محمد السعديهذا عنوان الكتاب الذي صدر في العام ٢٠١٧،  لزلماي خليل زادة السياسي والدبلوماسي الجمهوري الامريكي الأفغاني الأصل، والذي أوكلت له مهمة المبعوث الرئاسي الخاص للمعارضة العراقية في الخارج، وتولى بعد إحتلال العراق السفير الامريكي في بغداد بعد عزل السفير الامريكي الذي سبقه نيكروبونتي في فترة سريعة بعد توليه المنصب وبظروف غامضة  . في كتاب مذكراته يروي أهم محطات حياته السياسية في العاصمة بغداد في ظل الاحتلال الامريكي والتوسع الإيراني عبر دعم الميلشيات الشيعية ودفعها بأتجاه النحر الطائفي بين طوائف شعب العراق، وفي الوقت الذي كانت تدعم الميليشيات الشيعية أيضاً تدعم أطراف سنية وقادة في تنظيمات القاعدة والتي تحولت فيما بعد الى تنظيم داعش الارهابي . وحسب المصادر التي سربت لاحقاً أن في عشية أحتلال العراق وفي وسط التحشيد الكبير والألهة الإعلامية المزعومة في الدعاية والكذب عبر قافلة من العملاء وبائعي الضمير، كان هناك قواعد عسكرية ولوجستية لتنظيمات القاعدة على الحدود الإيرانية العراقية خلف قرى (بيارا وطويلة) في قاطع حلبجة وبأشراف إيراني تحضيراً لتدمير العراق أذا وقع الأحتلال وسقطت الدولة .

وقد تعرضت أبان الاحتلال تلك الثكنات والقواعد العسكرية الى قصف مدمر من قبل الامريكان ولم ينجى منهم الا عدداً قليلاً من ذلك القصف وكان من بينهم الزرقاوي، والذي زج فيما بعد الى داخل العراق بمساعدة إيرانية .

في تلك المذكرات سأتوقف عند مفصلين مهمين عبر شاهدها وراويها هو زلماي خليل زاده في كتابه المضطرب .

دعم وتأسيس الميليشيات.

تفجير القبة الذهبية للإمامين الشيعيين علي الهادي وأبنه حسن العسكري ؟.

كانت أمريكيا على دراية تامة وبأتفاق ضمني مع التوغل الإيراني في تدمير العراق عبر إذكاء الفتنة الطائفية بين أبناء الشعب العراقي من خلال تأسيس الميليشيات الطائفية وتأليبها على بعضها في شراء ضمائرها في التنافس على الطاعة والعمالة ضد مصلحة الوطن العليا . يروي زاده في كتابه عندما وصلت بغداد وباشرت بعملي في ظل وضع سياسي متشابك فليس سهلاً لي في البداية من أفاق نجاح قريبة بأتجاه تهدئة الوضع العام من خلال تقريب وجهات النظر بين أطراف سياسية متناقضة ومتعددة تحمل ثاراً على مخلفات الماضي بل المضي على أجتثاثه ولا يخلو من أصطفافات طائفية واضحة للعيان بأي لحظة تنفجر، ومن خلال فريق عملي تصلني أخبار يومية شبة دقيقة عن أمتداد إيراني واسع من خلال ميليشيات عراقية، كانت أغلبها في البداية تعتمد على العراقيين الذين كانوا عايشين في إيران ممن قذفتهم محن الحروب وأساليب القمع والاضطهاد ومن هاربي الحرب والأسرى (التوابين)، ومنتميه الاحزاب الاسلامية وأولاد العوائل المهجرة بتهمة التبعية الإيرانية، والتي أطلق عليها صدام حسين بعد سنوات نادماً أنها فوران دم، لكنها تعد خطوة غبية وبعيدة عن أي أبعاد سياسية وقيم أنسانية .

وفي أشارة واضحة في كتابه عن الصمت والموقف المتفرج تجاه تطورات الاحداث . يذكر في كتابه وصلتنا معلومة عن وجود شخص إيراني يتحرك بريبة من خلال منظومة علاقات واسعة ومتشابكة، ويكمل بعد أن حصرنا وجوده وتم تشخيصه بدقة في بيت عمار الحكيم قررنا إعتقاله، لكن الرئيس الامريكي بوش الأبن رفض ذلك لتداعيات قد أجهلناه في حينها، وتبين فيما بعد أنه قاسم سليماني، ويربط وجوده وتحركه فيقول وبعد فترة زمنية قامت تلك الميلشيات بتفجير القبة الذهبية للإمامين الشيعيين علي الهادي وأبنه حسن العسكري في مدينة سامراء وفي أشاره واضحة في سطور كتابه يوجه التهمة الى الميليشيات الشيعية بالتنسيق مع الوجود الإيراني وعلى رأسهم المرحوم قاسم سليماني .  

بعد هذا العمل الارهابي تعرض العراق بكل طوائفه الى فتنة طائفية داخلية أدت الى القتل على الهوية والطائفة أجتاحت مساحة العراق من الشمال الى الجنوب في تكديس الجثث على جوانب الشوارع والطرقات  ولولا يقظة الخيرين من العراقيين وحرسهم الوطني لوقعت الحرب الاهلية وحرقت اليابس والاخضر ومع بوادر تلك اليقظة الحذرة مازال العراقيين يعانون من أثارها المدمرة في تحطيم نسيجهم الاجتماعي . يذكر زاده في كتابه حول تفجير القبة الذهبية بأعتراف صريح وخطير من نوري المالكي نحن من فجرنا القبة الذهبية في مدينة سامراء بلقاء جمعه معه وبحضور آخرين ؟. كما يروي في كتابه .

إيران كانت تريد من خلال أذكاء الفتنة الطائفية تحجيم دور السنة وأبعادهم عن المشاركة في العملية السياسية ومن خلال تلك السياسة أرادت أن تضرب عصفورين بحجر واحد، وهي رسالة ضمنية الى الميليشيات الشيعية أنه بدون الدعم الإيراني سوف تتعرضون الى التهميش والإقصاء . يذكر زاده في كتابه حول مام جلال والتأثير الإيراني على الوضع العام في العراق بأعتباره أول رئيس جمهورية للعراق بعد سقوط النظام . أن يذهب مام جلال وهو رئيس دولة العراق للقاء سراً على الحدود الإيرانية مع قاسم سليماني، وحسب أدعاء زاده عندما واجهناه بالواقعة . قال مام جلال متعذراً بهاجس خوف سليماني من محاولة أعتقاله من قبل الأمريكان أذا دخل الى العاصمة بغداد بشكل علني .

وعندما كان المحتلين الامريكان يدعون الى الوحدة الوطنية العراقية حسب أدعائه وهذه كذبة فاقعة لأنهم هم من دمر البلاد وحولوه الى كانتونات وميليشيات وطوائف والتي تتعارض مع دعوتهم حول الوحدة الوطنية، ومن خلال منح ضمانات للسنة المعتدلين في المشاركة في الحكومة الجديدة ومحاولة طمأنة الشيعة بسيادة القانون بعيداً عن التأثيرات الإيرانية الذي بات وضعهم مرتبط بالوجود والدعم الإيراني .

في كتابه هذا يكشف زاده مواقف ومعطيات مثيرة حول الخطط الإيرانية المبكرة للسيطرة على العراق من خلال الاحزاب الشيعية العراقية الموالية لايران . ويعبر زاده في كتابه عن خوفه وقلقه من تنامي حجم النفوذ الإيراني وتمدده بين المدن العراقية ذات الكثافة السكانية المكتظة من طائفة الشيعة وأستغلالها طائفياً من إيران . ويؤكد زاده في كتابه عن صحة بعض التقارير القاطعة أن النوع الأشد فتكاً من وسائل التفجير المرتجلة والتي كانت توضع على جوانب الطرق المسماة قذائف معدة للتفجير EFPS) كانت تصنع في إيران .

حول الدور السوري في العراق يشير زاده في كتابه ضلوع السوريين في دعم العمليات والتفجيرات لزعزعة الاستقرار في العراق بتقديم الدعم للجماعات المتطرفة (السنية) وضباط الجيش العراقي السابق الذين همشوا على أسس طائفية من خلال المواقف من العملية السياسية وأعضاء حزب البعث السابقين . ويدعي ويفسر هذا الموقف السوري من العملية السياسية في العراق لاحباط مشروع أمريكيا الديمقراطي في العراق .. عن أي ديمقراطية تتحدث أنت وحكومتك ؟. وبعد مضي تلك الأعوام من التدمير عبر شل مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وتهميش كل المحاولات الجادة بأتجاه بناء العراق وتفتيت وحدته الوطنية . وهل تلك الدروس والوقائع لاتشكل حوافز لابناء شعبنا باتجاه الحذر من تلك الألاعيب والتي ترمي في تدمير العراق . ومن علائم الفشل بالأخذ من تلك الدروس والتجارب والماضي موت الرياضي العراقي أحمد راضي في مستشفى النعمان ببغداد متأثراً بفيروس كورونه والسجال الطائفي العقيم حوله بعيداً عن اللياقه والحرص والحب .

 

محمد السعدي

حزيران/٢٠٢٠

 

 

علجية عيشكتاب "العرب والحرب العالمية الثانية" للدكتور صلاح العقاد يسلط الضوء على ما جرى في المشرق العربي والمغرب العربي ومعاناة سكانه مع الإستعمار، ووضع الصحراء الغربية، هي أطماع أراد الإستعمار استغلاها وثرواتها تداخلت فيها الجيوش العسكرية لدول كـ: ( إيطاليا، بريطانيا، اسبانيا وفرنسا وكذا الولايات المتحدة الأمريكية) ، هو صراع من اجل تحقيق وجود الإنسان العربي الذي كان أن يفقد للأبد، أراد الغرب ان يكون هو العظيم ويجعل من الإنسان العربي عبدا له يستغله ايّما استغلال ويكون في نظره مخلوق حقير، لكن الإنسان العربي استطاع بنضاله وكفاحه أن يضع نفسه في مرتبة اجتماعية يساهم هو في صنعها قسرا وطوعا واختيارا، يجبر مرة، وفي النهاية تكون له حرية الإقتراح والقرار، فهل ما زال الإنسان العربي يقترح ويقرر؟ وأين نجده؟، ومن هذا المنطلق قد نقف مع مقولة ماركس الشهيرة: "إذا كان الإنسان قد تكوّن بفضل الظروف فينبغي صنع الظروف بواسطة الإنسان"، ثمّة فرد عبقري، وليس ثمة جماعة عبقيرة ولذا فالشعوب في حاجة إلى شخص عبقري، أي زعيم يقودها

يعتقد البعض أن الحرب في الصحراء الغربية دارت فقط  بين المغرب والبوليساريو، وهي الحرب التي امتدت 16 سنة،  إلى أن تم الإتفاق على وقف النار بينهما في بداية التسعينيات، والحقيقة ومثلما جاء في العديد من الدراسات أن الصحراء الغربية شهدت عدة معارك اشتركت فيها الجيوش الإيطالية والبريطانية، كانت الأولى في ليبيا أكثر تفوقا من الثانية التي كانت في مصر من حيث العدد والإستعدادات الحربية الأخرى، إلا أن تحرك الجيشين نحو الصحراء الغربية جاء متأخرا، لأن كل منهما كان ينتظر احتلال مصر والسودان كغنيمة، كما ان إيطاليا كانت تريد نقل قواتها العسكرية إلى ليبيا قبل بدء الهجوم عند  سيدي براني شمال غرب مصر، (تقع على بعد 95 كلم من الحدود الليبية المصرية) إلا أن التدخل السريع لألمانيا أعجزها عن  الإستيلاء على قناة السويس، أما بريطانيا فقد تمكنت من التقدم عبر الحدود المصرية واجتياح ليبيا ثم الإستيلاء على بن غازي، المؤسف له هو أن مؤرخين تحفظوا في تناول هذه المسائل التاريخية وربط  الموقف العربي بالأحداث الدولية،  رغم أن هذه القضايا لم تعد سرا خفيا،  أمام التطور التكنولوجي وظهور الإنترنت ، خاصة ما تعلق بالعالم العربي فالكتابات كما يقول صاحب الكتاب نادرة جدا، ماعدا مذكرات أنجزها  قادة غربيون  كتشرشل وشيانو وغيرهما من الساسة الغربيون، في حين لا توجد مذكرات أرخت هذه الأحداث من قبل قادة عرب شاركوا في الحكم اثناء الحرب العالمية الثانية، لولا كتابات محمد حسين هيكل في مصر ورشيد عالي الكيلاني في العراق لظلت هذه الأحداث طي النسيان 

تقول هذه الكتابات أنه بعد فتح جبهة الصحراء الغربية  أقيم معسكر بمصر لتدريب الليبيين ضم نحو 04 آلاف جندي، واشترك هؤلاء الجنود في معركة الصحراء الغربية سنة 1940 حتى تم تحرير ليبيا في جانفي 1943 في هذه السنة كانت بريطانيا قد عقدت تحالف مع السنوسي، بحكم أنليبيا كانت خاضعة للحكم العسكري البريطاني ومقسمة إداريا إلى ثلاث مناطق (برقة طرابلس وفزان) وأخضع إقليم فزان للإدارة العسكرية الفرنسية، ذلك أن قوة فرنسية كانت قد عبرت الصحراء الكبرى قادمة من تشاد واحتلت إقليم فزان عام 1943 وسيطرت على قدامس أهم واحات فزان وعملت فرنسا على نسق ما كان معمولا به في الصحراء الجزائرية وطبقت على السكان القانون العسكري الفرنسي، ولما اكتشفت بريطانيا نوايا فرنسا مهدت لعودة محمد إدريس السنوسي زعيم برقة الديني المشهور، وشجع ذلك الهيئات الإجتماعية الناشئة لاسيما "نادي عمر المختار" الذي نشأ في الظاهر كهيئة رياضية ثقافية ثم تحول إلى هيئة سياسية، وكان من المؤيدين للسنوسي.

كان مقابل ذلك تشكيل وحدات بكل من برقة وطرابلس مع تعيين على رأسها  ضابط بريطاني وإبعاد الحكم الفرنسي فيها، رغم أن فرنسا كانت مترددة بين مقترح تقسيم ليبيا إلى مناطق نفوذ تكون بريطانيا فيها شريك وجعل طرابلس منطقة محايدة بين الفرنسيين والبريطانيين، كان هذا المقترد قد قدمه أحد المختصين في شؤون ليبيا وهو جان بشون الذي قدم المقترح اثناء عقد مؤتمر الصلح مع إيطاليا في سنة 1947، وضم المقترح أن تخضع فزان للحكم الفرنسي المباشر على الطريقة المتبعة في الصحراء الحزائرية وتقام إمارة عربية في طرابلس تكون مرتبطة بفرنسا، في حين تحتفظ بريطانيا بطبرقة كقاعدة بحرية تخضع لسيادتها كجبل طارق، لسببين، الأول لكونها تقع بين الجنوب الجزائري وبين مشارف المشرق العربي، والسبب الثاني لأنها تشكل حلقة اتصال بين شمال افريقيا، أما عن فزّان فقد كانت تمثل سبل الإتصال بين مصر والجزائر لتمرير قوافل الأسلحة للثوار الجزائريين خلال حرب الجزائر مع فرنسا، لذلك كان الشغل الشاغل لفرنسا أن تجعل من ليبيا حاجزا بين المشرق والمغرب، وهنا لعب الجنرال ديغول دوره لإستغال منطقة فزان ، حيث أقام في عام 1944 عدة مشاريع عمرانية بمنطقة فزان.

وقد أجريت في هذا الشان عدة دراسات، لاسيما الدراسة التي أجراها الدكتور صلاح العقاد حول العرب في الحرب العالمية الثانية ، فما يعرف عن ليبيا أنها كانت مستعمرة لإحدى دول المحور، وكان  الحلفاء "الأنجلوساكسون" يرون أن الحركات الوطنية في المغرب العربي لم تنضج بعد، حينها بادر الأمريكيون بعد 06 أشهر من احتلال شمال افريقيا إلى تسليح السلطات العسكرية الفرنسية، وكانت العلاقات بين فرنسا والإنجلوساكسون متينة للغاية بحيث لم يحدث بينهما خلافات كما وقع في سوريا ولبنان، في هذه الفترة كانت الجمهورية الثالثة قد شنّت حربا على الزعماء المغاربة (علال الفاسي عن مراكش، الحبيب بورقيبة عن تونس ومصالي الحاج عن الجزائر) وأصدرت ضدهم أحكاما بالسجن خارج بلادهم مع حل الأحزاب التي أسّسوها، ولكونهم كانوا مسلوبي السلطة اتفق المسؤولين المغاربة على التعاون مع الجمهورية الثالثة تعاونا صادقا، ما دفع بفرنسا إلى التوقيع على عقد الهدنة في جوان 1940 لكي تنتقل السلطة إلى الماريشال بيتان والحفاظ على الإمبراطورية، لم يكن هذا الأخير متساهلا مع الوطنيين المغاربة، بل كان يعاملهم بقسوة شديدة  إلى حد أن اعتبروا حكم فيشي بالعهد الذهبي لولا اسبانيا التي دعمت الوطنيين المغاربة  الذين فرّوا من السلطات الفرنسية  بجنوب منطقة طنجة.

ديغول يرفض مقترح فرحات عباس في تشكيل حكومة جزائرية

تقول الكتابات أن صراعا كان يدور بينه وبين  جيرو، الذي جند عددا من المغاربة وضمهم للقوات الفرنسية، وكانوا يشكلون 70 بالمائة من القوات الفرنسية التي حاربت مع الحلفاء في إيطاليا وفي معركة تحرير فرنسا، أما ديغول فقد جمع حوله الأنصار وكوّن في جوان 1943 قيادة عرفت باسم  لجنة التحرير الوطني الفرنسية، تسلمت هذه اللجنة القيادة الإدارية والعسكرية في شمال افريقيا، وفي ظل هذا الصراع بين فرنسا والمغاربة، يذكر أحد المؤرخين المنشورات العربية التي أصدرتها أمريكا تحتوي على مبادئ ميثاق الأطلس ونظرية روزفلت في  الحريات الأربع ، كان روزفلت قد حاول لقاء الملك محمد الخامس لإحداث تغيير في الموقف السياسي لأقطار المغرب، إلا أن الأمريكيون استغلوا هذه الورقة لتحسين حالة اليهود في شمال افريقيا، فقد تمثلت مطالب أمريكا في إلغاء الإجراءات التي اتخذتها ضدهم حكومة فيشي، حينما قررت حرمانهم من الجنسية الفرنسية، كان الفرنسييون مرتاحين لقرار فيشي وإسقاط الجنسية عن اليهود، وحدثت نتيجة لهذا القرار صراعات واحتجاجات بين فرنسا والجمعيات الصهيونية في الولايات المتحدة، إلى حين أنشأ ديغول  اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني وتم إلغاء قرار فيشي وأعيد الإعتبار لليهود من خلال منحهم الجنسية الفرنسية.

عن محمد الخامس فقد عبّـر عن ولائه التام لفرنسا  وصرح أنه تأثر بهزيمة فرنسا في صيف 1940 وبحكم علاقة المغرب بالمحور، قال أنه وجب تقديم لها الدعم، ثم ما لبث أن يغير من مواقفه تجاه فرنسا لمّا علم بالطريقة التي كان يعامل بها فيشي الوطنيين المغاربة، ما يمكن ملاحظته هو أن محمد السادس انتهج نفس أسلوب محمد الخامس في توطيد العلاقة مع فرنسا، تشير الدراسات أن أنصار ديغول نصحوا الفاسي بالتفاهم مع القادة الفرنسيين من أجل مستقبل المغرب، إلا أن ديغول لما علم  بمساعي الولايات المتحدة وبريطانيا بإطلاق صراحه تراجع عن خطته لكي لا تترض سياسته للضغط، والحقيقة أن شهر جوان عرف الكثير من الأحداث، ففي هذا الشهر بالذات  (جوان 1942 ) عرض الألمان على الباي محمد المنصف ضم إقليم قسنطينة إلى تونس ولكنه رفض، بعدما تولى السلطة، وقيل أن رفض الباي سببه تخوفه من أن يحدث له ما حدث لأبيه ، حيث أن السلطات الفرنسية خلعته عن العرش في عام 1922 لأنه أبدى ميولا نحو الحركة الوطنية، الشيئ الذي يشهد له التونسيون أن المنصف  حقق السيادة التونسية الكاملة ولم يترك للإحتلال الألماني أن يتدخل في شؤون التسيير، ثم أنه أنشأ وزارة دون استشارة المقيم العام وعين على رأسها مسؤولين من أعضاء الحزب الدستوري بفرعيه القديم والجديد، كان يرأسها محمد شنيق من الدستوريين القدامى، في هذه الفترة كان الحبيب بورقيبة زعيم الحزب الدستوري الجديد  معتقلا في الأراضي الفرنسية،  ورغم ما قدمه الباي المنصل لتونس فقد كانت نهايته النفي بتهمة خروجه عن الطاعة ، خاصة بعد رفضه توقيع التنازل عن العرش، فنفي إلى واحة الأغواط الجزائرية، ووضع في الحبس الإنفرادي وقضى فيه ظروف مناخية سيئة للغاية .

أما عن الجزائر فقد قسمت فرنسا الجزائريين إلى طبقتين : المجندون الذين شاركوا في الحرب والذين حصلوا على المواطنة الكاملة بحكم ثقافتهم ومعظمهم نادوا بإدماج الجزائر في فرنسا ومن بينهم فرحات عباس الذي تطوع في الجيش الفرنسي كصيدلي، إلا أنه رغم تفانيه في الخدمة فقد حرم من الأوسمة التي حصل عليها زملاءه، أما مصالي الحاج فقد عانى من اضطهاد فيشي له،  وصدر ضده حكما بالسجن لمدة 16 سنة، وأرسل إلى إحدى واحات الجنوب الجزائر ليقضي العقوبة، ولم يتمتع حزب الشعب بالشرعية إلا لفترة قصيرة منذ تأسيسه في 1936 ، بالنسبة للولايات المتحدة فقد نفضت يدها من المشاكل السياسية في شمال افريقيا وكأن العنصر الوطني غير موجود في الجزائر، حينها غيّر فرحات عباس من مواقفه وأصدر بيانا يطالب فيه بالإستقلال التام بدلا من الإدماج، فدعا إلى إقامة حكومة جزائرية لكنها تتحد فدراليا مع فرنسا، ولقي  مقترحه رفض الجنرال ديغول و"كاترو" الذي كان حاكما عاما للجزائر،  بالرغم من أن كاترو كان أكثر تفهما للمطالب الوطنية في سوريا ولبنان، إلا أن موقفه من الجزائر كان مختلفا، لأنه لم يتحمل قضية تمس السيادة الفرنسية، وأعلن رفضه للبيان الذي أصدره فرحت عباس، كما أن أعضاء حزب الشعب انتقدوا البيان ورفضوا فكرة إقامة حكومة جزائرية تتحد اتحادا فدراليا مع فرنسا.

 

قراءة علجية عيش

 

 

عبد السلام فاروققبل الاسترسال فى الرد على التقرير الخاص بكتاب (كورونا يحكم العالم) .. من الضرورى الإشارة للهدف والمغزى والباعث المنشئ لمثل هذا الكتاب، بالإضافة للصعوبات التى واجهتنا فى كتابته .

إن الكتابة فى مجملها خطاب جماهيري يهدف للتوعية من ناحية،وللتوثيق التاريخى من ناحية أخرى . وفيما يخص وباء كورونا، نحن أمام لحظة تاريخية فريدة كما أننا أمام مشهد وقف العالم أمامه فى ذهول وفضول واهتمام، وسيقف أمامه كثيراً لسنوات قادمة محللاً وفاحصاً . وكان لا بد من توثيق تلك اللحظة والحديث عنها من جميع جوانبها "العلمية، والاجتماعية، والإعلامية، وحتى السياسية أحياناً"  ونحن لا نزعم أن كتابنا هو الكتاب الأكمل، لكننا نستطيع أن نزعم أنه الكتاب الأول،حتى يثبت العكس، وهناك فيما يبدو مَن يريد تعطيل هذه الصفة لهذا الكتاب.

أعود لمسألة المغزى لأواصل القول بأن ما كُتب عن كورونا حتى اليوم "من مقالات ودراسات وتحليلات وتقارير " باستطاعته أن يتحول إلى عشرات الكتب كلها أكبر من كتابنا . هذه حقيقة يمكن أن يدركها أى صحفى أو مثقف مهتم بالمتابعة اليومية لوباء كورونا . لكن وقت القارئ من الأشياء التى ينبغى أن تُراعَى فيما يُكتَب للجمهور، هذا أمر بديهى . لقد كان من السهل الاستطراد والإطالة إلى حد الإملال والمبالغة إذا شئنا، لكن هذا بعيد تماماً عن الهدف من أى كتاب مهما كانت مادته. ونحن وضعنا الكتاب ليُقرأ لا ليُهجَر أو يُطرَح.

أقول نحن بصيغة الجمع؛ لأن الكتاب تمت صياغته بشكل مشترك بينى كصحفى وأديب، وبين الطبيب والناقد د/محمود نبيل . وكان الهدف من البداية هو الجمع بين الرؤية الصحفية الإعلامية للحدث الحالى الأشهر- "جائحة كورونا"- وبين المعلومة الطبية الصحيحة بشكلها المبسط المناسب لجميع القراء . فالمخاطَبون بهذا الكتاب هم عموم القراء، وليس المثقفون بصفة استثنائية حصرية .

هنا تبرز صعوبة هذا الكتاب .. أولاً: أن الاختصار لهذا الخضم اليومى الهائل للمعلومات سيكون أصعب كثيراً من الإسهاب والإطالة . وهو أمر يدركه من يخوضون مثل هذا الأمر، وقد يمر على الذهنية الناقدة المتمسكة بالشكل التقليدى الروتينى للكتاب العلمى الجاف، وهو الأسهل بالمناسبة . وقد قال أحد الحكماء عندما طُلب منه اختصار رسالة طويلة فى عدة أسطر بليغة فقال: "ليس عندى وقت لاختصارها" . فالاختصار والبلاغة يتطلبان جهداً أكبر من الإسهاب والإطالة . وقد كان من المفترض أن هذا من البديهيات لدى الناقد الموضوعى المدرك للفروق الدقيقة بين ما كُتب بشكل فيه شئٌ من تعجل، وبين ما كُتب بهدف الاختصار والتبسيط.

الصعوبة الثانية: تمثلت فى كيفية التوفيق والتنسيق لما يتم جمعه من معلومات لدى اثنين من المؤلفين . والعمل الكتابى الجماعى أو الثنائى من أصعب أنواع الأعمال الكتابية، بسبب ضرورة وجود حد أدنى من التنظيم والتدقيق والمراجعة وإعادة الصياغة والترتيب بحيث يبدو الكتاب فى صورته النهائية مكتمل البناء دقيق الاختيار خفيف الأسلوب جزل العبارة قوى التأثير .

وبعد هذا التمهيد الذى حاولت ألا أطيل فيه، وإن كان هناك الكثير مما ينبغى قوله، لكن أكتفى بهذه المقدمة البسيطة، للانتقال للرد على التقرير وأرجو أن تتسع الصدور لبعض الإطالة، حتى يمكن تفنيد أهم ما جاء به ..

1- جاء فى أول التقرير فى الفقرة التى بدايتها: (يتكون المقترح من مقدمة وخمسة رؤوس لموضوعات يمكن أن يُطلق عليها خمسة فصول ...) ما يمكن استشفافه من لهجة شبه تهكمية يريد بها كاتب التقرير الإشارة لما أسماه "الأسلوب الصحفى" وهو يقصد هنا "السرعة أو التسرع " أو على حد تعبيره: "تناول وباء كورونا بطريقة سريعة أقرب إلى التحقيقات الصحافية" . وبعيداً عن مثل لهجة الاتهام الغريبة، فإن مجرد سوق تلك الجملة فى شكلها هذا يشير إلى التسرع والخلط الذى يتميز به كاتب التقرير. فمما لا يدركه أن التحقيقات الصحافية (بخلاف أنواع الكتابة الصحافية الأخرى كالحوار والمقال والتحليل والاستقصاء) هى من أكثر أنواع الكتابة عمقاً واهتماماً بالتوثيق، فهى لا تتحلى أبداً بالتسرع، بخلاف بعض الأنواع الأخرى التى ربما تنسحب عليها تلك الصفة أحياناً . ثم أن الكتابة الصحافية فى ذاتها لا يمكن اتهامها بالتسرع والتعجل . وإنما بالقدرة على استيعاب المعلومات المكثفة فى زمن قليل . والاختلاف بين الأمرين كالبعد بين السماء والأرض، أو بين الحمار والأسد، أو بين أى نقيضين .

الأمر الآخر العجيب، أنه لم يقرر بعد إن كان من الممكن تسمية "رؤوس الموضوعات" فصولاً أم لا؟ " فى إشارة تهكمية أخرى لصغر حجم الفصل عما يتمناه". وهو إذا بذل أقل جهد لفتح أى معجم من معاجم اللغة سيدرك أن الفصل إذا قصد به "فصل من كتاب" فهو نوع من أنواع التبويب لا يهم فيه حجم الفصل . وقد يضيق الفصل ليصير بضع صفحات، كما قد يتسع لمئات الصفحات، طبقاً لنوع الكتاب ومحتواه ورسالته .

2- فى نفس الفقرة السابقة المشار إليها، ذكر كاتب التقرير رؤوس الموضوعات التى نقلها من الفهرس، دون أن يتكلف عناء ذكر ولو بعض الفقرات الاستشهادية أو حتى العناوين الفرعية التى تؤيد اتهاماته ولو حتى من باب السرد الموضوعى المنصف . لكن كان واضحاً أن التقرير "شديد القصر والقصور" كُتب على عجل بحيث أغفل كثيراً مما ينبغى لأى تقرير حقيقي محايد أن يتضمنه .

3- فى ذات الفقرة جاء ما يلى: (ليأتى بعد ذلك الموضوع الرابع ..... حتى يقول: التف خيط المؤامرة حول عنق الولايات المتحدة ممسكاً بتلابيبها على طريقة "امسك حرامى"، ودون وقائع أو مستندات دامغة، ساق المؤلفان أمريكا إلى قفص الاتهام ..).

تلك الفقرة بالذات اشتملت على جملة ضخمة من المغالطات والدلالات الهامة: أولاً: أن مجرد القراءة العابرة لعناوين الكتاب (ولن أقول المحتوى تنسف هذا الاتهام من الأساس) ففى نفس الصفحة التى جاء بها عنوان جانبى: "أمريكا فى قفص الاتهام" عنوان آخر يقول: "الصين أيضاً متهمة"، والإشارة هنا إلى الحرب الإعلامية التى دارت رحاها بين أمريكا والصين، وهى ليست سراً بل دارت بشكل علنى وصريح . وأى قارئ عادى لبعض السطور من هذا الفصل سيدرك تماماً أن الكتاب يسجل فقط ما دار ولا ينحاز لأى جانب ضد أى جانب آخر، وتتم الإشارة لكل معلومة من مصدرها داخل الفقرات نفسها. والعناوين القوية ليست إلا أسلوباً لغوياً يراد به قوة التأثير، ويبدو أننا نجحنا فى بث هذا التأثير والدليل أن أول المتأثرين هو كاتب التقرير الذى لم يستطِع إخفاء انحيازاته غير المفهومة، ودفاعه المستميت عن أقل ما قد يمس أمريكا رغم أننا لم نمسها، ونحبها كحبنا لأى دولة أخرى.

ثم أن كاتب التقرير وقع فى تناقض عجيب عندما استخدم أسلوباً صحفياً لتهويل الأمر(رغم سابق تحقيره للأسلوب الصحفى) بألفاظ مثل:("امسك حرامى"، والتفّ حبل الاتهام حول عنق أمريكا، وممسكاً بتلابيبها). رغم أننا لم ننصب محاكمة لأمريكا ولا لغيرها . وهذا يشير بوضوح للتناقض فى كلام صاحب التقرير . ناهيك عن التحيز ولهجة التهكم التى لا تغيب عن أى فقرة من فقرات التقرير بمناسبة وبلا مناسبة. كأن الهدف هو إفشال الكتاب بأى طريقة وإن لم يكن هناك داعٍ حقيقي لهذا سوى الانحيازات غير المفهومة لكاتب التقرير .

4- التناقضات فى التقرير "رغم قصره الشديد"  كثيرة: منها مثلاً أنه يقول عن الكتاب أنه من مقدمة وخمسة فصول، ثم يعود فيقسمه على طريقته إلى قسمين رئيسيين (فمن أين جاء بهذا التقسيم الدخيل المغرِض؟) .

أيضاً يقول متحدثاً عن الفصل الأخير متهماً إياه بأنه "سياسي بامتياز" -وهو اتهام أبعد ما يكون عن الواقع – يقول: (.. تم فيه تحليل نتائج الجائحة فى دول العالم المختلفة، وذلك باستعراض آراء سياسيين ومفكرين لا تربطهم بالوباء صلة ..) ثم يناقض نفسه فى فقرة تالية فيقول: (قد أدلى بهذه التصريحات قادة وساسة ومفكرين من أمثال الرئيس السابق جيمى كارتر، والمؤرخ المعروف تيودوروف والمؤرخ بول كينيدى وروبين نيبليت). أما عن صلة هؤلاء بالجائحة فأمر آخر يحفز القارئ للتشوق لفهم تلك الصلة، وهو مما يضاف للكتاب مدحاً لا قدحاً .

ومن الغريب أن هناك فقرة يستهلها بقوله: (تتمثل خلاصة القراءة المدققة .. فى أنه ينقسم قسمين ..) أى أنه يعتبر التناقض فى الرؤية أساساً لقراءته "المدققة" !!

5- هناك مشكلة التعميم التى تظهر بوضوح فى آراء التقرير .. ومن تجليات تلك السمة: أولاً: قوله:(ليمسك المؤلفان بخيط المؤامرة الذى رأوه تالياً للنبوءات) وهو تعميم أقل ما يمكن أن يشير إليه أن كاتب التقرير لم يقرأ الكتاب أصلاً، أو على الأقل قرأه "قراءة إطّلاع وفضول". فالفصل المشار إليه لم يكن يحوى كلاماً عن النبوءة والمؤامرة باعتبارهما فرضية محققة، بل فرضية محتملة بين عدة افتراضات كثيرة أخرى كالخطأ البشرى أو العدالة الإلهية أو بوادر حرب جرثومية أو الفوضى الخلاقة، وغيرها من الافتراضات . ثم أن هذا الفصل بالذات يحوى الكثير من الموضوعات الأخرى التى ربطت بين الجائحة والعاطفة والدراما والعلاقات الإنسانية . فى محاولة لفهم تشابكات العلاقة الإنسانية فى علاقتها بالوباء قديماً وحديثاً . وهو أمر لا يقدح فى محتوى الكتاب لا من قريب ولا من بعيد.

ثانياً: الاتهام بأن الفصل الخامس (مصير كورونا .. مصير العالم) سياسي بامتياز . هو من قبيل التعميم الفادح المفضوح. ولو أن أى عين عابرة قرأت عناوين هذا الفصل الجانبية لأدركت أن الاهتمام الأكبر فى هذا الفصل كانت بالجانب الإنسانى والبيئى للوبائيات . كأن كاتب التقرير لم يقرأ الكتاب، بل قرأ بعض العناوين التى استهوته فقط! ولنستعرض بعض العناوين الجانبية من هذا الفصل لإدراك كيفية لىَ عنق الحقيقة أو التعميم الذى تعمده الرجل، فمن عناوين الفصل: (عودة الضمير – اقتصاديات الفقر والثراء- بول كينيدى وتحذيرات تحققت) فأين السياسة فى هذا . وحتى الآراء السياسية المدرجة فى الفصل هى من قبيل تجميع آراء أهم المؤرخين فى أمريكا والعالم قديماً وحديثاً . وما (روبين نيبليت) الذى أشار له التقرير إلا واحد من 12 خبيرا استعانت بهم صحيفة فورين بوليسي للتنبؤ بمصير العالم بعد كورونا، وهو تقرير شهير جداً، ولا أعلم كيف لا يعرفه كاتب التقرير؟! أو لماذا ذكر روبين نيبليت وأهمل ذكر الإحدى عشر خبيراً الآخرين، اللهم إلا لأنه بريطانى!

ولا أدرى سر الانحياز الغريب لبريطانيا وأمريكا لدى هذا الرجل؟! وأنا شخصياً ليس عندى أى تحيز لأى دولة سوى وطنى مصر .. وإن كنت أحب كل البلاد الأخرى ما دامت لها مصلحة مع مصر شعباً وحكومة. بل وعلى المستوى الإنسانى الذى لا يفرق بين الناس على أساس الحدود الديموجرافية.

6- أما أشد ما أثار حفيظتى واستيائى حول هذا التقرير: مبرراته التى اتخذها ذريعة لرفض الكتاب . هناك الشعور بالظلم الشديد والحزن ربما .. أن يأتى كاتب التقرير فى أقل من نصف صفحة ليسجل أسباب رفض الكتاب الذى بُذل فيه كل هذا الجهد، وهى مبررات أقل ما يمكن أن توصف بها أنها ظالمة أشد الظلم . ولن أفيض فى وصفها بما تستحق من أوصاف أخرى أشد قسوة وتعبيراً عن شعورى الحقيقي نحوها ..

وجملة المبررات التى ساقها صاحب التقرير: 1- ضَعف الجانب العلمى، فى مقابل الإسهاب فى الجزء التاريخى. 2- أن الكتاب يخرج عن الهدف المعلَن لسلسلة الثقافة العلمية . 3- القصور الواضح فى توثيق ما يرد به من أحداث ومعلومات.

ولأهمية تلك المبررات .. أرجو ألا يكون من المزعج الإسهاب قليلاً فى الرد عليها ..

1- ضعف الجانب العلمى فى مقابل التاريخى ..

* الحق أن الجزء العلمى المشار إليه يستغرق أكثر أجزاء الكتاب بما فيها الفصلين الأخيرين المشار لكونهما يمتان إلى السياسة . بل إن الجزء الذى يصفه كاتب التقرير بأنه "تاريخى" هو أصلاً عن تاريخ الوبائيات، أى أنها تراثيات تنتمى لعلم الوبائيات، إنها علم محض. وأغلب فقرات الفصول الأولى من الكتاب مكدسة بكمية ضخمة من الأرقام رغم قصرها . فالهدف من الكتاب كما أسلفنا هو الإحاطة بالمعلومات وإجمالها فى فقرات مختصرة بعيدة عن الإملال . وهو هدف صعب التحقيق، وأزعم أنه تحقق بدرجة كبيرة .

* كاتب التقرير لم يستشهد أبداً بأى قرينة أو دليل على اتهاماته التى تتابعت فى التقرير ومنها اتهامه بضعف الجانب العلمى ـ إنه مجرد الرأى المرسَل الذى ينم عن رأى مسبَق. والسؤال: هل هناك ما هو ليس علمى فيما يخص وباء كورونا ؟ إن كل الكتاب بالضرورة هو كتاب علمى، لأنه يتناول موضوعاً علمياً بطبيعته.

* أن كاتب التقرير يبرر القصور بعدم الحديث عن (الفيروسات) – "غير صحيح، هناك حديث عن الوبائيات الفيروسية والبكتيرية الأخرى" . و(الجهاز المناعى) – "غير صحيح أيضاً، فقد تطرق الكتاب للأساليب الغذائية لتحسين المناعة الذاتية لدى القارئ طبقاً لتعليمات وزارة الصحة المصرية . أما الحديث عن تفاصيل الجهاز المناعى من حيث التركيب وعلم وظائف الأعضاء فلم نجده مما يهم القارئ كثيراً وإن كان مهماً كمعلومة تصلح لكتاب آخر فى ذهن كاتب التقرير ربما ..!"

ثم يقول كاتب التقرير فى استطراده لتبرير رفض الكتاب "لقصوره العلمى": (أنه لم يتحدث عن المادة الجينية الدنا DND) . والحقيقة أننى صُدمت لكمية الجهل فى هذه العبارة! ولا أدرى عن صفة كاتب التقرير، ولا عن أهليته لتلك المكانة التى حازها . لكن فلندع الحقائق تتحدث:

1- أن المادة الجينية للفيروسات هى (RNA) وهى الشريط المفرَد من شريط (DNA) المزدوج. وهذه معلومة معروفة لأى قارئ عادى، ناهيك عن المتخصص.

2- أن الدنا هو (DNA) وليس (DND) كما جاء فى التقرير. وهى مختصر لكلمة (Deoxyribonucleic acid) . وهو ما يجعلنا نتساءل عن التخصص "الدقيق" لكاتب التقرير والذى أهَّله دون غيره لإبداء رأيه العلمى فى كتاب ربما ليس من تخصصه!

3- أن أى قراءة عابرة للكتاب سوف تدرك أن الكتاب تطرَّق بالتفصيل لتركيب فيروس كورونا . لكن ليس من شأن الكتاب أن يتطرق أبداً للخارطة الجينية للفيروس إن كان صاحب التقرير يدرك الفرق! وعنوان كتابنا هو (كورونا يحكم العالم) يشير بوضوح للرسالة الكامنة فى طيات عنوان الكتاب ومغزاه. والحديث المسترسل عن التفاصيل المتعلقة بالتركيب الكامل لفيروس كورونا ليست من أهداف كتاب له مثل هذا العنوان.

2- أن الكتاب يخرج عن الهدف المعلَن للسلسلة ..

تعجبت كثيراً من منطوق هذا التبرير بطريقته تلك ..

فمن ناحية أن صاحب الهدف المعلَن هذا، من باب أولَى أن يذكر هذا الهدف المعلن فى تقريره . وهو ما لم يحدث!

ولقد جئت بكتب خاصة بهذه السلسلة- الصادرة عن هيئة قصور الثقافة المصرية - بحثاً عن هذا الهدف المعلَن . فلم أجد إلا فقرة فى أعلى ترويسة الكتب تقول: (تختلف الثقافة العلمية عن تلقى العلوم فى قاعات الدرس التقليدية . فهى سعى ذاتى للمعرفة العلمية).

وإذا كان هذا هو الهدف المعلَن فلن يجد صاحب التقرير كتاباً ينطبق على هذا الهدف تمام التطابق ككتاب (كورونا يحكم العالم)، وهناك ألف دليل لهذا لو شاء.

3- مسألة التوثيق (القصور الواضح فى توثيق ما يرد به من أحداث ومعلومات)

والحق أنى لم أدرِ من أين أبدأ، ولا كيف أنتهى للرد على مثل هذا الاتهام الفظيع.

فأنا صحفى، ومن أولويات عملى الإعلامى، قبل أن يكون الأدبى، هو التوثيق. والكاتب الثانى للكتاب ينتمى للشطر الآخَر من الضفة .. شطر العِلم . وأثق أنه يهتم بالتوثيق اهتمامى به وربما أكثر .

وكان من السهل جداً أن يتم إحالة كل فقرة من فقرات الكتاب "ماعدا المقدمة" إلى مصادرها، لكننا اخترنا أن نكتفى بذكر المصادر بشكل تفصيلى فى نهاية الكتاب لسببين هما: أن حجم الكتاب متوسط فلا حاجة لإطالته بالهوامش الكثيرة . ثانياً أن الهوامش قد تعيق سهولة القراءة لدى القراء العاديين وهم مستهدفنا الأساسي.

لكن بعيداً عن هذا . هناك نقاط أهم فى اتهامه المجحف هذا .. وهى:

1- الاستشهاد الذى استشهد به كدليل قاطع على انعدام التوثيق . وعلى حد قوله أن الواقعة كالتالى: (.. فإن هذا المقترح ينطوى على قصور واضح فى توثيق ما يرد به من أحداث ومعلومات . ومن ذلك – على سبيل المثال- ما ورَدَ بالصفحة التاسعة والستين من قيام بريطانيا وأمريكا فى خطة – لم توضَع فى إطار التنفيذ- إلقاء قنبلة بوزن 200 كجم على قطعان المواشى فى البلدان المعادية، حتى تتولى الماشية عنهم مهمة القتل العشوائى للأعداء سواءً محاربين أو مدنيين!) .. وقد جاءت هذه الفقرة فى إطار واقعة (جزيرة جرينارد) الأسكتلندية . وهى واقعة موثقة ومذكورة فى عدد من المصادر. ومن السهل الحصول على تفاصيل الواقعتين لو أن كاتب التقرير أتعب نفسه فكتب على محرك بحث جوجل (واقعة جزيرة جرينارد)، ومنها مواقع لويكيبيديا، وموقع المرصد المصرى (المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية) . أو لو بحث فى كتب ومصادر تتحدث عن الوقائع الصادمة فيما يخص تجارب الأوبئة ومنها كتاب (الأمراض الفتاكة والأوبئة والجمرة الخبيثة) لجانيت ديكر –هاوس للنشر 2003. وغيره من الكتب والمجلات المتخصصة.

لكن الغريب أن هذا الاستشهاد أصلاً لا يصلح للحكم بانعدام التوثيق . فهى واقعة عابرة.  قيل (طبقاً لكاتب التقرير نفسه) أنها واقعة لم توضع فى إطار التنفيذ. أى لم تجرى أصلاً . فلماذا الاحتياج لتوثيق واقعة لم تحدث؟ إلا من باب التصيد، والتعلق بأهداب التوافه من معلومات غير مؤثرة فى سرديات الكتاب !!

ولماذا الدفاع مرة أخرى عن أمريكا وبريطانيا بهذا الحماس الغريب؟

- وإذا كانت مسألة توثيق المعلومات على طريقة الأبحاث العلمية (أى بهوامش الكتاب أو فى نهايات الفصول)، فإن المؤكد أن إصدارات السلسلة بها كثير من المؤلفات التى تكتفى بالمصادر فى نهاية الكتاب . وهذه حقيقة يمكن التأكد منها بالرجوع لإصدارات الهيئة.

- ثم أن الكتاب ملئ بالإحالات المرجعية للمصادر داخل الفقرات نفسها . وهناك عشرات الاستشهادات من داخل الكتاب لتأكيد هذه المعلومة.

فى النهاية ..

لا يسعنى إلا إبداء أسفى ودهشتى لمثل هذا التقرير، مهما كان مآل الأمور..

يجدر الذكر بأن كاتب التقرير، وهو أستاذ فى كلية الهندسة، لا تربطنى به أى صلة من أى نوع . فلا أعرفه ولا يعرفنى . ومن الغريب أن أرى موقفاً يبدو كأنه موقف شخصى مسبَق من شخص لا أعرفه .. وهو ما يدعونى للتساؤل حول التقرير نفسه ..

ولا أستطيع إخفاء تساؤلاتى المشروعة حول عدة نقاط هامة:

1- لماذا الاستعانة فى كتابة التقرير بكاتب واحد فقط؟

إن المعهود فى مثل هذه الحالات أن تكون هناك لجنة على الأقل من اثنين عدول .. إن التقرير هنا يُعامَل معاملة الشهادة . التى من الضرورى أن تأتى محايدة موضوعية . فما السر فى الاكتفاء بشخص واحد فقط؟

2- بخبرتى الصحفية الطويلة .. أستطيع التعرف من أول نظرة على التقرير المعيوب . ولو أننى مسئول وجاءنى مثل هذا التقرير ذى اللهجة المتحاملة، لابد وأن ينتابَنى الشك فوراً حول دوافعه . وإنى أتساءل وأتعجب كيف مرَّ مثل هذا التقرير مرور الكرام على مسئول الهيئة . هذا تساؤل صحفى بالمناسبة، لا باعتبارى الطرَف المتضرر. ولو أن كل التقارير تُكتَب بهذا الطريقة المتسرعة، فمن الضرورى مراجعة الأمر للتأكد من مدى تفشى مثل هذا القصور.

3- التقرير قصير جداً، ولا يحتوى على أى نقد موضوعى، ولا يلمس النقاط التى اعتادت التقارير الاهتمام بها كالأسلوب البلاغى والمحتوى الفكرى وغيرها .. فلماذا؟

لا أرى فى هذا التقرير إلا ظلماً كبيراً لكتاب أثنَى عليه عدد ممن عرضت عليهم الكتاب وأثق فى آرائهم النقدية . والتقرير يغفل كونى صحفى يستطيع التمييز بين الكتاب الجيد من الكتاب الأقل جودة .. والحق أن أكبر ظلم فى طيات هذا التقرير أنه يغفل رأيي عن الكتاب . لأنني أول ناقد لما أكتبه . وأعلم أن الكتاب كان ثمرة مجهود كان ينبغى تقديره أكثر من هذا قليلاً ..

 

عبد السلام فاروق

 

نضير الخزرجيعندما ينخرط المهاجر من الشرق الى الغرب في الحياة اليومية يصطدم بأمور لم يعهدها في البلد الذي أتى منه، ويوما بعد آخر يتكشف له واقع الحياة التي جاء إليها مرغما بسبب الهجرة القسرية أو طوعا بحثا عن حياة أفضل، وعدد غير قليل من الجاليات العربية والمسلمة التي حطت أقدامها في بلاد الغرب ساقتها رياح الأوضاع السياسية السيئة التي تعصف في سماء أوطانها، وقد تعيش في الأشهر الأولى من المجيء حالة من النشوة مقارنة بما كانت عليه، ولكن سكرة النشوة تبدأ بالتبخر كلما اندكت في الحياة اليومية، لاسيما وإن قوانين العمل لا تفرق بين مواطن ومهاجر ولاجئ ومقيم، فهي تحكم الجميع وتلزمهم وعلى رأسها الضرائب.

ونقطة التباين بين الشرق والغرب، أن المواطن الأصلي نشأ في بيئة مزدحمة بأكثر من عشرة أنواع من الضرائب، والقادم الجديد تعقد الدهشة فاهه وهو يواجه أنواعا من الضرائب لو تحدث بها إلى أهله وبني جلدته لارتابوا فيما يقول وظنوا فيه سوءأ، ومهما حاول المرء أن يعكس واقع الحياة في الغرب في ظل ضرائب متعددة فإنه يصعب على الشرقي استيعابها، وكيف له أن يستوعب وضعا يحرم فيه مشاهدة التلفاز إلا أن يدفع ضريبة سنوية حسب نوع شاشة التلفاز إن كان ملونة أو بالأبيض والأسود، وكيف له أن يستوعب بأن عليه أن يدفع ضريبة شهرية تسمى ضريبة المسكن تذهب للصحة والتربية والتعليم وتنظيم الحدائق ورفع القمامة وتنظيم الأرصفة وما شابه، أي أنه يتنفس الهواء النظيف بما يدفع من ضريبة وإلا تحولت الحدائق إلى زرائب، ويدفع ضريبة للمدارس حتى وإن لم يكن له أولاد يدرسون، وكيف له أن يستوعب بأنه لا يستطيع أن يسير بمركبته ودراجته النارية إلا ان يدفع ضريبة الشارع السنوية وإلا حجزوا على سيارته وساقوه إلى المحاكم، هذا ناهيك عن التأمين السنوي الإجباري على السيارة والفحص السنوي الإلزامي فضلا عن الاموال المستحصلة في المواقف العامة، وكيف له أن يستوعب بأنَّ عليه أن يدفع مالا مقابل صف سيارته في موقف سيارات مستشفى حكومي عام لمراجعة طبيب أو عيادة مريض، بالطبع لا نتحدث عن ضريبة الراتب التي تصل إلى 40 بالمائة من الراتب الإسمي.

قبل سنوات وقعت في مشكلة مع البلدية حيث تأخرت في دفع الضريبة لضيق ذات اليد، وبعد اسبوع من انتهاء موعد الدفع الشهري وصلتني رسالة بخط أحمر إشارة بوجود إنذار، وهي رسالة كنت أتوقع وصولها على مضض، ومثل هذه الرسالة تصل الى الكثيرين وهي رسالة شؤم، لأن على صاحبها أن يدفع المتأخر خلال أسبوع وإذا تعذر عليه ذلك وانتهت المهلة تحولت إلى غرامة كبيرة عليه أن يدفعها مع المتأخر خلال الأسبوع الثاني من انتهاء الأسبوع الأول وإذا تأخر في الدفع انتهى به الأمر إلى المحكمة، وإذا لم يحضر ندبت المحكمة من يطرق عليه الباب والدخول إلى الدار عنوة لاستحصال المبلغ المطلوب مع الغرامة وأجور المحكمة من خلال الحجز على الأجهزة الكهربائية وكل ذي قيمة مالية بما يعادله، وحيث دفعت المتأخر بعد مضي الوقت المعلوم، تضاعفت الضريبة دون أن أعلم وعندما طرق مندوب المحكمة الباب ليدخل البيت بقوة القانون أوقفته بقوة، ولكنه أفهمني بأنه قد سبق السيف العذل وما عليّ إلا أن أذعن، وعندما أريته ما يثبت دفعي للمبلغ والغرامة وإن بعد مضي الوقت، تفهم وضعي وأمهلني حتى الساعة الخامس عصرا لدفع المبلغ وإلا فإنه قادم صباح اليوم التالي ومعه قوة من شرطة المنطقة لتفعيل قرار المحكمة أو إقتيادي إلى مركز الشرطة إذا مانعت، ولأني أدرك الواقع وما سيؤول إليه، أذعنت للأمر صاغرا، فقد دخلت من قبل مديرية أمن كربلاء سنة 1979م لأسباب سياسية وتعرضت للتعذيب الجسدي والنفسي وأنا يافع، فلست براغب لأدخله ثانية في بلد الغربة لأسباب مالية وأنا في الخمسينات.

ومن المفارقات أن شبيه ذلك حصل معي في شهر أبريل نيسان 2020م، حيث توجهت كما هي عادتي قبل نهاية الشهر لموقع البلدية على الشبكة البينية لأدفع ما علي من ضريبة شهرية فوجدت المبلغ قد خفض بنحو 40 بالمائة فشكرت في نفسي بلديتنا التي رأفت بالمواطنين الذين تعطلت حياتهم المعاشية بسبب جائحة كورونا، وبعد أسبوع من الدفع تلقيت رسالة إنذار بخط أحمر من البلدية يمهلونني فيها أسبوعا لدفع فارق الضريبة وإلا تحولت إلى غرامة مالية بعد مضي أسبوعين وبعدها المحكمة إذا امتنعت، ولأن لي تجربة سيئة سابقة مع البلدية نفسها فقد لبّيت طلبهم على عجل رغم أن الخطأ كان من عندهم، وتبخّر عندها حسن ظني بالبلدية.

الضريبة ومشاكلها التي تقل كثيرا في بلدان الشرق هو محور كتيب "شريعة الضرائب" للفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر في بيروت نهاية العام 2019م عن بيت العلم للنابهين في 48 صفحة ضم 74 مسألة فقهة و22 تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، وقد سبقتها كلمة للناشر ومثلها للمعلق مع مقدمة تمهيدية للمصنِّف.

مصاديق الضريبة

لشدة تعلق الضريبة بحياة الناس اليومية، أخذا أو عطاءً، طوعًا او رغمًا، عن طيب خاطر أو بقوة القانون، فإن المفردة من حيث الأصل تكاد تكون في أذهان الناس منحصرة باستحصال المال دون معانٍ أخرى، ولكن بالعودة إلى قواميس اللغة وما عليها الحياة اليومية فإن للكلمة معان كثيرة حالها حال الكثير من المفردات العربية التي تتميز بالإشتقاقات والمصاديق المتنوعة.

فالضريبة مأخوذة من ضرب يضرب أضرب، ومذكرها ضريب أي المضروب، ومن معاني الضرب الحركة والسفر ومن ذلك قوله تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) سورة المزمل: 20، ومن معانيها الإهمال مثل قولنا: ضرب الأمر عرض الحائط، ومن معانيها السجية والطبيعة، ومن معانيها النكاح مثل قولنا: ضرب الفحل الناقة، ومن معانيها الفرض والوجوب، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهي: (الضريبة: بفتح أولها وهي الجزية، وهي مأخوذة من الضرب بمعنى الفرض حيث يقال: ضرب عليه كذا، بمعنى فرض عليه، وكل مال يُفرض على أحد يُقال له ضريبة والجمع ضرائب)، وبشكل عام فإن الضريبة في مصطلح أهل الفن: (هو المال الذي تأخذه السلطات من الشعب بشكل دوري وبنسبة معينة سواء كان الفرض على الأموال أو الأعيان أو على الرؤوس والأنفس).

ولأن الإنسان ملتصق بالأرض فإنه يحب الأخذ دون العطاء، فإذا أخذ مدّ كفيه وبسطهما ليملأ جيوبه وسلته بأكثر ما يشاء، وإذا أعطى قبض على يديه وشبك على أصابعه خشية الإنفاق، رغم أنَّ العطاء الشرعي من خمس وزكاة هو نماء للأموال وتطهير للنفوس، ولذلك ورد الخطاب الإلهي: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) سورة التوبة: 103، والتزكية من الشيء نماؤه، وفي المال زيادته، مثلما هو جز صوف الخروف فيه نماء له، ومثلما هو تقليم الشجرة بقطع الأغصان والسيقان الزائدة وفيه قوة في جذعها وامتداد في جذورها وتحسن في ثمارها، والضريبة الشرعية في الواقع عطاء إن أخذ من أصحاب المال لتطهير نفوسهم وتنمية رؤوس أموالهم، وهو عطاء إن صرف في موارده بشكل سليم لرفع حاجة الفقير وتنجيز إحتياجات المجتمع، وبتعبير الفقيه الغديري في تعليقه: (الضرائب الموضوعة من قبل النظام الحاكم، والأساس في كل ما يرتبط بما هو رعاية العدل والعدالة ولحاظ الوضع العام والخاص لأبناء البلاد، فالدولة هي المسؤولة أولا وبالذات لجميع ما يحتاج إليه الشعب حتى لا يواجه المشاكل الإقتصادية والمعيشية).

ولأن الزكوات الشرعية أو الضرائب بالتعبير الإقتصادي، هي عصب الحياة وفيه سلامة المجتمع ونموه وتطوره، فإن الممانعة عن دفعها أو إيصالها لمستحقيها أمر على غاية من الخطورة وبتعبير الفقيه الكرباسي: (إنكار الخُمس أو الزكاة يُعد إنكارًا لضروريات الدين، إلا إذا كانت هناك شبهة)، ولهذا في النظام الشرعي: (يجوز مجازاة من لا يدفع الضرائب الشرعية، كما هو الحال فيما لا يدفع الخُمس والزكاة)، وهذه الشرعية مقيّدة كما يضيف الفقيه الغديري في تعليقه: "في الدولة الإسلامية الشرعية أو المشروعة بالإنتخابات العادلة".

ثروات غائبة

تساؤل كبير وعريض وبعقلية الشرقي الذي يعيش بين ظهراني الغرب .. أين تذهب أموال النفط ومبيعات السلاح في البلدان التي تسير فيها الحياة اليومية على الضرائب فقط، وبخاصة وإن شعار (نفط الشعب للشعب موتي يا رجعية) طار في الآفاق سنوات طويلة في بلداننا الشرقية النفطية والغازية، فلا وجد مجتمع نفط الشعب للشعب رفاهية ونعيما، ولا اجتاز مجتمع الضرائب حاجز الفقر، وكل في فلك العبودية لأصحاب السلطة والمال يسبحون.

ورب تساؤل عريض يدغدغ المشاعر: كيف عاشت المجتمعات المسلمة في عصر الإسلام الاول حتى جرت الأموال في أيديهم وانتعش الإقتصاد، ولم يُر في المدينة أو الكوفة أو أفريقيا فقير، ولم يكن حينها نفط ولا غاز ولا معادن ولا فلزات، وقد اقتصرت الضرائب الشرعية على الخمس والزكاة وهذه معروفة المصارف، وبتعبير الفقيه الكرباسي أن الإسلام: (فرض ضريبتين رئيسيتين، الأولى: الخمس وهو بمثابة ضريبة الدخل لمرة واحدة وذلك بعد استثناء المصاريف التي كلّفت العامل والمالك، وبعد صرف ما يحتاجه المرء من مأكل ومشرب ومسكن وسفر وأي حاجة أخرى. والثانية: الزكاة التي تخص تسعة أشياء فقط: الأنعام الثلاثة الشائعة الإستخدام والتكاثر والتوالد: الإبل والبقر والغنم "أو البدائل عنها"، والغلات الأربع العامة المنفقة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب "أو بدائلها"، والنقدان: الذهب والفضة "أو البديل عنهما" مما غلا ثمنه، ومن لا يملك ما سبقه ذكره فلا شيء عليه)، ويتكلف بيت المال سد حاجة الفقير وأصحاب الدخل المحدود.

فالمجتمع الأول كان يتفهم قيمة الزكاة والخمس في حياة الأمة، وكان القانون هو القوة التي بها يستحصل الحاكم ما تخلف عنه التجار والمزارعون والرعاة لسبب ما، لأن الغني مثلما هو الفقير كان يدرك أن بيت المال ليس مصرفا مفتوحاً للفقير فحسب، فالكل فيه شركاء، ولأنه على درجة من الأهمية فإننا نجد في رسالة الإمام علي عليه السلام لواليه على مصر فارس الإسلام مالك الأشتر النخعي فقرة مهمة تخص امر الضرائب أو الخراج بالمفهوم الإسلامي حيث يشير عليه السلام على واليه أن: (تفقَّد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لأن الناس كلهم عيال على الخراج).

ولأن صلاح المجتمع هو الغاية من أصل الضرائب، فإنه ينبغي أن تكون الحكومة صالحة ولا تأخذ الحاكم في الله لومة لائم في قراراته بما يخص رفاهية المجتمع لأن فيها حصانته تحول والحاكم من فرض ضرائب أخرى غير الزكاة والخمس، وحسبما يقول الفقيه الغديري: "وإذا كانت الدولة الصالحة تقوم بتنظيم القدرات الموجودة في الإستفادة منها بشكل صحيح فلا يبقى المجال بوضع الضرائب الإضافية والإستثنائية على أموال الشعب"، وقد دلت تجارب الشعوب بخاصة في البلدان الرأسمالية أن زيادة الضرائب وتنوعها مدعاة لمزيد من الفقر بخاصة لأصحاب الدخل المحدود الذين عليهم دفع فواتير الماء والكهرباء والغاز والتلفاز والهاتف، وغير ذلك، وليس من الغريب ان تزداد أعداد الوفيات بين كبار السن في الشتاء في بلدان رأسمالية ديمقراطية وذلك لعدم قدرتهم على دفع فاتورة الغاز فيفضلون مضطرين الإكتفاء بالملاحف والبطانيات، وليس من الغريب ان يبيت الملايين بلا عشاء وذلك لتوفير المال على الفواتير التي تهلك ظهر رب البيت، وأغلب الشركات هي شركات رأسمالية غير حكومية لا تتعامل بقانون الرأفة والرحمة، فما على المواطن إلا الدفع أو القطع تلاحقه بعد القطع الضرائب أو المحاكم.

ويواصل الفقيه الكرباسي في أحكام الضرائب بيان مشروعية وضع ضرائب استثنائية محددة الزمان تفرضها المستجدات الإقليمية والدولية، وحكم التهرب من دفع الضرائب الشرعية في النظام الشرعي والنظام غير الشرعي، وحكم التصرف بالضرائب المأخوذة دون وجه حق، والموقف الشرعي من الضرائب المستجدة في النظام المدني الحديث مثل ضريبة العقار بيعًا وشراءً وضريبة المطار وضريبة عبور الجسور بين المقاطعات وضريبة الشوارع الحديثة بين المدن والمحافظات وضريبة الجمارك وأمثال ذلك كثيرة في عالم اليوم.

 وخلاصة الأمر فإن الخلل الذي نلحظه بصورة جلية للواقع الإقتصادي المتردي يعود في جانب كبير منه إلى عدم التعامل السليم مع الضرائب الشرعية والقانونية ومصارفها، وامتناع أصحاب الأموال أو تقصيرهم في دفع ما عليهم، فيتحقق في كل زمان ومكان وبصورة بشعة ما حذَّر منه الإمام علي عليه السلام: (ما جاع فقير إلاّ بما مُتِّع به غني).

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

عبد الجبار الرفاعي

لا أكتب خارج اختصاصي، ولا أتطفل على ما هو غريب عن اهتماماتي، لذلك أعتذر عن المشاركة في كثير من المؤتمرات والندوات التي ليس لدي رأي أقوله فيها. أهتم بالروايات، وأقرأ ما أجده لافتًا مما يصدر منها، وأتابع أغلب ما يكتب عنها، لكني لست ناقدًا أدبيًا. وهكذا أهتم بالفنون، واحتفظ في بيتي بعدد من اللوحات المشتراة والمهداة لرسامين أتذوق فنونهم، غير أني لم أكتب عن هذه اللوحات الجميلة.

د. مسار غازي أستاذة في جامعة ذي قار، المحافظة التي ولدت في احدى مدنها "الرفاعي"، وأكملت الثانوية في أحب مدنها إلى نفسي وأعمقها رسوخًا في ذاكرتي "الشطرة"، إذ كانت هذه المدينة قبل نصف قرن من أشد مدن جنوب العراق توقدًا بحيويتها السياسية وحضورها الثقافي والأدبي المتدفق. في مكتبة الشطرة تعرفت على كتابات علي الوردي وغيرها، وفي الثانوية ولدت صداقاتي الصادقة الأولى بمجموعة من الأحبة من مدينة الجبايش والفهود والدواية وغيرها من مدن ذي قار. عسى أن تمهلني الحياة لأكتب عن تلك الأيام الموحية، وأولئك الناس المضيئين، الذين غبت عنهم وغابوا عني منذ سنة1973  بعد اكمال امتحانات السادس ثانوي، ثم ذهابي للدراسة ببغداد.

بادرت مسار غازي فبعثت لي مشكورة بكتابها "الإكليروس في الرواية العراقية"، منذ مدة طويلة نسبيًا، وكانت تتطلع لرأيي فيه. وضعتني مسار غازي في اختبار لا أستطيع اعتذاره، لأني أرى دعم الجيل الجديد ورعايتهم العلمية وتنمية مواهبهم ضرورة يفرضها ضميرنا الوطني.

أصل كتاب مسار غازي اطروحتها للدكتوراه المناقشة بداية هذا العام في جامعة القادسية في العراق. مكث الكتاب يترقب دوره في سلسلة التزاماتي اليومية ومشاغلي الكتابية، خصصت يوم أمس للغوص في موضوعاته من المقدمة الى الخاتمة، عشت معه لحظات بهيجة. يقع الكتاب في 500 صفحة، برعت الكاتبة في بناء خطة البحث، وتنظيم مباحثه منطقيًا، والكتابة بالتفصيل عن موضوعات كل مبحث. وظّفت مسار تكوينها الرصين، وخبرتها اللافتة في استيعاب مناهج وادوات أنتجتها الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، لقراءة وتحليل عدد كبير من الروايات العراقية.

1562 مسار غازي 1

فوجئت بشجاعة مسار غازي في اختيار "الدين والمقدس" موضوعًا لبحثها، وهو موضوع كان ومازال يتحاشى أكثر تلامذة الدراسات العليا اقتحامه، مثلما يتحاشى الأساتذة توجيه تلامذتهم لاتخاذه موضوعًا لرسائلهم الماجستير وأطروحاتهم الدكتوراه، لئلا يتعرضون للاتهام.

يرى فوكو أنه حيثما تكون السلطة تكون المعرفة، وحيثما تكون المعرفة تكون السلطة، ففي رأيه "السلطة ليست في مكان واحد، إنها في الحارس الذي يراقب السجن بحرص شديد، في صاحب الفرن الذي يبيع الخبز للسجن، ويشعر بالفرح لأن السجن موجود".كانت مسار غازي ذكية في تطبيق نظرية ميشيل فوكو لاكتشاف تمثلات "الدين والمقدس في الرواية العراقية"، في ضوء الصلة العضوية بين "المعرفة والسلطة"، وكيفية انتاج السلطة لمعرفة من جنسها ترسخ حضورها، وانتاج المعرفة لسلطة من جنسها تتجذر فيها،  وحاولت أن تكشف عن كيف تنبث هذه السلطة في كل مؤسسات المجتمع والدولة، بأشكال "ميكروفيزيائية" دقيقة، وتحدثت عن كيفية ممارسة السلطة "المراقبة والمعاقبة" والقمع بصيغ مختلفة،  وأوضحت كيفية افصاح السلطة عن نفسها بأشكال متنوعة ومتعددة ومتغيرة.

1562 مسار غازي 2

هذا الكتاب جدير بالعناية والاهتمام، بوصفه مغامرة جسورة في البحث العلمي، آمل أن يتخذه الباحثون من الجيل الجديد في وطننا نموذجًا في كيفية توظيف علوم الإنسان والمجتمع الحديثة لدراسة تمثلات الدين في حياتنا، والتنقيب عن تغلغله في مختلف مؤسسات السلطة والدولة والمجتمع.

الدين مكون عميق لماضينا وحاضرنا، متغلغل بكل شيء في حياتنا، لا يتحقق فصل الدين أو وصله بحياتنا بقرار نتخذه. قراءة نصوص الدين برؤية تنتمي للتراث أهم أسباب الانسداد في حياتنا. يفرض الواقع اعادة قراءة نصوص الدين برؤية تنتمي إلى عالَمنا، كي تنتج المعنى الديني المتناغم مع ايقاع حياتنا.كل محاولة لإعادة البناء التربوي والتعليمي، واعادة بناء مؤسسات الدولة والمجتمع لا تبدأ بإعادة بناء التفكير الديني تموت لحظة ولادتها، لأن الدين والمقدس يتغلغل في كل شيء في حياتنا.

أقترح على د. مسار غازي:

1- تبديل عنوان الكتاب من: "الإكليروس في الرواية العراقية"، إلى: "الدين والمقدس في الرواية العراقية". "الإكليروس" مصطلح ينتمي لسياق لاهوتي كنسي، وكل لاهوت يعبر عن نفسه بمصطلحاته الخاصة، مصطلحات كل دين مشتقة عادة من المعنى الديني والفضاء الروحي الذي تنتج فيه، لذلك لا يصح أن نستعمل مصطلح "قس" لرجل الدين المسلم، أو مصطلح "كنيسة" الذي هو بيت عبادة المسيحي، لبيت عبادة المسلم "الجامع"... وهكذا.

2- العمل بتبصر صبور على تحرير الكتاب وتهذيبه وتنقيحه من جديد، واختزل مباحثه وتكثيف عباراته بدقة، وتدقيق الأخطاء المطبعية وغيرها،كي يكون الكتاب أكثر دقة ورصانة في نشرته البيروتية القادمة.

3- الاقتصاد في الاقتباس، وتنصيص بعض الاقتباسات المهملة بلا أن تحصر بين هلالين.

4- اعادة اخراج الكتاب فنيًا، بالشكل الذي يتناسب من المعايير الفنية في الاخراج الحديث للكتب.

5- اعادة طباعة الكتاب في دار نشر لبنانية معروفة،كي يصل للقراء العرب في مختلف البلدان.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

 

 

نضير الخزرجيطالما تداولت الألسن قولها: "للبيوت أسرار"، وهي حقيقة قائمة يلامسها كل إنسان، فما من بيت إلا وينطوي على مجموعة أسرار لا يعرفها غير أهل الدار، أو بالأحرى يعملون ما أمكنهم للحفاظ على المظهر الخارجي للبيت وسط الجيران والمجتمع، لأن الإطلاع على أسرار البيت هو كشف لعوراته، وما من أحد يرغب في كشف عورته.

هذه الصورة المصغرة نجد كبراها في البلد الواحد الذي يحاول تحصين ذاته من التأثيرات الخارجية وإظهار نفسه للآخر بالمظهر الذي يرغب أن يظهر فيه لإثارة الآخر ليهتدي بهداه ويقتفي أثره، أو أن يتمظهر بما يمنع الآخر من النفوذ إلى داخله والتأثير عليه لكسر شوكة المجتمع وفك الإرتباط بينه وبين القيادة النافذة، سياسية كانت أو دينية، ولهذا تولي الحكومات الشمولية المسألة أهمية كبرى، وتسعى عبر التوجيه الثقافي والسياسي في المدرسة والوظيفة والشرطة والجيش وكل مفاصل الحياة إلى خلق رأي عام واحد يكون مطابقا لوجهة نظر القيادة الحاكمة، وهو ما يعبر بنظر الحاكم سياسة التحصين الذاتي في مواجهة مؤامرات الآخر وتخريبه، فيما يدخله البعض في خانة الإستبداد والشمولية، وأيا كانت وجهة النظر، فإن المجتمع الكبير مثل البيت الصغير يحاول الإحتفاظ بأسراه وعدم تسريبها خارج الأسوار.

وحيث يكون الحديث سلبيا تجاه الحكومات الشمولية ذات التوجه السياسي الواحد، فلا يعني أن الحكومات ذات التعدد السياسي هي منتهى الكمال الإنساني في الإدارة والحكم، وإن الحديث عنها ينبغي ان يكون إيجابيا على الدوام، وإلا قامت جمهورية إفلاطون الفاضلة التي لا يأتيها الفساد من بين أيديها ولا من خلفها، وهي جمهورية لم تتولد إلا في مخيلة الفيلسوف اليوناني، وإن كانت هي مطلب الأنبياء والمرسلين والمصلحين والصالحين، ولكن تحقيقها مائة في المائة هو أمل يتعثر بأقدامه وهو يتسلق جبال التطبيق.

فالديمقراطية الغربية التي يعتبرها البعض صفحة ناطقة للجمهورية الفاضلة، هي لوحة جميلة في عين الناظر، ولكن كلما اقترب المرء من التفاصيل شاهت عنده معالم الصورة ولم يعد يميز بين تقاسيم الصورة نفسها، وهذا ما عليه الحياة الإجتماعية في البلدان الغربية، فظاهرها جميل خلاب للعيون وآسر للقلوب، ولكن عند الوقوف على تفاصيل الحياة اليومية تظهر التعقيدات على حقيقتها بخاصة في بلد انفرط عنده عقد الفطرة الإنسانية، فصار مخالفة ناموس الطبيعة حرية شخصية، وهي حرية منفلتة تتجه لأن تصبح وبالا على المجتمع نفسه ووباءً دونه جائحة كورونا!

ولأن الديمقراطية الغربية بشكل عام لا تخجل من كشف بعض عورات بيتها، فإن وسائل الإعلام تحمل للقارئ والسامع والمشاهد بين فترة وأخرى أنباءً صادمة وأرقاما مذهلة عن جنبة من جنبات الحياة، قد لا يدركها عامة المواطنين، لأن المبتلى بها لا يريد أن يفصح عنها، ولكن أشواك الحياة المزروعة تحت أقدامه تجبره على البوح بأسرار البيت ربما يجد أذنا صاغية لدى صناع القرار أو المؤسسات ذات التأثير على القرار وصنّاعه.

ومن تلك الأخبار الصادمة التي نشرتها صحيفة الأنديبندت (The Independent) البريطانية الصادرة يوم 5 أذار مارس سنة 2018م بمناسبة يوم المرأة العالمي الذي يصادف الثامن من شهر أذار مارس من كل عام، أن 7 بالمائة من طالبات المدارس في أعمار 10 إلى 18 أجبرن على التغيب عن حضور المدرسة عند حلول العادة الشهرية لافتقادهن للمحارم النسائية بسبب قلة ذات اليد وعدم قدرة الوالدين على الشراء بسبب الفقر وعدم كفاية المعونة الحكومية المقدمة للعاطلين عن العاملين أو أصحاب الأجور القليلة، وكان عدد الطالبات المتغيبات عن الدوام للسنة 2017م ليوم واحد أو أكثر أثناء العادة  الشهرية بلغن 137700 طالبة، وأن 49 في المائة منهن تغيبن ليوم واحد في العام الدراسي وخاصة في اليوم الأول من مجيء الدورة لعدم امتلاكهن المحارم الطبية، ولأن على المتغيب أو المتغيبة في عن الدوام في بريطانيا وعموم الغرب إعلام إدارة المدرسة عن السبب فقد وجدت الجريدة في الدراسة الإستقصائية التي شملت 500 عينة، أن 59 في المائة من المتغيبات قدمن أسبابا وتبريرات كاذبة، إذ يصعب عليهن الإفصاح عن سبب التغيب حفظا لماء الوجه، كما وجدت الدراسة أن 25 من الطالبات استعملن قطع القماش العادي بديلا عن المحارم النسائية الطبية، وبعضهن استخدمن المحارم لأوقات طويلة خلافًا للصحة العامة وسلامة الرحم وذلك بسبب الفقر.

هذه الحقيقة الصادمة في بلد ديمقراطي كبريطانيا دفعت بعض المؤسسات الطبية إلى تقديم المحارم إلى المدارس بصورة مجانية كجزء من عملها الخيري الذي تتسم به المؤسسات التجارية الكبرى، على أن تقوم إدارة المدارس بتقديمها إلى الطالبات الفقيرات وذات الدخل المحدود للتغلب على ظاهر الغياب أثناء الدورة الشهرية.

هذه الأرقام المخيفة التي لا يراها البعض، وهي حقيقة مرة كاشفة عن الفجوة بين الغني والفقير في النظام الرأسمالي، استحضرتها من مكنون محفوظاتي وانا أتابع كتيب "شريعة الحيض" للفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر في بيروت نهاية العام 2019م عن بيت العلم للنابهين في 64 صفحة ضمَّ 134 مسألة شرعية و62 تعليقة تفضل بها الفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، مع مقدمة للناشر ومثلها للمعلق وثالثة للمصنِّف مهَّد فيها للكتيب.

الحرث والنسل

تابع الفقيه الكرباسي مسائل الدماء لدى المرأة كحالة عضوية طبيعية، من ذي قبل في كتاب "المرأة والدماء الثلاثة" الصادر في 180 صفحة من القطع المتوسط عن بيت العلم للنابهين في بيروت سنة 2006م، وقدّمت له الدكتورة بيان الأعرجي وعلّق عليه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، وفي حينها تناولت الكتاب في قراءة موضوعية تجمع بين الشريعة والطب، ونشر في وسائل إعلام مختلفة يوم 11 اكتوبر تشرين الأول سنة 2006م تحت عنوان: "المرأة والدماء الثلاثة .. قراءة علمية في مسائل الأسرة".

وما يميز "شريعة الحيض" عن كتاب "المرأة والدماء الثلاثة"، أن الأول اختص بالدورة الشهرية والثاني تناولها إلى جانب الإستحاضة والنفاس، حيث يجمع الثلاثة قاسم الدم الذي تراه المرأة في كل شهر وعند الولادة، وحيث اتسم الكتاب بالتفاصيل الطبية والفسيولوجية إلى جانب نظرة الشرع الإسلامي، فإن الكتيب تناول الحيض من جانبه الشرعي ليكون دالة لكل إمرأة وزوج وزوجة للتعامل الشرعي مع حالة دورية تتكرر كل شهر خلال أربعة أو خمسة عقود من حياة الأنثى.

ولا يخفى أن الدورة الشهرية واحدة من علامات سلامة المرأة رغم ما تلاقيه من معاناة وبخاصة في سنواتها الأولى، وبتعبير المصنِّف: (مسألة الحيض وملحقاتها هي عملية عضوية فسيولوجية طبيعة دالة على سلامة الجسم وأجهزته المودعة فيه، سواء عملية الإخصاب التي تعادل عملية الحيض إذ إنَّ الثانية تدل على وجود الأولى)، فالإخصاب بالنسبة للمرأة المتزوجة يتحقق بشكل عام مع دورة دموية منتظمة، ولهذا يندر حصولها مع تحقق الحمل، ولهذا إذا تأخرت الدورة عند المتزوجة عن موعدها ينتابها الشعور بحصول الحمل.

والدورة بما هي عملية عضوية طبيعية، فإنها بالنسبة للمرأة العزباء عملية تطهير للرحم ومتعلقاته بشكل دوري، وبالنسبة للمرأة المتزوجة أشبه ما تكون بآلة حرث الأرض التي تدك التربة لاستقبال البذور، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم وأحسن الوصف بدقة، بقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ) سورة البقرة: 222- 223.

ومن الطبيعي أن تكون نتيجة الحرث والزرع جني الثمرة الطيبة أي الأولاد، ناهيك عن إشباع الرغبات كحالة طبيعية لدى الجنسين، مثلما هي الحاجة إلى الطعام والملبس، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (دم الحيض ضرورة من ضروريات الحياة واختيرت الأنثى لهذا الغرض بعدما شاءت الإرادة الربانية من أن تكون هي الحرث والأرضية الأنسب لغرض الإنجاب، حيث عبّر سبحانه وتعالى بكلمات علمية ما فوقها تعبير حينما قال: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)، فمثل هذه المسؤولية الكبيرة وتحملها لابد وأن تقرن بالإحترام والتقدير دون الإجتناب والحديث عنها بالدونية وعلى سبيل الإستعلاء).

معرفة ضرورية

يواصل الفقيه الكرباسي في أحكام الحيض بيان المراتب الست للدورة المتعلقة بالمرأة: المبتدئة، وذات العادة الوقتية والعددية، وذات العادة الوقتية فقط، وذات العادة العددية فقط، والناسبة، والمضطربة، ولكل واحدة أحكامها، والمرأة تحتاج إليها لمعرفة موقفها من العبادات من صلاة وصوم واعتكاف وحج وقراءة القرآن ودخول المساجد والمكوث فيها، وغير ذلك.

ربما يعتقد الرجال أن معرفة مسائل الدماء الثلاثة ومنها الدورة الشهرية، في جانبها الشرعي خاصة بالنساء، ولا تخص الرجال على اعتبار أنها خصوصية أنثوية بحتة، وهذا الفهم القاصر هو الذي سبب ويسبب مشاكل بين الزوجين يمكن تلافيها لو أدركا أحكام الدورة.

وهنا تستحضرني حادثة وقعت قبل سنوات وكنت أحد الشاهدين لحالة طلاق، وكان مصنِّف "شريعة الحيض" حاضرا فيها، إذ وبعد أيام من حصول الطلاق بين الزوجين دُعيت مرة أخرى لأشهد على بطلان من شهدت عليه من الطلاق، والسبب أن الزوجة عند الطلاق كانت في دورتها، والشرع يحظر الطلاق في هذه الحالة فلا يتحقق حتى وإن وقع الإصرار من أحدهما أو كليهما، فلم يكن الزوجان على معرفة بالحكم الشرعي، وأدركا ذلك بعد فترة، ولو كان أو كانت على معرفة بالحكم لما أقدما على الطلاق أصلا، وذلك إحتراما لمشاعر المرأة وهي في وضع جسماني يشوبه الإضطراب النفسي.

وهكذا الأمر بالنسبة لمسائل الجماع، فينبغي للزوجين التعرف عليها بشكل عام أثناء الدورة وخارجها، لأن البعض عن جهل يرتكب الحرام دون أن يدرك ذلك من قبيل المقاربة الجنسية، إذ يُحرم (الجماع في الفرج) وإذا حصل الأمر فإنه يقع في رقبة الزوج الكفارة والإستغفار، حيث: (يجب على كل من تعمَّد الجماع أيام الحيض دفع الكفارة إلى الفقير المؤمن ومقدارها يختلف حسب وقت الجماع، فإن كان في الثلث الأول من الحيض، فمقدار الكفارة 3,6 غرام من الذهب – عيار 24-، ونصفه في الثلث الثاني، وربعه في الثلث الثالث).

ومن جميل ما أتى به الإسلام من تكريم للمرأة الحائض قول الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم: (حيض يوم لَكُنَّ خير من عبادة سنة صيام نهارها وقيام لها)، بل اعتبرها في عداد الشهداء إذا ما فارقت الحياة وهي في دورتها، وذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلّم: (مَن ماتت في حيضها ماتت شهيدة)، وزاد من إكرامها قوله صلى الله عليه وآله وسلّم: (من اغتسل من الحيض او الجنابة أعطاه الله بكل قطرة عينا في الجنة، وبعدد كل شعرة على رأسها وجسدها قصرا في الجنة أوسع من الدنيا سبعين مرة لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).

وهذه المكرمات كما يؤكد الفقيه الكرباسي في ختام التمهيد: ليست بالقليلة، فإنّ الله سبحانه وتعالى يقدّر دور المرأة ومسؤوليتها وما يرافقها من أذى عضوي ونفسي، فلذلك كرّمها بهذه الكرامات.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

الطيب النقرلعل ما لا يند عن ذهن أو يغيب عن خاطر، أنّ البلاغة بلغت أوج عظمتها في عهد من أربى على الأكفاء، وتميز عن النظراء، العالم الثبت أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة 471 ه والذي «نظر ميمنة ويسرة فلم يجد من مسائل هذه الفنون إلا نتفاً مبعثرة لا تسمن ولا تغني من جوع، فشمر عن ساعد الجد، وجمع متفرقاتها، وأقام بناءها على أسس متينة، وركز دعائمها على أرض جدد لا تنهار، وأملى من القواعد ما شاء الله أن يملي في كتابيه «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز»، وأحكم بنيانها بضرب الأمثلة والشواهد، حتى أناف بها على اليفاع، وقرن فيهما بين العلم والعمل، إذ رأى أن مسائل الفنون لا يستقر لها قرار إلا بكثرة الأمثلة والنماذج، فالصور الإجمالية التي تؤخذ من القواعد، إن لم تؤيدها الصور التفصيلية التي تستفاد من النماذج، لا تتمثل في الأذهان حق التمثل، ولا تنجلي حقيقتها تمام الانجلاء».

ولعل هذه الأمثلة التي تخلق نوعاً من التجانس والألفة بين الفنون والشواهد تبين مدى فحولة هذا القطب في التفكير، فالطريقة التي ابتدعها لم يتم ترويضها أو استئناسها من قبل، وما خلفه من تراث علمي ونتاج أدبي يدل على سعة ثقافته وخصوبة فكره، كما يدل على أنه بصير بمذاهب الكلام، عارف بمطارح الإساءة والإحسان. ولقد ذاعت شهرته في التأليف وسارت مؤلفاته في كل صقع ووادٍ، وأجبرّ كتاب الطبقات والتراجم أن يكثروا من ذكر اسمه في مصنفاتهم، ويطنبوا في وصفه بالذكاء والنبوغ ورهافة الحس ولطافة التخيل. ولقد استمد الجرجاني أجرأ الكُتّاب قريحة أيديولوجيته من التراث الإسلامي، واستعان في دراسته البلاغية بما كتب في النقد والبلاغة والإعجاز قبله، يمده بالجديد فيها ذوق مثقف، وحس لغوي دقيق، وقد قرأ الكثير من دواوين الشعر، وعكف على التراث الثقافي قبله، وهضمه وتمثله، وانعكس ذلك واضحاً على ما كتبه. كما تأثر عبد القاهر في بعض نواحي تفكيره البلاغي والنقدي بالثقافة الإغريقية ولا سيما بحوث أرسطو». فلقد ترجم كتابي «الخطابة» و «الشعر» لأرسطو إلى العربية، الأول في القرن الثالث الهجري، والآخر في القرن الرابع. ويعتبر كتاب عبد القاهر الجرجاني «أسرار البلاغة» أول محاولة جادة ترمي للتمييز بين أقسام البلاغة وفروعها، حيث نجد أن مؤلفه المتفنن في ضروب الخطاب قد قام بدراسة موضوعاتها دراسة وافية متأنية مكنته من اقتناص هذا الجنس من العلم، فقد انسجم سمتها وكشف لنا عن بهرجها وزينتها بيراعه المفطور على الإبداع الذي جمع ما شتّ من بعيدها وطرح الواغش عن صورتها، «فالإمام عبد القاهر لم يؤلف كتاب «أسرار البلاغة» لغرض ديني أو مسألة تتعلق بإعجاز القرآن، وإنما ألفه لغاية بلاغية، ووضع الأصول والقوانين، وبيان الأقسام، وذكر الفروق بين العبارات والفنون البيانية. وقد وفق الإمام عبد القاهر في إبراز الجودة الأدبية التي تأثر بصورها البيانية في نفس متذوقها، ولذلك نجده قد أوغل في الصور البيانية من تشبيه واستعارة ومجاز أيّما تفصيل، ولم يغفل الحديث عن الجناس والسجع والطباق، وقد ذكرها لبيان مزيتها وحسنها عندما يطلبها المعنى».

ويبدو أن الإمام عبد القاهر قد أقدم على تأليف «أسرار البلاغة» بعد تأليفه لكتاب «دلائل الإعجاز» الذي سما إلى العلياء، وناطح الجوزاء شكلاً ومضموناً والذي نشأ وترعرع تحت كنف القرآن الذي دوّن فيه نظريته عن النظم، ساطعاً فيه بأن إعجاز القرآن الكريم يكمن في نظمه وليس في فصاحته، وكان المنهج الذي اتخذه في تأليف «الدلائل» هو «أن يكرر ويعيد الحديث عن النظم، ويكثر من الأمثلة والشرح ليقرب الفكرة ويقنع بها الناس مع ذكر الدليل تلو الدليل في وضوح لإثبات أنّ القرآن معجز في نفسه، وأنه معجز في كل زمان ومكان، ويناقش مذهب القائلين بالصرفة ويبطل حججهم بالأدلة العقلية والنقلية من القرآن الكريم والشعر الرصين». أما كتابه «أسرار البلاغة» فهو بحث خالص في موضوعات علم البيان، بالإضافة إلى بعض ألوان من البديع هي: الجناس والسجع والطباق

 

الطيب النقر

 

فطنة بن ضاليللباحث جاسم جميل الطارشي

حظي شعر محمود درويش ولا يزال بالاهتمام المتزايد من قبل الدارسين والنقاد، فهو تجربة خصبة مولدة لا تنضب تمد الدارسين في كل حين وآن بما يطمحون إليه، ذلك أن الشعر على حد تعبير عبد المنعم تليمة، "معرفة جمالية قائمة في الطبيعة التي أخضعها البشر، والتي لم يخضعوها، كما أنه قائم في حياة الناس، وعلاقاتهم الاجتماعية، وفي حياة الأفراد النفسية والروحية"1. وشعرمحمود درويش يعبر في معانيه العميقة وفي شكله الجمالي عن الجماعي والخاص، إذ ينبثق من الرؤية الواقعية متجاوزا إياها إلى استشراف الرؤيا المستقبلية على مستوى الواقع والتجربة معا، ذلك أن محمود درويش شاعر ناقدا "والشاعر الناقد يعي أن الشاعر يتوسل بأداة الجماعة ليشكل موقفا عن الجماعة نفسها، فالقصيدة تسعى إلى الوجود (الشكل الجماعي) من خلال الموجود (الواقع اللغوي) وتفرد القصيدة مرهون بزلزلة منطق التوصيل، وتراث التشكيل في الآن ذاته"2.

هذا، ومن الدارسين الذين اهتموا بدراسة هذا الاتجاه في شعر محمود درويش الباحث جاسم جميل الطارشي في مؤلفه '' المنزع النقدي في شعر محمود درويش"3، وهي دراسة في أربعة فصول وثمانية مباحث، سبر خلالها الباحث غور تجربة محمود درويش الشعرية مبينا كيف تحدث الشعر عن الشعر وعن مفهومه وحده ووظيفته، واقفا على القضايا النقدية المكونة للمنزع النقدي عند محمود درويش.

وسنتناول هذه الدراسة  فنبين منطلقاتها، وكيف رصدت خصائص تجربة محمود درويش الشعرية من خلال؛النص وأزمات تشكله؛ وقضايا الشعر؛ وتجديد أفق انتظار القارئ؛ وتصنيف شعر محمود درويش حسب الرؤية النقدية .

1- منطلقات الدراسة

يؤسس الباحث لدراسته وتساؤلاته حول الموضوع بمنطلقات نقدية، عبر عنها تقديم الناقد محمد الهادي الطرابلسي للكتاب، ومقدمة الباحث، حيث يرى الدكتور محمد الهادي الطرابلسي أن الوعي النقدي مقوم من مقومات كل تجربة شعرية، فالشاعر مسكون بهاجس التغيير نحو الأفضل وهو يحمل الكلمة الأنقى لأن الشعر ابن توأمين "نفحة الشعر ولفحة النقد "، ,ان الوعي النقدي في الشعر تيارات تتجلى في مساءلة الفن من المفهوم إلى الوظيفة، مع منزلة المجتمع4، ويرى الباحث أن هذا الوعي هو ما يقدمه لنا الشاعر من تصورات حول رؤيته لتجربة التشكيل الشعري بين أدواته وحالاته ورؤاه5. وعلى هذه الدراسة أن تبين مدى إضافة الشاعر محمود درويش في شعره رؤى نقدية جديدة ، كما عليها أن تبين أسباب تردد هذه الظاهرة في شعر محمود درويش ، ويضيف الباحث أن المقصود بالنقد هنا "" النقد "الذي فيه معنى الوعي النقدي والرأي الضمني ، في الشعر مفهوما ووظيفة لا معنى النقد المنهجي"6.

إن تجربة محمود درويش الشعرية ذات خصوصية لأن صاحبها يرى أن " الشعر يقول عن الشعر أكثر مما تقول النظرية عن الشعر "7، مادام الشعر" قادرا على امتصاص التجارب السالفة وإعادة إنتاجها في شكل خطاب إبداعي أكثر متانة وقوة. لاسيما إذا كان هذا الخطاب شديد الصلة بشخصية صاحبه ...فالشعر ضربمن التصوف مادامت القصيدة سفرا في عوالم الروح بحثا عن نقطة الوصول"8. تلك النقطة التي يلتقي فيها المعرفي بالروحي في فضاءات و عوالم خاصة ، من أجل هذا سيستنطق الباحث النصوص الشعرية ويحلل بنياتها بهدف الوصول إلى القضايا النقدية التي تخبر عنها .

2- النص وأزمات تشكله

تعمق الدراسة البحث في حيثيات الإبداع ، فيرى الباحث أن الشاعر في انجاز نصه الشعري يمر بأزمتين دقيقتين:

الأولى: أزمة نفسية تعتريه لحظة الولادة، والثانية: أزمة نصية يعاني فيها من تطويع اللغة لحاجات التعبير،ويلتقيان معا في كل عملية إبداعية. ثم يكشف في شعر محمود درويش عن التعبير عن هذه اللحظات من خلال علاقة الشاعر باللغة والتجربة الوجدانية التي تكتنفها علاقة الغموض، قد يعبر عنها الشاعربالاستفهام كأسلوب مثلا، وتحوله إلى أزمة إيقاعية تكشف معاني الغموض والحيرة كما في نص لا تعتذر9، ثم من خلال معاناة الشاعر الوجودية من القلق والترقب والانتظار وتعبيره عن  ذلك لحظة الزمن الخاص الذي هو  زمن الشعر. لأن درويش "شاعر يخترق كل الأزمنة ليحسن اختيار زمنه الخاص"10. ويطرح الباحث السؤال كيف تبدأ عملية تشكل النص وكيف تتولد؟ ليستجلي أزمة النص في الإجابة عنه، فيشير إلى أن محمود درويش يشارك نزار قباني في سطوة الإيقاع، وأولويته عند تشكل النص وولادة القصيدة. يقول محمود درويش عن ولادة القصيدة : " تولد عبر الإيقاع ، أكتب السطر الأول ، ثم تتدفق القصيدة "11، ويرد الباحث أزمة تشكل النص، ومعاناة الشاعر في استلهام لغته، والتعبير عن تجربته، إلى إيمان الشاعر بانطواء اللغة على أصوات الآخرين ، حيث يقول :

" فتشت عن نفسي وجدت

أصوات الآخرين ".

ويضيف،

" ففي كل شاعر آلاف الشعراء"12 .

وإيمانه بطبيعة اللغة الشعرية، إذ ينتمي الشعر إلى عالم السماء والضباب والغياب والتجدد واللغة تنتمي إلى عالم الحس والمادة والثبات، وهما عالمان مختلفان .

من هنا يتبين للباحث دور الإيقاع وأولويته حيث عده الشاعر المولد الأول لتشكل النص، كما تبين له عجز الشاعر عن تطويع اللغة لحاجات التعبير إذ تتأبي في أغلب الأحيان عن التشكل والحضور.

3- قضايا الشعر

يقف الباحث على قضايا الشعر في تجربة محمود درويش بداية بتحديد مفهوم الشعر وانتهاء  باقتراح تجديد هذا المفهوم . فيجد أن "أجمل الشعر - عند محمود درويش- هو ما يغير مفهومنا للشعر"13. ذلك أن في تعريف الشعر وتحديده موته، فتجدد الشعر وانفتاحه على الممكن يحدد افق الشعر نفسه، ذلك أن حد الشعر متعلق بأمور هي:

- تعالي الشعر عن الحد والتعريف نظرا لتجدده، مما ينم عن أزمة أخرى هي امتداد لأزمة الإبداع والمخاض.

- الوظيفة الوجودية للشعر.

- تأرجح الذات الشاعرة أمام هذا الوضع بين الألم والأمل.

- تغلغل أزمة ماهية الشعر وقضاياه  في تضاعيف المنزع النقدي للشاعر.

ويقدم الباحث المقترح الجمالي لمفهوم الشعرية عند محمود درويش بتناوله التجربة ، من حيث؛ حوار الشعر و النثر، وشعرية  التناص، وصوفية الشعر، متتبعا مقوماتها في التجربة الشعرية، ففي حوار الشعر والنثر يقول درويش : '' أحب في الشعر عفوية النثر والصورة الخافية بلا قمر للبلاغة''14 حيث تحيل النثرية هنا على مستوى اللغة الشعرية المنفلتة على التعابير، ثم يضيف "هذا هو عملي الشعري، أي أن اكتب الوزن كأنه سرد، وأن أكتب النثر كأنه يغني هذه هي المعادلة، هذا هو الحوار بين الشعر والنثر"15. إن هذا التصور للشعرية، وعلاقة الشاعر بالواقع والتقاط التفاصيل والبحث عن المعنى، وعن الإيقاع الجديد، هو ما  يبعد تجربة درويش عن الرومانسية والإفراط في الغنائية. ويقول في التناص : " الإحالات التي أمارسها بوعي تام ، هي جزء أساسي من مشروعي الشعري ، انطلاقا من انه لا توجد كتابة تبدأ " الآن"...أو كتابة تبدأ من بياض"16. وعليه فالإبداع كتابة على كتابة . أما الصوفية في الشعر فتتجلى في كونه يتجاوز مظاهر العالم الواقع ، ويبحث عن الحقيقة ، حيث يستخدم اللغة استخداما غير معهود، تصبح معبرة عن أشياء مختلفة روحية ترتبط بالبعد اللانهائي في رحلة موسومة بالتيه والقلق مشرعة على المجهول والغياب ." إنهما معا - الشعر والتصوف - يصدران عن رؤية روحية للعالم ، رؤية إشراقية حدسية لا نهائية ، كما يتفقان في الرؤية ، يتفقان أيضا في الأسلوب .، والإيقاع ولغة الترميز."17وهي عند درويش محاولة اتصال مختلفة بالكون من خلال سعيها اللغوي العرفاني في بلوغ المغامرات الأخرى . فهي " السعي إلى نتاج شعري مختلف "18.

4- تجديد أفق انتظار القارئ

يتتبع الباحث في إنتاج محمود درويش ارتباط صورة القارئ بوظيفة الشاعر، والتحول الحاصل في الوظيفة، وفي صورة القارئ معا، وتجديد أفق الشعر، فيقدم هذا الارتباط في صورتين:

الأولى: صيغة تعاقد ترسم ملامح القارئ نتيجة نظرة الشاعر إلى العالم وموقفه منه، وهو موقف تحدده جماعة العنفوان والتحدي، وهذه علاقة تعاقد على النضال بين الشاعر وقارئه، ينتابها الغضب والثورة التي فرضت سهولة الرسالة وتداول معانيها.

الثانية: صورة متجددة متغيرة تابعة لتغيير وظيفة الشاعر، لأن تغيير وظيفة الشاعر فرض على القارئ لغة جديدة تخلت عن معيار التداول، فأصبحت وظيفة غامضة غريبة المضمون تبعا لانشغال الشاعر بقضايا أعمق وانعكاس ذلك على اللغة وعلى الرؤية الجديدة للوظيفة وللقضايا.

كما يجد الباحث أن وظيفة الشاعرعند محمود درويش تتمثل في وظيفة إديولوجية، يعبر خلالها الشاعر عن قضية الجماعة ومشروعها النضالي، ووظيفة فنية إنسانية تربط الإنسان بهمومه البسيطة يحتل فيها الخاص الداني محل الجماعي العام. يقول درويش: "اكتب إنسانيتي وسط الظلام والحصار"19.

وانطلاقا مما سبق،  يخلص البحث  إلى أن وظيفة الشاعر كما صورها درويش في شعره تحولت من شعر القضية إلى قضية الشعر، ويكشف عن دلائل هذا التحول في نماذج نصية جسدت أزمة الشاعر وحيرته بين الوظيفتين، ورصد الباحث ذلك في مخاض التحول، ولحظة الوعي في النصوص، والشكوى من صورة الشاعر القديمة التي تبتعد فيها الذات عن عالمها الخارجي وهمومها الإنسانية وأحلامها الخاصة، ثم البحث عن أفق جديد لإنسانية الشاعر وشعره والتحرر من الصورة النمطية، إلى صورة جديدة تبعا للوظيفة الجديدة، وهي اختيار الشاعر طريقة الإبداع المتجدد الذي يقتضي أن يكون الشاعر شخصا عاديا بعيدا عن صورة البطل و النبي والمخلص يقول :

" لن أكون كما أريد ولن أحب الأرض أكثر

أو أقل من القصيدة"20.

وظل محمود درويش يضيق بقراءة النقاد القائمة على وضع مقاييس خاصة بها، حيث يتحول الإبداع على إثرها إلى قوانيين ثابتة، وبدأ يرسم أفقا جديدا للشعر يعدل من خلاله أفق انتظار القارئ حاثا إياه على البحث عن جمالية جديدة للإبداع. كما حمل على عاتقه تجديد التجربة الشعرية، حمل أيضا تطوير صورة القارئ وتجديد أفق انتظاره .

5- الشعر من حيث الرؤية النقدية

اقتضى الكشف عن الرؤية النقدية والتصورات الجمالية في تجربة محمود درويش، بناء على البحث في الوظيفة الشعرية وتحولها، إلى تصنيف شعره حسب الباحث إلى:

-  نصوص المنزع النقدي وسيطرة الوظيفة الإخبارية حيث جاءت في لغة بعيدة عن الغموض والغرابة بسيطة الأسلوب عملا بقول درويش " فالشعر دم القلب، ملح الخبز، ماء العين، يكتب بالأظافر والمحاجر والخناجر"21.

-  نصوص المنزع النقدي وسيطرة الوظيفة الجمالية حيث تعتني بجمالية اللغة وتجنح إلى  الغرابة والابتعاد عن الكلام المتداول مشرعة على التأويل، وهي نصوص تنشغل بطبيعة العملية الإبداعية، وبجمالية اللغة، فتنقل إلينا غموض لحظة الإبداع، وغموض ماهية الشعر وطبيعته كما قال درويش " ربما هو وعكة روحية أو طاقة مكتوبة، أو ساخر متمرس"22.

-  المنزع النقدي وتفاعل الوظيفتين الإخبارية والجمالية في نصوص يهتم فيها الشاعر برسالته النقدية، وجمالية النص، إذ تتفاعل الوظيفتين في فعل يجمع الإبداع والتأمل.

لقد اهتم الشاعر برسالته الإخبارية دون أن يفقد جمالية لغته ووهجها الفني، كما اهتم بوظيفته الجديدة معبرا عن نزعة التشرد المرتبطة بطريقة الشعر الجديد.

وبناء على هذا ، يختم الباحث بأن صراع الشاعر مع صورته ووظيفته القديمة  من جهة، وبحثه عن أفق جديد لدوره من جهة أخرى، جعله يقدم نموذجا متمثلا في تفاعل الوظيفتين الإخبارية والجمالية، حيث برز تفاعل الوظيفتين الإخبارية والجمالية في النصوص التي عبر فيها الشاعر عن تغير وظيفته وصراعه مع الوظيفة القديمة، وذلك تأكيدا منه على تغير لغته وحرصه على تجويد شعره.

هكذا، لم يكن محمود درويش إلا شاعرا حداثيا، تقتضي قراءة شعره التعايش مع النصوص في مناخها المعرفي العميق الذي يراهن في مستوى التلقي على القارئ المتجدد أفق الانتظار، الفاعل في بناء المعنى المنتج له، لأن اللغة موظفة توظيفا جماليا، ينحو بها نحو الغموض، وعلى القارئ إدراك وتذوق النصوص واستيعابها في أبعادها الفكرية والفنية وفي تقنياتها وصورها الجمالية. قراءة تستحضر التراكم المعرفي والفكري المتنوع والعميق، حتى تتمكن من الإجابة عن الأسئلة التي تبقى قائمة وتوكد "أن الإبداع المختلف بحاجة إلى نقد مختلف ،...عبر المعرفة والتذوق، الذي هو قدرة روحية، وعملية اتصالية تكوينية "23، ولأن الشعر الحداثي شعر مختلف يفترض قارئا منسجما واختلافه، حيث تصبح القصيدة "مغامرة ومساءلة و مصادمة، في بنية معقدة، ليست مغلقة بل مفتوحة للاحتمالات، لا تنصاع للمفهومات الجاهزة، ولا تصوغ الجاهز المكرس، ولا تعيد تعميل المقبول، بل تجرح، وتهجم، وتخترق؛ فهي قصيدة الإشكالية،...، ومن تم فإن الغموض الذي اتهمت به هذه القصيدة، هو الغموض الخلاق، الحافز، الذي يريد من المتلقي أن يكون- هو، أيضا- مبدعا خلاقا، وموضوعا في قلب الإشكالية.24  لقد وضع الباحث بحق الأصبع عما يميز تجربة محمود درويش في تحليله للنصوص وسبر أغوارها، والبحث في حالات الشاعر ولغته ومعانيه وأفكاره راصدا تصوراته للشعر والشاعر ووظيفته في تحولاتها الذاتية والموضوعية ، وفي آرائه  في القصيدة .

 

د. فطنة بن ضالي

....................

الـهـوامـش:

1 - د .خليل حسونة، النص والسينما، مشارف مقدسية،ع1، ربيع2015،ص53.

2- المرجع نفسه، ص54.

3-  المنتدى الأدبي، بيت الغشام للنشر والترجمة، ط1، 2015،  مسقط، سلطنة عمان .

4-  المنزع النقدي،مقدمة  ص 5.

5-  المرجع نفسه، ص9.

6-  المرجعنفسه،  ص9.

7- المرجع نفسه ، ص 12.

8- د. عبد السلام المساوي، قراءة في جدارية محمود درويش، عالم الفكر، ع35، أبريل -يونيو 2007.ص101.

9- المنزع النقدي، ص19

10- قراءة في جدارية محمود درويش،م س، ص 110.

11- المنزع النقدي، م س،ص 30

12- المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

13- المرجع نفسه، ص39

14- المرجع نفسه، ص 44.

15- المرجع نفسه، ص 47.

16- المرجع نفسه، ص 57.

17- المرجع نفسه، ص62.

18- المرجع نفسه، ص 63.

19- المرجعنفسه، ص75.

20- المرجع نفسه،ص 94.

21- المرجع نفسه، ص105.

22-المرجع نفسه، ص111.

23- النص والسينما ، مشارف مقدسية، م س، ص68

24- ادوار الخراط ، على سبيل التقديم ، الكرمل ، ع14، 1974، ص 13.

 

عزام محمد مكي المؤلف: مارك كيرتيس*

ترجمة: عزام محمد مكي


حول المؤلف

مارك كيرتس مؤلف ومؤرخ وصحفي ومحرر منصة ( Declassified UK)، وهي منصة للصحافة على الإنترنت تحقق في السياسة الخارجية للمملكة المتحدة. وهو زميل باحث سابق في المعهد الملكي للشؤون الدولية (Chatham House) وكان زميلً باحث فخري في جامعة (Strathclyde) وزميل أبحاث زائر في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في باريس و (Deutsche Gesellschaft fur Auswartige Politik) في بون.

 كتب مارك ستة كتب عن السياسات الخارجية البريطانية والتنمية الدولية:

- Secret Affairs: Britain’s Collusion with Radical Islam (Serpent’s Tail, 2012, updated 2018)

- الشؤون السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي (Serpent’s Tail, 2002, Updated 2018

- Unpeople: Britain’s Secret Human Rights Abuses (Vintage, 2004)

- اللابشر: انتهاكات بريطانيا السرية لحقوق الإنسان (Vintage, 2004

- Web of Deceit: Britain’s Real Role in the World (Vintage, 2003)

- شبكة الخداع: دور بريطانيا الحقيقي في العالم (Vintage, 2003

- Trade for Life: Making Trade Work for Poor People (Christian Aid, 2001)

- التجارة من أجل الحياة: جعل التجارة تعمل من أجل الفقراء (Christian Aid, 2001)

- The Great Deception: Anglo-American Power and World Order (Pluto, 1998)

- الخداع الكبير: القوة الأنجلو أمريكية والنظام العالمي (Pluto, 1998)

- The Ambiguities of Power: British Foreign Policy since 1945 (Zed, 1995)

- غموض القوة: السياسة الخارجية البريطانية منذ عام 1945(1995 (Zed,

عمل مارك أيضًا في قضايا التنمية الدولية لأكثر من 25 عامًا، حيث أدار استشارات تعمل مع وتدعم المنظمات غير الحكومية التقدمية.  في هذا العمل، نشر مارك أكثر من 120 تقريرًا حول قضايا مثل الأغذية والزراعة والتعدين والضرائب والشركات والتجارة، للإطلاع اكثر يمكنك زيارة (curtisresearch.org).

 مارك هو مدير سابق لحركة التنمية العالمية (يسمى الآن Global Justice Now)، ورئيس Global Advocacy and Policy at Christian Aid.

وهو رئيس السياسة في (ActionAid)

 وهو خريج Goldsmiths’ College، جامعة لندن وكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

http://markcurtis.info/

من المترجم

في هذا الكتاب يقوم المؤلف والمؤرخ البريطاني (مارك كيرتس) بتحليل آلاف الوثائق الحكومية البريطانية التي تم رفع السرية عنها. في عمله هذا يميط اللثام عن الدافع الحقيقي للحرب الانكلوسكسونية على العراق في 2003 والتي نتج عنها غزو وتدمير العراق ومحاولة ارجاعه الى العصر الحجري كما وعد بذلك احد اركان الادارة الامريكية في حرب الخليج. ويفضح الكتاب بدون لبس زيف إدعاء الحكومتين الامريكية والبريطانية بان حربهم كانت لأجل نزع اسلحة الدمار الشامل التي كان يمتلكها العراق كما كانوا يزعمون. كما يكشف الكذب الفاضح لرئيس الوزراء البريطاني آنذاك (توني بلير) بإدعائه امام مجلس العموم البريطاني، بإن للعراق امكانية شن هجوم بأسلحة الدمار الشامل على بريطانيا خلال 45 دقيقة. ويفضح مارك كيرتس في كتابه كذلك نفاق الاعلام البريطاني السائد بتكراره الدعاية الحكومية حول اسلحة الدمار الشامل.

ومن المسائل المهمة التي تكشفها بعض هذه الوثائق السرية هي طبيعة السياسة الخارجية البريطانية تجاه القضية الكردية الممتدة من بداية ستينات القرن الماضي ولحد الغزو. ففي بعض الاحيان تم استخدام القيادات الكردية كوسائل ضد الحكومة في بغداد حسب الضرورة. وفي احيان أخرى وقفوا مع الحكومة المركزية في قتالها ضد الاكراد. مع العلم بان السياسة الامريكية تجاه الاكراد هي نفسها السياسة البريطانية. يقول المثل : (لايلدغ المؤمن من جحر مرتين). ولكن القيادات الكردية مستمرة في نفس السياسات التي تم فيها ارتهان قضية الشعب الكردي لمصالح السياسات الامريكية والبريطانية. ولازالت هذه القيادات تلعب نفس ادوار الدمى بايدي راسمي هذه السياسات ممنين النفس بان يكون لهم شأن في مستقبل المنطقة ناسين ماجرى للدمى الفيتنامية عندما تم ركلهم من ابواب أخر طائرة هيلوكوبتر امريكية منسحبة من اعلى سقف السفارة الامريكية في سايغون أثر هزيمة امريكا.

والملفت هو استخدام مصطلح (اللابشر-Unpeople) من قبل المؤلف كعنوان رئيسي لكتابه بالأضافة لوروده في متن الكتاب. ينسب نعوم جومسكي استخدام هذا المصطلح لاول مرة في الكتابات الادبية، الى جورج اوريل في مؤلفه (1984). ويبين جومسكي كذلك بإن المصطلح قد استخدم بشكل اساسي من قبل مارك كيرتيس في دراساته السياسية. إن مفهوم (اللابشر) حسب استخدام مارك كيرتس هو التعبير الحقيقي لموقف الأنظمة الامبريالية تجاه العالم. هم (البشر) حسب مفهومهم، اما البقية في هذا العالم فهم (اللابشر) الذين لااهمية لهم. إن مفهوم (اللابشر) هذا هو جوهر النظام العنصري المتأصل في الأنظمة الراسمالية التي تظهر في بشاعة سياساتها بين فترة وأخرى، من خلال الحروب التي تشنها في مختلف البلدان او من خلال ما تمارسه هذه الانظمة ضد شعوبها. إن نظرة إدارات هذه الانظمة للبلدان التي تقوم بنهبها على مر العصور لاتميز متخادميها في هذه البلدان عن البقية، فهم بنظرها ايضا (لابشر) رغم كل عمليات الحلب والخضوع. وعندما يجف الضرع لن يكن مصيرهم سوى ركلة في مؤخرتهم.

ينقسم الكتاب الى اربعة أجزاء تشمل العناوين التالية:

الجزء الاول: ألعراق

الجزء الثاني: الدعاية، الواقع

الجزء الثالث:الرعب، العدوان

الجزء الرابع: إنقلابات، ديكتاتوريون

يشتمل الجزء الاول على خمسة فصول. وقد قمت سابقا بترجمة الفصل الخامس من الجزء الاول ونشره، وهو بعنوان (مجازر في العراق: التاريخ السري). والآن إرتأيت بعد تشجيع من أصدقاء بعد معرفتهم بأهمية ما ورد في الكتاب من وثائق، أن اترجم الجزء الاول بجميع فصوله. وساقوم بنشر كل فصل على حدة حالما ان انتهي من ترجمته.

إن اهتمامي بترجمة هذا القسم من الكتاب والخاص بالعراق، يرجع بالأساس الى اهمية ما يحتويه من معلومات تكشف الوجه الحقيقي للأدارتين البريطانية والأمريكية. إن إيغال الادارة الاستعمارية في جرائمها في العراق والمنطقة شئ غير مستغرب، لإن هذه وسيلتها في تنفيذ مخططها ومشروعها للمنطقة. لكن الذي يثير ليس الاستغراب وحده ولكن الإشمئزاز ايضا، هو إيغال الكثير من ادعياء الوطنية، تحت مظلات مختلفة يسارية ودينية وقومية، في تخادمها ولهاثها تحت إرادة المحتل. ممنين النفس بعد ان خلعوا ثياب حيائهم وانحنوا امام إرادة المحتل، بموقع يحفظ لهمم حصصهم من فتات المغانم. ربما نجد بعض التبرير للكثير من الناس الذين وقفوا متفرجين امام الغزو الانكلو-امريكي. ولكن وبعد ما يقرب السبعة عشر عاما من جرائم متراكمة للغزو وقرصنة صلفة للبلد، لازال هنالك من يرتضي ان يحول نفسه الى بسطال يستخدمه الاحتلال في محاربته للقوى الوطنية الحقة التي شهرت سيف المقاومة منذ بدأ الاحتلال رغم قلة العدة والعدد. هذه القوى التي أرخصت الدماء الغالية في سبيل الانعتاق من الاحتلال.

إن هؤلاء السادة من متواطئي الاحتلال الذين إرتضوا منذ البداية، فقط بأن يكونوا البغال التي ركبها الاحتلال لتسهيل الغزو، وانما كذلك بدعوة الناس للترحيب بالقوات الغازية بتقديم الورود لقراصنة العصر الحالي، بلأضافة الى توجيه رسائل الشكر للقرصان الأول رئيس الولايات المتحدة الامريكية.

وألآن وبعد الانكشاف الفاضح للمخطط الاستعماري في استخدام (داعش) اذا كان من خلال الميدان او من خلال إقرار رموز الادارات الامريكي السابقة واللاحقة بدورهم في ذلك، لايخجل هؤلاء المتواطئون بان يصبحوا خناجر مسمومة في ظهور من حرر العراق من إرهاب داعش وفي اعادة لحمة الوحدة الوطنية من خلال امتزاج دماء مختلف طوائف واعراق الوطن في تحريره من داعش وفي إكمال مسيرة التحرير من ربقة الاحتلال.

ان ماجاء في الكتاب حسب ما أعتقد من معلومات ستساعد الكثير من الوطنيين في تكوين صورة أوضح لما ولما يمكن ان يجري وستكون عونا في دحر متخادمي الاحتلال. كما سيكون مفيدا للباحثين في الشأن العراقي المعاصر ولكل من يهتم بالخلفية الحقيقية لما يظهر على السطح من السياسات الامبريالية.

 الجزء ألأول- العراق

الفصل الاول- إحتلال العراق: الهجوم على الديمقراطية

مقدمة الكتاب

هذا الكتاب محاولة لكشف واقع السياسة الخارجية البريطانية منذ غزو العراق عام 2003. كما يحلل عدة حلقات رئيسية في السياسة الخارجية البريطانية السابقة، ويستكشف بالتفصيل ملفات الحكومة السرية السابقة التي تم تجاهلها من قبل المعلقين العاديين. هذه الملفات تكشف الحقيقة وراء التزام الحكومات البريطانية المفترض بالمبادئ الكبرى مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والسلام والتنمية الخارجية.

بريطانيا متورطة في احتلال لا يحظى بشعبية في الشرق الأوسط، وفقدت الدولة مصداقيتها على نطاق واسع بين الجمهور، كما قوضت الاتهامات بالتجسس على الأمم المتحدة دورها الدولي، في حين تم تهميش بريطانيا فعليًا في الاتحاد الأوروبي. وحملت المؤسسة الحاكمة توني البلير المسؤولية العامة الكبرى وهذا لم يحدث منذ أنتوني إيدن، الذي لم يكن خطأه غزوه لدولة أجنبية (وهي الممارسة العادية لبريطانيا) وانما هزيمته، في أزمة السويس في 1956. لقد ازعجت المعارضة الجماهيرية الكبيرة لغزو العراق الحكومة وقد يثبت أنها ردعتها عن مشاريع أخرى. ومع ذلك، فإن مسار السياسة الخارجية لحزب العمال الجديد منذ الغزو كان كارثياً من حيث حقوق الإنسان، ولا يزال يحدث خارج أي تدقيق ديمقراطي ذي مغزى.

تسترشد السياسة الخارجية البريطانية بنخبة صغيرة - ليس فقط حفنة من الوزراء في الحكومات المتعاقبة، ولكن موظفي الخدمة المدنية والسفراء والمستشارين المحاطين بمجموعة البيروقراطيين المتنفذيين، الذين وضعوا أجندة وأولويات البلاد، وتحديد دورها في العالم. منذ مارس / آذار 2003، اتخذ صانعو القرار هؤلاء سلسلة من الخطوات اللافتة النظر: أولاً، قيام بريطانيا بتعميق دعمها لإرهاب الدولة في عدد من البلدان. ثانيًا، تم تطوير خطط غير مسبوقة لزيادة قدرة بريطانيا على التدخل عسكريًا حول العالم ؛ ثالثاً، قيام الحكومة على زيادة عمليات الدعاية الحكومية الموجهة إلى الشعب البريطاني. ورابعاً، أعلن راسموا السياسات في الادارة البريطانية، في الواقع أنهم لم يعودوا ملزمين بالقانون الدولي.

الضحايا الرئيسيون للسياسات البريطانية هم (اللابشر) - أولئك الذين تعتبر حياتهم عديمة القيمة، القابلة للاستهلاك في السعي وراء السلطة والمكاسب التجارية. إنهم المعادل الحديث "للمتوحشين" في ايام الاستعمار، الذين يمكن أن يتم إخمادهم بالبنادق البريطانية في سرية تامة، أو في ظروف أخرى حيث يتم الترحيب بالجناة بوصفهم المساهمين في الحضارة.

يعتبر مفهوم اللابشر(Unpeople) أمرًا محوريًا لكل من السياسات البريطانية السابقة والحالية التي تم تناولها في هذا الكتاب.  من خلال تدخلها الخاص، ودعمها لحلفاء رئيسيين مثل الولايات المتحدة والأنظمة القمعية المختلفة، كانت بريطانيا وما زالت، تسيء بشكل منهجي وخطير لحقوق الإنسان. لقد حسبت أن بريطانيا تتحمل مسؤولية كبيرة عن حوالي 10 ملايين حالة وفاة منذ عام 1945 (انظر الجدول)، بما في ذلك النيجيريون والإندونيسيون والعرب والأوغنديون والتشيليون والفيتناميون وغيرهم الكثير. في كثير من الأحيان، تكون السياسات المسؤولة غير معروفة للجمهور وتظل دون بحث من قبل الصحفيين والأكاديميين.

في هذا الكتاب، أهدف إلى توثيق أول سجل سري لبعض الحلقات في التخطيط الحكومي. الملفات التي رفعت عنها السرية والتي أشير إليها، مفيدة ليس فقط لما تلقيه من ضوء على الماضي. وإنما لصلتها مباشرة بالسياسة الخارجية البريطانية الحالية المحيطة بالعراق والتدخل العسكري...(انظر لاحقا... التدخل العسكري و"الحرب ضد الإرهاب".

لم تتغير المصالح والأولويات البريطانية كثيرًا بمرور الوقت ؛ الاختلاف الوحيد كان أساسا، في التكتيكات المستخدمة لتحقيقها. من المبادئ الأساسية التي وجهت القرارات المتخذة في هذه الملفات، كان هنالك ثلاثة بدت ملائمة بشكل خاص اخذا بالأعتبار الأحداث الجارية.

المبدأ الأول هوالكذب المنهجي والطبيعي للوزراء البريطانيين للجمهور. لقد صُدم الكثير من الناس من مدى كذب توني بلير حول العراق؛ قد لا يزال البعض غير قادر على تصديق أنه فعل ذلك. لكن في كل حالة بحثت فيها عن السياسة الخارجية البريطانية السابقة، تظهر الملفات أن الوزراء والمسؤولين ضللوا الجمهور بشكل منهجي. إن ثقافة الكذب على الناخبين وتضليلهم جزء لا يتجزأ من عملية صنع السياسات البريطانية.

المبدأ الثاني ذو الصلة هو أن صانعي السياسة عادة ما يكونون صريحين بشأن أهدافهم الحقيقية في السجل السري. وهذا يجعل الملفات التي تم رفع السرية عنها أساسًا جيدًا لفهم أهدافهم الفعلية. هذه الفجوة بين الأهداف الخاصة والمطالبات العامة ليست نتيجة، في رأيي، لمؤامرة واعية؛ لكن أولوية الاستراتيجية وراء تضليل الجمهور تنبع من الإزدراء ألمزمن لعامة السكان. إن نظام صنع القرار في السياسة الخارجية سري للغاية ونخبوي وغير خاضع للمساءلة بحيث يعرف صانعوا السياسة أنهم يستطيعون الإفلات من أي شيء تقريبًا، وسوف ينشرون أي حجج يحتاجونها للقيام بذلك.

المبدأ الأساسي الثالث هو عدم وجود الأهتمامات الإنسانية على الإطلاق في الأساس المنطقي وراء السياسة الخارجية البريطانية. في آلاف الملفات الحكومية التي بحثت فيها لأجل هذا الكتاب وغيره، بالكاد رأيت أي إشارة إلى حقوق الإنسان على الإطلاق. عندما يتم التذرع بهذه المخاوف، فهي فقط لأغراض العلاقات العامة.

في الوقت الحالي، سيجعلنا العديد من المعلقين العاديين نعتقد بوجود "عقيدة بلير"، التي تبرر التدخل العسكري لأغراض إنسانية. ان مثل هذا الولاء من جانب هؤلاء المعلقين، هو مثال جيد على كيفية استخدام التصريحات العامة للقادة بدون مسائلة لتحديد إطار التحليل داخل الثقافة السياسية الليبرالية. إذا كانت هناكما يسمى "عقيدة بلير"، فإنها تنطوي بالفعل على درجة غير مسبوقة من التدخل العسكري - ولكن لتحقيق بعض الأهداف التقليدية للغاية. إن التأثير الفعلي للسياسات الخارجية على الشعوب الأجنبية لم يكن له ولن يكون له صلة بالموضوع.

الجزء ألأول: العراق

الفصل الأول - إحتلال العراق: الهجوم على الديمقراطية

إن السياسة البريطانية الحالية تجاه العراق ليست جديدة من نواح كثيرة. إن العديد من جوانب الغزو والاحتلال هي سمات طبيعية ودائمة للسياسة الخارجية البريطانية، على وجه الخصوص: انتهاك القانون الدولي، وانتهاك الحكومة للأمم المتحدة، وخداعها للجمهور ودعمها للعدوان الأمريكي.

ومع ذلك، فإن ما كشفته حلقة العراق لأعداد كبيرة من الناس هو طبيعة صناع السياسة الخارجية البريطانية: عصابة من المستشارين غير المنتخبين حول رئيسها، رئيس الوزراء، تتخذ قرارات بطريقة غير خاضعة للمساءلة ومركزية على نحو متزايد، وازدراء للقيود المفروضة على سلطتهم من قبل الرأي العام والقانون الدولي.

في الواقع، هناك شيء مشترك بين الشعبين البريطاني والعراقي: كلاهما يُنظر إليهما على أنهما تهديد لصانعي السياسة، يسيطرعليهما بالعنف في حالة العراق والدعاية في حالة بريطانيا. هناك تناظر بين الهجوم على الديمقراطية في بريطانيا (واضح في الغزو، عارضه غالبية الجمهور) والهجوم على الديمقراطية في العراق (واضح في الاحتلال، الذي يحاول فرض الأولويات الأنجلو أمريكية على حركة المقاومة الشعبية، على نحو متزايد).

الديمقراطية البريطانية في العمل

يوضح اللاعبون الرئيسيون الثلاثة في قلب حلقة العراق - داونينج ستريت والبرلمان ووسائل الإعلام - الطبيعة الحالية للديمقراطية في بريطانيا.

كانت عصابة بلير - التي تتكون من أقرب مستشاريه للسياسة الخارجية في داونينج ستريت - تقود حملة دعائية غير مسبوقة لخداع الجمهور، واستولت على سلطة الدولة إلى درجة غير مسبوقة، حتى إلى حد الاستيلاء على وظائفها القانونية. تم الكشف عن النظام السياسي "الديمقراطي" في بريطانيا على أنه نوع من الاستبداد الشخصي. علاوة على ذلك، لا توجد آليات رسمية داخل النظام السياسي البريطاني لكبح جماحه. وقد أنشأ رئيس الوزراء لجنتي تحقيق هاتون وباتلر، وكما كان متوقعا برأت اللجنتان التحقيقية الحكومة من التصرف بسوء نية، أو بأجراء التعديلات التجميلية اللازمة على التقارير المخابراتية عن العراق لجعلها "اكثر مقبولية"، في تحد لجميع الأدلة. وقد اقترحت اللجنة أن يتم تحميل الحكومة وعلى مراحل تهمة فقدان المحاسباتية، الشئ الذي لايمكن تصور حدوثه في دول خارج الكتلة السوفيتية السابقة.

خذ بعين الاعتبار أيضًا فشل مختلف اللجان البرلمانية الحزبية في مساءلة الحكومة. على سبيل المثال، وجد تقرير لجنة الشؤون الخارجية حول قرار الحرب أن "الوزراء لم يضللوا البرلمان" واتفقوا مع الحكومة على أن العراق "خطر حقيقي وحاضر". كما خلصت إلى أن الادعاءات الواردة في ملف الحكومة في أيلول 2002، والتي تزعم جميع أنواع التهديدات من العراق والتي ثبت أنها هراء منذ ذلك الحين، كانت "قائمة على أساس المعلومات الاستخباراتية المتوفرة آنذاك". [1] هذه اللجان المختارة هي الوسيلة الأساسية التي يتم من خلالها التدقيق في صنع السياسات نيابة عن الجمهور.

عشية الغزو، تبين أن غالبية الجمهور البريطاني، 58 في المائة، يعارضون الحرب. وأشار المارشال بريان بوريج، قائد القوات البريطانية في الغزو، في وقت لاحق إلى أننا "دخلنا في هذه الحملة بتأييد شعبي 33 في المائة؟ [2]

لكن البرلمان ما زال يؤيد الحرب. في الواقع، لقد صوت عدد أكبر من أعضاء البرلمان لمعارضة الحكومة بشأن الحظر المقترح على صيد الثعالب أكثر مما صوتوا على القرارالمطروح بشأن غزو العراق – وربما هذا دليل على أن الذين من المفترض ان يمثلوا الشعب البريطاني، تكون الحيوانات بالنسبة لهم أكثر أهمية من (اللابشر). بعد الجدل البرلماني حول تقرير بتلر في 2 يوليو 2004، صوت 4 نواب فقط ضد الحكومة. وفي الوقت نفسه، أظهر استطلاع للرأي أن 55 في المائة من الجمهور يعتقدون أن توني بلير كذب بشأن الحرب. إن "العجز الديمقراطي" في الثقافة السياسية البريطانية يزداد إتساعا الآن.

يبرز غزو العراق الحاجة لإجراء تحول في طريقة حكم بريطانيا - وهو أمر يبدو الآن واضحًا حتى بالنسبة لبعض مؤيدي الحرب. يجب أن يُعد إبقاء مناقشة هذا الأمر بعيدًا إلى حد كبير عن أجندة وسائل الإعلام السائدة التي هي واحدة من نجاحات الدعاية الكبرى للنخبة، وهي علامة أخرى على النقص الشديد في الديمقراطية على صعيد الثقافة البريطانية السائدة. في حين أن الكثيرين في وسائل الإعلام يثنون على أنفسهم لعدم السماح لبلير "برسم خط" تحت قضية العراق، إلا أنهم فعلوا ذلك بالفعل في أهم جوانبها.

في ضوء ذلك، فإن إنتقاد وسائل الإعلام المتزايد والشخصيً لبلير هو عرض جانبي: فان النظام، وليس الأفراد الذين يرأسونه، هو المشكلة. حماية النظام هي وظيفة أساسية لوسائل الإعلام السائدة - يمكننا أن نتوقع أنه بمجرد سقوط بلير ومجيئ وجوه جديدة مختلفة في السلطة (مما لا شك فيه سيقومون بتعزيز السياسات نفسها بشكل أساسي)، ستصبح القضية الحقيقية مدفونة بعمق أكبر. والواقع أن العديد في وسائل الإعلام يطالبون بلير الآن وعلانية بالاستقالة على وجه التحديد لأنه أصبح مسؤولا أمام النظام: لم يعد عدد أكبر من الجمهور يثق به، ويعلمون أن "الديمقراطية" هي واجهة، وبالتالي تشكل تهديدا إلى النخبة الأوسع. ومع ذلك، فإن المشكلة بالنسبة لهذه النخبة هي أنه من الصعب عليهم حتى أن يزيلوا عصابة بلير لأن الوحش الذي خلقوه هو في الواقع مركزي للغاية.

صحيح أنه منذ بدء الاحتلال، كان هناك انتقاد كبير لسياسة الحكومة في وسائل الإعلام السائدة، وبعض التقارير الشاملة في صحيفتي الغارديان والأندبندنت، التي كشفت عما جائت به تحقيقات لجنة هوتون. هذا الموقف يمكن تفسيره جزئيًا من خلال حاجة وسائل الإعلام للدفاع عن نفسها ضد أليستر كامبل، مدير الاتصالات السابق لبلير، ومن هجوم تقرير هوتون على بي بي سي. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن معايير النقاش المقبول قد تم توسيعها من داخل المؤسسة، والتي عارض الكثير منها غزو العراق، لأسباب تتعلق بالمصلحة الذاتية: رسالة أبريل 2004، التي تحدثت ضد السياسة البريطانية في العراق وإسرائيل وتم التوقيع عليها من قبل 52 دبلوماسيا كبيرا سابقا، يظهر كيف نجحت عصابة بلير في جعل بعض من سياسي النخبة التي ينتمي لها ان تنفر من سياسته.

ومع ذلك، كانت الحكومة قادرة على غزو واحتلال العراق بسبب الكثير من فشل وسائل الإعلام في فضح الدعاية الواضحة والاستعداد المنتظم لترديدها. في الوقت الذي نُشر فيه ملف سبتمبر 2002، كان من الواضح أن عصابة بلير كانت عازمة على غزو العراق وستجد أي مبرر للقيام بذلك. ومع ذلك، فشلت وسائل الإعلام السائدة بشكل منهجي في فضح هذه الوثيقة (الملف) وإظهارها كدعاية واضحة للدولة. لقد تم أخذ الكثير منها على محمل الجد، ليس فقط من قبل الصحافة الشعبية، مع انتقادات وتحليلات معتدلة فقط. منذ ذلك الحين وحتى فترة الغزو، قامت الصحافة بنشر ادعاءات الحكومتين البريطانية والامريكية عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وعن صلاته بالقاعدة دون انتقاد.

ومثلما كان الجدل هو تصوير وكالات "المخابرات" و"الأجهزة الأمنية كجهات فاعلة مستقلة ومحايدة تقدم مواد موضوعية للحكومة للعمل عليها. ومع ذلك، فإن الكثير من عمل وكالات "الاستخبارات" يهدف إلى تعزيز التضليل، وهو دور سيناقش في الفصل 3.

ومن السخافة أيضًا التواطئ الذي مارسته وسائل الإعلام من اجل تصوير بريطانيا كقوة عازمة على الحد من أسلحة الدمار الشامل. إن بريطانيا ليست فقط قوة نووية رائدة وليس لديها نية لإلغاء ترسانتها الخاصة (في تحد لالتزاماتها الدولية)، بل إنها تطور أيضًا جيلًا جديدًا من هذه الأسلحة. بينما كان النقاش حول أسلحة الدمار الشامل العراقية جارياً. كان الوفد البريطاني في الأمم المتحدة يعارض العديد من قرارات الجمعية العامة التي تدعو الدول النووية إلى تخفيض وإلغاء ترساناتها. في الدورة السابعة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي بدأت في سبتمبر 2002، صوتت بريطانيا ضد ثلاثة قرارات من هذا القبيل وامتنعت عن التصويت على قرارين آخرين. في كل هذه الأصوات، صوتت أكثر من مائة دولة لصالحها، في حين أن بريطانيا يمكن أن تحسب أقل من خمسة حلفاء (واحدة منها كانت دائمًا الولايات المتحدة).[3] لم يتم الإبلاغ عن أي من هذا في وسائل الإعلام الرئيسية، التي فضلت أن تأخذ على محمل الجد الالتزام الأخلاقي ل"حزب العمال الجديد" لإلغاء أسلحة الدمار الشامل.

لقد تم توثيق الدور الإيديولوجي لوسائل الإعلام الرئيسية في العراق بشكل جيد في العديد من الدراسات الأكاديمية وكذلك من قبل منظمة Medialens، التي تقدم حاليًا التحليل الأكثر دقة لتقارير وسائل الإعلام. وقد لاحظت، على سبيل المثال:

إن الأكاذيب ذات الأهمية مثل: أن التجربة السابقة أثبتت أن الحرب كانت ضرورية لفرض نزع سلاح العراق، وأن أسلحة الدمار الشامل المزعومة تمثل تهديدًا خطيرًا، وأن هناك "حجة أخلاقية للحرب"، وأن الحكومتين الأمريكية والبريطانية قد بذلتا كل الجهود لإيجاد بديل دبلوماسي للحرب - كل هذه الاكاذيب ذهبت دون أي اعتراض تقريبا من قبل ال(بي بي سي) ووسائل الإعلام بشكل عام".[4]

إن تصوير هيئة الإذاعة البريطانية على أنها إما محايدة أو حتى معارضة للحرب، يعتبر إنجازًا مذهلاً آخر للعلاقات العامة. في الواقع، ومن خلال تحليل مستقل، تم إظهار ان ما تنتجه "أخبار" المؤسسة الحاكمة هي فقط وباستمرار لدعم أولويات الدولة.[5] ونادرا ما يتم التشكيك في التزامات بلير "الأخلاقية" في العراق؛ الشيء الذي تم القيام به هو التشكيك فقط في التكتيكات لتحقيق أهدافه "الإنسانية" المفترضة. لم يتم على الإطلاق، التطرق الى الدور الذي لعبته العقوبات التي كانت تفرضها بريطانيا والولايات المتحدة في فقدان مئات الآلاف من العراقيين حياتهم. كما تواصل وسائل الإعلام الرئيسية بث التأكيد البريطاني والأمريكي على أنهم يسعون إلى "الديمقراطية" في العراق بينما لا يتم وصف المتمردين على الإطلاق بحركة المقاومة التي يمثلونها.

في آيار 2004، تم توجيه قدر كبير من الاهتمام الإعلامي إلى الانتهاكات بحق العراقيين الذين كانت تحتجزهم القوات الأمريكية. لكن هذه الأعمال الشنيعة كانت عرضاً جانبياً للمجازر التي تمت بحق المئات من العراقيين في الفلوجة وأماكن أخرى في نفس الوقت. ان تحويل الانظار نحو أبو غريب كانت لضمان ان لا تكون هذه الانتفاضات في الأخبار، ونادراً ما تم وصف قمعها بالمجازر وهو الوضع الذي كانت عليه.

الغزو والاحتلال

أمرت حكومة بلير القوات البريطانية بالدخول في غزو واحتلال وحشي، ليس رداً على تهديد من العراق ولكن لتعزيز أهداف السياسة الخارجية التقليدية وإثبات العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة. هذا في الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة بوضوح نيتها في حكم العالم بالقوة، خارج القانون الدولي ومتحررة من القيود المفروضة من قبل العديد من المؤسسات أو الاتفاقات المتعددة الأطراف. عمل بلير كأكبر مدافع على الصعيد العالمي عن السياسة الخارجية الأمريكية في ظل إدارة بوش. وقال أمام الكونجرس الأمريكي في 06 تموز 2003 : لم يكن هناك وقت كانت فيه قوة أمريكا ضرورية للغاية، أو أسيء فهمها.[6]

يبدو أن قرار واشنطن بغزو العراق يعود إلى يومين بعد 11 ايلول 2001، عندما جادل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز بضرب بغداد لكنهما قررا أفغانستان أولاً. بعد أسبوع، في عشاء خاص في واشنطن، طلب جورج بوش من توني بلير دعمه في إزالة صدام، بحسب كريستوفر ماير، السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة. واتفق بوش مع بلير على ضرورة ضرب أفغانستان أولاً، لكنه قال "يجب أن نعود إلى العراق"، وعلى هذا قال بلير، بحسب ماير، إنه "لا شيء يعيقه". في غضون أسابيع من سبتمبر / أيلول، قيل أن السير ريتشارد ديرلوف، رئيس MI6، سافر إلى واشنطن لإجراء مناقشات حول السياسة مع مستشارة الأمن القومي الأمريكية كوندوليزا رايس حول تغيير النظام في العراق وحول القاعدة.[7]

يبدو أن قرار توني بلير بالانضمام إلى الولايات المتحدة في غزو العراق قد تم اتخاذه في سبتمبر 2002 على أبعد تقدير وربما في أبريل 2002 - في اجتماعات مع الرئيس بوش. [8] تقرير بتلر مثير للاهتمام في هذا الصدد، ويشير إلى "التغييرات البريطانية في السياسة تجاه العراق في أوائل عام 2002".  في مارس / آذار، نظرت الحكومة في خيارين "لتحقيق هدف نزع السلاح العراقي" - "تشديد سياسة الاحتواء الحالية ؛ وتغيير النظام بالوسائل العسكرية ".  يذكر تقرير بتلر ما يلي:

استنتاج الحكومة في ربيع عام 2002 بوجوب اتخاذ إجراء أقوى (على الرغم من أنه ليس بالضرورة عملًا عسكريًا) لفرض نزع سلاح العراق، لم يكن قائمًا على أي تطور جديد في الصورة الاستخباراتية الحالية بشأن العراق. وفي الدليل الذي تم تقديمه، أيد رئيس الوزراء الرأي المعرب عنه في ذلك الوقت بأن ما تغير لم يكن وتيرة برامج الأسلحة المحظورة في العراق، والتي لم يتم تكثيفها بشكل كبير، ولكن التسامح معها عقب هجمات 11 سبتمبر 2001.

كما لاحظ بتلر أنه في هذا الوقت "لم تكن هناك معلومات استخباراتية حديثة كانت ستؤدي في حد ذاتها إلى استنتاج مفاده أن العراق كان مصدر قلق فوري أكثر من أنشطة بعض البلدان الأخرى". [9]

يبدو أن بريطانيا انضمت إلى التخطيط العسكري الأمريكي لغزو العراق في يونيو 2002، وعند هذه النقطة، وفقا لرؤساء الجيش البريطاني، تم تحديد موعد مستهدف "ربيع 2003 أو خريف 2003". بدأ التخطيط العسكري الأكثر تحديدًا، بما في ذلك "العمليات الإعلامية" في سبتمبر 2002. [10]

يتزامن هذا التاريخ مع أمر بلير بإنتاج ملف، يهدف إلى تقديم مبررات للحرب، في حين يدعي أنه كان مجرد استعراض للمعلومات المخابراتية التي كانت لدى بريطانيا بشأن التهديد الذي يشكله العراق. لعدة أشهر، وربما حتى عام، تم الإبقاء على الزعم للجمهور بأن قرار الحرب لم يتخذ.

بحلول أوائل عام 2003، لم يكن التهديد الحقيقي الذي وجهه العراق إلى وايتهول (مقر الحكومة البريطانية) حيازة أسلحة الدمار الشامل، بل حقيقة أن العراق بدأ في التعاون مع مفتشي الأسلحة. في 7 آذار، قبل أسبوعين من الغزو، أخبر كبير مفتشي الأسلحة الدوليين هانز بليكس مجلس الأمن أن العراق، على الرغم من أنه لا يتعاون بشكل كامل بأي حال من الأحوال، فإنه يتخذ "العديد من المبادرات ... بهدف حل قضايا نزع السلاح المفتوحة التي طال أمدها" وذلك يمكن اعتبار هذا على أنه تعاون "نشط" أو حتى "استباقي". بعد الغزو، أبلغ بليكس مجلس الأمن بأن لجنة تفتيش الأسلحة التابعة له، أنموفيك، لم تجد في أي وقت خلال عمليات التفتيش في العراق دليلا على استمرار أو استئناف برامج أسلحة الدمار الشامل أو كميات كبيرة من المواد المحظورة - سواء من قبل 1991 أو في وقت لاحق ". [11]

كانت في اساس الأهداف الفعلية للغزاة هي في ضمان أن يكون للعراق حكومة موالية للغرب، وتزويد الولايات المتحدة بالقواعد العسكرية اللازمة لإعادة تصميم الشرق الأوسط، وأن يتدفق النفط وفقًا لمصالح الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ؛ إن تحقيق الهدفين الأخيرين سيوفر بديلاً لاعتماد الولايات المتحدة على المملكة العربية السعودية. تم توضيح الاهتمام البريطاني في تأمين إمدادات طاقة أجنبية جديدة في الفصل 4.

أن تهديد أسلحة الدمار الشامل العراقية كان إلى حد كبير ذريعة لتأمين المصالح الأمريكية الأساسية، وقد اعترف به نائب وزير الدفاع بول وولفويتز، الذي أخبر مجلة فانيتي فير أن قضية أسلحة الدمار الشامل تم اختيارها لأغراض النفعية السياسية: "الحقيقة هي أنه لأسباب لها الكثير فيما يتعلق بالبيروقراطية الحكومية الأمريكية، توصلنا إلى تسوية حول قضية واحدة يمكن أن يتفق عليها الجميع - وهي أسلحة الدمار الشامل - كسبب أساسي '. وأشار إلى أن النتيجة "الضخمة" للحرب هي فرصة للولايات المتحدة لسحب القوات من المملكة العربية السعودية. [ 12]

وأشار جاي غارنر، الجنرال الأمريكي المتقاعد الذي كان يدير سلطة الاحتلال في العراق في الآونة الأخيرة، إلى أن: من أهم الأشياء التي يمكننا القيام بها الآن هو البدء في توطيد الحقوق. .، انظر إلى الفلبين في مطلع القرن العشرين: لقد كانت محطة فحم لسلاح البحرية، وهذا سمح لنا بالحفاظ على وجود كبير في المحيط الهادئ. هذا ما سيكون عليه العراق في العقود القليلة القادمة: محطة الفحم التي تمنحنا حضورًا كبيرًا في الشرق الأوسط. [13]

وبالفعل، في أوائل عام 2004، كانت الصحافة الأمريكية تشير إلى أن "المهندسين العسكريين الأمريكيين يشرفون على بناء نظام معزز للقواعد الأمريكية مصمم لسنوات طويلة". تم بناء 14 قاعدة دائمة مع خطط للعمل من قواعد عراقية سابقة في بغداد، الموصل، التاجي، بلد، كركوك وفي مناطق بالقرب من الناصرية، بالقرب من تكريت، بالقرب من الفلوجة وبين أربيل وكركوك. وقد كان من المتوقع أن يظل عدد القوات الأمريكية الموجودة حاليًا في العراق – حوالي 110،000 - كما هو حتى عام 2006. [14]

كان هناك سبب آخر للحرب، حسب بلير، مكررا ذلك في مناسبات عديدة في الخطب والمؤتمرات الصحفية. كان هذا الهدف هو نفسه الذي تم تقديمه من اجل قصف يوغوسلافيا في عام 1999 وأفغانستان في عام 2001، والتي لم يتم الإبلاغ عنها مرة أخرى إلى حد كبير. قال بلير قبل شهر من الغزو إنه إذا "فشلنا في إتخاذ القرار"، عندئذ "عندما نتجه للتعامل مع التهديدات الأخرى، فأي تأثير سيكون لسلطتنا؟ وعندما نطالب في المرة القادمة، ماذا ستكون عليه مصداقيتنا؟ " في مؤتمر صحفي في كامب ديفيد في فبراير قال بالمثل أنه إذا "تراجعنا" وإذا "تخلى العالم عنا" ففكر في الإشارة التي سيرسلها هذا التصرف مباشرة عبر العالم إلى كل ديكتاتور وحشي. [15]

ما كان يريد بلير بقوله هو أن حكام العالم يجب أن يظهروا بالأساس من هم اصحاب الأمر هنا، وإلا فإن "مصداقيتهم" قد يتم تحديها. ان استعلراض القوة الغاشمة لها قيمة. بعد الغزو قال بلير:

يمكنك أن ترى فيما يتعلق ببلدان مثل سوريا وإيران، حيث لا تزال لدينا قضايا كبيرة نحتاج إلى مناقشتها معها ونحتاج إلى حلها معهم، ومع ذلك يمكننا القيام بذلك الآن في جو مختلف تمامًا عما كان ممكنًا منذ اشهر. [16]

تترجم الى: الآن بعد أن ضربنا العراق، أصبح أعداؤنا الآخرون أكثر سهولة. هذا هو الشر الذي يكمن وراء واجهة السياسة الخارجية البريطانية.

كان الغزو وحشي للغاية. وتتراوح الأرقام من 10000 حالة وفاة بين المدنيين فقط، مع إصابة 20000 على الأقل، إلى تقدير آخر لـ 22000-55000، وهو رقم يشمل الوفيات العسكرية والمدنية من الأمراض الناجمة عن تدمير الحرب للبنية التحتية الصحية. [17]

لا يقوم المسؤولون الأمريكيون والبريطانيون بحساب عدد القتلى المدنيين، أثناء الحرب أو الاحتلال. وقد صرحت الحكومة في عدة مناسبات "ليس لدينا وسيلة قابلة للتثبت من عدد القتلى أو الجرحى العراقيين خلال النزاع". كما رفضت دعوات في البرلمان لإجراء مسح لعدد القتلى خلال فترة الغزو. [18]

استخدمت القوات البريطانية والأمريكية حوالي 13000 قنبلة عنقودية تحتوي على مليوني قنبلة صغيرة قتلت أو أصابت أكثر من 1000 مدني. وبحسب منظمة هيومن رايتس ووتش ومقرها الولايات المتحدة، فإن حوالي 90 ألف قنبلة صغيرة لم تنفجر بعد. تنتشر في البلاد مع ألغام الأرضية من المؤكد انها فعالة.

استخدمت بريطانيا 2170 قنبلة عنقودية تحتوي على 113000 ذخيرة صغيرة. ومع ذلك، كان لدى الحكومة الجرأة على الادعاء في يونيو 2003 "نحن على علم بعدم وقوع خسائر مدنية مثبتة ناجمة عن الأسلحة العنقودية التابعة للمملكة المتحدة". في المقابل، تفيد هيومن رايتس ووتش بما يلي:

تسببت القوات البريطانية في سقوط عشرات الضحايا من المدنيين عندما استخدمت الذخائر العنقودية التي تطلق من الأرض،في البصرة وحولها. تضررت بشكل كبير ثلاث أحياء في الجزء الجنوبي من المدينة. وفي ظهر يوم 23 مارس / آذار، أصابت غارة عنقودية حي المهندسين الكبرى، بينما كان عباس كاظم، 13 عاماً، يرمي القمامة. أصيب بإصابات حادة في الأمعاء والكبد، وشظية لا يمكن إزالتها بالقرب من قلبه ... بعد ثلاث ساعات، غطت الذخائر الصغيرة حي المشراق الجديد على بعد كيلومترين ونصف شمال شرق المدينة. إياد جاسم إبراهيم، نجار في السادسة والعشرين من عمره، كان نائماً في الغرفة الأمامية لمنزله عندما تسببت إصابات الشظايا له في فقدان وعيه. توفي في وقت لاحق اثناء العملية الجراحية التي اجريت عليه. وأصيب عشرة أقارب كانوا نائمين في مكان آخر في المنزل بجروح من شظايا. عبر الشارع، أصابت الغارات العنقودية ثلاثة أطفال.

كما قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بشن ضربات جوية ضد وسائل الإعلام والمنشآت الكهربائية والمدنية .وقد أوردت هيومن رايتس ووتش في تقريرها بأن "من المحتمل أن يكون لبعض الهجمات على مرافق توزيع الطاقة الكهربائية في العراق تأثير ضار خطير وطويل الأمد على السكان المدنيين"، وذلك لما سببته من تأثير على محطات معالجة المياه والصرف الصحي والرعاية الطبية. ويشير التقرير كذلك إلى أن تدمير الولايات المتحدة لثلاثة مرافق إعلامية عراقية منفصلة "كان مشكوكًا في شرعيته" حيث لم يكن هناك دليل على استخدام وسائل الإعلام لدعم الجهد العسكري العراقي. [20]

كما تم استخدام ما بين 1000 و2000 طن من اليورانيوم المستنفد. وفقا لمجلس أبحاث اليورانيوم الطبي، فقد تم تسميم المدن الرئيسية في العراق بالإشعاع من هذه القذائف والصواريخ. [21]

مباشرة بعد سقوط نظام صدام، اتخذ الاحتلال مسارًا عنيفًا، كما هو المتوقع. منذ البداية، فتحت القوات الأمريكية النار على المدنيين العزل، وقتلت المتظاهرين السلميين، بل أطلقت النار على سيارات الإسعاف، وقتلت أو أصابت ركابها. قُتل مئات الأشخاص في السنة الأولى من الاحتلال، معظمهم على أيدي القوات الأمريكية، التي لجأت غالبًا إلى الأساليب الوحشية للسيطرة على السكان. ويجري هدم المنازل كشكل من أشكال العقاب الجماعي، وهي أعمال غير قانونية. كما أفادت الصحافة بوجود قوة شرطة سرية تعمل بموافقة بريطانية في جنوب العراق تم اتهامها باختطاف المشتبه بهم الذين أسيئت معاملتهم فيما بعد أثناء الاحتجاز و"اختفوا" في بعض الحالات. كما ورد أن المستشارين الإسرائيليين يدربون "القوات الخاصة الأمريكية" على "العمليات العدوانية المضادة للتمرد"، بما في ذلك استخدام فرق الاغتيال ".[22]

في مواجهة المعارضة المتزايدة للاحتلال، فضلا عن التفجيرات المروعة ضد أهداف أمريكية وعراقية، صعدت الولايات المتحدة الحرب في نوفمبر 2003. عندها بدأت "العمليات الهجومية" الجديدة، موجهة إلى "حركة العصابات المتنامية" في العراق، والتي تضمنت معدات ثقيلة مثل الطائرات الحربية واستخدام الطائرات للمرة الأولى منذ أعلن بوش انتهاء الحرب. وبدأت مرحلة أخرى أكثر خطورة في نيسان 2004 عندما قررت الولايات المتحدة، رداً على مقتل أربعة من حراس الأمن الأمريكيين الخاصين، قمع رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر. وشنت هجمات مروعة على الفلوجة ومدن أخرى أدت إلى مقتل مئات الأشخاص، نصفهم من المدنيين والأطفال. قتلت القوات البريطانية ما يصل إلى 40 شخصًا في مذبحة بالقرب من بلدة العمارة في مايو 2004. [23]

بدأ الهجوم على الفلوجة بقطع التيار الكهربائي وشمل أيامًا من القصف المكثف، بما في ذلك قصف المدينة بقنابل زنة 500 رطل. أشارت التقارير إلى أن القوات الأمريكية أطلقت النار بشكل عشوائي على الأشخاص واستهدفت سيارات الإسعاف، في حين أغلق جنود مشاة البحرية الأمريكية المستشفى الرئيسي لسكان المدينة البالغ عددهم 300 ألف شخص لأكثر من أسبوعين من أجل استخدامه كموقع عسكري، وهو انتهاك لاتفاقية جنيف. طبقاً لعمال الإغاثة، مات العديد من الجرحى نتيجة لذلك. بعد الهجوم، وصف عمال الإغاثة المدينة بأنها مدينة أشباح بعد أن تدفق السكان بعشرات الآلاف هاربين من المدينة.[24]

ونتيجة لهذه العمليات، قام أحد أعضاء مجلس الحكم العراقي الذي عينته الولايات المتحدة بتعليق عضويته ووصف عضو آخر هذه العمليات بـ "العقاب الجماعي لأهل الفلوجة"، وهو "غير مقبول وغير قانوني". ومع ذلك، فإن الهجوم على الفلوجة كان مدعومًا تمامًا من قبل توني بلير، الذي أخبر أعضاء البرلمان أنه "من المناسب تمامًا والملائم أن يتخذوا إجراءات ضد هؤلاء المتمردين"، مضيفًا "يؤسفني بشدة أي وفاة مدنية في الفلوجة، ولكن من الضروري أن تتم استعادة النظام ". وبرر بلير الهجوم تحت الذريعة العامة لمحاربة "عناصر النظام السابق" و"الإرهابيين الخارجيين". ومع ذلك، كما ذكرت الجارديان، "لم يتمكن أولئك الذين من الفلوجة من فهم الادعاء. لم يكن المتمردون إرهابيين بل عراقيون، ولم يدعموا النظام القديم وكانوا يخوضون حربًا وطنية ضد الاحتلال الأمريكي فقط". تم تمرير مذبحة الفلوجة بسرعة في وسائل الإعلام، في حين أن القتل الإرهابي لـ 200 شخص في مدريد حصل على تغطية مكثفة لأكثر من أسبوعين. [25]

بحلول مايو 2004، أصبح من الواضح أن الولايات المتحدة وبريطانيا تواجهان حركة مقاومة شعبية متزايدة. كان الاحتلال يتماثل مع المحاولات الاستعمارية السابقة لإخضاع الانتفاضات القومية، فظهرت حرب تحرير وطني، وحدت مجموعات مختلفة. على عكس التصريحات العلنية للوزراء البريطانيين، أشارت مذكرة وزارة الخارجية التي تم تسريبها في آيار 2004 إلى أن التمرد "لديه خزان من الدعم الشعبي، على الأقل بين السنة". [26]

كانت الاستجابة واضحة. حيث صرح بول بريمر، المسؤول الأمريكي، الذي بدا وكأنه نائب الملك: "سنقاتلهم ونفرض إرادتنا عليهم وسنأسرهم أو نقتلهم إذا لزم الأمر حتى نفرض القانون والنظام على هذا البلد". قبل مغادرته البلاد بعد "نقل السلطة" الخيالي في منتصف عام 2004. [27]

وأشار تقرير صادر عن مركز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومقره الولايات المتحدة، في يونيو 2004 إلى أن "إدارة بوش ترتكب جرائم حرب وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي في العراق كمسألة سياسة روتينية". ووثقت عشر فئات من الانتهاكات. وشملت هذه الانتهاكات: "الهجمات غير القانونية" التي تنطوي على "خسائر مدنية واسعة النطاق وغير ضرورية" ؛ "الاعتقال غير القانوني والتعذيب" الذي ينطوي على اعتقالات عشوائية مع العلم بان حوالي 90 في المائة من المعتقلين من المارة الأبرياء الذين جرحوا في الاعتقالات الجماعية غير القانونية ؛ و"العقاب الجماعي"، الذي تضمن "الاستفادة من تجربة التكتيكات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة" عن طريق هدم منازل المدنيين وإغلاق مدن وقرى بأكملها و"استخدام القوة العشوائية والساحقة في المناطق الحضرية المزدحمة". [28]

تصرفت قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية باستمرار دون عقاب. أفادت هيومن رايتس ووتش في تشرين الأول 2003 عن مقتل 94 مدنياً في بغداد وحدها " انطوت على ظروف قانونية مثيرة للتساؤل، كان ينبغي التحقيق فيها". لكن الجيش الأمريكي "فشل في إجراء تحقيقات مناسبة في وفيات المدنيين الناجمة عن الاستخدام المفرط والعشوائي للقوة". وبعد مرور عام على الاحتلال، لم تتم مقاضاة جندي أمريكي واحد لقيامه بقتل مدني عراقي بطريقة غير قانونية ".

وحتى منتصف عام 2004، كان الجيش البريطاني يحقق في مقتل 75 مدنياً عراقياً على أيدي القوات البريطانية. وعلق فيل شاينر، وهو محام يعمل لصالح أولئك الذين قتلتهم القوات البريطانية، بالقول: "يمكن للقوات البريطانية، وأولئك الذين يقودونها، أن يقتلوا دون عقاب لأنه لا توجد آلية فعالة للمساءلة في القانون المحلي أو الدولي". ويحتفظ الجيش البريطاني بوحدة سرية داخل سجن كامب بوكا الذي تديره الولايات المتحدة بالقرب من مدينة أم قصر الساحلية، حيث عُرف أن الجنود الأمريكيين يسيئون معاملة العراقيين. [30]

أشار تقرير صادر عن الصليب الأحمر في مايو / أيار 2004 إلى "عدد من الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي" من قبل القوات الأمريكية، بما في ذلك "الوحشية" في الحجز، و"الإكراه البدني أو النفسي أثناء الاستجواب"، والحبس الانفرادي المطول في الزنزانات دون ضوء النهار و" الاستخدام المفرط والقاسي والغير المتناسب للقوة، مما يؤدي إلى الوفاة أو الإصابة ". وشملت الأساليب المستخدمة غطاء الرأس وتقييد اليدين و"الضغط على الوجه بالأحذية" والتهديدات وتجريدهم من ملابسهم لعدة أيام وأعمال الإذلال والتعرض للضوضاء الصاخبة. أصبحت هذه الأساليب، التي تنطوي على جرائم حرب، ممارسة أمريكية عادية، تم استخدامها في كل من خليج جوانتانامو وأفغانستان، وربما أيضًا في مراكز احتجاز أمريكية أخرى في باكستان والأردن ودييجو جارسيا. في الواقع، لقد تم تعليمها لجنود المخابرات العسكرية الأمريكية والبريطانية في قواعد في بريطانيا وأماكن أخرى، وتعرف بتقنيات "مقاومة الاستجواب"، وربما يكون الافضل الإشارة إلى وجهة نظر إدارة بوش في القانون الدولي، والتي تمثلت في رد بوش الخاص على احداث 11 سبتمبر: "لا يهمني ما يقوله المحامون الدوليون، سنقوم بركل بعض المؤخرات". [31]

الحرب ضد الديمقراطية

يبدو أنه من غير المتصور في التيار الرئيسي في الصحافة أن بريطانيا يمكن أن تعارض الديمقراطية في العراق أو في أي مكان آخر. بل من البديهي أن بريطانيا تدعم الديمقراطية. التنازل الجلي والوحيد الذي يمكن تقديمه من قبل الصحافة هو أن بعض "الأخطاء" قد تُرتكب على طول الطريق وإلا قد يكون لدى القادة "مُثل" عليا جدًا. ونتيجة لذلك، نادرًا ما تتم مواجهة تصريحات بلير وبوش حول الرغبة في إحلال الديمقراطية في العراق، على الرغم من ان الأدلة تشير الى إن العكس هو الصحيح.

في فترة الاحتلال وحده، قدمت بريطانيا دعمها لإجراء انتخابات معيبة بشكل صارخ في روسيا والشيشان ونيجيريا. في الحقيقة، لدى بريطانيا والولايات المتحدة نفور عام من الديمقراطية الحقيقية، لا سيما في الشرق الأوسط، حيث تميل الحركات السياسية الأكثر شيوعًا إلى الحصول على أفكار غريبة حول استخدام الموارد لأغراض التنمية الوطنية، بدلاً من ان تكون لصالح الشركات الغربية.

في العراق، سرعان ماتبع الاحتلال العسكري الاحتلال الاقتصادي. تخضع البلاد حاليًا للجرعة المعتادة "من مبادئ السوق الشائعة لدى دول التبعية الغربية في العالم الثالث - وهي عملية توصف من قبل وسائل الإعلام الرئيسية بأنها" إعادة الإعمار ". شرعت قوات الاحتلال الأمريكية، تحت ستار سلطة الائتلاف المؤقتة (CPA)، في تنفيذ سلسلة من "الإصلاحات" الاقتصادية في العراق بفرض خصخصة واسعة النطاق وملكية أجنبية كاملة للمصارف والمصانع العراقية وقدرة المستثمرين على العودة إلى اوطانهم ب 100٪ من الأرباح. نص الامر رقم 12 الصادر من سلطة التحالف المؤقتة، بشأن "سياسة تحرير التجارة"، بإلغاء جميع التعريفات الكمركية و"تطوير اقتصاد السوق الحر" في العراق.

تدار "إعادة الإعمار" وتنفذ من خلال الخبرة الأجنبية فقط. وقد أثارت الاستراتيجية، التي تنطوي على تسليم عقود بملايين الدولارات لشركات قريبة من إدارة بوش، الحكومة البريطانية لشن حملة ضغط لأجل ضمان أن "الشركات البريطانية تحصل على شريحة كبيرة من العقود الجديدة"، على حد قول وزير الخارجية مايك أوبراين. وأشارت وزيرة التجارة باتريشيا هيويت إلى أنه بحلول نهاية عام 2003 كان هناك خمسة موظفين من وزارة التجارة والصناعة البريطانية يعملون في العراق كمنتدبين إلى سلطة التحالف المؤقتة "لدعم الشركات البريطانية في العراق". وقالت: "نتوقع أن تلعب الشركات البريطانية دورًا مهمًا في إعادة تطوير العراق"، بينما كانت إدارتها تعمل على ضمان حصول الشركات البريطانية هناك على"فرص الوصول". هذا يتناقض مع تأكيدها السابق للبرلمان أن الحكومة "ليست هناك من اجل فرص تجارية". [ 32]

وفقا لكبير الاقتصاديين في البنك الدولي السابق جوزيف ستيغليتز، فإن الولايات المتحدة "تدفع العراق نحو شكل أكثر تطرفا من العلاج بالصدمة مما تم اتباعه في العالم السوفياتي السابق". يلاحظ ستيغليتز اليوم أن هناك إجماعًا على أن العلاج بالصدمة الاقتصادية "فشل" وشهدت البلدان انخفاضًا في الدخل وتزايد الفقر. من المرجح أن يكون للخصخصة السريعة عواقب أكثر خطورة في العراق و"يجب على المجتمع الدولي توجيه أمواله لأسباب إنسانية مثل المستشفيات والمدارس، بدلاً من دعم التصاميم الأمريكية". [33]

من شبه المؤكد أن "الإصلاحات" الاقتصادية المفروضة على العراق غير قانونية بموجب القانون الدولي. تتطلب أحكام اتفاقيات جنيف لعام 1949 ولوائح لاهاي لعام 1907 احترام القوانين القائمة في دولة محتلة. منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 1483 في مايو 2003، كانت الحكومة البريطانية تجادل بأن هذا "يوفر أساسًا قانونيًا سليمًا" للخصخصة والإصلاحات الأخرى التي سنتها سلطة احتلال بول بريمر. ومع ذلك، لا يزال القرار 1483 يتطلب الامتثال الكامل لـ "الالتزامات بموجب القانون الدولي"، والتي تشمل أحكام جنيف ولاهاي. [34]

وبدا أن صناعة النفط العراقية قد تم استتثناؤها من الخصخصة ومن المقرر أن تديرها الدولة، ويعود ذلك جزئياً إلى مخاوف من إشعال الغضب الوطني. وقال توني بلير لمجلس العموم عشية الحرب إن عائدات النفط، التي يدعي الناس زورا أننا نريد الاستيلاء عليها، يجب أن توضع في صندوق استئماني للشعب العراقي، تتم إدارته من خلال الأمم المتحدة. وفي وقت لاحق، شاركت بريطانيا في رعاية قرار الأمم المتحدة الصادر في مايو 2003 والذي أعطى فعليًا السيطرة الأمريكية والبريطانية على عائدات النفط العراقي، بدون صندوق استئماني تديره الأمم المتحدة. [35]

تصدير الأسلحة هي فرصة تجارية رئيسية. وقد حصلت بريطانيا بالفعل على إعفاء خاص من الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة، وهي تقدم الأسلحة إلى العراق منذ أكتوبر 2003. ويأتي ذلك في شكل "مسدسات آلية ومسدسات ستستخدمها شركات الأمن الخاصة المتعاقد معها لتوفير الحماية الوثيقة لـ موظفي" سلطة التحالف المؤقتة. في رد برلماني في آذار 2003، قال مايك أوبراين إن بريطانيا ستدعم رفع حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة "عندما تقتضي الظروف".[ 36]

هناك عمل مربح آخر هو عمل "حراس الأمن الخاص'' (أي المرتزقة) الذين يعملون في البلد. مع عقود تقدر قيمتها بحوالي 1 مليار دولار، يعتقد أن الشركات البريطانية لديها أكبر حصة. يعمل في العراق حوالي 1500 من الجنود وضباط الشرطة البريطانيين السابقين، بما في ذلك ضباط سابقين في القوات الجوية الخاصة (SAS)، ومشاة البحرية، وقوات المظلات، ويتم تمويل معظمهم من دافعي الضرائب البريطانيين. وبحسب ما ورد في تقارير، أنفقت وزارة الخارجية ووزارة التنمية الدولية ما يقرب من 25 مليون جنيه إسترليني على توظيف الحراس الشخصيين والمستشارين الأمنيين لحماية موظفيهم المدنيين. وقد شملت عملية التجنيد التي قامت بها الولايات المتحدة الآلاف من المرتزقة من قدامى المحاربين من نظام بينوشيه في تشيلي وأنظمة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. كما أفادت التقارير بأن المتعهدين الخاصين يشرفون على الاستجواب في السجون. [37]

لقد تم التلاعب بالنظم الانتخابية في العراق بنفس الطريقة التي تم بها التلاعب بالموارد الاقتصادية. قاد رجل الدين الشيعي البارز في البلاد، آية الله السيستاني، الحملة للإصرار على انتخابات مبكرة. وقد عارضته واشنطن ولندن، على افتراض أنه خوف من عدم فوز مرشحيهما المفضلين. وعلقت صحيفة واشنطن بوست قائلة: "أرادت إدارة بوش عملية منظمة يمكنها السيطرة عليها". [38]

أفادت وسائل الإعلام بشكل عام بأمانة ما وصف بأنه "نقل للسلطة" إلى العراق في نهاية يونيو 2003 - على الرغم من أنه أصبح واضحًا قبل عدة أشهر أن العكس تمامًا هو المقصود من قبل قوات الاحتلال الأنجلو أمريكية. يشير "أمر احتلال" صدر في مارس 2004، على سبيل المثال، إلى نية الولايات المتحدة في الاحتفاظ بالسيطرة على الجيش العراقي بعد "نقل السلطة" هذا. كما دعت الولايات المتحدة إلى تعيين العديد من الضباط الرئيسيين - رئيس أركان الجيش ومستشار الأمن القومي والمفتش العام - لفترات طويلة لعدة سنوات.  من الناحية العملية، من غير المرجح أن تقوم أي حكومة عراقية بتبديل المعينين قبل الانتخابات الوطنية في عام 2006.

كما ذكرت وكالة أسوشيتد برس - تحت العنوان الرئيسي "ستحتفظ الولايات المتحدة بالسلطة في العراق بعد نقل السيادة" - أن "معظم السلطة ستبقى داخل أكبر سفارة أمريكية في العالم (يجري بناؤها في بغداد]، مدعومة ب 110000 من القوات العسكرية.  ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن "بريمر ومسؤولين آخرين يبنون بهدوء مؤسسات ستعطي الولايات المتحدة أدوات قوية للتأثير على كل قرار مهم تقريبًا ستتخذه الحكومة المؤقتة". وفي سلسلة من المراسيم التي صدرت في الربيع، أنشأ بريمر لجانًا جديدة قادرة فعليًا على أن تسلب جميع السلطات التي كانت تحتفظ بها عدة وزارات سابقًا. وأعلن أيضًا أن "المستشارين" الأمريكيين والدوليين سيبقون تقريبًا في جميع الوزارات المتبقية بعد "التسليم". بحلول منتصف عام 2004، ذكر وزير الخارجية مايك أو برين بأن "حوالي 200" مسؤول بريطاني انتدبوا لسلطة الاحتلال والوزارات العراقية في الأشهر الأخيرة. [39]

واعترف وكيل وزارة الخارجية الأمريكية، مارك غروسمان، بأن ما يجري نقله كان "سلطة محدودة". وأشار المسؤول الكبير في وزارة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، إدوارد ووكر، إلى أن ميزانية العراق ستستمر فعليًا تحت إدارة الولايات المتحدة لأنها ستسيطر على صرف المساعدات الأمريكية التي تقدر بمليارات الدولارات. قال إنه "بالتأكيد ليس نقلًا للسيادة عندما لا تتحكم في أمن بلدك وليس لديك دخل حقًا". [40]

تمكن توني بلير من إخبار مجلس العموم: "يجب أن يتم نقل السيادة الكاملة إلى الشعب العراقي ويجب أن تبقى القوة المتعددة الجنسيات تحت القيادة الأمريكية". أوضح المتحدث الرسمي باسمه الحاجة إلى أن يكون للعراق " سيادة كاملة غير قابلة للتجزئة - مما يعني على الحكومة العراقية أن توافق على دور القوات المتعددة الجنسيات بعد الأول من تموز". [41]

كان "تسليم"(السلطة) في 30 حزيران توطيدا لقوة الولايات المتحدة، وفي الواقع انقلابا دستوريا. حتى أنها عينت في السلطة إياد علاوي، أحد عناصر وكالة المخابرات المركزية وMI6(جهاز المخابرات الخارجية لحكومة المملكة المتحدة)، وأيضًا مصدر ادعاء الحكومة البريطانية أن العراق يمكنه نشر أسلحة الدمار الشامل في غضون 45 دقيقة. لقد تم انقلاب علني بقدر ما يمكن تخيله، مما يجسد أيضًا موقف المحتلين تجاه الديمقراطية.

ومن ضمن الاستراتيجيات الأنجلو أمريكية العديدة لمناهضة الديمقراطية ولتحديد مستقبل العراق هي ضمان إبقاء الأكراد في الشمال بعيدًا عن الاستقلال قدر الإمكان. خلال غزو العراق، أكدت بريطانيا والولايات المتحدة بشكل خاص لتركيا أنه سيتم الحفاظ على "وحدة أراضي" العراق. وبحسب ما ورد أكد القادة الأمريكيون للحكومة التركية على الحاجة إلى "نظام فدرالي" للعراق يمنح الأكراد حكماً ذاتياً محدوداً. في المقابل، يدعي بعض القادة الأكراد أن واشنطن وعدتهم، قبل غزو العراق مباشرة، باستقلال ذاتي أوسع في النظام الفيدرالي؛ الشئ الذي نفته الولايات المتحدة. في أوائل عام 2004 منح الدستور العراقي المؤقت المتفق عليه للأكراد سلطات للاعتراض على أي دستور دائم في المستقبل، واحتوى على ضمانات للحكم الذاتي في المنطقة الكردية. ومع ذلك، لم يتم الاحتفاظ بهذه السلطات في قرار مجلس الأمن الدولي الذي تم تمريره في حزيران 2004. رفض المسؤولون الأمريكيون الضغط الكردي القوي بسبب مخاوف بشأن الإساءة إلى زعماء الشيعة العراقيين الذين عارضوا منح الأكراد مثل هذه السلطات. [42]

إحدى وثائق الحكومة البريطانية التي تم الكشف عنها في لجنة تحقيق هوتون(Hutton inquiry) هي ورقة أسئلة وأجوبة في ملف سبتمبر 2002، ورد في جزء منها: "نتمنى أن نرى الاستقلال الذاتي (وليس الاستقلال) للأكراد العراقيين". لم يتغير هذا الموقف الأساسي بمرور الوقت، "كانت وجهة النظر في عام 1963 هي أن" مصالحنا تخدم بشكل أفضل من قبل عراق قوي وموحد "، وفقًا لمسؤول وزارة الخارجية آنذاك بيرسي كرادوك، الذي أصبح فيما بعد رئيسا للجنة الاستخبارات المشتركة. [43]

إن سياسة واشنطن ولندن الدائمة تجاه الأكراد واضحة في الوثائق التي رفعت عنها السرية، وتستحق المراجعة لفترة وجيزة لفهم المسار المحتمل للأحداث في العراق المعاصر.

لنأخذ ورقة وزارة الخارجية السرية من أغسطس 1963، التي تشير إلى أنه "لا يوجد احتمال لكردستان مستقلة لأن هذا يعني تقطيع العديد من الدول الأخرى إلى جانب العراق". توصف اهتمامات الادارة البريطانية بأنها مع "وجود حكومة عراقية قوية صديقة قادرة على ضمان النظام في جميع أنحاء البلاد" إما بالاتفاق مع الأكراد أو "بالسيطرة العسكرية". لقد كان العراق القوي والموحد بمثابة مواجهة لمصر عبد الناصر في العالم العربي وساعد في "ضمان بقاء مختلف المناطق المنتجة للنفط تحت سيطرة سياسية منقسمة". كما أشارت الصحيفة إلى أنه من مصلحة بريطانيا رؤية تسوية تفاوضية للمشكلة الكردية "على الرغم من أنه يفضل ألا تكون هذه التسوية من شأنها إضعاف سلطة الحكومة المركزية بشكل خطير من خلال تنازلاتها للأكراد".

يجب على بريطانيا أن تسعى إلى تنمية علاقات جيدة مع كل من العراق والأكراد ولكن:

الأول أهم بكثير ... إذا كنا نفضل الأكراد ضد العراقيين، فإن هذا سيثير ذعر الدول المجاورة ذات الأقليات الكردية ... عندما نواجه الحاجة إلى الاختيار، يجب أن ندرك الأهمية القصوى للعلاقات الجيدة مع العراقيين (المقصود الحكومة) وأن من مصلحتنا [كذا] أن تسود سلطتهم في جميع أنحاء البلاد. [44]

يعتبر الأكراد أداة لممارسة الضغط على الأنظمة في بغداد عند الضرورة.  في أوائل الستينيات، على سبيل المثال، بدأ البريطانيون في تشجيع التمرد الكردي الجديد في العراق من أجل زعزعة استقرار النظام الوطني لعبد القاسم (عبد الكريم قاسم). تُظهر الملفات أن السفير البريطاني في بغداد كان على استعداد تام "للحفاظ على عقل منفتح" حول إمكانيات الثورة الكردية "التي أدت إلى سقوط [قاسم]". واقترح في سبتمبر 1962 أن على بريطانيا ألا تشجع بالتالي التسوية بين بغداد والأكراد، بل يجب أن تبقى على جانب تراقب الوضع. قال إن بريطانيا يجب ألا تقدم مساعدة مباشرة للأكراد، "ولكن ربما لا داعي للقلق كثيرًا إذا فعل الآخرون". [45]

ومع ذلك، فحالما سقط قاسم في عام 1963 وتولي السلطة في بغداد نظام نفضله، تغيرت السياسة البريطانية إلى دعم شامل للحكومة (انظر الفصل 5). اتبعت الولايات المتحدة نفس السياسة، وقدمت أسلحة للأكراد من 1961-1963 لتقويض قاسم؛ بعد يومين من سقوطه، بدأت الولايات المتحدة بتسليح النظام العسكري الجديد لمحاربة نفس الأكراد، التي كانت تسلحهم من قبل "[46]

نفس المسلسل تم تكراره خصيصا لصدام حسين. عندما كان صدام حليفاً مفضلاً في الثمانينيات، قُبلت ضمنيا المذبحة التي قام بها ضد الأكراد. بعد أن أصبح عدوًا رسميًا عند غزوه للكويت عام 1990، تم تفضيل الأكراد مرة أخرى ودعمهم سرا. الآن بعد أن تمت سيطرة الولايات المتحدة على الأشياء في بغداد، يُنظر إلى الأكراد إلى حد كبيرعلى أنه تهديد يجب تحجيمه.

(The balance sheet صحيفة الموازنة)

هذه هي بعض من الاعتبارات الرئيسية التي يجب مراعاتها. كانت هناك تطورات إيجابية في العراق: لقد سقط نظام صدام الرهيب، مما أدى إلى بعض التحسينات في حرية التعبير وتكوين الجمعيات، وإنشاء وسائل إعلام جديدة ومنظمات المجتمع المدني. ولكن يبدو أن هذه المكاسب الحقيقية قد تقزمت بسبب عنف الاحتلال المتزايد. هناك مجموعة من العواقب الوخيمة، ليس للعراقيين فقط ولكن لجميع (الغير بشر) في كل مكان.

العاقبة الأولى هي حجم العنف والقتل في العراق، الذي كان أكثر وحشية مما كان عليه في سنوات صدام الأخيرة، في حين بقى الحصول على الضروريات الأساسية مثل الصحة ثابتة أو ساءت بالنسبة للكثيرين. والثانية هو تصاعد الإرهاب في العراق نفسه وفي أماكن أخرى، والذي نتج على ما يبدو عن الاستراتيجية الأمريكية والبريطانية. ثالثاً، العواقب بعيدة المدى على العراقيين العاديين كنتيجة للاحتلال الاقتصادي، والتي من المرجح أن يستفيد منها السكان قليلاً.

رابعاً، وهي النتائج المترتبة على حقوق الإنسان في أماكن أخرى. بعد الانتهاك الوقح للقانون الدولي في غزو العراق، استخدمت دول أخرى - الصين وروسيا وإندونيسيا ونيبال وغيرها - غطاء "الحرب ضد الإرهاب" لشن هجمات على سكانها. وبالفعل، فإن الاتفاقيات العالمية لحقوق الإنسان والقانون الدولي، التي يجب أن تُحاسب عليها الدول، تتعرض لهجوم غير مسبوق لصالح قانون الغاب.

قدمت هيومن رايتس ووتش نقدا مدمرا للأدعائات الأمريكية والبريطانية بأنهم قد تصرفوا دفاعا عن حقوق الإنسان في العراق. كتب مديرها كينيث روث:

لقد فشل غزو العراق في الاجابة في اختبار التدخل الإنساني. الأهم من ذلك أن القتل في العراق في ذلك الوقت لم يكن ذا طبيعة استثنائية تبرر مثل هذا التدخل. إضافة إلى ذلك، لم يكن التدخل هو الخيار المعقول الأخير لوقف الفظائع العراقية. لم يكن الدافع وراء التدخل بالدرجة الأولى هو الشواغل الإنسانية. لم تجر بطريقة تزيد من الامتثال للقانون الإنساني الدولي. لم يوافق عليها مجلس الأمن. وبينما كان من المقبول الاعتقاد في وقت بداية الغزو،بأن الشعب العراقي سيكون أفضل حالاً، إلا أنه لم يتم تصميمه أو تنفيذه مع مراعاة احتياجات العراقيين في المقام الأول. [47]

تطبيع الاحتلال

يعتبر احتلال الدول الأجنبية نشاطًا بريطانيًا نموذجيًا إلى حد ما في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية - تخصص بريطاني، في الواقع - قد يساعد في تفسير سبب حرص واشنطن على انضمام لندن. تم تجاهل التجربة البريطانية الأخيرة في الاحتلال إلى حد كبير في التيارالاعلامي الرئيسي. لكنه يوفر بعض المؤشرات لمستقبل العراق. دعونا نأخذ بإيجاز مثالًا واحدًا من الماضي ومثالًا واحدًا من الحاضر، لا يقدم أي منهما فألا جيدًا.

لقد كان موضوع الحرب في كينيا ايام كانت مستعمرة بريطانية في الخمسينيات من القرن الماضي حربًا على الأرض. طالبت حركة (ماو ماو) بأرض لملايين الفقراء الذين لا يملكون أرضا. دافعت القوات الاستعمارية البريطانية عن المستوطنين البيض، حيث يمتلك بضعة آلاف منهم فقط أفضل الأراضي في البلاد. الملفات التي رفعت عنها السرية والتي رأيتها ترسم صورة مخيفة عن الفظائع الرهيبة المنتهكة لحقوق الإنسان من قبل السلطات الاستعمارية في محاولتها لهزيمة قوات المعارضة.

هذه الحرب، مثل الحرب في العراق، تم تصويرها دائمًا على أنها حرب حضارية من جانب مقابل بربرية على الجانب الآخر. في الواقع، على الرغم من ارتكاب الفظائع على الجانبين، فإن أسوأ الانتهاكات ارتكبتها القوات البريطانية وحلفاؤها المحليون. يحاول الأعضاء السابقون في حركة ماو ماو حاليًا مقاضاة الحكومة البريطانية للحصول على تعويض "نيابة عن 90,000 شخص سجنوا وعذبوا في معسكرات الاعتقال، 10,000 من الأشخاص الذين صودرت أراضيهم ونصف مليون آخرين أجبروا على على السكن في قرى محمية". [48]

كان القمع البريطاني في كينيا يتألف من عمليات "إعادة التوطين" التي أجبرت 90.000 شخص من جماعة (كيكويو) العرقية على دخول معسكرات الاعتقال التي تحيط بها الأسلاك الشائكة والقوات العسكرية، والتوطين الاجباري للقرويين "في محميات كيكويو". تمت مصادرة الثروة الحيوانية وتعرض العديد من الناس للعمل القسري. تعني عبارة التوطين "الاجباري للقرويين-Villageisation" تدمير المساكن المتناثرة سابقًا وتشييد المنازل في المخيمات المحصنة لتحل محلها. كان هذا انقطاعًا صادمًا عن طريقة حياة جماعة (كيكويو- Kikuyu) العرقية التقليدية. حتى عندما لم يكن مصحوبًا، كما كان غالبًا، بفرض حظر التجول لمدة 23 ساعة، فقد أدى ذلك إلى انتشار المجاعة والموت. في المجموع، ربما يكون 150.000 أفريقي قد فقدوا أرواحهم بسبب الحرب، ومعظمهم يموتون من الأمراض والمجاعة في "القرى المحمية".  تم تجاهل وفاتهم من قبل مخططي السياسة الخارجية ووسائل الإعلام الرئيسية على حد سواء.

توضح الملفات التي تم رفع السرية عنها أن بريطانيا استخدمت أيضًا الحرب ضد جيش الأرض والحرية الكيني (KLFA)، المعروف أيضًا باسم ماو ماو(Mau Mau) كغطاء لوقف صعود القوى الوطنية الشعبية الأخرى التي هددت السيطرة البريطانية على كينيا. سجنت السلطات الاستعمارية الزعيم الوطني جومو كينياتا بتهمة أنه كان يقود ال (ماو ماو): في ذلك الوقت، كان المسؤولون البريطانيون يعلمون أن الأمر ليس كذلك.  في مواجهة التهديد الوطني لاستمرار السيطرة البريطانية على الأرض، والتحريض العام من أجل الاستقلال الكامل، كان هذا مثالًا مبكرًا على القضاء على تهديد التنمية المستقلة - استراتيجية رئيسية للمخططين في بريطانية، وكذلك في الولايات المتحدة، طوال فترة ما بعد الحرب . غالبًا ما كانت الحجة التي تم تقديمها في ذلك الوقت، هي التهديد السوفييتي، ملفقة أو مبالغًا فيها - وكانت غير موجودة في حالة كينيا. كانت الدوافع البريطانية في الحرب واحتلال كينيا سياسية (لمواصلة تحديد مستقبل كينيا بعد الاستقلال) وتجارية (لضمان أن تكون موارد البلاد تحت سيطرة الأيدي الصحيحة).

تم تصوير المعارضة في كينيا دائمًا امام العالم على أنها شيطانية ومتعطشة للدماء أو عملاء سوفييت. كما تظهر الملفات، كان مخططي السياسة في الادارة البريطانية يدركون جيدًا أن هذه المزاعم كاذبة، وأدركوا بشكل خاص أن الحرب كانت ضد قوات وطنية. وفي نفس الفترة أيام الأحتلال الوحشي ل(مالايا)، قام الاحتلال البريطاني بتصوير المعارضين لهذا الاحتلال على أنهم "إرهابيون شيوعيون" وكان المنطق الرسمي للحرب ضدهم هو وقف التوسع الصيني. لكن وبشكل غير معلن، كانت وزارة الخارجية تعلم بان "هدف الحرب هو في الدفاع عن صناعة المطاط"، التي كانت جزئيا في أيدي البريطانيين.[49] من الصعب عدم رؤية أوجه الشبه مع العراق.

لنأخذ في الاعتبار أيضًا الاحتلال المعاصر من قبل بريطانيا والولايات المتحدة والذي تم استبعاده إلى حد كبير من الاهتمام. ويضمهذا الاحتلال جزر شاغوس (The Chagos islands)- المعروفة رسمياً باسم إقليم المحيط الهندي البريطاني - دييغو جارسيا، وهي الآن قاعدة عسكرية أمريكية استخدمتها قاذفات الولايات المتحدة لمهاجمة العراق وأفغانستان، وحيث يحتجز فيها المشتبه في انتمائهم للقاعدة في ظروف أكثر سرية من تلك الموجودة في كوبا.

ابتداء من عام 1968، تم طرد جميع السكان الشاغوسيين من جزر وطنهم لإفساح المجال لقاعدة عسكرية أمريكية. تم خداع البعض للمغادرة على وعد رحلة بحرية؛ تم ترحيل الآخرين قسريا. لقد شن سكان الجزر حملة طويلة من أجل التعويض والحق في العودة، بدون وجود اي اهتمام دولي يذكر. لكن حكومة بلير وضعت نفسها ضد الشاغوسيين وحصلت حملتها القانونية المستمرة في عام 2003 على حكم من المحكمة العليا "عدم وجود أسس معقولة" للدعوة المقامة من قبل سكان الجزر. الشاغوسيون يستانفون الحكم حاليًا.

كانت الكذبة الكبيرة في قلب السياسة البريطانية هو أن الشاغوسيين لم يكونوا أبدًا من السكان الدائمين في الجزر ولكنهم ببساطة "عمال متعاقدون". في I969، كتب وزير الخارجية مايكل ستيوارت إلى هارولد ويلسون أنه "يمكننا الاستمرار في الإشارة إلى السكان بشكل عام على أنهم عمال مهاجرون بشكل أساسي مع أسرهم"؛ لذلك، سيكون من المفيد "إذا تمكنا من تقديم أي خطوة كتغيير في التوظيف للعمال المتعاقدين ... بدلاً من إعادة توطين السكان". هذا هو وضع المشهد ؛ حافظت سبع حكومات بريطانية متتالية على هذه الرواية.

حتى وقت قريب، كان يتم إخبار زوار موقع وزارة الخارجية أنه لا يوجد "سكان أصليون" في الجزر. ثم تغيرت الصياغة فجأة والآن هم يعترفون بوجود "سكان مستقرين". لقد احتاج الامر ما يقرب من أربعة عقود منذ بداية التهجير، ليتم الاعتراف بالحقيقة بهدوء.

لكن السياسة لم تتغير. حيث استمرت حكومة بلير في محاربة الشاغوسيين في المحكمة وبطرق أخرى أقل شفافية. في قرار تاريخي في نوفمبر 2000، قضت المحكمة العليا بأن "االترحيل بالجملة" لسكان الجزر كان "إخفاقًا قانونيًا فادحًا" وأنه يمكنهم العودة إلى الجزر الصغيرة النائية في المجموعة ولكن ليس الى أكبر جزيرة، دييغو غارسيا. كان هذا كابوسًا للمخططين البريطانيين والأمريكيين، وبدا إن الحكومة البريطانية عازمًة على تحديه. وتم ايقاف البحث في عملية إعادة توطين الجزيرة، ثم خلصت إلى أن إعادة التوطين كانت غير مجدية على أي حال. ذكرت مذكرة وزارة الخارجية إلى لجنة تحقيق برلمانية أن إعادة توطين الجزر النائية ستكون "غير عملية وغير ملائمةة مع مرافق الدفاع الحالية". وأضافت أن "موقفنا من مستقبل الإقليم ستحدده مصالحنا الاستراتيجية وغيرها والتزاماتنا التعاهدية تجاه الولايات المتحدة". لم تذكر المذكرة شيئًا عن التزامات الحكومة بحقوق سكان الجزيرة.

كانت الحكومة بالفعل تمنع الشاغوسيين من العودة إلى جزرهم، عندما وجهت ضربة مذهلة في يونيو 2004. فبدلاً من استخدام العملية التشريعية العادية، لجأت إلى بقايا من الامتيازات الملكية وأعلنت "أمرين في المجلس" لمنع الشاغوسيين من العودة حتى إلى الجزر النائية. وفي إعلانه عن القرار في البرلمان، قال وزير الخارجية بيل راميل إنه نتيجة للأوامر الجديدة "ليس لأي شخص الحق في الإقامة في الإقليم أو يكون لديه حق الدخول الغير مقيد إلى أي جزء منه". وقال أيضاً إن "هذين الأمرين يعيدان الموقف القانوني إلى ما كان يُفهم أنه قبل قرار المحكمة العليا في 3 نوفمبر 2000".[50] وقد أظهر ذلك، وبشكل أوضح مما كانت عليه الحال في العراق، كيف استولت الحكومة على الإجراءات القانونية وكيف كانت تستخدمها لأغراض سياسية، وهو وضع يتعلق عادة فقط بالدول الشمولية.

إن أمثلة الأحتلال الماضية والحالية تنذر بالسوء لمستقبل العراق. ومع ذلك، فإن مثل عمليات الاحتلال المتغايرة هذه ليست أكثر غرابة من عملية غير عادية للتشجيع على "تغيير النظام"، وهذا مثال آخر واقعي لما تمثله الأنشطة ألأنجلو أمريكية فعليًا، له عواقب مماثلة. وعلى هذا فلا يجب أن يكون النقاش العام الحالي حول التوتر بين سيادة الدولة والتدخل من جهة، وبين تغيير ما يسمى "الافتراض التقليدي ضد التدخل في الدول الأجنبية"، أكثر من كونه مجرد مزحة: إن محاولة الإطاحة بالحكومات غير المرغوب فيها ماهي إلا سمة منهجية "للسياسة الخارجية البريطانية .

لنأخذ، على سبيل المثال، القائمة الطويلة للحكومات التي أطاحت بها بريطانيا مباشرة أو حاولت الإطاحة بها: إيران (1953)، غيانا البريطانية (1953 و1963)، مصر (1956)، إندونيسيا 1957-1958، 1965)، اليمن (1962-1970)، عمان (1970)، ليبيا (1996)، يوغوسلافيا (I999) أفغانستان (2001). هناك أيضًا العديد من الحالات التي رحبت فيها بريطانيا بإسقاط الحكومات من قبل الولايات المتحدة، مثل: غواتيمالا (1954) والعراق (1963) وفيتنام (1963) وجمهورية الدومينيكان (1965) وشيلي (1973)، نيكاراغوا (1980s)) وبنما (1989).

حتى الفهم السطحي لعمليات الاحتلال السابقة والحالية وتغيير الانظمة من قبل بريطانيا والولايات المتحدة، يوفر نظرة ثاقبة على الالتزام المفترض بـ "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" في العراق.

يليه الفصل الثاني: لاعلاقية القانون الدولي

***

 

............................

مراجع الفصل الأول

* تاريخ النشر 2004

UNPEOPLE

BRITAIN’S SECRET HUMAN RIGHTS ABUSES

Mark Curtis

Published by Vintage 2004

1- House of Commons, Foreign Affairs Committee, TIu decision to go to war in Iraq, Ninth report, Session 2002-03,7 July 2003, conclusion.

2- Paul Whiteley, 'Baghdad backlash', Guardian, 6 May 2003: Evidence to the Defence Committee, II June 2003, Q407, www.parliament.thestationary-office.co.uk/pa/cm200203; 'PM: Authority of the United Nations "is on the line:", 28 February 2003, www.pm.gov.uk

3- See Stephen Shalom, 'The United States in the General Assembly', Znet, 22 April 2003.

4- Medialens, 'Chaining the watchdog, part 2, 3 May 2003, www.medialens.org

5- See Web of Deceit, chapters r8 and 19, [or the role of the media. See also Justin Lewis and Rod Brookes, 'Reporting the war on television', in David Miller [ed], Tell me lies: Propaganda and media distortion in the attack on Iraq. Pluto, London, 2004.

6- 'Prime Minister's speech to Congress', 18 july 200" www.pm.gov.uk 7 Jason Leopold, 'Wolfowitz admits Iraq war was planned two days after 9/Il', Znet, 2 June 2003: Mark Hollingsworth, 'Spies like us', Guardian, S November 2003: Raymond Whitaker, 'Blair told US was targeting Saddam "just days after 9/n''', Independent on Sunday, 4 April 2004.

8- There is a variety of evidence as to when Blair took the decision to join the US in the invasion, but all point to 2002: Clare Short said that, while Blair was assuring her of a commitment to secure a second Security Council resolution, Short noted that three 'extremely senior people in the Whitehall system' said that the Prime Minister had already agreed with President Bush the 'previous summer' to invade Iraq the following February (later extended to March because of Turkey's refusal to accept US troops), 'I think the US wanted to go to war in the Spring and the UK I now think had pre-committed to that timetable', Short noted; Evidence to the House of Commons Foreign Affairs Committee (FAC), 17 June 2003, Q64,8p24,129, www,publications.parliament.uk/pa/cm20020r Peter Stothard's book, 30 days, indicates that Blair believed that by September 2002 the US had already decided to go to war and that Blair had already decided that Britain should be alongside them. Peter Stothard, 30 days: A month at the heart of Blair's war, Harper Collins, 2003.

9- Review of intelligence on weapons of mass destruction: Report of a committee of privy counsellors. HC 898, HMSO, London, 14 July 2004 (hereafter the Butler report) paras 429, 427.

10- See evidence to the Defence Committee, 5 February 2004, citing previous evidence given by Air Marshall Burridge, www.publications. parliament.uk/pa/cm200304 and A.Pawson, Ministry of Defence of Defence, evidence on 12 November 2003, www.publications. parliament. uk/pa/ cm200304.

11- Cited in Glen Rangwala, 'Iraq's weapons of mass destruction: the assessment of the British government Problems, contradictions. falsehoods', undated, and 'Misled into war', 21 March 2003, www.mlddleeastreference.org.uk; Hans Blix, Notes for the briefing of the Security Council on the! jth quarterly report of UNM OV I C. lJ N News Centre, 5 [une 2003.

12- Julian Borger, 'Intelligence was wrong, admits general', Guardian, 31 May 2003.

13- Jim Lobe, 'Chalabi, Garner provide new clues to war', Hi Pakistan, 26 February 2004, www.occupationwatch.org

14- Christine Spolar, '14 "enduring bases" set in Iraq', Chicago Tribune, 23 March 2004.

15- 'PM statement on Iraq', 25 February 2003, www.prn.gov.ukv joi nt press conference with president Bush at Camp David, 27 March 2003, www.pm.gov.uk.

16- 'PM thanks troops in Iraq', 29 May 2003, www.pm.gov.uk

17- Iraq body count, 'Civilian deaths in "noble" Iraq mission pass 10,000', www.iraqbodycount.net: Amnsety International. 'One year after the war the human rights situation remains critical, 18 March 2004, www.amnesty.org: Study by Medact in Shaista Aziz, 'War killed 55,000 Iraq civilians, 11 November 2003, Al Jazeera.

18- House of Commons, Hansard, IS October 2003, COL244, I September, Co1.90S,

19- House of Commons, Hansard, 3 June 2003, Co1.293,

20- Human Rights Watch, 'Offtarget: The conduct of the war and civilian casualties in Iraq', December 2003, www.hrw.org

21- Paul Brown, 'Uranium hazard prompts cancer check on troops', Guardian, 25 April 2003; John Pilger, 'A year later', Znet, 23 March 2004-

22- Voices in the Wilderness newsletter, February/March 2004, citing the Sunday Times of 25 January, www.viw.uk: Julian Borger. 'Israel trains US assassination squads in Iraq', Guardian, 9 December 2003-

23- Rory McCarthy, 'Gunships ram home might of US firepower', Guardian, 15 November 2003.

24- Rory McCarthy, 'Uneasy truce in the city of ghosts', Guardian, 24 April 200+ Nicolas Pelham, 'No retreat from Falluja, says US', Financial Times, 1 May 2004.

25- Rory McCarthy, 'None killed in US convoy as Shia militias fight on', Guardian, 10 April 2004; Patrick Wintour, 'Army chiefs resist call for more Iraq troops', Guardian, 29 April 2004; Luke Harding, '''It's hell . . everything will be destroyed', Guardian, 30 April 2004.

26- Michael White, 'Leaked memo reveals fear that US tactics are endangering troops', Guardian, 24 May 2004.

27- David Teather, 'US begins crackdown as soldiers found dead', Guardian, 30 June 2003-

28- Centre for Economic and Social Rights, 'Beyond torture: US violations of occupation law in Iraq', www.cesr.org

29- Human Rights Watch. 'Civilian deaths need US investigation', 21 October 2002; Amnesty, 'One year after the war the human rights situation remains critical', 18 March 2004.

30- Andrew Johnson, 'Did British soldiers lose all control and decency at the notorious Camp Bucca?', Independent, 15 February 2004; Richard Norton-Taylor, 'Big rise in civilian death inquiries. Guardian, 9 June 2004; Phil Shiner, 'End this lawlessness', Guardian, 10 June 2004.

3I- 'Violations "were tantamount to torture'", Guardian, 8 May 2004; David Leigh, 'UK force taught torture methods', Guardian, 8 May 2004; cited in Centre for Economic and Social Rights, Beyond torture: US violations oj occupation law in Iraq, www.cesr.org

32- 'British companies must play their part in Iraq, speech, 21 November 2003, www.fco.gov.uk; House of Commons, Hansard, 9 December 2003, Col.449 and 20 June 2003, Co1.499; 20 June 2003, Co1.499; 1 April 2003, Co1.624-

33- Joseph Stiglitz, 'Iraq's next shock will be shock therapy', Znet, 17 March 2004.

34- House of Commons, Hansard, 20 November 2003, Col.I308; UN Security Council, Resolution 1483, 22 May 2003, paragraph4.

35- David Teather, 'US set to back state control ofIraqi oil', Guardian, 8 January 2004; Glen Rangwala, 'Changing stories on Iraq', 23 January 2004, www.middleeastreference.org.uk

36- House of Commons, Hansard, 21 October 2003, Col.r63; II March 2003, Col.158.

37- Robert Fisk, 'Britain's secret army in Iraq', Independent, 28 March 2004; Julian Borger, 'US military in torture scandal', Guardian, 30 April 2004; Bill Berkowitz, 'Mercenaries "R" us', Alternet, 24 March 2004, www.occupationwatch.org

38- Rajiv Chandrasekaran, 'How cleric trumped US plan for Iraq', Washington Post Foreign Service, 26 November 2003.

39- John Burns and Thom Shanker, 'US officials fashion legal basis to keep force in Iraq, New York Times, 26 March 2004; Yochi Dreazen, 'Behind the scenes, US tightens grip on Iraq's future', Wall Street Journal, 13 May 2004; Mike O'Brien, 'Iraq stands at the dawn of a new era', 25 June 2004, www.fco.gov.uk

40- Ewen Macaskill, 'US clings to the burdens of power', Guardian, 18 May 2004; Timothy Phelps, 'US will control Iraqi forces', Newsday, r o April 2004.

41- Cited in Ed Johnson, 'Blair backpedals on Iraq comments', Toronto Star, 26 May 2004; Ewen Macaskill and Sarah Hall, 'US vows to stay in control of Iraqi troops', Guardian, J7 May 2005.

42- 'PM: Saddam and his regime will be removed', 25 March 2003, www.pm.gov.uk; Wolfowitz, 'We will completely remove Kurdish group from Northern Iraq', Turkish Daily News, I February 2004; Scheherezade Fararnazi, 'Kurds' dream clashes with US plans', Miami Herald, 28 January 2004; Steven Weisman, 'Kurdish region in northern Iraq will get to keep special status', New York Times, 5 January 2004,

43- 'Iraq and weapons of mass destruction: An intelligence assessment', Q&.A, www.the-hutton-inquiry.org.uk: Percy Cradock, note, 26 August 1963, F037I/170449/EQIOI9/42.

44- Foreign Office, 'The Kurdish problem in Iraq', August 1963, National Archives, F037I/170447/EQIOI9/I.

45- Said Aburish, A Brutal Friendship: The West and the Arab elite, Indigo, London, 1997, p. r36; R. Allen to G. Hiller, 3 September 1962, F0371/ 164235/EQ101 5/83.

46- Aburish, p. 98.

47- Kenneth Roth, 'War in Iraq: Not a humanitarian intervention'. 27 January 2004, www.hrw.org.

48- See Web of Deceit, Chapter 15.

49- See Web of Deceit, Chapters I5 and 16.

50- House of Commons, Hansard, 15 June 2004, Cols. 34-5.

 

 

علي جابر الفتلاويبالنسبة لإسم الكتاب، (مدارات أيديولوجية) لفظة (مدارات) حسب فهمي لها توحي بمعنى حوارات، وفي اللغة جاء في معجم المعاني الجامع:(2) مدار اسم مكان، ويأتي بمعنى موضع الدوران، وبمعنى مدار الاهتمام: أي محور أو مركز الاهتمام، ومدار الحديث: مجريات الحديث. وعبارة (أيديولوجية) مصطلح حديث له تعريفات عديدة والتعريف الأكثر تكاملا: النسق الكلّي للأفكار والمعتقدات والاتجاهات العامة الكامنة في أنماط سلوكية معينة؛ وهي تساعد على تفسير الأسس الأخلاقية للعمل الواقعي وتعمل على توجيهه.(3)

الغالب عنوان الكتاب يكون مؤشرا على فحوى الكتاب واتجاهاته، وإشارة إلى سِمَة الكتاب العامة، أي هوية الكتاب، العنوان (مدارات أيديولوجية) استوحي منه أن موضوع الكتاب، هو حوارات في الفكر والاتجاهات الفكرية، وباسلوب السؤال والجواب، لكن الاستاذ ماجد الغرباوي المشرف والمقدم للكتاب يقول عن سياق الحوار ص11: لا يمكن تحديد موضوع خاص في الحوار، لأن الأسئلة تطرقت لجوانب متعددة منها: الشخصي، ومنها الثقافي، والايديولوجي، إلّا أن حضور الأدب والنقد الأدبي كان مميزا، باعتبار أنّ سلاما شاعر إضافة إلى أنّه ناقد.

بناء على هذه المقولة، لا أرى عنوان الكتاب يوحي إلى الأمر المتميّز في الحوار الذي أشار إليه الأستاذ ماجد الغرباوي، وهو الأدب والنقد الأدبي، بل إيحاءات العنوان أكثر قربا من الفكر.

 الاسئلة حسب إطلاعي عليها تبدو شخصية، لكن أرى أن الحوار ومن خلال الأسئلة المطروحة والإجابات، يؤرخ لمرحلة سياسية مهمة من تأريخ العراق الحديث، تعكس معاناة شعب يشكل المثقفون واجهة مهمة له، فهم الأكثر تأثرا ومعاناة من الوضع السياسي الفكري الذي عصف بالعراق في تلك الفترة.

في تقديري هذا  التوصيف للكتاب من الإيجابيات، سيما وأنّ الاستاذ ماجد الغرباوي والاستاذ سلام كاظم فرج، هما جزء من الحالة العامة التي عاشها الشعب العراقي  وجزء من مرحلة تعكس تأريخ سياسي وأيديولوجي لعقود من السنوات مرّت على العراق، أرى أن المشرف على الحوار، وغالبية المحاورين، والمحاوَر، هم جميعا جزء من حالة عامة عاشها العراق في العصر الحديث، والأسئلة تعكس مواصفات مرحلة فكرية مهمة مرّ بها العراق، استنتج أن الحوار رغم أنّه شخصي، لكنه يعكس ظاهرة عامة عاشها الشعب العراقي وطبقة المثقفين، علما أن بعض الأسئلة محورها ما بعد سقوط النظام، لكنّها تعكس اتجاها فكريا وثقافيا عاما عاشه الاستاذ سلام كاظم فرج، وهو جزء من توجه ثقافي أيديولوجي يؤمن به الأستاذ سلام كاظم فرج. معرفتي الشخصية بالمحاوَر، أنه مثقف وكاتب سياسي وأديب خاض تجربة سياسية صعبة حاله كأي سياسي عاش أيام الظلم الصدامي،  في زمن نظام صدام المقبور من يمارس السياسة، إمّا أن يكون محسوبا على النظام، أو يكون معارضا، وكل مثقف لا ينتمي لحزب البعث، هو معارض حتى وإنْ لم ينتمِ لأي جهة سياسية والمعارض يُصنف من قبل سلطات النظام الصدامي إمّا شيوعيا، أو منتميا إلى حزب الدعوة الاسلامية، بالنسبة للأديب سلام كاظم فرج حسب معلوماتي الشخصية كان محسوبا على الحزب الشيوعي، وقد أكّد ذلك الاستاذ ماجد الغرباوي المشرف على الحوار، ص11 تحت عنوان (في البدء كلمة) يقول:

(الكتاب يحمل بين طياته تجربة امتدت لنصف قرن من الأحداث الخطيرة، التي عايشها المحاور، واكتوى بنارها، فكان شاهدا حيّا على مسيرة بلد، وتضحيات شعب. سلام كاظم فرج مثقف من الطراز الأول، تلونت خلفيته بطيف من الأفكار والثقافات، لم تؤسره الأيديولوجيا، فكان متحررا يختار منها ما هو واقعي. بدأ رحلته يساريا ماركسيا، وعاد وطنيا ملتزما، أديبا وناقدا وكاتبا، ساهم قلمه في إثراء الوعي، وتطوير الأفكار وطرح ثقافة بديلة تقوم على التسامح والمحبة، وتتصف بواقعية، بعيدا عن المثالية والطوباوية).

الكتاب يتألف من (192) صفحة، يبدأ بصفحة العنوان، ثمّ فهرست المحتويات، بعده تعريف بمؤسسة المثقف ونشاطاتها، ثمّ بيان مبادئ مؤسسة المثقف والتي منها: الإيمان بالتعددية والرأي الآخر، الدعوة للتعايش بين الأديان والثقافات، محاربة العنف والتحريض والتكفير، رفض الخطاب الطائفي والأيديولوجي المحرض، إلى غير ذلك من المبادئ الإنسانية، ثم قائمة بإصدارات مؤسسة المثقف، بعدها عنوان: في البدء كلمة، وهو أشبه بالمقدمة، للاستاذ ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف. بالنسبة لمحتويات الكتاب، مكونة من حلقات عددها أربع عشرة حلقة، وكل حلقة تحتوي على عدد من الأسئلة، يوجهها إلى المحاور أدباء ومثقفون جلّهم من كتّاب صحيفة المثقف، السؤال الأول من الحلقة الأولى وُجّه إلى الاستاذ سلام كاظم فرج من المثقف، وأعني المؤسسة أو الصحيفة،  وفي تقديري أن السؤال موجّه من قبل الاستاذ ماجد الغرباوي، ويدور عن حياة المحاور، ومسيرته السياسية والفكرية  وهكذا تتسلسل بقية الأسئلة ضمن الحلقات، بلغ مجموع الأسئلة الموجّهة (137) سؤالا، وهذا الرقم مثبت لآخر سؤال في الكتاب، ويعود السؤال للدكتور محسن العوني، ولكن عند التدقيق وجدت خطأ مطبعيا في ترقيم الأسئلة، فهي (141) سؤالا حسب إحصائي لها، وليس (137) سؤالا.

 لفت نظري الأسئلة التي وجهتها الأديبة سنية عبد عون رشو إلى الاستاذ سلام كاظم فرج، وجهت له ثلاثة أسئلة مهمة، ولا يعني هذا أن بقية الأسئلة غير مهمة  لكن أخذتُ أسئلة الأديبة سنية عبد عون رشو إنموذجا كونها زوجته، أرى أنّ أسئلتها موضوعية وجيدة. اذكر السؤال وجوابه مختصرا.

س: ما سبب إضرابكَ عن طبع نتاجك الأدبي؟

ج: ما أشهده من عزوف شبه جماعي عن إقتناء الكتاب المطبوع، وانشغال الأغلبية بهموم خارج هموم الكتابة يصيبني بالإحباط. أرى جوابه مقنعا.

س: أية دروب أخذتك مني... فلم تكتب عنّي ولي ...؟

ج: نعم. والله..لقد انشغلت بهموم الدنيا بما يكفي لكي احشر في خانة الجاحدين.

لا أظن أنّ الأديبة سنية عبد عون رشو ستضع الاستاذ سلام كاظم فرج في خانة الجاحدين، لأنها على علم ومعرفة بظروفه الشخصية. تقديري واحترامي لهما.

س: للرجل في ملف النقد الأدبي حصة الأسد على حساب حصة المرأة المبدعة هل من تعليل؟

ج: ما زال المنتج النسوي كما ونوعا يعاني من مثبطات عدة تكاد تحشره في زاية ضيقة وتقزمه.. ويدعو المرأة أن تأخذ بزمام المبادرة.. وتثبت جدارتها.

كقارئ متوافق مع رؤية المحاوَر بأن تأخذ المرأة دورها من خلال ما تنتج وتقدم من ابداعات لتثبت للآخرين أنها لا تقل عن الرجل أهمية في  خدمة المجتمع، بل قد تتفوق عليه في مجالات عديدة، بناء المجتمع السليم يتطلب تعاون المرأة والرجل في أداء الدور والخدمة، أقول: لا لتحجيم دور المرأة.

أخيرا أرى أن الحوار مع الاستاذ سلام كاظم فرج ليس حوارا في اتجاه واحد، بل في اتجاهات عدة في الفكر والسياسية والأدب والنقد وفي مجالات أخرى، ولا يعكس الحوار حالة شخصية، بل من خلال الحالة الشخصية نسلط الضوء على مرحلة مهمة من تأريخ العراق الحديث السياسي والفكري والأدبي، مع كشف للظلم الذي تعرضت له الطبقة المثقفة التي لم يستطع نظام صدام توظيفها لخدمته.

في الختام الشكر والتقدير للاستاذ ماجد الغرباوي، ولمؤسسة المثقف والعاملين في المؤسسة، لجهودهم الكبيرة في تطوير الثقافة وخدمة المجتمع في عدة ميادين . والشكر للاستاذ سلام كاظم فرج، دعواتنا له ولمن تعاون معه في المؤسسة لانجاز كتاب (مدارات أيديولوجية)، وإلى مزيد من الانجازات النافعة.

1547  مدارات ايديولوجية 

علي جابر الفتلاوي

..................

المصادر

(1): (الغرباوي، ماجد، إشراف وتقديم، مدارات أيديولوجية – حوار مفتوح مع الاستاذ سلام كاظم فرج، مؤسسة المثقف العربي، سيدني/استراليا، تصميم الغلاف، أمينة صلاح الدين، الطبعة الأولى، 2011م. )

(2): موقع: المعاني، معجم المعاني الجامع، مدار، www.almaany.com

(3): موقع: وكيبيديا، أيديولوجيا، www.ar.wikipedia.org

 

صالح الرزوقلم يكن المرحوم طيب تيزيني مولعا بمشاكل الدين، ولكن اهتمامه بتجديد العقل العربي وتثويره قاده بالضرورة للدخول في حقل ألغام إسلامي. وفي المقدمة مشكلة النص وعلاقته بالتاريخ والروح. وضمن مشروعه الطموح لإعادة كتابة تاريخ الأفكار وتطورها من متبوع إلى تابع، أو من نص إلى عقل، تكبد عناء قراءة متأنية وجريئة لجملة النصوص التي وضعت حدودا ثابتة ونهائية لفضاء المقدس عند المسلمين. وهذا هو موضوع كتابه “النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة”*. وقد افتتحه بإعادة النظر بمصطلحين هما: الأصولية والسلفية. واقترح استبدالهما بالأصولوية والسلفوية على أساس أن التنسيب بالعربية مع الفرد وليس الجمع. ص 25.  ثم انتقل للتأكيد على أولوية الجانب الواقعي للقرآن، وابتعاده عن الخوارق واللامعقول ولا سيما كل ما يمس سيرة النبي. وكان يفسر معجزاته على أساس أنها تجري بالمنام وتأخذ شكل رؤيا تعبر عن واقع يمكن للمنطق أن يفهمه. ويمكن القول إن القرآن شكل وجها من أوجه تاريخ الأفكار والمعتقدات عند العرب، وتحول في مرحلة لاحقة لمحفز لها على نحو مباشر أو بوجود وسيط ص 6.  ولكن لم ينفرد القرآن بقيادة السفينة وتآزر معه الحديث النبوي ومأثور علي. وأضيف من عندياتي بندا رابعا هو السيرة التي تداولها الصحابة وتضمنت الأفعال والأخلاق النبوية التي لم يرد بها قول أو لفظ. فقد كانت أفعاله مشروطة وموضع متابعة بمنتهى الدقة والاهتمام انطلاقا من افتراض أنها تلبية لأوامر المشيئة الإلهية أو الوحي.

ومن هنا تبدأ المشكلة.

فالسلفوية، على حد تعبير الدكتور تيزيني، حولت الواقع إلى نص له بنية مغلقة باتجاه ذاتها وكل ما يقع خارجها. وفي مرحلة تالية أجبرت الواقع على أن يكون من إنتاج نص سابق عليه، ص 12. حتى أنها في خاتمة المطاف وصلت لاستئصال مضمون الوحي ذاته. وإذا كانت الدعوة أساسا قراءة موضوعية لتبدل عضوي في الواقع، تحولت في الوقت الراهن، لافتراضات من النص وبعزلة تامة عن شروط تكوينه. ويأخذ الدكتور تيزيني على السلفوية أنها تنكر احتمال وجود علاقة بين النص والواقع من طرف، وتنكر دور الواقع بإنتاج النصوص. ويسوق للتوضيح قاعدة الشاطبي المعروفة “أنه لا اجتهاد بما ورد فيه نص”. مثل هذه القاعدة تجعل المدونة مصدرا فعليا للحياة، وتهمل دور الجزئي والكلي، أو ما يسميه المفكر الإسلامي ماجد الغرباوي “فعلية النص”. فعمل أي قاعدة فقهية ينتهي بنهاية فعليتها كما في آية السيف مثلا. وبمجرد زوال الخطر عن المسلمين لا يكون للجهاد مبرر بل بالعكس يتحول لغزو واستعمار. وربما لهدف اقتصادي وهو إغناء بيت المال بالثروات. ولا يوجد، كما يضيف لاحقا، آية واحدة في القرآن تحض على المباشرة بالحرب. وكان موضوع القتال محددا وهناك أكثر من إشارة على عدم جواز القتال الابتدائي لنفي شبهة العدوان عنه ص 55 (1).    

1546  النص القرآني طيب تيزينيوبتعبير الدكتور طيب إن الجزئيات لا تدخل في نطاق وصلاحيات لحظة النزول، ولا يمكن أن نفسر نفس الأعراض بنفس السياق. فأسباب التأخر والتخلف في القرن السادس لها علل اجتماعية وطبيعية مختلفة عن الوقت الراهن، والطبيعة متغيرة والمعرفة افتراضية، ولا يجوز أن تكون الروح وإشكالاتها محدودة. باختصار كانت حركة  المسلمين الأوائل تتجه من الوضعية الاجتماعية إلى النص، ولكن الحركة الحالية تتجه من النص إلى الواقع. وهذا يشكل خيانة فادحة لمعنى الفكرة، فما نفترض أنه وعي للوعي أصبح مجرد وهم للوهم، ولم تعد الفكرة تفسر الواقع بل فكرة غيرها. ص 36.

وأعتقد أن طيب تيزيني أراد أن يقول إن المعرفة نشاط خارجي له علاقة بفهم وإدراك ما يجري حول العقل وليس داخله فقط. وعليه أصبح لدى المسلمين مرجعيتان: النص الديني من طرف ومصادره من طرف آخر، وتشكلت بين الاثنين مساحة رمادية تحولت إلى قضية بحد ذاتها، ص 56 . وترتب على ذلك صيغة مفروضة لها حدود تنتجها الحوامل الاجتماعية. و ما يزيد من إشكالية هذه الأطروحة أن للخطاب فيها أربعة أطراف وليس ثلاثة.  وهم المرسل (الوحي)، والمبلغ (الرسول) والرسالة (القرآن) والمتلقي (المؤمن). وأضيف من عندي طرفا خامسا بمنتهى الأهمية والالتباس وهو الله. فهو ليس كمثله شيء. ونحن لا نعرف كيف جرد الوحي منه وكيف حمله كلامه، وليس لدينا فكرة واضحة عن الصيغ والألسن التي استعملها الوحي سوى إشارات غامضة تدل على عدد لا متناه من اللهجات. ولا يعقل أن يحتمل مجتمع محدود الكثافة مثل مجتمع الحجاز ألف ألف لغة (بمعنى مليون لهجة). وينتبه طيب تيزيني لهذه المشكلة ويستنتج منها وجود مستويين من مستويات الإبلاغ. واحد مجهول وخاص بالوحي وما فوقه، وآخر سردي يقبل الإضافة والتكهن وهو خاص بالوحي وما بعده، والمقصود به الرسول. ويصطلح تيزيني لهذه البنية الهرمية اسم مستوى سرد إلهي وآخر نبوي. وطبعا بينهما تجليات القدرة الإلهية أو الوحي. ولا يسعنا هنا إلا  أن نرى في القرآن نصا مركبا من ناحية ومفتوحا من ناحية ثانية. ص 61.

ويصح هذا الكلام على الأحاديث أيضا وضمنا الصحيحة منها، فهي روايات منقولة أو موضوعة ويدخل في تحديد معناها الصياغة وطرائق التفكير، وهي عرضة للاختراقات الايديولوجية والسياسية، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بأصل الرواة ومصادرهم. بمعنى أنه لكل حديث قراءة احتمالية مفتوحة. غير أن السياسة لعبت دورا أساسيا في اعتماد حلقة من الرواة واستبعاد حلقة تفننوا في أساليب إلحاق الأذى والضرر بها كالشيعة والمعتزلة أو ما يسميهم ابن سيرين أصحاب البدع ص 70. ولذلك إن تثبيت أي حديث، ومنها ما ورد في الصحاح هو في الواقع تثبيت لاجتهادات وفلسفة سلطة معينة كما قال تيزيني نقلا عن نصر حامد أبو زيد. ص 72. وبتعبير رشيد إيلال كان تجريح الرجال أو تثبيتهم أهم لدى الرواة من مضمون الحديث نفسه (2). وهذا ينسف قاعدة أساسية لها علاقة بعلم الألسن (لو احتكمنا لمصطلحات شومسكي) وهي أنه إذا صحت القاعدة وبطل المنطق يسقط الخطاب. وقد فرق أبو جعفر الهاشمي المدني بين أحاديث كلام حق (مقبولة) وأحاديث النبي (منقولة). ص 72. ولذلك يجوز لنا أن نعتقد أن الأحاديث نصوص مركبة بعضها صحيح بالمعنى والمبنى وبعضها صحيح بالمعنى فقط. وينجم من هذه القضية سؤال آخر: هل ننسب معنى الأحاديث القدسية للرسول باعتبار أنها جزء من خطاب الذات الإلهية بعينها أم ننسبه لحاملها فقط؟. لقد أسهمت هذه الخلافات في بلورة تيارين فاعلين هما أهل الحديث وأهل الرأي ص 73. ومهدت الطريق أمام دور هام لمؤثرات خارجية تصب في النص وتأتي من الواقع بأبعاده الروحية والأدبية والنفسية. وحتى لو سلمنا أن النص حد مستقر وثابت ولا لبس فيه، يبقى المعول على طريقة فهمه أو معناه. ولك أن تتصور مرونة ومطاطية المعاني في ظل سلطات أبوية تحتكم للسيف وحده. في ظل هذا الظرف المأساوي يكون النص مشلولا وقليل الأهمية.

ويلاحظ الدكتور طيب أن عملية التحول الذهني في عصر البعثة تبدلت لتحول نوعي بصيغة عسكرية مسلحة وأد إنجازات عصر الرسول في مجال الحقوق العامة. ص 94. ولا يمكن لأحد أن يفهم التناقض المخيف في إجماعنا على عصر الخلفاء الراشدين. كيف نوفق بين مفهومنا عن نظافته وطهارته مع بشاعة ودموية ما جرى لعثمان ثم علي. وكيف نبرر اختلاف صحابة من الصف الأول حول أحكام آيات القرآن وتعاليم الرسول.

وبمحاولة للإجابة يعزو تيزيني ما حصل لأسبقية الواقع المشخص على النص ص 95، وقسوة الواقع وضرورته أمام الخاصرة الطرية للنصوص. فالتأويل من صناعة أهواء البشر وليس النمط أو العقل البشري. فالواقع يطرح أسئلة تستفز النص وتحوله من كتلة منتهية إلى خطاب ذاتي. وبلغة تيزيني أيضا: النص هو آخر من يتكلم بذاته ص 98. ويستعير من كونديرا  عبارته المعروفة: إن الواقع غادر والنص مغدور، ص 101. وهذا كلام يذكرنا برأي لسعد محمد رحيم عن العلاقة بين تسلسل الأفكار والأحداث حيث أن أسلوب التدوين متعمد غالبا وتنقصه الموضوعية.

وهذه العلاقة الإشكالية بين المكتوب والحياة أو المدونة والوقائع هي المسؤول الأول عن نشوء المذاهب والاختلاف في أساليب القراءة.  وقادنا ذلك إلى قاعدة فقهية معروفة مفادها أن تغير الأحكام يكون بتبدل الأزمان، ويسميها تيزيني مطابقة النص للواقع، ص 108. ولكن ما هو دور علاقة النص بالنص ولا سيما القرآن بالحديث. لا يوجد رد جازم. وهناك من يرى أن السنة حاكمة على الكتاب (بمعنى أنها تفسره) أو أنها تنسخه (تبطل مسائل مثبتة فيه). ويستند تيزبني لهذا الرأي على قول للرسول ينص أن الناس أعرف بشؤون دنياهم بينما هو أعرف بأحكام دينهم. ص 108. وربما هذه واحدة من مواضع نادرة يفصل فيها النص نفسه عن مصادره. لكن هذا لا ينفي وضع السنة بجانب القرآن فهي أكثر تشخيصا وتخصيصا . ص 109. ويقودنا ذلك إلى نفس المشكلة: أنه على النص أن يكون حكرا على نص مثله، أو أن تخصيص الغائب لا يمكن أن يلغيه غير تخصيص الحاضر. وهذا منبع أساسي لظاهرة اغتراب النصوص عن واقعها، ص 110.

ويبدو أن الحساسية التاريخية التي فهمها الرسول في حينه أعطت للنص دورا وظيفيا، بينما موت هذه الحساسية عند الجهاديين المعاصرين خلق ظرفا خارجا عن سياقه. فالحلول المتخيلة لم تكن مناسبة لواقع الأحوال، وفشلت في ردم الهوة الروحية، وأصبحت أدوات الإسلام المعرفية لا تترجم أدواته الروحية. وعوضا عن أن تسرع التحول الاجتماعي من اقتصاد الندرة والفوضى وقفت عند حدود الإجراءات المحلية والمؤقتة. وغني عن القول أن هذه الحالة تفرض علينا التمييز بين نص إسلامي أول /أصلي وفكر إسلامي/تفرع عنه ص 131 . وهذا يسمح لنا باكتشاف التحول الذي طرأ على الروح تمهيدا لعدة صيغ كان آخرها تفكير عصابي مصاب بالشيزوفرانيا ومنقسم على نفسه إلى تيارات سلفية مع الكفاح المسلح وتيارات أصولية تؤمن بعمل المجتمع المدني أو لعبة السياسة المقيدة. ويسميه أتباع الموجة الثالثة للتنوير بالإسلام الحركي. وهو اصطلاح يشمل كافة الجماعات الإسلامية سواء كانت تؤمن بالتنظيم السياسي أو تكتفي بالجهاد.

ومثلما هناك خلاف حول ماضي هذه النصوص ونظافتها يوجد خلاف حول ما تبقى منها نشيطا وفعالا في الوقت الحاضر، ليس من ناحية التأويل فقط وإنما في أساليب التطبيق أيضا. وبالأخص فيما يتعلق بجانب الحقوق المدنية وتوزيع الثروات العامة.

ويحتل ترتيل القرآن مكانة أساسية في تحديد المعنى، لذلك إن دور الإنشاد والاستماع ليس مسألة تتعلق بالحواس فقط وإنما لها قيمة معنمية بتعبير تيزيني، ص 139. وبهذا الخصوص يكون للتسكين والمد نفس الدور الذي تلعبه الحروف. فهي تؤسس لعلاقة أساسها الحوار الموضوعي مع الذات أو الخشوع. وإن كان الإنصات يسهم بشكل معنمي في توسيع وتوجيه المعنى، وهو مبدأ قريب من الفسحة المضيئة للمعاني (بتعبير سامي أدهم) فهو لا يختلف كثيرا عن اندماج محارف النص في قيمة جوهرية واحدة تؤسس لحوار بين أطراف متساوية (الله المتعالي، والمنصت والمنشد المجسدين لمبنى ومعنى كلام الله). وهنا يتحول القرآن إلى نشاط مزدوج أو سلاح له حدان: الكلام بسياقه والنص بخلفياته التاريخية.

وللأسف مثلما تمنح هذه الحقيقة القرآن قيمة حركية غير سكونية وبعدا إنسانويا يعيد ربط العقل الجماغي بمصلحة الأفراد وعلى أساس ديمقراطي يشرط التنفيذ بالفهم والاقتناع والتجسد فإنه أيضا يمكن أن يقود لإسدال حجاب يحجز الفعل الخارجي عن الفضائل. وبالتالي يلغي أي دور للبشر أو يخنق بذرة الشروع بحوار مع الشروط. وهو ما يحرم المستمع من الفهم العفوي للنص ص 142. ولذلك علينا أن نقر إن التحول من الحقل البنيوي إلى الحقل القرائي الوظيفي يخلق شبكة من الخيوط التي تنقطع وتنفصل وتضعنا حيال ما يجوز لنا أن نسميه كلام الآخر ص 156. وربما هذا ما يعنيه لاكان بالآخر الأساسي (ألف كبيرة) ويشير به لنقلة راديكالية في المعنى. وهو الحقل الذي ينتمي إلى اللغة والقانون أو عالم الرموز. وبلغة أبسط هو كل شيء مفروض علينا ونتقبله على أنه جزء من مكوناتنا الشخصية. ولذلك يجوز النظر إليه على أنه تتيجة تراكم تخيلات رموزية تصنع لنا عالما وهميا نحتمي به.

ويمكن القول إن الإسلام الأول آل بعد جملة التحولات المعقدة إلى الإسلام الشعبي الذي انطوى على عادات وتقاليد إثنية واجتماعية وضعت حواجز بين المسلمين، بحيث أنهم تحولوا لمجتمعات إسلامية لها تطبيقات وعبادات متباينة. وقاد ذلك فيما قاد إليه لتشكيل المذاهب (الجانب الثقافي من الدين) والجماعات (الجانب الحركي والعسكري منه). وبرأيي قاد ذلك بدوره لتكوين ذراع ضاربة للمجتمعات الإسلامية أخذ شكلا بيروقراطيا في أوقات الشدة وشكلا براغماتيا في أوقات الرخاء.  وساعد على هذه الظاهرة ما يسميه تيزيني الطبيعة المركبة للمصادر، أو التمييز النظري بين الكتاب واللوح المحفوظ. فالأول بمتناول اليد والآخر تصور وله قيمة شمولية يجب أن تحيط بكل شيء لدرجة أنه يتناهى مع الماهية الغامضة والمستحيلة للخالق نفسه. وإذا كان الكتاب دستورا للمسلمين فإن اللوح المحفوظ هو الحاكم على هذا الدستور لما يتضمنه من نظام معرفة على وجه المطلق كالله نفسه، وبالتالي يحوله لشيء تعجز التصورات عن الإحاطة به منطقيا و يتطلب منا التسليم به.

وأعتقد أن موجة التنوير الأولى عولت كثيرا على هذه الثنائية كي لا تكسر علاقتها مع الجانب الغائب من الهوية الإسلامية الأمر الذي تسبب بإجهاضها وابتلاع الدكتاتوريات لها مجددا. ويمكن القول إن الفرق والمذاهب في الإسلام لا تدين بوجودها لخلافات في العقيدة، ولا بطريقة فهمها لأن الفهم يأتي من اتجاه النص وليس من خصوصية معناه. بتعبير آخر التشابه مثل الاختلاف من ناحية استحالة التكرار وحتمية التحول. فالقرآن والحديث كلاهما يحمل صفة إجمالية وكلاهما له هوية جوهر كلي. أما الإشكالية فهي مفروضة عليهما من خارج الخطاب وتحمل بصمات الحياة الدينية العامة التي تنتسب لما يسميه ماجد الغرباوي قبليات النص. ويفهمها تيزيني بمعنى شيء يعمل من داخل البيئة المنتجة لنظام القراءة أو من تحت النص وهي تحديدا: الخصائص أو ما نسميه حاليا  الانتماء والهوية ومنها الأصل العرقي والاجتماعي وطريقة التفكير والشريحة ثم أخيرا الاتجاه السياسي ص 236.

ولكن ما لم يلتفت تيزيني لأهميته هو تناحر الخطاب مع نفسه. فمع أن التعاليم تتجه نحو العمومية ومن المفروض أنها موجهة إلى كل البشر، أخذت المسائل المتعلقة بالخلافة اتجاها خصوصيا حصرته في قريش. ومن البديهي والمنطقي أن تقود هذه الإشكالية النص إلى حدود يجد نفسه في نهايتها مع التشخيص بصيغة مقفلة  ص 245. وبذلك نكون قد ألغينا قاعدة فقهية أساسية في القرآن وهي دور المحكم وأبقينا على دورالمتشابه القابل لتعدد القراءات والتفاسير. وعليه أمامنا سمة ثالثة لا بد من العناية بها وهي التأويل.  ص264. ولا شك أن اقتحام النص بالتأويل يخضع لمقتضيات وضعية أو وضعيات اجتماعية  ص264. وقد دشن الانتقال من الرواية إلى الدراية مرحلة أحاط بها الكثير من الالتباسات، وفي المقدمة ظرف الانحطاط التاريخي الذي استهان بشرط الحرية في الاجتهاد والتوسيع في العقل، وأسقط التفاصيل والجزئيات فوق العام  والكلي وكأن الرسول لم يذكر أن التأويل بمرتبة التنزيل كما ورد على لسانه في حديث له عن علي بن أبي طالب. ص 276.

هذه الإشكالية زودت النص بثلاثة سطوح: ظاهر وواضح وباطن. والواضح هو ما لا اختلاف عليه. ولكنه جزء من وعي تأويلي يقبل الإجماع  مثل أداء الشهادتين. ويبقى كيفية هذا الأداء ونسبيته محط أخذ ورد، وهو موضوع الباطن أو كل ما ورد به نص. فهو بتعبير الغزالي غير جامد ووراءه مرقى ص 302. وبتعبيره أيضا هو كل ما فوقه أسرار. ص 302. وهذا الجزء هو المقصود بالعلوم الإلهية. وبرأي تيزيني من هذه الحقيقة نشأت ثلاثة مستويات للإسلام: الأول للسلطة. والثاني لنظام المعرفة (إسلام نظري) والثالث للطقوس (المعروف بالدين الإسمي وبلغة تيزيني الإسلام الشعبي) ص 304. وبمصطلحات النفري هذه المستويات هي تعبير موضوعي عن الهداية بالقلب أو السمع أو التعلم. ص 329. ومن هنا تفرعت فئة الإسلام الفردي. ص 322  أو دين الإنسان الإلهي الذي لا يحتاج لتوسط بينه وبين معارف خالقه. وبذلك ضمن الإسلام لنفسه أن يكون دينا رحمانيا يحرص على واقع التوسيع لا التضييق والتأزيم، وأن يضع حدا لعنصر التعالي والمفارقة. و هي الغاية الحقيقية لأي دين: أن يحل المشاكل لا أن يخلقها، وأن يصالح بين الإنسان وحياته ولا أن يعمل على بتر علاقته بواقعه. وعليه يمكن القول إن أساس الفكرة الإسلامية هي في تصعيد الروح لتكون مرشدا للمجتمع. ولا يمكن تحقيق هذا الهدف بمعزل عن الأساليب الديمقراطية. فالروح لا تفهم القسر ولا الضغط. والإجبار  يجرحها ولا يداويها. ويتضح ذلك في البنية المنطقية للقرآن التي أخذت شكل عملية متتالية من التكون والفعل والاستجابة وفي إطار حواري بين الرسول وخصومه. وهذه الحوارات كما يرى تيزيني بعيدة المدى وغير موضعية ولها بعد كوني، ص 355. بتعبير آخر كانت تتحلى بوعي تاريخي وبصيغ مضمنة وغير مباشرة ص 356. وما يؤكد الطبيعة الديمقراطية للقرآن أنه نزل بسبعة حروف، كل منها يحفظ شكلا من أشكال لغات العرب ولهجاتها، ولم يدفن هذه الظاهرة إلا الإيذان بعودة الأوتوقراطية التي أسس لها عثمان بخلافته. ويجد تيزيني نفسه مضطرا للإشارة إلى وجود مصحف أموي عثماتي يبرر موقف أنصاره خلال الاضطرابات كما ورد في تاريخ الطبري، ومصحف للمعارضة الإيديولوجية. ص 404. ولا ينسى أن يشير للخلاف السياسي بين عثمان وبين واحد من الرواة الموثوقين وهو عبد الله بن مسعود والذي كان يحك المعوذتين من مصاحفه، ويقول إنهما ليستا من كلام الله كما روى أحمد في مسنده ص 397، ناهيك أنه هدد بحرق مصحف عثمان لو واتته الظروف وامتلك السلطة حسب رواية موثوقة للطبري . ص 407.  وهذا ما حدا بالإمام أبي الحسن الأشعري لأن ينفي عن القرآن المكتوب صفة الألوهية، وذلك استتادا لمقولة فلسفية، والتعبير لطيب تيزيني، ترى أن الله مقولة مطلقة يمنع تجزيئها، وهو غير مشروط بحدود العقل البشري، ولا يجوز تجسيده بكلام منفصل عن ذاته. ص 410.

تبقى عدة ملاحظات لا مندوحة لأي قارئ من الانتباه لها.

أولا- ما هي ماهية هذا الوحي الذي تكلمنا عنه كثيرا. ما طبيعته. وكيف يتصل بالنبي. وهل هو مجاز أم رمز. لا يقدم الدكتور تيزيني أي إيضاح، ويقفز من فوق المسألة كأنها غير موجودة. وربما لم يرغب بتكرار ما سبقه إليه  هشام جعيط الذي يرى أن أصل الاسم عبراني وهو جبر - إيل. ويعني حرفيا قوة الله، ويأتي بمنزلة إدراك ما لا يدرك عامة وعادة ص 57(3).

ثانيا - لا يوجد أي مساس لدور تضارب الهويات العربية في صياغة نسخ متعددة من الإسلام الديني. لقد أثرت  شخصنة الهوية على أنسنة الدين وتحويله من أفكار متعالية إلى عبادات. ويمكن أن تفهم أن حركة الأفكار باتجاه تخصيص علاقاتها أدى إلى انتاج أديان إسلامية متجاورة، ولنأخذ لبنان على سبيل المثال. هناك علاقة عضوية بين المجتمع الجزئي الحاضن والمفهوم الروحي للعبادة. ويمكن أن تلاحظ بسهولة أن التجاور محكوم بحدود محسوسة تقسم المجتمع إلى جيوب بشرية لها مرجعيات متناحرة في السياسة والاقتصاد والولاءات أيضا. وأعتقد أن المشكلة ليست في تفسير الدين وتأويل النص بقدر ما هي نتيجة واقع اجتماعي تقوده مصالح وجودية. وإذا كان الإجماع على الهوية الوطنية هو الحكم في هذا المضمار لكن حتى هذه الهوية تبدو ممزقة، وتعاني من التشرذم ببن سلم الأولويات.. هل فكرة السيادة تأتي قبل المقاومة، وهل مبدأ المقاومة يتنافى مع حرية الحكومة باتخاذ قرار سيادي. ومن هو الصديق فعلا والعدو فعلا؟؟؟. إنها جملة إشكاليات تضع مشكلة الحدود بين المذاهب تحت مشاكل ساخنة وأكثر إلحاحا وهي مشاكل وجودية تعيد خلط الأوراق وتحول الحياة في بلد واحد إلى أمنية صعبة يحيط بها التحسس والشك.

وحتى لا نبتعد عن موضوعنا أعيد صياغة كلامي بلغة أوضح: الخلافات الخارجية لم تساعد على ردم الخلافات الروحية وإنما ألهبت مصادر النزاع القديمة، وكشفت عنها الغطاء وقدمت لها أرضا واقعية لتجعل من الوحي الواحد اثنين، ومن الإسلام الإجمالي عدة صيغ بينها ما صنع الحداد. وقد ساعد ذلك عمليا على خلق كونتونات وغيتوات ضمن دويلة صغيرة واحدة. ويبدو أن النزاع على السلطة دفن الأبعاد الروحية لهذه الجماعات وحولها إلى أبعاد احتماعية فعلا. وتكتشف سوريا والعراق هذا الطريق نحو واقع اجتماعي لا سياسي ولا ديني، وربما تحركه مصالح دولية واقتصادية ستعطي الإسلام والتصورات الوطنية تذكرة عبور لعالم أو تاريخ غريب تكتب له السيناريو حاليا حركة تهجير الأفكار وصناعة الهويات. وربما ستكون النتائج موازية لما حصل مع لحظات مفصلية في تاريخ النوع البشري مثل لحظة إبادة كولومبوس لقارة وإحلال قارة بمكانها، ومثل لحظة إغراق كوك لأستراليا بمجتمع من الجناة والمذنبين. إن ما جرى في أستراليا يكاد يكون أغرب وأعجب مما حصل في مسرحية “في مستعمرة العقوبات” لكافكا. من هذا الألم تكونت حضارة صناعية وسعت من المدى المجدي لإمبريالية العقل الأنغلو ساكسوني الأبيض. وكل المؤشرات تدل أننا على وشك حفر صدع عميق في الهوية الإسلامية لعرب الألف الثالث بعد الميلاد.

ثالثا - كذلك لم يقارب تيزيني المشكلة لاقتصادية بوجهها التجاري والتي عبدت الطريق لتسويق شخصية محمد قبل أن تنقض عليها وتستأنسها في أوليغارشيتين رأسماليتين قامتا على أساس حكم العائلة، وهما بنو أمية ثم بنو العباس. ولا أستطيع أن أنكر أن الوجه الاقتصادي لإسلام المجتمعات هو الذي يعزل ويربط. فالاقتصاد الموحد والمتجانس في أسواق الخليج تغلب على الطببعة الكوزموبوليتانية للمجتمع، وساعد على تطويف هوية إسلامية تحمل شعارها أو استراتيجيتها الخاصة. وبلغة مباشرة لم يترك أي مجال لتنامي التضارب ببن الشعائر وإنما جعل لها قيمة تداولية متماثلة. في حين أن اختلال آليات الاقتصاد والنشاط التجاري في العراق بعد سقوط الحكم الدكتاتوري نجمت عنه عدة خطوط لكل منها ترجمة خاصة لمضمون وحتى شكل الإسلام. صحيح أن دولة العسكر هي غير دولة السوق لكن أيضا إن استراتيجيات السوق لا تشبه بأي حال من الأحوال سياسة الدكاكين المفتوحة التي تستبسل لكسب الأرض في حروب اقتصاد بطيء ومتخلف ومدين. ولا أريد التذكير أن النظام العسكري اعتمد على سياسة دكاكين الدولة، ولذلك لم تكن لديه تصورات اقتصادية وإنما برامج استوردها مثلما نستورد حاليا السوفت وير وحزمة أوفيس مايكروسوفت للحواسيب. لقد أسهم ذلك لحد بعيد في عزل الخطاب عن القوة المنتجة للعبادات وأدى لتطوير جيوب متجاورة لديها تصورات متناحرة بكل شيء ومن ضمنها التعبير الروحي عن رأسمالية الدين وتطبيقاته. وبلغة عملية سرع من فرز الكيانات إلى مستفيد من اقتصاد التشغيل الخارجي والتحويل، وإلى مستفيد من اقتصاد الجمعيات الإدخارية ،ولفئة محرومة من هذه الروافد.

رابعا - وفي معرض متابعته المستفيضة واللماحة لمشكلات التحول من النص إلى الواقع ومن الكل للأجزاء لم تتوفر له الفرصة ليلتفت لفرق هام بين محورين في الإسلام، وهما الإسلام الثقافي والعملي. ولا أعتقد أنه يمكن أن نعزو للأول صفة نظرية وللثاني صفة تطبيقية، فكلاهما يعمل بالطول والعرض، أي لهما نشاط أفقي وعمودي بنفس اللحظة. غبر أن الأول ينشط في مجال طوعي ويحمل قدرا كبيرا من النزوع الذاتي. بمعنى أنه منزه عن الأهداف والغايات، وهو يلبي حاجة الإنسان للتحضر وليس استجابة لنداء أو غريزة الحياة، وعليه يمكن أن تقول إنه نظيف من النوازع. وطبعا هو غير التصوف. فحتى الصوفي لديه غاية فوق إدراكية وحاملة لدوافع تعمل في الوعي الباطن. ولعل هدفها الأساسي هو التعمية أو إسدال حجاب يمنع الإنسان من المعاناة المادية ويغطي عليها بالتراضي مع الروح والتصالح مع المبدأ الكلي. فالتصوف هو احتجاج للعقل بأسلوب الروح. ولعله تحريض وإطلاق لقوى المعارضة بطريقة معاكسة للحلول وللتجسد أو بالغمر الروحي للإمكانات. أما الثاني، الصورة العملية للإسلام، فهو يشمل دين الشعب والسلطات. ومهما كانت شدة النزاع بينهما، هناك اتفاق حول اغتنام قانون اللحظة واستغلالها لدفع الغايات إلى مصالح. وأعتقد أن كل أشكال التفكير الديني التي توقف عندها تيزيني تدخل في هذا المضمار باستثناء دين لحظة الرسول. فهي نقطة تبئير تنفصل منها المتشابهات لتخلق عقلا إسلاميا.

وختاما.

ماذا لو عكسنا طريقة طيب تيزيني في متابعة تأثير البنية على تأويل النص، وقرأنا دور التأويل في تشكل الصيغة النهائية للواقع. بتعبير آخر: ماذا لو نظرنا لكل من البداية والنهاية، كلا على حدة، وبالتركيز على النتائج. أكبر التحديات التي سنواجهها يمكن تلخيصه بسؤال مباشر وصريح: ما هو سبب نجاح الثورة الإسلامية في بواكيرها وفشل كل العمليات الدعوية والعسكرية التي يتوجها ما يسمى في الصحافة المعاصرة باسم “الشتاء العربي”؟.

وباعتبار أن القرآن الذي بين أيدينا هو نفسه القرآن الذي كان موجودا قبل 14 قرنا، لا يمكن أن نقول إن الخلل كامن فيه،  ولكن في الطريقة غير الجدلية التي نقرأه بها خارج شرطه التاريخي والموضوعي. 

 

د. صالح الرزوق

......................

* النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة.. طيب تيزيني. دار الينابيع. دمشق 1997/  ص 443.

1- الهوية والفعل الحضاري. ماجد الغرباوي. دار أمل الجديدة. 2019.

2- مقالتي: السنة النبوية في صحيح البخاري. منشورة في المثقف عدد 4215. تاريخ 21 - 3 - 2018.

3- الوحي والقرآن والنبوة. هشام جعيط. دار الطليعة بيروت ط 2 ، 2000.

 

 

بليغ حمدي اسماعيليخبرنا الأستاذ عباس محمود العقاد بحقيقة ماتعة مفادها أن قراءة كتب فلسفة الدين وتراجم العظماء تؤدي جميعا إلى توسيع أفق الحياة أمام الإنسان، ويؤكد على رهان لا يزال قائما وهو أن الكتب طعام الفكر وتوجد أطعمة لكل فكر، كما توجد أطعمة لكل بنية، ومن مزايا البنية القوية أنها تستخرج الغذاء لنفسها من كل طعام، وكذلك الإدراك القوي الذي يستطيع أن يجد غذاء فكريا في كل موضوع .

هذه التقدمة جاءت ضرورية، بل وأكثر واقعية وأنت بصدد إعادة قراءة كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت بيجوفيتش الرئيس السابق للبوسنة وقائدها السياسي وزعيمها الفكري والروحي كما طاب هذا التوصيف للمفكر المصري الموسوعي الدكتور عبد الوهاب المسيري . وفكرة الزعامة الفكرية لبيجوفيتش أتت من كونه صاحب اجتهادات واسعة ومهمة في تفسير ظاهرة الإنسان في كل تركيباتها، وهو ـ علي عزت بيجوفيتش ـ كان أكثر الزعماء المهمومين بعلاقة الإنسان بالطبيعة، باحثا عن نظام فلسفي دقيق يحكم تلك العلاقة .

ولعل اجتهاد علي عزت بيجوفيتش نتيجة منطقية لجهاده المستدام، وشتان بينه وبين رؤساء آخرين مهمومين بتفكيك القوى العربية الكبيرة على حساب كيانات سياسية أكثر صغرا، في الوقت الذي كان فيه بيجوفيتش مرهونا بالدفاع عن قضايا بلاده، لذا استطاع بحق أن يصبح بيجوفيتش على توصيف الدكتور عبد الوهاب المسيري أن يحظى وحده بلقب المجاهد المجتهد، ويلعب منفردا دور الفارس والراهب، في التوقيت الذي لهث فيه كثير من الأمراء والحكام العرب آنذاك بالتطبيع الصهيوني والمقامرة مع الإدارة الأمريكية لتحقيق مآرب شخصية بل أسرية أيضا أي على نطاق الأسرة كما كان الحال مع التونسي زين العابدين بن علي .

وكتاب الإسلام بين الشرق والغرب للرئيس البوسني الأسبق علي عزت بيجوفيتش لا يعد مهما كونه كتابا لرئيس دولة فحسب، بل لأنه كتاب رصد الملامح التي تحكم العلاقة بين الشرق والغرب والمحاولات التي تسعى ولا تزال للقضاء على الإسلام الذي يشكل صداعا كبيرا في عقول الموتورين في الغرب .

وجاء الكتاب نتيجة دراسة واسعة ومتعمقة للواقع الغربي لاسيما الأمريكي الذي طالما يتفاخر بحضارته وإن صح التعبير بثقافته لأن الغرب لم يصل بعد إلى حيز الحضارة التي يمكن تسجيل ملامحها بالسنوات البعيدة، هذا الغرب المتفاخر دوما سجل أعلى معدلات الجرائم الأخلاقية كالاغتصاب والزنا واللواط بل أعطى لهم حقوقا لا تزال مشروعة هناك كالاعتراف بالمثليين، أيضا هذا الغرب المتباهي وسط فقرنا المعرفي عنه سجل أكبر معدلات للانتحار ليس نتيجة للرفاهية كما تزعم بعض وسائط الإعلام، إنما نتيجة حتمية للفراغ الروحي والخواء الفكري .

وكانت معرفة النظام الرأسمالي الذي يتحكم في أنماط الحياة الغربية شرطا رئيسا لفطنة التوجه نحو الإسلام والمسلمين لاسيما وأن الإسلام بطبيعته السمحة يعلي الجانب الروحي والفكري للإنسان مع اهتمامه أيضا بجوانبه المادية الأخرى ولكن بصورة أكثر اعتدالا . وكثيرا ما أشار علي عزت بيجوفيتش الثقافة الروحية، فهو يعلق على ذلك الملمح الرصين في حياة الإنسان بقوله " يمثل الدين والعقائد والدراما والشر والأخلاق والجمال وعناصر الحياة السياسية والقانونية التي تؤكد على قيم الشخصية والحرية والتسامح، يمثل كل هذا الخط المتصل للثقافة الإنسانية الذي بدأ  مشهده الأول في السماء بين الله والإنسان " .

وأجدر ما ينبغي الإشارة إليه في ثنايا كتاب الإسلام بين الشرق والغرب للرئيس البوسني الأسبق بيجوفيتش هو سؤال الدهشة المطروح حول أصل الإنسان، وفي هذا السؤال يفند علي عزت بيجوفيتش طروحات الماديين والعلمانيين حول التفسير المادي للإنسان، محاولا إيجاد ثغرات علمية تدحض هذا الزعم العبثي، فهو يحاول إثبات عجز النموذج الدارويني في التطور في تفسير ظاهرة الإنسان، وهو في سبيل ذلك يبين أنه من المستحيل تصديق أن الإنسان نتيجة تفاعلات كيميائية تمت بالصدفة وأدت إلى خلايا بسيطة ثم تطورت إلى أن أصبحت الإنسان .

جميل الكتاب ليس كونه سطورا في فلسفة الدين وأصل الإنسان وتركيباته النفسية والروحية والمادية وعلاقته بالكون والطبيعة، إنما جميله ومعروفه أيضا أنه طرح فكري صدر عن رئيس وزعيم فكري لشعب أصيل عانى وقاسى ويلات الاضطهاد والتمييز الديني، وجاء ليدحض مزاعم الغرب المادية ومدافعا عن هذا الهجوم الضاري صوب الإسلام الحنيف . وتبقى رصاصة الرحمة التي أطلقها علي عزت بيجوفيتش للفكر المادي قائمة حينما أعلن عجز رواد النظرية الداروينية في تفسير الظواهر الثقافية للإنسان لسبب بسيط وهي أن الظواهر تلك تقف متعالية عن التركيب المادي الذي أسهبوا في تفسيره بل وتقف بمنأى عن التبريرات المادية مفارقة لها .

وعلي عزت بيجوفيتش يدحض مجددا الفكر المادي المسيطر على العقل الغربي حينما يؤكد أن الإنسان استطاع الارتقاء عن نظريات تفسيره المادية الضيقة من خلال مظهرين أساسيين له ؛ الدين والفن، وهو في ذلك يشير بقوة إلى الأخلاق المادية النفعية المسيطرة والمهيمنة على الشباب في دول الغرب، ويطرح فيجوفيتش تساؤلا مثيرا لدهشة التلقي والتأويل: لماذا توقف الإنسان عن تحسين كفاءته في الصيد ليقوم ببعض الشعائر التي لا معنى لها من منظور مادي نفعي؟. السؤال نفسه يطرح أسئلة أخرى مثل ما الهدف من الوجود والبقاء؟ هل هناك آليات لاستمرار بقاء روحي للإنسان؟. ومثل هذا الطرح الفلسفي هو إعلاء وإعلان عن حياة روحية للإنسان أرقى من حياته المادية النفعية وارتباطه بقوة غيبية أعلى تلهمه الصواب وتمنحه قدرا كبيرا من التعامل الراقي مع الكون والطبيعة .

ويطرح علي عزت بيجوفيتش نظريات ثلاث حول وجهات نظر العالم التي تحكم تفسير الإنسان لطبيعته ؛ فرؤية مادية ترى العالم مادة محضة، وهي نظرة تنكر أية تطلعات روحية للإنسان ولاشك أن هذه النظرة الضيقة هي التي أودت بالشباب الغربي إلى مهالك أخلاقية كالزنا والتحلل القيمي والانتحار وعمليات التحول الجنسي وغير ذلك من مثالب مهلكة .

ورؤية دينية مجردة تتسم بالروحية الخالصة باعتبار الدين تجربة روحية فردية تنكر كل احتياجات الإنسان المادية، ودلل على ذلك بالمسيحية .

أما الرؤية الثالثة والأخيرة حسب الطرح الفلسفي لبيجوفيتش فهي الرؤية الإسلامية التي تعترف بالثنائية المعتدلة للإنسان، التي تتجاوز الرؤيتين السابقتين عن طريق توحيد طبيعي بين المادة والروح، حيث إن الإسلام الحنيف استطاع أن يخاطب كل ما في الإنسان، وهو الديانة التي أقرت بأن الإنسان هو وحدة الروح والجسد .

ويقر علي عزت بيجوفيتش بأن هذه الثنائية باتت صعبة التفسير والتلقي لدى الغرب غير المسلم، وهذه الثنائية نجدها متقابلة باتفاق واضح في مصدري الإسلام القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة لصاحبها المصطفى (صلى الله عليه وسلم) . وراح المجاهد المجتهد بيجوفيتش يرصد كل ملامح ثنائية الروح الجسد في أركان الإسلام الخمسة وأيضا في مهارتي اللغة القراءة والكتابة .

وإذا كان المفتتح عند أستاذنا العقاد، فعنده أيضا المختتم، فهو يرى أن الوصول بالعقل إلى معرفة الله هو أسمى درجات الإيمان وهو الأمر غائب الصلة والاتصال عن العقل الغربي المفرط في ماديته، والاكتفاء هنا ونحن بصدد الحديث عن الإيمان بتساؤل بيجوفيتش هل الأخلاق ممكنة بدون إله؟ بالطبع لا رغم أن هناك ملاحدة على أخلاق، لكن لا يوجد إلحاد أخلاقي، وهذا المسعى هو مطمح الغرب الذي يحاول إنتاج أجيال كاملة لا تذعن لقوانين الدين وضوابط العقيدة، ويبقى الدين هو الملمح الأصيل الثابت في حياة الإنسان الذي يقنن مثاليته ويجعله الحدث الأهم والأبرز في تاريخ الكون .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

جواد عبد الكاظم محسنفي مكتبتي الخاصة مكانة مائزة لكتب المذكرات، وأجد كثيراً من المتعة والفائدة والعبرة عند قراءتها، وقد جمعت منها ما يزيد على الثلاثمائة كتاب، ومازلت حريصا على اقتناء كل جديد يصدر منها، ويمكنني الحصول عليه، وخاصة مذكرات الشخصيات العراقية، وآخر ما وصلني منها كتاب (محطات وذكريات)  للدكتور ناجح الراوي رئيس المجمع العلمي العراقي الأسبق الصادر عن دار قناديل ببغداد، ولما قرأته كانت لي وقفات في عدد من محطاته وآراء في بعض ما دوَّنه، فكانت هذه السطور.

بدأ المؤلف كتابة الذي قسمه إلى سبعة عشر فصلاً بمقدمة جميلة جاء فيها (عندما يرتقي المرء سلم المسؤولية، تكون تجربته ملك المجتمع ومن حق الجماهير والساسة الاطلاع عليها للإفادة من الايجابيات وتجنب السلبيات والعثرات، فحياة المسؤول وذكرياته وتجاربه قد تسهم في جزء من كتابة تاريخ المرحلة التي يعيشها، لهذا فإن المذكرات يجب أن تكتب بصدق وأمانة ودقة تنسجم مع السيرة التاريخية)، وأوضح أنه (عمل في أماكن متعددة: أستاذاً جامعياً، وعميد معهد، وعميد كلية، ووكيل وزارة، ووزيراً، ورئيساً لمجلس البحث العلمي، ورئيسا للمجمع العلمي العراقي، ومناصب متعددة غيرها، فكانت هذه المذكرات تأريخا لهذه السنين الطويلة).

خصص الفصل الأول لنشأته الأولى حيث ولد في إحدى قرى راوة سنة 1935م، ودراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وكان الفصل الثاني لدراسته الجامعية الأولى، وكانت في كاردف في مقاطعة ويلز بالمملكة المتحدة، وتخرجه فيها سنة 1957م، وعودته إلى العراق، والتحاقه بدورة في كلية الضباط الاحتياط، ولما قامت ثورة 14 تموز سنة 1958م التي خصص لها الفصل الثالث من كتابه كان ضابطاً منسباً في كتيبة الهندسة الأولى ومقرها في الحلة، وشاءت الصدفة أن يكون موفداً يومها إلى بغداد بواجب عسكري، وأورد في الفصل الرابع سفره سنة 1961م إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتكملة دراسته العليا، وقد أكملها سنة 1967م، وعاد ثانية إلى العراق.

1545  مذكرات ناجح الراوي وفي كلا الفصلين المتعلقين بدراسته في المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة الأمريكية تحدث بتفاصيل عن حياته في البلدين وأسماء أصدقائه وسفراته معهم ونشاطاته الطلابية، وهي كثيرة، وقد تخللها الكثير من الصراعات السياسية والفكرية بين الطلبة العرب والعراقيين خاصة في تلك الحقبة، وكان على وشك العودة للعراق بعد إكمال دراسته عندما وقعت نكسة الخامس من حزيران سنة 1967م، فوصف الحال بقوله (كانت أحداث الخامس من حزيران وانتصار إسرائيل الكاسح السريع على مصر وسوريا والأردن، وابتلاع واحتلال سيناء والجولان وما تبقى من أرض فلسطين، وكان اليهود يرقصون فرحاً في شوارع نيويورك ويجمعون التبرعات لإسرائيل).

وبعد رحلة سياحية طويلة في بالبحر من نيويورك إلى انكلترا، ثم بسيارته الخاصة إلى فرنسا وإيطاليا ويوغسلافيا وبلغاريا وتركيا وسوريا قبل أن يصل بغداد في تموز سنة 1967م، وتعيينه مدرساً في معهد الهندسة الصناعية العالي بجامعة بغداد في أيلول سنة 1967م، وهو معهد كما قال (يقبل بعض الطلبة الراسبين في كلية الهندسة وخريجي الثانوية بمعدلات متدنية وأغلبية طلابه من الذكور).

وفي الفصل السادس تحدث عن (انقلاب وثورة 17- 30 تموز 1968م) من وجهة نظره كسياسي ينتمي للحزب الذي هيمن على السلطة، وأول لقاءاته مع أحمد حسن البكر، وتعيينه عميدا لمعهد الهندسة الصناعية العالي، وما عمله للحد من الفوضى المنتشرة فيه، وذكر أن (ناظم كزار الذي أصبح مديرا للأمن كان راسباً في كلية الطب وقبل في المعهد عام 1967، وفي عام 1968 لاحظت أن درجة ناظم في درس الفيزياء قد عدلت من 35% إلى 50% ، فطلبت مدرس المادة إبراهيم غزالة وكان يشغل منصب معاون العميد، وسألته كيف حدث هذا؟ قال " دكتور بقى أنا رسبتوا سنة 1963 في الكلية الطبية ووقفوني ستة أشهر، وأنا ما مستعد أتوقف بعد"، فاضطررنا إلى زيادة درجات كل طلبة الصف في درس الفيزياء بالدرجة نفسها)!!

وفي هذه المرحلة غرق صاحب المذكرات في نشاطاته الحزبية المتداخلة مع نشاطاته المهنية، وتحدث عن أربعة مراحل في (تصفية العسكر)، تمثلت الأولى في إقصاء عبد الرزاق النايف  وإبراهيم الداود (وكان مسؤول التصفية صدام حسين كما هو معروف)، والمرحلة الثانية تصفية جماعة عبد الغني الراوي التي كانت تخطط في الأيام الأخيرة من حكم عبد الرحمن عارف لتسلم الحكم، والمرحلة الثالثة كانت إبعاد صالح مهدي عماش وحردان التكريتي (ثم تمت تصفيته في الكويت، ولقد قوبل الإجراء بارتياح عام من قبل ملاكات الحزب الذين يذكرون حردان في تشرين من عام 1963)!!

وفي المرحلة الرابعة من مراحل تصفية العسكر يورد صاحب المذكرات كلاماً خطيراً، إذ يقول (لم يبق من العسكر في صفوف القيادة سوى أحمد حسن البكر ووزير الدفاع حماد شهاب ووزير الداخلية سعدون غيدان، فكانت حركة ناظم كزار في 30/6/1973 للتخلص من الثلاثة ولتأخر طائرة أحمد حسن البكر الذي كان في زيارة لبلغاريا فقد نجا من المحاولة، أما حماد شهاب فقد كان الضحية، وأصيب سعدون غيدان إصابة بسيطة)، ويتساءل (هل كان ذلك من تخطيط ناظم كزار؟ لم يتساءل الحزب حفاظاً على وحدته وامتثالاً لتجربة عام 1963، وترأس المحكمة عزة الدوري، ولكن السؤال : ما علاقة عبد الخالق السامرائي الذي يبدو على النقيض من شخصية ناظم كزار، وربما لا يتفقان على شيء، هل هو تخلص من شخص مشاكس في القيادة؟!)، ويصف الدكتور ناجح خليل في مكان آخر عبد الخالق السامرائي بأنه (شخص مبدئي وموضوعي)!!

وأكمل حديثه عن تصفيات العسكر في المرحلة الرابعة فيقول(بقي أحمد حسن البكر الذي أصبح حساساً جداً وحذراً، واحتفظ بمنصب وزير الدفاع فضلاً عن المناصب الأخرى فترة من الزمن إلى حين تعيين عدنان خير الله في هذا المنصب فهو ابن خال صدام حسين وصهر أحمد حسن البكر البكر، فقد حقق التوازن بين الرجلين، في هذه الفترة عين صدام حسين على وفق استغراب الجميع فريق ركن وهو الشخص المدني، وأخذ يقرب الحزبيين من المواقع المتقدمة، وأصبح يسيطر على الجيش والمخابرات والأمن، وأصبح احتلال الموقع الأول في الحزب والدولة مسألة خاضعة للتوقيت المناسب للإعلان، وهذا ما حدث في تموز 1979م)!!

ويتوقف في محطة مهمة، وهي أحداث تموز سنة 1979م ، وكان حينها يقضي العطلة مع أسرته في جيكوسلوفاكيا، وجاءه صديق وهو (شخص هادئ جدا جدا ودمث أخلاق)، فسأله (عن الأحوال في العراق فقال : دكتور ماكو شيء .. الأحوال هادئة .. بس الرئيس أحمد حسن البكر استقال وصدام أصبح رئيسا للجمهورية .. وبعض أعضاء القيادة اتهموا بالتآمر واعتقلوا وتم إعدامهم وهم : محمد عايش، ومحمد محجوب، وغانم عبد الجليل، وعدنان الحمداني، ومحيي الدين عبد الحسين المشهدي .. وإن عددا من الملاك المتقدم في الحزب قد تم اعتقالهم ...)!! ويضيف أن زوجته (كانت قلقة جداً من الأخبار العصيبة على الرغم من طمأنتي لها بأنه لا علم ولا علاقة لي بما جرى)!!.

وفي تقييمه لما جرى يقول (لقد أحدثت تغييرات 1979 هزة كبيرة في أوساط الحزب، ولاسيما الملاك المتقدم فيه، فقد انتهى عهد أحمد حسن البكر وربما صفي بطريقة خاصة، فأكملت صفحة تصفيات العسكر القديم لتبدأ مرحلة جديدة ، صعود عسكر جديد "حسين كامل وعلي حسن المجيد" ولتبدأ تصفيات الملاك الحزبي المتقدم لاسيما أعضاء المؤتمر القطري الثامن، وأصبح الآخرون خائفين ساكتين : إما خائفون على الحزب وأحداث 1963 ماثلة أمامهم، وإما خائفون من بطش الأجهزة الأمنية، وأصبح دور الحزب دوراً هامشياً ، فعلى الملاك الحزبي تنفيذ التعليمات، والاجتماعات الحزبية لتلقي هذه التعليمات)!!

وعين في أواخر سنة 1980 رئيسا لمجلس البحث العلمي ، وفصل الحديث عنه في الفصل الحادي عشر، والخلاف مع حسين كامل عند استلامه (مسؤولية التصنيع العسكري، وكانت الحرب مع إيران مستعرة، فأعطي صلاحيات واسعة لم تمنح لوزير، بل هي صلاحيات رئيس الجمهورية)!! ويصفه (كان شاباً طموحاً يحاول السيطرة على كل ما ينبئ يإمكانيات واعدة)!! وبدأ نطاق عمله (يتوسع بشطر أعمال منظمة الطاقة الذرية إلى قسمين قسم يتبع للتصنيع العسكري وآخر لمنظمة الطاقة الذرية)، وهنا حدث الاختلاف، فاتصل به حسين كامل هاتفياً من القصر الجمهوري بخصوص صدور مرسوم جمهوري بشأن مركز الفضاء و(إذا به محتجا على صدور المرسوم بعصبية ، وأخذ يتفوه بكلمات لا تليق بمسؤول بالدولة)، وختم كلامه بالتهديد قائلاً (دكتور إحنا الذي يقف أمامنا ندعجه)!! وتحدث عن بعض المضايقات الأمنية التي رآها في منصبه هذا.

وفي الفصل الثاني عشر بلغت محطات الذكريات مرحلة انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، فتحدث عن تقرير قدمه بصفته مسؤولا متقدما في حزب السلطة عندما طلب منه صدام ومن الوزراء وأعضاء قيادات المكاتب والفروع  (تقديم آرائهم مكتوبة بكل صراحة عن الديمقراطية)!! فكان الجواب إحالته على التقاعد وإلغاء مجلس البحث العلمي!!

ويمضي الدكتور ناجح الراوي في محطاته وذكرياته ليذكر في الفصل الرابع عشر الشخصيات العالمية والعربية التي تعرف إليها من الرؤساء ورؤساء الوزراء وأماكن لقائه بهم، ومنهم محمد زياد بري الذي فاجأ مستقبليه في بغداد سنة 1977 بعدم إتقانه اللغة العربية، ولم يهيئ له مترجم (على أساس أن الضيف رئيس عربي مما اضطر الدكتور سعدون حمادي أن يقوم بالترجمة الفورية)، ووصف الرئيس الإيراني محمد خاتمي، وقد التقاه في مؤتمر بطهران سنة 2001 بأنه (شخص مثقف وقور متخصص بموضوع الفلسفة،وتحدث عن تفاعل الحضارات بين الشعوب كبديل لصراع الحضارات)، وعندما عرف أنه من العراق (كانت تحيته باللغة العربية التي يتقنها).

ويقف صاحب المذكرات محللاً لشخصيات لها موقع خاص ومؤثر في محطاته، وهم ميشيل عفلق وأحمد حسن البكر، وصدام حسين الذي قارن بينه وبين جمال عبد الناصر، وأعتبر قيامه بإعدام (ستة من أعضاء القيادة السابقين، وعدد من الملاك المتقدم في الحزب ومن أعضاء المؤتمر القطري الذي انتخب القيادة بحجة التآمر مع سوريا، فعم الرعب والخوف في صفوف الحزب) من أخطائه، وأقول بل هي واحدة من مسلسل جرائمه الطويل الذي دمر العراق وأوصل العرب والمنطقة إلى أسوأ حال!!

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

عبد السلام فاروقتزفيتان تودوروف واحد من أشهر وأهم المنظِّرين والنقاد المعاصرين فى العالم .. وهو مؤرخ وكاتب معاصر فرنسي من أصل بلغارى ولد عام 1939م وتوفى عام 2017م عن عمر يناهز 77 عاماً . وكان مما كتبه مؤلَّف بعنوان: (اللانظام العالمى الجديد-تأملات مواطن أوروبى) .

الكتاب صدر مترجماً فى سوريا عام 2006م، وكانت الحرب الأمريكية على العراق قريبة العهد، وهى المدخل الذى انطلق منه تودوروف لمناقشة النظام العالمى الجديد فلسفياً. ومعنى هذا أن نقد النظام العالمى ومآلاته مستمر منذ مطلع القرن الواحد والعشرين، بل قبل هذا بسنوات .

يري تودوروف أن الديموقراطية أفرزت ثلاثة أعداء هم:

1- المسيحية السياسية: التي تزعم بأنها خلاص العالم، في حين ترتكب أفعالاً مشينة و شرِّيرة باسم الخير، تعمل على تبرير أفعالها بدافع الوصول إلى غاية يتم وصفها على أنها مبتغى سام للإنسانية. إن استخدام العنف المفرط يلغي قيمة ونبل الهدف المتوخى. من جهة أخرى إن واقعة فرض الخير على الآخرين بدل الاكتفاء باقتراح ذلك عليهم، بدعوى أنهم غير قادرين على حكم أنفسهم وأن تحريرهم يستوجب أولاً إخضاعهم مسوِّغ لا يجد له أي تبرير مقبول، وعلى هذا المنوال وقع التدخل في أفغانستان والعراق و ليبيا. إن عبارة التدخل الإنساني ما هي إلى تورية ملفقة لعبارة التدخل العسكري .إن تحقيق عالم مثالي على الأرض كما تدعي المسيحية السياسية مجرد زعم كبير.

2- الليبرالية المتطرفة: تنطلق هذه الأيدولوجيا المهيمنة من مسلمات ثابتة تنص على قدرة الفرد على تحقيق اكتفائه بذاته و لذّاته وأن إشباع حاجياته المادية يشكل القيمة العليا للحياة البشرية، وهكذا تعمل هذه الأيدولوجيا على عزل النشاط الاقتصادي عن باقي أصناف الممارسة الانسانية، عند هذا الحد تتوقف السلطة السياسية عن إمكان لجم السلطة الاقتصادية تحت ذريعة الحرية الفردية .

ينتج عن انتفاء المراقبة السياسية ضياع للصالح العام و بحث لا محدود عن الربح الفوري فتفقد الحياة معناها و يتم تجريد الكائن البشري من إنسانيته. كما قال مونتسكيو يوما ” إن كل سلطة بلا حدود، لا يمكن أن تكون سلطة مشروعة “.

3- الشعبوية: أى سياسة تملق الشعب لتهييجه، إن الشعبوية التي هي قديمة قدم الديموقراطية تسعى إلى تقديم حلول مبسطة و سطحية و مضللة يعمل التلفزيون ووسائل الإعلام على تغذيتها و إنجاحها بشكل ما. لقد باتت تتمتع بحضور قوي في أروبا بتركيزها المفرط على التمييز بين السكان الأوروبيين الأصليين وبين الوافدين . متناسيةً أن التعاون وتبادل الثقافات وامتزاجها يعزز توسع وإثراء بلد بأكملها، ولأجيال أخرى تالية.

هكذا يرى توردوروف أن المبادئ التى قامت عليها الاقتصاديات فى أوروبا والغرب، والديمقراطية المزعومة التى تمارسها تلك النظم تقع فى نفس أخطاء أعداء الديمقراطية الطبيعيين . بمعنى أن الأفكار الغربية والأوروبية تناقض ذاتها، وتحتاج لإعادة تفنيد مبادئها وتقييمها.

منظومة لن تستمر

تحت عنوان (هشاشة الإمبراطورية) يعتبر تودوروف أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة هى سياسة نظام الإمبراطورية، وأن ما تفعله فى حروب الشرق الأوسط التى تستهدف البترول تحت غطاء فرض الديمقراطية يصب فى نزعاتها الإمبريالية التوسعية، وأن النموذج الإمبراطورى الذى تسعى أمريكا لتحقيقه يختلف عن النزعة الاستعمارية لدى كل من فرنسا وبريطانيا فى القرن التاسع عشر، كما يختلف عن السياسة التوسعية التى توخَّاها الاتحاد السوفيتي فى القرن العشرين . بينما الإمبراطورية الأمريكية لا تشبه هذا ولا ذاك؛ حيث لا تحتل أمريكا البلدان ولا تسعَى لضمها بل تكتفى بالهيمنة عليها تحت شعار :"مَن ليس معى فهو عدوى".

يقول تودوروف، مبرراً أسباب هشاشة تلك المنظومة : (تستطيع الولايات المتحدة اليوم الانتصار فى أى مواجهة من النوع الكلاسيكي، ذلك ما يبدو من الأمور الواضحة . لكنها إزاءَ التهديد الإرهابي تشبه تقريباً الملاكم الذى يحاول سحق البعوض من دون نزع قفازَيه ..) وهو يشير فى هذا إلى حادث انهيار البرج العالمى سبتمبر 2001م والذى اتخذته أمريكا ذريعة لتحقيق مبتغاها فى الشرق الأوسط، وتابَعنا تداعياته منذ ذلك الحين إلى الآن.

يتابع تودوروف : (ليس من المؤكد أن الحرب فى العراق قد ساهمت حقاً فى استئصال الإرهاب، فالعنف يولد عنف .. سيحس الكثير من المجموعات السكانية العربية والمسلمة أو ببساطة المجموعات السكانية غير الغربية بأن فى هذه الحرب إذلالاً لهم بالضرورة، والحال أن الإذلال الواقع أو المتخيَّل أب التعصب..)

إن ما بشَّر تودروف به، بشكل غير مباشر، من أن النظام العالمى الجديد عُرضَة للانهيار بسبب زوال الأسس والمبادئ التى بُنىَ عليها . وأن التوحش الاستعمارى، والأطماع الاقتصادية المدمجة فى أفكار النيولبراليزم، ومقاومة أمريكا لفكرة أن يكون لها شريك فى زعامة العالَم . كل هذا أفضى إلى اللامعنَى .. إنه نظام دولى بلا معنَى ولا هدف ولا أسُس، بعد أن اختلطت المفاهيم وضلت المبادئ طريقها.

كورونا .. القطرة التى أفاضت الكأس

لم يعِش تودوروف حتى يشهد الوباء وكيف أثَّر على العالَم .. لكنَّ ما حدث فى شهر واحد بفعل انتشار الوباء القاتل، فاق ما حدث فى عشرات السنين الماضية .. لم يعش ليسمع صندوق النقد الدولي يصرخ محذراً أن الاقتصاد العالمي يمر حالياً بحالة غير مسبوقة من الركود، قد تفوق ما حدث في 2008م. وأن ديون الدول الكبري سوف تتضاعف وتقفز إلى أرقام خطيرة . وهو ما قد يؤثر على الاقتصاد العالمى لسنوات قادمة.

لم يشاهد مواطِنى إيطاليا وأسبانيا وصربيا يكفرون بالاتحاد الأوروبى ويحرقون أعلامه على شاشات وسائل التواصل، بعد أن انصرف عن مساعدة الشعوب إلى مساعدة رؤوس الأموال والكيانات الاقتصادية الكبري .

لم يبقَى ليري كيف انهارت كل مبادئ التحضر والتقدمية دفعةً واحدة، لتتحول دول أوروبية كبري إلى قراصنة يتسابقون على سرقة البضائع فى عرض البحر!

كيف يبقَى بعد هذا مَن يثق فى المنظومة العالمية، أو المبادئ الأوروبية التقدمية، أو الديمقراطية الأمريكية المزعومة .. بل كيف سيصدق هؤلاء أنفسهم؟

مؤشرات السقوط والصعود

هناك ثلاثة أسئلة مهمة: هل ستنهار أمريكا ؟ هل يمكن أن يحدث هذا؟

سؤال آخر: هل سينهار النظام العالمى؟ وما هو البديل المتاح؟

وسؤال أخير: هل يمكن أن يشهد العالم سقوطاً لا لأمريكا وحدها، ولا للنظام العالمى وحده، وإنما لسائر حقبة العصر الحديث المستمرة منذ عام 1500م .. ليدخل العالَم فى حقبة أخرى شرقية بامتياز؟!

تلك التساؤلات قديمة، وهى مَثار حديث مجموعة من كبار الفلاسفة والمنظّرين منذ مدة طويلة . أكثر هؤلاء من الأمريكيين أنفسهم؛ لأنهم يخشون المآلات، ويعرفون كغيرهم أن "الأيامَ دُول"، أو كما قال الفيلسوف الألمانى شبنجلر : "أن التاريخ الإنسانى ليس خطاً مستقيماً، بل هو دورات شبيهة بدورة الحياة.. ولادة وشباب، ثم كهولة وموت" .. وأمريكا قاومَت فكرة الأفول طويلاً، فاعتبرت نفسها حضارة لا تشيخ ولا تضعف. وفى محاولة لإثبات قوتها المهولة وشبابها الدائم، واجهَت العالَم بأسلحتها الفتاكة وحروبها التى بلا نهاية.

(صمويل هنتنجتون) كان يعلم أن أمريكا لن تتخلَّى عن قيادة العالَم، فكانت رؤيته لحدوث الدورة التاريخية الطبيعية لسقوط وصعود القوى الكبري، هى أن "صدام الحضارات" قادم فى شكل تكتلات وتحالفات يواجه بعضها بعضاً والبقاء للأقوى.

بينما كان رأى (فوكوياما) أن أمريكا هى الأصلح لقيادة الكون لمائة عام قادمة!

وهو ما لم يؤمن به (بول كينيدى) فى كتابه (نشوء وسقوط القوى العظمى) حيث استقرأ التاريخ الطويل للحضارات، واستنتج ما هو معلوم سلفاً، بأن الدول العظمى عليها أن تنتبه . والأفضل، قطعاً، هو أن تتقبل حقيقة أفولها القادم حتماً.

 

عبد السلام فاروق

 

ميثم الجنابيإن كتاب (وعي الذات العربي والبحث عن البدائل)، الذي صدر قبل فترة وجيزة عن دار (المركز الاكاديمي للأبحاث) هو القسم الأول منه. وسوف يليه القسم الثاني. وسبب تقسميه إلى قسمين يعود لأسباب فنية متعلقة بطباعة الكتاب، وثقله بالمعنى المباشر للكلمة. فالكتاب يحتوي على خمس وعشرين بابا، وبحدود 1200 صفحة من القطع الكبير. من هنا ظهرت مهمة تقسيمه بالتساوي، ومن ثم اختيار عنوان لكل منهما، مع أنهما كل واحد وكتاب واحد. من هنا الإبقاء على تسلسل الأبواب والصفحات في طباعته.

وقد كان العنوان الأول للكتاب هو (الفكرة العربية المعاصرة. فلسفة وعي الذات العربي). غير أن العنوان أثار بعض الالتباس بسبب "غموضه" بالنسبة للقارئ. وهذه، كما يقال، قضية أخرى. لهذا اعطيت للكتاب عنوانا آخر ولكل قسم منه عنوانه الفرعي. والقسم الأول منه هو تحت عنوان (وعي الذات العربي والبحث عن البدائل)، وعنوان فرعي (دهاليز المرحلة التأسيسية)، الذي اتناول فيه من الناحية التاريخية بداية ظهور أو صيرورة الاجنة الأولية للفكرة العربية، أي لوعي الذات العربي بمختلف المعايير والأساليب والمستويات. وتناولته ضمن عنوان (عقل الذات العربية بأطوار الملة والأدلة) وانتهاء بالباب الخامس عشر (عقلانية الشك واليقين والنقد والتطمين). وما تبعه هو من "حظ" القسم الثاني.

إن خصوصية هذا الكتاب تقوم أولا وقبل كل شيئ في كونه كتاب فلسفي صرف في تناول إشكاليات وعي الذات العربي. فالفكر العربي والثقافة العربية الحديثة لم تتناول إشكالية وعيها الذاتي. وهذا يعود لأسباب عديدة من بين أهمها هو ضعف أو شبه انعدام لوعي الذات العربي بوصفه وعيا تلقائيا في التأسيس والإبداع، وثانيا ضعف التقاليد الفلسفية بشكل عام، والمنظومية منها بشكل خاص. بل انعدامها. وثالثا ضعف التقاليد العلمية والمنهجية الدقيقة. من هنا البقاء ضمن حدود الرؤية الجزئية في تناول تاريخ الفكر العربي والثقافة العربية ككل. الأمر الذي حدد ضعف الرؤية الفلسفية للتاريخ والإبداع الفكري، وانعدام التأسيس الفلسفي للتاريخ العربي الحديث والمعاصر ورؤية إشكالاته بمعايير وعي الذات القومي والثقافي والتاريخي.

وضمن هذا السياق يمكن القول، بأنه الكتاب الأول والأكبر والأعمق والوحيد في هذا المجال. وهي المهمة الأعقد بالنسبة للفلسفة العربية الحديثة. من هنا كثافته المركزة جدا. إذ انني لم اترك شخصية وتيار ومدرسة على امتداد القرون الثلاثة الاخيرة.دون تناوله بالدراسة والنقد. غير انني لم ابق فيه إلا على ما هو نموذج أو عينة من عينات الفكر والتأمل الفكري الذي يحتوي على قدر معقول من وعي الذات العربي. ومن ثم سعيه بوعي أو دون وعي على أرساء وتعميق عناصر "الفكرة العربية". وهي عميلة شاقة وصعبه ومليئة بالعقد والتعقيدات والإشكالات. من هنا عنوان (دهاليز المرحلة التأسيسية). فيما لو أردت وضع كل ما قمت به (على مدار اكثر من ثلاثة عقود من الزمن في دراسة هذه القضية وتأسيسها النظري) لاقتضى ذلك مني تسطير ما لا يقل عن عشر مجلدات كبيرة. وهو امر لا ضرورة فيه، على الأقل بالنسبة للبحث الفلسفي النظري.

1540 ميثم الجنابي

وأدناه عناوين الأبواب والفصول.

 المقدمة        9

الباب الأول: عقل الذات العربية في أطوار الملة والأدلة   21

الفصل الأول: الخروج الصعب للذهنية العربية من دهاليز الصعاليك والمماليك 21

الفصل الثاني: التصوف الفاعل والتشّخص التاريخي للرمز الثقافي       35

الباب الثاني: عقلانية الضمير - الوحدة الحية لطلاقة اللسان وتحصين الأركان وإنعتاق الوجدان.         47

الفصل الأول : ضمير اللغة ولغة الضمير الثقافي.  47

الفصل الثاني: طلاقة اللسان – الإفشاء الأخرس للعقل الناطق     57

الفصل الثالث: "تحصين الأركان" وانعتاق الوجدان – المناعة الثقافية لوعي الذات العربي    75

الباب الثالث: إصلاحية الجهاد والاجتهاد الإسلامية         91

الفصل الأول: فكرة الجهاد والاجتهاد الإسلامية     91

الفصل الثاني: صيرورة الفكرة النقدية العملية - وعي الذات النقدي        121

الفصل الثالث: الأبعاد العملية والعقلانية في الفكرة الإصلاحية     129

الفصل الرابع: فكرة التأسيس التلقائي للإصلاح العملي الشامل    139

الباب الرابع: الإسلام الثقافي للإصلاحية الإسلامية         149

الفصل الأول:فكرة الأنا الثقافية الحرة       149

الفصل الثاني: الكينونة الإسلامية والأصالة الثقافية 163

الفصل الثالث: الفكرة الثقافية الإسلامية والإصلاحية الحديثة      174

الباب الخامس: الإصلاح الثقافي والقومي   184

الفصل الأول: توليف الفكرة الإسلامية والقومية     184

الفصل الثاني: توليف الفكرة الإسلامية والعربية    198

الباب السادس: المفترق التاريخي للبدائل السياسية والثقافية في الإصلاحية الإسلامية.  216

الفصل الأول: المآثر التاريخية للإصلاحية الإسلامية في مفترق البدائل السياسية والثقافية.     216

الفصل الثاني: المصير التاريخي للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده         226

الباب السابع: الإصلاحية الثقافية لمحمد عبده       240

الفصل الأول: العقل الثقافي وتلقائية الإصلاح الذاتي        240

الفصل الثاني: المصير الشخصي والروحي للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده     252

الباب الثامن: إشراق وأفول الاجتهاد الإصلاحي   260

الفصل الأول: إشراق الاجتهاد الحر في الفكرة الإصلاحية الإسلامية     260

الفصل الثاني: إرهاصات الاجتهاد المخذول         276

الباب التاسع: المآل الفكري والسياسي للفكرة الإصلاحية  294

الفصل الأول: أفول الاجتهاد الحر في الفكرة الإصلاحية الإسلامية        294

الفصل الثاني: النفي المبتور للروح الإصلاحي     312

الباب العاشر: لغة الحرية ووجدان الذات الثقافية   322

الفصل الأول: لسان الأدب الذاتي    322

الفصل الثاني: لغة التاريخ والوجدان         332

الفصل الثالث: لغة الوجدان الذاتي   364

الباب الحادي عشر:الشعر وإشكالية وعي الذات العربي   390

الفصل الأول: الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي   390

الفصل الثاني: الشعر ولغة التحرر الذاتي   402

الفصل الثالث: الشعر والحرية       414

الباب الثاني عشر: الفكرة العربية وفلسفة الوعي القومي الذاتي   426

الفصل الأول: بزوغ الفكرة العربية الجديدة 426

الفصل الثاني: الفكرة العربية السياسية.     440

الباب الثالث عشر: المعاناة التاريخية لفلسفة الفكرة العربية الجديدة       470

الفصل الأول: الفكرة العربية الصاعدة وفلسفة الوعي القومي الذاتي       470

الفصل الثاني: الفكرة العربية والوعي القومي الذاتي        478

الفصل الثالث: فلسفة الفكرة القومية العربية ووعيها الذاتي         508

الفصل الرابع: الرؤية الحضارية للفكرة القومية    532

الباب الرابع عشر: المنسوخ والممسوخ في العقلانيات المبتورة   552

الفصل الأول: عقلانية الفطام والفصام التاريخي    552

الفصل الثاني: عقلانية الجديد والتجديد      566

الفصل الثالث: عقلانية الاغتراب الثقافي    578

الباب الخامس عشر: عقلانية الشك واليقين والنقد والتطمين       599

الفصل الأول: عقلانية الشك واليقين المبتورة       600

الفصل الثاني: عقلانية الشك واليقين المنخورة      643

الباب السادس عشر: عصر الأيديولوجيات الدينية (الإسلامية)   661

الفصل الأول: أيديولوجيا الانقطاع التاريخي وعقيدة البديل الشامل للإخوان المسلمين   661

الفصل الثاني: أيديولوجيا الدعوة الجديدة وتناقض البعد الإسلامي والثقافي .     675

الفصل الثالث: العقيدة الإخوانية وعقدة البديل الشامل.      685

الفصل الرابع: السلفية الفعالة - العقيدة الإخوانية وعقدة البديل الشامل    697

الباب السابع عشر: الأيدولوجية القومية     707

الفصل الأول: الأيديولوجية القومية الجزئية 707

الفصل الثاني:أيديولوجية الفكرة القومية الشاملة    749

الباب الثامن عشر: نيازك الفكرة القومية    797

الفصل الأول: أيديولوجية الثورة القومية    797

الفصل الثاني: حدس القومية الثقافية 807

الباب التاسع عشر:  أيديولوجيات الدمى المتحركة والاغتراب الشامل   818

الفصل الأول: "الشيوعية العربية"  818

الفصل الثاني: نيازك التقليد "المبدع" -  البوصلة المرتعشة لولع التقليد  834

الباب العشرون: نهاية الأيديولوجية وأزمة البدائل  842

الفصل الأول: معضلة القومي والثقافي في وعي الذات العربي     842

الفصل الثاني: فلسفة الأزمة – من تراث الأزمة إلى أزمة التراث 850

الفصل الثالث: الموقف من التراث   860

الباب الحادي والعشرون:  أزمة الهوية الثقافية وانتكاس "العقل العربي" 866

الفصل الأول: من الدعوة للعقل إلى نقد العقل        866

الفصل الثاني: حصيلة العقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث    886

الفصل الثالث: العقلانية العربية الحديثة وآفاقها     894

الباب الثاني العشرون: الموجة السياسية للمركزية الإسلامية الحديثة     906

الفصل الأول: المركزية الإسلامية قوانين التاريخ ومنطق الثقافة  906

المركزية الإسلامية الحديثة وإشكالية الزمن والتاريخ      906

المركزية الإسلامية الجديدة وصيرورة الفكرة السياسية    911

الفصل الثاني: التقاليد الإسلامية السياسية ووعي الذات السياسي الحديث 922

الباب الثالث والعشرون: الموجة الأخيرة للفكرة السياسية الإسلامية      954

الفصل الأول: الفكرة السياسية للسلفية الدينية        955

الفصل الثاني: الفكرة اللاهوتية السياسية    966

الفصل الثالث: الفكرة السياسية للإصلاحية الإسلامية      972

الفصل الرابع: الفكرة السياسية للإسلامية الثقافية   984

الباب الرابع والعشرون: البديل الإسلامي الحضاري المعاصر    1016

الفصل الأول: الفكرة الحضارية للسلفية الدينية     1017

الفصل الثاني: الفكرة الحضارية اللاهوتية  1028

الفصل الثالث: الفكرة الحضارية للإصلاحية الإسلامية    1058

الفصل الرابع: الفكرة الحضارية للإسلامية الثقافية 1066

الباب الخامس والعشرون: البحث عن البدائل.      1082

الفصل الأول: حكمة العقل التاريخي ونقمة الاستلاب الثقافي       1082

الفصل الثاني: تأصيل العقل والعقلانية وتلقائية الإبداع التاريخي  1090

الخاتمة         1098

 إن هذا الكتاب هو الأول والأوسع في مجال دراسة وتحليل صيرورة الفكرة العربية الحديثة والمعاصرة ووعيها الذاتي. فهو كتاب لا يتعلق بدراسة تاريخ الأفكار والاتجاهات والشخصيات الفكرية. إن موضوعه هو فلسفة الفكرة العربية، وغايته حدّ وتحديد معالم ومفاصل ونماذج ومستويات وعي الذات العربي، والدهاليز التي مر بها  في مجرى القرون الثلاثة الأخيرة، وحصيلة كل ذلك بالنسبة للحاضر والمستقبل.

وبالتالي، فإن غايته النظرية والعملية تقوم في التأسيس لفكرة المرجعية التاريخية الثقافية الخاصة، وتنظيم مبادئها المتسامية المافوق تاريخية، أي العاملة على صنع الاجماع النظري والعملي على المبادئ الأكثر أهمية وجوهرية وضرورية وعملية بالنسبة لبناء النظام العقلاني الإنساني الشرعي في كل مفاصل الدولة، ونظامها السياسي، وتربية الروح الثقافي العربي العام. ويتطابق هذا مع ما ادعوه ببناء وإرساء أسس المرجعية الثقافية والواحدية الثقافية وليست العقائدية. إذ لا يمكن للوعي الذاتي أن يبلغ استقامته الذاتية ما لم يؤسس في مجرى تطوره التلقائي منظومة المرجعيات الكبرى ومبادئها المتسامية عن كل ما هو عرضي أيا كانت ضرورته العابرة.

ذلك يعني، إنني ادرس تاريخ الفكرة العربية من اجل رؤية مسارها المجرّد، بوصفه مقياسا لقياس حرارة الوعي الذاتي (العربي)، ومن ثم معرفة ما إذا كانت هذه الحرارة تعبير عن صداع عقلي أم عن طاقة حيوية للخيال المبدع والرؤية المستقبلية. من هنا أهمية رؤية المسار العام والخاص للتيارات الكبرى التي شاطرت مسار الوعي النظري والعملي للفكرة العربية الحديثة والمعاصرة. وأقصد بذلك التيارات الأساسية (الدنيوي والإسلامي والقومي) بمختلف مدارسها وفرقها وشخصياتها التأسيسية.

 ففيما يخص الفكرة الاسلامية، فانها ابتدأت بالإصلاحية وانتهت بالسلفية المتشددة وانحطاطها المعنوي والفكري الشامل. فإذا كانت الفكرة الاصلاحية الاسلامية تهدف الى تحقيق الاصلاح الديني الشامل، فان السلفية المتشددة بمختلف تياراتها وشخصياتها هي التعبير الملموس عن دخول الفكرة الإسلامية بشكل عام والسياسية بشكل خاص مأزقها التاريخي، بوصفها خاتمة المرحلة الممهدة للانتقال من المرحلة الدينية السياسية في الوعي الثقافي الى المرحلة السياسية الاقتصادية.  

إن الفكرة الإصلاحية من حيث الجوهر هي دعوة وتأسيس لضرورة تقويم وتعديل "الاعوجاج" في حياة الأمم والعقائد (الدينية والدنيوية). بمعنى أنها تتطابق مع مضمون "الاستقامة" و"الطريق القويم" بوصفها الصيغة الرمزية والبيانية لإصلاح "الانحراف" و"الزيغ والضلال" عن "الأفكار الأولى" و"المثل السامية" و"الأصول". وبالتالي، فإن ظهور فكرة الاستقامة والطريق المستقيم تعادل معنى الثبات في طريق الحق والحقيقة. ومن ثم لا يعني الطريق المستقيم سوى طريق الحق وتاريخه. الأمر الذي جعل من "تاريخ الحق" على الدوام اشد أنواع الاستقامة اعوجاجا، لأنه يحتوي على كافة الممكنات والاحتمالات. وذلك لأن استقامة الحق والحقيقة متعرجة بسبب تعرجهما في مسار التاريخ الإنساني، بوصفه تاريخ المغامرة الحية للجبر والاختيار، او الإرادة الحرة والقدر الغائب في مشاريع المستقبل. وليس مصادفة أن يتوصل ابن سينا إلى القول، بأن كل ما هو عصي على البرهان يمكن رميه في حيز الإمكان، وأن يقول ابن عربي، بأن الاعوجاج في القوس هو عين الاستقامة فيه. وفيهما ومن خلالهما يمكن الوصول إلى ما يمكن دعوته بفكرة الاحتمال العقلي وفكرة البحث عن نسب تستجيب لحقائق الوجود كما هو، بوصفها الصيغة المثلى والأصل الثابت في وجود الأشياء كلها. فالجمال والحق والحقيقة هو بسبب ما فيهم من تناسق النسب الذاتية المثلى. ولكل نسبة مستوى يعادل معنى الاعتدال. والإصلاح في جوهره هو بحث عن الاعتدال الأمثل. من هنا نفوره من "الاعوجاج" وبحثه عن الأصول المثلى والمثل المتسامية، أي كل ما يمكنه تجاوز "الواقع السيئ" وتذليل مختلف أشكاله وألوانه.

فقد أبدع التاريخ الإسلامي مدارسه وأنماطه ونماذجه المتنوعة عن فكرة الإصلاح. وهذه جميعا بدورها وثيقة الارتباط بالعقائد الإسلامية الكبرى المتعلقة بالوحدانية والأمة والجماعة. الأمر الذي جعل من العقيدة الإسلامية الأولية العامة مصدر الفكرة النظرية والعملية للسلطة والدولة والمجتمع والأمة. مع ما ترتب عليه من بلورة تقاليد خاصة عن فقه الدولة والمجتمع والفرد.

إذ كان الدور والأثر الكامن للإسلام الأول يقترب، بمعايير التاريخ الواقعي آنذاك، من فكرة "الإصلاح الثوري" أو "الثورة الإصلاحية" الشاملة. وفي هذا تكمن خصوصيته بهذا الصدد. فقد احتوى بقدر واحد على إدراك قيمة الإصلاح الشامل، وفي الوقت نفسه بقي ضمن إطار الرؤية المعتدلة. بحيث تحولت فكرة الاعتدال إلى عصب العقيدة الإسلامية الأولى سواء بمعناها الإيماني (الديني) أو السياسي. وبهذا يكون قد وضع أسس الفكرة الإصلاحية (العملية) بوصفها حقا وواجبا بقدر واحد. وبلور بصورة أولية مبادئها الكبرى وغاياتها في مفاهيم وحدة الجماعة والأمة حول أركان الإيمان الإسلامي (العقيدة الإسلامية). وبهذا يكون قد أرسى أسس الوحدة الاجتماعية والأخلاقية والروحية والمادية الشاملة، بوصفها واحدية إسلامية، مبدأها الأول وغايتها:الوحدانية. أما نموذجها العملي ففي فكرة "الأمة الوسط".

وإذا كانت هذه العقائد العامة تكمن في أعماق الفكرة الإسلامية الأولى (المحمدية)، فإنها برزت للوجود بوصفها احتمالا تاريخيا وواقعا جديدا بعد موت النبي محمد. بعبارة أخرى، إن انتهاء مرحلة النبوة كانت البداية الأولية للتاريخ السياسي. مع ما ترتب عليه من حالة الانتقال من نموذج "الوحي المقدس" إلى نموذج الاجتهاد الواقعي. ووجد ذلك انعكاسه الأولي في ظهور فكرة الخلافة ونماذجها العملية من حيث الأسلوب والإدارة والنتائج، بما في ذلك في ما اصطلح عليه لاحقا بعبارة "خلافة الراشدين". لقد كشف ذلك عن أن فكرة الخلافة كانت تعادل ما يمكن دعوته بديناميكية الإصلاح وحدودها في الاجتهاد السياسي الجديد، أي فكرة الاجتهاد في بناء الدولة ومؤسساتها، بوصفها صيغة واعية لإشكاليات العقائد العملية ودراما التاريخ الفعلي.

أما المسار اللاحق "للعالم الإسلامي" بعد سقوط مراكزه السياسية الثقافية المستقلة (وبالأخص بالنسبة للعالم العربي) قد كان في اغلبه نتاجا للهيمنة الخارجية (الكولونيالية)، أي انه ليس مسارا تلقائيا. من هنا طابعه التقليدي. بينما يفترض الإصلاح الحقيقي والفعلي أن يكون "طبيعيا" بالضرورة، أي نتاج المسار الطبيعي لتطور الأمم وإنتاج خيالها المبدع.

إن "خاتمة" الإصلاحية الإسلامية لم تنته بعد! ومن ثم فهي تبقى جزء من الاحتمال التاريخي الأكبر للفكرة الإصلاحية (الدينية والدنيوية) في العالم العربي والإسلامي ككل. بمعنى أنها مازالت تحتمل إمكانية التوليف النظري والعملي بغيرها من تجارب الإصلاح الحديث. غير أن لهذا الخاتمة المنطقية منطقها المعقد في الروح والجسد الفردي والاجتماعي والقومي و"الإسلامي". والقيمة الحيوية للفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة بهذا الصدد تقوم في أنها حاولت التدليل، متأثرة بتيارات الفكر العقلاني والإنساني الإسلامي والعالمي، على أن الإدراك الخالص للحقيقة يفترض الإخلاص لها، أي التجرد المادي والمعنوي والروحي والأخلاقي، بمعنى الارتقاء على الجسد ورميه تحت أقدام الحدس الروحي، بوصفها المقدمة الضرورية لكل إبداع حق. غير إن تجربة ما يقارب القرن ونصف القرن على تاريخ الإصلاحية الإسلامية كشفت عن هبوطها المتزايد وضمورها التدريجي، وذلك لأنها لم تتغلغل في صلب البنية السياسية للدولة ولم تجد من يجعل منها أيديولوجية أو فلسفة الإصلاح التدريجي.

أما الفكرة القومية العربية فقد كشفت تجربة قرنين مريرين من تاريخها عن بأس الكينونة العربية وبؤس صيرورتها الفعلية. بمعنى بقاء الإشكالية الكبرى للفكرة القومية كما هي، أي أنها لم تتجسد في بنية الدولة والمجتمع والثقافة، ولم تتحقق في الوعي الاجتماعي بهيئة منظومة من المرجعيات المتسامية. وفي هذا يكمن خلل الصيرورة العربية الحديثة على مستوى الدولة والأمة والنظام السياسي، وما يستتبعه بالضرورة من خلل في مواجهة التحديات الكبرى الداخلية والخارجية. باختصار كل الخلل المميز للكينونة العربية الحديثة، بوصفها كيانا مهلهلا تابعا خربا ومنحطا، رغم إمكانياتها الهائلة.

إننا نقف أمام تناقض مثير للدهشة والحيرة والتشاؤم يقوم في تعايش كينونة تاريخية ثقافية بشرية هائلة من حيث إمكانياتها، وأخرى بائسة وضعيفة وهشة في واقعها الحالي. وليس هذا التناقض بدوره سوى الصيغة الأكثر إثارة لطبيعة ونوعية الانفصام بين كينونة واقعية وأخرى وهمية. وغرابة القضية تقوم في أن صيغتها الواقعية (الحالية) هي وهمية، بينما صيغتها الحقيقية مجرد مثال. ومصدر هذه الغرابة يقوم في ما ادعوه بحالة التناقض الفعلي بين الزمن والتاريخ. فالكينونة العربية المعاصرة هي صيرورة زمنية لا تاريخ فيها، بينما الكينونة العربية "الأصيلة" هي المثال المتراكم في جذور الوجود التاريخي للعرب، أي في صلب وجودهم الذاتي. ومصدر هذا التناقض وهذه الغرابة يقوم في طبيعة ونوعية الانقطاع السياسي الثقافي للتاريخ العربي. مع ما ترتب عليه من تلاش تدريجي واندثار التاريخ الذاتي وهيمنة زمن الاغيار من صليبين ومغول ومماليك وأتراك عثمانيين، أي كل تلك القوى التي أدت إلى سحق الترابط والتراكم الضروري في الصيرورة التاريخية للكينونة العربية وانحلال مراكزها السياسية الثقافية الكبرى (بغداد ودمشق والقاهرة والأندلس). وتحليل كل هذه الجوانب هو جزء من مهمة البحث في التاريخ السياسي للعالم العربي. وهذا بدوره جزء من التاريخ العربي العام.

اما التيار الدنيوي فهو الميدان الذي يكشف عن ظهور وتراكم الصراع العقلاني وغير العقلاني، وظاهرة الاستلاب والتقليد التي كبّلت الكينونة العربية في صيرورة بائسة في وعيها النظري وسلوكها العملي.

إن إحدى الحقائق الجوهرية الملازمة لمنظومة الفكرة العقلانية وفلسفتها تقوم في ترابطهما الضروري بحالة الصعود والازدهار الثقافي. وهذا بدوره محدد بصعود الدولة والأمة. ذلك يعني أن كل منهما يحدد الآخر من حيث الكمية والنوعية والوظيفة، أو ما يمكن دعوته بمهمتها أو رسالتها التاريخية.

فقد كان صعود وأزهار الثقافة الإسلامية الأولى وثيق الارتباط باستتباب دولة الخلافة والأمة الإسلامية التي بلغت ذروتها الأولية في الخلافة العباسية. وهو السرّ الذي يفسر صعود واستتباب العقلانية الإسلامية بهيئة منظومة فكرية وثقافية عامة وجدت تعبيرها النموذجي في المعتزلة والفلسفة الإسلامية إضافة إلى علوم اللغة والأدب والمعرفة والعلوم. من هنا أصالتها وإبداعها العميق في كافة نواحي الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للدولة والأمة والثقافة. ذلك يعني أن العقلانية الحقيقية هي نتاج التطور التلقائي للفكر والأمة والثقافة والدولة في مواجهة وحل إشكاليات الوجود الذاتي. الأمر الذي يجعل من العقلانية الحقيقية والفاعلة بالضرورة منظومة تشمل العلم والعمل وبالتالي تتغلغل في كل مسام الوجود الاجتماعي.

ولكل مرحلة عقلانيتها أو عقلانياتها الخاصة. والحالة الأشد تعقيدا في بلورة حدود العقلانية ومعالمها وفلسفاتها في تاريخ الأمم هي حالة الانتقال إلى المرحلة الدينية السياسية والخروج منها إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. فالنموذج التاريخي الجلي للانتقال إلى المرحلة السياسية الاقتصادية يمكن رؤيته على مثال التجارب الأوربية التي استغرق استتبابها الأول ما يقارب ثلاثة قرون من التحدي والبحث عن بدائل وتأسيس العقلانية الحديثة.

إن العقلانية الشاملة ممكنة فقط في مجرى تذليل المرحلة الدينية السياسية ومرجعياتها ببدائل سياسية اقتصادية قادرة على صنع وحدة جديدة على أنقاض الوحدة الدينية العقائدية القديمة وأصولها، بحيث يكون النظام السياسي أولها، والنظام الاقتصادي أوسطها، وأعلاها منظومة التربية والتعليم والعلوم والثقافة.

ولا يمكن أن يحدث ذلك بمعايير التجربة التاريخية للأمم دون المرور بمرحلة الإصلاح الديني العميق، بوصفه الفكرة والطاقة المؤسسة للانتقال التدريجي والعميق والواقعي والمستقبلي من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. إذ لا بمكن للعقلانية الحديثة، أي عقلانية الفكرة السياسية الاقتصادية أن تستتب ما لم يجر تذليل مرجعيات وأصول المرحلة الدينية السياسية. من هنا ضرورة الإصلاح الديني. ومن ثم توسيع مداه وتعميق جذوره من خلال التجارب النقدية والتأسيسية للفكرة العقلانية. من هنا يمكن فهم نجاح التجارب الأوربية وفشل التجارب العربية.

كل ذلك يكشف عن أن المسار الوحيد والواقعي لإرساء أسس العقلانية في العالم العربي تفترض تأسيس فكرة الانتقال من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية من خلال نفي أصول الأولى وتأسيس أصول الثانية في الموقف من كل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للعالم العربي المعاصر ومستقبله.

كل ذلك حدد المهمة الأساسية لهذا الكتاب والقائمة في رسم حدود الفكرة العربية في الفكر العربي الحديث من اجل رؤية انجازاته وضعفه. ووضع حصيلة الدراسة والتحليل والنقد وتذويبها في رؤية فلسفية مستقبلية للفكرة العربية بوصفها فكرة قومية ثقافية.

إن كل مظاهر العصر الحديث والحداثة، والمقامرة والمغامرة، والمؤامرات والانقلابات، والثورات والثورات المضادة، لم تفلح بعد في إقامة نظام اجتماعي سياسي ثقافي يستند إلى قواه الذاتية، سواء في مسار الاكتفاء الذاتي أو التحديات الممكنة. فالأزمة التي تولدت عن ضعف المناعة الحضارية، التي واجهها العالم العربي في بداية القرن العشرين مازالت سارية المفعول بقوة تبدو الآن أضعاف ما كانت عليه حينذاك. حيث نقف أمام حالة أشبه بالانهيار التام للكينونة العربية.

وإذا كان لكل انهيار مقدماته، فانه أيضا ميدان البحث عن البدائل ومثار التفاؤل المغري بالنسبة للعقل والضمير في بحثهما وتأسيسهما لحقائق النفس وآفاق تطورها. فالحياة ليست تجربة خالصة. لكنها تحتوي في طابعها "التجريبي" على عناصر اليقين المتراكمة في تاريخ الانتصارات والهزائم والصعود والهبوط. ومن العبث البحث عن عناصر اليقين التاريخية في الكيان العربي دون تأمل وحدته العميقة، التي تحتوي على العناصر الجوهرية للتاريخ الواقعي والمثالي بوصفها مكونات فعالة في وجودنا الحالي. ولا يعني ذلك النظر إلى "وجودنا الحالي" كما لو أنها مقدمة مادية تبرهن على عناصر اليقين المذكورة أعلاه. فالجميع أقوام وأمم تتمتع بهذا القدر أو ذاك من هذا "الإثبات الوجودي". وبالتالي، لا يشكل هذا الوجود بحد ذاته دليلا على الوجود الثقافي الحي.

وتكشف التجربة التاريخية للأمم بأن الصعود الحضاري الأصيل والعمران الشامل يستند بالضرورة إلى نواة داخلية تشكل مصدر الإمداد الذاتي والنفي الحر للأفعال الاجتماعية والسياسية والثقافية والقومية. غير أن ذلك لا يعني وضع أو صياغة عقلانية ثابتة المبادئ والقواعد، بقدر ما يعني التأسيس لمنظومة البحث عن علاقة مرنة بالتاريخ تستند إلى قواها الذاتية. وهي منظومة لا يمكن تأسيسها بالنسبة للعالم العربي إلا عبر وحدته العميقة بتراثه الخاص، أي بتجاربه الذاتية المتنوعة والمختلفة ونتائجها العملية. ففي هذه الوحدة تتكشف حقائق التاريخ العربي، بوصفها الحلقات الضرورية لبناء وعيه الذاتي.

ويفترض بناء الوعي الذاتي بالضرورة تجاوز ربط التاريخ الحضاري للعالم العربي وآفاق تطوره بزمن غير زمنه الذاتي. فهو الزمن الوحيد القادر على التحرر من ثقل وأوهام المقارنات الشرطية بزمن الآخرين. وذلك لأن الزمن الثقافي زمن تاريخي مقترن بمنطق الحق والحقيقة لا بمنطق الضعف والقوة. فالأول هو مصدر التصيّر والاستمرار، بينما الثاني عرضة للتغير والزوال.

فالعالم المعاصر يصنع مقدمات جديدة ويضعنا أمام حوافز إضافية تجاه القضايا والإشكاليات الفلسفية الكبرى في التاريخ والثقافة والعقائد والسياسة، مثل قضايا وإشكاليات التطور والتقدم، والتاريخ والغائية، والقانون والصدفة، والتاريخ العالمي والقومي. كما استثارت هذه الظاهرة بقوة أكثر مما سبق إشكاليات البدائل الاجتماعية الاقتصادية والسياسية والثقافية، وقضايا الوحدة والتنوع الحضاري الإنساني.

ولا يقف العالم المعاصر أمام مفترقات طرق لابد منها، رغم أن المسار العام يبدوا أحديا في ما هو متعارف عليه "بطريق العولمة". أما في الواقع فإن العولمة المعاصرة مازالت بلا هوية ذاتية، وذلك لأنها حصيلة تطور ثقافي واحد واقتصاد معولم. بينما المسار التاريخي المستقبلي هو أولا وقبل كل شيء مسار الوعي الثقافي. الأمر الذي يستلزم بالضرورة تكامل مختلف مركزياته الثقافية العالمية. وعند اكتمال مساره "الطبيعي" أو "نهاية التاريخ" الطبيعي عندها يصبح من الممكن الحديث عن عولمة محكومة بمنظومة مرجعيات جديدة تمثل تجارب الكلّ الإنساني بمختلف ثقافاته الكبرى. وما قبل ذلك، أي مما يجري الآن هو مجرد صراع مستمر ومواجهات لن تنتهي ما لم تنته المواجهات الداخلية للمراكز الثقافية أو الحضارية الكبرى في وحدات متناغمة. ولا يمكن بلوغ ذلك خارج إطار الصيغة الفعلية لثنائيات المنطق الثقافي في كيفية حله لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي في مراحل التاريخ الذاتي، أي كل ما يستجيب لمسار التاريخ الفعلي ومنطق الثقافة.

إن العقلانية الشاملة ممكنة فقط في مجرى تذليل المرحلة الدينية السياسية ومرجعياتها ببدائل سياسية اقتصادية قادرة على صنع وحدة جديدة على أنقاض الوحدة الدينية العقائدية القديمة وأصولها، بحيث يكون النظام السياسي أولها، والنظام الاقتصادي أوسطها، وأعلاها منظومة التربية والتعليم والعلوم والثقافة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

 

رضوان ضاويأنجز رفيق سليمان نيبيا بحثه الموسوم بـ "أدب الترحال الألماني المكتوب عن الجزائر من 1830 إلى1871. دراسات عن صورة الجزائر، وصف رحلاتها وتقاريرها" سنة 1979 في لايبتسيغ بألمانيا، وهو في الأصل رسالة تقدم بها المؤلف لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة من جامعة لايبتسيغ سنة 1978. وعدد صفحات الرسالة 206 صفحة من الحجم العادي.  قسّم المؤلف عمله إلى ثلاثة أقسام، فبعد المقدمة يأتي القسم الأول بعنوان: الحقيقة التاريخية للجزائر ودوافع سفر الأوروبيين إلى هذا البلد. والقسم الثاني بعنوان: الإشكالية المضمونية لأدب الرحلة وموقع رؤية العالم لدى المؤلفين. أما القسم الثالث فتحدث فيه المؤلف عن القيمة الأدبية والتوثيقية لأدب الترحال. وألحق المؤلف بالبحث ثلاثة ملاحق، الملحق الأول فيه نبذة عن تاريخ الجزائر من 1830 حتى 1871. والثاني فيه نبدة كرونولوجية عن أدب الرحلات، أما الملحق الثالث فيتعلق بالسير الذاتية لكل من الرحالة هاينريش بارت ومالتسان وبوكلار-موسكاو وشيمبر وفاغنر. وضمن المؤلف كتابه بيبليوغرافيا مهمّة تتعلق بالمصادر والمراجع التي استعان بها في دراسته.

تعرض المؤلف في هذه الدراسة للعديد من الكتابات بالبحث والدراسة. ولا يمكنه بالطبع الإحاطة بكل الكتابات التي ألفها الرحالة عن الجزائر لأنها كثيرة جداً. والفضل في وجود نصوص من هذا النوع يرجع إلى أن الجزائر عرفت قبل سنة 1830، أي في نهاية العهد التركي وإبان الاحتلال على الخصوص، عدداً غير قليل من الأسرى والعبيد، كانوا ينتمون إلى كل الأمم الأوروبية، وزارها كذلك بعض الرحالين والكتاب والعلماء والشعراء. وأصدروا كتباً على شكل رحلات أو بصورة رسائل أو مذكرات، تحدثوا فيها عن تجاربهم الشخصية في الجزائر وعلاقاتهم بأهلها، وعبروا عن موقفهم من قضاياها الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وتطرقوا إلى وصف العادات والتقاليد وأساليب الحياة. ومن هنا نجد العديد من هذه الكتب في مكتبات الجامعات الأوروبية تختلف قيمتها بين كتاب وآخر.

يعطي الكاتب مدخلاً تاريخياً للعلاقات الألمانية الجزائرية قبل وبعد الغزو الفرنسي للبلد الذي شكل قبلة ووجهة لسفر الألمان بعد 1830. فقد عرف البلد عند الفرنسيين "بالجزائر"، لكنها عرفت في أدب أوروبا أكثر "ببلد البرابرة"، ويقول المؤرخون بأن مفهوم "الجزائر" لم يكن معروفاً قبل 1830. وتميزت فترة هذا البحث بوجود تيار أدبي ألماني هو "ألمانيا الفتاة"، فزار الشاعر لاوبه الجزائر، وزارها الأمير بوكلار، وزارها أفراد ينتمون إلى الفيلق الأجنبي والسياح والرحالة العلميين، وضباط الحرب. ركزت كتاباتهم عمومًا على جمهور محدّد وهو "المهاجرون". واهتم بعض هؤلاء الرحالة بالحرب ضمن "أدب الحرب"، وهي كتابات موجهة إلى جمهور محدد هو "أخوة السلاح" أو"المتخصصون في الحرب". وأعلن الباحث في دراسته هذه عن الغاية منها، وهي تحقيق وظيفتين: الأولى هي عرض حقيقة البلد وجهة السفر وعلاقته ببلد الانطلاق مع ذكر دواعي سفر الألمان إليه. والوظيفة الثانية هي تحليل أدب الترحال الذي كتبه الألمان عن الجزائر. وخصص النصيب الأكبر في دراسته لتحليل مؤلفات الرحالة شيمبر وفاغنار ومالتسان وهيرش والأمير بوكلار والمرأة الرحّالة فون شفارتس.

ووضع المؤلف مجموعة من الجداول المبيّنة والملخصة والشارحة لأهم الرحالة الذين زاروا الجزائر، وخطاطة تلخص أنواع وأهداف وغايات الأدب الرحلي قيد التحليل في الدراسة، ودوافع السفر ونتائج هذه الرحلات، حيث نميز بين الرحالة من خلال الأصل التكوين والدوافع، ومن خلال رسالة هؤلاء الناتجة عن خطابات كتاباتهم، وهي تؤثر بوعي أو دون وعي في القارئ، فهي تمتعه كما لو كان شارك في الرحلة بنفسه، وتخبره بمعلومات علمية أو تجمع بين المتعة والعلم. وقسم الكاتب الأدب الرحلي إلى أربعة أقسام، أدب ينتمي إلى الوصف الرحلي وهدفه علمي، وأدب ينتمي إلى الوصف الرحلي وهدفه نقل التجارب والمعايشات، وأدب رحلي جمع بين الصنف الأول والصنف الثاني، إضافة إلى نصوص لمستوطنين وضباط حرب واستعماريين.

ويُبرز المؤلف في دراسته لأدب الرحلة مدى ارتكاز هذه الكتابات على"التبليغ" و"الفهم". فلم يهتم المؤلفون بالأسلوب أو بالشكل، أي إن المؤلفين لم يهتموا في مؤلفاتهم بالمجال الفني للكتابة.

الحقيقة التاريخية للجزائر ودوافع السفر

وجهت أوروبا أنظارها نحو الجزائر في القرن التاسع عشر. ولعبت "دولة البرابرة" الجزائر أهمية تاريخية، إذ سكن هذه البلاد القرطاجنيون والرومان والعرب والأتراك، وكانت الجزائر ساحة للعديد من الأحداث التاريخية ومسالك لمختلف الثقافات. وحصر المؤلف دراسته بين سنة 1830 و1871، أي بين غزو فرنسا للجزائر و"الثورة الكبيرة" للجزائريين (ثورة المقراني والحداد) من أجل تحرير بلدهم من الاستعمار الفرنسي. وكانت فرنسا في 1871 مشغولة أيضاً بحربها ضد ألمانيا حيث اندحر الجيش الفرنسي. وفي هذه السنة تأسس الرايخ الألماني الثاني بفرساي. وبعد مقاومة الحكم العثماني الأجنبي، توجب على الجزائريين مقاومة الحكم الأجنبي الفرنسي: "فالكره العميق الذي يكنه قبائل شمال إفريقيا لكل غاز أجنبي أثر في العصور الوسطى على فشل محاولات العنف الإسبانية والبرتغالية وجعل أيضاً توسع سلطة الأتراك على كل البلاد مستحيلة".  ويؤكد الباحث سليمان رفيق نيبيا هذه الفكرة فيقول: "طيلة فترة الغزو الفرنسي اصطدم الفرنسيون ليس فقط بجيش معاد، ولكن أيضاً بثقافة مختلفة، وهي مواجهة ثقافية كانت مبرراً لمشاكل اجتماعية، إضافة إلى المشاكل السياسية".

وقد زار عدد كبير من الألمان قبل سنة 1830 البلاد بصفتهم أسرى، لكنهم تركوا أعمالاً توثق تجربة أسرهم في الأيالة. وفي القرن التاسع عشر زار عدد كبير من الرحالة الجزائر، بينهم رحالة ألمان قصدوا برحلاتهم التعرف على البلاد وأحوال العباد، ودون هؤلاء الرحالة هذه الرحلات على شكل مؤلفات تندرج ضمن مجال "أدب الرحلة" عن الجزائر.

وتعتبر أوروبا القرصنة البحرية إرثاً تاريخياً لدول شمال إفريقيا. ولهذا سعت أوروبا إلى عقد اتفاقيات تضمن حرية الإبحار وأيضا حرية التجارة. وبالنسبة للأوروبيين، لم تكن القرصنة هي الخطر الأكبر فقط، ولكن الأسر هو الذي كان الأخطر. كذلك ارتبطت القرصنة بالأسر. وقد كتب عالم الطبيعيات موريتس فاغنر الذي زار الجزائر في 1830: "جدير بالذكر أن دولتا الجزائر والمغرب يقطنهما شعب بربري ومتعصب ومتعطش للقرصنة وللقتل، وتعتبر بالخصوص من البلدان الأكثر انغلاقاً بالنسبة للمسيحيين، كما أن الأسرى يعانون بسبب سوء المعاملة (...)".  ويقول المؤلف إن معاملة الأسرى لم تكن سيئة، على عكس ما يزعمه بعض الأوروبيين، فالكثير منهم تم السماح له بمزاولة الحرف أو فتح متاجر لبيع السلع وبعضهم أصبح موظفاً في الأيالة. 

وجد الرحالة على المستوى الإثنولوجي في ظل الوجود الفرنسي على الأرض الجزائرية، العديد من اللغات يتكلم بها المحليون والمستعمرون الأوروبيون. ويميز الرحالة الألمان بين سبع مجموعات إثنية في الجزائر، لكل مجموعة ثقافتها وتقاليدها الخاصة بها، وهي: العرب، والمورسكيون، والقبايليون، والأتراك، والموزابيون، والزنوج واليهود والتركمان. كل هؤلاء الأصناف يتفاهمون في تلك الفترة مع بعضهم البعض ومع الأوروبيين بواسطة لغة (lingua franca) وهي خليط لمختلف اللغات الأوروبية. ودقق الرحالة الألمان في عدد السكان فقدموا إحصائيات تدل على اهتمامهم بالأعراق. وازداد عدد الأوروبيين مع وصول مستعمرين جدد إلى الجزائر، وإلى جانب اهتماماتهم المختلفة حافظوا على الخصوص على عادات بلدانهم، فعكست حياتهم وعاداتهم طابع وطنهم.

تحدث (فاغنر) عن وجود سبعين مقهى عربيّاً اختفى معظمها أثناء الاستعمار وبنى الفرنسيون مكانها فنادق ومحلات تجارية عسكرية. ونافست المقاهي الفرنسية مقاهي العرب بسبب أناقة مقاهي الأوروبيين. وكان الألمان ملاكاً كباراً اهتموا بالزراعة، ونجد من بينهم أيضاً فقراء وأجراء يعيشون في بؤس كبير. أما الأغنياء الألمان فقد كانوا حرفيين وخياطين ونجارين وبنائين شيدوا منازل على الطراز الألماني. 

وكان دودو أبو العيد قد ذكر في كتابه”الجزائر في مؤلفات الرحّالين الألمان (1830-1855)” قد ذكر أن شيمبر تحدث عن الدين الذي "يلعب دوراً مهماً في صقل طابع الشعب وطريقة عيشه. ولهذا السبب خصص للدين المحمدي صفحات كثيرة في كتابه". ويتم في أدب الرحلة الألمانية في الغالب الحديث عن العادات والتقاليد الجزائرية مثل "صوم رمضان". وقد صادفت فترة زيارة فاغنر للأيالة مناسبة شهر رمضان الفضيل. يقول فاغنر: "يتم الإعلان عن بداية رمضان بـ 101 طلقة من المدفع في العاصمة الجزائر. ويتوجب على السكان المحمديين أن يؤدوا عن كل طلقة دورو واحد، أي خمسة فرنك وعشرين سنتاً للبلدية".

ويعتبر مسرح "الأراجوز" مسرحاً شعبياً بطله "بدوي حقيقي". ويشاهده الجزائريون والأوروبيون. فهو "مكان آخر يحج إليه في رمضان الكثير من المحليين ومن الأوروبيين...هو نفسه يوجد في الزاوية الأكثر قذارة بالمدينة...ويشبه هذا المسرح عندنا ألعاب خيال الظل أو مسرح شخوص الخيال الصيني (انتقل إلى العرب عبر تركيا خاصة في العهد المملوكي)".  وتحدث الكاتب عن تقييم المسرح الشعبي والعادات والتقاليد الجزائرية بعيون الرحالة الألمان، فيقول إن الجزائر "مارست على أوروبا قوة جذب كبيرة خاصة في القرن التاسع عشر، وبالنسبة لأوروبا، لا تعني الجزائر فقط إفريقيا، بل أيضاً الشرق. وأيقظت البلاد اهتمام الأوروبيين بها بسبب ثقافتها، وكذلك بسبب تاريخها المثير للجدل أثناء حكم العديد من القوى. وباختصار كانت الجزائر منطقة مهمة للعلماء الأوروبيين، وبالنسبة لبعضهم كانت هي فقط ممراً إلى القارة السمراء، وبالنسبة للبعض الآخر كانت هي هدف اهتماماتهم وميولاتهم.

بعد إنشاء الجمعية الإفريقية سنة 1788، بدأ عصر "الدراسات الإفريقية" ذي الأهداف العلمية الإنسانية، وخاصة محاربة الرق من مصادره. ومن الأسماء التي ارتبط ذكرها بهذا النشاط العلمي نذكر شوته مونجو أوارك الذي اهتم بالدراسات الزنجية. ويمكننا أن نتحدث عن"الدراسات الإفريقية" بالمعنى العلمي بعد حروب نابليون وثورة يونيو ومارس. ويلخص المؤلف اهتمامات أوروبا بإفريقيا فيقول إن بروسيا أولاً والرايخ الألماني ثانياً بدلا في القرن التاسع عشر جهوداً من أجل تطوير توثيقهم للمناطق البعيدة.  فكانوا بحاجة إلى معلومات تتعلق بإفريقيا. وحتى سنة 1830 كان الوضع غير مريح بالنسبة للسفر وبالنسبة للبحث العلمي في الأيالة. ولم يكن هذا الأمر ممكناً إلا بعد أن أخذت العلاقات السياسية بين شمال إفريقيا وأوروبا شكلاً منظماً، وكذلك بعد أن دفعت الدول الأوروبية المسيحية جزية مُذلّة لشراء السلام من دولة البرابرة، فأصبح بإمكان بعض الرحالة بمساعدة القناصلة المعتمدين لدى دولة القرصنة زيارة بعض المناطق الشاطئية وداخل "دولة البرابرة". ومع بداية الإستعمار للجزائر أصبحت الظروف أكثر ملاءمة للرحلة والسفر، فلم يعد يوجد ما كان يخافه الأوروبيون وهو القرصنة والأسر. و"بعد الإنزال الفرنسي بسيدي فرج فقط، أصبح بإمكان الرحالة الأوروبيين الوصول إلى هذه البلاد".  ويوضح المؤلف بأن حضور الجيش الفرنسي كان حيوياً وهاماً لأوروبا وحدثاً جعل من الجزائر بلدًا آمنًا بالنسبة لهم. وكون العديد من العلماء زاروا الجزائر يدل على أهمية هذا البلد العلمية. ولم تكن للجزائر أهمية علمية بالنسبة لأوروبا فقط، ولكن كانت كذلك للعالم كله، وباختصار يريد الأوروبيون الاهتمام بثقافة أخرى. ويكتفي الأوروبيون بالمناطق التي يتواجد فيها الجيش الفرنسي. وكان الفرنسيون يسمحون للرحّالة الألمان بزيارة هذه المناطق بعد حصولهم على رسالة توصية توفر تسهيلات للرحالة. وقام شيمبر برحلة رسمية بطلب من "نادي السفر بفتنبرغ" وحصل عليها من وزير الحرب الفرنسي شخصياً. وتسلمها فاغنر في سبتمبر 1836 من باريس من وزير الحرب، ومن أساتذة المتحف التاريخي الطبيعي. وكانت الجزائر مجهولة لديهم، ويجهلون بالطبع أحوال وأوضاع البلاد التي يطلبون من أجل زيارتها رسائل توصية من باريس. وبالنسبة لـفاغنر تلعب هذه التوصيات دوراً هاماً، فهي وثائق قيمة لسفره داخل البلاد، وهو مالم يكن دائماً بالنسبة لرحالة آخرين. فبالنسبة لهاينريش بارت على سبيل المثال، لم يكن ممكناً أن يُتم رحلاته حسب برنامجه ولم يكن يستطيع القيام برحلة منظمة في البلاد بسبب عدم جدوى رسائل التوصية في بعض مناطق الحرب بالجزائر.  وهذا ما عبر عنه الرحالة شمبير بقوله إن كل شيء نسبي: "يؤسفني ألاّ تكون مجموعة من التوصيات التي تسلمتها من وزير الحرب الفرنسي شخصياً للحاكم وللعديد من الموظفين ذات قيمة كبيرة".

وإضافة إلى رسائل التوصيات قدم مكتب "العرب" مساعدات كثيرة للأجانب في الجزائر. وقد تأسس هذا المكتب في الأول من فبراير 1844، وهو نوع من مكاتب الوساطة بين الفرنسيين ورؤساء القبايل الجزائريين، ويضم موظفين ومترجمين بارعين في اللغة العربية ويستطيعون فهم المجتمع المحلي. وقد ساعد هذا المكتب مالتسان بعد "خيبة أمله" لدى الحاكم في البليدة لأن هذه المؤسسة هي الأعلى في اتخاذ القرارات السيادية في البلاد.  ولا يستطيع أي أجنبي أو محلي السفر في البلاد دون موافقة المكتب. وتسلم فاغنر أيضاً رسائل من الحاكم العسكري في الجزائر، وقدم نفسه بصفة طبيب. واعتبرها فاغنر حيلة ذكية من أجل تأمين سفره وإزالة كل سوء فهم وكل سوء ثقة، وهي وسائل يستعملها المغامرون والرحالة: "فالعرب يشكون في كل أوروبي ويعتبرونه عميلاً فرنسياً يخبر الفرنسيين بمعلومات عن المناطق التي يجهلها الفرنسيون في البلاد". 

زار شيمبر الجزائر في 1831 كملاحظ وجامع للنباتات النادرة وغير الموجودة في أوروبا. واطلع فاغنر كعالم مهتم بالحيوانات على كتاب شيمبر. أما بارت الجغرافي فاهتم بالجغرافيا وبالطابع الإثنوغرافي للبلاد. وزار بلدان البحر المتوسط. واهتم الرحالة الألمان بكل ما هو شرقي، "فالرحالة الذي تطأ قدماه لأول مرة أرضاً غريبة، يهتم غالباً أيضاً بطراز البناء الشرقي، وفي بعض المرات بالمآثر الرومانية... ويهتمون بالمقاهي العربية".  على عكس فاغنر، استعان مالتسان بوسيلة أخرى هي تعلم العربية عند معلم جزائري. وبهذه الطريقة استطاع الدخول إلى أعماق المجتمع للتعرف عليه أكثر. فهو لم يكن فقط رحالة، بل كان باحثاً أيضاً في اللغات. وبفضل دراسة العربية استطاع أن يربط علاقة بالمحليين. وكانت دراسة العربية بالنسبة إليه "الوسيلة الوحيدة الفعالة، على الأقل، من أجل تكوين صداقات، تتقدمها نيتي في تعلم العربية".

يقدم لنا المؤلف نموذجاً ثالثاً باحثاً هذه المرة عن العجائبية والغرائبية مثل ماري فون شفارتس التي أقامت في البلد مدة شهرين. وتريد هذه الرحالة اكتشاف البلد المجهول. فالجزائر فكرة توحي لماري فون شفارتس بعالم جديد.  إنه عالم تريد اكتشافه قبل أن يغير الاستعمار الفرنسي معالم البلد الشرقية. ويريد الرحالة الأمير توسيع أفقه عبر "رحلة عطلة". هو سفر من أجل المتعة وسفر لا يحلم به أجداده وآباؤه، والذي أصبح في منتصف القرن التاسع عشر ممكناً ومريحاً بسبب "اختراع الآلة البخارية". وهناك رحالة أرادوا مغادرة شتاء ألمانيا وقضاءه في الجزائر الدافئة، من أجل الإستشفاء أيضاً مثل أوتو شنايدر .وزار هاينريش بارت الجزائر في فترة الثورات في وهران وتيتري وحوضنة، ورغم قصر مدة إقامته، فقد أمكنه التعرف على أجزاء كبيرة من البلاد. لكنه لم يزر مناطق أخرى بسبب الحرب. ولم يستطع فاغنر أيضاً زيارة وهران، لهذا نجده يقول: "لا يمكن أن نلوم هذه الأجزاء الجغرافية والوصفية غير الكاملة، إذ إني زرت كل مناطق البلاد التي تقع في يد الفرنسيين حتى يونيو 1838 أثناء مغادرتي الجزائر".  ويجب الإشارة إلى أن أغلب الرحالة الذين زاروا الجزائر في فترة الدراسة اكتفوا بمنطقة الشمال. ومن النادر أن يزور بعضهم الصحراء بإستثناء بعض المهتمين الذين زاروها. ولهذا فالصحراء تمثل فقط قسماً ثانوياً من المعلومات عن الجزائر.

مضمون أدب الرحلة

يشكل الوضع الاجتماعي للرحالة ورؤيته للعالم عاملين حاسمين في رؤيته للجزائر. فقد بذلت ألمانيا في القرن التاسع عشر جهداً كبيراً لتوسيع مداركها ومعارفها عن الجزائر وعن الدول المحمدية. وبهذه الطريقة ساهم الرحالة بشكل مهم في نشر هذه المعرفة بواسطة مؤلفاتهم. وقام العلماء الألمان، وهم رحالة أيضاً، بانجاز مهام علمية في بلد ما زالت معرفة أوروبا به قليلة. وكانت وظيفة الباحث أساساً جمع المعلومات وملء الفراغات في "علم البلدان وعلم الشعوب". ونزل شيمبر، "عالم رحالة وباحث وجامع للنباتات" إلى الأيالة خمسة أشهر بعد إنزال سيدي فرج، وكان واحداً من الألمان الأولين الذين زاروا الجزائر بدعم وطلب وتمويل "نادي السفر التاريخي الطبيعي" ومن الحكومة الألمانية، وطلب منه "نادي الرحلة في فتنبرغ" تدوين ملاحظاته عن الجزائر.  وهذا يظهر مدى مساهمة جمعيات ونوادي جغرافية أو رحلية في ألمانيا من أجل الوصول إلى البلد. وارتبطت "دراسة الجزائر" أيضاً بأسماء أخرى، فـبارت الباحث في الدراسات الإفريقية الشهير زار الجزائر عشر سنوات بعد زيارة فاغنر. وفي مقدمة كتابه أكد على مهمته العلمية، ويعبر عن ذلك بقوله: "موقفي هو موقف تاريخي-جغرافي، وفي بعض الأحيان زرت بلدان البحر الأبيض المتوسط ووصفت رحلتي هذه".  وقد أصبح بارت في 1863 رئيساً- نظير عمله الدؤوب في دراسة إفريقيا- للجمعية الجغرافية في برلين لكل فرع "علم البلدان وعلم الشعوب".

لقد أضاف الإحتلال الفرنسي إلى اهتمامات الأوروبيين الاهتمام بالعلوم الطبيعية والبحث في "المجال الشرقي"، وبحث اللاجئون الألمان والمغامرون عن حظ أسعد في الفيلق الأجنبي. وتحدث (ماكس فرايهير فون فيبر) الذي قام برحلة استجمام إلى الجزائر في 1853 وأصدر كتابه "الجزائر والهجرة إلى هناك "في 1854، فتحدث أولاً عن أوضاع أبناء بلده الموجودين على الأرض الإفريقية، وكان هدفه اكتشاف بلدان غريبة وثقافة غريبة مثل الأمير بوكلار. أما ماري شفارتس فكانت تبحث عن الغرائبية حين زارت البلد في 1847 وتمنت لنفسها رؤية واكتشاف عالم شرقي بأشجار النخيل والجمال تماماً كما يتصور الأوروبيون هذا العالم، قبل أن تتغير المعالم "الشرقية" بسبب تسلط وفرض الثقافة الأوروبية. ويشير المؤلف إلى أن الباحثين عن المغامرة والاستجمام والراحة في إفريقيا هم النبلاء والأغنياء مثل بوكلار وماكس ماريا فرايهير فون فيبر وماري اسبرنس فون شفارتس. وهناك من جاء إلى الجزائر من أجل إنجاز وظيفته ومهمته والتعرف على العلاقات السياسية بين الجزائر وألمانيا مثل بوفري  عضو "النادي المركزي للهجرة الألمانية والإمكانيات الكولونيالية"، وأيضاً عضو مراسل "لجمعية الإستشراق" في فرنسا، الذي ألف كتاب "الجزائر ومستقبلها تحت الحكم الفرنسي"، صدر سنة (1855) بعد مقامه بالجزائر سنة 1852. وهو عبارة عن دليل نصائح للمسافرين الألمان إلى الأيالة بالجزائر من أجل الاستيطان فيها. وظهرت كتابات يمكن أن نصنفها ضمن "أدب الحرب"  ككتاب "تاريخ الحروب في الجزائر" الذي صدر سنة 1861 للجنرال هايم.

وقد ساهم الحضور الفرنسي في تدمير "الثقافة الجزائرية"، وعمل على ذلك. وأعلن (هيرش) في كتابه عن تضامنه مع الشعب الجزائري من خلال مقدمة كتابه، فقال: "... شعب حر يدافع عن وطنه له الحق الكامل في ذلك".  كما يعتبر الأمير عبد القادر موحداً للأمة وذا توجه جديد في السياسة. ومع اكتشاف وفتح مناطق أجنبية على الأرض في شمال وجنوب أمريكا واستراليا بدأ عصر الهجرة الألمانية "التي بلغت أوجها في 1854". ونقرأ في "تاريخ الجزائر في محطات" الذي يصدر سنة 1969 أن: "الأسباب هي-بين أخرى-الحاجة الاقتصادية ورفض الوضع السياسي وتدهور الحالة الإجتماعية في ألمانيا".

وضع المؤلف جدولاً يبين تطور الهجرة الألمانية بين 1831 و1866 في المدن الجزائرية مثل العاصمة وإقليم الجزائر ووهران والقسطنطينة. واختلفت آراء الرحالة الألمان بخصوص هذه الهجرة. فبوفاري عضو "النادي المركزي للهجرة وفرض الاستعمار الألماني" شجع هذه الهجرة نحو الجزائر التي تقدم مزايا أكثر من الهجرة إلى أمريكا. ولكن جل الرحالة يحذرون أبناء وطنهم من خطر مشروع المستعمرة الجديدة في الجزائر.  وكان شيمبر من بين الذين حذروا مواطنيهم من الهجرة إلى الأيالة. وأهم منطقة استوطن بها الألمان هي مستنغانم. وقد اهتم شيمبر بالعلاقات الاجتماعية بين أبناء وطنه. وصوّر في كتاباته بؤس وفقر المستوطنة الألمانية. ووصف بوكلار أوضاع هؤلاء بسخرية. أما هيرش فيكتب بأن البلاد فيها كل شيء، فيها الثروة والتعليم والحرية. وبالإرادة فقط نجد هنا جرمانيا الكبرى مهد الحضارة الأوروبية والحكم الذاتي. وعموماً لا ينصح الرحالة أبناء وطنهم بالهجرة إلى الجزائر كمستوطنين، لأنه لا يمكنهم انتظار الشيء الكثير من الفرنسيين. 

يقول المؤلف بأن الرحالة الألماني الذي يزور الجزائر لأول مرة يواجه في كل مكان ثقافة شرقية. وكان الحكم على هذا العالم وتقييمه مختلفاً. فبعضهم اعتبر البلد لا ثقافة له، ويصف بهذا المعنى الجزائر ببلاد البرابرة. وجعل آخرون من الثقافة الجزائرية موضوع بحثهم ودراستهم. ويتحدث فاغنر عن اللغة العربية ويصف الثقافة إثنوغرافياً. ولأن العاصمة فيها جنسيات كثيرة عربية وأمازيغية وصحراوية وإفريقية وأوروبية من مختلف الدول، فقد تطورت لغة وسيطة هي اللغة المشتركة كوسيلة تفاهم بين كل عناصر هذا الخليط.  وقد اهتم مالتسان بالعربية وأخذ دروساً في تعلمها من أجل فهم المجتمع وربط العلاقات مع الجزائريين. أما الكاتب الشاب لاوبه فقال عن معجم العربية إن جلّه في مجال الحيوانات، ويمثل وجهة نظر تقول إن الجزائر لا ثقافة لها، وأن الجزائريين غير متحضرين وأن محاولات ثقافتهم "لا تتعدى مرحلة بداية الطفولة". وتمثل هذه الفكرة منطلق رؤيته للعالم، تفسرها كلماته: "سمعنا لأول مرة هذه اللغة...التي أرعبتنا كما لو كانت لغة أفاعي...". ودرس هيرش العربية بألمانيا في الجامعة واهتم بترجمات القرآن ويتأسف لأنه "في الجزائر يتم إهمال لغة جميلة" . أما شفارتس فتقول إن الجزائر فقدت أصالتها بسبب الاستعمار الذي خيب أملها حين وجدت الجزائر فاقدة لطابعها الشرقي. وتحدث فاغنر أيضاً عن هذا التدمير الممنهج لثقافة الجزائر. أما مالتسان فـ"أصيب بالصدمة" من سياسة التدمير هذه. فقد اتخذت فرنسا من دافع تجميل المدينة حجة لتدمير معالمها الأصلية وإعادة بناء المدينة على الطراز الفرنسي.  فحتى المؤسسات الثقافية لم تسلم من سياسة التدمير مثل "مكتبة الجزائر" المتخصصة في "الدراسات المكتوبة عن إفريقيا"، وكانت أيضاً قطعة فنية ومعمارية بنيت على الطراز الشرقي المورسكي. وتحتوي فقرة "أغاني عربية" في كتاب الرحالة هيرش و"الأغاني الشعبية" على انطباعاته التي تعترف بقيمة الشعر العربي الشعبي الجزائري. وأورد المؤلف قصيدة تتحدث عن الأعراف والتقاليد السياسية الجزائرية بطريقة ساخرة.

يقول فاغنر إنه "قبل الاحتلال الفرنسي كانت تتوفر الجزائر على عشرة مساجد كبيرة وخمسين مسجداً صغيراً. والآن تقلص هذا العدد إلى النصف...هكذا أصبح مسجد مسرحاً، وآخر مخزناً وآخر ثكنة عسكرية".  واهتم فاغنر بوصف صلاة المسلمين التي اعتبرها غامضة وفيها مبالغة وخيال. يقول "في طريقهم إلى بيوتهم، لا يتوانى هؤلاء المصلون المبجلون علانية في نهب ممتلكات إخوتهم المؤمنين، أو في القبض على أول مسيحي وقطع رأسه".  وتنطلق شفارتس من وجهة نظر "الباحثة عن العجائبية والغرائبية" لتسم بها ملاحظاتها عن المسلمين، فتقول: "لا يمكنني إلا أن أقارن محمدياً مصلياً بالبط العوام".  ويقول سليمان رفيق نيبيا إن هذه الرنة الغرائبية تؤكد رغبة الرحالة في اكتشاف عالم شرقي في الجزائر. ويقول اللاجئ السياسي يونجمان لن تسمع أبداً مسلماً يتحدث باحتقار عن صلوات الآخر، حتى الصلاة اليهودية التي يمقتها بشكل عميق. بينما المسيحي، خاصة الفرنسي، يجعل أديان الآخرين هدفاً لنكته وغمزاته".  ويعتبر فاغنر شهر رمضان شهر التعصب الديني عند المسلمين، وكان الرحالة الغربيون يستهزئون ويتعبرون الصوم في النهار تصحبه صرامة مضحكة.

أما لاوبه فتحدث عن الفروسية التي اعتبرها دليلاً على"ثقافة بدائية"، يقول: "نحس كما لو أننا بين متوحشين، ومحاولاتهم الثقافية لا تعبر حتى عن مرحلة الطفولة الثقافية". ومدح هيرش عادات الضيافة الجزائرية، واستعمال الحناء، واحترم هذه العادات على غرار المثل المأثور الذي أورده المؤلف وهو: "بلدان أخرى، تعني عادات أخرى". ويحاول هيرش فهم هذه التقاليد. يصف المؤلف لاوبه بالرحالة الأكثر موضوعية، فعندما نطالع كتاباته الرحلية ونحللها نلاحظ بأن أوصافه خالية من الأحكام القبلية فيما يخص تبليغه لتجاربه بالجزائر. فهو لا يقيم الجزائر وعادات وتقاليد الجزائريين انطلاقاً من وجهة نظر مسيحية أو وجهة نظر أوروبي أكثر تحضراً، كما أنه لا يخجل من جرح أبناء وطنه أو الأوروبيين عامة عند تبليغ بعض الحقائق. وفي فقرة من كتابه بعنوان "الأديان في التجارة والتعامل "ثمن عدل المسلمين في التجارة على عكس المسيحيين أو اليهود، إذ يقول: "هكذا سيحس جل قرائي بالخذلان، حسب تجاربي العديدة، المسلمون عادلون في تعاملهم ممن يستثنيهم من عدهم تجاراً فاسدين".

تم سد الكثير من الثغرات في مجال علم الشعوب وعلم البلدان بفضل أدب الرحلات. فقد درس الألمان أيضاً الطبيعة الجزائرية. بعد دراسة شيمبر بميونيخ العلمية زار الجزائر كجامع للنباتات. واهتم بالأنواع النباتية التي لا توجد في أوروبا. لكنه فقد جزءاً كبيراً مما جمعه. أما فاغنر فبفضله وضع أول تصنيف كامل ووافر لحيوانات الجزائر واكتشف أنواعاً جديدة من الحيوانات. ويتمنى فاغنر أن يسير باقي الرحالة على نهجه ويغنوا المتحف الجزائري بما اكتشفوه في الجزائر من ثروة حيوانية وطبيعية، فيعبر عن هذا بقوله، إنه وضع مجموعته في عدة مؤسسات ألمانية مثل المتحف الخاص بالحيوانات في برلين، كما أهدى للمتحف الجديد بالجزائر بعض النماذج: "إنني سعيد، لأنني كنت أول من أسس تجميعاً للحيوانات هناك، بالمتحف الجديد الذي تم إنشاؤه بالجزائر وأهديته بعض الحشرات والحيوانات وبأمل في أن يكبر المتحف بهدايا مجمعين آخرين للحيوانات والحشرات من الجزائر".  ويشير المؤلف إلى أن الفرنسيين اهتموا أكثر بهذا المجال العلمي لأنه بالنسبة إليهم "ضرورة وحاجة" إلى إنجاز أبحاث علمية في المستعمرة الإفريقية الجديدة، ولهذا الهدف أنشأت الحكومة الفرنسية اللجنة العلمية في 1839، وأرسلت اللجنة إلى الجزائر. فقبل 1830 اعتبر الأوروبيون الجزائر لا يستفاد منها علمياً. وحاول الرحالة غير المتخصصين إخبار القارئ الألماني عن الطبيعة الجزائرية وعن الحيوانات الموجودة فيها مما يشبع انتظارات القارئ من هذه المنطقة في الشرق. وبفضل هؤلاء الرحالة حصل القارئ على منابع المياه والطقس والطب البديل بالأعشاب.

القيمة التوثيقية والأدبية

رغم قصر مدة إقامة فاغنر في البلاد الا أنه كتب نصاً مهماً يجمع بين التعليمي والمتعة. يقول إنه "يريد قارئاً مؤدباً، يتبعني في رحلتي إلى داخل الجزائر".  ويتساءل بمرارة عن سبب عدم تأسيس فرنسا مدارس للتكوين المهني والعلمي لتكوين الأطر في الجزائر في العربية وفي الجغرافيا وفي الاثنوغرافيا وتاريخ البلد وفي الدين وفي علم العادات وعلم الإسلام، طيلة الخمسة والثلاثين سنة الماضيّة. ففي رأيه يجب أن يعرف الموظف الفرنسي في الجزائر، سواء أكان موظفاً أو قاضياً في شؤون الجزائريين القرآن، "تماماً كما يعرف قاضي الفرنسيين مدونة نابليون".  أما ماكس هيرش الذي كتب "رحلة إلى داخل الجزائر عبر القبايل والصحراء" (1862)، وتحدث عن الأسماء الجزائرية التي تحمل "بو" وعن الآثار التي توجد في الجزائر ذات الأصل الإغريقي. واهتم بمعاني أسماء الأماكن وأسماء المدن، وقارن هذه الأسماء بالأسماء اليونانية وفي اللغات الهندو-جرمانية. ظهر كتاب هيرش ست سنوات بعد قيامه برحلته، والكتاب ممتع ويقدم معلومات قيمة عن البلد بنبرة ممتعة وشروح وافية. وتقدم ماري فون اسبرونس فون شفارتس في مدة إقامتها القصيرة (شهران) رحلتها على شكل يوميات. ومثل لقاؤها الأول مع الشاطئ الإفريقي أول خداع كبير تعبر عنه بقولها :"ينتظر المرء هنا رؤية مدينة شرقية، ولكن كم يصدم المرء. مباني مورسكية قليلة، ولا وجود لأشجار النخيل تقريباً. وفي ترتيب غير منظم تقف باصات شبيهة بالتي كانت توجد قبل عشر سنوات. وفي فرنسا... أجد هنا نفس الشوارع المتسخة التي تركتها خلفي في مارسيليا...".  إذاً، تمنت هذه المرأة اكتشاف درجات العجائبية والغرائبية، لكن خاب ظنها في الجزائر. وأول خيبة أمل لها تجلت في الطبيعة الجزائرية. وقد حاولت فون شفارتس تبليغ القارئ "العجائبية والغرائبية" في الجزائر من خلال كتابها لكي يمتلك القارئ أساس مشاركته في الرحلة، ولهذا وصفت مغامراتها في حمام عربي للنساء، حيث حكت قصص حية وخيالية عن تجربة الكاتبة في هذا العالم السفلى الذي وصفته بالدخول إلى "المقدس" . وكان الوصف حيوياً ومليئاً بالصور والمقارنات العديدة.

اطلع فاغنر على كتاب بوكلار واعتبره من بين الأعمال الثلاثة المكتوبة عن الجزائر التي كان يتوفر عليها قبل سفره إلى الجزائر. لم يكن بوكلار باحثاً عن الراحة في الجزائر ولم يكن هدف سفره علمياً، ولم يكن حالماً مثل الرومانسي بالبعاد والوحدة. لكنه كان مثل شعراء "ألمانيا الفتاة" يبحث عن أصدقاء جدد يتعرف عليهم ويعايش أحداثاً جديدة. ويعتبر المؤلف كتابه "سميلاسو في إفريقيا" عرضاً غنياً وفكرياً لرحلة إلى الجزائر، حيث بذل جهداً بشكل ساخر أيضاً، لتقديم ما هو غرائبي وعجائبي في رحلته. 

يقول المؤلف إن أغلب الكتابات الرحلية التي ظهرت عن الجزائر تهمل الجوانب الأدبية، لأن هدف مؤلفيها ليس أدبياً، باستثناء كتاب الرحالة الأمير بوكلار-موسكاو والرحالة هاينريش لاوبه اللذين نلمس فيهما التأثر بهاينريش هاينه وكتابه الأدبي الهام جداً "صور رحلية". ولهذا حاول الكاتبان أن يركزا على إظهار روح "ألمانيا الفتاة" في كتابهما.

 استنتاجات

ركز الباحث على ما تحتويه الكتابات الألمانية عن الجزائر من معلومات عن المجتمع الجزائري وتنظيمه وطريقة عيش المحليين. وعلى المستوى التاريخي والسياسي قدم الرحالة الألمان كشهود عيان الكثير من الوثائق الثمينة التي تدين الإستعمار الفرنسي في الجزائر، مثل ما قدمه (فاغنر) من شهادات عن حملات الفرنسيين ضد القسطنطينة وشهادات أخرى كثيرة عن المعاملات التي تمت بين الأمير عبد القادر والفرنسيين. ويخلص المؤلف إلى أن الكتابات الألمانية التي اعتمدها في دراسته هذه لها قيمة توثيقية أكثر من كونها قيمة أدبية، لأنها تؤدي وظيفة تبليغية وإخبارية. واختار الكاتب نصوصاً تواجهت مع الثقافة الجزائرية، فشكل عرض العادات والتقاليد للمحليين الجزء الأكبر والأهم من هذه الكتابات. وتناولت هذه الكتابات أيضاً الأوضاع السياسية وأوضاع الحرب في أول مستعمرة أوروبية في شمال إفريقيا. وظلت صورة الجزائر صورة مستمرة متواصلة تعيد صياغة ما عايشه ولاحظه هؤلاء الرحالة.

 

رضوان ضاوي

باحث في الدراسات الثقافية المقارنة وأستاذ اللغة الألمانية

الرباط/ المغرب

 

 

حاتم حميد محسنالحرب هي ممارسة عنفية تتميز بخرق المعايير الأخلاقية العادية. مع ذلك، وعلى مر التاريخ نجد مواقف يتجاهل فيها الأعداء كما يبدو ما تتطلّبه منهم الحرب فيتعاونون مع بعضهم البعض حتى لو كان هذا التعاون ضد مصلحتهم احيانا. في هذا الكتاب، تفحص الكاتبة Yvonne Chiu هذه الظاهرة.

 ان التنظير حول الحرب يفتقر في أحيان كثيرة للاشارة الى دروس الحياة الواقعية. هذا بدوره يؤدي عادة الى نظريات في الحرب لا يمكن ان يستخدمها اصحاب القرار مباشرة في ساحة المعركة، والى أفكار اُزيلت حتى الان من خبرة الممارسين لدرجة انها جرى تجاهلها. ان تجاهل واقع الحرب ايضا يقود عادة الى غموض (نقطة عمياء) بشأن مجموعة كاملة من الأسئلة الأخلاقية حول الحرب، مثل اخلاق التعاون في الحرب. توضيح الكاتبة لأخلاق التعاون في الحرب هو مستوحى بعناية من أمثلة الحياة الواقعية التي تمتد للآلاف السنين . هي تعالج عددا من الأسئلة حول التعاون الاخلاقي في الحرب، وهي تقصر موضوع التعاون فقط في الحرب بدلا من التضمين الكبير لنطاق واسع من الاستثناءات لوحشية الحرب (XII).

في الفصل الاول، تناقش الكاتبة نطاقا من الموضوعات في محاولة لتوضيح خلفية فكرية لمشروعها الفلسفي والميداني. هذا يتضمن عقد مقارنات مع النظرية التطورية، الاتجاهات النظرية للمباراة، التأثير القانوني للتعاون في الحرب، وإضفاء الطابع الرسمي على التعاون في الحرب على شكل قوانين الانسانية الدولية. اساسا، تعرض الكاتبة تعريفا عمليا للتعاون. هي ترفض الاتجاه النظري الخالص للتعاون لأنها ترى ان مثل هذا الاتجاه يتجاهل مواقف التعاون المقررة ذاتيا والمتحفزة بالفضيلة والتضحية. هي بدلا من ذلك تعرض تعريفا واسعا للتعاون مع العدو في مسعى للحصول على سمات مشتركة ضمن نطاق من فعاليات الحرب التي تعمل بالضد من الوحشية في الحرب. التعاون وفق ذلك الفهم، يتضمن حالات يُرى فيها طرفا متعاونا(سواء عمل الآخر ذلك ام لم يعمل)، بالاضافة الى حالات من العمل المشترك مع الاخرين "بقصد انجاز غاية مفيدة لشخص ما"(21). بالنهاية، التعاون بالنسبة للكاتبة لا يتطلب "الاتصالات، التخطيط، المشاعر الايجابية، تقاسم الأهداف، او حتى محصلات مفيدة متبادلة، ولا يستبعد الحوافز السخيفة"(22-23). ان النية التعاونية المفهومة على نطاق واسع هي كل ما هو مطلوب لإنتقاء الحالات التي تستحق التحليل حسب الكاتبة. مع هذا الفهم للتعاون، تركز الكاتبة في المتبقي من الكتاب على ثلاثة انواع من التعاون رُتبت وفق أهدافها.

1537  اخلاق التعاون مع العدو في الفصل الثاني، هي تناقش التعاون لأجل القتال العادل، في الفصل الثالث، تناقش التعاون لتقليل الضرر على صنف معين من الناس، وفي الفصل الرابع التعاون لإنهاء الحرب بسرعة بهدف تقليل الضرر الكلي. هي تفحص كيف ان اخلاق التعاون المؤطرة لهذه الانواع من التعاون أثّرت على الحرب بشكل عام وهي ترى ان النوعين الاول والثاني من التعاون ربما حقا يُضعفان الأهداف الاساسية للحرب.

في الفصل الثاني، تناقش الكاتبة ان التكافؤ في المخاطرة والفرصة ونوع الفكرة الاجرائية والرياضية للعدالة هو احسن الطرق لتوضيح اخلاق التعاون من اجل جعل الحرب قتالا عادلا. هي ايضا تناقش الطرق التي تتجسد بها فكرة التعاون لأجل القتال العادل في رموز شرف المحارب والمهنية بالاضافة الى بعض المحظورات وفي الخداع سواء قبل الحرب او خلالها. التوتر الهام الذي يبرز من هذا النقاش هو احتمال اطالة أمد الحرب وهو ما يؤذي الآخرين والذي هو محصلة لإعتماد التعاون لأجل القتال العادل.

في الفصل الثالث، تنظر الكاتبة في التعاون مع العدو لتقليل الأذى لصنف معين من الناس (المدنيين). هذا يتضمن مناقشة كيف ولماذا تاريخيا تقود أخلاق التعاون، القوانين الانسانية الدولية التي تتطلب التمييز في المعاملة، وهي صُممت لتقليل الأذى على المدنيين – بما فيها القوانين التي تحكم ارتداء الزي الموحد، والتعامل مع الأسرى، وتحريم الاسلحة. وكما في الفصل الثاني، هنا تناقش الكاتبة ليس فقط المحصلة الايجابية لأخلاق التعاون نحو تقليل الأذى على المدنيين (عبر تعزيز قواعد لحماية غير المقاتلين)، وانما ايضا تعترف بان القتال احيانا بهذه الطريقة قد يجعل الحرب تستمر أطول ومن ثم اكثر ضررا.

في الفصل الرابع، تناقش الكاتبة حالة التعاون لإنهاء الحرب. في عدة طرق، هذا هو المحور الاساسي للكتاب، لأنها تبدأ هنا ببناء جدال للادّعاء بان التعاون لإنهاء الحرب بسرعة ربما يُفضل على التعاون لأجل القتال العادل او تقليل الأذى على المدنيين. هي تعترف بان حالات التعاون لإنهاء الحرب هي قليلة ومتباعدة وتعود الى الماضي البعيد، ولكن مع ذلك هي تعتقد اننا يجب ان ننظر في حالات التعاون لإنهاء الحرب بسرعة.

في الفصول الثلاثة الأخيرة، تستمر الكاتبة في فحص هذه الأنواع الثلاثة للتعاون . هي تعترف انه في العديد من الحالات التي تناقشها ربما تبدو متباينة، ولكن مع ذلك هي ترى ان الطريقة التي تتفاعل بها هذه الاخلاقيات من التعاون والطرق التي يتم بها ابلاغ مختلف القواعد والمعايير من الحرب(بما فيها القواعد العادلة للحرب والقانون الدولي) هي هامة وتكشف بعض العيوب الخطيرة في المحاولات الانسانية لتجنب اسوأ أضرار الحرب.

في الفصل الخامس، تفحص الكاتبة التشابه والاختلاف والتوترات بين ثلاثة أشكال من أخلاق التعاون. هي ايضا تغوص عميقا في عالم النتائج غير المقصودة للتعاون، خاصة التعاون لأجل القتال العادل وتقليل الأذى على جماعات الناس . هي تجادل بأن كل من أخلاق التعاون هذه يمكنها أحيانا ان تجعل من الصعب الفوز بالحرب، وهو ما يدفع الكاتبة الى ان "تتحقق من العلاقات الملائمة لتلك الاشكال من التعاون مع هدف الحرب ذاتها (للتوصل الى تسوية سياسية أو قرارا عادلا)"(162).

الشكل الثاني للتعاون من بين الاثنين، هو ما يسمى اخلاق الحماية "protective ethics" لتقليل الأذى على بعض الجماعات اثناء الحرب، وترى الكاتبة ان هذه الاخلاق تتعارض احيانا مع الهدف المقصود منها.

في الفصل السادس، تنظر الكاتبة في العلاقة بين اخلاق التعاون و المبادئ الاخرى للحرب خاصة مبادئ الحرب العادلة ومبادئ القانون الدولي. هي تجادل بان البنية الفوقية للحرب الحديثة يتم ابلاغها عبر اخلاق التعاون لأن اخلاق التعاون:

1- توضح الطبيعة السياسية للحرب

2- توضح التأكيد الاحادي النظرة للمجموعة الدولية على قواعد الحرب just in bello

3- يمكن ان توضح الطريقة التي تعمل بها الدول مجتمعة لتعريف الشرعية في الحرب (193).

رغم مناقشة الكاتبة للنقطة 2 فهي تستمر للدفع بالاقتراح اننا يجب ان نعيد النظر بجدية في عناصر القتال العادل و "اخلاق الحماية" المتعلقة بمعايير الحرب (وبالخصوص تجسيداتها في القانون الدولي) وبدلا من ذلك نحاول التركيز على اخلاق التعاون لانهاء الحرب بسرعة والدور الذي يمكن ان تلعبه في هيكلة الحرب في المقام الاول.

 اخيرا، في الفصل السابع، تستطلع الكاتبة الدروس المكتسبة من تحليلها لأخلاق التعاون. كونها جادلت بان اخلاق التعاون تقود معايير اساسية في الحرب (مبادئ الحرب العادلة والمعايير الدولية بالاضافة الى تركيزها المتزايد على قواعد الحرب)، هي ترى بان هذا يوضح لماذا حصل تقدم قليل جدا في "الوظيفة الجوهرية للحرب.. في الوصول الى محصلة عادلة او "صحيحة" تتجاوز التسوية المؤقتة"(234). هي تجادل بان هذا جزئيا، بسبب ان اخلاق التعاون لأجل "القتال العادل" و "اخلاق الحماية" وجدت طريقها للقانون الدولي – بالشكل الذي اطال امد الحرب وجعلها اكثر ايذاءً.

 الكاتبة تحلل مختلف الخصائص المتباينة للحرب بما فيها العدالة في القتال والمهنية وتحريم الاسلحة ومبادئ التمييز ضد الاخر والهدنة والحصار والمبارزات وغيرها، ومحاولات ربط هذه العناصر المتغيرة للحرب ومبادئ الحرب مع اخلاق التعاون. في بعض الاوقات هذا يقود الى رؤى جديدة، ولكن عبر اجبار جميع تلك العناصر  ضمن اطار من اخلاق التعاون وعبر تحليلها كلها من خلال نفس العدسة، فهي تبدو كأنها تشوه بعض العناصر الاساسية لتلك الظواهر حين تنتج اطارا ينفجر عند خطوط اللحام محاولا استيعاب الكثير . هذا ربما نتيجة الطريقة التي تتصورها الكاتبة للتعاون. هي تتعامل مع سؤال اخلاق التعاون عبر الانشغال في عملية ديالكتيكية بين النظرية والتطبيق.في ضوء هذا، فمن المعقول جدا انها لاتوفر لنا تفسيرا عمليا مستقلا للتعاون، اي، في عدة طرق ان عدم وجود تفسير ذو تنظير عالي للتعاون في الكتاب هو منتج ثانوي صحي للاتجاه الذي سلكته الكاتبة. التساؤل المتبقي هو ما الذي يجلب جميع الامثلة وانواع التعاون التي ناقشتها الكاتبة لتأتي مجتمعة . مع ان الكاتبة اعطيت فسحة لتطور التفسير والمفهوم من خلال الامثلة والديالكتيكية في التطبيق، مع ذلك، المفهوم في النهاية يحتاج ان يكون اكثر وضوحا. الكاتبة توضح العديد من نقاطها العامة حول التعاون في الحرب مدعمة بالامثلة، لكننا لم نحصل ابدا على حجج توضح لماذا يجب علينا التفكير بالتعاون وفق المعنى لديها بدلا من آخر. فمثلا، هناك العديد من الامثلة عن الجنود في خنادق الحرب العالمية الاولى يرفضون اطلاق النار على جنود العدو لأجل سيكارة، او على شخص لا يرتدي الملابس، او على شخص لايعي الخطر. هذه الامثلة التي هي تعتبرها "تعاونا" عادة تبدو حالات بسيطة من الرحمة والتعاطف والانسانية. يُترك المرء مع انطباع انها تعتقد ان عدم التورط في العنف المستوفي لأسبابه، يعني حالة من التعاون. في الحقيقة، تقترح الكاتبة ان "مجموع الاستثناءات في وحشية الحرب هي اكثر من الأجزاء المكونة لها، وانها تُضاف الى أخلاق التعاون بين الأعداء المتحاربين"(XII). في الحقيقة ان العديد من هذه الحالات التي تتحفز بدافع تعاوني هي عالية المعقولية. كذلك الادّعاء بان جميع حالات عدم اختيار التورط في وحشية الحرب التي تشترك ببعض السمات هو امر غير مدهش. لكن محاولة الادّعاء بان هذه المجموعة الفرعية الصغيرة من الخصائص المشتركة (التي تشترك بها كل تلك الحالات) هي نوعا ما قادرة على توضيح معظم وليس كل المبادئ والمعايير التي ترشد الحرب والبنية الفوقية لها، انما هو امر مقلق كثيرا. احدى الادّعاءات الاساسية للكاتبة هي ان التعاون لكي يقلل الأذى على المدنيين قد يجعل الحرب اكثر فتكا وأشد ضررا. هي ترى ان "اخلاق الحماية" للتعاون هذه قادت المجموعة الدولية للتركيز المفرط على القواعد التي تحكم كيفية خوض الحروب (قواعد الحروب) والى القليل من التركيز على لماذا وكيف نبدأ الحروب "قواعد الحق في شن الحروب"). لكن كما ذكرنا آنفا، ان محاولة توضيح معايير الحرب ومكانتها الحالية بشكل رئيسي عبر الاشارة الى أخلاق التعاون قد يقود المرء الى عدم فهم القوى الرئيسية الكامنة وراء هذه المعايير. خاصة عندما نأتي الى قواعد الحرب. شهرة هذه القواعد وتأكيد المجموعة الدولية عليها انما يتقرر بـ 1- بحقيقة ان قواعد الحرب بما فيها التمييز والتناسب وتماثل الضرورة هي معايير محلية متأسسة جيدا، و 2- حقيقة ان قوانين حقوق الانسان الدولية كانت تتسلل وتقود الى إعادة تفسير القوانين الانسانية الدولية (بطريقة تضع الاهتمام على حقوق الافراد). كل من هذه القوى لعبت دورا هاما في الكيفية التي نشأت بها قواعد الحرب وفي سبب التركيز الاساسي للمجموعة الدولية عليها عندما تأتي للحرب. حالما يعترف الفرد بهذه القوى الرائدة، فان الكاتبة لديها اكثر من سبب للاعتقاد والقبول بان قيمة قوانين الحرب تتمدد الى ما وراء حماية الحياة في الحرب ويمكن ان تلعب دورا هاما في تأسيس معايير صلبة تحمي الحياة في نطاق واسع من الظروف. اذا كان الامر كذلك، عندئذ حتى لو ان الكاتبة صحيحة في الاعتقاد ان أخلاق التعاون لحماية المدنيين ربما تقود الى حروب اكثر ضررا، نحن لانزال لدينا سبب جيد للايمان بهذه الاخلاق وتعزيزها طالما انها تسبب أقل ضررا على المستوى الكلي . كتاب Chiu يوفر جدالا أصليا ورؤية ثاقبة مدعمة بتوضيحات تاريخية قوية. قيمته بالذات هو انه يعيد هيكلة ويلقي ضوء جديد على موضوعات نعتقد اننا سلفا فهمناها، الكتاب بلا شك يوفر اطارا جديدا لإعادة فحص تلك المواضيع.

 

حاتم حميد محسن

....................................

كتاب التعاون مع العدو:أخلاق التعاون في الحرب، للكاتبة Yvonne Chiu (البروفيسور في العلوم السياسية)، صدر عن مطبوعات جامعة كولومبيا، 2019 في 344 صفحة.

 

 

بليغ حمدي اسماعيليضعنا هذا الكتاب لمؤلفه الدكتور بليغ حمدي إسماعيل (أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية بكلية التربية جامعة المنيا بمصر) بمواجهة حقيقية ومباشرة أمام ثمة حقائق ومشاهد لا يمكننا الفكاك منها؛ مثل الجائحة الكونية التي تسارعت بل وتصارعت مع الكرة الأرضية وهي جائحة كورونا التي تمارس بطشها الاستثنائي بصورة عجيبة وبدون سابق إنذار أو ترقب، وهذه الجائحة الكونية التي تتبارى وسائل الإعلام في الحديث عنها وعن أخبارها بشتى الصور الثابتة والمتحركة والأشكال البيانية التي تصف حقيقة الجائحة وكيفية انتشارها وجهود العلماء والبشر لمواجهتها.

الحقيقة الثانية التي يوضحها هذا الكتاب هي المشهد الراهن للبحث العلمي في الوطن العربي، وهو ما يهمنا، فبرغم الانتشار الكبير لكليات العلوم في الوطن العربي وهذا التباري والتنافس في إنشاء معامل علمية ذات مواصفات قياسية، مرورا بمئات المبتعثين إلى جامعات متقدمة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية وبعض دول الشرق الآسيوي؛ إلا أن هذه البعثات لم تضف سطرا واحدا عقب أهم وأكبر بل وأعظم بعثة علمية ترأسها النابغة المصري رفاعة رافع الطهطاوي إلى فرنسا .

فمجمل تلك البعثات بأصحابها وضعنا إلى رصد ما تم تقديمه إلى الشارع العربي من معلومات وبيانات عن علوم المستقبل، وجعلتنا نفكر بقصد عن المعرفة المجتمعية التي تمت إضافتها إلى المواطن العربي العادي الذي لم يكترث يوما بالعلوم التطبيقية ومدى جدواها في تغيير وتحسين ظروف الحياة. وصولا إلى آلاف الأكاديميين العلميين الضاربين بانتشارهم من مشرق الوطن العربي إلى مغربه / وهم بحق يمثلون قوة بشرية حقيقية تمكننا من الوصول إلى مراقي عالمية، هذا هو الافتراض، بل بتوصيف لغوي دقيق هذه هي الفرضية التي لم تثبت صحتها ونحن نواجه اجتياح فيروس كورونا بمفردنا وممارسات شعبوية بسيطة قد تقترب من حافة الجهل، والجدل أحيانا، وألجأتنا إلى وصفات أهل العطارة وبائعي التوابل بعض الأحايين.

هؤلاء الأكاديميون بأبحاثهم التي استهدفت الترقية الجامعية أو الحصول على وظائف عمل بجامعات أجنبية متقدمة اصطفوا بجوار البسطاء والمواطنين الأكثر تتويجا بالجهالة العلمية المعاصرة، لأننا كنا نتوقع منهم تقديم أسلحة علمية حقيقية وصادقة في مواجهة الجائحة، وكم كان حزينا أن يكون الرد الأكاديمي من هؤلاء أن البحث عن لقاحات ومضادات وتركيبات كيميائية وبيولوجية متطورة لمواجهة فيروس كورونا سيأخذ عدة سنوات وأن الإمكانات المتاحة حاليا لا تؤهلهم للوصول إلى بدائل مساعدة .

1531 كتاب الجائحة

بل ربما يمكننا رصد مشهد موازٍ آخر، هو هذا الاهتمام الرائع من الصحافيين العرب في متابعة آخر أخبار الجائحة بصورة تفوق اهتمام هؤلاء الأكاديميين، وفترة تعليق الدراسة ببعض الجامعات العربية جعلت أصحاب العلم أنفسهم بمنأى عن التواصل المعرفي العالمي مع علماء العالم اللهم سوى الاستعانة بشبكات التواصل الاجتماعي أو عن طريق البريد الإلكتروني.

وتأتي هذه السطور ضمن سلسلة من المحاولات والاجتهادات التي تحاول استنهاض علماء الوطن العربي عموما والعلماء المصريين أو بالأحرى أساتذة كليات العلوم في الوطن العربي لأن كلمة عالم كلمة خطيرة الاستخدام هذه الأحايين وربما جاز أن نطلق عليهم لفظة " باحثين " لأنها الأقرب والأفضل بل والأصدق في ظل غيبوبة علمية مستدامة من بعضهم إزاء مواجهة الجائحة الكونية التي تديرها الحكومة المصرية بكفاءة عالية وبقدرة تعد نموذجا تاريخيا، لكن وسط تقاعس غير مبرر بالإمكانات أو بقلة المصادر أو بندرة الكفاءات من الباحثين المنتشرين بسرعة ضوئية وصوتية في كليات العلوم بالجامعات العربية، وذلك من أجل الخروج بنا من هذا النفق المظلم أعني نفق جائحة كورونا . هل البحث العلمي في مصر يواجه أزمة حقيقية ؟ بالضرورة تأتي الإجابة من قبل المتخصصين بأن الأزمة الراهنة هي أزمة إمكانات مادية ونقص في عدد المعامل المجهزة  وندرة بعض الأدوات والخامات ونلك المصطلحات التي اعتاد من يطلق عليهم بالعلماء على سبيل المجاز استخدامها .

ويتضمن هذا الكتاب خمسة فصول رئيسة تتناول الحديث عن الجائحة الكونية وموقف العلوم العربية منها، بحيث يتناول الفصل الأول الحديث عن مواجهة جائحة كورونا، بينما يتناول الفصل الثاني من الكتاب علوم المستقبل وهل يمكننا حقا السيطرة على المستقبل عن طريق العلم وما تقدمه لنا كليات العلوم لتطوير المجتمعات العربية، والفصل الثالث يتحدث عن بعض قضايا العلم المعاصرة لاسيما الفيزيائية منها ودور الفيزياء في تغيير الحياة على سطح كوكب الأرض . ويتناول الفصل الرابع من هذا  الكتاب الحديث إدارة المعرفة العلمية في الوطن العربي. بينما تختم الفصول الخمسة بدراسة عن كيفية الإفادة من أدوات الويب 2.0 في التدريس والتعلم.

 

المؤلف: دكتور بليغ حمدي إسماعيل

الناشر: جلوب  للنشر Globe Edit   ـ لاتفيا / الاتحاد الأوروبي

عدد الصفحات: 88 صفحة

سنة النشر: 27 مايو 2020       

https://www.morebooks.shop/bookprice_offer_a63bd79c2868864c132d4a3ea2919d48162f341f?locale=gb¤cy=EUR   

     978-620-0-60855-0

 

 

بتول الربيعيعبد الحق فاضل هوأديبٌ ودُبلوماسيّ، قبل أن يكون مُؤثــِّلاً، أو مَعنيًّا بدراسة اللُّغة بأسلوبَي التأثيل والـمُقارنة، مَوصليّ الولادة والنشأة، (1911م  ــ 1992م)، وأغلب الظنّ أنَّ عمله في السلك الدبلوماسيّ، وعمله في سفارة الصين مدّةً من الزمن في ستينيات القرن الماضي، وتنقّله بعد ذلك للعمل في عدد من البُلدان العربيّة، ومكوثه في المغرب، قبل أن يوافيه الأجل ببغداد(1)، هي التي قدحت له فكرة الـمُقارنة بين الألفاظ، والنظر في اللُّغة من جهة منشئها، وتطوّرها التاريخي.

أمّا أبرز أعماله في مجال اللُّغة والتأثيل؛ فأربعة، أوّلُها: (مُغامرات لغويّة)، الذي نشره في عام 1969م، والكتاب الثاني: (تاريخُهُم من لُغتهم) وقد نشره في عام 1977م، وأمّا الكتاب الثالث؛ فعنوانه: (العربيّة أم الألمانيّة) وقد صدر في عام 1988م، فضلاً عن كثير من المقالات التي نشرها في مجلة اللسان العربي بعنوان (دخيل أم أثيل).

وأمّا كتاب (مُغامرات لغويّة)؛ فقد صرّح عبد الحقّ في أوّلِهِ بالمُغامرة، كما صرّح بها في غير مناسبة، للتعبير عن خطرات فكره الـذي يعتمد تأمُّلَه في اللُّغات القديمة، أو وَلَعِهِ بالخوض في غمارها، فهو يبتكر كتابه بما يُشير إلى طغيان رأيه في ما أسماه (مُغامرات) بأن يعرض ما عنده من غير أن يحمل القارئ على التسليم به، فيقول: «وأودُّ أن أعرض هنا رأيًا لي في العلاقة بين اسم العربيّة والآراميّة والعبريّة، لا يقطع بصحته نصٌّ قديم، ولا حديث»(2).

فتصريحه هذا يعني افتراضه أن تكون بين المذكورات علاقة؛ إذ إنــَّها من عائلة واحدة، ثــُمَّ يقول: «وإنــَّما هي نظرية خطرت لي منذ أعوام، وما زلت أتحدّث بها كُلّما دعت مناسبة، فلم أجد حتــَّى الآن عند أحد ما ينقضها، فهي مُجرّد رأي، لا ألومك إذا رفضته؛ لأنَّي لا أملك الدليل الباتر لحملك عليه»(3).

الكتاب بجُملته شائقٌ، ذو نزعة تحليليّة افتراضيّة، وفكريّة، وهو خالٍ من المصادر، ونسخته التي ظفرت بها، خالية من التاريخ، وبتعقُّبِ نتاج الـمُؤلِّف الذي جعله في آخر الكتاب (المُغامرات)؛ يُلمَسُ تحوُّل اهتمامه من الصناعة الأدبيّة إلى الصناعة اللُّغويّة، فللكاتب قبل الـمُغامرات ــ بحسب ما ذكره هو في آخر كتابه ــ عددٌ من الـمُؤلّفات، لا صلة لها باللُّغة، ولا بالتأثيل اللُّغويّ، بل بالأدب القصصيّ.

وأبرز ما تتّسم به مباحث عبد الحقّ: محاولته إخراج اللُّغات من الإقليميّة إلى العالميّة فإذا كانت الساميّة ــ استنادًا إلى رأي طه باقر ــ تعني اللُّغات العربيّة القديمة(4)، على ما سيأتي بيانه، فإنَّ كُلّ لفظ منطوق، له في الواقع أصل في العالميّة الأُولى، فلا تكاد تُغادر مبحثــًا من مباحث كتاب الـمُغامرات؛ إلاّ وجدت في أثنائه شيئـًا من اللُّغة الموحّدة الأُولى، قبل تفرُّق اللُّغة الأُمّ إلى لُغات بتقادم الأزمان، وتباعد الأصقاع.

إذ إنَّ خياله الخصب الـمُتّصل ــ فيما أرى ــ بالتأليف المسرحيّ والقصصيّ، الـمُترع بالخيال، جعله يعقد علاقة بين (الهواء) وما يشتمل عليه هذا اللَّفظ من الهاء، والواو، الدّالَين على مُحاكاة صوت هبوب الريح، والـمُتمثــّل بالصوت الـمُشترك: (هـووووو) الخفيّ اللطيف المحسوس في آن، وهو صوت مفهوم الدلالة بحيث لا يُنكره أحد من الناس في مُختلف الأصقاع(5).

والذي يبدو لي أنَّ هذا التفسير وجيه ــ إلى الآن ــ لكنَّه يتعثــّر في المقبوليّة كُلّما تشظّى أكثر، فعبد الحقّ يعقد علاقة تبدو عليها أمارات الافتعال والخيال؛ لأنــَّها مُثقلة بالافتراض، والتأويل المفرط؛ إذ يعقد علاقة بعد ذلك بين (الهواء) و(الماء) الـمُعبَّر عنه بـ(آب) في الفارسيّة، في سلسلة مُصطنعة من التأويلات تنتهي بـ(الهباب) الدال على السُخام الصاعد الـمُتطاير، وهبوطًا إلى (آب) الذي يسبقه في الاشتقاق للدلالة على تطور اللَّفظ: (الأباب) الدال على السراب أولاً، والذي منه (العُباب) لاحِقًا الدالّ على معظم الماء(6)،إذ يقول: «والذي نراه أنــَّهم خفّفوا (أباب) بعد ذلك، فنطقوها (آب) بنفس المعنى أولاً، ومن ثــَمَّ نقلها الـمُهاجِرُون، منهم إلى إيران، مع بقية مُفردات لُغتهم»(7).

في حين ذهب غيره إلى أنَّ عددًا من الأصوات المشهورة بالقِدَم قد تشترك فيها كُلّ اللُّغات الإنسانيّة وغير الإنسانيّة، التي أشار الجاحظ إليها في أثناء كلامه على عيوب النطق، فقال: «إنّ الطائرَ والسبُع والبهيمةَ كلَّما كان لسانُ الواحد منها أعرضَ؛ كان أفصحَ وأبْينَ، وأحكى لما يُـلَقَّن ولما يَسمَع، من نحو الببغاء، والغُداف، وغراب البَيْن، وما أشبه ذلك؛ وكالذي يتهيَّأ من أفواه السنانير إذا تجاوبَتْ، من الحروف المقطَّعة المشارِكة لمخارج حروفِ الناس، وأمَّا الغنمُ فليس يمكنها أن تقول إلاّ (ما)، والميم والباء أوَّلُ ما يتهيّأ في أفواه الأطفال، كقولهم: (ماما)، و(بابا)؛ لأنــَّهما خارجان من عمل اللسان، وإنــَّما يظهران بالتقاء الشفتين»(8).

وبالطريقة نفسها يمكن تصوُّر أُثــُول الألفاظ الـمُشابهة، ومُناسبتها لأصواتها القديمة.

ويرى الأُستاذ عبد الحقّ أنَّ علوم اللُّغة إنــَّما كانت ــ وما زالت ــ ناقصةً، ويعتريها كثير من الغموض بسبب الـمُعضلات التي أقرّها المختصّون بتعذّر الاهتداء إلى حلّها، ومن ذلك معرفة (أصل اللُّغة) البشريّة؛ لأنَّ معظم ما وضعوه من نظرياتهم، لم ينهض دليلاً على قطعيّته، أو صحّتِهِ فيها، فمُحاكاة أصوات الطبيعة ممكنة في التطبيق على القليل من أُصول الألفاظ، ليبقى الآلاف منها مُتعذّر معرفة أصله، لذلك؛ صاروا يقولون: إنّ هذا العلم وهميٌّ افتراضيّ، يقوم على الظنّ والخيال، والحل ــ فيما يرى عبد الحقّ ــ منوط بهُجنة أغلب اللُّغات، فهي على ما يبدو في أكثرها من الرُّقي غير أصيلة، بل خليط من مجموعة مفردات، لكُلٍّ منها بيئة، وظرف، فإنّ هذا الخلط هو الذي صعَّبَ الوقوف على أصل اللُّغة، وتطوُّرها وهذا الكلام لا ينطبق على اللُّغة العربية(9)؛ إذ قال عبد الحقّ: «ولو وقفوا على العربيّة، ودرسوها في تفهُّم وتعمُّق؛ لعرفوا أنــَّها من الغنى والأصالة والنقاء بحيث تُعطي وحدها كُلّ المادّة اللازمة لإقامة (علم أصل اللُّغة) على أسس علميّة راسخة»(10).

وذهب عبد الحقّ في توجيهاته كُلّ مذهب، محاولاً إثبات صحّة نظريته، وأنَّ الجزيرة العربيّة مسرحٌ تاريخيّ كبير تجتمع فيها كُلّ الإنسانيّة، وأنَّ الشعب العربيّ هو أبو الحضارات، ثــُمَّ صرّح بنيّته لإعداد موسوعة تنتظم فيها كُلّ الألفاظ بأُصولها الأُولى، ورغبته الجامحة في عرض الحقائق التاريخيّة الـمُثيرة الـمُتعلّقة بآسيا، وأوربا، وأفريقيا، وعرض الأثر الفريد الذي تركته حضارة الجزيرة العربيّة فيها(11).

ثــُمَّ راح يستعرض فضل الطفل العربيّ الرضيع على لغات البشر، بل أكثر من ذلك، أنَّ الفرّوج العربي (فرخ الدجاجة) ــ بحسب ما ذكره ــ صاحب فضلٍ على اللُّغات الحضاريّة الراقيّة، قديمها، وحديثها.!، التي جاء فيها أنَّ العرب صاغوا فعل (صاي الفرخ) من صوت الفروج (صي صي صي)*، ثــُمَّ اشتقُّوا صاء وصاح وصات.. وما إلى ذلك، وأنَّ بعض المشتقات العربيّة انتقلت إلى اللُّغات الأُوربيّة. ولم يكتف الأعربون باستيراد صوت الفروج ــ بحسب زعمه ــ بل إنــَّهم استوردوا صوت أُمُّه الدجاجة أيضًا. فمن قولها (نق نق نق) وهي تلقط طعامها قالوا: (نقّت الدجاجة)، أي: صوتت. ومن التقاطها الطعام في أثناء نقيقها ظهر فعل: نقر، ومنه نقد بمعنى واحد، فالمنقاد هو المنقار، ومازالوا في الموصل يُسمّون القلم الحديد الذي يستعمله الحجار في ثقب المرمر أو نقشه (المنقار)، ويُسمّون الحجّار الذي يعمل في تسوية الرخام وتشكيله أغراض البناء (النقّار). وقديمًا ظهرت من النقّار صيغة (النجّار) التي تخصّصت بنقار الخشب(12).

والذي يبدو أنَّ اللَّفظة البدائية، أي: المقلِّدة لأحد الأصوات، كثيرًا ما تكون متشابهة في جميع الأُمم، أي: إنَّ المحاكاة ليست حكرًا على الإنسان العربي، وإنــَّما هذا شأن كُلّ البشر، مع بعض الانحرافات اليسيرة، ومن ثــَمَّ يأخذ التطور مجراه الخاص في كُلّ لغة على أُسلوب يختلف عمّا سواه؛ لذا فإنَّ تخصيص الفروج العربي بحسب زعم عبد الحقّ بأنَّ له فضلاً على العالمين، يناقض المنطقيّة العلميّة، فعبد الحقّ لم يكتفِ بجعل اللُّغة العربيّة البشرية في شبه جزيرة العرب أُمَّ اللُّغات العالميّة، بل جعلها تشتمل على الكائنات غير العاقلة لمحاكاته في تلك البقعة من الأرض التي نشأت منها اللُّغة الأوّلى ومنها تفرعت إلى لغات عِدَّة.

ومع أنَّ الأصوات التي تحاكي الطبيعة تُمثــّل أقدم الكلمات المخترعة(13)، فـ«من العبث البحث في أمر غامض مجهول نشأ ونما في عصور سبقت العصور التاريخيّة»(14)، كما يقول ولفنسون، بل إنَّ بعض اللُّغويّين المحدثين ضعّفوا البحث في أصل اللُّغة ودعا بعضهم إلى إخراج هذا الموضوع من علم اللُّغة وإلحاقه بالبحوث الفلسفيّة الميتافيزيقيّة؛ لأنــَّه يتألف من آراء ظنية تعتمد الحدسَ والتخمينَ، وفي نواحي أُخَر على حجج ضعيفة لا يطمئنّ إليها التحقيق العلمي(15).

وينتهي عبد الحقّ في دراسته إلى نتيجة يعتريها تناقضٌ جزئيّ مع ما ابتكره في الأوّل الذي غلب عليه طابع الاندفاع، فيقول: «اللُّغة العربيّة ليست أُمّ جميع اللُّغات، لكنــَّها تمتاز على جميع لُغات أهل الأرض بجملة خصال، أهمّها: أنَّ العربيّة أمّ جميع اللُّغات الحضاريّة الـمُهمّة، القديمة منها، والحديثة، الحيّة، والميتة، لا نستثني غير الصينية، والشُمَريّة (السومريّة)»(16).

ثُمّ يقول: «أمّا الصينية؛ فقد سبق أن وجدنا الضمائر فيها عربيّة الأثل، والضمائر ــ كما قلنا ــ تعتبر الأساس الكيانيّ الذي تُبنى عليه اللُّغة. يُضاف إلى ذلك أنَّ في الصينيّة ألفاظًا عربية أُخرى، غير الضمائر، ولعلّها لو تيسّر درسها؛ لثبتت أُمومة العربيّة لها، على نحو أكثر صراحة، وأبعث للثقة»(17).

وفي تصريحه هذا اضطراب؛ لأنــَّه يتناقض مع الاستثناء الذي ذكره قبل قليل. وأمّا ما يتعلق بـ(الشُمَريّة)؛ فما زالت غامضة لديه، ومع تصريحه فيها بالاستثناء؛ فإنــَّه يُصرّ على أنــَّها لو تيسّر له درسها أكثر؛ لأثبت أُمومة العربيّة لها على نحو واثق وصريح. وخلَص عبد الحقّ أيضًا إلى أنَّ العربيّة من أغنى اللُّغات*، وأنَّ مُعجَمَها يكنز أكثر من مئة ألف كلمة مُستقلة، ومُعظم هذه الكلمات تولّدت منها باشتقاق ألفاظ كثيرة، بالمعنى نفسه، أو بمعانٍ مُختلفة، وأنــَّها ما زالت تحتفظ بالألفاظ البدائيّة  ــ الرسيّة ــ الأُولى، إلى جانب الألفاظ الراقية الحضاريّة الـمُتفرِّعة منها. فهي لذلك؛ تُمكِننا من إقامة علم (نشأة اللُّغة) على أركان وطيدة بالطريقة الترسيسيّة، فالعربيّة تُلبّي غرض التأثيل ــ بزعمه ــ وأمّا اللُّغات الأُخَر؛ كسائر الساميّات، والحاميّات، والآريات، وغيرها من لغات بني آدم؛ فلا تكفي للتأثيل(18).

إنَّ التأثيل بالمعنى الذي ذكره عبد الحقّ، ــ فيما أرى ــ أقرب إلى الإقليميّة، في حين أنَّ الترسيس أمكن في العالميّة الـمُرتبطة بِالقِدَم.

وأمّا كتابُهُ (تاريخُهُم من لُغتهم)؛ فمُتَّصِلٌ بما قبله، مع زيادة على عددٍ مِمّا تطرّق إليه فيه؛ إذ أسدى في صدر هذا الكتاب نصيحةً يُؤكِّد بها وجوب أن تحظى دراسة الباحث للُّغة بالوعي والتدبُّر؛ لأنَّ دراسة اللُّغة ــ برأيه ــ تُشبِهُ كثيرًا التنقيب الآثاريّ، بل هي أكثر منه أهميّةً، فدرس اللُّغة «درسٌ قادرٌ على أن يكشف لنا أحيانـًا ما لا يستطيع التنقيب الآثاريّ أن يكشفه من حقائق منسيّة، وأسرار مجهولة، أفلتت من ذاكرة التاريخ، مِمَّا لم تبقَ لدينا وسيلة للتوصُّل إليه غير تقليب صفحات سجل اللُّغة»(19).

وأمّا أبرز المباحث الـمُضافة إلى هذا الكتاب، غير تلك التي ذكرها في كتاب (المُغامرات اللُّغويّة)؛ فهي الآتية:

(مَكّة، واليَمينُ واليَسار، والعَنقاء، وأطلنطة، والروض، والعروس، والعراق، وبدائعُ أُخرى. وعشتار).

ويكفي في هذه الـمُناسبة أن نعرض لتحليل ما جاء في المبحث الأول، الـمُتعلّق بـ(مكّة) التي تصدّرت كتابه المذكور، فقد تمثــّلت تصوُّرات عبد الحقّ فيما زاده في (تاريخُهُم من لُغتِهم) على المباحث التي أوردها في كتاب الـمُغامرات، بِحَمْلِهِ القارئ على تخيُّل إجابة عن كُلّ سؤال يطرحه، وجرّه إلى ما يُشبه الـمُناظرة الافتراضيّة، ففي مبحث (مكّة، وحمورابي) يدخل عبد الحقّ مباشرة في صميم الموضوع، فيقول: «ندخل رأسًا في صميم الموضوع، دون مُقدمات، يقول الباحثون الـمُستشرقون: إنّ اسم (مكّة) مُقتبسٌ من الحبشيّة (مكورابا): معبد أو هيكل. لكنَّهم، على عادتهم، لا يتساءلون من أين جاء اسم (مكورابا) هذا؟ ثــُمَّ لماذا لم يقولوا على العكس: إنَّ (مكورابا) مُقتبسٌ مِن (مَكّة)؟.. لا أدري.. كُلّما شاهدوا كلمة مُشتركة بين العربيّة، وغيرها؛ قالوا: إنّ العربيّة هي الجهة الـمُستفيدة»(20).

وكان جواد علي قد ذكر أنَّ اسم مكّة كما ذكر المستشرقون مشتقٌّ من الحبشية مكورابا، وقد ذكرها العالم اليوناني بطليموس في كتابه (الجغرافيا)، الذي عاش في القرن الثاني بعد الميلاد(21).

وجاء في (تاج العروس): إنَّ (مكّة) هي (بكّة)، والميم بدل من الباء، وأنَّ بكّة سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ الأقدام تبكّ بعضها بعضًا. وقـِيلَ: لازدحام الناس. وأنَّ (مكّة) من المكّ؛ لأنَّ الحجيج كانوا يمكُّون، أي: يصفرون صفير المكاء إذا طافوا بالكعبة، أو لأنــَّها تمكُّ من ظلم فيها(22).

وقد رُوِيَ أنَّ بعض القبائل العربية كانوا يبدلون الباء ميمًا، والميم باءً، ونسبت هذه اللَّهجة إلى مازن وبكر بن وائل وهما من قبائل ربيعة(23).

وقد سخر عبد الحقّ مِن آراء الـمُتقدِّمين العرب في مُعجماتهم؛ إذ يرى أنَّ بعضها قد بَعُدَ «عن المنطق، وقرُبَ بعضُها من السُّخف، فإنــَّما هي مُحاولات من السلف للبحث ــ على طريقتهم ــ عن حقائق الأشياء، وإماطة الحُجُبِ عن أسرارها، لكنّنا غير قادرين أن نساوي بين غثــّها وسمينها في مقياس واحد، مع أنّنا سنرى أنــَّها جميعًا على خطأ»(24).

ثــُمَّ يعود عبد الحقّ من جديد إلى تَوْهِين أن تكون (مكّة) من الحبشيّة (مكورابا)، والأغلب أنَّ (مكّة) الكُبرى في الحِميريّة ـ الـمِحراب، ثــُمَّ المعبد المخصوص في البيت، ثــُمَّ أكرم غرفة في الدار، ثــُمَّ مجلس الملك الذي ينفرد به عن جُلسائه، ثــُمَّ أقدس كلمة للموضع عند المسلمين(25).

وأمّا بغداد فهي عنده مُكوَّنة من (باغ) وتعني بالفارسية الإله ومن (داد)، أي: العطاء أو تأسيس فتكون بغداد بمعنى (مؤسِّسها الله)، وفسّرها بعضهم بـ(اللّه حبيبي)، وهذا برأيه أكثر قبولاً من التأثيل السطحي لـ(باغ) بالحديقة، و(داد) بالعطاء، لتكون بعد ذلك هذه المدينة شيئـًا من معنى الحديقة أو الجنّة(26).

وجاء في كتاب (الأنساب) أنَّ الأصمعي لا يقول: بغداد، ونهى عن قول ذلك، ويقول: مدينة السلام؛ لأنــَّه سمع أنَّ (بغ) بالفارسية معناها الصنم و(داد) بمعنى عطية، فتكون على هذا الأساس عطية الصنم(27)، ولأنَّ الصنم بحسب معتقدات القدماء يقوم مقام الإله. فإنَّ معنى اسم بغداد يكون على هذا الأساس (عطيّة الإله).

وقد نفى يوسف رزق غنيمة أن تكون بغداد مأخوذة عن الفارسيّة كما ذكر المستشرقون وأخذ عنهم الأعربون؛ لأنَّ الفرس لم يدخلوا العراق إلاّ في عهد كورش وكانت بغداد معروفة بهذا الاسم كما ورد في النقوش البابليّة والآشوريّة قبل دخول الفرس إليها بمئات السنين، وهو يرى أنَّ أثل الكلمة آرامي مُكوَّن من (ب) المقتضبة من كلمة بيت و(كداد) بمعنى الغنم أو الضأن، فيكون معنى بغداد بيت الغنم أو الضأن؛ إذ إنَّ الآراميين كانوا فلاحين في هذه الديار ويربُّون المواشي، وبقوا كذلك قرونــًا عِدَّة بعد استيلاء العرب المسلمين على العراق(28).

واقترب بهاء الدين الوردي من تفسير يوسف غنيمة، فـ(بغداد) بعد التقطيع  AD ــ  KD ــ BA = دار التضحية(29).

لكنَّه ذكر في معجمه أنــَّها بمعنى قلعة قبيلة الصقر، أو هيكل الصقر والعقرب(30).

وقد ورد اسم بغداد  ــ بحسب ما ذكر طه باقر ــ  في النصوص المسماريّة في عصر الملك حمورابي بصيغة (بگدادو ــ  بگدادا) وهو يرى أنَّ نقطة الضعف في تعيين معنى بغداد هو أنَّ المقطع (باك) أو (باغ) يُلفَظ أيضًا (خو)(31)؛ لذا فإنّ أغلب المعاني التي ذكرت افتراضية، بيد أنَّ أثل الكلمة أكدي وليس فارسيًّا.

ثُمّ يأخذنا عبد الحقّ في رحلة قد تبدو غريبة الملامح من وجهة نظري؛ إذ إنــَّه هذه المرّة قد ابتكر علاقة بين (مكّة) و(بغداد)، و(محمد فوزي) في أغنيته الذائعة الصيت على مرّ الاجيال:

(ماما زمنها ﮔاية.. ﮔاية بعد شوية.. ﮔايبه لعب وحاﮔات)!!

إذ يرى أنَّ (بغ) الفارسية هي بكة (baga) البابليّة وأنَّ بكّة مأخوذة من بج، بج، بج، لاعبت الطفل وناغيته على طريقة محمد فوزي(32)، وتلك طريقة اتّبعها الباحث لإيصال المراد من كلامه، وكذلك عند حديثه عن وجود التنوين في الأفعال في اللُّغات الساميّة، ذكر وجود رواسب هذا التنوين في اللَّهجات مستشهدًا بالأغنية الشعبيّة الجنوبيّة العراقيّة*:  (ما أكدر أكَولن آه خوف الفضيحة)(33).

وأمّا (حمورابي)؛ فيرى عبد الحقّ فاضل أنَّ (حمو) بمعنى الحامي، والحارس، و(رابي) بمعنى الإله، والمعنى يكون: حامي الإله (34)؛ إذ إنــَّه اعتمد التوافق الظاهري بين حمو والحامي في تأثيل اللَّفظ،فكيف يُعقَل أن يكون للإله حامٍ وهو الذي يحمي الناس.

وكلمة (ربّ rib) تعني في السومرية علا في المقام و(ribba ربّ) بمعنى كثــُر،و(rabbo) بمعنى عالٍ(35).

وفي المعجم الأكدي (rabu) بمعنى كثــُر وزاد أيضًا(36).

وذكر طه باقر أنَّ (حمو) اسم إله سامي غربي من الآلهة الشمسية كما يدلُّ على ذلك اسمه الذي يعني الحرارة، و(رابي) ومعناها (عظيم أو كبير) ويجوز قراءتها (رافي) بمعنى مكثر(37).

وقد اقترب السيِّد سامي البدري من رأي طه باقر لكن بصورة أدقّ فقد بَيَّن أنَّ معنى حمو لا تعدو أن تكون أحد معنيين، الأوّل: الرئيس، والثاني: الثقة، الصديق الحميم، الخليل، وفي ضوء ذلك فإنَّ حمورابي هو ثقة الربّ وخليل الربّ(38).

وبنظرة سريعة إلى ما عرضه عبد الحقّ، يُمكن الوقوف على الآليّة التي اعتمدها في ترسيس الألفاظ، وتأثيلها؛ إذ إنــَّه يعود بأغلب الملفوظ إلى أصلِهِ الثنائيّ، وكذلك كان شأنه في معالجة الأصل الذي نجمت عنه الـمُشتركات اللَّفظيّة، فعالجها على أنــَّها من حيث التكوين ثــُنائيّة، فمكّنه ذلك بِجُرأة أن ينسب أيَّ لفظ إلى أصل واحد، هو في رأيي ليس عربيًّا على وجه الإطلاق، إلاّ إذا صحّ عَدُّ عبد الحقّ الجزيرةَ العربيّة موطنًا وحيدًا للإنسانيّة الأُولى، آنئذ كانت جنةً غنّاء، لِتنتشر الناسُ في الأرض لدواعٍ هي في الغالب نظريّات لم تصل إلى درجة القطعيّة، وجعلها عبد الحقّ حقيقة غير مُنكرة من الناحية الجُغرافيّة التاريخيّة، وهذا بِرُمّتِهِ ــ مهما بلغ من الصحة ــ لا يمنع من وجود جِنان أُخَر مأهولة في الأرض.

وبإنعام النظر في مُحتويات (تاريخهم من لُغتهم)؛ نجد أنَّ عبد الحقّ قد ألّف هذا الكتاب لغايتين، منها: ترقية ما جاء في كتاب الـمُغامرات، وإضافة مباحث جديدة، (تقدّم ذِكرُهَا) أوّلاً، وذريعة يردُّ بها على مُنتقدي بعض مباحث (المُغامرات) ثانيًا، وأعني بذلك ردّه على إبراهيم السامرائيّ؛ إذ كان عبد الحقّ قد نشر مقاله (عربي، آرامي، عبري) في مجلة (سومر)، وأعاد نشره في كتاب المغامرات، ونقدها إبراهيم السامرائيّ بعد عامين في المجلة نفسها. قال عبد الحقّ: «وقد وصلني الـمُجلّد هُنا، في بكين، بعد بضعة أشهر من صدوره، فأجبت الإجابة عليه في أوانه، ولكن حالت دون ذلك أشغال وسفر»(39) فنشر الردّ بعد ثلاثة أعوام، فجعله في كتاب (المغامرات) بعنوان: (عودة إلى: العربيّ، والآراميّ، والعِبريّ)(40)، وأكدّه في كتابه (تأريخهم من لغتهم) (41).

وخلاصة اعتراض إبراهيم السامرائيّ على مقالة عبد الحقّ المذكورة، أنَّ الأخير ــ بحسب السامرائيّ ــ كان فعله فعل الهُواة، لا فعل الـمُتخصِّصين، فإنَّ عبد الحقّ توّاقٌ إلى الكتابة في كُلّ شيء، في القصة، والمقالة القصيرة، والشعر، وأنَّ سلوك الطريق إلى اللُّغات المقارنة وقواعدها لا تعتمد الرأيَ المجرَّدَ، ولا على التخمين، وأنَّ على عبد الحقّ وعي خطورة هذه المهمَّة الشاقَّة، وأنَّ عليه الإلمام بعلم الأصوات، واللَّهجات، وتاريخ علوم اللُّغة عامة(42).

ثــُمَّ عرض السامرائيّ لخطرات عبد الحقّ، وفرضياته القائمة على الظن، مستشهدًا ببعض تصريحاته أنَّ ما يكتبه إنــَّما هو من صناعته الفكريّة الخاصة التي لا يُلزم بها أحدًا، ثــُمَّ يأتي بعد ذلك على ما رآه ليحملنا على الاقتناع به (43).

ثمّ يعترض على ما رآه عبد الحقّ من الصِلة بين العربي، والآرامي، والعبري، وأنَّ هذه المذكورات قد انحدرت من أُمّ واحدة، وقد نجمت عن هذه اللُّغات لهجات استحالت بمرور الأزمان إلى لغات عدّة، واعترض على اختيار عبد الحقّ لفظة (العربي) من كلمتَي (عبري وآرامي)؛ من حيثُ إنَّ الكلمتين قد كانتا رتقًا ففتقهما تطوُّر الحدثان، وهي ليست كذلك عند السامرائيّ، إذ لم تكونا رتقًا لتُفتقا؛ ذلك لأنَّ الآرامية، أو (الأرميّة) تبدوان كأنــَّهما لفظان على مُعيَّنٍ واحد، مثلما يحلو لعبد الحقّ أن يُعيّنها في تفسيراته للتعبير عن (العربيّة)(44).

وحُجة السامرائيّ مُستندة إلى تحليل علميّ؛ إذ إنــَّه يرى أنَّ (الآراميّة) لغة ذات أُصول معروفة، وتاريخ، ووطن معروف، وأنَّ هذه تنماز من العربيّة بفروق واضحة، فليس (عربي)، و(آرامي) واحدًا، فقد استعان عبد الحقّ في استدلالاته على وحدة الأصل بين اللَّفظين، بالإبدال الواقع بين الهمزة، والعين (45).

ويرى السامرائي أنَّ الإبدال هذا قد يقع في لهجات العربيّة نفسها، لكنَّه غير موجود في الآراميّة، وإذا وقع؛ فإنــَّه يقع بتأثــُّر الـمُجاورة، وأمّا استدلال عبد الحقّ على نطق سريانيي العراق العين همزة، فالسريانية، لذلك؛ عربيّة، فتردُّهُ حُجّة السامرائي بأنَّ الإقليم الذي يتحدّث فيه النصارى بالسريانيّة في العراق متاخم لكردستان؛ فتولّد عندهم هذا النطق بالمجاورة، والدليل على ذلك؛ أنَّ السريانيّة الغربيّة، كما في لبنان، وسائر بلاد الشام، قد احتفظت بنطق العين، ولعلَّ هذا حصل في العبريّة، فاليهودي الشرقي مُحتفظ بنطق العين، لا يتعدّاها إلى الهمزة، وأمّا اليهودي الغربي؛ فيتعدّاها إلى الهمزة، وذلك؛ لأنــَّه نشأ في بيئة لا وجود لهذا الصوت في لغاتها(46).

ثــُمَّ يخلُص السامرائي، بعد عرضه جُملةً من أمثلة الإبدال، إلى أنــَّها مسألة مُتعلّقة بالسماع، وأنَّ الركون إلى الإبدال، وقواعِدِه، لتحقيق أنَّ العربيّة تعني الأرميّة، أمرٌ غير وارد في البحث العلميّ التاريخيّ؛ لأنــَّه أمرٌ شكليّ، ولا علاقة له بحقائق التصنيف اللُّغويّ الـمُقارن، ولا يُغيّر الحقيقة التاريخيّة لانحدار كُلّ لغة (47).

ويختم السامرائيّ حديثه، فيقول: «إنَّ (عربيّ)، و(آراميّ)، و(عبريّ)، كلمات ذوات دلالات مُختلفة، فكُلّ منها يدلّ على لغة مُعيّنة، وإن كانت تؤلّف مع غيرها من لُغات أُسَرة لُغويّة خاصة، هي الأسرة الساميّة»(48).

وأمّا تعقيب عبد الحقّ الذي جاء مُتأخِرًا على ردّ السامرائيّ في مقالته التي نشرها في كتاب المغامرات، فيتصدّره ما يُشبه الامتعاض بعد إشادة بثناء، يقول عبد الحقّ: «وأودُّ قبل كُلّ شيء، أن أشكر الناقد (السامرائيّ) ثناءه عليّ في أوّل مقاله، ولا ينقص من شكري استدراكه قائلاً: غير أنَّ سلوك هذا السبيل مُضنٍ شاق، فصاحبه مُلزَمٌ أن يكون له من الوسائل ما يسهّل عليه هذه المهمّة الشاقّة العسيرة، كأنــَّما يقصد أنّني اقتحمت عليه موضوعًا لم أستكمل أداته، فكان ينبغي لي أن أتركه لأهله، ولا سيَّما أنــَّه قال عن نفسه قبل أن يتحدّث عني، أنــَّه قد سلخ أعوامًا في موضوع هذه اللُّغات الساميّة، وفي مادّة مُقارنتها؛ بُغية الوصول إلى فهم مُشكلات هذه العربيّة، نحوًا، وصرفًا، ولُغةً»(49).

ثُمّ أخذ عبد الحقّ يعرض ما كتبه السامرائيّ، فيردّ عليه، مع إحالة القارئ على ما كتبه كُلّما دعت الـمُناسبة، واختتم ردّه بخاتمة، مُلخصها أن لا مانع من تصحيح السامرائيّ أنَّ (عربي، وآرامي، وعبري)، كلمات ذوات دلالات مُختلفة، وكُلاً منها يدلّ على لُغة مُعيّنة، مع توخّي أمرين، (أحدهما): إنَّ القول بأنَّ هذه الكلمات الثلاث، تعني اليوم لغة واحدة، غير صحيح؛ لأنَّ المقصود أنَّ الكلام كان يدور في الأصل، وليس فيما تشقّقت عنه هذه اللُّغات. و(الآخر): هو أنَّ عبد الحقّ شخصيًّا لم يكن مقتنعًا بما ذهب إليه من رأيه، وإنــَّما هي خطرات فكر، لا تستند إلى نصٍّ قديم، وهي مُجرّد نظرية لم يجد عند أحد ما ينقضها، ولا ما يبرمها(50).

ويُقرّ عبد الحقّ مًجدّدًا أنَّ تصوُّراته قد كانت محفوفة بالتحفظُّات، وأنَّ ما قاله إنــَّما يجوز، أو يحتمل أن يكون (العربي، والآرامي، والعبري) قد اشتُقَّ بعضه من بعض، من غير جزم، فخليق بالباحث ألاّ يجزم(51)، ثــُمَّ يختتم مقاله، بخلاف ما ابتدأه من التلطُّف، فيقول: «لهذا؛ لا يُمكن تفنيد نظريتنا إلاّ بطريقة واحدة، هي أن يثبت الناقد (السامرائيّ) أنَّ القلب، والإبدال، في هذه الألفاظ لم يكن مُمكنًا، ولا مُحتملاً، وهذا هو الأمر الذي نظنُّه غير ممكن، ولا مُحتمل»(52).

فعبد الحقّ يرى أنَّ العربية والآرامية والعبرية من أصل واحد ومن كلمة واحدة هي العربية بوصفها أُمّ اللُّغات الساميّة وأكثرها شبهًا باللُّغات الساميّة المتطوّرة.

وقد رجَّحَ أحمد سوسة بأن يكون العربي والعبري من أصل واحد ومن كلمة واحدة مستعينًا بالأدلة التاريخيّة، لكنَّه يرى أنَّ العربي اشتُقَّ من العبري وليس العكس؛ إذ إنَّ ذكر كلمة العبيرو والخبيرو والهبري يرجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد، فقد ورد هذا اللَّفظ كثيرًا في نقوش تل العمارنة، وكان يقصد به عرب البادية أو البدو الرحَّل، وأنَّ العربي تحريف لكلمة عبري، وهو يرى أنَّ تسمية العرب تسمية لاحقة، وكذلك أُطلِقَت كلمة العريبي على الآراميين والأدوميين ممــَّا يدلّ على أنَّ الآشوريين جعلوا الآراميين والأدوميين من العرب أيضًا، وأنّ التوراة حين تصف إبراهيم بالعبراني فإنــَّها تساير واقع الحال بكونهم من القبائل العبرية التي ينتمي إليها، أي: القبائل الآرامية قبل أن يكون لليهود وجود بعد، وقد ظلت هذه التسمية، أي: عبري وعبراني، تُطلَق على الجماعات النازحة من البادية ومن جهة فلسطين الى مصر، وأنَّ المصريين صاروا يُسمّون الإسرائيليين بالعبرانيين بوصفهم من تلك الجماعات البدوية، ولم ترد كلمة عبري في الكتب المقدسة (التوراة* والإنجيل والقرآن)(53).

ويبدو من كلام أحمد سوسة أنــَّه ينفي وجود لغة عبرية قديمة، وأنّ كلمة عبري قد أصابها التحريف فأصبحت (عربي) وهما كلمتان لمدلول واحد، وأنّ النبي إبراهيم (u) كان يتكلّم الآرامية.

ويذهب هاشم الطعَّان إلى اشتقاق (العبرانيّة) من (العبور) في اللُّغة العبرية، إذ إنَّ إبراهيم u هو أوَّل من تكلَّم بها، حين خرج من قريته المعروفة، بـ(أوركشد) من بلاد (كوثى)، وهو إقليم بابل، وصار إلى حرّان من أرض الجزيرة، وعبر الفُرات، فيمَنْ كان معه إلى الشام، فسُمّيت لُغتُه بالعبرانيّة؛ لِعُبورِهِ(54).

ويرى أحمد سوسة أنَّ هذا الاشتقاق من قبيل الحدس والاجتهاد ولا يستند إلى أيّ دليل أو أساس وقد نبّه القرآن على ذلك؛ إذ قال تعالى في سورة آل عمران: {يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلا تَعۡقِلُونَ ٦٥ هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لا تَعۡلَمُونَ ٦٦ مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} وأنَّ العبرية* بدأت تتشكَّل لغةً مستقلّةً في القرن السادس ق. م، أي: بعد عصر إبراهيم u بـ1300 سنة وبعد عصر موسىA بثمانية قرون (55).

وبالعودة إلى تأثيل لفظة (عرب) نلحظ أنَّ جواد علي  قد ذكر أنَّ أقدم نصٍّ وَرَدَ فيه ذكر العرب يعود إلى الآشوريين عام 854 ق.م من أيّام الملك (شلمنصر الثالث) ملك آشور، وكانوا يقصدون بلفظ العرب بداوة وإمارة (مشيخة) كانت تحكم في البادية المتاخمة للحدود الآشورية، وكان يحكمها أمير يُلقِّب نفسه بلقب (ملك) يُقال له: (جنديبو)، أي: (جندب)، وكانت صِلاته سيئة بالآشوريين، وأنَّ الآشوريين كانوا يقصدون بكلمة (عربي) على اختلاف أشكالها (بداوة ومشيخة) كانت تحكم في أيّامهم البادية تمييزًا لها من قبائل أُخَر كانت مستقرّة في تخوم البادية، ووردت في الكتابات البابلية جملة (ماتواربي Matu. Ara baai»، ومعناها (بلاد الأعراب)، وبهذا المعنى أيضًا وَرَدَت في سفر (أرميا)، ففي الآية «وكُلّ ملوك العرب»(56) تعني لفظة (العرب) الأعرابي، أي: (عرب البادية). وفي سفر (أشعياء) استعملت بمعنى بداوة، كالذي جاء فيه: «ولا يخيّم هناك أعرابي»(57). فقصد بلفظة (عرب) في هذه الآية الأخيرة البادية موطن العزلة والوحشة والخطر(58).

وما زالت رواسب معنى هذا اللَّفظ في اللَّهجات الدارجة، ففي مصر يُقال للسيارة: العربيّة؛ لأنــَّها تنتقل من مكان لآخر، وفي العراق يُقال: العربانة لأنــَّها تنقل الأشياء.

وقد اعتمدت باكزة رفيق حلمي ما ذكره المستشرق (د. هـ. ملر)* الذي ذهب إلى أنَّ القرآن الكريم هو الذي خصَّصَ الكلمة وجعلها علمًا لقومية تشمل كُلّ العرب(59)، فذكرت أنَّ تخصيص اللُّغة العربية* بهذا الاسم الخاص قد تــَمَّ منذ أن أُنزِلَ القرآن بها ونصَّ عليها في آياته: {بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ} (الشعراء: 195)(60).

ويرى جواد علي أنَّ هذا الرأي ضعيف لا يستند إلى دليل؛ إذ كيف تُعقَل مخاطبة القرآن قومًا بهذا المعنى لو لم يكن لهم علم سابق به؟ وفي الآيات دلالة واضحة على أنَّ القوم كان لهم إدراك لهذا المعنى قبل الإسلام، وأنــَّهم كانوا ينعتون لسانهم باللسان العربي، وأنــَّهم كانوا يقولون للألسنة الأُخَر ألسنة أعجمية: وقال تعالى: {ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ} (فصّلت: 44)(61).

وقد ورد اسم العرب في آرامية الحضر  ــ وفقا لما ذكره عادل هامل الجادر ــ  للدلالة على معنيين(62):

الأوّل: المنطقة التي استوطنها السكان العرب في أطراف الهلال الخصيب بين مدن الرها والحضر والبتراء وما جاورها.

الآخر: الدلالة على قوميّة وجنس السكان الذين بنوا لهم كيانـًا سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.

أمّا كلمة آراميين فيرى أحمد سوسة أنَّ اشتقاقها من اسمهم (إرم)(63).

وقد رجَّحَ طه باقر أن يكون اسم الآراميين مشتقًّا من اسمهم، ويرى أنَّ الكلمة الواردة في القرآن الكريم لها صلة بالآراميين وتعني الأرض العالية(64).

وجاء في (لسان العرب) «قوله تعالى: {إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ}(الفجر: 7) قـِيلَ: معناه أَي: ذات الطُّولِ، وقـِيلَ: أَي ذات البناءِ الرفيع، وقـِيلَ: أَي ذات البناءِ الرفيع الـمُعْمَدِ وجمعه عُمُدٌ والعَمَدُ اسم للجمع»(65).

ويرى فاضل الربيعي أنَّ (إرم) تدلّ على الحجارة، وفي الأديان الساميّة كما في ديانة اليونان القديمة اقترنت عبادة الإله هرمس بتقديس الحجارة والصخور التي تُدعَى هيرما، أي: إرما ورُبـَّما إرم(66)، وفي اليونانية (Erma) التي تعني الصخر، وتدلّ (إرم) كذلك على البياض، وقد رجَّحَ أن يكون معنى (إرم) الرخام الأبيض وهي الأعمدة الشاهقة البيضاء؛ وذلك بالنظر إلى أعمدة تدمر وبعلبك والإسكندرية على أنــَّها (إرم) لأعمدتها الشاهقة البيضاء(67).

ويبدو أنَّ هناك علاقة بين الجذور (راب، ورام أو إرم، وران) فهي تدلّ على معنى العلوّ في الأصل.

وبالعودة إلى ما ذكره عبد الحقّ يتبيَّن أنَّ الإبدال وقع بين كلمتَي عرب وعبر، أمّا (إرم) فلا إبدال فيها.

لقد أراد عبد الحقّ عبر مقاله الذي نشره أن يثبت أنَّ اللُّغة العربية هي أُمّ اللُّغات الساميّة. وبعد سلسلة من المقارنات والتقابلات التي أجراها مع اللُّغة الألمانيّة واللُّغة الصينيّة ذهب إلى أنَّ العربيّة أُمّ اللُّغات الآريّة والحاميّة والساميّة وأنَّ الشعب العربي أبو الآريين والحاميين والساميين وأنَّ الجزيرة العربية وطنهم الأوّل جميعًا(68).

ثــُمَّ قال: «وسيعلم الغربيون كذلك أنَّ العرب أخوان لهم وأعمام وأخوال، وعندها لا بـُدَّ أن يخفِّف بعض المتعالين منهم علينا من تعاليهم، والمبغضين لنا من بغضائهم»(69).

ويبدو أنَّ نبوءة عبد الحقّ فاضل قد تحقّقت فقد نشرت المجلة الأمريكية للجينات البشرية American Journal of Human Genetics في عددها لشهر فبراير 2012 نتائج بحث اشترك في إنجازه علماء من جامعة ليدز البريطانية وجامعة بورتو البرتغالية، واستغرق سنوات، واستعمل تحليل الخلايا وهندسة الجينات، مؤكدًا أنَّ الإنسان العاقل الأوّل Homo Sapiens وُجِدَ وترعرع في جنوبي الجزيرة العربيّة، وبعد ملايين السنين، وقبل قرابة ستين ألف عام، خرجت موجات بشرية من جنوبي شبه جزيرة العرب وهاجرت شرقاً إلى آسيا، وشمالاً إلى أوربا من طريق الشرق الأوسط أو من طريق شمال أفريقيا(70).

«وفي الشهر نفسه نقلت مجلة Le Point الفرنسية نتائج هذا البحث العلمي المذهل في عددها الصادر بتاريخ 5/2/2012م في مقال بعنوان (نحن جميعاً عرب)  Nous sommes tous des Arabs قائلة في عنوانه الفرعي: نحن جميعاً، سواء كُنــَّا فرنسيين أو أمريكيين، أو صينيين، أو من الأسكيمو، ننتمي إلى سلالة واحدة نشأت في الجزيرة العربية ومنها انتشرت»(71).

لكنَّ إثبات وجود الإنسان الأوّل في شبه جزيرة العرب لا يقوم دليلاً مكينـًا على أنَّ النطق الأوّل للألفاظ كان عربيًّا، وإنَّ الدراسات المقارنة التي أثبتت وجود بعض التشابه والروابط بين اللُّغات لم تصل إلى درجة القطعيّة للبتِّ في اللُّغة الأُمّ التي انحدرت منها اللُّغات، فهناك مثلاً تشابه بين نظم اللُّغة الإنجليزية الحديثة ونظم اللُّغة الصينيّة، وهي غير شريكة الإنجليزيّة في الأصل القريب أو البعيد أكثر من المشابهة القائمة بين الإنجليزيّة واللاتينيّة(72)، فهل ذلك يُعدُّ دليلاً كافيًا للقول بأنَّ اللُّغة الصينية أُمُّ اللُّغة الإنجليزية أو بالعكس؟

فضلاً عن أنَّ «العلم لا يعترف بشيء اسمه حدس أو خيال ولا يأخذ بشيء اسمه غيبيّات إلاّ إذا كانت افتراضات قيد البرهان»(73)، ولم يبرهن عبد الحقّ على صحّة فرضيّاته، فقد بنى زعمه على تخيُّلات وافتراضات لا تقوم على أساس صحيح ولا يسندها خبر منقول.

***

 

 

 

الدكتورة بتول عبدالكاظم حمد الربيعي

......................

* من كتاب: (التأثيل عند اللِّسانيين العراقيين في العصر الحديث) الذي صدر عن مركز الكتاب الأكاديمي في عمان، تأليف: د. بتول الربيعي.

(1) يُنظَر: العراق في القلب: 345، ودخيل أم أثيل دراسات في التأثيل اللُّغويّ: 6 ــ 12, وطرائف النوادر عن أصحاب المآثر:193 ــ 194، ومعجم البابطين: 3 ــ 9، على الموقع:

http://www.almoajam.org/poet_details.php?id=514.

(2) مغامرات لُغويّة: 9.

(3) المصدر نفسه: 9.

(4) يُنظَر: من تراثنا اللُّغويّ القديم: 11.

(5) يُنظَر: مغامرات لُغويّة: 208.

(6) يُنظَر: المصدر نفسه: 209.

(7) مغامرات لُغويّة: 209 ــ 210، وكذا وردت في اللغة الشركسية. يُنظَر: الأُصول السومرية في اللُّغة الشركسية: 26.

(8) البيان والتبيين: 1/72.

(9) يُنظَر: مغامرات لُغويّة: 169.

(10) المصدر نفسه: 170.

(11) يُنظَر: مغامرات لُغويّة: 197.

* نقد القاص ذو النون أيوب ما ذكره عبد الحق فاضل في مقال له بعنوان (عبد الحق فاضل في مغامراته اللُّغويّة)، إذ يرى ذو النون أيوب أنَّ ذلك الصوت (صي ــ صي) لم يكن لصوت فرخ الدجاج بل لصوت البلابل والعصافير لأنَّ الدجاج قد دخل في حياة الإنسان مستأنسًا بعد وجود البلابل والعصافير وغيرها في الغاب بعشرات الألوف من السنين. يُنظَر: عبد الحق فاضل في مغامراته اللغويّة:  16 ــ 18. وقد ردَّ عليه عبد الحق فاضل، بأنَّ صوت الفروج لا يشبهه صوت أيّ طائر آخر، ومن شدّة شبه (صي صي) بصوت فرخ الدجاجة تجد أنَّ بعض عرب الشرق الأوسط ما زالوا يسمّون الفرّوج في دارجاتهم (صي صي). يُنظَر: دخيل أم أثيل، دراسات في التأثيل اللُّغويّ: 15 ــ 25.

(12) يُنظَر: مغامرات لُغويّة: 197 ــ 198.

(13) يُنظَر: محاولة في أصل اللُّغات: 33.

(14) تاريخ اللُّغات السامية: 4.

(15) يُنظَر: علم اللُّغة (وافي): 6 ــ 7.

(16) مغامرات لُغويّة: 365.

(17) مغامرات لُغويّة: 365.

* كُلّ شعب يدّعي أنَّ لغته من أسمى اللُّغات. فقد ادّعى الصينيون أنَّ لغتهم هي الأصل، وادّعى الأرمن أنَّ لغتهم هي الأُولى، وأنَّ فرعها أساس اللُّغات، وادّعى العبرانيون أنَّ لغتهم هي الأُولى، وادّعى العرب أنَّ العربية لغة أهل الجنة. يُنظَر: موقع العربية في الواقع اللُّغويّ العربي القديم، (بحث)، محمد مختار الغرباوي في الوحدة والتنوُّع في اللَّهجات العروبية القديمة: 242، والتطوّر اللُّغويّ التاريخي: 13 ــ 14.

(18) يُنظَر: مغامرات لُغويّة: 366.

(19) تاريخهم من لغتهم: 5.

(20) تأريخهم من لغتهم: 7.

(21) يُنظَر: المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 7/9.

(22) يُنظَر: تاج العروس: 27/79 ــ 81.

(23) يُنظَر:  دُرّة الغواص في أوهام الخواص: ٨٧، وفي اللهجات العربية: ١١٦.

(24) تاريخهم من لغتهم: 8.

(25) يُنظَر: تأريخهم من لغتهم: 10.

(26) يُنظَر: المصدر نفسه: 10.

(27) يُنظَر: الأنساب: 1/ 372.

(28) يُنظَر: معنى اسم بغداد (مقال): 83 ــ 84.

(29) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم: 1/212 ــ 220.

(30) يُنظَر: حول رموز القرآن الكريم وقاموس أصل اللُّغات: 4/ 132.

(31) يُنظَر: من تراثنا اللُّغويّ القديم: 203 ــ 204

(32) يُنظَر: تأريخهم من لغتهم: 11.

* يرى إبراهيم السامرائي أنَّ النون التي تلحق أفعال الجوف المضارعة في لهجة القرويين من جنوبي العراق لإتمام الفائدة التي تحصل من التنوين في الأسماء أو لإفادة التنبيه كما في قولهم (أروحن وأموتن). يُنظَر: فقه اللُّغة المقارن: 143.

(33) يُنظَر: مغامرات لُغويّة: 225.

(34) يُنظَر: تأريخهم من لغتهم: 18 ــ 19.

(35) يُنظَر: ما قبل اللُّغة: 198.

(36) يُنظَر: CDA: 15, ومعجم النظائر العربية للأُصول الأكديّة: 333.

(37) يُنظَر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة: 2/429.

(38) يُنظَر: علم آثار القرآن الكريم (بحث): 32 ــ 33.

(39) مغامرات لُغويّة: 197، وتأريخهم من لغتهم: 147.

(40) يُنظَر: مغامرات لُغويّة: 197.

(41) يُنظَر: تأريخهم من لغتهم: 147.

(42) يُنظَر: ردّ على مقال عربي آرامي عبري(مقال): 38، ودراسات في اللُّغتين السريانية والعربية: 3.

(43) يُنظَر: ردّ على مقال عربي آرامي عبري(مقال): 39، ودراسات في اللُّغتين السريانية والعربية: 3.

(44) يُنظَر: ردّ على مقال عربي آرامي عبري(مقال): 39، ودراسات في اللُّغتين السريانية والعربية: 4.

(45) يُنظَر: ردّ على مقال عربي آرامي عبري(مقال): 39، ودراسات في اللُّغتين السريانية والعربية: 4.

(46) يُنظَر: ردّ على مقال عربي آرامي عبري (مقال): 40 ــ 41، ودراسات في اللُّغتين السريانية والعربية: 4 ــ 5.

(47) يُنظَر: ردّ على مقال عربي آرامي عبري (مقال): 41، ودراسات في اللُّغتين السريانية والعربية: 5.

(48) ردّ على مقال عربي آرامي عبري(مقال): 41، ودراسات في اللُّغتين السريانية والعربية: 6 ــ 7.

(49) مغامرات لُغويّة: 99، وتأريخهم من لغتهم: 147.

(50) يُنظَر: مغامرات لُغويّة: 112 ــ 113، وتاريخهم من لغتهم: 148.

(51) يُنظَر: مغامرات لُغويّة: 112 ــ 113، وتاريخهم من لغتهم: 148.

(52) مغامرات لُغويّة: 113، وتاريخهم من لغتهم: 149.

*  ذكر حسن ظاظا أنَّه يبدو من سياق التوراة أنَّ شيوخ العبرانيين وعلى رأسهم إبراهيم وإسحق ويعقوب في فلسطين لم يكن لهم أيّ أثر سياسي يُذكَر وقد ظلوا كما كانوا بدوًا رُحّلاً يعيشون على هامش المدن والبلدان، وأنَّ تلك العشائر العبرية كانت منذ وجودها في العراق قد تعلّقت بالطقوس الدينية. يُنظَر: الساميّون ولغاتهم: 74.

وذكر موريس بوكاي أنَّ الأبيرو قد ورد ذكرهم في الكتابات المصرية في القرن الثاني عشر في عهد رمسيس وهي تعني ابتداء عمّالاً مسخرّين من غير معرفة منشئهم. يُنظَر: التوراة والإنجيل والقرآن والعلم: 265.

وذكر أحمد محفل أنَّ العبرية لا وجود لها توراتيًّا وفي الحقبة الأُولى للمسيحيّة من اعتنق الدين الجديد ظل يتكلّم لهجةً آراميّةً اشتهرت لاحقًا باسم السريانيّة، أمّا مَنْ ثابر على يهوديته فأطلقوا على لسانه اسم العبرية، أمّا أن نطلق اسم العبرية على لغة التوراة كما هو شائع في الأوساط الأكاديميّة العربيّة، ففي الأمر مخالفة لمنطق الأُمور بل تزوير للحقيقة. يُنظَر: في اللُّغات العروبية القديمة (بحث)، محمد محفل في كتاب (الوحدة الحضارية للوطن العربي من خلال مكتشفات التوراة): 292 ــ 293.

1) يُنظَر: العرب واليهود في التاريخ:247 ــ 249، والعبرانيون وبنو إسرائيل في العصور القديمة بين الرواية التوراتية والاكتشافات الأثرية: 16 ــ 17.

(54) يُنظَر: مساهمة العرب في دراسة اللُّغات السامية: 39.

* يقول ولفنسون: «إنَّ بين كلمتَي عربي وعبري ارتباط لُغويّ متين، فهما مشتقّتان من مصدر ثلاثي واحد هو عبر بمعنى قطع او اجتاز، وهذا الفعل تبدّل فأصبح عرب». تأريخ اللُّغات السامية: 78.

(55) يُنظَر: العرب واليهود في التاريخ:249 ــ 250.

(56) سفر أرمياء: 25/24.

(57) سفر أشعياء: 13/20.

(58) يُنظَر: المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 1/16 ــ 18، وعلاقات وادي الرافدين بجزيرة العرب (بحث): 123 ــ 158، وموسوعة اللُّغات العراقيّة: 172 ــ 174، وأصوات بابل: 56، والعرب في التاريخ: 10.

*  (د. هـ. ملر): وهو مستشرق ألماني حصل على شهادة الدكتوراه في دراسته معلقة امرئ القيس، وقد نشر كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة، وأصدر كتاب (الإسلام في الشرق والغرب). يُنظَر: موسوعة المستشرقين: 565.

(59) يُنظَر: المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 1/18.

*  يرى سعيد الغانمي أنَّ العربيّة الفصحى هي آخر لهجة عربيّة معروفة وليست أقدم اللَّهجات على الإطلاق. يُنظَر: ينابيع اللُّغة الأُولى: 15.

(60) يُنظَر: العربيّة أصل والعبرية فرع (بحث): 184 ــ 185.

(61) يُنظَر: المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 1/20.

(62) يُنظَر: العرب في الكتابات النقشيّة السريانيّة وآرامية الحضر، (بحث): 306.

(63) يُنظَر: العرب واليهود في التاريخ: 531.

(64) يُنظَر: مقدِّمة في تاريخ الحضارات القديمة: ج1/302، و2/541.

(65) لسان العرب: 4/ 397.

(66) يُنظَر: إرم ذات العماد: 165.

(67) يُنظَر: المصدر نفسه: 209 ــ 212.

(68) يُنظَر: مغامرات لُغويّة: 366.

(69) المصدر نفسه: 367.

(70) يُنظَر: مقدِّمة علي القاسمي, في كتاب دخيل أم أثيل دراسات في التأثيل اللُّغويّ: 300.

(71) دخيل أم أثيل دراسات في التأثيل اللُّغويّ: 3. وهل البشرية من سلالة واحدة (مقال) منشور على الموقع: .alnaked ــ aliraq http://www.

(72) يُنظَر: علم اللُّغة، مقدمة للقارئ العربي: 247.

(73) نظريات في اللُّغة: 15.

 

محمود محمد عليعلى خلفية الاهتمام العالمي بمرض فيروس كورونا المستجد، وبهدف إلقاء المزيد من الضوء على خطر الميكروبات والحرب البيولوجية من المفيد تسليط الضوء بالقراءة والتحليل لكتاب "الميكروبات والحرب البيولوجية" للأستاذ الدكتور مصطفي عاشور، وذلك بهدف التوعية المجتمعية منهما، وكيف تم تناولهما في التأليف والأبحاث والاهتمام الأكاديمي من قبل الباحثين والخبراء، بهدف أن نبيّن للقراء والمهتمين أنّ هذا الموضوع كان محطّ اهتمام كبير في الغرب تحديداً، حيث نشرت حوله الكثير من الكتب والمقالات والأبحاث.

وفي هذا الكتاب يؤكد الدكتور مصطفي عاشور علي دور الإرهاب البيولوجى وأسلحة الدماء الشامل فى عصرنا الحديث أهمية كبيرة؛ لذا وجب علينا معرفة ما يمكننا معرفته عن هذه الميكروبات متضمناً نبذة تاريخية عنها وأماكن ظهورها.. وبلا شك أن هذا العدو الميكروبي ترجع خطورته لكونه من الكائنات المجهرية، ولعدم إمكانية التعرف عليه بأى من الحواس المادية المجردة إلا بعد ظهور أعراضه الإكلينيكية على الأفراد الذين تعرضوا بأى صورة للإرهاب البيولوجى دون توفر أو عدم جدوى وسائل الوقاية المتاحة.

من أجل ذلك يقدم لنا هذا كتاب الميكروبات والحرب البيولوجية كل ما هو متاح من تاريخ الميكروبات وأنواعها وخصائصها واستخدامها كسلاح قاتل، ليس ضد البشر فحسب؛ بل ضد الطير والحيوان والنبات، ومؤثراً على مياه البحار والأنهار، وما تحوى من كائنات حية وهذا دليل واضح على أن الحرب البيولوجية تدمر المجتمعات.

وهنا يؤكد الدكتور مصطفي عاشور كيف لجأ       الإنسان في العصور الحديثة للكيماويات المختلفة الحارقة والسامة والمسيلة للدموع والغازات التي تؤثر على الأعصاب،   ولم يتورع بني البشر عن استخدام ميكروبات مختلفة قد تسبب تسمما مروعا أو تلك التي تؤدي إلى الوفاة واندرج ذلك تحت اسم الأسلحة البيولوجية أو الإرهاب البيولوجي .

إن محاولات الإنسان في استخدام الأسلحة البيولوجية كما يري الدكتور مصطفي عاشور، بدأت منذ العام 148قبل الميلاد حينما أمر "هانيبال" جنوده بإحضار أوعية فخارية ملأها بالحيات وألقاها على سطح سفن الأعداء، وروى أيضا انه في الحضارات القديمة كالإغريقية والرومانية والفارسية كان المتحاربين يلوثون مياه الشرب للجهات المعادية إما بجثث الحيوانات النافقة والمتعفنة الصادر عنها روائح كريهة وتوجد بها ميكروبات محللة من النوع الضار، وأيضًا لوثت بالجثث الأدمية المتحللة. وفي سنة 1346 ميلادية فإن جيش التتار حجز جثث ضحايا مرض الطاعون في مدينة تسمي كافا (فيوديسيجا بأوكرانيا) حتى تتم عدوى البشر الغير مصابين ويتم إبادتهم.

كما يري الدكتور مصطفي عاشور أنه في سنة 1763 أعطى الجيش الانجليزي إعانة للهنود على شكل بطاطين مستعملة من قبل أشخاص كانوا مصابين بالطاعون. في الحرب العالمية الأولى استعمل الجيش الألماني مجموعة من الميكروبات المسببة لأمراض تصيب الإنسان والحيوان في الدول الأوروبية التي احتلتها، أما في الحرب العالمية الثانية فقد استخدم اليابانيون أسلحة ميكروبية ضد الصينيين و السوفييت وقد استمرت آثارها لمدة طويلة .  فحديثا أهداف هذا السلاح إما سياسيا أو ان تستخدم في صراع عقائدي أو لخدمة ايدولوجية معينة أو تكون ذات هدف إجرامي.  وتتراوح هذه الأعمال بين مزح صغيرة واختراعات غير مؤثرة لا ترى النور ولا تؤثر على التجمعات أو تتنامى وتستخدمها المؤسسات القادرة ذات المقدرة المالية العالية والتي تدعم من دول ذات امكانيات ضخمة، وهذه لها تأثير مدمر على البشرية وذلك لاعتمادهم على قوى علمية عالية الكفاءة وإمكان حصولهم على مواد تستخدم في إنتاج الأسلحة الفتاكة وقدرتهم على تسخير التكنولوجيا الحديثة كإنتاج مواد مجفده ومواد مضغوطة تستعمل كأيروسولات لتكون سهلة النقل بسيطة في الاستعمال. وبعد الحرب العالمية الثانية فقد عمدت كثير من البلدان على تبني برامج للأسلحة الميكروبية ومن أوائل البلدان التي قامت بذلك الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وكندا وانجلترا، ثم وجد أن هناك سبعة عشر دولة قد قامت بتطوير استخدام الميكروبات كأسلحة بيولوجية وذلك ضمن منظومتها التسليحية.

في مقدمة الكتاب يتحدث الدكتور مصطفي عاشور عن الخواص المميزة للأسلحة الميكروبية ؛ فيؤكد لنا بأنها : لا ترى بالعين المجردة، وقدرتها عالية على إصابة البشر، والزيادة المؤكدة والجوهرية في أعدادها وقدرتها، وسهولة النقل نسبياً، وأن معظم المدنيين ليس لديهم مناعة ضدها وليس لديهم وسائل مكافحة للحماية منها مثل المرشحات التنفسية أو كمامات الغاز.

ثم يري أن هناك حقائق أساسية معروفة أن واحد على المليون من الجرام من جراثيم الـ B . anthracis  والداخلة في جرعة استنشاقيه تكون جرعة مميته للبشر وبذلك فإن الكيلو جرام منها يكون له القدرة على قتل مئات وآلاف من البشر القاطنين بالمناطق المدنية وذلك بناء على الظروف الجوية ووسائل النقل والتوصيل.

وهذه الكميات الصغيرة كما يري الدكتور عاشور تجعل إخفائها ونقلها ونثرها سهلاً وميسراً، ومعظم هذه الميكروبات توجد طبيعيًا في البيئة ويمكن ان تعزل بواسطة متخصصين في الميكروبيولوجي وممكن ان تجد المعلومات المتاحة في اكثر من 1500 مكتبة بيولوجية على مستوى العالم أو في عديد من المعاهد العلمية أو المعامل الطبية ويستلزم هذا كثيرا من التكنولوجيا المتطورة لاستخدامهم كسلاح سواء في الأوساط المدنية والطبية أو العسكرية. وقد وجد ان الصواريخ أو المعدات الأخرى المتقدمة ليست ضرورية لنشر الأسلحة الميكروبيولوجية؛ وحيث ان الرذاذ هو الطريقة المثلى للانتشار فإن الطرق التكنولوجية البسيطة مثل الطائرات التي تطير على مدى منخفض أو رشاشات المزروعات أو عربات النقل المزودة بخزانات بها الرشاشات المستخدمة في رش مبيدات الشوارع وتحضيرها وإطلاقها يتم عادة في صمت ولا يكشف أثرها في الحال حتى يتمكن من وضعها ان يبتعد لمسافة كافية قبل ان تظهر أعراض المرض على أحد.

إن السبب الرئيسي في كون الأسلحة الميكروبية كما يري الدكتور عاشور أكثر ملائمة للعمل الإرهابي بالذات مع نهاية الحرب الباردة وتقسيم الاتحاد السوفيتي؛ حيث أنه وجد أن الحصول على أسلحة الدمار الشامل أمراً سهلاً والاكثر جدية هو البحث عن الاستعمال الهجومي للميكروبات الذي يتزايد لاختيار سلالات أشد شراسة، ويمكن لها ان تقاوم الظروف البيئية المتميزة وتطوير وسائل المقاومة العلاجية، وفي روسيا في معهد الأبحاث الفيروسية والبيوتكنولوجية في كولتسوفا ونوفوسيبرك koltsova , novosibrisk، وجد انهم يستعملون ميكروبات الجدری وحمى الماربورج والحمى الفيروسية النازفة في دراسات بحثية جينية. ومثل باقي المعامل في روسيا فإنها تواجه مشاكل اقتصادية وكثير من العلماء المرموقين غادروا البلاد وبذلك أصبحت الإحتياطات الأمنية قليلة والأماكن التي ذهب إليها العلماء مجهولة ولم تنشر.

كما يتحدث بعد ذلك الدكتور عاشور عن المظاهر الوبائية للميكروبات كأسلحة ميكروبية ؛ حيث يري أنه لا بد من استخدام الأسس الوبائية لتقييم الأداء فالمريض الذي تنطبق عليه علامات مؤكدة لحدوث مرض ما يجعلنا نتساءل هل هي حوادث مرضية عارضة أم حالات تستدعي الاهتمام أم حالات تستدعي الاستنفار الكامل وتستدعي القائمين على الإشراف الصحي لان يكونوا على أهبة الاستعداد وذلك لاحتمالات وجود حالة إرهاب بيولوجي ترتبط بانتشار الميكروب.

وبرغم وجود أكثر من عامل من هذه العوامل فإنه ليس من السهل كما يري عاشور تقدير الهجوم الذي يحدث من خلال الوسائل الهجومية المرعبة وكمثال فإنها أخذت شهورا لمعرفة انتشار میکروب الـ Salmonella في ولاية أوريجون، والذي حدث بسبب التلوث المتعمد لأوعية السلاطة، وبالرغم من عدم وجود إجابة ذات معنى وسريعة فإن الوسائل المتبعة لمعرفة سبب الهجوم تعتمد على الرسائل الطبية مع معلومات مستفيضة تمكن من ان تمنع المرض والوفاة.

ثم ينقلنا عاشور للحديث عن الميكروبات المسببة للإرهاب البيولوجي ؛ حيث يؤكد أن أي ميکروب من آلاف الميكروبات التي تسبب أمراض للإنسان ممكن أن يكون سلاحاً بيولوجياً وممكن أن يسبب مشاكل خطيرة، وفي تقرير حلف شمال الأطلنطي NATO قد تحدد 39 ميكروبا تشمل البكتريا والفيروسات والركتسيا والسموم البكتيرية، وفي تقرير منظمة الصحة العالمية WHO 1970 فإنه قد تحدد شكل إفتراضي للميكروبات التي يمكن ان تستخدم كأسلحة إرهابية.. فوجدوا أن الجمرة الخبيثة وحمى الأرانب يتكهن أنها تسبب أكبر عدد من الوفيات والإعاقات الشديدة ولها انتشار سريع .

ثم يؤكد عاشور أنه تبعًا لأبحاث كليتان وروف فإن الميكروبات التي تستخدم كأسلحة للإرهاب البيولوجی هی  المسببة لمرض الجمرة الخبيثة التي تسبب حي الأرانب Tularamia والـ Yersinia pestis  التي تسبب مرض الطاعون Plague والـ Variola virus التي تسبب مرض الجدري (small pox)  الفيروسات التي تسبب الحمى الفيروسية النازفة Viral hemorrhagic fevers ميكروب Clostridium botulinum  التي تسبب التسمم البوتيولینی وميكروبات .Brucella spp التي تسبب الحمی المالطية brucellosis .

ثم يتحدث الدكتور عاشور في كتابه عن تقسيم الميكروبات الخطرة التي يمكن أن تستخدم في الحرب الالكترونية؛ في الباب الأول يتحدث عن ميكروبات المجموعة الأولي والأمراض الناجمة عنها، وفي الباب الثاني والثالث والرابع يتحدث عن ميكروبات المجموعة الثانية والثالثة والرابعة والأمراض الناجمة عنهم، بينما في الباب الخامس يتحدث عن دور المعامل الإكلينيكية في تقييم ومقاومة الإرهاب البيولوجي؛ حيث يري أنه من مكن أن تلعب المعامل في كشف وتصنيف الميكروبات التي يمكن ان تدخل في الحرب البيولوجية وقد طورت شبكة من المعامل ذات المستويات المتعددة بواسطة CDC www.bt.cdc.gov وتقسم المعامل إلى اربع مستويات تعتمد على قدرتهم على الاختبار ويشرح ذلك بالتفصيل ثم يتحدث عاشور فيقول :" شبكة المعامل المتخصصة والمتطورة تصبح في شكل عال من المعمل المتكامل لشبكة معامل متخصصة قادرة على دعم المعامل المجهزة لأي حدث إرهابي، وهي تكون في صورة شكل هرمي فإن معامل المستوى A تعطى المعلومات المبدئية وتعرض أعداد كل على المعامل الأكثر تطوراً، والنظام يعمل على أن العدد الكبير من العينات في معامل المستوى A ثم يقل بالمعامل التالية لهذا المستوى، والاتصالات داخل هذه المعامل تسهل تجميع المعلومات عن الحالات الوبائية التي يمكن ان تحدث في حالات العدوى الطبيعية، ومثل هذه الشبكات ممكن ان تفيد العاملين في مجال الصحة العامة وتعطي خطة للرد على أي حيث إرهابي.

وفي ذات الفصل أيضا يناقش المؤلف مستوي الأمان البيولوجي وتقسيم المعامل علي أساسها، حيث يري أنها تتعلق إما بمستوى الأمان البيولوجي في معامل مستوى الأمان الحيوي، وإما بمستوى الأمان البيولوجي في معامل الأمان الحيوي الثاني، وإما بمستوى الأمان البيولوجي في المعامل الميكروبية BSL Biological. ثم يري أن هذه المعامل تكون مؤهلة ومناسبة للأبحاث الإكلينيكية و التشخيصية وتكون مناسبة لإنتاج المواد المحلية والغريبة التي يمكن ان ينجم عنها أمراض مميتة، ويشترط في العاملين بهذه النوعية من المعامل ان يكونوا مدربين تدريباً جيدا على تداول الميكروبات المرضية والمواد المسببة للموت ولابد من ان يكون المشرف عليها عالم على درجة عالية من الخبرة وله خبرة كبيرة مع هذه المواد ومؤهل علمياً وإدارياً ونفسياً ويتمتع بقوة جسدية لمقابلة المهمات الصعبة وقت الكوارث.

وفي الباب السادس والأخير يبين لنا المؤلف كيف نستعد للإرهاب البيولوجي والتحديات المهمة لمقاومة الإرهاب البيولوجي، حيث يبين لنا أنه يختلف السيناريو المتوقع بعد الاعتداء بالأسلحة البيولوجية تماما عنه عند استعمال الأسلحة الكيماوية ويتضح ذلك من خلال الإرهاب الكيماوي والارهاب البيولوجي.. وأما عن التحديات فتكون من خلال أمرين، الأول ويكون من خلال الحذر العام من حدوث الإرهاب البيولوجي ولنأخذ خبرة مما حدث في الولايات المتحدة عندما هددت بالجمرة الخبيثة ولابد من توقع أسلحة إرهابية أٌخرى ويتوقع العلماء استعمال فيروس الجدري في أي هجوم متوقع.. والثاني ويكون من خلال أن نزيد من مستوى الاستعداد وتتسم بالحذر ويمتد النشاط إلى اربعة اتجاهات المراقبة التامة الشديدة : الاستجابة الطبية السريعة، والمباني والاحتياطات الأدوية والإمدادات، والبحث والتطوير.

وفي نهاية عرضنا يمكن القول بأن كتاب " الميكروبات والحرب البيولوجية" لمصطفي عاشور، سياحة عقلية خالية من أي تعصب، بعيدة عن أي إسفاف، مجردة من أي هوي، واعية متأنية في ذاكرة تاريخ الميكروبات والحرب البيولوجية  نقف من خلالها مع المؤلف علي ما كان للإرهاب البيولوجى وأسلحة الدماء الشامل فى عصرنا الحديث أهمية كبيرة؛ لذا وجب علينا معرفة ما يمكننا معرفته عن هذه الميكروبات متضمناً نبذة تاريخية عنها وأماكن ظهورها.. وبلاشك أن هذا العدو الميكروبية ترجع خطورته لكونه من الكائنات المجهرية، ولعدم إمكانية التعرف عليه بأى من الحواس المادية المجردة إلا بعد ظهور أعراضه الإكلينيكية على الأفراد الذين تعرضوا بأى صورة للإرهاب البيولوجى دون توفر أو عدم جدوى وسائل الوقاية المتاحة.. من أجل ذلك يقدم لنا هذا الكتاب كل ما هو متاح من تاريخ الميكروبات وأنواعها وخصائصها واستخدامها كسلاح قاتل، ليس ضد البشر فحسب؛ بل ضد الطير والحيوان والنبات، ومؤثراً على مياه البحار والأنهار، وما تحوى من كائنات حية وهذا دليل واضح على أن الحرب البيولوجية تدمر المجتمعات.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط