عدنان ابواندلسيُحيلنا هذا النص "غيمة المشاكسة" إلى إستبطان معرفي متناظر ومتلاقح دلالياً، مشكلاً مثابة مبانة، ألا وهي "المقاربة" بين الطبع للأشياء بعد تجسيدها واضفاء الأنسنة لها، إن فترة إلتقاط هذه الصورة المعتمة، المتخيلة، من بنات أفكارهِ لحظة "التخيل" لذا اتكأ على أفعال حركية، منزاحة لما بعدها؛ فالـفعل إنهمري – المستهل الذي حرك الرؤى التي خزنها، ثبتها، ربما المتفاعل مع نفسيتهِ، المتشابهه مزاجاً لحظوياً مع تكوين " الغيمة " العابرة – السابحة في الأثير، كما هي نفسيتهِ التي وطَنها في زمن الضائقة، فـ الحِدِية تلائم سير الغيمة – حالتهِ النفسية، كليهما تحت مؤثرات حياتية = المناخ وما يستبطنهُ – المزاج \ لكن المقاربة تكاد تتعاشق مرةٍ وتتنافر بأُخرى، لهذا كان خطابهُ بأقصى ما يسعفهُ الخطاب من مؤثرات – الجو النفسي – المزاج \ التيارات ومؤثراتها، هذا التشبيه الذي إستنتجتهُ من سمة أفكارهِ التي بثها عبر نصهِ، ناتج عن جوٍ ملبد بهموم متقاطرة كما في العنونة " السماء – الأرض " التي أنسن فيها " المشاكسة " من حيث التشخيص \ التجسيد \ الأنسنة – فالأنسنة إضفاء للأشياء صفة الإنسان، فالمشاكسة من مصدر شاكَسَ وكما في المفهوم المعجمي، وتأتي بمعنى المضايقة\ المخاصمة \ والمشاغبة وما تُلي عليهِ من صفات تتمحور حول " العطش " = النشوة – الإنتعاش – الرواء .. إن الزمن إنحصر في النًصية بدأ من العنونة، فالغيمة مرتبطة بزمن تكاثفها وعبورها، فما كان من فترة المراقبة لتشكيها \ هطولها – إلا رؤية المشهد المتغير من حينٍ لآخر بين، الغيمة \ الصحراء – إنجذاب روحي – مردهُ الشاعر جذباً .

ــــــ وهذا المستهل من النص الذي قسمتهُ إلى أربع فقرات " حسب الرؤى " في تحولات الغيمة \ التكاثف \ الهطول \ الإرواء \ النمو ؛ ومن عندياتي " إستنتاجي " بتبدل الفضاء ولاهثة شِعرية حُسمتْ \ الاستمرار " النفس "، حقيقة أرى القصيدة قد أخذت طابع اللون " الصحراوي " البني \ منذُ وهلة قِراءتها، لكن لكثر تمنياتهِ والتي لمستها من سابقة \العطش \ الظمأ \ فما يغير اللون إلا " الماء " فما كان بوسعهِ ؛ إلا أن ينزل " الغيمة " تمغنطاً \ جذبا - والذي يشي ما بدأهُ :

 انهمري ايتها الغيمة المشاكسة ... ...

لأحظى بلثمِ نسيم بيادر العنبرِ

واغرقُ في غدير فضفاضِ مائكِ

ما لهذا العبيرُ ...لايصيرُ عنادلاً!

ترقصُ فوقَه رُسل مساءاتِ النشوةِ

تحطُّ على جبلي بلّورٍ ناء بهما سهاد المرمرُ؟

ظاميءٌ فمي ونبعينِ في أفق صدر المنى

يتدفقانِ عذب الفُرات .

يلاحظ من أن النص كُتب بإسلوب تراكمي ومتواليات من الأفعال الحياتية المتحركة بفعل إرادة \ التغيير \ التبديل، مما توالدت منها زخماً ومزيجاً من أشياء مهتزة نفسياً، كما هي الرياح التي تُحرك الغيمة – عن التراكم السَمتي الذي يُحشد أرضاً دفاعات جاذبيتهُ للإستقطاب، فالإرتفاع يحتفي بهذا التوالد من الحركية _ الثابتة – إنهمري \ الغيمة – أغرق \ الغدير – ظامئ \ فمي – تحط \ جبلي – يتدفق "\ عذب – النسيم \ العنبر – العبير \ عنادل أي " الأفعال " كماً هائلاً من التلاقحات التي تتضافر لتغيير حالة اللحظة أو الفكرة " الطارئة " التي بسببها أُنشأ هذا النص، والذي جاء على عُجالة من التدفق الحركي بنشاط، الحدث الأولي " أرضي " تضجر منهُ، مما أضطر إلى يجول ببصرهُ للسماء ورأى " الغيمة " التي وافقت حالتهُ تلك، أكثر مما يتحسسهُ المتلقي، بأن للأرض المجدبة " الصحراء " فعل تحفيز للخطاب الذي لمسناهُ منذ البدء، بدليل أفعال " الحركية " التي وظفها في المتن والتي تصب في ذهنية " الإرتواء " اذكر منها فقط، بدءاً : إنهمري – التي تفي بالغرض والإستنتاج دون ذكر البقية، فالإنهمار تعني كلَ ما يريدهُ الفاعل القرائي من التأويل كي يصل لغايتهِ القُصوى، من هذهِ المحركات " الأفعال " .هذهِ القصيدة يحاول الشاعر أن يبنيها ويهدمها في آنٍ واحدٍ، هي التي مسكها بقوة من خاصرة الكلام، فجاءت مطواعة لهُ، يغور في رؤاها كيفما يُريد ويغير مما تملي عليهِ رؤاهُ لاحقاً – حاضراً – آنياً – لحظوياً – مستقبلاً، ألقى صنارة الحرف في قلب الغيمة التي بدأت تتلاشى في إستغاثة دعواتهِ المتتالية لجذب هذا الفضاء يقول :

 

 دَعي عَطشي يتشظّى... بمدٍّ مِن دفق نهر

جائعٍ لموج الغناء وزوارق الرقص الغجري

اقتربي فجيوش الصبر رفعت راية استسلام

سأغفو على رخام عشتار

معلناً جنوني ... حتى آخر الرحيل

فقنديل مرافئ الحلم عارٍ كما آلهة الضياء

عيناهُ تشربهما همهمة النعاس فتغفوان في ضجيج الممنوع

يتبرعم الأقحوان بخلاخل ساقين

يرقصان في جنون انهمار العاطفة

وانا بين هذا وذاك

إن صاحب الخطاب بات في إستغاثة رغم جدب نفسيتهِ وتفاعلاتها الأثيرية التي اجتاحته في خلوة قسرية، فأكثر ما وظفهُ من مفردات ندية \ سيالة، أضفت للرؤى الخصب والنماء والديمومة، فقد تتحسس بالبلل والندية المتسربة ببرودة منعشة، ربما ظِل الغيمة الهابط على الأرض قبل نضوجها، وكما في النشوة – المرافئ، الأقحوان – الزوارق، جميعها مردها اشتغالها هو " الماء " وأضحت تُقرأ في تبدلاتها الراسخة في الذهنية – المتخيلة – الإنتشاء المواكب للحدث لحظة بلحظة من خلال المجازات والتشبيه التي أضفى عليها بدأ من العنونة؛ وما لحقها من المستهل والمتن النَصي مروراً بالخاتمة –الحصيلة النهائية، حيثُ أكثر المفردات التي وظفت هي تركيبة – مركبة – حركية – خشنة في التعامل التداولي، وسيواصل على هذهِ السيولة الندية بمقطع آخر، وقد زج بهِ ثمار غيمتهِ " المشاكسة " التي روضها وبان وهج الحب الذي سايرهُ منذ الوهلة الأولى " الإستهلال " مروراً بالمتن الذي حشد لهُ كل إندفاعات التحريك من النشاط والقوة التي واكبتهُ بالخطاب الإستعطافي والتي أرهقت الشاعر بكثافتها وزحزحة الرؤى عن قصديتها حتى غدت الصورة " معتمة " بذاك الإيباس الوجداني الذي أفضى إلى الإنسان ككائن آخر يستمد الحياة من " الماء " فالغيمة هي " التيمة " والعنصر المهيمن الذي دارت عليهِ الرؤى بمساحة \ العمودي – العلوي \ الأفقي \ السطحي، وقد واظب على صيغ فعلية ثابتة رغم حركيتها الفاعلة " مضارعة \ ماضية " لذا أسند النص إلى صيغ زمنية، فالشاعر وضع الصبغة الخضراء " ذهنياً " الملمح الرئيسي " الغيمة " وكأنما يريد بزخة عاطفة إلى سحب \ تشتيت \ الغيمة \ كلياً بتركيز ذهني للمقابل الآخر \ المحور = الصحراء، رغم الاستحضار المسبق لكن على ما يبدو بأن الغيمة عاقر، لأن موسمها الصيف بدلالة \ العطش الذي إجتاحهُ نفسياً .

 أروّضكَ فرساً جموحاً ايتها الغيمة التي أدمنت الجدب

سأغنّي مواويل تمرّد حتى موسم الصقيع

لأنسكب عليك شلال نبيذ يذيب ثلج الخنوع

وأسكرك برعاف مطر الأماني

أعانق تخوم الندى مياسم في سماء الوطن

وأغفو فيستفيقُ أرق اللذّة حشود نماء

حينما أشمُّك عطراً فرنسياً وقِح الانتشار

أقبّل كل ما فيك وأجثو

 

بعد التدرج للخطاب أضحى الترويض في هذهِ الفقرة ملازمٌ لهُ، كون الشيء " مشاكس – شموس " فالترويض هو أنجح التعامل مع الإنفلات الحياتي في تحليل الخطاب المنوه عنهُ الزاخر بالدلالات التي تماوجت بإسترجاع " التدوير " اللازم لهذهِ الرؤى، وتكرار الأفعال ومصادمات الحروف والسكنات ما هي إلأ موسيقى نتحسسها – إيقاعاً يطربنا في تفعيل النشاط السيال للإستمرار بالحركة الآلية كي تتواصل في

ختام يرنو عليهِ – هي النشوة القُصوى من توظيفهِ القصْدٍي ربتما، أفعال حياتية متحركة بفعل ما أو ما يقابلها من قرينة من التكوين للفكرة الطارئة أو الحدث برمتهِ " أرضي " تضجر منهُ وبنظرة عفوية كإستنجاد إلى السماء ولا مهرب منهُ، فكانت الغيمة المعتمة التي توشك أن تنزل الخير على الجُدب – هي المثابة والبؤرة لقلب النصية من تسطحاتها وتقريريتها إلى عمق وسلاسة واضحة، لهذا جاءت القصيدة مكثفة لإدخار نفسي متزن وقد حمْلَ القارئ مخيلة رطبة وطازجة رغم يبوسة المفردات، حقاً لو لم يأتِ بـ مفردة " إنهمري " لما تحسس المتلقي أبداً بتصورهِ للغيمة الحُبلى بـ المطر \ العاقر بـ الصيف، وكأنهُ ثقب بطنها فتسرب الماء منها | ذهنياً، فشعرنا بـ الإرتواء، وقد يتصورهُ القارئ بأن الشاعر \ جغرافي \ موظف أنواء \ فلاح مخضرم، وإلا ما يهمهُ من غيمة سائرة \ عابرة \ يمتهن الجدل في مشاكستها، لكن أرى هو الإنسان الذي تربطهُ بالعالم وعي الذات المعرفي بما يحيطُ بهِ :

أغنّي لكِ لحناً لايصلح الّا لانهمارات الوصال

إنتفضي إعصاراً... اجتاحي عنف مساحات التردّد

دعيني أعلن انتصاري بمراقصة الضوء

دعيني أقبّلُ فوهة البراكين لعلّها تكتسحني

أو أمنح الغبش منسأة داود ...دعيني

أشربُ نُخبَ الممنوعِ فأنا رجلٌ عاش في صخب الممنوع

ايتها الغيمة المشاكسة امطري

فكل تراب بلادي يعيث فيه التصحر

بعد الوصول للمبتغى " ذروة النشوة " بفعل التمني الذي واكبهُ منذ مشهدية " الغيمة " إستبطان فكرة \ إستنطاق تلاشي، من أن يزيح ما يراود مخيلتهِ من " الهطول " قصد الإرواء وبالطريقة التي أوصلتهُ بمراحلها وبأريحية في ضوء المتخيل اللحظوي، المطلوب – عابر فوق سمة الرأس كـ فكرة عابرة، لكنها تجلت وكشفت تأويلاً إنها التي تدور الرأس بجهات عدةٍ من التأمل لجذب عينة الإرهاصات التي سبقت الهطول، هذا التأمل الذي فجر الإستحالة، لأن المحفز قد أُملي عليهِ خرق العادة – إستمكان الإستحالة – فختم للغيمة مخاطباً " أمطري " يود من أن تدر عليهِ غيثاً يلثم تراب الأرض والأجواء المغبرة كي يروي هذهِ الصحراء الممتدة مدى البصر، هو ذاك العطش النفسي الذي تتخللهُ بتلك البيئة الممتدة حتى إطراف القهر والمحل والإصفرار، أعماق نفسِ شاسعة بصبرها وبطول الأمل المرتجى .

 إجمالاً من أن النص مكثف ومزدحم دلالياً بأفعالهِ المتحركة التي زجها وناور بها على دراية وفق أدواته التي يستنجد بها في إستلطافات الرؤى المحبوكة لمسايرة الحدث الذي يترقبهُ – هطول الغيمة = الإنتشاء \ الفكرة – التهاطل – النشوة ... كلها " سيالة " في تدفقها عن إجتراح الفكرة العيانية \ التقاط النظرة، وعلى قول الناقد عبد العزيز موافي : " العلاقات الفنية داخل المشهد، تنحو بإتجاه الصراع بين التفكير الحسي والرؤية البصرية للأشياء، حيثُ يوغل التفكير الحسي في صميم الأشياء، بينما الرؤية البصرية إدراك خارجي عام " ـــــــ هذا ما أردتُ قولهُ حقاً حين قِراءتي الأولى للنص : من أن الغيمة المشاكسة والتعاشق البصري الرؤيوي بين المتخيل اللحظوي والغيمة العيانية هي في جسد النص مبثوثة على شاكلة شيئين أو ُقل المعنى الكلي – هي الهموم أي هواجس تنتابهُ ثم تغادرهُ زمانياً، كما هي العابرة بلحظة \ زمن \ تجلي – النطاق الحسي كما في إستعاراتهِ الثلاث التي وظفها – التجسيم \ التشخيص \ التجسيد ومن ثم الأنسنة " المروضة " بالنداء \ الإستغاثة \ الرجاء – هذهِ الدعوات للخطاب الذي تراء للمتلقي من الشاعر \ الرائي . إجمالاً ؛ تبقى لإشادة أخيرة – إشادة أولية، نرى الشاعر شلال عنوز قد إقتحم المعترك ووصل درجة الإستصفاء والنضوج الشعري حيثُ أُتيحت لهُ مكانة متميزة داخل المشهد الأدبي في حواضرنا الرؤيوية، لما يمتلك من أدوات مكنتهُ من السيطرة على مقودهِ التوظيفي في إستقطاب ما تختزن ذاكرتهُ من إلتقاط اليومي في ضوء عتمة مستديمة ممتدة إلى حافة الضجر التي سطرها على هذا البياض والذي سودهُ بخزين معرفي بديع .

 

عدنان أبو أندلس

 

كريم عبد اللهغجرية فوق ربى قصيدة سمراء، بقلم: سلوى علي – العراق .

سريرُ الّليلك.. بقلم: مرام عطية – سوريا .

للدين رجال يحرسونه ... وللسياسة رجال يخوضون في مستنقعاتها ... ولجسد المرأة رجل كالمِبرد .

بعد التطور الهائل الذي حصل على النصّ والوعي الجديد حول اللغة والتعبير وتداخل الاجناس الادبية مؤخرا ادّى الى التوسع في فهم التعبير والتعظيم لطاقات اللغة والنصّ الادبي، مما أدى الى تجلّي ظاهر في الابتكار والابداع وفي تعدد مستويات التعبير، وكان للكتابة النثرية دور مهم في هذه الظاهرة وترسيخها . لقد كان النصّ مكوّن من كلمات ومعاني، لكن التطوير الحاصل في فهم النصّ مؤخرا صار النصّ ليس مجرد نظام مكوّن من كلمات وصور وموسيقى، بل تعدّاه ليكون له وجودات ومستويات مختلفة، وكان النصّ هو المرآة لهذه الوجودات والمستويات. ان الحرية التي وفرها السرد التعبيري وطريقة كتابة النصّ بالطريقة الافقية (الكتلة الواحدة) وعلى شكل فقرات نصّية متتابعة أدّت الى ظهور اشكال تعبيرية مصاحبة للنصّ لا تتكون من وحدات لغوية، اي اصبح لدينا انظمة تعبيرية تصاحب النصّ غير الانظمة اللغوية، وهذا هو تعدد مستويات التعبير فأصبح لدينا تعبير لغوي وتعبير غير لغوي. ان المؤشّر الواقعي والصادق على وجود نظام تعبيري غير لغوي مرافق ومحمول في النصّ هو / تحقق الأثارة / والاستفزاز بغير اللغة والكلام /، فنجد ان هناك معطى غير اللغة والمعاني يستفزّه ويثيره ويدهشه . ان السرد التعبيري اصبح يتنوع بتنوع التجربة الانسانية وما يوافق من طاقات اللغة، اصبح لدينا / التعبيرية الشعورية التجريدية / التعبيرية الاسلوبية / التعبيرية القاموسية / والتعبيرية الايحائية / والتعبيرية الرمزية /* والتعبيرية الفكرية .

ان السردية التعبيرية لانقصد بها السرد الحكائي القصصي بل نقصد الايحاء ونقل الشعور والاحاسيس والمشاعر العميقة وتغظيم طاقات اللغة لاجل توصيل رسالى الى المتلقي . فبعد النجاحات التي حققها كتّاب السرد التعبيري والكتابة بطريقة ابداعية ومتميّزة بمختلف انواع السرد التعبيري، سنتحث اليوم عن تجربة اخرى ظهرت لدى بعض كتّابنا مؤخرا الا وهي قصيدة / التابو / او / الخط الاحمر / او / / الادب المكشوف / او / المحظور والممنوع / في المجتمع خاصة لدى المرأة . لقد بقيت المرأة تتخفّى وراء مفرداتها عندما تتحدث عن شريك غير مصرّح به وتشير اليه من بعيد او تستخدم مفردات جنسية اكثر جرأة ولكن تلميحا واشارة اليه وربما ايضا تستخدم وبشكل واضح وصريح موضوعة الجنس بطريقة مباشرة . وهنا يقفز السؤال: هل إنّ كلّ ما يكتبه الشاعر / الشاعرة (بصورة خاصة) يعبّر عن شخصيته وممارساته اليومية، وهل يحقّ لنا أن نعيب عليه ما يكتب عمّا يجول في أعماقه بحرية ودون وجل او تردد، وهل يجوز لنا أن نصفه بما كتبه ويكتبه ونعتقد خطأ انّ هذا يمتدّ الى سلوكه ويعبّر عن نواياه المخفية، ونلصق كلّ هذا زيّفا به ونتهمه بما لا يوجد فيه ونعتبر ما كتبه يعبّر عن تجربة شخصية؟؟ !! .

كل انسان لديه حاجات اساسية يحاول اشباعها بالطريقة التي تسبب له الاطمئنان والراحة النفسية والاستقرار الفكري والنفسي، وتتدرج هذه الحاجات حسب / هرم ماسلو* / من الحاجات / الفسيولوجية / الجتماعية / الحاجة للتقدير / والحاجة لتحقيق الذات، فأي تقصير بعدم اشباع هذه الحاجات سوف تظهر على سلوك الانسان، ويمكن التعبير عنها بطرق مختلفة كـ / الرسم / الموسيقى / الادب ومنه الشعر وغيرها . ان الانسان بحاجة الى اشباع حاجاته الاجتماعية / العلاقات العاطفية / العلاقات الاسرية / اكتساب الاصدقاء، وفي حالة عدم تحقيق واشباع هذه الحاجات يصبح عرضة للعزلة والاكتئاب والقلق والعزلة، وهذه كلها منغصات تقلق الانسان فيقوم بعملية تنفيس لهذه الضغوط والازمات بالطرق التي يراها مناسبة ومتوفرة، هذه الازمات والضغوطات النفسية تترافق مع حدوث ازمات تعمّ البلد كالحروب مثلا فيقفز الجنس مقابل الحرب، هنا يحاول الاديب الذكي والمبدع ان يترجم لنا مشاعر الاخرين بإسلوبه الخاص وبتجربته في مجال ممارساته الكتابية وثقافته ويبعث لنا رسالة تتجلّى فيها رساليته الانسانية والجمالية في كتاباته .

سنتناول هنا نصّين لشاعرتين مهمّتين في مجال السرد التعبيري اشتغلن على موضوعة / الجنس / بالاتكاء على التعبيرية الشعورية، فكانت الرسالة واضحة على شكل مكونات عاطفية وشعورية اضافة الى الكلمات والمعاني، وهما: سلوى علي من العراق ومرام عطية من سوريا، من خلال متابعتنا وجدنا في نصّيهما ما يشير الى التابو سنحاول تسليط الضوء عليهما وقراءتهما عن قرب علّنا نتمكن من اضافة شيء ما تجربة القصيدة السردية التعبيرية .

 

 

أولا: غجرية فوق ربى قصيدة سمراء .. / بقلم: سلوى علي - العرق

تسرقني اللحظات المكتظة بلجة الشوق بين ثنايا الحلم، لأكوان عطرية، تروض غجرية جحدها الوجد فوق سرير برائحة النارنج المنفلت من جعبة ممالك ألأشتياق المأسورة بخلجات الهطول، ليبتسم نهدها المكلوم بمحض الحلم الملآى بالأقحوان، تنتعل ألأبجدية وتفك الأسرار الحبلى المودوزنة لحد الأمتلاء فوق قافية مجنونة المفردات، رحيمة العناق بين مجرات التوق المصطفاة من حضن اللقاء وهي تتنفس بجنون مابين الحلم والواقع كنورسة تائهة بأنفاس رخيمة بذاكرتها الخصبة بين المناجل الساحقة لسنابل أحلامها ومدنها الطاهرة بالبياض المنقوع في جرار نشوة الوجد.

تبكيها نهشة ألألم فوق ربى قصيدة سمراء كظل ظهيرة عجزت التأويل من وصفها في كتابة الممكنات فوق زهر من وتر القصيدة .

ياسيدي..

مازالت نوافذي مغلقة تشتهي وسائد الحنين بين سواقي الدمع،تغوص بأسم لقيط لجسد أمراءة بلا أراجيح فوق أيك المساءات، أحتست آخر رشفة من مداها الفسيح ومضت كصفير ناي قبل الغروب .

نجد هنا الشاعرة استخدمت قناع الغجر الذين تمتاز بشرتهم بالسمرة ويمتازون بالجمال ويعشيون على أطراف المدن في عزلتهم، لهم عاداتهم وتقاليدهم الخاصة بهم، حياتهم عبارة عن الطرب والرقص والكيف والجنس، فمن خلال شخصية هذه الغجرية سنستشفّ وجود حياة عامرة بالجمال والعزلة ومن خلال الجو العام للقصيدة سنجد لغة الحلم واضحة بعدما كرّرت الشاعرة مفردة / الحلم / لأكثر من مرّة ومن هذه اللغة سينبعث عطر أخّاذ أصرتّ على تكراره خمسة مرات ونحن نعلم تأثير العطر في تأجيج غريزة الجنس .. / تسرقني اللحظات المكتظة بلجة الشوق بين ثنايا الحلم ../ محاولة الهروب من الواقع لقسوته والارتماء باحضان الحلم بحثاً عن السكينة والاطمئنان ../ لأكوان عطرية، تروض غجرية جحدها الوجد فوق سرير برائحة النارنج المنفلت من جعبة ممالك ألأشتياق المأسورة بخلجات الهطول ../ البحث عن سرير برائحة النارنج حين تصحو الأنثى من غفوتها ويغلبها الشوق والاشتياق والبحث عمّن يروّض جموح هذه الغجرية الشبقة ../ ليبتسم نهدها المكلوم بمحض الحلم الملآى بالأقحوان ../ انه البحث عن المتعة واللذة الجنسية المحرّمة، هي الرغبة الصريحة والملحّة لدى الجسد ../ تنتعل ألأبجدية وتفك الأسرار الحبلى المدوزنة لحد الأمتلاء فوق قافية مجنونة المفردات ../ لا سبيل لكل هذا الا باستخدام اللغة لاستحالة تحقيق ذلك، في محاولة لتخفيف هذا الشبق المكتوم .. / رحيمة العناق بين مجرات التوق المصطفاة من حضن اللقاء وهي تتنفس بجنون مابين الحلم والواقع كنورسة تائهة بأنفاس رخيمة بذاكرتها الخصبة بين المناجل الساحقة لسنابل أحلامها ومدنها الطاهرة بالبياض المنقوع في جرار نشوة الوجد ../ انه الصراع ما بين الواقع المؤلم والحلم اللذيذ، انها الانثى الناضجة خصوبتها الملتاعة بقسوة الناجل وهي تمارس السلطة والازدراء لمدن الجسد المعتّق بالشوق والباحث عن نشوة مفقودة ../ تبكيها نهشة ألألم فوق ربى قصيدة سمراء كظل ظهيرة عجزت التأويل من وصفها في كتابة الممكنات فوق زهر من وتر القصيدة ../ انه الحرمان العاطفي والجسدي، انه البكاء العنيف، انه الحاجة في زمن القهر المصطخبة لدى الأنثى ../ ياسيدي ../ لقد جاءت هذه الفردة وحيدة في بداية سطر تحمل الرجاء والطلب ومدّ العون والاقتراب والحنو والعطف ../ مازالت نوافذي مغلقة تشتهي وسائد الحنين بين سواقي الدمع ../ انه الانتظار الممضّ والموجع حيث تأججت الرغبة وتفجّرت ينابيعها وتفتّقت الشهوة وامتلأت سواقي الروح بالدمع والحرقة ../ تغوص بأسم لقيط لجسد أمراءة بلا أراجيح فوق أيك المساءات ../ انه الاختباء وراء اسم مستعار خشية افتضاح أمرها بعدما انتابها القنوط وغشيها الياس والحرمان ../ أحتست آخر رشفة من مداها الفسيح ومضت كصفير ناي قبل الغروب ../ وهكذا مضت احلامها في مهب الريح وبقيت خاوية بعدما احتدمت في جسدها الشهوة وسرعان ما تلاشت حينما عجزت عن انتهاك الثالوث المحرّمة علنا .

في هذه القصيدة نجد قوة المفردة وقوة الايحاء فيها اضافة الى جمالية الانزياحات وكمّ هائل من المشاعر الصادقة والاحاسيس المرهفة، لقد بقيت الشاعرة مختفية وراء كلماتها الموحية بالكثير من الرغبة والبحث عن النشوة، حذرة لا تصرّح علنا برغبتها المكبوتة خشية من الواقع وسطوته .

 

 

ثانيا: سريرُ الليلكِ .. / بقلم: مرام عطية - سوريا

 

عند منحنى العتمةِ حسناءُ أضاعتْ مفاتيحَ البهجةِ ودربَ الخلاصِ، تناشدُ الغيمَ الرحمةَ، وترقُبُ أزرارَ الغدَ بمقلِةِ الأملِ، تزيِّنهُ بأحلامٍ لازورديَّةٍ، تعانقهُ بالَّلهفةِ، وتمضغُ موبقاتِ الواقعِ الأليمِ بحسرةٍ، تتنقَّلُ بين محطِّاتٍ الأخبارِ العالمية وكتبِ السَّماءِ، لعلَّها تجدُ ترياقاً مجدياً، يرفعها فَوْقَ وحولِ الحاجةِ، ويقيها ابتياعَ الذلِ

تنهضُ وراءَ ضلوعها شجرةُ تينٍ ناضجة، تقتحمُ

نضارتُها أسوارَ الخريفِ الشَّاحبِ، وتحيكُ إطلالتها السَّنيةَ شالَ الألقِ، يضاجع جسدها الخواءُ الموجعُ، ويسترُ مفاتنها الَّليلُ الصامتُ، سريرُ الحرمانِ شديدُ الملوحةِ، مرُّ المذاقِ، تتغلغلُ فيه عناكبُ الجهلِ وتعلوهُ الأسقامُ العضالُ الحنظلُ لايغادرُ إناءها الزجاجيُّ المترعُ بالخيباتِ، وكنارٌ شجي من وراءِ الأسلاكِ يغريهِ جسدها المزروع باللوز والحبقِ، يتسللُ، البابُ مواربٌ، يضمُّ ليمون خصرها بين جناحيهِ، يوقدُ الوجدَ، يحرقَ الوصايا، فجأةً تصفعتهُ الريحُ،لأنه خالف عرف القبيلةِ وطقوسُ الخريف الشتوي، بئس شرائعا شرائعُ سنَّها الثَّلجُ للنار والحجارةُ للينابيعِ، وكرَّستها مناسكُ الإهمال وتقاليدُ اليبابِ

نعم آمنتُ بكلِّ ماقالهُ لي خليجُ الأوجاعِ: أنْ ليسَ للزمنِ قلبٌ ولا للشوقِ خطايا في بلادِ الخرافةِ والموتِ

يشتغلُ الحنينُ في صدرها لذاكَ الكنارِ الطربِ، يطربُها، يسقيها نبيذَ شفتيهِ، يتذوَّقُ عرجونها الذي يسيلُ حلاوةً، يغازلُ حسانَها اللائي ارتدينَ الحياءَ، وتقنَّعنَ بألواحٍ خشبيةٍ، يخشينَ عيونَ العاذلين الشائكةَ

شجرةٌ عاشقةٌ تطرقُ أبوابَ الرحمة، تناشدها إطلاقَ كنارٍ مهيضِ الجناحِ صفعتهُ الريحُ، ريحٌ صرصرٌ رمتهُ مستنقعاتُ التقاليدِ في خيامِ التعاسةِ البائسةِ تبلغهُ أقاليمَ الأحزانِ ؛ فيكفُّ عن التحليقِ ختمَ المساءِ .

المواعيدُ الخضراءُ المسكونُة بالشَّوقِ تنشجُ يتناهى أنينُها إلى السَّواقي القريبةِ من موطنها فتخاتلها بابتسامةِ الوردِ وتنهيدةِ الصباحِ .

لا بارقةَ أملٍ تطلُّ، أو غيمةَ لقاءٍ تلوحُ في الأفقِ القريبِ، تبكي، تخبرُ نوارسَها المتكئةَ على ضفافِ التلاقي بغزو الصيفِ لأحلامها فتعزفُ سمفونيةً شجيَّةً على أوتارِ الانتظارِ .

هنا تضعنا الشاعرة أمام السرير المعدّ والمصنوع من أزهار الليلك المزهرة بنعومتها ورقّتها وحساسيتها، هذه الازهار تُشعرنا بالدفء وتذكّرنا بإقتراب فصل الصيف في محاولة منها أن تثير الاخر وتسترعي إنتباهه بجمالها، اذا نحن أمام انتظار آخر ومخدع جديد وكأنها توميء بكل ما تحمل من سرّ الأنوثة وشبقها في عملية استدراج وتوسّل ولهفة انتظار . لقد استخدمت الكناية وعدم التصريح بذكر الآخر فتمثّلته / كنار / لما لهذا الطير من جمال وألوان جذّابة وصوت هادىء وجميل يريح الأعصاب، طائر يقظ ومفعم بالنشاط والحيوية يحلّق في سماواتها دوما ../ عند منحنى العتمةِ حسناءُ أضاعتْ مفاتيحَ البهجةِ ودربَ الخلاصِ ../ من وراء الضوء والواقع المرير كانت قد فقدت هذه الحسناء مفاتيح دروب السعادة والافراح، في مقدمة تهيّء لنا أجواء الدخول في عالمها المظلم والبائس ../ تناشدُ الغيمَ الرحمةَ ../ الطلب والرجاء بـ لحظة وفاق وصفاء، وقد استخدمت الشاعرة هنا مفردة / الغيم / الدالّة على العطاء بأمطارها التي وهي في نفس الوقت مفردة جنسية توحي بالكثير، انها تُغرق الارض اليابسة وتنبت في صحرائها الازهار من جديد في لحظة اللقاء والنزول ../ وترقُبُ أزرارَ الغدَ بمقلِةِ الأملِ، تزيِّنهُ بأحلامٍ لازورديَّةٍ، تعانقهُ بالَّلهفةِ، وتمضغُ موبقاتِ الواقعِ الأليمِ بحسرةٍ ../ الانتظار الطويل والممل والموجع في نفس الوقت للغد الذي ربما سوف يتحقق او لا يتحقق، تحاول تجميل الأمل وتزّينيه بأجمل الاحلام اللازوردية تحدوها اللهفة المشتعلة، بينما تحاول نسيان قسوة واقعها والهروب منه الى أحلامها الممنوعة ../ تتنقَّلُ بين محطِّاتٍ الأخبارِ العالمية وكتبِ السَّماءِ، لعلَّها تجدُ ترياقاً مجدياً، يرفعها فَوْقَ وحولِ الحاجةِ، ويقيها ابتياعَ الذلِ

تنهضُ وراءَ ضلوعها شجرةُ تينٍ ناضجة ../ في تصريح وصرخة بوجه هذا الثالوث المحرّم / الأخبارِ العالمية التي تعادل السياسة / و/ كتب السماء التي تعادل الدين / و/ الذلّ التي تعادل المحرمات الاجتماعية ومنها الجنس / ومحاولة التحرر من قيودها والانبعاث من جديد، ومن خلال تصريح مثير ومستفزّ تستخدم الشاعرة عبارة / شجرة تين ناضجة / وهي عبارة جنسية موحية بالكثير حيث اللذّة والنضوج والاستعداد الجسدي والروحي ../ تقتحمُ

نضارتُها أسوارَ الخريفِ الشَّاحبِ ../ انّه الخريف وماادراك مالخريف حين تهبّ رياحه العاتيه تجرّد الارض من نضارتها وتمسح بهجتها ورونقها بالغبار والصفير وتتساقط الاوراق تدوسها الأقدار وتعلن الموت ../ يضاجع جسدها الخواءُ الموجعُ ../ انّه اللاشيء سوى المواجع ترافق ذبول الجسد وغربته ../ ويسترُ مفاتنها الَّليلُ الصامتُ، سريرُ الحرمانِ شديدُ الملوحةِ، مرُّ المذاقِ، تتغلغلُ فيه عناكبُ الجهلِ وتعلوهُ الأسقامُ العضالُ الحنظلُ لايغادرُ إناءها الزجاجيُّ المترعُ بالخيباتِ ../ هذا هو سرّ الجمال في القصيدة السردية التعبيرية حين نستخدم الفقرات المتواصلة والمشحونة بالمشاعر والاحاسيس وبلغة زاخرة بالعطاء والانزياحات المثيرة، تصوير لعالم الوحشة والخراب وحيث الخيال الخصب يفتح لنا أبواب التأويل مشرعة، حيث المفاتن يغطّيها الليل الأبكم / الليل ممكن ان يكون – الجهل – القسوة – الأهمال – اللامبالات – انّه السواد .. بكل معانيه وضجيجه، ماأقسى ان يكون السرير مالحا يهيّج الجروح ويزيد من الألم وكيف يكون مذاقه يحمل كل هذه المرارة حين تتغلغل وتسكن فيه العناكب والأسقام المزمنة بينما الحنظل أنيسها وشرابها المفضّل تملأه الحيبات والمرارة، تصوير دقيق وتجريدية عالية البوح استطاعت الشاعرة ان تُقحمنا في عالمها وتجعلنا نتعاطف معها ومع مأساتها ../ وكنارٌ شجي من وراءِ الأسلاكِ يغريهِ جسدها المزروع باللوز والحبقِ، يتسللُ، البابُ مواربٌ، يضمُّ ليمون خصرها بين جناحيهِ، يوقدُ الوجدَ، يحرقَ الوصايا ../ فمن وراء الغيب يبزغ كنار يحمل هو الاخر احزانه وشجونه فوق أجنحته، انّ استخدام مفردة / يغريه – الأغراء / كان موفقا جدا ويتناسب تناسبا طرديا مع اجواء النصّ، هذا الكنار انتابه الأحساس بالجذب والميل نحو جسدها المزروع بـ / اللوز / والحبق / الطعم اللذيذ والرائحة المنعشة في نفس الوقت، ياتيها من خلف الباب – الممنوع، وان يفرض سطوته على خصرها ويتمكن منها ويشعل النيران في الجسد ../ فجأةً تصفعتهُ الريحُ،لأنه خالف عرف القبيلةِ وطقوسُ الخريف الشتوي، بئس شرائعا شرائعُ سنَّها الثَّلجُ للنار والحجارةُ للينابيعِ، وكرَّستها مناسكُ الإهمال وتقاليدُ اليبابِ ../ لكن فجأة يصطدم بالواقع هذا الكنار لان هناك أعراف وتقاليد لا يمكن تجاوزها، هناك خطوط حمراء ومناطق محرّمة لا يجوز المساس بقدسيتها، يا لبؤس هذه الشرائع وقسوتها لانها لا تعي شيئا وتملك ذرّة مشاعر، شرائع باردة كالثلج تقف أمام النيران المشتعلة وتحاول إطفاءها بقسوة، شرائع كالحجارة القاسية الصلدة كيف يمكنها ان تواجه الينابيع المتدفقة عاطفة وجموح شهوة ...؟ ! .. / نعم آمنتُ بكلِّ ماقالهُ لي خليجُ الأوجاعِ: أنْ ليسَ للزمنِ قلبٌ ولا للشوقِ خطايا في بلادِ الخرافةِ والموتِ ../ هذا المقطع المدهش كم يحمل من الوجع والخيبة والخسران، انّ البلاد التي تحكمها الأعراف والتقاليد حتما سيكون قلبها متحجر وبلا رحمة، لقد آمنت الشاعرة أخيرا بعدمية اللقاء في ظل بلاد تحكمها التقاليد والاعراف وانها تشعر بالعجز وبعدمية تجاوز خطوط القبيلة الحمراء وانها لابدّ ان تستسلم للياس في بلاد تؤمن بالموت وتزدري الحبّ والمشاعر وتتجاهلها ../ يشتغلُ الحنينُ في صدرها لذاكَ الكنارِ الطربِ، يطربُها، يسقيها نبيذَ شفتيهِ، يتذوَّقُ عرجونها الذي يسيلُ حلاوةً، يغازلُ حسانَها اللائي ارتدينَ الحياءَ، وتقنَّعنَ بألواحٍ خشبيةٍ، يخشينَ عيونَ العاذلين الشائكةَ ../ لم يبق لديها الاّ الحنين يمزّق صدرها، الحنين الى صوت الحبيب - الكنار في محاولة لتعويض الخسارة لعدم حصول اللقاء المرتقب، العودة الى الحلم والهروب من الواقع عبر مفردات شبقية مثيرة جدا / نبيذ الشفتين / يتذوّق عرجونها / الذي يسيل حلاوة، ياله من تصوير ولوحة شبقية مفعمة بالشهوة استطاعت الشاعرة ان ترسمها مكلّلة بالمشاعر والعواطف ../ شجرةٌ عاشقةٌ تطرقُ أبوابَ الرحمة، تناشدها إطلاقَ كنارٍ مهيضِ الجناحِ صفعتهُ الريحُ، ريحٌ صرصرٌ رمتهُ مستنقعاتُ التقاليدِ في خيامِ التعاسةِ البائسةِ تبلغهُ أقاليمَ الأحزانِ ؛ فيكفُّ عن التحليقِ ختمَ المساءِ ../ انّها شجرة مثمرة ومواعيدها الخضراء يسكن فيها نشيج قادم من أعماق الروح، صوت يمزّق الصدر ما بين ارتفاع وانخفاض والغصّة بالبكاء ../ المواعيدُ الخضراءُ المسكونُة بالشَّوقِ تنشجُ يتناهى أنينُها إلى السَّواقي القريبةِ من موطنها فتخاتلها بابتسامةِ الوردِ وتنهيدةِ الصباحِ ../ يغمر هذا البكاء سواقيها القاحلة والموحشة ../ لا بارقةَ أملٍ تطلُّ، أو غيمةَ لقاءٍ تلوحُ في الأفقِ القريبِ، تبكي، تخبرُ نوارسَها المتكئةَ على ضفافِ التلاقي بغزو الصيفِ لأحلامها فتعزفُ سمفونيةً شجيَّةً على أوتارِ الانتظارِ .. / إنتهى الحلم المرتقب وضاعت الأحلام وألآمال الجميلة فلا غيمة تسقي السواقي العطشى والمدن المهجورة ولا لقاء سيتحقق، سوى البكاء والحسرة والألم، لقد حلّ بساحتها الصيف ومواسم الجدب والقحط وبقيت لوحدتها القاتلة .

انّ الشاعرتين في هذه الرحلة الممتعة والشاقة والعذبة جدا ينتميان الى بيئتين مختلفتين وجدنا ذلك من خلال استعمال المفردات والحرية في طريقة الكتابة وكذلك ينتميان الى ثقافتين مختلفتين، إمتلكن من الشجاعة والجرأة واللياقة في أن يكتبان هذا الجمال ويهربان من حالة الكبت والحرمان الى عوالم الخيال والاحلام ويستنطقان خلجاتهن البعيدة الكامنة في ينابيع الجسد . رحلة أثارة عند المتلقي الاعجاب والفرح حينما خاطبن الآخر في ظلّ ادب محتشم عذري بعيد عن الأسفاف والرذيلة .

  

بقلم : كريم عبدالله – بغداد – العراق

 

يعد التراث الشعبي السمةالمميزة للكثير من الأعمال الأدبية والرواية واحدة منها، وهو من مكونات الشعوب وثقافاتهم الأصلية المتجذرة في ذاتهم اولاً وذاتنا ثانياً؛ لأننا نفخر بإن نكون سلالة هذه الثقافات العريقة.

ويمثل عمود هام من اعمدة الشخصية العربية الأصيلة (البدوية)، وأن صح الجزم بإنه قاعدة مركزية تستلهم منه الشعوب ثقافاتها ووعيها الأيديولوجي؛ لأنه ذخيرة وافية .

واخذ القاص، والروائي، والشاعر، استلهام هذه الثقافة وجعلها خزيناً استراتيجياً يؤسس عن طريقه متنه الكتابي.

وظفت(نبوءة فرعون) للروائية (ميسلون هادي)، التراث واهميته؛لأنه يتعلق بالماضي، واجد المقصدية في هذا الربط لأبراز معنى التواصل بين الماضي والحاضر، وكشف نور القداسة وروحها، وعالجت الحاضر بلغة الماضي، عن طريق التورية والترميزوالأبتعا د عن القناع.

حشدت الروائية خلفيتها التراثية الثقافية، إذ وظفت جُل حكايات (الماضي، التي سمعناها من جداتنا ومازلنا نسمعها من امهاتنا- لنقلها عن طريق الحفظ والتوارث بين الأجيال الجديدة- )، وهو امتياز يحسب للروائية؛لأنها قدمت مادة مجانية بلغة سردية مشوقة بعيدة جداً عن الرتابة والملل، وبهذا تكون روايتها خير خزين ومصدر لطالب التراث الثقافي العراقي .

وتنوعت المصادر التراثية التي أغدقت وسقت روايتها، منها مصادر(دينية عن طريق عرض وتقديم كرامات الأولياء والصالحين وأل البيت ومدى ايمان الإنسان بها وتقديسها،  وتاريخية، واسطورية، وشعبية عن طريق عرض اغاني الطفولة، والأمثال التي سمعناها من جداتنا، وفنية أدبية ...الخ)، بلغة الماضي وموروثه البعيد وقصصه ومعتقداته، وبأمثاله الشعبية، والأيمان بكرامة الأماكن المقدسة، ليبحر خيالنا ويسافر بعيداً عن هم الحاضر المتعب.

ويمثل التراث احد التيارات المهمة في عملية التجريب الفنية في الرواية العربية المعاصرة.

ويتكون الجزء الأكبر من التراث الشعبي والحكايات الشعبية، مثل الأشعار والقصائد، وقصص غناء الأطفال، واناشيد الأحتفالات، والأعياد الدينية.

فضاء هذه الطروح، حفز الرغبة الداخلية لي بقراءة الرواية ومعرفة مقصديتها.

قرأت وإذا بخيالي ينزاح بإزاء الماضي البعيد، بلغة سلسة مفهومة لاتحمل الجفاء ولاتحتاج الى اعمال ذهن لفهما، وهدف السردية جاء بصيغة مباشرة وهي محاولة معالجة الحاضر بلغة الماضي وحكمته.

نسجت الرواية اغلبها على لسان النسوة، بلغة تراثية وامثال شعبية معروفة، تبتعد عن الغموض.

واستدرجت السردية الماضي بأتقان عن طريق لغاته وثقافته، واحداثه السياسيةوغيرها، حملت وظيفة زرع الأمل في وطن مجروح.

واذا ماانتقلنا الى المتن السردي نرصد جملة من التراث الشعبي وثقافته، قد وظف بلغة سردية.

من كرامات الائمة القول: "لاعليك ...نجمه خفيف...سنأخذه وندور به على الائمة والأولياء الصالحين".

ومن المورث ايضاً: " ارضعت بلقيس ابنها يحيا لبنها مراً وهي مغثوثة فراح يتقلب في فراشه من الوجع ولايكف عن الصراخ ليل نهار إلا عندما تأخذه الى حضنها وتمشي به قليلاً بين الحجرات، فيهدأ لحظات معدودات ثم يعاود بكاءه العالي وهو يتلوى الماً من جديد"، وهذه صيغة سردية مفهومة، لأننا سمعناها وعايشناها من جداتنا وامهاتنا.

والقول: "- سقيته فوح التمن ودرت به على الشيوخ والأولياء الصالحين، ويوم أمس فقط أخذته الى شريعة النهر في خضر الياس ومن هناك الى عين ماء علي في جامع براثا..يقولون انها تشفي الأطفال من الخرس.

- ترى لماذا تأخر إذن في الكلام؟

فقالت بلقيس

- أرضعته وأنا مغثوثة..يقولون أن هذا هو السبب".

ومن أغاني الطفولة وبرأتها، القول:" –ياعين الشمس ..خذي سن الحمار وأعطنا سن الغزال"

ومن اغاني الطفولة ومرحها" طلعت الشميسة على وجه عيشة، عيشة بنت الباشة..تلعب بالخرخاشة، صاح الديك بالبستان الله ينصر السلطان"، " ياعين الشمس .. خذي سن الحمار وأعطينا سن الغزال

فتابع يحيا السن بنظره ورآها تستدير عن قرب وتسقط في شجرة الآس ..فارتعد قلبه وكاد يبكي أسفاًلأن السن قد ضلت طريقها الى الشمس، فنبه أمه على ذلك وقال:

- ماذا فعلت؟

فقالت بلقيس:

- لايهم، فالشمس ستعطيك واحدة أفضل

فغضب..يحيا وثار وقال...والخسارة تملأه

- بل رأيتها تسقط وفي بطن الشجرة"، لغة سلسة مفهومة بعيدة عن جفاء البلاغة، صاغت عن طريقها بناء هذا النص السردي وغيره، وهذه اللغة المفهومة تسيطر على الرواية اغلبها.

ومن تنغيمات جداتنا وامهاتنا"- ديللول يالولد يابني ديللول

عدوك عليل وساكن الجول

فيسمعها يحيا ويبتسم، ثم تغفوعيناه رغداً وراحة"

ومن بساطة الفلاح وسعيه للحفاظ على بذوره، كان يلجأ الى أن يضع " في وسط الحديقة خيال مآته ليخيف العصافير ويذود عن بذورها التي لم تنبت قط"

ومن اغاني كاظم الساهر" عبرت الشط على مودك..خليتك على راسي"

أضيف، قد أغدقت الروائية ثقافتها التراثية والشعبية، في بناء متن سردي يحاكي قضية الماضي والحاضر، لنجد أنفسنا أمام واقع يومي لاسردي؛لأنها وظفت تنغيمات الماضي لمعالجة الحاضر، ولأنها أم وأمرأة أجدها نجحت في رسم حدود فضائها السردي في هذه الرواية؛لأنها اقرب من الرجل الى هذه التنغيمات والأمثال الشعبية.

بقلم: وسن مرشد

صدر للشاعرة شذى فرج عن دار المتن الطبعة الاولى لمجموعتها الشعرية التي ضمت واحدا وخمسين نصا، وهي:دوي القبل، بحث في حلم، او اشتغال، رحلة الشقاء، ولادة، شوق وذكريات، عسل، بلل قبلة، صوت ثمل، غروب شتائي، روح الروح، زمن السبايا، حبيب دون ملامح، الثقوب السوداء، اعترافات متاخرة، مراسيم وطقوس، حين يعاودني الحديد، حفر على الجدران، اهادنك حبا، هاتف، في حضرتك، احلام ساحرة، مطر، ثرثرة الاشتهاء، اغتراب، دجلة، بسمة، سأعشق الليل، غرام مؤجل، سيد الاشياء، تجوال، شارع الحب، من انت، رحيل، لاتحتار، صخب الحب، تعال، هيا بنا، طال الانتظار، عجلة الايام، انه لا..يوم، تنساب معي، في يومياتي، اجتياح، سويعات ما قبل الفجر، مناغاة، انتظار، شاطيء الحب، حروف، محطات، ملامح الحب.وكان قد صدر لها قبل هذه المجموعة، مجموعة دغدغة روح، و مجموعة للعشق صلاة، ومجموعة قصصية بعنوان حكايات من بلادي، ومجموعة ومضات بعنوان البحث عني لا اجدني، وشذا فرج شاعرة متعددة المواهب، فهي شاعرة لها حضورها المتميز في المشهد الشعري، وهي قاصة تمتلك اداتها الفنية بشكل جيد، ولها ايضا حضوها في عالم الصحافة، فقد عملت في اكثر من صحيفة، كالصباح حيث عملت مندوبة لها، وجريدة نينوى فقد عملت لها مندوبة في بغداد، وعملت سكرتير تحرير جريدة الصناعي، ومحررة في طريق الشعب، ولها نشاط ثقافي في العديد من المواقع الالكترونية (ككتابات والنورو بصرياثا ومؤسسة الشبكة والصدى) ولكتاباتها حضور بارز على صفحات الصحف الورقية، كالبينة الجديدة، والمواطن، الزمان، ومجلة اهلا، فهي بهذا النشاط المتميز، تمثل الشخصية المثقفة بكل خصائصها وسماتها الاجتماعية والسلوكية والابداعية، وللشاعرة تجربتها الشعرية المتميزة، فهي تمتلك لغة بسيطة واضحة ولكنها جزلة وسهلة، من السهل الممتنع، وقراءتها تُشعرالمتلقي بالمتعة، وتجذبه ليعيش في اجوائها ويتنزه في حدائق صورها الفنية وهو يلتقي بعاطفة الشاعرة ومشاعرها، التي جسدت من خلالها تجربتها الوجدانية، و يكشف من خلال نصوصها ابداعها الذي يصل بالقاريء الى ذائقته، التي تتفتح على جماليات النص ورقته التي تاتيه عبر عاطفة صادقة، تتساوى عند (ديكارت) بالشعور والاحساس ويمكن ان نضيف الوجدان ايضا باعتباره احساس يتمثل فيه الادراك والمعرفة والشعور بالذة والالم.عندما نشرع بالدخول الى فضاء المجموعة مستصحبين احاسيسنا ومشاعرنا في توق للالتقاء بها والارتقاء معها الى عوالمها الابداعية، فاول شيء سنواجهه هو عنوان المجموعة، الذي هوالمدخل الى عمارة النص، و ابرز عتبات النص، التي يطأها (1) المتلقي اول ولوجه الى فضاء النص، قهو المفتاح والنافذة والباب، وهو دائرة استعلامات النص والمولد لدلالات النص فمن خلاله نستكشف شبكة العلاقات في النص، وهو الثريا التي تضييء طرق النص( فهو نظام سيميائي ذا ابعاد دلالية واخرى رمزية، تدفع الباحث على تتبع دلالته ومحاولة فك شفرته الرامزة)(2) وعند قراءتنا لنصوص المجموعة اول ما استوقفنا عنوانها (دوي القبل) فاخذنا بجس جمرته، وفتح مغاليقه وتفكيك مكوناته، قصد اعادة بنائها من جديد، (لان ليو هوك عرفه(بانه مجموعة علامات لسانية تصور وتعين وتشير الى المحتوى العام للنص)(3) وهو يعلو النص ويمنحه الضياء، ف(دوي القبل) العنوان المركزي للمجموعة، وهو الذي يتوفر على الطاقة الدلائلية، بل هوجزء منها، وعند محاولة تفكيكه والاطلاع عليه من قرب، نجده يحمل استعارة تنافرية، فالدوي في المعاجم اللغوية متعدد المعاني، فهو صوت الرعد وجلجلته ودوي الفحل يسمع لهديره دوي والدوي الذهاب والدوي عزيف الجن وصوتها ودوي الطائر : دار في الجو ولم يحرك جناحيه، ولكن اكثرها قربا من الدلالة هو انه الصوت المرتفع المتولد عن الانفجار او انه صوت المدفع فهو واسع الانتشار ويشير الى شيء ذي رهبة، اما القبل فهي تلك الحركة التي تحركها العاطفة لتشير الى قوة العلاقة هامسة رقيقة، وهي اسمى طرق التعبيرعن الحب والمشاعر، والتواصل الروحي بين الافراد، وهي تحمل في طياتها الكثير من العواطف والمشاعر ومن غير الممكن ترجمتها بالكلام وهو بصياغته العنوانية (يثير الدهشة

وحالة اغراء لجذب القاريء والامساك بتلابيبه) (4) والعنوان بصيغته ينتج مفارقة اسلوبية تحول الواقعي المألوف الى خيالي )(5) وللوصو ل الى علاقة انسجام والكشف عن دلالته وبعد تفكيكه واعادة تركيبه فدوي القبل اشارة واضحة الى طهارة الحب وعفته فقبلاته لنقائها لاتختبيء بل ترفع الصوت عاليا للدلالة على سمو العواطف، ونتلمس ابداع الشاعرة من قدرتها على المراوغة فنصوصها الواحد والخمسين ماكرة وفاتنة ايضا،

ففي نصوصها الواحد والخمسين، قدمت لنا تجربة ذاتية وجدانية، محورها وقطبها عاطفتها واحاسيسها الاصيلة والخيال والفكر والانفعال والموسيقى التي لاتتغيرلانها تكمن داخلها، وهي ذات قيمة ذاتية تعلو بها عن غيرها، لانها هي العناصر التي تشكل منها البناء الشعري المتكامل لقصائد المجموعة، ولكنها بتجربتها وخبرتها في استعمال اللغة تحمل المتلقي لكي يكون مشاركا في اكتشاف القصيدة، ويكون فاعلا كما يقول احد الباحثين : ان اللغة الشعرية قالت ما قالت وتركتنا لنكتشف خفي ما لا يقال(6)

فالنصوص التي بين ايدينا، كتبت بمتعة وسحر وفتنة، فهي تنم على الحالة العاطفية او الانفعالية للشاعرة، التي بحدسها الشعري جعلت صورها الشعرية على علاقة مع بقية عناصر القصيدة علاقة اساسية، فرضت حالة من الانسجام والوحدة العضوية في كل قصيدة من قصائد المجموعة، فجاء بنائها الشعري متماسكا، من غير فصل جزئياته وعناصره، لانه عبر عن عواطف الشاعرة ورؤيتها الذاتية الخاصة، التي تصل بالمتلقي الى ذائقته، لان عاطفة الشاعرة هي المهيمن الاكبر على نصوص المجموعة، التي نراها اكثر جمالا ورقة، وهي تحكي لنا من خلال لغتها الشعرية الخاصة، التي استخدمتها في البناء الشعري لنصوصها التي قامت على العلائق المتبادلة بين العناصر المكونة للنص الذي تم

التعبير من خلاله عن مضمون التجربة الشعرية، مسترشدة بتجربتها الوجدانية المنطلقة من العاطفة الذاتية، وهذه التجربة كما يرى الدارسون هي من اقوى التجارب الشعرية، واعمقها عبر العصور، وهي ما عرضتها الشاعرة في قصائد المجموعة (دوي القبل) فقد عبرت من خلالها عن خلجات النفس وما يعتريها من شعور بالفرح او الالم او القلق، فهي تجربة ذاتية وجدانية محورها ومرجعيتها عاطفة الشاعرة واحاسيسها، وقد اتسمت المجموعة بسمات تبدا بالذات وما يعتريها من احاسيس ومشاعر وعاطفة وتنتهي بالذات، دون ان يعني ذلك الانعزال والابتعاد عن الاخر بل انها قدمت العلاقة الانسانية بصورة تجلت فيها العاطفة الصادقة والوجدان،

المتامل في نصوص المجموعة يجدها تحمل سمات المذهب الرومانسي من حيث المضامين والافكار والشكل فجاءت لغتها وجدانية محلقة حالمة، متاثرة بلغة الحياة ومعطياتها المعاصرة،

معبرة عن نوازع النفس ومتجانسة مع المشاعر، فالنسيج اللغوي تصوير بالكلمات لافكار الشاعرة وترجمة لخيالها) والكلام عن الذات هو في الوقت ذاته كلام عن الموضوع (7)، وقراءة النصوص قراءة متانية تبرز لنا بانها تتوزع على عدة محاور في تجربة الشاعرة الذاتية في مجموعتها تمثل فيها العاطفة الخاصة بمشاعر الذات التي هي اقوى العواطف، خاصة عندما يبرز الانا بشكل محوري متمثلة بمشاعر الحب الذي لعب دورا كبيرافي نصوص المجموعة، وعندما تقع الشاعرة تحت وطأة الحالة الانفعالية والاستعداد النفسي، يمكن ان تتوزع محاورالمجموعة بين شخصنة الاشياء المادية والمعنوية والحب، والقلق، والشكوى، وشيوع نبرة الحزن، والتسامي بالعواطف واعلاء قيمة الخيال، سريان روح القص واسلوب الحوار، والسخط على المجتمع والتعاطف مع المظلومين والتجديد والموسيقى، وكان العنصر المهيمن في نصوص المجموعة موضوع الحب وذلك لانه من اسمى المشاعر والعواطف الانسانية، لذلك فهو صار المحور الاساسي في التجربة الذاتية للشاعرة، فهي تقدمه من خلال صور فنية، تعكس من خلالها الوان العلاقة الانسانية، فقد اعتنت بتوصيف عاطفتها ورؤها في الحب، لانها وجدت في الحب والعلاقة العاطفية عالما انسانيا جميلا، وهو مصدر السعادة، رغم ما تتلبسه من بعض التنا قضات، التي هي نتاج الواقع الاجتماعي والمشاعر الانسانية، وللحب سلطان كبير على وجدانها، فهي ترسم عوامله بمزج الوانه التي هي عندها (الرغبة والاشتياق وانصهار) وله في قلبها مساحة كبيرة، بل اني ارى ان كل قلبها حبا، ففي هذا النص الذي عنوانه (دوي القبل ) والذي وسمت الشاعرة مجموعتها به، جاء النص عاطفيا ويتفجر مشاعرا عبر ما تقدمه اللغة التي ابدعت الشاعرة في استخدامها لترسم للقبلة مشهدا يكون معادلا للحب، لان القبلة دليل على عمق العلاقة العاطفية، والمحرك القوي للاحاسيس والوجدان لترسم لنا صورة عمل خيالها الفني على صياغتها بنشوة، وقد ابدعت فيها ومن علائم ابداعها ذلك الاسلوب الترف في شخصنة الاشياء المادية والمعنوية، كما فعلته في بعض نصوصها الاخرى مستعملة خبرتها الفنية في استعمال ادوات الصورة الشعرية الفنية.:

تجتمع كل الحواس ضيفا لقبلة

ضيفا لايتمنى الرحيل

وتبقى حاسة الشم تائهة

بين ضمة عمقها البحار

وعطر شعر يتناثر راقصا

على نغمات القبلة  (8)

وفي نص منحته تسمية دالة على عمق العلاقة والذوبان والتوحد فهو روح الروح:

هل ستحاصرني يا هذا

ام انك كل ايامي

ام ان الايام انت

ام انت والايام انا

ياروح الروح . (9)

وهناك نصوصا اخرى في المجموعة، عمدت فيها الشاعرة الى شخصنة الاشياء كاسلوب فني تتجسد من خلال ما يرسم من صور فنية العواطف:

كم تمنيت ان تكون حينها هو

حلمت ان تهب نسمة وتهمس لي

وانا عند زاوية الشباك احاول الطيران (10)

وفي النص ذاته تدير الشاعرة حوارا عاطفيا مع الوردة الهدية من الذي لاتذكر اسمه، وكانها تحاور فتاة، رسمها خيالها وهي تستعيد ذكريات زمن مضى:

رافقتني على طول طريق مدرستي

وانا احاكيها بكل لغات العالم

واعدها باني ساحتفظ بها (11)

والشكوى حالة وجدانية تلجا لها الشاعرة عندما تجد نفسها في موقف لاتستطيع الاستسلام له ولا القبول، وهذه الحالة النفسية التي يصاحبها الالم والاسى والشعور بالحزن، هي ذاتها (طريق ومنفذ للراحة والتنفيس من اوجاع النفس)( 12) وهذه الحالة النفسية تظهر جلية في نصوص المجموعة، وهي تؤشر (دقة الاحساس ورهافته) (13) فالمواقف لاتمر الا وتترك اثارا على مشاعرها وتتعدد مصادر الشكوى عند الشاعرة كالرحيل:

وعاتبت النفس اكثر

وددت لو توقف الزمن

وربما استرجعت بوصلة الماضي

تمنيت ايامي كانت مؤجلة

الرحيل ياصاحبي محطة اخيرة

ثقيلة موجعة كئيبة

فيها الورد برائحة الموت

وفيها القمر يسكن الكهوف

السماء تختبيءوراء الرمال

وقد لا تفعل

السماء تبث ثلجا. (14)

وتشتكي انتظارا وتشكي نهاية باردة :

عزفت على اوتار قلبي

فتهرأ... واناملي مللتني

ونظري صوب الامل اتعبني .(15)

وفي نص جميل تبث الشاعرة مشاعرها بشكوى وعتاب شاءت ان يكون لها حياة، ولكن:

ادرب النفس وقصة الصبر

اناجي طيفا ظل يلا زمني. (16)

والحنين الى الماضي في وجدان الشاعرة، محل مؤثر في بنائها النفسي فهي دائمة الحنين اليه، والاحساس به، وما زال قائما متناميا، وتتمنى العودة اليه، وهي بذلك تمارس الهروب بالبحث عن الخلاص من الواقع وهمومه، وهي بامتلاكها زمام لغتها الشعرية توظف الماضي عبر تصويرها للحياة التي عاشتها، مستعينة بالخيال والاحلام، التي تجدفيها السعادة، او ان تنطلق بخيالها :

على مصطبة خشبية هناك ذكريات

حديث كان بالامس . (17)

وهي تود لو ان الزمن توقف، ليمكنها من الرجوع الى الماضي:

وددت لو توقف الزمن

وربما استرجعت بوصلة الماضي

تمنيت ايامي كانت مؤجلة . (18)

ومن خلال الاطلاع على تجربة الشاعرة الشعرية العاطفية، نجدها تتناول المواضيع التي لها تاثير في سير الحياة بتناقضاتها وحلوها ومرها، وهي غندما تجد العقلانية لاتلقى استجابة او ان يكون اثرها في نفوس الاخرين سطحيا، تراها تذهب نحو السخرية علها تستفز الاخر وتحمله على مراجعة مشاريعه :

ضحكت من نفسي

ضحكت منك

ضحكت من الحياة ومن الحب . (19)

من علامات الاصالة في التجربة الشعرية الذاتية للشاعرة، هي ذلك الكم من العواطف، التي توظفها الشاعرة في شعورها اتجاه الاخرين، حيث انك عندما تتعايش مع نصوصها، تحس بان وراء كلماتها، ومشاعرها قلبا مرهفا حساسا بمعاناة الاخرين كل الاخرين على اساس انساني لاغير، وهذا ما نتلمسه في نصها المفعم بالعاطفة والمشاعر المخلصة اتجاه شريحة اجتماعية ترتبط بها الشاعرة انسانيا ووطنيا، وهي ماساة الاخوة الايزيديين لاسيما المعاناة والمأساة التي عاشتها البنت الايزيدية، ففي نصها (زمن السبايا) استحضرت فيها اللغة ذات الجرس المثقل بالحزن والقادر على رسم صورة المأساة بمشاعر يتشابك فيها الحزن والخوف والرفض والانفعال الطاغي المحتج والرافض للحالة التي فصولها بكل احاسيسها ورؤاها وهواجسها، فهي في هذه التجربة الذاتية ناشطة في ايصال صورة المأساة عبر لغة مركزة مشحونة بالدلالة على عمق المأساة

في زاوية مظلمة رطبة

بغرفة لايطأها الجرذان

بكت .. ونادت نادية

ذات العشرين او يزيد

وصرخت باعلى

من صوت صلاة العيد

قتلوا امها، ابيها

ونحروا رقبة اخيها

ساقوها كما تساق النعاج(20)

احمد زكي الانباري

..............................

الهوامش

1- سيمياء العنوان : 33

2- المصدر نفسه : 33

3- المصدر نفسه: 45

4-  المصدر نفسه: 59

5- المصدر نفسه: 83

6- المصدر نفسه : 65

7-  دوي القبل :5

8-  المصدر نفسه :11

9-  المصدرنفسه :28

10- المصدر نفسه : 23

11-  المصدر نفسه: 14

12- بناء القصيدة الوجدانية : 43

13-  دوي القبل:24

14-  المصدر نفسه : 15

15-  المصدر نفسه :27

16-  المصدر نفسه : 31

17-  المصدر نفسه : 21

18-  المصدر نفسه :15

19-  المصدر نفسه : 37

20-  المصدر نفسه: 29

:

سوف عبيدورد في لسان العرب قولهم أومض أي لمع

وأومض له بعينه أومأ

وفي الحديث ورد ـ هلّا أومضتَ إليّ يا رسول الله

أي هلّا أشرت إليّ إشارة خفيّة من أومض البرق وومض . وأومضت المرأة أي سارقت النظر

قال الشاعر ساعدة الهُذَلي في الغزل

تَضْحَكُ عَنْ غُرِّ الثَّنَايَا نَاصِعٍ * مِثْلِ وَمِيضِ الْبَرْقِ لَمَّا عَنْ وَمَضْ

وقال نصر بن سيّار يُحذّر بني أميّة

أرى تحتَ الرّمادِ وميضَ جَمر * ويُوشكُ أن يكونَ لهُ ضِرامُ

وأقول إنّ الوَمضة من الشّعر هي القطعة منه في إيجاز وعُمق

فهي اِقتصاد في المبنى ووفرة في المعنى

وقد أضحى قصيد الومضة منذ الثلث الأخير من القرن العشرين هاجس العديد من الشّعراء في تونس ولعل الشعراء صالح القرمادي والحبيب الزناد والطاهر الهمامي ثمّ عزوز الجملي يمكن اعتبارهم من رواد هذا الشكل الجديد في المدوّنة الشعرية العربية .

ومن الشعراء اللاحقين بعدهم لا مناص من ذكر سالم اللبّان الهكواتي الذي كتب في هذا النوع الشعري معتمدا على تقنيات الهايكاي الياباني وله فيه رأي بالإضافة إلى مدونته الكبيرة والمهمّة وقد أدرجنا بحثها في كتابنا ـ حركات الشعر الجديد بتونس ـ الصادر سنة 2008 والذي يمكن قراءته وتنزيله من موقعي

https://www.soufabid.com/%d8%ad%d8%b1%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%91%d8%b9%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a8%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d9%80-2008/

ولا شك أن الجيل الجديد الذي ظهر في العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين قد اِستفاد من إنجازات سابقيه في كتابة هذا الشكل الحديث من الكتابة الشعرية الذي يعتمد خاصة على الإيجاز والمباغتة وتناول الجوانب الدقيقة والبسيطة من زوايا مختلفة وخفية في مواضيع الحياة العامة أو الطبيعة والشّجون الذاتية ولا شك أن هذا المنجز الشعري الجديد يحتاج إلى تناول من جوانب عديدة حيث أمسى يمثل جزءا كبيرا من المدوّنة الشعرية الحديثة

فهذا القصيد الذي يعتمد الإيجاز والتركيز والمباغتة مُستلهَم في جانب كبير من سماته من تعريب الآداب العالمية وخاصة من نصوص قصائد الهايْكايْ اليابانية غير أن البيت الشعريَّ العربي القديم في اِستقلاليته يمكن أن يكون هو أيضا من بين المراجع العديدة لهذا النوع الجديد من الشعر وسواء كانت هذه القصائد قد ظهرت ضمن تسميات مختلفة مثل ـ ومضة ـ هيكة ـ لمحة ـ توقيعة ـ برقية ـ أو غيرها فإنها تُمثل إضافة نوعية جديدة في مسيرة الشعر العربي لذلك يجدُر بنا أن ننبري لها بالرّصد عسى أن نقف على بعض خصائصها وصفاتها في المعاني والمباني

1 ـ برقيات مهرّبة ـ للشاعر الحبيب المرموش

ـ برقيات مهرّبة ـ هي مجموعة من ثلاثين نصا شعريا وردت ضمن المجموعة الشعرية للأديب الحبيب المرموش الصادرة عن دار الجسر الصغير سنة 2013 والحبيب المرموش صاحبُ مدوّنة متنوعة في الكتابة فقد نشر في القصة القصيرة والرواية والشعر إضافة إلى مساهاماته الأخرى في الصحافة ممّا يؤكد تضلعه في أساليب النثر والنّظم ممّا يجعل من هذا النص عملا ذا مصداقية أدبية

برقيات مُهرّبة ـ هو العنوان الشامل للنصوص الشعرية الثلاثين الواردة ضمنَه والعنوان وارد كذلك ضمن المجموعة الشعرية ـ سينيوريتا ـ والكلمة تعني نوعا من السّمك الصغير الذي يقوم بتنظيف الأسماك الكبيرة من الزوائد فيه أو العالقة به وبهذا المعنى لعل الشعر لدى الحبيب المرموش إنما يعمل على إزالة الأدران العالقة بالوجدان وتطهيرهة

وـ برقيات ـ توحي بمعنى السرعة واللّمح وبلوغ المدى البعيد مع التخفّي وفي أسلوب الإيجاز والاِقتضاب في المعنى أيضا وقد تعتمد البرقية الرمز والتشفير من ناحية اخرى

أما كونها ـ مُهرّبة ـ فالمسألة تتطلب إيضاحا خاصا وقد تعرّضت المقدّمةُ لهذه المسألة حيث كتب سالم اللبّان الهكواتي قائلا: هنا يَحُقّ طرح السؤال؟ مهربة من أين؟ متى؟ إلى أين؟ وما الداعي لتسريبها؟ وتهريبها؟هل في محتواها ما يكتسي صبغةً اِستعجاليةً تجعل منها برقياتٍ أو صبغةً سريةً تُبرّر تهريبَها من رقابة ما؟ أمْ هي مُهربة من آليات الإنشاء التي درج عليها الشاعرُ؟

إنها أسئلةٌ دقيقةٌ ووحدها القراءةُ العميقةُ كفيلة بالإجابة بما يُشفي الغليل او بالقليل من الإجابة

ومن الآن نقول إننا نستبعد الهاجس المُخابراتي والأمني في هذه البرقيات فجدير بنا ان نقرأ مثل هذا العنوان قراءةً إبداعية مَحضة لنقفَ فيه على مُكونات التشويق والغرابة والمفاجأةِ والخروج عن سياقات النصوص الشعرية الأخرى التي تَضمّنتها المجموعةُ الشعرية

لابأس إذن أن نتوقّف عند سمات العناوين الواردة في هذه البرقيات الشعرية وهي ـ سكران ـ لقاء ـ عزاء ـ ولادة ـ اكتشاف ـ عادة ـ فراشة ـ قطاف ـ عناء ـ ذكرى ـ حلم ـ حنين ـ قبلة ـ نون ـ يقظة ـ تحول ـ رجاء حيرة ـ نسيان ـ نزوة ـ زهور ـ وحيدة ـ عبث ـ ألفة ـ لوعة ـ احتراق ـ سقوط ـ ذكريات ـ عنوسة ـ أمنية

فجميع العناوين كلماتٌ مفردةٌ وبدون تعريف وهي في صيغة أسماء للمصدر في أغلبها بحيث أنها تفيد الإطلاقَ والتعميمَ والتجريد وهي تُعبّر عن الحال والوجدان في أكثرها مثل ـ سكران ونسيان وعناء ووحلم وتحول ورجاء وأمنية وغيرها

ماذا يمثل العنوان؟

أحيانا يكون مبتدأ والقصيدةُ كلها بمثابة الخبر مثل قصيدة ـ سكران ـ

كان يمشي ويصطدم بالجدران

حاولت مسكه فقال ساخرا

اعرف طريقيجيدا انا الظلام

أحيانا يكون العنوان مضادا لمضمون القصيده وعكسه تماما مثل قصيدة ـ لقاء ـ

عندما وصلتُ متأخرا عن موعدها

قلت له آسف جدا أيها النقهى الممتلئ

بغيابها

وكقصيدة ـ عزاء ـ

وحدها القهوة السوداء

ظلت تترشف فرحتي

قطرة قطرة

وقد يكون العنوان مُشتقّا من كلمة في القصيدة مثل قصيدة ـ ولادة ـ

عندما رأيتك تذكرت

كل شيء...كل شيء

إلا تاريخ ميلادي

ومثل قصيدة ـ قطاف ـ

أنت التي قطفت وردة روحي

وتركت شوكها الدامي

ينبت في جروحي

وكذلك في قصيدة ـ عناء ـ وـ قبلة ـ ونون ـ ويقظة ـ

وقد يكون العنوان مستنبطا من معنى القصيدة مثل قصيدة ـ سقوط ـ

رقة الخريف المرمية على الرصيف

لم تختر نهايتها ولم تمهل الريح

لحظة للاعتذار

وكذلك في قصيدة ـ رجاء ـ

رَبِّ هَبْ لي

من يُرتّب أثاث

قلبي

ويكون العنوانُ أحيانا الأساسَ الذي تُبنى عليه القصيدةُ وهو المدارُ الذي تدور عليه كقصيدة ـ عُنوسة ـ

تعبتُ تعبت

من يدلني على قلبي

أمنحه مفاتيحه الصدئة

و قصيدة ـ عناء ـ

أنت طائر حُر وانا

زهرة خرساء

أعاني من الظلمة والضياء

فالعناوين في هذه القصائد ذاتُ دلالاتٍ واضحة أحيانا وتبدو أحيانا في حاجة إلى بحث دقيق للوقوف على التفاعل الخفيّ بينها وبين مَتن القصيدة وهي على كل حال تُؤدى إضافةً واضحة إلى القصيدة بحيث يصبح العنوان جزءا مُهما منها بل قد يكون الكلمةَ المفتاحَ أحيانا

لِشكل الحُروف ولتوزيع الأسطُر على الورقة أثرٌ واضح على القراءة وتسليط المعنى وتكثيفه أو شحنه بإضافاتٍ متنوّعة لدى القارئ إضافةً إلى النُقط على السّطور وغيرها من علامات الاِستفهام والتعجّب والمَطاط والفواصل وغيرها بما تُضفيه من إبراز واِنتهاء واِستئناف وفصل ووصل إلى غير ذلك من الإيحاءات والحَوافّ

والملاحظات في هذه السّياق حول القصائد الثلاثين أو هذه القصيدة المتعددة الفقرات أو التموّجات هي ملاحظات كثيرة من بينها سِمَةُ الثلاثية الواضحة فكل قصيدة وردت في ثلاثة أسطر وكل ثلاثِ قصائدَ في صفحة ممّا يؤكد القصدية في اِتّباع هذا النّسق

إن تشكيل الكلمات على نمط هذه الأسطر يُفضي إلى قراءة مُعينة إذا نحن التزمنا بنسق في الوصل والفصل بين الجُمل فقصيدة ـ عناء ـ مثلا قد وردت على هذا النحو

..أنت طائر حرّ وأنا

..زهرة خرساء

...أعاني من الظلمة والضياء

هل نقرأ ـ أنتَ ـ أو ـ أنتِ ـ

وهل نقرأ السطرَ الأول باعتباره موصولا بالسطر الثاني أو منفصلا عنه؟

وهل يمكن اِعتبارُ السّطر الأول جملتين بتضمين النقطتين لمعنى اِفتراضي

ولقد تعرّض بعضُ المفسرين للقرآن إلى أهمية بعض مواضع الوقف والفصل والوصل في الآيات وبيّنوا الفرق الواضح في المعاني عند كل قراءة كما عرض ذلك الشيخ محمد الطاهر بن عاشور عند تفسيره لأول سورة البقرة

إن تشكيل النص على الورقة يكتسي أهميّةً ربما تُضفي على المعنى إضافات مُهمةً لذلك من المُستحسن أن نُوليَهُ أهميةً دقيقة بالإضافة إلى ضرورة الشكل لبعض الكلمات أو الحروف على الأقل لإبلاغ المعنى المقصود بعينه

ويتسنى لنا أن نلاحظ من جهة أخرى أن هذه القصائد تبدأ بقصيدة فيها حال الظلام وتنتهي بقصيدة فيها الظلام أيضا حيث يقول في القصيدة الأولى ـ سكران ـ

كان يمشي ويصطدم بالجدران

:حاولت مسكه فقال ساخرا

...أعرف طريقي جيدا انا الظلام

أما القصيدة الأخيرة فهي بعنوان ـ أمنية ـ ومن ضمن كلماتها ـ الليل ـ الذي يوحي

بالظلام حيث يقول

تتمنى الوسادة الناعمة التي

أضع رأسي كل ليلة على صدرها

أن أحس بها

فالظلام نجده في القصيدة الأولى بصريح الكلمة ونجده أيضا في آخر قصيدة مُضمَّنا في كلمة ـ ليلة ـ فما الأبعاد التي يُمكن أن يُوحي بها الظلام في القصيدتين؟ مع العلم أن كلمةَ الظلام ومُرادفاتِها مبثوثةٌ في بعض القصائد الأخرى...إننا حين نلاحظ مثل هذه الملاحظة نرُوم أن نتلمّس الخيط الرابط بين مختلف القصائد وهل توجد هندسة مدروسة في ترتيب القصائد مثلا؟ وما العلاقة بين القصيدة الأولى في الاِفتتاح وبين القصيدة الأخيرة في الختام؟

وبوسعنا أيضا ان نتتبّع خيطا دقيقا بين بعض القصائد المتتالية مثل القصائد الأربع الأولى التي تبدو بينها علاقةُ اِسترسال وتواصل وبعضها يُفضي إلى بعض... وكذلك الأمر بين القصائد السابعة والثامنة والتاسعة

فهل يُمكن أن نعتبر هذه القصائد فقراتٍ أو مفاصلَ ضمن قصيدة واحدة؟

الحبيب مرموش في هذه النصوص قد سار على درب جديد في الشعر يعتمد على اللّمح والإيجاز والتركيز واقتناص الحالة النفسية أوالمشهد او المناسبة وبهذه المواضيع الصغيرة او اللقطات الهامشية يجعل منها مناسبات كبيرة بما ينفُث فيها من شجَن وعُمق فتستحيل إضافة نوعية في مسيرة الشعر العربي ويبدُو أن الشاعر قد أضحى من ٍالغاوين لهذا النوع الطريف من النّسج فنشر على منواله في ديوانٍ له جديدٍ بعنوان ـ يشتاقُني الرّحيل ـ نُصوصا أخرى تحت عنوان ـ رسائل مهرّبة ـ ولعل الصّلاتِ تلوح وثيقة بينها وبين هذه ـ البرقيات المُهرّبة ـ مثلما تبدُو من ناحية أخرى واضحة في ذاكرة القافية من صدى البيت الشعري القديم كقوله في إحدى البرقيات وهي بعنوان ـ قطاف ـ

أنت التي قطفت وردة روحي

وتركت شوكها الدامي

ينبت في جروحي

غير أن الحبيب المرموش يترك الشعر ينساب مُنثالا طليقا ومُنفتحا على الخيال وقابلا لكل اِحتمال مثل قوله في برقية ـ ولادة ـ

عندما رأيتك تذكرت

كل شيء...كل شيء

إلا تاريخَ ميلادي

! فكأن اللقاء بينه وبينها أصبح بدء التاريخ

2 ـ هَيْكات ـ الشاعرة سيرين بن حميدة

ومن الأقلام الشابة الجديدة أيضا نتوقف عند قلم الشاعرة سيرين بن حميدة التي يبدو أنها اِنخرطت في النسج على منوال هذا الشكل الطريف والظريف من الشعر الجديد والذي أدرجته بوضوح ضمن شعر الهايكاي ذي المرجع الياباني مثل قولها في هَيْكتها

الهيكة الأولى ـ حبيبان

بدرٌ خجول

عناق حميميّ

البحر والسّماء

هي لوحة ذات عناصر ثلاثة هي البدر والبحر والسماء جعلت منها تعبيرا عن عناق حبيبين فأوحت بمعاني البهجة والجمال من خلال البدر وبالرّفعة والصفاء من خلال السماء وبالعمق والمدى من خلال البحر فأصابت الغرض بكلمات معدودات لذلك أرى كلمة ـ خجول ـ زائدة فكان يمكن حينئذ الاِستغناء عنها أو بالتعبير عن الخجل بصورة أخرى .

الهيكة الثانية ـ لقاء

ذاكرتي اِعشوشبت

أزهار قلبي تفتّحت

لمحتك من بعيد.

الجملة الاِسمية الأولى والجملة الاِسمية الثانية وقد تلتهما جملة فعلية أسلوب أضاف شحنة معنوية واضحة وحققت الومضة الباهرة.

الهيكة الثالثة ـ

صحراء قاحلة

سراب ماء زلال

حياتي بدونك!

هي ثلاثة أسطر من دون عنوان وأرى فيها الكثير من الزوائد فالصحراء قاحلة بطبيعتها والسراب من خيال الماء والماء زلال فالكلمات من جنس بعضها فهي هيكة ولا هيكة.

الهيكة الرابعة

خلسة لمحتكَ ...

من بين ثنايا الماء...

أُصبتُ بنزلة حبّك.

لا أدري ! إضافة ثلاثة نقط إلى السّطر الأول والثاني ماذا يضيف إلى المعنى لذلك يجب حسن التصرف في مسألة التنقيط عامة كي لا تكون سَبَهْللا خاصة وأنّ الهيكة على قدر كبير من الحبكة والطرافة إذ رأت الطيف في الماء فوقعت في حبه حبا مباغتا جارفا وقد نجحت إلى أبعد الحدود في قولها ـ أصبت بنزلة حبك ـ أوّلا لأنه تعبير جديد في الشعر العربي وثانيا لأنه مستنبط من الواقع اليومي وثالثا لأن ـ نزلة البرد ـ من مجال الماء الذي رأت فيه صورته فمرحى لها أنها لم تر وجهه مباشرة وإلا كانت أصيبت بما هو أكثر،،، وهذه الهيكة تذكرني بلقاء الشاعر المعتمد بن عباد بفتاة عند النهر بينما كان في نزهة مع الشاعر ابن عمار وتذكرني بالشاعر علي اِبن الجهم في قوله

عيون المها بين الرصافة والجسر * جلبن الهوى من حيث أري ولا أدري

ألا يمكن أن يكون هذا البيت هيكة عربية؟

الهيكة الخامسة

كلّ يوم،

أُؤجّل نسيانك

إلى الغد ..

هذه من جديد القول في غرض التذكر واِِستحضار الأحبّة وهو غرض زاخر لدى أغلب الشعرالعرب قديما وحديثا وقد أفلحت هذه الهيكة في تناول المعنى بأسلوب مبتكر وذلك بأن قلبت المعادلة فركزت على تأجيل النسيان لتأكيد التذكر.

الهيكة السادسة

ضبع وحمار وحشيّ

اِحتفلا ذات يوم

في العرس الإنتخابيّ!

تندرج هذه الهيكة في الشّعر ذي المقصد السياسي ولكن في نبرة تهكمية نقدية واضحة مثل الهيكة الموالية

في الطّريق العامّ،

اِحتضن كتابًا ...

فسُجنَ بتهمة: البغاء الثّقافي!

إنها هيكة تعبّر عن الجدب الثقافي السائد بصورة جعلت حمل الكتاب جريمة يعاقب عليها القانون فبالبساطة وصفت حالة معقّدة في المجتمع.

الهيكة الثامنة ـ لسعة

قبلة حارقة

خدّ متورّد

بعوضة هاربة.

ثمّة مخاتلة للمنلقّي الذي يذهب به الظن أنها قبلة ولكنه عند السطر الأخير يُسحب من تحته البساط ليدرك بعد فوات الأوان أنها لسعة بعوضة وهذه الهيكة تذكّر بقصيدة بشّار بن بُرد التي يصف فيها إحدى مغامراته ويختمها بقوله

قولي لهم بَقّة لها ظفر * إن كان في البقّ ماله ظفر

الهيكة المعلّقة

هي مجموعة من الهيكات المتوالية كتبتها سيرين بن حميدة تصف حادثة مصرع الأميرة ديانا وهي لعمري أسلوب جديد وطريف اِعتمدت فيه على إبراز مراحل ذلك الحدث لقطة لقطة من خلال هيكات متلاحقة فتمكنت إلى حد كبير من تطوير أسلوب الهيكة التي كانت في الأصل تصور الحدث في تفصيله أو الحالة في خفاياها او المشهد في دقته لتجعل من الهيكات سلسلة مترابطة ـ تماما مثل مراحل المعلقة الجاهلية ـ للتعبير عن حدث متشعّب وجَلل...أوَ ليس الشعر تجاوزًا للزمان والمكان وتواصلا بين الثقافات...!

كش ... الأميرة ماتت

* باباراتزي

ليلٌ أسخمُ.

سيّارة ملّتِ الوقوف

بها شبح وضوء قاتل

* مراقَبةٌ

عيْنا قنّاصٍ ...

مع أميرة باسمة ترحلُ...

وعاشقٍ ثريّ.

* مضمار

طريقٌ هادئة

استنفرتها صرخةٌ قارعة

اِستغاثت ... هبّت عاصفة

* "فلاش"

في عُمْق اللّيل

غشى الأبصارَ

جِهارُ الحقيقة !

* حادثٌ

في النّفق الطّويل،

روحٌ يحاول الإمساك بـ ...

خيط الحياة!

* رحيلٌ

جنازة ملكيّة.

أميران يبكيان،

كنزهما تحت التّرابِ.

إنّ الشاعرة سيرين بن حميدة قد اِستوعبت خصائص قصيدة ـ الهيكة ـ ومضت نحو التجديد فيها.

3 ـ بجناح واحد أطير ـ للشاعرة سُونيا عبد اللطيف

الشاعرة سونيا عبد اللطيف في ديوانها الصادر عن دار الاتحاد للنشر بعنوان - بجناح واحد أطير - يندرج لا محالة في هذا الشكل الجديد من الشعر الحديث وهي لئن نشرت عددا قليلا من نصوصه ضمن مجموعتها الأولى - امرأة استثنائية - إلا أنها في هذه المجموعة الثانية قد جعلتها بتمامها وكمالها ضمن شعر الومضة وقد وقف الناقد الجزائري محمد بغورة الصديق والناقد الأردني هاشم خليل على بعض خصائص هذه الومضات من خلال المقدمتين منوّهيْن بمسيرة الشاعرة مما يؤكد أنها قد تجاوزت مرحلة الهواية لتأخذ مسألة الأدب بجدّ وعزم على المواصلة والإضافة ومبشّرة بقيم المحبة والوئام بين الناس حيث تقول في ومضة - حب في المزاد - ص55

لو يباع الحب في المزاد

لو يباع الإحساس بالإحساس

لاقتنيت منه دون حد

لكل الناس

وكأنّ هذا الطموح الجميل وهذا الحلم الإنساني الصافي يبدو لها صعب المنال أو يحتاج إلى زمن طويل فلا مناص لها من الانتظار حيث عبرت برمز أهل الكهف في ومضة أخرى بعنوان - انتظار - ص73

أهل الكهف

في انتظاري

وأنا

لم أبعث بعد

من رمادي

وقد جعلت قصة أهل الكهف حاملة للتعبير عن طول اِنتظارها في هذه الومضة وقد ضمّنت من القرآن أيضا ومضةً أخرى هي - الجسد -حيث تقول ص89

في جيدها

حبل من مسد

.....

أضرم النار أبو لهب

......

في ذلك الجسد

وهنا لا بأس من الإشارة إلى مسألة دقيقة وذات أهمية ألا وهي مسألة وضع النقط وتوزيعها في النص الشعري فإن النقط في هذه الومضة هي حروف أخرى أو كلمات على القارئ أن يفك معانيها .

والشاعرة لم تعتمد على التضمين من النصوص القديمة فحسب وإنما نلاحظ تضمينها أيضا للكلام اليوميّ بما فيه من بعض الأمثلة الشعبية التونسية كقولها في ومضة - حماقة - ص10

زغردوا

في أذنها

عقدت منديلا

في خنصرها

ذلك ما يؤكد أن الشّاعرة في هذه المجموعة قد اِستقادت من مختلف النصوص قديمِها وحديثهِا فصيحِها وشعبيّها منتهجة البساطة في أبعادها العميقة والسهل الممتنع في دلالته الممتعة والبديعة بل قد وظّفت بعض المقولات لأدباء من مختلف أنحاء العالم وجعلتها اِفتتاحيات تقدّم بها أجنحة الديوان باِعتيارها فصول الدّيوان .

لابدّ من كلمة حول الغلاف باِعتياره أحد الأبواب التي تفتح على مضامين الدّيوان والغلاف لوحة للفنان والشاعر محمد القماطي قائمة على الأبيض والأسود من خلالهما تبدو وملامح امرأة وفي البياض ترفرف أجنحة حمراء فكأن اللوحة قصيدة تُلخص ومضات سونيا عبد اللطيف أوَليس الرسم هو الشعر أيضا...ولكنه شعر بالأشكال والألوان ...؟

***

أمّا بعد

إنّ هذا الشعر الجديد الذي وقفنا على بعض خصائصه لدى نماذج مختلفة من شعراء تونسيين لاحظنا أنه يعتمد على الإيجاز واللّمح والتركيز والإيحاءات المتعدّدة لذلك أعتبره إضافة إبداعية جديدة تثري مختلف الأشكال والأنماط والمضامين في تاريخ الشعر العربي وسيستقرّ مصطلح تسمية هذا النوع الجديد مع الزّمن سواء تحت اِسم ـ ومضة ـ أو لمحة ـ أو توقيعة ـ أو هيكة ـ أو غيرذلك ولكن لن يتمّ ذلك إلا بعد شَرطيْ التراكم الكمّي والنّوعي والتواصل والاِمتداد الزمني في ديوان الشعر العربي وخاصة إذا رشَح وصدر عن مواهبة حذق اللغة والتمكّن من الأدوات الشعرية الأساسية واِستيعاب المنجزات الشعرية العربية والعالمية الأخرى بل وحتّى الاِستفادة من الفنون الأخرى مثل الرسم والمسرح والسينما وإلا

باتت الكتابات فيه لغوًا خاويا وضربا من مخالفة السائد والمعروف لا غير…

ونلاحظ أخيرا أن هذا النوع الجديد من الشّعر يتطلب من ناحية أخرى قارئا على قدر كبير من الاِطلاع والمواكبة وعلى ذائقة تستوعب الاِجتهاد والتجديد...

إنّه شعر يكتبه القارئ أيضا..حيث يبدأ ومضةً وينتهي بُهرةً أو شُعاعًا!

كذلك هي هذه الومضات من جديد الشعر العربي في مختلف أنماطه وتسمياته ـ ليس تجديده في خروجه عن معاني الأغراض المعروفة وكذلك في مخالفته لإيقاعات التفعيلات والبحور والقوافي فحسب ، وإنما في اكتسايه لأساليب من المفردات والإسنادات والمجازات والإشارات وحتى في مستوى توزيع الكلمات والسطور على الورقة ليأتي بمعان وأحاسيس ويرنو إلى أبعاد ويعبّر عن معاناة ظروف أخرى ويصوّر وجدانات وأحاسيس لم يعشها السابقون...و تلك لعمري شرعية التجديد في كل عصر

 

سُوف عبيد ـ تونس

 

امجد نجم الزيديامتازت الرواية العراقية المعاصرة، ما بعد 2003 بتجربتها لعدة انماط كتابية وعدة اليات، فمنها ما كانت تحاكي اشكالا قديمة في اسلوب الكتابة ومنها ما جربت طروحات ما بعد الحداثة وفرضياتها ومنها ما بقيت تراوح في المنتصف، ومن تلك الاليات العتبات النصية، والميتافكشن واسلوب التشخيص التي استخدمها الروائي نعيم آل مسافر في الرواية التي بين ايدينا (اصوات من هناك) 2017، وهي الرواية الثانية للروائي.

إذ يتخذ السرد فيها مسارين هما المسار الاول "الخارجي" الذي يكون السرد فيه موجها ضمن القصة الاطارية بلعبة الميتافكشن، وكما يظهر في المقطع الاستهلالي المعنون (همس)، حيث ان هذه الالية وما فعلته من خلال كسر الافق الإيهامي لمجمل دلالات النص، ستؤطر ردود افعالنا تجاه كل حكايات النص المضمنة في متن الرواية ودلالاتها، بالإضافة الى ذلك فقد وظفت هذه العتبة النصية توظيفا دالا، ويمكن عد هذه التوظيف - ان جاز لي القول- اسلوبا كتابيا للروائي نعيم آل مسافر، وان كان من غير الممكن ان نتلمس اسلوبا خاصا لآل مسافر من خلال عملين روائيين فقط وهما نتاجه في جنس الرواية، ولكننا رأينا انه قد وظف عتبة للنصين -ان كان في هذه الرواية ام في روايته السابقة "كوثاريا- كانت عبارة عن قصة اطارية تلم حكاياته التي ضمنها داخل المتن، حيث تحمل هذه العتبة بالإضافة لكونها اطارا، الكثير من الاشارات التي تنطلق منها لتتعالق مع دلالات النص، لتخلق مسارات بنائية تتعاضد وتلتم في سقف تلك القصة الاطارية (كلما مررت بجانب النهر، لاح لي ذلك التل الصغير على ضفته... الخ)، او عندما يخاطبه التل ص7، والمسار الاخر "الداخلي" الذي يكون فيه السرد موجها الى احد الشخصيات داخل الرواية والذي ربما يتجلى فيه التشخيص.

حيث نرى ان الرواة في هذه الرواية توزعوا بين شخصيات بشرية كـ(يوسف، مطر، يحيى، جمهورية، روزا)، وامكنة كـ( تل ساسة، نهر ساسي، قرية الجدي، ستوكاديارز (المتحف)، بستان الحساوي)، وازمنة كـ( يوم الجز، ليلة العري، يوم الذرعة، ليلة الدخول)، والاشياء غير الحية كـ(طبق سحري، جلسة تحضير الارواح، سفينة فخارية، التابعة، قاعدة اسماء، تمثال)، حيث يظهر المتن التشخيصي الذي وظفه الروائي، فالتل والنهر والزمان والمكان في رواية (اصوات من هناك) حملت صفات بشرية إذ انها تتكلم وتشعر وتبدر عنها ردود افعال انسانية، ولكنها بقيت تراوح في المدى او الفضاء الثاني لبنيتها الاستعارية، حيث انها كاستعارة تفتح فضاءين دلاليين؛ هما الفضاء المرجعي والفضاء الاستعاري، فاللتل ربما دلالة او علامة سيميائية كتل اثري كما دمته الرواية، قبل ان يشخصن استعاريا في المتن او الفضاء الثاني، فسيختلف الامر لو جسدت او جسمت هذه الاشياء وأخذت دورا انسانيا، ربما كما فعل جورج اورويل في (مزرعة الحيوان) مثلا، حيث ان حيوانات أورويل اقتربت اكثر نحو/ وانحازت الى فضائها الاستعاري، الذي اقتلعها من كينونتها، بينما شخصيات رواية (اصوات من هناك) حافظت على مرجعياتها السيميائية، لذلك اشتبك كلا طرفي تلك الاستعارة او فضاءيها المرجعي والاستعاري.

توزعت الرواية على مجموعة من المقاطع، او الحكايات التي تناوب فيها الراوي مع مجموعة من الرواة الاخرين؛ على سرد الحكاية، وهذا الاسلوب البوليفوني، يختلف ربما عن الصيغة المعتادة في الرواية العراقية، حيث تناوب الزمان والمكان والشخصيات الروي، وبالأسلوب الذي اشرنا اليه سابقا وهو اسلوب التشخيص، إذ اعتدنا على ان الشخصيات البولفونية هي شخصيات انسانية او على اقل تقدير حية، فلم يظهر هذا التعدد البوليفوني بالصورة التي في رواية آل مسافر أي الصورة التقليدية المتعارف عليها، وانما تناوب الزمان والمكان وما يؤثثهما من اشياء مادية وأزمان محددة على سرد الحكاية، من خلال زوايا تبئير مختلفة.

استخدم الروائي نعيم آل مسافر هذه الاليات التي اشرنا اليها سابقا، وهي (العتبات النصية والميتافكشن والتشخيص) بطريقة جعل منها بوابات منفتحة احدها على الاخرى، حيث ان العتبة النصية التي اشرنا اليها وهي (همس) كانت اطارا للميتافكشن، بعد ان ضمت قصة اطارية، يعيد فيها الكاتب الافتراضي كتابة الهمسات/ الحكايات التي كان يرويها التل واشياءه، بعد ان فقد (ملف) الحكايات، ليوظف آلية التشخيص، بجعل ذلك التل والشخصيات التي ذكرناها تروي بضمير المتكلم تلك الحكايات المفقودة، لذلك اصبح ذلك الاستهلال/ العتبة نقطة تشكل مسارات الرواية (الخارجية والداخلية)، وهذا هو بالضبط ما فعله نعيم آل مسافر في روايته السابقة، مع اختلاف تلك المسارات والاليات.

 

أمجد نجم الزيدي

.......................

* اصوات من هناك (رواية)، نعيم آل مسافر، دار شهريار، البصرة 2017

 

كريم مرزة الاسديأولاً - تمهبد: علامات الترقيم - في الكتابة العربية - هي رموز اصطلاحية معينة توضع لتوضيح الفكرة الرئيسية العامة، والأفكار الجزئية للفقرات التي يتطرق إليها الكاتب عند كتابة أي نص أدبي، نثري أم شعري، والفقرات بدورها تتشكل من جمل، وهذه الجمل تحتاج إلى توضيح وإبراز لكي يتفهمها القارئ دون لبس ولا خلط،؛ وإلى تعيين مواقع الفصل والوقف والابتداء، وأنواع النبرات الصوتية والأغراض الكلامية؛ من هنا تأتي أهمية علامات الترقيم

ثانياً - تعريفها:

الترقيم في اللغة هو نظام من الحركات والعلامات التي تستعمل في تنظيم الكتابة.

وعلامات الترقيم هي علامات رمزية، اتفق عليها علماء اللغة الأقدمون وزادها المحدثون، توضع في النص المكتوب بهدف تنظيمه، وتسهيل قراءته وفهمه، ومعرفة مواضع الوصل والوقف، والفصل بين أجزاء الحديث والمعاني، والاقتباس النصي، وإظهار التعجب أو الاستفهام وتحديد علاقة الجمل ببعضها؛ وتحديد نبرة اللهجة عند قراءة النص جهراً، وتنويع طبقات الصوت، وتبين مواقع الهمزة إملائياً. ولا يخفى عليك أنّ جلاء المعنى، وجودة الإلقاء، وحسن الإشارات، و جمال الكتابة، وفن العرض يتوقف عليها؛ ومع كلّ ذلك لاتُعُتبر حروف، وهي غير منطوقة!

وتختلف استخدامات علامات الترقيم وقواعدها حسب اللغة، وأيضاً تطور تلك اللغة عبر الزمن.

ثالثاً - الترقيم لغةً:

أ - جاء في (لسان العرب) -مما يفيد بحثنا بشكل غير متسلسل:

" رقم: الرَّقْمُ وَالتَّرْقِيمُ: تَعْجِيمُ الْكِتَابِ . وَرَقَمَ الْكِتَابَ يَرْقُمُهُ رَقْمًا أَعْجَمَهُ وَبَيَّنَهُ . وَكِتَابٌ مَرْقُومٌ أَيْ: قَدْ بُيِّنَتْ حُرُوفُهُ بِعَلَامَاتِهَا مِنَ التَّنْقِيطِ . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: كِتَابٌ مَرْقُومٌ كِتَابٌ مَكْتُوبٌ وَأَنْشَدَ:

سَأَرْقُمُ فِي الْمَاءِ الْقَرَاحِ إِلَيْكُمْ... عَلَى بُعْدِكُمْ إِنْ كَانَ لِلْمَاءِ رَاقِمُ

وَالْمِرْقَمُ: الْقَلَمُ . يَقُولُونَ: طَاحَ مِرْقَمُكَ أَيْ: أَخْطَأَ قَلَمُكَ وَالْمُرَقِّمُ وَالْمُرَقِّنُ: الْكَاتِبُ.

وَالرَّقْمُ الْكِتَابَةُ وَالْخَتْمُ .

وَالرَّقْمُ: ضَرْبٌ مُخَطَّطٌ مِنَ الْوَشْيِ، وَقِيلَ: مِنَ الْخَزِّ. وَرَقَمَ الثَّوْبَ يَرْقُمُهُ رَقْمًا وَرَقَّمَهُ: خَطَّطَهُ، قَالَ حُمَيْدٌ:

فَرُحْنَ وَقَدْ زَايَلْنَ كُلَّ صَنِعَةٍ....لَهُنَّ وَبَاشَرْنَ السَّدِيلَ الْمُرَقَّمَا

وَالتَّاجِرُ يَرْقُمُ ثَوْبَهُ بِسِمَتِهِ . وَرَقْمُ الثَّوْبِ: كِتَابُهُ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، يُقَالُ: رَقَمْتُ الثَّوْبَ وَرَقَّمْتُهُ تَرْقِيمًا مِثْلُهُ . وَفِي الْحَدِيثِ: كَانَ يَزِيدُ فِي الرَّقْمِ أَيْ: مَا يُكْتَبُ عَلَى الثِّيَابِ مِنْ أَثْمَانِهَا لِتَقَعَ الْمُرَابَحَةُ عَلَيْهِ أَوْ يَغْتَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي.

وَالرَّقِيمُ: الدَّوَاةُ، حَكَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ،وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ اللَّوْحُ،، وَقِيلَ: الرَّقِيمُ الْكِتَابُ، وَفِي الْحَدِيثِ: كَانَ يُسَوِّي بَيْنَ الصُّفُوفِ حَتَّى يَدَعَهَا مِثْلَ الْقِدْحِ أَوِ الرَّقِيمِ . الرَّقِيمُ: الْكِتَابُ، أَيْ: حَتَّى لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا كَمَا يُقَوِّمُ الْكَاتِبُ سُطُورَهُ ."

ب - من هذه الفقرات المستقطعة من نص النقطة الأولى من (لسان عرب) لابن منظور:

" وَكِتَابٌ مَرْقُومٌ أَيْ: قَدْ بُيِّنَتْ حُرُوفُهُ بِعَلَامَاتِهَا مِنَ التَّنْقِيطِ.... وَفِي الْحَدِيثِ: كَانَ يَزِيدُ فِي الرَّقْمِ أَيْ: مَا يُكْتَبُ عَلَى الثِّيَابِ مِنْ أَثْمَانِهَا لِتَقَعَ الْمُرَابَحَةُ عَلَيْهِ أَوْ يَغْتَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي.....وَفِي الْحَدِيثِ: كَانَ يُسَوِّي بَيْنَ الصُّفُوفِ حَتَّى يَدَعَهَا مِثْلَ الْقِدْحِ أَوِ الرَّقِيمِ . الرَّقِيمُ: الْكِتَابُ، أَيْ: حَتَّى لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا كَمَا يُقَوِّمُ الْكَاتِبُ سُطُورَهُ ."

نستدلُّ إذاً الترقيم مأخوذ من (رقم) الكتاب، إذا كتبه، أو من (رقّم) الكتاب بمعنى نقّطه ؛ ليبين حروفه، أو بمعنى نقشه، وزخرفه.

رابعاً - تاريخ علامات الترقيم:

أ - قديما:

لم يعرف العرب من علامات الترقيم في بدايات الدعوة الإسلامية؛ ولمّا ازداد اللحن في اللغة العربية بعد زيادة رقعة الدولة الإسلامية ودخول الكثير من غير العرب في الإسلام (طبقة الحمراء)؛ أدى هذا إلى تغيير الكثير من المعاني الأصلية لبعض الكلمات العربية، وهذا - أيضاً - تتطلّب إيجاد الحلول التي تقلل من هذه الأخطاء فتم وضع النقاط على الحروف، وكذلك الاهتمام بما يسمى بعلامات ترقيم القرون الأولى للهجرة، ولم تكن سوى النقطة، وأشار ابن منظور إلى ذلك بقوله: " وَكِتَابٌ مَرْقُومٌ أَيْ: قَدْ بُيِّنَتْ حُرُوفُهُ بِعَلَامَاتِهَا مِنَ التَّنْقِيطِ." وأول من نقط الحروف أبو الأسود الدؤلي (توفي 69 هـ)، بإشارة من الإمام علي (ع) (ت 40 هـ).

ولمعرفة مكان توقف القرّاء، أخذوا يضعون دائرة وفي داخلها نقطة، أو يخرج منها خط، كأداة للفصل بين الجمل، ثم أصبح الأمر تقليداً حتى تأنق به و زوّقه الكتاب.

ب - من مقالة للأستاذ خالد سيِّد ابراهيم فى مجلة العربى، العدد 480، ص 157، يذكر:

قديماً كانت الكتابة العربية بلا فواصل، كما كانت بلا نقط للحروف . ثم تم تنقيط الحروف، و ظلّت الكتابة بلا فواصل حتى عهدٍ ليس ببعيد . مما نشأ عنه تداخل بين الجمل و بين أجزاء الجمل بعضها البعض، و حدوث لبس فى الفهم . حتى جاء العلامة " أحمد زكى " و رأى تواجد علامات الترقيم فى كتابات الغربيين، و خلو الكتابات العربية منها . و فى العام 1912 كان الوقت قد حان للانتفاع بمثل تلك العلامات فى كتابتنا العربية، فأصدر رسالة عنوانها: (الترقيم و علاماته).

و قد أدخل شيخ العروبة أحمد زكى باشا علامات الترقيم إلى اللغة العربية لأنه رأى أن اللسان العربى مهما بلغ درحة العلم لا يتسنّى له فى أكثر الأحيان أن يتعرّف على مواقع فصل الجمل و تقسيم العبارات، و ذلك فى رسالته 1912م.

و أقرت وزارة المعارف العمومية (وزارة التربية و التعليم لاحقاً) استخدام هذه العلامات فى المدارس المصرية آنذاك . ثم فى عام 1932 ارتضت " لجنة تيسير الكتابة فى المجمع اللغوى " ما أقرته وزارة المعارف المصرية و أصدرت بيان بذلك ينص على عشر علامات أضيف لها بعد ذلك المزيد.

ج - شيخ العروبة أحمد زكى باشا علامات الترقيم.

تذكر الموسوعة الحرّة عن أحمد زكي باشا:

أحمد زكي بن إبراهيم بن عبد الله النجار (1284 هـ / 1867م- 21 ربيع الأول 1353 هـ / 5 يوليو 1934م)، أحد أعيان النهضة الأدبية في مصر، ومن رواد إحياء التراث العربي الإسلامي، واشتهر في عصره بلقب شيخ العروبة.[1] بالإضافة لجهوده الكبيرة في إحياء التراث العربي ونشره عمل في الترجمة والتأليف والبحث، كما شارك في مؤتمرات المستشرقين وعمل بالجامعة المصرية. يعد أول من استخدم مصطلح تحقيق على أغلفة الكتب العربية. أدخل علامات الترقيم في العربية، وعمل على اختصار عدد حروف الطباعة العربية، كما قام -بجهده وماله الخاص- بإنشاء مكتبة كانت من كبريات المكتبات في المشرق الإسلامي. وقد تأثر أحمد زكى باشا بحركات ثلاث سبقته؛ النهضة التي حمل لوائها رفاعة رافع الطهطاوى في مجال الترجمة، ونقل الآثار الأدبية والفكرية من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، .

علامات الترقيم

كان وزير المعارف أحمد حشمت في ذلك الوقت قد طلب من أحمد زكي باشا أن يقوم بإدخال علامات الترقيم على العربية ووضع أسسها وقواعدها، فوقف على ما وضعه علماء الغرب في هذا الشأن، واصطلح على تسمية هذا العمل بالترقيم؛ لأن هذه المادة تدل على العلامات والإشارات والنقوش التي توضع في الكتابة. وقد أتم عمله هذا في رسالة بعنوان الترقيم وعلاماته باللغة العربية، طبع سنة 1331 هـ/1911 م وقد قام بتحقيقه العلامة عبد الفتاح أبو غدة.

يقول أحمد زكي عن سبب نقله علامات الترقيم للعربية:

”       دلت المشاهدة وعززها الاختبار على أن السامع والقارئ يكونان على الدوام في أشد الاحتياج إلى نبرات خاصة في الصوت أو رموز مرقومة في الكتابة يحصل بها تسهيل الفهم والإدراك.

خامساً - أهمية علامات الترقيم:

أ - يقول الأستاذ عبد العظيم إبراهيم في كتابه (الإملاء والترقيم في الكتابة العربية)، الباب الثامن (ج 1 ص 95 - 104) - تحت عنوان (علامات الترقيم):

ا" لترقيم في الكتابة هو وضع رموز اصطلاحية معينة بين الجمل أو الكلمات؛ لتحقيق أغراض تتصل بتيسير عملية الإفهام من جانب الكاتب، وعملية الفهم على القارئ، ومن هذه الأغراض تحديد مواضع الوقف، حيث ينتهي المعنى أو جزء منه، والفصل بين أجزاء الكلام، والإشارة إلى انفعال الكاتب في سياق الاستفهام، أو التعجب، وفي معارض الابتهاج، أو الاكتئاب، أو الدهشة أو نحو ذلك، وبيان ما يلجأ إليه الكاتب من تفصيل أمر عام، أو توضيح شيء مبهم، أو التمثيل لحكم مطلق؛ وكذلك بيان وجوه العلاقات بين الجمل؛ فيساعد إدراكها على فهم المعنى، وتصور الأفكار.

وكما يستخدم المتحدث في أثناء كلامه بعض الحركات اليدوية، أو يعمد إلى تغيير في قسمات وجهه، أو يلجأ إلى التنويع في نبرات صوته؛ ليضيف إلى كلامه قدرة على دقة التعبير، وصدق الدلالة، وإجادة الترجمة عما يريد بيانه للسامع، كذلك يحتاج الكاتب إلى استخدام علامات الترقيم؛ لتكون بمثابة هذه الحركات اليدوية، وتلك النبرات الصوتية، في تحقيق الغايات المرتبطة بها.

ويحدث هذا الاضطراب في المعنى إذا أخطأ الكاتب، ووضع علامة ترقيم بدل أخرى..."

ب - سنضرب لك مثالاً عن مثل هذا الاضطراب الكبير في المعنى والإعراب والحركات لاختلاف علامات الترقيم:

أنها تسهل الفهم على القارئ، وتجود إدراكه للمعاني، وتفسر المقاصد، وتوضح التراكيب ... أثناء القراءة، يتضح هذا من خلال المثال التالي:

1 - ما أحسنَ الطبيبُ.

2 - ما أحسنَ الطبيبَ!

3- ما أحسنُ الطبيبِ؟

فهذه الجمل الثلاث مختلفة في المعنى، لا متكررة، على الرغم من أنها بدت في الظاهر جملة واحدة مكررة ومكونة من الكلمات الثلاث نفسها؛ فالنقطة جعلت الجملة الأولى جملة خبرية منفية بـ (ما) النافية، وعلامة التعجب جعلت الجملة الثانية جملة تعجبية و(ما) تعجبية بمعنى شيء، وعلامة الاستفهام جعلت الجملة الثالثة جملة استفهامية، وما اسم استفهام.

- إعراب الجملة (1): ما أحسنَ الطبيبُ.

ما: حرف نفي مبني على السكون لا محل له من الإعراب.

أحسنَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح.

الطبيبُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في آخره، والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها ابتدائية.

- إعراب الجملة (2): ما أحسنَ الطبيبَ!

ما: تعجبية بمعنى شيء اسم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.

أحسن: فعل ماضٍ مبني على الفتح لا محل له من الإعراب والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره (هو).

الطبيبَ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره والجملة الفعلية في محل رفع خبر للمبتدأ (ما) التعجبية، والجملة كاملة لا محل لها من الإعراب لأنها ابتدائية.

- إعراب الجملة (3): ما أحسنُ الطبيبِ؟

ما: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم.

أحسنُ: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في آخره، وهو مضاف.

االطبيبِ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة في آخره، والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها ابتدائية.

ج - إذاً مثل ما نفهم الحركات، والكتابة الإملائية الصحيحة ضرورية لفهم معنى الجمل، يجب أن نتفهم أن علامات الترقيم أيضاً ضرورية جداً لتفهم الجمل ومعانيها ...أمثلة بسيطة جداً، تكفينا شر الجدال والقيل والقال !! اقرأ، وقل لي:

1 - ماذا نفهم بغير الحركات من الجمل الآتية؟: أ - دار الرجل .....ب - دار الرجل .....ج - دار الرجل .

2 - ماذا نفهم بدون الإملاء الصحيح في الكلمات الآتية؟ أ - اعراب .... ب - اعراب ....ج - ابان .....د - ابان ...هـ - سال ...و - سال .... ز - سئل

3 - ماذا نفهم إن لم نضع علامات الترقيم في الجمل الآتية ؟ أ - ما أجمل الرجل......ب - ما أجمل الرجل....ج - ما أجمل الرجل

واصل معي الفقرة نفسها:

- الآن نحرّك الكلمات، ونكتبها بالإملاء الصحيح، ونضع علامات الترقيم، ونوضح ... وأنت سيد العارفين !!

1 - أ - دارُ الرجلِ .....ب - دارَ الرجلُ .....ج - دارَ الرجلَ.

التوضيح: أ - بيتُ الرجلِ........ب - دارَ الرجلُ (نفسه).... ج - (زيدٌ) دارَ الرجلَ. ..نقول: دارَ الرجلُ عمامتَه أي لفّها.

2 - - أ - أعراب .... ب - إعراب ....ج - أبانَ .....د - إبانَ ...هـ - سالَ ...و- سألَ .... ز - سُئِلَ.

التوضيح:

ا- أعراب الجمع: أعاريبُ، مفرد أعرابيّ من يسكن البادية .....ب - إعراب عَنِ الفَرَحِ أو السخط، إفْصاحُ، إعْرابُ الكلمات و الجمل في النحو ....ج - أَبانَ: (فعل)....، بمعنى: أوضح وأظهر. .....د - إبان: أثناء، أوان، ويغلب استعمال إبان مضافًاً......هـ - سَالٍ: فاعل من سَلى، سأَّل: كثير السؤال، سالٍ: فاعل من سَلا، سالَ: (فعل) سال سَيْلاً فهو سائل...... و - سَأَلَ: فعل ثلاثي لازم متعد بحرف، سَألَ سُؤَالاً، سَألَ عن حاجة.......ز - سُئِلَ: فعل مبني للمجهول من الفعل (سَأَلَ).

3 - أ - ما أجملَ الرجلُ. ....ب - ما أجملُ الرجلِ؟......ج - ما أجملَ الرجلَ! التوضيح: علامات الترقيم ليست بحروف، ولا تنطق ...ولكن من الممكن إبارازها وتمثيلها بنبرة الصوت، أو حركات اليد أوالجسم أوالإشارات .

أ - الجملة منفية: ما أجملَ الرجلُ......لم يكن الرجلُ جميلاً في قوله أو فعله.

ب - االجملة استفهامية: ما أجملُ الرجلِ؟...... الجواب: إنسانيته، خلقه .

ج - الجملة التعجبية: ما أجملَ الرجلَ!.. تعجب من جمال خلقه ...هيئته.

فذلكة الكلام علامات الترقيم والرسم الإملائي للحروف، وجهان لعملة واحدة، الفرق بينهما كالفرق بين (سألَ) الطالبُ و(سُئِلَ) المدرسُ، أو (يُكافَأُ) التلميذ و(يُكافئُ) الأستاذ، وبين ما أجمل.ما أجملُ(؟) و ما أجملَ(!).

إذاً المعنى يختلف باختلاف صورة الهمزة، كذلك يضطرب المعنى إذا أسيء استعمال إحدى علامات الترقيم، بأن وضعت في غير موضعها، أو حلت محل غيرها.

سادساً - علامات الترقيم توضع بعد الكلمة السابقة دون قراغ

تختلف استخدامات علامات الترقيم وقواعدها حسب اللغة - لكل لغة خصوصيتها - وأيضاً تطور تلك اللغة عبر الزمن، ومن الاستخدامات الشائعة لعلامات الترقيم في اللغة العربية: الفصل بين أجزاء الحديث والمعاني، تحديد مواقع الوقوف في النص، الاقتباس النصي، إظهار التعجب أو الاستفهام وتحديد علاقة الجمل ببعضها.

من أهم قواعد طباعة اللغة العربية (وحتى اللغات غير العربية) بعلامات الترقيم هي أن تضع مسافة فقط بعد علامة الترقيم (وليس قبلها)؛ باستثناء الأقواس والتي تكون ملاصقة للجملة التي بداخل القوسين ولا تلامس الكلام الذي يحيط بالأقواس من الخارج، وأيضاً باستثناء الثلاث نقاط (...) والتي ترمز إلى كلام محذوف أو فترة صمت تتخلل حديث، هذه النقاط الثلاث تلامس كل ما يحيطها من كلام على وإن كان البعض يجعلها تتبع نفس القاعدة العادية لعلامات الترقيم بلصقها بما يسبقها فقط من كلام وفصلها عما يتبعها

وكمثال: لا تكتب أو تطبع الجملة هكذا:

(أدرس دروسي جيداً، وأكمّل وظائفي، ما أجمل النجاح !).

وإنّما تكتب هكذا:

(أدرس دروسي جيداً، وأكمّل وظائفي، ما أجمل النجاح!).

دقق في الفراغ بعد الفاصلة، وليس قبلها، والسبب يجب أن تلصق علامة الترقيم بالكلمة التي قبلها، ولا تنزل لوحدها إلى سطر جديد في برنامج طبع آخر، ولا يجوز وضع أي علامة من علامات الترقيم في أول السطر، إلاّ علامة التنصيص و القوسين.

سابعاً - علامات الترقيم العربية، والعلامات الشائعة الاستعمال:

الفاصلة، ويطلق عليها أيضا الفارزة، والشولة. (،)

(؛) الفاصلة المنقوطة.

>النقطة (.)

النقطتان. (:)

الشرطة. (-)

الشرطتان. (—)

الشرطة السفلية. (_)

(؟) علامة الاستفهام.

علامة التأثر، أو التعجب. (!)

علامة الحذف (...)

علامة التنصيص. (« »)

القوسان. (())

القوسان المستطيلان. [ ]

الأقواس المثلثة. < >

الإشارة المائلة. (/)

الإشارة المائلة المعاكسة. (\)

إشارة البريد الإلكتروني والتي تآتي فقط مع الآحرف اللاتينية. (@)

إشارة القوة المرفوعة. ()

إشارة الضرب. (*)

إشارة العطف. (&)

- علامات الإشارات المستخدمة في البرمجة آو الرياضيات مثل (< > * & ^ \ [])

- الفاصلة في النص العربي تكتب هكذا (،) وليس تلك المستخدمة في النص اللاتيني غير المتوافقة مع النص العربي. (,)

الغالبية الساحقة من الكتاب يقعون في ذلك الخطأ مع أن الفاصلة العربية موجودة في لوحة المفاتيح لأجهزة الوندوز وكذلك الماكنتوش.

ثامناً - تنقسم هذه العلامات بدورها إلى أربعة أنواع في سياق وظيفتها في الكتابة، هي:

1 - علامات الوقف: (، ؛ .)؛ تمكن القارئ من الوقوف عندها وقفاً تاماً، أو متوسطاً، أو قصيراً، والأمور نسبية، لأخذ فسحة ذهنية للانتباه والتأمل، وإذا كانت القراءة بصوت عالٍ، تسمح بالنفس الضروري لمواصلة عملية القراءة.

2 - علامات النبرات الصوتية: (: ... ؟ !)؛ وهي علامات وقف أيضا، لكنها إضافة إلى الوقف – تتمتع بنبرات صوتية خاصة وانفعالات نفسية معينة كالتعجب والتساؤل والتأمل ...أثناء القراءة.

3 - علامات الحصر: (« » - () [ ])؛ وهي تساهم في تنظيم الكلام المكتوب،وتضمين النصوص، وتفسير المعاني بإيجاز، ويمكن اليوم إضافة الألوان التي أصبحت تؤدي نفس الغرض.

4 - علامات الإشارات المستخدمة في البرمجة آو الرياضيات:

< > * & ^ \ [].

إلى الحلقة الثانية - إنْ شاء الله - ...شكراً جزيلاً مع السلام والتحيات والاحترام .

 

كريم مرزة الأسدي

............................

المراجع والمصادر

1 - (لسان العرب) - أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (ابن منظور) - الجزء السادس (ص 207 - 208) - دار صادرسنة النشر: 2003م .

2 - خالد سيِّد ابراهيم - تاريخ بدء استعمال علامات الترقيم فى الكتابة العربية.

مقالة فى مجلة العربى، العدد 480، ص 157، نوفمبر 1998، وزارة الإعلام بدولة الكويت، (مطابع الشروق بالقاهرة.)

.http://tarkeemarabi.tripod.com/tarekhbad.htm

3 - مادة (ترقيم) - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

https://ar.wikipedia.org/wiki/ترقي

4 - مادة (أحمد زكي باشا) - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

https://ar.wikipedia.org/wiki/ترقي

5 - تاج العروس من جواهر القاموس: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، الملقّب بمرتضى الزَّبيدي (المتوفى: 1205هـ). الناشر: دار الفكر - بيروت

الطبعة: الأولى /1414 هـ

- تاج العروس من جواهر القاموس المؤلف: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205هـ) المحقق: مجموعة من المحققين الناشر: دار الهداية عن المكتبة الشاملة - تاريخ الإضافة: 14 نوفمبر 2010 م

6 - كتاب ملتقى أهل اللغة: مجموعة من المؤلفين - ص 154.

7 - موقع ديوان العرب - اللغة العربية > علامات الترقيم في الكتابة العربية ومواضع استعمالها. بقلم عادل سالم

الأربعاء ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٩م.

8 - الإملاء والترقيم في الكتابة العربية: عبد العليم إبراهيم (المتوفى: بعد 1395هـ) الناشر: مكتبة غريب، مصر - عن المكتبة الشاملة - تاريخ الإضافة: 14 نوفمبر 2010 م

9 - الطريقُ المستقيمُ فِي نظم علاماتِ الترقيم: محمود محمد محمود مرسى، أبو سريع - عن المكتبة الشاملة - تاريخ الإضافة: 14 نوفمبر 2010 م

 

عبد الله الفيفيناقشْنا في حوارنا السابق مع (ابن الوردي) سعي بعض القدماء إلى تعطيل فنِّ المجاز، بل إنكارهم إيَّاه. ذلك أن تلك الثقافة المتوارثة ما انفكَّت تطغى على عقولٍ وأذواق؛ من حيث إن الثقافة العربيَّة باتت ثقافة مذهبيَّة منذ القرن الثاني للهجرة. فعاشت ممزَّقة في صِراع بين غلوِّ وغلوِّ مضاد؛ حياتها كحياتنا، متطرِّفٌ ينزو على متطرِّف! قال ابن الوردي:

- ولذا أصبحت البلاغة العربيَّة في مهبِّ المعطِّلة والمشبِّهة منذ العصر العبَّاسي، كلٌّ يسعى إلى تكييف اللغة لخدمة مذهبه. وشاعت حساسيَّة بلاغيَّة، أسرفت بسببها طائفةٌ في التأوُّل، ووقفت طائفةٌ ضِدَّ التأويل، حتى بلغ الأمر بها إلى أنْ جعلت ترتاب في ما خالف الحقيقة من التعبيرات، أو جنح نحو المجاز. وأيُّ مَفسدةٍ جناها هؤلاء وأولئك على الذوق والبلاغة واللغة العربيَّة!

- نعم، ومن الأمثلة المعاصرة- وريثة ذلك التراث- أنك طالما سمعتَ بعضهم يصيح على من استعمل، مثلًا، كلمة «مقدِّمة»، (بكسر الدال)؛ إذ لا يصحُّ، من وجهة نظر هؤلاء المصابين برُهاب المجاز، أن يكون ما يكتبه المرء في صدر كتاب أو نحوه فاعلًا بل مفعولًا. قائلًا أحدهم لك: هي «مقدَّمة»، يا بُنَيَّ، بفتح الدال، لا «مقدِّمة»، هداك الله؛ لأن الكاتب هو مَن يُقدِّمها بين يدي عمله.

- بل سنقول لهذا وأضرابه: أيها الآباء، كفُّوا عن الناس، بل هي «مقدِّمة»، على سبيل المجاز؛ لأنها بما تحتويه من مضامين تقدِّم التعريف بالعمل إلى القارئ! وعلى هذا سمَّى (ابن خلدون) مقدِّمته في التاريخ. ولو سلَّمنا بما تزعمون لأسقطنا اللغة كلَّها؛ إذ لا نهوض لها ولا حياة فيها بغير المجاز، إلَّا نهوض العليل البليد، وحياة السقيم الهالك. عِلَّة هؤلاء فقر الذوق الأدبي، وكسل المخيِّلة البلاغيَّة، إلى أسباب أخرى، عِلْمها عند ربِّك!

- ولمَّا كانوا لا يستطيعون تخطيء النصوص البلاغيَّة التي تُناقض ما استقرَّ في أذهانهم؛ تراهم يلتفُّون عليها بالتأويل أو التحريف. التأويل يُعمِلونه في نصوص القرآن المجيد، والتحريف يُعمِلونه في الشِّعر العربي، ليُعيدوه إلى حضيرة المألوف من الحقائق التي يدركونها ويطمئنُّون بها، ولا تُرهِق أذهانهم ومخيلاتهم.

- حتى الشِّعر لم يسلم من آثار هذا التيَّار؟! هل من شواهد على ذلك؟

- كثيرة. خُذ من ذلك أن (المتنبي) قال:

ما كُلُّ ما يَتَمَنَّى المَرءُ يُدرِكُهُ ** تَجري الرِّياحُ بِما لا تَشتَهي السُّفُنُ

فجاء بعض المصابين بأنفلونزا المجاز المعاصرين قائلين: كيف «تَشتَهي السُّفُنُ»، وهل السُّفن ذات شهوات؟! إنَّ هذا لإفكٌ عظيم! لا بُدَّ من حلٍّ يقمع هذا التعبير النابي عن الحقيقة! إذن، الشاعر لم يقل «تَشتَهي السُّفُنُ»، بل «يَشتَهي السَّفِنُ»! وما السَّفِنُ هذا؟ إشارة إلى رُبَّان السفينة! هذا أفضل! وليذهب الشِّعر والشاعر إلى الجحيم، المهم تقليص سطوة المجاز على اللغة، فهو باب شُبهات لا تنتهي!

- وبأيِّ لغةٍ يتحدَّث هؤلاء؟! وكيف غاب عِلْمهم هذا عن شُرَّاح ديوان المتنبي؟! إن هؤلاء، حين يُدْلون بأقوالهم هذه، في تعالم فاقع، لا يعُون أنهم إنما يعبِّرون عمَّا في رؤوسهم وفي نفوسهم. ولو بُعِث المتنبي، وقال إنني بالفعل قلتُ: «تَجري الرِياحُ بِما لا يَشتَهي السَّفِنُ»، لقلنا له: عفوًا، يا أبا حُميد، ظنناك أشعر من هذا، وقد ظهر لنا عكس ذلك! فالمتلقِّي الذي غيَّر بيتك إلى: «تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُّفُنُ» كان أشعر منك، وقد منحك حسنةً شِعريَّةً من جيبه البلاغي لم تكن في جعبة بيتك الضعيف. ذلك أن صدر بيتك قد سبقك إليه (أبو العتاهية، -211هـ)، في قوله:

حَتَّى مَتى أَنتَ في لَهوٍ وفي لَعِبٍ

والمَوتُ نَحوَكَ يَهوي فاغِرًا فاهُ

ما كُلُّ ما يَتَمَنَّى المَرءُ يُدرِكُهُ

رُبَّ امرِئٍ حَتفُهُ في ما تَمَنَّاهُ

وها أنت ذا، يا أبا مُحسِّد، تُفسِد عجز البيت أيضًا، بمحو المجاز منه، الذي كان يمكن أن يُحسَب لك حسنةً تشفع لك أخذ صدره من المعتَّق بوعظيَّاته المانويَّة، أبي العتاهية. فهل بقي في البيت من الشِّعريَّة شيء، حين تقول: إن الرياح تجري بما لا يشتهي البحَّارة؟!

- صدقتَ! أوَهناك مَن لا يُدرِك هذا المعنى أو يستطيع صوغه؟! وإنَّما المزيَّة في أَنْسَنَة السُّفُن، وجعلها ذات اشتهاء، وهي في صراع مع الرياح. هنا الخيال وهنا الصورة.

- هذه المعاني عازبة عن هؤلاء؛ لأن وظيفة اللغة لديهم لا تعدو نقل معلومات وأفكار وحقائق، بصُوَر مباشرة. ولذلك نقطع بأن أبا الطيِّب لا يقبع في هذا الحضيض مع المرضى بما تسمِّيه «أنف العنزة» المجازيَّة.

- وهم كذلك يتطفَّلون لإفساد بيتٍ آخَر لأبي الطيِّب، ومن المدخل نفسه. وهو قوله:

على قَلَقٍ كَأَنَّ الرِّيحَ تَحتي ** أُوَجِّهُها جَنوبًا أو شَمالا

فتسمع أحدهم يستدرِك بأن صِحَّة البيت: «عَلى قَلِقٍ»، بكسر اللام، ثمَّ يُردِف، وهو يهتزُّ طَرَبًا تعبيرًا عمَّا أراد، وتباهيًّا بما ظنَّه فِقهًا للمعاني وتحقيقًا لأقوال الشُّعراء: «أيْ على فَرَسٍ قَلِق»!

- ألا ويلٌ للشِّعر والشُّعراء من أمثال هؤلاء! بل ويلٌ للتفكير اللغوي من أقفال العقول هذه! «على فَرَس قَلِق»؟! وما الذي أبقى هذا من المتنبي ومن بيته؟! إنما الإنجاز الشِّعري هو في تجسيد القَلَق نفسه في صورة فَرَس. بل في صورة مركوب غير محدَّد؛ حتى لكأن مركوبه القلَق المطلَق. هاهنا المجاز وهاهنا البلاغة. أمَّا أن يقول إنه على فَرَسٍ قلِق، فما زاد على أن جاء بمألوف القول، وكلٌّ يعرف أن من صفات الخيل القلَق في حركاتها. فاتقوا الله- يا عُبَّاد الحقيقة اللغويَّة وخصوم المجاز المدافعين عن الباطل لا عن الحقيقة- في لغتنا العربيَّة وبلاغتها، لا تُميتوا علينا لغتنا وبلاغتها وجمالها وشِعريَّتها بآفات فهومكم ومواريث رجالكم!

- وبذا يظهر توالج الجدل الكلامي بالمسائل اللغويَّة والبلاغيَّة في تراثنا الإسلامي. وأن هؤلاء الذين يطعنون في القرآن اليوم وفي التاريخ الإسلامي، إنما يقتاتون على مائدة أولئك السلف من المتكلِّمين وإنْ في غير ما يفقهون، وممَّن لا يتجرَّدون أحيانًا في خصوماتهم الكلاميَّة غير العِلْميَّة عن الأغراض في أقوالهم وأحكامهم المطلقة. وقد لا يترفَّعون عن المكابرات، والأخذ بمبدأ أن الغاية تبرر الوسيلة، شأنهم في ذلك شأن أبناء الحِرف المختلفة، خصومةً، وشأن المتكسِّبة، تجارةً وطلبَ جاهٍ أو علوِّ منزلة. ربما كان بعضهم على منهج بيَّاعي الخضار، الذين ضرب بهم المَثَلَ الفيلسوفُ (فريدريك نيتشة) في أن أعلاهم صوتًا أكثرهم كسبًا، وإنْ كانت بضاعته مزجاة فاسدة. ثمَّ يأتي بعض المتأخِّرين، فإذا هو شرُّ خَلَفٍ لشَرِّ سلَف، تَمَدْرُسًا وتقليدًا وتقديسًا ودفاعًا، ليدور بهم المِغزلُ هكذا أبدًا، في نسيجٍ مهلهل، لا يستر عاريًا ولا يزين لابسًا.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

 

إن الكثير منا يدرك ويعي حقيقة التاريخ المزيف، المليء بالتلفيق والفتن الضارة، لكن جُل هذه العيبوب لاتمنع من تحقيق نسبة لابأس بها من مصداقيته، خاصة تلك التي ترتبط بالحضارات العريقة، وبلاد الرافدين واحدة من اعظم حضارات التاريخ.

وحقيقة التاريخ المعروف الأن هي، إنَّ مشاكل عالمنا العربي تعود في اغلبها إلى هيمنته كسلطة حاضرة ومؤثرة في العقل والسلوك على الشارع، ومجال التعليم، والمؤسسات الرسمية... الخ، فإنَّه- التاريخ- ليس مجرد حشو عشوائي من الأحداث، وإنَّ بدا ظاهرياً كذلك، فعلى العين الفاحصة أنَّ تستكشف الباطن والمضمر.

فالتاريخ الذي نعيشه الان هو حشد من الأخبار والوقائع والشخصيات، تم تناولها بطرائق مختلفة في أطار أيديولوجي وعقائدي، وحقيقة هذا التاريخ تأتي من القناعة والإيمان بشكل ذلك التأريخ وقداسته من تلك القناعات التي لا يمكن المساس بها، ولا بد من التمييز بين الظاهري في الواقع مَنْ الباطني الجوهري، فالممارسة التاريخية عندما توظف تحت النطاق الإخباري تتحول إلى مادة سردية تحمل من الضعف والخلل الشيءالكثير، أيّ أنَّها تعرض الأحداث على وفق تسلسلها الزمني، بعيداً عن التفسير الحقيقي لها، أو أنَّها تفسر الأحداث بطريقة أخرى، ومن ثم تبقى الأحداث تسير في مجال دوراني، وعليه لا تنتج معرفة حقيقية، وإنَّما جملة من التساؤلات والحروب .

وإنَّ التاريخ ليس عبرة من عبر الماضي، بل هناك إساءة في فهمه، ولكن قيمته لا تكمن في الماضي بقدر امتداده للحاضر والمستقبل، فإنَّه حالة مستمرة، ومن هنا فإنَّ الكثيرين يدعون إلى الإفادة مَنْ دروسه لإغراض الحاضر والمستقبل، بل أستطيع القول إنَّ كثيراً مما يمكن أنَّ يقع غداً، إنَّما هو بسبب صلته بالماضي واستيعاب دروسه، وقد أثبت التاريخ أنَّ كل مَنْ لم يستفد من الماضي سيكون ضحية سهلة لتقلبات الحاضر، ولن يكون له شأن في المستقبل .

وإنَّ كل ما يشهده الواقع السياسي العربي من فكر وممارسة ومعارضة، وتسلط أنظمة استبدادية، لها جذور ضاربة في التاريخ، وما تلك الأحداث التي نرصدها هنا وهناك إلا إعادة لارتدادات أخبار ماضية.

وصدقت بعض الروايات في استثمارها حقيقة التاريخ وماضيه، الذي يحمل اثار حضارية معروفة .

ورواية (بنات يعقوب) للروائي (محمود سعيد) واحدة منها، إذ نسجت الرواية حقيقة تاريخية مهمة، وسعت الى تحليلها وشرحها بطريقة سردية مشوقة تبتعد عن عن الرتابة .إذ وظف الروائي جانبه الثقافي، وعرض قراءاته المتعددة للمصادر التاريخية، وحقيقة الأديان، وحقيقة بابل العظيمة،ذات العراقة المميزة، وملكها(نبوخذ نصر)؛ ولأنه ابن حضارة عريقة،فإن مايدونه عنها يعتبر وثيقة ؛لأنه اعلم بتراثه.

جاءت رواية تاريخية اقرب الى كونها مدونة، نقلت حضارة وامتياز وادي الرافدين، خاصة (بابل) ، التي احتضنت العلوم، والمعرفة . والتنجيم، والفلك، والهندسة...الخ، وتمتلك عجائب الدنيا السبع(الجانئن المعلقة)، واول من اسس حفر قنوات الري هم اهلها، ومعماريتهم الجميلة التي اسست بداية بناء المدن، والطرق وغيرها.

(يعقوب) واولاده الأثنى عشر، كانوا يتخذون من بلاد كنعان موطناً لهم.

وإذا ماعدنا ودققنا النظر في الأسطورة الأسرائيلية التي تقول: (12)ولدمقابل(12) قبيلة، أي كل ولد من اولاد يعقوب يصبح مسؤولاً عن قرية، وبهذا يسيطر اولاد يعقوب على عرش المملكة، والنص القرآني خص بالذكر منهم (يوسف، وبنيامين).

الرواية فصلت القصة التاريخية، إذ يمتلك (يعقوب) بنات وزوجات عدّة،هولاء البنات تزوجوا من ابناء تاجر كبير رحال في قرية (حمور). كانت هذه الزيجة الباب الذي اغدق (ال يعقوب) بالخير، وليصيبهم من النعيم الشيء الكثير.

بالمقابل الإنسان معروف بنكرانه للجميل والمعروف، وهذا ما حدث مع اولاد حمير وقومهم، فقد سعى اولاد يعقوب وبفعل قصدي بشجن غارة على (الرحال)، وقتل اولاد هذه القرية جلهم، وازواج بناتهم –بنات يعقوب-، لكن بناته بعكس اباهم وقبيلتهم، فكن زوجات صالحات، ووقفنا بالضد من اعمال قريتهم، وغادروا الى بابل، حزناً على ازواجهن ابناء (حمور).

(ابناء يعقوب) استمروا بمزاولة قطع الطريق ونهب الخيرات من الرحالة من (بابل/كنعان)، حتى خرج الأمير الأمبراطور (نبوخذ نصر) كان لهم بالمرصاد.

الذي دمر(اورشليم)، واسر الكثير من اليهود واسكنهم بابل، والأفادة منهم في حملات العمران، ومنهم من انتظم ووظف ولاءه، والآخر امتنع، ومنهم كانوا مخربين،واتفقوا مع اعداء الأمبراطورية البابلية للتخريب ونجحوا في ذلك.

ومانقلته الرواية هو حقيقة تأريخية، ابتعدت عن التزيف والتلوين، وهي حكاية قديمة معروفة عند الكثيرين، انطلق خيال الروائي الى استثمارها واحياء قصتها بلغة سردية مفهومة، ابتعدت عن التورية والمواربة والترميز.

افاد (محمود سعيد) من ثقافته، التي نتلمسها عند القراءة في نسج خيوط شبكية متنه السردي.

اضيف، بإن الذكاء في الكتابة، بمعنى اننا نعلم بإن السرد التاريخي يحمل جانباً من الملل، لذا نجده وظف مداخلات بلغة الفكاهة، وصاغ الرواية اغلبها بلغة ايروتيكية مباشرة وصريحة، تحمل جانباً من التابو المباشر، وهي قصدية وظفها لأزاحة جانب السرد التاريخي الممل، على الرغم من طول المتمن السردي (680) ورقة، الأ أننا نلتمس انزياح الرتابة التقليدية في الكتابة .

 

بقلم: وسن مرشد

 

 

مادونا عسكرقراءة في قصيدة "ماذا جنيت من الهوى" للشّاعر المصري إبراهيم الشّافعي

- النّصّ:

ماذا جنيْتُ منَ الهوى

إلَّا الشقاوةَ والنَّوى

والجَمرُ بينَ الأضلعِ

فوقَ الضلالةَ قد غوى

يا سائلي عن مهجتي

عن خافقي عمّا حوى

فيه السِّقامُ ولوعتي

غابَ الطبيبُ كما الدوا

لمَّا بدا من ناظري

سارَ الحبيبُ إذِ انزوى

طال العتابُ ولامني

كلُّ الذي قبلي هوى

ولقد تركتُ مُعاتبي

ما ذاقَ مثلي وارتوى

لو ذاقَ يوماً شهدهُ

ما حجَّني حتَّى اكتوى

يا سائلي عمّا جنى

قلبي جنى ما قد روى

- القراءة:

"قُل لِلّذِينَ تقدّمُوا قَبْلي، ومَن

بَعْدي، ومَن أضحى لأشجاني يَرَى؛

عني خذوا، وبيَ اقْتدوا، وليَ اسْمعوا،

وتحدَّثوا بصبابتي بينَ الورى" (ابن الفارض)

في حركة دائريّة ضمنيّة صاغ الشّاعر إبراهيم الشّافعي قصيدة تحمل في طيّاتها نفساً صوفيّاً سائراً باتّجاهين، الأوّل مخاطبة النّفس كنوع من التّأمّل في الحالة العشّقيّة، والثّاني باتّجاه الآخر المراقب للحالة أو المتحيّر منها. فتشكّلت دائرة القصيدة من خلال افتتاحيّتها بحديث النّفس (ماذا جنيْتُ منَ الهوى/ إلَّا الشقاوةَ والنَّوى) واكتملت بتوجيه الخطاب للآخر (يا سائلي عمّا جنى/ قلبي جنى ما قد روى). لكنّ الدّائرة مكتملة ظاهريّاً في القصيدة وغير مكتملة في قلب الشّاعر. فحديث النّفس والتّأمّل في حالة الشّقاء الّتي بلغها بفعل الهوى لا تنمّ قطعاً عن بلوغ ارتقاء صوفيّ معيّن أو بلوغ مقام علويّ يؤكّد ولوج الشّاعر في قلب الحقيقة العشقيّة. فالهوى والشّقاوة يتعارضان في البيت الأوّل ولا يتّصلان ليبلّغا تمام المعنى. فيبدو للقارئ وكأنّ الشّاعر يرثي حاله غير متلذّذ بعذوبة الهوى والعشق. إلّا أنّه يستدرك القول في البيت الآتي: (والجَمرُ بينَ الأضلعِ/ فوقَ الضلالةَ قد غوى) ليعبّر عن حرقة الشّوق والتّوق. لكنّ هذا الاستدراك لا ينفي التّحيّر الضّمني الّذي يختلج به قلب الشّاعر. فهو إمّا يستحضر الحالة الصّوفيّة من أعماقه، وإمّا يصف ملامحها من الخارج. فيستقطع حديث النّفس وينتقل مباشرة إلى الحديث مع سائله، ما يضعف وصف الحالة المرتبطة بالعذاب لا بالألم الصّوفيّ النّاتج عن الشّوق الّذي يضيق به صدر المتصوّف. إنّ الانتقال المباشر من التّأمّل الذّاتيّ إلى مخاطبة السّائل ترجَمَ رؤية الشّاعر الخارجيّة للحالة الصّوفية. فوكأنّي به يتوق إلى الحالة العشقيّة الفطريّة، مريداً إيّاها ومجتهداً في إدراكها. فبانتقاله من الذّات نحو الآخر قطع على الحالة تدرّجها وارتقائها، ما يعيق التّوغّل في التّأمّل عميقاً حتّى بلوغ هذه الحالة.

يا سائلي عن مهجتي

عن خافقي عمّا حوى

فيه السِّقامُ ولوعتي

غابَ الطبيبُ كما الدوا

لقد استخدم الشّاعر مصطلحات ترسم شكلاً من أشكال الحالة الصّوفيّة، لكن غاب عنها عنصر الدّهشة الصّوفية. (الهوى/ الحبيب/ السّقام/ اللّوعة...) إنّ دهشة المتصوّف عنصر أساسيّ في القصيدة أو في التّعبير عن العشق، لأنّها لا تصف الحالة وحسب وإنّما تلوذ داخلها وتُحدّث بها بجماليّة خاصّة تحرّك روح القارئ وتحلّق بها. فلو تأمّلنا قصيدة ابن الفارض (زدني بفرط الحبّ فيك تحيّراً) وجدنا عمق الألم الصّوفيّ المرتبط برؤية الجمال. فيمزج ابن الفارض الألم بالجمال إذ يقول:

إنّ الغَرامَ هوَ الحَياة ، فَمُتْ بِهِ

صَبّاً، فحقّكَ أن تَموتَ، وتُعذَرَا

ثمّ يتابع ويقول:

ولقدْ خلوتُ معَ الحبيبِ وبيننا

سِرٌّ أرَقّ مِنَ النّسيمِ، إذا سرَى

الغرام هو حالة العذاب الشّديد بيد أنّ عبارة (سرّ أرق من النّسيم) بيّنت جلال المشهد وعذوبة العذاب. ما غاب عن قصيدة الشّاعر إبراهيم الشّافعي. إذ حضر العذاب ووصفه وانتفى الشّفاء منه دون ارتباطه برؤى خاصّة تبيّن عذوبة الألم العشقيّ. لكنّه يعود مرّة أخرى مستدركاً الحالة قائلاً:

ولقد تركتُ مُعاتبي

ما ذاقَ مثلي وارتوى

يلتمس الشّاعر العذر للنّاظر إليه أو المتحيّر من أمره، فحالة الارتواء الّتي تخلقها الحالة العشقيّة نتيجة ألم الشّوق لا يشعر بها إلّا الّذي مرّ بذات الاختبار العشقيّ. ولا بدّ من الإشارة إلى ضرورة الاختبار الشّخصيّ العميق في صياغة التّعابير الصّوفيّة حتّى لا تبدو متكلّفة ومتخيَّلة، فتنحصر جماليّة المعنى في الألفاظ والتّعابير دون أن تخترق الرّوح وتلزمها التّحليقُ عالياً.

لو ذاقَ يوماً شهدهُ

ما حجَّني حتَّى اكتوى

يلاحَظ في هذا البيت أنّ الشّاعر استخدم فعل (حجّ) أي قصد أو زار. ولا ريب في أنّ الشّاعر لم يرد الوقوف على المعنى الظّاهري للفعل بل أراد منح البيت طابعاً قدسيّاً. إلّا أنّ فعل (حجّ) يعود إلى الشّاعر، فهل أراد التّعبير عن حالة تتأرجح بين الخطو نحو الحالة الصّوفيّة أم أنّ النّاظر إليه انجذب وتحيّر وسأل؟

ارتسمت القصيدة بشكل دائريّ، كدلالة على الطّواف الصّوفيّ لكنّ الشّاعر ظلّ ثابتاً في مكانه مكتفياً بالنّفس الصّوفيّ مفتقداً للاختبار الشّخصيّ. فالقصيدة الصّوفيّة تستلزم اتّجاهاً عموديّاً وأفقيّاً، عموديّاً نحو العلو وأفقيّاً نحو العمق. فالشّاعر اكتفى بالاتّجاه الأفقيّ دون جذب المتلقي إلى حيث دوائر العشق ترتقي وتبلغ المقامات الّنّورانيّة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

صالح الرزوقلم يترك الدكتور حسين سرمك حسن شيئا لم يتكلم عنه حول الظاهرة الغزلية في عشقيات يحيى السماوي، وكان من أهم إنجازاته توضيح العلاقة بين الهيام الجنسي ومعنى المحنة الوطنية. لكن برأيي لم يتكلم عن الخط العريض الذي يفصل بين مستويين من هذا العشق المتوله بالنساء السومريات.

الأول يفيد وعي المأساة. فقد كان السماوي مسلوب الإرادة أمام نسائه، لا يمتلك نفسه ولا حريته. يقول بهذا المعنى:

وأتعبني السؤال الصعب

كيف غدوت في ذل على كبر؟. ص 57.*

ومثل هذا الإحساس بالعجز لا يجرح الرجل فقط ولكن يضعه أمام صورة مكسورة. وكتعويض عن هذه الإهانة تعامل مع المرأة كأنها دمية مهشمة، وأسرف في تقطيع أوصالها، فوصف النهد الحريري، والساعد البض، والحلمة الزهرية، كجزئيات مستقلة وليس كجزء من كل، وكأنه ينوب عن الأب بقتل الأم والانفراد بالسيادة. وبرأيي هذا السلوك هو جزء من رواسب الكراهية التي يكنها الرجل للعصر الأمومي وتعدد الأزواج. ويمكن قراءة ذلك بسهولة في تكرار مفردات وصيغ نداء معينة تعبر عن قلق العاشق وخوفه من ذلك الماضي.

وبودي أن أذكّر هنا بحالة مي زيادة. فهي، من منطق سيرة ذاتية، تشبه تآمر الأزواج على الزوجة التي تستعبدهم بجمالها وإغراءاتها، وإيداعها في مصحة الأمراض العقلية. ويقابلها في العصر البطريركي تآمرالأبناء على الأب للإستحواذ على الأم. والمثال على ذلك رواية الكونت دي مونت كريستو لإسكندر دوما الأب. في كل هذه الحالات يتكرر النمط وهو التضحية بجدار قانون الواجب والأخلاق في سبيل الحق الشخصي بالمتعة والسعادة والثروة. وكذلك هو الحال في غزليات السماوي.. إنها غرام وانتقام، يبدأ بالطلب والنداء، وينتهي بالقضم والالتهام. لذلك يغلب اللون الأحمر على صفات النساء في كافة قصائد المجموعة (كالجمر والجلنار والزبرجد والنبيذ والياقوت). وينظر الشاعر للمرأة على أنها شيء يؤكل ويمكن هضمه: فهي تفاحة وسفرجل ولوز وهلم جرا...

70 yahiaasamaw1550

المستوى الثاني ويفيد معنى الوعي بالذات. فإدراك أبطال القصائد لمعنى الرجولة يقود لتطويره من ميتافيزيقا عاطفية إلى مبدأ نيتشوي عن القوة والتسلط. وغالبا ما يترافق ذلك مع شحنة ليبيدو عالية. ويكون الرجل في هذه الحالة بوعي تدميري وجاهزا للانبهار بإدراك ذاته. ولذلك تنتقل صفات المعشوقة أو الحبيبة من إدراك البصر إلى إدراك التخيل. وبلغة مباشرة، تتحول المحاكاة أو ذاكرة القياس وإنتاج التكرار إلى تجريد ترميزي يكون فيه لمنابع الرغبة تصورات ذاتية. ويعبر السماوي عن ذلك بسلسة من الاستعارات كقوله عن الفرج إنه المنحدر أو تقاطع السفوح أو الأخدود. ويدعم تصوراته بمجموعة من الصور الأسطورية كالبراق والغمر والطوفان وسفينة نوح وكلها تراكيب تدل على شيء واحد.. وهو الجانب السحري والإعجازي لمعركة الإنسان من أجل البقاء. وكلما وصلت إلى هذه التعابير عند السماوي أتذكر بكل جلاء (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح. فالعاشق كان مسلحا بقوته البدنية وبخنجره. وكلاهما يدل بقوة على الإيلاج وإنهاء عصر البكارة. وهذه هي النهاية المفيدة في غزليات السماوي. فإذا كان مطفى سعيد بطل الطيب يقتل حبيبته خلال ممارسة الغرام بالخنجر، فإن بطلة قصائد السماوي تتمنى هذه النهاية الدامية. وتهيب بالشاعر أن يسرع بذلك. وتقول له:

فاغرس الخنجر أنى شئت

في ظهري أو صدري

سيان

أيخشى وجع الطعنة

مقتول ذبيح؟..ص 77.

وإذا كانت علبة المعاني عند السماوي تحتمل أكثر من تفسير، فهي تعادل وتساوي بين المرحلة الأوديبية والمرحلة الشرجية، لكن لا يستطيع أحد أن ينكر أنها جاءت بمعنى الحرمان والتجويع وفي إطار غزل استعلائي. حتى أن السماوي في معظم الحالات يسترحم ويستعطف محبوباته، ويبدو لي مثل نسخة من دون كيشوت، وهو يهرول خلف حبيبته الوهمية ويستجديها ولو قبلة.

يقول في قصيدة (استجداء):

ظامئا جئتك

أستجدي زهور اللوز في واديك

شما

وندى ينبض ثغري

المستجير. ص 65.

ثم يضيف:

فاسقني منك

ولو

كأس زفير. ص 65.

ويتابع قائلا:

فأطعميني صحن لثم

إنني بت قنوعا

جشعي لا يتعدى شفتي. ص 123.

وهو، مثل أي فارس حالم، يعاني من انفصال الأنا و تغربها. وكان، بلغة هابرماز، ميدانا لصراع الحق (الذات) والأخلاق (المجتمع). ولكن هذه اللغة التي تدل على التحرش سرعان ما تخمد. ويجب أن نقرأ الخمود على ضوء تبدل اتجاه اللغة والمعرفة والفعل. وبكلمات هابرماز أيضا: بضوء الانتقال من لغة عملية ذاتية إلى طور سلوك كهولة. فالفعل (الأداة الثالثة في تجسيد هوية الأنا) يدخل في مرحلة تعطيل وجمود، ويحل محل الواقع نشاط يشغله التمني والتخيل. وكما ورد في العنوان: إن النار الملتهبة تتحول إلى رماد بسبب العمر وخيبات الأمل وما يتبعها من إحساس باللاجدوى والعبث. وربما هذه هي النهاية المنطقية لرجل كان مخمورا برجولته وشبابه. إنه يستيقظ من وهم القوة وينتبه لضعفه وللفجوة التي تستشري فيه.

إن لشعرية السماوي خطا لا تحيد عنه. وهي على شاكلة عمود الشعر العربي تتكون من أطوار ومراحل. ويمكننا أن نحصي منها ثلاث حلقات متكاملة:

الأول مديح الذات واستعراضه لعضلاته ومزاياه أمام المحبوبة.

الثاني التلصص على غواية المؤنث وينابيع اللذة.

الثالث والأخير الإحساس بالندم والترنم بنغمة يشوبها طلب المغفرة والتعافي من الذنوب. وهذه النقطة كما أرى نقطة توازن، أو بلغة هنري ميلر إنها شك بمخيلة يمكن أن نتصالح عليها. وعدا عن أنها ذاكرة فهي كذلك صراع ضد الأغلال البشرية وخطة لمشروع من أجل الانعتاق للتحرر من صخرة الخطيئة وذيولها ص 16. وقد اتخذ أحيانا إجراءات احترازية تفيد معنى التبرئة من الخطيئة، فخص معشوقة واحدة بنزواته كما في قوله:

إني عبدتك لكن دون معصية. ص 19.

وقوله:

معصومة الماء إلا من نزقي. ص 23.

وكأنه يريد أن يمهد لمعنى الخطيئة الشريفة. ويمكن قراءة ذلك على وزن اللص الشريف أو قاطع الطريق الأخلاقي. ولكنه يختلف عنه بنقطة جوهرية.. أنه يخدم ذاته بينما اللصوص الشرفاء يخدمون طبقتهم. ولذلك إن تمرده على الأعراف مجرد عبث ونزوة بينما تمردهم تلبية لمشاعرهم بالظلم والحرمان، وتلويح الطبقة الضعيفة بالانتقام من الطبقة الأعلى (إذا شئنا استعمال مفردات وعناوين جلال فاروق الشريف مؤلف: الشعر العربي الحديث، الأصول الطبقية والتاريخية).

تبقى نقطة هامة جدا عن اللغة والتراكيب.

إن الإشارات المتكررة للحضارة السومرية ثم لبلاد ما بين النهرين لم تصمد أمام مقارنة إيقاع القصائد مع شعرية وبناء أناشيد الآلهة والكهان. فنشيد هبوط إنانا إلى العالم السفلي يختلف في بنيانه عن كل قصائد المجموعة. وبكل سهولة تعلم أن يحيى السماوي لا يدين للحضارات الميتة بشيء. ولكنه يبني مشروعه بوحي من الظواهر الصوتية لعرب قريش، ثم ما تمخضت عنه في لغة القرآن من مجاز وبلاغة تضع أدوات التحذير والتنبيه في مكانة أعلى من أدوات التخويف والترهيب.

ويمكن أن نستنتج من هذه الحقيقة الملاحظات التالية:

1- الضغط على الجانب الأسطوري لشخصية وردت مرارا وتكرارا في القصائد وهي إنانا، وإضفاء صفات لاهوتية عليها لتبدو وكأنها من حوريات الجنة. وفي موضع آخر وضع الشاعر إنانا بمكانة شهرزاد، وساوى بينها وبين النساء الخائفات من سيف الجلاد ومن سلطة الدكتاتور ونزواته. وإن تدجين إنانا حرم القصائد من العاطفة الحضارية ووضعها في عداد ثقافات الشعوب الجريحة. ولنضع خطا تحت هذه العبارة. فهي تدل على وعي ذاتي بالهوية ولكن ليس على إدراك معرفي بالانتماء ومقوماته.

2- ومثل هذه الظواهر تساعد على شحن الإنسان بعواطف مصدرها اللاشعور، أو الانتباه للنقص في الغايات. ولا أقول العصاب الجماعي، فقد ألغته جمعية أطباء علم النفس الأمريكيين من لائحة الأمراض السريرية. وينجم عن ذلك إشكالات فردية لا يستوعبها المجتمع: مثل الزهو والماشيزمو والنرجسية والاستغراق بالذات ككل الأطفال في بواكير أيامهم. وهذه واحدة من الصور النموذجية للعاشق المتيم.

3- أخيرا هيمنة الفكر الواحدي بالبنية والتراكيب أو فرض واحدية الذات الشعرية على تعددية الرموز. وكمثال على ذلك شخصية إنانا أيضا. لقد فقدت خواصها الأسطورية كإلهة متعددة القدرات وأصبحت مثالا لليبيدو أو واهبة للمتعة البدنية.

وعلى ما يبدو لي إن المشروع الشعري ليحيى السماوي يفترض أو يتعمد هذه الإجراءات الفنية. فهي تساعده على التعبير عن أزمته مع الحرية وعن أزمات بلده مع الوجود. فالمعاناة عند عاشق محروم وممنوع لا تختلف عن معاناة بلد يسقط على سلم الحضارة. وهو موضوعه الأساسي. وهذه الفحولة المبالغ بها تتماهى مع رجولة الدكتور العجيلي في كل أقاصيصه القومية. إنه ينتقم لذاته الجريحة في مخادع النساء ولكنه دائما مستعد للبكاء في ساحات وميادين المعارك. ويختصر هذه الفكرة في واحدة من أجمل وأعذب قصائد المجموعة وهي (من أقصى المقلتين حتى أقصى القلب) فيقول:

لا عيب في البستان

لكن

حارس البستان عاق. ص 107.

 

د. صالح الرزوق

......................

*الإشارات والشواهد الشعرية كلها من مجموعة (تيممي برمادي) الصادرة عن مؤسسة المثقف في سيدني، استراليا - دار تموز بدمشق في عام 2018.

 

عدنان حسين احمدسردية بصرية تحتفي بالمنحى الاجتماعي وصراع الأجيال

ينطلق فيلم "واجب" للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر من تقليد اجتماعي يعرفه سكّان مدينة الناصرة تحديدًا وبقية المدن الفلسطينية مفاده إيصال دعوات الزفاف إلى كل الأقرباء والأصدقاء والمعارف وتسليمها باليد كما تقتضي الأعراف الاجتماعية المتّبعة منذ زمن بعيد. وبما أن الفيلم اجتماعي بإمتياز فلاغرابة أن تتسيّد القصة السينمائية، ويطغى الحوار الذي يبدأ هادئًا، ومرحًا، ومطعّمًا بلمسات فكاهية ساخرة تجعل إيقاع الفيلم سلسًا، عفويًا، ومنسابًا ليكشف في خاتمة المطاف عن الأداء المُبهر للشخصيتين الرئيسيتين اللتين تقاسمتا البطولة وكأنّ الابن القادم من مغتربه الإيطالي ندّ لأبيه المتشبت بمدينته التي يراها أجمل مدينة في العالم. لا تستغني الأفلام الروائية عن "الحدّوتة" أو القصة، إن شئتم، فهي أشبه بالنسغ الصاعد من جذور الشجرة إلى جذعها وكل أغصانها المتفرّعة. فما هي قصة هذا الفيلم الدرامي الذي يستمد مادته من صراع الأجيال، وعلاقة الابن بأبيه، وبوحهما التدريجي الذي يحرّك رواسب الماضي، ويثير الهموم والأشجان الراهنة، ولا يجد حرجًا في القفز إلى المستقبل القريب في أقل تقدير.

يعتمد جوهر القصة الرئيسة على عائلة فلسطينية صغيرة تتألف من الأب "أبو شادي" الذي جسّد دوره بإتقانٍ شديد الفنان القدير محمد بكري، و الابن "شادي" الذي أدّى دوره الفنان الموهوب صالح بكري، وشقيقته "أمل" التي لعبت دورها الممثلة ماريا زريق وأجادت فيه. أما الأم داليا صلصال فقد هربت مع عشيق لها واستقر بها المقام في أميركا تاركة زوجها وعائلتها نهبًا للتشظّي والعزلة الفردية على الرغم من الحياة الاجتماعية التي تضجُّ بها مدينة الناصرة. ما يجمع هذه العائلة الصغيرة هو توزيع دعوات الزفاف التي استدعت المهندس شادي أن يعود من منفاه الأوروبي تاركًا هناك عمله، وحبيبته ندى لكي يساهم في تأدية هذا الواجب الاجتماعي الذي لا مفرّ منه.

فيلم طريق

يمكن تصنيف فيلم "واجب" كنوع من أفلام الطريق الداخلية، وليس الخارجية كما جرت العادة، فالأب والابن يطوفان طوال نهار كامل في شوارع مدينة الناصرة كي يسلّما باليد 340 بطاقة دعوة، وقد اكتفت المخرجة وكاتبة السيناريو آن ماري جاسر بخمسة عشر مشهدًا جسّدت فيها فكرة الفيلم برمته، أما بقية المَشاهد فقد توزعت على الحلقة الضيقة لأفراد الأسرة وأقاربها وبعض الأصدقاء الحميمين ومنها مشهد تجريب فساتين الزفاف على جسد العروسة، والحوارات المنفعلة التي أخذت تتصاعد بين الأبن وأبيه، ولقاءات شادي مع الفتيات الطامعات بزواجه، وما إلى ذلك من مشاهِد تؤثث متن القصة السردي والبصري.

لا يمكن الحديث عن شخصيات الفيلم الرئيسة من دون إدراج الناصرة ، فهي لم تحضر كخلفية لقصة الفيلم، وإنما كشخصية أساسية ببيوتها، وأرصفتها، وشوارعها، وأزقتها الضيقة. ومن الطبيعي أن ينتقدها الابن شادي، المهندس المعماري القادم من روما ذلك لأنه تشرّب بالثقافة الإيطالية، وتطبّع بالقيم الأوروبية ولم يعد يأبه بفكرة الفتاة التي تعيش مع صديقها قبل مرحلة الزواج بحجة أن الدنيا قد تغيّرت، وأن القيم القديمة قد اهتزت أمام مفاهيم العولمة الجديدة. وإذا كان الابن يعيش مع ندى في منزل منفصل فلن يجد غضاضة في أن تعيش فتاة فلسطينية مع حبيبها. الانتقادات لا تقتصر على منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية وإنما تتعداهما إلى انتقاد مظاهر التخلّف في المدينة مثل تكدّس النفايات، والزحمة المرورية، وشجار المواطنين في الأماكن العامة، وسواها من الظواهر السلبية التي تعجّ بها المدن الفلسطينية.

صراع الأجيال

لا شك في أن ثيمة الفيلم الأساسية حسّاسة، وذكيّة، وجريئة فهي لا تقتصر على العلاقة بين الأب التقليدي في كل شيء بدءًا من مظهره الخارجي، مرورًا بالأكلات والمشروبات الفلسطينية التي يحبّها، وانتهاءً بذائقته الغنائية والموسيقية فهو لا يحب إلاّ المغني الشعبي فوزي بلّوط وسوف يدعوه لإحياء حفل زفاف ابنته. أما الابن شادي فهو شاب معاصر في سلوكه، وطريقة تفكيره، وحريته التي يعتبرها البعض منفلتة حين يرون بنطاله الأحمر، وقميصه الزهري، وشعره الطويل المُثبت في مؤخرة رأسه على هيأة كعكة، وأكثر من ذلك فهو لا يأبه بالمثليين أو الفتيات المنفتحات اللواتي يعشن مع عشاقهن على وفق النمط الأوروبي الذي يندرج في إطار الحريات العامة التي يحميها القانون. لم يعتد شادي على اللف والدوران، فهو صريح ومباشر في كل شيء، ويسمّي الأشياء بمسمياتها، أما الأب فلا يجد ضيرًا في الكذب كما حصل في أثناء زيارتهما لمنزل "أبو رامي" الذي سبق وأن أخبره ذات مرة بأن ولده شادي يدرس الطب في أميركا، بينما هو مهندس معماري في إيطاليا. وحينما وضعه "أبو رامي" في موقف محرج اعترف الأب بأنّ ولده يحب التغيير والتنويع، فقد بدأ بدراسة الطب لكنه سرعان ما غيّر اختصاصه إلى الهندسة المعمارية. مثل هذه الأكاذيب "الصغيرة أو البيضاء" قد تكررت غير مرة على مدار الفيلم وكانت تثير استغراب ابنه على الدوام فبينما كان الأب في مواجهة محل دمى أعياد الميلاد كان يتحدث لأبي ندى في روما عن شجرة برتقال، وجبال فلسطينية تغطّيها الأشجار الخضراء بينما لم تكن أمامه سوى بيوت خربة تتخللها شجيرات مهجورة.

لم يكن هروب أم شادي مع عشيقها إلى أميركا هي الانعطافة الوحيدة في الفيلم، وإنما هناك شخصية روني آفي "الشاباك" الذي يتجسس على المعلمين، وينقل أخبارهم إلى الوزارة، وأنه كان السبب في استدعاء شادي إلى التحقيق وما إلى ذلك من أحداث مؤرقة. ومع ذلك فإن الأب يريد دعوته لحفل الزفاف، بينما يعارض الابن هذه الفكرة جملة وتفصيلا.

لقطة جريئة

ينطوي هذا الفيلم على مفاجآت ضرورية تكسر إيقاعه كلما أوغل في السياسة، والاحتلال، والقضايا الاجتماعية الحسّاسة، فحينما يسلّم نورا "ربيكا إزميرالدا تلحمي" بطاقة الدعوة تغريه بالدخول إلى المنزل وتحاول أن تعانقه لكنه يسقط على الأريكة بعد أن طبعت قبلة خاطفة على شفته السفلى ولوّنتها بأحمر الشفاه الذي سيثير تساؤل والده واستغرابه. يزدان سياق الفيلم بمواقف طريفة أخرى، فالأب كانت له علاقة قديمة بجورجيت "زهيرة صباغ" تعود إلى أيام الدراسة، وقبل أن يغادرها تُذكِّره بأنه صار يعرف عنوان البيت ويمكنه أن يعيد طبق الحلوى الفارغ الذي منحته إيّاه مملوءًا. كما كان الأب يلفت عناية ولده إلى العديد من الفتيات الجميلات اللواتي رآهنّ علّه يختار واحدة منهن ويتخلى عن ندى التي يعتقد أنها لا تنتمي إلى البيئة الفلسطينية القريبة إلى نفسه.

لا تنحصر الشجارات بين الابن وأبيه فقط، وإنما تمتد إلى صاحب المطبعة الذي صمم بطاقات الدعوة وأخطأ فيها، ولابدّ أن يتحمل مسؤولية تصحيحها، وإعادة طبعها من جديد، وحينما يتفاقم الأمر يتحلّقون حول طاولة مستديرة ويشرعون بتصحيح البطاقات المتبقية لديهم لأنهم قد وزّعوا قسمًا منها إلى المدعوّين.

الإحساس بالعزلة

على الرغم من إدعّاء المخرجة آن ماري جاسر بأنّها لا تُحبّذ توجيه الرسائل إلى متلّقيها لكنها تتسرّب من دون إرادتها، فالسياسة، ومواطنوا، الداخل والخارج، وفلسطينيو الـ 48، والتعايش مع المحتل الإسرائيلي، والتمييز بين اليهودي والصهيوني وما إلى ذلك من أفكار وقضايا ملحّة تجد طريقها إلى نسيج الفيلم الذي لا يستطيع أن يتفاداها وهي التي تفضي بالأب إلى ذروة توتره حين يرى الابن في "روني" مُخبرًا سريًا يتجسّس على المعلّمين والتلاميذ الفلسطينيين، بينما يراه الأب صديقًا حميمًا يؤازره لأنه يريد أن يصبح مديرًا للمدرسة ذات يوم. ومن بؤرة التوتر بين الابن وأبيه تنبثق الثيمة الرئيسة التي تتكئ عليها قصة الفيلم ويمكن اختصارها بالجُمل الآتية:"يمكن أنا مش بطل، بس أنا كان عندي عيلة أرّبيها، وأعلّمها، وأطعميها. أنت تعرف أنا شو عملتْ علشان أنت تعيش مرتاح؟" فيما يرى الابن عكس ذلك تمامًا، فهو غير راضٍ بالحياة في ظل الاحتلال الذي يفرض على الفلسطيني أن يأخذ إذنًا حتى حينما يتنفس! ولذلك بدا الابن أكثر مقاومة للمحتل حتى من خلال نظراته الشزرة للجنود الإسرائيليين الذين جاءوا إلى مطعم الفول والفلافل الذي صادف أن يأكلان فيه، فهم على حد قول الأب "يحبّون الفلافل التي يصنعها الفلسطينيون". يفترق الابن عن أبيه إثر هذه المشّادة الكلامية وقبل أن يصل إلى البيت يناديه صديق قديم ويسرد له محبة والده الكبيرة فتغرورق عيناه بالدموع. وفي الوقت ذاته تجيش مشاعر الأب الذي يفكر بابنه الذي سيغادر قبل أعياد الميلاد، وابنته التي ستتزوج من خطيبها فراس في غضون شهر تقريبًا بينما يتقوقع الأب في خانق عزلته الذاتية رافضًا مُداعبات جورجيت طنّاس وإغراتها العاطفية الصريحة.

تتبدد خشية الجميع حين يخبر شادي أباه بأن زوج أمه قد فارق الحياة، وأن العقبة الوحيدة التي كانت تحُول دون حضور الأم قد زالت، وأن اشتراطات العرس بالنسبة لأمل قد أخذت طريقها إلى الاكتمال.

على الرغم من أهمية السيناريو ورهافة الرؤية الإخراجية لآن ماري جاسر إلاّ أن أداء غالبية الممثلين كان سببًا آخر لنجاح هذا الفيلم، فقد حصلت المخرجة على جائزة أفضل فيلم في مهرجان دبي السينمائي الدولي، فيما تناصف البكريان جائزة أفضل ممثل، أما الأداء المتفرِّد للشخصيات المؤازرة فقد كان لافتًا للنظر لأنهم ممثلون محترفون وأصحاب خبرات طويلة مثل مكرم خوري، وطارق قبطي، ورنا علم الدين التي كانت الأخفّ ظلاً بين الطاقم النسوي للتمثيل.

جائزة الأوسكار

أنجزت آن ماري جاسر خلال رحلتها الفنية 12 فيلمًا بينها ثلاثة أفلام روائية طويلة وهي "ملحُ هذا البحر" 2008، و "لمّا شفتك" 2013، و "واجب" 2017 ورُشحت جميعها لجوائز الأوسكار لأفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية. كما أنجزت تسعة أفلام وثائقية وقصيرة نالت عنها العديد من الجوائز المحلية والعالمية. وليس من المستغرب أن تحصد الأوسكار ذات يوم لأنها تتمتع برؤية إخراجية مرهفة، وتمتلك خبرة واسعة في إدارة الممثلين، والأهم من ذلك كله أن أفلامها تحقق المتعة الفنية، وتُثير الأسئلة لدى المتلقين، وتوفر لهم فرصة نادرة للمرح، والاسترخاء، وإعمال الذهن.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

جمعة عبد اللهيتميز الكاتب، في ابداعه الروائي، الاهتمام بأدق التفاصيل في داخل، المنظور الروائي، ان تكون له امتدادات في زمكان، من الواقع الاجتماعي والحياتي، لحقب سياسية متعاقبة توالت على، العراق، ان، يملك المتن السردي، صياغة بليغة في الايحاء والرمز، التي تكشف فعلياً واقع الحال الملموس والظاهر، في مجريات الاوضاع العامة، وجعلها غربلة سياسية لتصفية حسابات قديمة . في محور نفس الشخصيات، التي تتناوب بالظهور في عدة، روايات للاديب، بأشكال وصيغ وانماط مختلفة في النص الروائي. وهذه الرواية. هي تتناول السيرة الحياتية في امتداد الماضي والحاضر، وتعايشها في بيئة غير البيئة العراقية (موسكو)، ولها، ارتباطات عميقة بوشائج، الوطن . وشخصية (خالد) سيطرت التي ادارة دفة المنظر الروائي الروائي السارد، الذي، كشفت بادق التفاصيل، سيرته وتعايشه، في الغربة والاغتراب ومعاناته، وهي، جزء من معاناة، الكاتب نفسه، او بالمعنى الادق حياة ومعاناة الكاتب خلال تواجده في، الغربة في روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقاً) . لقد تعامل بالكشف عن ابسط التفاصيل الحياتية والمعاشية، التي عايشها، واشبعته مرارة ومعاناة موجعة . اي انه بمثابة انتقال من النظام الشمولي، الى النظام الشمولي الاخر، نظام، تحركه خيوط، جهاز الامن والمخابرات في الدولة (كه غه بي)، وقد تجرع العلقم من اجراءاته المتعسفة والظالمة، ، خلال تواجده في (موسكو). في نظام منخور في الفساد الاداري والرشوة والبيروقراطية، ومن خلفها الارهاب الفكري، والفساد الروحي والاخلاقي . ان يجد المواطن، نفسه واقع، في حفرة كبيرة، تترصده وتراقبه بعدساتها اللاقطة، حتى تدخل القلق والخوف في وجدانه، بأن للجدران أذان وعدسة لاقطة تراقب انفاس المواطنين، ولم يعد للمواطن سبيل ومخرج، ضمن نهج الترهيب والترغيب . رغم الديكور البراق المزيف. في هالة دولة القانون والديموقراطية، كان في البداية (خالد) الذي انتهزفرصة البعثة الحكومية، ليفتش عن اية وسيلة وطريقة، للبقاء والسكن والدراسة والعمل . حتى لا يرجع الى الوطن ويقع في عواقب وخيمة، تهرصه هرصاً، كما وقع ابيه في حالة ابتزاز في ارغامه على، بيع بيته عنوة، من قبل، امين العاصمة لبغداد (آنذاك) في الاستحواذ على البيوت المجاورة، في ارغام اصحابها على البيع، وعندما رفض صفقة البيع، بادر امين العاصمة في اطلاق الرصاص عليه . ولم تسجل دعوة قضائية، خشية من العواقب الوخيمة، وكانت اصابته غير قاتلة، لذلك جهد (خالد) في الانفلات من الرجوع الى الوطن، بحجة مواصلة، الدراسة، الجامعية، في موسكو، حتى اجتهد في اكمالها، وحصل، على وظيفة عمل في دار النشر التابعة للدولة، بوظيفة مترجم . وحصل على اقامة وسكن، وتعرف على (ستالينا) وارتبط بعلاقة حب معها، وكانت صادقة ووفية له في عواطفها العشقية، وتيقنت بأنها، وجدت فارس احلامها المناسب لها . وكان يبادلها نفس التفكير والشعور، والمرام، بالاقتران بها، سيمنحه، البقاء الدائم والعمل والاقامة ويفلت من شبح الرجوع الى الوطن، ولكنه غير بوصلة حبه وعلاقته، ، في الارتباط، بفتاة اخرى (ليلى) رغم ان (ستالينا) حاولت ان تمسك به بكل عواطفها ومشاعرها الوجدانية لكنها فشلت في ذلك، حتى اجهضت منه . لان، حالته غير مستقرة ومضطربة بفوضى الارتباك، ، او انه في حالة نفسية تجعله مشلول في اتخاذ، القرار في، العلاقة وتطورها ابعد من ذلك، مما اثر في خفوت علاقة، الحب والصلة وخسرها من حياته، رغم انه يشعرتجاهها، بالاحساس بالذنب والتقصير، . لذا انفصل عنها وارتبط مع حبه الجديد مع (ليلى)، كأنه وجد ضالته المنشودة التي يبحث عنها، في زحام حياته المضطربة، وتيقن بأنها ستخفف وطئة الغربة والاغتراب، وهاله جمالها الفاتن، الذي انجذب اليها .، بشعرها الطويل الاسود، وعينيها السوداويتين الواسعتين، وبشرتها البيضاء الوردية، وصدرها العرم . ووجد بها، الوسيلة التي تشبع عواطفه، ، ويفلت من الرجوع الى، الوطن بالزواج منها، . من اجل تخفيف، عناء الغربة والاغتراب واقترن بها بالزواج الذي تمخض عن انجاب طفله (سالم) لكن مرمرته، نفسياً وروحياً، بعد ذلك، ، من كثرة المشاكل والقيل والقال، مما جعل الخصام، يقف عقبة، في طريقه، ليهجر راحة البال، وتحل محلها المعاناة والازمات المتوالية، حتى وصلت الى طريق الابتزاز ضده، رغم انه كان يتنازل عن كثير من الاشياء، لصالحها . من اجل الطفل، وكانت تكتب التقارير المدسوسة، حتى يقع في مشاكل عويصة وانتهت العلاقة بالطلاق . رغم ان الانفصال والطلاق، حصل، ، لكنها ظلت تلاحقه في ايقاعه في ورطات اخرى، حتى يطرد من العمل، ، ورفض تجديد، الاقامة والسكن، وكان يقف خلف زوحته، رجل كبير في الدولة وقيادي في جهاز المخابرات (كه غه بي)، فوجد نفسه في حالة نفسية يرثى لها، لكنه كان يتحدى، ويكابر في المواصلة (كابرالآن ياخالد .... كابر ... أنما ستمر عليك أعواماً هنا فتصبح لاحساً ككل الابطال المنهزمين الى روما العصر هذه . .)ص61

. فيشعر في انسحاق المعاناة التي تزيد من، وطئة الغربة والاغتراب اكثر وجعاً، حتى وصلت الامور الى التهديد بالطرد من العمل والسكن، ثم الابعاد والطرد خارج البلاد، من جملة التقارير التي كانت، تكتبها، ضده للايقاع به . . فوجد نفسه امام جدران مسدود الافاق والنوافذ، مما تزيد درجة الاحباط والخيبة في التواصل الحياتي. وجد نفسه يعاني من، التمزق والانكسار، بأنه معرض في شرنقة الاحباط، في وتيرة، الارهاب الفكري والنفسي والروحي، حتى فقد معادلة التوازن الحياتي، بأنه فشل في الحب والزواج ايضاً . وانه بقاءه ليس إلا تجرع المعاناة بشكل متزايد، وكان يشغل النفس ويواسيها، بعدم الانصياع والوقوع في براثن الاذلال، ، بان يملك روح التحدي امام هذه العواصف الثلجية (قم أيها المغترب عن نفسك ومن حولك، لسوف يقتلك الثلج وكفاك تأكل منه مهما ألتهمت منه لا تستطيع ألغاء بيداءه البيضاء هذه حولك، وحرقتك الضاربة في اعماقك حرقة كلكامش وهو يرى جثة صديقه يأكها دود لن تطفئها برودة غادرة لئن لم تشعر بها الآن لسائل النار الذي شربته فهي قاتلتك غدا، واسئلتك المحيرة لن تجد لها جواباً) ص264 . . هكذا تتقلص مسافات الصلح بين زوجته، ، رغم انه تنازل عن الكثير لها، ، في سبيل الطفل أبنه، ولكن لم يسعفه ذلك، ، فظل شبح الطرد والابعاد يلوح في الافق (- ليس من السهل ان تجد انساناً يفهمك وتفهمه .

- وانا هذا الانسان برأيك؟

- أنت؟ . ولا أدري ماذا يبقيك لحد الآن في هذه الحفرة الكبيرة هنا؟!

- لي فيها أبن، واريد ان اعرف نهاية هذه اللعبة التي يديرها أربابك معي .

-، لن تعرف شيئاً على الاطلاق .) ص295 .

لقد كتب عليه التمزق في الغربة والاغتراب بعذابات مريرة، كأنها متواصلة من الماضي الى الحاضر، تجر بخيولها المتسارعة لتصرعه، . فما عليه إلا شطب المكان طالما فقد الحماية والرعاية والسند، فلم يعد بوسعه الدفاع عن نفسه، فقد رمي في الحجز، وارسل مخفوراً مع شرطيين في الابعاد والطرد الى المطار . حتى لم يسمحوا له بتجميع حاجياته واوراقه ووثائقه، لم يسمحوا سحب امواله من البنك، لم يسمحوا ان يودع طفله، وكذلك زوجته، التي شعرت بالذنب الكبير، الذي اقترفته بحقه ظلماً، .

الدلالة الرمزية في سقوط سبرطة وسقوط الحب، أو فشل الحب في موسكو:

سبرطة عصية على السقوط والانكسار مهما كانت الاحوال والظروف، فهي تخرج منتصرة، كما هي في نشأتها العصية والقوية في المجابهة والتحدي، وليس هي سهلة التطويع والانكسار في ظروفها الداخلية والخارجية، لكنه سقطت في موسكو، سواء كانت سبرطة القديمة، او سبرطة الجديدة (البيريسترويكا) التي تدعي انها، اكثر رحمة وانسانية من القديمة، وانها تحب الغرباء ولا تبعدهم . لكن العكس هو الصحيح . لذلك سقط (خالد) في الامتحان، ، في الحب والزواج، ووجد نفسه منبوذاً ومطروداً، . ولكن ماذا عليه ان يفعل؟(وماذا بأمكاني ان افعل؟ أشحن سيارتي بمتفجرات وأدفعها الى الكرملين كما يفعل يائس، أم اصعد على ضريح لينين وانتحر كما يفعل عصابي، ، أم أعلق لافتة برقبتي وادور بها أمام مقر الحزب القائد مطالباً بسقوط أدارة فاسدة، أم أذهب بمسدس الى ادارة النشر وأقتلهم جميعاً، كل ذلك ليس أكثر من هزيمة العقل ..) ص342 . هكذا تبخرت الامال وجفت، وضعفت بالانكسار، . هكذا سقطت سبرطة، ولم تعد تنفع شيئاً، ولم تعد سوى مجاراة الالم . (ستالينا) انتحرت بسب فشل الحب الذي هرسها هرساً، ولم يسعفها في البقاء، او طلبت منه الرحيل الى خارج البلد، معه، ، لتتخلص من الحفرة الكبيرة التي وقعا فيها معاً، وكان حلمها حين تصل الى الخارج ان، تفضح قاذورات الارهاب الفكري المسلط قهراً على عامة الناس، لكنه لم يمد يد العون لها، كما وقع له، في نفس المشكلة، ، لم يمد يد العون له . ولم يكن هناك طريق سوى اليأس والاحباط، رغم ان مشاعره وحنينه الى الوطن، لكنه غير مقبول وغير مرحب به، لا، من النظام، ، ولا من المعارضة . فالنظام، في شخصية، قنصل السفارة (عدنان) يشك في ولاءه للسلطة والحزب القائد، ، وانه يقف الى جانب المعارضة، و المعارضة، تتشك في نواياه، بأنه مرتبط بالتواطئ، بالسلطة والسفارة في موسكو، الى حد الاتهام بالتجسس، ومن المعارضة في شخصية، عمه (صلاح) القيادي الكبير في المعارضة اليسارية، ولا حتى عمه، لم، يستطع ان يزكيه و يضمن ثقته، وانه يشك به، في، التواطئ مع النظام والسفارة، فيجيبه (خالد) محتجاً بقوله (اذا، أنت لم تعرف أنساناً قريباً اليك فكيف أردت تغيير العالم) ص378 . هذه القصر النظر السياسية بالجمود العقائدي، المصاب به اليسار العراقي عموماً، . ولكن من الطرف الاخر سلطة البعث، تفرز اخلاقياتها، بالعقلية البدوية في الانتقام والثأر، ، من الصراعات والاحقاد القديمة، التي تظل راسخة في العقلية، رغم تقلبات وتبدلات الزمن والظروف، في مسألة الغدر والخيانة، في شخصية (عدنان) اذ لم ينسى احقاد وصراعات الماضي السحيق، مع خصمه اللدود (صلاح) فقد استدرجه الى بيته بحكم العلاقات ضمن الجبهة الوطنية، القائمة بين الحزبين النظام والمعارضة، وهناك دس له سم، الثاليوم في فنجان القهوة، وهي تمثل اخلاقيات تربية البعث في الغدر والخيانة

 

- رواية: حب في موسكو . او سقوط سبرطة

- المؤلف: برهان الخطيب

- اصدار: منشورات، أوراسيا . ستوكهولم - السويد

- الطبعة الاولى: عام 1992

- عدد الصفحات: 384 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

رحيم الغرباويالفلسفة هي نظرة كلية للكون والوجود والإنسان تتجلى بالعمق والاتساع عبر وضع الأسباب، والنتائج، إذ يجتمع فيها الحدس والرؤى في قارورة الفكر، لتكوِّن منهجا فلسفيا إنسانياً خالداً تكمن في أعماقها النبوءة، وهي تفسر الظواهر الطبيعية والنفسية والفنية ذات الإطار الشمولي، ومن هنا جاءت المذاهب والفلسفات المادية والمثالية (1). ولعل الفلسفة هي محاولة العقل معرفة حقائق الأشياء، فلابد أن يقدِّم العقل تلك الحقائق بإسلوب بيِّن واضح تتجلى فيه أفكارٌ سامقة تحث على راحة الإنسان وتطبيع حياته على وفق منطقٍ متوازنِ الاتجاهات بما تحكمه من معتقدات وأعراف وقيم خيِّرة . لكن المنطق حين يكون أدباً يرتدي أساليب الأدب من استعارات ومجازات وكنايات وتشبيهات ورموز وإن خلا من العاطفة والخيال في كثير من موارده، والدكتور الطائي وجدناه قد قدم نصوصه بفاكهة الادب الفلسفي وهو ينقل تجاربه الحياتية بصيغ الخطاب على شكل وصايا لكنها تكاد تكون مزيجا من العمق والمباشرة بعيداً عن الصنعة اللفظية لجديَّة المواعظ فيها وإنها بعامة تظل نصوصا تُعنى بانتقاء العبارة وإيقاعها وتوازنها وهو يقدم في هذا الكتاب قصار أقواله كما يقول : " دفعني لأجمع قصار أقوالي، وأقدمها على طبق المعرفة إلى ذائقتكم، إسهاماً منِّي على لحظات فرح للجميع " (2)

وقد تضمن الكتاب بين دفتيه نصوصاً نثرية تمثل تجربته الفلسفية للحياة لكن على شكل حكم ومواعظ جعل من أفكاره فيها تُضيء نوراً معرفياً مكَّنه أن يُذكِّر به جيلنا الحالي بعدما أفسدت الكثيرَ منه الافكارُ الطارئة والمحمومة ما اعتقده أو تربى عليه .

وأسلوب الكتاب قد جمع بين الفلسفة والادب وقضايا المجتمع، ليحقق صاحبه ما يطمح إليه من إيضاح فكر وإسداء نصيحة بأسلوب يكاد يرقى عن الاساليب المباشرة وأساليب البحث الذي عهدناه عليها، إنما بلغة الروح ؛ ليمنح فكره أدباً عالياً ورونقاً يليق بثقافته العميقة التي لا يمكنه التعبير عنها إلا بأسلوبٍ معزَّزٍ بالبلاغة، كي يوصل ما يروم إيصاله للمتلقي بوصف الروح هي من تتكلم ولابد من لغة متمطية ومتمددة للوصول إلى أعماقها لذلك وجدنا شذرات من بلاغة الأسلوب تلك التي أعِدُّها المركبة الفضائية التي يُمكنها الإبحار للوصول إلى سطح الروح العميقة في الذات الانسانية :

فمن عمق أفكاره قوله:

(المرآة التي أقف أمامها، تظهِرُني أنا، تُظهر ذاتي وصورتي، وجهي وجسدي، وشكل ملابسي، تُظهرُ تصفيفةَ شَعري، تجهُّمي أو ابتسامتي، ملامح حزني أو سعادتي، وهي إن كانت تحويل يميني إلى يسار، ويساري إلى يمين، فإنها بكلِّ تأكيد تعجز كلياً عن إظهار حقيقتي، وتبيان دواخلي وسريرتي، وما يعتلج في صدري ويدور في مخيَّلتي، أمَّا الذي يُظهره الجانب الآخر للمرآة فليس أكثر مما يُظهرهُ القبرُ إلى من ينظر إليه مجرد كومةٍ من التراب، لكنَّها في داخلها تحتضن كياناً طالما حاور المرآة عن نفسِه، قد يكون أجمل منك مئات المرَّات) ص18

إذ نجده يطرحُ فلسفته بأسلوب أدبي كما كنَّا نقرأ للرافعي والمنفلوطي، فهو لا يهتم بالمظهر الخارجي الذي يهتم به الانسان بل دواخل الانسان هي من تعني المنتصح وسليم الفكر والتصرفات، وما يحمله المعنى من تأويلات بلغة أدبية متسارعة في القول والمكتنزة للرؤيا .

ويكاد فنياً يطغى في نثريته أسلوب التلميح بالاستعارة ؛ ليبعث الدهشة في نفس المتلقي ومثاله :

(وملح دموعك لا يمكن أن يعدل مزاج قِدْرك مهما أوقدت تحته فتخسر الطبخة وتتضور جوعاً) ص24

وقد نجد نقدا لكثير مما تعمل به المجتمعات والمؤسسات بل وحتى الأحكام القضائية والاداء السياسي وهو يستعمل أسلوب المقابلة البلاغية في نصوصه ليوصل لنا الفكرة التي يتوخاها .

والطائي نراه في تحفته ينتهج نهج المترجمين لكتابات كبار الحكماء والمفكرين بل ترجمته لما يعتمل فكره وفلسفته في الحياة، فنجده يقول :

(يمكنك اكتشاف الحقيقة من دون النظر إلى اللوحة أو معرفة هوية الرسام الذي أبدعها ؛ لأنَّ روحك لها قدرةُ اختراق الحجب، والغوص في المجهول، هذا هو التحدي الحقيقي أن ترى ما لا يراه الآخرون)

ولعل المفارقة هي العنصر المهيمن وهو ما يعطي النص ما يستحق من أهمية و الذي يضمن تماسك البنية الفنية وتلاحمها .

ونرى الطائي يمتعنا بحديث له علاقة من بعيد لأفكاره ؛ ليمهد لنا ما يريد ومثال ذلك : اللوحة والرسام، والأبالسة والشياطين و الجنيات والسعالي والغيلان و الفتاة الغجرية، أو نوح وسفينته والطوفان ومقتطفات من مقولات لبعض المفكرين الغربيين وقصة الغزال والنمر، والاقنعة الرخيصة لوجوه السياسيين ولأقوال الانبياء والاوصياء الممشوقة بنزعته الصوفية في أحيان والوقوف على فتنة الارباب الجدد ثم يرتفع بأخرى ليوصلك الى ليالي من الف ليلة وليلة وما ذلك إلى عناصر تشويق وإيصال فكرة يحاول التشويق لها أو تضمينها في ذلك ولما فيها من توسيع مدارك العقل ومقبِّلاً من مقبِّلات شهية الفكر في التطواف حول الموضوع ؛ كي لا يمل القارئ من قراءة نصوصه، ولعله حينما قدم كتابه لم يقدمه الا على شكل كتاب بترافة لغوية، كي لا يمل قارئه، مما جعله يقدمه بأدبية شفيفة غير مغرق في وسائل الشعرية العالية .

ولما كانت نصوصه موجهة للتربية والاتعاظ مما جعل لبعض الاساليب محور رسالاته ومنها : هيمنة لا الناهية في نصوصه والتي تبرِّز لنا أسلوب المباشرة لحاجته لدلالتها في الترك لكثير من الأمور التي يراها خاطئة لكنه يستغلها لصدمة المتلقي وهو لون من ألوان أدبية النص

صيغة الامر: ومنها الفعلية مثل قوله: استمرْ بالسير إلى الأمام مهما كانت الظروف صعبة .." 116 وقوله بلام الأمر: "ليمُتْ فالتقاط سيلفي معه حتى ولو كان دمه يشخب... "120

اسلوب الحوار : وهو العنصر المهم في الدراما ويذكرنا بمقولة شوبنهاور والغاية من الدراما في النصوص هي: " أنْ يتبين لنا من خلال فعل مثالي طبيعة وجود الانسان وطبيعة الانسان هي شخصيته، أما وجوده فهي المواقف والأحداث والظروف التي يوجد الفرد منها والشخصية ينبغي أن تكون السيادة منها على الوجود في الدراما " (3)، نجد كثير من ذلك في نصوصه ومنها :

" الحادية بعد الالف والالف ثم الالف التقيك وانت ترتدي الوجه الرث المتعب الطيب العذب العراقي نفسه، الذي يتفصد منه عرق الفراتين ويلتصق به تراب أرض العراق وفي كل مرة التقيك فيها ترسم على وجهك ابتسامة الرضا، وكأنَّ الدنيا كلها طوع أمرك وأنا أعلم ببئرك وغطائها وأدري أنَّ ثوبك بلا جيوب، يا أخي، هون عليك واترك كبرياءك الذي تنوء بحمله مذ رأيتك، فهناك من يبدلون وجوههم في اليوم الواحد عدة مرات ويعدون ذلك شطارةً، فما لك لا تصبح شاطرا في زمن العهر هذا مثل غيرك عسى ان ترتاح يوما من حمل هموم الوطن " 79 .

وقد استطاع الدكتور الطائي ان يوظف عناصر ادبية النص لتحقيق ما يرومه في بث الجمال في سطوره كي يبرق ما يريد لمتلقيه لاسيما نشدان هدفه التربوي الوعظي التوجيهي في لوح من الواحه الذي اسماه ملكوت الروح و الذي عالج فيه دراما الحياة لكن بنكهة روحية تشع بالأمل خلاصتها أننا لابد أن نتبع نهج المقدس الماكث في كل روحٍ نقية يتحكمها العقل وتُبَثّ منها لطائف النور

شكري وتقديري لك أيها الفذ في ما قدمت وستقدم وإلى مزيد من الابداع .

 

بقلم الدكتور رحيم الغرباوي

.......................

(1) ينظر الشعر والفلسفة . د. سلام الأوسي : 9-10

(2) مقدمة ملكوت الروح : 9

(3) الرؤيا والتشكيل، د. سلام الأوسي : 242

 

خالد جودة احمدأرقي نصوص أدب الخيال العلمي تلك المفعمة بالإنسانية الأثيرة، في عوالم جهمة شرسة نحياها بالمستقبل القريب، ومن أسرار جودة القصص العلمية وقصص الخيال العلمي في تأويلي إنتمائها لهذا الأدب الإنساني، إضافة إلي شدة الحاجة إليه في مستقبل يحيل الإنسان إلي نفاية مستهلكة، فتأتي اللمحات الإنسانية عبر تلك الصلة التي تربط شخصيات في القصص العلمي بآلات أو مركبات أو كائنات غير بشرية، بما يحقق أنسنة الأشياء والتعاطف الكريم، والجميع يحب قصة حنين الجذع للرسول الأكرم صلي الله عليه وسلم، فللأشياء روح تتفاعل بها مع الكون وتدور في رحابه بانسجام، ولكن المستقبل بسخائه التقني ينظر للإنسانية من وجهة نظر مادية، ونقدم نموذجًا للتعاطي الإنساني بقصة الخيال العلمي معنونة (السفينة المهجورة) للكاتب (مهند النابلسي):

(بعد أن خدمت السفينة الفضائية لسنوات طوال وخاضت تجارب رائدة واجتازت مخاطر جسيمة، قام مركز المراقبة الأرضي بإبلاغ رائد الفضاء الأخير على المركبة الكولونيل سعيد بأنه سيتم التخلي عن المركبة بعد أن استنفذت مهامها وقام قائدها بإجراء آخر تجربة فضائية. ثم طلب منه أن يحاول النزول بها بسلام على الأرض وأن لا يتركها تصطدم تائهة بعمران أرضي وتتسبب في دمار كبير بعد أن تتحطم بدل أن تدخل متحف الفضاء الكوني كأول مركبة فضائية قضت عقدين من الزمان وهي تعمل كمحطة للتجارب الفضائية الرائدة. انزعج الكولونيل سعيد كثيراً وكأنه مقبل على فقدان كائن عزير، وقد أُبلغ أن هذه هي مهمته الأخيرة التي سيتقاعد بعدها، والتي ستتوج بطولاته الفضائية وتمنحه فرصة الحصول على ميدالية البطولة الفضائية التي تمنح للرواد المميزين.. "وفي أسوأ الظروف سأقوم بتوجيهها نحو أرض قاحلة.. صحراء ربما. ثم أقوم بالقفز منها بسلام.." حادث نفسه. وأكثر ما أزعجه حصوله في الشهر الأخير على معلومات هامة جداً، وانقطاع اتصاله مع المحطة الأرضية بواسطة "انترنت الفضاء": فالنجم الذي عاد للتوازن كالبركان والذي تم رصده لأول مرة منذ مئة وخمسين عاماً، عاد للمعان مجدداً وكأنه يتوهج مبشراً بألعاب فضائية نارية مثيرة. ورصد منظاره الفضائي سحابة فضائية من الغاز والغبار تدور كالدوامة ملتفة حول كتلة صغيرة، وهي تنبئ بأنها ستبرد وتتكثف لتتحول يوماً ما إلى كوكب جديد. وفي مختبره الفضائي لاحظ نمو سريع لبكتيريا غريبة في التربة "المريخية" التي أحضرها أحد الرواد من كوكب المريخ، مما يعزز الاعتقاد بوجود نوع من الحياة على الكوكب الآخر. وتنهد بحسرة وهو يفكر أن معلومات كهذه لن تصل ربما للأرض، ومنها ما توصل إليه مؤخراً بواسطة تقنية جديدة مستحدثة تعتمد على "القانون الذهبي" والتي يمكن بواسطتها قياس المسافات الكونية بدقة كبيرة، مما قد يحدث انقلاب معرفي في مفهومنا التقليدي حول العمر المفترض للكون ودرجة تجدده. لقد قرر أخيراً أن يهبط من المركبة قبل اصطدامها المريع بالأرض وتخلى عن يأسه ورغبته الخفية بالانتحار، فقد كان يشعر أن مصيره مرتبط بمصير مركبته المنبوذة!. وبذل محاولة يائسة لتسجيل المعلومات القيمة على قرص مدمج بعد أن فشل سابقاً لمرات عدة، واستعان بقوة التركيز النفسي حيث قام بالإيحاء مغمضاً عينيه، وتمتم بعبارات هامة: "هيا.. يا رب.. ساعدني.. يجب أن أنجح في تسجيل هذه المعلومات.. هيا.. سجلي.. سجلي.. هيا"، ولم يصدق نفسه عندما رأى لمعان زر التسجيل يعمل مجدداً بعد أن يأس من إصلاحه.. وعاد لتفاؤله وثقته بنفسه وإيمانه.. وشعر أن الله معه في مهمته الكونية.

أخيراً سالت من عينيه دمعتان حارتان قبل أن يكبس على زر الهبوط وينطلق مقذوفاً من مركبته.. ونظر بحسرة ومرارة وهو يبتعد عن مركبته العتيقة التي خدمت العلم الفضائي لسنوات طوال، وبدا وكأنه يترحم عليها! ولكنه عاد لتفاؤله عندما تذكر أنه يملك في جيب بزته الفضائية قرصاً مدمجاً يحتوي على معلومات قيمة جداً، فالحياة يجب أن تستمر!.. وأشرقت فكرة منيرة في تلافيف دماغه وجاءت نفسه قائلاً: "لن أتقاعد.. سأعود للعمل مجدداً. سأقوم بإلقاء المحاضرات حول تجاربي الفضائية")

والقصة ذات إيقاع سريع حافلة بعدد من المنجزات العلمية والفضائية: (متحف الفضاء الكوني / ميدالية البطولة الفضائية لرواد الفضاء المحالين للتقاعد / الإنترنت الفضائي / القانون الذهبي: تقنية جديدة مستحدثة لقياس المسافات الكونية بدقة)، ومن أفكار علمية حول الفضاء: (نجد يعاود اللمعان وسحابة غاز وغبار حول كتلة صغيرة ستبرد لتتحول لكوكب جديد / نمو سريع لبكتيريا مريخية غريبة ووجود حياة علي كواكب أخرى / مراجعة وإعادة فحص معلومات حول العمر المفترض للكون ودرجة تجدده)، وهذه الكثافة تم سردها في تقطير قصصي، وإذا كان الناقد د. عبد المنعم تليمة يري أن أكثر القصص القصيرة رداءة التي هي عبارة عن رواية ملخصة، وبغض النظر عن رؤية نقدية أخرى تري أن بعض القصص القصيرة قد يكون لها قوة رواية كاملة لتكثيف الرؤية إضافة للتكثيف التقني واللغوي، أرى أن قصة الخيال العلمي يمكن أن تكون أكثر طولًا –وواقعيًا قام عدد من كتاب قصص قصيرة علمية بتحويلها إلي روايات- بسبب رحابة العنصر الخيالي العلمي وجدته وكثافة مكوناته، وغرابته علي القارئ، فتكون القصة القصيرة حينها بذور للأفكار يمكن البناء عليها دراميًا. والحبكة في القصة جاءت عبر وحدة نفسية، يقول النقد الأدبي: (الحبكة ليست سلسلة متتابعة لأحداث مادية ملموسة بل هناك دلالات روحية ونفسية وفكرية ملتحمة كامنة وراء هذه الأحداث)، وهنا اتحاد نفسي لاتحاد المصير بين الإنسان (رائد الفضاء المحال للتقاعد)، ومركبته الفضائية المهملة، رغم قدرة الاثنان علي العطاء، بما حقق المنطق الخاص بالقصة أو ولوج القصة منطقة المفارقة الدرامية، حيث يسمح تسلسل الحدث إلي تبديل المصير، وهنا جاء التبديل إلي حسن عبر قيمة التوريث العلمي، ومادته العلمية المخزونة المهمة. وبالقصة إدانة لتقصير شكل مفصل المفارقة، هذا التقصير المتصل بانقطاع إنترنت الفضاء، وتعثر التسجيل، بمعني الانقطاع الذي يشير للعزلة وما تنتجه من اغتراب وآلام تجتاح بطل القصة.

بالقصة التعاطف الإنساني مع المركبة الفضائية، حيث هي منبوذة ومهملة ويتم تبشيرها بالتحطيم والمصير المظلم، فحق معها التعاطف كمعادل موضوعي للإنسانية المقولبة (حيث مصادرة القدرة علي الحياة بالتقاعد)، لذا أتت اللمحة المكملة والموفقة بالحفاظ علي الذاكرة (السي دي الثري بمعلوماته القيمة) والتوريث من خلال بهجة شخصية الحدث بسيناريو مستقبلي عزم عليه، بحكي تجاربة لإنقاذ الروح الإنسانية في عصر العلم الجهم، وبين القوسين (أنسنة المركبة وقيمة التوريث)، تأتي لمحة إيمانية بقوة التركيز النفسي والدعاء، ليقول لنا إجمالًا انتبهوا أيها السادة واعملوا علي تثمير سحر الروح ترياق عصر العلم القادم.

 

خالد جودة أحمد

 

كريم عبد اللهإنّهُ الصوتُ القادم مِن أعماقِ الخذلان والتجزئة وويلات الحروب والضياع والتطاحن الطائفي والمذهبي والرعب المسكون في أعماق ظلمة كثيفة والخيبة الكبرى وفقدان الانتماء الى الاوطان، كلّ هذا جاء في قصيدة طويلة جدا إعتمدت على قدر من الوضوح والبساطة والابتعاد عن الكلفة في اللغة كي تصل الى شريحة واسعة من الجماهير وكان هذا مقصودا مِن قِبلش الشاعر . انّها رحلة في تجلّيات الواقع البائس والمضطرب والنفور من الهموم الذاتية والانغماس بين الجماهير وكشف محنتها، انّها صرخة يوجّهها الشاعر الى الناس بصورة عامة ومخاطبة الضمير الأنساني وإعلان الولاء للهموم العامة وإشهار الكلمة بوجه هذا الواقع البائس كسلاح يساهم في تغييره وومحاولة لترميم تصدّعاته والنظر الى ما وصل عليه الانسان العربي وسحقه تحت وطأة حاجاته .

وبعد ...

ها هي الامة تعلن تمزّقها بعد مخاض طويل للتفجّر أنهارها العربية بدماء الابناء والاشقاء وتنمو أشجار الصفصاف على جثث المغدورين، هذا المخاض أعادها الى الوراء وزرع الفتنة والضغائن وأطفأ حتى قناديل لنهارها، لتدخل في نفق مرعب حالك الظلام وبلا نهاية .

(في بلادنا العربية..

كلنا مرضى بالزعامة..

كلنا من الرئيس إلى الخادم البسيط

كل الأشكال يحلمون أن يكونوا زعماءً..

كل من لم يَظْفرْ بنصيبه من غنائم الوطن المريض

يؤسس حزبا معارضا..

ولا يدخّر أيّ جهد في الاحتيال على عقول الساذجين

بسياسة البَعْطِ و" التَّبْعِيطْ".

في بلادي العربية ..

الزعامة هي عفيون يُسوَّق للأغبياءْ ..

الزعامة في كل شيء ..

كل مواطن يحلم بتأسيس حزبٍ للانتقام

ممن هُم في الطابور الأوّل للزعامة ..

و شعوبهم تُعامَل كَمَا تُعَامَل النُّفايات في مستودعات القمامة ..

الزعامة .. ورمٌ خطير مسّ أفراد مجتمعات العرب..

و لن يُشفى منه أحد الى أن تَقُوم القيامة !

لأنهم لم يفهموا تاريخ الامم الناجحة ..

قرأوا التاريخ بحروف مَقْلوبة ..

فأنشأوا دساتيرا متجانسة تشبهُ الى حد بعيد

كتاب " طوق الحمامة") ..

الكلّ اصبح في هذه الامة يبحث عن مصلحته الشخصية على حساب المصلحة العامة، حب الأنا وإمتلاك السلطة وإقتسام ونهب خيرات البلاد وخداع النفس بانّ الوطن لم يعطنا ايّ شيء فعلينا ان نأخذ حقوقنا بالقوة بعدما سمحت الحكومات الضعيفة لهؤلاء بالظهور على السطح وعدم وجود قانون صارم يحدّ من حيوانيتهم المتوحّشة وانشغال الرؤساء بتوزيع الكعكة فيما بينهم وترك البلاد تعيش في حالة من الفوضى والفقر والمجاعة وأصدروا دساتيرا تتناسب مع طموحاتهم اللامحدودة وسخّروها لمنافعهم الشخصية .

(في بلادي العربية..

يُكرّمُ اللُّصوص وتُسَوّدُ على الشعوب مرتزقة الزور والكذبْ..

في بلادي العربية..

ضرب التّهميش الشعراء..

و طالهم حتى الجوع..

و موالون لأزلام الأنظمة يمارسون بنصوصهم

المحاباة وكلّ طقوس الرُّكوعْ..

في بلادي العربية..

نُمجِّدُ الرَّقص والظلامية..

و نَمنعُ على الشمس حقّ الطُّلوعْ!

يا حُكّام بلادي العربية..

يا رموز الخُنوعْ..

لقد خُنتم أوطانكم، قهرتمْ شعوبكم..

كفَرْتُم بأَنْعُمِ الله، فأذاقكُمْ لباس المهانة بكُلِّ الطُّبوعْ ..) .

انّه الواقع المدلهم حيث لا عدالة في الوطن وحيث الازمات الخانقة وفترات الانكسار والخيبة والاوضاع النفسية المتردّية، انه الواقع المزدحم بالتزوير والتهميش والجوع وقسوة السلطة وطغيانها انه زمن الخنوع والاستسلام وضياع الهوية الوطنية .

وتيجة لهذه السياسات الرعناء اصبح الانسان العربي غريبا في وطنه ومهاجرا يبحث عن الأمان في بلاد بعيدة اخرى، اصبح يبحث عن أرض جديدة يزرع فيها جذوره المقطّعة بسيوف التهجير القسري بعدما تخلّى مرغما عن كل شيء في وطنه الأم وإنسلخ من واقعه وثقافته وترك أحلامه تتناهبها الحروب ويسرقها الغرباء ..

(عشرون عاماً وأنا مُغَيّبٌ عنِ الوَطَنْ..

و بِمَنفايَ اعتزلتُ كل مظاهر الغَوغَاءْ

التي كانت تُمَارس علَى العلنْ ..

اعتزلتُ عبثيتَهُم التي كانت تُرهقُ الرُّوح والبدَنْ ..

غَيْبُوبَتي دَامَت لِسِنينْ ..

و ككلِّ مُبعَدٍ عُذّبتُ واكتَوَيْتُ بالحَنِينْ..

عذّبني الزمنْ.) .

ترك كل شيء خلفه بعدما حلّ الفساد والخراب في وطنه، وعاش في المنفى يكتوي بنيرانها ويذوق عذاباتها ويعاني من القهر والحرمان، بعدما تفشّى وانتشر في جميع مفاصلها الجهل وعشعشت الخرافة في شوارعها ..

(في بلادي العربية..

نحن أُمّةٌ تعيشُ علىَ البُؤْسِ والاحباطْ ..

أمة مرآتا لشُعَرَائِها وأدَبَائِها..

نتحيّن الفرَجْ من كلِّ حدبٍ، من كلِّ صُلبْ!

أمة مِنْ صَغِيرِهَا الى كَبِيرِهَا لا تتوقَّفُ في تَسوّلِ الفرَجْ..

نأملُ الفرجْ نِيَامًا وقُعُودًا ..

مِنْ طُلُوع الشَّمس الى المَغْرِبْ ..

نحن أمة مُدمنة على طلبِ الفَرَجْ..

لم يَعُد حراك العلم والنهضة الفكرية يُعنينا..

أعضاؤُنا التناسلية ارتَقَتْ الى مكان العُقُولْ..

و العُقُول تَمّ إزْلاقُها الى مَا تَحْت البُطُونْ ..

تَهَانِينَا .. تَهَانِينَا!..) ..

دبّ التراخي والفشل والخنوع في هذه الارض ولم تتوكأ على ماضيها المشرق الزاهر . لم تنظر هذه الأمة الى تراثها واعتباره انجازات وقيما روحية وجمالية بالامكان استخدام قدرة هذا التراث في بناء حضارة جديدة تواكب ما وصل اليه العالم الان لاجل خدمة الحاضر والسباق مع الزمن، واستخدام الموروث القديم في إضاءة الواقع الحالي والمشاركة في صنع الحضارة العالمية أسوة بباقي الأمم .

(يا شعراء أمتي..

يا صفوة أمتي..

يا شعوب أمتي..

يا قادة أمتي ..

إني أموت ..

أوطانكم تُستباحْ ..) ..

انّه النداء الى كل مثقفي هذه الامة واستنهاض بوادر الخير والنجاح والمحبة والسلام فيهم، انّه النداء اليهم بان يصلوا الى الجماهير (ابتدأ بالشعراء هنا ايمانا منه بما يمتلكه الشاعر الحقيقي من مقدرة وقوة تأثير في نفوس الجماهير كونه صاحب رسالة) وان يشحنوها ببذور الامل وان ينعشوا الوعي لديها وان ينتقدوا هذا الواقع المرير وتعاسته للحصول على إشعال فتيل التغيير والانقلاب والانتصار على الذات المستكينة والمطمئنة بالخنوع وإعلان حالة الثورة ضد المتسلّكين على رقاب الجماهير والخونة الذين باعوا الاوطان للاجنبي مقابل جلوسهم على الكراسي وفوق رقاب ابناء الشعوب .

(ثمَّ رفعتُ يدي إلى السماء وكلّى إحباط وقُنوط

و قلتُ : إلهي !

يا ليتني لم أولدْ عربيا ..

يا ليتني كنتُ ترابا!) ..

انّها الخيبة بعد ان فشلت دعوة الانسان في احداث التغيير، هكذا تنتهي هذه الملحمة الشعرية نهاية ماساوية وتعلن عن هزيمة الانسان العربي أمام السلطة وهمجيتها وحبروتها في زمن الانفتاح على الحضارات والعالم، هزيمة الانسان العربي أمام قوة لا قِبل له بمواجهتها لأمتلاكها كل وسائل القوة والقهر والتعذيب . حاول الشاعر لخضر خلفاوي أن يكون قريبا جدا من اخيه الانسان في هذه الأمة من خلال صوته بعدما بعث خيبته هذه الى معظم اتحادات العرب والامين العام السابق للجامعة العربية كموقف وعرض أدبي لراهن السياسة والابداع العربي .

 

بقلم : كريم عبدالله- العراق

....................

* سايكس – بيكو جديد .. وقصائد مومسة): نص يرتكز عليه ديوان الشاعر الأخير " حالة عصيان وفرار!" الصادر من مصر عن دار "ضاد".

 

جميل حمداويالمقدمة: يعد المتخيل (L'imaginaire) أساس الإبداع الإنساني والبشري، وقد يرد هذا المتخيل في شكل تيمات، ومواضيع، وصور، وأفكار، وأخيلة، وأشكال، وصيغ أسلوبية. وبالمتخيل، ينزاح المبدع عن الواقع المألوف، ويتجاوزه نحو عوالم تخييلية ممكنة ومختلفة. وقد يكون المتخيل فرديا، وجماعيا، وفلسفيا، وإبداعيا، وعلميا...ومن ثم، يرتبط المتخيل بالمخيلة، والخيال، والتخييل. علاوة على ذلك لايمكن استيعاب دلالات المتخيل إلا بتعريفه من جهة أولى، ورصد مقارباته من جهة ثانية، وربطه بالصور الشعرية من جهة ثالثة.

المطلب الأول: تعريف المتخيل

المتخيل (L'imaginaire) هو مفهوم متعدد الدلالات، يختلف من مجال معرفي إلى آخر، ويختلف أيضا حسب النظريات الفلسفية والأدبية والنقدية والعلمية.أي: إنه مفهوم صعب ومطاط وشائك، ويصعب تحديده بشكل واضح وجلي؛ نظرا لاختلاف مدلولاته من حقل إلى آخر، ولاسيما أن هناك متخيلا جماعيا، ومتخيلا فرديا، وبينهما اختلافات بائنة بينونة صغرى وكبرى.

ويستلزم المتخيل الانتقال من العوالم الواقعية نحو العوالم الخيالية الممكنة، سواء أكانت علمية أم أدبية أم فانطازية أم ميتاسردية...ويعني هذا أن المتخيل ينزاح عن الواقع ويتجاوزه كما وكيفا، وقد يتلاءم معه تشكيلا ورؤية، أو يختلف عنه ملمحا وسمة، أو يستوحي عوالمه الظاهرة والخفية.

وقد يتخذ المتخيل طابعا إبداعيا نفسيا، بتحويل الواقع إلى أحلام وأخيلة وأساطير ومحكيات فانطاستيكية تعجيبا وتغريبا، أو بتحويله إلى خوارق الخيال العلمي(Science de fiction).

وعلى الرغم من ذلك، يمكن تعريف المتخيل بأنه نتاج المخيلة، أو نتاج خيال الفرد المبدع، أو نتاج خيال الجماعة، أو نتاج خيال المجتمع، بإنتاج مجموعة من الصور، والتمثلات، والسرود، والمحكيات، والأساطير، سواء أكانت قريبة من الواقع أم بعيدة عنه.

وعليه، فالخيال هو الذي يحول الفكر الإنساني إلى متخيل، ثم إلى صور بلاغية، ثم إلى إبداع إنساني متميز. ومن هنا، يتسم المتخيل الإبداعي الفردي بتداخل الذاتي مع الموضوعي، وتقاطعهما جدليا داخل الأثر الفني والجمالي والسردي.

ومن جهة أخرى، لايقتصر المتخيل على المادة الإبداعية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى الشكل، أو الصيغة، أو الطريقة، أو البناء، أوالرؤية، أوالرؤيا.

المطلب الثاني: مقاربات المتخيل

يمكن القول، مع هيلين ڤيدرين(Hélène Védrine) وجويل توماس (Joël Thomas)، بأن ثمة مجموعة من المقاربات والمنهجيات[1] والتصورات الكبرى التي تناولت المتخيل في الإبداع الإنساني شعرا، ومسرحا، وسردا، وأسطورة، وبلاغة، وفنا[2]. إذ يمكن الحديث عن المقاربة السيكولوجية مع سيغموند فرويد(S.Freud)[3]، ويونغ (C.G. Jung)[4]، وجان بياجيه (J.Piaget)[5]، وجاك لاكان (Jacques lacan)[6]، وكورنيليوس كاستورياديس(Cornelius Castoriadis)[7]؛ والمقاربة البويطيقية(Poétique) مع غاستون باشلار (G.Bachelard)[8] وجان بورغوس(Burgos)[9]؛ والمقاربة الأنتربولوجية مع جلبير دوران(Gilbert Durand) الذي درس الصور والأساطير في ضوء قراءة رمزية[10] ؛ حيث أثبت، في كتاباته النظرية المتنوعة، أننا ننتمي إلى عالم الصور والرموز أكثر مما ننتمي إلى عالم الأفكار[11].

فضلا عن المقاربة الفلسفية مع جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre)[12]؛ والمقاربة التاريخية مع ألان كوربان (Alain Corbin)؛ والمقاربة البلاغية مع لوسيان بلاغا (Lucian Blaga) الذي درس الاستعارة باعتبارها تجاوزا للواقع نحو عالم المتخيل. وأكثر من هذا، فالاستعارة هي مصدر قوة الصورة، كما أن الصورة أساس المتخيل[13] .

ومن ناحية أخرى، هناك المقاربة الإبداعية التي تتمثل في كتابات وتصورات ونظريات كل من: مالرو (Malraux) الذي تحدث عن الكتابة المتحفية للمتخيل، والسورياليين الذين تحدثوا عن المتخيل اللاشعوري، وغابرييل غارسيا ماركيز (Gabriel García Márquez) الذي تحدث عن متخيل الواقعية السحرية، وزادي سميث (Zadie Smith) الذي اهتم بالمتخيل في إطار التنوع الثقافي، وجلبير كراصيان (Gilbert Gratiant) وماريز كوندي (Maryse Condé) اللذين آمنا بالمتخيل المنفتح على العالم، إلى جانب آخرين، كباتريك شاموازو (Patrick Chamoiseau)، وإدوار كليصان (Edouard Glissant)، ورافائيل كونفيان (Raphaël Confiant)، ومالكوم دو غزال(Malcolm de Chazal)، وروبرت إدوار هارت(Robert Edward-Hart)، وخال تورابولي(Khal Torabully)، وليندزي كولان(Lindsey Collen)...

المطلب الثالث: المتخيل وشعرية الخيال والصورة

يقترن المتخيل بالخيال والتخييل من جهة، كما يرتبط بالصورة الشعرية من جهة أخرى.ويعتقد الكثير من الدارسين والباحثين أن الصورة البلاغية هي التشبيه أو الاستعارة، أو هي صورة المشابهة القائمة على المكونين السابقين، وأن الصورة مرتبطة كل الارتباط بفن الشعر؛ لأنه هو الجنس الأدبي الوحيد الذي ينبني على التصوير البياني والوظيفة الشعرية الموحية. ومن ثم، يستلزم هذا الجنس تشغيل مجمل الصور البلاغية والمحسنات البديعية المعروفة في كتب البلاغة المعيارية. كما فضلت صورة المشابهة في كثير من المصنفات البلاغية والنقدية والأسلوبية مقارنة بصورة المجاورة القائمة على الكناية والمجاز المرسل. ومن ثم، تعد صورة المشابهة، عند رومان جاكبسون، أساس الشعر، بينما تعد صورة المجاورة أساس النثر. وإن كان هناك من يرى أن الرواية بدورها تستعمل صورة المشابهة بكثرة، وخاصة الرواية ذات المحكي الشاعري [14].

لكن هناك القليل من الدارسين من يوسع مفهوم الصورة لتشمل الأجناس الأدبية الأخرى، كالسرد، والقصة، والرواية، والمسرحية، والقصة القصيرة جدا. فللسرد - مثلا- بلاغته الخاصة التي تعتمد على صور تخييلية جديدة تستنبط من الداخل النصي. والآتي، أنها تتجاوز الصور البلاغية المعروفة في ثقافتنا العربية القديمة والحديثة. فصرنا نتحدث- اليوم - عن الصورة الروائية كمشروع جديد عند الباحث المغربي محمد أنقار[15]، والصورة الومضة في القصة القصيرة جدا عند المنظرين لهذا الجنس الأدبي المستحدث، ومسرح الصورة عند صلاح القصب[16]، والصورة المسرحية عند جميل حمداوي[17]؛ بل أصبح الحديث أكثر عن المتخيل السردي باعتباره أعم من الصورة ؛ لأن المتخيل يتناول المخيلة، والخيال، والمواضيع المتخيلة، وآليات التخييل. ومن ثم، أضحى المتخيل موضوعا يفرض نفسه في الساحة الثقافية النقدية الأدبية، بعد أن تناوله الدارسون الغربيون بدراسات عدة ومتنوعة، ضمن مقاربات فلسفية، ومقاربات شعرية، ومقاربات نفسية، ومقاربات أنتروبولوجية.بيد أن أهم مقاربة هي المقاربة الشعرية أو الإنشائية أو البويطيقية التي تدرس المتخيل والصور السردية الموسعة داخل النص الأدبي ضمن سياقاته الفنية والجمالية والتركيبية بعيدا عن المؤثرات النفسية، والفلسفية، والاجتماعية، والأنتروبولوجية.أي: تدرس الشعرية خصائص المتخيل ضمن التشكيل الأدبي بنية، ودلالة، ووظيفة، وضمن أدبية ذلك النص وطبيعيته التجنيسية. فغاستون باشلار - مثلا- كان يدرس الفضاء أو النار أو الهواء أو الماء ضمن سياقات نصية للأثر الأدبي باحثا عن موضوع المتخيل وآليات التخييل الفنية والجمالية، واستجلاء وظائف ذلك. والشيء نفسه قام به جون بورغوس في كتابه(جمالية المتخيل)؛ حيث كان يدرس الصور الشعرية في داخل النصوص الشعرية، في علاقة وثيقة ومتينة بالمتخيل والمخيال، بالاستعانة بالبنيوية النصية واللسانيات الشعرية. في حين، كانت المقاربات السابقة، كالنفسية، والاجتماعية، والفلسفية، والأنتروبولوجية، تدرس المتخيل من زوايا خارجية بعيدة عن النص الأدبي.لذا، تعتبر الشعرية أقرب إلى النص الأدبي، مادامت تبحث عن أدبية النص، وتختبر كيفية اشتغال الصور المتخيلة داخل العمل الأدبي تفكيكا وتركيبا.

علاوة على ذلك، لابد من التوقف عند مفهوم المتخيل، مادمنا نتحدث عن شعرية الفضاء بصفة عامة؛ لأن المتخيل أساس الشعرية، ومرتبط بالخيال والتخييل والمخيلة والمتخيل. ومن الصعب بمكان فصل الإبداع الإنساني عن ملكة الخيال، فالسرد أساسه الخيال والحلم والتصور والتخييل . ومن ثم، فالمتخيل (L’imaginaire) حاضر في جميع الأجناس الأدبية، ويكون مادة صالحة للخيال والتخييل، وتوليد الصور البلاغية في شتى أنواعها وأصنافها. وإذا كانت الاستعارة مرتبطة بالخيال الصناعي كما يقول أبو القاسم الشابي في كتابه(الخيال الشعري عند العرب) [18]، فإن الصورة مرتبطة بالخيال الفني. ويعني هذا أن الصورة تتجاوز حسية الخيال الصناعي إلى خاصية التجريد التي يقوم عليها الخيال الفني والإبداعي. بمعنى أن المتخيل قائم على الصورة المجردة والصورة الموسعة المستخلصة من الكتابة النصية وفضائها الدلالي الداخلي. ومن هنا، فالمتخيل هو الكتابة والخيال والنص والفضاء، والتأرجح بين الواقع والممكن، والمراوحة بين الواقعي والمفترض، والانتقال من عالم الحلم إلى عالم اليقظة، والتأرجح بين الشعور واللاشعور.

بتعبير آخر، المتخيل عالم من الدلالات الافتراضية الحلمية المفتوحة[19]. إنه بمثابة صور مفتوحة على المستقبل، على عكس الاستعارة هي ذاكرة مرتبطة بالماضي، وهي قائمة على وجود أحد الطرفين المشبه أو المشبه به. وبهذا، يتمرد المتخيل عن السببية المنطقية والعلية الموضوعية، ويجنح في عوالم التخييل الممكنة بعيدا عن الواقع المرجعي الذي يلتقطه عبر وساطات فنية وجمالية .

وعليه، فشعرية المتخيل هي دراسة الكتابة السردية أو الشعرية، والاهتمام بفضاء النص والكتابة معا. ومن هنا، فالمتخيل حركة وانفعال، وتعبير عن خوف الإنسان من الزمن. ومن ثم، يتحول المتخيل إلى إجابات عن هذا الخوف، وعن هذا المصير، وعن هذا القلق الإنساني التراجيدي[20]. علاوة على ذلك، يرتكز المتخيل على جدلية الواقع والمفترض، واستخلاص قواعد الهوية والاختلاف. وبالتالي، فشعرية المتخيل هي ضد المقاربات السببية كالشكلانية والبنيوية والسيميائية. فشعرية المتخيل - حسب جان بورغوس(Jean Burgos)- هي النظرية النقدية الوحيدة التي تكون قادرة على استكشاف تناقضات اللغة الشعرية أو السردية[21]. ومن جهة أخرى، فهي قادرة على خلق اتساق النص، وبناء انسجامه الدلالي.

الخاتمة:

وخلاصة القول، يبدو أن المتخيل تصوير إبداعي يستمد نسغه ووجوده من الخيال، ويبرز دلاليا عبر الصور الفنية والجمالية بمختلف أنماطها وأنواعها. بيد أن هذا المتخيل يستكشف من داخل النص، ولا يستمد من خارجه. بمعنى أن المتخيل تصوير فني داخلي، وليس تصويرا سياقيا خارجيا. وإذا كانت الصورة البلاغية معيارا أسلوبيا خارجيا، فإن المتخيل بمثابة صورة داخلية منفتحة ومتعددة الأطراف.

ومن هنا، يعرف جلبير دوران (Gilbert Durant) المتخيل، في كتابه (البنيات الانتروبولوجية للمتخيل)[22]، بأنه مجموعة من الصور والعلاقات التي تمثل الرأسمال الفكري للإنسان.

وفي الأخير، يتحول الإبداع الأدبي إلى مجموعات من المتخيلات التي تقترن بالصور الشعرية من جهة، وترتبط بفعل التخييل من جهة أخرى. وقد تكون تلك المتخيلات تيمات ومواضيع، وقد تكون آليات فنية وجمالية تتأرجح بين التشخيص الحسي والتجريد الرمزي..

 

الدكتور جميل حمداوي

أستاذ التعليم العالي المغرب

.......................

[1] - Joël Thomas: Introduction aux méthodologies de l'imaginaire, Ellipses, 1998, 319 pages.

[2] - Védrine: Les grandes conceptions de l'imaginaire, De Platon à Sartre et Lacan, coll. Poche, 1990.

[3] - Freud: Essais de psychanalyse appliquée, Trad. de l'allemand (Autriche) par Marie Bonaparte et E. Marty Collection Les documents bleus, nouvelle série (n° 54), Série L'Homme, Gallimard ,Parution : 01-01-1933.

[4] - تحدث كارل گوستاڤ يونغ كثيرا عن المتخيل الإبداعي الذي يساهم في توليد صور اللاوعي.

[5] - يرى جان بياجي أن المتخيل عند الطفل تعبير عن الانفعالات النفسية الواعية واللاواعية، وتحرير للرغبات المكبوتة التي يعيقها الواقع. ويتحقق نمو الطفل بواسطة الخيال والمتخيل. بمعنى أن المتخيل هو الذي يساعد الطفل على النمو والتفكير والتكيف مع الواقع. ومن ثم، يعوض المتخيل الواقع الغائب.

[6] - Jacques Lacan: Le Stade du miroir comme formateur de la fonction du Je : telle qu'elle nous est révélée dans l'expérience psychanalytique, Presses universitaires de France, ‎ 1949.

[7] -Cornelius Castoriadis: L'institution imaginaire de la société, Seuil.1975.

[8] -Bachelard Gaston: La Poétique de la rêverie, Paris, P. U. F., 1978; L’Air et les songes, Paris, Éditions José Corti, 1978; L’Eau et les rêves, Paris, Éditions José Corti, 1979; La Terre et les rêveries de la volonté, Paris, Éditions José Corti, 1980; La Flamme d’une chandelle, Paris, P. U. F., 1980; Le Droit de rêver, Paris, P. U. F., 1988.

[9] - Jean Burgos: Pour une poétique de l'imaginaire, Seuil, 1982.

[10] -Gilbert Durand: Les structures anthropologiques de l'imaginaire, Paris, Dunod, 1969; L’Imagination symbolique, Paris, P. U. F., 2012.

[11] -Gilbert Durand. : Figures mythiques et visages de l'œuvre. De la mythocritique à la mythanalyse, Paris, Berg International, 1979.

[12] -Jean-Paul Sartre: L'imaginaire. Gallimard, coll. « Folio », ‎ 1973 (1re éd. 1940), 379 p.

[13] -Blaga Lucian: La Genèse de la métaphore, in Trilogie de la culture, Paris, Librairie du savoir, 1995, Traduit par Y. Cauchois, R. Marin et G. Danesco.

[14] - انظر: ديفيد كارتر: النظرية الأدبية، ترجمة: باسل المسالمه، دار التكوين، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:122-123، وفي أثناء الحديث عن التفكيكي الأمريكي جي هلس ميلر.

[15] - محمد أنقار: بناء الصورة في الرواية الاستعمارية، مكتبة الإدريسي للنشر والتوزيع، تطوان، الطبعة الأولى سنة 1994م.

[16] - صلاح القصب: مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، الدوحة، قطر، الطبعة الأولى سنة 2003م.

[17] - جميل حمداوي: السيميولوجيا بين النظرية والتطبيق، الوراق للطبع والنشر، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2011م.

[18] - أبو القسم الشابي: الخيال الشعري عند العرب، تعليق وتقديم: أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1996م، ص:32.

[19]-Gilbert Durand:L'Imaginaire. Essai sur les sciences et la philosophie de l’image, Paris, Hatier, 1994 ; Champs de l’imaginaire. Textes réunis par Danièle Chauvin, Grenoble, Ellug, 1996.

[20] -Jean Burgos:Pour une poétique de l'imaginaire, p:396.

[21]- Jean Burgos:Op.Cit p: 398.

[22] -Gilbert Durand: Les Structures anthropologiques de l'imaginaire, Paris, Dunod (1re édition Paris, P.U.F., 1960) ; L'Imagination symbolique, Paris, PUF (1re édition en 1964).

 

 

رحيم الغرباويقراءة في المجموعة الشعرية (مرافئ التعب) للشاعرة العراقية المغتربة بنفسج محمد علي

لعل الوجود من وضع الأنا حسب الفيلسوف فشته (1) وأنَّ الجحيم هو الغير عند سارتر (2)، بينما الأدب هو ما يمثل عالم الإنسان الداخلي من خلال مؤثرات المحيط، فيبدو ذلك الإنسان أما قارَّا أو جازعاً مما يعتمله من تلك المؤثرات سلباً أو إيجاباً، وقد تحمَّل الأدب نزعة وجود الإنسان لاسيما الشاعر من خلال قراءة النصوص ومعالجة قضاياها وفتح آفاقها على الدراسات والاتجاهات الفلسفية التي دارت حول ذلك الإنسان، لا سيما إنساننا العربي، وهو يعيش الصراعات بفعل الأزمات السياسية التي تضع عواقبها على وجوده، والآخر الإنسان الذي يحيق بالإخر ظلما في القوت أو العمل أو المنافسة، أو اضطهاد يزمُّه الحبيب على حبيبه بفراق أو ماشابه، أو مآسي الوطن التي تتجدد على مدار الساعات، والعالم يعيش مطلع الألفية الثالثة .

والوجودية " بوصفها مذهباً أو اتجاهاً أو تياراً إنسانياً طرحت قضية الإنسان، وعدَّت الأدب هو القادر على أنْ يتبنى قضيته في العالم، وهذه القضية ... تتجلى أبرز مظاهرها في تحمُّل هذا الإنسان أعباء الإنسانية في تعاملها مع الكون أو مع الحياة بصيغة تمنحه السعادة والراحة والطمأنينة ... ومن هنا حمَّل الوجوديون الأديب سمة المسؤولية في إدراك هذا المفهوم " (3)، فالأدب هو مايحقق لبني البشر سعادتهم من خلال تعبيره عن ذواتهم، وما تطمح إليه تطلعاتهم.

ولما كان الأدب فنَّاً، والفن هو القادر على التعبير عن دواخل الإنسان والقادر على تغيير نمطية حياة المجتمعات من خلال توعيتها ذهنياً وروحياً وذوقياً؛ لذلك كان للأدب دوره الفاعل في تغيير حتى السياسات التي بدورها تقوم بتغيير حياة العالم إلى ماهو أكثر استقراراً وأماناً، والفنان " هو الذي يجعل الغائب حاضراً؛ لإدراكه أنَّ قدراً أكبر من الحقيقة إنَّما يكمن في الغياب، والفن بهذا المعنى صرخة في سبيل تحرر الإنسان من عالمه اليومي والسائد والمألوف والسطحي الواضح، والانتقال إلى عالم الباطن، ومواطن الأسرار، وبلوغ الموجود المبدع الكائن في أحشاء هذا العالم " (4)؛ لذلك يمكن أنْ يحقق الناقد من خلال قراءة نصوص الشاعر، واستلال ما يعانيه ذلك الشاعر وماتبوح به قريحته الإنسانية من استشعار لمعاناة بني الانسان من الواقع وقسوته التي تحيط به في ظل الاغتراب المكاني والنفسي الذي يعيشه أبناء الأمة .

وشاعرتنا بنفسج محمد علي من الشاعرات اللاتي اختلجنَ الشعر، وتلجلجت روحها فيه، وهي ترسم من خلال ما تستشعره صورة الصراع الداخلي الذي يحتاش الإنسان حين يفتقر إلى أعِزَّةٍ في وطن أو إلى حبيب غائب ومازالت الذاكرة تستطيبه، فتندى الجراح له، كأنْ يكون أباً أو أمَّاً أو حبيباً، فللمواقف الشعرية وأساليبها التعبيرية القدرة على البروز " بوصفها عناصر رؤيا للشعر المعاصر، إذ يجترح أحد الباحثين مجموعة سمات في الشعر المعاصر تمثل عناصر (لرؤيا الحداثة ) متمثلة بالصدق والتمرد والرفض والتركيز على وجدان الإنسان وعالمه الخارجي والشعور بإشكالية المصير الإنساني، ثم معاناة الانسلاخ والغربة الروحية، وأخيراً النسبية والتحرر من القواعد " (5) .

وشاعرتنا تطالعنا في العديد من قصائد مجموعتها الشعرية (مرافئ التعب) بما تحمله من مشاعر إنسانية مؤداها الرفض والتمرد والحنين لما يمتلكها من حبٍّ إنساني لبني الانسان، وما تستشعره من فداحة الاغتراب الذي ألمَّ بها؛ لذلك نجد القارئ الذي يعيش نفس المعاناة سيسلو من همومه وجراحاته بالحنين إلى ملاذه الذي يتوق إليه، فنراها تقول :

ثوب الليل لايستر عورةَ حزني

وبرهةَ فرحي

ورقة توتٍ لاتصمد طويلا أمام ليل المنفى !

كيف أهرب من وزر هذا الليل ؟

كيف لي أن أرتِّق جسد حرف

أكله رثُّ الانتظار ؟.

وهي تحاول أن تعبِّر عن جزعها إزاء غربتها، فالليل الكثيف بظلامه، هو غير قادر على أن يخفي أحزانها، ولا حتى برهة من فرحها، فهي كورقة التوت الرقيقة التي لاتصمد أمام عصف المنفى وقسوته، كذلك ليس باستطاعتها أنْ ترتِّق جسد حروفها التي تعبِّر بها عما يجيش في داخلها من حزن تجاه حنينها للوطن بيد أنَّها تعيش في غربة نكداء بعيدة عنه .

ويبدو أنَّ الشاعرة تعبِّر بطريقة فنية عمَّا يعتملها، مستعملة أسلوب الاستعارة في نصوصها، ومنها: (ثوب الليل، عورة حزني، ليل المنفى، جسد حرف، رثّ الانتظار)، كذلك استعمالها الرمز في (ورقة توت)، والتوت هو من أعز الأشجار (6)، وأوراقها من أندى الأوراق وأرقِّها؛ لذلك شبَّهت نفسها بأوراقه، وقد أشاعت في سطورها أصوات هامسة منها صوت التاء، فقد أوردته عشر مرات، وصوت اللام وأوردته تسع مرات معبِّرة بها عن خلجاتها الشفيفة ومعاناتها القاسية لتقدمها برقة وأناة، كما وردت الأصوات الهوائية ستاً وعشرين مرة، وهي: (الراء والواو والألف والهاء والحاء والفاء والزاي)؛ لتظهر لنا من خلال لاوعيها أنَّها تعيش مع الليل صراعاً مشوباً بالأسى واللوعة، وهي تكتم تلك الآلام مع نفسها الطرية، فتحاول أن تبكي على وسادة الصمت؛ لما ينتابها من حنين وشوق إلى الغائب البعيد، حين تستذكره وهو بعيد عنها (الوطن البعيد أو ممن يسكنه )، بينما أوردت أصوات الغصَّة والحشرجة واللوعة، وهما صوتا الكاف والعين وهي تُشفع الصوت الأول بالتساؤل بـ اسم الاستفهام (كيف) في إشارة إلى حيرتها أمام واقعها المعيش وفقدان ضالَّتها المنشودة .

أما قولها :

أنا الحرف

الذي لم يُكتَب بعد أبجديات العشق

أحشو بقايا نبضي بين طيات قلبك

لعلَّه يحيي بعض الرميم .

فنجد في سطورها تحدياً كبيرا وهي تقول قولتها في العشق الأبجدي، لكنَّ عشقها يفوق أبجديات كل العشاق من خلال ماستسطره من حروف تحمل معاني الشوق والوله والهيمان، بينما نلمس حنينا ثائراً يعصر حشايا قلبها، فهي تحاول أن تمنح النص معنى الترجي باستعمالها (لعل) مشفوعاً بدلالة الفعلين (لم يُكتب) لدلالته على الزمن الماضي والفعل (أحشو) للزمن المستمر لعل ذلك يحيي بعض الرميم، والمعنى الذي تستبطنه السطور هو الحنين المفرط للحبيب الذي تكنُّ له أسمى آيات الجمال الروحي .

بينما قولها :

أنا مذ عرفتك

ركبتُ موجَ الله

أعرف سبيل الملقى

وسأبقى رهن انتظارك

ما حييت .

فنجد في ذلك إحساساً عالياً من الحنين والتوق للحبيب (الوطن)، وهي تطعمه بنكهة المقدس؛ لتسبغ حنينها بسلافته، بيد أنَّها تناسق بين الأفعال الماضية (عرف، ركب) من جهة؛ للانتقال من زمن الماضي، إلى زمن الحاصر في دلالة الفعل: (أعرف) ثم بالفعل المضارع (سأبقى) الدال على المستقبل؛ لتمنحنا استمرارية الانتظار والصبر على لقيا من تكنُّ له حبَّها الشرعي المكين .

ثم تؤكد مجاهرتها لمرارة الألم الممض وتَمَزُّق النفس؛ لفقدان أملها لعتمة نفق حياتها الذي ليس فيه منفذاً للنور؛ مما يجعلها تعيش الحيرة والمعاناة، فنراها تقول:

ومن أين نأتي

بكركرات طفلةٍ

تكسر ضلعَ الجحيم؛

لتضيء بإشراقها

حلكة أفقنا المعتم .

إذ نراها قد نفد صبرها؛ لتتعلل بالكلمات، فهي تتساءل عن كيفية جلب كركرات طفلة، والطفلة تمثل البراءة، وكركراتها تومئ إلى سعادتها؛ لذا فالشاعرة تتمنى أن تعيش مع مَن تَفتقده؛ لتتمكن من كسر لسع الجحيم لها؛ ومما تقاسية من البعاد وظلمة العيش التي تستشعرها بعدما رست أساطيل الوجع في مؤانئ قلبها المفعم بالحب، ومن دون جدوى في إضاءة حلكة أفقها، بل وبوأد أملها المُنتَظر .

أما قولها :

خارطة أفكاري ضلَّت فتنتها

وتاهت في مداها ظنوني

وحدها سرائري

بقيت تطوف

بغربتي تتشح رداء

الأماني .

والشاعرة هنا تفرق بين الفكر والعاطفة، فهي تريد أنْ تبيِّن أنَّها حينما تتعامل مع المنطق، وهي تعيش الواقع ترى أنْ لامناص لما هي عليه؛ كونها تعيش الاغتراب المكاني، بينما تترك للعاطفة إحساسها تجاه توقها؛ وذلك من خلال سرائرها التي ظلَّتْ تتطوَّف بغربتها؛ وهي تتشح رداء أمنياتها أملاً في تحققها .

من هنا نستنتج أنَّ شاعرتنا بنفسج في انتظارها للأمل الموعود قد وظَّفت كل ما ينتج لها من حنين بات يشغل عاطفتها؛ ذلك لما تعانيه من غربةٍ مفرطة، جعلت نصوصها تحمل القلق والحسرة الذي نجم من الاغتراب، ومن ثم الحنين إلى مسقط رأسها وأحبَّتها هناك .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

......................................

الهوامش :

(1) ينظر: موسوعة الفلسفة، د. عبد الرحمن بدوي :2/ 627

(2) ينظر: المصدر نفسه : 1/ 568 .

(3) الرؤيا والتشكيل في الشعر العربي المعاصر، سلام الأوسي : 157.

(4) دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام كاظم الأوسي : 49.

(5) دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام الأوسي : 52، وينظر :

الصوت الآخر، فاضل ثامر : 230 .

(6) ينظر عجائب الملكوت، عبد الله الزاهد : 200

 

كريم مرزة الاسديالقصة بمعلقتها وحياته، واستطرادات أخرى.

الشعر لسان؛ واللسان عنوان لِما في النفوس من كتمان؛ سلاح ذو حدين؛ إمّا أنْ يرتفع به الشأن أو يزري بصاحبه للذل والهوان؛ وكم رأس حصيد هذا اللسان؛ إذا ما سلـّط الله عليه السلطان أو الأعوان عندما يخلع الإنسان من ضميره الوجدان؛ والشعر طبعٌ وصنعٌ؛ وإذا غلب الطبع قد تزل به قدم في وقت لا ينفع به الندم؛ وربّما يأتي ركيكاً فيُهمل؛ أو أحمقاً فيقتل؛ يرتفع على كتفه اسم؛ ويغيب من أفقه نجم؛ تعقد لأجله المناظرات والنقائض والمعارضات في مجالس الخلفاء والملوك؛ وتقام له الأسواق كعكاظ والمربد و ذي المجاز و مَجنَّة وهجر؛ يحضرها الفحول للاستماع إلى الناشئة الصاعدين؛ والتحكيم بين المتسابقين في دواوين شعبية؛ تحتضنها القبائل العربية؛فكان للشعر دور لايشق له غبار؛ إلا من قبل الكبار؛ ومن هنا يجب علينا التأمل والتمعن وأنْ نرى لِما روى أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي البحتري (ت 284 هـ/ 897 م)عن وصية أستاذه أبي تمام حبيب بن أوس الطائي (ت 228 هـ / 843م) قائلاً:

" كُنتُ في حَداثَتي أرُومُ الشِّعْرَ، وكنتُ أَرْجِعُ فيهِ إلَى طَبْعٍ، ولَمْ أَكُنْ أَقِفُ علَى تَسْهيلِ مَأْخَذِهِ، ووجُوهِ اقْتِضابِه، حتى قصدتُّ أبا تَمَّامٍ، وانقطعتُ فيه إليه، واتَّكلْتُ في تَعريفِه عليه؛ فكانَ أوَّل ما قال لي:

يا أبا عُبادة؛ تخيَّر الأوقاتَ وأنت قليلُ الهُمومِ، صِفْرٌ من الغُمومِ. واعْلَمْ أنَّ العادةَ جَرَتْ في الأوقاتِ أن يقصدَ الإنسانُ لتأليفِ شَيْءٍ أو حِفْظِه في وَقْتِ السَّحَرِ؛ وذلكَ أنَّ النَّفْسَ قَدْ أَخَذَتْ حَظَّهَا مِنَ الرَّاحةِ، وقِسْطَهَا مِنَ النَّوْمِ. وإنْ أردتَّ التَّشْبيبَ؛ فاجْعَلِ اللَّفْظَ رَشيقًا، والمعنَى رَقيقًا، وأَكْثِرْ فيه مِن بَيانِ الصَّبابةِ، وتوجُّعِ الكآبَةِ، وقَلَقِ الأَشْوَاقِ، ولَوْعَةِ الفِراقِ . فإذا أَخَذْتَ في مَديحِ سيِّدٍ ذي أيادٍ؛ فأشْهِرْ مَناقِبَهُ؛ وأظْهِرْ مناسِبَه، وأَبِنْ مَعالِمَهُ، وشرِّفْ مقامَهُ. ونَضِّدِ المعانيَ، واحْذَرِ المجهولَ مِنْها. وإيَّاكَ أن تَشينَ شِعْرَكَ بالألفاظِ الرَّدِيئةِ، ولْتَكُنْ كأنَّكَ خيَّاطٌ يقطعُ الثِّيابَ علَى مَقاديرِ الأجسادِ. وإذا عارَضَكَ الضَّجَرُ؛ فأَرِحْ نَفْسَكَ، ولا تعملْ شِعْرَكَ إلاَّ وأنتَ فارغُ القَلْبِ، واجْعَلْ شَهْوَتَكَ لقولِ الشِّعْرِ الذَّريعةَ إلَى حُسْنِ نَظْمِهِ؛ فإنَّ الشَّهْوَةَ نِعْمَ المُعِينُ. وجُمْلَةُ الحالِ أَن تعتبرَ شِعْرَكَ بِما سَلَفَ مِن شِعْرِ الماضينَ، فما اسْتَحْسَنَ العُلَماءُ فاقْصِدْهُ، وما تَرَكُوهُ فاجْتَنِبْهُ؛ ترشد إن شاءَ اللهُ . قالَ: فأعملتُ نَفْسي فيما قالَ؛ فوقفتُ علَى السياسةِ . ". (1)

مما نستشفّ ُ من الوصية الطائية اللؤلؤية أنّ البحتري من المطبوعين يعتمد على موهبته الخالصة في نظم الشعر ابتداءً؛ وأستاذه أبو تمّام يميل إلى الصنعة والتأمل والزخرفة وتحكيم العقل تجربة ً، فأوصاه بها لكي لا ينحدر الشاعر للهاوية دون قيدٍ يقيه؛ أو سدٍّ يحميه؛ وأقرّ الموصى له بعمله بها حتى وقف على السياسة؛ والسياسة تقتضي اختيار الوقت المناسب للإبداع بحيث يكون الشاعر متهيّئاً نفسياً وفكرياً وخلقياً لصبِّ خوالج وجدانه العاطفية، وخالياً من انفعالاته النفسية الشخصية؛ إذ هو" قليلُ الهُمومِ، صِفْرٌ من الغُموم "؛ وبالتالي لا تطغي سوداويته على الوجه الأبيض المنير للشعر السليم؛ ثم يتطرق الأستاذ الشاعر الناقد إلى ضوابط غرضين من الأغراض الشعرية؛ وهما الغزل والمدح؛ وتغاضى أبو تمام عن الهجاء والرثاء؛ ففي الهجاء منافرة لا مقاربة؛ والرثاء فراق لا يأمل اللقاء؛ والشاعر يكون أقرب إلى الصدق فيهما من الكذب؛ والشعر يغني كذبُهُ عن صدقه؛ كما يقول البحتري نفسه !! ويقول: عبدان بن عصمان العاطفي السلـّمي في هذا المعنى:

وقالوا في الهجاء عليك إثم *** وليس الإثم إلا في المديح

لأني إن مدحت مدحت زوراً**وأهجو حين أهجو بالصحيح (2)

أمّا الفخر فالبحتري قليل الفخر؛ وهذا أمر يخصّه شخصياً - ربّما لأنه جليس المتوكل؛ وما أراد أن يؤلب على نفسه؛ أحقاد الخلفاء ومن حولهم؛ وهذا عقل وحكمة - و إنْ كان الرجل يزهو بنفسه مترنحاً متمايلاً عند الإلقاء؛ وقد عكفنا عن التشبيب الذي يتضمن الثناء والرقة واللوعة والإغراء؛ فهو ليس من موضوعنا عن هؤلاء أمام هؤلاء؛ يبقى لدينا المدح للسادة النجباء؛ والزعماء والخلفاء؛ فالرجل يترك للرجل اختيار الألفاظ؛ فلكلّ مقام مقال؛ ولكلِّ جسدٍ مقدار؛ ولكن لابدّ من إشهار المناقب والفضائل والمعالم بإنتقاء الألفاظ الحسنة؛ وتنضيد المعاني الخيرة دون غلو ٍمحرج؛ ولا لبس ٍمزعج باجتناب تأويل المعنى المجهول الذي تمتطيه الظنون لتقلب المدح ذمّاً؛ والخير شرّاً؛ ومن أراد أنْ يستأنس برأيٍ آخر في توجهاته عن الوصية عليك بمقالة الدكتور عبد الكريم محمد حسين (3) .

ومن هنا نفهم تمام الفهم أن جذور تبعية الثقافة للسياسة؛ والقلم للسيف في بلاد العرب منذ العصر الجاهلي حتى يومنا الحالي؛ فلا عجب أن نرى أبا تمام ينصب السيف على صدر مطلع قصيدته الرائعة إبان فتح عمورية المعتصم...!!؛ رغم تفهمي للبيت الذي ورد في المكان المناسب؛ والزمان الملائم؛ ولكن يبقى السيف سيفاً؛ وتبقى الكتب كتباً...!!:

الـسَيفُ أَصـدَقُ أَنـباءً مِنَ الكُتُبِ *** فـي حَـدِّهِ الـحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ

ومثله ذهب المتنبي في رفع شأن مجد السيف الخامد على حساب مجد القلم الخالد:

حتى رجعتُ وأقلامي قوائلُ لي *** المجد للسيفِ ليس المجدُ للقلم ِ

ولا أخالك تحسب إن السيف في كلا البيتين موجهاً للداخل؛ كما هو الحال في أيامنا البائسة؛ وإنما للدفاع عن الأوطان .

المهم فكرة الخوف من سلطة السيف والتهيب منه مختمرة في عقول سلاطين القلم ...!! وإنّ أبا تمّام بقى تابعا لسيف معتصمه؛ بل أوصى تلميذه الانتهازي المسكين البحتري - وما هو بمسكين ...!!- أن يسلك الدرب نفسه؛ وليترك معاصره البائس ابن الرومي إلى جهنم وبئس المصير ...!!

لذلك لا تتعجب من البحتري أن يجيب ابن الرومي بهذين البيتين القاسييَن مع تخت من المؤونة وكيس من الدراهم احتقاراً له حين هجاه الأخير:

شاعر لا أهابهُ *** نبحتني كلابهُ

إنَّ مَنْ لا أحبّهُ ***لعزيز ٌ جوابهُ ...!!

والمتنبي ظلَّ تابعاً في مسيرته لسيوف سيف دولته وكافور أخشيده وعضد دولته ...

هذا كلـّه؛ ويجب أنْ نستثني من تاريخ العرب - على الأغلب - عصر صدر الإسلام منذ بداية البعثة النبوية الشريفة حتى مقتل الإمام (40 هـ)؛ وعهد الخليفة عمر بن عبد العزيز (99 هـ - 101 هـ ) لعدله؛ وعهد المأمون (198 هـ 218 هـ) لحنكته وحكمته؛ وما علينا إلا أن نفصل بعدة حلقاتٍ بحثنا الموسوم عن هؤلاء بين أيدي هؤلاء بالأعتماد على ما رواه ودوّنه القدماء .

1 - الشاعرعمرو بن كلثوم التغلبي يثأر بوجه ملك الحيرة عمرو بن هند حتى القتل عقبى إذلاله... !!:

نشرع بقصة مقتل ملك العرب في الحيرة عمرو بن هند (ت 576 م) علي يد عمرو بن كلثوم (ت حوالي 600م)؛ كما يرويها أبو عبيدة معمر بن المثني التيمي المتوفي سنة (209 هـ / 824 م) في (كتاب أيام العرب قبل الاسلام) قائلا - بتصرف -:

ذكروا أن عمرو بن هند؛ وأمه هند بنت الحارث بن حجر بن آكل المرار الكندي وأبوه المنذر بن ماء السماء اللخمي؛ قال: ذات يوم لجلسائه هل تعلمون أن أحدا من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي؛ فقالوا: لا ما خلا عمرو بن كلثوم فإن امه ليلى بنت المهلهل أخي كليب؛ وعمها كليب؛ وهو وائل بن ربيعه ملك العرب وزوجها كلثوم؛ فسكت عمرو على ما في نفسه؛ ثم بعث عمرو بن هند الى عمرو بن كلثوم يستزيره؛ وأن تزور ليلى هنداً؛ فقدم عمرو في فرسان تغلب؛ ومعه أمه ليلى؛ فنزل شاطيء الفرات؛ وبلغ عمرو بن هند قدومه؛ فأمر بخيمه فضربت بين الحيره والفرات؛ وأرسل إلى وجوه مملكته فصنع لهم طعاما . ثم دعا الناس إليه؛ فقرب إليهم الطعام على باب السرادق؛ وبقى هو وعمرو بن كلثوم وخواص من الناس في السرادق؛ ووضع لأمه هند على جانب السرادق قبة جلست فيها؛ ومعها أم عمرو بن كلثوم؛ وأسرّ الملك أمه قائلاً: إذا فرغ الناس من الطعام فلم يبق الا الطُرَف؛ فنحّي خدمك عنك؛ فإذا دعوت بالطرف؛ فاستخدمي ليلى آمرة ًلتناولك الشيء بعد الشيء؛ يريد طرف الفواكه وغير ذلك من الطعام؛ ففعلت هند ما أمرها ابنها حتى إذا دعا بالطرف قالت هند لليلى: ناوليني ذلك الطبق؛ قالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها؛ فقالت: ناوليني وألحت عليها؛ فقالت ليلى واذلاه .... يا لتغلب؛ فسمعها ابنها عمرو بن كلثوم؛ فثار الدم في وجهه والقوم يشربون؛ ونظر إلى سيف عمرو بن هند؛ وهو معلق بالسُّرادق؛ ولم يكن بالسرادق سيف غيره؛ فثار الى السيف مصلتا فضرب به رأس عمرو بن هند فقتله؛ ثم خرج فنادى: يا لتغلب فانتهبوا ماله وخيله؛ وسبوا النساء ولحقوا بالجزيرة .

وقد كان المهلهل بن ربيعة وكلثوم بن عتاب ابو عمرو بن كلثوم أجتمعوا في بيت كلثوم على شراب؛ وعمرو يومئذ غلام؛ وليلى أم عمرو تسقيهم؛ فبدأت بأبيها مهلهل ثم سقت زوجها كلثوم بن عتاب؛ ثم ردت الكأس على أبيها وابنها عمرو عن يمينها؛ فغضب عمرو من صنيعها وقالها من بعد:

صَبَنْتِ الكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْـرٍو *** وَكَانَ الكَأْسُ مَجْرَاهَا اليَمِيْنَا

وَمَـا شَـرُّ الثَّلاَثَـةِ أُمَّ عَمْـرٍو **** بِصَاحِبِـكِ الـذِي لاَ تَصْبَحِيْنَـا

فلطمه أبوه؛ وقال: يا لكع (اي يا احمق )؛ بلى والله شر الثلاثة . أتجتري أن تتكلم بهذا الكلام بين يديّ؛ فلما قتل عمرو بن هند: قالت له أمه:" بأبي أنت وأمي؛ أنت والله خيرُالثلاثة اليوم "؛ وذكر الشاعر الحادثة في النصف الأخير من معلقته الذي نظمه من بعدها؛ أما النصف الأول منها؛ فنظمه يوم الاحتكام؛ ويتضمن الافتخار بقبيلته؛ والتماهي حماسة أمام الملك والبكريين؛ وشاعرهم الحارث بن حلزة اليشكري؛ ونحن علينا بالمطلع؛ وهجومه الضاري على عمرو بن هند والتشفي منه بعد مقتله ... إليك:

أَلاَ هُـبِّـي بِصَحْـنِـكِ فَاصْبَحِيْـنَـا ***وَلاَ تُـبْـقِي خُـمُـوْرَ الأَنْدَرِيْـنَا

.......................

فَـأَمَّـا يَــوْمَ خَشْيَـتِـنَـا عَلَـيْـهِـمْ ***فَتُصْـبِحُ خَيْلُـنَا عُـصَـباً ثُبِـيْـنَا

وَأَمَّـا يَــوْمَ لاَ نَخْـشَـى عَلَيْـهِـمْ *** فَـنُـمْـعِــنُ غَـــارَةً مُتَلَـبِّـبِـيْـنَـا

بِرَأْسٍ مِنْ بَنِي جُشْـمٍ بِـنْ بَكْـرٍ ** نَــدُقُّ بِهِ السُّهُـوْلَـةَ وَالحُـزُوْنَـا

أَلاَ لاَ يَـعْــلَــمُ الأَقْـــــوَامُ أَنَّـــــا ***وتَضَعْضَـعْـنَـا وَأَنَّا قَـدْ وَنِـيْـنَـا

أَلاَ لاَ يَـجْـهَـلَـنَّ أَحَــــدٌ عَـلَـيْـنَــا*** فَنَجْهَـلَ فَـوْقَ جَهْـلِ الجَاهِلِيْنَا

بِـاَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْـرُو بْــنَ هِـنْـدٍ****نَـكُـوْنُ لِقَيْلِـكُـمْ فِيْـهَـا قَطِـيْـنَـا

بِـأَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْـرَو بْــنَ هِـنْـدٍ ***تُطِـيْعُ بِـنَا الـوُشَاةَ وَتَـزْدَرِيْـنَـا

تَـهَــدَّدُنَــا وَتُـوْعِــدُنَــا رُوَيْــــــداً ***مَـتَـى كُـنَّـا لأُمِّـــكَ مَقْتَـوِيْـنَـا

فَــإِنَّ قَنَاتَـنَـا يَــا عَـمْـرُو أَعْـيَـتْ ***عَلى الأَعْـدَاءِ قَبَـلَكَ أَنْ تَلِيْـنَا

وَرِثْنَـا مَجْـدَ عَلْقَمَـةَ بِـنْ سَيْـفٍ ***أَبَاحَ لَنَا حُـصُـوْنَ المَجْـدِ دِيْـنَا

وَرَثْــتُ مُهَلْـهِـلاً وَالـخَـيْـرَ مِـنْهُ ***زُهَـيْـراً نِـعْمَ ذُخْـ رُ الذَّاخِـرِيْـنَا

وَعَـتَّـابــاً وَكُـلْـثُـوْمــاً جَـمِـيْـعــاً ***بِـهِـمْ نِـلْـنَا تُـــرَاثَ الأَكْرَمِـيْـنَـا

وَنَـحْـنُ الحَـاكِـمُـوْنَ إِذَا أُطِـعْـنَـا***وَنَـحْـنُ الـعَازِمُوْنَ إِذَا عُصِـيْـنَا

وَنَحْـنُ التَّارِكُـوْنَ لِـمَـا سَخِطْـنَـا*** وَنَـحْـنُ الآخِـذُوْنَ لِـمَا رَضِـيْـنَا

كَــأَنَّ غُضُوْنَـهُـنَّ مُـتُـوْنُ غُـــدْرٍ *** تُصَفِّـقُـهَا الـرِّيَـاحُ إِذَا جَـرَيْـنَا

كَـأَنَّــا وَالـسُّـيُــوْفُ مُـسَـلَّــلاَتٌ *** وَلَـدْنَـا الـنَّـاسَ طُـرّاً أَجْمَعِـيْـنَـا

وَقَـدْ عَلِـمَ القَبَـائِـلُ مِــنْ مَـعَـدٍّ *** إِذَا قُــبَــبٌ بِـأَبـطَـحِـهَـا بُـنِـيْـنَــا

بِـأَنَّــا المُـطْـعِـمُـوْنَ إِذَا قَــدَرْنَــا ***وَأَنَّـا المُـهْـلِـكُـوْنَ إِذَا ابْتُـلِـيْـنَا

وَأَنَّـــا المَـانِـعُـوْنَ لِـمَــا أَرَدْنَــــا*** وَأَنَّا النَّـازِلُـوْنَ بِـحَـيْـثُ شِـيْـنَا

إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً *** أَبَـيْـنَـا أَنْ نُــقِــرَّ الــــذُّلَّ فِـيْـنَــا

مَلأْنَـا الـبَـرَّ حَـتَّـى ضَــاقَ عَـنَّـا ***وَظَـهـرَ البَـحْـرِ نَمْـلَـؤُهُ سَفِـيْـنَـا

إِذَا بَـلَـغَ الـفِـطَـامَ لَـنَــا صَـبِــيٌّ *** تَـخِـرُّ لَـــهُ الجَـبَـابِـرُ سَاجِـديْـنَـا (4)

وعن هذه الحادثة قال الفرزدق لجرير:

ما ضر تغلب وائل ٍ أهجوتها *** أم بلت حيث تناطح البحرانِ ِ

قوم هم قتلوا ابن هندٍ عنوةً **عمراً وهم قسطوا على النعمانِ ِ

وقال أفنون التغلبي مذكـّراً بدعوة عمرو بن هند غير الموفقة لدعوة أم ابن كلثوم لخدمة أمه:

لعمرك ما عمرو بن هند إذا دعا *** ليخدم أمى أمه بموفق ِ

ويقال إن أخ الشاعر القاتل واسمه مرة بن كلثوم هو أيضاً قد قتل المنذر بن النعمان بن المنذر من قبل؛ وفي ذلك يقول الأخطل التغلبي مفتخراً !:

أبنى كليب إن عمى اللذا *** قتلا الملوك وفككا الأغلالا

يعني بعميه عمراً ومرة ابني كلثوم؛ ولشغف تغلب بقصيدة ابن كلثومهم؛ وكثرة روايتهم لها قال بعض الشعراء متهكماً:

ألهى بنى تغلب عن كل مكرمة *** قصيدة قالها عمرو بن كلثوم

يفاخرون بها مذ كان أولهم **** يا للـــرجال لفخر غير مسؤوم (5)

2 - النعمان والطائي وقراد وألف ليلة وليلة !!

ينقل عبد القادر البغدادي في (خزانة أدبه) عن القالي قوله في (ذيل أماليه) بسند: كان المنذر بن ماء السماء جد النعمان بن المنذر؛ ينادمه رجلان من العرب: خالد بن المضلل؛ وعمرو بن مسعود الأسديان؛ فشرب ليلة معهما فراجعاه الكلام فأغضباه؛ فأمر بهما وجعلا في تابوتين ودفنا بظاهر الكوفة؛ فلما أصبح سأل عنهما فأخبر بذلك؛ فندم وركب حتى وقف عليهما؛ وأمر ببناء الغريين؛ وجعل لنفسه يومين: يوم بؤس؛ ويوم نعيم، في كل عام، فكان يضع سريره بينهما؛ فإذا كان يوم نعيمه؛ فأول من يطلع عليه وهو على سريره يعطيه مائة من إبل الملوك؛ وأول من يطلع عليه في بؤسه يعطيه رأس ظريان؛ ويأمر بدمه فيذبح؛ ويغرى بدمه الغريان .

وقد رجع المنذر عن هذه السنـًة السيئة؛ روى الموصلي في أوائله أن المنذر استمر على ذلك زماناً حتى مر به رجل من طيئ؛ يقال له: حنظلة بن عفراء؛ فقال له: أبيت اللعن؛ أتيتك زائراً؛ ولأهلي من خيرك مائراً؛ فلاتكن ميرتهم قتلي؛ فقال: لا بد من ذلك؛ وسلني حاجة قبله أقضها لك؛ قال: تؤجلني سنة أرجع فيها إلى أهلى وأحكم أمرهم، ثم أرجع إليك في حكمك؛ قال: ومن يتكفل بك حتى تعود ؟ فنظر في وجوه جلسائه؛ فعرف منهم شريك بن عمروٍ، أبا الحوفزان بن شريك؛ فأنشأ يقول (مجزوء الرمل):

يا شريكاً يا ابن عمرو***هل من الموت محاله

يا أخا كـــل مصـــابٍ *** يا اخا مــن لا أخا له

يا أخا شيبان فك الــــ ***يوم رهناً قـــد أتى له

إنً شـــــيبان قبيــــــلٌ **** أكــرم الله رجـــــاله

وفتاك اليوم في المجـــ *** دِ وفي حسن المقاله

فوثب شريك؛ وقال: ابيت اللعن؛ يده يدي؛ ودمه دمي إن لم يعد إلى أجله؛ فأطلقه المنذر؛ فلما كان القبل جلس في مجلسه؛ وإذا ركب قد طلع عليهم؛ فتأملوه فإذا هو حنظلة قد أقبل متكفناً متحنطاً، معه نادبته؛ وقد قدمت نادبة شريك تندبه، فلما رآه المنذر عجب من وفائهما وكرمهما؛ فأطلقهما وأبطل تلك السنةوقد ذكر في إبطال المنذر هذه السنة غير هذا ؟ وأورده الموصلي والميداني في مثلٍ؛ وهو:

إن غداً لناظره قريبُ

وهو قطعة من بيت (الوافر):

وإن يك صدر هذا اليوم ولى *** فإن غداً لناظره قريبُ (6)

ويذكرالميداني في (مجمع أمثاله) مقدمة تراجيدية للرواية أشبه بقصص ألف ليلة وليلة؛ تتلخص أنّ أول من قال البيت قراد بن أجدع؛ وذلك أن النعمان بن المنذر خرج يتصيد على فرسه اليحموم؛ فأجراه على أثر عير فذهب به الفرس في الأرض ولم يقدر عليه وانفرد عن أصحابه وأخذته السماء فطلب ملجأ يلجأ إليه؛ فدفع إلى بناء فإذا فيه رجل من طيء يقال له حنظلة ومعه امرأة له فقال لهما: هل من مأوى؛ فقال حنظلة: نعم؛ فخرج إليه فأنزله ولم يكن للطائي غير شاة؛ وهو لا يعرف النعمان؛ فقال لامرأته: أرى رجلاً ذا هيئة وما أخلقه أن يكون شريفاً خطيراً. فما الحيلة؛ قالت: عندي شيء من طحين كنت أدخرته؛ فاذبح الشاة لأتخذ من الطحين ملة. قال: فأخرجت المرأة الدقيق فخبزت منه ملة؛ وقام الطائي إلى شاته فاحتلبها ثم ذبحها فاتخذ من لحمها مرقة مضيرة؛ وأطعمه من لحمها؛ وسقاه من لبنها؛ واحتال له شراباً فسقاه وجعل يحدثه بقية ليلته؛ فلما أصبح النعمان لبس ثيابه وركب فرسه ثم قال: يا أخا طيئ أطلب ثوابك، أنا الملك النعمان؛ قال: أفعل أن شاء الله؛ ثم لحق الخيل فمضى نحو الحيرة؛ ومكث الطائي بعد ذلك زماناً حتى أصابته نكبة وجهد وساءت حاله؛ فقالت له امرأته: لو أتيت الملك لأحسن إليك؛ فأقبل حتى انتهى إلى الحيرة فوافق يوم بؤس النعمان؛ فإذا هو واقف في خليه بيده السلاح؛ فلما نظر إليه النعمان عرفه وساءه مكانه؛ فوقف الطائي المنزول به. فبادره النعمان قائلاً: أفلا جئت في غير هذا اليوم ؟ قال: أبيت اللعن؛ وما كان علمي بهذا اليوم ؟! قال: والله لو سخ لي في هذا اليوم قابوس أبني لم أجد بداً من قتله؛ فاطلب حاجتك من الدنيا وسل ما بدا لك فإنك مقتول؛ قال: أبيت اللعن؛ وما أصنع بالدنيا بعد نفسي ! قال النعمان: إنه لا سبيل إليها؛ قال: فإن كان لا بد فأجعلني حتى ألم بأهلي فأوصي إليهم وأهيئ حالهم؛ ثم انصرف إليك؛ قال النعمان: فأقم لي كفيلاً بموافاتك؛ فالتفت الطائي إلى شريك بن عمرو الشيباني؛ وكان يكنى أبا الخوفزان؛ وكان صاحب الردافة؛ وهو واقف بجنب النعمان فقال الشعر المذكور آنفاً؛ فأبى شريك أن يتكفل به، فوثب إليه رجل من كلب يقال له قراد ابن أجدع فقال للنعمان: أبيت اللعن؛ هو عليّ؛ قال النعمان: أفعلت قال: نعم فضمنه إياه ثم أمر للطائي بخمسمائة ناقة؛ فمضى الطائي إلى أهله؛ وجعل الأجل حولاً؛ من يومه ذلك إلى مثل ذلك اليوم من قابل؛ فلما حال عليه الحول وبقي من الأجل يوم قال النعمان لقراد: ما أراك إلا هالكاً غداً؛ فقال قراد:

فإن يك صدر هذا اليوم ولى *** فإن غداً لناظره قريب

فلما أصبح النعمان؛ ركب في خيله ورجله متسلحاً كما كان يفعل حتى أتى الغريين؛ فوقف بينهما وأخرج معه قراداً وأمر بقتله فقال له وزراؤه: ليس لك أن تقتله حتى يستوفي يومه؛ فتركه؛ وكان النعمان يشتهي أن يقتل قراداً ليفلت الطائي من القتل؛ فلما كادت الشمس تجب وقراد قائم مجرد في أزار على النطع؛ والسياف إلى جنبه؛ أقبلت أمرأته وهي تقول:

أيا عين أبكي لي قراد بن أجدعا **** رهينــاً لقتل لا رهيناً مودعا

أتته المنايا بغتة ًدون قومه ***فأمسى أسيراً حاضر البيت أضرعا (7)

فبينما هم كذلك إذ رفع لهم شخص من بعيد وقد أمر النعمان بقتل قراد؛ فقيل له ليس لك أن تقتله حتى يأتيك الشخص فتعلم من هو فكف حتى انتهى إليهم الرجل فإذا هو الطائي فلما نظر إليه النعمان شق عليه مجيئه فقال له: ما حملك على الرجوع بعد إفلاتك من القتل قال: الوفاء؛ فقال النعمان: والله ما أدري أيها أوفى وأكرم أهذا الذي نجا من القتل فعاد أم هذا الذي ضمنه !! والله لا أكون ألأم الثلاثة؛ فأنشد الطائي يقول:

ما كنت أخلف ظنه بعد الذي*** أسدى إلي من الفعال الخالي

ولقد دعتني للخلاف ضلالتي *** فأبيت غير تمجدي وفعالي (8)

فترك النعمان القتل منذ ذلك اليوم وأبطل تلك السنـّة؛ وعفا عن قراد والطائي؛ وقراد شاعر جاهلي من بني الحداقية؛ من بني جشم بن بكر بن عامر الأكبر؛ كان نصرانيا؛ ومن مجالسي ملوك الحيرة.

هكذا ترى كيف كان يروي الأخباريون الأحداث في العصر الجاهلي بعدًة روايات متباينة جداً في سعة تخيّلها؛ واختلاف شخوصها ! فعليك أن تغربل حابلها عن نابلها؛ والله المستعان في تثبيت الحقيقة وإجلاء الخيال؛ وإنْ كان من المحال !!

 

كريم مرزة الأسدي

.........................

(1) (العُمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده): ابن رشيقٍ القيرواني؛ ت. محمد محيي الدين عبدالحميد؛ ط 4؛ 1972م ج2، ص 114 - 115 - دار الجيل . وراجع: ج1 ص 152 زهر الأداب .

(2) ( محاضرات الأدباء): الراغب الأصفهان - 1 / 175 - موقع الوراق - يذكر البيتين؛ وقبلهما (عبدان) فقط دون ذكر اسم أبيه ولقبه.

(3) راجع للتفصيل مقال " وصية أبي تمام للبحتري" الإسناد والتوثيق، الدكتور عبدالكريم محمد حسين، المجلد 19، العدد (3، 4)، 2003، ص: 21 - مجلة جامعة دمشق .

ط 2 - ت: سمير جابر- ج 11 ص 54 وما بعدها - - (4) (الأغاني) :أبو الفرج الأصفهاني دار الفكر.

(5) راجع (الشعر والشعراء): ابن قتيبة الدينوري - 1 /42 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

(6) ( خزانة الأدب): عبد القادر البغدادي - ج11 ص 290 - 293 موقع مكتبة الشيعة .

(7) ( مجمع الأمثال): الميداني - 29 / 1 - عن موقع الوراق - الموسوعة الشاملة .

(8) 1 / 30 م . ن .

 

عدنان حسين احمدصدرت عن "دار الحكمة" بلندن رواية "ليلة المعاطف الرئاسية" للكاتب محمد غازي الأخرس وهي باكورة أعماله الروائية التي تتمحور ثيمتها الرئيسة على الخطف والقتل والترويع غبّ سقوط النظام الديكتاتوري السابق ومجيء السلطة الجديدة التي أذكت الصراعات والفتن الطائفية وهيّجت رواسب الماضي السحيق، ودفعت بعض العراقيين إلى حافة التوحش فلا غرابة أن يطلق بعض النقّاد توصيف "الأدب الوحشي أو الكابوسي أو السوداوي" على العديد من الروايات المعاصرة مثل "مَشْرحة بغداد" لبرهان شاوي، و "قَتَلة" لضياء الخالدي، و "فرانكشتاين في بغداد" لأحمد سعداوي وسواها من الروايات العراقية التي رصدت العنف الطائفي منذ 2003 وحتى الوقت الحاضر. ولا تشذ "ليلة المعاطف الرئاسية" عن التوصيفات الثلاثة أعلاه لكنها تنفرد بالقسوة المضاعفة، والأجواء الغريبة الناجمة عن تماهي الواقع الدموي المُفجع، بالخيال الفنتازي المُجنّح.

تقوم الرواية برمتها حدثين متوازيين، الأول يستدرج فيه الجنرال كوكز ضحيته التي يسمّيها الروائي أولاً بـ "القارئ" ثم "القارئ - الكاتب" لاحقًا، ويصطحبه معه، رغم اعتراض زوجته، في دبّابته برحلة ليلية طويلة تبدأ من شارع القناة وتنتهي بمعسكر أميركي في شارع المطار. فيما يبدأ الحدث الثاني عندما يذهب المدير عوّاد، في رابع أيام عيد الأضحى لاستعادة أبنائه المُختطَفين الثلاثة، ويموت، من الخوف ربما، إثر مناوشة بين جنود أميركيين وجماعة مسلّحة ثم نكتشف تباعًا أن أولاده الثلاثة قد قُتلوا بدمٍ بارد وكدّسهم السائق في المقعد الخلفي، بينما ينحشر الضحية الخامسة "حيدوري" في صندوق السيارة التي يقودها أحد تلامذة المدير السابقين. وفي السياق ذاته يتم اختطاف زوج زينب، ابنة المدير عوّاد، لكنه يتدارك نفسه بدفع فدية كبيرة ويهاجر إلى الدنمارك مباشرة على أمل لمّ شمل العائلة لاحقًا.

لا يستغرق الحدثان الروائيان أكثر من ليلة ونصف نهار قادم لكن زمنهما الواقعي يمتد إلى ثمانينات القرن الماضي واندلاع الحرب العراقية - الإيرانية وما خلّفته من آثار وخيمة على طبيعة المجتمع العراقي الذي أنجب في خاتمة المطاف شخصيات معطوبة ذهنيًا كتلك التي نراها تتحرك على مدار النص الروائي الذي تفوح منه رائحة الدم والموت والخراب. أما الشخصيات فهي كثيرة ولا تقتصر على أبطال الحدَثين المُشار إليهما سلفًا، فهناك شخصيات تتوالد ضمن النسقين السرديين للرواية لكنها سرعان ما تتلاشى أو تكتفي بأدوار هامشية تساهم في تأثيث المتن السردي مثل سالم نعيم، خلدون سامي الشمّاع، شلومو إسحق، حجي دنيّن، والعريف المظلي الذي نُقل إلى الملحقية العسكرية في نيودلهي وتعرّف إلى فتاة هندوسية ثم هرب معها إلى كشمير ليصبح أثرًا بعد عين.

يكشف الحدث الأول عن خلفية عائلة عوّاد عبداللطيف الموحان، مدير مدرسة البواسل الابتدائية، وأولاده الثلاثة صباح وصبري وليث الذين لقوا مصرعهم على أيدي الخاطفين، كما نتعرف على زوجته "رباب" وابنته زينب التي كانت تتواصل مع أبيها عبر الهاتف النقّال قبل أن يفارق الحياة في تلك الليلة المشؤومة. أما البنات الأربع فكنّ مجرد رقم ضمن السياق السردي للرواية.

فيما يعرّي الحدث الثاني شخصيات أخرى أكثر أهمية في تفعيل الجانب الدرامي للنص الروائي أبرزها الجنرال كوكز، والقارئ - الكاتب، والشاعرة والباحثة السوسيوكولوجية علياء مطر، المُلقبة بـ "الخاتون" التي تكتب عن الخوف الإنساني وفقًا لمفاتيح ألفريد أدلر وفرضية الشعور بالنقص، وقد أنجزت أطروحة الدكتوراه المعنونة "المقاييس السوسيوكولوجية الثابتة لنمط الشخصية العراقية الشجاعة" ونالت عنها درجة الامتياز، وحظيت باهتمام "الرئيس" الذي قلّدها وسامًا رفيعًا، وأغدق عليها لقب "أدلر العراقية".

أشرنا إلى أنّ ثيمات هذه الرواية متعددة كالخطف، والقتل، والاحتراب الطائفي لكن الثيمة الأبرز التي تهيمن على النسق السردي هي ثيمة "الخوف" التي تستدعي دراسة الشخصية الجبانة، والوقوف على أسباب ذعرها وهلعها من الموت. فالفكرة التي قدَحها عريف مظلي في القوات الخاصة بتشكيل "فوج الانتصار على الخوف" ستتفرع إلى هيئات، وفرق طبية خاصة بفحص جثث الجبناء والمتخاذلين لاستخلاص المعادلات التشريحية، والتوصل إلى آخر مستجدات نظرية الجينوم البشري التي هرّب أبحاثها طالب ألباني إلى روسيا لكن المخابرات الأميركية سرقت نتائجها، ثم وصلت إلى أيدي الصرب والأتراك قبل أن تقع في أيدي المخابرات العراقية الناشطة في أوروبا لتجد طريقها مباشرة إلى مكتب الرئيس. لم تُضمّن الخاتون أطروحتها نتائج البحث التي توصلت إليها لذلك ظلت المعادلة لُغزًا سرّبته الشاعرة إلى القصائد، والقصائد موجودة في ديوان، والديوان مخبأ في خِزانة مُقفلة لا يمكن فتحها إلاّ بشيفرة سرّية مؤلفة من عشرين رقمًا. وعلى القارئ - الكاتب الذي خطفه الجنرال أن يؤول هذه القصائد ويكتشف المعادلة التشريحية.

تبدو شخصية القارئ - الكاتب غامضة ومثيرة في الوقت ذاته، فقد ورث الخوف من جده ساطع مدهوش، لكنه تفوّق في دراسته الجامعية، وحصل على امتياز عن أطروحة دراسته العليا التي تناولت "أثر الخوف في استمرار الحرب في العراق. . . دراسة سوسيوكولوجية" التي أشرفت عليها الدكتورة علياء مطر لكنه وقع في حبها فخفّف قليلاً من فضاء الرواية الكابوسية التي يتداركها المؤلف بين آونة وأخرى بالسخرية السوداء، والمواقف الطريفة، والمفاجآت المدروسة التي تكسر الإيقاع السوداوي القاتم. لم يكن القارئ- الكاتب جبانًا كما أُشيع عنه، فقد انتقم لمقتل والده الذي أعدمه الرائد حمدان خالد شلش في الخط الخلفي لجبهة العزير.

تحتاج خاتمة الرواية إلى فكّ الاشتباك، ففي ظهيرة اليوم الثاني يجد "الكاتب" مخطوطة سميكة ذات غلاف أزرق عنوانها "ليلة المعاطف الرئاسية" لكنها تخلو من اسم المؤلف، وفيها ظرف مفتوح يضم نحو عشرين قصيدة مكتوبة بحروف واضحة ورشيقة بخلاف الرواية المكتوبة بخط مرتبك وضعيف. وحينما استفسر عنها من الخيّاط الستيني أجابه من فوره بأنه عثر عليها في جيب معطف كان يتدثر بها أحد القتلى، وحينما دلّه على قبر القتيل قرأ الشاهدة المكتوبة بقلم الماجك: "هنا يرقد القارئ . . هنا يرقد الكاتب"! عاد الكاتب بالمخطوطة فوجد الجنرال متأهبًا في دبابته وهو يذكّر ضحيته قائلاً:"كما وعدتك لم تستغرق المهمة سوى ساعات. . هيّا بنا".

لا شك في أن أحداث الرواية أوسع من هذه الدراسة النقدية المُقتضَبة التي اقتصرب على البنية المتوازية للحدثين اللذّين انطلقا في ليلة واحدة وانتهيا عند "المعسكر- المقبرة" في ظهيرة اليوم التالي من دون أن نتوقف عند "العلاّسين"، والمخطوفين الآخرين، والمعدومين أمام عوائلهم وذويهم، أو القتلى الذين تحوّلوا إلى كائنات عجائبية "لا هي إنسيّة ولا جنيّة، لا وحشيّة ولا أليفة"، موضوعات كثيرة استمد بعضها من التاريخ القريب مثل قصة كوكز راهي شنّون الذي سُمّي باسم الضابط البريطاني كوكس الذي كان يغنّي مع فضيلة فضربه "عون" بمحراث التنّور وظنوا أنه مات فدفنوه لكن فضيلة أنقذته ولم يعد إليهم أبدًا. هذه القصص، ورسائل الجنود، وحكايات أخرى مستمدة من قاع المجتمع العراقي منحت الرواية نكهة ميتا سردية قد نتوقف عندها في دراسات نقدية قادمة.

جدير ذكره أنّ الروائي والباحث محمد غازي الأخرس قد أصدر ستة كتب أخرى نذكر منها "المكَاريد"، "خردة فروش"، "قصخون الغرام" الذي حاز على جائزة الإبداع العراقي لعام 2017.

 

عدنان حسين احمد