شادي مجلي سكرالمقدمة: موضوع هذا البحث هو (المعركة النقدية حول المتنبي في طريقته وشخصيته) وهو موضوع يستهدف ما كتبه النقاد في القديم والحديث حول المتنبي في شخصيته وكتاباته الأدبية وتناول البحث مجموعة من الفصول أولا: المتنبي وحياته، ثانيا: الظواهر اللغوية والنحوية في شعر المتنبي، ثالثا: موقف القدماء وآراء المحدثين من شعره، رابعا: النقد الجمالي بأقسامه (المعاني والألفاظ وبناء القصيدة)، خامسا: النقد البلاغي والعروضي، وسادسا المتنبي والسرقات الأدبية.

ويخضع هذا البحث للمنهج التاريخي التحليلي الذي يربط الفكرة بأختها ويخرج من ذلك إلى تحليل الأثر الأدبي وإبراز عناصره ومن أهم المراجع التي عادت الدارسة اليها: المتنبي في الدراسات الأدبية الحديثة في مصر بجزأيه الأول والثاني والاتجاهات النقدية عند شراح ديوان المتنبي.

المتنبي: حياته، شخصيته، وأهم أعماله

هو أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي وزاد بعضهم الحسين بن عبد الصمد وحذف بعضهم الحسن الكوفي الكندي الجعفي الملقب بأبي الطيب .

ولد بالكوفة سنة 133 بمحلة تسمى كندة فنسب إليها وهو جعفي القبيلة، وقد اختلف

المؤرخون بنسبه اختلافات متعددة، وتباينت آراؤهم حول أسرته ونشأته، وازداد الخلاف تباينا في العصر الحديث، حيث ظهرت بعض الدراسات الحديثة تنكرأصله العربي وتوضح أسباب الغموض حوله وتردها إلى أمور شتى ودراسات أخرى ترد أصله إلى العرب بجنوب الجزيرة العربية، وتستند إلى بعض الروايات القديمة حول نسبه ودراسات أخرى ترد أصله إلى العلويين، وأول ما ظهر الشك في نسب المتنبي في دراسات المستشرقين عنه، فقد ألف المستشرق الفرنسي بلاشير كتابا ضخما حاول فيه الانتقاص من المتنبي بكل ما أوتي من قوة.

يقول عنه وقد شك في نسبه: " وليس لدينا عن أنساب المتنبي لأبيه معلومات تصعد أبعد من أبيه الحسين، وكان هذا يقول إن أصله من جنوبي الجزيرة العربية، مدعيا الانتساب الى جعفي وهي بطن من سعد العشيرة "(1)

ومنهم أيضا طه حسين الذي ألمح في كتابه (مع المتنبي) أنه لقيط يقول: " هو لا ينسب نفسه إلى رجل، لأنه لا يحفل ولا يريد أن يحفل بالانتساب الى الرجال وانما ينتسب الى الآباء والجدود من غلبه المفاخرون وقهره المنافرون وقطعوا عليه السبل"(2)

وهو بعد هذا يمضي في حديثه عن المتنبي فلا يرى المؤرخين يذكرون من أمر والده شيئا عنه ويقول:" وجائز أن يكون المتنبي عربيا وجائز أن يكون من عرب الجنوب جعفي الأب همداني الأم"(3)

والأهم من ذلك أن المتنبي لم يرث والديه لأنه فقدهما معا في صغره وقد اشتهر المتنبي بالذكاء والكبرياء والشجاعة والطموح ومحب للمغامرات وكان في شعره يعتز بعروبته ويفتخر بنفسه وأفضل شعره في الحكمة وفلسفة الحياة ووصف المعارك اذ جاء بصياغة قوية محكمة وكان شاعرا مبدعا عملاقا غزير الإنتاج يعد بحق مفخرة للأدب العربي، شهدت الفترة التي نشأ فيها أبو الطيب تفكك الدولة العباسية فظل باحثا عن أرضه وفارسه غير مستقر عند أمير ولا في مدينة واتصل بسيف الدولة الحمداني وظل يمدحه وأصبح من شعراء بلاطه وعاش مكرما مميزا عن غيره،أما عن مقتله فقد هاجم ضبة بن يزيد الأسدي بقصيدة، وفيما كان المتنبي عائدا مع ولده محمد الى الكوفة لقيه فاتك خال ضبة، فتقاتل الفريقان ومات المتنبي بالقرب من بغداد.

الظواهر اللغوية والنحوية في شعر المتنبي وموقف القدماء وآراء المحدثين

لقد بدا أثر البادية في لغة المتنبي وشعره، وما يتبع ذلك عادة من حس وشعور وذوق وملاحظة، حيث يتجلى في كثير من شعره من سمات البادية في ألفاظه ومعانيه وقد كانت نشأته الحضرية بعد رحلته الى البادية، ولذلك جعل بعض الباحثين العجمة أو شبهها، من التكلف في القول، والصناعة في اللفظ، والالتجاء الى الالتواء في الدلاة حدا أدنى لعباراته.

ولقد بقي أثر البادية عميقا في حياته مطبوعا في ذهنه وخياله فكان شعره لا يخلو من هذا الأثر حتى بعد انتقاله الى الحضر .

ويرى النقاد أن في شعر المتنبي طريقة في تقطيع الشعر أي أنه يجيء في البيت بعدة كلمات من وزن واحد:

في شأنه ولسانه وبنانه                 وجنانه عجب لمن يتفقد (4)

أو يقطع شطرة البيت قسمين غير متساويين ويفهم هذا التقطيع عند الانشاد الصحيح ومن ذلك:

مهلا فإن العذل من أسقامه           وترفقا فالسمع من أعضائه (5)

وقد تجلت القوة في متانة الجمل وصلابة الألفاظ وتوخى الحروف الضخمة التي يقتضي لفظها جهدا والتي تقرع الآذان وتستلفت الانتباه وقد جمع المتنبي هذه الصفات السابقة وتمثلت في أدبه ونتاجه على شتى مراحل حياته بالإضافة الى موسيقى الاوزان وكلماته الى جانب استعمالها للدلاة على الفكر فهي تستعمل كذلك للدلاة على الإحساس، اذن فقد تميز المتنبي بالثراء اللغوي وقوة اللفظ وظاهرة شدة السبك في صياغة عباراته وأسلوبه الواضح وجماله وقوته وطرافة أفكاره وصدقها وبحسن التصوير الخيالي وملاءمته وبصدق العاطفة وقوتها.

ويرى الدكتور عبد العزيز الدسوقي أن أبا الطيب المتنبي من أقدر الشعراء العرب قديما وحديثا في عملية التشكيل اللغوي وأن تكون الكلمة مصورة بجرس حروفها للمعنى الذي تدل عليه.

وقد فطن طه حسين في وقت مبكر إلى العلاقة بين موسيقى الشعر والتجربة الفنية وأشار الى قدرة المتنبي على استغلال هذه العلاقة وقدرته على استخدام الحروف والكلمات واستخراج خصائص صوتية وإيحاءات وظلال.

هذا بالإضافة لاستخدامه أسلوب التصغير والذي لا يفيد التحقير والتعظيم والتلميح فحسب بل يفيد ألوانا لا حصر لها من العواطف، وكذلك استعمال الكلمات الغريبة والتي تحتاج الى فهم عميق وترو بالغ اذ ان نفسه تميل لذلك مثل:

إيما لإبقاء على فضله             إيما لتسليم إلى ربه

ويرى ابن رشيق القيرواني "أن المتنبي كان يلجأ الى ذلك عامدا ليدل على كلمة باللغة والبراعة فيها" (6)

واذا كانت اللفظة خشنة مستغربة لا يعلمها العالم المبرز والأعرابي الفتح فتلك وحشية.

وكذلك استعماله لكلمات غير شعرية، ان الحديث عن ظاهرة الغريب يقود أيضا الى الحديث عما يمكن الاصطلاح عليه بالألفاظ غير الشعرية عنده، اذ ان اللغة ليست هي المعاني الواردة في المعاجم وانما جميع ما يحتشد لها من روابط ونغمات مستمدة من جميع أنواع المفهومات والتصورات وقد اتضح أن هذا النوع ينقسم الى قسمين:

1ـ ألفاظ لها قبح في الاستعمال

2ـ ألفاظ لها حسن في الاستعمال

ومن ذلك أيضا عدم الدقة في اختيار الكلمات ومثال ذلك:

أغار من الزجاجة وهي تجري         على شفة الأمير أبي الحسين

وهذه الغيرة انما تكون بين المحب ومحبوبه لا بين الشاعر وممدوحه.

وكذلك استخدام المتنبي لألفاظ المتصوفة وشاراتهم كألفاظ المتكلمين والمتفلسفة وأصحاب المنطق وأهل الجدل في الملل والنحل وغير ذلك.

وقد درس النقاد شعر أبي الطيب المتنبي من ناحية مفرداته وتراكيبه اللغوية ووقفوا عند بعض المآخذ اللغوية التي اعتقدوا أنه أخطأ فيها ومن ذلك ما لاحظوه على المفردات الاتية:

فلقين كل ردينية                 ومصبوحة لبن الشائل

ويقول الحاتمي في ذلك أن الشائل هي الناقة التي شال لبنها وارتفع فكيف خصصها بلبن الشائل مع قلته وارتفاعه وكان الأولى أن يجعلها غزيرة.

ومما أخذه التقاد عليه كلمة (ترنج) في قوله:

شديد البعد من شرب الشمول         ترنج الهند أو طلع النخيل

وكذلك خطّأ النقاد المتنبي في استخدامه كلمة القنوع في قوله:

ليس التعلل بالآمال من أرسى     ولا القنوع بضنك العيش من شيمي

والقنوع خطأ وانما هي القناعة.

وخطّأ النقاد اللغويين المتنبي في استخدامه كلمة (هتن) و(زهت) و(الجائد) و(فاضة) و(ركباتها) .

أما عن الجانب النحوي لا شك في أن دراسة الظواهر النحوية في شعر المتنبي تمثل عنصرا مهما في تركيب شعره وبالتالي بلحظة الابداع عنده.

فمن الظواهر النحوية عند المتنبي استخدام اسم الإشارة بشكل يلفت النظر خاصة (ذا) و(ذي) وقد عاب عليه بعض النقاد هذا .

وكذلك استخدام صيغة التفضيل في شعره خاصة في مطالع القصائد كثرة لا يضاهيه فيه شاعر آخر واستخدامه لأسلوب القصر وأطهر الخصائص في تراكيبه الاكثار من استخدام هذا الأسلوب.

أما المآخذ النحوية وموقف النقاد وآراء المحدثين فكان منها:

1ـ النصب بأن المحذوفة: فقد ورد عن المتنبي أبيات منصوبة بأن المحذوفة دون علة تجيز إضمارها أو توجيه وقد حصرها شراح ديوانه بمجموعة من الأبيات.

2ـ منع المنصرف ضرورة: وقد مضى المتنبي على مذهب الكوفيين في منع صرف المنصرف ضرورة .

3ـ إعمال لا العاملة عمل ليس في المعارف ويمضي أبو الطيب في اتباعه لمذهب الكوفيين أيضا في إعمال (لا) عمل ليس في المعارف.

4ـ حذف حرف النداء.

5ـ حذف نون تكن.

6ـ العطف على ضمير الرفع المتصل.

7ـ نداء ما فيه أل.

8ـ وأخذ النقاد على أبي الطيب المتنبي أنه لا يقال أسود من كذا لأن الألوان لا يبنى منها أفعل التفضيل .

النقد الجمالي في شعره (المعاني ـ الألفاظ ـ بناء القصيدة)

1ـ اهتم بعض شراح ديوان المتنبي القدماء يقضيه العلاقة بين الشعر من جهة والأخلاق والدين من جهة أخرى فقد عدّ ابن جني الجمال الفني فوق الاعتبارات الدينية والأخلاقية مؤيدا ضرورة الفصل بين الشعر والدين وآخرون رأوا أن ذلك من باب المبالغة التي وصلت حد الغلو والإفراط، وهذا مما عرف شعر المتنبي.

ويقول سعيد الأفغاني: "وقد ذكروا له أخلاقا يحمده عليها الدين وهي نعمة المذهب والصدق، وقد كان كما ذكروا لم يؤثر عنه فسوق قط"(7)

وكذلك قضية الزندقة التي تحدث عنها الجرجاني بإيجاز وقد أُّستغرب ممن ينقص أبا الطيب ويغض من شعره لوقوعه على أبيات تدل على فساد العقيدة.

2ـ التعقيد والغموض في الألفاظ: تحدث النقاد عن ظاهرة الغموض والتعقيد في الشعر وقد بينوا أن الغموض قد يكون بسبب تقديم أو تأخير أو حذف أو بسبب غموض في معنى لفظة أو في عدم وضوح دلالات الألفاظ أو قد يكون في المعاني نفسها.

وانقسم النقاد إلى طائفتين (8)

الأولى: رفضت التعقيد في الألفاظ والمعاني من مثل استخدام ألفاظ وحشية غريبة .

الثانية: التي استحسنت الغموض والتعقيد في الشعر الى حد معين فأبو الهلال العسكري رفض من الشعر ما كان سهلا ومعناه مكشوفا ويمده من جملة الرديء أما عن المتنبي فالأبيات الغامضة كما يرى النقاد قد حققت له الشهرة والحضور الدائم له ويرى الثعالبي أن الغموض أحد مراكب المتنبي الخشنة وكذلك رأي الواحدي والخفاجي في ذلك.

3ـ بناء القصيدة: يؤيد النقاد القدامى الوحدة في بناء القصيدة ومنهم الجرجاني والعسكري ودليل ذلك أننا قد نعجب بأبيات من قصائد المتنبي، اذن فشراح ديوان المتنبي القدامى لم يكونوا بعيدين عن الاتجاهات والمقاييس النقدية التي كانت موجودة في تلك الفترة ومنها وحدة البيت بل استوعبوها ولاحظنا تأييدا كاملا لوحدة البيت عندهم نظرية وتطبيقا.

النقد البلاغي والعروضي

وقف شراح ديوان المتنبي القدماء عند الاستعارة في شعره ولم يخرجوا في حديثهم عنها عن القواعد التي وضعها أهل البلاغة والنقد في تلك الفترة ولم يختلف الشراح منذ ابن جني حتى صاحب التبيان في النظرة الى الاستعارة وبالتالي قصروا عما جاء به المتنبي وعدوا الاستعارة مجرد استبدال للكلمات ولم يتعدوا في تعاملهم مع أبيات المتنبي تحديد الاستعارة في البيت الواحد هو ما أراد المتنبي أن يقف عنده؟

لو دققنا في النماذج الكثيرة التي أشار اليها الشراح نجد أنهم وقفوا عند حد الايجاز والبيان للمعنى الجزئي ولم يربطوا هذا الجزء بنفسية الشاعر.

وقد ورد عن المتنبي كما ذكر الشراح الى التشبيه المعكوس للوصول الى أبعد غاية في التصوير ويعني أن يجعل المشبه مشبها به والمشبه به مشبها وسماه ابن جني (غلبة الفروع على الأصول).

وقد وردت الكناية أيضا في شعر المتنبي وكان الشراح يكتفون بالإشارة الى الكنايات دون أن يحاولوا أن يربطوها بالمعنى العام للنص الشعري.

وأشار بعض شراح ديوان المتنبي الى الإشارة في شعره وهي قريبة جدامن معنى الكناية كما ذكر ابن رشيق وأغراض أخرى مثل الالتفات والتتميم والتصدير والتقسيم والتورية والحشو والطباق والجناس وغيرها.

أما النقد العروضي فقد ذكر ابن جني أن المتنبي وقف على الباء في كلمة (رب) وهي في موضع النصب لأجل القافية وكان من حقه أن يقول (ربا) لأن المنصوب المنون أذا وقف عليه أبدل التنوين ألفا ولكنه أجراه مجرى المرفوع والمجرور في إسقاط التنوين في الوقف وخفف الباء أيضا وأرى أن المتنبي في تقييده لهذا البيت لم يخرج عن أصول علم العروض وقواعده والوقوف على القافية جائز عند علماء هذا الفن.

وغيرها من الأمثلة التي وردت في قصائد المتنبي ولاقت نقدا من شراح ديوانه القدامى والمحدثين.

المتنبي والسرقات الأدبية

اعتنى النقاد العرب عناية خاصة بالسرقات الأدبية وتوسعوا فيها، ووصلوا في نهاية هذا الاهتمام الى مقاييس اعتمدوا عليها في الوقوف على شعر الشاعر حتى عد بعض النقاد معرفة السرقة ومصطلحاتها من أهم مقومات النقد والناقد.(9)

ومن أصول السرقات عند القدماء أن الآخذ للمعنى متى ما أجاده بالاختصار ان كان طويلا، أو بالتبسط ان كان صعبا أو بالتوضيح ان كان غامضا فالآخذ أولى ممن ابتدعه أول مرة فإن قصر كان ذلك دليلا على عجزه وتقصيره وسوء طبعه وهو ما أسماه أحمد بدوي بالتوليد وليس بالاختراع.

وأشار القدماء الى السرقة المعيبة وهي عندهم أخذ اللفظ والمعنى فمن أخذ اللفظ والمعنى كليهما أو أخذ بعض المعنى فشوهه أو أخذ المعنى ولم يتفوق على مبتكره بل جاء به دون من سبقه فهو سارق.

ولا ننسى أن نشير الى ما سماه القدماء توارد الخواطر في المعاني فقد تتشابه بين شاعر وآخر فيظن المتلقي أن اللاحق أخذ من السابق فيسرع الى اتهامه بالسرقة وحقيقة الامر انه لم يكن اطلع عليه او سمع به ومن ذلك قول العسكري " وقد يقع للمتأخر معنى سبق اليه المتقدم من غير أن يلم به ولكن كما وقع للأول وقع للآخر"

وقال الأصبهاني أنه قيل للمتنبي: معنى بيتك أخذته من قول الطائي، فأجاب المتنبي: الشعر جادة وربما وقع الحاضر على الحاضر .

وقد أكد ابن رشيق ظاهرة التوارد في الشعر بقوله عن المعنى "حين يسمع الشاعر لغيره فيدور في رأسه ويأتي عليه الزمان الطويل فينسى أنه سمعه قديما "وينفي الجرجاني السرقة في توارد الخواطر ويقول: " أن الشاعر المحدث اذا وافق شعره بعض ما قيل او اجتاز منه بأبعد طرف قيل سُرق بيت فلان وأغار على قول فلان"

لكن مظفر العلوي يخالف من سبقه فهو يعد التوارد سرقة ويرفض ذلك، واني أرى أننا لا نستطيع اتهام المتنبي بالسرقة لأن المعاني مطروحة بالطرقات كما يقول الجاحظ، يستوحيها الشاعر من بيئته التي يشاركه الآخرون فيها والألفاظ ملك للقاص والداني واستطاع المتنبي أن يستوعب المعاني وأن يسخر ثقافته اللغوية لخدمتها فقدم لنا تشكيلا رائعا تسانده في ذلك ثقافة حياتية وتاريخية ودينية وأدبية وقدمها لنا بتشكيل شعري جديد ليدحض كل اتهام له بالسرقة، فكيف للمتنبي أن يسرق؟

الخاتمة

بعدما تناولت هذه الدراسة المتنبي وحياته وأهم الظواهر النحوية واللغوية في شعره

وآراء القدامى والمحدثين ونقدهم لشعره والنقد بأنواعه البلاغي والجمالي والعروض

ووقوف القدامى عند السرقات الأدبية فقد خلصت الدراسة لمجموعة من النتائج:

ـ أن المتنبي ظاهرة لغوية وشعرية بحد ذاتها.

ـ تتجلى القوة والرصانة في ألفاظه وجمالية معانيه الشعرية الساحرة .

ـ لجوء المتنبي للألفاظ الغريبة والتشبيه المعاكس والظواهر البلاغية غير المعتاد عليها ليكون بذلك أعجوبة شعرية فريدة من نوعها.

ـ محاولة البعض اتهام المتنبي بالسرقات الأدبية من خلال مقارنة معاني شعره بمن سبقوه كالطائي وغيره.

ولكن المتنبي بقوة شعره وجماليته دحض في الماضي ويدحض الآن بما خلد من موروث تلك الاتهامات في القديم والحديث .

 

د: شادي مجلي سكر

...........................

قائمة المصادر والمراجع

1ـ الاتجاهات النقدية عند شراح ديوان المتنبي، عدنان عبيدات، ط1، عمان، وزارة الثقافة،2002م

2ـ شرح ديوان المتنبي، الواحدي، ط1، برلين، 1891م

3ـ العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق، ت محمد محي الدين، ط1، دار الجيل، 1981م

4ـ الفن ومذاهبه في الشعر العربي، شوقي ضيف، دار الكتب العلمية – بيروت، 2008 م .

5ـ المتنبي في الدراسات الأدبية الحديثة في مصر، ضيف هلال العتيبي، ج1 ـ ج2، ط1، القاهرة، دار غريب للطباعة والنشر، 2007م

6ـ الوساطة بين المتنبي وخصومه، القاضي الجرجاني

هوامش

1- العتيبي، ضيف هلال، المتنبي في الدراسات الأدبية الحديثة في مصر ج 1 ، ط1 ، ص9 ـ ص14 ، القاهرة، دار غريب للطباعة والنشر، 2007 م .

2- المصدر السابق

3 - المصدر الستبق

4 - ديوان المتنبي

5 - المصدر السابق

6 - ابن رشيق: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ت محمد محي الدين، بيروت، ط1، دار الجيل، 1972

7 - عبيدات، عدنان: الاتجاهات النقدية عند شراح ديوان المتنبي.

8 - شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، دار الكتب العلمية – بيروت، 2008 م .

9 - الفن ومذاهبه في الشعر العربي، شوقي ضيف، دار الكتب العلمية – بيروت، 2008 م .

 

احمد الشيخاويإن الكتابة لدى شاعر مخضرم من هذه الطينة التي ما تنفكّ تقاوم عبثية الوجود، ممارسة على إسمنتية اللحظي وجبروته وتخشّبه، شتى أشكال التمرد المشروع الدائر في خانة احتراف الممارسة الإبداعية على أنها أسلوب حياة وزيادة، لا تعاطيها على أنّها مجرد ترف، أو كماليات مسعفة في إثبات الذات وفرض الوجود.

عبرها تنجذب الذات إلى ما من شأنه ضخ دماء جديدة في عروق هذا الآني الكسيح، ضمن صياغات مدغدغة بالحضور النرجسي القوي المثقل بخطاب الفلسفي الذي قد تملأ ظلاله وتأويلاته كل هذا الفراغ الروحي، هذا الغياب المهول الذي يضاعف المعاناة ويشرعها على احتمالات جمّة، مستفزّة أو مستنفرة لتجليات القرين، بما الفعل انفلات تفبركه ترددات تيارات لاواعية، تتحقق بها ومعها مغالبة ومناطحة عالم السلبية والنقصان وهو يتجاوزنا بسائر ما يغذّيه فينا من معاول هدم تنتصر للنزعة الشيطانية والتّدميرية المنوّمة في متون إنسانيتنا الآخذة في الخفوت والتلاشي جيلا تلو جيل.

قصائد تستعير معناها من عزلة مضاعفة لذات قلقة مشكّكة، تستثمر تقنية السهل الممتنع لتدوير رسائل الشوقيات والجدليات الهوياتية والصدمات الإيديولوجية ونبش المنظومة الصوفية في الراكد على طرفي نقيض، صاعقا بمتلازمة المقدس والمدنس، وهلم جرّا..، تفعل كل ذلك محاولة تبرئة الشعر في زمن كساده، وقلب معايير الذات والغيرية والكونية، لصالح القصيدة التي لم تأخذ على عاتقها مسؤولية نجدة العالم، بقدر ما أغوتها مقامرة الانغماس في عوالم التجريد والمحاكاة التي قد يشتهي فصولها بتفاصيلها، كائن المنفى والعزلة والوجع الوجودي بجرعه الزائدة، فتوسوس له أنانيته بالتالي، محرضة إياه على الاستفادة من تعاليم الشعر وآيات فرسانه، بغية تصحيح أخطاء الحياة والوطن والتاريخ.

يكاد يكون محمد الزهراوي أبو نوفل شاعر إيروتيكيا بامتياز، لولا نفحاته الذكية التي تتوّج مجمل نصوصه، حين تؤهلها لذلك البروز الواخز بروح فلسفة تتلاعب بالأيقونة المفاهيمية المترجمة لغائية الكائن من الوجود إجمالا، وتمنح الاشتغال الذهني محطات الهيمنة والنفوذ، عاكسة رؤى العقل الباطن وتصوراته للأنسان والطبيعة والكون.

لنطالع هذه الشذرات المستقاة من قصائد وتدوينات فيسبوكية لصاحبنا، قبل استئناف الخوض في هذه التجربة المنذورة للخطاب الفلسفي المعني بمستويات الغياب الذي تختلط في زواياه الممسوسة بعتمة الذات والكائن والحياة، أوراق القول الشعري، وتسترسل مرثاة الجنس البشري المطعون بمثالب وتشوّهات راهن بات يتجاوزنا فوق ما نستوعب ونطيق.

[اعذِريني إن

بالغْتُ في

الهَوى والتّهتُّكِ

حتّى نسْري

يُحِبّك ويغار مِنّي

علَيْكِ يا ا ا ا

وجَع روحي

ونَبْض القَصيدة].

……………..

[وخليلتي المصْطَفاة

في غربة ال..

لوطن والروح

أنا جِئْتُكِ لأشعر

لأُغنّي بسجاياك

أحْسنْتِ لي..

أمْ أسَأْت

وَها قَدْ..

آنَستُكِ كَلقلاقٍ

إذْ فيكِ..

يَجيشُ الغِناءُ.].

……………………..

[آهٍ .. قُلْ لِهذِهِ

الْخَواتِمِ أيُّها

التُّرْجُمانُ كَمْ

ركضْتُ دونَها

كَما في قصَصِ

الجانّ كمَ كَشَفْتُ

وِشاحَها وحَللْتُ

عُرى شَكْلِها

وسَكرْتُ بِها

مع الرهْبانِ..]

……………………

[الْمَليحةُ يُداعِبُها سَعفُه

وَبَرْدُ السُّهوبِ في

ذاكِرَةِ البَدْء والاغْتِراب.

كَيْ تَصْبَأ يُعابِثُ

صفَحاتِها مِنْ

أوّلِ الْكِتابِ مِنْ أوّلِ

الْفَيْروزِ مِنَ

الرّكْبةِ إلى المُسْتنْبَتِ.].

……………………

[مَحْلولَةَ الشّعرِ كَإِلهَةٍ

لِتَحْظى بِحُبّي

وأحلامي الملكية

وقصور آمالي..

لأنك في وطني

جنتي الأخرى..

وفي قرآن عشْقي

لسْتِ كَكُلِّ النساء.].

..........................

إذْ تَخَطّيْنا الجَسَدَ [

الرّجيمَ إلى

الْجِهاتِ الْبيض.

كانَ السّفَر سَحيقاً

حينَ اقْتَسَمَتْ

مَعي سَريرَ النّص

وَغَدَوْنا..].

....................

[الرّاعي

يمْشي شامِخاً.

يدُلُّهُ على

النّبْع نَهْدُها.

اجْتذبَتْهُ مِنْ

أغْوارِ البَعيدِ.

هو نُصْبَ عَيْنَيَّ..

يُشَكِّلُها بِعَصاهُ

ذهَباً وجَواهِر

لَها بِجِرابهِ

الحُبُّ الأوْفَرُ.

وهِيَ بِذاتِها

تكشُفُ لهُ في

السّفْحِ عَنْ

ساقيْها الباذِخَتيْنِ

وعَنْ زوْجٍ

مِن الحجَلِ.].

........................

[أشمُّ

ياسمينها

في المسافةِ

أتذكّر وجهها المضاء كقنديل

بيتها على

السفح كغيمة

وغصنها الشّفيف.].

إن مثل هذه الشعرية الوالجة في دوامة المعاني الزئبقية التي تولّدها سرديات نصّانية المطوّل، ترشق بتوغّلاتها في الموازي الفلسفي المحتفي بملمح ونبرة الغائب: أنوية وغيرية وانتماء، مثلما ترشق بجزئياتها البسيطة، جوارح التلّقي، مغرقة ما بعدية تلقي النصّ بدوار الأسئلة الوجودية والصوفية التي تحاول تذويب المسافات بين عناصر فضاء اغتصاب أوراق العذرية في تجاويف المحيط بالذات الساخطة، والآخر كامتداد أو مكمّل لهذه الذات في جوانيتها وقيعان حفرها القصية المنسية، وتقوقعها على قواعد متجذرة في الوعي المنتصر لإنسانية الكائن النازفة.

ففارس الكلام هذا، لا يترجّل عن قصائده إلاّ ليغرق بياضه الوجودي في تأمّلات لاهوثية، منصبّة على مسح أو جبّ فصوص وتجاعيد الذاكرة، من أجل ترع مرتّب جديد، يليق بالذات المتطاوسة والمنفوخ فيها من روح الفلسفة، ساطعا بانثيالات وتدويرات عجائبية على مقاس هذه المرثاة التي ليس تحقق طوباويتها المتشرّبة للمعنى الجنائزي المنشد إلى طقوسيات هدر إنسانية الكائن، وليس يُحصد شرف إمضاءها، بغير قصيدة بتول للأبد، ورافلة في تلاقحات وتواشجات دوال الأنوثة وحسّ الانتماء المغيّبَان حضورا طاغيا يقوّم لوثة الذات والحياة.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

 

محمد عبد الكريم يوسفكثيرا ما يمتدح الناس شعراء البارد Bard لشعرهم الجميل و وصفهم الرومانسي وخيالاتهم التي تتضمنها مسرحياتهم ولكنهم يشتهرون أيضا بالوفيات المرعبة والمبدعة التي ينزلونها بشخصيات أعمالهم .ومن هؤلاء الشعراء العظام يمكن أن نذكر شكسبير. تؤخذ بعض الشخصيات في مسرحياته من التاريخ وبعضها من الأسطورة و البعض الآخر من بنات أفكار شكسبير وخياله. يستخدم شكسبير السم أو الغرق في قتل شخصياته . ويبدو أنه يمتلك عشرات الطرق المثيرة في التخلص منها وفي هذا المقال سنذكر باختصار عددا من حالات الموت الشهيرة لأبطال المسرحي الرائع شكسبير:

الملك هاملت:

تعد مسرحية هاملت الأطول بين مسرحيات الرجل العظيم شكسبير وهي تحتوي الكثير من حالات الموت المدهشة، وربما كان أكثرها إثارة هو موت الملك هاملت والد الشاب هاملت . يموت الملك في بداية المسرحية لكن شبحه يظهر لعدد من الحراس في تقليد شكسبيري فريد، ويبدو أنه على وشك أن يروي لنا كيف توفي لولا صياح الديك عند الصباح. كان القاتل هو كلوديوس شقيقه المقرب الذي قام بسكب السم في أذنه وهو نائم . نعم في أذنه. السم يتم عن طريق الطعام أو الشراب لكن أن تسكب قطرة سم في أذن الملك ولا يستيقظ . تلك هي العبقرية .

لا يتراجع الشبح عن وصف موته، ويبدو أن هذا الحديث يريح الميت كثيرا ونجد أن شكسبير يكرس خمسين سطرا لرواية حادثة التسميم حيث يبدأ المفتاح لكل الأسرار هنا:

فيما كنت في قيلولتي

كعادتي بعد ظهر كل يوم

تسلل عمك إلي في ساعتي الأمينة تلك

وفي يده عصارة الأبنوس اللين

وسكب منه في أذني

تلك العصارة ولمفعولها

عداء كبير ضد دم الإنسان

فهي تجري بسرعة الزئبق

من خلال بوابات الجسم و ممراته الطبيعية .

***

عصارة الأبنوس اللعين.....يا لها من طريقة .....يا هاملت المسكين!

جورج، دوق كلارينس في مسرحية ريتشارد الثالث

تعد مسرحية ريتشارد الثالث لشكسبير الثانية من حيث الشهرة والأهمية والصعوبة لأنها عصية على الفهم لمن لا يعرف جيدا السياسة البريطانية في العصور الوسطى. الشكر كبير لمن يحملون أسماء متشابهة وينتقلون من جانب إلى جانب آخر بأسلوب مثير للقلق . يمكننا أن نركز هنا على شخصية دوق كلارينس وهو نفس اسم أخيه الصغير.

وعلينا أن نشعر بجورج . لقد وصل أخواه إلى الحكم وصارا ملكين . ثم ماذا حدث بعد ذلك ؟ لقد سجن في برج لندن بتهمة ملفقة ثم قـُتل بوحشية في نهاية المطاف. موت جورج لا يمكن أن يُنسى فقد مات بطعنات غادرة ثم أغرق في برميل من النبيذ. كان الجلادون يخبروه كل يوم أن يستعد للموت وكانوا يؤكدون له أن يستعد وهم يحادثونه يوميا. ثم يتعرض الرجل لمشهد موت طويل في حين يكرر الجلادون اخباره بالاستعداد للموت و كان الرجل يتحدث لنفسه ويتأمل الموقف إلى أن يقرر أحد القتلة أن يفعلها . فيطعنه قائلا: خذ هذه .خذ تلك (ثم يطعنه) سأغرقك في برميل من نبيذ مالامسي .وداعا يا كلارينس."

الخلفية التاريخية:

كانت الأختان نيڤل الوريثتان الشرعيتان لإقطاعات والدتهما الكبيرة، وكان زوجاهما يتنافسان مع بعضهما للسيطرة على أكبر قدر ممكن من تلك الأراضي، وكانت الغلبة في النهاية لريتشارد. وفي تلك الفترة، قُبض على جورج وأودع السجن في برج لندن بتهمة التآمر على أخيه الملك إدوارد، ثم أدين بالخيانة العظمى وحُكم عليه بالإعدام، ونُفذ فيه الحكم في عام 1478 "بشكل انفرادي". وقد ساد الاعتقاد بين الناس لفترة طويلة أنه أعدم غرقًا في برميل من النبيذ. يُحتمل أن هذا الادعاء لم يكن إلا سخرية في حينها، بما أن صيت جورج پلانتيجينيه كمعاقر للخمر كان ذائعًا ومنتشرًا بين العامّة، على أنه يُحتمل أن يكون فيه شيء من الصحة، فالبراميل المستخدمة لتخزين النبيذ في حينها كانت سعتها تبلغ 477.3 ليترات، أي أنها كافية حتى يغرق فيها إنسان بالغ. أظهرت إحدى الجثث المفحوصة، والتي اعتُقد بأنها جثة جورج پلانتيجينيه إشارة تدلّ على قطع رأسها، وهو أسلوب كان شائعًا في إعدام ذوي الجذور النبيلة في ذلك الزمن. يُحتمل أن تكون رفات جورج أرسلت إلى الدير في برميل نبيذ، تمامًا كما حصل عندما أُرسلت رفات القبطان هوراشيو نيلسون إلى مسقط رأسه في برميل براندي، ولربما كان هذا هو السبب الذي جعل الناس تعتقد أنه قُتل غرقًا في برميل. وصف وليام شكسپير طريقة مقتل جورج پلانتيجينيه في مسرحية "ريتشارد الثالث" بأنه طُعن من قبل أحد القتلة، بعد أن أقنع الآخر بألا يطعنه، ومن ثم أُغرق في برميل نبيذ، وفي فيلم ريتشارد الثالث من عام 1955 صُوّر بأنه ضُرب على رأسه من الخلف وفقد وعيه، ومن ثم أغرق، وفي نسخة عام 1995 من نفس الفيلم صُوّر بأنه ذُبح أثناء استحمامه.

السيدة ماكبث:

السيدة ماكبث شخصية في مسرحية ماكبث لشكسبير، فهي زوجة بطل المسرحية الذي يدعى ماكبث وهو رجل اسكتلندي. كما أنها أصبحت ملكة اسكتلندا بعدما دفعت زوجها إلى قتل الملك، ولكنها عانت بعدها من الشعور بالذنب لكونها جزء من الجريمة. وصارعت الموت في الفصل الأخير والذي بدا كأنه حالة انتحار.

مسرحية ماكبث حافلة بالموت والشخصيات تموت بطريقة غريبة جدا ونجد أن شكسبير يستمتع بهذه الغرابة . يُخبر ماكبث بموت الملكة في الفصل الخامس، المشهد الخامس بطريقة غامرة:" لقد قضت الملكة يا مولاي." فيجيب الملك قائلا: " لدي الكثير من الأعمال الآن " ويبدو من الحديث أنه لا يكترث كثيرا لموتها . لقد كان موتها غريبا وحتى الآن لا يعلم أحد كيف ماتت و هناك من يقول أنها قد انتحرت (رمت نفسها من سور القلعة) بعد أن أصابتها لوثة جنون . ما رأيكم بهذه النهاية لشخصية هامة جدا مثل السيدة ماكبث؟

من هي السيدة ماكبث؟

تعتبر السيدة ماكبث ذات حضور قوي في المسرحية و خاصة في أول فصلين. وبعد قتل الملك دنكان، بدأ دورها يتقلص في المسرحية. وأصبحت عنصرًا منفصلًا في مسرحية ماكبث كما أصبحت ضيفة منفرة غير مرحب بها في الوليمة التي هلوس بها زوجها. ويعتبر مشهد سيرها خلال النوم في الفصل الخامس نقطة تحول في المسرحية، وكذلك مقولتها "هيا زولي أيتها البقعة اللعينة" التي أصبحت معروفة لكثير من متحدثي اللغة الإنجليزية. وأثار موتها في الفصل الخامس خطاب ماكبث "غدًا .. غدًا .. غدًا".

ويرى المحللون أن شخصية السيدة ماكبث عبارة عن صراع بين النسوية والذكورة، كما أثارت إعجابهم في الأعراف الثقافية. فقد قمعت السيدة ماكبث جميع غرائزها الخاصة بالعاطفة والأمومة والرقة المرتبطة بالأنوثة في سبيل الطموح والقساوة والتفكير المتمركز حول الوصول للسلطة.

انطلقت شخصية السيدة ماكبث لتقدم تركيبة من شخصيتين يرجع سبب بروزهما إلى الملك دوف والملك دنكان في سجلات هولينشد . فقد عانى أحد قادة الملك دنكان من موت أحد أقاربه بأمر من الملك نفسه. ثم فكر دونالد في قتل الملك كما وجهته زوجته باطلاعه على الوسائل التي تساعده على تحقيق المهمة أينما ذهب. ورغم أنه استنفر كل شيء للإقدام على هذا الفعل، فقد خضع في النهاية لمحاولات زوجته المزعجة. وبعد إلهاء خوادم الملك بالطعام والشراب ودفعهم للخلود إلى النوم، سمح الزوجان لشركائهم بالدخول إلى غرفة الملك حيث يمكنهم قتله بسهولة. وكان الانتقام هو الدافع الرئيس وراء هذه الجريمة أكثر من الطموح.

وعلى الرغم من أن نظيرة السيدة ماكبث في العالم الحقيقي هي جروتش ملكة اسكتلندا فإن الشخصية الخيالية التي ابتدعها شكسبير لا تجمعها روابط كثيرة بالشخصية الحقيقية بدرجة كبيرة.

وكان أول ظهور للسيدة ماكبث في آخر المشهد الخامس من الفصل الأول عندما حصلت على رسالة من زوجها يبلغها فيها أن ثلاث ساحرات قد تنبأن بأنه سيكون ملكًا. وفي حين كانت مستضيفة للملك دنكان ليلًا استغلت الفرصة لتقتله. ولأنها تعلم بطبع زوجها "المعروف بعطفه الإنساني" الذي لن يسمح لها بقتل الملك، فقد دبرت تفاصيل جريمة القتل كاملة، ثم واجهت جميع حججه واعتراضاته، وذكرته بأنه أول من تطرق إلى هذا الأمر وقللت من شجاعته و رجولته مما دفعه إلى الانصياع لخططها.

وفي ليلة أوى الملك إلى فراشه بعد الاحتفال، ثم خدرت حاشيته وجهزت الخناجر لتنفذ الجريمة. وقُتل ماكبث الملك النائم بينما كانت تنتظره السيدة ماكبث في الخارج. وعندما أحضر الخناجر من غرفة الملك أمرته بأن يعيدها لمسرح الجريمة مرة أخرى، لكنه رفض، فحملتها هي إلى الغرفة ولوثت أيدي الحراس الذين خدرتهم من قبل بدم الملك. ثم عاد الزوجان ليغسلا أيديهما.

وبعد مقتل الملك دنكان، تقلص دور السيدة ماكبث في المسرحية. وعندما هرب أبناء دنكان للحفاظ على حياتهم، تم تعيين ماكبث ملكًا على البلاد. وبدون استشارة زوجته أو ملكته، دبر ماكبث سلسلة أخرى من جرائم القتل للحفاظ على عرشه. وفي أثناء إحدى الولائم الملكية، بدأ ماكبث يهلوس بما ارتكبه من جرائم مما دفع زوجته إلى طرد الضيوف. وفي آخر ظهور لها، كانت تسير أثناء نومها شاعرة بالألم الشديد نتيجة الإحساس بالذنب. ولم تمت على خشبة المسرح بل ماتت في الكواليس ولكن تبين أنها انتحرت بعد أن أعلن مالكولم أنها ماتت على "أيدي عنيفة مثل يديها ."

يعتبر مشهد السير أثناء النوم هو أحد أبرز المشاهد في ماكبث بل في أعمال شكسبير جميعها، ولم يقابله نظير في تاريخ بريطانيا، المصدر الذي لجأ إليه شكسبير في كتابة المسرحية لم يكن إلا من وحي خيال الشاعر.

روميو وجولييت

روميو وجولييت شخصيتان لقصة تحكي عن عاشقين صغيرين قدر لحبهما الانتهاء نهاية مدمرة. لم يخيل إليهما قط أن حبهما سيكون السبب في نهايتهما المأساوية تلك. هذان الحبيبان لم يفعلا شيئا خطأ قط، إلا أن هناك ثلاثة عوامل ساعدت على نهايتهما وهي الشقاق بين عائلتيهما وخيانة الممرضة لجولييت وأهم عامل هو القدر. فالشقاق بين العائلتين كان عاملا ساعد على إنهاء حب روميو وجولييت. فالعائلتان مونتاجيو وكوبليتس كان بينهما العديد من المشكلات وكان بينهما كراهية شديدة، وتلك الكراهية كانت سببا في العديد من المشكلات بين روميو وجولييت. وكان العاشقان على علم بتلك الكراهية، لذلك أخفيا زواجهما لأنه إذا علمت عائلتيهما بزواجهما فسيجعلان حياة أطفالهما بائسة، ولن يتمكن روميو وجولييت من رؤية أحدهما الآخر، فكلتا العائلتين كانتا تتصفان بعناد شديد وكان من المستحيل مصالحتهما في النهاية، والشيء الوحيد الذي قد يجمع العائلتين هو موت روميو وجولييت، ولأن روميو وجولييت قد أخفيا زواجهما عن عائلتيهما فقد لجآ إلى أناس آخرين طلبا للمساعدة، فأحيانا كان هؤلاء الأشخاص يقدمون لهما نصائح خاطئة أو يقومون بخيانتهما أحيانا أخرى، فالممرضة على سبيل المثال خانتهما على الرغم من أنها كانت مقربة من جولييت، فقالت لها إنه من الأفضل الزواج في باريس، لذلك تُركت جولييت وحيدة في ذلك الموقف ولم تساندها. جولييت كانت فتاة عاقلة، لكن كان من الأفضل أن تجد شخصا ما بجانبها، لذلك هربت واتخذت بعض القرارات الحاسمة، ولو بقيت الممرضة معها لكانت الأشياء تغيرت ولم تنته بتلك الطريقة المأساوية.

عند النظر إلى نهاية روميو وجولييت، نجد أن العامل الأساسي فيها كان هو القدر، فالقدر فوق كل شيء دمر روميو وجولييت، ومنذ البداية كان من الواضح نهاية العاشقين المأساوية. قد يقول البعض إنه من المستحيل تغيير القدر، وقد يكون مقدرا لروميو وجولييت تلك النهاية المأساوية كي ينتهي الخلاف بين عائلتيهما. من الأشياء التي تثير السخرية حفلة الأقنعة، التي جعلت جولييت تقع في حب روميو دون أن تعرف من يكون، فلو كانت قد عرفت مسبقا من هو، فربما ما وقعت في حبه على الإطلاق. منذ بداية القصة يتضح أن حب العاشقين سينتهي نهاية مأساوية. إنه من المحزن أنه كان عليهما الموت بتلك الطريقة. هناك جملة قيلت في المسرحية وهي تلخص هذه القصة " لا توجد قصة بها حزن أكثر من قصة روميو وجولييت."

تيمون الأثيني

تيمون الأثيني مسرحية لشكسبير، وتعد من مسرحياته الأكثر إبهاما وتعقيداً. تدور أحداثها كما هو واضح من الاسم في أثينا.

يقوم تيمون بعمل مآدبة طعام يحضرها تقريبا جميع أفراد المسرحية. يبذر تيمون المال بسخاء ويتسابق كل المدعويين لنيل رضاه ما عدا أبيمانتس "الفيلسوف والشاعر"، والذي مذهبه الفلسفي لم يلفت انتباه تيمون بعد فهو يقبل الفن من الشاعر والرسام والجواهر من الجواهرجي . يغضب أحد الأثينيين الكبار السن لأن خادم تيمون، لوسيليس, يغازل ابنته، ولكن تيمون يدفع له ثلاثة مقادير نقدية، لأن سعادة خادمه تساوى الثمن الذي دفعه . عند ظهور تيمون الأول في الحفلة، يُخبرنا أن صديقه فينتيديوس في السجن بسبب الديون و يبعث بالنقود لفك سجن صديقه الذي يصل في وقت لاحق إلى الحفلة . فيلقي تيمون خطبة عن أهمية الصداقة وتبدأ الحفلة التنكرية يتبعها الرقص . وعندما تنتهي الحفلة يقوم تيمون بإعداد خيوله استعدادا لليوم التالي .

فلافيوس "المدير المالي لدى تيمون" حانق بشدة بسبب تبذير تيمون لكل ثروته فهو يبالغ في سخاءه بالغدق على الكتاب و الفنانيين وينقذ أصدقاءه المشبوهين من الضيق المالي، يعود تيمون من رحلة الصيد ويغضب لأنه لم يخبر بذلك من قبل ثم يلقي باللوم على فلافيوس الذي يخبره بمحاولاته العديدة لتنبيهه في الماضي دون جدوى ; وهو الآن في النهاية حيث بيعت أرضه . يأتي الدائنون ليطالبوا بديونهم فيرسل تيمون خادمه لاستدعاء من يعتبرهم أصدقائه المقربين.

يعود خدم تيمون واحداُ تلو الآخر ليكتشف أن كل الأصدقاء مزيفين ولا يهمهم إلا المصالح الخاصة فيدعوهم لوليمة ويحاول أن يعاقبهم .

ثم يرحل تحت ضغط الدائنين إلى خارج المدينة حيث يعيش حياة بائسة يسكن في كهف منعزل ويتغذى على الجذور والأعشاب البرية ويكتشف بالصدفة وجود كنز من الذهب في مكان ما من الكهف . يستدعي تيمون صديقه الثائر ألكيبيادز ويعرض عليه أن يدعم هجومه على المدينة ويستعيد مكانته في الدولة والمجتمع.

إن موت تيمون الأثيني يجعلنا نفكر مليا في حالات الموت التي يستحضرها شكسبير من دون أن يرف له جفن . فتيمون حكاية رجل كريم يعطي بسخاء ومن دون قيود ويستدين بغير حدود ليحل مشكلات الناس وينتهي بدين كبير يعجز عن سداده . ولهذا السبب يقرر أن يبتعد عن الناس ويعيش في كهف بعيدا منسيا . لقد أراد أن يكتب على شاهدة قبرة الأبيات التالية:

هنا يستلقي الجسد البائس صاحب الروح البائسة

لا أحد يعلم باسمي، لم يبق لي إلا الديون

هنا أستلقي أنا تيمون الذي في حياته كره جميع البشر.

هكذا مات تيمون بمرارة شديدة بعيدا هناك في كهف معزول. فكيف كان شكسبير يخترع تلك الميتات القاسية ؟

هكتور في ترويلوس وكريسيدا:

هكتور من أبطال مسرحية ترويلوس وكريسيدا. تُوصف هذه المسرحية عادة بإحدى مسرحيات شكسبير التي تحفل بالمشاكل، وهي ليست بمأساة تقليدية، حيث أن بطلها ترويلوس لا يموت، ولكنها تنتهي بطريقة كئيبة حيث يموت النبيل هكتور، ويتدمر الحب بين تريلوس وكريسيدا.

من الصعب تحديد إن كانت المسرحية مأساة أم ملهاة لأنها تناقش قضايا الحب والحرب والموت بطريقة مضحكة . وفي النهاية الغريبة نجد الانفصال بين ترويلوس وكريسيدا ونجد أن كريسيدا تخون ترويلوس مع شخص آخر. ولا نجد حلا حقيقيا في أي مكان لتلك المسألة ثم يموت هكتور قتيلا في النهاية و نجد أن الجمهور يصاب بالإحباط عندما تغادر الشخصيات المسرح . وأي نوع من الموت هذا ! يموت هكتور على يد آخيل الذي يجلس في خيمته بينما يُجر جسده المربوط بذيل حصان حول الخيمة في رسالة يريد أن يوصلها للطرواديين . يقول آخيل في نهاية المسرحية:" تعالوا اربطوا جسده بذيل حصاني/ جروه في الميدان حتى يأتي الطرواديون." قد يكون هذا الموت محبطا لكنه موت بطل أسطوري.

كليوباترا في أنطوني وكليوباترا:

في قصة أنطوني وكليوباترا نجد نوعا آخرا من حالات الموت غير العادي حيث تنتحر كليوباترا بسم أفعى . في نهاية الفصل الخامس من المسرحية، تشعر كليوباترا بالإحباط بعد انتحار أنطوني واقتراب وصول قيصر إليها ليأخذها ويجرها أسيرة في شوارع روما في استعراض عسكري مذل . ووسط هذه الأجواء تقرر كليوباترا اختيار الانتحار بدل الهزيمة . تفشل محاولتها الأولى في الانتحار بسكين ولكن محاولتها الثانية الناجحة تحدث في أسلوب مسرحي فريد.

ترتدي كليوباترا أفضل ثيابها وتوافق على مقابلة صديق ريفي تصفه نصوص شكسبير بأنه مهرج. يحمل الضيف سلة تين مميزة تحتوي في داخلها "دودة النيل الجميلة" وهي أفعى سامة جدا تكفي لسعة واحدة منها أن تقتل ضحيتها بلحظات. تضع كليوباترا تاجها فوق رأسها ثم تقبل خادمتها التي تسقط ميتة ثم تقرب الأفعى من صدرها قائلة:" حلي هذه العقدة بأسنانك الحادة / افصليني عن هذه الحياة ." ثم نجد وصفا للأفعى بأنها الطفلة المدللة وتقربها من معصمها ثم تموت . تقترب الخادمة الثانية وتتبادل سطورا شعرية جميلة مع خادم قيصر حيث يجري الحوار التالي:

دولابيلا: كيف حال من في الداخل؟

الخادمة الثانية: كلهم أموات.

لقد كان شكسبير بحق سيد الكلمات .

عطيل

مسرحية تراجيدية لشكسبير. تتألف المسرحية من خمسة فصول. تدور أحداثها بين البندقية وقبرص. يُعتقد أنها كتبت في سنة 1603 وهي مستوحاة من قصة إيطالية بعنوان "النقيب المغربي" كتبها سينثو تليمذ جيوفاني بوكاتشو. نشرت المسرحية لأول مرة في عام 1565 م. تدور كل المسرحية حول أربع شخصيات رئيسة: عطيل الجنرال المغربي في الجيش البندقي وزوجته ديزدمونة و الملازم كاسيو مساعد عطيل و حامل الراية أياغو المنافق . تتنوع مواضيع المسرحية بين العنصرية والحب و الغيرة و الخيانة والموت .

شخصية عطيل تقدم بنحو إيجابي رغم عرقه المختلف، وهو أمر غير مألوف في الأدب الإنكليزي في زمن شكسبير، حيث كان من المعتاد وصف العرب وغيرهم من ذوي البشرة الداكنة كأشرار متوحشين. كما تجنب شكسبير أي مناقشة حول الإسلام في المسرحية.

تجري معظم أحداث المأساة في مدينة البندقية، مثلها مثل "تاجر البندقية" (1600)، ولكن قسماً آخر من أحداثها، يجري في قبرص، موضوعها الأساسي هو الغيرة القاتلة، غيرة زوج مخدوع على زوجته البريئة الشريفة، وغيرة صديق من صديقه.‏

أياغو حامل علم لعطيل، الذي هو مغربي شريف، قائد جيوش في خدمة البندقية، وكذلك في هذه المأساة كما في "تاجر البندقية" شخصية مغربية، فهناك أمير مغربي، وهنا قائد جيوش من أصل مغربي، ويتبع أياغو سيده عطيل المغربي فقط لكي ينتقم منه، وله وجهان، وجه مطيع، وآخر يخفي حبّ الثأر والانتقام، ويخاف أن يحصل عطيل على ديزدمونة ابنة أحد أعيان البندقية واسمه برابانتيو، ويعتمد أياغو في الوصول إلى غاياته على الدسيسة، وعلى معرفته العميقة بشخصية ضحيته، وهو يجسد الشر، وكان يضمر الأذى، ولا تظهر عليه علامات الإنسان الشرير، ولا يعرف الارتباك، لا يعرف الخوف إلى قلبه طريقاً، وذو إرادة صلبة قوية، وأناني إلى أبعد الحدود ولا يؤمن بوجود الحبّ والضمير والشرف، ومن يؤمن بهذه المفاهيم فهو ساذج أبله برأيه، فهو يقف خارج عالم الأخلاق نهائياً. يتلذذ بتعذيب ضحيته، وهو شديد الحساسية لأي شيء يمس كبرياءه، لأنه يعي تفوقه على الآخرين، إنه يكره عطيل لأنه جعل كاسيو ملازمه، وهو أيضاً ينزعج من كاسيو لأن عطيل فضله عليه، وهو يرغب في الحصول على منصب يليق بإمكانياته الكبيرة، يتعاون مع رودريغو وهو وجيه من وجهاء البندقية، لا يرغب به برابانتيو زوجاً لابنته ديزدمونه، فيبلغ أياغو ورودريغو والد ديدمونة أن عطيل يلتقي بها، ويتزوج عطيل ـ الذي هو سليل بيت من البيوت المالكة ـ ديزدمونة لأنه أحبها وأحبته. فيقوم أياغو بإعلام أبيها بالخبر ويدله على منزل العاشقين . يخرج الأب مسلحا بفرقة جيش لمعاقبة عطيل وعند ساعات الصباح الأولى يلتقي والد ديزدمونة بعطيل الذي يطلب من عمه أن يعيد سيفه إلى غمده حتى لا يصدأ من ندى الصباح. وعندها يبدأ أياغو بمحاولة تخريب بيت عطيل، إذ يحاول إقناعه أن ديزدمونة خائنة، التي كانت ترافق زوجها في قبرص حيث جرت معارك انتصر فيها عطيل على الأعداء وأغرق سفنهم، فيقول أياغو لعطيل أنّ ديدمونة غشت أباها، ولديها الاستعداد لخداع زوجها: "تزوجتك دون أن تحصل على موافقته، وقد تغشك" ويبحث عن وسيلة يحاول فيها تخريب بيت عطيل بيد عطيل نفسه، ولأنه لا يستطيع تنفيذ المؤامرة بمفرده، يطلب من زوجته إميليا مساعدته، دون أن يشرح لها أنه يحيك خيوط مؤامرة. فيطلب من زوجته إميليا سرقة منديل زوجة عطيل، ديزدمونة، دون أن يشرح لها الأسباب، أو أنه يضمر الشر لأسرة عطيل، فتقول إميليا: "هذا المنديل هو أول تذكار أهداه المغربي إليها، وزوجي الغريب الأطوار، قد لاطفني، وطلب مني أن أسرقه لـه، غير أنها تحبّ هذه الهدية حباً جماً، لأن عطيل أوصاها ملحاً بالاحتفاظ بها أبداً ولهذا هي تحملها بلا انقطاع وتقبلها وتخاطبها"

وتسرق إميليا المنديل وتعطيه لزوجها أياغو الذي يرميه في غرفة كاسيو.‏

ويقول لعطيل: "إنني كنت بائتاً منذ ليال مع كاسيو... تبينت أن كاسيو يرى حلماً.. سمعته يقول وهو مستغرق في رؤياه "حبيبتي ديزدمونة لنكن حذرين ولنخف حبنا".. وحينئذ يا سيدي أمسك بيدي يشدها ويصيح "يالك من حسناء شهية" ثم طفق يلثمني بقوة.. ثم ألقى بساقه على فخذي وتنهد وعانقني وصاح: "لعن الله الحظ الذي وهبك للمغربي". ويقول لعطيل أنه رأى المنديل بيد كاسيو.‏ ويطلب عطيل من ديزدمونه المنديل متظاهراً أنه مصاب بزكام قوي، وهذا المنديل وهبته امرأة مصرية لأم عطيل، وكانت المصرية ساحرة، وقالت لها ما دام المنديل معك فزوجك يحبك وإن فقدته فقد تفقدي حبّ زوجك. وحافظت عليه إلى ساعة زفافها وأعطته لعطيل وأوصته أن يعطيه لزوجته، فلا يجوز فقدانه. وهو من الحرير الطبيعي.‏

ويقول أياغو لعطيل إنّ كاسيو اعترف لـه بفعلته، وأتفق وإياه أن يسمع حديثاً بينه وبين كاسيو ويكون عطيل مختبئاً، ووافق عطيل، وسمع الحديث دار حول امرأة أخرى كانت خليلة كاسيو، وظن عطيل أن الحديث يدور حول زوجته ديزدمونة.‏

ويسأل عطيل إميليا زوجة أياغو عن ديزدمونة، ويتهم زوجته بالخيانة وكان أياغو يأخذ من رودريجو مجوهرات بحجة أنه يعطيها لديزدمونة، ولم يعطها فيريد التخلص من رودريجو لكي لا يطالبه بالمجوهرات، ويريد أيضاً التخلص من كاسيو، فقال لرودريجو إنّ وفداً جاء من البندقية ويريد تعيين كاسيو مكان عطيل، فالأفضل التخلص من كاسيو، الذي سيكون في منتصف الليل عند خليلته. ويضرب كل منها الآخر رودريجو وكاسيو، ويضرب أياغو كاسيو ويكسر ساقه، كل هذا في الظلام ويهرب وبعد ذلك يعود في الظلام ويضرب رودريجو ويقتله.‏

يخنق عطيل ديدمونة بتهمة الخيانة مع كاسيو ولكن إميليا زوجة أياجو تكشف الحقيقة لعطيل أنّ المنديل هي أخذته وأعطته لزوجها دون أن تعلم أنه يبيت أمراً خبيثاً وإجرامياً فيطعن عطيل نفسه حزناً على ديزدمونة بعد أن يكون قد طعن أياغو وجرحه، ولكنه لم يقتله، ويصف عطيل نفسه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: ".... رجل لم يعقل في حبه، بل أسرف فيه،... رجل رمى بيده (كهندي غبي جاهل ( لؤلؤة، أثمن من عشيرته كلها، رجل إذا انفعل درت عيناه دموعا، وإن لم يكن الذرف من دأبها، دموعاً غزيرة كما تدر أشجار العرب صمغها الشافي.." ولعل هذه الأوصاف التي وصف بها نفسه أصدق من كل تحليل لشخصيته.‏

أما كاسيو الذي تسلم زمام الأمور، بعد موت عطيل فهو شاب طيب معجب بشخصية عطيل، ومخلص لـه، وأما زوجة أياغو إميليا فهي تشبه كاسيو في طيبها، هي تحب ديزدمونة، وإن كانت دون أن تدري قد شاركت في المؤامرة التي أحاكها زوجها الشرير. وديزدمونة إنسانة طيبة شريفة مخلصة لزوجها، صادقة لا تعرف الخداع وبالتالي فالصراع في هذه المأساة بين شخص شرير هو أياغو إلى أبعد الحدود وبين أشخاص لا يعرفون الشر هم عطيل وديزدمونة وكاسيو.

للموت نكهة خاصة في أدب شكسبير نظرا لغرابته وغرابة أفكاره . تلك هي الحياة قصص نرويها للناس لعلهم يتفكرون .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

.....................

المراجع

A. D. Cousins:The Shakespeare Encyclopedia: The Complete Guide to the Man and His Works (Book by A. D. Cousins) Originally published: 2007

 

(المسخ) او(الأنمساخ) لـ (كافكا)، من الكتابات التي تحمل اشكالية في تجنيسها، ذلك لأنها كتبت تحت مصطلح (القصة الطويلة)- وهو من المصطلحات التي تحمل اشكاليات عدّة-، فقد اختلف الكثير من النقاد في تجنيس مثل هذه الكتابات، اذ يجزم بعضهم بالقول: ليس هناك (قصة طويلة او قصيرة) بل هي (قصة) فقط، بينما يشدد الآخر على تصنيفها حسب تسميات (قصيرة) او (طويلة)، وأنا أجد أن مصطلح (قصة) يصح تطبيقه على الأنموذج القصصي فقط من دون تابع له او مكمل قصيرة أو طويلة،ومصطلح الرواية على التجنيس الروائي فقط، فلكل منهما(القصة والرواية ) عالم خاص بهما وأن اشتركا في مميزات الزمان والمكان والحدث والعقدة.

و(الأنمساخ) أو(المسخ) من الكتابات المترجمة ترجمات عدّة،فبعضهم ترجمها تحت عنونة (الأنمساخ)، والآخر(المسخ) تحاكي واقع عائلة اجتماعية وتنحصر داخل نطاق هذه العائلة بين البطل الابن (غريغور) و(الاخت) و(الأم) و(الأب)، وأشارة الى (كبير الموظفين) الذي نرصد حظوره منذ الوهلة الأولى ثم لنفتقد وجوده، ذاك لأن (غريغور) لم يعد مرتبطاً بالواقع العملي، ثم ليظهر المستأجرون الجدد، والخادمة ذات الشعر الأبيض، وهولاء جلهم يظهرون و يختفون ليبقى المحيط الكتابي بين دائرة (غريغور والأب والأم والأخت) .

تقدم صورة الأستفاقة المميتة لـ( غريغور) الذي نام ليصحو على واقع مرير، مماسببت له هذه الأنتقالة دهشة ليخالج ذاته الداخلية ومحاولة اقناعها بأنه في حلم وسيصحى منه، ولكن الواقع الجديد اصبح حقيقة يعيشها (غريغور) بعد ايقانه بإنه ليس في حلم، ولتبدأ الحكاية بسرد انتقال الذات، وتغير الأنا، والأنعدام، واجبارية الواقع الجديد لـ (غريغور).

وتسعى الى تصوير ثورة على التسلط الأجتماعي والأسري وتغير واقع الأستغلال الاسري بالدرجة الأولى والعمل الأجتماعي الضاغط.

تدور الاحداث حول (غريغور) الأبن الأكبر لـ (سامسا) الذي اخذ منه المرض الأنتقال من صورة الإنسان الى صورة الحشرة (الحيوان)، ويتم سرد الأحداث بضمير (الأنا)، والأخت الحنونة ذات (17) عاماً على اخيها التي تنتقل فيما بعد الى نبذه بسبب مرضه وصعوبة تحمله أكثر من هذا الوضع، اما (الأم) فأنها كانت بين أن تكون مؤيدة لقرار ابنتها الأخير أو لاتكون، فهي بالنتيجة أم تمتلك غريزة العطف .

التحول الذي اصاب (غريغور) ينقل اجتماعية وصورة (غريغور) الذي تحول الى حشرة بانفاس انسان انهكها المرض المفاجىء ليحيل به الى عاجز، وليتحول الى غربة ذاتية يعيشها حبيس غرفته بعد أن نفر منه المجتمع، من هنا نفهم بإن النص الكتابي يمكن شطره الى نصفين: الأول: سرد ماضي (غريغور) وواقع عمله الذي كان يتطلب منه السفر المتواصل ؛ لأنه كان يعمل مديرا للمبيعات، والثاني: حاضر (غريغور) الجديد وهو الواقع الأجباري المفروض طوعاً عليه بعيداً عن ارادته، الذي نقله من ذات نافعة لعائلته موفر جميع احتياجاتها الى ثقل يحيل بهم الى صعوبة تحمل وضعه .

هذا التحول وضع (غريغور) بين اختيارين: بين أن يقبل بوضعه الجديد او الرفض بعد أن كان يعايش حياته العملية مديراً للمبيعات ليعيل عائلته، وليسدد المتراكمات من ديون ابيه.

من هنا نفهم بإنه لم يعش (غريغور) ضمن نطاق اسري مترابط، فالعائلة كانت اقرب الى الأنتهازية،واستغلال كرمه وطيبته.

اضافة الى تسلط (رئيس الموظفين)، وهي موازية لصورة تسلط الأب (سامسا).

وقد امتاز الأنتاج الكتابي لـ (كافكا) بالتفصيل الذي يجذب القارىء الى معرفة نهاية الأحداث حتى وأن شعر في بعض الأحيان بجانب الملل الأ أن هذا الملل سرعان مايتلاشى ويتحول الى رغبة مؤكدة بمعرفة نهاية الأحداث، وهذا امتياز يحسب للكاتب لاعليه، فعلى الرغم من بساطة الأسلوب ونسج الكلمات المفهومة، الا أن هذا لايقلقل من قيمة المتن الكتابي، خاصة عندما يمتاز هذا المتن بنقل وجودية (غريغور)، وتفوقه في نقل الظلم الأجتماعي وظلم الواقع العملي الذي يتلاشى امام ظلم المحيط الأسري.

ومن جانب آخر نجد الاصرار داخل النسيج الكتابي هذا في رسم حدود المنزل الكبير الذي أستأجره لعائلته، وهو الذي كان مصمماً على أدخال اخته (مدرسة الموسيقى) والتي كانت تؤازره، ثم لتنقل الى صورة اخرى الرافضة المتعصبة من وضع اخيها (غريغور) ونعته بإنه متعب ولايقدر أحد على تحمله، ولتجد المؤازرة من الوالد بعكس الوالدة التي ارتضت بالسعال والتعب بعد انعكافها على ماكنة الخياطة، ثم لتعلق رفضها لمثل هذه الفكرة .

ومن التفصيل المنزلي ايضاً رسم حدود غرفة (غريغور) التي امتازت بـ (النوافذ) وهي أشارة الى ارتباطه بالنور الخارجي وامكانية استنشاقه لأوكسجين الطبيعة بعيداً عن غازه الذي يعيشه داخل اسرته، وهي اشارة لأرتباطه بالعالم الخارجي وابتعاده عن العالم الأسري، فيما تشير (الساعة) المعلقة في احد جدران الغرفة الى تسارع الزمن الذي يعيشه ونعيشه نحن الأن، فيما اشار (دفىء المعطف) الى الحنان والحب والأحتضان الذي أفتقده من أسرته ومن ثم لم ينله من أية حبيبة، ليعيش غربة داخل غربة غرفته ولتتولد لديه غربة مقيتة سببت حالة نفسية وتراكمات عدّة على ذاته المضطربة.

لغة الشجن التي غلفت المتن الكتابي آن لها أن تزول بالنسبة للعائلة ولتدخل الفرحة الى محيطهم، نرصد هذا التحول بعد وفاة (غريغور)، ولنجد كيفية الأنتقالة الجديدة لهذه العائلة، وكيف أنهم تركوا عملهم، واتخذوا قرار السفر، والتفكير في أستأجار منزل جديد أصغر من المنزل الذي كان ولدهم قد أسأجره لهم،ونرصد تحول نظرة (الأم والأب) الى ابنتهم الوحيدة والتفكير في زواجها، وهذه النهاية تربط أذهاننا بحقيقة المثل المعروف (الذي يموت يخسر نفسه)، وهي صورة حياة جديدة لعائلة نسجت حياتها بلون الفرح والسعادة، حياة بعيدة عن (غريغور) الذي وهب ذاته وعمله لأسرته التي لم تقدر جهده .

 

بقلم : وسن مرشد

 

205 رفيف الفارسأننا امام شاعرة متمكنة تجيد الخلوة الروحية والنفسية والمزاجية، في الاندماج الكلي في الخيال الشعري، لتخلق وتصوغ مكونات القصيدة بكل تفاعل متناسق ومتجانس، اي انها تخلق المناخ المناسب بكل تضاريسه، في استنباط الهواجس والهموم، وتسكبها بحروف شعرية . تطلق فيها عنان بواعث الشجن والاشجان المشحونة في هموم الروح وخلجاتها، وتطلقها دون عوائق وحواجز، بل انها تستخدم حرية للخيال الشعري، أن يخلق ويصوغ الرؤى الشعرية، والمضامين الفكرية التي لها صدى ورنين في رؤيتها، بين الواقع، والتناعم بالحلم والامل والحب، هذا التجنح المحلق في الفضاء الشعري في تداعياته المكونة، كأنها تخاطب الاخر العام، اي انها تنطلق من الذات الى العام، لتكشف حقيقة ثيمات الواقع المنخورة والمسلوبة في اشياءه، أو في مخلفاته التي تنتج بوادر الوجع والالم، في معاناة قاهرة، تجعل المرء مسلوب الارادة، يحترق بصبره على قارعة الانتظار .، ان ميزة الاسلوبية للشاعرة . انها تقدم الرؤى والصور الشعرية، في طبق جوهرها ولبها الكامن في الدلالات التعبيرية، بعد ان تنزع عنها القشور، اي انها تنطلق نحو الهدف بشكل مباشر، لتصل مراميها التعبيرية الدالة في مدلولاتها العميقة . تتحرك بفعل آلية الفعل الضوئي، من السرد الشعري للحدث المعني والدال بعملية الاختزال والتكثيف، لتجعل المشاعر الحسية، تنبض وتتحرك بالنطق في مجسداتها الصوتية، بالتصوير والوصف في براعة الحس الجمالي الفني للتعابير الشعرية والفكرية،، التي تعتمد على خلفية واسعة من المعارف الواسعة التي تخزنها الذاكرة العقلية والثقافية، من بينها استلهام الموروثات الحضارية والدينية . التي تنظر الى الثالوث (الضوء، المطر . الماء) اشياء مقدسة في عطاءها الدال بالنماء والخصب . لذا فان الرؤى الشعرية بدلالتها الايحائية والرمزية، تخاطب هذا الثالوث المقدس، لكي يضع بصماته على الواقع المهلك والمهلوك والمفجوع، ان يترك بصماته على جدران القلب . لكي يغسل الهموم والاحزان، ويطلق سراح مديات الحلم والامل، لتنتهي الحالة العبثة التي يعيشها الواقع، التي تجعل المرء مرميا على قارعة الانتظار، بجمرة الصبر الحارقة، التي ترهق بثقلها الوخيم على جدار الروح . في واقع مرهوص ومعجون بتراكم الثميات النازفة، التي تقوده الى التيه والضياع . لذلك تحاول انعتاق الواقع من اسره ومن شرنقته الاخطبوطية . حتى تضع الحياة على جادة الصواب، وليس بأن تكون مخزناً لتجميع عذابات الشاقة والمرهقة والثقيلة على الواقع الحياتي، بل تحاول تغيير مدايات الهموم،بأن تجعلها تبتسم للحب والامل والحلم، لكي تنتهي الحالات المريرة، لكي تتعدى منصات العتاب والشكوى والمناجاة المريرة، من اجل ان يورق الحلم والامل بالاخضرار بالعشب والنماء . لذلك تستنجد بهذه المقدسات الثلاث (الضوء . المطر . الماء) وليس هناك سبيل ومخرج آخر، من الخروج من عنق الزجاجة، او الازمات الحياتية العاصفة . ان ينتهي الحزن الطاغي والمستبد للحياة والواقع . لان الذنوب والخطايا كبرت في جحيمها وعسفها على الحياة والواقع، ولا يمكن تحمل ثقلها اكثر، فلابد من غسل وتطهير الارض والانسان (البدن والروح)، من الخطايا والذنوب، ومن الرجس والدنس، التي غرقت بالانهار الدماء والفواجع، ولابد من تعبيدها وتطهيرها، هذه الحالة الفعلية مع الانسان هذا البلد، ان يزيل من روحه الشوائب والذنوب والخطايا، ان يغسل عذاباته حزنه، ليكون طاهراً، لكي تشع حياته بالحب والامل والحلم، وان تنتهي مرارة الانتظار . هذه الخطوط الفكرية التي تحملها تعابير القصائد، في شفراتها الايحائية والرمزية والايمائية . وهذا البيت القصيد . او (مربط الفرس) لقصائد المجموعة الشعرية، لنلقي الضوء على بعض القصائد .

1 - المطر: هذه النعمة الالهية، لكنها جدبت بالجفاف وحرمت العراق من نعمتها . فأصبحت الارض بوراً تلعب بها الثعابين والاحراش والاشواك الوحشية، مما اشتدت وتصاعدت، ازمة الروح بالمعاناة والالم، فقد جفت الدموع من ان تروي الجفاف وعطش الاخاديد الجافة والشاحبة، مما جعلت الحياة، ان تسافر في قطار منهك ومتعب، يلوك العمر بالآهات . ان يضعها على قارعة الانتظار معذبة . فلا ولادة ولا انبعاث ولا عشب اخضر، فما بقى من سبيل، إلا رحمة وشفقة السماء ان تذرف دموعها بالمطر، رحمة للعالمين، ان تنتهي المعاناة الطاغية والمستبدة . لذا تستنجد بالسماء بالمطر، ان تطهر الارض من دنسها ورجسها وجفافها، ان تمنًّ السماء برحمتها، لتعود بسمة الحياة والفصول، لينتهي جور الزمان

مطر ..

متى تحن السماء

لتذرف المطر

يارب الخير والعطاء

إحمنا من جور الزمان

أطرح في ارضنا النماء

تعبت معاولنا من حفر الجفاف

جفاف ... جفاف

دموعنا التي تروي أكفنا

جفت ....

ملأت وجوهنا الاخاديد

غرست

في قلوبنا الحفر جفاف ....

متى يأتي المطر

يروي الحقول .. يروي القلوب

سأبكيك عمرا وانتظار

2 - تتراكم الرعود والبروق، بالاصوات المدوية، تحمل في طياتها الشؤوم، محملة بمواسم الخوف والرعد والعبودية . محملة في بيارق الضياع والتيه . فالخريف طرد كل الفصول، واحراشه واشواكه احتلت الحياة والواقع، مما اصاب الحياة بالكهولة والشيخوخة والجفاف، تتشاحن في وهم الانتظار، وارتجاف اوجاع الالم . تتحرك هواجس الظلام لتلعب في كوابيسها، في عتمة التيه، لكي تغطي على الحقيقة الضائعة، التي تتقاسمها آهات الانين . هذه الوخمة الحياتية الوخيمة والثقيلة . فقد جف الواقع، لا نعول على ولادة من جديد، أوعشب اخضر يمتد من السهول والى القلوب . سوى يحصدنا الخوف والارتجاف والدموع نسكبها في قرعة الصبر، في مملكة حراس الرعب والاشواك والعبودية

كالدوي تسمعني

صوتي محمل بالرعود

بمواسم خوفٍ

وعبودية

مٌنجزر بالمديات الصاخبة

على سهول لوعة . .

تسمعني ... وفي أُذنك حرقة من طنين المتاهات

والمرافئ الخدرة بالزيف

تناسل البلور في دمي

أدمعا من خريف

لا تُنبي بعودة الفصول

أدمعا من ثلج على ثلج

لا يعول على الولادة

من جديد

يحصدنا معاول ارتجاف

3 - حالنا كحال النخيل، تموت وهي واقفة، يدهمها الجوع والالم والمعاناة والجفاف، وهي واقفة . لم تنحني للعواصف والرياح الصفراء، بل انها اكبر من العذبات ملتفة بالزيف والخداع، تبتسم وهي في حرقة الانتظار، كما وانها تتنبأ بالفصول القادمة من لوعة الاحزان والاوجاع . فكل شيء يتحرك بالتأجيل . احلامنا مؤجلة، انتظارنا مؤجل . ولكن نظل ندندن بهمسات الروح لتناغم مع عيون السماء ونغازلها، بأن نظل واقفين كالنخيل . هذا قدرنا الابدي .

كما النخيل

لا ينحني ولا يستكين

لقيظ أو لبرد

ضاربا في الارض والجذور

السعف في السماء

ابدا سنلعب بالموت والجوع

ابدا سنبقى نقلب الرزق القليل

نبتسم للنخيل

للعذاب

تنقلب الفصول

تأتي وتزول

والاخضر المشعث لا يحول

ودماؤنا لا تحول

ابدا ستبقى تطالب

ديونها المؤجلة

حياتها المؤجلة

على مدى الدهر باقون

4 - لوعة الاشتياق: لا يمكن ان تخطف الحياة من الروح، الشوق والاشتياق، فتبقى تداعب الوجدان وعواطفه في انفعالاتها، في همسات الامل، الى الطيور المهاجرة ان تعود الى اعشاشها بهزات الحنين، والحبيب يعود الى حبه بأنغام الاشتياق، لان روحه تجري في عروق المحبوب، تجري بالحب والانين، تجري في وجع المحرمات، التي تقف حائلاً في عدم التواصل الحبل السري للشوق والحنين، وهي مصلوبة على قارعة الانتظار، للقادم في عروق الروح، تسكب اوجاعها في العتمة، وتتطلع الى الحلم في عشب اخضر، في صباحات مشرقة، يستلهم الواح سومرية، التي كتبت العشق على صفحة الماء والمطر . كعرافة غجرية تبحث عن وطن، قرأت ملامح الحب القادم من التيه، الى ملحمة الماء والدم، لكي تنبت اعشاب الشوق والامل تتناسل في الف قصيدة وقصيدة في زمن الانتظار، معطرة بالقبلات، في كل همسة تداعب اوتار القلب، في تخوم الليل، تترقب الفجر الاتي، فلا يمكن ان تخون الليل بالنوم، فالفجر آتٍ، في بساتين الامل، ان يعود الضياء الى العمر في نشوته الحياتية، لتحدق في البستان الغارق بالقمر، لتعلن عودة احلام المهاجر، لتعيد رسم الحياة من جديد

واتحول الى أرض خضراء وشمس

ألواح سومرية ومسلات

أبحث دوماً عن حروف لا يكتبها

تتناسل في الف قصيدة من زمن الانتظار

وحين يأتي الليل وترف الجفون

وتعلن احلام عودة المهاجر

أجاذب السهر !! ...

لن اخون ليلي بالنوم

احدق في بستانك

غارقاً في القمر

أقرأ الخيالات والصور

كعرافة غجرية

تبحث عن وطن

عن ملحمة الماء والدم

حين ابصر عينيك

سأعيد رسم ملامحك بالقبلات

5 - الى الانسان ..... نلسون ماندلا

الحلم لايمكن سجنه في زنزانة صغيرة . ولا يمكن كتم انفاس الحب والامل والسلام . ولا يمكن ان تجف ينابيع المحبة والاخاء والتسامح، فتظل ترواد الروح على حلم مشرقاً في ضياء الشمس . ليخترق عين المستحيل، لينغمر مطر المحبة للاطفال والعشاق، يوعد بفجر جديد، يهدم اركان الليل والظلام، لتغرد الحناجر اغاني السلام، ليتحقق الحل المستحيل، من ينابيع السهول والوديان، ليعلو صوت الربيع في زمن المستحيل

والحلم انتشاء شمس في عين المستحيل

يناشد ختم السمرة

ان يوماً اليَّ المصير

مذ كان المطر فرحة ... طفل ..... عاشق ... مظلة

تناشد المستحيل

وفي البعيد

في عمق الرئات السجينة

من خلف القضبان عمرا ... حر

وهبت السلام .... نبياً

كم نحتاجك غيمة رحمة

تعويذة فرح

------

صعبة هي خيارات الخلود

واخترت ...... الحب ..... للخلود

 

***

- المجموعة الشعرية . منْ يطرق باب الضوء . الشاعرة رفيف الفارس

- الناشر : دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع . بغداد

- تصميم الغلاف: رفيف الفارس

- لوحة الغلاف: الفنان التشكيلي العراقي احمد الزعيم

 

جمعة عبدالله

 

 

علي المرهج

ولد حسين مردان عام 1927 في قضاء طويريج في مُحافظة كربلاء، إنتقل للسكن بحكم عمل والده كشرطي للعمل في قضاء الخالص في قرية جديدة الشط في محافظة ديالى، ودرس الابتدائية في مدينة بعقوبة.

إختار التشرد طريقة في العيش، فهو كما قيل عنه "رجل الشارع المُتشرد)، يحمل مشعله التنويري عبر إعلانه الصريح ورفضه لكل ما هو بائد من تقاليدنا الموروثة. لأنه كان أكثر مياً لتنظيرات الفلاسفة الوجوديين من أمثال سارتر في روايته (الغثيان) وألبير كامو في (الإنسان المُتمرد)، يبحث عن ذاته في الحرية، بل الحرية تتجسد في رؤاه وكتاباته وممارساته، فهو حر في إختياره لطريقة العيش، وحرٌ في الخلاص من هيمنة عمود الشعر وهيمنة القصيدة وفق النسق المألوف في كتابتها عند العرب ومُتطلباته، مثل الوزن والقافية وموسيقى اللفظ، وحر في التخلص من هيمنة قصيدة التفعيلة أو ما سُميَ بـ "الشعر الحر" الذي كان من رواده: السياب، ونازك الملائكة، وعبدالوهاب البياتي:

إبليس من نار وآدم من طين

والطين لا يسمو سمو النار

وكأنه يُناظر أو يتساوق مع رؤى (صادق جلال العظم) في كتابه "نقد افكر الديني" الذي تناول فيه قصة إبليس وإعتراضه على الأمر الإلهي بطاعته لآدم بقوله "أنا خيَر منه خلقتني من نار وخلقته من طين".

كتب مردان ما سماه هو (النثر المُركز)، أو ما أسماه د.علي جواد الطاهر: (بديع النثر المُركز)، فقال عنه الطاهر: "هذا شاعر مُنقطع النظير بين أقرانه...(فهو) أدخلهم في الشاعرية وأبعدهم في المدى وأعمقهم في الغور.."

يقول حسين مردان في نثره المُركز:"إن الإنسان الحقيقي ليس هو الإنسان الذي يموء بالقرب من موائد الشراب والرقص، ولا يستطيع مُفارقة الحدائق والمراوح...إن الإنسان الحقيقي هو الذي ينهض ليقف فوق جسده، ويُمسك بوجوده ثم يقذف بنفسه في المعركة..

ولكني مشدود وا أسفاه..مشدود بخيالي..هذا الخيال الذي ربيته على أجنحة الطيور الوديعة والكُتب الجميلة. فلم يقدر على البُعد عن خرير السواقي ورائحة الزهور.

...

إن الجُندي سيبقى هو المادة الأصلية في ملحمة الحرب...

ألا فاليعلم كل الذين تعودوا على الحرير والتُفاح بأن المجد يرفض صداقة الترف الممزوج بالعار .

صُنفت مجموعته الشعرية "قصائد عارية" على أنها من نوع الشعر الإباحي أو الشعر الماجن، لكن ما أستغرب له هو قراءة الكثيرين لمجموعته هذه (قصائد عارية)، ليبحثوا عن عُري الجسد الذي كشف عنه مردان في مجموعته هذه، وكثيرٌ منهم ينتقد جرأة حسين مردان في تعامله مع الجسد وفق منطق الأباحة لا منطق الإزاحة، لأن حسين مردان مُتسق مع إنسانيته في ميلها الغريزي تارة نحو عشق الجسد والهيام بمفاتن المرأة وأنوثتها لا على أنه من ذميم الفعل وأرذل القول، إنما هو عنده من لذيذ الفعل وجميل القول، وهو لا يجعل من نفسه حاله كحال النعامة، يضع رأسه في التراب وباقي الجسد عار ومكشوف، ومن ينتقد حسين مردان حاله كحال من ينتقد من يُشاهد الأفلام الإباحية، ولكنه في عتمة الضوء لا يُغريه سوى مُشاهدة مثل هذه الأفلام وقراءة أشعار مردان وروايات كولن ولسن والبيرتو مورافيا وبعض من قصص نوال السعداوي وأشعار نزار قباني، كي تكون محطة للترويح عن قتامة الحياة اليومية وصراعاتها، للعيش للحظات متأمل لقيمة التماس الجسدي الذي يحل بعض من مشاكل الصراع العصابي مع الآخر.

وما تجدر الإشارة إليه أن الكثير من قُراء شعر مردان يقرأون "قصائد عارية" لا ليكشفوا عن مقدار الشبق الجنسي في شعر حسين مردان، بل ليتلذذوا بهذا الشبق المكنون الضامر في نفوسهم، ولو تريثوا بُرهة وقرأوا كل نتاج مردان لوجدوا فيه ما هو ثوري صاعق يقض مضاجع المُستبدين، كقصيدة البطولة، حينما يقول فيها:

إن كلمتي تشبه القُنبلة

أو الإعصار تشبه القبلة

فيها شيء من رقة الملائكة

وشراسة من سمك القرش

....

في كل حرف منها فُوهة بركان

وباقة أزهار

وغضب زلزال طوفان.

....

إني أصنع قصيدة عن الدرب

الذي يصل إلى الثورة والفردوس..

وفي القصيدة بيت عن شجرة

في جهنم.

ولهذا البيت أُريد تلك

الكلمة..

كلمة تجمع بين القتل والطفولة.

بين الموت والحياة.

...

آه..لقد رأيتها..

البطولة .

لكن لأن بعض مما يُداعب عقل الشرقي هو الكشف عن عُري الجسد لفرط ما يعيش فيه من كبت جعل من مجموعة حسين مردان الشعرية "قصائد عارية" وكأنها نتاج حسين مردان الأمثل في القدح أو المدح.

لا أظن أن حسين مردان نال ما نال من تقدير بين شُعراء جيله من أمثال بُلند الحيدري، والجواهري من قبل، والسياب، والبياتي.

إنما هم كبار، ولا يُغريهم سوى لذيذ القول، من الذي أجادت به قريحة مردان الشعرية التي غايرت السائر من أقوالهم الشعرية مما هو مألوف في شعرهم.

وصفه عبدالرزاق عبدالواحد بالقول أنه: "الإنسان العملاق في إنسانيته"، وأنا أقول عنه أنه وباستعارة لعنوان أحد كُتب نيتشه، أنه "إنسان مُفرط في إنسانيته".

عُيَن حسين مردان كما يذكر صديقه الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد عام 1968 مُعاوناً للمُدير العام للإذاعة والتلفزيون براتب شهري قدره (150) ديناراً، بعد إحتساب مُدة عمله في الصحافة كخدمة فعلية له، ولكنه رفض استلام الراتب، لأنه وجد أن في إحتساب راتبه بعض من زيادة لا يستحقها، ولم يستلم راتبه، إلَا بعد تعديله ليكون 80 ديناراً، فوافق على العمل بعد تعديل الراتب.

هذا ذكرني برواتب السُجناء السياسيين ومن الإسلاميين من سُجناء رفحاء وما سبقها!.

بعد استجابة الحكومة لمطالبه في تقليل راتبه، قبل العمل، فأشترى له بدلتين، لكنهما لم تتسخا لأنه غادر الحياة، فظلت البدلتان تتشوقان للمس جسد نقي حُر مثل جسد مردان، وإن كان لا يرى فيه بعض مُبغضيه سوى أنه شاعر لا يرى في الحياة سوى جسد إمرأة، ولكنهم غفلوا عن رؤية مردان لهذا الجسد الذي له قيمة وجودية عُليَا في شعره ومُتبنياته الفكرية، فهو جسد أمه الذي أرضعته من (فرات حليبها)، وهو جسد حبيبته التي ظل وفياً لها، وإن ظن المكبوتون أن في قصائد مردان بعض من البوح أو كثير منه يفض بُكارة شبقهم الجنسي، لأن حسين مردان يكشف عن نزوع إنساني طبيعي يرنو نحو الحرية، لا حُرية المُمارسة الجنسية كما يذهب لذلك الشبقيون، إنما هي حُرية الشوق للقاء المعشوق عبر ترافة اللغة وحميمية اللقاء وعنفوان الصراع المحموم حين لقاء الحبيبين.

دمٌ وأشلاءٌ مُمزقة

وأضلع صاخباتٌ تشتكي التعبا

هذا هو الحُبُ. جُرحٌ غائرٌ ويدُ

خبيرةٌ وصراعٌ يعلك الصعبا.

ولكنه في قصيدة (الدم) يقول:

الدمُ الذي يعزفُ فوق

الأرصفة والتلال..

أُنيته الحزينة..

عن الدرع..وكربلاء..

الدمُ الذي يغور في التُراب

وينفخُ عروق الأرض،

ليرفعها إلى السماء.

إنه الدم..

هل قرأت عنه..؟

السائل الذي يأكل جذور

الجبال،

ويشرب جواهر التاج،

ويلطع حديد المُصفحات..

إنه الدم..

...

إنه نفس الدم القديم.

الذي نُشاهده في جبين

التاريخ.

يحفر وجوه الطُغاة،

ويقتلع الأسوار،

ويُميد بالنُظم التي تكره

رائحة الإنسان..

أ لم يقرأ من عشق أو رفض شعر حسين مردان هذه القصائد، وإن كُنت رافضاً لتفسيرات الكثيرين منهم في تلقيها وفق نمط شذوذنا وشبقنا الشرقي للنظر للجسد بوصفه عاهة، أو عورة، فهو ثائر على كل ما هو بال من تقاليدنا التي ورثناها، والهيام في توصيف الحُب العُذري وكأنه غاية الحب، وليل الصبَ:

فتولت في دمائي ثورةٌ

ثورةُ الفسق على الحُب النقي

قتقدمت كوحش، جائع،

ترعد الشهوة في أعاصيبه مُرغمة

وتفرجت عارية

صرخت ويحك لا تتركني

فلقد حركت في أحشائيه

كل ما في اللحم من شوق اللظى

فإطفىء النور وخُذ أفخاذيه.

لا أروم الإطالة ولكن مردان يكشف عن مكنونات نفوسنا اللوامة، التي لا هم لها سوى الهيام في الجسد، ليُنبؤنا أن في التواصل الجسدي تعبي عن حُب جنوني، لا ينبغي لنا أن نُوقف مصداق تدفقه، ولا ينبغي أن نتقده مثل هكذا حُب، أو نقتص منه، ونُقلل من قيمته، لأنه لا ينمو في المُخيلة وتصوراتنا المثالية للعشق. إنه الحُب، بأي منظار نظرت له، فللحب تعابيرات ومظاهرة عدة في التعبير عن صدقه، منها نظرة فابتسامة، ومنه تعالق الجسد بالجسد، ليكونا جسدين تماهت روحيهما، فما قدرنا أن نعرف روح من تنطق عن من، لفرط ما في العشق من تعالق على مستوى التعالق الجسدي والروحي معاً.

إن ما يُميز شعر وكتابات مردان أنه يُشخص حالنا في التماهي مع مُعطيات الجسد بوصفه من المُمكن المُتاح في عالم الواقع، وإن أبدى البعض رفضاً له، لكنه من مُقتضيات التناسل الوجودي و(البايلوجي) في التماس الجسدي والرغبة في التواصل الخارج فكري، وإلتماس اللحظة في الهمس اللغوي للإرتقاء بالتفاعل الجسدي كي يكون كما يقول مردان:

كُل ما في اللحم من شوق اللظى.

أو قوله:

تئن كالوحش مطعوناً إذا إشتبكت

ساقٌ بساق، ومحموم بمحموم.

ليكشف لنا عن حقيقة لطالما تغافلنا عن ذكرها، أو لم نرتض الإفصاح عنها، ألا وهي علاقة الجسد بالجسد، لأننا عشنا تصورات فيها بعض من تداعيات وبقايا الفلسفة المثالية واللاهوتية التي عدَت الجسد سجناً للروح، أو عورة فيها من الزيف الكثير، ولكن نيتشه بفائقية تصوره ومُفارقته للمألوف السائد مما اعتدنا عليه في الفكر على أنه من بديهيات تصوراتنا في الوجود عبر ربط الفكر بالوجود وفق الرؤية السقراطية الإفلاطونية، ولا معنى للجسد ولا حضور له في حال غياب الفكر، ولكن بعض من تأثيرات فلسفة نيتشه في كتابات مردان قد أعادت للجسد بعض من حضوره وبهاء وجوده الذي يستحقه في التواصل الإنساني أو الجسدي بين الحبيب والحبيبة، لأن في الحُب تعبيراً عن فكرة "العود الأبدي" التي أسس لها نيتشه في جُل كتاباته وعبر عن بُعدها الوجودي وفاعليتها في الحياة الإنسانية، لما فيها من تفسير لفلسفة حياة إنسان شغوف بالوجود يرنو للعيش في جئُب الحب بمُتعه فيها الكثير من اللذة المُتعالقة مع الألم والمُعاناة، والعيش في حياة مليئة بالصراع، صراع الوجود في حياة يستحق البقاء فيها من فهم طبيعة الصراع والتنافس الإنساني في المُحافظة على البقاء في دُنيا الطبيعة والواقع، لا بوصفه صرع لإقصاء المُنافس، إنما هو صراع للكشف عن مقدار رغبة الإنسان في الحياة والوجود وتبنيه لمفهوم نيتشه عن "إرادة القوة" التي تُبرر لمن تماهى مع مُعطيات الوجود وتقبله لوجوده وصناعته لصيرورته وديمومته في هذا الوجود العاشق لتحولات الجسد بكل تمظهراته، لا سيما حين أبان مردان عن شغفه بهذا الوجود وكشفه في شعره الوجودي بقوله:

يا صورة الشيطان

في معبد الكُفران

أودى بيَ الحرمان

في صدرك الغض.

لكنه في مقطع آخر من قصيدته (المدالية والرجل الإشتراكي) يقول:

"إن العدم ينقر قدمي.

فأخرجي يا حبيبتي.

فأنا الآن في لحظة الفراق

وأُريد أن أقبل قلبي بُحرية..

مردان مُتمرد، ولكنه في تمرده يبحث عن الحرية غائبة في مجتمعاتنا الشرقية. إنه لا يكشف عن عُري مُستتر، إنما هو يُخبرنا في قصائده العارية، عن نفوس جفت منابع المحبة فيها، تعيش لذة التعبير والممارسة عبر الجسد، ولكنها تُخبئ في المسكوت عنه في مسيرة الحياة والقول، ما يشي بأن العُري من شيم الرجولة عندها في المخدع، ومن مُضمرات الفعل والقول في التصريح لما هو مُتاح شرعاً لمكل مُجتمع.

ولكن مردان في قصائده العارية قد فضح وكشف عن "المسكوت عنه" فيما نشتهي من لذيذ المعاشرة مع الجسد، وإن كان كثير منَا لا يرغب بالتصريح وزلا بالتلميح بما هو جائز شعاً في التلذذ بملامسة الجسد والمعاشرة بقوة دون إخبار لأحد للوقاية من شر حاسد إذا حسد.

 

د. علي المرهج

 

 

جمعة عبد اللههذه الرواية تتناول وتتناقش القضايا الصعبة والمصيرية للعراق ما بعد عام 2003 . مع عنوانها الفرعي (ست طرائق غير شرعية لاجتياز الحدود نحو بغداد)، تطرح الواقع العراقي المرير على بساط المحك، في اصعب قضية مصيرية تواجه العراق، وفي اضعف حلقاته (كعب أخيل). حينما استيقظت الطائفية من عرينها القذر والعفن، واسقطت الهوية الوطنية، وتجرع العراق بعد ذلك الاهوال والويلات الكارثية والدموية المتواصلة، التي لا تنقطع . حيث اصبح العراق مشطوراً طائفياً (شيعي / سني) . بطرق فنتازيا . سريالية . غرائبية في عجائبها الخيالية، التي اصبحت ادوات التدمير والقتل والموت للحياة والواقع . تناولتها المتن الروائي، في اسلوبية ساخرة ولاذعة بالتهكم والانتقاد الساخر، في مفاعل الكوميديا التراجيدية، او الكوميديا السوداء، التي عصفت بالعراق، بعد هذا التاريخ المشؤوم . عام 2003 .، بأن يصبح العراق مشطوراً على نفسه، في انصاف ناقصة . لتأخذ الواقع الى هاوية الجحيم . ورواية (المشطور) تتحدث عن وقوع مواطن عراقي في قبضة تنظيم داعش الارهابي، ويقوم ارهابيان (شيشاني وافغاني) بتعذيبه بطريقة مروعة، وبعد ان عجزوا في معرفة هويته الطائفية (سني / شيعي) فكان يصر وبعناد كأنه اختار الموت تحدياً، بأنه عراقي . ويتهكمان عليه بسخرية وتهكم، بأن تاريخ العراق (خراء في خراء)، ويبصقان عليه بغضب عنيف (كلب . أجرب . زنديق . تفووو)ص18 . ثم قام احدهما بشطره الى نصفين، في منشار كهربائي لقطع الاشجار . وحاول المشطور الى نصفين، اجتياز الحدود عبر المعابر الدول الست الجوار (سورية . تركيا . أيران . الكويت . السعودية . الاردن) من اجل الوصول الى بغداد، والبحث عن رواية (الفسكونت المشطور) للكاتب الايطالي (إتيالو كالفينو) . التي تتحدث عن (ميداردو دي ترالبا) الذي عاد من الحرب مشطوراً الى نصفين . النصف الاول يمثل الشر، والنصف الاخر يمثل الخير . ومن اجل المعرفة . كيفية ألتحامهما في جسد وكيان واحد . كما هو مذكور في الرواية . لذلك يخوض النصفان المشطوران . اللذان اختار لهم أسمين . الاول (ميزو) والثاني (بوتاميا) كالعراق اليوم المشطور، بين سني وشيعي . يخوضان مغامرات عاصفة بالغرائبية والسريالية في عجائبها، التي هي اغرب من الخيال . في المعابر الحدودية الستة، في نقاط التفتيش الحدودية، التي تدار من قبل شركات الاحزاب الحاكمة، بمباركة مزكاة من رجال الدين . التي تتعامل بالمال والرشوة، في السماح بمرور الشاحنات، التي تحمل المتفجرات والمفخفخات، والمواد الخطيرة والسامة، اي انها تحمل في جعبتها، أدوات الموت والدمار والخراب للعراق والعراقيين . تمر هذه الشاحنات بكل سهولة ويسر وعدم تفتيشها كما هو متفق عليه مسبقاً في المقايضة المالية، وهي تحمل اهوال الكوارث الدموية، وايضاً تحمل المواد الغذائية الفاسدة والمسرطنة والخطيرة، والمخدرات والحشيشة والحبوب، لكي تعجل بموت العراقيين، وايضاً حتى المواد الاعضاء التناسلية، للذكور والاناث . مواد مطاطية . بلاستيكية، بكل الانواع والحجوم، والعقاقير والمنشطات والمراهم، ومواد التصغير والتكبير الاعضاء الجنسية، وحتى التحاميل غشاء البكارة . تدخل بكل حرية دون عرقلة وتفتيش . وهي رسائل موت للعراقي المشطور (سني / شيعي) . هذا واقع الحال في عهد الحكم الطائفي . الذي شطب الهوية الوطنية . مما خلق اجواء التوتر والعنف، التي تصاعدت وعمقت وتيرة التمزق والتشتت والانقسام، وخلقت الحروب الدموية الطائفية، المعلنة وغير المعلنة . التي وقعت على رؤوس الجميع دون استثناء، ولكن تحمل العبء الاكبر من التدمير والخراب، هي الاقليات الدينية والعرقية، بالتهجير القسري، وفي مجازر الموت والقتل والذبح، وسبي واغتصاب النساء، حتى راجت اسواق النخاسة والرقيق، في حكايات سريالية هي اغرب من الخيال، في غرائبتها التدميرية بالفناء والابادة لهذه الاقليات العرقية والدينية، هذا واقع الحال الفعلي، الذي طغى على العراق، مما جعل المواطن يعيش حالات الخوف والرعب والفزع، والقلق على وجوده الحياتي، واصبحت هذه المظاهر حالات روتينية ويومية، يتعايش العراقي في ظلها بين فكي، الجثث المجهولة الهوية، والقاتل المجهول الهوية . مما اصبح البلد، بلاد الموت والمعاقين والمخطوفين . يتجرعون عذابات الموت والاحباط، مئات الالاف من العراقيين . ضحايا العنف الدموي الطائفي . فما حال المشطوران (ميزو) و (بوتاميا) هي نفس عذابات وحالات العراق المشطور (سني / شيعي) و (الانخراط في الحياة من حولهما كأي معاقي من مئات الآلآف من معاقي هذا البلد . أما عن ’ الهوية ’ التي يبحثان عنها، فيمكن الاستدلال عليهما من الاثر الذي احدثه العنف فيهما، كما أحدثه في ملايين العراقيين، سواء من أجسادهم، أو من نفسياتهم . أليس هما النتيجة الغرائبية، السريالية، لعملية شطر فظيعة بمنشار كهربائي، قام بها الارهابيان، الشيشاني والافغاني ؟) ص225 . فما أهمية الهوية العراقية، التي ديست بالاقدام، فما أهمية حياة العراقي، التي أصبحت (زبالة) وبضاعة كاسدة ورخيصة، لا تصلح إلا لوقود الموت والحروب الطائفية المدمرة، او لغايات طائفية دموية، عبثية ومجنونة، أو لحصارات خانقة سواء في زمن الدكتاتورية، او في زمن الحكم الطائفي في شروره الجهنمية والعدوانية، والتي يؤمن في أبادة وفناء الاخر . وما يحدث في العراق اليوم، إلا نتيجة طبيعية لثمار الحكم الطائفي، والاحزاب الطائفية الحاكمة، في جعل العراق غارقاً في الازمات الخطيرة، في لعبة التناحر الدموي من قبل شركات وميليشيات الاحزاب الطائفية، لذلك فأن حالة النصفين المشطورين (ميزو) و (بوتاميا)، حالة متنافرة لا يمكن ان يلتقيان على طريق وهدف واحد، لا يمكن ان يلتحما في جسد وكيان واحد . لكل منهما مسلك وطائفة تقودهما الى التناحر والتنازع والخلاف، لا يمكن إلا ان يكون احدهما ضد الاخر، وعدو الاخر، بالتوحش والعداء في كسر عظم الاخر، لذلك فأن الانشطار، حالة قدرية لامناص منها، حالة يتأزم فيها التباعد والخصام والخناق اكثر فأكثر، حتى لو احرقوا العراق، او هدموا العراق حجراً على حجر . حتى لو كانا تحت طنان من ركام الرماد، فأنهما اصبحا مشطورين الى نصفين، لا عودة الى التلاحم في كيان وجسد واحد . طالما الهوية الوطنية تمزقت واندثرت تحت بساطيل الطائفية، وسالت بسببها انهار من الدماء، الى حد الجنون السريالي الغرائبي، لا يشفى ولا يتعافى .

(هذان النصفان عنيدان)

(أين نرميهما هذه المرة ؟)

(في البحر، ربما علينا رميهما في البحر، وهكذا نتخلص منهما الى الابد)

(لا جدوى من ذلك، سيعودان على ظهر اول حوت، يرغب بالانتحار على السواحل العراقية)

(لماذا لا نحرقهما ؟)

(لن ينفع)

(سيشوهان فقط)

(نعم . ويتحولان الى مسخين يروعان خلق الله، في كل مكان)

(يكفينا ما لدينا من تشوه)

(أذن، ما الحل برأيكم ؟)

(ندعهما وشأنهما) ص230 .

وهذا واقع الحال المزري والمأجور، في العراق المشطور (سني /شيعي) .

 

× رواية المشطور . الكاتب ضياء جبيلي

× الطبعة الاولى : عام 2017

× محفوظة لمنشورات الجمل . بغداد - بيروت

× عدد الصفحات : 240 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

 

كريم عبد اللهاللغة هي الجناح الذي به يحلّق الشاعر بعيدا وتتشكّل القصيدة حيّة نتلمس عطرها وتلاحقنا صورها بدهشتها وعمقها وفضاء تأويلها والاستئناس بلذّتها الحسيّة والجمالية تملأ ارواحنا بالجمال واللذة، اللغة هي الشجرة الوارفة التي تحتها نستظلّ فيئها وتأخذنا الى عوالم بعيدة تنتشلنا من كلّ هذا الضجيج الذي عمّ الافق وسدّ منافذه وانتابنا خمول في الذاكرة ونقطف ثمارها ناضجة لذيذة . اللغة هي اليقظة والنشوة والدفء والضوء الذي ينبعث من اعماق الذات تسحبنا من نومنا العميق تستفزّ خمولنا . على الشاعر الحقيقي ان يمتلك لغة خاصة به يحنو عليها ويشذّبها ويعمل عليها كالمونتير الذكي يقطع المشاهد التي تجعل القصيدة مترهّلة ويضيف اليها ما يوهّجها اكثر ويفتح للمتلقى أفقاً شاسعا للتاويل، يغامر الشاعر بلغته ويرتفع عن لغة الواقع كونها لا تمتلك عنصر المفاجأة والغواية يجعل منها قطعة مشحونة تستفزّ الخيال وتمارس الانزياح الشديد حيث نهرب اليها من نهارنا المكسو بالتشتت والضياع والحيرة نتيجة ما يكتب اليوم باسم قصيدة النثر وهي براءة من هذه التهمة .

وبعد ان حققت قصيدة النثر هذه المصالحة مع الذائقة العربية بالخصوص وكسرت حاجز النفور بينها وبين القصيدة العمودية ومنحتنا فسحة تنفّسنا من خلالها هواء جديدا صار لزاما للشاعر ان يمتلك لغة يشكّلها ويدمّرها كيف يشاء، لغة تفقد الحدود وتتفتّح عن عوالم تنبعث مما وراء الحلم تمتلك حضورا قويّا تلهبنا بسحرها وجماليتها . واليوم تظهر اللغة السردية التعبيرية منحت النصّ امكانيات كبيرة، لان السرد يتطلب وبشكل ملحّ لغة عذبة سلسلة تترقرق كالينبوع تحلّق عاليا مدهشة مبهرة تنفذ الى اعماق النفس والوجدان عند كل قارىء .

وهنا نتساءل ما هي السردية التعبيرية ..؟

(مظاهر السرد التعبيري و الذي يكون القصد منه ليس فقط الحكاية و الوصف و بناء الحدث، و انما القصد الايحاء و نقل الاحساس، و تعمد الابهار، فيكون تجلّ لعوالم الشعور الاحساس بمعنى اخر (ان الميزة الأهم للشعر السردي الذي يميزه عن النثر وان كان شعريا هو التعبيرية في السرد، فبينما في النثر السردي يكون السرد لأجل السرد، فانه في الشعر السردي يكون موظفا لأجل تعظيم طاقات اللغة التعبيرية.) (انور الموسوي) .

عن طريق السردية التعبيرية اصبح بامكان الشاعر ان يرسم لنا عالم يعجّ بالجمال وتراكم جمالي مدهش، وتحقق لنا ادبا رفيعا وبنكهة عالمية حيث تتوهّج فيه اللغة وعمق نفوذي الى الذات الانسانية وموسيقى داخلية عذبة جدا .

نماذج من قصائد سردية تعبيرية

ماتَيَسَّرَ لي ... بقلم / عادل قاسم... - العراق

أَرْفَعُ لك قُبَّعتِي، احْتِفاءً بانتصاراتِكَ المُزمنةِعلينا، أيُّها الموتُ، وأشْطبُ من قاموسِ لُغَتي. تَرفُّعي على جَبَروتِكَ، ماعُدْتُ أهزأُ بكَ،ساعةَ جَهلٍ؛ بأنَّني سأصْفَعُكَ بابتسامةِ أُمِّي الساخرةِ المُسَجَّاةِ على سَريرِ الغروبِ،

فأنتَ لم تَدعْ لي قَليلا ًمنَ الوقتِ، لأتدبَّرَ ماتيسَّرَ لي من

بَقايا(إنَّا للهِ وإِنَّا إليهِ راجعون) هأنذا اَشهقُ بِترديدِها بتراتبيةٍ تَلِّفُ طولَها على رَقبتي وَتُشدِّدُ عُقْدَةً من لِساني،ليصطَفيني الوجومُ حَبيساً في خرائبهِ المُعَتَّقةِ برائحةِ الغيابِ، أراني واقفاً كظلِّ نخلةٍ لم تَزلْ تستغيثُ في ميادينِ الخرابِ من الجَحيمِ الذي التهمَ رأسيَ، وثمَّةُ طَنينٌ في اُذُنيَّ اللتينِ تَمُجُّ منهما الدماءُ، وَعينايَ الجاحظتانِ، خَرجتا من مِحْجَريهما، جَزِعتانِ من هذهِ الجثثِ التي أفاقتْ من رقادِها بلارؤوسٍ، عبَثاً تبحثُ بينَ ماتَبقَّى من الرِمَمِ عن بقاياها ليكونَ بمقدورِها الوقوفُ تحتَ عَرائشِ الرمادِ، لالشيءٍ سِوى أنها سَئِمتْ الانْتظارَ في ديارِكَ الموحشةِالخربةِ، تَقْتاتُ عليها الدِيدانُ

والخرافاتُ، والضجرُ، ماالذي تَعنيهِ هذهِ الحياةُ؟ لاشيءَ سوى الألمِ، هراءٌ، ماامْتدتْ البَهْجةُ فِيها وأَنتَ ترى مَن تُحِبُّ يَحْتضرُ أمامَ ناظريكَ المُحَنَّطتَينِ بالفَزعِ وليسَ بمقدورِكَ أَنْ تهَبَهُ جُرْعَةً من رَمَقٍ أخير للوداع.

ماالذي تَعنيهِ هذهِ الحياةُ؟ .. هكذا تكلّم الشاعر عادل قاسم وتحت وطأة الفجيعة كتب لنا هذا الالم الفضيع، هنا وبهذه اللغة الراسمة رسم لنا هذا العالم والمأساة والواقع، نرى هنا المزج بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي (أَرْفَعُ لك قُبَّعتِي، احْتِفاءً بانتصاراتِكَ المُزمنةِعلينا، أيُّها الموتُ ... إنَّا للهِ وإِنَّا إليهِ راجعون .../ يصطَفيني الوجومُ حَبيساً في خرائبهِ المُعَتَّقةِ برائحةِ الغيابِ .../ عبَثاً تبحثُ بينَ ماتَبقَّى من الرِمَمِ عن بقاياها ..) . الحياة والموت صراع أزليّ ما بقى هذا العالم والانسان سيظلّ تحت في دوّامة هذا الصراع ماشاء له البقاء . في هذه القصيدة الرائعة نجد عالم الحزن والدموع والحسرة والخيبة واللاشيء والخرافة والضجر والفزع، لغة تضجّ بالصور الواقعية عن طريقها نقل الينا هذا الكمّ الهائل من مشاعر الحزن لتنفذ الى اعماقنا وتجعلنا نعيش هذه الفجيعة .

لقد صرت أجمل ...بقلم / نجوى الدوزي خلف الله - تونس

لقد صرتُ أجمل لمّا رسَمتَ على وجهي قَسَمَاتِ عِشْقِك .. فَقُلْنِي بِكُلِّ شِفاهِ الغَزَل كَيْ يَتَهاطلَ سِرْبُ حَفيفٍ علَى جِذْعِ الخريف ..

فَلله أنتَ كيْفَ استَطَعْتَ تَنْضيدَ طقوسِ اخضِرارِ المَوَاسِمِ، لِيَتَفَتَّحَ بُرْعُمٌ على خدِّ الألَق .. و لله أنت كيف قَشَّرْتَ صلصَالَ الرَّتَابةِ عَنْ بُؤْبُؤِ الزمنِ الصَّلْد، و فَجَّرْتَ ثرَّ الرُّؤَى الحالِمة .. و نثَرْتَ نافورةً مِنْ ألوانِ النُّجومِ في مَدَى الأُمنِيات، و قَدْ كانتْ نوَافذِي مُشْرَعَةً عَلَى احتمالِ اليَباب و جَدْبِ الغِياب .. و لله كيف اختلَسْتَ خِصْرَ المُحالِ، و علَّمْتَه الرّقْصَ علَى جُنُونِ خُطاك، عِنْد عِناقِ القصائدِ المُتبرِّجاتِ بِزينَةِ بَوْحِك، في سَحَرِ الوَجْدِ و حُلْمِ الخَمائِلِ بِأَنْفاسِ العُطُور .. و لله كيف جعلتَ صَدْرَ الأنوثَةِ دَوْحَةً لِصُداح البلابلِ، لمَّا نَفَخْتَ بِصَوْتِك فِي طِينِ صَمْتي .. فَهتَّكْتَ ظِلالَ السَّتائرِ بضَوْءٍ مُزَرْكَشٍ بالنَيازِك الطارِقاتِ علَى وَجْهِ اسْتَبْرَقٍ وَ هَفِيفِ مخمَل .. فمُدَّ دَوالي نبضِك، و امهُرْ بِحَرْفِكَ المَعْقُوصِ بقلْبي تَعَسُّلَ الوَقْت .. فَأرْوعُ مَا يُهْدَى لِأُنْثَى تَاجُ الكَلامِ، لتكونَ أجْمَل ….

في هذه القصيدة السردية التعبيرية على عكس ما رسم لنا الشاعر المبدع (عادل قاسم) من فجيعة وواقع مؤلم نتيجة ما تعرّض له من الفقد والخسارة والخيبة، هنا ومن خلال هذه اللغة المتدفّقة بالعذوبة والجمال وبهمس رقيق وايحاء ممتع جدا تقدّم لنا الشاعرة هذه الرومانسية الغارقة بالجمال والفتنة (لقد صرتُ أجمل لمّا رسَمتَ على وجهي قَسَمَاتِ عِشْقِك .../ فَلله أنتَ كيْفَ استَطَعْتَ تَنْضيدَ طقوسِ اخضِرارِ المَوَاسِمِ، لِيَتَفَتَّحَ بُرْعُمٌ على خدِّ الألَق ... / و لله كيف جعلتَ صَدْرَ الأنوثَةِ دَوْحَةً لِصُداح البلابلِ .../ فَأرْوعُ مَا يُهْدَى لِأُنْثَى تَاجُ الكَلامِ، لتكونَ أجْمَل) . في الحقية هذه القصيدة عبارة عن قطعة هائلة من الفرح الغامر رسمتها الشاعرة (الانثى) بحرفية عالية وانزياحات مدهشة جعلتنا نقف امام سطوتها منبهرين كيف صيّر الحب النقيّ ورسم على الوجه كل هذا الجمال وكيف استطاع ان ينضّد هذه البهجة الممتعة وكيف جمّل الحياة وبعث فينا هذه النشوة والسعادة، كيف منحنا فرصة نستنشق عبير ابداع جميل وجعلنا نردد مع انفسنا (الله ... الله ... الله ..!!!) .

شيء من الوحي ... بقلم / مصطفى جمعه_ليبيا

شيءٌ من الوحي يُنضج عناقيدَ أرواحٍ سكنت خصلاتك المدلهمّة . اليوم...شيءٌ من اقتراب المسافة يشي بالوجع الممهور بشفتيك مدينةٌ أَنتِ لي كمشهدٍ لم يكتمل في لوحةٍ معلقة بقنديل من حلم ضوءهُ يتماهى مع ملامح العصف الكامن في هدأةِ العناق بين الإسم و الصورة في تراتيل عشق صامت صمتَ سحابةٍ بيضاء في صخب الرّمادى و الأزرق بين الأفق البعيد المُظلّل بحاجبيك وسَمْرة بَشرتي التي أَلِفت تحدّي الغواية على أسوار الأنوثة في مدنٍ من أساطير الحب المفقود المهدور علي نهدين من النور يغزوهما التّوقُ كلَّ حينٍ ثُم علي شُرفتهما البيضاء يندَحِر..أيّ إثم هذا الذي يرتكبهُ من يكتب الشعر عن نهدَيك؟ أي إثمٍ هذا الذي يرتكبه نبيٌّ في العشق لم يُوحَىٰ إليه .

في هذه اللغة الجميلة المنبعثة مما وراء الحلم صوّر لنا الشاعر شيء كثير من الابداع، ورسم لنا لوحة زاهية معلّقة بقنديل من حلم (شيءٌ من الوحي يُنضج عناقيدَ أرواحٍ سكنت خصلاتك المدلهمّة .../ شيءٌ من اقتراب المسافة يشي بالوجع الممهور بشفتيك .. / أيّ إثم هذا الذي يرتكبهُ من يكتب الشعر عن نهدَيك؟) . بهذه اللغة الموحية بالرمزية الجميلة استطاع الشاعر ان يأخنا الى عالمه السحري ويقحمنا عنوة فيه وكأننا نتلمس من وراء الكمات اجساما محسوسة تنثّ علينا ببلل العذوبة والتحليق . استطاع من خلال لغة متموّجة بين الايحاء والرمزية والتوصيل ان يحقق تجلّي واضح لطاقات اللغة، لغة قريبة لنا غمرتنا بهذا النور والابداع .

لغةُ الوردِ ... أعذبُ الشِّعرِ / بقلم / مرام عطية - سوريا

أتدرونَ ما قصةُ الوردةِ الحمراءِ ؟!

أخبرني الربيعُ ذاتَ عشقٍ : مذْ قدمَ أميرُ النورِ من أقاليمِ الشَّمسِ على جواده الأصيلِ يحملُ سلالَ الزمردِ والياقوتِ لبلادِ الياسمين بعدَ ليلٍ طويلٍ دامسٍ فتنتهُ الطَّبيعةُ بسحرها، وهو يتنزهُ بين خمائلها النضرةِ، أسرتْ فؤادَه وردةٌ بيضاءُ دمشقيَّةٌ فائقةُ الروعةِ، تسيلُ خوابيها عذوبةً يقطفُ النَّحلُ من رحيقها

كؤوسَ الشهدِ و يتموجُ جسدها البضِّ برهافةِ الفراشاتِ،

نزلَ عن فرسهِ وقبَّلَ يديها الناعمتين، فترنحتْ حبورا بضيائهِ، وتمايل قدَّها المياسُ رقةً وعطراً وهو يضمُّها إليهِ، احمرَّتْ حياءً حين غمرها بسيلِ من القبلِ، و ازدادَ توهجُ وجنتيها، انهمرتْ الدموعُ تسقي خصرها النحيلِ، إنَّها ترى عيونَ المخلوقاتِ تراقبها، منذُ ذلك الزمنِ ابتلعَ الحياءُ ذاكرتها العذراءَ ووشمَ الحبُّ وجنتيها بلونٍ قرمزيٍّ

وغدتْ رمزاً للحبِّ والجمال، و رسولَ العاشقينَ

وغدا مشهدُ العشقِ الأثيرُ هذا بينَ أميرِ النورِ والوردةِ البيضاءِ لوحةً آسرةً للمحبين، فكم حملَ من أشواقٍ و لهفةٍ للعشَّاق ! وكم أباحَ من هفواتٍ !

دامَ فصلُ العطاءِ قزحيَّا في بلادي و دامَ الحبُّ لغةَ النورِ والوردِ، إنها أعذبُ الشِّعرِ وأجملُ اللغاتِ ......

من مطلع العنوان نتشمّم عطر الورد وعذوبة الشعر وسحر الربيع ونتلمس الزمرد والياقوت ويغمرنا النور القادم من ذاكرة الشاعرة المفعم بالياسمين والوطن . (أخبرني الربيعُ ذاتَ عشقٍ : مذْ قدمَ أميرُ النورِ من أقاليمِ الشَّمسِ على جواده الأصيلِ يحملُ سلالَ الزمردِ والياقوتِ لبلادِ الياسمين بعدَ ليلٍ طويلٍ دامسٍ فتنتهُ الطَّبيعةُ بسحرها .../ وردةٌ بيضاءُ دمشقيَّةٌ فائقةُ الروعةِ، تسيلُ خوابيها عذوبةً يقطفُ النَّحلُ من رحيقها كؤوسَ الشهدِ و يتموجُ جسدها البضِّ برهافةِ الفراشاتِ ../ دامَ فصلُ العطاءِ قزحيَّا في بلادي و دامَ الحبُّ لغةَ النورِ والوردِ .) . هنا نجد لغة رقيقة معطّرة بالياسمين الدمشقيّ رسمت لنا الشاعرة هذه اللوحة المشرقة، فلولا اللغة السردية التعبيرية التي منحتها هذا الافق الشاسع من التعبير لما كانت المفردات تتحدث بعفوية رطبة انيقة هامسة . هذا الحنين العميق للوطن والذكريات المحمّلة بالانتماء للارض والانسان والياسمين المعرّش في حنايا الروح جعلنا نقف امام سطوة اللغة نتنفس كل هذا الالق، هنا نجد الشاعرة مختفية وراء العبارات وهي توحي لنا عن طريق لغتها الحيّة وكأننا نرى الاشياء وتنطلق بنا بعيدا الى عالمها الخاص، عالم عميق تتشكّل فيه الصور النابضة متلألأة ملونة برّاقة .

قوس قزح بين قيامة الأغصان ... بقلم / سلوى علي ... العراق/ السليمانية

ملامح ضحكاتها مراكبها عامرة بالوجع، تترجل منتشية بالتأوه أشرعتها، دموعها المؤججة تهمهم للضفاف بلحن أزلي، تتمايل أملاح جداولها عمرا متبلج بالإشتياق بين أفول الإنتظار، كلما داهم الأسى مشاعل أقواس قزحها بين قيامة الأغصان المتأكلة .

تمسح رماد درب طويل مزدهر بالأمال، فروعها رجيمة مكتظة بنغمات الرحيل الأبدي، لترسم على الشفاه أبتسامة في حضرة الحنين، تتجرع منها زمهرير الحزن الى ما لا نهاية، لتعبث الوحشة بوريقات الصبر بين مروجها الجليدية لطيف أمتد جرحه باسقا بين خرائط الروح.

تذرف نبيذ الذكريات على فم الوجد مثقلة بالأهات، منذ أصبحت سارية في ذهول التكوين وسكنت أمواج مملكتها أقاليم دروب سرية، تحلم بملحمة تتراقص تجاويفها فوق سنابل أفئدتها المسمرة الغارق بالخريف مع هديل حمامة أستعارت أسما من الفرح .

وأنا مشحونة بالجنون !!!!!، ألملم حكايا تبعثرت من قلب (دايكم)* .

* (دايكم) كلمة باللغة الكوردية وتعنى أمي.

......................

تصدمنا الشاعرة هنا من خلال عنوانها الغريب والمستفزّ لتوحي لنا لغتها السردية التعبيرية اننا امام لغة مختلفة (ملامح ضحكاتها مراكبها عامرة بالوجع، تترجل منتشية بالتأوه أشرعتها، دموعها المؤججة تهمهم للضفاف بلحن أزلي ../ تذرف نبيذ الذكريات على فم الوجد مثقلة بالأهات .../ تحلم بملحمة تتراقص تجاويفها فوق سنابل أفئدتها المسمرة الغارق بالخريف .. وأنا مشحونة بالجنون !!!!!، ألملم حكايا تبعثرت من قلب (دايكم)) . لغة المشاعر ها هنا تتحدث عن نفسها بنفسها حيث الشاعرة مختفية خلف مفرداتها خلقت للضحات ملامح مراكبها (هل تعني ملامح أو ضحكتها) تدعونا هنا للوقوف والتأمل والتأويل وهذه المراكب عامرة بالوجع (اي لغة عظيمة هذه ..!!!) . لو تأملنا لغة القصيدة لوجدنا كتلة مشاعر وهذه الاخيرة ترسم لنا صورا مدهشة تستحق الاعجاب .

حبرٌ صامتٌ على كفِّ الروح ... بقلم / خلود منذر - سوريا

العمرُ زورقٌ يَدورُ في كفِّ القدر و الأمنيات أوراقٌ مرسومة ٌ تمضي مع مياه المراكب، جسر العزيمة

تطحنه رياح الفصول،

صولجان الإمارة يتسكع على عتبة الوقت، تضيق أبواب الأمل و معاطف الطقوس تمزقها أصابع الشك، نذير المطالب يشقُ رداء الظلمة، الراشدون أيتام في زمن القحط، عروة القلوب تتأرجح على أكتاف الفقر، سقمٌ يطال أجساد البيوت، جموح الهوى يُذبح بمنجل المغامرة.

على نافذة ألايام فجرٌ يناظر طُهرَ الأرض و أقداح السلام في أباريق الرحمة تنوحُ، يلبس الوجه موشح الأوجاع، تنزلق الأحلام في جُبّ العتمة، نفوسٌ تَجنح في عالم الوجد إن صدقت ربحت رحيق الغد. أمدُ عشبة يدي إلى وجه الشمس تدور المجرة و يتبدل الزمن بتمتمات الأفلاك، أيقن النور مداه.

هنا ايضا حيث العنوان المبهر (حبرٌ صامتٌ على كفِّ الروح ...)، حبرٌ/ صمت / كفّ / روح، تستفزّنا الشاعرة بهذا العنوان وتجعلنا نتساء (منْ منح هذا الحبر كل هذا الصمت وكيف يكون على كفّ الروح والاخيرة هل لها روح ..!) . نجد هنا حركة دائبة مستمرة من خلال هذه اللغة (العمر / زورق / يدور / تمضي / المراكب / تطحن / رياح / يتسكّع / الوقت / نضيق / تمزّقها / يشقّ / زمن / تتأرجح / جموح / يذبح / وهكذا في بقيّة القصيدة المتحرّكة . هذه المفردات نهضت بمهمة التعبير عن حركة مستمرة داخل القصيدة وجسّدت لنا لغة شفيفة عذبة ريّانة تموج داخليا وتطفو الى السطح حيث تنتشي بها الذائقة وخلقت لنا علاقات جديدة متشظّية بين المفردات لم تكن من قبل وأثرت اللغة بالعلاقات المتجددة .

أنا لستُ شاعرا بقلم / هيثم الأمين تونس

يُمشّطُ اللّيل كآباتي فتنسدِلَ على أكتاف لغتي نصوصا حزينة. سيقول البعض عنها جميلة، فقط، لأنّ النصّ لا ينام على كرسيّ في حديقة عامّة و لا يلجأ إلى مقهى لا تعرفه لينثر ما تبقّى من حروفه على صفحة غريبة. مازالت كآباتي تسألني و تضحك: لما لا تنبت الزّنابق على صدرك و لا شقائق النّعمان؟ و أنا، مازلتُ أكتفي بنفس الإجابة: ورود الملح غزت كلّ صدري و ساعته التي أدمنت الصّهيل ما عادتُ تشير عقاربها لزمن الزنابق و شقائق النّعمان. في اللّيل، تكبر كآباتي جدا و تصير أدغالا تسكنها كلّ الوحوش الخرافيّة و أنا ما تعلّمتُ يوما القتال ببندقيّة فرح. كآباتي اسطبلات بمساحة لغة يحاصرها، كلّ ليلة، عواء وجع مبتور الأسبابْ! هل أبدو لكم شاعرا حقا؟! كيف ذلك و أنا قد نسيت رأسي جاثيا عند أقدام مقصلة قديمة؟! كيف ذلك و أصابعي لا تُجيد الرّكض خلف عبارة فاتنة؟! كيف ذلك و قلبي لا مواعيد جديدة له؟! أنا لستُ شاعرا، أنا بقايا قصيدة قديمة تكتُبُها، كلّ ليلة، كآبات جديدة.

(يُمشّطُ اللّيل كآباتي فتنسدِلَ على أكتاف لغتي نصوصا حزينة ../ مازالت كآباتي تسألني و تضحك ../ تكبر كآباتي جدا و تصير أدغالا تسكنها كلّ الوحوش الخرافيّة ../ كآباتي اسطبلات بمساحة لغة يحاصرها ../ أنا بقايا قصيدة قديمة تكتُبُها، كلّ ليلة، كآبات جديدة.) . نحن امام كآبة شديدة تمور مورا داخل القصيدة وروح الشاعر، لغة الشاعر تستثير عند المتلقى الاحساس بالحزن وتمسّ شغاف الروح وتتعمّق فكان أثرها بليغا وممتعا في نفس الوقت . الشاعر حاضر وبقوة من خلال كآبته ولغته الحزينة، منح الليل صفة مشّطت كآبته فانسدلت لغته كالشعر الاسوح نصوصا حزينة، بينما مازالت كآبته ترافقه وتضحك (هذا التضاد او الجمع بينها يعتبر من اهم اركان الجمال في الشعر والادب، لانه يشيع في مفاصل القصيدة حركة دائبة بين عناصر متضادة، فتنهض المفلادات بمهمة التعبير عن ذلك الصراع الخفي او الظاهري وتجسّد معالمه وملامحه، باتجاه انتصار حالة على اخرى / كآبة / ضحك) . القصيدة زاخرة بالازياحات المدهشة استطاع الشاعر ان يأخذ الصور المألوفة ويلوّنها بفنّه ويغذّيها بذوقه ويخلقها عن طريق موهبته .

ترانيم سومرية بقلم / سميرة محمد محمود - العراق

على صفحة نهر (ايزار)*فراشة سومرية، تسافر بنشوة موجة، يؤنسها وحشة شواطىء اخترعت ابجدية الافق، حيث يطلق الصمت العميق احصنة الليل في رأسها، المثقل بالحكايا والموسيقى والوان الفضاء،تستنطقها الموجة، لما انت بيننا ؟ تجيب ولما نفرتيتي في برلين؟؟ وفي لحظة صمت موحشة الأشواق، حيث القمر والاشجار تستحم بهدير ضوء النجوم، وعلى هدي خرائط هزائمي، طرت اليك، فمياهي الاقليمية ترفض ان ترفع رايات النسيان، اوغل على اطراف اصابعي في غابات سرك، امراءة تعيش بقلب معطوب وتدور به الأفلاك، لم تعلمها العناكب فن حياكة اكفان النسيان، اسقط عند اعتاب عينيك، ايها السكسوني الجميل، الذي يتحداني بصدقه، اغرق بالوانها التي تهدي قوس قزح للغيوم الماطرة، اراقص ظلك فوق جدار الموج، والمسافة بيني وبين لقاؤنا جسر من الأه، فيسقط جدار الموج، ويبقى ظلك بصمة بوجه المدى.

*(ايزار) نهر في ميونخ.

لغة العنوان (ترانيم سومرية ) ومفرد الترانيم الترنيمة وهي موسيقى او انشودة او اغنية صغيرة خفيفة اللحن ابتكرتها ذاكرة الشاعرة وخيالها الخصب من اعماق التاريخ (حضارة السومر) القديمة جدا . اذا نحن امام لغة عذبة جاءت بها الشاعرة من الهناااااك البعيد سرعان ما بددت الزمن الماضي بزمن حاضر من خلال (ايزار/ نهر في ميونخ) جعلت بداية القصيدة في صراع ما بين الماضي والحاضر فكانت الذات الشاعرة (فراشة رقيقة جميلة) انتقلت من البعيد الى القريب وخلقت لنا لغتها هذه الشفافية والرقة هيّجت فينا المشاعر والاحاسيس ومزجت بين حضارات (سومر ومصر القديمة (نفرتيتي) والحضارة الاوربية المعارصة . (على صفحة نهر (ايزار)*فراشة سومرية، تسافر بنشوة موجة، يؤنسها وحشة شواطىء اخترعت ابجدية الافق ../ تجيب ولما نفرتيتي في برلين ../ امراءة تعيش بقلب معطوب وتدور به الأفلاك ../ اراقص ظلك فوق جدار الموج ..) . بالتأكيد استطاعت الشاعرة في هذا السرد التعبير الجميل ومن خلال سعيها ان تقبض على الشعر فقدّمت لنا هذا الألق .

 

كريم عبدالله - العراق

 

كريم مرزة الاسديعوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى** وصوَتَ إنسانٌ فكدت ُ أطيرُ

هذه قصيدة ومسيرة حياة (الأحيمر السعدي)، هل كان هذا الشاعر فيلسوفاحكيما، أم صعلوكاً شريرا؟ فالقرآن الكريم يقدم فجور النقس "فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا"، وجان لوك، وجان جاك روسو يعدان الإنسان خيرٌ بطبعه، والمجتمع يفسد أخلاقه، وتوماس هوبنز وسبينوزا بذهبان إلى أن طبع الإنسان شرير، وأنت إلى أين تذهب؟!!

وهذه مقالتي:

من يوم اللص المسكين بن فلان، مخضرم الدولتين الأموية والعباسية، إذْ اكتسى اسمه وكنيته (الأحيمر بن فلان بن حارث بن يزيد السعدي من تميم ت 170هـ / 787 م)، والذي بلاه الإنسانُ بسلطته وجبروته، فابتلى به لتمرده وخروجه، والشرُّ للشرِّ ولود، اقرأ معي بتأمل ٍ وإمعان بلا صدود وهجران:

عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى** وصوَتَ إنسانٌ فكــدت ُ أطيرُ

يـــرى اللهُ إنـّي للأنيـــــس ِلكــــارهٌ *** وتبغضهم ْ لي مقلة ٌ و ضميـرُ

وإنـّي لأســـتحيي مــــــن الله أنْ أرى **أجرّرُ حبلاً ليـــــس فيـــهِ بعيرُ!

وأنْ أســـأل المــــــرءَ اللئيمَ بعيـــرَهُ *** وبعرانُ ربّي في البـلادِ كثيرُ!

لئن طــــالَ ليلي بالعــــــــــراق ِلربّمــــا***أتـى ليَ ليلٌ بالشــــآم ِ قصيرُ

أيا نخلاتِ الكـــــــــرمِ لا زالَ رائِحا ****عليكـُنّ منهلُّ الغمــام ِمطيــــرُ

ويا نخلاتِ الكرخ ِمــا زالَ مـــاطــرٌ ****عليكـُنّ مســتنّ الريـــاح ِ ذرورُ

ونبئتُ أنّ الحيَّ سعـــداً تخــــــاذلوا ***حمـاهُم وهُــم لـو يعصــبون كثيرُ

أطاعوا لفتيان ِ الصبــــــاح ِلئامهمْ **** فذوقوا هوانَ الحربِ حيث ُتدورُ

كفى حزناً أنّ الحمـــــارَ بن بحــــدلٍ ***عليَّ بأكنـــــــــــافِ الستارِ أميـرُ

وأنَّ ابن موسى بائع البقل بالنــوى **** لهُ بين بـــــــابٍ والستار ِ خطيـرُ

لماذا نفر هذا الإنسان من أخيه الإنسان، ولجأ إلى الذؤبان، ويستحي من الله قاسم الرزق الحلال بالقسط والعدل، أن يجرّ حبله بلا بعير، وبعران ربّي كثير !! ويمرّعلى نخلات الكرم، ونخلات الكرخ، والخير الوفير، ويأتيه بالأخبار مَن لم يزود، إنّ القوم تخاذلوا، وللئامهم أطاعوا، حتى ذاقوا هوان الحرب ودوائرها، فغدا الحمار أميرا، وبائع البقل خطيرا، عينٌ تغري , وعينٌ تزدري , فما كان في وسعه الا أن يتوجه الى اللصوصية، والتمرد على الإنسان، وقطع الطرق بالقاطع البتار، فعاش منفرداً يائساً، مستأنساً بالوحوش الكاسرة، بعد أنْ فاقها الإنسان وحشة ووحشية، حكمة تفرضها الدنيا على ابنائها، لك أنْ ترضى، ولك أنْ تأبى، والحقيقة واحدة، الإنسان ابن بيئته، فالخبيثُ لا يوّلد الا خبيثا .

ثمّ ماذا ؟ هذا معاصره الشاعر الشهير (دعبل الخزاعي، عاش بين 148 هـ - 246 هـ)، ذكّـّر نفسه بالسيرة الحسنة، والعمل الصالح لتقويم النفس:

هي النفس ما حسنته فمحسنٌ **لديها وما قبحته فمقبّحُ

طيّب نفسه، وبشرها، وصبّرها على حمل المكاره:

فيا نفسُ طيبي، ثمّ يا نفسُ أبشري*** فغيرُ بعيدٍ كلُّ ما هــو آتِ

ولا تجزعي منْ مدّة الجــور،إنـّني ** أرى قوتي قدْ آذنت بشتاتِ

ولكنه ! أيضاً جاب الدنيا " وحمل خشبته على كتفه خمسين عاما يدوّر على من يصلبه عليها فلم يجد "، وآخيراَ ذهب إلى رحمة ربّه قائلاً:

ما أكثرَ الناسَ ! لا بلْ ما أقلـّهمُ **اللهُ يعلمُ أنـّي لـــــمْ أقلْ فندا

إنـّي لأفتحُ عيني حين أفتحــها** على كثـير ٍولكن لا أرى أحدا

وإلى يومنا هذا لا نرى أحدا !!، لم يزدْ أهتمامنا بالإنسان حتى أنملة، ألإنسان هو الإنسان، محط ظلمنا، تحت سياطنا، بين أفواهنا، وإنْ اقتضى الأمر لمّعنا له سيوفنا، لا نرحمه، ولا نترك رحمة الله تنزل عليه، ولا ألزم نفسي بشاهد، إنـّى عشتُ التجربة، فالعصر عصري، وأنا أرى المظالم بأمّ عيني، وصكّ سمعي، بل وأنا القائل في قصيدتي عن الإنسان، أيِّ إنسان على هذه البسيطة المظلمة النيرة!:

أضحى البريءُ لفي جرم ٍ ولا سببٌ *** والجرمُ يزهو بفخرٍ وهو عريان ُ

حتى كهلتُ وأيّامــــــــــي تعلـّمني *** في كلِّ ألفٍ مـــن الآناس إنسـانُ

نعم من عصر( جرير ت 114 هـ) و صرخته:

ما زالتِ القتلى تمجُّ دماءها*** بدجلة َ حتى ماء دجلة َ أشكلُ

وإلى عصرنا حيث أجبته ببيت من قصيدة لي:

ما زالتِ القتلى تمجُّ دماءها ** وبقى كعهدِكَ - يا جريرُ- المذبحُ

ألم يحن الوقت لنسأل أنفسنا هذا السؤال العابر السبيل إلى رحمة ربه، ونتأمل ؟!

لماذا وصل بنا الحال إلى هذا المآل ؟ !!

وهل كثيرٌ علينا أن نرحم أجيالنا الآتية من الأصلاب الحائرة، والأرحام الطاهرة ؟!

الحلُّ أنْ نعلم علم اليقين، وأن نفهم ونتفهم ببصائرنا اليفظة، ووجداننا الحي أنّ الإنسان هو الاغلى قيمة في هذه الحياة، ومن دونه دونها والوجود معها، لئنِّ لا يفقه الوجود الا العاقل الموجود، خلقه الله على أحسن تقويم،وفضله على العالمين، ومن قتلَ نفساَ بغير حقٍّ، فكأنـّما قتل الناس جميعا، قطـْع صلب واحد معناه موت أمة بتمامها وكمالها في عالم الغيب الذي لم يخلق، وما أدراك وما أدراني كيف ستكون، لو كانوا يعقلون !

" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " (محمد:24)

ومن لا يحترم الإنسان ولا يقدره لمجرد أنـّه إنسان بغض النظر عن كل المواصفات الطبيعية والتطبعية،الخـُلقية والخـَلقية - وفق القيم والنظم الإنسانية العادلة -، يفقد - بمعنى من المعاني - القيم الروحية السامية للإنسانية، بعقلها ووجدانها ورقيها الحضاري، لذلك يجب علينا زراعة حب الإنسان الآخر- من حيث هو كما هو، فالمرءُ حيثما جعله - في نفوسنا، ليس لمجرد اعتبارات أخلاقية , وإنّما يجب أن تكون فلسفة حياتية نجبل أنفسنا عليها , ونسير على هداها، فالإنسان وجهة الإنسان، هو غايته، وهو وسيلته... بعد الله .

وماذا بعد ؟

أمّا بعد !:

والشيء بالشيء يذكر، ولئن العبقرية نتاج الإنسانية، أو هي إحدى إفرازاتها النافحة النافعة، والعبقري هو ابن الإنسان ! ولمّا كنـّا على الطريق، لابدَّ لنا أنْ نشير إلى أنّنا   من أضعف الأمم تمسكاً بعباقرتها،وعظمائها، وأقلـّها تقديرا لهم، ولجهودهم الجبارة في سبيل أزدهار الحضارة الإنسانية ورقيها، وتطرقت إلى هذا الموضوع الحساس في كتابي الموسوم ( للعبقرية أسرارها ...)، وأوردت وجهات نظر عباقرة العرب والعراق المعاصرين في هذا الصدد، ومن الضرورة بمكان أن نستضيف الدكتور أحمد أمين، والأستاذ العقاد ليشاركانا الرأي، والرأي قبل شجاعة الشجعان !!، يقول دكتورنا الأول " إنّ الأوربيين قد وجدوا من علمائهم مَنْ يشيد بعظمائهم، يستسقي نواحي مجدهم، بل قد دعتهم العصبية أن يتزايدوا في نواحي هذه العظمة، ويعملوا الخيال في تبرير العيب، وتكميل النقص، تحميساً للنفس، وإثارة لطلب الكمال، أمّا نحن فقد كان بيننا وبين عظمائنا سدود وحواجز حالت بين شبابنا وجمهورنا والإستفادة منهم "، أمّا أستاذنا العقاد، الجريء بطروحاته , والعميق بتحليلاته،نتركه ليضع النقاط على الحروف، بتجردٍ ولا تردّد " فماذا يساوي إنسانٌ لا يساوي الإنسان العظيم شيئاً لديه، وأيّ معرفة بحق ٍّ من الحقوق يناط بها الرجاء، إذا كان حق ّ العظمة بين الناس غير معروف " .

هذه خواطر عابرة مرّت على بالي، وانا في حوار مباشر على البعد، وكلُّ ما تأتي به النفس جميلا، إذا كان صادقاً وجليلا، أملنا بالله كبير... للشعب الخلود والعطاء، وللعراق المجد والبقاء، ودمتم للإنسان أوفياء، والله من وراء القصد ..شكراً لوجودكم معي !

وزن القصيدة الإيقاعي:

القصيدة من ( البحر الطويل )، عروضها مقبوضة إلزاما لكلّ البحر البحر الطويل، أي يحذف الحرف الخامس الساكن من ( مفاعيلن متصبح ( مفاعلن)، وضربها محذوف، أي (مفاعيلن) تصبح ( مفاعي)، بحذف السبب الخفيف الأخير، وتكتب عروضياً ( فعُولن)، ووزن البحر يكون:

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن **** فعولن مفاعيلن فعولن فعولن

جوازات البحر الطويل:

فعولن تصبح: قعولُ، عولن، عولْ

مفاعيلن تصبح: مفاعلن، مفاعيلْ.

التخريجات:

1 -   (سمط اللآلي في شرح أمالي القالي)،هو كتاب شرح أمالي القالي / لأبي عبيد البكري؛ نسخه وصححه وحقق ما فيه وخرجه وأضاف إليه عبد العزيز الميمني، المؤلف: أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي (المتوفى: 487هـ)

مصدر الكتاب: موقع الوراق - الموسوعة الشاملة 1 /55 - جاء فيه:

وهو الأحيمر بن فلان بن الحارث بن يزيد السعدي من شعراء الدولتين، وكان لصّاً خارجاً وهو القائل:

وإني لأستحي من الله أن أرى****أجــرّر حبلاً ليس فيه بعير

وأن أسأل الحبس اللئيم بعيره ** وبعران ربيّ في البلاد كثير

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى***وصوّت إنسان فكدت أطير

2 - الأعلام: خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى: 1396هـ) الناشر: دار العلم للملايين الطبعة: الخامسة عشر - أيار / مايو 2002 م

موقع يعسوب 1 / 277 جاء فيه:

الاحيمر السعدي (000 - نحو 170 ه = 000 - نحو 787 م)، الاحيمر السعدي: شاعر، من مخضرمي الدولتين الاموية والعباسية، كان لصا فاتكا ماردا من أهل بادية الشام، أتى العراق، وقطع الطريق، فطلبه أمير البصرة (سليمان بن علي ابن عبد الله بن عباس) ففر، فأهدر دمه وتبرأ منه قومه، وطال زمن مطاردته: فحن إلى وطنه - كما يقول ياقوت - ونظم قصيدته التي مطلعها:

(لئن طال ليلي بالعراق، لربما*** أتى لي ليل بالشآم قصير)

ومنها البيت المشهور:

(عوى الذئب فاستأنست باذئب إذ عوى*** وصوت إنسان فكدت أطير)

وتاب بعد ذلك عن اللصوصية، ونظم أبياتا في توبته أوردها الآمدي نقلا عن أبي عبيدة

وقال أبو علي القالي: هو الاحيمر بن (فلان) ابن الحارث بن يزيد، السعدي، وقال ابن قتيبة المتوفي سنة 276 ه: (وهو - أي الاحيمر - متأخر، وقد رآه شيوخنا)

ينقل الزركلي عن:

المؤتلف والمختلف للآمدي 36، وسمط اللآلي 195، ومعجم البلدان 4: 101، والشعر والشعراء 307

3 - الشعر والشعراء: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ) الناشر: دار الحديث، القاهرة عام النشر: 1423 هـ

وفي الوراق - الموسوعة الشاملة، 1 / 168 جاء عنه:

الأحيمر السعدي: وكان الأحيمر لصا كثير الجنايات، فخلعه قومه، وخاف السلطان، فخرج في الفلوات وقفار الأرض. قال فظننت أني قد جزت نخل وبار، أو قد قربت منها، وذلك لأني كنت أرى في رجع الظباء النوى، وصرت إلى مواضع لم يصل أحد إليها قط قبلي. وكنت أغشي الظباء وغيرها من بهائم الوحش فلا تنفر مني، لأنها لم ترى غيري قط وكنت آخذ منها لطعامي ما شئت، إلا النعام، فإني لم أره قط إلا شاردا. وهو القائل، ويروي الأبيات السابقة ويضيف:

وهو متأخر، قد رآه شيوخنا. وكان هربه من جعفر بن سليمان:

وهو القائل:

أرانى وذئب القفر إلفين بعدما *** بدأنا كلانا يشمئز ويذعرُ

تألّفنى لمّا دنا وألفتــــــهُ ***وأمكننى للرمى لو كنـــت أغدرُ

ولكنّنى لم يأتمنى صــــاحبٌ **** فيرتاب بى ما دام لا يتغـيّر

وهو القائل:

نهق الحمار فقلت أيمن طائر***إن الحمار من التجار قريب

4 - (المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء وكناهم وألقابهم وأنسابهم وبعض شعرهم ): أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي (المتوفى: 370هـ) المحقق: الأستاذ الدكتور ف. كرنكو الناشر: دار الجيل، بيروت الطبعة: الأولى، 1411 هـ - 1991 م -

- الوراق - الموسوعة الشاملة 1 / 14 - جاء عنه:

- " الأحيمر السعدي اللص ليس بمرفوع النسب عندي إلى سعد بن زيد مناة بن تميم. وكان فاتكاً مارداً، وهو القائل، ويذكر مما ذكرناه سابقاً عنه، ويضبف:

أنشد الأصمعي للأحيمر:

يعيّرني الإعدام والبدو معرضٌ ***وسيفي بأموال التجار زعيمُ

ثم قال الأحيمر بعد أن تاب، أنشده أبو عبيدة:

أشكو إلى الله صبري عن رواحلهم *** وما ألاقي إذا مروا من الحزنِ

قل للصوص بني الخناء يحتسبوا *** بزَّ العراق وينسوا طرفة اليمـنِ

فربَّ ثوبٍ كريمٍ كنـــت آخــــذه **** مـــن التجــار بلا نقـــدٍ ولا ثمــنِ

هذا هو الأحيمر، أحمّره الله طبعاً، أم النّاس تطبعا ؟!! حيّرني وحيّر نفسه وخلق ربّه .... والسلام على من اتّبع الهدى ختاماً.

 

كريم مرزة الأسدي

 

رحيم الغرباوييبدو أن الشعر هو علامة من علامات صاحبه توجهاً وإيمانا وشعورا لأمر ما، وهو المترجم لشخصيته، وقد غاصت الدراسات النفسية في دراسة الشعر وفهمه من زاوية خاصة، فتلقي عليه أضواء كاشفة، ولكنه في غوصه بأعماق النفس البشرية يستجلي الكثير مما تستشعره وتتوق إليه من خلال تعبير تلك النفس لما يجتاحها من فضاضة الواقع أو حسنه، فينفض ما بدواخل تلك النفس من مشغلات نفسية وفكرية وشعورية .

ومجموعة الشاعر جعفر الخطاط (نبوءات آخر المرسى) ضمَّت بين دفتيها تنويعات من القصائد، منها الحديث عن لواعج النفس من تهجدات للوطن والتغني بانتصاراته، أو تعبير عن هواجس رومانسية ومنها التغني في قدراته الشعرية، فضلا عن قصائد في آل البيت عليهم السلام لاسيما واقعة الطف، قد أخذت مساحة من أشعاره، فجاءت مجموعته نسيجاً من تلك التلاوين، إلا أنَّ قصائدة قد شاعت فيها الروح الرومانسية وهو يعبر عن الحبيبة التي ألهمته الشعر، ومنحته دنيا طيبة من العيش في عوالم الخيال ؛ ليبرق لها أحاسيسه ومشاعره .

ولايفوتنا أن نذكر من جمال أبياته حكمه التي ألبسها رداء العقل وجمال السبك ونشدان الضمير؛ ليحقق ما تبتغيه روحه الشفافة تجاه الإنسان والكون والوجود،

مستعملاً بعض الرموز الدينية والتاريخية، فهي متجليات توصل القارئ للمعاني المقترحة التي يرى من خلالها الشاعر ذاته المتحمسة وهو أسلوب يرمي إليه ؛ لإثبات نزعته الوجودية . فنجده يبث لواعجه في كثير من أشعاره، ومنها قوله في قصيدته (بقايا وانتظار):

أغيثي هزيلاً هدَّهُ البُعــــــد ليلـهُ       يكابدُ فيه الوجد من لوعة الجفـــا

وما الحال في شكواه إلا شـماتةٌ      تناقلهـا العذَّال بالســـرِّ والخفـــــا

تمكَّنَ منهُ العذل واجتــــاحَ حَيلهُ       وغارَ بعمقِ الجرح هتكاً وأردفــا

.......................

وكلُّ عجاف الشـيب توحيكَ منيةً       فذاقَ مرارَ الوجـد حتى تصوَّفــا

ينوحُ كمـــا يعقوب ناجى عزيزه       كفيفاً، وما الباقون أنسوهُ يوسـفا

فردِّي بريحِ اليأس ريحاً يتوقُها       وروِّي فؤاداً لاعجَ الشوق أهيفـا

فالخطاط وهو يبث شجونه في أبياته الشعريه يعيش نوبات الحب الدافقة نراه يعلن لواعج الحسرة والألم لما ينتابه من معاناة، مما جعله يختار روي قصيدته صوت الفاء ؛ ليخرج زفراته وحسراته عن طريقها، أما صوت العين فقد تفشى في مفاصل القصيدة، وهو يحمل مرارة الألم، بينما أصوات الخاء والشين والكاف والهاء والهمزة، جميعها اشتركت ؛ لتمنح النص معنى التحسر والتوجع ؛ فصارت تلك الأصوات وسيلة لإخراج الزفرات والحسرات التي انتابت الشاعر، وعلى الرغم من أن الشعر العمودي يأتي في أغلب الأحيان في لغة مباشرة إلا أنه يتضمن إشارات مجازية من خلال أسلوب المجاز والكناية والاستعارة والتشبيه، إلا أنَّ الشاعر أتى بتشبيه عميق ينقلنا إلى صورة تكاد تجعلنا نبحر في قصة تاريخية مقدسة قصَّها لنا قرآننا الكريم وهي قصة النبي يوسف (عليه السلام)، فقد شبه الشاعر معاناته كما يعقوب عليه السلام، فنوح الشاعر كما يصفه كنوح النبي عليه السلام حين فقد عزيزه يوسف وهو كفيف، لكنَّ الشاعر يبين أنَّ كفافه هو عدم رؤية الحبيب المجافي وعلى الرغم من أنَّ الأحبة كثر لدى الشاعر، فهو لم ينس الحبيبة المفارقة كما حال أبناء يعقوب التسعة لم يكونوا من القدرة على جعل أبيهم أن ينسى يوسف عليه السلام . والشاعر يخاطب الحبيبة أنْ ترد بريح اليأس وهنا أحدث لنا المفارقة بينه وبين يعقوب إذ كانت ريح يوسف هي ريح أمل أنعشت عينيه وقلبه بالبصر والرؤيا فجعلته يتأمل مقدم يوسف، بينما شاعرنا فهو يعيش اليأس المطبق إلا من ذكرى تجلبها له الريح لعلَّها تروّي قلبه الذي يعتصر شوقا قاتلا جعله يحدق به .

أما قصيدته (أزفَ الموت يا كربلاء) فيصف فيها واقعة الطف وأقمارها الكرام، فهو يقول :

أزِفَ الموت فانحني ياســـماءُ         لجسومٍ تضمُّهــا الرمضـاءُ

الفراديــــــس للعنــــاق تدانت         يقتفيها الوصيُّ والزهـــراءُ

هوِّني حين تحمـــــلين أكفَّــــاً         لفَحَتها الشموسُ والصحراءُ

ورضيعـــا تلقفتـــه ســـهــــامٌ         عَطِشاً نالَ من ســـناهُ الفناءُ

وذبيحاً على العــراءِ ظميَّـــــاً         أفلَ البدرُ قــربهُ والضيـــاءُ

ها هنا داستْ الخيولُ صدوراً         وعلى الرملِ قُطِّعتْ أشـلاء

فنراه يصف آل محمد بالفراديس مخاطباً السماء، وقد أكَّد دلالتهم المدسة بذكر الوصي والزهراء، فالوصي هو علي عليه السلام الذي أوصى الرسول صلى الله عليه وآله به المسلمين بأنه خليفة الله من بعده، أما الزهراء فهي بنت رسولنا الأكرم وهما آباء ذريته عليهم السلام ؛ ليضفي الشاعر قدسية مضاعفة على شهداء الطف وقد لمَّح إلى أكف العباس عليه السلام التي دافعت عن إمام زمانه الحسين عليه السلام الذي يمثل الشريعة الإسلامية السمحاء آنذاك، مخاطباً السماء أن تحمل تلك الكفين بلطف ولين لما لهما من منزلةٍ عند الله سبحانه، ثم يعطف الشاعر على الطفل الرضيع الذي نالت منه سهام الكفر الحياة، بينما يصف الحسين وهو الذبيح الظمئ الذي داست الخيول على صدره هو وأصحابه وآل بيته فقطِّعوا أشلاء ؛ مما حدا بالبدر أنْ يأفل احتجاجاً على مصرعه عليه السلام، إشارة إلى حزن الشاعر عليهم نيابة عن شيعتهم .

ولعل السماء هي رمز القداسة في جميع الديانات ؛ لذلك خاطبها الشاعر فهي منزل العرش والملائكة والنبيين والأوصياء، ومنها الخير الذي ينعش الأرض بالحياة ؛ لذا اختارها الشاعر رمزاً لمكانة القوم الذي استشهدوا في سبيل رسالتها القويمة، فهو يطلب منها بقوله:

قبِّلي تربة الطفوف خشـــوعاً       لست أرقى لقدسها يا سـماءُ

واخشعي حين تلمسينَ بـدوراً     بدمــــاهم توضَّأت كربــلاءُ

فعلى رملها تضرَّجَ ســـــبـطٌ     كلُّ ما فيه مُصحَفٌ وكســاءُ

ستضمِّين يا ســـــماء نجومـاً     في السمواتِ ما لهم نظــراءُ

وتعودين والحسين ســــتبقى       فيهِ لاء الشموخ، والكبرياءُ

وعلى الرغم من قدسية السماء، فقد طلب منها أن تخشع كونها الأم، ويمكن للأم أن تخشع للفعل العظيم أليس والدا يوسف قد سجدا لإبنهما ؛ مما يدل على الدرجة العالية عند رب العرش العظيم، فهم النجوم التي ستضمهم السماء ؛ كونهم لانظير لهم فيها لقدسيتهم العظيمة. أما (لاء) الحسين التي قالها بوجه الطغاة، فما هي إلا (لاء) التحدي والشموخ والكبرياء .

أما قصائده في وصف مأساة الوطن، فنراه ينزف الدماء حرقة ؛ لماحلَّ به من فتك وتدمير أثر الاحتلال البغيض وإدارة أذناب ذلك المحتل الذين لم يراعوا مصلحة وطنهم وشعبهم، بل فضلوا العيش خانعين لأجل مصالحهم التي تدفعهم لها أنانيتهم وخنوعهم القبيح، فهو يقول:

وماذا بعدُ يا وطني الجريحُ ؟       أنزفُكَ ينتهي أم فيـــكَ روحُ ؟

مسلسَلُ قتلكَ المشــؤوم أنَّى ؟       يغـــادرُ والمقابـــرُ تســـتريحُ

أراكَ بذنبِ يوســـــفهمُ تهيماً       وطفُّكَ سـرمديٌّ، لايــــروحُ

فقل لي بعدَ موتِكَ ما سـيأتي ؟     وأيّ فجيعةٍ أخــرى تلـــــوحُ ؟

...................

جلالُـــكَ والجمال تخطَّفـــوهُ       تراثُكَ والجنائـن والســــفوحُ

طفـــولتُكَ البريئةُ قد توارتْ       على خيمٍ يغصغصها النزوحُ

فهو يخاطب وطنه الجريح الذي كبا بفعل الأطماع الخارجية والخيانات الداخلية التي أطاحت به وهو الوطن الذي عرفته الدنيا من أقصاها إلى أقصاها بعزمه وبطولته وإقدامه لكن قوى البغي آثرت إلا تدمير بناه من خلال شحذ الطائفية البغيضة التي اعتاشت عليها نفوس ضعاف حكمت باسم الدين والمذاهب، لكنها تنهش بخيراته الوفيرة وهي الفجيعة الأكثر جرماً عندما يحترق البيت من شرارة بعض أبنائه التبع الذين سيخزيهم الله بشرور أعمالهم .

ثم نرى الشاعر يبث روح العزيمة بالوطن، بنفوس أبنائه الشرفاء، فهو يقول:

ألا فلتســتَفقْ فحصــاكَ جنـدٌ         وبيـــرقُكَ المُرفــرِف لايطيــــحُ

سينهضُ ألف عثمانٍ ليـحمي         حُسينكَ، ما حَوتْ لِوغاكَ سوحُ

ألا قُم يـــاعراق فأنـتَ سـبطٌ         وأرضك رغم مانزفتْ ضـريحُ

ولما كان العراق البلد الذي ازدهى بحضاراته فأنه لامحالة سينهض من جديد على الرغم ما أشعلوا به من فتن طائفية، فهو لابدَّ أنْ يتوحد بكل طوائفه، مومئاً إلى عثمان ذلك الشاب الذي لم ينظر إلى المذهب حينما فدى بنفسه، لينجي من غرق في حادثة جسر الأئمة من زوار الإمام الكاظم عليه السلام، وهو من سلالة الحسين عليه السلام .، فالشاعر يدعو العراق للنهوض مرة أخرى ؛ ليعود سالماً معافى .

أمَّا في قصيدته (طموح) فنرى سيل من حكمه التي يمكن اتخاذها عبراً ودروسا للنشئ والشباب ؛ ليفيدوا منها في طموحاتهم المشروعة ، فنراه يقول:

بغيرِ طموح المرء لا تُبلَغُ المُنى     فما بلغ الأحلام مـَن عاشَ بالندبِ

ومنزلُ جاه المرء ما جادَ سعيُهُ     ويُحتَقر الكسلان في غيهبِ الجُبِّ

وإنَّ كمال العلمِ ما ثابـرَ الفتى       وليس كمال العلم بالمـالِ والثوبِ

ومرتبة الألقاب للدائبِ السمي      وليس لِمن يقتات من تالفِ الحَبِّ

يقول الجاحظ: " المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والأعجمي " و لعلَّنا اطلعنا على معاني حكمه في ترائنا العربي، لكن شاعرنا هو من تخير الألفاظ وأقام الوزن فأبدع في السبك والتنشئة فأتى بها في ترافة من الأسلوب، فمن معانيها إنَّ من يعش الندب ويتكل لا يمكنه بلوغ المعالي، فبالسعي تحقيق المطالب لا بالتقاعس والخمول والكسل، وبذلك يكون منزله الجبِّ كناية عن التخلف والتأخر . كما أنَّ كمال العلم في المثابرة والكفاح لا بالمال والثوب، فهو ينتقد الظاهرة الجديدة التي جعلت من التعليم في العراق يعيش الانتكاسات لاسيما في الشهادات الخالية من المحتوى التي جُلبت بالمال والزينة الظاهرية من دون الامتلاء بالمادة العلمية الرصينة وهو من العيوب التي طاشت بالبلاد بفعل الفساد المشرئب في جميع ميادين الحياة اليوم . بينما المراتب العلمية لايمكن أن تستحصل إلا لمن دأب بالمثابرة وليس لمن يأخذ من القشور ؛ ليجعل منها معلماً له، ويبدو من خلال ظلال الأبيات أن الخطاط يرفض من يدعي العلم وهو لا يحمل من أبجدياته شيئاً لكنه لربما نال الشهادة بالمال والعلاقات وليس مما ناله بالجهد والتفاني للأسف كما هو الحال في بلادنا اليوم .

ومن شعره الحكمي أيضاً قصيدته (نصيحة) التي يقول فيها:

تصبَّر لِحُزنكِ عنـــد البــلاء          فما خاب من كانَ يوماً صَبَرْ

وعوِّد فـــؤادكَ كَظــمَ الأنين          تجد سعدَ عمرِكَ والمُســـتَقَرْ

فمهما يطـــولُ ظلام الهزيع          سيأتي النهارُ ويمحو الأثــــر

ومهما يسودُ جفافُ الخريف          ستنمو الغصونُ ويعلو الشجرْ

فطول البلاء أشـــــدّ امتحان         ومَنْ كــــانَ مُصطَبِراً قدْ ظَفَرْ

فنراه يحكي قصة الصبر وهو الحكيم الذي يمنح معانيه أوراق الثمر من متنوعات الأساليب والصور الفريدة التي تمنح المتلقي طلعاً جنياً من لذائذ المناظر وإن كانت تلك المشاهد نعيشها في الحياة لكن جماليات المعاني في المقابلات والطباقات جعلت من صوره تتمرأى في المخيلة بكل اتزان وتصابي؛ لتمنح المتلقي بطرافتها الدهشة والمتعة، وكم منَّا يحتاج إلى الصبر ؛ كي يجعل حياته مستقرة هانئة يسودها الحب والوئام والعيش الرغيد .

 

د. رحيـــم الغربـــاوي

 

 

عبد المجيد عامر طميزةبِرْفِيرُ غُرُوبِكِ! / آمال عوّاد رضوان

مهداة إلى شرقِنا اليتسربلُ برفيرَ غُروبٍ/ في مهرجانٍ دمويٍّ ليسَ يُحَدُّ!

مَذْهُولًا..

تَقَافَزَ بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ

يَتَقَمَّزُ .. بِحِذَاءِ غُرْبَتِي

وَفِي شِعَابِ غصَّةِ اضْمِحْلاَلِي

تَسَرْبَلَ .. مَلاَمِحَ فَجْرٍ طُفُولِيٍّ

كَمْ أَخْفَقَ .. بِخَطْوِهِ الْفَصِيحِ!

*****

خِنْجَرُ يَقَظَتِكِ .. المُذَهَّبَةِ بِأَقْمَارِكِ

غَيَّبَنِي

فِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ

مَجْبُولٍ؛

بِغُبَارِ حُلُمٍ بَرِّيٍّ

بِنُورِ خَيَالٍ كَسِيحٍ

وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ .. تَكَلَّسَ

عَلَى نَهْدِ أَبْجَدِيَّةِ نُعَاسِي!

*****

كَمَاكِ.. وَمِنْ عَيْنِ سَمَائِكِ

قُرْصُ فَرَاغِكِ

أَ شَ عَّ نِ ي

بَتلاَتِ مَسٍّ مُقَدَّسٍ

يَلْجُمُ .. ثَرْثَرَةَ لِسَانِي الثَّقِيلِ!

*****

يَا مَنْ بِقَبْضَةِ فَقْدِكِ .. الْمَسْفُوكِ بِي

أَرْخَيْتِ .. صَمْتَ إِغْرَائِكِ

عَلَى ثَغْرِ غَدٍ حَالِمٍ

كَمْ غَفَا

بِشِرْيَانِ وَرْدِكِ النَّرْجِسِيِّ!

*****

كَيْفَ أَعْتَكِفُنِي

وَأَبَاطِرَةُ ضِيَائِي الأَحْوَلِ

تَتَهَجَّى

مَبَاهِجَ غُمُوضِكِ؟

*****

أَتَتْلُوكِ مَزَامِيرَ أَمْسٍ

يَ سْ تَ عْ مِ رُ ني

أَم تَسْبِيحَةَ وَجْدٍ طَاغٍ

يَرْتَسِمُ عَلَى أُقْنُومِ لَيْلِي السَّوْسَنِيِّ؟

إلامَ

أَ

قْ

طُ

رُ

نِ

ي

رِثَاءَ فِرْدَوْسٍ نَارِيٍّ

عَلَى سَوَاحِلِ بَرَاكِينِي

لِأَطْفُوَ هَشِيمًا

عَلَى صَفْحَةِ صَخْرِكِ الْمَائِجِ؟

*****

أَمَا لِلْغَدِ عَيْنُ حَيَاةٍ

تُذْعِنُ لِدُخَانِ الذُّنُوبِ؟

*****

أَيَّتُهَا الْمُتْرَفَةُ .. بِجَنَاحِ مَوْجَةٍ بَتُولٍ

حَطَّتْ عَلَى شِفَاهِ زَبَدِي!

تَجَلْبَبِي

بِوِشَايةِ بَحْرٍ

وَشْوِشِي بِخِلْخَالِكِ الْفَيْرُوزِيِّ

غَيْبُوبَتِي

وَدَعِينِي .. أتَخَايَلُ مُخْتَالاً

لأَمِيسَ

فِي هَيْكَلِ مَجْهُولِكِ الْمُنَمْنَمِ!

*****

نُبُوءَاتُ نَقَائِكِ النَّدِيَّةُ .. جَدَاوِلُ

تُزَمْزِمُنِي

تُغافِلُ

بَلاَهَةَ مَوَائِدِي الْمُوحَشَة

تُكَمِّمُ

أَفْوَاهَ أَشْبَاحِ مَوَاقِدِي الذَّاهِلَة

وَتَخْتَلِسُنِي

مَشَارِفُ الارْتِجَافِ الْمَثْلُومَة

بِوَاااااااابِلٍ

مِنْ قُبَلٍ مُتَبَتِّلَةٍ

تُعَسْعِسُ

سَحَابَ صَلَوَاتِي الْفَاتِرَة

بمِشْطِ لَوَاعِجِ سَمَاوَاتِكِ!

*****

أَكَأَنَّمَا

تَجْدِلُنِي خُصُلاَتُ نُجُومِكِ الشَّقْرَاء

ضَفَائِرَ ضَوْءٍ

يُنَمّشُنِي

بِيَرَاعِ بِشَارَةٍ؟

أَتُمَهْرِجُنِي

بِأَحْضَانِ الأُقْحُوَانِ؟

من الديوان الشعري الثالث (رِحْلَةٌ إِلَى عُنْوَانٍ مَفْقُودٍ)

....................

ثانيًا: تحليلُ القصيدةِ

الإهداء: تستهلُّ الشاعرةُ قصيدتَها بقولِها: مُهداةٌ إلى شرقِنا اليتسربلُ برفيرَ غُروبٍ/ في مهرجانٍ دمويٍّ ليسَ يُحَدُّ!

مَذْهُولًا../ تَقَافَزَ بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ/ يَتَقَمَّزُ .. بِحِذَاءِ غُرْبَتِي/ وَفِي شِعَابِ غصَّةِ اضْمِحْلاَلِي/ تَسَرْبَلَ .. مَلاَمِحَ فَجْرٍ طُفُولِيٍّ/ كَمْ أَخْفَقَ .. بِخَطْوِهِ الْفَصِيحِ!

العنوان: بِرْفِيرُ غُرُوبِكِ!

وتُهديها الشاعرةُ إلى شرقِنا الّذي يتسربلُ الدّماءَ، والعنوانُ مُعبّرٌ ودالٌّ على محتوى القصيدة، و"البرفير" لونٌ مُركّبٌ مِن الأحمرِ والأزرق، ولْنتفكَّرْ معًا في ساعةِ الغروب، وصورةُ ساعةِ الغروب في أيّ مجتمعٍ، تسلِبُ الألبابَ بروعةِ جمالِها، حيثُ يلتقي اللونُ الأحمرُ المُتمثّلُ في النورِ والضياءِ المُنبعثِ مِن أشعّةِ الشمس، مع زرقةِ لونِ السماءِ الصافيةِ ببهائِها وروْنقِها، فتنبثقُ صورةٌ جماليّةٌ ساحرة، لكن في بلادِنا وفي شرقِنا ويا للأسف! تتشكّلُ صورةٌ مغايرةٌ، تتكوّنُ مِن اتّحادِ اللونِ الأحمرِ المُنبعثِ من نورِ الشمسِ مع لونِ زرقةِ السماء، ليتشكّلَ لونٌ أرجوانيٌّ، هو لونُ جريانِ الدمِ والقتلِ والفجيعة.

ولعلّ شاعرتَنا تقصدُ بالبرفير اللباسَ المُلوكيَّ (الأرجوانيّ والأزرق)، الّذي ألبَسَهُ اليهودُ للسيّدِ المسيح قبلَ صلبِهِ، (برفيرًا كاذبًا تَسربلَ)، وتَوّجوا رأسَهُ بإكليلِ الشوكِ، مِن أجلِ أن يَسخروا منه قائلين: يسوع الناصريّ مَلكُ اليهود! وهنا تناصٌّ دينيٌّ يَتقاطعُ عمّا جاء في الإنجيل.

وترمزُ بالغروب بألوانِهِ الذهبيّةِ الحمراءِ المُتداخلةِ الرومانسيّةِ وقتَ العشّاقِ والحالِمينَ مِن اليهود، يحلمونَ بأرضِ فلسطين، ويرَوْنَ أنّها أرضُ السّمنِ والعسل.. والغروبُ وقتَ اختفاءِ الشمسِ خلفَ الأفقِ؛ لتنتقلَ إلى الطرفِ الآخرِ مِن الكرةِ الأرضيّةِ، والغرباءُ همُ اليهود القادمونَ الجُدُدُ مِن أصقاعِ الأرض والغربِ إلى فلسطين، الّذين وفدوا إلى فلسطين، لبناءِ صرح المملكة اليهوديّةِ على أنقاض شعب فلسطين.

وتحرصُ شاعرتُنا على توظيفِ اللونِ في عنوان القصيدة، "إنّ الصورَ والألوانَ تنطلقُ مِن جوانيّةِ الشاعر، وخبرتِهِ البصريّة، ووعيِهِ التاريخيّ، وحفريّاتِهِ الأسطوريّة، وتجربتِهِ النقديّة، وتجوالِهِ ومشاهداتِهِ التشکيليّة، وتتنوّعُ اهتماماتُهُ بينَ الفنون، بحيث تصبحُ الصورةُ ليستْ مجرّدَ أداةٍ للمعرفةِ فحسْب، وإنّما أداة للحرّيّة أيضًا"(1).

فالحرّيّةُ في شرقِنا بعيدةُ المَنال، ويُعدُّ اللونُ الأحمرُ مِن أوائلِ الألوانِ الّتي عرفَها الإنسانُ في الطبيعة، "فهو مِنَ الألوانِ الساخنةِ المُستمَدّةِ مِن وهجِ الشمسِ واشتعالِ النارِ والحرارةِ الشديدة، وهو مِن أطولِ الموجاتِ الضوئيّة"(2)، وهو لونُ البهجةِ والحزن، ولونُ العنفِ ولونُ المَرَحِ والحزن، ومِن أکثرِ سِماتِ هذا اللون ارتباطُهُ بالدم، فهو لونٌ مُخيفٌ نفسيًّا ومقدّسٌ دينيًّا.،ويرمزُ الأحمرُ في الدياناتِ الغربيّةِ إلى التضحياتِ في سبيلِ المبدأ والدين، وهو رمزٌ لجهنّمَ في کثيرٍ مِن الدياناتِ، ويرمزُ اللونُ الأحمرُ عندَ الهندوس إلى الحياةِ والبهجة، وله علاقةٌ بالدمِ عندَ ولادةِ الطفلِ وتَدفُّقِ الدماءِ، وبعضُ القبائلِ تُلطّخُ المولودَ بالدم، حتى يکون له فرصةٌ في العيش مدّة طويلة (3).

يُعتبرُ العنوانُ علامةً دالّةً على النصّ، تتصدّرُهُ، وتُعرّفُهُ، وتُؤطّرُ كيانَهُ اللغويَّ والدلاليّ، بل هو بمثابةِ لافتةٍ إيضاحيّة تُضيءُ مدلولاته، وتكشفُ إيحاءاتِهِ، "فالعنوانُ هو المفتاحُ الذهبيُّ إلى شفرةِ التشكيل، أو الإشارة الأولى الّتي يُرسلُها المبدعُ إلى المتلقي"(4).

وتحرصُ شاعرتُنا في انتقائِها للكلماتِ لتتشكّلَ اللغةَ الشعريّة، "إنّ الكشفَ عن الجوانب الجديدةِ في الحياة، يستتبعُ بالضرورةِ الكشفَ عن لغةٍ جديدة"(5).

ويحرصُ الشعراءُ على لغتِهم، "فمنزلُ اللغةِ كمنزلةِ الكائن البشريّ، وهي مرآةُ فكرِ الشاعر، يلجأُ إليها لتأكيدِ وجودِه، وينطلقُ بها لتحقيقِ رغباتِه"(6).

"يَتَقَمَّزُ .. بِحِذَاءِ غُرْبَتِي/ وَفِي شِعَابِ غصَّةِ اضْمِحْلاَلِي/ تَسَرْبَلَ .. مَلاَمِحَ فَجْرٍ طُفُولِيٍّ/ كَمْ أَخْفَقَ .. بِخَطْوِهِ الْفَصِيح"!

الصهيونيُّ قدِمَ إلى فلسطين ببراءةِ الأطفال، مُخفِيًا أحلامَهُ بتأسيسِ وطنٍ قوميّ لهُ على حساب شعب فلسطين. وتتوالى الصورُ الشعريّةُ: فللغربةِ حذاءٌ يجمعُ بأطرافِ أصابعِهِ أو لهُ وثبةٌ كالكائنِ الحيّ، وللغصّةِ شِعابٌ، ولملامحِ الفجرِ طفولةٌ وبراءة، وللخطوِ فصاحةٌ، والسطرُ كنايةٌ عن براءةِ اليهوديّ عندَ مَقدَمِهِ لفلسطين، رغم إخفائِهِ هدفَهُ الحقيقيّ، وعدمِ مَقدرتِهِ على إخفائه!

النصُّ يَزخرُ بألفاظِ الغربةِ والضياع: "بِرْفِيرُ، غُرُوبِكِ، مَذْهُولًا، غُرْبَتِي، غصَّة، اضْمِحْلاَلِي، أَخْفَقَ" .. وتجربةُ الغربةِ والضياع، والكلامُ يَجيءُ على لسانِ الفلسطينيّ المُعذَّب.

وِمن السّماتِ المُتلازمةِ في الشعرِ الحديث: الغربةُ في الكوْن، والمدينة، والحبّ، والكلمة، إضافةً إلى الغربةِ في المكانِ، والزمانِ، والعجز، والحياة، والموت، والصمت.

ونلحظُ ظاهرةَ تَطوُّرِ اللغةِ في القصيدة، والبُعدَ عن لغةِ الحديثِ اليوميّ، والتمسُّكَ بالسياقِ الدراميّ للغةِ الشعرِ الحديث، والتعبيرِ بالصورة في هذا الشعر، ويَزخرُ المقطعُ بالصورِ الفنّيّةِ المُتلاحقة: فلونُ الدم والغربة أحمرُ ممتزجٌ مع اللون الأزرق، فكأنّ هذا المزيجَ شخصٌ يَجمعُ أو يَقفز ويتوثّبُ، وكأنّ للغربةِ حذاءٌ يَجمعُ الأشياءَ بأطرافِ أصابعِهِ ويَتقمّزُ، وللغصّةِ في الحلقِ شعابٌ وأماكن، وللفجرِ الطفوليّ ملامح كمَلامح الرجل الضائع، ولهُ قلبٌ يَخفقُ وينبضُ ويتحرّكُ ويمشي ويَخطو كخطو الإنسان..

وتستمرُّ الشاعرةُ في إنشادِها: "خِنْجَرُ يَقَظَتِكِ.. المُذَهَّبَةِ بِأَقْمَارِكِ/ غَيَّبَنِي/ فِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ/ مجْبُولٍ/ بِغُبَارِ حُلُمٍ بَرِّيٍّ/ بِنُورِ خَيَالٍ كَسِيحٍ/ وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ.. تَكَلَّسَ/ عَلَى نَهْدِ أَبْجَدِيَّةِ نُعَاسِي!

وتزخرُ الانزياحاتُ وتتزاحمُ في هذا المقطع، والانزياحُ الإضافيُّ في قوْلِها: (خِنْجَرُ يَقَظَتِكِ)، وفي قولها (مَنَافِي لَيْلٍ)؛ وفي عبارة (بِغُبَارِ حُلُمٍ)، وفي سطر (بِنُورِ خَيَالٍ)، وفي جملة (وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ)، وفي سطر (عَلَى نَهْدِ أَبْجَدِيَّةِ نُعَاسِي).

وفي الانزياحِ الإضافيِّ نجدُ المفاجأةَ الّتي يُنتجُها حصولُ اللّامُنتظَر مِن خلال المُنتظر؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي مُضافًا إليه يتلاءمُ والمضاف، كأنْ تتوقّعُ بعدَ كلمة (خِنْجَرُ) كلمة (حادّ) مثلًا، لكنّنا نُفاجأُ بوجودِ كلمة (يَقَظَتِكِ) وهكذا دواليك، حيثُ يُصبحُ لدينا انزياحٌ إضافيٌّ شعريّ بحت في السطورِ الّتي تحتَها خطّ السابقة.

وتكثرُ أيضًا في السطور ظاهرةُ الانزياح الدّلالي، في نحو :"خِنْجَرُ يَقَظَتِكِ .. المُذَهَّبَةِ بِأَقْمَارِكِ/ وفِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ/ مَجْبُولٍ/ حُلُمٍ بَرِّيٍّ/ خَيَالٍ كَسِيحٍ/ وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ.. تَكَلَّسَ

وفي السطورِ السابقةِ نجدُ انزياحَ النعوتِ الّتي تحتَ كلٍّ منها خطّ عن منعوتِها المتعارَفِ عليها، وإذا كانَ الانزياحُ أو الانحرافُ عن المعيارِ مِن أهمِّ الظواهرِ الّتي تُميّزُ اللغةَ الشعريّةَ عن السرديّة، مع منحِها شرف الشعر وخصوصيّته، فإنّ هذا النوعَ من الانزياحِ يتّسمُ ببعضِ الثيماتِ المُصاحِبة له، كالابتكارِ والجدّةِ والنضارةِ والإثارة.

فتقول: فِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ: (أعزل) صفة والموصوف (ليل)، والسامعُ عندما يسمعُ كلمةَ (ليل)، يتوقّعُ أن يسمعَ موصوفًا مناسبًا له ككلمة (مظلم)، لكنّهُ يُفاجأ بسماع كلمة (أعزل)، وهكذا دواليك في الصفاتِ السابقةِ التي تحت كل منها خط.

والشاعرةُ تُوظّفُ أسلوبَ الانزياحِ الدلاليّ، وتَهدفُ إلى إبهارِ المتلقِّي وشدِّهِ لقصيدتِها، مُستعملةً عددًا من الوسائل في تحقيقِ غايتِها، وما الانزياحُ إلا وسيلة من هذه الوسائل، بل هو أشهرُها وأهمُّها، وجامعُها وبوتقتُها الّتي تنصهرُ فيها؛ فالانزياحُ من الظواهرِ المُهمَّة في الدراساتِ الأسلوبيّةِ الّتي تُقاربُ النصَّ الأدبيَّ عمومًا، والنصَّ الشِّعريَّ على وجهِ الخصوص، باعتبار أنّ النصَّ الشعريَّ يُميِّز نفسَهُ بالخروج عن المألوف.

خِنْجَرُ يَقَظَتِكِ.. المُذَهَّبَةِ بِأَقْمَارِكِ/ غَيَّبَنِي/ فِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ/ مَجْبُولٍ/ بِغُبَارِ حُلُمٍ بَرِّيٍّ/ بِنُورِ خَيَالٍ كَسِيحٍ/ وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ.. تَكَلَّسَ/ عَلَى نَهْدِ أَبْجَدِيَّةِ نُعَاسِي!

فالصهيونيُّ قدِمَ لفلسطين مُتسلّحًا يقظًا ليُحقّقَ حلمَهُ، والفلسطينيُّ البسيطُ أذهلَهُ ما يحصل.

بِغُبَارِ حُلُمٍ بَرِّيٍّ وَبِنُورِ خَيَالٍ: كنايةً عن الحلمِ الصهيونيّ.

غَيَّبَنِي: كنايةً عن ذهولِ الفلسطينيّ بما يحصل.

فِي مَنَافِي لَيْلٍ أَعْزَلَ: كنايةً عن عدم يقظةِ الفلسطينيّ بادئ الأمرِ واضطرابه.

وَبِحَلِيبِ أَرَقٍ.. تَكَلَّسَ/ عَلَى نَهْدِ أَبْجَدِيَّةِ نُعَاسِي!: كنايةً عمّا لحقَ بالفلسطينيّ مِن ظلمٍ وهوان في وقتِ غفلته.

وتنشد في المقطع الثالث: كَمَاكِ.. وَمِنْ عَيْنِ سَمَائِكِ/ قُرْصُ فَرَاغِكِ/ أَ شَ عَّ نِ ي/ بَتلاَتِ مَسٍّ مُقَدَّسٍ/ يَلْجُمُ.. ثَرْثَرَةَ لِسَانِي الثَّقِيلِ!

كَمَاكِ.. وَمِنْ عَيْنِ سَمَائِكِ: وتسند الشاعرةُ ضميرَ المخاطبةِ الكاف إلى كما في قولها (كماك)، وهذا اختراقٌ في اللغة، وتقول: (وَمِنْ عَيْنِ سَمَائِكِ) صورةٌ شعريّةٌ تُصوّرُ فيها الشاعرةُ السماءَ برجُلٍ لهُ عينٌ تُبصر، والسطرُ كنايةً عن عالم المُخاطَبِ ومُحيطِهِ، وهو الصهيونيّ الّذي يسعى لتحقيقِ حُلمِهِ، وتتوالى الصورُ الفنّيّةُ، فللفراغ قرصٌ يدور، وهذا القرصُ يُشعّ الشاعرة، ويُقدّمُ لها الضياءَ بل يكادُ يَحرقُها، وهذا الشعاعُ كما بتلات الزهور المقدّسة، وذكرت الشاعرةُ اللسانَ وأرادت به الكلام، مجاز مُرسل علاقتُهُ الآليّة، وتعتبرُ الصورةُ الشعريّةُ مِن أهمّ مُقوّماتِ الشعر، فهي الّتي تجعلُ المُتلقّي يذهبُ في عوالم الشاعر وخيالِه، وهي الّتي ترسمُ الحالةَ الجماليّةَ البديلةَ لمكنوناتِ الشاعر النفسيّةِ والاجتماعيّةِ والتاريخيّةِ وغير ذلك، إضافةً إلى أنّها أكثر الأسس والمقوّماتِ حضورًا في القصيدةِ الحديثة.

وعن أهمّيّةِ الصورة الشعريّةِ في القصيدةِ الحديثةِ قال الدكتور الناقد غسّان غنيم: إنّ الصورةَ مفردةٌ قد تحملُ أكثرَ مِن دلالة، بحسب الحقل الّذي يتناولُها، فهي في حقلِ علم النفس تدلُّ على إعادةِ إنتاج عقليّةٍ أو استعادةٍ لذكرياتٍ مُدرَكة، أو تتعلّقُ بالوجدان، أو مجموعة مشاهد بصريّة يمكن للمرء استعادتها بدرجاتٍ متفاوتة، وهي استعادةٌ ترتبط بنوع من الأحاسيس.‏ أمّا الدلالةُ الأكثرُ شيوعًا، فهي تلك التي تتعلّقُ بالحقل الأدبيّ من زاوية التعبيرِ المجازيّ، وتنقسم إلى عدّة أشكالٍ منها: البلاغيّة المُتمثّلة بالبيان أو البديع، أو أشكال المجاز اللغويّ أو العقليّ، والأشكال الصوريّة الحديثة المُتمثّلة بالانزياح والرمز والأسطورة.‏

واعتبرَ أنّ التعبيرَ المجازيَّ تركيبٌ لغويّ يتوسّلُ المجازَ أو الانزياح، بشكلٍ يستخدمُ علاقاتِ المشابهة أو المجاورة أو الرمز أو المنافرة، عبرَ التخيُّلِ الذي يستطيعُ جمعَ المتنافراتِ والمتباعدات لبناء تركيبٍ قادرٍ على الإيحاء.

ولفت غنيم إلى أنّ النقّاد والدارسين القدماءَ قاموا بدراسةِ الصورة البلاغيّةِ في النصوص الأدبيّة والدينيّة، فدرسوا الكنايةَ والتشبيهَ بأنواعه، والاستعارةَ والمجازَ والصورة البديعيّة، التي تعتمد العلاقاتِ اللغويّةَ أو المعنويّةَ كالجناس والمقابلة وسواها، ويمكن التمثيلُ لذلك بأنماطِ النصوص المختلفة الدينيّةِ والأدبيّة والشعريّة‏ (7).

وتستمر الشاعرة في مقطع القصيدة الرابع: يَا مَنْ بِقَبْضَةِ فَقْدِكِ.. الْمَسْفُوكِ بِي/ أَرْخَيْتِ .. صَمْتَ إِغْرَائِك/ِ عَلَى ثَغْرِ غَدٍ حَالِمٍ/ كَمْ غَفَا/ بِشِرْيَانِ وَرْدِكِ النَّرْجِسِيِّ!

وتستهلُّ الشاعرةُ هذا المقطعَ بالأسلوب الإنشائيّ أيضًا، والنداءُ يُفيدُ الأسى والحزن، بسبب أحلام الصهاينة وأطماعهم، وما يُخطّطونَ له من استيلائهم على فلسطين وسيطرتِهم على الشرق، وللصّمتِ إغراءٌ، وتُصوّرُ الغدَ الحالمَ رجلًا ينامُ ويغفو، وللورد شريانٌ كما للإنسان. وتتوالى الانزياحاتُ والصورُ الفنّيّة تتزاحمُ، فصمت الحلمِ يُرخي ويُغري، وللغد الحالم ثغرٌ ينطق ويبتسمُ ويتكلّمُ ويُكشّر ويغفو وينام، وله وردٌ وللورد شريانٌ نرجسيّ.

والمقطعُ كنايةً عن الحلم الصهيونيّ بتحقيق وطنٍ قوميّ في فلسطين على حساب الشعب الفلسطينيّ، وتصوير مأساة الفلسطينيّ.

والصورة الشعريّةُ لا تقف عند حدّ الدوْر البنائيّ في النصّ الشعريّ، وإنّما تتعدّاهُ إلى التمايز بين الشعراء في كيفيّةِ بنائها، باعتبارها عنصرًا حيويًّا من عناصر التكوين النفسيّ للتجربةِ الشعريّة (8)، التي تختلف من مبدعٍ إلى آخر، ومن ثمّ يكون بناؤُها عندَ كلٍّ منهم متضمّنًا لعناصرِ التميّز والتفرّد، وتغدو الصورة من ثم- مقياسًا تُقاس به موهبةُ الشاعر، وموضع الحكم عليه(9) ؛ لأنّ نجاحَ الشاعر وفشله قرينُ ما يتمتّع به من قدراتٍ تصويريّة، تُمكّنُهُ من نقل تجاربهِ وأحاسيسهِ إلى المتلقي بواسطة مَلَكَةِ الخيال (10).

وفي المقطع الخامس: كَيْفَ أَعْتَكِفُنِي/ وَأَبَاطِرَةُ ضِيَائِي الأَحْوَلِ/ تَتَهَجَّى/ مَبَاهِجَ غُمُوضِكِ؟

كَيْفَ أَعْتَكِفُنِي: وتبدأ الشاعرةُ هذا المقطعَ بالأسلوبِ الإنشائيّ، والاستفهامُ يفيدُ التعجّبَ، فتتعجّبُ الشاعرةُ مِن فقدِها لوطنِها وضياعِ فلسطين، فحلّ مَحلَّهُ في منطقتِنا وشرقنا واقعٌ أليم.

وَأَبَاطِرَةُ ضِيَائِي الأَحْوَلِ: أباطرةُ ضيائي الأحول كنايةً عن حكّامِ الدولِ العربيّةِ المُؤتمنين على الكعبة والقرآن واللغةِ العربيّة، والمُقصّرين عن نصرةِ فلسطين، وبعضُهم متآمرون، والكثيرُ من حكّام الدول الكبرى ساهموا وساندوا في تحقيقِ الحلم الصهيونيّ.

فضياءُ الشاعرة ليس مُكتمِلًا، بل هو كالرّجلِ الأحول، وضياؤُها له أباطرةٌ تتهجّى، كما يتهجّى تلميذٌ حروفَ كلماتٍ يقرؤُها، ولغموضِ الحلم مباهجُ تُبهجُ وتُسرُّ القلب.

وتهتمُّ الشاعرةُ بانتقاءِ ألفاظِها، فالألفاظُ يجبُ أن تكونَ مألوفة، والجُملةُ يجبُ أن تكونَ فصيحةً لتكوين البناءِ الفنّيّ القويّ، وتحقيقِ الارتباطِ بين الفقراتِ داخلَ البناءِ العامّ للنّصّ الأدبيّ. والأفكارُ هي فلسفةُ النصّ، هدفُ النصّ، المدلولُ العقليّ للنصّ، والعواطفُ تثيرُ النفس، فعاطفة النصّ تُثيرُ عاطفةَ المتلقي وتأجيج تلك العواطف، والخيالُ هو القوّةُ الّتي تجعلُ المبدعَ يربط بين الأشياء المختلفة. (11).

وتستمرُّ في قصيدتِها: أَتَتْلُوكِ مَزَامِيرَ أَمْسٍ/ يَ سْ تَ عْ مِ رُ ني/ أَم تَسْبِيحَةَ وَجْدٍ طَاغٍ/ يَرْتَسِمُ عَلَى أُقْنُومِ لَيْلِي السَّوْسَنِيِّ؟

إلامَ

أ

قْ

طُ

رُ

نِي/ رِثَاءَ فِرْدَوْسٍ نَارِيٍّ/ عَلَى سَوَاحِلِ بَرَاكِينِي/ لأَطْفُوَ هَشِيمًا/ عَلَى صَفْحَةِ صَخْرِكِ الْمَائِجِ؟

وتستهلُّ الشاعرةُ هذا المقطعَ بالأسلوب الإنشائيّ، وهو الاستفهامُ الّذي يُفيدُ التعجّبَ والأسى والحزن، والمتكلّمُ هو الإنسانُ الفلسطينيُّ المُعذّبُ يُخاطبُ الصهاينة:

أَتَتْلُوكِ مَزَامِيرَ أَمْسٍ/: وتتساءلُ الشاعرةُ على لسانِ الفلسطينيّ المسحوق، أتتلوكَ الأباطرةُ مزاميرَ وصلواتِ استغفارِ الأمس للمملكةِ اليهوديّةِ السالفة؟

والمزاميرُ كنايةً عن صلواتِ استغفار النبيّ والملك داود لربّه، بعدما استفحلتْ خطاياه.

وتتوالى الصورُ الشعريّة: فللأمس مزاميرُ تتلو، وتستعمر، وهنا تلجأ الشاعرةُ لتفكيكِ صوامت كلمة (يستعمرني)، لإطالةِ زمن الاستعمار، ولخلقِ نغمٍ يُناسبُ إيقاعَ القصيدة، وللوجدِ تسابيحُه، والتسبيحةُ تطغى وتسيطر، والوجدُ يرتسمُ على أقنوم شخصٍ، ولليلِ شخصٌ سوسنيّ، وفي كلمة (سوسنيّ) انزياح دلاليّ، و(الأقنوم) كلمةٌ سريانيّةٌ وجدتْها الشاعرةُ مُواتيةً لها في سطرِها.

عَلَى أُقْنُومِ لَيْلِي السَّوْسَنِيِّ: كنايةً عن حياة الفلسطينيّ المأساويّةَ السوداويّة، الفلسطينيّ المُرابط والمهجَّر المُشرّد، مُنتشرًا في معظم بقاع العالم كانتشارِ عبقِ السوسن.

وتُفكّكُ الشاعرةُ كلمةَ (أقطرُني)، لتزيدَ مِن زمنِ إسالةِ القطراتِ الحارقة.

رِثَاءَ فِرْدَوْسٍ نَارِيٍّ: كنايةً عن ضياعِ وطنٍ بفعلِ القوّة الغاشمة.

عَلَى سَوَاحِلِ بَرَاكِينِي: كنايةً عمّا حاقَ بالشعب الفلسطينيّ من أذًى وظلمٍ وطردٍ واحتلال.

لِأَطْفُوَ هَشِيمًا : كنايةً عن الحالةِ النفسيّةِ والمعيشيّةِ للشعب الفلسطينيّ بعدَ فقدِهِ لوطنِه.

عَلَى صَفْحَةِ صَخْرِكِ الْمَائِجِ؟ كنايةً عن جبروتِ وصلافةِ المُحتلّ.

وتعودُ الشاعرةُ للأسلوب الإنشائيّ، والاستفهامُ يُفيدُ التعجّب، فتتعجّبُ الشاعرةُ مِن رشح رثاء فردوسٍ ناريّ، فللفردوس رثاءٌ يقطرُ، وفي كلمة (فردوس) انزياحٌ إضافيّ، وفي كلمة (ناريّ) انزياحٌ دلاليّ، وفي كلمة (براكيني) انزياحٌ إضافيّ، وفي كلمة (صخرك) انزياحٌ إضافيّ، وفي كلمة (المائج) انزياحٌ دلاليّ، حيث انزاحت الصفةُ عن الموصوفِ (صخرك)، وتُنوّعُ الشاعرةُ في أساليبها، فالأسلوب هو طريقةُ الكتابة، طريقةُ اختيارِ الألفاظ، للتّعبير عن المعاني بهدفِ التأثير والتوضيح (12).

ويتكوّنُ المضمونُ مِن الأفكارِ والعواطفِ والأخيلةِ والحالاتِ النفسيّة (13). والمقطعُ يحوي الكثيرَ مِن ألفاظِ وتراكيبِ الأسى والحزن والفقدِ والضياع، ويشي بعاطفةٍ حزينةٍ باكية:

يَ سْ تَ عْ مِ رُ ني / أَم تَسْبِيحَةَ وَجْدٍ طَاغٍ/ أُقْنُومِ لَيْلِي/ إلامَ أقْطُرُنِي/ رِثَاءَ فِرْدَوْسٍ نَارِيٍّ/ وَلَى سَوَاحِلِ بَرَاكِينِي/ لِأَطْفُوَ هَشِيمًا/ على صَفْحَةِ صَخْرِكِ الْمَائِجِ!

عاطفةُ الشاعرة قوميّةٌ صادقةٌ عميقةٌ وثائرة، قدّمتْها في إطارٍ إنسانيٍّ تُعبّرُ عمّا يختلجُ في نفسها من مشاعرِ الألم والمعاناة؛ ولِما يتعرّضُ له وطنُها من احتلال، وما نتجَ عنه من قتلِ الأحرار وانتشارِ السجونِ والمعتقلات، وفيها مشاعرُ الألم والأسى ممزوجةٌ بمشاعرِ الاعتزاز بصمود الأحرار والتحدّي للمحتلّ، وقد استخدمت في التعبير عن مشاعرها ألفاظًا وتراكيب، تحملُ طاقاتٍ شعوريّةً مُكثّفةً عمّا تُعانيه، وكشفت عن مشاعرها، وقد استخدمت الخيالَ المُجنّحَ في رسمِ صورٍ تُظهرُ شعورَها وأحاسيسَها، وقد تدرّجَ الخطُّ الانفعاليُّ في النصّ، فبَدا هادئًا، وأخذ يرتفعُ مع دفقات الشاعرة الشعوريّة، وهو تعبيرٌ عن رفضِها للمحتلّ وشنيعِ أفعالِه، واعتزازِها بأرضِها وشرقها، وقد استطاعتْ أن تُؤثّر في المتلقي بما يحمله النصُّ من مشاعرَ صادقةٍ، تشعرُ بها الأديبةُ تجاهَ وطنِها، وتجعلُ المتلقّي يعيشُ الحالةَ الانفعاليّةَ التي أرادت الأديبة نقلها.

وتستمرُّ الشاعرةُ في شدوِها: أَمَا لِلْغَدِ عَيْنُ حَيَاةٍ/ تُذْعِنُ لِدُخَانِ الذُّنُوبِ؟

وتستمرُّ الشاعرةُ في استهلالِ مقاطعِها بالأسلوبِ الإنشائيّ، والاستفهامُ يُفيدُ التقرير، وتتوالى الصورُ الفنّيّة، فللغدِ عينُ حياة، تُذعنُ للدّخان، وللذّنوب دخانٌ يَصدرُ عنها، وتنشدُ في المقطع الثامن:

أَيَّتُهَا الْمُتْرَفَةُ.. بِجَنَاحِ مَوْجَةٍ بَتُولٍ/حَطَّتْ عَلَى شِفَاهِ زَبَدِي!/ تَجَلْبَبِي/ بِوِشَايةِ بَحْرٍ/ وَشْوِشِي بِخِلْخَالِكِ الْفَيْرُوزِيّ/ غَيْبُوبَتِي/ وَدَعِينِي.. أتَخَايَلُ مُخْتَالًا/ لأَمِيسَ/ فِي هَيْكَلِ مَجْهُولِكِ الْمُنَمْنَمِ!/ أَيَّتُهَا الْمُتْرَفَةُ.. بِجَنَاحِ مَوْجَةٍ بَتُولٍ/ حَطَّتْ عَلَى شِفَاهِ زَبَدِي

وتبدأ الشاعرةُ هذا المقطعَ بالأسلوب الإنشائيّ أيضًا، والنداءُ يفيدُ الأسى والحزنَ، والحديثُ على لسان الفلسطينيّ المغلوب على أمره، والخطابُ مُوجّهٌ للدّولةِ الصهيونيّة، فالصهاينةُ قدِموا بقوّةٍ إلى فلسطين، مُسلّحين بالمالِ والترفِ والفكرِ والتخطيط، بفعل التنظيم الصهيونيّ الفتيّ حينها.

تَجَلْبَبِي/ بِوِشَايةِ بَحْرٍ/ وَشْوِشِي بِخِلْخَالِكِ الْفَيْرُوزِيّ/ غَيْبُوبَتِي/ وَدَعِينِي .. أتَخَايَلُ مُخْتَالا/ لأَمِيسَ/ فِي هَيْكَلِ مَجْهُولِكِ الْمُنَمْنَمِ!

وتتوالى أفعالُ الأمر في هذا المقطع ثلاثَ مرّاتٍ: (تَجَلْبَبِي) و(وَشْوِشِي) و (وَدَعِينِي)، والأمرُ في كلٍّ يُفيدُ الأسى والحزنَ بما يحيقُ بفلسطين.

وتتوالى الانزياحاتُ وتتزاحمُ الصورُ الفنّيّةُ، فالموجُ بتولٌ كما الأزهار، وللموجةِ جناحٌ كما الطائر، والمترفةُ تحطّ على شفاهِ الزبدِ كما تحطّ الطائرةُ في مدرجها، وللشّفاهِ زبدٌ كما البحر أو الإنسان الثائر، وللبحرِ وشايةٌ كما الواشي، ولوشايةِ البحرِ جلبابٌ كما المرأة، وللخلخالِ وشوشةٌ توشوشُ الشاعرةَ الغائبةَ عن وعيها مِن هوْلِ ما ترى وتعيش في محيطِها، والشاعرةُ الغائبةُ عن وعيها تتخايلُ مختالةً وتميسُ كما المجنونة في محيط عالم ظلوم، وللمجهولِ هيكلٌ، فهو كبناء تارةً، وكرجُلٍ نمّامٍ تارةً أخرى.. وقد يَشي الهيكلُ هنا بهيكلِ سليمان المزعوم.

ولعلّ أهمّيّةَ الانزياح لدى الباحثِ تكمنُ فيما يُحدثُهُ مِن الدهشةِ والمفاجأة، نتيجةَ خروجِ التعبير عن المألوف في التركيب والصياغةِ والصورة واللغةِ، وكأنّ الانزياحَ إنّما يكتسبُ أهمّيّتَهُ من العلاقاتِ الجديدةِ الّتي يُقيمُها التعبيرُ بينَ العناصرِ اللغويّةِ المختلفة، حتّى يَستثيرَ دهشةً، أو لذّةً فنّيّةً تغمرُ النفسَ – لحظة التلقي – بفيضٍ مِن الأنس والسرور.

اللغةُ الشعريّةُ تستندُ في نظرتِها إلى هذه العلاقاتِ على خرقِ السائدِ والمألوف، وتَعمدُ خلقَ فجوةٍ بين اللفظ وتوقّعاتِهِ مِن خلالِ تحطيمِ الانسجام المتوقّع، وعدم الملاءمةِ في العلاقاتِ الإسناديّة، وقيمةُ كلّ خاصّيّةٍ أسلوبيّةٍ تتناسبُ مع حدّةِ المفاجأة الّتي تُحدثُها طرديًّا، بحيث كلّما كانت غير منتظرة، كانَ وقعُها على نفس المتقبّل أعمق(14).

كما أنّ للغةِ الشعر القدرةَ على الإيحاء بما لا تستطيعُ اللغةُ العاديّةُ أن تقوله: فالأدبُ بقدرٍ ما ينجحُ في قول ما لا تستطيعُ اللغةُ العاديّةُ أن تقوله، ولو كان يعني ما تعنيهِ اللغةُ العاديّة، لم يكن مُبرّر لوجوده. (15)

وفي المقطع قبل الأخير تقول: نُبُوءَاتُ نَقَائِكِ النَّدِيَّةُ.. جَدَاوِلُ/ تُزَمْزِمُنِي/ تُغافِلُ/ بَلاَهَةَ مَوَائِدِي الْمُوحَشَة/ تُكَمِّمُ/ أَفْوَاهَ أَشْبَاحِ مَوَاقِدِي الذَّاهِلَة/ وَتَختَلِسُنِي/ مَشَارِفُ الارْتِجَافِ الْمَثْلُومَة/ بِوَاابِلٍ/ مِنْ قُبَلٍ مُتَبَتِّلَةٍ/ تُعَسْعِسُ/ سَحَابَ صَلَوَاتِي الْفَاتِرَة/ بمِشْطِ لَوَاعِجِ سَمَاوَاتِكِ!

وتستهلُّ الشاعرةُ هذا المقطعَ بالأسلوب الطلبيّ، للكشفِ عن مكنوناتِ نفسِها وتصويرِ مأساتِها، فتُسندُ الجداولَ للنّبوءات، فللنّقاءِ نبواءاتٌ نقيّةٌ تُزمزمُ وتُغافلُ الشاعرة، والموائدُ تستوحشُ وتُغافل ولهًا بلاهةَ وتُكمِّم، والمواقدُ يُصيبُها الذهولُ كما الإنسان، وللمواقدِ أشباح، وللارتشافِ مشارف مثلومةٌ تختلس كالمختلس وتُقبِّل، وللصّلواتِ الفاترة سُحبٌ تُعسعسُ، وللسّمواتِ لواعج، وللّواعج مِشط، وتُكرّرُ الشاعرةُ الصائت التاء في هذا المقطع عشر مرات، ويَتكرّرُ صوتا العين والسين مرّتين في كلمة تُعسعس، ويُعدُّ تكرارُ الحرف- عند شعراء الحداثة المعاصرين- ظاهرةً فنّيّةً تبعثُ على التأمُّل والاستقصاء، لاسيّما إذا أدركنا أنّ تكرارَ الحروف ينطوي على دلالاتٍ نفسيّةٍ معيّنة؛ منها التعبيرُ عن الانفعال، والقلق، والتوتُّر، وهذا يُدلّلُ على الحالةِ الشعوريّة لدى الشاعر، ومنعرجاتها النغميّةِ ضمنَ النسقِ الشعريِّ الّذي يتضمّنُه، وأبرز ما يُحدثُهُ مِن أثر في نفس السامع، أنّه يُحدثُ نغمةً موسيقيّةً لافتةً للنّظر، لكن وقعَها في النفس لا يكونُ كوقع تكرارِ الكلمات، وأنصافِ الأبيات، أو الأبياتِ عامّة، وعلى الرغم من ذلك، فإنّ تكرارَ الصوت يُسهمُ في تهيئة السامع للدّخول في أعماق الكلمة الشعريّة(16).

فتكرارُ الحروف مثلًا يَخلقُ نمطًا من الجَمال تألفُهُ العينُ وتأنسُهُ الأذن.. (17) من جهةٍ، ويعبرُ جسريْن أساسيّين، جسرَ المَخارج وجسرَ الصفات، وهذان العنصران أبرزُ ما يمكنُ أن نبحث من خلالِهِ الإيقاعَ الداخليَّ للحرف.. (18)

إنّ للغةِ الشعرِ دورًا هامًّا في بناء القصيدِة في الآداب الإنسانيّة، ولم يبتعد كولوريدج عن الحقيقة عندما قال عن لغة الشعر، إنّها أعظمُ عنصرٍ في بنائيّةِ القصيدة في الآداب جميعِها، ففي أرضِها تتجلّى عبقريّةُ الأداء الشعريّ، ومِن لبناتِها تُبنى المعمارات الفنيّةُ التي تتآزر على إبداعها مجموعةُ عناصرٍ مُتعاضدةٍ مُتلائمة. (19)

وتنهي الشاعرة نصها بقولها: أَكَأَنَّمَا/ تَجْدِلُنِي خُصُلاَتُ نُجُومِكِ الشَّقْرَاء/ ضَفَائِرَ ضَوْءٍ

/يُنَمّشُنِي/ بِيَرَاعِ بِشَارَةٍ؟/ أَتُمَهْرِجُنِي/ بِأَحْضَانِ الأُقْحُوَانِ

تَجْدِلُنِي خُصُلاَتُ نُجُومِكِ الشَّقْرَاء: كنايةً عن يهود أوروبا الذين وفدوا لفلسطين محتلين، وشَعرُهم أشقر لا يُناسب أجواء فلسطين، ويتساءلُ الفلسطينيّ قائلًا: كأنّما تصرعُني أيّها اليهوديّ بمجيئِك وسلْب أرضي ووطني.

ضَفَائِرَ ضَوْءٍ: كنايةً عن أنّ هذا اليهوديَّ بقدومِهِ يكادُ يحرقُ الفلسطينيَّ المغلوبَ على أمرِه.

/يُنَمّشُنِي/ بِيَرَاعِ بِشَارَةٍ؟

أَتُمَهْرِجُنِي: كنايةً في كلٍّ عن التشويشِ والاضطرابِ الّذي حصلَ في عقلِ الفلسطينيّ، فاليهودُ قدِموا إلى فلسطين بادئَ الأمرِ بصورةٍ تُخفي مَطامعَهم، والاستفهامُ هنا يُفيدُ النفي.

بِأَحْضَانِ الأُقْحُوَانِ: للأقحوان معنيان، الأوّل: الأقحوان بلونهِ الأحمر، وهو زهرةٌ تعني الحياةَ والبعثَ والتعاطفَ والاحترامَ والحبّ والفرحَ والإخلاصَ والسعادة، وهذه الصورةُ الّتي كان يُبديها اليهوديُّ للفلسطينيّ أوّلَ الأمر وقبلَ تمكُّنِهِ، والصورة الثانية: الدمُ ومهرجانُ المفرقعاتِ الناريّة والغازيّة، وهي الّتي انتهجَها اليهودُ في فلسطين عندما شعروا بتمكُّنِهم، وتُصوّرُ الشاعرةُ الأقحوانَ بأمٍّ رؤوم لها حضن.

وتُكرّرُ الشاعرةُ الفعلَ المضارعَ في هذا المقطع والمقطع السابق ثماني مرّات: تُزَمْزِمُنِي، وتُغافِلُ، وتُكَمِّمُ، وَتَخْتَلِسُنِي، وتُعَسْعِسُ، يُنَمّشُنِي، وتَجْدِلُنِي، وتُمَهْرِجُنِي.

وإنّ الفعلَ المضارعَ يمتلكُ الاستمراريّة، ويبثُّ الحيويّة، ويمتلكُ صفةً أساسيّة وهي التصريفُ الّذي يوحي بالحركة الّتي هي صميم الإيقاع، وهي التناسُلُ المُفضي إلى ممكناتٍ لا حصرَ لها، وإذا كنّا لا نستطيعُ وضعَ قوانين ثابتةٍ للأسماءِ لكثرتها، فإنّ الأفعالَ يمكنُ فيها ضبط ذلك من خلال الثنائيّات لازم/ مُتعَدّ، ثُلاثيّ/غير ثلاثيّ، مجرّد/ مزيد، تامّ/ناقص. ثمّ أيضًا عبر اتّصالها بالضمائر.. (20)

 

بقلم الناقد د. عبد المجيد جابر اطميزة

 

 

196 المكي الهماميقراءة في قصيدة "عزلة" للشّاعر التّونسي المكّي الهمّامي.

- النّصّ:

مفردٌ، كَإِلَهٍ يحاصِرُهُ البَردُ في عَرْشِه

مفردٌ، كمُصادفةٍ. مفردٌ

مفردٌ، وشريد...

لي شُكوكُ، وأسئلةٌ صعبةٌ، وهزائمُ

مُرعبةٌ. هذه ثروتي، في الوجود.

وأعرفُ: خاتِمتي أن أعود،

إلى ظُلمَةِ القَوْقَعَة !

- القراءة:

"اللّغة ابتكرت كلمة "الوحدة" لوصف ألم أن تكون وحيداً وابتكرت كلمة "العزلة" لتصف شرف أن تكون وحيداً. (بول تيليش). والشّاعر المكّي الهمامي يتمزّق بين ألم الوحدة وشرف العزلة في ما يشبه كتابة سيرة ذاتيّة تختصر الألم، ألم الشّاعر. ولئن كان الشّعر ينبع من الألم والتّجربة والاختبار ويصبّ في هيكليّة الجمال، ابتنى الشّاعر سيرته الذّاتيّة في عالم شعريّ. فنبتت بين السّطور رؤيته الفلسفيّة، وتجربته، واختباره الشّخصيّ مع ألم الوحدة، وقراره الوجوديّ بالانتهاء إلى شرف العزلة.

يحدّد لفظ (مفرد) الّذي يتكرّر أربع مرّات في القصيدة تقييم الشّاعر لذاته أوّلاً وموقعه من العالم ثانياً. ولعلّ هذا اللّفظ يترادف في القصيدة ومعنى الوحدة والتّفرّد والانعزال.

(مفردٌ، كَإِلَهٍ يحاصِرُهُ البَردُ في عَرْشِه)

تتجلّى المعاني متناقضة متنافرة في هذا البيت لترسم صورة عن عمق الألم في قلب الشّاعر. وكأنّي به يعبّر عن فقد لقدرة أو سلطة أو عجز (إله يحاصره البرد). وليس الشّاعر بصدد تأليه ذاته بل يأخذنا معنى لفظ (كإله) إلى أبعاد سلطويّة يتفرّد بها الشّاعر وحده ما لبثت أن تجمّدت (يحاصره البرد في عرشه). وما دلالة العرش إلّا رمز لخصوصيّة القدرة والسّلطة. ويقحم الشّاعر (البرد) ليكثّف معنى الألم، ألم الوحدة لينتقل المعنى من تفرّد كينونة الشّاعر إلى المعنى المراد منه الوحدة المؤلمة. ويتعمّق الألم ويتصاعد ليتماثل مع عدم الفهم الحقيقيّ لهذا الألم، أو التّأمّل بصمت له (مفردٌ، كمُصادفةٍ). وإن دلّت المصادفة على أمر عرضيّ تبيّن للقارئ تفرّد الشّاعر في ألمه الّذي يعتبره خاصّاً جدّاً أو لا مثيل له. ما جعله شريداً عن نفسه لا مأوى له. (مفردٌ// مفردٌ، وشريد...). فبقدر ما يشعر الشّاعر بالوحدة يغترب عن ذاته.

ترتبط السّطور الثّلاثة الأولى ببعضها لتشكّل بنية الشّاعر النّفسيّة المتخاصمة مع الواقع لتؤدّي إلى استفهام وجوديّ وحاجة لإدراك هذا الواقع، فيطرح ضمناً إشكاليّة كيف ولماذا. (لي شُكوكُ، وأسئلةٌ صعبةٌ) والصّعوبة تكمن في عدم القدرة على استيعاب وتفسير الواقع من جهة، وكيفيّة التّعامل معه من جهة أخرى. لكن يبدو أنّ هذه الشّكوك والأسئلة متجذّرة في الشّاعر، تحرّك صراع العقل مع الواقع الوجوديّ وتتلاقى مع الهزائم الّتي يصفها الشّاعر بالمرعبة. فيخرج المعنى عن إطار الواقع الآنيّ ليمتدّ إلى زمن يعرفه الشّاعر وحده ويتأمّله ويترافق معه. ما دلّت عليه عبارة (هذه ثروتي، في الوجود). فذاكرة الشّاعر مترعة بالاختبارات المؤلمة الّتي أدّت إلى الوحدة ونتجت عنها في آن لتشكّل غنىً على المستوى المعرفيّ والفلسفيّ، قد لا ينتشل الشّاعر من وحدته لكنّه يمنحه شرف العزلة.

وأعرفُ: خاتِمتي أن أعود،

إلى ظُلمَةِ القَوْقَعَة !

النّتيجة الحتميّة للألم الّذي يسبقه مخاض عسير فيخلص إلى الاختلاء بالّذات والعزلة عن المحيط لإمكانيّة رؤيته من زاوية أخرى تمكّن الشّاعر من الإجابة على الأسئلة الصّعبة وتلمّس الحقيقة لإزالة الشّكوك. لكنّ الخاتمة تشبه البداية أو عودة إلى نقطة الصّفر، فالشّاعر يدور في فلك التّساؤل الوجودي الّذي قد لا يفضي بالضّرورة إلى إجابات واضحة. وقد يؤدّي إلى مزيد من التّساؤلات والاستفهامات. ولعلّ ظلمة القوقعة دلّت ضمناً على عدم تصالح الشّاعر مع الواقع والنّفور منه ليتصادق مع العزلة وإن كانت مظلمة. وكأنّي به يقول مع إليف شفاق: "ولقد آمنتُ مُبكّرًا بحقيقة إنسانيّة واحدة شهدتُ رفض اﻵخرين لها دونَ جدوى: الوحدةُ جُزءٌ مُلازمٌ لكينونة اﻹنسان."

 

مادونا عسكر/ لبنان

......................

(*) ديوان: إثم البداية، تونس، 2010، ص. 20

 

 

صالح الطائيللمرة الثالثة يطل علينا زهير البدري من نافذة العتمة الأبدية وهو يحمل بيده مشعلا من جميل الكلمات، وباقة من المقطوعات الموسيقية العذبة التي تستشف من خلالها عتبا بين الإنسان والماء، بين البشر والبحر، دافعه الهرب من ضيق الحياة وعسفها وجورها وأخبارها التي توجع القلب، والخوف مما هو آت، حيث لا ضوء ولا نفق، سوى حلم يراود الخيال، يتعنت محاولا الظهور مع أنه مقيد بأغلال توجع الضمير، ذلك ما حاول البدري قوله؛ وهو يحكي قصة هذا الحوار، بل هذا العشق للمتوسط:

كلما أشعر بضيق

أهرب إليه وآخذ قسطا من الراحة

أرتمي في أحضانه

أطهر جسدي من

زمن العهر العربي

ومتاهات حرب البسوس

الممتدة من بغداد حتى طرابلس

دوت توقف

هو المتوسط

صديقي الذي لا يخونني.

البدري هذا الرجل الذي يدعو إلى محبة كل الألوان والأديان(ص: 65ـ66) الرجل الذي يعيش برتابة هادئة، المحتاج إلى كأس من حنين يروي به عطشه(ص: 97)، الثائر الحكيم الذي يرى أنه لا يكفي انتظار بزوغ الفجر دون أن نكون مستعدين لإشراقة يوم جديد (ص: 77) الرجل الذي وصف الغربة في حديثه مع صديقه حميد الزاملي: الغربة أرضة تقطعك من جذور الوطن الأهل من حيث لا تدري ولا ترضى (ص: 55)، هذا الرجل الذي عاش مطاردا مغتربا سائرا في الشمس الحارقة خوف أن يتهم بأنه يدبر مؤامرة ضد السلطان، كان يختزل القهر في زمن العهر بكلمات يحفظها في أعمق نقطة من كيانه، تحت تلافيف النسيان، في جب العتمة كي لا يتهم بالتمرد والعصيان أو التحريض على المتنعم بخير البستان والأوطان، وحينما شعر بفسحة من الانفتاح الفوضوي غير المقنن، بعد أضحوكة التغيير، قرر أن يشارك في الفوضى لا ليزيدها تغريبا ويباسا، بل محاولا ترطيب الأجواء وتهدئة اللعب، وحصرها في مكان ضيق عبر تلك الوريقات التي سطر عليها جمله وأفكاره، بعد أن اجترها على مضض من عمق ذاكرة اتعبها الزمان، وزحمة ما تنوء بها من هم السنين وآهات القهر السرمدي؛ ووجع كثير، وحيرة بلا اشتهاء ولا انتهاء ليعلن عن شاعريته من خلال ثلاث مجاميع، وكثير من القصائد المنشورة في مواقع التواصل وكأنه يعترض على ما يحدث، ولكن إما بأسلوب مؤدب ناعم سلس فيه الكثير من الليونة والمرونة وكأنه يريد أن يصنع عصفا ذهنيا يستنفر بواسطته طيبة الإنسان:

ماذا لو استبدلنا الطلقة بوردة

الكره بالحب

التطرف في التسامح

الحرب في السلم

الأنانية بنكران الذات؟

ماذا لو استبدلنا

الانتماء للقبيلة

والمذهب والعرق

إلى الانتماء للوطن

والشعب(ص:65)

وإما أن يلبس وجها حديديا صلبا خال من التعابير يبعث الرهبة في النفوس متقحم غير خائف ولا وجل، إلى درجة أن يصف الحكام الفاسدين بقوله:

أقسم برب الكون

أن العاهرات المسالمات

أشرف بكثير

من الساسة

الذين يبيعون الوطن

كخردة

في بازار الدول المجاورة

التي ما انفكت يوما

في تمزيقنا

وتدميرنا

وتصدير كل وسائل الموت إلينا (ص: 56)

زهير البدري إنسان عراقي شاب بمظهر شيخ، شاب الروح حكيم الرؤى يافع الحلم لا يختلف كثيرا عن العراقيين الآخرين الذين كانوا ولا زالوا مشاريع شهادة بسبب نزق الإنسان وغبائه وغروره وجهله، كان يصرح مخاطبا الذين سبقونا على درب الشهادة: انتظرونا سنلحق بكم قريبا، كلنا مشروع شهادة، ليست رغبة منا بالموت، هذا هو قدرنا، حكامنا أرادوا ذلك (ص: 17) ثم لا ينفك يخاطب حبيبة لا وجود لها سوى في خياله المثقل بالهموم: أنت ساكنة روحي، التقينا أم لم نلتق، راهب في عشقك مثل بوذي منغمر(ص: 16) يسابق الأيام التي تجري سراعا تاركة آثارها عليه: يمضي قطار العمر مسرعا في محطات الحياة تمر السنون كالبرق تترك آثارها على جسد متهالك، روح أنهكها الوجع(ص: 19) ولا ينسى أن يعلن للسائرين عما ينضوي عليه وجدانه من ذكريات الزمن الطويل: اتخذْ القرار بنفسك حين يغادرك المنافقون، كن حليف نفسك، لا تكن مفترسا أو وديعا، كن كما عاهدت نفسك، أرق من النسيم العليل وأصلب من الماس (ص: 23)

حوار مع صديقي المتوسط مجموعة نصوص نثرية وومضات، تمتد على مدى 116 صفحة لتحكي لنا أسطورة زمن لم يفارق ذاكرتنا الصدئة منذ طوفان نوح، صدرت عن دار المثقف للطباعة والنشر البغدادية، وهي باقة أزاهير ربيعية يفوح ضوعها على مدى العراق.

 

صالح الطائي

 

 

ميثم الجنابيالمحور الثالث: النزوع التوتاليتاري في الدولة العراقية الحديثة (1)

• يشكل مفهوم (الدولة الريعية) من المفاهيم الحديثة عن الدولة الأحادية الاقتصاد وهو احد الإسهامات المهمة في حقل العلوم السياسية. ما هي الأسس الفكرية لمفهوم الدولة الريعية؟

إن مفهوم "الدولة الريعية" في محاولاته تفسير خصوصية الدولة في إيران ودول الخليج العربية، طوّع المواقف السياسية والأيديولوجية عبر هالة الرؤية الاقتصادية. وبهذا فهو يشبه في الكثير من جوانبه اغلب ما ظهر في بداية النصف الثاني من القرن العشرين من مفاهيم ومقولات ونظريات بهذا الصدد. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام ماركسية مقلوبة! وكلاهما يصبان في منحى واحد، ألا وهو تغليب الرؤية المسبقة والقيم الأيديولوجية والسياسية على تعقيد الواقع، أو من خلال سحب الواقع المتحرك والحركة التاريخية المتراكمة وتنوع الأشكال المتناقضة في كمون البدائل تحت خيمة التعميم السياسي. غير أن ذلك لا ينفي ما في هذا التحديد الاقتصادي السياسي من قيمة علمية وعملية في إدراك خصوصية النظام السياسي، على الأقل في ستينيات القرن الماضي (العشرين). لكنه لم يعد يمتلك قيمة علمية دقيقة في تفسير ظاهرة الدولة الحديثة والنظام السياسي في منطقة الخليج. كما انه يعجز عن تفسير وإدراك خصوصية الدولة والنظام السياسي الذي تبلور في العراق في مجرى النصف الثاني من القرن العشرين، وسقوطه المريع تحت ضربات الغزو الأمريكي عام2003.

فنظرية "الدولة الريعية" كانت من حيث مادتها المباشرة مهتمة بالدولة الإيرانية ودول الخليج العربية. بمعنى أن العراق لم يكن موضوع اهتمامها المباشر آنذاك. وقد تبلورت هي سوية إلى جانب النظرية القبلية الخلدونية والنظرية الميراثية الفيبرية والطبقية الماركسية وغيرها تحت ثقل الهيمنة "التاريخية" للأيديولوجية السياسية التي حكمت نفسية وذهنية الباحثين آنذاك. فهو العقد الذي أمات العلم وأنعش الأيديولوجية. من هنا سيطرة رجال الأحزاب في تفسير التاريخ والدولة والنظام السياسي والمستقبل، رغم جهلهم الشديد بهذه الأمور المعقدة. لكن مفارقة الظاهرة تقوم في أن الأحزاب أو الأصنام الجديدة حالما جعلت من وساوسها وهواجسها ورغباتها "وحيا"، فإنها سرعان ما استسهلت الرؤية السياسية والمواقف الحزبية في النظر إلى ظاهرة الدولة والسلطة والنظام السياسي وصيرورة الطبقات والفئات الاجتماعية. طبعا أن ذلك لا ينطبق على نظرية "الدولة الريعية" بصورة مباشرة، لكنه ينطبق على استنتاجاتها السياسية بشكل عام وعلى تغلغلها في الوعي "المنهجي" بشكل خاص، بعد أن عجزت أو وقفت نظرية القبيلة والميراث والطبقات عن "العمل" بصورة جدية على خلفية التحولات البنيوية الكبيرة في دول الخليج العربية.

فمن الناحية النظرية الاقتصادية ليس بإمكان نظرية "الدولة الريعية" الصمود أمام النقد العلمي الصارم. لكنها مقبولة نسبيا عند تخوم ستينيات القرن الماضي، عندما كان "الريع" والإيجار الصفة السائدة في الموقف من السلعة السحرية الجديدة: النفط! ولكن حتى هذه الحالة لا تشكل في الواقع أساسا لاستنتاجات نظرية عميقة. والسبب يقوم في أن تلك المرحلة كانت إحدى مراحل الانتقال العاصفة على النطاق العالمي ودول الخليج العربية بشكل خاص. كما إنها كانت تحتوي في طياتها على كمون التحول العنيف في تاريخ العراق الحديث.

مما لاشك فيه أن لاقتصاد السلعة الواحدة اثر تخريبي هائل على بنية الدولة. وهي حالة مختلفة المظاهر والنتائج في تاريخ الدول. الأمر الذي يجعل من الضروري دراستها دوما بصورة ملموسة. فجمهورية النفط والغاز ليست كجمهورية الموز والقهوة. كما أن تأثيرهم في الأنظمة الجمهورية والملكية ليس سواء. بل ويختلف بين الأنظمة الجمهورية نفسها، كما يختلف بين الأنظمة الملكية. والقانون "الحديدي" الوحيد القائم في جعل الدولة التي يعتمد اقتصادها على هيمنة مادة طبيعية واحدة قابلة للتصدير يقوم بالطبيعة الاجتماعية للقوى الحاكمة وأيديولوجيتها السياسية. وعموما يمكنني القول، بأن اقتصاد السلعة "الجمهورية" أو "الملكية" الذهبية الواحدة هو تعبير أما عن بقاء وسيادة وهيمنة وتأقلم القوى التقليدية ضمن تصوراتها ومفاهيمها وقيمها ومصالحها الخاصة، أو ترسخ دكتاتورية الهامشية والقوى الرثة وأيديولوجياتها الراديكالية السياسية. وقد كان العراق البعثي الصدامي الصيغة "الكلاسيكية" لهذا القانون!

بعبارة أخرى، إن نظرية "الدولة الريعية" لا يمكنها أن تكون منظومة منهجية في دراسة الدولة العراقية الحديثة. إنها قادرة على تسليط الضوء على بعض جوانبها، أو رسم معالم الممارسة التي قامت بها السلطة في مجرى تحولها من "ثورية" إلى دكتاتورية، ومن دكتاتورية إلى توتاليتارية، مع ما ترتب عليه من مزج بينهما وصنع سبيكة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وذلك لأن صيرورة الدولة العراقية لم ترتبط بتاريخ "السلعة الذهبية"، بل على العكس، إن هذه "السلعة الذهبية" قد قطعت مساره الطبيعي عبر هيمنة وسيطرة الراديكالية السياسية. بحيث أدى في نهاية المطاف إلى صنع ما يمكن دعوته بالدولة الرخوية التوتاليتارية! ويعكس هذا الإخطبوط المسخ مستوى الانحراف عن ماهية الدولة والمجتمع والتاريخ الثقافي للأمة.

• كيف يمكن تحديد طبيعة العلاقة بين "الدولة الريعية" والنزعة الكليانية (التوتاليتارية)، وبالأخص ما يتعلق منه بأثرهما المتداخل على تغذية الخمول والكسل الاجتماعي والسياسي عبر استعمال وسائل الإغراء والإكراه؟

إن طبيعة وحجم الترابط بين استغلال "الريع" والنزعة الكليانية (الشمولية أو التوتاليتارية) محكوم أولا وقبل كل شيء بنوعية الأيديولوجية السياسية السائدة ونظام الحكم السياسي. أما أشكالها ومظاهرها فترتبط أيضا بمستوى تطور العلاقات الاجتماعية والتطور العلمي والتكنولوجي والثقافة العامة.

فالمؤثرات "الريعية" لا تشكل بحد ذاتها مقدمة ضرورية أو ملازمة للنزعة الكليانية، بما في ذلك حالما يجري توظيف "الريع" في مجال الحياة المدنية والاجتماعية. إذ أن احد مظاهر ومعالم الدولة الحديثة والمتطورة تقوم في مدى اقتراب الدولة ومؤسساتها من المجتمع. بل إن احد مظاهر الدولة المتقدمة هو أن تكون "دولة اجتماعية". غير انه حالما تتحول الدولة إلى محتكر وحيد لتوزيع الثروة والتحكم بها، فإن ذلك يشكل بحد ذاته احد مصادر الاغتراب الفعلي بينها وبين الفرد والمجتمع. خصوصا حالما يكون احتكارها مبنيا على أساس استغلال الثروات الطبيعية فقط. ففي هذا "الريع" يكمن احد مصادر الخلل البنيوي للخمول الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وذلك لأنه يحتوي بالضرورة على إهمال متعمد أو غير مدرك من جانب النخبة الحاكمة (التقليدية بالضرورة) لأهمية العلم والتكنولوجيا والاقتصاد المنتج والضريبة بالنسبة للتطور والتقدم والازدهار والعدالة. ومع ذلك لا يشكل هذا العامل بحد ذاته منتجا بالضرورة للنزعة الكليانية، كما نراه على سبيل المثال في دول الخليج العربية وغيرها. لكن الأمر يختلف حالما يكون "الريع" أداة السلطة التي تعمل وتفعل بمعايير الأيديولوجية التوتاليتارية. حينذاك يصبح التأثير المتبادل بين الريعية والكليانية مكونات مترابطة وفعالة وفاعلة ضمن سياق القيم والمبادئ الملازمة للأيديولوجية الراديكالية السياسية.

بعبارة أخرى، إن طبيعة الأيديولوجية السياسية السائد هي التي تحدد من حيث الجوهر كمية ونوعية وكيفية سيادة واستغلال وتوظيف "الريع" في ميدان الحياة الاجتماعية والسياسية. فالنزعة التوتاليتارية هي نتاج الرؤية المحكومة بقيم ومفاهيم ومبادئ أيديولوجية راديكالية عن "مشاريع البدائل الكبرى". ومنها، وفي مجرى تجسيدها في بنية النظام السياسي تنشأ وتتراكم أجهزة وفاعلية الدولة التوتاليتارية، بما في ذلك في كيفية وكمية ونوعية استغلال "الريع" في ميدان الحياة الاجتماعية والسياسية.

فاستغلال الريع في ميدان الحياة الاجتماعية والسياسية من جانب الدولة فضيلة. لكنه يتحول في ظل السيرة الدولة التوتاليتارية إلى رذيلة. أما حجم ونوعية ونتائج هذا التوظيف فيتوقف على مستوى تطور العلاقات الاجتماعية، والتطور العلمي والتكنولوجي، والثقافة العامة. من هنا اختلاف نتائجها في الدولة السوفيتية والألمانية الهتلرية عما جرى في العراق. فقد كان احتكار الدولة للثروة وتوظيفها محكوم بفكرة الدولة القوية والقومية الكبرى. ونتائجه العلمية (العسكرية في الأغلب) تعكس نوعية وكمية هذا الاستغلال. وهذا بدوره ليس معزولا عن كون مشروع التوتاليتارية ونتائجه محكوم أيضا بمستوى تطور العلاقات الاجتماعية والثقافية والعلم التكنولوجيا. وهي مقدمات كانت متطورة في روسيا وألمانيا. والشيء نفسه يمكن قوله عن قواهما الاجتماعية.

لكن الحالة تختلف اختلافا هائلا عما حدث في العراق منذ ستينيات القرن العشرين. فقد كانت النزعة الكليانية في العراق نسخة "ناصعة" لعالم متخلف. إضافة إلى ضعف وتشوش الأيديولوجية البعثية وراديكاليتها السياسية من جهة، وهامشية قواها الاجتماعية وحثالة "نخبتها" السياسية من جهة أخرى. غير أن هذا الاختلاف الكبير لا ينفي اشتراكهما بهذا الصدد كما لا يعني خلافهما الجوهري. واشتراكهما بصدد القضية التي يجري الحديث عنها يقوم ليس في تصنيع "الخمول السياسي" من خلال توظيف الثروة والتحكم بها، على العكس! انه يجري من خلال تنشيط "الفعل السياسي" عبر حصره في ميدان تنفيذ ما تسعى إليه السلطة التوتاليتارية. وهو حصر اقرب ما يكون إلى محاصرة العقل والضمير، والروح والجسد الفردي والاجتماعي والقومي بالشكل الذي يخدم "أهداف" الدولة وينتفخ في شعاراتها! انه تنشيط يعادل خمول الحرية أو إخمادها وتدمير معناها الذاتي. وذلك لما في هذا الخمول من قوة فعالة وقاتلة وشرسة في تحديدها وتقنينها للحرية الفردية والاجتماعية. ومن ثم قدرته على قتل روح المعارضة والنزعة النقدية، أي جوهر الوجود الإنساني. وليس مصادفة أن تتحول فكرة الحرية الاجتماعية (الطبقية) والقومية إلى قمع سافر وعبودية فجة أو عنصرية شاملة. ولم تكن هذه النتيجة معزولة عن تحكم السلطة بالثروة، ومن خلالها بالإنسان عبر تحويله إلى مجرد مسمار يخترق الوجود والحاضر تحت طرقات معاولها في تشكيل هياكل "المستقبل".

أما الإغراء والإكراه فهما مجرد إحدى الثنائيات العملية التي تفعل إلى جانب أمثالها على تمّثل مضمون التوتاليتارية من جهة وامتثال ما فيها من توحيد خشن لتوظيف الثروة وغسل الأدمغة ومحو الضمير وتدمير العقل النقدي، أي كل ما يساهم بتعميم العبودية. فهي الوسيلة الملازمة للنزعة التوتاليتارية. بمعنى استعمال كل الثنائيات الممكنة والمحتملة من اجل جعل العبودية نموذجا امثل للحرية! أي قلب كل القيم والمفاهيم رأسا على عقب. من هنا وحدة الإغراء والإكراه الفاعلة في تنشيط الخضوع السياسي للسلطة. ومن هنا أيضا تماسك الإغراء والإكراه، أي إغراء النخبة الخربة وإكراه المجتمع.

• تقوم الدولة التوتاليتارية من الناحية البنيوية على الدمج بين السياسة والاقتصاد. وتسعى للهيمنة التام على الاقتصاد، عندما تجعل من نفسها المالك الأكبر والأوحد. هل هناك علاقة بين الريع النفطي والاقتصاد السياسي للدولة التوتاليتارية العراقية؟

لقد أشرت أعلاه إلى أن التمازج والتداخل والتوازي والترابط بين المجال الاقتصادي والسياسي في الدولة التوتاليتارية يحمل طابعا عضويا. وهو أمر طبيعي بالنسبة لها. فالدولة التوتاليتارية على اسمها، أي أنها تتصف بهيمنة فكرة الكلّ والسيطرة التامة والتحكم المطلق والقيادة الشاملة، في ظل غياب شبه تام لفكرة الإدارة الاجتماعية والمدنية. بمعنى احتلال الحزب لكل مفاصل الدولة وأجهزتها، وتحوله إلى ثكنة عسكرية بمظهر هيكل مقدس! حزب يحمل كل مكونات اللاهوت المصطنع من كتب وخطابات "مقدسة" وأجهزة مسترشدة بأوامر القائد، وقيم أيديولوجية خالصة، أي كل ما يهدف إلى تصنيع الوحدة والتمام فيها.

وبقدر ما ينطبق ذلك على دمج السياسة بالاقتصاد، فإنه ينطبق أيضا على كل مظاهر الوجود التاريخي للدولة والمجتمع. أما بروز أهمية الاقتصاد، فلأنه العامل الحاسم في حياة السلطة والدولة والمجتمع. لكن خصوصية هذا "الحسم" في الدولة التوتاليتارية تقوم في إركاع الاقتصاد أمام متطلبات ورغبات الإرادة السياسية. من هنا تحول الاقتصاد إلى وسيلة سياسية. وهو الانقلاب الخشن والمدمر الذي تنتجه الدولة التوتاليتارية. غير أنها في الوقت نفسه آلية تتعارض مع المسار الطبيعي لتطور الدولة والمجتمع والعلم والتكنولوجيا والاقتصاد، أي مع المسار الطبيعي للتقدم الاجتماعي والرفاهية الاقتصادية. الأمر الذي يحاصر التوتاليتارية بالشكل الذي يجبرها على محاصرة المجتمع، بمعنى التحكم فيه بالشكل الذي يجعل من كل شيء وسيلة لبلوغ أهدافها. وليس هناك في الواقع من هدف عندها أكثر من إخضاع الكلّ بوصفه طفلها "الرضيع"! وهي صيغة ليست رمزية فقط بل وواقعية. وذلك لأنها تسعى لإرضاع المجتمع من ثدي مصادرتها التامة للثروة والإرادة. وفي هذا يكمن سرّ الاندماج البنيوي بين المجال السياسي والاقتصادي في الدولة التوتاليتارية. أما حجمه ونوعيته فيتوقف على كمية وحجم الثروات الطبيعية ومستوى التطور الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي. فالجوهر واحد. انه يقوم في تكامل الهيمنة بما في ذلك على الاقتصاد بشكل عام والثروة الطبيعية والبشرية بشكل خاص.

وإذا كانت الصفة المميزة للدولة التوتاليتارية البعثية الصدامية تقوم في الهيمنة على النفط، فلأنه الثروة الكبرى القادرة على التوظيف السياسي السريع. كما أنها الثروة التي جعلت من طابعها الذاتي عين الطابع المميز للتوتاليتارية. بمعنى تحول النفط بوصفه طاقة إلى طاقة الدولة التوتاليتارية. وعكست هذه المعادلة الواقعية واقع التخلف التاريخي والاجتماعي للراديكالية السياسية العراقية، بوصفها قوة هامشية وحثالة اجتماعية. مما طبع بدوره كل الزمن اللاحق للدولة التوتاليتارية البعثية الصدامية التي تحول النفط عندها إلى طاقة "رسالتها القومية الخالدة"! أي إلى طاقة المصادرة الوحيدة والمحببة والأبدية. من هنا استعدادها لإهمال كل شيء - الدولة والأمة والروح والأخلاق والقيم والإنسان، باختصار كل شيء، بل وسحقه حالما يقف بينهما وبين النفط! هذه الشعلة الأبدية الوحيدة في توجيه رغباتها وغاياتها. الأمر الذي طبع علاقة الثروة النفطية بطابع القوة المقدسة الوحيدة!

وليس مصادفة أن يتحول النفط إلى سرّ الأسرار والسلعة الوحيدة في "إستراتيجية" السلطة الدكتاتورية. والسبب بسيط للغاية، ويقوم في الاستحواذ على الثروة الوحيدة من اجل توجيه كل شيء والتحكم به. فقد وصلت الدكتاتورية مع نمو وتراكم و"تكامل" الفشل التاريخي لمشاريعها للرجوع إلى مصادرها الأولى، مما أدى إلى كشف حقيقتها وهويتها بوصفها حثالة اجتماعية وقطيع من فصائل حيوانية ناطقة بمعايير الجهوية والفئوية التقليدية (عائلية عشائرية قبلية) وبدائية لا نظير لها! الأمر الذي جعل من الثروة النفطية بداية ونهاية "الاقتصاد السياسي" للتوتاليتارية البعثية الصدامية.

تتسم عبارة "الاقتصاد السياسي" بقدر كبير من الأبهة حال تطبيقها على واقع الدكتاتورية، لكنها تعكس الصيغة الواقعية لواقعية التخلف المريع الذي أدت إليه تقاليد الراديكالية السياسية العراقية بشكل عام والبعثية بشكل خاص. فإذا كان انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 قد أرسى أسس فكرة الخروج "الشرعي" على الشرعية وجعل الانقلاب والثورة أسلوب النمو والتقدم والحرية، فإن مكوناته الاجتماعية وأيديولوجيته السياسية كانت خميرة خربة من العسكر والحثالة الاجتماعية وفقراء المدن والريف المتخلف والنخبة المثقفة المخدوعة بأوهام الشيوعية والفكرة القومية. وليس مصادفة أن يكون صراع واحتراب الشيوعية والبعثية في العراق اقرب إلى احتراب القبائل والفصائل الحيوانية المتناحرة! لكنهما كانا يشتركان في نوعية وآلية الخطاب السياسي الراديكالي، كما نراه في موقفهما من السلطة بوصفها الإرادة المكثفة للحزب، والأيديولوجية بوصفها الكتاب المقدس للأتباع! بمعنى اشتراكهما في عبادة أصنام السلطة والأيديولوجية والإرادة "الشعبية". وما وراءها كانت تقف الرغبة الخفية للحثالة الاجتماعية ونزواتها المحكومة بقوة الغريزة وانعدام العقل الثقافي. أما الفشل المحتوم فقد كان النتيجة الكامنة في هذه المقدمات. مع ما كان يترتب عليه من تعمق وتفسخ الفكرة الراديكالية نفسها.

إذ لم يكن صعود التوتاليتارية والدكتاتورية وتوليفهما في مسخ الصدامية سوى النتيجة الحتمية لهذا الفشل التاريخي أو الصيغة الوحيدة الكامنة في انسداد الأفق التاريخي لأيديولوجية الأوهام الكبرى (الشيوعية والبعثية)، التي وجدت في النفط ملاذها الأخير. فقد كانت عاجزة من حيث المقدمات التاريخية والاجتماعية ورؤيتها للمستقبل عن تأسيس أية بدائل أخرى عقلانية وواقعية ومستقبلية.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

عامر الفرحاندروب الموتى رواية عراقية صادرة عن دار الإبداع للطباعة والنشر/العراق 2018 للروائي اسامه محمد صادق..

رواية كتبت بحذر شديد وتجلت فيها مضامين السرد بالتنقل المشوق بين فصولها الملونة وكأنها أعطت بكل فصل رواية تستوجب التحليل والتحديق والتروي في الأحداث ...

الراوي عليم بدراما الأحداث يتسلق بك القمة ويعيد بك الهبوط من جديد فكانت الملاحقة جريئة بسينما واقعية تجدر الترقب والخوف من الجن والموت والحياة والتاني في الوقت نفسه...

غرق الراوي العليم في لجة مشاعره في ملاحقة عائلة الحاج حسين والد الدكتور معتز بعد ان كتب لهم ان يعيشوا منفى دولة (الخرافة) بعد اجتياح العراق من قبل دولة وهمية تشبه الانترنت الوهمي الذي يتعذر تحميل الأحداث ونقلها الى الناس الا بالترقب الكاذب...

ومن خلال هذه العائلة التي تفقد ولدها خليل (أبو يوسف) الشاب الذي نوى الخلاص والعودة الى موطنه فكان تنفيذ حكم شرعي كما يرون هؤلاء ليترك خلفه أم وأب يصارعهما الوجع وزوجة وأبناء وإخوة وأخوات كلهم بانتظار المجهول ...

طريقة السرد هنا منحتنا فرصة في تلقي الأصوات المضادة الرافضة لطغيان الشر وان كان الثمن فقد الحياة كما تمكن ان يعطينا عبر حركاته في لم شباك الروي في بؤرة الترقب دون ان يضيع علينا استحسان القراءة لاسيما انها تحكي واقعية (سرد ذاتي) لا تخلو من الفنتازيا والغزل الذي يلفه الحنين والشوق ...

ولا يخفى ان الدكتور معتز قد اخذ المساحة الكبرى في سلم الأحداث وبنيت عليه آمال الحركة لكن ثم أمنية ان يرتبط العنوان (دروب الموتى) مع السيد خليل الذي راح قسرا الى مقصلة الموت باعتباره الضحية وان نعرف مزيدا عن حياته (أوصافه- سيرة حياته – عواطفه- اتجاهاته – علاقاته الاجتماعية مع أبناءه وزوجته ووالديه وتوجهاته وآماله) فصار وكأنه شخصية مجردة انتهى قدره القصاص عليه من قبل المحكمة الشرعية من قبل دولة الخلافة كما يسمون أنفسهم..

185 اسامة محمد صادقثم ان طريقة وصول الغوائل الى موطن النزوح (الشرقاط) رغم معرفتنا الخاصة بهذه المدينة إلا ان الراوي لم يمنحنا التصور الكافي عن طبيعة الحياة لهذه المنطقة فكان بخيلا علينا في منحنا تاريخ المدينة مثلا وطبيعة الحياة قبل الأحداث ومكانها والى أي محافظة تنتمي وهل فيها رجالات لهم تاريخهم وكأن موجة النزوح أخذتنا الى هناك دون تخصيص ثم خرجنا بإدلاء بجو قاهر من الدموع والأسى وفقدان الأمل ...

وأروع ما كتب هو وصف هؤلاء (الخوارج) الذي تولوا أمر العامة وكيف يتصرفون وطبيعة تفكيرهم ...

وما علمنا ان مناطق النزوح فيها قحط لكن غاب علينا ان نعرف مدى الاستجابة النفسية والجسدية للناس وكيفية المواجهة وطبيعة العمل بل والمفاجئة بعد سنتين من التعسف يصف لنا السيد ثامر بالرجل البدين ،الطويل،وكأنه في سفرة سياحية كان بحاجة الى شيء من الربط بين واقع ما يعيشون ونفسيتهم وإشكالهم وطبيعة الاستجابة مع مقتضيات المرحلة...

رواية جديرة بالقراءة لغة أدبية رائعة وفن في إعطاء الحقيقة وتوصيف لمرحلة مظلمة فك رموزها بدراية وتقنية تستحق الاهتمام.. ...

 

عامر الفرحان

 

 

عدنان حسين احمدينطوي أي عملٍ تجريبي على مغامرة من نوعٍ ما، قد تكون في الشكل أو في المضمون أو في التقنية السردية، وفي حالات نادرة يمكن أن تمتدّ المغامرة لتغطي العناصر الثلاثة برمتها. ورواية "جمهورية مريم" لوارد بدر السالم الصادرة عن "منشورات المتوسط" بإيطاليا، لا تخلو من بعض الملامح التجريبية التي يمكن أن نتلمّسها بوضوح في المبنى والمعنى، إضافة إلى تعويم الحاضر والاستعاضة عنه بالماضي والمستقبل عبر تقنيتي الاسترجاع والاستشراف. وعلى الرغم من وجود قصة حُب تجمع بين الروائي السبعيني النحيل ومريم، المرأة المسيحية التي أنقذها من الموت، ثم اقترن بها لاحقًا في زواجٍ عابر للأديان، إلاّ أن فضاء الرواية يظل دايستوبيًا، مُرعبًا، وكئيبًا رغم نهايته المفتوحة التي تشي بأنّ الماضي قد انتهى، ولن يعود لأنه "صار أفلامًا قصيرة". كما فتح الروائي وارد بدر السلام أفقًا للتعالق مع روايته السابقة "عجائب بغداد" وخاصة فيما يتعلق بالأستاذ الأكاديمي الذي تشبّه بأفكار بوذا وكونفوشيوس، وشيّد قرية يوتوبية صغيرة على ضفاف دجلة لا تحفل بالطوائف والأديان غير أن المليشيات السوداء تابعته وأحرقت القرية وظل مصيره غامضًا، ومجهولاً، وعصيًا على التأويل. وهذه إحالة واضحة إلى البطل الإشكالي الذي ينغمس في تغيّير الواقع المزري الذي يعيشه أبناء وطنه المُهددين بالضياع والخُسران.

لا يخفى على القارئ اللبيب أنّ وارد بدر السالم قد حطّم فعلاً الجدران الفاصلة بين الأجناس الأدبية والفنية فثمة خلطة سحرية جميلة بين السرد الروائي المتقشف، والجملة الشعرية المكثفة من جهة، وبين النسق الروائي والفيلم الوثائقي من جهة أخرى، إضافة إلى حضور عدسة الكاميرا التي تشترك هي الأخرى في الكتابة بتقنيتها الفوتوغرافية التي تقف وراءها عين بشرية حسّاسة ومرهفة تلتقط كل ما تراه مناسبًا، ومتساوقًا مع الحدث على الصعيد الفني.

قد تكون البداية مثيرة وصادمة في المقطع الأول من الرواية للمرأة الخمسينية مريم وهي ترى نفسها معلّقة بين طرفي النار والماء، وأن الذي أنقذها أثناء الاحتراب الطائفي عام 2006، هو الروائي النحيل ذاته الذي حارب الإرهاب والفساد، وساهم في بناء "الحيّ الأخضر" مع الأستاذ الجامعي الغامض الذي توارى بطريقة عجائبية.

تنطلق أحداث الرواية عام 2036 عبر تقنية الفيلم الوثائقي الذي صوره فريق تلفزيوني ياباني يتألف من هيروشي، وهو إعلامي، وروائي معروف، ومن أنصار البيئة، و "يوكي، المصورة الشابة، وصحفي متدرب لم نعرف له اسمًا. هؤلاء الثلاثة اليابانيون كانوا شهودًا على الأحداث الدامية التي دمرت قرية الصفيح والتنك ولم يخرجوا منها سالمين فقد أصيب الإعلامي والروائي الياباني بطلقة وخزت ساقه وكلما يتحسسها يتذكر واقعة حرق القرية، وإبادة أناسها الأبرياء الذين يشكلون صورة مصغرة للعراق بقومياته، وأديانه، وأطيافه المتعددة. يستدرج هذا الروائي العجوز يومًا من تلك العقود الثلاثة ليكون بذرة لروايته التي تحمل عنوان "نهر بغداد" التي كتبها بألم لكنها لم تتعسّر عليه كما تعسّرت على الراوئي العراقي النحيل لأنه لم يكتب عن خيط الدم الذي انساب وراءهما في النهر في ذلك اليوم الفظيع لذلك ظلت روايته مؤجلة تنتظر شرارة الإبداع التي تقدح في أعماق ذاكرته لتعيده إلى جمهورية مريم التي أصبحت آمنة، ولن يطالها شيء بعد الآن.

تتمثل ذروة تقنية الاسترجاع في الفصلين الثامن عشر والتاسع عشر، إذا اعتبرنا المقاطع العشرين للرواية فصولاً، حيث يسرد الروائي العراقي النحيل قصة إنقاذه لمريم، أو بالأحرى قصة الإنقاذ المُتبادَل:"كنتُ أُنقذكَ، وكنتَ تُنقذني في تيّار النهر الجريح"، إلى أن تخلّصا بأعجوبة من الحرق بالنار، أو الغرق بالماء، فيما يروي الإعلامي الياباني مشاهداته أثناء احتراق القرية، ولجوئه مع المصور إلى النهر المنحدر جنوبًا حتى عثرت عليهما الشرطة النهرية وانتشلتهما عند الخيوط الأولى لمطلع الفجر.

يُهدي الروائي النحيل رواية "عجائب بغداد" التي كتبها في أثناء الغزو الأميركي للعراق عام 2003 إلى هيروشي ويخبره بأنّ فيها خيالاً كثيرًا لم يخرج عن واقعية لأن الواقع العراقي اشتمل على كل أنواع الفانتازيا والمواقف الغريبة التي لا تحدث إلاّ في الكوابيس الليلية المُرعبة. وبالمقابل يهديه هيروشي رواية "نهر بغداد" ويعززها ببعض الأفلام الوثائقية التي ترصد ذلك اليوم الذي احترقت فيه القرية عسى أن يستدرك الروائي العراقي روايته المتعسّرة، ويشرع في كتابتها بتدفقٍ يخلو من أي احتباس لغوي.

تتشظى الثيمة الرئيسة إلى ثيمات فرعية مثل مُناصرة البيئة، والمكان اليوتوبي، والمليشيات الوحشية، والحكومات الهزيلة التي أوهمت الناس بالديمقراطية، وتفكيك السياسة العراقية التي خذلت الناس، وكرّست التزوير والفساد واللصوصية. ومن قلب هذه الثيمات المتعددة تنبثق أسئلة لعلها لا تؤرِّق كاتب النص فحسب، وإنما تشغل بال القرّاء العراقيين الذين يحبون وطنهم الجريح، ويتساءلون: "كيف نزرع الجمال بعد الحرب؟ وكيف ننشئ بيئة أخرى وسط الخراب؟ وكيف نروِّض النفوس المتوحشة؟

ثمة شخصيات إشكالية غامضة في كل رواية من روايات السالم الذي بلغ رصيده الروائي ثماني روايات أنجزها منذ عام 2000 وحتى الآن، وفي كل رواية هناك محاولة تجريبية أو لمسة تجديد يضفيها على نصه الإبداعي كأن يجرّب في الثيمة أو الشخصية، أو اللغة، أو الزمكان. وفي "جمهورية مريم" ثمة تجريب على هذه المعطيات الأربعة التي تضع القارئ أمام نصٍ مختلف لا يشبه رواياته السبع الماضيات مثل "طيور الغاق" و "شبيه الخنزير" و "مولد غراب" وما سواها من روايات ظلت عالقة في ذاكرة القارئ العربي. وربما تكون شخصية الأستاذ الجامعي هي الأكثر إغراءً للمتلقي لأنه اختفى في ظروف غامضة أو تشبّه ببوذا، أو أصبح بمثابة المُنقذ الذي ينتظره الجميع حتى في عصر التكنولوجيا المتطورة.

وعلى الرغم من النهاية التفاؤلية لهذه الرواية إلا إن الروائي يتنبأ بعودة السلاح الذي سوف يهدد جمهورية مريم مستقبلاً ذلك "لأن الإنسان مجبول على الجريمة" وأنه مرشّح لارتكابها في أي زمان ومكان. ومع ذلك فإن الرواية تناصر الطبيعة، وتمجّد الحي الأخضر الذي شُيِّد في مزرعة الجثث، شرط أن يقطعون الطريق على المليشيات الطائفة التي توحشت في غفلة من الزمن بفعل المُحرِّضات المعروفة التي تستفيق كلما يغيب القانون، وتتلاشى الدولة في الأزمنة الرديئة.

بقي أن نشير إلى أن القاص والروائي وارد بدر السالم قد أصدر حتى الآن ثماني روايات، وسبع مجموعات قصصية من بينها "ذلك البكاء الجميل" و "أصابع الصفصاف" و "جذوع في العراء"، إضافة إلى عدد من النصوص المفتوحة، وأدب الرحلات، والنقد الأدبي. ونظرًا لحصوله على عدد كبير من الجوائز الأدبية في القصة والرواية والنص المفتوح فقد أطلق عليه النقاد العراقيون لقب "قنّاص الجوائز"، وقد نالت رواية "عذراء سنجار"جائزة الدولة التقديرية للرواية عام 2017، وهي آخر جائزة يحصل عليها السالم الذي شكّل حضورًا فاعلاً في المشهد الثقافي العراقي منذ أوائل الثمانينات وحتى الوقت الحاضر.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

كـان الزمــن في سـجن "تدمر" شيطاناً ذا أربعة وعـشــرين قرنـاً يدور في مكانـه كتلة من اللهب، لم يكن الزمن يدور!! من قال إن الأزمنة تدور؟!

يؤرخ (أيمن العتوم) في روايته "يسمعون حسيسها" ليال من العذاب والحزن والمعاناة التي يعيشها السجناء في سجن تدمر.. تدمر ليس إلَا إنموذجاً مُشابهاً للكثير من السجون التي جعلتها الأنظمة القمعية العربية مسكناً ومأوى وقتل للمعارضين لها وموطن لقطع ألسنة الناطقين الأحرار للمحافظة على سلطتها. رغم ذلك فالسجون لا تحمي الأنظمة القمعية، والمذابح لا تُثبت سلطتها، فظلم الحاكم كفيلٌ بإسقاط نظامه ولو بعد حين.

شكلت شخصية الدكتور اياد محور سردية (أيمن العتوم) في روايته "يسمعون حسيسها".

لم يكن دكتور أياد سوى مواطناً عادياً يذهب الى عمله بالمشفى ويعود مُنهكاً الى منزله الدافئ بالحب، فيقضي يومه مع زوجته وإبنته الجميلة لمياء التي يعشقها. كان كغيره من الناس له زملاء عمل ورفقة دراسة لا تتعدى حدود المعرفة السطحية.

سبعة عشر عاماً قضاها الدكتور أياد ظلماً في السجن فذبُلت سني العمر، بتهمة باطلة لفقها له مُناوؤه وتلفيق التهمة له على أنه مُنتمن إلى (جماعة الأخوان المُسلمين)، فعاش سنوات من التعذيب، وتساقطت أوراق عمره، وبان خريفها، بين جدران يملؤها العفن والأمراض والعذابات التي لا تنتهي، كل يومٍ منها يمر كأنه عام. تُشرق الشمس على أصوات السياط والهراوات على ظهورهم وتغرب على تحودبها من الأسى.

التعذيب المستمر لا يتوقف والجلادون لا يتعبون، بل يتلذذون بموسيقى الألم التي يعزفون سمفونيتها على جسد أياد ومن معه من السُجناء، يُقهقون عالياً حينما ترسم سياطهم خطوطاً (سوريالية) للوحة الألم على أجساد المُعذبين. ينتشون كلما أحدثت ضرباتهم أثراً بيَناً أو صرخة مُدوية فيضحكون مُتشفين بدوي الصوت، صوت الرفض، حتى إنني لم أستطع وأنا اقرأ تخيل شكل الجلَادين هل هم فعلاً على هيأة بشر.

لا يمكن أن يكون هؤلاء من عوالم البشر. كيف لبشر أن يفعل كل ذلك دون أن يرف له جفن! كيف ينام على وسادته وقد كان سبباً في إيذاء آخرين!! ..

" كان حريق اللحية قد فاقم من عطشي، كما يقول أياد، صرت أُحوَلُ العرقَ النازل من جبهتي بلساني محاولاً إدخاله الى فمي لعلني أشربه..غير أنه كان مالحاً، فلا تُزيدني ملوحته إلَا توقاً كبيراً الى رشفة ماء واحدةٍ باردة.

كانت رشفة الماء في تلك اللحظة تعادل عمراً بأكمله"، وأنا أقرأ هذه السطور بدأت أقول في نفسي (أي وحوش بشرية هذه) لأجد أياد يُردد معي في ذات الوقت أو أنا تحسست لحظة مٌعاناته هذه, عشت بعض من لحظات ألمه، أي وحوش هؤلاء الذين يفعلون هذا؟! أي سادية هذه التي يتمتع بها هذا الصنف من المخلوقات؟!. من يستطيع أن يُحدد ليَ ماهية هؤلاء السفاحين؟! هل هم كائنات أخرى تلبس ثياب البشر حتى يفعلوا ما فعلوا؟!!.

كنت أتسائل كيف يتحمل أياد وباقي السجناء كل هذا العذاب! كيف بعد كل طرق التعذيب المبتكرة التي تُمارس على أجسادهم النحيلة والضعيفة من فرط الجوع والعذاب أن تقوى على الإستمرار؟! لماذا لم ينتحر؟ لماذا يعيش ويتحمل سبعة عشر عاماً من شبابه تذوي أمام عينيه، وهو صامت مُتحمل للألم، وفي بعض اللحظات متكيف معه؟! وكأن أياد عَرِف أن الكثيرين ممن سيقرؤن الرواية سيسألون الأسئلة ذاتها، فقد وجدته وأنا أكمل قرآءتي قد أجاب على ذلك في حديثه مع نفسه وهو ينظر لصورة إبنته (لمياء) فيقول "يا ابنتي.. احب الحياة لأنني أحبك..أعشقها من أجل أن أراكِ.. أقاوم الموت بالحياة لكي ألتقيكِ" وفي موضع آخر يقول "انتفضت شعلة الحياة في أعماقي، لن أموت قبل أن أرى أبنتي، لن أستسلم للموت أيها الحمقى، أحب الحياة لأنها تتشكل بكامل زينتها في عيني إبنتي.. كلكم ينتظر موتي.. أما هي فتنتظر حياتي".

في هذه الكلمات لمت نفسي لأنني تمنيت أن يموت أياد بدل أن أتمنى أن يُطلق سراحه، ليخرج من سجن تدمر ليعيش سجن الحياة وعذاباتها المرسوم في حدقات عيني إبنته الصغيرة... فقد كان يعرف مقدار الحزن الذي سيخلفه إذا مات وترك صغيرته وحيدةً دونه.

لم يكن أياد بطلاً يحاول مقاومة التعذيب في سجون القهر، ولكن بطولته رسمتها دموع أب كان يحلم بصنع حياة لإبنته وزوجته، فكم من مرة نازع الموت ليعيش بقية عمر ولحظات كثيرة التي إستنجد الرب لا خوفاً من الموت، إنما محبة بعاشقين لم يألفوا فُقدان المعنى (الأب) كي يلمهم تحت ظله يوم لا ظل لهم بعد ظله سوى ظل الله في أرضه في رحمته ببني البشر من "عيال الله".

لقد تجرع اياد وباقي المسجونين عذاباً لا يمكن أن يتحمله بشر لكن رغم هذا لم تستطع ساعات التعذيب الطويلة أن تقتل الطيب في نفوسهم، فقلوبهم لم تصدأ فقد ساعد وآزر بعضهم بعضاً في الأزمات والمحن التي مروا بها، ولم تخلوا أيامهم من الإبتسامة التي كانوا يصنعونها عبر جلساتهم، يؤدي كل واحد منهم ما يعرفه، فيحكي النكات ممن له حس الدعابة، ويُطرب الآذان من له حنجرةٌ تصدحُ بصوتٍ جميل، ويؤدون المسرحيات من لهم موهبة في التمثيل، لكن جلستهم غالباً ما تنتهي بالذكريات الموجعة والدموع الحزينة التي تتغلب على محاولتهم في مقاومة الكآبة.

(مهجع 27) كان مجتمعاً متنوعاً مختلفاً من حيث الشخصيات مُتماثلاً من حيث الوجع، فقد كان فيه أطباء لهم دور مع الدكتور اياد في معالجة السجناء العاجزين والمرضى والداخلين في (قاووشهم) حفلات التعذيب التي لا تنتهي.

كان قسطنطين المسيحي ملاذاً لبعض السُجناء من الذين يرغبون في قراءة القرآن، فإتخذ له زاوية لتعليمه وتفسيره، وعلى الرغم من أن قسطنطيناً هذا كان حافظاً للقرآن وفق قراءاته السبع المعروفة، ومن حافظي شعر العرب ويقرأ أبياتاً من المعلقات ويقول "المعلقات كلها هنا" ويُشير الى رأسه حتى أنه أدهش الكثيرين فأصبح مقبولاً وأتخذه الكثير من السجناء معلماً لهم في مجال القرآن والحديث، إلَا أنه ساعة موته لم يقبل كثير من تلامذته من المُسلمين الذين علمهم حفظ القراءات، لم يقبلوا (صلاة الجنازة) أو (صلاة الميت) على جُثمانه.

أما عميد (السُجناء) فقد كان رجلاً طيباً يتحمل عناء إدارة السجن، فأقل ما كان يحدث في المهجع (القاووش) تقوم القيامة على رأسه فيأكل من التعذيب أصنافه، إلَا أنه لم يشكوا يوما،ً وبسمته الخفية لا تكاد تفارق مُحيَاه.

أما الزعيم (كبير السُجناء) فقد كان أقدم السجناء، شجاعاً يُساعد العميد في مهمته فتحمل عناء (السخرة) وهي مهمة جلب الطعام، ففي كل وجبة يحمل الطعام، يتلقى فيها الضربات من الجنود بالأرجل والسياط الى أن يُدخل الطعام الى زملائه، وكذلك كان من خلال مهمته هذه ينقل الأخبار الى صحبه السجناء ويروي لهم ما يحدث في الخارج ويُهّرب إليهم بعض الأشياء التي يستطيع الحصول عليها فقد كان حقاً شخصاً يُعتمد عليه.

لم تكن زاوية قسطنطين هي الزاوية الوحيدة في (قاووش) السجن، فقد تشكلت ثلاث زوايا الى جانب زاوية القرآن، فهنالك زاوية للشعر والأدب وزاوية للطب والصحة وزاوية للحديث. تتوزع على الزوايا عدد من البارعين في كل مجال من هذه المجالات.

أما الشيخ صفوان الهادئ الوقور، رجلٌ في الستينيات من عمره. قليل الكلام، ولكنه لا يتكلم إلَا في حلقته، إذ كان يعقد ندوات للتفسير والفقه، فكان من العارفين والقارئين لكتاب (الجامع لأحكام القرآن الكريم) للقرطبي. كان يحفظه تقريباً عن ظهر قلب. مُتبرعاً في التدريس، يُدرس في الإسبوع مرتين تفسير القرآن، يجتمع حوله الكثير من التلاميذ، وتلامذته يلهجون بمحبته، بل يُبالغون في خدمته والعمل على راحته. كان السجن مُكتضاً بالأشخاص المختلفين من الذين جمعتهم مع اياد علاقة طيبة، أستفاد منهم وأفادهم.

ومرت سنوات السجن أو سني العمر بين دمعة وضحكة ومرض وألم ومعاناة، إلَا إنها اخيراً وبعد سبعة عشر عاما تقرر أن تنقضي!! فيأتي قرار بالعفو عنه وعن بعض السجناء. قرر الرئيس العفو عنهم !!!!.

هكذا يسرق من عمر الفقراء ما يشاء السُلطان، ويمنحهم ما يشاء؟!! بكلمة منه هكذا؟!!.

بقدر فرحي بخلاص أياد من السجن، لعل في خلاصه بعض من نسيان لعذاباته التي لا تنتهي ولن تنتهي بمُجرد العود لأحضان عائلته إلَا إنني في الوقت ذاته أشعر بالغيض الشديد لأن الرئيس بقيَ رئيساً يتحكم في حياة الآخرين في السراء والضراء، كأنه إله متحكم بحياة الآخرين، فكم من شاب يزهو بريعان شبابه كالقمر وترف يُزهر كوردة ياسمين، بكلمة منه!!.

بكلمة واحدة سلب من أناس حياة، فاليحمد الله أياد ومن مثله بأن شملتهم الرعاية الملكية لأنها أعادت لهم حياة جديدة .. لكن هل أياد الذي قضى سبعة عشر عاماً خلف القضبان سيخرج مثل الدكتور أياد الذي كان في السابق؟ بكل تأكيد لا، فكم سيعاني في حياة لا تشبههُ.

الرواية رغم دقتها في وصف الأحداث إلَا إنني وجدتها كثيرة التكرار فأنا كقارئة شعرتُ في لحظاتٍ كثيرة عندما أتقدم بقراءة الصفحات كأنني قد قرأتها في صفحاتٍ سابقة.

هذا لا يمنع من كون موضوعة الرواية مهمة وتسلط الضوء على الإنتهاكات التي تحدث لحقوق الإنسان في السجون التي هي مرفوضة عالمياً حتى وإن كان السجينُ مذنباً فليس لأحدٍ الحق مُطلقاً بتعذيبهِ، لأننا لا نعيش في غابة يقتل أحدنا الآخر ويستغل القوي الضعيف، بل هنالك قوانين تُعيد الحقوق الى مستحقيها وتعاقب المخالف وتُحدد الواجبات. هذا ما جعلني أفكر، كم من أياد الآن يقبع خلف القضبان، يعاني كما عانى أياد في رواية "يسمعون حسيسها".

لذلك أتمنى أن يستمروا بالكتابة ليؤرخوا الظلم والفترات الحالكة من تاريخ الحيوانية ليكونوا شهداء على الحق ورفض ظُلم الظالمين .

 

هيام علي المرهج

 

 

رحيم الغرباويإنَّ ظاهرة الانبعاث ظاهرة من أخصب الظواهر في شعرنا الحديث، فقد تفشت في شعر الشعراء التموزيين بعد الحرب الكونية الثانية من طريق التأثر بالثقافات الغربية والإفادة منها في تكوين ثقافة عربية خاصة لاسيما في أدبنا العربي بعد الصدمات التي لاقاها أبناء المجتمع بوعود أذيال الاستعمار لهم بالتحضر والتطور وخدمة المجتمع؛ مما جعل المواطن لاسيما الشاعر يعيش الاغتراب النفسي والمكاني بسبب الضغوط التي مارستها الحكومات أنذاك وقيامها بكبح أصواتهم والسعي إلى قهرها؛ مما جعلهم ينشدون معاني انبعاث الحياة من جديد مستلهمين من الأساطير والتراث ما يتوافق مع متطلبات موضوعاتهم و نوازعهم في التخفي وعدم إشهار معاني التغيير تفاديا المطاردة كما يذهب الكثير من النقاد لكنني أرى مع ذلك أن الرموز التي كان يستعملها الشاعر هي بنية فنية تمنح القصيدة سر عمقها وقداسة هدفها؛ لما تحمله من حصاد من مقدسات وقيم الشعوب عبر أزمانها بالغة القِدَم .

ولما كان الشاعر المعاصر يسعى إلى " المواءمة بين شخصيته وفرادته من جهة وكلية حضوره الإنساني من جهة أخرى؛ مما جعل شعره مزيجاً من الشخصي والكوني، بين الذات والتاريخ، وكأني به يريد أنْ يمسك الذات والأبدية في آن " (1) . ويبدو أنَّ المعاناة والمآسي واحدة في جميع العالم؛ مما جعل الشاعر ينافح بنزعته الوجودية من أجل السلام والاستقرار؛ لما لاقاه من ويلات الحروب ومن آثارها المقيتة التي غيرت خريطة السياسات والأحداث، فجعلت دول العالم الثالث مرة أخرى ينضوي تحت سطوتها من خلال اتباعها لسياساتها البغيضة؛ مما حدا بانساننا العربي ينافح من أجل استقلال بلاده، ونيل حريته لاسيما منهم الشعراء .

لكن بعضهم لم يغرق بكتاباته في خضم الواقع، بل راح يعيش على شواطئ الرومانسية، لكن في الوقت نفسه ظل يتوق إلى الانبعاث من أجل العودة إلى الفطرة التي فطر الله براياه عليها ؛ كونه وُلِد حرَّاً من دون هذه السياسات التبعية المتعامية التي تتخذها الحكومات التابعة بحق رعيتهم من استعباد وظلم، وجور .

والشاعرة الدكتورة سجال الركابي واحدة من الشاعرات اللاتي كتبن الشعر وعشن معاناة الواقع؛ لكنهن مزجن الواقعية بالرومانسية، فهي المرأة الحالمة التي تستشعر الحياة بوصفها تنعم بالجمال والحب بعدما حينما يطرب الوطن على سمفونية الحرية ويدب السلام بيد أنها في الوقت نفسه تشعرنا أن حياتها شأنها شأن أبناء وطنها غائمة مستباحة ليس فيها من فسحة أمل إلا في رحاب التغيير وانتشال الوطن من ركامات الحاضر، فهي تقول في قصيدتها (هيَّا):

سأجري معكَ بلا هوادة

الطواغيتُ التهمَتْ البراءةَ

الزلزالُ صاخبُ المدِّ

هيّا الى مرجَ البحرِ

نوقد قرابين َالغضَب

نشعلُ قناديلَ الرؤى

عسى الموجَ يهدرُ بجواب

يستأصل بثوراً

أصابها كساح مُزمِن......

وكأن الشاعرة تخاطب في النص رفيقاً لها في الرفض، وهي تجري معه و (الجري) هنا يمنحنا دلالة النضال المستمر والهمة العالية من أجل نشدان الهدف، وقد ذكرت الشاعرة رموز الظلم والطغيان منها: الطاغوت وهو يلتهم البراءة، والزلزال الذي يمثل رمز التدمير، لكن جريها يتجه مع جري الجنس الآخر - مشيرة إلى رص الصف نساء ورجالا - إلى مرج البحر، والمرج لفظة ذكرها قرآننا الكريم: (مرج البحرين يلتقيان)؛ لذلك وظفتها الشاعرة؛ لتبين لنا قدسية الهدف والمسعى، فضلا عن ذلك لفظة قرابين، والقرابين لاتقدَّم إلا لإله؛ إيماناً منها بالتحرر بمعونة السماء؛ كي تتحرر من الطامعين الذين اغتالوا البسمة من الشفاه، ويبدو أنَّ الموج هو رمز الثورة بدلالة الجمل المركبة التي وردت: (عسى الموج يهدر بجواب، يستأصل بثوراً أصابها كاسح مزمن) .

و الشاعرة قد استعملت الأفعال المضارعة في أغلب نصوص النص؛ كونها تدل على الحدوث والتجدد (سأجري، نوقد، نشعل، يهدر، يستأصل) وجميعها تدل على التغيير والانبعاث من ركام الموت إلى انبلاج حياة جديدة مفعمة بالخير والسلام .

أما في قصيدتها الأخرى (إنهمرنا... أطيافاً وطفنا) التي تقول فيها:

هاهي تتطاير

تشدّني إليكَ

بلابلُ نغماتٍ لؤلؤيّة

آهٍ لو كُنتَ معي

لأمتطينا بساطَ سحرِ البكاء

رفرفَ الفجرُ مِن كفّينا

نراها هنا تبث لواعجها، وتنشر على كلماتها مراسيم حزنها؛ لما تعيشه من وحدة أدمت وجدانها، إذ نراها تسبح في أمواه الرومانسية الحزينة، و تعيش الغربة المشوبة بالألم، فترى نفسها تسكن بهذا العالم كائنا مهجوراً، ضغطت عليه لواعج الزمن وأضرار المحن؛ وهي الحالمة، بودها أن تعيش عالماً يشع بالأمل مع الحبيب على الرغم من مغادرته صوب المجهول، وقد أشارت إلى البلابل التي تشدها إليه، والبلابل رمز الجمال والسحر الذي تتباكى عليه الشاعرة؛ لما تراه من ضياع بدلالة أداة الشرط (لو) فهي حرف امتناع لامتناع، فصارت مطالبها أماني تحاول استرجاع أحداثها بالذاكرة، مستوحية من ألف ليلة وليلة أسطورة بساط الريح الذي يسافر في الأماكن التي تسحر اللب والعقل، لكنه اليوم يدل على الحزن بفعل الخراب الذي عمَّ المنطقة بأسرها فصار بساط سحر للبكاء، إشارة منها إلى الماضي الذي لم يدم، ثم تؤكد هذه الدلالة بقولها:

سوى...!

أنّكَ... لم تَكُ معي

ومعي كُنتَ!!

إنهمرنا مِن دندناتِ العود

أطيافاً...

... وطِفنا

أعشبَ القمر تحتَ قدميك ...

فالأفعال (لم تك، انهمرنا ، طفنا، أعشب) جميعها تدل على ذكرياتها الجميلة المزدهرة بالسحر والجمال والفن والخصب والنماء، وكأننا نرى في النص دلالة الحضارة التي زالت وطوتها مقاليد الأحزان، فصارعلى أهلها يهيمن الضعف بدلا من القوة، والتشتت والفرقة بدلاً من الوحدة، ثم هي تؤمن بالأمل الذي لا يتحقق إلا بالحب بين النفوس؛ فتعمر الحياة وتخصب الأرض، فهي تقول:

وأنا...!

روحي... رذاذُ انتظار

عبيرهُ شوقٌ

مجهولُ الإيقاع

تعال نمحو

سمفونيةَ الأحزان

تعالَ نرسم

فردوساً للدربِ الموؤد

رموش الصغار تُرتّلُ

أجنِحةَ قيثارة سلام

إهزِج معُي دموزي

فأنا...

الوتر الأوُلُ

وأنا

الوترُ الأخير

فهي تنتظر من هو يبني لها الحياة الجديدة وهي تنبعث من تحت سماوات الأمل، فعشتار بانتظار تموز، ومن دونه الأرض يباب، كما أنَّها الباحثة عن السلام والخير والعطاء، ولا يتم ذلك إلا بشريك في العمل والبناء، طالبة من الغائب المنتظر أن يهزج معها أهزوجة الخصب والنماء فهي (الأول والأخير) إشارة إلى أهزوجة عشتار سيدة الحضارة البابلية التي ينتظر معها الخلق قدوم تموز إله الخصب حتى يعم الحياةَ الخيرُ، وينتعش في أرضنا السلام .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

...................

(1)    الرؤيا والتشكيل في الشعر العربي المعاصر، د. سلام الأوسي: 103

 

صالح الطائيكتبت مرة عن تسميات الأدب الذكوري والأدب النسوي، تحت عنوان "الأدب النسوي ومجموعة "سأنتظرك" لسهام الطيار؛ مستهجنا ومعترضا": لا أدري لماذا صنف الأدب الذي تجود به النساء طبقيا، فضُيق عليه، حتى وصل التمييز إلى درجة حشره لوحده في خانة تحت مسمى "الأدب النسوي" مع أن الأدب هو الأدب، وهو ترجمة سامية للمشاعر الجياشة تخلقها المعاناة، تترجم من خلالها خلجات النفس الإنسانية، تحركها ثلاث قوى: القدرة والموهبة والثقافة؛ التي قد تكون جميعها أو بعضها مفقودة لدى كثير من الناس بلا علاقة للذكورية والأنثوية بفقدها، وقد تكون مفقودة لدى كثير من الذين يحسبون أنفسهم الأدباء من الجنسين، أو تكون بادية ظاهرة لدى بعض النساء أكثر منها لدى الرجال، والعكس صحيح.

ولذا سجلت اعتراضي على هذا التمييز بالذات، وأعلنت أني أقبل الأدب مهما كان مصدره، أقبله كمنجز فكري وجداني استلهامي نابع من خلجات نفس حية تحمل الكثير من الحساسية، بما يجعلها تتلمس طريقها بين الكلمات، باحثة عن ضربة تترجم من خلالها رفاهة وشفافية حماستها تلك، مهما كان مصدر الانطلاقة؛ سواء كان من نتاج شيخ هرم عجوز فانٍ، تملأ وجهه التجاعيد، وتحني ظهره الخبرات المتراكمة، مقوس الظهر، قاسي القسمات، أو فتاة ربيعية العمر، قمرية الوجه، شمسية الوجود؛ ما دام فيه ذلك الكم من العذوبة والجذب والغرابة والإدهاش القادر على أن يغمرني بلحظات البهاء استشف منها أطياف بهجة، ويحمل روحي على أطياف الدهشة السرمدية إلى عوالم ما كنت أدركها لولا تساميه مع روحي ووجداني. أما أن أحب هذا الأدب لأنه نسوي، وأكره ذاك لأنه ذكوري، أو العكس، فهي متاهة كبيرة وخطيرة، مصطنعة بعناية، يحاول البعض إدخالنا إليها عنوة لغاية ما في نفسه، قد يكون هدفها نبيلا أو تحيزا وتبجيلا لبعض الأسماء، ودكترة(1) واقع هزيل لا يملك مقومات السطوة الفكرية، فيحاول أن يستعيض عنها بسطوة الشاربين الذكورية.

والغرابة لا تكمن في خصوصية هذا التقسيم المتوقع من عالم صار يؤمن بالتجزئة ويراهن على الجزئيات، بقدر كونها متبناة في الأصل من قبل شخوص، اتخذوها وسيلة في محاولة مهم لإثبات أعلميتهم وتفردهم عن طريقها، من خلال ادعائهم بأنهم من رواد الفكر المبتكر وأصحاب نظريات لا يشق لها غبار. الغرابة كل الغرابة فيمن يتمسكون بهذه التسميات، ويقاتلون لغرض إقرارها على أرض الواقع، مدعين وجود العلامات الفارقة بين المنجزين الذكوري والنسوي بوضوح لا يغفله حتى غير المتخصصين، فهؤلاء في واقع الأمر يتبجحون من خلال هذه الأساليب محاولين جر النار إلى قرصهم وحرمان الآخرين من الإفادة منها.

نعم أنا لا أنكر أن المرأة بطبيعتها ممكن أن تضفي على الكلمات الصماء المتحجرة بعضا من فرحها، سعادتها، نضجها، ضعفها، حزنها، فجيعتها، أنينها، وجع حريتها المسلوبة، بعضا من أنوثتها، رقتها، جمالها، خفة روحها، حيائها، وخجلها، فتبدو الكلمة أكثر عاطفة، وتوجعا، وتأوها، وشكوى، وترفا، ورقة، ونعومة؛ مما لو كتبها رجل، بل قد تبدو وكأنها فراشة ترقص حول الأضواء، فترسم قوس قزح غير محدود الألوان؛ بدخان جناحها الذي يحرقه الوهج. ولكن ذلك لا يعني أن هذا التشذيب أو التطبيع الجنسي أو الإسقاط الأنثوي يُفقد تلك الكلمة قيمتها، أو يحولها إلى مخلوق أسطوري خرافي، خاضع للتجنيس الكيفي، له جنس يختلف عن غيره، فهي الكلمات ذاتها التي يستخدمها الرجل، مرة بخشونة وتهتك ومجون وتبرج، تترفع المرأة عن التكلم فيه؛ بحكم طبيعتها الأنثوية، ومرة بحدة تجرح، ويبوسة تُقرِح، وعبوس يقشعر منه البدن، وثالثة بترف ولطف وكأنه يدغدغ بها أذني وقلب ومشاعر محبوبته. ولكن أساطير الأوهام التي عششت في قلوب البعض تأبى أن تؤمن بهذه الحقيقة، وتقاتل من أجل بقائها وديمومتها، وتختلق لذلك مصطلحات غريبة، مثل مصطلح الأدب النسوي.

تذكرت تلك المعادلة حينما كنت أتصفح مجموعة " هاك أجنحتي" للأخت الأديبة الدكتورة سجال الركابي، التي أهدتها لي، علها تدخلُ إلى نفسي بعض الترف اللذيذ الذي ينقذها من الضيق الذي خلقه تراكم العمل، وتزاحم المهمات، وكثرة الواجبات، وتقدم العمر، وضعف البصر، وكلل البصيرة، وواقع الحال المزري، وذلك الترقب المقيت لما قد يحدث في البلاد التي تتقاذفها الأهواء ككرة مصنوعة من أديم قرد نافق! ففي هذه المجموعة التي ابتدأتها الدكتورة بكلمات إهداء متوهج: "إلى فلذاتي حيدر وأروى وريم، وإلى الرافضين صدء القيود، الحالمين بسموات ملوّنة، هاكُم أجنحتي" تشعر أنك ستصطدم بحجم من المعاناة التي تجمع بين أطياف: الحب، التحدي، الحزن، الفراق، الخوف العتب الجرأة الحث التشجيع الحكمة والفلسفة، وأشياء كثيرة أخرى، تلقي بك في زحمة خانقة، وحينما تزدحم الأشياء في مخيالك، سوف تشعر حتما بنوع من الضبابية التي تدغدغ عواطفك، فتجذبك عنوة لتسرح في حقولها دون أن تجني ثمرة تسد بها رمق روحك؛ التي أتعبها التحديق في عالم الخيال، والتحليق في دنيا الخرافة الأسطوري منذ آلاف السنين.

وأنا في سبيل أن أثبت مصدر دهشتي لمن يستغرب ذلك، على اعتبار أن زمن الدهشة سرقه القدماء عندما رحلوا، وأخذوه معهم، ولم يتركوا لنا منه سوى ركام التقليد؛ الذي لا يجلب الانتباه، لا بأس أن اقتبس من الدكتورة الشاعرة كلمات(2)، سبق وأن صهلتْ في رحاب قصائدها، ورمحتْ في مضمارها، تصهلُ فتردد الوديان صداها، لابد وأن تشعرك بفحوى التصدي لحمل رسالة الحرف التي تأتي لتثبت الوجود الفعلي المفعم بالحركة والغارق في ألوان قوس قزح، تَشكلَ بعيدا عن الماء فوق رمال صحراء جفت حياتها منذ ملايين السنين، في وجه العدمية المفرغة من الذوق، أليس هذا ما تشعر به حينما تدرك أن "اللحظةُ معبرٌ زَلِقٌ" وأن "الربيعُ سريعُ الذوبانِ"؟

إن الصور النافرة؛ وكأنها جوانب جبل وعرٍ من غيوم بيضاء شكلته رياح لطيفة، تشعرك برغبة في أن تحلق عاليا لترى ماذا سيحدث "حينَ تتشابك النجومُ والرموشُ" وحينها لابد وأن تحتاج إلى "قليل من فراشات الفرح، فشرنقة الحزن لا تطير" لا للضعف بل "لأنك عتيُّ موجٍ.. تهادن الضِفاف" وألا فالمرأة التي تقول لك: "أزّخُ مودّتي ندىً" تعني ما تقول فهي دون سواها تعرف أنها "لستُ سوى طِفلة.. تناغي الوردَ" وتجيد العتب، ألم تسمعها تناديك "وأبحرتُ...في عينيك.. على متنِ زفرةٍ"؟ أي قلب يعطيك قوة الإشاحة عن صوت يصرخ بوجهك: "انهمرت النبضات .. غطّاها الجليد".

الغريب في مجموعة "هاك أجنحتي" أنها خلطة صُنعت بيد فنان عارف، يجيد خلط الألوان ليصنع جمالا، فلسفة، معرفة، ضوضاءً، وحبا كثيرا. تتراقص في أرجائها قبسات من صور الحكمة يرسمها جموح الخيال.

في عالم "هاك أجنحتي" تجد نفسك مرغما غارقا في عالم ثر الوجود، تتافر في أجوائه صور لراقصات غجريات فقدن مسحة الجمال، عربتهن، من كان يعزف لهن، وأنهكهن السير الطويل، حتى نسين كيف يرقصن لمن يطلبون ذلك بشدة، دون أن يلتفتوا إلى معاناتهن ووجعهن الكبير:

مع رفيفِ أجنحة النوارِسِ طرتُ

لمّا تهادتْ على سطح الموجِ

لم أحِطْ......

كُنْتُ...... أغرَق (ص:26)

في الأقل هذا ما شعرتُ به أنا حينما طالعتني صورة:

ماذا قالت أُمّكَ؟

أنا كَتَبَت دموعي:

حين افترسوكَ

أيُّها القمرُ النبيُّ

غابَ قلبي

صائحاً...

وا فلذتاه... وا إنساناه... وا وطناه(ص: 28)

في اللحظة التي كنت تصفح فيها المجموعة أمام التلفاز، شاهدت مقطعا لطفلة صغيرة، هي بنت لأحد المغدورين الذين اختطفهم الدواعش، وقتلوهم بدم بارد، تطالب العالم بأن يعيد إليها والدها الغائب، الذي تحبه بقدر حبها لله! وكنتُ حينها أقرأ واحدة من صورها عن العالم الآخر الذي تعيش الشاعرة في كنفه، ذاك الذي يحلو للبعض أن يسميه: عالم الكفر، وهو للكفر أقرب منهم بآلاف المرات، كان المقطع يردد أمام ناظري:

أيتها الطبول

في بلادي للحرب تقرعين

هنا...

تغنين بروح الغابة!

بمكيالين لا تكيلي

نادي أطفالي للفرح(ص: 29)

حينها أيقنت أن سجال الركابي تبحث عن حريتها من خلال قصائدها، تريد أن تتمرد، تتحرر، تنطلق في عالم الجمال بعيدا عن تلك القيود المصطنعة التي خلقها التناقض الكبير بين عالمين أحدهما يدعي أنه إيماني حد النخاع، وآخر يدعون أنه كافر، وهو إنساني حد النخاع:

ألبستَني

ضيقِ تَملُكِكَ

كيفَ........ تراني سأغرد؟(ص: 30)

وفي سعيها وراء الحرية كانت تريد من الرجل أن يساندها، يساعدها، يقف بجانبها، تتكئ عليه فتشعر بالأمان وتتمكن من أداء مهمتها، فهي تشعر عن يقين تام أن لها قدرة للعطاء غير المحدود، للكفاح من أجل التغيير:

سأجري معكَ بلا هوادة

الطواغيتُ التهمَتْ البراءةَ

الزلزالُ صاخبُ المدِّ

هيّا إلى مرجَ البحرِ

نوقد قرابين الغضَب

نشعلُ قناديلَ الرؤى

عسى الموجَ يهدرُ بجواب

يستأصل بثوراً

أصابها كساح مُزمِن.(ص: 32)

بل نراها تسعى إلى التضحية لتقدم أكثر مما يقدمون، وتعطي أكثر مما يعطون، فلها قدرة تحمل عالية وثقة بالنفس لا حدود لها:

حين تغصُّ الأماني

في كلحة اللاجدوى

اربّت على جزعكَ

ايها الصديق

جِسراً أصير

لتعبر إلى ضفةٍ آمنة(ص: 33)

وهكذا تنثال الصور التعبيرية لتتحد معا مشكلة صورة غرائزية في غاية الروعة، تثمر عن شعور بالغبطة يملأ قلبك حالما تنتهي من قراءة المجموعة. وفي الختام، بعد أن أنهيت السياحة في عالم المجموعة وصورها الأخاذة، أجد مشاعري قريبة مما كانت تشعر به الدكتورة سجال حينما كتبت نصوصها، تأخذني آمالي العراض لأردد معها: "رُبّما تشرق الشمس.. فتنبتُ وردة". وحتما لاستنبت وردة، فالعالم بلا ورود لا يطاق.

صدرت المجموعة عن دار أمل الجديدة للنشر في سوريا بواقع 126 صفحة وهي تضم تسعين نصا شعريا، وهي مجموعة جديرة بالقراءة.

 

صالح الطائي

........................

الهوامش

1) دكترة كأقلمة وأسلمة: منحوتة من الدكتاتورية

2) اعتاد السادة النقاد على اقتباس مقطوعات من القصائد التي تضمها المجموعة التي يكتبون عنها لجعلها نموذجا للفكرة التي يتحدثون عنها، أما أنا في تعاملي الحذر مع هذه المجموعة فأجدني بحاجة حقيقية لأن أترك استعارة المقاطع واكتفي باستعارة الجُمل؛ التي أجدها أكثر دهشة وتأنقا، ربما لأنها تجعل القارئ يسرح بخياله في عوالم قصائد لم يقرأها ولكنه يشعر بها في خياله.

 

174 رواية بغداد يويوركرواية بغداد نيويورك للكاتبة نهاد عبد، الصادرة عن دار سطور في طبعتها الأولى لعام 2018. رواية اجتماعية تحاكي الحياة المجتمعية من خلال قصة حب عبر العالم الافتراضي الفيسبوكي، تطرح الرواية صورة عن التربية في مجتمعنا والفرق في الحياة بينه وبين العالم الآخر المتمثل بدول الغرب عامة والولايات الأمريكية المتحدة خاصة. تقدم لنا صور عن كم الحرية الموجودة في عوالمهم والتي نفتقدها نحن في حياتنا. وتقدم لنا صورة عن أثر الحروب في مجتمعنا العراقي والخراب الذي سببته في البنية الأسرية خاصة لعوائل الذين يشاركون في الحروب، وكيف تفقد الناس حياتهم وهم على قيدها بسبب ما تتركه الحرب من خراب ودمار وموت. كما تتحدث عن اوضاع البلاد المتردية التي أجبرت الكثير من العوائل اتخاذ سبيل الهجرة للبحث عن حياة في مكان آخر وعن آمان واستقرار فُقد في الوطن الأم. ثمة اشارة مهمة عن ضياع الهوية وتشتت الذات بين الوطن الام والوطن الجديد، عن ضياع الشعور بالانتماء عندما يفقد الانسان أبسط السبل التي تجعله يحيا في وطنه حياة كريمة، يبحث الانسان عن وطن يشعره بالأمان والاستقرار فأين ما وجد هذا سيكون له الانتماء وإن أحس بالغربة. وتجد في الرواية دعوة لاتحاد كل الاطياف بمختلف ألوانها تحت سماء هذا الوطن. تدور أحداث الرواية حول (مريم) أو (ناي) التي تأخذ على عاتقها مهمة سرد الأحداث وروايتها بضمير الأنا، و(كريم الشرع) الحبيب الافتراضي الذي جلبه عالم الفيسبوك الافتراضي، لتعيش معه (ناي) قصة حب نُسجت من الخيال حتى وصلت لأعتاب الواقع. تبدأ قصة الحب هذه برسالة من كريم لناي، يحاورها حول موضوع نشرته على جدارها الفيسبوكي، يستمر النقاش وتتواصل الكلمات حتى تصبح بشكل يومي يتعلق كل منهما بالآخر. ناي أول الامر فتاة صغيرة مفعمة بالحياة ليست مرتبطة أما كريم يكبرها عمرًا لديه عائلة، الزوجة التي لم تكن العلاقة معها على ما يُرام وأولاد ويتحمل مسؤولية عائلته الاكبر. تنمو بينهما قصة عشق كبيرة تتأرجح بين الرفض والقبول والخصام والصلح والرغبة في الاستمرار والانقطاع، حتى تنتهي بمحاولة من كريم لمقابلة ناي والحاحه المستمر على رؤيتها، حتى انه وصل اليها في امريكا في مهمة عمل وحاول رؤيتها إلا أنها تراجعت في آخر لحظة. يكتب لها عن خيبته في عدم رؤيتها عن حبه وشغفه رسالة اخيرة معاتبا لها ومعتذرًا ومتمنيا لها حياة افضل. ترد هي لتكشف حقيقة ناي في الفصل الاخير من الرواية، الارملة مريم ام لطفلين فقدت زوجها في حرب من حروب البلاد وراحت تبحث عن وطن في بلاد الغربة وكان كريم جزء من الوطن الذي كانت تبحث عنه. لتنتهي الرواية بكشف كذبة ناي وغموض يحجب صورة الفتاة العشرينية ناي التي انتحلت شخصيتها مريم. ربما ما أخذ شيء من متعة الرواية وتشويق القارئ هو التفصيل الكثير الذي يدور حول علاقة ناي وكريم. مثلت الشخصيات في الرواية وجوه الحياة فكان عز الدين الزوج المفترض لناي الوجه الواقعي والعملي. اما عن كريم فهو الوجه المستغل الذي جعل مصلحته في المقدمة، وناي الوجه الذي تسيره العواطف والطيش، اما مريم فهو وجه الحياة المجبرة على الخداع والكذب، الحياة التي فقدت لونها وراحت تبحث عن لون آخر لتحيا من جديد. تمثل المكان في الرواية بمحطات أولها بغداد حيث الامان والأهل والزوج والاطفال، ثم تحولت دلالتها للموت والخراب والخسارة والفقدان. ونيويورك الوطن الجديد الذي أحتضن مريم ووفر لها حياة مستقرة وآمنة، بعد أن كان في الاساس هو المتسبب في خراب حياتها الأولى في وطنها الأم من خلال حرب فقدت هي وغيرها بسببها الحياة والاستقرار. اما المكان الثالث فتمثل بالحاسوب حلقة الوصل بين قلب ناي وكريم المكان الذي امتلأ الفة ومحبة. اما الزمان فأخذ بالتأرجح بين الماضي والحاضر، بالاسترجاع الذي عادت فيه ناي الى الماضي الذي اخترعته لنفسها. والحاضر الذي مثل وقفات زمنية ارتبطت بمشاعر مريم أو ناي مع كريم. ناقشت الرواية حالات حقيقة موجودة في عالمنا بصور مختلفة، أولها : هو خسارة الأهل وألم الفقد والويلات التي عاشها الشعب العراقي بسبب الحروب التي وقعت عليه، وثانيها : تشتت العراقي بين هويات كثيرة الوطن القومية الدين داخل وطنه، وانتماءه بين الوطن الام والوطن الجديد عندما يرحل لبلد آخر. اما الثالث : فتمثل بقصص الحب المقنعة التي شاعت بسبب مواقع التواصل الاجتماعي وكم الزيف والكذب الذي تحويه مثل هذه العلاقات رغم وجود الصدق في بعضها.

 

هـــديل حـــســام