صالح الطائيبعد ستة عشر عاما من الاستعمار الخفي تحت حجج تحرير العراق، وبعد أن عجزت القاعدة وداعش والتحريض الطائفي عن شل قدرات العراق كليا وتحويله إلى مجرد خرقة تستخدم لمسح ارضيات إسرائيل وأذنابها من دعاة الفرقة والطائفية، أمريكا تعلن استلام مقاليد الحكم في العراق رسميا وعلنا، وسيكون ذلك بموجب القانون، أقصد قانون H.R. 4591 الذي جاء ليعيد لسمعة إسرائيل هيبتها في العراق بعد أن تبنت التنظيمات العراقية، وتبنى الحشد الشعبي سياسة الوقوف بوجه التطبيع مع العدو الإسرائيلي.

جاء سن هذا القانون ليتقصد تحديدا إيران وكل ما ينسب إليها ويمت إليها بصلة، وأضع خطين أحمرين تحت (كل ما يمت إليها بصلة) للتوضيح، بما في ذلك بعض فرق الحشد الشعبي التي تطلق عليها أمريكا وأعوانها في المنطقة والعراق اسم (الميليشيات)، وهذا ما يفهم من تغريدة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي على حسابها بموقع "تويتر"، مساء الثلاثاء: (إن المجلس مرر مشروع قانون يهدف إلى التصدي لمحاولات إيران زعزعة الاستقرار في العراق). وما يتضح أيضا من قول أحد الذين أسهموا في تعديل هذا القانون بعد أن أضاف إليه أسماء حركات عراقية هي لواء "الفاطميون" ولواء "الزينبيون"، بعد أن كان مشروع القانون مقتصرا على "عصائب أهل الحق" و"حركة النجباء"، التي يدعون بأنها ترتبط بصلة وطيدة بمليشيا "حزب الله" اللبناني. هذا الشخص هو "جو ويلسون" عضو الكونجرس الأمريكي عن المقاطعة الثانية بولاية كارولاينا الجنوبية؛ الذي قال في بيانه: "لا بد من توفر استراتيجية شاملة لمكافحة النفوذ الإيراني المدمر في المنطقة. يجب أن تشمل هذه الاستراتيجية فرض عقوبات على منظمات إرهابية محددة في العراق وسوريا تدعمها إيران".

يذكر أن قانون H.R. 4591 سن ليعطي للرئيس ترامب والحكومة الأمريكية صلاحية فرض عقوبات مشددة على كل من يزعمون أنه يتسبب بزعزعة الاستقرار وتهديد الأمن في العراق، وهذا ما يتضح مما جاء في تقرير "معهد راند بول" الأميركي من أن القانون الجديد يدعو الرئيس الامريكي الى فرض عقوبات على اي اجنبي ينوي بشكل متعمد ارتكاب عمل من اعمال العنف له غرض او تأثير مباشر على تهديد السلام والاستقرار في العراق او حكومة العراق وتقويض العملية الديمقراطية في العراق او تقويض الجهود الكبيرة لتعزيز البناء الاقتصادي والاصلاح السياسي أو تقديم المساعدات الإنسانية إلى الشعب العراقي.

والغريب في الموضوع أن هذا القانون وفقا لما جاء في تقرير معهد راند بول يتضمن دعوة للعمل من شأنها المساعدة في الدفع باتجاه تصعيد مشروع امريكا  لزعزعة الاستقرار في ايران، ويمكنه استخدام ادعاءات التدخل الإيراني في العراق لبناء قضية التدخل الشامل في إيران للقيام بعملية عسكرية.

وهذا يعني بالقلم العريض أن أمريكا هي أكبر من يهدد استقرار المنطقة واستقرار العراق بعد ان دمرته، وشلت حركته، وسلطت عليه إمعات ودمى يحكمونه، وأن كل من يقف بجانبها في تطبيق هذا القانون هو خائن خيانة عظمى!

صالح الطائي

 

صادق السامرائيمظر، هاكذا، هاذا، ذالك، مظى، ويكتبون، ويكتبون ويعتدون بوقاحة على العربية ويهينون كلماتها وحروفها ولا يستحون من التواصل في الخطل النحوي والإملائي والتعبيري، حتى لتحسب أن الذي يكتب بالعربية عدوا لها، ويريد أن يشيّعها ويقرأ الفاتحة على روحها الطاهرة.

نقرأ الكثير على شاكلة ما تقدم من الأغلاط الإملائية، وقد يقول البعض أنها أخطاء مطبعية بسبب الكتابة على "الكي بورد"، لكنها تتكرر ويمكن التدليل على جهل كاتبها بأنها خطأ من سياق ما يكتب، حيث يظهر الضعف التعبيري والنحوي الفظيع.

وكل يوم تواجهنا رسائل ومقالات محشوة بالأخطاء الإملائية والنحوية التي تبعدنا عنها وتمنعنا من قراءتها لغثاثتها، فالذي لا يجيد العربية لماذا يكتب بها؟

ولماذا لا يكون مثل أحد الزملاء الذي إنزعج مني لأني أتخاطب معه بالعربية، فقال لي: الرجاء التخاطب معي بالإنكليزية لأني لا أجيد التعبير بالعربية، وهو من مجتمع العرب الأقحاح، وقد قدّرتُ طلبه لأنه يعترف بضعف المقدرة، ولا يتطاول على العربية ويكتب بها بإضطراب.

لماذا لا نعترف بضعفنا ونعمل على التعلم والتدريب، بدلا من هذا الإنتهاك الغادر لحرمات اللغة العربية، كتابة وخطابة.

أعجبني الرئيس التونسي السابق الدكتور المنصف المرزوقي عندما قال للمذيع الذي يحاوره ما معناه: عليك أن تتعلم كيف تنطق العربية وتتحدث وتحاور بها وإلا حاورني بالفرنسية، فأنا أعرفها، لكني لا أسمح لنفسي أن أتكلم العربية مثلما تتكلم بها، عليك أن تتقن لغتك، وهذا إعتداء على لغة الضاد أن لا تجيد إستعمالها وتحاورني بها!!

لذلك علينا أن ننبه بعضنا البعض على أخطائنا التي نرتكبها ونحن نتكلم ونكتب بالعربية، فقد تعجبت من غضب أحد الأخوة وهو في الهيئة التدريسية عندما نبهته على أن فيما يكتبه لي أخطاء إملائية فادحة، فهو يقول منزعجا : أنا أدرس الطلبة وأنت تصحح لي!!

قلت: ألا تعترف بأن ما تكتبه يزدحم بالأخطاء الإملائية، أم هو النكران وعدم الإعتراف بالخطأ ديدننا؟!!

لم يُجبْ!!

وهذه أحد مفردات مصائبنا الحضارية الكبرى، فنحن نحسب أنفسنا الأدرى بالدين والقرآن لأننا نتكلم العربية، بينما الحقيقة تؤكد بأننا لا نعرف من القرآن إلا رسمه، ولو قلت لأي منا أنت لا تعرف معنى ما تقوله من آيات لهب بوجهك غاضبا وإعتبر ذلك إهانة ما بعدها إهانة.

ذات يوم سألت جدتي عن معنى ما ترتله من القرآن وهي التي حفظته "عند الملاية"، وإذا بها تقول لي: كيف تسألني هذا السؤال يا إبني؟!

وزعلت عليّ جدتي، وكلفني كثيرا إرضاؤها!!

وجميعنا على هذا المنوال، وعلينا أن نواجه أنفسنا ونعترف أن علينا أن نتعلم اللغة مثلما يتعلم أبناء الدنيا لغاتهم، ويحترمون ألفاظها وأصواتها وقواعدها ويجيدون الكتابة الصحيحة والنطق الفصيح بها، وإلا فمن الظلم للغة الضاد أن ندّعي بأنها لغتنا ونؤذيها بما نكتبه وننطقه!!

فهل من وعي لغوي وإتقان نحوي وإملائي ونُطقي؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

محسن الاكرمينسوء التقدير: من مطبات الكتابة التنويمية حين نبحث عن المبررات والمسوغات غير المنتهية، حين نلعب لحظة على خطابات المشاعر المضمرة ونحرك سلة الدموع والنواح عن الأحداث الفزعة ثم نلوذ بعدا وراء و نكوصا عن التحليل النسقي للأحداث. حين نكتب فإننا لن نسبر النوايا الدفينة الغابرة بالعمق، لن نقوم بقراءة طالع الفنجان ونتكهن الحدث والنتائج، لن نركب على المواعظ المعيارية ونعتقد بأن المصاب ما هو إلا عقاب سماوي، بل نكتب لتفكيك نمط السلوك والأفعال الواقعية بالوقوع المفزع، نكتب لأجل تجاوز حدوث نفس المشكلة مستقبلا بلا مزايدات وضيعة وحطيطة.

الخطيئة الكبرى

ارتباط الخطيئة الكبرى بخروج جد البشرية طريدا من الجنة، ارتباط الخطيئة الكبرى كما كنا نستمع إليها من حكاية عمتي رحمة الله عليها  بغواية حواء لآدم حتى نال من الشجرة المحرمة أكلا، ارتباطها من مهد غيرة حواء الأسطورية ووسوسة الشيطان لها أن آدم يعشق امرأة أخرى، ارتباط الخطيئة الكبرى حين امتلك الشيطان من شيطنة الذكية عواطف حواء واستغل حبها غير المنتهي لآدم، حين وجه صورة وجهها نحو مرآة ماء جنة ساطع، حين خاطبها وعمتي تلون صوتها بالتحدي و التهويل، انظري إلى التي تعشق آدم، وهو بحبها متيم !!!، تقول عمتي، كانت حواء غبية حين لم تربط صورتها بالصورة المنعكسة من صفوة الماء، كانت تعشق آدم حد التملك، كانت تحمل غرورا ورأيا متنطعا، ولم تتساءل هي الصورة في وجه الماء، فمن أنا يا ترى!!!.

هي الخطيئة التي كانت عمتي تستدل عليها من خلال صورة ستر حواء عورتها بورق الغابة، وآدم بثعبان كبير يحيط متوسط طول جسده. هي عمتي التي علمتنا صغارا أن الخطيئة الكبرى تبدأ بالغواية والشيطنة الكبرى حتى حد ركوب الغرور الفردي.

زمن الخطايا الكبرى

بعيدا عن سيدنا آدم والذي أخرج سلالته من الجنة بثبات الخطيئة وبينة الاعتراف، بعيدا عن الشيطان الذي لازال يركب صناعة المآسي والحروب والقتل المفزع. يوجد الإنسان القاتل حين  قتل قابيل أخاه هابيل في الدنيا السفلية، يوجد الجنوح نحو سفك الدماء، هي تلك الجذور الثقافية الوافدة إلينا من الماضي القصي، والتي لازالت عالقة في مخيلة الإنسان عن بدايات الخطيئة الثانية والترتيب بلا نهاية.

حقيقة نستحق العلامة الكبرى في أننا أخطأنا المسارات، في أننا نكثر من الشفهي الممعير بقيم الأخلاق التي لا تفارق أوراق الكتب وجدران الفصول الدراسية، و أفواه أئمة المنابر، أننا نختلف في وسطية المسارات والقيم الأخلاقية الفضلى، أننا استغلنا الشيطان بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال وتهنا في الاختيارات، أننا لم نعر قيمة للإنسان في كرامته وتربيته والنموذج التوافقي الذي نرتضيه لحياتنا الجماعية

غابة المعرفة

للغابة حكايات وسر حي بن يقظان في الوصول إلى المعرفة الحقة، للغابة قوة حاكمة لا يخالطها شيطان مجابهة إلا في نزهة الإنس في الصيد القاتل، للغابة أحداث متناسقة زمنيا فكل حدث هو نتيجة لسابقه بقوة علاقة السالب و الايجابي.

حقيقة الغابة لم تمنع قابيل وهابيل من الاقتتال على نوعية القربان، لم تمنعهما من التمييز بين قربان البيئة الخضراء وإسالة دم الذبيحة، لكن الغابة حقيقة علمت قابيل من فعل الغراب كيف يواري سوءة أخيه، علمته الندم و التوبة، علمته بعد موت هابيل أن من يدخل الغابة من إنسي تزول حينها نبوءة السلم و تنكشف علوا سوداوية العلاقات "الغرابية" وقتل التلذذ. حينها نقول بأننا نشأنا من الغباء ومن الغراب تعلمنا ردم الموت و بناء الحياة، وسد فراغات العجز.

ماوكلي فتى الأدغال 

حين تحدث العلاقة الفارقية بين الواقع ومنطق اللامعقول تحصل الكوارث الإنسانية وليست الطبيعية، فمن المستحيل أن يتخلى اللعين الشيطان عن بناء الفخاخ والظهور بمظهر البراءة والبكاء على الضحية. إنه الذئب يأكل لحم الفريسة، و يبكي مع الراعي، و يلهو حينا مع الأغنام.

المشكلة العميقة حين لم تسعفنا لا ثقافتنا ولا تكويننا من تحصين الوسط الاجتماعي من الاختلالات المميتة، لم ينفعنا تفكيرنا المنطقي غير الغيبي من أن نكون جزءا من الحل بدلا من أن نكون موردا تفاعليا لصناعة الشيطنة المميتة.

الغابة الناعمة وجدنا فيها فزاعات قاتلة و مخيفة، وجدنا فيها شياطين من الإنس يتنفسون الهواء معنا بالتقاسم وممكن في أي لحظة أن يخنقوا أنفاسنا بالسادية. يقول (ماوكلي) فتى الأدغال " البشر يتعلمون من حكايات الحيوانات"، وقد صدق حين علمنا الغراب ردم الموت ومداومة الحياة، حين أصبحت أنثى الذئب الماكر أما محتضنة (لماوكلي) بالتبني والرضاعة، حين تولى الدب الأسود تربيته ورعايته بالتتبع والخوف عليه، حين كان الدب سيد فلسفة الحكمة وعلم موكلي أن الأطفال يعوزهم التركيز العقلاني للنجاة من المخاطر الجانبية، حين كانت نصيحة الدب فلسفة حياتية (لماوكلي)، حين تفر افعل ذلك بسرعة البرق، لأن من يهرب هو من يكون أكثر عرضة بأن يصير فريسة صائغة، فلا توجد في الغابة فرصة ثانية للحياة.

أنيقة أنت الحيوانات الكارتونية في الحكمة، حين علمتنا ونحن صغارا أن الفهد يصطاد عند الضرورة فقط، فلا مكان في الغابة لصيادي المتعة البخسة، فالقتل للمتعة صناعة وبلاهة من بشر البدائي.

"رأيي قابل للتعديل و التصويب"

 

ذ. محسن الأكرمين

 

عبد الرضا حمد جاسمالجزء الثالث: من 1989 الى 1999

في 08/08/1988 توقف أطلاق النار في أطول حروب القرن العشرين والتي لم تبدأ من 22 أيلول 1980 كما هو مؤرخ لها أنما بدأت منذ نزول الخميني في طهران من الطائرة التي أقلته من باريس أو لنقل منذ لحظة اقتحام الطلبة الإيرانيين لوكر التجسس ومخزن المعلومات /السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز الرهائن فيها، وما جرى من اذلال للمحتجزين وبلادهم، حيث حاولت الولايات المتحدة الامريكية حل الموضوع عسكرياً بعد ان عجزت على إيجاد حل آخر، دفعتهم هذه العملية الجريئة غير المتوقعة والتي وضعت في يد الحكم الجديد كل خبايا علاقات الولايات المتحدة مع الداخل الإيراني والمنطقة بأجمعها من الاتحاد السوفييتي الى الحبشة ومن سنغافورة والصين الى موريتنا والكناري.. خطط وتدخلات وأسماء عملاء وتحليلات وتفسيرات وتوقعات وتقارير وردود وخطط ومؤامرات وتدخلات وتداخلات ونوايا ودراسات.. ارشيف كامل لم تمتلكه يوماً دولة وحتى وزراء خارجية امريكان ربما لا يعرفون كل ما كان فيه بسبب موقع ايران بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية وهذه العملية واحدة من الأسس الكبرى بل اكبر الأسس في نجاح النظام الإيراني الجديد حتى في الحرب مع العراق التي دخلها وهو مضطرب داخلياً واقليمياً وهذا درس كبير.. كل ذلك دفع الولايات المتحدة الامريكية المرعوبة مما جرى الى ان تتهور في محاولتها انقاذ الرهائن بشكل ندمت عليه وتتوجس من تكراره لليوم وبالذات عندما دخل تفسير ما جرى في موضوع الغيبيات التي اسقطت العملية وكارتر وامريكا واتباعها ورفعت معنويات الاخر واتباعه بشكل عجزت عن التأثير فيه كل وسائل الاعلام والتجسس وهذه نقطة مهمة قد لا يأخذ بها البعض وبالذات دوائر التجسس ومراكز الدراسات لكنها تسري سريعاً بين عامة ناس المنطقة وقد فعلت فعلها بشكل لا يمكن تصوره.. وهي ما يخاف منها "المؤمن ترامب" اليوم

النتيجة توقف أطلاق النار في8/8/1988 في حالة كما "اقترحها" الاعلام أي لا غالب ولا مغلوب وهي وَهْم أرادهُ الاعلام ان يسود والصحيح هو ""الذي يبحث عن النتيجة يجب ان لا يفتش في المنبع بل عليه التفتيش في المصب"" أي بالعامية العراقية "لا تْدَوِرْ بالنَّبِعْ روح دَّورْ بالمَصَبْ" أي انظر حال إيران وحال العراق الان وليس في عام 1980 او عام 1988.

ظهر صدام حسين في ساحة الاحتفالات الكبرى في بغداد مساء ذلك اليوم ليحيي الجماهير التي "حُشِدَتْ" وكان باللباس العربي ليرسل رسائل كثيرة منها

1 ـ ان "النصر" الذي تحقق هو نصر لجميع العرب.

2 ـ رسائل الى إيران من انه ينشد السلم في المنطقة ولنقلب صفحة الحرب ونتحرك باتجاه السلام والبناء.

3 ـ رسالة لدول الخليج بأن لا تخافوا ولا تقلقوا من تنامي القدرات العسكرية العراقية.

4 ـ رسائل للمستثمرين العرب والأجانب من ان مضايف شيخ العشيرة مفتوحة لهم بكرمها "الصَّدامي" وكرم صدام حسين عابر للحدود فمن كرمه في منطقة الحياد مع السعودية وكرمه في منطقة الرويشد مع الأردن وكرمه مع الشاه في شط العرب وكرمه مع ميشيل عون في لبنان وكرمه مع ياسر عرفات وكرمه مع تركيا وهي تبني شبكة سدود جنوب شرق الاناضول ليعطش العراق.. و كرمه مع الكتاب والصحفيين وغيرهم.

ثمان سنوات حرب طاحنه على جبهة طولها أكثر من 1200كم فيها كل التنوع الجغرافي، مستنقعات وصحراء وتلال وجبال شاهقة وعلى طرفيها تداخل عائلي يمتد منذ ان تكورت الأرض وعاش الانسان وبأعماق تصل لعشرات بل مئات الكيلومترات. لا يمكن لعاقل أو يحمل ذره من العقل أو الانسانية أو الوطنية أو الشرف الشخصي والعائلي أن يفكر في فتح جبهة قتال بهذا الطول وهذا التداخل والتنوع.

 لقد أحترق في تلك الحرب كل شيء في البلدين وخَلَّفَتْ كل أشكال الدمار في النفوس والبني التحتية والاقتصاد والسمعة الاقليمية والدولية، حرب خَلَّفَتْ مئات آلاف بل ربما الملايين من القتلى الذي لا يعرف عددهم لليوم بالضبط ومثلهم من المعاقين بدون رعاية ومئات ألوف الأرامل وملايين الأيتام من دون معيل وخرج الفريقين كما "تنبأ"/خَطَطَ الكثير من المحرضين على هذه الحرب "لا غالب ولا مغلوب" والحقيقة الفريقين كانا مغلوبين "هذا في النبع" اما في المصب فالفرق بائن.

 لقد كان رصيد العراق المالي من العملة الصعبة حسب تصريح مدير البنك المركزي وقتها "أعتقد السيد عبد التواب الملا حويش" في الشهر الأول او الثاني للحرب بحدود (39) مليار دولار في ذلك الوقت وأتذكر انه قال في تلك المقابلة التلفزيونية انه يكفي حتى لو استمرت الحرب (11) شهراً.. خرج البلدين من تلك المحرقة بديون لا تُعد ولا تُحصى تجاوزت مئات المليارات من الدولارات مع خراب عام وانهيار أسعار النفط وتفشي امراض اجتماعية متعدد لم يكن المجتمع العراقي في غالبه قد سمع/لمسها/عرف بها ومن هناك بدأ أساس كل ما يجري في المجتمع العراقي اليوم من "انتحار ومخدرات ورشوة وفساد وتزوير وانحراف وحتى الطائفية والتعصب الديني والإرهاب". فما يُتَكَلَمْ عنه اليوم هو البحيرة "المصب" الذي صبت فيها تلك الأنهار التي نبعت من هناك ومن يتكلم عنها اليوم عليه ان يعود الى المنبع والمجرى الذي ربما ساهم فيه البعض او عايشه البعض او أطلع البعض على اسراره عن قرب.

أنسحب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان منكسراً عسكرياً وتَعِباً حد الإنهاك اقتصاديا وأخلاقياً وصارت أفغانستان بلداً محطماً ممزقاً تالفاً اجتماعيا وسياسياً واقتصادياً، لا يمكن إصلاحه وظهرت فيه شريحة منحرفة هم أمراء الحرب التي صنعتها الأموال السعودية والأعلام الغربي والشحن الديني وتحررت أرض المسلمين لتنتعش فيها تجارة المخدرات الغير محرمه دينياً وأشتد بعد بضعة أسابيع القتال بين المجاهدين لا على الغنائم كما حصل في "معركة أحُدْ" وإنما على من يدخل الجنة أولاً ببطاقة دخول موقعة من بعض أئمة النفاق والدجل والاجرام والإرهاب ليحصل على الخلود في أحضان الحور العين من خلال البر والتقوى في زراعة وتجارة المخدرات التي راجت وانتعشت وزهت تحت اشراف الامريكان واتباعهم ووفق فتاوى التكفير والاجرام. أين تذهب تلك التجارة والصناعة الفريدة من نوعها؟؟ أكيد ستنتشر من هناك باتجاه دول الطوق الأول لأفغانستان ومن ثم الى الطوق الثاني ومنها العراق الذي قال أحد المتخصصين ""ان العراق كان ممر للمخدرات فقط !!!!!!!!!! !!!"" ووصلت تلك الخيرات المباركة من رجال الدين الى الخليج.. وكأن هاتفاً ينادي بينهم أن أسرعوا فانتفض طلاب العلم والعلوم ومعهم العلماء الافذاذ في مدارس بيشاور ليحجزوا حصتهم ويتنفذوا.

"سأتطرق لموضوع المخدرات في مقالات خاصة ".

بعد حين تهاوى الاتحاد السوفييتي لتجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها منفردة كقوة عظمى وحيده بعالم مترامي الأطراف قلق متقلب ووجدت نفسها لم تكمل بعد احتلالها العسكري والاقتصادي للخليج ووجدت أن ذلك يحتاج إلى عمليه كبيره لا تقل في إثارتها عما جرى في أفغانستان فكان صدام كعادته جاهزاً هذه المرة "واعياً ام بلا وعي" أيضا لتقديم خدماته مصحوباً بجنون العظمة والانتصار المزعوم وقوة عسكريه "هائلة/آيلة" تم بناؤها بمساندة ودعم إقليمي ودولي وكذلك قيادة مطلقة سياسية وعسكرية بعد أن قام بالتخلص من كل من يريد أن يتخلص منه عسكري كان أو مدني حتى رفيق دربه وأبن خاله وشقيق زوجته ووزير دفاعه الفريق الركن عدنان خير ألله لأنه وجد أن هناك بطلين للحرب في تصوره ولما كان لا يحب أن يكون هناك من ينافسه فعل به كما فعلت أمريكا بالجنرال ضياء الحق بعد انتهاء حرب أفغانستان.

تم الإيحاء لصدام حسين "عن بعد او عن قُرب" بأن وقت استلامه الهدية الموعود بها عن خدماته الجليلة "بغباء او بشطارة" التي قدمها لأمريكا والسعودية طيلة أكثر من عقد من السنين قد حان وكانت الهدية كما لُّمِحَ له سابقاً أنها الكويت لحاجته الماسة لموانئها ونفطها وجزرها ولأنها أصلاً مشكلة قائمة لها جذور لم يُحسم أمرها، فتصور انه آنَ أوان حلها وبطريقته وبالذات عندما سمحت له الكويت بالاستفادة من بعض الجزر المتنازع عليها خلال الحرب مع إيران.

كانت هناك إشارات متفرقة ومتباعدة وغير واضحة "تعمدت" أمريكا إيصالها له جمعها بغباء مدعوم بعنجهية وعصبية وحماقة .. وبالذات بعد زيارة الوفد الكبير من اقطاب الكونكرس الأمريكي للعراق بعد انتهاء الحرب مع ايران أي في عام 1989 والوعود التي قدموها له بخصوص الدعم والاستثمار وزياراتهم لمعامل ومصانع التصنيع العسكري والتقاط صدام حسين مزهواً للصور الفردية مع كل عضو من أعضاء الوفد حتى قيل ان منهم من شَّبَهَ صدام حسين حينها ببطل مسلسل دلاس الذي كان يُعرض في حينها.. جمع صدام كل تلك الامور ليحللها ويحكم بها على الأمور فالتبست عليه فطلب مقابلة السفيرة الأمريكية وليس استدعاء السفيرة وطرح عليها كل تلك الإشارات وسمى الكويت صراحةً.. وبنفس "الموهبة" و"الحماقة" أستنتج بعد اللقاء أن هناك عدم ممانعة أمريكية وبالذات عندما أخبرته السفيرة بما معناه إن هذه المسألة تحل بين البلدين وأمريكا لا تتدخل في ذلك.

لم يسأل صدام حسين نفسه لماذا عينت الولايات المتحدة امرأة سفيرة لها في بغداد في أشد الظروف دقه وحراجه، هل لأنها الأكفاء؟ ولم يمر على باله أن "أسياده" يعرفون كل صغيره وكبيره في نفسيته فتم تحريكه تحت "التأثير المغناطيسي" للسفيرة ليرتكب حماقته القاتلة له والمنتظرة من أمريكا حيث تصور صدام حسين أن أمريكا حصلت على ما تريد واحتلت الخليج وحان وقت حصوله على الهدية اي الكويت "احتلالاً أو استرجاعاً" لتكون هديته الموعود بها وكأنه في جلسة فصل عشائرية وهو قد تعود او تعلم أن في السياسة بين الدول هناك تبادل للهدايا.. "معروف عنه أنه من أكثر من قدم الهدايا ".. منطقة الحياد مع السعودية والرويشد مع الاردن وشط العرب مع ايران ولا نعرف عن هداياه لتركيا وحتى الكويت.. "كما ورد اعلاه

كان في رأس أمريكا أكبر مما في رأس صدام حسين المحشو بالعصبيات المقيتة ف"غدرت" به هذه المرة وهذا ما أكده صدام في بيانه المرتجف في فجر يوم (عاصفة الصحراء )في 17 كانون ثاني 1991حيث استهل البيان بعبارة ( لقد غَدَرَ الغادرون ) وفي اللغة أن الغدر يعني نقض العهد أو التصرف بخلاف الاتفاق والغدر لا يطلق على عمل الأعداء وإنما على عمل من كان يظَنْ أنهم أصدقاء أو حلفاء .

إن احتلال صدام للكويت دفع دول الخليج الهشة إلى الطلب بقوة من أمريكا لحل الموضوع وحماية دول الخليج الأخرى وبالذات عندما شاهدوا العائلة الحاكمة في الكويت كيف فرت من البلاد تاركين ما أذلوا به الآخرين وحاولوا المساس به بالعراق لمن دفعوه لمقاتلة إيران وساهموا بإزهاق مئات الآلاف بل الملايين من الأرواح البريئة وساهموا بترمل وتيتم مئات الآلاف من العراقيين والإيرانيين وهم ينفخون في نار الحرب ثماني سنوات . وبعد فبركة صور توجه دبابات عراقية باتجاه الحدود الكويتية السعودية وقلقهم من تَصَّورْ طرق "عقولهم" وهو ربما ان أمريكا تريد شخص واحد يقود المنطقة لتتعامل معه حتى لا تضطر الى التعامل مع عدة اشخاص وبالذات في موضوع الطاقة.

حشدت أمريكا الرأي العام العالمي والدول وحصلت على موافقتها وشعوبها ومجلس الأمن لاحتلال كل الخليج عسكرياً بحجة "تحرير الكويت" وأن تدفع دول الخليج ثمن هذا الاحتلال في وقته وللمستقبل وهذا واحد من أسباب بقاء صدام حسين في السلطة والى وقت غير محدد لأن رحيله في ذلك العام يعني أن المنطقة ستنعم بالهدوء بعد تحييد إيران وهذا الهدوء لا يستدعي هذا التواجد العسكري المرعب للقوه العسكرية الأمريكية مع تفكك الاتحاد السوفييتي .الهدوء يعني الدعوة لرحيل القوات الأمريكية بعد انجاز عملها بسرعة وهدوء أو على الأقل تَحَّمُلْ أمريكا نفقات تواجدها ودفع أيجار قواعدها العسكرية. والهدوء يعني تشجيع من يطالب بإخراجها أو يفكر بالعمل على ذلك وهذا مالا ترغب به أمريكا أو دافع الضرائب الأمريكي الذي تربى ان يصفق للرئيس الذي يشعل الحروب ويُزيد القتلى لذلك ترتفع شعبية مثل هذا الرئيس الا ان ترتفع اعداد قتلاهم العائدين حتى يبدأ الحال بالانقلاب الذي يتصاعد حد الدعوة الى الهروب مع ارتفاع عدد العائدين ملفوفين بالعلم الأمريكي وهذا حصل في كل حروب أمريكا وسيستمر هذا الحال. "هذا حال الشعب القدوة والمجتمع القدوة والنظام القدوة"

قيل ان شوارسكوف ذكر في كتابً له عن عاصفة الصحراء: (إن الولايات المتحدة الأمريكية عاشت اشد أيامها قلقاً للفترة من2 آب 1990 إلى اكتمال تمركز القوات الأمريكية بقوه في الخليج). لم يكن القلق الأمريكي ان كان هذا الطرح صحيحاً بسبب احتلال الكويت وإنما من أن يعود صدام حسين إلى رشده وينسحب من الكويت ويفوت الفرصة الذهبية على الولايات المتحدة الأمريكية لإتمام احتلالها للخليج ويشجع الترابط العربي من خلال نجاح المساعي العربية في حل هذا الموضوع المعقد. فكانت الولايات المتحدة الامريكية تبعث له بمندوبين من العرب والأجانب "بعلمهم وبدون علمهم" وبالذات من اهتموا بالمحتجزين من الأجانب في العراق بحجة البحث في اطلاق سراحهم وكان صدام كلما سمع كلمة تطمين بعدم وقوع الحرب يتفضل على حامل الرسالة بالاستجابة الى طلبه بإطلاق سراح مجموعة من المحتجزين.

وبعد طرد العراق من الكويت بتلك الصورة المرعبة.. و انطلاق انتفاضة اذار 1991 اهتزت المنطقة من جديد بنفس قوة اهتزازها عندما انطلقت ونجحت انتفاضة الشعب الإيراني على الشاه .. فتوسل الشيوخ والامراء بالحامي الجديد ان يتفضل عليهم بالحلول. فقالت لهم أمريكا: ""غالي والطلب رخيص"" .. دعونا نتصرف منفردين وعليكم تنفيذ ما تؤمَرون به خانعين خاضعين .. ففتحوا ابواهم على مصاريعها وحتى أبواب بيوتهم وفيلل خلواتهم للمحرر الأمريكي وسُجِلَ الخليج ارضاً وماءً سماء في "الطابو/الشهر العقاري" باسم الولايات المتحدة الامريكية وبتوقيع كل أصحابه الأصليين ..

أكملت أمريكا احتلال منابع النفط في الكويت بمباركه عالميه حكومية وشعبيه قل نظيرها وبدأت التخطيط لاحتلال منابع النفط في العراق صاحب الاحتياطي النفطي الهائل وهذه المرة بشكل علني وبموافقة شعب وحكومة العراق التي تدربها أمريكا.

وخطة الولايات المتحدة لا نجاز ذلك تمثلت بالآتي:

1ـ إفراغ العراق من كل عناصر البناء من المبدعين في كل المجالات العلمية والأدبية والفنية أو إذلالهم في بلدهم.

2ـ إيصال الشعب العراقي إلى حالة الانكسار النفسي والإحباط والضعف كي يقبل بأي بديل مهما كان هزيلاً.

3ـ ألامعان في محاصرة صدام ومضايقته وأهانته لدفعه لممارسة العنف والتقتيل لتكون الكارثة أكبر لتحقيق النقاط أعلاه وبذلك يكون البديل الأمريكي بمنزلة المنقذ صاحب الفضل الكبير ويكون لأمريكا دين كبير في أعناق الأجيال القادمة من العراقيين. وهذا جرى من خلال تفتيش وتصوير حتى أماكن راحته الخاصة والقصور الرئاسية.

4 ـ استمرار الحصار لقتل وهدم كل طموحات الأجيال القادمة وتغيير أولوياتها واهتماماتها إلى اهتمامات سطحيه استهلاكية مما يسهل اقتيادها مستقبلاً وفي ذلك استمرار حالة "القطيع" لكن لراعي جديد غير صدام والبعث.

5 ـ تحييد كامل للعراق في موضوعة فلسطين وإسرائيل حكومياً وشعبياً.

6 ـ ترك الوضع في شمال العراق/كردستان عائم واعتبار منطقة الحضر الجوي منطقة حماية لتركيا والشركات المستثمرة في المشاريع المائية في جنوب شرق الأناضول وبذلك تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا من السيطرة على الموارد المائية للمنطقة وضمان سد احتياجات إسرائيل المائية في أي حل للقضية الفلسطينية وهذا ما يفسر التأييد الأمريكي المطلق لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي الذي أكده الرئيس الأمريكي كلينتون في مؤتمر الأمن الأوربي الذي عقد في تركيا ومباركته لقرار المؤتمر بترشيح تركيا لذلك في حينها.

7ـ استمرا أمريكا بعلاقاتها الاستخباراتية مع صدام حسين وتزويده بكل ما يتوفر لديها عن محاولات الانقلاب عليه وما حصل في محاولة الانقلاب المعروفة "محاولة الحكيم راجي التكريتي" دليل على ذلك.

أن الولايات المتحدة الأمريكية اعتقدت أن بقاء صدام في العلبة كما قال كوهين وزير الدفاع الأمريكي خلال زيارته للخليج في تشرين ثاني عام 1999 أفضل لها في تلك المرحلة إلى ما بعد السلام الشامل في المنطقة الذي بشر به مؤتمر مدريد.. الذي كان واحد من نتائج حرب تحرير الكويت والنتيجة المهمة الأخرى هي اشتراك جيوش دول عربية تحت قيادة الولايات المتحدة الامريكية في الحرب فأصبح للإسرائيلي وللأمريكي وللعربي عدو واحد هو صدام حسين والعراق وهذا ما نلمس نتائجه اليوم. ""لا تْدَّوِرْ بالنبع روح دور بالمصب.. تلكَه الحال الأصح والأصوب""

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

حميد طولستعلى الرغم من المثال الصارخ والمتمثل في فوز المنتخب الجزائري بكأس إفريقيا، بمدر محلي "جمال بلماضي" ورغم الهزائم التي طالت لوائح قيدها، والنكسات التي تنوعت مذاقاتها، التي عرفها ويعرفها المنتخب الوطني المغربي، على يد المدربين الأجانب والذين أصبح معهم الأمل ضعيفا في إعادة بناء المرفق الكروي، والرفع من كفاءته وفعاليته وإنتاجيته، والارتقاء بمردوديته، رغم هذا وذاك، لازال الكثير من المسؤولين، يعتقدون بأنتجاوز ما تعيشه كرة القدم المغربية نحسها وشؤمها وأزماتها المفتعلة، التي لا تكاد تخرج منها الرياضة المغربية عامة وكرة القدم خاصة، حتى تلج في محنة أشد منها وقعا وقساوة، لا يمكن ان يحدث، في نظرهم، إلا على يد المدربين الأجانب وأطقمهم الفنية والتقنية الأجنبية ومُرافقي مُرافقي مُرافقيه الأجانب أيضا، والذين تعددت أسماؤهم، وتنوعت جنسياتهم، من "هنري كاسبيرزاك" و" فليب تروسي" و"هنري مشيل" و"لومير"، و"إيريك غيريتس" و"هوفي رونارد" آخرهم، الذي من الأكيد لن يكون أخيرهم، مهما كانوا، وأيا كان مستواهم، المهم أن يكونوا أجنب حتى لو كانوا من "جوطية وخرذة" الضفة الأخرى، إيمانا من هؤلاء بأن"مغنّ الحي لا يطرب" وأن الأجنبي يمتلك جميع الخواتم والعصي السحرية، التي تستحق أن تصرف أموال المقهورين، للاستفادة من بركات خبراتهم، التي يُنسى أو يُتناسى أنها كانت متواضعة في الكثير من الأحيان، وجرت على المنتخب الوطني العديد الهزائم التي طالت لوائح قيدها، وتنوعت مذاقاتها، على أيديهم..

فأنا هنا لست يصدد التشجيع على إقالة المدرب الأجنبي أو دفعه للاستقالة، والذي يطالب به الشارع المغربي عبر مواقع التواصل الاجتماعي كلما عصف به الحزن مع أي كلما إخفاق أي مشروع رياضي أو كروي، لإن الإقالة أو الإستقالة لا تصلح مجال الرياضة المغربية عامة،، ويبقى الحل الوحيد والأوحد الذي يمكن أن ينفذ الشأن الكروي الوطني من النحس والشؤم والأزمات التي ألمت به، هو التدخل الفعال لتغيير سياسة ومنهجية الجامعة الملكية لكرة القدم، وتحريرهامن التبعية وتسلط الانتهازيين والمتطفلين على شؤونها، وعقلنة ميزانيتها الضخمة وترشيد نفقاتها وعطاياها الحاتمية، والتشدد في تحديد مسؤولية النتائج المخيبة للآمال، وربطها بالمراقبة والمحاسبة، وخاصة إذا غابت عنها ومنها السياسة الرياضية الرزينة، والتسيير الكروي الحكيم والمعقلن وعمتها العشوائية والتسيب واستغلال الفرص لأغرض غير رياضية، لأن جوهر المشكل ليس في المدرب بقدر ما هو في المسؤول الخائب، والموظف الكسول، واللاعب غير الموهوب، والمسير الرياضي الفاشل الذي لا علاقة له بالرياضة، لا من بعيد ولا من قريب، والذي يحيل ويعلق أسباب فشله على المدرب وعلى عشب الملاعب، على الظروف الجوية ويحمل تبعاتها للمعتقدات البالية كـ"التقواس"مثلا.

ورغم أن البناء أعوج، والحائط مائل، إلا أن ذلك لا يبرر، ولا ينبغي له أن يبرر فقدان الأمل، كحالة وجودية، وحيوية داخلية، لا شك ستدفع بالمسؤولين الوطنيين المخلصين من بمحبي كرة القدم، الذين تعصف بقلوهم الأحزان كلما ألمّت هزيمة أو خسران بمنتخبهم الوطني، وتشملهم الفرحة العارمة كلما حقق تقدما أو انتصارا، نعم ستدفع بهم إلى تغيير حال هذه الرياضة الشعبية وتطوير مصائرها ..

 

حميد طولست

 

عبد الامير العباديالمعارضة لاي نظام لن تكون معارضة ان لم تكن ولادتها من رحم الوطن وشعبة، والشعب العراقي انجب معارضة سيما في ظل مقارعة النظام الملكي كانت تحمل خصوصية كونها تمثل القوى الداخلية الرافضة بغض النظر عما آلت الية احداث ثورة تموز الا ان الثوب الذي كانت ترتدية ثوبا عراقيا خالصا الا في ظل بعض الدعم من عبدالناصر للقوميين ومع ذلك كان الاصل هو تفضيل الحس الوطني على القومي وحتى الاممي للشيوعيين والذي كان يسير وفق شعار قوى تنظيم حزبكم قووا تنظيم الحركة الوطنية

والمعارضة في ظل صدام حينما كانت تخوض غمار الرفض انما اتضح انها تتلبس ثوبا وحليا تم فصاله خارج الوطن بدليل ان المؤتمرات التي عقدت لهاكانت مؤسس لها في دهاليز قوى اجنبية

اميركا وايران وتركيا ودول اخرى كانت نتيجته الاصطفاف مع دول ما يطلق عليه التحالف الدولي  وايران اذ تم تسليم وطني الى هولاء

وبكل اتجاهاتهم الاسلامية والعلمانية فكانت اسوأ معارضة مرت في تأريخ العراق

نعم ازيح كابوس النظام الصدامي لكن هذه المعارضة لم يكن لها سوى ان تأتي خلف الدبابات الاجنبية وتتولى ادارة البلاد في البداية تحت اوامر برايمر لتتوالى الاحداث تحت هذه الاوامر ، مجلس حكم، جمعية لا وطنية، دستور، قوانيين انتخابية، رواتب، امتيازات، ارادة سليبة موجهة

ومن لا يخجل او يستحي منهم يسمي نفسه معارضا،

ومن غرائب الامور الان ترفع اطراف من ذات هذه (المعارضة) لتقول للشعب اننا الان في خانة المعارضة وهي تشتري نكرات المجتمع لتشكل معها جموع بائسة ترفع شعارات تعارض الدولة التي هي جزء منها، يالخستها وخسة من يسير تحت ركابها.

ان ما يجري من مناكفات بين هذا القوى ما هي الا مسرحية سمجة اخرجت لجمهور اكثر سذاجة اذ ان الجمهور والشعب الاصيل الان يتفرج وينتظر لحظة انقضاض على هولاء الذين باعوا وطني

وسرقوا احلام فقراءه واطفاله وشيوخة وعلى الباغي تدور الدوائر

 

عبدالامير العبادي

 

هادي جلو مرعيهكذا تبدو الأمور، فلم يعد من ملاذ وملجأ من ملاحقات دول عربية كبرى وقوية للإخوان المسلمين سوى تركيا وقطر اللتان تتبعان سياسة ممنهجة لمناكدة الدول العربية الرافضة للإخوان، والتي تحاول بقوة إنهاء تجربتهم العتيقة في المنظومة العربية السنية، فقطر تعمل بجدية عالية، ولايبدو إنها مترددة لإحتواء عدد كبير من المواطنين العرب والمسلمين المنتمين لتنظيم الإخوان الدولي، وهي تستهدف من خلال ذلك صناعة التغيير في المنطقة التي تشهد توترات متصاعدة، ومنقسمة على مايبدو بين معسكرين أساسيين تتقدمهما من جهة الدوحة وأنقرة، وفي الجهة المقابلة الرياض والقاهرة، وقد تعمق الخلاف بعد إندلاع ثورات الربيع العربي، وصعود نجم الإخوان، ثم تهاويه بسرعة في مصر، والأزمة الخليجية بين الدوحة من جهة، والعواصم الخليجية الرياض وأبو ظبي والمنامة من جهة أخرى مع مارافق ذلك من تزاحم نتيجة الحرب في اليمن والمشاكل مع إيران، وتطورات الأحداث في العراق وسوريا وليبيا، والوجود الأمريكي الصادم في المنطقة العربية والشرق الأوسط.

تكاد الدوحة أن تكون في غضون أعوام قليلة عاصمة لدولة مختلفة غير تلك التي إعتدناها، أي ليست قطر التي كانت جزءا من مجلس التعاون الخليجي، والتي تتبنى مواقف معينة، والمرجح أن عددا وافرا من أعضاء التنظيم سيفدون الى قطر يعملون في مختلف التخصصات الطبية والهندسية والرياضية والأدبية والبحثية، وسيشكلون عماد الدولة الجديدة التي تطبعها ثقافة التنظيم الدولي المتماه مع نظام الحكم في الدوحة، ومع الجمعيات والعلماء الذين توطنوا هناك، وتربطهم علاقات وثيقة مع أعضاء التنظيم في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، والذين يدعمون التنظيم ماليا وإعلاميا.

الدولة القادمة ستكون دولة عقيدية قوامها الوافدون العرب والمسلمون من خلفيات إخوانية، والذين قد يشكلون جبهة قوية متماسكة في وجه الطموحات السعودية حيث يجمعهم الخوف من الملاحقة والقبض، ويمكن أن يكونوا قوة ممانعة تجعل الدولة دولة إخوانستان بدلا من دولة عمالة أجنبية وكفاءات علمية وحسب، حيث تجتمع تلك الكفاءات في ظل عقيدة دينية تجعل قطر واضحة المعالم، لها صورة واحدة على العكس تماما من بقية الدول التي تتنوع فيها الوجودات الدينية والسياسية، وتعاني المشاكل والتحديات الصعبة.

لانعلم تحديدا كيف ستتطور الأمور، والى أين تتجه المآلات في المنطقة، ولكننا ندرك تماما أن هناك المزيد من الإثارة والمشاكل والعقد التي يصعب حلها.

 

هادي جلو مرعي

 

علي عليإن من أبرز العلامات الفارقة لساسة العراق الحاليين، والمسؤولين عن مصائر الملايين من المنتظرين على أحر من الجمر لما تأتي به اجتماعاتهم، هي مضيعة الوقت والمماطلة اللامنتهية في جلساتهم القريبة الى الرومانسية والمجاملات وتطييب الخواطر وتقريب المصالح -الخاصة طبعا-. هي مضيعة توحي للمتابع أنهم في مقهى او منتدى او (coffeeShop).. وعادة ماتخترق رومانسيتهم خلافات واتهامات يتقاذفون بها يمينا وشمالا، علّها تقع في ساحة أحدهم فيشيرون اليه بالبنان واللوم والتقريع، وبكل ما يمتلكون من أدوات السباب والقذف والشتائم.

الشماعة، هذه الكلمة التي باتت توأم فشلهم، يعلقون عليها نتاجات أخطائهم، متصورين أنها تشفع لهم وتبرئ ذممهم من الذين كان الخطأ بحقهم، وفاتهم أن هذه الشماعة محدودة التحمل، حيث ان طاقتها قد تستوعب بعض الاخطاء التي تغتفر، منها مثلا نسيان موعد عمل اوزيارة صديق اوعيادة مريض اوتبضع من السوق اوغيرها. لكن هناك مواعيد لاتحتمل تأجيلا أو تأخيرا، وأحيانا تكون مصيرية ويقف على نتائجها انسان او اكثر. من هذه المواعيد توقيتات إصدار القوانين والقرارات التي عادة ما تصدر من أحد المجالس الثلاث، ولاسيما مجلس النواب. وقد تعودنا في دوائر الدولة ومؤسساتها على أنماط معينة في سير الأعمال، يدخل الروتين والرتابة في مفاصلها جميعا، مايسفر عنه عدم جدوى في النهاية. لكن الأمر في مايصدر عن مجلس كمجلس النواب مختلف، لاسيما أن العراق مازال (محلك راوح) -إن لم نقل إلى الوراء در- وقد مضى على ولوجه حياة الديمقراطية مايربو على عقد ونصف العقد، وحريا بقادته الإسراع في خطاهم واختزال الزمن للحاق بركب الأمم التي اتسعت مابيننا وبينهم الهوة في مجالات الحياة كافة.

وبأول نظرة وتصفح للأنباء اليومية في الوكالات والفضائيات، نرى أن جل الأخبار تتناول عمل البرلمان، ناقلة اجتماعا او قراءة مشروع او إرهاصات تصويت على قانون، لكن (بلا قبض). فسلم القرارات يأخذ وقتا كما نقول: (جيب ليل واخذ عتابه)، فيما الملايين من المواطنين فاغرة فاها، بين خريج ينتظر بابا يفتح أمامه لممارسة اختصاصه في دوائر الدولة، او متقاعد ضامه العوز من غلاء المعيشة من جهة، وقلة مرتبه التقاعدي من جهة أخرى. أو عامل يرنو الى فرص عمل في البلاد يستطيع من خلالها كسب رزقه بعرق جبينه. او أرملة فقدت معيلها في ركن من أركان البلد من جراء تفجيرات هي بدورها وليدة خلافات الساسة وصراعاتهم. او أطفال حاقهم اليتم حتى ضاقت بهم سبل العيش. او شرائح أخرى لم يكن لهم ذنب في تردي حالهم المعاشي، كان الأولى بمجلس النواب الإسراع بالنظر الى احتياجاتهم وتوفير الضمانات الاجتماعية لهم. والقائمة تطول لو أردنا سرد الباقين من شرائح البلد.

فهل انتم متأثرون ياساستنا بهوايات بعض العراقيين في اقتناء الساعات بأشكالها وأنواعها وعلى اختلاف اسعارها، وهم في ذات الوقت يضيعون من ساعات اليوم أكثرها؟ فاليوم لاتخلو جدران اغلب البيوت العراقية من ساعات جدارية فخمة منها ساعات تمتد من سقفه حتى ارضيته إلا انها لاتعد ثانية واحدة من أعمارنا فهي (للزينة) فقط. واليوم ايضا اصبحت ساعاتنا في معاصمنا وهواتفنا وعلى مناضدنا ولاتخلو منها مركبة إلا أنها تحت مسمى: (راس حاجه). ليت ساستنا يكونون قدوة لنا في استغلال الوقت واستثماره، لاستدراك التأخير الذي لحق بنا في العقود الأخيرة لعل قائمة تقوم لنا وننهض من جديد.

 

علي علي

 

نايف عبوشلم نتفاجأ عندما كرمت الرابطة العربية للآداب والثقافة، فرع الموصل، الشاعر المبدع أبو كوثر، بدرع الإبداع، في مهرجانها الشعري المميز، بتاريخ ١٦ /تموز /٢٠١٩، في منتدى الرابطة بالموصل. فالشاعر الكبير ابو كوثر، يمتلك حسا مرهفا، ووجدانا شاعريا متدفقا، وخيالا عاطفياً متوقدا. وبموهبته الشاعرية، وسلقيته التلقائية، كان قد أبدع الكثير من القصائد العمودية العصماء بالفصحى، ومنها سينية الحدباء الشهيرة، التي تغنى فيها بالموصل العتيدة، والتي حظيت بقبول واسع، وإعجاب منقطع النظير، حتى جرت بإيقاعها العاطفي على كل لسان، وألقيت في الكثير من المحافل،حيث يقول فيها :

وفي عيوني ترى الحدباء شاخصـة    ام الرمــاح وعهــدي ناسـها ناســي

حورية الجيد في سـيمائها حــــدب      كأنـــها مــلك يـرنــو لـجــلاســــي

غفت على النهر واهتزت جوانبها      بالورد والكرم والصفصاف والآس

ام الربيعين مــا ابهــى مــرابعــها      ومــــا ارق هـــواها والـهوى قاسي

وفي الشعر الشعبي، نجح الشاعر المبدع أبو كوثر، في توظيف المفردة الشعبية في نظم الزهيري، والعتابة، بأعلى درجات الاقتدار، وفي بلاغة متناهية، اختطف معها حس المتلقي، وهيمن على مشاعره، حتى بات يتولد لديه حسا بالشغف بمقول الشاعر أبو كوثر، وكأنه هو الذي قاله.

ويمكن ان نتلمس جماليات التوظيف الابداعي للمفردة الشعبية في نصوص الزهيري، عند الشاعر احمد علي السالم(ابوكوثر)، بمهارة عالية في الكثير من نصوصه، التي منها قوله:

راحن ليالي السعادة  ياحمد  ما يجن

رمدن عيوني وعكب كت الدما ماي اجن

افطن عليهم ويوجعني الجرح مايجن

ليلي عليهم  وأدور  للجرالي  طب

والسكم هدم اركاني وعلى عظامي طب

راحوا الجانو طبعهم  يزرعون الطيب

عفية على العقل صاحي ياحمد وما يجن....

ولا عجب في ذلك.. فالشاعر ابو كوثر، هو سليل جده الأديب درويش الخضر العابد، الذي أبدع أروع نصوص العتابة، والتي تم أداء البعض منها بصوت الفنان الكبير الملا ضيف الجبوري، أسطورة الغناء، والعزف على الربابة، في حين لا يزال الكثير من تلك النصوص متداولا بين الجمهور، لجودته، رغم مضي فترة طويلة على نظمه.

مبارك للزميل الشاعر المبدع أبو كوثر، درع الإبداع، وباطراد التألق والعطاء، وسقيا لديرة جنوب الموصل، التي أنجبته .

 

نايف عبوش

 

على مر السنوات السابقة رافقت الشعب العراقي  المرارات والخيبات وتحديداً مع بدء العملية السياسية في العراق ثم سلوكها طريق التحاصص والتخندق وإيثار الأقارب حزبياً و أسرياً وعشائرياً على الكفاءات والمتخصصين الأباعد طوال هذه السنوات المتعاقبة، حتى أصبحت هذه الحالة ثقافة راسخة في مفهوم المجتمع العراقي، خلافاً للمبدأ السامي المعتمد دائماً من قبل المجتمعات المتحضرة  والدول المتقدمة والمتبنى من الجهات التنموية في المؤسسات والمنظمات العالمية والدولية التي تحمله كفرض عين وهو (الرجل المناسب في المكان المناسب).

هذه القاعدة الذهبية دائماً ما تأتي بالنتائج المرجوة التي تزرع الثقة والأمل في نفوس المتأملين وتأمن لهم مصداقية إيمانهم بهذا المبدأ الرائد،

مرت علينا وعلى العراق هذه السنوات الطوال ونحن نرى التخبط والتقهقر والانتكاس في غالبية توجهات الدولة على المستوى الداخلي والخارجي،

وكما هو معلوم كانت هناك ردود أفعال إزاء هذا التراجع تميزت بالشدة مرة وباللين مرة أخرى وتمثلت  في مطالبات ومظاهرات ومناشدات من أجل تبني الأطر الصحيحة في إختيار المسؤول المناسب بما يحمله من مؤهلات ومواصفات تجعل منه قائداً حقيقياً في ميدانه الزاخراً بالمتعرجات والمنعطفات وعليه إن يثبت لمتابعيه ومراقبيه إنه البطل وأنه أهلا لِما تكفل به،

لم نجد صورة مشرقة وواضحة في عالم العتمة أكثر اشرقاً ووضوحاً من صورة إختيار الدكتور الكبير والأستاذ البارع عبد الأمير الحمداني وزيرا للثقافة والسياحة والآثار فهو المتخصص في أكثر مجال إذ أنه الاثاري المتمرس والأديب الكبير والمواكب في تخصصه الأول حيث أكمل الماجستير والدكتوراه في الولايات المتحدة الأمريكية كما أنه قام بالتدريس في الجامعات الأمريكية فضلاً عن الجامعات الأخرى في دول عربية وأجنبية،

 هذا الرجل ربما يكون الرجل الأول ضمن مبدأ (الرجل المناسب في المكان المناسب) بصورة مطابقة في العراق فليس كافياً إن يكون التخصص وحده يعطي لهذا المبدأ إستحقاقاته الثمينة بل لابد من المؤهلات الأخرى، والصفات اللازمة من صدق وإخلاص وتفان ومعرفة تامة بمجريات المسؤولية ومتابعة لكل شاردة وواردة لآخر الاهتمامات الدولية ضمن إطار التخصص، وما يترتب على ذلك من لقاءات ومؤتمرات وزيارات تصب في ذات الفحوى،

لذا كانت النتائج مبهرة وسريعة فالرجل مازال الوقت  مبكراً أمامه في ظن الكثير من أبناء الشعب استناداً  على القياسات السابقة لكنه إستطاع أن يقدم إنجازاً كبيراً ومهماً بوقت قياسي، تجلت أهميته في عمقه الحضاري وصداه العالمي وحاجة العراق إلى مثل هذه الإنجازات العظيمة في ظل تراجع تشهده الساحة الداخلية والخارجية،

وهذا الإنجاز هو وضع (آثار بابل) ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو ولا شك إن هذا الإنجاز يترتب عليه الكثير من الميزات منها الحماية الدولية والدعم المادي والإعلامي وبرامج كثيرة تهدف إلى إبراز آثار بابل بما تستحق من مكانة تأريخية وحضارية كما أنه يعيد الأمل والثقة للشعب العراقي المحبط نوعاً ما ببعض قادته ومسؤوليه وعلى رأسهم  الأستاذ الحمداني إذ لولا جهوده المشكورة والمباركة لما حصل هذا الإنجاز الكبير في ظل التراجع والتقهقر على أكثر من صعيد.

فله منا ونيابةً عن أبناء شعبنا الأبي كل الثناء والتقدير مشفوعاً بدعواتنا وأمنياتنا إن تحقق على يديه مزيد من الإنجازات والنجاحات خدمةً لبلدنا الحبيب.

 

رسول مهدي الحلو

العراق

 

ميثم الجنابيفلسفة البعث والرسالة: لقد اغرم الارسوزي حد الجنون بفكرة بعث الأمة العربية، بحيث أنتج لنا لاحقا جنون البعث. والجنون كما يقال فنون. وأحد فنونه الكبرى التي تماهت مع شخصية وإبداع وحقيقة الارسوزي تقوم في ربط فكرة البعث القومي العربي برسالتة الخالدة. والمقصود بفكرة البعث (القومي) عند الارسوزي هو "العودة إلى ينبوع حياتنا القومية، إلى عبقرية أمتنا التي أبدعت لغتنا، عرقنا، تقاليدنا، عاداتنا، فنوننا"[1]. فمن الناحية المجردة هي وثيقة الارتباط بالحضارة الحديثة وبمفهوم القومية، بوصفه "أسمى مظهر لعبقرية الأمة". فإذا كان انبعاث أوربا مرتبطا بالرجوع إلى ما قبل النصرانية. وإن لهذا الرجوع أسسه الخاصة، فإن خصوصية البعث العربي يمكنها الانطلاق من دراسة الروح الأدبي في التجارب القومية الأوربية، بوصفه اسلوبا لبعث التراث الأصيل. إلا أن للاثنين مقدمات وغايات مختلفة. ففيما يتعلق بالتجربة الأوربية، فإن اعتناق النصرانية سواء في صيغتها الكاثوليكية أو الارثودوكسية، قد أدى، على سبيل المثال إلى أن تكون أعمال بني إسرائيل مصدر وحي الأدباء والفنانين. لكن الأمر اختلف اختلافا جوهريا حالا اخذ الشعور القومي يدب في أرجاء أوربا (بأثر الثورة الفرنسية). حينذاك هبت الجماعات تطالب بالاستقلال والحرية. فنرى فيخته يكتب رسائله عن عظمة لغة الأجداد وتراثهم[2]. والشيئ نفسه نعثر عليه أيضا في الدولة العثمانية. وبالمقابل نرى الملوك الأوربيون يستندون إلى الكنسية من اجل الحفاظ على العبودية، بينما تستند العثمانية برجال الدين من اجل إخضاع العرب. الأمر الذي يضع قضية البعث القومي العربي بوصفه الإشكالية الكبرى أمام امتحان من نوع آخر هو امتحان الرجوع إلى النفس بطريقة تستمد مقومتها من أصوله وجذوره.

فعلاقة العربي بالإسلامي هو استمرار لعلاقة العربي بتراثه الجاهلي. حيث استبدلت المروءة بالتقوى. من هنا فان الحل يقوم في الرجوع إلى اللغة العربية من اجل تذليل هذا الخلل وإعادة تركيبة بطريقة تزيل هذا الخلل[3]. من هنا فكرته عن عدم الفصل بين الجاهلية والإسلام. فمحمد عربي. وإن كل سبل ووسائل الانتصارات الإسلامية هي عربية الأصل والمنشأ. ومن ثم فإن السؤال حول ما اذا كانت هذه الانتصارات بفعل التقوى الإسلامية أم المروءة العربية هو مجرد سوء فهم، لأنهما من اصل واحد[4].

من هنا فإن خصوصية العالم العربي مقارنة بأوربا بهذا الصدد تقوم في أننا متميزون، وأن لغتنا هي الأصل، وأن تراثنا هو تراثنا أساسا، كما انه لغتنا أيضا، وهي مصدر كل نماذج ومضمون العلوم والمعارف (الإسلامية). بعبارة أخرى، إن الأنا واللغة والتراث (بما في ذلك الإسلامي) هو كل واحد بالنسبة للعرب. من هنا فإن مطلوب البعث (القومي) عندنا يقوم في الرجوع إلى الينبوع، أي إلى الحدس المتضمن في الكلمات (كالعدالة والنظام والشعر والجمال..)[5]. ووراء هذا الحدس يكمن المضمون الفعلي لإرادة البعث القومي، بوصفها "حركة تكشف عن الحياة كمعنى يبدع تجلياته ويوجهها وفق مشيئته"، كما يقول الارسوزي[6]. وكما يظهر هذا النوع من "حركة البعث" في الأنواع الحيوانية كوثبة، فإنه يتجلى في الإنسان كعبقرية ذات قابليات مختلفة للمدنية. ومرتبة هذه العبقرية تقاس بإخضاع الظروف لمشيئتها وطبع الأشياء بطابعها"[7]. الأمر الذي جعل من فكرة البعث القومي العربي "هو بعث الحياة المتبلورة بتجلياتها رموزا". وفيما لو وضعنا هذه العبارة ضمن السياق العملي، فانها تعني، حسب فكرة الارسوزي، بضرورة العودة إلى تراث الجاهلية، بوصفه عهد المظاهر القومية العربية (الخالصة). اما بالمعنى المعاصر، فإنه يعني بلوغ مستوى الوعي الذي كان عليه أجدادنا[8]. وهي فكرة عملية تستمد أصولها من الفكرة الفلسفية العامة لحقيقة البعث القومي التي قال بها الارسوزي ألا وهي الإنساني والطبيعي بوصفها ينبوع اليقظة. فبعد الاستيقاظ من السبات على ضوء الحضارة الحديثة وانقشاع الأوهام التي هي نتيجة التباس الوجدان بالطبيعة، فإن المهمة المطروحة أمامنا، كما يقول الارسوزي، تقوم في "استكمال شروط هذه اليقظة بالعودة إلى الحياة في ينبوعها، الإنسانية والطبيعة"[9]. والطريق إلى ذلك توحيد العلاقة العملية بين العلم والرجوع إلى الأصول، أو بلوغ "الطبيعة بالعلم، والارتقاء إلى الإنسانية بفقه تراثنا"، كما يقول الارسوزي[10]. ووضع هذه الحصيلة في فكرته الجوهرية عما اسماه بالفعالية نحو الصميم، بوصفها فمرة البعث. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "البعث الذي ندعو إليه ليس تقاليد تتناول سطح الحياة وحسب، كما هي الحال في الأمم التي انطلقت قواها بتأثير التقدم في العلم والصناعة، بل انه سيكون بعث فعالية تتجه نحو الصميم. بحيث يتكشف معنى المرحلة التاريخية معرفة ورسالة، انكشاف إلهام الأنشودة في الوجدان شعورا وحركة"[11].

انه حاول أن يجعل من فعالية الانتاج صوب الباطن، أو الصميم، أو الأصول، أو التراث، أو حقيقة اللغة الوجهة الضرورية التي يجري تجسيدها بما يتطابق وإدراك المرحلة التاريخية، بحيث يتحول هذا الإدراك إلى توحيد شامل للوجدان والحركة. وفي الحالة المعنية يعني توجيه الفعالية الباطنية صوب وحدة الفكرة الثقافية والفكرة السياسية بوصفها المكونات الجوهرية لفكرة البعث القومي في المرحلة التاريخية المعاصرة, من هنا وقوله، بأن للبعث القومي من حيث كونه حركة سياسية، مهمتان: الأولى وهي مهمة ثقافية ترمي للكشف عن عبقرية الأمة العربية، والكشف عن مقومات الحضارة الحية، وإيجاد الانسجام بين العبقرية العربية ومقتضيات الحضارة. أما الثانية فهي مهمة سياسية وتقوم في إقامة صرح دولة عربية تجمع العرب جميعا[12]. وبالتالي، فإن الوحدة هي رسالة البعثيين، كما انهم يرمون الى تكوين جيش عقائدي[13]. اما الشعار الأكبر للبعث فيقوم في توحيد فكرة الوحدة والحرية والاشتراكية[14]. ويعكس هذا الشعار الصيغة العملية التاريخية الملموسة لمفهوم البعث القومي والرسالة القومية (العربية).

غير أن مضمون الرسالة العربية التي يتكلم عنها الارسوزي هي الرسالة الإنسانية. وبالتالي، فإنها توحد في ذاتها الطبيعي والإنساني، وذلك لأنها قومية حقيقية. ووضع ذلك في فكرته القائلة، بأنه حالما يجري استكمال شروط الإنسانية والطبيعية في الكيان العربي، أي الرجوع إلى التراث وفقهه والعمل به بما يستجيب للطبيعي (المعلوم علميا)، حينذاك نتمكن من "خلق ثقافة إنسانية رفعتها على مقياس فسحة قاعدة حياتنا في الطبيعة. وعندئذ نتمكن من ردع الثقافة الحديثة عن شططها في فهم الإنسان كما ردعنا العلم الحديث عن شططنا في فهم الطبيعة"[15]. لاسيما وانها مهمة ترتبط بموقع العرب "في أسرة الإنسانية" التي يرفعها الارسوزي الى مصاف موقع "الابن البكر في العائلة المالكة"(!). فهي "أمة وسط بمعنى الاعتدال، أو القرب من الينبوع، ومن الكمال الذي هو المثل الأعلى المتجلي في الرسالة حينا بعد حين". الأمر الذي "جعل الرسالة والولاية متلازمين في تاريخ الأمة العربية". وذلك لأن الأمة العربية (ولغتها) "شجرة سحرية جذورها في الملأ الأعلى وتجلياتها في الطبيعة"[16].

إن إدراك هذه الحالة الصميمية وتحويلها صوب الفعل على مستوى الوجدان والحركة يعني تمثل حقيقة المرحلة التاريخية ورسالة العرب فيها لأنفسهم وللآخرين. ومن هذه المقدمة اعتقد الارسوزي بان ما اسماه بمرحلة البعث اليوناني هي المرحلة الحالية للرسالة العربية الحديثة. وسوف تستكمل هذه المرحلة شروطها عندما تستيقظ الأمة العربية ينبوع الشعوب السامية، التي يتمثل فيها القطب الآخر لهذا التراث. فترتقي الإنسانية حينئذ نحو الملأ الأعلى، ارتقاءً متناسبا مع فسحة أفق الحياة المستحدثة"[17]. كما انها سوف تصنع على مثالها مثال القوة الإنسانية القائدة بوصفها قوة رحمانية. وانطلق الارسوزي بهذا الصدد من مقدمة سليمة لكنها عامة، يقول فيها، بأن القيمة الاجتماعية منظومة. وفي حالة عدم توافق بنيتها مع معناها فإنها تؤدي إلى شل حركة المجتمع، ومن ثم جفافه كما هو حال العرب الآن. من هنا استنتاجه "ليس على أبناء هذه الأجيال التعيسة المتحجرة إلا أن يتركوا الأموات وشأنها، فيصبوا بأنفسهم إلى السماء حيث تفيض الحياة فتجرف بفيضها ما تراكم عليهم من قيم بالية. وينبثق النبي من صميم الأمة حاملا إلى المجتمع رسالته. الرسالة التي يتجلى بها للناس معنى هذه المرحلة التاريخية. ويبدو حينئذ نظام القيم الإنسانية متجسما في ذاته"[18].

ذلك يعني، إن فكرة الرسالة والمرحلة التاريخية التي تشكل خاتمة الحركة والفعالية نحو الصميم، ليست إلا المظهر الواقعي للفكرة الميتافيزيقية عن الخلود التي تمثلتها الأمة العربية منذ اوائل نشوئها وجسدتها بصورة نموذجية في لغتها. بعبارة اخرى، إن فكرة الرسالة العربية عند الارسوزي مرتبطة بفكرة الخلود، أو تمثل الأمة العربية لروح الفكرة السامية (المتسامية) عبر دعوتها للاعتدال. ووضع هذه الفكرة ضمن سياق لا يخلو من تأويل لغوي سياسي ثقافي يستقيم مع مضمون المنهج الفلسفي الذي اتخذه في الموقف من تأسيس فكرة البعث القومي والرسالة الذاتية. فنراه ينطلق من اختلاف بل وتضاد السامي – الآري. مع إنهما ينتميان للجنس الأبيض(!). إنهما يمثلان قطبي الثقافة الإنسانية الطبيعية والملأ الأعلى، كما يقول الارسوزي[19]. فالساميون من سما، يسمو، أسمى، اسم. أنهم أولاد السماء وتصبوا إليها نفوسهم. كما انبثقوا عنها، واليها ينتهون كغاية لهم. أما صورتهم المحققة بها، أي الملأ الأعلى، فإنها الخلود. بينما الآريون هم أبناء الأرض حسب الأسطورة اليونانية. وبغض النظر عن تباين أسس هذه المقارنة من حيث المنهج، إلا انها تنتمي الى منهج اعم وهو التأول الشامل.

لقد أراد الارسوزي القول، بأن الآريون ينتمون الى تصوراتهم عن انفسهم كما ننتمي الى تصوراتنا عن انفسنا. ولكل واحد مقدماته وأساليبه وقواعده ومبادئه وغاياته. فإذا كانت غاية العرب الساميين تقوم في السمو نحو الملأ الأعلى بما يتطابق مع حقيقة بواطنهم المعكوسة في اللغة، فإن الآريون استغرقوا في تجليات الوجود واكتشفوا النظام الذي ينطوي عليه هذا التجلي. النظام الذي يبدو في النفس عقلا، وفي المجتمع شريعة، وفي الطبيعة قانونا. من هنا اختلافهما وتباينهما. فالعبقرية الآرية تنشد العلم والكشف عن النظام، بينما العبقرية السامية تنشد النبوة والأخلاق، التي وجدت تعبيرها الامثل في شخصية المسيح ومحمد بوصفه خاتم الرحمة. 

الارسوزي وفلسفة البديل الاجتماعي والسياسي

حددت هذه الرؤية مواقف الارسوزي فيما يتعلق بالبديل الاجتماعي السياسي القومي. ففي موقفه من الدولة، نراه ينظر اليها على انها "نزعة الحق إلى إحقاق ذاته عند الناس. وليست قدسية السلطة إلا هالة الحق المستفاضة على رجل الدولة استفاضة قدسية الواجب على صاحب المروءة"[20]. بينما تتحول السلطة عنده الى مزيج من قدسية الحق ومن الكفاءة للقيادة[21]. اما النظام السياسي المترتب على ذلك فليس إلا النتاج الذي يلازم ما اسماه الارسوزي ببلوغ المجتمع درجة الحرية التي على اثرها يستطيع إعادة النظر ببناء ذاته من جديد. وعندها فقط يمكنه وضع نظامه السياسي الخاص، أي بلوغ ما اسماه الارسوزي باضافة "سلطان الحق إلى سلطان العهد"[22]. وليس هذا بدوره سوى قيام الدولة في أعلى مراتبها على إقرار الإرادة[23].

وعندما طبق هذه الفكرة الخطابية المجردة، التي تتوافق مع تطويع الرؤية المنهجية لفلسفته القومية تجاه العالم العربي، فانه توصل إلى أن العرب كانوا سادة العالم. وبالعربي كانت تقترن فكرة الرجولة والبطولة والجمال. ومن ثم فالعرب أمة وسط، أي اقرب إلى الكمال. فأرضهم وسط أيضا. وبالتالي، فإن مهمة الدولة العربية تقوم بترسيخ الحرية من اجل أن يفيض أفراده بتجاوبهم الرحماني. مع ما يترتب عليه من تعظيم شئون المجتمع بالطريقة التي تجعله منسجما وتراتبيا حسب الكفاءة. عندها يستكمل المجتمع شروط مهامه بالدولة[24]. اما مرتكزات الدولة فهي كل من الحق والعدالة. فالحق والحقيقة في الذهنية العربية من جذر واحد. والحق في الحدس العربي ذو منزلة مثلى[25]. اما العدالة، فانها مصدر ومحدد كل القيم الكبرى. اذ ليس البطل إلا ذاك الذي تجسدت فيه العدالة. كما ان العدالة هي النظام الأصيل المنطوية عليه حياة الجماعة[26]. ومن هذا "المنطق" توصل إلى أن "الدولة هي شخص الأمة في طور التحقق وظل حقيقتها المثلى"[27].

اما موقفه من المجتمع فإنه مبني على مدخله العام القائل، بأن لكل مجتمع فلسفته الخاصة في القيم. وان نظام القيم يخضع تكوينه لفلسفة الجماعة من جهة، ولقاعدة استقرار الجماعة في الطبيعة من جهة أخرى. اما الشريعة فهي بناء مماثل في محاولته التوفيق بين الوسائل والغاية مثل "فن العمارة في توفيقه بين مواد البناء وبين إلهام المعمار"[28].

والشيئ نفسه يمكننا العثور عليه في موقفه من الديمقراطية. فالديمقراطية المعاصرة، بالنسبة للارسوزي، تقوم على مبدأ إيجاد الانسجام بين مستلزمات القومية وحقوق الإنسان[29]. وبالتالي، فإنها "استطاعت أن تجمع بين الإلزام والحرية، بين عبقرية الأمة وبين مواهب الأفراد"[30]. واعتبرها ضرورية من اجل بناء الدولة الحديثة، والأهم من ذلك الأسلوب والوسيلة الوحيدة الكفيلة بالحيلولة دون استبداد الحكام. وأدرج ضمن هذا الأسلوب جملة من القواعد والمهمات لكبرى حصرها بسبع وهي كل من حرية الصحافة، وحكم القانون، ووضع الميزانية تحت إشراف الجمعية العامة، ومساهمة المواطن في سلطات الدولة، والمساهمة في السلطة التشريعية، وربط السلطة التنفيذية بالجمهور، وأخيرا معارضة الحزب الواحد[31].

وأسس لفكرة ضرورة الديمقراطية من كونها ترتبط من حيث الجوهر بما اسماه بالطبع الانساني. فالطغيان والاستبداد يفككان الوحدة بين المجتمع، ويجعلان الرعايا هباءً منثوراً لا حول لهم ولا قوة. كما انهما ينتزعان من المرء ثقته بنفسه وبالآخرين. ويجعلان القانون سخرية. ويقيمان الإرهاب مقام الطمأنينة، والشقاق مقام المحبة. الامر الذي يجعل الطاغية اشد خصومة للأحرار الأباة من أي خصم آخر[32]. بينما الديمقراطية المعاصرة هي "فلسفة ترتبط بالطبع الإنساني" كما يقول الارسوزي. وبالتالي، أنها "الوجهة الإنسانية للحضارة المعاصرة التي قامت على انقلاب في مفهوم الإنسان للإنسان"[33]. أنها مبنية على العلم والصناعة. وللديمقراطية مقومات في الطبع البشري، في الصورة والمعنى، أي "المعنى المنبثق من النفس، ينزع إلى استكمال شروط حقيقته بصورة معينة"[34]. اما هدف الديمقراطية فهو إيجاد الجو الصالح لانطلاق المواهب. وفي الديمقراطية وحدها يصبح المواطن فنانا ينشئ نفسه وكيان الدولة وفق وجهة نظره في الوجود[35]. ذلك يعني، ان حقيقة الحكم الديمقراطي تكون بالفعل حالما تخضع فيه السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية. وكماله على قدر ما تصدق السلطة التشريعية بالتعبير عن إرادة الأمة[36]. ووضع كل حصيلة تصوراته بهذا الصدد في استنتاج نهائي يقول، بان الديمقراطية هي التي "تجعل من تضحيات المواطنين أعمالا حرة مكللة بهالة البطولة"[37].

إن مفارقة الإبداع الكبير والعميق والفلسفي الأول للارسوزي في مجال تأسيس الفكرة القومية (العربية) يكمن في ما وجده هو نفسه عندما اشار إلى ما قاله احد الإغريق القدماء، من أن أخطر الأشياء على الفكر حالما يأخذ أهل اللغة بالتفلسف(!). وإذا كان الارسوزي قد قلب الآية، بمعنى انتقال أهل الفلسفة إلى الولع بالكلمة والعبارة، فإن المعنى يظل واحدا. وهو إننا نقف أمام فيلسوف يلغو أو لغوي يتفلسف! وهي الدوامة التي طبعت نمط وأسلوب وقواعد تفكير وتفسير وتأويل الارسوزي وتأسيسه للفكرة القومية. وليست فكرة العبقرية العربية في لسانها سوى هوس الارسوزي وإعجابه غير المحدود بما اكتشفه يوما بصورة مفاجئة. بحيث أدى ولعه التأويلي إلى الغاء المعنى المنطقي في اللغة نفسها. مما جعل منها في حالات عديدة لغوا، مع انه وجد في العربية لسانا وفي غيرها لغوا. وهو تلاعب فظ باللغة واللسان والأنا والآخر. الأمر الذي أدى إلى أن تكون لغته حتى في أجمل أشكالها جمالا ودقة من حيث النحت والتأويل اقل قدرة على صنع اليقين والفكر المنسجم والمنطق الدقيق بما في ذلك بالمعنى المنظومي للكلمة. وليس مصادفة أن يؤدي ذلك إلى إمكانية دغدغة الفكر بالوصول إلى استنتاج يقول، بأن محاولة الارسوزي بناء منظومة فكرية (فلسفية) تنطلق من قاموس اللغة، أدت إلى إنتاج لغة بلا قاموس، يتحكم فيها مزاجه العارم في حب العربية. وأدى هذا بدوره إلى أن يكون فكره وتقييمه في اغلب مظاهره تنقلا دائما لا يربطه غير جنون التأويل والتلذذ بالبقاء أسيرا "لعبقرية اللغة" القومية (العربية).

وفي هذا يكمن احد جوانب ضعف فلسفته النظرية والعملية. بمعنى، أن استعباده للغة قد أدى إلى عبوديته لها. بعبارة اخرى، ان رغبته باستعباد اللغة قد أدى إلى استعباده، بحيث يبدو أحيانا كالمراهق الذي اكتشف شيئا عاديا أو جانبا لامس خياله، بحيث جعل من نفسه فريسة لأمر طارئ، مستغرقا في خيال هو بحد ذاته لحظة عابرة. ويتضح ذلك في ولعه بالكلمات بحيث جعل العالم وما فيه أسيرا لمخارج حروفها. وبالحصيلة قد أدى إلى يكون الارسوزي مسكونا بجنون اللغة وبعثها الجديد فاخرج إلينا بعثا مجنونا! وهنا كان يكمن أيضا التناقض الجوهري في فلسفة الارسوزي. فكلما يتعمق المرء في آراء الارسوزي كلما يزداد ابتعادا عن العقل حتى في اشد دعواته للعقل والحركة. كما إن الوجدان المفرط عنده يؤدي إلى ابتذال الوجدان، لأنه يصبح أسير العبارة. وذلك لأن الوجدان المفرط يؤدي إلى تهشيم الترابط المنطقي في الفكرة، ومن ثم خلخلة قيمتها. وبالحصيلة قد جعل من آراء الارسوزي أدبية شاعرية وبالتالي ليست قادرة على تأسيس رؤية عملية عقلانية تعي حدودها بمعايير الحاضر والمستقبل. الأمر الذي جعلها قابلة للتأدلج العنيف. وقد تكون فكرته عما اسماه بظهور الأمة على مسرح التاريخ كعقيدة احد نماذجها الكبرى.

إلا أن قيمة وفاعلية الفكرة الفلسفية التي وضعها الارسوزي تتلألأ أيضا من خلال نقاط الضعف هذه وتناقضها الجوهري. فإذا كانت فلسفته موضوعة بهيئة أحكام وقيم وجدانية، فإن ذلك لا يقلل أو يتعارض مع الحقيقة القائلة، بأن كل ما فيها صادق لأنها صدرت عن نفس مخلصة وأبية. وبالتالي هي التعبير النموذجي عن معاناة المعنى. الأمر الذي جعل من فلسفته القومية فلسفة المعنى الغائب والمستلب والمسحوق. من هنا بدائله المثلى في مقولات الحاضر والجوهري والفاعل. ومن هذه الحصيلة تراكمت فكرة الأبدية والخلود. مما جعل منه بحق شاعر الفلسفة القومية العربية. من هنا انزاله الفكرة الفلسفية إلى مصاف الفكرة الشاعرية القائلة، بأن الأمة العربية ليست كالأمم الأخرى. وانه لا يمكن تطبيق مفاهيم وصور الآخرين عليها. وانه لا يمكن فهمها بحق إلا بالحدس والتحسس الوجداني الخالص، لأن حقيقتها ميتافيزيقية وكينونتها إرادة متسامية. ومنهما ينشأ انسجامها الدائم وخلودها. ورسالتها تقوم في تقويم البشرية وتخليصها من آفاتها، كما لو أنها مسيح الأمم ومهديها المنتظر! الأمر الذي جعل أسلوبه يبدو من حيث المظاهر احيانا الوجه الآخر لتأملات وحكم جبران خليل جبران. إلا أن حقيقتها أعمق وأوسع وأبعد.

فالاسورزي أول من حاول إدخال فكرة المبدأ الواحد والأول في الفكر الفلسفي العربي الحديث من خلال إرجاعه إلى اللغة. بحيث نراه يجعل من اللغة العربية مبدأ الكون الثقافي العالمي، أي أصل الصيرورة النموذجية. وبالتالي أصالة الفكرة القومية العربية كما لو أنها الخيوط غير المرئية لنسيج الكون الأبدي. اما من أين جاءت هذه الأسطورة الجميلة، فإن الاجابة عليها بسيطة كالبسيطة: أنها جاءت من تعاسة الواقع الفعلي وعدم تناهيه! لهذا أراد استبدال الموت بحياة لا يمكنها الخضوع لشيء غير ذاتها على مثال "الذات الإلهية" في الوعي الديني. انه أراد قومية حية مريدة عالمة قوية فاعلة ناصعة أبدية. من هنا فكرة الرسالة والخلود الممكنة في وحدتها. وذلك لأن جوهر الفكرة القومية عند الارسوزي تقوم في تمّثل كل تاريخ النهضة واليقظة ولكن من خلال توجيهها صوب الباطن، أي المكون الثقافي والروحي الجوهري للعربية من لغة وتقاليد وتاريخ وعادات، باختصار كل ما بإمكانه أن يكون عربيا خالصا. من هنا جوهرية الجاهلية من اجل التحرر من تراث وعادات وتقاليد الفرقة المذهبية والدينية وغيرها، أي كل ما لا علاقة جوهرية له بالفكرة العربية، أي كل ما وضعه في فكرة البعث باعتبارها فعالية نحو الصميم.

لقد بلور الارسوزي هنا نموذجا أصيلا للرؤية الثقافية البحتة. وهنا تكمن القيمة التاريخية والفكرية الكبرى لفلسفته القومية. وهي فلسفة لها نظامها الخاص والصارم أيضا. إنها تخضع لمنطق الكلمة كما اكتشف بنيتها في القاموس، فجعل منه مفتاح الوجود في كل مستوياته. ومن ثم فهي أقرب إلى رؤية شاعرية وأدبية منها إلى نظرة فلسفية عقلانية، كما أنها منظومة فلسفية لا شعر فيها ولا أدب غير حدس الروح الباحث عن حلول قومية "أبدية".

***

ا. د. ميثم الجنابي 

.....................

[1] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص197.

[2] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص295.

[3] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص202.

[4] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص296-297.

[5] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص297.

[6] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص53.

[7] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص53.

[8] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص.201.

[9] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص275.

[10] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص275.

[11] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص275-276 .

[12] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص209.

[13] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص252.

[14] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص275.

[15] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص275.

[16] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص375.

[17] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص119.

[18] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج1، ص124.(وضمن هذا السياق يمكن النظر الى فكرته عن البطل او القائد التاريخي. اذ ليست فكرة البطل والزعيم والنبي التاريخي سوى الوجه الآخر للعجز الاجتماعي رغم تطابقها الواقعي مع فكرة القومية وصعودها الجديد. إلا أن لها بعدا انسانيا مجردا، وذلك لأنها ترتبط بمهمة السيادة الانسانية وفكرة الرحمة. وهي طوباوية جميلة.

[19] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج2، ص118.

[20] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص25.

[21] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص26.

[22] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص26.

[23] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص26.

[24] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص28.

[25] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص36-37.

[26] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص44.

[27] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص102.

[28] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج4، ص20.

[29] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص421.

[30] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص422.

[31] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص427.

[32] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص430.

[33] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص433.

[34] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص445.

[35] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص464.

[36] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص465.

[37] زكي الارسوزي: المؤلفات الكاملة، ج3، ص469.

 

منى زيتونقد يكون التفاعل الاجتماعي لفظيًا؛ يعتمد أساسًا على الحوار بين المتفاعلين، كالرسائل المكتوبة ومنشورات وتعليقات وسائط التواصل الاجتماعي المنحصرة في الكلمات فقط، وقد يكون غير لفظي إطلاقًا؛ لا تُنطق فيه كلمات، ويقوم على الاتصال البصري وتعبيرات الوجه وحركات الجسم، ولكنه في الأغلب الأعم يجمع بين نوعي الوسائط كليهما؛ فيكون لفظيًا وغير لفظي.

فرغم تصنيف سلوكيات اتصال الفرد إلى لفظية وغير لفظية إلا أنه في الحقيقة لا يمكن الفصل بين كلا النمطين؛ فلا يمكن تحقيق التواصل اللفظي بمعزل عن أنماط السلوك غير اللفظية، لأنه حتى وإن كان التواصل يتم عبر الهاتف وليس وجهًا لوجه ستبقى بعض الملامح غير اللفظية كنبرة الصوت وسرعة الكلام قادرة على إيصال رسائل للمستقبل أكثر مما تحمله الكلمات. وحتى وسائط التواصل الاجتماعي لا تخلو من رسوم الأوجه التعبيرية التي تعتبر محاولة الكترونية لمحاكاة ونقل تعبيرات الوجه، كما أن من يظن أنه يمكنه توصيل رسالته بفاعلية باستخدام وسائط التواصل غير اللفظي والاستغناء عن الكلمات لا شك واهم؛ فالبشر لا يمكن أن يتواصلوا بفاعلية ما لم يتحدث بعضهم إلى بعض.

إذًا هناك صعوبة كبيرة للتمييز بين نوعي الاتصال، وكثيرًا ما يتوزع نوعا الاتصال بشكل سلس كفعل واستجابة، ما يعطي ثراء للتفاعل الاجتماعي، فيرسل المرسل رسالة غير لفظية يستجيب لها المستقبل باستجابة لفظية، أو العكس، لكن في بعض الأحيان يسبب هذا التنوع في نمطي التواصل بين المرسل والمستقبل بعض المشاكل الاجتماعية.

من أنماط التفاعل السيء بين الاتصال اللفظي والاتصال غير اللفظي ما يفعله كثيرون كاستجابة لانفعال الغضب عند محاولتهم تهدئة انفعال الغضب بالنقاش اللفظي! إن أسوأ ما يمكن أن يسمعه الشخص الغاضب كلمة "اهدأ"! إن مثل هذه الكلمة تثير مزيدًا من الغضب لدى كثيرين، لكن بعض البشر يصرون على تحويل غضبك لنقاش بدلًا من أن يساعدوك على تخطي الشعور السلبي الذي تشعر به. إن غضب محدثك اجعله يهدأ دون أن تطلب منه أن يهدأ، ودون أن تتفلسف وتتمنطق عليه؛ فوقت الغضب هو أسوأ وقت للنقاش. وبدلًا من أن تناقش الغاضب امسك يده. أجلسه على أريكة واجلس جواره. أحضر له شراب ليمون. اطلب منه أن يتكلم عما يزعجه لو كان هذا يريحه؛ ففي بعض الحالات ربما يكون من الأفضل أن يُترك الغاضب لينفس عن مشاعره، فهذا أفضل سبيل لاستعادة هدوئه. لكن ينبغي الانتباه إلى أن إظهار فورة المشاعر تلك صادقة، وأنك لا تعطي تعزيزًا يزيد احتمال تكرارها لدى الفرد عند سماحك له بالتنفيس عنها، لأن هناك نوعية من البشر تحاول استغلال ذلك.

جوانب التشابه

هناك جوانب كثيرة من التشابه بين الاتصال اللفظي والاتصال غير اللفظي، فكلاهما لغة رمزية لها شفرتها لدى من يعبر عنها ومن يستقبلها، لكن القاعدة تقول إن الرسالة كما تُرسل ليست بالضرورة هي الرسالة كما تُستقبل، وإن كان الاتصال اللفظي أكثر تحديدًا في شفرة رموزه، وأقل لغطًا عند محاولة فك شفرته.

من أوجه التشابه المتعارف عليها عبر الثقافات بين كلا نمطي الاتصال، أن لكليهما قواعد تحكمه، فكما نتصل لفظيًا لنقول مرحبًا، فمن المتعارف عليه أن نبتسم عند الترحيب، وكما تختلف الكلمات التي نطلقها في المناسبات الاجتماعية المختلفة تختلف أيضًا الأزياء التي نرتديها وفقًا للمناسبة. وكما تُعبر الألفاظ التي نستخدمها عن مستوى علاقاتنا بالآخرين تُعبر المسافات بيننا وبينهم ووضع الجلسة وتنظيم الأثاث وغيرها من الوسائط غير اللفظية عن حدود تلك العلاقة.

من أوجه التشابه أيضًا أن كلا نمطي الاتصال قد يكون مقصودًا ويمكن التحكم فيه في بعض المواقف أو قد يكون غير مقصود في مواقف أخرى. وكلا النمطين قد يكون مباشرًا أو غير مباشر.

أيضًا يتشابه نمطا الاتصال في تأثرهما بالثقافة المحيطة، فكما أن اللغة تتأثر بالثقافة، فكذلك أغلب أنواع سلوكيات الاتصال غير اللفظي، وإن كانت هناك بعض سلوكيات التواصل غير اللفظي شائعة عالميًا؛ فمن ذا الذي لا يفهم معنى الابتسام أو الإيماء بالرأس يمينًا ويسارًا؟!

جوانب الاختلاف

هناك اختلافات رئيسية بين الاتصال اللفظي والاتصال غير اللفظي، أولها أنه في الاتصال اللفظي تتدخل حاسة واحدة فقط في استقباله، هي السمع في حال ما إن كان منطوقًا، أو البصر إن كان مكتوبًا. بينما تُستخدم الحواس الخمس في استقبال وتفسير قنوات الاتصال غير اللفظي.

والاختلاف الرئيسي الثاني بين الاتصالين أن وسائط الاتصال غير اللفظي أكثر استمرارية في التأثير على التفاعل الاجتماعي من الكلمات التي قد يتوقف تأثيرها عند انتهاء التلفظ بها أو كتابتها.

أما الاختلاف الثالث فيتعلق بسرعة تفسير الرسائل الخاصة بكل نمط منهما؛ إذ إنه بالرغم من أن تفسير الرسائل غير اللفظية في المواقف التي تخضع لتحليلات الخبراء - والتي غالبًا ما تكون مصورة- ، يأخذ وقتًا للتحليل والتفسير، لكن في مواقف التفاعل الاجتماعي بين المرسل والمستقبل يتم تفسير الرسائل غير اللفظية من قِبل المستقبل بطريقة تلقائية، والاستجابة لها سريعًا. على العكس في حال الرسائل اللفظية التي يسترجع المستقبل محتواها ويحاول تحليلها والتأكد من تفسيرها ويتمهل نوعًا قبل إصدار الاستجابة لها حتى لو كان الحوار وجهًا لوجه، ومن أشهر الاستراتيجيات التي تتيح له التمهل استفتاح الاستجابة بإعادة صياغة ما قاله المرسل لأن هذا يزيد وضوح الرسالة في ذهن المستقبل قبل الرد عليها.

أشكال العلاقة بين الاتصال اللفظي والاتصال غير اللفظي

على وجه الدقة يمكننا القول إن وسائط الاتصال غير اللفظي تؤثر على الرسالة اللفظية بطرق عديدة تحدد أشكال العلاقة بين الاتصال اللفظي والاتصال غير اللفظي، وهي:

- التأكيد على الرسالة اللفظية: من أمثلة ذلك أن يرفع الشخص نبرة صوته للتأكيد على كلمة أو عبارة، أو أن يبتسم عند الترحيب بالضيوف.

- مناقضة الرسالة اللفظية: كالعبوس عند الترحيب بالضيوف! ويعتبر توصيل رسائل لفظية وغير لفظية متناقضة غير متسقة من أهم سُبل استكشاف الخداع.

- الإضافة إلى الرسالة اللفظية: كالابتسام عند حكاية قصة مضحكة، أو العبوس عند حكاية قصة حزينة، بما ينقل مشاعر الفرد نحو الرسالة وليس فقط الكلمات.

- تكرار الرسالة اللفظية: كإشارة اليد بالذهاب بعد جملة "هيا نذهب".

- يحل محل الرسالة اللفظية: فهز الرأس على الجانبين إشارة كافية لتوصيل رسالة الرفض، دون الحاجة إلى نطق أي كلمة.

- التحكم في الرسالة اللفظية: كاستخدام السلوكيات غير اللفظية مثل رفع اليد لأجل المقاطعة وأخذ الدور في الحديث أو العكس عند استخدام تلك السلوكيات لإعلام الطرف الآخر أنني لم أنهِ حديثي بعد.

ويعتبر عدم التطابق في الرسائل الاجتماعية غير قاصر على تناقض الرسائل اللفظية والرسائل غير اللفظية:

- فقد يكون هناك عدم تطابق بين الأقوال والأفعال، فيدّعي رجل أمام الناس أنه يحب زوجته، بينما أفعاله كلها تتناقض مع هذا الادعاء.

- كما قد يحدث عدم تطابق بين محتوى الرسائل الاجتماعية الحالية والسابقة أيًا كان نوعها لفظية أو غير لفظية؛ فتقول الآن ما يناقض ما قلته بالأمس!

- وقد يكون عدم التطابق بين الواقع والشعور المُدرَك. فكثيرًا ما نجد شخصًا يردد أن أمه لا تحبه، لكن هل حقًا أمه لا تحبه؟! حقيقة الأمر أنه يشعر بذلك الشعور الخادع المخالف للواقع لكونه يُحرِّف الواقع ويسيء تفسير أقوالها وأفعالها. وأشكال تحريفات الواقع أكثر من أن تُحصى.

وفي جميع حالات عدم تطابق الرسائل الاجتماعية ينبغي مساعدة الشخص على إدراكه، وأفضل السُبل لتحقيق هذا هو توضيح وجود التعارض أمامه، ثم جعل النظرتين المتعارضتين في وضع مقارنة، ومطالبته بتوضيح موقفه، وبالاستدلال على وجهة النظر التي سيُضمِّنها موقفه، ومواجهة إنكاره في بعض الحالات عندما لا يتفق ما يقوله مع المنطق.

بعض الأنماط التي يظهر فيها التفاعل بين الاتصال اللفظي والاتصال غير اللفظي

المقاطعة والتحكم أثناء المحادثة

في الحوارات اللفظية عامة، والثنائية منها تحديدًا، لا يكتفي المستقبل بالاستماع إلى المرسل، بل عليه إصدار إشارات غير لفظية توضح أنه يصغي له، وإشارات أخرى تنقل رسالة له بأن لديه الرغبة في الحديث والمشاركة في الحوار. هذه السلوكيات غير اللفظية تساعد في تنظيم التفاعل الاجتماعي. صحيح أنه أحيانًا تُستخدم الكلمات لأداء الوظيفة نفسها، لكن غالبًا ما يتم هذا التنظيم من خلال وسائط الاتصال غير اللفظي.

بالنسبة لصغار السن يستخدم الآباء والمعلمون غالبًا إشارة تحريك الحاجب مع إمالة الرأس للإشارة نحو الطفل الذي يريدون منه أن يتحدث أو يسكت.

وبالنسبة لتنظيم الحوار بين الكبار، فعادة يتم رفع اليد أو ربما قلم كإشارة إلى الرغبة في أخذ دور في الحوار. وعند مطالبة المتحدث بالإسراع في إنهاء كلمته يتم تحريك إصبع السبابة دائريًا، وهي إشارات متعلمة منتشرة عالميًا في العديد من الثقافات، ومن الإشارات المصطنعة التي أصبح متعارفًا عليها لإعلام شخص بانتهاء الوقت المخصص لحديثه هو تكوين شكل حرف T بالإنجليزية بكلتا اليدين، وهو الحرف الأول من كلمة Time.

لكن في أحيان كثيرة يستقبل المتحدث تلك الإشارات على نحو عدائي، ويعتبر أنها محاولات للتحكم فيه والتضييق عليه، كما أن الطرف الآخر في الحوار قد يبدأ في المقاطعة.

تحدث المقاطعة عندما يتوقف المرسل عن الحديث لالتقاط أنفاسه أثناء الحوار، فما يلبث المستقبل أن يبادله الدور ويبدأ في الكلام، دون أن ينتظره ليتم كلامه، وقد يسوء الأمر في بعض الأحيان فيشتبك المستقبل مع المرسل مانعًا إياه من الاسترسال في الكلام وذلك قبل أن يتوقف الأول، ويكون ذلك عادة مصحوبًا بإشارات بالأيدي. التصفيق أيضًا قد يُشكل شكلًا من أشكال المقاطعة إن لم يحدث في وقته المناسب.

والملاحظ دائمًا أنه عندما يقاطع المستقبل المرسل فإن المقاطعة بينهما تتكرر وتصبح عادة، وكما قاطع الأول الثاني فإن الثاني سيبادله الفعل نفسه ويقاطعه أيضًا.

الصمت

على العكس من المقاطعة التي تُجبر الشخص على إنهاء رسالته اللفظية بالتوقف عن الاسترسال في الكلام، يكون الصمت، ويعني أن يتوقف الشخص بملء إرادته عن الكلام لفترة بين رسالتين لفظيتين! أو رفضه الاشتراك في التواصل اللفظي من البداية.

ويمكن أن يوصل هذا الصمت رسائل عدة تتفاوت حسب الموقف، وتساعد الرسائل غير اللفظية المصاحبة للصمت في استكشافها.

نوعيات الرسائل التي يوصلها الصمت:

- الراحة والطمأنينة؛ عندما يكون الشخص مع أناس قريبين منه، إذ لا حاجة كثيرًا للكلام.

- الخجل؛ عندما يتحاور الشخص مع غرباء لا يعرفهم، ويتجنب الكلام معهم لهذا السبب.

- السلبية؛ إذ لا يوجد لدى الشخص ما يُقال، سواء كان يعرف من يحاوره أو لا يعرفه.

- الاحترام؛ فالإقلال من الكلام مرغوب فيه في بعض الثقافات الشرقية، خاصة مع كبار السن.

- الارتباك؛ يحدث أحيانًا في النقاشات، عندما يكون موقف المحاور أقوى، والشخص غير قادر على تقديم حُجة للرد عليه، فيلجأ للصمت.

- رفض الاستجابة للعدوان اللفظي؛ إذ إنه لا خيار أمام الشخص المعتدى عليه لفظيًا إلا الصمت أو الرد الذي يؤجج الصراع، ويُلحق مزيدًا من الضرر بالعلاقة؛ فالصمت أحد الخيارين المتاحين.

- العقاب بالتجاهل واللامبالاة؛ فبعد أي صراع أو خلاف بين شخصين، قد يرفض أحد الشخصين أو كلاهما أي تواصل لفظي مع الآخر.

- التحدي أو اللامبالاة! يحدث أي منهما عندما يرفض الشخص التواصل لفظيًا مع الأشخاص ذوي السُلطة.

- الصمت كمقوي لأثر الرسائل غير اللفظية؛ فعندما تتوقف تمامًا عن الكلام مع إرسال رسائل انفعالية من خلال تعبيرات الوجه أو عقد الذراعين أو زم الشفاه يتيح هذا للمستقبل التركيز على محتوى الرسالة غير اللفظية، ويكون أثرها أقوى.

ومع كل هذه الرسائل التي يرسلها الصمت يبقى أسلوبًا غامضًا في التفاعل الاجتماعي، كثيرًا ما يصعب تفسيره.

ويختلف تفسير الصمت في ضوء عوامل كثيرة، منها العلاقة بين الأفراد المتفاعلين، والثقافة التي ينتمي إليها كل منهم، وأعمارهم، ومراكزهم الاجتماعية، كما وتعتبر مدة الصمت محددًا أساسيًا في تفسيره، فالصمت القصير قد يكون مجرد إعطاء النفس برهة للتفكير والبحث عن المعنى الذي يعبر عنه، أو لحظة يصل فيها الفرد للاستبصار وإدراك العلاقات بين الحوادث التي يرويها، وليس لرغبة منه في قطع التواصل اللفظي أو لتوصيل أي رسالة مما سبق الحديث عنها أعلاه.

ويمكن محاولة كسر حاجز الصمت في بعض الأحيان عن طريق إرسال رسائل لفظية واضحة تحث الفرد على المشاركة في الحوار، أو إصدار أصوات همهمة لحثه على الاسترسال إن كان قد توقف، أو إرسال رسائل غير لفظية بإيماءات الرأس والتواصل البصري.

الخداع والكذب Deception

مما توارثه الجدود أن الكاذب يتجنب الاتصال البصري بالعين. صحيح أن هذا لا يصدق مع الجميع، فهناك من يتجنبون التواصل البصري لأسباب أخرى غير الكذب، وهناك من يكذب وهو ينظر في عينيك بتبجح، ولكن هذه النظرية كثيرًا ما تكون صائبة.

ذكرنا أن الاتصال غير اللفظي يسهم في تشكيل انطباعات الناس بعضهم عن بعض؛ من حيث الصِدقية credibility، ما يحدد درجة تأثير الفرد في الآخر الذي يتواصل معه، والناس عادة تصدق الرسائل غير اللفظية إذا ما تعارضت مع الرسائل اللفظية؛ لذلك تؤثر قنوات الاتصال غير اللفظي في قدرة الفرد على خداع الآخرين وفي قدرته على استكشاف الخداع الصادر عنهم.

ليس هذا فقط بل لا بد أيضًا أن تتناسق الرسائل غير اللفظية مع بعضها لأجل وثوقية عالية في محتوى الرسالة؛ فليس من المنطقي أن تجلس في وضعية جسم توحي بعدم الانتباه لمحدثك ويعطيه وجهك في الوقت نفسه تعبيرات مريحة، وتطلب منه أن يستقبل رسالة ملؤها الترحيب والود!

ويرتبط النجاح في الخداع بدرجة الوعي بالذات، فالإنسان يُولد بقدرة فطرية على التعبير عن النفس، وتعمل التنشئة الاجتماعية على ضبط ذلك التعبير، ومنع الأطفال من التعبير بالكلمات أو بأي وسيلة من الوسائل غير اللفظية عن بعض ما يفكرون فيه أو يشعرون به، من أجل تهذيب الطفل، ومن هنا يخف تأثير الفطرة شيئًا فشيئًا ويبدأ الاصطناع، والذي يتعدى عند بعض الناس إلى ما نسميه الخداع؛ فابتسامة في وجه ضيف مزعج لا تعد خداعًا وإنما تهذيبًا، لكن محاولات إرسال رسالة زائفة للآخرين في الغالب تكون خداعًا، خاصة عندما يكون الأمر متكررًا، ولنتذكر كيف يحتال علينا الشحاذون بالكلمات ونبرة الصوت والتعبيرات الجسدية كأقوى مثال على ذلك. إنها سلوكيات واعية تمامًا ومتعمدة تُستخدم لتوصيل رسالة غير حقيقية.

في دراسة لألدرت فريج (Aldert Vrij,2000) عن التنبؤ بالخداع عن طريق السلوكيات اللفظية وغير اللفظية، أظهرت النتائج أنه على أساس السلوكيات غير اللفظية وحدها يمكن تصنيف نسبة كبيرة من الكذب والصدق بشكل صحيح –78% كما ورد بالدراسة–، ولكن بالرغم من ذلك فإنه أمكن تصنيف نسبة أعلى بشكل صحيح عندما أُخذت أساليب التحليل التي تعتمد على السلوكيات اللفظية وغير اللفظية معًا.

وقد اقترح بارجون وباتلر وكيورورو (Burgoon, Butler, and Cuerroro) عام 1995، نظرية الخداع بين الأشخاص Interpersonal Deception Theory (IDT)، والتي تقترح أنه يوجد اختلاف بين الأفراد الماهرين اجتماعيًا والأفراد غير الماهرين عندما يحاولون خداع الآخرين. وجد الباحثون أن مستوى المهارات الاجتماعية الفردي يؤثر في الخداع والنجاح في استكشاف الخداع؛ فامتلاك مهارة الضبط الانفعالي تساعد المرسل والمستقبل في إخفاء عدم الارتياح والقلق والتأثيرات السالبة العامة التي تحدث عندما تخدع شخصًا أو تستكشف الخداع من الآخر، وبالمقابل فإن امتلاك المستقبل لمهارتي الحساسية اللفظية والحساسية الانفعالية يجعل لديه احتمالية أعلى لاكتشاف الخداع أو الكذب من الآخرين.

لكن ينبغي الحذر والتيقن أن المتهم بالخداع لم تظهر عليه سلوكيات الانزعاج التي تم وصمه بالخداع لأجلها لأسباب أخرى، وأنه ربما كان متوترًا وقلقًا أو غاضبًا أو حزينًا لأمر لا يتعلق بتاتًا بالموضوع موضع التحقق من جانبك.

كما أن البشر قد يكذبون لأسباب قد تختلف تمامًا عن الأسباب التي نظنها. قد يكذبون لتقليل الحرج عن أنفسهم أو لتجنب التوبيخ على أمر تافه لا يُقارن بما يدور في مخيلتك أو لإخفاء خطأ أو إخفاء حقائق لا يرغبون أن تعرفها، وقد يخدعونك لابتزازك عاطفيًا! ويصدر هذا السلوك الأخير غالبًا عن النساء، ولكنه قد يصدر أحيانًا عن الرجال!

وعلينا أن نتذكر أننا نتواصل لتحسين تفاعلنا الاجتماعي وتقوية علاقاتنا، وليس لاتهام بعضنا بالكذب والتشكك دون داعٍ.

 

د. منى زيتون

 

عبد الحسين شعبانحين أُعلن عن تأسيس «المجلس الأعلى لمكافحة الفساد في العراق»، تساءل كثيرون، هل سيضع هذا المجلس حداً للفساد المالي والإداري، وقبل ذلك السياسي المستشري في العراق؟ أم أنه سيضيف أعباءً جديدة تكرّس البيروقراطية السائدة، خصوصاً أن الفساد هو الوجه الآخر للإرهاب، والعنف الذي استفحل في المجتمع العراقي، في ظلّ نظام سياسي قام على المحاصصة الطائفية- الإثنية، الذي كانت قاعدته الزبائنية، والمغانم.

وخلال السنوات الست عشرة (ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق) تعرّضت الدولة العراقية لنهب منظم داخلي، وخارجي، إقليمي ودولي، حتى إن بول بريمر، الحاكم المدني الأمريكي للعراق، بدّد وحده نحو 8 مليارات، و800 مليون دولار، خلال فترة لا تزيد على عام واحد، كما ذهبت واردات النفط التي زادت على 700 مليار دولار، كلّها من دون حصيلة تُذكر، واستمر تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية، الصحية، والتعليمية، والبلدية، والبيئية، بما فيها الكهرباء والماء الصافي، ولم تنفع كل محاولات الاحتجاج الشعبية التي شهدتها بغداد، وبقية المحافظات.

وظلّت عشرات الآلاف من الملفّات لأشخاص متهمين بالفساد من دون معالجة جادة، ومسؤولة، بما فيها قضايا تعود إلى نحو 1000 من الشخصيات النافذة، بضمنها وزراء سابقون، ووكلاؤهم، ومديرون عامون، ونواب، ومستشارون وأصحاب الدرجات الخاصة.

لقد أصبح الحديث عن مكافحة الفساد في العراق مجالاً للتندر، وشاعت «ثقافة السخرية» في مجتمع لم يعرفها إلّا ما ندر، وفقد مصطلح مكافحة الفساد الكثير من معانيه، بل أصبح «شعاراً» يتشبث به الفاسدون أحياناً، قبل غيرهم، حيث يتجرأون على اتهام خصومهم، أو التواطؤ مع فاسدين آخرين للانتقام، أو الثأر، أو الكيدية، من المنافسين السياسيين. وقد بيّنت التجربة أن ليس كل من يزعمُ مكافحة الفساد حريص على المال العام، لاسيّما حين يتم غض النظر عن ملفات وإشهار أخرى، فمن يريد مكافحة الفساد حقاً لا يتّجه لزج القضاء في علاقات نفوذ، وتواطؤ مع من يسعى للتسقيط السياسي، أو النيل من منافس، وهناك أمثلة عدة على ذلك، جرت تسوية ملفاتها بعد ضجة صارخة، وتشويه سمعة، ووقف القضاء في الحالين عاجزاً، أو مغلولاً، لاسيّما في ظلّ أعمال العنف والتداخلات العشائرية، وإن كان هناك أمثلة إيجابية جريئة دفع بعض القضاة ثمنها باهظاً.

لقد حاولت الحكومات المتعاقبة، أو بعض الأحزاب والكتل فتح ملفات بعض الفاسدين، أو التهديد بفتحها ضد خصومها، (بما فيها خارج القضاء)، وأحياناً من التوجه السياسي نفسه، أو الحزبي، وسبق لها أن وضعتهم في مواقع متميّزة لاستفادتهم الشخصية والحزبية، وذلك شرط ولائهم المطلق لها، وفقاً لقاعدة «الولاء قبل الكفاءة»، لدرجة أن الدائرة أخذت تتسع تدريجياً من الولاء العائلي والشخصي إلى الطائفي، أو الإثني، إلى السياسي، أو الحزبي، ثم إلى المناطقي، أو الجهوي، علماً بأن نظرة الرأي العام كانت صائبة وسبّاقة، وكان صوته عالياً بتأكيد مخالفة هؤلاء وانتهاكاتهم اليومية، بل وحتى الإشارة إلى اتهامات صارخة لهم بالسرقة والتلاعب بالمال العام، لكنه كان يتم السكوت عن ذلك.

وقد كشف رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وجود أكثر من 50 ألف موظف في ملاكات تابعة لوزارة الدفاع (وحدها)، فما بالك بالموظفين المسجلين وهم غير فعليين، بمن فيهم من يتقاضى أكثر من راتب، أو يتسلّم رواتب لا يستحقها تحت عنوان «الخدمة الجهادية»، أو العيش في المنفى، أو تخصيص درجات خاصة لا تنطبق عليها المواصفات الوظيفية في التسلسل الإداري، فضلاً عن تزوير الشهادات لعدد من المسؤولين الكبار، ويضم ملف النزاهة أرقاماً تكاد تكون مذهلة بهذا الخصوص.

الأساس في مكافحة الفساد هو الفصل الحقيقي بين السلطات، بحيث تكون هناك مراقبة برلمانية، ومحاسبة، ومساءلة خارج الحكومة، ويمكن للمجاميع المتضامنة اتخاذ قرار على أساس برامج، ورؤى، وأهداف، ومطالب، وليس تبادل المنافع، أو المغانم، أو المساومات غير المبدئية على حساب المواطن.

نستطيع القول إنه لا حياة سياسية من دون فساد، لأن السياسة واقعياً هي صراع على النفوذ، والمصالح، والموارد، والامتيازات، مثلما هي «إدارة للشأن العام»، والتلازم بين الفساد والسياسة ليس تبريراً، لكنّ الفساد متفاوت الدرجة، والموقع، والخطورة، والامتداد، ولذلك فإن السياسة الناجحة هي التي توفّق بين إدارة الشأن العام، أو «الخير العام» حسب ابن خلدون، وبين صراع النفوذ، والمصالح، وبهذا المعنى يكون هدف العدالة في مكافحة الفساد ليس انتقاماً، وإنما إحقاقاً للحق، والمصلحة العامة.

وحتى الأنظمة الديمقراطية لا تخلو من الفساد، بل لا يوجد نظام سياسي يخلو منه، لكن النظام الديمقراطي توجد فيه منهجيات وآليات في المشاركة، والمراقبة، والمحاسبة، لترشيد السياسة العامة، فضلاً عن دور المجتمع المدني الذي هو شريك وراصد، و«قوة اقتراح».

والمهم ليس إكثار الحديث عن الفساد وتشكيل الهيئات واللجان، والبحث عن انتشاره، وتسطير توصيات لمكافحته، بل تمكين المؤسسات والأفراد وتنظيمات المجتمع المدني لمكافحته، وتحصين الإدارة بالوقاية، والحماية، والإجراءات الفعّالة لتطويقه، وحصره.

 

عبد الحسين شعبان

 

صادق السامرائيالعقول رهائن الأهواء، ومن النادر أن يتمكن الإنسان من تحرير عقله من إستعباد الأهواء، فالعقل مذعن مطيع لإرادة الرغبات وما يعتمل في ظلمات النفوس الدونية الفاعلة في أعماق البشر، وعلى العقل أن يجتهد ليُظهرها بحلة مقبولة، وذات معنى وقيمة إنجازية تستحق التقدير والتضحية والعمل الدؤوب.

أي أن العقل قوة مخادعة ومضللة تعمل على تسويغ السلوك بأنواعه وتطلعاته التي قد تتجاوز المتصور والمتخيل، فالعقل يمتلك الآليات الكفيلة بإيجاد مخرج يقنع صاحبه بأن ما يذهب إليه ويقوم به صائب وضروري لتأكيد ذاته وبناء موضوعه.

أي أنه يوفق بين التناقضات ويسكبها في وعاء واحد فتبدو وكأنها متوائمة ومتصالحة وتمضي على نحو متسق ومفيد، بينما هي في حالة تنافرية وتقاطعات مأساوية، وبسبب هذه الخداعات تسود السلوكيات النكيدة ما بين البشر، لأن تفاعلاتهم تكون وفقا لمنطلقات ما فيهم وليس وفقا لما يتظاهرون به بموجب التسويغات العقلية، وتخريجات العقل المُصنع في حواضن الأهواء والرغبات.

وعندما نقرأ التأريخ بمنظار نفسي ومعيار سلوكي نكتشف أن الأهواء ترسم خرائط أحداثه وويلاته، وأن العقول البشرية قد تم مصادرتها من قبل تلك الأهواء بما تكنزه من تأججات عاطفية وإنفعالية، أسهمت بتحشيد الملايين تلو الملايين والزحف بهم إلى أتون الوعيد الأجّاج.

وبوضوح أكثر أن إرادات النفوس الأمّارة بالمساوئ تسعى بجد ونشاط للتواصل والتفاعل مع  عناصرها الذاتية والموضوعية، لتأكيد نواياها وإنجاز مراميها وتحقيق أهدافها الرغبوية المتفاوتة بدرجات غليانها وإستعارها، وبهذا فهي القوة الكبرى القاهرة لأية قوة في دنيا البشر، ولهذا فأن القول "إعرف نفسك" من الصعب بلوغه، لأن النفس تريد أن تتخفى وتوهم صاحبها بأن ما يجري ويتحقق هو عين العقل وروحه وسلطانه الرشيد.

وهكذا فتفعيل العقل في أي موضوع لا يمكنه أن يكون مجردا من سلطة الأهواء وتراكماتها في أعماق الشخص الذي يتوهم بأنه يُعْمِل عقله، فلا يمكن أن يكون العقل حرا فاعلا في أي موضوع، وهذا نادر وغير متحقق إلا عند الذين بلغوا درجات من النقاء والصفاء والتخلص من نوازع النفس الفاعلة فيهم، وهم أشد ندرة من أي عنصر نادر في الكون.

وعندما نذهب إلى إعمال العقل في أي نص أو حالة، فأن الأهواء البشرية ستطفو وستتبرقع بالعقل، وما العقل إلا ذلك الجزء الظاهر من جبل الثلج الغاطس في الماء.

وعليه فلا يمكن لعقل أن يتوافق مع آخر، ولكي تجعل البشر في حالة واحدة عليك أن تلغي عقولهم وتؤجج أهواءهم، وعندها ستأخذهم إلى ويلات سقر وكأنهم نيام، أو أرقام لا بشر.

فهل حقا أن العقل مَطية الأهواء الفاعلة فينا؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

لطيف عبد سالميمكن القول إنَّ العالمَ برمته يواجه في حاضرنا الكثير من التحديات التي تثير المخاوف من سلبية انعكاساتها على مستقبل البشرية، بالإضافة إلى تيقن جميع الحكومات من عدم إمكانية أي دولة التوصل إلى حلولٍ شافية لها بمعزلٍ عن الجهود الدولية. ولعلَّ من بين التحديات التي دفعت الكثير من الدول البحث عن مصادرٍ بديلة للوقود الأحفوري، والسعي الحثيث لإيجاد أمثل البدائل والحلول التي بوسعها تجاوز مشكلة عدم الوفرة المتوقعة، هو محدودية مصادر إنتاج الطاقة في ظل تناقص مواردها، وربما عدم توفرها بكفايةٍ في العديد من دول العالم، إلى جانب عدم استقرار أسعار النفط بفعل ما أفضت إليه التوترات الدولية التي يشهدها العالم من زيادةٍ في عدد متغيرات العرض والطلب. ويضاف إلى ذلك معاناة بيئة الحياة من سلبية آثار الوقود الأحفوري، والتي من أبرز صورها: تلوث الهواء، تلوث الماء، تآكل طبقة الأوزون، فضلاً عن آثار التغيرات المناخية التي ظهرت في مناطق مختلفة من أرجاء المعورة بفعل زيادة معدلات إنتاج الطاقة التقليدية بالاعتماد على حرق الوقود الأحفوري. 

على الرغم من ظهور مؤشراتٍ ملموسة تؤكد ما يتعرض له العالم من المخاطر التي تعبر عن حاجة ملحة إلى ركون الإدارات الصناعية لتخطيط مستقبلي بمقدور آلياته المساهمة في ضمان الوقاية من مشكلات التلوث البيئي، فالمذهل في الآمر هو أنَّ انتقالَ بعض الدول نحو مصادر الطاقة البديلة تميز بالبطء وعدم الجدية، فيما تسعى الكثير من دول العالم الأخرى إلى الانتقال التدريجي نحو اعتماد مصادر الطاقة المتجددة؛ بالنظر لأدراكها أهمية هذا المنحى الذي ألزمها الإسراع بخطى جادة في تبني العديد من الخطط والدراسات على الصعيدين الحكومي والخاص لتشجيع استخدامات الطاقة النظيفة.

في سياق التوجه العالمي صوب تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري في مهمة الحصول على الطاقة والاستعاضة عنه بمصادرٍ متجددة أو بديلة، نجحت كوستاريكا - إحدى دول أميركا الوسطى - في تحقيق ما وصف برقمٍ قياسي في مجال تحسين البيئية والمحافظة على عناصرها؛ إذ تمكنت هذه الدولة - التي تغطي الغابات الاستوائية نحو ثلث أرضها، وتبلغ المساحة المخصصة للمتنزهات والمحميات الطبيعية فيها نحو (25%) من إجمالي مساحتها - من استخدام الطاقة النظيفة طيلة (300) يوم متتالٍ لإنتاج الطاقة الكهربائية. ولعلَّ المثير للاهتمام أنَّ إدارةَ الطاقة في هذا البلد الذي يشار إليه بوصفه أكثر دول العالم صداقة للبيئة، استطاعت تحقيق هذا الإنجاز في الوقت الذي ما تزال فيه بعض العواصم الغربية تشهد جدلاً واسعاً حول التكاليف المترتبة على الطاقة النظيفة، فضلاً عن تأثيرها في النمو الاقتصادي. وتحتل طاقة الرياح ثم الطاقة الحرارية الجوفية، إلى جانب الطاقتين الحيوية والشمسية المرتبة الثانية بعد الطاقة الكهرومائية التي تشكل نحو (78%) من إجمالي إنتاج الطاقة المتجددة في عموم مناطق كوستاريكا. وعلى الرغم من محدودية الإنجاز البيئي التاريخي المذكور آنفاً بسبب اقتصاره على ميدان إنتاج الطاقة الكهربائية، وعدم شموله قطاع السيارات التي ما يزال الوقود مصدرا لنحو (7%) منها، فأنَّ اهتداءَ القيادات الإدارية في هذه الدولة الصغيرة الواقعة ما بين الأميركتين لاستراتيجية التحول صوب ميدان الطاقات النظيفة، أتاح لإدارة الطاقة فيها الإستغناء عن النفط وغيره من أنواع الوقود الأحفوري.

ونحن نغادر تجربة هذه الدولة التي تُعَدّ الوحيدة في أمريكا اللاتينية المدرجة على قائمة أقدم (22) دولة ديمقراطية في العالم، بمقدورنا تلمس إحدى التجارب الحديثة الأخرى في هذا المنحى أيضاً، والمتمثلة بمطار (بكين داكسينغ) الدولي الجديد الذي ساهمت في تصميمه المهندسة المعمارية العراقية الراحلة زها حديد، والذي يمكنه استيعاب (72) مليون مسافر سنوياً، إذ أعلنت الصين أنَّ هذا المطار الذي يُعَدّ من أضخم المطارات الدولية على وجه الأرض، صمم للعمل جزئياً بالطاقة النظيفة، فبالإضافة إلى المصادر التقليدية، سيعمل هذا المطار العملاق بمصادرٍ متنوعة من الطاقة النظيفة تشمل طاقة الأرض والشمس، والتي تصل نسبة إنتاجها إلى (10%).

جدير بالإشارة أنَّ تغطيةَ متطلبات الطاقة الكهربائية لهذا المطار الذي أقيم استجابةً للارتفاع الشديد في حركة النقل الجوي الصيني، ومن المتوقع أنْ يصبحَ واحداً من أكثر مطارات العالم ازدحاماً، فرضت على المصممين نشر آلاف الوحدات من الأنظمة الضوئية الشمسية على امتداد سقف مبنى المطار، فضلًا عن مناطق الشحن، وسقوف المباني المخصصة لركن السيارات، إذ يتوقع أنْ تولدَ الأنظمة الضوئية المذكورة بمفردها طاقة كهربائية تصل إلى نحو (6.1) مليون ساعة كيلوواط كهربائية سنوياً.

 

لطيف عبد سالم

 

عماد علياعتقد الرئيس التركي بان امريكا ربما لا تهتم بما يلعبه بشكل مختلف هذه المرة دون ان يحسبه جيدا معتقدا بان مغامرته ستمر دون اي عقبة ومتحججا مع قرارة نفسه بما قاله ترامب بان تركيا ارغمت على التوجه نحو روسيا بعدما لم ينه اوباما بيع صفقة الطائرات المتطورة لها، معتقدة بانها حجة وموافقة امريكة مقدمة مجانا من اجل سماح ترامب لاردوغان لاكمال صفقة شراء صواريخ اس 400 الروسية. وحقا لم يدرس اردوغان ما تعمده امريكا من مؤسساتها وصلاحياتها وجوهر الحكومة الامريكية وما تفرضه قانونا على الجميع وحتى رئيسها وما تمتلك مؤسساتيا على انفراد بعيدا عن امنيات واراء رئيسها، وهكذا وقع الرئيس التركي سواء في حسن نيته او عدم معرفته بشكل دقيق ما يفرضه النظام المؤسساتي وليس الدكتاتوري او ما تحكمه نرجسيته على قراراته بعيدا عن الحكم الرشيد المطلوب في هذا العصر. وظن اردوغان ايضا ان الصفقة التي عقدها مع روسيا في عام 2016 لشراء الصوارخ قد لا يدخله في قانون (كاتسا) الامريكية الذي قُرر ضد اعداء امريكا في عام 2017 وبالاخص كوريا الشمالية وايران وروسيا، على ما ظن ان عقد صفقته كانت قبل هذا القرار وهذا يبعده قانونيا من دخولهة مساحة العقوبات التي يفرضها هذا القانون وقد اخطا في هذا ايضا بعدما تبين ان امريكا تتعامل مع تركيا بعد صفقته متى ما كان عقده وفق هذا القانون.

وعلى هذا سواء تراجع اردوغان ام مضى مصرّا على توجهه ومغامرته، فانه وقع نفسه في المستنقع الذي لم يتصوره ان يكون هكذا، فانه حصر نفسه ولا يمكنه ان يتقدم ولا يعود الى ما كان عليه. فانه الان في مرحلة صعبة وستصعب عليه كثيرا كلما امتد غيه وسار على مسلك ما اتبعه في المناورة من قبل وخرج منها سالما في الثكير من الاوقات ولكنه لا يعلم بانه سقط بقوة هذه المرة من الاعلى وسيقع كل نتاجات وافرازات فعلته على شعبه ومستقبل اجياله وعلى مستقبله، لقد فات على تركيا فرصة الكبيرة في استغلال الظروف السانحة لها بعدما حدثت التغييرات في المنطقة وهي استفادت منها تكتيكيا وكان اردوغان يتفرج من بعيد ويستفيد وو يحاول تحقيق اهدافه الخاصة دون التركيز على بلده واسترايتجيتها في اهم مرحلة وادقها حساسية.

فاردوغان ومعه تركيا الدولة العميقة يعانون اليوم من جراء اخطاء لم يُعتقد ان ترتكب بهذه السهولة ولكن النرجسية تفعل ما لا يُحتمل في اكثر الاحيان وهكذا وقع اردوغان علىما اعتقد ومعه بلده في البئر ان استمر على راس السلطة لمرحلة اخرى وان لم يزحه رفاق الامس.

اليوم قد ابلع اردوغان علقما مرا لا مثيل له في حياته منذ تبوءه السلطة وسيطرته على زمام الامور، ولم يعتقد الكثيرون وحتى اقرب رفاقه بانه يمكن ان يسلك طريقا متعرجا بهذا الشكل في حياته بعد النجاح النسبي في بدايات حكمه القصيرة المدى، الا انه وبدوافع شخصية ضيقة وطموحات ما يعمي العيون لم يبصر ولم ير امامه بعيدا. وعليه، فان الفرصة مؤآتية لمن له الحق على تركيا ان يستغل هذه الحالة ويحقق ما يحق له ان يحصل عليه وفي مقدمتهم الكورد الذي يعاني في هذه البلاد منذ اكثر من قرن وحتى ابان السلطة العثمانيية ايضا الذي طمح اردوغان ان يعود امجادها دون هوادة ولكنه فشل فشلا ذريعا وخسر حتى جمهوريته وتراجع كثيرا وتخلف قبل ان يتقدم ويحصل على ما يامل.

جوهر الحقيقة سيدفع مسيرة الحياة ان تحقق الصحيح معتمدة على السنة الحياتية العادلة وان لا يصح اي شيء اخيرا الا لصحيح، وبه فاننا راينا ان تركيا قد خطا خطوا ويمكن ان نقول قفزة نحو الانحراف الذي فرضته مسيرته وامغمرته العاجلة الخاطئة التي جاءن بعد هدوء وحكم وسلطة نجحت ودامت عقود طويلة بعد الجمهورية الاتاتوركية وبدات الخطوة الاولى للتراجع في سلطة الاسلام السياسي التركي وبان في الافق احقاق الحق في بداياتها في هذه المرحلة بعد طول الزمن الذي امتد حاكمها في غيه وتمكن من الاستطالة على التبجح والاجحاد وفرض الظلم الدائم على من له الحق في بلده وارضه.

اما اليوم وما نراه من امور لم تسبق من قبل، سينقلب الوضع راسا على العقب وستنعكس المعادلات بشكل يمكن ان تسنح فرصة اكثر من الظروف التي توفرت بعد سقوط الدكتاتورية العراقية للمظلومين، وسيكون ربيع تركيا طويلا جدا وستكون خطوة بدائية اولى لتغيير الواقع الموجود في المنطقة وليس تركيا فقط منذ حوالي مئة عام. وستتوالى الفرص والتغييرات التي تفرض نفسها وستكون بداية لمرحلة جديدة بعد مراحل طويلة على استطالة فرض يد الظلم دون ايجاد الحلول واحقاق الحق منذ عقود لمن له الحق المبان والذي انكره الموجودون على كراسي السلطة باي شكل كان وما فرضته المصالح المختلفة. فان كسر تركيا وسقوطها باي شكل كان سيكون بداية المسيرة الطويلة نحو تصحيح المسار للامور الكثيرة المنحرفة ومن المنتظر والمراد تصحيحها منذ مدة طويلة.

 

عماد علي

 

علي علييروى أن شخصا كان يدعي ممارسة رياضة الطفر العريض بمهارة منقطعة النظير، وأن بإمكانه طفر مسافة عشرين مترا من دون أن يجهد نفسه، وقطعا مسافة كهذه لايحققها حتى أمهر المخلوقات بالوثوب والقفز. ولما ضاق الناس ذرعا بتبجحه المستمر بهذه القابلية، أتوا به الى ساحة واسعة وطلبوا منه أداء قفزته الفريدة التي يدعي بها، فما كان منه إلا أن قال انه يمارس هذه القفزة في الشام وليس في العراق!.

ساقتبس أكذوبة صاحبنا، وسأعده صادقا في ادعائه، بغية المقارنة -ليس إلا- بأشخاص هم اليوم يطفون على سطح الأحداث التي تمس حياة المواطن والبلد ومستقبلهما.

تطلعنا المؤسسات الأمنية بين الفينة والأخرى، عن إلقاء القبض على أشخاص يحتلون هرم القيادة في تنظيم داعش البارزين في العراق، وأحيانا يقول مصدر أمني في تصريحات مقتضبة، أن بعضهم كانوا قد خدموا في الجيش العراقي السابق، وقد سبق أن تم إلقاء القبض عليهم في السنوات من 2004 حتى 2007. وأطلق سراحهم بعد قضاء بضع سنين في السجون العراقية لاتتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. وقد ذهبوا جميعهم -بعد ان أصبحوا أحرارا- الى سوريا، حيث مارسوا نشاطاتهم بصلاحيات اوسع وإمكانيات أكبر وتأثيرات أكثر شمولا وأعم ضررا.

هي نتيجة متوقعة لمن أوغل في الجريمة والإرهاب، ولن يكون الحبس رادعا ولا السجن مؤدبا له، بعد أن تلطخ من هامة رأسه حتى أخمص قدميه بدماء هي أشرف من كل معتقداته ومبادئه التي يدعيها.

ربّ قائل يقول أن السبب في تمادي هؤلاء في إجرامهم يعود الى إطلاق سراحهم حينذاك، وإخلاء سبيلهم ليسرحوا ويمرحوا فيعيثون في الأرض قتلا ودمارا، بغياب الرقيب والقانون وقبل هذا وذاك الضمير والشرف، وتركهم على غارب حبل المحاسبة والعقاب الشديد، في الوقت الذي كان حريا بالحاكمين؛ العسكري والمدني والقضائي، أن يحكِّموا حبل المشنقة حول رقبة أشخاص كهؤلاء، من دونما شفقة بهم. إذ كان الأولى -بعد ثبوت إدانتهم- تنفيذ حكم الإعدام بهم، لشناعة ماارتكبوه من جرائم لاتغتفر بحق البلد.

من المؤكد ان جيشا كالجيش العراقي مشهودا له بالمواقف الوطنية والقومية طيلة عشرات العقود من عمره، مازال يحمل في هيكله وبنائه القيم والمبادئ ذاتها -حتى في زمن المقبور- غير أن ثلة من الشخوص هم في تركيبتهم شاذون عن باقي العراقيين، وناشزون في عزفهم للحب والسلام، فكان الإجرام يجري في عروقهم، وهم موجودون أيضا في باقي قطاعات الدولة، سواء أعسكريين كانوا أم مدنيين! وفي قطاع الجيش او التجارة او الصناعة او المالية او حتى في المهن الإنسانية كالطب والصيدلة واللغات والقانون. وتشهد في هذا صور عديدة للوحشية والإجرام والسادية، كان أبطالها يحتلون الصدارة في المجتمع العراقي، ومنهم من لم يكن في مناصب قيادية، لكن سياسة النظام السابق كانت تبحث عن مثل هؤلاء، وتنتقيهم من أوكار الجريمة، وترفع شأنهم لغايات قمع الشعب وإشاعة الرعب والخوف بين مواطنيه.

وبعودة الى صاحبنا (بطل القفز العريض) أرى أن الأرض واحدة، فمن يكمن الشر في قلبه ويعشعش البغض والحقد والكره في عقله، تكون كل بقاعها أرضية خصبة لشروره، إن كان في الجيش السابق أم اللاحق. وكذلك من ترتقي نفسه الى المحبة والسلام والوئام، فالأرض كلها مفروشة أمامه بالحب والورد والسلام، وللإثنين الخيار بينهما، وللقصاص العادل أيضا خيار وحكم لمن يستحقونه.

 

علي علي

 

1036 salman14عشْ هكذا دائما في علوٍّ.. أيّها الرجلُ

يا سلمان داود محمّد:

(أنتَ صريعٌ سقط في الحرب ..

وتركه المنسحبون وحيداً)* ..

فكنتَ أهلاً - شجاعة وجسارة - لأن تواجه نيوب الذئاب بيديك العاريتين مسنداً ظهرك إلى جذع شجرة تاريخك الشخصي المعاند الهائل الذي انغرزت جذوره عميقاً، وعميقاً جداً، في قلب تربة تاريخ وطنك العراق العريق العظيم. 

أي "أخيّي" سلمان:

تتذكر أيها الحبيب الوفي الغالي أبا عماد ؛ سلمان داود محمد، أيام تلك النقاشات الطويلة المترعة بصدق الأرواح والأفكار ودفء الضمائر في مكتبك "غيوم" في الباب الشرقي في منتصف التسعينات ؛ مكتبك الطافي على بياض الكلمة والوعد الحرّ النابع من شرق الروح النقية. كنتَ تقول أنّ الفرق بين مفردة "الرفيع" و"الرقيع" نقطة. ثم ثنّى ولدي "علي" على رأيك حين أخبرته به وقال: والفرق بين "الفرد" و"القرد" هو نقطة أيضا. كنا نضحك بألم على الأقدار الرقيعة التي ينصبها البعض لنفسه، ونؤسس – ومازلنا وسنبقى – ، وبفخر، لحياتنا الرفيعة المليئة – كعادة كل الأشياء الكبيرة والثمينة في الكون – بالآلام والأوجاع والخيبات. خيبات لا تستطيع فكّ حديد الإرادة العزوم مهما طرقت وأوغلت في لحم الأمل.

أي "أخيّي" سلمان:

لم تهتز في أعماقي شعرة واحدة من اليقين في أنك ستواجه محنة المرض المُهلك الذي يلقبونه في الطب بـ "القاتل الصامت silent killer" بنفس العزيمة المدوّية التي عهدتها فيك، بل بالشفقة والعطف على المرض نفسه. فأين أوقعه حظّه؟ وما الذي ستفعله به؟ وأي دروس ستضربها – كعادتك – لآخرين من الرقعاء في معنى أن يكون الإنسان إنساناً كبيراً وحقيقياً مجبولا من روح إله وطينة بلاد خلقها الله وهو يبكي. مسكين هذا المرض. لا يعرف كيف سيلعب به سلمان لينتزع منه هيبته ويطوّح بكرامته القائمة على رعب المرضى المساكين المهزوزين ويخلع عنه هالته السوداء المخيفة.

شاهدتك وسمعتك وأنت تشمخ وتتعالى على ما يعتبره البعض "محنة" حدّ أنّ المرض يتساءل: "معقولة هذا سلمان "لابِسني" ومستخف بيّه لهذه الدرجة؟! .. شورّطني؟!" .. ليس مزاحاً أيها الأخوة القرّاء ولا هي طرفة لتلطيف الجو وتخفيف الألم. أبداً. اذهبوا وانظروا واتصلوا واستمعوا لتعرفوا كيف يكون الإنسان الإنسان، الكبير الكبير، والحقيقي الحقيقي، سيّد مصيره، وكيف يتلاعب بأكثر ما يخيفكم وحشية وتهديداً.

1036 salman13أي "أخيّي" سلمان:

يختار فرسان العصور القديمة – وخصوصا من الساموراي - فارساً يناسبهم جرأة وسمعة ومهارة كي يموتوا على يديه ميتة يريدونها مشرّفة وكريمة وفريدة مثل الحياة التي عاشوها. وهذا المرض المسكين الذي وقع بين يديك يا سلمان ليس هو الفارس المُنتظر. الفارس الذي يستحق دمك لم يولد بعد. وقد حاول قبل اليوم "فرسان" الرقاعة الظفر بهذا الشرف فلم تتحه لهم. وهذا مسكين تورّط. فارحمه كعادتك أيها الكبير. وأؤكد هنا - وبكل ثقة وعبر متابعتي لآخر التطورات العلمية وكما قلت لك في أول اتصال هاتفي بيننا يوم سمعتُ من أحد الأصدقاء خبر الصاعقة بأن يوم غد سيكون يوم الجلسة الثانية لك في العلاج الكيمياوي - أنّك سوف تهزمه لينسحب ذليلا مدحوراً فيكون أمثولة لمن يتجرأ عليك من العلل والأوجاع الرقيعة. فهذا القاتل الصامت خطّ مواجهته الأول هو النفس الكبيرة الرفيعة التي تعرف قدرها وقيمتها فتترفع عن صغائر النهايات التافهة.

أخفيتَ مرضك عن الجميع وعن أعز أصدقائك ومنهم أنا إذا جاز لي أن أتشرّف وأعتبر نفسي صديقا مقرباً منك أيها الغالي. تمّ تشخيص مرضك وإحالتك إلى العلاج الكيمياوي – بسرعة أعترضتُ عليها علميا وشرحت لك الأسباب – ولم تُخبر أحدا لأنك لا تريد أن تتعب أحدا أيها النبيل بهمّ شخصي كما تقول. فأيّ إنسان كبير رحيم أنتَ. بل وأيّ أسطورة في عصر الشكوى والتذمّر والاندحارات. وهل شاهدتُ في ممارستي الطبّية التي سوف تقترب من الأربعين عاماً مثل هذا الموقف المُشرّف؟! 

1036 salmanalmotanabi1

(سلمان داود محمد عند تفجير شارع المتنبي)

أي "أخيّي" سلمان:

الطبيب الذي قال لك أنّ حالتك الصحية "خارج الضوابط" وأنه لا يستطيع الموافقة على سفرك للعلاج عامِله كما عاملتَ هذا المرض المسكين. أعطه درساً من روحك الكبيرة وسلوكك الإنساني التربوي العطوف. والطبيب الآخر الذي قال لك أنهم لا يستطيعون إرسال المريض المُصاب بالأورام للعلاج في الخارج إلا إذا انتشر المرض في كل جسمه اصبر عليه برغم غبائه ورقاعته. فما الذي سيستفيده مريض من السفر والعلاج إذا كان السرطان قد انتشر في كل جسمه؟ّ! هؤلاء إخوة مساكين، ساعدهم حتى وأنت في ما يعتبرونه "محنتك" المريرة التي لا خلاص منها. وهذا ما قمتَ به أنتَ في ممارسة مسؤوليتك في تربيتهم بكل ثقة واقتدار.

لم أكن أحب أن أتحدث في هذه الموضوعات التافهة. أريد أن نتحدث كما اعتدنا يوم حضر أحد جلساتنا الراحل العزيز "ناظم السعود" واستمع إلى نقاشاتنا وقال: كيف لا تسجلون جلساتكم هذه على أشرطة وتوزعونها على الكتاب والقراء في بلادنا وتنشرونها في الصحافة وتطبعونها في كتب. هذه جلسات ثقافية نفسية تاريخية. هل أحدّثك عن قدمك اتي وضعتها في الأعالي وصارت عنوانا لإحدى قصائدك.

أمس تحدثنا عن هؤلاء المساكين من حشود الرقاعة وهم كثرة غالبة الآن وكيف أن جوهر خرابهم هو أنهم لا يعرفون أن الحياة كلمة .. وقلتَ ُ: بل هي قطرة .. مستشهدا ببيتي شعر لصديقي الحكيم الشعبي الراحل "عبد الصاحب الضويري":

قطره إهي يا صاحبي مو نهر

وريت النهر ذاك الجره ما جره

أعبرْ مثل ما عبروا اعله الشرف

دنيه وصفى بيها الشرف گنطره

وأنتَ – وأشهدُ للتاريخ - قد احتفظتَ بنهر الكرامة صافيا رائقا عذبا يرد منه أصدقاؤك الخلص العطاشى، وكان المرض – متوهماً هذا المسكين - يحسب نفسه "اختباراً" فإذا بك تجعله "اندحاراً" له ونصراً للإنسان الكبير تفتح به بابا للحياة والعطاء والدروس التي لا تنقطع في معنى الكرامة والأمل والثقة تضربها بالذات لمن تنقصهم نقطة لا يعرفون أنها بحجم الكون.

1036 سلمان محمدأي "أخيّي" أبا عماد:

وكثيرا ما أستشهدُ بمقطع شعري عظيم لك جعلته فاتحة لروايتي "ما بعد الجحيم" وعلّقته في غرفتي، وكان – في الحقيقة -  ومايزال فاتحة حياة ووصفة طبّية وطنية علاجية لأيام المِحن والأهوال .. وصفة منكَ يا طبيب النفوس العراقية المُتعبة الذي تخرجتَ من كلية طبّ باب الشيخ وانهيت إقامتك الدورية والقدمى في مشفى الأرواح في غيوم الواقع في الباب الشرقي:

(أحبُّ الموسيقى وساحة الطيران

وأحفرُ في السبائك (لا أريد)

فصيلةُ دمي (باب الشيخ)

وعندي من الشظايا

ما يجعلُ النهارَ مرقطاً..)

هذه الخلطة العجيبة السرّية والنادرة والسحرية هي كيانك وسيرتك وسلوكك .. وهي مشعل الهداية "النظري" الذي أنا – واسمح لي – اتبعتُهُ في حياتي على هداك. واليوم تقدّم لي أعظم درس "عملي" في السيطرة والاقتدار على المصائر.

كمْ هو ثقل الروح التي تريد أن تترك أثر أقدامها على التراب ؟

وكم هو ثقل الروح التي تريد أن تترك أثر أقدامها على الصخور المسننة؟

أخي وشقيق روحي الحبيب المبدع الكبير سلمان داود محمد، أحييك وأقول لك – ولي من خلالك – بفخر واعنزاز:

عشْ هكذا دائما في علوٍّ .. أيّها الرجلُ    

أخوك

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

18 تموز 2019

...........................

ملاحظة:

*هذا الوصف مُقتبس من مجموعة "أناديك من مكان بعيد" للشاعر الكبير "عيسى حسن الياسري"

  

 

عبد الجبار الجبوريماذا يجري في الخليج العربي، بين أمريكا وإيران، سؤال يتداوله الشارع بكثرة، هل تنطلق منه شرارة الحرب العالمية الثالثة، أم تنطفيء تلك الشرارة، وتنتهي بإستسلام إيران، للشروط الامريكية ال12، لاسيّما وأن الأجواء الآن أكثر ترجيّحاً للحرب من غيرها، رغم ترغيبات الرئيس ترمب لإيران، بالحوار والإعلان عن عدم رغبة الادارة الأمريكية في تغّيير النظام، والتراسل من تحت الطاولة وفوقها، ولكن في المقابل، هناك معركة فوق مياه الخليج، وفي مضيق هرمز، على شكل إسقاط طائرات مسيّرة، وتفجيّر ناقلات نفط، وإحتجاز أخرى، وتهديّدات من الطرفين، ثم تواصل الإدارة الامريكية عملها اليومي، في فرض المزيد من العقوبات القاسية جداً على إيران، غير النفطية والتسليحّية والمالية، فذهبت الى فرض عقوبات على أذرع وميليشيات إيران، وجعلها على لائحة الإرهاب، وأخذت الدول الاوروبية والغربية تحذو حذوها، وتضع أتباع إيران، على لائحة الارهاب الدولي، وتكّني إيران بأنها راعية الارهاب الاولى في العالم، وهذه النغمة أخذنا نسمعها من حلفاء أمريكا، في وقت تلوّح الادارة الامريكية، بعصا التفاوض والجلوس الى مائدة الحواربالترغيب والترهيب، ولو التفاهم حول ايقاف التسليح الصاروخي الباليستي، لكن حكام طهران، تأخذهم العزة بالتفاوض للتسويف فقط وكسب الوقت، ويعتبرون الحديث عن الصواريخ الباليستية – خطاً احمر- لايجوز التقرب منه ابداً، فهل خرجت الامور عن السيطرة، بالنسبة للادارة الامريكية، لتقوم بإسقاط طائر إيرانية مسّيرة، في رسالة تحذيرية لإيران وجسُّ نبض لها، أن الادارة الامريكية جادة في نزع أسلحة ايران النووية والباليستية، مهما كلّف الامر، وقصقصة أجنحة ميليشياتها في المنطقة، وقد بدأت وزارة الخزانة الامريكية، أولى خطواتها في هذا الشأن، بفرض عقوبات، على قادة ميليشيات عراقية تابعة لإيران، ووضعت قادتها على لائحة الارهاب الدولي، بحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة، ومنع التعامل معهم، وأعلنت أيضا الوزارة، أن الاسبوع المقبل، سيشهد صدور قائمة أخرى، لأسماء قادة ميليشيات كبارفي العراق، على لائحة الارهاب وملاحقتهم دولياً، ولاغرابة أن تصدر تصريحات في هذا الوقت من داخل (البيت الشيعي)، تنتقد وتفضح الميليشيات، وبعض قادة الحشد الشعبي، وتصفهم بالفضائيين والفاسدين، وضرورة حلّ الحشد وتسلّيم سلاحه للدولة، ودمجه مع الجيش، كحلّ ترضية لأمريكا، وهو ما أعلنه عادل عبد المهدي، وأعطى مُهلة الشهر لتنفيذ قراره، وهو يعرف أن قراره لا أحد يشتريه بفلسين، ولن ينفذه أحد، بل هاجمه قادة الميليشيات وهددّوه، إذا إقترب من الحشّد وسلاحه، لهذا دخلت أمريكا على الخط مباشرة، لأنها تعرف ضعف عبد المهدي، وخوفه من الميليشيات وقادتها، فأعلنت حزمة من العقوبات على بعض فصائل الحشد الشعبي، (مثل ريان الكلداني ووعد القدو)، وشخصيات تقول عنهم أمريكا هم أذرع إيران في الموصل، مثل نوفل العاكوب محافظ نينوى السابق، واحمد الجبوري محافظ صلاح الدين السابق، وتصفهم بانهم يقومون بتنفيذ مشروع ايران في الموصل وصلاح الدين، وينتهكون حقوق الإنسان ودعم الميليشيات، وهكذا تعلن الادارة الامريكية بدء عملية الحساب، مع أذرع إيران في المنطقة إنطلاقاً من العراق، فكشفت بريطانيا خلايا لحزب الله نائمة لديها تريد تنفيذ جرائم في اوروبا، فالخطوة الامريكية الاستباقية في تفكيك وإستهداف أذرع إيران في المنطقة، لم تكن وليدة اليوم، ولكنها كانت ضمن الإستراتيجية الأمريكية، وضمن الشروط ال12، التي يصرُّ الرئيس ترمب على تنفيذها بحذافيرها، وقد بدأها بفرض عقوبات تاريخية اقتصادية ونفطية وتسليحية على إيران، لامثيل لها في التاريخ الإيراني كلّه، حتى وصفها قادة طهران بأنها – موت بطيء – للشعب الايراني، وقلنا منذ البداية أن أي من الطرفين، لايريد الحرب العسكرية، لأنها في إستراتيجية أمريكا تعتبر الحرب الإقتصادية كافية، لتحقيق أهدافها وشروطها، ولا تحتاج الى مواجهة عسكرية، طالما يحقق الحصار الهدف، ولاتستبعد المواجهة العسكرية، وقد جهزّت لها جيداً، فيما ترفض إيران المواجهة وتستبعدها، لإدراكها أنها حرب تخسرها وتهزمها بسهولة، للتفوق الأمريكي العالي، وهكذا يعلن الطرفان، أنهما لايريدان المواجهة العسكرية، وهما يكذبان على العالم، لأن المواجهة حتمّية للطرفين بنهاية المطاف، لسبب بسيط هو أن طهران، لا تقبل أبداً بالشروط الأمريكية المهينة لها، والتي تعيدها الى عصر ما قبل الصناعة كما اعادت العراق، فهي ذاهبة في عنادها ومواجهتها لأمريكا والعالم رغماً عنها، أو الاستسلام، بطريقة التسويف والتضليل والخداع وطول النفس في التفاوض، كما حصل في الاتفاق النووي الذي دامت مفاوضاته 12 عاماً، من الخداع والتسويف الإيراني المعهود، إذن أمريكا تعرف نبض إيران، وأحابيلها والاعيبها، وطريقة معالجة الازمات، وتجنب الحروب، وتضليل الآخرين، ولكن الادارة الامريكية، فهمت اللعبة الايرانية، وكشفتها ووضعتها في زاوية حرجة، لهذا هي فرضت حصاراً تاريخيّاً، لاتخرج منه إلاّ خاسرة مهزومة، ثم أن الرئيس ترمب يحسبها (حسبة عرب)، وهو التاجر وليس السياسي، فهو أرسل البوارج وحاملات الطائرات، والطائرات النووية والصواريخ، وفتح القواعد كي تعود فاضية اليدين، لابد وأنه يغنم الكثير من العرب وإيران، ويضمن النفط وأمن إسرائيل بصفقة القرن، وتغييّر النظام الايراني، ليضمن مشروع أمريكا اقامة شرق أوسط كبير، ثم يضمن الأهم من هذا على صعيده الشخصي، وهو الفوز برئاسة ثانية للبيت الابيض، فالقضاء على داعش قد تم بفعل التحالف الدولي، الذي تقود امريكا، والتفاهم مع تركيا تم أيضا، بمفاوضات وترتيبات حول تسليمها إس 400، فبقي التحدّي الأكبر أمام أمريكا، وهو إيران وميليشياتها في المنطقة، أعتقد ان السياسية الايرانية في مواجهة الحصار قد فشلتْ، وذلك بعد حجز ناقلة النقط الايرانية العملاقة، التي تحمل مليوني برميل نفط في جبل طارق، وقيامها بالرّد بالمثل على ناقلة نفط، يجعلها في مرمى الهدف الامريكي، حيث صرح الرئيس ترمب شخصياً، على إيران إطلاق سراح ناقلة النفط فوراً، وفوراً لها معانٍ كثيرة تترّتب عليها، ثم فضيحة ناقلة النفط الايراني، المصدر عن طريق العراق الى إيطاليا وإنفضاح أمره، ناهيك عن كشف الكثير من التعاملات ودعم البنوك الايرانية، من بنوك ومصارف عراقية، وقيام إيران بتحويل العراق الى سوق مالي وإقتصادي ايراني لصالحها، تهرباً والتفافاً على الحصار الخانق لها، أن وزارة الخزانة الامريكية، تملك جرداً كاملاً، عن جميع أملاك وأموال الأحزاب والشخصيات العراقية، وأملاكها في الداخل والخارج، ولايمكن لإيٍ كان، أن يفلت من العقوبات الامريكية القادمة، فأي فلس عراقي يخرج من العراق، أو في العراق لشخصيات وأحزاب، تعرف به وتذهب إستمارته الى صندوق النقد الدولي، والى الخزانة الامريكية، فإطمئنوا ايها العراقيون أموالكم المنهوبة والمسروقة من قبل الأحزاب الإيرانية، والشخصيات الإيرانية، هي في الحفظ والصوّن، تبقى مسألة الحرب وإعلان الحرب، متوقّفة على مدى مطاولة النظام الايراني مع العقوبات وتحملها ونجاح تسويفه لها، مع ظهور بوادر معارضة قوية داخلية، أهم من معارضة رجوي وبهلوي في الخارج، الشعب الايراني يرزح تحت عقوبات، لايطيق تحملّها، والأوضاع اقتصادية مأساوية، بإعتراف قادة النظام وحكامه، الذين يتمادون بتحدي العالم كله، وليس الولايات المتحدة الأمريكية، إنّ ما يجري في مضيق هرمز وباب المندي والخليج العربي، بين أمريكا وإيران، ماهو الاّ لعبةُ القّط والفأر، وتعرفون نهاية قصة اللعبة ....

 

عبد الجبار الجبوري

 

حسن حاتم المذكور1- الجنرال المهبول المصاب بالشلل القومي، يصرح "لا مساومة على كردستانية كركوك" كم حاول ان يضع السرج على ظهر السماء، فسقط في حضيض خيانة اهله ووطن استضاف عشيرته، نسى ان اربيل ومعها السليمانية، كما هي البصرة والموصل، محافظات عراقية، تاريخياً حضارياً وجغرافياً، والشعب الكردي واحد من مكونات المجتمع العراقي، ما استورده من اكراد تركيا وايران، لا يستحقون شرف الأنتماء للعراق، لاجئين ويجب معالجة امرهم عبر المراجعة والأجراءات القانونية، بعيداً عن مشروع البرزاني لأعادة تكريد كركوك، ومن يرغب الأقامة، يجب ان يكون صادق الولاء للوطن، ويسحب تبعيته لجنرال مهرب يعاني خلل جيناتي اسروي، لا سكينة له في بيئة التعايش السلمي، من داخل مجتمع مدني، محتال متعدد الخيانات، لا يملك رادع اخلاقي، يمنعه من سفك دماء  العراقيين.

2 - كم مرة خذل شعبه وهرب بعائلته ومقربي حزبه، كم مرة ساوم الأنظمة الدكتاتورية على حساب المستقبل العراقي، انه بن ابيه الذي شارك في اسقاط جمهوية وطنية، وتصفية زعيم وطني، ثبّت في دستور الجمهورية ولأول مرة ان "العرب والأكراد شركاء في الوطن" واعادهم من المنفى وكرمهم، ولا زال خنجراً، في قبضة الأطماع الدولية والأقليمية، شارك كمهرب محترف، في تهريب الثروات الوطنية، وانهاك الدولة العراقية واستباحة سيادتها، وجعل من اربيل ملتقى للخونة والمأبونين، ومبغ لمرور زناة الدنيا، الى وطن يشرب من مراضع ثرواته، كم وكم سفك هذا الدعي من دماء العراقيين وازهق من ارواحهم.

3 - المهرب وقاطع الطرق، لا يمكن له ان يكون الا جباناً، لكنه تعنترعلى مخنثي حكومات ما بعد عام 2003، وآخرها المهبول عادل عبد المهدي، البيضة الفاسدة للتوافق المشبوه بين (سائرون) واخواتها لمقتدى الصدر، والفتح واخواتها لهادي العامري، هذا التوافق الذي شكل، وجهي عملة التبعية والخيانة لرئيسي الكتلتين، نستذكر الأجراءات التي اتخذتها، حكومة رئيس مجلس الوزراء السابق حيدر العبادي، في تحرير كركوك وما تسمى بالمتنازع عليها في بضعة ايام، مليشيات مسعود البرزاني (بيشمرگته) اول من هربت واخلت مواقعها، ثم اتهمت الأخرين بالخيانة، الآن جاء عادل (زويه)، فرصة مسعود الذهبية، واستحقاقه الأنتخابي، ليمهد له التمدد لمستوطنات جديدة في جغرافية العراق.

4 - مسعود يحلم ان يجعل من كركوك (يافا) ويستوطن جغرافية المكونات العراقية مرة اخرى، في اجواء حكومات تخون العراق كل لحظة ودقيقة، اذا كان الحارس القومي، الجلاد واللص والسمسار المستكرد، حاج مجاهد، وعهر التوافق عليه، اصلاح وبناء، ومباركته (صمام امان)، فعلى العراق السلام، على العراقيين اذن، ان يكونوا كما ينبغي ان يكونوا في عراق يستحقوه، عليهم رمي غبار حثالات الأسلام السياسي، في الجانب الآخر لحدودهم الشرقية، حينها سيتعلم آل (برزان)، كيف يحترمون العراق، ويحترمون ثروات العراقيين ودمائهم، ويتجنبون عبثية التهريب عبر المحافظات الشمالية، ذات الهوية العراقية، وعليهم ان يضمدوا جراح الفدرالية والأقلمة، في دستور الأغبياء، ليبقى الصحيح على الأرض، ولن يبقى برزاني يتبطر في العراق.

 

حسن حاتم المذكور