احمد عواد الخزاعيناص من وجه نظر بنيوية يعرف على انه أي ظاهرة اجتماعية وسياسية يجب أن تدرس داخل النص الأدبي، لان التاريخ يجتمع داخل النصوص الجديدة.. لذا يعد أدب الحرب جزء مهم من هذه الرؤية التوصيفية، كونه يسلط الضوء على حقب تاريخية عاشتها الشعوب في ظل ظروف استثنائية وعصيبة ولدت أنماط حياتية مغايرة للمألوف وفرضت على الإنسان واقع لامناص من مواجهته والتأقلم معه سلبا أو إيجابا، وأصبحت فيما بعد جزءا مهما من التاريخ الإنساني..في رواية (الرقص على إيقاع الغياب) للروائي عادل المعموري والصادرة سنة 2018 عن دار أمل، نجده قد اقترب من هذا المعنى بصورة كبيرة، حيث لامست روايته عدة تجارب إنسانية مختلفة صهرت في بوتقة الحرب، مستخدما أسلوب الأصوات المتعددة فقد توزع السرد على الأبطال الثلاثة بحسب، أهميتهم من الحدث المسرود، والزاوية التي يطلون منها عليه، ودرجة تأثيرهم وتأثرهم فيه.. فقدم لنا الكاتب رواية (بوليفونية) برؤية أحادية، فلم تخرج آراء وتصورات أبطالها عن رفض الحرب وازدرائها، كونهم ضحايا لها بطرق مختلفة تبعا للظروف التي عاشوها في ظلها، اعتمد الكاتب تقنية السارد الضمني، الذي يعرف جزء من الحقيقة، وأسلوب الخطاب المباشر للقارئ، لإيصال الصورة والحدث، مانحا نصه كما كبيرا من المصداقية والتعاطف لدى القراء، عبر أمرين مهمين هما :

الأول: جعل السارد داخلي، أي انه ركن من المبنى الحكائي، يروي جزء من تجربته الحياتية في ظل الحرب وتداعياتها.

ثانيا: الواقعية المفرطة في ذكر التفاصيل الدقيقة التي منحت النص بعدا انطباعيا، مثل ( ذكر أسماء لأشخاص هامشيون في النص، ذكر تفاصيل دقيقة تمثل جزء من الواقع الاجتماعي والحياتي العراقي) .. لكنها لا تؤثر على سير الأحداث في النص، حيث حمل النص في بعض محطاته انطباعية مفرطة، حد الدخول في تفاصيل حياتية غير مهمة، والتركيز على الوصف والإشارة إلى بعض الأشياء، التي لا تحمل أي تأثير على النص، ولا على قصديته.. لكنها منحته حميمية ومصداقية سعى الكاتب إلى ترسيخها عبر هذا الأسلوب.

 

تبدأ الرواية بعنوان فرعي ( جميلة) وهي البطلة الرئيسية للنص، ثم نلج الرواية عبر منلوج داخلي تعريفي طويل للبطلة، تسلط فيه الضوء على أهم محطات حياتها البائسة، طفولتها ومستواها التعليمي والثقافي، ونشأتها الاجتماعية، وطبيعة العلائق الاجتماعية التي عاشت في كنفها، استخدم الكاتب فيها تقنيات ( الاستذكار والاسترجاع والاختزال والقفز عبر عنصر الزمن) وهذه التقنيات تتكرر عبر منلوجات مشابهة للبطلين الآخرين ( سالمة ونبيل).

جميلة المرأة المحبطة نتيجة فقدها لزوجها في الحرب العراقية الإيرانية، تعاني الوحدة القسرية والغربة الروحية، وعقدة نقص لازمتها منذ طفولتها، وهي شكلها المتواضع، حتمت عليها هذه المعطيات أن تعيش وفق نسق حياتي كئيب ورتيب مع أمها المريضة وأخيها نبيل الهارب من الحرب، والمختبئ في إحدى غرف المنزل، حجم المأساة التي عاشتها جميلة، حولت من سالمة جارتهم الجديدة إلى (قرين) ملازم لها، ترتبط معه بكثير من حلقات الوصل والمشتركات منها:

1- كلتاهما ضحية لتجربة إنسانية صعبة، آلت إلى الفشل، جميلة فقدت زوجها في الحرب وظلت أرملة تعيش على هامش الحياة ، لا تمتلك المؤهلات لتعيش تجربة أخرى.. وسالمة كانت ضحية لتجربة حب فاشلة مع زميل لها في الدراسة، وقعت فيها بالمحظور، لينتهي بها المطاف، زوجة لرجل تتقاطع معه إيديولوجيا، كونه من الكوادر المتقدمة للحزب الحاكم آنذاك ، ويكبرها بعشرين عام، ويعاني عجزا الجنسيا.

2- كانتا تشعران بالوحدة والغربة والهزيمة والإحباط.

3- كلتاهما قارئتان ومثقفتان.

لذا حاولت جميلة أن تعوض بعضا من فشلها في سالمة، عندما عمدت إلى ربط الأخيرة بعلاقة سرية مع أخيها نبيل، كجزء من حالة تعويض نفسية وجسدية، وقد تجلى هذا الشعور في المشهد الذي يصور جميلة وهي تراقب نبيل مع سالمة، وهما يعيشان لحظات حميمية ساخنة ( تمنيت أن يستمر المشهد طويلا فقد راقني منظرهما الذي أشعل النار في جسدي).

ويستمر النص على هذا المبنى الحكائي، عبر إبداء الأبطال لآرائهم وتصوراتهم على مجريات الأحداث المحيطة بهم، واستذكار جزء من ماضيهم القريب، ومحاولة توظيف مخاوفهم للحفاظ على سلامتهم لخشيتهم الدائمة من الحرب وتداعياتها.. فقد امتلك أبطال النص الثلاثة وعيا قائما، يقفون به اتجاه أزماتهم النفسية والاجتماعية والوضع السياسي القائم آنذاك، هذا الوعي وقف عاجزا على إيجاد حلول لمشاكلهم، أو لتحقيق جزء من أمنياتهم ورغباتهم، كونه وعي مدرك يتعاطى مع الواقع الفج بأدوات الحاضر، لذلك نجدهم على امتداد النص كانوا أناسا عاجزين لا يمتلكون ادني تصور عن مستقبلهم، وما ستؤول إليه مصائرهم.. وفي خضم أحداث الرواية  يُعرج الكاتب إلى صياغة نهاية واقعية، ذات  سياق تراتبي، ووضعها ضمن إطار دراماتيكي يتلاءم مع الوجه العام للنص، الذي ساده الحزن والخوف والترقب والحرمان.. يُلقى القبض على نبيل بعد أن يكتشف زوج سالمة سر علاقتهما، وتموت أمه على اثر هذا الحادث المؤلم، ويؤل مصير سالمة إلى المجهول، بعد أن تختفي من بيتها..لتبقى جميلة وحيدة، تجتر ماضيها الحزين وحاضرها البائس، لينتهي النص كما بدء. 

أهم مرتكزات رواية الرقص على ايقاع الغياب: 

اللغة : كانت اللغة سهلة مرنة سواء على مستوى السرد أو الحوار واللذان استخدم فيهما الروائي، اللغة الفصحى الغير متكلفة أو المعقدة، وحافظ على مستواها تبعا لطبيعة المتكلمين ومستواهم التعليمي والثقافي والبيئي، مع وجود بعض الاستثناءات من خلال وقوع الكاتب بما يعرف عنه اصطلاحا ( المطب السردي)، أي أن يصبح الكلام فوق مستوى المتكلم، ونجد الكاتب قد حل في نصه دون إرادته في بعض محطات النص، وهذا ما أطلق عليه الناقد محمد يونس ( بالبعد الموضوعي للنص)،  أي عندما يكون الكاتب حاضرا في نصه برؤاه وثقافته.. كما استخدم الروائي بعضا من المفردات الدارجة في الحوار، للدلالة على البيئة الاجتماعية التي انطلق منها النص، ولتشكيل صورة ذهنية لدى القارئ، تمكنه من فهم الواقع المحيط بالنص.

الأسلوب: كان نمطيا تقليديا..أي (هرميا ) تميز بكونه متماسكا، حرص فيه الكاتب على عدم ترك أي ثغرة تؤثر على انسيابيته، أو تسلسله الزمني والمنطقي.

العنوان: يعد العنوان نصا موازيا للمتن، ويحمل أهمية بنفس القدر والتأثير، وهو العتبة الأولى التي تعطينا الانطباع الأول والأهم على النص.. (الرقص على إيقاع الغياب) عنوان يحمل بعدا مأساويا، ويعبر عن الواقع الآني الذي عاشه أبطال الرواية  داخل حدود علائقهم الاجتماعية، التي فرضتها عليهم الحرب، لذلك نجده قد حمل دلالات حسية، تنطلق بالنص لفضاءات أوسع واشمل تتعدى حدود هذه الثيمة وحيثياتها، فالغياب شكل هاجسا لكل إنسان عراقي عاش تلك الحقبة، كان  معظم الشعب العراقي  في حالة انتظار وترقب، فالكل كان ينشد ضالته، التي غيبتها الحرب بشكل أو بآخر.

 

احمد عواد الخزاعي

 

بكر السباتينهذه القصة التي كتبها القاص المبدع يوسف ضمرة (بدون عنوان) على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، جاءت كأنها مرآة لذواتنا أو أبعد من ذلك، إذ تحرر فينا الأسئلة المكبوتة.. نتلمظ بعد قراءتها مرارة الحقيقة الصادمة.. فثمة بوح يدور في فم العرافة الغجرية التي تشبه الريح المباغتة لغبار السنين.. تلظم كلماتها المرتعبة بعد أن نرتشف قهوتنا ونقلب الفنجان الذي ستلتقطه العرافة بلسانها، فتواجهنا بصوت واثق كأنها تقول: نحن الذين نزرع الوهم ونجني من حصاده الخوف، لا بل ونصدره إلى الآخرين ثم نتركه يعربد في عقولنا حتى يتشكل وعينا الجمعي من تمازج الوهم الذي سيتحكم بمصائرنا، مع الواقع الذي سيتحول فينا إلى طلاسم المجهول واللامعنى، حيث يدفعنا الخوف إلى حافة الموت، فنتلاشى في سكونه طائعين.

إنها قصة يسود أمكنتها الصمت.. يزحف في تفاصيلها الزمن البليد كسلحفاة مدرعة بأقدار لا فكاك منها.. مصير يوشك أن يكتم أنفاس شخوص مسلوبة الحجا، مسكونة بالخوف.. مقموعة.

هذه القصة تتبرعم فيها الدهشة التي ستفضي دون شك بالقارئ إلى فضاءات أسئلة مفتوحة على الوعي الذي لا يطيق المكوث في مصباح علاء الدين الموروث منذ حكايات ألف ليلة وليلة، ذلك الوعي الذي يأنف من خلاله الإنسان النوم بين القبور المنتشرة في ظلام بعض السرديات الكبرى التي تعقد اللسان الحر وتحدّ من حركته وتقيد إرادة العقل وتلجم ينابيع المعرفة والإبداع وترضخ الفرد لتأويلات معلبة بمقاييس مفروضة عليه وتزيده تبلماً وبلاهة، كأنها مجرد عملية استنساخ، وخيالات تغشاه من مناطق لا الهام فيها، و"سميوطيقا"* مسكونة بثنائيات جاهزة تتأصل في عقله الباطن وتلغي عقله الظاهر وتصادر هويته وبصمة وجوده وتجعل ذاته متماهية مع الموت فتتساقط الأسئلة الظمأى في بئر عميقة يترع قاعها بالمياه العذبة والحياة لكن عمقها السحيق لا يجلب إلا الموت.. وكأن الكاتب يريد من الظامئ أن يمضي بعطشه حتى يتجاوز خيالات السراب نحو الحقيقة كي لا يسقطه الوهم في بئر الضياع ومتاهات الخوف..

وتقول القصة التي كتبها القاص الأردني يوسف ضمرة:

"الرجل الذي كان يسير وحيدا في البلدة الفارغة، ارتبك حين أحس بالظمأ؛ كيف يدخل بيتا ليس فيه أحد؟ أخيرا تذكر المسجد، فطار إليه، لكنه وجد المياه مقطوعة. قرر أن يخرج من البلدة، عله يعثر في أطرافها على بئر هنا أو هناك. لكنه لم يوفق. اشتد به الظمأ إلى الحد الذي أحس لسانه جافا كخشبة. نادى بصوت مرتفع: يا نااااااس. لم يجبه أحد. فجأة حطت حمامة قربه ودارت حوله ثم حلقت ببطء. اتجه حيثما اتجهت، فوجد نفسه في مقبرة. هناك وجد الناس جالسين كل على حافة حفرة على مقاسه. شرب من أحدهم، ثم سألهم لماذا يهجرون البلدة نحو المقبرة، فقالوا إن العفاريت ملأت البلدة. أخبرهم أنه مر ببلدتهم ولم ير عفريتا واحدا فلم يصدقوه. ثم أخبروه أن العفاريت لا تظهر للناس بل تكتفي بوجودها وعلى الناس أن تدرك ذلك. سخر منهم وعاد إلى البلدة. مشى في الحارات فأخذ يرى خيالات ويسمع أصواتا غريبة. أخيرا مسه الذعر فركض نحو المقبرة، وأخذ يحفر حفرة على مقاسه."

وتجدر الإشارة إلى أن ضمرة **عضو في رابطة الكتّاب الأردنيين، وانتُخب عضواً في هيئتها الإدارية لدوراتٍ عدة.

عمل طويلاً في الصحافة. كما نال جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة من رابطة الكتّاب الأردنيين سنة 1993 عن مجمل أعماله، وجائزة الدولة التشجيعية في مجال القصة القصيرة من وزارة الثقافة سنة 1995 وصدرت له الأعمال التالية:

"العرَبات"، قصص، اتحاد الكتّاب العرب في سورية، دمشق، 1979. "نجمة والأشجار"، قصص، اتحاد الكتّاب العرب في سورية، دمشق، 1980. "المكاتيب لا تصل أمي"، قصص، دار الأفق الجديد، عمّان، 1982. "اليوم الثالث في الغياب"، قصص، اتحاد الكتّاب العرب في سورية، دمشق، 1983. "ذلك المساء"، قصص، دار الشروق، عمّان، 1985. "مدارات لكوكب وحيد"، قصص، اتحاد الكتّاب العرب في سورية، دمشق، 1988. "سُحُب الفوضى"، رواية، دار الأهالي، دمشق، 1991.

"عنقود حامض"، قصص، وزارة الثقافة، عمّان، 1993. ط2، وزارة الثقافة، عمّان، 2011. "مذكرات قطّة"، قصص للأطفال، رابطة الكتّاب الأردنيين، عمّان، 1996. ط2، وزارة الثقافة، عمّان، 2008. "أشجار دائمة العري"، قصص، وزارة الثقافة، عمّان، 2002. "الأعمال الكاملة" (مجلد يضم مجموعاته القصصية وروايته)، البنك الأهلي الأردني، عمّان، 2005. "طريق الحرير"، قصص، وزارة الثقافة، عمّان، 2011. كما كتب نحو 100 تمثيلية إذاعية مقتبسة عن أعمال عربية وعالمية مشهورة.

 

بقلم بكر السباتين

.............

* السيميوطيقا: هي لعبة التفكيك والتركيب تبحث عن سنن الاختلاف ودلالاته. فعبر التعارض والاختلاف والتناقض والتضاد بين الدوال اللغوية النصية يكتشف المعنى وتستخرج الدلالة. ومن ثم، فالهدف من دراسة النصوص سيميوطيقيا وتطبيقيا هو البحث عن المعنى والدلالة واستخلاص البنية المولدة للنصوص منطقيا ودلالي.

** (بتصرف) موقع رابطة الكتاب الأردنيين الإلكتروني

 

رحيم الغرباويإنَّ صفات العظمة والكبرياء والمجد والثناء تمثل معنى الجلال، ولعل الفعل الجليل هو ماينسجم ومفهوم القيم الأصيلة الخالدة التي أكدت عليها الرسالات السماوية، كذلك المعاني والقيم الإنسانية التي خُلِّدت وهي بأبهى وأنصع صورها .

وفي مفهوم الجلال انتماء للمقدس الميتافيزيقي وفي الجوهر البشري القابع في الاختلافات الثقافية والدينية، ويبدو أنَّ الشعر لايمكن أن يعبِّر عن ذاته إذا ما كان يجهر عن قضايا لها مساس بالمقدس العرفاني فهو لايأتي بلغة منطقية وبرهانية إنما يأتي بلغة مجازية تعتمد على أساليب المفارقة أو التناقض الظاهري القائم بين الأضداد والرمز " والإشارة والتقاطع ... وغيرها من الأساليب التي تقع على حافة اللغة في الضفة المفتوحة على التناقض والإزاحة والشرخ " (1)، كما أنَّ اتجاه الشعراء المعاصرين كما يرى الدكتور إحسان عباس إلى المقدس في أشعارهم ارتبط بمجموعة عوامل لعل أبرزها " طول عملية التقدم والتراجع في الحياة السياسية التي عاناها المثقف والشاعر العربي، واليأس والسأم في متابعة الكفاح ... فيعوض الشاعر عن المادية بعالم الروح " (2) ؛ لذا فالمقدس يُشعر الشاعر بالإحساس بفرديته وثوريته، ويمنحه الجرأة بعد امتلاكه الصفاء والنقاء الروحي .

والشاعرة فضيلة مسعي من الشاعرات اللاتي وظَّفن المقدس في نصوصهن الشعرية للتعبير عن مآسي الواقع، فضلاً عن التمييز بين الروحي المقدس والمادي المدنس، فهي تثور في استمالتها للتضادات على كل ماهو قبيح وفاحش ؛ لذلك تتخذ من المقدس المثال الذي تتوق له النفس الباحثة عن الحق والإشراق والخلق في ميادين الحياة المتنوعة التي صارت اليوم مثوى لكثير من مظاهر الفساد والتجني فيها، فنراها تقول في قصيدتها (وجع القرنفل):

في ردهةِ الحلم

تعدو الأمنيات كما الحصان الجامح

تتدحرج الأشواق نزولاً إلى أسفل الأحداق

تتشابك الأشجار في أطراف الكلام

زهرة برّية تنبت في أحراش الآهات

تتصفّح ألبوم صوّر الكلمات

تمسك بالشّفاه المطبقة على ندف الثّلج وأجنحة الفراشات

كمصباح حزين في غرف الموتى

فهي تصور لنا الأمنيات في الاحلام وهي جامحة كالحصان إشارة إلى التمسك بملاذ الدنيا، بينما الأشواق لما هو غضر ينزل في الأحداق، إشارة إلى مكان نزول الدمع الذي يمثل المقدس لما للدمع من تزكية للنفس والوجدان، بينما الشجر وهو مظهر من مظاهر المقدس الذي ذكرته جل الكتب السماوية وما أكد عليه الرسول لصيانته وغرسه لما له من منزلة وفائدة في حياتنا، ثم تشير إلى الزهرة البرية التي حاولت الشاعرة أن توسمها بالمقدس، لكنها نبتت في أحراش الآهات، بينما مثَّلت الزهرة البرية ذات الشاعرة التي تعيش في هذا الواقع المأساوي بما  تعيشه الأمة من مأزق يكاد يفتك بها، كما تؤكد الشاعرة ذلك في جعلها تتصفح الكلمات وهي تتحسر على ما فيها من قيم فائتة، وأحدات بطولات ظلت عالقة فيها وهي  تحاول أن تقرأ قصة الشفاه التي قبضت على نتف الثلج وأجنحة الفراشات، ولعل الشفاه هي شفاه الناس التي آمنت بالسكون، وقد تمثلته في القصيدة نتف الثلج بينما أجنحة الفراشات إشارة إلى حياة الترف، مشبِّهة ذلك بمصباح حزين في  غرف الموتى، إذ لافائدة من إنارته، كذلك هي لافائدة لها من قراءة ما في الشفاه مما في قبضتها .

ثم تتصاعد لديها التشبيهات حيث يطغى على شعورها تجني الواقع على أهليه فتقول :‏

كقصيدةٍ ثكلى ...هامت على وجهها الذّكرى

كطفل من الموصل مزّقوا أمام عينيه كراريس المدرسة

أشعلوا مقعده الخشبيّ في الفصل

شنقوا معلّمه وأطلقوا الرّصاص على صديقته

كبنت يزيدية تخبئ عذريتها لؤلؤة بين أجفانها وتجري

تجري حتّى آخر رمق جرحها..‏

ك ..ك و .. ك..‏

تحبو الابتسامة الصّفراوية على وجهها..لتكفكف دمعها.

إذ نجدها تصف ذكرياتها في عهود الاستقلال راحة بينما أمنياتها باتت قصيدة ثكلى كما أنها تشير إلى مدينة الموصل التي وقفت بوجه الغاصبين في جميع الحقب التي مرَّت عليها أزماتُها، لكنها في العصرالحاضر لم تستطع مقاومة عنجهية وظلامية الأوغاد الذين استباحوا حياتها العلمية والثقافية من خلال إشارة الشاعرة إلى الطفل الذي مزَّقوا كراريس مدرسته، وأشعلوا مقعده الدراسي كما شنقوا معلِّمَه وأطلقوا النار على زميلته في المدرسة، فلم يبق له سوى همومة وأحزانه التي لامناص منها طالما دمَّروا كل شيء يمكنه تحقيق أمانيه .

ثم تشير إلى الأيزيديات اللاتي فجعن العالم لما آل بهم الظلم في أبشع كارثة حدثت في العصر الحديث، إذ بعنَ في السوق النخاسة ومنهن من وقعن رهن الاغتصاب القسري الذي ندَّى جبين الإنسانية من فعلة الظالمين الذين ما انفكوا يجاهرون في سخفهم ونذالتهم التي ما عرفتها بطون التواريخ إلا بأزرى ما وصفها بهم .ولعل الشاعرة وهي تشبه ذاتها بجميع تلك المآسي التي أصابت العراق في ظل الاحتلال الأمريكي والإقليمي الغاشم عليه وما تلك المآسي إلا استحضار للمقدس الذي تستشعرة ؛ كي تستنكر المدنس من خلال فداحة الأفعال الإجرامية المقيتة التي آثرت أن تطفئ النور في أرض الحضارات (أرض الرافدين) .

ثم تعود إلى رمز القرنفل الذي يمثل الطيب والعطاء والبلسم الناجع المعهود بقولها :

وجع القرنفل يهزّ جذع الأرض

يهتزّ له عرش السّماء و أكثر

شكرا جزيلا.. على مروركِ الخاطف أيّتها الشّمس

فقط..أسألك لماذا تهربين من الأكفّ

من عيون طفل في الموصل ‏

من أجفان يزيدية أو كردية تستبسل..‏

ولعل هذا القرنفل يحتج بوجعه الذي يهز الأرض، كما يهتز له عرش السماء ؛ دلالة على الرفض الكبير من كل نفس طيبة معطاءة تجاه ما استشرى من مخاطر المدنس؛ ليشمل الحياة كلها حتى أنَّ الشمس آثرت أن تهرب من الأكف المنادية لها كذلك من عيون أطفال الموصل الحدباء ومن نضال الباسلات من الأيزيديات والكرديات اللاتي دافعن عن شرفهن حد الاستشهاد . إلا أن غرابيب الظلام حجبت عنها نور الشمس التي تمثل الإشراق والخلاص نحو طريق الحرية والاستقلال .

 

د. رحيم عبد علي الغرباوي

.......................

(1) الفلسفة الغربية المعاصرة : 945

(2) الرؤيا والتشكيل في الشعر المعاصر، سلام الأوسي : 178، وينظر اتجاهات الشعر المعاصر، د. إحسان عباس : 208 .

 

 

عقيل هاشمللكاتب نعيم عبد مهلهل

قطب الأرض هو دموع الأنبياء

لحظة عودة نعوش الشهداء بعربات الوردة وانخاب الكؤوس..

هكذا يرى المندائيون صورة وجودنا عندما تعيش قلق غرام النساء،،

اوخوذة الحرب أو المتفى..

إنهم صناع اللحظة

وحتما صانع أللحطة أجمل من ألف ميعاد...ص5

إن قراءة تجربة الكاتب نعيم عبد مهلهل ومن خلال سردياته المشبعة بالأساطير (الديانات المندائية) والتي تبدو طاعنة في العمق التاريخي والفني والدلالي وبإحكام سرده وتمثل البناء وأسطرة تلك الطلاسم وبأسلوبية شعرية حكاية استطاع تحول الفضاء المتخيل إلى أيقونة، أظن أن هذه المحكيات بوصفها شكلا من أشكال الكتابة الأدبية لم تعد بتحولاتها السردية نصا مغلقا بل مفتوحا فأغنى المشهد السردي إبداعا، فقد تميزت تجربته باشتغال المتخيل بطريقة خاصة يتم فيها تعجيب السرد وتوظيف السخرية والتهكم واستلهام مخزون المحكي الشفوي من القص الشعبي التاريخي..

في هذه الكتاب يستوحي الكاتب نعيم عبد مهلهل ومن خلال منجزه الإبداعي الطويل والثري ان يرسم بريشة فنان هذا التجاور بإحداثيات إنسانية (ثقافية، تاريخية) وهذا الكم الهائل من المعارف هذه اللوحة الجميلة والباذخة الالوان، تتقمص الفضح والألم والسخرية والتهكم من زاوية الاحتجاج على ما يضمره ويظهره الواقع من محكيات تتجاوز حدود التخييل بل تفرض على التخييل أن يصبح شهادة بازغة على أعطاب المجتمع، وما تحفه من أشكال العبث بالمصائر والظلم والأوهام التي تحملها شخصيات منزوعة الإرادة، هنا تتفجر لعبة الوهم والانكسار والألم عندما تتظاهر النصوص بالبساطة والبراءة لكنها تخفى عمقا أكثر ثراء عندما تنتزع القارئ من طمأنينته الزائفة لتقف به وجها لوجه أمام دهشة الحياة ومشاهدها الخانقة. يقدمها ساردها بضمير المتكلم. .

اقتباس:

في اليوم الأول، أمي لبست ثوبا ابيضا، لتقول لطباشير السبورة:أنا وأنت والملح والنوارس أبناء الطبيعة البريئة، وفي ذلك الصباح المندائي الأزرق، حملت نعش ادم وطافت فيه شوارع الناصرية تبحث عن حواء تشع الحناء على رأسه وتقبله من فمه وتهمس :خليفتك أنا ...ص31

هنا تتقاطع محكيات الكاتب ب تقديم الحياة بوصفها سلسلة من الانهيارات والتراجعات، أحلام محبطة والتي تجمع بين الكلمة والصور والنعوت التي تلامس قضايا إنسانية وحالات إنسانية . فالروح في الحاضر تحولت إلى ذكرى بفعل الخيبات والعزاء الوحيد المتبقي للإنسان هو اعادة قراءة هذه الذكريات بعد ان تعذر الوصول اليها في غربته ..أقول إن رهانات الوجود الإنساني المشدودة إلى الماضي دفعت الكاتب نحو مزيد من الدقة والحرص على صيانة عالمه عبر فضح نواقصه وكشف الصراع بين الإنسان ونفسه. ومن خلال ربط النص بالعالم

اقتباس:

على شارع من رقة الذكريات أخذت حياتي، سوية ننام في سلة عنب، وشفاه مرتعشة وبلاد تلبس الموسلين، وكما ورقة في مهب الريح، أجفاني أجنحة سنونو، من سكنة ليل الاهوار تطير الى قبر بورخيس ..قبر النبي الكفل..أضع بابل في الرؤيا ..واقرأ في التوراة أشجان أماسي ملوك قلبي ..أشور ومهرجان كان والإخوان المسلمين ...وبرج خليفة...ص59

تبدو تجربة الكاتب نعيم عبد مهلهل بشكلها الطقسي وبرمزية تشفيراته والتي تمتحنا عوالم من الواقع المحكي والغرائبي طقسا حكائيا باذخا ليحلق بعيدا بنا فوق العجائبي والأسطوري موظفا السخرية والمفارقة وتقنية التوالد الحكائي في نصوصه المكثفة والغارقة بالحنين الى مدينته البكر..

وختاما أقول هكذا هي محكياته تتقصد وعبر تقنيات الكتابة المختلفة إلى إنتاج أسئلة مختلفة حول مشاهد عبر أسطرة للأحداث وتعميق المحكي في تربة المحلي باختياره أمكنة مدينته الفاضلة والتي عصية على الجمع معها بعد غربته عنها صاغرا..

اقتباس:

عندما ينهي موزارت من تأليف قطعته الموسيقية الموسومة (لاتطلب مع القهوة قبلة في مقاهي الكحلاء)، أمي تحسبه مجنونا يهوى واحدة من طالبات الثانوية وتحت وسادته تضع قشر بطيخة يابسة وكلاما لا اعرف معناه...ص89

 

قراءة:عقيل هاشم

 

مادونا عسكرقراءة في نصّ "ضمائر غائبة: في ساعة الجسد..." للكاتب التّونسي محمد أمين المكشاح

يستجمع الكاتب محمد أمين المكشاح في العنوان "ضمائر غائبة: في ساعة الجسد" المعنى الوجوديّ للجسد وأبعاده الحسّيّة والكونيّة. وكأنّي به في تأمّل خاصّ حول تفاعلات الجسد وحضوره كحقيقة، لكنّها حقيقة تثير في نفسه الكثير من التّساؤلات الّتي تلقى جذورها في الخلق ونموّ الحسّ الإنسانيّ وتفاعله مع الآخر من جهة. ومن جهة أخرى قيمة الجسد المقدّسة بالمعنى الإنسانيّ العميق  للقداسة لا بالمعنى اللّاهوتيّ. (في ساعة الجسد) عبارة تجسّد لحظة الوعي المعرفيّ الّذي تغيب فيه كلّ معرفة ملتبسة أو كلّ مخزون معرفيّ متوارث. لا يتحدّث الكاتب عن (جسد) وإنّما (الجسد) واللّحظة المستنيرة الّتي أيقظت في داخله بعداً نهيويّاً للجسد المرادف للكينونة الإنسانيّة. الجسد الجامع للواقع الحسّيّ والبعد الرّوحي الأبديّ. ولقد أتت عبارة (في ساعة الجسد) كقاعدة لما سبقها (ضمائر غائبة)، فأتى لفظ (ضمائر) نكرة مقابل (الجسد) المعرّف. وإن دلّ هذا على أمر فهو يدلّ على تغييب الكاتب لدلالات أو قناعات سابقة وعامّة أمام لحظة تجلّي معرفته الشّخصيّة. فيدفعنا إلى الغوص في هذا النّصّ من باب معرفته الّتي يؤسّس لها من خلال قوله (بين الهو والأنا الأعلى، تبخّرت الأنا في نظريّة فرويد وتجلّينا: أنت وأنا سويّة...) ولعلّه بهذا القول بلغ النّتيجة أو حقيقة الأنا- أنت، أو كأنّي به يقول إنّ البحث يكمن في الأنا- أنت لا في الأنا. فالأنا صورة ناقصة تحتاج للاكتمال بالأنت.

أن يبدأ الكاتب بالنّتيجة فذاك يعني أنّه يقرأ الماضي على ضوء الحاضر في النّصّ، أو يستحضر الشّخوص داخل المنظومة الكونيّة ليجذب القارئ بأسلوبه الخاصّ إلى المشاركة في هذه التّأمّلات والتّساؤلات. فيفتتح النّصّ بجملة شكّلت أساساً للنّص، كما أنّها انطلاق من الزّمن نحو ما فوق الزّمن (أشتهيها، لا أنكر، بل إنّي أؤكّد ذلك...). وإن كان أساس النّص الشّهوة فهو لا يريد بها الشّهوة بالمعنى المبتذل أو الهشّ، بل إنّه ضبط  دلالات اللّفظ (أشتهيها) بجعل الشّهوة رغبة عميقة في الاتّحاد بالآخر بهدف الاتّحاد بالمعرفة. الشّهوة، العطش والشّوق بحثاً عن حقيقة لا الشّهوة النّزعة المتحقّقة بنتيجة.

"أشتهي الرّوح فيها والحياة النّابضة في جميع تفاصيلها، أشتهي كلّ ذلك وأكثر إلى حدّ التّعب، إلى حدّ الذّوبان والولادة مرّة أخرى خارج الزّمان والمكان... هي لا تعلم بعد أنّي أختلج حين أتأمّل تجلّيها كلّ ليلة، حين أتحدّث إليها وأخشى فقدانها، حين تشاركني الخيال الّذي تتجلّى فيه الحقيقة أكثر من الواقع، حين أشاركها فراش رؤاي وتتجسّد الأنثى فكرة وأمنية، وهي لا تعلم أيضاً كم أنّ الغواية مقدّسة في حضورها كما في غيابها... عليّ أن أعترف أيضاً أنّها لا تغيب، الفكرة لا تغيب ولا تفنى، الفكرة تذهب بعيداً في جوهري، تحيي تفاصيلي المبعثرة، تنادي بالاكتمال وبالسّلام، بالتّمخّضات وبالحرب..."

(هي) الحاضرة  في فكر الكاتب ووجدانه، المتجلّية حقيقة يكاد يلمسها، غائبة في الواقع. الكاتب في حالة وعي للآخر (الأنثى) وقيمتها الحسّيّة والمعنويّة. كما أنّه في حالة إدراك عميق لتفاصيلها لكنّها ما زالت غائبة كشخص. فهو يحاكي الفكرة والوعي والحقيقة الّتي أدركها. ويبرز هنا العمق الفلسفيّ لحقيقة الأنثى/ الإنسان غير المنفصلة عن الرّجل/ الإنسان. يحاكي الكاتب هذا التّكامل وهو في صراع بين الواقع والخيال. فالفكرة حاضرة ويقينيّة لكنّ الواقع مختلف. وكأنّه من العسير أن يلتقي بالحقيقة الأنثويّة واقعيّاً، بيد أنّها تحضر بملامحها وتفاصيلها في كينونته ومعرفته وإدراكه. (عليّ أن أعترف أيضاً أنّها لا تغيب، الفكرة لا تغيب ولا تفنى، الفكرة تذهب بعيداً في جوهري، تحيي تفاصيلي المبعثرة، تنادي بالاكتمال وبالسّلام، بالتّمخّضات وبالحرب...).  وكأنّي بالكاتب يقول إنّ الأنثى الحقيقة حاضرة في عمقه، وإنّه في شوق ورغبة شديدة للقائها في ذاته. وما استحضارها في النّصّ وحضورها إلّا تأكيد على أنّ الكاتب يحتاج إلى الآخر (هي) لتكتمل معرفته.

"أفكّر أحياناً أنّ كلّ تلك الفراغات الجوفاء وضعتها لاعتقادها أنّي أشتهي جسدها لا غير، هي لا تعلم أنّي أشتهي كلّ تفاصيلها بلا استثناء ولا استغناء، أنّ كلّ ما فيها يجعلني أتمرّد على النّهار واللّيل لأتأمّل فيها، في كلماتها، في صمتها، في غضبها... هي لا تعلم ماذا يكون لي معها في اللّيل حين تغمض جفنيها...

كيف تسربّت إلى جوهري؟ في تماهينا وعد بميلاد آخر وبعث في عالم لا يهمّ فيه غير احتراق الجسد بنظرة واحدة..."

يشير الكاتب في هذه الفقرة إلى ارتباط الكينونة الأنثويّة بحرّيّته. وما إدراكه ورغبته في تفاصيلها إلّا رغبة وجوديّة في معرفة ذاته وتحرّره من النّقص والضّعف. فبعيداً عن إدراكها يتجذّر نقصه ويظلّ مسجوناً في صورته النّاقصة أو بحثه عن الاحتواء أو عن شيء من التّألّه. (هي لا تعلم أنّي أشتهي كلّ تفاصيلها بلا استثناء ولا استغناء، أنّ كلّ ما فيها يجعلني أتمرّد على النّهار واللّيل لأتأمّل فيها، في كلماتها، في صمتها، في غضبها...) في الشّهوة إليها وفي حضورها اليقينيّ انقطاع تامّ عن المكان والزّمان. وإذا خرج الكاتب من هذه الدّائرة الزّمانيّة المكانيّة حقّق حرّيّته الإنسانيّة على مستوى القيمة لا على مستوى التّحرّر الآنيّ. لذلك يأتي فعل الشّهوة هنا مرادفاً للتّعبّد بمعنى أو بآخر، كصلة حميمة عميقة بين شخصيّن تتخطّى اللّقاء الحسّيّ والرّوحيّ معاً. إنّه اللّقاء بالحقيقة وبالإدراك المتعالي عن المحسوسات. وفي تمرّده على اللّيل والنّهار إشارة إلى تفلّته من الحقائق المحسوسة ليدخل في جوهر يخلص به إلى المعرفة اليقينيّة. 

يستخدم الكاتب لفظ (اللّيل) في حالتين منفصلتين، الأولى دلّت على خروجه عن الزّمان والمكان، لكنّ الثّانية دلّت على الصّراع القائم في نفسه نتيجة التّباعد (هي لا تعلم ماذا يكون لي معها في اللّيل حين تغمض جفنيها). يرمز اللّيل في هذه الجملة إلى ظلمة النّفس والصّراع بين الرّغبة والمعرفة، بين الأنا- أنت الحاضرة في النّفس والأنا التّائقة إلى الاتّحاد الكلّيّ بالأنت.

"ذات مرّة أسررت إليها أنّي أرى في الحكاية قدسيّة رغم التّجلّي الواضح للجسد... في البداية ضحكت، ربّما لظنّها أنّي أسخر من الدّين، أقسم أنّي لا أحاول إلّا أن أفهمه، من منظور آخر ربّما، لكن قطعاً لا أحاول السّخرية...

"لا أهمّية للزّمان ولا للمكان حين تلتقي أفكارنا، موعدنا ذاك إحياء للأصل الأوّل، آدم وحواء طُردنا من الجنّة ثمّ التقينا..."

يعود بنا الكاتب إلى الأصل الأوّل، الصّورة الأولى المتكاملة في بحث عن سرّ الوجود الإنسانيّ (الأنا-أنت). ولعلّه يرنو إلى فهم أعمق من ذاك الّذي توارثناه. يحضر الجسد في العلاقة التّكامليّة بين الرّجل والمرأة، لكنّه ليس سوى أساس لما هو أعمق وأبعد. فيمنح العلاقة بينهما طابعاً قدسيّاً يحدّد إطار الجنّة بمفهومه الخاصّ. الجسد هو الحقيقة غير الملتبسة، المتجلّية في الوجود الإنسانيّ والمرافقة بتفاصيلها كلّ اختباره. لكنّ هذا الجسد يحمل في كينونته ما سمح لآدم وحواء باللّقاء بعد الطّرد. إذا كان الطّرد نتيجة للمعصية كما نعلم، فاللّقاء بطابعه القدسيّ ضرورة للعودة إلى الأصل واستعادة الجنّة/ المعرفة، أو الجنّة/ الاكتمال والسّلام أو الظّفر بالأبد. (أنا مسكون بهواجس الأبد...) والكاتب المسكون بهواجس الأبد يحاكي امرأة حاضرة غائبة تشبه الأبد، وتشبهه في إنسانيّته وتفاصيله. (كانت تتحدّث بما يختلج في نفسي، ربّما ذهبت أكثر ممّا ظننت في دخيلتي.) لكن هل من لقاء حتميّ بهذه المرأة السّاكنة في عمق الكاتب؟ أم أنّها تبقى أسيرة الفكرة إلى أن يحلّ زمن آخر، أو إلى أن تتجسّد الحقيقة؟ مع أنّها غير مفارقة له، وغير منفصلة عنه. هي جزء من كلّه وكلّ حاضر في كلّه. حتّى في تأمّلاته يستحضرها ليكتمل التّأمّل ولتكون المعرفة غاية وخلاصاً.

"كانت النّهاية قريبة ولا مناص منها غير التّوقف هناك، على بعد بضع خطوات من اندثار كلّ شيء...

هكذا كان الأمر: لا مزيد من الكلام، لا وداع ولا وعد...

ربّما نلتقي هناك مرّة أخرى..."

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

قصي الصافيكان دستويفسكي مثقلاً بالأسئلة الفلسفية عن ماهية الوجود وطبيعة الإنسان، وكان يورط شخصياته في أحداث ومواقف قاسية كي يكشف عن صراعاتها النفسية والفكرية ويزيل الأحجبة عن عوالمها الداخلية بكل متناقضاتها وتشوهاتها الوجدانية .

منحه انشتاين لقب عبقري القرن التاسع عشر، وقال عنه نيتشة : "إن كنت قد تعلمت شيئاً في علم النفس فإن دستويفسكي هو معلمي الوحيد"، وإعترف فرويد أنه لم يشتغل على ظاهرة نفسية لم يكن دستويفسكي قد تعرض لها في إحدى رواياته.

كتب دستويفسكي رواية الإنسان الصرصار "أو رسائل من باطن الأرض " رداً على رواية "ما العمل ؟" لنيكولاي تشرنشفسكي والتي تروج لنظرية التفاؤل العقلاني و مفادها : أن الإنسان أناني بالطبيعة مما يجعله يتخذ كل قراراته لتأمين مصلحته الشخصية، وهو أيضا عقلاني بالفطرة، ولذا فقراراته يحسبها وفق قواعد المنطق وحسابات العلم بقدر ما يمكنه رصيده المعرفي، وبالتالي فإن نتائج عمله من أجل مصالحه ستكون بالضرورة متسقةً مع مصالح المجتمع ورافداً للتقدم الحضاري . كانت تلك الصورة المثالية للإنسان والتفاؤل المفرط هو المزاج السائد في أوربا بسبب النجاحات الكبيرة للثورة الصناعية والإنجازات المتواترة للعلم، فجاءت رواية الإنسان الصرصار كإنذار مبكر يبدد نشوة انتصارات ومنجزات الإنسان الأوروبي، مما جعلها هدفاً للإتهامات بالسوداوية والتشاؤم أو أنها تمثل خطراً على الفكر الإنساني. إستمر ذلك حتى إندلاع الحرب العالمية الأولى بمجازرها وبشاعاتها لتكون بمثابة الصدمة التي دعت إلى مراجعة تلك الصورة المثالية عن الإنسان.

العقل - بالنسبة لديستوفسكي- ليس هو المنتج الوحيد للفعل الإنساني، فهو يمتثل إلى مؤثرات عالم خفي شديد التعقيد ومليء بالمتناقضات والأضطرابات الوجدانية :

"وقد يصل حقدي إلى حد أن يظهر الزبد على فمي، إلا أنك تستطيع أن تجعلني مطواعاً هادئاً ذا أعطيتني لعبة لألعب بها، أو قدحاً من الشاي فيه قطعة من السكر، بل قد تفلح بذلك في مس أوتار أعماقي. إلا أنني، بعد ذلك، أصر على أسناني وأظل ساهراً الليالي الطوال أعاني من الخجل."

إنه يهرب من عجزه إلى اليأس، ويحتمي بالأنين من الألم، ويشعر بلذة الاستكانة في الحالتين:

"الاستمتاع العجيب حتى في الصفعة، الاستمتاع باليأس طبعاً، ويمثل اليأس أقصى درجات الاستمتاع، خاصة حين يدرك الإنسان تماماً أنه في موقف ميئوس منه. أما حين يتلقى الانسان صفعة على وجهه – فإنه يشعر بالانسحاق والتضاؤل"....."إن هذا الأنين يعبر في البداية عن لاهدفية الألم، الأمر الذي لا يرضى به إدراكك "

يشغل الجزء الأول من الرواية مونولوج، يكشف فيه البطل عما يعتمل في داخله من صراعات ومشاعر متناقضه وتوترات نفسية، لتكون مدخلاً لفهم الطبيعة اللاعقلانية للإنسان، والسخرية من نظرية العقلانية المتفائلة على أنها جبرية تجرد الإنسان من حرية الإرادة، فالإنسان بمنظورهم أسير قوانين الطبيعة وهو ليس سوى رقم في معادلاتها ألحسابيه وعليه أن يقبل ما تمليه القواعد الصارمه للعلم والمنطق وإلا:

"سيصرخون بوجهك لا فائدة لنكرانك أن 2+2=4، كما أن الطبيعة لا تتوقف لتسألك رأيك، أو لتعنى برغباتك الخاصة، أو لتهتم بما إذا كنت تميل إلى قوانينها أو إذا كنت تكرهها، وعليك أن تقبل الطبيعة كما هي، ولذلك عليك أن تقبل كل نتائجها أيضاً. وهكذا ترى أن الجدار جدار.. وهكذا .. وهكذا."......." إن مجرد التفكير بأن 2+2=4 أمرٌ مهينٌ جداً، يشبه شخصاً بذيئاً سليط اللسان يقف معقود الذراعين عقبة كأداء في طريقك، ويبصق وهو ينظر إليك."

لم يعط دستويفسكي إسماً لبطل الرواية، ربما ليوحي للقارئ إنه يشبه أي واحدٍ منا، أنت أو أنا أو هي فسمه ما شئت . كما أنه قدمه كرجل عالي الثقافة والتحصيل العلمي، ربما ليقول لأصحاب التفاؤل العقلاني ها هو برغم قدراته العقلية الفذة، سيتعرى امامكم فيكشف عن صورة الإنسان الحقيقية لا ما صورته لكم احلامكم ...نعم هو يبني كي يدمر ولا يتوانى عن سفك الدماء :

"إن الانسان يميل إلى إنشاء الطرق والخلق والابتكار، وهذه حقيقة لا جدال فيها، ولكن لماذا يملك مثل هذا الميل والاندفاع الشديد إلى الدمار والفوضى أيضاً؟"

"انظروا فقط إلى كل ما حولكم: الدم يتدفق في جداول، وبكيفية تدل على منتهى المرح والجذل فكأنه شمبانيا."..."أن أشد الناس حضارة هم أمهرهم في الذبح والسفك؟"

ومن الرموز الرائعة التي يوظفها المؤلف في الرواية  القصر البلوري للمعارض في لندن، وقد كانت تعرض فيه الصناعات الثقيلة من شتى أنحاء العالم، وكان رمزاً لعظمة الثورة الصناعية:

"أنتم تؤمنون بقصر من بلور لا يمكن تهديمه – قصر لا يمكن أن يسخر منه أحد أو يحتقره أو يهزأ به، ولعل هذا هو الذي يفسر خوفي من هذا البناء، إذ أنه من البلور، ولا يمكن تهديمه، ولا يستطيع أحد أن ينكر وجوده أو يسخر منه"

إنه قصر شفاف يكشف عن كل من بداخله، فينتهك خصوصية الإنسان ويمتهن فردانيته التي تمثل جوهر كينونته الإنسانية، كما أنه يشمخ فوق إرادة الإنسان فلا يستطيع حتى أن ينتقده أو يسخر منه .

يطول الحديث عما تزخر به روايات دستوفسكي من نفحات فكرية وبراعة في التحليل النفسي قبل عقود من شيوع مدرسة التحليل النفسي على يد فرويد ويونج، إنه مفكر الأدباء بحق.

 

قصي الصافي

 

عرس الزين، مريودن بندر شاه

 (ويظهر هذا التواصل بين المطلق والمقيد جليا فى روايات الطيب صالح التى ترتكن الى الارث الصوفى كوسيلة للبحث عن الحقيقة المطلقة فى عالم الغيب وكيفية توظيفها للعودة بالكون الى صفاءه وانسجامه وتصالح متناقضاته، والربط بين الطرفين يعكس مدى المام الراوى الطيب صالح بمدونات التصوف الكلاسيكية وقدرته الفائقة على اصطحاب تجلياتها فى قاموس الحياة) احمد ابراهيم ابوشوك

روايات الاديب السودانى المتميز الطيب صالح لها صيت زائع بين مختلف الاوساط الثقافية على مستوى العالم، ويكفى فقط ان نعلم ان روايته (موسم الهجرة الى الشمال) كانت ضمن (افضل مائة رواية على مر التاريخ الانسانى)، اذن فنحن امام كاتب متمكن من ادواته وله قدرة غير عادية فى السرد القصصى فاق بها على اقرانه على مر عصور التاريخ، ولكننا نريد فى هذه العجالة ان نتلمس بعض جوانب رواياته الزائعة الصيت، ونطرق برفق على محددات اثر التصوف فى تلك الروايات لان التصوف كان ومازال وسيستمر ذو اثر بالغ على حياة السودانيين

البسطاء فى الارياف والمدن لكونه واحد من عناصر تكوين الشخصية السودانية فى بلد يصحو ساكنيه على صوت الانشاد وينامون على وقع دقات الطبول والنوبات.

يتجسد الاثر الصوفى فى رواية عرس الزين فى ثنائية الزين والحنين، اما الحنين فانه كان فى اعتقاد اهل ودحامد رجلا صالحا منقطعا للعبادة (يقيم فى البلد ستة اشهر فى صلاة وصوم ثم يحمل إبريقه ومضلاته ويضرب مصعدا فى الصحراء ويغيب ستة اشهر ثم يعود) ويتناقلون عنه احاديث خارجة عن المألوف لا تحدث الا من اولياء الله الصالحين فيروى بعضهم – مثلا- انهم راوه فى مكان ما فى زمان ما بينما يقسم اخرون بانهم راوه فى نفس ذلك الزمان فى مكان اخر ويرى محجوب وهو احد زعماء ود حامد ان الحنين ولى صالح لذلك فهو يتحاشاه ويخشى دعواته فدعوات اولائك النساك لا تقع على الارض. اما الزين المنبوذ فقد كان قبيح الهيئة كبير القلب لا يعتقد احد من اهل القرية فى صلاحه الا والدته ومع ذلك فى فقد حدثت له اشياء خارقة للعادة لا تحدث الا لولى صالح، احد هذه المواقف هو زواجه من حسناء القرية نعمة بنت حاج ابراهيم فقد كانت اولى إرهاصات ذلك الزواج هى نبوءة الحنين حينما قال على ملأ من الناس ان الزين المبروك سيتزوج باجمل حسناوات القرية ثم تم الزواج بالحلم الذى حكته حليمة بائعة اللبن لزبونتها امنة وهو ان نعمة قد جاءها الحنين فى المنام وقاليها عرسى الزين (التعرس الزين ما بتندم) واصبحت الفتاة فحدثت اباها وامها وتم الامر، هذا هو الزين ذو الجسم الضاوى الهزيل والقوة المريعة حينما تتدفق فيه، وهاهو يخطب فتاة وراء اخرى ويصيح باعلى صوته (ووووك الزين مكتول فى فريق .....)، وهاهو يلازم الشيخ الحنين فى حضوره للقرية ..يؤانسه ويصحبه اينما سار، وهاهو يعاقر الخمر ويغشى حفلات الغناء، ويسير حافى القدمين حاسر الرأس الى حيث تسوقه قدماه لا يلوى على شىء.

اذن فان شخصية الزين فيها من البساطة بقدر ما فيها من التعقيد وفيها من الوضوح بقدر ما فيها من الغموض، وفيها سر لا يعلم احد كنهه، وهى بهذا المعنى الصوفى الجاذب يحقق بها الطيب صالح نزعة التصوف المتأصلة فى المجتمع السودانى، والذى لم يسلم منها على مر العصور من الغيوب التى تصل فى بعض الاحيان الى حد الخرافة . ولن نترك شخصية الزين والحنين قبل ان نستبين ملامح تلك اللحظة الفارقة، ليس فى حياة ابطالها وحدهم، بل فى حياة قرية ود حامد بأكملها، تلك اللحظة التى قفز فيها الزين من بين يدى أصحابه وأطبق على عنق سيف الدين بتلك القوة المريعة التى تتدفق على جسده الضاوى من حيث لا يحتسب احد . فى تلك اللحظة الفارقة بين الحياة والموت بالنسبة لسيف الدين هل عليهم الحنين من حيث لا يعلمون، وحين ضاقت قبضة الزين على خناق سيف الدين وكادت أن تؤدى بحياته ارتفع صوته فوق الضجة (الزين المبروك... الله يرضى عليك) فانفلتت قبضة الزين ووقع سيف الدين على الارض ساكنا هامدا، تلك اللحظة اراد لها الطيب صالح ان تكون فاصلا بين حياة وحياة بالنسبة لسيف الدين من جهة ولقرية ودحامد كلها من جهة اخرى وكأنما الزين قد قتل سيف الدين العاق الشرير ومعه الفقر وشظف العيش لابطال تلك اللحظة، وجاء من داخل جسده سيف الدين آخر له من الخلق مثل ما له من الدين، وجاءت بركات ذلك الميلاد نعمة ويسرا على ابطال تلك اللحظة بصفة خاصة وعلى قرية ود حامد كلها بصفة عامة، وكأنما اراد الطيب صالح ان يحقق كرامة للزين (ولى الله الصالح) كما تقول والدته وللشيخ الحنين (ولى الله الصالح ) كما يقول اهل ودحامد .

تلك اشياء قد وجدت طريقها الى التراث الصوفى فى السودان عبر كل عصوره المختلفة، فالسودانيون قد شادوا حيواتهم على مثل تلك الكرامات وكتاب الطبقات لود ضيف الله يذخر بما يصدق وما ليس قابل للتصديق بكرامات اولياء الله الصالحين وما قرية ودحامد الا واحدة من اصقاع السودان التى تؤمن بكرامات الاولياء الصالحين وما الحنين والزين الا اقطابا صالحين يوجد مثلهم فى كل قرية وفى كل فريق .

رواية مريود

لعل الاثر الصوفى فى رواية مريود يكشف لنا تفاعل الحقيقة مع الغيب على سواءه فى روايات الطيب صالح، فهو قد ابان لنا فى غير مواربة ما يقوم به اهل التصوف من مكابدة للنفس حتى تصل الى مراقى الكشف الصراح لعالم ما وراء الطبيعة، وكما اوضحت لنا ثنائية الحنين والزين فى رواية عرس الزين اثر التصوف فى حياة المجتمع السودانى، فان ثنائية بلال ونصر الله ود حبيب تكشف لنا بوضوح عن تغلغل الادب الصوفى فى عصب الحياة السودانية وتبرز لنا الجانب الروحى فى اعلى درجات نقاءه وطهره فى حياة الصوفيين .

نصر الله ود حبيب ولى من اولياء الله الصالحين كما تقول الرواية (... قالو: وكان الشيخ نصر الله ود حبيب قطب زمانه بلا نزاع، كان الناس يقصدونه من أطراف الأرض طلبا لعلمه وتبركا بصحبته ...) وكان بتلك الصفات يمثل الجانب الروحى المشرق من قرية ودحامد .. كان يمسك بحبال الوجد ولا يبتغى غير الوصول الى درجات تتقطع دونها الأنفاس ولا يجد لذلك سبيلا وهو الذى قال مخاطبا حواريه بلال (... لماذا يا اخى تبعد عنى هذا البعاد اما كفانى وكفاك؟ ارفق بنفسك يا حبيبى فانك قد تبوأت رتبة قل من وصل اليها من المحبيين الخاشعين واننى اركض فلا اكاد الحق بغبارك) هذا حديث صوفى عاشق اضناه الوجد وارقه طول الطريق، وعلم كما علم كل الصوفيين الانقياء ان معرفة الحقيقة لا تجىء بالعبادة المظهرية وانما تجىء بالخلوص والطهر الداخلى فبالخلوص وحده يتحقق التجلى الذى لا تعرفه العامة ولا يقدر عليه الا الذين يملكون قهر انفسهم كما انها لا تجىء بالايمان وحده لان من طلب الحق بالايمان كمن طلب الشمس بنور الكواكب. فى الجانب الاخر نجد شخصية بلال التى تتجلى فيها النزعة الصوفية كأوضح ما تكون، ولعلنا نجد بعض تهويمات الاقطاب التى طفح بها كتاب الطبقات لود ضيف الله فى حياة بلال، واول تلك التهويمات ظهور بلال فى حياة الشيخ ود حبيب، حينما اخذ ينادى (الينا يا بلال.. الينا يا بلال) اقسم الحاضرون (انه ما ان فرغ الشيخ نصر الله ود حبيب من ندائه حتى سمعوا صوتا عند باب المسجد يقول يقول لبيك.. لبيك) .

ثانى تلك التهويمات هو زواجه من حواء بنت العريبى، فقد كان زواجا صوفيا محضا تتداخل فيه الشك مع اليقين والخرافة مع الحقيقة والحب الجسدى مع الوجد الروحى، فحواء بنت العريبى كانت امراة صاعقة الجمال، خطب ودها خيرة الشباب ولكن ولم يتعلق قلبها الا ببلال وكان بلال لاهيا عنها فى ملكوت ربه ولم تجد سبيلا للوصول اليه الا بعد ان تذللت للشيخ ود حبيب،فاشار الى بلال ان يتزوجها فقال له بلال: (يا سيدى روحى فداك .. لكن لا تخفى عليك خافية من احوال عبدك المسكين .. انا ماشى فى دروب اهل الحضرة وأنت تأمرنى بأفعال اهل الدنيا) على كل فقد تزوجها بلال بعد الحاح الشيخ ود حبيب وقضى معها ليلة واحدة فقط طلقها بعدها باذن الشيخ ود حبيب وحبلت منه بأبنه الطاهر الرواسى .

رواية بندر شاه

لا شك عندى ان برواية بندر شاه شئ من الغيوب لا نستطيع الجزم ان كانت طيفا صوفيا، ام خرافة شعبية .. وليس عندى شك – ومهما كانت تفسيرات تلك الغيوب – فى ان البعد الصوفى قد كان حاضرا حول اولائك الذين كانوا ابطالا لاحداث كانت فوق مستوي العقل.

على سبيل المثال فان الرحلة التى قام بها (سعيد عشا البايتات ومحيميد) الى مكان ما فى زمان ما كانت رحلة خارجة على نواميس الحياة لا نستطيع تفسيرها الا باستحضار غيوب ما وراء الطبيعة

كانت رحلة سعيد عشا البايتات فى امشير حينما وقف فوق رأسه الشيخ الحنين وامره ان يذهب الى القلعة ويدخل القصر ولا يتحدث الى احد وحينما اخذ الصرة من القصروضعها فى المحراب فى الفجر وبعده طلع الى المئذنة وهو يبكى (فريت الآذان يا اخوان .. طلع الصوت ما هو صوتى ... صوت مليان بالاحزان ... ناديت فوق البيوت ... ناديت للسواقى والشجر ... ناديت للرمال والقبور والغياب والحضور .. ناديت للضالين والمهزومين والمكسورين .. للصالحين والسكرانين .. ناديت للنصارى والمسلمين) كانت لتلك اللوحة التى رسمها سعيد وهو يناى بصوت باك سمة صوفية خالصة وكان نداءه للصلاة فى ذلك الفجر المشهود نفحة روحية تجلت فى ذلك الحشد لكل اهالى ود حامد فى بالمسجد (فى غبش الفجر وتحت البرد القارس والكل يبكى وينتحب ) ونفس تلك الرحلة قام بها محيميد حينما سمع نداءا واضحا ومألوفا يقول له (يا محيميد تعال ... فهش له وقال نعم ولم يخطر له ان ذلك امرا مستحيل فقد كان النداء هو الظلام او البرق الذى يلمع فى جوف الظلام) ولم يكن له الا ان يسير وراءه وقتفى اثره)

هذه معان صوفية تغلغلت فى عصب الحياة فى قرية ود حامد بشخوص روايات عرس الزين ومريود وبندر شاه، فقرية ود حامد ككل قرى السودان فى ذلك الوقت تطفح بكرامات اولياء الله الصالحين، ولتلك الكرامات كما يعلم الجميع اثر قوى على سير الحياة فأهل القرى مولعون بالتحدث الدائم عنها لا لغرض الحكى وحده بل لاغراض التذكر الدائم لعالم الغيب الذى يؤمن به الناس اكثر من ايمانهم بعالم الشهادة.

ان البعد الصوفى فى حياة اهل السودان بصفة عامة والمتمثل هنا فى احداث تلك الروايات بصفة خاصة يعطينا التفسير المنطقى لعلو كعب اصحاب الحقيقة على اهل الشريعة وان بشارات اهل القوم اشد وقعا فى النفوس من قرارات الحكام، وان خطرات الوجد من اهل الكشف تفعل فى النفوس ما لا يفعله الوعاظ والفقهاء من فوق سلالم المنابر.

فى اشارة عجلى قبل الختام الى الصوفى الطيب صالح كاتب هذه الروايات يصور لنا صديق محمد بن عيسى مشهدا من مشاهد حياته النابضة بقوله (الطيب صالح كان كل كامل، لا ينافق ولا يحابى، قنوع الى درجة اهمال حقوقه ومستحقاته، كل شئ فى الطيب صالح ملفوف بالحشمة والتقشف ونكران الذات ... ولى صالح حتى دون عمامته، يتحدث معك فى كل شئ الا عن نفسه وعن اعماله...)

وها نحن فى نعلم فى الختام عن اى نفس صوفى صادق صدرت هذه الروايات؟ وعن اى قلم مشبع بالعفة والتواضع سطرت كلماتها وفقراتها وصفحاتها؟ وعن اى رجل قام بنسج الحقيقة والخيال فى كل مشهد من مشاهدها البازخة وهو مضمخ بعبق الذكر من مفرق الرأس الى اخمص القدمين الى ادق الخلايا؟

 

بقلم: ناجى احمد الصديق المحامى - السودان

 

  تمثل الايروتيكية فن راقٍ استعمله الكثيرون ولم يتقنه الا القلة من المبدعين والمبدعات ؛لأنه يخرق حدود الممنوع والمحرم ويتسلل داخل نطاق التابو، ويحتاج الى قلم كتابي حر يبتعد عن صياغة التقليد والخوف من خدش المحرمات الثقافية التي تفرض ضغوطها على الكثير من النتاجات الابداعية.

 وسعت الكتابة النسوية الى توظيف هذه الممنوعات ضمن كتاباتها السردية خاصة.

 لنرصد جملة نتاجات سردية خرقت حدود التابو وكتبت فوق خطه الأحمر.

 ونحن نقرأ مثل هذه النتاجات نقع  أمام جملة من المصطلحات، منها (الجسد، الهوية، الجنس) وهذهِ المصطلحات تمثل إشكالية في التصور النقدي أمام الفهم السائد، وما استعمالنا للجسد إِلا للأشارة إِلى الجنس، مع معرفتنا الكامنة بالاختلاف الجوهري ما بين الجنس كفعل بايولوجي وبين الجسد بوصفه ظاهرة جمالية.

   فالجنس ركيزة أساس تدور حولها الأعمال الأدبية، إذ يعد غاية لأَختراق المحرم، وقد استطاع النتاج الابداعي، إِنَّ يوظف الجسد داخل إعماله الأدبية، لإضفاء معنى ايروتيكي جديد.

ولأنَّ الناحية الجنسية تمثل حساسية في مجتمعاتنا؛ كونها تدخل دائرة المحرم، فالكتابة الجنسية أو النص الجنسي، هو آلة لغوية كتابية (تنظيرية)، ومن السهل التحكم في صياغة توظيفها .

  ومن المتعارف عليه في أوساطنا الأدبية والثقافية، إِنَّ الجسد شكل أهمية كبيرة في حياة الناس ؛ كونه ذا قيمة روحية كبيرة، فالحديث عنه أجده مرهوناً بالمناسبة، فكما نعلم أَنَّ لكل حادث حديث، أي أَنَّ النتاج الادبي لا ينفرد بالحديث عن الجنس، بل يحمّل - نتاجه - موضوعات عدّة، فتطور المجتمع أسهم في تطور أساليب الكتابة وتجاوزها للمكبوت.

 وحققت الروائية (عالية ممدوح) في رواية (التشهي)،خرقاً معلناً لحدود الممنوع والمحرم، من العنوان الذي اتخذ تسمية اشارت بصورة معلنة للفعل الايروتيكي والكتابة البنوغرافية .

 أما المتن السردي فقد جاء بلغة جريئة ابتعدت عن الحشمة والتورية، لتكتب بصيغة جنسية معلنة، وعمدت الى التعرية المباشرة في كتابتها، وفي تصوير شخصيات روايتها.

 وجاءت شخصية (سرمد) بتنظير كتابي تطبيقي ابتعد عن اللف والدوران في الفعل الايروتيكي، والذي انتقل الى ايجاد الحل لذاته الى صديقه الطبيب (يوسف) الذي نكتشف عن طريقه حجم الشجن الذي يعانيه بإزاء وطنه(العراق).

 والرواية على الرغم من المنع الذي نالته في الكثير من الدول العربية، الا أننا نلتمس في نهايتها قضية انسانية ورسالة هادفة الى حجم الخراب والدمار الذي ناله العراق، وهذا الدمار مواز لدمار الذات الإنسانية لـ (سرمد) الذي عانى الوحدة والألم والعجز في الوقت ذاته.  

  فـ(الجسد/ الجنس) تعبير رمزي يوظفه النتاج الأدبي الحديث خاصة، ليكشف  انزياحات الزمن عن طريق تنوع الثقافات، وهو نص له علامة ثقافية قبل أَنَّ يكون ذا قيمة جمالية، وهذهِ العلامة الثقافية لا تتحقق دلالتها إلا عن طريق سياقها الذي أنتجها أول مرة، فمصطلح(الجنس، الجسد، الهوية) يوحي بموقف ايديولوجي، واختراقه يعد عملاً ثقافياً جاداً ؛ كونه عملاً من أعمال المثقف .

 وأجد الروائية قد أتقنت نقل الحالة النفسية لشخصياتها، وشجن الوطن، وهذا ليس ببعيد عنها ؛لأنها تنتمي الى أختصاص علم النفس في دراستها للبكلريوس.

أضيف،أن الروائية قد ابدعت في نتاجها الجريء هذا؛لأنها أجازت لذاتها كتابة الخوف ضد الخوف، وهي نموذج للكثير من الكتابات النسوية التي اخترقت الممنوعات وتجاوزاتها.

أخيراً، امنياتنا لكاتبتنا بالشفاء العاجل، لأكمال مسيرتها السردية الجريئة.

 

بقلم: وسن مرشد

 

نيران العبيدييبدأ الكاتب شاكر نوري روايته التاسعة خاتون بغداد الصادرة عن دار سطور سنة 2017 بمقولات لكلود ليفي شتراوس واسكار وايلد وميلان كونديرا الذي يقول التاريخ بحركاته وحروبه وثوراته المضادة وهزائمه الوطنية لايهم الروائي بوصفه موضوعا للوصف والشهرة والتشهير والتفسير، فالروائي ليس خادما للمؤرخين واذا كان التاريخ يسحره فذلك لانه مثل مصباح كشاف يدور حول الوجود الانساني ويلقي ضياءه عليه.. الخ ليقول لنا ان روايته لا تعني حيادية التاريخ لشاكر نوري بقدر ما يسلط الضوء على شخصية بطلته المس بيل الجاسوسة الانكليزية التي شاركت بصنع خارطة العراق الحديث من منظور استعماري ونصبت الملك فيصل الاول بن الحسين بن علي الحجازي ملكا على العراق متجاهلة ارادة الشعب العراقي بعد استفتاء شعبي قامت بتزويره بطلة الرواية ليحصل الملك على 96 % من اراء الشعب العراقي ص 197 معللا عدم انتخاب طالب النقيب الذي تم نفيه من الفاو الى جزيرة سيلان بأمر من السير برسي كوكس كونه كان يسعى الى الجمهورية في حين الامبراطورية البريطانية تريد ملكا يساند امبراطوريتها الممتدة على الاراضي التي لا تغيب عنها الشمس ص173، حقيقة هذه المعلومة غريبة عليّ كون النقيب كان جمهوريا لكن الروائي عاد وناقض نفسه فائلا

ص176 ان النقيب عاد وزارني معبرا لي عن رغبته ثانية ان يكون اميرا للعراق، اذن شاكر نوري لم يكن يضئ بمصباحه ما يدور حول الوجود الانساني، او يجانب الحقيقة بكلمة للتاريخ بقدر ما كان هناك دس لتشويه الكثير من الحقائق التي كتبت لصالح المستعمر وبنفس غربي باعد الصواب عن قول حقيقة شعب ظلم من جهات امبريالية عدة اضافة الى ابناء بلده الذين كتبوا من اجل التزلف لقوى استعمارية غاشمة اصبحوا فيها لاجئين بل قدموا خدمات جليلة لهم هذا اذا علمنا ان كاتبنا شاكر نوري كان يعمل ضمن فريق عمل اذاعة مونتي كارلو الفرنسية و مقيم في دبي اثناء كتابة الرواية.

تبدأ الرواية بفصل السيدة الانكليزية بحذائها ذي الكعب العالي وتنتهي بالليلة الاخيرة كما ترويها ماري

وما بين الفصل الاول والاخير تقع 363 صفحة يسرد لنا فيها شاكر نوري قصة حياة بطلته المس بيل التي ظل مخلصا لها مستندا إلى رسائل المس بيل وكتاباتها باسلوب روائي جميل وسرد ممتع باجواء رمانسية ساحرة ادخلت التاريخ من باب فني كتابي وباسلوب سينمائي معتمدا على الفلاش باك لحظة الاحتفال بمئوية دخول الانسة بحذائها ذي الكعب العالي وقبعتها العريضة ومشيتها المتبخترة الى مدينة بغداد ص 10

شاكر نوري في فصل سيناريو ادخل في السرد العراقي اسلوب تقني سينمائي وكأن الكاميرا بين يديه يقرب الصورة ويبعدها وفق هواه، يقطع المشاهد، و يمازج ما بين الصورة والكتابة كأننا نقف امام مخرج يخلق لنا اجواء تدخلنا في الصورة التي يريدنا ان نراها بمخيلتنا ولا نقرأها على ورق.

لقطة بانورامية خارجي بعد الظهر نهر دجلة، داخلي في المساء لقطة قريبة، خارجي مقبرة الخاتون، لقطة عامة و لقطة قريبة لتبادل الابتسامات، كلها عناوين لمشاهد قصيرة يصورها ويحرك الكاميرا بقلمة لينتقل بسرعة لمشهد آخر يغني سطور من الكتابة والتفصيل

اما ما كتبه الكاتب فيما بعد تحت عنوان الكتابة مثل الرقص التي حشر فيها اراءه الشخصية، وفصل وجه قناع من البرونز القصير انا اراه حشواً زائداً حاله حال فصل لا سلطان على الصحراء سوى الرمال كان من الممكن ادخاله ضمن الفصل الاخير الذي انتهت به الرواية في الليلة الاخيرة كما ترويها ماري

واخيراً وليس آخراً ص 316 يقول على لسان شخصية يونس” نحن نحترم الانكليز لانهم لم يتخلوا عن موتاهم على عكس الامريكان الذين حرصوا على تهريب موتاهم بالطائرات الى المانيا والكويت ورمي جثث مرتزقتهم في نهر ديالى ” هذا المقطع مكرر سبق وان كُتب في بداية الرواية ولا اعلم ان كان سهواً ام توكيداً، واذا كان توكيداً ليس بالضرورة يفيد القوة احيانا كثيرة يعتبر ضعفا بالسرد وكما هو واضح ان شاكر نوري يميل ويقارن مابين الاحتلالين البريطاني القديم والانكلوسكسوني الامريكي البريطاني الحديث رافضا التصديق ان ما قامت

به امريكا في العراق بموافقة ومشاركة فعلية من ابو ناجي الانكليز كما يسميهم تحببا والاحتلال احتلال ولاداعي للمقارنة

يبقى شيء آخر تحريك الكلمات كانت بمخارج لفظية غير عراقية شوهت بعض المعاني، اعتقد المنقح لم يكن عراقيا او لم ينسجم مع سرد فيه نكهة عراقية

شاكر نوري ماله وما عليه في هذه الرواية

من حق الكاتب ان يستفاد من اية معلومة تخدم الرواية ومن حقه توظيف النصوص الشعرية والمصادر التاريخية والموروث الشعبي اذا كانت منسجمة مع النص بشكل عام، لكن ليس من حقه ان يقوم متعمدا بتشويه تاريخ شعب او اعتماد روايات ضعيفة لمصادره التاريخية مقابل عشرات الروايات الموثوقة

ص 29 الى ص 30 يتطرق الى قصيدة للزهاوي ويربطها بتخصيص 150 روبية منحة شهرية للزهاوي يسلمها له الاب انستاس الكرملي صاحب مجلة العرب، اكراما للشعر والشعراء كونها لاتزعل من قصيدة غزل تندرا والحقيقة كما وردت على ترجمة رسائلها المرسلة للصحفي روفائيل بطي بجريدة البلاد تقول ان الشاعر جميل صدقي الزهاوي كان مواليا للعثمانيين لذا قامت المس بيل بتخصيص هذا المبلغ من اجل كسب تأييد الزهاوي او تحييد الشاعر تجاه الاحتلال البريطاني

ص 31 يتطرق الكاتب على لسان العراقيين لقصيدة محمد مهدي الجواهري

قل للمس الموفرة العرض التي لبست لحكم الناس خير الباس

لي قيلة تُلقى عليك بمسمع وبمحضر من زمرة السواس

إن كان سرك بالعراق بأن تري ناسا له مضروبةً بأناس

فلك التعزّي عن سياستك التي عادت عليك بصفقة الافلاس

خططٌ وقفت لها حياتك اصبحت شؤما عليك وانت في الارماس

هنا يروي الكاتب ان المس بيل ترد على القصيدة التي هجا بها الشاعر كونها تعمل على فرقة المجتمع العراقي وتضرب السنة بالشيعة، والعكس صحيح سياسة فرق تسد (ان الشعراء احرار ) ويجيبها المتحدث بالرواية ( ونحن نقول اي العراقيين الشعراء يتبعهم الغاوون)

ولسان حال شاكر نوري يسفه قصيدة الجواهري الذي تكلم بحرقة عما تفعله سياسة هذه المرأة اخلاصا لبطلة روايته

ص 276 يسرد لنا الراوي حادثة تعرضت لها المس بيل : هجوم من قبل رجال اشقياء تابعين للشقي الكردي ابن عبدكة بمنطقة ديالى بقطار خط شرقي بغداد القادم من كركوك في محطة شهربان المقدادية حيث كانت المس بيل في هذا القطار، فما كان من هذا الشجاع ابن عبدكة الا ان يدافع عنها ويوصلها الى بغداد سالمة، وعندما يقع هذا الشقي في قبضة الحكومة يُحكم عليه بالاعدام باعتباره خارجاً عن القانون، وبتهمة قتل عدد من جنود الحامية البريطانية. وعندما تسمع الخاتون قرار الاعدام تسارع للدفاع عنه امام المحكمة وتقرر المحكمة بعد سماع اقوال الخاتون نقض الحكم

الحقيقة التي حاول الاستاذ شاكر نوري طمسها بسرد حادثة قطار ديالى ان الضغط الشعبي الذي تعرضت له المحكمة كان يفوق التصور. كانت المظاهرات والشعارات والصحافة كلها تطالب بتبرئة ابن عبدكة واعتبر الموضوع وطنياً وقد تبرع من يدافع عنه المحامي معروف علي اصغر الذي ميز الحكم، وهناك رواية وردت من أكثر من مصدر ان المرجع الشيعي محمد الصدر الذي تعرف على ابن عبدكة ورافقه في جولته بديالى عندما ذهب لتحشيد الحشود لثورة العشرين التي قفز شاكر نوري على احداثها ولم يتطرق لثورة غيرت مجرى التاريخ العراقي وفاجأنا بتنصيب الملك بدون مقدمات، اضافة للمرجع محمد الخالصي قد توسطا لدى الملك من اجل عدم تصديق الحكم بالاعدام. هنا لا بد من القول ان فصل روبن هود العراق حسب قول الكاتب شاكر نوري فصل فقير بالمعرفة القانونية كون الكاتب جمع لقاء مس بيل بالشقي ابن عبدكة داخل المحكمة وقدمها كشاهدة لتعاونه معها في حين أن قرار المحكمة نهائي ولا يستطيع احد ان يخفف الحكم بقضية تهمة قتل عدد من الاشخاص. لكن التخفيف جاء بسبب رفع قرار الحكم بعد اكتسابه الدرجة القطعية للتصديق من قبل الملك، وللحقيقة والتاريخ اقول غالبا ما كان الملك يرفض التصديق على الاعدامات ويستبدلها بالمؤبد هكذا كانت العادة عند الملك، وبعد ان شاهدت المس بيل ان سير الاحداث يتجه لتخفيف الاعدام بواسطة المراجع الدينية الى مؤبد وخوفا من الضغط الشعبي على الملك ولكي لا يقال ان الكلمة لمراجع الشيعة بدل الانكليز ارسلت الى الملك باللحظات الاخيرة تطالبه تعديل الحكم

في فصل علي بابا والاربعون حرامي يكتب الروائي شاكر نوري عن لسان بطلته لتشرشل ان الملك فيصل الاول فارس شجاع اعتبره السلطان عبدالحميد مثل ابنه .. وللحقيقة وللتاريخ الذي ربما يجهله الكاتب ان الملك فيصل الاول كان عضو برلمان الدولة العثمانية عن منطقة الحجاز وهناك تعرّف على الشاعر العراقي معروف الرصافي كون الاخير عضو برلمان في الاستانة ايضا عن منطقة بغداد وحين سُئل معروف الرصافي عن شخصية فيصل بن الحسين بعد ترشيحه وقبل تنصيبه قام بتزكيته للصداقة التي تربطهم وهذه كانت احد اسباب رفض الفرنسيين لشخصية الملك فيصل الاول في سوريا، ربما اعتبر خائناً للدولة العثمانية والخونة لا يؤتمنون

اكثر من مكان يتطرق الكاتب الى ونستون تشرشل ص 33 هل هناك اعظم من هذا الرجل ؟ كونه لا يصغي الا لاراء مس بيل وقد فات كاتبنا ان تشرشل اول من استعمل السلاح الكيمياوي ضد الاكراد بمدينة السليمانية وضد عرب الاهوار بالعراق وحين سُئل من قبل احد الصحفين في لندن عن مدى صحة خبر استعماله السلاح الكيماوي اجاب بتهكم ومن يهتم لمكان ما في بقعة ما ليست على الخارطة، وكأن من قُتلوا ليسوا من البشر

كل هذه الملاحظات التاريخية كان من الممكن تجاوزها بمداخلة للزمن او راوٍ عليم آخر غير الراوي يُذكر السارد بالاحداث الحقيقية ويتدخل وينسحب كصوت دون ان يخدش السرد المراد كتابته للخاتون

شاكر نوري كتب رواية بعيون اجنبية وليست عراقية

 

نيران العبيدي - كندا

 

455 عمار كشيشقراءة في مجموعة: سماوات النص الغائم للشاعر عمار كشيش

عن  دار امل الجديدة- سوريا- صدر للشاعر "عمار كشيش" مجموعته الشعرية  المعنونة “سمـــاوات الــنــص الغـــائـــم.

ولخاصية النهج الشعري للمجموعة الماثل في  لغتها الشعرية والمؤشكل للقاريء المتلقي، لابد هنا من التنويه اولاً لمفهوم القراءة الاولى المخالفة للتلقي والقراءة الثانية المنسجمة معه، حيث الرفض في الاولى والقبول في الثانية،وهي القراءة التالية المعدلة والمصححة والعاملة على تزيِّل الاختلاف اللغوي لتلقينا القرائي، لما للبناء اللغوي للمجموعة هذهِ من تمحور وازخارات تشاكس القاريء كثيراً،ومن الخروج اللغوي البعيد المدى في الانزياح على طول جسد اللغة الشعرية،

فمن طبيعة ايحائية اللغة الشعرية المنزاحة ممانعتها لكشف مستورها في اللحظة القرائية الاولى للنص،وماكان لهذهِ اللغة ان تتسم بالقبول الشعري، ولاتقترب  شعريا إلا ان يعيد القاريء قراءتها الثانية ليعيد للكلام انسجامه و تواصلة السردي المعافى، فالشعر يتغيّأ من وراء تفليش دالة اللغة الطبيعية في المنطقة النثرية ليعود بناءها في المنطقة الشعرية بدوال اكثر جمال واناقة وهي تؤدي خطابها الشعري.

وإسترأى البعض  في القراءة  الاولى له لمجموعة " سموات النص الغائم" تخدش  في شكلانية السرد الشعري لبنائية النصوص من جمل وانساق وتكوين،وهو سرد يشاكس  ويأشكل المتلقي  كثيرأ،كما  في  لقاءه القرائي الاول لقصيدة"تراتيل في باب الريف"...

(زفيرك على لسان

الموت| الناي

ممتزجا مع دم الشجرة  المتألق في الاعراس

النهر على الحائط

ينزل وترتديه روحك

(الحلمُ أظنه يفترشُ العشبَ...ثمت بخار ينهض من كوب في الاحاسيس

ياسمين ممضوغٌ في معدة  الملاك).

ومع طبيعية التقطيع او التبعيد  والتوقيف المعمول من ايحائية اللغة في النسق الشعري،كما في تشبيه لسان الموت بالناي لينتقل بعيداً وهو يجالس مفردة الدم مع الشجرة و يحول النهر بطبيعة ماءه الجاري على الارض ليصيره جاري على الحائط  ويتوقف ليتحول في حلمه  المفترش للعشب  ويبتعد لينتقل للاحساس الموصوف بذلك البخار الصاعد من كوب ساخن له.

 هذا الخروج اللغوي وتنقله البعيد الغريب، خرج به الشاعر وعبر حد – التحرش – في النسق التعبيري للغة، ومن المفردة وتجانبها وجلوسها في جملها الشعرية،مما صنع الكثير من الانعطاف والتنقل  في حوارية المتلقي للنص.

لقد انتبه الشاعر "عمار كشيش" في ذهابه البعيد وتغويره اللغوي بعدم الوقوع في التياه داخل هذيان لغوي لايمت من هنا وهناك بضرورات اللغة الحديثة للشعر في الخروج عن حصار الزمن المزدحم بالضوضاء الحاجبة كثيرا  لصفاء واصغاء القاريء المتلهف لحوار النص و الباحث بإستئناس ولذة عن المعنى.

 نعم لنهج الشعراء في الخروج عن المألوف لاثارة الادهاش الجمالي،هذا الخروج  الملتزم  بالنباهة المانعة لخروجه عن قدسية الشعر وعدم العبث العاطفي باللغة من لا أدرية  الشاعر بفعل اللغة وحسها وحسابها الدقيق،والتي تقوده في  الكثير للرسوب الشعري،حيث الامتحان الصعب لهذا  النهج ودقته،وهذا ما اشتغل عليه الشاعر "عمار كشيش" في رسم بصمته الصعبة عند هذه المجموعة.

وفي اشارتنا هذه كمقدمة لقرائتنا لمجموعة "سموات النص الغائم" لأزخار النصوص بالكثير من هذه المشاكلات والمشاكسات اللغوية في ايحائاتها التي اوقعت المعنى بعيداً عن النص المرئي وأقامته في المنطقة المخفية مكتظ بالكثير من الضبابية امام القاريء،وهذا ما تجلى في تمحور اشتغالات الشاعر  "عمار كشيش" بتجربته هذهِ، وهو يطرق كل ابواب اللغة حتى ارغامها للفتح القابل لما يريد من فلسفة و هجس ورؤى لخاصية افكاره وألية مستعملاته اللغوية المنفلته عن المتداول والمفاجئة لتوقعات القاريء وهذا ما لقيناه في نصه (المقطع الأخير)

(حين تسقط الدمعة الطينية

ينبتُ في الحقل عشب النبيذ

هو

يبثُ القشعريرة في حبات الزيتون.

ضفيرته تتدلى في ممرات الآلة الموسيقية

السماوات تلحسُ البندورة مسترخية)

وفي هذا التوجه الشعري يتضح التغريب اللغوي  ببعده الإيحائي في وصفية (الدمعة الطينية،عشب النبيذ، وتدلي الضفيرة في ممرات الالة الموسيقية حتى لحاس السماء للبندوة وهي مسترخية)..

هذهِ البناءات الشعرية تتطلب القراءة النابهة والمتأنية لانساق الجمل الشعرية والبناءات العامة للنص،قراءة تعمل وتنتظر المسك بالنص وفق انارة و اتكالة معرفية لتداخلات اللغة في مفارقاتها الا متجانسة لغويا خارج النص والمتجانسة شعريا في داخل النص، ومن تكريسها لغرائبية اشتغال النصوص في خروجها اللغوي العابر كثيراً، وهي من المثولات المكثرة في المجموعة،ومنها يأخذ بالمتلقي لتوقفات قرائية مراجعة ومتأملة لبلوغ دلالتها،حيث توقف وانشغال القاريء في البحث الماسك للحواضر الشعرية  الصالحة لمداولته القرائية حتى النبش بما يمكن من فض لمشاكلات اللغة المضببة للمعنى التي صيرت القاريء رهين لغة الغموض. ومن قرائتنا لقصيدة "سماء لبخار الطفولة "...

(أسبح في خمرة لزجة، ضائعة، أو منتشرة في الغرفة مثل الهواء الراكد

خلال هذه الأشياء أغازل الأمل

أبحث عن شراب لبذرة الأغنية)

وأبحث عن طقس

تماما كالطقس تحبه شجرة

(النعناع)

وقد فاضت مناخات لغة النصوص ايضا بنبرة الطفولة وبسمات بيئة الشاعر الريفية ذات البراءة والروح البسيطة مع مكوث الشاعر في نهجه المفارق لغرائبيته متأبياً الانصياح لمنطق القول بل لمنطق الشعر  كما في قولهً

(سماوات القرية تمشط شعورنا وتعقد الضفائر/ أراجيح الأحلام) ص7

فالسماء لا تقوم بالتمشيط لأي شيء، أما الضفائر المعقودة فهي لا تقوم مقام الأراجيح إن كانت في الواقع، أو الأحلام، إلا أن الشعر يدفع بالشاعر أن يقول مثل هذا القول المدهش والغريب

(منذ طفولتي أجمع الحكايات مثل التوت والشفلح من جسد جدتي أو أمي)28

وكما في قصيدة "الأم الاولى" الام التي تحكي للشاعر يوم ولادته المباركة وبنرة ملؤها البساطة الحنونة كبساطة طبيعة الريف حيث الماء والخضرة والنبات الطبيعي...

(ولدتكَ على نهر /  أبو السمك

قريبا من الأرض المختمرة كماء الحياة   أم  الشفلح و الرقي

ولدي كنت مباركا

في وجهكَ الشمس :وردة،فضية ناعمة)

 وتأخذ بنا المفارقات اللغوية المخالفة والمختلفة في النسق والجمل الشعرية بما يقارب لرؤية – دي سوسير - ان نظام اللغة محكوم بمبدأ رئيس يضمن سلامة الرسالة اللغوية ويحقق امكانية التواصل اللغوي،وهو مبدأ التعارض والاختلاف،حيث تأخذ الكلمة بموجبه هويتها الخاصة من تعارضها مع كلمة اخرى-1

فلم يتورط الشاعر "عمار كشيش"  في نهجه الشعري هذا بفيوضات لغوية غير سليمة ومن خروجها البعيد والكثيرعن  مألوفية سردية الشعر، بل تمعن الشاعر و دقق  بحذر في تنقلاته الصعبة التنقل بموضوعة الوسع اللغوي وفهم سماحة اللغة الاستعمالية  في توصيف "الشريف الرضي " ومن هرمونيتها النشطة في التشبيه  الايحائي والايجاز المرمز  والاشارة اللامرئية وغيرها من اشتغالات اللغة، ويمكن ادراك ذهاب الشاعر لمنهجه وبوضوح في رجوعنا لقراءة قصيدة "سماء لبخار الطفولة"

تعالوا وارضعوا هذا الثدي الليموني)

علّ الرغوة تتلاشى في حناجركم وتطلقون أغنياتكم

الشحم  يذوب وتتحولون إلى فراشات

تتراقص في هذه السماوات

التي تكاد تتحول إلى سباخ)

وهنا يظهر مدى عمل اللغة الادبية وخاصة في جنسها الشعري على الولادة داخل الولادة اي لحظتها، لكون اللغة كائن اكثر حركة وتغير وتمرد وكما في وصفية روكان جوكبسون( الثبات فيها وهمي ومجرد فرض علمي مساعد،وليس من خواص عناصر اللغة بحال)2.

فبين البدء القرائي الاول النافر لعدم انسجام القاريء مع النص الى التالي القرائي المتوكل في التأويل الذي يعيد النص للقبول الشعري و يعيد الانسجام وازالة المنافرة مع القاريء المتلقي،وكما في قصيدة"تراتيل في باب الريف"

(لانوم في القيلولة

ومروحة بابل تُحرك غبار الحضارات العتيقة

مروحة بابل تنعسُ مثل نورس سكر من رائحة الموتى في نهرالجنوب

حصة القلق متواصلة ومتداخلة مع الحصص الأخرى

لذلك الخبز الغالي، الأبيض

كأنه ليس في آنيات البيوت إنما في آنيات  الجنود المنخورة

سقطت في الشوربة ذراع جندي وثمة وشم الوردة في جلده الكالح

ـــ الخدمة الإلزامية طعنة فتاكة في خاصرة الغجر

ـــ المرأة حطمت  زجاج المركبة التي تحمل  على ظهرها تابوت .... حبيبها.......... بالطابوق و).

وتبقى الشعرية هي المحاولات المتعددة الاسلوب والمختلفة في الكشف عن قبول الجمالية التي تحملها وحدة النصوص الإبداعية المختلفة في نهجها البنائي المكون لها.

 وكما يرى  -يوكبسون -أن استيعاب هذه الوظيفة الشعرية، يقتضي عدم عزلها عن المشاكل العامة للغة. كما لا ينبغي تحليل اللغة تحليلا دقيقا دونما الالتفات إلى الوظيفة الشعرية)*3.

وهذا ما يدعونا الى عدم حصر اللغة في تجربة "سموات النص الغائم" باللفظ اللغوي بل في الفعل

 الشعري لها ومن قراءتها التأويلية في مبحثها الكاشف عن جمال المعنى المستتر بطقوس اللغة واحتفالاتها الفاعلة.

 

خليل مزهر الغالبي

.......................

1- النظرية البنائية في النقد الادبي – د صلاح فضل

2 - “قضايا الشعرية” رومان ياكبسون

3 - المصدر نفسه

 

الآن.. هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى.. رواية الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف تعد من الروايات التي تنتمي لأدب السجون، وتطرق إلى أوضاع المعتقلات في بلدان الشرق الأوسط دون تحديد اسماء او ذكر البلد أو السجن الذى جرى فيه التعذيب والممارسات القمعية .

تكمن اهمية أعمال الروائي عبد الرحمن منيف في رواياته الشرق المتوسط "الآن.. هنا" والأشجار واغتيال مرزوق، كونها تمس السجناء والمعتقلين دون تمييز في شتى بلدان الشرق المتوسط وما یحيطها، وتكشف أوجه الطغاة وتعری الجلادين، وما تعرض له السجناء من إهانة وتعذيب وممارسات إجرامية تسعى لفل صمودهم . کما هو الحال مع شخصيات طالع العريفي وعادل الخالدي ورجب اسماعيل وغيرهم.

ويمكن التوقف بوضوح في مسار الرواية مع منيف عند ثيمة البعد السياسي والاجتماعي التي انعكست في العمل بحكم دخول منيف معترك العمل السياسي قبل تحوله أديب ومفكر.. هذه التجربة التي أثرت في تکوینه ومکنته من رصد ظاهرة الحياة والموت في اقبية السجون والمعتقلات السیاسیة، ومناهضة استبداد السلطة، والدعوة لحرية التفكير والمفاهيم الدیمقراطیة ورفض اقصاء الآخر المعارض والزج به في غياهب السجون حیث تتجلى مظاهر القمع والقهر وانتهاك حقوق الإنسان في أبشع صورها فی روایته.

لهذا نرى منيف يبحث عن حلمه المفقود فی كتاباته الرواية کوسیلة ابداعية لمواصلة عمله التغيري بالرغم من إخفاقه فی العمل السياسي لکنه لا يستسلم لليأس ويرفض الهزيمة ويقرر الارتقاء واختيار الوسيلة الأنجع في التأثير على المجتمع واعادة صياغة سلوك الإنسان من خلال انتاج فكر جديد وتفعيل حركة العمل والکافح .

و يؤكد على لسان عادل الخالدي "نخطىء كثيرا إذا تخلينا عن آخر الأسلحة التي نملكها،الكلمة،ولا بُدّ أن نحسن استعمالها، إذ ربّما تكون وسيلتنا الأخيرة، وقد تستطيع أن تفعل ما عجزت عنه الأسلحة الأخرى، ولذلك فانّ المهم أن تكتب، أن تقدم شهادة." الرواية ص. 321

من هنا يحدد منيف أهم وظائف الرواية على المستوى الفني والموضوعي فيقول ”إن المقصود ليس قضاء وقت وانحدار دمعتين كي تريح ضميرك، وإنما يجب عندما تنتهي الرواية أن تبدأ أنت … إن الروايات المهمة يبدأ أثرها عندما تنتهي.(1)

وتمکن منيف من التعبیر عن عالم السجون من خلال مشاهد ولقطات مؤثرة عن حياة المعتقلین التي أخذت حيزا كبيرا في الرواية وتمکن من صياغتها وتوظيفها بطريقة مبدعة، من حيث الرصد، والموضوع واللغة، واختيار الشخصيات، بقدرة عالية من التحکم بالأحداث ومزج الخيال بالواقع فی تکوین عمله الروائي النابض بالحياة، وحوله لواقع جديد، وتجربة منتجة للوعي. كما تميزت الرواية بتقنيات حديثة، من حيث البناء الفني والتصوير وتكثيف واختزال المعاناة الإنسانية بعمق وتركيز.

كان لعبد الرحمن منيف دورا رياديا بارزا في صیاغة الرواية العربية السیاسیة، واعتبرت أعماله من الروايات التي أسست لجيل روائي ما بعد نجيب محفوظ.

أكثر ما في الرواية إيلاما، هو استمرار الانظمة الاستبدادية والظلم والقهر المرافق لمسيرة الناس الذين يعيشون في أقبية السجون المظلمة والمحتجزين لسنوات طويلة دون محاكمة وما يتعرضون له من معاناة من جراء الأفعال السادية والقمعية المذلة للسجناء ونزع الاعترافات منهم قسريًا .

تبدو بوضوح رغبة الكاتب في تقديم صورة المناضل السياسي المكافح من اجل اهداف سامية عبر الرواية لتكون توثيقًا تاريخيًا يعكس من خلالها بعمق رؤيته الثاقبة للأحداث بعد صقلها وتشذيبها لتصبح جوهرة نادرة تزداد قيمتها مع الزمن.

فهو يروي ابتداء من الفصل الثاني منها أحداث ووقائع ما جرى للمناضل الشيوعي حيدر شيخ علي الذي التحق بقوات الانصار ـ البيشمركة في كردستان العراق - بعد ملاحقة اجهزة القمع العراقية له، وتكليفه بمهام التنسيق والمتابعة في طهران إثر اعتقال المناضل المعروف عادل حبة الذى كان مسؤولا عن عمل الحزب الشيوعي العراقي في طهران عام (1980) . واُلقي القبض عليه من قبل جهاز المخابرات الإيراني، بتهمة التجسس لصالح أكثر من دولة في أواخر عام (١٩٨١) وقضى ما يقارب ستة سنوات في سجن إيفين الرهيب .

بعد انقطاع دام عشر سنوات، التقيت بحيدر شيخ علي الشخصية المحورية في رواية عبدالرحمن منيف .. وتحدث لي عن سنوات سجنه الستة في إيران، ومعاناته وآلامه بتفاصيل يومية، روي لي عن التعذيب الذي أدمى جسده على مدار هذه الأعوام في تلك السجون، صامدا بوجه الجلادين ليوم الإفراج عنه.. واشار الى انه سجل حكايته على اشرطة وأودعها لدى الدكتور فالح عبد الجبار في خريف (1988)، على أمل أن تصدر على شكل كتاب يتضمن ذكرياته في السجن، ويطلع عليها الرأي العام العالمي إلا ان الصدفة كما يقول فالح عبد الجبار غيرت مجرى الحدث .. مع خريف عام (1988).. (التقيت الروائي الراحل عبد الرحمن منيف وتجاذبنا الحديث على وقعة «سمك مسقوف» أعدّتها شلة مثقفين عراقيين جاؤوا مثله إلى المنفى الدمشقي. حدثته عن ديرسو اُوزالا العراقي، حيدر الشيخ علي، التمس مُنيف أن يطّلع على مضمون تسجيلات السجين.

ويؤكد فالح عبد الجبار باعتباره شاهد على التسجيل، مضمون قسم حرائق الحضور والغياب منقول نصاً عن مذكرات حيدر شيخ علي المسجلة صوتياً، كما أن هناك موتيفات منها في القسم الثالث. وبهذا اعتمدت الرواية اعتماداً شبه كامل على ذكريات حيدر (2) واضافة الى ذلك، ما كتبه الدكتور كاظم حبيب حول نفس الموضوع، يؤكد على وجود تسجيلات بهذا الصدد تتعلق بالرواية (3)، واعترفت سعاد

قوادري ارملة منيف بوجود أشرطة خلال ردها على فالح عبدالجبار وحيدر الشيخ عبر الجريدة الالكترونية عكاظ (4).

الاسباب الذي دفع منيف الى كتابة روايته (الآن.. هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى) حسبما قال:

أما لماذا حاولت أن أكتب رواية أخرى عن السجن وهذا ما فعلته في روايتي الأخيرة (الآن.. هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى). لإعتقادي أن حجم القمع الذي نعاني منه حاليا لا يقاس بما كان سابقا.. لقد زاد القمع واتسع الى درجة لا تصدق، لا يقتصر ذلك على عدد السجون أو عدد السجناء، إذ تعداها الى حد أن أصبح كل إنسان سجينا، أو مرشحا للسجن، اضافة الى تطور أساليب القمع المادية والنفسية، وأيضا علاقة الأفراد فيما بينهم وعلاقتهم بالسلطة، ولذلك كان لابد من مواجهة هذه المشكلة ومحاولة قراءاتها بطريقة أعمق، حين فعلت ذلك اكتشفت في لحظة من اللحظات أن الضحية والجلاد وجهان لعملة واحدة أي أن الاثنين ضحية النظام المسيطر .

كما كتب عبد الرحمن منيف مقدمة تحت عنوان " تقديم متأخر لكنه ضروري" في الطبعة 12 لعام (1998) لروايته الشرق المتوسط (و التي نشرت عام 1975)، أي بعد صدور روايته " الآن ... هنا "، أو شرق المتوسط مرة اخرى (الطبعة الاولى عام 1991)، يكتب منيف في هذه المقدمة إنه ” لم يقول كل ما يجب أن يقال حول عالم السجن السياسي وما يتعرض له السجين من قسوة ومهانة في الزنازين الممتدة على كامل حوض المتوسط الجنوبي والشرقي، والتي تتزايد وتتسع سنة بعد أخرى، مما جعل الرواية توحي ولا تحكي، تشير ولا تتكلم " وهذه اشارة واضحة من الروائي منيف انه حصل على معلومات مؤكدة من سجين سياسي حول انتهاكات داخل السجون في الشرق المتوسط وجنوبها.

يقول عبد الرحمن منيف: "الرواية كما أفهمها، وكما أكتبها، أداة جميلة للمعرفة والمتعة. إنها تجعلنا أكثر إدراكا وأكثر احساسا بكل ما حولنا، وقد تقول لنا، في السياق، أشياء عديدة يجدر بنا معرفتها أو تذكرها. (5)

كما ذكر منيف في بداية روايته" آلان .. هنا أو الشرق المتوسط مرة أُخرى "، (أفضل ما يفعله الإنسان أن يحيل أوسع تجربة ممكنة إلى وعي): بطل رواية الأمل مالرو. ص7 لو دققنا في النص أعلاه، " فإننا نجد أنها تشد انتباه القارئ إلى قطبين: قطب يرتبط بكاتب من عيار مالرو... وقطب يتعلق بالأفكار التي تحث عليها المقولة: دعوة الإنسان إلى تحويل تجاربه إلى وعي.

فهذه المقولة دعوة إلى إعادة تأمل الحياة من طرف الإنسان، خصوصا حياته الخاصة من أجل الوعي بها وإدراكها إدراكا عميقا. ويعتبر هاجس الكتابة الذي يستبد بشخصيات الرواية دليل على أن سرد تجارب الذات ومحنها يندرج ضمن هذا الهم وهذا المسار الذي يتحدث عنه مالرو." ص127 (6) كما يقول روبرت لويس ستيفنسون: فقد يأخذ الكاتب شخصية ويختار الأحداث والمواقف التي تنمي تلك الشخصية.

في هذا الإطار أخذ الكاتب عبد الرحمن منيف في روايته" الآن .. هنا "تجربة شخصية المناضل الشيوعي حيدر شيخ علي تحت اسم طالع العريفي، واختار الأحداث والمواقف التي تنمي هذه الشخصية، وأخذ أحداث سجن (إيفين) سَيِّئ الصيت تحت اسم سجن العبيد، والمعاناة الحقيقيّة لهذه الشخصية خلال وجوده في المعتقل ..

لا ينكر منيف أن الكاتب الروائي لا بد وأن يختفي، أحيانا وراء شخصياته، فهو يقول:- "الرواية وعلاقتها مع الراوية علاقة شديدة التعقيد، بمعنى، أن الكاتب يخلق عددا غير محدود من الشخصيات لكن يحملها مقدارا متفاوتا من آرائه وقناعاته، وهذه الآراء والقناعات ليست بالضرورة تلك التي يرويها البطل أو تتصل بالبطولة الخارقة أو الحكمة. قد تقال على لسان المعتوهين أو الشخصيات الثانوية، وقد تقال رمزا أو بسرعة"(7)

الرواية أحد أشكال التعبير الإنساني عن مجمل عواطف وأفكار وخواطر وهواجس الإنسان، بتعبير ادق،" في ما وراء البنية السطحية للحكي تكمن بنية تصويرية عميقة محورها الإنسان، وهي تسعى عن نسج صورة عنه.

هذه الصورة التي نفترضها في كل عمل روائي، ليست معطاة بل متروك للقارئ، في إطار تفاعله مع النص، مهمة بنائها انطلاقا من مجموعة من العلامات النصية التي تشكل نسيج النص الروائي، على اعتبار أن النص كما يقول أمبرتو إيكو: آلة كسولة تتطلب من القارئ عملا تعاونيا قويا من أجل ملء فضاءات المسكوت عنه أو ما سبق قوله ولم تملأ فراغاته، هكذا فالنص ليس سوى آلة اقتضائية . إن النص ليس في إمكانه قول كل شيء، وهو يفترض قارئا قادر على تحيين دلالاته."(8)

عندما يدلي أحد رموز التجربة بشهادته كشاهد عيان عن أفظع تجربه وهو كان رهن الاعتقال على شكل وثيقة ذات قيمة اجتماعية، هذا لا يقلل من اهمية الكاتب والروائي عبد الرحمن منيف ولا من قيمة روايته وإبداعه الأدبي الراقي وبإضافاته على الرواية يمنحها المزيد من الصدق والحرارة ويغنيها، وقد ابدع منيف في عرض هذه الأحداث المأساوية بصياغات غزيرة، ونقل القارئ لأجواء السجون التي تزهق الارواح وتذل الناس، وتصدر الموت وتترك أثارها النفسية وندوبها العميقة في الروح والجسد، كما هو الحال مع بطل الرواية الحقيقي بالفعل .

إن الروائي منيف لم يضع نفسه في إطار الجدران الاربعة للسجن وأَقْبِيَة التعذيب وراح أبعد من ذلك وأطلق العنان لخياله من خلال خياله الخصب وتمكن من وضع نفسه في أجواء انسانية جديدة، ساعدته على التوسع، والانتقال من السجن إلى المشفى، ليخلق للقارئ عالمين متعاكسين ومتناقضين المشفى كمكان يشفي ويحيي الناس والسجن مكان يذلهم ويميتهم .

يورد المؤلف على لسان السجين طالع العريفي (الزنزانة في سجن العبيد قبر: صغيرة باردة، فارغة، أقرب الى الظلمة، وتنبعث منها رائحة الموت.

كما هو معروف فان الشعر الجيد، والرواية الجيدة، يعطيان صورة أعمق للمجتمع وأعتقد أن الأعمال الأدبية مثل الشعر والرواية هما أفضل وسيلتين للتصوير وفهم مجتمع ما. ونحن هنا بصدد ادب السجون وهي افضل من الروايات التي دخل كتابها السجون أو نقلوا عن شخصيات دخلت السجون لفترات طويلة وعاشت التجربة عن قرب.(9) ويتفق منيف مع هذه المقولة وقد كتب على لسان طالع العريفي في الفصل الثاني بعنوان (حرائق الحضور والغياب)”في يوم ما، إذا خلق فنان في بلادنا، وعرف معنى القهر والغيظ معا ولحظة التحدي ايضا، فسوف تجسد لحظات لا يمكن أن تتاح لأي فنان آخر في العالم". الرواية ص. 313

أتفق مع الاٌستاذ جاسم المطير فيما قاله.. (ليس من الصواب وليس من المفروض على الكاتب الروائي ان يشير الى مصادر روايتها والى احداثها او بعض اجزائها او وقائعها اذ يكون هذا الأمر مهمة القارئ الناقد) (10). ولا بد أن نشير الى أن حيدر شيخ علي، طلب من الفقيد فالح عبد الجبار ان يعيد الكاسيتات من أجل صياغتها من جديد ونشرها باسمه ولم يعترض يوما على عدم ورود اسمه في الرواية أما عن النص الروائي فقد صدَرت الطبعة الأولى من رواية " الآن .. هنا " عام (1991)، بثلاثة مفاصل هي .. الدهليز - حرائق الحضور والغياب - هوامش الأيام الحزينة.

تدور أحداث الرواية في بلدين وهما موران وعمورية وكلتا الاسمين مبهمين، والكاتب الذي يرسم ملامح الشخصيات وبشكل علامات متقطعة وفي أكثر من فصل، حتى تعرف أبعاد زمان ومكان الأحداث، وخاصة في القسم الأول الدهليز، ورويدا رويدا تتبلور الفكرة من خلال الأحاديث التي تجري وتتواتر بين عادل الخالدي وطالع العريفي مع الشخصيات الثانوية، والطاقم الطبي في مستشفى كارلوف - براغ وتكشف الهوية السياسية لكلاهما.

كما تبرز شخصية الكاتب السياسية حين يتناول بالدرجة الاساس موضوع الإنسان وعلاقته بالسلطة وحجب حريته في منطقة الشرق المتوسط،.. بصرخة مدوية ضد الممارسات اللا إنسانية، واستمرار أعمال القمع بشقيه النفسي والفيزيائي. كما يتطرق الى قضية الحرية، والديمقراطية والانظمة الديكتاتورية، والدعوة الى هدم السجون عبر إلغاء الخوف ومواصلة الكفاح لفضح الممارسات القمعية وتحدي القتلة بشجاعة .

يأخذ السجن حيزا كبيراً من الرواية خاصة في القسمين الثاني والثالث، مقارنة بالمستشفى في القسم الاول، وهذا الأمر لا يخلو من دلالة، بعد ازدياد حالة القمع في الشرق المتوسط وجنوبه، مما حدا بمنيف أن ينقل صورة الإنسان في حالته اللا إنسانية إلى ذهن القارئ

لقد تمكن منيف من توظيف أكثر من شاهد وأكثر من صوت، لإدانة الممارسات اللاإنسانية ضد المعتقلين في سجون شرق وجنوب المتوسط. بحكم ما للمكان من وظيفة نصية، يساهم في توجيه القارئ ويقوده إلى إنتاج دلالة معينة، وأن البنية الثنائية تتمظهر على شكل ثنائية ضدية في الرواية يتحكم فيها المكانان الأساسيان وهما:

المستشفى والسجن، لكل من هاتين التسميتين مدلولاتها العميقة والمؤثرة .

استطاع الروائي عبد الرحمن منيف أن يأخذنا ببراعة لنتعرف على حال السجين السياسي في اقبية الموت المظلمة، حيث التعذيب الوحشي الذي يتعرض له بوسائل تهدر الكرامة الانسانية سواء بالتعذيب اللفظي الذي يستخدم اقبح الكلمات أو الفيزيائي الذي يطول كل جزء من الجسد دون استثناء. مشاهد مروعة لتعذيب اقل ما يمكن أن توصف به بأنها لا تصدر إلا عن وحوش يطلق عليهم بشرا عبثا.

في القسم الأول بعنوان الدهليز: السارد الأول هو عادل الخالدي ويشاركه طالع العريفي .. يبدأ القسم الأول بفقرة (حين بدا موتي وشيكا .. أطلقوا سراحي!) الرواية ص: 11

يروي لنا عادل الخالدي كيفية إطلاق سراحه وقضاءه أسبوع في البيت ثم سفره الى براغ للعلاج بعد إجراء الفحوصات اللازمة من قبل الأطباء .

(في نهاية الأسبوع، وبعد إجراءات عديدة، من ضمنها التعهد بالعودة حالما ينتهي العلاج، سافرت، او بالأحرى سُفرت الى براغ.) سافرت تعني انه حر في سفره، أما سُفرت فلها احتمالين الأول أنه سُفر من قبل السلطات وهذا غير واقعي والاحتمال الثاني سُفر من قبل حزبه وتعهد بالعودة الى البلاد بعد العلاج لمواصلة العمل السياسي وهذا دعاه أن يقول سافرت .

في لقاء لتلفزيون العربية مع الروائي العظيم عبد الرحمن منيف،اردف قائلا (اذا اراد ان يستمر ككاتب روائي وان يرى الحياة بتنوعها واختلافها مطلوب أن يحاول الحذر من حجم وجوده في الرواية، لا شك ان الروائي موجود في كل في كل نص ولكن مبعثر ومتخفي ان صح التعبير من مجموع الصفات والمواقف ممكن أن تتسم بها هذه الشخصية او تلك في هذا المكان او ذاك، يستطيع ان يخرج بعض المفردات له علاقة بصاحب العلاقة صعب أن تقول فلان الكاتب موجود في هذه الشخصية او بهذه الرواية .أنا معجب بشخصية متعب الهزال في حب مجوسية ، لا لأنه يشبهني، فهو شخصية مرموقة له دور وعنده هموم، هي جماع شخصيات عديدة متعددة وحتى شخصية صبحي المحملجي في رواية مدن الملح هو مجموعة من الشخصيات، نقلت ملامح شخصيات عديدة من أماكن عديدة وحاولت ان أصبه في هذه الشخصية حتى تعكس الحياة الموجودة في أماكن معينة في فترة معينة.

وقد حاول منيف أن يصب في شخصية العريفي عدة شخصيات أخرى في هذا الفصل .

(... إن دكتور ميلان قال لرادميلا التي لم تستطع أن تحبس دموعها " هذا المريض كان مصمم على الموت، لأنه يعتبر الموت وحده الرد على الإهانة التي وجهت إليه .. لم يتحمل الإهانة التي وجهت الى طالع بعد زيارة وزير نفط موران وعند سماع الخبر (زفر طالع وأضاف بحزن وتهكم معا:

- لو اقتصر الأمر على الزيارة لهان لقد طٌلب من شبابنا أن يستعدوا هذه الليلة لمغادرة براغ.. كان حزينا لدرجة القهر، وكان ساخرا كحد السكين)الرواية ص: 24-25.. وورد على لسان جوليا (لكن أستطيع أن أٌعطي نفسي الحق أن اعتبر ما حدث لا يستحق كل هذا العناد، واعتبر أن موقفكما، انت والعريفي خاطئ، فالأول قتل نفسه بشكل ما وأنت تصر أن تبقى مريضا.) الرواية ص: 91 ..

في الوقت الذي كان طالع العريفي في القسم الثاني حرائق الحضور والغياب يتحدى جلاديه، ويقاوم من خلال صمته رغم تعرضه للتعذيب القاسي، بما فيه الضرب والجلد، والحرب النفسية، وتعريضه للجوع والعطش لحد لا يطاق، وحجزه في قبو مظلم لسنوات طويلة. أراد منيف من هذا إيصال فكرة عن موقف رافض وغير مقبول لسلوك النظام السياسي الانتهازي الحامل لاسم الاشتراكية في تشيكوسلوفاكيا حينها

في القسم الثاني الذي حمل عنوان حرائق الحضور والغياب، يواصل السجين السياسي طالع العريفي من موران سرد المزيد من التفاصيل عن حياته ويكشف المزيد من أوراقه، التي تتمحور حول التحقيقات التي تم إجراؤها معه في محاولة جره للاعتراف على رفاقه والمهام التي كلف بها حال اعتقاله، وما لاقاه من تعذيب نفسي وجسدي..

" قضيت في هذه الزنزانة سبعة شهور وبضعة أيام. "الرواية ص. 206 .. وعن سجن العبيد يقول في سجن العبيد " انقضت خمس سنين نُسينا خلالها." الرواية ص . 319.. وبعدها نقل الى السجن المركزي ومن ثم إلى سجن الأجانب.. هناك أطلق سراحه.. وبقائه معتقلا في هذين السجنين لفترة اخرى لحين تنفيذ القرار وتستكمل مدة بقائه في المعتقلات لأكثر من ست سنوات.

وعن السجون التي اعتقل وعذب فيها لإجباره على الاعتراف، نتوقف عند الزنزانة.. زنزانة الموت.. دون أن نعرف اسم السجن.. سجن العبيد، ثم المهاجع. ومن ثم النقل الى السجن المركزي وفيما بعد الى سجن الاجانب حيث اطلق سراحه. وهذا يتطابق بالضبط في كل تفاصيله مع الفترة الزمنية لاعتقال المناضل حيدر شيخ علي.. وعدد السجون التي دخلها.. لحين إطلاق سراحه أواخر 1987. (مقابلة مع حيدر شيخ علي)

وهي أصدق صور قدمها منيف لتكون توثيقا تاريخيا لمعاناة السجناء والمعتقلين من خلال شخصية طالع العريفي وما جرى من أفعال سادية وقمعية لاذلاله ومحاولات نزع الاعترافات منهم قسريًا.

بعد وصول طالع إلى سجن العبيد وسماعه التعليقات المهينة لإحباط وكسر إرادته وفل معنوياته يشحذ ذاكرته المتيقظة ويحاور نفسه: ( إمٌا أن تكون رجلا او تنتهي إلى الأبد.. وعليك ان تعرف: أنت الآن في مواجهة التحدي الكبير، إما أن تصمد أو تسقط ويشمخ في داخلي نداء عاتِ، صوت كأنه الطوفان: الإنسان لحظة قوة، وقفة عز فأحذر) الرواية ص 218 - 219

وتتغير أساليب التعذيب وتصبح أبشع من الممارسات التي سبقتها وتغير لهجتهم. في لقائه الاول مع احد المحققين:

ـ لازم تعرف انت الان في سجن العبيد

وبعد قليل، وبلهجة واثقة ومرحة:

- ولازم تعرف أننا هنا نقدر نسوي كل شيء، لا أحد يسألنا ولا أحد يحاسبنا، شورنا من راسنا. نحن نقدر نخلي البلبل ينهق والحمار يغرد، وما مر أحد من تحت أيدينا إلا واعترف، وقال حتى بأي شيء كان يفكر أو يحلم". الرواية، ص(228)

الشهيري يحقق مع طالع يدعي أنه يمتلك معلومات، ويحاول من خلال الحرب النفسية انتزاع الاعتراف منه، كما ان طالع يتوصل الى قناعة" ان معلوماتهم مشوشة " في التحقيق " كانت التهم تتغير فترة بعد اخرى " الرواية ص: 208 فيلتزم الصمت والإنكار كأفضل كوسيلة للهروب من اسئلتهم ومقاومتهم، ويتعرض في زنزانات الموت المظلمة الى المزيد من التعذيب الوحشي، بوسائل تهدر الكرامة الانسانية واستخدام اقبح الكلمات .. أو الضرب الذي يطول كل اجزاء الجسد دون استثناء حتى النهاية.

طالع العريفي يخاطب نفسه متحدياً الجلاد متسلحا بالصمت وعناده الثوري وإنكاره للتهم الموجهة له والمعاملة اللا إنسانية تزداد سوءً ويتشدد الجلاد .. يقول طالع: (كان العناد الرفيق الذي لم يتخلى عني لحظة واحدة، كان يسندني بقوة كان يصرخ: "احتمل سوف يتعبون") الرواية ص 235

الجلادون:"ها لابن الحرام" "ما عنده الاّ اخ يمه، آخ يمه" الرواية ص: 237 طالع: (قلت لنفسي: عذابات ساعات ولا ذل العمر كله، والرهان بيننا سوف يرون) ص:

استطاع طالع أن يخرج من السجن مرفوع الرأس إذ أنه لم يعترف على رفاقه رغم التعذيب الذي مورس ضده:" ولم ينتظر الشهيري الجلاد الساخر:

- " تريد أن تصير بطلا؟ مشهورا؟ تريد الناس تقول إن ابن العريفي دوخ جماعة سجن العبيد وما قدروا عليه، وأنه طلع مرفوع الرأس؟" الرواية ص. 272

في القسم الثالث.. هوامش الأيام الحزينة.. الذي خصص للسجين السياسي عادل الخالدي ورفاقه في سجون عمورية يسلط الخالدي الضوء من خلال سرده لمجرى الاعتقال والتحقيق لينقلنا الى داخل المعتقل بالتركيز على ما حدث معه وحالته النفسية وعلاقته بمن حوله وكيفية التعامل معهم، يقول:

(كان الاستقبال يليق بسجين محكوم ومزود بتوصية المخابرات " عنصر خطر، ولم يعترف، نوصي بمعاملته بما يتناسب مع خطورته وأهميته، وموافاتنا بتقارير دورية عنه ").

لقد مرّ في ثلاثة سجون في عمورية (سجن المركزي، سجن العفير، سجن القليعة). هذه السجون لها شبيه في العراق، السجن المركزي في بغداد، سجن نقرة السلمان في الصحراء، وسجن الموصل في شمال العراق.

سعت الرواية لتشكيل صورة موحدة منسجمة لها لتصبح سجنا واحدا في ذهن القارئ يجسد طبيعة السجون التي حددت الرواية مكانها في (شرق المتوسط) بعناصرها المتناقضة والمتوازية: السجن والجلّاد في عمورية وموران، المستشفى والطبيب والممرضات، في براغ وفرنسا، القبو والدهليز، الشرق والغرب الموقف الإنساني وإلا الإنساني

العنوان وملحقاته

العنوان أهم عنصر يوازي محتوى الرواية ويشكل مدخلا أساسيا لقراءة العمل الإبداعي لمنيف بصفة عامة ويكتسب خصوصيته عندما نتوقف ثانية مع عنوانه المكرر .. (الآن هنا.. او الشرق الأوسط مرة اخرى)، الان.. هنا خطت بالأحمر.. (إذ أن لعبة الألوان تكتسي أهميتها بحيث أن اللون الأحمر يثير في مخزون ذاكرة القارئ الدعوة إلى الاستنفار والحذر، وضرورة التأهب للقيام بسلوك ما، من أجل مواجهة أمر جديد. إن له أثرا بسيكولوجيا قويا، فهو دعوة صريحة لليقظة. إننا أمام حالة تكتسي نوعا من الجدية.(11) وخطه بحروف كبيرة يوحي للعنوان الرئيسي، في حين خط العنوان الفرعي (او الشرق المتوسط مرة اخرى) بحروف صغيرة ولون أسود لا علاقة لها بالتهميش بقدر ما لديها دلالة فكرية وسيكولوجية للتنبيه والتذكير والتأكيد على خطورة ما يحيطنا من سجون ومعتقلات وجرائم وشناعات.

وكان الروائي موفقا في اختياره للعنوان الذي اكتسب أھمية اعلامية وفكرية وفنية. كما یقول علي جعفر العلاق: العنوان يحدد ھویة العمل ويكرس انتماءه وعلاقته بالنص بالغة التعقيد.. انھا مدخل إلى عمارة النص، وإضاءة بارعة وغامضة لبھوه وممراته المتشابكة (12)

التعارف:

يلتقي عادل الخالدي في مستشفى كارلوف - براغ الذي يتلقى العلاج فيه بطالع العريفي وكلاهما مناضل سياسي وسجين سابق، تتشكل بينهما علاقات مبنية على الألفة والمودة، وصلت الى الانفتاح دون تحفظ، تسمح لأحدهم التعبير عما في أعماق نفسه والتصريح للآخر دون خوف او وجل .. يقول عادل:

" إن الذي غير حياتي ووضعني على حافة الموت هو أني تعرفت على طالع العريفي" الرواية، ص 14

- " سيبقى السجن يا طالع،يا طالع، وسيبقى السجان مادام هناك ظلم واستغلال" الرواية ص: 18

فأن ينادي عادل على طالع فقط باسمه الشخصي يدل على توثق العلاقة بين الاثنين وتعمقها.

وبما ان مكان لقائهما مدينة براغ فهذا يوحي بيقين أنهما يساريان يجمعهما فكر واهداف موحدة وهذا سر التفاعل السريع وتوثيق العلاقة بينهما..

الزمان

من خلال قراءة النص لا يستطيع القارئ أن يحدد زمن كتابة الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عام 1991. وكان عبد الرحمن منيف قد انتهى من كتابتها، دون أن يذكر متى بدأ بذلك، لو تمعنا في عنوان الرواية ستكون مفتاح مهم في فتح مغاليق الالغاز. يقول هوك ".. إن الوضعية التواصلية هي التي تمكن القارئ من ملئ معنى العنوان، وداخل هذه الوضعية الأصلية يشكل العنوان إذن إضمار سياقيا ". (13)

نلاحظ من العنوان " الآن .. هنا " أننا امام جملة غير تامة، الآن ظرف زمان وهنا ظرف مكان لان عنصر الفعل مغيب، ويعد الإضمار إضمارا سياقيا لأنه يجعل القارئ يساهم في استحضار هذا الحذف. فإذن يمكن أن نضيف الفعل حدث الان .. هنا يعني حدث شيئا في الوقت الحاضر أي قبل كتابة النص الروائي، حيث طبع الرواية في عام (1991)، وبالارتباط مع العنوان الفرعي (شرق المتوسط مرة اخرى) يذكرنا الكاتب بموضوع تلك الرواية وشخصياتها وكل ماله علاقة بمعاناة الإنسان داخل السجون والمعتقلات وتواصل تعذيب الانسان في الشرق الاوسط..

يمكن القول أن الفترة الزمنية تقع بين تسليم الكاسيتات الى منيف في خريف عام 1988 الى فترة طبع الرواية وهي أقل من ثلاثة سنوات.

كما ورد على لسان عادل الخالدي في الفصل الأول " الدهليز "(إذ يسيطر عليً شعور أن كل شيء تبدد وسقط، وأن ليست هناك إمكانية لبداية جديدة، وخاصة، بعد أن توالت الخلافات، ومعها الاتهامات والفضائح، وبعد أن تغير موقف السلطات المحلية تجاه اللاجئين). ص: 80 (واخذت التحديات تتزايد والخلافات تتسع وتستحكم، والقطيعة معها الظلال اليائسة تغطي كل شيء). ص: 83

(لأن اندرية كان يمر دوريا كل خميس، وكان يطلب أن نوقع على أوراق معينة بشكل روتيني، ولا شيء غير ذلك، فقد اصطحب معه ذلك الخميس رادي.)

(- نحن آسفون أن نبلغك بشروط المستشفى الجديد: بدءا من الأسبوع القادم سوف نجري الحساب بالدولار وعن طريق البنك، ولذلك يجب ان يتوفر لك ضمان بنكي من أجل تسديد أجور المستشفى.) ص: 127

نستشف من الفقرات أعلاه إنها الفترة التي ترافقت مع التحولات العاصفة في أوروبا الشرقية وانهيار أنظمة مجموعة البلدان الاشتراكية التي كانت تشيكوسلوفاكيا واحدة منها عام 1988 والانعطافة التي شكلت نهاية الحقبة الاشتراكية (1989)، حينما كتب طالع العريفي أوراقه في المشفى، كما روي عن هذه الفترة عادل الخالدي ذكرياته عنها وهو داخل المشفى، حيث تغيرت الاوضاع وشهدت عودة للرأسمالية عام (1989) قبل سفر الخالدي الى باريس بأيام معدودة..

المكان

لم يحدد الراوي في روايته التي تجري أحداثها بعد خروج "طالع العريفي وعادل الخالدي " من المعتقل، مكاناً جغرافياً معروفاً لهما، فقط اقتصر على بقعة جغرافية معينة هي الشرق الاوسط، وان كان يشير الى بلدان محددة في غُربهما وهي براغ مكان لقاء المعتقلين وفيما بعد توجه الخالدي الى باريس بعد وفاة العريفي.

لا بد ان نشير الى* إن النص يوفر بعض المعطيات من وظائفها تنشيط المعرفة الخلفية للقارئ وتحفيز مقدرته التأويلية، وبما أن هذه المعطيات هي علامات متقطعة ومبعثرة داخل نسيج النص فإن المقدرة الموسوعية للقارئ تعمل على اعادة بنائها.*(14) وفي معرض شهادة طالع العريفي في موضوع اعتقاله كنت " على مسافة غير بعيدة من السوق كانت تنتظرنا سيارتين، وبخفة وبراعة دفعوني في السيارة الأولى، وجلس الى جانبي اثنان، واحد من كل جهة، وانطلقت السيارتان بسرعة، وأخذنا طريق العوالي. ص: 167 "

وعندما يصف طالع العريفي السجن ويحدد مكانه في القسم الشمالي من موران، على طريق العوالي، مكان محظور على الاقتراب منه، إذ تحيط به اسلاك شائكة وثم أسوار عالية، اضافة الى نقاط للحراسة تمنع الوقوف المرور ."ص: 211

يستشف القارئ أنه سجن إيفين الرهيب (بالفارسية: زندان اِوین)، هو سجن إيراني في منطقة إيفين شمال غرب طهران ويقع عند سفوح جبال البرز . معروف من زمن الشاه اشتهر باحتجازه للسجناء السياسيين، حيث تواجد فيه مجموعة من سجناء الرأي في الأعوام السابقة للثورة الإيرانية عام 1979م وبسبب وجود عدد من المثقفين فيه فقد أطلق علية اسم "جامعة إيفين" . وقد حظر التقاط الصور بالقرب منه.(15)

لو تمعنا في هذا الوصف عن سجن العبيد في الرواية سنجد أنه ينطبق لحد كبير على سجن إيفين في إيران، نرى أوجه التشابه بينهما ...ومن هذا المعطيات وغيرها وردت في الرواية يمكن أن نستنتج ان موران هي طهران.. أي أننا في سجون ومعتقلات إيران .

اما سجن العبيد او قصر العبيد كما يسمى ايضا فيمكن أن يذكرنا بالسنغال حيث تحول الى منطقة سياحية.. أو في السعودية حيث يقع في شمال الهفوف القديمة بجانب قصر إبراهيم الأثري الذي تفصله عن براحة الخيل. حوله خندق من الشمال والغرب ومحيطه بارز عن سور المدينة، وله ستة أبراج. وقد هدم عام 1975 وأصبحت منطقة سكنية وهناك سجن العبيد في موريتانيا ومناطق اخرى لفترة زمنية قريبة كان يسجن فيها العبيد.

في السعودية يتواجد سجن للسياسين يسمى "سجن العبيد" يقع في الأحساء وهي أكبر واحة نخيل، مترامية الأطراف تحيط بها الرمال من جهاتها الأربع. أما موقع سجن العبيد في الرواية فهو في العوالي . "لما تسلمت المخابرات العامة المكان كان السلطان الأول قد مات، وعزل ابنه، وجاء السلطان الجديد.

 

وكانت موران قد كبرت واتسعت عشرات المرات، وكانت المخابرات العامة قد قدمت مئات المذكرات، أن المكان قد ضاق، لم يعد كافيا لاستيعاب اعماله او نزلائه! .

في هذه الفترة وغيرها، اضطر المسؤولون عن سجن العبيد الى حفر أنفاق إضافية، والى وضع بوابات حديدية، والى توسيع المكان من جميع الجهات. “ ص: 214

شُيد سجن إيفين في عهد الشاه بهلوي عام 1972، وأشرف عليه جهاز السافاك . صُمِّمَ السجن منذ البداية ليحتوي على 320 سجين (20 منهم في زنازين انفرادية، 300 في قطاعين جماعيين كبيرين) وجرى توسيعه عام 1977 ليحتوي على أكثر من 1500 سجين (100 منهم في زنازين انفرادية للسجناء السياسيين الأكثر أهمية. ومن جديد تم توسيعه في عهد الجمهورية الإسلامية ليتسع لـ 15000 سجين وفقاً للباحث إرفاند ابراهاميان .

لهذا نستنتج من الفقرات اعلاه ان مكان الاعتقال طهران - إيران وإن سجن العبيد هو سجن إيفين الرهيب الكائن في شمال غرب طهران وهي منطقة جبلية مرتفعة.

والسؤال الذي يتبادر للذهن.. لماذا لم يشير الروائي الى مكان السجن؟ !

في فترة كتابة النص الروائي، كان الحزب الشيوعي العراقي بحكم وجوده في المعارضة يزاول مهمات عديدة تطلب إنجازها في إيران بشكل سري، وتحديد مكان السجن بوضوح، كان سيؤدي الى تشديد المراقبة واعتقال المزيد من الضحايا، وإلحاق الأضرار بآخرين. لهذا لم يشير الراوي الى مكان السجن عن قصد، وقد أشار على لسان طالع العريفي وعادل الخالدي ان ذلك مرهون بالظروف المناسبة ويخضع لاعتبارات لا يمكن تجاوزها.

ورد على لسان طالع العريفي: * وإذا من حقّي او واجبي ان اسجل هذه التجربة بكل صدق وامانة فإن مسألة نشرها، إن كانت تستحق النشر، مرهونة بالظروف المناسبة. - المهم كتابتها، أما توقيت نشرها فإنه يخضع لاعتبارات كثيرة.*ص: 29

وكذلك ورد على لسان عادل الخالدي وطالع العريفي من خلال النقاش الخيالي التي دار بينهما بعد موت طالع .. كانت أوراق طالع موجعة، نازفة، قلت لنفسي: * لا بد من نشرها * أطل علٌي بعينيه الضاحكتين والحازمتين معا وقال:*

ـ مَن تكون حتى تقرر عني؟*

قلت له*

ـ انتبه ايها الرجل،.. الخ* قال بصوت مشروخ* ولكنني أودعتها امانة لديك، واحتفظت لنفسي، لرفاقي بحق التصرف بها، ويجب ان تكون امينا وتعرف الحدود* ويرد طالع على الخالدي انت تعرف في أي ظرف كتبت ص: 106

(حتى أوراق طالع التي تسبب لي بجروح بليغة .. فاضطررت ان اضعها في مغلف، وأن أكتب في أكثر من موضوع انها لطالع، لطالع وحده لكي تكون بعيدة عن المعارك الوهمية التي تخاض الآن، وأن لا يتم التصرف بها لاحقا، إلاَ بعد استشارة عدد من الأشخاص، سميتهم بورقة مستقلة وضعتها داخل المغلف.) ص: 147- 148

طالع العريفي لم يكن من مواطني موران

" كنت من الذين أرسلوا أول الأمر الى السجن المركزي، ثم الى سجن الاجانب؛ وفي هذا السجن قالوا:

-انت بالأساس لست من موران، لم نجد لك قيدا ً، ولا يشرفنا ان تبقى بيننا، لذلك سوف تُسفٌر! وهكذا سُفٌرت. طوفت في أماكن عديدة يكفي هذا، أن نقول، طالع العريفي لم يكن من مواطني موران

يقول المحقق لطالع في المعتقل الأول:

"- لدينا معلومات أكيدة أنك من الدواحس، وأنك مكلف بمهمة.." الرواية ص. 172

يورد المؤلف على لسان عادل الخالدي في القسم الأول الدهليز (كما تراوده رغبة العودة، لكن متسللا هذه المرة، لان موران بعد ان تعبت منه، كما اعتبرته من رعاية الدواحس وابعدته. وقرار العودة لا يتم، ولا يمكن أن يتخذه دون موافقة المسؤولين في الداخل.) ص: 24 يعني أنه من رعايا دولة أخرى واستخدام كلمة الدواحِس مقصودة، دواحِسُ: جمع داحِس .. داحِس: (اسم) .. فاعل من دَحِسَ .. دَحَسَ بين القوم دَحْساً: أَفسد بينهم،و"الفساد في الأرض" هي التهمة الأكثر خطورة في ايران ويعاقب عليها بالإعدام.

يوحي إلى التهمة الموجهة لطالع العريفي في موران، وهذا تأكيد واضح ان طالع العريفي ليس من مواطني موران. تم طرده منها.

في القسم الثاني ـ حرائق الحضور والغياب ـ ورد في أوراق طالع العريفي الفقرات التالية:

"اكتب هذه الأوراق بعد أن رُحَلت من موران، وبعد انقضاء فترة طويلة نسبيا على مغادرتي لموران ومعنى ذلك أنني الآن اقل انفعالا، ربما أقل حقدا، واحاول قدر ما استطيع، ان ارسم صورة لما حصل منذ لحظة القبض علًي، وحتى إبعادي عن موران" ص. 163 بعد أن رُحَلت من موران، يعني اُجبرت على الرحيل من موران, وحتى إبعادي عن موران يعني الطرد من موران ويستخدم في العديد من الدول وفي لغة القوانين ايضا، عندما يجري إبعاد الأجانب عن البلاد وهذا يعني (صحيح أن اعتقالي لم يكن متوقعا، اذ لم اكن معروفاً لا بالاسم ولا بالهيئة، خاصة اني حديث الإقامة في موران .!) ص: 167

وورد ايضا.. (ماذا لو انتهى هذا النظام وجاء نظام صديق؟ ولكني لم استرسل في هذا الوهم اكثر من لحظة، قلت لنفسي: (الاصدقاء يتعاملون بطريقة مختلفة، وهؤلاء لا يزالون أعداء وسيبقون كذلك حتى النهاية). لم يقول نظام جديد بل قال نظام صديق يؤكد مرة اخرى ان طالع العريفي اعتقل في بلد غير وطنه ولم يكن أية دولة عربية . ص: 197

وعن التحقيق يستذكر .. (تركزت المعركة الاولى حول أُمور محددة: من اكون، اين اسكن، لماذا أنا هنا في موران؟!) ص: 169

المحقق الشهيري - إسمع .. اكون مجنونا إذا تصورت أنك تستطيع إقناعي من خلال الأوراق المهترئة التي تحملها، أنك من موران وانك متسبب (من اين حصلت على هذه الأوراق؟ من ارسلك الى موران؟ ما هي المهمات المكلف بها؟ اريد ان تجيب على الاسئلة .. والا!). ص: 170 و171

فإنْ للموتى جوازات خاصة بهم، وباعتبار أن المومأ إليه سبق وان أُبعد من موران، ولا يتمتع رسميا وجدارة بجنسيتها، لذلك نبلغكم اعتذارنا من صرف جواز سفر متوفي للمذكور ص: 58. وامكن بعد تدخل وسطاء كثيرون، صرف جواز سفر متوفي لطالع العريفي من دولة صديقة. ص: 59

إن النص ليس في إمكانه قول كل شيء، وهو يفترض قارئا قادر على تحيين دلالاته. ص: 110 الانسان في رواية منيف ومن الفقرات المذكورة اعلاه ايضا، يؤكِّد لنا ان السجين طالع العريفي لم يكن مواطناً من موران.

بطلا الرواية من بلد واحد (العراق)

يحاول الكاتب من خلال بعض النصوص او الكلمات التي سعى لتمريرها، من اجل خلق اضافات دلالية بشكل غير مباشر واستغلالها في اثارة انتباه القارئ والوصول إلى معانيه .. ورد على لسان الخالدي: (طالع العريفي مريض مثلي، جاء من موران للعلاج كما يحصل بين اثنين يتعارفان على ظهر باخرة أو في السجن تعارفنا) ص: 14 ويسترسل الخالدي (بدون ارتباك، وبكلمات قليلة قدم نفسه على أن من نزلاء المستشفى وانه يعرف التشيكية ويمكن أن يكون مفيدا لي إذا احتجت الى مساعدته، وقبل ان اجيب، تابع وهو يدور حول السرير:-

لدي بعض الكتب والمجلات يمكن ان اضعها تحت تصرفك. اعتبرت العرض الذي قدم إلي الآن سخيا وغير متوقعا، مما جعل رد فعلي موازيا لهذا السخاء، إذ رحبت بالزيارة، وبدر مني ما يشي بموقف ودي مبالغ، انتعش طالع كأنه لم يتوقع فقال بانفعال: (قلت لنفسى العرق دساس والدم أبداً ما يصير ماي) ص: 15

يمكن أن تفسر هذه المقولة أنه يعرف الجيكية يمكن أن يترجم له إذا احتاج إليه، يعني أن طالع العريفي يتكلم العربية أو هو من مواطني البلدان العربية.

"العِرْق دَسَّاس" أي مثل شعبي يعني الطباع متشابه بينهم، كما في العائلة الواحدة يرث الابناء جينات الآباء يمكن ان يوحي الى أنهما من بلد واحد، والدم أبداً ما يصير ماي " وهي مثل إماراتي ويستخدم في كثير من البلدان العربية ويفسر كلاهما يحمل نفس الفكر، أي أن اواصر العلاقات بين حاملي الفكر الواحد لا تتعكر، مهما بلغت الخلافات الفكرية بينهم، فإن في ساعة المحنة وشائج العلاقة تتقارب القلوب وتعطف على بعضها لما بينهما من أواصر تجمعهم في الفكر او اصل، والعائلة والبلد.

عند زيارة وزير نفط موران الى براغ منع طالع العريفي الخروج من الغرف والمستشفى وكذلك منع زيارته، ووضع شرطي على باب الغرفة، إلا أن الذي * استلم الحراسة الليلية كان طيبا ونبيلا *وسمح لعادل الخالدي بزيارته في تلك الليلة. ورد على لسان الشرطي (- لا بد للسجناء والمرضى أن يجدوا وسيلة للترفيه وقتل الوقت، لذلك ليس لدي ما يمنع ان يزوره احد مواطنه، شرط أن يبقى الأمر بيننا! ورد على لسان عادل الخالدي* والاخت جوليا وافقت على هذه الديباجة كلها والشروط ركضت الى غرفتي وطلبت ان ارافقها بسرعة. لقد كنت مرتبكا وأنا أسير الى الممر الطويل باتجاه غرفة طالع.* ص: 39

مواطن اسم فاعل من واطنَ أي مَنْ نشَأ معك في وطن واحد، هذه الكلمة توحي لنا انهما من وطن واحد، كما أن هناك إيحاءات من قبل المؤلف طالع العريفي ليس من موران.

في القسم الثالث وعلى لسان الخالدي" يفصح بالقول: عمورية منطقة موبوءة: إنها خليط من الثقافات والحضارات، ..." الرواية ص. 379، كان العراق بلد الثقافات والحضارات!

" استسلمت اخيرا، استجبت لما اراده عادل ومع ذلك سأسمع ما يمكن أن يقوله عن هذه الاوراق، سوف نناقش طويلا، وفي كل الأمور عندما تبدأ رحلة الجبل " الرواية ص. 321

هذا مؤشر واضح، كلاهما يعودان الى نفس البلد حيث يستقرون في الجبال في مهمة نضالية..

في هذه الفقرة يوحي الراوي.. ان الخالدي والعريفي ينتمون الى جهة واحدة (... ولا يحق لك ان تنتقم مني يا طالع، فكلانا ضحية ومخدوع .) ص: 126 وورد على لسان طالع العريفي (... والان حان الوقت لكي نضرب بعضنا بعضا، ليس من أجل اقتسام المكاسب، فهذه غير موجودة، من اجل استمرار الوهم، .. وفي الصفحة 26 وعلى لسان طالع العريفي (- قبل، وبعد فحص كامل، اكٌد لي الدكتور ميلان انني في حالة صحية جيدة ولن احتاج لأكثر من اسبوعين الى ثلاثة، لكي أٌغادر المستشفى إلى الجبال) . على الأرجح يوحي الى جبال كردستان العراق حيث تواجد هناك قوات للأنصار الشيوعيين، وبما أن طالع العريفي كان محسوب على الحزب الشيوعي ورد في الرواية على لسان الخالدي وهو يتجول في سجن الباستيل في باريس يذكر.. ان (سجون عمورية معظمها، كلها، تنفتح على الغرب والشمال .. وسرداب التعذيب في سجن عمورية المركزي أول ما يطالع "الزائر" وكذلك المشنقة" .الرواية ص.336 " بعد ان اجتزت الباب الأول وصلنا الى الباحة الداخلية، كانت المشنقة ناحية اليمين، وكان درج السرداب ناحية اليسار وبينهما كان الباب الذي يؤدي الى السجن" الرواية ص. 337. " وللنساء جناح خاص في السجن المركزي" الرواية ص. 241 الى "اليسار وسيؤدي الى به القسم السياسي " الروايةً 242

عندما يصف عادل الخالدي في القسم الثالث من الرواية السجن المركزي.. ينطبق ما ورد في الرواية الى حد كبير على السجن المركزي في باب المعظم – بغداد.. والنص التالي يوحي لذلك:"في السجن المركزي أناس متدينون أقرب الى الدروشة، يفخرون انهم احفاد الرفاعي والبدوي وعبد القادر الكيلاني، دما وانتسابا... ولا يترددون جهدا من اجل اقناع أبي عبدالله دركل زعيم المتصوفة..  " ودەركە له " ناحية تقع في كردستان العراق وكل المؤشرات توحي ان عادل وطالع عراقيان.

وعن سجن العفير ورد عن الخالدي:

(" وسجن العفير لم يكن سجنا، كان قلعة وسط الصحراء، كان مخفرا متقدما لمنع تهريب الأسلحة.. ثم سجنا للخطرين من الخصوم السياسيين".." لذلك كان يرسل إليه السياسيون لكي يزوره ويقضوا فيه أياما أو ليبقوا فيه سنين متتالية .. إلى أن ينسوا ما كانوا يفكرون فيه وتختلط آلامهم مع يأسهم. وخلال ذلك ينساهم الناس أيضا ! ") الرواية ص. 373

هذا الوصف يتطابق مع سجن نقرة السلمان غرب العراق:

" كان السجن في نقرة السلمان يقع في منتصف الصحراء وتحيط به الذئاب وكان سابقا قلعة تبعد 160 كم من مدينة السماوة، وكان مقر بادية الشرطة الجنوبية. ثم تحول الى سجن للسياسيين، وكان الغرض من إنشاء هذا السجن لعزل السجناء السياسيين عن العالم الخارجي وتجريدهم من كافة حقوقهم كسجناء وتعريضهم للتعذيب الشنيع بحق كل من يصل الى هناك وانتهاك كرامتهم من قبل ادارة السجن"(16)

الاستنتاج

لا يمكن لأي قارئ او ناقد إلا ان يقف مبهوراً أمام قدرة الروائي الكبير عبد الرحمن منيف، خاصة فيما يتعلق بأدب السجون التي غاص في أعماقها لدرجة مدهشة وجعلها في سرده تحفة ادبية راقية تذكرنا بعارينا وذلنا مع ما يحدث في السجون من عذابات ألا انسانية .

فقد تمكن الكاتب القدير منيف على خلق التوازن بين السرد والحوار والانتقال بينهما بسلاسة، وإبراز مشاعر الشخصيتين على الورق وجذب القارئ للأجواء التي عاشوا فيها ليتضامن معهم كضحايا وبشر يعانون من الاضطهاد والظلم والعسف ..

ولا يتوقف هذا عند شخوصه الرئيسية والثانوية، وطرحه لعالمين، السجن المكان اللا إنساني، بوجود المحققين والجلادين والضحايا من المعتقلين.. والمشفى ببعدها الإنساني وما فيها من طاقم طبي ومرضى .. تبين الوقائع أنه من المثقفين والحالمين بعالم افضل، يجمعهم تنظيم سياسي وغرف التعذيب والارادة الصلبة والصبر والصدق والافكار النيرة .. (لا تظهر نتائجها بسرعة، حين تنفذ الى عقول الناس وقلوبهم وتستقر هناك وتكون قادرة على فعل الكثير) الرواية ص: 20 .. بما فيها مقاومة الجلاد والانتصار عليه .. أن الإنسان يخلق الجلاد من خلال خوفه ورعبه قبل أن يدخل السجن وهذا ما يريده الجلادون ليقهروا المناضلين.. هذا ما وعاه ابطال الرواية في كفاحهم من اجل الحرية ومواجهة القمع،على امتداد أحداث الرواية .. رغم بشاعة المعتقلات والجرائم التي ترتكب بحق الأبرياء فيها .. ابواب مقفلة وزنزانات مغلقة في قبو مظلم تحت الأرض.

في رواية الشرق المتوسط "يبدأ رجب مناضلا ويسجن فيصمد أولا ثم يضعف فيوقع على ورقة يستنكر فيها ماضيه" أما في رواية " الآن .. هنا " فطالع العريفي في الفصل الثاني " حرائق الحضور والغياب " وعادل الخالدي ورفاقه في هوامش ايامنا الحزينة بعكس رجب لهم مواقف بطولية رغم التعذيب البشع الذى مورس معهم في موران وعمورية .

يفكر رجب في كتابة رواية ويعيش هذا الهاجس، وخاصة أنه في لحظات معينة من عمره يؤمن بأن الكلمة سلاح يمكن للمرء أن يحارب بواسطتها ص الرواية ص: (146) لكنه، في آخر أيام حياته، بعد التعذيب الرهيب الذي ذاقه على أيدي الجلاوزة، يفكر في تمزيق أوراقه وعدم نشرها.. وفي رواية " الآن .. هنا " على لسان عادل الخالدي "حرضته وجعلته يفكر بالكتابة " ص 17 واما على لسان طالع العريفي - هل تعتقد أن الكلمة يمكن أن تواجه الرصاصة أو تحرير سجين؟ ص 19 ويجيب عادل الخالدي، وانا اقول لك ومتأكد مما أقول، إن الكلمة الصادقة قد لا تظهر نتائجها بسرعة، ولكن حين

تنفذ الى عقول الناس وقلوبهم وتستقر هناك، فلابد أن تتحول الى قوة، وتكون قادرة على فعل الكثير. ص 20

واخيرا كتب طالع أوراقه " استطاع عادل الخالدي ان يقنعني بأوهامه وحملني على الكتابة" الرواية ص. 319

فلم تكن هذه الروایة تعرض لنا عالم تختفي فیه كرامة الإنسان، والألم فحسب، بل وصفا للقدرة الكامنة لدى الإنسان على الصمود والتشبث بالحياة والحرية.

حاولنا على مدار قراءتنا لرواية منيف "الان ... هنا" الإجابة على سؤال أساسي انشغل به العديد من المثقفين، يتعلق، بمقال، نشر من قبل المفكر الراحل فالح عبد الجبار، حول بطل الرواية الحقيقي ـ حيدر شيخ علي.. كأول استنتاج توصلنا اليه من خلال ما يوحي به منيف في روايته ..عبر توليفات متقطعة لطالع العريفي

 

سهيل الزهاوي

...........................

المصادر الرئيسية

أ- رواية " الآن ... هنا "أو شرق المتوسط مرة أخرى- عبد الرحمن مُنيف - الطبعة الثامنة -المؤسسة العربية للدراسات

والنشر- دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت- لبنان

ب- الصورة، الإنسان والرواية عبد الرحمن منيف في الشرق المتوسط مرة اخرى د. عزيز القاديلي الطبعة الثانية

الناشر شركة بريطانية مسجلة في انكلترا.

1- السامرائي، ماجد وفضل، جهاد مقابلة مع عبد الرحمن منيف" مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 6-7، ص 127

(https://www.sauress.com/alhayat/210505)-2

http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=546707.0 -3

4- السبت15 أبريل 2017 02:02«٣ - عكاظ» تنشر دفاع أرملة منيف.. عن رواية «الآن..هنا

5- عبد الرحمن منيف- الكاتب المنفى (ص43)

6- الصورة، الإنسان والرواية عبد الرحمن منيف في الشرق المتوسط مرة اخرى د. عزيز القاديلي الطبعة الثانية دار الكتب الناشر شركة بريطانية مسجلة في انكلترا. ص. 109-110

7- (الكاتب والمنفى، ص (194 وانظر الصفحات 192، 193، 194).

8- د. عزيز القاديلي نفس المصدر ص. 127

9- أدب السجون – تحرير: شعبان يوسف .. جلسة الافتتاح – د. سمير أمين ص 5

10- عن اصطراع التكامل الروائي في مقالة الدكتور فالح عبد الجبار بقلم جاسم المطير

11- الصورة، الانسان والرواية عبد الرحمن منيف في الشرق المتوسط مرة اخرى د. عزيز القاديلي الطبعة الثانية دار كتب أواخر آذار 2018 ص 115

12 -مقاربة العنوان في الرواية العربية بقلم:د.جميل حمداوي- الوطن الإلكترونية ص

13- د. عزيز القاديلي نفس المصدر السابق ص. 117

14- د. عزيز القاديلي نفس المصدر السابق ص111

15- سجن إيفين - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

16- سجن نقرة السلمان عام 1958 - 1963 متعب خلف جابر الريشاوي واحمد عبد الحسين حسين كروع جامعة المثنى/ كلية التربية للعلوم الانسانية

 

استورد الأدب العربي المصطلح الغربي (التناص) وادخله في صياغة نسيجه الكتابي، والأبداعي اغلبه.

 والتناص: هو ولادة نص جديد من نص قديم.

 أي أنه يستلهم فكرة قديمة، ويطبق عليها التوظيفات اللغوية والتقانات الأدبية الحديثة، لينتج معياراً ثقافياً يواكب العصر الأدبي وتطوراته.

 ولم يكتف التناص على فن ادبي واحد، أنما تسلل ليصيب النتاج الأبداعي باكمله.

ورواية (نزوح مريم) حققت مفهوم التناص منذ الأشارة الأولى للعنوان، الذي حقق توافقاً مع قصة (مريم ابنة عمران) والدة عيسى (عليه السلام)، وقد خص (القرآن الكريم) هذه القصة بسورة كاملة شرحت قصة مريم العذراء.

ولم تكتفِ بالسورة فقط، انما عرضاً لقضيتها في ايات عدّة.

 فكما أن (مريم) في النص القرآني الثابت قد نزحت من اهلها واتخذت مكاناً بعيداً،  نجد تطبيق الفكرة ذاتها داخل المتن السردي، فـ (مريم ووالدتها سارة) اتخذتا ايضاً مكاناً خارج بلدهم الاصلي (سوريا)، غاية في الحفاظ على ذاتهم من خطر نتاجات الربيع العربي ومخلفاته السلبية، التي ابتعدت عن الايجابية في جوانبها اغلبها.

من هذه المادة المجانية انطلق الاكاديمي والكاتب (محمود حسن الجاسم)بربط احداث مخيلته مع القصة الأم-مريم العذراء-واحداث الربيع العربي، ومانالت منه (منطقة الرقة) وباقي دول العالم العربي، إذ تحول من ربيع عربي الى جحيم عربي.

 الطفلة مريم داخل الرواية تنتمي الى الأب المسلم (هاشم) والأم المسيحية (سارة)، والجدة (خديجة) والدة (هاشم)، وهي شخصيات اساسية اعتمدت الرواية عن طريقهم على نسج الأحداث والفضاء الروائي، واسست عن طريقهم مقصدية الكاتب في ايصال فكرة الربيع الذي انتقل الى جحيم .

 وهي مسميات تحمل ابعاد قصدية في توظيفها، غايتها تكمن في ابعاد استعمالية الأسلام السياسي الذي بات يتخذ من المسميات غايات ذاتية لزرع الفتنة الطائفيةومخلفاتها المميتة.

نتلمس الفلكلور الشعبي في صياغة الكثير من صياغة المتن السردي.

وقد سيطر الشجن على بنية المتن السردي اغلبه، خاصة بعد أن انتقلت الجدة(خديجة )الى جوار خالقها، حزنناً على ولدها (هاشم)الذي اختفى في ظروف غامضة، واخيه(بشير)البعثي الذي اقتيد من عقر داره ولم يعد له اثر يذكر.

" –أين بشير، يابنت الكلب؟

-أنا زوجة هاشم، وبشير من البارحة مارجع .أقسم بالرب مارجع!"

 نلحظ سيطرة اللهجة العامية على بنية صياغة النسيج السردي، وهي طريقة وظفها الكاتب على الرواية اغلبها، مع استعماله للألفاظ المباشرة التي تبتعد عن سجل الفصاحة، وتقترب من تسميات الحيوانات (الكلب)، وأجد القصدية في مثل هذه الألفاظ، بغية ايصال الفكرة ذاتها بلغتها ومشهدها المعاش، وليسجل المتن السردي الوقائع للتاريخ بتجلياته " ملثم يصرخ الله اكبر، والعجوز تتلوى وتستغيث وتتوسل. تريد هاشم .يدفعونها بأرجلهم. وبضربة بالبارودة على رأسها من رجل ملثم همدت العجوز تئن.بدا لي أنها غابت عن الوعي، أو ربما ماتت"، وهذا هو حال الأمهات الثكلى على غياب ابنائهن ضمن محيط مايعرف بثورة الربيع العربي وغيره، وهو حال امهاتنا العراقيات ايضاً.

 تركت سارة وحيدة مع ابنتهامريم، محاصرة بين الفقدان والعدم، الشجن والرعب، الماضي والحاضر، الغائب والمنتظر)، الأمل بأنتظر يوم مخيف، زاد شجنها بعد وفاة الجدة المنكوبة (خديجة).

الرواية واكبت تطور العصر الذي نعيشه واستغلت التطور التكنلوجي الذي كان السبب الرئيس في تشجيع سارة على السفر عن طريق صديقتها (رنا) التي استغلت هذه الخدمة الأجتماعية وبقت على تواصل معها عن طريق رسائل الفيسبوك، وتدوين رحلة المهاجرين عبر البحار، والمانيا، والطرائق التي وظفوها لغاية انقاذ الذات.

 دونت الرواية الهجرة السرية لكثير من الناس، وعذاب البحر والقوارب، وعذاب العزلة والوحدة والتعرض الذي نالته سارة مع طفلتها، وكمية الشجن الذي اصابهم" رٌمينا في بيت مهجور .مكان يشبه القبو .غرفة ضيقة معتمة رطبة ليس فيها سوى حمام كريه. حشرونا في غرفة لدى امرأة مزعجة، وكأننا قطاع طرق نختبىء من جريمة ارتكبناها!.. معنا امرأة عراقية من الموصل، ...تبدو المرأة مفجوعة، فهي طيلة الليل تدعو لمخطوفات، ومغتصبات، وتبكي!"، "الغربة لئيمة وناعمة".

 لتقرر كتابة واقعها مع ابنتها بـ (نزوح مريم)، " يامريم لك بيتان واحد في الرقة وآخر في محردة"، ليبقى سيرة ذاتية تدركها مريم عند النضوج" أصحو فأتابع الكتابة، الى أن أرحل من جديد لأعيش في عالمي بين الغيبوبة واليقظة"، وعاد هاشم بعد ان خلصت الأم من الكتابة ولتقطن مثواها الأخير"- سارة .ارفعي رأسك.لاتذهبي هذا أنا هاشم " .

 أضيف، أن الكثير من النتاجات الأدبية والسردية خاصة، قد أستغلت سلسلة الظروف الأجتماعية وعمدت الى تدوينها، بكتابات مفهومة وواضحة بعيدة عن الأنغلاق، وتأتي لترتبط بالماضي تارةً عن طريق التناص، وتارةً اخرى عن طريق الترميز، وهي قصدية تنبع من ذات الكاتب وقلمه؛ لأننا شعوب تعيش في داخل تاريخها الشفاهي، الذي لم يرث لها غير النكبات والأكاذيب في قصصه أغلبها، وليصدق التاريخ المدون الأن .

 

بقلم: وسن مرشد

 

نينار شانغريأود في البدء أن أوجه شكراً خاصّاً إلى الزميل الصحفي والكاتب "الطاهر العبيدي"، مؤسس "المركز الدولي للتواصل الإنساني" في باريس، الذي دعاني إلى محاولة التطرّق إلى موقع المرأة التونسية في كتاب "ماركوندا أو احتمالات سجين سياسي" لمؤلفه "مراد العوني العبيدي". حيث كان للأستاذ الطاهر العبيدي دوراً محورياً في  التعريف بالإنتاج الأدبي لسجناء الرأي في تونس ما بعد ثورة الكرامة، باعتباره اشتغل سابقاً ولعدّة أعوام حول قضايا وهموم ملف المساجين السياسيين التونسيين والمهّجرين، فكان سنداً لهم أيام المحنة حين كان بعض "المناضلين المزيفين" يجمعون المال ويرتزقون من عذابات الضحايا، ويستثمرون مآسيهم في بورصة السياسة والنخاسة، إذ كان صوته عالياً مدافعاً عنهم، وعن عائلاتهم بشراسة في المنابر الإعلامية العالمية، التي لم تكن متاحة إلا لمثل من كان جديراً بها، خصوصاً في تلك السنوات التي  لم تكن فيها الهواتف الذكية ولا منصات التواصل الاجتماعي موجودة في تلك الفترة، فقد ظهرت هذه التقنيات للوجود حديثاً، فكان مقاتلاً بقلمه من أجل شعبه ومن أجل الحرية، وحتى لا أتهم بالمحاباة أدعو الجميع إلى الاطلاع على إنتاج هذا الرجل آلاف المقالات، مئات الحوارات والعرائض والنصوص الرائعة المفجوعة بالمحنة، والتي ساهمت بالتعريف بالمأساة التونسية، وكانت كتاباته سفن نجدة لكسر طوق الحصار عن شعب تونس الذي كان تحت وطأة الدكتاتورية المقيتة.

لقد طلب مني هذا الزميل الاطلاع على كتاب "ماركوندا" لأحاول إنجاز هذه المقاربة من وجهة نظري أولاً كإعلامية تعي جيدا معنى قيمة الحرية، وثانياً كامرأة عربية مقيمة في مجتمع غربي، ولكنها بقيت مشدودة إلى همومنا العربية المتناسلة،  وثالثاً لأني وجدت في رواية "ماركوندا أو احتمالات سجين سياسي"، جرأة وشجاعة في اقتحام بعض القضايا الحرجة من طرف الكاتب "مراد العوني العبيدي" الذي كان كاتباً ثائراً على المألوف، وكاتباً يستحق القراءة والاعتناء بما ينشره.

الاستبداد عقلية ضدّ عامة الناس

 الملاحظ أن الاعتقالات التي حصلت في عهد الدكتاتور "بن علي"، لم تكن في جوهرها إقامة"دولة القانون"، مثلما يتغنّى به عبر وسائل الحشد الإعلامي الموالي لترسيخ القبضة الحديدية في ذلك العهد، بل كانت عنفاً يدار بأمر من النظام الحاكم ذي العقلية التعسّفية ضدّ الناس عامةً، وضدّ المثقفين خاصة، بغية تطويعهم للانصياع والقبول بسلطة المستبد والخضوع المطلق، ومن يجرؤ على الاعتراض يصنّف ضمن حظيرة أعداء الوطن، فيكون مصيره السجن والتعذيب أو القتل البطيء أو الفرار من البلاد. وبذلك تختل المفاهيم، وتصير المواطنة مواطنة مغشوشة، ظاهرها ولاء كاذب وتمجيد للمستبد تحت الرعب والخوف، أو شكلاً  من أشكال النفاق النفعي، وباطنها نقمة وامتعاض، ليخلف هذا الواقع المضطرب حالة عامة من النقمة التي تأجّجت إلى أن بلغت ساعة الانفجار في وجه هذا النظام الطاغي، فكانت الانتفاضة الشعبية العفوية في 14 جانفي 2011 عاصفة في وجه المستبد "بن علي"، الذي لم يجد حلاً سوى الفرار تجنباً وخوفاً على حياته من الغضب الشعبي الصاعق.       

المرأة العربية ضحية الذات أم المحيط  

يتسم محيط المرأة في البلاد العربية والإسلامية بالقسوة والتبعية، بسبب وجود قطاعات واسعة من النساء تقف ضدّ  إجراء تغييرات بنيوية تطال الذهنية الذكورية المتحكمة، حيث لم تكن لديها النية الحقيقية في العمل على تبديل أوضاعها، كما على المنظمات النسوية أن لا تصادم هوية  المجتمع، وتعتمد القيم والمبادئ الأخلاقية كي تستطيع المساهمة من مواقعها في كسر حالة الجمود، واستعادة الأدوار المسلوبة للمرأة العربية والإسلامية.

المرأة التونسية طبعت الحاضر والتاريخ

من يورّق بعضاً من صفحات تاريـخ تونس يكتشف دور المرأة التونسية ومساهمتها الرائدة في المقاومة، منذ أيام "اليسار" وعلى سبيل الذكر، "ملكة قرطاج" التي أحرقت نفسها كي لا تسلم جسدها لملوك البـرابرة، كما كان للمرأة التونسية شرف إنجاب نساء ورجال صاروا فخر العرب والعالم، كما أثبتت قدرتها في الفعل ضمن أكبـر المـحافل العلميّة، والمشاركة في أهم المؤسسات الاجـتماعية، والانخراط في الأطر الاقتصادية والسياسية المهمة.

الفجوة بين الرجل المرأة صناعة أم اختيار

لا ننكر وجود أغلبية ساحقة من النساء التونسيات اللواتي يؤيدن تحكم الذهنية الذكورية الطاغية في المجتمع التونسي، مختبئين خلف الحواجز النفسية الاجتماعية والدينية، مما يعكس الفجوة القائمة بين المرأة والرجل، والتي تطورت إلى حالة تنبأ بالانقسام، بين أنثوي مضطهد ومنقوص الحقوق، وآخر ذكوري تسلطي، مناهض لتحرّر وتطلعات المرأة، وتمكينها من مراكز القرار السياسي والمجتمعي.

وبالمقابل لا ننكر أيضاً أن هناك شريحة كبيرة من الرجال التونسيين المساندين لتموقع المرأة التونسية، واعتبارها نصف المجتمع الذي بدون تفعيل دورها يصبح كسيحاً ومعتلاً نصفياً، والكاتب "مراد العوني العبيدي" من خلال كتاباته هو أحد المناصرين لقضايا وتطلعات المرأة التونسية.

 تضحيات تفوق مستوى الرجال 

أهم الشخصيّات النسائية الرئيسية التي عالجها الكاتب "مراد العوني العبيدي" في روايته "ماركوندا أو أحتمالات سجين سياسي" هنّ: "السيّدة الأمازيغية"، والدة البطل الرئيسي "سالم"، وزوجته "فاطمة"، و"فيكتوريا" الطبيبة الفرنسية التي عشقته بعد نجاحها في معالجته من مرض الإخصاء، وإحدى "التلميذات" السجينات المظلومات، بالإضافة إلى بعض  النماذج  الحية عن المرأة التونسية التي ذاقت طيلة عهود "بورقيبة" و"بن علي" أشدّ أنواع الاضطهاد تمثلت في السـجون، التشرّد والاستشهاد، وبقيت صامدة بوجه الطغيان والقهر والبطش، وتـحمّلت خسائر باهظة هي بمثابة نياشين شرف على أكتاف نساء تونس. 

 الكاتب يصطف للإنسان

يروي الكاتب "مراد العوني العبيدي" بشيء من الانفتاح الإنساني أنّ والدة "سالم سيدة "امازيغية" مثقفة سليلة شعب عريق في الحضارة الإنسانية، وكثيراً ما "كانت تذكّره بأجداده المقاومين وأصولها الجزائرية، كانت تقول أنا من الغرب، من بلاد الأمازيغ، أنا ابنة الكاهنة، أنا رفيقة جميلة بو حيرد".)ص 10(.كما كانت تغرس في روحه الوعي بالقراءة والمعرفة والاطلاع، ويذكر الروائي "مراد" أيضاً أن والدة "سالم" ربّت ولدها تربية إسلامية، فشبّ متمسكاً بالإسلام عقيدة وسلوكاً، ملتزماً بقيم الإسلام، دين التسامح والمحبة والسلام.

"فاطمة" زوجة "سالم" رمزا لصمود "الحراير"

البطولة الثانية في الرواية أسندت لشخصيّة "فاطمة" المناضلة المستميتة التي عاشت حياة مليئة بالمتاعب بسبب زواجها من "سالم" المناضل السياسي والعسكري، وهي كذلك من الناشطات سياسياً سنوات التسعينات، فكانت مرافقة لزوجها الذي تولّى مسؤوليات قيادية في الانقلاب على نظام "بورقيبة"، وقد كانت "من نفس الاتجاه وتتفق معه في الأفكار"(ص 12).

لقد جسّد الروائي في هذه الشخصيّة الاستثنائية المطبوعة بقيم الوفاء، شخصية المرأة الشجاعة التي ضحّت بكل ما تملك في سبيل الاستماتة في الدفاع عن زوجها وطفلها الذين كانا جزء لا ينفصل من دفاعها عن الوطن السبي. كما جعل الكاتب من شخصية فاطمة المرأة التونسية الحبيبة، الزوجة، والأم شخصية نابضة بالحياة والأمل وروح المبادرة.

"فيكتوريا" امرأة مؤثرة في تعديل المفاهيم

شخصية "فيكتوريا" تأتي في المرتبة الثالثة حسب تسلسل الشخصيّات الرئيسية في الرواية، فهي طبيبة فرنسية تربّت على التقاليد المسيحية، وتنتمي إلى العالم الأوروبي، تمتاز بالأناقة والشخصية الميّالة للتحاور الثقافي، وهي ذات ميولات شيوعية تناضل من أجل خدمة الإنسان مهما كان دينه ولونه وانتماءاته.كانت تتحاور فكرياً وسياسياً مع مريضها "سالم" وتهتم بوضعه كإنسان، ولأنها الجمال الناعم والأنثى العاشقة فقد قدّمت دعماً معنوياً لحبيبها "سالم" ولشعبه التونسي، كما أعادت له حيويته الذكورية، وبعد مدّة قصيرة على شفائه حبلت منه، ورافقته أثناء عودته إلى أرض الوطن حين صار البلد لا يضيق باستقبال أبنائه المنفيين، وقد وعدت حبيبها "سالم" أكثر من مرّة بأنها ستعيد "تصحيح أسطورة ميلاد الحياة "وسنعيد بناء  مجد من سبقونا بالوجود، سيكون ميلاد "ماركوندا" يوم الإنسان وسنجعل من التيبيروس معبداً للتائبين" ( ص.130).

 فظاعات تتجاوز العبارات 

يروي لنا الكاتب "مراد" قصّة معاناة إحدى السجينات ليلة الدخلة مع عريسها، والكوابيس التي تلاحقها، والتي ذاقتها أثناء سجنها يوم كانت شابة تبلغ الحادية والعشرين من العمر، بسبب وشاية كاذبة، وقد تلقت سيلاً من الشتائم وتهديدات بالانتقام منها ومن عائلتها،وقد تعرضت للتحرش داخل السجن أثناء تعذيبها من أحد الجلادين مثلما جاء في هذا المقطع " يمرّر يديه أوسط الفخذين ويولج كمرة سهمه أثناء التعليق وضع الدجاجة...ويضغط على مؤخرتي بسهمه فيدنس جسمي بمائه الآسن" ( ص66 لتحيلنا على فصل آخر يوم انتقلت إلى زنزانة جديدة تضمّ حوالي خمسة من مثليات الجنس، وعن "الكبرانة" التي كانت تسبّ السجينات، والتي كانت " تمارس السحاق مع أصغر السجينات، تضعها على السرير كالجارية وتمارس معها اللذة كالوحش" ( ص70)، وقد أصبحت الشابة تعيش حالة من التوتر الدائم، بسبب الأذى المعنوي الذي لحقها من خلال معايشتها لمشاهد الجنس والعنف والرذيلة داخل قبور السجن المظلم.

نساء يستحقنّ التكريم والاعتراف 

لم يغفل الكاتب عن إبراز معاناة بعض السجينات التونسيّات، كما لم يتأخر عن سرد قصص المئات من المناضلات التونسيات خارج السجن، اللواتي تحركن في السنوات الأولى من التسعينات، حين كان الأزواج أسرى يواجهون القهر والعذاب، حيث كانت "الأخت المحجبة، والفتاة الحرّة المقاومة للاستبداد، في باحات الجامعة، وشوارع الوطن، عنوان شرف، وعنوان رجولة". ( ص72).

 وأشار إلى اللواتي اضطررن إلى إعلان الصيام أكثر من مرة تضرعاً إلى الله كي يفرّج هذه الغمّة،  والاعتصام في أكثر من مكان، وإعلان الإضراب عن الطعام تضامناً مع المعتقلين، وقد شاركت شخصيّاً في باريس ضمن بعض هذه الاحتجاجات، المساندة لنساء تونس السجينات منهن، أو من كانوا رهائن لم يسمح لهن بالالتحاق بأزواجهن في المنافي الأوروبية، في وقفات تضامنية ومساندة، كانت حاضرة فيها بعض الوجوه المعروفة من أمثال الدكتور منصف المرزوقي - والصحفي الطاهر العبيدي - والمؤرخ الدكتور منذر صفر، والحقوقي الأممي القس "مون سينيور قايو"... وغيرهم  من الحقوقيين والسياسيين المعارضين التونسيين والعرب والأجانب، من أجل إجلاء هذه المظلمة.

نضالات المرأة التونسية نموذج للتبصّر

لقد قدّم الكاتب "مراد العوني العبيدي" في روايته "ماركوندا  أو احتمالات سجين سياسي" صورة مشرقة للنضال الأنثوي للمرأة التونسية، كنموذج للقرّاء العرب وغيرهم، كي يدركون قدرة المرأة التونسية على التحمّل والمقاومة والصمود، وقد أفرز الكاتب مساحة هامّة لإبراز هذا الدور الناصع للمرأة التونسية من خلال عيّنات وأحداث حقيقية، وفاءً لتضحياتهن ولمواقفهن الجريئة والمشرّفة، وإنصافاً للتاريخ الوطني التونسي.

رواية منتفضة على المتداول والمعهود

بين السطور والفقرات، نستطيع أن نستوحي أن الكاتب "مراد العوني العبيدي"، من خلال روايته ماركوندا المنتفضة على المتداول والسائد والمعهود، معتبراً بالتلميح والتصريح أنّه لا ينقص وصول المرأة التونسية لموقعها الطبيعي ضمن الإطار السياسي والمجتمعي، سوى تمدّد دائرة الرجال المناصرين لقضاياها، وصولاً لتبنّي المرأة نفسها لقضيتها دون صدام أو قطيعة فكرية مع دعاة الدور التكاملي لها مع الرجل،" لينتهي الصراع دون قتل للإنسان ودون سبي للنساء ودون اغتصاب للصبايا ودون سفك للدماء" ( ص.130).

مبادرات قوامها الوعي والانتقال 

لم يكن الكاتب راوياً للإحداث المجردة، بل كان شريكاً في الوعي بضرورة دعوة نساء تونس إلى عدم الانزواء، وأشراك الرجل بفعالية في حملات المناصرة، معتبراً أن تأسيس المبادرات التي يقودها الرجال أو تلك التي يكون لهم فيها أدوارا أساسية من أجل تصحيح المسارات المجتمعية القائمة في تونس، ستكون على شكل انتفاضات هادئة قوامها الوعي والضمير، ضمن مبادرات حداثية لا تنسف خصوصية المجتمع التونسي، ولا تتصادم مع هويته، بل تدعمها وتثريها.

 

 نينار شانغري – إعلامية / باريس

 

جواد واديتوصلت ممتنا من القاص والروائي أحمد طليمات بمجموعة قصصية تحمل عنوان "الهدى هولدينغ" أسماها أقاصيص، ولعله ينوي احالتها الى جنس القصة القصيرة متوسطة الطول والنفس السردي "القصصي" بصيغة جمع مفردة "أقصوصة" بتوظيف لغة تتوزع بانسيابية فاتنة بين القص والشعر والتناول التاريخي والتحليل النفسي، بنزوع صوفي، تنم عن مدارك موسوعية وثقافة اطلاع تحيل القارئ الفطن إلى حالة من التفكر مشوبة بالإرباك امام كاتب يعرف جيدا أدوات الكتابة الإبداعية ويمتلك دربة في الحكي والتناول بأسلوب يشي منذ اللحظة الأولى وانت تلج هذه البحبوحة القصصية الفاتنة، بأنك أمام كاتب يحتكم على مرجعيات ثقافية ومعجمية وخزين من التجربة الإبداعية الخازنة لأطباق دسمة من العطاء، قد تغاير المألوف بسبب انشدادك لأول وهلة لأحداث القصة الواحدة، بانتقالات ممتعة تطرد حالة الرتابة التي تكون أحيانا نقيصة لدى الكاتب لعدم قدرته على الإمساك بنسقية الحدث وتراتبية الحكي الذي يتطلب خبرة لغوية سلسلة وبمعجمية قريبة للصياغات الشعرية ليمنح حالة القراءة اريجا، عادة ما يبحث عنه القارئ المتشبع بخزين معرفي من القراءة الراصدة، تمنحه القدرة على التعامل مع العمل الإبداعي بندية وتواصل غير ممل ليتواشج مع الكاتب، الذي هو بدوره يتقصد خلق جو من المؤانسة المطلوبة بين ثلاثية العمل الممتع: الكاتب، القارئ والعمل المقروء.  

المجموعة القصصية من الحجم الصغير تتوزع على 63 صفحة صادرة عن مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال بمراكش، بطبعة انيقة تتصدرها لوحة غلاف جميلة توقفت عندها طويلا، من انجاز الفنان التشكيلي المبدع عبد العزيز العباسي.

وعنوان المجموعة قد يخلق ارباكا لفهم ما يقصده المبدع، ولكنك ما ان تلج متون العمل حتى تكتشف، أن الكاتب يتحدى بأسلوبه الأدبي المبطّن برفض السائد المقيت، أنه يريد أن يقول "لا" للموروث المقيِّد لحركة التاريخ واعمال العقل في رفض موانع التفكير الإنساني الذي من شأنها أن تحيل المتلقي أو الوضع الراهن بجله، الى مجرد اجترار للموروث والمكوث في ذات الدوامة التي ما نفعت طيلة قرون موغلة في التخلف والتراجع وبقاء العقل الإنساني رهين وحبيس لحالة من التردي والتراجع ومواصلة التخلف التي حولت الانسان الى مجرد مجتر ومقلد  بليد لما لقنوه من فكر ومعتقدات ابقته متراجعا لقرون عن ركب الحضارة والتقدم الإنساني بكل عناوينه وعطاءاته الإنسانية الراهنة.

يطالعك اهداء لعله موجه للكاتب والقارئ على حد سواء يقول:

"استشر وجدانك... استشر ضميرك..." لجان جاك روسو... (من عظة قس بجبل السافوا) ويبدو لي أن الكاتب اختار هذه العظة ليمنح نفسا صوفيا لمجموعته، كمدخل ينبه القارئ بأنه قادم لقراءة عمل فيه من التماهي مع الذات بنزوع روحاني طاهر، وهذا ما وجدناه فعلا من خلال قراءتنا للقصة الأولى التي تتصدر المجموعة والموسومة "كرونولوجيا رأس" ومن خلال الولوج تدريجيا بعناوين المجموعة يكتشف القارئ أن جلها اختيارات يغلب عليها الالتباس والغرائبية بطريقة أخاذة.

 نكتشف من قراءتنا للقصة الأولى، أن الكاتب يوظف لغة مشاكسة بحضور ذهني بمفعول وسطوة قوية ليخلخل ذهن القارئ الباحث هو بدوره على التحدي والمناكفة الإبداعية في فك طلاسم نوايا الكاتب المخاتلة، من خلال استحضارات ذهنية تختزن في دواخل الكاتب لتنتفض على حين غرة دون قصد، لتخلق عنصر المفاجأة وتتوقد أمام قارئ يبحث عن كيفية اقتناص حالات تحفز فعلا لخلق انتقالات بنزوع فلسفي بتوظيف الموروث بكل ملامحه وتفاصيله، ليبحث عن بديل راهن يزيح ما تراكم في ذهن الكاتب لتشكل مفرداته حالات إنسانية بحلوها ومرها، سابقا وراهنا، قد يتقصد لتلك الإضاءة وذلك الحضور للإحساس بانكسارات تشكل هما يوميا يريد التخلص منها وانتزاعها من أناه الحسية، الى حيث العمق الإنساني الأسمى.

هكذا اجد العمل الذي بين يدي وما ينازعه الكاتب وبقوة للتخلص من جلباب قديم ليتحرر من موروث ثقيل وممض، والاشارة تنسحب تقريبا على عموم القصص التي تحملها المجموعة، إنها برأي سيرة ذاتية قد تقتصر على مبدع العمل ولكني أرى أنه يريد اشراك قارئه بذات الهموم والتفاصيل بخلق علاقة حميمة ليفك الاشتباك اللصيق بزمان ومكان الحكاية بانتقالات تتسارع حينا وتتثاقل أحيانا أخرى، وهي لعبة سرد تحاكي الذات المثقلة بالأسى والأحاسيس اللذيذة لا على تعيينها، وهنا يحقق الكاتب قصديته الفاطنة في لذة قراءة تشكل سمة للمبدع المتفرد حقا وشرطا هاما لفاعلية المنجز الابداعي.

لعلنا ونحن نتابع تسلسل الحكايات أن الحمل الثقيل يشكل هما حقيقيا للكاتب، يريد من خلال انتزاعه من ذاته الكسيرة، أن يجمّل حالة القراءة بهالات وجد انساني باهر، ليذكرنا بمقولة الكبير ناظم حكمت " إذا انت لم تحترق وانا لم احترق، فمن يضئ الدرب للآخرين" ذلك هو النضال الحقيقي للمبدع والهدف الأسمى لما يسطره على البياض ليزيح رتابة اليومي ورثاثاته التي باتت قدرا يوميا لعينا للمثقف المبتلي بالبالي والموروث الخادع والمعوق لكل نشاط ذهني متنور.

قصة قصيرة نسبيا فتنتني في تناولها والكاتب يستحضر التجربة الصوفية ليسقطها على طقوس دينية انجيلية، تحيلنا الى حالات التصوف الإسلامي، لأن موضوعة التصوف هي حالة توحد بين الله وبين الصوفي ليزيح كل الوسائط الكونية الأخرى، ليظل مختليا بربه مناجيا وحبيبا، بتجليات صوفية لتحقيق وحدة الوجود، نقتطف هذه الفقرة التي تقترب تماما من الفكر الصوفي وما اريق بسببه من سفك للدماء الزكية وازهاق للأرواح الطاهرة، ظلما وتعسفا وبطشا سلطويا غادرا:

"... وعندما اجبرني القسس على الإيمان بكل ما يقولون، معقولا كان أو غير معقول، وجدتني أرفض كل ما يقولون..."

وكأننا هنا نستحضر محنة الحلاج شهيد النقاء والزهد والثبات على المبدأ، برفضه كل الوسائط الأرضية ليمنعه من التقرب لربه، صديقا وحبيبا ومناجيا. الأمر الذي عدّه فقهاء الظلام والتخلف، مروقا وكفرا وتجاوزا على القدرة الإلهية. فدفع الحلاج ومن شاكله موقفا وتصوفا نقيا، حيواتهم، ثمنا لهذا الإيمان الرباني البعيد عن تصورات رجال الزيف والمخادعة.

تتعدد مسارب الرحلة مع متون المجموعة بعناوينها الصادمة والمنتقاة بحرفية وتمكّن وفهم فلسفي، لنصل الى آخر قصة وليست اقصوصة كبقية الأقاصيص، أسماها الكاتب "حانوتيون من الهدى هولدينغ" تتوج العمل برمته، كونها تشكل تحديا للكاتب من الراهن والموروث والاستسلام لفنتازيا الغيبيات بروح تهكمية، ليظل رافضا للسائد الأجوف، بقناعات فكرية لا تقبل التراجع او المداهنة، شأنه هو وبقية من انارت الثقافة المغايرة عقولهم وطردت غبار الماضي بكل سوءاته وبلاويه، مشككا بما ورثناه من قوالب فكرية حشرها المراؤون في عقولنا وواصلوا الخداع عبر حقب غائرة في زمن الزيف، الذي كانوا هم من يجني ثماره، أما البائس والمغلوب على أمره فكان نصيبه الخيبات وأمصال الخدر التي ما خفّتْ يوما جرعاتها القاتلة.

تؤثث المجموعة ستة عشر نصا قصصيا متفاوتة الطول والتناول واللغة المحكية ولذة السرد الفاتن.

ولنا عودة في انصاف تجربة المبدع احمد طليمات التي قد لا تلقى ما تستحق من اهتمام ورعاية وتكريم في وسط يغيظه مثل هكذا مبدعين.

وبكل محبة واعجاب

 

جواد وادي - روائي وقاص وشاعر مغربي

 

عدنان حسين احمدقصص قصيرة جدًا تتوهج بنهايات تنويرية وامضة

صدرت عن دار شهريار في البصرة مجموعة قصصية جديدة تحمل عنوان "طائرٌ يُشبه السمكة" للقاص والروائي العراقي محمد حيّاوي المُقيم في هولندا حاليًا، وهي مجموعته القصصية الثالثة بعد "غرفة مُضاءة لفاطمة" و "نصوص المرقاة". تختلف هذه المجموعة الجديدة عن سابقتيها في انتمائها إلى جنس القصة القصيرة جدًا التي تعتمد على تكثيف الحدث، وتقديمه إلى القارئ كلقطة فنية مُعبِّرة لا تفارق مخيلته بسهولة.

تشبه القصة القصيرة جدًا في تقنيتها ومضمونها قصيدة الومضة التي تقوم على التركيز، والاختزال، والنهاية التنويرية التي تضيء ذهن القارئ وتظل متقدة فيه لمدة زمنية طويلة. ومَنْ يقرأ هذه المجموعة التي تتألف من 49 نصًا قصصيًا قصيرًا ستعْلق في ذاكرته حتمًا رائحة التفّاح الزكيّة، والجارة الهولندية التي تريد أن تجرّب الجنس مع رجل شرقي شرط أن تٌخبر زوجها لأنها لا تستطيع أن تخبئ عنه شيئًا، وحائك المراوح اليدوية المصنوعة من خوص النخيل، وصورة جيفارا على خاصرة بائعة الهوى، والشيوعي المطلوب في مكتب الرئاسة، والأرملة التي تُعلّق ملابسها الداخلية على حبل الغسيل، والفتى الجريء الذي يراهن الفتيات على لون مشدّات النهود التي يرتدينها، وجزمة الديكتاتور التي سرقها الراعي وتركه يمشي حافيًا في الطريق إلى جنته الموهومة، ووجوه الموتى التي لا تظهر في الصور الفوتوغرافية المُلتقطَة وخصوصًا صورة الفتاة المهووسة بالسينما والمُولعة بأنجلينا جولي، والدرّاجة التي قُذفت فوق نخلة عيطاء بفعل الانفجار، والمرأة التي أصيبت بطلق ناري في مؤخرة رأسها، وأخيرًا وليس آخرًا الطائر الغريب الذي يشبه السمكة ويسبح  تحت الماء وكأنه يقود الكائن الجريح إلى أعماق الظلام في المياه الباردة. وبالتأكيد هناك صور أخرى تعْلق بذاكرة القرّاء والمتلقّين بحسب ذائقتهم الأدبية والفنية والفكرية، فالقصص والأحداث لا تقتصر على العراق أو هولندا، وإنما تمتدّ إلى سوريا وفلسطين وشواطئ البحر الأبيض المتوسط الذي يتلألأ بمدنه الساحليّة التي تخلب الألباب.

قبل الولوج إلى فضاءات هذه القصص القصيرة جدًا وتفكيك تقنياتها ومضامينها المتشابكة لابد من التوقف عند بعض الاشتراطات والعناصر الرئيسة التي تدخل في كتابة هذا النمط الإبداعي الذي يقارب قصيدة الهايكو اليابانية في نهايتها التنويرية، ولغتها المركّزة والبعيدة عن المحسنات البديعية والتزويق اللفظي. فمساحة القصة التي يكتبها محمد حيّاوي في هذه المجموعة تحديدًا تتراوح بين ستة إلى أربعة عشر سطرًا، وهي مساحة ضيّقة لا تسمح بتسلل الزوائد اللغوية إلى جسد النص القصصي المُشذّب الذي لا يستغني، في الوقت ذاته، عن التكثيف والمُفارقة، والإدهاش لأن رهانه الإبداعي قائم على هذا المثلث تحديدًا بمعونة اللغة الموحية التي تلامس وجدان القارئ.

سنتوقف عند بعض قصص هذه المجموعة وأولها قصة "حرب" التي تتألف من ثلاث شخصيات: العقيد والعريف والجندي إضافة إلى الراوي العليم الذي يروي الحدث. فثيمة القصة تقوم على سؤال افتراضي يوجِّهه العريف إلى العقيد بالصيغة الآتية: كيف سنعرف يا سيدي أن العدو قد استعمل الأسلحة الكيمياوية؟ فيأتيه الجواب غامضًا بأنّ "رائحته تُشبه رائحة التفّاح". وإذا كان العريف قد أكل بعض التفاح ويعرف رائحته وهذا احتمال بعيد فأن الجندي لم يذق التفّاح طوال حياته بسبب الحصار فكيف سيتعرّف على رائحته إذن؟ وحين قصفهم العدو بالأسلحة الكيمياوية "لم يدرك أن الرائحة زكية إلى هذا الحدّ! أقصد أزكى من أن تكون قاتلة! فمات مبتسمًا". ما لم يلتقط القارئ هذه المفارقة ويعرف المعنى الخفيّ الذي يتضاد مع المعنى الظاهري ويتعارض معه فسيفلت من يده الخيط والعصفور معًا.

لابد من الإشارة إلى ملحوظة مهمة جدًا مفادها أنّ القاض محمد حيّاوي يركّز على رصد لحظة الموت أو تلك اللحظات التي تليها مباشرة وكأنّ هذه اللحظات هي جزء حيوي من نسيج القصة وبنائها كما هو الحال في قصص عديدة أخرى مثل "نعناع" و"سُرّة" و "نوم" و "أخ"، و "رفيقة"، و "درّاجة" وسواها من القصص التي ترصد الكائن البشري وهو يلج إلى عالم الأبدية.

على الرغم من هيمنة النَفَس التراجيدي على قصص المجموعة إلاّ أنها لا تخلو من القصص العاطفية أو الرومانسية إن شئتم، وقصة "قُبلة" هي دليل على ما نذهب إليه، فالراوي يتلهّف لتقبيل صديقته العربية بينما لا يفضّل تقبيل النساء الهولنديات بحجة أنهنّ باردات، وسهلات يُشبهن لوحات رمبرانت الخالية من الروح. وحين تسأله: ألا تفضّل المرأة السهلة؟ فتأخذنا إجابته إلى لحظة الصدمة أو المفارقة حين يقول:"ربما، لكنني لا أشعر باللذة من دون مشقّة". أما اللحظة التنويرية فقد أجلّها الراوي إلى الجملة الختامية التي تبعث على الدهشة حين يقول:"أنظري إليكِ كم أنت جميلة وحيّية، أتمنى أن أقبّل حذائكِ كي تمنحيني قُبلة!".

وبما أنّ محمد حيّاوي قد عاش في هولندا قرابة 22 عامًا فلابد أن يتسرّب المناخ الهولندي إلى قصصه وربما تكون قصة "حياء" أفضل نموذج يتسلل إلى تجربته القصصية، ففي الصيف تخلع جارته الهولندية ملابسها وتسترخي تحت أشعة الشمس لتكتسب بشرتها سُمرة مُحببة، وذات يوم سألته إن كان يشتهي عُريها وهي على مسافة قريبة من نظراته المنغرزة في لحمها الباذخ فيأتيها الجواب:"أنكِ مثيرة في الواقع". هذا البناء السردي المتماسك الذي يخلو من الإسهاب يقودنا إلى اللحظة التنويرية الصادمة التي لا تكمن في استجابتها للتجربة الجنسية مع رجل شرقي وإنما إلى ضرورة إحاطة زوجها مارتن بالأمر "فهي لا تُخفي عنه شيئًا أبدًا".

تتميّز قصة "كرامة" بقوة بنائها، فهي تتألف من شخصيتين لا غير، الأولى فتاة متلفعة بعباءتها تأتي كل يوم إلى الجامع وتتبرع بثلاثة مراوح يدوية مصنوعة من خوص النخيل، ورجل كبير أقعده المرض لكنه مصرّ على العمل وكان يحوك كل يوم عددًا من المراوح التي لا يشتريها أحد منه في السوق سوى فتاة متلفعة بعباءتها لا تُظهر سوى عين واحدة فقط. تبدو هذه القصة مقفلة لكنها تنفتح في واقع الحال على مساحة شاسعة من الكرامة، وحب العمل، وصدق النَفَس الإنساني.

أثارت قصة "سِلفي" عندما نشرها محمد حياوي على الفيسبوك ردود فعل إيجابية من عدد غير قليل من الأدباء وأبرزهم القاصة والروائية لطفية الدليمي التي رأت فيه قاصًا رائعًا، وروائيًا مبدعًا وأصيلاً حيث قالت:"فليتعلّم كُتّاب القصة القصيرة كيف يُكتب هذا الطراز الأدبي عندما يتصدّى له كاتب بحِرفية وموهبة وتجربة محمد حيّاوي". لنعد إلى القصة نفسها التي تتألف من ثلاث شخصيات وهي الأم، وابنتها المهووسة بالسينما، وأنجلينا جولي التي جاءت إلى الجانب الأيمن من الموصل لتذرف دموعها الغزيرة هناك. فالقاص يوحي للقارئ وكأنّ الأم وابنتها مازالتا على قيد الحياة. وحين تخرج البنت من تحت الأنقاض وتحتضنها جولي تلتقط معها سِلفي وتعود مسرعة إلى الأسفل لتُري أمها الصورة ولكنها تندهش كثيرًا لأنها لم ترَ وجهها إلى جانب وجه أنجلينا المبتسم. "لقد نسيت أنها ميتة منذ أشهر تحت الأنقاض!".

تجدر الإشارة إلى أنّ هذه القصص القصيرة جدًا متقدمة في لغتها وتقنيتها وبنائها المعماري الرصين الذي يُشعِر القارئ بأنه يقرأ نصوصًا قصصية متضامّة لا يربك إيقاعها السمفوني أي نشاز سردي. بقي أن نقول إن محمد حيّاوي روائي معروف وقد رسّخ تجربته الروائية على مدى ثلاثة عقود ويزيد وقد أنجز روايات مهمة نذكر منها "ثغور الماء"، "طواف متصل"، "خان الشابندر"، "بيت السودان"، إضافة إلى "فاطمة الخضراء" التي مُنعت من النشر في العراق بتوجيه من الكاتب الفلسطيني الراحل جبرا إبراهيم جبرا الذي رأى أن هذه الرواية لا تنسجم مع الوضع السياسي الذي كان سائدًا آنذاك لكنه تنبأ لكاتبها بمستقبل أدبي واعد.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

تعرف الوثيقة على انها: الوعاء الذي يستوعب المعلومات الكتابية، والبيانات، والمخططات، والخرائط، والرسوم، والصور الفوتوغرافية، والشهادات، والمستندات...الخ، وهذه المدونات تستعمل في المعاملات لغرض حفظها؛ لأنها تتسم بالثبوت، لكن مالايعرف ليعد استعمالاً حديثاً أن صح لي الجزم، هو أن الكثير من النتاجات الأدبية - منذ الماضي  وتطورت كثيراً في الحاضر- قد أنتقلت الى صياغة مهمة التدوين بلغة ادبية مفهومة وممزوجة بنكهة كاتبها أولاً،الذي استغل بذكائه الظروف المحيطة به وصاغها بلغة كتابية ممزوجة بأسلوبه الخاص، ومستندة على الواقع في اغلب سردها.

أسست الكثير من الروايات العراقية عنونة ثانوية لعنوانها الأول، ليتحول المصطلح الجديد هو العنونة الرئيسة والمتداولة بين الكثير من القراء والباحثين.

و(نجمة البتاوين) رواية اقتربت من الشارع العراقي كثيراً، منذ الوهلة الأولى نجد انفسنا بصدد عنونة عراقية، ونحن نقرأ المتن السردي نجد ذاتنا تقرأ تاريخ معاش بجذوره، إذ أسست الرواية متنها من لغة الشجن، والوحشية،والخراب،والدمار، وانهيار البنى السكنية، وانتشار الجثث مجهولة الهوية، اوتلك التي قتلت تحت مصطلح الفتنة الطائفية التي عايشها الشارع العراقي خصوصاً في المدة المحصورة بين(2006-2007)، وهي ذروة الفتنة المفتعلة من قبل المصالح السياسية والأمريكية الحاكمة.

انصب اهتمام المتن السردي على توظيف شخصيات عايشت الأزمة المفتعلة؛ لأن العراق منذ سياسة الحكم العثماني الذي وظف سياسة (فرق تسد)، وهو يعاني من أنزياحات عدّة، أسهمت في تكبد الفرد والمجتمع عامة سلسلة متوالية من الأحزان.

وأكثر مايهمش الأوطان هو توالي النكبات والحروب، وأشدها الفتنة الطائفية المميتة.

استثمر (الأنباري) الفضاء العراقي، فوظف شخصيات المتن السردي من المحيط البيئي المعاش، (زاهر) الصحفي العائد من المنفى بعد احتلال العراق، وهو نموذج للكثيرين الذين عادوا وهم يمتلكون صورة فنية في مخيلتهم عن عراق جديد، لينصدموا بعقم الواقع اليومي المعاش.

أما (عمران)، فهو المهندس العراقي الذي تحول الى مقاولاً وحالماً بعراق جديد، ليكون فيما بعد قيداً مخطوفاً عند الجماعات المسلحة.

و(ابو حسن ) صاحب مكتبة في شارع المتنبي شخصية عراقية اصيلة من محيط الواقع الثقافي العر اقي، الذي انتقل الى مثواه الأخير اثر تفجير شارع المتنبي.

والشاعر (علي)، والمصحح اللغوي الذي انتقل بين اليمن وليبيا وأسس ثلاث منازل تخلت عن حمايته في ظل الظروف والأختناق  الحياتي المعاش.

سعى الروائي في متنه الى أن يكون باحث اجتماعي، وناقش تكوين شخصية الفرد العراقي، لتشكل فكرته هنا تناصاً مباشراً مع الدكتور (علي الوردي) الذي ناقش تكوين شخصية الفرد العراقي.

ما سعت الرواية الى عرضه جاء بلغة صريحة ومفهومة،نقلت واقع معاش .

فما نقتله الرواية من فتنة طائفية وظروف معاشية ضاغطة، اصبحت هوية العراق الثقافية الجديدة، مما حفز الكثير من النتاجات الأبداعية الى استثمارها وتحويلها الى وثيقة (مدونة) كتابية .

 

بقلم: وسن مرشد

 

439 رحيم زاير غانمفي مجموعته الشعرية "لُطفاً كُنَ وطناً" يكشف لنا الشاعر رحيم الحاج زاير بكتابة صور شعرية وقصائد نثرية تغوص في عمق المأساة العراقية لتكشف عن صورة الوطن الغائب، الوطن الحُلم، الوطن الذي كُنا ننشد وأغان وقصائد نتغنى بها، وطن نكتب عنه قصائداً وردية، نُحيي روحه التاريخية وألقها، لنردمها على صخرة الموت وسفك الدم, وطن رميناه في قاع البئر فتبايكنا عليه وصرنا نقول:

(من الآن سنرفع لافتات الحداد،

نحن الذين فقدنا الأمهات مُبكراً)

الأمهات وطن نحنُ إليه وإلى فيافيه وأحضانه، ونبكي عليه بعد فقدانه، كما نفعل بعد فقدنا لأمهاتنا، ولكننا حينما كُنَا في أحضانهن، لم نستشعر قيمة ذاك الحضن "الوطن"، فنغادرهن وبعد طول غياب نعود لهن بتمردنا، لم نكن نعي أننا بتجاهلنا (الأثيم) هذا لحنينهنَ إنما كُنَا نُمارس أشد أنواع العُنف، فنحنُ نهدم بعضاً من طاقتهنَ في الصبر، هو ذا الوطن، هو ذا العراق، نُخاطبه بالقول "كُنَ وطناً"، ولم نتجرأ يوماً على نقد أنفسنا وننقد ذواتنا السافرة في غيها، ولو بمُجرد مُخاطبة كلِّ واحدٍ منَا لنفسه ولو همساً بالقول: "لُطفاً كُنَ بشراً" واستعد وطناً.

(حُضن الأرض مُضطربٌ

من عواء الحروب

....

لا تُقدس الحرب ليلاً

وتلعن ضجيجها في النهار)

هذه الذات تنشد وطناً، ولم يدرِ في خَلَده أن هذا الوطن يروم وينشد وفاء الأبناء للأمهات، فلُطفاً "لنكُن أبناء" حقيقيون يعرفون معنى الوطن (الأم)، يعرفون معني (اليُتم) والموت بلا وطن، بلا أم.

(أمي حينما تجلب الجوع

تحتارُ أي فمٍ تفطمُ!!)

حُزن وألم، توق ومحبة، ندم وضياع، وحسرة على وطن، بل تأوهات شاعر لم يحيى هو ولا عاش الوطن، لكنه سيعود:

(سأعود من الحرب

إلى بلدتي

وربما إلى أمٍ

ما زالت على قيد الشوق)

فهامت روحه تروم السفر، سفر لك أن تؤوله وفق طبيعة الشجن العراقي الذي عشت فيه وأنت في أي بُقعة من أرض العراق، بل:

(وأنت تحزم روحك

في حقيبة بيضاء،

وأنت تُردد نشيداً للوطن،

تُشعرني نظراتك

إنك مُهاجر بالفطرة)

يحزم روحه في حقيبة بيضاء، ربما يكون الكفن ببياضه حقيبة سفرنا نحو هجرة لا عودة فيها، وربما تكون سفرنا داخل النفس لنلوذ ببياض فطرة الإنسان حينما يكون على سجيته ليتخلص من أدران الجسد وملذات الحياة بكل ما فيها من تباغض وتحاسد وكُره وعُنف.

(إيه أما اكتفيت يا عراك؟

متى تنهض

وتُرجع كرامة الجباه السُمر

المُرتهَنة للآن

في الأرض الحرام

متى تُعيد للشهادة هيبتها)

هُنا يُرادف الشاعر بين مُفردة (عراك) وعراق ليشي لنا بأن العراق أرض كُتب عليها أن تكون أرض عراك، مُخاطباً الأرض وكأنها هي من تمتلك إرادة الحياة أو خيار الموت في الشهادة التي فقدت هيبتها ومعناها، وذلك ما نتفق فيه مع الشاعر، ولكن لا وطن من دون مواطن، وكل الأوطان إنما يرتفع شأنها بقدر ما يُقدمه أبناؤها من عطاء ووفاء، وستكون الأوطان رهينة في الأرض الحرام حينما يرتضي أبناؤها أن يكون قادتها من الأغبياء وخيرهم (دعي ابن دعي)!.

لم يكن الوطن أرضاً (أماً) فقط، إنما كان في الوطن (آباء) عاقين وإن كان في بعضهم وفاء، وهم قلَة من الذين شعروا بأنهم شاركوا بقصد أو من دون قصد في ضياع وطن، ليكتب الشاعر نصه بوصفه رسالة من الأب إلى الابن مُخاطباً له:

(يؤسفني أنك في قادم الأيام

لن تسمع صوتاً مقبولاً

لكنك ستسمع أصواتاً نشازاً،

تُصدرها حناجرٌ بلهاء

ويؤسفني كذلك

أنك ستتقبل

حُكاماً نشازاً

يستهيوهم دوي الحرب

وصفارات الإنذار

هُم نتاج اللامعنى

والتأويل الأسود،

لذا مُستقبلك

محكوم بالصدفة)

أي نص هذا مُكتنز بمعان ثرَة. إنه نص الأنا في تماهيها مع خطاب شوفيني اقصائي، لم يورث منه الآباء للأبناء سوى غياب الوعي وترك ساحة الرفض والمُمانعة لأراذل الحُكام وسدنتهم من الذين يُمعنون في خداع الأبناء كي يكون وقوداً لحروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، سوى انقيادهم الأعمى لـ "اللامعنى" و"التأويل الأسود" الذي لم يحصد منه أبناءنا سوى بقايا الألم ورؤية أصدقاء لهم يُحزمون حقائبهم البيضاء صوب "اللاعودة"، فصار مُستقبل الأبناء الذي لم يُتقنْ, الآباء توريث ماض قريب لهم وحاضر أقرب "محكوم بالصدفة".

جُلَ أخطاء وخطايا الأبناء إنما هي مُعلقة في ربقة الآباء وأعناقهم، وإن إلتمس الشاعر العُذر بقوله:

(نحن المقسو علينا

ليس لنا مُتنفس إلَا التناسل)

فأن نكون مُجرد كائنات حية همنَا الوحيد مُمارسة الغريزة ففي ذلك إمعان منَا في التخلي عن إنسانيتنا، فحينما يكون مُتنفسنا الوحيد هو التناسل، فهذا معناه أننا من فضَل التكور حول جذوة الغريزة ونسيان طبيعة وجودنا ككائنات حية عاقلة ميزتها الرفض حين تروم الغريزة نزع بقايا تعقلنا ووعينا بذواتنا كبشر لنغرق في:

(مشحوف (سومري)،

هاربٌ من قسوة اليابسة)

صرنا نعيش الزمن لا روح فيه لفرط ما نعيش فيه من ألم، بل وعشناه من قبل:

(السفينة

غافية على اليابسة

والهاربون من التصحر

يتسابقون للنهر)

أي نهر هذا والسفينة غافية على اليابسة، فالماء أصل الوجود (الحياة) ونحن العراقيين نتسابق كي نصل لسر الوجود هذا، فلم نجد الماء، بل وجدنا صورته في رسم النهر تجاعيد وأخاديد على جباهنا المُتعبة (المُتصحرة)، وتلك من خبايا ما لم تُخبرنا وتُخبرك به العرافات من "سوء الطالع" صديقي وأناي:

(سوء الطالع

رافقك ساعة المخاض

يا صديقي المُعذب

لِمَ تعجلت المجيء؟!)

وفي نص مُعبر عن سوء الطالع هذا يقول الشاعر:

(لستُ وحدي

ما دامت معي كل هذه الخيبات!!، ليُخاطب الزمن بقوله:

أيُها الزمن

وأنت تنتعل الذكريات

خُذ بيديك الألم)

لكن رحيم زاير الغانم لم يستطعْ نسيان الألم ولا نقد الحال الذي نحن فيه، بل ونقد كل موجات (الأسلمة) الفاقدة للضمير الإنساني بصورة شعرية مُعبرة بقوله:

(في بلدتنا مسجد

نسيً الفقراء

كما نسوا

أن يُشيدوا له منارة)9

ملأ الحُزن والألم مجموعة رحيم زاير الغانم حد اليأس بقوله:

(في ذاك المدعو وطن

لا يُدندنُ مُجدداً

بخيط الفجر)

بل لا يشعر فقط بغياب الفجر (الفرج) في هذا البلد اللا أمين، بل يرى نفسه كما القمر:

(لكن القمر

مُنشغلٌ بخيبة النجوم

فهي الأخرى تناست

ترصيع السماء

ببذار ضوئها)

وأظن في قوله هذا تلميح لا تصريح عن يأس من تحسن الحال، فهو عنده من قبيل المحال، ليس لأن الوطن أو نحن لا نُحسن تنظيم إدارة النفس أو الذات، بقدر ما يروم التلميح لنا بأن القوى الخفية الكامنة في السماء، لم تُتقن تصيير السماء بنشرة ضوئية عهدنا تشكلها في سمائنا من قبل، فلم يعد تشكيلها "ترصيع" أو تجميل يليق بما كانت تختزنه الذكرة من قبل عن هذا الجمال، فهو إعلان من الشاعر عن مُغادرة الجمال لنا ومُغادرته لنا في أرضنا وسمائنا!، لأن:

(الأنبياء

لا مكان لهم

في بحبوحة الأوثان)

فنحن نعيش في زمن "الوثن" الصنم لا النبي الرسالي "المُلهم"، فالنبي يبعث الحياة للتجديد، والوثن راكد لا يقبل التغيير بل يُستأنس بصوت ببغاء يُتقن الترديد.

(أخفض صوتك

السُرَاق في الجوار!)

حرب وغياب لتصوير حالة سلم ومعركة و"البارود الساخن المُنتشر، البارود الكاتم للحياة،..."صحنا إنه العذاب"، "وعبر حُزنك ألمحُ خربشة الفقر"، "حدودك في اتساع للخراب، كلما علا صفير الأزقة" "عواصف من رماد، تاركاً المنايا تطوف، غير مُبال بالجحيم"، "في زنزانة الزمن أدحرج ملامحي وأُلملمُ وحدتها".

زمن للحرب، وهو ذات الزمن الزنزانة، زنزانة الألم، وحتى الصداقة زنزانة يتوجس فيها الشاعر المحبة "المُفرج عنها قريباً"، ليترك لنا ثقباً كبصيص أمل للمحبة أو الصداقة المسجونة في زنازين زمننا الذي وصفه الشاعر بأشد صفات الوجع، لكن ربما سيُرج عنها قريباً!، ولكن اليأس مُطبق في رؤية الشاعر وصوره الشعرية:

(في زنازينهم

لم أسمع زقزقة واحدة

تُمجد الحُرية)

هي إشارة وتصريح على أن العراق اليوم وما قبل في سياسياً واجتماعيا لم يكن سوى زنزانة قمع للحريات وهدم لقيم الحب والإنسانية وتقويض لُمران المُدن والحواضر، فكل المُدن تحولت إلى ركام، بل خرائب ليتسائل مُستغرباً:

(كيف للمُدن أن تتلاشى؟)

ومن شدَة استغرابه من حجم ما يحصل من دمار وخراب يُشبه الشاعر نفسه مثل العصا فيقول:

(سأقف،

مُستعيناً بوجعي،

سأقف

مُشاكساً الأرض

التي للآن تشكو

توحدها وجسدي

سأقف.....

أتفق معي؟

أم أنك عصا مُسجاة

فرَ منها القطيع)

في قصيدته خواء تعبير وصور شعرية أخاذة في مرثية الوطن، في وصفه لسحر الوطن والهيا به، يُرافق هذا عتب شفيف ولكنه مليء باحساس الشاعر المُرهف بقوله:

(إيه يا وطن

أيها الساحر الفريد

إلى أين ستلقي بنا تعاويذك؟

بعدما صرنا جراراً خاوية

أ نبقى مُعلقين بحبائل

أمجاد غابرة؟)

ويبدو أننا سنبقى كذلك مُعلقين بأمجاد غابرة، فلا ماض قريب نسعد به، ولا حاضر تنعمنا بالعيش فيه برضا، والمُستقبل كالسراب نظنه ماءً. 

 

د. علي المرهج 

 

 

عبد الجبار نوريتقول الكاتبة شهد الراوي عن روايتها هذه وتجربتها في الكتابة: {روايتي عن أبناء جيلي ومدينتي بغداد التي غادرتها ولم تغادرني، عن طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا وأمنياتنا وأحلامنا والتي حاولتُ أن أحميها من النسيان وأمنعها من الضياع، أنّها (الرواية النظيفة) كما يروق لي تسميتها لأنها لا تعتمد أشارة خارج منطق الأحداث التي صنعها الواقع والحلم والذكرى والوهم بعد الحد من دور العقل والمنطق في رسم النهايات الطبيعية المتوقعة، فهناك نهايات مفتوحة وأسئلة لم تتم الأجابة عنها، وهكذا هي الحياة بمجملها}، صدرت الرواية في 2016 عن دار الحكمة والنشر في لندن، فقد صدرت طبعتها الثالثة من نفس الدار وبيع منها أكثر من 25 ألف نسخة، كما تُرجمتْ إلى اللغة الأنكليزية، وحصلت على جائزة الكتاب في أدنبرة المملكة البريطانية في يوم الخميس الأول من يناير 2018، والروائية العراقية شهد الراوي من مواليد 1986 وغادرت العراق عام 2003، ونجحت في أظهار مأساة جيل الحرب والحصار من العراقيين اللذين وُلِدوا أبان الحرب فأكتوت طفولتهم المبكرة بها وعايشوا حصار الموت البطيء وتهجروا قسراً، فهي تريد أن توصل القاريء: إلى أن السعادة تنبثق من ليل الألم الطويل وتستمر في سردها إلى حكايات أشبه ما تكون فنتازية من نسج الخيال في الأنتحار والهجرة إلى الفردوس المفقود،الحصار ينشب مخالبهُ في هذه الشريحة المترفة، أما بخصوص الطبقة الفقيرة المعدمة أنها سُحقتْ بلا رحمة وأنتهى وجودها لكون بعضها سار بقناعته إلى حتفهِ الأخير الأنتحار من فوق جسور دجلة، وتتخيّلْ الكاتبة: أن الناس يقفون طوابير طويلة يمارسون الأنتحار مجموعة بعد أخرى، الرواية مكتملة الأوصاف في اللغة والأسلوب والبنية المعمارية والنسق السردي بالشكل والمظمون أخذت شهد في روايتها ساعة بغداد منحى أدبيا مغايراً للبعض وربما متأثر كما تقول عن نفسها: أنني معجبة بالأسلوب الساخر للكاتب العربي (نوري ثابت)

تدور أحداث الرواية في منطقة راقية من ضواحي بغداد في التسعينات من القرن العشرين، وترويها طفلة تجد نفسها في ملجأ محصّن ضد الغارات الأنكلو أمريكية، وتروي قصة جيل وُلِد من رحم الحروب العبثية وعاش حصاراً ظالماً وهُجر وهاجر في أعقاب كارثة الحرب والحصار، وفي ساعة بغداد تتابع عن كثب مأساة العراقيين تحت الحصار الأمريكي في التسعينات وما قبلها الثمانينات في حروب ظالمة عبثية لم يكن للعراقيين فيها ناقة ولا جمل وذلك بعيني طفلة عراقية كُتبَ لها أن تولد في بلد محاصر ولهذا تبدو رؤيتها للواقع ساذجة وسطحية أحياناً من خلال تبسيط الأمور إلى حدٍ كبير، ولهذا يمكن القول بأن الكاتبة أصبحت  ناشطة لحقوق الأطفال أمام العالم المتمدن وأرتقت لبعث رسالة صادقة وواضحة لجميع البشر، وتقوم فكرة الرواية على منحنيات ومحاور متعددة في مقدمتها محور الحب ومحور ثاني يمتاز بالديناميكية والطرافة والتي أجاد فيها (عمو شوكت) والشخصية الجذابة المرحة (باجي نادرة) التي تمثل الأقليم الكردي في نظر الروائية، وتبدأ الحكاية التراجيدية المأساوية في ساعة بغداد من داخل الملجأ المعتم تبدو حركات الأحياء الأموات فيها كأشباح عملاقة تدخلنا لعالم غرائبي بيد أنهُ واقعي حد النخاع والرصاص يلعلع خارجه والقصف والتفجير والتدمير، وتبرز الكاتبة التشوهات النفسية والأخلاقية التي هي من أفرازات الأحتلال والحصار الأمريكي للمجتمع البغدادي،  فكان أحتساب الوقت المحلي في مدينة بغداد بحسب توقيتات ساعتها وبنظر أهلها -(البغادلة)- للوقت حسب أهواءهم في مدينة غرائبية تحوي أجيال مختلفة تتعايش فيها وتفتقد الأحساس بالزمن الذي تعيش بداخله وهم يسبحون في فراغ زمني تمتزج فيه قرون سحيقة في القدم مع سنوات الحداثة والعصرنة حيث صار بالأمكان رؤية آشور بانيبال وكلكامش يجلسان في كوفي شوب في المنصور والنادل جورج بوش.

 أثارتْ الرواية ضجة أعلامية كبيرة لم يألفها الوسط الثقافي العراقي من المتلقين والقراء من قبل، تحاول شهد الراوي في روايتها "ساعة بغداد" أن تلملم شظايا أشتات العراقيين وتعيدهم سيرتهم الأولى يوم كانوا عراقيين وكفى !!!، ولأنها من عشاق الحرية ففي هذه الرواية أستعملت جُلّ أدواتها الأدبية لتعزيز صرح الحرية أنها تؤمن: أن الجمال أقوى من القبح، وأن الوطن أحلى من الشتات وأن طائرها الأبيض العراقي الأصل لا يخونها مطلقا وأن طار كان مصيرهُ أن يعود لعشه الوطن .

والرواية ساعة بغداد هي واحدة من أكثر الروايات العربية لأثارة للجدل نقاد كونها تخالف في أسلوب سرد الخطوات السوية للرواية العراقية والعربية، فقد أعتمدت شهد الراوي على شكل مغاير للبنية التقليديةالتي تأسست عليها الأعمال السردية الكلاسيكية ويمكن القول أن شهد الراوي قد قطعت صلتها بالماضي بشكلٍ واضح، فهي من جيل الحداثة،  وما رأيته خلال قراءتي للرواية في الأسلوب المعاكس في أدبيات الروائية ما يلي::

-أن الكاتبة عندما جاءت بنصوص مخالفة للواقع السوي أنما هو من تأثير بيئتها في تلك المحلة من خلال الحروب والحصار، فتصف شهد هذه التجربة فتقول: {عندما تولد في سنوات حرب الخليج الأولى وتجد نفسك طفلا في ملجأ محصن ضد غارات التحالف الدولي لحرب الخليج الثانية تعيش مراهقتك في الحصار العالمي المفروض على بلدك ثُمّ تصحو في شبابك على سقوط بغداد لتواجه حرب أهلية فلابد أن تأتي كتابتك خارج السياقات السردية التي عرفتها الكتابة قبلك} .

- تبدو الشخصيات غاية في التعقيد والأرتباك ومبهمة أحياناً وملغّزة في الكثير من الأحيان وخاصة في تمثيل الطفلة التي تختلط في ذهنها الوقائع وحين يمتزج الخيال بالملموس ويتعانق عالم الأحياء مع عالم الأموات .

- شهد تحررت من البطل التقليدي الواحد، فهي تحررت من الثيمة الرئيسية الواحدة معتمدة ثيمات متساوية من حيث العمق والشمولية وأبراز أهمية الأفكار في كل ثيمة على أنفراد كالحب والحرب والأرهاب والهجرة والأغتراب والأنتحار والشعوذة والنبوءة، أي يمكن القول – حسب قراءتي للرواية – لم تعتمد على البطولة الفردية بل الشاملة على مجموعة من الرواة مثل ناديا وبيداء وباجي نادرة والمشعوذ، فهي قد دمرت آليات السرد المتعارف عليها سابقاً كالذي سار عليه من الروائيين الفرنسيين بأنتهاك محدودية الزمكنة، فأعتقد هو مذهبها الأدبي الجديد في روايتها البكر وربما تنحو للتغيير لاحقا في نتاجاتها المستقبلية، وعلى كل حال أتمكن أن أجزم أنها أتجهت إلى مابعد الحداثية التي تقوم على تحطيم بنية السرد التقليدي .

- وتبرز مذهب الحب والعشق بين فتيات مراهقات في الرواية بشكلٍ ملفت بالرغم من طغيان التراجيديات المأساوية للحرب والحصاروهو شيءٌ مخالف للواقع السوي، لكون سرد الرواية لقصص الحب لا تنتهي بالزواج التقليدي كالمألوف في الروايات الأخرى .

أخيرا/أنها حقاً رواية ممتعة ولذيذة يشعر المتلقي كونه هو أحد رواة " ساعة بغداد " في حكاية الحرب والحصار، لكوننا جميعاً تقاسمنا رغيفها وقلقها وخوفها ودفع ثمن رصاصتها الغبية في أعدام أبناءنا، وأستلب منا كل شيء عدا دموع أطفالنا، فساعة بغداد رواية حديثة  معنى ومبنى وشخصياتها مدروسة وهي تعايش التراجيدية الملهاة المأساوية قدمت سرداً وصفياً عن طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا وحتى كهولتنا وهي تتحدث بلساننا عن خيالاتنا وأحلامنا الممنوعة وواقعنا المر في محنتنا وخسائرنا وأقدارنا، تألقت الرواية بكل ثقة لتنتزع الفوز لجائزة الكتاب في أدنبرة البريطانية وعلى التوقيع التأريخي للرواية العراقية، وأعجبت بفلسفة شهد الراوي حين توحي لك خلال التعايش ما بين سطور السرد الرائع بأن " الطبقة الوسطى هي صديقة الحكومة أما الطبقة الفقيرة فهي في عهدة الوطن  .

 فتحية اكبار واجلال للروائية المبدعة " شهد الراوي " وإلى الأمام حيث مكانتك الجوزاء وشاهدة ناشطة وأديبة في سفر الذاكرة العراقية

 

عبدالجبارنوري - باحث أدبي عراقي مقيم في السويد ستوكهولم .

 

438 الجنس في الرواية العراقيقراءة في كتاب (الجنس في الرواية العراقية) للناقد داود سلمان الشويلي

اعتبرت ثيمة (الجنس) احدى التابوات الثلاثة، التي كان يحرم على الروائي العربي التطرق اليها، والا وقع تحت سطوة الرقيب السياسي والاجتماعي والديني، رغم ان تراثنا العربي والاسلامي قد تناول هذه الثيمة بصورة صريحة ومن دون مداراة،  لذلك فقد ارتبطت هذه الثيمة في التفكير العربي بمفهومـ (الازمة) حيث صدرت عدة كتب ودراسات تناولتها ضمن هذا المفهوم ومنها كتاب (أزمة الجنس في القصة العربية) لغالي شكري، وكتاب اخر قد صدر مؤخرا للناقد المغربي الكبير الداديسي بعنوان (أزمة الجنس في الرواية العربية بنون النسوة)، رغم ان الداديسي لم يوضح في كتابه المذكور سبب استخدامه لتعبير الازمة، وان كان في مقدمة الكتاب ناقش تحت عنوان (ازمة الجنس) في معرض تفسيره لعنوان كتابه، حالة الالتباس والتداخل عند بعض الروائيات بين مفهومي الجنس والحب، وقد وضع جدولا وضح فيه الفروقات التي وجدها بين المفهومين، اذ انه يرى ان الروائيات العربيات يخلطن بين هذين المفهومين، اذ يقول بان (حتى اللواتي استعملن مفهوم الحب كان الجنس عندهن هو المقصود) (ازمة الجنس في الرواية العربية بنون النسوة: ص9) ولكن هذا لم يمنع الروائيين العرب والعراقيين بصورة خاصة من توظيف هذه الثيمة وان كانت بصورة ضمنية وغير مكشوفة الا في بعض الاستثناءات، وهنا اتحدث عن بواكير الكتابة الرواية العراقية، حيث اختلف ذلك التوظيف بعد ذلك لتطور الوعي الثقافي لدى الروائي والمجتمع، وان وقع الكثير من الروائيين والنقاد في مطب عدم التمييز بين ثيمة الجنس ومغزاها، ودلالاتها السيميائية، وبين بعض المفاهيم الاخرى التي تتماس معها كثيمة المرأة والحب والجسد والايروتيكية والاباحية وغيرها، وكل هذه المفاهيم تتلاقى حينا وتتنافر حينا اخر، وان كرست بعض تلك المفاهيم في ازمان معينة في بعض الطروحات واعتبرت بانها متعالقة ومتشابكة، وانها اوجه مختلفة لمفهوم واحد، منطلقين من رؤية ذكورية بطرياركية، والاختلاف بين هذه المفاهيم ربما من خلال زاوية النظر، بين تفعيل دلالات العملية الجنسية ومن ورائها الجسد، المركز الي تدور حوله كل تلك المفاهيم، او أسلبته -ان جاز لي نحت هذه التعبير- أي اطفاء كل مراكز القوة العلامية لهذا الفعل ودلالاته، وتفريغه من محتواه الدلالي كما في الاباحية مثلا.

ففي كتاب (الجنس في الرواية العراقية) للناقد داود سلمان الشويلي، يطرح هذه الثيمة على طاولة المعالجة النقدية في بعض النماذج الروائية العراقية، وقبل ان ابدأ في قراءة طروحات الكتاب يجب ان انوه، باني سأكتفي بالإشارة الى القضايا الفنية والمنهجية والمعالجات التحليلية التي طبقها الناقد، ولن اقف على بعض الاشكاليات الفكرية والنظرية التي ربما لا اتفق معها، حيث قسم كتابه الى ستة فصول محاولا الاجابة عن بعض الاسئلة التي جعلها عتبة في مقدمة الكتاب، وستكون تلك الاجوبة هي مادة الكتاب ومقارباته، وهي: (كيف تعامل المبدع العراقي مع هذا الموضوع ؟ وما هي تصوراته الخاصة عنه ؟ وهل يمتلك هذا المبدع نظرية ما ؟  أو - على أقل تقدير - وجهة نظر معينة ينطلق منها عند تناوله لهذا الموضوع ، أم أن ما يطرحه كان عبارة عن تصورات ذاتية يستخلصها بنفسه من واقع الحياة اليومية التي تعيشها شخوصه ، وهل ترتقي تلك التصورات لأن تكّون نظرية ، أو وجهة نظر رصينة ، أم لا ؟) ص7، ونلاحظ هنا ان الناقد قد ركز اسئلته وربما اجوبته لاحقا على المؤلف/ الروائي، حيث يلقي العبء على كاهل ذلك المؤلف في كيفية تعامله وتوظيفه لثيمة الجنس، مع تحفظي ربما على استخدام مفردة (النظرية) في سياق هذه الاسئلة، لان الروائي او القاص غير مؤهل لبناء متن نظري داخل نصه السردي، لانه متن تخيلي افتراضي، لا يمكن باي حال من الاحوال ان يستوعب متنا تنظيريا رصينا، وان خدمت الرواية في ازمان معينة بعض الطروحات الفلسفية والعلمية وكانت نماذجا تطبيقية لها، كما فعل الوجوديون مثلا كسارتر وكامو وغيرهم، لذلك اعتقد ان استخدام مصطلح (رؤية)، او (وجهة نظر) هو التعبير الملائم والذي يتوافق مع طروحات ذلك الروائي.

تكشف لنا هذه الاسئلة المديات الافتراضية التي سيتحرك ضمنها الناقد الشويلي، والتي تنحصر بالروائي العراقي، والافق الذي تعامل به مع ثيمة الجنس، والتصورات التي يحملها عن هذه الثيمة، ومدى رصانة ما يطرحه عنها، او مدى رصانة توظيفه لها، حيث يقول الناقد وفي الفصل الاول من الكتاب والمعنون "قضية الجنس عند عبد الرحمن مجيد الربيعي" ( ان قضية " الجنس " من القضايا التي كانت وما زالت محوراً مهما من المحاور التي حفلت بها الرواية – والقصة القصيرة كذلك – في أدبنا العراقي منذ نشأته حتى كتابة آخر نتاج ابداعي من هذا النوع الادبي) ص12، وربما اختلف هنا مع الكاتب اذ ان رغم اهمية هذه الثيمة/القضية في الكتابة الروائية العراقية، الا انها لم تأخذ حيزا كبيرا من الاهتمام كما في بعض التجارب العربية، كما في رواية (موسم الهجرة الى الشمال) للطيب صالح، او (برهان العسل) للسورية سلوى التعيمي، او روايات علوية صبح، او رواية (ايثاكا) لرؤوف مسعد، او رواية (انتصاب اسود) للروائي التونسي أيمن الدبوسي وغيرهم، قد نجد ربما بعض تلك الملامح في روايات الروائية العراقية عالية ممدوح ولكن الرواية العراقية بصورة عامة متحفظة في استخدام هذه الثيمة، ولم ترتبط بنسقية مغايرة وانما تنحصر المعالجة في حدود نمطية، على العكس ربما من شعوب اخرى عرف عنها التحفظ والتشدد في مثل هذه القضية كالسعودية مثلا، حيث ظهرت بعض الروايات الجريئة والتي تعالج ثيمة الجنس بصورة مكشوفة، كما في رواية (سلالم النهار) للسعودية فوزية شويش السالم.

يصف الناقد الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي بأنه (واحد من الكتّاب الذين زخرت نتاجاته الروائية بهذه القضية، إلّا أنه لم يجعل منها محوراً رئيسياً تدور حوله أحداث الرواية) ص13، وهذا الاستخدام المقتصد من بل الربيعي يرجعه الشويلي الى ان الروائي يحاول (تحسين صورة ما يكتب أمام القراء) ص13، وهذا الكلام ربما ينطبق على مجمل الروايات العراقية، الا في بعض الاستثناءات القليلة، حيث مثلت هذه الثيمة تابوا لم يستطع الروائي العراقي من اختراقه لحد الان بصورة جدية حتى بعد زوال سلطة الرقيب ما بعد 2003، الا في معالجات طفيفة وسريعة لا يمكن ان تخلق رؤية كاشفة لهذه الثيمة، الا ربما في التجربة التي د اشرنا اليها سابقا للروائية عالية ممدوح وخاصة في رواية التشهي مثلا، التي خرجت عن النمطية وكسرت التابو، عكس الروايات العراقية الاخرى التي بيت تراوح عند التخوم.

في ها الفصل ربط الناقد بين خيبة بطل الربيعي السياسية في رواية (الوشم) وخيبته الجنسية (كان الأجدر بـ "الناصري" أن يسأل صاحبه عن مدى قدرة ما تبليه المرأة- أي امرأة- من تجاوب حسي- جنسي معه للتعويض عن خيبته السياسية. وفرق كبير بين البحث عن المرأة، وبين البحث في المرأة عن شيء ما) ص14، حيث كانت هذه المقابلة تظهر نمطا دلاليا شائعا في الكثير من الروايات، والتي اشار اليها الكثير من النقاد والدارسين في مختلف البلاد العربية، وخاصة في الروايات التي تنتمي الى زمن تصاعد المد الايدلوجي والصراعات السياسية، حيث يربط البطل المهزوم بين انتصاراته وانكساراته السياسية والانتصارات التي يحققها على السرير، والتي تكون دائما تعويضا نفسيا عن خيبة وانكسار كما مثلها مصطفى سعيد بطل رواية (موسم الهجرة الى الشمال) للروائي السوداني الطيب صالح، وهذا ينطبق ربما على ما اشار اليه الشويلي عند تحليله لرواية (الانهار) وهي الرواية الثالثة للربيعي، حيث يقول (   لم يكن المحيط الكبير، بكل إفرازاته الطبقية المنحطة، وبكل انكساراته وخيباته السياسية، وكذلك المحيط الصغير " العائلة " بما فيه من عادات، وتقاليد، وقيم  وأخلاق عشائرية ، هو تلك الأرضية التي أنبتت شخوص " الأنهار " فحسب ، بل كان هناك ما هو أكبر من كل ذلك، كانت هناك الغربة، والوحدة، واللاانتماء التي يستشعرها أبطال " الأنهار ") ص31، وهذا ربما يشبه حالة الخيبة التي كان يستشعرها بطل رواية (الوشم) كما اسلفنا، وسيكون الجنس هنا ايضا مصدرا للتعويض، حيث يصف الناقد شخصيات الرواية بانهم (وزعوا جل اهتمامهم الحياتي بين الدراسة والمرأة ومحاربة السلطة  ووجدوا أن ما يعوضهم عن ذلك القهر الاجتماعي ، والخيبة السياسية ، هي العلاقة مع النصف الآخر ، بصورتيها الحسية والمثالية) ص32.

أما في الفصل الثاني الذي اسماه ("صعود النسغ" وضعف المرأة امام الرجل "العلاقة الجنسية في المجتمع الاقطاعي") والتي اخذ فيها الناقد رواية "صعود النسغ" للروائي هشام توفيق الركابي أنموذجا تطبيقيا، والتي يدرس فيها هذه الثيمة من خلال منظور اجتماعي، وبنية ثقافية لها خصوصيتها واعرافها، حيث يقول الاستاذ الشويلي (ان المعادلة التي يقدمها الركابي في هذه الرواية، من خلال منهجه الفكري، هي أن المجتمع ، و ليس الفرد، هو ثمرة الوضع السياسي و الاقطاعي السيء للقلة الفاسدة) ص67، وان الروائي كما يشير الناقد لم يكن مهتما بالعملية الجنسية بحد ذاتها كأداء ألي (ان الكاتب لم يكن معنياً عناية تامة بتقديم " اللحظة الميكانيكية " للعملية الجنسية، لأنه لم يكن معنياً – أصلاً – بالجانب التشويقي في عمله الابداعي) ص68، وانما كان تركيزه منصبا على الاشارات الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي تبنيها هذه العملية من خلال طرفين احدهما مهيمن والاخر مستلب، اذ يقول (فقد جاءت قضية الجنس عنده (ويقصد هشام توفيق الركابي) كعلاقة اجتماعية، حالها حال العلاقات الاخرى)ص68، اي ان الروائي يوظف هذه الثيمة ليس بصفتها المباشرة، بل باعتبارها فعلا رمزيا يحيل الى دلالات اجتماعية وسياسية معينة، ان هذا الحضور لهذه الثيمة لم يكن لذاتها، وانما بكونها احالة رمزية الى فعل اخر وثيمة اخرى كاستعارة لذلك يلاحظ الناقد بان (مثل هذه "المتعة" التي نجدها عند "الاغا" او عند بقية الرجال، لا نجدها عند الطرف الاخر من العلاقة "المرأة") ص70، وان كان الاستاذ الشويلي هنا يلصق هذه الصفة بالمرأة الريفية فقط، الا ان ذلك لا ينفي البنية الاستعارية التي بناها ذلك الفعل الرمزي.

أما الفصل الثالث فجاء بعنوان (الجنس في روايات حازم مراد "أزمة الجنس في التفكير وأزمة في التعبير")،  وينحو هذا الفصل كما سابقه نحو التحليل السوسيولوجي لثيمة الجنس وانعكاسها على شخصيات الروايات المدروسة، فيقول الناقد مشيرا الى رواية (التائهة التافهة) الى ان الروائي (يؤكد على دور المجتمع الذي ظلمها وسحقها بأنيابه. فيقرر بانها قد ذهبت ضحية لذلك المجتمع) ص97، وهنا يناقش الناقد المقدمة التي وضعها الروائي للرواية، حيث يظهر تأكيده على تأثير المجتمع على صياغة احداث الرواية وبناء الشخصيات، رغم أنه يستدرك تاليا بأن (الفتاة هذه تجد نفسها مع حريتها وجها لوجه، فتترك لجسدها -فقط- حرية التمتع دون قيود وهذا ما يتعارض مع ما يدلي به الكاتب في مقدماته من ان المجتمع له الدور الكبير في صياغة مأساة بطلاته) ص109، بالإضافة الى ذلك المح الاستاذ الشويلي الى ان انحدار البطلة الاخلاقي لم يكن فقط بتأثير المجتمع وضغوطه؛ وانما ساهم التفاوت الطبقي ايضا و وعي الشخصية (الحاد بحياتها "الفقيرة والمعذبة" حيث كان اغلب كتابنا يؤكدون على الجانب الاقتصادي في تلك الفترة  التاريخية من حياة العراق الحديث) ص104، وهنا اشارة ضمنية الى التأثيرات الايدلوجية للفكر الماركسي على الروائي في تلك الفترة التي كانت فيه هذه الافكار هي الرائجة بين الكتاب والمثقفين، ولكن ما يمكن ملاحظته على طرح الناقد بأنه قد شخص الدوافع التي ادت الى وقوع الشخصية في شرك الخطيئة/ الجنس، ولكنه لم يركز على فاعلية هذه الثيمة ومدى تأثيرها على وعي الشخصيات، وكيف وظفها الروائي، كما قد اشار سابقا الى كيفية توظيف هشام توفيق الركابي للفعل الرمزي لهذه الثيمة، وبناء دلالاتها من خلال التعامل معها بوصفها بنية استعارية، يمكننا ان نحيلها الى تصورات سياسية واجتماعية.

ينشغل الناقد في دراسة وابراز التداعيات الاجتماعية لثيمة الجنس، وربما علاقة الرجل بالمرأة بصورة عامة، من خلال مسار القيم الاجتماعية التي تحكم ثقافة المجتمع العراقي، ربما ان كان مدينياً او ريفيا، وقد يبدو للوهلة الاولى ان الناقد ينظر لكل العلاقات التي تربطهم بانها تمظهرات لثيمة الجنس، ولكنه يظهر لنا في بعض مفاصل الكتاب انه يفصل بين هذه العلاقات، وينظر الى أثرها الاجتماعي، حيث يجد الاستاذ الشويلي إن هناك تعارضا بين الحب والجنس، وبذلك فهو يتفق هنا مع الرؤية التي طرحها الناقد المغربي (الكبير الداديسي) في كتابه الذي اشرنا اليه سابقا، حيث يرى ان الحب هو شعور وعاطفة سامية، بينما الجنس فهو علاقة مادية حسية، اذ يصف بطل رواية (لن نفترق) بأنه (لا يريد من المرأة ما فيها من "روح، وقلب، وعواطف، وحب"، اي ما هو بعيد عما هو مادي/ حسي، لان تلك الأقانيم لا تدفئه من برد العواطف، ولا تبرده من حر الكلمات التي يتجاذب اطرافها مع المرأة) ص116، حيث نرى هنا ان الناقد قد فصل بين الطرفين، عندما صور الشخصية ومطالبها التي تفرق بين الروح والجسد، بين العاطفة والرغبة.. الى أخره.

كما اشار الناقد ان الكاتب كان (موفقا في الوصول بأبطاله، وبنا، الى حالة الاتصال الجنسي دون ان يقدم صورة فوتغرافية، تسجيلية، لهذه العملية، بميكانيكية، ابتعادا عن الابتذال. لان ما كان يعنيه الكاتب، ليس ميكانيكية العملية نفسها بقدر ما هو الاحساس الدقيق الذي تشعره بطلته) ص107، وهنا يظهر الاختلاف في المعالجة بين النماذج المختارة من الروايات والروائيين، حيث ان الناقد قد اشار الى ان هشام توفيق الركابي لم يعنى بتصوير العملية الجنسية الميكانيكية، وذلك لان اهتمامه كان منصبا على التداعيات الاجتماعية لهذه العملية، وما تمثله هذه الثيمة، بينما ان حازم مراد كان مهتما بإظهار مشاعر بطلته، وهنا -كما اعتقد- ان الناقد داو سلمان الشويلي لم يكن صارما بمنهجه النقدي، وانما كان مرنا في دراسة النصوص الروائية وفق حيثياتها، اي انه جعل النص هو منطلقه الوحيد، ولم يأتي برؤية قبلية، او أليات صارمة في عملية الحصر والتحليل.

أما الفصل الرابع فقد اطلق عليه الناقد بـ (ناطق خلوصي والجنس في رواية ما بعد 2003) والذي جعل روايات خلوصي التي صدرت بعد عام 2003 أنموذجا تطبيقيا له كما هو واضح من عنوان الفصل، ولكن هذا الفصل يدخلنا في اشكالية معقدة وهي هل يمكننا ان نعد الروائي ناطق خلوصي ممثلا حقيقيا عن روايات ما بعد 2003؟ حيث ان هذا التوصيف والذي يوحي بالتحقيب الزمني، تسرب الى الدراسات النقدية الحديثة، وقد اصبح توصيفا قارا الى حد ما، اذ تكرس في طروحات النقاد والباحثين، وارتبط ايضا بأسماء معينة في المشهد الروائي العراقي، والتي قدمت نماذجا روائية حديثة، رغم ان محاولة حصر وتوحيد هذه التجارب التي ظهرت بعد 2003 عملية صعبة، ولازالت تعاني من بعض الاشكاليات، ولكن وبصورة عامة، فهناك سمات مشتركة تظهر على أغلب الروايات التي كتبت ضمن هذه الحقبة الزمنية، ولست في محل مناقشتها او اظهار تلك السمات الان، ولكن روايات خلوصي رغم انها كتبت ضمن اطار هذه الحقبة، الا انها لا تحمل تلك الرؤى التحديثية التي وسمت الروايات التي وضعت تحت هذا العنوان، والتي ربما سميت في بعض الدراسات بروايات ما بعد الحداثة، حيث ان التحقيب الزمني لا يمكن ان يعطي اي نتاج صفة تحديثية من دون ان تؤازره حداثة في البناء والرؤى، وهذا ربما ما يجعل الناقد يحافظ على منهجه السابق في التعامل مع روايات خلوصي، من دون التحديث ايضا بالمنهج مع ما يتلاءم ربما مع حداثة تلك الروايات المفترضة، حيث استخدم ايضا المنهج الاجتماعي في دراسة تلك الروايات، وربما يظهر ذلك من خلال المقابلة التي خلقها الناقد بين استخدام ناطق خلوصي لثيمة الجنس والفساد السياسي بعد 2003 حسب وصفه، حيث تتحكم بالناقد عند تحليله لهذه الثيمة وارتباطها بباقي عناصر الرواية، رؤية محكومة بمنظومة قيمية اجتماعية، لذلك لم نجد في هذه المعالجات اي اشارة الى الابعاد الاخرى لهذه الثيمة بما يتوافق مع الرؤية ما بعد الحداثيةن التي امتازت بها هذه الحقب على أقل تقدير، او حتى تحليل هذه الثيمة كعلامة او كاستعارة تفتح علاقات النص الى مديات اوسع من الدلالة الاخلاقية.

وخصص الشويلي للروائية لطفية الدليمي وروايتها "بذور النار" الفصل الخامس الذي يحمل عنوان (" بذور النار" بين احساسات الرجل والمرأة)، حيث يفرق لنا في هذا الفصل بين استخدام الجنس بصورة مبتذلة وعندما يكون (غاية بحد ذاته)، مقحم وزائد، وبين التوظيف الفني الدلالي لهذه الثيمة، والتي تأخذ لها عدة احالات اجتماعية واقتصادية وسياسية، وكما قدمه من خلال نماذجه التطبيقية، اذ يقول ( من الجدير بالتنويه، ونحن نتحدث عن قضية الجنس في الرواية العراقية، ان نذكر، ان الجنس كعلاقة حيوية بين الرجل والمرأة، لم يكن غاية بحد ذاته على الرغم من ان البعض يجعل منه كذلك، وانما هو وسيلة، ان كانت هذه الوسيلة ذات طابع فسيولوجي للإنجاب، او ذات طابع نفسي- اجتماعي. او حتى اقتصادي. أي انه وسيلة للوصول الى هدف معين) ص153، ويفصل الناقد بين التصور الجنسي المادي- الحسي والعاطفة الروحية للحب، بغض النظر عن ان كانت الرواية قد اكدت هذا الفصل ام لا، لأننا الان معنيين بالرؤية التي اعتمدها الناقد في تحليل هذه العلاقات ومنطلقاتها، والتي ستحدد زاوية النظر والبنية الاجرائية العامة المتحكمة بطروحاته وتحليلاته، اذ ( تبرز قضية الجنس في الرواية (اي رواية "بذور النار" للطفية الدليمي)، عند احساس الشخصية بافتقادها الى النصف الاخر، فتتحول عند الرجل خاصة احساسات الملل والفراغ، اي "التوحد"، وتخيلات حسية تملأها صور لبعض الذكريات مع زوجته. وهذه التخيلات- الذكريات واحلام اليقظة- تمتلئ بكل ما هو مادي- حسي، بعيداً عن اشعاعات الروح للنصف الثاني) ص154، يشير الناقد الى ان الروائية لطفية الدليمي لم تشر الى العملية الميكانيكية للجنس، او كما يقول (ان الكاتبة لم تصورها لنا، بل انها لم تلمح اليها تلميحاً) ص155- 156.

اما الفصل السادس والاخير فقد عنون بـ (جنس المحارم في القصة " علاقة الابن بأمه إنموذجاً" ) حيث قسم الى ثلاث محاور، وقد تتبع فيه الناقد نفس المنهج في الفصول السابقة، سوى ربما في تحليله ومقاربته لأسطورة (جودر) والذي اتخذ بها الناقد منهجا فنيا، حاول فيه الناقد ان يجترح مسارا تأويلياً لهذه الاسطورة، ويخلق منها اداة اجرائية يمكن تطبيقها في التحليل النقدي والذي قد اجراه على رواية السراب وقصتين قصيرتين، ويحتاج هذا المحور الى تفصيل لا يتسع اليه هذا المكان.

ان الدراسات التي تتناول تابوات الثقافة العربية الثلاث، ومحاولة فك اسقاطاتها الاجتماعية والثقافية والجمالية في الادب العربي، هي مطلب حيوي ومهم لمعالجة تلك الثقافة، وفتح نوافذها للتحديث ومواجهة الانغلاق والانكفاء المبني على قيم اجتماعية وثقافية قديمة، وهذه الدراسة في كتاب الناقد العراقي داود سلمان الشويلي (الجنس في الرواية العراقية) هي تأسيس ودعوة للدارسين العراقيين لمعالجة هذه الثيمة المهمة، والقضية الاشكالية في الرواية العراقية او في الادب العراقي برمته.

 

أمجد نجم الزيدي

 

اشرف الخريبيهذا وطني، محمد أصبح ً شيخا في خيمة َ شاب ُ عمرُه َ وانسلب.. عائدة َ لأفتح َ شباك بيتي للنور للفرح لكل ِ مناضل، للثرى مهري وثوب زفافي المزركش بالذهب

عداله جرادات، تنهي ديوانها البديع "حب شديد اللهجة" بهذه العبارة الأثرة التي تلخص مشكلة أجيال من المغتربين الفلسطينيين الذين يريدون العودة الي أوطانهم بعد كل هذه السنوات من الغربة والاغتراب، قضية تحمل طيات الديوان الذي يعالج قضايا الواقع بتشكيلها الشعري ولغتها الخلابة بموقف انساني كى يبرز جمالها من خلال الصورة الشعرية المحلقة في فضاء الغربة والاغتراب فترى الكتابة تتحرك عند حد التوجه بالخطاب الأدبي إلى موقفها السياسي تتحد فيه مع لغتها وموقفها من الواقع أو تقفز فوق هذه اللحظات أحيانا بصورها وصوتها الرومانسي المشع بالبراءة والعذوبة وتتجادل مع وقائع ما يدور في معزوفة الجدائل أو حناء القيود ، بينما تعود مرة أخري لقضاياها الرئيسية (اتركوا الشعب) هنا في وحدة للنص تعلو فوق المشهد الشعري اعتمادا على آليات الفن بالإيحاء والغموض والرمز وباعتبار التدفق الشعري رابط بين المادي والمعنوي يقيم تشكيلات الشعور ويحيل الألوان الى أحاديتها ويصنع من عودة الزمان والمكان بعدا قياسيا جديدا لحالة النص كى يبقى مُتوهجا مليئا بالدهشة.

ولعل ذلك الحصار (حصار الغربة في المكان وحصار الروح) يبقي بكل أبديته وانفعاله وجبروته وتظل الشاعرة تحاول الخروج من دائرة ذلك الحصار الواقع\ اليوم \ المأزوم لتخرج لنا معان وقيم إنسانية نبيلة متفقة مع اطروحاته وأفكارها في تحولاتها الشعرية ومواقفها الانسانية لتطرح أزمته بوضوح في (شباك للفرح) فتسعى النصوص مع رومانسية الاداء إلى تحقيق موقف صدامي مع الواقع بأزمته وقضاياه العالقة في مواجهة الذات الحاسمة وفي إعادة ترتيب هذا الواقع بعنوان صادم يحمل النقضين (حب ..شديد اللهجة) ليجمع بين الانساني في مشاعر الحب بكل هدوئها وروعتها والغضب من العجز في تحقيق حلم العودة الي الوطن وشديد اللهجة كموقف سياسي ساخر ، ليس مجرد رصد للتجربة الحياتية بل اعلاءً للموقف الفكري مع تتبع المفردات والجمل والصور الشعرية التي تحيل لقضيتها الاساسية، متسقة مع دلالة الطرح التي تنسجم مع المفردات في ماديتها وهمسها دون صخب، كي يتسلل إلى نفوسنا بحميمة وصدق. مليء بالانفعال عبر صورة شعرية هادئة كهدوء الموسيقى الناعمة، ترصد صورة ثرية الدلالة هادئة الإيقاع عذبة المفردات،

تعمل عناصر هذا الديوان علي تشكيل مشهد شعري مكتمل الجوانب، مُهتم برسم صور حية ونابضة للواقع و للذات باغترابها ضمن منظومة كاملة من العلامات والاشارات التي تبقي في مواجهة مُستمرة مع الواقع ومع الفعل الإنساني، تصنع الشعرية موجات متتالية من التدفق الشعوري، مرتبطة بعتبات النصوص دوما تخلق منها مساحات مضيئة عبر تشكيلها الشعري " لغتي تعاتبها الأبجدية تنهش ربيع أصفر الخدين غبي الملامح تتعثر على عتباتِه سمرة طفل ينطق حروف الضاد"، فيظل النص منذ عتبة العنوان يكشف طوال الوقت هذه الأعماق الدلالية ويقدم صورة شعرية بلغة ثاقبة شديدة اللهجة ولكنها انسانية المعني رغم إيقاعها وصوتها الصارخ لصالح قضاياها الانسانية والسياسية

هذه النصوص الشعرية ترفض القيود المرصودة للسيطرة عليها، وكأنها في ثورتها الدائمة ترفض هذه النمطية فتفرز نصوص (قرابين الحنايا – للنيل عشق الروح – حضور- القدر- حناء القيود ...الخ) للثورة على نمطية الشعر والثورة على نمطية الحياة، غير أنها رغم ذلك تعتمل بمشاعر جياشة تفيض بعذوبة الشاعري والانساني في مواجهة مستمرة مع السياسي وقضايا الواقع العالقة بلا حلول نهائية

تمنح النصوص هذا الألق الشعري بعيد الأثر، في حين تشير بلغة شديدة اللهجة إلي موقف الذات المترقب للحظات الممكنة وحلول ممكنة واحلام ممكنة، والمتشابكة مع قضايا الواقع، لقد شكلت المواقف السياسية باستمرار الفعل الشعري وأعطته أبعادا دلالية بما توحي من تحرر وحركية دائمة في النصوص، تمنح مزيدا من المحاولات للخروج من بوتقة الغربة والاغتراب، من منطقه الثابت إلي تحولات شعرية تحمل مزيجا من المراوحة لكون الشعر حالة من التعبير عن هموم الانسان والذات \ النواة التي ترتكز عليها في بناءها الشعري عبر كل قصائد الديوان، ، وبما يحيل من أبعاد ها الرمزية والإيحاءات الدلالية وهي تطمح إلي التدفق الخيالي والتشكيل البلاغي والرمزي علاوة عن توظيف المكون السياسي والذات الانسانية في الجمل الشعرية ، وتشكل الأبعاد الرمزية على كافة المستويات، فتتسم الرؤيا الشعرية في هذا الديوان بحضورها الانساني عبر تفعيل عنصر الذات بشكل مكثف متداخلا مع الواقع وقضاياه، عبر ديوان، (حب شديد اللهجة)

 

اشرف الخريبي - روائي وناقد مصري