ابراهيم مشارةالسين يجري متثاقلا كالعادة في الشتاء ومنتشيا برائحة النبيذ في الليل

حتى هو أصابه البرد ويخاف من العدوى

الثورة الملتهبة في شوارع باريس أصحاب "السترات الصفراء" كالعادة يتظاهرون في الحي اللاتيني والشانزليزيه وشاتليه يتظاهرون ضد الضرائب المفروضة عليهم لا يخافون يقاومون الساسة والبرد ومنطق التاريخ يريدون لي عنق التاريخ لصالحهم، لصالح الإنسان متوسط الدخل .

ومع ذلك ففرنسا من أكثر دول العالم في التضامن الاجتماعي يتقاضى الوالدان بدون عمل منحة شهرية إضافة إلى المنح العائلية ويدفعان مبلغا رمزيا لقاء السكن إضافة إلى التغطية الصحية المجانية والتعليم شبه المجاني إلى الحد الذي يفضل الكثيرون البطالة والإنجاب ويفرون من العمل وهذا ما يسبب امتعاض الكثيرين العاملين لأنهم يدفعون لهم من راتبهم كضرائب. معضلة كبيرة وهي في ذات الوقت وجه مشرق لفرنسا الاشتراكية في الحياة الاجتماعية الليبرالية في الاقتصاد.

باريس بلد الحرية والفن والشعر والعربدة والجنون، التسول، الموضة والإضرابات.

منذ اندلعت الثورة الفرنسية عام1789 وتحرير سجناء الباستيل وإعدام لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت وباريس كعبة الحرية والاحتجاج تصدر ذلك كله إلى العالم كما تصدر العطور والأجبان.

الأشجار عارية غير أني أحبها كما هي أحب التعري من كل زيف ومن كل رياء  فالتعري يكشف كل مستور كلنا ننافق نتدثر بالكذب بالرياء بالأخلاق المصطنعة ونخشى التعري ،أن نظهر على حقيقتنا.

كان الشاعر اللبناني المهجري القروي إلياس فرحات يمارس عادة غريبة يتوجه إلى الغابة حيث كان يعيش في الأرجنتين وينزع ثيابه ويمشي وحيدا عاريا كما ولدته أمه في الغابة إحساس غريب ينتاب الإنسان وهو ينزع ثيابه ويعود إلى الطبيعة حتى أنا فعلتها مرة في صيف عام 2001 في غابة" فيل بانت" جربت التعري في الغابة تجربة فريدة لذيذة عشتها.

لكن باريس هذه المرة ثائرة ولا تعرف فتورا لثورتها في أفريل من عام 2001 وصلت محطة ليون في باريس بالقطار وفور خروجي من المحطة اصطدمت باحتجاج قوي للشباب ضد منافسة اليمين المتطرف لجاك شيراك المترشح لعهدة ثانية في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية كان شاب يحتج عاريا كما ولدته أمه في أكبر بولفار في باريس. وفي هذه المرة أصطدم بأصحاب السترات الصفراء في احتجاجهم السبتي.

مازالت ذكرى جدي تطاردني وهي الجرح الباريسي الذي لم يندمل شجو حنون غامض ينتابني كلما نزلت بالدائرة السابعة في شارع شان دو مارس حيث مات جدي بالسكتة القلبية عام 1989 وحيدا في غرفته إذا اقتربت من الشارع اقشعر بدني وازداد نبضي وسهمت أشم رائحة جدي في كل زاوية وفي كل محل وفي كل شبر من شارع شان دو مارس لم أنس الحادثة منذ ثلاثين عاما ومنذ ذلك التاريخ والدائرة السابعة حرم مقدس وشارع شان دو مارس كعبتي أطوف بها في الأصباح والأماسي وفي منتصف الليالي وكأنني ألاقي جدي أضمه أعانقه أشمه وأمشي بمعيته ويظل بيت الشريف الرضي يشيعني حين المغادرة:

وتلفتت عيني فمذ خفيت** عنها الطلول تلفت القلب

الموت لا يغيب عن ذاكرتي والرحيل يلازمني وأهوى زيارة المقابر أتأمل قبور الراقدين في سباتهم وأقرأ العبارات الشعرية على قبورهم هذه المرة كالعادة زرت مقبرة مونمارتر ووقفت على قبر داليدا وفي الغد مقبرة بير لاشيز للمرة الثانية حيث جمهورية الموتى من أثرياء وفنانين وعلماء وأدباء وصعاليك وغرباء شدتني عبارة مكتوبة على قبر يقول معناها "كلنا نحب تقليب صفحات الأيام على جميل الذكريات لكن أصبعنا على صفحة الرحيل"

طقوس الرحيل في بير لاشيز هذه المرة حاضرة السماء الرمادية والسحب الداكنة والأشجار العارية وآلاف الموتى في توابيتهم وأنا أستحضر شاعري الأثير أبي العلاء :

رُبّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْداً مراراً

ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الأضْـــــدادِ

وَدَفِينٍ عَلى بَقايا دَفِيـــــــــــــــنٍ

في طَويلِ الأزْمـــــــــــانِ وَالآباد

كثيرون يقولون لي أنت حزين لا أنسى سوزان المتعلمة اليسارية ونحن مرة نتناول فولا وطعمية في مطعم الشبراوي في خان الخليلي بالقاهرة  تأملت في وجهي وقالت نظرتك مطاطية قلت: كيف؟ قالت : تتبسم قليلا لكن سرعان ما تعود إلى سهومك إلى أشجانك.

في باريس ظل طيف المعري والسياب وليوباردي وأونامونو يطاردني ربما لأن باريس ارتبطت عندي بذكرى رحيل جدي الفاجعة لم أنس مقولة أونامونو الصادمة "من يعش يتألم ويموت وفي الصميم يموت"

نعم تبدو الأفراح دائما قشة على لجة الألم نلوذ بها من فاجعة الرحيل والذكريات صخرة ندفعها كما ندفع الساعات والدقائق والثواني على جبل الحياة نزهو ببعضها ونتألم أقسى الألم من بعضها الآخر.

باريس ثائرة باريس مضطربة في شتائها البارد والماطر والعاري والسين يجري كالعادة متثاقلا لا يمل حتى هو بدا لي حزينا غابت عنه عربدة رامبو وشذوذ فرلين وكحوليات أبولينير وافتقد شاعره الرجيم بودلير وأزاهير شره بدا لي السين مغضن الجبين جهم المحيا ربما لأنه الشتاء .

كل يوم كالعادة أذرع الشوارع وحدي أو مع غيري والمقاهي والساحات العامة والمتاحف والمكتبات صار لي تاريخ في باريس أتردد على أماكن بعينها ولا أشبع منها لكنني هذه المرة حرصت على أن تكون فنية خاصة وخططت لزيارة متحف بيكاسو والبقاء يوما في صحبة لوحاته التكعيبية ويوما في ضيافة يوجين دولاكروا ويوما في متحف الفن الحديث بصالات العرض بمركز جورج بومبيدو وبيت الماسونية وبيت التاريخ اليهودي وكالعادة لا أنسى التعريج على معهد العالم العربي أشم عبق الشرق وأتأمل آخر الإصدارات خاصة في فن السرد وقد رأيت الكثير.

لكن باريس المرأة "فتش عن المرأة "كما يقول موليير في إحدى مسرحياته قلت لإيطالية مازحا أمام قبر داليدا في مقبرة مونمارترعندكم البندقية مدينة الحب ضحكت وقالت لا باريس مدينة الحب وصدقت .

المرأة هي سحر باريس وروحها وأقنومها وليس من قيبل الصدفة أن تكون باريس مدينة الموضة والعطر والشعر والفن وكلها فنون مرتبطة بالمرأة .

أكره كثيرا التسوق وغشيان المتاجر والأسواق التجارية وأهوى كثيرا التاريخ والماضي – دون أن أعيشه- والمتاحف والمكتبات وحتى المقابر .

الحي اللاتيني حيي المفضل ربما لأنه ارتبط عندي بالتجديد في الأدب العربي أحبه كثيرا منذ قرأت في صدر شبابي الأيام لطه حسين والحي اللاتيني لسهيل إدريس وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم وكوكبة الأدباء الذين ترددوا على الحي اللاتيني هيكل وإحسان عبد القدوس وأدونيس ومالك بن نبي ومحمد مندور وعلي شريعتي وغيرهم.ولا أنسى المرور بمقهى فلور مقهى سارتر المفضل والوجوديين ولي دو ماجو مقهى فرلين ورامبو في بولفار سان جرمان ومقهى البروكوب في الدائرة السادسة وهو أعرق مقهى باريسي يعود تاريخه إلى1686 وهو المقهى الذي تردد عليه نابليون بونابرت وفولتير وروسو ودالامبير وهيغو وأوسكار وايلد والرئيس الامريكي توماس جيفرسون وغيرهم وفضلت ارتشاف فنجان قهوة هناك ذات صباح حيث كنت محاصرا بمسيرة لأصحاب السترات الصفراء.

لم يؤذني شيء كما أذاني كثرة التبول إلى الحد الذي غدا فيه الأمر مزعجا يقطع علي خلوتي وانهماكي في تأمل اللوحات الفنية وقد نصحني أحدهم بفحص لغدة البروستات لكنني امتنعت كرها للأطباء ورددت على مسامعه عابثا عبارة كامو المشهورة: "وهبنا الصحة لندمرها لا لنحافظ عليها" لكن هذه الحالة التي لا زمتني في باريس مردها إلى البرد وكثرة المشي وكثيرا ما أتذكر نفس الحالة التي كانت تلازم توفيق الحكيم فيضطر إلى التبول في زاوية الشارع وحادثة سهيل إدريس حين دفعه الاضطرار إلى التبول في الساحة الحمراء في قلب موسكو حيث ضريح لينين.

أحب التسكع في الليل فالليل جناح ساتر للعاشق ،للثمل، للمحزون ، للمغامر، للمقامر، لنساء الليل ورجاله على السواء أهوى كثيرا العودة في المترو بعد منتصف الليل تختلط الروائح رائحة العطر الغالي برائحة النبيذ والأحاديث المتثائبة بلغات شتى الأجساد مكدودة من العمل أو من السهر أو من التسكع ، المتسولون في باريس لهم نكهة خاصة وهم معلم إضافي من معالمها المترو الباريسي رحم تحبل بالآمال والآلام بالشبق والحرمان والتخمة ثم تبدأ تتقيأ كل تلك الأشياء في المحطات المتعاقبة.

المترو رحم حبلى

بالآلام والآمال

بالمواعيد المجهضة والناجزة

بالشبق، بالعطر، بالحنين

عطر وكحول وأحاديث عابرة

وقهقهات

رحماكم سيدة من سوريا بلا مأوى

أم لهذه الرضيعة

عشرون سنتيما لو سمحتم

بلا مأوى ولا عمل ولا أهل

قطعة من خمسين تسد الرمق

يقول ذاك الثمل

حين يضيق المترو بالراكبين

تلتصق الأجساد وتختلط الروائح

مرج القلبين بينهما برزخ لا يبغيان

شبق وحرمان

وآمال وآلام

وحزن ونشوة

تلتصق الأجساد ولكن مقدمات الرجال لا تطلب مؤخرات النساء

كما عندنا في الشرق

الشرق شرق والغرب غرب

ولن يلتقيا يا كبلنج

العصر الرقمي والتواصل الافتراضي اكتسح الشرق والغرب على السواء فمقابل عشرة ركاب ثلاثة يقرأون في كتاب أو جريدة والباقي يتواصل مستعملا هاتفه المتطور.

آثار الفوضى الخلاقة تجدها هنا في باريس في المشردين والمتسولين وطالبي اللجوء من الشرق من الشام والعراق وافغانستان.

باريس ثائرة غاضبة ملتهبة كل سبت غير أن الثورات في أروبا تنطلق من مبدأ محدد وتنتهي إلى غاية محددة غالبا ما تصب في صالح الإنسان عكس ما يحدث عندنا لقد تحول الربيع إلى شتاء بلا مطر ولا ثلج وبلا مدفأة ولا حكايا ربيع مجهض وزمن عربي مغضن الجبين فارغ بلا جدوى أشجار عارية وغرابيب سود . هذا هو الزمن العربي زمن أغبر فوضى خلاقة قسمت العالم العربي إلى ملل وطوائف ونحل وأجهضت الحريات والإبداع وكرست السطحية والرداءة .

لكنني أحب باريس،أمارس طقوسي ،جنوني صرامتي، عبثي .أملأ رئتي من جنونها ومن كحولها وعطرها:

أيها الباريسيون

المتخمون بالنبيذ الفاخر والشبق الصناعي الذي تتيحه حبات الفياجرا

فكل شيء صناعة وتجارة حتى الحميميات

أيتها الشفاه المطلية بالأحمر، أيتها السيقان المرمرية

التي لا تخاف من البرد

في شبق الشرق وحنينه الدافئ

وعقلانية الغرب وصرامته القاسية

أيها البارسيون اللامبالون بأحلامي وثرثرتي مع رفيقتي

في عربة الميترو

في شيء من عقلانية ديكارت وصوفية ابن عربي

ولي أحلام كأحلامكم

غير أني مثقل بالأغلال

أغلال التاريخ والضمير الجمعي والأخلاق الاجتماعية

لكنني تمردت وكرست حريتي

ولن أساومها بشي

ليس عندي ندم، ليس عندي خوف، ليس عندي دموع

***

طيفك لا يغادرني

قهرت جنوني وعبثي وتمردي

وحملت ذكراك في كل طائرة وفي كل بلد

وفي كل شارع وفي كل مقهى

كل النساء لا تشبهك وأنت لا تشبهين النساء

ولأني عاشق أبدي

وشمت أمه على زنده قلبا وسيفا وحمامة

أظل أطمرالذكريات والبسمات والثرثرة الحلوة

بالترحال كأنني السندباد

شراعي الحنين ومرفئي اللقاء المحال.

المحال.

***

ابراهيم مشاره

 

عقيل العبود

الذائقة، هذا الشعور بالجمال تجاه ما يحيط بِنَا، لم يبق بذلك التأثير في زمننا هذا.

كنّا نستنشق رائحة الأغاني نرسم من كلماتها عبق الحياة.

تأملاتنا كانت تنبعث على شاكلة قوة تجتاح كياننا الإنساني، مشاعرنا كانت تتدفق بطريقة سلسة.

العشق كما عهدناه، لغة تنمو في أعمق وجداننا، تتنفس هذا الانسياب الذي نراه كما النسغ الصاعد والنازل، ينتظر معنا فصلا جديدا من فصول المحبة.

هنا امتدادا لتاريخ جميل، الذاكرة كما يبدو هي التي منها يشع رحيق الأمل.

انذاك كنموذج، ألحان فريد الأطرش، عالم  تجتمع في فضاءاته جميع شروط الموسيقى.

وجع يفيض بآيات سحره ليحلق بِنَا عند منتجعات ايام حالمة.

 آفاق خيالاتنا كانت ترافقها ألوان قوس قزح، تتحد معها لترتسم وفقا لآهاتها صور الأشياء؛ الاشجار العصافير ، البحر، الحلم، الطهارة، الانبعاث، التدفق.

الطبيعة بما فيها تلك الامواج التي تتداخل معها زرقة السماء وصفاء الروح، هي الاخرى تصطف في خيالاتنا .

لذلك وبشهادة تكاد ان تكون مطلقة تماما، اشعر ان ما بقي في خزين عقلي الباطن من المشهد المذكور، يشدني مرة اخرى الى ذلك الحنين.

 اي الفطرة التي ارتبطت بعالمنا الحسي، لتعود بِنَا مرة اخرى الى لوحة اغان قديمة؛ عفاف راضي، نجاة الصغيرة، عبد الحليم حافظ، وردة الجزائرية، فيروز، وتلك بدايات عشق ترعرعت أوصاله مع اول نغم تمت الاستجابة اليه وذلك يعوده بتاريخه الى تراث مشهد قديم.

 

عقيل العبود

 

خلود الحسناويفي اطار عملية معمقة لنشر الوعي الادبي والثقافي وترسيخ جذور النقد وتحليل النصوص الادبية لدى المتلقي وضمن اطار استمرار وتدعيم عملية التواصل بين ادباء الداخل وادباء المهجر تم اختيار شعر المغتربين العراقيين بعد 2003 موضوعا لأطروحة الدكتوراه الموسومة بعنوان (آليات الإرسال في شعر المغتربين العراقيين من2003_2018) للباحثة هند كامل عبيد مع مشرفها الدكتور جاسم حميد جودة في جامعة بابل كلية التربية للعلوم الإنسانية قسم اللغة العربية وبيّنـت الباحثة ان انتقائها للموضوع لهذه المدة الزمنية حصرا يعود لكون الكتابة الشعرية تعرضت لتحولات جذرية في الماهية والوظيفة بالإضافة إلى الفرادة والاختلاف لقصيدة النثر في هذه المرحلة عن سابقتها في اللغة والرؤيا والتشكيل بالإضافة إلى ان المرحلة لم تنل حظها بالدرس الاكاديمي بعد، مثلما سبقتها دراسات اخرى لمراحل سابقة زمنيا إذ اكتفت الدراسات السابقة بمجرد التنظير والإشارة والدراسات والتطبيق الجزئي لتأتي هذه الدراسة موسعة لهذه المدة مركزة على النموذج الشعري في الجانب التطبيقي وفق رؤية شمولية متخذة من النظريات الحديثة مقاربات في الدراسة لاسيما نظرية بيرس السيميائية ونظرية التلقي والتأويل وقد شمل متن الدراسة مجموعة من الشعراء العراقيين وهم (وديع شامخ، عبود الجابري، ورود الموسوي، دنيا ميخائيل، علي جعفر العلاق، اديب كمال الدين، غريب إسكندر، عيسى حسن الياسري، عبد الهادي سعدون، محمود جاسم النجار، مهند يعقوب، سلام دواي) هذا وقد اكدت الباحثة على تعاون الاساتذة الادباء اللذين اختارت نتاجاتهم الأدبية موضوعا لاطروحتها دون استثناء ومنهم الدكتور علي العلاق الذي ابدى استعداده التام للمساعدة وقد جاء بنص حديثه: (ستجدين مني كل عون ومساعدة ان شاء الله) بعد ان ابدى اعجابه بعنوان الاطروحة وتمنى للباحثة كل خير وكذلك الاستاذ الاديب والاعلامي وديع شامخ الذي ابدى كل مساعدة للباحثة ايضا عبر تزويدها بكل نتاجاته الادبية ومنها (قل ولا تقل، دفتر الماء، مراتب الوهم، مصور شمسي، ما يقوله التاج للهدهد)

تجدر الاشارة الى ان الباحثة قد استوفت كل الموافقات الرسمية من رئاسة جامعة بابل اضافة الى حصولها على موافقة جامعات عراقية اخرى مثل بغداد والبصرة والمستنصرية على ان موضوع الدراسة والبحث الذي تعمل عليه لم يتم التطرق له مسبقا اضافة الى ان الباحثة سبق وان اجرت دراسة مسبقة عن الشعر فقد كان عنوان رسالتها في دراسة الماجستير (الرؤيا في شعر بلند الحيدري).

 

متابعة: خلود الحسناوي

 

قاسم محمد الساعديلا تهدأ الذكريات التي تهب مثل الريح على دغل القصب، وتنتفض كموج البحر على الصخور، فتتلمس لها طريقا بين متاهات عدة او تتيه في غابات نائية ... ومرات تجنح لمحو تفاصيل هشة .

ومثل الصباح الذي وصل على عربة قطار يسير بالفحم تترك ألآيام نَوَافِذُ غرفها مفتوحة !

و كصوت الرعد يضرب على وجه زجاج صافِ أسمعه أَلاَنَ مع أولى الهوايات، هواية جمع الطوابع المنتشرة على الاغلب بين أبناء الميسورين لكننا نحن المراهقين الفقراء المشاغبين، الذين نعود على اطراف اصابعنا بعد كل مغامرة، ونكتشف ان طريقنا المتعرج هو اقصر الطرق أتبعنا هواية فريدة وهي جمع قصاصات الصور في دفاترنا المدرسية !

لم نبدا بجمع صور القديسين أو رؤساءالدول او رجال الدين !

ففي زمن ازدهار مجلات الكواكب المصرية والشبكة والصياد اللبنانيتين، التي كانت عونا لنا في اقتطاع صور ننام بين اغصانها، بدأنا بصور لشادية، ونادية لطفي، وسعاد حسني، وصباح وصورة لبرلنتي عبد الحميد وهي تجلس على دكة شباك، فنكتم دهشتنا للكتفيين العاريين ! واقتطعنا صورة للبنانية جورجينيا رزق ملكة جمال الكون وهي تلبس البكيني على الشاطي ..

وبما يشبه ازالة سحابة هائلة من الغبار تابعت قصاصاتنا مغامرات نجوم هوليوود وممثلي السينما الفرنسية ألصقنا صور لايف مونتان، والن ديلون، والامريكي الفيس بريسلي، لكن أزلناها بسرعة البرق ... القصاصات للجميلات فقط !

 السرية في الاحتفاظ بدفتر قصاصات الصور تشبه أحتفاظ جنرال بموعد الحرب .. لكن كاثرين هيبورن، بريجيت باردو، إنغريد بيرجمان، ناتالي وود ، وصوفيا لورين، اليزابيت تايلور يستحقن منا تلك السرية التامة

625 منى سعيد

 في يوم ما نشرت مجلة الصياد صورة لفاتنة ساحرة من مطربات فرنسا (ميراي ماثيو) نبهنا صديق الى ان قَصَّة شَعْرَها أصبحت موضة لبنات جيلها انذاك .. وببساطة شباب غض لم يفقه الا العالم القريب منه نتساءل ، ماذا لو كان لها صورة بضَفَائِرُ طويلة او تسريحة مختلفة ، او وضعت شَعرا مستعارا .. لكن ذلك لم يحدث.

وقبل عقد من الزمن كنت قد اجريت مقابلة مع الآديبة والاعلامية منى سعيد الطاهر عن طريق الانترنيت وأثناء عملية البحث في الغوغل عن صور (لمنى سعيد) كانت ذكرى، ميراي ماثيو ودفتر الصور كحلم قابل للأستئناف !

ولتبدا المقارنة بتلك التسريحة الشهيرة التي تكاد تكون ماركة مسجلة بأسميهما ولم تغرهما تقلبات موضة التسريحات،

 ميراي ذات الاطلالة الساحرة والفنانة الاشْهُربعد الراحلة إديث بياف، غنت مؤخرا"امام جمهورها الذي رفض ان يخرج في ختام الحفل وعادت اليه لتغني وهي حافية القدمين.

 أما سليلة حضارة بابل (منى) فابتسامة غامضة في كل صورة لها تذكرني بمقولة فرويد حين يقول ان دافنشي يستعيد ذكرى أبتسامة والدته الغامضة التي رسمت على وجه الموناليزا، ربما (منى) تستعيد تلك الايام، تقول في تلك المقابلة (وبتصميم مثابر سعيت للعمل في الصحافة بينما لم أزل طالبة في المرحلة الثالثة من كلية الآداب فرع اللغة الألمانية، وكم كانت دهشة أهلي كبيرة حين فاجأتهم بطلبي بالاشتغال في مطبعة صحيفة "طريق الشعب" التي كان مقرها بين بيوت دائرة الأمن العام آنذاك)

 ومنى سعيد الطاهر الطفلة أطلقت ذات مرة العنان لصوتها بأغنية " بتلوموني ليه " لعبد الحليم حافظ بعد احتفال رفعة العلم يوم الخميس !

لكن ميراي لم تغن في حفل رفع العلم.. وابتدأ مشوارها تحديدا في 28 حزيران 1964 عندما فازت بمسابقة غناء نظمتها بلدية أفينيون، وكانت حصيلة مشوارها الفني، 130 مليون البوما و55 مليون اسطوانة بأغنية منفردة وسجلت 1200 اغنية في 11 لغة من بينها الصينية والفنلندية

الان لم يعد هناك دفتر لقصاصات صور نضع فيه صورة (منى) كايقونة عراقية بابلية ونتفرج فيه مثل القطط المحبوسة مادام لم يبق من الجمر المنطفى ء سوى دخان ضئيل ونجلس متفرجين اسفل السلم المؤدي الى النجوم

- منى سعيد الطاهر من مواليد بغداد 1955

- حاصلة على شهادة البكالوريوس من جامعة بغداد عام 1977 لغة المانيه ولها ثلاث كتب مترجمة

- عملت في الصحافة العراقية والعربية

- لها مجموعة قصصية عن ادب الاطفال

 

قاسم محمد مجيد

 

 

نادية المحمداويكانت مساحة بيوتنا في مدينة الثورة صغيرة جدا لكننا عشنا فيها طفولة سعيدة وما زلت أتذكر أيامي الجميلة هناك رغم تقادم الزمن عليها باعتزاز. جيراننا جميلين أيضا لكن شعورا بالتحاسد كان يسود بيننا. كان الحسد هاجس أمي الأول تتحدث عنه كثيرا... أمي يرحمها الله كانت تخاف علي من عيون جارتنا أم صالح وتظن إنني امرض دائما بسبب حسد أم صالح لي ورغم ذلك كانت أمي لا تقول هذا الكلام أمام أم صالح لكنها ترغمني على اقتناء ملابسي وكل أشيائي الأخرى باللون الأزرق اتقاء لنظرة الحسد. كرهت هذا اللون وتسبب لي بعقدة ما زلت أعانيها إلى الآن. ولكن من أين لي أن أتجرأ وأرفض اللون الأزرق الذي كرهته كثيرا. مفهوم أمي كان مفهوما عسكريا (نفذ ثم ناقش) أكملت الدراسة الابتدائية والمتوسطة وجيراننا لم يتغيروا ولم نفترق. كنا نسمعهم عن ماذا يتكلمون ونشم رائحة طعامهم من خلف سياج الأسلاك الشائكة الذي سيّج به أبي حديقتنا. أمهاتنا كل يوم يتفقن على طبخ طعام معين: أمي تطبخ بامية أم صالح تطبخ باذنجان أم نعيمة تطبخ دجاج وأم خيري تطبخ باجة ثم نتبادل الصحون وكل عائلة تنال حصتها من طعام العوائل الأخرى. هكذا مر العمر بريئا نتبادل الأشياء التي في متناول أيدينا بمحبة دون أن يمن أحد على أحد. فرقتنا الظروف منذ عشرات السنين كلّ إلى طريق كانت الخطوة الأولى على هذا الطري سياج الطابوق الذي بناه أبي بيننا وبين جيراننا بدلا من سور الأسلاك الشائكة بعد أن أزال حديقة المنزل.ولم نعد نسمع أصواتهم أو نشم رائحة طعامهم.

شجرة السدر الوارفة التي كانت لصق بيتنا اقتطعتها أيادي البلدية ومرض أبي من أجلها. وشيدت الحكومة بدلا عن السياج والحديقة وشجرة السدر مدرسة لنا ولكننا لم نكن سعداء ذهبت حريتنا ومحبتنا وألفتنا ووجودنا وذهبت صديقتي الوحيدة نعيمة إلى محافظة ميسان وجارتنا الأخرى أم صالح ذهبوا إلى العزيزية وأنا ذهبت إلى بعقوبة.

 

نادية المحمداوي

داود السلمانتعد الثقافة تنشيط  ذاكرة الفكر، على اعتبار انها ديمومة تغذي حقل المعرفة بمياه التطلع بشتى منابعه؛ فالثقافة لولاها لما استطاع الفكر أن يقوّي نشاط ذاكرته الآيلة للنسيان، خصوصاً إذا أبتعد الانسان عن حقل المعرفة الذي يشع بمختلف العلوم والثقافات المتنوعة. والثقافة هي فن توسيع مدارك العقل بغرض تعزيز هذه المدارك، فبدونها سيصبح العقل كالأرض البوار لا تنتج غير سفاسف القضايا الثانوية التي لا ترتقي ومتطلبات العصر الحاضر الذي يضيء بعلوم ومعرفة تجاوزت حدود الماضي بأميال طويلة، وهي تسابق ريح التقدم والتطور الحضاري والمعرفي بكل ابعاده وقضاياه نحو التطلع. ويبقى الفكر متعطش لشتى الثقافات والاطر المعرفية، طالما كون الفكر يحمل في طياته انف يتطلع لشم عبق ريح المعرفة بكل تجلياته، ويروم أن يسدّ مسامات الفراغ المعرفي الذي يشعر بين آونة واخرى بإفراغ محتواه، نتيجة للتطور الذي يحصل في مديات الحياة التي تسير خلف منابع المعرفة بكل نشاطها، كي لا ينتابها الظمأ المعرفي الدائم التوهج والانبثاق في هذا الزمن، وفي كل زمن، طالما أن الزمن يتحرك كما تتحرك الآلة أو العجلة في الطريق المعبّد الخال من المطبات. ولا تُنشط ذاكرة الفكر الا بمضغ خلاصة علوم العصر ومن ثم هضمها لتصل سائغة وهنيئة الى خلايا الذهن كي تمس شغاف الوعي، والذي يعتبر هو المرحلة الاخيرة من الادراك والنضوج، وبه تكتمل أدوات الثقافة الصحيحة في طريق الوصول إلى الحقيقية التي ينشدها كل فكر متطلع ويريد أن يمسها من شغافها وعن كثب، وما بعد الحقيقة الا الضلال والتيه في محطات الظلام وطمس الواقع الراهن بكل مغزاه.

ولا يحصل كل هذا الا بطموح وارادة كما يؤكد آرثر شوبنهاور في كتابه (العالم إرادة وتمثلا) وبهذا الكتاب يفسر شوبنهاور العالم بأنه قائم على إرادة ولا تتحقق هذه الارادة الا بإرادة الانسان نفسه، وأن الارادة هي متعددة الوجوه وليست إرادة واحدة تصب في اطار أو مغزى واحد ذي اتجاه محدود قد لا يعي غيرها من الارادات الاخرى، بمعنى آخر أنّ كل انسان (يريد) والذي يريد يشقى والذي لا يريد لا يشقى، فالحياة تريد والوجود يريد والموت يريد، وغريزة الجنس تريد وكل شيء بالوجود وفي العالم يريد، وبالتالي فكل شيء هو عبارة عن إرادة.

وإذن، إنّ ذاكرة الفكر تتنشط طالما تجد من ينشطها ويسعى دوماً الى تنشيطها عبر وسائل وبيانات متعددة ومتنوعة في آن معاً، ولا يحدث ذلك الا برشف معين القراءة العذب، المشبع بصنوف العلوم والمعارف المختلفة الاتجاهات لا اتجاه المحدد ذا الايديولوجية الواحدة، مأخذاً بعين الاعتبار: إن الثقافة المؤدلجة ضيقة الخناق ذات المساحة غير المستوفية لشروط المعرفة المتنوعة، فهذه تضر اكثر مما تنفع، والسبب كونها تجري في منطقة محددة وثابتة، دورانها كدوران الناعور الذي يسير الليل والنهار معتقداً أنه يقطع مسافات شاسعة بحركته هذه، لا يدري أنه يدور حول نفسه. هذه الثقافة يمجها جميع المجتمعات المتحضر ولا تستسيغها، كونها عسيرة الهضم.

فما أحرانا أنْ نوغل في أرض معرفة تستوعب ثقافات ذات اتجاهات متنوعة، جدية، ننشط بها  ذاكرة فكرنا كي نرى الاشياء، جميع الاشياء كما هي، أي على حقيقتها وعلى صورتها من دون رتوش. إن تنشيط  ذاكرة الفكر هي بأمس الحاجة الى ذلك، لئلا يغزوها النسيان بعقر دارها، خصوصا إذا مالت الى الشيخوخة، لأن كل شيء قابل للشيخوخة، حتى الفكر؛ بل حتى الثقافة نفسها.

 

داود السلمان

 

محمد الشاوي"أحلم بالرسم، وبعد ذلك أرسم حلمي." فينسنت فان غوغ

إن الحديث عن قامة تشكيلية لشخص مثل الرسام الهولندي فان غوغ هو حديث بالضرورة عن مرحلة ذهبية من العطاء الفني وسمت مسار هذا المبدع. لقد استطاع بحق أن ينقل لنا أحلامه على قماشات المسناد؛ هي أحاسيس وأفكار لاشعورية كان يراها في اليقظة وفي النوم تطرق باب تفكيره بين الفينة والأخرى. وعلى هذا الأساس فما السبيل إلى تفسير هذه الأحلام؟ بتعبير آخر لماذا يعتبر الحلم مفهوما جوهريا في جميع منجزات هذا الرسام الهولندي؟

أقف عند لوحات فان غوغ ذات الأسلوب التعبيري الفريد الذي امتاز به هذا الفنان ولا سيما ضربات فرشاته على القماش وطريقة تلوينه وبحثه في الألوان الحية والموغلة في الضوء، تلك التي يسهل دخولها للوجدان لكي يترجمها العقل فتصير أنشودة حالمة تنقلنا من المعنى إلى معنى المعنى، ومن فن الرسم إلى فلسفة الفن، نعم إنها فلسفة نستطيع أن نسلك من خلالها طريق المجاز وخباياه نحو البحث عن حقيقة المكان والفضاء الخارجي في شقيه: الطبيعي والثقافي.

لقد استطاع فان غوغ أن يجعل المتلقي يخضع لسلطة اللوحة ولاشيئ غير الغوص في ثناياها لكي لنحلم معه عن السعادة وعن أسمى مدلولاتها. إنها سعادة التأمل في الوجود الطبيعي للأشياء  بغية أن نرسم معه الكلمات الدالة عن هذا الوجود من المعنى الباطني نحو المعنى التأويلي لجزء من ذاتيته وتجربته الشخصية داخل حقول تملؤها السعادة والرومانسية بحمولاتها القدسية على نفسية كل عاشق للطبيعة أو مولع بجمالها لكي يستفسر ويتساءل عن تلك الأمكنة ودلالات ألوانها..أليست جزءا من حلم جميل مافتئ نحلمه ولم نفكر في رسمه؟ حلم السعادة الذي نُمني أنفسنا به، سعادة بالإرادة والفعل ولا شيئ غير أن نحلم وأن نتخيل حقولا مخضرة، أماكن وفضاءات رحبة، غرفة منزل، ناصية المقهى، الشمس والأرض، السماء،الأشجار، رسومات وبورتريهات ذات دلالات خاصة...                 إنها تتسع لتشمل كل الأحاسيس الجميلة، تلك الذي تُحيي فينا ملكة الذوق الجمالي وتعمل في الآن نفسه على تهذيبها.

 

بقلم: محمد الشاوي (*)

...........................

(*) فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

 

عبد الحسين شعبانينطوي مفهوم الثقافة على بعدين أساسيين، أحدهما كوني عام، والآخر وطني، أو محلي خاص، ويتجسّد البعد العالمي بالمشترك الإنساني الجامع للبشر، أما البعد الوطني أو الفرعي فهو الذي يأخذ السمات الخاصة والمعتقدات وطرائق الحياة التي تمكّن مجموعة بشرية من الشعور المشترك بتميّزها عن الآخرين، بفعل الروابط الخاصة التي تجمعها، لأن الثقافة في نهاية المطاف تمثّل مجموعة السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميّز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل طرائق العيش من مأكل، وملبس، وعادات، وتقاليد، إضافة إلى الحقوق الأساسية للإنسان والنظم القيمية التي يعتمدها، علاوة على الفنون والآداب.

وذهب إعلان مكسيكو في 6 أغسطس/‏ آب 1982 بشأن السياسات الثقافية والتنوّع الثقافي، إلى تأكيد ذلك من خلال هويّات تُميّز الجماعات والمجتمعات الإنسانية، وهو ما يقرّه القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما ورد في العهدين الدوليين الأول- الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني - الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادرين في العام 1966 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، واللذين دخلا حيّز النفاذ في العام 1976، إضافة إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الصادرة في العام 1979.

والثقافة ركن لا غنى عنه في عملية التنمية بجميع جوانبها، ولا يمكن الوصول إلى الهدف المنشود من التنمية من دون إعطاء الثقافة المكان الذي تستحقّه، فقد كانت في السابق والحاضر وستكون أكثر تأثيراً في المستقبل، عنصراً أساسياً لتقارب الشعوب، فالمجتمعات من دون ثقافة هي بلا ذاكرة، كما أن الثقافة عنصر جوهري للاستقرار الاجتماعي، مثلما هي محرّك أساسي للنشاط الاقتصادي، ولنتذّكر طريق الحرير في الماضي والحاضر، وما يمكن أن يبعثه اليوم من فرص جديدة للتقارب والتعاون على المستوى الكوني. وقد لعبت المسيحية، وبعدها الإسلام، دوراً مهماً وحيوياً في التقارب بين ثقافات الشعوب على المستوى العالمي.

وفي حوار مغاربي جمعني مع نخبة من المثقفين على هامش مهرجان الناظور السينمائي لمناقشة دور الثقافة في المشترك الإنساني، بما لها من تنوّع وتعدّد وتشعّب، ابتدأنا فيه من دور السينما، فهي ليست للمتعة من خلال الصورة والصوت والحركة، بل إنها أفكار ومشكلات تعبّر عن مضمون ومعنى اجتماعي أيضاً، وهذا الأخير يمكن أن يكون عنصراً للخير، أو عنصراً للشر، بحسب الجهات التي توظّفه. والشيء ذاته ينطبق على الموسيقى، فهي رسالة سلام وصداقة بين الشعوب يمكن تعميمها بالتذوق والتواصل والتفاعل، أما عن المسرح، فكثيراً ما ردّدنا القول الأثير « أعطني خبزاً ومسرحاً أعطك شعباً مثقفاً»، وفي الشعر كان أكتافيو باث، الشاعر المكسيكي الحائز على جائزة نوبل يقول: «إذا خلا رأس السياسي من الشعر تحوّل إلى طاغية»، وهكذا، فالبشر من دون فن سيتعرضون للصدأ سريعاً، وللعطب على نحو شديد بفقدان التخيّل وانحسار الرؤى والأحلام.

الثقافة من هذه الزاوية هي رافعة أساسية للقيم الإنسانية التي بإمكانها إذا ما تم نشرها وتعميقها رفع درجة الوعي، ولاسيّما بالمشترك الإنساني لما يمكن أن تقوم به من دور للتواصل بين الشعوب والبلدان على الرغم من شسوع المسافات، وبهذا المعنى فهي أداة صداقة وتعاون، وإحدى وسائل إنعاش الذاكرة المشتركة، خصوصاً إذا ما كُرّست للخير والعمران والجمال والسلام، بدلاً من نكء الجراح، والهدم، والحرب، والكراهية، والانتقام.

ولكي تكون الثقافة عادلة، فلا بدّ أن تكون شاملة ومن دون تمييز، خصوصاً في الموقف من المرأة، فلا حريّة حقيقية من دون تحرّر المرأة، وإلغاء جميع أشكال التمييز ضدها، ولا يمكن تحرير المجتمع من دون تحرير المرأة، وإلّا فإن نصفه سيبقى معطلاً وغير فاعل.

وقد حاول إعلان مكناس حول «حوار الثقافات وأسئلة الهويّة» الاستناد إلى هذا المفهوم والبنيان عليه في إطار مشروع للتواصل الثقافي من خلال التعبير عن رؤية جديدة تنطلق من الحوار والإقرار بالحق في الاختلاف.

ولا يمكن تحقيق ذلك من دون دور حقيقي للثقافة بشكل عام، وللفن بشكل خاص، سواء في السينما، أو المسرح، أو الموسيقى، أو الغناء، أو الرقص، أو الرسم، أو النحت، أو الكتابة، وستكون الحياة من دون ثقافة مملّة، بل غير ممكنة في العالم المعاصر، والإنسان يختلف عن الحيوان بثقافته، ولغته، وقدرته على التحكّم في عواطفه.

ومن تجارب الشعوب، فإن الاطلاع على ثقافة الغير هو الوسيلة الأولى للتواصل التي يمكن أن تغتني بالاختلاط والتبادل والتفاعل، أما العزلة والتصورات المسبقة عن الآخر، فإنها تقود إلى الاستعلاء من جهة، ومن الجهة الأخرى إلى ضيق الأفق، فضلاً عن ردود الفعل العدائية حدّ التناحر.

 

عبد الحسين شعبان

 

علجية عيشأنت أيها الزمن.. لقد كرهتني الحياة ذكرى مظالمك، وحببت إليّ الموت قساوة منجلك،  أتركني ووحدتي أرشق الدمع شرابا وأتنشق الحزن نسيما.. أتذوق الألم طعما.. دعني يا زمن وحدي أسامر وحدتي، وأناجي نفسي..، نفس ظامئة رأت كل ما يُرَى سرابا، دعني أنتحب في مآتم أنت عاقدها .. كنتُ كالعصفور أغرد وكالفراش أتنقل، أين الحبُّ؟ أين الطبيعة؟ أين السعادة وأين الحياة؟.. لقد اختفت وراء غيوم سوداء ورحلت مع العاصفة الهوجاء، لم يبق لي غير الذكريات أسترجعها فتستهزئ بي، بقي لي شيئ واحد لا يفارقني، إنه الحزن..

أيها الحزن الساكن في الظلمة.. الجالس في ظل الموت،  الراكض وراء التعاسة، ها أنا أخاطبك.. لقد مات فيَّ كل شيئ إلا جسدي، فمتى تأكل جسدي وترمي به في الهاوية؟، ايها الحزن.. بالله عليك أدع الموت ليستضيفني عنده، أنتظره بعدما نكرت ذاتي وملاذ حياتي وغادرت مجد عمري، فلم يبق لي سواك، فادعه ليقضي عليّ..،أيها الموت ها أنا أخاطبك، ألا تسمعني؟ تعالى وانقذني، فالأرض لا تخنق أشواكها..، أزهارها لا تصلح للسكن، هلُمَّ وخلصني من أيام تخلع الحب عن عرشه..، إنني انتظرك ايها الموت وعلى وجهي المُصْفَرِّ ابتسامةٌ حزينة، تعالى يا موت فقد اشتاقتك نفسي..، اقترب.. فلن أخشاك ولن أنفرك فإنك صديق الوحدة، اقترب لتحررني من قيود المادة،  فقد تعبت من جَرِّهَا.. أنقذني ، ضمني إلى صدرك..

 لست أدري كلما أحدق في المرآة لا أرى غير الكىبة .. استنطقها  أجدها خرساء لا تتكلم، ولو تكلمت الكآبة لوجدتها اكثر غبطة، أحببت الموت مرات ومرات، فدعوته باسماء كثيرة ، تشبثت به سرا وعلانية لأنني كزهرة نابتة في حضن الجبل من فوق لا هي تفرح بطعم الحياة ولا لحياة تسعد بوجودها..، أنتم الذين تقرأون همسي، وربما تسمعون دقات قلبي لا تحكموا عليّ قبل ان تسمعوا قصتي،  أحكموا على فتاة سرق الدهر منها ابتسامتها وهي لم تبلغ سن الطفولة بعد،  احكموا لى طفلة ما إن فتحت عيناها للحياة، وجدت نفسها تتخبط كما يتخبط الطير الجريح،  ابكوا من أجلي لأن البكاء كالصلاة ودموع الشفقة كالإحساس لا تذهب سدى..

 

علجية عيش

 

حسين حسن العنزيعثر على بقايا هذه المدينة على الساحل السوري في رأس شمرا، بالقرب من اللاذقية، كانت مدينة اوغاريت ذات موقع مناسب من حيث تقاطع الطرق التجارية، والمؤثرات الحضارية للعالم القديم، فالتجار والكهنة وغيرهم من الاشوريين والبابليين والمصريين والحثيين قد وجدوا في اوغاريت تجمعاً وحضوراً بارزاً في شوارعها، وبالتالي اصبحت مكاناً للتبادل الثقافي الذي يحصل في البلدان الاخرى.

جرت بداية عمليات التنقيب الفرنسية عام 1929 برئاسة ك.شافير C.Shaffer، حيث عثر على الكثير من الالواح الطينيية تحتوي على حروف مسمارية، كما عثر على الواح طينية اخرى بلغات الشعوب التي اقامت علاقات تجارية ودبلوماسية مع اوغاريت، اذ تشكل اعظم ازدهار اقتصادي وثقافي.

بالاضافة الى الواح اخرى كشف عنها تحتوي على نصوص ادبية وقانونية ودينية، واستطاع الاوغاريتيون تسهيل الحروف المسمارية وتقليلها الى ثلاثين حرف فقط، وبهذا وضعوا اسس اقدم الحروف الهجائية الصوتية في العالم.

في وسط هذا الابداع لابد ان تكون هناك مكتبات ومدارس، اذ اكتشف في بداية التنقيبات مكتبة، فمن خلال المنحوتات الجدارية على هيكلها اتضح انه كان مكتب رئيس الكهنة في اوغاريت، ونظراً للمنصب الرفيع الذي يتمتع به رئيس الكهنة كانت تحفظ الكتب الدينية والثقافية في مكتبه.

اضافة الى ذلك تم اكتشاف مكتبات اخرى بأستمرار الحفريات في اوغاريت اذ تم الاكتشاف على مكتبة في بيت احد الموظفين الملكيين، تحتوي على رسائل تجارية تسلمها من احد البلدان، وكان الموظف يحتفظ في مكتبته بمعاجم متعددة ومن هذه معجم أربع لغات سومري – اكدي – حوري – اوغاريتي، فربما ان هذا المعجم كان للاتصال التجاري والثقافي وغيرها مع بلدان مختلفة.

وفي سنة 1959 كشف الغبار عن مكتبة اخرى في المدينة حيث كانت موزعة الى قسمين، وجد فيها معاجم ونصوص فلكية وادبية ودينية، كما عثر فيها على مقطع للحكاية السومرية الشهير عن كلكامش.

وفي سنة 1962 عثر على مكتبة خاصة اخرى تحتوي على كتابات قانونية ومعرفية، حيث كان صاحبها حريصاً على ان تكون في مكتبته المعاجم والاعمال الادبية الاوغاريتية والسومرية وغيرها، اذ احتوت على الكثير من الالواح الطينية التي تتضمن تعابير الحكمة التي تكشف عن الاهتمامات الفكرية للمجتمع الاوغاريتي.

 

د. حسين حسن العنزي

 

شاكر فريد حسنكانت مؤسسة "أنصار الضاد" في أم الفحم بادارة الباحث محمد عدنان جبارين، أصدرت للكاتبة والشاعرة والباحثة النصراوية المعروفة ايمان مصاروة دراسة هامة عن " أدب السجون في فلسطين " - الشعر والنثر، بجزئين . وهي دراسة أدبية شاملة تلقي الضوء على أدب السجون

بمنهجية أدبية وتاريخية هي الأشمل بموضوعها وموضوعيتها، عبر دراسة للخصائص المميزة لهذا الأدب، والعوامل التي ساهمت في خصوصيته الفنية.

واعترف أنني فوجئت بالبحث غير المسبوق، بالعرض والاستنتاجات والاعتماد على الحقائق الموضوعية والمراجع العديدة، ما يجعله مرجعًا عامًا لا غنى عنه في دراسة الأدب الاعتقالي.

وكما كتبت ايمان مصاروة في الاستهلال أن أدب السجون هو ذلك الأدب الانساني الذي ولد في رحم المعاناة والقهر في غياهب السجون وخلف البوابات السوداء، وفي الأدب الفلسطيني الذي ترعرع ونما تحت الاحتلال الاسرائيلي، وهناك عدد كبير من الكتابات الشعرية والنثرية والصور القلمية، التي تروي تجربة الأسر والاعتقال السياسي.

وتتناول مصاروة في كتابيها مفهوم أدب السجون، وتتوقف عند تاريخ هذا الأدب منذ العصر الجاهلي، وتذكر أهم الشعراء والأدباءالذين وقعوا في الأسر في العصر الجاهلي والأموي والعباسي والأندلسي.

وتتحدث بعد ذلك عن تجربة الاعتقال والتعذيب الذي يتعرض له السجين، وعن مراحل تشكل أدب المعتقلات في فلسطين، وعن معاناة الأسرى الفلسطينيين في المعتقلات وزنازين الاحتلال،، وعن تطور الابداع لدى المعتقلين وتعدد أنواعه، وتتطرق لأهم كتب واصدارات الأسرى الفلسطينيين.

وغني عن القول أن دراسة ايمان مصاروة عن أدب الاعتقال في فلسطين- في الشعر والنثر - هي دراسة بحثية ومنجز هام يتميز بالجدية والشمولية، وجديرة بالقراءة والاهتمام.

وبدوري أحيي الصديقة الشاعرة والباحثة المميزة ايمان مصاروة، واثمن عاليًا جهودها في مجالي الشعر والبحث، أقول لها الف عافية على ابحاثها وسعيها الدؤوب في تقديم ما هو هادف وجاد ومميز للمشهد الثقافي، وللحياة الأدبية والمكتبة الفلسطينية والعربية. ودمت يا ايمان مبدعة متألقة تحظى بالتقدير والاحترام لدى الاوساط الثقافية والأدبية في الوطن والخارج.

 

كتب: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافععندما كنّا طلبة في روسيا الستينات من القرن الماضي، كان  الطلبة الروس حولنا في جامعة موسكو  يقولون لنا (ونحن نتناول سوية طعامنا في مطاعم الطلبة البسيطة، ومنها البطاطا والمعكرونه بالاساس)، ان الكاتب الشهير غوغول هو الذي جلب لنا، نحن الروس، (المعكرونه) من ايطاليا ، وكنّا نضحك ونقول لهم – لو انه جلب  ايضا من ايطاليا انواعا اخرى من الطعام عدا المعكرونه لكان ذلك أفضل لنا جميعا،  وكانوا يقولون لنا، ان غوغول كان مشغولا ب (ارواحه الميتة) فقط، ولم يفكر بالطلبة  وطعامهم (خصوصا بعد قرنين من الزمان!!)، ولهذا يجب ان نحمد الله لانه جلب لنا المعكرونه في الاقل . تذكرت كل تلك الاحاديث والنكات والاشاعات والتحليلات (العميقة!) الطلابية الشبابية في كليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) بجامعة موسكو حول الاديب الروسي العظيم وانا اكتب مقالتي هذه عن غوغول  في ايطاليا، علما ان مصادر المطبخ الروسي تشير، الى ان المعكرونه قد بدأت بالظهور في روسيا قبل غوغول، لكنها لم تنتشر سريعا في المطبخ الروسي التقليدي آنذاك، لكن غوغول كان يحب المعكرونه في ايطاليا وكان يحاول ان يحضّرها لأصدقائه، وقد كتب العديد من أصدقائه حول ذلك، ولهذا السبب انطلقت تلك الاشاعات والاقاويل بين الطلبة الروس عندما كنّا ندرس معهم .

كان غوغول عاشقا كبيرا  لايطاليا، وقد قارنها مرة في احدى رسائله ب (السماء) وكتب يقول، ان الذي كان في السماء لا يرغب ان يحيا في اي بقعة من بقاع الارض، وقال عنها انها (مثل اليوم المشمس) مقارنة مع (اليوم الغائم المكفهر)، وتوجد مقاطع كثيرة جدا في رسائل غوغول عن ايطاليا وحبه لها واندهاشه امام جمالها وطبيعتها، وتحمل تلك الرسائل طبعا روحية غوغول وجمالية اسلوبه في الكتابة ومبالاغاته الطريفة والمتميّزة واسلوبه الغريب، ويقول مثلا، في احدى هذه الرسائل، انه يتمنى ان يتحوّل كليّا الى أنف كبير كي يستنشق الهواء العليل في ايطاليا، ولا مجال هنا للاستشهاد بنصوص كثيرة اخرى من تلك الرسائل الجميلة . وكان غوغول يؤكد دائما، انه (فقط في ايطاليا يستطيع الكتابة عن روسيا!)، وقد كتبوا هذه الجملة الغريبة والعجيبة والطريفة على تمثاله (وهو يجلس  في حالة تأمّل) في روما وباللغتين الروسية والايطالية، هذا التمثال  الذي تم تدشينه العام 2002 لمناسبة الذكرى (150) لوفاته، وفي نفس المتنزه الذي يوجد فيه تمثال بوشكين في روما بايطاليا .

 

 لقد عاش غوغول حوالي خمس سنوات في ايطاليا (من عام 1837الى عام 1842)، وكان يتقن اللغة الايطالية قراءة وكتابة ومحادثة بشكل جيد جدا . وتوجد جملة كتبها أحد الايطاليين حوله تقول – لا أحد من بين الروس تكلم بشكل ساطع عن ايطاليا مثل (السنيور نيقولا)، الذي عاش في بيوت روما القديمة . وهناك الان (في بيوت روما القديمة) توجد لوحة من المرمر معلقة على الطابق الثاني من شارع بروما تشير الى الشقة التي عاش فيها غوغول، وباللغتين الايطالية والروسية، وانه كتب هناك روايته الخالدة (الارواح الميتة)، وتوجد في تلك اللوحة المرمرية  حتى اشارة، الى ان القيصر الروسي صرف له خمسة الآف روبل من خزينة الدولة الروسية اثناء حياته في ايطاليا. ومن الطريف ان نشير هنا، الى ان هذه اللوحة المرمرية قد وضعتها الجالية الروسية في روما، وبمبادرة شخصية بحتة، ولا علاقة لها بالدولة الروسية آنذاك ابدا، و قد تم افتتاحها في ربيع عام 1902، ولا زالت طبعا موجودة لحد الان في ذلك الشارع العتيق بروما، وتعدّ في الوقت الحاضر احدى الشواهد، المرتبطة بغوغول في ايطاليا، والتي يزورها السوّاح الروس والاجانب و عشاق غوغول طبعا من كل الاجناس   .

من الضروري جدا ان نتوقف قليلا (ونحن نتكلم عن غوغول في ايطاليا) عند جمعية ثقافية تأسست في ايطاليا عام 2009 لمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد غوغول، والجمعية هذه اسمها – جمعية (جائزة غوغول في ايطاليا) الثقافية، وهي جمعية خيرية تسعى للنهوض الثقافي والروحي للتراث الفكري في ايطاليا، وقد  ساهمت في تأسيس هذه الجمعية الثقافية  كل من روسيا واوكراينا وايطاليا وفرنسا والمانيا، وتمنح هذه الجمعية سنويا (جائزة غوغول في ايطاليا) لكل من يساهم في تطوير الحوار الثقافي الروسي – الايطالي من الادباء والمترجمين والباحثين وفناني المسرح والسينما والفن التشكيلي وغيرها من الفنون المختلفة الاخرى، وقد حصل على  (جائزة غوغول في ايطاليا) الكثيرون من فناني ايطاليا وروسيا منذ تأسيسها ولحد الان، ويجري توزيعها  بشكل مهيب جدا في أحد أكبر مسارح روما، وبحضور جمهور كبير جدا وتغطية اعلامية واسعة في ايطاليا وروسيا.

موضوعة (غوغول وايطاليا) كبيرة جدا ومتشعبة جدا، وقد تم كتابة عدة كتب روسية حولها، ومنها كتاب صدر حتى في اواسط القرن التاسع عشر في روسيا، وتتناول تلك المصادر رسائل غوغول وعلاقاته الواسعة مع الجالية الروسية هناك (ومنهم الرسام الروسي الكبير ايفانوف)، الذي رسم لوحة (ظهور المسيح للشعب) في ايطاليا، وهي لوحة كبيرة  جدا لازالت معلقة في المتحف الروسي لحد الان، وفي تلك اللوحة يوجد غوغول واقفا بين الذين ينتظرون  السيد المسيح .

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمد السعديفي تجربة ستالين الطويلة في الحكم السوفيتي، والتي تفردت بقبضته الحديدية ضد معارضي أفكاره وسياسته ونهجه المتسلط بالتطهير لخيرة مثقفي وسياسي الاتحاد السوفيتي وممن يحملون أراء ووجهات نظر مختلفة تجاه سياسة البلد وطرق بناء الشيوعية، أعداد كبيرة شملوا بسياسة التطهير الحزبي والفكري والثقافي . كان بوريس باسترناك الشاعر والكاتب والرسام ضمن لائحة المغضوب عليهم في معارضتهم للسياسة الستالينية وأدواتها في تحقيق بناء المجتمع ، مع ثمة أسماء على مكتب ستالين المتهمين ضد ثورة أكتوبر وسياسة البلد. فعلق على أسم بوريس باسترناك .                  

   (لاتلمسوا ساكن الغيوم هذا) .

ولد بوريس باسترناك ٢٩ يناير عام ١٨٩٠ في موسكو لأب يهودياً فتحول فيما بعد الى الكنيسة الارثوذكسية، وكان والده رساماً وأستاذاً فنياً متميزاً . وأمه روزا كوفمان عازفة بيانو شهيرة .

أعطت تلك البيئة لبوريس باسترناك في نشأته الأولى الاهتمام بمواضيع الثقافة والفن، مما حددت مساراته منذ البدايه . كانت علاقة والده بالكاتب الشهير (ليو تولستوي) وزيارته المتكررة الى بيتهم وخصها في الاحاديث الادبية . تركت أثرها الواضح على أهتمامات (باسترناك) الواسعة . ففتحت له مجالاً للسؤال والقراءة والتخصص . في الحرب العالمية الأولى عمل في مختبر للكيمياء مما منحته مساحة في البناء الدرامي لروايته الوحيدة (دكتور زيفاكو) والتي تعتبر أشهر ما كتبت من عمل ملحمي نثري  في القرن العشرين، والذي منح على أساسها جائزة نوبل للاداب عام ١٩٥٨ والذي رفضها، بعد ان أستهدف من زملائه في أتحاد الكتاب السوفيت السلطوي وشنوا عليه حملة كبيرة طالبوا ستالين بعريضة طويلة بطرده من الاتحاد السوفيتي . فذهب بنفسه الى دائرة البريد وحرر خطاباً مقتضباً بقلم الرصاص الى الاكاديمية السويدية يرفض بها الجائزة . عام ١٩٦٠ مات بمرض سرطان المعدة ومشى خلفه في توديعه الأخير قلة من أصدقائه ومتابعيه . كان حلمه كبير بالبلاشفة وثورتهم وحلم التغير المنشود في بناء الانسان والمجتمع مثله مثل ماياكوفسكي والذي أنتحر في عز عطائه وشبابه تمرداً على يوميات الواقع ويأسه من أفق التجربة .

باسترناك سرعان ما تبدد وشعر بالاحباط واليأس وترك كتابة الشعر للثورة ومنجزاتها وتطلعاتها العالمية . وتفرغ لترجمة الشعر العالمي الى الروسية . فبدأ بترجمة شكسبير (هاملت .. الملك لير) . منذ كتاباته الأولى تأثر بالشاعر الروسي ميخائيل ليرمنتوف وبكتابته للشعر في البناء اللغوي . درس في بداية حياته علم الفلسفة، لكن سرعان ما تركها متجهاً الى الادب والشعر، لكنها أثرت به لاحقاً في أنجازاته الادبية من شعر ورواية . كتب روايته الوحيدة (دكتور زيفاكو) والتي تعتبر ملحمة رومانسية وقيمة فنية وأدبية ترصد الحدث بعين مثقف واعي حول الثورة البلشفية وحلمها المنشود في تحقيق حلم الانسان، أنها تجمع بين فن الرواية والسيرة الذاتية، أنها قصة متعددة الطبقات بدءاً بالعام ١٩٠٣، وإثر موت والدة يوري جيفاكو . أما والده وهو صناعي غني، فقد أنتحر جراء التأثير المحبط الذي مارسه محاميه (كوماروفسكي) . تعامل مع شخصيات الرواية من خلال حياة عائلة روسية واكبت يوميات ثورة أكتوبر وتطلعاتهم بأهدافها من خلال حياة المجتمع والحرب والثورة  والحب والعلاقات العائلية . بسبب أنتقادها للثورة البلشفية لم تتجرأ أي دار نشر روسية على طبعها، مما أضطره أخيراً الى تهريب مسودتها الى أيطاليا وطبعها هناك عام ١٩٥٧ في أوج رتابة أيام الحرب الباردة . حظيت بدعم كبير من أدباء العالم والمؤسسات الثقافية، بينما تعرضت في داخل روسيا الى الانتقاد والتشويه من قبل الادباء والشعراء السوفيت، وطالب أتحاد الادباء السوفيت الرئيس ستالين بطرده من البلاد . صدور الرواية وأحداثها باتت محوراً للصراع السوفيتي الامريكي . وقد قيل لاحقاً، وهذا ضمن التكهنات أن المخابرات الامريكية هي التي ضغطت على الاكاديمية السويدية بمنح جائزة نوبل للاداب (ل بوريس باسترناك)، وهي وراء ترجمة الرواية الى أربعين لغة عالمية تدخل ضمن سباق الحرب الباردة وتعرية النظام الشيوعي وتجربته . بعد موته بخمسة أعوام تحولت الرواية الى فيلم سينمائي طويل أخراج المخرج البريطاني العالمي (ديفيد لين) وأدى دور الدكتور زيفاكو الممثل المصري عمر الشريف ومثل دور زوجته (جير الدين تشابلن) أبنة الفنان الكوميدي الشهير تشارلي تشابلن وألف الموسيقى الموسيقار الفرنسي (موريس جار)، وحصل الفيلم على خمسة جوائز أوسكار، ويعد ثامن فيلم عالمي على مستوى شباك التذاكر . كنت أطمح ضمن دراستي الجامعية في الادب الروسي في جامعة بغداد أن أتخصص بحياة ومنجزات الشاعر والروائي والرسام (بوريس باسترناك) بما يحمله من رؤيه نقدية وقراءة متأنية وشجاعة للحدث .

 

محمد السعدي

كانون الثاني ٢٠١٩.

 

ابتسام يوسف الطاهرعرفته مترجما بارعا عن اللغة الانكليزية وفي كتاباته بلاغة النثر.. لكن مانشره من قصائد على صفحته على الفيس بوك، تحت اسم مستعار، يدعو للدهشة والاعجاب من الظهور المفاجيء لتلك الموهبة أو ربما كان يخفيها عنا تواضعا، لهذا اختار اسما مستعارا لاتينيا، ليس بعيدا عنه.

تساءلت لم هذا الاسم (Rhetoric)؟ الكثير مازال يخيفه الفيس بوك ومتاهاته ولهم كل الحق، فيلجأ لأسماء مستعارة، بعضها يسبب ارباكا وغموضا عن هوية الاسم وجنسه! لكن وانا اقرأ القصائد التي حفل بها موقع الشاعر عرفت انه يستحق ذلك الاسم بامتياز فهو تعني بلاغة البيان او بلاغة النثر.. ربما أراد تواضعا أن يلبس قصائده جبة النثر.

هل غادر الشعراء من متردم؟ تسائل ابو نؤاس في احدى قصائده.. بلى لقد غادر الكثير منهم اطلال المعلقات واطلال المديح واطلال الفخر والهجاء. لكن قصائد العاطفة والحب توارت خلف غيوم الحروب والسياسات الظالمة القاتلة لأحلامنا.

الشاعر رَتُريك (Rhetoric) اي بلاغة البيان من القلة التي تفاجئنا بقوة البيان وصدق الشعر وبلاغة الكلمات بلا لجوء لغموض والتباس ولا تلاعب بالالفاظ والبحث في غرائبية الكلمات، كما يفعل البعض ليضفي اهمية وغموضا على مايقول من تصفيط كلمات! فالبلاغة حسب ابن المقفع "كالبحر، شفاف ظاهره بعيد غوره.. وهي التي اذا سمعها الجاهل ظن انه يحسن مثلها" لكنها تبقى عصية رغم سهولتها، وقريبة لصدقها مع عمق وبلاغة معانيها. رَتُريك Rhetoric شيد قصائدا فيها صوراً صادقةً عن معاناة المتعبين في الشارع العراقي  كما في قصيدة (شارع مريدي):

 

كانَ إطراقُهُ

عَكْس ما ينبغي أَنْ يكونَ

لأنَّ المكانَ موضعُ صيدٍ

وليسَ للمُطرقينَ فيهِ نصيبٌ

من الرزقِ.

تُحدِّث عيناهُ

بامالٍ كبارٍ خَبَتْ

وتحكي تجاعيدُ وجهِهِ

حَربَ سنينٍ

معَ المستحيلِ

وما استحالَ عليهِ

هو لقمةُ عَيْشٍ

وَ مأوىً يقي بهما

أسرةً

 

الشعر الحديث اغلبه نثر وبعضه يفتقد للموسيقى والاوزان. فنجده غامضا في كثير من الاحيان، ومتعبا لدى قراءته لاسيما بعض الشعر الحديث او مابعد الحداثة بقليل!. ربما ليس من حقي أن أكتب نقدا أو رأيا فيه، لكنه مثل الموسيقى ومثل السينما نستذوقه حين يكون قريبا منا، يشذب ذائقتنا أو حين يحكي عن واقعنا واحلامنا. فمنهم من تمكن من بناء صرح للشعر بعمر قصير واشاد صروحا للحياة والكبرياء. في زمن صارت كتابة الشعر كشرب الماء، والماء اليوم يباع في قنان جاهزة لايتعب فيها بتصفية ولا نقاء. وباسم الحداثة ومابعدها مرر الكثيرون اشعار ونثرا هو اقرب للهذر أو للرياء.

فالكتابة او الشعر بالذات حسب تعبير المفكر د.طه حسين، هو من يقرؤه ذوو الثقافة العالية والساذجة والمتوسطة، وكل منهم يجد فيه متعة فنية وادبية.

احيانا تتفجر ينابيع الكتابة الصادقة والبليغة في حالة التوتر أو الفرح الغامر وربما الألم أو عاطفة قد تباغتنا قصائدا. القصيدة الوحيدة لابن الريب، قالها بحالة هذيان سببه الحمى اثر جراحه خلال الحرب، بقيت خالدة يتردد صداها الى اليوم.

 

ما الشعر الا كلمات..لكنها كلمات تشبه التعاويذ ..تشبه الاغنيات. كلمات تدخل القلب بلا رخصة. فالايمان كلمة والحياة كلمة والاخلاق كلمة والحب كلمة، فطوبى لتلك الكلمات. واذا فقد الشعر ذلك فسيمسي مجرد حروف تداخلت مع بعضها بغموض يبعدها عن صفة الشعر والنثر.. الشاعر في قصائده بدا كما لو هو ينهل من نبع صاف فجاءت الابيات منسابة كماء يجري متهاديا، لم يحفل حتى بالعنوان فأغلب قصائده بلا عنوان.

 

وَ أنَّ اللغاتِ وإنْ أنعشتْ

وَهْمَ الحياةِ

قدْ خدمتْ وَهْنَ الخُرافاتِ

فدعني أَكُنْ

واحدة ً

مِنْ ذي الخُرافاتِ

 

قصائد الشاعر اعادت الحياة لمشاعر كدنا نودعها وسط هزيع وضجيج قصائد الغموض مرة وقصائد السياسة والدين مرات .. واعادت الاعتبار للحب الذي قيل عنه مجرد حرفين مش اكثر.. فكتب قصائدا اقرب للصوفية اعادت اليقين بأن الكلمات لها روح ونبض كالحياة... في قصيدته (حوار) يضيء تلك المشاعر:

 

أَضاءَ نهارُك

فيهِ الظلامَ

و أضحى ضحوكاً

بعدَ سوءِ اكتئابٍ

******

هزمني حُباً مَنْ أَحببتُ

فأنا مهزومٌ سعيدٌ

اليس غريباً

أنْ تُسعدَكَ هزيمةٌ.

مِنْ أروعِ ما في الدنيا

أنْ يتفوَّقَ عليكَ

حبيبُكَ

أُفقاً.

أَنْ يحتويكَ

بحُبِّ مَرنٍ.

***

جميلةٌ بحبِ اللهِ والانسانِ

وروحُكِ

عالَمٌ من جمالٍ .

مِنْ أينَ لكِ هذا المزيجُ

مِنَ البساطةِ والكبرياءِ؟

وهذي البصيرةُ

وعُمقُ تأمُلِكِ

وهذا اليقينُ؟

***

ابتسام يوسف الطاهر

 

شاكر فريد حسنالمربية المتقاعدة حليمة دواس ضعيف شاعرة فلسطينية من قرية عارة في المثلث، انسانة متواضعة، وناشطة متطوعة في العمل الثقافي الجماهيري بمؤسسة نغم للثقافة الوطنية بوادي عارة.

اقتحمت ميادين الشعر والابداع بعيد وفاة والدها طيب الله ثراه، فكتبت العديد من قصائد الرثاء والحزن ثم انطلقت نحو آفاق أخرى، وغاصت في أنماط وأغراض شعرية مختلفة، فمارست كتابة القصيدة النثرية والخاطرة الأدبية والومضة الشعرية الخاطفة، وحاكت من خيوط كلماتها رداءً للوطن، وتغزلت به وكتبت عنه وله الكثير من القصائد الشعرية النثرية، وخاطبت شهداء الثورة والحرية والانعتاق ومجدتهم.

حليمة دواس ضعيف شاعرة رائدة، رقيقة المشاعر، غزيرة الانتاج، عرفتها المنابر الشعرية والأوساط الأدبية والثقافية، وحققت حضورًا على الساحة المحلية.

صدر لها حتى الآن: " أنين الصمت، ومضات حليمة، برج الذاكرة، والأنامل العصماء ".

وحين نقراها نحس أننا أمام شاعرة تعيش التجربة والواقع بكل أبعاده، تعرف ما تريد، غنية المعنى، جزلة اللفظ، خصبة الخيال، دفقاتها الشعرية والشعورية مسترسلة بلا افاضة ولا تقتير، تجول بنا بين قرى ومدن وأماكن الوطن، عكا، يافا، غزة، القدس ، الاقصى، اجزم، عارة، العرافيب، الخطاف وغير ذلك من الأمكنة الكثيرة.

وقصائد حليمة دواس ضعيف تتناول الهموم الوطنية والقومية والانسانية، وتعبر فيها عن هواجسها وشجونها، ليس بالكلمات والحروف فحسب، وإنما من خلال الصور والاحداث والمواقف وكل ما يترك صداه على الأرض، ويطغى عليها الحزن الرومانسي، ونجد الوطن حاضرًا دائمًا في كل كتاباتها.

وهي تفيض بمكوناتها بلغة جميلة ذات معانٍ شفافة رفيعة، فيها من جمال الصور وسحر اللغة ما يدعو إلى المتعة والدهشة.

ومن نافلة القول، أن نصوصها حميمية، رقيقة كرقة الحرير والماس، تحقق فيها ذلك الانسجام الذي لا ينفصل بين اللغة والصور الشعرية، لغتها أقرب إلى الرومانسية، وعالمها الشعري قائم على جمال الأخيلة والصور، والومضات، والوجدانيات، وعنصر التكثيف، والمفردات اللغوية السهلة، وتلوّن قوافيها بريشة فنان، تجسد همومنا وأوجاعنا وآلامنا، وتنقل عواطفنا الجياشة ورؤيتنا واحلامنا بعفوية بسيطة غاية في الروعة والجمال. فلنسمعها تقول:

يا وطنا أسكرني حبّك

علّمني حبًك أن أبحر بالأعماق

أن أكتشف جزر الشّوق

أن أصعد قمة النشوة

وفي قصيدة أخرى تقول:

لأصرخ ملء شراييني

كل الأماكن بعدك منافي

قد بذلت المستطاع

لو خيّروني

بين أعواد المشانق

والتسكع في منافي التيه

في ليل معتم

لن أبيعك للرعاع

لن أبيعك للرعاع

نصوص حليمة دواس ضعيف عبارة عن وجدانيات وومضات وهمسات روح معذبة، فيها قهر وحزن وشجن، وفيها وجع وألم، وفيها حب وعشق للأرض والوطن والتراب، وفيها اشراقات أمل وتفاؤل، تحفل بالتراكيب المتينة، والأوصاف والتشبيهات والاستعارات التي تضيف لهذه النصوص القوة والعنفوان.

وفي النهاية حليمة دواس ضعيف عاشقة متيمة بالوطن، وهي شاعرة الوطن والأحزان بلا منازع، فلها احر التحيات والتمنيات لها بغزارة العطاء والابداع المتجدد المتواصل.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

602 اليوت(1888-1965) T.S. Eliot

اختارها وترجمها عن الإنكليزية بتصرف

مصدق الحبيب

 

- هدف الادب هو تحويل الدم الى حبر.

- الشعر الأصيل ينفذ الى دواخلنا قبل ان ندرك معانيه.

- الرحلة عبر ما تروم الوصول اليه اهم من ذلك الهدف القابع في نهاية المطاف.

- الشعر ليس تحريك المشاعر او التعبير عن شخصية الشاعر، انما هو الهروب منهما! ولكن من يمتلك المشاعر والشخصية هو وحده الذي يدرك ما معنى الهروب منهما.

- لا يمكننا تغيير الماضي إلا بقبوله.

- دعنا نمضي أنا وانتِ، عندما ينشر المساء جناحيه على رقعة المساء.

- الشعراء المبتدئون يقلدون، والشعراء المحترفون يسرقون! لكن التقليد قد يشوه الأصل فيما تتحول بعض السرقات الى نتاجات أفضل بكثير من سابقاتها.

- المرء لا يخاف الموت، انما يخاف ان لا يفتقده أحد او ان يختفي من وجه الأرض دون أثر.

- إذا لم تكن لديك القدرة لتصيير الحياة وفق شروطك، فعليك قبولها وفق ما تمليه شروط الاخرين.

- المستعدون لأخذ أكبر المخاطر هم الذين يدركون الى أي مدى هم ماضون قُدماً.

- إلى أين نهرب من عالم مجنون؟ إلى مكان ما في الجانب الآخر من اليأس.

- الفكاهة محاولة جادة لقول ما هو جدي.

- جزء من التعليم هو ان تتعلم كيف ان تجعل نفسك مهتما بما ليس لديك فيه أي اهتمام او أي قابلية.

 

مبارك اباعزيشاهدت، وأنا نادرا ما أفعل، فيلما مغربيا مبنيا في قصته وفق مسار محكم، انضبطت فيه القصة لعلاقات الانفصال والاتصال التي عادة ما تجعل القصة شيقة ومغرية وجاذبة. يتعلق الحديث هنا بفيلم عنوانه "لبس قدك.."، يُعرض على الشاشات المغربية بين الحين والآخر.

انتظمت قصة الفيلم وفق أحداث رئيسية هي كالآتي؛ البطلة تريد أن تحضر عرسا وتحتاج إلى عقد لتبهر معارفها. تستعير البطلة العقد من صديقتها. يضيع العقد للبطلة، وتبحث عن سبل لإعادته لصديقتها. يلجأ الزوج إلى البنك لقرض مبلغ عشرة ملايين سنتيم، وهو ثمن العقد. تظهر البطلة في حالة من البؤس. الصديقة وجدتها منهمكة في العمل الشاق، وتخبرها بأن سبب مأساتها هو عقدها الذي اشترته من جديد بعد ضياعه. وتكمن المفاجأة العبثية في إخبار الصديقة للبطلة بأن العقد كان مزيفا، ولا يتجاوز ثمنه خمس مئة درهم.

 هذا هو المتن الحكائي المنظم بشكل جيد في مبناه، القصة تعود إلى السيدة بشرى مالك. وحين نعود إلى قصة "العقد" لموباسان، نجد أن الحكاية هي نفسها: البطلة تستعير عقدا لحضور حفلة، يضيع العقد، وتَشقى الأسرة لأعوام طويلة من أجل إعادته. وبعد أن تمر كل هذه السنوات تعرف البطلة أن العقد الذي استعارته كان مزيفا.

قبل سنوات، كنت أواظب على مشاهدة مسلسل مغربي اسمه "وجع التراب"، لا لسبب سوى أن الفيلم أشار إلى أن القصة مستوحاة من رواية لإميل زولا. وبدل أن يشار إلى ذلك في فيلم "لبس قدك.."، فضلت صاحبة القصة بشرى مالك ستر النص الأصل حتى تكسب من ذلك أصالة الحكي. والحال أن الاستيحاء من نص لأكبر القصاصين الفرنسين يرفع من قدر الفيلم لا العكس. وكثير من نصوص الروائيين العظام تحولت إلى أفلام، فكيف يؤخذ من موباسان تعبه وسهره لتأتي السيدة لتسطو على مُنجزات الآخرين.

 

مبارك أباعزي

601 نجوى كنانةعن دار السكرية للنشر والتوزيع في القاهرة، صدر للشاعرة المبدعة نجوى وهيب كنانة المقيمة في الناصرة، ديوان جديد اسمته "حلم على ناصية الحنين"، وكان قد سبقه قبل فترة اصدار آخر هو "عطر الملامح". وهو الديوان الرابع الذي يصدر لها عن دار النشر نفسها.

ويحتوي الديوان الجديد على مجموعة من النصوص النثرية، كانت نجوى نشرت جلها على صفحتها الفيسبوكية.

وهي نصوص تحاكي البوح الوجداني بتعبيراتها الرهيفة، ولغتها الباذخة، واسلوبها الشاعري المتميز المتفرد الخاص، مشفوعة بالجمالية والأصالة، تتناغم بدفق شعوري وشعري، وتعبر عن تجارب انسانية حية متشابكة مع حالات الحب والوعي والحياة والوجع والواقع والذكريات والحلم، وتزخر بالبوح والتجلي، وتنبض بالمشاعر الانسانية والرهافة الحسية والدفء الوجداني.

نجوى كنانة شاعرة تصوغ قصائدها النثرية باناملها السحرية وفكرها المتوقد وروحها الشفافة واحساسها الانساني المرهف الملتهب.

وهي لا تكتب الشعر فحسب، وإنما ترسم بالحروف والكلمات لوحات فنية تشكيلية، متعددة الألوان والأصباغ، فيتكامل الحرف واللون في تجربتها.

نصوص نجوى كنانة ذات منحى رومانسي بأجوائها وصورها الشعرية، وآيات من السحر والجمال والابداع، فيها رقة واحساس، وايحاءات ودلالات عميقة.

إنها لوحات أثيرية هادئة، نابعة وصادرة من وجدانها وشاعريتها الدافئة، غير مقيدة بأي زمان ومكان، ورغم النزف والوجع تصر على بوحها الهامس عن طريق الزخم الشعوري والعاطفة المجروحة.

نجوى كنانة مبدعة بعيدة عن الأضواء الكاذبة الزائفة، تمتلك من البوح العالي ما يجعلها ترف وتحلق في فضاء الروح، بمخيلة خصبة، وخلجات نفس، وتجلٍ. مميز، بصدق وعمق وتصوير دقيق، بلغة سردية تعبيرية لا احلى ولا أجمل.

وما يميزها جزالة العبارة، والسبك القوي المتين، والخيال المجنح، والصدق العفوي التعبيري، والجمالية الفنية.

كتابات نجوى كنانة نصية توحي بلغتها الهامسة، ذات أبعاد ذاتية وانسانية ووطنية، مفعمة بشاعريتها المتفردة الثرية بايقاعها الموسيقي العذب، وفيها شحنات نفسية وعاطفية عميقة في ذاتها الشاعرة، وتنداح بشفافيتها ورهافتها وتدفقها الشعري، محققة الدهشة والانبهار.

باختصار شديد، نجوى كنانة " برنسيس النثر " - كما قالت عنها دار السكرية -، ترفرف كاجنحة الفراشات، تقم لنا أطباقًا شهية من البوح الرقيق الناعم الهامس.

 وإنني اذ أبارك للاخت الصديقة الشاعرة نجوى وهيب كنانة، صدور ديوانها الجديد، متمنيًا لها احلامًا جديدة على ناصية الحنين ، ومزيدًا من العطاء والابداع والتألق المتواصل.

تعقيب الشاعرة نجوى وهيب كنانة

حين تشعر برعشة تسري في عروقك ..وتجتاح جذور وجدانك ..فكن على يقين بأنك تقف على شاطيء كاتب يمسك قلبا بين يديه ..تعلم كيف يقاوم بإستمرار رياح الزمن الجافة تلك المحملة بأتربة الفقد والمثقلة بغبار الحنين ..والمشبعة بأوراق ..بلون تشرين ..قلم كهذا تعلم الفرار من تعب الأيام ..ولاذ بأحضان الأنين..

لذا فقد تقبض عليه متلبسا بإسقاط دمعة أو إلقاء تنهيدة ..يلفظها بين الحرف والحين .

وقد تجده يحمل في  محبرته قارورة تفوح ملامحا بعبق الورد والرياحين ..هو قلم برتبة ربّان ..ومن كتيبة العاشقين

يعرف كيف يبقي روحه جميلة ويحتفظ بقلب معافى من نوازع البشر ..مهما شاكست مجدافه ..أمواج السنين .

وقلم كهذا ..إنك وإن غادرت سطور سفينته ..فإن ملامحه لا تغادر أبدا ..ميناء روحك .

أستاذي الفاضل والكاتب والناقد الكبير شاكر فريد حسن اغبارية ..

شكرا لأنك ..أمطرتني قمحة وأهديتني دمعة ونثرتني نجمة ..وزرعت في حقل سطوري بسمة ...وشكرا لأنك ..أنت !

أدامك الله وبارك لنا في عطائك ودمت لنا منارة وشعلة نستنير بها في عتمة الدرب ..

وشكرا لأنك قرأت ..وما أروع ما قرأت

تحياتي وإمتناني ومودتي ..دمت لنا

...نجوى ...

***

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعهل كان دستويفسكي اديبا دخل عالم الفلسفة، ام فيلسوفا دخل عالم الادب، وذلك لان الادب والفلسفة في مسيرته الابداعية متداخلان مع بعض بشكل  يكاد ان يكون عضويا ؟ الاجابة عن هذا السؤال الفكري الكبير لازالت غير واضحة المعالم تماما ليس فقط في روسيا، وانما في كل انحاء العالم المتمدن من دول وبلدان وتيارات فكرية متنوعة، رغم ان دستويفسكي – واقعيا - ابتدأ أديبا اعتياديا  بكل معنى الكلمة، وان روايته القصيرة الاولى المعروفة  وهي (المساكين) وجدت مكانتها اللائقة بها في مسيرة الادب الروسي بالذات، ولم يحاول ان يطرح نفسه فيلسوفا حتى في (مذكرات كاتب) الشهيرة في تراثه، والتي ابتدأ بكتابتها في نهاية حياته، و التي يمكن القول عنها،انها آخر كتاب أصدره دستويفسكي، وسجّل فيه انطباعاته الفكرية حول تلك الظواهر التي كانت تحيط به من كل جانب في مسيرة الحياة الروسية واحداثها آنذاك.

 توفي  دستويفسكي  في القرن التاسع عشر عام 1881، ولم تبحث الاوساط الفكرية  الروسية  هذه المسألة مباشرة بشكل جديّ وحقيقيّ ومعمّق (اي العلاقة المتبادلة في ابداعه بين الادب والفلسفة) لا اثناء حياته ولا بعد وفاته رأسا، ولكن دستويفسكي أصبح  في الوقت الحاضر (في روسيا وفي كل العالم ايضا!) اكثر الادباء الروس قربا من  الفلسفة، بل، ان صح التعبير، حتى اكثرهم التصاقا واندماجا ووحدة عضوية مع طروحات الفلسفة ومفاهيمها ومذاهبها، او بتعبير وجيز ومركّز – ان دستويفسكي الان اكثر الادباء الروس فلسفة، حتى مقارنة بتولستوي نفسه (انظر مقالتنا بعنوان – تولستوي فيلسوفا)، وتوجد الان سلسلة من اسماء الفلاسفة الروس الكبار (منذ بداية القرن العشرين فصاعدا) ترتبط – قبل كل شئ – بدراسة مفاهيم وطروحات فلسفة دستويفسكي استنادا الى نتاجاته الادبية وتحليلها، وهذه الاسماء معروفة وشهيرة مثل بيرديايف (التي تتمحور قيمته الفكرية بالاساس في تلك الآراء وألاقوال والكتابات حول فلسفة دستويفسكي، والتي انعكست في كتابه (رؤية دستويفسكي للعالم) المترجم الى العربية  – انظر مقالتنا بعنوان بيرديايف ودستويفسكي)، وميرشكوفسكي (انظر مقالتنا بعنوان الكاتب والفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي، وبالذات حول كتابه – دستويفسكي وتولستوي)، وروزانوف (الذي أطلق على (المفتش الاعظم) لدستويفسكي تسمية (ملحمة فلسفية)،  والتي أشار روزانوف فيها الى ان دستويفسكي قد مزج هناك (حرية الارادة مع القانون المطلق للاخلاق)، وشيستوف (انظر مقالتنا بعنوان تشيخوف والفيلسوف شيستوف)، و سولوفيوف ..الخ، ويطلق هؤلاء الفلاسفة كلهم على دستويفسكي تسمية - الكاتب الفيلسوف، وهناك كذلك اسماء فلاسفة من اوربا يؤيدون هذه الآراء ويتوحدون معهم في هذا الاتجاه، بل ويرون انه حتى توجد عند دستويفسكي بدايات الملامح الاولية والاساسية  للفلسفة الوجودية  في العالم، التي بدأت تظهر في اوربا في اواسط القرن العشرين، وذلك (لأن فلسفة دستويفسكي هي فلسفة الوجود الانساني قبل كل شئ) كما يؤكد أحد هؤلاء الفلاسفة الاوربيين.

لقد تناول الفلاسفة كافة نتاجات دستويفسكي الادبية بالتحليل، ووصلوا الى ان (الفكرة الروسية) في تلك النتاجات هي صفة انسانية مشتركة بين المجتمع الروسي والمجتمعات الاوربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وان هذه (الفكرة الروسية) هي (تجسيد لقانون الاخلاق) في  هذه المجتمعات الانسانية بغض النظر عن قومية تلك المجتمعات وثقافتها ومستوى تطورها، ولهذا اصبحت هذه المجتمعات تتقبل نتاجات دستويفسكي، وأخذت تعتبرها نتاجات تعبر عن الانسان بشكل عام في كل تلك المجتمعات قاطبة، وقد أشار دستويفسكي مرة في احدى رسائله الى أخيه قائلا، الى ان الانسان (سرّ)، وانه يحاول ان يسبر أغواره (كي يفهمه) طوال حياته، وذلك لانه (اي دستويفسكي نفسه) (يريد ان يكون انسانا)، وكان دستويفسكي يتكلم هنا عن (الانسان) بشكل عام، ولم يحدد قومية ذلك الانسان او جنسيته طبعا .

ويربط بعض الباحثين هذه الافكار مع المفاهيم الدينية المسيحية الواضحة المعالم عند دستويفسكي، والتي تكمن في تأكيده على الكنيسة الروسية الارثذوكسية والدور الذي يجب عليها ان تؤديه عالميا باعتبار ان موسكو هي – (روما الثالثة) كما كان يدعو دستويفسكي، ولهذا، فان (الفكرة الروسية) التي بلورها دستويفسكي لا تفقد (عالميتها !)، او ملامحها الاممية، رغم ارتباطها ب (الصفة الروسية) تلك، ولهذا ايضا، فان القراء في العالم يتقبلون دستويفسكي ونتاجاته الادبية ذات الروح الفلسفية بغض النظر عن قوميتهم واجناسهم .  

موضوعة دستويفسكي فيلسوفا – مسألة كبيرة في تاريخ الفكر الفلسفي الانساني، وهذه التأملات هي تذكير بالملامح الاساسية فيها ليس الا، وكم اتمنى ان يتناول أحد الفلاسفة العرب هذه الموضوعة يوما، ويدرسها بالتفصيل العميق... 

 

أ. د. ضياء نافع

 

فالح الحمرانيعلى خلفية شحة الدراسات عن الثقافة العربية بالروسية وترجمة الاعمال الادبية العربية لها، وشبه انعدام التواصل الثقافي بين العالم العربي وروسيا، صدرت في موسكو دراسة رصينة كرست لاعمال غادة السمان وجاءت بعنوان " شاعرة القصة. القاصة غادة السمان. ال60ـ 90 القرن العشرين".

والكتاب الصادر عن دار نشر جامعة العلاقات التابعة لوزارة الخارجية الروسية حيث تحاضر الباحثة في قسم لغات الشرق الاوسط، ثمرة عمل طويل ودؤوب للباحثة ناتاليا شويسكا، ودراسة موسعة وعميقة لأدب غادة السمان، كما سبق وان ترجمت للروسية بعض قصصها ودافعت عن رسالة دكتوراه باعمالها.

وكما جاء في تقديم الناشر ف" شاعرة القصة. القاصة غادة السمان. ال60ـ 90 القرن العشرين" هو اول بحث من نوعه في الاستعراب الروسي والاجنبي الذي يتناول بدراسة مجمل الإبداعات للاديبة غادة السمان، من زاوية علم ادب تقويمية تحليلية. وتنطلق الباحثة من ان اعمال السمان تمثل وثيقة سايكولوجية للعصر وللمشكلات السياسية / الاجتماعية التي لم تجد لها حلولا ناجعة لحد اليوم. وتلفت الى ان النقد العربي رصد قواسما مشتركة بين أعمال السمان وأعمال فيرجينيا وولف   وسيمون دي بوفو،ا وبالدرجة الاولى بامعان الاديبة النظر في مصائر المراة العربية.

يتوزع البحث على ثلاثة فصول، تسبح فيها الباحثة في عوالم غادة السمان الشاسعة والمتنوعة : كاتبة قصة وناقدة ادب وكاتبة مقالة في الشئون الاجتماعية والسياسية، حملت هموم عصرها وامراض المجتمعات العربية، وخاضت معركتها من اجل تنمية وعي عصري وحضاري في عقلية الانسان العربي.

تولج الباحثة الى عوالم غادة السمان من خلال مقدمة تحدد فيها الاعمال التي  تركز عليه البحث، وتظهر للقارئ بصورة اولية ملامح المنهج الادبي الذي اعتمدته السمان " الذي منذ بداية نشاطها كقاصة تفاعلت فيه الواقعية والافكار الرئيسية للوجوديين العرب وموقفهم النقدي للواقع". وترى "ان في مركز اهتمامات السمان كانت الشخصية وماهيتها وجوهرها الداخلي وحياة الروح الانسانية، ومأساوية العالم الروحي للفرد".وان قصص السمان مشبعة بالابعاد النفسية وغالبا ما يتجسد بهذا الاسلوب اهتمامها في اجواء الوعي الذاتي للانسان، وما فيه من امكانات روحية، مما يتيح اعتبار قصص الكاتبة قصص سايكوجية. وفي هذا المنحى تدور محاور اعمالها على قضية " المرأة" وموضوع الهجرة والاغتراب باشكالها المتنوعة، والقصة كرد فعل على الاحداث والنزاعات السياسية والتتناقضات الاجتماعية والبناء الاجتماعي في البلدان العربية. فاعمال السمان مشحونة بمشاعر الاحتجاج ومسكونة بروح ناقدة، علاوة على المضامين العامة والإنسانية والفلسفية. وتتميز أعمدة البنية الفنية لأعمال السمان بخصوصية اللغة الفنية وشاعرية الاسلب وايحائاته ورمزيته والتركيز على تجديد فناني الكلمة  في الغرب وممثلي الحداثة.

وتاخذنا ناتاليا شويسكا في جولة واسعة بالاعمال التي ظهرت بالعربية وغيرها من اللغات التي كرست لاعمال غادة السمان، وتظهر رؤية  وقراءته الاعمال الاديبة. وتستخلص إن كافة تلك الأعمال مشبعة بمواد تدرس الوقائع والعلاقات بينها، وتتميز بتركيز كتابها بالاساس على دراسة افق مضامين اعمال السمان القصصية، وتوجهاتها الاجتماعية وتولي اهتماما اقل لمناحي الشكل. علاوة على ان التحليل الذي يقومون فيه للاعمال القصصية، يكتسب طابعا سطحيا.

وتحدد الباحثة في الدراسة مصادر تشكيل إبداعات غادة السمان وطبيعة نشاطها الادبي. وبعد ان تمر سريعا في السيرة الشخصية، تولى شطر اهتمامها الى معالم الحياة الثقافية في ستينات القرن الماضي، ونمو النزعات الحداثية والوجودية وادب اللامعقول فيها، وتشير الى ابرز ممثليها العرب والغربيين، وبالتالي تاثيرها على الوعي الفني / الفكري

على غادة السمان التي تكتب اطروحتها عن ادب اللامعقول، وتدمن على قراءة اعلام ادباء الغرب، وليس وحدهم، الذين تركوا بصماتهم في اعمال السمان. وتواكب الدراسة ظهور اعمال السمان الادبية التي بدءتها في عيناك قدري، ومقالاتها الاجتماعية والسياسية ونشاطها الصحفي ومنحها الاحاديث الصحفية، التي شكلت منبرا للتواصل مع المتلقي العربي لتفجير وعيه في مواجهة التخلف والفقر والهزيمة والاحتلال. وتقول ان السمان استحقت التقدير والتقويم الرفيع منذ بادية نشاطها القصصي حيث وقف بثبات الى صف الكتاب المناظلين من اجل مساواة المراة.

وتقول إن روايات السمان مشبعة بالحزن ولكن ليس بالاكتئاب. وان الكاتبة لا تضع هدفها ب "إخماد حرائق"  المشاكل وفك عقد التناقضات وتتمثل مهمتها في تعريتها بصدق والإفصاح الكامل عنها وجعلها واضحة قدر الإمكان. إن فنها لا يقلد هذه الحياة الكئيبة ولكنه يمنحها بالأمل ويدفعها للمثابرة وجرأة التفكير. إن أبطال أعمال غادة السمان والعام الفني الذي أقامته واللغة المجازية التي اعتمدتها أصبحت جزء من الوعي الثقافي للقرن العشرين  ثم دخلت الواحد والعشرين ما اطلق علية يوري لوتمان " الذاكرة الجماعية الثقافية"

وما يلفت النظر ا نان اكثر من ثلث الدراسة مكرس لتحليل البنية الفنية لأعمال غادة السمان، وأدوات التعبير التي تعتمدها الخ وتكشف أمام القارئ والمختص / الناقد / المحلل نبرة الكاتبة المميزة الخاص بأسلوب إبداعاتها

وما يثير الأسف إن هذه الدراسة التي تمنح القارئ تصورا كاملا عن إبداعات غادة السمان كروائية وناقدة وكاتبة مقال، التي اعتمدت التحليل المتأني والعميق لم تشمل أعمالا أخرى هامة للأديبة البارزة، مثل روايات ليلة المليار والرواية المستحيلة وسهرة تنكرية للموتى فسيفساء دمشقية.

وفي ردها على سؤال لكاتب هذه السطور عن سبب اختيارها غادة السمان مادة لدراستها قالت ناتاليا شويسكايا: إنها كانت دائما مخلصة لأدبها وموهبتها وتمارس الكتابة لان مشاكل مجتمعها تقلقها، وخاصة وضع المرأة في المجتمع العربي وفي أوروبا وأمريكا، ولكون إن  أعمالها تُقرأ بحوالي 20 لغة في مختلف أنحاء العالم، ولأنها أديبة مجددة تكتب نثر احتجاجي، ولان النقاد يقيمون أدبها بشكل رفيع، ولأن أعمالها تثير اهتمام ليس للقارئ العادي وإنما للمستعرب، ولأنها زارت موسكو والتقت بالعلماء الروس في معهد الاستشراق وبقيت ذكرة هذا اللقاء عالقة في إذهان لدى جميع المستعربين وعلماء اللغة الذي شاركوا في اللقاء.

 

د. فالح الحمراني