ضياء نافعقضيت سهرة جميلة وغير متوقعة بتاتا قبل ايام مع الكاتب الروسي ايفان تورغينيف (1818 - 1883)، وها انا ذا اكتب للقارئ حكاية هذه السهرة الغريبة والطريفة، وما اكتشفته – اثناء ذلك - من وقائع جديدة في حياة وابداع هذا الكاتب الروسي الكبير .

بدأت الحكاية عندما طرقت جارتنا باب شقتنا، وهي امرأة مسنة وفي غاية اللطف والادب والرقة، وعندما فتحنا لها الباب واستقبلناها بالترحاب طبعا، قالت لنا، انها تحمل هدية رمزية لنا ، وبعد السلام والكلام، تبين انها تريد ان تهدينا كتابا من مكتبتها الخاصة عنوانه – (تورغينيف . الحياة . الفن . العصر.)، وهو كتاب ضخم طوله اكثر من 30 سم وعرضه اكثر من 20 سم، ويشبه الالبوم الكبير، ويقع في 184 صفحة كبيرة، وقد أصدرته دار (سوفيتسكايا راسّيا) (روسيا السوفيتية) عام 1988، وهي دار نشر سوفيتية مشهورة جدا، وطبعت منه 50 الف نسخة، وبشكل فني فخم وترف بكل معنى الكلمة وبالتعاون مع مطابع المانيا الديمقراطية آنذاك. وقالت جارتنا، ان هذا الكتاب موجود في مكتبتها منذ حوالي 30 سنة، وانها تعتز به كثيرا، وبما انها تعرف حبنا للكتب واعتزازنا بها ومحافظتنا عليها، فانها قررت ان تهديه لنا بمناسبة احتفالات روسيا بالذكرى المئوية الثانية لميلاد تورغينيف، وقالت انها متأكدة من رعايتنا لهذا الكتاب ووضعه في صدارة مكتبتنا المتواضعة، واننا سنتذكرها دائما ما ان تقع اعيننا على هذه التحفة الجميلة . شكرناها طبعا وتقبلنا هذه الهدية القيّمة بكل سرور مع الممنونية . وقد أثارت هذه الهدية اهتمامي الشديد طبعا، وجلست رأسا للتعرّف على طبيعتها واسرارها، وقد تبين ان هذا الكتاب بلغتين – الروسية والفرنسية، وتعاون على اعداده واصداره حوالي عشرة اشخاص من المتخصصين ما بين من يحمل شهادة الدكتوراه في الادب، والمتخصص في الفنون التشكيلية والفوتوغرافية واللغوية والتاريخ ...الخ من الاختصاصات المتنوعة في العلوم الانسانية .

توجد في الكتاب مقدمة وتسعة فصول، وامام كل فصل مقولة من مقولات تورغينيف، ونجد في المقدمة جوهر الفكرة، التي أدّت الى اصدار هذا الكتاب، اذ يشير الدكتور بيشولين (والكتاب من وضعه واعداده)، الى ان هذا الاصدار لا يتناول سيرة حياة تورغينيف وليس عرضا نقديا لمسيرته الابداعية في تاريخ الادب الروسي والعالمي، وانما يهدف هذا الكتاب الى التركيز على موقف تورغينيف باعتباره واحدا من شخصيات الثقافة الفنية الروسية باوسع معاني هذه التسمية، وباعتباره واحدا من نقاد الفن، الذين يتفهمون بعمق طبيعة الابداع الفني ونفسية الفنانين، ويتوقف بيشولين عند نقطة شبه مجهولة في حياة تورغينيف، اذ تبين ان الكاتب اراد ان يكون رساما، وحتى انه درس في شبابه الفن التشكيلي، وكان يكتب عن ذلك ويجمع اللوحات التي تعجبه، وكان دائما ما يزور المتاحف ومعارض الرسم، وانه كان صديقا قريبا من الرساميين الروس الكبار في عصره، ويشير الباحث، الى ان القارئ يجد الكثير من الاشارات الى الفن التشكيلي والفنانين التشكيليين على صفحات الروايات والقصص وقصائد النثر التي كتبها تورغينيف، وان الصور الفنية الرائعة الجمال للطبيعة، والتي رسمها تورغينيف بالكلمات في نتاجاته الادبية جاءت تعبيرا عن عشقه للفنون التشكيلية، اي ان تلك الصور الفنية لم تأت صدفة في ابداع تورغينيف بل نتيجة للارتباط الروحي الأصيل والعميق له مع الفنون التشكيلية بشكل عام .

وكما أشرنا اعلاه، يتضمن الكتاب تسعة فصول، ويتناول كل فصل علاقة تورغينيف بالفنون التشكيلية، وهكذا يتوقف الباحث في الفصل الاول عند تاريخ البورتريتات التي رسمها مختلف الفنانون التشكيليون لتورغينيف، ويتحدث عن كل لوحة من تلك اللوحات الشهيرة له ويعيد نشرها بشكل فني رائع، ويتناول الفصل الثاني مخطوطات تورغينيف والرسومات التي رسمها في مسودات كتاباته، وهو تقليد جميل نجده عند بوشكين وليرمنتوف وغوغول (درس الباحثون الروس هذه الرسومات والتخطيطات عند هؤلاء الادباء الكبار واستنتجوا منها جوانب نفسية وفنية عديدة لديهم، ولا مجال للتوقف عندها في اطار هذه المقالة طبعا)، وينشر الباحث العديد من رسومات تورغينيف وتخطيطاته في مسوداته، وكذلك رسوماته لبعض ابطال رواياته . لقد تمتعت كثيرا مع الفصل الثاني من هذا الكتاب، اذ اكتشفت موهبة الفنان التشكيلي تورغينيف، ووجدت لوحات في غاية الجمال والاتقان رسمها هذا الكاتب الكبير، وتوقفت طويلا عند نص خطّه تورغينيف لنص جميل بقلمه، نص يرتبط بموقفه من اللغة الروسية وتعريفه لها، والنص هذا هو قطعة نثر رائعة الصياغة ومشهورة جدا في الاوساط الادبية الروسية، يشير تورغينيف فيها الى ان اللغة الروسية (العظيمة والجبّارة كما يصفها) تساعده في الغربة وتخفف من توهج شوقه وحنينه الى الوطن، وقد تذكرت اننا درسنا هذا النص في الكلية التحضيرية لجامعة موسكو عام 1960، عندما كنت ادرس اللغة الروسية هناك، وذلك ضمن مادة (النصوص الادبية) او (المحفوظات) كما كنا نسميها ضاحكين في اوساط الطلبة آنذاك، وكنت عندئذ احفظ هذا النص (عن ظهر قلب) كما يقول التعبير العربي الطريف، وقررت ان امتحن نفسي، وحاولت ان أقرأ هذا النص عن ظهر قلب دون النظر الى خط تورغينيف له، ولكنني لم استطع ان اتذكر غير بداياته، رغم اني تذكرت كل الاجواء التي كانت تحيطني بالكلية التحضيرية في تلك الايام الجميلة، الايام الخوالي التي كانت ترتبط ببوشكين وتورغينيف وبقية الاسماء العملاقة في تاريخ الادب الروسي واحلامنا الوردية حولهم آنذاك .

ختاما لهذه (السهرة!) مع تورغينيف، اود ان أشير، الى ان هذا الكتاب يحتوي على مقولات رائعة لتورغينيف تسبق كل فصل من فصوله، واختار مقولة واحدة منها على سبيل المثال وليس الحصر وهي – (هواء الوطن ضروري للفنان)، وكذلك اود ان اشير الى ان هذا الكتاب يحتوي على أكثر من مئة صورة ولوحة له وللفنانين التشكيليين الروس الكبار ولمخطوطات تورغينيف ورسوماته، وانها مطبوعة بشكل واضح وأنيق ورائع.

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

نجلاء الوركليمقدمة: تعتبر ثنائية التراث والحداثة من الثنائيات الفكرية التي حظيت باهتمام واسع في الأوساط الفكرية العربية والإسلامية في مرحلة ما بعد الهزيمة العربية الكبرى. وتجد هذه الثنائية مصوغات طرحها في سؤالين اثنين هما سؤال العلاقة مع الآخر الذي هو الغرب، وسؤال فهم الذات في هويتها المتعددة المكونات وخصوصيتها التاريخية. وهي ثنائية ارتبطت كذلك بسؤال ممتد في سيرورة الزمن العربي الحديث هو سؤال النهضة العربية بامتداداته الفرعية من أمثال سؤال من نحن؟ ومن أين نبدأ؟ وما الإصلاح؟ وما التجديد؟ وماذا نريد؟

يعتبر الدكتور محمد عابد الجابري، إلى جانب ثلة من المفكرين العرب أمثال الدكتور محمد أركون والدكتور حسين مروة والدكتور حسن حنفي والدكتور طه عبد الرحمان وغيرهم، من الذين انشغلوا بسؤال التراث وكيفية التعامل معه واشتغلوا عليه بحثا ودراسة وتقييما. وإذا كان هؤلاء قد اختلفوا في نظرتهم إلى هذا التراث وكيفية التعامل معه تبعا لاختلاف خلفياتهم النظرية والإيديولوجية فإنهم، جميعا، اجتهدوا فكريا ونظريا في إيجاد أرضية علمية يمكن الاستفادة منها في تفسير القضايا الفكرية والثقافية الأساسية في الراهن العربي والإسلامي وإيجاد حلول لمواجهة التحديات المستقبلية التي تواجه هذه الأمة على مختلف المستويات.

ومما لا شك فيه أن كتاب "التراث والحداثة" للدكتور محمد عابد الجابري من بين الكتب التي خاضت غمار البحث في كنه هذه الثنائية، بل إنه واحد من الكتب التي يجد الباحث في شأن هذه الثنائية نفسه غارقا في بحرها وهو يقيم صرح ذاته الفكرية والأدبية، ويخط معالمها تأسيسا وتأصيلا. لأنها ثنائية جامعة قد تكون ميدانا خصبا لملامسة مختلف الاتجاهات الفكرية الأخرى بالعالم العربي، سواء منها الاتجاه السلفي أو الاتجاه الفكري الحداثي أو الاتجاه الفلسفي الشخصاني أو الاتجاه الفلسفي الصوفي.

ولكون قراءة الكتاب كاملا قراءة تحليلية يتطلب زادا علميا وعدة زمنية فإننا سنكتفي بقراءة متأنية للفصل الأول منه مع مقدمته. منطلقين من أسئلة توجيهية من قبيل: ما هي أهم القضايا التي يعالجها الدكتور محمد عابد الجابري في هذا الكتاب بشكل عام، وفي هذا الفصل بشكل خاص؟ إلى أي حد نتفق مع ما يطرحه من قضايا شكلا ومضمونا؟ ما هي الخلاصات والملاحظات النقدية التي انتهينا إليها خلال هذه القراءة؟ هي أسئلة كبيرة والمهمة صعبة والخطأ وارد لكن الاجتهاد ممكن ومطلوب ما دام الأمر يتعلق بنص فكري له دواعيه وخلفياته وأهدافه.

I. نبذة عن الدكتور محمد عابد الجابري:

يعتبر الدكتور محمد عابد الجابري مفكرا مغربيا، من أبرز المفكرين العرب في الأربعين سنة الأخيرة. وهو صاحب مشروع فكري نهضوي من دون منازع. ولد سنة 1935 م بمدينة فكيك بالجهة الشرقية للمملكة المغربية. شغل مهام متعددة بقطاع التربية والتكوين وانتهى به المطاف أستاذا للفلسفة والفكر الإسلامي بجامعة محمد الخامس بالرباط، وهي نفس الجامعة التي حصل منها سنة 1970 على دكتوراه الدولة في الفلسفة. ويمثل النسخة المغربية الخالصة، لأنه درس ودرّس بالجامعة المغربية، ابن الشعب المغربي وابن الطبقة الوسطى وابن الجامعة المغربية وابن الحركة الثقافية والسياسية الوطنية.

انخرط في العمل السياسي منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي مناضلا ضد الاستعمار الفرنسي في صفوف حزب الاستقلال ثم مناضلا سياسيا معارضا في عهد الاستقلال في صفوف حزب الاستقلال ثم في صفوف حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. واعتقل مرتين أولاهما سنة 1963 وثانيهما سنة 1965.وأصبح عضوا قياديا في حزبه قبل أن يختار الاستقالة من المسؤوليات الحزبية واعتزال العمل السياسي في سنة 1981 ليتفرغ للبحث العلمي والإنتاج الفكري.

دخل التجربة الصحافية وهو لا زال شابا يافعا حيث اشتغل في المنابر الإعلامية التي تصرها الأحزاب التي انتمى إليها وهي جريدة العلم وجريدة المحرر. كما ساهم في إصدار مجلات فكرية وازنة مثل مجلة أقلام ومجلة فلسطين.

بدأت خطواته الأولى في البحث العلمي مع منتصف الستينيات حينما شرع في إعداد أطروحته حول ابن خلدون بعنوان العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في الفكر الإسلامي. وهي المرحلة التي كان قد بدأ فيها التدريس بكلية الآداب بالرباط.

حصل على العديد من الجوائز من بينها:

1) جائزة بغداد للثقافة العربية، اليونسكو، يونيو1988.

2) الجائزة المغاربية للثقافة، مايو 1999.

3) جائزة الدراسات الفكرية في العالم العربي، نوفمبر 2005.

4) جائزة الرواد، مؤسسة الفكر العربي، ديسمبر 2005.

5) ميدالية ابن سينا من اليونسكو بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، نوفمبر 2006.

6) جائزة ابن رشد للفكر الحر، أكتوبر 2008.

أنتج الدكتور محمد عابد الجابري بغزارة وأغنى المكتبة العربية والإسلامية والعالمية بالعديد من المؤلفات والأبحاث العلمية في تخصصه. ذكر منها موقع الجزيرة ما يلي:

1) العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي.

2) أضواء على مشكل التعليم بالمغرب.

3) مدخل إلى فلسفة العلوم (جزآن) .

4) من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية.

5) نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي.

6) الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية.

7) تكوين العقل العربي

8) بنية العقل العربي

9) السياسات التعليمية في المغرب العربي.

10) إشكاليات الفكر العربي المعاصر.

11) المغرب المعاصر: الخصوصية والهوية. الحداثة والتنمية.

12) العقل السياسي العربي.

13) حوار المغرب والمشرق: حوار مع د. حسن حنفي.

14) التراث والحداثة: دراسات ومـناقشات.

15) مقدمة لنقد العقل العربي.

16) المسألة الثقافية.

17) المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية، محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد.

18) مسألة الهوية: العروبة والإسلام... والغرب.

19) الدين والدولة وتطبيق الشريعة.

20) المشروع النهضوي العربي.

21) الديمقراطية وحقوق الإنسان.

22) قضايا في الفكر المعاصر

23) التنمية البشرية والخصوصية السوسيوثقافية: العالم العربي نموذجا.

24) وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر.

25) حفريات في الذاكرة، من بعيد (سيرة ذاتية من الصبا إلى سن العشرين) .

26) ابن رشد: سيرة وفكر 1998.

27) العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية.

28) سلسلة مواقف (سلسلة كتب في حجم كتاب الجيب) .

29) في نقد الحاجة إلى الإصلاح.

30) مدخل إلى القرآن.

31) فهم القرآن: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول.

II. كتاب التراث والحداثة:

هو كتاب صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية سنة 1991 ببيروت بلبنان. يقع في 383 صفحة من الحجم الكبير.

يتكون الكتاب بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة وفهرس عام ومحتويات من ثلاثة أقسام تناولها بالترتيب على الشكل التالي:

القسم الأول عالج فيه مسألة المنهج والرؤية من خلال استهلال وخمسة فصول؛

·القسم الثاني خصصه لدراسات تطبيقية من خلال استهلال وخمسة فصول؛

·القسم الثالث وسمه بمناقشات وجاء في استهلال وأربعة فصول.

يعتبر كتاب التراث والحداثة الكتاب الثالث في مشروع الدكتور محمد عابد الجابري، بعد الكتاب الأول الذي صدر عام 1977 بعنوان: من أجل رؤية تقديمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية والكتاب الثاني الذي ظهر سنة 1980 بعنوان: نحن والتراث: قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي. وهي سلسلة، يقول عنها الكاتب أنها " مسكونة بهاجس واحد هاجس العمل على بلورة رؤية جديدة لتراثنا العربي الإسلامي باصطناع منهجية حديثة في البحث والفهم والإفهام."(1) وقد خصص الكتاب لمعالجة سؤال العلاقة بين التراث والحداثة منطلقا في ذلك من سؤال وجهه إليه أحد الطلبة حين قال له متسائلا: كيف نتعامل مع التراث؟ سؤال اعتبره الباحث سؤال جيل بأكمله" يعيش في عصر يختلف تماما عن العصر الذي ينتمي إليه تراثنا الفكري، ولكنه يجد حاجة في نفسه، من أجل تأكيد ذاته وتعزيز هويته، إلى الارتباط بتراث أجداده، ارتباطا لا ينقله إليهم مغتربا في عصرهم بل ينقل تراثهم إليه في لباس عصري، أعني بمنهجية حديثة ورؤية معاصرة"(2) .

خصص الكاتب مقدمة الكتاب لإبراز أهمية سؤال الحداثة في الراهن العربي وما استقطبه من انشغالات. ودواعي الخوض فيه. معترفا بأن منهجه في دراسة التراث شكلت موضوع نقاش في الأوساط الفكرية العربية دعما أو معارضة وانتقادا.

1) مقدمة الكتاب:

خصص الباحث مقدمة الكتاب لطرح الإشكالية التي سيعالجها في هذا الكتاب. وهي إشكالية نرى أنه عالجها من خلال أسئلة فرعية من قبيل:

لماذا سؤال التراث والحداثة؟

·كيف نفهم التراث ونتعامل مع التراث؟

·كيف نفهم الحداثة ونتعامل مع العصر؟

·كيف نتعامل مع الفكر المعاصر؟

·بأي منهج نتعامل مع التراث وما مقوماته؟

كما حاول تبرير دواعي البحث في موضوع التراث. معتبر أن سؤال البحث في التراث سؤالا معاصرا ولم يطرح إلا في سياق الأسئلة الكبرى التي يفرضها واقع الأمة العربية وعلاقتها بالحضارة الغربية والتحديات التي تفرضها. لأن حركات الإصلاح في الماضي مارست " التجديد من خلال الدعوة إلى الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح لأن المجتمع العربي كان إلى وقت قريب امتدادا تكراريا لما كان عليه حال المجتمع والحضارة زمن السلف الصالح، ولذلك كان يكفي لكسر البدع وإدخال المستجدات تحت حكم القواعد والأحكام الفقهية البحث لها عن "أشباه ونظائر" في سيرة السلف ونوع قراءتهم للنصوص"(3 ) .

إن لعصرنا قضاياه ومشاكله وتحدياته، لذا فإن مهمة الفكر العربي المعاصر لا يجوز أن تنشغل بإعادة إنتاج قضايا السلف في عصرنا، كما لا يجوز أن نعيد إنتاج العصر عند قراءتنا للتراث. فالتراث تراث والعصر عصر. لذا فإن "الحياة المعاصرة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وبكلمة واحدة الحضارة الراهنة، تختلف اختلافا جذريا عن نمط حياة السلف، وبالتالي فالاحتكام إلى الأشباه والنظائر لا يكفي بل لا يجدي لأن معظم الحضارة المعاصرة لا أشباه لها ولا نظائر في الماضي."(4 ) أما شعار " تطبيق الشريعة التي يرفعه البعض فيجد مرجعيته في المبدأ الإسلامي الأصيل المعبر عنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو الشعار الذي كانت تحمله الحركات الإصلاحية الإسلامية عبر التاريخ. أما اليوم، في العصر العربي الراهن، فإن الذين يرفعونه فإنما يرفعونه انطلاقا من اعتبارات إيديولوجية وسياسية محضة حتى أضحى شعارا " يوظف في معارك ظرفية غير واضحة المنطلق والمبتغى" (5) وحتى يتم التمييز بين المبدأ والشعار يرى الباحث أن الإصلاح أو تطبيق الشريعة أصبح يتطلب ليس فقط الرجوع إلى الأصول بل إعادة تأصيلها بفكر متفتح يجمع بين اعتبار المقاصد والاسترشاد بأسباب النزول وبين ضروريات وحاجيات وكماليات عصرنا، وخصوصا منها تلك التي لا بد منها لاكتساب المناعة والقوة والإسهام في تحرير الإنسان وتقدم الحضارة.(6)

إذن سؤال التراث هو سؤال آني من حيث أداته وسؤال تاريخي من حيث مضمونه. لذا فهو سؤال بوجهين: سؤال موجه للحاضر كما هو سؤال موجه للماضي. يعبر عنهما بكيف نتعامل مع التراث من جهة، وكيف نتعامل مع العصر من جهة ثانية. ومن ثمة فهو سؤال ذو بعدين فكري وعملي على حد تعبير الباحث " فهو من جهة، يطرح مسالة الانخراط الواعي النقدي في الفكر العالمي المعاصر، وهو من جهة أخرى، يطرح الشروط العملية التي يقتضيها الانخراط في الحضارة المعاصرة من إقامة مؤسسات ديموقراطية واعتماد تنمية مستقلة وغرس العلم والتكنولوجيا(7) . كما أنه سؤال في اتجاه الآخر المنتج للفكر المعاصر وطبيعة العلاقة التي يجب أن تقوم بين الذات القارئة للتراث والذات القارئة لهذا الفكر المعاصر المتمثل في الفكر الغربي بكل امتداداته. لذلك فإن الجواب عن هذه الأسئلة الكلية والفرعية يقتضي " إنجاز قراءة عربية للفكر الأوروبي تجعل منه موضوعا لذات تريد أن تحتويه بدل أن يحتويها هو: قراءة نقدية متجددة ومتواصلة، تبرز تاريخيته ونسبيته وحدود العموم والخصوص فيه، وتفضح بالتالي ميوله إلى الهيمنة واختزال التاريخ القيم والحديث في التجربة الأوروبية وحدها." (8 ) ما دام هذا الفكر" ليس هو فقط ما يقوله عن نفسه بل هو أيضا وبالدرجة الأولى ما ينتقل منه إلى أسماعنا وكيفية فهمنا له"(9)

2) استهلال القسم الأول من الكتاب:

كما سبقت الإشارة فإن القسم الأول من الكتاب تضمن استهلالا وخمسة فصول. وقد خصص الباحث هذا الاستهلال لتحديد مفهوم الحداثة، كما يتصورها، منطلقا من كون الثقافة العربية ظلت حركتها الداخلية على امتداد حقبة تاريخية ليست بالقصيرة، أي منذ القرن السابع الميلادي، لا تنتج الجديد بقدر ما اكتفت بإعادة إنتاج القديم. ومن ثمة تكريس السائد الفكري. وقد أدت عملية إعادة الإنتاج هذه إلى تكلس وتقوقع واجترار، فساد ما سبق أن عبر عنه الباحث "بالفهم التراثي للتراث. وهو الفهم الذي ما زال سائدا إلى اليوم"(10)

فالحداثة في الرؤية ليست معطى مسبقا ولا توجد في صورة واحدة موحدة، ومن ثم لا يجوز لنا أن نفهم الحداثة كما يفهمها الآخر ومفكروه وأدباؤه. فليس هناك حداثة مطلقة، كلية وعالمية، وإنما هناك حداثات تختلف من وقت لآخر ومن مكان لآخر. وبعبارة أخرى "الحداثة ظاهرة تاريخية، وهي ككل الظواهرالتاريخية مشروطة بظروفها، محدودة بحدود زمنية ترسمها الصيرورة على خط التطور، فهي تختلف إذن من مكان لآخر، من تجربة تاريخية لأخرى.(11) وبهذا المنطق تكون الحداثة غير رافضة للتراث ولا تعني القطيعة معه وإنما تعني طريقة التعامل مع هذا التراث. لذا فهي تعني في النموذج العربي" حداثة المنهج وحداثة الرؤية، والهدف: تحرير تصورنا للتراث من البطانة الإيديولوجية والوجدانية التي تضفي عليه، داخل وعينا، طابع العام والمطلق وتنزع عنه طابع النسبية والتاريخية.(12)

وإذا كان الغرب الأوروبي قد عاش حداثته في سياقها التاريخي العام باعتبارها حقبة تاريخية تشكلت نتيجة تطور داخلي لمرحلة تاريخية سابقة هي مرحلة النهضة الأوروبية ومرحلة الأنوار فإن "الحداثة عندنا، كما تتحدد في إطار وضعيتنا الراهنة، هي النهضة والأنوار وتجاوزهما معا، والعمود الفقري الذي يجب أن تنتظم فيه جميع مظاهرها هو العقلانية والديموقراطية.(13)

إن الحداثة في السياق الغربي لم تكن حداثة فردية ولكنها كانت حداثة شمولية عامة أحدث أثرا وتأثيرا شاملين على مختلف نواحي حياة الإنسان الغربي "فالتنظيم العقلاني للاقتصاد وللإدارة وأجهزة الدولة ومؤسساتها قد انعكس أثره على الحياة بأسرها، الجماعية والفردية. وجاءت الثورة التكنولوجية والمعلوماتية لتفرض الطابع المنظومي على كل شيء في حياة الإنسان مما مس مسا خطيرا قيمته بل خصوصيته ككائن حر، أو من شروط اكتمال كينونته أن يكون حرا(14) . بل أن هذه الحداثة الغربية، استطاعت أان تنتج لنفسها قيما جديدة أصبح الإنسان الغربي نفسه ضحيتها. إن سيادة ثقافة السوق والاستهلاك وتطور العدة التواصلية والرقمية والتكنولوجية جعل الحضارة الغربية منتجة لمختلف "وسائل التدمير الجماعي والفردي والمضي في تنويعها وتطوير أدائها، فكان رد الفعل الإنساني الطبيعي والحداثي في آن واحد، هو التمرد على هذا التتويج اللعقلاني لهرم العقلانية الحديثة."(15) . وإذا كان هذا هو حال الحداثة في السياق الغربي وما أنتجته فإن "الواقع العربي الراهن يعاني هيمنة نوع آخر من اللاعقلانية يختلف تماما عن ذلك النوع الذي قام في أوروبا المعاصرة كتتويج لعقلانيتها، نوع ينتمي تاريخيا إلى القرون الوسطى بكل ما كانت تتميز به من طغيان سلوك القطيع وعصا الراعي سواء على مستوى الحياة الفكرية أو على مستوى الحياة الاجتماعية."(16)

3) الفصل الأول: ما التراث؟ ... وأي منهج؟:

استهل بحثه في هذا الفصل من اعتبار أساسي مفاده أنه لا يمكن اختيار المنهج إلا في ضوء موضوع البحث، حيث أن " طبيعة الموضوع هي التي تحدد نوعية المنهج"(17) . ثم انتقل إلى تحديد مفهوم التراث باحثا في المصادر اللغوية والقرآن الكريم وفي الفقه الإسلامي وفي الحقول المعرفية العربية والإسلامية مثل الأدب وعلم الكلام والفلسفة، وكذا في اللغات والأدبيات الأجنبية وخاصة الفرنسية والإنجليزية وخلص إلى القول بأن كلمة التراث، كما نفهمها اليوم ونستعملها في خطاباتنا العربية المعاصرة بحمولتها المختلفة الوجدانية والإيديولوجية والثقافية والفكرية والأدبية والفنية ،" لم يكن حاضرا لا في خطاب أسلافنا ولا حقل تفكيرهم، كما أنه غير حاضر في خطاب أية لغة من اللغات الحية المعاصرة التي نستورد منها المصطلحات والمفاهيم الجديدة علينا.(18)

يمثل التراث بالنسبة للوعي العربي المعاصر في نظر الباحث " عنوانا على حضور الأب في الإبن، حضور السلف في الخلف، حضور الماضي في الحاضر" (19) مادام يشمل العقيدة والشريعة واللغة والأدب والقيم والتطلعات، أي و"بعبارة أخرى إنه في آن واحد: المعرفي والإيديولوجي وأساسهما العقلي وبطانتهما الوجدانية في الثقافة العربية الإسلامية.(20)

لقد حاول الباحث مواكبة وتتبع مفهوم التراث كمفهوم إيديولوجي في الخطاب العربي الحديث والمعاصر مؤكدا على أن التراث لا يعني فقط الذي حصل ووقع في الماضي ولكن أيضا ما كان يمكن أن يقع أو ما كان ينبغي أن يقع. حيث يقول " إن التراث في الوعي العربي المعاصر لا يعني فقط حاصل الممكنات التي تحققت بل يعني كذلك حاصل الممكنات التي لم تتحقق وكان يمكن أن تتحقق. إنه لا يعني ما كان وحسب بل أيضا ولربما بالدرجة الأولى ما كان ينبغي أن يكون"(21)

لقد وظف التراث في الخطاب النهضوي الحديث، كما يذهب إلى ذلك الباحث، بمعنيين حيث كانت الدعوة إليه من جهة، باعتباره مقوما أساسيا من مقومات النهضة يقتضي الرجوع إليه للانطلاق من جديد كما كانت، من جهة ثانية هذه الدعوة باعتباره حصنا للدفاع عن الذات ضد التهديدات الأجنبية الخارجية بكل تجلياتها العسكرية والصناعية والثقافية والعلمية والمؤسساتية.

أما مفهوم التراث كمفهوم معرفي في الثقافة العربية الراهنة فقد انتهى الباحث في شأنه إلى القول بضرورة التمييز بين صورتين للمعرفة في التراث:

الصورة التقليدية التي ظل أصحابها حبيسي الفهم التراثي للتراث ويمثلها المثقفون خريجو الجامعات والمعاهد الأصلية كالأزهر بمصر والقرويين بالمغرب والزيتونة بتونس.

·الصورة العصرية التي يمثلها المفكرون الغربيون المستشرقون ومن تبعهم من المفكرين العرب سواء منهم أصحاب المنهج التاريخي الذين فكروا في الفلسفة الإسلامية بوصفها امتدادا منحرفا أو مشوها للفلسفة اليونانية وفي النحو العربي بربطه بمدارس النحو اليونانية وبالمنطق الأرسطي وفي الفقه الإسلامي بربطه بالقانون الروماني، أو أصحاب المنهج الفيلولوجي أصحاب النظرة التجزيئية الذين اجتهدوا في رد فروع وعناصر الثقافة العربية الإسلامية إلى أصول يونانية أو هندو أوربية أو أصحاب المنهج الذاتوي الذين اكتفوا بالتعاطف مع بعض الشخصيات الثقافية العربية الإسلامية أو أصحاب المنهج المادي التاريخي الماركسوية الذين يفكرون من داخل المرجعية الماركسية ويقرؤون الثقافة العربية الإسلامية من خارجها.

أما سؤال المقصود بالتراث فإن التراث كما يتحدد داخل الخطاب النهضوي العربي الحديث والمعاصر هو الجانب الفكري في الحضارة العربية الإسلامية بكل مكوناتها وفروعها وعناصرها ومصادرها والذي تمثله العقيدة والشريعة واللغة والأدب والفن والكلام والفلسفة والتصوف لمرحلة ما قبل الانحطاط. رغم ما يحمله مفهوم الانحطاط من دلالات واختلاف في تاريخ بدايته. فهو عند السلفي التقليدي يبدأ مع بداية الخلاف في السنوات الأخيرة من خلافة عثمان بن عفان لأنه يعتبر الانحطاط خروج عن سيرة السلف الصالح، وهو عند السلفي المتشدد يبدأ بانتهاء عهد النبوة لأن فترة السلف الصالح عنده لا تخرج عن فترة النبوة المحمدية، وهو عند الباقين من سلفيين جدد وقوميين وعصرانيين يبدأ مع الهجوم التتري وسقوط الأندلس وقيام الإمبراطورية العثمانية، وهي الفترة التي دخلت فيها الحضارة العربية الإسلامية مرحلة التراجع الأكبر. لكنه انتهى إلى القول بأن ما يهم " هو اتفاق الجميع بأن التراث هو من إنتاج فترة زمنية تقع في الماضي وتفصلها عن الحاضر مسافة زمنية ما تشكلت خلالها هوة حضارية فصلتنا وما زالت تفصلنا عن الحضارة المعاصرة، الحضارة الغربية الحديثة"(22) .

بعد هذه التوطئة خلص إلى القول بأن " حضور التراث كمفهوم نهضوي في الساحة الإيديولوجية العربية المعاصرة، يحكمه التناقض بين مكوناته الذاتوية ومكوناته الموضوعية داخل الوعي العربي الراهن"(23) وهو تناقض بين انتماء الذات إيديولوجيا بخلفياتها النظرية والمرجعية والبعد الموضوعي التاريخي الذي يمثله هذا التراث. الأمر الذي يفرض، في نظره ضرورة تحديد المنهج الذي يسمح بالتعامل "الموضوعي" مع هذا التراث أي المنهج الذي يساعد في معالجة سؤال كيف نتعامل مع التراث دون السقوط في الذاتوية الإيديولوجية.

يرى الباحث إن معالجة سؤال التراث يجب أن يتم في ضوء مفهومين أساسيين هما مفهوم الموضوعية والاستمرارية. فلضمان الحد الأدنى من الموضوعية في التعامل مع التراث ومعالجة هذا السؤال يقترح ضرورة التمييز بين ثلاث خطوات أساسية على الشكل التالي:

تكمن الخطوة الأولى في معالجة النصوص التراثية معالجة بنيوية وذلك بالتعامل معها كما هي لتجنب قراءة المعنى قبل قراءة اللفاظ والاكتفاء باستخلاص معنى النص من ذاته من خلال العلاقة القائمة بين أجزائه.

·تكمن الخطوة الثانية في معالجة هذه النصوص معالجة تاريخية بربطها وربط فكر صاحبها بأبعاده الثقافية والسياسية والاجتماعية من أجل موقعة هذا الفكر تاريخيا وفهم تاريخيته وتعرف ما يمكن أن يقوله وما لا يمكن أن يقوله في سياقه التاريخي وما كان يمكن أن يقوله ولكنه سكت عنه.

·أمام الخطوة الثالثة فتكمن في المعالجة الإيديولوجية لهذه النصوص بالكشف عن خلفياتها ومضمونها والوظيفة الإيديولوجية الاجتماعية والسياسية التي أداها هذا الفكر في حينه.

وفي ضوء الاستمرارية يرى الباحث ضرورة جعل هذا التراث " معاصرا لنا على صعيد الفهم والمعقولية، وأيضا على صعيد التوظيف الفكري والإيديولوجي ولم لا إذا كان هذا التوظيف سيتم بروح نقدية ومن منظور عقلاني ؟(24)

وانتهى الباحث في هذا الفصل إلى التأكيد على أننا ما زالنا نعيش على إيقاع سؤال النهضة وأن نهضتنا لا يمكن أن تكون في ضوء نهضة الآخر بالانتظام في تراثه. إن الاستفادة من تراث الآخر ممكنة ولكن باعتباره مكتسبا إنسانيا علميا ومنهجيا. لأن النهضة، يقول الباحث، " لا تنطلق من فراغ بل لا بد فيها من الانتظام في تراث. والشعوب لا تحقق نهضتها بالانتظام في تراث غيرها بل بالانتظام في تراثها هي." (25) وأنه من الشروط الضرورية لنهضتنا" تحديث فكرنا وتجديد أدوات تفكيرنا وصولا إلى تشييد ثقافة عربية معاصرة وأصيلة معا وتجديد الفكر لا يمكن أن يتم إلا من داخل الثقافة التي ينتمي إليها. وعندما يتعلق الأمر بفكر شعب أو أمة فإن عملية التجديد " لا يمكن أن تتم إلا بالحفر داخل ثقافة هذه الأمة، إلا بالتعامل العقلاني النقدي مع ماضيها وحاضرها."(26)

III.خلاصات وملاحظات نقدية:

لقد تعرضت رؤية الدكتور محمد عابد الجابري في التعامل مع التراث إلى العديد من الانتقادات، من طرف السلفيين المجددين كما من طرف الماركسيين الماديين التاريخيين.فإذا كان السلفيون اعتبروها رؤية تجزيئية تتعامل مع التراث من الخارج فإن الماركسيون اعتبروها رؤية مقلوبة تمشي على رأسها لأنها تنظر إلى الواقع بنظرية فوقية لا تأخذ بعين الاعتبار الوقائع المادية الملموسة وأنها انعكاس لفكر الآخر الأوربي على مرآة الواقع العربي.

على كل حال فإن دراسة رؤية الدكتور محمد عابد الجابري لا يمكن أن تتم إلا في سياقها التاريخي، وخصوصياتها، كما لا يمكن أن تكون إلا في ضوء موقعها وخلفياتها النظرية والفكرية والإيديولوجية. ومع ذلك لا بد من تقديم ملاحظات سجلناها خلال قراءتنا المتأنية لهذا الجزء من كتابه التراث والحداثة، نوردها مختصرة على الشكل التالي:

1- لقد كان الدكتور محمد عابد الجابري رجل سياسة قبل أن يكون رجل فكر، لذلك تطلع إلى التخلص من القيود السياسية التي كان يفرضها عليه انتماؤه السياسي والتحرر منها لفائدة مشروعه الفكري. لأنه كان يعلم أن انتماءه السياسي هو بالضرورة مؤطرا بخلفيات نظرية ومرجعية فكرية هي المرجعية الماركسية بكل امتداداتها ومن ثم فإن هذه المرجعية تفرض منهجا معينا في تحليل النصوص والوقائع على حد سواء. لذا نجده اختار التخلص من هذه العباءة السياسية بمرجعياتها النظرية ليقول بأن طبيعة الموضوع هي التي تحدد نوعية المنهج. وهو يريد أن يقول إن طبيعة الفكر هي التي تحدد المنهج قبل أن تحدد الموضوع. فسقط في التجزيئية كما سقط في بحر خلفية نظرية أخرى هي الخلفية المعرفية العقلانية.

2- ذهب إلى القول بضرورة تجنب المنهج التقليدي بكل تجلياته وامتداداته والمنهج العصري الاستشراقوي التاريخي والتجزيئي والذاتوي وكذا المنهج المادي التاريخي المؤطر بالمرجعية الماركسية في معالجة النصوص التاريخية طلبا للموضوعية. لكنه، بدوره سيلجأ إلى استعمال أدوات منهجية في معالجة النصوص هي نتاج حقول معرفية أخرى لها خلفياتها النظرية والإيديولوجية مثل البنيوية والتاريخية والوظيفية التي اعتبرها خطوات أساسية في معالجة النصوص التراثية.

3- ذهب الدكتور إلى القول بأن لكل أمة حداثتها وأن الحداثة العربية يجب أن تتمركز حول العقلانية والديموقراطية. وهذا منطق يستبطن تناقضا واضحا، لأن العقلانية والديموقراطية هما مفهومان من إنتاج حداثة أمة أخرى هي الأمة الأوربية. بل إن ما يعانيه العالم اليوم من أزمات اقتصادية وقيمية واجتماعية وثقافية هي نتاج الإرساء المؤسساتي لهذين المفهومين. لسنا ضد العقلانية ولا ضد الديموقراطية ولكن نطرح السؤال فنقول: نعم للعقلانية ولكن بأية مرجعية، نعم للديموقراطية ولكن بأية خلفية. كما إن الحداثة العربية لا تكمن حداثتها في العقلانية والديموقراطية فقط، ولكنها تكمن في ضرورة إنجازها لثورة ثقافية مدنية حقيقية تقوم على تنوع الروافد والمكونات وتفعالها وتكاملها.

4- القول أن المشكل الذي يطرحه التعامل مع التراث هو مشكل منهج، هو قول سليم نظريا لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو المنهج بأي معنى؟ هل باعتباره نمط تفكير أو باعتباره أداة تفكير؟ بمعنى أخر، هل المنهج باعتباره ثابتا أم باعتباره متغيرا يتلون ويختلف بحسب المواضيع التي يعالجها؟. فعلى سبيل المثال، أن تكون ديموقراطيا في تفكيرك لا يعني أن هناك وسيلة وحيدة وواحدة لممارسة الديموقراطية. وأن تكون مسلم العقيدة لا يعني أنك الوحيد الذي تفهم الإسلام وتمارسه على الوجه الأسلم.

5- إن قراءة التراث بعيون العصر هو شعار يبدو في الظاهر أنه سليم لكنه يحمل في طياته أمرا آخر لأن التراث ثابت والقراءة متغيرة في السياق. وأن البحث عن الأداة المناسبة لقراءة التراث يقابلها أيضا البحث في التراث عما يلائم الذات القارئة، ومن تم السقوط في الانتقائية. إن التراث كل شامل لا يقبل فعل الانتقاء إلا في ضوء مرجعية متوافق عليها تميز بين ما هو صالح لإنجاز فعل الإصلاح وبين ما هو غير ذلك. ومن ثمة، فإن الأمر يتطلب أولا التوافق والتعاقد الجماعي حول الثوابت والاختيارات الكبرى الجامعة التي يجد فيها الجميع ذاته التاريخية والآنية قبل ممارسة فعل الانتقاء على التراث حتى لا يعيد التاريخ إنتاج ذاته في صورة أخرى قد تكون صورة كاريكاتورية وهجينة تفتقد للموضوعية ومنطق التاريخ وحتمية التطور وخصوصية الكائن البشري.

6- القول أن التراث لا يعني فقط الذي حصل ووقع في الماضي ولكن أيضا ما كان يمكن أن يقع أو ما كان ينبغي أن يقع، كما ذهب إلى ذلك الدكتور محمد عابد الجابري، أمر مستصاغ. لكن أن تكون العقيدة والشريعة جزء من هذا الإمكان الحاصل فهذا أمر فيه نظر ويحتاج إلى تدقيق. لأنه يدخل ضمن مجال الاحتكام إلى "الأشباه والنظائر" بين تراثنا العربي الإسلامي والتراث الأوربي ما قبل النهضة الذي يكون الدكتور محمد عابد الجابري قد اعتمده. إن التراث ممارسة نظرية وسلوكية في سياق تاريخ فات وانصرم .لا يقوم على القطيعة فالتاريخ مستمر. والتاريخ العربي مستمر، حتى المرحلة الموسومة بفترة الانحطاط هي جزء من هذا التاريخ، بل كانت فترة تفاعل مع حضارات أخرى، أكيد أنه لم يكن تفاعلا إيجابيا ولكنه تفاعل في سياق تاريخي وفكري اجترت فيه الأمة العربية ذاتها. إنه مضمون ذاكرة تكلف التاريخ بالاحتفاظ بها. لكن العقيدة والشريعة مصدرها وحي من الله. لا دور للزمان والمكان فيها إلا ما اقتضته أسباب النزول لتيسير الفهم والإفهام. وهذا الوحي مصدره إله واحد أحد من صفاته القدم والعلم والبقاء. ومن خصائص الدين الإسلامي، الذي شكل الفاعل الأساسي في حياة الإنسان العربي والإسلامي، أنه آخر الرسالات السماوية وأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء والمرسلين. ومن ثم فإن العقيدة الإسلامية ومصادر التشريع الإسلامي هي قبل أن تكون ممارسة نظرية وسلوكية في إطار الاجتهاد في تنزيل الأحكام وتطبيقها هي نصوص من خصائصها الثبوت بثبوت الوحي والنبوة، والعمومية لأنها تعني الإنسانية جمعاء والعالمين، والاستمرارية لأنها صالحة في الزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والتوجيهية لأنها تقوم على منهج كلي متكامل ثابت في الدين والدنيا منظم ومؤطر للمتغيرات الدنيوية وموجها لها.

خاتمة:

حظي التراث باعتباره موضوعا فكريا باهتمام بالغ من طرف ثلة مهمة من المفكرين العرب من تيارات واتجاهات فكرية وإيديولوجية مختلفة، سلفيون تقليديون وسلفيون مجددون وليبراليون وقوميون وماركسيون تاريخيون وعقلانيون. وسيظل يحظى بالاهتمام نفسه، ما دام سؤال الحداثة العربية/الإصلاح/ التجديد/ لا زال قائما، وسؤال أي مجتمع نريد ما زال مفتوحا. وسؤال طبيعة حضور التراث في حاضرنا ما زلنا لم نصل فيه إلى توافق حقيقي.

 

نجلاء الوركلي - المملكة المغربية

......................

1 - الدكتور محمد عابد الجابري. التراث والحداثة. دراسات ومناقشات. مركز دراسات الوحدة العربية. الطبعة الأولى. يوليوز 1991 بيروت. ص8

2 - نفس المرجع. ص9

3 - نفس المرجع. ص10

4 - نفس المرجع. ص11

5 - نفس المرجع. ص11

6 - نفس المرجع. ص11

7 - نفس المرجع. ص11

8 - نفس المرجع. ص11

9 - نفس المرجع. ص11

10 - نفس المرجع. ص15

11 - نفس المرجع. ص 16

12 - نفس المرجع. ص 16

13 - نفس المرجع. ص 16

14 - نفس المرجع. ص 18

15 - نفس المرجع. ص 18

16 - نفس المرجع. ص 18

17 - نفس المرجع. ص 22

18 - نفس المرجع. ص 23

19 - نفس المرجع. ص 24

20 - نفس المرجع. ص 24

21 - نفس المرجع. ص 24

22 - نفس المرجع. ص 30

23 - نفس المرجع. ص 30

24 - نفس المرجع. ص 33

25 - نفس المرجع. ص 33

26 - نفس المرجع. ص 33

 

204 الاسلام السياسيتستمدّ مضامين كتاب "الإسلام السياسي في البلاد العربية.. التاريخ والتطوّر" أهميتَها من تركيزها على الراهن العربي اليوم، وهو مؤلف صادر بالإيطالية ومن إعداد أستاذة التاريخ السياسي الإيطالية لاورا غواتزوني ومجموعة من الباحثين. فقد شهدت دراسات الإسلام السياسي في أوروبا، في السنوات الأخيرة، بوادرَ نضج بعدما لازمها خلطٌ وتوظيفٌ وتأويل مجحف على مدى عقود. يأتي ذلك التحوّل بفعل تراكم الأبحاث ومقاربة الظاهرة باعتماد مناهج عدة فضلا عن نقد داخلي. وفي هذا الكتاب الجماعي الصادر بالإيطالية ثمة ما يشي بحصول تطور إيجابي، يرفده مستوى مقبول من الموضوعية عند التحليل والتفسير، بعيدا عن الأحكام الجزاف التي عادة ما تطغى في هذا الحقل. الأبحاث بشكل عام تندرج ضمن الجدل العالمي بشأن الإسلام السياسي، وبالتالي هي محاولة للإجابة عن تساؤلات مطروحة في الراهن. فالمؤلَّف الحالي يحاول أن يخرج من الجدل المتنافر لإعطاء صبغة علمية منهجية في الإحاطة بالظاهرة بعيدا عن المحاباة أو المجافاة. ولا يسعى لتقديم إجابات جاهزة أو أحكام قطعية، بل يحاول رصد ظواهر متداخلة من منظور تاريخي اجتماعي سياسي.

تحاول أبحاث الكتاب الإجابة عن جملة من الأسئلة الجوهرية على غرار: ما هو الإسلام السياسي؟ وكيف يتميّز عن ظواهر شبيهة، بيْد أنّها مختلفة، مثل السلفية أو التيار الجهادي؟ وما هي المواقف الإسلاميين الفعلية من مسائل جوهرية، مثل الدولة والاقتصاد وحقوق المرأة؟ وكيف تطوّرت تلك المواقف في مختلف البلدان العربية؟ وما مدى مساهمة الإسلاميين في ما يُعرف بالربيع العربي؟ وأيّ دور للإسلام السياسي في الراهن العربي؟ وهل ما زال تنظيم الإخوان الملهِم الرئيسي للحركات الإسلامية في البلاد العربية؟

الكتاب يجمع بين دفّتيه نتائج أبحاث تسعة من الباحثين رعت أعمالهم جامعة روما منذ العام 2013، بإشراف لاورا غواتزوني، وهي أستاذة التاريخ السياسي للبلدان الإسلامية في المعهد الإيطالي للدراسات الشرقية، التابع للجامعة المذكورة، وتشغل غواتزوني بالإضافة إلى ذلك مستشارة علمية في برنامج المتوسط والشرق الأوسط لمعهد الشؤون العالمية بروما. تتركز أبحاثها على المؤسسات السياسية في البلاد العربية، من منشوراتها: "مدخل إلى العالم العربي المعاصر" (2007) و"الدولة العربية والعولمة الليبرالية الجديدة" (2009) و"الصراع الفلسطيني الإسرائيلي" (2010) و"البلدان العربية المعاصرة: من 'التنظيمات' إلى الربيع العربي" (2012). ينتمي فريق البحث إلى مراكز أبحاث إيطالية وأجنبية، وقد امتدت أبحاثهم على مدى عامين. قامت خلالها المجموعة بعدة زيارات إلى بلدان عربية لا سيما إلى المغرب وتونس ومصر، أجرت خلالها معاينات ميدانية. وتقريبا تحاول الأبحاث الواردة في الكتاب الإجابة عن الأسئلة المذكورة بشكل موثَّق مستعينة بالاتصالات المباشرة وبعيدا عن التسرع في التفسير والاستنتاج.

يتوزّع الكتاب على قسمين رئيسيين، يأتي الأول بعنوان: "الإسلام السياسي العربي.. المسائل والسياقات"، والثاني: بعنوان "الحركات الإسلامية العربية.. التجارب وحالات الدراسة". تطالعنا في القسم الأول من الكتاب دراسة للاورا غواتزوني بعنوان: "نظرة نقدية للإسلام السياسي"، تستهلّ فيها بحثها بتساؤل عن ماهية الإسلام السياسي؟ مُعرّفةً إياه بكونه إيديولوجيا إسلامية معاصرة تطرح رؤى إصلاحية بقصد إرساء نظام إسلامي لتسيير الدولة والمجتمع، في حين الحركات الإسلامية فهي منظّمات ناشطة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي تسندها إيديولوجيا ذات طابع ديني سياسي. حيث تبرِز غواتزوني أن الإسلام السياسي منذ ظهوره، قد شكّل خطورة على المصالح الاستراتيجية لجملة من الأطراف، مثل الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين وسائر الأنظمة السلطوية في العالم العربي، لذلك ارتبط بروزه بسيل من الدعاية ولَّد في البلاد العربية شيطنة وفي الغرب ما يُعرَف بظاهرة الإسلاموفوبيا. تستعرض لاورا غواتزوني الخلط الحادث بين الإسلام السياسي والإسلام الراديكالي والتيار السلفي، في الوقت الذي توجد فيه تمايزات بين هذه الكتل الثلاث الناشطة.

ودائما ضمن حديثها عن منشأ الإسلام السياسي تتقاسم لاورا غواتزوني مع جملة من الدارسين مفهوم "القلق البنيوي" (Stress strutturali) في حديثها عن منشأ هذه الظاهرة. بوصف ذلك المفهوم يستند إلى نظرية وظيفية ترتئي أن منشأ الحركات الاجتماعية حاصل جراء تعكرات اجتماعية اقتصادية. وهو ما تنبّه إليه مبكرا الفرنسي فرانسوا بورغا (1988) في نعته الإسلام السياسي بـ"صوت الجنوب".

ومن جانب معالجة مسألة تآلف الإسلاميين مع مقومات المجتمعات الحديثة تبقى الانتقادات في ما يخص الديمقراطية والحقوق المدنية، وفق غواتزوني، شديدة الارتباط بالطروحات الفلسفية والإيديولوجية التي تشكّل مرجعية ذينك المطلبين. وبالتالي تذهب غواتزوني إلى أن تآلف الإسلام السياسي مع الديمقراطية يقتضي النظر إليه داخل السياق العام للبلدان الإسلامية، بوصفِ معضلة الديمقراطية ليست شأنا متعلقا بالإسلام السياسي وحده؛ بل هي مسألة ذات صلة بمجمل القوى الناشطة والنظم الحاكمة. وبالتالي يبقى السؤال المطروح وفق غواتزوني ليس في مدى تعايش الإسلاميين مع الديمقراطية ولكن ضمن أي سياق داخلي أو خارجي يمكن تحقيق ذلك؟

وفي بحثه المعنون بـ"السلفية والإسلام السياسي في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر" يحاول ماسيمو كامبانيني، وهو من كبار الأساتذة المتابعين للأدبيات والأنشطة السياسية للإخوان المسلمين، التمييزَ بين مكونات ثلاثة في الإسلام المعاصر: الإسلام السياسي والإسلام الجهادي والإسلام السلفي. حيث ينبش الكاتب في جذور السلفية منذ العصور الوسطى مع ابن حنبل أساسا، معتبرا السلفية هي "عقلية" وليست مدرسة فكرية متجانسة. فهي بمثابة مظلة تشمل تحتها رؤى مختلفة وتوجهات سياسية واجتماعية متباينة، مثل السلفية العلمية والوهابية الجديدة. وفي تمييزه بين الإسلام السياسي والسلفية يذهب كامبانيني إلى القول: حتى وإن تقاسم التياران اليوطوبيا نفسها، بالحث على العودة للأصول وإلى نهج السلف والتطلع لبناء الدولة الإسلامية، فهما مختلفان في المجال السياسي. ففي الوقت الذي يعرض فيه الإسلام السياسي مشروعا متكاملا فإن السلفية تفصّل وتطرح إجابات محددة بحسب الوقائع.

وفي بحثها المعنون "الإسلاميون العرب والمسألة الاجتماعية" تتطرّق ماريا كريستينا باشيللو إلى أن الحركات الإسلامية العربية لطالما اعتبرت مسألة العدالة الاجتماعية موضوعا رئيسيا ضمن طروحاتها، وعدّت ذلك مطلبا يمكن تحقيقه عبر الأنشطة السياسية والاجتماعية. لكن الباحثة تبرِز أن ذلك الهدف المنشود لطالما تبدّل بحسب المراحل التاريخية وبحسب البلدان، تبعا لتغير السياق السياسي والوضع الاجتماعي الاقتصادي، متتبعة ذلك من خلال مساريْ حركة النهضة في تونس وحركة الإخوان في مصر. فحركة النهضة قد شهدت انفتاحا مبكّرا على العمل النقابي وعلى القوى اليسارية، في حين نحا إخوان مصر منحى تعاونيا وأخلاقيا في التعاطي مع المسائل الاجتماعية. مبرزة الباحثة أن الحركتين حين تسنّمتا ظهر السلطة لم توفّق أي منهما في عرض بديل إسلامي للسياسات الاقتصادية النيو ليبرالية المتبناة من قِبل الأنظمة السابقة، ولم تقدّم الحركتان مقترحات عملية لحلّ مسألة التفاوت بين الجهات التي أججت الثورات وهو ما انعكس سلبا على رأسمال شعبيتيهما.

أيضا في مبحث "الإسلام السياسي العربي ومشاركة المرأة" لريناتا بيبيشاللي فقد تركزت الدراسة على حالتي مصر وتونس. حيث تعرّضت الباحثة لحضور المرأة النظري والعملي في المشروع الإسلامي. مستعرضة النضالات من أجل الحجاب التي خاضتها الحركتان ولا سيما في تونس التي كانت تحجر لباسه. وأصدرت في الشأن المنشور 108 في العهد البورقيبي سنة 1981 بإمضاء وزيره الأول محمد مزالي، عدّت فيه الحجاب لباسا طائفيا منافيا لروح العصر وسنّة التطور، وقد بقي ذلك التحجير ساريا إلى حين ألغته الثورة.

من جانب آخر تطرّقت دانيالا بريدي، أستاذة الفقه الإسلامي في جامعة روما، إلى مسألة الدولة الإسلامية، أو تحديدا إلى العلاقة بين الشريعة والحكم والمجتمع في الدول الوطنية ضمن بحثها المعنون بـ"الشريعة والدولة الإسلامية: درس باكستان". حيث تعرّضت إلى عودة موضوع الشريعة والدولة الوطنية ضمن الجدل العمومي مع تفجر ثورات الربيع العربي. كما حاولت تتبّع مفهوم الشريعة لدى الحركات الإسلامية من زاويتين نظرية وعملية.

وبشكل عام يحاول الكتاب في قسمه الأول الإحاطة بالمقولات الإيديولوجية والممارسات السياسية للحركات الإسلامية بشأن مفهوم الدولة والموقف من الاقتصاد وحقوق المرأة والأقليات والمسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان. فضلا عن محاولته رصد الاختلافات السياسية والسوسيولوجية بين مختلف الحركات الإسلامية في مختلف المراحل التاريخية. فالإسلام السياسي متنوّع بحجم تنوع التحديات الاجتماعية المطروحة في مختلف المجتمعات.

القسم الثاني من الكتاب سلّطَ الضوء على دراسة حالات محددة. جاء البحث الأول للاورا غواتزوني بعنوان "نحو تاريخ مقارن لتطور الحركات الإسلامية العربية" متابعا للمراحل التاريخية للجماعات الإخوانية. موردة أن ثمة قناعة رائجة كون الحركات الإخوانية هي حركات عنيفة بطبيعتها الإيديولوجية أو بموجب خياراتها الاستراتيجية. لكن غواتزوني تذهب إلى قول: برغم الاتهامات الكبرى من جانب معارضي تلك الحركة، فإن ذلك ليس ثابتا بوقائع تاريخية، مع أنّ الأمر لا يلغي تورّط بعض الأنصار في ممارسات عنيفة في مراحل حرجة كردّ فعل على عسف السلطة.

وفي البحث المعنون "مسارات الإسلام السياسي في المغرب" لياكوبو غرانشي يقدّم الباحث توصيفا عاما يركّز فيه على مظاهر الصراع بين الحداثة والأصالة، وعلى توظيف الدولة المؤسساتي للإسلام في سعيها لسحب البساط من تحت الإسلاميين. مستعرضا في بحثه التمايز بين المكوَّنيْن الإسلاميين الرئيسيين في المغرب "العدالة والتنمية" و"العدل والإحسان" من حيث الخاصيات الإيديولوجية والعلاقة بالسلطة. حيث يجمع التنظيم الأخير بين مكوَّن إخواني ومكوَّن صوفي طهري في حين يدفع "العدالة والتنمية" ببراغماتية إلى حدود متطورة في مناوراته السياسية إلى درجة فقَدَ معها خاصياته الإسلاموية.

ويعتبر فابيو ميروني في بحثه "الإسلام السياسي والسياقات الاجتماعية: تونس ما بعد الثورة" أن وصول حركة النهضة التونسية إلى السلطة هو نتاج سياق سياسي، انطلق منذ فترة ما قبل الاستقلال، منذ أن شابَ مسار بناء الدولة استبعاد لبعض مكونات الهوية التونسية واحتضان لغيرها، بفعل هيمنة التوجه البورقيبي العلماني والفرنكفوني على الدولة. مثّل خلاله الخطاب الإسلامي العروبي لغة احتجاج من جانب البرجوازية الصغيرة في المناطق الداخلية والجنوبية من البلاد، التي استبعدتها قوى السلطة المتركزة في المناطق الساحلية وكبريات المدن، وذلك سواء إبان نظام بورقيبة أو نظام بن علي. كما بيّن ميروني أن الإسلام السياسي في تونس لا يتلخّص في "حركة النهضة"، فقد ظهرت بعد الثورة تشكيلات سلفية لا سيما على أحزمة المدن الكبرى، تشكلّت أساسا من المهمَّشين والمعطَّلين من أصحاب الشهائد العليا والعاطلين عن الشغل، وجدت احتضانا من تلك الجماعات في ظل غياب السند الاجتماعي للدولة. وقد تطورت هذه التشكيلات الجديدة نتيجة عجز التوجه الإسلامي النهضوي، باعتلائه السلطة أو مشاركته فيها، عن تلبية مطالب الشرائح المهمَّشة بتحسين أوضاعها. لذلك تبقى السلفية في تونس اليوم نتاج أوضاع اقتصادية هشة تعيشها البلاد أكثر منها بفعل تطورات إيديولوجية.

بحثُ دانيالا بيوبي بعنوان "الحصيلة المرّة: الإخوان المسلمون في مصر وفشل نهج الاعتدال" يفصح عن فحواه من عنوانه. فتاريخ الإخوان المسلمين في مصر هو تاريخ تصادم مع السلطة. حيث تعتبر الباحثة الفشلَ الحالي هو نتاج أوضاع مفروضة على الحركة داخل سياق سلطوي، وهو ما أملى عليها التواجد خارج النشاط القانوني. وشبه السرية التي لازمت الحركة طوّرت في بنيتها ثقافة خضوع ومداراة. وحتى المطالب السياسية المعتدلة، التي نادت بها الحركة مع السلطات السابقة لم تتسنّ تلبيتها، بل ساهمت، وفق دانيالا بيوبي، في إضعاف مصداقية الإخوان لدى السلفيين والليبراليين وقوى اليسار على حد سواء. وأمام فشل الحركة بعد الثورة في نسج تحالفات مع القوى التقدمية واليسارية، وحالة المتابعة التي تعيشها اليوم، تبقى أمام سياق إعادة تأسيس عسير.

البحث الأخير المعنون بـ"التجديد الدستوري في شمال إفريقيا عقب الربيع العربي 'تونس ومصر والمغرب'" لبييترو لونغو، يحاول صياغة قراءة مقارنة بشأن الدساتير الجديدة في المغرب (2011) وفي مصر (2012) وفي تونس (2014). حيث يتطرق الباحث إلى العلاقة بين الإسلام والدولة والحقوق كما تجلّت في تلك الدساتير. ويلاحظ أن دستور المغرب لا يضمّن الشريعة كمصدر من مصادر التشريع، في حين شكّل رعاة الدستور المصري (دستور مرسي) مجلسا من العلماء لمعاينة مدى تطابق نص الدستور مع مبادئ الشريعة، وهو ما وتّر العلاقة بين الإسلام الإخواني والإسلام السلفي ومؤسسة الأزهر. في حين استطاع الجانب التونسي خلق توافقات وتوازنات بين الأطراف التي صاغت الدستور، وهي تقريبا حالة فريدة ومعزولة، أدّت إلى نتائج إيجابية تبقى لصيقة بالخصوصية التونسية وبالميزات التاريخية الثقافية للبلد.

في حوصلة عامة يخلص الكتاب إلى أن الدساتير الجديدة في شمال إفريقيا تبقى معبّرة عن توجه عام يتمثل في عودة الإسلام كعنصر فاعل في رسم معالم الهوية. وهو ما يفصح عن كون الملامح السياسية التشريعية في الإسلام قادرة على التلوّن بحسب البلدان، وما يدعمه أن التوجهات الإسلامية نفسها غير قادرة على اتخاذ مواقف موحّدة. ويُعتَبر دستور ما بعد الثورة في تونس، ضمن هذا السياق، النموذجَ الأفضلَ لما يُطلَق عليه "ما بعد الإسلاموية" الذي شهد تحولا من "الإسلام هو الحل" إلى تبني "الحوكمة الرشيدة". ذلك أن التحول في تونس عائد إلى فكر راشد الغنوشي الذي تحرر من براديغمات الإخوان، إلى حدّ ما، إذ عوّل على رؤية عملية ديناميكية في معالجة قضايا الواقع.

صحيح أن الكتاب يركز على مساهمة الحركات الدينية في ما يُعرف بالربيع العربي وعلى استشراف مصائر الإسلام السياسي، وذلك بانطلاق الأبحاث في قراءاتها من العام إلى الخاص في تتبع أنشطة الإسلام السياسي، مع تركيز بالأساس على الحركات الإخوانية؛ لكن ذلك يبقي الكتاب منقوصا من ناحية الدراسة الشاملة للإسلام السياسي العربي جراء تركيز حصري على الإخوان مع غياب تناول المرجعية الشيعية، أو الرؤى الإسلامية المتغايرة مع الإخوان كحزب التحرير واليسار الإسلامي وما شابهها، وهي توجهات فاعلة في الواقع التونسي الذي يشهد انفتاحا ديمقراطيا لافتا.

 

الكتاب: الإسلام السياسي في البلاد العربية.. التاريخ والتطوّر.

تأليف: لاورا غواتزوني ومجموعة من الباحثين.

الناشر: موندادوري (مدينة ميلانو-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2018.

عدد الصفحات: 362ص.

 

د. عز الدين عناية -  أستاذ تونسي بجامعة روما

 

 

علي المرهجقراءتي هي ليست قراءة في رواية وسرد جذل شبيه بما كتبه تولستوي في روايته "الحرب والسلم"، إنما هي قراءة وعيش في أتون الحرب، "الحرب العالمية الثالثة" المُفترضة، كالحرب بالوكالة أو "الحرب الباردة" بين أمريكا والإتحاد السوفيتي (روسيا) اليوم.

ولربما في سعي ترامب لتفعيل الحوار مع كوريا الشمالية تجميد لحرب علمية ثالثة مُتوقعة بين أقطاب مُتعددة الولاءات بين أقطاب (حلف وارسو) و(حلف الشمال الأطلسي)= (الناتو).

الحرب الدائمة

يستخدم (فرنر) مفهوم الحرب الدائمة للإشارة للحرب المُستمرة بطريقة مُباشرة أو غير مُباشرة بين الدول، لا سيما الدول المُتجاورة، أو الدول العُظمى التي لها مصالح في دول تقع تحت سيطرة أحدهما، تتصارع قوتان أو دولتان عُظمى كل منهما في حلف، تُناهض كل منهما الأخرى وفق مبدأ الصراع.

يميل (فرنر) إلى أن الحرب ظاهرة لا تستطيع الإنسانية التخلص منها أبداً، وربما هي قدر إلهي،... وأن الحرب ستكون أزلية لأنه تُساعد على التكفير عن الجرائم الجماعية بسفك دماء الأبرياء،...لأن وجود الدول الضعيفة ولا مُمبرر لوجودها هذا سوى أنها فدية عن الحرب، أو وقود لها يُشعل فتيله الأقوياء، ولا شك أن الحرب مكروهة، ولكنها يجب أن تأخذ مكانها في عالم هو في جوهره، غير كامل، ولا حل لفض النزاعات بين الدول المُتصارعة أفضل من الحرب، لأن في إنتصار أحد الطرفين إنهاء لفكرة الصراع بين حقيقتين، والمُنتصر هو من يرسم الحقيقة، على قاعدة "التاريخ يكتبه المُنتصر".

إذن فالحرب أمر طبيعي لا مفر منه، وهي عادة ما تكون أمراً مُلائماً، ذلك لأن بقدر ما تحفظ الرياح حركة البحار ذاتها من التعفن الذي تتعرض له إذا ما إنتابها هدوء دائم، بقدر ما تُصاب الأمم بالتعفن الذي تُصاب الأمم بالتعفن إذا ما تعرضت هذه لسلام دائم، بل السلام الأزلي (يُنظر: ص63ـ64).

الحرب هي قانون الدول، مثلما هي قانون الكائنات الحية، فالحرب تقوم بعمليات إنتقاء بين الدول طبقاً لقوانين الصراع في الحياة، تلك القوانين التي استخلصها (داروين).

إن مفهوم الدولة يفرض مفهوم الحرب، لأن جوهر الدولة هو القوة،...وطبقاً لما ذكر فرنر من أقوال، فإنه يرى مع مُفكرين آخرين" ليس السلام الدائم سوى حُلم سخيف. غن السلام أمرٌ مُستحيل لأن الحرب أمٌ حتمي لا مفر منه" (ص65).

يُعرف فرنر السلام على أنه "الحالة التي لا يكون فيها أي عُنف ولا تهديد بالعُنف الجُسماني أو النفساني تُمارسه جماعة إنسانية على جماعة أخرى".

يُفرق (فرنر) بين نوعين من السلام، الأول "السلام الإيجابي"، والثاني "السلام السلبي"، "الذي لا يعني أكثر من عدم نشوب القتال" (ص23)، وهناك حرب بالوكالة، فهل هي من نوع السلام سواء كان إيجابياً أم سلبياً؟، وماذا نُسمي سباق التسلح، أو مفهوم "الحرب الباردة"؟ هل هو مما يُمكن لنا إدراجه على أنه من نوع الحرب، أم من نوع السلام؟.

ـ إن واقع بناء المُجتمع على استعداد في كل حين للقيام بالحرب،...فالحرب هي حجر الزاوية في النظام الجتماعي.

ـ الحرب تحمي النوع الاجتماعي عبر التاريخ.

ـ تؤدي الحرب وظائف اجتماعية عديدة، مثل الدفاع عن المُجتمع ضد التهديدات الخارجية والداخلية، وبعضها الآخر مُستتر. وهذا النوع الثاني هو من الوظائف الأهم.

ـ إن الوظائف غير العسكرية للحرب هي أساسية لإقامة التوازنم في المجتمع.

ـ إن استبدال النظام القائم على أساس الحرب بنظام آخر قائم على أساس السلام يُشكل مُغامرة إذا لم يكن مُمكناً، في الوقت المُناسب، إنشاء مؤسسات قادرة على القيام بالوظائف ذاتها التي تقوم بها الحرب.

ـ يجب فهم طبيعة الوظائف غير العسكرية للحرب قبل السعي إلى إيجاد بدائل مقبولة لها.

يستخدم (فرنر) مفهومي "الحرب المُستحيلة" و "السلام المُستحيل".

يرى (فرنر) أن خيار الحرب عادة ما يكون خياراً خارج مُمكنات الإرادة الإنسانية، فكثيراً ما نجد أنفسنا أزاء إتخاذ قرار الحرب لم يكن لنا دور أو رغبة في السعي لإيقادها.

"والرؤساء بشرٌ كالآخرين، وهم ليسوا أكثر من بقية الناس حُرية في أن يقولوا أو يفعلوا ما يعتقدون بأنه الأكثر عدلاً والأسلم منطقاً" (ص38)، وهذا يشمل حتى الحُكام الطُغاة، فلا بُد لهم أن يأخذوا بعين الاعتبار ردود فعل الرأي العام.

ليصل (فرنر) لنتيجة مفادها أن هناك "حروباً غير مرغوب في شنها، تندلع بالرغم من مُنافاة أسبابها للعقل" (ص39).

ولن أخوض في تفصيلاته في الدفاع عن رؤيته كجنرال حرب في الدفاع عن تبني الحرب عبر استشهادات تاريخية مُطولة في تفصيل وقائع الحروب في أوربا، ولكنني سأوجز رؤيته للسلم والحرب.

ولكن يُوجز نظرته في أن "الحرب ظاهرة اجتماعية لا يملك الإنسان في يده أمر إطلاقها أو إيقافها حسب إختياره" (ص60)، لذلك هو يرفض فكرة "الحرب المُستحيلة"، لما تحمله هذه الفكرة من مثالية مُفرطة، فكيف يُمكن لدولة تمتلك أسلحة للتدمير الكثيف، أن تشهد إبادة شعبها بقصف تقوم به أسلحة تقليدية، دون أن ترد بإطلاق قنابل نووية ـ حرارية" (ص61).

نظرية السلام المُستحيلة

يرفض فرنر فكرة السلام الدائم التي يُسميها بـ "السلام المُستحيل"، لأن فيه الكثير من الضرر على اقتصاد الدول المُنتجة للأسلحة، وستكون سبباً من أسباب تدهور الاقتصاد في هذه الدول، فرغم مرارة الحرب، إلَا أنه ستظل "باعثاً مُحرضاً على التقدم الصناعي ومصدراَ له، وحامياً للاقتصاد من الإنهيار" (ص71).

والسلام الدائم لا يُعبر حالة طبيعية، فلا وجود لحياة اجتماعية خالية من العُنف.

في الحرب بعض من مُعالجات لمُشكلة البطالة والتضخم السُكاني، لذلك فإن اللجوء للحرب هو أحد العوامل المُساعدة في استقرار الحكومات.

إن دُعاة (اليجب) و(الينبغي) من "الوعاظ" من رجال الدين والمُصلحين ممن بُحت حناجرهم للعمل على تحقيق السلام الدائم إنما هم يعيشون خارج التاريخ الواقعي للبشرية، فهم يدعون كل من موقعه العقائدي المُنغلق لتحقيق السلام!.

لكن (فرنر) لا يرفض دعواتهم في نبذ الحرب حينما يكون الهم فيها التقتيل وتخريب المُدن لأن "كل عمل حربي يهدف، بدون تفريق، إلى تخريب مُدن بكاملها أو مناطق واسعة بسُكانها، هو جريمة ضد الله والإنسان نفسه، مما يستوجب إدانته بحزم وبلا تردد" (ص99ـ100).

لعبة (نزع السلاح) لعبة دولية استخدمتها الدول العظمى لغرض تقليل خسائرها مع بعض الدول النامية التي بدأت في صناعة السلاح، حتى صارت هذه الفكرة شعاراً بيد الدول العُظمى تستخدمه كأداة للضغط على الدول الأضعف التي بدأت تعي أهمية التسلح، ولكنه بقيَ مُجرد شعار الُستتر خلفه، هو سعي هذه الدول لإخضاع الدول الصغيرة لإرادتها، لأنك لا تجد دولة عُظمى قد تخلت عن أسلحة الدمار، فهو مطلب الدول العُظمى لاستسلام الدول الأقل منها، أو هو مبدأ حق يُراد منه باطل، فكل دولة تنزع سلاحها من دون وثوقها بنزع الدول العُظمى لأسلحتها، إنما هي في عداد الدول الغبية.

تفرد وسلطة كارزمية وغياب لسلطة عامة ذات صلاحيات عالمية، وحاجة لقوة شرطة إتحادية دولية تعدادها بالملايين لفرض إحترام "القانون العالمي" وتعقيد تشكيل هذه القوة، في خضم الصراع الأثني والعرقي المحموم.

لذلك يستشهد فرنر بقول هيجل بأن "السلام الدائم، ولنقل السلام الأزلي، يُفسد الأمم" (ص156).

لذلك يسعى فرنر لتأكيد ححالة الحرب بوصفها من حالات الوجود في الطبيعة، فهي موجودة في صراع الحيونات مع بعضها البعض، ولكن الحيوانات بصورة عامة، تسعى "إلى أن تُسيطر على عدوها أكثر مما تسعى إلى موته،...ولا يسعى الحيون الخاسر إلى الثأر، بل على العكس من ذلك يقبل الهزيمة" (ص173) والحرب مشهود لها في صراع الشعوب البدائية، ولكن الغريب في الأمر أن "ألإنسان يختلف عن الحيوان في حقيقة أنه قاتل، فالإنسان هو الوحيد في فصيلة الثدييات، الذي يقتل و يُعذب أبناء جلدته دون أي سبب بيلوجي أو اقتصادي، ويشعر بالرضا حين يفعل ذلك" (ص174).

لهذا نجد أن العُنف الحربي "يُشكل التحريض الأكثر جاذبية، سواء لدى الذي يُمارسه أولدى الذي يُعانيه. إنه يجعل الإنسان يشعر بأنه يعيش، عُوضاً عن شعوره بأنه يُستهلك في الضجر الكئيب" (ص179ـ180).

من عناوين كتاب فرنر الجاذبة هو (الحرب والنساء)

يُشير في عنوانه هذا لأهمية ودور المرأة فيما أسماه بـ "التشاركية النسائية ـ الرجالية" بوصفها الشرط الأساس اليوم لإنشاء فن سياسي يقوم على مُرتكزات بيولوجية وإنسانية تُساعد على تحرير الطاقات المُنسجمة والمُتكاملة للجنسين اللذين يُشكلان الإنسانية" (ص190).

لا يقبلن النساء برجل أو عشيق لهن إن لم يُظهر أنه يمتلك من القوة والعدوانية في القتال ما يجعلهن مُتباهيات بقوته.

والرجال يُقاتلون ويُحاربون لأسباب عدة، منها، الحضوة بالنساء والتمتع بإمتلاكهن.

والنساء أثبتن قُدؤتهن في المشاركة في الحرب، وفي معارك التاريخ عند العرب والمُسلمين وكل شعوب الأرض ما يشهد لهن بالمقدرة في المُبارزة وصُنع النصر، وقد ذكر (فرنر) شواهداً تاريخية عدة تُظهر دور المرأة وقوتها وعنفوانها في المُبارزة أو في عملهن المُساند للرجال في الحرب وفي (الصليب الأحمر).

يختتم (فرنر) كتابه بإيجاز لموضوعات عدة منها:

ـ العدوانية، بنوعيها حينما توصف بأنها نوع من أنواع الجرأة وتأكيد الذات، أو بنوعها الأخر، بوصفها نوعاً من أنواع العداء، والحقد، والميل الجُرمي..(ص228).

ـ القلق والحرب، وفرنر يُميز بين القلق والخوف، فالخوف عنده هو "الإنفعال الذي ينطلق كردة فعل ضد خطر حقيقي وجاثم، أما القلق، فهو الإنفعال الذي يتطلق ضد خطر لا يوجد له في لعالم الخ رجي، ولكنه مُمكن الوجود" (ص245).

ويظهر دور القلق في سباق التسلح بين الدول المتغايرة أيديولوجياً.

ـ ردع العدوان، على قاعدة "غن كُنت تُريد السلام، فاستعد للحرب"، والشكل الوحيد لردع العدوان أن تكون دائماً مُستعداً للحرب، ويخشاك العدو، لأنه لا يعرف مواطن ضعفك، ولا مكنة له لتقدير حجم قوتك لردعه، كي تجعل عدوك في توتر دائم يخشى قوتك التي لا قُدررة له للتكهن بها وبقوة الردع التي تمتلكها حين إعلان حالة الحرب.

ـ التكنولوجيا والعدوانية، فقد تسنى لمن يمتلك التكنولوجيا القدرة على تدمير العدو أو الخصم بمُدة قياسية، فبفضل التقدم التقني تستطيع الدول العُظمى تدمير الخصم أو العدو بمدة قياسية، تُحسب بالدقائق لا بالساعات.

الحرب خيار لمن هم يرومون التناسل وفق رؤية عرقية أو قومية، تدفعهم عُقد شتى منها:

ـ الكبرياء، وحب الذات.

ـ ومنها عُقد الدونية والفوقية.

ـ ومنها الإرتباط بالأرض، لمن تصوروا أن في الأرض هُوية لهم في الوجود.

ـ ومنها تماهي الكثير منهم مع تسارع التقدم التكنولوجي، فجعلوا من أنفسهم رُسل لهذا التقدم.

وفي القوقع القومي مصالح ستراتيجية واقتصادية، وعوامل دينية، وتراث لغوي وترابط جيو سياسي، وكل هذه العوامل ترتبط بالحاجة الماسة للأمن، فحينما يضطرب الأمن في دولة ما ويستشعر شعبها بذلك القلق، وحينما يزرع مُنظروا هذه الدولة أو الأمة في نفوس مُجتمعاتهم، على أنهم "خير أمة أُخرجت للناس" أو أنهم شعب الله المُختار، فثق أن في هذه الأمة قد زُرعت نبتة نابتة، يستخف أهلها "بشكل غير عادل بالشعوب الأخرى" (ص267)، وسيدب الصراع بينها وبين الأمم المُخافة لها في المُعتقد الديني والأيديولوجي.

 

- الكتاب "الحرب العالمية الثالثة" (الخوف الكبير)

- للجنرال فيكتور فرنر.

- ترجمة د. هيثم الكيلاني.

- دار المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ـ لبنان، ط1، 1980.

 

د. علي المرهج

 

 

203 علي المؤمنإضافة علمية وفكرية جديدة يقدمها الباحث العراقي الدكتور علي المؤمن للمكتبة العربية والإسلامية؛ في موضوع إشكالي كبير ومهم هو التقنين الدستوري الإسلامي، وإشكاليات التشريعين الإسلامي والوضعي، ومساحات الافتراق واللقاء بين القانون الدستوري الإسلامي والقانون الدستوري الوضعي، وثنائيات الأسلمة والتأسيس، والاستنباط والوضع، دور نواب الأمة من جهة وفقهاء الشريعة من جهة ثانية، وسمو المواد الدستورية وأصالة أحكام الفقيه، ومدخلية الشريعة الإسلامية والقبليات العقدية في نشوء الفقه الدستوري الإسلامي؛ فضلاً عن الفصام العقدي الذي تخلقه محددات القانون الدولي الوضعي أزاء القواعد العقدية الإسلامية من جهة، والقانون الدستوري الإسلامي المستند الى أصول القانون الدستوري الوضعي وتعريفه للدولة ومكوناتها وأسسها؛ لاسيما في موضوعات السيادة والأرض والشعب من جهة أخرى.

ولم يكتف الدكتور علي المؤمن ـ في منهجيته التي اعتمدها في الكتاب ـ على المقاربات النظرية لموضوع القانون الدستوري الإسلامي؛ بل جمع بينها وبين المقاربات التطبيقية؛ لتكون معالجاته مساهمة علمية جادة في حل معضلات أساسية ظلت عقود طويلة مدار بحث عميق ومطول بين فقهاء الشريعة وفقهاء القانون الدستوري وعلماء النظم السياسية.

والحقيقة أن موضوع القانون الدستوري المستند الى مضامين الفقه السياسي الإسلامي، أو ما أسماه الدكتور علي المؤمن بـ (القانون الدستوري الإسلامي الحديث)؛ هو من أكثر الموضوعات إثارة للجدل الفكري والفقهي في الوسط العلمي والسياسي الإسلامي، وأصعبها مقاربة؛ لاسيما في مجال التفاصيل المنهجية والتقنية التي تتلخص في تحويل القواعد الشرعية الدينية الى قواعد قانونية دستورية وضعية، وهو ما وصفه الدكتور المؤمن بعبارة: (التقنين الدستوري الوضعي للفقه السياسي الإسلامي)، ومايتخلل هذه العملية من تعارضات عقدية وفقهية وفكرية عميقة؛ ترتبط بالمقدس واللامقدس، والملزِم وغير الملزم، والإلهي والوضعي، وماينتج عنها من فصام كما يقول الدكتور المؤمن.

وتتجاوز الاشكاليات التي طرحها الدكتور علي المؤمن موضوع الصياغات القانونية للمواد الدستورية والجانب الشكلي والمادي للدستور، ومجمل مشكلات التقنين؛ ليصل الى مقولات تأسيسية؛ كالفقه الدستوري الإسلامي والقانون الدستوري الإسلامي، وتقعيد أحكام الفقه السياسي الإسلامي من جهة، وأسلمة القواعد الدستورية الوضعية من جهة أخرى.

وكتاب الدكتور علي المؤمن الجديد الذي حمل عنوان (الفقه والدستور: التقنين الدستوري الوضعي للفقه السياسي الإسلامي)؛ هو بالأساس أطروحته الدكتوراه في القانون الدستوري، وقد عرض فيه رؤى تأصيلية مهمة؛ استحضر من خلالها الموروث الإسلامي؛ كما استعار معايير التقنيين الحديث وقواعد القانون الدستوري الوضعي وتقنياته.

يقع الكتاب في (416) صفحة، و قد صدر في بيروت عن مركز دراسات المشرق العربي ودار روافد.

 

ميثم حاتم

 

 

علي المرهجعودة للدراسات العُليا في الكلية بعد مُعاناة من الخدمة في المُكلفية، وخلاصنا من الحرب ومسرحيات القتل المجاني في حرب الكويت، أو (أم المعارك) بالتسمية البعثية، أو (درع الصحراء)، أو (عاصفة الصحراء)، أو تصحر حياتنا، ولك أن تضع كل مرادفات التصحر في التعبير عن (ذاكرة القهر) كي تكون مُرادفة لما كُنَا ولا زلنا نعيش فيه من ألم وقهر وحرمان.

فنحن العراقيون نعيش القهر، ونصنع له ذاكرة من مُخيلتنا، يعشقها القارئ، فتبدو للمُتلقي وكأنها بقية من ذاكرة شجن جميل المحبة وأن لا مثيل لها في تلاقي القلوب المُحبة، ولكنها ذاكرة مُتخيلة تُصور الجمل لفظاً، ولا تتعجبوا إن وجدتم فيها من (طيحان الحظ) الكثير، وفيها من القهر ومن لذيذ الالم أيام (قادسية صدام) وما تلاها، ما يُظهر (الخيبة) وكأنها جماليات لعشق الشجن في مدونات قاص أو شاعر أو أديب لبيب، صوّر لنا حياتنا بألمها وبكل (ذاكرة القهر) التي فيها على أنها حنين للزمن الجميل، فالحياة ستكون وردية بعد خلاصنا من الحرب العراقية الإيرانية، ولكننا حصدنا ألم يتلوه ألم، و(أيام المزبن كضن، وأبشرك كضن أيام اللف، بس صرنا نلف ونلف، ونخاف من نديور لو نلف، خاف حزبي إمبدل علينا إو مختلف).

ولأننا كُنا في حينها طلَاباً في الكُلية، فلم تطلنا (القنابل العُنقودية)، ولا قصف طائرات (الشبح) التي أوقع الفلاح الهزيل (منكاش) طائرة منها!، صدام يقهقه، ويقول (عفية، وعفية، وعفية بمنكاش)! يا لسُخف القيادة، في طريقة قيادتها للجيش، وحُمقها وتجاهلها للشعب وللجيش وقادته الذين لا حول لهم ولا قوة، فمن يعترض على قرارات (القائد الضرورة) مصيره وضعه في قفص ينتظر إفتراس كلاب (دكتاتور) للحمه و(تفليس) البقية الباقية من لحمه.ج

ولأن كثيراً من أصدقائنا من الذين لم يستطيعوا إكمال الدراسة بسبب الفقر والقهر والحرمان، وطبقاً لقوانين البعث في التعليم، كان مصير أغلبهم الشهادة من أجل بقاء "مجد الأمة العربية" في نضالها الثوري!!.

لقد وضع نظام صدام قوانيناً قاسيةً، كان جُلَ هم من وضعوها عسكرة الشباب وتجنيدهم أو تجييشهم، فكان مصير الراسبين لأكثر من سنتين، السّوق لمعسكرات التدريب، كي يكونوا وقوداً للحرب، ونحن أصدقاؤهم فرحين بنجاتنا، ونعيش أيام وسنوات من القهر لأننا ودّعنا الكثير منهم، ونحن عشنا!، ألّا تجد في فرحنا هذا بنحاتتنا بعض من نسيان لإنسانيتنا، أو بعض من تأكيد لحيوانيتنا.

فكم من صديق فقدنا، ونحن نحسب الحياة وفق منطق الربح والخسارة، ونحن بقينا وهم ذهبوا، واليوم هم ضاحيا لحرب غير مُتكافئة بين جيش يتحكم به حاكم طائش أحمق مثل صدام، وجيش نظامي يحسب قادته خطوات جنودهم بالمسطرة، فكانت النتيجة هي شُهداء بالمئات إن لم يكونوا بالآلاف، وأسرى ومُعاقين ومفقودين، وأمهات وزوجات شهداء ثكلى، وأبناء يتامى لم يبلغون الحُلم، ولن يبلغوه، لأن هناك من سرق الأمل والحُلم معاً في بلاد الرافدين، فهي أرض (كربٌ) و (بلاء)، فكل (أرض كربلاء، وكل يوم عاشوراء)، ومصير البلاد النحيب.

بعد تخرجنا من الكُلية كانت هناك ما يُسمى بـ "المكلفية" والخدمة العسكرية لكل خريج لمدة سنة ونصف لتلقي التدريبات العسكرية.

بعد تخرجي من كلية الآداب، لا بُد لي ولأمثالي من الخريجين من الإلتحاق بمعسكرات التدريب، فكان مُعسكر تدريبي هو (مُعسكر المحاويل) القريب من مدينة بابل الأثرية، (الحلة) اليوم.

كان نظام العسكر آنذاك يُعاقب الجندي بعقوبة شديدة حينما تتجاوز غياباته التسعة أيام، وفي اليوم العاشر يُدون أسمه في سجل الهاربين، فأعجبتني (لعبة القط والفأر) هذه بين الجندي وبين الضابط، فكنت أنا بمثابة الفأر الذي يُجيد لعبة إحراج القط، فأغيب تسعة أيام خلت، فأرجع في اليوم التاسع، فأعاقب بأشد ما تكون عليه العقوبة في الهرولة والركض وكل الرياضات المؤذية من العقوبات العسكرية في الإمتهان من كرامة الإنسان، ولكني كُنت أحسبها بحسابات رياضية دقيقة، فمن كان من الجنود أو (العسكر) المواضبين على الدوام يومياً يُعاقبون يومياً على أبسط الأخطاء، فحسبتها (حساب عرب)، لماذا لا أغيب تسعة أيام وحين عودتي أعاقب لساعات، وكان هذا حالي طوال مدة تواجدي في (مُعسكر المحاويل)، وبعد عقوبات شديدة، وسجن بسبب الغياب بعد مسك (الإنضباط العسكري) = (الزنابير)، وهي التسمية الشائعة عنهم في نحتنا الدلالي للمدلول.

بعد أن إنتهت مُدة التدريب، حان موعد القطاف، أي توزيعنا كل على صنف عسكري، فكنَا في اليوم الأخير لنهاية الدورة، ننتظر نقلنا للوحدات العسكرية، وهو يوم شبيه ـ مع الفارق ليوم إنتظار الطالب أو التلميذ لنتيجته بعد إمتحانات "البكالوريا"، أو هو (يوم الحساب) في عراق الرافدين لمن عشقه ترابه من الفقراء والمساكين، وكنت أنا من فقراء هذه الأرض التي تنبذ أبنائها.

كان أحد الضباط مُمسكاً بالمذياع، يصرخ بقبيح الصوت لييُخبرنا بأمكنة تنقلاتنا، وبعدة مُدة إنتظار مُملة ذُكر إسمي ومكان نقلتي التي كانت دورة في (دائرة التوجيه السياسي) بباب المعظم في بغداد مُقابل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، قُرب بناية مُلاصقة لبناية (الموسيقى العسكري)، وكان قد صدر في ذلك الأوان أن يكون عناصر التوجيه السياسي من خريجي الإعلام والفلسفة وعلم النفس، لأنهم الأدرى بحكم تخصصاتهم في التعامل مع مُتغيرات الحدث والمواجهة، طبيعة النفس البشرية وعلاقاتها الاجتماعية طرح الرؤية النظرية والحلول العملية للتعامل مع الجنود في الحرب لشحذ هممهم!!.

كان في معسكر المحاويل رئيس عرفاء أسمه علي كأسمي، ولكنه يُطيق النظر لقاتل أبيه أو أخيه ولا يُطيق النظر ليَ، فكان يفرح حين مقدمي بعد غياب تسعة أيام كي يُشفي غليله مني بوصفه النايب ضابط (الحاروكه) المسؤول على فصيلنا ما أدري سريتنا، لأنه يعدَني ممن يستهينون بقيمة الحياة العسكرية والضبط الذي ينبغي أن يتوافر في الجُندي!!.

وحينما تم الإعلان عن تنقلاتنا وعلم أن (نقلتي) كانت للتدريب في مدرسة التوجيه السياسي بباب المعظم في بغداد إشتاط غضباً وقال: (الله وأكبر، اللي يداومون وملتزمين بالدورة ينقلون في الحرس الجمهوري، والمغاوير، وحرس الحدود، وهذا الما يداوم إمودينه لبغداد)، (هي الدنيا حظوظ)!، فقلت له لماذا أنت كثير الاستغراب، (أظن أن الكومبيوتر (الحاسبة) تعرف المحارب من غير المحارب، وأنت عرفتني آني لا أحارب ولا أعرف، فالحاسبة ذكية، فأعطت من يستحق ما يستحقه، فأنا لا أعرف التصويب وكيفية إطلاق النار، وغيري ممن استمر في التعلم والتدريب والمطاولة في تحمل البقاء هم الأجدر في الدفاع عن الحدود، فالكومبيوتر ذكي، (فلا إتضوج خويه).

وفعلاً استلمت كتاب نقلي لمدرسة التوجيه السياسي بباب المُعظم الذي إلتحقت للدوام به بعد يوم واحد من نقلي، وكان معي أصدقاء كُثر ممن تخرجوا من كُلية الآداب، وأذكر منهم (أحمد السامرائي) و (ذاكر محمود جبارة) من الرمادي، و (محمد بديوي) الذي حصل فيما بعد على الدكتوراه في الإعلام، وقُتل على أيدي حرس رئاسة الجمهورية من الأكراد، الذي نقلت حادثة قتله الشنيعة كل وسائل الإعلام أيام رئاسة المالكي لمجلس الوزراء، وحينها تناقلت وكالات الأنباء والقنوات الفضائية والصُحف تصريح المالكي: "إن دم الشهيد في عُنقي، وأنا ولي الدم"!!.

وبعد دورة لم تتجاوز الثلاثة أشهر في مدرسة (التوجيه السياسي) تم نقلنا للوحدات، وكانت نقلتي لمدرسة (التمريض العسكري) في مُعسكر الرشيد قُرب الزعفرانية، التي لم أستمر فيها سوى بضعة أشهر، بعدها تم قُبولي في الدراسات العُليا (الماجستير) في قسم الفلسفة بجامعة بغداد.

قدمت أوراقي وكل ما هو مطلوب للقبول بعد إجتيازي للإمتحان التنافسي، وبعد نجاحي في كل هذه الإختبارات، أكملت أوراقي فيما يُسمى بـ (الإنتداب)، وبدأت رحلة الدراسة، وبعد مُباشرتي لدراسة الماجستير، تعرفت على زملائي، وأذكر منهم (مها عيسى) هي اليوم أستاذة الفلسفة اليونانية في قسم الفلسفة/ جامعة البصرة، تتميز بقوة الشخصية، وذات عقلية واعية، ذات نفس تحرري، متأثرة بفكر وشخصية أستاذ علم الكلام والفلسفة الإسلامية في البصرة أ.د.محمد جواد الموسوي، وهي كما أسمع عنها لا زالت تلك التلميذة الوفية له، وهما والحق يُقال، نِعم الأستاذ ونِعم الطالب.

لي مع (ميثم الجصاني) علاقة مودة ومحبة، فقد زارني في يوم من أيام رمضان، فبات ليلته في بيتنا وكان صائماً، وأمي صائمة، ففرحت أمي بأن لي صديقاً يصوم، فاستيقضت قبل أوان طرق (المسحرجي) للطبل، كي تُهيء له من سحور يليق به لفرط إيمانه وتدينه. وهو اليوم مُدرس الفلسفة في قسم الفلسفة بجامعة واسط.

أما (عبدالناصر زاهر محمد بلال) الفلسطيني الذي نال حظه من المُعاناة في سجون الإحتلال الإسرائيلي، فقد كان من (المُناضلين) في حركة فتح، ولكنه لم ينل من نضاله سوى عمى العينين، إلَا أنه كان الأقوى والأشد منَا بصيرة بتحولات الحال وتغير الأحوال في جعل رجال النضال تحت سُلم التذكر لمن هم من أمثاله في عوالم الممانعة ورفض الإحتلال، فكان (محمد محسن) مممن تكفلوا بالتواصل معه وتقضية بعض حوائج له مما يحتاجه الرجال ساعة المحن حينما يتخلى عنهم الحزب والأهل من أعمام وأخوال.

معنا أيضاً (حم ولد أب) الطالب الموريتاني الذي كان حريصاً على التعلم من الذين كانوا راغبين في العلم وتعلم علوم العرب ممن يمتلكون الخُلق وفافوا به الغرب في الوصول لنهاية الإرب بتواضع جم ينم عن وعي بغاية الأدب، وهناك آخرون لم تُسعفني الذاكرة لتذكر محاسنهم وطيب التلاقي والمعرفة بهم.

ولكن الراسخ في ذاكرتي والمُحاصر لها هو (محمد محسن) الذي جاءنا من قسم (الهندسة الكيمياوية) ـ كما أتذكر ـ رافضاَ لها، شغوفاً بالفلسفة والشعر والمسرح والسينما والموسيقى، منه تعلمت بعض من تذوق لهذه الفنون.

عرفته ولازال مُتمرداً على الشائع السطحي في المعرفة، إنساني التوجه، يُذكرك بحنان تفتقده بين الأصدقاء، حينما يطل عليك، تشعر أن هناك نسائماً من عطر الطيبة والمحبة الأصيلة داعبت وجنات خدك التي كاد وريق شبابها يتساقط من كثر سنوات القهر والحرب والحصار، لكن مثل طيبة أمثال محمد تُعيد لها بعض من إخضرارها، فحتماً ولا بد أن تُخاطب نفسك لتمنحها الأمل حينما يطل عليك محمد محسن بنقائه ونفيس ما يمتلك من خُلق، قائلاً لماذا اليأس ومثل هذا الكائن الشفاف لا زال موجوداً في العراق رغم كل حماقات الدهر.

كان يُتقن محمداً الإنكليزية، وكان أحد دروسنا هو نص إنكليزي فلسفي، وبفعل ضغط العمل لم يكن لدي مُتسع من الوقت لقراءته، فكنت ألتقي بمحمد قبل بدء المحاضرة التي كانت تُدرسنا فيها (الأستاذة فاتنة حمدي) طيبة الذكر، فحين لقائنا يشرح ليَ محمد معاني النص الإنكليزي، وأنا سريع الحفظ، فندخل المحاضرة سوية، فأجيد الإجابة والترجمة للنص بفضل جهد محمد، وكان محمد فرح لأنه قدم ما يليق به كصديق وفي.

لكننا بعد دراسة الماجستير إفترقنا بفعل ضغط الحياة، ومحمد عمل مدرساً خصوصياً للغة الإنكليزية لطلبة السادس الثانوي، أسمع أخباره بين الفينة والأخرى، بأنه بخير، وأنا فضلت الاستمرار في الدراسة وإكمال دراسة الدكتوراه، وبعد أن مرت السنين، وحصلت على الدكتوراه، عرفت أن أحوال محمد ليست على ما يُرام، وبعد جهد جهيد من أصدقاء يُحبونه كما أحبه إن لم يكن أكثر، قدم محمد أوراقه للتعيين في قسم الفلسفة بكلية الآداب/ الجامعة المُستنصرية، ورغم عدم جديته في التعيين، ولكنه فعل ما فعل استجابة للمُحبيه من الأصدقاء، وفعلاً تم تعيينه في قسم الفلسفة، فصار زميلاً لي ولكثير من مُحبيه، والغريب المُثير والعجيب، أنه تحت ضغط أيضاً منَا نحن أصدقائه لثقتنا بقدراته الثقافية والعلمية، إستجاب لطلبنا في التقديم للدكتوراه، وفعلاً تم قبوله، وهنا الغرابة والتعجب، فقد صرت أنا زميله في دراسة الماجستير، أحد من درسوه، فكُنت خجلاً لمعرفتي بطاقته ودرايته، ولكنه كان إنساناً كعادته، فرح بيَ، أشعر بفرحه في التلميح تارة والتصريح تارة أخرى.

وكعادته بعد لأي وحرص شديد من مُشرفه (د.محمد الكبيسي) وزملائه ممن يثقون بقدراته، وفي الوقت الضائع من مباراة استكمال مُتطلبات الدكتوراه، ولأنه لا يروم خُسران ثقتنا ومحبتنا له، استطاع تكملة أطروحته للدكتوراه، وهي في طريقها للمُناقشة.

فتباً لسنوات القهر والحرمان، ولكن في تذكرنا لها نجد بعض من نبضات قلوب مُشعة بالإنسانية مثل قلب مُحمد الذي زرع محبة وإنسانية، فحصد حرصاً وتقديراً عند من عرفه وعاشره أو صاحبه أو صادقه. وليَ عن بعض من أصدقاء مُميزين عرفني عليهم حكاية، أو حكايات..

 

علي المرهج

 

 

201 سيمون دي بوفوار صدر عن دار غاليمار الفرنسية الشهيرة في مجموعة البلياد المكرسة لكبار الكتاب والمفكرين طبعة جديدة لمذكرات سيمون دي بوفوار بقلم ابنتها بالتبني لوبون دي بوفوار في 17 آيار مايو 2018، وهي مناسبة لإعادة قراءة واكتشاف هذا الوجه الإنثوي المناضل الذي دمغ شخصية سيمون دي بوفوار المفكر والفيلسوفة الوجودية وشريكة حياة فيلسوف الوجودية الكبير جون بول سارتر والغوص في عالمها الأدبي المتميز الذي غطى عليه جانبها الفكري والفلسفي.

إن مذكرات سيمون دي بوفوار هي في الحقيقة توثيق لذاكرتنا الجمعية نحن الجيل الذي نشأ عليها والتهم آثارها وتأثر بها لأنها تتحدث عنا أو هكذا نشعر بأنها تعبر عن ذواتنا . فهو كتاب، ليس فقط يروي لنا سيرة حياة هذه المفكرة والأديبة فحسب، بل هو أيضاً شهادة على الحياة الثقافية والفكرية التي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم وتقدم لوحة أمينة لخصوصية الحياة الخاصة والحميمية إلى جانب الحياة السياسية لرفيق حياتها جون بول سارتر وخوضهما معاً سلسلة من المعارك الفكرية والحياتية وتعايشهما مع تيارات فكرية كالماركسية والشيوعية والحركة النسوية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان مروراً بنضالهما في محاربة الاستعمار وفضح الحقبة الاستعمارية .

خلال التجربة الحياتية والعطاء الفكري لهذا الثنائي الأسطوري، كان سارتر هو المسيطر حيث شعر الكثيرون أنه يضع في ظله هذه الأنثى الثورية المتمردة والجريئة التي لم تحاول أن تتحرر من هذه الهيمنة الذكورية باعتبارها أحد قادة حركة التحرر النسوية الفرنسية لأن هناك هارمونية مدهشة في علاقتهما ولم تعد الحال كما هي بعد وفاتهما إذ باتت بصمات سيمون دي بوفوار واضحة اليوم كمفكرة متميزة صاحبة أطروحة خاصة بها وهذا هو الهدف الذي سعت إليه دار النشر الشهيرة غاليمار في نشر مذكراتها في مجلدين في أرقى وأفخم مجموعة هي البلياد المكرسة للعظماء وكبار المفكرين والمبدعين الفرنسيين والأجانب ولقد تحولت سيمون دي بوفوار بذلك إلى إيقونة. فالمبدع لايولد إيقونة بل يصبح كذلك من خلال إنتاجه وعطائه وإبداعه. فسيمون دي بوفوار لم تلعب دوراً ثانوياً في رحلتها المشتركة مع سارتر فهي لا تقل عنه شهرة أو أهمية ولها قراءها وجمهورها ومحبيها وهي موضوع للكثير من الدراسات والأبحاث والأطروحات الجامعية ونشر عنها الكثير من الردود والنقاشات لآثارها بل وتفوقت في ذلك على ماكرس لحد الآن لجون بول سارتر. فهذا الأخير يظل مرجعاً لا يمكن إنكاره أو تجاهله لكن فكره وفلسفته دمغت بعامل الزمن وغدت لا تتوائم كلياً مع متطلبات المرحلة الزمنية المعاصرة في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين من عالمنا المعاصر. في حين نجد أن سيمون دي بوفوار تبعث على التجدد وتحث على إعادة إكتشافها من قبل الأجيال الجديدة وهناك إقبال منقطع النظير على روايتها Mandarins المندرين الحائزة على جائزة الغونكور الشهيرة عام 1954 أكثر من آثارها التنظيرية الفلسفية أو تنظيراتها للحركة النسوية حيث رافقت حركة تحرر المرأة وأحد قيادييها واليوم يستلهم جيل جديد من النساء المناضلات من أجل حقوق المرأة في العالم تجربتها النضالية، ففكرها لم يشخ ولم تعتريه التجاعيد فهي ما تزال على الموضة كما يقول الفرنسيون فحضورها دائم وصورها على الملابس والحقائب كأي بوب ستار من النجوم.

202 سارتر وسيمون

هناك حركة قوية لدراسة فكرها في الولايات المتحدة وأوروبا برمتها وترجمت كتبها إلى عدة لغات فهي باحثة وفيلسوفة ومنظرة وأديبة تسحر الدارسين والباحثين والطلاب الجامعيين فالاهتمام بها لايقل عن الاهتمام بآثار سارتر وهيغل ومارلوبونتي وليفي شتراوس ولاكان مع تميزها عن الرجال في بحثها في موضوع الأمومة رغم أنها لم تنجب أبداً بل تبنت طفلة ربتها كأبنتها، وبحث في الأمومة لايقل بداعة عن بحث ميشيل فوكو عن " الاغتصاب" لكنها اعترفت في مذكراتها أنها " جاءت بالمرتبة الثانية بعد سارتر إبان حياتهما المشتركة، وقد قبلت بهذه المرتبة لأن سارتر في نظرها عملاق ولكن في الولايات المتحدة يعتبرون سارتر هو الظل لسيمون دي بوفوار ويأتي في المرتبة الثانية . الفرنسيون يشعرون بتأثير سارتر عليها لكن الحركة النسوية العالمية تعتبر أن أطروحتها تفوق مساهمة سارتر خاصة في مجال حقوق المرأة ومعالجة السؤال الوجودي المهم " ما هي المرأة، و"ماذا يعني أن تكوني إمرأة" فوجودية سيمون دي بوفوار تتعدى حدود ما طرح في الكتاب المرجعي الأهم لجون بول سارتر وهو " الوجود والعدم، أو الكينونة والعدم" فهي تبتكر شكل آخر من الفلسفة الوجودية .

هي تفضل أن تقول عن نفسها أنها إمرأة كاتبة، وهي ليست إمرأة منزل تكتب فحسب بل شخص هيمن فعل الكتابة على كيانها ووجوده وحياتها، أياً كان شكل وفحوى ما تكتبه، بحث أو تنظير أو إبداع أدبي" فالكتابة هي التي تحكمها وتسير حياتها كما صرحت في كتابها " قوة الأشياء" متجاوزة مجرد السرد عن الذات . فنساء عصرها المعاصرات لها عرفن بمذكراتهن الكلاسيكية أما سيمون دي بوفوار فقد تخطت هذا الحاجز وكتبت "مذكرات لا يعادلها و لايشبهها مثيل . فلقد كرست معايشتها لحقبة زمنية امتدت بين 1930 و 1970 لتكتب تاريخياً حياً على نحو تجسيدي حيث تنغمس ذاتها في المسار التاريخي الذي ترويه وتحلله كشاهدة ملتزمة يختلف عما خطه يراع أندريه مالرو أو شارل ديغول وهم يتحدثون عن نفس هذه الحقبة الزمنية، بل ويختلف عما كتبته " جورج صاند في كتابها " قصة حياتي " .

عندما تصدت لكتاب " المذكرات" لم تكن تريد أن تقع في فخ السرد الحميمي للوقائع، فهذا لم يكن مشروعها و لا الغاية التي تنشدها أو تريد بلوغها فالمجتمع الذكوري يريد أن يتسلل للخصوصيات الحميمية للكاتبات من خلال مذكراتهن، أي معرفة الكتابات النسوية من هذه الزاوية الضيقة فحسب. أما سيمون دي بوفوار فقد تسامت على ذلك وطبع كلامها عن حياتها بعض البرود والحيادية مثل التشريح الطبي السريري لحالة معينة غير مألوفة في نظر المتلقين لنتاجات كاتبات تلك الفترة الزمنية من أمثال " كوليت " و "يورسينار" وهذه الأخيرة لم تتحدث عن نفسها البتة، وبالتالي فتحت دي بوفوار بأسلوبها وطريقتها الخاصة، الطريق أمام كاتبات من أمثال كامي لورنس وآني أيرنو لأنه لم تعد هناك حاجة لتزوير الوجود الحقيقي للكائن النسوي كما تقول، فالبعض من الكاتبات قمعن أنفسهن وامتنعن عن قول كل شيء وبصراحة، احتراماً لخصوصية أشخاص مهمين مايزالون على قيد الحياة، ولقد أخفت سيمون دي بوفوار ميولها السحاقية وعشقها لبعض النساء ولم تتطرق لهذا الموضوع على الإطلاق. فلقد كانت لديها علاقات غرامية مع بعض طالباتها مثل أولغا بيانكا وناتالي و ليز إلا أن العشيقات نشرن مراسلاتها وذكرياتهن معها وهو الأمر الذي بات عرضة لنقد العديد من زعيمات الحركة النسوية وانتقادهن لها، لكن تلك التجارب لم تكهن مهمة وعميقة بالنسبة لها فهي مجرد تجارب وظاهرة مست جيل معين من النساء في حين أن التفاصيل الجنسية الأنثوية غدت مركزية لدى الكاتبة فيوليت لودوك بل باتت هي المشروع الأهم للكتابة لديها ولم يكن هذا هو واقع الحال مع سيمون دي بوفوار.

هناك عدة أوجه لسيمون دي بوفوار وبالتالي هناك عدة قراءات لمذكراتها وأكثرها شيوعاً هي تلك التي تقودنا فيها إلى عالم جون بول سارتر كمصدر أساسي ومنبع رئيسي لحياتها الشخصية التي ارتبطت به وبالأخص مايتعلق بما عاشاه سوية إبان رحلاتهما الكثيرة التي وصفتها بدقة وبتفاصيل كثيرة. لم تتخلل مذكراتها الكثير من الدعابة لكنها لم تخل من السخرية والتهكم والمرارة" جلست على رصيف إحدى المقاهي في شارع أورليان ألقيت نظرة على الصحف : جريدة الفيغارو انتقدت التظاهرات، فيما أعلنت جريدة اللومانتيه الناطقة باسم الحزب الشيوعي أن عدد المتظاهرين تجاوز النصف مليون، إن ما خيب ظني هو أنني اعتقدت فعلاً وصدقت أن عدد المتظاهرين بلغ 500000 متظاهر ولكن..." . فهي " كاتبة تتصف بالبرود والصرامة" كما وصفها البعض، " كان قبر شاتوبريان يبدو أبهى على نحو متطرف في تواضعه المزيف، وللتعبير عن احتقاره، تبول سارتر فوقه" امتعض فرانسوا مورياك من الــتبول السارتري ، لكنني أعتقد أنه لم يكن مخطئاً" . كانت تخشى الشيخوخة وتشكل عندها هاجساً وتقول " بلغت الرابعة والأربعين وها أنا اشعر بأنني ركنت في بلد الظلال " وتحدثت عن إمرأة على أعتاب الشيخوخة وهي تداعب حلماً مع نيلسون آلغرن حيث حصلت على جسد حيوي وشباب مع كلود لانزمان الذي يصغرها بسبعة عشر عاماً، مع خشيتها من أن تلتحق بعالم ذوي البشرة الشائخة المتجعدة .فمعه عثرت على جسدها من جديد كما قالت في مذكراتها عنه. "عاد إلى باريس بعدي بإسبوعين وتعانق جسدانا في جو من الفرح وكان بمثابة انتصار الحرية على الانحطاط والهبود والانحدار، إن وجود لانزمان بالقرب مني يحررني من عمري الحقيقي". وهذه المرأة التي تحدثت عنها بصيغة الشخص الثالث هي سيمون دي بوفوار نفسها أي تتحدث عن نفسها وليس عن امرأة أخرى، وتجدر الإشارة إلى أنها وقعت في غرام ألبير كامو لكنه تجاهلها احتراماً لمشاعر سارتر وعلاقتهما وزمالتهما علماً بأن سارتر وسيمون دي بوفوار كان حرين تماماً في علاقاتهما الغرامية الجانبية .

تدوين التاريخ على الفور، كان شاغلها الأساسي خاصة فيما يتعلق برؤيتها والتزامها السياسي كإمراة موزعة بين جهات الأرض الأربعة، وخزن المعرفة والاطلاع على مجريات الأحداث بالتفصيل لمجريات القرن الماضي التي دونتها في لحظة وقوعها وكمثقفة مسؤولة حرصت على ألا تنسى شيئاً مستندة إلى كم هائل من الوثائق والمراجع والقراءة الكثيرة وتسجيل الملاحظات والتعليقات بصرامة مذهلة فلم ترتكب خطأ واحد لا في الأسماء ولا في التواريخ . فكتابة وتدوين الحدث فوراً ينم عن وعي متقدم، وشكل من أشكال الشجاعة، وهي تعرف إن أي تأخير يمكن أن يقود لأخطاء وهذا ما لا تغفره لنفسها. وهي كغيرها من جيلها من المثقفين كانت مفتونة بالشيوعية وبالفكر الماركسي ومستعدة لكي تغفر له أية زلة أو تجاوز أو انتهاك معنوي أو أخلاقي أو سياسي، حتى عندما يصطدم الحلم بالواقع وبالكاد، اعترفت بعد جرائم ستالين قائلة:" بدأنا نسأل أنفسنا إذا كان الاتحاد السوفيتي والديموقراطيات الشعبية تستحق تسمية الدول الإشتراكية". وخلال زيارة قامت بها برفقة سارتر إلى براغ سنة 1954 سجلت ملاحظات سمعتها بدون أن تقوم بتحليلها من قبيل :" مررنا أمام تمثال ضخم لستالين، وبدو استئذان أو تعليق قالت إحدى المارات بلهجة جافة: كلا هذا لايعجبنا أبداً " و " في أثناء زيارتنا لإحدى مكتبات براغ العامة اقترب منا أحد الموظفين الإداريين في المكتبة عندما وجد نفسه وحيداً برفقتنا دون رقيب وهمس لنا فجأة في آذاننا قائلاً : تحدث هنا أشياء رهيبة في هذا الوقت". وبعد سنتين شهدت سحق التمرد الجماهيري في بودابست في هنغاريا وعلقت :" كانت صدمة كبيرة لنا ونحن نطالع صحيفة فرانس سوار في أحد اكشاك بيع الصحف والمجلات في ساحة كولوما وقرأنا هذا العنوان : ثورة في هنغاريا" الجيش السوفيتي والطيران يهاجمان المتمردين شعرنا بانفعال نفسي دون أن نفهم ما يحدث " وكانت سيمون دي بوفوار من أصدقاء الحزب الشيوعي الفرنسي دون أن تنتمي إليه ولقد أدركت مدى ثقل الدعاية هي وسارتر وقالت: الصحافة الشيوعية توغل في الكذب وتتحدث عن " ابتسامة بودابست بقلم أندريه ستيل وهي لا تزال غصة في حلقونا وحناجرنا " وعلينا أن ندافع عن المثال ونتجاهل مصير الناس. وكانت قد كتبت في كتابها " قوة الأشياء" سنة 1963 أن الصين هي البلد الكبير الوحيد النامي الذي انتصر على الجوع" متناسية القفزة الكبيرة إلى الأمام سنة 1958 عن المجاعة المنظمة التي تسببت بهلاك 20 مليون نسمة. ولم تعترف باضطرابها إلا متأخراً وأعلنت عن خيبتها من صين الرئيس ماوتسيتونغ عندما أعلن الثورة الثقافية " فلم يشرح لنا أحد على نحو مقتنع ماذا تعني تلك المفردات حقاً التي تسودها التناقضات". لكنها تظل قريبة ولصيقة بمفهوم " الإنسان الجديد الذي تحدث عنه ماركس وكان يأمل في ظهوره . وامتنعت عن منح الصين تلك الثقة العمياء التي أعطتها قبل ذلك للاتحاد السوفيتي .

ومن معاركها الفكرية والإعلامية في محاربة العنصرية والنزعة الاستعمارية الفرنسية خاضت سيمون دي بوفوار وبجرأة وصراحة وعلنية معركة شرسة فيما يخص معركة الجزائر ونضال الشعب الجزائري من أجل الاستقلال وتميزت بوعي عالي إزاء هذا الحدث التاريخي بخلاف الكثير من مثقفي فرنسا الذي تصرفوا بجبن وخوف وخشية من السلطات الاستعمارية لبلادهم بل وشاطروها توجهاتها وسكتوا على جرائمها. لقد شعرت بالذنب حيال جرائم الحكومة الفرنسية المستعمرة خاصة سلوك اللامبالاة الذي أبداه الشعب الفرنسي ومثقفيه تجاه هذه الجريمة وقالت بهذا الصدد:" احتقرنا وحقدنا أولاً على بعض الشخصيات وبعض الحركات السياسية، ومن ثم تعين علينا تدريجياً، شيئاً فشيئاً، أن نرى مدى عمق التواطؤ المذل والمهين الذي أبداه مواطنونا في بلدنا الذي غدا بمثابة منفى لنا ولمن يحمل الوعي والموقف الحر. فهؤلاء الناس في الشارع وفي الرأي العام القابلين بهذا الفعل الإجرامي أو الساكتين عنه كانوا كأنهم شركاء للجلادين ضد العرب والجزائريين وكلهم مذنبون وأنا منهم لأنني لم استطع أن أفعل شيئاً ولأنني فرنسية ". ولقد زجت نفسها شخصياً بقضية محاكمة المناضلة الفرنسية جميلة بوحيرد أو جميلة بوباشا كما يسميها الفرنسيون وهو مناضلة في حركة التحرير الجزائرية التي أغتصبت وعذبت داخل السجون الفرنسية، ولقد تعرضت سيمون دي بوفوار للتهديد وتم وضع عبوة ناسفة في بيت سارتر الذي كانت تشاركه العيش فيه من دون زواج في 42 شارع بونابارت في باريس . ونددت بالقمع والاضطهاد والتعذيب الذي تمارسه السلطات الفرنسية الاستعمارية ضد الجزائريين الرافضين للاستعمار حتى أنها قارنت سلطات بلدها بالنازيين ووصفت سياستهم بأنها سياسة نازية مما جعلها تعلن أنها تكره هذه الــ " فرنسا التي لم تعد تعرفها" وتشعر بالعار أنها فرنسية، وهذا موقف خطير في بلد يخوض حرباً . وأضافت :" لم أعد احتمل هذا النفاق وهذه اللامبالاة من جانب بلدي حيث لا استطيع أن أخرج من جلدي، وأنا أستحق كره الجزائريين لي وللفرنسيين الذباحين وقتلة الأطفال والشيوخ والعجائز والأطفال، لأنني أستطيع أن أرقد بهدوء وأكتب وأتمتع بالتنزه وقراءة كتاب بأمان وفي الجانب الآخر ترتكب جرائم بشعة بحق أبرياء" .

لقد لعبت هي وسارتر دوراًَ كبيراً ومشرفاً في أحداث ثورة الطلاب سنة 1968 رغم تقدمهما في العمر. سردها الشخصي للذكريات يتخذ سمة الجمع وكأنها تقول " نحن" معبرة عن جيل كامل بل عدة أجيال، وحتى خصمها اللدود فرانسوا مورياك قال" لاشيء يمنعني أن أقول أن قصتها هي قصتي فالعودة لذكرياتها وروايتها بأمانة هي عودة لذكرياتي ". نصوص المذكرات جسدت قوة شخصية هذه الروائية والباحثة والمفكرة والفيلسوفة والمناضلة التي هي سيمون دي بوفوار .

 

د. جواد بشارة

.....................

La Pléiade (Gallimard

Mémoires, Simone de Beauvoir

Écrit par Sylvie Le Bon de Beauvoir, sa fille adoptive, l'album 2018 lui est consacré

 

198 فالح عبدالجبارالمنابع الاجتماعية والثقافية للعنف: مثلما يُمكن لنا أن نؤرخ للماضي والحاضر على أنهما نزوع نحو البناء، يُمكن لنا في الوقت ذاته أن نؤرخ للماضي والحاضر بوصفهما تاريخ هدم وتقويض وإفناء.

في كتابه "الأحوال والأهوال" يكشف لنا فالح عبدالجبار عن حُسن المآل في حال غياب الأهوال، ولكن حُسن هذا المآل لا يتم ولا يكون له كون إلَا بإتقان الإنسان لبناء الحال (الواقع) وتكييف علاقته مع الآخر المكون المُجتمعي للوطن اجتماعياً لا فقط جُغرافياً، هذا المُكون المُغاير أثينياً في التوجه الوطني، أو العقائدي، أو الطائفي، أو الطبقي، بل وحتى القومي أو العرقي، واللغوي، وصولاً للأممي، هو المُتمم الأصيل لوعي الذات بتراثها بكل ثراءه وتنوعه، فلا وجود لذات نهلت من منبع واحد، ولكن في المنبع مياه تتغير بين الحين والحين، وفي تكوينها معادن وبعض من بقايا صلصال وطين.

في مبحثه الأول يضع عبدالجبار مبحث: تأمل الذات، يتناول فيه مسألة الهُوية، والإنغلاق أو التقوقع حول الأنا (الخصوصية، الأصالة). ولك عزيزي القارئ فهم ووصل فيما نعيشه من تأثير وفعل تغيير نحو السلب فيما نعيشه من مُعاناة وتقتيل وتشريد من ذوي التوجهات السلفية ممن يدعون خصوصية، ويبنون الأصالة بوصفها عود على بدء، وبداية من صفر النقاء في التحليل والتحريم المُحمدي (الرسالي) مُتناسياً بقصد بُعد التنزيل التاريخي الذي تفاعل الرسول النبي بكل حمولة التبليغ الوحياني (الرباني) للتجاوب مع المُشركين في صلح الحديبية لدرء فتنة وللم شمل أبناء الأمة الواحدة وفض النزاع بين أولاد العم من القرشيين، فآثر الاستجابة لطلب القرشيين من المُشركين، فقبل بمخاطبة مُخالفيه بأنه بمحمد بن عبدالله، وهو نبي الله، لتجنب الفتنة وللوقاية من حرب بين أقرب المُقربين من المُتخاصمين، وهم في الأغلب الأعم أبناء عمومة وتربطهم صلة غريزية هي صلة الدم.

في المبحث الثاني: تأمل العالم، يطرح عبدالجبار رؤيته لكيفية إنتقال العُنف من القومي إلى الكوني، حينما إنفلت عقال التوصيف الوطني والقومي للهُوية، فخرجت عن إطار التحكم التقليدي وسيطرة الدولة التقليدية في مفهومنا عنها بوصفها دولة ذات سيادة، لتكون الدولة، كل دولة، خاضعة لقوانين دولية، سياسية أو مالية (اقتصادية) تفرض عليها الشركات مُتعدية ومُتعددة الجنسية شروطها في إنعاش اقتصادها الداخلي، أو تركها تدور في فلك الصراع الداخلي أو الإقليمي، لا سيما الدول الريعية ذات الدخل الواحد، وبالأخص دولنا العربية (النفطية)، فلم يعد مفهوم السيادة كما عهدناه في كتابات ورؤى القوميين والوطنيين ممن يرومون ىبناء دولة مُستقلة بعيدة عن التأثيرات الخارجية (الإقليمية والدولية)، فلم يعد مفهوم المواطنة كما عرفناه ضمن توصيفات الأنظمة الاستبدادية، بل وحتى الأنظمة الوطنية أو القومية الفردية، فنحن اليوم نعيش في مُجتمع مُتعدد الثقافات، مُجتمع "عولمي" تحكمه إرادات لا توصيف ولا تصنيف "هوياتي" لها، فالمجتمع الذي يجري عكس سير تحولات "الكوكبية" إنما هو مُجتمع يجلس أصحابه في قطار "الكوكبة" عكس اتجاه السير، ولكن القطار يسير بهم، شاءوا أم أبوا، فلا وجود لاقتصاد محلي، ولا لثقافة محلية، ولنظام سيادة تقليدي، ولا لنظام علاقات دولية في إشتراطات للدول، إنما هي فقط إشتراطات تحولات نٌظم الاقتصاد والمعرفة والسياسة والثقافة في ظل النظام العولمي الجديد، ولا مخرج لنا في العناد والرفض، أو ممارسة العُنف، إنما المخرج الوحيد لنا هو في فهم "لُعبة الأمم" في ظل النظام الجديد، وفهم آلياته وطُرق التساوق معه في الحفاظ على الهوية الوطنية، وفي الوقت ذاته لا نفقد بفعل لعب الجاهلين بمُمكنات "اللعب السياسي" الإفادة من الثورات المعرفية في "المعلوماتية" (الإنفوميديا) أو في الثورة الجينية، أو ما سُميَ بـ "الهندسة الوراثية" والتحكم في مسيرة تقدم الجنس البشري كي نسير وفق إشتراطاتها العلمية، ولا نلتفت لمقولات الصراع والصدام التي صنعها دُعاة "الحرب" من أمثال هنتنغتون في كتابه "صدام الحضارات" التي لا زالت تُثبت نجاحها بفضل تنامي الجهل والغباء المُتوارث من الذي جعلوا من أنفسهم وهم جهلة فظنوا بأن الإسلام لا وجود له إلّا بوجود جهلة يدّعون أنهم ممن حققوا تقدماً وتعريفاً بدين الإسلام بوصفه دين إرهاب لمن عاداه، فظلوا يعدّون العُدَة ومن رباط الخيل، لأنهم لا يرومون تغيير القلوب وكسب العقول، إنما يرومون الغلبة وقهر العدو يتخذون من قوله تعالى "تُرهبون به عدو الله وعدوكم..."

في المبحث الثالث ينتقد فالح عبدالجبار علي الوردي وتبنيه لثنائية الصراع بين (البداوة) و (الحضارة). فقلما تجد سلطة لدولة في أوطان استحكمت فيها (البداوة) والحلول محلها، والوردي يرى أن المشكل العراقي في التخلف يكمن في تمكن (البداوة) بقيمها من تشتيت قيم (الحضارة) على قاعدة أننا (تيهانا المشيتين)، فكل نجن العراقيون (أفندي وعكاله بجيبه).

تبدأ الحكاية حينما يرى البدو ما يعيشه أبناء الحضر من رفاهية وثراء، فثراء (الحضارة) يُغري أهل (البداوة)، ولما في (البداوة) من عصبية، فهي تسعى للوصول للمُلك، ومع المُلك يأتي الترف، ومن ترادف علاقة المُلك بالترف، تخف رابطة العصبية، وسيكون بعد حين صياع المُلك. ولن أخوض في تحليلات فالح عبدالجبار لإختلال دائرة التوازن بين ذوي "العلاقات الزراعية" والعلاقات "الرعوية"، ولكن ما ينبغي الإشارة له هو إختلال هذه العلاقة مع تبادل الأدوار وتقلباتها بين من هم من ذوي "العلاقات الرعوية" ممن أصبحوا ممن هم من ذوي "العلاقات الزراعية"، لأن ظهور البارود قد قلب المعادلة وخلخل موازينها في العلاقة بين البداوة والحضارة أيام تمكن العثمانيون من الهيمنة وبناء دولة الخلافة الإسلامية من جديد.

وضع ملاحقاً لكتابه هذا أولها كمبحث رابع دراسة لرؤى جون لوك في كتابه "رسالة في التسامح" التي أكد فيها على دور الحاكم في الحفاظ على "السلم المُجتمعي" أو "السلام المدني"، ومحاولته فصل الكنيسة بوصفها "سلطة دينية" من حقها وضع قوانين لها وللمُعتنقين لمذهبها تُنظم شؤونها الداخالية وشؤون من يرتبط بها، ولكن ليس من حقها جعل قوانينها الخاصة هذه بمثابة قوانين عامة لكل أفراد المُجتمع، حتى من هم خارج أطار الإعتراف بسلطتها الدينية، وللفرد حُرية المُعتقد، وعلى الدولة (الحكومة) إحترام حُريته هذه، إن كان لا يوجد في هذه الحُرية ما يمس أمن وسيادة الدولة، فلا يقوم للقوم قوم إن لم يؤمنوا بمبدأ التسامح بين أصحاب الأديان والمذاهب المُتخالفة، أو المُتصارعة.

لفالح عبدالجبار وقفة مع كتابه، أو رسالته "نحو السلام الدائم"، وهو رؤية مثالية حالمة يطرحها (كانت) لتحقيق سلام دائم بين الدول والأمم، تقوم على احترام الحُريات، ولأن حالة الحرب هي الحالة الطبيعية كما ذهب إلى ذلك (توماس هوبز) ويذهب كانت إلى مثل هذا الرأي، فتحقيق السلام مرهون بتوافق الأمم على دستور جمهوري يحترم الحريات العامة، قرار الحرب فيه يتخذه مُمثليها في (البرلمان)، والأفضل لمثل هذه الشعوب التي تؤمن بالنظام الجمهوري أن تتفق على حلف سماه كانت "حلف الشعوب"، تحترم فيه كل دولة داخلة ضمن هذا الحلف تقاليد وأنظمة وقوانين الدولة المُتحالفة معها، ويستقبل كل منهم أفراد الدولة الأخرى وفق ما تقتضيه حقوق الإكرام والضيافة، مع السماح بعقد تحافات تجارية "استثمارية" بين مُستثمري هذه الشعوب المُتحالفة، وصولاً بعد ثقة عبر التواصل والتصاهر والاستثمار المتبادل لإلغاء الجيوش الدائمة...ألخ (يُنظر بحثنا المنشور في صحيفة المثقف الألكترونية في 17/5/2018: الفلسفة والسلم المُجتمعي).

ليستكمل بناء رؤيته لنقد المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف، يُحاول فالح عبد الجبار أن يطرح بديلاً لهذه الرؤية عبر الإفادة من أراء ومساعي المهاتما غاندي لنظريته في "اللاعنف" وتطبيقها في النضال ضد الإستعمار، ونجاحها الحيوي في الترويج للـ "الأهيمسا"، أو المذهب الهندوسي الداعي للضرورة تجنب العُنف، أو إيذاء أي كائن حي، لأن كل كائن حي إنما هو "مظهر من مظاهر الإله" (أشاريا فينوبا: اللاعُنف، دار الروائع، بيروت، بلا، ص13).

 

 

صباح شاكر العكامالاغتيال هو عملية قتل متعمدة تستهدف شخصية ذات تأثير فكري أو سياسي أو عسكري، ويكون الاغتيال لأسباب عقائدية أو سياسية أو اقتصادية، ولا يشترط أن يكون الاغتيال بإطلاق الرصاص على الشخص المراد قتله، وإنما قد يكون الاغتيال بالسم أو المتفجرات أو عن طريق حوادث السيارات .  

صدر عن دار قناديل للنشر والتوزيع للكاتب البصري فايز الخفاجي كتابه الموسوم (الرصاص السياسي في العراق) مسلطاً الأضواء على أشهر الاغتيالات السياسية في العراق للفترة الممتدة من تأسيس الدولة العراقية سنة 1921م وحتى الاحتلال الامريكي للعراق سنة 2003م وهو من الحجم المتوسط وبجزئين .

في الجزء الاول والذي عدد صفحاته 263صفحة تناول فيه المؤلف الاغتيالات السياسية في العهد الملكي، وأن أول اغتيال تم قبل قيام العهد الملكي للمواطن (محمد شريف الفاروقي العمري) وهو في طريقه بين الموصل وبغداد . ثم تلاه اغتيال مفتش الشرطة اليهودي (سلمان روبين حبه) في بغداد على يد (إبراهيم جايد) . ثم اغتيل (حامد محمود البدري السامرائي) في اول يوم لتسلمه متصرف للموصل .

أما أول اغتيال سياسي تم في العهد الملكي فكان للشخصية السياسية (توفيق الخالدي) والذي شغل منصب وزير الداخلية في حكومة عبد الرحمن النقيب الثانية سنة 1924م، وقد اغتيل في بغداد بإطلاقات نارية من مسدس، وقد تضاربت الاخبار سبب مقتله . ثم اغتيل مدير الداخلية العام (عبد الله الصائغ) على يد الشيخ (عبد الله الفالح السعدون) في مكتبه بوزارة الداخلية سنة 1932م، حكم على القاتل بالإعدام ولكن صدر عفو عنه من قبل الملك فيصل الاول . ثم اغتيل وزير الدفاع في حكومة ياسين الهاشمي (جعفر العسكري) سنة 1936م على أثر انقلاب بكر صدقي . ثم اغتيال (ضياء يونس) الذي كان يعمل في سكرتارية مجلس الوزراء، بإطلاق النار عليه من سيارة مسرعة في منطقة البتاوين في بغداد في سنة 1937م، وقد تضاربت الاخبار سبب مقتله . ثم اغتيال (علي رضا العسكري) شقيق جعفر العسكري والذي وجد ذبيحاً في داره في سنة 1937م . ثم اغتيال (بكر صدقي) قائد الانقلاب العسكري على يد نائب العريف عبد الله التلعفري في مطعم مطار الموصل اثناء سفره الى تركيا سنة 1937م . وفي سنة 1939م قتل الملك غازي بحادثة سيارة، وقد بقيت حادثة مقتله مثار جدلاً بين المؤرخين، فذكر بعضهم ان الحادث كان مدبر للتخلص منه، والبعض الآخر ذكر ان الحادث بسبب تهور الملك في قيادته لسيارته . ثم اغتيال (رستم حيدر) اللبناني المولد، والذي شغل عدة مناصب حكومية في الدولة العراقية أخرها وزيراً للداخلية، والذي اغتيل على يد مفوض الشرطة حسين فوزي توفيق في مكتبه بوزارة الداخلية سنة 1940م، وقد اعتبرت جريمة القتل جنائية واعدم القاتل . ثم اغتيل قاضي محكمة جزاء الحلة (ياسين الشيخلي) على يد المحامي (موسى الاعرجي) عندما اطلق عليه اربعة اطلاقات من مسدسه داخل المحكمة في سنة 1952م، وقد حكم على القاتل بالإعدام ونفذ به .

أما أشهر الاغتيالات التي حصلت في العهد الجمهوري (1958م – 1968م)، فقد اغتيل (سعدون الناصري) مسؤول الشبيبة الشيوعية في تكريت سنة 1958م على يد صدام حسين التكريتي بتحريض من خاله خير الله طلفاح . ثم اغتيل (ممدوح سيد حسني الآلوسي) وهو شيوعي وعضو الهيئة الادارية لنقابة المعلمين، وقد اغتيل سنة 1960م في المنطقة الواقعة بين الحرية والكاظمية بتحريض من خير الله طلفاح . وفي 8 شباط 1963م اغتيل قائد القوة الجوية العراقية (جلال الاوقاتي)، ليكون ساعة الصفر لانقلاب 8 شباط، على يد اربعة اشخاص من الحرس القومي . ثم اغتيل (ماجد محمد أمين) المدعي العام في محكمة الشعب الذي كان يرأسها فاضل عباس المهداوي، وقد تم الاغتيال في منطقة تقع بين الصويرة والزبيدية . ثم اغتيل (جورج حنا تلو) عضو المكتب العسكري للحزب الشيوعي العراقي، الذي اغتيل على يد مجموعة من الحرس القومي سنة 1963م . ثم اغتيل (عز الدين اللافي) وهو ضابط أمن في عهد عبد السلام عارف، وقد صفي من قبل جهاز حنين التابع لحزب البعث سنة 1966م في منطقة الشواكة في بغداد .

تم تصفية عدد من الطيارين العراقيين من قبل الموساد الاسرائيلي لرفضهم سرقة طائرة (ميك 21) والهروب بها الى اسرائيل والطيارين هم :1- النقيب الطيار شاكر محمود يوسف .2- الملازم الطيار حامد ضاحي . 3- الرائد الطيار حامد غلوب .

أما أشهر الاغتيالات السياسية في عهد أحمد حسن البكر(1968م – 1979م)، فتم اغتيال (ناصر الحاني) الذي اصبح وزيراً للخارجية بعد انقلاب 17 تموز 1968م لغاية 30 تموز 1968م، ثم عين سفيراً في لبنان، وعند عودته الى العراق اعتقل من قبل الامن العامة وعذب حتى الموت .

كما تم تصفية عدد من قادة الحزب الشيوعي العراقي في سنة 1970 ومنهم :

1- كاظم الجاسم، فلاح من الحلة وعضو لجنة الفرات الاوسط .

2- عزيز حميد، خريج كلية الاقتصاد في معهد كارل ماركس في بلغاريا .

3- الشيخ علي البرزنجي، عضو الفرع الكردي واللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي .

4- ستار خضير،عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الذي اطلق الرصاص عليه في الشارع ونقل الى المستشفى واجريت له عملية جراحية، وبعد ان تحسنت حالته الصحية دس له السم وهو في المستشفى .

5- محمد الخضري، اختطف من قبل عناصر حزب البعث في بغداد واطلقت عليه عدة اطلاقات ووجدت جثته ملقاة في ناحية بلد .

كما تم تصفية الشيخ عبد العزيز البدري السامرائي، الذي كان رجل دين ومن مؤسسي (حزب التحرير) وعند انسحابه منه أسس (الحركة الاسلامية)، وبسبب خطبه في صلاة الجمعة التي ينتقد فيها النظام اختطف وعذب في قصر النهاية عذاباً شديداً ثم اطلقوا عليه رصاصات فاردوه قتيلاً .

كان (علي عبد السلام) من المشاركين بحركة الشواف سنة 1959م، حكم عليه بالإعدام وهرب الى سوريا، ثم عاد الى العراق بعد عام 1963م ومنح رتبة (رائد) في الجيش، تقلد عدة مناصب حكومية رفيعة حتى انقلاب 17 تموز 1968م حيث اعتقل، عذب عذاباً شديداً في قصر النهاية ثم اطلق عليه عدة رصاصات اردته قتيلاً .

في الجزء الثاني من الكتاب والذي عدد صفحاته 254 صفحة، يحوي اشهر الاغتيالات السياسية التي حصلت بين عامي 1979م و2003م .

كان العالم النووي المصري (يحيي المشد) من ابرز العلماء العاملين في المشروع النووي العراقي، ارسل الى فرنسا بمهمة رسمية، عثر عليه جثة هامدة مهشمة الرأس في غرفته بأحد فنادق باريس يوم 13 حزيران 1980م، وكان اغتياله من قبل الموساد الاسرائيلي .

كان (شوكت عقراوي) أحد السياسيين الكرد المناوئين لنظام البعث، اغتيل بسم الثاليوم الذي دس له في كوب العصير الذي قدم له عند استدعائه لدائرة الأمن العامة في بغداد . أما (صالح اليوسفي) عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني ومسؤول الفرع الخامس للحزب في بغداد، في 25 حزيران سنة 1981م اغتيل بطرد بريدي سلم له في داره، والذي انفجر بعد ثواني من استلامه .

كان (عبد الامير ناجي) معاون مدير عام في مكتب العلاقات العامة، والذي قام بالكثير من الاعتقالات والاغتيالات، احيل على التقاعد سنة 1971م واغتيل سنة 1982م على يد شخصين تابعين لحزب الدعوة الاسلامية .

كان (الشيخ ناظم العاصي) احد شيوخ عشيرة العبيد في الحويجة، اتهم بالمشاركة في تدبير انقلاب ضد الحكومة، في حزيران سنة 1983م دس له السم في سحوره من قبل شخص مصري جاء بحجة طلب العلم على يد الشيخ .

كان(محمد تقي الخوئي) نجل المرجع الشيعي السيد ابو القاسم الخوئي، الامين العام لمؤسسة الامام الخوئي الخيرية في لندن، في طريق عودته من كربلاء الى النجف، نصب له كمين بشاحنة كانت تنتظره على جانب الطريق، فسحقت سيارته واشعل فيها النار، فقتل من كان في السيارة .

كان (عبد الله فاضل عباس السامرائي) وزيراً للأوقاف والشؤن الدينية، اعفي من منصبه سنة 1993م، اغتيل في 11 كانون الثاني 1997م بوابل من الرصاص عند خروجه من منزله، وفي سنة 2010م اعلن عن المجموعة التي قامت بعملية الاغتيال .

كان (الشيخ مرتضى البروجردي) احد مراجع الدين في النجف الأشرف، في 21 نيسان سنة 1998م اغتيل من قبل شخص يحمل مسدساً ويسير خلفه وهو في طريقه الى داره بعد صلاة العشاء .

كان (الشيخ علي الغروي) احد مراجع الدين في النجف الأشرف، في 18 حزيران سنة 1998م اغتيل الشيخ، اغتيل بإطلاق الرصاص عليه من قبل اشخاص كمنوا له في الطريق بين كربلاء المقدسة والنجف الأشرف فقتل مع صهرة ومن كان معه .

كان السيد (محمد محمد صادق الصدر) من مراجع الدين الكبار في النجف الأشرف، وكان له عدد كبير من المقلدين وفي كل انحاء العراق، قام بإعادة صلاة الجمعة للشيعة بعد توقفها لقرون، فالتف حوله جمهور كبير من الشيعة، وكان يلقي خطبه في مسجد الكوفة ينتقد فيها بعض الظواهر الشاذة في المجتمع، في يوم الجمعة 19 شباط 1999م غادر السيد مكتبه متوجهاً الى منزله في منطقة الحنانة في النجف الأشرف بسيارة مع نجليه (مصطفى ومؤمل) وقرب ساحة ثورة العشرين امطرت سيارة مسرعة سيارة السيد ونجليه بوابل من الرصاص ادت الى مقتلهما .

وثق الكتاب بجزئيه أشهر الاغتيالات التي حصلت خلال نصف قرن من تاريخ العراق، وكان اغلبها خلال العهد الجمهوري وخاصة الفترة التي حكم فيها حزب البعث بعد 1968م، ولكن المؤلف لم يذكر في الكتاب حوادث اغتيالات سواء تمت خارج العراق مثل اغتيال طالب السهيل وحردان عبد الغفار التكريتي وعبد الرزاق النايف ومهدي الحكيم وغيرهم، او التي حصلت داخل العراق للعناصر الشيوعية او لكوادر حزب البعث القيادية (اعضاء قيادة قطرية أو اعضاء مكاتب وفروع) والتي حصلت اما بحوادث السيارات او بالسم او بالتعذيب حتى الموت وهي كثيرة جداً، وقد ذكر المؤلف في مقدمة الجزء الثاني أن بعض الاغتيالات قد ذكرت في كتابه (بعثيون من العراق اغتالهم صدام) .

  

صباح شاكر العكام

    

معمر حبارسبق لي أن قرأت كتاب: « Misère de la Kabylie » لـ: ألبير كامي، وعرضته عبر مقال بعنوان: "ألبير كامي.. يرفض ذكر الجزائر"، بتاريخ: السبت 09 شعبان 1438، الموافق لـ 6 ماي 2017 ، لمن أراد أن يعود للمقال. واليوم أعرض قراءتي لكتابه الثاني، وهو:

Albert Camus « Chroniques algériennes », TALANTIKIT, Bejaia, Algérie, 2016 contient 192 Pages

فكانت هذه القراءة:

1. صدرت المقالات في هذا الكتاب إبّان الثورة الجزائرية 1954-1958، بالإضافة إلى مقالات تعود إلى سنة 1939 ولم أتطرق إليها واكتفيت بالتي صدرت إبان الثورة الجزائرية.

2. كان ألأبير كامي معاديا للثورة الجزائرية وللمجاهدين ويدعو إلى قمعها.

3. لا يعترف بالأمة الجزائرية و يقول: "لم يوجد بعد أمة جزائرية!".

4. لايعاتب الاستدمار الفرنسي على النهب والسطو والقتل الممارس ضد الجزائريين، بل يعاتبه لأنّه لم يستطيع استيعاب الجزائريين.

5. حين يتحدّث عن الجزائر يقول: "عرب الجزائر" و"الدولة الافتراضية".

6. يقول: لايمكن الآن منح الاستقلال للجزائر ولا يوجد دولة في العالم ستحتضنهم.

7. يطالب بإدراج الجزائر ضمن الامبراطورية المسيحية لأنّه في نظره لا يوجد إمبراطورية عربية.

8. يعتبر استقلال الجزائر من مظاهر سيطرة الاتحاد السوفياتي ولذلك يطالب بمحاربة استرجاع السيادة للجزائر.

9. يصف استرجاع السيادة الوطنية الجزائرية بـ: "المطلب غير عقلاني !".

10. يطالب وبقوة بضرورة حفظ "حقوق الفرنسيين !" في الجزائر ولم يطالب أبدا بحقوق الجزائريين.

11. يعترف بالأمة الفرنسية ولا يعترف بالأمة الجزائرية.

12. يدعو إلى عدم التنازل عن "حقوق الفرنسيين !" في الجزائر.

13. يدعو إلى "عدم الخضوع للعنف الممارس حاليا !" وهو يتحدّث عن الثورة الجزائرية سنة 1958 والمجاهدين الجزائريين.

14. يعتبر ألبير كامي أخطر على الجزائر من الجلاد ماصو، والمجرم بيجار، والسّفاح أوساريس، واللّص ديغول، لأنّ هؤلاء أظهروا عداوتهم وذكروا جرائمهم تجاه الجزائر والجزائريين، بينما كامي غلّف عداوته واحتقاره ومحاربته للجزائر والجزائريين بغلاف المساواة والانسانية والأخوة.

15. ولد ألبير كامي في الجزائر وعاش في الجزائر ولا يعترف بالجزائر كدولة وشعب وتاريخ، ولم يذكرها أبدا على أنّها كذلك.

16. يتباهى بالفرنسيين والغربيين المحتلين الذين ولدوا بالجزائر المحتلة ويفتخر بهم أيّما افتخار، ويوصيهم بالدفاع عن احتلال الجزائر لأنّها في نظره أرضهم ووطنهم.

17. ظلّ طيلة صفحات الكتاب يمجّد الاستدمار الفرنسي ويدعو لتكريسه وتثبيته.

18. يعتبر ثورة 1 نوفمبر: خصم، و الحرب المدمرة، والصراع الجزائري، وانطلاق الإرهاب، والإرهاب الذي يقتل المدنيين.

19. يعتبر المجاهدين: المجنون المجرم.

20. يصف الجزائريين الذين سقطوا في مجازر 8 ماي 1945 بـ: المجانين المجرمين

وينصح أن تعيش الجزائر في تبعية مطلقة لفرنسا.

21. يصف جمعية العلماء بالطائفة، و يضع فرحات عباس فوق الجميع وقبل الجميع.

 

معمر حبار - الشلف - الجزائر

 

 

186 ديفداسصدرت حديثاً عن دار أمل الجديدة للنشر بسورية، النسخة العربية لرواية "ديفداس "للكاتب الهندي "سارات تشاندرا" من ترجمة مشتركة للشاعرين السوري نوزاد جعدان والعراقية سميرة سلمان، وجاءت الترجمة فى 225 صفحة من القطع المتوسط، مصحوبة بتقديم خاص بالرواية وأخرى تتضمن السيرة الذاتية لسارات تشاندرا.

و تجسد الرواية بحسب تقديم المترجمين نداء لمقتل الحياة الفطرية والطبيعية لسكان القرى وانصهارها بحياة المدينة الصاخبة التي تقتل كل عاطفة فطرية، إنها مقارنة بين خبز الريف الساخن وأحجار المدينة الباردة، عبر شخصية الإنسان الريفي والبرجوازي" ديفداس الذي يتغير من طبيعته القروية الصادقة إلى المدنية المخادعة وحين يقرر العودة إلى الوراء وإلى صفاته المثلى المتمثلة بحبيبته " بارو " ضميره الحي ؛ يخسر نفسه ويشعر أنه لم يعد هو ذاته الذي في مرايا المدينة، إنها رواية ترصد المناخ العام لقصص الحب التي انتهت بنهاية غير سعيدة في بداية القرن العشرين وسط العادات والتقاليد البالية والطبقية المجتمعية. وأكثر ما يميز شخصية ديفداس عامة والرواية بشكل خاص، هو أن الشخصية موجودة في حيزها وفضائها المناسب، فهو يقوم بالأمور والمواقف فقط لمجرد وجوديته، والمزاجية في شخصيته وقسوته وعدم امتلاكه لهدف في الحياة إلى جانب اصطدامه بحب غير متحقق، . ديفداس الذي كان يروم الفوز بالحب وحظي به ولكنه لم يتوج بالزواج، التردد المشحون بالغضب جعل منه شخصية عنيدة وزئبقية، وبالتالي، كيف لها أن تصبح رمزا وأن تصبح كناية عن الشخص المحب والعاشق الولهان، الجواب المحتمل يكمن في مرونة الروائي بمعالجة الشخصية وتوظيف العالم الذي يحيط به، ليكون نصا مفتوحا جذابا، فكلما عاشت الرواية في عقلك تقارنها موضوعياً بقصة حب مررتَ بها، ولتجسد انعطافا خياليا ومرجعيّا لأي قصة تريد أن تخترعها.

القصة المحددة بين الثالوث ديفداس و حبيبته بارفاتي و الراقصة جاندراموكي و الطريقة التي ظهرت بها عام 1917 ، تشبه إلى حد ما القصص التي من المحتمل أن تحدث معك . الحب والخسارة والعزلة والدمار التي تعانيه الشخصية يمثل مزيجا للمكون الإنساني الموجود بداخل كل شخصية والتي من الممكن أن يستعير كل منا جزءا خاصا به كنوع من الخلق الفردي وهذا بالضبط ما يبقي خياراتها مفتوحة لأي تحول ثقافي سواء أكان مقتبس أو طبعة جديدة، وبهذه المرونة تتجسد عظمة الرواية، وذلك بالتأكيد واحد من الأسباب التي جعلت الرواية تحظى بالشهرة العالمية من أول تحوير سينمائي لها.

هذه الرواية القصيرة و التي ذرفت من دموع الناس ما لم تفعله الحروب تعد إحدى كلاسيكيات الأدب الهندي ، كُتبت برشاقة وتناغم، وتتخللها جمل شاعرية، كما تطرح عدة تساؤلات حول مكانة المرأة في عالم سارات بالإضافة إلى إنها دعوة إلى انتحار الإقطاع والبرجوازية وانحلال الطبقية المجتمعية سيما عبر شخصية ديفداس البراجوازية التي تهلك نفسها عبر إدمانها للكحول.

ولد سارات تشاندرا في قرية صغيرة تدعى ديبأناندبور في البنغال الغربية في الخامس عشر من شهر أيلول عام 1876، و تبوأ إثرها طليعة رواد الحركة الواقعية في الأدب التي لاقت رواجا هائلا، نشرت رواية ديفداس بطبعتها الأولى عام 1917 باللغة البنغالية، وكان سارات قد كتبها وهو في أوج عنفوانه الروائي وشهيته نحو الكتابة، ولكن لم يلمع اسمه إلا وهو في الأربعين من عمره. توفي سارات في عام 1938، مخلفا وراءه إرثا غنيا من الروايات أبرزها؛ ديفداس عام 1917، ومجتمع ساماج عام 1916، و شخصية مخادعة عام (1917)، و سيريكانتا في أربعة أجزاء من عام 1917إلى عام 1933 وغيرها الكثير .

الجدير بالذكر أن الرواية تحوّلت إلى فيلم سينمائي بآخر نسخة صدرت عام 2002 من بطولة النجمين شاهروخ خان وإيشو أريا راي ومن إخراج سانجاي لييلا بهانسالي .

 

ضياء نافعهذا كتاب مهم جدا في تاريخ العراق المعاصر، اذ انه ليس فقط (محطات!) في حياة مؤلفه د. خليل عبد العزيز، بل هو (حصيلة !) كل حياته في الواقع، ولهذا فانه كتاب صعب، ولا يمكن للقارئ ان (يلتهمه!!) رأسا، كما يحدث مع بعض الكتب الشيّقة الاخرى، اذ ان الاحداث التي يتناولها د. خليل عبد العزيز تقتضي من القارئ ان يتأملها ويستوعبها بهدوء وتفكير عميق، خصوصا وانني لم أجد الفهرس (لا في بداية الكتاب ولا في نهايته) في كتاب بمثل هذا الحجم، اذ انه يقع في (324) صفحة من القطع الكبير، ويتناول احداثا مهمة لاكثر من نصف قرن منذ خمسينات القرن العشرين ولحد الان، احداثا ساهم فيها د. خليل شخصيا، وفي هذه النقطة بالذات تكمن اهمية هذا الكتاب وقيمته التاريخية الكبيرة، اذ ان هذه الاحداث غير معروفة باكملها لنا بتاتا، ولكنها تمتلك اهمية في مسيرة تاريخنا المعاصر، او كما كتب الدكتور كاظم حبيب في مقدمته العميقة و الدقيقة للكتاب – (ان هذا الكتاب شهادة حيّة وصادقة عن احداث مرّ بها الشعب العراقي وأثرت ايجابا او سلبا على حياته الراهنة ومستقبل اجياله القادمة، انه اغناء للمكتبة العربية .). ولا تهدف القراءة التي نقدمها للقارئ هنا الى تلخيص هذا الكتاب وعرض مضمونه العام، خصوصا وان بعض الباحثين قدّموا هذه الخلاصة، واود ان اشير بالذات الى ذلك العرض الموضوعي المرّكز والذكي، الذي قدّمه الاستاذ جمال العتابي (انظر مقالته بعنوان (خليل عبد العزيز يبوح بالمخفي ..ولكن) المنشورة في جريدة الصباح الجديد / بغداد بتاريخ 26/ 6 /2018) . ولهذا، فانني ساكتفي بالتوقف عند نقطتين ليس الا في هذا الكتاب، والتي أعتبرهما طريفتين و مهمتين وجديدتين، على الرغم من انهما صغيرتين في مسيرة تاريخنا المعاصر . النقطة الاولى تتعلق بالاتصالات بين الحزب الشيوعي السوفيتي والاحزاب الشيوعية العربية، فمن كان يتصور مثلا، ان مسؤول الاتصالات بين الحزب الشيوعي السوفيتي والاحزاب الشيوعية العربية، والذي يسميه د. خليل عبد العزيز بالاسم يتصرف بهذا الاسلوب مع ممثلي الاحزاب الشيوعية العربية في موسكو – قلب الدولة السوفيتية والمعسكر الاشتراكي !!!، ولنقرأ معا هذا المقطع من ص192 -193 – (..وفي الكثير من الاوقات اهمل السوفييت علاقتهم هذه، ولهذا وضعوا موظفا صغيرا في جهاز مخابراتهم ليس له منصب حزبي مؤثر ليكون وسيطا بين الاحزاب الشيوعية العربية والحزب في الاتحاد السوفيتي، ولم يكن ليمر طلب بمقابلة او اتصال او التماس وحتى حاجة بعينها، الا من خلال هذا الموظف المدعو نيجكين الذي عمل في فترة ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز العراقية ملحقا ثقافيا في السفارة السوفيتية في بغداد، وكان هذا الموظف يبتز اعضاء الاحزاب الشيوعية العربية ولا يوافق على ايصال طلباتهم الى القيادة السوفيتية دون ان تقدم له رشاوي معينة، دائما ما كان يحددها هو وليس هم .)، ولنتصور انطباع مندوبي الاحزاب الشيوعية العربية وهم يتعاملون بهذه الطريقة مع هذا ال (نيجكين)، كي يقابلوا مسؤولا في الحزب الشيوعي السوفيتي !!، ولكننا لم نقرأ سابقا اي شئ عن هذه الحالة، واننا (اصطدمنا) بها في كتاب د. خليل عبد العزيز لاول مرّة . والنقطة الثانية التي نريد التوقف عندها هنا تختلف عن روحية هذا الجو السياسي البحت، الا وهي موضوع الدراسة في الاتحاد السوفيتي وتاريخها، والتي لم نستطع لحد الان تقديمها كما يجب. لقد حاولنا تسجيل بعض جوانب هذا الموضوع في سلسلة مقالات بعنوان – (رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي) (5حلقات) وسلسلة اخرى بعنوان – (المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي) (4 حلقات)، ثم حاولنا ان نقدم قائمة اولية باسماء المترجمين العراقيين عن الروسية (حلقتان)، وقد أشرنا في تلك القائمة الى اسم الياس البدري ضمن المترجمين العراقيين، واعترض البعض على ذلك، واعتبروه مترجما لبنانيا، وقد اجبتهم تحريريا باني اعرف البدري شخصيا، ولكن بلا جدوى، ووجدت في كتاب خليل عبد العزيز وعلى الصفحة رقم 209 ما يؤكد ذلك، ونقدم للقارئ هذا المقطع الصغير والمهم في هذا المجال، وهو – (..استطاع البعض من الشباب العراقي الحصول على مقاعد دراسية في المعاهد السوفيتية، فقد استطاع محمد علي الماشطة ومصطفى الجواهري الحصول على زمالة دراسية في الاتحاد السوفيتي، وكان قد سبقهما الالتحاق بالدراسة في موسكو مواطنان عراقيان يهوديان استطاعا الهروب من العراق بعد اسقاط الحكومة العراقية الجنسية عن اليهود العراقيين عام 1949، وقد وصلا الى موسكو عبر ايران، احدهما واسمه مسرور، اذكر انه عمل كمذيع في اذاعة موسكو باللغة العربية، اما الثاني واسمه الياس البدري فقد تم تعيينه مدرسا لتدريس اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية في موسكو بعد انهائه الدراسة في كلية الحقوق ...).

ختاما لهذه القراءة المختصرة جدا (والتي لا يمكن لها ان ترسم حتى ولا صورة تقريبية لاهمية هذا الكتاب وقيمته التاريخية)، اود ان اشير الى ما قاله لي د. خليل عبد العزيز في اللقاء الاخير معه في موسكو، وهو ان السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي الدكتور رائد فهمي اخبره، انه يسمع لاول مرة عن هذه الاحداث في الاتحاد السوفيتي، واقترح عليه ان يقدم كلمة امام اجتماع للشيوعيين العراقيين للتحدث عن ذلك، وهو اقتراح علمي وموضوعي وعملي فعلا من وجهة نظري، اذ ان الاجيال العراقية التي لم تتعايش مع التجربة السوفيتية قد خلقت في مخيلتها صورة مرتبكة ومشوشة جدا عن هذه التجربة الانسانية الكبيرة و العظيمة في تاريخ البشرية، صورة بعيدة عن واقعها و ترتبط بمستوى الوعي الاجتماعي العراقي وتعكسه و تجسّده ليس الا، صورة تصفها الامثال العراقية الطريفة بدقة، مثل (لو طخه لو اكسر مخه / لو بسراجين لو بالظلمه / لو هره لو وره / علج المخبل ترس حلكه ... الخ) . لقد اشار د. كاظم حبيب في مقدمته للكتاب، الى ان (.. من يعرف الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية الاخرى يدرك صحة تقديرات المؤلف وصواب استنتاجاته)، وهي ملاحظة دقيقة وصحيحة فعلا .

تحية للدكتور خليل عبد العزيز وذاكرته الفذّة على هذه الجهود العلمية الكبيرة، والتي أضافت الى المكتبة العربية هذا المصدر المبتكر والاصيل، وتحية للمبدع فرات المحسن وللدكتور محمد الكحط على مساهماتهما المهمة في اعداد و اخراج هذا الكتاب .

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

178 حاتم حميد محسن"توجهاتنا السياسية ليست مفاهيم فكرية تنبثق من تربيتنا او تعليمنا او من الزملاء او الجريدة التي نقرأها، وانما هي في الحقيقة ميول طبيعية غُرست في كل واحد منا بواسطة قوى تطورية فعالة". مكونات الشخصية هي فطرية وتؤثر بقوة في توجهاتنا السياسية (يسارا كانت او يمين).

تشير الدراسات الى ان الشخصية بعمر الاربع سنوات ترتبط بقوة بالتوجه السياسي للبالغ بعمر العشرين سنة. وفي دراسة اجريت على توائم تمت تربيتهم بشكل منفصل وُجد ان لهم نفس التوجهات السياسية.

"ولكن ماذا يحدث عندما تعيش الجماعات من مختلف الخلفيات الوراثية في نفس البيئة؟ في هذه الحالة، شخصية كل جماعة ستختلف طبقا الى اصل اسلافها. فمثلا، سمات شخصية الجنوب افريقي الابيض هي اقرب الى السويسري، بينما شخصية الافارقة السود من الجنوب تكون اكثر شبها بالزمبابويين . كذلك الجماعات التي عاشت تقليديا في مناطق جغرافية متقاربة لها شخصيات اكثر شبها من الجماعات التي تفصل بينها مسافات كبيرة".

الكاتب (آفي توشمن) في كتابه (طبيعتنا السياسية .. ) يفسر المواقف السياسية تبعا لإستراتيجيات التطور الانساني. المحافظون لديهم شخصيات تتفق مع مجموعة معينة من الاستراتيجيات، وكذلك الليبراليون لديهم شخصيات تنسجم مع مجموعة اخرى من الاستراتيجيات. انه تحليل مثير للاهتمام رغم وجود بعض التحفظات عليه. يكتب المؤلف:

التوجهات السياسية للانسان اكتسبت عبر الزمان والمكان منطقا يتميز بثلاث مجموعات من سمات الشخصية القابلة للقياس. هذه المجموعات الثلاث تتكون من المواقف المتغيرة تجاه القبلية واللامساواة ومختلف التصورات عن الطبيعة الانسانية. هو يشير ايضا:

يمكن تجزئة القبلية الى التفوق الاثني .. التديّن .. ومختلف مستويات التسامح تجاه الجنس بدون انجاب . هناك رؤيتان اخلاقيتان عالميتان متضادتان تجاه عدم المساواة، احداهما ترتكز على الهيكل التراتبي الهيراركي والثانية ترتكز على مبدأ المساواة. بعض الناس يرون الطبيعة الانسانية اكثر تعاونية، بينما آخرون يرونها اكثر تنافسية.

يلاحظ المؤلف ان الليبراليين والمحافظين يختلفون فيما يتعلق بنظرية السمات الخمس للشخصية، التي تقيس الناس وفق معايير تتصل بـ الانفتاح، وشعور الضمير الحي، والايجابية، والاهتمام بالآخر بدلا من الذات، وسمة العصابية (التوتر والقلق والخوف). الليبراليون قياسا بالمحافظين ينالون أعلى درجة في الانفتاح وأقل درجة في شعور الضمير. وضمن فئة القبلية، يقول الكاتب ان المحافظين يميلون ليكونوا صقورا، اكثر تفوقا قوميا، واكثر تدينا، واقل تسامحا مع الجنس غير التكاثري. هو يقول ان هذه المواقف تعمل على تعزيز ستراتيجية الزواج التكاثري مع نفس الجماعة. الثقافات التي يتزوج فيها الاقارب تميل ليكون فيها عدد اكبر من الاطفال ولكن مع زيادة في نسبة الوفيات بسبب عدم اتساع دائرة الجينات . الليبراليون لديهم مواقف مضادة تعزز الزواج التكاثري من خارج الجماعة. الثقافات التي لا تمنع الزواج من خارج القبيلة تميل لتكون لديها عدد اقل من الاطفال ولكن لديها دائرة جينات قوية. باختصار، المحافظون يصرّون على الزواج من نفس الجماعة، الليبراليون يتعاطفون مع الزواج من خارج الجالية. يعتقد المؤلف ان الديانة يمكن تفسيرها بهذه العبارات التطورية ... الخطورة في الموضوع تتمثل بالتقاطع بين السياسة والدين، والذي يدور حول الارتباط بالقبيلة، اي ما مدى نجاح الجماعة الاثنية في التكاثر، وما مقدار امتزاجها مع الجماعات الاخرى واي موارد تعود الى شبكة الجينات.

هو خصيصا، يذكر ان الديانة الاكبر ترتبط مع قبلية اكبر. كلما اصبح هناك الكثير من المحافظين والمتدينين والمسيحيين، كلما تعاظمت ايضا قوة القبلية مثلما هي ضمن اي كائن بشري. المحافظون يميلون ليكونوا (صقورا) متشددين في السياسة الخارجية . يذكر المؤلف :

اذا كان للحرب جذورا تطورية عميقة ... فان هناك اربعة افتراضات ستكون صحيحة: الحرب ستكون ظاهرة عالمية بين المجتمعات، الحرب بالتأكيد ستحدث بين الجماعات البشرية التي تعيش في بيئات اقتصادية بدائية، ان الحيوانات اللا انسانية ستكون منخرطة في سلوك يشبه الحرب، وان الحرب ستغير قدرة الجماعات على البقاء ... هذه النقطة الاخيرة، اذا اتضح انها صحيحة، سوف تربط الحرب الى بايولوجيا القبيلة. وهكذا، يربط الكاتب صقورية المحافظين بالقبلية. الفئة الثانية التي يناقشها المؤلف تتعلق بالتسامح مع اللامساواة ودعم الترتيب الطبقي. المحافظون يميلون لدعم الهيراركية والتسامح مع عدم المساواة. الليبراليون يميلون للايمان برؤية مضادة. المؤلف يربط هذا بالديناميكية التطورية ضمن العوائل.الآباء والولادات الاولى تميل لتكون مفضلة من جانب الترتيب الطبقي واللامساواة. الامهات والولادات المتأخرة لهما مصلحة كبيرة بالمساواة في توزيع الموارد. يشير الكاتب الى ان معرفة ترتيب ولادة شخص ما هو اكثر فائدة من معرفتنا لمكانته السوسيواقتصادية في التنبؤ في ما اذا كان يؤمن في عالم عادل. الناس الذين يعتقدون اننا نعيش في عالم عادل يميلون للأخذ برؤية المحافظين بان اللامساواة ليست مشكلة كبيرة. الناس الذين يعتقدون بطريقة اخرى يتفقون مع الرؤية الليبرالية بان اللامساواة هي لاعدالة كبيرة. الفئة او المجموعة الاخيرة تتعلق بما اذا كان المرء يرى الطبيعة الانسانية تنافسية في الاساس ام ايثارية. يقول الكاتب ان المحافظين يأخذون بالرؤية التنافسية اما الليبراليون يميلون نحو رؤية الايثار. عموما، المحافظون يبدون اكثر قلقا حول التهديدات. الكاتب نظر في دراسة قامت بقياس الاستجابات السايكولوجية لصورعن اشياء مخيفة، مثل عناكب كبيرة. الافراد الذين كانت لديهم استجابة سايكولوجية عالية لصور التهديد (اي، الناس الذين كانوا اكثر خوفا ومن ثم اكثر تعرقا)، كانوا اكثر احتمالا ان يكون لديهم موقف المحافظين.. هم مالوا لتأييد عقوبة الموت، والوطنية، والحرب ضد العراق. احد الفصول الأكثر اثارة في الكتاب، رغم وقوفه نوعا ما بعيدا عن بقية التحليل، يتعلق بالخداع الذاتي. يشير الكاتب الى ان "الناس الذين يمكن ان يكونوا مخادعين ذاتيا يعتقدون انهم مضحين بالذات بينما هم في الحقيقة يتبعون مصلحتهم الذاتية، هؤلاء سيتمتعون ببقاء داروني أعلى من الناس الواعين بحوافزهم الذاتية". ويستمر بالقول " الناس الذين يعتبرون انفسهم بشكل غير صحيح كمضحين بالذات سيكونون افضل في استغلال الآخرين من خلال وسائل الخداع." يشير الكاتب الى ان المرشحين السياسيين لديهم حوافز عظيمة ليُنظر اليهم كمضحين كبار، هذه الحوافز تضخّم امكانية الخداع الذاتي. هو يقتبس دليل من تجربة جرى فيها تخصيص عشوائي لجماعات تنفذ ادوارا عالية ومنخفضة السلطة. الطلاب الذين لعبوا دور رئيس وزراء اجابوا على الاسئلة بالمزيد من النفاق الاخلاقي. بكلمة اخرى، اللاعبون المؤثرون اعتقدوا بانه من المقبول تجنّب الضرائب على أنفسهم، بينما يحكمون بقسوة على الآخرين المتهربين من دفع الضرائب. الموظفون المدنيون قاموا بعكس ذلك تماما: كان موقفهم بشأن تجنب الضرائب اكثر رحمة تجاه الاخرين قياسا بأنفسهم. هو ايضا لاحظ بان السلّم الهيراركي للانظمة الشيوعية يعرض نفاقا اخلاقيا بارزا .. الدكتاتوريون من جناح اليسار يجب ان يستمروا بتبنّي ايديولوجية اليسار التي تدّعي المساواة.النجاح في هذا يكون اكثر سهولة مع الخداع الذاتي ... مع ذلك، وكما يشير الفيلسوف بيتر سنغر " ما هي ثورات المساواة التي لم يخنها قادتها؟ ولماذا الحلم بان الثورة القادمة ستكون مختلفة؟ الـ "الحلم" الذي يشير اليه سنغر يشير الى ان اتباع اليساريين الطوباويين هم ايضا مخادعين للذات. كذلك، لاحظنا وعود اليسار المتشدد بالمساواة لكل الناس ... لكنه في التطبيق، شاهدنا كيف ان الحكومات الشيوعية قمعت الجماعات الاثنية ... معظم اضطهاد الجماعات الاثنية تحت حكم الدكتاتوريين اليسار لا يمكن ان يكون مجرد تكتيك لتدمير التفوق الاثني، وانما اثنية الدكتاتور المسيطرة سياسيا بالتأكيد اصبحت افضل من اثنية الجماعات الاثنية المضطهدة. التحرريون يضعون اهمية كبرى لهذا النفاق والخداع الذاتي. ربما لغة الايثار التي يستخدمها السياسيون تعني لهم انفاق نقود الناس الآخرين.

يكتب المؤلف،

النفاق والخداع الذاتي هما بقعة يصعب ازالتها من قميص الاخلاق السياسية. بالنسبة للتحرريين انها القميص كله. المؤلف يلخص الارتباط بين المواقف السياسية وعلم النفس التطوري:

القبلية تستلزم صراعا حول اي المصادر الوراثية والاقتصادية والسياسية متوفرة الى اي من السكان. اخلاق المساواة والهيراركية تبرر التوزيع المتساوي او غير المتساوي للموارد، سواء ضمن اوبين الجماعات. مختلف اشكال الايثار تصف ميول الناس لتقاسم او حشد الموارد تحت مختلف الظروف. الكاتب يعرض تبريرا طبيعيا لقبول مختلف المواقف السياسية . لكن من الواضح ان التطور لم يختر عادات انتخاب معينة. نحن هنا مع توجهات سياسية لأن شخصيات اسلافنا ساعدتهم على البقاء والتكاثر بنجاح عبر آلاف الاجيال. شخصياتهم السياسية كانت فعالة في تنظيم الزواج من الاقارب او الزواج الخارجي . هذه الميول ساعدتهم في تسوية الصراعات البايولوجية بين الآباء، الذرية، الاخوة والاخوات. كذلك عملت عواطفهم الاخلاقية على إحداث التوازن بين مختلف انواع التضحية ضد المصلحة الذاتية في تفاعلات اجتماعية لا متناهية. في بعض انواع البيئات الاجتماعية او الايكولوجية، حلول الشخصية الاكثر تطرفا اثبتت ملائمتها . وفي معظم الحالات، كانت الحلول التي تقدمها الشخصية المعتدلة قد اثبتت نجاحها . ذلك يفسر لماذا هناك العديد من المعتدلين بيننا. سبب آخر للاعتدال والمرونة هو ان البيئات تتغير، لذا سوف لن يكون هناك معنى لجيناتنا كي تقرر شخصياتنا بشكل صارم . الكاتب يفهم بان التسامح الايديولوجي قد لا يكون نموذجا اساسيا. المحافظون يريدون مزيدا من المحافظين في العالم لأن الاعداد الكبيرة سوف تقوي صلاحيتهم في البقاء : سيكون هناك المزيد من حالات الزواج لهم ولعوائلهم، المزيد من اخوة الدين لتوفير التضحية، القليل من المهاجرين من الجماعات الاثنية الاخرى للتنافس على الموارد .. الليبراليون ايضا سينتفعون من المزيد من الليبراليين بين سكانهم، المزيد من العلمانية، الحرية الجنسية، والمزيد من المهاجرين سوف يحطم موانع التناسل ويوسع خيارات الزواج للمرتبطين بثقافة اجنبية. .مزيد من الناس سوف يشتركون في اتجاه المساواة في تربية الاطفال، ولديهم رؤى منسجمة حول مساواة الجنس بين الازواج، وتطبيق مبادئ ليبرالية بالايثار في المجتمع وبين الدول.

الانتقادات لتحليلات المؤلف:

1- الارتباط التجريبي بين الشخصية والسلوك السياسي ليس قويا جدا. الكاتب يقول ان الارتباط مع المواقف السياسية هو اقوى في معايير الشخصية قياسا بمعايير الثروة، لكن ذلك الارتباط منخفض. العلماء السياسيون وجدوا قوة توضيحية اكبر في الاثنية، الموقع (المدن الساحلية الزرقاء مقابل الاماكن البعيدة) والحالة الزوجية.

2- هناك نموذج من التوضيحات المبنية على رؤية شخصية للكاتب . فمثلا، الكاتب يستعمل المحافظين بطريقة يبدون فيها دائما اسوأ من الليبراليين. فمثلا، هو يكتب نقلا عن الباحث (بول سندرمن) الذي طلب من مستجيبيه توضيح ما اذا كانوا يؤيدون ضمانات الحكومة بفرص متساوية للسود. 75% من طلاب الكليات الليبراليين دعموا القانون مفضلين الامريكان الافارقة مقارنة بـ 38% من المحافظين من طلاب الكليات. ولكي يوضح اكثر، يضيف المؤلف،

بهذه التأييد المعلن للاختلاف في العرق، لا عجب ان نجد في الكونغرس الـ 113 (2013-2015) فيه 40 ديمقراطي اسود وفقط جمهوري واحد اسود. من جهة اخرى، نجد في المعارضة الليبرالية لإسرائيل، يعمل الكاتب بمشقة ليشير الى ان هذا يعكس التوجه الليبرالي المضاد للتفوقية الاثنية حيث ان الليبراليين يريدون من اسرائيل ان تكون اقل توجها نحو اليهود. كذلك عندما هو يواجه السياسيين الآلمان اليسار المعارضين للهجرة، يكتب،

(ثيلو زارازين) لم يأت من اقصى اليمين. بل هو ينتمي للحزب الديمقراطي الاجتماعي الالماني (والذي يرتبط بالاشتراكية الدولية) .. موقف سارازين تجاه الترك والعرب ينبع اكثر من مناوئة التفوق الاثني وليس من التفوقية الاثنية المتطرفة. وفي تقييمه لإستفتاء يتعلق باستراتيجية الحرب ضد العراق يذكر المؤلف،

ليس كل المجموعات الانسانية المصوتة شعرت بنفس الطريقة حول الغارات الامريكية المميتة ضد العراق. 77% من الجمهوريين اعتقدوا ان غزو العراق يحسّن الموقف، مقارنة فقط بـ 28% من الديمقراطيين.

ان مؤيدي الغزو جادلوا بان الغزو سيقلل العنف الطائفي بين العراقيين. الكاتب يأخذ بالرؤية بان الجمهوريين رآوا الغزو كغارة قبلية ضد العراق من جانب امريكا ولذلك فهو يكشف التعصب الاثني للمحافظين. ولكن بالمقارنة مع حملة القصف التي شنها الرئيس كلنتون في حرب كوسوفو، كلا المهمتين جرتا لسحق العنف الطائفي. الكاتب كان سريعا للاستنتاج المؤيد لسياسات كلنتون التي برأيه عكست التعصب الاثني . وفيما يتعلق باوباما يذكر،

عندما جاء اوباما للرئاسة بكارت ديمقراطي هو وعد بغلق سجن غوانتينامو الذي ارتبط باساليب قمعية. رغم ان اوباما وقّع امرا بغلق السجن في اليوم الثاني من رئاسته، لكن المزيد من العناصر المحافظة في البرلمان منعت تحرير السجناء. وهكذا لم يكن الرئيس مسؤولا عن ابقاء السجن مفتوحا. بدلا من ذلك كانت " العناصر المحافظة" هي التي اجبرته على ابقاء السجن، رغم عقيدته الحقيقية.

3- الكاتب منهمك في ممارسة عملية اختزالية. المواقف السياسية يتم تفسيرها طبقا لسمات الشخصية. نحن نرى ان مثل هذا المشروع يجب ان يتضمن على الاقل طبقة اخرى بين المواقف والسمات. الطبقة الوسيطة ستكون انظمة العقيدة او الايديولوجية. ان الكائن البشري يوفر اسبابا لأفضلياته السياسية. بالنسبة لاولئك المنشغلين بالسياسة يتم التعبير عن تلك الاسباب طبقا للقيم الاخلاقية والنظريات التي يعمل بها العالم.

4- اخيرا، نقاش الكاتب حول المضامين السياسية لعلم النفس التطوري واختيار الجماعة جاء ناقصا. الآخرون الذين تناولوا هذا الموضوع كانوا يركزون على كيفية تحقيق التعاون بين الغرباء. الولاء القبلي في هذه التعاملات هو اكثر من ان يكون حول زواج الاقارب. انه حول تعبئة الناس للعمل باتجاه هدف مشترك. نحن نرى ان القبلية عنصر اساسي في الطبيعة الانسانية. الفرق الرياضية تلجأ الى القبلية. شركات الاعمال تحفز عمالها باستعمال طقوس ورموز قبلية . في الحقيقة، تحاول الشركات في بعض الحالات نشر القبلية بين المستهلكين.

 

حاتم حميد محسن

............................

كتاب (طبيعتنا السياسية:الاصول التطورية لما يقسّمنا) للكاتب Avi Tuschman، صدر عام 2013 عن دار بروميثس بوكس.

 

 

170 اليوتوبيا الاخيرة يعتقد صاموئيل موين (= samuel moyn) في كتابه: اليوتوبيا الأخيرة (=The Last Utopia) أن حقوق الإنسان الحالية غير متجذرة في رؤى الحقوق الطبيعية التي برزت في القرن التاسع عشر، ولا صلة لها بمجاز بشرية شهيرة كالحرب العالمية والمحرقات.. بل هي حصيلة التطور الذي شهدته السبعينيات في الولايات المتحدة بالإضافة إلى الجهود المبذولة من قبل الرئيس الثالث والثلاثين السيد جيمي كارتر (1924 ـ ...) للولايات المتحدة أنذاك؛ إذ سعى محاولا أن يجعل حقوق الإنسان كأساس في سياسة الولايات المتحدة.

وجدير بالذكر أن هذا الأستاذ الأكاديمي في جامعة كولومبيا والمتخصص في مجال تاريخ التطور الفكري بأروبا الحديثة والرؤى الحقوقية قام بنشر كتب عديدة في السنوات الماضية في حقوق الإنسان وتاريخ نشوء هذه المفاهيم. ويتخذ من المنهج التاريخي ماعونية في تكريس البحث على حقوق الإنسان وهو محاولة جديدة وبديعة في دراسات هذا المجال وغير مسبوقة في نوعها.

يحاول مون في هذا الكتاب أن يمايز بين مفهوم حقوق الإنسان الحديثة وبين المفاهيم والخطاب المطروح في الثورة الأمريكية[1] 1776م والثورة الفرنسية 1789م (= الحق والاستحقاقات) على أن الحركة المعنية بحقوق الإنسان كانت بمثابة ردّ أخلاقي وغير سياسي على التنكيس الحاصل للخطط السياسية والثورية (= الخطط المعنية بمناهضة الاستعمال والاحتلال والمطالبة بالاستقلال في الستينيات والسبعينيات)، وأن اليوتوبيا (=Utopia) التي أخذت طابع الـ Global أو Universalبحقوق الإنسان جاءت نتيجة هزيمة مفهوم الحق قبال مفهوم تقرير المصير وأن الحماية الدولية الخارجة عن نطاق سيادة الأنظمة المؤكدة على حقوق الإنسان في المجتمعات ظاهرة جديدة.

ويرى موين أن بعض الأحداث كالحرب العالمية الثانية والمحرقات ونشوء محكمة نورنبرغ[2].. هذه الأحداث كانت غير مؤثرة بحجم واسع في كتابة خطاب حقوق الإنسان. ويستدل على صحة مدعاه بالجرائم النازية التي رفعت إلى محكمة نورنبرغ لتقديم القادة النازيين في الحزب النازي الألماني (= 1920ـ 1945م) إلى العدالة، لكن لم تتم محاكمتهم في الوهلة الأولى في المحكمة لما ارتكبوه بحق اليهود، بل أن الجرائم تم التكريس عليها من قبل قضاة دوليين خارج المحكمة. كما يعتقد موين أن خطاب السيادة الوطنية مع التنمية لمفاهيم حقوق الإنسان العالمية إنها في طريق انزلاقي ونحو الزولان! وأن أحداث من قبيل أزمة السودان وليبيا [وسوريا..] و[هشاشة] المداخلة الإنسانية فيها من أهم شواهد مدعاه.

وبصفة عامة يرى موين أن حقوق الإنسان الفعلية إنما هي حصيلة ظاهرتين هما:

أ). جهود السيد الرئيس جيمي كارتر في حقن حقوق الإنسان في سياسة الولايات المتحدة في السبعينيات.

ب). نمو واتساع المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ونشوء محاكم للعقوبات في التسعينيات.

وأخيرا يرى موين أن خمود الحرب الباردة (= اتفاق هلنسكي عام 1975 مع الاتحاد السوفيتي [3]) كانت أهم من إنهاء مسألة الاستعمار ونشوء الحركات الثورية الرامية إلى مطالب الاستقلال.. بل هذ التي أثرّت في التوسع بمفاهيم الإنسان انطلاقا من السبعينيات.

وأخيرا في التكريس على مكونات الكتاب وعناوين فصوله الخمسة يمكن سىردها بما هو آتٍ:

الأول: الإنسانية قبل حقوق الإنسان.

الثاني: الموت منذ الميلاد.

الثالث: لم َ لمْ تكن الثورات المناهضة للاستعمار ثورات حاوية على حقوق الإنسان؟

الرابع: الانسجام في هذا النزاع.

الخامس: الحقوق الدولية وحقوق الإنسان.

 

 

كمال بن سلمان

.............................

[1] لقد أصدر الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون والكونجرس الأمريكي عام 1776 أول إعلان لحقوق الإنسان في العصر الحديث منذ سقوط المدن اليونانية التي اتسمت بالديمقراطية واحترام الإنسان.

[2] لقد أعلنت الدول الحليفة عن عزمها في محاكة قادة الحزب النازي في عام 1945وذلك بعد ما فُتحت المحكمة رسميا بمدينة نورنبرغ الألمانية.

[3] من إنجاز السيد كارتر.

 

 

عدنان حسين احمدصدر عن "مكتبة الطليعة العلمية" بعمّان كتاب "أيقونة السرد: دراسات نقدية في الرواية الإماراتية الحديثة" للدكتور ذياب فهد الطائي حيث تتبّع فيه خمس روايات إماراتية وهي على التوالي: "أميرة حيّ الجبل" 2014 لعلي أحمد الحميري، و "امرأة استثنائية" 2014 لعلي أبو الريش، و "لعلهُ أنت" 2010 لباسمة يونس، و"بين حين وآخر (حدّثتنا ميرة) 2013 للميس فارس المرزوقي، "و "ريحانة" 2003 لميسون صقر. يتضمّن الكتاب مقدمة مُقتضبة، وخمس دراسات نقدية، وثبْت بالمصادر والمراجع، وقد خلا الكتاب من خلاصة البحث والنتائج التي توصّل إليها الباحث وهي ضرورية جدًا في هذا النمط من الدراسات النقدية.

يرصد الباحث في هذه الدراسة أشكال التطور الحاصلة في الأدوات الفنية التي استعملها كُتّاب الرواية بعد عام 1971، وهو العام الذي ظهرت فيه "شاهندة"، وهي أول رواية إماراتية للكاتب راشد عبد الله النعيمي، كما يفحص اللغة الروائية، وأساليب السرد، والبنى الزمكانية، ونمّو الشخصيات، والتحولات الاجتماعية في الروايات الخمس المذكورة سلفًا.

إذا ما استثنينا رواية "بين حين وآخر" للميس المرزوقي فإن الروايات الأربع برمتها تدور حول ثنائية العاشق والمعشوق التي يغلب عليها الجانب العاطفي أو الرومانسي بمعناه الأوسع. فرواية "أميرة حيّ الجبل" لعلي الحميري ترتكز على قصة حُب بين محمد وصفيّة وتنتهي بالزواج بعد أن تُسنَد إليه إمارة التحالف العشائري ويعود إلى الدراسة والعشيرة، فهو طالب في المرحلة الثانوية، ويعمل في منظمة سريّة مناهضة للوجود البريطاني في الإمارات. يتوصل الطائي في دراسته النقدية إلى أنّ الرواية تلتزم بالزمن الخطّي، وأنّ المكان مُتخيّل، وأن السارد لم يكن غير المؤلف نفسه، ويكفي أن نتوقف عند شخصية محمد التي حمّلها المؤلف أكثر مما تحتمل بكثير بحيث جعله يتحدث عن إعجابه بكتاب "رأس المال" من الناحية النظرية، وصعوبة تطبيقه من الناحية العملية وهو لم ينهِ المرحلة الإعدادية بعد. يصف الباحث هذه الرواية بالنص المغلق الذي يهيمن فيه الكاتب على الشخصيات ولا يترك لها فرصة لالتقاط الأنفاس، لكن الكاتب سوف يرخي قبضته قليلاً حينما يسافر علي وأخته مع ابن عمهما إلى إنكَلترا في تمهيده للجزء الثاني من الرواية حيث ينتقل من النص المغلق إلى النص المفتوح الذي يتيح للقارئ المساهمة في مجريات الأحداث أو البحث عن حلول للأسئلة الجوهرية التي تثيرها الرواية على مدار النص السردي.

يدقق الطائي في شخصية صفيّة ويرى أنها شخصية تابعة لبطل الرواية وتدور في فَلَكه، على العكس من شخصية "زينب" المرأة المتميزة، والفاعلة، والتي تعرف ماذا تريد. لا تتحدث الرواية، من وجهة نظر الباحث، عن التاريخ وإنما توظّفه لمصلحة النص السردي. كما يتوقف الباحث عن أسئلة السرد وطرائقه التي تحدد شكل الرواية وأسلوبها الفني.

علىى الرغم من الشهرة الأدبية الكبيرة التي حققها علي أبو الريش إلاّ أنه لم يسلم من مشرط الجرّاح فقد وضع الباحث اصبعه على الجُرح وكشف لنا الخلل في بناء شخصية "جوعان بن ناصر" الذي ترك حبيبته "عفراء" وغادر قرية "الرمس" إلى أبو ظبي ليصبح صحفيًا، ويُظهر براعة في العمل الصحفي من دون التمهيد لموهبته الصحفية، أو ولعه بالقراءة، ثم يتعرّف على المُحررة سعاد، وتنشأ بينهما قصة حب لم تكتمل، إذ يُصاب "جوعان" بالفشل الكُلوي لكنه يرفض زرع كُلية جديدة رغم أن سعاد قد أبدت استعدادها للتبرّع بكُليتها، فيموت "جوعان" متأثرًا بمرضه بينما تقفل سعاد راجعة إلى بيروت بعد أن فقدت الإنسان الذي أحبّته ووجدت ضالتها فيه.

يناقش الطائي سؤال السرد في هذه الرواية ويكشف لنا بالتفاتة نقدية حصيفة أن الموت المبكر لجوعان يُعتبر كسرًا متعمدًا لشخصية البطل الذي يبقى حيًا لأطول مدة زمنية ممكنة. كما يتناول الباحث سؤال الهُوية بوصفها كينونة وجودية، وليس هُوية مرحلة تاريخية محددة. أما بصدد المكان الذي عُوّم روايتي الحميري وباسمة يونس فإنه يتجلّى في مدينتي الرمس وأبو ظبي ويُشعِر المتلقي بأنه يقرأ نصًا محليًا أصيلاً حتى وإن كانت الرواية برمتها هي من نتاج المؤلف وخياله المعرفي المجنّح الذي لا ينسجم مع الواقع بالضرورة.

لم يشأ الباحث أن يتناول الروايات الثلاث المتبقية من دون تمهيد آخر يخصّ "الرواية النسوية في الإمارات" حيث أخبرنا بأنّ عدد الروائيات الإماراتيات قد بلغ 23 روائية تبدأ بباسمة يونس التي أنجزت رواية "ملائكة وشياطين" عام 1990، وتنتهي بلولوة المنصوري التي أصدرت رواية "آخر نساء لنجة" عام 2013 لكنه لم يذكر لنا عدد الروائيين الإماراتيين وإنما اكتفي بعدد الروايات التي كتبها الرجال وهي 60 رواية في مقابل 40 رواية نسوية، وسبب هذا الفرق الكبير أنّ علي أبو الريش قد أنجز لوحده 17 رواية!

يشخِّص الباحث بدقة أن باسمة يونس التي أنجزت رواية "لعلهُ أنت" عام 2010 متأثرة بالأدب الروسي الذي عمّق إحساسها بالواقعية فدَرَجت عليها من دون أن تغفل بصمتها الخاصة. لا شكّ في أن عنوان الرواية ماكر، ومُستفِّز لأنها تلمِّح للقارئ قائلة:"ربما أنت مَنْ سأتحدث عنه". وعلى الرغم من تعدد شخصيات هذه الرواية إلاّ أن بطليها مريم وهلال هما محور النص حيث يحبان بعضهما بعضًا وسوف يموتا في اليوم ذاته ليثيرا السؤال الآتي: لماذا مات البطلان في اليوم نفسه؟ لتأتي الإجابة المراوغة:"لم يحدث شيء من هذا، لكن لعلّه حدث، ولعله يحدث ذات يوم". يتطرق الباحث إلى اللغة، والبناء، وأسلوب السرد فيصف جملتها بالشفافة والقصيرة التي لا تُعنى بالتفاصيل الصغيرة. أما بنيتها فهي مغلقة تيهمن فيها الكاتبة نفسها، بينما تتوزع أساليب السرد على أسلوب الرواي، والمونولوغ الداخلي. بقي أن نشير إلى أنّ شخصية البطلة قوية، ومتماسكة، ولا تنصاع لرغبات الأهل.

يتوصل الباحث إلى أنّ رواية "بين حين وآخر" للميس المرزوقي هي "كتابة جديدة"، خالية من الحبكة، وبسيطة في لغتها، وأنها سوف تكتب مستقبلاً رواية حداثية. ينوّه الطائي في متن قراءته النقدية إلى أنّ المرزوقي كانت محايدة جدًا حينما تركت الساردة تروي لنا مذكرات "ميرة" عن الحيّ، والطفولة، والمدرسة. ويبدو أن الروائية قد وظفت روايات مهمة في نصها السردي وهي "ألف ليلة وليلة"، "جوستين"، "11 دقيقة" و "المسرّات والأوجاع" وعكست ما ينسجم مع تفكيرها في هذه النصوص الإشكالية المعروفة عربيًا وعالميًا.

تحتاج رواية "ريحانة" لميسون صقر إلى مساحة واسعة كي نلمّ بأحداثها الكثيرة وسنكون مضطرين لتقسيمها إلى قسمين أساسيين، الأول يتعلق بريحانة وولديها "محراك" و "نصّور"، والثاني بـ "شمسة" و "هادف" الطالب القادم من الصعيد. تتمحور هذه الرواية في جانب منها على تجارة العبيد حيث ترافق "ريحانة" أسرة الحاكم بعد الانقلاب إلى القاهرة وينحرف ولداها هناك، إذ يميل الأول إلى الملابس النسائية، فيما يتجه إلى الآخر إلى أفغانستان ويعود مصابًا. أما "شمسة" التي تمثل أسرة الحاكم المخلوع فتفشل في الاقتران بحبيبها "هادف" لتتزوج من ابن عمّها في خاتمة المطاف لأنها لا تمتلك حرية الاختيار. يصنف الباحث هذه الرواية بالنص المفتوح الذي لا تهيمن فيه المؤلفة، كما يعتبر الرواية مكانية بامتياز، ويتسيّد فيها السارد الموضوعي.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

علجية عيشالقطيعة تعني الانفصال عن شيئ ما، هذا المفهوم ليس حديث الولادة، بل ولد مع ظهور البشرية، وتوسع مع بداية التكوين الإيديولوجي للجماعة، فكانت القطيعة مع الدين، مع التاريخ، مع الأجيال، مع النظم الفكرية مع الثقافات والحضارات فحدث الانعزال الثقافي والحضاري والديني، في الوقت الذي أخذ المفكرون الغربيون يقرأون بحماس فلسفة العرب المسلمين، الذين غرقوا في صراع القومية والطبقات، ووقعوا أسرى لإشكالية الهوية الثقافية والتراث والحداثة والمعاصرة وغيرها من القضايا التي أثارتها الصحوة الإسلامية

هي قراءة تاريخية برؤية فلسفية ميتافيزيقية أجراها الدكتور سمير أمين حول الواقع الراهن لـ: "الأمة العربية" معتمدا على بعض الكتابات التي تقول أن القطيعة رافقت الإنسان منذ العصر الهيليني، وكانت الشعوب منقسمة بسبب الصراع على البقاء، بعضها لم يخرج عن مرحلة الهمجية ومنهم الغاليون، الجرمان والصقالبة والبربر والعرب، فيما عاشت شعوب أخرى ومنهم المصريون، الأشوريون، البابليون، الفينيقيون، الفرس واليونان كل أشكال الحضارة، فتطور هذه الشعوب وتَحَضُّرِهَا ناتج عن وجود تلاقي لعب دورا حاسما في صعودها ورقيها، لدرجة أن الحضارة اليونانية أخذت في استعارة الكثير من الحضارة المصرية التي وجدت سبيلها هي أيضا في مجال الإبداع في المرحلة الأخيرة للحضارة الإغريقية، أما حضارة النهرين فقد برع الكلدانيون في علم الفلك، كما اخترع الكلدانيون ما أطلق عليه اسم "كوسموجونيا"، وهو علم نشأة الكون في المفهوم الديكارتي، أو البحث في الوجود الكوني وظواهره وأسراره، وعند الكلدانيين تعني التصور العام الذي يضم عناصر الكون في هيكل تفسيري موحد، نشير أن هذا المصطلح قليل التداول في الكتابات، غير أن من الفلاسفة الذين اهتموا بالكوسموجونيا، حسبما جاء في الكتاب نجد أرسطو الذي استعار الكوسموجونيا من التراث الكلداني، وأفلوطين الذي كرس الميل إليها ورأى أن النفوس الراقية تتحرك في الأفلاك العليا وتؤثر من خلالها في كائنات العالم دون القمر وبالتالي في مصائر الناس.

وأما الحضارة الهندية فقد ركزت على مفهوم النفس، وربطتها بفلسفة تدعو إلى "التحرر" من قيود الطبيعة من أجل التوصل إلى المعرفة المطلقة، حسب الكتابات فإن الفلسفة الاشراقية قامت على فكرة أن النفس إذا استقلت عن الجسد تطهرت من مغريات المادة، من خلال ممارسة النسك والزهد، وعلى هذا الأساس ازدهرت الرهبانية المسيحية والصوفية الإسلامية، والحقيقة وكما يقول صاحب المخطوطة الفلسفية أن الإسلام واجه تحديا قاسيا حينما فتح الشرق المتحضر لأنه اعتمد على نصوص مقدسة دقيقة، فقد لعبت مدرسة جند شابور دورا هاما في بلورة المدرسة الإسلامية، وقد أثبتت هذه المدرسة وضع إيران الخاص في الإسلام، فقد طرحت النخبة الفكرية العربية والفارسية الإسلامية أسئلة حول إذا ما كان يمكن الإكتفاء بالظاهر أي الإكتفاء بإعلان الإسلام من خلال النطق بالشهادة أي الإقرار باللسان فقط، وحدث جدال بين المدارس الفلسفية لاسيما المعتزلة حول مسالة القدرية والجبرية ومن يحكم الكون، وكانت النتيجة هي ظهور التأويل المجازي للنصوص والأسطورات، على غرار الفارابي الذي ادمج الكوسموجونيا الكلدانية في رؤيته الميتافيزيقية الإسلامية، خاصة ما تعلق بمسألة الخلق والولادة (العقل والكواكب والعالم)، وقد حظيت الكوسموجونيا بدعم كبير من ابن سينا، إلا أنها لقيت رفضا قاطعا من قبل ابن رشد، فكان على السلطة إلا أن تستعمل خطبتين: خطبة موجهة للنخبة وخطبة موجهة للعامة، وتمثلت الأولى في المدرسة العقلانية، الأمر الذي أدى إلى ظهور موقف ثالث هو البحث عن "الباطن" المختفي وراء وضوح النص، وقد تزعم "الشيعة "هذه المدرسة أكثر من السُنَّة، كان إخوان الصفا يرون أن الشريعة تدنست بعد الخلفاء الراشدين وأن تطهيرها يستوجب استخدام العقل.

واستنتج صاحب الكتاب أن الصراع بين هذه المدارس خلق أزمة المجتمع العربي والإسلامي، فكانت النتيجة حدوث القطيعة مع الدين، مع التاريخ، مع الأجيال، مع النظم الفكرية،مع الثقافات والحضارات فحدث الانعزال الثقافي والحضاري والديني، في الوقت الذي أخذ المفكرون الغربيون يقرأون بحماس فلسفة العرب المسلمين، الذين غرقوا في صراع القومية والطبقات، ووقعوا أسرى لإشكالية الهوية الثقافية والتراث والحداثة والمعاصرة وغيرها من القضايا التي أثارتها الصحوة الإسلامية، حين بادرت حركة النهضة بالمطالبة بإعادة النظر في شؤون المجتمع والفكر، ونادت بالعودة إلى الأصول، برز ذلك في أفكار الأفغاني ومحمد عبده، ثم التجربة الناصرية في بعث القيم الإشتراكية واصطدامها مع مشروع محمد علي الرأسمالي، ثم صراع الإثنان مع المشروع السلفي الذي كان يرى نفسه البديل الحقيقي القادر على مواجهة التحدي، من أجل إحياء الماضي الإسلامي، فقد عملت السلفية (إقامة الدولة الإسلامية) على احتقار العقل، ورأت أن التفكير العقلي كفرا، وردت الهوية إلى سلوكات ظاهرية، مثل الزيّ والذقن، واعتبرت الدعوة إليها من باب الجهاد والحنين لعصر ذهبي مفقود، وترى أن الثورة الثقافية الخطر الذي وجب إبعاده، ومن وجهة نظر المفكر سمير أمين فإن دعوة التيار السلفي هي موجة رجعية وليست بالصحوة الإسلامية، والخروج من هذا المأزق متوقف على تحقيق التحرر في ميدان الحياة الاجتماعية على أن يرافقه تحرر في المجال الفكري.

 

قراءة علجية عيش

 

 

154 ابراهيم اليوسفرصد لعذابات السبايا الإيزيديات وفضح لآلة الإرهاب

صدرت مؤخراً عن دار أوراق للنشر- القاهرة- 2018الرواية الثانية للكاتب السوري إبراهيم اليوسف بعنوان" شنكالنامه" و"شنكال" الاسم الكردي لسنجار التي تعرضت لغزو داعش في العام   2014، لتكون هذه الرواية إحدى السرديات التي قاربت لحظة ما من آلام السبايا الإيزيديات اللواتي انتهكت أعراضهن، أمام أعين العالم كله، من دون أن يستطيع أحد أن ينقذهن في اللحظة التي كن أحوج إلى ذلك؟!

تجري أحداث الرواية مابين منطقتي شنكال/ سنجار المنطقة التي يقطنها الإيزيديون منذ القديم، والموصل،الرقة وغيرها من المدن السورية والعراقية. أبطالها من الإيزيديين، ما خلا أحد الرواة/المؤلف الذي يعمل في مؤسسة إعلامية في الإمارات، ويهزه نبأ غزو داعش لشنكال وبيع الحرات الإيزيديات في أسواق النخاسة. إذ يظل مشغولاً بأمر الإيزيديين، لا سيما السبايا اللواتي يتم بيعهن وشراؤهن من قبل بعض شذاذ الآفاق، المأجورين.

يتذكر الراوي/المؤلف أسماء إيزيدية مقربة منه، ويتواصل معها. بعض من يتصل بهم يرد، على مضض، وبعضهم لا يرد. بل إن صديقته" تيلي" التي تعرف عليها في دمشق في ثمانينيات القرن الماضي، كفنانة تشكيلية، لجأت إلى سوريا مع المعارضة العراقية تترك أثرها في نفسه، لأخلاقها العالية، ولوحتها التي تصدر بها غلاف كتابه. ويلتقي بها- مجدداً- عبر شبكات التواصل الاجتماعي، يتحاوران، يتناقشان، تؤازره على عمله بغرض إنجاز كتاب عن الإيزيدية. إلا أن اختفاءها المفاجئ، بعيد الغزو يقلقه، ويدفعه للبحث عنها.

في النهاية يكتشف أنها هي نفسها ابنة تلك المرضعة الإيزيدية الشنكالية/ السنجارية التي لجأت وزوجها إلى سوريا في مطلع ستينيات القرن الماضي، وهي الآن أسيرة لدى داعش، كما أن مرضعته نفسها مجهولة المصير؟

الأحداث تطرح الكثير من القضايا من بينها معاناة الإيزيديين بعامة وهجرتهم واستباحة كرامتهم وبيوتهم، ومن ثم المقاومة التي يبديها البيشمركة من أجل استرداد شنكال..إلخ....

كما تستعرض الرواية معاناة الكرد ومنهم الإيزيديون من نظامي دمشق وبغداد اللذين عملا على تغيير ديموغرافيا مناطقهم. ناهيك عن الإشارة إلى الخلافات التي تظهر بين طرفين كرديين هما:

حزب العمال الكردستاني الذي بات يدير المناطق الكردية في سوريا بالإضافة إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده الرئيس مسعود البارزاني، من دون الاستغراق كثيراً، في هذه الجزئية من الرواية.

ولم تنس الرواية الإشارة إلى بيئة شنكال، وأساطير الإيزيديين، وديانتهم، وبعض الرموز الدينية المقدسة لديهم، وتفجير مزاراتهم ومعابدهم من قبل داعش. بل لم تنس الإشارة إلى المجازر التاريخية التي تعرضوا لها- وكان المؤلف أول من سمى المجزرتين الأخيرتين- بالفرمانين، في مقالات منشورة له.

وتعد الرواية إحدى المقاربات السردية من طبيعة وعوالم الإيزيديين، ورؤاهم، وأساطيرهم، وأحلامهم، وعمق ألمهم المتجدد. والرواية تقع في حوالي 500 ص من القطع المتوسط و تعتمد من الناحية على تقنية كسر دكتاتورية الراوي الواحد، من خلال تكنيك ذي لعبة واضحة، سلسلة، وعبر لغة بسيطة، هي أقرب إلى لغة الريبورتاج، ما خلا تلك الفصول التي تتناول طقوس الديانة الإيزيدية، ورموزهم، فقد كتبت بلغة مختلفة..!

والجيربالذكرأنه قد صدرت للشاعراليوسف في العام2017 رواية بعنوان" شارع الحرية" ولقيت اهتماماً لدى القراء والنقاد، وتناول فيها شارع سكنه في مدينته-قامشلي- الذي تعرض للتفجيرعلى أيدي إرهابيي داعش!

 

 

145 حميد الخربوشيقراة في كتاب التجليل في الخط المغربي - المجوهر الجليل أنموذجا

لقد حبا الله تعالى الخط العربي بمكرمات الجمال والقدسية، فكُتبت به الآيات القرآنية بأشكال اتخذت أبعادا جمالية متنوعة بتنوع الخطوط، ومنها الخط المغربي المجوهر الذي اتخذ صبغة جمالية خاصة في المنظومة الخطية المغربية، واتسم بالفرادة لشكله الجمالي وصغر حجمه المطاوع للمظاهر الجمالية من انحناءات وتدويرات وتقويس واسترسال.. وبالرغم من ذلك فقد ظل على مر التاريخ يخضع للبعد الوظيفي المتمثل في الرسائل السلطانية وعناوين الكتب وبعض ما يقتضي السرعة، وظل المجال الفني المرتبط بالتشكيل غائبا، شأنه في ذلك شأن التقعيد والتقييد والضبط.

وإن من أبرز الخطاطين المغاربة المعاصرين الذين اعتنوا بهذين الخاصيتين الغائبتين على مر التاريخ هو الأستاذ الخطاط حميد الخربوشي الذي يرجع إليه الفضل في تحقيق التجليل في الخط المغربي المجوهر ثم وضع أقصى ما يمكن وضعه من هندسة قويمة لتأصيل هذا الخط وإعطائه المكانة العلمية اللائقة به.

ولا شك أن لمركز الكويت للفنون الإسلامية دور في بعث هذا الإنتاج الجديد والجدير بالأهمية: إنه كتاب العصر: " التجليل في الخط المغربي – المجوهر الجليل أنموذجا، الجزء الأول في تأصيل القواعد. إنها بادرة تنم عن حكمة وبلاغة وهندسة وعلمية ومعرفية الأستاذ الخطاط حميد الخربوشي. فقد شكل هذا الكتاب الذي صدّره مركز الكويت للفنون الإسلامية دعما منه لحركة التجديد والتطوير في فنون الخط العربي، وقدّم له الدكتور أدهام حنش عميد كلية الفنون والعمارة الإسلامية بجامعة العلوم الإسلامية العالمية بالأردن، دائرة مهمة في تطعيم مجال التأصيل للخط المغربي المجوهر بالخصائص التي ترفع هذا الخط إلى مصاف خطوط الصفوة ضمن الخطوط العربية التي لها شأن تقعيدي وضوابط محكمة. وبذلك فقد حظي هذا الكتاب بعناية فائقة؛ إذ كان محل اهتمام هذه الرموز بسبب قيمة الكتاب وخصوبة مادته المعرفية وتقديمه مادة جديدة في الساحة الخطية المغربية والعربية.

ولعل في هذا كثير مما يدعو لدراسة محتوى هذا الإنجاز التاريخي، الذي يجمع بين النظرية والتطبيق، وذلك لما يتمتع به المبدع حميد الخربوشي من مؤهلات ثقافية ومعرفية وما يؤهله من قدرات علمية وإمكانات فنية، جعلته يستحضر الأسس الممارساتية إلى جانب المادة العلمية وهو الخطاط المغربي البارع في تجليل المجوهر، والباحث المقتدر الذي خبر حيثيات الخط العربي في مختلف تجلياته واطّلع على العديد من خبايا وأسرار الخط العربي والمغربي. الشيء الذي مكّنه من طرق هذا العمل الإبداعي الخالد بنوع من الموازنة بين النظرية والتطبيق ليقدم صورة استيطيقية جليلة للخط المجوهر المغربي؛ قام من خلالها الباحث حميد الخربوشي بعمليات التفكيك والشرح والتحرير، ليدجج ذلك بالتطبيق العلمي والممارساتي عن طريق مقاربة علمية مَتَحَت من المجال الهندسي مقوماته الأساسية ومن التجليل كل مظاهر الجمال، ليعلن ميلاد باكورة جديدة استثنائية في تاريخ الأبحاث الخطية المغربية. وهي تُحسب لهذا الباحث المجد الفطن النابغ الفذ.

وهو بعمله هذا؛ يقدم خدمة جليلة ليس للخط والخطاطين فحسب؛ وإنما للإسلام والمسلمين قاطبة، بفضل ما تزخر به تجربته العالمة، وخبرته القويمة، وما تتميز به شخصيته من طاقة فاعلة، مكّنته من وضع المسالك الأساسية لهذا الكتاب بمنهجية علمية محكمة، قدّم من خلالها تسلسلا بديعا من المدخل إلى المقاربات التحليلية لنقاد وخطاطين وجماليين من العالم العربي، مرورا بكراس تضمّن تشريح الحروف في حالة الإفراد والحروف المركبة بمنطق الشكل الهندسي المربع / المعين. ومعرّجا على تقييم استشرافي طرح من خلاله بعض البدائل المنهجية لتدليل الصعاب وتجاوز بعض إشكاليات التقعيد في الخط المغربي.

وقد اعتمد في استشرافه لعملية التقعيد على مقاربة جديدة، ومعايير جديدة، بغية الكشف عن حجب الجمال المخفي في الخط المغربي المجوهر، والذي لا يساعد القلم الدقيق العادي ذي السن الواحد من الإفصاح عنها. وهو جانب يؤسس لرؤية جديدة في التفاعل مع الخط المغربي المجوهر بل وإنها في الوقت نفسه رؤية فنية تتقاطع مع تكوين التجليل في مساحات علمية تمكّن الخط المغربي من الاستيزاد في قوته الجمالية وتؤهله للممارسة التقعيدية؛ إنها دراسة علمية حققت ضرورة حتمية لطالما تطلع إليها المغاربة منذ عقود.

إن ما أسفرت عنه جهود الخطاط الأستاذ حميد الخربوشي من تحقيق لأهداف تنظيرية علمية وتطبيقية على الخط المغربي المجوهر؛ هو مؤشر عن التعبير الجمالي الذي يخضع لسلطة الضبط والتقييد ويُمأسس لجمال الحرف ويُخضع الممارس لضبط ذلك الجمال بمقاييس علمية وسلطة هندسية تسمح بإنتاج المعنى الجمالي للحرف المجوهر. إنه بناء عملي في غاية التميز، ولا غرابة في ذلك فالخطاط الأستاذ حميد الخربوشي يعي جيدا معنى الصور الجمالية والأشكال الخطية والتركيبات الفنية لذلك أخضع الموضوع برمته إلى نسق جمالي متكامل عن طريق الدراسة والتفكيك والتشريح ثم التحرير في ارتباط وثيق بالأسس الجمالية وما تكتنزه المادة التراثية المغربية من مقومات حضارية تؤثر في فعل التقعيد. وهو أمر في غاية الأهمية. يقول حميد الخربوشي: "وحينما نتكلم عن مسألة التقعيد فإننا نتكلم عن تجميع وحصر كل الصور والأشكال الخطية (المتوفرة في المرسوم الخطي المجوهري) ضمن برنامج نسقي يسمح لها بإنتاج المعنى الجمالي ويفتح أمامها باب التنوع والإبداعية في ذات الوقت"[1] إن الرجل يشتغل وفق الشروط العلمية والموضوعية الصرفة، وهو ما يتيح له أن يجسد الفعل التقعيدية بمرونة وحنكة ومراس يستحضر كل الأساليب الجمالية في الخط المغربي المجوهر؛ لأن تحديد سمات الجمالية في الخط المغربي المجوهر لا تتحدد في الشكل العام فقط، وإنما في مختلف الأساليب ليستخرج الباحث أقصى ما يمكن الحصول عليه من المعاني ويحققه من أنواع الجمال.

وليدخل الأستاذ الباحث والخطاط الأنيق حميد الخربوشي في صلب المادة التقعيدية تسلح بعُدة من المستلزمات الأساسية وتمكن من سبر حروف العديد من الكتب والمؤلفات، لأنه أمام بحث علمي يعتمد المنهج الشكلي لتفعيل أهم خطوات هذا الإنجاز الذي ينهال على التجليل دراسة وبحثا لترشيد الرؤية البصرية والحسية نحو الجمال المجوهري المغربي. إنه تفاعل يأخذ بعين الاعتبار تبسيط الطريق والأخذ بالمسلك المنهجي والبيداغوجي الذي يسهل اكتسابه. وليزيد من التبسيط رام المؤلف استجلاء بعض المفاهيم لمعالجة بعض الالتباس كما هو الحاصل في مفهوم الخط الذي يقترن بمفهوم الكتابة. وقدّم بعض المعارف حول ماهية المجوهر وخصائصه مسترشدا بسيل من الوثائق التي يستشهد بها، والتي تغذي المجال المعرفي والعلمي والتاريخي. وهي وثائق متنوعة؛ لكنه ركز على مخطوطات الفترة العلوية لما حققته هذه الحقبة التاريخية من تطور في فن الخط. فرسم تنظيريا ومعالجة قوامة السطر في المجوهر، ووضعية الحروف في مفصولها وموصولها، ومبادئ تكوين العمل الخطي الإبداعي. ثم طرق بحنكة وعلم باب الكتلة الحبرية حيث يهيمن الحبر الأسود على البياض الذي يشكل فيه المجوهر العادي نسقا كتابيا مبنيا بناء سطريا دقيقا.[2] والمؤلف يعطي بذلك المعلومات الخطية الوفيرة المتكاملة التي تمتد حد صياغة مكونات تجربة مجوهرية مغربية عربية تنبئ بفلسفة خطية ذات بعد تاريخي عريق، يعتمد الخط المجوهر الدقيق الذي تهيمن عليه الأحبار بسوادها الحالك، وهو ما يثير الدهشة في المؤلف وهو لا يخفي إعجابه بالرغم – حسب قوله – أن المخطوطات لا تتوفر على أدنى شروط التجليل المعروفة بحسن التشكيل في الخطوط العربية العريقة التي نالت حظها من النمو والتطور.[3] وقد رصد إشكالية التجليل في الخط المغربي وبين بعض الإشكالات التي طالت الأقلام وأشكالها.

وبذلك تتبدى خبرة المؤلف الفردية ومراسه الخطي في المجوهر، التي تشكل رؤية إنتاجه المعرفي والفني، ليرسخ لها مكانا لائقا ضمن خارطة الخط العربي في العالم الإسلامي؛ فقد دلل طرحه بالبحث في الآلة الفاعلة على حد تعبيره. وقد رسم لها الشكل الهندسي الذي كانت عليه، وأعزى كتابته الدقيقة إلى النساخين والخطاطين الذين لم يستحضروا مفهوم التجلية بما هي عليه حاليا. والأستاذ حميد الخربوشي يريد أن يبرر هذا الحلقة المفقودة في تاريخ الخط المغربي عموما وليس في المجوهر فحسب؛ ولذلك قدم مشهدا نظريا رائقا حول كيفية انتقال الحروف من دقيقها إلى جليلها مستعينا بتشبيه لتقريب القارئ من الصورة التي يحسها المؤلف ويريد نقلها بكيفية يتشربها الخطاط أو القارئ بنفس الكيفية. وهو يمهد للدخول في الأشكال الهندسية المتنوعة التي تتقيد بالمقاييس الدقيقة والضوابط العلمية اللائقة. فرسم صورا هندسية وأخرى تقريبية ليمكّن القارئ من قراءة حروف المجوهر بشكل مبسط يسهل تناوله. فتناول عددا من الحروف مفردة ومركبة ووضعها في موازين وقياسات تخص المجوهر الجليل، ثم ركب كلمات غاية في الجودة والجمال، وهي تفصح عن عبقرية المبدع الباحث حميد الخربوشي الذي يرجع له الفضل في السفر جليا بالخط المغربي المجوهر نحو آفاق علمية ومعرفية وفنية جديدة. وهذا ينم عن حسه الفني وثقافته العلمية التي شكل بها حيزا مهما في الوضع الحروفي المغربي وألبسه قيمة جمالية جديدة لتعد بنية خطية متكاملة رائدة في الظرف الراهن، وإذا كان تصوره العميق يقوم على هذه الأبحاث والصياغة الرائقة عن علم وخبرة، فإنه كذلك فتْح علمي وفني ارتشف من التراث الحضاري المغربي، وأخذ منحاه من محيطه الجغرافي المغربي الأصيل. ولأن الباحث أدرك مجمل المقاصد الجمالية التي تلف الخط المغربي، ولأن الخط المغربي كذلك « يتمتع بإمكانات هائلة وأسرار وجماليات غير متناهية، بما حمله بأشكاله الحروفية ورموزه الإيحائية من مضامين عميقة »،[4] جعلت منه بؤرة خصبة للتناول بطرق إبداعية بحثة.

ولقد أبدع الأستاذ الباحث حميد الخربوشي بخاصة في مجال دراسة الخط المغربي المجوهر؛ وهذا من نباهته وحنكته وخبرته؛ فقد أحاط بكل جوانب الخط المغربي المجوهر من الدقيق إلى التجليل وأبرز جمالية هذا الخط في سبق تاريخي، حقق خلاله الباحث نتائج مهمة لما يمتلكه من مفاهيم جمالية متعددة، جعلته يحظى بالأولوية في تدبير شأن الخط المغربي المجوهر. ولا غرو في ذلك، فهو الباحث المتمرس، والممارس الفذ الذي يقدم بين الحين والفين أعمالا مجوهرية غاية في الإبداع والجمال. بل ويسهم في تعميق صيغ الجمال وتجديده في مختلف أعماله. بمنطق يرتكز على الجمال المغربي في أصوله وتقنياته. حيث يغيّر في كل حين في المقاييس الجمالية والبلاغية، قياسا بالمعاينة البصرية التي تعتمد الواقع المرئي للكلمات والعبارات والنصوص التي يعالجها الخطاط حميد الخربوشي، مخصصا بذلك مساحة جمالية من الأعمال ومن الدراسة العميقة في مكونات الحرف المغربي المجوهر والتي رامت إثبات جمالية المبنى والمعنى، في كتاب مغربي فريد.

 

د. محمد البندوري

...............................

[1] التجليل في الخط المغربي، حميد الخربوشي، ص 21

[2] التجليل في الخط المغربي، حميد الخربوشي، ص32

[3] نفسه، ص 34

[4] د. محمد البندوري" جماليات الخط المغربي في التراث المغربي – دراسة سيميائية ". منشورات مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال، المطبعة والوراقة الوطنية- مراكش. 2016، ط1. ص: 113.

 

 

عبد الجبار نوريصدر للباحث أحمد علي الربيعي كتاب "مكرم الطلباني" ودورهُ السياسي والفكري في العراق 1923 – 1979 ورؤاه السياسية والأقتصادية في الأصلاح الزراعي في العراق ب480 صفحة – بغداد 2008، وهو كتاب قيّمْ وثر وثري بمجمل مواده ومدونات الكاتب والباحث المتألق أحمد الربيعي في تدوين منجزات الوزير الشيوعي الأسبق " مكرم الطلباني مواليد 1923، وسوف أكتب في أحدى مفاصل البحث وهي منجزات الأستاذ مكرم في الأصلاح الزراعي في العراق .

هو مكرم شيخ جمال الطلباني أكاديمي عراقي 1923 ولادة كفري من كركوك، هو وزير الري الأسبق، وقيادي بارز في الحزب الشيوعي العراقي نال شهادة الحقوق من بغداد عام 1946، مارس مهنة المحاماه في مدينة كركوك وكان من ضمن فريق المحامين العراقيين للدفاع عن الزعيم الشيوعي يوسف سلمان يوسف الملقب (فهد) ورفاقه زكي بسيم وحسين الشبيبي في العام 1947، تعرض في العهد الملكي للسجن والنفي والأقامة الجبرية، وبعد أعلان الجمهورية الأولى 1958 عين مديرا عاما في دوائر الدولة حتى مجيء أنقلاب شباط عام 1963 أعتقلته قوات الحرس القومي وحكمت عليه بالسجن ل3 سنوات ثم بعد مفاوضات ميثاق العمل الوطني الجبهوي بين الحزبين البعث والشيوعي عُيّن وزيرا للري مع السيد عامر عبدالله وزيرا بلا وزارة سنة 1972، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه من الأتحاد السوفييتي في العلوم الأقتصادية في رسالته (الأصلاح الزراعي والتطورات الأجتماعية في الريف العراقي 1973) ولهُ رسالة دكتوراه ثانية في موضوع (أزدواج الملكية في بلاد الرافدين) أيضا من الأتحاد السوفييتي 1975، مكرم الطلباني حالة خاصة لها ظروفها الأستثنائية شيوعي صادق وشجاع.

الأصلاح الزراعي Agrarain Reform هو مجموعة من الأجراءات التشريعية والتنفيذية التي تقوم بها السلطات العامة لأحداث تغيرات أيجابية في الحقوق المتعلقة بالأراضي الزراعية من حيث ملكيتها وحيازتها والتصرف بها، لينجم عن هذه التغيرات ألغاء أحتكار الأرض الزراعية أو تقليصه وضمان توزيع أكثر عدالة في (الثروة والدخول) ويتم ذلك عن طريق رفع حد أعلى للملكية الزراعية الخاصة، ولا يجوز تخطيه، والأستيلاء على ما يتجاوز هذا الحد من أراضٍ وتوزيعها على فقراء الفلاحين المستحقين وفقا لشروط وأوليات تختلف بأختلاف الأوضاع السياسية والأقتصادية والسكانية والأجتماعية لكل بلد، والأصلاح الزراعي بهذا المفهوم المحدد الأكثر شيوعاً والذي يركز على توزيع الأرض Land diatribation reform أي على تحقيق العدالة وفتح الطرق أمام تحرير الفلاحين أقتصاديا وأجتماعيا وسياسيا والتقليل من سطوة الأقطاع والشبه أقطاع أو العمل على أضمحلاله، وكذلك يعني فلسفة الأصلاح الزراعي بمعالجة سوء توزيع الثروة في الريف بما في ذلك الأراضي الزراعية التي تعتبر من عناصر الأنتاج الرئيسة ومصدر المعيشة والرزق، وتطور مفهوم الأصلاح الزراعي أخذ ينحو بأتجاهين الأول / مفهوم الأصلاح الزراعي القديم الذي يؤكد على أعادة توزيع حقوق التصرف في الأراضي الزراعية ويقصد هنا تطبيق قانون رقم 30 لسنة 1958، والثاني/ المفهوم الأصلاحي الحديث المعولم العصري الذي يتضمن أعادة بناء أقتصاد المجتمع الريفي بكامله لتحسين وضع الفلاحين ورفع مستواهم المعاشي وتغيير العلاقات الأنتاجية .

عالج الكتاب مواقف مكرم الطلباني الفكرية والسياسية من قيام ثورة 14 تموز 1958 لاسيما من قانون الأصلاح الزراعي في العراق رقم 30 للعام 1958، فكان دورمكرم الطلباني المهني صار واضحاً عند أستلامه حقيبة وزارة الري والنقل 1972- 1979

- برزت مهنية وزير الري مكرم الطلباني في معالجة شحة مياه نهر الفرات وأنجاز المشاريع الأقتصادية لتهيئة الزراعة بشكلٍ أفضل في العراق، فضلاً على أصراره على تنفيذ أكبر مشروع (الثرثار) في الشرق الأوسط، والذي يؤدي إلى درأ خطر الفيضانات عن حوض نهر دجلة يمكن تفريغ قسم كبير من المياه في بحيرة الثرثاروتغذية نهر الفرات بالكميات المطلوبة من المياه من هذه البحيرة وانجز المشروع سنة 1976 بفضل الجهود المضنية لمكرم ومساعدة الأتحاد السوفييتي ودوره في أيجاد الحلول لأزمة مياه الفرات الذي لعب دور الوسيط بين العراق وسوريا وتركيا خلال علاقته الوطيدة مع الرئيس التركي سليمان دمرل والرئيس السوري حافظ الأسد، وأقامة التعاون الأقتصادي مع البلدان الأشتراكية ولا سيما مع الأتحاد السوفييتي خلال دوره في جمعية الصداقة العراقية – السوفيتية، ومن الملاحظ أن مكرم الطلباني لم يركز على التجربة السوفيتية والبلدان الأشتراكية في تطوير القطاع الزراعي بل مع دول أوربا وبالأخص مع فرنسا

- وضع الوزير منهاجا تشمل خطة شاملة لمشاريع مهمة لعام 1973 – 1974 مستنداً على ناحيتين مهمتين في مجال الري ومشاريع (التخزين) للزراعة والوقاية من الفيضانات والتغلب على التقلبات المناخية في المناطق الزراعية التي تعتمد على الأمطار، أستخدم مكرم مركزاً للبحوث المائية في وزارة الري، معتمدا في أنجاز المشاريع الأروائية على بناء السدود والنواظم وعلى الشركات الأجنبية والمقاولين المحليين العراقيين، ونفذ مشروع ناظم الكسارة وممر للملاحة على نهر دجلة ضمن محافظة ميسان الذي يضمن الملاحة بين بغداد والبصرة، كما عمل على تبطين بعض قنوات المشاريع الأروائية منها مشروع الأسحاقي ومشروع ضخ الرزازة ومحطة ضخ البزل رقم 2 لمشروع بزل الحلة – الديوانية .

- قام بأنشاء مديرية عامة للدراسات والتصاميم تأخذ على عاتقها أجراء الدراسات والبحوث والتحريات ووضع الخطط العملية للري وأعطاء الأولويات لغرض أعادة تنظيم الري وأنشاء شبكات البزل والمشاريع الزراعية بتطبيق المزارع الكثيفة Plantaion والمطبقة في دول الغرب بنجاح والتي تعتمد تهيئة مستلزمات الزراعة الحديثة في البذور المحسنة والمكننة الزراعية والأسمدة العضوية والكيمياوية والري بالتنقيط، أقام مشاريع ضخمة للري بتنفيذ مشترك مع شركات روسية وخلق فرص عمل كبيرة للعاطلين

- أن سوء توزيع الأرض الزراعية وسوء أستغلالها كانا يؤلفان عشية صدور قانون الأصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958نموذجاً سيئا صارخا للأقطاع وجشعه وقصوره حيث كان 2% فقط من الملاك يملكون 68% من الأراضي الزراعية، كان شخصان في العراق تجاوزت حيازة كل منهما مليون دونم عراقي (الدونم =2500 م2 ) وأسر المستشيخة والبارزةفي أستغلال الأرض والفلاح وامتصاص جهوده وما سموهم بالشبه أقطاعي هم : عائلة الجاف والشيخ محمود البروزنجي وعائلة آل ياسر والفرحان والأمير والجلبي وعائلة الملك المزاح وعائلة القصاب والياور والخضيري وأل مرجان وآل جريان والسهيل والدنبوس في الكوت وعائلة الشيخ عريبي والشيخ مجيد لبخليفة في لواء العمارة .

وأعتدّ القانون نموذجا أيجابياً لأحدى مكتسبات ثورة 14 تموز 1958 الذي وضع الحد الأعلى للملكية الزراعية قدرهُ الف دونم في الأراضي المروية وألفي دونم للأراضي المطرية، ونصّ توزيع الأراضي ابمعدل 30- 60 دونم للأسرة في الأراضي المروية ومثليها في الأراضي المطرية، وشمل القانون 2400 مالك بلغت مساحة الأراضي والخاضعة للأستيلاء 26/11 مليون دونم أي نحو 7-48 من أجمالي المساحة المزروعة البيانات، وتعثر القانون في السنوات الأولى نتيجة بعض المشاكل الناجمة عن نقص البيانات وقصور في التخطيط وفي خبرة الأجهزة، وفي 1970 ألغي القانون من قبل أنقلابيي 63 وحلّ محله قانون في الأصلاح الزراعي رقم 117 لسنة 1970، الذي جعل الحد الأقصى للملكية الزلراعية بين 40-2000 دونم وذلك باختلاف أنتاجية الأرض ومصدر الري، والقانون الجديد من سلبيات وأستلابات انقلاب 63 الذي ألغى جميع فقرات قانون الأصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 وما تبعه من قوانين مكملة بشكل ملاحق، فأنصبت جهود الوزير مكرم الطلباني على التعامل مع القانون الجديد بالأهتمام بعناصر الزراعة الري والتربة والاسمدة والمكننة والأدارة والخبرة الزراعية الحديثة، وأصبح الوزير مكرم مكبل الخطى محبط ومحدد بالقانون التعسفي والثأري لحكومة البعث حتى نُقل وزيرا لوزارة النقل .

وأخيرا / أن الثلاثين من أيلول ذكرى صدور قانون الأصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 ندعو الحكومة العراقية الجديدة أن تعيد العمل بالقانون التقدمي المذكور وتطبيقه على الريف الزراعي، والوقوف وقفة جادة في دراسة وضع الريف العراقي وما يعانيه من سلبيات مدمرة حيث تلازمها الهجرة المستمرة إلى المدن، وأن الريف العراقي هش وأبعد من قاموس حكومات ما بعد 2003، ونحن بحاجة لوزير كشخصية مكرم الطلباني في أخلاصه وصميمية عراقيته وخبرته العلمية في حقل الزراعة .

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

..........................

هوامش ومصادر

صلاح وزان – الأصلاح الزراعي – الموسوعة العربية

كتاب مكرم الطلباني –أحمد علي سبع الربيعي –رؤى الوزير في الأصلاح الزراعي

مكرم الطلباني –الأصلاح الزراعي في الريف العراقي 1973

مذكرات باقر أبراهيم – مقالات في مجلة الثقافة الجديدة وطريق الشعب 78 – 79

مجلة دراسات في التأريخ والآثار- دور مكرم الطلباني في وزارتي الري والنقل

 

حاتم حميد محسنتتطلب الفردية الليبرالية انحلال الثقافة، وعندما تضمحل الثقافة تدريجيا يتآكل العملاق وتختفي الحرية المسؤولة. (من كتاب لماذا فشلت الليبرالية، للكاتب باتريك دينين، ص 88).

كتاب باتريك دينين شديد التشاؤم، اطروحته باختصار تؤكد على التالي:

1- الليبرالية هي فلسفة استخدمها الغرب لبناء المجتمعات.

2- لا يمكن الحفاظ على ديمومة الليبرالية لأنها تقدّس الفردية التي تُضعف القيم الثقافية والاخلاقية المطلوبة لكي يعيش الناس مجتمعين بانسجام.

3- حاجتنا لمثل هذا الانسجام يقود الناس للسماح بتعاظم سلطة الحكومة والمؤسسات الاقتصادية الكبيرة الحجم.

4- الحكومة والمؤسسات الاقتصادية الكبيرة الحجم تُضعف الحرية الفردية التي تزعم الليبرالية انها جاءت لترسيخها.

لكي نوضح، سنستخدم موقفا افتراضيا نلجأ فيه لطلب مساعدة اليد القوية للحكومة.

لو كنت تعيش في الطابق السادس من بناية ذات 15 طابقا في وسط مدينة كبيرة. كان لديك موعد في الصباح الباكر ليوم غد، لذا انت بحاجة لنوم كاف قبل ذلك الموعد. احد الجيران كانت لديه حفلة، والموسيقى الصاخبة تنطلق من بيته. انت حاولت النوم لكنك لم تستطع، واخيرا اتصلت بالشرطة. قبل 200 سنة لا يمكن ان تحصل مثل هذه المشكلة. الناس بدلا من ان يعيشون متلاصقين الى بعضهم، كانوا في السابق يعيشون في القرى في بيوت منفصلة عن الجيران. كل واحد يعرف الآخر بحيث ان جارك على اطلاع باهمية الموعد لديك، وانت ايضا تكون على دراية بالحفلة المخططة بحيث انكما تستطيعان التفاوض على تسوية معقولة. اخيرا، اذا فشلت كل تلك الجهود، فانت تعرف معظم الحاضرين في الحفل، تستطيع طرق الباب والطلب منهم خفض صوت الموسيقى.

النقطة هنا في هذا المثال هي ان المجتمع قد تطور، اصبحنا في حالة متزايدة من الاعتماد المتبادل، واصبحنا اقل حجما(ذرات منعزلة). اصبحنا اكثر اعتمادية لأننا اكثر تخصصا ضمن وحدات اجتماعية كبيرة مثل المدن والاسواق العالمية والمباني العملاقة. نحن اصبحنا اصغر حجما لأن الروابط الاجتماعية في القرية والعائلة جرى استبدالها بعلاقات اضعف واكثر تباينا خلقتها ارتباطاتنا المهنية وعاداتنا ومصالحنا.

لذا، نحن نستدعي البوليس للتعامل مع الصوت الصاخب في الحفل . في هذا الشأن الكاتب ليس اول من يقترح بانه عندما تضعف المؤسسات الثقافية فان الحكومة تميل للتوسع لتلبية الحاجات الاجتماعية.

لكن ما يريد المؤلف قوله هو اننا نستدعي البوليس لأن الليبرالية فشلت كفلسفة. الليبرالية تتجاهل بالضرورة القيم والمؤسسات الثقافية التي يمكنها ان تساعدنا لنعيش بانسجام.

يذكر المؤلف ان الليبرالية تصورت الناس كافراد ذوي حقوق يستطيعون متابعتها لأجل الحياة الجيدة... ويضيف، ان الليبرالية جاءت لتعزز مساواة اكبر ولكي تدافع عن النسيج التعددي لمختلف الثقافات والعقائد ولحماية احترام الانسان وتوسيع الحرية (ص3). ما يعارضه المؤلف هو ليس هذا المبدأ الشمولي والمهم لليبرالية وانما الطريقة التي طورتها الليبرالية في تفسير وتطبيق ذلك المبدأ. هو يكتب: حاجتنا الى الليبرالية تكمن في استمراريتها بالالتزام العميق بالتقاليد السياسية الغربية وخاصة الجهود لضمان احترام وحرية الانسان من خلال كبح الاستبداد والحكم الاوتوقراطي والقمع. في هذا الشأن تُعتبر الليبرالية مرتكزة على الالتزامات السياسية الضرورية التي طُورت عبر قرون في الفكر الكلاسيكي والمسيحي وتطبيقاته. غير ان ابتكارات الليبرالية حالت دون بلوغ التزاماتها المعلنة(ص19).

طبقا للكاتب، الفلاسفة الكلاسيك ركزوا على اهمية الاخلاق. الافراد يجب ان يمتلكوا فضيلة الكبح الذاتي لكي يعملوا جيدا في العوالم الفردية. هم يجب ان يمتلكوا فضيلة مدنية لتكون لديهم جاليات مزدهرة.الليبرالية كما يرى المؤلف لا تحترم هذه الحاجة للفضيلة.

ان التأكيد الكلاسيكي والمسيحي على الفضيلة وغرس قيود الذات اعتمد على تعزيز المعتقدات والهياكل الاجتماعية المنظمة بكثافة من خلال الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعائلية. ما اُعتبر كدعم جوهري للتدريب على الفضيلة – ومن ثم كشرط مسبق للتحرر من الاستبداد- نُظر اليه كمصدر للقمع والاوتوقراطية والتقييد(ص25).

أعداد متلاحقة من المفكرين في العقود والقرون الماضية كانوا يعيدون تعريف الحرية كتحرير للانسان من السلطات القائمة وانعتاق من الثقافة والتقاليد العشوائية وتوسيع لسلطة الانسان وسيطرته على الطبيعة من خلال التقدم العلمي والازدهار الاقتصادي (ص27).

يقول المؤلف ان الليبرالية ابتعدت عن القيم الكلاسيكية والمسيحية. ما كان جديدا في هذا الاساس الفاشل في تقييم المؤسسات والمجتمع والعضوية في الاتحادات وحتى العلاقات الشخصية اصبح خاضعا لإعتبارات الخيار الفردي المرتكز على حسابات المصلحة الذاتية وبدون اعتبار اوسع لتأثير خيار الفرد على الجماعة، والتزاماته نحو النظام ومن ثم نحو الله(ص33).

يرى الكاتب ان الديمقراطيات الغربية هي في مأزق ترزح فيه تحت اللامساواة المتزايدة وفقدان الثقة في الحكومة وتفكك النسيج الاجتماعي وانقسامات سياسية حادة. سبب هذه الكوارث برأي الكاتب هو الحداثة ذاتها. صعوبات اليوم هي نتيجة حتمية للافكار المعيبة لمفكرين مثل ميكافيلي وفرنسيس باكون وهوبز وديكارت وجون لوك الذين وضعوا دعائم التنوير والديمقراطية الليبرالية الحديثة. هؤلاء المنظرين يرى الكاتب انهم رفضوا الجهود الكلاسيكية والمسيحية الرامية لتعزيز الفضيلة وبدلا من ذلك بنوا نسختهم العلمانية للسياسة على رؤية عملاقة للفرد المتحفز بالفخر والانانية والجشع والبحث عن المجد. وعلى هذا الاساس تنامت قوة الديمقراطيات الغربية وتعاظمت ثروتها لكنها ايضا شهدت النتائج المدمرة للمصلحة الذاتية. الروابط الاجتماعية والقيم التقليدية اختفت، والمواطنون يشعرون مهددين من تنامي قوة الدولة. الكاتب يرى بضرورة العودة الى الوحدات الصغيرة كالعائلة والكنيسة والجاليات المحلية. حماية عالم الحياة الخاصة والمجتمع المدني هذا هو بالضبط ما سعت اليه الليبرالية .

يرى الكاتب ان ايمان الليبرالية بالسوق الحر وبالحكومات الدستورية وبالعلم قادنا للتسامح وحتى تشجيع سلوك المصلحة الشخصية الخالصة من جانب الافراد. نحن نثق بان التكامل الاقتصادي سيأتي من الحوافز التي تعمل في السوق الحر. اما التكامل السياسي كما يرى البعض سيتم ضمانه بفصل السلطات ...

في ادّعائه بفشل الليبرالية يشير الكاتب الى عدة ظواهر:

1- زيادة تركيز السلطة السياسية لدى موظفي الوكالات الحكومية غير المنتخبين.

2- لا مساواة اقتصادية حادة

3- هبوط في نسبة طلاب الجامعات الذين يدرسون العلوم الليبرالية وهبوط حاد في نوعية تلك الكورسات.

4- التكنلوجيا تهدد لتكون سيدا علينا بدلا من خادم لنا.

5- الكوارث البيئية.

اشار الكاتب الى ان نجاح حملة ترامب الانتخابية وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي كعلامة على ان النظام الليبرالي فقد اعجاب الرأي العام . لكن هذا الانتصار لم يأت ضمن نقاط الفشل التي حددها الكاتب اعلاه، حملة ترامب وبريكست بُنيت على مسائل الهجرة .

في كتاب "فضائل البرجوازية"للكاتبة Deirdre N.McCloskey الذي نُشر عام 2006 تشير فيه : ان نوعية الحياة الحالية هي افضل من حياة اجدادنا . المرأة الفلاحة االايرلندية التي كانت تحرث لزراعة البطاطا عام 1805 او الفلاح النرويجي في عام 1800 او البنت الامريكية لفقير انجليزي عام 1795 كلهم عاشوا حياة قصيرة وقاسية واكثرهم لا يستطيع القراءة . الكاتبة رفضت الأدّعاء بان الليبرالية اضعفت الشخصية الانسانية. فهي تقول ان العرق الانساني مليء بالعيوب الاخلاقية ولكن هذا حصل ايضا ايام الكلاسيك الاغريق واوربا المسيحية.

بناء على ما تقدم لا نستطيع الاعتراف بان الليبرالية فشلت لكنها بالتأكيد تبدو تمر بمشاكل صعبة ونحن لانزال بامكاننا التساؤل عن سبب ذلك. المركز السياسي يبدو ضعيفا في العديد من الدول الغربية. الاحزاب التقليدية الكبيرة اصبحت غير قادرة على تكوين تحالفات في المانيا وايطاليا.

الناخبون يكثفون باستمرار دعمهم للاحزاب الجديدة وللحركات الصغيرة . بعض مقترحات الكاتب للاصلاحات ربما مفيدة. فهو يرغب ببناء حكومة جاليات ومؤسسات وسيطة اخرى لتقليل حجم السياسات المقررة في مستوى الحكومة المركزية . نجاح الدول الصغيرة مثل سنغافورة او الدول الاسكندنافية يبين ان الحكومة لا تحتاج الى دوائر انتخابية كبيرة الحجم لكي تكون فعالة. سويسرا ذات الـ 8.4 مليون شخص لها نظام فيدرالي تناط به المسؤوليات في مستوى الادرات المحلية (الكانتونات) والذي هو مشابه لما في الولايات المتحدة.

افكار الكاتب ليست كلها جيدة . هو يفضل الاقتصاد المحلي وهو امر يبدو اكثر كلفة مقارنة بالفوائد، لاننا حاليا نعتمد بكثافة على التخصص والتجارة. في الاقتصاد المحلي ربما سنعود الى استخدام الاشياء البدائية القديمة.

ان الخوف الرئيسي على مستقبل الليبرالية يكمن في ميول خطاب الرأي العام. يبدو اننا نصبح اقل تسامحا مع من لا نتفق معهم. الناس يتحدّون خصومهم، يسخرون من ذكائهم ويتجاهلون حقهم بالاستماع اليهم. من الصعب القبول بهذا السلوك السياسي المتضاد مع قيم الليبرالية. الكاتب يتهم المدافعين عن الليبرالية بمحاولة حل مشاكل الليبرالية بمزيد من الليبرالية. نعتقد انه لو جلبنا الليبرالية الحقيقية للنقاشات السياسية عندئذ سنكون اقل خوفا من المستقبل.

 

حاتم حميد محسن

...................

كتاب لماذا فشلت الليبرالية للكاتب Patrick J. Deneen (استاذ الفلسفة السياسية في جامعة نوتردام)، صدر عن مطبوعات جامعة يال، 2018.