631 رماح الملائكةالواقعية الاجتماعية إحدى الأنماط السردية الأكثر شيوعا في عالم الرواية، كونها تمثل نافذة حية نطل من خلالها على الواقع المعاش، لكن برؤية فنية تتفاعل مع الملتقي بطريقة أكثر تقبلا واستساغة من الواقع الفج، عن طريق صناعة الخيال، وهذا ما عبر عن ذلك الروائي نجيب محفوظ بقوله (الفارق بين الحكاية المحضة والقصة الفنية هو الخيال).. في رواية (رواح الملائكة) للروائي إبراهيم حسين حسن، الصادرة عن دار سطور 2019 .. نجد سيادة هذا النمط السردي على السياق العام للنص، عبر أحداث اجتماعية واقعية، تتخللها رؤى وأحلام، تنطلق من معاناة ذلك الواقع وإسقاطاته على العقل الباطن، الذي لجأ الى صناعة الخيال كوسيلة دفاعية، للهروب إلى الأمام لتغيير هذا الواقع المأساوي الذي يعيشه البطل السارد (جواد)، والذي كان  المحور الرئيسي في صناعة الحدث الروائي وتدويره، والمحرك الرئيسي له وللأبطال الآخرين، على امتداد البناء الهرمي للنص، فقد استعان الروائي بتقنية السارد الضمني لخلق ما يعرف اصطلاحا (وهم الإقناع) أي جعل السارد جزءا من النص لإيهام القارئ بجدية وصحة مايجري داخله، بل ذهب إلى ابعد من ذلك، حين لمح في أكثر من موقع في الرواية إلى إن البطل جواد ماهو إلا الروائي نفسه، وان ما نقرئ ماهي إلا عملية اجتزاء لمشاهد حياتية عاشها الكاتب، ووضعها في قالب سردي روائي، لذلك يمكن اعتبار رماح الملائكة رواية (اتوبيوغرافية) أي تعبيرية، لحضور الروائي فيها بقوة وفعالية.

يبدأ النص بعتبة سردية اختلط فيها الواقع بالخيال، عبر رؤى لم تخرج عن حيز الموروث الاجتماعي الشعبي، وتراكماته في العقل الجمعي للمجتمعات الشرقية، حين يتنبأ الإنسان بقرب اجله، ودنو ساعته، وعندما يتحول الأطفال الموتى إلى ملائكة وطيور جميلة.. مدخل سردي صادم وموغل بالحزن والوجع، لطفل مريض يحتضر في أحضان أمه المفجوعة به، يُحدثها عن رؤى يعيشها وهو يطالع نافذة الطائرة التي أقلتهما عائدين من رحلة علاج غير مجدية، ينتهي المشهد بموته بطريقة دراماتيكية، ينتقل بعدها السرد إلى تفاصيل أكثر واقعية  يمكن أن تمر بها أي عائلة عراقية في مثل هكذا ظرف صعب وحزين، ثم يكسر الروائي هذه الرتابة، بحادث مأساوي آخر، وهو موت الأم حزنا على فقدها لطفلها .. يقف النص عند هذه العتبة،  ثم ينطلق من زاوية جديدة، تمثل محور النص وفلسفته، حين ينتقل عبأ ماجرى إلى جارهم (جواد) الرجل الذي شارف على التقاعد من وظيفته، وحمل شخصية، ساكنة، مرتبطة بثوابت المكان، مسالمة، متدينة، مستسلمة لاقدارها، حاول الروائي أسطرتها وكسر هذا القالب الروتيني لها برؤى خيالية، ومنحها كل هذا الاهتمام والمسؤولية.

الطفل مليك الذي توفي في أحضان أمه، يتحول إلى كائن خيالي يشبه الملاك، ويصبح زائرا مواظبا يؤنس ليالي جواد التي تسودها الظلمة والترقب، لغد قد يكون أفضل من سابقه.. فقد تحولت نهارات جواد إلى محطات انتظار مضنية تشوبها المتناقضات ( اليأس والأمل، الحزن والسعادة ) لليل سيتمكن فيه من رؤية مليك الطفل الذي أحبه وتعلق به في حياته.. تسيدت هذه النهارات على الوجه العام للنص وشكلت الجزء الأكبر منه، وعضدت هرميته بتفاصيل تكررت كيوميات عراقي يعيش محنة الفوضى والإرهاب ونقص الخدمات، حتى وصلت حد الإسهاب، واعتقد إن الهدف الذي كمن وراء هذا التكرار، هو لإعطاء صورة كاملة لحالة البطل النفسية والذهنية المأسورة لهذا الواقع، والتي قادته لهذه الرؤى والأحلام.. كما عبر عن ذلك هنري جيمس بقوله (إن مهمتي التي أحاول الاضطلاع بها هي أن أجعلكم ترون).

من الملاحظ إن البطل (جواد) حاول جاهدا على طول الامتداد الأفقي والامتداد العمودي للنص، إثبات مصداقية مايحلم به للآخرين، من خلال حوارات ماراثونية تبريرية مع زوجته أم رباب، وتستمر هذه الحوارات لتنتهي بعملية (سرد ممسرح ظاهري) قام به أمام مجموعة من أقاربه في مدينة العمارة، لعب فيه دور الحكواتي، عبر تقنيات (الاستذكار والاسترجاع والتلخيص) كان الهدف منها لملمة شتات نصه وبيان دلالته، وإقناع الحضور بجدية وحقيقة رؤاه .. لكن مثل هكذا نصوص سردية يختلط فيها الواقع بالخيال ويتداخلان بطريقة تفاعلية، لاتحتاج كل هذا الكم الكبير من التفسير والتبرير ومحاولة ايجاد مخارج منطقية لاحداثها من قبل الروائي، بل كان الأجدر ترك النص حرا يعبر عن نفسه كيفما يشاء، دون ممارسة كل هذه السطوة عليه من قبل الكاتب، فالجيش الذي شكله الطفل مليك مع مجموعة من الأطفال القتلى ضحايا الإرهاب، لمقاتلة الإرهابيين والثأر منهم، كانت نتائجه الملموسة تبدو واضحة للعيان على ارض الواقع، لكن بتجليات وسببيات أخرى، لم يكن يدركها سوى جواد نفسه، وهي بالمنطق غير قابلة الحدوث، لذلك كانت محاولة إثباتها عملية غير مجدية .. لذا فأن الرؤية الأدبية التي يعدها الناقد تودروف ( بأنها أهم شيء في العمل الأدبي)، نجدها هنا قد توحدت في هذا النص بين البطل جواد والكاتب إبراهيم حسين، وهذا جعل من الأحداث تُفسر بوجهة نظر واحدة وأفق ثابت، حتى تداخل السارد الخارجي العليم الذي يعرف كل شيء عن الأحداث، وماجرى وما سيجري، مع السارد الداخلي الذي يعرف جزء من الحقيقة.

في رواية رماح الملائكة، استخدم الكاتب نوعين من  التكنيكات السردية، الغرض منهما تعضيد نصه وهما:

1- صناعة (القرين) أو مايعبر عنه سينمائيا بالبطل الظل، الذي يتشارك مع البطل في جزء مهم من أفكاره ورؤاه وهمومه، أو يشابهه في ظروف حياته وأقداره، فقد كان (سوار) حفيد البطل (جواد) قرينا استعان به الروائي ليثبت صحة مايراه بطله الرئيسي (جواد) ويدركه، فكان سوار يرى بعضاً من رؤى جده، ويعيش شيء من معاناته، وهو يرى مليك وأصدقائه الموتى. 

  2-  القصص جانبية التي تشير إلى نفس المعنى العام للنص الرئيسي، وهي دلالات توضيحية للجو  الذي يحيط بالبطل، مثل (قصة الطفلة دنيا التي قتلها الإرهاب، قصة الطفل سهيل الذي كان ضحية للإرهاب، قصة سالم ابن جواد ومقتله في حرب الخليج الثانية) حيث هيمنت القصة الأخيرة على الوعي القائم للبطل، وكانت سبباً رئيسياً في تولد الأحلام والرؤى التي عاشها وتأثر بها.

كانت لغة النص بشطريها السرد والحوار، نخبوية بعض الشيء، انطلقت من بيئة ثقافية ثابتة، لم تراعي المستوى الثقافي والتعليمي للأبطال، وهذا مطب سردي يقع فيه اغلب الكتاب، حتى الكبار منهم.. لكنها في نفس الوقت كانت لغة سلسة مرنة غير متناقضة ولا متكلفة، قادرة على إيصال سيميائية الصورة والحدث بدقة وعفوية.. إضافة إلى أن الروائي اعتمد مقاربات واستعارات قرآنية، واستخدم فيها الأفعال الإخبارية الماضية، والتي تفيد التقرير، أي تجعل من أحداث الرواية يقينية واجبة الحدوث ..لذا يمكن أن نطلق على (رماح الملائكة) بالرواية الواعدة، التي تبشر بظهور روائي له القدرة على صناعة الحدث الروائي بطريقة غرائبية، وباستطالة سردية أفقية تغطي هذا الحدث وتغنيه.

 

احمد عواد الخزاعي

 

احمد شحيمطإبراهيم الكوني الروائي الليبي في سردياته انهمام بالصحراء وعشق للطبيعة والذات . الصحراء البكر برمالها وسكونها وليلها الذي يرخي سدوله للإنصات للوجود . في قلب الصحراء كائنات. الإنسان والحيوان والنبات . في أجوائها يهتدي الإنسان للراحة وسكينة العيش . الفضاء الذي تسكنه الألفة والمحبة . يزيد الإنسان إحساسا ببساطة العيش وتنفس الحرية . الصحراء فردوس مفقود والواقع حسب الكوني أن العرب تنصلوا لرسالة الصحراء . ففي سرديات الكوني الصحراء روح وتجربة حية لإنسان لا يبرح المكان ويعود إليها من جديد عند الالتقاء بالمياه. هذا المكان المسكون بالعشق وعدم الفرار من الحياة في الصحراء دليل على تكيف الإنسان في قلبها . ليس المكان مرادفا لشظف العيش والقهر والرياح الهوجاء بل في المكان سحر لا يتمثله إلا من شربت نفسه عذوبة الصحراء وترسخت في أعماق اللاوعي نبضات المكان المفعم بالحياة والعطاء.

في تأملات الكوني الصحراء فضاء للرحيل والانتقال والعبور من مكان إلى آخر . انتقال لا يعني السكون والاستقرار بل انتقال بالأجساد والنفوس في أمكنة من الصحراء للبحث عن هناء الضمير والعيش الرغيد بحثا عن دواء يروي ظمأ الإنسان وكائنات الصحراء. انتقالا تغذيه نواميس وأعراف وتقاليد الإنسان في عدم الاستكانة والمكوث في مكان زمن أطول. حالة الرحل على مرة الزمن في الترحال والتجوال . القبض على الزمن في حياة سكان الصحراء والالتفاف على المكان ووصف العيش في قلبها من مهام الروائي في تبليغ رسالة فحواها أن الزمن هنا لا يقاس بالساعات واللحظات والمكان ليس الفضاء أو الحيز بل في وحدة الزمان والمكان إيقاع للحياة السريعة والممتعة . فالبحث عن المكان الذي منه انطلقت الرسالة الإسلامية للعالم في العبور نحو السهول والجبال والأودية . رؤية الكوني للعالم والحياة إنسانية وفلسفية .وبالأدب يرتفع الكوني نحو تأملات عميقة في الوجود والموجود . ويسخر القلم للكتابة للتعبير عن تنصل العرب لرسالتهم التي انطلقت من الصحراء وتنصل السياسة للهوية المنبثقة من التراب والأرض . الصحراء غدير ينبض عطاء وسخاء. ألفة ومحبة في سبيل ذلك يعود الكوني ليعيد استنبات الأصيل في ثقافتنا من البيئة برؤية أدبية ممزوجة بالفلسفة وذاكرة حية مليئة بأحداث من المكان . ويستعيد الزمان ليروي الحكاية من عبق التراث الفكري والعلاقات الإنسانية في الصحراء .

من قال أن ميزة القبيلة في الصحراء الصراع والتناحر . لكن الكوني يفند الرؤى السلبية من قلب الصحراء ومجتمع الطوارق عندما يحكي عن الجزء المنسي من الحكاية . الجميل في سرديات الكوني أن الرواية حكاية تحكى معه من البادية وخصال البدو الرحل وليس من المدينة .وليست كملحمة بورجوازية بتعبير جورج لوكاش . الرواية هنا عكسية من الصحراء تحكي وتعبر عن حياة غنية بكنوزها وأساطيرها وقيمها . الصحراء التي يتغنى فيها الكوني هي الفضاء الذي عرف ميلاد حضارات ودول وكيانات ومنها كان العبور إلى بلدان أخرى . حضارة الطوارق التي أنصفها ابن خلدون في كتاب " المقدمة " وقال أنها امة عظيمة . أقيمت فيها دول وكيانات . فالكوني لا ينفي الجذور وهو يقيم في سويسرا الباردة ويعبر بقلمه واليات الكتابة السردية المقتبسة من القراءة المتشعبة للسرديات الغربية والعالمية كذلك .

النهضة المفقودة يعيد إنتاجها الإنسان . والحرية لا بديل عنها فهي جوهر الإنسان الذي سكن الصحراء . والرحيل استجابة لنداء وجودي . نداء الحقيقة على طريقة مارتن هايدغر . نداء لانكشاف الحقيقة والإنصات للوجود بدل الموجود . الكوني بصراحة ليس روائيا أو شاعرا فقط بل فيلسوفا يحسن الإنصات للوجود ويعتبر أن الصحراء مكان ضائع يؤسس للوجود والموجود . الحرية جوهر ونداء يبحث عنها الإنسان في ذاته وفي الرحيل والالتقاء والعبور من هنا إلى هناك .يرحل الكوني من الفضاء الأصلي إلى روسيا ومنها إلى سويسرا ويعود للصحراء من جديد ويعيد السفر إلى أمكنة متعددة .يعثر على ذاته العزلة والعودة من جديد . وفي قوة سرديات الكوني حضور قوي للرموز الدينية والأساطير والتاريخ والتراث . شعرية المكان وسيميائيته يضفي لمسة دلالية على الفضاء الذي ولد فيه الكوني وشب في أحضان الجماعة وقيمها .وبين الفينة والأخرى يعود إليه من جديد من سفر طويل في الغرب .

ناموس الصحراء تلك القيم النابعة من عمقها . ولما ينقسم الناس في الصحراء بين الاستقرار والعبور بفعل دخول القيم البديلة .والصفائح الإسمنتية والبيوت العالية . حيث اقتلعت رمال الصحراء بفعل الجرافات والآلات الباحثة عن خيرات الأرض في سوائلها . الغاز والنفط مصادر في تدمير العيش وفق ناموس الصحراء . نداء ما كان بعيدا عن أهل الصحراء وبطولاتهم في الدفاع عن منطق الصحراء إلى حدود المياه . شدة الناس ولينهم مأخوذة من محبة الخير وكراهية الظلم . والنساء تسري عليهن الحرية وعشقهن للشعر والشعراء مبدأ قويم في الأنوثة . ولو خيرت المرأة بين البطل والشاعر وأصحاب المال لاختارت الشاعر بلا تردد . فالصحراء خلاء مشغول بالفراغ . في الصحراء لا يتقيد الإنسان بالزمان . السير والسهر واللقاء في الليل واحتساء الشاي والقول المتين في مرامي اليومي وتأملات في السماء . في الصحراء أكثر الكنوز هي الحرية وفرار الإنسان من عبادة للإنسان. لذلك قال إبراهيم الكوني في كتاب " نزيف الروح "  قولة مأثورة " في الصحراء لا يوجد شيء .

في الصحراء يوجد كل شيء "السكون . والعرف والتقاليد . والألفة . وحيوان الودان . ونداء الحقيقة في سكون الصحراء. في المكان الضائع يخلق الكوني حوار بين الغريب في قواعد الصحراء يرسل الأبله لاستطلاع الحقيقة وعند العجز ترسل الحسان ويسميهم الكوني بأسمائهن : تفران . تمريت . تامنوكالت. تاهلا . تامولي . تديكت . زهور الرتم . فالغرباء بطبعهم متكتمون في طبائعهم وخفايا نواياهم . غامضون وعابرون للمكان . الغريب لا يملك القدرة في إخفاء ذاته أمام دهاء النساء وينتهي الكوني من كل حكاية لإبراز ناموس الصحراء دون قيود القوانين الوضعية أو السير على خطى المدنية المعاصرة. لا يصنع المكان كفضاء متخيل للسرد على مقياس السرديات المعاصرة بل المكان حقيقي يضفي عليه الروائي لمسة جديدة من الكلمات والشخصيات المتخيلة . والأحداث التي تنفلت من الوصف والسرد . فالكوني يميل الى استعمال ترسانة من الكلمات المفعمة بلغة شعرية فياضة للوصف ورؤية مثالية وإنسانية في القبض على المكان الضائع من الرواية .

حديث الكوني عن الروح والنزيف ومظاهر العيش والتنقل والفرار والكائنات الموجودة في الطبيعة هو بالفعل كلام في التناغم والسكون . الطوارق يعشقون الصحراء عشقا صوفيا لان الصحراء رمز للبساطة والسعادة . ونداء الحقيقة في عمقها يوجد الإنسان بعيدا عن التيه والاغتراب . يسكنها ولا يبرح مكانها إلا للانتقال والسفر في دروب الأمكنة والأزمنة والعودة إليها من جديد. هنا يوظف الكوني الرموز والأساطير والقيم الدينية المختلفة للتعبير عن شجون الإنسان واغترابه في عالم الماديات والمظاهر .ويبحث عن إمكانية القبض على تلك الوحدة بين الزمان والمكان في الصحراء . في مجتمع الصحراء الحرية جوهر الكائن . الصحراء هي الانتماء والأصل والانبعاث والاستمرارية في مقابل مجتمع التبر . هكذا يعبر إبراهيم الكوني في تأملاته عن الوجود والموجود في فضاء الصحراء .المكان الضائع في ترسيخ قيم الحرية والمحبة وانتشال الإنسان من التيه والاغتراب بفعل التحول من القيم الأصيلة للقيم المادية . ومن المجتمع البسيط إلى المدن الإسمنتية . والأكيد حسب الكوني أن ما يعانيه العرب اليوم من أزمات سببها بالأساس تخليهم عن قيم الصحراء . ومن يقرأ في روايات عبد الرحمان منيف عن خماسية مدن الملح في كل أجزائها يدرك نتائج التيه عن بوصلة القيم واختيار التبر وحياة الرخاء على السكون والألفة  . وعندما كان يسأل عبد الرحمان منيف عن ذلك في المبالغة من المخاطر المحدقة بالعالم العربي يكون جوابه في غالب الأحيان أن الانتقال من البداوة إلى الحضارة كان يمكن أن توازيه صحوة في الوعي وبناء الحضارة وفق معطيات القيم المحلية . والتأثر بالحضارة الغربية ينبغي أن يكون متوازنا .

يعتبر إبراهيم الكوني روائي كبير يكتب بلغة الضاد ويعبر من المكان البعيد – سويسرا- عن ذكريات وتجارب الإنسان في الصحراء في قوة المشاهد والحكايات المروية من عبق التاريخ الفردي والجماعي  يصنع عالمه الخاص في اختيار شخصيات من المكان وينزوي بالذاكرة في العودة للذات وللمعيش . فالمكان الذي يسكنه الشخص مرآة للطبائع والسمات النفسية والثقافية وحياة الشخصية الفردية والجماعية تعكسها بصورة دقيقة المكان . وما يميز إبراهيم الكوني الإنسان كلامه القليل في السياسة واستلهامه المعرفة من مصادر متنوعة من القران الكريم وسفر التكوين والعهد القديم ومن الأساطير . وفي نداء الحقيقة يكشف الكوني عن طبائع أهل الصحراء ومنها الرفض المطلق للعبودية والاستعباد . ومن يتأمل في مرامي سرديات الكوني يخرج بانطباعات أن الكوني نتاج للسفر والترحال بين الأمكنة والأزمنة .وان كان قوله يأتي من بعيد فان الرجل سكن الصحراء وسكنته رمالها وليالي انسها وجمال طبيعتها . وفي سردياته انهمام بالذات والوجود بحثا عن ما هو أصيل في قيمنا على شاكلة ما يرمي إليه الفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر . وأخيرا يمكن القول أن الكوني في أعماله الروائية واستناده في وصف الصحراء وقانونها الداخلي وطبائع البشر فيها يعتبر بالفعل فيلسوف الكينونة بامتياز .

      

بقلم احمد شحيمط - كاتب من المغرب

 

احمد الشيخاويفي ديوانه" طقوس المكان" للجزائري بادر سيف، المعروف بغزارة نتاجه الشعري، يذهب بنا إلى عوالم، أقل ما يقال عنها أنها تجديف في بحبوحة الوهم المدغدغ اللذيذ.

معجم سيف في مجمله من المعيشي واليومي الطافح بمعاناة الكائن، ومكابداته، بدء بأولى قصائده المفجّرة لأوبئة مجتمعية عديدة، وتجوالا في محطات الكينونة الهامسة، الملغومة على امتداد رفع الصوت الشعري، وتسريع إيقاعاته، عبر تلوين المنجز بقصائد انقلابية، تمتح من عنكبوتية تداخلات الهواجس والانشغالات، مابين الذاتي والمشترك الإنساني والكوني.

بحيث تكتسي تجربة سيف رائد الشعرية، طابع الفرادة والاستثناء، من طاقة الذات المبدعة القادرة على التوغل في الجرح الإنساني، ملامسة صميمه.

من خارطة بوح ينساب ويتدفق بعفوية، دونما كلفة، أو إسفاف، ليغازل المتلقي بجدّة المعنى وثراء المشهدية والصور، وعمق الرؤى وتنويعات الايقاع.

استهلالا بنص" بوح لزند المعنى" والمتلقي يتوهّم معه، موقع سقوط الطلقة، بوص الكلمة رصاصة، من نوع وعيار خاص، ألم يقل بحقها أحد الشعراء القدامى العرب فيما معناه أن النار بالفم توقد وبه تُطفأ أيضا.

كناية عن المعنى في وظيفتيه القاتلة والباعثة المحيية، على حدّ سواء..؟

[على خيط دخان

نعم أعرض في الشارع جلد أفعى

أجنحة المشانق

أعبر النهر حافيا باكيا، لا بد أن أعبر النهر

إلى ضفة الأبجدية

حيث السنابل ووسائد العشق

ملاءات الغنج ونسك الشعوب

وراء التخوم](1).

وإذن...ما الوراء المتخيل ههنا؟والمتاحة معه فرص اقتناص حظوظ ومعاني الحياة الموازية، هنا/هناك، بعيدا/ ٌريبا/ حاضرا/غائبا، في الضفة الأخرى.

تلكم جريرة إدمان الكتابة، وحدها كفيلة بمنح العبور الإنساني مخملية وغنجا من طراز خاص، تجاوزا لراهن الأوبئة الموغلة في إدماء إنسانية وروح الكائن.

[لا تكن قيدا للرغبة

لتكن سمائها الحزينة، تحبل قرب سرة الدروب

كن منحدر الفضائل

رقصة السكر

واحرس طريق الليل

من وشوشات التحري

كن كما كانت الريح

عازفة لحن السلام، وهي مشنّفة بشناعة الضياء

واجعل من رقصة البحر

ملمسا لطوب النكاح

كي تهدهد غصن الوسن] (2).

في هذا الاحتمال، مثلما هو مستلهم من عتبته، نفطن إلى أن استعمالات سيف للمفردات المجلجلة والنافرة نوعا ما، ضئيل جدا، ولا يتمّ إلاّ عند الضرورة القصوى، مثلما هو وارد في سطر" ملمسا لطوب النكاح"، كونه استعمالا محظورا، أقول محظورا تبعا لقاعدة رمزية ضمنية، قد لا تستشعرها سوى الأذن الموسيقية للمتلقي، والحدوس النقدية المتقدة، فقد زان مثل هذا التوظيف الذكي للمفردة" نكاح" طوب النكاح، بعدا طوباويا غامزا بمعاني الاحتمالات المثقلة بها عتبة النص، بالنهاية.

[ألفع ثوب الحبر العابر للظن

أعصر الرّفض

تأتي الشمس ضيفة طيعة

يبكي نهاري المطوق المنعزل

ما هذا الهجر؟ اليأس اليأس

مدن تنام في قعر الجبّ

البجع مكانس لمدائن اليباس

وفعل الشواطئ عود إلى تاريخ الحضرة

الآدمية ](3).

فنصوص تتوالي وتطّرد، ممعنة في بهرجة مثل هذه الفسيفساء الكلامية، وفتحها على حيوات موازية، أظلّ أسمو، صوت المدينة، العاشق، الرائي، المتّهم، إقامة، بطاقة عبور، تعاليم من جهد الزنابق، تهويمة، أمواج، رايات، موسيقى لضفاف الشمس، فمطوّلة وسن تحت ظل الصهيل.

[في المدن المنسية، لا التاريخية

بابل، بغداد، سرمن رأى، أقصد خربشات الأغاني

زمن الوصل

عيون العذاب

هذا الجنون الذي يلطّخ السحاب

بأماني تضحك جدران الأسى

يرسم برعما على هيأة الوردة، يلسعه

يأمره:تحرك، دب، كن

ما لا يقدر عليه ولا يجب

يمر طير فوق النوافذ المهشمة

يلهو بغبار النساء وزبد الراحة](4).

حيازات للمعنى في النصف الآخر من الذات، أو الضفة الآدمية الثانية، حيث الحياة موازية، مترعة باستدعاءات الموروث الملحمي والديني والإنساني، ومترفة بوصايا الاحتفاء بمكامن النبل والجمال والنضارة والعنفوان في إنسانية الكائن.

صرخة على مقاس التحريض على العود إلى الحضرة الآدمية، مثلما مرّر في أكثر من مناسبة، إمّا بشكل مباشر، أو إيحائي، هذا الشاعر المتّهم، وهو يستثمر في مفردات إثراء لغة الحذف، منبّها إلى قوة وجبروت الصوت داخل دوائر ودهاليز ما لم تغتصبه الألسن بعد، ليظل متروكا للبياض، في عذريته وإلهامه، كونه الأفصح في التعبير إلى حاجة غائرة في النفس البشرية الملدوغة بوجع كوني متوحّش، تفيد حجم غبننا إلى حياة نقية قليلة الانتهاكات، تعبر بنا إلى أفق المكسب الروحي، ضمن ثقافة إنسانية جامعة.

وهل هذه الطقوس، طقوس المكان الديوان ههنا في حالة الشاعر الجزائري الجميل سيف رائد، وبمعنى من المعاني، إلاّ محطات تحدّ وانتفاض وفرض للذات، محطات ثلاث تصبغ العمر الآدمي، مثلما هو ملغوم بها بالتمام، وأقرّته شعرية الديوان: الولادة، الدينامية، الكينونة..؟

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

....................

هامش:

(1) نص بوح لزند المعنى

(2) نص ربما.

(3) نص الرائي.

(4) نص طقوس المكان.

 

جودت هوشيارعاش الكاتب المصري صنع الله إبراهيم بضع سنوات في موسكو في مطلع عقد السبعينات طالبا في معهد سينمائي بمنحة سوفيتية لأحد الأحزاب العربية اليسارية . وقد أصدر في عام 2012 أي بعد حوالي أربعين عاما من إقامته في موسكو، وأكثر من عشرين عاما على تفكك الإتحاد السوفيتي   رواية بعنوان " الجليد "، وهي على شكل يوميات موزعة على 126 مقطعا، بعضها أقل من نصف صفحة، وبعضها الآخر صفحة واحدة أو أكثر قليلا، بطل الرواية شكري طالب دكتوراه مصري في معهد (التأريخ المعاصر) ويقيم في المنزل الطلابي (الأبشجيتى)، ولا يحسن من اللغة الروسية سوى بعض الكلمات والعبارات الدارجة. ويعيش في دائرة مغلقة ضيقة هي غرف المنزل الطلابي، ومرافقه الخدمية، أو الشوارع القريبة من المنزل . يومياته متماثلة، فهو يفعل اليوم ما فعله بالأمس من دون أي تغيير يذكر .

الراوي رجل في الثالثة والخمسين مصاب بالتهاب البروستاتا، ولكن هذا لا يمنعه من اقامة علاقات حميمة عابرة مع عدد كبير من الطالبات من المنزل الطلابي الذي كان يسكن فيه، وأحياناً حتى مع نساء اخريات تعرّف عليهن في المقاهي والمطاعم .

الرواية مكتوبة بضمير المتكلم (أنا) . والراوي في الرواية الحديثة هو في العادة غير المؤلف، ولكن شكري يشير في احدى يومياته الى انه صاحب رواية " امريكانلي " وهذه احدى روايات صنع الله نفسه . ونفهم من ذلك ان " "الجليد" هي يوميات المؤلف / الراوي صنع الله.  الراوي لا يهتم الا بالجنس، ولا نرى في يومياته أي تجليات للروح والعاطفة والشعور، وكل شيء يجري على نحو آلي، ليس ثمة لهفة لقاء أو خفقان قلب . العلاقة التي تبدأ في كل مرة بالتعارف، ثم شرب الفودكا او الكونياك، تنتهي غالبا في الفراش . يوميات لا تتغير فيها شيء سوى اسم الطريدة (مادلين، زويا، اميليا الإيطالية، فاليا،، تاليا، فيرا اليهودية، أولجا، ناتاشا، لامارا، ليديا، ايزادورا، لاريسا، هيلين اليونانية، سفتلانا التشيكية، أنار الكازاخية، دينا الأوزبيكية التي يسميها دينكا، تمارا، لينا، يوديت المجرية وغيرهن) .

" الجليد " رواية آيروسية، ولغتها بورنوغرافية خادشة للحياء، وبوسعنا أن نقف عند مقطعين –بعد حذف الجمل الفاحشة منهما – لنتعرّف على هذا الأسلوب التسجيلي المكشوف:

" وفى الخامسة وفدت مادلين . كانت برازيلية فى منتصف العشرينيات، دقيقة الحجم، سوداء الشعر، أسنانها العلوية بارزة بعض الشىء. وكنت قد تعرفت بها هى وماريو أثناء دراسة اللغة. احتضنتها وأحضرت أبريق الشاى من المطبخ. أرتنى فى انفعال أسطوانة روبرتو كارلوس البرازيلى الذى يغنى بالبرتغالية وأهدتى عطرا رجاليا رشاشا. وضعنا الأسطوانة فوق «البيك أب» الصغير وأغلقت الباب بالمفتاح. خلعت بنطلونى... " .

" كانت زويا تجلس بجوار هانز فوق فراشه واستلقت تاليا بعرض الفراش المقابل مسندة رأسها إلى الحائط. وجلست أنا على المقعد الوحيد بجوار المائدة. اقترحت زويا إطفاء النور وأشعلنا شمعة. جذبها هانز ليرقصا فاستسلمت لأحضانه. لم أتحرك من مكانى. كان بصرى معلقا بوجهها وساقيها العاريتين "

تزييف واقع الحياة في المنازل الطلابية وفي موسكو عموماً،على هذا النحو، يذكرني بما كتبه ليف تولستوي في مقدمته الرائعة  لأعمال موباسان الروائية والقصصية  : " إن الكاتب الذي يصف الشعب على النحو الذي فعل موباسان، والذي لا يصف بتعاطف الا " الأفخاذ والنهود " والخادمات البريتونيات فقط، يقع في خطأ فني كبير، لأنه يصف الموضوع من جانب واحد فحسب، هو الجانب الممل، الجانب الحسي، ويهمل تماماً الجانب الأكثر أهمية – الجانب الروحي الذي يشكل جوهر الموضوع. "

ويقول ايضاً : " ان الشعب الفرنسي لا يمكن أن يكون على هذه الصورة التي يصفونها . واذا كانت ثمة فرنسا التي نعرفها بأبنائها العباقرة الحقيقيين، وبتلك الأنجازات التي حققها هؤلاء العظماء في العلم والفن والحضارة والتكامل الأخلاقي للأنسانية، فأن الشعب العامل - الذي حمل ولا يزال يحمل على أكتافه فرنسا التي تعرفها بأناسها العظماء  - يتألف ليس من البهائم  بل من أناس يتحلون بصفات روحية عظيمة " .

وبطبيعة الحال لا يمكن مقارنة نتاجات صنع الله المتواضعة بنتاجات كاتب عظيم مثل موباسان . ومع ذلك أقول أن الواقع الروسي لم يكن على النحو الذي يصفه صنع الله بنظرته الشرقية الذكورية.

لقد اتيح لي أن أعيش لسنوات عديدة في المنزل الطلابي التابع للجامعة التي كنت طالباً فيها، ولفترات اطول من اقامة صنع الله في أحد المنازل المماثلة العائدة للمعهد الذي كان يدرس فيه.

كل المنازل الطلابية اكانت تخضع لضوابط صارمة : الطالبات في الطوابق العليا والطلاب في الطوابق السفلى . وكان يمنع على الطلاب المبيت في الطوابق العليا، ولا يسمح لأحد بدخول المنزل، الا بعد التحقق من شخصيته، وترك هويته او جواز سفره لدى المناوبة أو كما يسميها الراوي (صنع الله)  حارسة الباب. وكان باب المنزل يغلق في الساعة الحادية عشرة مساءً . واذا تأخر أي زائر أو زائرة عن موعد الإغلاق تأتي المناوبة وتطلب خروجه او خروجها من الدار على الفور .

رب قائل، ان الواقع شيء والرواية شيء آخر، وهذا صحيح . ولكن الرواية الفنية الحقيقية تتسم دائما بالصدق الفني، وتبدو منطقيا ومقنعا. وثمة خطر جسيم يلازم نسج الأكاذيب، فقد لا يصدقك الناس .

غياب البنية الفنية

لا تتوافر في رواية (الجليد) مقومات العمل الفني، فالرواية ترقى وتسمو بقدر ما تمثل من الحياة الداخلية لا الخارجية، يوميات شكري تسجيل مباشر لأحداث وأفعال يومية عادية لمراهق خمسيني من دون أي محاولة لتحويلها الى عمل فني، فلا حبكة ولا نمو في شخصية البطل، أو في الشخصيات الثانوية، ولا سبر لأعماق عوالمها الداخلية وعواطفها وهمومها، ولا افكار جديرة بالتأمل . رواية (الجليد) تعتمد على السرد التسجيلي المباشر من دون الحوار، الذي يعد من أهم تقنيات الفن الروائي . وبوسعك أن تبدأ بقراءة اليوميات من أي نقطة، أو صفحة تختارها، حيث لا يوجد فيها أي تسلسل للأحداث، ولا ذروة تحتدم عندها المواقف . يوميات لا تتبدل فيها سوى أسماء الطالبات والنساء، اللواتي لا يرى الراوي  فيهن سوى دمى لإشباع نزواته .

كتب صنع الله عن موضوع لا يعرفه، وحاول إيهامنا أنه اطلع على الأدب الروسي، ولكن كل ما عرفه الراوي عن الأدب الروسي كان عن طريق أصدقائه وصديقاته دون أن يكون قد قرأ شيئا من هذا الأدب باللغة الروسية، لأنه ببساطة لا يعرف هذه اللغة بما يكفي لقراءة وفهم الأعمال الأدبية . ومعظم المعلومات التي يوردها خاطئة وسنكتفي بمثالين فقط

يقول الراوي :" فتحنا زجاجات الشمبانيا والفودكا وتبادلنا الأنخاب. عرضت علينا (إيرما) ألبوم صورها وديوان شعر إسحق بابل الذى تعرض للتعذيب فى لوبيانكا، مبنى المخابرات السوفيتية سنة 1939

ولكن اسحاق بابل لم يكن شاعراً قط، ولم ينشر له سواء خلال حياته او بعد اعدامه اي ديوان شعر، ولا حتى قصيدة واحدة، بل كان كاتباً قصصياً شهيراً.

ويقول الراوي :" فلاديمير فيسوتسكى، وهو نجم سينما شاب وممثل مسرحى حقق شعبية واسعة بين الشباب . قالت زويا إن بعض أغانيه تتناول موضوع معسكرات العمل فى سيبيريا، حيث قضى بعض الوقت قبل عام 1955"

فيسوتسكي المولود عام 1938 لم يعتقل، ولم يقض في أي معسكر للعمل ولو يوما واحدا، خلال حياته، وقبل عام 1955 كان صبيا لا علاقة له بالسياسة .

العيش خارج الزمن

عاش الراوي في موسكو في وقت كانت فيه موجة الشعر الروسي الجديد طاغية على الحياة الثقافية السوفيتية، والجيل الجديد المتطلع الى التغيير والتجديد يقرأ بنهم لرواد هذه الموجة (يفغيني يفتوشينكو، أندريه فوزنيسينسكي، بيلا أحمدولينا وغيرهم) . ولم يكن يمر اسبوع دون أن يلتقي شاعر أو كاتب ذائع الشهرة بالجمهور الظاميء الى الكلمة الحرة الجديدة . ومن عاش في موسكو في عقد السبعينات، ولو لعدة أشهر، يعرف انها كانت في هذه الفترة زاخرة بالأنشطة الثقافية، حيث تقدم على مسارحها الفنية الراقية عروض مسرحية رفيعة المستوى، وتقام على قاعات الفنون التشكيلية فيها، معارض لرواد الإتجاهات الفنية ولفنانين شباب تجريبيين، كما أن موسكو غنية بمعالمها الحضارية ورموزها الثقافية . لا أثر لكل هذا في يوميات طالب دكتوراه في التأريخ . فقد توارت اهتمامات الراوي الثقافية والعلمية، ولا توجد أي إشارة حتى الى ما كان يدور في أروقة المعهد، ولا أي إهتمام بالتأريخ، بل إننا لا نعرف حتى عنوان رسالته العلمية، ولم يعد يبحث في عاصمة هائلة ومعقدة مثل موسكو، سوى ما يشبع هوسه الجنسي، حيث حوّل هذه المدينة العظيمة الجميلة الى " ماخور"، فهو لا يري في زميلاته الطالبات أو في صفوف النساء في المدينة سوى مومسات رخيصات .

الحب والجنس في موسكو

لم تكن ثمة في موسكو في الحقبة السوفيتية ما يسمى بحياة الليل، فقد كانت كل المطاعم والمقاهي والبارات تطفيء أنوارها وتغلق أبوابها في الحادية عشرة مساءً . يفال ان سائحا غربيا استوقف رجلا من موسكو وسأله : أين أقرب كابريه ؟ فأجابه الرجل : في هلسنكي . وقد زار الكاتب والناقد الراحل د.لويس عوض روسيا في عام 1971 أي في السنة ذاتها التي التحق فيها الراوي بمعهد التأريخ في موسكو. يقول عوض في كتابه " رحلة الشرق والغرب: " أربعة عشر يوما قضيتها في روسيا بين موسكو ولينينغراد وبعض الريف . لم أر فيها متعطلا او شحاذا او رجلا او امرأة في أسمال أو بغيّا تنساب بيت مصابيح الشوارع . ولا شك أن هناك نماذج من من هؤلاء  وأولئك، ولكنها نادرة لا تراها الا العين المترصدة، ولم أر مخمورا رغم شهرة الروس في قريعة الفودكا " .

بالطبع كان هناك جنس في روسيا كأي بلد آخر في العالم . ولكن الغالب على العلاقات العاطفية بين الجنسين كان الحب الحقيقي المتبادل . كان النظام السوفيتي متزمتاً جداً، لا مشاهد قبلات في الأفلام أو في العروض المسرحية، ولا أي وصف صريح للعلاقات الحميمة بين الجنسين في الروايات . وكان ثمة حذر من الأجانب زرعه النظام في النفوس . ولم يكن من السهل ان يقيم الطالب الأجنبي علاقة حميمة مع طالبة سوفيتية رزينة، الا بعد لقاءات عديدة حيث يتعرف كل منهما على الآخر جيدا،وينشأ بينهما علاقة حب، لذا فإن إيفانوفا قالت عين الحقيقة .

غالبية النساء السوفيتيات كن محتشمات في ملابسن وسلوكهن، وهذا لا يعني عدم وجود البغاء أو النساء المنحرفات، ولكن الدولة كانت تحارب مثل هذه الظواهر بشدة وقسوة.

المرأة السوفيتية بالأمس والروسية اليوم تتمتع بكامل حقوقها اسوة بالرجل .ولكن النظرة الشبقية المتخلفة الى المرأة كوعاء ولعبة للرجل لا تقتصر على المتزمتين في بلادنا، بل تشمل – ويا للمفارقة – بعض الكتّاب الرائجين .

 

جودت هوشيار

 

ضياء نافعصدرت هذه الرواية عام 2016 في القاهرة بترجمة عن الروسية مباشرة، والتي قام بها الاستاذ الدكتور محمد نصر الدين الجبالي – رئيس قسم اللغة الروسية في كلية الالسن بجامعة عين شمس المصرية الشهيرة . تقع الرواية في (261) صفحة من القطع الكبير، وهي من تأليف الكاتبة الروسية المعاصرة يلينا تشيجوفا (ولدت عام 1957 في مدينة بطرسبورغ)، والرواية هذه هي اول عمل ابداعي لها ينشر بالعربية، وقد صدرت الرواية عن الهيئة المصرية للكتاب ضمن (سلسلة الجوائز)، وهي سلسلة تعنى بترجمة الاعمال الادبية الحاصلة على جوائز من محتلف اللغات . لقد بدأت بقراءة رواية (زمن النساء) صباحا، وانهيتها مساء، وبعد الانتهاء من القراءة خنقني الحزن، اذ ان هذه الرواية كانت تدور حول نفس ذلك الزمن، الذي كنت انا فيه ايضا في موسكو، وتذكرت طبعا كل الاحداث التي عشناها في فترة الستينات، عندما كنّا نقلّي البطاطا بعد عملية تقشيرها مثل هؤلاء النساء في تلك الرواية، من اجل ان نتناول العشاء (الفاخر اللذيذ !)، وكنّا نغسل ملابسنا بايدينا ونغليها بسطل خاص بعض الاحيان في المطبخ مثل ابطال تلك الرواية، وكنّا نقف بالطابور وقتا طويلا جدا لشراء اللوازم الضرورية مثل ابطال تلك الرواية، وكنّا نقرأ الشعارات المعلقة في كل مكان عن المستقبل الوضّاء الذي ينتظره ذاك الجيل، الذي سيعيش في ظل النظام الذي سيأتي قريبا، حيث سيأخذ كل مواطن فيه ما يريد حسب حاجته ورغبته، ويمنح المجتمع كل ما يستطيع حسب طاقته وقدرته الذاتية دون اي رقابة من الآخرين، اذ ستختفي حتى الدولة نفسها !!!.

وتذكرت ما كتبه الشاعر العراقي احمد الصافي النجفي عندما عاد الى مدينته الحبيبة بغداد وهو اعمى (بعد سنوات طويلة من الغربة عنها) وقال بيت الشعر الذي ذهب مثلا وهو – (يا عودة للدار ما أقساها ++ اسمع بغداد ولا أراها).

لقد عدت أنا ايضا (اثناء قراءة صفحات تلك الرواية) الى مرحلة شبابي قبل اكثر من خمسين عاما، عندما كنت طالبا في موسكو، وكنت (اسمع!) مثل احمد الصافي، موسكو، ولا اراها، ولكني رأيتها فعلا على صفحات رواية (زمن النساء)، عندما كانت النساء يقشرن البطاطا ويقلونها لتناول العشاء، وعندما كانت النساء يغسلن الملابس باليد، او يغلونها في سطل خاص في المطبخ، وعندما كنّ يقفن بالطابور عدة ساعات للحصول على الطعام، وكيف كنّ يخفتن اصواتهن عندما يتكلمن خوفا من الوشايات وكتابة التقارير، وعندما كنّ يستمعن الى نشرات الاخبار الموجهة في جهاز التلفزيون، الذي حصلن عليه بعد اللتي واللتيا وبالاقساط ...

الرواية تسير بهدوء، واحداثها بسيطة للغاية، فهي تدور حول حياة ومصير ثلاث من السيدات العجائز مع طفلة بكماء ولدت نتيجة علاقة خداع قام بها رجل مع بطلة الرواية انطونينا ولاذ بالفرار، وتموت الام بمرض السرطان وتترك ابنتها في رعاية تلك السيدات الثلاث، اذ انها لا تريد لها ان تذهب الى حضانات الدولة وهي بهذه العاهة وذاك التاريخ غير الشرعي المعيب. وتتمحور كل الرواية في الحياة اليومية لمجموعة النساء، وهي الحياة السوفيتية في الستينات، والتي لا يفهمها ولا يتصورها على حقيقتها الا الذين عاشوها فعلا، هذه الحياة المليئة بالصعوبات الانسانية، والتي ترسمها كاتبة الرواية – وبمهارة وموهبة - عبر تلك المعاناة اليومية الصغيرة . ولا يمكن لي ان اكتب خلاصة او مضمونا وجيزا لهذه الرواية سوى القول، ان القارئ الذي يريد ان يعرف كنه الحياة السوفيتية في النصف الثاني من القرن العشرين، عليه ان يقرأ هذه الرواية البسيطة والعميقة والرائعة بكل ما تعني هذه الكلمات .

ختاما، اريد ان احيي مترجم الرواية أ.د. محمد نصر الدين الجبالي على هذا العمل الترجمي الممتاز،اذ استطاع فيه ان يصل الى المستوى الذي يحلم ان يصل اليه كل مترجم حقيقي وأصيل، وهو ان يمنح للقارئ نصا عربيا سليما، بحيث لا يشعر القارئ بانه يقرأ نصا مترجما، ولولا بعض المفردات الروسية البحتة (والتي وضّحها المترجم بهوامش دقيقة)، فان القارئ – اكرر- لا يشعر بان هذا العمل الابداعي الجميل كان مكتوبا باللغة الروسية . اضافة الى ذلك، فاني اريد ان احييه ايضا على تلك المقدمة العلمية والموضوعية والشاملة حول الادب الروسي المعاصر وكل السمات التي يمتاز بها هذا الادب الجديد (وهي سمات وصفات جديدة كليّا بالنسبة للقارئ العربي المعاصر)، والتي كتبها الجبالي من الصفحة رقم (7) الى الصفحة رقم(15)، والتي يمكن تسميتها ببحث علمي واضح المعالم . واخيرا، اريد اشير الى اني وجدت بعض المقاطع في تلك الرواية وكأنها مقاطع من الشعر (وهي طبعا تأكيد رائع لموهبة المترجم)، واختتم هذا العرض بمقطع من تلك المقاطع التي تمتاز بهذه الروح الشاعرية –

(الذكرى الاولى من طفولتي – الجليد .. باب كبير وفرس نحيل أبيض، وأنا وجداتي نمضي متثاقلات خلف عربة أحصنة . الحصان ضخم، ولكن متسخ لسبب ما، وهناك ايضا جرافات طويلة تنخر في الثلج المتراكم، وثمة شئ ما داكن يتمدد في العربة . تقول جداتي انه نعش . أعرف هذه الكلمة، لكني أ تعجب من ذلك، لأن النعش في نظري يجب ان يكون شفافا ومصنوعا من الزجاج، حتى يمكن للجميع أن يروا امي وهي نائمة، ثم يرونها عندما تصحو بعد قليل . أعرف ذلك لكني لا أستطيع التعبير..)

 

أ. د. ضياء نافع

 

627 اوراق فارغةالإفصاح عن ما يجول بخجلات النفس من إرهاصات تتصاعد وتيرتها على مر الزمن بدخول المتلقي والمتتبع إلى معترك أخر غير الذي خرج منه بالأمس، هذا الإفصاح يختزل صوراً بضميرها الوجداني ويعرضها بشكل صور معانات تتنامى بهيئة الحلم الذي يفكر أو يكون محط التفكير للخروج من دوامة الأجواء المضطربة التي تتصاعد في هواجس الكاتب ليبلغ أجواء التمرد بإلحاح والمعاندة وفق شكل اللغة الناتجة عن تنامي خارطة كيانه بإنتقاله من الفرد الى الجمع ليعرض للآخرين ذاته المتأزمة وهكذا تتبلور لدى الكاتب لغة جديدة تولد مستعصية بعض الشيء ببساطتها الموغلة بالواقع والمباشرة متضمنه الكثير من الفعل الصوري المنطلق من موهبة قابلة للتطورالسريع .

رعد الكرعاوي: اسم يدخل دائرة الكتابة النثرية ببصمة واضحة ومستمرة بالأداء الدائم الذي يجمع بين التعبير والنص الذي تلهو به العواصف والبشر ويثار بينهما التساؤل اللامفضي، الكاتب رعد الكرعاوي أصدر كتابه الاول بعنوان أوراق فارغة نثر على فضاءات الفن الطبعة الاولى 2019 ضم اكثر من ثمانين نص راجعتها أكثر من مرة وقد كانت لي وقفه أوجزها في القراءة التالية :

مازالت هنالك تجربة وعشق مرير إذاً هناك أحزان رقيقة وناعمة ولكن ليست مريرة هناك إنعكاس جميل بالإفصاح عن المشاعر التي تستعرض هذه التجربة التي ستكون منهاجاً للعمل الجديد والخطوات الجديدة وسوف لن أدخر وسعاً وجهداً إلا وإستعرضت من خلاله الصور الفنية وعناصرها المفارقة والجهد الشعري والتوظيف والنص.

في ص 15: (فأنتِ انا وأنا بروحك الغاضبة فلك حكم لقمان وصورة يوسف ونغمة داوود وعفة مريم، ولي حزن يعقوب ووحشة يونس وآلام أيوب وحسرة آدم)

استخرج الكاتب عنصر جوهري في بنية النصوص الابداعية وتلقيها وكثف فاعلية اللغة وتماهيها .

في ص 18 وضمت نص (أكرهك لأنك تشبهينني أكرهك كثيراً) ثمة أسطر بمثابة قصة قصيرة جداً وهي (في غيابك تيممت برائحتك ورتلت فرائض عشقي حتى كسر احدنا الجرة، تلك التي كانت تحتوي مدخرات هائلة داخلها يعج بالسرية مطرزة بالجمال والحب والذكريات لا تمحى، ثم تصبح فيما بعد خزف حزين)

ثمة لغة سرد يشوبها العبث الذي ظل ملازماً لنصوص الكاتب وهي بمثابة عنصر من عناصر النص القصصي فهو يقول في (السهم المسموم) ص 19

(ما الذي أسقاك سهم العشق بكأس الحياة حتى سئمتِ الكتابة ؟ فأصبحت ترى حروفك كمدينة حل بها الحطام من الداخل لتملأها غضب وحزن وأمل ضائع وأمل وحنين) وجدانيات ومشاعر لها طعم الإستراحة عند التأويل لأغراض الحكمة لها دلالات تتكثف أحياناً أبعادها كل ذلك في النص الذي أخذ المنجز إسمه أوراق فارغة ص 22

(حتى المشاعر أحياناً تتغير حيث يحدث لك موقف صادم فإما أن تتقدم أو تجعلك تكتفي بنفسك)

إحتوى نص أوراق فارغة حرف الجر عن ثمانية عشر مرة قد تكرر ما يعكس أنها أوراق ليس فارغة كون التساؤل يأتي بعد حرف عن دائماً أنها أي النصوص حية ونشطة تتم عن وجود لا ينطفئ .

في ص 35 وضمن نص (صنوبرة عمري)

يخرج الكاتب من دائرة الضجر الذي ألم به وغربته، الملازمة له إلى عالم يعيد الثقة بالذاكرة الجمعية فيتوفر مع بذرات روحية لفعل إنبعاث مستقبلي في التعامل مع الحياة والآخرين فيدخل في حالة من الوعظ وفيها يذكر .

(فإياك والنظر للخلف فمن يرحل عنك فلك التهاني وله العزاء ومن يطعنك من الخلف دع الجرح يطيب وتماسك.. ومن يطعنك في القلب اخرج خنجره بيدك خبأه في الذاكرة وعد إليه كلما شعرت بالضعف أو زارك الحنين لتتذكر طعناتك وترفع رأسك وتتابع سيرك إحمل كرامتك كعرشك وإياك أن تحملها كنعشك ..

نص عقول مذبوحة بشفرات الأرواح ص 58 هذا النص له أبعاد فلسفية يستعرض الكاتب في متنه العلاقة بين الروح والعقل وهو يؤكد ان الروح أي العاطفة وإعتقادي جازم بقصده وَهْمٌ بالنسبة لمنطقية العقل بل ويجزم الكاتب أن مصيبته إجتماعهما أي العقل والعاطفة .

أخيراً أن الكاتب رعد الكرعاوي دخل دائرة الأدب من باب النصوص والكتابة النثرية وبنفس قادر على التصوير والتصور والتعبير لهموم الزمن ووجع الإنسان اليومي وأنا على ثقة أن أوراقه هذي متخمة بالحيوية والنشاط الإبداعي الكتابي وبلغة بسيطة مشحونة بالحياة .

 

 ساطع الجميلي

 

عند الاديب:عبد الرزاق عودة الغالبي

لقد شغل المعنى اهتمام الكثير من الباحثين والناقدين منذ القديم، فالمعنى هو ثمرة النص وفاكهة الكتابة، ومنجزها الحقيقي، والمعنى في النص هو ما يريد الكاتب أن يفهمه القارئ وما يفهمه المخاطب وليس ما يقوله، لأن القول في الرؤية الذرائعية هو القناة البسيطة الأولى لنقل المعنى وليس هو المعنى ذاته ، وبين هذا وذاك مساحة قد تكون شاسعة أم ضيقة حسب نوعية التأليف، وترتبط هذه المساحة بعمليتي التفسير والتأويل، وإذا كنا نرجع التفسير إلى الحقل السيمانتيكي حيث أنه يعتمد على المنطق والواقع في تفسير الكلام ويشتغل على مطابقة المستوى المعجمي للمستوى الدلالي، فإن التأويل هو البحث عن المعنى العميق خلف المعنى الظاهر، أي الانتقال من المعنى السطحي الذي لا يشغل اهتمام النظرية الذرائعية إلا بما ينقلها من السطحي إلى العميق والغائر والمتواري والخفي والخيالي والكذب، والتأويل ليس عملية بسيطة ، بل هي عملية عقلية معقدة تتطلب تحويل الكلام من شكله اللساني الصرف إلى شكله التواصلي أي تداولية المعنى لا الكلام، وهو مرتبط بالعديد من الأنظمة والوحدات، وإذا عدنا إلى الآية الكريمة: (لا يعلم تأويله إلا الراسخون في العلم) يتأكد لنا أن البحث عن المعنى الحقيقي وتأويله يلزم الرسوخ والمقدرة والعلم وهذا ما ينفي الكذب والخيال عن النص القرآني لكنه يتصدر بإعجازه إذ إنه يحتمل معان مؤجلة وأنه ليس كلاما عاديا فيفهم من القراءة الأولى غالبا، لذلك اختص فهمه وتأويله بالعلماء، ولكن ماذا عن المعنى في النص الأدبي؟

لقد آمن المفكر عبد الرزاق عودة الغالبي أن لكل علم راسخون وأن النقد ليس انطباعيا ولا إنشائيا إنما هو علم، لكنه اصدم بحقيقة أن الأدب فن وخيال وما ارتباطه بالعلم والواقع إلا على قدر ما يجعله خطابا عرابا للمجتمع وللعالم ، وهنا نتساءل كيف تملص المفكر من الانتقاد القائل بأنه كيف يطوف العلم الفن على اختلاف طبيعة كل منهما قد يبدو الأمر هرطقة فارغة لا صلة لها بالممارسة، ولكن الدارس للذرائعية يجد الجواب الكافي الشافي والمنطقي، إذ إن علمنة النقد على مستوى الإنشاء وليس على مستوى الإطلاق، وقد حاول الدكتور في نظريته الذرائعية أن يصل إلى نموذج يكون راسخا في النقد إذا ما تعلق الأمر بالعملية النقدية والقارئ إذا كان الحديث عن التواصل بين مخاطب ومتلقي أو مخَاطب، منتقلا بالنقد من الإنشائية الفارغة إلى العلمية على جميع المستويات وعلى رأسها المستوى العميق،  وأكد الغالبي أن انتقال المعنى من المستوى السطحي إلى العميق يمر عبر مراحل أو آليات وأن هذه المراحل تشكل ما أسماها اصطلاحا بالفسحة أو الهوة الإيحائية الذرائعية Inspiration Gap

ولكي يصل الناقد إلى المستوى العميق ، فإنه يتوجب عليه أن يدرك جيدا طبيعة هذه الفسحة ،ووحداتها الإدراكية ، وهو حين ذاك لا يدرك المعنى فقط بل يدرك طبيعة تشكل المعنى وهذا هو أرقى درجات النقد العلمي، فالناقد الذرائعي يوصف يؤول وينقد ذرائعيا . فما هي الفسحة أو الهوة الإيحائية؟

الفسحة الإيحائية يقصد بها تلك المساحة التي تفصل المعنى الأصلي عن المعنى المراد في الخطاب، أي انتقال المعنى من اللغة العادية إلى اللغة الفوقية، ويرى الدكتور بأن هذه الفسحة هي قلب الذرائعية النابض، لأنها تدخل في التواصل من جهة ولأنها من صميم الأدب، فالأدب كما يقول الدكتور يتبنى الخيال كما يتبنى العلم الواقع، ولكن المعنى لا ينشأ دفعة واحدة، فالفكرة تسبق الإنشاء، والفكرة تسبق اللغة ولذلك فإن مرحلية الإنشاء ترتبط بمدخلات الدماغ وخبراته وتجاربه الذاتية والإنشائية تتم عبر عدة وحدات إدراكية هي كما قدمها الدكتور على التتابع:

- اللغة الرديفة (discourse language): وهي اللغة التي تعتلي اللغة العادية وهي لا تتخذ من التراكيب اللفظية والتجاور المعجمي إلا تعبيرا ثانويا يفترض إحالة إلى معان أعمق، وهي ما يتوصل إليها بدراسة المستوى التداولي الذي يبحث في السياق وفي طبيعة المتكلم والمخاطب، وطبيعة اللغة المستعملة التي يخرجها التداول من المستوى الدلالي إلى المستوى الإيمائي، وينتقد الدكتور أولئك الذين يقرنون اللغة العادية بالخطاب مؤكدا أنها لغة كاملة لها أنظمتها المتعلقة بنظم اجتماعية ونفسية يقول :" وقد عرفت اللغة الرديفة تعاريف كثيرة أبعدتها عن معناها الحقيقي، وواجبها الفسيولوجي والبايلوجي الأساسي، حين قرنوها بالخطاب وتحليله، وهي ليست خطابًا، بل لغة كاملة فوق اللغة العادية، ولها عملياتها الفسيولوجية الداخلية والخارجية ونظامها التركيبي ونظامها الذرائعي في المعنى، وتتناول التضمين وتجهيزه لإعطاء تأويل مناسب...."

- التضمين (connotation): يفرق الدكتور عبد الرزاق بين مصطلحين، مصطلح ستاتيكي الذي يقر ثبات المعنى بعد انتهاء المفعول السيمانتيكي، أي المفعول المعجمي، وهذا حسب الدكتور وقوف عند حد المنطق والواقع وهو ليس من اهتمامات الذرائعية إلا بقدر ما تنقله للمستوى العميق، وهذا المفعول يقف عند اللغة العادية، اللغة العلمية التي لا تتجاوز التلفظ أو اللسانيات الصرفة، وهناك مصطلح التضمين (connotation)، أو المعنى المضمر، وهو يتجاوز الدلالة إلى المعاني الؤجلة التي يحتضنها السياق التواصلي والتداولي ، وينطلق هذا المعنى عند حدود المفهوم بعد نفاذ المفعول السيمانتيكي.

- التأويل (interpretation) ومنها يرحّل المعنى أو المدلول المشار إليه إلى مرحلة تقرير تطابق المعنى بين المعنى الحقيقي وتطابقه مع نوايا المتحدثين. والتأويل ليس التفسير، فالتأويل هو بحث عن المعاني المضمرة المؤجلة والتفسير بحث في الدلالة المعجمية، ووقوف عند الواقع، لذلك فإن التأويل من اهتمامات الذرائعية عكس التفسير،

- التحويل (changing) من لغة الإخبار السيمانتيكي الدلالي إلى لغة التأويل الإيحائي الذرائعي.

التطابق (meaning match): وهو تطابق النوايا بين المتكلم والمخاطب، والظفر بالمعنى الأصلي الذي قصده المؤلف من خلال عملية التأويل النهائية التي تفصل اللغة الرديفة عن اللغة العادية. لأن الأولى تتميز بالديناميكية والامتداد والاتساع فهي تتحرك في أفق النص لتقدم لنا في كل مرة دلالات جديدة تخدم السياق والمعنى الكلي للنص. فيفترض المؤول أنه بلغ المنتهى في النص لكن قارئا آخر يأتي ليستنبط الأكثر عمقا وكله من نوايا المؤلف وكله صحيح مادام تحت مشروع تأويل صحيح المقدمات، وسواء دلت المعجمية على دلالتها المنطقية وتمركزت حول الصوت، أم تجاوزتها للغة الرديفة فإن على الناقد أن يركز على اللغة المكتوبة أكثر من الدالة الملفوظية، لكونها صناعة لغوية مدروسة ومحبوكة مسبقا، <<وهي التي تقر معناها الموجه من قبل صانع النص، بالرغم من الاختلاف الذي تعكسه تلك الدلالات بشكل متعدد، لكون هذا التعدد يشكل نوعية وديناميكية إنجازية للغة الأدبية، فالتواصل في سياقاته المتنوعة يستند إلى التغذية الراجعة feed back عندما يحدث سوء الاستقبال أو الاستيعاب أو التشويش أو الانحراف الانزياحي وتلك التغذية تأتيه أما من المخزون الداخلي أو من تجليات النص..>>(1)

- المفهوم (concept)، عندما يستقبل الدماغ مادة معرفية خارجية وتمر بمراحل الإدراك تتقرر في الذهن كمفهوم مخزن يستعيده العقل كلما احتاجه حيث يصبح مخزونا ومكتسبا وتجربة تم استيعابها.وكذلك الأمر بالنسبة للمعاني . فإنه متى يستقر معناها فهو مفهوم ويرجع حينها إلى منطق التفسير، يقول عودة: "وقد أدركت أن المفهوم من خلال الدلالة التي تشير نحو مدلول، والمدلول يشير نحو معنى، والمعنى يشير نحو مفهوم، إذًا المفهوم يستقرّ في نهاية المطاف، وهو الذي يحدّد استقرار المعنى بجينات لغوية ثابتة لا يخرج عنها"، وهنا تظهر دائرية البحث عن المعنى، وهو ذرائعيا بحث عن الاستحداث والابتكار وهي فسحة الفسحة في الذرائعية، وهذا ما يغفل عنه الكثير من المفسرين والباحثين في النظرية الذرائعية، التي تنادي بتحديث مستمر للمادة الأدبية، فالمفاهيم تحشد في منطقة الخيالي لتولد أخرى أوسع فسحة، وبالتالي ديمومة الإبداع وتوالده من ذاته، وهي نقطة سأكرز عليها في مقال لا حق بإذن الله.

علاقة المستوى العميق بالقارئ والناقد:

هناك إذا دائما فسحة بين التركيب الظاهري للألفاظ وبين الدلالة وبين المعنى وبين معنى المعنى، وهذه الفسحة هي التي يتحدث عنها الدكتور عبد الرزاق عند حديثه عن المستوى العميق، لكن ما سنتطرأ إليه هنا هو مرحلية الإنشاء، ومرحلية التفسير ومرحلية التأويل، وارتباطها بمدخلات الدماغ وخبراته ومفاهيمه الراسخة، فالإنسان لا يفسر ولا يأول إلا بالاستعانة بخبراته وتجاربه، لذلك يختلف تلقي نص من قارئ لآخر، لكن في هذه الحالة سنتصادم مع ذاتية التفسير أو التأويل، لذلك لم يغفل الدكتور في مجلده الحديث عن الانطباعية ومقابلة الانطباع بالذوق ، حيث إن تذوق النص تخضع لمثيرات لها صلة بتلقي المستوى العميق، وبدراسة النص ككل، (2)

فكان يبحث عن النموذج الذي يكشف ويتتبع مرحلية الإنشاء ومرحلية التأويل هي التي توصلنا دائما إلى علمية الذرائعية، ومن نبوغ المفكر أنه استهل ببؤرة ثابتة، فتحديد البؤرة الثابثة في النص هو تحديد للمركز وتأطير لعملية التفسير وهنا يبتعد المتلقي أو الناقد عن ذاتيته، حيث يضطر إلى استدعاء منظومات فكرية جديدة تؤهله لمكافأة الكاتب حالة العوز، ومكافأة النص، لكننا نحتاج دائما للوصول إلى المركز الانتقال عبر الضواحي، أي الأجزاء ثم الانتقال من الجزء إلى المركز، هذا التحليل أو التفكيك للنص ليس تفكيكا للنص من باب داريدي الذي رفض الإحالة ونادى بالعدمية وموت النص والمؤلف، بل هو تحليل وتفكيك من أجل بناء النص مرة أخرى بعد أن يتم استيعابه شكلا ومضمونا، وهذا ينطلق من الوعي بالإحالة والمركزية في النص

- الوعي والنص والمستوى العميق:

إذا كان النص هو خلاصة وعي معين تجاه ظاهرة معينة، فإن هذا الوعي لا يكتب خارج العالم، وهذا معناه أن القارئ لا ينطلق إلا من وعيه بالظاهرة وبوعيه بها، ودرجة استجابته لها وتأثره بها ، وفي هذا

يقول ميرلوبونتي :<<نظرية الظواهر ترتبط ارتباطا مباشرا بوعي الذات، فهو ليس حقيقة خارجية خالصة ولا عملا عقليا صرفا>>

مؤكدا أنه أنه لا فكر خارج العالم، أو خارج الكلمات،(3)

وإذا كنا لا نتفق مع ميرلوبونتي في ما ذهب إليه من حيث ارتباط الفكر بالكلمات، حيث إنه يمكن للإنسان أن يبتكر طرق عديدة للتعبير عن الفكر، إلا أننا نتفق معه إلى أبعد حد في قوله لا فكر خارج العالم، ذلك أن جميع الخبرات الإنسانية مصدرها احتكاك الإنسان بعالمه ، وبمنجزات الماضي والحاضر فيه ، ولذلك فإن عملية تفكيك الكلام للوصول إلى المعنى الأصلي هو انطلاق من الوعي نحو تفسير وتأويل الكلام، وقد أكد علماء النفس والاجتماع أن الإنسان يفسر الكثير من الظواهر رجوعا إلى خبراته وتجاربه الذاتية والشخصية، فالإنسان المغترب يسيقرأ الغربة في أي نص، والإنسان العاشق سيقرأ الجمال في أي نص، ولعل هذا ما يحيل إليه قول الشاعر "كن جميلا ترى الوجود جميلا" ولذلك فقد كان لزاما على الناقد أن يستند في تلقيه النص على مجموعة من المداخل العلمية التي تؤطر عملية التحويل ومطاردة المعنى الخفي الحقيقي، انطلاقا من مركز أي أن عملية التأويل تتخذ شكلا دائريا حركيا ديناميكيا ، وإذا كان ديلثاي

قد توصل أثناء شرحه لنظرية التأويل إلى ما أسماه "الحلقة الهيرمنيوطقية" ومفادها: كي نفهم أجزاء أي وحدة لغوية لا بد أن نتعامل مع هذه الأجزاء وعندنا حس مسبق بالمعنى الكلي ، لكننا لا نعرف المعنى الكلي إلا من خلال معرفة مكونات أجزائه(4)

فإنه لم يفت المفكر عبد الرزاق أن يستهل بالبؤرة التي تحيل مباشرة للحس الكلي المسبق، وبهذا يؤطر تجربة تلقي النص مبتعدا عن الانزياح والانحراف الذي ينتج عن الانطباعية واللامنهجية...ومن ثمة تنظيم هذا التفكيك عن طريق استرجاع تجربة الكتابة ، في ظل مبدأ المكافأة، ولعل أقرب طرح يتناول مبحث الاستعادة هو الطرح الظاهري الذي قدمه هايدغير وغادامير في التأويلية ، فالفهم الحقيقي للأدب والنصوص الإنسانية الأخرى يتأسس على استعادة القارئ للتجربة (التجربة الداخلية) التي يعبر عنها النص، أما غادامير فقد أكد على ضرورة اتباع قواعد التأويل الصحيح التي تجنب سوء الفهم، رابطا الفهم الصحيح بالتجربة الكلية للإنسان، (5)

ووعي الدكتور عودة الغالبي بمبدأ المكافأة والاستعادة جعله يعزز عملية الدراسة بمداخل أخلاقية وسلوكية وعقلانية مؤكدا على استدعاء الذات الكاتبة، وعدم إلغاءها لأنها تشكل المفتاح الأساسي لتجربة تأويلية مطابقة لنوايا الكاتب والوصول الصحيح إلى أعمق نقطة في النص وهذا أيضا يحسب للمفكر في تأثيث النظرية في هذا المستوى بالعلمية والموضوعية.

المستوى العميق والنص الأدبي:

الخيال هو هوية الأدب وجنسيته، والخيال في النص الأدبي هو بلاغة وجمال ورمزية، ولعل أهم ما يفصل النص الأدبي عن أي نص آخر هو نمطه التعبيري الذي يعتمد الخيال والانزياح اللذين يشكلان المسافة بين الواقع واللاواقع ، ومتى فقد النص هذا التشكل الجمالي فقد قيمته الأدبية وانزاح ناحية العلمي، وبالتالي فقد الهوية وفقد الإمتاع، ولذلك فإن الكاتب يبحث دائما عن مد الفسحة أو تعميق الهوة حتى يجد القارئ المتعة في القراءة والمتعة في التأويل موفرا الأدبية، فمطاردة المعنى متعبة لكنه تعب لذيذ، ممتع يستغرق فيه الكاتب حتى ينفصل عن ذاته وينغمس في الكتابة، الكتابة الثانية التي تحوصل المعاني المضمرة، وإذا كان "الرمز هو أصل التأويل، فإنه يرتبط بمتعة البحث عما هو يختفي وراء الظاهر للعيان" (6)

أما الفسحة التي تصنعها الهوة أو الفسحة الإيحائية فهي جوهر العلاقة بين الكاتب والنص واللعبة المشتركة، فاللعب يتم حول مركز لا ينبغي لهما هدمه بأي حال من الأحوال، وهو ما يصنع دينامية الكتابة ودينامية التلقي على السواء.

خاتمة:

وأخيرا وليس آخرا نخلص أن الرؤية الذرائعية في مستوياتها المختلفة تقتنص الشرعية للممارسة النقدية واحتواء النص الأدبي مرورا بالمستوى السطحي وصولا إلى المستوى العميق تشكيلا ومعنى، وأن البحث في المستوى العميق وتتبع تشكلات وتمددات الفسحة هي من صميم النظرية الذرائعية من جهة ومن صميم النقد الأدبي من جهة أخرى مادام هذا المستوى يصب في طبيعة الجنس وهوية النص وكذلك معانيه المؤجلة.

 

عقيلة مراجي

.....................

الهوامش:

(1) عبد الرزاق عودة الغالبي، الذرائعية في التطبيق، (طبعة منقحة)، ص125

(2) ينظر الذرائعية في التطبيق، طبعة منقحة، تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي، تطبيق عبير يحيى، ص 113.

(3) ميرلوبونتي، نقلا عن علي محمد يوسف، وعي الذات في التفكير الفلسفي، صحيفة المثقف، ع4498،2018

(4) ميجان الرويلي وسعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، ص89

(5) نصر حامد أبو زيد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص30

(6) سعيد بنكراد: سيرورات التأويل من الهرموسية إلى السميائيات، ص12

المصادر

حامد أبو زيد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء، ط 1،2013.

سعيد بنكراد: سيرورات التأويل من الهرموسية إلى السميائيات، منشورات الاختلاف الدار العربية للعلوم ناشرون، دار الأمان، الرباط، ط 1، 2012

عبد الرزاق عودة الغالبي، النظرية في التطبيق، (طبغة منقحة)تطبيق عبير يحيى، دار الكتب المصرية

ميجان الرويلي وسعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء، ط 1، 2003

نصر حامد أبو زيد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، ط1، 2003

 

 

البحث عن قالب مسرحيّ عربيّ، مختلف ومغاير عن مسرح الآخر/الغرب، أدى إلى ظهور تنظيرات وبيانات تسعى إلى البحث عن هوية المسرح العربي، مسرح يستمد أصالته من التراث، ويحافظ على بعض القوانين الأرسطية للمسرح، يصبو للحفاظ على الكينونة العربية الإسلامية، وفى نفس المسار، يحاول الإجابة عن تساؤلات تتعلق بالقضايا الاجتماعية والحاجة إلى النهضة والتقدم، وفي هذا السياق توالت الأعمال المسرحية، حيث قدم ألفريد فرج "النار والزيتون"، وقدم عبد الرحمن الشرقاوى "وطني عكا"، ومعين بسيسو "ثورة الزنج"، وسعد الدين وهبة "المسامير" و"يا سلام سلم الحيطة بتتكلم" و"رأس العش"، وغيرهم كثير، وهنا نجد، مثلا، أن عبد الرحمان الشرقاوي اتخذ من شخصية الحسين بن علي بطلاً دراميا معبراً عن حرقة الحاضر/المظلم من خلال مسرحيتيه "الحسين ثائراً" و"الحسين شهيداً". لقد كانت شخصية الحسين، شخصية ثائرة، لذلك وجد فيها بعض المسرحيين ضالتهم في معالجة قضايا العصر، فها هو محمد علي الخفاجي يستحضره في "ثانية يجيء الحسين"، ويستحضره محمد عفيفي في "هكذا تكلم الحسين"، إنها رؤية برغماتية لتوظيف التراث في المسرح، برغماتية تستند إلى إيديولوجيا المرحلة التاريخية.

والملاحظ من خلال عناوين هذه المسرحيات، أنها قدمت في سياق تاريخي متأزم، وفي جو مشحون بالغضب إثر الهزائم التي منيت بها الدول العربية، وما يميز شخصياتها أنها متمردة ثائرة، عكس مجمل شخصيات مرحلة التأسيس، كرد فعل لحالة الهزائم التى أصابت المجتمعات العربية فى تلك الفترة العصيبة، إنه تعاط مختلف مع التراث، تعاط يتجاوز ماضي السلطة وحاضرها، وإلى الانتفاضة والثورة على الثقافة الكلاسيكية السائدة، وبالتالي فإنه رفض ضمنيّ للسلطة القائمة، بمفهوم السلطة الواسع، السلطة الإدارية والدينية والثقافية والاقتصادية.. وبهذا النوع من المسرحيات، لم يعد، في نظرنا، التراث محنطا وساكنا، إنه فعل مستمر في الزمان والمكان، وهذا ما منح التراث حيوية وتجددا، غاب في مرحلة الاستعمار، تعاط يجسد أيضا مواجهة الواقع الجديد الذي استفاقت عليه الأمة العربية.

وللحديث عن نزعة تجديد التفاعل بين المسرح والموروث الثقافي، منذ منتصف القرن العشرين، سنبرز ذلك من خلال الاحتفالية والمسرح السياسيّ، مركزين على عبد الكريم برشيد في النظرية الأولى، وسعد الله ونوس في الثانية، لأنهما وظفا التراث من أجل التعامل مع القضايا الاجتماعية، إنها رؤية برغماتية للتراث، تشكل بؤرة لتقاطع التيار السلفي واللبرالي، ومن خلالها طرحت أسئلة على ما يمكن أن يكون عليه المسرح، لذلك دعا رائد الاحتفالية في كتابه الأخير إلى "الاحتفالية المستقبلية".

الاحتفالية: فلسفة التجاذب بين الحاضر والماضي

أولى عبد الكريم برشيد أهمية كبيرة للتراث، سواء على مستوى التنظير أم على مستوى الكتابة الإبداعية، حيث وظفه بأنواعه المختلفة، الإنسانيّ والأدبيّ والشعبيّ والأسطوريّ، لإضفاء نوع من الخصوصية على المسرح العربي والمغربي، إنه صورة أخرى للتأصيل في إطار ثنائية الأنا والآخر، وهو على أي حال، لا ينكر أخذه عن التجربة المسرحية الغربية، وتأثره ببعض تياراتها، الاحتفالية بهذا المعنى، تحقق للأصالة والمعاصرة بشكل من الأشكال، بحث آخر عن هوية المسرح العربي شكلا ومضمونا بالعودة إلى التراث والانفتاح على المسرح الغربي.

تقوم الاحتفالية على استلهام التراث باختلافه وتنوعه، وما يميزها أنها ترى التراث "ذاكرة حية، وفي هذه الذاكرة الجماعية نخبئ إرثنا الثقافي والفكري والفني فيها"[1]. وإضفاء صفة الحياة على التراث، يقابلها ما كان عليه المسرح في مرحلة التأسيس أو الاستعمار (الموت/ الجماد/ السكون)، وبهذا تميز تعامل عبد الكريم برشيد مع التراث، إنه بحث عن نص غائب من خلال التفاعل بين الحاضر والماضي، نص يعكس رؤية فنية وجمالية تراثية، تستجلي هموم الإنسان البسيط، ففي مسرحيته "ابن الرومي في مدن الصفيح"، فشل النموذج الأول في التعامل مع التراث من خلال شخصية ابن دانيال، الذي اعتلى خشبة المسرح يسرد الحكايات القديمة دون مراعاة المشاهدين، فانشغلوا عنه باللعب، قبل أن تتدخل ابنته دانيازاد، لتنبهه بأن ما يحتاجون إليه هو التطرق لقضايا عصرهم، وسرد هموم الناس، وهو انتقاد صريح للتعامل السلبي مع التراث، أو الرؤية السلفية للتراث التي تغلف الحاضر بالماضي.

إن برشيد في طرحه النظري والإبداعي[2]، يحاول تأسيس وعي بأهمية التراث في حفظ الهوية الثقافية لشعوب دول العالم الثالث، وهو الفعل الذي بوأ هذه النظرية مكانة كبيرة في العالمين، العربي والإسلامي، خصوصا بعد استشعار خطر العولمة والتثاقف والأسلبة، ومنه، تكون شعرية برشيد مبنية بشكل كبير على التراث، إذ يتضاعف توظيفه فوق خشبة المسرح من منظور سيميائي ليخلق نوعا من الجمالية الأصيلة، المرتبطة بالهوية والخصوصية الثقافية، سواء كان مضمونا أم رقصا أم أغاني شعبية أم أشكالا فرجوية كالحلقة وغيرها، غير أن نظرته للتراث مختلفة بشكل كبير عما كان سائدا، فلا معنى لكل هذا التراث إن لم يكن من أجل التغيير، من أجل تحقيق الممكن.

وبهذا المعنى، أصبحت علاقة الاحتفالية بالتراث علاقة انصهار وتجاذب، حيث يصير المسرحيّ والتراثيّ في قالب احتفالي يرمي الوصول إلى النص الغائب، تجاوز الكائن إلى ما يجب أن يكون، نص فرجوي يحمي خصوصية الشعوب وهويتها من الحداثة المقلدة حسب تعبير طه عبد الرحمان، بل "أكدت العديد من الدراسات الجامعية والنقدية التي أنجزت حول مسرح برشيد، خلال العقود الثلاثة الماضية، أن هذا المسرح قد وجد هويته، ترك للتراث الشعبي، وللتراث العربي المدون، حرية السيطرة على الشكل المسرحي وعلى مضمونه، وذلك خارج شروط اللعبة المسرحية وخارج قوانينها الغربية "الأرسطية" و"البرشتية" فجاءت كتاباته، تراثية الشكل، وتراثية المضمون، احتفالية الاتجاه والرؤى"[3]، إنها رؤية حداثية تتضمن رؤيته للعالم، تنبني أساسا على علاقة الاحتفالية بالتراث، دافعُها المحافظة على الخصوصية الثقافية، ولكن في ظل الانفتاح على قضايا العصر، إنها رؤية وسط بين التأصيل والمثاقفة، غير أن الركن الأول في تصور برشيد كان محط انتقاد حاد في الدراسات النقدية المسرحية، لكون "المسرح الأوربي الذي اعتمد على ثقافات الشرق مسرحا متوهجا، ولم يتهم بأنه مستلب أو غير طبيعي لأن أوربا تجاوزت الرؤية المرضية للخصوصية، وهي الرؤية التي تسوق لها الاحتفالية بشكل مرضي وهستيري"[4]. وبالرغم من أننا نرى عكس ما ذهب إليه سعيد الناجي، لأن التراث في الاحتفالية متجدد، خرج من دائرة التحنيط، وأصبح معطى للقراءة والتأويل مستفيدا كما قلنا سابقا من الغرب نفسه، لأن "المسرح الاحتفالي في بحثه عن الخصوصية لم يقطع كل خيوطه مع الغرب، فهو يؤمن بأن الآخر جزء أساسي من مكونات الذات، من هنا كان التمييز بين التبعية وبين التثاقف الفكري والفني"[5].

ولعل في رأي سعيد الناجي جانبا من الصواب فيما يتعلق بالتنظير؛ لأن الارتكان إلى التراث والتاريخ والتغني به، بغية الحفاظ على الخصوصية المغربية أو العربية، قد يجعل جيلا أو جيلن يسكنون إلى الماضي، معرضين عن الحاضر والمستقبل، أو يعيشون الحاضر في الماضي، وهنا تكمن خطورة التعامل مع التراث، مما يؤدي إلى تقوقع سلبي على الذات الجماعية، فيجعلها ذلك خارج حركة التاريخ، ولكن، يجب الإشارة إلى اختلاف علاقة الاحتفالية بالتراث على مستوى الإبداع، ذلك أن الدعوات التنظيرية باستلهام التراث جعلت الأمر يبدو وكأنه انغلاق على الذات، في حين كان التراث في الأعمال الإبداعية منفتحا على الواقع وقضايا الإنسان المعاصر، وإلا فماذا يفعل امرؤ القيس في باريس في مسرحية "امرؤ القيس في باريس"؟  ولماذا جاء عبد الكريم برشيد بابن الرومي ليعيش في مدن الصفيح في مسرحيته "ابن الرومي في مدن الصفيح"؟

ومنه نؤكد مرة أخرى أن الاحتفالية في تعاملها مع التراث، قد استطاعت أن تقطع مع التعامل الذي أرسى أسسه المسرحيون في مرحلة الاستعمار، إنها تجعل التراث فعلا حيا على خشبة المسرح، تراث يحتويه الحاضر ولا يحتويه الماضي، لذلك لا يمكن تشكيل صورة عامة حول هذا التجاذب إلا من خلال استحضار التنظير والفعل الإبداعي. وعلى الأقل هذا جانب إلى ما كان يدعو إليه المفكرون العرب في التعامل مع التراث، ومنه يمكن القول إن المسرح العربي بعد النكسة شهد تعاملا مختلفا مع التراث، رؤية ثورية، لكنها اصطدمت بجملة من العراقيل التي قلصت من امتدادها، من بينها مسرحيون ذوو توجهات يسارية، عارضوا التراث في المسرح، وجعلوه غربي الشكل والمضمون.

المسرح السياسي.. سعد الله ونوس وإحياء التراث

إن ما يهمنا من حياة سعد الله ونوس المسرحية، هي تلك الفترة التي سافر فيها إلى فرنسا، حيث تكون في معاهدها، وتأثر بثلة من المسرحيين الحداثيين الذين حاولوا تجاوز التقنيات المسرحية الكلاسيكية، أمثال بروتلد برشت وبسكاتور وأنطوان أرطو، وعند عودته إلى سوريا، بدا تأثره واضحا وهو يستمد مضامين مسرحياته من التراث، فمزج في فرجته بين الأصالة والمعاصرة، الأمر الذي يشترك فيه مع عبد الكريم برشيد، وتجلى ذلك بالخصوص في بياناته المنظرة لمسرح عربي، فها هو يطرح سؤالا على المخرج المسرحي الفرنسي جان ماري سيرو: "ماذا كنت تفعل لو أنك في بلد كبلادي حيث لا توجد تقاليد مسرحية، أي نصيحة تقدمها لنا كي نجد مسرحنا؟ فأجاب(سيرو: "ينبغي الانطلاق من كل ما هو حكاية شعبية وتقاليد، وقد وجد دائمًا في التاريخ الإسلامي… فلديكم تراث غني بالنقد الذكي. (جحا) مثلاً هو شخصية لا تستطيع أن تقوم بثورة، لكنه تراث شعبي، استطاع أن يحتفظ عبر قرون طويلة بصفاء الهجوم على مفاسد الإقطاع، فالتراث الشعبي قاعدة جيدة للانطلاق، وهي مليئة بالإمكانيات… بوسعكم أنتم بالذات أن تساعدوا التجربة المسرحية على الخروج من أشكال التجمد التي وصلت إليها أوروبا"[6]. إنها النصيحة التي عمل بها ونوس، غير أنه مزج بين الانفتاح على الغرب واستلهام التراث، من خلال الأخذ بتقنيات المسرح الغربي، إنها رؤية جديدة لتفاعل المسرح مع المروث الثقافي، رؤية جدلية ماركسية تصبو لمساءلة الماضي، ومد الجسور بينه وبين الحاضر، وهنا تتشكل هوية جديدة، هوية منفتحة على النص الغائب، ما نريد أن يكون عليه المسرح، ما نريد أن يكون عليه المستقبل، وفي رؤيته هذه، لابد من الإشارة إلى أن ونوس قد تأثر ببروتلد برشت وبيسكاتور.

وفي ظل السياق السوسيوثقافي المضطرب بسبب وقع الهزيمة على الشعوب العربية، سيظهر مفهوم تسييس المسرح، حيث أصبح بالنسبة لونوس أداة للتحفيز والمساءلة، فاستمد التراث ليكون عنصرا فاعلا في مسرحه، تراث يغلفه الحاضر ولا يغلفه الماضي، إنها رؤية حداثية للتعامل مع الموروث الثقافي، حيث عمد ونوس لاستلهام المضامين التراثية، الحكايات والأساطير المعروفة، ليس بدافع تسليط الضوء عليها، بل من أجل مناقشتها، ومعالجة قضايا العصر، وعلى هذا الأساس كتب مسرحيته "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران"، ومسرحية "الفيل يا ملك الزمان"، و"رأس المملوك جابر"، إنها مسرحيات تستلهم التراث وتجعله معاصرا في طرحه وأدائه فوق الخشبة.

استلهام يختلف في رؤيته عن التوظيف السطحي السائد في فترة الاستعمار، الذي رفضه هو الآخر متأثرا بآراء المفكرين الغربيين والعرب، الذين انتقدوا بحدة التيار السلفي، رفض أن "تكون أشكال الفرجة الشعبية مجرد حلية شكلية، وهي بذاتها ليست ضمانة لأي أصالة، إن ما يؤصل المسرح هو قوله وكيفية القول، وفي سياق هذه العملية المركبة، يمكن أن نستفيد من تاريخنا وأشكال فرجتنا، كعناصر في البنية العضوية للعمل"[7].

لقد سعى سعد الله ونوس من خلال مسرحه السياسي إلى مسرح جدلي، مسرح يعري تناقضات المجتمع، ويشكل وعي الطبقات الاجتماعية المضطهدة بواقعها، وهو ما جعل التراث، في مسرحه، وسيلة وليس غاية، إنها رؤية حداثية بامتياز كما يصفها يونس محمد عبد الرحمان عندما يقول بأن "استخدام التراث والأسطورة في المسرح هو رؤية حداثية، وكثيرا ما تكون تقدمية طليعية كمسرحيات صلاح عبد الصبور، الأميرة تنتصر، ومأساة الحلاج، والحسين ثائر لعبد الرحمان الشرقاوي، ومسرحيات سعد الله ونوس، الملك هو الملك، ومغامرة رأس المملوك جابر"[8].

لقد استوعب ونوس المادة التراثية، ولم يجعلها تسيطر عليه، بل وظفها للنقد والرفض والسخرية من مفارقات الواقع، وكان يقتضي توجهه هذا أن لا يكون منتقيا للأحداث كما فعل غيره، بل تعرض للأحداث التاريخية المتأزمة في التاريخ العربي، وهو ما يتناسب مع منطقه الجدلي في أعماله المسرحية، إنها كتابة إبداعية نقدية في نفس الوقت، إبداعية بأسلوبها وشعريتها الخاصة، ونقدية لأنها تنتقد مظاهر انحلال المجتمع وتناقضاته، والتطرق للقضايا المؤرقة للإنسان العربي من هزائم وتراجع على مختلف المستويات، لذلك سيعتمد أساليب تغريبية تراثية مثل الحكواتي الذي يكسر الجدار الرابع لمخاطبة الجمهور والتفاعل معه، فضلا عن الشكل أيضا، مثل توظيف الحلقة ليخرج عن قوالب المسرح الغربي بما يناسب الجمهور العربي كما فعل ذلك في مسرحيته "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران" "فالناس الذين يسمرون يجتمعون على شكل حلقة يتحلق الناس حولها في ليالي الصيف المقمرة"[9] وذلك ليخلق نوعا من الألفة بينه وبين المتلقي العربي حتى لا يجد نفسه غريبا عن العمل المسرحي المقدم أمامه.

وهذا ما يجعلنا نقول بأننا انتقلنا في مرحلة مابعد الكولونيالية من إحياء التراث إلى تكريس نوع من الوعي بالتراث، لقد تحولنا، بتعبير محمد عابد الجابري، من كائنات تراثة إلى كائنات لها تراث، حيث أصبحت الذات تخلق مسافات بينها وبين الموروث الثقافي، وهو الأمر الذي مكنها من مساءلته وتحليله، بل والشك فيه أحيانا في أفق خلق مصالحة شاملة مع الماضي.

وفي هذا السياق، يمكن اعتبار توظيف سعد الله ونوس للتراث بمثابة إحداث قطيعة إبستيمولوجية مع توظيفه في مرحلة التأسيس أو الاستعمار، وهو يدخل ضمن تجربة جديدة لاستلهامه، مع ثلة من المسرحيين العرب، بعد الاستعمار في ظل الهزائم المتتالية، إنه لا يعود فقط إلى التراث الذي يجسد الانتصارات والأمجاد، بل يعود، أيضا، إلى التراث الذي يعكس الانتكاسات، ويوافق طرحه وأسلوبه الجدلي، ومن هنا كانت انعطافة ونوس في استلهام التراث بمختلف أنواعه، فتحقق نوع من الرهان، البحث عن هوية المسرح العربي، شكلا ومضمونا، لكن هذا الأسلوب، وإن كان مناسبا للفترة التاريخية التي عاش فيها ونوس، فإن الألفية الثالثة، وخصوصا بعد الربيع العربي، بدأت تتكشف تجربة جديدة في التعامل مع التراث، وفق معطيات العصر الحديث. فما مظاهر هذا التجديد؟ وكيف يمكن للتراث في الفعل المسرحي أن يكون رؤية جديدة ومتجددة؟

 

عبيد لبروزيين

.......................

1- عبد الكريم برشيد، الاحتفإلىة مواقف ومواقف مضادة، دار نشر المعرفة، 2001، ص: 61.[1]

2 - إننا نميز بين طروحات عبد الكريم برشيد النظرية والإبداعية، إذ نجد اختلافا ملحوظا بينهما، لأن طروحاته النظرية تكون غالبا ردة فعل لانتقاد الاحتفالية، وهو ما يجعله يعرف المسرح تعريفا غامضا "المسرح حفل واحتفال"، كما أن كتاباته في هذا الجانب تطغى عليها شخصيته الإبداعية، لذلك لا يمكن الإلمام بما جاء به نظريا إلا بالعودة إلى منجزه الإبداعي. وهو المنجز الذي بوأ الاحتفالية انتشارا واسعا على المستوى العربي، بغض النظر عن كونه يشرح المنجز النظري.

3- محمد أديب السلاوي، المسرح المغربي، جدلية التأسيس، منشورات مرسم،  ص: 197.[3]

4- سعيد الناجي، مهنة المسرح المغربي، مسارات وتقاطعات، ضمن كتاب جماعي، المسرح المغربي بين التنظير والمهنية، منشورات المسرح والدراما التابعة لكلية الآداب والعلوم الانسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، ص: 42.

5- عقا أمهاوش، الفعل المسرحي المغربي والنظريات الغربية الحديثة، م س، ص: 133.

6 - سعد الله ونوس، بيانات لمسرح عربي جديد، ط1، دار الفكر الجديد، بيروت, لبنان، 1988م، ص: 232.

7- سعد الله ونوس، بيانات لمسرح عربي جديد، م س، ص: 132.[7]

8- يونس محمد عبد الرحمان، تأثير ألف ليلة وليلة في المسرح العربي المعاصر والحديث، دار كنوز الأدبية، ط1،1995، ص: 47.[8]

9- أحمد صقر، توظيف التراث في المسرح العربي، مركز الاسكندرية للكتاب، 1998، ص: 46.[9]

 

وجدان عبدالعزيزنص الكاتبة ذكرى لعيبي (من تزعل توحشني الدنيا) حمل لنا رسالة انسانية مفعمة بمشاعر حب الحياة، والتمسك بجمالها وهوالحب، فبدأت نصها بفعل "اكتب" لماذا؟ "لأني احبك"، فربطت فعل الكتابة بعالم الحب، فالحب هو ذلك الشعور الخفي، الذي يتجول في كل مكان ويطوف الدنيا، بحثا عن فرصته المنتظرة، ليداعب الإحساس ويسحر العيون، ثم يتسلل بهدوء ويستقر في غفلةٍ من العقل، ورغمً عنا داخل تجاويف القلب، ليمتلك الروح والوجدان، ويسيطر على كيان الإنسان ..اذن هوالشعور، الذي يتملك الإنسان في داخله، ويطوف به العالم، حيث يشاء بأفراحه وأحزانه، يجول في كل مكان، فوق زبد البحر يمشي، دون أن يغوص في أعماقه، وهو ذلك الوباء اللذيذ المعدي، الذي يصيب جميع الكائنات، دون استثناء وبدونه لن تستمر الحياة على أي كوكب، فمع بداية كل صباح تشرق الشمس من ظلمة الليل الموحشه، لتبعث الانتعاش في النفوس بنورها، ومع بداية كل مساء يضيء القمر ليهدئ النفوس من وحشة الليل المرعبة، ويبعد عنها ظلمته، وكأن الشمس والقمر يربطهما علاقة محبة وتعاون ووجدان وغموض، يتحدى الافهام..لذا كررت الكاتبة اللاءات مرات عديدة، لتنفي عن نفسها القدرة في تفسير سلوكيات الرفض والقبول داخلها، وبقت اسيرة الحيرة في الاجوبة، لكن يبقى الانسان فى حاجه الى ان ينشط وتُمرنّ مشاعره الانسانية..فقلب الانسان وخياله فى حاجة الى ان ينبضا بحب انسان اخر..ومن هنا فكان افتراضنا ان الحب هوالعلاج، لكن هناك دوافع اخرى، قد تكون نفسية بالدرجة الاولى، تقول الكاتبة لعيبي:

(لا أعرف كيف أفسّر احتراقي والأجواء حولك صافية،

ولاأعرف كيف أفسّر انتمائي إليك رغم أننا مختلفان في العقيدة والمذهب والوطن،

ولاأعرف كيف أفسّر قناعتي بأنكَ العشبة التي غفل عنها انكيدو، فجاءت بها رماح السنين، لتعيد لروحي الحياة.

ولا أعرف كيف أفسّر إدراكي بأنك لستَ مذنباً كونك لم تحبني كما ينبغي

ولا أعرف كيف أفسّر براءتي من حزنٍ فُرض عليَّ)

فهذه الحيرة، التي تعيش في داخلها الكاتبة وقلق الاسئلة وفلسفة الحياة، يجعلنا نبرر ان النص جاء بطريقة النثري الشعري، كي تعطي لنفسها الحرية الكافية في التعبير عن رؤيتها الخاصة، لذا الاحظ أن سلوك الكاتبة يكون دائما مدفوعا من الداخل تغذيه حاجات لم تكشف عنها الكاتبة، كما هي، بل راحت تضع تبريرات، كي تخفف ذلك التوتر المخلوق من جراء غياب الاخر، الذي يبادلها عاطفة الحب، فهي تقول: (لا أعرف كيف أحتويك، لأنك لم تحتويني،/ لستَ مرغماً أن تحتويني،/ لستَ مذنباً أن أحببتني أقل مما أستحق/لا أعرف كيف كتبت هذه الرسالة في لحظة عزلة عن النبض)، وهنا فسرت ان الحب حرية، لانه نبض يسري بالقلوب، وبالتالي هويتحول الى التزام اخلاقي، كما الكتابة هي حرية، لكنها موقف والتزام، فحينما عاتبته بشدّة، رجعت، وبررت كتابتها، (لا أعرف كيف كتبت هذه الرسالة في لحظة عزلة عن النبض)، فكان التزامها وصدقها مع اعماقها يمنعها ان تعاتبه، الا انها عاتبته ورجعت بررت هذا العتاب، وكأني بها تعتذر عن هذا..!

 

ـ نص(لا تزعل توحشني الدنيا) للكاتبة ذكرى لعيبي

http://www.almothaqaf.com/b/c1d/933830

 

وجدان عبدالعزيز

 

 

1900 الى 1960

الشعر كما كل مناحى الحياة الاخرى يتأثر بالبيئة المحيطة به ويتأثر – ايضا – بامزجة الناس وبعاداتهم وتقاليدهم وهو فى هذا مرآة صادقة للمجتع يظهر فيها على سواءه وجلاءه دونما كذب او رياء او مداهنة والشاعر – بهذا – هو صوت المجتمع الصادق منذ ان عرف الناس الشعر والى اليوم الذى نعيش فيه الآن . هذا وان كانت تركيبة السودان السكانية ونسيجه الاجتماعى المعقد قد كان لها مكانا عليا فى التحاورات الفكرية، والانعكاسات السياسية، والعلاقات الاجتماعية، فان الشعر وبذات المعنى المشار اليه آنفا قد كان ذا حضور كبير فى ذلك الزخم الذى ظل يسود الساحة السودانية منذ الاحتلال الثنائى والى اليوم حول ازمة الهوية فى السودان.

دار بخلدنا ونحن نطالع بعض نمازج الشعر السودانى فيما بين 1900 - 1960 بان هنالك مايشبه اليقين بان الشعر السودانى قد حاول معالجة بعض الاشكالات التى صاحبت ازمة الهوية الثقافية فى السودان، ونريد فى هذا المقال وعبر سياحة سريعة اننستظهار مراحل ذلك الصراع المريرا لذى قاده بعض الشعراء لوضع الشعر السودانى فى مكانه الصحيح فى ظل واقع كان يختزل السودان بكل اعراقه المتباينة فى عنصر واحدولغة واحدة ثقافة واحدة، فى تهميش متعمد لكم هائل من الثقافات الاخرى التى كانت تتمتع – على اقل تقدير- بالانتماء للوطن (السودان) .

دار بخلدنا تأثر الشعر بذلك التشابك الكثيف فى تركيبة السودان الاجتماعية، وما فطن اليه اولاءك الشعراء وفى ذلك الوقت المبكر من ان السودان العربى الافريقى هو حقيق بان يكون له شعره المميز دون الانتقاء المخل لثقافة واحدة وطرح ما عداها، ومما لا شك فيه ان اولاءك الشعراء قد وضعوا ايديهم على لب المشكلة فى اطرها الاجنماعية و الثقافية السياسية فى محاولتهم الجسورة لطرح ازمة الهوية فى الشعر السودانى، فالى اى مدى نجح اولائك الشعراء فى معالجة ازمة الهوية فى السودان من خلال الخطاب الشعرى ؟؟

(الخطاب االشعرى فى السودان من اكثر ضروب الابداع الثقافى هجسا لقضية الهوية والبحث عن الجذور الثقافية للمجتمع) الصحافة 25\1\2000، وقد ظل ذلك الخطاب ومنذ وقت مبكر يتلمس طريقه الوعر فى دهاليز تلك القضية الشائكة بعزيمة قوية وارادة صادقة وفكر مستنير، ففى عشرينيات القرن الماضى بدأت الثورة على الخطاب العربى الجاهلى فى الشعر السودانى والذى انتظم السودان منذ بداية ذلك القرن باعتبار ان ذلك الخطاب كان ذا نبرة عربية استعلائية، فالسودان بتركيبته الاجتماعية المعقدة وبقبلياته المتعددة وثقافافته المتعددة كان اكبر واشمل منان تسود خطابه الشعرى تلك النبرة الموغلة فى البداوة دون النظر الى ثقافات اخرى لها حق التعبيرعن نفسها ولها – بعد حق الانتماء – بذلك التعبير الى وطنها الكبير دون ان يحجر عليها احد .

لكل هذا بدأت الثورة على الخطاب العروبى الخالص غريبة وخافتة اول امرها فى كم هائل من التقاليد العروبية الراكزة وسط الطبقات المستنيرة فى ذلك الوقت .

كان الخطاب الشعرى فى السودان فى بداية القرن الماضى عربيا خالصا يتحدث عن فراق الاحبة، ويتغنى بالاطلال والدمن ويشيد بمجد العرب وحضارتهم التى عمت الآفاق ... كان الشعر يومذاك يجارى ما قال امرؤ القيس والمتنبىء، وكان يصعب عليك وانت تقرأ ذلك الشعر التصديق بان طبيعة السودان الاستوائية الحارة هى التى اوحت الى اولائك الشعراء ما قالوه، تماما كما يصعب عليك ان تتخيل ان من بين سكان الوطن الذى ينتمى اليه اولائك الشعراء من لا يعرفون حرفا واحدا من اللغة العربية

جد بالرضا وارحم حشاشة ووامق

دنف يؤرقه ائتلاق البارق

لله من ظعنواو كان قرارهم

بين الضلوع وبين خلقبى الخافق

(الشاعر محمد سعيد العباسى)

 

امم الهلال مقالة من صادق

والصدق اليق بالرجال مقالا

هذا هلالكم تكفل بالهدى

هل تعلمون م عالهلال ضلالا

سرت الحضارة حقبة فى ضؤه

ومشى الزمان بنوره يختالا

(الشاعر عبد الله البنا)

هكذاكان الخطاب الشعرى فى السودان فى ذلك الوقت عربيا قحا قبل ان يعلن حمزة الملك طمبل معارضته السافرة لذلك الخطاب ثم تبعه من بعد الامين على مدنى منادين – بحق – ان يكون الخطاب الشعرى سودانيا فى مبناه وملتصقا بهموم الناس فى معناه ومعبرا عن اشواقهم الحقيقية فى مبتدأه ومنتهاه، ولكن اصطدم ذلك التوجه بمعارضة عنيفة من شعراء ذلك الوقت فلم يقو على الوقوف امام تقاليد الثقافة العربية الراكزة بين شرائح المجتمع المستنيرة فى ذلك الوقت.

ثم جاءجيل الخمسينيات وفى معيته – ايضا- رؤية مغايرة لخطاب السودان الشعرى آنذاك ذكاها ونماها لديهم تزايد المد الافريقى فى حركاته التحررية التى بدأت تطل برأسها وسط ليل بهيم تراكمات المظالم التى صنعها الاستعمار، فتغلغلت لغتهم الشعرية فى وجدان الامة السودانية فى بعدها الافريقى ممتثلين فى ذلك لحتميات التاريخ التى شكلت مجتمع السودان من عرقيات متباينة ومختلفة ومتجاوزين – كذلك – لفرضيات جعلت من السودان وطنا خالصا للعنصر العربى

انا من افريقيا ارض الكنوز

لم تزل اعماقها مثل الرموز

 

قد مشينا نتحدى القــــــــدرا

لنحيل الارض كونا اخضرا

(الفيتورى)

وعيونهم مصلوبة الاجداث تمعن فى القرار

ترتاد اودية السراب

تلوذ بالوهم المحنط فى تراب الغافليين

(كجـراى)

ربما يكون ردة الفعل هى التى جعلت ذلك الجيل ينتقل من الخطاب الشعري العربي الخالص الى خطاب افريقى حاد من موضوع القصيدة الى ادق مفرداتها ويهمل منجانب آخر المكون العربى فى اشارة لوضع خطاب السودان الثقافى كله فى اطار افريقى كامل .

مهما يكن من امر فان ذلك الجيل قد نجح فى وضع الثقافة السودانية فى بعدها الافريقى على السطح بعد ماكانت مقصورة لازمان طويلة تحت ركام أنسيان والتجاهل، ولكنه رغم ذلك لم يستطع ان يوائم بين كلتا الثقافتين لابراز خطاب شعرى سودانى موحد ذو مكونات عربية افريقية

بحلول عقد الستينات برزت رؤية اخرى لجيل آخر اراد ان يتدارك اشكالات هوية الشعر السودانى فطرق بقوة على ابواب تأصيلا لخطاب الشعرى حتى تفتحت مغاليقه وولج بعد ذلك الى لب الازمة مستصحبا حلم الوحدة الكبرى التى يمتزج فيها العرب بالافارقة، وقد نجح ذلك الجيل الى حد مافى (طرح الاسئلة المتعلقة بالهوية الجذرية التى كان قد اثارها ناقصة وملتبسة بالهم التحررى الوطنى جيل الثلاثينيات عبر تساؤلات واشكالات الحداثة ثم انداحت تساؤلات جيل الستينات حول هوية الكيان السودانى ذاته ومركباته السلالية الانثربولجية حول هوية الثقافة السودانية) مجلة الملتقى اول ماس 1994م

انا من افريقيا

صحرائها الكبرى وخط الاستواء

سحنتنى بالحرارات الشمـــــوس

 

وشوتنى كالقرابين على نار المجوس

ارهقتنى فانا منها مثل عود الابنـوس

(صلاح احمد ابراهيم)

 

الليلة يستقبلنى اهلى

اهدونى مسبحة من اسنان الموتى

ابريقا جمجمة .. مصلاة من جلد الجاموس

رمزا يلمع بين النخلة والابنوس

(محمد عبد الحى)

 

اذن فقداستطاع جيل الستينات ان يحدد ازمةالهوية فى الشعر السودانى بما اجترحه من رؤى جديدة فى تلك الازمة تمثلت فى (اعادة صياغة لمفاهيم والاسئلة المتعلقة بالهوية العربية الافريقية من جديد) الصحافة 25\1\2001

وقد لازمه التوفيق - الى حد ما - فى تلك الرؤية حينما سعى الى توحيد الخطاب الشعرى ليكون معبرا عن الثقافة العربية الافريقية فى السودان متجاوزا فى ذلك الانحياز الى اى من الثقافتين كما فعل قبله جيل القرن الماضى او جيل الثلاثينيات منه، كما لازمه التوفيق - ايضا- فى (رؤية الكون واستكشافه سابقا فى ذلك علوم السياسة والاجتماع ومتقدما على مجمل الحركة السياسية فى البلاد والتى استعصى عليها ان ترى عروبة السودان موضوعة بين قوسين) الصحافة 25\1\2001م ، فكان خطابه المتوازن ذاك خير معين للحركة السياسية والاجتماعية للنهوض من تكلسها الغير مبرر لمواجهة اشكالات التعدد العرقى بمفهوم موضوعى مستنير، ومعالجة تلك الاشكالات بانصياع كامل لواقع السودان الماثل، تماما كما فعل اولائك الشعراء فى مناداتهم المستمرة لابراز سودان عربى افريقى موحد .

فهل - يا ترى – نحلم بيوم تسود فيه وحدة الخطا ب الشعرى بكامل معناه وتجذيره نهضويا فى انسجة المجتمع السودانى؟

اماان تأثير القوى السياسية والاجتماعية التقليدية سيظل كابحا لتلك الوحدة ومانعا لها من التحقق حيث تظل العربية والافريقية فى السودان تسيران فى خطيين متوازيين لا يلتقيان الا فى الانهاية .

 

بقلم: ناجى احمد الصديق - السودان

  

عقيل هاشممرايا الذات، نصوص من شعرية اللاشكل

"تشاكل"

(تمنيت ان اجعل من عينيك سكني: لكني اكتشفت أن -الحواسم -سبقوني)

عتبة تاويلية:

أخذت الكتابة تنهج نهجاً مغايرا في الآونة الاخيرة، وباتت ظاهرة تداخل الاجناس والتكثيف الدلالي والاختزال اللفظي سمة أسلوبية بارزة، مما نتج عنها ظهور العديد من الأجناس الأدبية الجديدة والمتداخلة ، نصوص أدبية متشابكة من الناحية الشكلية والمضمونية وأيضاً المقصدية؛ فهذه النصوص تعتمد على فهم المتلقي، وتفاعله، ومدى إدراكه للنصوص الجمالية ،تلك حساسية جديدة، تنفلت من قواعد المحظور، وتبوح بدوافعها دون حاجز أو قيد ، أسئلة تعبر عن مدى الدهشة والرفض والاستهزاء،وهذا الجنس هو شكل من أشكال الكتابة والتعبير لإثبات الذات عابرة للتقاليد الفنية للكتابة و خلق حالة من الدهشةِ والغرابةِ لدى القارئ الَّذي يطمئنُّ إلى أنَّ الأحداثَ تسيرُ وفق مسارٍ معين..

أقول (النص السردى) هو نص متمرد شكليا مهمته سبر أرض المدونة السردية لسارد مغاير يسرد نصوصه وكشف تحولاتها وتضاريسها وشفراتها النصية بإصغاء متعاطف وبوصفها ظاهرة إبداعية لا تقل تعقيدا عن عصرها، وتنفتح برحابة على الفنون الأخرى، فتسقط الحدود بين الحقيقى والمُتوهم، وتغرم بالتمرد .إذن هذاالخرق الفني هو تجريب احتجاجي يجنح إلى البذاءة والقبح تعبيرا عن الرفض والاستنكار.

اقتباس:

انسداح":"

(احرن به جواد الوقت عند بوابة كبيرة .اخبره الحرس:ان القائد يحلحل الواقع المتشابكة ،بمشاركة كبار الرتيب.ينشتل على لوح الانتظار .يلتمس ابتسامة الامل المحبوسة خلف الابواب .سيعرض ظلامته .ويضع بوصلة حياته على بساط المسؤولين.تتناوس الدقائق في مناخ سياسي خانق وطقس مستعر.لتنسدل على الساعات ..عيناه ملتصقتان على ساج الباب.فجاة .تزكم انفه رائحة طعام شهي يخطف باتجاه الباب فتنزاح ضلفة منه .ينكشف المشهد عن ضابط كبير ينحني على طاولة البليارد يحرك بيده عصا اللعب .تحيطه ثلة من الرتب ,خلفهم لوحة مبهرة .باح جزء منها (وقل اعملوا فسيرى الله...)

عتبة سردية:

"مَسُ من يباب "نصوص سردية ميتاواقعية قراءة في صراع الذات/الموضوع ونقدها ،كشف من ظواهر بنى سايكولوجية وأسئلتِها المعلَّقة على احتمالات مفتوحة بإجابات نجدها منثورة على لسان كاتبها لضحايا لم يكونوا طرفا فيها ، لذلك جاءت عتبة العنوان (مس من يباب) انزياحا للوجه الرمادي لنص شعري (ارض اليباب) هذه المدونة الرمادية هي كشف كوني وهمّا جمعيا متناقضا في ذاته وتوجهاته تحت سلطة الاستبداد،في الخلاصة نصوص اختصرت صورة الحياة اليوم بهذه الماساة .

اقتباس:

"مس من يباب"

(تطرح الموظفة السجل المعبا بعبق الماضي .تتشرح اوراقه الناطقة بلون الموت .يشهق صفارها بوجه الضوء .وتنطق تراسيم حروف واشارات مكبلة بالذكريات .تقاطع السطور السود تعبير حمر بداخلها الاخضر .تشغل الاستدراكات تعابير حمر... ص53)

هذه النصوص في مجملها قد اهتمت بالمضمون الفني لتكشف بصراحة الدلالات والإيحاءات الخفية التي تضمنتها النصوص هي محاولة لتسليط الضوء وفتح باب التأويل في عتمة اللغة بتعدد القراءات والدلالات ،والتي وظف الكاتب رموزها بعناية فائقة في خدمة قضية الوعي واللاوعي ودورها في بناء واكتمال الصورة الفنية التي تخطت تقاليد السرد الفني ببنيتها الإبداعية . هي محاولة جادة في البحث عن عمل إبداعي يستوعب متطلبات الواقع بتناقضاته وانكساراته وهي أيضا محاولة لتفكيك عميق للوعي واللاوعي الجمعي بعدد مستوياته وتعدد شخصياته الهلامية لتسليط الضوء على الأزمة المصيرية التي يواجهها الانسان امام مايجري من تراكمات فوضوية بتراكماتها وانعكاساتها السلبية.

اقتتباس:

"انفلات"

(الديك مات .تبرق عينا البنت .تترقرق ماقيها.يتهستر الانفعال يلحق بصراخ .يخرج نصالا حادة من الضحك :الحمدلله ...ينفتح غشاء جفنه ببطء .ثم ينسدل منطفئا.ليترك عينه نصف مغمضه...ص66)

هذه النصوص المثقلة باليأس والأحزان والخيبات يسيطر عليه اللاوعي واللاشعور إلى حدود الهذيان والجنون في محاولة الوصول إلى تحقيق نزعاته ورغباته المكبوتة ، اذن هي جريئة ومستفزة وشكل من أشكال الرفض ضد سلطة العنف والتعسف ، وترسم خريطة الوعي الممكن لتحقيق كل ما هو جديد ومختلف بحسب القناعات الفكرية والثقافية لساردها.

هذه الفوضى وما ينتج عنها من الشعور بالقلق والتوتر والحزن والنظر إلى البعيد عبر مراجعة الذات والاستفادة من التجارب، رغباتها تتجاوز الحوار الصامت والأنماط الجاهزة إلى الحوار بصوت عال ومباشرة..

وأخيرا ..أقول إن النصوص السردية في (مسُ من يباب ) كتبت باسلوب شعرية اللاشكل مثلما نقلها لنا كاتبها (مهدي عي زبين) إمعانا في توظيف هذه الجنس المتداخل وانعكاس مترجم لمدى السخرية من مرايا الذات، ومرارة التهكم من واقع اجتماعي متداعي، ومن خلال سرده هذا استطاع أن يشقّ لها مسارا مبطّنا بخصوصية التلاعب اللغوي هي نصوص اقول.تاويل هذا الهامشي كمعادل موضوعي للدمار وانحراف السياسة والدين..

اذن هي نصوص سردية فوضوية لاتظهر الا في زمن الفوضى وما ينتج عنها من الشعور بالقلق والتوتر والحزن ، ساردها تجاوز الحوار الصامت والأنماط الجاهزة إلى الحوار بصوت عال ومباشرة.

 

قراءة عقيل هاشم الزبيدي

 

614 متوالية قصصيةنشرت (المدى) في عددها الصادر يوم 22/7/2018 مقالا بعنوان (روبرت شولز والمتوالية السردية) للناقدة د.نادية هناوي، وهو واحد من مجموعة مقالات نشرتها في الآونة الأخيرة كانت تؤكد فيها على خطأ من يعد المتوالية القصصية جنسا أدبيا ووهمه، وكانت في كل المقالات متحاملة بطريقة غريبة حتى وصلت في أحد مقالاتها إلى عد أولئك الدارسين (وأنا منهم) مجرمين وأنهم يرتكبون جناية، وكنت أستغرب هذا التحامل حتى وقعت على هذا المقال مصادفة لاكتشف السبب، فالمشكلة كلها هي الترجمة وفوضى المصطلحات، فالدكتورة هناوي تتحدث عن شيء سمته المتوالية السردية  أحيانا والمتوالية القصصية أحيانا أخرى والاثنين معا في هذا المقال وغيره، بينما كتبت أنا عدة مرات عن شيء آخر هو المتوالية القصصية مختلف تماما عما تعنيه الناقدة، وأحاول هنا بيان هذا اللبس.

في البداية أود أن أعبر عن كل الاحترام والتقدير للدكتورة هناوي التي أحترم عقليتها وإخلاصها لكتابتها، وما سأقوله هنا ليس سوى خلاف علمي، أثق أنها ستتقبله مني.

كشف هذا المقال أن الناقدة تخلط بين مفهومين لا يربط بينهما رابط سوى مشكلة الترجمة الأول الذي تتحدث عنه هي هو تقنية سردية ولا يمكن أن يقول أحد أنه جنس أدبي ومعها الحق في كل ما قالته، والثاني هو شيء آخر، هو جنس أدبي مستقل والواضح أن الدكتورة انشغلت بالفهم الأول ولم تقرأ شيئا عن الثاني ولم يقع في يدها متوالية قصصية لتقرأها وتعرف عن أي شيء نتحدث ولماذا نختلف.

اعتمدت د.هناوي في مقالها على ترجمة الأستاذ سعيد الغانمي لكتاب (السيمياء والتأويل) لروبرت شولز (من غير أن تشير له) ونقلت نصوصا منه، والأستاذ الغانمي مترجم فذ يختلف عن غيره بكونه متخصص بالأدب، لكن مشكلة المصطلح المترجم تعترض حتى المتخصصين مهما توخوا الدقة لانعدام الاتفاق على صيغ موحدة للمصطلحات.

بنت الناقدة مقالها على فصل في كتاب شولز يحلل فيه قصة (إيفلين) لجيمس جويس مستفيدا من منهج سيميائي يجمع بين تودوروف وجينيت وبارت، وما يعنينا هنا هو منهج تودوروف في الديكاميرون الذي ينطلق من مقاربة العمل السردي نحويا، وهو ما وضحته باختصار جميل د.نادية هناوي في مقالها واقتبست من ترجمة الغانمي العبارات التي رأت أنها مهمة، وقد جاء في كتاب شولز المترجم ص 151 هذه العبارة:

"لكن ما القصة؟ يساعدنا تودوروف على الدقة في الإجابة عن هذا السؤال. القصة هي نوع من توالي القضايا. والقضايا القصصية على نوعين: الصفات والأفعال. وأهم متوالية قصصية هي الصفة...."

ويبدو أن هذه العبارة هي التي سببت المشكلة، وهي مشكلة ترجمة، ولو عدنا إلى النسخة الأصلية سنجد عبارة شولز هكذا  في ص89 كما تبين الصورة المرفقة:

But what is a story?Todorou will help us be precise in answering

that question, A story is a certain kind of sequence of propositions

Fictional propositions are of two kinds: attributions and actions.

The most fundamental fictional sequence is attribution,

ووقع الإشكال في العبارة الأخيرة التي قصدنا كتابتها بخط غامق، فتودوروف الذي ينقل عنه شولز لم يكن يتحدث عن متوالية قصصية ولا متوالية سردية، بل يتحدث عن اللغة في قصة أو رواية أو حكاية واحدة، ليقول أن القصة نتاج توالي الصفات والأفعال، والتعبير fictional sequence هو الذي فيه إشكال الترجمة فالأستاذ الغانمي ترجمه متوالية قصصية، وأنا أتصور مكابدته وهو يترجم هذه الجملة، ولو أنه ترجمها السلسلة السردية لكنا تجنبنا الوقوع في هذا الفخ، ففي الإنكليزية كلمتان يترجمهما المترجمون (سردي أو قصصي) وهما (fictional, narrative)، لكنهما مصطلحان مختلفان تماما، فكلمة fictional تصف العمل السردي وقد أصبح جاهزا للتلقي، بينما تصف كلمة narrative عملية السرد داخل العمل، وكلاهما لا علاقة له بالمتوالية ولا بالقصة، وإنما كان الحديث عن توالي الصفات والأفعال.

بعد هذا الحديث تهاجم الناقدة أكاديميين يحملون طلابهم على الكتابة عن جنس أدبي اسمه المتوالية القصصية وتتهمهم بالوهم والجهل، وأنا أوافق على ما ذهبت إليه لو كان المقصود ما فهمته هي، لكن المشكلة أنها تتحدث عن شيء آخر غير الذي نعنيه وهو جنس أدبي دون شك.

تسمى المتوالية القصصية بالانكليزية أسماء عدة أشهرها ثلاثة، ففي أمريكا يسمونها حلقة القصة القصيرة Short story cycle بينما يسمونها في بريطانيا الكتاب القصصي Story book أو المتوالية القصصية Short story sequence، وسأسمح لنفسي أن أسأل سؤالا شبيها بسؤال شولز، فما هي المتوالية القصصية؟ وسيجيبنا على هذا السؤال فورست إنجرام وهو أول من ألف كتابا خاصا بالمتوالية القصصية حيث نشر كتابه (حلقة القصة القصيرة في القرن العشرين – دراسة في الجنس الأدبي) عام 1971، حيث عرفها في ص19 من كتابه بأنها:

"كتاب يضم مجموعة من القصص التي قصد المؤلف أن تكون مترابطة بمستويات متعددة ما يدفع القارئ إلى تعديل تجربته القرائية عند إتمام الكتاب."

فعلى الضد مما هو معتاد عند كتاب القصة من نشر كل قصة يكتبونها منفردة في صحيفة أو مجلة ثم يجمعونها في كتاب يطلقون عليه تسمية مجموعة قصصية، تكون المتوالية القصصية مشروعا واحدا، فيقرر القاص أن يكتب سلسلة من القصص المستقلة عن بعضها، بحيث يمكن قراءة أي قصة منفردة، لكنها تشترك بشيء واحد يربطها، فمثلا يمكن أن يكون بطل القصص جميعا واحد، أو أن القصص كلها تحدث في مكان واحد محدد، أو أن كل القصص تنتهي نهاية متشابهة، أو تتحدث عن ثيمة واحدة، وهكذا سيكون الانطباع النهائي بعد قراءة الكتاب بأكمله مختلفا عن الانطباع المتولد من كل قصة منفردة. فمتوالية القاص الكويتي طالب الرفاعي (الكرسي) مثلا فيها موضوع كل قصة كرسي مختلف، كرسي الحلاق، كرسي رئيس مجلس الإدارة، كرسي التعذيب، ...... .

ويقدم القاص المصري منير عتيبة نمطا مبدعا من المتوالية القصصية المبنية على المكان كتابه (حاوي عروس) فكل القصص تحدث في منطقة (خورشيد) وهي من أطراف الإسكندرية المهملة إلى حد كبير، كل قصة تقدم شخصية من خورشيد وبيتا من بيوتها، وحين نكمل المتوالية نكون قد رسمنا خارطة لهذه المنطقة.

بقي أن أقول أن لا أحد في الكتابات الإنكليزية يناقش فيما إذا كانت المتوالية جنسا أدبيا أم لا، وكل من يكتب عنها يصفها بأنها جنس أدبي كأن القضية مفروغ منها، إلى أن أصدرت جنيفر سميث كتابها (حلقة القصة القصيرة الأمريكية) أوائل العام 2018 مخصصا لبيان سمات هذا الجنس الأدبي وإطاره النظري. والطريف أن إحدى طالباتي أنجزت رسالتها للماجستير بعنوان (المتوالية القصصية جنسا أدبيا) قبل صدور كتاب جنيفر سميث بعامين.

 

د. ثائر العذاري

 

عبد الله الفيفي(الدوبيت): وزنٌ عَروضيٌّ، قيل إنه دخل العربيَّة من الفارسيَّة. ويدلّ اسمه الفارسي على ذلك، وعلى أن الأصل فيه أن يُنظم على بيتين بيتين. منه رباعيٌّ، تكون أشطر بيتَيه الأربعة بقافية واحدة، وأعرج يندّ الشطر الرابع عن قافية الأشطر الثلاثة، ومنه ما يلتزم الوزن ويقفِّي على طريقة القصيدة العربيَّة، دون تنويع. ويسمِّيه (عبدالستار النعيمي) "بحر الميزان"، ذاهبًا إلى أنه "بحر متأصّل بتفاعيله من بحور الشِّعر العربي التي استنبطها (الخليل)، يرحمه لله. عربيّ المنشأ، شأنه شأن الموشَّح؛ لكنه، كما وجدنا أكثر التراث العربي، قد طُلِي بصبغة أعجميَّة صِرفة نتيجة ضياع أو طمس أولياته".

ومهما يكن من أصلٍ، فإن من يسمع هذا الوزن مغنًّى يُدرك موسيقيَّته غير النابية عن الأُذن العربيَّة، غير أنه سيحار في إدراجه في العَروض العربي، وفق بحوره الستة عشر. وهذا ما حَدَثَ لي حيال نشيدٍ أرسله إليّ صديقٌ كويتيّ لإبداء الرأي، ومعرفة معاني بعض الكلمات. وهو عن قصيدة للشاعر اليمني (عبدالله العلوي الحداد)، التي نشرها الشاعر الكويتي (عبدالله الفرج)، وقام بغنائها (عبداللطيف الكويتي)، وغيره، ومنها:

الحمدُ لمَنْ قَدَّرَ خَيرًا وقَبَالا

والشُّكرُ لمَنْ صَوَّرَ حُسْنًا وجَمالا

فَرْدٌ صَمَدٌ عَنِ صِفةِ الخَلْقِ بَرِيْءٌ

رَبٌّ أَزَلَيٌّ خَلَقَ الخَلْقَ كمالا

بالمَجدِ ، وبِالجُوْدِ ، وبالجدِّ تجَلَّى

ما مالَ عَنِ العَدْلِ، ولا نالَ ملالا

ذو القُوَّةِ، ذو الطَّوْلِ، وذو الفَضْلِ، مَلِيْكٌ

ما دَوَّحَتِ الأَرْضُ جَنوبًا وشَمالا

فوزن هذه الأبيات (مستفعلتن/ مفعولُ/ مستفعلتن تن) في الشطرين. ذلك أن أصل وزن الدوبيت (مستفعلتن/ مفعولُ/ مستفعلتن). ومن صُوَره أن يأتي مرفَّل العَروض والضرب، أي بزيادة سببٍ خفيفٍ في آخر التفعيلة الأخيرة، فتصير: (مستفعلتن تن). ويدخل حشوَه الخَبْنُ والطَّيُّ، على التعاقب، أي إذا دخل أحدهما لم يدخل الآخَر. لذلك تُصبح (مفعولُ) تارةً (مَعُوْلُ)، وتارة (مَفْعُلُ).

وبغضّ النظر عن ركاكة الأسلوب في قصيدة العلوي، فما يعنينا هنا أن الدوبيت خيارٌ موسيقيٌّ شِعريٌّ رائق في الذائقة العربيَّة. وغناؤه يكشف عن جمال موسيقيَّته أكثر من قراءته.

ومن المعروف في التراث العربي أن وزن الدوبيت عُرف منذ القرن الثالث الهجري، وازدهر في شِعر القرون المتأخِّرة، من السابع الهجري إلى الثاني عشر. ومنه ما اشتهر في الغناء العربي، كقصيدة (البهاء زهير):

يا مَنْ لَعِبَتْ بهِ شَمُوْلٌ

ما أَلْطَفَ هذهِ الشَّمائلْ

نَشْوَانُ يَهُزُّهُ دَلالٌ

كالغُصْنِ مَعَ النَّسيمِ مائِلْ

لا يُمْكِنهُ الكَلامُ لكنْ

قد حَمَّلَ طَرْفَهُ رَسائِلْ

ما أطْيَبَ وَقتَنا وأَهْنى

والعاذلُ غائبٌ وغافِلْ

وكثيرًا ما نجد وصف هذه الأبيات في الأوساط الغنائيَّة بأنها "موشَّح". وهذا خلط، فليست بموشَّح، بل هي "دوبيت". وقد ذكر محقِّقا ديوان البهاء زهير، (محمَّد أبو الفضل إبراهيم ومحمَّد طاهر الجبلاوي)، أن القصيدة "من بحر السلسلة، وهو مجزوء الدوبيت"! والصواب أنها ليست من مجزوء الدوبيت، بل من تامِّه، مكشوفِ العَروضِ حَذَّائها، مكشوفِ الضربِ حَذَّائه. أي أن تفعيلاته: (مستفعلتن/ مفعولُ/ مستفْ) في المصراعين.

فما أكثر المهمل من تراثنا العربي وما ألطفه، لو أحياه العرب، عِوَض تلقُّف التجارب، غربًا وشرقًا!

 

بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

615 علي لفتهجميعنا يعرف  (مثلث الرياضيات) و(مثلث برمودا)، لكن (مثلث الموت) ثيمة جديدة تبعث إلى الشجن والدهشة؛ لأنها ارتبطت بمفهوم (الموت).

من هنا أستثمر الروائي (علي لفته سعيد) تقانة هندسته الفكرية والرمزية في بناء عنونة روايته (مثلث الموت)، والتي صاغ عن طريق متنها السردي واقعية معاشة بأمتياز ابتعدت عن المبالغة والصياغة المفتعلة.

نحن نقرأ نجد ذاتنا تكمل صياغة المشهد ورسم أحداثه؛ لأنه مشهد معاش بأمتياز من الواقع وجذوره الجديدة التي صاغته بإزاء مجانية الموت والخراب المجاني للبلاد.

ولا تبتعد سردية الرواية عن فكرة الطائفية-بل هي الفكرة الرئيسة في بناء عنونة الرواية، وصياغة حبكتها -، لتشكل الهندسة الرياضية حضوراً في بناء اضلاع المثلث، فالمثلث بأضلاعه الثلاثة مثل هرماً رأسه المدبب يرمز للموت الطائفي، وضلعاه القائمان المتصلان بالرأس والقاعدة يمثلان الدين والأحزاب والسياسة، وقاعدته الجماهير المسحوقة الضعيفة الفاقدة لمصيرها ومستقبلها" إنه صراع الموت.. الاحتلال بحاجة المقاومة، والمقاومة بحاجة إلى موت والعنوان هو القفل".

تسرد الرواية صحبة ثلاث شخصيات تعمل في مهنة الصحافة، كانت شخصية (سلام) أقوى من شخصية( أحمد وخضير)، أما (منتظر) فهو زميلهم أيضاً لكنه صحفي متملق، بعكس (سلام، وأحمد، وخضير) فإنهم صحافيون ملتزمون.

تجري أعمالهم في المناطق الساخنة التي تمثل حبكة (مثلث الموت) وهي( اللطيفية، والمحمودية، واليوسفية)، شكلت هذه المناطق أخطر أماكن بغداد بعد(2003) لاسيما في المدة مابين(2006، 2007)،إذ سيطر رجال الدين السياسيين المزيفين على المناطق أغلبها، والجماعات الدينية بأسم المقدس الديني المبطن بالضغط السياسي المفتعل، التي نجحت في فرض السيطرة على مساحة هذه المناطق بالكامل، مما تسبب في حصد عدد كبير من القتلى، فضلاً عن الأقتتال بسلاح الهوية الطائفية المميت.

ويحمل الطابع المرجعي للرواية هماً وجودياً أو قلقاً فكرياً، فالشجن سيطر على بناء السردية أغلبها.

أهتمت السردية بمناقشة قضية" أهمية الدين واستغلاله" ؛لأنه تحول إلى  أستعمالية مجانية .

حصرت الرواية سرديتها ضمن نطاق محدد ينحصر بواقع بغداد أولاً، والعراق ككل ثانياً.

وشخصيات الرواية مثقفة واعية نقلت واقع يومي معاش، ابتعدت عن الخيالية والمبالغة، وانطلقت في رسم فضاء روائي متقن.

أضيف، أن القارىء لرواية (مثلث الموت)، يجد أمكانية متقنة في نقل الواقع بتجلياته جميعها، ولم نجد ذاك الكم السردي الخيالي، فكلما أقترب المتن السردي من القضية الأجتماعية كلما وجد حضوراً تشهد له الساحة الأدبية والنقدية.

 

بقلم: د. وسن مرشد

 

607 ماجد الحسنقراءة في مجموعته الشعرية: أول الفجيعة الرأس

يُعد ماجد الحسن من الشعراء العراقيين القلائل الذين تمكنوا من استيعاب الرؤى الفلسفية والشغف بها وطرحها بصور شعرية، وما يشفع له أنه دارس للفلسفة وقارئ لها.

ماجد الحسن عضو اتحاد الأدباء العراقيين. درس الفلسفة وحصل على البكالوريوس فيها.

من مجاميعه الشعرية:

ـ أول الفجيعة الرأس وـ خيول مُشاكسة...ـ لا مأوى أيتها الغيمة...ـ ولا أُريده صعوداً...ـ أين سيهبط بنا الدُخان.

ومن دراساته النقدية:

ـ البنية المكانية، قراءة في شعر عيسى حسن الياسري...ـ تجليات النص، مسارات في تأملية في سؤال الذات...ـ حياة العلامة، محاولة لادراك الأنساق الثقافية الشعبية.

كونه دارس للفلسفة نجد نصه الشعري مُكتنز المعنى، ففي مجموعته الشعرية الأولى "أول الفجيعة الرأس" نجد دلالة المعنى تغلب على صياغته للصورة الشعرية إن لم نقل أنها تُجهز عليها، فالرأس حامل الوعي والفكر هو مكمن التفكر وهو مناط الحزن الحامل للعاقل دوي الفجيعة.

ماجد الحسن يكتُبُ نصوصاً غير مُعلنة، كما يُصَرح هو، أي أن معانيها مُضمرة، لا يفك مغاليق القول فيها سوى دارس للفلسفة. في إنبهاره بمعطى الشعر تكوثر للمعنى وتطوبع للفظ اليوناني بمقابله العربي.

في نصوص الحسن توظيف لرؤى الفلاسة الطبيعيين وكل تاريخ الفلسفة اليونانية تحولات الفهم لها في الفلسفة العربية.

فمن لم تكن له دراية وخبرة بمفاهيم الفلسفة وقراءة لتاريخها لا قُدرة له لمعرفة مرامي (الحسن) في إحالاته الشعرية.

شهقة العصافير...

نجمة تنام بين الغصون

وعاشق يحفر أصابعه في الجذور البعيدة

وفي نص آخر يقول:

أحياناً...

ننبسط جداً

فنستنشق نحول الأرض

متى تتعافى أيام الخريف

...

النهر يُقطع أوصاله

علَه يلَم شتات الحقول

...

نرتدي أجسادنا على عجلٍ

ونحُث الزمان...

لموت بطيء

تقطيع النهر لأوصاله واستنشاق نحول الأرض وانتظار تعافي الخريف وسعينا لارتداء أجسادنا على عجل بصورة شعرية بهية فيها كل الألم تُحاكي الزمن لا لعتاب للشاعر معه لأنه ملَ العتاب، بل هو في حالة من اليأس يحث الزمان فيها "لموت بطيء"!.

ماجد الحسن يكتب تاريخ الحزن بلغة فلسفية فيها بعض من التعالي عن وعي العامة، ولكنها لغُة مُكتنزة المعنى يستجير بها بالصمت بديلاً عن اللغة:

أيها الصمت،

إليك أستجير...

وبك أُعلق بهائي

الصمت عند (الحسن) لغة الذات حينما يعجز عن الكلام:

عند النوم أتأبط رأسي وأُدثره

لئلا يسرقه الحلمُ

أو يُصاب بقشعريرة

الملوك

وإن لم يكن في سجل تاريخنا من يُخبرنا أن للملوك قشعريرة، لكن الحسن ـ كما أظن ـ يُوردها على سبيل التهكم لا الاستحسان.

فكل ما ذكرته سجلات التاريخ أن الملوك لا تينشغلون سوى بسرقة أحلام الجماهير = (العصافير) التي تهتف يوماً بيعيش الملك وتارة أخرى تهتف بيسقط الملك، زكل شعاراتها بحسب مُتغيرات الحال والأحوال، ولكنها طيبة لها براعة التمثل لهذه المُتغيرات:

تلك هي براعة العصافير

لا تكف من تأبط الأشجار

وحين تطوح بها الرياح..

تندس غير آبهة بارتعاش الغصون

براعة العصافير هي براعة لجماهير، وكما العصافير لا تكف عن تأبط الأشجار نجد الجماهير لا تكف من احتمائها بالأوطان، ولربما يظن القارئ أن الأوطان تأوينا بمعنى "تتأبطنا" أقل له إننا نحن من يتأبط الأوطان ونأويها لا تأوينا، فهذا العراق كم آويناه ولم يأوينا!.

الأوطان ليست أمكنة نسكنها، إنما هي مُخيلة مُستمدة من ذاكرة تسكننا تندس فينا بارتعاش، ولا نندس فيها!!:

أتأبط مصيري...

وأنا في الطريق،

إلى وجع الأوراق

إنه وجع السنين وأوراق العمر التي تساقطت "وركة ابأثر وركة". فالخطوات "ترتجل الشهيق

...

الطريق يمشي لوحده

أتبعه...

فتتبعني عناقيد من الرؤوس

...

إن الليل مصلوبٌ وقدماه في الذاكرة"

يعود الشاعر ليجعل من الصمت لُغةً ناطقة بقوله:

سأقفل باب الكلام...

هكذا أُعلمكِ،

كيف تبوحين بقتلي

الحسن يستحسن الصمت ويجعل من لغته البهية بصور مُفارقة لمألوف القول الشعري لفرط هيمنة الوعي الفلسفي الظاهر في بينيات ومُضمرات قوله الشعري ليجعل من ألفاظ مثل:

الصمت، والهدوء، والنُعاس، ووجع الأوراق، والإصغاء، كُلها ألفاظ دالة على قيمة المعنى الراكس خلف اللفظ، وبنُطقه يستفز المُتلقي للبحث عن معانٍ أُخرى:

من يقول للنهار...

أنت لا تُحسن الاصغاء للشمس؟

في قصيدته (هومش لنصوص مُعلنة) يقول الحسن:

كُلما يستيقظ الليل...

أتذكر الرماد الذي يرفس في أحشاء البيت

...

الشمسُ تُمزق قميص الليل

الليل هو الهدوء، ولكن صخب الحياة والرغبة في العيش خارج السكون وضد كل ألفاظ الصمت بكل ما فيها من قيمة أخلاقية مُعبرة إلَا أن الكلام رؤية وفكرة وتصريح وتعبير عن قبول ورفض، ولا يصح السكوت أو الصمت في زمن:

كُل يوم...

الشمسُ تُمزق قميص الليل

والليل...

بهجوعه يستجير بالنجوم

فبعد كل ليل ينبلج الصبح، وكل ليل لا معنى له من دون أن تستفزه النجوم في أوانه، وكل ليل يتغنى بحياة أخرى في انبلاج النهار واشراقة الشمس بزهو يوم جديد.

ماجد الحسن يصنع عوالماً في الشعر يقترب بها من مرامي الفالسفة في سعيه للكشف عن حقائق كامنة في القول الشعري يستجليها الفيلسوف برؤاه البرهانية، وعلى ما بين الشعر والفلسفة من تباين ملحوظ من جهة تبني الشاعر لرؤاه الذاتية بعيداً عن الدفاع عنها وفق المنطق البرهاني الذي يختلف فيه الفيلسوف عن الشاعر.

ولكن كلا القولين الشعري والفلسفي يشتركان في همَ واحد انشغل به ماجد الحسن في كتاباته الشعرية والنقدية ألا وهو الإنسان الذي انشغلت به الفلسفة ببعدها العقلاني (التقني) أو ببعدها الجمالي المخيالي المُتداخل مع القول الشعري ببعده الفني (الجمالي).

ما يُميز ماجد الحسن أنه قدم من الفلسفة إلى الشعر، وكل أقوايل الفلسفة من قبل كانت أسطورية كُتبت بلغة شعرية لا يُمكن لنا أن ننفي عنها سمة الوعي العقلاني المُضمكر في النص الجمالي الشعري أو الأسطوري.

 

ا. د. علي المرهج

 

 

احمد الشيخاوييشاكس المغربي اصغيري مصطفى حظوظ الشعر والحياة، في مجاورة رمزية للموتى، يصقل الصلة بالمكان والعناصر والكائنات، ويرتقي بالذات إلى حدود الطوباوية، كأنما ينبّه إلى ثغرات وجودية مغيّبة، ليس تترع بسوى ثقافة صوفية، مخلّقة للمهادنات الكفيلة بتيسير عبور آدمي أقلّ تعثرا وتخفّفا من أضرار وتكاليف الحياة.

بهذا المفهوم، يضيف هذا الاسم، ويثري تجربته بالانحياز - إبداعيا - لسرب تمجيد الكتابة في أقصى وأنضج عنايتها بالملمح الفلكلوري، تنفيسا للإزمة ومستويات اختناق الذات بها، يمرّر حتّى رسائل العتاب المهذّب، انطلاقا من ذات تعتقد بمركزيتها وتذود عن صوتها، على نحو لبق ومقبول، متناغم مع هشاشة وهوية الكائن المجبول على باطنية مشتعلة بوصايا البصيرة، وفلسفة القريب جدّا منّا ككائنات، تؤثر على الدوام، ضربا من التوغل الروحي والتخيلي، في ما هو مرتع للعدمية والعبث، باعث على النزعة التدميرية، الهادمة لاحتمالات التصالح والتشاركية والتكاملية في أرقى صورها، انتصار ا للرمزية الوجودية والحياتية الجاعلة منّا ظلالا وامتداد، يعزّز أدوارنا في رحم الغيب.

بمختصر العبارة، هي فلسفة اليقين، إذ تنرسم لها ملامح النّص الزجلي، مرهفا ومثقلا بقطوف السهل الممتنع، الممعن في طعنات أسئلة الموت.

يتصيّد اصغيري مصفى، معاني النص الزجلي، من جملة المقابر التي تسكنه، وتمنحه شخصية المتصوف وعقلية الحكيم، في آن، بحيث لا يجدّف بأحرفه أبعد ممّا تلهمه به يومياته، في تسربلها بغوايات الهامشي والمنسي والمعطّل.

يزهد في سائر ما يضيّع عليه فرص محاصرة الكون، بشتى تفاصيله، بأسلوب مراوغ ومقنّع بالتمام، يلغي كليا لغة العين المجردة، وقصور الخيال، في تحسس مملكة الهشاشة والجمال، وتوسل صورها في كامل العذرية وبراءة البياض، بياض النص والذات والحياة.

نطالع له، في إحدى مناسبات الدندنة، تسامقا نرجسيا متماهيا مع روائح البخور منقوعة به التعويذة، و مبللة به طقوسيات مجاورة الموتى، هذا المقتبس المكتظ برسائله البصرية، موحيا بمتوالية أسرار، في اتصال مدغدغ، مع عوالم طافية على تيمة الاحتفاء بحياة الكائن، داخل جغرافية غيبية ومجهولة، يقول:[ العين تدْمع/ القلب شاعلة فيه النار/الوقت نزْربْ /العام فيه غير نهار/مابقا فالدنيا ما يعجب/ لي تبنى لبارح وتشيّد/اليوم تخرّب/شوف بلاّرج فين بنى عشتو/شد السما غير وحدو/لا من ينافسو/ ولا من يورث معاه](1).

يستثمر، في ما يجعل الانجذاب إلى عوالم خفيضة، ممكنا، وعلى مقاسات تستفزّ تجليات الانفلات من أرض الخطيئة، إشرئبابا ومناطحة للأسمى والأنقى والأطهر، في كل حين، وتحت أي ضغط من رزء يفضح إلمامنا الناقص بفخاخ الحياة.

وفي موضع آخر يقول:[عاشوا فـــ الأوهام/ على نفوسهم جناو/تلاحوا فــــ فم الحية/ بتاريخهم تقصاو/ودعوا الأهل والأحباب/ تسواو بالتراب](2).

ويقارب راهننا المشحون بأوبئة مجتمعية وإيديلوجية، شبت عن الطوق، وتجاوزتنا بخيوط سمومها، لتغرق فينا فتكا وإبادة، على كل حال، فيقول:[ شي عايش بلحب /أو بيخير/شي عايش بلقرقوبي /والتشمكير/شي لابسو الهم/ والتفكير](3).

مثلما ينصرف إلى فوبيا الزعامة، ومغناطيسيتها المميتة، مشيرا إلى كنه المعضلة، في استساغة مرارتها بأنانية وتهافت، يومض بقولته: [حبهم كرسي/ملعود/زايل/ ماهو طايل] (4).

ثم يعرّج على حقيقة مرّة، تكمن في كون الخيار بيد الكائن، في جميع الأحوال، خيار زرع المحبة والسلام والتثاقف والتلاقح في مختلف ربوع الكون، بيد أن النوازع الشيطانية وأنْوية البربرية والتوحش، وبؤر البهيمية، سرعان ما توقدها وتوقظها النفعيات والمصالح الضيقة، ليؤول الحال إلى ما هو عليه، وأكثر، من مشهد للجنائزية والدموية والفوضى والاضطراب، يقول: [ياناس هاد العالم/تحولتوا لوحوش/فين هي الإنسانية/ الخير بالشر بعتوه/ هادي حالة عدوانية](5).

خلاصة القول أن الزجال اصغيري مصطفى، لا يبرز سيرته، وإن أسرف في التقاط القصي والطرفاوي والمعزول، من حيثيات ونثار، في غمرة احتكاكه يوميا بما يشحذ تجربته كإنسان وكمبدع، فهو لايبرز إلاّ من خلال كتابة تسيّجها فلسفة الباطني، وتهيمن على جانبها الرّسالي، تكثيفات خطاب الحكمة والحمولة الحجاجية الإقناعية.

بذلك، فهو، يستشعر نبض الموتى، ليزّف إلى المتلقّى، نصوصه، مغدقة بألوان الاحتفاء بالحياة، بحكم أن العمر هارب، والأولى أن نعيشه ونتنفّس فصوله، على سجيتنا المعتّقة ببراءة السليقة وسلسبيل النواميس والفطرة، قهرا للذات والنص والحياة، ونكاية في راهن يترصّد محطات الإفلاس البشري، وتعرية مكامن الضعف والخور والفاقة، في هوية الكائن الوجودية.

 

احمد الشيخاوي

......................

هامش:

(1) مقتطف من نص"الدردار تطفّل يعطي كلمتو".

(2) من نص" العش المبني بالخش".

(3) من نص "رماد الكانون".

(4) من نص"لا للحرب لا للدمار".

(5) من نص " نقطة نظام".

* شاعر وناقد مغربي

 

محمد فاتيكان لظهور السينما تأثير كبير على حياة الإنسان، خاصة فيما يتعلق بنظرته الجمالية للواقع، وقد شكل هذا الفن محورا إبداعيا حل لينافس كل الأنواع الإبداعية الأخرى التي سادت قرونا طوالا في المخيلة الإنسانية. وإذا كان الأدب قد احتل المكانة الكبرى، قديما وحديثا، باعتباره أسمى الوسائل التعبيرية وأرقاها، فإن السينما قد جاءت لتمد جسرها الإبداعي هي الأخرى في حياتنا، مقارعة كل أجناس الأدب مقارعة ثقافية تغني الفكر وتثري الوعي. ولم تكن هذه المقارعة حاجزا أمام السينما  يمنعها من بسط خيوط التواصل والحوار مع باقي الأجناس المنافسة، بل بالعكس مثلت خط انصهار وامتداد وتفاعل ألقى بظلاله الإيجابية على الذوق الفني للمتلقي، المستفيد الأول من هذا الثراء الإبداعي. وقد أدرك النقاد خصوصية هذه العلاقة التفاعلية بين السينما وباقي الأجناس الأدبية كالمسرح والرواية بالخصوص كونها أقرب الأجناس إلى الفن السابع، لهذا استعان المنتجون السينمائيون بالمخرجين والممثلين المسرحيين، كما اقتبسوا روايات أدبية خالدة وحولوها إلى السينما.

وتخضع الصورة السينمائية مجموعة من الأساليب والخصوصيات التي تميز الفنون الأخرى إلى شروطها ومجالها (وقد أشرنا إلى هذه الفكرة  في فصل سابق)، حيث يشترك السيناريو السينمائي في بعده الحكائي ومكوناته الأساسية  مع الأجناس الأدبية السردية، كما تستفيد الصورة السينمائية من أواليات الفنون التشكيلية وأبعادها التكوينية والفنية : الألوان، الضوء، التأطير، الخطوط..، دون أن ننسى استقاء السينما من فن الموسيقى مجموعة من الخصوصيات الإيقاعية : القطع الموسيقية ـ الأغاني ـ الأصوات ـ المؤثرات الصوتية...ومن فن المسرح تقنيات التمثيل والحوار والتجسيد والتواصل. فالفن السينمائي هو تعبير تشكيلي عن القصص وصورته الأولى هي السيناريو أي الشكل الداخلي للفيلم، والذي تظهره الكاميرا بعد أن يجسده الممثل والمصور ومصمم الديكور، والرسام ومهندس الصوت، والموسيقى، فيدعم تأثيره (الصوري) على المتفرج" .

في نفس السياق، نجد أن السينما هي الأخرى مدت خيوط تأثيرها على الرواية وتقنياتها السردية، خاصة مع التطور التكنولوجي السريع الذي عرفه المجال السمعي البصري، والذي أصبح ممتدا وباسطا لنفوذه الجماهيري في شتى أرجاء العالم، وهذا ما ألزم الرواية والفنون الأدبية بصفة عامة ضرورة مسايرة هذا التطور السريع لأنماط الثقافة الإنسانية المستجدة، ومجاراة هذا التحول الكبير في أشكال الفكر البشري، ومواكبة التغير المستمر في الذوق الفني لمتلقي القرن الواحد والعشرين. لهذا أصبحت الرواية، اليوم، مجبرة على التفاعل النصي مع مختلف الوسائل الجديدة والتقنيات الحديثة التي رافقت هذه الثورة التكنولوجية. وإذا كانت السينما وجها من أوجه هذه الثورة الإعلامية، فإنها، بطبيعة الحال، ستكون أقرب الحقول المعرفية تأثيرا وتأثرا بالأدب والرواية بصفة خاصة، حيث  حاكت هذه الأخيرة طريقة صياغة الصورة السينمائية، وأصبحت مهتمة بالتفاصيل الدقيقة، غارقة في التشخيص والتجسيد، معتنية بالوصف والتصوير، سالكة في ذلك طرقا متنوعة تهدف إلى تتبع الأحداث والوقائع، ورصد المواقف والأفعال، والاقتراب من الإيماءات والإشارات.

يذكر آيليا ايرنبرغ في مذكراته، بأنه تحت تأثير السينما انجذب عدد كبير من الجمهور إلى إنتاجاته الأدبية ، وهذا الانجذاب الجماهيري له تفسير مرتبط بطبيعة الفن السينمائي ذو الشعبية الجماهيرية الهائلة والتي تساهم في التعريف بكثير من الأعمال الأدبية. فالجمهور ميال بالفطرة للصورة وعاشق لما تنتجه الصورة في مختلف مجالات الحياة، نظرا لما تحمله من مغريات حسية وعاطفية وفكرية وثقافية تسهل من عملية التأثير الفني على وعي المتلقي، ضف إلى ذلك أن عصرنا الراهن هو عصر الصورة بامتياز، بحجة طغيان الآليات السمعية والبصرية على مختلف وجوه الحياة، وهذا ما سهل من عملية التلقي  وسرع من وثيرة التفاعل والتواصل. دون أن ننسى، كذلك، الوظيفة التأثيرية للصورة المنبثقة من بنيتها التكوينية الخاضعة لمجموعة من المؤثرات المرئية والصوتية : الضوء، اللون، الصوت، الموسيقى، الديكور، التأطير...والتي تزيد من جاذبيتها ومستوى تقبلها لدى الجمهور.

ولأن الجماهير تفضل أسهل الطرق التفاعلية والتواصلية، وبما أن السينما ترتكز على العرض المباشر المتتالي للصور الواضحة، فإن المتلقي سيتعرف على عديد الأعمال الأدبية من خلال الأفلام السينمائية التي خلدت ذكرى روايات كانت مجهولة في السابق بسبب عزوف القراء عنها، والبرغم من عدم تطابق  النص الفيلمي مع النص السينمائي، " إلا أن العرض السينمائي في معظم الأحيان يشجع المشاهد على الرجوع إلى الأصل للإطلاع عليه....لأنه يلفت انتباه القراء والجمهور العريض إلى أعمال أدبية عظيمة لم ينتبهوا إليها" ، وأبرز مثال على ذلك سلسلة أفلام هاري بوتر والتي بوأت الكاتبة البريطانية المغمورة جوان رولينغ مكانة مميزة في عالم الرواية، من خلال الأرقام القياسية التي حققتها مبيعات الرواية مباشرة بعد عرضها في دور العرض السينمائية. نفس الشيء نجده في فيلم "سارق الدراجة" للمخرج فيتوريو دو سيكا، المقتبس من رواية لويجي برتولوني، والذي لقي نجاحا باهرا حينما عرض سنة 1948، ونجده أيضا في رواية  "عربة اسمها الرغبة streetcar named desire " لتينيسي وليامز (إخراج إليا كازان، بطولة مارلون براندو 1951)، ونلحظه كذلك في رواية "زوربا اليونانيzorba the greek " لنيكوس كازانتزاكيس (إخراج مايكل كاكويانيس وبطولة أنطوني كوين 1964)....

كما أن السينما ساهمت في نشر وإشهار عديد الأعمال الأدبية الخالدة في الساحة الفكرية والثقافية عن طريق أفلام سينمائية حاولت الاقتراب من المتن الروائي بأسلوبها السينمائي وتقنياتها الفنية، والأمثلة على ذلك عديدة : رواية العراب لماريو بوزو والتي تحولت إلى فيلم بنفس العنوان أخرجه فرنسيس فورد كوبولاـ رواية ذهب مع الريح للكاتبة الأمريكية مارغريت ميتشل والتي نسج منها فيلم سينمائي عالمي من إخراج فيكتور فليمنج ـ  رواية "نانا " لإميل زولا التي عرضها جان رنوار سنة 1926 بفرنسا، بالإضافة إلى مجموعة من الأعمال الروائية الأخرى لكتاب عالميين ك جيمس جويس وكابرييل كارسيا ماركيز و كافكا وأمبرتو إيكو و سكوت فيزجيرالد ودوستوفسكي ونجيب محفوظ....

وقد تأثرت الرواية الجديدة كثيرا بالسينما وتقنياتها الحديثة، حيث جاءت محاكية لطرق التنفيذ السينمائية في بناء الحبكة السردية وأساليب التعبيرعنها، من خلال التكثيف في الوصف، والتدقيق في العرض، وتأطير الوقائع، واعتماد المشاهد الروائية، والاهتمام بتصوير الفضاء وخصوصياته، والعناية برصد الأحداث بطريقة مونتاجية مشوقة تستهدف العناية ب " أسلوبيتها، وطريقة بناء تكوينها، وربط مقاطعها، ومادتها المكونة من : التحقيقات، الروح الملحمية، المحور الرئيسي، المدخل..." . ومن الواضح أن الروائي يسعى اليوم ـ من خلال توظيف تقنيات جديدة في السرد ـ إلى محاكاة الأساليب التعبيرية المعتمدة في السينما، ولو قارنا بين طريقة السرد في رواية نجيب محفوظ "الشحاذ" مثلا وأحد رواياته القديمة في المرحلة التاريخية أو المرحلة الاجتماعية نجد أن الفرق بينهما واضح، ولا شك أن طريقة السرد في "الشحاذ" بانتقالاتها الحادة بين الواقع والخيال، أشبه ما تكون بأسلوب الموجة الجديدة في السينما .

ولم يكن هذا التأثر إلا مظهرا من مظاهر التطور والتحول الذي أصاب مختلف الوسائط الإبداعية والفنية والثقافية، في إطار التداخل الثقافي والتلاقح الإبداعي الذي ميز الحقل المعرفي بعد الطفرة العلمية المعاصرة والثورة التكنولجية الحديثة. ولهذا فقد حاولت الرواية مسايرة هذا التجدد ومواكبة هذا التغير من خلال تجديد أدواتها الفنية وتطوير وصفتها الإبداعية التي بدأت تنفتح رويدا رويدا على مجالات فنية أخرى تتميز بانجذاب الجماهير إليها، حتى تستوعب، هي الأخرى، إقبال المتلقي وإعجاب القارئ، الذي مل من البناء التقليدي ومن الوسائل الكلاسيكية في التعبير والتبليغ، وأصبح متطلعا لرواية تواكب وعيه واستيعابه وذوقه الخاضع لتطورات عصر السرعة والتجدد.

وأصبحت ـ بموجب هذا التغيير والتطورـ رواية العصر الحديث مادة مشوقة تستلهم عديد السينمائيين وتفتن كثيرا من المنتجين الفنييين، حيث كثر الاقتباس السينمائي من الأدب وتضاعف اهتمام المتلقي بالرواية، عن طريق السينما التي مثلت جسر تواصل بين الكاتب الروائي والجمهور. ومن أبرز الروايات التي أنجزت بخصوصيات قريبة من فن السينما وتحولت إلى أفلام مميزة، نذكر أساسا: الروايات البوليسية (روايات البريطانية أغاتا كريستي،  روايات الكاتب الأمريكي دان براون)، والروايات الرومانسية (رواية سكوت فيزجيرالد كاتسبي العظيم مثلا)، والروايات الدرامية والملحمية (روايات كابرييل كارسيا ماركيز ـ ماريو بوزو ..)، والروايات الاجتماعية (روايات نجيب محفوظ)....فالعديد من هؤلاء الروائيين تأثروا بالسينما وعاصروا تقنياتها ومدارسها المختلفة، فجاءت أعمالهم الروائية وثائق حية في وقائعها، حركية في أحداثها ومسارها الزمني، تفاعلية ودينامية في مجالها التشخيصي والمكاني. وأصبح الروائي ينظر إلى المسار السردي في سيرورته المثيرة والمشوقة، موظفا بعض التقنيات القريبة من السينما، وكأن قلمه تحول إلى آلة تصوير سينمائية تتبع سلسلة الأحداث مشهدا بمشهد، وتلتقط التفاصيل والجزئيات، وتدقق في أوصاف الشخصيات والأمكنة، وتحكي باعتماد وضعيات متعددة ورؤى متنوعة .

وفي اتجاه معاكس أخذت السينما، هي الأخرى، من الرواية مجموعة من الآليات والخصوصيات المرتبطة بمكونات الحكي وأدواته، فالرواية "تقدم للسينما شخصيات أكثر تعقيدا، وتقترح في العلاقات بين الشكل والمضمون تشديدا وتدقيقا لم تتعود عليهما الشاشة" ، وهنا نشير إلى الموجة الجديدة في السينما أو ما يصطلح عليها بسينما المؤلف والتي تأثرت كثيرا بتقنيات الرواية الجديدة ذات البنية السردية المعقدة والتنظيم الأسلوبي المركب، ونشير كذلك إلى الأفلام التي ترتكز على الراوي الذي يسرد الأحداث، أو الأفلام التي تعتمد وضعيات ورؤى سردية متغيرة، أو الأفلام التي تستعين بأدوات سردية/ زمنية كالاسترجاع والاستباق....وكل هذه التقنيات أدبية النشأة، مرتبطة بمجال الحكي الأدبي، لكنها وتحت وطىء التداخل المعرفي والتمازج الثقافي الذي طرأ في القرن العشرين انتقلت إلى مجالات إبداعية أخرى أبرزها السينما. وقد نتج عن هذا التقاطع والتماهي الذي حدث بين الخطابين، توافق وتكامل في علاقتهما الفنية المزدوجة، بحيث يتبين أن "أهم العناصر السردية والوصفية التي عج بها الأدب قديما، خرافيا وملحميا، يمكن أن تكون صالحة للتوظيف السينمائي، ولاستثمارها في الصناعة التقنية لهذا الفن الذي عد سابعا" .

إن ما شد فيتوريوفياني ـ المخرج الإيطالي ـ إلى إخراج (الشمس حتى في الليل)، اعتمادا على ليون تولستوي مثلا، هو انشداده إلى الأرض. مادام المصدر الأساسي للفيلم هو صورة أو كتاب يعرفنا على ذواتنا، باستلهام الأدوات التي يحتوي عليها الكتاب ، وفي نفس السياق اعترف المخرج الأمريكي "كريفيت" بأن روايات "شارل ديكنز" قد أثرت فيه تأثيرا كبيرا إلى درجة أن مجموعة من التقنيات السينمائية استلهمتها منها، كالاختفاء التدريجي، والتداخل وتكوين الصورة والتجزئة إلى لقطات، والعدسات الخاصة بالتحوير وأهمها مبدأ التقطيع المتوازي . وفي رواية (يوميات راهب في الأرياف)، يعمد المخرج بريسون bresson إلى التعامل في العمل مع فقراته التجريدية، والإبقاء على الفيلم كعمل كتابي، تبرز فيه الصور ككلمات معجم لا سلطة ولا قيمة لها في علاقاتها، مشددا على تصوير صور فارغة  في شاشة فارغة المحتوى، ونقل حكاية معقدة المضمون مبهمة الدلالة، ورصد أحداث مفككة المبنى  فاقدة للاتساق والتعاقب المنطقي، في إطار الانتماء لما يسمى بسينما المؤلف أو السينما الروائية.

وإذا كانت المنظومة السينمائية تختلف ضمنيا عن المنظومة الروائية على مستوى نوعية الخطاب الفني وآلياته البنائية، فإن هذا لا يمكن أن يغطل أو يلغي من عملية التحويل والاقتباس التي تصير بين المجالين، خاصة إذا انطلقنا من فرضية أساسها أن الكلمة والجملة والفقرة في النص الروائي، تقابلها الصورة واللقطة والمشهد في العمل الفيلمي، وهذا ما يسهل من عملية التحويل هاته، مع مراعاة الخصوصيات المرتبطة بكل مجال، والتي تجعل من النقل الحرفي التام شيئا مستحيلا في هذه العملية. فأن ننقل عملا روائيا إلى السينما معناه أننا ننتقل من صيغة الحكي الأدبي إلى صيغة الحكي البصري "الذي تتجاوز فيه الصورة السينمائية نظيرتها الأدبية من حيث قدرتها على نقل المتلقي من مجال الخيال المحض إلى مجال الخيال الذي يتأسس على واقعية فيلمية تقترح شخوصا وأمكنة، وحياة فيلمية ملموسة" ، لهذا فإن المخرج حينما يحول عملا أدبيا فهو غير ملزم بالاستنساخ التام لهذا العمل، بل إنه مطالب ب"إعادة بنائها بواسطة الصورة السينمائية" ، لأن كل وسيط يتفرد بممزاته الخاصة ومكوناته المحددة، قد "تبحث وتجد مقابلا بين الفيلم والرواية، اعتمادا على الصور والديكور والموسيفى ووجوه الممثلين والإضاءة وزوايا التصوير، لكن ليست هذه المعطيات كلها تشكل الجمل الموجودة في الرواية، كما أن الجمل لا تترجم مضمون الصورة السينمائية بقوتها، لسبب بسيط هو أن وسائل التعبير ليست نفسها في المجالين" .

وهدفنا من هذه الدراسة المقارنة، هو محو الحدود الإبداعية التي تفصل كل مجال عن الآخر، وخلق أرضية مناسبة بينهما تسمح بالتفاعل الفني والتداخل المفاهيمي والاشتراك الجمالي، وهذا ما يلزمهما الانفتاح على بعضهما البعض، وتجاوز الرؤى الأحادية الإقصائية ، وخلق آفاق تعددية " تفتح أراضي جديدة تتميز بقدرتها على استضافة لقاءات بين كل ما هو مختلف ساعية كي تكون بوثقة تنصهر فيها العناصر وتتلاقح" . وإذا كانت الدراسات في هذا الصدد قد عرفت تطورا كبيرا واهتماما كبيرا في العالم الغربي، مستثمرة حضور الصورة كمكون أساسي في مناهج الدراسة والمقررات الدراسية، فإن العالم العربي لازال قاصرا في أبحاثه المعرفية التي تخص الصورة والسينما والدراسات الوسائطية المقارنة، وهذا ما يفرض على الدارسين والباحثين الجدد ضرورة الالتفات لهذا المكون المعرفي بأدوات بحثية ومناهج نقدية حديثة بهدف إغناء الحقل الثقافي والمعرفي العربي، والانفتاح على نظريات معرفية معاصرة تواكب التطور الثقافي والعلمي الذي يعرفه العالم. وما الاقتباس الفيلمي من الأدب إلا وسيلة من وسائل التفاعل الفني والثقافي التي تساهم في "جعل الأدب متاحا للجماهير العربية" ، فالعديد من الروائع السينمائية العربية ولدت من رحم الأدب، والأمثلة عديدة ومتنوعة من نجيب محفوظ وغسان كنفاني وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ومحمد شكري وعبد الحميد هدوقة ويوسف إدرس وتوفيق الحكيم وعبد الرحمان الشرقاوي....

لهذا يمكن القول في الختام أن هذه العلاقة الثنائية الوطيدة والشديدة الترابط بين الرواية والسينما، تلعب دورا أساسيا في مد وتوسيع المساحة الجماهيرية المستقبلة للأعمال الفنية المميزة، والرقي بالذوق الثقافي والفكري للمتلقي عن طريق نشر أهم الأعمال الروائية والأدبية وتقريبها من وعيه وثقافته، وبالتالي المساهمة في البناء الثقافي والفكري للأمة العربية، وخلق المتعة الفنية الإيجابية للجماهير، باعتبار أن هذه العلاقة التفاعلية تنتج عملا متناسقا يتميز ب"ارتباط الصورة بالكلمة، والورقة بالشاشة، ورؤية الكاتب بالمخرج، وبين الاثنين تتحول الفكرة الافتراضية إلى واقع يفرضه الضوء وحركة الممثلين إلى لحظة للمتعة اللامتناهية" .

 

محمد فاتي

أستاذ باحث في مجال الصورة

 

(من المؤكد ان هنالك فارقا بين الشاعر الذى يستمد مادته من ذاكرته دون ان يقع اسيرا لها وبين الشاعر الذى يسلم قياده الى هذه الذاكرة او ينظم شعره معتمدا علي ما فيها من محفوظ لاغير) مجلة العربى العدد 458 يناير 1987م ص 80

لذاكرة الشاعر دورا هاما فى استحضار الصور والمفرادات الشعرية وهو يكابد الانتاج فى قصيدته .. ولتلك الذاكرة – ابضا- يعود الفضل فى بناء الشعر الكلاسيكى (الذى يعتمد على المخزون الثقافى اكثر من اعتماده على المعاناة الآنية او التأثير الحالى) د.سهير القلماوى، مجلة المجلة ديسمبر 1968م

من هذه النقطة بالتحديد ندلف مباشرة الى الدور الذى تلعبه الذاكرة فى الشعرالعربى، لان ذلك  الشعر قد يتأثر الى حد بعيد بمخزون تلك الذاكرة بل ان ذلك المخزون كان وما يزال احد المصادر الاساسية فى بناء الشعر العربى , ولأن كان من المسلم به ان مفجر الوحى الشعرى عند كثيرا من الشعراء هو الاساس فى ميلاد القصيدة فان ذلك المفجر يرتد عند بعض الشعراء الى مخزون يماثله فى الذاكرة الواعية لتأتى القصيدة مستوحاة فى بناءها من الاخيلة الموجودة فى ذلك المخزون . اذن فان للذاكرة دورها الكبير فى بناء القصيدة

بالرغم من كل الانتقادات التى تم توجيهها اليهامباشرة باعتبارها تمثل تعبيرا عن الماضى الذى ربما لا يكون معلوما للمتلقى، اكثر من انها تمثل تعبيرا عن الحاضر المعاش .

بعيدا – اذن- عن تلك السهام الناقدة نسلط الضوء على دور الذاكرة فى الشعر العربى ليس لانها واقع مفروض سار عليه كثيرا من الشعراء، ولكنها – ايضا- تمثل فى بعض جوانبها المشرقة نوعا من الابداع الذى يكون باعتماد الشاعر على على الذاكرة دون ان يقع اسيرا لها .

ان النزعة الكلاسيكية فى شعر الاحيائيين بوجه عام هوالاعتماد على مخزون الذاكرة والتمسك به على مستوى الصور الشعرية والمفردات المجردة بل على الواقع الذى يلازم انتاج ذلك المخزون، وذلك هو التقليد الذى رفضه دعاة الحداثة  والذى دارت بسببه حروبا كلامية حامية الوطيس ومثالنا على ذلك الشاعر احمد شوقى الذى كان واحدا من الشعراء التقليديين الذين نالتهم سهام النقد بسبب تلك التقليدية المفرطة فى بعض الاحيان حيث كان فى بعض الاحيان –كما يرى البعض – لا يفعل اكثر من استعادة الاخيلة والالفاظ من مخزون الذاكرة كما  فى قوله

لعلاك المذكرات عبيد

خضع والمؤنثات اماء

والذى هو ترديد لقول ابى العلاء

للمليك المذكرات عبيد

وكذالك المؤنثات اماء

ولم يفعل فى بعض احيان اخرى غير اقتسار الماضى من واقعه بغير ان تكون له صلة بالحاضر المعاش كما فى قوله

يا بنت ذى اللبد المحمى جانبه

القاك فى القاع ام القاك فى الاجم

هذا قول ربما نقبله من امرىء القيس او حتى من الفرزدق وجرير ولكنه لايصدق فى زمن سفرت فيه المرأة وخرجت على الملأ جنب الى جنب مع الرجل

ومثل شوقى كان البارودى الذى قال شعرا استعان عليه بالذاكرة الاسترجاعية عبر ثلاث شعراء قبله تداولو نفس المعنى وربما نفس الالفاظ فأين البارودى الذى قال

وما زاد ماء النيل الا لاننى

وقفت به ابكى فراق الحبايب

من البحترى الذى اورد نفس المعنى فى قوله

وسأستقل لك الدموع صبابة

ولو ان دجلة عليك دموع

بل اين البارودى والبحترى من البهاء المصرىالذى قال

وما طاب ماء النيل الا لانه

يحل محل الريق من ذلك الثغر

هذه – اذن- ذاكرة تقليدية ليس فيها شىء من الاباع تعاطاها كثير من الشعراء الكبار ورفضها كثير من دعاة التجديد واصبحت – كما هى سنة الحياة – موضع تجاذب بين الماضى الذى ولى بغير ما رغبة منه والحاضر الذى يريد ان يفرض نفسه بغير ما حجر عليه.

هنالك نوع آخرمن الذاكرة تميز عن النوع الاول - برغم تمسكه بالماضى – شىء من الابداع وهو ما يستطيع به الشاعر ان يوظف الذاكرة لخدمة افكاره ووالفاظه وصورة المستوحاة من الحاضر، ويستطيع – ايضا- بذلك التوظيف من المزاوجة المفيدة بين ذاكرة الماضى ولحظة الحاضر .

الشاعر احمد شوقى نفسه والذى قال شعرا وصفه بعض النقاد بانه لم يفعل فيه شيئاسوى ترديد اللفظ والمعنى، قام بانتزاع نفسهفى كثير من شعرهمن قبضة الذاكرة واصاغ تجاربه على نحو مستقل افضى به الى الولوج الى افق الحضور الابداعى .... وهو الافق الذى ميزه عن شوقى الذى يسمع باذن السابقيين ويرى بعيونهم

وطنى لو شغلت بالخلد عنه

ناذعتنى اليه فى الخلد نفسى

وهفا بالفؤاد فى سلسبيل

ظما للفؤاد من عين شمس

شهد الله لم يغب عن جفونى

شخصه ولم يخل حسى

نخلص مما سبق دور الذاكرة فى الشعر العرب وهودور تكامل عند كثير من الشعراء الذين اصبحت ذاكرة كثير منهم اليوم ما يشبه المستودع (الذى يختزن فيه الشاعر كل ما يراه ... وكما يقوم المستودع بالحفظ فحسب دون ان يتدخل تدخلا جذريا كذلك ذاكرة الشاعر لا تتدخل فيما يحفظه) . مجلة العربى، العدد يناير 1997م ص 83

للذاكرة الشعرية مهمة اخرى قامت بها وهى المبالغة المفتعلة عند بعض الشعراء والتى قد تؤدى فى بعض الاحيان الى مسخ الشعر وتشهويه، انظر الى قول البارودى

ولكنه الحب الذى لو تعلقت

شرارته بالجمر لاحترق الجمر

على اننى كاتمت صدرى حرقة

من الوجد لا يقوى على مسها صدر

والذى هو صدى للصورة الشعرية التى جاء بها الشاعر ابى فراس الحمدانى حينما قال

تكاد تضىء النار جوانحى

اذا هى اذكتها الصبابة والفكر

فندج فى قول البارودى مبالغة مفتعلة تستعصى على الشعر كما تستعصى على العقلفالشاعر ابى فراس اراد ان يقول ان هبه شديدا وعنيفا كأنما هو النار ولكنه قام باستعمال كلمة اعطت بعدا لطيفا على مجمل المعنى وهىكلمة (تكاد) بعكس ما فعل البارودى من اعطاء اكاما قطعية ادت الى مبالغة غير مستحبة على مجمل معن ابياته .

لم تكن صور التقليد كلها توليدا مباشرا كما فى المثال السابق، فهنالكمما يسميه النقاد بالصور الشعرية الموروثة وهى صور تناولها الشعراء جيلا بعد جيل حتى فقدت طعمها من كثرة الاستعمال وثر المبالغة حتىاصبحتسمة فى شعر المتأخرين

نأخذ على سبيل المثال صورة نضح الدماء التى تناولها كثير منالشعراء عبر الحقب المختلفة

قال الاعشى فىوصف الخخمر

وسبيئة مما تعتق بابل

كدم الذبيح سليلها جريالها

 

ثم اعاد انتاجه السرى الرفا فى قولهوى كأنه

 

يسيل فم الذق الروى كأنه

جراحة زنجى يسيل نجيعها

 

ثم تعاطاه البارودى فى قوله

 

الا عاطينيها بنت كرم تزوجت

على نغمات العود نضح دماء

هذه صورة متولدة من الذاكرة كقاسم مشترك بين شعراء من حقب مختلفة توارثوها بصورتها تلك دون ان تكون تعبيرا عن مشاهدة عيانية للشاعر

للذاكرة اذن دورا بارزا فى انتاج الصور الشعرية  فى الشعر العربى وقل ان تجد شاعرا عربيا لا يستعين على شعره بتلك الذاكرة على مستوى الصور والاخيلة او على مستورى العبارات والالفاظ .

من المهم ان يكون هنالك محافظة على القالب المتوارث للشعر العربى ومن المهم ايضا المحافظة على تقاليد الشعر العربى وقواعده التى بنى عليها، ولكن من المهم ايضا ابتداع صورا للشعر والفاظ ومعان تساعد على التفرد والتميز  بحسب متطلبات العصر وقواعده حتى لا يصبح الشعر العربى ترتدادا بعقبه ترداد.

 

 بقلم الاستاذ\ ناجى احمد الصديق\المحامى

  

 

 

عبير خالد يحيىركزت  الذرائعية على رد الاعتبار للنص العربي الذي أفقدوه جنسيته في الربع الأخير من القرن العشرين، بعد ان تآمروا على الجنس الأدبي بأكذوبة النص، هذا التآمر الذي قاده رولان بارت تحت راية سيادة النص بعيدًا عن جنسه وانتمائه، وبذلك فقد النص هويته الأدبية وعاش في فوضى عارمة أفقدته توازنه، فاختلط فيه الحابل بالنابل، حتى جاءت الذرائعية لتعيد للنص وخصوصًا النص العربي -المنسي من قبل جميع المناهج  النقدية العالمية- هويته العربية الخاصة جدًا بخصوصية اللغة العربية  لغة القرآن الكريم.

يقول المنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي في المجلد الثاني من الموسوعة الذرائعية والمعنون ب (الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية): 

يؤكّد الدكتور وليد قصاب في مقدّمة كتابه (مناهج النقد الأدبي الحديث/رؤية إسلامية) بقوله: إنّ () الكلمة شأنها شأن مخلوقات الله جميعًا – لم تخلق عبثًا، ولا تكمن قيمة اللفظ فيه في حدّ ذاته، مهما كان هذا اللفظ جميل الإيقاع، رشيق الجرس، باهرًا مدهشًا، ولكنها تكمن فيه وفي مدلوله أيضًا، والدال والمدلول لا ينفصلان، وقيمة الأدب في مادته وأدائه، في مضمونه وشكله، ولا يجوز التطرف في إيثار أحدهما وإسقاط الآخر، لا عند المبدع ولا عند الناقد....)

 ومع كل ما تقدّم، أجدني أتّفق مع الدكتور وليد القصاب في الكلمة، واختلف معه في توسيع المعنى والاتجاه بهذا المفهوم نحو النص الأدبي حديثًا الذي تطوّر تطوّرًا مهولًا شكلًا ومضمونًا، وقاد حركة التحرر والانسلاخ عن الجنس الأدبي ... أرى النص بمنظاري المتواضع: كائنًا حيًّا، يولد ويموت، يمرض ويشفى ويتحرّك، ويضعف ويسمن كالإنسان، ويمتلك جينات وراثيّة من أمّ أصيلة رؤوم، اللغة العربية، مشيرًا بأصبعي الغليظ  نحو النصّ العربي فقط، فهو مقدّس بقداسة المصحف الكريم، الذي أخذ النصّ العربي بين جنبيه، وأعطاه تلك الصفات الحيويّة والسلطة القويّة، واحتضن اللغة العربيّة بمبدأ القياس والقداسة، وجعل أمّة الإسلام كاملة تنقاد له وتخضع تحت قوته الإلهيّة، فهذا النصّ هو من يأمر وينهي ، وهو من يحدّد القول والفعل والتصرّف لكلّ موحّد على أرض الله، وهو من يفكّر ويحس، وفيه تكمن أيديولوجيات العلماء والمفكّرين وأصحاب العقول، منه انطلقت

المخترعات والأفكار والنظريّات، وهل من مخلوق أقوى من هذا النص....!؟ لذلك تجدني أتفق مع النص، لكني أرفض التحرّر من الجنس، لأن تلك الحريّة ستسقط هويّة النصّ، وتنشر الفوضى في شرعيّته وانتمائه بشكل واسع....

 

طمس الأدب العربي لقرون في بركة الغرب الآسنة، والتمس منهم التقدّم والتحضّر بعد فصل النصّ العربي عن النصّ القرآني، للسعي وراء الحداثة والتبعيّة الغربيّة

والتغريب المعمّد بالتخريب من قبل البعض من أصحاب الحرف المنجرف والمستعجل، ولا يعلم هؤلاء أن أغرب سرقة قد تمّت لعلوم ومبتكرات النصّ العربي ، وجميع المسالك العلمية والنقديّة لعلماء العرب المسلمين مثل دوال ومدلولات الجرجاني والفارابي وغيرهم والتداول البلاغي، وحوّلها العلماء الغربيون أمثال سوسير وبيرس ودريدا ورورتي إلى مصطلحات مرطونة، انشغل وانبهر بها المترجمون والباحثون والكتّاب العرب، حتى صارت التبعيّة الغربيّة قدّاسًا للكثير من المدّعين بالعلم والأدب، وحين سمحت لي الصدفة بمحض عملي في منظومة التعليم مع الأجانب، ودخولي ساحات اللّغات وتدريسها لأربعة عقود خلت، ودخولي

الدورات والندوات والسمنارات العلمية الكثيرة على العلوم اللغويّة الحديثة، واجهت تلك المهزلة عن كثب وأدركت نقديًّا:

- إنّ النصّ العربيّ مهمّش، وكأنّه لا ينتمي إلى لغة تعدّ من أصعب اللّغات في العالم أجمع، ومع صعوبتها تلك، فهي تعدّ- باعتراف الغرب أنفسهم- أجمل وأدق وأعرق وأفصح تلك اللغات قاطبة لفظًا وكتابةً وشكلًا ومضمونًا وسردًا ودقةً في التعبير وموسيقى. 

- إنّ للنصّ العربي بناء فنّيّ كالبيت وبناء جمالي، أحدهما يكمّل الآخر، وهذان البناءان يختلفان تمامًا عنها في اللغات الأخرى.

- للغة العربية خصوصيّة في اللفظ والتعبير والجمال البلاغي، فهي تفوق جميع اللغات الغربيّة في البديع والبيان...

- اللغة بحدّ ذاتها انعكاس للمجتمع، فهي تعبّر عنه وعن سيرته الذاتية، والأمّة العربيّة أمّة مختلفة عن أمم العالم قاطبة، لذلك ليس من المعقول احترام لغتنا العربية على أساس أنّنا أفضل منهم اعتباريًّا، لذلك همّشوها لكون جميع النظريّات الأدبيّة والنقديّة الغربيّة استندت على مظاهر ماديّة لا تلائم أفكار الإنسان العربي ولا الإسلام ...

- للنص العربي حدود هندسيّة وأعمدة وقوائم كالبنيان، لو سقط منها عمود واحد انهار هذا البناء...

- يضاف إلى ذلك التصادم الحضاري والديني بين الأمّة العربيّة والأمم الغربيّة للتفاوت الحضاري والاختلافات الجوهرية بين الحضارة العربية والحضارات الغربية .

- وأدركت أيضًا أهم نقطة وأخطرها، أنّهم سرقوا علومنا اللغوية وأعادوها إلينا مصطلحات غريبة مرطونة، تحت ذريعة أنّ لغتنا العربيّة منغلقة على نفسها، ولا تقبل المفردات الغريبة من اللغات الأخرى، وليس لها شأن في صنع المصطلحات كاللغات الأوربيّة، وأهم تلك السرقات الدّال والمدلول، وعلم السيمياء والتداول اللساني والكيمياء والطب العربي، ثم أعادوه إلينا بمصطلحات جديدة غريبة التبست على كتّابنا ومثقفينا، نسبها فلاسفة الغرب لأنفسهم، ونحن نترجم وننشر فرحين بما ننجز ....

وأول غيث الذرائعية كان دقّ الإسفين الفولاذي (الموسيقا) بين السرد والشعر، وذلك بتأسيس أطلس للأجناس الأدبية، والذي يحمل خرائط ملونة تحدّد حدودًا ثابتة وفارقة بين جنس وآخر. وهذا ما ضمه المجلد الثاني من الموسوعة الذرائعية  (الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية)، وفي هذه الحيثية يقول المنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي:

 وما أريد قوله بحقّ النصّ العربي، أنّه بنيان هندسي رصين، يمتلك جنسًا ثابتًا لا يقبل النطفة الحرام، ألّا من ارتباط شرعي  بزواج وعقد إسلامي، لذلك نجد إسفينًا قد  دُقّ بين جنس وآخر، وأكبرهم ما دقّ بين النص الشعري والنص النثري، إسفين الموسيقى، فهو إسفين حديدي، حاول بعض أضداد الجنس مثل رولان بارت خلعه في زمن ما بعد الحداثة ولكنّه فشل....

 وفي رؤيتي الجديدة المنبثقة عن الذرائعية، أرى الجنس الأدبي العربي إقليمًا له حدود وجغرافية وصفات تميّزه عن بقية الأجناس الأخرى، يمتلك جنسية خاصة به،

يذكر فيها اسمه وصفاته وحدوده، ومنها سنتعرّف ببساطة على خارطة كل جنس أدبي والوقوف عند حدوده، فلا يجوز تجاوز تلك الحدود إلّا بشروط وقوانين تفرضها علينا السلطة الأدبية الجنسية ومساحتها وحدودها الرسمية والشرعية،  وذلك نوع من الاحترام والتقدير منّا للجنس العربي الأصيل والأنيق،  المفصّل أدناه:

 .................

كتب الباحث والناقد المصري كريم عرفان عقب اطلاعه على (الذرائعية في التطبيق) مقاله الذي عنونه ب:  

الأدب العربي ..ميلاد جديد

كنت دائمًا أرى أن هناك ما يسمى "خصوصية النص العربي" ؛ وأن اللغة العربية تفرض قوانينها وشروطها الخاصة على النص؛ فلا يرى إلا وفقًا لآلياتها وأساليبها ؛ ولكن للأسف الشديد كان النص العربي يقع فريسة لبعض الذين يكتبون النقد- ولا أقول نقاد - والذين عكفوا على الدراسات النقدية الغربية واتخذوها إمامًا ومرشدًا ..يحاكمون النصوص العربية والمبدعين باللسان العربي وفقًا لما فهموه ودرسوه من بنيوية وما بعد البنيوية وتفكيك ونظريات تتصل بالحداثة وبما بعد الحداثة، وكلها دراسات غربية تفتقر إلى الحس العربي، وكان حكمهم: هو نفى النص العربى من دائرة الأدب العالمي بحجة أن النص العربي لا يصلح ولا يخضع لتلك المقاييس العالمية التي وضعت من قبل أناس غربيين لا يفقهون اللسان العربي ومقاييسه وأسراره. وكنت دائم التساؤل ..ألا يوجد في أمتنا العربية رجل رشيد يصحح هذه الأوضاع ويدعو أمته إلى رؤية النص العربي من زاوية جديدة ..زاوية تحترم اللغة العربية وخصوصيتها وقوانينها ..رجل واحد ..يدعو أمته إلى ما فيه عزة لغتها ورفعة أدبها .. ومرت فترة طويلة وانزوى الأدب العربي جانبًا قانعًا باليسير، وأصبح النقد في عالمنا العربي تابعًا أسيرًا للنظريات الغربية أو للذين يكتبون عن الهوى دون استناد على علم أو اعتماد على تنظير؛ بل حتى لا يفقهون "ماهية النقد "! واستمر هذا الوضع المؤسف حتى ظهر أخيرًا من يجدّد لهذه الأمة أمر أدبها ..وهو الأستاذ والأديب والعالم الجليل الأستاذ عبد الرزاق عودة الغالبي .. الذى جاء من بلاد الرافدين (العراق) يحمل نظريته الجديدة التي من شأنها أن تجدد لهذه الأمة أدبها وتمنحها رؤية نقدية عربية مستقلة، أو إن شئت فقل منهج يؤسس به للنقد العربي، ويحمى به النص العربي ولغته من التشويش الذى لحق به نتيجة تبني بعض كتاب النقد مناهج غربية لا تليق بالنص العربي، فللنص العربي أبوابه ومداخله.. وللغة العربية آلياتها التي لا يُفهَم النص إلا بإلقاء الضوء عليها . فكانت نظريته التي احترمت عروبة النص وآمنت باستقلاليته " النظرية الذرائعية" وعلى عكس مايروّج الكثيرون عن العقلية العربية، أنها تميل إلى العاطفة وتركن إلى الراحة وترفض الإبتكار ولا تهتم بالتأسيس العلمي والعقلي ..جاءت النظرية الذرائعية تمثل " رؤية نقدية ميكانيكية تطبيقية موحدة جديدة" على حسب قول واضعها ومبتكرها أ/ عبد الرزاق عوده الغالبي .وكل نظرية في حاجة إلى تطبيق، والتطبيق في حالة الذرائعية امتحان عسير ومسئولية تاريخية جسيمة، فمن يتصدى له يجب أن يتحلّى بمواهب شتى ..من علم بالأدب وفنونه، ومعرفة بالنقد ومكوناته وعلومه، وأيضًا ثقافة واسعة، بالإضافة إلى إيمان عميق بالنظرية، وولاء كامل للغة العربية، وعليه أن يقف أمام موجات من الغضب النقدي الذى يتمثل في من ارتضى آليات النقد الغربية حكَمًا على الإبداع العربي، وأن يتحمل الهجمات من المخالفين الذين يتربصون بهذا الابتكار الوليد. فكان من تحمل هذه المسئولية التاريخية الجسيمة .. الأديبة والباحثة والناقدة السورية.. د/ عبير خالد يحيى ..التى أخلصت للنظرية الذرائعية ورأت فيها الإنقاذ الوحيد للنص العربي، وأيقنت أنها السبيل الوحيد لتأسيس رؤية نقدية عربية أصيلة نابعة من لغتنا وحضارتنا ومبادئنا الأخلاقية .وعكفت على تطبيق هذه النظرية على النصوص الأدبية التي تناولتها فأبدعت، وجسدت النظرية نقدا مرئيًّا أمام الجميع، وبذلك تم إعلان نجاح النظرية الذرائعية. وبعد هذا التطبيق الباهر من د/ عبير خالد يحيى ..أعلن استقلال النقد العربى ..وميلاد تاريخ جديد للأدب العربي ..والآن أصبح على كل من أراد أن يبدع باللسان العربي، أو من يتحمس للغة العربية وأدبها قارئا أو ناقدا أو متلقيا أن يتخذ من الذرائعية منهجا وطريقا ينير أمامه طريق الأدب والإبداع . ماهى الذرائعية ..النظرية الذرائعية، أو كما أطلق عليها مبتكرها ومؤسسها العلامة/ عبد الرزاق عودة الغالبي  (الذرائعية فى التطبيق فى تحليل النص الأدبى PRAGMATIC IN- ACTION) هى أول نظرية عربية نقدية متكاملة جاءت لتدحض ما قاله مفكرو الغرب وفلاسفته مثل .. وليام غوتليب تنمّان Guillaume Theophile Tennemann ؛ وإرنست رنان  Ernest Renan الذين اعتبروا أن الأمة العربية بعيدة عن إنتاج مذاهب عقلية وفلسفية مستقلة؛ فجاءت تلك النظرية لتوضح أن الأمة العربية بها قامات فلسفية وعلمية  قادرة على صناعة وابتكار مذاهب مستقلة نابعة من لغتها وحضارتها ..تعريف الذرائعية:- يعرف العلامة / عبد الرزاق عودة الغالبي ..الذرائعية بقوله: (الذرائعية: رؤية نقدية ميكانيكية تطبيقية موحدة جديدة) فالذرائعية جوهرها احترام النقد وإضفاء صفة العلمية عليه واعتباره العراب للأدب وهو الذي يضع قوانينه ويضبط مصطلحاته ويحدد منطلقاته ويعرف غاياته ومراميه" فالنقد علم واسع وهو أهم العلوم البحتية التي تحتضن الأدب، والعراب الحنون للأدب " كما يقول العلامة الغالبي ..فالذرائعية ترى النقد علما يصطف مع العلوم الأخرى المنضبطة كالكيمياء والفيزياء والرياضيات ..فهو يستحق أن توضع له القواعد الدقيقة التي تضبط حركاته وسكناته . فالذرائعية تضطلع بأدوار لعل أهمها  التفرقة بين الأدب واللا أدب كما يقول العلامة الغالبي ..فهى نظرية تضع المعايير الدقيقة لاختبار بنية النص الأدبي، وتمنح الأديب أدواته التي يمكنه أن يكتب بها .خصائص الذرائعية:- للذرائعية خصائص وسمات كثيرة أبرزها سبع خصائص وهي:

1-علمية النقد

2-رؤية نقدية ميكانيكية

3-إمكانية التطبيق

4-التجنيس الأدبي

5-الوسيط الحتمي

6-التحليل الأولي

7- الأخلاقية

وهذه هي السمات والخصائص التي تتحلى بها  النظرية الذرائعية، وسنتناولهم فيما يلي:

1 –"علمية النقد " .. نادت الذرائعية بعلمية النقد، فالناظر إلى الكتابات النقدية يراها مجرد كتابات إنشائية لا تستند على علم أو تعتمد على تنظير إنما هي رؤى انطباعية اتخذت من النقد اسما لها ..لذلك جاءت النظرية الذرائعية بالجديد الذي غاب عن النقاد العرب وهو (المنهجية)، فالذى يمارس النقد عبر اتباع النظرية الذرائعية يمارسه بطريقة منهجية منظمة ..ويجب أن يتحلى الطرح النقدى باحترام العلمية والبحثية، وهذا ما يجعل النقد علمًا له أسسه وأركانه وليس مجرد كتابات انطباعية .

2- " رؤية نقدية ميكانيكية " ويبنى على ذلك الأساس العلمي تبنّي الذرائعية آليات ممنهجة تجعل الناقد أو المحلّل يستطيع عبر اتباعه الآليات والقواعد التي وضعتها الذرائعية،  يستطيع معرفة الجمال الذي تتحلى به القشرة الخارجية للنص – والذي تميّز به النص العربي- وأيضًا يستطيع العلم بمخبوءات النص ومراميه، وكشف اللثام عن المعاني الباطنية غير الصريحة . لذلك جاء تعريف العلامة الغالبي لها بأنها: (رؤية نقدية ميكانيكية تطبيقية موحدة) ..

فالقواعد التي وضعتها الذرائعية من شأنها أن تجعل الناقد أو المحلل ينفذ إلى عمق النص ومعرفة تفسيره وإخراج مخبوءاته، وأيضًا مراعاة الشكل الخارجي الجمالي المميز للنص العربي وذلك  بشكل أوتوماتيكي ..

3- "إمكانية التطبيق " وحسب التعريف الذي وضعه العلامة الغالبي – مؤسس النظرية - فالذرائعية " رؤية نقدية ميكانيكية تطبيقية " فهى ممكنة التطبيق وليست مجرد تنظير مجرد لا يمكن تطبيقه وإعماله على النصوص الأدبية العربية ..وقد قامت بتطبيق هذه النظرية وإثبات نجاحها الناقدة والأديبة د/ عبير خالد يحيى ..التى أثبتت نجاح النظرية عبر تطبيقاتها العملية إذ قامت بقراءة النصوص الأدبية التي تناولتها قراءة نقدية ذرائعية وكان النجاح هو حليف النظرية الذرائعية عبر مجهودات الناقدة والاديبة د/ عبير خالد يحيى .

4- " التجنيس الأدبي " يعد التجنيس الأدبي  الركيزة الأساسية في الذرائعية، وقد هاجمت الذرائعية التمرد الشائع على التجنيس واعتبرت ذلك مسلكًا فوضويًا من شأنه أن يقوم بتخريب الشكل المتميز الذى يتحلى به النص العربي،  وقد اعتبرت الذرائعية أن التجنيس وإضفاء الجنس على العمل الأدبي المكتوب هو "المرحلة الأولية "للنقد .

5- " الوسيط الحتمي " ويعد من أبرز خصائص النظرية الذرائعية هو احترامها وتقديرها للغة العربية، فاللغة العربية هى الوسيط الحتمي -كما عرفها العلامة الغالبي – والتي تختلف شكلًا وتعبيرًا وبنيوية عن جميع لغات العالم، وذلك ماقررته الذرائعية، وهو الذى يغيب عن فكر المتلقي العربي، فالنص العربي يختلف عن بقية النصوص التي كتبت باللغات الأخرى؛ والذرائعية هي النظرية التي احترمت خصوصية اللغة العربية، وما تتميز به من آليات وأساليب بيانية وجمالية تفتقدها اللغات الأخرى .

6 – " التحليل الأولي " حافظت الذرائعية على القشرة الجمالية للنص الأدبي وتبنت القيام  بتحليل النص "تحليلًا أوليًّا "على العكس تمامًا من التفكيكية التي تبدأ بتكسير السطح اللامع للنص الأدبي لكي تبلغ أعماقه المعتمة التي لا يبوح بها، وذلك التناول من شأنه أن يهدم الشكل الجميل للنص الأدبي العربي  ...فالذرائعية تعصم المتلقي من التعمق والتكلف في البحث عن تأويلات لا نهاية لها ..وكما تقول د/ عبير خالد يحيى .."فقد أولت الذرائعية القشرة الجمالية للنص الأدبي ما تستحقه من اهتمام، وجعلتها تتماشى بالتوازي مع المضمون، وقد تتقدمه وقد تتخلف عنه بحسب النص المكتوب " فلم تحطم الذرائعية تلك القشرة الجمالية كما فعلت تفكيكية دريدا بل اكتفت بالتحليل الأولي، حتى لا يتكسر النص ويتشظى ويؤدى إلى الوقوع في شرك التناقض والشروخ،  فهى نظرية تحترم الظاهر والباطن للنص معًا؛ فالذرائعية قد نادت بمبدأ " الأفكار المتدرجة "وهى الأفكار المتعاقبة والمكملة لبعضها والتي يعثر عليها الناقد عندما يغوص في النص الأدبي،  والتي لا تفضي إلى التناقض كما يقول دريدا، وهذا ما تقتضيه حتمية الوعي النصي كما قررت الذرائعية . 

7-" الأخلاقية "  وللذرائعية سمة هامة وخصيصة كبرى تتمتع بها، فهى لا تمنح صفة الأدب للنصوص غير الأخلاقية؛ فالذرائعية تعتبر الأدب هو ما يثبت القوائم الأخلاقية للمجتمع؛ وهو ما تفرضه الذرائعية على الأديب من واجب يحتم عليه أن يلتزم بقوائم الأخلاق والمثل الإنسانية العليا ولا يحق له التعرض لمنظومة الأخلاق العامة والأديان والأعراف والقوانين بشكل هدام، فيجب أن يخضع الأديب لمقومات (مذهب التعويض الأدبي doctrine of compensation).. وكما تقرر الذرائعية " فيجب أن يكون النقد هو الحارس الأمين لمنع التجاوزات الأدبية الهدامة التي تخترق بنية الأعراف والقوانين والأخلاق لعالمنا بكل طوائفه وأجناسه.. ولا يعد أديبا من يخترق منظومة الأخلاق والأجناس الطائفية وينشر العداء والفرقة بين الناس.

 

د. عبير خالد يحيي

حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي

 

 

سلام كاظم فرجمن مآثر ترجمة صباح محسن جاسم لقصائد الشاعر الأميركي المعاصر لورنس فرلنغيتي والتي ضمها كتابه (الشعر بوصفه فنا متمردا ..) والصادر عن دار الرواد المزدهرة./ بغداد... إنه قد نشر تراجم القصائد بمحاذاة النصوص المكتوبة بلغتها الأم.. وهذا مطلب قديم لكل القراء العرب الذين يجيدون القراءة بلغة ثانية..ومن مآثره أيضا  تضمين هوامش صفحاته شرحا وافيا لمدلولات الاسماء والمصطلحات (وهي كثيرة) والتي حفلت بها القصائد..وبعضها احتاج الى تواصل مع الشاعر الذي ناهز التاسعة والتسعين من العمر لفك تشفيرات بعض الإنزياحات والإحالات لكي تكون قريبة ومفهومة بشكل أفضل للمتلقي العربي.. فلورنس فرلنغيتي ورغم شعبيته في بلاده الولايات المتحدة الاميركية كشاعر شعبوي يساري وجماهيري هدفه إيصال رسالته لشرائح واسعة من الناس.. يبقى شاعرا نخبويا لا يمكن فك تشفيرات شعره دون الرجوع الى مجموعة من القواميس وهذا ما اشتغل عليه المترجم بعناية ..

على سبيل المثال..ثمة بيت يقول الشاعر فيه (الشعر يأكل كعك بروست..).. هذا البيت لايمكن فهمه دون معرفة مارسيل بروست   وروايته ذائعة الصيت (البحث عن الزمن الضائع..) والتي تبدأ من لحظة تناول كعكة مغمسة بالشاي أعادته لذكرى جدته التي كانت تقدم له في طفولته الكعك مع الشاي... في إشارة الى ان الشعر قد يكون مزيجا من الوعي و اللاوعي ... ونجد ثمة إحالة الى موضوعة التداعي الحر للأفكار في إشارته إلى بروست الذي يعتبر هو وجويس من أهم روادها في الأدب...

من خلال كلمة المترجم نتعرف على سيرة الشاعر بإعتباره ممثلا لما عرف بجيل الإبتهاج.. او حركة الإنتشاء المتمردة منذ ثلاثينيات القرن الماضي ونتعرف عليه بإعتباره معارضا من الطراز الأول لكل قيم الرأسمالية التي انتجت فاشيات مدمرة خلال رحلتها الطويلة  .. من الصعوبة بمكان تناول أبياتا مميزة من  أشعاره دون الرجوع إلى كامل القصيدة فثمة ترابط عجيب بين أبيات قصائده يجعل من المستحيل فهم ما يريده دون قراءة القصيدة كاملة.. وقد جازف صباح الجاسم وبدراية بترجمة ونشر أفضل ما لديه.

. في قصيدة تبدو كالصرخة يقول فيها الشاعر (إني أومئ إليك خلال النيران...

القطب الشمالي ليس في موقعه المعتاد

 

تدمر الحضارة ذاتيا

آلهة الانتقام تطرق الباب

ماجدوى الشعر؟

العالم يستنجد بالشعر لنجدته

وصوته يستصرخ البراري

لو كنت شاعرا لأوجدت الأعمال القادرة على الاجابة على تحديات الأزمنة..)..

القصائد ملأى بالتراكيب الغريبة وحافلة بالمفردات التي تحتاج شرحا ما.. هي متعبة ولا تمنح نفسها بيسر.. لكنك حالما تتلقف مفاتيحها ستمنحك لذة الاستكشاف..

وقد حرص المترجم والشاعر على عدم الإيغال في الشرح ... و ما قد نراه من هوامش متعددة للمترجم  هي غيض من فيض الإحالات الغريبة لرؤى وأفكار تغور عميقا في بطون كتب التاريخ والفلسفة والفن والآداب العالمية...

ومن غريب ما لاحظته في قصائد فرلنغيتي ان ثمة ابياتا مكتوبة باللغة الاسبانية وأخرى بالفرنسية او الالمانية  لا تجد صداها الممتع في الترجمة وقد نبه المترجم إلى بعضها وقد سأل الشاعر عنها فكان جوابه انها جاءت هكذا !!.. وهنا يمكنني القول ان تأثير إزرا باوند في جمهرة من شعراء عصره ومنهم فرلنغيتي الشاعر المخضرم ما زال فاعلا فالشعر هنا هو الذي يقود الشاعر لا العكس.. وزمام القصائد الجامحة سيفقدها البريق المرتجى إن أخذ بناصيته الشاعر الذي نهل من تمرد باوند على كل الطقوس والعقائد المسبقة في الشعر أو في الفكر أو في السياسة.. قد أكون متطرفا في فكرتي هذه .. لكنها تبقى فكرة قابلة للجدل والنقاش والتدبر....)!

(ايها الشعراء أخرجوا من مقصورتكم

افتحوا نوافذكم .. أفتحوا أبوابكم

لقد حِجبتم طويلا جدا.. في عوالمكم المغلقة

أنزلوا .....أنزلوا !!!

من التلال الروسية

وتلال التلكراف هلز

من تلال بيكون وتلال جابل

من قمة جبل أتالوج وضاحية مونتبارناس

من أسفل تلالكم وجبالكم

خارج خيامكم وقبابكم

الأشجار ما زالت تسقط

ولن تعود للغابات مجددا...حيث  لاوقت للجلوس هناك .(صفحة 154)..)

في هذا النص القصير ثمة كم هائل من الإنزياحات الشعرية نستطيع ان نعرفها إذا ما فهمنا إن (التلال الروسية) هي مقبرة ما .. وإن تلال التلكراف هلز هي تلال معروفة في روسيا تعتبر مرتع للببغاوات!!!

وتلال بيكون هي تلال كغيرها من تلال المعمورة لكن في وسائل الاعلام المحلية ترمز الى السلطة التشريعية والحكومة المحلية..!!

لاشك ان التوريات قد وضحت بعد التعرف على إيضاحات المترجم .. فالشاعر يدعو جمهرة الشعراء الى التغيير الشامل .. في الشعر وفي السياسة وفي النزول الى الجماهير العريضة .. وفي البيت الذي يتحدث فيه عن المقبرة والتلال التي ترتع بها الببغاوات  ثمة تقريع للشعراء الذين لا يأتون بجديد. ولا تحقق قصائدهم الانبهار المؤثر والفاعل والمحرك...

ومثل ذلك كثير في قصائد طويلة ممتعة وغنية بالتوريات المرحة تارة والساخطة تارة...

من الصعوبة بمكان إجتزاء اي نص شعري لتقديمه للقراء دون ان يفقد بريقه وجماله لذلك سأكتفي بما جازفت بتقديمه.. وفي الختام من الطريف نشر الرسالتين اللتين بعث بهما الشاعر للمترجم الأولى شخصية وخاصة بهما.. والثانية عامة بعث بها  بمناسبة انعقاد مهرجان المربد..

في الرسالة التي بعث بها لكل شعراء العراق وكتابه وللمشاركين في مهرجان المربد قال (إلى مهرجان المربد الشعري السادس البصرة ــ العراق..

مرحى لإتحاد الأدباء العراقيين والشعراء سيما نحن في النهاية نبحر جميعنا في ذات المركب المعطوب سواء على الفرات او الهيلوبونت .. الكنج او المسيسبي.. سوية نبحر صوب المجهول الشعري العظيم صوب الجزيرة التي ليست على أية خارطة.. لورنس فرلنغيتي / سان فرانسيسكو الثامن والعشرين من آذار 2009

والرسالة الشخصية بين الشاعر والمترجم :

عزيزي صباح:

إليك مباركتي ولتجد ناشرا على الرغم من إن دار طباعة أضواء المدينة يتعذر عليها نشره من باب عدم تحبيذ النشر لنفسي ذلك ما يسمى (النشر بقصد الزهو..)

أشكر لك هذا الجهد كله بالنيابة عن نفسي مؤكدا إنه سيكون مقامك الجنة بجوقات من حورياتها الفاتنات فيما يطربنك بإناشيد الثناء ومن ثم يمنحنك أرقام هواتفهن...

فرلنغيتي.. سان فرانسيسكو

ولا يخفى ان ثمة مرحا في الرسالة الثانية ومن خلالها تعرفنا على حقيقة انه لا يحبذ ان يقال عنه انه ينشر لنفسه ومن خلال الدار الخاصة به ...

 

سلام كاظم فرج