921 طلال الغوارطلال الغوّار، من الشعراء الذين برزوا بقوة في المشهد الشعري الحديث منذ السبعينات، ومن خلال تجربة شعرية فنية خصبة متصلة الإبداع، ودون مطبّات أو خلل في شاعريته.

وإذا كانت حياة الشاعر طلال الغوّار منذ طفولته موحشّة بحب الطبيعة والقرية التي ولد فيها واعش فيها طفولته قبل أن ينتقل إلى المدينة، أجمل أعوام العمر، حيث النهر والشجر والطيور والنهر والحقول الخضراء، فأن اشعر عنده حياة أخرى ممتزجة بحياة الواقع، لذا نجد هذا الشاعر المبدع ق تفنن في كتابة قصيدة العمود و التفعيلة إلى جانب قصيدة النثر ومن بعدها سرد الذكريات وسرد أفكاره المتعلقة بجوانب فن الشعر العام، وشعره الخاص، إلى جانب ما يراه من وقائع سلبية وايجابية .

بعد ستة دواوين من الشعر والتي أصبحت عند القارئ علامة مضيئة في الشعر العراقي الحديث، يجد القارئ نفسه الآن أمام كتاب غريب التشكيل الذي يحمل اسم (انثيالات.. في الشعر ..الطفولة .. الحياة) للشاعر طلال الغوّار.وأنا احد قراء شعرية طلال الغوّار ومتابع لخطواته في طريق الإبداع، أجد هذا الكتاب من الكتب المهمة ليس كونه من الأهمية المتعلقة بطلال الغوّار، إنما ألأهمية من المحتوى الذي فيه من التنوع الكتابي .فبعد ا نقرات الكتاب أكثر من مرتين خلال أسبوع واحد، وجدت نفسي مشدودا إليه بقوة، حيث استفزني محتوى هذه الانثيالات مما دفعني لان اكتب عنه.

إن طريقة ترتيب المحتوى الغريبة أعطت صفة جديدة لإصدار أدبي قد يكون مفتاحا لبعض الأدباء والدخول إلى هكذا نوع من الإصدارات.

هو (طلال) لم يفصل نصوص المواضيع العامة المتعلقة بالحياة والشعر، عن القصائد المدونة في الكتاب بل اعتمد على التداخل .

ويمكن ان نقسم محتوى الكتاب إلى ثلاثة فصول :

الأول .. مقالات قصيرة طرح من خلالها أفكاره وانطباعاته ورؤاه المختلفة عن الشعر والطفولة والحياة .

الثاني.. قصائد قصيرة من العمود والتفعيلة وقصائد حرّة تتميز بطاقتها التعبيرية العالية، ومرجعيات هذه القصائد متعددة، فيها من الطبيعة، وأشخاص مجهولي الهوية، وغيرها، ومن هذه المرجعيات رسم الشاعر صوره الشعرية واختصر المضمون برؤى شعرية متدفقة العذوبة، ونجد مساحات من الحزن إلى جانب الفرح الباحث عن المعنى .

الثالث.. نصوص ادبية سردية، وهي نصوص كتبها الشاعر ربما لأول مرة وتعتبر محطة تحول في مسيرة الشاعر، فهي ولدت من الإحساس بالهموم اليومية العامة والخاصة، وكذلك الذكرى التي تؤكد تواصل الشاعر مع طفولته وقريته، كتبها بلغة سردية ساحرة يشد القارئ ويجعله في حالة استمرار، لقد احال الشاعر "المكان" إلى مصدر مهم في نصوصه هذه واعطى لمظاهر الطبيعة تشخيص يوازي شخصية الشعر الذاتية الرؤيا .

اثيالات ..في الشعر.. والطفولة.. والحياة.. صدر عن دار أمل الجديدة 2019 دمشق

 

بقلم: حمدي مخلف الحديثي

 

حسيب شحادةكرمة زعبي، شخصية المرأة في الدراما والمسرح الفلسطيني في إسرائيل بين السنوات ١٩٦٧-١٩٩٧. الناصرة: مجمع اللغة العربية. ط. ١، ٢٠١٨، ISBN 978 965 - 92518- 7-2، ٣٠١ ص. (أطروحة دكتوراة، قسم المسرح في جامعة تل أبيب بإشراف ثلاثة أساتذة، اثنان يهوديان وواحد عربي).

يتكوّن هذا البحث من مقدّمة (ص. ٧-٦٠ وكان من المطلوب ذكر العناوين الفرعية كما هي الحال بالنسبة للأقسام الأخرى)، وثلاثة فصول أساسية: كتّاب مسرحيون ومسرحيات بعد ١٩٦٧ (ص. ٦١- ١١٠)؛ شخصيات نسائية في المسرح الفلسطيني (ص. ١١١-٢٣٨)؛ شخصية المرأة على خشبة المسرح (ص. ٢٣٩-٢٨٠). وفي ذيل الكتاب كالعادة ثبت بالمراجع يضمّ أكثر من مائتي مصدر بالعربية (وهي الأكثرية الساحقة) والعبرية والإنكليزية.

في هذه الأطروحة التي تناولت موضوعًا جديدًا، حاولت المؤلّفة فحص عدّة نواحٍ متعلّقة بالموضوع  على ضوء النظرية الجندرية، نظرية السياسة الجنسانية لـ Kate Millet مثل: التطرق لسير حيوات بعض كتّاب المسرحية؛ إلقاء بعض الضوء على سبع وعشرين مسرحية وتحليلها وَفق أُسس التحليل في النظرية السيميائية والنظرية البروكسيمية؛ أبعاد شخصية المرأة  ودورها في مسرح البلاد؛ مكانة المسرح العربي في البلاد؛ الصلة بين المجتمع الفلسطيني والمسرح؛ توثيق قسم كبير من فعاليات المسرح المحلي؛ النظام البطركي في المجتمع العربي وتبعية المرأة للرجل؛ غياب النظرة النقدية لواقع المرأة.

تطرح الكاتبة في نهاية بحثها سؤالًا مستقبليًا، يدور حول حظوظ تبدّل وضع المرأة الراهن لتتبوّأ مكانًا مؤثّرًا، وترى في المونودراما ”جميلة“ من إنتاج ”مسرح الجوّال“ السخنيني وإخراج المسرحي عادل أبو ريّا، التي عرضت في خريف ٢٠٠٣ بداية خير، امرأة غير نمطية، غير تابعة للرجل، مطالبة بالحرية.

في ما يلي بعض الملاحظات والتساؤلات التي تجمّعت لديّ عند قراءتي لهذا البحث، والحقّ يقال، إنّني لم أشعر بجاذبية شديدة  في القراءة.

أ) كيف تمّ تقييم هذا البحث المكتوب بالعربية من قبل المشرفين اليهوديين، أيجيدانها، أم كانت أمامهما ترجمة ما؟

ب) اختراق التأثير العبري للوعي العربي لغويًا: بعد حرب الأيّام الستّة عام 1967 (ص. ٧، ٢٠،  ٤٢،  ٤٨،  ٦١)، ”اللقب“ كذا وكذا بدلا من ”شهادة“ كذا وكذا فاللفظة الأولى بهذا المدلول غير مفهومة للعرب في الدول العربية ، ص. ٥١، ٦٦، ٨٠)  .

ت) كان من الطبيعي أن تستهل الكاتبة مقدّمتها بما جاء في آخرها، أي أنّ هذا البحث قد أعدّ في إطار إعداد شهادة الدكتوراة.

ث) تجدُر الإشارة إلى أنّ اللغة سليمة وهذا ظاهرة يفتخر بها حقًا (هفوات طفيفة في ص. ١٣، ٢٦، ٢٨، ٣٤،  ص. ٤٠ أوّل سطرين، ٤٢، ٥٠، ٥١؛ ٥٤؛ ٥٧؛ ١٨٤) لندرتها في الكتابات الراهنة ومن أسبابها عدم توفّر المدقّق اللغوي الحقيقي.

جـ) لا بدّ من الإحالة لرقم الصفحة أو الصفحات وعدم الاكتفاء باسم المؤلف وتاريخ صدور الكتاب، وهذه وللأسف ظاهرة متفشية في الأبحاث الحديثة وينبغي تفاديها (موريه ٢٠١٤، ص. ١٤؛ تشير أبو ربيعة ووينر، ٢٠١٠، ص. ٥٠؛ ٥١؛ ص. ١٤٨ الصحيح عام ١٩٩٧ وليس ١٩٩٦).

حـ) غياب الإحالة لمصدر أو مصادر  (مثلا، ص. ١٩، نهاية ص. ٣٣،  ١٨٥).

خـ) ضرورة ترجمة النصّ الأجنبي إلى اللغة العربية (ص. ٣٥، ٣٨، ٤٤، ٥٦؛ ٥٨؛ ٧٨،  ١٦٦، ١٧١، ١٧٤، ١٩٦، ٢٤٣، ٢٤٤).

 

عرض حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

علي جابر الفتلاويأيدلوجيا والجمع أيديولوجيات مجموعة الآراء والأفكار والعقائد التي يؤمن بها شعب أو أمة أو حزب أو جماعة.(1) وقيل: هي ناتج عملية تكوين نسق فكري عام يفسر الطبيعة والمجتمع والفرد، ويحدد موقف فكري معين يربط الأفكار في مختلف الميادين الفكرية والسياسية والأخلاقية والفلسفية.(2) ويقول المفكر عبد الله العروي: أيديولوجيا كلمة دخيلة على جميع اللغات الحيّة. تعني لغويا في أصلها الفرنسي، علم الأفكار، لكنّها لم تحتفظ بالمعنى اللغوي. وأضاف: نقول أن الحزب الفلاني يحمل أدلوجة ونعني بها مجموعة القيم والأخلاق والأهداف التي ينوي تحقيقها على المدى القريب والبعيد. وأن الحزب الذي لا يملك أدلوجة هو في نظرنا حزب انتهازي ظرفي لا يهمه سوى استغلال النفوذ والسلطة.(3)

كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) ومؤلفه الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وهو يتكلم عن الايديولوجيا، لا يتوافق مع كل تعريف يخرج عن تعريف واضع الاصطلاح  (انطوان دستيت دو تراسي)(4) والذي يعني:

 (علم الأفكار)، (أي دراسة الأفكار دراسة علمية).(5)

ينتقد الاتجاهات الفكرية التي توظف الايدلوجيا خارج المفهوم الذي وضعت له  يرى: أنّ  الأيديولوجيا هي علم دراسة الأفكار، وليست علم لانتاج المعنى، فعندما يتطرق إليها ناقدا في كتابه إنما يعني الأيديولوجيا الموظفة لانتاج المعنى، يقول (ص13): أعني بالايديولوجيا نظاما لانتاج المعنى، الذي يصنع نسيج مكر وسلطة متشعبة لانتاج حقيقة متخيلة، تبعا لأحلام تخيلية مسكونة في عالم طوباوي موهوم. يرى أن توظيف الايديولوجيا بهذا الاتجاه ضرب من التزييف للحقيقة، وطمس لمعناها عبر حجب الواقع، هذا الاتجاه هو من يسلط عليه الضوء في كتابه، ينتقد هذه الايديولوجيا، يبين مساوئها ونتائجها غير الإيجابية.

وفق هذه الرؤية أنتقد نابليون عندما وظّفها بالمعنى السياسي، وعدّ هذا التوجّه ازدراء لمفاهيم التنوير، وانتقد ماركس وانجلز عندما أدلجا الايديولوجيا في كتاب (الايديولوجية الألمانية)، يقول عنهما (ص13) من مقدمة كتابه: استعملاها عام (1845م) بمفهوم الادراك المقلوب والزائف للواقع؛ وفق هذه الرؤية انتقد أيضا المفكر الاسلامي الدكتور علي شريعتي، وعدّه من الذين وظفوا الايديولوجيا لأدلجة الدين، رؤيته عن فكر الدكتورعلي شريعتي، ولّد امتعاضا عند بعض القراء حسب قوله في مقدمة كتابه (ص13).

اتفق مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي في قوله (ص37): الحق في الاختلاف ضرورة تفرضها طبيعة الكائن البشري، وحاجته العميقة للانجاز والفرادة والتميّز. ولا اتفق معه في قوله: منطق الفكر الوثوقي على الضّد من حقّ الاختلاف.

 أرى من حقّ أي فرد أن يثق بما يؤمن به من دين أو فكر، لكن ليس من حقه أن يصادر إيمان الأخر المختلف وثقته أيضا في دينه أو فكره، يجب أن يسود الاحترام المتبادل. ولكل حريته فيما يحمل من فكر أو دين، وممارسة الطقوس وفق ما يرى صاحب الدين أو الفكر أنه هو الصحيح؛ الانسان بمختلف انتمائاته من حقه أن يثق بما يؤمن، ولكن ليس من حقه: (التوحيد القسري لأنماط التفكير والتعبير كافة ومناهضة التعدّدية بمختلف تجلّياتها وتعبيراتها).(6)

 أتوافق معه عندما يعلل (ص37) منشأ الفكر الوثوقي من شعور الفرد بوجود وجه واحد للحقيقة، مما يدفع الفرد للاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة واستباحة كلّ فعل عدواني ينتهك الإيمان والقيم والأخلاق.

رؤيتي أن الحقيقة واحدة، لكن لها عدة وجوه، أو عدة سبل للوصول،  من يمتلك أحد الوجوه أو السبل، لا يعني امتلاكه الحقيقة كاملة، من يؤمن أنه يمتلك الحقيقة كاملة  هو الانغلاق بعينه، هذا الشعور يدفع إلى التطرف والعدوانية والقتل العشوائي، لقد استغلّ واحتضن أعداء الشعوب من يدّعي امتلاك الحقيقة كاملة، فانتجوا وفق هذه الرؤية المنغلقة منظمات الارهاب والتطرف بكل الولاءات والمسميات، إذ نرى اليوم المجازر والتخريب باسم الدين. إنها الايديولوجية المتطرفة التي تصادر رأي الآخر ولا تعترف به، هذا الاتجاه الايديولوجي تحوّل إلى سلاح مدمر بيد أعداء الاسلام والمسلمين، وأعداء الشعوب كافة من مختلف الديانات والقوميات، وقد شاهدت أحد قادة الصهاينة (يوتيوب)، وهو يمدح ويمجّد هذا الاتجاه، وعدّ إسلامهم هو الصحيح والمطلوب، وذكر مثالا ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب، وأعطى الشرعية والدعم لأتباع الاسلام الوهابي.

 من خلال الاطلاع على رؤية الدكتور الرفاعي عن الايديولوجية، نراه لا يميّز بين أيديولوجيه وأخرى، إذ يعمم الصفات السلبية للايديولوجيات المنغلقة إلى الايديولوجيات المنفتحة، التي تحترم الآخر رغم إيمانها بأيديولوجيتها أنها هي الصحيحة، الحالة تشبه الاختلاف في الدين، فالمسلم يرى أن دينه هو الصحيح، هذه الثقة لا تسمح للمسلم بتسقيط أو محاربة الاديان الاخرى.

 الأدلجة عند الدكتور الرفاعي حالة سلبية إن خرجت عن معناها الاصطلاحي الموضوع من قبل واضع الاصطلاح، بغض النظر عن الهوية أو الانتماء، ومن دون النظر الى الايجابيات التي قد تحققها بعض الايديولجيات، عنده كل أنواع الايدلوجيات غير صحيحة ولا تحقق شيئا من الايجابية، يرى أن جميع الايديولوجيات بمختلف انتماءاتها الفكرية هي بمنظور واحد.

 في تقديري هذه مبالغة في التقييم، فلكل ايديولوجية سلبيات وايجابيات وقد تكون أحيانا الايجابيات أكثر من السلبيات في ظروف خاصة زمانية أو مكانية، لا أدعو إلى أدلجة الدين لكن نحتاج أحيانا إلى أيديولوجية مثل ايديولوجية علي شريعتي مثلا؛ على الأقل في ظرف خاص، إذ لا يمكن انكار دور شريعتي في تثوير الشباب ضد حكومة شاه ايران، لقد كانت ايديولوجية شريعتي عاملا مهما من عوامل الثورة، وقد أشار إلى ذلك الدكتور الرفاعي نفسه في كتابه (ص97) يقول:

علي شريعتي المثقف الرسولي الذي اشتهر بخطاباته التعبوية، شديدة التأثير في الشباب قبيل الثورة الاسلامية وتحريضه المجتمع للانخراط في مناهضة حكومة الشاه. وهذا حسب رأيي من الايجابيات.

ثبّت الدكتور عبد الجبار الرفاعي جملة من السلبيات على الايديولجيات عموما نذكرها باختصار (ص109 – 110):

1 – شيوع الايديولوجيات اليسارية والقومية والسلفية، أنتج عقلا ديماغوجيا (7) مغلقا متحجرا، يبثّ وعودا منقطعة الصلة بالواقع.

 أرى شيوع هذه الايديولوجيات المشوّهة لا يعني أن نستغني أو نلغي الايديولوجية التي تعطي نتائج ايجابية حتى ولو لفترة زمنية محددة ومساحة معينة. 

2 – الأيديولوجيا نسق مغلق، يغذّي الرأس بمصفوفة معتقدات ومفاهيم ومقولات نهائية، تعلن الحرب على أية فكرة لا تشبهها، حتّى تفضي إلى إنتاج نسخ متشابهة من البشر، وتجييش الجمهور على رأي واحد.

لا اتوافق مع الرؤية، إذ ليس بالضرورة أن تكون كل ايديولوجية منغلقة على ذاتها. 

3ا- الأيديولوجي عبد لأيدولجيته، حتى أنّه يرى سعادته في عبوديته هذه.

 قد تكون هذه العبارة صحيحة وتنطبق على بعض الايديولوجيين، لكن ليس بالضرورة أن تنطبق على الكل، هذه العبارة تؤول إلى نتيجة أن كل ايديولوجي مسلم حتى لو كان معتدلا، فإنه يكون قد تخلّى عن أبواب الدين الأخرى، وحصر اتجاهات الدين جميعها في اتجاه واحد، لكنّي أرى أن الواقع يقول غير ذلك، أرى أن رؤية الدكتور عبد الجبار الرفاعي هذه هي رؤية ايديولوجية، تتصف بالانغلاق.  

4 – الأيديولوجيا تعطّل التفكير التساؤلي الحرّ المغامر، الذي يتخطى حدودها.

في تقديري ليس من الضروري أن تنطبق هذه النتيجة على جميع الايديولوجيات.

5 – الأيديولوجيا جزمية، همّها تنميط وتدجين ونمذجة الشخص البشري.

 هذا التوصيف ينطبق على بعض الايدلوجيات وليس جميعها.

6- الأيدولوجيا تغلق طريق العدالة التي ينشدها الدين، لأن الأدلجة تفسد الدين.

 نعم من الايديولوجيات من تفسد الدين، لكن ليس الجميع.

هذه مؤشرات نستنتج منها أن الدكتور عبد الجبار الرفاعي يحمل مفهوما عن الايديولوجية غير المفهوم الذي ينادي به بعض المفكرين الاسلاميين، فهو يرى أن توظيف الايديولوجية خارج مفهومها الاصطلاحي الموضوع من قبل واضع المصطلح، خطأ لا يمكن أن يؤخذ به، وعدّ ذلك أدلجة للدين أو السياسة أو أي اتجاه آخر يوظف فيه المصطلح، لكن الواقع يقول غير ذلك أحيانا، لست مع أدلجة الدين ولست ضد ايديولوجية تستمد سلوكها واخلاقياتها من الدين، ولا تكون بديلا عنه بل أحد وسائل الدين في الهداية أو التثوير ضد الظلم، واسترجاع الحقوق المسلوبة. نحتاج أحيانا الى الايديولوجية كسلاح مقاوم ضد الايديولوجيات المنغلقة والشمولية نحتاجها كسلاح بوجه المهاجم الايديولوجي المنغلق، لا نتعامل معها بمعنى الادلجة بل أنها من توابع الدين ووسائله في الهداية والمقاومة والدفاع.

 

علي جابر الفتلاوي

....................

(1): almaany.com dictionary

(2): موقع قناة RT Arabic   في (8/10/2017م).

(3): حنان الهاشمي، نقاش حول الأيديولوجيا، موقع الحكمة (hekmah.org) في (15/10/2015م)مصدر الكاتبة:عبد الله العروي، مفهوم الايديولوجيا، ص9، بيروت، 1993م.

(4): فيلسوف فرنسي ارستقراطي تنويري صاغ مصطلح (ايديولوجيا) ولد (20/يوليو/1745م) وتوفي (9/مارس/1836م) انظر: ar.wikipedia.org

(5): د. عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الانطولوجي،ص12، ط4، بيروت – 2019.

(6): المصدر نفسه، ص37.

(7): الديماغوجيا: كلمة أصلها يوناني وتتكون من مقطعين (ديموس) وتعني الشعب، و (غوجيه) وتعني العمل، ومعناها: كلام فضفاض لا منطق له، يحاول صاحبه أن يستميل الجمهور بالإغراء يتّبعه السياسيون ظاهريا للوصول إلى السلطة وخدمة مصالحهم. (Rep.eye. com) 23/2/2015.

 

 

نايف عبوشصدر للكاتب عباس حمدان خلف، كتابه الموسوم (حب وحنين -1949- شقاء وأنين)، عن دار نون للطباعة والنشر، في المجموعة الثقافية، نينوى . ويقع الكتاب في (٢٢٠) صفحة من الحجم المتوسط، حيث الغلاف من تصميم محمد العمري، ومسجل في دار الكتب والوثائق في بغداد، برقم إيداع (٨٦) لسنة ٢٠١٩ .

ويأتي الكتاب، في مجموعة كشكولات، تتضمن خواطر، وسرديات حكائية،هي أقرب ما تكون إلى القصة القصيرة، لتشكل بإجمالها، مجموعة قصص قصيرة رائعة، في أدب التراجيديا، جادت بها قريحته المرهفة.

ويلاحظ أن تجلياته السردية، تجسد منهج الواقعية الصرفة في القص، بتسجيلها واقع الحال الذي عاشه، منذ طفولته مروراً، بكل مراحل دراسته، وخدمته العسكرية، وحياته الوظيفية، وما تلاها من أحداث مأساوية مر بها، ضمن الحال العام الذي مر به البلد، مستخدما في سرده، ما يمكن وصفه بتقنية العودة بالذاكرة إلى الوراء، بما يملكه من مخيلة متوقدة، وحس شفاف، وقدرة سرد وصفية متمكنة، وهو يتسكع في دهاليز الذاكرة بحسه الوجداني المرهف، ليعكس تجليات ذلك الحال المأساوي، بأعلى درجات التوجع في حكائياته، والتي يتلمسها القارئ في كل حرف سطره الكاتب التراجيدي عباس حمدان خلف في كشكولات مجموعته القصصية، التي حواها كتابه المذكور .

وكما يشير الكاتب في مقدمة الكتاب عن كشكولاته، فهي تجليات من واقع الأحداث المأساوية التي عاشها عمليا في حياته . ولذلك جاءت المجموعة بهيئة سرديات قص مباشر، لسيرة حياة عملية صرفة، يخلو من التجريد، حيث جاء سرد الكاتب لأحداث ووقائع القصة، وليد معاناة شخصية، وبأسلوب سلس، يشد القارئ بشغف إلى إحداث القصة، بسبب طبيعة السرد الفني المشوق للحدث، وهو ما يعكس قدرة الكاتب على تحويل الوقائع العملية التي عاشها، إلى صورة قصصية واقعية مشوقة، بعيدة عن رمزية التجريد، والغموض، التي ربما تكون معهودة في مثل هكذا كتابات .

ولاشك أن متعة قراءة هذا الكتاب، وتصفح تفاصيل كشكولاته، والتفاعل مع تجلباتها، بالقراءة المباشرة لنصوصها، ستكون أروع وأكثر نكهة، من مجرد تلقيها عن طريق العرض مهما كان جذابا .

 

نايف عبوش

 

917 مضراشتهر العرب قديماً بالشعر والخطابة معتمدين بذلك على فصاحتهم وقدرتهم على ترتيب الكلام وتنميقه وتطويعه ليصيغوا أبياتاً وخطباً ساهمت في كثير من الأحيان في احداث تاريخية مهمة.

و في عصرنا الراهن تعتبر الخطابة من أهم وسائل الإعلام المؤثرة في الرأي العام خاصة إذا اعتمدت على الدين في توجيه رسائل وإعطاء توجيهات معينة. وقد استخدم رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كثير من الأحيان منبره الشريف لإيصال ما يريد من أمور تهم المسلمين وتوجههم وترشدهم إلى دينهم وشريعتهم.

و كذلك فعل أهل البيت عليهم السلام في الاهتمام بالمنبر وبخاصة المنبر الحسيني كأحد أهم الأدوات المؤثرة في المجتمع. فالخطابة الحسينية القادرة على التوجيه والتثقيف وتسليط الضوء على القضايا المعاشية الملحة يمكن أن تتحول بفعل خطيب ما إلى أداة فيها خلل كبير في التطبيق.

يرجع هذا الأمر لأسباب عدة يتطرق لها كتاب "الخطابة الحسينية- تداعيات وآفاق- لسماحة السيد مضر الحلو". فالكتاب الذي يشد القارىء إليه منذ الأسطر الأولى يناقش أسباب تراجع الخطاب الديني بشكل عام ثم يعرج على المنبر الحسيني فيتطرق إلى أسباب إحفاقه.  ويقدم الكتاب نقداً بناءً للأخطاء التي قد تعتري المنبر لكنه لا يكتفي بذلك وحسب وإنما يحدد سبل الإرتقاء به لتمكينه من أداء دوره الريادي في الهداية والتثقيف.

اللافت في كتاب "الخطابة الحسينية" أنه يتناول هذه القضية كعملية متكاملة العناصر. فهو يأخذنا في رحلة تبدأ من الخطيب مروراً  بالرسالة والمضمون إلى أن يصل إلى المتلقي والممول المسؤول عن المجلس. كل له دور أساسي في إيصال الفكرة وتوضيحها.

و لم يغفل السيد مضر الحلو عن الإشارة إلى الدور المهم الذي تلعبه المرجعية الرشيدة  في رعاية وتوجيه الخطباء والحرص على المنبر الحسيني خاصة وأنه "وليد حوزتها الشرعي وملتصق بها التصاقاً مشيمياً" كما يصفه الكاتب.

كما أن الكتاب لم ينس التطرق لموضوع الشباب مشدداً على أهمية أن يكون لهم مساحة واضحة للنقاش والحوار وإبداء الرأي. ويشير إلى أن المجالس الحسينية ليست بالضرورة أن تكون بديلاً عن التربية والاخلاق التي تزرعها العوائل في أبنائها وإنما هي تذكرة وموعظة يستفيد منها من يوليها الاهتمام الكافي.  

و لا يكتفي السيد مضر الحلو في رحلته عبر الخطابة الحسينية بالتشخيص النظري بل يتطرق إلى قصص واقعية بعضها ظريف لا يخلو من الطرافة والآخر موجع للقلب لما يحمله من نهج خاطىء يسيء  للمنبر الحسيني ويستوجب إصلاحه.

و يبحر القارىء في  صفحات الكتاب إلى عالم الخطباء فيجد نفسه أمام قامات من أشهر الخطباء متعرفاً على سيرة حياتهم ودورهم الريادي في ترسيخ المنبر وإرساء دعائم الخطابة الحسينية.

بعد ذلك ينقلنا الكتاب إلى نموذج متقدم لعمل تنظيمي رائع يقوم به أصحاب المآتم في مملكة البحرين يصلح أن يكون قدوة ومصدراً لأفكار بناءة ترتقي بالمنبر وتصون الخطابة الحسينية وتحميها.

وبذلك يكون السيد مضر الحلو قد تمكن من خلال صفحات كتابه التي تتجاوز الـ 140 من تقديم صورة موجزة وشاملة عن الخطابة الحسينية وآفاق تطورها في نهج تصحيحي مبني على تجربة شخصية عملية ومخلصة في أداء الرسالة.

الكتاب برأيي يصلح أن يكون خارطة طريق لإصلاح المنبر الحسيني وأتمنى أن يجد طريقه لطلاب الخطابة الحسينية تحت إشراف المرجعية ليساهم في تخريج طليعة متعلمة وواعية من خطباء المنبر. إنه عصارة سنوات من الجهد والعمل والتشخيص وهو أكبر خدمة يمكن أن تقدم لسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

نضير الخزرجيمن عادتي عند السفر والترحال على قلّته وتنقلي في المطارات وعموم المنافذ الحدودية أن أتجول في الأروقة وألقي النظرات هنا وهناك، وأتطلع في جمالية المنفذ الحدودي وكيفية تعاطي الموظفين والعاملين مع المسافرين ونوعية الخدمات المتوفرة وبخاصة ما يتعلق بالنظافة، لاعتقادي أن نظافة المنافذ الحدودية هي مرآة للبلد وسلامة شوارعه وأزقته ورقي شعبه ومجتمعه، لأن النظيف في المرافق الحكومية ذات الإتصال بالناس هو نظيف في مسكنه ومحل عمله وفي الشارع والزقاق، باعتبار أن النظافة طبيعة وسلوك وليست تطبّعا وتصنّعا.

والحكومات الصالحة تحرص كل الحرص على نظافة البلد وتشجيع المجتمع بطرق مختلفة للحفاظ على نظافة المرافق العامة والخاصة وتخليصها من النفايات المختلفة الخارجة من المنازل والمستشفيات والمصانع والمعامل والمفاعل، وبعضها تفرض الضرائب للحد من التلوث المناخي وبعضها تحظر أنواعا من السيارات من الدخول الى مركز المدن المكتظة في ساعات معينة لحماية البيئة مما تنفثه عوادم السيارات، أو تفرض عليها ضريبة لدفعها إلى تفادي المرور من المناطق السكانية والمزدحمة.

وكما أنَّ المنافذ الحدودية علامة مميزة على نوعية السلطة الحاكمة واهتمامها بالمرافق العامة، فإن شوارع البلد وأزقته علامة مميزة على طبيعة المجتمع وتعامله مع مرافق البلد الخاصة والعامة، باعتبار النظافة ثقافة، ولهذا فإن المسافر الذي يتنقل في البلدان له أن يحكم على ثقافة هذا الشعب أو ذاك من خلال ما يراه وما يلمسه في الشوارع والأرصفة.

كما أن النظافة لوحدها لا تكفي، حيث يصاحبها فن طريقة التخلص من النفايات أو إعادة تدويرها وتكريرها والإستفادة منها، فالحكومة التي هي نتاج المجتمع والمولودة من رحمه تقع عليها عبء التخلص من النفايات بطريقة ذكية للتقليل من الخسائر في الإنسان والحيوان والنبات والبيئة والتربة والمياه، والعملية تشاركية تضامنية بين الحكومة كشخصية اعتبارية والمجتمع كشخصية حقيقية، لأن الأولى عبارة عن دوائر ومؤسسات يديرها أبناء المجتمع نفسه، ولهذا إذا أحسن المجتمع التعامل مع نفايات المنزل أو المصنع او المعمل وما شابه ذلك، أمكن نفسه والحكومة من تحصين البيئة من الغازات السامة التي تفرزها النفايات وما ينشأ عنها من أوبئة، من هنا فإن بعض الحكومات تساهم مع المجتمع في حماية البيئة عبر تخصيص مجموعة من الحاويات في المنزل الواحد، فعلى سبيل المثال فإن المنطقة التي أقطنها في شمال غرب لندن وفّرت لكل منزل أربع حاويات ثلاث أمام الباب ورابعة خلفه، فواحدة لمخلفات الحدائق وثانية لمخلفات المنزل، وثالثة لمخلفات الورق والزجاج والبلاستيك، ورابعة لمخلفات المطبخ من زوائد النباتات والثمار واللحوم والأسماك، وكل هذه الحاويات تعمل الجهات المعينة على تدويرها وصناعة السماد وطعام الحيوانات وإعادة إنتاج الورق والبلاستك والزجاج، وفي بعض الدول يتم بيع النفايات إلى بلدان أخرى، كما وضعت الحكومة في كل بلدة مجموعة مكبات عامة للنفايات تستقبل مخلفات البناء والأجهزة الكهربائية وأثاث المنازل والحدائق، أي أن المواطن لا يجد صعوبة في التخلص من النفايات الخفيفة والثقيلة، وبالطبع ليست النظافة في مثل هذه  البلدان مجانا وإنما كل منزل يدفع ضريبة شهرية على النظافة والتخلص من النفايات، وبهذا فإن المشاركة بين المواطن والبلدية ساهمت بشكل كبير وتساهم في تنقية البيئة من مخلفات النفايات.

وحيث تصطف في واجهة كل بيت ثلاث حاوية ورابعة داخل المطبخ، لا يتورع البعض من ضعاف النفوس في بعض البلدان من الإستيلاء على الحاويات الموضوعة في الأزقة والشوارع العامة واستعمالها لأغراض خاصة، وقد رأيت بالقرب من أحد المراقد المقدسة حاويات الزبالة وقد أقفل عليها بسلسة حديدية خشية السرقة، ومن المؤسف أن تجد في بلد يدعو دينه القويم إلى النظافة ويجعلها علامة وماركة الإيمان، أن يرمي بعض أهلها النفايات في الشارع أو في البالوعات أو في الأنهر، أو أن يقدم الرعاة الباحثون عن طعام مجاني لأغنامهم، أو الباحثون عن قطع البلاستيك وقناني المشروعات الغازية الفلزية إلى تفريغ الحاويات ورميها في الشارع وهي تنشر سمومها فتكون مذودًا للحيوانات السائبة وبيئة خصبة للأمراض المعدية.

صورتان متقابلتان تعكسان ثقافة المجتمع وتعاطيه مع النفايات .. يتابع مسائلها الشرعية الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتيب "شريعة النفايات" الصادر حديثا (2019م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 40 صفحة استوعبت (75) مسألة بضميمة (20) تعليقة لآية الله الشيخ حسن رضا الغديري، مع مقدمة للناشر وأخرى للمعلق إلى جانب ما مهّد له الفقيه الكرباسي من رؤية حول النفايات والتخلص منها بطريقة سليمة ومفيدة.

الصحة والسلامة أولا

النفايات كما نقرأ ما كتبه الفقيه الكرباسي في التمهيد هي: (جمع النفاية، وهي الأمور التي يبعدها الإنسان عن حياته لضررها، يقال نفاءُ الشي ونفايته هو ما نفيتَ منه لرداءته .. والنفاية في المصطلح الخاص هو كل شيء لا قيمة له ولا يصلح بقاؤه بقرب الإنسان حيث فقد أهليته للإستخدام والتداول بل وحتى اقتناؤه)، فخلاصة الأمر أن بقاء النفايات في الدار أو في الشارع أو في العراء مهلكة للبيئة والجماد والنبات والحيوان فضلا عن الإنسان الذي هو الفاعل الرئيسي لحصول النفاية وتراكمها وهو صاحب العقل الذي استفاد من البيئة في صناعة ما ينفعه في حياته، ومن الطبيعي أن تترك الصناعات نفايات ومخلفات غير ذات قيمة أو مضرة، وكما استعمل عقله في الصنع والخلق عليه أن يستعمل عقله في التخلص من المخلفات أو تدويرها لحماية البيئة وتلافي أضرار الإسراف والتبذير

وليس الحفاظ على البيئة أمر سلطوي أو حكومي، إنما هو أمر مولوي كينوني تدركه الفطرة الإنسانية السليمة، بل إن الإبقاء على النفايات دون التخلص منها وتعريض النفس والمجتمع للخطر إنما في اعتقادي يدخل في مصاديق قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) سورة البقرة: 195، وليس من العقل أن يلقي المرء بنفسه إلى جحيم التلوث والأمراض المعدية والسارية، من هنا كما يفيدنا الفقيه الكرباسي: (الحفاظ على البيئة واجب شرعي على كل مَن يعيش أو يمر ببلد، ولا اختصاص له بالمواطن بل وبالمقيمين والمسافرين في أي بقعة كانت)، وإذا كان الوجوب متحققا في كل ذي نفس عاقلة مدركة لأهمية صيانة النفس والمجتمع والبيئة من النفايات فإنه: (لا يجوز وضع النفايات في موضع يوجب الضرر للمارة أو في أماكن عامة بحيث يتضرر منها الناس، كما لا يجوز رميها في ملك الآخرين).

وحيث يشمل الوجوب الراشدين فإن من الوجوب: (المحافظة على الأطفال والقاصرين والجهلاء عبر منعهم من مباشرة النفايات المنزلية الضارة وكذلك النفايات المشعة والضارة)، ولا يقتصر الوجوب على أولياء الأمور، صحيح: (إن أولياء الأطفال والقصَّر هم المكلفون بالدرجة الأولى ولكن لا يسقط التكليف عن الآخرين إذا علموا بذلك، فالواجب على الجميع منعهم من مباشرة هذه النفايات وجوبا كفائيًا)، وهنا تقع مسؤولية كبرى على السلطة الإدارية في إنجاز مثل هذا الأمر بالتخلص من النفايات وإبعادها عن متناول الأطفال الذين لا يدركون مخاطرها، وبتعبير الفقيه الغديري وهو يعلق على المسألة: "وبالتالي تتوجه المسؤولية إلى الهيئة الحاكمة في ضمان الحفاظ على الأطفال والقصَّر".

وإذا كان الإسلام يوجه المجتمع عبر خطاباته التعليمية والتربوية للحفاظ على البيئة بالتخلص من النفايات بصورة سليمة من داخل المنزل وخارجه، فإن بعض الحكومات لجأت إلى فرض الغرامة المالية الشديدة على الراشد إذا رمى الزبالة في الطرقات حتى ولو كانت الزبالة عبارة عن كيس فارغ لبطاطة مقلية (جيبس) أو عقب سيجارة أو بقايا ورق صحي، وتقع الغرامة على القاصر والطفل عبر ولي أمره إذا تساهل في أمر النظافة ولم يردع من يتولى أمره، لأن المواطن في مثل هذا البلد الذي يدفع الضريبة على النظافة وشم الهواء النقي من حقه أن يرى البيئة نظيفة ومن واجب الجهات المسؤولة التي تنتفع من هذه الضرائب حماية البيئة وخدمة المواطن، ومن لا يعتبر نفسه جزءًا من عملية النظافة التضامنية والتشاركية يسيء الأدب إلى أبعد الحدود ويرمي الكرة في مرمى البلدية فحسب ضاربا بقوانين البلدية عرض الحائط فضلا عن التعاليم الدينية والأخلاقية!، وهنا يضيف الفقيه الكرباسي قائلا: (رمي النفايات في الطرق والشوارع والأزقة بشكل عشوائي لا يجوز وتدنيس الأماكن العامة بذلك مخالف للشرع الذي يأمر بالنظافة)، بل يكون الإنسان ضامنا إذا وقع الضرر على الآخر، حيث إنَّ: (الأشياء الجارحة كالزجاج وما إلى ذلك لا يجوز وضعها بشكل يوجب الإضرار بالناس، وإذا تعمد أحد وتضرر الناس منها كانت عليه الضمانة)، وكذلك: (إذا وضع صاحب المنزل في  النفايات ما يوجب الإنفجار أو  التسمم وأصيب الزبّال أو عمال الشركة الناقلة للنفايات فإنه ضامن لحياته وإعاقته وجرح).

ماركة حضارية

ومن العلامات الفارقة على احترام المواطن للبلد وبيئته واحترامه لنفسه وللقانون هو اتباع تعاليم السلطات المحلية التي تنظر إلى المصلحة العامة وسلامة البيئة، ولهذا: (إذا وضعت السلطات الصحية بعض القوانين للمحافظة على سلامة الناس من النفايات فلابد من الإلتزام بها)، فالمواطنة الصالحة تبدأ من الذات وتتمظهر في الخارج عبر اتباع النظم والتعاليم والوصايا الموضوعة التي تصالح عليها المجتمع عبر مؤسساته المختلفة ذات الشأن، ولهذا إذا وضعت السلطة المحلية على سبيل المثال مجموعة حاويات وعلّمتها بعلامات تشير إلى نوع النفاية المطلوب وضعها فيه أو عبر حاويات ملونة يشير كل لون إلى نوع النفاية والزبالة، يفترض حينئذ إتباع التعاليم وحط الزبالة في موضعها، من هنا يضيف الفقيه الكرباسي: (إذا فرضت الدولة فصل النفايات وتعريبها لأجل المحافظة على البيئة وإعادة تأهيلها، وجب على المواطن العمل حسب تلك القوانين، ولا يجوز تجاوزها عمدًا) وعليه: (إذا حددت البلدية بعض الحاويات لنفايات خاصة وأخرى لغيرها، لابد من الإلتزام بها)، وفي حال لم تقرر البلدية ذلك فإن: (فرز النفايات واجب كفائي فيما يوجب الضرر، فإذا لم تقم البلدية بذلك فلا يسقط الوجوب عن الآخرين)، ويعلق الفقيه الغديري قائلا: "وفي صورة وقوع الضرر على البيئة أو الأشخاص فالبلدية هي المسؤولة بالأصالة وإن كان الإثم يتوجه إلى الجميع".

وحيث تفرض بلديات غرامات مالية على من لا يتقيد بالتعاليم، فإن بعضها الآخر تمتنع عن تفريغ حمولة النفايات مما يضطر المواطن إلى تولي أمر التخلص منها شخصيا بنقلها إلى مكبات خاصة، وفي مثل هذه الحالة حيث لا يتقيد المواطن بالتعاليم يضيف الفقيه الكرباسي: (يحق للبلدية أن لا تستلم النفايات التي لم يلتزم أصحاب المنازل بالقوانين التي وضعتها البلدية)، ولأهمية الحفاظ على البيئة يعلق الفقيه الغديري: "لا يجوز للبلدية رفض استلام النفايات لأنها قد توجب الإضرار على الآخرين صحيًّا، فلها وضع الغرامات المالية لمن يخالف القوانين الموضوعة للنفايات ومعاقبته قانونيا وقضائيا، وذلك لأجل الحفاظ على البيئة، والبلدية مسؤولة عنها، والمخالف هو المعاقب للتخلف عن القانون"، وقد يتحقق الإثنان معها كما في بعض البلديات حيث تفرض الغرامة إلى جانب الإمتناع عن نقل الحمولة زيادة في إرغام المواطن على التقيد بالتعاليم واحترام القوانين، ولهذا يعود الفقيه الكرباسي مضيفا: (يجوز لحاكم الشرع وضع غرامة لمن يخالف قانون النفايات وعدم فرزها).

ومن التعاليم التربوية كما جاء في الاثر عن الإمام علي(ع): (ترك القمامة في البيت يورث الفقر)، والعمل بهذا النص علامة فارقة على طبيعة التعامل مع المخلفات المنزلية الموجبة للأمراض، والمرض مدعاة لفقد الصحة والإقعاد عن الحركة وبذل المال للإستشفاء وهو استنزاف للمال ومآل إلى الفقر بخاصة أصحاب الدخل المتوسط والمحدود، ولما كان شعار "الوقاية خير من العلاج" قاعدة ذهبية، فإن النظافة المنزلية دلالة على حسن الدار وأهلها، فيما تمثل النظافة الخارجية واقع المجتمع ورقيه.

ويواصل الفقيه الكرباسي في "شريعة النفايات" تناول مسائل متعددة على علاقة بالبيئة وطهارتها ونظافتها، من قبيل الحديث عن احترام الميت بدفنه سريعا وموارته التراب وهو المكان الطبيعي له: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) سورة طه: 55، أو الحديث عن بيع وشراء النفايات وبخاصة القاذورات البشرية والحيوانية أو الحيوانات الميتة فهي: (قابلة للإستفادة منها في هذه الأيام فإن بيعها أو العمل في الاستفادة منها جائز غير محرم، وما قيل سابقا من حرمة بيعها أو التعامل بها لأنهم لم يكونوا قادرين على الاستفادة منها)، والحديث عن الأشياء المشعة والمضرة ونفايات المستشفيات والمستوصفات التي: (لا يجوز رميها كسائر النفايات بل لابد من التخلص منها بالطرق الفضلى)، ومثلها نفايات المفاعل الذرية والنووية التي تتطلب تقنية عالية للتخلص منها حماية للتربة والبيئة وما على وجه الأرض من دابة ونبات وجماد.

إنَّ الرؤية الفقهية الناضجة التي نلمسها في "شريعة النفايات" وفي غيرها من سلسلة الشريعة التي بلغت ألف عنوان يدبج مسائلها وأحكامها الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي تعكس واقعية الإسلام الذي وضع القواعد والأصول لكل منحى من مناحي الحياة وواقعية الفقيه العامل الذي يتابع مستجدات الحياة فيعمد إلى استنباط الأحكام الفرعية من تلك الأصول وعدم ترك الأمة هملا.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات - لندن

 

الكبير الداديسيعلى الرغم من كثرة الدواوين الشعرية الصادرة في السنوات الأخيرة، فقلة منها تحظى بمتابعة إعلامية، والأكيد عندما يسمع مثقف عربي عن ديوان شعري عنوانه "هكذا تكلم آدم" سيأخذه الفضول والفرضيات المتناسلة من هذا العنوان إلى الرغبة في معرفة عم سيتحدث آدم؟ خاصة وعنوان الكتاب يحيل على نص غائب له مكانته في الثقافة الإنسانية  يتعلق الأمر بكتاب (هكذا تكلم زرادشت) للفيلسوف والمفكر الألماني نيتشه فأية علاقة بين الكتابين؟

"هكذا تحدث آدم"   ديوان شعري للشاعر التونسي الأسعد الجميعي صدر في طبعته الأولى سنة 2019 عن دار زينب للنشر والتوزيع ... افتتح الديوان بمقدمة  تضمن حوارا  للشاعر  حول تجربته الشعرية  منشور بصحيفتين عراقيتن في صيف 2016

- يضم الديوان  10 قصائد نثر  من 15 إلى ص 52  هي  (هكذا تحدّث آدم /ليس لي سديد النّظر/ هذيان في الحب./ الام / قالها الظلام / كي لا يفرّ الحجل / يا ملاكي/.غريب الرّوح/ أوهام صحراويّة./ رسالة قديمة إلى قيس ابن الملوّح/  عزف منفرد   )

- 8 قصائد تفعيلة من ص 53 إلى ص 80    (منطق الطير. / سبع حفريّات شعريّة/ وداعا مَارْكِي../ خفّاش/ أدعية غير مستجابة في سماء الإرهاب/ زهايمر / ورة في مقهى البلبل / بكاء على الث ورة في مقهى البلبل / ضربة حب بعد الخمسين)

- و5 قصائد عمودية   من ص 81 إلى ص 103 وهي  (نور على نور على نور / أمّي / أبناء طين/ حبيبة روحي/ ثورة الحب)

كتبت هذه القصائد في حوالي ثلاثة عقود أقدمها كتبت سنة 1981 وأحدثها سنة 2018

من خلا الملاحظة الأولى يدرك القارئ أن الديوان يجمع بين التحديث والتقليد ، بين الرومانسية الكلاسيكية والواقعية ليسبح بالقارئ بين عمود الشعر حيث الأبيات المتساوية ، الأشطر المتناظرة والقافية الموحد ، وبين محاولة الالتزام بوحدة التفعيلة ونظام الأسطر والجمل الشعرية ثم إلى التحرر من كل الضوابط والانتصار لشعرية النص وما يخلق من لذة وإن كان القارئ يجد صعوبية في التمييز بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة ما دام الشاعر اختار نفس البناء الهندسي وذات التشكيل المعماري للنصوص في التجربتين

وبما أنه من الصعب الوقوف على 23 قصيدة كاملة في مقال صحفي قصير نكتفي بوقفة موجزة  مع  القصيدة الأولى التي اختار الشاعر  عنوانها عنوانا للأضمومة الشعرية (هكذا تحدث آدم) لما يثيره العنوان لدى القارئ  من إحالات دينية فلسفية

قصيدة (هكذا تحدث آدم) قصيدة وسمها صاحبها بقصيدة نثر وهي مكتوبة بطربقة الشعر الحر حيث نظام الأسطر الشعرية (134 سطرا) ونظام المقاطع (تسعة مقاطع) في كل مقطع تيمة خاصة وينتهي بدعاء يتكرر فيه لفظ "طوبى لـِـ" ومحتوى هذه المقاطع هو

1- موت الرغبة ورفض اللغة ، ينتهي ب "طوبى لمن لا اسم له"

2 - تشويه الشهوة ورفض الجسد ينتهي ب "طوبى لمن لا جسد له"

3 - حواء مني حضور الشك والعموض ينتهي ب  "طوبى للواضحين"

4 - سرمدية وأبدية الحب  ينتهي ب "طوبى للمجبين"

5 - الحياة بسيطة ومشرعة أسيء إليها باختراع المفاتيح ينتهي ب "طوبى لمن أضاعوا المفاتيج ووجدوا أنفسهم"

6 - التنكر وعدم الاعتراف ينتهي ب "طوبى لم أهمله التاريخ وحلق فوق النعوت"

7 - لا ربح ولا خسارة في الحياة   ينتهي  "طوبى لمن لم ينتظر لقاح الخريف كي تنفلق عنه النّواة، طوبى للعاشقن المنسيّن"

8 - تغيرت أشياء كثيرة في الأرض ينتهي ب "طوبى لمن لم تنقطع جذوره السّماوية ." ..

9 - دعوة للحب ونبذ الكراهية ينتهي ب  "طوبى لمن ظلّ حيّا بعد قاتله"

10 - الدعوة إلى الترفع عن الطين ينتهي بـ"طوبى لمن عاف عسل خطيئتي، وصعد إلى أعلى علّيين ..".

إن المتأمل لفحوى هذه المقاطع سيدرك البون الشاسع بين الطرح النتشوي الغربي الذي يعتبر القوة هي الفيصل والبقاء للأقوى وأن الرحمة رذيلة  لذا يتحتم إبادة الضعفاء، واعتبار أن الإنسان صانع قدرة ومن تم رفض الدين الذي يربي على الخنوع... وبين الطرح المشرقي القائم على العاطفة واعتبار القلب مصدر الحكمة وأن البقاء للحب والأجسام فانية

الديوان يستحق دراسة أكاديمية متأنية وهذا مجرد انطباع اولي سرقناه من وسط زحمة الحياة

 

ذ. الكبير الداديسي

 

907 انتصار الايمانيحوز الدارس الاجتماعي الأمريكي رودناي ستارك مكانة مرموقة في أوساط المهتمّين بعلم الاجتماع الديني في الحقبة المعاصرة، بموجب ما أسهمَ به في تطوير الطروحات السوسيولوجية الجديدة بشأن متابعة الظواهر الدينية، ضمن مجموعة علماء الاجتماع الذين ينادون برفع الحواجز عن كافة أشكال الإيمان، ضمن ما يُعرف بـ "تحرير السوق الدينية". فضلا عن انشغال هذا التوجه بانتقاد سائر أصناف الاستئثار، والمونوبولات (الاحتكارات)، التي تقف حائلا دون الانتشار الحر للاعتقادات الدينية في العالم.

يتلخّص كتاب ستارك "انتصار الإيمان" الصادر بالإيطالية في السعي للإجابة عن سؤال: لماذا عالم اليوم أكثر تديّنا بخلاف ما ساد سلفا؟ وهو ما يسير على نقيض ما يروج أحيانا بأن عالمنا هو عالم هجران العقائد والأديان. فمن خلال بحثه يخلص رودناي ستارك إلى أن عالم اليوم يشهد مدّاً إيمانيا ليس له نظير، بما يدحض الأطروحات التي سادت منذ ستينيات القرن الماضي عن اكتساح العلْمنة واللاّتدين وهيمنة التفسّخ الديني على المجتمعات، على اعتبار أن التملّص من الدين هو ما يطبع سير العالم.

فعلى مدى أجيال ساد الاعتقاد، وأحيانا الاحتفاء، باكتساح العلمانية العالم في أوساط المؤرخين والدارسين الغربيين، غير أن الكثير من الباحثين في الراهن تنبّهوا إلى تعذر تواصل مساندة تلك الأطروحة. والإشكال المطروح: لماذا ساد ذلك الزعم وما هي الحجج التي استند إليها؟ يشكك ستارك في المرجعية التي استندت لها العلْمنة قائلا: إن عديد الإحصائيات التي تحدّثت عن انحدار التديّن كانت خاطئة، بسبب أن مفهوم الدين كان محصورا بحدود الأديان الممأسَسَة، أي الأديان المنتظِمة وفق منظور عقدي ونظام هيكلي، وجرى التغاضي عن الزخم الروحي الطليق، ولم يُدرَج في الحسبان سوى التمظهر الشكلي المعبّر عن الدين.

يفكّك ستارك في كتابه النقدي ادعاءات اللاتدين التي وجَدت رواجا طيلة فترة الحداثة، والتي مفادها أن يكون المرء متديّنا يعني ألاّ يكون عقلانيا. وهي ادعاءات مغرضة انبنت على مقولة "موت الله"، التي تعبّر في الواقع -كما يقول المؤلف- عن خدعة أنتجتها الحداثة، نعيش تهاويها اليوم بشكل مدوٍّ. في القسم الأول من الكتاب حاول ستارك تقديم عرْضٍ لحالة الإيمان في العالم، وهو بمثابة التقرير العام، ليلي ذلك قسم تناول فيه بالوصف والتحليل والرصد الكمّي أوضاع كل من أوروبا وأمريكا اللاتينية والبلاد العربية والإسلامية، تلاها حديث عن منطقة ما وراء الصحراء في إفريقيا، ثم اليابان والصين، ثم تطرق إلى أوضاع الدين في بلدان النمور الآسيوية، مرورا بالانتعاشة الدينية في الهند، ليختم المؤلف كتابه بفصل عن أوضاع الدين في الولايات المتحدة الأمريكية.

نشير في البدء إلى أن ستارك قد اعتمد في مؤلف "انتصار الإيمان" على إحصائيات ومعلومات في دعم ما ذهب إليه، مستوحاة من استقصاء غطّى مليون شخص في 163 دولة (استطلاعات مؤسسة غالوب العالمية 2005)، التي أسفرت نتائجها عن أن أربعة من خمسة أشخاص عبّروا عن انتمائهم بشكل اعتقادي إلى أديان ممأْسَسَة، وبين الخُمس المتبقي كثير يدينون بمعتقدات غير تابعة لدين معيَّن. وهو ما يعني أن 81 بالمئة من سكان المعمورة يصرّحون بانتمائهم إلى أديان قائمة، لها أجهزة تسيير وأنظمة شعائر جلية، وأن 50 بالمئة من أتباع تلك الأديان يقرّون بمشاركتهم في أداء شعائر أديانهم بشكل جماعي مرة على الأقل خلال الأسبوع. ومما يرد في الإحصاءات، صرّح بالتردد على محل عبادة مرة خلال الأسبوع 56 بالمئة في إيرلندا، و48 بالمئة في إيطاليا والدنمارك، و46 بالمئة في الولايات المتحدة، و39 بالمئة في البرتغال و35 بالمئة في النمسا، و23 بالمئة في بلجيكا. في مقابل ذلك تأتي سيراليون في مقدمة الدول الإسلامية بنسبة 88 بالمئة، ثم جيبوتي بنسبة 84 بالمئة، تليها بنغلادش وتشاد بنسبة 82 بالمئة، ثم الكويت بـ 81 بالمئة، فأندونيسيا بـ 80 بالمئة. نلاحظ أن بعض الدول الإسلامية والعربية لم ترد في هذا الإحصاء، كما نشير إلى أن بعض النسب لا تكشف عن الواقع الحقيقي للتردد على محلات العبادة. ففي تونس بلغت نسبة التردد 36 بالمئة، غير أن الإحصاء لا يورد أن الفترة التي أجري فيها الإحصاء كانت المساجد ودور العبادة عامة خاضعة لرقابة دقيقة من قِبل السلطة (أي إبان فترة النظام السابق قبل اندلاع الثورة)، وكان جل من يرتادها يُصنَّف بأنه متديّن، ما يعني من وجهة نظر النظام حينها أنه قريب من التوجهات الإسلامية المسيَّسة، ما جعل كثير من الناس يتحاشون التردد على المساجد تجنبا للشبهات.

وفي مجمل الإحصاءات التي يوردها الكتاب نتبيّن أن 74 بالمئة من الذين شملهم البحث قد صرّحوا بأن الدين يلعب دورا هاما في حياتهم اليومية، وفي توجيه خياراتهم المعيشية، وأن 56 بالمئة يعتقدون في تدبير الله شؤون العالم. ضمن هذا الكم العددي للمؤمنين تبقى ثلاثة بلدان فقط شملها الاستقصاء، وهي الصين وفيتنام وكوريا الجنوبية، صرّح فيها المستجوَبون، بنسبة عشرين بالمئة، أنهم لا يعيرون الدين اهتماما. لكن ينبغي فهم ذلك بمعنى الانتماء الفعلي إلى دين ممأسس كما أشرنا آنفا. سيما وأن خمسة بالمئة فقط في فيتنام قد صرحوا بإلحادهم، وعشرين بالمئة في الصين وكوريا الجنوبية. لكن الملاحظ أن الأعداد بالنسبة إلى الصين تبقى غير دقيقة، نظرا إلى عدم سماح الدولة لوكالات الاستطلاع الأجنبية بإتمام أعمالها في ما يتعلق بتحديد الانتماءات الدينية، لذلك اعتمد الاستطلاع على وكالة صينية (هوريزون ألتيدي)، اشتغلت على 7021 عيّنة خلال العام 2007 استمدت منها نتائجها.

في غمرة انتقاده لتطور العلمانية المزعوم يأسف ستارك لغياب إنجاز استطلاعات إبان خمسينيات القرن الماضي، حتى يتيسّر تبيّن البون الشاسع بين أشكال الاعتقاد والممارسات الدينية كما كانت وما أصبحت عليه، ويضرب مثلا على ذلك بقوله: خلال الخمسينيات كان في الصين خمسة ملايين من المسيحيين وفي الراهن ثمة ما يقارب المئة مليون؟! وخلال الخمسينيات من الفترة ذاتها، كانت تتردّد على القدّاس في أمريكا اللاتينية حشود قليلة لا تتخطى العشرين بالمئة، واليوم باتت النسبة تتخطى خمسين بالمئة.

ويتساءل ستارك كيف يمكن الوثوق بأبحاث لم تراع الحياد بشأن اللاتدين؟ فعلى سبيل المثال حُجَج اللاتدين في روسيا الشيوعية هي حجج واهية، ولا يمكن أن تعبّر عن تطور عفوي للاّتدين في بلد يُلزم طلاّبه بالتردد على دروس "الإلحاد العلمي"، على أمل التسريع في خلق الإنسان الشيوعي المتحرر من أوهام الدين. مع ذلك لم تشفع ستون سنة من تلقين الإلحاد لبلوغ ما هو منشود، ولم تسفر النتائج خلال العام 1990 سوى عن 6،6 بالمئة ممن صرحوا بإلحادهم، وهي نسبة تفوق بقليل نسبة الإلحاد في الولايات المتحدة 4،4.

والملاحظ أن الأوساط التي تغيب فيها الأديان الممأْسَسة، أو تتراجع فيها الحرية الدينية، تشهد فورة دينية موازية، لكافة أصناف الماورائيات والغيبيات وأشكال القداسة. ففي روسيا يفوق عدد المتطبّبين، بخلفياتهم الروحية والدينية، أعداد الأطباء؛ كما نجد في فرنسا التي تتبنّى علمانية مشطّة 38 بالمئة من الفرنسيين يعتقدون في التنجيم؛ ونجد في سويسرا 35 بالمئة يعتقدون أن بعضا ممن يقرأون الطالع بمقدورهم الاطّلاع على الغيب، وفي اليابان يبارك تقريبا كافة أصحاب السيارات عرباتهم باستقدام راهب من الديانة الشنتوية أثناء اقتناء سيارة جديدة، وهي جميعا مظاهر من الميول القداسية تخفي نزوعا نحو الدين.

يبيّن الباحث رودناي ستارك أن إحدى الحجج التي يتحجّج بها أنصار انتشار العلمنة تتعلّق بنسبة التردد المتدنّية على الكنائس في أوروبا الحديثة. ويُفتَرض أن ذلك يشكّل سندا للتراجع مقارنة بحِقب سالفة، أي ما يعني التخلي عن الاعتقادات الدينية أو رفضها. ليس ذلك الأمر صائبا، كما تبيّن لستارك، إذ لم يحصل تراجع، لأنه وباختصار ما كان الناس يترددون بكثرة على الكنائس إبان العصور الوسطى أو بشكل حازم. ولدحضِ تلك المقولة يعود ستارك إلى جذور القول بتراجع الدين مع رجل الدين الأنغليكاني توماس وولستون سنة 1710م، وقد ذهب إلى تواري أثر الدين من أوروبا بحلول القرن العشرين. والحال إبان القرون الوسطى ما كان الناس في إيطاليا أو غيرها من دول جنوب أوروبا يترددون على الكنائس بكثرة. وإن ذهبوا إلى الكنائس، لم يكن ذهابهم بالانضباط اللازم أو الشغف المرجو. يستخلص ستارك تلك المعطيات من جملة من الأبحاث التاريخية. وفيما يورده المؤرخ الإنجليزي كيث توماس بشأن التدين الشكلي في العصر الوسيط "كانت العامة تتدافع لحجز المقاعد في الكنائس، وتتزاحم بشكل محرج في ما بينها، حيث يتمخّط البعض ويبصقون على أرضية الكنيسة، كما تنشغل النسوة بالتطريز، وتصدر عن البعض تصرفات تنمّ عن سوء خلق" وهي سلوكات تنبي عن فتور التدين، والأمر لا ينحصر بجنوب أوروبا، بل شاع في ألمانيا أيضا إبان فترة الإصلاح، ففي لايبسيغ (1579-1580م) أثناء عظة الراعي، كان هناك من يلعب الورق أو يزدري المقدسات، وفي دوقية ناساو الألمانية (1594) كان كثير ممن يترددون على الكنيسة مخمورين، ومنهم من يغالبه النعاس أثناء العظة، حتى أن بعضهم يخرّ أرضا، وفي هامبورغ (1581) ثمة من يصطحب كلبه داخل الكنيسة.

يقول ستارك إن ما راج من أحكام مغلوطة بشأن تدين القرون الوسطى امتدّ أيضا إلى مطلع العصور الحديثة، فقد روّجت العلمانية إبان موجة الحداثة، وبشكل مخادع، أن رواد التنوير قد أخرجوا الإنسان من "عصر الظلمات"، وفكوا أسر البشرية من براثن الاعتقاد الديني. في الواقع كثير من "فلاسفة الأنوار" ما كان لهم دور في الاكتشافات العلمية حينها، وجرى التغاضي عن أن الكثير هم من رجال الدين، أو من المؤمنين التقاة. فقد تناول إسحاق نيوتن قضايا اللاهوت أكثر من تناول قضايا الفيزياء، وكرّس يوهانز كيبلر جانبا كبيرا من اهتماماته لصياغة تاريخ حول نشأة العالم. وفي دراسة حديثة عن 52 نفرا من العلماء، إبان حقبة "الثورة العلمية" (1543-1680م) كشفت أن 31 كانوا متدينين (كثير منهم من رجال الدين)، وأن 20 من بينهم متدينون بشكل متوسط، فقط عالم الفلك إدموند هالي ما كان متدينا (ص: 290).

وفي تناول بعض الحالات من تاريخنا الراهن، يقول ستارك: عادة ما يصنِّف الدارسون إيزلندا كأعلى بلد علماني، أو كأكثر بلد فاتر التدين، ويغفلون عن أن 34 بالمئة من الإيزلنديين يعتقدون في تناسخ الأرواح، وأن 55 بالمئة يؤمنون بوجود "الهولدفولك" (روح خفية)، لذلك غالبا ما يقع الانحراف بمدّ الطرق السيارة، لأنه يُخشى أن يُلحِق مسارها أذى بالهضاب أو المرتفعات التي تسكنها تلك الروح. كما أن الإيزلندي الذين يتهيّأ لإقامة بيت عادةً ما يجنّد "مكتِشفا للأرواح" قبل الشروع، للتثبّت من أن المأوى لا يلحق أذى بـ"الهولدفولك". كما أن نصف الإيزلنديين يتردّدون على المنجِّمين. ويعود خطأ التوصيف الحقيقي لحالة التدين في إيزلندا -وفق رودناي ستارك- إلى اعتماد مفهوم الدين الممأسَس، والتردد على القداس، ونسبة التعميد، وهي في الواقع معايير مضلِّلة، في حين ينبغي اعتماد التدين بشكل عام، بعيدا عن المفهوم الحصري. والأمر ذاته في ما ينطبق على الصين، حيث يصرّح 77 بالمئة من المستجوَبين أنهم ليسوا متديّنين –بمفهوم الانتماء إلى دين مهيكَل- في حين يتردد تقريبا كافة هؤلاء المصنَّفين في عداد "غير المتدينين" على المعابد التقليدية، ويؤدون التراتيل ويتبرعون بالزكوات للآلهة لِنيْل بركاتها أو على أمل تيسير ما يصبون إليه.

في الواقع إن ما ذهب إليه ستارك لم يأت من فراغ، فقد تراجع كثير من أنصار التوجه العلماني في الولايات المتحدة، لعلّ أبرزهم عالم الاجتماع بيتر بيرجر منذ أن كتب مقالة صدرت في مجلة "كريستيين سانتشوري" سنة 1997، أورد فيها "أرى أن ما خلصتُ إليه رفقة جمع من علماء الاجتماع المهتمّين بالدين، إبان حقبة الستينيات بشأن العلمنة كان خطأً... قسمٌ كبيرٌ من عالمنا لم يتعلْمن، بل بالأحرى هو بالغ التدين". ليتحول بيرجر عقب ذلك باتجاه الحديث عن التعددية الدينية المتعايشة مع الحداثة، كما في كتابه الأخير الصادر خلال العام الفائت "الهياكل المتعددة للحداثة".

وفي تناول ستارك للتكتلات الدينية الكبرى، يبرز أن التطور في أعداد المسلمين (مليار ونصف المليار)، وهو مرشح لتجاوز عدد المسيحيين (ملياران ومئتا ألف)، يعتمد بالأساس على الخصوبة العالية في أوساطهم، في وقت يعتمد فيه تمدد المسيحية على نشاط التبشير الحثيث؛ لكن يلوح أن الخصوبة لدى المسلمين بدأت تشهد تراجعا في بعض البلدان مثل إيران وسوريا والأردن وتونس. وفي توصيف لتطور التبشير في إفريقيا يقول ستارك: التهمت المسيحيةُ بطنَ إفريقيا (إفريقيا ما وراء الصحراء) في ظرف وجيز. وأما ما يورده بشأن أوروبا فيلخّصه في التالي: إن تبقى بعض الكنائس مهجورة، فهي علامة على الإكليروس الكسول، أوروبا هي قارة "المؤمنين غير المنتمين" بحسب توصيف عالمة الاجتماع الإنجليزية غراس دايفي للوضع.

نبذة عن المؤلف: رودناي ستارك عالم اجتماع أديان من مواليد 1934، يدرّس في جامعة بايلور في التكساس. أصدر مجموعة من المؤلفات منها: "نظرية الدين"، "مستقبل الدين"، و"مدن الله".

 

الكتاب: انتصار الإيمان.

تأليف: رودناي ستارك.

الناشر: منشورات لينداو (تورينو-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2019.

عدد الصفحات: 336ص.

 

د. عزالدين عناية

كاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

سوف عبيدأصدرت الدكتورة فـــوزيـــة الصــّفار الـــزاوق كتابا حول السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث من خلال كتاب ميخائيل نعيمة (سبعون) تناولت فيه بالدراسة والتحليل منهجية الكتاب وأساليبه الفنية وقضاياه الفكرية والفلسفية بالإضافة إلى مدى الصدق والتذكر وإلى حدود الإخفاء والتصريح فيه. فالكتاب من هذه الناحية يمثل إضافة في مجال دراسات الترجمة الذاتية كجنس أدبي مستقل.و قد أوردت الدكتورة فوزية الصفار الزاوق في الفصل الأخير من كتابها الصادر في تونس نصا لميخائيل نعيمة تحت عنوان (فلسطين مملكة يهودية) كان في الأصل ضمن كتاب (سبعون) لكنه لم يثبت فيه وانتزع منه ونشر لاحقا في أعماله الكاملة والنص يعود إلي سنة 1915 وقد نشره ميخائيل نعيمة بصحيفة (مرآة الغرب) في الولايات المتحدة الأمريكية عندما كان لا يتجاوز السادسة والعشرين من عمره ويقوم هدا النص الوثيقة على اعتقاد انكلترا في إمكان تأسيس دولة يهودية على أرض فلسطين لحراسة مصالحها في إفريقيا وأسيا وينبري ميخائيل نعيمة مرافعاعن الحق بكل قوة حاثا الرأي العام العالمي والعربي والفلسطيني على التحرك بسرعة ونجاعة قبل فوات الأوان ونحن عندما نقرا هذا النص من جديد بعد أكثر من قرن على نشره في أمريكا لا بد أن ندرك مدى وعي ميخائيل نعيمة بخطر القضية الفلسطينية من ناحية ونتبين مساهمة الأدباء العرب مند مطلع القرن في الدفاع عن قضايا الأمة العربية من ناحية أخري.

في مقال نعيمة نقرأ وثيقة تاريخية نقلها عن جريدة (البستاندرد الصبرانية) جاء فيها خاصة (أن اعتقاد الأمة الانكليزية يزداد من يوم إلى يوم ،هـﺫا ولا شك فيه أمر مهم للغاية وإذا خرج إلي حيز العمل فسيأتي أبناء امتنا وإخواننا في الدين لا سيما المضطهدين منهم في روسيا بنفع لا يقدر وكيفما كان الأمر فدخول تركيا في الحرب واقتسام أملاكها الذي لا بد أن يأتي عاجلا أو آجلا كما نوهنا في ما سبق، لا بد أن يحدث تغييرا حيويا في حالة الأمة اليهودية في الأرض المقدسة فليس لنا الآن إلا أن نصلي ونترجي بان هﺬا الانقلاب المنتظر سيضع أساسا جديدا لمستقبل مجيد لنا.

هذه الفقرة التي أوردها ميخائيل نعيمة تدل بوضوح على الاستشراف الخطير لدي الإستراتيجية ّالصهيونية في الاستفادة من موازين القوي في العالم وتهيئة التناقضات لصالحها ويسرد ميخائيل نعيمة بعد ﺬلك مواقف الأطراف الأخرى خاصة يهود أوروبا وأمريكا في إنشاء المملكة اليهودية ثم يتعرض إلي موقف المسيحيين ويتهجم على موقف انكلترا بعد ذلك قائلا انه من الغرابة أنها تدعي الدفاع عن الحرية وحقوق الضعيف ثم تقدم علي بيع مليون من الشعب الفلسطيني بأموالهم وأرزاقهم عبيدا لقبضة من شعب آخر غريب عنه جنسا ودينا ولسانا لأن دلك يوافق مراميها السياسية وينبه نعيمة إلى هﺬا الخطر عندما يري أن اليهودي سيشتري الأرض من الفلاح الفلسطيني ثم يملك أعنة التجارة والسياسة فيلعب بالفلاح المسكين الذي لا يقدر على مباراة اليهودي إذ كان في الصناعة أو في الزراعة أو في العلم أو السياسة. ويختم نعيمة مقاله كما يلي :

و الله لتلك أكبر جريمة ترتكبها انكلترا بل العالم كله إذا باعوا فلسطين وسكانها لليهود لمطامع سياسية أو ترهات دينية.و إذا أحبت انكلترا أن تجعل فلسطين مستقلة لغايات دولية فلماﺬا لا تجعلها كﺫلك تحت إدارة أهلها ولا خوف عليها من عصيان اليهود وتمردهم. هـﺬا ـ نص وثيقة ـ يجدر التوقف عنده.

فلسطين ممـلكة يهودية

” إن اعتقاد الأمة الانكليزية بإمكان تأسيس مملكة يهودية مستقلة في فلسطين تحت حماية انكليزية يزداد من يوم إلي يوم. هﺫا ولا شك أمر مهم للغاية وإذا خرج إلي حيز العمل فسيأتي أبناء امتنا وإخواننا في الدين – لا سيما المضطهدين منهم في روسيا- بنفع لا يقدر…..و كيفما كان الأمر فدخول تركيا في الحرب واقتسام أملاكها الذي لا بد أن يأتي عاجلا أو آجلا كما نوهنا في ما سبق لا بد أن يحدث تغييرا حيويا في حالة الأمة اليهودية في الأرض المقدسة. فليس لنا الآن إلا أن نصلي ونترجى بأن هﺬا الانقلاب المنتظر سيضع أساسا جديدا لمستقبل مجيد لنا

هذه فقرة من جريدة “البستاندرد العبرانية” وخذ لك ألف فقرة كهذه الفقرة ظهرت في الصحافة العبرانية وغير العبرانية في جميع أقطار العالم.

في دماغ من ترى هذا الفكر ونما ونضج ثم طار بالبرق من شرق الأرض إلي غربها ومن شمالها إلى جنوبها- لا ادري ولا يهمني أن أدري. هذه الحرب قد ملأت الأرض أنبياء ومفسري أحلام ، لكن نبي استقلال بني إسرائيل وعودتهم إلى أرض أجدادهم قد وجد لنفسه في الحال ألوفا بل ملايين من التباع بين العبرانيين وغيرهم لأن نبوءاته تحرك في بعضهم شعورا دينيا وتأتي الآخرين بمنافع سياسية واقتصادية.

بعض العبرانيين ينظرون إلى هذا الأمر من جهة دينية فيُسمعون أشعيا وارميا وحزقيال ودانيال يكلمونهم من وراء حجاب ثلاثة آلاف سنة أو أكثر يبشرونهم “بمسيا” المنتظر الذي سيقود شعب يهوﺬا المختار إلى أرض الميعاد ويجدد صهيون. وأنهم يرون في هذه الويلات التي تصبها السماء علي العالم في هذه الأيام يد الله تسطر على شواطئ الحياة كلمات لا يفهمها سواهم. ومعناها “إلي خيامك يا إسرائيل”. وإسرائيل يعد العدد ويسهل الطرق بكل ما وهبه اله إبراهيم واسحق ويعقوب من قوة الدهاء وما أعطاه من موهبة جمع المال ليلبي دعوة أنبيائه. وهو يري الآن صهيون ترتفع من بين أشلاء الجنود وخنادق الموت تزينها عظمة الأجيال ويكللها مجد داود وسليمان وتخفرها ملائكة العلي فيخر خاشعا ويمتلئ قلبه أملا وسرورا.

هذا ما يراه ويقوله بعض العبرانيين. فماذا يقول المسيحيون؟

من بلاء المسيحيين وسوء حظ المسيحية انك تجد ألوفا بين تباع الناصري من الذين ينكرون تعاليمه وينكرونه إذ فصلت إنجيله عن أسفار موسي وإذا قلت لهم انه جاء ليس ليتمم نبوءة ﺬاك أو حلم هذا بل ليضع خمرا جديدا في وعاء جديد وليريح المستعين والثقيلي الأحمال. هولاء لا يرون في التوراة سوي حرفها الميت..لذاك يجهدون أنفسهم ليطبقوا كل حادثة جرت أو تجري أو سوف تجري على نبوءة ما من نبوءة من نبوءات أشعيا وإخوانه في الفن. ولو سألتهم رأيهم في الحرب الحاضرة لدلوك على العدد الفلاني من الكتاب الفلاني حيث تجد تفاصيل الحرب كلها بأسماء قوادها وحصونها وعدد جيوشها ومعاركها وأسبابها الخ. فهل تعجب إذ ا رأيت هولاء القوم قد تمسكوا بكل شرايين قلوبهم وفقرات أدمغتهم بهذا الفكر عن تجديد المملكة الإسرائيلية ويتولي شعورهم الديني ويبرهن لهم عن عظمة الله الذي يعبدونه.

أما بقية اليهود فبينهم من يقولون”صهيوننا واشنطون”.فيفضلون البقاء حيث هم.لكن أكثرهم يرون في نشر المملكة اليهودية حلا لمشاكلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن يتصور ما لاقاه وما سيلاقيه اليهودي بين بقية شعوب الأرض من الهزء والاحتقار والاضطهاد لا يلومه إذ سعى بكل ما لديه من الوسائط ليعيش في بلاد يكون سلطانها ولا يخجل أن يتجاهر فيها بدينه وجنسه دون أن يعرض نفسه لمقت القوم أو ازدرائهم.

أما الأمم التي يساكنها اليهودي- لا سيما روسيا- فتعده بنيل هذه الأمنية تخلصا منه لا حبا به لأنه ضيف ثقيل في أرضها وعلى شعبها. وعدا ﺫلك فلانكلترا على الأخص غاية سياسية ذ كرتها الجرائد غير مرة وهي أن تبقي فلسطين المجاورة لأملاكها الاسوية والإفريقية تحت سلطتها فعلا إنما في يد شعب مستقل اسما لا خوف عليها منه لأنها تعرفه شعا تجاريا لا حربيا. ومهما عظمت سلطته المالية تبقي قوته الحربية صفرا بالنسبة لقوتها.

هكﺫا اتفق أقوياء هدا العالم ومديرو دفة سياسة الأرض، وهكذا سمعنا وسمعت جرائدنا. وهكذا.. سكتت جرائدنا وسكتنا. ربما تتم هﺬه النبوءة بعد الحرب وربما لا تتم. لكن الأمر الذي تم الآن هو أن العالم سيتناقل هذه النبوءة ويستحسنها. والظاهر أنه يسعى لتحقيقها ونحن صم لا نسمع وبكم لا نتكلم كأن هذا الأمر لا يعنينا على الإطلاق أو كأن هذا الأمر لا يعنينا على الإطلاق أو كان فلسطين قطعة من بلاد المغول أو جزيرة من جزائر الفيليبين لا جزء من البلاد التي ننتمي إليها. فلا أهلها أهلنا ولا بيت لنا فيها ولا مرقد عنزة.

أفمن خمول بعد هذا الخمول؟ أمن موت بعد هذا الموت؟

رأت بعض ممالك الأرض أن من صالحها أن تجعل فلسطين أرض قفراء لا عمار فيها ولا حياة. وكلما يجب لجعلها مملكو مستقلة أن تضع فيها بضعة آلاف من اليهود وتقيم عليهم ملكا وتقول لهم: “أحرثوا هذه الأرض وتنعموا بأثمارها وتكاثروا كرمل البحر”. لكن في فلسطين مليونا من البشر الذين ولدوا وشبوا فيها ودفنوا أجدادهم وأجداد أجدادهم. هم يدعونها وطنهم وليس لهم في العالم كله حيث يلقون رؤوسهم سوى في تلك البقعة من ارض الله. فيها رأوا النور وفيها يفارقون الحياة. تحت سمائها يحلمون أحلامهم وفوق تربتها يسيرون بهمومهم وأفراحهم وأشجانهم. أيديهم وأيدي أسلافهم من قبلهم بقرت وتبقر تربتها.عظامهم تغذي نبتها وعرق جباههم يسقي زرعها.فبأي شرع أو دين أو حق يجوز للانكليزي أو سواه أن يأتي بيهودي إلي ساكن فلسطين ويقول له : “أجداد هذا الرجل كانوا يقطنون في هذه البلاد من ألفي سنة. وهكذا فالأرض أرضه لأنه ورثها عن أجداده. أما أنت ففتش لك عن ارض غير هذه الأرض فقد تعديت على حقوق هذا الإنسان تعديا”- فهل قطن أجداد الانكليزي في كندا أو في استراليا أو الترنسفال أو مصر أو الهند أو غيرها؟ ومن أوحى له بحق الوراثة في تلك البلدان؟

أليس من الغرابة أن انكلترا التي تدعي أنها جردت سيفها في هذه الحرب دفاعا عن الحرية وحقوق الضعيف تقدم الآن فترتكب إثما كهذا الإثم بأن تبيع مليونا من الشعب بأموالهم وأرزاقهم عبيدا لقبضة من شعب آخر غريب عنه جنسا ولسانا لأن ذلك يوافق مراميها السياسية أو لاعتقادها بأن لليهودي حقا في فلسطين ورثه عن أجداده؟ وهذا في الحقيقة ما يحل بنا إذا تمكنت انكلترا من الجري بهذه الخطة- اليهودي سيشتري الأرض من الفلاح الفلسطيني ثم يملك أعنة التجارة والسياسة وهناك يلعب بالفلاح المسكين على هواه. وذلك شر من العبودية. وهل فلاح فلسطين قادر على مباراة اليهودي إذ كان في الصناعة أو في الزراعة أو في العلم أو السياسة؟ والله لتلك أكبر جريمة ترتكبها انكلترا بل العالم كله إذا باعوا فلسطين وسكانها لليهود لمطامح سياسية أو ترهات دينية. وإذا أحبت انكلترا أن تجعل فلسطين مستقلة لغايات دولية فلماذا لا تجعلها كذلك تحت إدارة أهلها ولا خوف عليها من سطوة الفلاح الفلسطيني أكثر مما عليها من عصيان اليهود وتمردهم.

أقول ذلك ثم أسال نفسي: ” ولماذا نلوم انكلترا إذا شاءت أن تبيع فلسطين وهي للان لم تسمع كلمة شكوى أو تذمر من الشعب الذي يدعو فلسطين وطنه وبيته؟”.

نعم. ولماذا نلوم انكلترا؟

هل من أخ فلسطيني يجيبني على هذا السؤال؟ ـ انتهى نص نعيمة ـ

و بعد: لكأن قلم صاحب المقا ل لم يجف بعد…فهل مازلنا نراوح الخطى في نفس المكان؟

 

سُوف عبيد

 

902 zilberbourgعن دار "وتاو" للنشر صدرت للقاصة الروسية الشابة أولغا زيلبيربورغ مجموعة قصص بعنوان (مثل الماء وقصص أخرى). ضمت المجموعة 52 قصة جديدة توزعت اهتماماتها بين علاقة الشرق بالغرب، وتأثير البيروسترويكا على المجتمع الروسي، وبالأخص بطرسبورغ وموسكو. بالإضافة لهموم الغربة وتمزق الإنسان الشرقي بين ثقافتين وحضارتين.

ولا تخلو القصص من إشارات لأزمة الشرق الأوسط وانعكاساتها على العالم. ودور الحرب الباردة في التأزيم وأزمة قناة السويس وعلاقتها بصواريخ كوبا وغزوة خليج الخنازير.

استعملت الكاتبة عدة أساليب للتعبير عن هذه المحاور. من أسلوب القصة القصيرة جدا والشاعرية والشفافة، إلى أسلوب السرد الواقعي بلغة قريبة من المحاكاة، وهي نفس اللغة التي تجدها في أعمال نابوكوف وبعده فلاديمير سوروكين وفالنتاين راسبوتين وسواهما من رموز الجيل الجديد.

ومن الأمثلة عليها القصص التي تنتقد بها تجربة البيروسترويكا وانهيار الاتحاد السوفياتي.  كما في (دكتور ستيفا) و(الكمان المكسور) وغيرها. 

سبق للقاصة أن كتبت في أدب الرحلات ومن ذلك ريبورتاج مفصل عن أندلسيا (إسبانيا وماضيها الإسلامي العربي).

تعمل الكاتبة حاليا منسقة لمجلس إدارة الجمعية الثقافية في سان فرنسيسكو التي تستضيفها دار نشر معروفة هي (سيتي لايت). كذلك هي عضوة في هيئة تحرير مجلة (سرديات – ناراتيف) الأمريكية. وتعيش في الوقت الراهن في سان فرانسيسكو، الولايات المتحدة.

 

د. صالح الرزوق

نضير الخزرجيكقارئ هاو ولع بالأدب منذ نعومة أظفاره تعرفت على الشاعر الإيراني أبو الفتوح عمر بن إبراهيم الخيام (1048- 1131م) من خلال رباعياته التي تطير بالقارئ على بساط الهوى والهيام تقودها رياح الحكمة تارة ورياح الفكرة تارة أخرى، والنظر في ملكوت السماوات والأرض، وما تخفيه نفس الإنسان وكوامنه.

وكناشط ومراقب انتظم في العمل الحزبي والسياسي في أول سني البلوغ تعرفت على الصيدلاني والشاعر والمنجِّم الفرنسي ميشيل دي نوستردام (Michel de Nostredame) الشهير بـ "نوستراداموس (Nostradamus) (1503- 1566م) مع اندلاع حركة الشعب الإيراني عام 1978م بالضد من النظام الشاهنشاهي التي انتهت إلى قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979م، عندما راحت الأقلام تنبش في رباعياته للوقوف على تنبؤاته فيما إذا كانت الثورة الإسلامية جزء منها، فأثبت بعض ونفى آخر.

وحيث لرباعيات الخيام ترجمات متنوعة وبلغات مختلفة، وفي كل لغة ترجمات عدة مثل الترجمة العربية التي بلغت أكثر من عشرين ترجمة لشعراء من بلدان مختلفة مثل ترجمة الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي (1897- 1977م)، وترجمة الشاعر اللبناني أمين نخلة (1901- 1976م)، وترجمة الأديب المصري عباس محمود العقاد (1889- 1964م)، فإن لرباعيات نوستراداموس ترجمات كثيرة في لغات مختلفة وفي كل لغة أكثر من ترجمة.

وما يميز ترجمة رباعيات الخيام عن ترجمة رباعيات نوستراداموس، أن كلاهما خاضع لفهم المترجم لمفردات اللغة وتمكنه من اللغة وآدابها، وفي رباعيات الخيام يحضر المترجم بنفسه كأديب وشاعر ليفرض نفسه على الرباعيات فتشعر أنك تقرأ الأديب المترجم لا الأديب الناظم، وهذا ما يعطي للترجمات جمالية وتكشف في الوقت نفسه عن حجم شاعرية المترجم ومبلغ قدرته على السباحة في بحر القوافي، وأما في رباعيات نوستراداموس فإن الإسقاطات الزمانية والمكانية بما يراها المترجم أو يريدها أن تكون لها مدخلية كبيرة في الترجمة تبعا للغة التمويهية التي امتطى نوستراداموس صهوتها بما جعل تنبؤاته لها أن تصدق على هذا الحدث الكبير أو ذاك، أو أنها تعطي المرونة لدى المترجم في أن يلبس قميصها هذا الحدث او ذاك مما يشعرك أن التنبؤات لها صدقية أو قريبة إلى الواقع.

بالطبع لم يكن نوستراداموس بدعًا من المنجمين والضاربين بالرمل ولم يكن هو رائدهم، فقد سبقه كثيرون في عصور سابقة، وفي العصر الجاهلي المتصل بالعصر الإسلامي اشتهر أكثر من واحد في هذا المجال بما يعرف بالكهنة والسجاعة، الذين كانوا يخفون التنبؤات المزعومة في أبيات شعرية غير مفهومة أو كلام مقفى غير موزون شعريا فكل من يقرأه يفهمه على سليقته أو ما يرغب هو في فهمه وإن كان خلاف المراد ولا مراد له أصلا، وإذا عجز المرء عن فهم المراد نسبوه إلى قلب الشاعر وبطنه فيقال: (المعنى في قلب الشاعر) أو (المعنى في بطن الشاعر)، والقلب لا العقل ميال إلى هذا المعنى والمراد وإلى ذاك، والبطن دون العقل حمال ذو أوجه كبكرة خيوط التفت على نفسها أو كمعركة اختلط حابلها بنابلها.

وحيث تفاجأ عرب الجاهلية بما جاء به النبي محمد (ص) من قرآن موحى فيه قراءات للماضي ومبشرات للمستقبل وما بعد الحياة الدنيا رموه بالكهنة والسجاعة.

ومن أجل فهم الشعر على حقيقته وسجع الكهانة ونصوص القرآن الموحى والفروقات الشاخصة، ينقلنا الفقيه المفسر الشيخ محمد صادق الكرباسي في رحلة معرفية أدبية وقرآنية إلى فهم المراد وذلك عبر تفسيره النظمي للقرآن الكريم المسمى: (المختوم في التفسير المنظوم) الخاص بالجزء الثلاثين من القرآن الكريم (جزء عمَّ) الصادر حديثا (2019م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن وبيت العلم للنابهين في بيروت في 459 صفحة من القطع الوزيري.

نظم التفسير لا القرآن

عندما تفاجأ عرب الجزيرة العربية بأدب القرآن الكريم ووحي السماء، رموا رسول الله محمد (ص)، بالكهنة والسجع والشعر رغم علم أهل مكة أن محمد بن عبد الله (ص) الذي عاش بين ظهرانيهم أربعين عاما قبل أن يعلن دعوة الإسلام لم يكن شاعرا ولا كهانا ولا سجاعا، لأن من عادة العرب أن تحتفي بالشاعر وتفتخر به على رؤوس الأشهاد ولم يكن النبي محمد(ص) منهم، ومن عادة العرب أن تذهب الى الكاهن يخبرها عن الحاضر والمستقبل، ولم يكن النبي محمد(ص) منهم، ولم يُعرف عن النبي أنه من السجاعين الذين يبطنون كلامهم المقفى أحاجي ونبؤات، واشتهر بينهم منذ نعومة أظفاره بالصادق الأمين.

فاتهام رسول الإسلام بهذه الأمور الثلاثة إنما هي وسيلة من لا حيلة له على معارضة ما جاء به من وحي السماء، وكبار القوم وشعراؤهم وخطباؤهم يدركون هذه الحقيقة وإنما أطلقوا التهمة ليضلوا بها عامة الناس وعوامهم ولكي يحافظوا على مكتسباتهم من عبادة الأصنام والشرك بالله، ولهذا كان منطقهم كما يصورهم القرآن: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) سورة الصافات: 36، لكن القرآن الكريم ردّ عليهم بلسان الرسول الأكرم(ص): (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ. أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) سورة الطور: 30، وحيث عجزوا أن يأتوا بالقرآن أو بعشر سور أو بسورة واحدة خاطبهم بأن يأتوا بحديث مثله: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) سورة الطور: 33- 34، ولأن القرآن فريد نوعه فإن التحدي قائم حتى يومنا هذا لكلا الثقلين: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) سورة الإسراء: 88.

الفقيه الكرباسي يمهد في تفسيره النظمي للجزء الثلاثين من القرآن الكريم بجملة موضوعات ذات علاقة بالشعر والسجع والتقفية والكهانة، فيتابع العلاقة بين (السجع والتقفية) و(السجع بين الرفض والقبول)، و(القرآن والشعر) و(فوارق القافية والسجع) و(القرآن بين السجع والقافية)، و(الهدف والغاية) يوضح فيه حيثيات بيان معاني الآيات في قالب نظمي مقفى، ليؤكد استحالة وضع القرآن الكريم وتفسيره في قالب شعري حسب معايير الشعر، وإنما هو من النظم المقفى مع التفعيلة وإن تقولب في بحر من البحور الخليلية والكرباسية التي بلغت 210 بحور، من هنا فإن المفسر الكرباسي يؤكد: (إن الهدف الرئيس من نظم القرآن هو نظم تفسير القرآن، وإلا فإن نظمه كترجمته لا يمكن إلا من قبله تعالى، ووصف النصوص المنقولة إلى لغات أخرى غير العربية بالترجمة هو من باب المسامحة، والأدهى من ذلك أن نُسمِّي نظم القرآن بالشعر لأن الثاني أكثر استحالة من الأول بل هو المحال عينُه).

اما لماذا بدأ بنظم تفسير القرآن من الجزء الثلاثين ولماذا أطلق عليه المختوم؟

يجيب الشيخ الكرباسي: (بدأنا بالجزء الأخير من القرآن لأنه فيه ذكاء من الشعر ونفحة من النظم، فإذا ما أظهرنا فيه استحالة النظم وأبدينا التفعيلة المستخدمة فيه جرى في غيره بسهولة، ولاستحالة قلب النص القرآني شعرًا سمَّيناه "المختوم في التفسير المنظوم")، والمختوم من ختم الرسالة وغلقها بالشمع أو الرصاص بحيث لا يعرف محتواها إلا المرسل والمرسل إليه، ومهما بلغ المفسرون قُلل المعرفة فإنهم حتى يومنا هذا قاصرون على الوقوف على حقيقة المراد من آيات القرآن الكريم، والأمر موكول إلى المُرسل والمُرسل إليه والموصى به: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) سورة آل عمران: 7، ولهذا استوجب التسليم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) سورة النساء: 59.

لا هذا ولا ذاك

وحيث عرف العرب النثر والشعر وما بينهما من سجع وتقفية، فإن مجموعة غير قليلة من آيات القرآن الكريم ذات مسحة من سجع وتقفية، وهو ما جعل كبار المشركين يلوون حقيقة الوحي الرباني ونسبتها الى الكهانة والسجع البشري، والفقيه والمفسر الكرباسي يوقفنا في التمهيد وفصوله بشرح مفيد عن مفهوم السجع والتقفية وتمثلاتهما من القرآن الكريم، كون السجع غير الشعر المقفى، فالأول: (هو الكلام المقفى، أي الكلام الذي يكون آخر مقاطعه من الحروف التي مخارجها متحدة أو متقاربة) وهو خاص بالنثر، والكلام الموزون المقفى هو خاص بالشعر، فالسجع من خواص النثر والقافية من لوازم الشعر، فما خلا من سجع فهو كلام منثور وصنوه ما خلا من قافية، وإنما سمي السجع سجعا لتقاربه في اللحن من سجع الحمام لتناسب فواصل لحن الكلام المنثور وتقارب آواخره بمخارج الحروف أو توافقها.

والسجع على أربعة اطوار كما يسترسل المؤلف والناظم مستشهدا بآيات من القرآن الكريم:

الأول: السجع المُطرّف: وفيه اختلف آخر الجملتين في التفعيلة واتفقتا في القافية (الروي)، ومن ذلك قوله تعالى في سورة نوح: 13 و14: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً) (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً).

الثاني: السجع المتوازي: وفيه اتفقت المفردة الأخيرة من الجملتين فقط على تفعيلة وقافية، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الغاشية: 13 و14: (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ) (وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ).

الثالث: السجع المرصّع: وفيه اتفقت مفردات إحدى الفقرتين في التفعيلة في معظم مفرداتها مع الأخرى كأنها صدر وعجز، من ذلك قوله تعالى في سورة الإنفطار: 13 و14: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ).

ومن المفارقات في الشواهد الثلاثة اتفاق أرقام الآيات الشريفة.

الرابع: السجع المشطَّر: وهو من التشطير الشعري المسجع، ومحله كما يضيف الناظم في الشعر وليس في النثر، حيث يلاحظ السجع في كل شطر من شطري البيت، من ذلك قول الشاعر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي (179- 228هـ) من بحر البسيط:

تدبيرُ معتصِمٍ بالله مُنتقِمٍ *** لله مُرتَغِبٍ في الله مُرتقِبِ

ولا يخفى أن السجع من المحسنات اللفظية ومن بديع البلاغة، له منزلة طيبة في القلب والعقل، تتلقى النفس مفرداتها كما تتلقى الأرض الجدباء قطر السماء، وهو ظاهر في الأدب القرآني وبتعبير الناظم: (السجع شيمة الأدب القرآني الذي انتهل منه الرسول(ص) وآله(ع)، ومن أنكر ذلك حاله كمن ينكر الشمس في رابعة النهار، ومَن استنكر هذا النوع من الأدب ببعض الروايات الضعيفة أو الموضوعة فلا يُصغى له).

وإذا كان السجع في النص القرآني ظاهرًا فإنه في المأثور كثير، من ذلك ما جاء في مناجاة الإمام علي بن الحسين السجاد (33- 92هـ) بلسان حال التائبين: (إِلَهِي أَلْبَسَتْنِي الْخَطَايَا ثَوْبَ مَذَلَّتِي)، (وَجَلَّلَنِي التَّبَاعُدُ مِنْكَ لِبَاسَ مَسْكَنَتِي)، (وَأَمَاتَ قَلْبِي عَظِيمَ جِنَايَتِي)، (فَأَحْيِهِ بِتَوْبَةٍ مِنْكَ يَا أَمَلِي وَبُغْيَتِي)، (وَيَا سُؤْلِي وَمُنْيَتِي)، (فَوَعِزَّتِكَ مَا أَجِدُ لِذُنُوبِي سِوَاكَ غَافِراً)، (وَلَا أَرَى لِكَسْرِي غَيْرَكَ جَابِراً)، (وَقَدْ خَضَعْتُ بِالْإِنَابَةِ إِلَيْكَ)، (وَعَنَوْتُ بِالِاسْتِكَانَةِ لَدَيْكَ)، (فَإِنْ طَرَدْتَنِي مِنْ بَابِكَ فَبِمَنْ أَلُوذُ)، (وَإِنْ رَدَدْتَنِي عَنْ جَنَابِكَ فَبِمَنْ أَعُوذُ)، (فَوَا أَسَفَا مِنْ خَجْلَتِي وَافْتِضَاحِي)، (وَوَا لَهْفَا مِنْ سُوءِ عَمَلِي وَاجْتِرَاحِي)، (أَسْأَلُكَ يَا غَافِرَ الذَّنْبِ الْكَبِيرِ)، (وَيَا جَابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ)، (أَنْ تَهَبَ لِي مُوبِقَاتِ الْجَرَائِرِ)، (وَتَسْتُرَ عَلَيَّ فَاضِحَاتِ السَّرَائِرِ)، (وَلَا تُخْلِنِي فِي مَشْهَدِ الْقِيَامَةِ مِنْ بَرْدِ عَفْوِكَ وَغَفْرِكَ)، (وَلَا تُعْرِنِي مِنْ جَمِيلِ صَفْحِكَ وَ سَتْرِكَ)، (إِلَهِي ظَلِّلْ عَلَى ذُنُوبِي غَمَامَ رَحْمَتِكَ)، (وَأَرْسِلْ عَلَى عُيُوبِي سَحَابَ رَأْفَتِكَ) إلى آخر المناجاة السجادية.

وينتهي المؤلف إلى التأكيد بأن السجع في ذاته ليس منهيا عنه: (وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول الكاهن، فقال رسول الله: أسجعًا كسجع الكُهان، أي أحُكمًا كحُكم الكُهان).

من منظوم التفسير

وإذا كان السجع مقرونا بالكُهان فإن المنبئين والمنجمين استخدموا الشعر مركبًا لهم، كما استقلَّ عدد من الشعراء لا كلهم ظهر الشعر لإغراء الناس بأكاذيبهم وإغوائهم، والشعر في المنظوم كالسجع في المنثور: (لم يرد فيهما نهي في القرآن) كما يضيف المحقق الكرباسي. بل إن الشعراء فقراء إلى القرآن الكريم فهو ليس من السجع وليس من الشعر وفوقهما، وبتعبير الناظم: (إنَّ الشعر يتسكّع على أبواب سور القرآن وآياته ومفاهيمه، ومنذ أن نزل القرآن أخذ الشعراء ينهلون من القرآن نهلا، وتغيرت صورة الشعر بعد الإسلام، إذ كان القرآن الكريم أحد أهم مصادر الإلهام لهم) من شعراء وأدباء وأمثالهما.

ومن نماذج الإلهام هذا التفسير المنظوم بعينه الذي يبدأ من سورة النبأ وينتهي بسورة الناس، فهو قريب من التضمين وما هو منه، وقريب من التشطير وليس منه، وأشبه بالإقتباس وهو غيره، وبتعبير الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز مختار شبين في تقديمه للكتاب: (وديوان الكرباسي المختوم في التفسير المنظوم يمثل خطوة في هذا المنهج الذي يدعو إلى اقتباس القرآن الكريم واعتباره المورد الخالص للبلاغة، ومنه تنهل كل الينابيع مهما اختلفت مصادرها، وتنوعت اتجاهاتها، ووجد فسحة الوقت متاحة فأتى لنا بنسيج فريد في نظمه، فجعلنا نقرأُ القرآن نصًّا كاملا ومجوَّدًا في بيت منظم موزون مقفى، ولا أظن أحدًا سبقه إلى هذه الصنعة من قبل في أدبنا العربي، وإن وجدت فهي لا تتعدى اقتباسًا أو تأثرًا).

ومن الشواهد قول الناظم في تفسير البسملة والآيتين الاولى والثاني من سورة النبأ: (بسم الله الرحمان الرحيم. عمّ يتساءلون. عن النبأ العظيم)

بسم الله الرحمان الرحيم *** ذا نظمي تفسيرٌ للرقيمِ

يا رسول الله عمّا يتساءلونْ *** في حجازٍ هؤلاءِ المتقاعسونْ

هم عَنِ الإرسالِ طبعًا يتباحثون *** ما لهم يستغربوه ويعاندونْ

إنهم قد شكَّكوا بالنبأ العظيم *** فاستخفوا كلهم بالكَلِمِ القويمْ

ومن الشواهد في تفسير سورة الكوثر: (إنا أعطيناك الكوثر. فصلِّ لربك وانحر. إنّ شانئك هو الأبتر) صدق الله العلي العظيم:

فإننا أعطيناك درَّة كالكوثرْ *** فَصَلِّ دوما شكرًا لربك .. انهض وانحرْ

فإنّ نسل الداعي لفاطمٍ مِن حيدرْ *** فذاك مَن زكّى في صلاته إذ كبَّرْ

وشانئَ الهادي عند ربك المُسْتَنْصَرْ *** قضى عليه .. حكما هو القطيعُ الأبترْ

صدق الله العليُّ العظيمُ *** فيه قالَ الرسولُ الكريمُ

ومن لطائف التفسير المختوم أن المؤلف ألحق بخاتمة كل سورة منظومة نصًا منثورًا هو لسان حال السورة من حيث مكان النزول وسبب النزول وفيمن نزلت ومؤداها ومرادها والعبرة المستخلصة، وضمّ إليها 54 صورة تشكيلية تخيليّة من عمل الفنان المهندس محمد علي عبد الصاحب الأعرجي، مع بيان للعلامات المستخدمة، وعدد من اللطائف والنكات الظريفة من وحي أسماء سور القرآن الكريم، مع مجموعة فهارس متضمنة: فهرس الآيات، الأحاديث، البحور والقوافي، الأعلام، الأماكن، المتفرقات، الصورة والرسوم والملحقات، المصادر والمراجع، وفهرس المواضع.

وكما بدأ الكتاب بمقدمة لشاعر جزائري ختمه بتقريظ كريم جمع بين النثر والشعر لأديب عراقي هو الشاعر رحيم شاهر الربيعي الذي رأى في الكتاب: (شكل من أشكال التفسير الشعري للقرآن، ولكنه في هذه المرة جاء ترجمة جمالية من العربية إلى العربية، عبر إضافات عروضية جديدة لافتة، أي حاملة لوحة العروض الأبهى ومزدانة بحلته)، وختم تقريظه النثري بمقطوعة شعرية من ثمانية أبيات من بحر المتكامل، مطلعها:

هذا كتابٌ وحيه القرآنُ *** أهل المعارف أفصحوا وأبانوا

وخاتمتها:

فالدرُّ مختومٌ بلطف مواعظ *** وبلوحِهِ قد دلَّلَ العنوانُ

في الواقع يمثل كتاب "المختوم في التفسير المنظوم .. جزء عمّ" نقلة نوعية في الاستخدامات الشعرية وفيه وظّف الناظم القافية في تفسير معاني مفردات الآيات، وهو صنو كتاب "التفسير المسترسل .. جزء عمّ" للمؤلف نفسه الذي صدر عام 2010م الذي مثّل هو الآخر نقلة نوعية في التفسير المنثور على غير المعهود، وفيه وظَّف الكرباسي الكلمة الأدبية في تفسير مفردات الآيات بأسلوب ميسر سلس.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

علاء اللاميعن دار "المركز الثقافي للكتاب" في الرباط وبيروت، صدر كتاب جديد للباحث العراقي في "الرافدينيات" د. خزعل الماجدي بعنوان "أنبياء سومريون ..كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى أنبياء توراتيين؟".

هذا الكتاب مهم لناحية موضوعه، وجريء في طريقة تناول هذا الموضوع بعلمية ومنهجية دقيقة، فهو يتناول موضوعا شديد الحساسية بسبب انغراسه عميقا في المقدس الديني في الديانات الإبراهيمية الثلاث، والمقدس التوراتي خصوصا. وهو ما أشار إليه المؤلف في مقدمته بقوله إن كتابه (يكسر عند الناس واحدا من أكبر التابوهات التي تخص بداية ظهور الإنسان وظهور الأنبياء الأوائل).

والتابو الذي يقصده الكاتب هو ذاك الذي يغطي موضوع أصول الديانات السماوية، وقضية خلق العالم والإنسان وجذورها الأسطورية في عصور ما قبل الطوفان، وكيف قدمتها الديانات السماوية الثلاث الأكبر لاحقا. فقد ساد اقتناع أولي، مع بدايات الكشوفات الآثارية الأركيولوجية في بلاد الرافدين، بأنها ذات أصول رافدينية سومرية انتُحِلَت أو انتقلت بطريقة التناص إلى السردية التوراتية اليهودية، ومنها انتقلت لاحقا إلى الديانتين الإبراهيميتين الأخريين المسيحية فالإسلام. ولكن الماجدي يحاول أن يفكك ويوضح، مستعينا بما يقدمه علم الآثار الحديث من أدلة مادية، تفاصيل وجذور تلك الأصول الرافدينية السومرية، ليسنتبط منها لاحقا آليات تكونها وانعكاساتها وانتقالاتها من سردية إلى أخرى. إن الهاجس الموضوعي والانشداد إلى المقاربة الدقيقة للحقيقة هو ما يحفظ المؤلف من الانزلاق وراء تقديم أحكام باترة وقاطعة، وهذا ما نجده غالبا في كتاب الماجدي فهو يتوخى الدقة ونقل الرأي المخالف، ليصوغ، من ثمَّ، خلاصاته واستنتاجاته بحذر ودراية وبلغة متسائلة، شكاكة، بعيدة عن القطع في أمور لا يجوز القطع فيها.

إن موضوع المقارنة بين السردية الرافدينية والأخرى التوراتية ليس جديدا، فقد طُرِحَ في الثمانيات من القرن التاسع عشر من قبل وينكلر وعلماء مدرسة "توراة بابل" الذين قالوا (إن معظم حكايات العهد القديم وخصوصا أسفار موسى الخمسة، هي انعكاس للأدب المسماري "الرافديني")، ولكن ماير، زميل وتلميذ العالم الشهير ويلهاوزن، رفض ذلك وقال إن تلك الحكايات التوراتية (كانت في الأصل مرويات شفهية ومجموعات من القصص المؤلفة من الحكايات الشعبية والأساطير والملاحم/ طومسون 12). ثم تناول تلك العلاقة بالدراسة والعرض والتمحيص باحثون عرب وأجانب آخرون من بينهم الباحث العراقي الراحل فاضل عبد الواحد في كتابه "من سومر إلى التوراة" سنة 1989، ولكنه لم يتوقف تحديدا وبالتفصيل لموضوع العلاقة بين ملوك سومريين وأنبياء توراتيين لعصور ما قبل الطوفان. كذلك قارب هذا الموضع الباحث فراس السواح في كتابه "مغامرة العقل الأولى" سنة 1976، لكنه اكتفى بحشد كمٍّ مهم من النصوص الرافدينية ذات العلاقة بالنصوص التوراتية تاركاً مهمة المقارنة والتحليل والخروج بالاستنتاجات الحاسمة للقارئ! ومن الباحثين الأجانب ألف فردريك ديليتش كتابه الشهير "بابل والكتاب المقدس" الذي ترجم إلى العربية سنة 1987، وهو كتاب مفيد فعلا ولكنه مضطرب من الناحية العلمية وينحو نحوا إنشائيا أحيانا فينتهي إلى استنتاجات ذاتية الطابع ثم أنه لم يكن دقيقا في طريقته في الاقتباس من الكتاب العبري المقدس كما في نقله المبتور لوصف بابل كما جاء في سفر إرميا.

لعل أهم ما يتميز به كتاب الماجدي هو أنه يذهب مباشرة وعميقا إلى موضوع تلك العلاقة والتي يسميها "الينبوع الثيولوجي" للسرديات الدينية، فيضعها تحت نور البحث التحليلي مخصصا كتابه برمته لها و لتفاصيلها وجزئياتها وتدعياتها.

اعتمد الماجدي في تأليفه كتابه استراتيجية تأليفية شديدة الدقة والوضوح وهذا ما يجعل الكتاب في متناول فهم القارئ الأكاديمي المتخصص وغير المتخصص، رغم تعقيدات الموضوع المدروس وغموض مراجعه الرافدينية، إضافة إلى المتعة الحقيقية التي يقدمها للقارئ الشغوف بالتاريخ والمثيولوجيا.

الفكرة الجوهرية الرئيسية التي ينهض عليها الكتاب هي محاولة رصد وتفسير أوجه التشابه البالغ أحيانا حدَّ التطابق في التفاصيل بين ما قدمته الكتب الدينية اليهودية وخصوصا التوراة وأسفارها الخمسة من سردية روائية ورؤيوية لعشرة من أنبياء بني إسرائيل لعصور ما قبل الطوفان وبين ما قدمته السردية السومرية السابقة لها بقرون عديدة والمدعمة بالأدلة الآثارية "الأركيولوجية" القاطعة من تفاصيل تتعلق بعشرة من الملوك السومريين للفترة السحيقة. وينال موضوع الخلق الأول للعالم وأبي البشر الأول "آدم التوراتي" المقابل لـ "ألوليم السومري" وموضوع الطوفان ذاته وبطله "نوح التوراتي" المقابل لـ " زيوسودرا السومري".

الأنبياء "الآباء" التوراتيين العشرة الذين يؤثل لهم الباحث هم: آدم، شيث، أنوش، قينان، مهللئيل، يارد، أخنوخ ، متوشالح، لامك ونوح. وبعد مقارنات وتحليلات معقدة ولكنها معروضة بشكل واضح ورصين يضع الماجدي جدولا بالملوك السومريين العشرة المقابلين لهم، وهم: ألوليم، ألكار، إينمن لو أنا، إينمن كال أنا ، ديموزي سيبا، أنسيبازي أنا، إنمين دور أنا، أوبار توتو، شكور لام، و زيوسودرا والذي يحمل باللغة الأكدية في العصر البابلي اللاحق للسومري اسم "أتونبشتم" صانع الفُلك للنجاة من الطوفان والذي يقابل في الدور والصنيع نوح التوراتي. وفي موضع آخر من الكاتب يناقش المؤلف مؤيدا وجهة نظر أخرى حول آدم التوراتي ويقوله أنه هو نفسه "ديمو- زي" الإله المتحول إلى بشر والكلمة تعني (الإنسان المرتفع أو العالي)، ملاحظا القرب الصوتي بين لفظتي آدم و ديمو.

ينتظم الكتاب في ثلاثة أبواب، يضم الأول ثلاثة فصول حول كتب الديانة اليهودية وأسفارها. وهو باب مهم يقدم لوحة مبسطة لشبكة الكتب اليهودية المعقدة والمتداخلة. وفي الباب الثاني يناقش المؤلف ويحلل على امتداد اثني عشر فصلا "حقيقة آباء وأنبياء ما قبل الطوفان" عارضا سرديات اثني عشر نبي توراتي هم موضوع المقارنة والمطابقة مع عشرة ملوك سومريين بادئا بآدم "الأب الأول" ومنتهيا بآخر أنبياء ما قبل الطوفان نوح. وفي الباب الثالث والأخير وعنوانه " آلهة وملوك" يضع الباحث خلاصة جهده واستنتاجاته في فصلين مهمين.

أن كتاب الماجدي يقدم محاولة جدية وواعدة لملء الحلقة المفرغة التي تدور فيها الأبحاث التاريخية والتوراتية والإناسية "الانثروبولجية" وعلم الإلهيات "الثيولوجية" وعلم اجتماع الأديان حول حقيقة الفراغ الكبير واللاتاريخانية التي تسم الرواية التوراتية المدونة سواء في نصوص الملك يوشيا (641 ق.م – 609 ق.م) قبل سقوط يهوذا، أو من قبل عزرا الكاتب (480 ق.م – 440 ق.م) العائد من بابل بمعية نحميا، حول ما ترويه عن عصور ما قبل تدوين التوراة نفسها نزولا إلى عصر ما قبل الطوفان، وعن السر والسبب الحقيقي الذي يجعل القصص التوراتي متطابقا هذا التطابق المذهل مع القصص الرافديني الوثني والمؤكد بالأدلة الآثارية الملموسة، آخذا بنظر الاعتبار الأسبقية التأريخية للنص الرافديني على التوراتي بقرون عديدة، ولهذا سيشكل هذا الكتاب إضافة مهمة وجديدة لعلم أساطير نشوء الإنسان، الأنثروبوغونيا ( ANTHROPOGONY).     

صحيح أن إجابات الماجدي ليست مباشرة لأنها تنتمي إلى البحث المنهجي العلمي وليس إلى الإنشاء المسبق المُحْتَكِم إلى الظنون، وصحيح أنها ليست الأولى في هذا الميدان ولكنها الأكثر دقة والأعمق تحليلا وتنظيما.

في نهاية كتابه، هذا يَعِدُ الماجدي قراءهُ بكتاب ثانٍ في هذا الباب، يرصد فيه آباء وأنبياء آخرين، توراتيين ورافدينيين، لعهود ما بعد الطوفان، ليستكمل بذلك ما بدأه في هذا الكتاب. إنه كتاب مهم وجدير بالقراءة العميقة والمنتجة لنقود خلاقة تفتح باب البحث على مصراعيه في هذا الميدان وعلى أرض حوادثه وسردياته الأصلية ذاتها في بلاد الرافدين. يقع الكتاب في 487 صفحة.جدير بالذكر، أن الباحث الماجدي قدم للمكتبة العربية قبل عامين كتابا مرجعيا ومهما في بابه، عنوانه "علم الأديان .. تاريخه مكوناته مناهجه أعلامه حاضره ومستقبله" وقد صدرت طبعته الثانية قبل أسابيع قليلة.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

صدر حديثا في بغداد كتاب بعنوان (الهويدر قرية الألف لقب والألف شهيد) للأستاذ الفاضل حسن علي احمد الهاشمي الحسيني، عن مكتبة فضاءات الفن، يدعو الكاتب ويستقبل زواره من القراء ببيت الشعر (طوباك يا نخل الهويدر حيني.. فحفيف سعفك هزني ودعاني) والكتاب واضح من عنوانه فهو يتناول قرية الهويدر المعروفة والمشهورة في محافظة ديالى، بعد التوطئة يتناول الكاتب تعريف مفصل بالقرية، مساحتها وموقعها والطريق المؤدي لها، وعلاقتها الازلية بنهر ديالى والذي يحيطها احاطة شبه تامة ليوحي بعشقه لتلك القرية وأهلها ، ذلك النهر الخالد، الشيخ الوقور، يسير الهوينى، يلتوي بشدة قبل وصوله بعقوبة محيطا بذراعيه ابنة اشنونا المدللة، وفي أروع عملية من الأخذ والعطاء، هو يمدها بالخصب والحنان وهي تهديه عبق القداح ورائحة الطلع عطرا وثمر البرتقال وتمر النخيل طعما في سمفونية سرمدية على مدى التاريخ .

 ثم هنالك عرض تاريخي لنشأة القرية بالاعتماد على ارجح الروايات ومن ادق المصادر وأوثقها، بعدها يعرج الكتاب على عادات وتقاليد أهالي القرية، وما يتميزون به من طيبة وكرم وتواصل على الحب والمودة والاحترام، ويمر الكتاب على معالم القرية القديمة مركزا على الطوق والديوخانات، ويقصد بالطوق المجسر الذي يربط بين بنايتين متقابلتين والمبني بالمواد الانشائية المتوفرة في ذلك الزمان، والديوخانة هو بيت واسع للضيافة يقع بين مجموعة من البيوت، تتوفر فيه كل مستلزمات الاقامة والضيافة، ويعدد لنا الكاتب عدد من الطوك والديوخانات المشهورة. وهكذا يسترسل بنا الكتاب وكاتبه وبشوق ودون اي محطات استراحة للغور في متاهات واسرار الهويدر، مرورا بعوائل وبيوتات الهويدر وبساتين القرية وما حصل للمجتمع الهويدري في تعاقب العصور، مذكرا بعالمها الجليل المرحوم محمد صالح. لا يتركك الكاتب الا وعرج على كل ما في القرية من معالم واحداث مهمة والحرف والمهن والاعمال الحرة ومحترفيها والموظفين والضباط واصحاب الشهادات كل حسب اختصاصه ولا يترك اي شاردة أو واردة الا وعرج عليها وشرحها تفصيلا دون ملل، متخذا من كثرة الألقاب الشخصية والشهداء في القرية عنوانا لكتابه هذا .

الكتاب ممتع ومفيد ويعطي صورة متكاملة عن هذه القرية العريقة وأهلها، ويعتبر مصدرا مهما في موضوعه، ان لم نقل وحيدا بدقته وسعته .

شكرا للعزيز حسين علي (أبو أزل) على تلك الرحلة الجميلة في اغوار الهويدر وهويتها المميزة، يذكر ان الكاتب من مواليد قرية الهويدر عام 1947م وحائز على شهادة البكالوريوس في علم الحيوان والاحياء المجهرية عام 1969م، عمل مدرسا في مدارس ديالى وبغداد وشارك في تأليف مناهج الاحياء الحديثة للدراستين الاعدادية والمتوسطة لعام 2011 .

 الكتاب من القطع المتوسط وبـ 239 صفحة ويحتوي على الكثير من الصور ومنها النادرة والملونة .

متوفر في شارع المتنبي / مكتبة الكتبي السيد احمد العبادي . 

 

 خالد حسين سلطان        

 

عزالدين عنايةتمازجت عوامل مختلفة وراء اندلاع الحروب الصليبية بين العالم الإسلامي والممالك المسيحية في أوروبا. وقد بدا ظاهريا أن الأمر ديني ولكنّ عوامل سياسية واقتصادية فاعلة كانت المحرّك الأساسي لذلك أيضا. تغيرت أثناء تلك الحملات القيادة السياسية بحسب تبدّل القوى الاقتصادية المهيمنة على الساحة في أوروبا. وقد مثّلت الحملة الصليبية المستحيلة، كما سماها المؤرخ الإيطالي ماركو بلليغريني، التي انطلقت مع مطلع القرن السادس عشر، إحدى الحملات الفاشلة التي قادها شارل الخامس، قائد الإمبراطورية الرومانية المقدّسة المنطلق من إسبانيا بعد أن شمل نفوذه أجزاء واسعة من أوروبا وامتدّ إلى العالم الجديد. ترافق ذلك التحفّز حينها بتشكّل قوّة بحرية صاعدة للإمبراطورية العثمانية لا سيما مع سليمان القانوني (1520-1566). جعلت شارل الخامس يصطدم بواقع جديد في خوض حملته الصليبية على نقيض ما كان سائدا في القرون الوسطى.

الكتاب ضمن فصوله الخمسة يستعيد تطوّر إمبراطوريتين عالميتين وتمدد نفوذيهما على منطقتي المتوسط وأوروبا، من خلال استحضار وقائع الأوضاع الاقتصادية والدوافع السياسية الفاعلة في ذلك، مبرزا عوامل فشل شارل الخامس في حملته بفعل تبدّل موازين القوى في تلك الفترة.

يستهلّ المؤلف حديثه في الفصل الأول بصعود الدولة العثمانية على المسرح الدولي في حوض المتوسط وما أدخله من تغيير في معادلات السيطرة. حيث مثّل فتح القسطنطينية سنة 1453م بداية تحوّل في العلاقات الدولية. وكان وقعُ سقوط المدينة في أيدي المسلمين فاجعا في الغرب، وبالمثل كان للحدث أثره في شحذ همم الإسبان للتحفّز لحرب الاسترداد (Reconquista) بعد عقود من الخمول. حيث استأنف هنري الرابع ملك قشتالة سعيه الحثيث لطرد المسلمين عقب الحدث الجلل الذي حلّ بمعقل المسيحية في الشرق، باحثا عن سبيل لتهوين ما نزل بأوروبا من خزي على الحدود الآسيوية. فباشر هنري الرابع هجماته على الإمارات الإسلامية في الأندلس منذ العام 1455 ولم توفّق قواته في دحر المسلمين من أرض الأندلس وإن نجح في انتزاع مضيق جبل طارق سنة 1462.

يبرز بلليغريني مدى خضوع الخيارات السياسية لمقدرات القوة العسكرية من خلال تطلّع مسلمي الأندلس، الذين بدأ يضيق عليهم الخناق، نحو شرق المتوسط بحثا عن سند في الدولة العثمانية لدفع تهديدات قشتالة وحثّهم الخطى بإرسال السفراء إلى السلطان محمد الثاني (1477) وإلى بايزيد الثاني (1487) طلبا للعون دون أن تخلّف تلك السفارات نتيجة ملموسة. فقد كان من الصعوبة بمكان تشكيل محور مع إسطنبول لإنقاذ مصير المسلمين في تلك الديار، لاسيما في ظل غياب رؤية سياسية موحدة في بلاد المغرب التي مثلت سببا من جملة عدة أسباب في انهيار الأندلس. فقد كانت الدولة الحفصية في تونس تربطها علاقات متينة ومعاهدات بإسبانيا بلغت حد اعتبار الدولة العثمانية عدوا مشتركا بين المتحالفين.

892 عثمانيةفي الفصل الثاني يبرز بلليغرني أن بدء تشكّل إيديولوجيا "الريكونكويستا" لإفريقيا الشمالية في بلاط "الملوك الكاثوليك" استند إلى أن المنطقة هي أرض مسيحية في سابق عهدها، اُحتلت من قبل "الغزاة العرب" وقد حانت اللحظة لإعادة الأمور إلى نصابها، وهي تعلّة لطالما برّر بها الغزاة غزوهم. في وقت كانت فيه الهجمات البحرية المنطلقة من بلاد المغرب، المعروفة بغزوات السراسنة، والتي باتت تُعرف منذ عصر النهضة بغزوات البرباريسك، بنعت متداخل في دلالته بين "البربر" الأمازيغ، و"البرابرة" الهمج، تقضّ مضجع سواحل جنوب أوروبا وحركة العبور في المتوسط. وقد مثّل احتلال أوترانت (1480-1481م) الواقعة في منطقة بوليا جنوب إيطاليا، من قِبل الأتراك صدمة ثانية للإيطاليين. حيث كان سعي الإمبراطورية العثمانية لتشكيل قوة بحرية في وجه القوى المسيحية مع محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية مباشرة، حين دفع بالتحدي إلى البحر الأيوني من خلال عملية إنزال موفقة في أوترانت، وتواصل ذلك مع ابنه بايزيد الثاني إلى حين باتت الإمبراطورية العثمانية بحوزتها قوة بحرية ضاربة في بحر إيجي.

وعلى ما يورد بلليغريني، دفعت الأوضاع فرديناند وإيزابيل لخوض حرب استنزاف في غرناطة، انطلقت مع العام 1482 وانتهت باستسلام المدينة في الثاني من يناير 1492م. ومع دحر المسلمين من ذلك المعقل، بدأت تتشكل معالم الحملة الصليبية الجديدة تحت مبررات دينية، مستهدفة بالأساس إخضاع منطقة الشمال الإفريقي، ولا سيما الجزائر التي كانت تشكّل معقلا لانطلاق الهجمات البحرية نحو أوروبا. ولم يكن هدف الحملة في ذلك العهد الأراضيَ المقدّسةَ، كما كانت سابقاتها، بل هدفَت إلى خلق هيمنة في المتوسط بقيادة إسبانيا. فكانت أولى الهجمات على وهران وبجاية وامتدت مع العام 1510 لتبلغ طرابلس. وكان المنطق الجديد الذي لازم "الريكونكويستا" يملي فرض المسيحية بالقوة وتحويل المساجد إلى كنائس والعبث بالمقدسات في المدن الإسلامية التي تقع تحت السيطرة.

من جانب آخر وفي الفصل الثالث، يتناول بلليغريني بالحديث تدشين الموسم الحافل للجهاد البحري الإسلامي في بلاد المغرب مع سلالة عسكري عثماني سابق المسمى يعقوب، الذي يُرجَّح أنه من أصول ألبانية وقد ترك أربعة أبناء منهم عروج وخضر الذي بات يُعرف بخيرالدين بربروس (ذو اللحية الحمراء). كانت انطلاقة عروج من تونس حين ولاه ملك تونس مهمة الدفاع عن جزيرة جربة عقب أحداث جزيرة قرقنة التونسية التي كانت عرضة لغزو الإسبان مع العام 1510-1511م. وبدأت الأوضاع تتطور مع عزل مولاي عبدالرحمان والي بجاية الجزائرية من قِبل الإسبان ودعوته عروج لمعاضدته في دفع بليّة النصارى الإسبان.

ضمن هذه الأجواء ما كان منطق القطيعة هو السائد بين العالمين الإسلامي والمسيحي الأوروبي طيلة تلك الحقبة؛ بل كانت الأمور تخضع لمنطق المناورة والهدنة والصلح رغم أجواء التصارع الغالبة على إمبراطوريتين عالميتين. يورد بلليغريني على سبيل المثال، لقي "الآباء الثالوثيون" ترحيبا من قِبل الأهالي المسلمين سنة 1509 بحلولهم بمدينة الجزائر لتقديم خدماتهم الصحية مما يسّرَ لهم، على مدى قرنين، إنشاء خمس مصحّات في المدينة. وناهيك عن أشغال الطبابة التي يتعاطونها كانوا يلعبون دورا في الوساطة لتحرير العبيد النصارى مقابل ما يُقدّم من فدية، مما يسّر لهم تكوين رصيد مادي يعضد مهامهم الأصلية. ولا ضير ضمن منطق ذلك العصر أن تُشنّ الحرب في جبهة ويُعقد الصلح في أخرى، فمنطق العلاقات الدولية يتيح ذلك. فبعد سقوط فلسطين بأيدي العثمانيين سنة 1516م سارع شارل بإرسال بعثة إلى السلطان سليم الأول يطلب منه تجديد الاتفاقيات المبرمة في عهد سابق مع الحاكم المملوكي بمصر، والتي تضمن للحجيج النصارى زيارة الأراضي المقدسة مع امتيازات للكنائس.

فالسلم في عُرف الإمبراطوريتين السائدتين تربّصٌ والحرب سجال كما يوضح بلليغريني. وقد مثّل حصار رودس، كبرى الجزر في بحر إيجة، سنة 1522 صفحة جديدة في استعمال الأسلحة الثقيلة، قبل انتشارها في الغرب. وما أن سقطت الجزيرة في أيدي العثمانيين حتى جاءت التهاني من البندقية، الملقّبة بعاهرة الأتراك، إلى الباب العالي لاجتثاثه وكرا للقراصنة هزّ أركان الأمن في بحر إيجة. كانت الأوضاع في الغرب حينها مهترئة من الداخل جراء الصراعات الكاثوليكية البروتستانتية، وكان شارل في ذلك العهد يسعى جاهدا للهيمنة على إيطاليا بوصفها البلد الأغنى والقلعة المتقدمة في أوروبا نحو المتوسط. ولم تأت سنة 1523م حتى تم توقيع معاهدة بين هنري الثامن ملك إنجلترا وشارل الخامس فضلا عن ممالك إيطاليا المتحالفة معه بإشراف البابا هدريانوس السادس. تغيرت بمقتضاها اللغة السياسية منذ إسداء لقب إمبراطور روماني مقدس لشارل لتغدو الأراضي المسيحية "إرث المسيح" و"ميراث الرب" سعيا لشحذ الهمم نحو الحرب المقدسة المنشودة.

من الجانب العثماني كان مخطط سليمان القانوني يهدف رأسا للوصول إلى إيطاليا وما كانت المجر غرضه الأكبر ولا النمسا بل لفسح الطريق نحو روما. فبعد إخضاعه المجر توجهت قواته لحصار فيينا التي بلغتها في 21 سبتمبر 1529، ودام الحصار إلى السادس عشر من أكتوبر لكن جراء عوامل الجوّ وفشل أربع محاولات قرر العثمانيون التراجع عن تلك الخطة مؤقتا.

في الفصل ما قبل الأخير يركز بللغريني على الدور الفاعل للبحرية الجزائرية في ذلك العهد. فقد عضدت الزحف العثماني في الجبهة الغربية للمتوسط قوات بربروس المرابطة في الجزائر وحققت انتصارا باهرا في أكتوبر 1529 على قوات قشتالة في معركة بحرية حاسمة. مبرزا الكاتب تصرف الدولة العثمانية كقوة دولية قادرة على تحريك قوى في جبهات متباعدة. ما دفع بالملك الفرنسي فرانسوا الأول لعقد تحالفات سرية مع الباب العالي ضد القوات الإسبانية. وهو ما زاد من مخاوف روما بحصول غزوة وشيكة على المدينة المقدسة بعد تبادر نوايا باقتسام إيطاليا بين الباب العالي والملك الفرنسي. في ذلك العهد ما كانت فرنسا تعلن صراحة تحالفها الاستراتيجي مع الباب العالي وكانت تزعم حفاظها على الوضع السائد في إيطاليا، رغم علمها بالمخططات العثمانية وبتحريك البيلرباي في الجزائر لمهاجمة القوات الإسبانية في المتوسط، ما أوحى لشارل الخامس أن مشروع إرساء نظام أوروبي يعضده الحماس الديني ضد "المحمّديين" قد بدأ يختلّ.

يستعيد بلليغريني إحدى صفحات الصراع التي تخلّدت في التاريخ، حتى تجذّرت في اللاوعي الجمعي للإيطاليين والإسبان مخاوف دائمة من المسلمين: "لما صار خيرالدين بربروس أميرال الأسطول العثماني، قاد بنفسه سنة 1534م سلسلة من الهجمات وعمليات الإنزال على السواحل الإيطالية في مناطق شترارو وسان لوشيديو، في كالابريا، وفي عدة مناطق من خليج نابولي، في سبارْلونغا وفي فونْدي، وفي إقليم لاتسيو. ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى عبث القرصان الطاعن في السن بسواحل نابولي وبوليا ودلماتي.

كان العام اللاحق وخيما أيضا على الشواطئ الإيطالية، حين سار أسطول بربروس حذو السواحل مهدّدا المناطق المجاورة، إلى أن بلغ كالابريا وكامبانيا، ثم احتلّ غايْتا حتى بلغ نهر التبر وعبّأ مؤونته من ماء الشرب. بنى قاعدة قرب غروسيتّو، انطلقت منها غاراته إلى ماريمّا؛ وفي إحدى تلك الغارات التي قادها أحد أعوان بربروس، المسمى نظام، هاجم غيلة في توسكانا تالاموني، قرب أوربيتِللو. حيث أخرج جثّة برتولوميو بيريتي من قبره وأحرقها ثم ذرى رمادها؛ فقد خرج النبيل برتولوميو قبل عام، على رأس جيش للكنيسة، في غزوة للشرق، خلّفت دمارا مسّ ميتيلان، المدينة التي وُلد فيها بربروس.

فما كان الأتراك فحسب يثيرون الهلع في الضفة الشمالية للمتوسط بل البرباريسك أيضا المسمون بـ"موريسك إفريقيا". وبالفعل كانت حربا نفسية مشنونة ما كانت الإمبراطورية العثمانية هي الصانع لها وحدها بل المستفيد منها في بسط هيمنة الهلال.

في الفصل الأخير يتعرض الكاتب إلى وصول الحملة إلى أوجها ومن ثمة تراجعها. ففي ظل تضييق الخناق على إيطاليا، ارتأى شارل الخامس ألا سبيل لبثِّ الوهن في الخصم العثماني المتحالف مع الفرنسيين سوى بنقل الحرب إلى ديار حلفائه. فكان قرار إبحار أسطوله من برشلونة عبر إيطاليا إلى تونس ومهاجمتها، وفي منطقة شفيتا فاكيا كان اللقاء بالبابا الذي بارك الأسطول، المتوجه إلى صقلية ثم رأسا إلى تونس. كان دخول تونس كارثة كما يصف بلليغريني الأمر بإيجاز مخلّ. وقد تركز التدنيس على جامع الزيتونة والمكتبات المجاورة كما وصف الوزير السّراج الحدث في مؤلف "الحلل السّندسيّة في الأخبار التّونسيّة" بقوله: "وقسّمت  المدينة [تونس] إلى مؤمن وكافر، وأُهين المسجد الأعظم ونُهبت خزائن الكتب الّتي كانت به، وداستها الكفرة بالأرجل وألقيت تصانيف الدّين بالأزقّة تدوسها حوافر الخيل والرّجال؛ حتّى قيل إنّ أزقّة الطيبين كانت كلّها مجلّدات ملقاة تحت الأرجل. وضُربت النّواقيس وربطوا الخيل بالجامع الأعظم، ونُبش قبر الشيخ سيدي محرز بن خلف فلم يجدوا به إلاّ الرّمل، وبالجملة فعلوا ما تفعله الأعادي بأعدائها وكانت كلّ دار مسلم يجاورها نصرانيّ". يذكر بلليغريني أن 15 ألفا من سكان المدينة قد تمت إبادتهم، وهم ثلث الأهالي، في حين فرّ الثلث الثاني، والثلث الأخير كان مصيرهم النخاسة. ثم نصّب شارل الخامس مولاي الحسن ووقّع معه عهدا يقضي بعدم اتخاذ عبيد من النصارى في المدينة والتزام الملك الحفصي بعدم استضافة موريسكيين أندلسيين، ناهيك عن غرامة سنوية تُسدَّد لإسبانيا من المال والخيل مع إقامة حامية دائمة في تونس بألفي جندي بأُسرهم في منطقة حلق الوادي.

كان سقوط بودا المجرية بأيدي العثمانيين إعلانا بانتهاء حلم إنشاء سد منيع أمام الأتراك شرق أوروبا. وزادت أوضاع القرن السادس عشر المتميزة بالخلافات الأوروبية من حدة تبخر أحلام الحملة الصليبية وإنشاء الإمبراطورية العالمية لشارل الخامس. ويمكن عدّ العام 1541م عام انكفاء الحملة وتوقف شارل عن شن حروبه على الإمبراطورية العثمانية.

الكتاب يتناول مرحلة تاريخية مهمة في تاريخ الصراع العثماني الإسباني، ولكن يطغى على بعض فقراته طابع الحكي ما يجعل محتواه أقرب إلى النص الأدبي منه إلى النص التاريخي. فكتابة التاريخ ليست سرد أحداث فحسب بل تعليق على جريانها وتفسير لها. ثمة صرامة منهجية مفقودة في تناول القضايا التاريخية تتخلل الكتاب، كما أن كثافة الخلاصة التاريخية تعوز مضامينه، ناهيك عن غياب تطرق صاحبه بعمق للعسف الذي لحق بالمسلمين أكان في الأندلس أو في بلاد المغرب، إبان تلك الحملة الشعواء التي نعتها بالمستحيلة وهي بالأحرى مدحورة، وهو أمر جوهري في ذلك العهد.

نبذة عن المؤلف: ماركو بلليغريني، مؤرّخ وأستاذ التاريخ الحديث وتاريخ عصر النهضة في جامعة برغامو في إيطاليا. له جملة من المؤلفات منها: "حروب إيطاليا" (2009)، "البابوية في عصر النهضة" (2010)، "الحملة الصليبية في عصر النهضة تبدلات طارئة على أسطورة 1400-1600م" (2014).

الكتاب: "الحرب المقدّسة ضدّ الأتراك.. الحملة الصليبية المستحيلة لشارل الخامس"

المؤلف: ماركو بلليغريني.

الناشر: إيل مولينو (مدينة بولونيا-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2019.

عدد الصفحات: 416ص.

 

د. عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

886 سهام الشجيريإنشغلت زميلتي الدكتورة سهام الشجيري بقضية إعلامية مهمة تعنى بانحياز وسائل الإعلام، ورصدت هذا الأمر لسنوات، خرجت منها بملاحظات مهمة، طالما أرقتها في ترتيب أولويات الموضوعات الإعلامية المختلفة، وها هو  كتابها (التحيز في التناول الإعلامي/ بناء نموذج تفسيري لتحيزات وسائل الإعلام) الذي صدر عن دار حميثرى للترجمة والنشر في مصر، 2019، بأكثر من 575 صفحة، قد أسست فيه الافكار المتعلقة بالتحيز، واستطاعت بناء نموذج تفسيري لتحيزات الخطاب الإعلامي.

في هذا الكتاب رصدت الشجيري ظاهرة التحيز الإدراكي للتناول الإعلامي، من أجل التعرف على خصائص موضوعة التحيز الادراكي وعلاقته بمنظومة القيم المهنية، ووصف ظاهرة التحيز من خلال جمع المعلومات عنها بدقة، إذ تشير الدراسات في مجال الإعلام، إلى غياب المعايير الموضوعية لقياس الأداء المهني للإعلاميين والصحفيين في معظم المؤسسات الإعلامية والصحفية، فضلاً عن عدم توافر ضمانات ممارسة المهنة من خلال تفعيل التشريعات التي تحقق الحماية المهنية للصحفيين، وهو ما دعانا لطرح مفهوم التحيز في التناول الإعلامي، ومحاولة بناء نموذج تفسيري لتحيزات وسائل الإعلام، إذ أن إشكالية التحيز الإعلامي وخاصة التحيز الادراكي منه تتمحور في علاقتها بمنظومة القيم المهنية وفق مجموعة من المعايير المتعلقة بهذه القيم، وقدرة الوسيلة الإعلامية على التلاعب والتزوير، وقابلية بعض المحطات الإعلامية على شنق الحقيقة، ورفع السوط الإعلامي عالياً بوجه الضحية أكثر من أي جلاد سياسي آخر، ومحاولة تبشيع الخصم وأبلسته، إلى الحد الذي يصبح الإعلامي معه مثل المفتي الذي يشرعن قتل الشعوب وإبادتها، لكن الافتقار إلى الكفاءة والخبرة، بل وغياب المهنية التي تتعلق بمهارات الصحافيين عموماً، هو من جعل التحيز يأخذ دوره الكبير في التناول الإعلامي، وثمة أيضا غياب التخطيط الاستراتيجي، المتخصص بالعملية الإعلامية، مع غياب واضح لمعايير الجودة، التي يمكن من خلالها تأشير أطر التحيز الإعلامي، وتصحيحها من أجل حماية المنتَج الإعلامي، من الانزلاق في متاهات الفوضى، فالوظيفة الإخبارية لوسائل الإعلام تستهدف إحاطة الجمهور علماً بالأحداث بطريقة موضوعية ونزيهة تعاونه على تكوين رأي عام متبصر، إلا أن الممارسات الإخبارية تكشف عن صعوبة الفصل بين الرأي وبين الحقيقة حيث تستخدم وسائل الإعلام كل وسيلة ممكنة لتبدو الآراء وكأنها حقائق، كما ان انخفاض مصداقية وسائل الإعلام أصبح يشكل قلقاً متزايداً للمهتمين بأخلاقيات الإعلام وللمهنيين على وجه السواء، إذ أن تحيز القائمين بالاتصال يؤثر على شكل ومضمون التغطية للقضايا المثارة، علاوة على ذلك تلجأ وسائل الإعلام إلى الإفراط في نشر الأخبار السيئة وقصص الإثارة من أجل زيادة التوزيع، فضلا من أن الصحفيين يدركون بشكل مقصود أم غير مقصود التحيز تجاه هذا الطرف او ذاك ممن ينصب التناول الإعلامي على أحداثهم ووقائعهم، وعدم التقيد بالضوابط، والمعايير، والجدوى، والتخطيط الاستراتيجي، والمهنية، التي تتعلق بنقل الخبر، أو التقرير، أو التحقيق، أو المقال، أو الفيلم الوثائقي، أو غيره مما ينتمي إلى الفنون الإعلامية المختلفة، التقليدية منها والالكترونية، بصورة موضوعية وبحياد تام، فالتعتيم على مصدر الخبر، مثلا، ودرجة الوثوق منه، لا تزال واضحة في المشهد، وربما تحدث بصورة متواصلة، والسبب كما هو واضح، غياب المهنية، والاحتراف في العمل الصحفي واستسهاله، بعدم التزام الإعلام بنقل الأحداث بحيادية أقرب ما يمكن للواقع بسبب الميول السياسية أو الإيديولوجية، وتكريس التحيز وفق هذه الإيديولوجيا، والقبول بفكرة الرأي والرأي الآخر، واحترام الرأي الآخر، لأن دور الإعلام عموماً، ليس التحيز بإدراك تام ولا تشويش ولا تلوين ولا التشويه، ولكن نقل الصورة بـكافة جوانبها، وهو ما تفتقده، لأنها تتحرك وفق غايات القائمين عليها، وآراءهم وتوجهاتهم، وتأكيد دور الإعلام في تنمية فكر المتلقي وتعريفه بما يدور حوله من أحداث، دون أن يكون الإعلام طرفاً في الصراع، فمن المفترض أن الصحافي يقوم بعرض وجهات النظر المطروحة دون أن يعبر عن وجهة  نظره الشخصية، لكن ما يحدث في وسائل الإعلام تجاه مختلف الأحداث، هو أن كثيرا من الصحافيين يقدم نفسه لخدمة فصيل سياسي أو أيديولوجي معين، فيعمل كل ما يستطيع فعله ليكون في مصلحة هذا الفصيل، وغالبا تكون مقابل ثمن وهذا سبب ما نحن فيه من خلل في المنظومة المهنية للإعلام، لذلك فأن التناول الصحفي كثيرا ما يكون تناولا شديد التحيز وبعيد عن الدقة والموضوعية، والنزاهة، ووفق هذه المعطيات فمن الضروري إدراج قضية التحيز والموضوعية والحياد في الدراسات والأداء الإعلامي ضمن أولويات التناول الصحفي، فضلا عن إنشاء مراكز بحوث خاصة بمراقبة الأداء الإعلامي، ومعنية بوضع ضوابط علمية، يمكن قياس أثرها للتعاطي مع المنتج الإعلامي، بشكل يراعي أهمية الضوابط، ويستفيد من الخبرات، ويتوافق مع خصوصية ومتطلبات البيئة ويستجيب لرغبات وحاجات الجمهور ويحقق إشباعاتهم، ولذلك لا تتطلب الصحافة من أبناء المهنة أن يكونوا مجرد حرفيين مهرة أو خبراء متمكنين من أدوات المعرفة فحسب، بل تحتم عليهم التمسك بالضمير المهني والالتزام الذاتي بالصدق والموضوعية والأمانة، وبشفافية عالية، وحيادية تامة والتفريط فيها يعرض جوهر المهنة إلى الفوضى.

ونبهت الشجيري الى إن الخطأ الذي تقع فيه بعض وسائل الإعلام أن موادها موجهة أما للموالين  لها ليزدادوا ولاء، أو للرافضين لها ليزدادوا رفضا، فيما ينبغي أن تكرس جهدها لاجتذاب القطاع المحايد والذي لايزال لم يشكل موقفا أو رؤية، إذ أن بعض وسائل  الإعلام على اختلافها (المقروءة والمسموعة والمرئية، والالكترونية) تتصور أن متبنياتها بما إنها صحيحة فلا تكرس إلا رؤيتها، ولا تفرد مجالاً واسعاً  للرأي والرأي الآخر أو على الأقل التظاهر بالحيادية، لكي لا تخسر المزيد من  جمهورها، متجاهلة حقيقة أن لكل فكرة جانبي الصحة والصلاحية، كما أن الإعلام لم يعد يتوجه إلى كتلة بشرية أو شريحة معينة، بل صار محددا وموجها، وقد أظهرت دراسات عديدة تحيزاً في الأخبار، وهذا التحيز مهما كان دافعه يشوه صورة الواقع، وبعض الباحثين والمختصين عد التحيز وهم وآخر عده تهمة فيما تساءل آخرون عن ماهية المفهوم من تهمة "تحيّز الإعلام" فيما أنكر غيرهم أن يكون هناك حياداً تجاه قضايا مهمة كالأمن القومي والوطني مثلا فلا حياد مع المخاطر الذي يتعرض لها أمن البلد، كما لا حياد مع خطاب المصالح والمنافع، وتلعب وسائل الإعلام دوراً رئيساً وفاعلاً في تشكيل سياق التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في المجتمعات المختلفة، حيث تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين النخبة والجماهير، ويتوقف إسهام ودور وسائل الإعلام في عملية الإصلاح السياسي الديمقراطي على شكل ووظيفة تلك الوسائل في المجتمع وحجم الحريات، وتعدد الآراء والاتجاهات داخل هذه المؤسسات، بجانب طبيعة العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية المتأصلة في المجتمع، فطبيعة ودور وسائل الإعلام في تدعيم الديمقراطية، وتعزيز قيم المشاركة السياسية وصنع القرار السياسي، يرتبط بفلسفة النظام السياسي الذي تعمل في ظله، ودرجة الحرية التي تتمتع بها داخل البناء الاجتماعي، وأصبح الاهتمام بوسائل الإعلام ومضمونها أمراً بالغ الأهمية، وإذا ما سلمنا بأن الإعلام بحد ذاته هو عملية تزويد الناس بالأخبار والمعلومات والحقائق الثابتة، فكيف يمكن الحكم على صحة وثبوت حقيقة معينة من جهتين متناقضتين؟ فكل جهة تنظر إلى الأشياء بمنظورها الخاص المتطابق مع مصالحها الاقتصادية والسياسية!

ويهدف الكتاب إلى معرفة التحيز الذي ولد مصطلحه على يد المفكر الكبير الدكتور عبدالوهاب المسيري، كما افردت الشجيري فصلا كاملا عن توضيح ذلك، ودور المسيري في التركيز على كل ما يتعلق بالتحيز، وأنواعه وأنماطه وسماته في وسائل الإعلام المختلفة، والوقوف على حقيقة أداء وسائل الإعلام، وتعريف وسائل الإعلام بآراء الجماهير فيها، بحيث لا تحيد عن الشفافية والحيادية، والقضاء على العقبات التي تعرقل أداءها، وإتاحة حرية تداول المعلومات، ويكفل للإعلاميين الحصول عليها بشكل مباشر ومن مصادرها الشرعية، وإشاعة قيم الشفافية والحيادية في التعامل مع الأحداث، فالإعلام ليس مجرد ناقل محايد، بل يؤثر ويتأثر في ظل سياق تساهم الأحداث المهمة في دفعه للأمام لأجل الاستجابة للمتغيرات بمرونة تامة، وعبر العصور الزمنية نلاحظ توثق العلاقة بين الفعل الثقافي والنشاط الإعلامي، وهو ما اهتمت به الشجيري في محاولتها لبناء نموذج للتفسير ولفهم التناول الإعلامي بغية الخلاص من التحيز تجاه هذا الطرف أو ذاك، ودعت إلى تكوين هيئات رقابية من الناس تراقب وسائل الإعلام وتنشر تقاريرها عن المغالطات والتحيزات فيها شبيهة بهيئة الصدق والدقة في التقارير الإخبارية في بعض وسائل الإعلام الأمريكية، ويتألف الكتاب من تسعة فصول، تناول الفصل الأول تأصيل لمفهوم التحيز، وتخصص الفصل الثاني بالتحيز كمقاربة أولية، فيما تناول الفصل الثالث التحيز أنواعه وأنماطه وسماته، أما الفصل الرابع فتحدث عن القيم المهنية ذات العلاقة بالتحيز الإعلامي، وكان الفصل الخامس قد تطرق إلى التحيز في التغطية الإعلامية، وتناول الفصل السادس التحيزات الشخصية للإعلاميين، اما الفصل السابع فقد تناول التحيز في الخطاب الإعلامي، فيما تناول الفصل الثامن التحيز اللغوي، والفصل التاسع تناول تحيز الصورة والصورة المتحيزة، التوفيق لزميلتي المبدعة وبانتظار صدور كتابها المهم، عن النظرية الفرعونية في وسائل الإعلام.

 

هادي جلو مرعي

 

احمد راضي الشمريالمقال تضمنته مقدمة كتاب: "الحقيقة المرة" للدكتور مهدي الحسني، الذي صدر سنة 2017. وقد اشتمل ضمنيا، على حقيقة مرة اهتدى اليها الكاتب بعد عناء طويل في المسير نحو تحقيقي "حلم" الدولة الاسلامية التي يعتقد دعاة الاسلام السياسي بوجوبها.

في ظل تراكم التجارب الدينية في حكم المجتمعات المسلمة، وعدم انبثاق اي نموذج يشار اليه بالبنان باعتباره نموذجا يحاكي عظمة الإسلام وروح القرآن، ستظل الحركات الاسلامية تدور في دوامة الشعارات والتمنيات وامجاد الماضي الفارغةيحدوها بصيص امل،  ولكن تفصل بينهما فجوة تبعدها عن القيم والمبادي القرآنية والاسلامية الحقيقية.

ان الكثير من هذه الحركات الاسلامية تعتقد انها غيورة جدا على دين الله، وهي صادقة كل الصدق في اعتقادها وتسعى جاهدة لتطبيق شريعة الله بكل اخلاص، حتى لو كلفها ذلك احراق الشعوب في أتون الحروب. ولكن شدة غيرتها تفقدها صوابها وتجعلها فاقدة لمدى الرؤية واتجاه البوصلة في آن واحد. اذ انها تعتقد جازمة ان تطبيق شريعة الله هي في تطبيق حدوده وعقوباته؛ فهي لا تلتفت الى ان الإخلاص والحرقة وكل العواطف ليست لا تجدي نفعا وحسب،  بل لا تقل خطرا عن الفوضى إذا تفردت بالحل دون ان تسعى الى خلق او اكتشاف الحواضن والممهدات والاسس التي اشار اليها الكاتب في ثنايا هذا الكتاب. ومن هنا فانها تقع في الخطأ والظلم في آن واحد، فهذه الحركات تخطأ في فهم المغزى الحقيقي للاسلام والرسالات التي تسعى الى تطبيق العدل، على ما في تطبيق العدل من تعقيد. وتظلم حين تسعى الى تطبيق الحدود والعقوبات والفرائض الاخرى، دون الالتفات الى توفير البيئة الحاضنة وسد حاجات الانسان المادية والمعنوية الاساسية.

ان العدل الالهي هو عدل بكل ما تعنيه كلمة عدل، فهو عدل وموازينه ربانية. اذ انه لا يطلب من الانسان طلبا ولا واجبا دون ان يقابله حق على الطرف الاخر. فقطع يد السارق،  لمن يريد تطبيقه، يقابله ضمان كرامة ذلك الرجل وعدم دفعه الى السرقة؛ وتوفير حاجاته وحاجات عياله المادية (الاكل والملجأ والملبس والدواء) والمعنوية (الامن والامان والسلامة والاستقرار الاجتماعي). وهكذا في كل الحدود والعقوبات والواجبات والفرائض. وهذا ما أشار اليه الكاتب متبنى الدولة المدنية، التي تختلف كثيرا عن الدولة الإسلامية؛ ولكنها تحقق ما تحققه الدولة الاسلامية. واترك التفاصيل الى القارئ المحترم ليطلع عليها بنفسه. وقد يكون القصد من قطع يد السارق ليس قطعها بالسكين؛ بل هو البحث عن دوافع السرقة واستئصالها من اخلاق ومتبنيات السارق. قد تكون الأسباب الكامنة وراء السرقة هي شذوذ نفسي او حاجة حقيقية او لأطماع سياسية لتشويه سمة طرف او فئة وحرمان الامة من توجيهاتهم. ولذلك فان طموحات الأحزاب او الحركات الاسلامية التي تريد اعادة المجد المحمدي هي طموحات لا تتوج بالنجاح ولا تتحقق الا بان تضمن تحقيق شيئين:

- على المستوى العملي: تأهيل وتدريب وصقل المهارات؛ وبناء الاستعدادات لخلق الشخصية القيادية والربانية التي تتمتع بالإمكانات القيادية الاساسية كالرؤية البعيدة والصحيحة واستشراف المستقبل والشجاعة الكافية والمرونة في التفاوض ... الخ، وعند غياب هذه المهارات ستتشتت ولاءات المجتمع هنا وهناك ولا يمكن توجيه طاقاته وارادته باتجاه رؤية القائد واهداف حركته.

- على المستوى النفسي: ان الاستعداد النفسي للقائد؛ واخذه الوقت الكافي للتأمل والنظر بعين البصيرة بعيدا عن ضوضاء الحياة وصخبها؛ من شأنه ان يصقل الرؤية ويضمن القدرة على ملاحظة ومراقبة تفاصيل الحياة صغيرها وكبيرها. مثل ما كان يفعله النبي (ص) من خلال مراقبة الحركة حول مكة وشعابها من غار حراء، وان تتشرب قناعاته بالرضا والتسليم؛ اذ ان هذه الفترة، كما نستوحي منها، انها ساعدت النبي (ص) على توفير صورة واضحة صادقة مكتظة بالتفاصيل مفعمة بالأحداث مليئة بالوقائع. هذه الصورة الغنية ساهمت في توضيح حقيقة المجتمع القرشي بعد ان درسه النبي (ص) بكل امعان ودقة.

ان ايا من قادة اليوم لم يتضور ابدا جوعا للمأكل والمشرب،  بل للعلم والمعرفة لأسباب عديدة منها شحة الدراسات الاجتماعية والنفسية ذات البعد التحليلي للمجتمع العراقي؛ وانشغال معظم القيادات الحالية طيلة ايام المعارضة بأمور تبدو جانبية إذا ما قورنت بعدم التفات هذه القيادات لهذه الدراسات اصلا حتى وان وجدت. وقد تتوسع اسباب تعثر تنفيذ هذا "الحلم" لتشمل:

- اختلاف الزمان والمكان: الخطاب الديني المتخشب لا يحفل ولا يهتم بالأبداع في الوسائل؛ ابتكار الاليات الجديدة التي تتلاءم وثقافات وقيم المجتمع المعاصرة. مثلما جاء النبي (ص) الى قريش وهو عالم بمجموعة القيم الاجتماعية التي يريد التخلص منها،  وكذلك بالقيم التي يريد الابقاء عليها. خدمة لمشروعه التغيري. وبهذا فان قراءته الزمكانية آنذاك كانت قراءة ملائمة لعصره وواقعه. ان القراءة الزمكانية تختص بزمكانيتها ولا تمتد عبر الازمان والقارات. (كل يوم هو في شأن).

- لم تأت الحركات الاسلامية الى المسرح السياسي العراقي برغبة الجماهير الخالصة، وانما اتت اليه بمساعدة فرصة ساقتها الاحداث فركبت هذه الاحزاب تلك الموجة. ولهذا فان التفويض الاساسي لتطبيق احكام الشريعة لم يعلن عنه الجمهور بوضوح ولم يدعيه السياسيون بجرأة. علما ان تطبيق احكام الشريعة ليس بمقدور تلك الاحزاب أصلا لأسباب يحتاج سردها الى موسوعات.

وربما يعترض معترض بالقول ان هذه الاحزاب وصلت للحكم عن طريق الانتخابات. وهذا وان صح الا ان الجماهير لم توصل هذه الاحزاب الى السلطة قناعة منها بمشروعها الديني الاسلامي التغييري؛ كما اعطت جماهير يثرب محمدا ذلك التفويض. فقد كانت جماهير يثرب مطلعة وعن كثب بالمشروع النبوي وبتفاصيله؛ وان لم تكن بالدقة المطلوبة. وبهذا فان تطبيق النبي (ص) لشريعته الاسلامية كان مدعوما بالتفويض الشعبي شبه المطلق بعد ان وصل الى دفة الحكم. بينما لم تكن جماهيرنا متصلة ومتعايشة مع هذه الاحزاب وغير مطلعة على مشاريعها السياسية اوالمدنية،  ان وجدت.

كما ان الجماهير العراقية،  على مايبدو،  اعطت اصواتها للأحزاب الدينية الاسلامية ليس ايمانا بمشروع الدولة الاسلامية في الفكر الاسلامي،  بل رغبة منها في ارجاع الحقوق المسلوبة وايقاف الاضطهاد المذهبي وتحقيق العدالة الاجتماعية وانشاء المشاريع التنموية الي قد تعوض خسائر القمع والاضطهاد وتعيد توزيع الثروات والسلطات من جديد... الخ. وكل هذه المنطلقات والتصورات هي اجتماعية بالدرجة الاولى ولم تكن دينية بالضرورة، ولذلك فان عمل هذه الاحزاب على تطبيق احكام الشريعة الاسلامية كان عملا غير موفق بلحاظ الواقع العراقي. 

واليوم،  يبدو ان إخفاق معظم التجارب الدينية في الحكم، اعطى انطباعا شبه حقيقي للمجتمعات والجماهير المسلمة بصعوبة تطبيق المشروع الاسلامي لأسباب عديدة منها: القراءات الناقصة للقرآن،  ولمعظم الحركات الاسلامية، الاضطراب او عدم الاستقرار الذي يصاحب هذه الحكومات، انتشار الفساد الاداري والمالي الاخلاقي في هذه الحكومات مما يسلبها انتمائها الحقيقي للمشروع الاسلامي.

- الانفتاح المعرفي والتواصلي: ان امورا مهمة مثل العولمة وثورة المعلومات جعلت من العالم قرية واحدة سهلت العيش فيه امر مهمة اذ باتت معظم شعوب الارض تعيش ثقافة متقاربة نوعا ما في المظاهر العامة. وهذا بدوره يجعل من الصعب تطبيق الافكار السياسية والدينية في أي مجتمع ولا نستثني مجتمعنا منها. خصوصا إذا كانت افكارنا تتعارض وجوهر الافكار العالمية السائدة، والتي اثبتت صلاحيتها وفاعليتها وتوائمها مع المجتمعات الانسانية. وأعني بذلك حقوق الانسان وحرية التعبير وحرية المعتقد والفكر والحريات الاخرى. وهناك اسباب اخرى لا يتسع لها الحديث ربما نتعرض لها لاحقا.

وفي خضم هذا الارتباك الحركي المتواصل للحركات الاسلامية وضعف قدرتها على انتشال نفسها من وحل التيه الفكري يبقى اصرارها على رفع شعار (الإسلام هو الحل) او تطبيق احكام الشريعة الجريء، تبقى هذه الاشياء كما يقول المثل الإنكليزي: طعنات في ظلام الليل؛ إذا انها طعنات عمياء عشوائية في الهواء بلا هدف كـ (تشريع منع الخمر) الذي شرعه البرلمان العراقي والذي جاء في غير محلهولا اوانه.

ولا حل كما يبدو في الافق القريب ولا حتى المتوسط الا بدراسة الواقع بظروفه المحيطة والعمل على تطبيق الإسلام العملي من خلال سد حاجات المواطن في الأرض، لا من خلال فرض النظريات التي مازالت حبرا على ورق حتى يؤذن لها برؤية النور في تجربة ناصعة لاتحتاج بعدها الى حديث. ذلك النور الذي لا يرى له شعاع في الامد القريب.

ان الأفكار التي وضعت بين دفتي الكتاب انما ولدت من رحم التجارب الفكرية والواقعية المدركة لعقبات وصعوبات الواقع والمنتبهة جيدا لتعقيدات الفرق بين النظرية والتطبيق. انها عصارة افكار منبثقة من الخزين الفكري النظري والعملي الذي اثرته مسيرة الدراسة والهجرة والمعارضة والغربة ومن ثم الحكم. ويبدو، من خلال مايبثه الكاتب من لوعات واهات بين اسطر الكتاب، ان هذه المسيرة الشاقة الطويلة قد كتبت اثارها بالمسامير لا بالأقلام.

والكتاب، وهو لأحد ابناء هذه الحركة، لا يعوزه الدليل على وجود خلل واضح وفجوة كبيرة في فهم هذه الحركات للتوجيهات القرآنية وفي فلسفتها لحركة التغيير والإصلاح. فتجارب اليوم في اغلب المجتمعات التي يتنفذ فيها الحكم الديني قد بررت اشكالاتنا على مسارات الحركات الإسلامية وطريقة تعاطيها مع تجربة الحكم بالاضافة الى اخفاقاتها في تحقيق أدنى مستويات الرفاهية لشعوبها.

وتبقى هذه الاشكالات مستمرة متواصلة تلاحق النخب الاسلامية الحاكمة التي اعتلت منصة الحكم بدون استحقاق مهاراتي او وتفوق علمي يميزها كنخبة مستقلة عن باقي نخب المجتمع. وكيف تستحق الطبقة الحاكمة ان تحكم وهي ورعيتها سواء من ناحية الفكر والمعرفة والعلم او الثقافة او الرؤية في الميدان؟

املنا كبير في ان المرحلة المقبلة هي مرحلة ممازجة الافكار الاسلامية مع الافكار الليبرالية التي تهتم بمنح الحرية الشخصية للفرد. اذ ان بين هذين الفكرين مشتركات في طريقة واسلوب العيش المشترك؛ وقد ينكرها او يستنكرها بعض الاخوة. الا ان املنا كبير أيضا في قدرة المفكرين الاسلاميين على فك الاشتباك بين الدين والعلمانية من خلال ابراز الجانب المدني في الاحكام الإسلامية وفي وتوضيح المنهج القرآني في الاعتراف بحق الانسان في اختيار معتقداته وافكاره ورفض مالا يحلو له من الامور الشخصية. ذلك لان الاسلام نظام حياة أكثر مما هو دين تعبد.

 

احمد راضي - ملبورن/ استراليا

.............................

المقال كتب في 08/02/2017 وعُدّل بشكل طفيف جدا في 03/05/2019

 

نبيل عبدالامير الربيعيبطل تلتهب عنده الأحداث، ذلك البطل الثائر هو عقيل حبش، الذي تتوقف عنده الاضطرابات، لكن الزمن عنده ايضاً يضطرب، إذ كان زمن اعتقاله مع رفاقه رفاق السلاح في الدواية أيضاً مضطرب، مضطرب بذاته، يحمل متغيرات كثيرة غير أن عقيلاً هو عقيل ويسوقه قدره الفطري للثورة المسلحة.

التقيت به مساء يوم الخميس المصادف 24 نيسان 2019 في صالة فندق فلسطين مرديان قبل ليلة من انعقاد انتخابات المجلس المركزي لاتحاد أدباء وكتاب العراق، لم أعرفه سابقاً ولكن ما قرأته عنه الكثير، سألني من أي مدينة، كان جوابي المولد في مدينة الديوانية أما السكن ففي مدينة الحلة، قال هل تعرف محمد علي محيي الدين وحامد كعيد الجبوري وعقيل الربيعي وعبد اليمة (أبو نصار)، كان جوابي بالإيجاب، اعرفهم حق المعرفة، اتصلنا بمحمد علي محيي الدين والشاعر حامد كعيد الجبوري إذ كانا في نفس الفندق وكان لقاءاً ممتعاً، ودارت الذكريات دورتها في ذاكرتي حول دور هذا المناضل وهروبه من نفق سجن الحلة المركزي عام 1967م مع البعض من رفاق الطريق، وقد كُتب الكثير من المقالات وصدرت عشرات الكتب حول الهروب، فضلاً عن دوره في ثورة هور الغموگة يوم 28 نيسان 1978م.

لمذكرات عقيل حبش (شهادة حيّة من لهيب المعركة) الدور في معرفتنا على الدور البطولي لأثنى عشر مناضلاً قادوا الثورة المسلحة في هور الغموگة وبما يعرف جماعة (القيادة المركزية)، عند اطلاعي عليها احسست بالانبهار وكأنك في حكايات ألف ليلة وليلة، لصدق الكلمات والوصف، لكن حديثه في صالة الفندق وجهاً لوجه هو الأمر الأشد غرابة، مملوء بالصدق والعفوية وسحر التعبير، كانت لأيام سجنه وقتاله وتعذيبه لها لذة الألم، وذكريات رفاقه العالقة في ذاكرته الحية وفي حياته كلها، إذ يمتلك ذاكرة طرية مملوءة بحب الحزب والثورة.

كانت بداية ثورتهم المسلحة في أهوار الغموكة يوم 28 نيسان 1968 بعد أشهر من هروبهم من نفق سجن الحلة المركزي، تلك الثورة التي قادها الشهيد خالد أحمد زكي (جبار) واحدى عشر من رفاقه، مثلت بداية لحركة ثورية كان يمكن لها أن تغيّر وجه العراق، وتسقط الحكم الرجعي الذي سيطر عليه، لكن تكالب القوى المعادية لها مما أدى إلى سقوط جبار (خالد أحمد زكي)، وشلش (محسن حواس)، وكاظم (منعثر سوادي) شهداء أبرار للشعب العراقي والحركة الشيوعية، أما الآخرين فتم إلقاء القبض عليهم وهروب حسين ياسين، كانت معاناتهم واحباطاتهم تصارعها نفوسهم الثائرة، وتبعث الحياة فيها لتنهض من جديد، كان عقيلاً عندما فكر بالانضمام إلى حركة الكفاح المسلح لا يوقفه توسل ولوم، ولا تثنيه دمعة أمه، أو مشورة صديق، سار يتبع ثورته وعشقه للمواجهة.

كان عقيلاً قد تبنى قضية تبناها مع رفاقه، فهي لم تعد قضية أفراد ووجهة نظر مجموعة، بل قضية يهتم بها عموم الشعب ويتحدث عنها الجمهور بفخر، إن هناك أبطالاً أرادوا وفعلوا ليدخلوا بوابات الأسطورة والتاريخ بكل ما أنجزوا من أفعال، ويكونوا رمزاً ليؤكدوا لنا أن الأمة الحيّة قادرة على أن تلد الأبطال في كل مرة من المواجهة والتحدي.

عندما تقرأ مذكرات عقيل حبش تعرف الحقيقة وتشعر بصدق العمل في مجال العمل الحزبي والكفاح المسلح، ففي يوم أيلولي ساخن من عام 1968 "عقيل ورفاقه الأربعة في سجن مقر انضباط الفرقة الأولى في الديوانية، تقلبهم أخبار مقلقة، تعصرهم بين تنفيذ حكم الإعدام الصادر ضدهم وأخبار الحزب المنقطعة وغصة الألم التي تولدت لديهم بعد أحداث انقلاب 17 تموز 1968، إحباطات ومرارات، غير أنهم ما زالوا يتحدون اليأس ينشدون أناشيد الثورة والصمود، لتلك الأناشيد أثر معنوي يدركه عقيل فيكرر غير مرة، في أحداث محددة . في لحظة صدور حكم الإعدام أو تنفيذه في لحظة عودة أحدهم من التعذيب أو ذهابه إلى الاستجواب . تلك الأناشيد تحافظ على تأجيج الثورة وحس التحدي . تبعد اليأس من التسرب إلى بعض الرفاق، خمسة في السجن، يتوالى دورهم في الاستجواب والتعذيب بعد أن انهار سادسهم فأفشى كل أسرار الحزب الخطيرة، حتى عزله المحقق في زنزانة أخرى ليبعده من تأثير ردود أفعال الرفاق، صدر الحكم عليه بالسجن المؤبد (عبد الأمير الركابي)، على خلاف رفاقه الستة كانوا البقية الباقية من خلية هور الغموگة الإثنى عشر يمارسون الحياة بطرق بدائية، يصنعون من عجين الخبز المتبقي لعبة الشطرنج، يتقاسمون السيگارة التي يغنمونها، ويتناقشون في أمور المعتقل والتحقيق والمحكمة، عن أخبار الحكومة الجديدة في 17 تموز 1968 وبصيص الأمل الذي بدأ يصل مسامعهم بالعفو أو بتخفيض الأحكام القاسية، ما زالوا متماسكين حتى الساعة.

في الديوانية في سجن مقر انضباط الفرقة الأولى وهي المحطة الثانية بعد سجن الناصرية عندما انتهت قاعدة الكفاح المسلح في هور الغموگة في أولى عملياتها بنهاية درامية عظيمة، تحتاج بذاتها إلى دراسات وتقييم عن مدى الارتباط والإيمان الذي كان يتمتع به أولئك الإثنى عشر شاباً هم كلٍ من :-

1- خالد أحمد زكي (جبار) . قائد المجموعة.

2- محسن حواس (شلش).

3- منعثر سوادي (كاظم).

4- حسين ياسين (أبو علي).

5- عقيل عبد الكريم حبش (أبو فلاح).

6- عبد الأمير عبد الواحد يونس الركابي (لفتة).

7- عبد الجبار علي جبر (أبو هادي).

8- عبد الله شهواز زنگنة.

9- عبود خلاطي.

10- محمد حسين الساعدي.

11- علي أبويجي.

12- حمود (صالح).

كانت تتملكهم أخلاقيات احترام الحياة حتى يفضلوا عدم قتل الشرطة ... في لحظة المواجهة، كانوا حقاً وطنيين ترف قلوبهم بنفس النبض الذي ينبض في قلوب الآخرين من أفراد الشعب ولو كانوا شرطة.

جاءت عائلة (هادي) أو (أبو هادي) إلى سجن مقر انضباط قيادة الفرقة الأولى في الديوانية، وهو الاسم الحركي لبطل عظيم اسمه عبد الجبار علي جبر من قرية برنون من محافظة بابل، كان لهذا البطل موقف عام 1968م وفي شهر أيلول تقدمت القوات العسكرية والشرطة، ملأت مدينة الدواية تلك المدينة الصغيرة من نواحي لواء الناصرية، كان عدد القوات العسكرية كبيراً، أصبحت المدينة كأنها ترافقها البرمائيات والسيارات المسلحة والشرطة والمسؤولون، الكل يعرف أنهم جاءوا بعد عملية الغموگة بأيام . عملية الغموگة التي قامت بها قاعدة الكفاح المسلح في الهور، حتى بلغ أن طائرة هليكوبتر قد أسقطوها، كان حجم الحدث مؤلماً للسلطة رافقه خبر مصرع طيارها الملازم الأول طيار بنوئيل بابيلا أغاسي وهو مسيحي من أهالي الموصل، ومعاونه الملازم الطيار يحيى حديث التخرج من أهالي البصرة وكان مسالماً لم يصب بأي أذى، خبر جديد يهز معنويات جموع العسكر والشرطة المحتشدة.

أثارت تلك الأخبار أن الهور يحترق وأن حجم المقاومة كبير، فمن عملية مخفر الغموگة ومصادرة السلاح إلى إسقاط طائرة ومقتل طيارها، بلغ الأمر مقتل شرطة وجرح بعضهم . عمل كبير يثير الخوف والقلق لدى الحكومة التي وقعت بين حيرة التقارير والوشاية والاعترافات عن حجمهم وهذا الفعل الذي لا يمكن أن تنجزه تلك الأعداد . انتهت المواجهة عند المساء، أو بالتحديد في بدايات عصر ذلك اليوم والشمس تقارب الأفق، قدمت القوة بسيارات الشرطة المختلفة وخلفها عاصفة من التراب، كان حوض السيارة الشوفرليت الزيتونية يسعهم خمسة أو أربعة . اثنان على كل جانب توسط الجلسة خامسهم يرافقهم شرطيان "إلى الأمام، وثالث نزل حال توقفها ليدخن سيگارة، كانت وجوههم مرفوعة، عيونهم تلتقي بعيون المتجمهرين إصراراً وإباء، الثياب الممزقة وشكلهم يوحي بأنهم أعظم مما يرتدون . قال أحدهم قطعت يده اليمنى، بقيت متصلة بذراعه، ضاق ذرعاً بها ... وضعها تحت قدمه اليمنى وسحبها، انقطعت كف يده وبقيت تحت قدمه الأنسجة والأعصاب المتصلة . اقشعر الجميع لتلك الصورة التي وصفها الشرطي للواقفين، جرأة صورت ارادت الثورة واستفزت معنويات الجموع الواقفة عند الخندق المتناثرة على جوانبه اضلاف الرصاص والبنادق المرمية وشواجير الرشاشات، ثلاثة كانوا على جانبي الخندق أو ذلك الجدول الجاف متجمدة أجسادهم في معركة مقاومة، بنادقهم بأيديهم أو في أحضانهم، التصق أحدهم بالأرض، شهداء ثلاثة على الأرض (خالد أحمد زكي، ومحسن حواس، ومنعثر سوادي) . تدلت يده بعد أن تلقف القنبلة المتدحرجة على الأرض المرمية من قبل الطيار ليبعدها عن خندق رفاقه ويعيدها إلى الجموع المحتشدة على مقربة منهم المكونة من الجيش والشرطة وشرطة خيالة، إلا أن الزمن كان حرجاً ... انفجرت بيده، قطعت يده اليمنى من الرسغ، بقيت يده متدلية ولم تزل في يده اليسرى بندقيته، إحساس فطري بإصرار على الثورة، أخذه النزف والجروح التي توزعت على جسده الواهن.

كانت آلام التعذيب الجسدي وألم الروح من كل الإحباطات، إحباطات قاعدة الهور ومرارة انهيار بعض الرفاق الذي بلّغ عقيل حبش الحزب عنها برسائل وتقارير ورسائل شفوية وتنويهات وتحذيرات إلى الحزب وإلى الرفاق عبرَ منافذ متعددة، قمة معاناته أن يحافظ على تماسك رفاقه من الانهيار.

انهار أحدهم ليكون جرحاً نازفاً في جسد الحزب، اعتقلت بسببه قيادات الحزب العاملة والنشطة لاطّلاعه على أسرار الحزب المهمة . لحظة ضعف في سجن مظلم وقسوة مفرطة ونفس آثرت أن تقدم ما لديها مقابل لحظة رحمة . انفصل عن المجموعة... كانوا ستة وهم عقيل حبش/ عبد الجبار علي جبر/ حسين محمد حسن الساعدي/ علي بوجي/ عبد الأمير عبد الواحد يونس الركابي/ عبد الله شهوار زنگنة/ لكن حسين ياسين قد هرب في بداية الموجهة لينفذ بجله، وكان عبد الأمير عبد الواحد الذي انهار في التحقيق . قدم كل شيء حتى عزل في أخرى من سجن انضباط الفرقة الأولى في الديوانية خوفاً من مضايقات رفاقه أو ضغطهم عليه، المحنة هي مقياس قوة الرجال، اقترب من المحقق يسجل أسماء وعناوين كانت تعمل من أجل الحزب، لم يحترمه المحقق لأن الخونة لا يحترمهم المستفيدون ولا يأمنونهم.

كان أول من أعلن الخيانة هو هروب حسين ياسين مسؤول التنظيم وعضو الارتباط الذي أثبت للمرة الثانية أنه ضعيف عند المواجهة، ترك رفاقه في محنة المواجهة في خندق مجهول الاتجاهات أمام قوة العسكر والشرطة، فافتعل سبباً، صدقه رفاقه بإنقاذ رفاقهم الذين سبقوه بالهروب وهم سيد درعان (صالح) وعبود خلاطي (حمود) تسلل وهو ابن الهور الذي يعرف الطريق دون أن يلتفت إلى الوراء، مرة أخرى يقدم نفسه ومصالحه، كانت المرة الأولى عندما أراد أن يهرب وحده من نفق سجن الحلة المركزي، ويجهز على مشروع له دلالة أكثر من الهروب نفسه، وقد كان أيضاً مسؤول فريق العمل عن مشروع النفق، هكذا النفعيون يحبطون الثورات في لحظة المواجهة، أو التنفيذ التي توهم الآخرين بالحقيقة.

وكانت رسالة الشاعر مظفر النواب تحاكي الواقع الذي مرَّ به ثوار الغموگة، وهي رسالة مرسلة إلى عقيل حبش، انقل جزء منها: "(أيها الحبيب.... مرٌ لوني، مرٌ طبعي ومرٌ طعمي، مرّتان عيناي حتى أراك ثانية وحتى ذلك اليوم توقظني الوحشة والنار التي في حزامي وفي قلبي ألومك كثيراً لأشياء وأشياء وفي قلبي أحكي معك كثيراً عن أشياء وأشياء وفي قلبي أقبلك وأنت ترفض كثيراً وكثيراً عن أشياء وأشياء).

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

881 ايمان شمس الدينلمؤلفته: إيمان شمس الدين.

"حاجة الإنسان إلى الدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس، ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته"

مقدمة

من المؤلفات الهامّة للغاية الصادرة حديثًا، في مجال التغيير والإصلاح، وقراءة مسارات النهضة في تقاطعاتها بالمعرفة، والمجتمع، وقضايا النكوص ومعارك الوعي في أطوار استكمال مهامه نحو التجديد، كتاب الباحثة إيمان شمس الدين، "التغيير والإصلاح.. مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوّقات"..

من اللحظة الراهنة في الواقع العربي والإسلامي، بتداعياتها المشوّشة، في ظلّ الاستبداد الممارس على الشعوب، والصورة المشوّهة في فهم الدين الإسلامي لدى الذاكرة الجمعية المجتمعية، ما أدىّ لظهور دعوات لتحييده، والتنازل عنه، بوصفه مادة وفعل عنفي خطير، واستحضار صراعات العولمة والنظام العالمي الجديد، في ظل الهيمنة، بدت لنا أهمية قراءة المادة المعرفية التي تضّمنها هذا الكتاب، لفهم ما يجري من انتكاسات في ذواتنا التاريخية والحاضرة، بالوقوف على أهم محاوره الفكرية والنقدية، وآليات اشتغاله في دراسة موضوعة الإصلاح، وتشابكاتها مع أنماط السلطات والنخب والجماهير، وبالصورة الحقيقية لخطاب الخالق، ودلالاته.

يأتي هذا المؤلَّف من باحثة متخصصة في العلوم الإنسانية، لها أعمال وكتابات كثيرة منشورة، ومشاركات بحثية في مؤتمرات عديدة، فوجدت أهمية في دراسة "طبيعة التغيرات الاجتماعية المتفاعلة مع البعدين الديني والسياسي" وسط "ظروف سياسية ودينية يُحيط بها لغة الحروب العسكرية والباردة، وتسلّط أنظمة مستبدة، وتآمر خارجي، للإفقار والتدمير وتغيير معالم الهويات الإسلامية والحضارية" لتأسيس وصياغة مشروع الإصلاح والحفر في طبقاته وتحديد أسباب اخفاقاته ومآلات نجاحاته، لنقف على أهم المميزّات في الرؤية المطروحة، التي يُراد بها انتشالنا من حالات التشظيّ والانقسامات.

والباحثة "إيمان شمس الدين" مثلما يُلمح في مقدّمتها، تؤمن بوظيفة المثقّف في تجاوز دائرة التخصّص الأكاديمي المحدود، للتفاعل مع سائر قضايا عصره، وإن أفدنا من عتبة عنوان الكتاب "التغيير والإصلاح.. مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوّقات" اتساع الموضوعة المقاربة عن تخصصها، لأن الإصلاح لا يمكن أن يقف عند ممارسات معينة وإنما هو مفهوم يتجسّد في مجالات معرفية متنوعة، دينية، فكرية، إنسانية، إعلامية، سياسية، مما يجعلها تنتصر في رهان المعالجة والمواجهة، في تعميق اشتغالها، وصلاته بواقع يرزح بأثقال الألم والوهن، لتحويله لمصدر فيض مُنتج للمعنى الإنساني في مستوى القيم المعرفية والحضارية.

بنية الكتاب

جاء الكتاب الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط1، 2019م. مشتملاً على 266 صفحة من الحجم الكبير، موّزعًا على ثلاثة فصول متماسكة ومتفرّعة إلى مباحث متعددة، اقتضتها طبيعة التناول وتشابك قضاياه، فخصّصت أولها لبحث "عناصر التغيير الداخلي والخارجي، وأهمّ معوّقات التغيير" و خصّصت الفصل الثاني "للإصلاح ومعوّقات النهوض"، أما الثالث " الإعلام ودوره في التغيير وحركة الإصلاح" فأحاطت الباحثة فيه بالمكوّن الإعلامي والخاصيّة الاتصاليّة على مستوى الأدوار والوظائف المتفاعلة مع الإصلاح. وبمنهجية متكاملة وجامعة، قاربت موضوعة البحث، بالتأصيل لعمليّة التغيير، ووضع روابط ارتكازية جامعة للبعدين السماويّ والأرضي، من أجل الكشف عن جوهر الإصلاح المبتغى، المراهن على دور الشعوب وحراكها أولاً، دون إغفال الدور الفكري المتحقق بالنظريات ومعالمها، وجماعة النخب والقادة المؤثرين بصورة خاصة في تغذية أي مشروع حضاري ودفعه.

مع الكتاب

قسمّت المؤلفة الفصل الأول إلى محورين: في الأول تطرّقت إلى عناصر التغيير الداخلي، والثاني عناصر التغيير الخارجي، كمنطلقات وعوامل مولّدة لشرارة العمليّة التغييرية، وموقدة لجذوتها وحاملة لشعلتها الإصلاحية، وفق خطّة طريق واضحة المعالم يسيرة الأسس، رفيعة الأهداف والغايات..

وتنطلّق في معالجتها للمحور الأول من فكرة انبعاث أي عملية تغييرية ينبغي أن تنبثق من الذات، على مستوى الفرد، ومقوّماته الداخلية، فتحت عناصر التغيير الداخلي، تفرّق الباحثة "شمس الدين" بين مفهوم التفكير المرتبط بنشاط العقل، أو ببحثه عن إجابات لتساؤلات أو حل مشكلات، والإدراك كحاضنة أوسع في شموله لعمليات عقلية عديدة، والوعي المستلزم حضوراً لانتباه الفرد والتفاتته لاشتغالاته العقلية، في إطار الخصائص النوعية المائزة للعمليات الذهنية. وتنطلّق، من تلك العمليات لتعدد تأثيراتها ومردوداتها، كمداخل متنوعة وأساسيّة تصب في سنخ عملية التغيير، بمقدار وظائفها وعلائقها بنظم التصوّرات، والصراعات الناتجة عنها، وما يستتبعها من تبنّي للمواقف والسلوكيات، وتقول "منطقة الذهن الحية، تعتبر منطقة حيوية خطرة في نشاطها وتحاج إلى تشريعات ضابطة، لانعكاس هذا الضبط تلقائيا على الفرد" وتعتبر "الأفكار إمامًا للعقل، والعقل بدوره إمامًا للقلب، والأخير بدوره إمامًا للجوارح والسلوك الإنساني".

وترى أهمية العقل وفعاليته في إصابة الحقيقة، وضمان سيره باتجاهات سليمة، تتمثل في إضاءة سؤال" كيف وبماذا نفكر؟" فحدوث الاستيعاب له، شديد الارتباط "في بناء مرجعية معيارية وقيمية للفرد والمجتمع" وتُعدّ "شمس الدين" "ضبط المجال الإدراكي للإنسان ونظم عملية التفكير ومنهجيتها"، وطرق استخدامها وتوظيفها، من المداميك الرئيسية في تفعيل الدور القيادي الذاتي لعملية التغيير، والمادّة الخام لتجاوز حالة العشوائية الاجتماعية المهيمنة على مشهد التثقيف والتعليم، التي قادت إلى ما اسمته اليوم ب فوضى المعرفة، تقول "يتداخل في الفوضى المعرفية ما هو حقيقي واقعي مع ما هو موهوم"

وتعيّن "شمس الدين" مراحل عملية التفكير، الماثلة في: "مرحلة التكوين، مرحلة الربط والتوسع، مرحلة التطوير والنمو، وينضاف للأخيرة التفكير النقدي" فيمكن للفرد أن يخطيء بصدد المحسوسات والمعقولات، في تفسير الأخبار، في تشخيص العدو من الصديق، وفي التشخيص الصائب للفهم النظري والعملي للموضوعات، داخل هذا الإطار تضعنا أمام بوصلة التفكير النقدي، وتجد فيها "مرحلة متحركة، ذات مراتب مشككة، تعتمد على سير الإنسان في طريق تكامله العقلي والفكري، ومراكماته المفهمية، حول ذاته، ومحيطها، ومع السعي المنهجي السليم تريه الأمور أكثر قربًا من واقعها، الذي غالباً ما يصنعه عوام الناس من العادات دون مراجعة فاحصة" وما يترتّب على النخبة المتقدّمة، في مد جسور التواصل والانصهار الإنساني والتصويب والمساهمة في تعميق التجارب العامة وتطوير المعارف لدى الفئات المراوحة في نموها عند أولى المراحل، والانطلاق بهم إلى مدارج جديدة.

وتُجمل "الباحثة" العوامل المؤثرة في عملية التفكير وتشكيل الأفكار، في "التأثر بالبيئة الأسرية المحيطة، البيئة المدرسية والعناصر المكونة لها ببعديها الإيجابي والسلبي، البيئة الاجتماعية ومكوناتها، السلطة السياسية والدينية. وعن وظائف الدولة والأسرة ومحورية التربية والتعليم في تشكيل بنية الأفكار، المساهمة في بناء العقل فكريًا ومعرفيًا وفلسفيًّا، وصناعة الوعي، وتوجيه السلوك." وفق منحىً تبادلي قادر على تشخيص الاحتياجات الفردية والمجتمعية وتبنّي المشاريع التوعوية في إطار البيت والمدرسة ومؤسسات الدولة، بوضع البرامج الجادة المواكبة للعصر، وتأهيل مدخلات العمليّة التعليمية، بإدراج الفلسفة كمنهج يهيئ الفرد لينخرط في البحث عن أجوبة الأسئلة التي تفرضها الماهيّة الجدلية المتُحرّرة لها، لتؤمن له طموحات النهضة.

وفيما يتعلّق بواقع الأنظمة والنظرية التعليمية، تصف "شمس الدين" واقعهما المنهجي بالمفلس والقديم، العاجز عن أداء مهمّاته الضرورية لتحقيق مخرجات متكاملة في جوانبها العقلية. وترجع سبب القصور الناتج بصفته مظهراً من مظاهر شكل الدولة فيما يخصّ الفضاء الجغرافي العربي والإسلامي، التي لم تستجب بحكم نظامها الوراثي أو الاستبدادي للشروط الموضوعيّة لخلق العقل النقدي، المُهدّد لبقائها واستمراريتها، وإن فعلت فلأجل جماعات انتقائية منحتها أفضل الفرص التعليمية؛ لتكون قوة تعبوية مجنّدة في أقصى تمثلاتها، لإدارة الصراعات المتخلّقة ضد الدولة، بتشريع من فقهاء مأجورين، أو بتغذية مقصودة للطائفية المفتتة لنسيج المجتمعات. وتقدّم صورتين مغايرتين للدولة إما حضارية، تُقرّ بالرأسمال البشري، أو سياسية تتقوّم بإكراهات ترافق الشعب، في وضع مُثقل بالظلم.

التفكير بين العقل الفلسفي والتلقين:

تتحدّث "شمس الدين" عن ضرورة تأسيس تصوّر لا ينظر لأدمغة الأفراد كأوعية للملء والتخزين، وكأن العقل مادة محدودة، ومعلوم أنه مجرّد وطليق، ميّزة العقل هذه يمكن استثمارها كفضيلة ونعمة، بإعادة الاعتبار للفلسفة وتضمينها في المناهج الدراسيّة، تقول "الفلسفة تبني ذهنية برهانية قادرة على النقد ورافضة للحشو والتلقين وتبدأ بالسؤال والشك، لا بالمسلمات واليقينيات والاتباع دون وعي"

وإن ثورات ومناهضة الأفراد والجماعات، لأنظمة الحكم، ليست مجرد وسيلة ابتداعية للخروج من حالة هضم حقوقها، بل يتعيّن لإحراز نجاحاتها، اعتبارها، سببًا ووسيلة ومقصدًا، "وهو ما يتطلب من الشعوب الراغبة في التغيير ونخبها أن ترسم استيراتيجية بناء جديدة للدولة تكون التربية والتعليم مرتكزا أساسيا فيها وهي الثورة الحقيقية التي تنتج واقعًا جديدًا".

التربية والتعليم وهدف التوحيد

وتلفتْ "شمس الدين" لموضوعة التوحيد ذي الدينامية المؤثرة، في تأسيس أفراد محكومين في مدى سيرورتهم وتطوّرهم، للخالق، لا للمخلوق، بإبراز وتعميق العقل الواعي بالوجود، الناشد ضمن حريته ووعيه وفطرته المجبولة لله تعالى وكماله، وتقول بأن "الاستبداد يقوم على ركيزتين معاكستين لميزتي النفس الإنسانية الحرية والوعي وهما القمع والجهل" وتضيف "التربية وسيلة لتحقيق الربوبية التامة، من خلال تقليل فرص هيمنة المستكبرين واتخاذهم ارباباً، وتمكين سلطة الله ومحوريته في الحياة" وترى افتقار عقل الفرد للنضج، بحيث لايوازي حجم صراعاته الداخلية، وشيوع التعبّد السلبي كان متجذّرًا عبر التاريخ، ولايفتأ يغذّي الانحرافات والجرائم بضراوة.

مصادر المعرفة ودورها في تشكيل بنية التفكير

وفق منطق تحليلي وتصنيفي تعدّد، "مصادر المعرفة في المدرستين الإسلامية والغربية، والأدوات الفاعلة في ترويجها، وهي، العولمة والتكنولوجيا والإعلام والتراث والتاريخ بكل مصادره، تؤطر البناءات الفكرية للأفراد وتنسحب على القطاعات السلوكية والمجتمعية، وخطوات ضبطها وتصويبها وغربلتها تُلزمهم بعمليّة التغيير بمعناها المشترك.

وتعرض الباحثة، "لأنساق الدين، الاعتقادي، والطقوسي، والمجتمعي"، وتقول "إن الشكل والوظيفة الاجتماعية للدين، مرتبطان بفهم شكل المجتمع وتطوره التاريخي، فدراسة الدين من خلال المحتوى التاريخي تساعدنا على رؤية وظائف الدين، إما على أنها عوامل مساعدة لتماسك المجتمع وإما عوامل مثيرة للصراع وذلك تحت تأثير الدين كاتجاه محافظ أو ثوري وهكذا"

من جهة ثانية تبيّن صور التناقض المرئية، في مفهوم الدين وتطبيقاته، العاكسة لقراءة بعض المرجعيّات الفقهية المُراد منها تطويع النصوص، واحتكار الفهم، لتسير بإتجاه تأكيد رغبات السلطة، ومصادرة أفهام الأفراد وتساؤلاتهم، حتى ليبدون غائبين عنها حتى الإمحّاء، فتمثيل الدين كجوهر البناء المجتمعي المطلوب، يقتضي الاعتراف بحق الآخر في طرح الأسئلة والمناقشة والاختلاف، وإن انتمى لخارج المؤسسة الدينية في تخصصه الأكاديمي، وتشجيع مسيرة المتعلمين الجدد، وعدم الوقوف على الماضي كمقدس ومعيق في مجمل الميادين الفقهية. وتقول "الدين كمحتوى إلهي معصوم لا إشكالية حقيقية فيه، لأن أصل وجود الدين وتشريعاته، جاء لخدمة الإنسانية وإرساء العدالة"

الدين وظمأ الإنسان إلى المعرفة:

تطرح "شمس الدين" سؤالاً محوريًا، "ما هي حقيقة المعرفة، أي معرفة تلك التي تنظم حياة الإنسان وترشده للعيش الكريم؟" وتنتقد طرح "العلمانية" لدى بعض المنتمين للأوساط الفكرية النظرية، باعتبارها حلاًّ، لأنهم مدفوعين من تصوّر ضيّق يُخفي الآثار السيئة، إلى تلمسها بحمولاتها الثقافية والرمزية والهوياتية، دون مراعاة الفروق والخصوصيّة المميّزين لشعوبنا، وتعزو السبب "للتداخلات والتعقيدات المتشابكة والمتراكمة للمشكلات التي تداخل فيها السياسي بالمعرفي بالديني ليخنق الإنسان لا ليخدمه" وبالدراسة المتأنية المفصليّة لواقع تلك الميادين المتداخلة، المتكئة على فصلها وتمريرها في مصفاة النظر، لتبيين معايبها، واختراق أقنعتها، واعتبار الحقيقة مرهمًا لمداواة أمراضها لاحقًا، تقول "في ظل الفوضى وادعاء امتلاك الحقيقة لايمكننا زعم استحالة معرفة الحقيقة والحق، بل علينا امتلاك الجرأة والقدرة على مواجهة التحديات لمعرفة الحقيقة بقدر ما نمتلك من ادوات منهجية، فلن أدعي قدرتنا على امتلاك كل الحقيقة ولكنني اقول يمكننا الحصول على جزء كبير منها إذا قررنا ذلك" أما جماعات النخبة الدينية والفكرية فلاجتذابهم نحو رغباتهم، يمكنهم الحياد بمعارفهم لحساب مصالحهم الخاصة. بحسب رؤية "شمس الدين".

وتضع الباحثة مواجهة الذات كخطوة أولى للتشخيص وكشف الميولات والمحفزِّات والتأثيرات ومتعلقاتها، لتكييفها بحيث تتوافق مع النموذج الفطري الأخلاقي. وتوسّل أفراد مستقيمين "تتقدم معارفهم ومصلحة الإنسان على مصالحهم" لخوض معترك "المواجهة والإصلاح. وتحملّ جميع التبعات على المستويات كافة." وتُعلّق "شمس الدين" امتلاك تلك القدرة بدرجة واضحة، تعين في الإجابة عن السؤال المحوري المطروح. والحقيقة التي تؤكد عليها باستمرار "حاجة الإنسان إلى الدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس، ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته"

الادراك المعرفي وأدواته:

تشير إلى ضرورة العلم بمناهج التفكير، أو بما اسمته العلم الطريقي، "الذي يدرس مناهج الفهم ويوضح العلاقة فيما بينها وبين تأسيساتها القبلية، ومن ثم بين هذه التأسيسات وبين الفهم" الناظم لطريقة فهم النص الديني، في العالم الإسلامي، الذي أفرز مدارس "كداعش" في تعاملها الحرفي المتحجّر مع المصدر الديني، "دون مدخلية للعقل أو للزمان والمكان، ومداورة لتلك النصوص وإعادة موضعتها فيما يتناسب مع معطيات الحاضر".

وفيما يتعلّق بعناصر التغيير الخارجي، توّضح شمس الدين أن "المرجعية المعيارية التي ينطلق منها صاحب المشروع، الخطوة الأهم في بناء أي رؤية ومنظومة، وتقصد بها مجموعة المعايير والضوابط التي تشكل مرجعية معرفية له على ضوء منظومته الفكرية وتؤسس لمشروعه لتشكيل البنى الأساسية التحتية التي سينطلق منها للبناء الفوقي."

ووفق ذلك تحدد مدرستين متغايريتن تتصدّران المشهد وتشكلاّن شرائح عريضة من الأفراد في كنه العولمة وتداعياتها المؤثرة في تشكيل مفاهيمنا ومنظومتنا المرجعية. وهما، المدرسة الغربية والإسلامية، وتقول "هناك اختلاف كبير جدا بين الحضارتين أو المدرستين وهذه الفروق تكمن في القاعدة والبنية الفكرية والفلسفية لكليهما، والتي على أساسها يتم البناء الفوق والانطلاق نحو كل العلوم والمعارف الفوقية."

وتستلهم "شمس الدين" أطروحة الشهيد محمد باقر الصدر؛ لارتباطها بالرسالة الحضارية، لتقرّر أن الصدر يكشف لنا في معالجته المجتمعية المتسمة بالأصالة والإبداع، عن جانب هام بالقياس إلى عمليّة التغيير الاجتماعي، فيقارن من أوجه متعددة مكونات المجتمع وعناصره، لدى المدرسة الغربية الثلاثية الأطراف الرائية للإنسان والطبيعة والعلاقة بينهما، والمدرسة الإسلامية التي تضيف بعدًا رابعاً وهو الخالق. ويحلل القواعد الفكرية التي تنطلق منها المدرسة الغربية، الحريات في مجالاتها الفكرية والدينية والسياسية والاقتصادية، ومعرفتها المادية المنشأ في الحس والتجربة، هذا التصور يتعارض مع المدرسة الإسلامية التي تضيف العقل والنص لمصادرها المعرفية، فيختلف المثل الأعلى بالتبع لدى كل منهما، ففي الحضارة الإسلامية، يكون الخالق هو المثل الأعلى.

تقول "شمس الدين" "يرتبط المجتمع ذو التركيبة الرباعية كله معرفيًا ومنهجيًا بالله وصفاته ومنهجه، فيكون هو الأصيل والإنسان هو الوكيل، أي خليفة ترشح عنه الأصول، ومستخلفًا يتلقى الأصول ويستخدم عقله وتجربته في قراءة تلك الأصول" وتضيف عن المجتمع ذو التركيبة الثلاثية " غيّب الله، فالإنسان هو محورها، ومصادر معرفته محصورة بالحس والتجربة، وهو مثل منخفض؛ لأنه هو من يضع المرجعية المعيارية فلا يمكننا الوثوق بموضوعيته، وتجرده، وصراعاته الداخلية، وتغليبه لمنافعه وعدم شمول رؤيته"

التعاطي مع مخرجات الحضارة الغربية

وترسم أطر التعاملات مع الحضارة الغربية، بما يوجب الحذر والتدقيق في معطياتها، وما يتدفّق عنها، فيما يتقاطع مع الأس الأهم وهو الخالق وتعاليمه. وقبول غيره فيما يسقط في خانة التبادلات العلمية، والانطلاق من الاحترام، والمماثلة المستقلّة لوجودنا، في مقابل وجودهم.

وتنتقل "شمس الدين" من إطار التشخيص المفهومي لمرتكزات الحضارتين، إلى مستوى البحث في عينات ونماذج حية، أي من البحث في تفاعلات "مفكرين غربيين منذ القرن السادس عشر حتى الثامن عشر، بدأت إزاء جبروت العهد الكنسي، وتملّك الإقطاعيين ومنها حركة الإصلاح الديني وحركة التنوير، والحركة العلمية والثورات الصناعية والسياسية، فهيمنت الفلسفة الإنسانية، لاستعادة دور الإنسان الذي تم تجاهله طوال العصور الماضية"

وحول تحقيق القانون هدف الاستقرار الاجتماعي المستديم، تقول "جوهر الاستدامة في الاستقرار الاجتماعي هو إحراز القانون للعدالة الاجتماعية، والعدالة لاتعتمد في تحقيقها على القانون والانضباط الاجتماعي فقط، بل تحتاج إلى الانضباط القيمي والمعياري والأخلاقي على مستوى الذات وهو ما يمكن تحقيقه من خلال بوابة التقوى"

وتحت مصادر التقنين، تقول "المرجعية الإلهية تنظم القوانين وفق أسس ثابتة وأخرى متغيرة وفق الزمان والمكان، تكون فيها الثوابت مرجعية لتلك المتغيرات، بحيث تشكل قواعد صالحة لكل زمان ومكان، وتكون المتغيرات في مصاديق تحقيق تلك القواعد الثابتة، وإن كانت كليات ثابتة مع تفاصيلها، فإن المحرك العملي هنا، قواعد كلية مرنة منتزعة من الشريعة، تعمل كمفصل مرن يجعل من هذه الثوابت صالحة لكل زمان ومكان، كقاعدة "لاضرر ولاضرار" على سبيل المثال"

وعن معيار الاستفادة من تجارب الآخرين البشرية الاجتماعية وما يتعلق بالتقنين، تشترط "عدم تعارضها مع القواعد الكلية للشريعة، ومع مقاصد الإسلام العليا، وتحقيقها لجوهرة القيم "العدالة" وعدم امتهانها لكرامة الإنسان ودوره الخلافي في الأرض"

وتعود إلى الشهيد الصدر من خلال السنن الاجتماعية وضوابطها، وتفصّل في أنواعها وتبيين مدخليتها في عمليات التغيير الاجتماعي، وتقول "تقدم السنن قوانين عامة تحكم مسارات التغيير، لكن حكمها ليس حكمًا جبريًا، بل إرشاديًا وقانونيًا، لكن القانون يعتبر قانونًا تكوينيًا، وليس تشريعيًا".

وتتعرض عند الحديث عن التغيير بين الفرد والمجتمع، إلى آراء المفكرين والمدارس العريضة حول أصالة الفرد أو المجتمع، وتنتهي إلى نقد دوركايم ورؤيته المتطرفة تجاه أصالة المجتمع، وتخلص إلى كون "المنطلق من الداخل النفسي الفردي، ومن ثم تتسع دائرة النفس لتبدأ تأثيرها، في الأسرة ومن الأسرة تتسع لتنطلق إلى المجتمع" وتقول "إذا غير في نفسه ولم يستطع التغيير في اسرته، ولا مجتمعه، للتضاد في الأفكار والاهداف والقيم والمنطلقات، فإنه يركز على اسرته، وإن لم ينجح فهو مسؤول هنا عن النأي بنفسه، ويكون عمل ذا بعدين لايخضع لسنن التاريخ التي تتطلب توافر بعد ثالث وهو الساحة الاجتماعية".

وتوّجه بشأن معوّقات عملية التغيير الاجتماعي، من "غياب الأسئلة الكبرى المشكلة للتفكير، وحب الذات من زاوية النظر لمعنى الخير والشر للأفراد، وموروثات الآباء والأجداد، والتنميط الاجتماعي للجماعات والأحزاب، وثقافة التقليد، وعدم وعي ضرورة التغيير."

وتستدعي للإجابة عن سؤال محوري مطروح سلفًا، أي معرفة للأختيار؟. حواضن المعرفة وفوارقها المدرسية المتواجدة، في، المذهب العقلي، التجريبي، الإخباري، الإشراقي، والاصولي، وترصد أدوات المعرفة وسبلها، وحقيقتها، وتحدد معالم المنهج السليم لإرادة المعرفة القائم على أسس: البحث عن المعارف على قاعدة الدليل والبرهان، التسليم بوجود ثوابت حقيقية واقعية وفهمنا لها ليس كاملاً، أو مطابقا للواقع بل تتغير الأفهام بتطور أدوات المعرفة وتكامل القدرات العقلية البشرية مع التقادم، ضرورة معرفة وظيفة العقل وقدرته والإيمان بالذات وقدراتها، ومعرفتها، والتعامل مع الآخر بغض النظر عن الظروف الخارجية، يتم التعامل معه من موقع الندية المعرفية لا الذوبان المعرفي."

وتبيّن أن "تحقيق الهدف من وجود الإنسان لا يتم إلا عن معرفة صحيحة، تدفعه لاختيار المنهج الاصلح، هذه المعرفة تطرح له عدة مناهج وطرق وأهداف، بالتالي يشخص هو بعد هذه المعرفة الأصلح من الأفسد ومن ثم تنبعث إرادته لاختيار السلوك المناسب وتطبيقه في الواقع الخارجي، لتحقيق هدفه والوصول إليه" وتحذّر قائلة "الاتباع والتقليد القائمين على المألوف الاجتماعي أو جبره على الانتماءات العصبوية بكل أشكالها، يحولان الإنسان إلى مقلد فاقد للاختيار، وهو ما يجسد يوم القيامة بقانون البراءة، حيث تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ولا يبقى آصرة حقيقية تربط الإنسان بالآخر إلا آصرة المعرفة المرتبطة بالنوعية والأدوات"

الفصل الثاني: الإصلاح ومعوّقات النهوض

تكشف "شمس الدين" عمّا يصاحب الحراك التغييري في تاريخ البشرية الطويل، من "إشكاليات تتمثّل في: غياب النزعة النقدية، والتخلف والاستبداد، والارتهان السياسي واعتبارات القداسة" ومن بداهة حدوث التغيير المعبّر عن إمكانات لامتناهية لمسيرة العقل الإنساني، نضير الحياة المتجددة، وتطوّراتها، توضّح الأبعاد الثلاثة التي تتموضع عليها حركة الإصلاح، "البعد الذهني الذي تتشكل فيه الأفكار المرتبطة بغايات الإنسان، والواقع ومتغيراته وأحداثه، والسلطة (دينية، سياسية، ثقافية، فكرية) ودخالتها في تشكيل الواقع".

ويكتسب النقد لدى "شمس الدين" دلالات متعددة، منها ما يحمل "دلالة إيجابية، تنزع للوصول إلى الإصلاح في المنظومة الفكرية والمعيارية والقيمية للفرد والمجتمع، والمنهج والأدوات وآليات القيادة، الأفراد والجماعات والمجتمع، والقيادة بكل مصاديقها" كما يدل على "السلب" عندما يُراد به استعمال الوسائل النقدية الممكنة لمجابهة الحركة الإصلاحية، فالاستقلال والتمتع بحرية الفكر والخروج من حالة القصور والعجز عن استعمال الفهم، هو المعنى القوي الذي تلمح إليه كظاهرة في "المجتمعات الإسلامية، وخاصّة العربية والخليجية"

وتقرن في حديثها عن "الاحتياجات الفطرية للانتماء للجماعة" في المجتمع العربي والإسلامي، بمسائل "الأحزاب والقبليّات والسلطات" التي تقع في صلب رهانات "العنصريات" بإعتبارها مشغلاً مؤججًّا بالصراعات الصعبة، في مدار السياسة والدين والأعراف، لتدّعم وجود الأمة منطلقة من" فكرة التوحيد القرآنية، وتوسعتها، لتعميق مفهوم التعددية المذهبية، تحت شعار ومحور التوحيد "لله تعالى" وبدورها تخرجنا في مجتمع تعددي من المظلة الأيديولوجية المذهبية، إلى المظلة التوحيدية التي تتناسب وعالمية الامة الإسلامية" وترى ضرورة الطرح التكاملي في توجهات الأحزاب الإسلامية، بحيث تنبني في أدائها ومناشطها، على إلغاء الحدود الموضوعة لاكتساح السياسي للشأن العام، بتفعيل الثقافة والفكر المؤديان للتكوين الشخصي والتشكيل المعرفي للقدرات الشمولية.

وبعد توصيفها لأشكال الحكومات وما ينبغي مأسستها عليه، تنبّه فيما يخص "الإصلاح بين الأنظمة السلطوية وشبه السلطوية"، على وجود نظام يضمن للسلطة مجالات من الحظر، لايجوِّز مسّ مكانته، وتقول "إن الدول التي اقرت دساتير في منطقتنا هي دول شبه سلطوية، يتطلّب التغيير السياسي فيها للعبور نحو الديمقراطية المحققة للعدالة، والمناسبة لقيمنا وثوابتنا، فحركة الإصلاح مقدمتها الطبيعية، خضوع تلك السلطة للنقد والتقويم، وهو ما لا يتحقق إلا إذا امتلك أفراد المجتمع والشعب وعيًا بمنظومة المعايير والحقوق"

وتحدد ملامح "المنهج التعطيلي التوقيفي" في الخصوصيّة المشهدية للمجتمعات العربية والإسلامية، السائد أمام حركات الإصلاح، في "التربية على تقديس الرموز بطريقة غير عقلية، تمنع الفرد المستهدف من توظيف قواه العقلية بطريقة سليمة، ومنع النقد وتعطيله بحجة التكليف والقداسة، التي تمنع كل محاولة تقويم، ولا أنكر وجود التكليف في كثير من المسارات، ولكن أنكر توظيفه بما يشل قدرة الإنسان على التفكير والاستقلال في القرارات المتعلقة بمصيره وعلاقته بالله، ومنع التدوير الوظيفي والموقعي، فتعطّل طاقات الشباب، أو توظف بطرق غير سليمة وتبدأ عملية الانتكاس العكسي، وهنا يأتي دور النخب في قيادة المجتمع نحو حراك وعي"

أما "منهج النقد" المعادٍ للوثوقية المعلّبة، والمناويء للاستبداد بشتّى صنوفه، اجترحت ممارسته عند البعض مسالك خاطئة، تمثلّها "شمس الدين" ب "الصدامية من خلال الألفاظ المستخدمة، والتخوين الممارس بحق الآخر، ونقد من قال وليس ما قاله، وعملية النقد للرأي غالبًا شعبوية، لا تحمل مقومات النقد العملي، وتصدي من ليس أهلاً للنقد، والاسقاط الاجتماعي إما للناقد وإما لصاحب الفكرة"

وتُبيّن مظاهر الاستبداد في سلب الحرية تكون "على مستوى الدولة، و في الأسرة بفرض رأي الوالدين على الأبناء، وقمع آراءهم، وفي المجتمع، عندما يحاول الفرد ليصبح مستقيما فيما توارثه من عادات تخالف الدين والعقل، لينتهي معزولاً بسلطة القوانين الجائرة، و بإشاعة الخوف عبر الاعتقالات التعسفية، وبخروجه عن الثقافة التلقينية، وبتحكم السلطات بجهاز الإعلام لإشاعة وعي زائف يعارض صحوة الأفراد و بإهمال العلوم الإنسانية والفلسفية والمنطقية ذات المنزع العقلي الناهض، و بإدماج مؤسسات المجتمع المدني بما يخدم أجندات السلطة، و بتشويه جماعة المعارضة على مستوى الإعلام والقضاء، و بمشاريع تجارية ذات أهداف موهومة لاستنزاف أموال الأفراد، و بتطويع المناهج التعليمية في جانب العواطف غير المتزنة مع معايير التفكير".

وتُشير إلى المجتمع المقهور ومواجهة التجديد، هذه الصورة الجامحة "للمجتمع المقهور" لتفادي حالة الإنفصال، التي بررّت الاتصال مع "الواقع الاستبدادي الخارج"، فتتخذ ولافتكاك المسلوب منها، الوجهة التعويضية، بما يهيأ لها الانتماءات الواهمة، من شأنها أن تبرز خاصيّة أساسيّة، في التعاطي السلبي مع المشاريع التجديدية، فإذا كان الانفصال يحقق الدلالة الثورية في مجاوزة الحالة التقليدية نحو نظام تقدمي، فإن تماهي تلك المجتمعات مع الاستبداد ، يشكّل شرخ مباغت، وطفرة عليلة في جسد الحراكات، "من خلال عدة طرق أهمها: انشائها شبكة علاقات مع المتنفذين في السلطة ومع المستبد لضمان تحقيق حاجاتها الخاصة، تدفع بعض أفرادها للانخراط في السلطة، لتحقق بنفوذهم ما تريد، المصاهرة وخلق شبكة أنساب مع المستبد ومحيطه واستغلال ذلك لتحقيق نفوذ أو مطالب معينة. هذه طرق يمكن من خلالها للجماعات المنكفئة على ذاتها تحقيق وجودها بشكل محاصّة قبلية لاتمت إلى الدولة وبنيتها بصلة"

تطلّ "شمس الدين" في "التقليد ودوره في صناعة التخلف والاستبداد" على القناعات المثبتة والعادات المتوارثة، فمن شأن الاشتغال على التربية المتسلطة كبت الإرادات وحجرها، في القلاع الأبوية المحصنّة، ليصبح الأبناء وعلى قدر اتساع تلك العلاقة، في تقلّص للمساحات الفردية، فخطاب الطاعة العمياء، يسلب الأبناء حقهم في تكوين وعي مفارق لإملاءات جماعة الآباء، فيُغبنون، في النماذج والمفاهيم المؤولة بما يتماشى، والمطابقة مع رمزية الأب، تقول "فيصبح من مقومات العيش الكريم، امتلاك الأموال، مقابل الولاء الكامل للمستبد، وامتلاك الأموال والرفاه المبني على العطاء المشروط، وإحراز منصب متقدم في السلطة، شريطة القبول بها، حتى لو كانت متعسفة، والحصول على مميزات وظيفية مقابل التعامل مع المستبد، وإمرار مشاريع فاسدة له من قبل هذا الشخص، من موقعه الوظيفي لتنفيع أصدقاء له بصفقات غير مشروعة"

في البدء والمنطلق

تُجسّد رؤية "شمس الدين" للبداية الإصلاحية، لحظة لقاء بين عالمين، عالم القول، وعالم الفعل، ففكرة المزواجة بينهما تبقى واسطة عقد في اختبار صدقية المصلحين، وجدوى دعواهم، في ردم فجوة التقابلات الحادة بين ما يدعون الغير إليه، وحقيقة امتثالهم له، فنبرة إصلاح الخارج يتعذّر تحصيله دون البدء من الداخل، حاضرة بكثافة في تنظير "شمس الدين" في هذا الكتاب. وتربط بين خطين متوازيين في المنهج النهضوي الإصلاحي، "الأول، البناء الداخلي للإسلام وسبر أغوار الإشكاليات التي اعاقت إبرازه كحضارة ونهضة مستديمة، في سيرورتها التاريخية واكتشاف نقاط الضعف ونقد الذات من موقع المتمكن، والمعتز بهويته الإسلامية، لا من موقع التابع والمنهزم، ومستفيدا من الحضارات الأخرى، وتجاربها في النهضة والإحياء، ويتطلب ذلك تفكيكا بنيويا داخل ديني ابستمولوجيا، نشخص من خلاله أهم مكامن الخلل المعرفية في إبراز معالم النهضة الإسلامية، بالاعتماد على قراءة تجارب مصلحين سابقين، والثاني، البناء الخارجي المتعلق بالحضارة الغربية والعوامل الخارجية، المؤثرة في عملية التغيير والاطلاع على كل اسهاماتها، وثمارها اطلاعًا علميًا لا تابعًا، ناقدًا لا مستسلمًا، مستفيدًا لا مستنكفًا، مدركا الفروق الجوهرية ومكامن خلل الاسقاطات والمقايسات بينه وبين حضارات أخرى" .

وتتعرّض لمفهوم الإصلاح، بمعنى "التنظيم والترتيب، وهو حركة تحدث تغييراً نحو الأكمل، أي حركة ديناميكية مستمرة، والمصلح هو الشخص أو المجموعة التي تقوم بعملية التغيير نحو الأكمل" وبعد معالجة أسباب "عدم التناغم بين عدد الشعارات الإصلاحية المرفوعة ضمن المطالب النهضوية، وبين غاياتها على ارض الواقع"، وعدم وضوح العلاقة التلازمية بينهما، بحيث يؤسس الشعار لمفهوم النمط الإصلاحي المُراد، ويدل تمتع الأفراد بهذا الفهم على نجاح الشعارات المرفوعة، تبيّن اختلاف أهداف حامليها، بين الذاتي، والسياسي، واختلاف مدارسهم المنتمين إليها.

وبعد مناقشة "دور القداسة الشخصية واعتباراتها الدينية والفكرية، في دفع مسيرة الإصلاح أو منعها" تنتهي إلى اعتباريّة تأثيرها، لتضع اتجاهات لمعالجة جذور تلك المشكلة: الأول "تفكيك الخطاب الديني، لإعادة بنائه دون التنازل عن ثوابته، ثم صياغة خطاب ديني تعايشي ليس تساهليًا، يضع الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على حروف مقتضيات الزمان والمكان، وجعل الفتوى، في خدمة البحث الفكري ومواجهة الشبهات القادمة مع العولمة، وإنكار سلطة استخدامها بما يجعلها نوع من الإرهاب الفكري المؤسس على تقديس التراث والنص دون إعمال العقل" و الثاني "إعادة إنقاذ النزعة الإنسانية للدين"، و الثالث "إعادة إنتاج خطاب الإعلام، على ضوء ما سبق ليتخلص من رواسب التعصب باسم الدين"

ترصد "شمس الدين" حركة الإصلاح في إنتاج المعرفة الدينية، من تجارب المصلحين، وتأثيراتهم في مجال الحياة الواقعية في سياق تصدّيهم للإصلاح وبناء أشكال مختلفة من تجليات الوعي الديني، وتُعّدد أبرزهم "الشيخ النائيني، والسيد محسن الأمين، والشهيد الشيخ مرتضى مطهري، والشهيد السيد محمد باقر الصدر، والإمام الخميني، ومحمد عبده، وحسن البنا، ومحمد اقبال، وجمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا، وآخرين." و"دور الوعي بالفارق، حافزا للسؤال عن سر التقدم الغربي كما عند رفاعة الطهطاوي، ودور الهجرات من الشرق إلى الغرب" الذي أوقف بعض الاعلام الوافدة، على إطار التحديث والمعاينة المبهرة المتفّوقة بأشواط عن محيطهم العربي، وكانت بمثابة محّركات للإعجاب وبواعث لمحاكاة الغرب، ولا تحصر قيام حركات التجديد على تخوم تلك الفترات التاريخية، بل ظلّت دائرة ومتعاقبة تحت مسميّات عديدة.

وتذهب "للمدارس التي برزت في الساحة المعرفية كردود أفعال في التعامل مع الثقافة الغربية: المدرسة السلفية، والحداثية، والتجديدية، والترقيعية، نتيجة للجدلية التي نشأت بين ما هو عليه راهن المسلمين وفهم الدين وبين المطالبين بالتجديد" وفي الحقل الديني، استعان المنادون بالتغيير، لإجلاء الدين من الفضاء التقليدي المتصلّب، وإعادة ترتيبه وعصرنته، بما يستجيب للتحديّات، عبر "مناهج المؤسسات الدينية، وبلورة رؤية إصلاحية، تحاكي الماضي، وتراكم عليه بالجديد والأصيل، وآليات التدريس الديني، وتطوير النظم الدراسية، وإعادة النظر في طرق الاستنباط الفقهي، وتجديد الاجتهاد لكي يغطي أكبر مساحة من الحياة بجميع مصاديقها، والفهم وأثره في بلورة الفكر الديني والنظرية الإسلامية"

الجبهات التي واجهها الإصلاحيون

وبقدر ما تشكّل التحولاّت والنقلات المعرفية، لحظات في مؤشر التميّز والانعتاق، وعلامة اعترافية على التقدّم في البصيرة، المغيّرة في مدى النظر ومألوفاته، فإنه يطرح في الوقت نفسه مشكلات ليس اقلّها تحدّي جبهات، تصدّ الوصول بإتجاه نجاح المشاريع التجديدية، ولا يغيب عن "شمس الدين" توصيفها، "جبهة داخلية تمثلّت في اختلاف الرؤى المطروحة، للإصلاح، لاختلاف الاهداف والغايات، والآليات، ودخول جدلية الأنا على خط الخلافات. وخارجية تمثلت في جهتين، التقليديون من العلماء والمتدينين الإسلاميين والمثقفين، والأكاديميين، والجماهير والعوام من الناس، وتحول الطرح العلمي إلى احتراب شخصاني، أطاح النظريات والحوارات العلمية من خلال قتل طارحيها اجتماعيًا، وفي داخل المؤسسة الدينية وإقصائه عن دائرة الحضور الاجتماعي والعلمي، مما أثّر على عملية الارتقاء العملي والفكري، ونشر ثقافة الخوف بين صفوف المصلحين وحدا بتخلف الكثيرين عن ثقافة الاختلاف والرأي الآخر، وإحلال بديل له وهو الإرهاب الفكري".

وتشكّل سمات "المشروع الناشد للتجديد والإصلاح الديني" واحتياجاته ب "مشروع توعوي يركز على جانبي الفكر والعاطفة، ويعالج المغالطات بطريقة مرحلية ومنطقية، مع طرح بدائل، والارتقاء التدريجي بوعي الجماهير، وطرح الإصلاحات خصوصًا، فيما يتعلق بالشعائر الدينية، مع تقديم البدائل، وتبسيط اللغة في الخطاب، والابتعاد عن الشخصانية في الطرح العلمي الجاد، وإصلاح الأفكار لا الأشخاص، وفصل السياسي عن السلطة ونخبها وفقهائها، ومشروع إعلامي قادر على محاكاة الجماهير، وفق خطة فكرية مدروسة تستطيع إحداث تغيير مفاهيمي، والتنسيق الفعلي بين المطالبين بالإصلاح في الفكر الديني والاصلاحيين الحقيقيين المنطلقين من فهم واع يحافظ على عنصري الأصالة والخلود"

وتطرح "شمس الدين" سؤالاً "هل الحاجة إلى التجديد في الفكر الديني تعني وجود نقص في الدين؟" لتجيب، بقصور العقل من ناحية النظر في وصوله إلى جميع الحقائق والمسائل وإدراكها، ودلّلت على صور التباساته، ومحدويته، بالاكتشافات والنظريات العلمية التي يتم التخلي عنها لاحقًا، لتبيان خطأها وعدم جدوها، بعد عمل العقل عليها وإقرارها مسبقًا، وبالتالي هو محتاج إلى خالقه لقدرة أحكامه ووصاياه في تحقيق السلامة النفسية والمعيشية، وضمان سيره بالاتجاه الصحيح، مما يعني أنّ "القصور ليس في الدين كتشريع وكأفكار واقعية." وتؤكد الحاجة لتجديد الفكر الديني، بالوسائل الخادمة لمجرى الزمن، ومقاصدها النهضوية، الصادرة عن إرادة لتحرير العقل من الانصهار التام في الحضارة الغربية، لتكوين الذات المتوازنة المستقلة المقيّمة لما يُطرح من الأفكار الوافدة.

وفي الفصل الثالث، حول الإعلام ودوره في التغيير وحركة الإصلاح

تعتقد "شمس الدين" بدور الإعلام الإيجابي في عملية الإصلاح والتغيير، كما عرفته أقطار الربيع العربي من ثورات، ومع ذلك فهو مرتبط بالعناصر القيادية والأبنية والتفاعلات السياسية، والغرب بوصفه مصدر القوة الإعلامية، فقد شكّل عقبة في نجاح الثورات والتخلّص من السلطات المستبدّة لتحقيق الممارسة الحقوقية العادلة على أرض الواقع.

ومن مداخل نظرية عديدة مُفسِّرة لنشاط التأثير الإعلامي على الأفراد، مثل وسائل الاتصال كإمتداد للحواس، بإعتمادها ثلاث مقدمات، الوسيلة هي الرسالة، والحتمية التقنية، وتقسيم وسائل الإعلام إلى باردة وساخنة، الوسيلة هنا هي الأصل، ومن يتحكّم بوسائل العصر، يهيمن على كل ما تحتها، و"نظريات التأثير القوي، واجتياز المجتمع التقليدي، والتقمّص الوجداني" تنفذ "الباحثة" إلى علاقته القوية الإيجابية أو السلبية في عملية التغيير.

وتطوّر قطاع الاتصالات والإعلام في النظام العالمي، ذو علاقة وثيقة، مع أهدافه وغاياته، في تعزيز الهيمنة، وتدجين الوعي، تكشف "شمس الدين" عن محددات نفوذها وتغلغلها، على مراحل وهي: مرحلة التمكين، وتقول "عبر بناء جسور الثقة بين السلطة والجمهور بالتركيز على صدقية الحدث، ومن ثم احتكار الحدث والخبر والإعلانات، من خلال المنظومة الرأسمالية" وتسلّط واحتكار فئات محدودة على التكتلات والمؤسسات والرساميل العملاقة، داخل الحوزة الأمريكية، على السوق العالمية، لأهداف تخدم الاستعمار الجديد بناتج الاتصالات الثقافية.

وتضيف "ورسم شخصية نمطية مدروسة، كمنوذج تُحاك وفقه الشخصية الغربية دون وعيها، بما يتناسب وثقافة الاستهلاك وتشيّء الإنسان؛ ليتناسب مع خطتها التسويقية، فأنتجت له حاجات وهمية وقدمتها كحاجات ضرورية وحولت نمط حياته الخلاق بالفكرة، إلى شخصية ذات بعد واحد لاتفكر، بقدر ما هي تنكفيء على ذاتها، ورسخت في ذهنه ثقافة الغلبة والاستعلاء على الشعوب الأخرى، وحق قيادتها تحت شعارات الديمقراطية والحرية الزائفين"

و"مرحلة الاستيلاء"، وفيها امتدت البنية الاستعمارية بفعل العولمة الإعلامية، إلى المناطق الإسلامية، وخططت لنسخ النموذج الغربي وتطبيقه على الشخصية الإسلامية، بتنميط وسائل الحياة وطرقها، وفق مصادر الاستغلال القائمة، على هدم جميع تركات الشخصية المسلمة، عقيدتها ومقاومتها وحضارتها، وتصف "شمس الدين" واقع أغلب المجتمعات المسلمة بالرثّ، ومعتقداتهم بالهشّة، في ترسيخ مفهوم ثقافة العيب والحرام دون دليل وثقافة الجبر العقدي والمسلمات غير المنطقية، وبدعم من التحالفات المستبدة.

وعن تأثيراتها التضليلية في المصطلحات، التي واكبت أحداث سبتمبر، والحملة على الإرهاب دون توضيح ماهيته، تجد "شمس الدين" استعداء واضح لثقافة الرفض والممانعة، بخلطها بمفهوم الإرهاب، وتقسيم العالم إلى محورين، محور الاعتدال ومحور الشر وخلطه بدول وحركات المقاومة.

وحول "مرحلة التجهيل بصناعة الوعي"، تقول "شمس الدين" "تحت ضربات العلمنة، تم بناء وعي جديد تحولت معه أغلب المجتمعات العربية إلى ما يشبه المجتمعات الغربية، بعد تكريس ثقافة الانهزام النفسي في وعي العربي، وغلبة الغرب كفهم قهري غير قابل للنقاش، واستيراد مفاهيمهم حول الدين ونظام الحكم لتلبسيها لعالمنا المختلف الهوية، بأنماط متنوعة من وسائل الترفيه التلفزيوني والسينمائي المؤدلجة" وتُرجع سبب ظهور مشكلات معقّدة تكتنف الهوية الإسلامية من غياب ملامحها، وتسطيح أبعادها الثقافية، وانكفاءاتها، وتوجيه بؤرة الاهتمام للصراعات الطائفية، وفتاوى التكفير واللغط الكلامي، لأثر طويل الأمد من التلقين المعرفي المدبّر.

وتقارب التأثيرات الإعلامية في هذا الفصل من منظورات كثيرة، وتقدّم قراءة في واقع الخطاب، وتضع في النهاية الحلول المرجوّة فيما يتعلق بعلاقة الإصلاح والتجديد بالمتغيّر الإعلامي، بصورة مفصلة نستخلص منها:

"مواجهة الذات ونقدها داخليًا وخارجيًا، بناء منظومة معرفية منتجة، على مستوى الواقع والفعل الاجتماعي وساحات العقل، خطاب استقطابي مؤسس لثقافة المقاومة، مظلة المقاومة الجامعة التي تعمق من حالة الرفض للعبودية والهيمنة وتؤسس لقيمة الحرية كقيمة غائية تحقق قيمتي العدالة والكرامة، اختراق ساحات الغرب إعلاميًا عبر الأدوات والمنهج نفسيهما ولكن وفق مبدأ الصدق ونقل الواقع كما هو وكشف الحقيقة بلغة المجتمع الغرب وأدواته، المهنية العالية في أداء المهمة الإعلامية، تطوير فقه للإعلام والسينما، وجعله أولوية ضمن قائمة الأولويات في التشريع المعاصر".

نتائج وتقويم:

- قيمة الكتاب تظلّ في كونه يُعالج منظومة التغيير والإصلاح، في أفقها الواسع من حيث تحليل المشكلات وماهيّتها  وتفكيك العوائق ووضع الحلول الجذرية لها، وتتبنى الباحثة من خلاله ضرورة التجديد في المجالات الدينية والسياسية والإعلامية، بما يتوافق مع القيم والثوابت.

- تؤكد الباحثة على كون التغيير والتجديد ينطلق من الذات والإرادة، ويبدأ بالفرد ليكمل مساراته في المجتمع، وارتباطه بجهات مستهدفة سياسية، دينية، فكرية، إعلامية، تحدد الآلية الخاصّة الملائمة لكل جانب.

- الروح الرساليّة والإرادية ل "شمس الدين"، تجعلها تميّز بين التغيير كنهضة حقيقية منبعثة في البنيات الذاتية والخارجية، أو كردود أفعال على الرغم مما ينطوي عليه الأخير بالضرورة، من تجديد وقلب ولعله قلب للأشخاص مثلما أشارت، لا للمنظومة المعيارية القيمية ككل، فحيثما يكون أتباع التغيير الموضوي والعشوائي مدموغين بالشعور بالظلم والحراك ضدّه، فإن الثورة لديها ليست مسألة شعور بالحاضر المرّ المنفلت في تراجيديته، وإنما مشروع له أصوليته وعوامله ومنطلقاته.

- تبدع الباحثة في الغوص الاستقصائي الدقيق، بمجهود تؤسس فيه لمشروعها النهضوي النابع من رؤية عميقة، وبإعتماد عدد هائل من العناوين العديدة الأصلية والفرعية.

- قدرة الباحثة وفطنتها السيسولوجية، في تحليل الحركات الإصلاحية بتناولها لعيّنات من المصلحين وتفصيل أسباب الإخفاق وسبل النجاح، مما يجعلها ملامسة للوقائع، في مقاربة تنزّلت بها من فضاء المفاهيم الجافّ نحو تلمّس جوهر الظاهرة بواقعية.

- تشتغل الباحثة، بالحسّ النقدي التحليلي، في مواجهة معوّقات التغيير، وجبهات الصدّ في جذور المسارين الديني والسياسي الاستبدادي.

- تميّز "شمس الدين" بين اتجاهات عديدة للمدارس الفكرية والدينية، وتجعل للمعرفة والمناهج السليمة الدور الأساس في الانتخاب الصحيح بينهم، أي في الاعتماد على الوعي والنقد والتحليل والمقارنة وقراءة الحاضر، الأمر الذي يُحسب لها في جعل الحرية الفكرية للفرد أساسًا في ذلك، ويُبرز في تصورّاتها ذاك القدر الكبير من الحجية البرهانية.

- تنبّه "شمس الدين" في التعاطي مع الحضارة الغربية، بعدم الغفلة عن الاختلافات المرجعية، وتباين الهويات، وخصوصية الثقافات والمجتمعات، والوقوف إزائها من منطلق القوة، والاستقلال، والإفادة منها ومن التجارب البشرية الكونية، بشرط عدم مخالفتها مع القواعد الكلية للشريعة وكرامة الإنسان.

- وتؤكد "حاجة الإنسان إلى الدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس، ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته".

 

قراءة وتقويم: ألباب الخليفة

  

879 بغدادصدرت عن دار "ألكا" في بروكسل الطبعة الثانية من كتاب "بغداد في حداثة الستينات" للكاتب والمترجم العراقي جمال حيدر. وهي طبعة مزيدة ومُنقّحة استدرك فيها المعلومات التي غابت عن الذاكرة بفعل تقادم السنوات لكنه استرجع بعضها في أثناء زيارته الأولى لبغداد عام 2004 بعد أن تمثّلها برؤية مغايرة تتقصّى الأمكنة، وتفحص الأحداث بعين واقعية مُحايدة تتفادى قدر الإمكان المبالغات السمجة أو التقزيم المُتعمِّد.

يتألف الكتاب من سبعة فصول إضافة إلى مقدّمة مُركّزة يؤكد فيها المؤلف بأنّ هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية، وإنما هو محاولة لرسم ملامح مدينة بغداد، وتدوين لسيرة أمكنتها الشاخصة أو المطمورة التي استقرت في الذاكرة الجمعية للناس. ينطوي الكتاب على كمٍ وافر من المعلومات والأرقام والتواريخ والتسميات "الإشكالية" التي تتضح معانيها كلّما توغّل المتلقي في ثنايا هذا الكتاب الممتع، وقلّب المزيد من صفحاته الشيّقة. لا يمكن الإحاطة بكل الأحداث والمعلومات التاريخية لمدينة بغداد، فالكاتب ينتقل بسلاسة من بين الأزمنة المختلفة التي مرّت على مدينة بغداد، فتارة يعود إلى زمن إلى أبي جعفر المنصور الذي بنى بغداد المدوّرة، وتارة يعود إلى سقوطها على يد هولاكو عام 1258م. أو ينتقل حينًا إلى العهد العثماني، ثم يتراجع حينًا آخرَ إلى الاحتلال البريطاني الذي قسّم المدينة إلى أحياء ومحلات أخذت أسماء الشخصيات والعوائل التي عاشت فيها ويُورد قرابة 70 حيًّا أو منطقة تبدأ بباب المعظّم والميدان وتنتهي بالسيد عبدالله والعيواضية. وفي كل انتقالة يزوّدنا الكاتب ببعض المعلومات التأريخية مثل نزوح الأرمن إلى العراق بعد الحرب العالمية الثانية واستقرارهم في الموصل وبغداد ومزاولتهم لمهنة التصوير التي اقتصرت على الرجال تحديدًا إلى أن جاءت المصوّرة الأرمنية ليليان التي أخذت على عاتقها تصوير العوائل البغدادية المحافظة. يتقصى المؤلف المعاني اللغوية للعديد من الكلمات والاصطلاحات الأجنبية التي دخلت إلى قاموس المحكيّة العراقية مثل "الكلجيّة" التي تعني بالمنغولية "موضع الرؤوس" حيث كان يقف هولاكو ويعدّ الرؤوس المحزوزة للعراقيين و"كَوك نزر"، المُحرّفة عن العبارة التركية "كَوزيل نزر" وتعني "المنظر الجميل"، و"السِنك" التي تعني بالتركية أيضًا "الذباب" وما سواها من المفردات المنغولية والتركية والفارسية والأنجليزية التي وفدت إلى لغتنا العربية وأصبحت جزءًا من نسيجها المحلي. وفي السياق ذاته يذْكر المؤلف بأن ظاهرة "الأشقياء" قد برزت إلى السطح بعد سقوط بغداد عام 1258م ولم تنتهِ إلاّ في أواخر الستينات من القرن الماضي حيث خيّرهم النظام القمعي السابق بين القتل أو العمل لمصلحة الأجهزة الأمنية ففضّل معظمهم الخيار الثاني.

يعود بنا المؤلف في الفصل الثاني إلى الأسواق التي ازدهرت في زمن المنصور مثل سوق الفاكهة، والقماش، والورّاقين، والعطّارين، والصيارفة، والأغنام، ثم ينتقل إلى زمن مدحت باشا الذي رمّم الأسواق القديمة، وشيّد أخرى جديدة، ثم يتوقف عند أسواق أخرى راسخة في ذاكرة العراقيين مثل سوق "الشورجة" وسوق "السراي"، وسوق "الصفافير"، وسوق "الجبوقجية"، أي الغلايين، وسوق "الهرج" و"الثلاثاء" و"اللنكَة"، و"حنّون" و"حمادة" وغيرها من الأسواق التي تماهت مع مسمياتها أو مع مهنها أو مع الأماكن التي انبثقت منها وصارت جزءًا من تكوينها الجسدي والروحي.

يخصص المؤلف الفصل الثالث من الكتاب لأشهر شوارع بغداد وميادينها مثل شارع الرشيد، والسعدون، والنهر، وأبي نواس، والبنوك، والقصر الأبيض، والمشجّر، والكفاح. وعلى الرغم من أهمية هذه الشوارع ودورها في الحياة الاجتماعية البغدادية إلاّ أن بعض المواقع والأمكنة لعبت دورًا مهمًا في تنوير العقل العراقي مثل مكتبة "مكنزي" التي كانت تبيع الكتب الإنجليزية والأميركية في بغداد، وكيف ساهم دونالد مكنزي في ترويج الكُتب الاشتراكية واليسارية في العراق. أو جامع الحيدرخانة الذي اجتمعت فيه الحلقة الماركسية الأولى بمبادرة من محمود أحمد السيد، نجل إمام الجامع وخطيبه في مفارقة غريبة للترويج للفكر اليساري من الجوامع التي تناصب اليسار عداءً مستحكمًا في العراق والدول العربية والإسلامية. ثمة محلات شهيرة ذاع صيتها بين خاصة الناس وعامتهم مثل "شربت زبالة" و"كعك السيد". وأساطير انتشرت كانتشار العطر في الهواء مثل أسطورة "طوب أبو خزّامة" الذي يعتقد البغداديون أنه هبط من السماء لمؤازرة الجيش العثماني في حروبه المتواصلة. يكتظ هذا الفصل بالحديث عن نُصب وتماثيل عديدة زيّنت شوارع بغداد وميادينها العامة مثل "نُصب الحرية" لجواد سليم، و"الجندي المجهول" الذي صممه رفعة الجادرجي، و"كهرمانة" لمحمد غني حكمت، وتماثيل متعددة للسعدون، والرصافي، وأبي نواس وسواهم من الرموز السياسية والثقافية في العراق.

يتضمّن الفصل الرابع نبذة توثيقية عن تاريخ المقاهي في العراق، ومعلومات عن أول مقهى نُظم بشكل عصري، وأول من جلب الشاي إلى العراق، وكيف أصبح مشروبهم اليومي المفضّل. وثمة أرقام متفاوتة لعدد المقاهي في بغداد خلال القرنين الأخيرين. وقد تضمّن الدليل الرسمي العراقي لسنة 1936 جدولاً بلغ فيه عدد المقاهي بشارع الرشيد لوحده 62 مقهى مسجّلة بأسماء أصحابها، وعناوين مقاهيهم. وفي مطلع الأربعينات عرفت بغداد المقاهي العصرية مثل مقهى "بلقيس" الذي كان يقدّم الشاي بالحليب على الطريقة الأوروبية. يصف المؤلف شارع الرشيد بالإمبراطورية التي تعجُّ بالمقاهي، فمقهى "البلدية" رأسها، و"أم كلثوم" و"الزهاوي"، و"حسن عجمي"، و"البرلمان"، و"الشابندر" و"الشط"، و"التجّار" جسدها، , "شطّ العرب"، و"البرازيلية" و"سمر" أطرافها. يتردد المثقفون العراقيون على مقاهي بعينها مثل "حسن عجمي"، فيما كانت "الشابندر" تحتضن قارئ المقام العراقي رشيد القندرجي، والسيّاب، أما "البرازيلية" فكان يتردد إليها الباحثون عن الهدوء والسكينة أمثال عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري، فؤاد التكرلي، عبد الملك نوري وغيرهم من أبناء الطبقة المتوسطة العليا. ثمة مقاهٍ معادية للثقافة الرسمية السائدة مثل مقهى "مجيد" الذي يُطلق عليه مقهى "المعقدين" أو مقهى "العباقرة" الذي لا يخلو من العناصر الأمنية التي تحصي على الأدباء والفنانين أنفاسهم.

يرصد المؤلف في الفصل الخامس نهر دجلة بجسوره الثمانية، "وشرايعه" المتعددة على ضفتي الرصافة والكرخ، وفيضاناته التي بلغت 18 فيضانًا، أولها سنة 1356 وآخرها سنة 1954، كما يتوقف عند وصف الرحالة الإنجليزي جيمس ريموند وليستيد، والأب أنستاس ماري الكرملي، وعبد العزيز القصاب لبعض هذه الفيضانات.

أما الفصل السادس "طقوس" فقد قسّمه المؤلف إلى تسعة عناوين وهي "رمضان"، "المحْية"، "العيد"، "عاشوراء"، "مدارس"، "شموع الخضر"، "صيام زكريا"، "الكَسْلة" و"الخِتان"، وهي جميعًا طقوس محلية معروفة باستثناء "مدارس" التي يجب أن تندرج خارج هذا الإطار، وتنضاف إلى الفصول الخمسة الأولى مع شيء من التوسّع خصوصًا وأنّ الإعدادية المركزية قد ضمت شخصيات سياسية وثقافية مهمة. فيما ضمّ الفصل الأخير "فوتوغراف" 57 صورة فوتوغرافية لأبرز معالم بغداد الحضارية والثقافية والفنية.

ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب أنه مدوّن بلغة أدبية رشيقة هي أقرب إلى لغة القصة والرواية منها إلى السرد التقريري، فثمة مشاعر قوية طافحة على مدار النص السردي تؤرخ للفتى النابه منذ دخوله إلى الصف الأول حتى مغادرته العراق في منتصف السبعينات حين اقتلعه البعث من جذوره ورمى به إلى المنافي الأوروبية النائية.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

876 عبدالهادي سعدونقرأت في الايام الاخيرة كتابين مترجمين من الاسبانية الى العربية للدكتور عبد الهادي سعدون وهما – ابتهالات الحاج – و– الكوندي لوكانور - وعبد الهادي عراقي مقيم في اسبانيا منذ مطلع التسعينات ويعتبر من القامات الثقافية العربية الساطعة في مجال التأليف والترجمة في اسبانيا، وهو نشط ومبدع ويتسابق في عمله مع الزمن، وهو ايضا كهف حصين في ثقافته وجذوره العربية ، وكذلك رحالة يقيم المحاضرات هنا وهناك باللغتين الاسبانية والعربية وقد قامت عدت دور للنشر عربية واسبانية بطبع ونشر مؤلفاته وحاز على الكثير من الجوائز التقديرية في اسبانيا وخارجها منها جائزة الابداع الادبي الشعري جائزة انطونيو ما تشادو العالمية عام 2009 عن ديوانه الشعري – دائما – وهو مدير دار نشر الفالفا للاصدارات الادبية الاسبانية وعضو جمعية المتاسبنين الدولية AHI.. .. والقارئ الى ترجماته يجد قوة في النص واللغة وتماسك وحبكة في سياقها ومعانيها وبنائها الفني بحيث تشعرك ان المترجم استاذ وصاحب خبرة وتجربة عميقة ومسيطر على اللغة فلا تفوته شاردة او واردة، ولهذا فان ترجماته الى العربية فيها عذوبة غنائية ورومانسية جذابة وطروبة ...

ابتهالات الحاج

كتاب ابتهالات الحاج هي عبارة عن قصيدة طويلة لرحالة موريسكي مسلم الى مكة المكرمة مكتوبة بلغة يطلق عليها اسم - الالخميادية – اي الاعجمية ويمكن من خلالها معرف تدني مستوى آداب الرحاله في ذلك الوقت بعدما خسر المسلمون دولتهم واصبحوا في تخفي ومطاردة من قبل محاكم التفتيش و رحمة الدولة الكاتوليكية . هؤلاء المسلمون اظطرهم الواقع المزري في ذلك الوقت لاختراع كتابة لا يفهمها احد الا هم، يكتبون فيها آدابهم وتفاسيرهم وفقههم وعلومهم وغيرها وهي عبارة عن لغة اسبانية تكتب بحروف عربية. .. وقد اشارة احد الروائيين الاسبان المعاصرين وهو خوان غويستولوا بان على الادباء والدارسين ان يهتموا بهذا اللون من الآداب لانها جزءا لا يتجزءا من الآداب الاسبانية ..

ابتهالات الحاج لا يعرف مؤلفها وهي مجهولة كتبها احد الموريسكيين من منطقة اراغون من مدينة موريسكية تسمى- بوي مونثون- في نهاية القرن السادس عشر او بداية القرن السابع عشر بعض الدارسين للرحلة يضعون تاريخ احتمالي لعام 1603 قبل قانون الطرد الذي شرع عام 1609 من قبل الملك النمساوي فيليب الثالث والذي احدث صاعقة مأساوية للمجتمع الاسباني ... وقد خرج الحاج من بلدتهي على تخفي وحذر وابحر من مدينة بلنسية الى شواطئ شمال افريقيا ومدنها حتى وصوله الى مكة المكرمة ثم عاد الى مدينته من نفس الطريق .. وفي اناشيده او قصيدته يصف لنا رحلته بالتفاصيل عن ما شاهده من المدن الاسلامية والمجتمعات العربية وتقاليدها وعاداتها وما عاناه خلال ابحاره ومخاطر البحر... وتعد هذه الرحلة وثيقة حية لذلك الزمان . مثل رحلة ابن جبير 1145-1217 ورحلة ابو حامد الغرناطي 1080-1169 وغيرهم

876 2

اكتشاف اللغة الالخميادية:

في عام 1884 كان هناك عدد من العمال يقومون بتهديم بيوت عتيقة تعود الى ازمنة سحيقة في قرية- الموناثيد دي لا سيرا- من مدينة سرقسطة حيث كانوا يهمون بنقل حجارتها لبناء بيوت جديدة، وفي هذه الاثناء انهار جدار وسطي متكون من جدارين متلاصقين وقد وجدوا بينهما كما هائلا من المخطوطة القديمة وقد عمد اصحابها دفنها بين جدارين خوفا من اكتشافها من قبل محاكم التفتيش ... هذه الكتب تعرضت للرمي مع الانقاض وبعضها مزقه الاولاد .. وفي الاثناء كان هناك راهبا مارا فشاهد ذلك المشهد فقرر شراء الكتب من العمال مما حدى بهم الى الانتباه الى قيمتها التاريخية فاخذوا يبحثون اكثر عنها فوجدوا كميات اخرى من المخطوطات .. ولما علم بعض المهتمين بالتاريخ في سرقسطة توجه الى المكان واشترى كل ما وجد من مخطوطات وبعد حوالي 27 عاما من الدراسة والتدقيق لها استطاعوا من معرفة قرائتها وحل رموزها وهذه الكتب مكتوبة باللغة الالخميادية الموريسكية . وربما لازالت لحد اليوم هناك كنوز علمية وثقافية تعود للموريسكيين مخفية بين البيوت القديمة .

الكوندي لوكانور:

يعود الكتاب الى الامير دون خوان مانويل وهو يتضمن مجموعة من الحكايات والمواعظ الشعبية والامثال والتي جمعها وصاغها وانتهى من كتابتها عام 1335 م وبطلي هذه الحكايات هما الكونت لوكانور ومستشاره باترونيو والكتاب يتألف من خمسة اجزاء . علما ان الامير قضى ردحا من الزمن مع العرب المسلمين لقضايا شخصية ضد الممالك النصرانية وتعلم الثقافة العربية وتشبع بها و ربما حتى اللغة العربية ولكنه ما برح ان عاد الى اصله وانظم الى ابناء جلدته في الشمال ضد العرب .. ولد دون خوان في مدينة اسكالونا التابعة الى طليطلة عام 1282 وتوفى في قرطبة عام 1348 م ورغم انشغالاته السياسية الا انه كان اديبا بارعا وكان عاشقا للادب العربي ويرى ان اندحار العرب امام الكاثوليك ليس عيبا يحط من قدرهم فقد تركوا حضارة قامت عليها لاحقا الحضارة الاوربية .. وفي هذه الحكايات تأثيرات واضحة من كتاب كليلة ودمنة والف ليلة وليلة .. مثلا عندما قرأت بعض حكاياته وجدت واحد منها وهي . ان رجلا خرج مع ولده وخلفهما دابة فعندما مر عليه جمع من الناس قالوا كيف يسير الاثنان ولم يمتطي احدهما الدابة.. فامتطى الرجل الدابة، وعندما مر عليهما جمع آخر قالوا مسكين الشاب والده على الدابة وهو يسيرمتعبا، فنزل الرجل وركب الولد، فمر عليهما جمع آخر فلاموهما، فركب الاثنان على الدابة فمر ايضا عليهما جمع آخر وقالوا مسكينة الدابة كيف لهؤلاء ضمير ان يحملوها اكثر من طاقتها ... هذا اللون من الحكايات قرأتها في اكثر من الكتاب العربية ومنها قصص جحا ..

طبع هذا الكتاب لاول مرة في اشبيلية عام 1575 ثم اعيد طبعه عام 1642 وبالتالي فقد قراه كل كتاب القرن السابع عشر ثم طبع عدة مرات خلال القرن التاسع عشر وترجم الى اللغات الاخرى ولازال العمل حيا حيث اصبح تراثا حاضرا لما يحمل من قيم ثقافية وجمالية وانسانية ..

 

د. كاظم شمهود