذلك العمليات الإرهابية وإرباك العملية السياسية وتخريبها من الخارج والداخل، عبر الشخصيات الأجنبية والمحلية التي تنفذ أجندتها.

و بالتالي؛ ما برح العراقيون يدركون أن مشكلة أمريكا والسعودية وإسرائيل ليست مع ما يسمونه بالنفوذ الإيراني في العراق؛ بل مع العراق نفسه. وأن صيحات مواجهة النفوذ الإيراني في العراق ما هي إلّا الشماعة التي يعلق عليها محور الهيمنة الخارجي مسوغات تدخله وتخريبه وتشبّثه بمشروع تحويل العراق الى تابع له. و بكلمة أوضح: إن مشكلة هذا المحور هي مع الوطن العراقي الذي استعاد هويته بعد العام 2003، ومع المواطن العراقي الذي أعلن عن هويته، و طالب بدولة متماهية مع هويته. وهوية العراق التي بدأت تتكشف للعالم بعد العام 2003؛ هي هوية بلدٍ ذي أكثرية شيعية إسلامية وطنية ممانعة، تقود الى دولةٍ يغلب عليها الطابع الوطني الشيعي، وحكومة يقف على رأسها شيعي إسلامي، و أن الايديولوجيا الإسلامية هي التي تغلب على الواقع الشيعي العراقي، وأن هناك مدينة في العراق إسمها النجف الأشرف؛ يسكن فيها مرجع الشيعة الأعلى؛ هو الذي يقود المنظومة الدينية الإجتماعية الشيعية، وهي منظومة ـ ببنيتها الفكرية والنفسية التاريخية المتراكمة ـ رافضة للهيمنة الخارجية والطائفية. وهذه الحقائق لا تريد أمريكا وإسرائيل والسعودية أن تعترف بها، و تنظر الى العراق على أساسها، بل لاتزال أنظمة هذه الدول تسعى بكل الوسائل لتفكيك هذه الحقائق، و الضغط بقسوة لتشكيل هوية عراقية مشوهة تتلائم وأهدافها؛ بالصيغة التي سبق للعثمانيين والإنجليز والبعثيين أن سعوا اليها في الماضي.

و بالتالي؛ من الصعب جداً أن يحقق محور الهيمنة الخارجي الإستئصالي أهدافه في ظل الجدران العراقية التي تسد عليه الطرق؛ إذ أثبتت الوقائع العراقية بعد العام 2003 أن العراقيين أكثر وعياً وحنكة وممانعة مما تصور الأمريكان والإسرائيليون والسعوديون، وأن العراقيين يعون أن محور واشنطن ـ تل أبيب ـ الرياض لن يرضى عنهم حتى يتبعوا ملته، ولسان حاله يردد مقولة معاوية بن أبي سفيان: (يا أهل العراق، أترون أني إنما قاتلتكم لأنكم لا تصلون ... إنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم).

  

د. علي المؤمن

 

عبد الجبار نوري"نعيشُ العهد الأمريكي" محمد حسنين هيكل

طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في زيارته للرياض رؤيته في تشكيل هيكل أمني أقليمي جديد يطلق عليه (حلف الناتو العربي) لتوجيه الحرب ضد الأرهاب ومقاومة التمدد الأيراني هذا المعلن من التحالف أما المخفي فهو الأعظم في صفقة القرن لعقد أعظم صفقة بيع للسلاح في التأريخ، فهو تحالف أمني وسياسي جديد حسب رؤية البيت الأبيض الأمريكي، والدفاع عن مصالح بلاده في الشرق الأوسط، وأرساء السلام في سوريا طبعاً في أولويته أزاحة رئيسها بشارالأسد بقوة المعارضة السورية وفصائل قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، ولمواجهة التقارب العسكري والأقتصادي بين روسيا والصين وأيران ولتعزيز التعاون المشترك بين الدول العربية وأسرائيل لكسر حاجز الخجل في تطوير وتشجيع التعاون العربي اليهودي .

وتشكيل الناتو العربي محاولة أمريكية تجنب المواجهة المباشرة مع الخصوم الثلاثة روسيا والصين وأيران، وتبلورت الفكرة في خطاب الرئيس الأمريكي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وأنتقل المشروع من خانة  المقترحات والأفكار إلى ميدان التطبيق العملي، وذلك لحصوله على الموافقة المبدئية ليس بقراروأنما بسكوت وعدم التعليق وهي علامة الرضا، فأخذت الخارجية الأمريكية هذا الحلف الأستراتيجي على محمل الجد ووضعته ضمن البرامج السياسية القادمة مطلع السنة الجديدة 2019 بعد مؤتمر موسع يضم الدول الثمانية الخليجية بقيادة السعودية بالأضافة إلى مصر والأردن، والكل بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو يمثل نسخة عربية من حلف شمال الأطلسي " الناتو " وظهرت إلى العيان تلك الفكرة الشريرة العدوانية بطرحها في مؤتمر القمة الأسلامي المنعقد في الرياض في أيار من عام 2017 تبلور المؤتمر بأسم " تحالف الشرق الأوسط الأستراتيجي  MESSAربما قد تكون الرياض المقر الرسمي لهذه المنظمة على غرار الناتو، أقول: هو ناتو عربي لمصلحة واشنطن .

ونتساءل لماذا تسعى أمريكا لتأسيس هذا الحلف؟: وذلك لمواجهة التقارب العسكري الروسي والصيني الأيراني، وتعزيز التقارب والتعاون المشترك بين الدول العربية واليهود التي تقدمتْ بخطوات سريعة ومذهلة في بدايات القرن الحالي، ومواجهة تحديات المرحلة للتمدد الأيراني حسب أعتقاد البيت الأبيض، لكسر حاجز الخجل والتردد في تطوير التعاون العربي الأسرائيلي، والسير نحو تحقيق سايكس بيكو ثانية لتحل مكان تلك الوثيقة الشرق أوسطية التي عُقدت بغياب واشنطن وتل أبيب والتي تسمى ب (صفقة القرن)، تسابق في أتجاه التسليح وترويج بيع الأسلحة بشكل هستيري نشطتْ بها حيتان تجار السلاح في أمريكا حيث وصلت لأرقام خرافية مليارية لبيع الأسلحة على مدى العشرة سنوات المقبلة ربما تصل إلى رقم أجمالي المبيعات ألى 450 ملياردولار  ويندفع المسؤولون الأمريكيون لتحقيق هذا الحلم الأستعماري الأمبريالي في صيغة الناتو العربي لتسليط الضوء على الرمزية الكبيرة في أختيار الرياض أن يكون مهد الأسلام أول محطة ترامبية بدلا من كندا والمكسيك المتاخمتين للولايات المتحدة الأمريكية، وربما العداء المذهبي بين السعودية وأيران وأستثمرتهُ  أمريكا يهذا الحلف، وفوبيا الصناعة النووية لأيران كان لهُ الأثر في هذا التحالف الأمريكي الخليجي، الحرص على تدعيم القيادة الأمريكية في المنطقة وتحويل العبء المالي المتعلق بالأمن، أضافة إلى توفير الوظائف الأمريكية للمواطنين الأمريكيين من خلال صفقات ضخمة لبيع السلاح، ويبدو للعقلاء وذوي الرأي الوطني أن هذا التحالف المريب سوف يورط المنطقة في مواجهات وحروب عبثية تأكل الأخضر واليابس !!!

العوائق والصعوبات أمام تنفيذ حلف الناتو العربي !!!

-أن الحلف الأطلسي يشكل همّاً ثقيلا على الأدارة الأمريكية فكيف لها أن تقدِمْ على خطوة أنشاء حلف مماثل في الشرق الأوسط تحتاج للتمويل العسكري والمالي، ووجودعدد من الدول العربية تعارض هذا الحلف مثل قطر شريكة أيران في تصدير الغاز الطبيعي المسال،

- حصة الأعضاء المنتمين لهذا التحالف الكراهية من قبل الشعوب العربية كالسعودية المؤيدة للأرهاب الدولي تعتبر الممول الرئيسي فقد قدمت أكثر من 100 مليار دولار للمنظمات الأرهابية في العراق وسوريا وأرسال أكثر من عشرة آلاف أنتحاري إلى البلدان العربية خصوصا إلى العراق .أن أغلب منفذي هجمات 11 سبتمبر قدموا من السعودية، في حين لعبت أبو ظبي دورا سلبيا وعملتْ على زعزعة أمن وأستقرار اليمن وليبيا ولبنان والعراق وسوريا .

- والعائق الكبيرأن الدوحه قامت بتغطية أعلامية  في تصوير جرائم الحرب في (اليمن) التي تشارك فيها الرياض وأبو ظبي والتي ستشكل عائقا واضحا ومفضوحا أمام فكرة الناتو العربي، أضافة إلى أن الأعضاء لا يتفقون على التهديد الذي تمثلهُ أيران، ثُمّ أن الدولتين الأردن والبحرية يعانيان من مشاكل داخلية وسياسية وأقتصادية حيث تعاني الأردن من الفقر والأقتصاد الرخو المعتمد على الهبات في حين تعاني البحرين من معارضة مدوية ومستمرة للشارع .

- ثم لماذا أقتصر على السّنة المشارقة ؟ وأستثنى المغاربة كلياً، وهل يكفي العداء لأيران لأبقاء الزخم في ديمومتهِ ؟ وما الذي سيستفاد منه الأردن المعتاش والعايش على الهبات والمساعدات الدولية ؟، ثم أعضاؤه المفترضون مصالحهم (متضاربة)، النظام السعودي يمتازبالفساد وعدمية الكفائة، وأستقلالية قطر، والأمارات تسعى للتحكم بسياسات دول الجوار والتي أصبحت اللاعب الفعال في ما يسمى الربيع العربي .

تداعياته العدوانية / أنهُ تحالف ظالم وخطير تشكل منظومة أمنية أستخباراتية ستكون نتائجها كارثية مدمرة على منطقتنا وشعوبنا ونسجتها قوى الشر في مرحلة الضعف وشبه الأنهيار التي تعيشها أمتنا لتمريرها والتعاطي مع 400 مليون عربي وكأنهم في غيبوبة يعيشون في عصر ما قبل التأريخ :

-هو مخطط أمريكي يهودي يتجه منذ سنوات في مخطط مرسوم بأسم (خارطة الطريق) لمنطقة الطاقة في الشرق الأوسط، فهو يبدو سباقاً  ونشاطاً محموماً سريعاً بين واشنطن وتل أبيب في الحصول على موطْء قدم فقد حصلت أمريكا على أثر أسقاط النظام السابق في العراق وأرست أكثر من عشرة قواعد عسكرية في عموم العراق، أما العقل اليهودي الذي يشتغل ديناميكيا وتأريخيا على الثروة والمال وصلت إلى منابع النفط في العالم العربي بفضل سياسات التطبيع الأنبطاحي لحكام الخليج ودول شرق أوسطية أخرى.

- هو من نمط الأحلاف العسكرية التي تزج بالعراق خصوصا في دائرة المحاورفالناتو العربي بأعتقادي هو أستنساخ لحلف بغداد 1956 الذي كان العراق أحد أعضاءه والذي أسقطهُ الشارع الملتهب وهو أستنساخ آخر للفكر الصدامي في حماية البوابة الشرقية حين زج العراق في حروب عبثية مدمرة وكذا يتقارب بشكل واضح مع قوات درع الجزيرة العدوانية التي مهماتها الأساسية قمع الشارع العربي المعارض كما حدث في أقتحام المنامة في 15/مارس 2011، سيكون مصيرهُ الأنهيار المدوي نتيجة وعي الشعوب العربية وأفتضاح ألاعيب البيت الأسود وما شاهدنا من تفكك أعضائه وبروز تشققات سياسية ونفعية للبيت الخليجي .

- هذا الحلف وسيلة جديدة لأمتصاص طفيلي للمليارات من الدولارات من دول الخليج بحجة تعزيز دفاعاتها وأستدراجها للحرب ضد أيران، وهذا الحلف المشبوه  يرقى إلى حرب أقليمية عظمى سيكون حطبها العرب المسلمون أنفسهم بغسل أدمغتهم بحيثيات طائفية ضد أيران الشيعية، وظهرت بوادر الخطر بتصريح السيسي الأخير : أن مصر سوف ترسل قواتها للدفاع عن أمن المنطقة العربية والدفاع عن الأمن القومي، وأصبحت قوات الناتو جاهزة للتدخل في المناطق الساخنة في الجزء الشرق أوسطي بذريعة التصدي لداعش وحفظ  أمن المنطقة .

- سوف تكون أسرائيل لاعباً (خفياً) في بدايات تأسيس الناتو العربي ثم تظهر إلى العلن بعد مواقف بعض الدول العربية في مسألة التطبيع وأخراج نفسها من الصراع العربي الأسرائيلي بشكل نهائي، فأن فرص نجاح الحلف ضئيلة لغياب الدعم الشعبي، ربما ضُربتْ بالصميم بعد الغدر الوحشي بالمعارض السعودي (خاشقجي) .

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث سياسي عراقي مقيم في السويد

 

ميثم الجنابيتصبح المشاكل معضلات حالما تتعثر وتتعقد وتتراكم في دهاليز مغلقة. والفرق بينهما يقوم في أن المشكلة قابلة للحل عبر حلول واقعية وعقلانية، بينما المعضلة عادة ما تعيد إنتاج نفسها بسبب انغلاق مكوناتها.

فقد كانت "القضية العراقية" في طي الغيب عندما جرت الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن العشرين، وتحولت إلى مشكلة بعد انتهاء الحرب في التسعينيات منه، ثم أصبحت معضلة بعد غزو الكويت. وهي حلقات تكشف عن أنها لم تكن معزولة عن انغلاق النظام السياسي العراقي وأزمته البنيوية الشاملة من جهة، وعن التخطيط الاستراتيجي للسياسة الأمريكية القائمة على مبدأ "التحكم بالأزمة" من جهة أخرى.

وتتمثل السياسة الأمريكية منذ انتصار "الثورة الإسلامية" ولحد الآن، نفس عناصرها المكونة في التحضير لغزو العراق، بمعنى الاعتماد على أفكار ثلاثة متغيرة الأشكال. ففي الحالة العراقية كانت ثلاثية "النظام الدكتاتوري" و"دعم الإرهاب" (القاعدة) و"أسلحة الدمار الشامل"، وفي الحالة الإيرانية ثلاثية "محور الشر" و"دعم الإرهاب" (حزب الله) و"المشروع النووي". كما أنها تجري في نفس المنطقة (الخليج) وتحت غطاء واحد هو "الدفاع عن الخليج" من "الخطر العراقي" سابقا، ومن "الخطر الإيراني" الآن.

وهي حلقات لا يمكنها الانتهاء، حتى في حال أسوء التوقعات القائمة في الحرب على إيران، بالوقوف عند هذا الحد. فكما أن العراق لم يكن سوى بداية تنفيذ "الحلم الأمريكي" القديم في السيطرة التامة على الخليج، فان إيران ليست نهايته! بعبارة أخرى، إن السياسة الأمريكية لا تنتهي عند حدود إيران. والقضية هنا ليست فقط في من هو "القادم"، بل وبطابعها المخرب بالنسبة لبنية التراكم الذاتي للمنطقة وقدرتها الذاتية على إدارة شئونها الذاتية بنفسها. وهي حالة تستعيد على مستوى تكنولوجي رفيع وثقافة تلازمها نفسية وذهنية القرن السابع عشر – العشرين الاستعمارية تجاه منطقة الخليج.

لكن إذا كان النجاح المبتور لهذه السياسة الأمريكية في العراق مرتبطا أيضا بصعود "النجم الأمريكي" و"القطب الواحد" و"الدعم المعنوي" الهائل الذي حصلت عليه الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001، فان مساعي تحويل "القضية الإيرانية" إلى مشكلة ومنها إلى معضلة تجعل من الممكن حسمها بالطريقة الأفغانية والعراقية، لم تعد سهلة، بل ومستحيلة. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الحالة في تشدد الدعاية الأمريكية وسياستها المعلنة تجاه إيران وضعف الأرضية الواقعية لتكرار السيناريو العراقي.

إننا نقف أمام حالة حرجة لم تحسم فيها بعد "مهمة" تحويل "القضية الإيرانية" إلى معضلة لا مفر أمامها من "الحسم النهائي". والسبب يكمن أساسا في تفاعل ستة عوامل كبرى وهي:

1- إن النظام السياسي الإيراني لا يعاني من أزمة بنيوية. كما انه يتمتع بقوة الترابط الفعال بين فكرة الدولة والقومية والوحدة الثقافية للشعوب الإيرانية.

2- البناء المنظومي للدولة والمجتمع والقومية والثقافة بما يتوافق مع مرجعيات ذاتية عميقة.

3- الاهتمام الاستراتيجي للتطوير والاكتفاء الذاتي استنادا الى تأسيس وتوطين وتوسيع وتنفيذ الانجازات العلمية والتكنولوجية.

4- إن الدولة الإيرانية ونظامها السياسي الجديد (الحكومة الإسلامية) لم تقترف أخطاء إستراتيجية في المنطقة.

5- مساعي إيران المتجانسة للدفاع عن مصالحها القومية عبر بناء تحالفات إقليمية ودولية في المنطقة خارج هيمنة الولايات المتحدة والغرب عموما.

6- تغير الحالة الدولية عما كان عليه الحال قبل غزو العراق. فقد كان غزو العراق مرتبطا ببداية "القطب الواحد" بينما تأجيج "القضية الإيرانية" يجري في تفسخ وانهيار حالة "القطب الواحد".

إن النظام السياسي الإيراني يتمتع بقدر كبير من القدرة الذاتية على تمثل الكلّ الإيراني بمختلف مكوناته وتنوعاته. بمعنى انه يمتلك من الكفاءة المرنة والمحكومة بتقاليد التراث القومي والثقافي الإسلامي ما يعينه ويكفيه على تذليل شدة الصراعات القومية والعرقية. من هنا قلة الفتن الداخلية.

بعبارة أخرى، إن النظام الإيراني الإسلامي الحالي يتمتع بقدرة نسبية جيدة على التحكم بالاختلافات الداخلية، ويحّيد إمكانية استعمالها الخارجي، على عكس ما كان عليه الأمر في العراق قبل الغزو الأمريكي. وهي إمكانية ليست معزولة عن طبيعة الأيديولوجية الإسلامية المتسامية (الأممية) والتوّحد المذهبي. وكلاهما يمتلكان، إلى جانب تاريخ مديد من وحدة الدولة والقومية، على قدرة كبيرة في مواجهة "الأخطار الخارجية" و"الأعداء". والشيئ نفسه يمكن قوله عما اسميته بتجنب الدولة اقتراف أخطاء إستراتيجية كبرى على الصعيد الداخلي والخارجي. فإذا كان النظام الصدامي قد حول نتائج الحرب العراقية - الإيرانية صوب الكويت وتأزيم أوضاع منطقة الخليج والعالم العربي ككل وشق صفوفه بصورة لا مثيل لها، فان السياسة الإيرانية توجهت صوب توحيد الكلّ الإيراني وإعادة بناء الدولة وقوتها العسكرية والاقتصادية. وهو بناء يتسم بقدر من الرؤية المرنة للعقائدية الصارمة والواقعية السياسية. من هنا تمسكها بقيمها ومبادئها الخاصة، والعمل على إيجاد منافذ لها من محاولات غلق الحدود عليها. وتحملت إيران في مجرى أربعة عقود من الزمن (1980 – 2018) من هذه الحالة الصعبة. لكنها استطاعت في نهاية المطاف من البقاء خارج أهداف النزاع العسكري مع الولايات المتحدة، رغم اندراجها، على عكس العراق آنذاك، ضمن "محور الشر" العالمي. ولم يكن ذلك معزولا عن قوة إيران الذاتية وتماسكها الداخلي، وعن مرونتها الواقعية ودبلوماسيتها الطويلة النفس.

لقد استطاعت إيران تجاوز "العقد القاسي" لمرحلة "القطب الواحد". وعملت في مجراه على تنظيم سياستها الإقليمية بالشكل الذي يجعلها أقرب إلى روسيا والصين، بوصفها القوى المحتملة والقابلة والمستعدة لإيقاف المد الأمريكي على المدى البعيد. بينما كشفت الأحداث التي رافقت تدمير القوات الجورجية في مجرى الحرب الروسية - الجورجية الأخيرة (2008) عن تسارع وبروز الدعوة العلنية والسياسية الصارمة عما يسمى بضرورة إنهاء عالم "القطب الواحد" وظهور عالم "متعدد الأقطاب". وبهذا تكون إيران قد حصلت على منافذ جديدة وتأييد سياسي وعسكري محتمل وقوي في الدفاع عن مصالحها الوطنية والإقليمية.

لقد خرجت إيران من نفق المرحلة القاسية للعقد الأخير من مرحلة "القطب الواحد"، أي مع بداية القرن الحادي والعشرين، دون أن يعني ذلك خروجها من حالة "القضية الإيرانية". إلا أن الأثر الجلي لكل ذلك يقوم في صعوبة تحويل "القضية الإيرانية" إلى معضلة، رغم بقاء حالة المشكلة الإقليمية الحرجة. وفي هذا يكمن احد الأسباب الكبرى لما يسمى "بالخطر الإيراني". إذ "للخطر الإيراني" بعيدين، الأول ويقوم بذاته، كما هو الحال بالنسبة لكل دولة ذات مصالح إقليمية لم تترتب بعد في منظومة معقولة ومقبولة لأطرافها جميعا، وبعد خارجي (إقليمي وعالمي).

فقد كان البعد الذاتي "للقضية الإيرانية" وما يزال محكوما بهاجس الأمن الذاتي المستقل. وبالتالي ليس "الخطر الإيراني" في الواقع سوى الصيغة المقلوبة للتوتر الإيراني الداخلي، بوصفه جزء من صيرورة تاريخية حديثة لتكامل الدولة والأمة والجغرافيا السياسية.

أما البعد الخارجي، فانه يحفز ويثير حلقات الخلخلة الإقليمية والعالمية. فعلى النطاق الإقليمي هي حلقات لا تخلو من توترات (إيرانية – عربية، وإيرانية - تركية، وإيرانية - أذربيجانية، وإيرانية – أفغانية) أما على النطاق العالمي فهي حلقات الصراع التالية (الإيراني- الأمريكي، والإيراني - الإسرائيلي، والإيراني – الأوربي). وكلاهما مترابطان، إلا أن الخطر الأكبر يكمن في الجزء الأول منه (الإقليمي). وبالتالي، فان ما يسمى "بالخطر الإيراني" ليس إلا الصيغة المقلوبة والفجة لطبيعة الخلل العام في البنية الإقليمية للمنطقة.

وفيما يخص العالم العربي بشكل عام والخليج بشكل خاص، فان المسار الإيراني صوبهما هو جزء من رؤيتها الإستراتيجية. فالعالم العربي يبقى في نهاية المطاف، إضافة إلى العالم الإيراني، الامتداد الأوسع لتنفسها الاقتصادي والثقافي والروحي. وفي هذا تكمن المحددات العميقة لسياستها تجاه العالم العربي. من هنا تدخلها المتنوع، شأن جميع الدول، في الحياة السياسية للعراق وسوريا ولبنان والخليج واليمن. وفي تدخلها تجعل العالم العربي مكونا من مكونات حياتها السياسية الداخلية. وبالتالي لا معنى للحديث عما يسمى بخطر "الهلال الشيعي" الذي ترعاه إيران. فالسياسة الإقليمية لإيران محكومة برؤية إستراتيجية، لا تخلو من المذهبية، لكنه ليس عاملا حاسما. وذلك لان المذهبية في النظام السياسي الإيراني الحالي جزء من أيديولوجية الدولة القومية. ذلك يعني انه يؤدي وظيفة عملية خاضعة وليست محددة وأساسية. وهو أمر جلي حالما ننظر إلى طبيعة ومستوى علاقتها بالدول المجاورة مثل الصين وروسيا وتركيا. 

أما البعد الخارجي "للقضية الإيرانية" على المستوى العالمي، فانه محكوم لحد الآن بالموقف الأمريكي والإسرائيلي، وإثارتهما الدائمة لفكرة "الخطر الإيراني". وهي إثارة محكومة، كما كان الحال بالنسبة للعراق ومنطقة الخليج عموما، بمبدأ الأزمة الخاضعة للرقابة! وهو مبدأ يتمثل إستراتيجية التحكم الدائم بالمنطقة من خلال إثارة عقدة الأمن فيها والخوف من "الإخطار الخارجية". بمعنى إثارة المشكلة والتحكم الدائم بها من اجل الاستحكام بالجميع والعمل حسب قاعدة "تنظيم" المشاكل وتفعيلها وقت الضرورة. وهي نفسية وذهنية إسرائيلية بحتة. وليس مصادفة أن تتطابق المواقف الأمريكية والإسرائيلية بنسبة 100% بهذا الصدد.

فقد عملت، ما قبل واثناء سريان قواعد "الاتفاق النووي" وبعده (كما نراه في خروج الولايات المتحدة من هذا الاتفاق)، ما يسمى بمراكز الدراسات الإستراتيجية – (الأمريكية – اليهودية) بصورة دائمة على إثارة قضية "الخطر الإيراني" من خلال الدراسات والأبحاث والمؤتمرات المخصصة لقضايا القدرات العسكرية الإيرانية، والقنبلة النووية الإيرانية، والحرس الثوري، وتصدير الثورة، والعمليات السرية، والهلال الشيعي، ومستلزمات الردع، أي المطالبة بحليف قوي (أمريكي) وما شابه ذلك. ليس ذلك فحسب، بل وبلغ الأمر مرة أن جرى النقاش الحامي "العلمي" والسياسي حول القصة – الخرافة التي أطلقها برنارد لويس وهو في عمر يناهز التسعين عاما عندما كتب يقول، بان إيران سوف تشن هجوما يوم 27 رجب عام 1427 كما لو أنها تستوحي ذلك من يوم الإسراء والمعراج في تحديها لغير المسلمين!

إن الإثارة الدعائية عن "الخطر الإيراني" بالصيغة التي تتناولها الدعاية الأمريكية والإعلام الغربي هو أولا وقبل كل شيء جزء من معترك مصالحها الدولية في منطقة الخليج والمشرق العربي. وهي مصالح تعتقد، بان القضاء على العراق وإيران أو تحييدهما سيجعل من المنطقة صحراء قاحلة من التحدي لمشاريعها الساعية للهيمنة على المنطقة. غير أن التجربة العراقية كشفت عن هشاشة هذه الفكرة. مع أن الأمور تجري في بدايتها. بينما "القضية الإيرانية" اشد تعقيد بما لا يقاس. وليست الدعوات المتكررة واستعراض مختلف سيناريوهات الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران سوى جزء من مخطط الإثارة الدائمة للازمات والتحكم بها من اجل استغلالها وقت الضرورة. لكنها إثارة واقعية وتحتوي أيضا على كوامن فعلية قادرة على الاشتباك. إذ توجد في الخليج بصورة شبه دائمة قوات عسكرية كبيرة أجنبية بشكل عام وأمريكية بشكل خاص. كما تضرب القوات الأمريكية بين فترة وأخرى "طالبان" في باكستان بوصفها رسائل غير مباشرة لإيران. وبالمقابل تقوم إيران بسلسلة من الإجراءات العسكرية للبرهنة على نمو قدرتها الدفاعية واستعدادها لمواجهة أي "خطر خارجي" مهما كان مستواه ومصدره.

إن المواجهة الحادة والعنيفة بين الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية من جهة، وإيران من جهة أخرى، يكشف عن طبيعة البعد الخارجي (الدولي) لقصية الأمن الإيرانية. وهي قضية لها مقدماتها وشواهدها العملية في العراق. ومن تكامل هذين البعدين لقضية الأمن الإيرانية ينبغي النظر إلى ما يسمى "بالخطر الإيراني". وقد يكون الموقف مما يسمى بالمشروع النووي الإيراني احد مظاهره الصارخة.

مما سبق نستطيع القول، بان إيران تقف أمام تهديد متنوع المستويات، داخلي وخارجي بحيث حدد لدرجة كبيرة رؤيتها للأمن. بل يمكننا القول، بان سلوك الدولة الإيرانية الحالية محكوم بفكرة الأمن. لكنه سلوك متنوع ويتسم بالمرونة أيضا. وقد يكون موقفها من المشروع النووي احد النماذج الحية. أنها استطاعت أن تتلافى المصير الذي تعرض له المشروع العراقي وقبله المصري. فقد بدأت مصر مع الهند تجربتها بهذا الصدد قبل خمسين عاما. وتمتلك الهند الآن عشرات الرؤوس النووية، وقدرة على إنتاج وتركيب محطة نووية بمفردها دون الاعتماد على مساعدات خارجية. أما مصر فلا شيء! كما أنه ليس مصادفة أن يكون "خطر المشروع النووي" الإيراني أكثر من يتحسس منه إسرائيل، التي تمتلك رؤؤسا نووية عديدة.

ومهما تكن النوايا والرؤية السياسية المختلفة بهذا الصدد، فان جوهر الحال يقوم في أن إيران استطاعت لحالها مواجهة الأخطار التي تواجهها الداخلية منها والخارجية، أو على الأقل أنها تتميز بنموذج يتسم بقدر كبير من الجدية والمواظبة في الدفاع عن مصالحها القومية. إضافة إلى قدرتها الخاصة بالدفاع الذاتي عن مصالحها. وهو الدرس الذي لم يتعلمه العالم العربي بعد، ولم يستطع لحد الآن الإجابة عليه بالشكل الذي يجعله قادرا أيضا على تذليل أوهام "الخطر الإيراني".

إن السياسة الإقليمية الإيرانية لها محدداتها الداخلية والخارجية. بمعنى أن إيران تدرك ثقلها الإقليمي، وبالقدر ذاته تسعى لجعله أمرا مقرورا به دون الوقوع في حالة الخضوع للقوى الخارجية. وهو سلوك محكوم بطبيعة التحول الأيديولوجي للنظام السياسي بعد "الثورة الإسلامية"، وتغير معالم رؤيته للأمن بشكل عام والقومي بشكل خاص. وهو الشيء الذي يمكن رؤيته على سبيل المثال في آخر المواقف الإيرانية من دورها الإقليمي في مجرى ردها غير المباشر على المشروع التركي (المدعوم من جانب الولايات المتحدة زمن بوش) فيما يسمى بمشروع الحلف القوقازي من اجل السلام في المنطقة. وهو مشروع لم يذكر إيران بوصفها احد مكوناته. بينما قدمت إيران رؤيتها الخاصة بهذا الصدد من خلال مشروع ما يسمى 3+3 (بلدان جنوب القوقاز الثلاثة جورجيا – أرمينيا - أذربيجان + روسيا – تركيا - إيران). بمعنى دعوتها للأمن من خلال تفعيل العلاقات الإقليمية. وإذا كانت الولايات المتحدة آنذاك تقف بالضد من هذا المشروع، فان الموقف الروسي لم يجر حسمه بصورة نهائية آنذاك (بينما اتخذ بعد دخول المعركة السورية بعدا استراتيجيا في تمتين العلاقة بإيران) الامر الذي يشير الى صواب الرؤية الايرانية وحدسها المستقبلي ايضا. آنذاك كان لكل من الموقف والامريكي والروسي أسبابه الخاصة. وفيما يتعلق بالموقف والرؤية الإيرانية فإنها كانت وما تزال لحد الآن محكومة بالبحث عن نسبة في الأمن والمصالح الإقليمية تستجيب لمصالحها القومية. وهي مصالح أخذت تترسخ أكثر فأكثر في الفترة الأخيرة، وبالأخص بعد الحرب الروسية الجورجية الأخيرة، صوب المحور الروسي الصيني الآسيوي. وهو توجه تشجعه روسيا وتدعمه من الناحية السياسية والدبلوماسية والعسكرية أيضا. ومع انه لم يتحول إلى مشروع حلف مباشر، لكنه اخذ يمتلئ ببعض مكوناته. وهي مكونات قابلة للتوسع والتنظيم في حالة ازدياد الحصار الأطلسي لإيران. وبغض النظر عن وجود موقفين روسيين متناقضتين بهذا الصدد، الأول يقول بان الاتفاق مع إيران خراب لروسيا، والثاني يعتقد بان ذلك سيغير الخارطة الجيو - سياسية في العالم (أو على الأقل في المنطقة).

غير أن القيمة الكبرى والأثر الفعلي لآلية وآفاق السياسية الإقليمية لإيران تبقى مرتبطة ومرهونة بالعالم العربي بشكل عام وبالعراق وسوريا ودول الخليج العربية بشكل خاص، أي بمنطقة الهلال الخصيب والجزيرة. وهو ارتباط محكوم بالتاريخ والجغرافيا والثقافة. فإذا كان التاريخ القديم جزء من معترك الإمبراطوريات والوحدة الثقافية، وبالأخص في مرحلة الخلافة، فان التاريخ الحديث والمعاصر محكوم بصعود الفكرة القومية ومصالح الدولة. وهي مكونات غير متناقضة في حال وضعها ضمن سياقها السليم. لكن التجربة التاريخية للأمم الحديثة جميعا تبرهن على أن بلوغ الحد الضروري لأدراك القواسم المشتركة يفترض المرور بدروب الآلام القومية ومعترك تكاملها الذاتي. ومن ثم لا يمكن بلوغ الوفاق القومي التام بين الدول قبل أن يبلغ أيا منها وفاقها الفعلي مع النفس على مستوى الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة. حينذاك فقط يمكن أن تتراكم وتنتظم قواعد الحالة المثلى للمصالح المتبادلة. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى كمية ونوعية الاختلافات والأزمات الإقليمية بين إيران والعراق ودول الخليج العربية. وهو السبب الذي يفسر تأزم العلاقة أو عدم بلوغها حالة الإدراك العملي للحد الضروري للمصالح المتبادلة، ومن ثم ترتيبها حسب منظومة لها قواعدها الملزمة للجميع. من هنا بقاء المشاكل العالقة كما هي بغض النظر عن اختلاف النظم السياسية. فقد بقيت العلاقة تتسم بالتوتر والخلاف بين العراق وإيران بغض النظر عن اختلاف النظم السياسية الملكية والشاهنشاهية والجمهورية الدنيوية(العلمانية) والدينية (الإسلامية). غير ان الامر اختلف بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية. والشيء نفسه يمكن قوله عن الخلاف مع دولة الإمارات المتحدة حول الجزر الثلاث (أبو موسى، وطنب الكبرى والصغرى). ذلك يعني أن قضايا الخلاف لا ترتبط بوجود صفات لا تتغير عند الطرفين أيا كان شكل الاتهام، بقدر ما انه يشير إلى ضعف تكامل الدولة والقومية بمعايير المعاصرة والحداثة. وهي حالة يمكن العثور عليها في اغلب تجارب الأمم الحديثة، أي أنها لا تخلو من لمحات ومراحل درامية وقاسية، كما كان الحال على سبيل المثال في مجرى الحرب العراقية - الإيرانية وصداها الصدأ لحد الآن في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب والخطاب الدعائي الصرف.

ذلك يعني أن طبيعة الصراع الإقليمي بين إيران والدول العربية مازال محكوما بعدم تكامل الدولة والقومية عند الجميع. مع ما يترتب عليه من إدراك الحدود الذاتية لكل منهما. وعموما يمكننا القول، بان العالم العربي وإيران لم يرتقيا بعد إلى مصاف البحث عن بدائل في التطور تتجاوز حدود وقيمة "جغرافيا الدولة" إلى عالم التنمية البشرية المشتركة والعلم والتكنولوجيا. فالعراق هو زمن مبعثر ونظم سياسية متخلفة وانعدام مرجعيات. بينما دول الخليج العربية هي زمن متراكم ونظم سياسية مستقرة نسبيا ومرجعيات جزئية (محلية). أما إيران الحالية فهي تاريخ متراكم بمعايير فكرة الدولة والقومية. ذلك يعني إننا نقف أمام اختلاف وتباين في المكونات الجوهرية للدولة والأمة في مثلث العراق – إيران – دول الخليج، الذي جعل من الممكن تحويل الخليج من بحيرة مغلقة إلى بحر هائج أمام التدخل الأجنبي. وبالتالي جعله قابل لأن يكون مادة لتجريب مختلف نماذج "الفوضى الخلاقة" بوصفها الصيغة الأيديولوجية "لإدارة المشاكل الدائمة". وليس مصادفة على سبيل المثال أن تتكلم الولايات المتحدة (حتى زمن بوش) مع كوريا الشمالية وترفض الحديث مع إيران. وهو الشيء الذي نراه لحد الان في زمن ترامب. طبعا أن لهذه الصدود مقدماتها وأسبابها الخاصة، إلا أنها تعكس أولا وقبل كل شيء استمرار وبقايا الرؤية الكولونيالية (البريطانية) في السياسة الأمريكية، بوصفها مرحلة مكملة لنفسية وذهنية الهيمنة على المنطقة وثرواتها (النفط بالأخص). من هنا فاعلية "الأزمة الدائمة" والتحكم بها، بحيث تصبح مكونات ومقدرات المنطقة أشبه ما تكون بكبش فداء يمكن تقديمه عند الضرورة!

إن التحرر من حالة "كبش الفداء" يفترض بلوغ وتجسيد البدائل العقلانية المتعلقة بادراك واقع وآفاق المصالح العامة والخاصة للدولة في العراق وسوريا والخليج. وهي بدائل يصعب تجسيدها ما لم يجر تحرير المنطقة من منطق العداء والاختلاف اللاعقلاني، بوصفه الصانع المحنك لمختلف عقد الخوف والاتهام وما شابه ذلك من غريزة الجسد المنهك! وهي عقد عادة ما يجري توظيفها في صراع "القوى الكبرى" في منطقة الخليج لما لها من أهمية عالمية.

وفيما لو جرى إنزال هذه العبارة إلى الميدان السياسي، فان ذلك يفترض إعادة النظر النقدية المشتركة بالتجربة التاريخية للمنطقة ككل، وبالأخص في مجال الرؤية والممارسة السياسية. وذلك لأن تاريخ الخلاف والعداء الطويل نسبيا بين إيران والعالم العربي لا يمكن تذليله بسرعة. بل لا يمكن تذليله ما لم تتكامل الدولة والنظام السياسي والمجتمع عند الأطراف جميعا بمعايير الثقافة العقلانية.

فالخلافات ما زالت قوية وعميقة في بعض جوانبها. وهي عموما خلافات لا تخلو من غياب لأبسط مقومات المصلحة القومية والإقليمية المشتركة. وقد يكون الخطاب العربي الدعائي الذي يجد في إيران "العدو رقم واحد" عوضا عن البحث فيها والعمل من اجل أن تكون "الصديق رقم واحد" احد أمثلته النموذجية. وفيه تنعكس ملامح الانحراف الفعلي لانعدام الرؤية الإستراتيجية وكمية ونوعية المغالطات السياسية. لكن ذلك لا ينفي في الوقت نفسه محاولات كسر الجمود والفتور والريبة المتبادلة عبر استعمال مختلف السبل والوسائل والطرق من جانب الطرفين. ومن المكن رؤية ملامح هذه المحاولات من خلال تعمق وتوسع التبادل التجاري، وتوسع وازدياد التبادل السياسي والزيارات الرسمية بينهما وما شابه ذلك. وهي خطوات ضرورية على خلفية الصراع الدامي في مجرى العقود الخمسة الأخيرة، وبالأخص بعد انتصار "الثورة الإسلامية" وما تبعها من تغير في طبيعة النظام السياسي الإيراني والأحداث المريرة مثل الحرب الدامية مع العراق، وغزو الكويت، ثم الحرب الأمريكية على العراق (عاصفة الصحراء) ثم الاحتلال الأمريكي للعراق، والأزمة المستمرة حول المشروع النووي الإيراني، والعلاقة بسوريا ولبنان وفلسطين، أي كل تلك القضايا المثيرة للاختلاف والوفاق أيضا. ومن مجموعها تتراكم، رغم طابعها الدرامي، نمو الهموم المشتركة، ومن ثم المصالح المشتركة. والاهم من ذلك إدراك الحقيقة القائلة، بأن المصالح القومية وحدودها الإقليمية والعالمية لإيران والعراق وسوريا ودول الخليج العربية لا تحلها القوة. لاسيما وان الخليج مصلحة عالمية.

ومن اجل أن يرتقي إدراك قيمة الخليج العالمية، فإن ذلك يفترض الارتقاء بالرؤية الإقليمية إلى مصاف العالمية. وهذا بدوره يفترض جملة أمور لعل أهمها الآن هي:

- الانطلاق من أن الخليج (بالمعنى الواسع للكلمة الذي يدخل فيه الشام كامتداد طبيعي وقومي) ذا قيمة عالمية، مما يحتاج بدوره إلى رؤية "عالمية" عنه مبنية على أسس إستراتيجية.

- إن الأمن الإقليمي للخليج وحدة واحدة لا تتجزأ. وهي مهمة دول المنطقة أولا وقبل كل شيء.

- تنقية الأجواء الداخلية من خلال بناء منظومة الأمن الإقليمي الخليجي من خلال بناء النفس استنادا إلى إمكانياتها وقواها الخاصة.

- البحث عن حلول واقعية وعقلانية مبنية على أساس منظومة المصالح المتبادلة. وذلك عبر إخراج المنطقة بصورة كلية من تأثير "الفوضى الخلاقة" وتصنيع "الأزمات الدائمة".

- إن كل الخلافات المحتملة ينبغي أن توجه صوب إدارة شئون المنطقة والخليج تحديدا بقواها الذاتية بعد حل الخلافات الواقعية والمفتعلة حول "الأرض والحدود".

- إن إضعاف أي طرف هو إضعاف للمنطقة كلها. والتجربة العراقية دليل حي على ذلك.

- تذليل المشاريع السياسية والأيديولوجية العدائية القديمة والاستعاضة عنها بمشاريع التعاون المشترك من خلال التركيز أولا على المشاريع الاقتصادية والثقافية. وبالتالي قلب معادلة التدخل الأجنبي من خلال جعل المصالح الأجنبية الضيقة "كبش فداء" أمام وحدة المصالح المشتركة للمنطقة.

انها مهمات تبدو شبه مستحيلة التحقيق في ظل تنوع واختلاف الانظمة السياسية وبنيتها الداخلية ومن ثم محددات توجهها الخارجي، وبالاخص ما يتعلق الامر منه بدول الخليج العربية والعراق أيضا في حالته المعاصرة، لكنها ممكنة في حال تغيير الذهنية السياسية وإدراك المصالح الحقيقية والجوهرية للدول والمنطقة بمعايير الرؤية المشتركة والبدائل المستقبلية العقلانية. ولا يمكن بلوغ ذلك دون تذليل النواقص الجوهرية الملازمة لطبيعة الانظمة السياسية في دول الخليج والعراق. وبالتالي، فان ايران اكثر من غيرها مرشح لإيقاف المنطقة من السقوط في هاوية الخراب التي تعرض لها العراق، والتي يمكن إن تتعرض لها دول الخليج العربية في حال بقائها ضمن مرجعيات الرؤية القبلية والانحطاط المعنوي في الموقف من المصالح الوطنية والقومية والإقليمية. 

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

رائد عبدالحسين السودانيالمغزى والرسالة

يمكنني القول إن مدينة الصدر في العاصمة العراقية (بغداد) لا تشابهها مدينة في العالم حيث واجه سكانها وقبل تأسيسها ظلما وجورا ومقتا من الحكومة الملكية ونظر إليهم على إنهم الأقرب إلى الغزاة من مواطنين لهم حق العيش في بلدهم أينما أرادوا ومتى شاؤوا، لكنهم أجبروا على العيش في الصرائف هربا من جور الاقطاعي ليواجهوا قسوة حلفاءه الحكام إلى أن جاء عبد الكريم قاسم وأسس مدينة (الثورة) وكذلك مدينة (الشعلة). والحقيقة إن مدينة الثورة تحولت بحق إلى ظاهرة يجب أن تدرس اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وبرأيي الخاص بطبيعة الحال إن عبد الكريم قاسم بخطوته هذه إنما أكد عروبية بغداد التي كان يغلب عليها العنصر التركي والشركسي وغير ذلك من الاقوام التي جاءت مع العباسيين، ففضلا عن إن مدينة الصدر أصبحت الشريان الحيوي لمدينة بغداد، اقتصاديا، فقد كان الفقر يضرب أجساد وارواح أبنائها فلابد لهم والحالة هذه أن يعيشوا فخرج منها العامل والسمكري وبائع النفط والبائع المتجول والبقال والسائق وغير ذلك من المهن ومع هذه الصورة المأساوية خرّجت لنا مدينة الثورة صورة مغايرة تماما فكان منها، البطل الرياضي في كافة الالعاب، والفنان، والشاعر، والروائي، والشاعر الشعبي. والصورة الأبرز للسياسي المعارض، ففي فترة وجود اليسار كقوة معارضة وحيدة في الساحة عرفت الثورة على إنها يسارية الطابع وشكلت بؤرة أقضت مضاجع الحكومات المتعاقبة (عارفية، وبعثية) حتى إن صدام حسين ركز عليها كثيرا واستبدل اسمها إلى مدينة صدام ليس حبا بها بل تأكيدا على إنه يراقبها مراقبة شديدة وقد أثبت أبناء المدينة هواجس صدام حسين فقد تحولوا إلى شوكة في عين سلطاته إذ عندما برز سماحة السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه) كانوا أول المؤيدين له والمناصرين لخطواته والمدافعين عنه فتعرضوا إلى صنوف العقوبات من اعتقالات واعدامات بالجملة طالت أسر بكاملها لكن نقطة التحول الكبرى في تاريخ المدينة تمثلت في بروز مرجعية السيد محمد الصدر فقد طبعت هذه المدينة بالطابع الصدري الأمر الذي عرّضها لانتقام السلطة البعثية لاسيما بعد استشهاد المرجع الصدر وبعد الاحتلال تحولت الانظار كليا لها بسبب إن أبناءها كانوا حراسا وخدمة ومحافظين للأموال العامة بشهادة سياسيين لا علاقة لهم بالواقع الصدري بل ينتقدوه ثم مقاومين للمحتل الأمريكي ومطالبين برحيله وتعرضت المدينة للقصف الوحشي سواء من قبل القوات الأمريكية أو القوات التي كان يأمرها السيد نوري المالكي في 2008 والتي يفتخر بها على الدوام وتعرضت إلى حصار أمني شديد استمر لسنوات وتعرض أبناءها للاعتقال والاختفاء والقتل والاحكام بمدد طويلة لا وحتى الاعدام. هذه الصورة لا تنساها أمريكا العدو اللئيم والحقود الذي لا ينسى من أذله يوما ومدينة الصدر أذلته كثيرا كما نعلم ولابد أن تنتقم لكن انتقامها يجب أن يكون مختلفا عمّا درجت عليه فقد جربت القوة فلم تنفع فما كان عليها إلا الوسائل الناعمة ذات التأثير الخشن. ولما هي تعلم إن اسرائيل يعتبرها العراقيون جميعا أو أغلبهم على انها العدو رقم واحد لا بل هناك غالبية كبرى ومنهم الصدريون يعدونها نجسا ومن باب التلاحم ضمن منظومة الثالوث المشؤوم عمدت الى استخدام علم الكيان الصهيوني ورفعته أمام مكتب السيد الشهيد الصدر الذي يحمل رمزية كبرى للمدينة وللعراق عموما وفي هذا إيحاء وهذا تحليلي الخاص الذي لا يرقى إلى معلومة بأن الصدريين لا مشكلة لديهم مع اسرائيل لتكتمل الصورة التي يروجها بعض الكتاب مثل سليم الحسني والقائل بأن مقتدى الصدر انظم للمحور السعودي – الامريكي. التحليل الآخر يكمن في إيجاد فرصة للصدام مع الفصائل الأخرى (الصدرية على وجه التحديد) المنشقة عن قيادة السيد مقتدى الصدر قبل أن تصدر قائمتها الجديد حول الفصائل  التي تعدها ارهابية وبالتالي يسهل تصفية التيار الصدري ومن ثم الفصائل الأخرى . أما المعلومة وهي التي جاءت على لسان السيد مقتدى الصدر والتي نقلت عن طريق بعض مستشاريها فإنها تقول للصدر بأننا وصلنا إليك وفي معقلك وهذا تهديد مباشر وبطبيعة الحال إن السيد الصدر لا يحلل فهو في وضع من لديه المعلومة الكاملة التي لا تحتاج الى تخمينات. وعليه يجب القول سواء صحت الحليلات أو المعلومة فإن الأمر يدعو الى التحسب واليقظة والانتباه الدائم فالخطر داهم وجسيم والثمن باهض.

 

رائد عبد الحسين السوداني

 

زهير الخويلدي"لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط، أما خالد فالوطن عنده هو المستقبل"

غسان كنفاني

أثبتت العمليات الجارية في الآونة الأخيرة في قطاع غزة وبالتحديد في خان يونس فشل الأعمال الأمنية التي يتم التخطيط لها من طرف قوات الاحتلال بشكل موازي ويستهدف منها متابعة الناشطين والمقاومين بغية إلحاق الضرر بجاهزية التنظيمات على الرد وقدراتها الدفاعية وتحقيق أهداف مباشرة بمعزل عن العملية التفاوضية والتنسيق الاتصالي بين كيان الاحتلال ومؤسسات السلطة الفلسطينية والفصائل الباسلة.

يسعى الاحتلال الإسرائيلي تماشيا مع المنطق العنصري الذي ينطلق منه وسياسة إفراغ واقع فلسطين من سكانها والتوسع على الأرض وإلغاء الحقوق العربية التاريخية إلى تمرير صفقة القرن ويعتمد سياسة فرق تسد ويفتعل الخلافات بين الأخوة ويقوم بتغذية الانقسام بين السلطة في رام الله والإدارة التنفيذية في غزة.

لقد خلف الاعتداء الصهيوني على غزة الأبية الكثير من الإصابات وارتقى عدد من المناضلين البررة وتم تدمير قناة الأقصى الفضائية بالكامل وكان ذلك بنية إسكات المنابر الإعلامية الفلسطينية والتضييق على حق سكان غزة في الكشف عن معاناتهم بسبب الحصار وغلق إمكانية متاحة للتواصل مع العالم والتعبير عن مشاكلهم ومطالبهم ولكن هذه النية المبيتة باءت بالفشل المتوقع وتصدى المقاومين للغزاة وأجهضوا العملية الأمنية وألحقوا بدورهم الضرر في المعتدين ورشقوا المستوطنات بالصواريخ واستأنفت قناة الأقصى البث بسرعة قياسية وبرهنت على الاستعداد الكامل للمقاومة وترجمت العمل المؤسساتي المنظم.

كل هذه الاعتداءات تحدث في ظل تزايد وتيرة التطبيع والتنصل من المساندة للقضية الفلسطينية من طرف العرب والمسلمين والعزوف عن المشاركة في المقاومة والهرولة نحو إقامة علاقات علنية مع الكيان الغاصب واستقبال رسمي لحكام سياسيين من تل أبيب في عواصم عربية وتركيز جمعيات حقوقية موالية لإسرائيل ودعوة هيئات ومنظمات صهيونية للمشاركة في تظاهرات دولية يتم تنظيمها في الدول العربية.

يريد أعداء الأمة إنهاء وجود الإنسان العربي المقاوم وإلغاء الحضور التاريخي للضمير العربي المشترك وتفكيك الوجدان الجماعي والسياسة السيادية والأمن القومي والتضامن الإسلامي والجبهة الوطنية وتسعى القوى الإقليمية إلى استثمار الوضع الصعب الذي تمر بها الجماعة التاريخية الناطقة بلغة الضاد قصد تحقيق مصالح شعوبها وكسب بعض النفوذ على الصعيد الجيوسياسي ومنافسة الدول الامبريالية وبالتالي تحسين شروط التفاوض معها على اقتسام ما تبقى من الغنائم والثروات التي تحتويها الأراضي العربية.

بيد أن الأمل المنبعث من غزة ومن كل الموالين بشكل مبدئي للقضية والمنحازين بصورة موضوعية للعدل يزيد الفلسطينيين إصرارا وتشبثا بحقوقهم وبأرضهم ويدفعهم إلى البذل والصمود والدفاع عن شرف الأمة ومستقبل الوطن العربي على الرغم من الضعف والتشرذم والانقسام والاضطراب وتعدد المحاور. فمتى يتعلم المعتدون بأن الحلول الأمنية في غزة الأبية فاشلة وبأن الاستيطان في فلسطين زائل لا محالة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

عبد الحسين شعبانيجادل كثير من العرب وربما في العالم الثالث، كجزء من رغبة في استعادة التوازن في العلاقات الدولية، على أن روسيا اليوم أصبحت قوية وقادرة على مجابهة الولايات المتحدة، ويستند بعضهم على معطيات الصراع الأيديولوجي الذي غطى أكثر من سبعة عقود من الزمان بين المعسكرين «الاشتراكي والرأسمالي» وثمرته الحرب الباردة (1947-1989)، وإلى القدرات النووية التي كانت تمتلكها روسيا السوفييتية.

ولعل المثال الأقرب إلى مثل هذه التقديرات، هو الحضور الروسي في الأزمة السورية، من دون نسيان موقف روسيا الحاسم في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، وقبل ذلك في الشيشان وغيرها، لكن ذلك شيء، وعودة روسيا كقوة عظمى على المستوى العالمي، شيء آخر، فقد كان سباق التسلّح وحرب النجوم من أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي، إضافة إلى فشل خطط التنمية بسبب شحّ الحريات والبيروقراطية المستحكِمة.

وبالعودة إلى الأزمة السورية المندلعة منذ العام 2011، فقد أدركت روسيا أن موقفها من العراق وليبيا (2003 و2011)، أفقدها مواقعها التقليدية في البلدين، لذلك اندفعت للمشاركة في الأحداث المتسارعة في سوريا، إلى جانب نظام الرئيس الأسد، يضاف إلى ذلك شعورها بأن الأخطار باتت قريبة منها؛ بل عند حدودها الجنوبية، لاسيما مشاركة مئات الشيشانيين في المنظمات الإرهابية بمن فيهم عدد من قياداتها، وهذا سيعني أن قوات حلف شمالي الأطلسي «الناتو»، ستصبح قاب قوسين أو أدنى من حدودها؛ الأمر الذي يمثل تهديداً حقيقياً وليس افتراضياً لأمنها الجيوستراتيجي، ارتباطاً مع احتمالات امتداد الجماعات الإرهابية الإسلاموية إلى العمق الروسي، علماً أن الديانة الإسلامية هي الديانة الثانية في روسيا، حيث يزيد عدد المسلمين على 20 مليون مسلم.

وإذا ما أضفنا إلى ذلك احتمال استبدال صادرات الغاز الروسي المتوجه إلى أوروبا، وهو يمثل نسبة كبيرة من الدخل القومي، بالغاز القطري الذي يمكن أن يمرّ عبر الأراضي السورية، ومنها إلى تركيا وإلى جنوبي إيطاليا، فأوروبا، فسيكون ذلك بمثابة قطع أحد شرايين الحياة بالنسبة لها. وهذا كله سيكون «واقعاً» إذا خسر الروس مواقعهم في سوريا؛ لذلك بدت المعركة مصيرية لأنها معركة «كسر عظم». وكان رأي الكرملين في تبرير تلك الانعطافة، أو تفسيرها، هو أن المنظمات الإسلاموية المتطرّفة مثل «داعش» و«النصرة» (جبهة تحرير الشام لاحقاً)، تمثل خطراً كبيراً على روسيا أيضاً، وعلى السلم العالمي.

وقد اعتمد الرئيس بوتين منذ توليه الحكم في العام 2000، سياسة خارجية جديدة ورسم ملامحها وحدّد مرتكزاتها في ولايته الثانية؛ قوامها تطوير قدرات روسيا لتكون شريكاً فاعلاً للولايات المتحدة وأوروبا، لاسيما بعد نشوء حالة جديدة من العلاقات الدولية تتميز باستخدام القوة على نحو مباشر، عبر تحالف دولي بقيادة الدولة العظمى المتسيّدة للعالم، منذ انتهاء عهد الحرب الباردة وانهيار جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني1989.

واستهدفت السياسة الروسية الجديدة، العمل على تغيير موازين القوى على نحو هادئ، خصوصاً في إطار محيطها الإقليمي ونطاقها الحيوي، مستفيدة من مراجعة سياساتها وأخطائها مما حصل في أفغانستان والعراق وليبيا، وقد اختلف الأمر بالنسبة لسوريا على نحو جلي وواضح في مواقفها من قرارات مجلس الأمن الدولي، التي كانت واشنطن تريد فرضها، فعارضتها بشدة واستخدمت حق الفيتو (النقض)، وظلّت تستخدمه حتى وصل إلى 7 مرات في العام 2017 (منذ العام 2011)، والسبب في ذلك، كي لا تفقد مواقعها وتخسر معها مصالحها الحيوية، وكي لا يتكرّر المشهد الليبي الذي انعكس سلباً عليها، وعلى ليبيا والمنطقة والعالم، وقبل ذلك ما حصل في العراق.

ولكي تتضح معالم صورة روسيا من خلال سياساتها الخارجية المتعدّدة الاتجاهات، يمكن رصد ما عرضه بوتين في اجتماعه بالسفراء الروس بعد توليه الإدارة للمرّة الثانية (2004)، حين تناول عدداً من الدوائر ذات العلاقة بتوجهات السياسة الخارجية الروسية الجديدة.

أولها: أن السياسة الخارجية ينبغي أن تصبح أداة تحديث لروسيا.

وثانيها: أولوية علاقة روسيا مع الدول التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق. والمقصود بذلك (الدول التي انسلخت عنه واستقلت).

وثالثها: إبقاء العلاقة مع أوروبا بذات الأولوية التقليدية.

ورابعها: السعي للشراكة مع واشنطن.

وخامسها: التعاون مع الدول الواقعة على الساحل الآسيوي من المحيط الهادئ، من أجل تطوير سيبيريا.

وكان بوتين وما يزال إلى حدود غير قليلة يتعامل بحذر شديد مع فكرة «الدولة العظمى»، على الرغم من محاولته العزف على «الوطنية الروسية» التي تبقى حاضرة في أذهان كثير من الروس، والتي يمكن الاستناد إليها في مرحلة الأزمات الحادة والاستعصاءات الوطنية، كما حصل في الحرب العالمية الثانية، وما يحصل اليوم؛ لمواجهة الحصار ونظام العقوبات المفروض على روسيا، لكن ذلك شيء، ومستلزمات الدولة العظمى شيء آخر.

 

عبد الحسين شعبان

 

علاء اللاميهل هي محاولة لتنفيذ قرار حكومة المالكي والوزير السابق العامري برفع التحفظ على الربط السككي بين الميناء الكويتي والسكك العراقية ودفن ميناء الفاو الكبير؟

في أول زيارة له الى الخارج وكانت الى الكويت صرح الرئيس البروتوكولي العراقي برهم صالح بضرورة العمل على انطلاق مشاريع كثيرة مع دولة الكويت وخص منها بالذكر "مشاريع السكك الحديدية التي تربط الكويت بالعراق". ومعروف أن مطلب ربط الكويت وتحديدا مينائها الضخم "ميناء مبارك" في خور عبد الله والذي ضيق الممر في الخور وجعل من الصعب جدا على السفن القادمة والمنطلقة من العراق المرور فيه وقد حدثت قبل فترة كارثة غرق سفينة "المسبار" العراقية 19 آب 2017 وتوفي وفقد في الحادث ثلاثة عشر من البحارة العراقيين وكل هذا بسبب التضييقات الكويتية على الخور ببناء مينائها عليه في حين أنها تملك سواحل بحرية طويلة جدا وأضعاف الساحل العراقي القصير. إن ميناء مبارك الكويتي هو المنافس الأخطر لميناء الفاو الكبير القريب منه وفي حال موافقة العراق على مشروع الربط السككي مع العراق سيموت ميناء الفاو تلقائيا وينتعش ميناء مبارك الكويتي ويتحول العراق الى ممر للقطارات الكويتية المتجهة من الميناء الكويتي الى الشمال عبر العراق. ومعلوم أن وزير النقل العراقي الأسبق عامر عبد الجبار رفض وتحفظ على مشروع الربط السككي مع الكويت حتى أقيل من منصبه وحل محله هادي العامري الذي وافق على الطلب الكويتي بالربط السككي فور تعيينه وزيرا للنقل.

وكان الوزير عامر عبد الجبار قد أكد إن ميناء مبارك الكويتي قد أقيم بأجندة أميركية وليس كويتية وقال عبد الجبار (كانت لي مناظرة مع خبير كويتي وقلت له: ان ميناء مبارك انشئ بأجندة خارجية، فطلب مني الدليل. والدليل هو انني في عام ٢٠٠٧، مدير عام في وزارة النفط، وكان هناك امر ديواني بتفريغي يوم واحد في الاسبوع استشارات مع المشرف العام على المطارات والموانئ في مكتب رئيس الوزراء، فجاءت السفارة الاميركية، وقالوا: هناك مشروع تريد الكويت عرضه عليكم، فطلب مني رئيس الوزراء معرفة نوع المشروع وايجابيته وسلبياته، فجلست مع الفريق الهندسي الاميركي، وقالوا لنا: ان الكويت تعرض عليكم تأهيل ميناء ام قصر على حسابها الخاص، مقابل ان يكتب العراق تعهد بعدم انشاء ميناء الفاو الا بعد 5 سنة، فقلت لرئيس الوفد: ان الكويت دولة عربية ولنا معها سفارات وعلاقتنا طيبة معهم، فلماذا لم يعرضوا المشروع مباشرة علينا، وقاموا بتدخل الجانب الاميركي، ثم سألتهم ايضا: ان الكويت ترفض تسقيط الديون القذرة التي اعطتها لصدام في حربه مع ايران بحجة انها اموال الشعب الكويتي، فلماذا الان يريدون تطوير ميناء ام قصر باموال الشعب الكويتي على الرغم من انه ميناء عراقي، فاجبته: ان هذا المشروع لن نوافق عليه جملة وتفصيلا، وميناء الفاو مهم جدا لدينا وسوف نربطه بالقناة الجافة الموصلة الى اوربا، فقال لي رئيس الوفد: لاول مرة اجلس مع خبير عراقي، فجذور ميناء مبارك كانت منذ عام ٢٠٠٧، كما كانت للكويت مراسلات قبل استلامي الوزارة مع الامانة العامة، وهناك شخصيات في الحكومة يسعون الى مصالح دول الجوار اكثر من تفكيرهم بالضرر على العراق، فشكلوا لجنة لمناقشة الاضرار المترتبة على انشاء ميناء مبارك في جزيرة بوبيان، فخرجت اللجنة بنتيجة انها لا توجد مشكلة من انشاء الميناء، شرط ان العراق يسرع في انشاء ميناء الفاو، وفي عام ٢٠٠٨ وخلال عملي في مكتب رئيس الوزراء، وجدت احدى الشخصيات السياسية يقول له: نحن ماذا نصنع بميناء الفاو، حيث ان ارضه ملحية واستملاك، فلماذا لا نقوم بالغائه، بينما الكويت سوف تبني ميناء في جزيرة بوبيان ونحن نعطي للكويت ربط سككي ويصبح ميناء كويتي للبضائع العراقية، فطلب مني رئيس الوزراء ابداء رأيي في الموضوع، فاحضرت خريطة ووضعتها على مكتب رئيس الوزراء وشرحت له اهمية ميناء الفاو وخطورة اعطاء ربط سككي للكويت، فالتفت رئيس الوزراء الى هذا السياسي وقال له: هل تريد ان توهمني، فما دمت انا رئيس وزراء، فيجب انشاء ميناء الفاو ولا اعطي ربط سككي للكويت) يمكن الاطلاع على معلومات أخرى خطيرة في هذا اللقاء الصحافي الذي أجرته صحيفة البينة الجديدة مع الوزير عامر عبد الجبار ورابط اللقاء في التعليق الرابع.

* والخلاصة التي يجب الوقف عندها والتفكير بها مليا هي إن زيارة برهم صالح وطرحه لموضوع الربط السككي بين العراق والكويت هو جزء من حزمة المشاريع والأوامر الأميركية التي يجب على حكومة عبد المهدي تنفيذها وأن برهم صالح يقوم بدور الخرقة المبتلة للتمهيد للعمل الذي يقوم به عبد المهدي لاحقا. وإن الموقف الوطني، وفي الحد الأدنى، يجب أن يؤكد على الثابت الآتي: رفض الربط السككي الذي تطالب به الكويت بدعم أميركي قبل إنجاز ميناء الفاو الكبير وحين يبدأ الميناء العراقي العمل ويتم ربطه سككا مع محطة ربيعة والخط السككي الدولي مع سوريا وتركيا وأروبا يمكن التفاوض مع الكويت على كل شيء بهدف رفع الإجحاف الذي لحق بالعراق وأجبر على التنازل عن جزء من أراضيه في أم قصر وفي طلته البحرية الصغيرة بسبب قرارات الأمم المتحدة الجائرة والتي فرضت من دول العدوان على العراق الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

* إن أي تهاون في أداء هذه المهمة واتخاذ هذا الموقف سيكون لطخة عار وخيانة في جبين حكومة عبد المهدي والنواب والأحزاب المؤيدة لها، وليعلم المفرطون في حكومة عبد المهدي أنهم حتى لو أبرموا صفقة الخيانة هذه فإن المواطنين العراقيين سيرفضون تحويل بلادهم الى ممر للكويت أو لأية دولة أخرى وسيحولون أية قطارات أجنبية تمر في أراض بلادهم الى حطام ... تنفيذ الخيانة سيكون صعبا هذه المرة!

 

علاء اللامي

...............................

هوامش وروابط:

1- رابط تقرير حول الموضوع في صحيفة الوطن الكويتية

http://alwatan.kuwait.tt/articledetails.aspx?id=575971&yearquarter=20184

2- رابط لتقرير آخر في موقع إخباري عراقي

http://www.shafaaq.com/ar/Ar_NewsReader/9f32e6a0-b7b8-4d81-b5ba-8c5ebcbfbd49

3- رابط لفيديو لوزير النقل الأسبق عامر عبد الجبار"

https://www.youtube.com/watch?reload=9&v=b2SazkWmtmM

4- رابط للقاء صحافي مع الوزير الأسبق عامر عبد الجبار حول موضوع رفضه الربط السككي بين الكويت والعراق

http://afadak.com/index.php?page=news&id=17629

5- رابط فيديو آخر للوزير عامر عبد الجبار حول رفضه لمطلب الكويت بالربط السككي مع العراق /الدقيقة الخامسة من الفيديو:

https://youtu.be/DW5qQV9usv4?t=304

 

سليم الحسنيفي حكومة ٢٠١٨ اختلف الأمر عن الحكومات السابقة، فالتشكيلة الشيعية صارت أكثر ضعفاً وتشتتاً من قبل، وتوزعت على أربع كتل انتخابية، تضمر كل واحدة منها خلاف ما تعلن للأخريات.

كان هذا التمزق رغبة سعودية ـ وخليجية ـ دائمة، بذلت من أجلها الأموال الطائلة، كما أن أميركا كانت تجد صعوبة في فرض المرشح المناسب لها رئيساً للوزراء ـ مع بقاء التماسك الشيعي ـ فتلجأ الى التفاهم مع إيران بعد جولات من التسابق المرهق.

في هذه الانتخابات، كان الجنرال سليماني ينتظر النتائج ليخوض معركته المعتادة مع المبعوث ماكغورك في تشكيل الكتلة الأكبر ومن ثم اختيار المرشح لرئاسة الوزراء. وكان يتوقع أن تسير الأمور مثل المرتين السابقتين في عامي ٢٠١٠و ٢٠١٤، ولذلك لم يأخذ حيطته الكافية لمتغيرات ومفاجآت جديدة سيعتمدها خصمه الأميركي.

لم يكن الجنرال سليماني، يعلم باتفاقات سرية تجري لإيصال عادل عبد المهدي الى رئاسة الوزراء، أو أنه علم بذلك لكنه لم يعطها الاهتمام المطلوب، واعتبرها بناءً رملياً سيطوّحه باصبعه.

انشغل سليماني بقضيتين أخذتا وقته وتفكيره، الأولى كيف يصمم الكتلة الأكبر، ليضمن من خلالها رئاسة الوزراء. والثانية اختيار رئيس وزراء من بين عدة مرشحين لامعين.

كانت خطة سليماني تقضي بتشكيل الكتلة الأكبر من دون قائمة سائرون، وذلك لإضعاف نفوذ مقتدى الصدر، وبذلك يوجه ضربة موجعة لمحمد بن سلمان وبريت ماكغورك. وبعد ذلك يضع مقتدى الصدر أمام خيارين، إما ان يشارك في الحكومة بعدة وزراء، او يختار المعارضة في البرلمان. وفي الحالتين سيكون تأثيره ضعيفاً على الحكومة الجديدة.

في مقابل هذا التوجه، فان ماكغورك اعتمد خطة مضادة مفادها تدعيم موقع السيد مقتدى الصدر ليكون هو صاحب الكتلة الأكبر، فقد كان يعرف طريقة غريمه الإيراني التي اعتمدها في الدورات السابقة، وكان واثقاً بأنه سيكررها هذه المرة أيضاً بنفس الخطوات، وهي تشكيل الكتلة ثم اختيار المرشح.

اعتمد ماكغورك اسلوباً معاكساً، أي اختيار المرشح ثم تجميع الكتلة الأكبر. وكان ذلك يتطلب اطلاق الوعود للمستميتين على المنصب، فوعد العبادي بدورة ثانية فيما لو تحالف مع السيد مقتدى الصدر، وأغرى السيد عمار الحكيم بأنه سيكون زعيم الشيعة السياسي وصاحب الوزارات المهمة. وألقى في رأس هادي العامري المهووس بالسلطة، إشارات مريحة بأن أميركا لا تعترض عليه رئيساً للوزراء.

لقد استطاع المبعوث ماكغورك أن يضع الجنرال سليماني أمام هدف وهمي، بينما سار هو نحو هدفه الحقيقي بمرونة كبيرة. وهذا ما سأتناوله في الحلقة التالية.

 

سليم الحسني

 

فراس زوينتعد فكرة وضع الثروة النفطية في خدمة التنمية وتنشيط القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية والتحويلية وباقي القطاعات هو التوجه الرئيسي الذي رافق توجه الدولة العراقية منذ ان بدأ النفط يحتل مركز متزايد في واردات الدولة، وتحديداً في خمسينيات القرن الماضي في ١٩٥٠، حيث شهد هذا العام تأسيس مجلس الاعمار الذي قام بالتخطيط ووضع الأسس للعديد من المشاريع الاستراتيجية التي لاتزال شاخصة لغاية اليوم، الا ان هذه الاحلام والآمال تبددت الواحدة بعد الأخرى بسبب تراجع خطط التنمية امام الانفراد في تطوير قطاع النفط على حساب بقية القطاعات، وابتداء من تلك الفترة ولغاية الان لا يزال العراق كما هو حال معظم الدول الريعية منغمس في تطوير القطاع النفطي المدر للأموال السهلة والتي أصبحت مع مرور السنين المصدر الرئيس ان لم يكن الوحيد لخزينة الدولة، مهملاً كل ماعدا ذلك .

ان الاثار السلبية للتركيز على القطاع النفطي في العملية التنموية واهمال باقي القطاعات تجلى بشكل صارخ في الازمة المالية الخانقة التي شهدها البلاد في عام ٢٠١٤ بعد التراجع الحاد في أسعار النفط وما رافقها من تحديات امنية مصيرية، بالإضافة الى مستوى الانفاق العالي للحكومة نتيجة سنوات الوفرة وما ترتب عليها من تأسيس وبناء واقع مالي يصعب التنصل عنه، حيث شكلت هذه العوامل منطلقات ضغط في ظل تراجع أسعار النفط من جهة، وتراجع باقي قطاعات الدولة بشكل جعلها تتحول من مؤسسات توفر السيولة المالية للخزينة العامة الى عبئ مالي لا خير منه من جهة ويصعب التخلص منه من جهة اخرى .

وبالرغم من الإعلان المتواصل عن رغبة الحكومة في تنشيط باقي قطاعات الدولة ومحاولاتها المتتالية لتعدد مصادر الدخل الحكومي مثل قرار خصخصة جباية الكهرباء وقرار رفع نسبة الضريبة والرسوم الجمركية وغيرها من القرارات فان هذا التوجه لم يلاقي النجاح المطلوب في ضل الروتين الإداري والفساد المالي واستمرار النهج الريعي من حيث الإيرادات العامة ومن حيث الانفاق العام . حيث اثبتت هذه الازمة المالية وبشكل قاطع ان الاعتماد على النفط بشكل مطلق بمثابة الاعتماد على سراب لا حقيقة له .

ان الاهتزازات في أسعار النفط مسألة حتمية لا مفر منها ولأسباب عديدة معظمها خارج الإرادة الوطنية ولا يمكن تقنينها او توقعها بكل حال من الأحوال، اذ ان محددات سعر برميل النفط يخضع لعدة عوامل منها قوى العرض والطلب، ومنها الضغوطات المتبادلة بين الدول المصدرة والدول الصناعية المستوردة، وغيرها العديد من الأمور التي ينجم عن تفاعلها ارتفاع او انخفاض في أسعار النفط، وقد عول الكثير من الاقتصاديين على الازمة الخانقة التي مر بها البلاد ان تكون بمثابة درس لواضع المنهج الاقتصادي تحثه على وضع القواعد المتينة لاقتصاد يبتعد شيئاً فشيئاً عن النهج الريعي، ولكن واقع الحال يعكس خلاف هذه الأمنية وخصوصاً بعد تسريب مسودة موازنة ٢٠١٩ .

حيث شهدت الأيام الماضية اهتمام اعلامي حول مسودة موازنة عام ٢٠١٩ والتي وان لم ترقى لان تصبح قانون موازنة ولم يتم المصادقة عليها من قبل مجلس النواب واعتمادها بشكل نهائي، لكنها تشير وبشكل واضح الى استمرار النهج الريعي للاقتصاد العراقي وعدم الاستفادة من تجربة انهيار أسعار النفط الأخيرة في بناء اقتصاد متين قائم على تعدد مصادر الدخل للخزينة المركزية للدولة، حيث صرح مسؤولون في وزارة المالية " انه تم اعداد الموازنة الاتحادية للعام المقبل 2019، على ان لا تكون نمطية متعددة الاتجاهات، كون الموقف العام للبلاد تغير عن الموقف الذي كان فيه للأعوام الماضية وعليه هناك حاجة كبيرة الى ان تتغير او تتعزز صيغ التمويل المختلفة سواء الموازنة العامة او الموازنات الاخرى او صيغ التمويل بالاقتراض او بالدخول بشراكات او بإيجاد منافذ للقطاع الخاص بالعمل " ومع اتفاق وتأييد كل من له إلمام واهتمام بالأمور الاقتصادية بأهمية ان تتغير صور تمويل الموازنة وضرورة تعزيز صيغ التمويل، لكن يبقى السؤال شاخص ويبحث عن اجابة، هل الواقع العملي لهذه الموازنة يذهب بهذا الاتجاه؟ ام ان النظرة الموضوعية والواقع الملموس تبين خلاف هذا التوجه ؟

ان الاجابة على هذه الأسئلة تتطلب منا الرجوع الى مسودة الموازنة المنشورة مؤخراً في وسائل الاعلام للاطلاع على نقطتين مفصليتين يمكن من خلالهما استبيان التوجه العام للموازنة العمومية لعام ٢٠١٩.

النقطة الاولى ان اجمالي النفقات للوزارات والجهات الغير مرتبطة بوزارة للعام 2019 قدرت 12٨،٤ ترليون دينار، في حين ان موازنة عام ٢٠١٨ قدرت ب ١٠٤،١ ترليون، أي بزيادة الانفاق الكلي للسنة القادمة يقدر بقرابة ٢٣،٣ ترليون دينار، وان هذه الزيادة في الموازنة من حيث جهة إيراداتها ووجهة انفاقها هي التي ستحدد مدى اختلاف هذه الموازنة عن سابقاتها .

لقد قدرت إيرادات الموازنة العامة الاتحادية للسنة المالية ٢٠١٩ بمبلغ ١٠٥،٥ ترليون دينار في حين انها قدرت في موازنة عام ٢٠١٨ بمبلغ ٩١،٦ بزيادة عن تبلغ قرابة ١٣،٩ ترليون دينار والتي نتجت عن ارتفاع أسعار النفط وبالتالي ارتفاع سعر تقدير البرميل الواحد الى من (٤٦) الى (٥٦) دولار للبرميل وبمعدل تصدير قدره ٣،٨٨ مليون برميل يومياً .

ان هذه الزيادات وهذا التوجه يبين وبوضوح استمرار النهج الريعي في حساب إيرادات الدولة الكلية، ويكفي للتأكد من هذا الامر الرجوع الى تفاصيل هذه الإيرادات، حيث بينت مسودة الموازنة ان توقعات الإيرادات النفطية للسنة القادمة بلغت ٩٣،٧ في حين انها عام ٢٠١٨ بلغت ٧٧،١ أي بزيادة تقدر ب ١٦،٦ ترليون دينار، واما الإيرادات غير النفطية لعام ٢٠١٩ فقدرت ب ١١،٨ أي انها اقل من تقديرات عام ٢٠١٨ والبالغة ١٤،٤ ترليون دينار وان الفارق بينهما يبلغ (٢،٦) ترليون دينار، وان تراجع هذه الإيرادات بسبب الاعتماد المتزايد على الإيرادات النفطية المرتفعة واهمال باقي القطاعات والتي هي تعاني اصلاً حالة من التراجع منذ عام ٢٠٠٣ ولغاية الان والذي بدوره يعكس استمرار تفرد الإيرادات الريعية وهيمنتها على كل ما سواها من الإيرادات، ولعل هذه الصورة تبين حقيقة المحرك الرئيسي لإيرادات عام ٢٠١٩ وهو النفط وفقط النفط ولا شيء غيره، الامر الذي يضعنا امام نتيجة نهائية هي ان موازنة عام ٢٠١٩ هي موازنة نمطية مستمرة على نفس النهج الريعي لكل سابقاتها من الموازنات ولا شيء مختلف فيها عن غيرها .

النقطة الثانية التي احب الإشارة اليها في المقارنة بين موازنة العام الحالي والعام القادم هي اجمالي العجز المخطط لمسودة الموازنة الاتحادية لعام ٢٠١٩ والذي بلغ ٢٢،٨ ترليون دينار ، في حين ان العجز المخطط لسنة ٢٠١٨ بلغ ١٢.٥ ترليون دينار ، أي زيادة في العجز المخطط بقرابة ١٠،٣ ترليون على ان يغطى هذا العجز من ثلاث محاور رئيسية هي من خلال الزيادة الحاصلة في أسعار النفط او من زيادة صادرات النفط الخام او من الاقتراض الداخلي والخارجي مع المبالغ النقدية المدورة في حساب وزارة المالية الاتحادية ، ومن الواضح ان العجز المخطط يعتبر حساب ريعي مؤجل يتم سداده من احد القنوات السابقة والتي تعد كلها قنوات ريعية بامتياز ولا دخل لكل ما هو غير نفطي في رفد الموازنة العامة بالأموال اللازمة لحالات مماثلة وهذا بحد ذاته هو تعميق للنهج الريعي في حسم الأمور المالية المعلقة .

من خلال النقطتين السابقتين والتي مثلت مقارنة بسيطة بين بعض بنود تقديرات مسودة موازنة عام ٢٠١٩ وما يقابلها من موازنة عام ٢٠١٨ من حيث الإيرادات الكلية والعجز المخطط ، والذي يبين ان الزيادة الحاصلة في موازنة ٢٠١٩ هي نتاج ارتفاع أسعار النفط العالمية والذي يصب في خانة النهج الريعي للاقتصاد العراقي ، اذ ان مجموع زيادة الواردات النفطية في مسودة عام ٢٠١٩ والبالغ ١٣،٩ ترليون مع زيادة العجز المخطط والبالغ ١٠،٣ يحقق زيادة في الواردات الكلية يبلغ ٢٤،٢ ترليون وهو ما يزيد عن حجم زيادة الانفاق في موازنة ٢٠١٩ عن موازنة ٢٠١٨.

ان هذه المعادلة البسيطة تبين مدى تعلق وارتباط الإيرادات الحكومية بالريع النفطي بالرغم من التجارب السلبية للعديد من دول العالم التي تلتزم المنحى الريعي في اقتصادها بشكل عام والتجربة العراقية في تاريخها الحديث وخصوصاً لما بعد ٢٠١٤ بشكل خاص، وعدم فرز جوانب من الموازنة لمعالجة هذا الخلل الهيكلي في الاقتصاد العراقي والاكتفاء بمبدأ يبقى الحال على ما هو عليه بالرغم مما اثبتته التجربة الاقتصادية من خلال الانهيار السابق لأسعار النفط بخطر هذا المبدأ على مستقبل العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ضل المطالبات الجماهيرية بتوفير فرص العمل وتحسين مستوى الخدمات العامة التي يستحيل تغييرها وتطويرها بهذا المعدل من الانغماس في التوجه الأحادي الريعي للاقتصاد العراقي .

 

فراس زوين / باحث اقتصادي

 

رائد عبدالحسين السودانيالأخ صائب خليل، تحية طيبة .

تحدثت كثيرا في سلسلة مقالاتك عن الصدريين عن مدى تعلق الصدريين بزعيمهم كما تحدث الكثير أيضا في هذا المجال وفي بعض الاحيان حولوا الأمر الى مادة للسخرية وهنا بودي أن أسرد بعض الامثلة قبل الدخول في صلب الموضوع فبالنسبة لحب المجتمع العراقي أو جزء منه لبعض القيادات لا يقتصر على الصدريين فقط ،والتطرف في ذلك مشخص ومعروف سواء بالحب أو الكره وأحب أن أورد مثالا ساقه (محمد أمين دوغان ) في كتابه المهم (الحقيقة كما وجدتها في العراق) وفي صفحة (23) إذ يذكر "ودعت اخواني وصعدت الى غرفتي رقم 206وقد ارتاحت نفسي إلى (دوش) فاتر لطف كثيرا من حرارة الجو التي لفحت وجهي ،فجعلتني أفهم لماذا تمتاز طبيعة الشعب العراقي بالثورة (والاندفاع النافوري)..سواء بالمحبة التي تبلغ حد العبادة ،أم بالحقد الذي يبلغ حد السحل" وهذا الكلام في عام 1961أما الامثلة فهي أولا :الملك غازي وعلى الرغم من أن فترة حكمه شهدت اضطرابات كثيرة تمثلت بالصراع بين السياسيين وزعماء العشائر وحدوث الانقلابات المتعددة التي قادها الجيش ابرزها انقلاب بكر صدقي عام 1936إلا ان الملك غازي حظي بحب وتقدير الشعب ظهر جليا عند وفاته الغامضة لا لشيء إلا لأنه تقرب كثيرا من طبقات الشعب وخاطبهم مباشرة عبر اذاعته التي تابعها الناس بكل شغف ،وزامل وصادق الضباط من الرتب الادنى ولم يتقرب الشخصيات التي يشعر ازاءها الشعب بنفور فبادله هذا الشعب الحب والتقدير لم يحظيا بمثله لا الملك فيصل الاول (والده) ولا فيصل الثاني (نجله).

ثانيا :عبد الكريم قاسم هذا الزعيم الذي تسابق أبناء الشعب لرؤية صورته في القمر وهبت بجموع غفيرة متجهة نحو وزارة الدفاع في اليوم المشؤوم 8/2/1963إلا أنه رفض تزويدهم بالسلاح حبا بهم كي لا تراق دمائهم فهي عزيزة عليه ،عبد الكريم قاسم الذي وضع شيد المساكن للفقراء والمعدمين وابناء الطبقات الوسطى ،نظر اليه من قبل هؤلاء على انه ابن الشعب ،شعر بهم وشعروا به ،وجدوا قائدا وزعيما يتجول بينهم ،متواضعا لم يبن صرحا له،لم يقرب عائلته الى السلطة ،يتناول الطعام المعد في البيت فكان منهم واليهم ،احبهم واحبوه ولذلك انتقم الانقلابيون من هذا الشعب في أشد حالات الانتقام.

ثالثا:للحقيقة والتاريخ كاد صدام حسين وأكرر كاد أن يسرق حب الناس عندما أوهمهم إنه ينظر الى تطلعاتهم على انها تطلعاته بعد أن نظم الندوات والاجتماعات وزار المدن والجبال والاهوارلكنها سرعان ما ظهرت عكس ذلك ومع هذا كان قد أوهم الكثير من الشباب للانتماء لحزبه لا بل أوهم احزابا معارضة له ودخلت معه في تحالفات .

إذن هناك الكثير من حالات الحب بين المسؤول وبين الشعب ولكن ينفرد سماحة السيد مقتدى الصدر وقبله والده بأنه من خارج منظومة السلطة لكنه يتمتع بحب وطاعة منقطعة النظير أما لماذا فلعدة أسباب أهمها :

اللغة :فكما معروف ان اللغة هي الوعاء الفكري وبالتالي منطلق الافكار والمشاريع فإن كانت قريبة الى اسماع الناس ستدخل الى قلوبهم قبل عقولهم ،فلما ظهر السيد محمد الصدر كمرجع وتحدث بلغة دارجة في بعض الاحيان ولغة فصيحة مفهومة لا يتنطع بها ولا يصطنعها يستمع الى شعرهم الشعبي ،يبادلهم الاحاديث ،يناقشهم في همومهم ،يتحدث عن الاسعار السائدة ،يتحدث بالامثال الشعبية ،يلطم معهم ،يردد القصائد لهم ،هنا هرع الناس اليه ليبثوا همومهم ومنحوه حبهم المتفاني .

الميدان :لم يألف العراقيون مرجعا دينيا ميدانيا يسعى اليهم ،يحدثهم في كل اسبوع (صلاة الجمعة) يظهر لهم ما هو مضمر من مشاريع امريكية ،يطالب بالكهرباء والخدمات كالسيد محمد الصدر فعشقوه .ولما استشهد واحتلت امريكا العراق تزعم نجله مقتدى الصدر المقاومة السياسية ومن ثم العسكرية ،وخطا نفس الخطوات التي اختطها الصدر الوالد إذ ظل بين الناس ،يعيش ويتنفس هواء الطبقات الشعبية ،يتحدث بسجية العراقي وبراءته ،حاملا لإرث آل الصدر المقاومين ومع ذلك لم يتصنع الهالة التي يضعها البعض على ذواتهم وحتى عندما دخل تياره العملية السياسية للاسباب التي ذكرناها في الحلقة الماضية لم يختر ممثليه ونوابه ووزراءه إلا من بين الاحياء الفقيرة والطبقات الكادحة والمثقفين الذي لم يتركوا العراق لحظة واحدة إلا باستثناءات ،نعم هناك الكثير الذين حازوا على حب اتباعهم لكن ليس كمثل مقتدى الصدر الذي حاز على حب وطاعة اتباعه للاسباب التي ذكرناها آنفا.وللحديث بقية.

 

رائد عبد الحسين السوداني

 

عبد الجبار نوري"الثورة يخطط لها الأذكياء، وينجزها الشجعان، ويبيعها الجبناء والجواسيس" .

العرض/ بمناسبة ذكراها المئة أكتبُ عن الثورة الروسية المجيدة 16 أكتوبر 1917، التي قادها البلاشفة بقيادة "سائق القاطرة الروسية" فلاديمير لينين "ومساعده جوزيف ستالين، وتمام الحزب البلشفي، والجماهير العمالية بناءاً على أفكار كارل ماركس والتطوير الفكري للينين العظيم في أقامة دولة أشتراكية وأسقاط الحكومة المؤقتة 1905، وتعد هذه الثورة البلشفية أول ثورة شيوعية في القرن العشرين، وعملاً حاسماً وضرورياً ضمن حركة التأريخ، وأصبحت ثورة أكتوبر1917 نقطة الذروة في أحدى الحركات الجماهيرية الأشد عمقاً في التأريخ، بتلك الأهداف الأنسانية في تحقيق المساواة والقضاء على الرأسمالية الأقطاعية وتحقيق الأشتراكية العلمية، لذا تعتبر الثورة الروسية أحدى أعظم الأحداث التي عرفتها البشرية، وأكد صانع الثورة "لينين" في كتابه ما العمل ؟ ص28 أن أهداف الثورة الأساسية هي الأشتراكية العلمية عابرة للثورات البرجوازية الديمقراطية، فكان لهذا القائد الفذ والمحنك دوراً فعالاً في نقلة نوعية من الأفكار التوفيقية لأعداء الثورة إلى البلشفية الأشتراكية الشيوعية، وكانت سرعة زمنية يحتاجها التأريخ من ثورة فبراير 1905 إلى ثورة أكتوبر خلال شهر نوفمبر من نفس السنة، أي مدة مخاض روسي التسعة أشهر ليظهر بشائر الوليد الجديد ليرسم أوسع دولة أشتراكية في جغرافيتها الشاسعة التي تشرق وتغرب فيها الشمس والتي تشكل سدس المساحة الكلية في يابس الكرة الأرضية وبأسم الأتحاد السوفياتي في 26 ديسمبر 1922م وحتى 26 ديسمبر 1991  وظلّ ولمدة 69 سنة في البناء النفسي للأنسان السوفيتي والبناء الحضاري بأقتصادٍ متين مؤطر بالأشتراكية العلمية وتطور ثقافي وعلمي ومشاركة دول العالم في محاربة النازية وأرساء السلام العالمي و نصيراً للشعوب المضطهدة، ونداً مخيفاً للقوى الأمبريالية، ورقما صعباً لامعاً في التوازن الدولي، وأخرج الرئيس الروسي ميخائيل كورباتشوف سياسات " البيريسترويكا" والفلاسنوست وهو برنامج للأصلاحات الأقتصادية  1985- 1987 وتعني أعادة البناء وتطورّت إلى أعادة الهيكلة وإلى سنة النكبة السوفيتية 1991 وتفكيك الدولة السوفيتية التي تضم أربعة دول : جمهورية روسيا السوفيتية الأتحادية الأشتراكية، وجمهوريات أوكرانيا، وبيلاروس، والقوقاز، وهو موضوع شائك وطويل يحتاج إلى بحث موسع، وقد أوجزهُ حسب رأي الشخصي { --- مع تدافع الصراعات وظهور أفكار المعاكسة للأصلاحيين في أعادة النظر في (الكولخوزات المزارع الحكومية والسوفخوزات المزارع التعاونية التي هي من أختصاصات رئيس الدولة غورباشوف أكاديمياً ثم تطورت إلى أصلاحات مغايرة للأقتصاد السوفييتي برمتهِ، والتي كانت تحوي ما تحت رمادها آلاف المفرقعات الصوتية لأعداء المسيرة، وحدث ما حدث في تفكك العقد السوفيتي، ولكن أقول لم يتبين لنا من الناحية الموضوعية ومن جدليات أبجديات الأعداء ( فشل ) نموذج الأشتراكية العلمية .

ثورة أكتوبر/أكثر الأحداث تأثيراً في التأريخ

- أصبحت ثورة أكتوبر 1917 مدرسة وطنية لكل الأحرارشعارها " ثقافة المواطنة " يقول في هذا المضمون الوطني الرفيق الشهيد " فهد " مؤسس الحزب الشيوعي العراقي {كنتُ وطنياً قبل أن أكون شيوعياً ----- وعندما أصبحتُ شيوعياً صرتُ أشعرْ بمسؤولية أكثر تجاه وطني} .

- دفعت الطبقة العاملة في مساحة جغرافية الكوكب والمنطقة العربية إلى تأسيس حزبها الشيوعي صاحبة الهوية الوطنية والراية الحمراء واليد البيضاء أدت إلى تأسيس الأحزاب الشيوعية والأحزاب الوطنية الديمقراطية وأخرى لبرالية يسارية أو أحزاب ماركسية وعلى سبيل المثال: تأسيس الحزب الشيوعي العراقي 1934 بقيادة الرفيق الشهيد "فهد "، الحزب الشيوعي السوداني 1946 بقيادة  المغدور الشهيد عبدالخالق محجوب، والحزب الشيوعي المصري 1922 بقيادة جوزيف روزنتال وحسين العرابي، الحزب الشيوعي اللبناني 1924 بقيادة جورج حاوي وأمينه الحالي حنا غريب، والحزب الشيوعي السوري 1972 بقيادة خالد بكداش بعد توحيد الأحزاب اليسارية والماركسية والشيوعية التي تأسست في عام 1944، والحزب الشيوعي الأردني 1951 بقيادة يعقوب زيادين وفؤاد نصار والحزب الشيوعي الفلسطيني 1923 بقيادة عربي عواد امين عام الحزب، والحزب الشيوعي الأسرائيلي ( راكاح ) 1919، الحزب الشيوعي الأيراني ( توده ) 1941 برئاسة سليمان محسن أسكندر .

- وأصبحت الثورة البلشفية مناراً يحتذى بها لكونها أفرزت نفسها عن صفوف الثورة  البرجوازية الفرنسية والصناعية البريطانية بأحزابها البورجوازية الطفيلية، بينما ثورة أكتوبر البلشفية من صنع الجماهير الكادحة والشغيلة المستلبة .

- وتعتبر الثورة الروسية من أكثر الأحداث المؤثرة في تأريخ الطبقة العاملة بالخصوص وذلك بالعمل الحثيث والمتواصل لمعلم الثورة العم "كارل ماركس"، لم يكن ماركس مجرد فيلسوف بل داعية الأنقلاب السياسي والأجتماعي، فهو بحق المعلم الأول للبروليتاريا، وراسم طريق الخلاص للطبقة العاملة، بتزويد البروليتاريا ( كود) أستلام السلطة من النظام الرأسمالي، في مؤتمراته ومحاضراته ومقارعته لفلاسفة عصره ومنجزاته البحثية الماركسية في مجلدات كتابه رأس  المال والمخطوطات الفلسفية  يعلن فيها توعية العامل لتلمس وتحسس حقوقه المستلبة من قبل الرأسمالية – البرجوازية فيتحدث عن أغتراب العامل وأنسلابه وتجريده من حقوقه الطبيعية، فماركس العبقري يمزج بين أواصر كيمياوية وعناصر ديناميكية فلسفية عن المضمون المستقبلي للطبقة العاملة، وهذا المعلم البروليتاري يفند : أن العامل يمتلكهُ الرأسمالي جسداً وقوّة ممتصاً منهُ ناتج عمله، ويخرجهُ من وسائل الأنتاج لأنها في حوزتهِ أصلاً، ويعلن ماركس حرباً بشكل نقدٍ لاذع لمميزات وخصائص النظام الرأسمالي في معادلاته الفلسفية مثل : { كلما زاد أنتاج العامل من الثروة أزداد بؤساً وفقراً، يصبح العامل سلعة أرخص كلما صنع المزيد من السلع لأن العامل لايكسب بالضرورة حين يكسب الرأسمالي لكنهُ يخسر بالضرورة حين يخسر الرأسمالي، تنخفض قيمة أنسانية العامل مع زيادة قيمة السلع، وتراكم الثروة في كفة الرأس مال يزداد الفقر والفاقة في كفة الأكثرية الساحقة }، بالتأكيد أصبحت هذه الأفكار الماركسية- والتي هي أساس بناء ثورة أكتوبر- حافزاً قويا لحراك الطبقة العاملة في مناطق عدة في العالم .

- وأن ثورة أكتوبر البلشفية المبنية على الأشتراكية العلمية سفهتْ الكثير من الأشتراكيات البورجوازية التي طرحتْ في أواخر القرن العشرين على الساحة العربية والعراقية بالتحديد كالأشتراكية الرشيدة أو المجيدة الفاشلة والمتهافتة، ودحضت آراء أعداء الأشتراكية وطواغيت الرأسمالية أنها لم تكن كونها ألا حركات أنقلابية وليست بثورات، وخلال 75 سنة من عمرها .

- أثبتت ثورة أكتوبر أن "الجماهير" هي أوكسجين كل حزب شيوعي بل قاعدتها التي تستمد منها الديمومة، وبشهادة التأريخ عمل البلاشفة بعناد ومن دون كلل مع الجماهير وبنكران ذات وبعمل طوعي متواصل في الورش والمصانع والمدارس والجامعات والثكنات وحتى في أيام العطل .

- أنتشار روح الثورة في الشرق العربي وأندلاع الثورات البورجوازية وهي الخطوة الأولى للأنتقال إلى الأشتراكية الديمقراطية حسب مفهوم صيرورة حركة التأريخ، كثورة يوليو 1952 في مصر، وثورة 14 تموز 1958 في العراق، وثورة الجزائر 1962 .

المجد لثورة الشغيلة والكادحين ثورة أكتوبر 1917 المجيدة، والعرفان والجميل لمعلمي الأجيال الصاعدة سائق قاطارة التأريخ الروسي معلم البروليتاريا " لينين " العظيم، وتحية أكبار وأجلال لفيلسوف الثورة كارل ماركس ---

الهوامش والمصادر/ * كتاب ما العمل – لينين * البيان الشيوعي –  1847مختارات * ماركس وأنجلس المجلد الأول ص65 * ستالين – سيرة سياسية – أسحق دوتشير (مقال) * ستالين طابع ثورة أكتوبر العالمي - - ترجمة عزالدين الحديدي ص 1، 5، 8 * كتاب رأس المال (المجلد الأول) والمخطوطات لكارل ماركس * لينين – المباديء التنظيمية للحزب البروليتاري – ترجمة سعد رحمي – القاهرة 1984 ص10 *  مدخل ألى الأشتراكية العلمية أرنست ماندي * لينين الدولة والثورة – موسكو مترجم 1970

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

10/11/1018

 

سامان سورانيرغم أن النتائج النهائية للانتخابات النيابية التي أجریت نهایة أیلول ٢٠١٨ في الإقليم أظهرت فوزاً كاسحاً للحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة الرئیس مسعود بارزاني، بعد حصوله على خمسة وأربعين مقعداً من أصل مائة، هي مجموع مقاعد برلمان الإقليم، أي نصف مقاعد البرلمان تقریباً، يسعى الحزب إلى ضم قوى فائزة أخری إلى الحكومة المقبلة لتقاسم المسؤولية والمهام وإعادة البناء. مانقصده بإعادة البناء هو عملیة العمل النقدي التحويلي والإيجابي علی الذات، يمس شكل الوعي والتوجه الوجودي، كما يمس منطق التفكير فضلاً عن الأسماء ومنطوق الخطابات.

علینا أن ندرك بأن عملية تغيير المجتمعات والعالم، أيا كان الشعار والعنوان هي مصير مشترك. فلكل فاعل الحق في المشاركة بفكره وعمله أو بمعرفته ودرايته أو بمبادرته وإقتراعه، فالإنسان كما يقال هو فاعل فكري بالدرجة الأولی، أيا كانت التجليات والقطاعات أو المهن والأعمال والصناعات.

الشعب الكوردستاني بالداخل والخارج یترقب بفارغ الصبر تشکیل الحکومة الجدیدة، رغم أنه  یعرف بأن رئیس الحکومة الحالي السید نیجیرڤان بارزاني سوف یتحمل أمانة التکلیف خلال المرحلة القادمة لیأتي بثوب كوردستاني یؤکد مرة أخری ممارسة الدیمقراطیة وذلك بضم ألوان وأطیاف سیاسیة لترسیخ الوحدة والترابط والتماسك.

إن الرهانات كبيرة والتحديات قائمة، لذا عليه اللجوء الي حكومة تكنوقراط من شخصيات ذات ثقة وكفاءة وإختصاص، تهتم بالقضايآ الملحة التي يعانيها المواطنون، خصوصاً في مجال الخدمات وتحفيز الإقتصاد، حكومة ذات قاعدة موسعة في الإقليم تلزم جميع الأطراف السياسية التعاون والعمل معاً من أجل ترتيب البيت الكوردستاني من الداخل وإجراء مزيد من الإصلاحات في الإقليم لتحقيق التنمية والتطور. فبدون التنمية والإرادة القوية في العمل علي توسيع القدرة على استثمار الموارد البشرية والطبيعية في إقليم كوردستان وتهيئة ممارسة ثقافية فكرية تشتغل على مشاريع الإصلاح والتغيير النهضوية لايمكن أن يكون هناك ديمقراطية. الديمقراطية التكاملية، التي تعبر عن إستراتيجية في إدارة النزاعات من خلال التعاون والوفاق بين مختلف النخب بدلاً من التنافس واتخاذ القرارات بالأكثرية تحتاج الي جهد ومثابرة.

أما العمل علي استراتيجيات دفاعية مطلوبة لحماية الإقليم من محاولات النيل من مكتسباتها وتداعيات الصراعات الإقليمية والدولية علي الساحة الداخلية وطرق حمايتها من التدخلات الأجنبية فيجب أن تكون من أولويات الحكومة المستقبلية.

أملنا أن یحرص کل حزب مشارك في تشکیل الحکومة الجدیدة أن یدفع بالقوي الأمين من الكفاءات لكل حقيبة وزارية  أو غيرها من المناصب المؤسسیة التي تأتي  من نصيبه.

فلیکن الهدف من التشکیلة الجدیدة حكومة كفاءات وطنية تعمل لرفعة ونهضة إقلیم كوردستان وتسهر لخدمته، أي حكومة بناء وتعمير وتنمية شاملة ومتوازنة.

نحن واثقون بأن رئیس الحکومة القادمة سوف یبذل قصاری جهودە في سبیل خلق حكومة وحدة وطنية تواصل الحوار بصورة جادة  لتحقق الاستقرار في كل ربوع الإقلیم وتعيد لشعب كوردستان مکاسب ماقبل ١٦-١٠-٢٠١٧ وتسترجع  لها الخيرات  وكل ما سلبته الإرادات الخارجیة والصراعات والخلافات والخصومات السياسية الداخلیة.

لتکن الحكومة القادمة شفافية تحارب الفساد وتحاسب المفسدين المتلاعبين بمكتسبات هذا الشعب، حكومة تبدع وتهتم بالثقافة وتقدر الفنون  وترعى المبدعين رعاية حقيقية، حكومة تعيد للمسرح والفن وهجه وللغناء الأصيل سطوته وللرياضة أمجادها وللشاشة والسینما بريقها، حکومة تعمل على بناء علاقات متينة مع العالم أساسها الإحترام المتبادل والحفاظ علی المصالح الـمشترکة، خصوصاً مع العراق الفدرالي ودول الجوار.

وختاماً: المتغيرات هي فرصة لا كارثة والجديد هو غني لا فزاعة والشباب طاقة لا عبء. ومن لايتقدم يتراجع لامحالة ومن لا يحسن أن يتغير يهمشه المتغيرات أو تنتقم منه الوقائع.

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

كاظم الموسويلا يمكن ان تنهض امة من دون مواجهة التحديات التي تعترض طرقها وتعرقل تقدمها، ومقاومتها دون كلل أو تردد. وامام شعوبنا وامتنا العربية الكثير من التحديات والمواجهات. واستمرار وجودها يقوم في الانتصار على التحديات والوقوف دائما بعزم وصبر وعز وروح شباب متطلع نحو الامام دون تراجع مهما صعبت الظروف وتعقدت المشاكل وتكثفت الازمات.

من ابرز التحديات التي يخطط اعداء الامة والمتربصون لها ويسعون الى تكريسها بالتركيز على تفتيت الهوية العروبية الجامعة والموحدة للامال والاعمال وبناء الحاضر والمستقبل. هويتنا الحضارية العربية الاسلامية جمعتنا ولمّت شملنا وشدّت حزمتنا في البقاء والتصدي لعاديات ومخططات الاعداء. اللغة والثقافة والتاريخ والجغرافية عوامل ودليل اجتماعنا والحفاظ عليها خير سبيل للتحدي وايسر الطرق لافشال مشاريع اعدائنا او من يلبس ثوبهم من داخلنا. ولان العدو ومتخادميه يبذلون جهدهم وحملاتهم وملياراتهم من الدولارات والريالات والدراهم والدنانير لتخريب اللغة العربية، عبر كل امكاناتهم ووسائلهم المرئية والمسموعة والمقروءة وغيرها ولنشر لهجات والسن مفرقة ومبتعدة عن تطلعات كل امة وشعب في ثقافته وفعاليته ودوره في البناء الانساني والمشاركة الحضارية، لذا يكون الحفاظ عليها واتقانها وممارستها متطلبا اساسيا ومحفزا رئيسا لقوتنا وشجاعتنا وصمودنا، وسلاحا رادعا لما يقوم به اعداؤنا ليل نهار على تهشيم هذا السلاح وتهميشه واضعافه وعزله وانهاكه. وفي التصدي لهذا التحدي بكل تفرعاته ومساحاته واستهدافاته يكمن خيار الامة وارادتها وصمودها تاريخيا وراهنا وبالتاكيد مستقبلا، وهو امر لا يمكن التهوين منه او التهويل به، بل في مواجهته بروح كفاح واصرار على الانتصار فيه.

والتحدي الاخر يتجلى بضرورة المواكبة للثورات العلمية والتقنية في مختلف صعدها ومشاربها والتعلم منها والانشداد الى تطوراتها وتجلياتها والتسابق معها وفيها لخدمة التقدم والتجدد والتحديث بلغتنا وثقافتنا وعزيمتنا وخياراتنا. ما حصل في هذه المجالات من تطورات سريعة وتقدم مبهر حمل ما ينفع ويسهم في الاهداف المنشودة والمطلوبة، وقد يستخدم في الضد منها او يساعد في التقويض لها، ولذا يكون الانتباه الواعي والجد الحريص في الفعل والقدرة عليه مهم ورئيس في الصراع الدائر والنزاع القائم بيننا وبين اهداف الاعداء المحاربين لنهضتنا وحقنا في التقدم والتطور والتجدد. ان استيعاب التطورات والتمكن منها في الاستخدام الموضوعي يقدم للامة مفاتيح النجاح والتقدم، وهو مطلوب ومحمود الان، ودائما.

يكمن التحدي الاخر في فهمنا لطبيعة التعامل والاشتراك مع القوى الدولية المحتضنة لنظام الراسمالية وتطور التقنية والعلوم والعاملة على الاستعمار والهيمنة والاستغلال لثرواتنا وخيراتنا واعادة او توظيف رسم خرائط وطننا وحماية الاستبداد والفساد في بلداننا ودعم افلات المجرمين والمرتكبين من العقاب العادل والحكم المنصف والعبرة لهم ولغيرهم ممن لم يزل يراهن على العدو والتبعية اكثر من الاعتماد على الاخ والصديق الصدوق. اذ ان في هذه العلاقات تكمن قدراتنا على الثراء والتحديث والتجدد وتراكم الخبرات وتوفير الفرص والتنافس البناء مع الاخر الاجنبي والتكافؤ في صناعة التاريخ والعبور الى المستقبل، والعمل على وقف تمنعه أو حجزه لنا من الاستفادة أو استخدام التطورات التقنية والعلوم باي شكل من الأشكال.

اننا ابناء حضارة عظيمة وامة عربية تفخر بتاريخها ودورها في التاريخ العالمي والعلاقات الانسانية وتعزيز روح التعاون والتضامن والتاخي والعدل والانصاف وضد التعصب والغلو والتطرف والارهاب باي شكل او اسلوب او لون او طريقة. ولهذا عمل المستعمرون على تفتيت وطننا الكبير وتمزيق وحدة شعبنا العربي وصناعة الازمات والحروب والصراعات بيننا وبين من زرعوهم قاعدة استراتيجية للعدوان والحروب والاستيطان. كما ان الاعداء لم يالوا جهدا في تكريس الفتنة والفرقة والابتعاد عن التجمع والتوحد والانطلاق نحو استثمار الثروات والخيرات والطاقات التي تنعمت بلادنا بها لمصالح الشعوب والاوطان. ولهذا يتطلب الانتباه الاستباقي والبحث عن افضل السبل لتجاوز المحن والعمل على خدمة المصالح الوطنية والقومية وتحشيد المساعي الخيرة للنهوض والاشتراك الحضاري في شتى المجالات والمستويات.

لاشك ان صمود الامم ونهضتها تعتمدان اساسا على ادارة منابع قوتها وحشد طاقاتها وتخطيط جهودها في التعليم والتنمية الوطنية وتكريس الوحدة الوطنية والقومية وتعزيز فعالية التحرر ورفض الذل والهوان والتطبيع مع اي عدو غاصب او محتل بغيض والكفاح من اجل مشاركتها الفعالة في الحكم والتمثيل الحقيقي لها والدفاع عن الحقوق والخيارات والارادات الشعبية ومحاسبة الفساد والتقصير وفضح انتهاك حقوق الانسان وارتكاب الجرائم والعدوان، فضلا عن مكافحة التفاوت الطبقي والاجتماعي والفقر والحرمان، والدفع في استدامة التنمية والازدهار.

ويتطلب في التحدي ايضا التاكيد على ان الانتصارات التي تحققت لشعوبنا تظل مشاعل تنوير ودروس تحرر وبناء راهن جديد ومستقبل سعيد. وهي بالاساس استندت الى الوعي بالمخاطر والخسائر ودروس الهزائم والنكسات وادراك المخططات العدوانية واعداد ما استطاعت عليه قوى الخير والتغيير في الامة والانتباه الى المعوقات والصعوبات والعمل المتواصل من اجل التحرر والنهوض والتقدم والثبات.

تتحمل الثقافة العربية في هذه الظروف المركبة مسؤولية كبيرة في الكشف عن سبل المواجهة والتصدي وكذلك في إضاءة الفضاءات وتنوير أبناء الأمة بما يخدم المصالح القومية والوطنية وتمتين قوة الوعي والرشاد للدفاع عن الحقوق العربية والمساهمة في البناء والعمران من خلال الصعود بالمواقف والتوجهات التي تصب في عملية التغيير والتجديد والتطوير. ولكل أمة في مثل هذه التحديات رموز  تعبر عنها وتبرز في المنعطفات الحاسمة وتفعل دورها في المتغيرات وتسهم في نقل المواجهة والمقاومة الى مراحلها المطلوبة والمنشودة.

صعوبة التحديات وتنوعها يجدد طاقات الأمة ويوحد الشعوب في خياراتها من أجل حاضرها ومستقبلها، كما تزيد الحاجة إلى التضامن الفعال والتكافل الاجتماعي والالتزام الوطني والانتماء القومي. ومن التجربة العملية ودروس التاريخ تقوي التحديات والايمان بالانتصارات الصلات والروابط وتبني الثقة والقدرات وتحمي الشعب والوطن وتعزز ثقافة المقاومة والنصر على الاعداء كطريق او منهج مجرب لتخطيط سبل النهوض والعمران والتقدم واحترام حقوق الانسان وكرامته وسعادته واعلاء قيمته كاثمن راسمال في هذه الدنيا.

 

كاظم الموسوي

 

صائب خليلقلنا في المقالة السابقة ان الإشكال الأساسي في عزلة الصدريين في الحوار هو القدسية الدينية التي تم لصقها بالظرف السياسي، والاختلاف الأساسي بين الدين الذي يسمح بالتقديس وعدم توجيه النقد، وبين المجال السياسي الذي يشترط ذلك النقد اساساً لوجوده، خاصة عندما يكون له هيكل ديمقراطي، حتى لو لم يكن ديمقراطيا بشكل حقيقي وسليم.

تلد القدسية ثلاثة اشكال من المعوقات للنقاش، تترابط فيما بينها وتقوي بعضها البعض لتكون حاجزاً صلباً

أهم ثلاث قضايا تمنع الصدريين من خوض حوار جدي مع غيرهم هي:

1- المعصومية الفعلية: رغم ان الصدريين لا يقرون بأنهم يعتبرون مقتدى معصوماً، فإنهم بشكل عام وكأغلبية وليس كليا، يتصرفون على هذا الأساس، ويعطون هذا الانطباع لدى غيرهم. ومن يشك من الصدريين بهذا الأمر، له ان يسأل الآخرين ما هو انطباعهم الفعلي بهذا الشأن، وسيرى. وطبيعي أنك حين يقول قلبك بأن فلان صحيح دائماً فلا أنت تناقش افعاله وتزنها كما تفعل مع غيره، ولست حتى مستعداً فعلا لمناقشتها. وإن خاض الصدريون نقاشاً فهم يعلمون مسبقاً ما هو الصح وليسوا مستعدين لأي تراجع مهما كان بسيطا عنه ومهما كانت المؤشرات على الخلل الذي فيه. إنهم يخوضون النقاش كما المؤمن، بغرض اقناع المقابل بـ "الحق"، كما يفعل المؤمن أمام غير المؤمن.

هذا النوع من النقاش طبعا غير مناسب للمناقشات السياسية، التي تخاض بروح مختلفة وغالباً ما تتوصل الى نتائج وسطية، ويتفهم كل من الطرفين وجهة نظر الآخر لاعتبار نظرته غير صحيحة أو غير مناسبة.

2- "عدم القدرة على رؤية الخطأ". من النقطة الأولى، (المعصومية الفعلية) تنتج النقطة الثانية. فمن يرى في شخص انه لا يخطئ، فلن يستطيع رؤية خطأ في موقفه. وتؤدي بالتالي إلى عدم القدرة على تفهم المقابل ووجهة نظره، وعدم إعطائها ما تستحق من اهتمام واعتراف يجعل النقاش معقولا ومريحاً، وإنما يتحول على تصلب متبادل كل في خندقه والاحتفاظ بالحاجز بين الطرفين، مع احاسيس بعدم الأمانة وبعض العداء.

 والحقيقة أن عدم قدرة "المؤمن" بشخص، على رؤية اخطائه او نواقصه، تنعكس سلباً حتى على قدرته على الدفاع عنه، لأنه يعجز عن التفكير بتلك الأخطاء مسبقا والاستعداد لمواجهتها في النقاش، إن كان هناك بالفعل رد مقنع ومناسب لها. كما ان التعود على اعتبار مرجع المجموعة "لا يخطئ" يسبب كسلاً في الذهن، حتى لو كان ذلك المرجع لا يخطئ بالفعل.

3- الاقتناع بأبسط الحجج المؤيدة للصدر، مهما كانت ضعيفة أو افتراضات ليس عليها دليل: في نقاش حول مسؤولية ترشيح فاسد وتابع امريكي مثل عادل عبد المهدي وموقف الصدر منه وتبرير ذلك، قال احد المعلقين أن الصدر دعمه لأنه كان مرشح المرجعية! فأجابه آخر من الصدريين ايضاً، وبأدب جم بأن هذا ليس السبب وإنما السبب هو أنه "وجود عادل عبد المهدي من أجل إطفاء الفتنة بين الأحزاب".

استسهال الحجة أمر شائع بين كل من يحب اثبات قضية يتعاطف معها، وليس التيار استثناءاً. لنلاحظ هنا أولا، أن التحجج بـ "دعم المرجعية" غير منطقي، لأنه ببساطة المرجعية تبرأت من هذا الدعم علناً. فحتى إن كانت في قلبها تريد عبد المهدي، فهي أعطت الحجة لمن يريد رفضه بإعلانها ذاك.

أما السبب الثاني فهو من نوع الافتراضات التي لا يوجد عليها دليل. لم يقدم لنا الأخ الثاني أي دليل انه لولا ان الله خلق عادل عبد المهدي لقامت فتنة بين الأحزاب، ولا نعتقد ان التجارب السابقة تشير إلى ان هذه الأحزاب تثق بعادل عبد المهدي او انه مرشحها المشترك. فعادل عبد المهدي رجل ينتمي لمجموعة ما (حتى لو استقال الف مرة) ولم يكتب يوماً أنه استقال لخلافه مع مجموعته ولا احد يعرف بأي شيء اختلف عبد المهدي مع جماعته التي بقي فيها خلال كل فترة النهب الأقسى للعراق، وكانت من اكثر المجموعات لصوصية وفساداً. وهي فوق ذلك المجموعة الأكثر قربا من الأمريكان وتآمراً معهم. واخيراً هي المجموعة التي كانت امتثالاً لأوامر الامريكان تقتل الصدريين وبالتالي تستحق من غضب السيد كمية لا تقل عن غضبه من المالكي على الأقل.

وحين يحتار الصدريون في تبرير مثل هذا الموقف، تأتينا مثل هذه الفرضيات: "وجود عادل عبد المهدي من أجل إطفاء الفتنة بين الأحزاب"! وطبعا لا الصدري قدم أي دليل على هذه الفرضية، ولا الثاني طالبه بها! وطبعاً يمكننا ان نقدم أي فاسد في هذه الحالة، إن كان اتباعنا يقبلون تبريراتنا بلا اثبات. ولو رشح الصدر أي شخص آخر، مهما كان فاسداً وذيلا امريكياً، وقلنا ان وجوده ضروري لوأد الفتنة، فأن هذا السبب كاف جدا... ما لم يطالبنا احد بإثبات صحته!

4- الإحساس بالمظلومية و"حقد" الآخرين على آل الصدر: الردود على المناقشات تكشف أولاً طيبة الصدريين (رغم كثرة لجوئهم الى السباب والشتائم، واحياناً اقذعها) وأنهم يحسون بأن المقابل يظلمهم، ويظلم بشكل خاص "مقتدى الصدر" أو "آل الصدر"، وأنه "يحقد" عليهم، وأن ذلك هو الدافع الحقيقي وراء أي نقد لمواقف السيد مقتدى.

هذا ليس غريبا. إذا كنت واثقاً جداً من ان السيد يفعل كل ما يستطيع من اجل الوطن وان كل مواقفه صحيحة و "يشهد لها الغريب قبل القريب" فلن تجد تفسيراً للنقد سوى "الحقد"!

كإثبات على هذا تجد العديد من الصدريين يشتكون من الظلم ودعوة المقابل إلى ان يكون "منصفاً" أو ان "لا ينظر بعين واحدة".. الخ. كذلك لا نجد سوى بين الصدريين من يكرر تعليقات على المقالات الناقدة مثل: الله يحفظه القائد، آلله يحفظك سيدنا يا أبا هاشم وينصرك على كل من عاداك بحق محمد وال محمد، رويحتي أبو هاشم، الله يحفظه... الخ. وكأنهم ام تخشى على طفلها من الحسد والأذى!

هذا عدا التعليقات المتهافتة بأن "كل من يعادي مقتدى ..." أو "من كرهك فليسأل أباه ... " الخ..

 ليست الحقيقة بالطبع هي ان الناس ليس لديها ما تفعله سوى "الحقد" على السيد مقتدى وآل الصدر، خاصة لمن ليس لديه مشكلة شخصية معه. لكن فكرة "المظلومية" راسخة في التيار، (وهي ليست المظلومية الشيعية عموما) وتستند بعض الشيء إلى ما أصاب العائلة من مآس متكررة وقاسية ثابتة في الذاكرة. وهي جاهزة للاستعمال حتى في غير مكانها، للتخلص من أي نقد يوجه لمواقف السيد مقتدى، حتى لو كان من يوجه النقد، لديه إثبات بأنه ليس حاقداً على آل الصدر، بل محباً لهم ومدافعاً عن مقتدى حينما كان الأخير يتصرف بشكل يراه مناسباً. وإن كان كاتب هذه السطور محظوظا لقدرته على اثبات خطأ هذا الاتهام بحقه، فلم ينجو من كل الاتهامات أعلاه واكثر. وعدا هذا فأن الأغلبية الساحقة من الناقدين، ليست قادرة على اثبات "براءتها" (لأن البينة على من ادعى)، ويفترض ان يكون لها الحق في النقد، حتى القاسي منه، لمواقف الصدر السياسية، ودون ان تتهم بلا دليل بالحقد على آل الصدر.

بسبب هذه القدسية ونتائجها، يرى الناس الصدريين كعصبة لا يمكن نقاشها، بل يرونها عصبة خطرة قد تنساق إلى اية كارثة إن ارتكب قائدها خطأً مهما، رغم انهم يقرون بأنه غير معصوم من الخطأ. وهذه النظرة وهذا الخوف يزيد من الحاجز العاطفي بين الصدريين وبين الناس ويزيد من صعوبة الحوار بينهم.

إذن، إن أراد الصدريون أن يطوروا مرونتهم في النقاش فعليهم في تقديري ان ينتبهوا إلى هذه النقاط ودورها في عرقلته. ورغم أنها جميعا نابعة من قدسية السيد مقتدى لدى الصدريين، وهو أمر من حقهم، إلا أنهم يجب ان يدركوا أن الآخرين ليسوا ملزمين بهذا التقديس، وأن مجال السياسة هو مجال نقد، وأن الناس ليست مجنونة لا تجد ما تفعله سوى "الحقد" على آل الصدر، وأنهم يرون الصدر مخطئاً بالفعل حتى لو لم يره جماعته كذلك، وان هؤلاء قد لا يسهل اقناعهم بالعكس من خلال حجج لا دليل عليها او فرضيات تم تركيبها لتخدم غرض التبرير وبلا دليل أيضا، بل قد يصعب إقناع المقابل حتى لو كان الحق مع الصدريين، مثلما يحدث مع غيرهم!

وأخيراً وقبل كل شيء، يجب ان ينسجم الصدريون في تقديري مع اعتقادهم الديني بأن السيد مقتدى ليس معصوماً وأنه لابد، قد ارتكب بالفعل أخطاءاً ولا فائدة من مراوغة الكلام بالاعتراف بعدم عصمته من جهة والاعتقاد بصحة كل ما يفعله من الجهة الأخرى. يجب أن يفهم الصدريون ان الآخرين، لكونهم ينظرون الى تلك المواقف بموضوعية خالية من العواطف، هم اقدر منهم على الحكم على صحتها بشكل عام.

إن تم إدراك تلك الحقائق والتصرف إزاءها بشجاعة فسوف يكسب الصدريون قدرة اكبر بكثير على الحوار وإقناع المقابل. واهم من ذلك، إنهم حتى لو فشلوا في اقناع المقابل برأيهم، فأنهم لن يظهروا للآخرين كمجموعة متعصبة متصلبة جاهلة وخطرة، تتبع شخصاً يمكن ان يخطئ مثل غيره ويؤدي هو واتباعه بالبلاد إلى الكارثة. أن يطمئن الناس انه في حالة وقوع خطأ خطير في مواقف السيد الصدر فأن ذلك لن يعني مذبحة قد تأتي على العراق، بل انه سيمكن اقناع اتباعه بالخطأ، وربما يصلح هو خطأه نتيجة ذلك.

 

صائب خليل

...................

المقالتان السابقتان:

الصدريون – من اجل استعادة الحوار 1- السياسة وحاجز التقديس

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2065488463508212

.ما حدث بين الصدريين ورئيس الحكومة المكلف يعني الكثير لمستقبل العراق - صائب خليل

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2057649684292090

 

 

عامر صالحالحديث عن ديمقراطية التدوال السلمي للسلطة يعني بوضوح هو الحديث عن حكومة ومعارضة، الأولى تحكم والأخرى تراقب الأداء الحكومي للأولى وتشكل الأخيرة ما يسمى بحكومة الظل، وتتناوب الأدوار بينهما عندما تتوفر الشروط الموضوعية لذلك، سواء من خلال الدورات الأنتخابية واعادة تشكيل الحكومة من خلال تناسبات القوى داخل قبة البرلمان، أو تعثر الأداء الحكومي في منتصف الطريق او حتى في البدايات الأولى لتشكيل الحكومة عندما تكون هناك معوقات جدية تعجز فيه الحكومة عن الأستمرار في الأداء.

العملية الديمقراطية في تشكيل الحكومة في العراق فقدت مقوماتها من خلال خرق الدستور والمتمثل في عدم تسمية الكتلة الأنتخابية الأكبر، والتي تقوم بدورها بتسمية رئيس الوزراء لتشكيل كابينته الوزارية، وهي ليست المرة الأولى التي يغيب فيها المفهوم الدقيق للكتلة الأكبر، فقد جرى في الانتخابات البرلمانية السابقة تحديدا خاطئا لمفهوم الكتلة الأكبر والذي لا ينسجم مع الدستور، ولكن هذه المرة وبعد الانتخابات البرلمانية الرابعة التي اجريت في 2018ـ05ـ12 كان الأكثر خطرا على الديمقراطية هو تجاوز مفهوم الكتلة الأكبر وعدم الأعتراف بوجودها، وهو يشكل خطرا في المفهوم المركزي والأساسي للديمقراطية السياسية التي يبنى على اساسها الحكم وتشكيل السلطة الحكومية التنفيذية من خلال تسمية الكتلة الأكبر، مما مهد الطريق " لتعويم " العملية السياسية بالكامل، والعمل بمبدأ "الجميع يحكم" من خلال اجندة الأحزاب الأثنوطائفية السياسية التي اغرقت البلاد في مستنقع الفساد السياسي منذ الوهلة الوهلة الأولى وبعد سقوط النظام الدكتاتوري في عام 2003.

لقد سبق سيناريو "تعويم" العملية السياسية أجواء اضعفت ما تبقى له من شرعية إن وجدت في اذهان الناس، واسهمت في اضعاف بارقة الأمل في اعادة بناء العملية على أسس من تقاليد العمل الديمقراطي السياسي المعمول به في دول العالم المتحضر بعيدا عن نظام المحاصصة البغيض، وقد تجلت تلك في ضعف المساهمة في الانتخابات حيث بلغت نسبة المساهمة ما يقارب 20%، اعقبتها نتائج مشكوك في مصداقيتها في خارج العراق وداخله باعتراف الاجهزة الحكومية العراقية الامنية والأستخباراتية، ثم اعقبتها كارثة حرق صناديق الاقتراع للعبث في مصداقية النتائج واخفاء ما زور منها، ثم استبدال العد والفرز الألكتروني بالعد والفرز اليدوي، والذي لم يستجيب لطموحات التاس والمتضررين من النتائج بشكل خاص ولم يكن شاملا كما كان يجب عليه ان يكون بعد التهم التي وجهت لمفوضية الانتخابات في عدم دقة نتائج الانتخابات، وقد جاءت نتائج العد والفرز اليدوي مطابقا للألكتروني. 

كل هذا جرى على خلفية فشل الأداء الحكومي خلال عقد ونصف من الزمن، في حقبة استشرى فيها الفساد الاداري والمالي الذي اتخذ من الفساد السياسي غطاء يحتمي به، وقد انعدمت خدمات الحد الادنى من مقومات العيش الكريم، من صحة وتعليم وكهرباء وماء، وانتشار للبطالة في اوساط الخريجين وغيرهم، وتعاظم نسب الفقر وما تحت خط الفقر والذي بلغت نسبته ما يقارب 40%، منزامنا مع كوارث بيئية وطبيعية، ابرزها شحة المياه ومخاطر الجفاف الشامل، وكذلك التلوث البيئي وتلوث مياه الأنهر وعدم صلاحيتها للأستخدام اليومي او لعيش الكائنات الحية فيه كالأسماك وغيرها، وكان هذا في مجمله يعكس ضعف الادارة السياسية لأدارة هذه الملفات الخطيرة جسدتها حالة الاحتراب والارتهان لأجندة اثنوظائفية سياسية داخلية واجندة اقليمية عرقلت وضع العراق على طريق السكة الصحيحة. 

 كان خيار السيد عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء هو خيار التسوية المحصصاتية الطائفية والاثنية وليست خيار الديمقراطية السياسية، وقد اتفقت عليه الاحزاب الطائفية السياسية والاثنية بعد فقدان الأمل في التأسيس لمفهوم الكتلة الأنتخابية الأكبر، كان خيار عادل عبد المهدي في ظاهره رحمة شكلية من خلال منحه " الحرية الكاملة " في اختيار كابينته الوزارية، ولكن باطنه مأزوما بقوة الصراعات الطائفية والاثنية التي فرضت اجندتها على الحقائب الوزارية، كما فرضت اجندتها على رئاسة البرلمان ورئيس الجمهورية من قبله.

لقد كان اقرار 14 وزيرا من كابينة مؤلفة من 22 حقيبة وترك 8 للصراعات المحصصاتية السياسية والاثنية مؤشرا سلبي واخلال كبير لمفهوم حكومة التكنوقراط، وهناك من الملاحظات الجدية التي تساق ضد ال 14 وزير الذين تم التصويت عليها، فهم لم يأتوا عبر النافذة الالكترونية التي فتحها السيد عادل عبد المهدي للترشيح لشغل منصب وزير، او ملاحظات خاصة بعدم دقة محتويات السيفي، أو وجودهم في وزارات في غير تخصصاتهم، أو شمول البعض منهم بقانون المسائلة والعدالة، أو تهم وجهت لأخرين منهم بالفساد الاداري والمالي وحتى تهم بالقتل او كانوا في السجون في فترات سابقة لأسباب جنائية، كما ارتبط العديد منهم بعلاقات قربى مع رموز سياسية وعشائرية، الى جانب كونهم عكسوا بهذا القدر او ذاك المسحة العامة للكتل الكبرى المحصصاتية المتخاصمة. 

في إطار البحث الشكلي عن مخرج للازمة المستعصية في البلاد منذ عقد ونصف من الزمن، والتي عصفت في البلاد وأودت بالخراب الشامل لامكانيات البلد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبشرية، يجري البحث عن حلول ترقيعية بعيدا عن البحث عن الاسباب الحقيقية للازمة العامة في البلاد، والتي كان سببها الاول والاخير هو النظام الطائفي المحصصاتي والاثني البغيض الذي شل حركة النهضة والحياة في بلد يمتلك كل المقومات الموضوعية والذاتية للنهضة الحضارية، باستثناء طبيعة النظام السياسي القاصر فكريا وعقليا والعاجز كليا عن استنهاض القوى الكامنة لشعبنا وقدراته وموارده الذاتية صوب التنمية البشرية المستديمة. 

 أن نظام المحاصصة عرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي،وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا  أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد،بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك ،أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ،بل تؤسس إلى "إفساد للتنمية"،وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف،والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع،أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل ،وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف  دينه ومذهبه وطائفته وعرقه. 

نقول هنا ان البحث عن حكومة تكنوقراط مؤلفة اعضائها من خبراء ومهنيين ومتخصصين في مختلف المجالات، ومن اساتذة جامعات وباحثين مرموقين، يستندون في نشاطهم الحكومي الى معطيات العلم والمعرفة الحديثة في مختلف المجالات ومستقلين نسبيا عن تأثير الاحزاب السياسية التي تقود البلد في مرحلة ما، هو أمر في غاية الصعوبة في ظل نظام محصصاتي يستند الى معايير الولاء للحزب او الطائفة او الاسرة الحاكمة او القومية والحزب القومي المهيمن، حيث اللجوء في اسناد المناصب الى معايير شاذة لا صلة لها في الكفاءة والمقدرة المهنية والتخصصية، وحيث النظر الى السلطة والمنصب هي استحقاقات محصصاتية وغنائم وفرص لا تعوض.

ومن هنا فأن عملية الحراك الاجتماعي والمتمثلة بكل الفعاليات السلمية المطلبية والطموحة الى التغير الجذري يجب ان تستهدف في نشاطها المتعاظم الى ما يفضي الى التأسيس للحلول الجذرية التي تسهم في فك الارتباط وانهاء العلاقة مع النظام المحصصاتي الطائفي والاثني، واعادة بناء العملية السياسية على اسس دستورية وقانونية جديدة تضمن الوطن والمواطنة والانتماء الى العراق بكل مكوناته الاجتماعية والثقافية والاثنية والدينية. وعندها يكون الحديث عن التكنوقراط وانقاذ البلد واعادة بنائه أمرا ممكنا في ظل مزاج الانتماء الى الوطن الأم.

 

د. عامر صالح  

 

 

سعيد توبيرقراءة في وثيقة: الجزائر والصحراء المغربية  للدكتور عبد الله العروي

يحتفل الشعب المغربي  بالذكرى الثالثة والاربعين بحدث "المسيرة الخضراء" التاريخي الذي برهن من خلاله الشعب المغربي والملك العلوي رحمه الله على تضامنه وووحدته الروحية والسياسية امام كل من تسول له نفسه العبث بوحدة المغرب الترابية واستقلاله التاريخي والسياسي.

الواقع هو ان هذه المناسبة اليوم تستدعي من الجميع مزيدا من الحيطة والحذر في تتبع تداعيات ملف قضية "الصحراء المغربية" على مستوى قرارات الامم المتحدة، التي يمكن ان تميل الى ترجيح كفة الانفصاليين في زمن عالم العولمة المتوحشة، المسكونة بالغموض والفوضى العارمة، التي اكثوت بلهيبها مجموعة من دول الوطن العربي.

في هذا السياق نقول لابناء الشعب المغربي تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم لضخ دماء جديدة في مؤسسات المجتمع المدني المغربي، والاحزاب السياسية من اجل بلورة فكرة مشروع مستقبلي جديد حول "التعبئة الوطنية" أو "بناء فكرة الوحدة الوطنية"، في مواجهة كل المتربصين بوحدة المغرب الترابية واستقراره السياسي والاجتماعي، وحقه العادل تاريخيا وقانونيا وسياسيا وثقافيا في استكمال وحدته الترابية وعلى رأسها قضية "الصحراء المغربية" في اطار التصفية النهائية لتركة الاستعمار المزدوج " فرنسي - اسباني".

 وما دامت القضية الترابية قضية تاريخية فلا نجد خيرا ما احد الوثائق التاريخية الدالة" الجزائر والصحراء المغربية" والتي كتبت في سياق حدث" المسيرة الخضراء" 1975  من طرف المؤرخ والمثقف المغربي العتيد " الدكتور عبد الله العروي". والذي  فقد عبر منذ ذلك الوقت بحكم علاقاته مع نخب الجبهة الوطنية لتحرير الجزائر، انها كانت مخطئة عندما عاكست المغرب في وحدته الترابية وان من الضروري ان تدافع المملكة بكل قوة عن وحدتها الترابية.

 ولذلك يوضح من خلال مقاله المعنون بالفرنسية" الجزائر والصحراء المغربية" ان حدث المسيرة الخضراء كان بمثابة واقعة سايكلوجية عامة:  ساهمت في عودة الوعي التاريخي المغربي الى ذاته، بعدما هضمت الذاكرة الجماعية المغربية سر استمراريتها وتفاعلها مع  روح الوحدة المركزية من خلال الكفاح والدفاع والتحرير في مغرب غربه محيطيا وشرقه متوسطيا،  ضد كل انواع الاطماع الاستعمارية التي رافقت تطور المغرب من الانحطاط الى الاصلاح. لا ننفى غزو الرومان قديما ومحاولات اللايبريين في العصر الوسيط او المد العثماني في العصور الحديثة. قل انها : روح المغاربة الجماعية. وعليه فان العروي يعتبر ان عودة المغرب الى المطالبة بالصحراء المغربية لتصفية الاستعمار الاسباني هو ما  افضى الى ملحمة شعبية وسلمية وطنية" المسيرة الخضراء"؟

لقد نوه العروي كذلك بالقيادة والفكرة والاسلوب، كما ثمن فيها جرأة الملك الحسن الثاني رحمه  السياسية والشجاعة الديبلوماسية والتخطيط الاداري التي  خاضها في تنظيم ملحمة تاريخية ووطنية اسمها " المسيرة الخضراء"  والتي اصبحت نبراسا للرأي الدولي والشعب المغربي في فلسفة  السلمية واسترجاع الحقوق بالطرق المشروعة : (تحريك 350.000 من المواطنين  بتوفير كل من النقل والتغذية والصحة في جغرافية قاحلة امام انظار العدو) ؟ وبطريقة غاية في الذكاء على مستوى التخطيط والتنفيذ تفادت المسيرة التاريخية النموذجية كل مظاهر الانحراف او العنف، انه الحدث الروحي التاريخي الذي يؤكد اهمية الثنائية السرمدية "ثورة الملك والشعب" في استرجاع السيادة الوطنية الترابية.

يتدخل التاريخ في نظره من جهة، ان حدث المسيرة هو بمثابة نفس الوضعية المشابهة لما شهده المغرب في كفاحه ضد الغزاة الايبريين في 1578، أي في معركة وادي المخازن التي ساهم فيها المغاربة من جميع الجهات لانقاده من الكارثة. ونفس الشيء وقع في 1859 عندما خرجت قوات اسبانية تريد ان تنتجع في شمال المغرب عبر استهداف مدينة تطوان، ليعلن الجهاد أي الكفاح والدفاع والتحرير حتى في الاطلس المتوسط، الذي لم يكن فيه المخزن يمارس سلطة مباشرة عليه في ذلك الوقت، ليهب المحاربون والمقاومون لرد الغزو الاسباني وارجاعه الى ادراجه.

اذن قد يسعفنا التاريخ او الذاكرة في استحضار الوطنية كتحول في الوعي الجماعي المغربي، الذي تنمحي فيه كل الاختلافات العمرية والسياسية والتقنية. ولذلك يقول: "عندما تهضم الذاكرة الماضي يصبح النسيان خطأ ". واما فيما يخص الحجج التي يعتمد عليها في طرحه حول "مغربية الصحراء" تاريخيا وثقافيا فهي كالتالي:

- فرضية "الصحراء المستقلة" غير صحيح في نظره، من جهة ان المفهوم الجغرافي لا يمكن ان ينتج "اقلية سياسية". ذلك ان واقع الحال يثبت بما لايدع الشك: ان هناك صحراء جزائرية، ليبية، تونسية، سودانية وصومالية، ولماذا فقط بناء دولة مستقلة في الصحراء الغربية المغربية مع ان هناك صحراء غربية مصرية؟

- اذا كانت اسبانيا تقر في تقاريرها ان عدد سكان الصحراء لا يتجاوز عددهم 50.000 اغلبهم من البدو الرحل. فما هي القاعدة التي ستبنى عليها دولة مستقلة ودائمة؟ واما تاخيرها عن اتخاذ موقف الجلاء كان بسبب رغبتها في الحصول على التعويض المناسب.- لم تقدر اسبانيا على رد مطالبة المغرب من لجنة "تصفية الاستعمار" بالجمعية العامة لامم المتحدة بفتوى قانونية من طرف محكمة العدل الدولية حول استرجاع المغرب لاقاليمه الجنوبية. ولذلك يرى ان السبب الوجيه الاول هو المكانة المهشمة التي كانت تحتلها اسبانيا فرانكو في الرأي العام انذاك في الامم المتحدة بسبب الجرائم التي تم اقترافها فيما يخص حقوق الانسان في اسبانيا" الحرب الاهلية"  والجرائم المقترفة في حق ابناء المقاومة المغربية.

على العموم يورد العروي في كتابه البديع" ثقافتنا في ضوء التاريخ" -ص34- فكرة مفادها - ان المغرب في التاريخ القديم قد قاوم الاحتلال البرتغالي والاسباني اذ يقول: يطرح دافيد لوبز السؤال التالي: لماذا اخفق البرتغال عندما حاول الاستيلاء على المغرب الاقصى؟ يطرح فارنداد بروديل نفس السؤال بالنسبة لاسبانيا ومحاولة استيلائها على المغرب الاوسط؟ يجيب الاثنان ان السبب هو ان كلا الدولتين واجهت اختيارا صعبا: اما احتلال البلاد بكاملها وهو ما لم تكن تسطيع تحمله نظرا للتكاليف المالية والبشرية الباهظة، واما احتلال قسم فقط يصبح في الحين معرضا لهجمات متوالية مما دفع في النهاية الى الجلاء التام-

وعليه فان المسيرة الخضراء، اعادت للدولة التاريخية المغربية ثقتها بنفسها، بعدما عاني المغرب في نظره من تقسيم لا يرحم رغم الضمانات التي منحت له من لدن الدول العظمى ومن بينها فرنسا واسبانيا في مؤتمر مدريد 1880 والجزيرة الخضراء في 1906.  ليخلص في النهاية ان الموضوع الحقيقي في لاهاي كان بالضبط هو موضوع "الدولة التاريخية المغربية".

 

الاستاذ: سعيد توبير

المملكة المغربية في 05.011.2018

 

علي البصريتعتبر ظاهرة الاحياء العشوائية احد المشاكل التي ورثناها من النظام السابق، لكنً هذه الظاهرة قد استفًحلت في الفترة الاخيرة، سيما الفترة من 2003 ومابعدها، بسبب الانفلات الذي حصل في البلد وعلى جميع الاصعدة. كانت المشكلة فيما سبق ان النظام البعثي يعتقد ان كل شيء هو من ملك النظام وزبانيته، فاغلب الاراضي كانت ملكيتها تعود للحكومة ووزاراتها المختلفة وكان توزيع الاراضي يتم طبقا لما يقرره النظام من خلال وزارة البلديات، حيث يتم توزيع الاراضي على الموظفين والعمال التابعين للقطاع العام والرفاق الحزبيين ورجال الامن والمخابرات، اما البقية بقية الناس فيتم حصولهم على الاراضي من خلال شرائهم لها من بعض اصحاب الاراضي من القطاع الخاص او من الموظفين والعمال الذين حصلوا على قطع اراضي من وزاراتهم وهم ليسوا بحاجة لها، او ان العوز والحاجة تُجبرهم على بيع قطعهم التي حصلوا عليها اخيرا. اما بقية الناس من الفقراء ومن العمال والموظفين في القطاع الخاص وحتى الموظفين من القطاع العام والذين لم يحصلوا على قطع اراضي ولاتوجد عندهم امكانية مادية لشراء قطع اراضي فان الظروف تضطر الكثيرمنهم اللجوء الى البناء في الاماكن الفارغة في اطراف المدن والقرى، فيتم احيانا التنسيق مع موظفي البلديات كي يغضًوا الطرف عنهم من اجل بناء بيوتهم في الاحياء العشوائية، وبالتالي بدأت تتشكل الاحياء العشوائية وتكبر وتكثر اعدادها يوما بعد اخر.

لا أحد يلوم الناس - سيما المحتاجين منهم – على لجوءهم للبناء في الاحياء العشوائية، لأن الكثير من هؤلاء الناس يوفًرون لقمة عيشهم بصعوبة شديدة وهم يريدون بيتا متواضعا ليحميهم من حر الصيف وبرودة الشتاء و حتى هروبا من الايجارات المرتفعة، وهم في كل الاحوال لايملكون بديلا اخر سوى هذا البديل بعدما ادارت الحكومة ظهرها لهم، وبعدما اصبحت اسعار قطع الاراضي تفوق الخيال، او بعدما اخذت دوائر البلديات تتاجر باراضي الدولة من خلال سماسرة معروفين وينتمون سياسيا الى نفس الجهة التي تُمسك بمسؤولية ادارة البلديات. الحروب والحصار هو الاخر ساهم في تفاقم هذه المشكلة، وبعد عام 2003 ازدادت ظاهرة الاحياء العشوائية بصورة كبيرة، سيما ان الكثير من الناس، كانت تعيش على شكل عدة عوائل في مسكن واحد، فالأب وابناءه المتزوجين يعيشون في بيت واحد بسبب الظروف الصعبة التي تعيشها الناس ايام الحصار القاسي. الفوضى والانفلات والحاجة بعد 2003 ساعد الناس على المبادرة بالبناء في كل مكان فارغ، وهناك من استغلً هذا الانفلات من اجل الحصول على اماكن جيدة في مراكز المدن، او من اجل المتاجرة.

غياب التخطيط عند المسؤولين الجدد وانشغال بعض هؤلاء المسؤولين بالفساد والسرقة والاستحواذ سمح للناس في ان تتوسع في انشاء الاحياء العشوائية، وبدل ايقاف هذه الظاهرة الخطيرة والمُكلفة للناس وللدولة سمح هؤلاء المسؤولين للناس في التوسع في البناء العشوائي كغزل انتخابي احيانا او كاغراء لكي ينصًبً نظر الناس على امور اخرى وتفرغ الساحة للمسؤولين في تمرير صفقاتهم المشبوهة، وبقيت تكبر وتتوسع ظاهرة الاحياء العشوائية حتى اللحظة دون ايقافها او ايجاد حلول ناجعة لها.

وزارة التخطيط العراقية اعلنت هذا العام - 2018 – ان عدد الاحياء العشوائية في العراق حوالي (3687) حيا عشوائيا، ففي العاصمة اكثر من 1000 حي عشوائي وفي البصرة يوجد اكثر من 700 حي عشوائي، وهذه الاحصائية لاتشمل محافظات اقليم كردستان ولا محافظات نينوى والانبار وصلاح الدين، وهذه العشوائيات يسكنها 3 ملايين و300 الف نسمة، اي ان سكان هذه العشوائيات اكبر من عدد سكان بعض الدول المجاورة ( 1 ).

الاسباب الكامنة وراء انتشار هذه الظاهرة عديدة ومختلفة فقسم منها هو نتاج المرحلة الماضية التي كانت كلها حروب وحصار ومشاكل عديدة منها اقتصادية واخرى سياسية وبعضها اسباب اجتماعية، مما ادى الى حدوث نقص كبير في عدد الوحدات السكنية التي يحتاجها الناس في البلد. بعد احتلال العراق تفاقمت المشكلة ودخلنا عصر الارهاب والتفجيرات وغياب التخطيط وكبر المشكلة الموروثة، ففي عام 2003 كان العراق بحاجة الى اكثر من مليوني وحدة سكنية حسب بعض التقديرات، واليوم ازداد عدد السكان وازدادت حاجة العراقيين الى السكن.

من الاسباب التي ادت الى زيادة الاحياء العشوائية هو النزوح والانتقال الداخلي، اي بين المحافظات، وتحدث هذه الهجرة طلبا للعيش، فالبطالة تُجبر الناس للبحث عن فرص عمل داخل البلد، وهذا ماجعل الهجرة تتجه باتجاه المدن الكبيرة والتي توجد فيها فرص عمل كالعاصمة بغداد والبصرة وبقية المدن، وهذه الهجرة الداخلية مُضرًة من حيث انتاج احياء عشوائية، ومن حيث الاعتداء على حقوق المحافظات الاخرى باعتبار ان لكل مدينة حصة معينة من الموازنة، وايضا سيؤدي النزوح الى نقصان او فقدان اهل المدينة - المستقبلة للهجرة - لفرص العمل، وللخدمات الاخرى كالصحة والخدمات البلدية الاخرى، وهنا تتحمل الحكومات المحلية سبب هذا النزوح، لأن القانون لايسمح بالانتقال من مدينة الى اخرى الا بشروط، منها امتلاك الشخص لبيت او لقطعة ارض مُلك صرف والا لايُسمح له بالانتقال.

كان المفروض بالحكومات المحلية والمركزية ان تجد حلا ولو مؤقتا لمعالجة ظاهرة الاحياء العشوائية من خلال منع بناء الناس للبيوت في الاحياء العشوائية، وأن توزع اراضي على الناس الذين لايملكون قطعة ارض، وربما كان بالامكان - كأمر واقع - القيام بعملية تخطيط الاراضي الفارغة وفرزها وترك الناس تبني بيوتها لكي يمكن تقديم الخدمات البلديًة لهذه المناطق في المستقبل وليس كما هو عليه الامر الان، حيث لايمكن معالجة مشكلة اغلب هذه المناطق الا بازالتها وبالتالي خسارة كبيرة للناس وللدولة.

 يمكن الان تقدير الخسائر بصورة أوليًة طبقا للافتراضات التالية:

لو افترضنا ان معدل عدد افراد الاسرة العراقية بحدود 5 افراد فان عدد الأُسر سيكون كالاتي:

3.300.000 ÷ 5 660.000 اسرة، حيث ان عدد سكان العشوائيات هو 3.300.000 شخص حسب احصائية وزارة التخطيط الاخيرة، وهي احصائية ل 12 مدينة فقط، وبالتالي فنحن بحاجة الى 660.000 وحدة سكنية.

ولو اننا افترضنا ان معدل كلفة بناء البيت الواحد تتراوح بين ( 25 - 35 ) مليون دينار عراقي كتقدير اولي، فان التكلفة الكلية لهذه الاحياء العشوائية سيكون بحدود الاتي:

660.000 × 30.000.000 19.800.000.000.000 دينار عراقي، كُلفة الاحياء العشوائية. ( 2  )

19.800.000.000.000 ÷ 1200 16.500.000.000 دولار، كُلفة الاحياء العشوائية حسب سعر صرف السوق العراقي للدولار في الوقت الحاضر والبالغ 1200 دينار عراقي.

مبلغ 16 مليار و 500 مليون دولار هو قيمة مساكن وبيوت الاحياء العشوائية وهي قيمة تقريبية، وهذا المبلغ ليس بالمبلغ الهيًن او المبلغ الصغير، وهذا المبلغ فقط للمحافطات ال 12 والا فان التكاليف ستصبح اكبر من هذا المبلغ المذكور اعلاه بكثير. لو كان هناك مسؤولا واحدا يمتلك ضميرا حيًا لما ترك الناس تتصرف بهذه الشاكلة وتخسر اموالها وتعيش في احياء ملئُها الاوساخ والازبال والمياه الاسنة وبالتالي مليئة بالاوبئة والامراض، واخيرا لايمكن حل مشكلة هذه الاحياء الا بأزالة الكثير منها ومن ثم خسارة هذا المبلغ الكبير، او ان تبقى تعيش الناس في هذه الاماكن التي هي مُكلفة وعلى جميع الاصعدة.

الان كيف يمكننا حل هذه المشكلة العويصة؟

لحل هذه المشكلة يمكن تقديم الاقتراحات التالية:

1- ايقاف بناء البيوت في الاحياء العشوائية بكل السبل الممكنة.

2- توزيع قطع اراضي على العوائل التي لا تمتلك قطعة ارض كملك صرف، وهنا ينبغي ان يشمل التوزيع كل شخص لايمتلك قطعة ارض.

3- معالجة الاحياء العشوائية من خلال دراسة كل حي على حدة من قبل لجنة مختصة وايجاد الحلول المناسبة له.

4- تعويض الناس التي ستفقد بيوتها، لأن المعالجة تستبطن تهديم بعض البيوت من اجل شق الشوارع والطرق.

5- تعبيد الشوارع وتقديم الخدمات الاساسية كالمجاري والماء والكهرباء والصحة والتعليم.

6- التعاقد مع بعض الشركات من اجل بناء وحدات سكنية، وينبغي التعاقد مع الشركات التي تقدًم وحدات سكنية ذات كلفة معقولة وتتناسب مع دخل الناس والاسعار الحالية للوحدات السكنية، والا تصبح عملية التعاقد مع شركات تبني بيوتا مُكلفة هي عملية عقيمة ولا تحل مشاكل المجتمع. يُحبذ في هذا المجال بناء بيوت اقتصادية وتعميم هذه المبادرة.

7- التوسع في تقديم القروض من قبل المصرف العراقي بضمانة قطعة الارض، ويُحبذ ان يُعطى القرض على شكل اقساط وطبقا لتقدًم عملية بناء الوحدة السكنية، لكي نتاكد من استخدام القرض في بناء وحدة سكنية وليس لاغراض اخرى.

8- عملية اعطاء القروض ينبغي ان لا تقتصر على الموظفين في القطاع العام، بل ينبغي ان تشمل كافة قطاعات المجتمع، فاستخدام ضمانة قطعة الارض وكذلك تقديم كفالة للذين لايعملون في القطاع العام يمكن ان يكون ضمانة جيدة للمصارف، لاننا نريد حل مشكلة السكن، وبالتالي ينبغي ايجاد ُسبل وطُرق معينة للتغلب على المشاكل التي تواجهنا.

9- التوسع في اعطاء القروض سيساهم بالاضافة الى حل مشكلة السكن الى تحريك اقتصاد البلد، لان حركة البناء ستوًفر الالاف من فرص العمل للعاطلين عن العمل.

10- لانريد ان نتحدث عن ما تسببه هذه الاحياء العشوائية للمجتمع من مشاكل على مستوى تخريج جيل أمي، ربما يساهم في تدمير بلده واهل بلده نتيجة مايمر به من ظروف صعبة وسلبية، وماتنتجه هذه الاحياء من مشاكل. العوز ربما يساعد الارهابيين في استغلال الصبية والشباب لتحقيق ماربهم الحاقدة تجاه بلدنا، ناهيك عن بعض القيم السلبية التي ستنتجها مثل هذه الاحياء من تعاطي المخدرات والجرائم والعادات السيئة وسواها، وهنا لانريد ان نعممً احكامنا على ابناء هذه الاحياء، ولكننا نريد القول ان هذه الاجواء تكون بيئة خصبة لانحراف الشباب. حل مشكلة هذه الاحياء سيساهم في تخليص المجتمع من هذه القيم السلبية وسينتشل مجتمع كبير ومجنيً عليه لا لشيء سوى ان اهل هذا المجتمع فقراء.

نتمنى ان يكون هناك من المسؤولين من يعمل باكثر من اسقاط التكليف !! مسؤول يمتلك ضميرا حيا، ويعمل ليل نهار على حل مشاكل الناس والمجتمع، ولا همً لهذا المسؤول سوى ابتكار الوسائل والطرق المختلفة لحل مشاكل بلده. نتمنى على الحكومة الجديدة المباشرة بمحاسبة المقصرين واستخدام قاعدة الثواب والعقاب الغائبة تماما في العراق.

 

 

علي البصري

...............

1- يمكن الرجوع الى المجموعة الاحصائية السنوية التي يصدرها الجهاز المركزي للاحصاء التابع لوزارة التخطيط:

http://cosit.gov.iq/AAS2017/Annual%20Abstract%20of%20Statistic%20_2017.pdf

او يمكن الاطلاع على الموقع التالي:

http://www.almanarpress.net/2017/8/21/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%B7- %D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%B9%D9%86-%D8%B9%D8%AF%D8%AF- %D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B7%D9%82- %D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B4%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9- %D9%81%D9%8A- %D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

2- نحن هنا اخترنا كلفة البيت 30 مليون دينار عراقي كمعدل بين القيمتين 25 و 35 مليون، ونعتقد ان كلفة بعض البيوت ستكون اكبر من هذه الكلفة، سيما اذا عرفنا ان عملية الصرف على بناء البيت تتم خلال فترة طويلة.

 

عبد الجبار نوريبعد طرح رئيس الوزراء المكلف عادل عبد المهدي برنامجه الوزاري أمام نواب الشعب في البرلمان العراقي، كان للنائب فائق شيخ علي تغريدة سوداوية على صفحات التواصل الأجتماعي مفادها {أن برنامج رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لا يتمكن تنفيذهُ تشرشل وكليمنت وروز فيلت وأديناور وبمساعدة هتلر وموسوليني وصدام حسين} .

للحقيقة والحق أن البرنامج واسع وشامل ودقيق جاء في 121 صفحة، ويرقى إلى بروستريكا أصلاح أقتصادي أو في خارطة عمل  لأخراج العراق من عنق الزجاجة،  وللحقيقة أيضاً أن المنهاج دراسىة مستفيضة أقرب من كونهِ منهاجا مُعداً مسبقاً، بأعتقادي أن مرّتْ الأربع سنوات ولم يخرج (السيد) ورقة الأستقالة من جيبهِ وهو قد أنجز 60% من البرنامج يستحق أقامة تمثال لهُ وسط بغداد بجوار جدارية الحرية لجواد سليم، لقد جاء البرنامج بخطوات أيجابية ومفيدة حيث أكد على ترشيق مجلس الوزراء في أحداث ثورة جذرية في أبعاد الفاسدين والفاشلين في حرية أختيار الوزراء أي الأبتعاد عن المحاصّة الكتلوية والحزبية، والتأكيد على الهوية العراقية والأبتعاد عن التبعية، وأحسن في ديباجة المنهاج أن المسؤول هو خادم للشعب، وأن السلطة ليست ملكاً لحزب أو عشيرة أو طائفة أو قومية، والأولوية للعلم والمعرفة والفضيلة، وشيءٌ جيد حين ذكر في مقدمة المنهاج الوزاري : أنهاء الفوضى التشريعية وتصفية القوانين وغربلتها لتكون للدولة فلسفة تشريعية واحدة، أعادة تنظيم القضاء بما يحقق أستقلالية القضاء، وأبعاد العراق عن أية منظومة للعقوبات والحصار الأقتصادي، ومكافحة الفساد والهدر العام والخروج من الأقتصاد الريعي، بناء دولة واحدة وليس دويلات متداخلة، أنهاء نظام المناصب بالوكالة والتحايل على القانون، منع الممارسة الخاطئة في حق الأستجواب، منع الحشد والبيشمركة في التدخل والتأثير على السلطات الثلاثة، والتأكيد على حرية الفكر والضميروالعقيدة، ولكن للأسف ليس في العراق المأزوم والمهزوم والمنهوب محكوم بطلاب حكومة لا طلاب دولة منخورة وموبوءة بالمحاصّة الأثنية والطائفية والمناطقية والتي أخذت شكل دويلات المدن الأندلسية، ويظهر أن الكتل السياسية فشلت في تشكيل الكتلة الأكبر عدداً مما يؤهلها بتسمية مرشحها الجديد فأتجهت الأنظار إلى الدكتور عادل عبدالمهدي فهو المرشح التوافقي لتجاوز الأزمات التي تخيم على الوضع السياسي في العراق .

ملاحظات على المنهاج الوزاري

- عدم وجود مفهوم العدالة الأجتماعية في البرنامج الحكومي وخاصة في حل مشاكل السكن والنقل والعشوائيات والبطالة والحقوق المدنية./ رائد فهمي

- خلو البرنامج لمبدأ عدم دخول العراق في المنازعات الدولية وسياسات المحاور.

- ولم يتطرق إلى حل الخلافات والمنازعات بين الوقفين السني والشيعي .

- ولم يذكر البرنامج إي خطوة بأتجاه تدهور الصناعة في العراق، مع أفتقارالبرنامج لخطة أستراتيجية لتفعيلها عموماً.

- البرنامج لم يشرْ إلى الملف الأمني والخدمي والتربوي في المحافظات المحررة، وأعادة أعمارها وتقديم الخدمات لها .

- البرنامج لم يتطرق لعمل الهيئات المستقلة للرقابة .

- عدم وجود أية أشارة في برنامج عادل عبد المهدي لضرورة محاسبة الفاسدين وأسترجاع المال العام المهرب البالغة عشرات المليارات من الدولارات

أهم التحديات أمام المنهاج الوزاري

- الأحزاب العراقية وما أكثرها كما وليس نوعاً والفعالة منها أكثر من 50 حزب يتركز جهودها على حصد أكبر عدد من الحقائب الوزارية دون الألتفات إلى البرنامج الحكومي المطروح، وأن هذه الأحزاب السياسية أتفقت على المشاركة في الحكم بدون أستثناء تحت خيمة المحاصصة والغريب أنهم يرفضون المعارضة التي هي من أسس البناء الديمقراطي للحكم السليم كما نراهُ في بريطانيا والسويد وعموم دول الغرب .

- تواجه الحكومة من التحديات الضخمة أبرزها أعادة أعمار البلد الذي تدمر خلال الحرب على داعش والتي أستمرت تلك الحرب الشرسة مدة ثلاث سنوات، وضرورة الأهتمام بالبنى التحتية على العموم، ويظهر أن الكتل السياسية فشلت في تشكيل الكتلة الأكبرعدداً مما يؤهلها بتسمية مرشحها الجديد، ومشكلة أعادة هيبة الدولة العراقية والمؤسسة العسكرية بعد أن تراجع دورها بسبب الأحتلال الأمريكي وأنتشار قواعده العسكرية في عموم العراق، وكذا الحال في تواجد ألأحتلال التركي لبعشيقة منذ أربع سنوات والتوسع الأيراني والسعودي في النفوذ والتأثير،

- تحدي أستمرارية حرب الأستنزاف في تتبع الخلايا النائمة وأعوانها في المناطق المحررة، أضافة إلى الحالة الفوضوية المتزايدة في جميع مفاصل الدولة، وعلى العموم أنصافاً لرئيسنا الجديد أنهُ أستلم أرثاً ثقيلاً من اسلافه العبادي والمالكي محتويات هذا الأرث المقرف الممجوج كماً ونوعاً موبوءاً بالأزمات السياسية والأجتماعية ومديونياتٍ ثقيلة خارجية وداخلية أضافة إلى تحسين الخدمات الأساسية التي كانت سبباً في أشعال الشارع العراقي وخصوصاً في البصرة التي توعدت الحكومة بتجديد تظاهراتها بعد أربعينية الحسين برفع سقف مطاليبها إلى طلب حق الأقليم للبصرة .

- شباك المحاصصة المقيتة فالمهدي يجد صعوبات جمّة في تمريرالوزارات السيادية خصوصا وزارتي الداخلية والدفاع، بأعتقادي سوف يسقط رئيس الوزراء في تلك الشباك اللعينة لكون لا يزال الخلاف قائم على تلك الوزارتين لكونها تتوالى الضغوطات على عادل من بعض الأحزاب المسنودة بأجندات أجنبية ولا أخفي عليكم حين أذكرها بالأسم (أمريكا وأيران والسعودية)، أي أن على الساحة السياسية أقطاب وأمبراطوريات مستقتلة وقوية تمتلك السلاح والمال المنهوب الذي أستقر في جيوبهم، والمشكلة هنا مركبة فيها تحدي للمرجعية التي وضعت الخط الأحمر لشخصية الرئيس الجديد في الحزم والتكنوقراط بينما كابينتهُ ليست تكنوقراط عدا ثلاثة منهم فقط، فهو أذاً قد وقع في شباك المحاصصة في أختيار كابينته الوزارية .

- الشبهات التي تدور حول الوزراء الجدد والتي تبيّن أن بعضاً منهم عليه ملفات فساد وأخر مطلوب من المساءلة والعدالة وثمة آخر متهم بتزوير الشهادة وآخرين قد زاروا (بوكا) وشُمل بالعفو، حقاً أنهُ موقف محرج لرئيسنا الجديد هل سيخرج ورقة الأستقالة ؟!أم يحيل أوراقهم ألى مفتي الديار!!!؟

- سيواجه عادل عبدالمهدي طلائع (المقاومة) العراقية ضد الأحتلال الأمريكي سواء كانت من الشيعة أو السنة فهي تهدد البقاء الأمريكي الحليف للعراق – كما تزعم أبجديات الأمبريالية – فكان للتصريح الناري الذي أطلقتٌهُ أحدى الكتل وبحضور المبعوث الأمريكي: (سوف نسقط أية حكومة خلال شهرين أذا تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في تشكيلها) والذي ترجمت على الواقع في تعرض السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد لضربات صاروخية مساء يوم 6/9/2018 وتجددت في 8 سبتمبر الماضي في تعرض القنصلية الأمريكية في البصرة وبالتالي سيكون عادل عبد المهدي أمام مسؤولية كبرى في تفهمه أنها رسالة: أن الشعب العراقي حي لا يزال يمتلك روح المقاومة.

- على الصعيد الدولي سوف تظهر أمام عادل عبدالمهدي مشكلة العقوبات الأمريكية على أيران والتي ستبدأ من يوم 4/11 وكيف سيوفق بين الموقفين الأمريكي والأيراني؟، أضافة إلى نزع أسلحة المجموعات المسلحة العشائرية في وسط وجنوب العراق وكذلك نمو الجماعات الأسلامية المتشددة في غرب وشمال غرب البلاد والتي بعضها أدان بالولاء لداعش أيام أحتلالها لهذه الأجزاء فيحتاج عادل عبدالمهدي لبرنامج كفوء لأعادة الثقة بين الحكومة المركزية وأهالي تلك المناطق .

- معالجة أزمة النازحين داخلياً والمهجرين قسراً والكشف عن المغيبين، ومعالجة الأزمات المستعصية بين الأقليم الكردي والحكومة المركزية وتصفية الخلافات الدستورية التي تلف المناطق المتنازع عليها، وجعل كركوك مدينة للتعايش السلمي بين مكوناتها الأصلية الكرد والتركمان والعرب .

 

عبدالجبارنوري - باحث سياسي عراقي مقيم في السويد

  

محمد الدعميلابد أن يشعر المراقب الحذق بأن قمة اسطنبول الرباعية التي عقدت قبل بضعة أيام باستضافة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” قد وضعت القيادتين الفرنسية والألمانية (من بين سواهما من القيادات الأوروبية، على أغلب الظن) أمام الأمر الواقع في التعامل مع القضية السورية المستعصية، برغم عدم حضور الرئيس الإيراني، حسن روحاني، تلك القمة.

بيد أن الدور الروسي بدا واضح القوة والمعالم بقدر تعلق الأمر بالتنويه إلى ضرورة التسليم بالأمر الواقع في سوريا، ذلك الأمر الذي يفيد باستعصاء مابقي يتردد لعدة سنوات بلا جدوى حول إسقاط النظام السوري القائم بقيادة الرئيس بشار الأسد الذي تمكن من أن يقدم كل ما من شأنه الدلالة على أن النظام القائم في سوريا لا يمكن أن يُزال بالسهولة التي كان يتوقعها البعض، أي من خلال ماجرى من أعمال إرهابية وحرب أهلية مصطنعة سكب الزيت عليها على أمل القضاء على النظام: إلا أنه لم يفارق الحياة برغم كل ما بذل من أموال وجهود!

إن أقل مايمكن أن يقال عن بقاء النظام السوري يتلخص فيما يمكن استنتاجه من خطاب الرئيس الروسي بوتين الذي يفيد بأن أوروبا الغربية، ممثلة بألمانيا وفرنسا، لم تعد قادرة على التخلص من موجات النزوح الجماعي والهجرة السكانية من بقاع النزاع بسوريا، دون التسليم ببقاء النظام السوري الذي برهن على قدرته ليس على البقاء فحسب، ولكن كذلك على شن الهجمات المرتدة ضد ماكان يأمل البعض بالقدرة على إسقاطه: فقد “انقلب المركب على الربان”، كما يقال: إذ راحت قوات النظام تضطلع بقوة لاغبار عليها بإعادة ما أخذ بالقوة من قبل الحركات المتمردة والانفصالية عبر البلاد، إلى سيطرة دمشق، حتى قيل إنه لم تبق إلا إدلب وبضعة جيوب هنا وهناك حيث تتحصن آخر قوى التمرد على النظام، أي تلك التي لم تحصد سوى الخيبة، كما يبدو للمراقب الفطن.

بل إن الأخطر من هذه الخلاصات يتمثل في جيوب شبكة داعش التي راحت تظهر كالفطر، ثم تتضخم، وكأنها خلايا مسرطنة على الضفاف الشرقية لنهر الفرات بالقرب من الحدود العراقية: ومعنى ذلك بالنسبة لبرلين وباريس (من بين سواهما من العواصم الأوروبية) أن ما يتهدد استقرار أوروبا الآن لا يكمن فقط في موجات النزوح السكانية المهولة المتوقعة بملايين الأفراد شمالاإلى أوروبا عبر تركيا، وإنما هو يكمن كذلك على نحو أخطر في إمكانية إعادة شبكة الدولة الإسلامية الإرهابية تنظيم نفسها ثانية في الجيوب التي استولت عليها شرق الفرات، على سبيل التمدد شرقا نحو العراق (حيث تتوفر حاضنات سكانية موائمة عبر الحدود هناك). وهكذا يتحول عدم الاستقرار في سوريا إلى وضع الرؤساء أمام خيارين، لا ثالث لهما: (1) التسليم ببقاء النظام السوري الحالي، كابحا ولاجما للجماعات الإرهابية ومانعا لموجات الهجرة المليونيةالمتوقعة؛ و(2) الإصرار على عدم القبول ببقاء النظام الذي قد يسحب سوريا والشرق الأوسط إلى غياهب حروب وانقسامات لها بداية، ولكن ليس لها نهاية. وأغلب الظن هو أن الرئيس فلاديمير بوتين قد أفلح بإقناع الأوروبيين والرئيس التركي معهما بضرورة التسليم بالأمر الواقع (وهو بقاء النظام السوري) لتجنب المزيد من الإنهيارات التي تلوح بالعصا الغليظة لأوروبا المستقرة بــ(1) الهجرات؛ و(2) تسرب الشبكات الإرهابية من شرق سوريا في كل اتجاه، علما أن أكبر هموم الدولة التركية يكمن على مخاطر تهديد الجماعات الانفصالية الكردية شمال سوريا، وجنوب تركيا، خاصة وأن أجواء الحرب في سوريا قد شجعت هذه الجماعات على العمل، وإن تدريجيا، للالتحام بكرد العراق على أمل انتفاضة انفصالية.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

علاء اللاميالمجتمع المدني...وممثلوه المشبوهون في العراق وغيره!

9- المجتمع المدني: لنسجل أولا، أن "المجتمع المدني" لا يعني المجتمع الحقيقي الذي نعرفه، والمكون من ملايين الناس الذين "اجتمعوا وتجمعوا" فكوَّنوا مجتمعا في دولة ما، بل هو تعبير مجازي يقصد به حسب التعريف البحثي (كل أنواع الأنشطة التطوعية التي تنظمها الجماعة من الناشطين حول مصالح وقيم وأهداف مشتركة. وتشمل هذه الأنشطة المتنوعة الغاية التي ينخرط فيها المجتمع المدني تقديم الخدمات، أو دعم التعليم المستقل، أو التأثير على السياسات العامة. ففي إطار هذا النشاط الأخير مثلا، يجوز أن يجتمع مواطنون خارج دائرة العمل الحكومي لنشر المعلومات حول السياسات، أو ممارسة الضغوط بشأنها، أو تعزيزها (معاقبة صانعي السياسات أو مكافأتهم).

يضم المجتمع المدني مجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية.

هناك مصطلح آخر قريب من هذا، ولصيق به، وهو "منظمات المجتمع المدني" ويقصد به (جمعيات ينشئها أشخاص يعملون لنصرة قضية مشتركة. وهي تشمل المنظمات غير الحكومية، والنقابات العمالية، وجماعات السكان الأصليين، والمنظمات الخيرية، والمنظمات الدينية، والنقابات المهنية، ومؤسسات العمل الخيري. أما الميزة المشتركة التي تجمع بين منظمات المجتمع المدني كافة، على شدة تنوعها، فهي تتمثل باستقلالها عن الحكومة والقطاع الخاص).

عراقيا ليس لدينا إلا شبكة من هذا النوع من المنظمات التي تتوزع على محاور قليلة منها النقابات ومنظمات للنساء والشباب والرياضة وهي مسيطر على غالبيتها الساحقة من قبل الأحزاب المتنفذة والمهيمنة على الحكم وترتبط بالنظام الحاكم او اجنحة رئيسية فيه. ومنظمات صحافية وثقافية وفنية كلها - إلا ما ندر وقد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة - ممولة من جهات اجنبية مشبوهة وتتخذ من جهات صحافية وثقافية غربية تزعم انها مستقلة، سندا ومديرا وموجها وممولا لها،  ولعل من أخطر هذه المنظمات "معهد صحافة الحرب والسلام" الممول بشكل معلن من بريطانيا ويرجح البعض أن جهة التمويل الحقيقية هي إسرائيل ومقره في أربيل و هناك أيضا "المعهد الأميركي للديموقراطية" ويقتصر دوره على إقامة دورات  وبعثات تدريبية في الولايات المتحدة وأروبا و يعمل على تجنيد مثقفين و باحثين للقيام بأدوار أكثر أهمية وخطورة ويتميز  عمله بالسرية ومنظمات أخرى. وقد اتهمت هاتان المنظمتان بالتخطيط والتنفيذ لبرامج ومشاريع كثيرة منها التحريض والتأليب الطائفي بين السنة والشيعة وجمع المعلومات الحساسة السياسية والاقتصادية والأمنية والمجتمعية والثقافية وقد حدثت صراعات وتنافس داخلي بين العديد من منظمات المجتمع المدني المشبوهة هذه هو انعكاس لصراعات الدول الممولة حتى بلغ الأمر درجة التصفيات الجسدية الغامضة في مطارات أجنبية كما حدث فعلا للصحافية البريطانية جاكلين ستون والتي قيل أنها على علاقة بالمعهد سالف الذكر والتي قتلت في المرافق الصحية لمطار آتاتورك وهي في طريقها الى أربيل. كما قتل مدير برنامج المعهد العراقي في تفجير سيارة مفخخة أثار العديد من علامات الاستفهام.

ولا يمكن نسيان النشاطات التي تقوم بها منظمة USAID "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" التي أُنشئت عام 1961، هي، كما يسميها أحد الباحثين "قفّاز الحرير" الذي تستعمله وزارة الخارجية الأميركية و«مجلس الأمن القومي» لتنفيذ أجندتهما السياسية والاقتصادية الدولية.

فبحسب وثيقة صادرة عن الوكالة والخارجية الأميركية، بلغت ميزانية هذه الوكالة لهذا العام (2014) حوالى 47.8 مليار دولار أميركي. وتذكر الوثيقة المنشورة على موقع الوكالة أنّ أهداف برامجها هي (حماية مصالح الولايات المتحدة والحفاظ على قيادة أميركا في العالم). ولتحقيق ذلك، (خصصت "يو. أس. آيد" حوالى 580 مليون دولار لبرامجها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحوالى 1.7 مليار دولار لبرامجها في العراق). وتكفي ملاحظة ضخامة المبلغ المخصص للعراق من هذه الوكالة لنعرف مقدار الأهمية التي توليها للعراق ولمهمة الحفاظ عليه في قبضة النفوذ الأميركي التدميري. ثم أنَّ هذه المبالغ الطائلة لم تنتج أي مشروع مثمر معروف وموجود على أرض الواقع ولكنها تذهب لتمويل مئات المنظمات والمعاهد والوكالات والشبكات التي يطلق عليها "منظمات المجتمع المدني" ذات النشاطات المشبوهة والتي تهدف إلى صياغة وبلورة رأي عام عراقي سائد يدافع عن المصالح الأميركية وحليفتها إسرائيل في هذه البلاد ويقوم بمهمة الترويج لنظام الحكم الطائفي الذي جاء به الاحتلال الأميركي سنة 2003 والقائم على أساس دولة المكونات والهويات الفرعية وليس على أساس المواطنة والمساواة بين المواطنين.

وحتى على المستوى العربي فقد نجحت وكالة "يو أس أيد" في اصطياد فنانين ومثقفين عرب تقدميين وزجهم في نشاطات ومهرجانات مشبوهة ولكن الأمر لم يمر مرور الكرام فقد تصدى جمع من المثقفين العرب لهذه النشاطات وكشفوا جوهرها ونصحوا مَن تورط بالمشاركة في نشاطاتها بالانتباه وتجنب تلك النشاطات كما يشير تقرير صحافي حول الموضوع نشر في حينه/ تجدون رابطه في أول تعليق.

إن منظمات المجتمع المدني - إلا ما ندر - ليست مستقلة لا برنامجا ولا تمويلا ولا علاقات، وهي تشكل بشكل ارتجالي وفوضوي وبموجب قرارات الجهات الممولة ودون تنسيق أو تنظيم أو حتى اعتراف رسمي بها من قبل أجهزة الدولة المتخصصة أو بتواطؤ وتسهيل منها ليكون الاعتراف بها وبنشاطاتها أمرا روتينيا وتحصيلا حاصلا.

 

علاء اللامي

.........................

رابط 1 يحيل الى تقرير إخباري حول نشاطات وكالة "يو أس أيد" التابعة لوزارة الخارجية الأميركية في بعض الدول العربية:

https://al-akhbar.com/Literature_Arts/32984