قاسم محمد الساعديأغنية

ما الفائدة أن تتذكر وقت خمول ألروح وتحاول اصطياد ألذكريات بصنارة صدئة، لكن تفاجأ ان نزيف الاسئلة مستمر سيما وان الذاكرة ليست شجرة عارية فكل اوراقها مازالت عالقة فيها، روحي التي افلتت من اسارها تؤرخ لليلة صيفية على سطح احد منازل الاصدقاء .. كانت الاغنية مسامحك

شما تغيب مسامحك وأتأمل تعود)

وليفي وأريدن صالحك وشيردك ردود)

هذا الشجن السومري المطرز بالحزن يأخذك الى أول قصيدة حب كتبت قبل اربعة ألاف سنة كنبتها صبية  ابحث عني إلى أن تجدني)

قلبي مثل طيور تصفق باجنحتها اين نجدك ... و

تسكرها حجم الاه التي تنتزع من الروح انتزاعا

يا ما إلك ضحّيت والنوب أضحّي

ما يجي بعينك ليش زادي ولا ملحي

ليس ثمة علامة واضحة علّي لا ميت ولا حي

تلفاز

حين اسرعت الرياح الباردة وهي تصخب كنت اجلس قرب المدفأة في ليلة باردة حين صمت التلفاز كأنه اصيب بنوبة قلبية مفاجئة، الى اين ؟ اذهب نحن الذين صيرنا البؤس خجولين .. ذهبت الى محل صديقي المهندس والشاعر عبد الامير اللامي ابا عادل وضعت التلفاز على المنضدة الخشبية حتى تناوله ووضعه على رف عال و انزل تلفاز ابيض

قال :خذه يا قاسم  وكذكرى من زهر التفاح

بدا صوت التلفاز يبدا بالأغنية

مسامحك)

لو ما إلك يا فلان بكليبي ألف آه )

ما سامحيتك  يوم ولا هجرك أرضاه )

ومثل حرائق الغابات تضيء عتمة الشوارع القريبة بدأ ايقاع الاغنية يتسرب الى الروح وكمن مسه السحر صرت منقاد اكثر فأكثر للوهم الذي يطلق صيحات ماكرة في الروح التي غدت كومة ميتة باردة

لقاء

تنام الايام بين ذراعي السؤال الذي مات في الحال

الاكاذيب ليست عملة  لها وجهين (طره وكتبه) بل وجه واحد قبيح جدا

في مرطبات (مشمشه ) بدأت تقص علي الاكاذيب عن مسابقة للرسم اصغي اليها وضجيج الزبائن مشتبك مع قلقي، كأني اجلس مع شخص لا مرئي مرت امامي لقاءات كثر جمعتنا، لكن أنا مصّر على اجتياز نهر الضباب رغم ان كل ضياء الدنيا لا ينفع اعمى

المتيم الذي امامك ينظر الى دبوس شالك والى شفتيك وهي ترتفع ... وثمة مراسيم للتوديع تطوف على اسوار اللقاء

حين خرجنا نظرت للسماء العالية فوق رأسينا شاهدة على اخر لقاء

في الباص الذي أقلني من المنصور الى البيت، يسير ببط وحين وصل الى الرأس الخلفي لتمثال ابا جعفر المنصور رفع سائق صوت المذياع

كفْ لعبة الهجران وارحم دليلي

ما غمض جفني بيوم ولا نمت ليلي

قلبي الذي بدا كمغارة مهجورة

يلعن من؟

ويسامح من؟

ويلوم من؟

اغنية مسامحك .. الحان وغناء القنان عودة فاضل

 

قاسم محمد مجيد

 

محمد صالح الجبوريالاذاعي محمود المسلمي إذاعي ومعد ومقدم برامج في القسم العربي بالإذاعة البريطانية، يتمتع بصوت جميل عذب وقدرة وكفاءة في الأداء والتقديم، من ابرز برامجه (همزة وصل)، الذي يتناول مواضيعاً ثقافية وادبية وإجتماعية، يتابع البرنامج مستمعي من مختلف دول العالم العربي، برامج يكتشف المواهب الشبابية، ويقيم علاقات طيبة بين المستمعين، انا اقترح ان يقدم البرنامج حلقة عن دور الإذاعي محمود المسلمي في تقديم واعداد البرنامج، ويتم مشاركة المستمعين  في طرح الأسئلة، الأذاعة البريطانية قدمت برامج متميزة في ألفترة الماضية، أبرزها (قول على قول)، و(ندوة المستمعين) و(لكل سؤال جواب) و(الواحة) و(العالم هذا المساء) و(السياسة بين السائل والمجيب)، ونالت إهتمام المستمعين  منذ الحرب العالمية الثانية، كانت تتميز بمصداقية وثقة في نقل الأخبار والأحداث، كان القسم العربي من أهم الإذاعات التي لها صدى واسع في العالم العربي، الدعوة إلى الإذاعي محمود المسلمي بتقديم حلقة خاصة يتم فيها تقييم برنامج (همزة وصل)، تحياتي لمحبي همزة وصل، وأتمنى للبرنامج ومحبيه النجاح والموفقية، تحية إلى مستمعي البرنامج والإذاعة في كل مكان.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

إن أهمية اللغة تكمن في قدرتها على جمع شظايا المعاني الرمزية التي تتفجَّر في الحروف والكلمات. وهذه القدرة اللغوية الذاتية لها دلالات فكرية وأشكال اجتماعية. وكُلما اقتربَ الفكرُ الذهني من بُنية المجتمع الواقعية، اقتربت الرموز اللغوية من العلاقات الاجتماعية المُعاشة. أي إن الرموز تأخذ أشكالًا اجتماعية واقعية، وتُصبح على تماس مباشر بحياة الإنسان القائمة على التفاصيل والمشاعر والأحداث اليومية .

وكُل إنسان يعيش حياتَيْن معًا:حياة في جِسمه (الحياة الداخلية)، وحياة في مجتمعه (الحياة الخارجية) . وعليه أن يجد القواسم المشتركة بين هاتَيْن الحياتَيْن، كي يُحافظ على التوازن بين الأشياء، ويحميَ نَفْسَه من فقدان المشاعر والأحاسيس . وهاتان الحياتان تسيران جنبًا إلى جنب، وتتوازيان حِينًا، وتتقاطعان حِينًا آخر . ولا يُمكن السيطرة عليهما إلا بإيجاد فلسفة (التزامن / التعاقب)، وتحديد مدى تغلغلها في النسق الحياتي والفكر الذهني .

والتزامنُ هو حُدوث العلاقات الاجتماعية في نفْس اللحظة، أمَّا التعاقب فهو حدوث العلاقات الاجتماعية علاقةً بعد أُخرى . وهذه المنظومة الفلسفية (التزامن/ التعاقب) في غاية الأهمية، لأنها تكشف طبيعة العلاقات الاجتماعية، وتُميِّز الوجوهَ مِن الأقنعة، وتُفرِّق بين المشاعر الحقيقة والمشاعر المصلحية . والإنسانُ كائن مُحايد، ووجوده سابقٌ على جَوهره. وما يُحدِّد جوهرَ الإنسان هو علاقاته بنفْسه والناس والبيئة والطبيعة. ووَفْق هذه العلاقات، تتحدَّد شخصية الإنسانية، وتتشكَّل منظومته القِيَمِيَّة، وتتكرَّس صفاته وأخلاقه وفلسفته في الحياة، ويتَّضح مساره ومصيره، لأن المسار يَكشف طبيعة المصير، وكُل جوهر له مَظهر . ولا يُمكن فصل المُرتكزات الإنسانية عن سياقها التاريخي، وطبيعتها الاجتماعية، ونظامها اللغوي، وإطارها المشاعري .

وكُلما سيطرَ الإنسانُ على نفْسه بكل تناقضاتها وتشابكاتها، سيطرَ على العناصر المحيطة به، والمنتشرة حَوْله، لأن الذات الإنسانية هي الأساس في عملية ولادة العلاقات الاجتماعية، وتشكُّلِ الوعي الذهني، الذي ينعكس على المنظومة الإنسانية بكل تفاصيلها .

وإذا اعتنى الإنسانُ بنفْسه سيظهر في المِرآة جميلًا، ولكنه إذا اعتنى بالمِرآة ونَسِيَ نَفْسَه، فلن يتغيَّر شيء، لأن الأصل - وليس الصورة - هو أساس القيم المعرفية، والعلاقاتُ الاجتماعية صورة مُنعكسة عن الأصل . ومهما كانت الصورة في المِرآة جميلةً وبرَّاقة، ستظل صورةً، والإنسانُ الواقف أمام المِرآة هو الأصل، والتَّعويل عليه، وهو المصدر (المنبع) . ومنبعُ النهر هو الذي يُحدِّد اتجاه روافده وطبيعتها. ومهما كان البرواز أنيقًا وغاليًا، سيظل إطارًا خشبيًّا أو بلاستيكيًّا بلا رُوح، لأن الروح في الجسد (الأصل) والذكرياتِ  (المصدر) .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

نايف عبوشابتداءً لابد من التسليم، بأن الإبداع، موهبة فطرية، تولد مع الإنسان الموهوب. وعادة ما تظهر علامات الإبداع على الموهوب منذ بواكير طفولته. فيظهر في غالب الأحيان، طفلاً نشطا، وحركيا بين أقرانه، حيث تراه يستنبط العابا غير مالوفة، ويقوم بحركات تجلب انتباه الآخرين، حتى أن أقرانه ينقادون له، ويقومون بتقليد افعاله، وقد يجلب انتباه كبار السن المحيطين به أيضاً، فيحظى بعطفهم، ورعايتهم، فيؤثرونه في المودة، ويقربونه منهم مجلساً، وقد يتنبأ له البعض منهم بمستقبل واعد.

وهكذا تظل الموهبة، بما هي ظاهرة ابداعية قابلة للأستيلا، كلما مارس الإنسان التأمل.. واستطاع بخياله المتطلع.. ان يحلق بإحساسه المرهف..  بين صعيد أرض واقعه المثقل بالمعاناة..  وبين فضاء سماء احلامه المفتوحة الافاق بالإيحاءات .

ومن هنا يلاحظ ان الكتابة بما هي موهبة انسانية، تظل في جانب اساسي منها حالة مزاجية، وتحتاج إلى حس مرهف، وإلى حدث يقدح شرارة إشعال ومضة الانثيال من حافات الوجدان.

ولذلك لا بد لمبدع النص، من ان يطلق عنان خياله في التطلُّع، من دون أن يتعمد اختلاق مرموزات نصه بطريقة ميكانيكية، بحيث يقترب فيما يسرده انثيالا، من حقيقة صور واقعه المعاش، رغم أنه يعتمد في سرده للأحداث داخل بنية نصه، على خياله، في استيلاد صور عناصر واقعه الحي، ليصبها بسياق إبداعي في بنية النص.   

ولاشك ان صقل الموهبة بالاختصاص.. ودعمها بالممارسة المهنية والدربة.. يرتقي بعطاء الكاتب الى افاق متقدمة من الرصانة المتكاملة الساحرة، التي تقترب بنصوصه المنثالة، من حقيقة اللوحة الفنية المكتضة بالصور، او القصيدة الشعرية الزاخرة بالبواحات، او المقطوعة النثرية الرشيقة التعبير . 

وما دام الأمر كذلك، فإن التنطع، ومحاولة اصطناع الموهبة، سيكون تكلفا مقرفا، ويضع صاحبه في دائرة السخرية، وتسفيه أدائه، مهما حاول أن يطبعه بالعفوية، إذ لاشك ان المتلقي، سيتفاعل بسهولة وتلقائية، مع ذلك النص الابداعي، الذي يلامس همومه بصدق، ويعبر عن معاناته بشفافية، ويمنحه اعلى قدر من المتعة،والغذاء الروحي في نفس الوقت. فالنص كأي معطى أبداعي، هو حلقة الوصل بين المبدع، ومتلقيه، ما دام يتصف بالتلقائية التعبيرية عن الهموم، والقدرة على الإيحاء، والتأثير في الآخرين .

 

نايف عبوش

 

عقيل العبوديوميا اذهب الى ستاربوكس القريبة من المنطقة التي اسكن فيها، وميزتها انها واقعة في دار بيع الكتب والقرطاسية، التي من انعامها، انها يُسمَحُ للزبون فيها ان يقرأ من الكتب المرفوفة ما لذَّ وطاب.

علما انه كما اشرت سابقا في وصف المكان اعلاه، حيث لكل زاوية موضوع، فقسم الفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلى غرار ذلك، باقي العلوم التي انعم الله بها على عبده، ليشتغل بعقله، وحسه، بل بجميع زوايا مشاعره، وضميره، ووجدانه. أي بكيانه الإنساني، ما يذكرني بدار الحكمة، وبيوتات الثقافة، إبان زمن الخط الصاعد من الحضارة في مجتمعاتنا، كما يعبر احد المفكرين.

 حيث للفلك، والطب، والجغرافية، والرياضيات، والأدب ، وكل ما تشتهي النفس الراقية، حضورات زكية، كما لحقل اللغات ايضا، ما يجعل المهتمين بأمر هذه النِعَم، مثلهم كمثل الذين يقصدون مطاعم الأكلات الشهية تلذذا، بتلك الوجبات التي تُقَدَم مع الورد، وأناقة النادلات اللائي يستقبلن الزبائن بتلك الابتسامات، والتحايا الممزوجة مع المجاملات الناعمة.

وهذا طبعا مع نكهة الموسيقى الهادئة، تلك التي لا تخلو من سمفونيات هايدن، وموزارت، مضافا اليها القهوة المطعمة بالحليب، والعسل.

وتلك فضاءات تسرقني كما غيري، لأطوف في رحابها، الى درجة لا اقدر مغادرتها، الا بعد إكمال ملخص عن كتاب، ما اسميه مائدتي الثقافية.

وذلك امر استهواني، بل أضاف شيئا آخر الى خبرتي الأكاديمية، لتلخيص كتب وموضوعات متنوعة، ولكن ليس بالنمط التقليدي، بل على  شاكلة الوجبات السريعة التي تعدها ال McDonald’s، هكذا يطيب لي وصفه.

 باعتبار ان طريقتي في التلخيص، وبحسب ما يتناسب مع الوقت والامكان، تعتمد قراءة العنوان الرئيس، ثم قراءة محتويات الكتاب، وخاتمته، وحقل ال Glossary، أي المعاني الخاصة بالمصطلحات المهمة في المادة، مع التركيز على بعض الفصول، وذلك مسبوقا بتصوير المغلف بوجهين، بغية الإشارة اليه في حقل ال sources أو ال references، كأمر مهم في تثبيت معلومات دار الطباعة، وتاريخ النشر بغية ادراجها عند التأليف لاحقا.

والأمر مفيد في تعزيز الثقة بالنفس كونه على اساسه، يتم الاستمتاع بلغة ثانية قراءة، وكتابة، وبمعرفة  تشدّ القارئ اليها في جميع فروع المعرفة.

ولذلك ونظرا للفائدة، أقول، بما ان الكتابة تستهوي المعنيين، لذلك فلا بأس ان تكون هذه المهمة عبارة عن ملخصات يومية موجزة لما هو متيسر من المصادر.

 والغاية من الفكرة، تحقيق أمرين؛ الأول، القراءة، والثاني، الخبرة، وهذا يصب في تعزيز نشر الثقافة الرصينة، ما يقدم للقارئ طبخة شهية في باب المعرفة.

 عندئذٍ، ستعم الفائدة الأكاديمية، والثقافية، والإجتماعية، وكذلك يصار الى بناء نسيج ثقافي متكامل، يمكن الاستفادة منه في تشجيع لغة القراءة بين الشباب والمثقفين عبر بيوتات، وجلسات، ومنابر ثقافية، املا بإعادة تأهيل دار الحكمة الذي افتقدناه كما فقداننا لمفردات ثقافتنا الأصيلة.

 

عقيل العبود

 

ضياء نافعلم يعترف ماياكوفسكي بالاسماء الكبرى في تاريخ الادب الروسي في بداية طريقه الادبي، مثل بقية الادباء الذين كانوا ينتمون الى تيّار أدبي وفني برز في بداية القرن العشرين بروسيا وهو – (الفوتوريزم)، اي (المستقبلية)، ولا مجال هنا طبعا للحديث عن هذا التيّار ومكانته في مسيرة الادب والفن في روسيا . كان ماياكوفسكي متحمسا جدا لتلك الآراء، ومتطرفا كالعادة في مواقفه الحادة، ولهذا فقد رفض حتى بوشكين، انطلاقا من ضرورة التخلص من الماضي، والارتباط مع الحاضر فقط، والانطلاق منه نحو المستقبل. لقد دعى ماياكوفسكي في تلك الفترة المبكرة من مسيرته الابداعية الى (...اسقاط بوشكين من منصة العصر الحديث وخلعه والاطاحة به..)، وهذه الكلمات موثّقة ومنشورة في المصادر الروسية عن ماياكوفسكي وعن تيّار المستقبلية وأنصارها عموما. وأذكر ان أحد أصدقائي من الطلبة الروس، الذي كان يدرس معي في جامعة موسكو في الستينيا ت، والذي كان معجبا جدا بماياكوفسكي، قال لنا مرة، انه قرأ حول تلك الفترة من مسيرة ماياكوفسكي ما معناه، ان ماياكوفسكي كان يرغب ان يقود بوشكين الى جدار ويوقفه عند ذلك الجدار ويعدمه رميا بالرصاص، ولازلت أتذكر الاشمئزاز والامتعاض والاستهجان الذي ساد عند جميع الطلبة من الذين كانوا يستمعون الى ذلك الحديث آنذاك، وقد علّق أحد المستمعين عندها قائلا – طبعا اراد ماياكوفسكي ان يعدم بوشكين لانه كان يرغب ان يخلق اوزانا موسيقيّة جديدة ومبتكرة من قبله في مسيرة الشعر الروسي، ولكن بوشكين العظيم كان له بالمرصاد، ولم يسمح له بتاتا بذلك، رغم ان بوشكين عاش ومات قبل ماياكوفسكي بقرن كامل من الزمن . وفي تاريخ الادب الروسي توجد حادثة طريفة (سبق لي ان تحدثت عنها تفصيلا في احدى مقالاتي القديمة ببغداد السبعينات حول ماياكوفسكي)، واعيد ملخّصها الان، وهي ان لينين حضر في احدى مؤتمرات الشباب السوفيتي مرة، وسألهم – (هل تقرأون شعر بوشكين؟)، فأجابوه – كلا، نحن لا نقرأ شعر البرجوازي بوشكين، وانما نقرأ شعر البروليتاري ماياكوفسكي، فاجابهم لينين مبتسما بجملته الشهيرة والواضحة وضوح الشمس كما يقول تعبيرنا العربي الجميل، اذ قال – لكن شعر بوشكين أفضل .

موقف ماياكوفسكي من بوشكين بدأ بالتغيّر تدريجيا، اذ انه صرّح برغبته (الاطاحة !) ببوشكين في عام 1912 (ولد ماياكوفسكي العام 1893)، ومن الواضح تماما، ان مثل هذه (الاقوال!) يطلقها عادة الشباب الغض المتطرف في كل زمان ومكان (قالها عن بوشكين ايضا بازاروف – بطل رواية تورغينيف الآباء والبنون) . ان الآراء الفكرية و المواقف المرتبطة بها، مثل كل البشر، تنضج وتتطور وتتغيّر بمرور الايام والشهور والاعوام، وهذا ماحدث طبعا مع ماياكوفسكي، الذي كتب العام 1924، اي بعد 12 سنة من أقواله المتطرفة تلك، كتب قصيدة طويلة جدا وجميلة ومكتوبة طبعا باسلوب ماياكوفسكي و بعنوان – (اليوبيلية)، وهي مكرسّة للذكرى (125) لميلاد بوشكين، وتوجد اشارة في المصادر الروسية الى ان ماياكوفسكي كتب هذه القصيدة وكان الشاعر ماندلشتام يقرأ له رواية بوشكين الشعرية – (يفغيني اونيغين)، رغم ان ماياكوفسكي – كما تشير تلك المصادر نفسها – كان يعرفها عن ظهر قلب تقريبا.

لم يصل ماياكوفسكي طبعا الى قصيدته عن بوشكين تلك رأسا، اذ ان آراء المستقبليين وغيرهم من الشباب المتطرف حول (الاطاحة!) بالتراث الادبي الروسي (بما فيهم تولستوي ودستويفسكي ايضا) اصطدمت واقعيا بموقف الناس الطبيعي والسليم دائما من ذلك التراث العظيم، بل ان موقف لوناتشارسكي، وزير التعليم والثقافة السوفيتي الاول (انظر مقالتنا بعنوان - لوناتشارسكي الفيلسوف والاديب والوزير) من ذلك التراث كان مضادا كليا لتلك الآراء المتطرفة تجاه رفض التراث، وقد بدأ موقف ماياكوفسكي من بوشكين يتغيّر، اذ أعلن انه ضد تحويل بوشكين الى تمثال، اي الى مفهوم (الصنم!) ان صح التعبير، وانما هو (اي ماياكوفسكي) مع التفاعل الحيوي والحياتي بشعر بوشكين، وقد كتب ماياكوفسكي في قصيدته الجميلة تلك كل ما اراد ان يقوله عن بوشكين –

أنا الوحيد / الذي يأسف / لانك لست حيّا / ....... احبك / لكن حيّا / وليس مومياء .......

 

أ. د. ضياء نافع

 

احمد الكنانيصاحب هذه القصيدة يمتلك من القدرة الشعرية ما يمكّنه من تطويع المفاهيم العميقة الخاصة بالسالكين الخلُص وتعبيدها حتى لعابري السبيل مهما كانت وجهتهم ..

اختياره للهجة الدارجة لتمرير أفكاره الى عموم الناس ليس قصوراً منه في استخدام الفصحى، هو يرى ان الشعر ليس حكراً على طبقة النبلاء، والأفكار بعمومها بحاجة الى إنزالها الى ادنى مستوياتها لترتفع بالناس الى اعلى المستويات، وليس العكس ..

كنت اشعر بالغرابة الممتزجة بالأسى لما ينشر في الفضاء الإلكتروني من مقالات وقصائد شعر وڤيديوهات تثير غبار الماضي السحيق، وكلام عن عقائد او ما صّيروه عقائد كان يلقّن بها ابناء ذاك الزمان تتناسب مع السذاجة التي يتحلون بها، كلام عن ولايات تكوينية وأخرى تشريعية، ولاية أناس بعضهم على بعض مستمدة من ولاية الإله .. كل ذلك ارضاء لعامة الناس والنزول عند رغباتهم، بدلا من النهوض والارتقاء بها الى ابعد حدود الطموحات، وعند السؤال عن جدوى تلك الأبحاث والأدب المؤجج والمستفز، يجاب: بان الناس ترغب بذلك  وتستمتع بها اكثر من اي شيء اخر .

محمود بيرم التونسي ومن خلال نتاجه الشعري كان يحمل هموم التثقيف الجماهيري والارتقاء به عن طريق الزجل الممتزج بالفكاهة احيانا الى حالة الثقافة العامة والوعي العام ؛ اذ لا طبقية في أدب بيرم، بأن تكون هناك طبقة مثقفة يتعامل معها على أساس من الثورية الرائجة تلك الايام، وطبقة اخرى هي عموم الشعب وهؤلاء لا يستحقون الكثير من العناء، فالتغيير ان هو حاصل فعلى عاتق المثقفين دون سواهم،هذه المفردة لا وجود لها في قاموس التونسي …

بعض من شعره يحمل افكار صوفية عميقة المغزى، تصب في ذاك الاتجاه الذي اختطه لنفسه ؛ من اشراك الناس كل الناس في التشبّع من تلك المفاهيم،  وقصيدته القلب يعشق كل جميل مثالها البارز .

مطلع القصيدة يقول:

واللي صدق فى الحب قليل

وان دام يدوم يوم ولا يومين

.

واللي هويته اليوم 

دايم وصاله دوم

.

لا يعاتب اللى يتوب

ولا فى طبعه اللوم

.

واحد مافيش غيره

 ملا الوجود نوره

.

دعاني لبّيته    

لحد باب بيته

.

 واما تجلى لي

بالدمع ناجيته …

هناك تداع للمعاني حصل لي مع هذه القصيدة مثير للاستغراب جعلني اقرأ واستمع لمعظم ما نظمه بيرم من شعر لعلّي اهتدى الى أسباب ذلك التداعي .

 حصل ذلك في طريق عودتي الى المنزل ليلا وفي السيارة اعتدت سماع الموسيقى الصوفية او ام كلثوم احيانا .. وفي لحظة سماعي لأم كلثوم وهي تنشد القلب يعشق كل جميل تبادر الى ذهني ابيات جلال الدين الرومي وبذات المضمون ايضا .. وكنت احسبها من مختصات هو  ..

 فهل هي مشتركات فكرية

ام سرقات شعرية

ام ماذا !!

ابيات مولانا جلال الدين من نوع الشعر القصصي الطويل المتضمن لمقاطع وفصول .. في خاتمتها يقول الرومي:

این جهان کوهست و فعل ما ندا

             سوی ما آید نداها را صدا

ترجمة تلك الابيات الغزيرة بأفكارها الوجيزة بألفاظها  كالاتي :

هذا العالم كجبل وأفعالنا فيه نداء

                 نداؤنا راجع إلينا كالصَدى

هذا هو الإنسان المعنوي  الذي يمثله مولانا جلال الدين ونظرته المتوازنة الى الكون أخذاً وعطاءاً، فبقدر ما تعطي في هذا العالم بقدره ما يرجع إليك؛ ان شر فشر وان خير فخير، هو اشبه بالصدى المتردد بين ارجاء الجبل …

 وهذه اشبه بالقواعد الأخلاقية غير المنضبطة بقوانين الطبيعة والفيزياء لكنها احساس نشعر به، كما في قول القائل: " من طرق باب الناس طُرق بابه "

ثم يبدأ مولانا في تعريف الحب الحقيقي ويوصي بالعشق الدائم، بل ان مقولة الحب لا تصدق الا على بقاء الحب ودوامه ؛ لانه حبل عقدته إلهية لا تنفك أبداً، في قبال الحب المؤقت الذي يدوم يوماً او يومين ذلك الذي يعتريه التغيّر والتّبدل بحسب الظروف والأحوال وهو ما يطلق عليه مولانا تسمية  حب الموتى الذي لا أمل فيه ولا رجاء، والعشق الباقي هو عشق الحي الذي لا يموت، وهو الشراب الذي أرتوى من رحيقه الأنبياء:

زانک عشق مردگان پاینده نیست

         زانک مرده سوی ما آینده نیست

عشق زنده در روان و در بصر

            هر دمی باشد ز غنچه تازه تر

عشق آن زنده گزین کو باقیست

          کز شراب جان‌فزایت ساقیست

عشق آن بگزین که جمله انبیا

الى اخر الابيات …..

احسب ان هناك تقاربا في المعنى بين ابيات الرومي وما كتبه بيرم التونسي،  ولا أدّعي السرقات الشعرية، رغم انه واقع في مخالبها في قضية الاتهام الصادرة من زكريا احمد وهي احد أسباب القطيعة بينهما ..

اذا لم اجد اي علاقة بين بيرم والأدب الفارسي سوى صورة له على غلاف احد دواوينه نقشت على يده علامة الأسد والشمس (شير وخورشيد) وهي شعار الإمبراطورية الفارسية المتوسطة للعلم الإيراني في ازمنة الشاهات ..

لا يوجد عندي ما أدافع به عن الرومي لعدم كفاية الأدلة .

 

احمد الكناني

 

ضياء نافعاطلعت على مقالة طريفة جدا بالروسية عنوانها: (مئة حقيقة عن غوركي)، مقالة ذكرّتني رأسا بالقول العربي الذكي والدقيق: (ما قلّ ودلّ). تتضمن تلك المقالة مئة فقرة وجيزة ومختصرة جدا حول حياة غوركي وابداعه، وقد كتبها – كما هو واضح - متخصصون في تاريخ ومسيرة هذا الاديب الروسي الكبير، ووجدت في تلك المقالة وقائع وحقائق وآراء مختلفة ومتنوعة جدا، قسم منها يتناول وقائع معروفة عن غوركي ولكنها منسية الى حد ما ولم تعد مثيرة للقارئ رغم اهميتها، وقسم يرتبط بحياة غوركي وابداعه ولكنه يثير نقاشات عديدة ويتطلب اثباتات وبراهين وتحديد مصادر دقيقة حول ما ورد في تلك الوقائع، واود هنا ان استعرض للقارئ العربي بشكل عام بعض تلك الفقرات ليس الا، التي جاءت في هذه المقالة واعلق عليها من وجهة نظري، واظن، ان عرض تلك الفقرات ومناقشتها ربما سيكون مفيدا (وممتعا ايضا) للقارئ العربي، الذي يجب عليه – بلا شك - ان يطلع على آراء القراء والباحثين الروس المعاصرين حول أديب مثل غوركي، وذلك لأن هذا الكاتب الروسي قريب جدا من اجواء القارئ العربي ونفسيته نتيجة عوامل آيديولوجية معروفة في مسيرة مجتمعاتنا العربية.

الوقائع الاولى في هذه الفقرات (والتي أشرنا اليها في اعلاه على انها معروفة ولكن منسية) تتمحور حول اسمه الحقيقي (بيشكوف)، وانه اصبح يتيم الاب والام عندما كان عمره 11 سنة، وانه اضطر ان يمارس مختلف المهن، ومنها غسل الصحون في المطاعم، وان تعليمه يرتبط بمدرسة مهنية ليس الا، وان اسم (غوركي) الذي يعني (المرّ) ظهر لاول مرة عام 1892 في احدى الصحف المحلية . بعد ذلك تأتي الفقرات التي نريد ان نتوقف عندها ونعلق عليها بشكل او بآخر، مثلا، ان غوركي كان يقرأ بسرعة 4 ألف كلمة في الدقيقة الواحدة، وهي معلومة جديدة لم يسبق لنا الاطلاع عليها، اذ انها ترتبط باتجاه جديد نسبيا يسمى – (القراءة السريعة) ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين (اي بعد وفاة غوركي عام 1936)، ويخضع هذا الاتجاه لقوانين وقواعد وضوابط محددة وصارمة، ولا تشير تلك الفقرة الى مصدر هذه المعلومة الجديدة والطريفة عن غوركي . توجد فقرة تشير، الى ان دماغ غوركي تم انتزاعه بعد تشريحه وتم الاحتفاظ به لغرض دراسته لاحقا من قبل المختصين، ومن المعروف ان دماغ لينين خضع ايضا لمثل هذه العملية، وهي طريقة كانت متّبعة في الاتحاد السوفيتي، ولكنها لم تسفر عن نتائج عملية وعلمية واضحة، وقد تركوها بعد فترة .

 هناك فقرة اخرى تثير النقاش(وخصوصا للقارئ العربي) حول علاقة غوركي بلينين، اذ تشير الى ان غوركي كان غالبا ما ينتقد سياسة لينين . ان المفهوم السائد في الوعي الاجتماعي العربي يؤكد على ان هناك تجانس هارموني بين افكار لينين وغوركي، وان كلاهما كانا يسعيان الى تحقيق هدف واحد وهو الثورة (وهو رأي سوفيتي معروف)، ولكن هذه الفقرة تتناقض مع ذلك المفهوم . لا يوجد مصدر محدد ودقيق في تلك المقالة على ما جاء في الفقرة هذه، وعلى الرغم من ان القارئ العربي بعيد نسبيا عن الافكار المعاصرة السائدة في روسيا اليوم، الا ان هذا القارئ سيندهش من هذه الفقرة فعلا . ان العلاقة بين غوركي ولينين مسألة لم يتناولها الباحثون العرب بشكل متكامل، اما القارئ الروسي فلم يعد مهتما بها كما كان الامر في الاتحاد السوفيتي، واتمنى ان تسمح ظروفي بالعودة الى هذا الموضوع وكتابة اضاءة حوله، اذ انه لازال موضوعا مهمّا للقارئ العربي. هناك فقرة في تلك المقالة عن ستالين تقول، ان غوركي كان الكاتب المفضّل لستالين، وهي فقرة عامة جدا، اذ ان ستالين كان يتابع نتاجات الادباء السوفييت كافة، وتشير كل المصادر الروسية الى ان ستالين كان يرى في غوركي الكاتب الوحيد الذي يصلح ان يكون رئيسا لاتحاد الادباء السوفيت في حينه، والذي يمكن ان يوحدهم، وبشكل عام، فان علاقة غوركي وستالين تستحق ايضا كتابة خاصة وموسّعة. في ختام هذا العرض نود التوقف عند فقرة مهمة جاءت في تلك المقالة، وهي تخص مصطلح (الواقعية المثالية). تقول الفقرة، ان غوركي قد طرح مسائل ترتبط بمفهوم (الواقعية المثالية)، اي ان غوركي لم يطرح مفهوم الواقعية الاشتراكية، التي تبناها المؤتمر التأسيسي الاول لاتحاد الادباء السوفيت عام 1934 المشهور، هذا المصطلح الذي اصبح شائعا في آداب الشعوب السوفيتية، وفي اوساط الادب اليساري في العالم ايضا، بما فيه عالمنا العربي طبعا . ان مفهوم الواقعية الاشتراكية اصبح الان مسألة ترتبط بالماضي ليس الا، ولم تعد مطروحة بتاتا في عالم الادب والفن الروسي منذ سبعينيات القرن العشرين، اي عندما كان الاتحاد السوفيتي موجودا، وقد تناولت المصادر الروسية المعاصرة موقف غوركي من ذلك المفهوم، الذي تم فرضه واقعيا في الاوساط الحزبية السوفيتية . وموضوع الواقعية الاشتراكية في عالمنا العربي جدير طبعا بدراسته والتوقف الموضوعي الهادئ عنده.

مكسيم غوركي – واحد من عمالقة الادب والفكر الروسي، وابداعه لايزال بحاجة الى دراسات جديدة ومعمقة لسبر غور ذلك الابداع وفهم ابعاده، واتمنى ان تكون ملاحظاتنا الوجيزة هذه مساهمة متواضعة في التأكيد على ذلك .

 

أ. د. ضياء نافع

 

كريم مرزة الاسديرأيت بعض الأدباء والشعراء والكتاب يخطئون - على وجه الخصوص- قي كتابة الهمزة على الألف، أو تحتها، لهذه الأسماء والأفعال، وهذا لا يصح ولا يجوز مطلقا، أمّا إذا وضعت  حركة فتح أو كسر، فالحركة ليست بحرف ولا همزة. أمّا إذا جاءت الكلمة في بداية الكلام، أو الجملة؛  فلا بأس من وضع الحركة؛ لأن العرب لا يبدأون بساكن.

إذًا لا يجوز مطلقًا كتابة الهمزة في بداية  الأسماء والأفعال الآتية:

1 - في الأسماء العشَرة: (اسم)، (است)، (ابن)، (ابنة)، (ابنُم)، (امرؤ)، (امرأة)؛ فهذه سبعة، ويدخل فيها مثنى هذه الأسماء السبعة ( اسمان، استان، ابنان، ابنتان، امرأتان؛ و مثلها (اثنان)، و(اثنتان)، هذا مثنى الرفع، وكذلك مثنى النصب والجر لهذه الأسماء( اسمين، استين، ابنين، ابنتين، امرأتين، اثنين، اثنتين)، وفي كل حالات الإضافة لمثنى هذه الأسماء تحذف النون، ولا تكتب الهمزة على الألف في أول الكلمات، لأنها همزة وصل، وليس بهمزة قطع!!

وكذلك لا تكتب الهمزة على ألف  (ايمُنُ اللهِ) - و لغاتها، نحو (ايمَن الله) بفتح الميم، و(ايم الله).

ملاحظة، كلمة (أبناء)، وهي جمع كلمة (ابن) تكتب الهمزة.

2 - في الأفعال: لا تكتب الهمزة مطلقًا على ألف بداية الأفعال، أو المصادر المذكورة:

- أمر الفعل الثلاثي، كما في: (اقرأ)، (ادرس)، (اركض).

في أمر الفعلين الخماسي والسداسي وماضيهما ومصدرهما،: الخماسي: (ارْتفعْ)، (ارْتفعَ)، (ارتفاع)؛ السداسي: (استدركْ)، (استدركَ)، (استدراك).

وكما تعلمون همزة الفعل المضارع للمتكلم تكتب في جميع الأحوال: أرتفعُ (أنا)، أستدركُ (أنا)؛ وهي من الحروف الأربعة ( أنيت)، التي تدخل الفعل المضارع .

ملاحظة مهمة:

الحق وضع الكسرة أو الفتحة فوق الألف للأسماء والأفعال والمصادر - المذكورة آنفًا-  في بداية الكلام أو الجمل لا بأس به، لأن العرب لا يبدأون بساكن، على حين الهمزة كبقية الحروف الصحيحة مدى كمها الزمني  الصوتي أكبر من الحركات، أما حروف اللين (واي)؛ فكمها الزمني  الصوتي أقل من الحروف الصحيحة، وأكثر من الحركات المناسبة لها، لذا في الشعر العربي لا يجوز إبدال ألف التأسيس بحرف صحيح ساكن (من الصوامت)، ولا  الحروف الرديفة (واي اللينات؛ وهي الصوائت) بحروف صحيحة!! لأن الوزن يختل على الأذن المرهفة؛ لتباين الكم الزمني  الصوتي؛ نعم لغتنا العربية الخالدة دقيقة جداً، لا تقبل الخطأ، ولله في خلقه ولغاتهم شؤون!

 

كريم مرزة الأسدي

.................

كتبت بحثًا موسعًا عن قواعد كتابة الهمزة في جميع مواضعها؛ وهمزتي القطع والوصل؛ والألف اللينة، أرجو مراجعته؛ وهذا التنبية لكثرة الأخطاء في هذه المواضع. 

 

نجيب طلالسنوات عـدة لم أستمتع بمشاهدة عروض مسرحية للفرق الهاوية الجزائرية التي تحمل نكهة خاصة ؛ لكن شاءت الصدفة في مهرجان وجدة لدورته (6) أن نشاهد عملا لتعاونية فن الخشبة لمدينة سيدي بلعباس. عمل موندرامي تحت عنوان (أنا والسطح) كتابة وإخراجا  ل-  محمد الشواط – الذي تمرس على الكتابة الموندرامية رفقة الفنان- قندسي بومدين – بحيث يحاول أن يعكس الواقع الاجتماعي و المعيشي الحيّ على المسرح؛ وإن كان المسرح ليس هو الواقع في تجلياته الفيزيائية . ولكن المسرح الجزائري من خصائصه أنه يستند على الوقائع الآنية والأحداث الواقعية  ؛ وإن كانت بعض الأعمال تحاول ترسيخ الترميز وتوظيف الإشارات والرموز وليس [الرمزية] كاتجاه إبداعي. يظل العرض كاشفا واقعيته ؛ وهناك عروض تغرق نفسها في واقعية الواقعية ؛ مما تتيه في المحلية وتتلخبط أثناء خروجها من فضائها الخاص؛ وهـذا ما وقـع للعرض (أنا والسطح) بحيث حاول الممثل الشاب- محمد بن رمضان- استنزاف كل طاقته وقدراته من أجل خلق تواصل فعال بين العرض / المتلقي. وإقحام بعض الإشارات ذات بعْـد(خاص) أكيد لا وجود لها في النص الأصلي ك:موازين/ النيبت/ شباب الزلطة/ الرقية /..../ وإن كان العرض فعلا حاول أن يحقق تواصلا معه جمهوروإن كان قليل العـدد؛ فذاك التواصل نتيجة عاملين أولهما سياسي: محاولة التواصل الحميمي بين الشعب الجزائري / المغربي؛ وهذا تجلى قويا في المقابلات الإفريقية (مؤخرا) والعامل الثاني التركيب الدرامي للحكايات؛ بطريقة جد ذكية . بحيث تم سرد ها انطلاقا من ملابس الشخصيات المنشورة فوق السطح ؛ وهذا توظيف دلالي عميق جدا ؛ ساهم في بناء سينوغرافيا العَـرض بجمالية خاصة رغم بساطتها . وتحكمت في  حركية وتموقعات - الممثل- والتلاعب بالإيقاع المسرحي، حسب قوة كل حكاية . كل حكاية تكشف عن واقع الشريحة الإجتماعية  لمجتمع سيدي بلعباس . والسؤال الذي يطرح نفسه بعْـد انتهاء العرض هل سطح/ واقع: سيدي بلعباس يتركب إلا من البسطاء والمهمشين(فقط) أليس هناك أغنياء / بورجوازيون/ رجال السلطة/ مسؤولين لهم وعليهم حكايا؟ لأن (السطح) كسطح يبدو ظاهريا كأيقونة فوق الركح، من خلال الغسيل المنشور؛ لكن الوجه الحقيقي هو (الواقع) الذي تم نشر غسيله بشكل سطحي دونما تعمق في حقيقة من أنتج تلك الحكايات ؛ وإن كانت هنالك إشارة حول ماهية تحسين الوضعية ،من خلال اللعب بأصابع اليدين  (هذوا يبغو هذوا... هذوا وهذوا يتأمروا على هذوا ... هذوا ضد هذوا.... .الله يخلينا هذوا وهذوا) كإشارة إمـا للمسؤولين / احزاب/ لوبيات/ عصابات/ التي وردت في سياق حكاية الشخص (الزاي) حول التعليم؛ والتي تقمصها – الممثل – ذاك القاطن في السطح والذي يروي حكاية واقعه ، كاشفا أنه كان بطلا معروفا . ومن خلال قميصه الرياضي(الأخضر) والحامل لرقم [(3) ] يتبين ضمنيا أنه كان ضمن فريق [اتحاد سيدي بلعباس لكرة القـدم] ولكن لعفته/ أنفته فالزمان بقساوته  غـدر به ؛ مما ارتمى في ركن من أركان أحد السطوح؛ وهذه مأساة العَـديد من الرياضيين والمبدعين [الشرفاء] في الوطن العربي؛ وليس في سيدي بلعباس (وحدها) رغم أنه تعلم؛ ونال قسطا من الدراسة ؛ والتي توضحها حكاية تكشف عن واقع التعليم الطبقي حسب جغرافية المنطقة؛ هنا كان الإلقاء مضطربا بحيث حاول تغيير الإيقاع الصوتي؛ فانخرط في لغة  المخمرين/ السكارى؛ وأسلوب هذا الإلقاء يتكرر في بعض الحكايا؛ وتلك مسؤولية (الإخراج) وليس للممثل – محمد بن رمضان- الذي بدل أقسى جهده في تلوين الخطاب والإلقاء لكل شخصية على حـدة بدء من حليمة الشوافة؛ وإن كان لباسها يوحي لإحـدى الراقصات؛ ولكن باقي الألبسة لها علائق وطيدة بشخصيتها ك (المعطف) بالمقاوم (عمي سعيد) الذي لم ينل حقه ونصيبه من الثورة ؛ كباقي المستفيدين والذين لم يقاوموا الاستعمار .فـظل يصرخ باحثا عن (إنصافه)؟ مرورا ب (رباطة العنق) كإحالة ل(عمي الطاهر) الذي يتقدم في كل دورة للانتخابات . ولم يفرح بفوز ولو مرة واحدة ؛ رغم تبذيره وصرفه لمئات وألاف الدينارات على شباب الحي؟ أما (الجلباب) فكان إحالة طبيعية للفقيه (عمي علي) صاحب الرقية الشرعية. الذي اعتقل ثم سجن وبعدها أصيب بجنون ؛ بعْـدما توفيت فتاة على يديه ، محاولا إخراج (الجن) من جسدها! وحسب ما أذكر أن هذا الحدث وقع سنة 2016 بسيدي بلعباس فعلا لسيدة في اواسط العقد الرابع ماتت في المستشفى؛ ففتح تحقيق بعد وجود علامات وكمدات وضرب مبرح على جسدها. فهاته الحكاية كانت من أقوى حكايا سطح سيدي بلعباس والتي تقابلها حكاية (عمي بوعلام) الذي تم توظيف (العباية/ الدراعية / الرزة) كإحالة أنه من شيوخ (القصبة/الأغنية البدوية) الذي تعامل مع أغلب شيوخ سيدي بلعباس بدء من الشيخة حبيبة والشيخة ريتمي والجنية ....؛ في الأعراس والحفلات وغيرها لكنه لم ينل حظه ؛ وظل ممنوعا من الظهور؟ مرورا بشخصية غامضة لها علاقة ب (الصاك/ حامل للأمتعة الرياضية) المنشور في السطح . فكل ما هو معروف عنه  يعتقل باستمرار؛ كأن السجن مكان للفسحة عنده : فهل الصاك إحالة كتاجر للمخدرات أم الخمورأم ممارسة العنف...؟ فالمسرحية لم توضح ذلك .هنا تظهر حكاية المواطن/ السلبي/العاطل- البطال- الذي يعيش اللامبالاة والاستسلام معتبرا أن الوضع طبيعي ؛ وذلك من خلال ترديده  (الحمدلله /الدعوة راها رايحة) تجاه كل ما يقع من أحداث. لكن الإشكالية  مرة أخرى تكمن  في الإلقاء هل ذاك المواطن عادي أم مخمور؟ ولكن المثقف يدعو لليقظة والاستيقاظ بنوع من الهيسترية مهرولا بين الأزقة والشوارع؛ مما نسمع بشكل مفاجئ أغنية [يا ويح من طاح في البير وصعاب عليه طلوعو ...] كإشارة أن الوضعية  الإجتماعية للشريحة المهمشة والفقيرة والبسيطة ؛ لن تتبدل وستزداد تفاقما؛ هنا سلبية العرض تتجلى ! وفي هذا السياق تأتي مكالمة هاتفية (مجهولة) للمقيم في (السطح) بأن (السطح) سيهدم وسيرحل للمجهول؛ لتزداد سلبية الواقع المجتمعي .فهذا الخبر وإن حاول – الممثل- التفاعل معه لحَـد الاندماج الكلي؛ لكن طاقته استنزفت وظهر نوع من الفتور وشبه عياء؛ وله عـذره بحكم صعوبة التشخيص (المونودرامي) والإخراج لم يترك مساحات بيضاء كتقنية لكي يتنفس - الممثل- وإن كانت هناك مقاطع غنائية؛ ولكنها مرتبطة بالفعل الدرامي؛ الذي فرض التعامل معها حركيا ؛ وليس استراحة . وفي إطار المقاطع الغنائية؛ أعتقد بأن إقحام الموسيقى الكناوية (سيدي حمو) بمثابة حيرة النص ومخرجه من النهاية؛ بمعنى كيف يمكن إنهاء العرض ؛ لأن المقطع لم تصاحبه الإضاءة الحمراء  لتحقيق الترابط الجمالي والفكري بالموسيقى؛ وجذبة – الممثل-  التي كانت بشكل مفاجئ وبالأحرى بشكل عفوي،  وهو يحمل الشخصيات/ الملابس/ على كتفيه  لم يتضح مدى أهمية تلك الجذبة / الموسيقى هل هي إشارة لبقاء الاستعباد أم الانعتاق منه؟

ومهما حاولنا ملامسة بعض الهفوات أو النقائص الجمالية والفكرية لمسرحية (أنا والسطح) يبقى عملا له نكهته الخالصة من حيث تفعيل بانورامي لواقع الإجتماعي لفضاء سيدي بلعباس الذي هو جزء من الوطن العربي؛ وإن كان العمل غارقا في محليته .

 

نـجيب طــلال

 

حسن الحضريتأويل النص يحتاج إلى أن تسبقه عملية استقراء صحيحة، لِما يتعلق بمضونه؛ منعًا للَّبس والخلط والأخطاء الناتجة عن التحريف والتصحيف وغير ذلك مما يخلُّ بالمعنى، وكثيرًا ما تختلط بعض المعاني على الرُّواة والنُّقَّاد، فيحملون الألفاظ على غير محملها، ويجتهدون فيضيفون إلى مجملها ما يفصِّله، ثم تجري به المتابعات فيصبح تأصيلًا لأمرٍ ما.

ومما عبث به التحريف وسوء الفهم؛ ما رُوِي عن شيخٍ هذليٍّ كان خالًا للفرزدق؛ أنه قال: "جئت الفرزدق ودخلت على رواته، فوجدتهم يعدِّلون ما انحرف من شعره، ثم أتيت جريرًا، وجئت رواته وهم يقوِّمون ما انحرف من شعره".

فهذا الكلام يوهم أن جريرًا والفرزدق كانا يقعان في عيوب الشعر، وبكثرةٍ، وأن رُواتهما هم الذين كانوا يقوِّمون شعرهما وينقحونه، وكأنَّهما لا يحسنان الشعر!!، وفي كلام بعض النقاد ما يدل على وقوعهم في هذا الوهَم، حيث يبدو في كلامهم تأصيله باعتباره حقيقة؛ ومن ذلك قول الدكتور شوقي ضيف: "ولم يكونوا يروون شعرهما فحسب؛ بل كانوا ينقحونه ويهذبونه".

وعند استقراء الواقع يتبين أن كلام الهذلي، معناه أن الرواة كانوا يقُومون بفصل كل قصيدة أو مقطوعة عن غيرها مما قاله الشاعر في مجلسٍ واحدٍ، أو في مجالس متقاربة الزمان والمكان؛ ومن لديه علمٌ بصناعة الشعر يعلم أن الشاعر ربما قال في مناسبة بعينها بيتًا أو أبياتًا، ثم عدل إلى قافية أخرى، أو رويٍّ آخر، أو وزنٍ آخر، فكان الرواة ينظِّمون ذلك في أثناء جمعهم، وهذا ليس معناه أن الشاعر أخطأ؛ بل الشاعر قال قصائد ومقطوعاتٍ وأبياتًا متفرقة، جمعها الرواة كما تجمعها صفحات الكتب الآن؛ كل قصيدة أو مقطوعة قائمة بذاتها تحت عنوان واحد.

وأغلب الظن أن كلام الهذلي تم تحريفه، ولعلَّ من حرَّفه كان يقصد شرحه بناءً على فهمِه، وحيث إنه قد أساء فهمَه؛ خرج الشرح مخرج التحريف؛ وثمة احتمالات أخرى واردة، وكلها تدور حول اللَّبس والتحريف، وما يعنينا أن هذا المعنى الذي وصل إلينا في رواية الهذلي بهذه الألفاظ؛ لا يمكن أن يقع في عصرٍ أدركه كثيرٌ من الصحابة -رضي الله عنهم- الذين نزل فيهم القرآن الكريم متحدِّيًا فصاحتهم وبلاغتهم.

وهذا ليس معناه عدم وقوع شيء من تلك الأخطاء عند القدماء؛ فقد ورد شيء يسيرٌ جدًّا من ذلك، عن النابغة الذبياني وبشر بن أبي خازم، لا يمكن اعتباره ظاهرة؛ بل هو من قبيل السهو، وعدم ترديد الشاعر لِما ينْظمه قبل أن ينشده؛ والدليل أن النابغة فطن لذلك حين غنَّوه بشعره، وكذلك بشر بن أبي خازم حين نبَّهه أخوه.

إن الحكم على مسألة بعينها، في عصرٍ بعينه؛ يتطلب الإلمام بتفاصيل تلك المسألة، وطبيعة ذلك العصر، والأشخاص الذين تتعلق بهم المسألة؛ لأن ذلك كله يساعد في إصدار الحكم الصحيح.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

شاكر فريد حسنمن حمص السورية يأتينا صوت شعري عابق بشذا الليلك والياسمين الشامي، باهظ الرقة والعذوبة، مشع كالقناديل، جريء، صادق البوح والتعبير، يمتلك الايحاء الشعوري والخيال المجنح، الذي يشحن نسيجها الشعري والنثري بحالات عنيفة، وصور حسية ونفسية وجمالية، ويمنحه قوة وترابطًا وثيقًا كأنه سلسلة ذهبية أو عقد بديع الصنع .

إنه صوت الصديقة الشاعرة سهى سلوم، التي تشغل مربية للغة الانجليزية، وتنشر كتاباتها في عدد من المواقع الالكترونية وعلى صفحتها الفيسبوكية وفي بعض الصحف الورقية، وصدر لها حتى الآن 3 دواوين شعرية وهي : " ذاكرة زهرة الليلك، ربة العاصي، وعشق الغياب "، بالإضافة الى كتاب مشترك مع الروائي المصري ابراهيم جاد اللـه بعنوان " كن انت " .

نصوص سهى سلوم وجدانية وعاطفية انسانية ورومانسية ووطنية ناضجة، تزخر بالإحساس الدافئ والأنوثة الجياشة . فهي تسرق المشاعر، تحلق في فضاءات الجمال والدهشة، وتطوف على بساتين المفردات، تحافظ على جماليات النص بشعرية المتداول اليومي، وتميل إلى المفردة الواضحة، والجملة البسيطة الدالة بيسر، وتمتاز بسهولة اللفظ، ووضوح المفردة وسلاستها، والتلاعب بالكلمات والالفاظ، والتفنن بالمعاني، بأسلوب متجانس شكلًا ومضمونًا .

سهى سلوم في نصوصها وقصائدها ونثرياتها تحاكي الحب والحبيب، تخاطب المرأة / الانثى، وتكتب عن همومها واحلامها، وتعبر عن عواطفها وانفعالاتها الوجدانية واختلاجاتها، تعانق الهم الإنساني، وجراح وطنها السوري، وتصور مدينتها .. فتقول :

مدينتي التي أحب

صنعت من قوالب الحلوى

أحجار بناء :

هذا كوخٌ من حلاوة الجبن

وذاك مسجد من حلاوة

الجنة والنار

وتلك كنيسة من قطع الهريسة

وهذه طاولات حانة

من مستطيلات الشعيبيات

وذاك هرمٌ من الحلاوة الخبزية ,

لتخبئ سر عشقها

بين دهاليزه .

سهى سلوم ترسم كلماتها التي تختارها بدقة وعناية لوحات نثرية مكثفة جميلة، مكتظة بالأحاسيس العاطفية المدهشة، المكتوبة بحبر الصدق والوجد، وتزخر نصوصها بالنزعة الوجدانية والروح الوطنية والعاطفة القوية الصادقة النابضة بالدفء والشفافية والعفوية التعبيرية، فهي تخرج من القلب وتقع في القلب .

إنها شاعرة الانوثة الايروسية، والعاطفة الصادقة، تحكمها رؤية وجدانية، تنجح في تصوير انفعالاتها المضطربة، مستخدمة مفردات وتراكيب لغوية تحدث جرسًا موسيقيًا داخليًا ورنين، ويلتقي في نصها الصور الشعرية الدالة واللماحة والفنية الجديدة المتوهجة بالمشاعر والألوان والايحاءات، والمحسنات اللفظية كالإيقاع والتنسيق .. ولنقرأ هذا النص المشبع بحرارة الروح والايحاءات الجسدية :

ألبس أوراق السماء

في ليلة صيف نبيذية

أرفع كأس ورود خديك

لتثمل الشفاه بالقبل

أغزل لون الخمر

ثوباً لتفاح نهدك

ولبياض الكتف

أطرز وريقات التوت

هوسٌ هو العشق

حين تجتاحك موجات زرقاء

مثيرة حد الإغماء

.

.

أنا فيض صيف

بانتظار مطرك

يغرقني

لست امرأة

أنا ظل روحك

أميل بهمسة هوس

وبأخرى أراقص وهج الشمس .

سهى سلوم شحرورة حمصية / سورية / شامية تراقص وهج الشمس، تسجع على أيكة الشعر والنثر، وتغرد على فنن بصوت وكلمات تحفل بالإحساس الانثوي وصخاب العاطفة، الذي بلامس كل قلب، وكل جسد، ويستفز كل نفس تتوق للجمال الشاعري العذب، والصدق العفوي، والتعبير الايحائي الموغل بالايروسية . فلها خالص التحيات، والتمنيات لها بدوام العطاء المتجدد، والحضور القوي، والاشعاع الساطع في المشهد الشعري السوري والعربي المعاصر .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعفي العام 1908 كان بيكاسو (الذي ولد في اسبانيا العام 1881) شابّا فقيرا ومجهولا وعاشقا (كعادته طبعا !)، وكان يعيش (بعد انتقاله الى فرنسا) مع حبيبته فيرناندا اوليفيه في غرفة بمنطقة  مونمارتر الباريسية (مكان الرساميين ومقرهم في باريس لحد الان)، وتقع تلك الغرفة اسفل الطابق الارضي في البناية، اي (سرداب)، وهناك كان مسكنه ومرسمه . زاره  صديقه الفرنسي الشاب هنري ماتيس (الذي سيصبح رساما عالميا ايضا) ومعه رجل يهوى جمع اللوحات الفنية اسمه سيرغي شوكين، وهو روسي، والذي اعطى تقييما دقيقا وصحيحا لابداع هذا الرسّام الشاب الاسباني، واشترى منه لوحتين بسعر كان يعدّ خياليا في ذلك الوقت . واستمر الروسي شوكين بزيارة مرسم بيكاسو الى عام 1914، واصبح زبونا دائما له، واشترى منه خلال هذه الفترة 50 لوحة (والكثير منها الان يعتبر من  ضمن اللوحات المتميزة والشهيرة لبيكاسو). وهكذا استطاع بيكاسو الانتقال الى منطقة مونبرناس وشغل مرسما واسعا وجديدا بفضل هذا الزبون الروسي . وليس عبثا، ان الباحثين الروس يعتبرون هذا (التعارف!) بين بيكاسو وشوكين هو نقطة مهمة جدا في تاريخ العلاقات الوديّة (ان صح التعبير) بين بيكاسو وروسيا طوال حياته . ويتحدث الباحثون الروس ايضا عن الزوجة الاولى لبيكاسو، وهي راقصة الباليه الروسية اولغا خوخلوفا، التي تزوجها بيكاسو العام 1918، واستمر زواجهما حوالي عشر سنوات (رغم انهما رسميا كانا يعتبران  متزوجين الى عام 1955)، وهي التي ولدت له اول طفل في حياته، ويعتبرون زواجه هذا عاملا مهما ايضا في تعميق تلك العلاقات الروحية بين بيكاسو وروسيا .

كان لبيكاسو علاقة مع الكثير من فناني المسرح الروسي، الذين كانوا يزورون باريس، وكذلك مع الادباء والشعراء الروس، ولعل ابرز تلك الاسماء كان المخرج المسرحي الشهير ميرخولد، الذي قدّم العام 1930 في باريس مسرحية غوغول المعروفة – (المفتش)، ويقال، ان بيكاسو كان يتابع كل تلك العروض بشكل دائم تقريبا، وحتى انه اراد (اي بيكاسو) ان يشترك مع هذا الفنان الروسي بتقديم  مسرحية (هاملت) على خشبة المسرح، الا ان السلطات السوفيتية آنذاك لم تسمح بهذا التعاون الفني بينهما، وعندما تم اعدام المخرج المسرحي الكبير ميرخولد العام 1940 من قبل الاجهزة الامنية في روسيا السوفيتية (تم اعادة اعتباره بعد وفاة ستالين)، صرح بيكاسو، انه يعدّ هذه العملية الرهيبة (ضربة هائلة له شخصيا).

ومن بين الشخصيات الروسية البارزة في العلاقات مع بيكاسو هو الشاعر ماياكوفسكي، وقد تعارفا العام 1922 . كان ماياكوفسكي من المعجبين بفن بيكاسو اعجابا شديدا، وكتب عنه  مرّة قائلا، ان بيكاسو هو –  (...أكبر الفنانين التشكيليين حجما وأهميّة .. في الفن التشكيلي العالمي ..)، وبيكاسو بدوره كان معجبا ايضا بماياكوفسكي، وقال عنه، انه معجب به لأن ماياكوفسكي  لا يخضع لمسيرة التاريخ، وانما يحاول ان يساهم في عملية خلقه وصياغته.

وعند الكلام عن بيكاسو وروسيا، يجب التوقف عند ايليا ايرنبورغ حتما، والذي تمتد صداقته مع بيكاسو اكثر من نصف قرن . ان العلاقة بين بيكاسو وايرنبورغ تعدّ موضوعا قائما بحد ذاته في تاريخ الفكر الروسي ، وتوجد فعلا عدة دراسات تفصيلية عن هذا الموضوع باللغة الروسية، حيث يتناول الباحثون الروس ما كتبه ايرنبورغ في مذكراته الشهيرة، والتي صدرت بعدة مجلدات تحت عنوان – (الناس، السنوات، الحياة) . لقد ساهم ايرنبورغ  مساهمة شجاعة جدا وذكية في تقديم بيكاسو بصورة صحيحة وموضوعية للجمهور السوفيتي، الذي كان يخضع للرأي  (الرسمي !) السائد في الاتحاد السوفيتي آنذاك عن (البرجوازي المعادي للفن الواقعي)، هذا الرأي المتزمت والصارم والعنيف، الذي استطاع حتى ان يغلق العام 1948 متحف الفن الغربي في موسكو .

 ان مرحلة (ذوبان الجليد) في الاتحاد السوفيتي، التي حدثت بعد وفاة ستالين (1953) قد ساعدت – بلا شك - على اعادة النظر في الآراء المتزمتة التي كانت سائدة عندئذ، ومنها الموقف من بيكاسو طبعا، وهكذا تم افتتاح معرض خاص له العام 1956 في موسكو، وكانت تتصدره لوحته عن (حمامة السلام)، هذه اللوحة الشهيرة التي اصبحت رمزا لحركة السلام العالمي (المرتبطة كما هو معروف بالحركة الشيوعية العالمية)، وهكذا حصل بيكاسو حتى على جائزة لينين للسلام العالمي، واصبح اسم بيكاسو ولوحاته واقعا طبيعيا في الحياة الفنية السوفيتية آنذاك، ثم استمر هذا الوضع وتطوّر لاحقا في روسيا الاتحادية طبعا .

بيكاسو في روسيا الان – جزء لا يتجزأ من الفن التشكيلي العالمي، جزء رائع الجمال والابداع والابتكار ...   

 

أ. د. ضياء نافع

 

عبد الحسين شعبانلم أكن قد تعرّفت إلى البادية السورية قبل تعرّفي إلى الروائية السورية لينا هويّان الحسن، وبالتحديد بعد قراءة روايتها المدهشة «سلطانات الرمل» التي دوّنت فيها «سيرة أشهر فاتنات بادية الشام بين 1880 و1950»، وحين قرأت الرواية شعرت بأن الحسن لا تمتلك خيالاً خصباً فحسب، بل ولغة أنيقة، وجملة رشيقة، ورؤية مثيرة، مثلما اكتشفت الكمّ الهائل من المعلومات الغنيّة عن البادية، والتفاصيل الوفيرة عن العشائر، باستعادة دور العشيرة، ليس بصفتها ماضياً فحسب، بل باعتبارها حاضراً.

وإذا كان وجود قانون للعشائر في العراق يعود لفترة الاحتلال البريطاني (1914-1918)، فإن قانون العشائر السوري حديث نسبياً، ولكن إلغاء القانونين جاء متساوقاً مع أحداث «ثورية» حصلت في البلدين، أولها قيام الوحدة المصرية- السورية، وثانيها قيام ثورة 14 يوليو/ تموز في العراق، وكلاهما حصل في العام 1958، وقد نشرت الروائية لينا الحسن نص قرار إلغاء قانون العشائر بتوقيع الرئيس جمال عبد الناصر الذي صدر في 28 سبتمبر/ أيلول، وجاء فيه: يلغى قانون العشائر الصادر بقرار رئيس مجلس النواب السوري رقم 31 بتاريخ 13/6/1956 ويخضع أفراد العشائر إلى كل القوانين والقرارات والأنظمة المطبقة على المواطنين الحضريين في الإقليم السوري.

وعلى الرغم من مضي أكثر من 6 عقود على إلغاء قانوني العشائر في العراق وسوريا، وتراجع دور العشيرة فعلياً بحكم توجّهات الدولة المدنية في البلدين، فإن العودة إلى العشائرية أخذ يتسلّل مجدداً بالترافق مع تراجع هيبة الدولة، وعدم قدرتها على بسط نفوذها، وسلطانها على كامل البلاد.

لقد عملت بريطانيا على كسب بعض رؤساء العشائر لمصلحة أهدافها الاستعمارية، ومقابل ذلك أغدقت عليهم ليكون لهم دور سياسي أيضاً، ويصبحوا أعضاء دائمين في مجلسي النواب والأعيان، كما وزّعت عليهم الأراضي، ومنحتهم امتيازات وصلاحيات موازية للقضاء والحكومة في مناطقهم وإقطاعياتهم، بما فيها الفصل في النزاعات، إضافة إلى أحكام وسجون خاصة لإخضاع أبناء عشائرهم، وضمان موالاتهم.

لكن دور العشائر بدأ ينحسر بالتدريج بعد العام 1958 في العراق وفي سوريا بعد إلغاء قانوني العشائر، وإضعاف القاعدة المادية الاقتصادية والاجتماعية لرؤساء العشائر، وتوزّع أبناء العشائر، خصوصاً بعد الهجرة الواسعة من الريف، أو البادية باتجاه المدن على الأحزاب والنقابات والجمعيات، وساهم الإصلاح الزراعي بغض النظر عن أخطائه وتأثيره السلبي على الزراعة في إضعاف دور العشيرة.

وبعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990 وحرب قوات التحالف ضده في العام 1991، شهد العراق عودة العشائرية بقرار حكومي، حيث بدأ الرئيس السابق صدام حسين باستقبالهم وتكريمهم، بل إن بعض العشائر تم تصنيعها ظنّاً منه أنه بالإمكان حماية نظامه، وبالغ بعض هؤلاء في التوقيع له بالدم على «وثيقة حفظ العهد»، وقد حاول الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر توظيف بعضهم لمصلحة المشروع الأمريكي، مستغلاً الخلافات السياسية والطائفية، من جهة وضعف مرجعية الدولة، من جهة أخرى.

وهكذا أصبح لبعض هؤلاء شأن كبير استغله إلى حدود بعيدة. وتنقل مجلة «الإيكونوميست» البريطانية الدور الجديد الذي يقوم به بعض رؤساء العشائر في الوقت الحاضر، وجاء في مقالة بعنوان «العشائر في العراق»، مع عنوان فرعي «استأجر شيخاً»، ما يلي: «بعد سقوط صدام حسين عام 2003، ملأ الشيوخ الفراغ بعد نشوء دولة هشّة، وفاسدة، ويقوم اليوم حتى بعض المحامين بتقديم النصيحة لزبائنهم باستخدام مجالس العشيرة بدلاً من اللجوء إلى المحاكم، خاصة بعد أن أقام الشيوخ علاقات وطيدة مع الميليشيات ذات النفوذ، وهذا ما أدّى إلى ازدهار»بزنس«جديد، حيث يقوم الشيوخ بعرض خدماتهم».

وبالعودة إلى رواية «سلطانات الرمل» شعرتُ وأنا أتابع تفاصيلها المتداخلة، والأسماء المتدافعة والأمكنة والأزمنة، بأن ثمة واقعاً جديداً في كل من سوريا والعراق، كأنه عودة القهقرى إلى ما قبل قرن من الزمان، خصوصاً بقطع خط التطوّر التدرّجي والتراجع إلى مرجعيات ما دون الدولة، وما قبلها، فضلاً عن استغلال بعض الإرهابيين، ولاسيّما «داعش»، لبعض تلك التشكيلات.

لقد أصبحت الظاهرة العشائرية التي كان حضورها باهتاً في سوريا لافتة للنظر، لجهة التداخل الخارجي من جهة، ومن جهة أخرى لجهة استعادة الدولة لمكانتها، وهيبتها. أمّا في العراق الذي تتنازعه مرجعيات عدة، فقد أصبحت طاغية لدرجة أن الدولة اضطرت لإصدار مرسوم حول «الدكّة العشائرية» نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، التي اعتبرتها ضرباً من الإرهاب، والدكّة تهديد أولي، أو إنذار، بالمحذور الآتي لدفع الطرف المعني للتنازل وتنفيذ ما يُطلب منه، حيث يتم إطلاق النار على منزل المراد تهديده، قبل القيام بعمل أكبر.

وإذا كانت رواية «سلطانات الرمل» تتحدّث عن مرحلة دخول المدنية إلى الريف، وعالم البدو، فإن مرحلة ما بعد نحو قرن من الزمان تظهر العكس، حيث تم ترييف المدن والحواضر، بل «بدونتها» في حين يدخل العالم إلى ما بعد «الحداثة».

 

عبد الحسين شعبان

 

بلغنا مئة من العمر وألفا من الوجع.. والملايين من الدموع.. بلغنا عمرا يبلغ من البحر منتهاه.. ومن السماء مطرا لا ينقطع ومن الريح عصفا لا يهدأ..

بلغنا من الحنين ما يملأ كل خلايا أجسادنا مشاعر لا تنطفئ، سيرثها أبناؤنا وأبناؤهم وسلالات لا تنتهي..

سنكتب تاريخا من الحزن الطويل، رحيلا لا ينتهي ووطنا يموت كل يوم بين أحضاننا..

نفينا قبل مولدنا وحين مولدنا وبعده.. حتى ظننا الشؤم فينا.. نفينا إلى حيث يرقد مارد من الأوطان التي رحلت ولم تعد.. ولا زالت الروح تشتاق لوطن يعود.. نفذت كل مناديل الوطن وأكفان الوطن.. تحول إلى عين لا تدمع ولا تسهر ولا تكلف نفسها عناء الاهتمام بنا.. مقيد ومسجون في زنزانة بين السماء والأرض.. مجتث اللسان يصرخ بلا صوت..

أغلقنا بعده كل أبوابنا وأطفأنا كل شموعنا، وصار عنواننا الموت أو الموت ولا ثالث لهما.. نموت قربا ونموت بعدا.. فنسافر حاملون حقائب للبكاء، للرثاء وللهراء..

تتصافح فيما بينها خيباتنا.. وتأخذ أحلامنا المنتحرة بالأحضان كل من خذلها.. وحين تتشح بالسواد أوطاننا.. وتهجر الطيور سواحلنا إلى غير رجعة.. ويتوانى الزاجل عن حمل رسائلنا.. سنصلي كل يوم لعلنا نفتح أعيننا من كابوس سيء جدا ليس إلا..

هكذا نحن نحتاج لأوطاننا ونشتاق إليها رغما عنا، مهما بلغ بنا من الغضب، ومهما أصابتنا من نكبات.. نبقى نشتاق أوطانا تحتضننا كأم لا تفرق بين أبنائها مهما بلغت فروقاتهم.. تعطي دون مقابل.. فكلنا حين تدق ساعة الشوق في صدورنا لا يسعنا إلا أن نبكي اشتياقا واستياء في آن واحد، أن نصلي وندعو الله أن يطفئ تلك اللوعة، فنحن لا نختار الوطن أو غيابه، ولا دخل لنا إلى أي أرض ننتمي، نحن فقط نصاب بداء لا دواء له يستقر في أعماقنا، وكلما ابتعدنا يزداد ألما وتقرحا، وكلما اقتربنا يزددنا وجعا وحسرة، نحن بكل اختصار مصابون بداء اسمه "الحنين إلى الوطن" !

 

د. فرح الخاصكي

 

عقيل العبودالموسيقى لها مقامات ومثلها الصوت ايضا، والشعور مرتبط بهما، لذلك لكل مقال كما يقال مقام، وبالعكس، فالسيكا غير النهاوند، وغير الصبا، وغير الرست وهكذا كما هو معروف في دروس المقامات.

والتصنيف ليس من صلب الموضوع، ولكن للإشارة ومن باب علاقة الموسيقى بعلم النفس، يمكنننا القول بان المقام هو حركة الصوت المرتبط مع الشعور، والغناء حركة شعورية لها مديات أي ابعاد، وهذه الأبعاد اضافة الى نقاء النفس تعد المقياس الأساس للذائقة.

ومن المناسب ان الطبقات الصوتية تتناسل مع بعضها وتتفاعل مع طبيعة النفس الانسانية، لكي تنتج صورة لغوية موسيقية، هذه الصورة تشبه النحت، اواللوحة الجميلة.

ولتقريب المثال نجد ان الصوت لحظة الغضب، ليس كما هو لحظة الحزن، وهو يختلف مع العاشق الذي يسعى لأن يعبر عن نفسه بطريقة ترتبط مع العاطفة.

والأمر مفيد في التعامل مع الجانب السايكولوجي، حيث يمكن تفعيل وتهيئة مزاج المريض من خلال اختيار النوتة الصوتية، ونوع اللحن الذي يشعر فيه المريض بالاسترخاء لكي يتم تنشيط حاسة التذوق الموسيقي.

وعلى غرار ذلك نجد ان اللحن اختبار له علاقة بنفس الملحن وهذه العلاقة تصنع موجة صوتية شعورية تؤثر في نفس المريض. واللحن الاورفيوسي والمونومار أمثلة مهمة في الموضوع.

وخلاصة الأمر انه يمكن اختيار لحن معين ضمن السلم الموسيقي بناء على اختبار الموجات الدماغية للمريض بموضعين: الأولى لحظة الغضب، والثانية لحظة الاسترخاء، وقياس ذلك بناء على التقبل الذوقي وبحسب جداول التصنيف الخاصة بالأمراض النفسية ودرجاتها.

 

عقيل العبود

 

عقيل العبودمات الرجل ذات يوم شتائي، مودعا تاريخه الذي بدايته تعود الى العام 1927، ليترك بعده اثار بصمات بقيت بيوتاتها كما رجالاتها عامرة طوال هذه المدة من السنين.

انذاك حسين الشنون فنان المدينة ابن تلك التربة، التي على أرضها النخيل ابى ان بموت ،نذر متحفه الشخصي والذي هو عبارة عن مرسم صغير يطل على تمثال شاعر العراق محمد سعيد الحبوبي، متطوعا ليضم إرثا له علاقة بذلك التاريخ.

هنا الطيبون نفوسهم كما نقاء نهر الفرات، لذلك لوحاتهم وسيناريوهات امتدادهم، بها صنعت ألوان الخالدين اضافة الى بقايا حكايات، امتزجت مشاهدها بخيوط تعانقت فيها لغة النقاء والعفة والألم، لتبقى طهورة ابان عصر بعيد عن أقنعة السياسة وأكاذيبها المقيتة.

الظلمة مع النهار، الموت مع الحياة اذن  واجهة من واجهات التحدي. هو ذلك الإرث الذي بقي يحكي حياة الناصرية بشخصياتها ورموزها أسوة برجالات نفوسهم اجتمعت كلها لأجل خارطة اسمها العراق.

 حسين الشنون؛ الأوفياء في لوحاته ليست مفردة واحدة من مفردات المبدعين، بل هي واحة خضراء تجتمع على مائدتها سفرة الزاهدين، وتلك منارة خالدة بها اروقة الثقافة، والسياسة، والفن، والمجتمع تمضي دون توقف. 

النسيج ذلك الذي صنعه في مرسمه المطل على شارع الحبوبي، كما هو خالدا بأصابعه النحيفة تلك التي تشبه ضحكته السمراء، وجسده الذي يشبه عروق شجرة جفت أغصانها حزنا على ارواحهم اولئك الذين تباعا فارقتهم المحطات.

وتلك صورة لها نكهة في مصنع الفن الصغير، هي موضوعة ذلك الرجل الذي بقي خالدا بنقائه،

يومئذ الشعور قرر ان يترك ما بين يديه من عمل دون ان يكترث لإجور زبائنه، ليحضر المبدع عدته السريعة مع فرشاة الالوان الزيتية املا باكمال اللوحة في اليوم الثالث من مجلس العزاء. 

 

عقيل العبود

..............................

* لوحة زيتية رسمها الفنان حسين الشنون بعنوان الحفيد تخليدا لإبن مدينته البار واحتفاء بطقوس العزاء، عام 1991.

 

 

احمد الكنانيقيل للكاتب الإيراني الشهير عبد الكريم سروش: اختر لنا بيتا لمولانا جلال الدين الرومي هو الأكثر روعة مما أبدعه هذا المتصوف الكبير، فأجاب بعد لحظة تأمل: ذاك الشطر الذي يقول فيه "مع الكِرام الامر سهل يسير".

الدكتور سروش وهو الخبير بشعر الرومي والعارف بدقائق أسراره، تشبّع بشاعريته منذ صغره وبدأ يفك رموزالمثنوي في حلقات بثت من على التلفزيون الإيراني بعد الثورة الإيرانية بداية الثمانينات ومازالت دروسه قائمة في كارلفونيا محل إقامته الحالية .

بيت الشعر المقصود هكذا جاء بلغته الأصلية:

تو مگو ما را بدان شه بار نیست

با کریمان کارها دشوار نیست

.

لا تقل ليس لنا سبيل الى ذاك الملك

فمع الكٍرام الامر سهل يسير .

 

ما قصة هذا البيت ولماذا اصبح مثلا يُضرب به عند الناطقين بالفارسية، وماهو سر اختيار سروش له كافضل ابيات مولانا على الإطلاق؟

يرجع السبب الى ما يصبو اليه مولانا في طيّات المثنوي من الإنشاد الى الحب والمحبوب، ويرى ان الطرف الأخر لهذه العلاقة حري به ان يتحلى بمجموعة شرائط ليتصف بصفات العشق الحقيقي، بل هما دعامتان لا ثالث لهما اللامحدودية والثبات، اذ ليس من الحب بشي لو جمعك مجلس عشاء او شرب قهوة بشخص ما لتقول عنه قد جمعنا الحب وأصبحت عاشقا ؛ لعدم المعرفة الثابتة والراسخة بالطرف الآخر، بالإضافة الى كونه محدودا والحب لا يتعلق الا بالاّمحدود .

من الواضح ان تلك الصفات لا تتعلق بالحب البشري؛ اذ المحدودية وعدم الثبات هي صفات بشرية متلازمة لهم في العادة، فعلاقة الحب بين البشر يعتريها التغير والتبدل بحسب الظروف والأحوال، نعم قد تتحقق للافذاذ والنوادر لكنها وكما يراها مولانا مترشحة عن الحب الإلهي، والحب والعشق هو الهي في حقيقته وليس بشري .

هذا المعنى وجدته مصادفة عند بيرم التونسي وقصيدته " القلب يعشق كل جميل "

سيأتي شرح مفصل لهذه القصيدة في مقال لاحق …

من هنا تُستشم رائحة العشق الإلهي فواحةً من المثنوي بأجزاءه الستة، حتى يخيل لك ان محور الديوان هو العشق الإلهي والمولوي يدور حوله دوران الفراشة للّهبٍ .

لكن السؤال عن مدى مثالية مثل هذا الحب وخياليته واستحالة تحققه في الواقع الخارجي اذ كيف لك ان تحب ممن ليس كمثله شئ؟

وجواب مولانا هو:

مع الكِرام الأمر سهل يسير

الا ان توضيحه صعب عسير

اذ لا صعوبة تذكر في تعاملك مع الكرماء وهو اكرم الكرماء …

لكنه يبقى سر من الأسرار ومن الصعوبة بمكان توضيح كيفية تحقق مثل هذا العشق:

يقول مولانا في ذيل قصة الملك والجارية من الدفتر الاول من المثنوي:

 

هرچه گویم عشق را شرح و بیان

چون به عشق آیم خجل باشم از آن

.

چون قلم اندر نوشتن می‌شتافت

چون به عشق آمد قلم بر خود شکافت

.

عقل در شرحش چو خر در گل بخفت

شرح عشق و عاشقی هم عشق گفت

 

حاولت ترجمة تلك الابيات والحفاظ على المعنى المقصود للرومي مع عذوبته، اذ لم يرق لي شيئا من الترجمات على كثرتها:

 

كل قول للعشق بيان

تره خجل عند القرِان

.

قلم كله شوق للمِلاء

يتكسر قِطعا عند اللقاء

.

مثل حمار نايم في وحل

شارح العشق والمعشوق رحل

 

 

وكما يرى المولوي ان لا سنخية بين الحب والمعرفة، ومع الحب لا مدخلية العقل، وكيف يتسنى تعريف العشق الإلهي منطقياً مثلا بكلمات محددة تبعد المشتركات عنه، والعقل هنا على جبروته يصفه مولانا بحمار عالق في الوحل …

وطريق المعرفة الوحيد هو التجربة وليس غير وهي تختلف من تجربة الى اخرى .

يمثل لها الرومي في مكان اخر من المثنوي بالنار المحرقة تلمسها لتتمكن من معرفتها .

الا ان أنها تجربة يعتبرها الرومي حلّال المشكلات اذ مع الحب تتناسى كلما يحيط بك من فوضى، ويعظم الحب في نفسك فيصغر ما دونه .

هنا يحصل الفراق والطلاق ثلاثا بين الرومي وتابعيه من المتصوفة والمتألهين من جهة، وبين المتكلمين والفقهاء وحتى الأخلاقيين من جهة اخرى ..

الأخلاقيون يجعلون الطريقة المثلى للتغلب عل النقص والخلل النفسي هي تشخيص تلك النواقص والاشتغال على تجاوزها ؛ فلو انتابتك حالة من الغضب حري بك ان تبتعد عن مواطن الغضب وأسبابه

لكن الرومي يرى ان خوض تجربة الحب يجعلك تتمركز بالمحبوب ولا تفطن لغيره وبهذا تتجاوز نقاط الضعف ولا تلتف اليها .

من هنا يختلف الرومي وبقية المتصوفة والعارفين ايضا مع الغزالي وبقية الفقهاء والمتكلمين في جعل العلاقة مع الإله علاقة يسودها الحب والتودد ولا مجال للخوف والرجاء في العلاقة الإلهية، حتى العبادات والمحرك الأساس لها قصد القربة من الله لابد من إتيانها بقصد الحب لا خوفاً من العذاب ورجاءاً للثواب، بل انت تتودد لهذا القرب وهو المقصود أعطيت المكافئة من المحبوب ام تعط

 

احمد الكناني

 

علي المرهجالشعر حياة، فلا مجاملة في الشعر حينما يكون كلاماً، فجميل الحياة حينما تكون شعراً كل الجمال فيه!!.

الشعر اكتناز وتكثيف لصورة عن حياة وسعها الألم. الشعر لا توصيف فيه بقدر ما فيه من تعبير عن حياة نوجزها بجملة، والجملة الشعرية تكثيف وعبور على المعنى بما يفوق الوصف بكلام مُرسل..

الشاعر الشاعر هو من يُتقن صياغة الكلام المبعثر ليجعلة حلقة ارتابط بين حبيبين، أو عُقد لؤلؤ في عنق فتاة يتابهى الجمال ويفتتن العقد لأنه معقود في جبينها.

الشاعر يكتب قصيدة معاناة، ويكتب بعد حين قصيدة حُبّ. المعاناة والمحبة ضدان لا يلتقيان ولكن وجودهما في قصيدة شاعر يعي الحياة ومكانة القصيدة وشغف الحبيب والمبغض للمحبة تكوين وتشكيل لمعنى التضاد لخلق حياة أجلى فيها من العشق والتوق بقدر ما فيها من الصدّ والردّ..

دع الحياة واكتب قصيدة، أو دّع القصيدة ودوّن حياة، القصيدة تدوين مكثف واختزال لغوي لحياة، وعبور لتجليات المعنى في (مُخيلة) الشاعر الشاعر..

الكلام يبقى كلاماً وإن ادعى صاحبه أن كلامه شعر.

الشعر لا تدوين لتاريخ تواتر فيه، بقدر ما فيه من تعبير عن فرحة اللقاء، ولظى الشوق حين التلاقي..

الشعر حالة شعورية وتعبير عن تجربة فردية لشاعر يرى الوجود والحياة والحُب بحسب تجليات اللغة وتساميها ساعة الشغف، ووفق انتكاس نفسيته وكسر خاطره ساعة النحس..

لأعود للنُقّاد الذين وجدتهم يرفعون شأن نص شعري لا قيمة جمالية فيه سوى أن من كتب النص صديق لهم، ولربما يستهفون بنص شعري آهر لشاعر لا يعرفونه أو هو ليس بصديق لهم.

أخواني النُقّاد سمعت من قبل أن (الشعراء يتبعهم الغاوون)، ولكنني لا أعرف أن النُقّاد هم في ذات الوادي هائمون..

وبعد اطلاع في عوالم التواصل الاجتماعي وجدت نُقّاداً يمتدحون أصدقاء لهم - حسب ظني - هن ليسوا بشعراء، ولكنهم يمتدحونهم لأنهم اصدقاء.

أخواني النقد لا يعني (امدحني وأمدحك)!!..، فبهذه الحال لا نجد وجوداً لشعراء شباب...

لست بشاعر ولا أنا بناقد، ولكنني وجدت حال أغلب الذين عرفتهم شعراء ونُقّاداً يكتبون عن بعضهم والصحف متاحة لهم ولا مكان للجديد بينهم..

ما هكذا تورد الإبل يا شعراء ويا نُقّاد..

 

ا. د. علي المرهج

 

ابراهيم رحيمللبروق في صحاري الرّوح دويّ المطرقة وصعقة اليقظة؛ تجردّنا من ظلام الصّمت، المكلّل فوق نهاراتنا المكبولة بحبال الشّرود، وأخرى المفجوعة بوخز النّدم  لِما كان ولم يعد من خمر اللحظات.

هذا النّدم الحلو المذاق، المُحبّب لنا ثلجَ الشّيخوخة، ونزيفَ العمر من قارورة الحياة...

ها نحن أولاء، نرضعُ كالنّبتة، من شمس ذاكرتنا، قوتَ الوجهات، صوتًا تلو صوتٍ، حتّى نعي ذات يوم؛ أنّنا إمتدادٌ جبريٌ لذلك الذّنب القديم.. شهوة التّفّاح والاِنكسار اللذيذ في سرير الرّغبة.. خُلِقنا هكذا.. وعلينا أن نحيا والذّنب يرسم لنا الهاويّة والضّوء، وإن كنّا نصارعُ ذئابَ الذّاكرة جزاء الغياب؛ فنخرّ مندحرين ونصال أنيابها منغرسةٌ في خاصرة الوقت، أو نغادر الحلبةَ، مضرّجين بدماء الأمس ولطخات ظلمتها، في أحسن تقدير.

لكنّما الذّاكرة؛ حيث يتصبّب من محيط الرّوح ندى الأيام، صحراءٌ مليئةٌ بدبيب العطش، والوخزِ الجارحِ لصبّاراتٍ، نحملها كالملح في دماءنا؛ كأنّنا نكفر بالنّسيان، أو نتعمّد الشّربَ من أقداح الألم؛ كلّما راودتنا عن نفسها!!!

كيف إذن لا تنقطع السّبل على الكلام، ولا تعرج المسافاتُ في جداول المعان؟

أنكون كالأحجار منكبّين على جذع جراحنا، لا نلتفت لركاض العواصف، ولا لتبدّل قماش الفصول، أوحتّى تبدّدها المرير؛ إذ تجرفنا سيول التّغيير، فنفقد عنان خيل الدّروب بين رمشة وأخرى باكية، لنسير كلّ مرة، حفاة، عراة من فجور الحياة وبواعثها، خارجين من متاهة العزلة، داخلين متاهة الضّياع الرّمزيّ المُكنّى بربيع الدّروب!

أهكذا الحياة إذن من صوت إلى صوت و من باب إلى باب...!؟

كأنّنا دروبٌ للدّروب نفسها، أو سجناءٌ ،مكفوفي الخيار، تُطَوّقهم أغصانُ الزّمان الضّاحكة للرّيح، وتقود عنانَهم أصواتُ دروبٍ سَمِلة الإيقاع، رثّة الرّنين؛ تسلب جيوب الإرادة وترميهم بأحضان قبورٍ، كانت مرحبّةً بهم، منذ طّفولة الأغصان، منتظرةً لهم، منذ أول بكاء!

أنُقَبّل الحجرَ، كي نرتوي من عطش الحنين؟

ما هذا الكلام الحجريّ الطّنين!؟

ما لنا وهذه النُّبوءة النّائحة، ذات الجَوف الجاف من قصب الأيام!! لسنا زبدًا تحرّكنا أنامل العباب، أو نسيجًا تحوكنا يدا الرّيح ملابسًا للقدر؛ وإذ نتمزّق من غسيل العواطف، أو يملّنا هذا الفحل الشِّرّير؛ يستبدلنا بأُخَرَ، قد تسبّبت مفاتنهن له منذ حين، بحُمّى تدفق الرّغبات.

ما الإنسان إذن في سباق الوجع واللذة، في سباق الشّتاء والرّبيع؟

ألَحْم وعظام تلوكه رَحى الأيام؛ فتصنع منه حجرًا باردة المفاصل تتنفّس جميل اِنصهارها، بتصوير الماضي و إيقاظه من ثلوج الرّماد!! 

أيها الحجر المقدّس قبّلني، وخذني حجرًا بين أحضانك.

كأنّ للإنسان همس الضّوء عند الظّلام، يحادث خيبته بلغة الثّلج:

لا تنطق إلّا بتقيّؤ الصّور المنسيّة، والمرصوصة في زنازين الذّاكرة، ولنأكل الدّروبَ نادمين من تركها، نادبين فراقها...

حتّى نقول ذات يوم، لذلك الخيال الّذي يتراءى لنا، ساخرين من تجاعيد المرآة، وصُدء أصوات الدّروب:

لا يهمني أمرك ولا أطيقك بعد، لا أطيقك يا إنسان

فلنسلك معًا محطّة الغروب...

 

إبراهيم رحيم - الأهواز

٩ تموز / يوليو ٢٠١٩