ضياء نافعمن التماثيل الجديدة التي اقيمت في موسكو في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تمثال لرئيس وزراء روسيا القيصرية ستوليبين، الذي تم تدشينه عام 2012 في مركز موسكو (حيث تقع بناية مجلس الوزراء او البيت الابيض الروسي كما يسميه البعض)، وبحضور الرئيس مدفيديف (في حينه) ورئيس الوزراء بوتين آنذاك . ستوليبين هو واحد  من الشخصيات السياسية البارزة جدا في الامبراطورية الروسية القيصرية، وقد شغل عدة  مناصب كبيرة في حينه مثل منصب رئيس الوزراء، ووزير الداخلية ...الخ، وتم اغتياله عام 1911 في مدينة كييف الاوكرانية، حيث سافر للمشاركة بافتتاح تمثال للقيصر الكساندر الثاني (القيصر المحرر كما يسمونه لانه ألغى حق القنانة، اي عبودية الفلاحين الروس. لقد كان الجميع موجودين (بما فيهم القيصر نيقولاي الثاني وعائلته) في قاعة مسرح، وهناك أطلق احدهم اطلاقات نار من مسدسه على ستوليبين، وتوفى متأثرا بجراحه بعد فترة قصيرة في المستشفى، وتقول المصادر الروسية، ان ستوليبين توجه الى  ناحية القيصربعد اصابته وقال انه سعيد بالموت في سبيل القيصر .

اقامت روسيا القيصرية تمثالا ضخما لستوليبين في مدينة كييف بعد اغتياله، الا ان البلاشفة ازالوا هذا التمثال عندما انتصرت ثورة اكتوبر 1917، وكان اسم ستوليبين في العهد السوفيتي رمزا للفكر الرجعي المعادي للثورة . واتذكر الان الحوار الذي حدث مرة

    بين مجموعة من العراقيين اليساريين في موسكو بالستينيات حول نوري السعيد العراقي، وكيف قارنوه بشخصية ستوليبين الروسي، اذ ان كلاهما – حسب ذلك الحوار - لعبا دورا كبيرا في مسيرة الاحداث السياسية، وكلاهما حاولا – وبكل قواهما - تثبيت النظام الملكي الذي كان سائدا في بلاديهما، وكلاهما حاولا ايقاف وعرقلة المد الثوري الجماهيري بمختلف الوسائل، ولهذا، فان المتحاورين وصلوا الى استنتاج مفاده، ان مقتل ستوليبين ساعد على انتصار ثورة اكتوبر الروسية عام 1917، مثل مقتل نوري السعيد، الذي ساعد على انتصار ثورة 14 تموز في العراق .

الامور تغيّرت طبعا بعد انهيار الدولة السوفيتية عام 1991، وحاولت بعض العناصر القومية المتطرفة الروسية ازالة تماثيل الحقبة السوفيتية هنا وهناك، كما حدث بعد ثورة اكتوبر آنذاك، ولكن اغلبية الشعب الروسي كانت ضد تكرار هذه العمليات غير الحضارية في تاريخ الشعوب، وقد كنت شاهدا اثناء زيارة لموسكو في اواسط التسعينيات لنقاش جرى في جامعة موسكو التربوية (وهي الجهة التي دعتنا واستقبلتنا آنذاك) بين رئيس الجامعة ومساعده ومجموعة من عمداء كليات تلك الجامعة، وكان من الواضح وجود اختلافات كثيرة وعميقة  بينهم بشأن ما كان يحدث في روسيا من احداث عاصفة، الا انهم كانوا جميعا – رغم اختلافاتهم الشديدة تلك حد التناقض - متفقين تماما على ضرورة ابقاء كل المعالم العمرانية في موسكو وبقية المدن الروسيّة كما هي، لأن هذه المعالم تعكس (تعبيرا لعصرها وخصائصه الدقيقة بغض النظر عن الافكار السياسية التي كانت سائدة عندها)، وكانوا يستشهدون بالمدن الاوربية العتيدة وكيف احتفظت بمعالمها رغم الاحداث الهائلة التي جرت هناك، وهو الرأي الذي انتصر فعلا رغم كل الخروقات التي حدثت هنا وهناك، وهكذا نرى الان تماثيل لينين لازالت في مختلف المدن الروسية، ومنها طبعا موسكو، ولا زال جثمانه مسجّى في مرقده الخاص الشهير وسط الساحة الحمراء بموسكو. 

 تغيّر الامور في روسيا الاتحادية قد انعكس ايضا باعادة النظر في بعض الافكار السوفيتية السابقة، وهناك نماذج كثيرة جدا حول ذلك، ومنها مثلا، الموقف تجاه ستوليبين، اذ ان هذه الشخصية السياسية دخلت التاريخ الروسي لانها ترتبط بمقترحات اصلاحية هائلة تقدّم بها ستوليبين في مختلف الامور، وخصوصا بشأن المسألة الفلاحية وتوزيع الارض على الفلاحين، وهي مسألة حسّاسة جدا في مسيرة روسيا، اذ ان المجتمع الروسي فلاحيّ بالاساس . الموقف من ستوليبين ابتدأ في برنامج تلفزيوني حاول ان يحدد اسماء شخصيات روسية بارزة في تاريخها، وقد شارك حوالي نصف مليون مشاهد بالتصويت، وكانت النتيجة تحديد ثلاثة اسماء هي - نيفسكي وستوليبين وستالين (وجاء بوشكين الرابع) . اما اقامة تمثاله، فقد تم طرح المقترح في مجلس وزراء روسيا الاتحادية، وكان رئيس الوزراء بوتين آنذاك، والذي اقترح جمع تبرعات لاقامة هذا التمثال وافتتاحه في الذكرى ال150 سنة على ميلاده، وتبرع بوتين نفسه براتبه لذلك الشهر، وساهم الكثيرون بحملة التبرع تلك .

ختاما لهذه المقالة، نود ان نشير، الى ان وزير الخارجية الروسي لافروف احتفل في مايس 2020 بالذكرى السبعين لميلاده، وقد جرى تكريمه من قبل الحكومة الروسية بمنحه ميدالية ستوليبين (صدر الامر باقامتها عام 2008)، اي ان الدولة الروسية لم تكتف بتدشين تمثال له، وانما قامت بتأسيس ميدالية تحمل اسمه، ومنح هذه الميدالية الى لافروف تعني، ان الدولة الروسية تقرن اسم ستوليبين بالخدمة الوطنية المتميّزة لروسيا، فما أعظم هذا الاعتراف بهذه الشخصية الكبيرة، وما أعظم هذا الاعتذار امامه ... 

 

 أ.د. ضياء نافع

 

1428 اغتارب امراةفي رواية: اغتراب امرأة، للروائية الاردنية هدى رواشدة

عندما يضع الشاعر شاعريته الايجابية، في عمل تسريدي، يعرج - حتما - إلى مباني التعاضدية فتكسن كفاءة السلاسة التبيين والبيان واستنباط الرؤى في تعاضديتها وفي عمليات إسقاط متراصة، تتصاهر مع معابر الفلاش باك

هذا ما اجتليته في قراءة أولى لرواية اغتراب امرأة ، للشاعرة والروائية الأردنية هدى رواشدة، وقد أهدتني مشكورة الرواية ممهمورة بإمضائها .

فتيحة من المغرب تحط وجدا بالكويت، فتحمل معها أنفاس بني ملال وتيفلت ، و ندى الأردنية التي درست بالمدرسة الابتدائية بذات المدينة، تستحضر وجدا حقائب الاثرياء والعوزين، في جوى التجنح كسلوك نمطي ارتدادي في تسريد المباني بارتدادية القوافل البنائية الكامنة في غور المخيال، كالصورة بذات الارتدادية ، والمنتظرة من الخالة بالمغرب كنبض تشويقي بنائي محكم: طردا وجانيا وهدية قدرية وحالة شعورية، حسية، مفعمة بالنوستالجيا.

وأنا أقرأ الان في ظل الحجر ا لكلي بالبليدة هذه الرواية، رحلت مع معارج الزيتون الاردني، وقوارير المتجر الذي لامس أصداء يد ندى وهي تغمض عينيها لتنتقي قارورة زيت الزيتون، وتمنت لو كانت تتوفر على قليل من المال، فتقتني قارورة أخرى رفيقة، كما جاء في مبناها التراجيدي السلس، الشاعري الفعال، جارتها القرورة على الرفوف، هذا مثل بسيط من عديد الامثلة في المبنى الهندسي التعاضدي، بين بني ملال، والعباءة الفاسية للمغربية العزيزة فتيحة القادم المنتظر للتدريس بالكويت.

كما قال الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، أو في ما معناه أشرب الماء من الماء إلى الماء، هكذا الشاعرة، والروائية هدى رواشدة، تشرب التسريد المحكم من الماء الى الماء، من طنجة / فاس / بني ملال الى الغرفة 23 بالكويت مقر إقامة فتيحة المغربية،

الرواية اغتراب امرأة إغتراب أسلوب بالتقسيط الواعي، وحكايا الحكّاء في الوجد النوستالجي الآسر مرورا بتقميط ولف التسريد في خرقة بالية في وجدان الشاعرة هدى رواشدة التي استطاعت في هذه المباني، أن تقمط هذه الاطمارالبنائية بوعي تسريد محكم جعل منه بدلة وفستانا للفرح، للقول، لترويض الصور الايحائية في تجليات مسالك لم تخل بتعاضديته في تحكيم السرد كمعطى وكمنعطف للحفاظ على فصول وفصوص اغتراب امرأة، مكلللا بأدب الرحلة في ذات الأوان كهامش مشهدي أدبي .

أتوقف هنا، حتى لا أكشف فعاليات أجل فعاليات هذه المحفلية الشاعرية، و هذا السلوك الاستنباطي في عمل متكامل: مبنى / هندسة: تشويقا: تبني المأمول في تسريد مأمول، أترك للقاريء اكتشاف باقي المباني، ولي أوبة عند انهائي مبان أخرى جديرة بالقراءة واقتفاء السرد فارسا شاعريا بألف معنى، بألف مبنى .

 

أومض: من البليدة أحمد ختاوي

 

احمد الشيخاويصحيح أن أي ممارسة إبداعية تتسم بالبساطة والسلاسة اللغوية، مع الحرص على عمق الرسالة،وحيازتها للمتون التي يغذيها الحس الإنساني، يكون لها بالغ الأثر في نفسية المتلقي، وأكثر استحواذا على جوارحه على امتداد العملية التواصلية وطيلة طقس التلقي، المنذور لولادات ثانية للنص، بوصف هذا الفعل الاستقرائي أو التأملي انعكاسا لمرايا إدراكنا المتجاوب مع منظومة ما هو بسيط وموغل في صميم المأساة الإنسانية.

في روايته المعنونة " كثير من الوجع " الصادرة سنة 2018، عن دار المها للطباعة والنشر وتوزيع الكتب والترجمة، والواقعة في 280صفحة، نلفي الكاتب يونس البوتكمانتي، حققّ بعضا مما رمينا إليه، في هذا الاستهلال ضمن هذه الورقة التي نحاول من خلالها وضع تجربته الروائية، داخل دائرة الضوء، ولو أن عتبة هذا المنجز خانته، على اعتبار عناوين الكتب، إنما تمثل نصوصا موازية وضمنية، يجب مراعاتها،وانتقاؤها بدقة وعناية، فأن تكون العتبة جاذبة، لهو أمر مطلوب، حتّى لا يتم الجور على المنجز بأكمله مع أنه يحمل من العمق ودوالّ المجتمعي والإنساني، وفرة وغزارة قد يغفل عنها كثيرون ممن ينخدعون بالعناوين، فيزهدون، بالتالي في كنز معرفي وجمالي، دون قصد .

من تمّ أجد الروائي وقد بسّط عتبة الولوج إلى عوالم سرديته  هذه، والمثخنة بجراحات الكائن،والمغرقة في رصد الأوبئة المجتمعية، على نحو من الإسراف في النهل من أدقّ تفاصيل اليومي، والإصغاء إلى نبض الشارع، وكله صبّ في نجاح العملية التواصلية، وقاد إلى توأمة حقيقة ما بين النص ومتلقيه.

[بديعة أحزن مني بكثير . البيت يبدو مهجورا رغم أنه مرّ على زواجنا سبع سنوات . لم نصل بعد إلى سماع بكاء طفل أو طفلين .لم يكتب النجاة بعد لمن يكسر صمت المكان، ويلطف برود الطقس .لم نصل بعد إلى ما يجعل لعلاقتنا معنى...'](1).

إنها سردية تجسّم واقع الأحياء الأموات، وتغذيها معانيه، بحيث يبدو أن الذات الساردة،وهي تمعن في تنويع الأمكنة والشخوص والأحداث، بحيث تجري في سياقات ذاكراتية ونفسية، كي تدور دورة كاملة، تُختزل بعدها في الحضور الرمزي لبطل الرواية الأول، خالد ولد احمد، الطفل الذي لا يعرف شيئا، حسب تعبير السارد، مما يدلل على خلل وجودي كبير، الجيل القادم،معني به، ونحن بأخطائنا التاريخية، سواء المقصودة أم لا، إنما نربي قيامة سوف نحترق بها، ما لم يتم الإلتفات إلى بؤرها، بكل أمانة ومسؤولية، ومحاولة اجتثاثها من الجذور.

[كنت أتسلى بإخراج المخاط من أنفي،وأستمع إلى أنين معدتي التي لم تذق الطعام منذ ساعات، حين وقف على رأسي رجل بدين نوعا ما؛ لباسه أنيق ومهاب، حذاؤه ملمّع للدرجة التي أستطيع أن أرى على سطحه الغبار الذي علق بشعري الأشعث . تبدو عليه آثار النعمة، وهذا ما أعجبني فيه. حين وقف تلك الوقفة، تذكرت عمي احمد،الحارس بمركز رعاية الطفولة بالناظور،نفس الوقفة،ونفس المشهد، ونفس الإحساس. أطال الله في عمرك يا عمي احمد . كم أنت رحيم مشفق عطوف .' رفعت رأسي بثقل لأتفحص محيا الواقف . لم يعد يخيفني شيء، لص، أو متشرد، أو شرطي، أو مغتصِب، أو نشال، لا يهم. حدثني بكلمات لم أفهم منها شيئا . ربما كررها مرات عديدة،لكني لم ألتقط مما كان يتفوه به شيئا.فهم الأمر، فسألني بإشارة إن كنت أريد أكلا،أوليس ذاك ما أبغيه؟] (2).

بتأمل هذه السردية نخلص إلى جملة من الأغراض، والعديد من المفارقات الموجعة، فهي بمعنى ما تصنع مشهدية للعودة أو الغوص في طفولة بعيد جدا، كما أنها تحاكم واقعا للطبقية والتمايز، ضمن خرائطية لتجاوز التابو،وإنتاج جديد ومغاير للمأساة، بما يتناغم وروح الحكاية الشفافة المنتصرة لإيقاعات التفاؤل والإيجابية، والمزيد من النضال والإبداع الحياة والنفسي والمجتمعي، والاستعصاء على الرؤية الانهزامية.

سردية تنزف بالرسائل العارية، من جوانية وبرزخية ذاتية، لتوسل صور الحياة الحاملة لألوان ما ومعاني ما، قد تبرر حضور الكائن الهشّ والمهمّش والمحاصر بهزائمه وانكساراته ومعاناته المركّبة،وتبصم هوية وجودية تليق بملائكية صلصاله.

يقول الراوي في كلمة أخيرة :

[هذه الكلمات كتبتها نصف سنة بعد الخروج من مليلية، والهروب من كنيسة سينيور خوان فابريغاس .كتبتها في رحاب مسجد قروي عتيق بإحدى دواوير بني ورياغل، ضواحي بلدة آيت عبد الله . كتبتها وكأني أكتبها في الحين الذي حدثت فيه تقريبا .كتبتها لأحس قدر ما استطعت أني أعيش تلك اللحظة . في الشهور التي كتبتها، كنت قد تعلمت حروف العربية،وصرت أكتب بها شيئا ما . وكنت قد حفظت حزبي " سبح " و " عم " من القرآن] (3).

بهذه الواقعية إذن، تتم تعرية راهن من الأوبئة المجتمعية،ويحصل فضح زمن للانتحار النفسي، بكثير من الثقة التي تجود بها بساطة وبراءة الخلفية، في تلوين بياضات اللامعنى الذي تولّده حياة البرزخية،وتفتي به أبجديات الضياع .

 

احمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربي

......................

هامش

* كثير من الوجع (رواية)،يونس البوتكمانتي، إصدارات دار المها للطباعة والنشر وتوزيع الكتب والترجمة، طبعة 2018.

 (1) مقتطف من نص "إلى الأقمار الثلاثة .. رواية عزيز"، صفحة 10.

(2) مقتطف من نص" مليلية / النور ــــ الفصل الثاني "، صفحة269.

(3) مقتطف من نص " كلمة أخيرة "، صفحة276.

 

علي ناصر الركابيلأجل ان نخوض في صلب الموضوع والدخول في رومانسيات الحب بمفهومه الصحيح، دعونا نتفق على مبدأ قد يجده الكثيرون بأنه صائب ويدخل في حياة الإنسان، مفاده: بأن الرضى والقناعة هما سبب السعادة.

أبتداءاً يمكن بيان الفرق بين مفهوم الحظ والقدر والصدفة التي تقع في حياة الإنسان سواء سلباً أم إيجاباً وكيفية ايمانه بها، من عدمه.

حيث أن المشاعرلا تكفي أحياناً، فهناك الكثير من العوامل التي تفرض نفسها وتحدد مستقبلها. فالحظ يلعب دوره هنا، أو بعبارة أخرى بأننا نسمع دائما عن الحظ، فإما أن يكون سعيدا أو تعيسا، فيقال عن فلان محظوظ، وفلان حظه سيء، لذلك يربط الكثيرمن الناس مصير حياته بالحظ، ويعتمد عليه في كل أمور حياته، فليس معنى سوء الحظ الفشل، لأن الإنسان من الممكن أن يبذل كل ما في وسعه وتكون النتيجة غير موفقة. كالزوج الذي سعى وحاول وصبر على أن يرضي زوجته بكل الأساليب من أجل أستمرار الحياة الزوجية معها، أو العكس أي سعي الزوجة لزوجها، إلا أن النتيجة ترجمت بالطلاق، وهنا هو موضع الفشل. أو حال الخطيب، أو المخطوبة التي أودعت كامل الثقة بخطيبها وأمنته على حياتها وصبرت عليه وتحملت على أن تكون محظوظه بإختيارها كزوج مستقبلي لها، إلا إنه خطيب فاشل بمعنى الكلمة، بعد أن كشفته بخيانته مع الأخريات، حينها قالت للجميع بلا ندم وبدون تردد بانه : لايشرفني البقاء مع رجل سهل الوصول إليه... تتهافت عليه العابثات من النساء. 

أمثلة الحظوظ كثيرة:

فالمال حظ والأولاد حظ والصحة حظ والزواج حظ.. فهناك زواج ناجح وهناك زواج فاشل.. وهناك زوج صالح وهناك زوج سَيئ.. وهناك ولد صالح.. وهناك ولد عاق.

وكما يقول البعض بأن هذه الحظوظ وُزِّعت في الدنيا توزيع ابتلاء ولابد أن توزع ثانية في يوم آخر توزيع جزاء. فالذي نِلْتَه في الدنيا، إنما نلته لكي تُمتحن به وسيأتي يوم تجازى على عملك، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (44)- يونس.

فالإنسان المؤمن القوي في إيمانه، يعلم بأن هناك أسباباً تتلوا مسببات... حيث نعتقد ان الله تعالى قسم الارزاق وقَدر لكل مخلوق رزقه وما يجري عليه من ولادته الى مماته

يقال في الحظ بانه اذا أتاك فتمسك به جيداً وعندما يدخل دارك دعه يجلس. وبقدر حظك من الدنيا تقسوعليك القلوب، وبقدرعلوك تنظر اليك العيون حسدٌ وغيره.

الحظ يكون دائماً من نصيب من لا يحسب حسابه لأنه يختار الحمقى ويكون الى جانبهم، والكارثة عندما يضعهم في غير موضعهم المناسب، فعكس المبدأ هو: (الرجل الغير المناسب في المكان المناسب).

هل الحب قدر؟

أولاً يجب ان نعترف بثبوتية القدر أوالقدر الثابت، وهو الثابت في اللوح المحفوظ عند المولى عز وجل والمكتوب فيه الميلاد والموت والعمر والرزق... ولا يمكن تغيير المكتوب والمعلوم بعلمه سبحانه وتعالى.

أما القدر في الحب أمراً لا يمكن تغييره، فهو يحدث دون تخطيط ودون معرفة أو إدراك من المحب، حيث

 يرى الكثيرون بأن كل أمور حياتنا تبدأ بالقدر، والحب من أمور الحياة، ولكن نتحمل ألم البعد لسبب او لأخر ونتخيل قرب الحبيب وننظر إلى الأطلال ونسهر ونبكي ليلاً ولا ننام، وحيناً نشعر أن ما نفعله ما هو إلا تخيل وشعاع من نور سرعان ما يختفي، وان كل البيوت ما هي إلا رمال على شاطئ البحر ولا تتعدى الأوهام، كل هذا يحدث بسبب الحب وبعد الحبيب ولكن هل فعلاً الحب قدر؟

أن تجاهل الحب يساوي تجاهل الإنسانية، كونه يعد ضرورة من ضرورات الإنسانية وهو القوة المحيطة بالمحبين من خلال التفاني والتوحد مع الحبيب، وهوعلاقة فطرية جميلة بين الرجل والمرأة، تحمل هذه العلاقة التوافق والمشاعر والتفاهم والانسجام والحنان واللقاء الروحي والفكري، وكل من المحبين يريد إسعاد الأخر وتذليل كل سبل الراحة والطمأنينة أمامه، ويريد كل من الطرفين التضحية بسعادته وبذاته في سبيل إسعاد الحبيب مهما كانت الظروف ومهما بعدت المسافات ومهما طال الانتظار للقاء مجدداً.

فيما يتعلق بالصدفة، فبعد البحث المستفيض عن مفهومها ومن وجهة نظر الشرع، وجدنا وفقاً لذلك بأن المصادفة والصدفة بالنسبة لفعل الإنسان أمر واقع، لأن الإنسان لا يعلم الغيب، فقد يصادفه الشيء من غير شعور به ومن غير مقدمات له ولا توقع له، لان كل شئ عند الله عز وجل معلوم وكل شئ عنده بمقدار، وهو – سبحانه وتعالى – لا تقع الأشياء بالنسبة إليه صدفة أبدا، ولكن بالنسبة لي أنا وأنت نتقابل بدون ميعاد وبدون شعور وبدون مقدمات فهذا يقال له صدفة. مثلاً شخص ما يقول رأيت فلان صدفه، كان مقدر له ذلك ان يراه في هذا المكان أو في ذلك الوقت.

الصدفة كلمة ومفهوم يستعمل بصورة شائعة، فنجد أشعار حب وقصائد وقصص وأغاني تحمل كلمة "صدفة" اي حدث يحصل بصورة غير متوقعة.

أنَّ الحب وليد الفرصة والمصادفة، أي أنَّه متعلَّق بالحظ والقدر الذي يجلب الشخص المناسب في الوقت المناسب والمكان المناسب، لتتلاقى الأنفس وتتآلف وتنشأ عاطفةٌ سريعة تولِّد السعادة والسرور في قلوب المتحابين دون جهد منهما أو تعب أو مبادرة.

لو سأل سائل : هل تصدق عن ما يقال بان الحب ياتي نتيجة العشرة ؟

من وجهة نظري المتواضعة أقول بانها اضحوكة يعبر عنها العاجزون عن الحب الحقيقي، كون الحب يأتي عفوياً، دون إستأذان أو موافقة، دون أسباب أو سبق أصرار، دون تخطيط مسبق أو وعد أو نتيجة تفكير، لا يحمله رحم ولا تنجبه العشرة...

الحب هو صدفة لقاء في زحمة العالمين

نعم هي الصدفة التي جمعت بين شخصين من كوكبين جميلين، جمعتهما سماءُ صافية، مرصعة بنجوم الحب الفضية، وأقمار زاهية تعلو بحرٌعذب وساحل جذاب وحدائق بهيه وورود عطره. صدفة لم تكن بالحسبان.. فالحبيبة قالت لحبيبها: احببتني.. وعشقتني.. وملكتني صدفة.. وصدفة اخرى لي انك تركتني أبكي عند رحيلك الهادئ.. صدفة المواقف والذكريات حقيقة الواقع ووعودك بالحب الابدي.. صدفة بكائي في غرفتي المظلمة بدونك وخفية عن أمي، وخلف قوتي الضعيفة وراء ظلم الزمان بجفاء الاحبة، في زمن قلة الاصدقاء للفضفضة في يوم الضيق القاهر في لحظات الانهزام، خلف الدموع المشتاقة لحضن محبه صادقة بعيداً عن الظروف والبشر.. بعيداً عن الرجولة الشرقية.. بعيدا عن التسلط الذكوري، بعيداً عني وعنك كل

على عدم وجودك المادي بقربي مرت أشهر... وسيمرنصف عام على ذلك، فكيف حياتي ستكون بدونك ؟

فكان رد الحبيب لها: أنا لم أحبك لأن الاجمل رغم أنك الاجمل.. ولم أعشقك لأنك الأوفى رغم أنك الاوفى.. إنما أحببتك لأنك نصف الروح ونصف العقل وكل القلب.

لا يمكن أن يكون عثوري على شخصٍ مثلك مجرّد صدفة، بل ترتيب إلهي، هذه رحمة الله، رحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شي.

الحب جمعنا أنا وأنت بالصدفه وما أحلاها من صدفه، جمعتنا باشياء ثمينة لم نكن نحلم بها حتى في عالم الخيال.. والأجمل ان تكون تلك الصدفة بداية علاقة ذات هدف نبيل. واعدت نفسي عندما يتحدثون عن جمال الصدف، سأتحدث عن يوم جميل جمعني بك، وأضف لهم بانني أنام الليل ولكن عقلي مستيقظ يبحث سبب تعلقي بها!

فما أجمل أن تجد قلبا يحبك دون أن يطالبك بأي شئ سوى أن تكون بخير. فخلف الإهتمام تختبئ كل معانيِ الحٌب، ليس كل من قال: أحبك يهتمٌ لأمرك، بل كٌل مهتم بك ثق تماماً بأنه يحبك.

فمهما كان حظ أم قدرأم صدفه كلها معاني جميلة، أشكرهم جميعاً لأنهم جمعوني بك...

وسأحبك أكثر رغماً عني وعنك...

 

الدكتور علي ناصر الركابي

 

  

رحمن خضير عباس"لكي تجود قريحتك كفنان بالإبداع، عليك أن تتذوق الفناء عدة مرات"

ينتهي فيلم الرسام رامبرانت بهذه العبارة، التي تترجم حجم ما كابده في حياته، والظروف الحياتية التي مرّت به، والتي حوّلته من فنان يسيل الذهبُ والمال من ريشته الماهرة، إلى شخص مفلس ومريض، فيموت وهو ممسكٌ بريشة الرسم، ثمّ يُدفن بدون ما تقتضيه طقوسُ الموت في مقبرة الفقراء والمُعدمين. هذا ما طرحه الفلم الفرنسي (الرسام رامبرانت) الذي تناول جزءاً من حياة هذا الفنان الكبير، والذي ولد في بداية القرن السابع عشر، وتوفي عن عمر يناهز الثالثة والستين، بعد أن فقد كلّ أحبائه، وآخرهم ابنه الوحيد تيتوس، الذي مات بداء الطاعون عن عمر لا يتجاوز السابعة والعشرين . ذلك الطاعون الذي تفشى في تلك الفترة من أواسط القرن السابع عشر وحصد الملايين من البشر، واكثرهم من الطبقات الفقيرة،لكثرة القذارة التي تجلب الجرذان التي ملأت البيوت والأسواق والحانات ومجازر المواشي. بينما كان أغنياء أمستردام  في منأى عن العدوى.

الفيلم من إخراج وسيناريو شارل ماتو،ومن بطولة الممثل الفرنسي كلوز براندوير.  يتناول حياة الفنان الهولندي الكبير رامبرانت،وهو يعيش في خضمّ حياة العاصمة أمستردام،حيث فوضى الحياة التي تتجاذبها خطوط الفقر المُدقع والغنى الفاحش، وحيث الفروقات الطبقية التي تنخر المجتمع، والتي عبّر عنها أحد المختلين عقليا، والذي كان يخطب بين الناس في أحد الشوارع العامة، ويتكلم عن الأمراض الاجتماعية، ومنها ممارسة العهر وارتكاب الموبقات في تلك المدينة الصاخبة، محذّرا الفنان رامبرانت أثناء مروره بقوله:

" إيّاك من المكفوفين فهم يحقدون على الذين يَرَون الضوء "

وكأنّ هذا الرجل المُختل عقليا قد تنبأ بالمخاض الذي سوف يتعرض له  رامبرانت،في مجتمع لا يعرف قيمة إبداعه.

يبدأ رامبرانت أعماله في بيته الكبير الذي يضمّ الكثير من الخدم . يضجّ بالحيوية والإبداع وهو يرسم الوجوه بشكل مُتقن وساحر، وكأنّه يغور في عمق الشخصية، وقد اشتهر برسم نفسه مرات عديدة، قد تربو على المائة، ليس بدافع الغرور، وانما كان يسجل مذكرات ملامحه بواسطة الريشة.وقد فسّر ذلك في يومياته التي يقول فيها:

"أقول إنّ وجهي تغيّر كثيرا،صار بمرور العمر أكثر بروزاً ويأساً وغربة.حينما أرسم نفسي فأنا أبحث عن نفسي"

كان رامبرانت يعشق النساء والفن والحياة، لذلك فهو بارع في جذب المرأة التي لا يستغني عنها، ومن خلال هذه النظرة الشبقية، فقد عشق الشابة ساسكيا حينما كان يُنَفّذ بورتريتا لها،وهي بنت عم صديقه تاجر اللوحات الفنية ، وكانت من عائلة ثرية،فأصبحت زوجته، وعاش معها سبعة أعوام حافلة بالحب والعطاء،وقد انتقلا إلى بيت كبير، وقد نجح في بيع لوحاته، وتنفيذ العديد من البورتريهات لوجهاء المدينة، والتي كانت تدرّ عليه دخلا كبيرا . ولكنّه كان مبذرا في نفقاته، كما كان يشتري الكثير من الأنتيكا الغالية كي تكون اكسسوارات للأشخاص الذي يقوم برسمهم.

ولكنّ ساسكيا كانت تُفجع بالأطفال التي تنجبهم بعد شهر أو شهرين، وبعد ثلاثة أطفال أنجبت ابنها تيتوس الذي عاش، ولكنها تعرضت إلى داء السل الذي جعلها تذوي وتموت،دون أن تتمتع بالفرح مع رامبرانت  وابنها الصغير .

بقي تيتوس الرضيع يتيما بين أحضان رامبرانت. ولكنّ السيدة ديركسن والتي كانت ممرضة لساسكيا تتكفل بتربية الصغير ، وبعد فترة من الزمن مال رامبرانت إليها، فتزوجها، فكانت البديل لزوجته الأولى.  وبعد فترة طويلة تعرف بفتاة جميلة، تدعى (هنريكشة) التي أحبها بصدق وكأنها تعيد له ذكرياته مع زوجته الأولى، مما أثار غيرة الممرضة التي أقامت عليه دعوى (انتهاك العهد) وقامت بحرق اللوحة التي رسمها لغريمتها.

كان رامبرانت محبوبا من النساء، وعاشق لهنّ، حتى أنّ الأخيرة هندريكشة قد أحبته بعمق وحاولت أن تتشبث به، وأن تعوضه السعادة التي افتقدها. لكنّ الزواج منها يعني حرمان رامبرانت من ثروة زوجته التي كتبتها لابنها تيتوس وجعلت زوجها وصيا.ورغم أن الكنيسة هددتها وخيّرتها بين هجرانها لرامبرانت أو اتهامها بالزنا. ولكنها ضحّت بكل شيء من أجل أن يقف رامبرانت ضد قوى المجتمع وسلطة المدينة التي وقفت ضدّه وقد وصفها  في يومياته :

"هندريكشة تحبني بعمق وصدق وبلا تذمّر، ومن أجلي وبّخها رجال الدين وطردوها من الكنيسة، لقد تقبلت أن تعيش معي وتقترف الخطيئة"

كان رامبرانت يقضي بعض أوقاته في الحانات لرسم بعض الوجوه. وفي أحد الأمسيات راق له أن يرسم رجلين إفريقيين كانا يجلسان في الحانة أيضا. وكان أحد الأثرياء من الهولنديين يـحطّ من شأنهما، ويسخر منهما بعبارات عنصرية، تنمّ عن فكرة التفوّق للبيض على السود ، مما أغضبَ رامبرانت الذي دافع عنهما  بقوله:

"أفضّلُ بَشَرَتهما السوداء على جلدك الأحمر المترهل"

وقد أهدى رامبرانت البورتريت لهما، فشكراه وأهديا له قردهم الجميل، والذي جلبه إلى المنزل وأحبه. وأصبح القرد أنيسا للعائلة.  وحينما قُتل القرد في الشارع من قِبَل مجهولين، تألم رامبرانت لموت القرد واحتضنه، وإراد أن يخلد لحظات موته على قماش الكنفاس، ولكنه لم يجد قطعة قماش فارغة، فلجأ إلى نفس اللوحة للسيدة التي كان منهمكا برسمها والتي منحته مبلغا كبيرا. لكنها رفضت أن تتقاسم قماش اللوحة مع الحيوان ، مما جعله يطردها بغضب رغم حاجته القصوى إلى المبلغ الذي دفعته. كان غير مكترث للمال، بل لكرامته الفنية التي كانت مهدورة في هولندا آنذاك.

كانت لوحته الشهيرة (حراس الليل) سببا في إفلاسه ودمار حياته الفنية والشخصية، فقد تعاقد مع مجموعة من كبار الضباط السامين في ستوكهولم لرسمهم في لوحة كبيرة، وقد دفعوا عنها مبلغا كبيرا. وحينما انتهى منها، أصيبوا بخيبة أمل،لأن وجوههم تغرق في مزيج من الظلّ والضوء،وذلك لأن رامبرانت يوزع الظل والضوء على تضاريس الوجوه والأشياء والملابس والملامح، بحيث يتعمق الفنان في مكوّنات الشخوص، وكأنه يُبرز مشاعرهم الدفينة. ولكنّ هذا الأسلوب الفلسفي في الرسم لم يرق لهؤلاء الضباط، لجهل منهم واعتقادهم بأنه يسخر منهم ويسيء إليهم .  فشنوا عليه حربا شعواء،وحالوا بينه وبين العمل في كافة المجالات الفنية، وجعلوا الجميع يقاطع أعماله، ولم يسمحوا له بالاشتراك بالمعارض الفنية. ولم يعلموا بأنّ هذه اللوحة التي حاربوه بسببها ستخلدهم إلى الأبد، وتجعل منها واحدة من أهم الأعمال الفنية  في مختلف العصور.

وهكذا وجد رمبرانت نفسه مفلسا ومحبطا وغير قادر على سداد ديونه، لأن طبقة النبلاء والارستقراطيين قد عزموا على تدميره، تساعدهم نقابة الفنانين التي منعته من ممارسة الرسم وبيع اللوحات،وحينما عجز عن تسديد المستحقات قاموا ببيع بيته ووأعماله وآثاثه بمبلغ بخس، متعمدين إيذاءه. ولكنّه بقي على نفس كبريائه، ينظر إليهم باحتقار  .

انتقل رامبرانت إلى بيت صغير في مكان بعيد عن مركز المدينة، وبقي معزولا وحزينا،غير قادر على تدبير تكاليف الحياة. ومع ذلك لم تتوقف فرشاته عن إبداع أجمل اللوحات. وقد فقد زوجته وحبيبته هنريكشة، والتي ماتت بعد صراع مع المرض، ولكنها تركت له طفلته الجميلة كورنيليا.

وبعدها بفترة وجيزة توفي ابنه تيتوس بوباء الطاعون الذي اجتاح هولندا.

لكنّه أحس باليأس والمرض حينما فقد ولده الوحيد، فبقي يعاني من الحاجة والوحدة والعزلة، ومات وهو يحاول رسم بورتريت لولده الراحل.

وهكذا تنتهي حياة هذا العبقري الذي شكّل منعطفا في تقنيات الفن الكلاسيكي.

لقد تناول هذا الفلم إنسانية رامبرانت، وشخصيته المتواضعة، وصراعه مع الطبقات الارستقراطية المتنفذة التي تبتز الطبقات الاجتماعية الفقيرة، ومع أنّه ينتمي إلى هذه الطبقة الثرية، ولكنّه رفضها وحاول تعريتها. ووقف ضدها وحيدا لا يمتلك سوى مبادئه وعبقرية فنّه التي لم تُكتشف الا بعد موته . تلك العبقرية التي عبّر عنها النحات الفرنسي الكبير رودان بقوله:

"مقارنتي مع رامبرانت تُعَد بمثابة تدنيس للمقدسات،يجب أن ننحني لرامبرانت ولا نقارن أي شخصٍ معه"

 

رحمن خضير عباس

 

ضياء نافعهذه المقالة حول شخص روسي مجهول تماما للقارئ العربي اسمه فلاديمير ياكوفليفتش لاكشين، والذي اريد تقديمه للقارئ العربي، لانه يستحق ذلك فعلا، اذ انه متخصص بارز في تاريح الادب الروسي، بل يمكن القول انه عاشق متحمّس للادباء الروس الكبار ابتداء من بوشكين الى دستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وانتهاء بسولجينيتسن، ولازالت هذه الظاهرة واضحة المعالم لحد الان في مؤلفاته العديدة من كتب ومقالات ودراسات عن هؤلاء الادباء، والتي يتداولها القراء الروس في المكتبات العامة والخاصة او في مخازن بيع الكتب، او يطلعون عليها في المواقع الالكترونية المفتوحة للجميع، رغم ان لاكشين قد رحل مع الاسف الشديد عن الحياة منذ اكثر من ربع قرن، وكان آنذاك في الستين من عمره .

ولد لاكشين في موسكو عام 1933، وعاصرفي طفولته الحرب العالمية الثانية، والتي يسميها الروس الحرب الوطنية العظمى (1941 – 1945) وسنواتها المرعبة الرهيبة، ثم عاصر اواخر زمن الستالينية الصارمة الصعىة، ثم (وبعد وفاة ستالين عام 1953) عاصر بدايات مرحلة (ذوبان الجليد !) زمن خروشوف فصاعدا، ثم شاهد بعد ذلك كل التغييرات التي حدثت في الاتحاد السوفيتي، وشاهد ايضا انهيار الدولة السوفيتة عام 1991، اذ انه توفي عام 1993، وكان دائما في قلب كل هذه الاحداث الكبيرة في مصير روسيا، وكانت له مواقف محددة وواضحة تجاه كل ما حدث في وطنه، لانه كان الابن المثقف الروسي الحقيقي لبلده، وقد انعكس موقفه هذا في نشاطاته الفكرية تلك في الصحف والمجلات الادبية، التي كان يعمل فيها، او في الكتب العديدة التي اصدرها .

اصبح لاكشين في بداية الخمسينيات طالبا في كليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) بجامعة موسكو وتخرّج عام 1955، ثم التحق بقسم الدراسات العليا في الكليّة التي تخرّج فيها، وحصل على شهادة الكانديدات في العلوم الفيلولوجية (دكتوراه فلسفة)عام 1962، وكان موضوع اطروحته حول تولستوي وتشيخوف، هذه الاطروحة التي بلورّها بعدئذ واصدرها في كتاب، وهكذا ظهر كتاب لاكشين الاول عام 1963، وكان بعنوان – تولستوي وتشيخوف . جلب هذا الكتاب انتباه الباحثين و القراء رأسا بموضوعيته وعلميته وابتعاده عن الكلمات الطنانة والرنانة الجاهزة، والتي كانت سائدة بشكل او بآخر، اذ كان هذا الكتاب تعبيرا حقيقيا عن طبيعة المرحلة الجديدة في البحث العلمي السوفيتي، الذي كان يسعى الى تثبيت المفاهيم الحياتية (ان صح التعبير) كما هي، وليس كما تريد الايديولوجية السائدة آنذاك، ولهذا، يعدّ هذا الكتاب ولحد الان واحدا من المراجع المهمة في موضوعة علم الادب المقارن بين علميين من أعلام الادب الروسي هما تولستوي وتشيخوف . لم يصدر لاكشين اي كتاب جديد منذ عام 1963 والى عام 1975، اذ كان يعمل في الصحف والمجلات الادبية، وكان ايضا يحضّر اطروحة للحصول على شهادة دكتوراه العلوم (دوكتور ناووك)، وهي أعلى شهادة اكاديمية في روسيا، وقد حصل عليها لاكشين فعلا عام 1975، وكانت اطروحته عن الكاتب المسرحي الروسي الكبير أستروفسكي (انظر مقالتنا بعنوان – أستروفسكي شكسبير روسيا). وهكذا بدأ لاكشين باصدار سلسلة كتبه بعد ذلك، اذ أصدر الطبعة الثانية المزيدة من كتابه الاول (تولستوي و تشيخوف) عام 1975، ثم أصدر عام 1976 كتابه الثاني – (أستروفسكي)، ثم (اللقاء الثاني)، ثم (مسرح أستروفسكي)، ثم (خمسة أسماء عظيمة)، ثم (الباب المفتوح)، ثم (طرق صحفية)، ثم (نوفي مير في زمن خروشوف)، ثم (شواطئ الثقافة)، وغيرها ...اما نشاطه في الصحافة، فقد نشر اكثر من 300 مقالة متنوعة عن الادباء الروس، اذ انه عمل بعد تخرجه في اواسط الخمسينيات في صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) ثم في مجلة (نوفي مير / العالم الجديد) عندما كان الشاعر الروسي السوفيتي تفاردوفسكي رئيسا لتحريرها، واصبح لاكشين نائبه الاول، وبالذات عندما نشرت هذه المجلة رواية سولجينيتسن القصيرة – (يوم واحد من حياة ايفان دينيسيفتش)، هذا النشر الذي فتح الطريق امام سولجينيتسن في الاتحاد السوفيتي والعالم، وهي مسألة معروفة طبعا، ولا ضرورة لاعادتها هنا . لقد كتب لاكشين عن موقف سولجينيتسن ودافع عنه، الا انه اختلف معه سياسيا عندما سافر الى الغرب، وهو موقف يحتاج الى دراسة موضوعية هادئة الان، اذ ان لاكشين لم يتقبل الهجوم الحاد على روسيا آنذاك، وكانت آخر مقالة له عام 1993 تدافع عن اسم روسيا والروس، اما آخر منصب في الصحافة الادبية، فقد كان لاكشين رئيسا لتحرير مجلة الادب الاجنبي، اضافة الى ان لاكشين عمل في مجال التلفزيون، وقدّم برامج تلفزيونية مشهورة جدا عن الادباء الروس الكبار، وهو الذي ارشف الافلام الروسية عنهم .

الصورة القلمية التخطيطية لهذا الناقد الادبي تعني، اننا يجب ان نتوسع بدراسة آثاره الفكرية، وان نتعمق في تحليلها . لاكشين هو الارض البكر، التي تنتظر جهود الباحثين العرب لحراثتها ....

 

أ. د. ضياء نافع

 

سوف عبيدكُنّا بدوًا نسير طويلا تحت الشّمس ونتأبّط البَلغة لنحافظ على لمعان جلدها المدبوغ وللأقدام أن تتحمّل عِوضًا عنها العثرةَ والشّوكة ولسعةَ العقرب. نعم كنّا بدوًا نأكل ما حضر ونلبس ما ستر ونصبر على الجدب أعواما ونتحمّل العطش أيّاما ننزل ونرحل في أرض اللّه الواسعة ولا نَحْنِي رؤوسنا لأحد من البشر وقد يهلك الرّجل منّا ودونه قطرة الماء الأخيرة يُؤثر بها رفيق الطريق!

(2)

نعم .. كنّا بدوا إذا تكّلمنا صدقنا فالكلمة عندنا – وما أدراك ما الكلمة – نقول إنها تخرج من الحلق كالرّوح تماما فإذا وعدنا أنجزنا وإذا توعّدنا فخذ حذرك !

ولكن لا خوف عليك ولا أنتَ تحزن إذا مررت على البدويّ ضيفا فهو سيرحّب بك وسيهتف لك من بعيد على المدى ومن النظرة الأولى أهلا وسهلا ومرحبا

والجود بأحسن الموجود طيلة ثلاثة أيام

(3)

أجدادُنا البدوُ

كانوا يعرفون السّاعةَ باِنكسار الظلّ

يعرفون الأرض المِعطاءَ بقبضة التّراب

وباِتجاهِ البرق يعرفون المطرْ

وباِقتفاء الأثرْ

يعرفُون الذي مَرّْ

أجدادنا البدوُ

كانوا يُؤرّخون بعام الصّابة

أو بعام الجراد

أو بعام الوباءْ

مُحمّدٌ وعليٌّ وعائشةُ

عندهم أحسنُ الأسماءْ

وليس في الدّنيا عندهم أحبٌّ

من الأولاد

والخيل

والنّساءْ

(4)

كُنّا بدوًا نشتاق الى البحر فنتخيّل الأمواج والماء والأسماك بالوصف فنتصوّر الرّمال مياها زرقاء كالسّماء تماما لكنّنا تقف حائرين عند تصور السّفينة والسّمك وحدث مرّة أن سافر جماعة من الأقارب الى البحر فحملوا معهم إلينا ماء البحر في بعض الزّجاجات. كانت أعجب شيء عرفناه في صبانا فجعلنا نتذوّق المُلوحة ـ العذبة ـ ذلك أن البدويّ لا يشتاق الى ماء زمزم كاشتياقه الى ماء البحر فماء زَمزم عنده بَركة وشِفاء أمّا ماء البحر فهو شيء آخر يُثير الخيال والمستحيل!

(5)

نخلةٌ في الشّموخ

وجَمَلُ في الجَلَدِ

ذلك هو البدويُّ

(6)

كُنّا بدوًا…

في الأرض نصُول ونجُول

السّماءُ السّابعة لم تكن أطول من أنف أقصرنا قامةً ولكنّه الزّمان يمضي ويأتي زمانُ العماراتِ الشّاهقةِ التي لا نملك فيها أرضا ولا سماءً

إنّه زمان المُدن القصديرية وزمان المخيّمات إنه زمان الهزائم والمسلسلات: مسلسل التلفزات ومسلسل الاِنشقاقات والخلافات العربية. نعم كُنّا في زمن البداوة حيث الشّهامة والعزّة فدخلْنا في زمن سجائر رُعاة البقر حيث التبعيّة والمَذلّة... إنّه زمن التَشيُّءِ فلا شيءَ كما هو وكلّ شيء في محلّ نظر الى أن يأتي ما يُخالف ذلك !

في زَمن بَوادينا القديم

يُسمَّي العريسُ

سُلطانا

يختارُ له وزيرًا

هُو الآمرُ النّاهِي

العارفُ بدقائق الأمور

*

نحنُ الصّغارُ

نُهيِّئُ الخيمةَ

نَفرُشُ الزّرابيَ والنّمارقَ

ونَهُبُّ بِقِصَاع الكُسكسِي

في نشاطٍ وحُبور

ثمّ نمضي بمَخالي الشّعير إلى الخَيْل

الخيلُ أيضًا

لابدّ لها مِنَ وليمةٍ قبل الغُروبِ

*

في زَمن بَوادينا القديم

نترقّب لحظةَ يُطلّ السّلطانُ من خيمتهِ

بالمِنديل الأحمر

إنّه ـ الفَتحُ المُبين ـ

إِذْ تَتَسارعُ طلقاتُ البَارودِ

مع قَرع الطّبول

والزّغاريدِ

فَتمتلئُ جيُوبُنا بالحلوى

نحنُ السّلاطينُ الصّغار

***

* سُوف عبيد ـ تونس

 

محمد غانيتصور معي اخي القارئ ان يتاح لك الجلوس وجها لوجه لتتبادل اطراف الحديث مع نجباء الكون في هذا العصر، فكم ستكون سعادتك مبهجة لما تعلمه من مقدار الاستفادة العظيمة التي قد تستقيها من هؤلاء، طبعا في جلسات متتالية، كل منهم على حدة، فما بالك ان ترجع بك كبسولة الزمن لتجالس من تريد من النخبة من عظماء الفكر والعلم عبر التاريخ، لترتشف منهم العلم والمنهج وشحذ القريحة على حد سواء، نفس هاته الفكرة هي ما صوره ديكارت في قولته البديعة "ان قراءة افضل الكتب جميعها يشبه محادثة مع  نجباء القرون الماضية".

اظن ان مثل هاته القولة تكون كافية في الغرب لتمرير أهمية القراءة للآخر، لكن في بعض الأحيان تمر إشارات بليغة كهاته مرور الكرام امام اعيننا، دون ان نلقي لها بالا، لأننا لم نتصورها تصورا واعيا كما ينبغي، لذلك نجد انه في غاية الأهمية، البحث عما يعضد هذا الطرح الذي نجده كافيا لجعلنا لا نفتر عن القراءة طيلة أيام الأسبوع بل قد نبحث دون جدوى لاضافة يوم ثامن لقضاء اغراضنا كما صاغت ذلك السيناريست والاديبة الامريكة لينا  دونهام بذكاء"لنن واقعيين فنضيف يوما ثامنا للأسبوع المخصص بالكامل للقراءة".

وليست السيناريست دونهام هاته وحدها من استوعب الأهمية اللامتناهية للقراءة فهذا الفيلسوف الأمريكي مورتيمر جيروم ادلر ،مقرب الفلسفة الى الجماهير الشعبة بالولايات المتحدة الامريكية بسبب سلسلته الشهيرة "كيف تقرأ كتابا"، قد صاغ حكمة عظيمة نجدها متممة للفكرة أعلاه، "في حال الكتب القيمة، لا يهم كم مقدار ما تستطيع ان تحمله معك بقدر ان الأهم هو مقدار ما يمكن ان تمرره مما تحمله بين ثناياها الى جعبتك".

عندما نلتقي النخبة عبر قراءة كتبهم، فنعجب بافكارهم، ونتأثر بها، ونصطحب خلال حياتنا بعضا من افكارها التي ابت ان تتركنا، ينبغي ان نبحث في تراجم هؤلاء عن الكتب التي اثرت في حياتهم لنقرءها، كما ينبغي ان التقينا ببعضهم حقيقة ان نسألهم مباشرة عن اهم الكتب التي اثرت في حياتهم وكونت شخصياتهم فنستلهم منها، وهذا الامر نفسه الذي دعا اليه الاديب والفيلسوف الأمريكي رالف ولدو ايمرسون رائد الفلسفة المتعالية ومن دعاة الفردانية بالولايات المتحدة الامريكية خلال القرن التاسع عشر حيث صاغ ذلك كالتالي" اذا سنحت لنا الفرصة بالتقاء شخصية متقذة الذكاء فينبغي ان نسألها أي كتب قرأت".

وما اشد تشابه تعبير الكاتب والصحفي الأمريكي باتريك جايك أ.رورك عن القراءة بحديث نبوي شريف عن أهمية الغرس، كما لا يخفى التشابه بين غرس النبات وغرس الأفكار، فكلاهما ينتج الثمار، فهذا الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم يدعو الى الغرس ولو في آخر رمق حيث روي عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا)، وهذا باتريك جايك أ.رورك يعبر عن أهمية القراءة لآخر لحظة بقوله "اقرأ دوما شيءا يجعلك تبدو جيدا وانت لم تتممه بعد".

 

د. محمد غاني،  كاتب، المغرب

 

ولدت توكارتشوك في 29 يناير1962في سوليكوف غرب بولندا لابوين يعملان بالتدريس، درست في العاصمة البولندية في جامعة وارسو ونالت شهادة في علم النفس، وعملت لفترة معالجة نفسية في جنوب غرب البلاد قبل ان تبدا الكتابة، وقد اصدرت ديوانا شعريا قبل ان تنطلق في عالم الرواية،، وبعد نجاح اول كتبها كرست نفسها للادب، وقد الفت 12 عملا ادبيا، وتسجل كتبها افضل المبيعات في بولندا، وقد ترجمت اعمالها الى اكثر من 25 لغة من بينها الكاتالونية والصينية، وقد حولت الكثير من اعمالها الى مسرحيات ومسلسلات وافلام سينمائية.

وتتراوح اعمالها المتنوعة جدا بين القصة الخيالية الفلسفية (الاطفال الخضر) عام2010وصولا الى الى الرواية التاريخية الواقعة في 900 صفحة (كتب يعقوب) عام 2014 .

في عالمها الشعري يختلط المنطق واللامنطق، فعوالمها في حركة دائمة دؤوبة دون نقطة ارتكازوثبات مع شخصياتها لتشكل لوحات جمالية رائعة تحاكي الواقع، وتتمتع بلغة رصينة غنية دقيقة وشاعرية تهتم بادق التفاصيل.

تصف توكارتشوك نفسها على انها شخص من دون سيرة شخصية، فهي تجسد جميع شخصيات رواياتها التي اخترعتها وخلقتها من تفاصيلها الذاتية المؤلفة من عدة حبكات، ومن اللافت للانتباه بساطتها وسلاسة لغتها وتسريحتها التي تتميز بعدة ظفائر افريقية.

ويبدو ان عامي 2018و2019 عامي الحظ بجدارة للكاتبة البولندية توكارتشوك، حيث فازت اولا بجائزة (البوكرمان) عن روايتها "الرحالة" وتعد اول كاتبة بولندية تفوز بالبوكر على مدى تاريخها، ثم جائزة نوبل للاداب.

وشاركت اولغا في كتابة سناريو فيلم"سبور" للمخرجة انييسكا هولاند والمستوحى من رواية"عظام الموتى" الذي يتراوح بين العمل البوليسي البيئي والرواية الفلسفية المتخيلة، وقد فاز بجائزة الفريد-باور في مهرجان برلين ومثل بولندا في السباق الى جائزة اوسكار افضل فيلم اجنبي.

 

مريم لطفي

 

نجيب طلالأي لغة وأي خطاب يمكن أن يقال أو يستقيم قوله؟ أمام الوجه المكشوف والبشع الآن تجاه (اليوم/ العالمي) (للمسرح) الذي أمسى أياما تداخلت فيما بينها بسرعة متناهية؛ منتجة  عرضا "مسرحيا" دوليا / عالميا/ كونيا / بطله "فيروس" يُمسرح أحداثه بكل وثوقية وجرأة متناهية النظير!

"فيروس" يمارس فعله التلقائي أمام  شخوص عالمية اختلفت لغتهم وتميزت قدراتهم الفكرية والفنية.

إنَّه يحاور ويلاعب بإبداعه الواقعي/ الزئبقي، جموعا بشرية  تميزت ديانتهم وسلوكياتهم وذهنيتهم .

بذلك مقدما عرضا ["كورونِيّا"] دونما تداريب ولا اتفاق مسبق ولا قبل رفع الستار؛ وبدون استقبال الجمهور لصالة العرض؛ مغيرا عوالمنا وأحلامنا وطموحاتنا لكوابيس لم تكن متوقعة؛ ماسحا من الخريطة السنوية  [اليوم العالمي] للحميمية والحركة الخلاقة في بقاع العالم؛ وإن كان اليوم العالمي للمسرح في (العالم العربي) يأخذ طابع (الشكوى) وصناعة (الأزمة) والبحث عن أفق الإنتظارات ! لكن المثير في 2020 العالم بأناسه وعباده وحيواناته وطيوره وجدرانه ومعالمه تشرئب أعناقها وأرواحها لأفق الإنتظارات من سينتصر: هل الطبي أو الفقهي؟ أم السياسي أو المشعوذين؟ أم الديني أوالسحرة؟ أم العلمي أو الدجالين؟ أو مروجي الشائعات والإشاعات؟ أم اللجوء إلى بركة الأولياء والشيوخ وترديد الأدعية ؟ أم فيروس كورونا؟

ذاك الفيروس (اللعين)  لقد حصد أرواحا في الشرق الأقصى؛ وهو يحصد أرواحا بكل قناعة وجرأة في أوروبا التي حولها إلى – جريحة – بكل المقاييس ! معلنا فتوحاته في الشرق الأدنى و إفريقيا؛ التي حول ركحها المظلم سلفا إلى روايات سوريالية ومشاهد مسرحية تراجيدية اختلط فيها الواقعي بالديني والخيال بالسياسي ! وأيهما حقيقة ؟ أمام الحزن المؤجل والبكاء المضمر بين قتامة الوجود؛ وجود يزاحمه ويسعى أن يلتهمه الوباء؛ ذاك الوباء الذي يحمل مملكته فوق تاجه / إكليله المتطور؛ الذي أوقف الحركة الإبداعية من فوق الركح وخارجه  وشل جمالية الإبداع و نسف جغرافية الجسد في بلاغته؛ فارضا إغلاق مسارح عالمية وغيرها وخلت من العاملين والممثلين والجمهور بدون فتوى فقهية بل بقوة وجوده الحارق ! وإضفاء الأنوار بدون سند قانوني بل بقوة وجوده القاتل ! وإعادة أموال كثيرة لجمهورها الذي حجز " تذاكر" العروض بشهور قبل اجتياح " فيروس كورونا" بدون دعاوي ولا محاكم بل بالأخلاق السامية والاتفاق المبدئي بين المسارح التي تحترم جمهورها؛ وتحترم نفسها قبل كل شيء . علاوة على الإغلاق هناك عزلة ثقافية / فكرية / جمالية مرفوقة بتكبيل وإيقاف ملامسة الأيادي أو تحريكها بدون تدخل سلطوي بل بشبحه التخويفي؛ تلك الأيادي والأكف التي كانت تصفق طربا واستحسانا ولذة وفرحا بعطاء الممثلين الموهوبين والمبدعين، الذين فرض عليهم  (الفيروس المشؤوم) معانقة الجدران (الآن) كبقية الخلق في مملكة الربِّ . والذين اعتقلوا بدون جريرة ولا جريمة تذكر؛ ليظل مولانا " الكوروني" يقدم عرضه المسرحي الساخر؛ معاندا مسرحية [الخرتيت] (ليونيسكو) ومتحديا [حياة جاليليو] (لبريشت) أو [الوباء] (لوكتاف ميربو) لكي يسري بعناده ويتحرك بكبريائه وغروره بين المناطق ويهرول ويزحف بطمعه  واندفاعه بين الفضاءات؛ يخترق ويطير عبر الأقاليم المعلومة والجهات المعروفة والقارات المرئية؛ لكنه هو غير مرئي؛ ليس جنيا ولا شيطانا بل فيروسا يحطم ويهدم ما تبقى من رمق الإنسان؛ حينما يلتصق به ! حتى اختلطت حولنا الحقيقة بالوهم كرواية [الطاعون] (لألبير كامو) فانمحى الرمز ليظل الوهمُ متناسلا بالإشاعة والإشاعة بالشعْوذة والشعوذة بالعِلم والعِلم بالدجل والدجل بالطب؛ وأيهما سينتصر؟ والإنسان في خطئة المأسوي يسقط تراجيديا أمام عرضه الساخر. كما سقط يومه 24/03/2020 الكاتب المسرحي الأمريكي (تيرينس ماكنالي) بسبب مضاعفات إصابته بفيروس كورونا. ليفقده مسرح برودواي (نيويورك) للأبد.

يالسخرية القدر " فيروس" ملعون السلالة؛ منبوذ المعاشرة؛ مكروه المصافحة. يمثل ويشخص دوره البطولي في اليوم العالمي للمسرح؛ عرضا مسرحيا لوحده . ! إنه بطل أسطوري ! تيمته [تدمير إنسانية الإنسان] وكل مسرحيي العالم يكافحون بالكاد من أجل البقاء؛ لكي يعودوا على الأقل لعوالم الأضواء ومعانقة الستارة الحمراء. وليس بحثا عن سبب الوباء الذي ضرب مدينة " طيبة"  وأهلك نسلها ورجالها؛ حتى سادت الفوضى وامتلأت المدينة بالجثث و... كما فعل " أوديب ملكا" سوفوكليس. الذي دون في  القرن الخامس (ق؛ م) كاشفا سريان وباء الطاعون وآثره الإجتماعية والسياسية ؟ فهل هذا العمل  بضخامته وروعته الأسطورية؛ سيفكر في إنتاجه أحد المسرحيين؟  إيفاء وعربونا لأرواح من فارقونا بسبب  مسرحية " فيروس كورونيا" وللتخفيف من أعراض الوباء الذي أصابنا في اليوم العالمي للمسرح "الكوروني" ولو نفسيا. أو مسرحية روميو وجولييت (لشكسبير) هذا العمل الذي وظف الدين في الوباء والوباء في الحب بعدما تم حجز الراهب الذي ساعد "جولييت" الحبيبة؛ ليصبح محجوزا في الحجز الصحي؛ وذلك لاشتباهه بإصابته بمرض الطاعون؛ رفقة  كاهن آخر.

هَذا بعْد شفاء العالم من وقع صدمة العَرض المسرحي "التراجيدي" حقيقة. بحيث لما لا يفكر مسرحيو العالم العربي (تحديدا) إعادة إنتاج أغلب الأعمال الدرامية التي تناولت الوباء بشتى تلويناته وأسمائه؛ تعويضا لما ضاع في اليوم العالمي للمسرح . لكل من يعمل في هذا الفن ال رغم هشاشة الفن المسرحي . وتعويضا عن المخيلة ، لأن المخيلة في العالم العربي قد جفت أو توقفت لأسباب متعددة. فتلك الأعمال على الأقل ندرجها من باب الاستئناس وإعادة روح الإبداع لموقعه أو كإعادة قراءة أولفهم من أين جاءت قوة وضراوة هذا الوباء (الكوروني) الذي فاق كل الأوبئة التي اجتاحت تاريخ البشرية .

 

نجيب طلال

 

محمد سعد عبداللطيفزمن ردىء والأردأ منه المُناخ الذی أناخٰ کل قافلة وعصّف بالکرة الأرضیة من کوارث طبیعیة جعل العالم الذی أصبح قریة صغیرة یعیش حالة من الرُعب، والخوف، وکیف تفرز الکوارث الطبیعیة کالأوبٸة والفیضانات، والزلازل، أنماطؑا سلوُکیة مختلفة وغریبة تمتزج فیها سلوُکیات عدوانیة من الاحتکار والنهب والسلب والجریمة والارتدادؑ نحو التطور البداٸی، حیث یُصبح الأنسان مُفترسؑا لکل شیء ویقع العالم الآن تحت عالم الخرافه والسحر والشعوذة، إن السلوکیات الإنسانیة التی تقوم علی الإبداع والتدابیر العلمیة والعملیة لإدارة أزمة الوباء والتغیرات المناخیة والاحتباس الحراري.

کان الإنسان جزءا مُهمًا ومتهمًا فی خؑلل الطبیعة.. هل یستطیع الإبداع أن ینقل صورة تراجیدية للمأساة التی تتعرض لها البشرية کما جسدها الکاتب المسرحي الإنجلیزي (ولیام شکسبیر) وهل تستطیع مدینة الفنون ومدینة الرسام "دافنشی " میلانو التی تتعرض لوباء کورونا فی الوقت الحاضر ۔

أن یخرج رسام من حول  "میدان الدومة " لیرسم لنا لوحه عن هذه المآساة وبعد تصریحات زعماء العالم وفقدهم فی السیطرة علی الوباء من تصریح "رٸیس وزراء إیطالیا " إذا استمر الحال علی ما هو علیه۔ ستحصد إیطالیا نحو" 4 ملایین " من جراء هذا الوباء، وکأن التاریخ یعید نفس السیناریو فی القرن الخامس والسادس، عندما ضرب وباء (الطاعون) مدینه میلانو شمال إیطالیا وراح ضحیته نحو نصف عدد السکان، إنها مدينة رسام ومهندس عصر النهضة الإيطالي ليوناردو دافنشي " نجا فنان عصر النهضة الإيطالي ليوناردو دافنشي من وباء الطاعون الدبلي " الذي ضرب ميلانو نهاية القرن 15، وقتل حوالي خمسين ألف شخص يمثلون أکثر من ثلث سكان المدينة، التي تعيش هذه الأيام على واقع تفشي فيروس كورونا (کوفید 19).

وألهم الطاعون دافنشي لتصميم مدينة مستقبلية عبر عنها من خلال سلسلة من الرسوم والتدوينات اكتملت بين (1487 و1490)، وتوجد في مخطوطة لا تزال باقية حتى الآن، وعمدؑ فيها لتحويل مدن القرون الوسطى مثل ميلانو -التي كانت ضيقة، يصعب التنقل فيها، وقذرة، ومزدحمة، وتساعد في انتشار المرض، نحو تخطيط أكثر حداثة مدعوم بشبكة قنوات تدعم التجارة وحركة البضائع والصرف الصحي، وقسم المدينة رأسيا إلى ثلاث طبقات مختلفة لكل منها غرض مختلف.

وكانت أفكار دافنشي في زمنه مختلفة جذريا ويصعب تطبيقها على المدن القائمة بالفعل، لكنها ألهمت بناء مدن جديدة بالكامل في الأزمنة الحديثة، وسعى دافنشي لتقسيم المدينة عموديا، وفصل المناطق المستخدمة للتجارة والنقل عن تلك المستخدمة للترفيه والمعيشة.

ويمكن القول إن هذا التخطيط يشكل محاولات مبكرة للتقسيم الحديث، وهو نهج للتخطيط الحضري لم يدخل حيز التطبيق البارز إلا بعد الثورة الصناعية بوقت طويل، وكان عدم كفاءة شوارع العصور الوسطى المختنقة مصدرًا لانتشار الطاعون الدبلي، لذلك كان تحويل الطريقة التي يتحرك بها الأشخاص والمركبات وسيلة فعالة لحصار هذه الأوبئة، واعتمد تصميم دافنشي على طرق متعددة المستويات للمركبات والمشاة.

وانقسمت مدينة میلانو لمستوى علوي للمشاة والمجتمع والعناصر الجمالية، بينما خصص المستوى السفلي لشبكة من القنوات والطرق التي تستخدم لحركة البضائع والحيوانات والتجارة والمخازن، واعتمد شوارع واسعة وارتفاعا منتظما للمباني، ومداخن طويلة، ونظام صرف صحي متطورا لمواجهة الطاعون.

ولتخيل هذه الفكرة يمكن التفكير في مستوى تحت شارع المشاة والمركبات لتوصيل البضائع والأطعمة وتفريغهما في المخازن، ويمكن مقارنة هذا التصميم بتخطيط مدن حديثة تمنع استخدام السيارات في مراكز المدن، مع مراعاة الحد من الانبعاثات وتقليل الازدحام، ومنع تكدس الناس بشكل يعرضهم للعدوى المميتة كما حدث في ميلانو خلال العصور الوسطى.

کذلك أبدع الأدیب المصري " طه حسین "فی روایته (الأیام) والاعتقادات فی زمن انتشار وباء الکوليرا فی مصر ۔ففی ستینیات القرن الماضي کتب " الادیب المصري ذکی نجیب الکیلاني " روایته (لیل وقضبان) أو سجن بلا قضبان لیعیش العالم الآن فی سجن کبیر اختیاری وإجباري، وقد برع الکاتب والأدیب البریطاني (ولیام شکسبیر) فی مجموعة من أفضل أعماله خلال الطاعون الذي ضرب بريطانيا نهاية القرن الـ16، واستلهم كذلك أدب شكسبير في نهاية القرن " 16 "وأثناء تفشي وباء "الطاعون الدبلي"، الذي أودى بحياة كثيرين في سلسلة من موجات الوباء تسبب آخرها في موت ربع سكان لندن، جرى إغلاق كل المسارح في أوقات كثيرة، وكانت القاعدة الرسمية أنه بمجرد تجاوز معدل الوفيات ثلاثين أسبوعيا سيتم إلغاء العروض كافة.

وتوفي بسبب الوباء القاتل أشقاء شكسبير الأكبر سنا وكذلك ابنه الوحيد (هاملت) الذي قضى في الحادية عشرة من عمره، ويرى بعض الباحثين أن الأديب الإنجليزي كتب مسرحيته التراجيدية الشهيرة "مأساة هاملت" تأثرا بوفاة ابنه التی کانت مقررة علینا فی المرحلة الدراسیة الثانویة.

وفي العقد الأول من عهد: الملك جيمس " الأول الذي حكم بين عامي 1603-1625م، كان الطاعون يعني أن مسارح لندن ستغلق أغلب الوقت، وكانت لندن تعیش حاله فزع ورعب جسدها شکسبیر فیما یعرف بـ(تراجیدیا وباء الطاعون) وعلى العكس مما هو متوقع ألهم كتابة مسرحيات عديدة، ورغم أنه كان يعتقد البعض أن شكسبير تحول إلى الشعر عندما أغلق الطاعون المسارح عام 1593، وذلك عقب نشر قصيدته السردية الشهيرة "فينوس وأدونيس" التي ذكر فيها الطاعون، فإن باحثين يرون أن إغلاق المسارح عام 1606 سمح لشكسبير بإنجاز الكثير من الكتابة الدرامية وألف في ذلك العام مسرحيات "الملك لير" و"ماكيث" و"أنطونيو وكليوباترا".

وبالنظر إلى أن الطاعون الدبلي أهلك الشباب بشكل خاص، فقد قضى أيضًا على منافسي شكسبير المسرحيين من شركات المسرحيين الشباب الذين هيمنوا على مرحلة أوائل القرن الـ17، واستحوذت فرقة شكسبير على مسرح بلاكفرايرز في عام 1608، مستفيدة من غياب أحد المنافسين الشباب بسبب الطاعون.. وبالإضافة إلى الفرص التجارية، قدم الطاعون مخزونا قويا من الاستعارات الدرامية، وظهرت بقوة في نصوص شكسبير في تلك الفترة، وفي أحد مقاطع مسرحية "روميو وجولييت" تلجأ الحبيبة للراهب الذي يعطيها جرعة من دواء يجعلها تبدو كالميتة لتستيقظ في المقبرة وتهرب لحبيبها، لكن الراهب يتم احتجازه في الحجر الصحي بسبب الاشتباه في إصابته بالطاعون مع كاهن آخر كان يساعد المرضى، وهكذا يفشل في توصيل الرسالة إلى روميو الذي يعتقد أن حبيبته ماتت ويصل للمقبرة ويشرب السم ويموت، وحين تستيقظ (جولييت) وتجد (روميو) قد مات تنزع خنجرا من غمده وتقتل نفسها. هکذا أبدع فن ومسرح (شکسبیر) فی نقل جزء مهم من تاریخ البشریة. هل سینجح الإبداع والمسرح الراقی والأدب والفنون ان یتربع علی العرش، بعد حیاه من المادیه والنزعه الآنانیه التی إجتاحت العالم ۔

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب مصري وباحث فی الجغرفیا السیاسیة

 

جمال العتابيوقفت على أبواب مدن عديدة، أنصت الى الاصوات الآتية من قيعانها، لم افلح يوماً ما في إسترجاع صوت حضيري ابو عزيز، بل يداهمني ضجيج الآلات، ودوي المركبات، نشوة سحرية تمتلك حواسي كلما أنصت لـ (عمي يبياع الورد)، مثل عزف رائع يمتد عبر العصور، بصوت حضيري، تتردد أصداؤه متخطياً الأبعاد، يلتقي بنا دون ان يحجبه عامل الزمن، أو يغيبه النسيان، كما لوكان نبضة حية في وحدة الوجود .

الشاب حضيري القادم من ريف الشطرة الى المدينة، يحمل بين جانحيه موهبة مغني، وطموح انسان، لم يستسلم للصعوبات، موهبة فريدة في الغناء منذ ايام صباه، الصوت الجنوبي الممتلىء عذوبة في الأداء واللحن، يبزغ صوته في أجواء المدينة، يستفز الصبايا، وغرام المراهقات فينهمر الورد مدراراً، ليرشّه ابو عزيز على خدود زينة البنات(هدية).

كان حضيري يجيد ترديد اغاني ملا منفي، وملا شنين، وملا جادر، في محل خياطة يعود لخاله، الذي رعاه بعد وفاة والده، وعلّمه اسرار المهنة قبل ان يلتحق بجهاز الشرطة، كان صوت ماكنة الخياطة يخفق مع نبضات قلبه حبيس الحسرات، ملهماً صوت حضيري القوة والإتساع، لا يحجبه جدار نحو الآفاق ينادي: (على درب اليمرون أريد أگعد ونادي)، وفي الليل تنتظر المدينة ان تنام، ولا تنام، فصوته يوقظ المدن النائمة، والبيوت لها صدى تنحاز له كذلك، تفتح نوافذها الخشبية الخرساء، ليتفجر الألم الدفين، حضيري كمن يصلي صلاة الاستسقاء في (عمي يبياع الورد)، يستمطر ماءً ونقاء، ليوقظ الازهار من رقدتها، انه الورد لاتقترب منه الصحراء .

العمر يا ابا عزيز مازال ندياً، وهدية (شالت) !!إرتحلت بعدما روت بدموعها أمانيها ..إلى أين ارتحل مرفؤك السماوي؟ واين سماؤك الأولى ؟تختلج اللوعة في أصدائها وتنتهي بأمنية، من يخفف عنك حرقة الشوق، ويبعث فيك السلوى ؟؟غير صنوك داخل حسن، يشاركك النواح، في ثنائية لعاشقين معذبين (يحضيري بطل النوح شالت هدية) .

أيها المغني، الارض تسمعك، وتصغي لك الريح (فاهجع شوية) لا تتوسل بالحمام ان يذكرك بالأنين !(حمام لتون على روس المباني)، بصوت ينسل بطيئاً، مابين الشهقة واللوعة، لعل زفير الحمام يردّ هدية اليك، لكنها غابت مثل محارة لبدت في أعماق البحر، كنت تجهش بالبكاء، وتخلع ثوب الاسلاف، وتلعن (أهلك) الذين ضيعوك، تتشفى بهم، لتغني مثل شهقات طير مأسور( هلي يظلام، ما جابوا ولفي إلي، تره الفرگة چوت گلبي چوي) وتعيدها بنبرة أشد( صلت گلبي صلي)، هلي يظلام مارحم عدكم !!

يلزمك وقت يا حضيري كي تجمع أحزانك توزعها بين عيادات الأطباء، من يعين فتى مثلك، مثقلا بالحزن ؟؟ غير نداء تستغيث به عطف طبيب( عاين يدكتور ! الگلب چم جرح مجروح) وتتمادى اكثر وبميانة مع الطبيب (لك عاين)، الروح ما تحمل بعد لا حزن لا جور، عاين يدكتور !!

انت كمن يتهجى الشهادة، لتلم شظايا الروح، ربما تريد ان تسترد(حُميّد)، محلقا في السماء، تغوص في الارض، تبحث عن(عشبة)، او مطفأة، لكنك تغرق في (مصايب الله). متوعدا حميد: آنه لك وانت لي، لون بين السما والارض ايصير اصعدلك منو اليعترض!! ابو عزيز يستعير اجنحة الحلم، معلقا بين ارض لا تجيب، وسماء تسأل : حميد انت لو موش انت !

يصعب ان نصنف حضيري ابو عزيز كأحد مغني الريف، لأنه كان يتطلع نحو التجدد في اللحن والإختيار، وإن لم يكن يعي مواجهات الزمن المتحرك، بما يحمله من توقعات حادة، ومفاجآت ضاربة، بيد ان لديه طاقات حبيسة تريد ان تعلن عن ذاتها بطريقته الخاصة، حاول ان يبقي على علاقة سليمة مع جذوره الأولى، قد لا تسعفه في المضي بالتجربة حتى النهاية، إذ يجد نفسه بحاجة الى معين متجدد لا ينضب من طاقة الحياة، فإمتلك جسارة ابن المدينة ليسافر الى بلاد الشام، في نهاية الثلاثينات، واتصل بمغنين عرب، وعقد اتفاقات مع شركات تسجيل أجنبية، ومثّل في افلام بزي مدني .

حضيري اراد ان يصير حراً بتصميم وشجاعة لايمتلكها زملاؤه المغنون، في تلك الفترة الثرية، ظهر صوته، كانت سنوات كشف وارتياد المجاهيل، منذ مطلع الخمسينات بدأت رحلة البحث عن تجارب جديدة، كان الفنان العراقي يقع من خلالها على بعض الحلول للمعضلات الفنية والادبية، وهكذا غدت تلك التجارب اشارات جديدة اقتحمت جدار المسلّمات التقليدية السائدة في الاوساط الثقافية حينذاك.

أراد حضيري ان يتآلف مع الجديد بمنظوره الريفي، ونوازعه الانسانية الصافية، فإستطاع ان يهيمن على المشاعر لعذوبة صوته ومساحته قراراً وجواباً، انطلق به ليأخذ مداه الواسع بكامل طاقته، ما دام في قفصه بقية خافق.

هذه النظرة العابرة لا يمكن لها ان تستقصي كل أبعاد أغاني حضيري، كما انها لا تستطيع ان تقع على حرارة الاخلاص التي تشع منها، الا انها تستطيع ان تؤكد (مدنية) حضيري، لا ريفيته، ولو كان على الفنان الراحل ان يجرح احساسنا بلسان صمته الأبدي لأسمعنا مرّ العتاب .

ياحضيري بن حسن رهيف العبودي، كان سحر صوتك الموّشى بالأنين، يغيض بغربة الروح الجنوبية، من يغني سواك عن الورد في ذاك الزمان؟ ومن يبيعك الورد يا ابو عزيز الان؟ ومن يواصل النداء (بالك تدوس على الورد وتسوي خِلّه)؟ فالارض ما عادت مرتعاً للحمام! بل يسكنها الشوك والحزن، والحكومات ضيعت الاوطان وضعنا، ومحت فتنة الورد.

 

جمال العتّابي

 

مما لاشك فيه إنَّ القصة القصيرة جداً من أحدث الأجناس الأدبية وأكثرها تعسراَ في التكوين والهيكلة، فقد عانت ولازالت تعاني حرباً ضروساً؛ لإثبات مكانتها الأدبية والإجناسية بين من سبقها في الحقول السردية (الرواية، القصة، القصة القصيرة) مع ما يُشن ضدها من حملات تسقيط وقولبة هامشية على يد بعض الكتَّاب المتعصبين للنوع الأدبي وبعض المنظِّرين المعارضين لكل جديد، وهنا يتوجَّب علينا الوقوف على بعض المساقات الديالكتي؛ لتصبح القاعدة الرئيسة التي سننطلق منها وهي: أسباب ظهور القصة القصيرة جداً، وأبرز شروطها، ومعيارية شكلها الفني، وهل أصبحت آخر الحلول لهواة الكتابة؟

تزامناً مع الصراعات التي شهدها الواقع البشري في عقوده الأخيرة خاصة، ظهرت القصة القصيرة جداً كنوع أدبي يُعبِّر بطريقةٍ جديدة عن الاحتدامات الداخلية والخارجية للإنسان الذي لم تعد تكفيه مساحة الرواية ولا اختزال القصة لإيصال هواجسه المكبوتة وغاياته الخفية، وأنا من هنا لا أتفق مطلقاً مع الرأي الذي يعزو ظهورها للممارسات الجديدة والمتمثلة بعصرنة السرعة واضمحلال الرغبة في قراءة النصوص الطويلة، بل أصبحت القصة القصيرة جداً الميدان الأكثر مناسبة لولوج الموضوعات الوعرة والتابوات والمضامين الصلدة التي تُعالج في باقي الأجناس بطريقةٍ تقريرية ومسارٍ مكشوف، مما يجعلها محدودة الأهداف والنتائج، أما في القصة القصيرة جداً ونظراً لمواصفات شكلها الفني والتي تتمثل بالرمزية والإيهام والتشفير والتكثيف بدا التشخيص يتسم بالفخامة وسعة الفكرة وتعددية التأويل، إذ يحتمل النص الكثير من الغائيات العميقة التي تمكِّن سهامه من إصابة أكثر من هدف، وهذا الأمر يجعلها في الغالب موجهة للنخبة من القرَّاء الذين يتَّسمون بحذاقة التفكيك والنظر لما وراء الفكرة، وإذا كانت موضوعاتها وأغراضها عميقة والحال ذاته بالنسبة لمتلقِّيها، فالأولى في كاتبها أنْ يكون على قدر كبير من المسؤولية والفطنة والذكاء في صياغة نصوصه حتى يصل بها إلى ناصية الإبداع والفرادة، وما يشاع اليوم من كثرة المؤلفات ووفرة الكتَّاب الغير جادِّين يجعل القصة القصيرة جداً تعرج في طريقها لنقطة البداية، وكأنما أصبحت في وقتنا الحالي آخر الحلول لمن يرغب في الكتابة والحصول على لقبِ كاتب؛ لأن معظم القصص يغلب عليها التقريرية والمباشرة وبساطة الفكرة ورداءة السبك وضعف الأسلوب اللغوي الذي أجده العمود الفقري الذي ترتكز عليه جماليتها وفنيتها.

 

دعاء عادل آل عزوز

 

 

عبد الجبار نوريحكايات كليلة ودمنة من السفر العظيم في الأدب العالمي، يضمُ حكايات قصيرة من الأساطيرعلى ألسنة الحيوانات ذات مغزى أرشادي من المفيد أن (تُجيّرْ) لخدمة جيل الأطفال لكونها مليئة بالعبر ومسلفنة بالرحمة والعطف والمحبة والتآلف والفرز بين الخير والشر بأسلوبٍ مبسط مما شجعت المؤسسات الفنية والمنتديات المتخصصة ببرامج الأطفال في العديد من الدول العربية، ووجدتها في لبنان في سفرتي الأخيرة لها والتي دفعتني في الكتابة فيها، وقد أبهرني أهتمام الفنيين في تلفزيون العاصمة بعملٍ دؤوب في أستثمار هذه الحكايات القصيرة الشيّقة إلى أفلام كارتون مثل : الأسد وأبن آوى – المحتال والمغفل – طائر البحر – الناسك وأبن آوى – الحمامة المطوقة – السمكات الثلاثة – القرد والنجار .

التعريف بالكتاب     

*كليلة  ودمنة* السفر العظيم  هو من نفائس الأدب العالمي ، وهو عِبارةٌ عن قصص وحكايات رمزيّةٌ خرافيّة شخوصُها الحيوان، يُرجحْ أنّها تعودُ لأصول هندية وتُرجمتْ الى الفارسية ثم العربية وكان يسمى قبل أن يترجم بأسم (الفصول الخمسة) وهي مجموعة من قصص ذات طابع يرتبط بالحكمة والأخلاق، سطّرها الحكيم العظيم (بيدبا) وترجمهُ الى العربية (أبن المقفع) وهو يهدف الى النصح الخلقي والأصلاح الأجتماعي، ويبدو الكتاب وكأنه قصة مصورة جرتْ وقائعُها على ألسنة الحيوانات بأسلوبٍ  طريفٍ جذابْ فيه الفكاهة والمتعة.

يبدأ الكتاب: ب--- يزعموا أنّ---- ثُمّ سرّدْ الحكاية فهو يمهّد للقصة بحكمة ثم يجعل القصة تفسيراً لهذه الحكمة كقولِه :

أنّ الذي يعمل بالشبهة يعتقد أنّه صادقٌ ولا يشك به: فهو كالمرأةِ التي أعطتْ نفسّها لعبدِها ففضحّها، فأنهُ في الأصل ينطوي على جملة من اللقطات الفلسفية والمعاني الأنسانية والمُثُلْ الأخلاقية التي جعلتهُ من الآثار الخالدة ضمنْ التراث العالمى، والكتاب دعوةٌ اصلاحيةٌ في البحث والنقد اللاذع للساسة بحيث تستّر فيها الفيلسوف وراء شخصيات حيوانية درءاً من غضب الحاكم لذلك يعتبر الكتاب *جوهرة العقل* فهو يرتكز الى صراع بين قوّة المنطق ومنطق القوّة، تحتوي على حكايات قصيرة  ذات مَغزىً  أرشادي والكتاب بمجمله منقولً عن الفارسية قد نُقل أليها من الهندية وترجمهُ الى العربية (عبدالله بن المقفّعْ) .

وهي قصة عن ملك هندي يُدعى (دبشيليم) طلب من حكيمه (بيدبه) أن يؤلف له خلاصة الحكمة بأسلوب مُسّليّ  فيها العقل أكبر منتصر إإ، ويمثل الكتاب ظاهرة أبداعية في النثر العربي القديم خلال القرن الثاني للهجرة وهي ذات أصول سردية موصولة بالخرافة والأسطورة والحكاية العجيبة، ولو نظرنا ألى أركان القصة فأنّها تدورُ على فضاء موهوم زماناً ومكاناً، فالمكان مطلق والزمان كذلك وفي ذلك تجريد للحكاية وحماية لها من أعدائها، وقدر ما فيه من الهزل فأنّه لايخلو من الفائدة .

والكتاب يرتكز على (المثَلْ) حجةٌ يُستدل بها المتكلّم إلى عبرةٍ فيها القيّم،مثل : العقل خيرٌ من الجّاه والمال، خيُر الكلام ما قلّ ودلّ،خير السلاطين من أعدل في الناس، شرُ العشقِ ما زادَ وذلّ، الصبرُ عند نزول المصيبة عبادة، أن أزديّتَ جميلاً لأحدٍ فلا تذكّرهٌ وأنْ أزدى لك أحد جميلاً فلا تنساه.

من هو أبن المقفّع؟

هو روزبه بن داويزيه، مفكرفارسي زرادشتي أعتنق الأسلام وسمىّ  "عبد الله بن المقفع" وعاصر كلاً من الدولة الأموية والعباسية، ينحصر زمنه{106-142 هجري/724-759 م} دًرّس الفارسية وتعلّم العربية، وبعد أن أتقن العربية على يد عبد الحميد الكاتب ترجم "كليلة ودمنة" من الفارسية (البهلوية) الى العربية، جمع بين الثقافة العربية والهندية والفارسية واليونانية فنال من كل هذه لها الثقافات نصيبا ًوافراً من الفصاحة والبلاغة والأدب، وخَلّفَ لنا الكثيرمن الآثار الأدبية – في النثر والبلاغة والخط، ما يشهد على سعة عقله وعبقريته وهو صاحب المدرسة الرائدة في النثر، وأخذ الأقاصيص من الثقافة الهندية وطوّعها للثقافة العربية- الأسلامية، وعمل كاتب دولة وأختصّ بكتابة العهود والمواثيق بين رجال السياسة وبخط القوانين --- وكان دهاؤه ودقته وبلاغته في كتابة نصوص المواثيق سببتْ قتله إإ.

أعتمد أسلوب" السهل الممتنع" في كتابة الحكاية  جعل من  الحيوان بديلا عن الأنسان ودليلا عليه بأسلوبٍ رمزي حتى لا يثير الحاكم وأضاف الى الكتاب الأصلي بابا طويلا وأربعة فصول في البحث عن (بيدبة) - الفيلسوف الهندي- ماهيته وكينونيته وفلسفته، وأن الأصل الهندي ضاع عبر الأزمنة الغابرة وظلت الترجمة العربية هي المعوّل عليها في أعتماد هذا الأثر النفيس .

رموز شخوص الحكاية

عالمْ الأنسان: الملك (دبشيليم) رمز الحاكم المفتقد للحكمة والتدبير،  (بيدبة) الفيلسوف : رمز الحكمة المفتقرلسلطة الحكم .

عالم الحيوان: الأسد---- الملك المتعجّل المفتقّرللمعرفة والحكمة والمحتّكم لسلطة الجسد حسب منطق القوة دون قوة المنطق، الثور : هو خادم الملك تابع معدوم الشخصية مُسْتغّلْ، أبن آوى : وهو رمز المكر والخديعة عقله يعمل بالشر لا بالخير ويجيد تقمص الناسك في خدمة الحاكم ( و يُرمز للأخوين (كليلة ودمنة) دور هذا الحيوان الشرير).

ليست الشخصيات الحيوانية في كتاب (كليلة ودمنة) إلا وسيلة فنية وظفها *أبن المقفع" لنقد الواقع الفكري والأخلاقي والسياسي، وسعى الى أصلاحه بطريقة مباشرة متوسّلا بالشخصيات الحيوانية كرموز للحدث.

الهدف من رموز القصة !!

1- يوضح أصول الحكم.

2- يفضح تدهور القيمّ وأنهيار المنظومة الأخلاقية فيطرح على الراعي مجموعةٍ من المبادىء حتى لا يفسد الملك وتهلك الرعيّة.

3- يكشف تآمر الحاشية لأجل مكاسب ذاتية.

4- يفضح ظلم الحكام وتفردهم  بالسلطة.

5- ضمّ الكتاب تعاليم خاصة تهّم الرعية والحكام.

6- يشخص الأنسان المتصوّف والمتمرّد والشقي والمتدّين العابد والملحد؟

7- يهدف الى النصح الخلقي الأجتماعي والتوجيه السياسي.

8- تصوير الحكم النموذجي في الدعوة الى العدل والمشورة والمساواة.

9- تصوير مظاهر الشر – المتأصل في النفس الآدمية- مثل الأنانية والمكر والخديعة وهيمنة الأثرة والجشع والكذب.

10- تصوير مظاهرالصراع الشعوبي والعنصرية بين الأجناس البشرية.

11- الدعوة الى التعاون والأيثار.

12- نشر المعرفة العقلية والقيّمْ  .

وأخيرا بقيت الكتب التى كتبها (أبن القفع) ونقلها عن الفارسية أوالهندية والبنغالية أواليونانية  *مرجعاً* ثرّاً لخزانة الكتب العالمية والعربية –الأسلامية، لأنّ الكتب الأصلية ضيّعها الزمن الغابر، وترك لنا { أبن المقفع}الكثير من الكنوز رغم إنّهُ لم يُعمّرطويلاً ولكن أدبهُ عمّر وسيُعمّرْ----- وإنّ الكتاب قصةٌ أستعاريّةٌ دالّها الحيوان ومدلولها الأنسان ---------

 

عبد الجبار نوري/ستوكهولم

 

معمر حبارالكتاب الذي بين يديك هو الكتاب الثالث الذي أقرأه عن ألبير كامي وعرضتها في مقالات لمن أراد الرجوع إليها في انتظار أن أفرد له قراءة في الأيام القادمة عن كتابه الرّابع "L’ETRANGER " وقد أنهيت قراءته. وهذا الكتاب هو:

Albert Camus « L’Algérie déchirée..1956 et 1958 », Editions La Pensée, Tiziouazou, Algérie, Contient 87 Pages.

1- يرى ألبير كامي أنّ الثورة الجزائرية هي "الدم" وتفرّق بين الرجال (أقول: أي تفرّق بين المجرم الفرنسي المحتل والجزائري وما كان لها أن تفرّق بينهما حسب نظرته). 9

2- تحت عنوان: "حقائق الخصم" صفحات: 21-25. يقصد بالخصم هم: الثورة الجزائرية والشهداء والمجاهدين والرّافضين للاستدمار الفرنسي. 21

3- يعترف بالشخصية المصرية ويسميها الشخصية المصرية ولايعترف بالشخصية الجزائرية ويطلق عليها "الشخصية العربية" إنكارا للجزائر والجزائري. 24

4- يصف الثورة الجزائرية ورجالها بـ "العمي الذين يقتلون الأبرياء؟ !". 26

5- يصف الثورة الجزائرية ورجالها بـ "الثورة الهدامة التي لاتقود لشيء سوى للمزيد من الدمار". 28

6- يصف الثورة الجزائرية أنّها لن تؤدي إلاّ إلى ضحايا وقتلة؟ !. 31

7- يسمي الثورة الجزائرية بـ "التمرّد المسلّح" و"تجاوزات" و"تجاوزات المتمردين". 31

8- ألبير في كتابه هذا لايعترف إطلاقا -أقول إطلاقا- بدولة اسمها الجزائر ولا بالجزائري ولا بأرض الجزائر.

9- كغيره من المحتلين المجرمين يستعمل ألبير مصطلح "العربي"  وليس الجزائري تعبيرا عن أنّه لايوجد جزائر ولا جزائري.

10- ظلّ كغيره من المحتلين المجرمين يسمي أسيادنا الشهداء والمجاهدين بالمصطلح الاستدماري وهو "الفٙلاٙڤٙة؟ !".

11- يعتبر ألبيرأنّ المحتل الفرنسي المجرم "بريئا؟ !" ويحارب الثورة الجزائرية لأنّها في نظره تقتل "الأبرياء؟ !" من المستدمرين المحتلين. 46

12- يسمي الثورة الجزائرية على أنّها "عنف؟ !" غير مقبول. 47

13-  يرى أنّه من حقّ المستدمر الفرنسي والأوروبي المجرم أن يعيش بأمن وسلام؟ !. 49

14- يسمي الجزائريين غير المناهضين للاستدمار الفرنسي بـ "المعتدلين؟ !" لايجب مسّهم من طرف "أصحاب العنف؟ !" ويقصد الثورة الجزائرية. 52

15- يسمي الاستدمار الفرنسي المجرم بـ "الحضور الفرنسي؟ !" ويساوي بينه وبين الجزائري الذي لايعترف بالمجرم الفرنسي المحتل باعتبار كليهما -في نظره- يعيش فوق الجزائر. 52

16- ظلّ يتحدّث عن اعتقال زيمله الفرنسي من طرف فرنسا المحتلة وخصّص له مقالين لكنّه في نفس الوقت لم يفرد سطرا عن المعتقلين الجزائريين الذين يقبعون تحت سجون الاعتقالات والمعتقالات وهم يعانون يوميا التهديد والاغتصاب والإهانة والإعدام.

17- يقول: الفرنسي ليس خطرا فلماذا يعتقل بينما كان الأولى اعتقال "الفٙلاٙڤٙة؟ !" بتعبير المجرمين المحتلين لأنّهم يمثّلون خطرا. 69

18- يسمي مجازر 8 ماي 1945 بـ "أحداث؟ !". 73

19- يسمي الثورة الجزائرية بـ "التمرد؟ !". 73

20- يرى أنّ الجزائر والأمة الجزائرية لم تولد بعد. وهذا هو نفس رأي غلاة المستدمرين المجرمين المحتلين للجزائر. 74

21- يرى أنّ "العربي؟ !" أي الجزائري لايمثّل وحده الجزائر بل يمثّلها غيره. 74

22- يعتبر مطالبة الجزائريين "أي العرب" بتعبيره "امبريالية عربية؟ !". 75

23- يطالب الاستدمار الفرنسي أن لايتنازل "عن حقوقه؟ !" في الجزائر. 78

24- يحذّر الاستدمار الفرنسي من تحقيق الحلم العربي أي الجزائري على حساب الأوروبي والفرنسي المحتل المجرم. 79

25- يرى أنّ مطالبة الثورة الجزائرية باسترجاع السيادة الوطنية هو "استفزاز نحو الأسوء؟ !". 83

26- قلتها في مقالاتي السّابقة وأكرّرها الآن: ألبير كامي أخطر على الجزائر من المجرمين المحتلين الجلادين السّفاحين من أمثال: بيجار وماصو وسوستيل وأوساريس وديغول وميتران الذي قتل سيّدنا الشهيد بن مهيدي وبتغطية منه والعاشق هولاند والسّكير ساركوزي والماكرو ماكرون وغيرهم الذين لانعرفهم.

 

معمر حبار

 

ضياء نافعيعدّ بيساريف الناقد الثالث بعد تشرنيشيفسكي ودبرالوبوف في تاريخ النقد الادبي الروسي في الستينيات بالقرن التاسع عشر، اذ انه يتميّز باهميته وقيمته الفكرية ودوره الكبير في الحياة الادبية الروسية، اما نحن الطلبة العراقيين في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو آنذاك، فان بيساريف (عندما سمعنا باسمه في محاضرات استاذنا اول الامر) فقد ركّزنا في حينها على نقطتين فقط، الاولى، انه مسكين لأنه غرق في النهر وتوفي عندما كان عمره 27 سنة ليس الا، وقد ترحّمنا عليه طبعا وتألّمنا لوفاته المبكرة، اما النقطة الثانية، فانه الناقد الادبي الذي كان يخطط زميلنا العراقي طالب الدراسات العليا سليم غاوي كتابة اطروحته عنه (انظر مقالتنا بعنوان – العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم –  10)، وأتذّكر الان كل ملامح هذه الصورة الساذجة وابتسم ...

نقاد الادب ليسوا نجوما في عالم الشهرة في كل مكان وزمان، وقد كنت اتحدث مرة – وقبل فترة قصيرة ليس الا – مع أحد الزملاء العراقيين عن الدكتور علي جواد الطاهر، فقال لي، انه لم يسمع بهذا الاسم ابدا . ومهما تكن مكانة بيلينسكي كبيرة في دنيا النقد الادبي الروسي، ورغم اننا قد سمعنا عنه بعض الشئ آنذاك، فهو- مع ذلك – كان أقل شهرة من أي أديب روسي معروف لدى القراء العرب، ولهذا يمكن القول وبكل ثقة، ان الناقد الادبي بيساريف يكاد ان يكون شبه مجهول تقريبا لهؤلاء القراء، ولهذا ايضا، فاننا، الطلبة آنذاك في جامعة موسكو، ليس فقط كنّا لا نعرف مكانته وقيمته، بل – واقعيا - لم نكن حتى قد سمعنا باسمه أصلا .

دميتري ايفانوفيتش بيساريف (1840- 1868) كاتب متعدد المواهب الفكرية بكل معنى الكلمة فعلا، فهو فيلسوف وناقد ادبي ومترجم وصحافي، واستطاع ان (يحفر!) اسمه في تاريخ الفكر الروسي و في كل تلك المجالات الفكرية المتنوعة، رغم انه توفي في ريعان شبابه، اذ  كان في السابعة والعشرين من عمره ليس الا . ومن الضروري هنا اضافة ملاحظة مهمة جدا، وهي ان بيساريف حاز على هذه المكانة المتميّزة في تاريخ الفكر الروسي دون ان يصدر الكتب في حياته، بل نشر مقالاته ودراساته المتنوعة حول كل تلك المواضيع في  المجلات والصحف الروسية آنذاك ليس الا، والتي تمّ جمعها واصدارها من قبل الباحثين بعد فترة من وفاته، وصدرت مؤلفاته المختارة والكاملة  بعدة طبعات في روسيا (الامبراطورية والسوفيتية والاتحادية) منذ القرن التاسع عشر ولحد الان، وصدرت آخر تلك الطبعات في 12 مجلدا عن دار نشر (العلم / ناووكا) الروسية الشهيرة بين اعوام 2000 – 2012، وكل هذا يعدّ – بلا شك - ظاهرة فكرية نادرة جدا في روسيا، ظاهرة تدعو الى التامّل فعلا.

بيساريف الفيلسوف يستحق التوقف عنده، اذ انه يعدّ الان واحدا من أعمدة الفلاسفة الروس، وقد تحدثت حتى بعض المصادر العربية حول فلسفته، وبيساريف المترجم يستحق التوقف عنده ايضا، لأنه قدّم ترجمات لا زالت مهمة في دنيا الفكر الروسي، وبيساريف الصحافي يستحق التوقف عنده ايضا، لأنه لعب دورا بارزا في مسيرة الصحافة الروسية بالستينيات وكان حتى المحرر الاساسي لاحدى اهم المجلات الفكرية الروسية وهي مجلة (روسكويه سلوفو / الكلمة الروسية)، وقد أدّت مساهماته الحادة في النشر والمناقشات المرتبطة بافكاره حتى الى اعتقاله لفترة طويلة نسبيا، ولكننا، والتزاما بعنوان مقالتنا، نتوقف فقط عند بيساريف الناقد الادبي في تاريخ النقد الادبي الروسي، ويجب التأكيد هنا، ان هناك العديد من الدراسات الاكاديمية باللغة الروسية حول هذا الناقد الادبي، بما فيها طبعا كتب ضخمة باكملها واطاريح علمية، ولهذا، فان هذه الموضوع كبير ومتشعب، وعليه فاننا – وفي اطار مقالتنا – لا يمكن لنا ان نتحدث عنه الا بايجاز شديد جدا ...

بدأ الناقد الادبي بيساريف طريقه في مجال النقد الادبي بمقالات ظهرت في الصحافة الادبية منذ عام 1859(اي عندما كان عمره 19 سنة ليس الا)، وهي مقالات تحليلية تناولت آخر ظواهر الادب الروسي في عصره، وكذلك تناول تاريخ اعلام الادب الروسي والموقف تجاههم . لقد اختلف بيساريف مع دبرالوبوف حول الكاتب المسرحي أستروفسكي وحول الروائي أبلوموف . وكتب بيساريف عن تورغينيف كثيرا، ورأى في شخصية روايته (الاباء والبنون) بازاروف – بطلا جديدا، رغم ان الناقد كان يعتقد، ان مأساة هذا البطل تكمن في وحدته المطلقة، وانه بسبب ذلك لم يستطع ان يحقق افكاره، وانه في نهاية المطاف أضاع حياته . هناك موقف مهم آخر يستحق الاشارة اليه هنا، وهو ما كتبه عن بوشكين في مقالة بحلقتين عنوانها – بوشكين وبيلينسكي، وغالبا ما يتحدث عنها الباحثون في تاريخ الادب الروسي . بيساريف كتب، ان بوشكين يمثّل مرحلة انتهت، وان بطله (يفغيني اونيغين) هو (ير مفيد) للمجتمع، لانه يبعد (بضم الياء) القارئ عن المشاكل الحقيقية للحياة، وتحدث بيساريف عن ضرورة (عدم الاختلاط) معه . لقد كانت هذه الافكار عن بوشكين جديدة وجريئة في مسيرة الادب الروسي، رغم انها لم تغيّر مكانة بوشكين في روسيا واقعيا .

بيساريف اسم كبير و مثير للجدل  في تاريخ روسيا وأدبها و فكرها ، واتمنى ان يساهم زملائي في الكتابة عنه وتعريف القراء العرب بنشاطاته الفكرية المتعددة، لأنه يستحق ذلك حقا.

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

 

قاسم حسين صالحكان المنظر الذي شهدته يوم (11آذار 2019) قرب قلعة اربيل مبهجا للغاية.. فيه تشابكت أيادي رجال ونساء.. شباب وشابات.. يرقصون بايقاع واحد على صوت الطبول والدفوف. كانوا مثل باقات زهور ملونه.. زي كردي بالوان زاهية، وزي ايزيدي وآخر شبكي.. .ودشاديش عربية.. تجعلك تتباهى بوطن كل ما فيه جميل. تورد وجهي فرحا فشبكت يدي بيد كوردية والأخرى وجدتها بيد عربي يلبس يشماغا وعقالا.. ورقصت.

كانت المناسبة هي (11 آذار).. لكن الرقصة كانت احتفالية فرح تبشر بعيد نوروز الذي سيأتي بعد عشرة أيام.. وعادت بي الذكرى الى مدينتي الشطرة قبل نصف قرن!

كنا نسميه ونحن اطفال (عيد دخول السنه).. فيه نوقد الشموع في (الصواني) ونزينها بأوراق الخس واغصان الياس وننثر بينها حلاّل المشاكل (حامض حلو واصابع العروس.. ).. ونضع في وسطها طاسة حنّاء. وفيه كانت الصبايا ومن تردد مع نفسها (عمر وتعدا الثلاثين.. لا يفلان).. ينذرن للأمام العباس صواني مزينة بالخضرة وملئى بمنّ السما واصابع العروس ان اصبحت عروسا في نوروز القادم،فيما تملأ صواني أخوتنا الكرد بسبع مواد تبدأ بحرف السين هي : سير (ثوم)، سكه (عمله نقدية)، سنجر (فاكهه مجففه)، سبزي (خضره)، سبيكه (قطعة ذهب)، ساهون (حلويات)، سماق،و سركه (خل). وتوضع في مقدّمة المائدة مرآة وعلى جانبيها شمعدانات تحمل شموعًا مضيئة بعدد أولاد العائلة من الذكور والإناث.. ومرآة وقرآن وسمك وفاكهة ومكسرات وماء الورد.. غير ان وجود الحلويات شرط واجب في صواني كل المحتفلين بالنوروز.. في كوردستان وأيران واذربيجان.. وصواني دخول السنه في الشطرة والسماوة وميسان!. 

و(نيوروز) تعني باللغة الكوردية (يوم جديد.. (.New day.. تتم فيه الأرض دورتها السنوية حول الشمس، لتبدأ دورة جديدة تدخل فيها شهر الخصب وتجدد الحياة. وفيه تبدأ الافراح استبشاراً بحلول عهد جديد تتحول فيه الطبيعة الى جنة خضراء، يتوجه اليها الناس لمعانقتها وترتدي فيه العائلات الكردية الزي التقليدي المزركش بالألوان الفاتحة والزاهية ،وتصدح فيه ألاهازيج، وتتشابك الأيدي في حلقات رقص ودبكات ومهرجانات غنائية شعبية تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل تتخللها مقاطع شعرية تتحدث عن الثورات ضد الطغاة،حيث يعدّ نوروز رمزا للتحرر من الظلم والاضطهاد في كردستان وعدد من دول المنطقة، اذ يزيد عدد المحتفلين بهذا اليوم على 300 مليون معظمهم في آسيا،توحّدهم تقاليد ومعتقدات وعادات مشتركة.فجميعهم يحملون شعلة النار لآعتقادهم بأن النار ترمز الى الحياة والخلود،وتعطي الغذاء والدفء والحياة،وانها تتمتع بقدرات التطهير كما يعتقد شعب اذربيجان. واظن ان شعلة الألعاب الأولمبية التي تطوف من االيونان حول العالم قد استعارت هذا التقليد من النوروز لأنها تهدف الى تحقيق نفس الحاجة السيكولوجية: اشاعة المحبة والتآخي بين الناس على اختلاف دياناتهم واجناسهم.وأن قوة سيكولوجيا هذا التقليد اجبرت الحكّام على ايقاف القتال وتوقيع معاهدات السلام واطلاق سراح الأسرى من السجون في يوم النوروز.فضلا عن ان الطبيعة ذاتها لعبت دورا كبيرا في سيكولوجيا النوروز، اذ يعد 21 آذار عيد اعتدال الربيع وبدء موسم الزراعة ورمز التجدد والنشاط والدفء،وتشغيل مراكز الانفعالات الفسلجية في الدماغ الخاصة بالفرح والسعادة وتنشيط القلب بحثا عن حب يشتهيه!

 

ومن جميل ما قرأت ان هنالك علاقة بين (نوروز) و (تموز وعشتار). فالمعروف عن حادثة “تموز” أنه في آخر مرة يذهب الى تحت الأرض ثم يأتي الى وجه الأرض كإله، وانه كان يحتفل بموت وحياة “تموز” في وطن سومر، وانه في 21 آذار من كل عام كان السومريون يعقدون احتفالات كبرى في حياة “تموز” ويعرفون هذا اليوم بعيد (زكمك).والحادثة ذاتها ترد في ملحمة الشاعر الكردي الكبير احمدي خان ،(مم وزين) حيث يبدأ الملحمة بيوم نوروز 21/ آذار- مارس،فهنالك شبه كبير بين قصة (تموز وعشتار) وقصة العاشقين (مم و زين).. اذ تمتليء حياة (مم) بالعذاب والفراق بعد معرفته لحبيبته (زين).. وتصبح حياتهما مشابهة للحياة الكارثية لـ(تموز) الذي يذهب الى الاسفل فيما يودع (زين) في السجن الى الموت.

بل هنالك كتّاب كرد وعرب يتفقون على ان 21 آذار الذي يصادف اليوم الأول من العام الكردي الذي يمتد تاريخه الى 700 سنة قبل الميلاد ،كان يوم عيد عند السومريين، وانهم كانوا يحتفلون به تحت مسمى عيد (زكمك)،وأن (كاوا) الكردي هو (تموز) السومري.. ما يعني أننا العرب والكورد شعبان لنا تاريخ مشترك حتى في الطقوس والأساطير والأعياد،وأن نيروز (كاوه) او نوروز (سومر) الذي وحّد العرب والكورد آلآف السنين،سيبقى ينعش مشاعر المحبة والتآخي بين الشعبين.. اليوم وغدا.. لأن سحر رموزه في اللاوعي الجمعي للناس يبقى أبديا!.. وأن كورونا التي اوقفت احتفالات شعبينا في الشوارع والساحات نتحداها بان بيوتنا تستقبل نوروز بالأفراح،وانها لن تستطيع اطفاء شعلة الحياة!

 

أ.د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

21 آذار 2020

*

 

سعد جاسمإنطلاقاً من يقين نوراني له جوهره ومعناه العميق بجدوى الشعر في عالمنا الطاعن بالخراب والدم والالم والأَوبئة؛ فانني أَعتقد ان الشعراء وأَعني: الشعراء الحقيقيين هم ضروريون حقاً في هذا العالم وفي هذا الوجود؛ لأنهم اكثر انتباهاً من الاخرين للظل الذي لاينتهي"

والشعر الحقيقي والسامي ليس في الصميم؛ الا هذا وليس له من مسعى سوى الابقاء على "الطرق الكبيرة" التي تقود مما نراه الى مانراه "مفتوحة"؛ حسبَ تعبير "موريس ماترلنك"

وهكذا نجدُ لدى الشعراء الحقيقيين في ازمنة البأساء والضراء بيتاً هنا.. وبيتاً هناك.. وسط احداث متواضعة او دامية من ايامنا العادية او ايامنا الملتهبة.. وهذا البيت ينفتح ؛ فجأةً؛ على شئ عظيم .

وفيما يعنيني شخصياً؛ فقد ايقنتُ ومنذ بدايات هوسي وولعي بالشعر؛ ايقنت بمقولات ومفاهيم اصبحت بالنسبة لي قناديل هداية في ليل العالم وسخامه الثقيل .

ومن هذه المقولات ؛ قولة هولدرين الفذة "مايبقى يؤسسه الشعراء" ومقولة "هنري ميللر": (في الشاعر تتخفى ينابيع الفعل) ولذا فأنا اسعى واشتغل على ان أُفجّر ينبوع الفعل الشعري الذي يمور في ذاتي ويتفجر قصائد ونصوصاً احرص ان يكون لها وقعها وأثرها في ذات المتلقي التوّاق الى قراءتها وتمثّلها ويشعر من خلالها بقوة وجوده وضرورته هو الاخر في هذا الوجود الشائك .

ولا اتوانى عن القول بأنني اشعر ان متلقين كثيرين يرون ويشعرون بأننا نحن الشعراء كائنات ضرورية حقاً في أزمنة البأساء والضراء ؛ لاننا نعمل من اجل ان ننحت في اعماق الحياة , وان نفتح ابواب العالم الاخر ؛ وبالقرب من هذه الابواب , نرى نحنُ ويرى الاخرون

وقرب هذه الابواب نحبُّ نحن ويحبُّ الاخرون .

ونبقى نحلم جميعاً مع "هولدرين" بتأسيس ما يبقى

ولكن السؤال هو :

هل ثمّةَ ماسيبقى ؟

ربما ...!!!

نحنُ ننزفُ ...إذن نحنُ موجودون

ونحن ضروريون

(أَنا أَنزفُ في الكلامِ

أَنا أَنزفُ في الوجودِ

ومامقامي

في المنافي

إلا :

كمقامِ صالحٍ في ثمودِ)*

***

سعد جاسم

.......................

* مقطع من نصي "رقيم الشهوات الأولى"

 

 

سليم مطرفي 21 آذار من كل عام، اول أيام الربيع، ظل العراقيون القدماء يحتفلون في (سومر وآشور وبابل) بهذا العيد الذي قدسوه وجعلوه بداية السنة الجديدة. خلال ثلاثة آلاف عام وهم يحتفلون به، قبل ان يتبناه الايرانيون (الاخمينيون) بعد احتلالهم بابل عام 539 ق.م، دون ان يطلقوا عليه اي اسم. وان اقدم ذالاسم في اثناء حكم (الفرثيون) في القرن الاول الميلادي، استعلموا تسمية (نيروز ـ اليوم الجديد) وهي ترجمة فارسية حرفية لاسمه السومري (زغموك ـ Zagmuk) وبالأكدي (راس ستيم ـ rêš-šattim ، بالاضافة الى (أكيتو ـ الاحتفال). (سجلنا بعضا من المصادر الاجنبية التي تتفق على ذلك) (1)

ـ (21 آذار) حسب التقويم العراقي القديم (الشمسي ـ القمري) يكون اول نيسان (نيشانو بالاكدي) لأختلاف عشرة أيام بين الشمس والقمري. وهو يوم المنقلب الربيعي وأول ايام السنة حيث برج الحمل (برج تموز).

ـ في هذا اليوم اول الربيع، يولد (تموز - اله الخصب الذكوري) بعد تسعة اشهر من غيابه في ظلمات الارض (رحم الام)، ليأتي ويخصب (عشتار) الهة الارض والأنوثة، فتنبثق الحياة ويظهر الربيع. (2)

وكان عيدا شعبيا ودينيا ورسميا يدوم عشرة ايام. حول (ماردوخ ـ سيد الوضوح، أي سيد النور) وابنه (نبو ـ النبي ـ الحكيم). وفيه الكثير من طقوس الفرح والبهجة وتخصيب الارض بدماء القرابين، وتوزيع الهدايا والمعونات. كذلك تزول فيه موقتا الكثير من الممنوعات القانونية مثل الفروق بين العبيد والسادة، ويتنازل الملك عن كبريائه ويعترف بأخطائه ويتلقى صفعة من (المرجع الديني الاعلى)! و تنظم مسيرة ضخمة في شارع الموكب حيث تشعل النيران لحراق دمى ملونة تمثل الشتاء الراحل (منها اخذ الايرانيون طقس اشعال النار في نيروز).

ـ ان تبني الاخمينيون لهذا العيد النهريني المقدس، كان من بين تبني شبه الكامل للحضارة البابلية، بما فيها الكتابة المسمارية واللغة ألآرامية والفنون والبناء وطرق العيش.. الخ (3)

ـ بعد ثورتين بابليتين فاشلتين ضد (الاحتلال الاخميني الفارسي)، عامي: (521 ، و482 ق.م )، تم الانتقام من السكان وقمع طقوسهم والقضاء التام على احتفالات هذا العيد الديني والوطني، وتحويله الى ايراني تماما باسم (نوروز).

ـ انتشار المسيحية في العراق، ساهم في تناسي هذا العيد، لأن الكنيسة اعتبرته عيدا وثنيا. وقد حل محله (عيد الفصح: قيامة السيد المسيح) حيث الطبيعة " تفصح " وتتفتح في الربيع. وقد انتقلت الكلمة الى اللغات الاوربية: (PAQUE) و (Easter : عشتار)!؟ اما تسمية (عيد القيامة) أي (قيامة المسيح) بعد صلبه مثل قيامة (تموز) وعودته إلى الحياة ليعود معه الربيع والخصب.

ـ في اليهودية ايضا اسموه (عيد الفصح: بيسح)، حسب اسطورة خلاصهم من التيه في سيناء.

ـ انتشر هذا العيد باسمه الفارسي (نيروز) بين شعوب آسيا الآرية والتركستانية، التي خضعت للأمبراطوريات الفارسية (الاخمينية ثم البارثية ثم الساسانية).

ـ عندما اتى العرب المسلمون عرفوه باسمه الفارسي (نيروز) الذي كان متداولا في العراق تحت الحكم الساساني الفارسي. واحتفلت به الدولة العباسية وانتشر اسمه في العالم الاسلامي، وحتى اقباط مصر استخدموا اسمه، وقدُسه الكثير من ائمة المسلمين، وقال الشيعة ان فيه يظهر صاحب الزمان، ولهذا السبب تحتفل به الدولة الاسلامية الايرانية، دينيا ورسميا. (4)

ـ ان الاحتفال بالربيع، عموما سائد بين الكثير من الشعوب. في بلدان الشام احتفل به باعتباره (عيد بعل). وفي مصر (عيد شم النسيم).

ـ اما الشعوب التركستانية يحتفلون به باسم (ينكي كون - اليوم الجديد). العلوية والبكتاشية التركية، يعتبرونه يوم ميلاد الإمام علي، كما أنه بالنسبة لهم أيضا يوم زواجه من فاطمة الزهراء (رض).

ـ اشقائنا الأكراد يحتفلون بنوروز باعتباره ذكرى انتصار (كاوه الحداد) على الملك الطاغية (الضحاك). لكن هذه الحكاية ليست كردية، بل ايرانية فارسية. وأول من ذكرها المؤرخ البغدادي (المسعودي)، ثم فصلها (الفردوسي) باعتبارها حكاية فارسية، ولم يذكر أي مؤرخ علاقتها بالاكراد. قد تبناها الاكراد حديثا في القرن العشرين، مع تقليد اشعال النار (المصدر في النهاية، لكاتب كردي عراقي). كذلك تركمان العراق يحتفلون به. (5)

ـ اليزيدية يحتفلون به باعتبارة يوم السنة الجديدة (سر صالي)، وهو في اول اربعاء من نيسان.

ـ المندائيون يحتفلون به باسم (عيد البنجة ـ برونايا) في شهر آذار .

ـ التيار الحزبي الآشوري العراقي والسوري، اعاد الاحتفال بهذا العيد ولكن جعله في اول نيسان.

احياء عيد الربيع العراقي

ان الخطوة الكبرى التي قامت بها النخب الايرانية ايام الشاه رضا بهلوي ثم ابنه، منذ اوائل القرن العشرين انها جعلت عيد نيروز احتفالا وطنيا رسميا واعادت احياء كل الاساطير الشعبية حوله رغم احتجاج رجال الدين. ثم اتت الجمهورية الاسلامية لتتبناه ايضا.

ومن خلال التأثير الايراني تبنت النخب القومية الكردية هذا العيد في اوائل القرن العشرين واخذت من الايرانيين حكاية (كاوا الحداد) ونجحت بجعله عيدا قوميا كرديا. (5)

اما نخبنا، فإنها للأسف، بسبب تجاهلها لتاريخنا وميراثات الطوائف والجماعات المختلفة، وبسب التعصب القومي العروبي الساذج ضد كل ما هو ايراني حيث ارتبط اسم هذا العيد بتسمية (نيروز)، فانها قد تجنبت الاقتراب من هذا العيد.

ـ لقد تبنت الدولة العراقية منذ الفترة الملكية هذا العيد باسم (عيد الشجرة) وجعلته عطلة رسمية. ولكنها لم تحاول اعطائه بعدا تاريخيا وتراثيا وشعبيا وربطه بتاريخ العراق وكذلك بعيد نيروز. فبقي للاسف عيدا حكوميا محدودا.

على الصعيد الشعبي يتم الاحتفال بهذا العيد في مختلف انحاء العراق باسماء وطقوس مختلفة، دون تشجيع ديني وحكومي ونخبوي: (عيد خضر الياس) لدى المسلمين والمسيحية واليزيدية، كذلك (عيد زكريا). و (عيد الفصح ـ القيامة المسيحي)، (عيد البنجة الصابئي)، وغيره. التيار الحزبي الآشوري العراقي والسوري، اعاد الاحتفال بهذا العيد في اول نيسان.

كذلك هناك "يوم المحيا" أي احياء الربيع بعد جماد الشتاء. ويسمى ايضا (يوم الكسلة) في البصرة، او (دورة السنة) او (عيد الدخول) و (يوم الخضر) وهو الشخصية الاسطورية الاسلامية التي يرتبط اسمها بالخلود والخصبة والخضرة (من اسماء تموز!).

في أرياف الجنوب يقومون بشراء الخس والشموع على عدد أفراد الأسرة ثم يضعون الرز واللبن والسمسم والسكر والحناء في (صينية) كبيرة ويطلقون على هذه المواد (جوه السلة) وبعد فترة من الهدوء والصمت يبدأون بتناول ما في الصينية. وفي اليوم الثاني يخرجون للتنزه في البساتين عصرا ومعهم الأطعمة ثم يعودون بعد الاحتفال إلى بيوتهم.

الغريب ان الحكومة العراقية منذ اعوام السبعينات قد اقرت الاحتفال بعيد نوروز وجعله عطلة رسمية، ولكن كـ (عيد كردي) خاص، ولم تنتبه ابدا الى حقيقته العراقية الاصيلة. كذلك قبل سنوات بدأت محافظة نينوى تحتفل به رسميا باسم (اعياد الربيع).

في السنوات الاخيرة بدأت الكثير من الجمعيات المدنية والمؤسسات الاعلامية والابناء الشعب، بالاحتفال بهذا (عيد الربيع العراقي ـ نيروز) والتعريف بتاريخه العريق، والعمل على إحياء بعض الرموز العراقية (السومرية الاشورية البابلية) والدعوة بأن يكون عيدا للمحبة والوحدة والخضرة، ويوما للعناية بالبيئة والطبيعة وزرع الاشجار والنخيل.

 

سليم مطر ـ جنيف     

..............................

ملاحظة: لاسباب تقنية لم نضع الصور التوضيحية المهمة المتعلقة بهذا الموضوع. ومن يرغب مطالعة الموضوع مع الصور التوضيحية، فهو في موقعنا:

http://www.salim.mesopot.com/hide-syasa/23-2016-11-17-18-47-59.html

المصادر:

 (1)ـ عن اقتباس (نيروز) من بابل، هنالك الكثير من الدراسات العربية التي تفصل هذه المسألة. ويكيبديا العربية قد مرت سريعا على دور بابل! ولكن ويكيبيديا الانكليزية تفصل هذا (Nowruz) وتذكر اول مرة استخدم الاسم.

وهذه ايضا بعض المصادر العالمية:

  - A History of Zoroastrianism: Under the Achaemenians By Mary Boyce, Frantz Grenet. Brill, 1982  

- Encyclopædia Iranica, "Festivals: Zoroastrian" Boyce, Mary

 

Lettres persanes/ موقع: رسائل فارسيةـ        

http://leslettrespersanes.fr/2019/03/20/nowruz-une-fete-millenaire-celebrant-l-arrivee-du-printemps

-The Origin, History & Symbolism of No Ruz (Nowruz)

http://www.payvand.com/news/12/mar/1176.html

ولتسهيل الامر عليكم ضعوا في الانترنت بالعربي: نيروز بابل. او بالانكليزي: nowruz babylon لتظهر لكم الكثير من الدراسات العربية او الانكليزية التي تفصل دور بابل في هذا العيد.

2ـ معلومات عن عيد الربيع العراقي ـ اكيتو Akitu طالع:

- P. Villard, « Akîtu », dans F. Joannès (dir.), Dictionnaire de la civilisation mésopotamienne, Paris, 2001, p. 20-22

- J. Bottéro, La plus vieille religion : en Mésopotamie, Paris, 1998

3ـ عن تبني الاخمينيون (وبعدهم البارثيون ثم الساسانيون) لحضارة بابل وكتابتها المسمارية ولغتها الآرامية، طالع:

مختصر تاريخ العراق (تاريخ العراق القديم) 1-6 ج

https://urlz.fr/9b14

بالاضافة مصادر الانكليزية عديدة:

ـ (S. A. Pallis, The Babylonian Akitu Festival, Copenhague, 1926 ; La Fête babylonnienne de l'akitu).

4 ـ قال البحتري في وصف الربيع:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً    من الحُسن حتى كاد ان يتكلما

وقد نبَـه النوروز في غلس الدُجى    أوائل ورد كـُن بالأمس نوَما

5 ـ عن تفاصيل اقتباس الاكراد حديثا (حكاية كاوا الحداد) و(اشعال النيران) من الايرانيين، طالع مقالة الكاتب العراقي الكردي (هلكوت حكيم) في جريدة الحياة (26 مارس 2000) . وفيه يؤكد ان حكاية كاوة قد تبناها الاكراد في اواسط القرن العشرين: (وكان أهم ما حدث في القرن العشرين هو الربط بين نوروز وأسطورة خلق الأكراد المعروفة بقصة كاوا الحداد والملك ضحاك. لكن لو بحثنا عن هذين الاسمين في الأدب الكردي المدوّن والشفهي لفترة ما قبل القرن العشرين، لرجعنا بعد جهد جهيد خالي الوفاض. فمئات النصوص الكردية التي تتحدث عن الشخصيتين الأسطوريتين أو تتمحور حولهما كُتِبت من قبل كتاب وشعراء معاصرين. وأسطورة كاوا والضحاك ولدت من جديد في القرن العشرين تحت معان أخرى)

نص المقال في جريدة الحياة: 26 - 03 - 2000

https://www.sauress.com/alhayat/31038998

ـ لمن يرغب بمعلومات شاملة ومتنوعة عن هذا العيد واعياد الربيع في العالم، ليضع احدى الكلمات التالية في مبحث كوكل: عشتار وتموز/ تموز وعشتار/عيد الربيع العراقي/اكيتو/اكيتو حجتو/نيروز/عيد الشجرة العراقي/خا بنيسان ـ الاول من نسيان/عيد المحيا/الخضر/المهدي المنتظر/ شم النسيم..الخ..

ـ لمن يرغب بمعلومات عن هذا العيد، ليضع احدى الكلمات التالية في مبحث كوكل:

عشتار وتموز/ تموز وعشتار/عيد الربيع العراقي/اكيتو/اكيتو حجتو/نيروز/عيد الشجرة العراقي/خا بنيسان ـ الاول من نسيان/عيد المحيا/الخضر/المهدي المنتظر/ شم النسيم

 

 

نجاة الزبايرفوق مشجب دمي علقت كل المخاوف، وأطلقتُ عصافير الروح كي تزقزق في فناء المنزل بأغنية جميلة.

جلست أمام المرآة أغزل من خصلات شعري لوحة يمتزج فيها اللون البني بالأسود، وتذكرت كيف كنت....

التقيت به حين كنت طالبة في السنة الثانية أدب عربي، لا أعرف ما الذي شدني إليه، أهي وسامته أم خجله الذي كان يُزين ملامحه كلما نظر إلي.

وأخيرا تحدثنا، والتحف الوجد نبضاتي، فسرتْ بيننا تنهيدات كل العشاق.

بقينا معا نغزل الأحلام حتى تخرجنا من الجامعة، فاشتغل مدرسا بإحدى الثانويات، أما أنا فلم يسعفني الحظ كي أجد عملا يليق بي، ولم يكن الأمر يسبب لي إزعاجا لأني من أسرة ميسورة الحال.

بعد مدة بسيطة تزوجنا، فكنت أطل كل يوم من شرفة القلب أعانق السماء بكل سعادة، مر عامان وبدأ الظن يقيد خطوات القلب، وكأني أغوص في بحر من الهموم، لا منقذ لي غير صُراخ خفي لا تسمعه غير الليالي .

انشغل بالفيسبوك والانستغرام، وتحول بيتنا إلى حانة تعربد فيه الشكوك كلما سمعت رنين هاتفه، وبدأت النايات تعزف لحنها الحزين.

عرفت بأن هناك امرأة أخرى تتفتح سنابلها فوق كفه، ناقشت معه الأمر فأمعن في الابتعاد والسهر، وبدأ الأرق يحكم قبضته علي فقررت الطلاق.

فجأة؛  فُرِض عليه ترك العمل و المكوث في المنزل بسبب فيروس يجتاح عالمنا، كان صعبا في البداية أن نواجه أوجاعنا، كنت عادية في تعاملي معه، وكلما سنحت الفرصة حدثه عن كل الحب الذي كان بيننا.

وبدأ الحنين يرقص بين عينيه لتغزل الحكايات الجديدة فصولها، ولم أعد أسمع رنين الرسائل الخفية.

لقد أخذته مني وسائل الاتصال والتي حولت حديثه مع فتاة في العالم الافتراضي إلى الخروج معها دون أن يعرف إلى أين ستحمله هذه العلاقة الضبابية، وبعد أن فُرضت عليه العزلة في المنزل  تغير،  فركبنا معا زورق الحب من جديد، وقلت في نفسي (مصيبة ابتلانا الله بها سيرفعها قريبا، كان فيها الخير لعائلتي).

 

نجاة الزباير