معمر حبارأنهيت منذ أسبوعين قراءة الكتاب الذي بين يديك الآن:

Discours de Malcolm X 3 avril 1964. Discours de john Fitzgerald Kennedy 11 juin 1963, « EDITION Points , France, février 2011, Contient 65 Pages.

1- يضم الكتاب خطبتين وحسب ترجمتي: الأولى بعنوان: "الانتخاب أو البندقية" بتاريخ: 3 أفريل 1964لمالكوم x. والثانية بعنوان: "نكوّن واحدا ونفس الدول" للرئيس المقتول جون كينيدي بتاريخ: 11 جوان 1963. وسأتطرّق للأولى دون الثانية وإن كانت تتقاطع معها في الظروف والمحتوى.

2- من أراد أن يفهم الكتاب جيّدا أي الخطاب فليضع جانبا: تاريخ الإلقاء أي سنة 1963-1964 ولون البشرة أي أسود وأبيض والتعامل مع الخطاب بما يناسب الظرف الحالي الذي تمرّ به الأمّة.

3- راودني سؤال وأنا أقرأ الكتاب: كيف استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية كدولة متخلّفة في منتصف الستينات فقط إلى الانتقال إلى دولة متقدّمة قوية. وهذا هوغاية قراءتي من الكتاب الذي لم يكن يقصد إليها مالكوم x صاحب الخطبة؟

4- كانت الولايات المتحدّة الأمريكية وكما جاء في خطاب سنة 1964: دولة تستغلّ الرجل الأسود أبشع استغلال وتحتقر النّاس ولا تعترف بأبنائها السّود الذين ولدوا في الولايات المتحدة الأمريكية وجعلت من الإنسان الأسود دوما في المؤخّرة وتستعمل الأسود للموت في سبيلها خارج وطنه وتحرمه حقوقه التي ولدت معه وهو داخل وطنه.

5- كان هذا سنة 1964 حيث التمييز العنصري والقتل على أساس لون البشرة واليوم وفي سنة 2020 أي بعد 56 سنة فقط تخرج الولايات المتحدة الأمريكية من دائىرة التخلف إلى الريادة والقوّة والتداول على كرسي أعظم دولة.

6- من مظاهر العظمة: أسود يحكم أعظم دولة في العالم وسوداء اللّون تتربّع على كرسي رئاسة الوزراء وأسود يقبض زمام وزارة الدفاع ويسيّر عبرها العدو قبل الصديق والبعيد قبل القريب والغني قبل الفقير والقوي قبل الضعيف.

7- السؤال الذي يطرح نفسه: كيف استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية القفز من التخلّف والتقهقر المتمثّل يومها في العنصرية في أبشع مظاهر صورها وحرمان الإنسان من حقوقه التي ولد بها ومنحه الله إيّاها لأنّه أسود البشرة إلى دولة قوية عظيمة يتقدّمها أسود ويحميها أسود ويرفعها أسود؟.

8- قد يقول قائل: عن أيّ تقدّم تتحدّث ومظاهر العنصرية ما زالت قائمة في الولايات المتحدة الأمريكية؟ نجيب: لا تخلو المجتمعات القوية من مظاهر التخلّف فإنّ ذلك من السنن الكونية والمظاهر العالمية التي لايمكن للدول الكبرى أن تتجنّبها لكن الولايات المتحدة الأمريكية حكمها رئيس أسود وما زال وسيظلّ يعيش معزّزا مكرّما إلى أن يلقى ربّه وما زال السود يتقلّدون مناصب عالية جدا في هرم السلطة فهي إذن نقلة نوعية من الدرك الأسفل من التخلف إلى دولة قوية تملك عناصر القوّة والعظمة.

9- اعتمد مالكومx على جملة من النقاط لمحاربة التمييز العنصري أنذاك وسأنقلها بلغة العصر لتساعد إخواني الجزائريين والعرب والمسلمين في انتقالهم من التخلّف إلى مصف الدول العظمى وهي: الفاعلية ولا يكفي كونك المسلم. لاترضى لأيّ كان أن يستغلّك لأغراضه الدنيئة. لا تترك أحدا يحتقرك. لسنا ضدّ الرجل الغربي إنّما ضدّ استغلالنا واحتقارنا. لا تترك غيرك يفرض عليك منهجه الفاسد المستغل لعرقك ويوجهك لأهدافه الاستغلالية. اسعى أن تحقّق حلمك بمواجهة الرعب الذي تعيشه وتعانيه. صوتك مقدّس فلا تمنحه لمن يعبث به ويدنّسه. لا تدعم أحدا يجعل منك الأخير في الصف. إن خانك الحليف فابحث عن حليف جديد يراعي المصلحة المشتركة. كلّ من يمنعك من حقوقه فهو مجرم يتطلب منك الابتعاد عنه ومقاومته ان استطعت. لاتترك غيرك يحقّق أحلامه الدنيئة على مجهوداتك البريئة. تقوم الأمم تقوم على الأخلاق والاقتصاد والفصل بينهما يؤدي إلى التخلّف والذلّ والاستعباد من طرف الآخرين. تمسّك بقاعدة إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا مابأنفسهم. نحتاج إلى تغيير وجهة نظرنا تجاه بعضنا كلّما استلزم الأمر ذلك وقبل أن نغيّر وجهة نظرنا تجاه غيرنا.

 

معمر حبار

 

1311 موسوليني والمسلمونجاء اعتلاء الزعيم الفاشي بنيتو موسوليني كرسي السلطة، عام 1922، ثمرةَ تسويات بين الحركة الفاشية والقيادات السياسية التقليدية المتنفذة في إيطاليا، فقد كانت سمات الائتلاف لنظام سياسي يقوده موسوليني بارزة المعالم حتى نهاية عام 1925. وفي تفسير الظاهرة الفاشية التي اجتاحت إيطاليا في ذلك العهد، اعتبر المؤرخُ رينْسو دي فِليتشي الفاشيةَ تعبيرا عن تطلّعات جارفة لـ"فئات اجتماعية متوسطة" و"شرائح بورجوازية صغيرة" على الأغلب، والتي استمرّ صعودها إلى حين تشكّل طبقة اجتماعية وقوة جديدة في المجتمع. ومواكبة لذلك التطوّر سعت الفاشية كحركة، لوضع يدها على الأوضاع الجديدة. ومن هذا الباب يمكن اعتبار الفاشية حركة ثورية ارتبطت بحراك جماهيري داخل نسيج المجتمع وتحولاته، استطاعت الاستيلاء على الدولة وتوجيهها.

لكن الفاشية بوصفها إيديولوجيا وحركة ذات أبعاد قومية، لم تكن محصورة بالفضاء الإيطالي، فقد كانت لها استراتيجياتها وتطلعاتها تجاه العرب والمسلمين أيضا، وإن بقي هذا الدور خافيا على مستوى الأبحاث نظرا لندرة الدراسات التاريخية في هذا المجال، وهو ما يتناوله المؤلّفان في القسم الأول تحت عنوان: "موسوليني وسحر الشرق". خصوصا وأنّ الاستشراق الإيطالي الحديث قد مثّل الحاضنة الثقافية الداعمة للسياسات الاستعمارية الإيطالية تجاه العرب والمسلمين. فعلى ما يذكر الكتاب الذي نتولى عرضه "موسوليني والمسلمون" لمؤلفَيْه جانكارلو مازوكا وجانماركو والش، انضم ثلّة من آباء الاستشراق الإيطالي إلى "لجنة المصالح الاستعمارية المكلّفة بالشؤون الإسلامية" سنة 1914، كان من بينهم ليونه غايطاني وكارلو ألفونسو نللينو ودافيد سانتيلانه، اليهودي الديانة والتونسي الأصل، الذي عيِّن سنة 1913 أستاذ التشريع الإسلامي في جامعة روما. وقد أورد المؤلفان في مستهلّ الكتاب، نقلا عن المؤرّخ فلافيو ستريكا في بحث بعنوان: "كارلو ألفونسو نللينو ومشروع احتلال ليبيا"، في مجلة "حوليات" التابعة لكلية العلوم السياسية في كالياري سنة 1983، أن المستشرق نللينو قد شارك في مجمل الاجتماعات واللجان التي قدّمت المشورة للمستعمر الإيطالي بشأن القضايا الإسلامية إبان عزم السلطات مدّ نفوذها الاستعماري تجاه إفريقيا على غرار نظيراتها من الدول الاستعمارية.

ويعود مؤلِّفا كتاب "موسوليني والمسلمون" جانكارلو مازوكا وجانماركو والش بالحماس الجارف الذي استولى على الزعيم الفاشي بنيتو موسوليني للسير صوب البلاد العربية وإفريقيا إلى استلهام سياسات نابوليون المراوغة في مصر، التي زعم فيها أنه يجلّ القرآن الكريم وأنه ما جاء إلى القاهرة إلا لتخليص المصريين من شرّ المماليك، وذلك في خطابه الشهير في الثاني من يوليو 1798؛ بل يذهب الكاتبان في تخميناتهما إلى أن حماس موسوليني ينبع بالأساس من فكرة الإنسان الأرقى النيتشوية التي تتلاءم مع إله قوي مسيطر، وهو ما يتماثل مع إله النبي محمد (ص). وبمنأى عن تلك التأويلات فقد شهدت إيطاليا، في أواخر القرن التاسع عشر وفي مطلع القرن العشرين، تحفّزا استعماريا لبسط نفوذها على الأراضي الإسلامية القريبة، في ألبانيا والبوسنة والجبل الأسود، وليمتدّ ذلك في فترة لاحقة صوب إفريقيا وحتى مشارف اليمن (ص: 66).

في الأثناء يتعرض مؤلِّفا الكتاب إلى الدور الذي لعبته خليلة موسوليني، ليدا رافانيللي، في إغرائه بالسير قدما صوب العالم العربي في سياساته التوسعية. فقد كانت تلك المرأة قارئة نهمة لأدبيات الشرق وواقعة تحت تأثير الدراسات الاستشراقية في أوروبا، في فترة كان يمثّل فيها المشرق منبع السحر لدى كثير من الكتّاب. هذا الانبهار الذي تسرّب إلى موسوليني تحوّل إلى مشروع استعماري فعلي في فترة لاحقة. وللذكر فالدوتشي (موسوليني)، كما يورد الكتاب، كان الأمر طبيعيا بالنسبة إليه فلقبه العائلي يتحدّر من مسمى القماش الليّن الشفاف الذي تعود أصوله إلى مدينة الموصل العراقية.

بعد تقاسم الفرنسيين والإنجليز النفوذ في شمال إفريقيا، لم يبق لإيطاليا، الجارة الأوروبية المطلّة على بلاد المغرب، سوى ليبيا بعد أن بخستها الرؤية الاستعمارية، الفرنسية والإنجليزية، بنعتها بـ"صندوق الرمال". لكن الدعاية الاستعمارية الإيطالية صورت ليبيا بمثابة الجنة الخصيبة، وكان آل سافويا، حكام إيطاليا في ذلك العهد، يراهنون على دعم الإنجليز الذين سيقايضونهم بليبيا لإبعادهم عن التحالف مع ألمانيا. ضمن هذه الأجواء الاستشراقية المغرية والوقائع الاستعمارية الدافعة، تفاقم هوس القوميين الإيطاليين بأن لإيطاليا الحديثة دورا مماثلا لدور "روما القديمة" في "تحضير" شعوب المنطقة.

في القسم الثاني من الكتاب وتحت عنوان: "إيطاليا والتحفز نحو بلاد المغرب"، يبرز المؤلفان أن إيطاليا كانت من بين البلدان الأوروبية التي تنظر إلى الجوار المغاربي (تونس وليبيا أساسا) بعين الشّره والتحفّز لاقتناص الفرصة وضمّهما. ولكن منذ أن احتلت فرنسا، بمقتضى معاهدة باردو (1881) تونس، التي تقيم فيها جالية إيطالية تفوق نظيرتها الفرنسية عددا، تبخّر حلم إيطاليا في الاستحواذ على تونس وتركّزت أنظار الساسة والعسكريين الإيطاليين في شطْر إقليميْ طرابلس وبرقة، الواقعين تحت سلطان الإمبراطورية العثمانية منذ العام 1551 وإلى غاية احتلال طرابلس سنة 1911. فعلى مدى عقود سابقة سعت إيطاليا جاهدة للنزول بما يسمى "الضفة الرابعة". بدءا من الاستعدادات العسكرية لغزو البلاد الإفريقية (1884)، وإلى غاية إرساء الوفاق مع فرنسا (1902) لتقاسم النفوذ، وما صحبه من تهيئة الرأي العام لحملة استعمارية، جرى أثناءها تصوير غزو ليبيا أنه مجرد "نزهة عسكرية"، وأن الثروات الوفيرة للبلد ستغطي تكاليف الحرب. كما عملت الدعاية الاستعمارية على بخس الدور العثماني في ليبيا وتصويره بمثابة العبء الذي ترزح تحت وطأته ليبيا، وهو ما خلّف فقرا وجهلا وتخلّفا، غير أن الوقائع التاريخية تكشف أنه منذ العام 1878، أصدرت السلطنة العثمانية فرمانا يوجب إلزامية التعليم على كل سكان الولايات. وبين سنة 1900 و1910 تمّ بناء سبع وعشرين مدرسة ابتدائية بطرابلس، تحاذي الكتاتيب الموجودة سلفا. وفي المستوى العالي شُيِّدت الرشديات، وهي مدارس تحضيرية تسمح بدخول المدارس العسكرية العليا والمعاهد التقنية لتكوين الموظفين الإداريين. وعلى خطى مشابهة جرى تطوير الصحافة، ففي طرابلس وحدها يمكن إحصاء ثماني صحف، بين جرائد يومية وأسبوعية، في شتى اللغات: العربية والتركية والإيطالية والعبرية (ص: 93).

لكن سياسة الدعاية جرى تبنيها بإصرار من قِبل القوميين الإيطاليين، وقد حضرت آثارها بقوة في تصريحات الكاتب والسياسي الإيطالي أنريكو كورّاديني، الذي أصرّ على أن ليبيا تنعم بأراض خصيبة وثروات منجمية وفيرة، ويمكن أن تكون مستعمرة استيطانية وليس مصدرا للاستغلال الخاطف فحسب. فحاول دفع البرجوازية والبروليتاريا والحكومة في ذلك الخيار. فاحتلال طرابلس، بالنسبة إليه، ستكون له آثار معنوية، وسيغلق "التطاحن الطبقي الذي يستنزف الأمة الإيطالية". كما شاع حافز آخر للذهاب إلى بلاد المغرب متمثلا في نداء الماضي، نداء روما الإمبراطوري، الذي كانت تونس وليبيا إحدى مجالاته الغنية بوصفهما مطمورة روما (ص: 101).

لكن فضلا عن الاستعداد السياسي وتحشيد الرأي العام الشعبي، فقد اقترن ذلك بدعامات عملية. كانت إيطاليا تُسَيِر أنشطة متنوعة في ليبيا، تركزت بالأساس على تجميع المعلومات العسكرية، وعلى نسج علاقات مع قادة العشائر والقبائل، خصوصا ممن لا تربطهم روابط متينة بالسلطنة العثمانية، مثل حسونة قرامنلي. وبدءا من العام 1907 بدأ تسرّبٌ اقتصاديٌّ فعلي تكفّل به "بنك روما"، بعد أن افتتح فروعا ووكالات تجارية في سبع عشرة مدينة، فضلا عن رعاية أنشطة صناعية هامة، قوامها مطاحن عصرية، ومعاصر للزيت، ومصانع للثلج، ومحاجر، وشركات فلاحية ومطابع.

في القسم الثالث من الكتاب وتحت عنوان: "الآلة الاستعمارية النشيطة"، يورد المؤلفان: في الفترة التي استتبّ فيها الأمر للفاشية وعقدت جملةً من الاتفاقات مع دول الجوار، بلغت أوجها بالتحالف الاستراتيجي مع النازية، لم تقتصر سياسة موسوليني مع العالم العربي على توطيد استعمار ليبيا والتمدد صوب الصومال وأثيوبيا والتطلع لجعل اليمن -زمن الإمام يحيى- تحت الحماية الإيطالية فحسب؛ بل حاول الزعيم الفاشي استمالة العرب واستغلال حالة الصراع العربي الإسرائيلي بشأن فلسطين، فسعى موسوليني جاهدا للتقرّب من مفتي القدس الحاج أمين الحسيني ودعاه إلى زيارة ميلانو في مارس 1942. كما حاول في البدء توظيف القوانين العنصرية الصادرة ضد اليهود واستمالة العرب إلى صفه، وذلك عبر تمديد تلك القوانين العنصرية إلى ليبيا، وغيرها من أشكال المراوغة التي انتهجها موسوليني تجاه العرب مثل سماحه للمسلمين باكتساب الجنسية الإيطالية شريطة الولاء المطلق لإيطاليا. حتى أن بعض التشكيلات السياسية العربية، وفق ما يورد مؤلفا كتاب "موسوليني والمسلمون" (ص: 213)، نظرت إلى الزعيم الفاشي نظرة إعجاب وإكبار. حيث يرصد المؤلفان ظهور بعض التشكيلات العربية مستلهمةً الإيديولوجيا الفاشية لموسوليني مثل: الكتائب اللبنانية، وحزب شبان مصر، والقمصان الخضر والقمصان الزرق في مصر، وجمعية كشافة "الجوالة". فالعلاقة التي حاول نسجها موسوليني بين الفاشية والمسلمين كانت قائمة بالأساس على أفكار وعلى مصالح مشتركة.

وفي خطوة لافتة للسياسة الدعائية الإيطالية، جرى تدشين "راديو باري" في السادس من سبتمبر 1932 من قبل الدوق أميديو دي سافويا أوستا. ليتكثّف في الفترة المتراوحة بين 1934 و 1936 البث عبر الأثير الموجه نحو البلاد العربية، وذلك بإلحاح من الدوتشي، بوصفه أحد المتمرسين بالإعلام والدعاية لاشتغاله في العمل الصحفي قبل تولّيه مناصب سياسية. حيث عوّلت الفاشية أيما تعويل على البروباغندا من خلال إطلاق برامج عربية بهدف كسب العرب إلى صفها. وقد تولى موسوليني بنفسه، في العديد من المناسبات، شرح تلك السياسة التي تقف على نقيض السياسة البريطانية في المشرق من أمام ميكروفون الإذاعة قائلا: إن الأهداف التاريخية لإيطاليا تستهدف تحديدا آسيا وإفريقيا، الجنوب والشرق، ولا يتعلق الأمر بغزو استعماري للأراضي بل هو امتداد طبيعي أساسه التعاون بين إيطاليا وأمم الشرق، وإيطاليا بمقدورها فعل ذلك، فموقعها بين الشرق والغرب يكفل لها ذلك الدور (كلمة ملقاة في الرابع من فبراير 1925).

وفي القسم الرابع والأخير من الكتاب يتعرض المؤلفان إلى زيارة موسوليني ليبيا. فقد حفّت بنزول الزعيم الفاشي بمدينة طبرق في الثاني عشر من مارس 1937 هالة كبيرة من البهرجة، استعدادا لتقليده "سيف الإسلام" في حفل نظّمه والي طرابلس حينها إيتالو بالبو. وفي خطاب موسوليني أمام حشود المعمِّرين الإيطاليين توجه بعبارات مقتضبة للأهالي الليبيين أصحاب الأرض قائلا: "يعرف الأهالي المسلمون، أنه في ظل الراية الإيطالية ثلاثية الألوان سيعمّ السلام والرخاء وستراعى أعراف المسلمين ولاسيما دينهم ومعتقداتهم". ليعقب تلك الكلمة استقبال خيالة عرب موسوليني في واحة بوغارة وتسليمه "سيف الإسلام" من قبل يوسف خربيشة أحد أعيان الجهة، حينها أشهر موسوليني السيف عاليا وهو يمتطي صهوة جواد صادحا "إلى الأمام!". ليدخل بعدها طرابلس على صهوة جواد أيضا، ثم ألقى خطابه الذي وعد فيه الليبيين بالرخاء وذكر أن الملك فيتوريو إيمانويل هو من أرسله مجددا إلى ليبيا، مذكرا الليبيين أنهم هم من قلّدوه "سيف الإسلام" وأن إيطاليا ضامنة الرفاه للمسلمين وحامية لهم، وأنه يتعاطف مع المسلمين في العالم بأسره ويحفظ العهود. وفي السنة الموالية، حيث ألقى موسوليني خطابه، تمّ تشييد نصب تذكاري له. "سيف الإسلام" الذي أشهره موسوليني في ليبيا تبخر سنة 1943 مع موجة مقاومة الفاشية، وبقي مصيره مجهولا إلى اليوم. والواقع أن ذلك السيف الذي تقلّده موسوليني كان سيفا مصنّعا في مدينة فلورانسا الإيطالية، وما كان سيفا من صنع الأهالي، غير أن الدعاية الفاشية رأت أن يكون الإخراج على تلك الشاكلة، وهو يماثل ما فعله موسوليني من تنصيب نفسه بنفسه حاميا للمسلمين.

وبوجه عام لا يغرق الكتاب في التأريخ السياسي، بل يحاول ربط تقرّب موسوليني من العالم العربي ضمن إطار عام، كما يحاول مؤلفاه، قدر الإمكان، اعتمادَ المراجع في ما يوردانه من وقائع وروايات. يشفع المؤلفان الروايات التاريخية بجملة من الصور المهمة، تبدو ضرورية في هذا النوع من الكتابة، فضلا عن فهرس عام للأعلام.

نبذة عن المؤلفيْن:

جانكارلو مازوكا هو صحفي وباحث إيطالي من مواليد 1948، شغل مديرا لعدة صحف إيطالية منها: "إيل ريستو ديل كارلينو" و"إيل جورنو"، كما نشر مجموعة من الأبحاث منها: "رواد الرأسمالية الإيطالية وأحفادها" 1990، "سادةُ الإنترنيت" 2000، "رفاق الدوتشي" 2011.

جانماركو والش هو ناشر إيطالي وباحث في التاريخ الحديث من مواليد 1949، يهتم بالتحقيقات التاريخية وتجميع الوثائق.

 

الكتاب: موسوليني والمسلمون.. صفحات من تاريخ الفاشية والإسلام.

تأليف: جانكارلو مازوكا و جانماركو والش.

الناشر: منشورات موندادوري (ميلانو) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2020.

عدد الصفحات: 241 ص.

 

عزالدين عناية - أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

 

 

نبيل عبدالامير الربيعييستذكر الدكتور نصير الحسيني صديقه خلف السوداني وذكرياته معه في اوكرانيا فترة الدراسة الجامعية، الرواية سياحة في التاريخ والجغرافية والأدب.

فهو عمل إبداعي وقد أكرمني الدكتور الحسيني بنسخة من الكتاب للاطلاع عليها. فشدني وجذبني إليه بأسلوبه الفني لمتابعة نضج فكرته وبروز معالمه.

يقدم الدكتور الحسيني عملاً ادبياً ابداعياً على شاكلة رواية، محوره عمل مذكرات أدبي لصديقه خلف السوداني، الرواية هي رسالة تعتبر من اجمل روايات الأدب والرحلات الجغرافية والتاريخية، وتتجلى فكرة عمله الإبداعي في ذلك الحوار الغني الممتع بين بطل الرواية الذي جمع بين الشعر واللغة والجغرافية والتاريخ والسياسة.

وبهذا الأسلوب الابداعي يقدم الحسيني فرصة كبيرة للقراء للاطلاع على السيرة الذاتية لصديقه خلف الذي عاش بين السودان وأوكرانيا طالباً ثم مستثمراً ثم تاجراً، الرواية لها طابع جديد ومعاصر في المحاورة التي يركز عليها الحسيني في موضوعاته التي يتناولها بين قيمة اللغة والوطن والمرأة والزواج والسفر والعمل والسياسة، في وقت نحتاج فيه لإستذكار ما يشد عزيمتنا ويفرج همّنا ونبني عليه نظرات مستقبلية، لنرى خيال طيف تسلل إلى بيت خلف السوداني، وتبادل معه الحديث والتساؤل، لننهل من معين المعرفة والجمال وسمو العقل والنزاهة والتفكير وعفَّة النفس في سبيل المحافظة على كرامته لترضى بالقليل.

تتجلى شخصية خلف ودور رواية الحسيني التحليلية والنقدية التي يظهر فيها عمق غوصها في أمهات الروايات وقراءتها لها قراءة استمتاع واستفادة، وحرصه على نشر ثقافة وتاريخ السودان وأوكرانيا.

مَن يتصفح الرواية سيدور في الزمن بين الماضي والحاضر، ويرى احداثاً مؤثرة، ويتوقف عند شخصيات لامعة، ويستمتع بقراءة أدبية تاريخية تأملية ممتعة مع الشخصية الرئيسة التي تدور حولها الرواية.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

1308 صالح الطائيحمل إصداري الثاني الجديد عنوان "أنا وصورهم الشعرية"، ويضم مجموعة رائعة من القصائد والمقطوعات التي نظمها الأصدقاء من أجلي أو أهدوها إلي في مناسبات مختلفة، وهي تمثل جزء من هذا العطاء الثر، لأن بعضها ضاع بعد أن قاموا بتهكير حاسوبي.

إن الذي دعاني إلى جمع هذه الهدايا القيمة في هذا الكتاب سببٌ يعودُ إلى بقايا موروثنا العربي القديم، فالمعروف أنه منذ عصر العرب الجاهلي والقصيدة العربية كانت السيف والمفتاح والرسالة والهدية والوردة والقبلة والضمة والشكوى والمشاعر ومتجر السلع الثمينة وجنود السواتر ولحظات قواهر. ومنذ الأزل والقصيدة العربية واسطة ووشيجة ورابطة قوية ودموع أبية وضحكات ندية، وقضية.

من هذا الموروث المثقل بالحكايات، من تأثيره علينا، وأثره على نشأتنا، تجد أننا منذ أن وعينا؛ وهناك في أرواحنا حاجة وشغف لأن يتفضل علينا أحد جهابذة الشعر فيهدينا بيتا أو بيتين يخلدهما التاريخ مثلما خلد تلك القصائد القديمة التي من مجموعها تكون تراثنا الأدبي العربي الزاخر، وأولئك الرجال الذين من حكاياتهم كتبت صفحات تاريخنا العربي.

ومنذ أول قصيدة اهديت إلي وأنا أحلم بأن يزداد العدد، وأن أجمعها وأصدرها بكتاب أتركه إرثا لأولادي وأحفادي، يفخرون به على أقرانهم، ويقصون حكاياته لأولادهم ونسوانهم.

ومع أني خلال عمري الطويل تمنيت الكثير من الأماني التي ذهبت أدراج الرياح، والتي بخرتها شمس العمر، إلا أن هذه الأمنية من دونها كلها أبت إلا أن تتحقق، وربما ثمة سر في ذلك، وهو أنها أرادت بتحققها أن تعوضني سنوات الحرمان الطويلة التي تسبب بها ضياع أغلب الأمنيات، فأبت مروءتي إلا أن أتماهى معها وأترجمها بهذا الكتاب.

وأنا واقعا كنت أنوي جمع محتويات هذا الكتاب مع محتويات الكتاب الذي سبقه وهو الكتاب الخاص بالنثر، لكن اشتمال ذاك الكتاب على مواضيع كثيرة ومتشعبة ومطولة، جعله أكبر من أن يؤدي غرضه في حال الجمع بين الشعر والنثر سوية. من هنا ارتأيت عزل الشعر وهمومه، لأخصص له كتابا خاصا به يكون مكملا لكتاب النثر ويشترك معه في العنوان باستثناء كلمي (نثرية) و(شعرية) الدلاليتين للتمييز محتويهما.

وفي كل هذا لا أجد لي فضلا، فالمتفضل والمتكرم هم الأصدقاء الشعراء والأدباء الذين خصوني بتلك الهدايا الرائعة. من هنا لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لمن جعل هذا الكتاب ممكنا، من إخوتي الأدباء والشعراء الأماجد الذين أهدوني نفثات أرواحهم قلائد حب أخوي غامر لا يقدر بثمن. والشكر موصول للأكاديميين والكتاب الذين اختاروا من عيون القصائد ما خصوني به وأهدوه إليَّ، ولكل من سيتلقى هذا الكتاب ويتفاعل معه.

أما الأصدقاء الذين وردت قصائدهم ومقطوعاتهم في هذا الكتاب فهم السادة  الأفاضل:

1ـ الأستاذ الدكتور محمد تقي جون

2ـ الأستاذ هادي جبار سلوم

3ـ الدكتور رحيم الغرباوي

4ـ المهندس المغترب رحيم تريكو صكر

5ـ الأديب حسين جنكير

6ـ الأستاذ ياسر العطية

7ـ الأديب علي كريم عباس

8ـ البروفسور التونسي محسن العوني

9ـ الأديب التونسي محمد الصالح الغريسي

10ـ الأديب عبد الرزاق النصراوي

11ـ الأديب علي نجم

12ـ الأديبة المغتربة خلود المطلبي

13ـ الأديب عبد الرزاق الياسري

14ـ الأديب أبو سلام البصري

15ـ الأديب عدنان عبد النبي البلداوي

16ـ الدكتور مالك الكناني

17ـ الأستاذ عصام عباس الشمري

18ـ الأديب سعدي عبد الكريم

19ـ الأديب حسن رحيم الخرساني

20ـ الأديب الفلسطيني سعود الأسدي

وقد صدر هذا الكتاب عن دار المتن ببغداد بواقع 106 صفحات من القطع المتوسط، وصمم غلافه الفنان العراقي الأستاذ بسام الخناق.

 

الدكتور صالح الطائي

 

 

1291 المغرب بعيون عراقيةبلد أحبه كل من زاره أو عاش فيه

أديبان عالميان دفنا في المغرب تنفيذاً لوصيتهما

"الأجنبي الجميل" شاعر عراقي

رحل في المغرب نتيجة حادث مروري

يختتم الكاتب رحمن خضير عباس، كتابه "المغرب بعيون عراقية" بالقول إن هذا الكتاب هو مجرد تحية مودة إلى المغرب الذي ترفّق بِه وبثلة من أصدقائه وزملائه العراقيين أواخر سبعينيات القرن المنصرم، ومنحهم سقفا هادئا. وكان الكاتب قد أكد في مقدمته للكتاب أنه من الصعب عليه أن يجنّس الكتاب أدبيا، وهل أنه يدخل ضمن أدب الرحلة، أم ضمن أدب المذكرات أو الرواية والقصة، أم الخواطر، ويتركُ أمر ذلك لتقدير القارئ.

ولكننا ونحن ننتهي من قراءة هذا الكتاب الصادر عن مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية في مدينة فاس المغربية بـ ٢٣٤ صفحة من  القطع المتوسط، نجد انه جاء عملا بانورامياً، أضاءت صفحاته انطباعات ومشاهدات جميلة وذكية، مفعمة بمشاعر الود والوفاء، تسنخلص عصارة التجربة الشخصية للمؤلف، الذي عاش في المغرب عقداً من الزمن، امتد من أواخر السبعينات إلى أواخر الثمانينات من القرن المنصرم.

لقد جاء الكتاب غنياً وحافلاً بمواده، التي يصعب التطرق إليها على نحو موسع في موضوع كموضوعنا هذا، ولهذا سنحاول الابتعاد عن التفصيل قدر الإمكان، والاكتفاء بالحديث عن بعض الجوانب المشرقة والبهية عن المغرب. ومع كثرة وتنوع الانطباعات والمشاهدات التي يضمها الكتاب، تبرز أمامنا ملاحظات عن المشهد اليومي للحياة المغربية، ببهائه وعَتمته، بثرائه وفقره. ومع غور المؤلف في المشهد المغربي المتنوع والعميق، نجده يؤكد لنا أن مشاهداته أخذت طابعاً تأملياً، وكأنه يرى المشهد عبر شرفة العمر الذي انفرطت حبّاته،  في زوايا هذا العالم المكتظ بالمتناقضات.

لدى حديثه عن المدن التي مر بها، أو قطن فيها لفترة من الزمن، نجد كلماته تلامس روحها ونبضها، ودبيب الحياة فيها. وهكذا يحدثنا عن مدينة مراكش التي يراها عصية على الوصف، ومدينة تارودانت التي تختبئ تحت أسوارها، ومدينة وجدة البهية ذات المساجد والذكريات، ومدينة تازة التاريخ وذكرياته. ثم يتنقل بين مدن فاس والرباط وطنجة وأگادير وشفشاون والعرائش.

وبما أن الحديث عن المدن المغربية، لا يمكن أن يكتمل دون الحديث عن أسوارها، فإن المؤلف يصف لقارئه كيف أن هذه الأسوار تطوّق أعناق المدن كالقلائد، وكأنها مخطوطات نادرة تسجل تاريخ المدن، ويتحدث عن طبيعة ملامحها التي صمدت أمام العصور والأزمنة، وعن الدروب الضيقة والشوارع الفارهة. عن الحداثة والموروث. عن الأزياء التقليدية والأعراف والولائم والحفلات المختلفة. كما يتحدث عن الندوات الادبية والفنية، والمهرجانات الكثيرة التي تحتضنها المدن المغربية.

وإذا كانت الأرض أو المدن لا بد أن ترتبط بالإنسان، كان من الطبيعي أن يؤكد المؤلف حقيقة أن الناس يشكلون نسغ المغرب وجذوره وتاريخه، ثم يتحدث عن الإنسان المغربي، فنانا وقاصا ومُبدعا وشاعرا وعاملا وكادحا. كما يتحدث عن التقاليد والمقاهي المغربية، بوصفها من الظواهر المتميزة في المغرب، ومجالاتها وطاقاتها وحضورها في الحياة الاجتماعية.

وعندما يتحدث المؤلف عن الصالونات الأدبية في المغرب وطبيعتها وتأثيراتها، وبعض ملامح المشهد الثقافي بتوهجاته وانطفاءاته، لم ينس الحديث عن أديبين عالميين كبيرين أحبا المغرب وسكنا فيه ودفنا بين ثراه، أولهما الأديب الفرنسي جان جينيه الذي توفي في باربيس يوم 15 أبريل 1986 عن 67 سنة، وأوصى بأن يدفن في مدينة العرائش مدينته الأبدية التي تضمُّ مثواه الأخير. أما الأديب الثاني فهو القاص والروائي الأمريكي بول بولز  الذي عشق طنجة، وعاش فيها منذ عام 1947 وحتى وفاته يوم 18 نوفمبر 1999 عن سن يناهز 88 عاما.

وقد كان المؤلف منصفاً ووفياً، عنما تحدث عن شاعر عراقي رحل في المغرب ودفن في أراضيه، وهو شاعر ترك بصمات شعرية جميلة، وكان حريصاً على أن يكون له صوته الخاص والمتيز، ولكنه لم ينصف حياتياً وشعرياً، لا في حياته ولا بعد مماته. هذا الشاعر هو مصطفى عبد الله، الذي اضطر بسبب مضايقات النظام العراقي السابق إلى الهروب من البصرة أواخر سبعينيات القرن المنصرم،  باحثا عن ملاذ آمن في المغرب، وفي مدينة القنيطرة تحديدا.

لقد رحل الشاعر مصطفى عندما كان يستقل سيارة أجرة، مع ركاب آخرين كانت تقلهم من القنيطرة إلى الرباط، وشاء القدر أن تصطدم السيارة بشاحنة، ما أدى إلى وفاة جميع ركابها ومن ضمنهم الشاعر مصطفى.

وكان الشاعر الراحل، قد قال في قصيدة كتبها – قبيل الحادث – وكأنه يهجس موته:

" انا الأجنبيُّ، طويتُ الكتابْ

دخلت الحقيبة منتظرا أنْ يجيءَ القطارْ

انا الأجنبي، عرفت الحدود فرتبت لي وطنا من ورقْ،

إنّه علبة للسجائر

أنا الأجنبي الجميل،

وقفت مع الواقفين،

تزاحمتٰ، لكنني في المكان القليل أميلْ

لتعبر قبلي الحقائب، ويعبر قبلي الزمانْ،

ويعبر قبلي المكانْ

تعلمتُ أنٍ أنتظرْ.

واصنع لي وطنا في جواز السفرْ .."

***

خالد الحلِّي - ملبورن

 

جمعة عبد اللهمحاولة في تحليل شخصية الدكتور (علي الوردي) حسين سرمك / سلام الشماع

يعتبر الدكتور (علي الوردي) رائد في علم الاجتماع في العراق. من خلال الكثير من مؤلفاته وابحاثه ودراساته وتحليلاته، في البنية التركيبية للمجتمع العراقي، بتناول قضايا المجتمع في اشكالياته المتعددة والمتنوعة. في نظرات فكرية كثيرة منها تتعمق في اسباب  عوامل التخلف، ونظرة الفرد  العراقي الى نفسه ونظرته الى الاخرين، في الحالة الحياتية والمعيشية والاجتماعية. التي يكتنفها الكثير من التناقضات والتنافرات المزدوجة بالازدواجية. في طريقة التعامل وطريقة السلوك والتصرف، وتأثيراتهما الاجتماعية والسايكولوجية. بذلك حملت الاطروحات والنظريات الاجتماعية التي جاء بها من  الافكار المطروحة . انقسم عليه عامة الناس والاوساط الدينية والثقافية،  الكثير من الاعداء والاصدقاء، بين معارض ومؤيد. لذلك لا يمكن ان نغفل في الطرح في السياق الافكار، بعض الهفوات في علم الاجتماع وكيفية التعامل معه. وخاصة في المجتمع العراقي الذي يعاني الكبت الاجتماعي والنفسي، في المجتمع تسوده الغالبية  من التخلف  والجهل والامية. وكذلك التأثيرات الدينية القوية على نفس وروحية الفرد والمجتمع، بما تحمل من خصوصيات في العادات والتقاليد. وكيفية الاحترام والتعامل معها، والنظريات الاجتماعية للعلامة الراحل (الدكتور علي الوردي) تتعاطى وفق معطيات الوعي والادراك والحس الاجتماعي. تحاول ان تبرز سلبيات الناشئة في المجتمع من جملتها عقد الذنب والظلم في ميادينها المتعددة. ومنها مسألة ظلم المرأة ومسألة الجنس والزواج. لذلك كان له مطارحات فكرية يختلف عليها غالبية  رجال الدين (الشيعة والسنة) الذي وصف نزاعتهم على المجتمع،  كما هم كالبدو الصحراء، فلا يرى احدهم في الاخر إلا في عيوبه. يشخص قيم الحضارة بالضد من قيم البداوة. يطرحها بكل جرأة في افكار غير مسبوقة، في تحليل شخصية الفرد والمجتمع. واضاء جوانب عديدة من مشروعه التنوير الاجتماعي. لاشك ان العلامة الراحل يضرب على الاوتار الحساسة في المجتمع والفرد. مرات يملك الجرأة في الطرح، ومرات يتردد خشية  من العواقب السلبية عليه من عامة الناس. خشية من غضب وهيجان  عليه، ليس فقط الاعتراض على اطروحاته الفكرية والاجتماعية. وانما خشية الاعتداء عليه.

وهذا الكتاب القيم والمرموق (الازدواجية المسقطة / محاولة في تحليل شخصية الدكتور (علي الوردي) المؤلف: الدكتور حسين سرمك والباحث الاستاذ  سلام الشماع.. والاستاذ حسين سرمك مرموق في النقد الادبي،ومرموق في اختصاصه الطبي، طبيب في علم النفس. والاستاذ سلام الشماع، يعتبر من تلاميذ العلامة الراحل وعايشه عن قرب وحافظ اسراره لمدة تزيد على عقدين. وبما يملك من رصيد مهم من وثائق ومعلومات وكتابات تتعلق بالعلامة الراحل، كما وانه اصدره كتاب عن معلمه بعنوان (من وحي الثمانين). ان يكون العلامة الراحل تحت مجهر سرير التحليل علم النفس الطبي. انها محاولة جريئة غير مسبوقة. ومبادرة شجاعة، في محاولة التقيم الفكري والاجتماعي على ضوء علم النفس الطبي، استناداً الى الحوار الموسع بين الاستاذين، وفي مخرجات التحليل على ضوئية السيرة الحياتية والمعاشية. منذ الطفولة حتى رحيله الابدي الى رحمة الله.  في ادق التفاصيل. وعلى افكاره واطروحاته بمجمل ما قدم من مؤلفات وابحاث ودراسات اجتماعية ، وحتى في علاقاته اليومية مع العائلة والمجتمع المحيط به، وقبل سفره في الدراسة في امريكا وبعد رجوعه، وما حمل من افكار اجتماعية جديدة. وما ورثوه من جهد كتابي. كل هذه المعلومات الهائلة في تفكيره الاجتماعي، ان تكون على سرير التشريح في علم النفس واستخلاص نتائجها. لاشك ان الاستاذ الدكتور حسين سرمك يملك براعة فذة في اختصاصه الطبي، وفي تحليل النظريات الاجتماعية المختلفة، التي لها علاقة في علم البحث الاجتماعي. من هذا المنطلق يعتبر  الكتاب مصدراً  هاماً ومرموقاً لا يمكن الاستغناء عنه، في الاوساط الثقافية وايضاً لعامة الناس. لمعرفة العلامة الراحل وفق التحليل في علم النفس الطبي. ونعرف ان الراحل كان حديث الناس في حياته ورحيله الى رحمة الله الواسعة. ان الكتاب اضاء جوانب عديدة ومهمة في التحليل الطبي  الرصين والهادف ، وكذلك تحليل مشروع الفقيد التنويري في البحث الاجتماعي. وضم محتوى الكتاب اربعة فصول. نتناول بالايجاز والاستعراض الموجز.

1 - الفصل الاول: لمحات خفية من صاحب اللمحات: حوارموسع بين الدكتور حسين سرمك يحاور الاستاذ الباحث سلام الشماع. في تحليل حياة وافكار ووثائق ومؤلفات الراحل. وكذلك معاركه الفكرية والاجتماعية، وتناول الشخصية من كل الجوانب، وحتى هواجسها ووسواسها. ونظراته البحثية في علم الاجتماع، في طبيعة وتركيب المجتمع العراقي الحديث. وكذلك حالات التناشز التي افرزت في دراساته، والبحث اشكاليات المجتمع العراقي ، ونظرته الى قيم الحضارة التي يعتبرها بالضد من قيم البداوة. وكذلك ما افرزه من سلوكيات اجتماعية عليه وعلى المجتمع، مثل الازدواجية الشخصية عليه وعلى  الفرد والمجتمع. وما درسه من ابحاث في التأثيرات الدينية في المجتمع، وكيفية التعامل مع الوعي الاجتماعي. كانت المحاورة الموسعة. تناولت قضايا كثيرة تتعلق بالفقيد. وما تناوله في مسألة المرأة والجنس والزواج. وكذلك تأثيرات اطروحات ابن خلدون الاجتماعية . وكذلك فحوى الضجات التي اثارها في حياته، وخاصة مع الاوساط الادبية والثقافية، ومع بعض رجال الدين. وكذلك الاتهام الذي وجه اليه بتهمة الكفر، ومحاولاته الاستفادة من الفكر الاجتماعي الغربي بعد انهى دراساته الجامعية في امريكا . وكذلك مناقشة مشروعه التنويري  من عدة جوانب. في مسألة السلوكية الفردية والجمعية. وموقف ومن الوعظ الديني. هذه الافكار والاطروحات وضعت في مختبر التشريح في علم النفس الطبي.

2 - الفصل الثاني: مقدمة استباقية: علي الوردي. عدو السلاطين. وعاظهم. قاومهم كبشر مثلنا. لا كملاك من السماء.

3 - الفصل الثالث: محاولة في تحليل شخصية محلل الشخصية العراقية.... وهي محاولة استخلاص نتائج من حصيلة التحليل الشخصية، على سرير علم النفس الطبي، وحصيلة الافكار والمعلومات التي وضعت تحت المجهر. من خلال الحوار الموسع والمعمق في الفصل الاول. وخرجت بالكثير من الاستنتاجات التحليلة المهمة، نقتطف جزء يسير منها.

- حول المواكب والطقوس الحسينية. خرج التحليل بهذه المحصلة، بأن نجد ان الوردي هو نفسه لديه سلوكية مزدوجة (ان الوردي نفسه لديه سلوكان في هذا المجال: واحد رافض لتلك الطقوس المستهجنة..... وثانٍ تحسبي بهدف الى دفع الاخطار عن الذات. فهل يعاني الوردي، هنا ازدواجية في الشخصية ؟) ص155.

- (واذا راجعنا منجز الوردي فسنجد ان انجراحاته الشخصية، قد شكلت الاطار النفسي الذي حكم رؤيته البحثية، اننا نستطيع الامساك بخيط المرارة الناقمة الذي يجمع مواقف الوردي المختلفة من الظواهر التي يتناولها، ولو راجعت تراث الوردي المتعلق بدراساته احوال المجتمع العراقي وشخصية الفرد العراقي، فلا اعتقد اعتقد انك ستجد اي ملاحظة ايجابية، إلا في النادر من تحليلاته وتعليقاته) ص179.

- وكذلك حالة القلق والوسواس على اولاده، بدواعي الحرص على صحتهم، في حين انها  السبب الباطن هو القلق، الذي تعاني منه الشخصية الوسواسية (التسلط الالزامي) ص190.

- أما بالنسبة الى قيم الحضارة ضد قيم البداوة (اذا كان المجتمع العراقي تحول خلال فترة قصيرة نسبياً من مجتمع تسوده قيم البداوة الى مجتمع تتصارع فيه هذه القيم، ضد قيم الحضارة، فأن الوردي الفرد قد تحول من فوره من شخص يرزح تحت تأثيرات قيم البداوة، الى شخص تتصارع في داخله القيم التي ترعرع فيها) ص213.

- (ان الشعور بالذنب هو المشكلة الرئيسية لتطور الحضارة، وان على  الانسان دفع فاتورة تقدم) ص220

- اما من ناحية الازدواجية العراقية (التناقض بين التوجيهات والتعليمات الدينية والقيم المحلية، وهو في كل موضع بعد القيم المحلية فاسدة ومتخلفة والتعليمات الدينية غير حضارية، وازدواجية حديثة سببها التناقض بين قيم الحضارة الجديدة، والقيم السلوكية القديمة) ص231.

- (أن محاولة تحليل شخصية العلامة الراحل لا تسيء الى جهوده المشهودة ابداً، انها فرصة لتأمل دواخلنا والنظر في الكيفية التي يتدخل بها لا شعورنا في صياغة قناعاتنا ورؤانا وسلوكياتنا بصورة مستترة) ص237.

4 - الفصل الرابع: ليس دفاعاً عن علي الوردي. هو فصل نظرة الاستاذ الباحث سلام الشماع، على مجمل ما جاء في خلصات نتائج التحليل علم  النفس الطبي. وما قدمه الدكتور حسين سرمك في النفاذ في دواخل شخصية علي الوردي، من خلال سرير علم النفس الطبي، في المقدرة العلمية والطبية في التشخيص، في الغوص في اعماق التحليل والتشخيص. وتبقى جهود العلامة الراحل الايجابية، بأنه وضع التحليل الشخصية وتحليل الاجتماعي للمجتمع  العراقي، في مجهر البحث والدراسة، انزله من البرج العالي، ليكون في متناول عامة الناس.

- الكتاب: الازدواجية المسقطة: محاولة في تحليل شخصية الدكتور علي الوردي.

- المؤلف: الدكتور حسين سرمك / الاستاذ الباحث سلام الشماع

 

جمعة عبدالله

 

1303 علي محمد اليوسفالمقدمة: في مؤلفاتي الفلسفية والفكرية السابقة  كان الاسهام الاكبر في طبعها ونشرها دار غيداء الغراء وأكثر من دار نشر اردنية أدين لها بالامتنان والعرفان الجميل، تبّنت طباعة ونشر بعض مؤلفاتي القليلة العدد 12 مؤلفا، وكنت دائما ولاأزال بعد ظهور كتاب مطبوع لي أحمل هموم أني ربما كنت قصّرت في بعض مباحث وموضوعات الكتاب من أيفائها حقها من الرصانة الفكرية والمناقشة والحوارالهادف بما يرضيني ويرضي دار النشر وأخيرا القاريء الذي ما أن يكون الكتاب جاهزا للمطالعة في متناول يديه ، حتى يصبح هو مالكه الحقيقي بلا منازع في الحكم له أو عليه .

ودائما ما كنت أتعب نفسي كثيرا أن كان فاتتني بعض الافكارالتي لم أضمّنها الكتاب، أو وقعت في بعض الثغرات التي لا يخلو منها أي مطبوع فلسفي، كون الافكار والشروحات والنقد لأي كاتب يخوض غمار هذا المنحى الفلسفي الصعب لا تمتلك العصمة من بعض الاخطاء التي لا منجاة منها على مستوى كبار الفلاسفة العالميين، وأنجاز كتاب هو بمثابة بداية مشروع فكري لن يكتمل في مؤلف واحد وأكثر، ويكون محكوما بما يحظى به من أفكار جديدة يتوجب معها المقارنة والافادة والنقد ، ولا تكتمل الافكارالفلسفية في كتاب الا في غيرها معها أو ضدها.

هنا في مقدمة هذا الكتاب أود الاشارة الى بعض الملاحظات السريعة التي أجدها جديرة بالتأشير :

اولا: رغم أن تقييم جهد أي كاتب لمنجزه الفكري الثقافي هو من أختصاص غيره على قدر ما يستحقه جهده من أهتمام، وما يحمله من ثراء ثقافي يستحق الوقوف عنده وأنصافه بكلمة حق، لذا أجدني ملزما القول أن مواضيع هذا الكتاب الفلسفي فيها من الجهد الفلسفي المعّمق، وصعوبة المعالجة والحوار وتقليب الافكار في الطرح والمناقشة والنقد والتثبت ما يشكل لي أضافة نوعية جديدة لما سبق لي نشره في مؤلفاتي السابقة.

ومكمن التجديد المهم أني ناقشت في مواضيع هذا الكتاب أطروحات فلسفية لكبار الفلاسفة المشهورين من رواد تاريخ الفلسفة عالميا من أمثال مارتن هيدجر، ماكس شيلر، جون بول سارتر، عمانويل كانط،، نيقولاي هارتمان،هنري برجسون،وأدموند هوسرل وغيرهم.

ثانيا : أستطيع الجزم أني طيلة متابعاتي مباحث الفلسفة المترجمة الى العربية علي أيدي مفكرين عرب كبار لهم تاريخ طويل وباع كبير ممّيز في مجال الاهتمامات والمباحث الفلسفية، يغفلون عن مسألة هامة جوهرية أنهم يتغاضون ويجتنبون النقد لآراء فلاسفة غربيين أفكارهم في بلدانهم وغيربلدانهم هي محط نقد قاسي جدا من لدن فلاسفة ومفكرين غربيين أنفسهم، ونحن نخجل من ممارسة النقد في حده الادنى الواجب الضروري، ويكتفي مفكرونا بالعروض الفلسفية التي غالبا ما يتحاشون فيها حتى التفسير الذي لا يخرج عن المباحث الفلسفية الغربية المعرّبة نصّا دونما الاشارة العابرة الى مثالب وعيوب تلك النصوص والمؤلفات وثغراتها الفلسفية الفكرية ، ومن غير أهتمام أين موقعنا كثقافة عربية تريد أن تبني مشروعها الفكري والفلسفي والمعرفي الخاص بنا، أقولها بأسف أني أفتقدت الكثير مما يجب أن يقال من لدن كبار من الفلاسفة والمفكرين العرب المعاصرين الكفوئين أن يدلوا بدلوهم فيما ينير الطريق أمام أجيال قادمة، في أن يقوم التفلسف على النقد والتساؤل وعدم التسليم أن ما يردنا من أفكار فلسفية لا يطالها التقصير لا من قريب ولا من بعيد.

بموجز عبارة أضعها أمام جميع من  يمتلكون كل المؤهلات الفكرية والثقافية من فلاسفة ومفكرين عربا أننا لا نحتاج عروضا وشروحات تمجيدية لهذا الفيلسوف الاجنبي أو ذاك ولا أنتقادات تجريحية غير منصفة محايدة أيضا، من غير أن تمر آراؤهم الفلسفية في تناول نقدي موضوعي نزيه وفلترة فكرية حازمة، تعطي مفكرينا العرب قيمتهم الندّية أنهم أصحاب أرث ثقافي فلسفي حضاري عظيم لا يجعلنا تابعين غير مبدعين أمام أصحاب الفكر الفلسفي الاوربي العالمي المعاصر.

ثالثا وأخيرا:سيجد القاريء رغم جهدي الكبير الذي بذلته قدر المستطاع في جعل مواضيع ومباحث الكتاب ميسّرة ألفهم والاستيعاب  وأن لا تكون لغتها معقدة عصّية على الاستقبال والتوصيل للمتلقي المثقف.الا أن ضرورات البحث في القضايا الفلسفية تجعل الكاتب محكوما في لغة توازي وتتعامل مع أفكار فلاسفة عالميين كبار لهم بصمة فلسفية متعالية ، يتوجب بالكاتب العربي مجاراتهم بلغتهم الفلسفية وأسلوبهم المنطقي الفكري في نقدهم  كي لا يكون نقدنا وحوارنا لأفكارهم من السطحية التي لا تستوقف المثقف الحصيف العربي عندما يكون نقدنا متدنيا لا يرقى الى مواجهة المنقود بحصيلة فكرية مؤهلة قادرة على المواجهة والندّية.

لذا أجد من الضروري القول أن مواضيع الكتاب تتطلب صبرا ومطاولة من  القاريء المثقف الاحث عن المعرفة الفلسفية ، ومباحث الكتاب ليست في تلك الصعوبة التي غالبا ما نجدها في الترجمات العربية لموضوعات ومباحث فلسفية عصّية لكنها ليست سهلة لدى قاريء لا يمتلك خلفية ثقافية فلسفية ضرورية.

أخيرا كعادتي في مقدمات كتبي السابقة لن أتحدث عن تفاصيل محتويات الكتاب وأحرم القاريء متعة أكتشافها بنفسه ما يجعله قريبا من موضوعات الكتاب ليس كقاريء متلق بل كمثقف وناقد متمكن يمتلك أدوات ووسائل التقويم والفرز والتمحيص في أرساء ثقافة هي من نضح هويتنا العربية في مشروعها الفلسفي الواعد الذي أجد بوادر تبلوره واضحة في بلاد المغرب العربي والاردن ولبنان ودول الخليج التي تتكامل وتتكافل معها جهود الكتاب المفكرين والقراء العرب  معا في أنجاح مشروع فلسفي عربي ناجز.

..................

المحتويات

- فلسفة الحياة (1900 – 1950)

- هيدجر وميتافيزيقا الوجودية

- كانط  والمعطى القبلي للزمان والمكان

- ماكس شيلر.. العقل والمعرفة

- نيقولا هارتمان والوعي الانطولوجي

- الماهية والمعرفة في الفينامينالوجيا والوجودية

- الوجود في مدركات العقل والفكر واللغة

- فرويد واللاوعي

- كيف يعي الانسان ذاته ؟

- كلمات وحكم فلسفية في الحياة والوجود ج3

- ميتافيزيقا الموت في الفكر الفلسفي الغربي

- حقيقة الوجود في ادب سارتر

- شذرات فلسفية

- الفلسفة والشعر

- مداخلة في فلسفة الفن

- وهم نهاية التاريخ

- الخيال والطبيعة في الفن

- هويتنا اليوم

***

علي محمد الموصل /الموصل

 

 

1301 صلاح الدين الحماديإن اِنطلاق الأصوات قولا وكتابة بعد سنة 2011 في تونس جعل كثيرا من الأقلام تجمع ما تناثر من نصوصها المختلفة وتدفع بها إلى دور النشر مما جعل الحركة الأدبية خاصة تشهد ازدهارا واضحا في شتى أصناف الأجناس وفي هذا السياق ظهر للشاعر والأديب صلاح الدين الحمادي كتاب جديد جعل له عنوانا طريفا هو - قفا نعجبْ - وقد جمع فيه أكثر من ثلاثين مقالة تتراوح من النقد الاجتماعي والسياسي إلى التحليل النفسي لبعض المظاهر والمواقف والأحداث والمناسبات تلك التي رصدها بعين ثاقبة ونقرأ أيضا في بعض الفصول ما يشبه اليوميات والشجون الخاصة فالكتاب إذن متنوع المواضيع شيٌق الأسلوب ولعله يواصل بهذا منهج مقولة أن الأدب هو الأخذ من كل شيء بطرف .

ثمة موضوع كثيرا ما نجد له ظلالا واضحة في هذا الكتاب ألا وهو مسألة المثقفين الذين يتناولهم صلاح الدين الحمادي بكثير من الانتقاد ففي فصل - المثقفون - ينقل لنا حوارات كانت تدور في إحدى الحافلات المكتظة إذ سرعان ما دبّ التآلف بين الركاب وبدأت الحوارات الثنائية والثلاتية تتناول القضايا والأمور التي تدور بعيدا عن العامة ولكنها تشغل بالها أكثر مما تشغل بال رؤوس الساسة والمثقفين حيث سمع أحدهم يقول أنا لا أبكي ولن أبكي على أية دولة من الدول العربية أنا أبكي فقط على فلسطين إنها الوحيدة التي تستحق ذلك فبقية الدول العربية كلها كيانات قائمة ولها جيوشها وثرواتها وما عليها إلا أن  تقوم بواجب حفط كرامة شعوبها والدفاع عن أراضيها أما فلسطين وا أسفي عليها فلا تملك سوى أصوات شرفائها وحجارة قد تكون غير موجودة فقلت في داخلي لله درك أيتها العامة التي ما انفكت الخاصة  تترفع عنها

فيرى صلاح الدين الحمادي وهو القريب من المثقفين بصفته رئيس اِتحاد الكتّاب التونسيين ناهيك عن مسيرته الأدبية والنقابية والسياسية  والتربوية والجامعية يرى أن جماعات المثقفين ليست إلا  - ثقفوت - أحاديثها صخب وتشنج وصراخ وضرب على الطاولات لا غير وفي  فصل آخر بعنوان - عن التضامن وأشياء أخرى - ينقل لنا وقائع ليلة غزيرة الأمطار أدّت إلى محاصرة العمارة بالمياه فتعاون الأجوار جميعا على دفع الخطر المحدق بهم بأن ثقبوا السور المحيط بهم بل وبادروا إلى إزالة الأوحال من محيطهم وكان ذلك في جوّ بهيج من الإخاء والتآزر والتعاون وفي سرده لهذه الحادثة يؤكد الحمادي على أهمية الحراك المجتمعي الذي كثيرا ما يتناساه السياسيون وما شاكلهم ممن يعتبرون أنفسهم نخبة عارفة عالمة وماهم إلا سدنة مصالحهم ومصالح غيرهم

 وللأطفال في هذا الكتاب نصيب من الحكمة أيضا وذلك في فصل بعنوان - درس  المحفوظات - وقد نقل لنا صلاح الدين الحمادي حوارا جرى بين تلاميذ بمناسبة درس المحفوظات وكانت للشاعر سليمان العيسى

أنا ابن النسر مدّ جناحه وحماك يا وطني

أنا ابن النسر حمّلني جناحيه وودّعني

عندئذ تساءلت إحدى التلميذات لماذا ينسب

 هذا الطفل نفسه إلى كسر من الجوارح فإن في ذلك لفظاعة وتنكر للإنسانية ألم يجد ما يتشبه به من جميل الطيور ولطيفها ووديعها سوى هذا الطير

فيدور حوار طريف عندئذ بين

التلاميذ حول رمزية النسر

وفي فصل - هل الثقافة بخير في الجمهورية الثانية؟ - يطلق الكاتب صيحة فزع ويدين بشدة القائمين على الشأن الثقافي في تونس قائلا - لم نر هؤلاء يشركون أهل الثقافة والإبداع في حواراتهم ولم نرهم يستمعون إلى مقترحات المثقفين أو يستعينون بتصوراتهم في صياغة وتنفيذ البرامج الثقافية بل العكس هو الحاصل فقد كُبّل العمل الثقافي في مستويات مختلفة بحزمة من القرارات والإجراءات البيروقراطية حتى وصل الأمر ببعض الجمعيات إلى حلّ نفسهل وببعض الناشطين إلى الانسحاب من المشهد الذي عمّ فيه الفوضى والنفاق والكذب

إن كتاب قفا نعجب للأديب والشاعر صلاح الدين الحمادي شهادة صادقة على معاناة المثقف الملتزم بقضايا الوطن في تفاصيلها الصغيرة وهمومها الكبيرة وهو يصارع التحديات من أجل التقدم نحو الأحسن  والأجمل في جميع المجالات

ففي البدء كانت الكلمة

 

سُوف عبيد

 

1298 رحيم الغرباوينباهة العرب وبلاغة القرآن الكريم للدكتور رحيم عبد علي الغرباوي

شاءت الحكمة الإلهية أنْ تميز اللغة العربية بأنَّها لغة الضاد؛ لتفردها في لفظ صوتها عن جميع أمم الأرض حاضراً وماضياً ومستقبلاً، فضلاً عن أنَّ خطها يمنح اللفظة معناها بصورة بائنة .

ويبدو أنَّ العرب رسمت حرفي الظاء والضاد على وفق حركة اللسان داخل جهاز النطق، فــ (الظاء) بالخط الظاهر؛ لآلية ظهور اللسان من بين الأسنان، وأنَّ صوت (الضاد) يصدرَّ من إلصاق طرف اللسان على لثة الأسنان العليا، ويبدو أنَّ رسم الحروف كان على وفق حركة اللسان أو سريان الزفير داخل وخارج فضاء الفم، لكن لو أمعنَّا النظر لوجدنا أنَّ أغلب الكلمات التي ترد فيها الظاد أو الضاء قائمة على معنى الظهور أو الضمور، فضلاً عن وضع اللسان؛ لربما أنَّ من رسم الحروف توخى ذلك لكن لم يصلنا التعليل الذي قمنا به في التقريق بين خط الحرفين من كتب التراث، بيد أنَّ أصحاب الإملاء ورسم الخطوط أوضحوا لنا أنَّ الظاء تلفظ كصوت بإظهار اللسان من بين الأسنان، أما الضاد فتنطَق حين يكون اللسان ملاصقاً للثة الأسنان العليا داخل الفم، ولم يبرروا سبب خلاف الخطين، ولعلنا اجتهدنا في الوصول إلى سبب رسم الحرفين بالشكل الذي هُما عليه داخل الكلمة، كونهما يشعَّان بالدلالة؛ فيُظهران المعنى العام لتك اللفظة فـ (الظاء) تدل على الظهور والبروز، بينما (الـضاد) فتدل على الضمور والانحسار، ومنه الفعل حضر، فهو يدل على قدوم الشخص بشفافية وهدوء، بينما لفظة حظر فهي تدل على المنع، ولما للمنع من وسائل معرقلة كالسلاح والأسلاك الشائكة والأبواب والمنافذ الموصَدة، أما الأفعال: ضمَّ؛ ضمر؛ عضَّ؛ غاض بمعنى اختفى، غمض، فضَّ، ومضى، فجميعها تدل على الاخفاء والتلاشي، بينما لفظة مرض، فتدل على الذبول والإذواء، وفاض، ونضح؛ فيدلان على الطفح الذي ليس فيه بروز، وضلَّ بمعنى تاه، وهو من الضياع، بينما ظِلّ  وهو ظِل الشجر وغيره وفيه تمدد وظهور، وبيض الدجاج كونه مسطحاً، بينما بيظ النمل فهو مدبب، وضفرت الخصلة: لمَّتها، بينما ظفر بالعدو: أطاح به بعد جهد، وناضرة بمعنى ناعمة مترفة، بينما ناظرة هي ساهمة، وفي النظر إطلاق عنان العين للإبصار وإطلاقها للرؤية، وغضُّ البصر إخفاته، وغمض عينه أخفاها، وحضن وقبض، فكلاهما يدلان على والإيواء والأخذ والضم. فجميع ما في الكلمات من حرف (ض) تدل على الضمور والانبساط أو الضم والتلاشي .

أمَّا (الظاء) فقد وردت في كلمات محدودة لا تتجاوز النيف والتسعين، وهي ترد كما أسلفنا في أفعال تتسم بالظهور والبروز والحركة وما يعتمل حدوثها من جهد للقائم بها، وإليك أشهرها:

الحَظّ: بمعنى النصيب، والحظ يكون ظاهرا، إذ يعمل على المفاجأة، والمفاجأة هي غير مسترسلة بحياة الفرد؛ والحِفْظُ: يمثل ظهوراً على عدم الحفظ الذي هو في حالة استواء مع الآخرين، فالحافظ تميز بحفظه على غيره وازداد علماً، وفي الزيادة ظهور، والحَظْوَةُ: وهي الرفعة والاهتمام، وفيها يتطلب جهدا والجهد أيضا بائن والاهتمام واضح، والظلم، وهو من الجَرم، لما فيه شناعة وقبح سواء أكان جسدياً أو نفسيا؛  والظليم: وهو ذكر النعام، ويقال لأنثى النعام قلوص، كما يقال ذلك في الإبل، وإنما قالوا ذلك لما رأوا فيها من شبه الإبل . تزعم الأعراب أنَّ النعامة ذهبت تطلب قرنين، فقطعوا أذنيها؛ فلذلك سميت بالظليم، وكأنهم إنَّما سموها ظليماً؛ لأنهم ظلموها حين قطعوا أذنيها، ولم يعطوها ما طلبت، وهذا بناء على اعتقادهم بذلك، والظليم جاء من الفعل ظَلمَ، والظلام ما بان سواده وغطى كل شيء فهو طاغٍ، ومنه ظلمة وظالم وظليم، فلُفظ بالظاء على أساس ظهوره، والظبي: وهو الغزال، وجاءت تسميته من فعله ظأب بمعنى صاح وزجل وكلاهما ضد الصمت؛ مما تعيَّن فيه الإظهار، والظبة: طرف السيف، ويراد حدته، وهو الأهم والأبرز في السيف، والظعن: الهودج؛ وهو بادي للعيان، ظاهر، كذلك الفعل ظعنَ، أي ركب للسفر، والركوب يكون بادياً للعين .

و الظرف بمعنى الكياسة، والمعنى الآخر الوعاء الذي ترسل فيه الهدية، فالهدية مخفية بينما الظرف ظاهر، ويطلق على القربة والسقاء وكلاهما مشهوران، أي ظاهران، والظريف؛ هو اللطيف الكيِّس الذكي الحذق البارع، يقال ظارفني أي غالبني، فظرفته أي غلبته . ويبدو أن الظرافة فيها تميز والتميز يدل على البروز والظهور؛ والظَّنُّ: الشك والريبة، ولما كانت في الدلالة حركة وأثر دلَّت على الاعتمال والزعم؛ والقلق لحال، فهو بادٍ في النفس كغير عادتها، ويأتي الاعتقاد الراجح وكلا المعنيين فيهما ظهور، والظِّلُّ: ومنه ظلَّ، أي بقي وظلَّله ألقى ظله عليه أدخله في ظلِّه، أي كنفه، وظلله من الشمس، أي حجب عنه حرارة الشمس، والظل ظاهرٌ، والظفر: وهو ضد الخيبة؛ أي الفوز وظفر به؛ أي غلبه أو أمسك به؛ وفيه قوة وتميُّز، والظَّهر عكس البطن وهو من الظهور، من الفعل ظهرَ واسم فاعله ظاهر بمعنى بارز، الظمأ: العطش الشديد؛ ولما له من أثر في النفس فهو بادٍ، وكظم: حبس بقوة وفيه مجالدة للنفس، واللحظ: وهو المشاهدة بالعين والإسهام بالبصر؛ لتتحقق الرؤية، اللفظ: هو الكلام الظاهر صوتاً أو كتابة، والنّظْمُ: ومنها النظام؛ ولا يتحقق إلا بجهد ودراية وتخطيط، والنظافة لاتتأتى إلا بالمتابعة وبذل الجهد؛ نظف الشيء نقاه وجعله بهياً حسنًا وفي ذلك بذل جهد أيضاً؛ لإظهاره بصورة أبهى؛ بينما نضف وانتضف أي شرب الفصيل جميع ما في ضرع أمه اي ابتلعه في جوفه، والنظَر: وهي أنْ تبرق العين خطّاً للرؤية البصرية، ونظرَ إلى الشيء تأمَّله بعينه، ونظر في الأمر تفكَّره؛ والنظرة اللمحة، وجميع معانية ومشتقاته تدل على الرصد والظهور، والعظم: وفيه بروز، وعظام الإنسان ظاهرة في النظر أو الملمس، والعظيم: الضخم في الشكل أو الوقع، والغيظ: أعني الحنق، وفيه اضطراب واعتمال للنفس بما يؤذيها، بينما غاضت البركة: بلعت ماءها. وغاض: اختفى، والفظاظة: وهي القسوة، ولما للقسوة من أثر على المقسو عليه؛ الفظاعة: من الأمر الفظيع، وهو الشنيع، وكل شنيع ظاهر ومتفش أمره؛ والتقريظ: مدح الحي بالشعر، وقرظ أظهر بينما القرض للملابس هو من المضمرات فكُتِبت ب (ض)، وفعلها لين خفي ليس فيه لون من الشدة، بل بخفية وهدوء، والمواظبة: المداومة على شيء، وهي ما تتطلب جهداً في ذلك، والوظيفة، من وظف يظف البعير بمعنى قصَّر قيده (أصابَ وظيفهُ)؛ ووظِّف له الرزق ولدابته العلف بمعنى عيَّنه وشخَّصه، وقد استعملت بمعنى المنصب والخدمة، وفيهما إشهار لا إخفاء، واليقظة: ضد النوم .

ولو تتعبنا ما لم نورده من الكلمات التي تضمَّنت صوتي الظاء والضاد لوجدناها قد رُسمت حسبما أوضحناه.. وهذا ما يغرينا إلى أنَّ دلالة رسم بعض الحروف يساعد على إظهار المعنى حكايةً حين يرصف داخل اللفظة، إذ يمنحها طاقة دلالية صورية ومعنوية، والله أعلم .

 

رحيم الغرباوي

 

 

عن دار ضفاف للطباعة والنشر في بغداد صدر الجزء التاسع والعشرون (279 صفحة) من موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية ترجمة وإعداد الباحت "حسين سرمك حسن".

ذكر الباحث حسين سرمك في مقدمة هذا الجزء معلومات لا تصدق وتصيب أي عراقي بالألم والمرض والغضب والقهر:

(كان المُخطّط لهذا الجزء أن يكون جزءا واحداً موحّداً يتناول قضيتين مترابطتين: الأولى هي سرقة أكثر من 60 مليار دولار (بعض الباحثين يضيف إليها 20 مليار دولار من مبيعات النفط في ظل الاحتلال) من الأموال العراقية التي كانت تحت وصاية الولايات المتحدة (وبالتالي فهي المسؤولة عن مصيرها قانونياً) في صندوق تنمية العراق. أمّا الثانية فهي ضياع عشرات المليارات من الدولارات من أموال العراق في ما سًمّي ب "عملية إعادة إعمار العراق" من خلال الفساد الفاحش من رشى واختلاسات وهدر وإساءة استخدام للمال من قبل المسؤولين الأمريكيين في سلطة الائتلاف المؤقتة (برئاسة بول بريمر) التي حكمت العراق قي السنة الأولى التي تلت الاحتلال البغيض ومن قبل المقاولين المتعاقدين معهم. لكن حجم هذا الجزء من الموسوعة زاد كثيراً بسبب ضخامة المعلومات والوثائق والمقالات التي ظهرت في السنوات الأخيرة عن أبعاد وخفايا هذه الجريمة المزدوجة فقررتُ أن يكون هذا الجزء المهم جزءين متتابعين ولكن بمقدمة واحدة توفّر للسيّد القارىء صورة شاملة عن محتواهما عندما يقرأ كلّ جزء منهما منفرداً).

1297 جرائم الولاية المتحدة

ويواصل الباحث مقدمته المؤلمة بالقول:

(فيما اعتبرته قناة CNBC الأمريكية أكبر عملية سرقة أموال في التاريخ قام بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بأكبر عملية نقل للعملة المحمولة جوّاً في تاريخ العالم حيث أرسل بطائرات شحن عسكرية ضخمة 40 مليار دولار من أموال العراق إلى بغداد لغرض تسليمها لمسؤولي البنك المركزي العراقي. هذه الأموال ضاعت ولم يُعثر لها على أثر أبداً برغم البحث عنها لسنوات طويلة من قبل مختلف الأجهزة الأمريكية كما يزعمون. إنّها خطة رهيبة لسرقة أموال العراق حيث تحاول هذه القناة وغيرها من وسائل الدعاية الأمريكية إقناعنا بأن شخصاً اسمه "باسل..." (أمريكي الجنسية، لبناني الأصل، مولود في السعودية!!) هو الذي كان يستلم تلك المليارات ويقوم بتسليمها لاثنين من المسؤولين العراقيين ويوقّعهما على أوراق (أي 4) يكتبها بنفسه (لعدم وجود وصولات رسمية لديه). وكانت صيغة الوصل هي: (نحن الموقعين أدناه استلمنا مبلغ مليار دولار من السيّد باسل.. ولأجله وقعنا). وسوف أمنع نفسي من أكمال الشرح والتعليق لكي لا أصبح أحمقاً يضحك عليه الأمريكيون في هذه المسخرة الحقيرة ، وأكتفي بالقول بأن السيّد باسل الذي استلم 40 مليار دولار كان جالساً في أحد قصور صدّام وشاهده مسؤول الخزانة الأمريكي الذي جلب الدفعة الأولى (2 مليار دولار) وهو السيّد "ديفيد نومي  David Nummy" ، فاستعان به وأعجب بقدراته ومهاراته (يعني بالعراقي : شافه خوش وَلّد) وقال له سوف أرسل إليك 40 مليار دولار أرجو أن تستلمها وتكون أميناً عليها لأننا نريد أن نبني العراق المسكين بسرعة!! زين خويه !!

لو أتينا بأي طفل أمريكي من الشارع ، وحكينا له هذه الحكاية ، ألن يضحك على عقولنا .. وقد يبصق علينا ويشتمنا لأننا نريد أن نضحك على عقله؟.

لا استطيع ، وقلبي يتقطّع على ما اقترفه المسؤولون الأمريكان الأوغاد بحق وطننا ، سوى أن أترك السادة القرّاء ليقرأوا فصول هذه الجريمة المرعبة المُعزّزة بالصور والوثائق وشهود العيان – ومن مصادر أمريكية بحتة – ويحكموا بأنفسهم. وسيجد السادة القرّاء وأي مسؤول عراقي غيور يريد متابعة هذه القضية التفصيلات الكافية في الفصول التسعة الأولى).

اشتمل هذا الجزء على 27 فصلا هي:

(1) سرقة 60 مليار دولار من أموال العراق - أكبر عملية نقل للعملة المحمولة جواً في تاريخ العالم وأكبر سرقة أموال في التاريخ!!- أرسل بنك الاحتياطي الفيدرالي 40 مليار دولار من أموال العراق إلى بغداد فضاعت ولم يُعثر لها على أثر

(2) تطوّر زمني لقضية سرقة مليارات العراق

(3) أين ال 17 مليار دولار المفقودة من أموالنا؟ العراق يطالب بإعادة أموال النفط "التي سرقتها مؤسسات أمريكية بعد الغزو عام 2003"

(4) بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك يرفض ابلاغ المحققين بمليارات الدولارات التي شحنها الى العراق خلال الأيام الأولى للغزو الامريكي

(5) "أكبر سرقة أموال في التاريخ العالمي"

(6)  موقع الرأسمالية العارية: خطّة مبيّتة لسرقة أموال العراق لتمويل الحرب والعمليات السوداء- من يسنطيع حساب مليار دولار دون آلات عد فائقة السرعة؟ - ثمانية اعتراضات تفنّد قصّة قناة CNBC 

(7) مليارات فوق بغداد: صحفيان أمريكيان من مجلة فانيتي فير يكشفان سرقة مليارات الدولارات من أموال العراق

(8) يقول التدقيق الأمريكي: المليارات تُهدر في العراق- المشروعات لم تكمل برغم الإنفاق الضخم- واختفاء 9 مليارات من عائدات النفط العراقي

(9) *المليارات التي لا أحد يكلف نفسه عناء متابعتها

(10) ثلاث مقالات خطيرة ولا تُصدّق عن الفساد في إعادة إعمار العراق وسرقة ملياراته 

(11) أولا-أين ذهبت كل هذه الأموال؟- تمت "‘عادة إعمار" العراق بـ 20 مليار دولار من أموال العراقيين مقابل 300 مليون دولار من الولايات المتحدة!! وكلها ضاعت بلا محاسبة!!

(12) ثانيا-المحسوبية و الرشى- اقتصاديات إعادة الإعمار في العراق- 26 يناير كانون الأول 2006

(13) ثالثاً-النظام الخاضع لأقل رقابة في الشرق الأوسط!

(14) كيف أضاعت الولايات المتحدة المليارات في العراق على مدى تسع سنوات

(15) مستشار أمريكي: كنّأ نسلّم رزم الدولارات للمقاولين بـ "الجوالات-الكواني" وبلا مستندات أو محاسبة! ونوزعها عليهم في أنحاء بغداد بسيارة للخطوط الجوية العراقية!

(16) فوكس نيوز: تقرير المفتش العام يقول إن 8.8 مليار دولار من الأموال العراقية قد فُقدت

(17) المفتش ستيوارت بوين: التحقيق في الأموال العراقية المفقودة ينتهي في مخبأ لبناني!!- 1.6 مليار دولار عراقي مُخبّأة في مخبأ في لبنان!!- لو كان لحزب الله أي علاقة بهذه الأموال لقلبت واشنطن الدنيا ولم تقعدها

(18) صحيفة الغارديان: كان المستشارون الأمريكيون يلعبون كرة القدم بكرات من ملايين الدولارات فئة 100 دولار من الأموال العراقية!!

(19) من فضائح إعادة إعمار العراق حسب تقرير المدقق النهائي الخاص بالكونجرس- سجن بادوش تُرك نصفه بعد صرف 40 مليون دولار- شركة أمريكية تسعّر “عِكِس” مغسلة بثمانين دولاراً!- وغيرها الكثير الكثير.

(20) فشل اعادة الاعمار في العراق

(21) البنتاغون يطرد نائب وكيل وزارة الدفاع بسبب فساد في "إعادة إعمار" العراق

(22) قتل المقاول وتاجر الأسلحة الأمريكي دايل سي. ستوفل عام 2004 جعل الاستفسار عن الكسب غير المشروع في العراق يركّز على ضبّاط الولايات المتحدة

(23) من هو المقاول دايل سي. ستوفل Dale C. Stoffel الذي قُتل بعد أن بلّغ عن الفساد والرشى في عملية "إعادة الإعمار"

(24) العراق: الفساد والملايين المفقودة ومقاولان مقتولان- قصّة مقتل المقاول الأمريكي دايل ستوفل حسب وكالة أسيوشيتدبرس

(25) فضيحة مسؤول سلطة التحالف الذي تلاعب ب 62 مليون دولار ل "إعادة إعمار" الحلّة- شتابن وبلوم وسبعة ضباط اعترفوا باستلام رشى بملايين الدولارات

(26) هل كان قتل موظفة حقوق الإنسان الأمريكية فيرن هولاند في العراق تغطية محتملة للنقود المفقودة

(27) ثلاثة ضبّأط أمريكيين ينتحرون بسبب الفساد في "إعادة إعمار" العراق!

 

كتب محرر دار ضفاف

 

1296 ليبيا التي رأيتصدر كتاب "ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى: محنه بلد"، عن الدار المتوسطية للنشر بتونس سنة 2017. ويقع هذا الكتاب لمؤلفه الأستاذ المنصف وناس (أستاذ بجامعة تونس) في 371 صفحة من الحجم المتوسط. وينقسم في داخله إلى فضلين اثنين: تناول الأول جذور الأزمة والإخفاق والعنف في صلب المجتمع الليبي من 1951 إلى 2011، في جين تناول الفصل الثاني المدنية الليبية الجديدة: الشروط والمراحل.

ويمكن القول إجمالا إن هذا الكتاب هو مشروع علمي يستهدف قراءة الأزمة الليبية المركبة والعميقة ومتعددة الأبعاد من أجل فهمها مثلما يشير إلى ذلك عالم الاجتماع الألماني والمختص في التنظيمات ماكس فيبر ومن أجل اقتراح بدائل للتجاوز وإعادة البناء.

لقد اشتغل المؤلف المنصف وناس على هذه الأزمة العارمة وفق مقاربة تعتمد في الآن نفسه الأنثروبولوجيا وعلم الإجتماع قصد استكشاف الجذور العميقة لهذه الأزمة المجتمعية المركبة التي أنتجت هذا الزلزال المدمّر وكل هذه التوترات والتعقيدات.

وقد اعتمدت هذه المقاربة على تقنيات كيفية مثل الملاحظة بأصنافها والمقابلة بنوعيها وتحليل المضمون. إذن هي مجموعة من التقنيات المنهجية تعاونت وتكاملت من أجل المساعدة على بناء تشخيص جذور الأزمة بعمق وموضوعية.

فجذور هذه الأزمة العميقة تعود، حسب رأي المؤلف وحسب قراءته هو، إلى أن تاريخ الدولة تاريخ طارئٌ، ولم تتمكن الدولة من الترسّخ ومن التأصل في المجتمع الليبي. مثلما تعود الأزمة حسب رأيه هو إلى محنة الصوت الواحد والاحتكار التام للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وخاصة غياب الإنصاف في مجال توزيع الثروات والخيرات الوطنية الليبية.

ومن أجل تحليل هذا الواقع العميق، ابتكر المؤلف نظرتين اثنين تساعدان، حسب رأيه، على الفهم وهما:

- نظرية الضيم المتعاضد the cumulative injustice التي تشير إلى أن الضيم لم يكن سياسيا فقط، وإنما كان أيضا اقتصاديا وماديا يتمثّل هذا الأخير في حالة من عدم الإنصاف في مستوى توزيع الثروات الوطنية وعدالة الاستفادة منها.

- نظرية المجتمع المعطّل the stranded society  وتنطلق هذه النظرية من أن احتكار الحياة السياسية وإخضاعها  إلى الصوت الواحد والرأي الأوحد والفهم النهائي كانت كلها عوامل منتجة لانغلاق المجتمع وتعطله على امتداد سنوات طويلة وانفجاره في 17 فيفري 2011.

وبعد هذا التشخيص العلمي القابل لكثير من النقاش اقترح ما يسميه المدينة الليبية الجديدة. فالمدينة التي يتحدّث عنها المؤلف الأستاذ المنصف وناس هي، باختصار شديد، فلسفة العيش المشترك وتنظيم الحياة الجامعة والقبول بالاختلاف  في المعيش والرأي.

وقد حدّد المؤلف 8 شروط أساسية لبناء المدينة الليبية الجديدة، وهي: الاختلافُ والقبول بالعيش المشترك والحوار من أجل بناء العقد الاجتماعي والأخلاقي وتكريس المواطنة وترسيخها والتوافق على القيم المدنية وبناء العقل الليبي وتكوين الدولة المدنية الجديدة وحسن توزيع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أساسُ الدولة المدنية وضمان الحق في التنمية العادلة ومحاربة الفساد.

لقد أعطى المؤلف مبحث إعادة البناء اهتماما خاصًا صُلب كتابه وجعله من أولوياته البحثية انطلاقا من أن ليبيا تملك موارد طاقوية ومالية كبيرة وقدرات راسخة في مجال البناء. ولذلك أشار في كتابه إلى أن المعجزة اللّيبية كانت ممكنة الإنجاز ولكن الإرادة لم تكن متوفرةً، مثلما كان الحرص على النجاح واهنا وضعيفا.

فاللافت للانتباه أن مؤلف الكتاب اعتبر في عديد الصفحات أن المعجزة اللّيبية كانت تقع تمامًا على مرمى حجر، ولكنها أُهدرت بفعل تعاون الداخل والخارج.

وقد خصّص المؤلّف كتابه (371 ص)، وخاصة الجزء الأخير منه لتحليل شروط إعادة البناء. فميّز بين عائلتين من الشروط: الشروط الثقافية والسياسية والتربوية والتعليمية والرمزية والشروط المادية والبنيوية لإعادة البناء. فهو يعتبر، حسب تقديره، الأولوية المطلقة اليوم بالنسبة إلى ليبيا هي إنجاح إعادة البناء، ولكنها إعادة بناء لا تعني الترميم ورصف الأحجار، وإنما إعادة بناء الإنسان رأسمال ليبيا وتشكيل  الشخصية القاعدية الليبية  من جديد بما يتلاءم مع مقتضيات العصر، ذلك أنه يعبر أن ليبيا هي مجتمعُ الورش المفتوحة والمشاريع القائمة بلا عدّ أو حصر.

ملاحظات نقدية:

على الرغم من المجهود العلمي الذي بذله المؤلّف المنصف وناس، فإن بعض النقاط بقيت محتاجةً إلى التوضيح: إن القارئ لا يفهم لماذا لجأ المؤلّف إلى إيجاد مرادفات انجليزية لمفاهيم استعملها باللغة العربية مثل الضيم المتعاضد أو المشارك ونظرية المجتمع المعطّل والعدالة الانتقالية.

كما يحتاج هذا الكتاب إلى مزيد التخصيص أي بمعنى إبراز خصوصية المجتمع اللّيبي حتى تتمايز المجتمعات بعضها عن بعض. فقد كان مفيدا الدفع باتجاه مزيد تدعيم الخصوصية الثقافية والاجتماعية لأنها تثري البحث السوسيولوجي كما إن المؤلف تناسى الحديث عن الكلفة الاقتصادية لإعادة الأعمار على الرغم من أهميتها العلمية المتأكّدة.

 

د. سعيد الحسين عبدلي أستاذ بجامعة قرطاج

 

عبد الاله الصائغ(الكتاب بتناوله الظواهر المرضية الاجتماعية المُدَمِّرَة لم يسع الى تكبيرها فهي في حقيقتها كبيرة).

فوبياالمقدس (2019 - 279 صفحة) للاستاذ مصطفى العمري وتقاليد الكتابة تقضي أن يقف المحلل عند هذا العنوان ويمحضه جهده واجتهاده !فالمناسبة مكرسة لعنوان محدد لكن التحليل متماه مع فكرة الالتفات الى الكتاب الأول أيضا: إشكالية الدين في أنمطة المجتمع (2018- 186 صفحة) للمؤلف نفسه !.

 حتى يكون المحلل مع الرؤية الجشتالتية (من الكل الى الجزء) مطلِّاً على الفضاء الكلي لكي يتوقف بعدها عند مبتغاه الذي هو بصدده ولن يستطيع فكاكاً من المقارنة ومكابداتها مع علم المحلل ان مثل هذا السلوك يجري مع مقولة (لزوم مالايلزم) !

الكتابان تنزلا منزلة نقدية واستقرائية واحدة إلا انهما تنجّما من خلال تميز كل منهما عن الآخر كماً وكيفا! فما جار (من الجور) الكتاب الاول على الثاني ولا الثاني على الاول بل أكمل كل منهما الآخر وأضاف اليه، فلكلّ كتاب همومه المحصورة بين دفتيه ولكل منهما مركزيته وطرائق تناوله وآية ذلك أن الأول كان سياحة حرة بين الأزمنة والأمكنة والمواقف والأسماء من نحو داعش 94 والشيخ عبد الفتاح مورو 105 وابن رشد والغزالي 111 والسيد طالب الرفاعي 130 ومحمد علي محمد الشبيبي 145 ومصطفى جمال الدين ومن نحو أسباب تأخر المسلمين وتقدم الغرب قبالة غاية الله ورغبة الناس 63 واشكالية التماهي بين المثقف والمجتمع 65 والإلحاد ظاهرة أم اعتقاد 76 وضمور العبقريات في المجتمع العربي 95 واشكالية نقد الذات في المفهوم الغربي 94 وضرورة التجديد في العقل العربي 101 واثر الفلسفة في إحياء عقل المسلم وقراءة في سفر السيدة عائشة .. نذكر ذلك للمثال فقط وليس للحصر والسؤال هو ماذا ترك الكتاب الأول للكتاب الثاني وقد طرق هموماً مختلفة وانساقاً مؤتلفة ؟! هذه معادلة تحسب للاستاذ المؤلف بدقة ووعي واضحين فقد طرق في كتابه فوبيا المقدس عوالم لم يطرقها كتابه الأول إشكالية الدين! ومن هنا تتجلى قدرة المفكر العمري على معالجة انحرافات المجتمع المطمئنة الى سكونيتها المزمنة وخدرها المميت فالمؤلف نفسه في المسافات والمواقف والمواقع يعاين ويحلل ويكابد ليستقريء ويستنبط ويقرر (وكارل يونغ) يرى ان المجتمع يمرض كما الفرد ويعالج كما الفرد لكننا ازاء مجتمع مريضٍ راضٍ بمرضه متطامن مع مخدرات التسويغ وفق ذبذبات الدين او الاخلاق او العنصرية بما اسس قاعدة متينة للايمان المطلق ولهكذا يقرر فوبيا المقدس (لا عقل مع الايمان المطلق 37) وحتى يقف هذا القرار على ارضية عقلانية فقد طرح موضوعاته بصراحة وجرأة متناهيتين ! قارن (العقل بين اسئلة الجدل ومكر التاريخ 58) فتأملات وحلول لبعض قضايانا الدينية ونزعة السؤال يخفيها فوبيا المقدس مرورا بـ (خالد بن الوليد يرتكب مجزرة) فـ (زواج النبي صلعم من صفية بنت حيي 145) الى (منهج الخلاص 164) و(اسباب نهي النبي صلعم عن كتابة السنة 181) و(أيهما أحرص على الدين عمر بن الخطاب ام ابو هريرة 183) بلحاظ حالات مشخَّصة من زماننا المهتم والمتهم بالتراث والمبتلي به معا قارن اطروحتَي (معروف الرصافي والعفيف الاخضر 239) لكي نصل الى موضوعة هي ثمرة ناضجة من ثمار المنهج العقلي نحو من محمد الايمان الى محمد التاريخ249 تشبثاً بفلسفة الكتابة بين التجديد والاجترار ... وثمة المتبقي من فوبيا المقدس وهو متبقٍ وفير كثير كما وكيفا كما سنرى !!

1294  فوبيا المقدس

ماذا يريد العمري بفوبيا المقدس؟

لاحظ رواد المنهج العقلي إنحرافاً في عدسة الرؤية الاجتماعية (الشرقأوسطية) لذلك قرروا تقويم الانحراف فما كان من المجتمع إلا ان تحول الى غول لايعرف الرحمة فنال من الرواد تشهيراً وتجهيلاً وتكفيرا وتغييباً في السجون وحين ادرك المجتمع ان قسوته لم تثن رواد المنهج العقلي (رواد النهضة) عن قناعاتهم ودأبهم انتقل الى مرحلة ثانية وهي الهروب الى الأمام فتعرض الرواد للقتل والتمثيل بجثثهم بحيث ان الأجيال اللاحقة من الرواد تجنبوا الخوض في غيبيات المجتمع وجهالاته المتقرنة بشكل صريح، فاذا تناولوا الغلط تناولوه بالكناية والمجاز، فماعدا مما بدا ؟؟

ميزة فوبيا المقدس انه واجه الإعتلال المجتمعي والإختلال الأخلاقي بالمنطق العلمي والمنهج العقلي (النقد الفادح) ولم يحسب للمعجبين او المناكدين حساباً (يعيق مشروعه) فمن يدخل المختبر سيحلل بروح علمي فلايحب ولايكره (250 رغم اني لا أعتبر الكتاب مادة ضخمة لكنه يحمل اسئلة غير تقليدية تحتدم قدرة هذه الاسئلة في الشارع الاسلامي وتعتور صدور اصحابها مع نزعة تصاعدية في تثوير أسئلة أكثر جرأة وجدية وهنا نلاحظ غياب المؤسسة الاسلامية المعنية بالدفاع عن المفاهيم الدينية وبطريقة علمية فالجواب الذي تقدمه لايمكن ان يرتقي الى فلسفة السؤال) وقد يتوهم ذو النظر العجلان ان فوبيا المقدس تناصب المقدس عداء مبيَّتاً لكن التمعن والتأمل يقودان القاريء الى الإنصاف فقد بالغ السلف من المتطرفين في توصيل الدين الحنيف الى الناس بشكل يلغي القدرات العقلية عند المجتمع والموجع حقاً ان يقول اولئك النفر من المتطرفين : هذا هو دينك وما سواه كفر وإلحاد واذا لم يفهم العقل الجمعي طرائق المتطرفين في تفهيم الدين فثمة نار جهنم ثم يصف المتطرفون اهوال نار جهنم بحيث يمتنع العاقل عن العقل مع ان الله سبحانه أجل وأسمى من ان يتلذذ بعذاب بني البشر على نحو يكرس الرهاب أو الفوبيا .. ثم يصفون الجنة وما فيها من لذاذات لاتليق بالمسلم بله الرب فكأن الذي يرضى عنه الله هو الانسان الشبق النزق الذي يمضي أوقاته بمواقعة البنات القاصرات! وحين تجيء الغيرة على السماء ودين السماء ستنتفي تخريفات النقل وتنشط طاقات العقل فالانعتاق من المفاهيمية الاولية يتطلب جهدا شرساً!! فوبيا المقدس يطرح الصراع بين الإدعاء وبين الحقيقة (269 ليس الانفكاك او الانعتاق من المفاهيمية الاولية التي تنبثق مع ذات الانسان بالامر السهل فثمة جهد شرس ومخاض مؤلم يزاوله الفرد ويتمرن عليه لكي يتمكن من اعتاق ذاته وفكره وعقله . ليس الادعاء كما هي الحقيقة فالادعاء اشبه بالوهم واقرب الى التنظير اما الحقيقة فهي التجسيد المادي الحسي الفعلي الملموس).

مركزية فوبيا المقدس منصرفة إذن الى رؤية الفعل بحيث يكون الفعل ضمن البؤرة معرضين بشيء من الاحتراز عن ردة الفعل وملاحظة التطابق والتفارق بين الفعل وردة الفعل بمعنى ثان لم يناقش الكتاب وجود الله سبحانه وإنما ناقش أدعياء تمثيل الله ! لم يعترض الكتاب على وجود الديانات الابراهيمية (اليهودية والمسيحية والاسلام) بل ناقش وجود مُسوِّقي الدين ومحرِّفيه جهلاً او عمدا ! القران الكريم نموذجاً لم يكن موضع نقاش او تشكيك ولكن النقاش كل النقاش والتشكيك كل التشكيك بمفسري القرآن وتخريجاتهم التي بلغت المئات وربما الآلاف والاحاديث النبوية الشريفة التي اشتغل عليها كثير من الموسوسين فخلطوا الاسلاميات بالاسرائيليات والمعقولات بالمنقولات وجل الاحاديث النبوية المنقولة تتمحور حول تغييب العقل وتثوير الخرافة فبتنا قبالة أمرين موجعين فإما ان تؤمن بما هرف به كثير من السلف والخلف واما ان تُكَفَّر فيهدر حقك في الحرية والرزق وربتما يهدر حقك في الحياة ! لنقل ان مزية فوبيا المقدس في تعديل العصا المعوجَّة (الأًوْلَى) أولاً واخيرا فاما الظل (الأوهى)فهو ردة فعل لقوام العصا !! ولا ينصرفن ذهن القاريء الى ان فوبيا المقدس توقفت عند الغيبيات بل تعدتها الى اطروحات التنوير (!!) المشكلة قائمة مادام التطرف باقياً والغاء الاخر ماثلاً يقول العمري : كنت أحسب ان ظاهرة التطرف مسجلة باسم الاسلاميين فقط لكنني وجدتها عند .. .. (اليساريين) ماثلةً وبقوة في استلاب عقول الشباب وجعلهم مشاريع موت وقتل ! إ. هـ اذن المشكلة ليست في (الظل بل في العصا) المُسَمّى وانما المشكلة في المضمون، ثمة الوعي يدعو الى مقايسة الموضوعات بمقياس العقل فما تقبله العقل فعليه المعوَّل ! العقل يرى النتيجة من السبب العقل مقتدر على الرؤية الاستباقية (قال ماخطبك ياسامري قال ابصرت بما لم يبصروا) وجلجامش (هو الذي رأى كل شيء) فلماذا تطور الغرب وتقهقر الشرق ؟ الغرب يساعد الفاشل حتى ينجح والشرق يحارب الناجح حتى يفشل ولكن هل مثلا يمكننا نسخ تجربة الغرب وتطبيع الشرق على تمثلها ؟ في الغرب كانت الكنيسة متسلطة على المجتمع ثم ظهر مارتن لوثر فعزل الدين عن المجتمع، اما عندنا نحن المشرقيين فالقضية مختلفة لأن المجتمع هو المتسلط على الدين ونحن بحاجة الى من يحرر الدين من تسلط المجتمع المُخَدَّر المقولب وفق ثقافات مهترئة نافقة ! فاذا تحرر الدين من قبضة العقل الجمعي العليل فسيكون النضال لعودة الدين الى المساجد والكنائس دون عناء، والحق يقال ان العمري أجهد نفسه في التبحر بكتب يخالفها وكتب يوالفها فالبحث العلمي يشترط الاطلاع على الرأي الذي يوافقك مثل الاطلاع على الرأي الذي يناكفك فها هو العمري (كاتباً أكاديميا) يشرق ويغرب متنخلاً مستنبطا حتى ان وثنية المقدس تتهاوى لنكتشف ان ليس ثمة مقدس بل نحن الذين اضفينا القداسة على الشيء ثم صدقنا وهمنا او وهم من سبقونا واليوم اصبح الاسلام – من حيث الظاهر – خطراً محيقاً بالبشرية وظاهرة لابد من اجتماع الأمم لمحاربتها (كذا) ونقول – اسلاموفوبيا – لكن العمري لايذهب مع الجميع غربيين كانوا ام شرقيين فهم أسيروا قناعات عصر سبق عصرهم ومنهج العمري العقلي يتطلب منه التشكيك بالمطلق والبحث عن الوجه الاخر للظاهرة ! قارن قوله : 59 اشكالية الدين ايها السادة القراء ليس المسلم بخطر على ذوات البشر والناس المختلفين معه، لكن نصوص المسلم ورجال دينه هما الخطر الحقيقي . إ. هـ وجاء في فوبيا المقدس 58 : ليست احداث التاريخ غثة بالمعنى الاجمالي لكنها لاتصلح ان تكون نسخة فاعلة لطبيعة حياة مختلفة ومتطورة وآخذة بنسق التقدم العلمي . إ . هـ

وهاهو العمري يتلبث عند كتاب من محمد الايمان الى محمد التاريخ قراءة للقران بما هو وثيقة طبية واعترافات محمدية تأليف العفيف الاخضر (محام تونسي قارن ص 249 – 267 وما بينهما من فوبيا المقدس): بما يمكن وضع قراءة العمري لكتاب العفيف الاخضر مقدمة لكتاب فوبيا المقدس او خاتمة له ايضا ! ومسوغ قولي انك ستنتقل من قراءة العمري للاخضر الى قراءة تقاليد القراءة عند العمري ! العمري رغم الحملات التي شنت ضده من قبل جهات تتسربل بالدين وتزعم انها اقرب الى الله من اقرب المقربين زاعمة ان العمري يناصب الاسلام العداء وان العمري يتطاول بقلمه على الله وقد صدقهم الموسوسون الممسوسون بمخدر ثقافة القطيع اولئك الذين ورثوا عن اسلافهم إيمانات لاتمت للايمان بأدنى صلة! ولم يكن العمري ولا محبو كتاباته بحاجة الى اثبات استقامة العمري واستماتته لاجتثاث الوهم من حيوات الناس ! لقد كان العفيف الاخضر مخلصا في التعبير عن قناعاته فليس لديه حدود في القول لذلك تحرز العمري في قراءته قارن قول العمري (250 سأعرض بعضاً من فقراته وأهمل بعضها الآخر) وقاريء العفيف تواجهه جرأته في مواجهة شخصية مهمة ملتبسة بسبب ما اضيف اليها وعليها بطرق غير علمية فتجاوز الاخضر ما حاق بمحمد من حيف على ايدي محبيه قبل معاديه من نحو وضع النبي محمد صلعم في موضع المريض نفسيا (كذا) وتجرأ على طفولته وحضانتها له ومن ثم حضانة حليمة السعدية فكان موضع اعتراض العمري على الاخضر ان الاخير حينما ينقد النبي صلعم كان يتجرأ بجرأة غير علمية بله مسوغة على النبي وكان بمكنته نقد النبي بدم بارد وبأسلوب هاديء لايسيء ولايدين ولايشين ! بمعنى ثان ان مصطفى العمري اراد بعرض الكتاب التنبيه الى ضرورة التمسك بالاخلاق العلمية حين يناقش الضدُّ الضدَّ الآخر فوفق المنهج العقلي الذي يتبناه العمري ويتبنى نشره يمكن للمثقف نقد كل شيء دون الالتفات الى الهالات والمسوح التي تجلل الشيء يمكن للمثقف مناقشة المعقول والمنقول دون الخروج عن اخلاقيات المنهج العقلي والمنطق العلمي ثم قارن المقطع الذي نقله نصا وحرفا عن كتاب العفيف الاخضر (251 لم أكن أنوي التعرض لهذا الكتاب لكني اجتهدت في تحريك وايقاظ العقل الصاغر والمناقد من خلال حجم وكثافة الاسئلة المطروحة فيه ... كما ابتغي ايضا انقاذ محمد التاريخ من شانئيه، حقدا دينيا او ايديولوجيا عليه ومن عابديه طمعا في شفاعته لهم يوم الحساب ! إنقاذ محمد التاريخ من محمد الايمان بخطاب معرفي عن محمد من خلال تحليل القران بعلوم النفس بما هو وثيقة طبية وسيرة ذاتية ووثيقة تاريخية ذات مصداقية عالية) .

ألف / لابد من الترويج للكتابة المشرقة الملتزمة وتحريض العقل على السؤال وردم الخلل الذي يرى السكون خيرا من الحركة والسير مع السرب افضل من التحليق خارج السرب .

باء/ لننشر الافكار التنويرية ونعرض عن اغلب القيم والعادات والطقوس الموروثة الرثة ضمن ثقافة القطيع التي ترى في التغيير والتجديد والمناورة كفراً وإلحادا .

تاء/ محاصرة الظواهر الاجتماعية القائمة على أمراض التطامن وتقديس الأمر الواقع من خلال الاسئلة الجادة المحرجة لمواجهة الشعائر المنحرفة وكشف اورام الفكر والانتفاخ الفارغ .

ثاء/ مقاومة الاعتياد على الواقع ومهادنته الذي استشرى على مر القرون ومجابهته واحراجه لانقاذ الجمهور المخدر ومن ثم تنويره وتثويره، وصولاً الى الوعي المطلوب وهتك انحرافات اليقين الجمعي وطرح البدائل المنسجمة مع العلم والعقل ليتدفق شريان الحياة .

جيم / فوبيا المقدس محاولة عنيدة رحيمة معا للتصدي الى انحرافات السائد بين الناس والانحرافات التي تراكمت عبر عشرات القرون وكم من مفكر ورائد حاول القاء حجر في البحيرة الساكنة فكان ثمن المحاولة رزقه او سمعته او حياته لكن ذلك لن يوقف المفكرين عن تأدية واجبهم نحو المنطق والمنهج العقلي والمؤلف على سعة باعه وجهوده الرائدة يطمح الى عدم مجاملة القاريء له حين يقرأ حتى يشير الى هنات العمري وهمومه بحيادية، يقول العمري معللا (كي أكتشف أين أنا من هذا العالم) .

حاء / لن تنهض الشعوب بغير وسائل التواصل الثقافي الحضاري لن تنهض الشعوب بغير التواصل مع التنويريين والمفكرين وابقاء الجسور ممتدة بين الاضداد .

خاء / عالمنا متغير سريع والمطلوب منا محاكاته ولاضير من اقتداء الشعوب المتخلفة بالشعوب الناهضة التي جعلت الانسان وكدها من الطفل الى المراة الى الشيخ الفاني الى المعوق ..

دال / خطاب الاستاذ العمري في اطروحتيه اشكالية الدين وفوبيا المقدس وبحوثه ومحاضراته ومجالسه لايخفي يقينه المؤسس على العقل ولاشيء سوى العقل المنهج الذي يوقظ ويهز ويحاور ويناور ويناقش ويفاتش ! المؤلف أعلن ويعلن انحيازه للجماهير لان مهجة الجماهير تصطف مع الخير والعقل اما وضعها الحالي فهو مؤقت بسبب من الدور الوبيء المسيء الذي لعبه معها ذادة التخلف ورادة التمسك بالموروث ورفعه الى مصاف القداسة ! فدعوة المؤلف لنظرائه متجلية في ان يتركوا اليأس فلا يأس مع الحياة .

ذال / وتبقى حكاية المصادر والمراجع فهي تشير عند العمري الى جانبين اكاديمي وتربوي فليس لديه جفاء مع مصدر او مرجع فهو متمكن من شغله واثق في نفسه فيذكر ما يعن له من اقصى اليسار الى اقصى اليمين الى المساحة المتوسطة بين الاقصيين هو يناقش ويفاتش ولايسدل الستار على اي مصدر ولذلك تجده يتجول بحرية وثقة بين المصادر التي سبقت السيد المسيح بستة الاف عام من سومر الى اشور الى أثينا الى روما حتى يقترب شيئاً فشيئا من مصادر صدر الاسلام والعصور الاموية والعباسية والعثمانية وسيان عند العمري المنجز الشرقي ام الغربي، الاسلامي وغير الاسلامي، ما يتفق معه ام لايتفق ! تلك سُنَّة في الكتابة تربوية ما أحوجنا اليها وكم تمنيت لو وضع العمري في نهاية كتابه مسرداً او فهرساً للمصادر والمراجع.

راء / ليس ثمة اعتراض في فوبيا المقدس (زد عليه اشكالية الدين) على اختلاف الرأي او انشقاق الرأي الواحد ليقين الاستاذ العمري ان التباين جزء من طبيعة الافكار او الافعال ولذلك تطلب من المشتغلين في مشغل التنوير إعارة الأمر نظرة علمية ! حتى لا يكون الاتفاق على العنوان سبيلا الى الافتراق في التفاصيل، ليكن الخلاف بين الجهات دون الوقوع في العنف الفكري، وهذه الناحية تضيء جهود المفكر العمري وتجعله ينظر الى الأمور بعينين صافيتين وفكر منفتح منطق الديالكتيك قائم على الاضداد ! والعبرة ليست بالمفعول ولا الفاعل لكن العبرة كل العبرة في الفعل .

زاي / منجز الاستاذ العمري يندرج ضمن علم تحليل النص الذي ينقد كل شيء دون خشية او توجس ويقترب من اي شيء بعيدا عن حسابات الربح والخسارة لذلك نأى المنجز وينأى عن الاساءة بالتصريح او التلميح لأن الغاية  (كسب الآخر او تنويره وليس استفزازه وتنفيره ومن ثم خسارته !) .

 

عبد الاله الصائغ استاذ تحليل النص

مشيغن المحروسة     

 

1293  يهود العراقصدر أخيراً للأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي كتابه الموسوم موضوع البحث (يهود العراق وَجهُودهم غي فضاءِ المسرح) الصادر عن مؤسسة الصادق الثقافية للنشر والتوزيع في بابل بمشاركة دار صفاء للنشر والتوزيع في عمان / الأردن هذا العام، ويقع الكتاب في (456) صفحة من الحجم الوزيري ذات الطباعة الراقية الخالية من الأخطاء اللغوية والمطبعية، أما الغلاف فقد أختاره الدكتور للوحة جميلة رائعة تعبر عن أهمية المسرح العراقي على مر العصور، وهو الكتاب الثالث والعشرون للمؤلف. وقد ذكر الدكتور الربيعي في كتابه ص16 قائلاً: "هي رحلة ذللَّ صعوبتها انتمائنا وعشقنا إلى هذا النهج الذي سرنا ونسير في جادته ألاّ وهو نهج إعادة كتابة تاريخ المسرح العراقي وفق صياغات علمية واكاديمية بعيدة عن الأهواء الذاتية والأمزجة المتلونة والروايات الشفاهية التي حرّفت الكثير من آثار المسرح العراقي".

عند متابعتنا منذُ أكثر من عقدين من الزمن نجد أن المنجز الإبداعي للأقليات ظلَّ هامشياً بسبب الكثير من العوامل السياسية والثقافية، كما كان للعزلة المفروضة أكبر الانعكاسات على بقاء إنجازاتهم بعيدة عن دائرة النقد والمتابعة البسيطة. فضلاً عن أن الأدباء والشعراء والمثقفون والفنانون من أبناء الديانة اليهودية يتمتعون بتاريخ ثقافي مهم، وكان للشعر والقصة والرواية تحققات واضحة، والمسرح كان أكثر الانجازات وضوحاً وإثارة للدهشة بسبب ما للمدارس والمنتديات الأدبية اليهودية من دور في دعم هذا الجانب، على رغم وجود أسماء كُتاب مهمين في مجال النص المسرحي، لكن الواقع السياسي العراقي أبان العقود الست الماضية ساعدَ على مغادرتهم العراق ومخاوف النقاد من تسليط الضوء على دورهم في مجال الفن والنص المسرحي في الحقبة الزمنية السابقة.

لكن ظلَّت هذه الأقلية من الديانة اليهودية فاعلة منذُ تشكلات الحضارة العراقية القديمة وحتى فترة تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ولا يستطيع أحدٌ منا نكران دورهم الفاعل في المجالات الثقافية والتأسيسية، لكن واجه الأدباء اليهود التعامل المجحف بحقهم بعيداً عن هويتهم العراقية، وجرى تذويب تدريجي لهم وسط الثقافة العراقية.

يكاد الكاتب والباحث الأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي يجعل جهده البحثي مقصوراً على الأدب المسرحي العراقي، فضلاً على كتابات ثرَّه وانيقة نشرت في المجلات والصحف العراقية في مجالات ثقافية مختلفة.

لقد امتاز الربيعي بأسلوب جميل في البحث والكتابة، ولغة رشيقة أنيقة، تحلق بك في أجواء جميلة، وتنقلك من هذا الواقع الحياتي المؤلم، إنه يكتب برومانسية حالمة، تجعلك تجد في الحياة بعض ما تستحق أن يعيش من أجلها الإنسان واضعين في الحسبان قساوة الظروف، وانهيار القيّم النبيلة وتصدعها، وأثر الخيبات الحياتية، والانتكاسات التي مني بها المجتمع العراقي، إنّ لغة الربيعي الأنيقة والرومانسية جاءت نتيجة قراءاته المعمقة في كتب التاريخ والأدب المسرحي ومصادره، فضلاً على روحه الرهيفة الشفيفة الحالمة.

الكتاب تضمن مقدمة وسبعة فصول وملحق مع تزويد الكتاب بصور مهمة من الأدباء والنقاد المسرحيين، ضمّ الفصلُ الأوّلَ عرضاً مختصراً لجهود اليهود في نشأة العراق الحديث العراق، ودورهم المائز واسهاماتهم الأولى في مجال النشاط المسرحي.

أما الفصل الثاني فقد سلَّط الضوء الربيعي على العروض المسرحية متخذاً من الصحف العراقية مصدراً لذلك لكونها صادقة في النشر والتوثيق والتأريخ لصدور هذه العروض والحفاظ على أخبارها، إلاّ أن الدكتور الربيعي يؤكد على أن هذه الصحف قد أهملت أشخاص المسرحيات من الممثلين والمخرجين والتقنيين، وإنما اكتفى كُتابها بإيراد الخبر الصحفي فقط، الأمر الذي فوَّت على الكتّاب والنقّاد والمهتمين بهذا الجانب ادراج الأسماء المهمة ضمن السرد المسرحي العراقي، وهذا الأمر يسري على عموم الأخبار التي اهتمت بالعروض المسرحية العراقية في تلك الحقبة الزمنية. ففي ص53 ذكر الدكتور الربيعي قائلاً :"عرف اليهود المسرح كما عرفته الطوائف والديانات الأخريات في العراق في القرن التاسع عشر إلاّ أنهم لم يمارسوه إلاّ مع طلائع القرن العشرين، ونحسب أن عوامل ثلاثة رئيسة تقف خلف هذا التأخر أولهما عدم تبني رجال الدين اليهود للمسرح مبكراً، فقد ورثوا عن أسلافهم من رجال الدين إكراههم لهذا النشاط وتباغضهم له... فإن اليهود ومؤسساتهم التعليمية استشعروا أهمية المسرح ووجدوا فيه سبيلاً لتمرير غايات معينة، وبدأوا يمارسونه في مدارسهم وجمعياتهم مع بداية القرن العشرين"، بعدما وجدت فيه فوائد ترفيهية وتربوية على حدٍ سواء. لكن الدكتور الربيعي قد دون في كتابه هذا أسماء كُتابها في هوامش متن الكتاب اعتماداً على قراءات العروض المسرحية، منها دور الفرق المدرسية التي كانت تتبارى في تقديم المسرحيات في جميع المدارس اليهودية في العاصمة بغداد وبقية المحافظات. لكن في ص55 يذكر الدكتور الربيعي في كتابه قائلاً :"قبيل الحرب العالمية الأولى نظَمَ خضوري شهرباني فرقة يهودية تُعنى بالنشاط المسرحي في مدينة البصرة وقدمت عروضها المسرحية باللغة العربية"، لكن بعد عشرينيات القرن العشرين كان القائمون على المسرح من مخرجين وممثلين يحرصون على عرض مسرحياتهم أمام العامة في بغداد وأن عدداً من اليهود انتسب إلى الفرق المسرحية العراقية أمثال كرجي كاشي ومنشي صالح وحسقيل قطّان ومير الياهو والياهو سميرة. حتى بدأ يهود العراق ومؤسساتهم التوجه نحو المسرحيات العالمية والعربية، ففي ص56 يؤكد الدكتور الربيعي قائلاً :"وهذه المزية التي بانت عليها المسرحيات المقدمة لم ينفرد بها المسرح اليهودي فحسب، بل أنّ المسرح المسيحي في العراق حاز المزية نفسها". أما في مجال الفرجة المسرحية فيذكر الدكتور الربيعي قائلاً في ص58 :"أول خبر موثق عن عرض مسرحي يهودي في العراق هو الخبر الذي يشير إلى ما قدمه طلاب (مدرسة الأليانس) في بغداد في يوم الرابع عشر من شهر ايار سنة 1910م من مسرحيتين إحداهما باللغة العربية والأخرى باللغة الفرنسية"، وفي هذا الفصل هناك سرد موثق لتاريخ المسرحيات معتمداً الدكتور الربيعي على مصادر الصحف والمجلات ومنها (صدى بابل، المفيد، الاستقلال، الأوقات البغدادية، الأهالي، صوت الشعب، الوقائع العراقية، الحضارة، البلاد، مجلة الزهراء، مجلة المصباح، مجلة الحاصد).

كان للمدارس والجمعيات الخيرية الدور الكبير في دعم المسرح منها (الجمعية الأدبية الإسرائيلية، جمعية الشبيبة الإسرائيلية، مدرسة صالح ساسون دانيال، المدرسة الوطنية، مدرسة الأليانس، مدرسة فردوس الأولاد، مكتبة النشئ العراقي، مكتبة التقدم الإسرائيلية، مدرسة هارون صالح، مدرسة هارون شوحيط الإسرائيلية، مدرسة صالح ساسون دانييل، مدرسة لورا خضوري، المدرسة الإسرائيلية الأهلية في الناصرية، مدرسة مناحيم دانيال، مدرسة الأليانس في البصرة، جمعية التعاون، مدرسة شماش، مدرسة منشي صالح في بغداد، مدرسة البنات الإسرائيلية في البصرة، مدرسة منشي صالح، مدرسة راحيل شحمون، مدرسة مسعودة شمطوب)، وقد ذكر الدكتور الربيعي المدارس والنصوص المسرحية وعنواينها حسب تاريخ النشر في الصحف والمجلات.

ضمَّ الفصل الثالث من الكتاب دور الأدباء اليهود في مجال النقد المسرحي من خلال المقالات التي نُشرت في الصحف العراقية وهي لا تتجاوز الأربعة مقالات نقدية، يذكر الدكتور الربيعي في ص157 قائلاً :"بدأ القائمون على الصحف من المتذوقين والمريدين للفن والأدب باستقطاب تلك الأقلام التي بدأت تَخُطُّ كلماتها الناقدة في مجال الشِّعر والقصة والمسرحية وحتى في السينما. وحفظت لنا الصحف العراقية العديد من تلك المقالات النقدية التي تعد إرثاً أدبياً وفنياً مهماً في مسرد النقدية العراقية"، كان للدوريات الدور في المقالات النقدية المسرحية التي كتبها بعض الأدباء فمنها نقودات أو تأثيرات نقدية تخضع لمزاج راصفها، ومن هؤلاء النقاد في العراق الراحل عزرا حداد وسلمان شينا وشالوم درويش واسترينه إبراهيم، وقد سلط الدكور الربيعي الضوء على هؤلاء النقاد والأدباء في كتابه هذا، كما ساهم الدكتور الربيعي بنشرها بوصفها جهود مبكرة في تاريخ النقدية العراقية.

واحتوى الفصل الرابع مقالات صحفية كتبها خمسة أدباء يهود في موضوعات فنون المسرح، المقالات تزدان رصانة وأهمية في مجال المسرح، ويذكر الدكتور الربيعي في ص253 حول اهتمام الأدباء اليهود في مجال الكتابة في مجالات المقالات المسرحية قائلاً :"وبدأت الأقلام تتزاحم في الكتابة والصحافة وتنشر، ومن الذين كتبوا في هذا المنحى الأدباء اليهود. وخلال بحثنا في عموم ما وقع في أيدينا من كتابات ودراسات في فنون المسرح سواء المترجمة منها أو المؤلفة". وقد سلط الضوء الدكتور الربيعي على خمس من الأدباء الذين كتبوا في مجال المقالات الصحفية في مجال الفن المسرحي هم كلٍ من (سلمان شينا، شاؤل حداد، شالوم درويش، أنور شاؤل، يعقوب بلبول)، كما سلط الضوء الدكتور الربيعي على نصوص مقالاتهم واسهاماتهم في مجال النقد والترجمة المسرحية.

واختص الفصل الخامس بنسخٍ ونشر لثلاث مسرحيات ألفها الأدباء العراقيون اليهود، التي تجسد الواقع المعيشي بنظرة الكاتب. ويؤكد الدكتور الربيعي في ص295 على دور يهود العراق في التأليف المسرحي قائلاً :"بعد رحلةٍ شاقةٍ في البحث والتقصي والتنقيب عن النصوص المسرحية التي كتبها مؤلفون يهود عراقيون، وملاحقة فهارس المطبوعات والمنشورات الخاصة بالمؤلفات العراقية، توصلنا إلى عنوانات سبع مسرحيات أُلفت بأقلام أدباء يهود وهي مسرحية (الإخلاص والخيانة) لمؤلفها سلمان يعقوب درويش... ومسرحية (شهامة العرب) لمؤلفها نسيم ملول.. ومسرحية (التضحية) لمؤلفها الياهو خضوري.. وأربع مسرحيات ألفها الأديب شالوم درويش ونشرها كلها في مجلة الحاصد". وهذه المائزة لم تكن قد تفشت في المسرحية العراقية في ذلك الوقت، فموضوعاتها تدور حول المرأة وتطلعاتها، وقد نشر الدكتور الربيعي نصوصها في كتابه هذا عدا بعض النصوص المفقودة للراحل شالوم درويش.

واهتم الفصل السادس بخمس حكايات مسرحية كتبها ثلاثة أدباء يهود، أفادوا من تقانة القص المسرحي ونشرها في الصحافة وذلك الوقت. وقد ذكر الدكتور الربيعي في كتابه ص325 قائلاً :"استشرت ظاهرة حسنة بين المعنيين بالشأن المسرحي في العراق مع بداية ثلاثينيات القرن العشرين تقوم على ملاحقة العروض المسرحية أو النصوص المسرحية المطبوعة والمنشورة ومن ثم استعراضها على صفحات الصحف العراقية". وبسبب تمتع الأدب القصصي في تلك الحقبة بمقبولية كبيرة عند القارئ العراقي وجد المستعرضون فرصة تمرير تلك المسرحيات، أمثال شالوم درويش وأنور شاؤل ومير حداد، هؤلاء الذين نهضوا بالقص المسرحي ونشرها في الصحافة، وقد ذكر الدكتور الربيعي في كتابه هذا تلك المقالات في القص المسرحي التي نشرت في مجلة الحاصد وقتذاك.

وحَملَ الفصل السابع والأخير بنسخ النصوص المسرحية المترجمة من قبل الأدباء اليهود كما وردا في المطبوعات ومنهم الراحل أنور شاؤل ونص مسرحية (وليم تل) للكاتب الإنكليزي شريدان، والنص الثاني لمسرحية (موسى) للكاتب الأمريكي لورانس لانجار، وختم الكتاب بملحق حمل أسماء القصاصين اليهود ومجهوداتهم القصصية وموارد نشرها.

لكن بكتاب الدكتور علي محمد هادي الربيعي هذا قد سلَّط الضوء على دور الأدباء والمثقفين اليهود في مجال الثقافة والأدب والمسرح، هؤلاء كانوا معاً قد تنوعت هويتنا الوطنية، وحتماً سنفضي هذه القراءات نحو تبادل للحوار الثقافي لمعرفة بعضنا البعض الآخر.

اسند الكاتب والباحث الربيعي لدعم كتابه بوثائق مصورة لصور الأدباء والصحفيين المهتمين بالنص والمقالة المسرحية، ولصور صحف نشرت خبر المسرحيات والقص النقدية في ذاك الوقت. الكتاب وثائقي جميل يدل على أصالة محتد، ووفاء يجعلنا نتوسم الخير في كاتب وباحث سيخلف ويواصل الدرب من بعد الجيل الذي سبقه.  لا اظن أحداً من مجايليه وأقرانه سبقه في تقديم هذا الجهد المعرفي المهم الذي أمتد على أربعمائة وستة وخمسين صفحة مزيَّنة بالرسوم والتخطيطات التوضيحية، وقد شيَّد مادته على سبعة وثلاثين مرجعاً ومصدراً تعارف الملأ الثقافي على رصانتها ودقة مضامينها، ولا شك أن الأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي قد بذل جهداً كبيراً وفق منهج بحث أكاديمي في عرض موضوعته في مؤلفه (يهود العراق وجهودهم في فضاء المسرح) مما جعلنا كعراقيين وبابليين نعتز بهذا الأرث الحضاري المجيد الذي أرسى أسسه امتداد العصور السحيقة حتى يومنا الراهن، وبذا فإن (يهود العراق وجهودهم في فضاء المسرح) فتحت لنا آفاقاً واسعة في معرفة ما انجزه ابن هذه الأرض وجسد بأفكاره وراءه معطيات التأسيس الأولى في مجال التأليف والفرجة المسرحية وجهود يهود العراق في مجال النقد المسرحي، وجهودهم في كتابة المقالات المسرحية والتاليف والقص المسرحي والترجمة، وما قدمه الربيعي في هذا الجهد ليس منقطعاً عن سلسلة اصداراته.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

1292 عواطف حسنمن الكتب المميزة التي صدرت حديثاً  عن دار كلكامش كتاب (نصوص لا تلائم قياسات المسطرة) لكتابته المبدعة عواطف حسن الحسني، وقد تضمن مئة لوحة نثرية عالية المضامين وعميقة الفكر والمعاني، وقد كتبت بأسلوب أدبي بديع، وهي تتناول هموماً إنسانية ووطنية واجتماعية، وتثير جملة من التساؤلات الفلسفية المتعلقة بالكثير من مفردات الواقع الذي نعيشه ونعاني منه .

بدأ الكتاب بإهداء جميل جاء فيه: (إلى كل قلم برى نفسه من أجل أن يكتب كلمة حق)، وأعقبته لوحتها الأولى، وقد ورد فيها:

(عندما أسمع هذه الموسيقى أعرف أنها بحيرة البجع، وأن مؤلفها هو تشايكوفسكي، وعندما أرى أشعة الشمس وهي تشرق على الجبل ثم تنزل إلى سفوحه أعرف أنها موسيقى الطبيعة وأنها هبة الله عز وجل، أنا هذه الموسيقى التي في داخلي فلا أعرف كينونتها؟! أو ماهيتها؟! ومن هو مؤلفها؟! وما أسرار تأليفها والعوامل المؤثرة في نسيجها؟

هل هي نبوءة؟! إذاً أنا نبي الموسيقى، وقد أعلمني الذي بثها أن الأوان قد آن لأجهر بالنبوة !!

وحين فعلت أحاطني حمالو الحطب من كل جهة، وأضرموا النار فيها، وكل حزب بما لديهم فرحون .

نظرت إليه من بعيد، اقترب وقال لي: انهضي وكوني مثلي، ضحكتُ وضحكتُ، قالوا لي: من أنتِ؟! قلت لهم أنا بهلول الحكيم!!) .

وقالت في اللوحة الخامسة:

(عندما قمتُ بتأليف أول سمفونية لي ذهبتُ بها إلى أستاذ الموسيقى لأعرضها عليه، نظر إليها باستغراب، وقال لي: في بلادك لا يجيدون عزف السمفونية، لأنها عمل جماعي فيه أنواع مختلفة من الآلات .

أخذتُ الناي لأبدأ عزفا حزينا منفردا !!).

وجاء في اللوحة السادسة عشرة:

(على الرغم من وجود نهرين صافيين في بلادي إلا أن هناك البعض ممن يريد الاصطياد في المياه العكرة !!

نحن لا نحتاج فقط إلى مياه صافية، نحن نحتاج إلى أخلاق صافية، وإلى مبادئ صافية، ونحتاج إلى حبّ وطنٍ صافٍ خالٍ من الأحقاد ومن الشوائب التي تلوثه وتجعله غير صالح للاستهلاك الإنساني .. الوطن ليس جسوراً وشوارع .. الوطن ليس حكومة وبرلمان فاشلين .. الوطن أعمق وأغلى .. ولمن يقول أن الوطن يحتضر أقول له: إن الأوطان لا تموت وإن أصبحت حجارة !! ولمن يريد تعريف الوطن، أقول له: إنه انتماء وكفى!!).

وختمت كتابها بلوحتها المئة، وقد عبّرت فيها عن مكنونات النفس الإنسانية التواقة للحياة الحرة وما يعترضها من متناقضات تصل إلى حد اللامعقول أحيان كثيرة، وكتبت فيها:

(في مثل هذا اليوم من الشهر الماضي للسنة القديمة !! طالبت بحقي في الحرية، فكان أن اقتادني مجهولون بعد أن ربطوا يدي، وكمموا فمي، ووضعوا غشاوة على عيوني، وجاؤوا بي إلى غرفة باردة بلا شباك ينفذ منه هواء أو ضوء، وحين رفعوا الغشاوة عن عيوني ذهلت لمنظر لم يخطر على ذهني أبداً !!لقد كانت الحرية التي أطالب بها مسجاة إلى جانبي، وهي مكبلة بالقيود من أعلى رأسها إلى أخمص قدمها !! وفيما أنا في ذلك الذهول المريع دخل إلى الغرفة جمع كأنهم وحوش ضارية، كانوا يشيرون إلى الحرية الممددة إلى جانبي، ويسألوني: لماذا تدافعين عنها؟! هل تمت إليك بصلة نسب؟! أم صلة تنظيمية؟! ما الذي يجمع بينكما إلى حد الدفاع عنها؟! كانوا يصرخون صراخا مفزعا كأنه صوت قطار، كانت أصواتهم كقرع الطبول، فوضعت يدي على رأسي أتجنب ما استعطت وأتلافى عصفها في عقلي ووجداني، وأخيرا وجدت نفسي محشورة داخل القطار الذي أرعبني صوته، وهو يتجه بي إلى المجهول وسط ظلمة حالكة لنفق لا آخر له !!).

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

عن دار الورشة للطباعة والنشر في شارع المتنبي / بغداد ، صدرت الطبعة الثانية (مزيدة ومنقحة) (280 صفحة) من كتاب "الازدواجية المُسقَطة: محاولة في تحليل شخصية الدكتور علي الوردي" للباحثين: حسين سرمك حسن وسلام الشماع.

كانت الطبعة الأولى من هذا الكتاب المهم قد صدرت عن دار الينابيع في دمشق عام 2008 ، ولكن نظرا لأهمية الكتاب ونفاد نسخه من الأسواق ارتأت دار الورشة إصدار طبعة ثانية منه تمّ تنقيحها وإغناء هوامشها وإضافة فصل جديد إلى محتوياتها من قبل الباحثين.

ضم محتوى الكتاب أربعة فصول هي:

1289 الوردي

الفصل الأول: «لمحات خفيّة من حياة صاحب اللمحات»- الدكتور حسين سرمك حسن يحاور الباحث الأستاذ سلام الشمّاع

الفصل الثاني: "مقدّمة استباقية : علي الوردي .. عدوّ السلاطين ووعّاظهم .. قاومهم كبشرٍ مثلنا لا كملاكٍ نازل من السماء"- حسين سرمك حسن

الفصل الثالث: محاولة في تحليل شخصية محلّل الشخصيّة العراقية- حسين سرمك حسن

الفصل الرابع: «ليس دفاعاً عن الوردي»- سلام الشمّاع

ومن المتوقع أن يحدث هذا الكتاب استجابات ثقافية حقيقية ويثير حساسيات نفسية عميقة في المشهد الثقافي العراقي المعروف بتابواته وذلك لأنه يتناول بالتحليل -ولأول مرة في العراق وحتى في الوطن العربي- شخصية ثقافية واجتماعية صارت من تابوات الثقافة العراقية، وكان لها الريادة في دراسة وتحليل شخصية الفرد العراقي وسلوكه ووصمه بصفة "ازدواجية الشخصية".

وتتمثل أهمية الكتاب في أنه لا يتضمن محاولة جريئة للباحث الطبيب النفسي "حسين سرمك حسن" في تحليل شخصية هذا الرائد العلامة الذي تصدّى لتحليل الشخصية العراقية وهو عالم الاجتماع الدكتور "علي الوردي"، بل يستنتج -وهنا الاستنتاج الفريد والصادم- بالجهد التحليلي المتعمق أن الازدواجية التي وَصم بها الدكتور علي الوردي شخصية الفرد العراقي هي "ازدواجية مُسقطة" ؛ بمعنى أنها مسقطة من داخل الوردي، وأن الوردي هو أنموذج الإزدواجية التي أسقطها على الموضوع الذي قام بدراسته!!. وقد يكون من الصعب على العقل الثقافي لدى الكثيرين من المثقفين والمتلقين العراقيين على حد سواء ابتلاع مثل هذه النتيجة التحليلية الضخمة".

"إن من يقرأ هذا الكتاب بإمعان وتأمل دقيق وعميق، يجد لزاما عليه أن يشد على يدي الكاتب سلام الشماع على هذه الذاكرة الحية والمتقدة التي حملت أدق التفصيلات السلوكية الثقافية والحياتية عن أستاذه الوردي من جانب، وعلى الأسلوب البسيط والغني الذي افتقدناه مع رحيل الوردي والذي تتسم به الدراسات الاجتماعية عادة من جانب آخر. ويبدو أن العمل الصحفي الذي مارسه ويمارسه الشماع منذ عقود طويلة أثر في هذه البساطة المحببة. كما يشد على يدي الطبيب والكاتب المثابر حسين سرمك حسن على هذه الجرأة غير المسبوقة في التصدي لهذا المشروع المتفرد. ومن المؤكد أن هذا الكتاب سوف يدخل تاريخ الثقافة العربية من أوسع أبوابه لأنه من المحاولات غير المسبوقة في الدراسات النفسية والاجتماعية عربيا.

وقد أهدى الباحثان كتابهما هذا في تحليل شخصية الدكتور علي الوردي إلى الوردي نفسه:

(الاهداء:

إلى روح شهيد الفكر .. رائد حركة التنوير في العراق:

العلّامة الدكتور: علي الوردي .......... )

قام بتصميم غلاف الكتاب الذي جاء معبرا عن مضمونه وعن انشغالات وخلفية الوردي بدقة وجمال الفنان "علي كاظم الشويلي"

 

كتب محرّر دار الورشة

 

مالكة عسالللمبدعة مالكة عسال

إشارات أولية: خلال إنجاز دراستي لكتاب لطيف المقال في الأدب والترحال انطلقت من تصورات ومعطيات سابقة عن فكرمبدعتنا وتوجهاتها التي رسمتُها في ذاكرتي حولها ألخصها في الآتي:

* إن كتاباتها تطغى عليها النظرة السوداوية للحياة؛ والمواجع واللهيب الذي يشتعل دون أن ينطفئ حول الإنسان المكلوم الذي يسكن أكواخ الدخان .

* إنها تحلم بعالم أروع وأفضل تغلب فيه قيم الإنسانية النبيلة على كل شيء في البلاد التي تعيشها؛ مبدأها الصمود والواقعية والصلابة؛ واتخاذ قيمة قضية أدب الهامش والمغلوبين المقهورين من أبناء جلدتها محورا أساسيا لجل كتاباتها .

وبذلك وجدت أن كتابات المبدعة لالة مالكة تجاوزت الكتابة الذاتية إلى تهذيب الروح؛ والدفاع عن الحق والكرامة ؛ وإيقاظ مشاعر النفوس .

ومما أذكره أن صحافيا من المشرق العربي طرح عليها السؤال التالي: لو قدر لك أن تحكمين العالم؛ ماذا ستفعلين؟

فأجابت: سؤال أسطوري؛ منبعث من رخ مات من زمان؛ ما عساني أنا فاعلة؛ أنا الذرَّة البشرية التي لا تُرى إلا بالعين المجردة؛ ومع ذلك سأضع إجابة أسطورية فأقول: سأخلق المدينة الفاضلة؛ أن يعيش الإنسان في مستوى الرفاهية وبالتساوي كأسنان المشط؛ أن تسود الديمقراطية؛ أبسط ظلال الحب والمودة والرحمة بين الكل؛ أنظف الكون من دمعة البؤس؛ من رصاصة القتل؛ وأفرشه بالبسمة والفرح .

سؤال ثان: كيف للمرأة المغربية المناضلة والكاتبة أن تساهم في بعث روح التحرر؛ وإبقاء اليقظة والمقاومة فاعلين؟

جواب: أن تستمر صادقة لقلمها؛ وفية لإبداعها؛ مطاوعة لما يمليه عليها ضميرها؛ لا تبيع كلمتها بأي سعر؛ ولا تخنع مهما كانت الضغوطات؛ ولا تسيل لعابها لأي إغراء .

وهي التي قالت:

/ شعاري احتضان البؤساء؛ والنضال من أجل العيش الكريم بكافة الحقوق؛ وتغيير الواقع .

/المثقف الحقيقي من يجسد وعيه الثقافي في سلوك إنساني .

/ ابتسامتي لن تنطفئ رغم ما يستوطن قلبي من كثل ملتهبة موجعة .

من هذا المنطلق أسجل أن مبادئ مبدعتنا تتنافى والمجتمع الطبقي؛ إذ ترى في ذلك سببا للتناحر؛ والتعارض مع مبادئ الخير والعدالة والحرية؛ ولكنها تؤمن بسيادة القيم الإنسانية: الجمالية والاجتماعية والدينية وفق مكوناتها المعرفية والوجدانية والسلوكية .

بناء على هذه المعطيات انطلقت في دراسة مضامين الكتاب؛ لأبحث عن مدى تطابق القول والعمل لدى مبدعتنا لالة مالكة عسال .

تعريف أولي بالكتاب

الكتاب من 176 صفحة من حجم 21 / 15؛ موزعة على 24 نصا؛ ومقدمة؛ ومدخل للتعريف بأدب الرحلة؛ مسرود بخط واضح؛ تتخلله 14 صورة ملونة تسجل للقاءات .

وأعتقد أن غلاء تكلفة طبع الصور كانت سببا في عدم نشر كل ما التقطته عدسة المبدعة من صور؛ كما أنني بحكم تجربتي المتواضعة في التأليف المدرسي؛ والاحتكاك بذوي الاختصاص؛ أعتقد أن السعر المحدد للكتاب لا يُراد منه الربح ؛ وربما لا يغطي كامل مصارف إنجازه؛ لعدد صفحاته؛ وصوره؛ وتكلفة غلافه .

** ولا يفوتني أن أنوه بسيدي عبد السلام مصباح الذي سهر على إخراج الكتاب كما هو مدون في الصفحة رقم 2

مدخل

اعتقدت في أول الأمر أن مضامين أضمومة [لطيف المقال في الأدب والترحال] تنقل لنا أخبار السلف وما خلفوه من آثار وقلاع وأبراج وتحصينات وقصور وأضرحة؛ قد تساعدني على إنجاز حلقات [وطني الذي أعشقة] التي أُعدها .

لكن وجدت نفسي أمام منجز فريد من نوعه ليس له نظير في ما بين أيدينا من مؤلفات عن أداب الرحلة ؛ إذ يتضمن مذكرات وتغطيات مسجلة بالحرف والكلمة حول ملتقيات أدبية ومهرجانات ثقافية؛ حيث الوصف الدقيق للأحداث بأسلوب وتعابير أدبية تلامس ظواهر ثقافية فريدة من نوعها معززة بصور تسجل الحدث بعين الصحفية المتمرسة؛ والكاتبة المبدعة؛ مع الحرص على تعزيز ذلك بتقديم ما لاحظَتْه حول المنطقة وحياة أهاليها وواقعهم المعيش بعبارات مركزة هادفة توصل رسالة شفافة بدون رتوش ولا مساحيق .

وتَعْتَبر المؤلفة كتابها بأنه [مذكرة متواضعة غنية بمحتويات تحرت فيها الصدق والأمانة في تدوين ما رأته العين؛ وسمعته الأذن من أخبار بشفافية] ص 5

ومن هنا نجد أن الأديبة لالة مالكة عسال قد أضافت إبداعا متميزا وفريدا من نوعه شدني بقوة شكلا ومضمونا لما يخفي تحت عبابه من كنوز ثمينة؛ فاخترت أن أغوص في موجه لأبلغ ذرره إن استطعت إلى ذلك سبيلا؛

الغلاف

* الألوان

تتدرج فيه الألوان الأصفر والبرتقالي والبني

ولكل من يعشق هذه الألوان صفات يتميز بها منها:  الإبداع والحيوية؛ وحب التنقل للتعرف على وجوه جديدة؛ والاهتمام بالأفكار، والثقة؛ والتعقل؛ والاعتزاز بالنفس؛ والتخطيط؛ والنظام؛ والثبات والصلابة؛ والحزن والتشاؤم؛ وحب تحمل المسؤولية؛ والميل إلى المحافظة؛ والتعلق بالأرض؛ وهذه الصفات تظهر بشكل جلي في جل الكتابات الشعرية لمبدعتنا .

* الصورة

تحدد لنا مواصفات فنية تعبيرية وجمالية تجمع بين دال ومدلول وعلاقة حميمية تجمع بينهما؛ تبرز البعد الزماني والمكاني والروحي

فمن حيث التشكيل والمضمون

نلاحظ صورة مبدعتنا في مشهد سياحي وهي تسير وحيدة على قنطرة بدائية وهي تتأمل ملكوت الله المتمثل في منطقة من وطننا الحبيب؛ كل منا نحن المغاربة إلا ويعشق زيارتها والتمتع بروعة جمالها؛ إنها أوريكا الرائعة التي تقول عنها مبدعتنا: (وانطلقنا بعد ذلك إلى أوريكا الباسمة؛ المنشورة في أعماق الأطلس الكبير؛ فاتحة صدرها لتحضننا بودها الجميل؛ تُلف خصورها في رداء أخضر؛ جبال تلوح من بين عيون النخيل تضع على رأسها خمارا أبيض يغازل الناظرين بلونه الفضي .. ومن تحت السفوح ينهض الوادي برقراقه البلوري تنعطف عليه زرقة السماء؛ تتمازج الألوان في شكلها العفوي؛ فتخرج لوحة ساحرة تجبرنا على الإنصات إلى إيقاع صبيب سواقيها وشدوعصافيرها؛ وحفيف أشجارها؛ وهديل نسيمها؛ فتسلب بتوهجها وسحرها فكرنا ووعينا . ص 47 / 48

أما دفة الكتاب الخلفية فتتضمن لوحة شملت صور المدن والمناطق التي زارتها المبدعة؛ وقد تم عرضها بشكل فني رائع ينم عن ذوق تشكيلي راق .

العنوان: لطيف المقال في الأدب والترحال

عنوان الكتاب يعيدنا إلى السلف الذين كانوا يُعَنْونون كتبهم بجمل طويلة يتحكم فيها السجع من قبيل:

/أفكار على ضفاف الانكسار

/ مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين / لابن القيم

/ العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر / لابن خلدون

وهذا له دلالة عميقة تؤكد أن مبدعتنا رغم مسايرتها للحداثة والمعاصرة؛ فهي تتمسك بالأصالة وجذور السلف؛ وتقول لنا بالواضح: إنه لا غنى لنا عن التراث الذي نستمد منه عقيدتنا وأصالتنا وتاريخنا بكل غموضه وتجلياته وانفتاحه .

العنوان عبارة عن جملة إخبارية تُبدأ بخبرمبتدأه محذوف؛ ومفردات العنوان هي:

*لطيف: [صفة مشبَّهة تدلّ على الثبوت من لطُفَ: ما يُعجب ويروق النَّظر بأناقته]1

*المقال: بَحْث مكتوب يهتم بكل ما عاشته المبدعة .

*لطيف المقال: [فن تعبير يبرز ما غمض معناه وخفِي بكلمة ساحرة تنطوي على مضمون ذي بُعْد إنساني وعبارة رشيقة؛ وتفكير حصيف؛ وحسّ مرهف؛ وخيال مبدع؛ ولغة سليمة؛ وأسلوب طليّ] 2

* الأدب: تعني هنا تعبير إنساني عن عواطف المبدعة وأفكارها وخواطرها وهواجسها بأرقى ما تملكه من الأساليب التعبيرية عما عاينته من عادات وسلوكات وانطباعات حول اللقاءات الثقافية والأماكن التي مرت منها وزارتها .

* التَّرْحَالِ: يفيد هنا التَّنَقُّل مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ .

الإهداء

من يفتح الكتاب يجد في صفحته رقم 4 جملة قصيرة جدا؛ ولكنها ذات دلالات وصدق ونبل تهز كيان القارئ؛ إنها كلمة الإهداء التي لم تكن للحبيب ولا الوالدين ولا الابن؛؛ بل لمن يستعملون الحرف مجالا لشكواهم وإبداعاتهم؛ إلى عشاق الحرف؛ وهذا في تصوري منتهى صدق القول والعمل به؛ والتنازل الطوعي عن الذاتية . والأنا .

التأسيس لِلَّا مُمْكن

اندفعت المبدعة في مغامرة تحمل لواء النضال والغوص في أغوار التحدي لتسجيل الحقيقة في إطار المعقول بصياغة أدبية محترفة كنموذج أدبي مخالف له قيمته الإنسانية؛ في سرد تستعيد به الذكرى؛ وما اختمر في العمق من صور عناصر التهميش والإقصاء والمنع والرفض؛ مجتهدة في نقل واقع تم إهماله من قبل جل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة؛ فكان لها ما أرادت على حساب الذات الحالمة بغد أفضل .

اللغة

استطاعت المبدعة أن تتحكم في اللغة؛ وتشكلها لتصير مطواعة تفي بالهدف المرجو تحقيقه؛ فقد طرزت اللغة بألوان زاهية تشد القارئ بمتعة أسلوبها السلس؛ وحصر اهتمامه في أهمية المكان والزمان والحدث والأشخاص المغمورين الذين يتحركون بثقة على ركح ثقافة الهامش بدقة متناهية؛ ممهدة الطريق للخروج بالقارئ من الرتابة المعهودة في كتب أدب الرحلة إلى شيء جديد لم يكن مألوفا؛ وبذلك حركت اللغة في إطار السهل الممتنع متخلية عن المرموز والغموض والإبهام وبعض الرؤى الفلسفية التي تعودناها في كتاباتها؛ مع استثناء واحد متمثل في عناوين النصوص

العنوان المدهش المثير

ما أن بدأت في قراءة أول نص حتى استفزني عنوانه؛ الذي يقول: (ليلة القبض على أبزو / العرس الثقافي الكبير) فتساءلت مع نفسي؛ ماذا تعني كلمة (القبض) هنا؟ وكيف يمكن لأنثى ضعيفة البنية مجردة من السلاح سوى القلم وما تدخره ذاكرتها من معرفة؛ وهي التي قالت: أنا الذرة التي لا تُرى إلا بالعين المجردة أن تقبض على مدينة بكل مقوماتها العمرانية والبشرية؟ هل أنا أما (دونكيشوت من نوع جديد)؟

فتوقفت لأتصفح باقي العناوين؛ فازدادت دهشتي حين وجدت المبدعة تتمسك بنفس الكلمة في كل عناوين النصوص؛ فالتجأت إلى المعاجم لعلني أجد مدلولا للكلمة لا أدركه؛ فوجدت أن معناها ينحصر في الآتي:

/ قبض الشيء أي جمعه وملكه وأمسك به وحازه وأخذه لنفسه .

/ تم القبض عليه أي تم اعتقاله .

/ ولها دلات أخرى حسب تموقها واستعمالها لاعلاقة لها بما أبحث عنه .

وهنا بدأت التأويلات تخامرني؛ فانطلقت في قراءة النص لعلي أستشف من مضامينه قبس نور وخيطا رفيعا يفك عقدتي حول كلمة (القبض)؛ فاستنتجت استنتاجا أتمنى أن أكون قد صادفت فيه الصواب؛ واقتربت فيه مما تعنيه المبدعة .

القبض حسب المبدعة هو الاحتضان؛ والضم؛ وجمع الشمل؛ والرعاية؛ والدفء؛ والحنان .

وقد استنتجت ذلك من عبارة في نص ليلة القبض على أبزو؛ و تأكد لي ذلك خلال اطلاعي على باقي النصوص ....

تفول المبدعة في الصفحة 14

.... وجوه أطلسية منبسطة؛ تفتر مباسمها عن إشراقة فرح لا منته؛ ترحيبا بالضيوف والشعراء؛ مشاعر تتوسع؛ وتحايا تتقاطر، وقلوب بلورية تلتمع بصفائها الزلالي؛ من جملة أهل أبزو الذين اصطفاهم الله من خيرة البشر.. والذين يزكون محبتهم؛ باستقبالهم الحار للعبْدة المذنبة؛ وباقي المدعوين بصدر رحب وتتويج مرموق ..

وعن لقاء قلعة السراغنة تقول في الصفحة 102

دخلنا صحن القلعة الغابرة بين محاسن الأشجار؛ وسلاسل الورد وحفيف الهواء النظيف؛ ووداعة أطياف الشمس .. فاستقبلَنا الطاقم المنظم بالبهجة والترحاب وتبادلنا آيات التعارف.. قضينا تلك الليلة في موسوعة القلعة؛ نزوغ بين رحابها من حين لآخر، نتمتع بمفاتن هذا القطر البهي؛ استقطبتنا شوارعها الفسيحة؛ وجذبتنا خضرتها التي تنمق كل ركن فيها؛ وشدّنا جدا بحر كرم أهلها وسعة صدورهم ….

هذان نموذجان فقط سقتهما من المناطق المهمشة ثقافيا لتبرير تأويلي لكلمة (القبض) التي فتنتني بها مبدعتنا؛ وسيجد القارئ ما هو أقوى من هذا ضمن رحلات مبدعتنا .

القيم

يشتمل الكتاب على العديد من القيم الإنسانية والوطنية والاجتماعية والسياسية التي تتشبت بها مبدعتنا؛ أكتفي بذكر قيمة واحدة؛ تاركا للقارئ اكتشاف باقي القيم .

* التمسك بروح المواطنة

مما يدل على تمسك المبدعة بقيم المواطنة؛ وحب الوطن ومواطنيه؛ والدفاع عن وحدة الوطن الترابية هو هذه الرحلات المكوكية للعديد من المدن والمناطق المغربية التي توجتها برحلتها إلى مدينة العيون لإحياء ذكرى المسيرة الخضراء لسنة 2014؛ ففي فقرة في الصفحة 86 تقول: [استوقفتنا منطقة الطاح بنصبها التذكاري الذي يؤرخ لحدث المسيرة؛ هذه اللجة المعطرة بماء الخزامة؛ الموشحة بحسها الإنساني المتدثرة بالأصالة الصحراوية والنفحة المغربية المتجذرة .....حيث سجل التاريخ على بساط هذه الملحمة القوية التحاما صوفيا عاشقا ربط بين قلوب الجميع ....]

ثم تقول في الصفحة 87

... كانت العيون عروسا بكل ما تحمله الكلمة من معنى من حيث زينتها الفاتنة؛ وما يحف بها من جماهير قادتهم إليها عناوين الالتحام والتلاحم؛ وجلال الوفاء وصدق المشاعر ....

الحرف والكلمة عشق وهيام متأصلان في روح المبدعة

تحت عنوان (لحظة العزف على قيثارة الشعر) تتحفنا المبدعة بجميل الكلم؛ وروعة انتقاء الحرف وهي تسهر شخصيا على تنظيم وتنفيذ مهرجان منطقة [كيسر] التي تعيش التهميش الثقافي / صفحة 62

(... لمعت إشراقات البوح؛ حيث ركب الشعراء حُلم الحرف؛ ليحلقوا في الآفاق البعيدة بين المجرات يستحضرون الأرواح؛ ويلامسون الوجدان؛ كانت القصائد تنقر المسامع في هدوء صامت؛ والملكات تتناثر من أفواههم لوحاتٍ زاهية بصورها القزحية وخيالها الرحب؛ مُوشّحة مناديل الصمت بانزياحاتها؛ وإيحائها؛ تخاطب في المتلقي وعيه الحدسي الترميزي ... شرب الحاضرون من كؤوس دافقة رحيق المواجع والآلام في لحظة تَوحُّدٍ وانصهار؛ وفتائل الشموع تتراقص على إيقاع الحرف وموسيقاه ...)

التعاطف مع المهمشين

خلال جولات المبدعة تسحتضر بقوة المهمشين والواقع المر الذي يعيشونه؛ فهاهي أمام روعة جمال مدينة إفران يمتد تفكيرها إلى ما تحتضنه وتخفيه الجبال المحيط بالمدينة وجامعتها . فتقول في الصفحة 136

* إفران مدينة الثلج والورود

كانت عجلات السيارة تتلقى صفعات الطريق؛ وأعيننا مشدودة إلى هذا السحر الرباني العظيم؛ نغرف من التلال والجبال والأنهار والأودية كمشة من المتعة الفيروزية؛ نقتل بها رواسب الماضي العتيقة وتراكمات الأيام المجحفة؛ وعلل الحاضر المتفاقمة؛ كنا نتساءل أحيانا: كيف بنا حين نعود إلى أوضاعنا المثقوبة؛ ويغوص بريق هذه النزهة الرائعة في تجدد الجراح؟؟ كانت أطياف الأوجاع تبرق وتختفي في مرآة هذا الفضاء الجميل؛ إفران المدينة الجبلية؛ التي لها طابع أوروبي كما لو كانت قرية من قرى جبال الألب على حد قول بعض الأدباء ؛ روعة هندسة المنازل؛ ودفء الجو… فمِن أين لك أيها الشقي أن تستمتع بفردوس الحياة والجيب خاو طاو، يئن من الفراغ؟؟؟ .. هنا استحضرت قصة الغني والفقير، التي كانت توشح أذهاننا بالأكاذيب: الفقير ينام هادئا مطمئنا سعيدا؛ بينما الغني يقضي ليله تعيسا يحصي أمواله؛ هههههههه اضحك معي على نكتة التهريج هاته؛ وتعال معي نتأكد من خلال زيارة خاصة لجامعة الأخوين التي تطل من بين أدغال مدينة إفران؛ وما أدراك ما جامعة الأخوين: كالعروس بين وصيفاتها بأسقفها الهرمية الشاهقة؛ عرفت كيف تنتقي عرشها على كفّ هذا البهاء؛ فلاحت لي أطياف المدارس الشعبية المهمشة؛ المظللة بالبؤس والنحس؛ والتي تداري كسور نوافذها بأحلاس (كارطونية)؛ أوقصاصات بلاستيكية اتقاء الشمس أوالبرد؛ فشتّان بين المؤسستين؛ وبين المكانين؛ وبين الطالبين "بنيس" و" بوعزة "...

على أي فمَهْما عاش الإنسان لا بد له من القبر، قولة ترددها بعض الألسن دون أن تتعظ بمغزاها؛ فبماذا نعيش هذا العمر إذا حتى القبر؟ أليس من حقنا أن نعيشه في الرفاهية وبكرامة؛ وبكافة الحقوق مثل سائر البشر؟؟؟ فلله في خلقه شؤون؛ وللطبيعة في رونقها شؤون؛ ولبعض الإنسان في دنياه شؤون

* وفي مدينة الريش تتذكر سنوات الرصاص؛ فتقول في فقرة عنونتها بمدينة الريش بين وجع التهميش

الصفحة 138

المدينة التي قذفها التهميش على بعد 75 كلم من مدينة الرشيدية جنوب المغرب .. كان الشوق متلهفا إلى رؤية ما وراء حجابها؛ وكيف ستكشف صناديق الوقت عن مكنوناتها المتبقية؟… نزلنا من السيارات؛ لنستحم بماء هذه المدينة المقذوفة بين وجع التهميش؛ وتكالب الإقصاء؛ كنت أتمعن في جسدها المخدوش؛ الذي بقدرما حباه الله من جمال؛ بقدر ما اختلس منه بعض الإنسان عسله المعتق؛ ووشّحه بعناقيد الثقوب ؛ وعلى العتبات راكَم َ سلالات الإملاق … أما السكان؛ فبمجرد ما تتمعن في وجوههم؛ تدرك أن نظراتهم الذابلة تخفي خلفها عوالم مليئة بالرصاص؛ يذكرهم بها منتجع تازمامرت الذي شَهِد فصول أحياء أموات من المغضوب عليهم

على سبيل الختم

الكتاب فريد من نوعه يمثل نوعا من التحدي للمتعارف عليه في أدب الرحلة؛ وقبل الختم أحيل القارئ على زيارة المبدعة للسويد ليطلع على صيحتها التي فجرتها من هناك لكل من الحاكمين والمحكومين في الوطن العربي؛ كما أترك له التعرف أكثر على مواضيع اللقاءات والمبدعين والمبدعات المعروفين والمغمورين الذين ساهموا بفاعلية إلى جانب لالة مالكة في تنظيم وتنشيط اللقاءات انطلاقا من جرسيف إلى العيون مرورا بمكناس وإفران وبني ملال وخريبكة وكيسر وأسفي وقلعة السراغنة وأبزو وزاكورا ومراكش والسوالم؛ دون نسيان الرباط والدار البيضاء وأسفي وشفشاون وغيرها .

علما أن مضامين الكتاب تنقسم إلى نوعين من الرحلات: داخلية شملت العديد من المدن والمناطق المغربية؛ وخارجية شملت تونس ومصر والسويد / رحلات سياحية خاصة؛ ورحلات سياحية ثقافية .

ويبقى التصريح بمدى صدق اهتمام لالة مالكة في كتاباتها حول المهمشين حاصل بقوة لا رياء فيها؛ وهذا يجعلني أنحني إجلالا اعترافا لها بصدق ما تقول؛ الشيء الذي حرك دواخلي فسميتها (بنت الشعب).

 

بقلم رحال بن الصديق درسي

مفتش تعليم سابقا ومنسق تربوي حاليا

 

1286 غرامشيثمة تقاربٌ للحدود بين العالم العربي في جناحه المغاربي وإيطاليا، وبالمقابل ثمة تباعد بين الثقافتين العربية والإيطالية. ليس المراد بتباعد الثقافتين اختلاف الرؤى وتباين المفاهيم، بل ندرة التواصل وقلّة التثاقف سواء عبر الترجمة أو عبر الإلمام بالثقافة الأخرى من كلا الجانبين. فلا تتجاوز حصيلة الترجمات من الجانبين، العربي والإيطالي، الألف عمل في كافة المجالات، على مدى تاريخ اللغتين العربية والإيطالية، بناءً على دراسة إحصائية أُعدّت في جامعة روما. فالاستشراق الإيطالي المعاصر المعني بالعالم العربي يشكو وهنًا، حتى أنه بالكاد يقدر على عرض الثقافة العربية ضمن رؤى واقعية وموضوعية، داخل وسط غربي مشحون؛ وبالمثل لا يبالي العرب كثيرا بما تنتجه إيطاليا ثقافيا رغم الثراء والتنوع في ذلك الوسط، مع أن أقسام تدريس اللغة الإيطالية أضحت موجودة في جملة من الجامعات العربية، بَيْد أن كثيرا من مناهجها عقيم من حيث الإلمام بالزخم الثقافي في إيطاليا. لتنتشر على الضفّتين أحكام جاهزة وقوالب مغرضة باتت تعمّق الهوة بين العالمين.

الكتاب الحالي الذي نعرضه "غرامشي في العالم العربي" هو محاولة متواضعة للقطع مع ذلك الصمت الثقافي، الحائل دون التواصل العربي الإيطالي، سيما على مستوى الأفكار والمفاهيم والرؤى. وهو يتمحور بالأساس حول مدى حضور طروحات المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937) ورؤاه بين المثقّفين العرب. سواء من خلال تتبّع استيعاب مقولاته في الدراسات والأبحاث التي تناولت المفكر الإيطالي من قِبل الكتّاب العرب، أو كذلك برصد ترجمات أعماله وما خلّفته من أثر.

فلا شكّ أن غرامشي من بين قلّة من الكتّاب الإيطاليين ممّن نالهم حظ كبير، دراسةً ومتابعةً، في الداخل والخارج. وفي نطاق رصد الاهتمام بهذا المفكر، يورد أنجيلو دورسي في كتاب حديث الصدور بعنوان: "غرامشيات. دراسات حول أنطونيو غرامشي" (2016)، أن غرامشي هو واحد من بين 250 كاتبا الأوفر حظا في العالم قراءةً وترجمةً ودراسةً. حيث كُتب عنه أكثر من 20.000 نصّ، في أربعين لغة، مما بوّأه الصدارة في قائمة الكتّاب الإيطاليين الأكثر رواجا في الخارج منذ منتصف القرن الفائت، قبل دانتي أليغييري، وأومبرتو إيكو، وألبرتو مورافيا، وبيار باولو بازوليني وآخرين.

توزّعَ الكِتاب إلى قسمين رئيسين، انشغل القسم الأول بتتبّع حضور غرامشي في الثقافة العربية، وقد أعدّ هذا القسم ثلاثة من الباحثين الجامعيين الإيطاليين يتعاون جميعهم مع "مؤسسة غرامشي" الإيطالية المعنية بتراث هذا المفكر، وهم جوسيبي فاكا وباتريسيا ماندوكي وأليساندرا ماركي؛ واهتمّ القسم الثاني بترجمة مقتطفات من الدراسات والأبحاث العربية الصادرة حول غرامشي، نذكر منها أبحاثا للطاهر لبيب وعلي الكنز وعبد القادر الزغل وفيصل دراج وحسن ناظم وناديا رمسيس فرح وفريال غزول وياسر منيف وآخرين، تولى مراجعتها الأستاذ الفلسطيني المقيم بروما وسيم دهمش.

منذ مطلع كتاب "غرامشي في العالم العربي" طُرح سؤالٌ محوري تمثّلَ في لماذا الحديث عن غرامشي؟ أو تحديدا لماذا جرى رصد حضور غرامشي دون غيره من المثقّفين الإيطاليين؟ ويبرّر معدّو الكتاب انجذاب الكتّاب العرب إلى مقولات غرامشي بعاملين أساسيين:

- ترافقُ ظهور فكر غرامشي في الساحة الثقافية العربية في مطلع السبعينيات، مع فترة شهدت فيها البلاد العربية حروبا مع إسرائيل وتململات مجتمعية عميقة، مما خلق تذبذبا في الأوساط الثقافية العربية وأفرز بحثًا عن بدائل من خارج القومية بوجهيها الناصري والبعثي وأطروحاتهما الاشتراكية العقدية (ص: 37).

- ثراء أدوات غرامشي المعرفية بشأن مواضيع مثل الهيمنة، والخضوع، والمجتمع المدني، والكتلة التاريخية، والمثقف العضوي، والمثقف التقليدي، والمثقف النيوأكاديمي، والمثقف الجمعي، وحرب المواقع، والثورة المنقوصة، والثورة السلبية وما شابهها، وهي مفاهيم غرامشية قريبة من قضايا العالم العربي. ومن هذا الباب نجد شبهًا للمسائل الاجتماعية الثقافية المطروحة مع غرامشي بشأن الواقع الإيطالي في مطلع القرن الفائت، مع ما يعيشه العالم العربي في الراهن المعاصر. فقد كان مزْجُ غرامشي بين الفعل الملتزم والتحليل الثقافي عاملا قويا في إعطاء أطروحاته جاذبية ورواجا. إذ لدى هذا المفكر قدرة، كما يرسم إدوارد سعيد ملامحَه، على استخلاص نظرة شاملة بشأن مرحلة تاريخية محددة، تشبه بوجهٍ ما "جغرافي" السياسة والثقافة.

اعتمد المؤلَّف الإيطالي على أعمال ملتَقيين أُقيما في البلاد العربية، انعقد الأول في تونس بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من شهر فبراير سنة 1989. وقد تابعت "مؤسسة غرامشي" المعنية بإرث غرامشي السياسي والثقافي الأنشطةَ حينها وشاركت فيها. تلاه مؤتمر ثانٍ حول غرامشي انعقد في القاهرة بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من شهر نوفمبر من العام نفسه بإشراف أستاذة الأدب الفرنسي أمينة رشيد. كانت أغلب مداخلات الأطراف المشاركة في الملتقيين المذكورين من مصر وتونس، ودارت فيهما أسئلة حامت حول راهنية غرامشي؟ تميّز عرض الكاتب فيصل دراج في اللقاء الثاني حينها بالإثارة والجرأة، من خلال اعتباره أن مفهوم المثقّف العضوي بالمفهوم الغرامشي ينطبق عل "المثقف الديني" بوصفه الأقرب والأقدر على ولوج نسيج الثقافة الشعبية المهيمنة في البلدان العربية، بما يفوق كثيرا ما يمكن أن يأتيه المثقف العربي اللائكي أو المتغرّب (ص: 119).

ترصد باتريسيا ماندوكي بدايات التعرّف على غرامشي قائلةً: كان لترجمة كتاب "فكر غرامشي السياسي" لـجان مارك بيوتي من الفرنسية سنة 1975، وكذلك كتاب "مختارات من دفاتر السجن" من الإنجليزية إلى العربية سنة 1994، وهو مؤلّفٌ من إعداد كوينتن هوائيري وجوفري نويل سميث الذي سبق أن صدر سنة 1971، دورٌ كبير في التعريف بغرامشي وبمقولاته، بما وفّراه من إلماحة عامة عن هذا المفكّر الإيطالي نظرا لقلّة الملمّين العرب باللغة الإيطالية. نشير أن عفيف الرزاز كان أوّل من ترجم نصّا لغرامشي من الإيطالية وهو مؤلف "المجالس العمّالية" صدر عن دار الطليعة سنة 1975. في الواقع يعود البرنامج الأوّل لترجمة أعمال غرامشي إلى العربية إلى مطلع العام 1973 لما تولى فرانكو فيري مهمّة تسيير "مؤسسة غرامشي". حينها أوكلت المؤسسة الإيطالية للكاتب المصري اليساري أنور عبدالملك تولّي مهمة ترجمة "أعمال مختارة لأنطونيو غرامشي" من الفرنسية، تعتَمد على ترجمة "دار غاليمار" الباريسية وبقصد أن تُنشر في "دار الطليعة" اللبنانية. تمّ الاتفاق حينها على نشر ثلاثة أجزاء: يضمُّ الأول منها أعمال غرامشي قبل اعتقاله من طرف السلطات الفاشية، مع تجنّب الكتابات المغرَقة في الشأن المحلّي الإيطالي، ويضمّ الثّاني مختارات من "الكراسات"، والثالث يُخصَّص لـ "دفاتر السجن". وبوجه عام شهدت تلك الفترة تطوّرا للتوجهات الاشتراكية في إيطاليا وتحمسا للقضية الفلسطينية، وهو ما جعل الحماس فياضا لترويج مقولات غرامشي.

تقول أليساندرا ماركي إحدى المساهمات في المؤلَّف الجماعي "غرامشي في العالم العربي"، إن إنجاز عمل يتعلّق بأثر غرامشي في المفكرين العرب ما كان عملا يسيرا، لما تطلّبه من مسح وترجمة في الآن نفسه، لكنّه كان عملا لازما وعاجلا. كما تشير ماركي إلى أن الأعمال المترجَمة عن غرامشي لا تتجاوز عدد أصابع اليد مع ذلك ثمة انبهار بمقولات الرجل. فمثلا ليس هناك ترجمة كاملة لحدّ اليوم لرسائل غرامشي. كما تبرز الباحثة أن الاتصال المبكر بنصّ غرامشي قد أتى غالبا مع كتّاب عرب يعيشون في المهجر أو يقرؤون بلغة أجنبية (دائما عبر نصوص مترجمة إلى الإنجليزية) كما الشأن مع المصري أنور عبدالملك (توفي في باريس 2012)؛ والفلسطيني هشام شرابي (توفي في بيروت 2005)؛ أو كذلك مع المغربي عبدالله العروي (من مواليد أزمور/المغرب 1933). وهم كتّاب متشابهو الملامح من حيث الكلف بغرامشي وأطروحاته (ص: 137).

لكن تبقى ملاحظة عن العمل متمثّلة في أن الكتاب يحتفي بمساهمة كتّاب عرب يروّجون لمقولات غرامشي في غياب التعريج على الاستيعاب النقدي لفكر غرامشي. بما يطرح سؤال لماذا ينجذب كثير من الكتّاب العرب إلى الكتابات الإيديولوجية ويفوتون في الكتابات العلمية التي صنعت التحولات الثقافية الكبرى في الغرب؟ لقد أثبتت السنين أن استفادة الثقافة العربية من الفكر الغربي بوجهيه العلمي والمعرفي ضئيلة. وعلى سبيل الذكر لو تتبّعنا الكتابات العربية التي هامت بغرامشي لن نعثر فيها على نضج ورويّة، بل هناك ترويجٌ مجانيّ لمقولات الرجل مع غياب التقييم الحقيقي لأفكاره ورؤاه، وإلا ما معنى أن تروج الغرامشية قبل استيعاب مقولات غرامشي أو الإلمام بها، فليس هناك ترجمات بما يكفي، وليس هناك دراسات عنه وافرة. لقد روّج الأوائل بانبهار ولحق بهم الأتباع بانقياد. وهو في الواقع سلوك شائع غالبا ما يتعامل به الكاتب العربي مع المفكرين الغربيين. والصواب هو الخروج من هذا التقديس ووزن الأمور بميزان العقل حتى نتفادى التهافت المعرفي.

فعلى ما يعرضه كتاب "غرامشي في العالم العربي" يتميز الكتّاب العرب المختارون كنماذج في هذا الكتاب بالاتباع والولاء لمقولات غرامشي، وتغيب عنهم الرؤية النقدية، سيما أن أغلبهم من المثقفين اليساريين العَقَديين من أتباع اليسار العربي (انظر جوسيبي فاكا، ص: 210). وتقريبا كلّهم لا يقرؤون بالإيطالية، وجاء اطلاعهم على غرامشي من خلال كتابات فرنسية أو إنجليزية وغابت عنهم مراجعات مقولات غرامشي المتوفرة في اللغة الإيطالية. لعلّ ذلك ما حدا بالمفكر الإيطالي نوربارتو بوبيو (1909-2004)، للدعوة إلى إخراج غرامشي من حضن اليسار وتحريره من سطوة التعامل القداسي للحفاظ على ما تبقّى من غرامشي، حيث لم تظهر مراجعات جادة لفكره سوى من خارج دائرة الأتباع، على غرار ما قام به الإيطاليان جوسيبي تامبورّانو وفرانكو لوبيبارو.

من جانب آخر، نلاحظ في الكتابات العربية غياب التطرق لنظرة غرامشي للدين، أو حشرها ضمن منظور يساري غائم. لعلّ ما حال دون ذلك أن نظرة غرامشي قد وردت متناثرة في آثاره، وقد عُنيت أساسا بالكاثوليكية كإيديولوجيَا وبالكنيسة كجهاز إيديولوجي. فقد مثّلت المسيحية البدئية في منظور غرامشي حركةً ثورية ونمطًا لتعقّل العالم، ثم تحوّلت مع كاثوليكية "الإصلاح المضاد" إلى حاجز أمام التطلّعات التقدّمية. فليست رؤية غرامشي للمسيحية واردة ضمن نسق مجرد لاتاريخي، على غرار رؤية قرينه ماركس، ولكن مختبَرة ضمن سياق تَطوّرِها الخاص وبحسب النسق التاريخي السوسيولوجي. صحيح أن غرامشي ينطلق من نقطة تضاد مع الميتافيزيقيا، مع ذلك لم يجحد ما للدين من دور في التاريخ البشري. كما أن غرامشي يبدي انتقادات للكنيسة، ولكنّه يتوجّه إلى نمط تاريخي محدّد من الكاثوليكية، ويميّز بين التديّن الفائض من المشاعر والمؤسسة الدينية التي تسعى إلى استغلال تلك المشاعر.

على العموم ثمة مثْلَنة لغرامشي حوّلته إلى وثن، الأمر الذي حجب عن كثيرين مواقفه الخطيرة تجاه الديمقراطية مثلا. فقد كتب غرامشي في صحيفة "أفانتي" لشهر فبراير 1916 "الديمقراطية هي عدونا اللدود، الذي نستعدّ معه للمنازلة الدائمة... لأن الديمقراطية هي الأداة الرخوة في العربة التي تخفف من ثقل الحمولة على العجلات وتمنع الصدمات التي تسبب الانقلاب"، لذلك الديمقراطية هي زيفٌ ومصدر وَهْم، مفضلا الليبرالية لأنها برجوازية. وفي مؤلف لأورسيني بعنوان: "غرامشي وتُوراتي"، يخلص الكاتب إلى أن غرامشي كان "معلّما بارزا لبيداغوجيا اللاتسامح في القرن الماضي" حيث ذهب إلى أنه الأب الروحي لتنظيم "الألوية الحمراء"، التنظيم المحظور إلى اليوم في إيطاليا.

خلال سنوات قليلة انعقدت بالتعاون بين "جامعة جندوبة" التونسية و"مؤسسة روزا لوكسمبورغ" ندوة بتونس العاصمة تحت عنوان "العودة إلى غرامشي". منذ إطلالة حضور غرامشي في الأدبيات العربية مرّ زهاء الأربعة عقود على اكتشاف الرجل والخطاب لم يتعقّل ولم ينضج، فلا زال الكلفُ بغرامشي يفتقر إلى استيعاب نقدي لمقولاته، ذلك ما يرون على الساحة.

في منتهى هذا العرض نشير إلى نقيصة بارزة في الكتاب. ففي مؤلَّف يطمح ليكون مصدرا ومرجعا في إيطاليا عن حضور غرامشي في الثقافة العربية، هناك غياب لجردٍ بالأعمال والدراسات والمقالات والترجمات العربية المعنية بغرامشي، سيما وقد تجنّد للعمل فريق من الباحثين والمترجمين.

 

الكتاب: غرامشي في العالم العربي.

مؤلف جماعي من إعداد: باتريسيا ماندوكي – أليساندرا ماركي – جوسيبي فاكا.

الناشر: إيل مولينو (بولونيا-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2019.

عدد الصفحات: 337 ص.

 

عزالدّين عناية

أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

1283 مطهريالأول وهو كتاب (الحضارة الإسلامية والثقافة الفلسفية)

وطبع الكتاب في دار نشر الجامعة الروسية قبل بضعة اسابيع، أي نهاية عام 2019. ويبلغ عدد صفحاته 242 صفحة.

والكتاب يكمل ما سبق وان نشرته عن تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية الكلاسيكية. وهو كتاب مدرسي، مهمته تقديم صورة شافية لطلبة الفلسفة اساسا حول موضوع الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية. بمعنى انه كتاب اضافي يكمل ما لا لم يجر تناوله بإسهاب في الكتاب الأول. من هنا تأكيده على أبعاد الثقافة الفلسفية في الحضارة الإسلامية.

ويتألف الكتاب من ستة أبواب تتناول قضايا الحضارة الإسلامية وخصوصيتها، بوصفها "امبراطورية ثقافة". وهو موضوع الباب الأول. بينما اتناول في الباب الثاني القضايا المتعلقة في البحث عن الاعتدال الفكري والعملي، أو ما اسميته بالبحث عن الوسط الذهبي في مدارس الفكر الإسلامي الكلاسيكي، أي في مجال الكلام والفلسفة والتصوف. وخصصت الباب الثالث لإشكاليات البحث الفلسفي والحكمة عند كل من ابن سينا والسهروردي المقتول وابن طفيل.

اما الباب الرابع فقد خصصته لفلسفة عبد الكريم الجيلي الصوفية. وجرى التركيز فيه على اشكاليات وجوانب فلسفته عن الإنسان الكامل.

أما الباب الخامس فقد تناولت فيه قضايا العقل والإيمان في الثقافة الإسلامية. وأتممته في الباب السادس عن اشكالية العقل النظري والعملي في فلسفة الغزالي.

وقد كان هذا الكتاب وما سبقه جزءا من مشروع علمي فلسفي كنت اخطط له، ويتألف من خمسة كتب تتناول كافة جوانب الحضارة الإسلامية وتقديمها للقارئ الروسي بشكل عام وطلبة كليات الفلسفة والاستشراق وأقسام الثقافة والحضارة، إلا انني لم استطع إنجازه، لأسباب فنية في بداية الامر. بينما تحولت الآن إلى قضية ومعضلة يصعب تذليلها بالنسبة لي بسبب حجم المهمة وظروف العمل وكثرة الالتزامات وغيرها من اسباب وجيهة تحيل دون ذلك. ولا اعرف ان كان بامكاني الرجوعه الى هذه المهمة.

لكنني اعمل عليها بالصيغة العربية. فقد كنت اخطط لثلاثة مجلدات عن "فلسفة الحضارة الإسلامية". وقط طبعت المجلد الاول. اما الثاني والثالث، فقد حورتهما بطريقة اخرى بحيث تكون اجزاء من أعمال فلسفية اخرى. فقد وضعت المجلد الثاني الذي كنت قد خططت له في كتابي الذي اعمل عليه الان تحت عنوان (الحضارة الاسلامية والمثقف الكوني)، والمجلد الثالث في القسيم الاول من كتابي التأسيسي الفلسفي والذي اعمل عليه الان أيضا تحت عنوان (فلسفة البدائل المستقبلية). وهو عملي الاساسي او الاكبر. وأملي في ان انتهي منه قريبا. والكتب جميعا مترابطة من حيث الاسلوب والغاية. والفرق الوحيد الذي يميز (فلسفة البدائل المستقبلية) هو انه الكتاب الذي اعمل عليه في مجرى العقود الثلاثة الاخيرة. وزفيه اضع فلسفتي الخاصة، وبالاخص عن التاريخ والثقافة والبدائل المستقبلية. وهو كتاب كبير الحجم.

اما الكتاب الثاني فهو الذي صدر قبل أيام، أي في آخر أيام العام المنصرم (2019). ويحمل عنوان:

(مرتضى مطهري- العالم العامل)

1283 مرتضى مطهري والكتاب هو السادس من سلسلة الكتب التي اشرفت على اختيار النصوص وترتيبها وهيكلتها بالطريقة التي يمكن اخراجها على شكل كتب مستقلة، إضافة الى تدقيقها وكتابة الشروح والتعليقات العلمية عليها والتقديم لكل منها بدراسة موسعة. باختصار انها مهمة التحرير العلمي. وكان ذلك ضمن سلسلتين، الاولى وطبعت تحت عنوان عام هو (الخطاب الثقافي الإيراني المعاصر). وظهرت خمسة كتب منها. اما كتاب مطهري، فقد كان المشروع الذي انيط بي مهمة انجازه فيقوم في ترجمة مختارات من اهم اعلام الفكر الايراني الحدديث والمعاصر. وكنت اخطط لعشرة كتب، الا انني لم انجز سوى هذا الكتاب الاول. واعتذرت عن اتمام البقية الباقية، بسبب زحمة الاعمال ومشقات الجسد. 

ويحتوي هذا الكتاب على مختارات من مؤلفات مرتضى مطهري والتي تتناول مختلف جوانب ابداعه الفكري (الديني والدنيوي، وقضايا اللاهوت والفلسفة والسياسة، والقضايا الاجتماعية والأخلاقية، وقضايا الحياة الإيرانية التاريخية والثقافية).

واكتفي هنا بنشر المقدمة التي عرّبتها. وبما انها كبيرة، لهذا سوف انشرها بحلقتين أو ثلاث.

مطهري: العالم العامل وفلسفة العمل (1919-1979)

حياته وإبداعه النظري

إن الشخصيات الكبرى، أي المؤثرة في تاريخ الأمم، شانها شأن كل ما سواها بمعايير الوجود والعدم، بمعنى أنها تولد وتموت. وفيما بينهما تتجسد ما تدعوه لغة اللاهوت بالقضاء والقدر، ولغة الشعر بأسرار الوجود، ولغة الفلسفة بقدر الشخصية ومآثرها الفعلية في تاريخ الأمم.

وتنطبق هذه الأوصاف على قدر مطهري، وسرّ وجوده، ومآثره الفعلية بالنسبة لتاريخ الأمة الإيرانية الحديث والفكرة الإسلامية بشكل عام والشيعية بشكل خاص. فقد تراوحت حياته ومماته بين مفصلين دراميين هائلين في التاريخ الإيراني الحديث، أي بين خضوعه للهيمنة الكولونيالية بأثر تقسم العالم الآسيوي من جانب الكولونيالية الأوربية (البريطانية) وبين انتصار الثورة الإسلامية التي وضعت حدا فاصلا مع تقاليد وتراث الشاهنشاهية والكولونيالية الغربية. وما بينهما ترعرعت ونمت وتهذبت وتكاملت آرائه الفكرية ومواقف العملية، أي كل ما ارتبط بشخصيته التي جعلت منه الصيغة الظاهرية للخميني. وليس مصادفة أن يصفه الخميني في ندائه بمناسبة استشهاده "بالشهيد الجليل، والمفكر الفيلسوف، والفقيه الكبير". بل نراه يصفه بأوصاف جميلة وجليلة لا تقال إلا في القلة، واختتمها بعبارة وجدانية مؤثرة يقول فيها: "فقدتُ ولداً عزيزاً وقد فُجعت بوفاته فكان من الشخصيات التي أعدّها ثمرة حياتي".

وليس المقصود بالصيغة الظاهرية سوى الصيغة التي تعكس تقاليد الظاهر والباطن في الفكر الفلسفي والصوفي. بمعنى إنهما كلّ واحد من حيث الحقيقة. فقد تتلمذ مطهري ودرس الفلسفة والفقه على يد الخميني، إضافة إلى كوكبة أخرى من الأساتذة مثل علماء الدين أمثال البروجردي والميرزا أغا علي الشيرازي والطباطبائي. وبعد إكمال دراسته التقليدية انتقل للعمل بطلب من الخميني نفسه للتدريس في جامعة طهران حيث كان يدرس فيها الفلسفة في كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية لمدة 22 عاما. ووجد ذلك انعكاسه اللاحق في شخصيته العلمية والعملية. فمن بين أهم مميزاته بيان الفكر الاسلامي وتقاليد ومدارسه وقضاياه بعبارات سهلة، واضحة وسهلة ومناسبة من حيث أمثلتها لوعي الجيل الحديث وإشكاليات المعاصرة والبدائل المستقبلية.

لقد كان مرتضى مطهري، حسب وصف الخميني ممن "قلّ له مثيل في طهارة الروح وصلابة الإيمان وقوة البيان". فقد كان من بين أولئك الذين شاركوا في إرساء أسس وتقاليد "حسينية الإرشاد" التي تعدّ من أهم مراكز نشر المعارف الإسلامية قبل الثورة الإسلامية في إيران، و"جمعية رجال الدين المناضلين" بعد الثورة الإسلامية. وما بينهما ترامى نشاطه النظري - العلمي والعملي – السياسي. فقد أعتقل سنة 1963 مع مجموعة من أساتذة وطلبة الحوزة العلمية، بسبب الاعتراضات والمظاهرات التي خرجت للتنديد باعتقال الخميني. وفي سنة 1964 قام بتأسيس حسينية الإرشاد وإلقاء المحاضرات فيها. واستمر بعمله هذا حتى عام 1970. واعتقال مرة ثالثة عام 1969 بسبب مشاركته في جمع التبرعات للشعب الفلسطيني. واعتقل مرة أخرى عام 1972 بسبب نشاطه في مسجد الجواد. كما كان مطهري وبطلب من الخميني يذهب للتدريس في مدينة قم لمدة يومين في الأسبوع، ويقض الأيام الأخرى للتدريس في بيته أو المراكز العلمية في طهران. وفي عام 1976 فصل من عمله كمدرس في كلية الإلهيات التابعة لجامعة طهران. وفي عام 1977 شارك مع مجموعة من رجال الدين في طهران في تأسيس جمعية رجال الدين المناضلين. وفي عام 1978 ذهب إلى باريس للقاء الخميني، الذي كان في طريقه للعودة إلى إيران في مجرى الثورة المتفاقمة آنذاك، بعد إخراجه من العراق بأثر الضغط المعنوي والسياسي من جانب الدكتاتورية الصدامية آنذاك. حينذاك كلفه الخميني بمهمة تشكيل مجلس قيادة الثورة الإسلامية. وبعد الرجوع إلى إيران سنة 1979 كلفه الخميني بمسؤولية لجنة استقباله في مجرى قيادة الثورة الشعبية الهائلة التي أسقطت نظام الشاه. بعدها ترأس مجلس قيادة الثورة الإسلامية. وبعد اغتياله في نفس العام جعلت الحكومة الإيرانية يوم شهادته يوم المعلم في إيران.

ترك مطهري ما يقارب الخمسين كتابا في مختلف مجالات المعرفة والفكر من فلسفة ولاهوت إسلامي وسياسة واقتصاد وثقافة وغيرها. ففي مجال الفلسفة يمكن الإشارة إلى كتابه الكبير (بخمسة أجزاء) عن (أصول الفلسفة والمذهب الواقعي)، و(شرح منظومة السبزواري) بأربعة أجزاء، و(الحركة والزمان) وغيرها. وفي اللاهوت كتب رسائل وكتب عديدة مثل (معرفة القرآن) بأربعة أجزاء و(العدل الإلهي) و(الإنسان والمصير) و(مقدمة حول الرؤية الكونية الإسلامية) و(الإمامة والقيادة). و(قصص الأبرار) بجزأين و(الملحمة الحسينية) بثلاثة أجزاء و(نهضة المهدي). وفي مجال الفكر الأخلاقي كتب (الإنسان الكامل) و(التربية والتعليم في الإسلام)، كما تناول مختلف القضايا الاجتماعية في بعض كتبه مثل (نظام حقوق المرأة في الإسلام) و(قضية الحجاب). أما في مجال الثقافة والحضارة فقد كتب (الإسلام وإيران) بثلاثة أجزاء و(الإسلام ومتطلبات العصر) بجزأين. كما كتب عن مختلف القضايا المتعلقة بالثورة والسياسية مثل (الحركات الإسلامية في القرن الأخير) و(حول الثورة الإسلامية). كما وضع الكثير من الكتب والرسائل في مجال الفقه وعلم الكلام مثل (علم الكلام والحكمة العملية) و(الفقه وأصوله). وفي الاقتصاد وضع كتاب (النظام الاقتصادي في الإسلام) و(الربا والمصرف والضمان) إضافة إلى الكثير من المقالات والمحاضرات التي جرى جمعها في كتب منفردة.

 العالم العامل- التقاليد والمعاصرة

لقد استمدت وتأثرت التيارات الإسلامية الكبرى، والشخصيات المؤثرة في التاريخ الفعلي للشعوب والأمم الإسلامية بالشخصية المحمدية. غير أن هذا الاستمداد والتأثر يختلف فيما بين التيارات والمدارس الكبرى. وذلك لان هذا التأثير كان دوما يجري عبر موشور وعيها الذاتي. ومن ثم كان يتلون بعقائدها وتراثها الخاص ضمن الكلّ الاسلامي. فالمتصوفة، على سبيل المثال، نظروا إلى النبوة نظرتهم إلى مصدر الإبداع الحر ولم ينظروا إليها بمعايير نبوة التشريع. بمعنى أن الأولوية عندهم كانت لما يمكن دعوته بنبوة المعاناة المعرفية والأخلاقية. من هنا فكرة ومفهوم "مشكاة النبوة". ومن ثم العمل بمعايير الروح الأخلاقي. بينما حوّلت التيارات السنية النبوة المحمدية إلى مجموعة شعائر وطقوس. ومن ثم جرى تحويل محمد إلى صنم التقليد الجسدي المجوّف والخال من معاني الروح العملي. بينما نظر التشيع إلى النبي محمد من خلال "الأئمة الأطهار". من هنا فكرة الطهارة والاستشهاد التي توجت بفكرة المهدي. ومع أن فكرة المهدي فكرة إسلامية عامة ومقبولة عند الجميع، إلا أن التشيع جعل منها فكرة جوهرية بالنسبة للعقائد والسلوك. واكتنزت هذه الفكرة وتوسعت في مجرى قرون من الزمن لتتحول إلى بوصلة الرؤية العملية تجاه الواقع والمستقبل.

وقد تعرضت هذه التقاليد الإسلامية العامة في مجرى الزمن إلى تشذيب وتهذيب متنوع لكنها بقت من حيث الجوهر بدون تغير نوعي حتى بداية القرن العشرين، أي حالما جرى انتقال الزمن الاسلامي إلى تاريخ المعاصرة الأوربية. حينذاك اتخذت علاقة العلم بالعمل، والنبوة بالإصلاح، والدين بالسياسة صيغا جديدة تجسدت مع مرور الزمن في "ظاهرة إسلامية" كبرى هي بدورها جزء من المركزية الإسلامية الحديثة.

وحصلت هذه "الظاهرة الإسلامية" في إيران على أنماطها الخاصة العامة، بمعنى أنها تراوحت أيضا بين تيارات مختلفة ومتنوعة من تقليدية وإصلاحية وثقافية، لكن ما يميزها هو خصوصية انتمائها لتقاليد التشيع الاسلامي. ومن ثم تأثرها المباشر وغير المباشر بتقاليد التفلسف والعرفان (التصوف النظري). من هنا ميزتها الكبرى القائمة فيما يمكن دعوته بوحدة العقل والوجدان. فقد كان هو الحد الأدنى أو الأساس الذي ارتكزت عليه كافة الحركات والشخصيات الفكرية الإسلامية في إيران على امتداد قرون، وبالأخص منذ القرن السادس عشر. اذ تحولت إيران منذ ذاك الزمن إلى ملجأ الفكر الفلسفي الاسلامي المطارد في حواضره الأخرى. الأمر الذي طبع تقاليد النظرية بمسحة فلسفية وعرفانية خاصة، سرعان ما كانت تنقل وهجها العقلي الوجداني إلى ميدان الفكرة السياسية عند أول التحام محرق لهما! وهي السمة المميزة في الواقع لكل الشخصيات الفكرية الكبرى اللامعة في سماء إيران القرن العشرين.

غير أن هذه المقدمة النظرية العامة تقف على الدوام أمام امتحانها الذاتي القائل، بأنه ما لم يجري التأسيس النظري العقلاني للفكرة، فانه لا يمكن للفكرة أن تكون عملية ونافعة. اذ أنها سوف تبقى في أفضل الأحوال مجرد نصيحة عابرة، أو كلمة مأثورة، أو حدس للخواص. 

لاهوت العمل

أما في شخصية مرتضى مطهري فأنها استطاعت تذليل البون القائم بين العقل والوجدان من خلال صهرهما في مختلف نماذج ومستويات التأسيس النظري للفكرة العملية. وبهذا يكون مطهري من بين النماذج الكبرى للفكر الاسلامي الإيراني الحديث الذي جسّد احد النماذج الحية للمرجعية الإسلامية القائلة بان العلم الذي لا يراد به العمل لا فائدة فيه ولا طائل. بمعنى ضرورة السعي لغايات عملية ذات فائدة، والسعي لتطبيق النتائج النظرية في النفس ومن خلالها ، وأخيرا أن الأنا العالمة هي الأنا العاملة. 

وشكلت هذه المقدمة الذائبة في صيرورة الشخصية العلمية والعملي لمطهري اساس ما يمكن دعوته ب "لاهوت العمل"، أي ذاك الذي يرتقي إلى مصاف الأيديولوجية العملية دون أن يتحجر في قواعدها. من هنا وحدة الرؤية النقدية الواقعية والإصلاحية المستقبلية.

وقد حدد ذلك موقفه النقدي من كل مفاصل الفكر والثقافة والماضي والحاضر والمستقبل، إضافة إلى كل ما له علاقة بالوجود الفعلي للإنسان والمجتمع والدولة. كما انه استكملها دوما برؤية البديل المستقبلي.

وشأن كل فكرة نقدية واقعية مؤسسة بمعايير العقل والوجدان، أي بمعايير العقلانية المنتمية لتراثها الخاص، عادة ما تبدأ بنقد العلم لتنتهي بنقد العمل. ومن خلالهما تبلور الفكرة العلمية - العملية في موقفها من البدائل. من هنا موقفه النقدي من العلماء والعلم في الحوزات الدينية في إيران وتقاليدها الشيعية بشكل عام. اذ توصل في رؤيته النقدية هذه إلى ما يمكن دعوته بالخلل الذي اخذ يخترق أصولها وأساليبها، والذي جعل منها في نهاية المطاف مؤسسات مغلقة ونفعية وضيقة. بحيث نراها تهمل تعليم القرآن وما يرتبط به، بينما نراهما شديدة الاهتمام بالفقه وتفريعاته. بمعنى أنها بقيت ضمن نفسية وتقاليد "إرضاء العامة". اذ لم يتعد الفقه هنا أكثر من اجترار ما هو موجود مع إضافات جزئية صغيرة متعلقة بمتطلبات الجسد. بل حتى الاستقلال المالي الذي ميز تقاليد ووجود العلماء الشيعة وحوزاتها العلمية، والذي أعطى لهم إمكانية اتخاذ المواقف الحرة والمستقلة تجاه السلطة ، قد احتوى على نقيضه. بمعنى أن هذا الاستقلال المالي جعلهم أكثر ميلا لنفسية وذهنية العوام والممولين. وينطبق هذا على مختلف الجوانب بما في ذلك العقائد وأساليب العمل. ففكرة التقية التي عادة ما يجري مطابقتها مع مضمون السلوك الباطني للتشيع، قد جرى تحريف معناها الروحي والعملي. بحيث تحولت في نهاية المطاف إلى أسلوب للتخاذل والجدل الأجوف. وبالمقابل افتقدت هذه الحوزات إلى الاهتمام الجدي بدراسة اللغات الأجنبية والعلوم الحديثة.

إن هيمنة الذهنية التقليدية وأساليبها قد مسّ كل شي بما في ذلك قضايا الدعوة والتبليغ. اذ نراه ينتقد مختلف مظاهرها وأساليبها وكذلك التوظيف السيئ للإمكانات والقدرات، إضافة إلى الجهل والوصولية ومختلف الرذائل المنتشرة بين علماء الدين والمدارس. وقد أوصله ذلك إلى استنتاج يقول بضرورة الإصلاح العميق والمنظومي لهذا الخلل من خلال رفع شعار "لا عصمة للعلماء" من جهة، وضرورة دراسة حالة وتفكير ونفسية الأجيال الحديثة والاستجابة لها من جهة أخرى. 

وقد كان اجتهاده النظري جهادا متواصلا ضمن هذا السياق، بمعنى تذليل فكرة العصمة للعلماء ومن ثم تذليل نفسية وذهنية التقليد دون أن يعني ذلك إلغاء التقاليد بحد ذاتها، والسير ضمن سياق الحضارة المعاصرة والحداثة دون أن يعني الانصهار فيها بوصفها تجارب غربية.

ففي مجال العقائد الكبرى نراه يتناول قضايا الله والعالم،الله والإنسان، والدين والإيمان وكثير غيرها عبر موشور التحديد النظري والعملي الجديد لفكرة التوحيد. فهو لا يتناول قضية التوحيد ضمن مقولات ومفاهيم اللاهوت الاسلامي التقليدي، بل يتعداها إلى ميدان التفلسف والأدلة العقلية. بحيث نراه يناقشها بدأ من أرسطو وانتهاء بمالتوس، مرورا بابن سينا وكانط وانسيلم وصدر الدين الشيرازي ولامارك ودارون وغيرهم. بمعنى انه يتناولها ضمن حلقة أوسع وتستجيب في الإطار العام إلى مستويات الفكر النظري المعاصرة له.

غير أن الجديد الذي يقدمه مطهري بهذا الصدد هو تناول إشكاليات الوجود الاجتماعي والأخلاقي المعاصر والمستقبلي من خلال قضية وفكر التوحيد. من هنا تركيز على ما اسماه بالتوحيد ومسألة الشر. ومن حيث الظاهر تبدو إجابته على هذه المسالة كما لو أنها ترديد لما سبق وان وضعه أوغسطين والغزالي، إلا أن الجوهري فيها هو وضعها في صلب تناوله لإشكاليات الحياة المعاصرة، من خلال الإجابة على السؤال المحير، ضمن سياق الرؤية الدينية، ألا وهو: إذا كان العالم بنظامه يكشف عن انه تعبير ودليل على حكمة الخالق، إذن كيف يمكن توفيق ذلك مع الشر السائد في العالم؟ وأجاب على هذه الإشكالية بالشكل التالي: إن الشر يعادل العدم من حيث مساره وتأثيره على الخير. فالأشياء "الشريرة" ليست شريرة بذاتها، بل بالارتباط مع أشياء أخرى. وان المسار التاريخي والتطور الإنساني يكشف عن أن وجود الشر أمر ملازم للوجود الإنساني بوصفه قوة دافعة لاجتهاد الخير. ومن ثم فان البديل الاسلامي يفترض العمل من اجل حل هذه الإشكالية الدائمة بمعايير الرؤية الإسلامية عن الخير الأسمى، والذي يشكل التوحيد (الاسلامي) إطاره النظري والعملي. وضمن هذه الرؤية تناول مختلف المسائل التقليدية المتراكمة في جدل الكلام والفلسفة والفقه والحياة العادية، بمعنى تناوله إياها بمعايير التفسير العقلي والتنوير الروحي والأخلاقي.

ففي الموقف من القرآن، على سبيل المثال، ينطلق من السؤال المتعلق بتأسيس الفكرة العملية البديلة، ألا وهو: هل القران معجزة؟ وبعد انتقاده لمختلف الأفكار عن المعجزة، وعما إذا كان القرآن معجزة، نراه ينتقل صوب الأبعاد العملية لهذه القضية من خلال دعوته لما اسماه بهجران القرآن. بينما الرجوع إليه ضرورة لفهم معنى المعجزة في الظروف المعاصرة. بحيث نراه يعتبر حقيقة إعجاز القرآن الآن تقوم في الرجوع إليه. اذ وجد في ذلك البديل الضروري للاهتمام المفرط بكتب الأصول والفقه عوضا عن الاهتمام بالقرآن. بل نراه يعتبر هذا "الهجران" انتكاسة للفهم الاسلامي السليم. وإذا كانت هذه الصيغة تبدو في ظاهرها كما لو أنها سلفية تقليدية إلا أن مضمونها الواقعي يقوم في مزاوجته للرؤية النقدية والإصلاحية. اذ أراد الخروج من شرنقة التقاليد السائدة للفقه والفقهاء عبر الرجوع إلى القرآن من جهة، وقراءة الوجود المعاصر بحقائق القرآن الكبرى من جهة أخرى. ومن ثم تحرير الفكر من إسار التقليد أيا كان مصدره للمدارس والفرق، وتوجيهه صوب إبداعه الذاتي بالشكل الذي يحرره من الاغتراب أمام "الغرب" و"الشرق". بعبارة أخرى، إن معجزة القرآن تقوم في استعادة قدرته وطاقته على تثوير الإبداع الذاتي وتحقيق الأصالة الثقافية. (يتبع).

***

 

 

عن دار ضفاف للطباعة والنشر في بغداد صدر الجزء الثامن والعشرون من موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية ترجمة وإعداد الباحت "حسين سرمك حسن".

1285 جرائم امريكا

جاء في مقدمة هذا الجزء:

"هذا الجزء الذي بين يدي السادة القرّاء (الجزء 28) يكشف بشهادات شهود العيان الغربيين والعرب والعراقيين دور القوات الأمريكية في تحفيز وتشجيع وتسهيل عمليات سلب مؤسسات الدولة ثم حرقها يأتي الفصلان (2، 3) ليكشفا الدوافع الحقيقية وراء تشجيع الولايات المتحدة لعملية نهب وحرق مؤسسات الدولة العراقية، وكيف شجّعت اللصوص على نهبها وأعطتهم الضوء الأخر كما حصل - على سبيل المثال لا الحصر - في معهد النفط في الناصرية حيث قام الجنود الأمريكيون بإطلاق النار على جدران المعهد والتلويح للسرّاق بإشارات التحية والتشجيع كما وثّق ذلك "جوناثان دافي" مراسل بي بي سي نيوز أون لاين. كما ثبت أن الجنرال تومي فرانكس قد أصدر أمراً يحظر استخدام الجيش الأمريكي للقوة لمنع عمليات نهب وسلب المؤسسات العراقية. بل إن القوات الأمريكية نفسها قامت بعمليات النهب كما حصل في تخريبها لمطار بغداد الدولي على سبيل المثال (الفصل الرابع).

وقد شهد شاهدٌ من أهلها كما يُقال حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حين كان مرشحاً للرئاسة إن الجنود الأمريكيين نهبوا ملايين من الدولارات من العراق ومرّوا بها بلا عقاب وهم يتمتعون بها الآن بشكل جيّد في الولايات المتحدة (الفصل 6). وقد أثبتت الوقائع أنّ الجنود الأمريكيين - وحسب قناة روسيا اليوم مثلا - كانوا "رجالا للسرقة" حيث قاموا بسرقة أموال الشعب العراقي من قصور صدام والبنوك والمؤسسات العراقية وحتى من بيوت المواطنين المدنيين الأبرياء حيث تعرض الفصول (7، 8، 9، 10) العديد من الأمثلة على جنود تم إلقاء القبض عليهم بسبب سرقتهم ملايين الدولارات من الأموال العراقية. واحد من هذه الأمثلة سرق فيها جنود أمريكيون مليون دولار من 700 مليون دولار تمّ العثور عليها في أحد البيوت في بغداد. والسؤال الذي يطرح نفسه أين أصبحت ال 700 مليون دولار؟ فقد عوّدتنا الإدارة الأمريكية على محاسبة عدد قليل من الأسماك الصغيرة تاركة أسماك القرش المتوحشة الفاسدة تفرّ بغنائمها المحرّمة. ولم يتوقف الأمر على الجنود فقط بل شارك في عمليات النهب والسرقة الموظفون والصحفيون وغيرهم (الفصل 16) ، كما لم تقف السرقة عند حدود المبالغ النقدية (الدولارات) بل تعدتها إلى الأعمال الفنية (الفصل 16) وأسلحة الرئيس العراقي السابق المطلية بالذهب (الفصل 17). ولم يكن العراق فقط ساحة للصوصية الجنود الأمريكيين بل كان الحال نفسه وعبر أمثلة ووقائع مشابهة في أفغانستان (الفصلان 11 و 12) والفارق يكمن في حجم ثروات العراق الهائلة حيث يطفوا هذا البلد على بحيرات من الثروات التي استبيحت بقسوة ونُهبت يتخطيط منظّم ومُسبق كما سنرى في الجزءين المقبلين بصورة أكبر.

ولكن الأخطر من ذلك هو جريمة سرقة سبائك الذهب العراقي حيث يرى السادة القرّأء في عشرات الصور (قدمنا بعضها فقط) الجنود الأمريكيين وهم يتقلبون ويستعرضون على سبائك الذهب العراقية في شاحنات تحمل كميات هائلة منها ، وكان العذر هو أنهم نقلوا الذهب العراقي إلى الكويت الشقيقة لغرض فحصه والتأكد من نقاوته ثم إعادته إلى العراق!!! (الفصل 18) ، وآخر كمية أعلن الجيش الأمريكي عن ضبطها في شاحنتين عند سيطرة أمريكية في كركوك هي (4100) سبيكة ذهبية تصل قيمتها إلى مليار دولار. فأين اصبحت؟ (القصل 20)...."

اشتملت محتويات هذا الجزء على (36) فصلاً هي:

(1)    ما هي واجبات القوات المحتلة تجاه مؤسسات الدولة العراقية في ضوء القانون الدولي؟

(2)    كيف ولماذا شجّعت الولايات المتحدة نهب وحرق المؤسسات في العراق ؟

(3)    القوات الأمريكية تشجّع اللصوص على نهب مؤسسات الدولة

(4)    القوات الامريكية تنهب مطار بغداد

(5)    شهادة عن نهب بغداد من الفيلسوف الفرنسي الشهير "بودريارد"

(6)    جنود وموظفون أمريكيون أيضا نهبوا بغداد-

شهد شاهدٌ من أهلها: دونالد ترامب يتهم الجنود الأمريكيين بسرقة الأموال من العراق والتمتع بها بشكل جيّد

(7)    لكن ترامب مخطىء: لم يسرق الجنود الأمريكيون اموال إعادة الإعمار بل الأموال العراقية الصرفة وهذه هي الأدلة: خمسة جنود سرقوا 8 ملايين دولار!

(8)    اعتقال أربعة جنود أمريكيين سرقوا مليون دولار من 700 مليون دولار عُثر عليها في بغداد

(9)    روسيا اليوم: جنود الولايات المتحدة في العراق: رجال للسرقة

(10)  نماذج : غنائم حرب العراق: كيف أصبح جندي من ساراسوتا غنيا ثم فقد كل شيء

(11)  نماذج: اختلست جندية مليون دولار أثناء الخدمة في أفغانستان وقامت بإنفاقها على إجراء جراحة تجميلية وشراء شاحنة

(12)  نماذج: احتيال الحرب- سرقت القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان عشرات الملايين من خلال الرشوة والسرقة والتزوير.

(13)  نماذج: رشوة بعشرات آلاف الدولارات

(14)  نماذج : الاحتيال المعقّد ورشى بقيمة 14 مليون دولار

(15)  الجيش الأمريكي يسلب المدنيين العراقيين- الجيش الأمريكي يحقق في تقارير عن الاعتداءات والسرقات التي ارتكبها الجيش ضد المدنيين العراقيين

(16)  موظف تلفزيوني أمريكي يهرّب 12 لوحة عراقية- خمسة صحفيين يهرّبون مقتنيات عراقية– أربعة جنود يسرقون مئات الآلاف من الدولارات من اموال عراقية

(17)  ماذا حدث لأسلحة صدام المطلية بالذهب ؟

(18)  هل سرقت الولايات المتحدة الذهب العراقي؟- محاولة فاشلة للتبرير أرسلت بواسطة الدكتور أدريان وونغ

(19)  تقرير الجزيرة : خسارة العراق النقدية "تصل إلى 18 مليار دولار"

(20)  الجيش الأمريكي يضبط ثلاث شاحنات مُحمّلة ب 4100 سبيكة ذهبية تصل قيمتها إلى مليار دولار

(21)  سوابق أمريكية في سرقة الذهب: مصادرة 1236 طنا من الذهب الألماني وسرقة 143 طنا من الذهب الليبي

(22)  من سرق 143 طنا من الذهب من الشعب الليبي ولماذا ؟ وهل لهذا علاقة بإسقاط القذافي ؟

(23)  وزارة الخارجية الأمريكية حذفت رسائل هيلاري كلنتون عن ليبيا التي تُظهر الدافع وراء اغتيال القذافي

(24)  مؤامرة فرنسية للإطاحة بالقذافي لإلغاء مشروع العملة الذهبية التي تحل محل الفرنك وللسيطرة على نفط ليبيا

(25)  النص الإنكليزي لرسالة سدني بلومنتال إلى هيلاري كلنتون كما نشرها موقع ويكيليكس.

(26)  من يحلّ هذا اللغز؟ جامع دبابات بريطاني يعثر على سبائك ذهبية قيمتها 2 مليون جنيه استرليني مخبأة في خزان وقود دبابة عراقية اشتراها بـ 30000 جنيه استرليني

(27)  ما معنى هذا الإعلان ومعه صورة العريف غونزاليس وهو يجلس قرب 100 مليون دولار من أموال العراقيين ؟ مع تعليق من قارىء عراقي

(28)  جريمة نهب المنشآت النووية العراقية – تسرّب المواد المشعة والتزايد الهائل في الإصابة بالسرطان بين السكان

(29)  الأمم المتحدة تريد التحقيق في النهب النووي في العراق

(30)  منظمة السلام الاخضر: نشاط إشعاعي "مخيف" في القرى العراقية المحيطة بالتويثة

(31)  غرينبيس (السلام الأخضر): ألم نقل احموا التويثة قبل عام؟- الأمم المتحدة تكرر تحذيرات غرينبيس بشأن العراق

(32)  بحث علمي عن التلوّث بالجرعات الإشعاعية في الموقع النووي في التويثة باستخدام تقنيات نظم المعلومات الجغرافية

(33)  «تشرنوبل عراقية» في منشأة التويثة النووية تسبب أمراض السرطان

(34)  العراقيون يتناولون اليورانيوم في طعامهم!

(35)  مخاطر التسرّب الاشعاعي في العراق- شهادة مضافة حول المسؤولية الامريكية في تدمير العراق

(36)  النفايات النووية خطر يهدد الحياة في العراق (موقع الريحانية في الموصل)

 

كتب محرر دار ضفاف

 

1282 حرب 48"1948 – تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى"

* الحركة الصهيونية دفعت رشاوى لمندوبي دول أعضاء في الأمم المتحدة، ومارست ضغوطا اقتصادية على دول للتصويت إلى جانب قرار التقسيم* موريس: "موضوع الضمير لا يشغلني، هذا ليس ما يتوقع ان يقوم به مؤرخ"*

يكشف المؤرخ اليهودي بيني موريس في كتابه عن حرب 1948، ضرورة إعادة كتابة تاريخ هذه الحرب من منظور جديد، وذلك من خلال بحث أجراه، وصفه بأنه واسع النطاق، وانه عثر على وثائق هامة، نشرها في كتابه الذي اثار أهمية كبيرة: "1948 – تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى". ويسمي تلك الحرب بانها "حرب بلا خيار".

تؤكد الوثائق التي يتحدث عنها بيني موريس أن مندوبين في الأمم المتحدة حصلوا على رشاوي من الحركة الصهيونية، من أجل التصويت إلى جانب قرار التقسيم في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 1947. ويشرح انه كان خوف من فشل الحصول على ثلثي الأصوات في الأمم المتحدة مما يعني فشل مشروع اقامة دولة اسرائيل. وقد خصصت الحركة الصهيونية مليون دولار لتقديم الرشاوي، عدا الابتزاز السياسي. وذلك في مواجهة ضغط الدول العربية وتهديدها "بفرض حظر" على تصدير النفط !!

يدعي موريس أن الحرب في عام النكبة (1948) لم تكن صراعا على الأرض، وإنما تدخل في إطار الجهاد الأول، وهي حرب لا تزال مستمرة حتى اليوم، وأنه "من غير المؤكد أن إسرائيل ستنتصر فيها". بحسب موريس.

بالعودة إلى الأجواء التي سبقت التصويت على قرار تقسيم فلسطين التاريخية، فإن توترا انتاب قادة الحركة الصهيونية، من جهة أن التصويت إلى جانب القرار يعني قيام دولة إسرائيل، وأن عدم التصويت سيشكل ضربة قاصمة للصهيونية، الأمر الذي دفع قادة الحركة الصهيونية إلى عدّ الرؤوس، وتبين أن نتائج التصويت لن تكون جيدة.

في هذه النقطة قرر أحدهم أن الدبلوماسية النظيفة لا تكفي، ولأن الغاية تبرر الوسيلة، يجب الانتقال إلى وسائل ظلامية، بما في ذلك الرشوة وممارسة الضغوط. ويكتب موريس في هذا السياق أن الاعتبارات المالية كان لها تأثير على تصويت مندوبي دول أمريكا الجنوبية. بعثة من جنوب أمريكا حصلت على 75 ألف دولار مقابل التصويت على قرار التقسيم. كوستاريكا صوتت إلى جانب القرار رغم أنها لم تأخذ مبلغ 45 ألف دولار عرض عليها. مندوب غواتيمالا أبدى حماسا زائدا في تأييده للصهيونية ووثائق بريطانية تؤكد أنه تلقى أموالا من منظمات يهودية أمريكية، كما تشير تقارير لدبلوماسيين أمريكيين أنه كان على علاقة بفتاة يهودية، ومن الممكن أن تكون هناك حالات أخرى ولكن لا يوجد وثائق تؤكد ذلك.

ورغم أن موريس لا يعتبر الوثيقة جيدة، إلا أن رسائل ومذكرات موظفين ومسؤولين بريطانيين تشير إلى وجود هذه القضايا بشأن عدد من الدول في أمريكا الجنوبية، والتي تم إقناع مندوبيها بواسطة الأموال بالتصويت إلى جانب قرار التقسيم.

كما يشير إلى حالات ابتزاز، حيث قامت جهات صهيونية بممارسة الضغوط وتهديد مندوب ليبيريا بعدم شراء المطاط. وتمت أيضا ممارسة ضغوط اقتصادية شديدة، وخاصة الدول التي رفضت تلقي الرشاوى مثل كوستاريكا، وصوتت في نهاية المطاف مع التقسيم. ويشير ان الضغوط كانت من رجال الأعمال اليهود، مثل صامويل زموراي رئيس شركة الفواكه الموحدة وهي نقابة أمريكية كبيرة ذات نفوذ واسع وخاصة في دول الكاريبي.

وتلفت الصحيفة إلى أن هذه الحقائق لم تكن مفاجئة نظرا لوجود ما يشير إلى ذلك. كما سبق وأن أتى المؤرخ ميخائيل كوهين على ذكر ذلك، وذكر توم سيغيف ذلك بما كتبه عن تخصيص ميزانية مليون دولار لـ "عمليات خاصة".

وموريس نفسه يعتبر هذه الوسائل مشروعة، انطلاقا من أن قيام دولة إسرائيل كان على جدول الأعمال والغاية تبرر الوسيلة، إضافة إلى ادعائه بأن الرشوة أفضل من الحرب العالمية الثالثة التي "هدد" بها العرب في حال قيام الدولة.

ينحو موريس إلى تصوير الصراع العربي – الإسرائيلي كصراع ديني. اذ يدعي أن ما اعتبر حتى الآن أنه صراع جغرافي وسياسي وعسكري بين مجموعتين قوميتين هو صراع يجب أن ينظر إليه على أنه حرب جهاد.

ويجيب موريس في المقابلة أن حرب 1948 كانت ذات طابع ديني، بالنسبة للعرب على الأقل، وأن العنصر المركزي فيها هو دافع الجهاد، إلى جانب دوافع أخرى سياسية وغيرها.

ويستند موريس في ادعائه هذا إلى وثيقة بريطانية بشأن فتوى لعلماء الأزهر، والتي تتضمن كما يقول دعوة إلى الجهاد العالمي موجهة لكل مسلم، بالتجنيد إلى الحرب المقدسة، وإعادة فلسطين إلى حضن الإسلام وإبادة الصهيونية.

ويقول موريس أيضا، إنه يجد صعوبة في عدم انتباه المؤرخين لذلك. وفي الوقت نفسه يفترض أنه ربما يكون قد أولى هذه الوثيقة أهمية أكبر مما تستحق، خاصة وأننا نعيش في عصر يوجد فيه الجهاد على الطاولة. هذا صراع بين عالم ظلامي إٍسلامي وعالم متنور، وفي العام 48 كانت جولة الجهاد الأولى في العصر الحديث.

واستنادا إلى نظريته تلك، يصل موريس إلى نتيجة مفادها أن الحديث هو عن أمور مطلقة، بمعنى أنها لا تحتمل الصلح. ويضيف على سبيل المثال، أنه لن يكون هناك صلح بين حماس وإسرائيل. قد تحصل تسويات تكتيكية، ولكنها ليست أساسية. فهم لن يتقبلوننا، لأن الأرض بالنسبة لهم إٍسلامية، وأن الله أمرهم بتدميرنا، وهذا ما يتوجب عليهم فعله.

ويتابع أنه في العام 48 كان الفهم الإسرائيلي التلقائي بأن جميع العرب قرويون سذج لا يفقهون شيئا، وهذا غباء. مثلما حصل في العام 2006 عندما صوتوا لحركة حماس. عندها قال الإسرائيليون إن السبب يعود إلى قيام حماس بتوزيع الهدايا والحليب مجانا، ولكن هذا خطأ أيضا، فهم يعرفون لمن هم يصوتون، مثلما كان يعرف العرب في العام 48. الدين بالنسبة لهم مهم جدا، وإبادة الصهيونية مهمة جدا. ولا يغفل موريس التأكيد على أن ما يسميه بـ حرب الاستقلال هي "حرب وجود ودفاع عادلة".

إلى ذلك، يتضمن الكتاب تطرقا إلى ممارسات الجنود الإسرائيليين خلال الحرب، فيشير إلى 12 حالة اغتصاب قام بها جنود إسرائيليون. من بينها قيام 3 جنود باغتصاب فتاة فلسطينية من مدينة عكا، بعد قتل والدها أمام ناظريها، ثم قاموا بقتلها، وحكم عليهم بالسجن لمدة 3 سنوات فقط. كما تتضمن حالة اغتصاب فتاة من مدينة يافا لم يتجاوز عمرها 12 عاما. في المقابل يشير إلى حالة واحدة جرت فيها محاولة لاغتصاب مجندة إسرائيلية من قبل جنود في الجيش العربي إلا أن الضابط المسؤول عنهما أطلق عليهما النار، وأنقذ المجندة.

وبحسبه فإن الجرائم التي ارتكبها الجنود الإسرائيليون عام 48 تفوق تلك التي ارتكبت في حروب أخرى. ويقول كان هناك كثيرون ممن تركوا غرائزهم تتحكم بهم، بعضهم جاء من معسكرات الإبادة في أوروبا مصابين بعدواها، وسعوا للانتقام من الأغيار، بعضهم حارب سنة كاملة لأن العرب أجبروهم على القتال. بعضهم أراد الانتقام لمقتل أصدقاء لهم. لكل شعب هناك نقاط سوداء في تاريخه، والأعمال الظلامية التي وقعت في هذه الحرب هي نقطة سوداء في تاريخنا يجب استخلاص العبر منها.

وحول تخصيص جزء واسع من الكتاب لمجزرة دير ياسين، يكشف موريس إنه بالنسبة لليهود فإن أهم نتائج ما حصل في دير ياسين، أنها كانت المسرّع لهروب العرب من البلاد. ويضيف أن العرب تحدثوا عن دير ياسين في البث الإذاعي وضخموا تفاصيل المجزرة، ما دفع سكان حيفا ويافا إلى الاعتقاد بأن الإيتسل قادمون لارتكاب مجزرة مماثلة.

ويعترف أن ديرياسين لم تكن المجزرة الوحيدة، فقد وقعت أعمال قتل كثيرة، مثل مجزرة اللد التي قتل فيها 250 شخصا غالبيتهم لم يكونوا مقاتلين، وقتل أسرى في داخل المسجد. ويكشف موريس في كتابه وقوع مجزرة أخرى في يافا. فبعد سيطرة الهاغانا على يافا تم العثور على 12 جثة، عثر في ثياب أصحابها على بطاقات هوية شخصية إسرائيلية، الأمر الذي يؤكد أن المجزرة وقعت بعد سيطرة الهاغانا على المدينة وتوزيع البطاقات الزرقاء على ما تبقى من السكان.

وبحسب موريس فإن هروب العرب هو الشكل العام، متجاهلا ان المجازر في عدد غير قليل من البلدات العربية ارتكبت لإثارة الرعب الذي دفع الفلسطينيين للهرب، وبعد ذلك جرى تدمير قراهم ولم يسمحوا لهم بالعودة، ويقول: أما عمليات الطرد الحقيقية فقد حصلت في مواقع معدودة فقط !!

ويقل إن الحرب سببت نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين، وبنفس الدرجة أدت الحرب إلى دفع اليهود إلى الهرب من الدول العربية، بعد أن تم نهب ممتلكاتهم. ويدعي في هذا السياق أيضا أن الأرقام كانت مماثلة ("!!!") ويذكر موريس في هذا السياق قول موشي شاريت (وزير خارجية في بداية اقامة اسرائيل) قال عام 49، بأن ما حصل هو "تبادل سكان". ويعقب موريس بأنه يوجد "منطق" في ذلك، وأن الاختلاف هو أن اللاجئين اليهود تم استيعابهم في إسرائيل، في حين أن العرب لم يقوموا باستيعاب اللاجئين الفلسطينيين وظلت قضيتهم قائمة.

وإضافة إلى ذلك، يشكك موريس بمدى صحة حقيقة وجود شعب فلسطيني في العام 1948، بادعاء أن الوعي السياسي القومي كان ضعيفا في وسط الفلسطينيين، وعدم قدرتهم على إقامة جيش قطري بدلا من مجرد عدد من المقاتلين في كل مدينة وقرية.

ويختتم الكتاب بقوله: هناك انتصار في العام 48، ولكن ذلك لا يضمن بقاء دولة إسرائيل. ان قيام الدولة في العام 48 أثار ردود فعل رافضة في وسط العرب وغريزة شديدة للانتقام. العالم العربي يرفض قبول وجودنا. وحتى لو وقعت "اتفاقيات سلام"، فإن رجل الشارع والمثقف والجندي يرفضون الاعتراف بإسرائيل. وإذا لم يكن هناك حل سلمي بين الشعبين، فإن النهاية ستكون مأساوية لواحد منهما.

ويلخص في مقابلة أجريت معه إلى القول بأنه "من الصعب أن يكون لديه أسباب للتفاؤل بشأن احتمالات إسرائيل، حيث أن العالم العربي، وبمساندة العالم الإسلامي، يزداد قوة ومن الممكن أن يكون لديهم سلاح نووي". ويضيف "لا يوجد في الأفق ما يشير إلى احتمال التوصل إلى تسوية في السنوات الخمسين القادمة، وحتى يحصل ذلك يجب إضعاف العالم العربي، الأمر الذي لن يحصل إلا بعد نضوب النفط، والذي لن يكون قبل 50 -100 عام".

 

نبيل عودة