أقلام حرة

ميثم الجنابي"لا تلتفت إلى ما مال إليه البعض من لا يعرف

 وجوه التأويل ولا يعقل كلام أولي الحكمة"

(الغزالي) 

 أبدعت الصوفية فكرة "حجاب العقل" بالصيغة التي حاولت فيها تقويم العقل في مدارج آدابها. وهي الصيغة التي تتعارض مع الاستهجان الفج للتقليل من شأن العقل. إذ لا تعني رمزية حجاب العقل في مدارج آدابها سوى ضرورة تعريضه "للهيب أنوارها" بتخليصه من شوائب التعصب المذهبي والتقليد. وهي الشوائب التي واكبت صيرورته الثقافية. فالصوفية لا تتناول هنا العقل المنطقي بل عقل الوجود الثقافي. وهي الصيغة التي أسس لها في  آرائه ومواقفه من العقل وما وراء العقل. وليس مصادفة أن يتكلم في آن واحد عن حجاب العقل ونور الحكمة باعتبارها عقلا. أما العلاقة المتناقضة في مظهرها فهي الصيغة المناسبة لإعادة إدراك الوحدة المتناسقة بين الظاهر والباطن. وذلك لأن هذه العلاقة تمتلك مستوياتها العديدة وتجلياتها العديدة. فهي تظهر في الوجود والميتافيزيقا كأجزاء متناثرة في قضايا المُلك والملكوت.أما في الثقافة فإنها تتجلى في ممكنات الوحدة المفترضة بين العقل المكتسب وحقائق الحكمة المطلقة. وبما أن العقل الإسلامي المكتسب هو عقلها الذاتي المتنور منذ بداياته الأولى بنور الحكمة القرآنية، لهذا تحوّل القرآن إلى نور حكمتها المطلقة أو إعلانها. فالغزالي لا يتكلم في الواقع إلا عن العقل في علاقته بالقرآن. من هنا مقارنته للعقل بالنور، والقرآن بنور الشمس[1]، أي كشف الصلة الضرورية والمثالية بينهما. إذ لا يعني حجاب العقل هنا سوى ضرورة إزالته. فالعقل قادر على كشف الأسرار الباطنة والمعاني الخفية في القرآن بالصيغة التي تجعلها ظاهرة وجلية. فالظاهر هنا هو اكتشافاته، والباطن هو حقائق المعاني. وهي عملية لا تنتهي بفعل تواجدها الدائم في الإبداع ذاته.

وفيما لو أهملنا تناول هذه القضية من زاوية علاقة العقل بالشرع فإنها لا تعني في ميدان تأسيسه الفكري لعلاقة الظاهر بالباطن سوى محاولة الكشف العقلي النوري (الذوقي)، والذي يتطابق في صفته الوجودية والمعرفية مع فكرة وحدة عوالم المُلك (الحس) والملكوت (العقل وما وراء العقل). أما التباين الحاد أو الثنائية البارزة هنا فهي الصيغة الظاهرية لا غير. حيث يجري اختزالها في العروج المعرفي الأخلاقي في مجرى الارتقاء من الحس إلى العقل. وفيها تتبين بوضوح معالم العلاقة الأولية بين عوالم المُلك والملكوت، باعتبار الأول مثالا ملموسا للثاني. مما يؤدي في نهاية المطاف إلى إدراك وحدة الكلّ باعتبارها إدراكا لله. وهو العروج الذي يتخذ عند البعض "حالة العرفان العلمي"، وعند البعض الآخر حالة "الذوق والحال"[2].  وهو ما سعى الغزالي لتوحيده في بسط فكرة "سلطان العقل الذي هو ميزان الله تعالى في أرضه"[3]. ولا يعني ذلك في منظومته سوى إعادة اللحمة إلى عوالم المُلك والملكوت في إدراك حقائق الوجود من خلال العقل (نور اليقين) المستند إلى التجربة الصوفية. "فالصراط المستقيم" على سبيل المثال هو أيضا عملية الترّقي من عالم المُلك إلى عالم الملكوت. ولا يمكن توقع حدوثها دون وجود مناسبة بينهما. إذ ما من شيء في هذا العالم، كما يقول الغزالي، إلا وهو مثال لشيء من ذلك العالم.ومع ذلك لم ينظر الغزالي إلى هذه العلاقة بمعايير المقابلة الميكانيكية، بل بمعايير علاقة التباين الموحّد وإمكانية أن يكون الشيء الواحد في عالم الُملك مثالا لأشياء عديدة من عالم الملكوت، وإمكانية أن يكون للشيء الواحد من عالم الملكوت أمثلة كثيرة من عالم المُلك[4]. وفي هذا التباين الموحّد تكمن الصيغة الجديدة التي وضعها في موقفه من وحدة وعلاقة الظاهر والباطن. بحيث جعله ذلك يعيد في معرض انتقاده للباطنية والحشوية في (مشكاة الأنوار) ما سبق وإن وضعه في (إحياء علوم الدين)، وأن يبقى في الوقت نفسه ضمن نفس الاتجاه العام. فعندما يتناول، على سبيل المثال، قضية "خلع النعلين" الموسوية، فإنه يشير إلى أن "إبطال الظواهر هو رأي الباطنية، الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد النعلين"[5]. بمعنى جهلهم بالموازنة. وينطبق هذا بالقدر ذاته على الحشوية. أما الكامل فهو الذي يجمع بينهما. ولا يعني هذا الجمع في لغة الغزالي سوى توليفهما الجديد على أساس وحدة الظاهر والباطن. مما جعله يعبّر عن أعماق موسى، بأنه فهم من خلع النعلين إطرّاح الكونين فامتثل الأمر ظاهراً يخلع نعليه وباطنا بخلع العالمين[6].

إن هذه الوحدة الجديدة لاستيعاب علاقة الظاهر بالباطن، تبدو في مظهرها كما لو أنها تمثل للظاهر في المظاهر والباطن في البواطن، أي كما لو أنها تحاول اختراق عالم الإنسان الواقعي في بحثها عن تجانس معقول في ما بينهما. إلا أن هذا هو مجرد مظهرها العام. وذلك لأن الباطنية والظاهرية الغزالية لم تعد مجرد ترتيب معقول وتنسيق ممكن لدرجات الوعي ومستوياته، بل والوحدة المثلى لتناسق الممكن، والذي يصهر الظاهر والباطن فيما وراء معقولية الأشكال العابرة، باعتباره الروح المتجدد لإدراك حقيقة الحق. وبالتالي تحويل الوحدة إلى الحالة التي تتحول فيها أعماق الإنسان إلى جزء من الكون ذاته في أدق تجلياته. مما يجعل من هذه الاعماق ميدان السرّ الفاعل، والحرية المطلقة في إدراكها للظواهر، و"العبودية الظاهرية" للسحرية الداخلية. وبهذا المعنى تنتفي الغرابة في الوجود. حينذاك  يتحول الوجود إلى ميدان الأنا الكلية العارفة. مما يعطي للتناقضات قيمتها المعقولة في العقل ومعناها الأسمى في الأخلاق.

إن غياب تعارض المتعارضات وتناقض المتناقضات المميزة "للعقل المستقيم" ما هو إلا إدراكها الجديد في الحقائق المتناسقة لقيم ومعاني الوحدة الظاهرية الباطنية. وقد جعل ذلك من الممكن تحول العالم والكلمة أيضا إلى كيان وجودي معرفي أخلاقي. إذ لم تعد الكلمة مجرد أصوات وحروف أو أفكار وهواجس، بل والنغم الذي يجمع في ذاته وحدة العابر والمطلق في الروح الانساني الإلهي. فهي النغمة غير المسموعة بفعل قوة تداخلها وغورها العميق، والمسموعة في مجرى إدراك ذوبان الذات في سريان الوجود، باعتبارها كلاّ منفرداً، وكلاّ جمعيا، وكلاّ مطلقا.

لقد وضع هذا الاستنتاج أمام الغزالي مهمة التنظير الشامل لعلاقة الباطن بالظاهر، والتي يصعب حلها دون الاستناد إلى تجارب الباطنية والظاهرية الإسلامية ككل. من هنا انطلاقه في البرهان على ضرورة وجود علم الباطن. وهي الضرورة التي جرى صياغتها في تاريخ الفكر الإسلامي (الكلامي والسياسي والفلسفي والصوفي) لقرون خلت قبل الغزالي. وعندما استشهد بآراء سهل التسترى، فإنه لم يسع من وراء ذلك إلى تنظيره في اطار تفسير إحدى الأفكار العميقة للتصوف، بقدر ما انه وجد فيها المثال المناسب في ذاته للكشف عن حقيقة الظاهر والباطن ووحدتهما في علم العلماء وعملهم وأثرها في آفاق وإدراك الوجود والنفس (القرآنية والثقافية)، أي الفكرة القائلة بأن للعالم ثلاثة علوم: العلم الظاهر لأهل الظاهر، والعلم الباطن لا يسعه إظهاره إلا لأهله، وأخير العلم الذي بينه وبين الله لا يظهره لأحد. ولم يقف الغزالي عند حدود التصنيف الخاص بالصوفية في إدراكها الذاتي لموقفها وتجاربها المتميزة، بل وحاول إدراجها في بنية الكلّ الإسلامي من خلال توليف المجاهدة الصوفية بالحد الوسط، أي صياغة علاقة الظاهر بالباطن والشريعة بالحقيقة بالاتجاه الذي يحافظ على صحة الفكرة الصوفية، التي عبّر عنها التستري ومعقوليتها العملية، أي فكرة "إن إفشاء سرّ الربوبية كفر. وإن للربوبية سرّ لو أظهر لبطلت النبوة، وللنبوة سرّ لو كشف لبطل العلم. وللعلماء بالله سرّ لو اظهروه لبطلت الأحكام". وهي المعقولية التي كانت تتضمنها أخلاقية الفكرة الصوفية والقائلة بأن "الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه". لقد أراد الغزالي إزالة التناقض الممكن بين الظاهر والباطن، أو خلاف الحقيقة والشريعة. فهو يؤكد على أن معارضة الحقيقة بالشريعة والظاهر بالباطن هي إلى الكفر أقرب منها إلى الإيمان. وهو الحكم الذي يعكس في أعماقه انتقاد الباطنية الغالية بما في ذلك في "أغلاط" الصوفية، لا موقفه المعارض من أسلوب الباطنية بحد ذاته أو حتى أسلوبها ككل.

إن المضمون النقدي لهذه المواقف عند الغزالي هو جزء من نظريته الاجتماعية والأخلاقية والقانونية. بمعنى أنه ليس جزءا من تقاليد المناهضة المدمرة أو الاستهجان المقبح لتقاليد الفضائح المميزة لصراع الفرق والمذاهب، بل الصيغة النقدية المتنامية في مجرى وعيها الخاص لمبادئها الأساسية. فهي الصيغة التي يفترضها منطق الحدود الوسطى واشتراط فاعليتها في الوجود الاجتماعي للأمة. فقد أنتج تاريخ التصوف "أغلاطه" في "غلّو" الشطح والأفعال والتأويل. وبهذا يكون قد ميّز بين الشطح في التجارب، والأخلاق في السلوك. لهذا السبب أفرد الطوسي في كتاب (اللمع في التصوف) فصولا عديدة عما اسماه بأغلاط الصوفية، أي كل ما يمكن ادراجه في قانون ضبط النفس. لذا نراه يتكلم عن غلط البعض في الموقف من الغنى والثروة وإجازتهما انطلاقا من أن الله هو الغني، وأن التصوف يساوي بين الغنى والفقر. إذ وجد فيها تأويلات خاطئة لفهم حقيقة الآيات ومضمونها ومقاصد المتصوفة من استواء الغنى والفقر.، باعتبارها حقا وحقيقة عند أهل الحقائق والمعارف عند النهايات لا في البدايات[7]. وينطبق هذا بالقدر ذاته على مواقفه من أغلاطهم بصدد المواقف من مختلف القضايا والآداب كالاكتساب والإرادة والعزلة والحرية والعبودية ومقامات الإخلاص والولاية وغيرها. أما انتقاد الغزالي لأغلاط المتصوفة فقد كان جزءا من انتقاد الكلّ الإسلامي في ميادين غروره.ومن ثم مساهمته في تهذيب هذا الكلّ بمختلف ميادينه ومجالاته.

 فالغزالي لا يكفّر  أسلوب وضع الظاهر بالضد من الباطن، بقدر ما انه ينظر إليه بمقارنات تناقض الكفر والإيمان. أنه لا يدين الظاهرة بحد ذاتها. ومن ثم يقر بإمكانية وجود التناقض النسبي بين الظاهر والباطن. لكنه يقف بالضد من أسلوب وضع أحدهما بالضد من الآخر. لهذا السبب وضع هذه القضية وحاول حلها من خلال إدراجها ضمن قضايا علم المعاملة، والاهتمام بالجانب العام لا الخاص، وبالإيمان العقائدي (التقليدي) لا الفردي الصوفي الخاص. انه تتبع أسلوب التستري وليس الإقرار المباشر باستنتاجاته. وهو الاتجاه الذي ميّز منظومته الفكرية وروحها النقدي في توليفها لتراث الثقافة الإسلامية ككل وتقاليدها الإصلاحية بالأخص.

إن التناقض الظاهري الممكن هنا هو نتاج الوهم لا تناقضه الفعلي. وينطبق هذا بالقدر ذاته على ما أدخله في فكرة السرّ الصوفي ومحاولته حل خلاف الظاهر والباطن على أساسها. إذ لم تكن الفكرة الصوفية عن السرّ شكلا من أشكال هزيمة الروح في معاركه الجسدية مع السلطة، رغم أن الهزائم تعلم الجميع فنون الحرب. لكن الغزالي لم يطوّع تعامله مع "السرّ الإلهي" للدفاع عن الصوفية بقدر ما انه حاول توليف آرائها في منظومة تعطي لهذا السر ّمضمونا اجتماعيا سياسيا وأخلاقيا فاعلا يرتكز في نهاية المطاف على أسس الوحدة الداخلية المتناسقة للباطن والظاهر وللحقيقة والشريعة. إذ لا يتعلق عدم إفشاء السرّ بتناقض الظاهر والباطن بقدر ما انه يعود لأسباب عديدة منها، على سبيل المثال، ما هو دقيق يكلّ الفهم عن إدراكه إلا للخواص مثل حقيقة الروح. فهو السرّ المعلوم للخواص، الذي قد جلب المضرة للعوام بسبب إمكانية تأديته إلى إثارة البلبلة. فالصفات الإنسانية تختلف اختلافا جوهرياً عن "الإلهية". إلا أن الإنسان يدركها بالمقايسة. وبالتالي فإن الإنسان لا يدرك في الجملة إلا صفات نفسه ونفسه. من هنا استحالة إدراك الذات الإلهية. بمعنى لا يعرف الله حق المعرفة إلا الله. ولكن يوجد مع ذلك ما هو مفهوم في نفسه ويمكن فهمه من قبل الآخرين. إلا أن ذكره يضر بأكثر المستمعين كما هو الحال على سبيل المثال بالنسبة لسرّ القدر. فقد يكون ذكره مضرا للبعض كما يضر نور الشمس الخفافيش، أو ماء الورد للجعل. إذ كيف يمكن فهم قولنا بأن الكفر والزنا والشرور والمعاصي كله بقضاء الله وقدره؟ ألا يؤدي ذلك إلى نقيض الحكمة والسنّة والرضا بالقبيح؟ وينطبق هذا بالقدر ذاته على قضايا كثيرة مثل تحديد القيامة بالزمن، كأن يكون بعد ألف سنة أو أقل أو أكثر. وذلك لأن عدم ذكره هو لمصلحة العباد وخوفا من الضرر. بمعنى إن أثر الزمان المحدد يؤدي إلى الغلوّ في السلوك اكتراثا أو لا ابالية. بينما توجد أشياء يمكن فهمها في حالة ذكرها صراحة ولكنها تكنىّ على سبيل الاستعارة والرمز مثل قولنا "لا تضع الدر في أعناق الخنازير"، أي لا تضع المعرفة في غير محلها. من هنا ضرورة فهم الأسرار الموضوعة في الكلمات على خلاف ظاهرها أما بدليل عقلي أو بدليل شرعي مثل معنى القدرة في كلمات "أصابع الرحمن"، وغاية الاقتدار في كلمات "كن فيكون". من هنا مطالبته المرء بأن لا يلتفت "إلى ما مال إليه البعض ممن لا يعرف وجوه التأويل ولا يعقل كلام أولي الحكمة والراسخين في العلم، حين ظن أن قائل لا تحدثوا الناس بما لم تصله عقولهم أراد الكفر الذي هو نقيض الإيمان والإسلام"[8]. حيث وجد في ذلك حكما لا يخرج "إلا على مذاهب أهل الأهواء الذين يكفرون بالمعاصي"[9].

مما سبق يبدو واضحا بأن الغزالي حاول وضع فكرة السر ّفي اطار استكمال الباطن للظاهر لا تعارضهما أو اختلافهما. فهو ينطلق هنا من أن الإنسان عادة ما يدرك الشيء في جملته أولا ثم يدركه تفصيلا بالتحقيق والذوق، بحيث يتخذ تحول المعرفة الجملة شبها بمعرفة الظاهر، أما المعرفة اللاحقة (التحقيق والذوق) فتشبه معرفة الباطن (اللباب). فالأولى هي معرفة ظاهرية والثانية باطنية. وكلاهما مثل رؤية الإنسان لإنسان آخر في حالتي الظلام أو البعد. وحالما يقترب منهما يدرك التفرقة بينهما.حينذاك لا يكون "الآخر ضد الأول، بل هو استكمال له"[10]. وطبق موقفه هذا على كافة القضايا الأساسية المتعلقة بالظاهر والباطن وكذلك إدراكها من خلال وضعها على محك التجربة. لهذا نراه يشدد على أن للإنسان تصورات عن الشهوة والعشق والجوع إلا أن معرفة حقائقها غير ممكنة دون تذوقها. بمعنى ما قبل وفي مجرى وما بعد ممارستها من أجل إدراك حقائقها فيها وفينا.

لقد شكلت هذه المقدمة الفكرية أساسا للغزالي في توكيده على ضرورة وأهمية وجود الباطن والتأويل. إذ لو كان المعنى هو الظاهر فقط لما اختلف الناس فيه[11]. من هنا أهمية إدراك الباطن باعتباره الشيء الأكثر جوهرية والمطلق المتجلي في نسبيته الدائمة والحقيقة في وحدة ما دعته الصوفية "التعبير بلسان المقال عن لسان الحال"، أي عدم الوقوف عند الظاهر بل والدخول إلى حقيقة السر فيه من أجل إدراكه. وهنا يكون الغزالي قد فسح المجال أمام الإمكانية غير المتناهية للفكرة الباطنية. لكنه لم يجعلها في الوقت نفسه فضفاضة المعنى. من هنا تأويلاته المقيدة في حريتها. فعندما تناول كلمات القرآن التي يخاطب بها الأرض والسماء قائلا "ائتيا طوعا أو كرها. قالتا أتينا طائعين"، فإنه حاول من خلالها إبراز معنى الضرورة والاضطرار في التسخير والسخرة. وهي الصيغة التي ملئ بها الربع الأخير من (إحياء علوم الدين) حيث تظهر بوضوح وجلاء متزايد ملامح نظرته عن علاقة الظاهر بالباطن ووحدتهما. وإذا كانت هذه العلاقة تتخذ أحيانا صورة الخلاف في أمثلته الملموسة فليس  ذلك إلا لأنها أمثلة وحيدة لكشف تحول المجرد إلى الملموس، والملموس إلى مجرد في حركته الدائمة، أي الوحدة في المعنى. فعندما يأخذ الدنيا مثالا للآخرة فإنه يحاول أن يكشف عما في الظاهر من باطن. إذ لا يمكن إدراك الآخرة في عالم المُلك، كما يقول الغزالي، إلا بمثال منه. بمعنى لا يمكن فهم حقائق الآخرة دون فهم حقائق الدنيا أو مثال الآخرة دون عناصره ومكوناته الملموسة في الدنيا. فعالم المُلك هو مجرد نوع لعالم الملكوت. من هنا عبارته القائلة بأن "ما سيكون في اليقظة لا يتبين في النوم إلا بمثال، وما سيكون في يقظة الآخرة لا يتبين في نوم الدنيا إلا في مثال"[12].  وهو أسلوب استطاع أن يؤدي دوره الفاعل في تهشيم أسس اللاهوتية المتحجرة والهيبة التقليدية للفقهاء والسلطة، وبالأخص من خلال صياغته المتعمقة لوحدة عوالم المُلك والملكوت على مثال عوالم النوم واليقظة أو العابر والمطلق في حقيقة العلاقة بالله.فالظاهر والباطن في نهاية المطاف هما مجرد انسابٍ نسبية لأنه لا ظاهر ولا باطن عند الله. ووضع هذه الصيغة المجردة في صلب مقدماته الأخلاقية، باعتبارها إلزاما متساميا حقا في إمكانية التنقية المتزايدة للموقف الاجتماعي الشرعي  من مختلف قضايا العادات والعبادات. الأمر الذي حدد بدوره الاتجاه الاجتماعي والأخلاقي الكامن في تنظيره لعلاقة الظاهر بالباطن. فعندما يناقش تلجلج الفقهاء الظاهرى في رؤيتهم استتباع أحكام الله لأحكامهم وقضائهم، فإنه شدد على معاكسة ذلك من خلال ابراز حقيقة كون الباطن عند الله ظاهر. وبالتالي فإن أدلة ونتائج "سوط القلوب" كالكلمة الغاشمة والإجبار والمصادرة وما شابه ذلك لا وزن لها في ميزان الحق الإلهي وقواعد أخلاقه المتسامية[13].

لقد تمثل أسلوب الغزالي في التعامل مع قضايا الباطن والظاهر نتاج الفكر الإسلامي ككل، ولكن بالصيغة التي جرى صهرها في تآلفه النظري. إذ يمكننا العثور هنا على عناصر شتى لمدارس الجهمية والشيعية والمعتزلة والأشعرية، الفلسفية والتعليمية (الإسماعيلية) وتقاليد التفسير اللغوي والتاريخي والكلامي، والتأويل الصوفي. إلا أنها تضمحل في تناسق المكونات العقلية والأخلاقية لمنظومته الفكرية. ففي مواقفه من الباطن والظاهر تنعكس "أسرار" وبقايا الفيثاغورية والاسماعيلية الباطنية، لكنه لم ير في الإنسان معياراً لكل شيء. لقد وضع فكرة الحق المطلق معيارا للمعرفة، بينما يتحول الإنسان في ميدان التأويل إلى مثال الفكرة المطلقة في ظهورها الملموس. فعندما تناول قضية القيامة الصغرى والكبرى (الموت والقيامة) فإنه يؤول الآيات من خلال موشور الوحدة المتماسكة بين الظاهري والباطني (الأرضي المادي والروحي الإلهي). فالأرض التي يجلس عليها الإنسان بالإضافة إلى بدنه هي ظرف ومكان. لهذا السبب يخاف الإنسان زلزلة مكانه لأنه يزلزل بدنه الخاص. فالأرض هي أرضه وترابه، وعظامه هي جبال أرضه، ورأسه هو سماء أرضه، وقلبه هو شمس أرضه، وسمعه وبصره وسائر حواسه هي نجوم سمائه. ومفيض العرق من بدنه هو بحر أرضه، وشعره نبات أرضه، وأطرافه هي أشجار أرضه. فإذا انهدم بالموت أركان بدنه فقد زلزلت الأرض زلزالها. وغذا انفصلت العظام عن اللحوم فقد حملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة. فإذا رمت العظام فقد نسفت الجبال نسفا، فإذا اظلم قلب الإنسان عند الموت فقد كورت الشمس تكويرا. وإذا بطل سمعه وبصره وسائر حواسه فقد انكدرت النجوم انكدارا. وإذا انشق دماغه فقد انشقت السماء انشقاقا. وإذا فارقت الروح الجسد فقد حملت الأرض فمدّت حتى ألقت ما فيها وتخلّت[14]. بينما وجد في الآية (أفمن يمشي مكبا على وجهه كمن يمشي سويا على صراط مستقيم) إشارة للفريقين المختلفين، اللذين يأخذ أحدهما في نظرته إلى الحقيقة المعاني من الألفاظ، بينما يلحظ الثاني المعاني أولا ثم يتطلع على حقائقها ثم يلاحظ الأسماء[15]. في حين أوّل الآية (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين) انطلاقا من مفاهيم القرب والبعد من الله. فقد خلق الله الخَلق وفطرتهم الاحتياج إلى استعمال الشهوات لتكمل بها أبدانهم. غير أن هذه النِعم يمكنها أن تكون آلة للابتعاد عن الله، وأن ترده بالتالي إلى أسفل المراتب، أو أن تكون آلة للانجذاب إليه[16]. بينما تحولت الآية (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) في تأويله الصيغة المجردة لضرورة استيعاب الحكمة الإلهية في وجود الأشياء. فالكفر بنظره هو استعمال الشيء لغير وجهته. وبما أن الفضة والذهب لا غرض لهما بحد ذاتهما، إنما هما وسائل للأغراض، فكنزهما هو العجز عن "قراءة الأسطر الإلهية المكتوبة في صفحات الموجودات بخط إلهي لا حرف فيه ولا صوت، والذي لا يدرك بعين البصر بل بعين البصيرة"[17]. وأما معنى "اعتبروا يا أولي الأبصار" فهو العبور من عالم المُلك والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت. وذلك لأن عدم العبور هو حبس النفس عند أبواب جهنم. وبما أن الحجاب لا يزول إلا بالموت آنذاك سيدرك الإنسان نار الأفئدة. من هنا قول القرآن (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم. ثم لترونها عين اليقين). فالحجج يدركها البعض في الدنيا مرة بعلم اليقين ومرة بالآخرة بعين اليقين[18]. في حين اتخذت الآية (لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) في تأويلاته مثال للدلالة على فكرة الوسط الأخلاقي المجرد ودليلاً على رجحان العدل وحسن الخُلق. فالتقليل من الأكل عبادة. وخصي النفس لإزالة شهوة النكاح أو الانهماك بها هو خسران الميزان. في حين إن العدل هو أن يخلو وزنه وتقديره عن الطغيان فتتعدل به كفتا الميزان[19]. في حين عبّرت الآية (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين، فلما نجاهم إلى البر إذ هم يشركون) عن أن من انكشف له أمر العالم كما هو عليه، علم أن الريح هو الهواء، والهواء لا يتحرك بنفسه ما لم يحركه محرك. وكذلك محركه وهكذا إلى أن ننتهي إلى المحرك الأول الذي لا محرك له ولا هو متحرك في نفسه (الله). فالتفات الإنسان في النجاة إلى الريح يضاهي التفات من أخذ لتحزّ رقبته فكتب الملك ترخيصاً بالعفو عنه، فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغد والقلم[20]. أما معنى (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر)  فيشير إلى مثال لمناجاة ذرات الوجود مع أرباب القلوب في السرّ. وذلك مما لا ينحصر ولا يتناهى. إذ أنها كلمات تستمد من بحر كلام الله الذي لا نهاية له[21]. ولا تعني الآية (وما خلقنا السموات والأرض وما بينها لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق) سوى إشارة إلى درجات ترتيب الوجود الذي لا تتكشف حقيقته إلا بنور الحق، أي لا يتقدم متقدم ولا يتأخر متأخر إلا بالحق واللزوم. وإن كل ما بين السماء والأرض حادث على ترتيب واجب حق لازم لا يتصور أن يكون إلا كما حدث[22]. في حين لا تعني الآية (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) بالمقتول في المعركة، إذ للعارف بكل نفس درجة ألف شهيد[23].

إن هذه الأمثلة وكثير غيرها تكشف عن مساعي الغزالي صياغة الوحدة المتصوفة والمعقولة للظاهر والباطن. ففي الوقت الذي يدرجها من حيث مضامينها في اطار نظراته الوجودية والمعرفية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية، فإنه يحافظ بالقدر نفسه على طابعها التاريخي الملموس. وفي الوقت الذي حافظ على نزوعها الشرعي المنقول، ألبسها لباس المعقول من خلال إضفاء الطابع العقلاني والأخلاقي عليها. مما كان يعني أيضا فسحه المجال أمام الإمكانية الدائمة لتحرير الباطن من القداسة المفتعلة للوعي التاريخي. وبهذا يكون قد أنزل "ضرورة" الوحي الإلهي إلى عالم الحرية الصوفية، باعتبارها الميدان الأخلاقي المتسامي لوحدة الحق. 

*** 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص59.

[2] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص72.

[3] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص75.

[4] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص91.

[5] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص101.

[6] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص101-102.

[7] الطوسي: اللمع في التصوف، ص431

[8] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص39.

[9] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص39.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص103.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص285.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص23.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص399-400.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص64.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص67.

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص88.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص91.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص102.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص103.

[20] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص247.

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص248.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص255.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص309.

 

محمود محمد علينعود ونستأنف حديثنا عن الهيمنة الأمريكية علي منطقة الخليج عقب الحرب العالمية الثانية فنقول : تتمثل الأحداث والمتغيرات التي انبثقت عنها الأسباب غير المباشرة للحرب العراقية – الإيرانية في الوقائع التي جرت في كل من الدولتين قبيل الحرب، فالعراق الذي كان يحكمه نظام قوي راديكالي، يؤمن بوحدة الأقطار العربية تحت راية القومية، وقع فيه تغيير دراماتيكي، حيث تولى قيادة النظام شاب في الثانية والأربعين بخصائص شخصية معروفة، أهمها تطلعه لتحقيق الانتصارات والإنجازات الكبيرة، وكان ذلك الشاب هو "صدام حسين" الذي تربع على سدة حكم العراق في يوليو 1979م .

وكان النظام الراديكالي في العراق مدعوماً باقتصاد متين عززه تأميم النفط، وبجيش قوي مدرب، يملك تجهيزاً متقدماً أتاحه متانة اقتصاد العراق، وعلاقات النظام الاستراتيجية مع أكبـر مصدّر للسلاح في العالم (الاتحاد السوفيتي)، وشراكتـه الاقتصادية والنفطية مع عدد من الدول المهمة، وخاصة فرنسا .

وأما إيران فقد حدث فيها، أيضاً، تغير دراماتيكي، إذ عاد إليها الخميني في شباط من العام نفسه (1979م)، وقاد ثورة إسلامية مدعومة بمشاعر الملايين من الشعب الإيراني، الذين وجدوا في الإسلام وشعاراته منقذاً ومخلصاً من غطرسة الشاه "محمد رضا بهلوي"، وكان الشاه قد عاش إمبراطوراً محالفاً للغرب، وحالماً بالهيمنة على منطقة الخليج كلها  وبعد انتصار الثورة اضطر الشاه إلى مغادرة إيران مخلفاً وراءه جيشاً قوياً، كان يوصف بأنه خامس جيش في العالم، كما خلف وراءه ثروة كبيرة تحققت نتيجة للصعود الكبير في أسعار النفط .

وتكمن خطورة ثورة الخميني على الدول المجاورة بشكل خاص، في رفعها شعار تصدير الثورة، مما يعني، ببساطة، أن إيران ستعمل على نقل أفكار الخميني إلى جيرانها، ومن ثم إلى الأقطار الأبعد؛ بمعنى أنها ستوسع حلقات الثورة شيئاً فشيئاً، وكان منطلقها فكرة مولّدة تتلخص في: "أممية الدين، وولاية المهدي الذي سيظهر ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً وظلماً".

وهكذا، أصبح الخميني نائب الإمام وقائد الثورة، وأصبح النظام الإيراني الجديد نظاماً راديكالياً راغباً في التوسع، وبالمقابل كان "صدام حسين" قائداً للثورة في العراق، وكان يسعى إلى تزعّم العروبة، ويتلمس كل ما يجعله بطلاً للتحرير القومي. ويقع هذان المشهدان الجديدان في العراق وإيران على تخوم دول الخليج المترفة مادياً بفعل عائدات النفط، والضعيفة عسكرياً بفعل عوامل كثيرة: بشرية ونفسية وبنيوية، وكانت هذه الدول – وفق حسابات التاريخ والجغرافية – هدفاً محتملاً لمد عروبي قومي وعسكري .

لقد كان كل من العراق وإيران في عهد "صدام حسين" و"الخميني"، يعد البندقية بيد المواطن قبل الخبز، وميدان التدريب العسكري قبل ميدان العمل والبناء، وكانت لكل منهما نظريته الأيديولوجية ورؤيته السياسية. ويمثل وجودهما على تخوم دول الخليج العربي تهديداً واضحاً لهذه الدول واستقرارها ومصالحها، وخاصة أن لكـل من الدولتين: العراق وإيران تاريخاً ينبئ بمستقبل علاقاتها مع دول الخليج، فالعراق أخذ يرفع جهاراً نهاراً شعارات التخويف لـ (أمراء النفط)، و(الرجعية العربية)، ورافق ذلك كثير من السب والشتم لهذه الدول.

وأما إيران فكانت ولا تزال تَعُدُّ الخليج فارسياً، وتعتبر الدويلات الصغيرة على ضفافه الشمالية توابع لها، كما أنها احتلت جزراً تابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وتمسكت بها، ولم يغير انقلاب النظام في إيران من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لم يغير موقفها قيد أنملة تجاه الجزر، ولم يغير نظرتها إلى دول الخليج العربي .

لقد أدركت دول الخليج العربي أنها أمام معضلة مزدوجة، ورأت أن أفضل حلٍّ لهذه المعضلة هو جعل الجارين الكبيرين المتربصين بها، يمتص كل منهما قوة الآخر وزخم اندفاعه، وقد عبّر الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود عن هذا الموقف عندما قال مقيماً الحرب العراقية- الإيرانية: "عسى أن تموت الأفاعي من سموم العقارب".

وهكذا كانت الحرب مصلحة خليجية، وكانت، أيضاً، مصلحة أمريكية وغربية، فبحجتها تداعت الأساطيل العسكرية إلى الخليج، الذي حرصت التوازنات الدولية – إبان ذروة الحرب الباردة،على التعامل معه بحساسية مفرطة، وأخذ العلم الأمريكي يرتفع على ناقلات النفط التي أحيطت بالبوارج الحربية الأمريكية، وهي تخرج من الخليج العربي محملة بالنفط، خوفاً من هجمات إيرانية تستهدف قطع النفط، والإضرار بمصالح دول الخليج التي دعمت العراق .

وأصبحت البحرية الأمريكية سيدة مياه الخليج العربي، وحامية مضيق هرمز، فقد أخذت تمخر مياه أعالي بحر العرب، بينما صمت السوفييت مكتفين بمليارات الدولارات ثمناً للسلاح الذي باعوه بأسعار خيالية للطرفين المتحاربين، والذي باعته مصانع غربية وشرقية أخرى بأسعار باهظة أيضاً، وقد زاد ذلك نار الحرب تأججاً .

وتحققت بتمزق القوتين العراقية والإيرانية مصلحة إسرائيل، فهاتان القوتان اللتان كانتا تجاهران بعدائهما لإسرائيل أنهكت الحرب قواهما، واحترقت في أتونها مقدراتهما، فقد أتت الحرب على آلاف العسكريين المدربين، وآلاف الدبابات والمدرعات، ومئات الطائرات المقاتلة ، ومئات، بل آلاف المدافع، وغيرها من أنواع الأسلحة والعتاد، وهو الأمر الذي أدى إلى اختلال ميزان القوة لصالح إسرائيل .

ولقد أدت الأسباب المباشرة وغير المباشرة، التي سبق ذكرها، إلى اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، وقد بدأت هذه الحرب في الرابع من شهر سبتمبر لعام 1980م على شكل مناوشات حدودية، إذْ تبادلت قوات الطرفين قصف المخافر والقصبات النائية والسواتر الترابية، إلا أن هذه المناوشات ما لبثت أن تحولت في 22/9 من العام نفسه إلى حرب ضروس لا تبقي ولا تذر، ففي ذلك اليوم وجهت القوة الجوية العراقية ضربة شاملة لإيران التي ردت بقوة، وهكذا اندلعت حرب طاحنة، لم يدخر الطرفان المتحاربان أي قوة في خوضها، فقد استخدمت كل أنواع الأسلحة المتاحة، واستهدفت المنشآت العسكرية والاقتصادية والمدنية، وطالت الحرب حتى المدارس والأرياف، وقضت على الآلاف من المدنيين والعسكريين. وتجاوزت الحرب كل ما تعارفت عليه الحروب من علامات النصر والهزيمة، وكان كل من الطرفين يدعي كسب الحرب والانتصار، ولم يعد موت آلاف الشباب في يوم واحد سبباً كافياً للتوقف وإعادة الحساب، بل كان ذلك مدعاة للفخر والمباهاة، وتأكيداً للتضحيات البطولية، وتحقيقاً للأمجاد، وانتصاراً للدين تارة، والدنيا تارة أخرى. وتداخلت في هذه الحرب الشعارات، بينما استمر نهر الدماء في تدفقه، وكادت تجف ينابيع القوة لكثرة ما تكبد الطرفان من خسائر. وكان من أبرز الشعارات التي ارتفعت في هذه الحرب: شعار الدفاع عن البوابة الشرقية للأمة العربية في بغداد، وشعار الدفاع عن الثورة الإسلامية في طهران .

لذلك رأت الولايات المتحدة أن في استمرار الحرب مصلحة لها ولحلفائها شرط ألا تمتد إلى مناطق أخري، وألا تهدد النفط وممراته ، حيث كان هدف الولايات المتحدة الرئيس، الحفاظ على لعبة توازن القوي بين إيران والعراق ، القائمة على السماح لبناء قوة إحداهما، لموازنة القوة الأخرى .

كما أشارت كافة التقارير الصادرة عن البيت الأبيض، إلى أن الولايات المتحدة لا تريد خروج إيران منتصرة من الحرب؛ لأن النتيجة الأولي ستكون تصدير الثورة الإيرانية إلى الدول الخليجية، ومن ثم يتهدد نظام الحكم في تلك الدول ، ومن ثم سيقطع الحكام الجدد للخليج النفط عن الولايات المتحدة، وإذا حاولت الولايات المتحدة التدخل عسكرياً لمنع الوصاية الإيرانية على دول الخليج ، فإن ذلك سيتطلب نقل قوات وإمدادات عسكرية كبيرة للمنطقة .

لقد كان هدف الحرب العراقية – الإيرانية، إسقاط الثورة الإيرانية، وإبعاد العراق عن الصراع العربي– الإسرائيلي، وخلق ذريعة للتدخل العسكري المباشر في منطقة الخليج. وكان نفط المنطقة هو الهدف الأساسي، والسبب الرئيسي المباشر، للتصعيد والوجود العسكريين في منطقة الخليج العربي، وكانت الرغبة الأمريكية ألا ينتصر أي طرف في هذه الحرب .

بيد أنها لا تريد بروز العراق كقوة مهمة، حيث عارضت قيام دولة قوية في منطقة الخليج يمكنها أن تهدد الدول الأخرى المنتجة للنفط، وتفرض إرادتها على المنطقة، وقد أوضح رئيس قسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن ذلك بقوله :" نحن لا نريد للعراق أن يكسب الحرب، كما أننا لا نريد للعراق أن يخسر، فنحن في الحقيقة لسنا سذجاً ، فقد كنا نعرف صدام حسين، إلا أنه يخصنا .

لذلك بينما كانت الولايات المتحدة تميل علناً إلى جانب العراق خشية انتصار إيراني، شحن مجلس الأمن القومي الأمريكي الأسلحة سراً لإيران، وزود الإيرانيين بمعلومات مخابراتية سرية. ويرجع سبب ذلك إلى أن الولايات المتحدة بنت موقفها في البداية على حسابات مختلفة، حين قدرت أن القوات العراقية ستسحق القوات الإيرانية بسهولة، ولكن بعد أن تطورت الأمور بذلك الشكل، أدركت إدارة الرئيس الأمريكي "رونالد ريجان"، بأنها قد تركت الساحة الإيرانية لغيرها، وكان السوفييت في طليعة المستفيدين من غيابهم، يليهم أصدقاء الأمريكيين الذين سربوا الأسلحة الأمريكية وقطع الغيار، مثل إسرائيل، وكوريا الجنوبية خاصة، فلا بد من مراقبة عمليات التسريب؛ لجعل الخطر الأمريكي فعالاً، وحمل الإيرانيون على القبول بالتفاوض المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ التفاوض فعلاً بإيحاء من مجلس الأمن القومي الأمريكي، بواسطة عملاء يهود .

لقد زودت الولايات المتحدة إيران بالأسلحة في البداية، عن طريق إسرائيل منذ 1981م من خلال اليهود المزدوجي الجنسية، ومن خلال وساطة تجار السلاح الإيرانيين، فكانت الأسلحة ترسل من إسرائيل إلى إحدى الدول الأوربية أو الإفريقية، من ثم يتم تغيير الأوراق، ثم شحنها إلى إيران .

وهنا شكل دور إسرائيل بمثابة البديل، والدرع للولايات المتحدة في تلك العملية، وحسب اعتراف الرئيس الأمريكي"رونالد ريجان"، فقد استخدم اليهود مرة أخري؛ للتقليل من الخطر السياسي المحيط به. فقد كان أمد الحسابات الإيرانية، مرهوناً بالدعم الأمريكي المباشر أو بالواسطة، وعليه أقر مجلس الشوري الإيراني في جلسته ، التى عقدها في نوفمبر عام 1981م بشراء أسلحة من إسرائيل بقيمة 200 مليون دولار، وهنا وجدت إيران في إسرائيل خير عميل، لا سيما بعد أن تلاقت مصلحة الطرفين حول ذلك الموضوع ، فالنزاع بين إيران والعراق يعنى نزاعاً بين طرفين كليهما عدو لإسرائيل، إضافة إلى أن بيع السلاح ينشط الاقتصاد الإسرائيلي، والتعاون مع الخميني يؤمن رعاية للجالية اليهودية المتواجدة في إيران (80 ألفا) .

وفي سبتمبر 1985م تفاقم الموقف بشدة وتدهورت الأوضاع القتالية للقوات العراقية، فطلبت العراق مساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية، فأصدر الرئيس ريجان قراراً عبر توجيه لمجلس الأمن القومي بأن الولايات المتحدة ستسعى جاهدة لمنح المساعدة للعراق وعدم خسارتها للحرب، حيث أرسل سنة 1986م رسالة سرية لصدام حسين يخبره فيها أنه على العراقيين رفع مستوى حربهم الجوية ورفع غاراتهم على إيران، وبذلك استعادة العراق علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة  التي كانت مقطوعة منذ حرب  1967م، وبهذا أخذت الأسلحة المتطورة تتدفق على العراق مما زاد من قدرته القتالية، بالإضافة إلى الدعم المالي من دول الخليج، في نفس الوقت دخلت إيران مرحلة الضعف والتقهقر .

واستناداً إلى ما صرح به وزير الخارجية الأمريكية " هنري كيسنجر" حين قال :" هذه أول حرب في التاريخ نتمنى ألا يخرج فيها منتصر، وإنما أن يخرج الطرفان كلاهما مهزومين، وفي موقف آخر صرح :" أنه من المؤسف أن الحرب قد تنتهي بخسارة أحد الطرفين فقط".

ويستدل من وقائع الحرب ما أكد ذلك الرأي، فعندما كان مسار الحرب يميل لمصلحة العراق، كانت المساعدات والأسلحة تأتى إلى إيران، والعكس صحيح. ففي الوقت الذي كانت إيران تستعيد توازنها، وتقوم بهجمات ناجحة ضد القوات كانت الولايات المتحدة تسارع بمساعدة العراق، بما يسمح بإطالة أمد الحرب على النحو الذي يخدم الأهداف الأمريكية .

وهنا فهم الخميني حقيقة هذا المغزى، فانتهز فرصة قيام القوات الأمريكية الموجودة في مياه الخليج بإسقاط طائرة إيرانية، ومصرع 295 راكباً، فأعلن في 18 يوليو 1988م وقف إطلاق النار بناء على بقاء النظام على أساس أن أمريكا تحاول جر إيران إلى حرب لا تحمد عقباها،  الأمر الذي اعتبره العراق فخراً عسكريا، وخرج بجيش مكون، وكفاءة عسكرية متميزة، وعتاد ذو قاعدة عسكرية متطورة، غير أنه خرج بأوضاع مزرية، ومنهارة، وبأزمة اقتصادية ضخمة، وديون خارجية قدرت بـ 80 مليار دولار وتصاعدت الأزمة في الداخل بين النظام العراقي والأكراد، أما المستوى الخارجي زاد الأمر توتراً وحدة بين العراق والولايات المتحدة. وبريطانيا وإسرائيل تنامي بسبب تنامي قوتها الاقتصادية، بالإضافة إلى انخفاض النفط في الأسواق العالمية وتوقف خطط التنمية بعد الخسائر الكبيرة التي كانت موجهة إلى الإنفاق العسكري والقوة العاملة التي وجهت إلى جبهة القتال .

أما بالنسبة للنتائج التي خلفتها هذه الحرب هي التفرقة بين الدول العربية، حيث إن دول الخليج كانت تدعم النظام العراقي بشكل كبير؛ خاصة الكويت والسعودية، وكذلك كل من مصر والأردن، رافعين شعاراً علنياً لذلك هو: دعم العرب لشقيقهم ضد عدوه الطامع في أرضه. في حين وقفت سوريا إلى جانب إيران ، وكان الهدف من إقحام العراق في  الحرب مع إيران إضعافه عسكرياً وصناعياً وزيادة الفتن الداخلية، إلا أنه حصل عكس ذلك وتنامت قدرته العسكرية وخبراته القتالية وزيادة الصناعة التكنولوجية .

كما خلَّفت الحرب العراقية- الإيرانية، آثاراً وجروحاً كثيرة، طالت مجالات الحياة السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والفكرية، والاجتماعية، ولم تقتصر هذه الآثار على الدولتين المتحاربتين، وإنما امتدت إلى دول المنطقة، وتجاوزتها إلى كثير من دول العالم، وهكذا أصبح من العسير حصر أطراف الحرب، وتبين تداخلاتها التي اختلطت وشابتها ضبابية كثيفة. وفي الوقت الذي ظنَّت فيه دول الخليج العربي أن نهاية الحرب ستؤمن لها الاستقرار، بدأت مرحلة جديدة تداخلت فيها العلاقات، واختلطت المصالح، وتلاحقت  التغيرات ..

ما يمكن قوله عن حرب الخليج الأولي أنها كانت حرباً قاسية ومدمرة، استمرت ثماني سنوات من 1980 إلي 1988م، وهي أطول الحروب التقليدية في العصر الحديث ذهب أكثر من مليون شخص ضحايا لتلك الحرب، ودمر اقتصاد الدولتين؛ حيث تقدر الخسائر المادية بمئات المليارات من الدولارات، إلا أنه ومع خروج العراق منهكاً اقتصادياً، ومتأثراً اجتماعياً بما خلفته الحرب، خرج بقاعدة عسكرية متطورة، وقدرة قتالية، وتسليحية  متفوقة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

صادق السامرائيالمفردة اللغوية قوة فكرية وسلوكية، وضعف المفردات يساوي ضعف القدرات، ومعرفة مفردات أكبر يحقق سلوكا أفضل في الحياة ويدفع بها إلى التقدم الأمثل، وتوفر مفردات أقل يعني اللجوء إلى السلوك الضعيف والمؤذي.

ولو أجرينا إمتحانا لأصحاب السلوكيات المقيتة، لتبين لنا أن مخزونهم اللغوي أو مفرداتهم قليلة وقدراتهم على التعبير بالكلام ضعيفة أيضا، ولهذا يميلون إلى السلوك الأولي المتوحش الذي يُظهر لنا الإنسان وكأنه أخرس ومعوق عقليا، ويتفاعل بيديه وقدميه وأسنانه ولا يعرف معنى السلوك الحضاري المفيد.

إن أفكارنا وسلوكنا وحياتنا ثلاثة أركان تصنع وجودنا القائم في أي عصر، ولا يمكننا الخروج من هذا المثلث الذي نؤسسه وفقا لتفاعلات أضلاعه، ومدى قدراتها في التعبير عن الأفكار وترجمتها إلى بيئة نفسية وإجتماعية نكون فيها.

وهذا المثلث محكوم بالمفردات اللغوية التي تمنحه القوة والقدرة على صياغة التفاعلات، التي تحافظ على ما فيه من الأجيال البشرية التي يتحدد مصيرها بأضلاعه.

المفردات اللغوية تؤسس وحدة تفاعلية جادة ولا تساهم في صياغة النظريات، التي لا تعرف واقع الحياة وتأخذ الأجيال إلى سوء المصير.

إن الضعف العربي تحقق بضعف اللغة العربية وسيادة الجهل والأمية في أركان الأرض العربية، التي كانت تنطق اللغة وتتعامل معها بحب وإبداع وقوة ثقافية وحضارية عالية.

ولا زلنا لا نعي هذه العلة ولا نقترب منها ونحسب الحديث فيها نوع من التأخر والرجوع إلى الوراء، في حين أنها مهماز الصيرورة الكبرى والتطلعات الحضارية المشرقة.

فلا توجد أمة على وجه الأرض وعبر الأزمان إستطاعت أن تبني وجودها الحضاري من غير المفردة اللغوية، التي تحفظ أفكارها وتمنح العقول المادة اللازمة لصناعة رمز الفكرة، وتجسيدها الواضح في الواقع والتعبير عنها في الكتابة، التي تحفظها وتودعها في عقول الأجيال المتعاقبة.

ولهذا فقد إخترع السومريون الكتابة والمفردات اللغوية وأسسوا نظامهم اللغوي، الذي بواسطته تمكنوا من إكتشاف الدروب الحضارية المنيرة، وانطلقوا من بيئة القصب والطين إلى بيئة البناء والتحضر والإبداع.

وعندما نقارن ما بين أجيال اليوم التي تتوطن بيئة السومريين نجد أنهم أقل تحضرا منهم، وذلك لقلة مفرداتهم اللغوية وأميتهم المهيمنة على حياتهم مما حوّلهم إلى أدوات يستخدمها الغير لتحقيق مصالحهم المتنوعة. فما هي حضارة هذه الأجيال وهي تتعامل مع ذات البيئة التي تعامل معها الأوّلون؟

قد يأتي البعض بآلاف الأسباب والتبريرات لكن السبب الواضح والعملي والصريح هو الفقر اللغوي ، الذي أصاب هذه الأجيال وحدد قدراتها العقلية والفكرية وسجنها في زنزانة الأمية الشاملة مما جعلها غير قادرة على الإبداع والتطور، والإنتقال إلى واقع الحضارة الإنسانية والمعاصرة الثقافية.

وهذا مثل تجلى في بلدنا على مدى العقود الماضية التي لم تترك لنا أثرا واحدا يشير إلى همة حضارية وفكرية وثقافية.

فما رأينا إلا غوصا متواصلا بالقصب والماء ومفردات بسيطة لم تتطور بل تكلست، وحققت تحجيما للدماغ والنفوس وصنعت مجتمعا مقيدا بالعثرات والأمراض والآهات، ولا تسمع فيه إلا صوت الأنين وبكائيات الأحزان واللطم السعيد، أجيال معدمة لغويا ولهذا فهي محطمة حضاريا.

وعندما تأخذ عينة عشوائية من بلد متقدم وآخر متأخر تندهش من الفرق الكبير ما بين عدد مفردات الطرفين، ويتضح لك أن العلة الكبرى تكمن في هذا الخلل العقلي والنفسي، الذي أسسه نضوب المفردات في عقول المتأخرين، بينما غزارتها في عقول المتقدمين دفعت بهم إلى تحقيق المستجدات والرقي المعاصر والمتواصل، لأن سيل المفردات المتدفق لا ينضب في عقولهم ويتنامى من حولهم ليثير كل خلية دماغية، ويحثها على التفكير والإنجاب الجديد لرموزها التي تصنع الحياة المتألقة الأركان.

إن الكلام عن القدرات والتطلعات يكون بلا معنى عندما يتجاهل موضوع المفردات اللغوية وأهميتها في صياغة الحياة والتطور، وترميم السلوكيات الضارة الناجمة عن القحط اللغوي، الذي نكابده ونسقط ضحايا بريئة تحت وطأة قهره وتدميره لوجودنا الفعال، لأنه يلغي العقل وينمي العواطف والإنفعال فيخلق إضطرابات سلوكية قاسية النتائج ودموية التفاعلات والرؤى والتصورات.

فاللجوء إلى العقل لا يمكنه أن يكون ناجحا من غير أن نضخ الأدمغة بالمفردات اللغوية، ونشحنها بطاقات وأدوات التفكير والإستنتاج والإستنباط وفقا لأصول التفكير العلمي المعاصر.

أما أن يتسيّد الإنفعال ويموت العقل بسبب الفقر اللغوي فأن الآفة ستتفاقم، لأن العصر بحاجة إلى مفردات غزيرة لكي نتواصل معه وبدونها سنبقى خلفه، وسنتساقط على هامشه المظلم ولا نرى النور ونمضي كالخفافيش الحائرة في ضوء الظهيرة الساطع .

فأعيدوا للمفردات اللغوية قوتها ودورها في حياة الأجيال!!

 

د. صادق السامرائي

 

ـ حينَ تُصابُ اللغة بالحيرة، يغدو الصمتُ عِكّازُها!

* الكونُ غارقٌ في صخبً، لا أستطيعُ التحرُّرَ منه.. فمصيرنا الوطني، وحتى الإنساني، يُعذِّبُ النفسَ.. ثمةَ إستبدادٌ  كونيٌ، لا يُصيبنا وحدنا. قد نشعرُ به أكثر من غيرنا ! لأننا الأضعف حالياً.. إلى جانب أزمة بتأريخنا وحاضرنا ومستقبلنا. لكن الأخطر هو أزمةُ العلاقة بالمستقبل. من هنا فالصَخبُ قويٌّ جداً ! لكن يجب الأّ نردَّ عليه بصخبٍ كتابي. لأننا لا نملكُ أدواتٍ تُصارع الصخبَ بصخبٍ لُغويٍّ، لأن الصخب الماديَّ أقوى من صَخب الكتابة. لذلك يتعيَّنُ علينا أنْ نقاومَ هذا الصخب بنقيضه.. بلغةٍ هادئةٍ.. لغةٌ للتأمل.. ترتبط بالحياةِ وبتمجيد جمالياتها...

* الأنسانُ كائنٌ يتذكّر.. قلتُ في واحدة من الأفوريزمات، التي أشتغل عليها (نصوص شحيحة)، قلتُ: "طالما أننا نتذكر وننسى، فنحنُ نحيا !" فالأنسان إذ يتذكر، يستحضر صوراً من الماضي، بيد أنه لا يستطيع إستحضار التجربة وإستعادتها.. فعندما يتذكر يسعى إلى التحرّرِ من ضغط الحاضر. إنه يتذكر فقط لأنه يتذكر ! يتذكّر ليعرفَ مَن هو؟! وأين هو؟! ينضافُ إلى ذلك ما للذهن من قُدرةٍ على تكوين صورٍ ذهنية لأشياءَ وأحداث غابت عن متناول الحس والوعي، تُضافُ إلى ذكرى محدَّدة، فتدخلُ في نسيجها، كأنها جزءٌ من الأصل، تُحاكي مفرداتها عمل الخيال...!

فالطفولة بالنسبة للمبدع لا تُكتبُ مرةً واحدة.. إنها تخترقُ نصوصه من حينٍ إلى حين، تستعيدُ عالماً مفقوداً، حتى وإنْ كانت طفولةً بائسة. ذلك أنَّ الذاكرة تُجمّل عناصرَ الطفولة وتشحنها بجماليات لم تكن فيها بواقع الحال.. قد تكون طفولةً بائسة، لكن مسافة الحرمان تُجمِّل الماضي وتجعله هدفَ الأحلام، التي نخترعها، كي نتغلَّبَ على وطأة الراهن الثقيلة.. ولا نُفلِتُ بوصلةَ المستحيل، الأنعتاق والحرية والعدالة...إلخ

الذاكرةُ، إذاً، تستطيع أنْ تَخلُقَ وَهمَ العودة إلى الماضي. لكن طريقة عملها الغامضة، تكشفُ مدى تعقُّد العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل في الوعي الأنساني. فالذاكرةُ الفردية، متحف خاص، لا يختارُ محتوياته بوعي أو إنتقائية. هي ذاكرة عفوية وتطوعية.. تحنُّ إلى أمكنتها وأزمنتها السابقة... قد تستعيدُ ذكرى فَرَحٍ، لم يَعُدْ يُفرِحُ،

أو ذكرى حزنٍ لم يَعُدْ يُحزن.. إنها تعمل بطريقةٍ تختلف عن الذاكرة "الرسمية". ذلك أنَّ الأخيرةَ تنتقي بوعي كامل

 ما تريد للجماعة أنْ تتذكره عن تأريخها، إذ تنزعُ عن الذاكرة طابعها المُطلق، لأن التأريخَ يحاول أنْ ينسى...

فالذاكرة الرسمية لا تُريدُ للجماعة أنْ تنسى، بل تُحدِّدُ لها ما ينبغي تذكُّرَه. وهكذا تُخضعُ الجماعة لسياسة صنعِ الصورة عن النفس، صورة خالية من العيوب، لأن الذاكرة الجمعية هي ذاكرة وظيفية، براغماتية. أما الذاكرة الفردية فهي " شاعرية "! ترتبط بشكلٍ حميمٍ، تحنُّ إلى المكان الحميم، الذي توقظ زيارته المُتخيلة كل ما في الزمن الماضي من جمال.

ثمة سؤال مشروع : هل تستطيع الذاكرة الفردية أنْ تكونَ حرةً تماماً؟! أَلا تتأثّر بالذاكرة الجمعية، التي هي عالم العادات والتقاليد والأهداف "المشتركة"؟!

صحيحٌ أنَّ علاقة الذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية تحمي الفردَ من خطرِ الإقتلاع و اللا إنتماء، لكنها تضغط أيضاً على طريقة تشكُّل شخصيته وخصوصيته.

في حالتي، المُحدَّدَة، أزعم أنني أستطيع التمييزَ بين تَذَكُّرِ ما هو شخصيٌّ وما هو عام.. لكنني لا أستطيعُ وضعَ حدودٍ سرمديةٍ بينهما ! لأنَّ ذاكرةَ الأشياء الحميمة الشخصية ترتبط موضوعياً بذاكرة الجماعة، التي أنتمي إليها في علاقتها

بالمكان...الحنين ! فذاتي تحتضنُ ذواتيَ الأخرى، فيختلطُ صوت الفرد بصوت الجماعة. لكن في الوقت عينه عندما تقوم الذاكراتُ الفردية بسرد حكاياتها، فأنها تُسهمُ في تشكيلِ ذاكرةٍ جمعية، مثلما تُسهم الذاكرةُ الجمعية في تشكيلِ الذاكرة الفردية، وفق شروطٍ وخصائصَ تتعلَّقُ بمستوى الوعي والثقافة....إلخ

قد يبدو غريباً بالنسبة للكثير من الناس عندما أقولُ أن علاقتي بالبيت / الوطن توطّدت في المنفى ! فعندما تكون في بيتكَ، لا تُمجِّدُ البيت / الوطن.. ولا تشعر بأهميته وحميميته. لكن عندما تفقده، يتحوَلُ إلى صَبْوَةٍ، إلى مُرتجى، كأنه الغاية القصوى.. بهذا المعنى عمَّقَ المنفى مفهوم البيت / الوطن، كون المنفى نقيضاً لهما. لكنني لا أستطيعُ الآنَ تعريف المنفى بنقيضه، ولا الوطن بنقيضه.. فقد إختلف الأمر وغدا كل منهما مُلتبساً. لذلك أقولُ يبقى الطريق إلى البيت / الوطن أجمل، وإنْ شئتَ الحلم بهما وحتى بالثورة أجمل من تحققها... قد يكون البيت/ الوطن عادياً جداً

– دون إطناب في المديح والتوصيف – لكنك حين تفتقده، تكتشف نواحٍ أخرى لم تكن تراها وقت كان " مُتاحاً/ متوافراً " لديك.. فعندما كنّا هناك لم نشعر يوماً بأننا نحتاجُ إلى تقديمِ براهينَ عن حقّنا بالمكان، بيتاً كان أم وطناً..

كانت علاقتنا بالمكان تلقائية وعفوية، لا تحتاج إلى مسوّغٍ أو تبرير.. كنا مشغولين بأمرٍ آخر، بالدفاع عن حقنا في إمتلاك مستقبل أفضل، مع الإحتفاظ بحريتنا في أن نحلم ونعمل من أجل المستحيل!.. من أجل العدل والإنعتاق والحرية... مشروعاً يشمل الجميع !

بأختصار، كل الأحلام أكبر وأجمل من شكل تَحقُّقِها !

لكن للأسف لا تبدو صورةُ المستقبل القريب غير مُشِعّة، بل قاتمة من منظور الحاضر !!

وعليه فذاكرةُ المُبدعِ هي مخزونُ الصور والإنطباعات، التي عاشها، رآها، قرأها أو تخيلها من خلال ثقافته وتجربته الحسية والفكرية...

من جانب آخر، فأنَّ أزمنة الذاكرة هي الماضي البعيد أو القريب.. وأمكنتُها هي الأمكنة المفقودة والغائبة، أو

تلك التي شَهِدَت تجربةً " شخصية أو حميمة " أو شهدت " كارثةً جماعية ".. فنحنُ لا نتذكرها كي نستعيدها، بل

لنفهمَ حاضرَنا ونتهَجَّسَ طريقنا إلى المستقبل! فلا أحدَ يحنُّ إلى وَجَعٍ سابقٍ، لكننا نحنُّ إلى أفراحٍ، حتى صغيرةٍ وإنْ

كانت وسط سماواتٍ مُلبّدة !! عرفناها في الماضي، ولا نجدها إلاّ في المستقبل، كما نظن ! وعندما يتذكر الفردُ والجماعة الوجَعَ السابقَ، فأننا نفعلُ ذلك كي لا تتَكرّر تلك التجربة المأساوية.

لكن حين يصبحُ طريقُ الغدِ سالكاً، آمناً، فأن شيئاً من النسيان يغدو واحداً من شروط التحرُّرِ والإنعتاق !!

* الآنَ حان وقت الحديث عن الصمت، إسمح لي أن أُعالجه معك بصيغةٍ أخرى غير ما تقدَّمْ ! ولن أُخوّضَ في موضوع "صمتِ أجزاءٍ واسعةٍ ممن يُسمَّونَ بالنُخَب" أسبابها و " مسوّغاتها "...إلخ فهذا أمرٌ قد يحتاج إلى تحبيرِ مئاتٍ من الصفحات.. لا أنا بقادرٍ عليها، ولا تتوفَّرُ لي من مادةٍ أرشيفية تُعينني على ذلك !!   

ـ الصمتُ، صُراخُ الأحشاء، حين يمتليءُ الفم رَملاً..!

ـ تَصمِتُ وحوشُنا تحتَ قَمرٍ يُطلقُ في دَمنا دودةَ الحنين...

ـ هل ينتهي عَفَنُ الدنيا، إنْ خَرَجنا نصرَخُ من الفجائعِ إلى عالمٍ مُسمَّرٍ بالصمت؟!!

ـ إنْ كَسَرنا الصمتَ يبطُلُ مفعولُ " السحر" !

لكنْ هل سيكونُ بمقدورنا توصيف يَرَقَةٍ تَلصِفُ في غابةِ الليلِ؟!

ـ مَنْ ينبِشُ فينا ما تَرَسَّبَ منْ صمتٍ، عَجَزْنا عن قَولِه؟!

ـ صِرتُ فَمَ صمتي، الذي لا معادِنَ تُخفي وجهَهُ..

 فصمتي منبسطٌ أمامي، مثل بحيرةٍ بلا رمالٍ تَتَشَرَّبُه...

ـ النَبعُ يَشهَقُ بزَبَدِ كلماتٍ كَسَّرَها الصمتُ...

ـ أيّ الطُرُق أَنشُدُ إلى الصمتِ.. فللزورقِ، الذي أَعمَته ذاكرتُه، أشرِعَةٌ في كلِّ الإتجاهات؟!!

ـ بوّابةُ المستقبلِ مُقفَلَةٌ من الداخل، كي لا أقولَ صامتة، مثل بواباتِ حاناتٍ سهرَتْ حتى الفجر...

 لماذا لا تَملّ أيادينا من الطَرقِ؟!

ـ مَنْ يمُد لنا خيطاً، حتى واهياً، كي نَخرُجَ من بئرِ الصمتِ؟!!

 

يحيى علوان

 

عباس داخل حسنللمرة الثالثة تتعرض مقالاتي النقدية للتشويه أو السرقة من قبل بعض الباحثين في رسائل نالوا بها درجة الماستر، وأحياناً التلاعب بنسبها لشخص آخر أو وضعها تحت إسم وهمي، علماً إنها موثقة ومنشورة في الصحف والمواقع الالكترونية.. آخرها ما حدث؛ في إطروحة لنيل الماستر" للباحثة الجزائرية / مباركة رايسي - جامعة عمار ثليجي الاغوط - الجزائر، والموسومة "تمظهرات المكان في رواية السقوط في الشمس" اعتمدت مقالتي الموسومة "تيار الوعي في رواية السقوط في الشمس للاديبة سناء الشعلان. والمقال منشور بأ كثر من صحيفة وعلى المواقع الثقافية والادبية في الانترنيت .

الأمر المستغرب والماخذ على الباحثة ذكرت إسم المقال دون ذكر اسم الكاتب كما جاء في ص23، ومن ثم ذكرت المصدر نفسه ص24 ونسبت المقال وذكرت إسم لاوجود له على الاقل بالنسبة لي . ومن خلال البحث على الشبكة العنكبوتية "google ".  للتحقق من الاسم المذكور "محمود الحويات" لا وجود له البتة  . لا أعرف ما القصد من هذا التلاعب وضرب حقوق الملكية الفكرية لكاتب المقال عرض الحائط وتجيره تحت اسم وهمي، علماً إن هذه الاطروحة الجامعية لنيل الماستر ويجب عليها توخي ضوابط الأقتباس والأنتحال  والصدق في النقل . وعلى الاستاذة الباحثة أن تكون أمينة علمياً ومراعاة المنهجية في البحث الاكاديمي بأقصى درجات المهنية والمسؤولية والامانة . وعدم إختلاق نتائج وبيانات دون الاستناد الى تجربة البحث الدقيق .

و من إصول الاستلال أو الانتحال والاقتباس أن تكتب اسم المصدر " الموقع الالكتروني  أو المطبوع"، وإسم الكاتب عند ذكره أول مرة، وإذا إقتبست منه للمرة الثانية إسم البحث  والصفحة، أو ذكره في قائمة المصادر والمراجع دون اغفال اسم المؤلف او المترجم بصفته صاحب حق موازي .

 لقد ضربت بكل هذا عرض الحائط وهو من أبسط أبجديات كتابة البحوث التي يعرفها طالب في الثانوية، وهذا الفعل ان دل على شيء يدل على الخلل المعياري في منح الشهادات الجامعية لهذا بتنا إزاء عقول اكاديمية تعمل بطريقة النسخ والصق والاجترار ولاتستطيع اوتقدر أن تفكر أو تساهم بالمعرفة  الخالصة والتنمية البشرية، وبقينا في الدرك الاسفل من التقييم العلمي بين الامم .

هذه مثلبة واضحة ارجو أن تصحح من قبل الاستاذة صاحبة الاطروحة مستقبلاً حفاظاً على القيم البحثية والاكاديمية المتعارف عليها بكل جامعات العالم  وإذا  ما طبعت اطروحتها في كتاب عليها تصحيح الخطأ  .

على الاستاذ المشرف والمقرر  للاطروحة الدكتور "بو لرباح عثماني " تبيان الرأي عن هذا الخطأ او السهو حفاظا على سمعة مؤسسته وسمعته كأكاديمي وشاعر معروف والتمتع بروح الاعتذار . و الاعتذار خلق من أخلاق الكبار، ويمنح صاحبه المصداقية والثقة، كنت اتأمل بالرد على الشبهات وإزالة أية إلتباس أو إرتياب او خطأ بطريقة حضارية خالية من التجريح والمناكفة ولكن هذا ما  لم يستجب له الاطراف المعنية  في اغلب ما حصل مما دفعني لكتابة هذا المقال .

وسبق أن  نشرت في  موقع المجلة الثقافية الجزائري وهو موقع ذائع الصيت في الجزائر بين الكتاب والمثقفين اضاءة بهذا الخصوص آملاً بان تصل الرسالة للمعنيين لكن لاحياة لمن تنادي . وبعدها خاطبت أمانة الجامعة عن طريق الاستاذ رئيس الأمانة العامة  "الدكتور مقوسي خليفة" بتاريخ  - الاثنين  - 17/6/2019  بارسال " إيميل " والمطالبة   بايضاح عن الخطا أو السهو الحاصل وتم تجاهل الامر . هذه الحادثة  ومثلها المئات يتم تجاهلها من قبل البعض لسببين

1- إنعدام ثقافة حقوق الملكية الفكرية  أو عدم المبالاة بها عند الكاتب بغض النظر عن أهمية منجزه وحجمه . وضعف التشريعات القانونية وان وجدت فهي حبر على ورق. ولايتم التعويض المعنوي او المادي عن الضرر الحاصل.

2- عدم ثقة صاحب الحق  بالمؤسسات التي كثيراً ما تنأى بنفسها  وتتجاهل مثل هذه الحقوق عمداً او جهلاً، ويصل الامر عند البعض بالاستخفاف والسخرية من إثارتها لان معظمها مترعة بالفساد حالها حال المشهد السائد في الوطن العربي . وكل الامور نسبية في بلداننا العربية، لكن  تبقى دون الطموح  بحدوده الدنيا. الامثلة اكثر من ان تعد وتحصى .

- ما حصل مؤخراً من نسخ حرفي لاطاريح الدراسات العليا وتقديمها لنيل الماستر في الجامعات والكليات العراقية والعربية ونتحفظ على ذكر أسماءها باتت حديث الاعلام والاوساط الاكاديمية دليل دامغ  يدلل على انحطاط قيمي ومعرفي مريع في مؤسسات  يفترض أن يكون عمادها الشرف المهني والنزاهة وروح البحث والابتكار.

-  ناك ظاهرة أخرى ؛ هو كتابة رسائل الماجستير مقابل مبلغ مالي معتبر . وهذا الامر معروف عند بعض الراسخين في شارع المتنبي ومثله في بلدان عربية أخرى ووصلت المقايضات لحد لا أخلاقي وسفل ما بعده سفل .

- وظاهرة ثانية ؛ موثقة ومعروفة لدى الجميع هو نشر بعض الاساتذة كتب مسروقة من الالف الى الياء من بحوث طلبتهم او بتحريف طفيف في الهوامش والعناوين .

المحزن بالامر كلنا صامتون حيال هذه الكوارث والسلوكيات التي بلغت مبلغها في تردي المؤسسات العلمية وكان المسالة ارتفاع في أسعار الجعة او البيض ولم تك من أهم عوامل تقدم الامم وترسم مستقبل الشعوب . واليوم كثير من بلدان العالم تتباهى ليس بثروتها بل بمستوى التعليم والشفافية والنزاهة  وحقوق الملكية الفكرية والعلمية  وتصدر مناهجها وأنظمتها التعليمية مقابل أثمان مليارية على سبيل المثال لا الحصر فنلندا، اهم استثماراتها في التعليم الذي بنت به نهضتها الجبارة بكافة المجالات الاخرى خلال عقود .

الظاهرة التي نحن بصددها لاتنفصل عن الاخلاق والسياسة والعدالة السائدة في وطننا العربي الذي يشهد انحدار سلبي مريع وخطير، وسببه فساد التعليم العمود الفقري لاي حضارة، بات المشهد مترع بالكذب والزيف والغش . نحن امة تملك ثروة من الشباب لو استثمرت بنزاهة وتوزيع عادل للفرص لغيرت وجه المعمورة لكن على مايبدو هناك استهداف من الاخر بادوات محلية اقتنعت إنها الافضل والاعلى كعباً علما إنها لم تقدم شيء بكل الاصعدة والمجالات للاسباب الانفة الذكر وتمارس استبداد من نوع اخر وعدم القدرة على صناعة الاجيال، وكما يقول ابن خلدون :إذا فسد الانسان في قدرته ثم اخلاقه ودينه فسدت إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة .

 وهنا اطالب كل المعنيين عدم السكوت والصمت من أجل الحقيقة إتجاه مثل هذه الخروقات القاتلة والمدمرة  وهذا السرطان في التعليم بكل مراحله  المتفشي في أهم مؤسسات الدولة  والمجتمع .

 كما اتمنى على الاتحاد العام لادباء وكتاب العراق اتخاذ موقفا جليا ضد هذه الممارسات  .. للموضوع شجون لها اول مالها اخر . وحق الرد يكفله القانون ايمانا مني ان انسان اليوم هو كائن قانوني قط وما دون ذلك هراء ولايستحق الرد .

1032 عباس1

1032 عباس2

عباس داخل حسن / هلسنكي

...........................

 روابط مقال "تيار الوعي في رواية السقوط في الشمس لسناء الشعلان" على الانترنيت

http://www.almadenahnews.com/article/546636-

https://www.arabstoday.net/68/184341

https://www.alfaraena.com

https://www.intelligentsia.tn

https://alraipress.com/news35149.html

للتواصل

email   altnoor62@gmail.com

facebook  Hassan Abbas Dkhel

 

صباح شاكر العكامأن ما حصل صبيحة يوم 14 تموز سنة 1958م في العراق اثار جدل واختلاف بين شرائح واسعة من المجتمع فسماه بعضهم انقلاب والبعض الآخر ثورة، ولتوضيح الفرق بين الانقلاب والثورة .

الانقلاب يعني تبديل رجال الحكم فقط، إما بالعنف المسلح وغالباً ما تكون بعملية عسكرية مثل الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي عام 1936 في عهد الملك غازي . أو ما يسمى على السلطة بانقلاب القصر، يقوم رجال من نفس الطبقة الحاكمة بعملية تغيير الحكام نتيجة للصراعات فيما بينهم على السلطة كما في سوريا عندما استولى حافظ الاسد على السلطة وفي الجزائر عندما استولى هواري بومدين على السلطة وكلاهما كانا وزيران للدفاع .

أما الثورة فهي عملية تبديل شامل للحكام وقد يتم بالعنف المسلح أو بدونه، ولكن بالضرورة تكون مصحوبة بتغيير النظام السياسي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي للبلد، أي تغيير القاعدة الإقتصادية والإجتماعية للمجتمع .

 ماذا حصل في يوم 14 تموز 1958 وما تلاه؟

إن ما حصل في ذلك اليوم كان انقلاباً عسكرياً قام به مجموعة من العسكريين ابادوا فيها العائلة المالكة وتم تعليق جثة الوصي على العرش عبد الاله امام وزارة الدفاع والتمثيل بها، وقتل رئيس الوزراء نوري السعيد وسحله في الشوارع، وقد حصلوا على دعم الجماهير من أقصى العراق إلى أقصاه التي نزلت الى الشوارع والساحات مؤيدةً الانقلاب .

 بعد ذلك حصل تغير جذري وقد شمل: اسقاط النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري، وتبنى سياسة عدم الإنحياز، وإلغاء جميع المعاهدات المخلة بالاستقلال الوطني، والخروج من (حلف بغداد)، وتحرير الاقتصاد والعملة العراقية من الكتلة الإسترلينية، وإلغاء حكم العشائر والنظام الاقطاعي، وتحرير الملايين من الفلاحين من سيطرة الإقطاعيين بإصدار قانون الإصلاح الزراعي وتوزيع الاراضي الزراعية عليهم، وتحرير 99% من الأراضي العراقية من سيطرة الشركات النفطية الاحتكارية بإصدار قانون رقم 80، وتأسيس شركة النفط الوطنية العراقية وإصدار قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 والذي وحد العراقيين جميعاً بقانون واحد واعطى امتيازات واسعة للمرأة، وازدهار الصناعة، وبناء عشرات الأحياء السكنية للفقراء . وبذلك فان ما حصل في يوم 14 تموز 1958 كان انقلاباً عسكرياً تحول الى ثورة بكل معنى الكلمة .

 

صباح شاكر العكام

 

عقيل العبودعادة عندما يجلس الاصحاب اوالمعارف في مكان ما، أي عندما تنعقد جلسات الصدفة، يصبح للجالس رغبة للاشتراك في الحديث اوالمناقشة وتستمر هذه الرغبة طوال انعقاد المجلس  حتى يتاح لهذا اوذاك من الجالسين فرصة للحديث والتعبير عن الرأي.

 ومن المناسب انه عندما يخضع النقاش الى الأفكار العامة، تفقد الجلسة ثمرة حلاوتها باعتبار ان هنالك محاورا متعددة، وليس محورا واحداً، وهذا يؤدي الى  المقاطعات والتشتت بعيدا عن المبدأ العام للفكرة التي يبحث عنها اصحاب المعرفة أوالمعنيين بأمور الثقافة والمجتمع.

فمثلا عندما يخوض الجالسون موضوعا عن تدهور الاقتصاد العراقي كفكرة يراد بها طرح اشكاليات مهمة بغية الإدلاء ببعض الآراء تلك التي يتعلق الأمر فيها بالتخطيط والإحصاء والزراعة وإدارة الموارد البشرية والمعدنية والمائية، والتنمية والهجرة، ينبري طرف معين من الحاضرين أوطرف اخر للخوض في امر يبعد المتكلمين عن المراد طرحه، اويعزز هذا الطرف اوذاك محاور الحديث لتتجدد الذائقة في التلقي والاستماع ذلك بحسب آلية التفاوت الثقافي والإدراكي.

وهكذا وباعتبار ان التفاوت في الأفكار والمعلومات بين المتحدثين يأخذ دوره الأساس في التأثير، تفقد المحاورة صورتها الناصعة وتتفكك محاورها حتى يصل الحديث الى الملل، وينصرف الحاضرون تباعا وبدون أي فائدة.

لذلك يعتبر الصمت موضوعا مهما كونه به يتم استيعاب الآراء المختلفة ومفارقات الحديث ومواضع التشتت، وانحدار سياق الأفكار المطروحة وبحسب المستويات الفكرية للمتحدثين وأنماط الثقافات التي يحملونها ونسبة الجهل في النقاش، ومديات الالتزام الرصين لبعض المتكلمين ذلك بغية تصحيح مسارات الثقافية وترشيح اصحاب الكفاءات ممن يتمتعون بفن ادارة الحديث للاستفادة من افكارهم لاحقا.

وهذا يفيد حتما في بحث بعض الموضوعات والقضايا المهمة في المجتمع ويشجع على المطالبة بتأسيس البيت الثقافي، ذلك لتفادي قضايا التهريج والمحاورات التي لا فائدة من الجدل فيها، ما يصب في خدمة المصلحة العامة لبناء المجتمع ، بما في ذلك الجانب الإعلامي الذي يتم ادارته الان بعيدا عن آراء الجمهور كونه يخضع لمصالح التيارات والأحزاب المختلفة مع بعضها.

 

عقيل العبود  

 

كفاح محمودأصيبت أحزاب الإسلام السياسي بهزيمة كبيرة في انتخابات  2018 التي جرت في إقليم كوردستان، حيث تقهقرت شعبيتها عن الدورات السابقة بشكل مثير دفعها إلى أن تقصي نفسها من المشاركة بالحكومة الجديدة، رغم محاولات الحزب الأكبر وهو الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي قاد عملية الاستفتاء في 25 أيلول 2017 وحصد إثرها غالبية الأصوات في البرلمان الكوردستاني، حاول إقناعها بالمشاركة رغم ضآلة مقاعدها في البرلمان، إلا أنها اختارت أن تكون خارج التشكيلة الحكومية، بل أنها رفضت تعديل قانون رئاسة الإقليم، ولم تصوت لمرشح الأغلبية في رئاسة الإقليم، ولا لرئيس الوزراء في محاولة لخلق كائن جديد باسم المعارضة، خاصة وإنها خاضت تجربة مريرة في اشتراكها بالكابينات السابقة وادعائها بأنها تحارب الفساد وتتهم الحكومة بأنها ضالعة فيه وهي جزء منها ومنه!

هذا السلوك المهجن لصناعة معارضة بين المشاركة في الحكومة ومعارضتها في البرلمان استخدمته حركة كوران (التغيير) في دورتها الأولى بعد انشقاقها عن الاتحاد الوطني الكوردستاني، ولم تجنِ ثمرا من ذلك التهجين، بل خسرت الكثير من أصواتها في الانتخابات الأخيرة، ويبدو إن الأحزاب الدينية حاولت استنساخ عملية التهجين في الدورتين السابقة والحالية، وها هي تحاول ثانية إقناع شارعها بأنها ستكون خارج السلطة التنفيذية لكي يتسنى لها معارضتها، رغم إن النتائج الأخيرة كانت مخيبة لأمالها في الجلوس على مقاعد برلمانية تعطيها نفوذا اكبر، بل على العكس  أعطت مؤشرا أكد إن شعبيتها النسبية التي كانت قد تحققت في دورات سابقة من الانتخابات إنما جاءت بسبب خلافات الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي والاتحاد) وادعائها بأنها تحارب ظاهرة الفساد، مما تسبب في تورمها على شاكلة الأعراض الجانبية لبعض الأدوية، هذا التورم سرعان ما انكمش في الانتخابات الأخيرة وظهر حجمها الحقيقي ليس في الشارع الانتخابي فحسب بل لدى مساحات واسعة من الأهالي التي تؤمن فطريا بأنه لا علاقة للدين بالسياسة، وان الدين علاقة روحية ثابتة بين الفرد ومعتقداته، لا يمكن التلاعب بها وإدخالها في عالم السياسة المتقلب.

وعلى ضوء تلك النتائج أقصت هذه الأحزاب نفسها عن المشاركة بالحكومة ظنا منها بأنها سترضي ما تبقى من مؤيديها، وتلملم مؤيدين جدد لصفوفها مستقبلا، وبذلك ولأول مرة منذ استقلال الإقليم ذاتيا وتشكيل حكومته الأولى في 1992م، تأتي الكابينة التاسعة لحكومة كوردستان خالية من أحزاب الإسلام السياسي، مما يعطي رغم كل التفسيرات انطباعا أوليا باتساع مساحات الثقافة المدنية وتكريس نظام علماني يحترم الأديان لكنه يبعدها عن فضاءات السياسة وإدارة الدولة، كمقدمات مهمة لتشريع دستور دائم للإقليم، تعمل السلطتين التشريعية والتنفيذية على تحقيقه خلال دورتها الحالية.

 

كفاح محمود كريم

 

 

عماد عليكان ولازال الدور المؤثر للمثقف في نتاجاته ومواقفه له تاثيره القوي المباشر على مسار حياة الناس ومراكز السلطة التي لها الدور في التغيير المطلوب نحو الافضل في كافة المجالات ومنها الثقافية والحياتية والامور المستقبلية قبل حاضر الشعب، وهي الثقافة التي تهم الشباب اكثر من غيرهم. الحياة العامة والنظام الساري وطبيعة المجتمع وسمات الناس وتعامل السلطة وجهودها لهم الدور الاكبر في تحديد دور المثقف الايجابي سواء لتقييم وتطوير الواقع وتصحيح المسار ام تقويمه من خلال الانتقاد البناء وبيان وتحديد البديل لكل سيء او مضر.

العقلية المثقفة تعيش لتفيد الناس ولا يمكن ان تهمل صاحبها وانما تكون منصفة معها ايضا مواكبا لما يمهم من حياة الناس ومصيرهم، المثقف الحقيقي صاحب الجوهر السليم يكون بعيدا عن الفساد وما يمكن ان يصيب السياسي او المهني اينما كان فهو لابد ان يكون بعيدا عنه قبل غيره، وان اصيب المثقف بداء اجتماعي او اقتصادي او سياسي قبل  ثقافي او فرض عليه ما ليس له او دفعته الظروف الخاصة الى الخروج من مهامه الجوهري، فانه ينتقل مسلكيا من مرتبة المثقف الى مهنة ممكن التاثير على صاحبها بشكل ابسط وتظهر عليه اعراض ممكن ان تكون اخطر من ظهورها على غيره.

في كوردستان ونظرا لقلة التجربة والخبرة وعدم وجود عمق ثقافي كبير للنقص الموجود وخراب البلد على يد المحتلين الداخليين والخارجيين وفقدان الوسط الملائم لاستيعاب المثقف والثقافة من جهة وممكن التاثير عليه وابتعاده عن اصالته ومهامه الصحيح من جهة اخرى، فانه من الصعب بقاءه على ماهو عليه دون نفاذ صلاحيته لمدة طويلة كما وصل اليه في الظرف الراهن الموجود فيه حاليا وكان نتيجة الركود الذي فرض نفسه عليه منذ اكثر من عقدين، وعليه نرى التغييرات الكبيرة المفاجئة غير المتوقعة في مواقف ومواقع المثقفين الكورد وانتقالهم بشكل سريع بين جبهة واخرى وبين المعارضة والانتقاد الى وصف السلطة ومدحها المبالغ فيه وعلى كل سيئاتها والارتماء في حضنها في لحظة زمن، وبه فانه يتعرض لمشاكل اكبر من مثيله في دولة او مكان اخر.

وما نشاهده اليوم من غياب دور المثقف الحقيقي في التاثير على مسار الاحداث وتوجه السلطة او النظام بشكل عام يرجع لعدة اسباب ومنها وقبل غيرها هي اقتصادية بحته اجبرته ظروفه على التغيير غير المقتنع به لضمان حياته وعائلته ومصلحته. ومن ثم يُطفا نوره بالتدريج منسيا في النهاية وتغلب السلطة على الامر وتستمر في اخطاءها دون اي ىمراقب ومقيّم ومقوّم. الفكر اصبح تحت امرة وسيطرة الظروف الخاصة، وعليه الاحداث لم تتاثر باي فكر نتيجة غيابه على الساحة الثقافية  وتغيير من يملكه وهو بعيد عن الاحداث او الساحة بشكل كامل.

كانت الهوة واسعة بين المثقف الكوردستاني والبسطاء من الناس الا ان اليوم قد تقاربا كثيرا وردمت الهوة بشكل كبير نتيجة المتغيرات والوسائل الالكترونية الغفيرة وسيطرة الكسل على المثقف قبل المواطن البسيط في اداء مهامه ومن ثم الظروف العامة المسيطرة.

اما كوردستان وما موجود فيها، فانها حالة خاصة نظرا لظروفها السياسية الاجتماعية الاقتصادية الخاصة بها، والخلط الموجود المسيطر على نظامها العام ودور المستورد الاكبر المغطي على الاصيل في كافة المجالات ومنها الثقافة والمثقفين ودورهم وكيفية اداء مهامهم، وعليه ترى عجب العجائب هنا قبل اي مكان اخر، وتجد من ليس له صلة بالثقافة وهو يتكلم باسمهم ويدعي الثقافة وما يمتلكها عملة زائفة ولا صلة لها بالثقافة الكوردستانية الجوهرية الاصيلة ولم تصل حتى الى ما كانت عليه ابان العقود السابقة التي كانت تئن تحت نير السلطات المركزية العنيفة والعاملة على انهاء ونفي ثقافتها الاصيلة بكل السبل.

اما اليوم السلطة الذاتية بنفسها ونظرا لتخلفها وانتشار الفساد فيها وعدم قدرتها على مسايرة العصر من كافة النواحي والثقافة في مقمدتها بشكل ملائم، فاصبحت  الثقافة كلام عام وفعل ومهنة تحت طلب السياسيين ليس الا. فان المثقف الذي اصبح تابعا للسياسي مهما كان مستواه الثقافي او العلمي، المثقف الذي اصبح تابعا ومتنازلا من اجل فتات يسد بها رمقه وما تحتاجه عائلته، لابد ان يتعرض ما يملك للضغوطات وتصل لحال تنمسح كليا ما يمكلها في نهاية الامر ويصبح هو مهنيا مؤجرا بحتا فارغا في عتبة باب المسؤول. رغم الانين الموجود حاليا وبصوت خافت جدا لدى من تحمّل الصعاب وقاوم الاغراءات والتهديدات، فانه ايضا قد تاثر نتيجة التحولات والتغييرات الكبيرة للاوساط التي كانت محل امله على ان يكونوا مستوعبين له ومقدرين له على ان يكون في طليعة  المضحين وما يجب تثمين وتقدير دوره وتضحياته على ما قدم ويقدم وما تحمل من الظروف الصعبة، فلم يحصل على ما يشجعه وعليه فانه اخفق او اجبر على التراجع نتيجة الظروف السياسية  كانت ام الاقتصادية او الاجتماعية خاصة به ايضا واجبرته في نهاية الامر على رفع راية الاستسلام.

وعلي، يمكننا ان نقيم الحال الموجودة فيها كوردستان ان نصرح بعظمة لساننا اننا في فراغ ثقافي وانعدام الثقافة والمثقف الحقيقي الى حد كبير جدا والقليلة القليلة فقدت تاثيراتها على الوضع العام للمجتمع، فاننا نصل الى اعتقاد بعدم وجود دور المثقف النهائي في مسار العام لحياة الناس في كوردستان في هذه المرحلة.

 

عماد علي

 

كثر الحديث هذه الايام عن العلاقة غير المتوازنة بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان وامتناع الاخيرة عن تسديد ما بذمتها من التزامات تتمثل بالتحديد ب ٢٥٠ الف برميل يوميا رغم إيفاء المركز بحصة الاقليم من الموازنة الاتحادية.

واذا كانت الثروات موضوع الخلاف تحتكم الى الدستور العراقي الدائم لعام ٢٠٠٥ في المادة (111) منه التي نصت: "النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات". والمادة (112) التي نظمت العلاقة بين المركز والأقاليم وحصرت الاختصاص في مادتها اولا: "تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد". لذا فان ما يجري حاليا خرق واضح للدستور من قبل المركز والإقليم على السواء، فلا الحكومة الاتحادية تدير الانتاج في كردستان ولا الاخيرة تسدد ما يستخرج الى المركز.

وعلى ما يبدو ان هناك اسباب جوهرية تقف خلف هذا الموضوع وتحول دون تنظيمه دستوريا وقانونيا في مقدمتها تأخر البرلمان بتشريع قانون للنفط والغاز اولا؛ والذي ما زال معلقا منذ سنوات على رفوفه. ورغبة الاقليم بتحقيق نوع من الاستقلالية عن المركز ثانيا؛ تمهيدا للانفصال. 

عليه فأن الازمة بين المركز والإقليم المستمرة منذ اربعة عشر عاما غير قابلة للانفراج اذا لم تتوافر الإرادة السياسية الجادة للحل، فحكومة الاقليم تذرعت طوال السنوات الماضية بعدم تعاون المركز، وفي الوقت الذي تعاون فيه المركز تمرد الاقليم وامتنع عن الإيفاء بالتزاماته في الاتفاق الاخير بين الطرفين، مما يعني ان هناك نية مبيتة من الاقليم لفض الشراكة والانفصال.

وحتى لا تكون دولة داخل دولة وحتى لا تتكرر ازمة الاستفتاء ينبغي على الحكومة المركزية والبرلمان أخذ زمام المبادرة بإلزام الاقليم بتنفيذ الاتفاقيات المبرمة والالتزام بالدستور، وعلى الكتل السياسية داخل البرلمان ترك المجاملات وتقديم مصلحة الشعب على غيره من المصالح الثانوية وطرح الموضوع للنقاش واتخاذ ما يلزم بشأنه، وبعكس ذلك فإن المغامرة هذه المرة بمستقبل وحدة العراق.. وهو امر لا يجوز المراهنة عليه.

 

جواد العطار

 

علي علييعيش الإنسان حاضره بين ماض معلوم ومستقبل مجهول، وبين الإثنين تمضي ساعات حاضره تارة مفرحة وأخرى مبكية، وشاء أم أبى هو عمر محسوب عليه بشكل أو بآخر. وعادة مايكون مطمئنًا لأحداث الماضي وإن كانت سيئة، ذلك أن سوءها قد عُرف مداه، اما المستقبل فالتوجس منه يبقى قائما مادامت أحداثه في الغيب وإن كانت إيجابية. لذا نحن نرنو الى الماضي بسكينة رغم ما فيه من سلبيات، في الوقت الذي نتوجس من المستقبل وننظر اليه بريبة وخوف، كون أحداثه غامضة للحظة التفكير فيه، لذا نرى أحدهم ينشد:

وددت لو يسـتعيد الدهر دورتـه

ولو لحظة من زمان الأمس تـُسترق

ماذا سأشكو على الأوراق من ألم

أقـل شـكـواي لايقـوى لــه الورق

وقد تعودنا نحن العراقيين بلهجتنا حين نسرد حديثا يستهوينا، فيه من ذكريات الماضي الشيء الجميل أن نقول: (من چنـّه وچنينه). او كما أنشد مطربنا من شدة حنينه الى الماضي ورفضه واقعه الحاضر حتى قال:

علوّاه أرجع صبي    علوّاه واحبي حبي

فالقاسم المشترك بين الجميع إذن هو السكون الى اي شيء يوحي الى الماضي.

في عراقنا الجديد، اي بعد عام 2003  حيث شهد ذاك العام الخلاص من الدكتاتور، وسياسته القمعية ونهجه المتقوقع داخل صومعات الحروب والاقتتال الخارجي فضلا عن الداخلي، ومارافق ذاك العام لدى الكثيرين من أمانٍ وأحلام في الانفتاح الى المستقبل، حاول العراقي بكل ماأوتي من مقدرة، ان يجدد حياته فيما ينسيه الماضي، لأنه لم يكن فيه غير سياسي واحد فقط، كان يضعه في مربع واحد فقط لايعرف رقمه، ولايدرك هل سينتقل الى مربع أفضل؟ أم سيتقهقر الى مربعات أسوأ وأردأ مما كان عليه!

لكن الذي حدث في ذلك العام لم يكن بحسبان أغلب العراقيين المعروفين بطبعهم الساذج ونفوسهم الطيبة، فقد فوجئ العراقي بعبارة يذكرها الساسة والقادة (وهم كثر) عندما يختلفون -وهم دوما وأبدًا كذلك- فيتخذون من هذه العبارة (بعبع) يهددون به أبناء جلدتهم، هي عبارة (العودة الى المربع الاول). هنا خرج العراقي عن المألوف عند باقي الناس في الحنين الى الماضي. فقد اصبح الماضي يمثل له المربع الاول، بمعنى ان ساسة الحاضر، يحاصرون المواطن بين الرضوخ الى مربع محكوم به اليوم، او يزجون به الى مربعات عهد الظلم والجور.

فهل نسي سياسيو العراق الجديد ان منصبهم الذي تسنموه هو تكليف وليس تشريفا؟ وهل نسوا أنهم عراقيون؟ أم هناك جنسيات ثانية وثالثة وعاشرة ينتمون اليها زمانا ومكانا وروحا وقلبا وقالبا؟ وإذا كانوا كذلك؛ هل هم يظنون العراق متجرا يتبضعون منه ما شاءوا ليتمموا حياتهم التي بدأوها في الدول التي منحتهم الجنسية وباتوا من أبنائها الخلص؟

نعم، دستورنا العراقي أجاز تعدد الجنسيات، لكنه حدد المناصب التي يتسنمها من له جنسية غير العراقية، بعد أن خيره بين الوظيفة والجنسية الأخرى؟. المطلوب منكم ياساسة ان تكونوا عراقيين، وإن لم تكونوا كذلك فالعراق ليس (مول)  او (SUPERMARKET).

 

علي علي

 

محمد الدعميإذا كانت بعض “إنشاءات” تلاميذي قد أخذتني في جولات متعبة عبر غابات الأمازون، بغريب نباتاتها وأقوامها البدائية المنسية وحيواناتها النادرة، فإن ما كتبه أحد تلاميذي في اختبار إنشاء نهاية السنة الدراسية، قد منحني نوعا من القلق الحضاري الذي أسهم بصناعة شخصيتي كما هي اليوم.

كتب تلميذي العزيز في ورقة الإنشاء بأنه “ليس بمعجب فقط بالحمار المربوط بالقرب من دار سكنه” ليراه يوميا عندما يغادره متوجها إلى الكلية، وإنما هو “يحسد” هذا الحمار الأصم بسبب خلو حياة الحمار من المشاكل والهموم والالتزامات والامتحانات الدراسية! معترفا لي (همسا) عبر ورقة الإنشاء التي وجب عليّ قراءتها بدقة وتصحيح ما شابها من أخطاء واختلالات لغوية وأسلوبية وبلاغية، بأنه طالما تمنى شخصيا أن يكون حمارا.

ومع أن تلميذي هذا من بلد آخر (سوى العراق)، فقد تعمدت أن أستدعيه إلى غرفة الأساتذة لسبر أغوار نفسه والاطلاع على مسببات “الاستحمار” الغريب الذي يعاني منه. وقد تبيّن بأنه يتمنى أن ينقلب حمارا، نظرا لعدم معاناة “المطي”، كما يسمى الحمار في العراق، من الحب!

وبعد أخذ ورد مستطيلان بيني وبين “صريع الحمير” اكتشفت أن تلميذي هذا قد وقع في حب زميلة من زميلاته التي لا تبادله ذات المشاعر والعواطف الجياشة، كاشفا لي بشكل خاص، بأن الحمار أفضل من سواه من المخلوقات لأنه إن كان بحاجة لـ”لحمارة” أنثى معينة فإنه لا يحتاج لكسر الحواجز والجدران والمطبات كي يحظى بأنثاه دون تعقيد: لا رسائل غرام ولا تبادل أغنيات، لا خطوبة، ولا أية موانع عنصرية أو طائفية أو دينية أخرى!

وإذا لم تكن تلميذاتي على هذا النوع من الاستعداد للكشف عن خبايا و”فنتازيات” دواخلهن بسبب الضوابط الاجتماعية واحتمالات الاستغلال والتشهير في مجتمع محافظ كمجتمعاتنا العربية، فإن تلميذتي، “فلانة”، لم تكن تكتفِ بالعناوين التي كنت أقترحها لإنشاءات تلاميذي، ذلك أنها راحت تخط الخواطر (طوعا) عن علاقتها السرية بأحد رموز النظام الحاكم المتنفذة آنذاك، مفصلةً طرائق التقائها بذلك الشخص سرا، اعتمادا على ما أتيح له من أدوات وأساليب تنجيه وتنجيها من “كلام الناس”!

 

أ. د. محمد الدعمي

 

تماضر مرشد آل جعفربدءًا مما بدأت: افتقار العالم إلى بوصلة أخلاقية، جعل الساسة يدعون إلى (وحدة الأديان) بكل مفاهيمها المغلوطة التي شابها الاحتراب الديني بالفساد، وبعد أن فشلت تلك الحلول الضيقة بمفاهيمها عالميا بدأ المفكرون بطرق أبواب الفلسفة علها تكون المنقذ أو يمكن الاعتماد عليها كحل لذلك التباعد والاحتراب، يأتينا مقال دكتور علي الربيعي* ليُظهر نقاط الضعف في الفلسفة لاختلاف الفلاسفة (ذوو الشأن في الإصلاح).

لم تضع الفلسفة قانونا للتسامح وفق ماذكره الشارع: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) قرآن كريم، سورة البقرة 109. فجعل العفو بعد أمر شابَ النفس الإنسانية من الحسد الذي دفع الآخرين لنصب العداء، عند تتبعنا لأسباب الخلاف سواء أكانت بين الفلاسفة أو عامة الناس سنجد اختلاف أفهام الناس حول قضية معينة مع اختلاف إدراكهم العقلي كان سببا للتمايز بين الناس أدى إلى تحاسدهم فيما بينهم  لبروز رأي أحدهم أو شخصه.

هنا تأتي أهمية الالتزام الإيتيقي أو الأخلاقي بمفهومه النظري والعملي ليوجد سببا للتسامح يدفع أسباب العنف، فهل استطاع الفلاسفة الالتزام بتلك النظم الأخلاقية فيما بينهم؟ بعد فشل (رجال الأديان) لإيجاد مبررات توقف القتل وتصفح وتعفو؟

في قراءة دكتور علي لتاريخ الفلسفة أثار الغبار عن تلك المثالية التي ذكرتنا بتهافت الفلاسفة أمام أنظار الغزالي، ثم حرق كتب ابن رشد، ولا زال السُهروردي المقتول ضحية الخلاف بين الفلاسفة وتحاسدهم في علو نجم أحدهم.

ولا نستطيع أن ننسى خلافات الاشتراكيين والرأسماليين في فلسفاتهم الاقتصادية التي أدت أيضا إلى الاحتراب على أن الاقتصاد كان يجب أن يكون سببا للتوافق(لإطعام جياع الإنسانية) من باب الأخلاق.

في الخلاف بين الفلسفة والدين، لازالت الفلسفة تحاكي العقول بينما يرى فلاسفة مثل الغزالي بأن العقل عاجز عن إدراك كنه الإلوهية، وقد رأى آخرون ذلك عجزا من بعض العقول وليس جميعها لا تدرك أمور الإلوهية، فدخلت من هاهنا مسألة وحدة الوجود مع رفضها من قبل فلاسفة مخالفين للفلسفة الصوفية، أو رفض التصوف في الفلسفة والخلاف حولها أيضا بدعوى (الإساءة إلى الأخلاق) فوصل عدم التسامح إلى التحريض على القتل،

وفي رأي دكتور علي ما نصه: (أن نظرة عامة على الفلسفة تشير إلى أن الفلاسفة أقل تسامحًا مما قد يتصور المرء. يعود ذلك الى بعض أسباب: فمن ناحية، التزامهم بقضايا الحقيقة والمنطق والحجج  ما يجعلهم ربما غير متسامحين لما يرون أنه وجهات نظر سخيفة أو معيبة؛ ومن ناحية أخرى، فإن الطبيعة الأيديولوجية  للفلسفة في الغالب تؤدي في حد ذاتها دورا في جعل الفلاسفة أقل انفتاحًا على وجهات النظر المختلفة أو المعارضة)...هنا يمكن أن نقول أنه يمكن للفلاسفة أن يغضوا النظر عن آراء مخالفيهم إذا ما التزموا أخلاقيا برأي سبينوزا القائل : ( لا يتمثل التسامح باعتبار أن أي رأي يكون صحيح، ولكن الاعتراف بالحرية الكاملة للغير في التفكير بذاته، والتعبير عن آرائه)،

التسامح في هذا العصر لماذا؟ تساؤل أجاب عنه دكتور علي بكثرة الحروب وتبعاتها، لكن إن جعلنا الأمر أكثر نظاما لقلنا أن الفلسفة والدين ستكون أكثر التزاما إذا ما طُبقت قوانين الأمم المتحدة والمنظمات العاملة على معالجة آثار الحروب، فميثاق الأمم المتحدة تنص على اعتبار التسامح قيمة أساسية في العلاقات بين الدول والأفراد: (نحن شعوب الأمم المتحدة آلينا على أنفسنا أن نعيش وأن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معاني السلام وحسن جوار. كما تنص مواد هذا الميثاق على ضرورة تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع على ذلك بدون تمييز حسب العنصر أو الجنس أو الدين)

ونظرا لأن ميثاق الأمم المتحدة وثيقة توجيهية ذات طابع معنوي وأخلاقي، وبالتالي غير ملزم، لذلك ستبقى نقطة ضعف الفلسفة قائمة مالم ينظروا لأنفسهم كقادة باحثين عن إيجاد نظرية للتسامح تكون ملزمة للجميع بتوصيف أخلاقيات تقبل الرأي الآخر ورسم حدود الآداب التي يمكن التعامل معها دفعا للعنف كون الفلسفة أعم من الدين إذ لا قداسة تُفرض عليها.

وأخيرا لا يمكن أن ننظر إلى التسامح على أنه محبة، فإن الحب لا يمكن أن يكون مع وجود القسوة في القول والفعل، واستشعار الإهانة أو الضعف من التنازلات المطلوبة من أحد الأطراف المتسامحة لذلك كانت الحكمة الأولى: العفو عند المقدرة فضيلة.

اعتذاري لدكتور علي المحترم إن أغفلت مابين السطور وشكرا له لإثارته ذلك الموضوع الهام.

 

د. تماضر آل جعفر

................

للاطلاع

إلى أي مدى الفلاسفة متسامحون؟ / د. علي رسول الربيعي

 

 

قاسم حسين صالحبين من وضع العراق في قلبه ومن وضعوه في جيوبهم

ست وخمسون سنة مضت ومعظم العراقيين يتذكرون عبد الكريم بخير ويترحمون عليه، الا حكاّم اليوم، فانهم لا يحيون ذكرى استشهاده.والمفارقة ان الذين قتلوه يعترفون بانهم جاءوا بقطار اميركي، وان من يحكم الآن جيء بهم بدبابة اميريكة!.

والذي دعانا لكتابة هذا المقال هو:

 لماذا تردت الأخلاق الآن مقارنة بزمانه، مع أن قادة النظام رجال دين، وان رسالة النبي محمد كانت اخلاقية بالدرجة الاساسية (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)؟ولماذا لم تفرز مسيرة (16) سنة..حاكما قدوة؟

 كان عبد الكريم قاسم (قتل في 9 شباط 1963) يمثل انموذج الحاكم القدوة في نزاهته، فالرجل عاش براتبه وما امتلك رصيدا في البنك، وما كان له قصر او بيت لرئيس الجمهورية، بل كان ينام بغرفة في وزارة الدفاع..ولهذا لم يجرؤ في زمانه وزير او مسؤول على اختلاس او قبول رشوة او التحايل على مقاولة، فيما حكّام اليوم يسكنون في قصور مرفهة ويتقاضون رواتب خيالية، لو جرى تخفيضها بنسبة 50% لوفرت للدولة "14 مليار دولار سنويا!..وفقا للخبير الاقتصادي ابراهيم المشهداني".

 وكان الفساد في زمنه يعدّ عارا، فيما تحول الآن الى شطارة، وصار العراق في زمن حكم قادة الأسلام السياسي ثالث افسد دولة في العالم واول افسد دولة في المنطقة.وكان العراق في زمانه..دولة، فيما صار الآن دويلات لمكونات وعائلات!.

كان اختياره لوزراء حكومته يقوم على وفق معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة، واعتماده مبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب فيما صار معيار اختيار الوزراء في زمن المحاصصين هو الولاء للحزب والطائفة وان كان لا يمتلك شهادة تخصص ولا خبرة.

 وكان يخالط الناس ويتجول بسيارته في شوارع بغداد. يذكر عنه ان احدهم كان يبيع الكبة في عربة صغيرة بشارع الكفاح يكّنى (الحجي) وكان عبد الكريم يسلم عليه بيده من نافذة سيارته حين يأتي من الباب الشرقي الى مقر عمله بوزارة الدفاع في باب المعظم.وحدث انه لم يشاهد (الحجي) بمكانه ليومين، فاوقف سيارته في اليوم الثالث وطلب من مرافقه ان يسأل صاحب مقهى شعبية في فضوة عرب فاخبره ان (الحجي) مريض ونائم في بيته..فطلب منه ان يذهب غدا الى بيته كي يقوم بزيارته واداء الواجب..وحصل ان (الحجي)حضر صباح ذلك اليوم ومعه عربته..حياه عبد الكريم وقال له ملاطفا:

- حمد الله عال سلامة حجي..بعدك شباب.

فاجابه:

 سيادة الزعيم، اني من اسمعت جنابكم سأل عني، راح المرض مني وشفيت، اما الطائفيون فان احدهم اذا خرج للشارع سبقه وتبعه فوج حماية بطريقة مهينة للمواطن.

 وكان عبد الكريم محبّا للعراق ومنتميا له فقط، ولهذا كانت المواطنة، بوصفها قيمة اخلاقية، شائعة في زمنه بين العراقيين، فيما انهارت الآن، وصار الناس يغّلبون الانتماء الى الطائفة والقومية والعشيرة على الانتماء للوطن..وتلك اهم وأخطر قيمة اخلاقية خسرها العراقيون في زمن المحاصصين وسرّاق المال العام.

 ويكفي عبد الكريم قاسم (وقل عن سلبياته ما شئت) ان العراقيين منحوه لقب (ابو الفقراء) وأنه سيبقى يحتل قلوبهم لنصف قرن آخر، فيما حكّام الخضراء وقادة احزاب الأسلام السياسي سيلعنهم العراقيون ويخلدّهم التاريخ بأهزوجة (حكّام الشعب كلهم حرامية).

14 تموز 2019

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

محمد ممدوحالتنوير صناعة عقلية لا يستطيعها سوى الحكماء، الذين يضيئون الدروب للسالكين، لذا رفع الله العلماء فوق الجميع، فقال سبحانه (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) وأيد الله الحكماء، وعدّ سبحانه الحكمة هى السلعة الإلهية الأغلى سعراً والأعلى قدراً حينما قال (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) .....

ويأتى الدكتور محمد سعيد زيدان أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية جامعة حلوان فى مصاف هؤلاء الحكماء الذين لا يعنون بشئ غير هذا الوطن، فهو معجون بالتربة الأصلية للوطن الأصيل، فى كل كلماته، وكتبه ومقالاته، تخيم عليه نبرة المصلحة العليا للوطن، ولن تبدأ تلك المصلحة إلا عبر بوابة التعليم، ولن تنمو تلك المصلحة إلا باذدهار التعليم، لذا احتلت فلسفة التعليم والاهتمام بقضاياه المتعددة والمعقدة أيضاً أولى اهتمامات هذا الرجل.

وقبل الغوص فى المراحل التنويرية والفكرية للدكتور زيدان لابد أولاً العودة إلى ذى بدء، إلى الخلفية التاريخية التى أتى منها هذا المفكر، حيث ولد فى الثلاثين من نوفمبر عام 1956م فى قرية كفور نجم، بمحافظة الشرقية، ونشأ التنشئة الدينية البسيطة التى أنجبت جيل العظماء من الأدباء والمفكرين، ثم تدرج فى السلك التعليمى إلى أن حصل على درجة الليسانس فى عام 1978م، ثم الماجستير فى التربية فى عام 1988م ثم الدكتوراه فى عام 1994م، ثم عمل بالمركز القومى للامتحانات والتقويم التربوى، ثم مدرساً بقسم المناهج وطرق التدريس بكلية التربية جامعة حلوان ثم أستاذاً بذات الكلية.

وقد أثرى الدكتور زيدان المكتبة المصرية بعشرات الكتب القيمة عظيمة النفع، والتى يأتى على رأسها موسوعة تعلم الفلسفة والتى تعد الموسوعة الرائدة فى هذا المجال، ليحث الجميع على طلب العلم والتبحر فى أعماق الفكر، واعتبار الفكر البشرى قاسم مشترك بين الجميع، بل وباعتبار الفكر بحر لا ساحل له.

وتستمر انجازات الرجل، ليقدم للمكتبة العربية العديد من الكتابات الأخرى، التى يخرج كل حرف منها لينشر نور العلم والفكر والوسطية، وليسهم بدور فعال فى إعادة الهيبة للكلمة الحرة من جديد، وللفكر الرائد، وليدلل فى كل كلماته على أن العلماء هم بحق ورثة الأنبياء.

ويعلو صوت الرجل، وتزداد نبرة حزنه عندما ينادى على أبناء مصر، لا نهضة بغيرتعليم، ولا تقدم إلا من طريق التعليم، فأفيقوا يا بنى وطنى، نرى تلك الصرخات وأشباهها كثيرة فى كتبه المتنوعة حيث نراه يقول " التفكير الفلسفى لا يعلمنا كيف نفكر فحسب بل أيضاً يعلمنا كيف نحيا، وبذلك لم تعد الفلسفة تحليقاً فى مجردات، بل مواجهة لقضايا ومشكلات تقابلنا فى الحياة الاجتماعية "

ثم نراه داعياً إلى الوسطية، تلك الوسطية التى هى نتاج مباشر للفكر، فإذا غاب الفكر وُلد التشدد، وولدت الدوجماطيقية، وعُبدت الذات، وقُدست الأنا البغيضة، فنراه يقول " وحسبى أن أؤكد على حقيقة لا يمكن تجاهلها ونحن على أعتاب قرن جديد، ألا وهى إذا غاب التفلسف ظهر التخلف، وإذا غُل التفكير انطلقت عصابات التكفير "

ذاك هو تراثنا لمن يريد التنقيب عنه، فمن مصر نبع العلم، ومن مصر نبعت الحضارة، وعلى أيدى المصريين تعلم أفلاطون وآرسطو..

تلك حقائق لا ينبغى أن يكابر فيها أحد، ولا ينبغى لمصرى أن يتجاهلها، بل مصر وعلمائها هم تاج فخار هذا الكون بأسره.

ولم تتوقف انجازات الرجل عقب الموسوعة الفلسفية، ولا عقب دعواته المتتالية إلى مواجهة عصابات التكفير، وعصابات عبودية الأنا وتقديس الذات، ولا عقب دعوته إلى الوسطية فى المنهج الفكرى باعتبارنا الأمة الوسط، وإنما يسير من إنجاز إلى إنجاز، فمن كتاب إلى مقالات بجريدة الأهرام والصحف العربية، إلى مؤتمرات محلية ودولية لينشر فيها فكره، ويواصل عطائه، لأجل أن تنهض مصر نهضة حقيقية، فكان آخر عمل قدمه لمصر المشاركة فى تأليف كتابى الفلسفة للصف الأول الثانوى، والفلسفة والمنطق للصف الثانى الثانوى، ثم صدور مؤلفه الجديد المقال الصحفى مدخل لتعليم التفلسف .

إن تراثنا حافل بالعلماء والأساتذة الذين تشرق شمسهم على هذا الكون ليملئوه دفئاً ونوراً وعلماً وفكراً مستنيراً، وما أكثر هؤلاء، ويأتى الدكتور محمد زيدان فى مقدمتهم، متمنياً نهضة مصر بأيدى أبنائها، تلك التى نذر لها حياته، ويسألونك متى هو، قل عسى أن يكون قريباً.

 

د. محمد ممدوح عبد المجيد

 

صادق السامرائيالعِقال: جديلة من الصوف أو الحرير المقصب تلف على الكوفية فوق الرأس، والجمع: عُقُل.

وله علاقة بالعَقل الذي يتميز به الحَسن من القبيح، والخير من الشر، والحق من الباطل.

والعِقال كما تعرفون يضعه على رؤوسهم الشيوخ والأمراء والملوك وغيرهم ممن يدّعون الشرف الرفيع والهيبة والسيطرة على الآخرين، وللعقال معاييره وقيمه وأخلاقه ودلالاته في العديد من المجتمعات التي داست عقلها وتفاخرت بعِقالها.

وقد يكون لونه أبيضا أو ذهبيا أو أسودا وهو اللون الشائع،  ويتخذ ألوانا أخرى وأشكالا ذات عقد وبأحجام تشير إلى المكانة والهيبة، وغيرها من المقامات الإجتماعية الطوباوية الساعية لفرض الإرادة البهتانية على جمع من الناس، الفاقدة لخيارات تقرير المصير فتركن للتبعية والخنوع والإستسلام لعِقال عتيد.

والعِقال يرمز إلى الحكمة والروية والحلم وإستحضار العقل وإتخاذ القرارا الصالح للناس، وهو كينونة إستذكارية حضورية تؤكد على أهمية العقل ودوره في الحياة البشرية، وضرورته الأساسية لمنع النفوس الأمارة بالسوء من الإنفلات.

وكأن العِقال وسيلة سلوكية لعقر أو لجم النوازع الشريرة الفاعلة في سلوك البشر، أي أنه ضرورة تفاعلية ومهمة في يناء وتنمية الأسس الإجتماعية الصالحة للحياة الأفضل.

ولهذا فهو السمة السائدة لمظهر الحكماء وأجلاء القوم وسادتهم الحلماء، وحالما يكون العقال فوق الرأس تترتب عليه مسؤولية سلوكية وقيمية وأخلاقية يجب على صاحبه أن يلتزم بها ويعبر عنها بخلق قويم.

وفي أمتنا التي أفرغت العِقال من محتواه وفحواه، وصارت تعيش في "نكبة العِقال"، أو " جنون العِقال"، لأن ويلاتها ودماراتها تأتيها من أصحاب العُقُل بأنواعها وألوانها ودرجاتها، خصوصا عندما أفسد خلقها النفط المدرار الثروات، فجردها من الحكمة والحلم والنظر السديد، وأخرجها من صراطها القويم، وأجج ما فيها من مطمورات النفوس الأمّارة بالشرور والبغضاء والعدوان والإستحواذ والإمتهان.

ووفقا لتناثر المطمورات التي لم يتمكن العِقال من إعتقالها وعقرها في ظلمات النفوس، فأن الأمة تعيش محنٍ متوالدة وتصارعات متزايدة، وإن شئت خبالات عاصفة في أركانها، ومتوافقة مع ذهاب عقلها وجنون عِقالها، وهي في هوس الإستنزاف الثرواتي والإقتداري العنيف التداعيات والإنكسارات والإنتكاسات المتلاحقة الخسران.

وجنون العِقال تدلل عليه أسئلة كثيرة، ويمكن إجمالها بسؤال ماهي الفائدة والمصلحة من كل ما يجري في المنطقة؟

ولن نجد جوابا شافيا، لكن جنون العِقال يمكنه أن يختصر الأجوبة، فهل سيُعاد العِقال إلى الرؤوس أم أنها نوازع النفوس التي عليه وعلى أهله تدوس؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

القفشة الاولى: سيادة الرئيس..

في السابعة والعشرين من عمري سافرت االى مدينة البصرة حاملا معي وثيقة تخرجي في الجامعة لاعمل مدرسا مساعدا في جامعة البصرة.. فاجئتني لوحة ذهبية مثبتة على الحاىط وبجوار احد الابواب كتب عليه بخط الثلث الانيق (الرئيس) كان ذلك في تموز عام 1977 .انذاك كانت هذه الكلمة لاتطلق شعبيا الا على شحص واحد هو رئيس الجمهورية.. لم اجد صعوبة في فهم معنى اللوحة اصطلاحا وصلاحية رغم محدودية ادراكي للواقع العراقي السياسي والاجتماعي والتاريخي.. فيما بعد ادركت ان هذه الكلمة لاينبغي لها أن تطلق عرفا دون تبجيل وتعظيم وتمجيد .في العراق كان الناس منجرين بوسائل الاعلام يستعملون السيادة للتدليل على التعظيم.. ولكن ما قبالة لفظة السيادة؟ السيادة للسيد وان كان هنك سيد فلابد ان يكون له عبد يتسيد عليه.. مازالت وسائل الاعلام تخاطبنا .. سيداتي سادتي.. مازال المتكلمون والمتحدثون يبدؤن كلامهم للمخاطبين (سيداتي سادتي).. في اللغات الاخرى هذه المقاربة مختلفة بشكل كبير.Ladies and gentlemen لا اظنها تشير الى المضمون ذاته.. بل انها تشير الى النبل والاستقامة والاحترام ولا تتعلق بمفهوم السيادة والعبودية…أشير هنا إلى مسألة المولى،حيث أن الكلمة تستعمل بالوجهين كسيد أو كعبد.

ويُذكر أن عمر بن الخطاب (رض ) حين أوصى للستة الذين جعل أمر الخلافة شورى بينهم، أنه قال: «لو أدركني أحد رجلين، ثم جعلت إليه الأمر لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح». وهذا يعني إمكان تولي المولى الأمر .

عندما فاز (السيد) أوباما بالانتخابات الرآسية الأميركية حينها صدحت (السيدة) الاولى ميشيل أوباما "كم انت عظيمة يا امريكا فلقد أصبح باراك رئيسا" .كانت تلك لحظة الانعتاق والحرية بمدأها الواسع وافقها الرحب.. كيف اصبح أوباما رئيسا.. يقال إنه بمال أوبرا الإمبراطورية الإعلامية السمراء و آلة ماندينكو الأسطورية وامتداداتها الجينية الأفريقية التي انتقلت من مزارع المستوطنين الأوروبيين إلى شفراوات لوس أنجلوس.. من لم يدرك تفاصيل القصة فعليه مشاهدة فيلم ماندينكو المنتج سنة 1975.. إنها ليست دعاية أيتها السيدات وأيها السادة. بل انه مجرد رأي.

القفشة الثانية: حسين الكهربائي

المنهج العلمي في البحث الأكاديمي يستوجب منطقا محددا ولا أقول صارما مفاده الإجابة على الأسئلة الكبرى في أي قضية أو موضوع، هذه الأسئلة هي الماهية عبر (ماذا)،الكيفية او الحالية عبر(كيف)، المكانية عبر (اين) والزمانية عبر(متى) وجرت العادة أن يطلق على المكانية والزمانية والحالية مصطلح الظرفية.. ومن الجدير بالقول ان الإجابة على الماهية والظرفية ليست بصعوبة الإجابة على الكيفية. حيت أن الإجابة عن أسئلة الكيفية تقتضي الخوض في منطقة مثلث السبب والنتيجة والفعل (الديناميكا) مابينهما وهو أمر يقتضي قابلية على الخوض فيما يعرف بالتحليل والتركيب لعناصر المسألة بغية فهمها وهذا الأمر لايستوجبه البحث في مسائل الماهية أو الظرفية التي تتطلب مجرد الوصف ليس إلا إجمالا.

إن من خصائص الفكر الغربي الذي أنتج حضارتنا الانسانية المعاصرة هي القدرة الهائلة على التحليل والتركيب ثم الاستنتاج وهذا أمر معروف منذ أيام افلاطون وارسطو. .مرورا بعصر النهضة وفلاسفته فرنسيس بيكون واسحق نيوتن وكاليليو وسواهم. .وصولا الى عصر الحداثة إلى ماركس واينشتاين وهايدنبرغ وعصر ما بعد الحداثة ستيفن هوكنك.. ألامر مختلف في الحضارات عند الأقوام في الشرق وخاصة الحضارة العربية والإسلامية حيث أن المخيلة الشرقية تميل إلى الوصف وليس إلى التحليل.. فالعرب هم أفضل من وصف جمال البحر والصحراء والنجوم والجبال والسيف والأسد والكلب والطعام وجمال الحبيب.. وصفا اسطورية بليغا رائعا. منعنا من سلطان البعد الزمكاني او الظرفي.

قلت لزميل لي دعنا تقلب الأدوار تفاحة نيوتن ووجد امرؤ القيس.. كيف سيكون الأمر قال: امرؤ القيس سياكل التفاحة ونيوتن سيظل أخرسا مسمرا حائرا أمام جبل يذبل.

العتب ليس على البيئة ولا على الجينات بل على الرغبة مع التكيف البيئي .. هذا الانر يترتب عليه فوضى منطقية وسلوكية وأخلاقية لدى النظر في قضايا المعالجات والإشكاليات. في مجتمعنا العراقي لطالما عهدنا معالجات لا تمت بصلة الى صميم الاسباب .. إنها بمثابة اللعبة خارج الملعب أو خلط السكر بالشأي عبر تحريك الملعقة خارج الكوب (يخوط بره الاستكان) باللهجة العراقية البليغة! أحدهم آثار نكتة حسين الكهربائي لوصف ما قيل إنه تزايد في حالات انتحار الشباب غرقا عبر القفز من الجسور إلى مياه الأنهار. .كان هنالك من يفكر بأن يغلف جانبي الجسر تماما بالأسيجة العالية.. لقد نبه شباب الحي صديقا لهم قائلين له " قد شاهدنا اختك مع حسين الكهربائي" أجاب ببرود "لا هذا كذب لأن حسين الكهربائي اصلا لايفهم بالكهرباء".

لا مشكلة في هذا فللرجل الحق كل الحق اذ يبدو أن لا أحد يفهم سر الكهرباء،وحتى ولو تصدى أديسون أو تسلا فلا ينجو من العتب.

القفشة الثالثة: القطيع الالكتروني..

لست على يقين من أن السلوك الجمعي هي إحدى ظواهر سلوك القطيع المعروفة .. لكني على ثقة تامة بوجود هذا السلوك بشكل الكتروني cyber behaviour من خلال متابعاتي الانترنيتية .

لقد أصبحت هذه المساحة من المعرفة علما معاصرا وحديثا يعتد به منهجيا وتطبيقيا وله قواعده ونظرياته وتطبيقاته المهمة.

لاحظت أثناء محاولاتي البسيطة في تتبع أنماط التفكير عند الرأي العام في قضية معينة سلوكا باتجاههين .. مع وجود حالة توفيقية غالبا ما تكون ساذجة ووضيعة من الناحية الشكلية والموضوعية.. ففي معظم القضايا يكون الرأي الأول كتعليق مهما من حيث ريادته لما سيعقبه ويلحقه. .ثم تتوالى الآراء ضمن نفسس النمطية بشدة متباينة إلى أن يأتي تعليق مغاير مختلف سرعان ما يتزعم النمط الآخر أيضا مع شدة أو قوة متفاوتة ومابين النمطين أو بعدهما سيأتي دور الوسطيين الذي قلما يتسم بالموضوعية وان كنت لا أنفيها عنه في حالات معينة .. هذان النمطان غالبا ما ينساقان لمنطق بدائي بدوي انحيازي وان محاولات التوفيق بينهما هي محاولات ربما لاتستند إلى أساس رصين فهي تبدو كمحاولات العزل أو الفصل بين خصمين تشاجرا في مكان عام ليس إلا. .وبالمقارنة مع أنماط السلوك الإلكتروني الاجتماعي مع بعض المجتمعات الغربية ومن خلال دخولي إلى بعض غرف الدردشة في الأمور الاقتصادية والسياسة والاجتماعية وغيرها . فقد وجدتها أكثر تعددية وأكثر اختلافا من حيث الشكل والمضمون .. مع وجود رأيين سائدين أو ثلاثة فإنها غير معزولة قطيعيا وغير منمطة شكليا او موضوعيا وفي الواقع فان القطيع ليس محملا بالعتاب لكن الرعاة لايجيدون ريادة ألتنميط بل لا يدركون انهم قادته.. وهم لا يدينون بالمواقف الإلكترونية فعندهم الدين ممنوع والعتب مرفوع كما هو الحال في دكاكين مرحلة ماقبل العصر الأمازوني الذي مازال غير متاح للعراقيين لاسباب الكترونية قطعية وقطيعية متعلقة بالرعوية وليس للعتب فيها حتى على سبيل القفشة!

 

حسن الشرع

 

 

فاضل رشادمن الخاطيء القول ان الدواعش دخلو للموصل يوم 14 حزيران، يونيو 2014، بل هم موجودون داخل كيان العراق، منذ ان نفذ مجموعة من الضباط ألانقلاب العسكري بقيادة الزعيم الاوحد عبد الكريم قاسم ضد الحكم الملكي العراقي،وكانت حينها المذبحة والمجزرة التي ستبقى شاهدة وتأريخها ونؤرخها كل في ذكراها .

عام 1958 والحكومة العراقية تعدها عيد وطني وتحتفل بها

الحقيقة واضحة ويجب ان نشخصها ونشخص الاخطاء لا يوجد شخص "ملاك" او حكما في العالم اجمع نظيفا تماما بقراءة موجزة لم يأتي ملوك العراق "فيصل الاول" ليشهروا السلاح او ينصبهم الاستعمار ليكونوا  حكاما، بل بأرادة وطلب من وجهاء وشيوخ ورجال دين العراق من الشريف حسين ان يكون ملك العراق احد اولاده، وكان يتنبأ بقوله لهم ستقتوله كما قتلتم جده الحسين .

ماذا كان في العهد الملكي انشأوا دولة بكافة المسميات الديمقراطية الحديثة الان (حكومة،وبرلمان)، حرية الاحزاب الا الحزب الشيوعي الذي ينتهج منهج الاتحاد السوفيتي التي تعارض مبدأ سياسة الدولة .

الحرية الفكرية، الرأي، المعارضة، المظاهرات التي تخرج بدون اذن قانوني،اول اذاعة تفتح في الشرق الاوسط (بغداد)، التمدن، العدالة ...الخ .

المعارضون للحكم الملكي لا يذكرون غير (الاقطاع)، وهم يتجاهلون انها كانت نظرية اقتصادية بحتة كان العراق الاول في العالم في تصدير الحنطة ناهيك عن انه يمتلك سلة غذائية متكاملة .

التحضر

كان العراق متحضرا وشهادته الجامعية معترف بها دوليا في ذلك الوقت الخليج عبارة عن بداوة ودول بدائية،بينما العراقيون اناس متحضرون ونسأؤه شاعرات،صحافة، فنانات، وامينة بغداد صحافية .

كان العراق الى سنة 1958 اكثر دول الشرق الاوسط تقدما, فقد دخل التلفزيون واستخدم علاج الامراض بالنووى وتطور نظام الخدمات الصحية وكان نظام التعليم فى جميع مستوياته رفيعا متطورا اكرركانت شهادات الكليات العراقية معترف بها من قبل الدول الاوربية المتقدمة وكان هذه الكليات قبلة الطلبة العرب وبشكل خاص الكلية العسكرية.

كان العراق يشكل الحداثة بشكلها المتطور بالنسبة للكثير من الدول العربية، (بغداد) كانت قبلة الخليجون وخاصة ليلة رأس السنة واحتفالاتها.

حلف الانجازات

من اهم ما حققه الحكم الملكي هو حلف (بغداد) ان المعارضون يقولون انه فرضة الاستعمار نعم لكن كان لمصلحة العراق وشعبه، أسس عام 1955 للوقوف بوجه المد الشيوعي في الشرق الأوسط، وكان يتكون إلى جانب المملكة المتحدة من العراق وتركيا وإيران وباكستان.

الولايات المتحدة الأمريكية هي صاحبة فكرة إنشاء هذا الحلف حيث وعدت بتقديم العون الاقتصادي والعسكري للأعضاء، ولكنها لم تشارك فيه بشكل مباشر وإنما وكلت بريطانيا بالقيام به.

انضم العراق لهذا الحلف بعد القمة العربية التي جرى الاتفاق بموجبه على معاهدة الضمان الاجتماعي.

كان الحلف يضم (ايران، تركيا، باكستان) وكان العراق عضوا مؤوسسا لا يصدر اي قرار من تلك الدول الا بمشورة العراق.. كيف كان سيدا، وكيف اصبحنا؟

ماذا فعل قاسم

بقرار الزعيم الوطني الاوحد اذ انسحب العراق من الحلف إبان إعلان ثورة 14 تموز/يوليو 1958 بقيادته اثرانقلابه على النظام الملكي وأعلن الجمهورية العراقية وقد كان لنوري السعيد دور كبير في إنشاء هذا الحلف، وقد تبنى عبد الكريم قاسم سياسة محايدة وأقام علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي وانسحب من الحلف.

فعدل عن اسم حلف بغداد Baghdad Pact وتبنى اسم CENTO (اختصار Central Treaty Organization).

كما نأى الحلف بنفسه عن الصراع العربي الإسرائيلي في فترة الستينات وامتنع عن تقديم العون لباكستان في نزاعها مع الهند.

وبعد غزو تركيا لقبرص عام 1974 أوقفت أمريكا مساعداتها العسكرية لتركيا.

وفشل الهدف الأساس من وراء تأسيس هذا الحلف في وقف نفوذ الاتحاد السوفيتي الذي وطد ووسع علاقاته في الشرق الأوسط خلال تلك الفترة مع مصر والعراق وسوريا واليمن الجنوبي والصومال. (نفس المصدر)

الجمهوريات

منذ عام 1958 بعد الانقلاب الدموي اذ اعدم الداعشيون العسكريون ذلك الشاب وعائلته وهم يحملون رايات بيضاء ولا زال العراق ينزف دما، "انقلابات، اعدامات، محكمة الثورة المهداوي، ومحاكم صدام الخاصة".

لم يكن سقوط الموصل عام 2014 بيد الدواعش بل كان منذ ان قتلنا تلك العائلة البريئة التي ارادت للعراق خيرا ماذا فعله داعش فعلته تلك الزمرة بقيادة قاسم واختم مقالي بمقولة الملك فيصل الاول أقول وقلبي ملآن أسىً… إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت، فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل شعبا نهذبه وندرّبه ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف يجب أن يعلم أيضا عظم الجهود التي يجب صرفها لاتمام هذا التكوين وهذا التشكيل.. هذا هو الشعب الذي اخذت مهمة تكوينه على عاتقي . الجدل يدور بين من تناولوا تلك المقولة المنسوبة لأول ملك على العراق الحديث، في قسوة انكار وجود شعب عراقي، وفي اطار قول جلالته أنه يسعى لتشكيل شعب مهذب مدرب متعلم، والحديث بالطبع يتواصل للاستفسار عما اذا نجح فيصل الأول ومن جاءوا بعده في تشكيل هذا الشعب.

 

بقلم : فاضل رشاد

 

امجد الدهاماتتحدث المفكر (Alvin Toffler) في كتابه (Future Shock) الصادر عام (1970) عن نظرية الخيارات الفائضة (Over choice)، والتي يمكن توضيحها من خلال التجربة التالية:

تم وضع (6) أنواع من العسل في كشك لمعرفة سلوك الناس، فكانت النتيجة، أن (40%) من المارة توقفوا وسألوا عن الأنواع، وقام (79%) منهم بالشراء.

بعدها تم وضع (24) نوعاً من العسل في نفس الكشك لكن النتيجة كانت أن (60%) من المارة توقفوا وسألوا عن الأنواع، لكن الذين اشتروا فعلياً (5%) منهم فقط!

ان تعدد الخيارات امام الناس تجعل عقولهم تُصاب بحالة من الحيرة والارتباك مما يؤدي الى تعبها وإنهاكها من التفكير، فيكون قرارها النهائي هو الغاء فكرة الشراء من الأساس، وهذا ما يُسمى بنظرية (الخيارات الفائضة)، والتي لها مصاديق كثيرة في حياتنا اليومية.

وأبرز مثال على هذه النظرية هو ما حصل في بلدنا خلال انتخابات البرلمان عام (2018)، فقد سجلت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات (204) حزب سياسي أشترك اغلبها، ولو عن طريق التحالفات، في الانتخابات، وهذا العدد كبير جداً حتى بالمقاييس الديمقراطية، فكانت نظرية (الخيارات الفائضة) أهم سبب لعزوف الناخبين من المشاركة بالانتخابات، بالإضافة الى أسباب أخرى طبعاً.

إذ ان هذا العدد الكبير من الأحزاب يجعل الناخب متحيراً، خاصة الناخب غير المنتمي لجهة سياسية معينة أو الذي لم يحسم أمره بعد، هذه الحيرة والتعب الفكري تجعل عدم المشاركة أو ابطال ورقة الناخب هي الخيار المفضل لدى أغلبية الناس.

ان وجود عدد كبير من الأحزاب الصغيرة يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي، كما ان حصولها على عدد قليل من المقاعد البرلمانية يعرقل تشكيل الحكومات، إذ انها تفرض شروط مبالغ بها وأكبر من حجمها البرلماني لتسهيل عملية التشكيل.

ومثال على ذلك ما جرى بعد الانتخابات اللبنانية لعام (2009)، إذ حصل تحالف (14) آذار على (60) مقعداً وتحالف (8) آذار على (57) مقعداً بينما حصل اللقاء الديمقراطي بزعامة وليد جنبلاط على (11) مقعداً، أي انه الجهة التي ترجح كفة أحد التحالفين في تشكل الحكومة، وفعلاً حصل جنبلاط على الكثير من المكاسب التي لا تتناسب مع حجمه الفعلي.

اما في إيطاليا فقد أدى وجود الأحزاب الصغيرة إلى حالة مزمنة من عدم الاستقرار السياسي، فقد تم تشكيل (58) حكومة منذ عام (1946)، بل ان حكومة (Giovanni Spadolini) التي شكلها عام (1982) لم تعمر سوى (3) أشهر فقط، وسقطت حكومة (Romano Prodi) في البرلمان عام (1998) عندما انسحب منها حزب لديه (3) مقاعد فحسب!

وفي المانيا كان الحزب الديمقراطي الحر يشارك في كافة الحكومات الائتلافية على مدى (50) سنة ويحصل على وزارات سيادية ومهمة على الرغم من حصوله على أقل من (%12) من أصوات الناخبين.

ولتلافي هذا النتيجة تقلص الدول الديمقراطية عدد الأحزاب فيها، فلا تسمح بدخول أي حزب للبرلمان إلا بعد ان يحصل على حد أدنى من أصوات الناخبين، أي انه لا يوجد حزب حاصل على مقعد واحد أو مقعدين في برلماناتها، وتختلف نسبة هذا الحد من بلد الى أخر، اذ ان اقل نسبة هي في هولندا ولا تتجاوز (0.67%) واعلاها في تركيا وتبلغ (10%)، وبينهما إيطاليا (2%)، اسبانيا (3%)، بلغاريا والبانيا والسويد (4%)، وفي بولندا، المانيا، روسيا، التشيك، تونس، استونيا، أوكرانيا وأرمينيا نسبة (5%)، جورجيا (7%)، ليختنشتاين (8%).

ربما يعترض البعض ان هذا يتنافى مع القيم الديمقراطية وحرية الناس في تشكيل الأحزاب، كما يؤدي إلى هيمنة الأحزاب الكبيرة على الحياة السياسية في البلد، وعدم إعطاء الفرصة للأحزاب الصغيرة لكي تنمو وتصبح كبيرة بمرور الزمن، وغيرها من الاعتراضات.

ورغم انها آراء محقة لكن يمكن معالجتها عن طريق اندماج الأحزاب الصغيرة مع بعضها، أو تشكيل تحالفات فيما بينها لخوض الانتخابات، وبالتالي ستكون فرصتها بالفوز أكبر.

ان هذا أفضل حل إذا كانت الدولة امام خيارين: اما تقليص عدد الأحزاب أو عدم الاستقرار السياسي.

ماذا يختار العراق؟

 

أمجد الدهامات - العراق

 

انور الموسويالدولة تعرف بنظامها واقتصادها، وخدماتها وبناها التحتية، ليس مهم أن تكون هناك حضارة أو لا تكون، فالتاريخ إرهاصات ماضي، وليس التقدم والتطور متوقف على حقب التاريخ، فأمريكا مثلا دولة ليست ذات تاريخ وحضارة، إنها حديثة الحضارة، لكنها دولة قوانين وأنظمة، واقتصادها منافس شرس في السوق العالمية.

معيار جميع الدول التي تريد أن تصنع تاريخا لشعوبها ولحاضرها أن تحرص على تطبيق أنظمتها، تلك الأنظمة المسماة بالقوانين، وتنظم شؤون مواطنيها وممتلكاتها وفقا لرؤية أما تنموية أو لمصلحة عامة.

ليس مخرجا صعبا أن ينظم القانون بقانون، تلك سمات التشريعات والقوانين، التي يعرفها فقهاء القانون. الحرية الفردية وحرية العمل، هي مقومات أساسية بالنهوض بالواقع ورفع المستوى المعاشي الفردي، أو ممارسة الحياة العامة بشكلها العادي، لكن تلك الحرية من المؤكد ألا تكون معرقلة للمصالح العامة، أو مسببة أرباك للمواطنين الأخرين.

لدينا معضلة مرورية تسببها العجلة المسماة "ستوتة" والدراجات النارية والهوائية. آما خطط التنمية لم تدرس بشكل جيد التوسعة التي ممكن أن تحصل بعدد النفوس وزيادة معدل دخول السيارات، والدراجات، والستوتات....الخ.

والشوارع المكتظة بأنواع وأشكال المركبات لن تصلح في معظمها للسير على الأقدام...! بينما هي تعمل تحت خدمة عجلة المركبات ذهابا وإيابا في طرق "نحسة" تملؤها المطبات والمفاجئات، وصواعق الالتحاق بالحوادث المرورية المسببة الموت الفجائي أو العوق، أو أنواع الكوارث الهابطة بقدرة العجز العقلي غير الخاضع لحساب مخططات التنمية الحضرية والعمرانية.

يضاف إلى شريط المعزوفة الملحمية هذه، ضراوة السبق والمناورة لصاحب الستوتة والدراجة النارية والبخارية، يا سلام...!

الطريق لا يسع لثلاث مركبات كحد اعلى وأصحاب تلك العجلات يتنافسون بضراوة منقطعة النظير على أحداث صعقة مرورية في جبهة الواقع، كأنهم انتحاريون..! يأتوك من كل جانب، خلفا وأماما وشمالا ويمينا، بدون التقيد أطلاقا بالقواعد المرورية وبلا أوراق رسمية، وبإشكال غريبة، هنا تتدخل الدولة وأنظمتها بعد حدوث الكارثة، لان منظومة "السلامة والصحة والبيئة" في بلد كالعراق هي منظومة غير مهمة لأنها بتماس مباشر مع حياة المواطن، ومتى احترم أصحاب السلطة حياة المواطن كي يحترموها الأن في تطبيق أنظمة السلامة؟.

الكلام هنا ليس للجميع فالوسيلة هذه وغيرها المستخدمة في طلب الرزق أو إنجاز القضايا الشخصية وفقا لاحترام القانون، خارج مورد المقال وهم ليسوا معنيون بذلك، من نعني هم الأغلبية العائمة في الأرض المستخدمين لهذه الوسيلة التي دخلت بمختلف الصفقات التجارية والتي أغرقت السوق بهذه السلعة.

أما في المناسبات العامة أو الخاصة فكان هؤلاء (يأجوج ومأجوج) قد خرج من جحره يساوم أهل الأرض على البقاء وبأشكال فعلا مثيرة للتقزز!، سرعة مهولة، واشتباك مباشر مع المواطن الماشي سيرا أو الذي يقود مركبة، على شوارع  هي أصلا مصابة بالشيخوخة..! هكذا هم أصحاب الستوتات والدراجات، هي معركة اصطدام أو تخليص ما في الذمة من خطر لابد منه من قبل السائق أو الماشي "بحب الله".

ليس هناك ادنى خشية من حادث قد يقع لهم أو لغيرهم نتيجة السرعة أو المخالفة أو عدم احترام الذوق العام و القانون، الخشية معدومة إلى درجة الصفر، والاحترام للذوق العام خارج حدود بيانتاهم التعريفية، انك لا تستطيع حتى تنتقد أحدا منهم وتوجهه، فهم معظمهم أما أطفال خارج السن القانوني، أو خارج حدود التربية، فالتجاوز لديهم على أي كان هو تجاوز ارتجالي ولحظي وبلا أي خط رجعة أو احترام.

وظيفة الدولة هي ضبط إيقاع المنفلتين، فكل دول العالم تعج بالمتسكعين وأصناف أهل الشوارع، والمخالفين للقانون، الدولة هنا تبدا بأخذ تلك البيانات ومعالجة الإشكاليات من خلال توفير الطرق الملائمة لأصحاب المركبات مع تحديد السرع وتنظيم عملية السير ورصد المخالفات واتخاذ العقوبات والغرامات لكل من يخالف تلك القواعد، والعراق يعج أيضا ببعض أنواع السائقين " الجاكية" وغير " الجاكية" على نفس نسق أهل الستوتات والدرجات المنحرفين منهم.

ما وظيفة قوى الأمن الداخلي؟

من المهم أن يكون هناك رجل امن وقوة رادعة لمجموعة التجاوزات التي تحصل على المواطنين الذي يسيرون على الأقدام أو أصحاب المركبات الملتزمين بالقانون من هؤلاء المعتدين على حرية الفرد، والذوق العام بالمجتمع، والمتسببين لأنواع من الكوارث المادية والبشرية لأنفسهم وللأخرين.

فتفعيل المطالبة بالأوراق الرسمية جزء مهم في هذا الملف، وتفعيل المحاسبة للمخالفة ونصب دوريات مفاجئة للكشف عن هذه المخالفات، ونصب رجال امن  للإخبار عن نوع ووصف من ارتكب مخالفة وإلقاء القبض عليه، وتحديد السير بسرعة معينة، وتثقيف المجتمع وأصحاب تلك العجلات، مع فرض أوقات محددة للسماح لهم بالخروج، وبعكسه يتم غرامتهم قبل حجزهم، وتفعيل دور الغرامات الكبيرة، والعقوبات المشددة، مع وضع قانون أو الترويج للقوانين المرورية المعتمدة والخاصة بهؤلاء وغيرهم، وبعدها يتم محاسبتهم، وتغريمهم وانزال العقوبات بهم، مع المنع التام من خروجهم إلى الطرق العامة وتقييد حركتهم ضمن مناطق محددة وبقانون، وأوقات محددة ،والتقليل من الاستيراد غير المبرر لتلك العجلات، فالقانون متى ما تم تطبيقه بقوة وحزم مع عقوبات وغرامات عاجلة وكبيرة، ب موازاة حملات بناء وأعمار وتثقيف للمجتمع وتجسيد لجميع معاني العصرية في البناء تكون هناك دولة قانون حقيقية مهابة، وتقل نسب التجاوز والاستهتار بأرواح الناس من قبل المنفلتين وبهذا تكون الحريات ضمن قانون لا يتعدى الأضرار بالآخرين كحق شخصي وحق عام.   

 

انور الموسوي

 

اسعد عبداللهاتذكر جيدا خريف عام 2013 حيث شاركت في التظاهرات المطالبة بحقوق الشعب، كانت تظاهرات عفوية لم تنظمها جهة سياسية، بل خرجت الناس من حجم الضيم والقهر الكبير الذي تعيشه، وكل مواطن يحمل مطالبه، فهذا الخريج العاطل الذي يطالب بعمل، وذلك العجوز الذي كتب لافته كبيرة يطالب بتوفير العلاج المجاني لكبار السن، وتلك المرأة مع صديقاتها يحملن اعلام العراق ويطالبن بتعديل نظام الحكم الى رئاسي، ومازال في ذاكرتي كلام رجل خمسيني قال لي: " انها ثورة جماهيرية وليست مجرد تظاهرات، لكن لم تصمد امام نفاق الاحزاب التي ستركب الموجه وستاتي هنا غدا".

لم تمر أسابيع طويلة الا ودخلت احزاب السلطة على الخط، وتحول مسار التظاهرات الى ما ينفع الاحزاب المتنافسة!

كانت حسرتي كبيرة على اجتياح النفاق لساحات التظاهر، وقررنا انا واصدقائي ان نتوقف عن المشاركة، لأنها اصبحت تظاهرات لخدمة جهات معينة، تنطق بفكرة الرمز الاوحد وما يشتهيه، ولنفهم لاحقا اللعبة الخبيثة في تبادل الضغط لتعظيم المكاسب.

اصبحت ساحات التظاهر في بغداد عبارة عن صورة بائسة لا تعبر عن مطالب الجماهير، انما تعبر عن مطالب قادة الكيانات السياسية!

دعني احدثكم عن مخاوفي الان في عامنا الحالي (2019)، فهناك من يسعى لتسخير الساحات لمنافعه السياسية، مستفيدا من تجربة من سبقه من الاحزاب، حيث اعطى لنفسه المبرر للاستيلاء على الساحات، هكذا قررت الصنمية السياسية، وسيلبي عبيد الاصنام مسرعين للسطو على تلك الساحات، وسيعمل على صبغها بلون حزبه، في مزايدة سياسية واضحه، والاهداف كثيرة التي يسعى لتحقيقها، فمنها تسقيط زملائهم في الفساد، ومنها لبس ثوب النزاهة والشرف، ومنها انهم الوحيدين المطالبين بحق الشعب المظلوم، ومنها تسفيه وعي الامة، ومنها اشاعة ثقافة العبودية للأسياد.

ختاما: رهاني يبقى على وعي الامة، في ان تفهم مكر الساسة وبحثهم الدائم على اقامة اعراس للأصنام، وابرازها وتعظيمها حتى على جروح الوطن والشعب، ذلك الوعي الذي ننتظره ان يعري جهود اقطاب الفساد في العراق.

 

الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

العراق-بغداد

 

رحيم الخالديتُدار الدولة وفق نظام يسير شؤونها بأمثل طريقة ممكنة.. وتختلف هذه الأنظمة وفق الطبيعة التي تلائم مجتمعاتها وأعرافها، وهي مشتقة ومأخوذة منها، وتشريعها يتم عبر القنوات التي يسمح لها بتشريع القوانين، بإستثناء بعض الدول العربية وخصوصا دول الخليج.

هذه الدول فيها الديمقراطية منقرضة كونها تدار من قبل الأسر الحاكمة، ومثالها المحافظات الشمالية "إقليم كردستان" ضمن القانون الذي أقرهُ مجلس النواب العراقي، في بداية تشكيل الحكومة بعد إنتهاء دور التسلط.

لا يمكن مقارنة الدول التي تمتع بالكونفدرالية، مع فيدرالية الإقليم.. بل تعدت وزادت إثر التسامح الذي تبديه حكومة المركز في التعاطي معها.

بالأمس القريب وبعد نفاذ صبر الحكومة، إتخذ السيد العبادي قرار كان في محله، والزم الإقليم بالإنصياع لحكومة المركز، في إدارة المنافذ الحدودية والجباية والطيران، وإخراج القوات التي لا تنصاع لأوامر المركز، وإخراجها من محافظة كركوك، بعد إجراء الإستفتاء، متصورين أن تأييد إسرائيل سينفعهم..

لو أجرينا مقارنة بما يجري مع الدول المتطورة التي تدعم الديمقراطية، لرأينا العجب.. حيث يستعمل الاقليم العنوان، ولا يلتزم بالمحتوى!

كمثلٍ تتمتع مقاطعة كيبك الكندية بصلاحيات كاملة في المجالات الداخلية مثل التعليم والصحة والبلديات والشرطة، بينما تتقاسم الصلاحيات مع الحكومة الفدرالية في مجالات الزراعة والموارد الطبيعية والضرائب، في المقابل تنفرد الحكومة الفيدرالية بمجالات الدفاع والسياسة الخارجية، حيث تتمتع حكومة كيبك بحق إختيار مهاجرين للإقامة في أراضيها، وهؤلاء يحصلون على التأشيرة من السفارات الكندية، بموجب تزكية من مفوضية كيبك.

هنا يأتي السؤال المحيّر، هل الإقليم فيدرالي كما هو منصوص عليه بالدستور؟ أم هي دولة منفصلة وخارج السياقات ولا تنتمي للعراق؟ أم أن هنالك أمر لا يعرفه المواطن.. وبات من حقه اليوم المعرفة؟ الإقليم يأخذ ميزانيته من نفط الجنوب، وكما هو معروف لدى الكل، وهو نص مدون في الدستور، أن النفط ملك الشعب، ولا يقبض هذا الشعب منه سوى العوادم، وباقي الآثار التي تسبب الأمراض إضافة لتلوث الأجواء، والفقر المدقع الذي يعيشه مواطن الجنوب، حاله حال بقية المحافظات .

دخل الإقليم بمجال ليس من إختصاصه، وليس من مشاريعهِ التي يتبناها فعلا، بل من خارج العراق، وهذا منحه مجالاً أكثر من حجمه، وعلاجه ليس مستعصيا، ويحق لحكومة المركز محاسبة أيَّ شخص كان، مهما كان منصبه وأصله وفصله وبالقانون، وإلا فهو العبث بعينه، وهذا يدل على ضعف أداء الحكومة الإتحادية.

المداخلة التي نقلتها القنوات لجلسة البرلمان، حول الموازنة وتصدير نفط الإقليم، والأموال المقبوضة سابقاً وحالياً، مع الأسف كانت مخيبة للآمال، من حيث تفاعل النواب معها.. وكأنها لا تهمهم وهم بعنوانهم يمثلون الشعب، الذي وضع ثقته بهم، وهذا يأخذنا لنتيجة واحدة لا غيرها، من أن هنالك إتفاقاً في الكواليس قد تم إتخاذُه دون علم الشعب، من باب (فيد وأستفيد).. وعلى هذا المنوال يبقى النفط نهباً للشخصيات والعوائل ...

الحكومة اليوم ننتظر منها تفعيل دور المحاسبة، وعدم خلط الأوراق وصنع هالات إشغال لصرف النظر عن المشاكل الأصلية، كذلك الدور الرقابي من المعارضين لفتح كل الملفات لنكون بالصورة، وبالخصوص مسألة الإقليم، وباقي الملفات المتعلقة بسرقة الأموال وتهريبها، والنفط والكهرباء، وإلا فلا يمكن المعالجة، وستغرق السفينة بمن فيها، وهنا الكارثة، وأمّا الإقليم فَهوَ خارج مِنطقة التغطية ...

 

رحيم الخالدي

 

فيصل غازي مجهولبعثوا إلينا رسائل، نسمِّيها الآن قديمة، مَن نحن؟ ليس أمراً مهماً.. وهل كان الجوابُ يعني شيئاً لهم.. لي.. لك.. لنا..؟! حياتُنا كلُّها أسئلةٌ كثيرة، وأجوبةٌ أكثر.. أو لا جواب.. وهذا بعضٌ من الأجوبة:

إلى:

العظيم أبي العلاء المعري

"إنَّ الشبيبةَ نار".. بادَرنا بها أموراً، وجاءَ مَن يُطفي..

حيرة دائمة "يا ليتَ شعري ما الصحيح"؟

"اثنانِ أهلُ الأرض" وما إن يظهر الثالث

حتى يختفي. ويعود الاثنان.

"تلوا باطلاً..." وما نزالُ نقولُ "نعم"،

نعم.. "في كل جيلٍ أباطيل يُدان بها"،

وقد "مُلَّ المقام".. ولا بديلَ..

لا بديل.

مدني صالح

لم يَفُتكَ شيء، فالفقراءُ هم الفقراء.. المغلوبون.. الضعفاء..

فقراء "يخدمون الأغنياء في السلم ويدافعون عنهم في الحرب"..

"نفطيون يخدمون الذريين في السلمِ ويتقاتلون نيابةً عنهم حمايةً لاحتكاراتهم في الحرب".

"ولا أرقى في نظرِ التاجرِ مِن الفلسِ إلا الفِلسين"..

وما تزال أطرافُ الدولار تُغري أكبر المثقفين.

يسوع

أعطيتُهم خدَّينِ، بحسب وصيتِك، فلم يكتفوا

فأوَّلتُ الوصيةَ إلى آخرِ ما تحتمل من التأويل.

يزدادون مع الأيام شدةً وقسوة وتسلطاً، وأزداد صبراً وقوة وقناعة.

وبينَ ظهورِ حقيقةٍ ونهايةِ رهان.. يكتفي من يُحبك بأنه يثق بك.

مُحمَّد

لم يظن المرءُ بل تيقَّنَ "أنه عَلِم"،

فكيف يكون جهلُه إذن؟

طرفة بن العبد

بلا ثلاثٍ أو أربع هُنَّ من عيشة الفتى

"وحقِّكَ لم أحفلْ متى قامَ عوَّدي".

عند كلِّ قومٍ "متى ما تُعلَ بالماء تزبد"

علناً فرحاً متعةً نفعاً.. إلا عند قومك يا ابن العبد!

ويكرون كَسِيدِ الغَضا المتورد،

لا إكراماً لضيفٍ ولا نجدةً لمستنجد..

بل تملقاً لِأتفَهِ متسلطٍ غالب.

ولن يُخطئ أحداً.. "لكالطول المرخى وثنياه باليد"…

محمد فاضل

شركة مأساة...

ندخل فيها ونخرج منها،

وفيها ومنها.. صدق وفن وحقيقة وخبرة ووفاء...

وأشياء أخرى مدفونة في القلب وفي العقل.

المتنبي

أصبحت الصغارُ التي "تعظُم في عينِ الصغير" كتباً

وبحوثاً وألقاباً ومناصبَ وجوائز ومؤتمرات وندوات...

هل أستمر؟.. كلا..

فهي كيفما كانت "تصغر في عين" مَن تعرف.

عنترة بن شداد

جُبناء هُم بلا عبلة

ليتهم كانوا يحبونها مثلك

فيكون مكانها "مكان الروح من جسد الجبان".

أبي نواس

"إذا أمكن الجهر".

في زمانك كان الجهر أيسر!

برتراند رسل

عندما كتبتَ عَلناً

قال كثيرٌ من الناس سراً "لماذا نحن لسنا متدينين"؟

وبينَ السرِّ والعلن أشياء كثيرة

يُعلنها ويكتمها أصحابُها في أمم حرة ومستعبدة.

طه حسين

قد حظيتَ بمحكمة

لأنكَ كتبتَ "في الشعر الجاهلي"

تمناها كثيرٌ ممن نُفذ بهم حكم

بلا كتابةٍ أو قول أو رأي... أو محكمة.

علي الوردي

بعد رحيلك ازداد "وعاظ السلاطين"

عدداً وتفاهةَ أسلوبٍ.. ومكانة

ويومياً تتجدد "مهزلة العقل البشري".

محمد عبد الوهاب

سألتَ: "كل ده كان ليه"

وأجبتَ: "من غير ليه"

عظيمٌ أنتَ بين السؤال والجواب

وعظيمٌ أنتَ بلا سؤال أو جواب.

جلجامش

لم تُجبنا الآلهةُ عن سؤال أمِّك،

وبقينا مضطربين غير مستقرين..

قلقين سائلين بلا جوابٍ أو راحة.

***

د. فيصل غازي مجهول

 

جمعة اللاميسجن "نقرة السلمان" ـ شارع المتنبي .

 في 14 تموز 2019

رسالة من حكمة الشامي في شأن عام !

الى كلّ مواطن عراقي، يعرف حقوقه وواجباته حيال مواطنيه وبلاده، ويناضل من اجلهما، بقلمه ولسانه، وبترفّعه المبدع .

"ليس قبل العراق، إلا الله"

(جمعة اللامي)

.........................

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في البدء، أعرفكم على نفسي بنفسي: أنا حكمة الشامي، مواطن عراقي، ولدتُ في سجن نقرة السلمان. وغرضي في هذه الرسالة الخطيّة، أن أعرفكم بمن خلقني: إنه القاص، الروائي، والكاتب الصحافي، جمعة اللامي، أو: "جمعة عجيل درويش راشد اللامي "، السجين السياسي السابق، والموظف السابق بوزارة الثقافة والإعلام الملغاة .

جمعة اللامي، أكبر من أَيّ منكم عُمراً. وربّما، حين تكون هذه الرسالة بين أيديكم بشأنه، أو بصدد قضيته التي أطرحها عليكم الآن، يرجو لكم الفلاح في حياتكم العملية، ويتمنى على الله، أن يسعد أبناؤكم بأسمائكم، كما سَعد أبناء جمعة اللامي بوالدهم، الكاتب، والسجين السياسي في سنة 1963 لمدة اثنتي عشرة (12) سنة، خمس (5) منها حسب المادة 131 من قانون العقوبات العسكري، وسبع (7) من أجل كردستان العراق، حسب الفقرة (ا)  المادة (31/12) المعدلة من قانون العقوبات العراقي .

صاحبي – اللامي، موظف سابق بوزارة الثقافة والإعلام المنحلة، منذ سنة 1969، ثم استقال من الوظيفة في سنة 1980  برسالة خطيّة، احتجاجاً على الأوضاع السائدة في العراق في تلك الفترة، لاسيما بعد تقديمه إلى " محكمة الثورة " منذ سنة 1977 على خلفية مسرحية " انهض أيها القرمطي هذا عصرك " التي هزّت الوسط الثقافي في حينه، بناءً على أمر رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر، وخلفه الرئيس صدام حسين، بوشاية خطيّة من رئيس " جمعية المحاربين " خير الله طلفاح، الذي نشر مقالاً افتتاحياً بتوقيعه الشخصي في العدد (341) بتاريخ 4 تشرين الأول سنة 1978 بجريدة " المحارب " توعَّد فيه صاحبي اللامي، بتصفيته جسدياً، كما تم تصفية الشهيد " سلام عادل "  بـ " قصر النهاية " سيّء الصيت .  

1029 حكمة الشامي

وكان صاحبي – جمعة اللامي، يستنكف من المطالبة بأي حق من حقوقه المدنية، طيلة العهود السابقة، ولكن عندما حاصرته مجموعة الأمراض المستعصية، وفي المقدّم منها الفشل الكلوي الوبيل، وهو في بلدان المنفى، تقدم بطلب إلى وزارة الثقافة والسياحة والآثار، للحصول على حقه براتب تقاعدي، وعرض ما في جعبته من وثائق رسمية أصلية، وفي أرشيف نقابة الصحفيين العراقيين، لكي يثبت أنه مواطن عراقي، وموظف سابق في وزارة الثقافة والإعلام المنحلة. لكن هذا كله تمَّ تجاهله وإهماله، في " مكانٍ ما " بوزارة الثقافة الحالية، بطريقة لا يمكن تفسيرها إلاّ بكونها تحمل ثقافة وأخلاق الذين عذبوه، سجيناً وطليقاً .

يقول صاحبي – اللامي : " أنا أطالب بحقوقي التقاعدية، لأنني مواطن عراقي، أمرّ بفترة فاصلة في حياتي، حيث أنني مستوطنة أمراض مستعصية حالياً، ولا أريد أن  أترك عائلتي بدون مأوى وحياة كريمة على الكفاف، عندما يختارني الله إلى ملكوته، ولهذا أُطالب بحقوقي التقاعدية . ولكنَّ " المُتَنفِّذ " في ذلك " المَكانِ مّا " بالوزارة العتيدة، إختار ان يكون "مرضاً مستعصياً جديداً" ليس في جسدي فقط، بل ـ ايضاً، وصمة عار في حياة العراقيين، ينبغي تنظيف المشهد العراقي برمته منها " .

أنا لا اخلع صاحبي جمعة اللامي ... ابداً، بل أُثبّت حقوقه في رسالتي هذه إليكم، ولو تطلّب ذلك أن أنهض من لحدي، وأطوف على العراق من جهاته كلها، صارخاً بملء صوتي : "سيكون العار وصمة ثابتة في جبين من يريد الحاق الأذى بصاحبي جمعة اللامي ".

لذلك أدعوكم ـ اخوتي المواطنون، مجتمعين، وفرادى، من أجل الإنتصار لصاحبي، في نيل حقوقه التقاعدية، فتلك مسؤوليتكم أمام أبنائكم وعوائلكم، قبل أن تكون مسؤوليتكم أمام الله والعراق، لأنكم المواطنون الأحرار، الذي لا يبنيه مجدداً، حُرّاً وسعيداً، إلاّ أنتم .

 

حكمة الشامي

نقرة السلمان ـ شارع المتنبي

 

محمد ممدوحسؤال شغل بال المفكرين العرب منذ القدم، منذ اللاوجود، حيث لا حيث، يكمن جوهره فى الصيغة التالية.. هل تفنى الأمة العربية وتنقضى شوكتها وتذهب حضارتها سدى؟؟

 وعقب كل نكبة نُصاب بها يسود اليأس بين الجميع، مفكرين وعوام، مثقفين وأنصاف مثقفين، ليعتقدوا إجابة واحدة تحاصرهم من كل مكان، نعم إنه الفناء الذى لا مناص منه، فناء الأمة العربية..

 ولكن التاريخ يُكذب ذاك الاعتقاد ليولد للأمة العربية البقاء بعد كل إحساس بالفناء ويكتب لها النجاة بعد تدارك الغرق.

ويمور التاريخ مورًا وتدور دورته، تحاصر أمتنا العربية المشكلات والعواصف التى تكاد تقضى علينا، تلهث الألسنة بالدعاء .... ينخلع القلب .... يضطرب الفؤاد ... تخرس الألسنة ... يكتب المفكرون " خروج العرب من التاريخ " و"موت العرب إكلينيكياً " و" بيتنا الذى كان عربياً "، كلها كتابات تغذى الإتجاه اليأسوى وتنمى السلبية واللامبالاة داخل نفوس الجماهير، ثم عقب كل إحساس بالضياع نمر به، توهب لنا الحياة من جديد، ليعود المفكرون والفلاسفة يكتبون من جديد، يغذون الأرواح، وينمون العقول، ويرتقون بوعى الجماهير، يحدوهم الأمل نحو صناعة فجر عربى نهضوى وحدوى، فالوحدة قدرنا، تقدمت أو تأخرت، تباطئت أو تعاجلت، هى قدر الله المحتوم على هذه الأمة (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء92) هذا أمره سبحانه، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

عبر هذه الأزمات المتلاحقة لوطننا العربى، عبر مأساواته المتعددة، عبر تشرذمه وتفرقه وبالتبعية خواره وضعفه  وبالتبعية هوانه وذلته، تولد الصحوة الفكرية من وسط ذاك الشوك لتشق الظلمات بالنور، ولتقطع الشك باليقين، ولتمحو اليأس بالأمل، لتخرج أصوات الفلاسفة من واقعية اليأس إلى إمكانية الأمل، من ظلم الجهل والإحباط إلى نور العزيمة والعلم، لترسم لنا طريق النهضة من جديد، من واقع ظنه القريب والبعيد فناءً لا رجعة فيه للعرب،  وبعد ما أسموه  بثورات الربيع العربى والتى تركت أوطاننا خراباً وبواراً، وأعطت الفرصة على طبق من ذهب للقوى الاستعمارية القديمة لتدخل أرضنا من جديد بحجج قد تبدو مشروعة لدى البعض، يزينها بعض المرتزقة، يصورونهم بالمخلّصين، فهم بمثابة عيسى ابن مريم (ع) الذى جاء ليخلّص البشرية من إثم الخطيئة الأولى، هم طوق النجاة، هم الأمل للمستقبل.

وللأسف الشديد تجد هذه التبريرات من المرتزقة والمأجورين وأصحاب المصالح هنا وهناك صدى لدى العوام فيستغلوا جهلهم بزيف أباطيلهم، ويلعبون على أوتار الجهل والفقر والمرض بمثل ما تلعب القرود على أغصان الأشجار بمتعة وأريحية.

ووسط هذا الظلام الدامس، وبعد ظلمات بعضها فوق بعضها فى أرضنا العربية، يخرج صوت مفكر العرب مصطفى النشار الذى سبق ونادى بثورة ثقافية عربية تسبق وجوداً تلك الثورات السياسية، حيث تكون الثورة الثقافية خير وأبقى، ثورة عقول وفكر وفهم ووعى، لا ثورة فوضى وتخريب وإرهاب واستغلال، يملأ صوته كل ركن سطعت عليه الشمس العربية، مقدماً توصيفاً دقيقاً للمرض، لأسباب الغرق والفناء، ثم مبتكراً لآليات النجاة وأسباب البقاء، ليقول بلسان قوميته وثورية قلمه وجرأة فؤاده :" لن تفنى الأمة العربية، فهى لم تخلق للفناء وإنما للبقاء" .

ثم يقدم تشخيصاً دقيقاً مخلصاً لله وللوطن لأمراضنا العربية ممثلة فى عشرة أسباب قد تودى – لا قدر الله – بحياة العرب وأمجاد حضارتهم العريقة، قد تؤدى إلى فناء وجودهم، حيث غياب الإرادة الجماعية، الضمير الجمعى، الوعى المجتمعى الذى يدرك حقائق الأمور وحجم التحديات ويقدر المشكلات حق قدرها، هذه الإرادة وذاك الوعى المجتمعى يغيبان تماماً عربياً مما أدى إلى التفتت والتشرذم، ثم اتساع رقعة هذا التشرذم  ببأس ذاك التفتت عقب ثورات الربيع العربى حيث اللعب على وتر الطائفية وحيث العصبية البغيضة التى قسمت العرب إلى دول متفرقة بداخل كل دولة طوائف مختلفة، بداخل كل طائفة جماعات منقسمة على نفسها، ليكون المصير المحتوم تخلفاً وفناءً محققاً يغذيه التخلف الاجتماعى الذى يعوق الانطلاق نحو مستقبل أفضل ويزيد تفتت الدول العربية ويقتل تماماً فكرة الدولة الفاعلة.

ولعل أبرز سمات الفناء فى وطننا العربى أيضاً غياب العدالة ومن ثمَّ غياب النظام وانتشار الفوضى، لأن العدالة تعنى الأمن المجتمعى العام للدولة وللأفراد، وغيابها يغنى انهيار منظومة الأمن داخلياً بطريقة أو بأخرى، خاصة أن المواطن العربى ينفعل لهذه المعانى الإنسانية منذ القدم، حيث تمتلئ نفسه قناعة بمقولة الإمام ابن تيمية (رحمه الله) :" إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة " وتستقر فى وجدانه آيات القرآن الكريم التى تحث على العدل (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(النساء58) كما تتوق نفسه شوقاً إلى السنة القولية والعملية للنبى الكريم (ص) فى تحقيقه للعدل فى أكثر من مشهد ورفضه (ص) لشفاعة أسامة ابن زيد (رض) فى المرأة المخزومية التى سرقت إقراراً منه (ص) للعدل وحرصاً على تحقيقه.

وفق هذه القناعات كلها لدى المواطن العربى خرجت ثوراته التى انقلبت خريفًا لا ربيع فيه مطالباً بالعدل، فكان شعار الثورة المصرية على سبيل المثال فى يناير 2011م، "عيش، حرية، عدالة اجتماعية "، وحيث غاب العدل عربياً حيث تفقد العروبة جزءً عزيزاً من مكونانها النفسية والوجدانية وبالتبعية جزءً كبيراً من المصداقية لدى المواطنين.

وعلى إثر غياب العدالة يأتى الانهيار متتابعاً فى سلم القيم العربية الأصيلة، فبمقارنة بسيطة بين ما كان عليه الأجداد فى "فجر الضمير" وما أصبح عليه الأحفاد اليوم على أرض الواقع نجد انفصالاً شبكياً بين المثاليات الأخلاقية التى ابتدعها العرب وواقع حياتهم اليوم، انفصال تام بين النظرية والفعل، بين المثالى والتجريبى، الواقعى والطوباوى، هذه المثالية المغلفة فى ناحية، والقصور الفعلى عن واقعيتها من ناحية أخرى تهدم الوجود العربى ذاته، تقيم جداراً عربياً بين حضارات قامت من قبل على أسس أخلاقية استقاها العالم بأسره من أرضنا الطيبة، ومدنيات جوفاء، صماء، لا تعمل اليوم إلا على إشباع الجسد والخلو من كل مضمون.

ثم تستمر المأساة العربية فى أسباب الغرق ومسببات الفناء فى غياب الثقافة العلمية حيث غياب الموضوعية الفكرية بين المثقفين من ناحية، وجهل وعدم وعى يلاحق الأميين خاصة مع ارتفاع نسبة الأمية فى وطننا العربى من ناحية أخرى، ثم عدم تحقيق أدنى مصداقية من ناحية ثالثة حيث غلبة الأقوال على الأفعال، فنحن أمة تجيد الخطابة ولا تجيد الفعل، تجيد الحديث ولا تجيد العمل، والنهضة لا تُصنع بالتمنى ولكنها تؤخذ - بحد تعبير أمير الشعراء – غلاباً.

لعل المأساة الكبرى فى تلك المسببات كلها تعمد السياسيين إهدار طاقات الشباب وعرقلة حركة الأجيال سواء بإقرارهم لقوانين بيروقراطية تغذى روافد التخلف أو بتخاذلهم عن استثمار طاقات الشباب المعطلة وتوجيههم نحو ميادين العمل والانتاج بدلاً من تضييعهم عبر الجماعات الإرهابية والتكفيرية، وهى فكرة موضوعية وواقعية إلى حد كبير تفتقد إلى إرادة سياسية فى كل قطر عربى مخلصة لله وللوطن، لأجل صناعة نهضة عربية على أكتاف الشباب العربى، بأيد عربية لا شرقية ولا غربية، وحيث يكون استغلال الشباب تنمية لمهاراتهم وتنقيباً عن مواهبهم واستغلالاً لقدراتهم اللامحدودة من ناحية، وللقضاء على المشاعر السلبية التى تحيط بهم من ناحية أخرى حيث اللامبالاة والسلبية والانعزالية وتضييع الوقت وتعمد إهداره، وكلها آفات كفيلة بقتل البشرية بأسرها فضلاً عن تضييع وطن.

وكم كان المفكر مصطفى النشار واقعياً ومتصارحاً مع الجميع عندما كتب فى أسباب الفناء إهمال اللغة القومية التى نزل القرآن بلسانها تكريماً لنا (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف2) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء195) وكفى بهذا الإهمال للغة سبباً لتضييع انتماء وولاء أجيال متعاقبة تنقم على أهلها أنهم ولدوا فى أرض العروبة، فقد كان حلمهم – بوهمهم – أكبر من العروبة مع أن العروبة أكبر من كل شئ، ومن كل أحد.

آفة أخرى أعظم من كل الآفات السابقة، ولعل المفكر مصطفى النشار عمد إلى تأخيرها ليلفت الأنظار إلى واقعية أهميتها، وإلى أن كل الأسباب المتقدمة ما هى إلا نتيجة لهذا السبب، إنه تدنى مكانة المفكرين والعلماء العرب، وللأسف كان تدنياً مقصوداً حيث لم يعدم الوطن العربى المفكرين والفلاسفة على مدار التاريخ، ولكن ثمة انفصال بين الفكر والسياسة بسبب وجود ديكتاتوريات عربية لم تسمح بترك مساحة للتفكير، ولم تسمح بصوت للعقل يعلو فوق صوت القوة والبطش، هذا فى أسوأ الأحايين، وفى أحسنها عدم الإنصات للعلماء والمفكرين وعدم الاكتراث بإنتاجهم الفكرى والعلمى، بل وعدم الإهتمام بأشخاصهم انطلاقاً من مبدأ (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون6)

تلك هى الأسباب العشرة لغرق الأمة العربية عند مصطفى النشار،ليبقى التساؤل قائمًا.... تُرى كيف يكون الخلاص ؟! كيف يتم الانتقال من الفناء إلى البقاء ؟

 خمس آليات رئيسية تحقق هذا البقاء، والذى يبدأ أولى خطواته من بناء نظام تربوى وتعليمى جديد يخاطب العقل وينمى ملكات الذكاء والقيم الاجتماعية والإنسانية القويمة، تجديداً للبنية ومشتملاتها وبالتبعية تجديداً للمنتج الذى يقدمه التعليم ممثلاً فى خريج قادر على مواجهة التحديات، قادر على فهم واقعه وبناء مستقبله وتحديد غاياته والتفكير بعقلانية وإتزان، وهذا لن يكون إلا بتطوير البحث العلمى أيضاً للاستفادة من نتائج الأبحاث عملياً ولفتح آفاق بحثية جديدة ولبناء فرص واعدة للمستقبل عبر بوابة البحث العلمى، ومن ثمّ يتحول المجتمع إلى عصر اقتصاد المعرفة والذى يشمل البحث عن المعرفة، استرجاعها والتواصل مع من يمتلكون ناصيتها من أهل العلم والخبرة، واستيعاب المنظومة المعرفية الحديثة، حيث أصبح العلم مقياساً لتقدم أو تخلف الأمم، ولعل هذه النقطة بالتحديد مما أثارت انتباه القيادة السياسية فى مصر بدعوة منها إلى بناء عالم المعرفة وتنميته عبر المكتبة المعرفية الإليكترونية الكبرى، لبدء تصحيح المسار ووضعاً لقدم ثابتة على طريق النهضة.

هذه الآليات تقتضى ضرورة تجديد الخطاب الدينى وبعثه من رقدته، بعثه من عذاب القبر واللحية وقص الشارب وإسبال الإزار إلى قيم التقدم من عمل واحترام الوقت وإعمال للعقل ويقظة للضمير واحترام للآخرين فى المعاملات والسلوكيات وإذكاء للقيم الأخلاقية  الإسلامية الرفيعة من مراقبة وورع وخشية لله بالغيب وصدق وإخلاص ويقين، أى بعثاً من العرض إلى الجوهر، من الشكل إلى المضمون، وتلك قضية لابد من معالجتها جذرياً إذا أراد وطننا الحياة، لتتمكن بعد ذلك، بعد تنقية الخطاب الدينى من شوائبه وتصفيته مما يكدره ورفعه فوق النزاعات الطائفية والعنصرية والعصيبة، من إقامة وحدة عربية تقوم على الأخوة المشتركة فى الإنسانية والقومية والدين واللغة، بحكم الجغرافيا والتاريخ، بحكم الواقع، وبحكم الماضى والمستقبل، ليكن اسم تلك الوحدة ما يكون، المهم جوهرها وليس شكلها .... مضمونها وليس إطارها الخارجى .... مصداقيتها وليس شعاراتها .... فبتلك الوحدة فقط تكمن نجاة هذا الوطن، وبها يكون بقاؤه بقاءً سرمدياً إلى أن يشاء الله.

هذه الرؤية التى يقدمها مصطفى النشار فى كتابه القيم " الأورجانون العربى للمستقبل" والذى صدر عن الدار المصرية اللبنانية فى نهاية 2014م رؤية ذات واقعية ومصداقية فى التشخيص والتوصيف وذات قوة وصدق وجرأة فى المعالجة، وأظنها قفزت فوق سطح المستقبل استقراءً لأحداثه واستنباطاً لشكله المحتمل، وتالياً قفزت فوق رؤى كثيرة قدمها فلاسفة عرب محدثون ومعاصرون آخرون، القاسم المشترك بين تلك الرؤى جميعاً هو حب هذا الوطن والإخلاص له، لكن يبقى لمشروع مصطفى النشار النهضوى العربى فضل الواقعية والتجرد والجرأة فى طرح القضايا ومناقشتها، ليضع ذاك المشروع بين أيدى قادة العرب، لينتهى دور الفلاسفة من حيث يبدأ دور الساسة، متى البداية، العلم عند الله وحده، (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل65) لكن يبقى اليقين كله، متى توافرت الإرادة والصدق متى توافرت النهضة، ويسألونك متى هى، قل عسى أن يكون قريباً، تأتى من حيث لا تشعرون.

 

د. محمد ممدوح على

 

صادق السامرائيالواقع العربي تطغى عليه الكتابات المأسورة بالدين، والتي تتناول موضوعاته وتكررها، وكأننا لا نزال في حالة تجمد وركود كالمومياءات المحنطة منذ أكثر من ألف قرن في أقبية الأجداث المظلمة.

ولا تكاد تخلو حقبة زمنية في مسيرة الأمة من إعادة تدوير ناعور السلفية والأصولية والطائفية والمذهبية، وغيرها من التفرعات التي أوجدتها تفاعلات العقول المريضة مع النص الديني.

وكأن المسلمين لوحدهم عندهم هذه النزعات، بينما هي موجودة في كافة الأديان ومنذ أن إنطلق البشر بالوعي الديني بمستوياته وآلياته التصورية المتنوعة.

والديانات الثلاثة الرئيسية تتشابه في موضوعات السلفية والطائفية والمذهبية والفرق والجماعات، وما يتمخض عنها من سلوكيات متطرفة ومتوحشة بإسم الدين.

فالمشكلة ليست بالدين وإنما بالمفكرين والعلماء الذين توحلوا بالدين، وأنكروا الحياة وما إقتربوا منها بعقل علمي مبين.

فالمفكرون العرب والعلماء ومنذ قرون وقرون لم يتفاعلوا مع الواقع بأساليب علمية وتنموية للثقافة والمعرفة، وإنما تقوقعوا في كينونات تحوم حول الكراسي، وإعتبروا العلوم من حق الخواص أو النخبة كما نسميهم اليوم، وأنكروا على العوام أي عامة الناس العلم والمعرفة، وحشروا أنفسهم في المواضيع الدينية، فلا تجد عالما وفيلسوفا ومفكرا إلا وتناول الدين، وراح يدلي بدلوه في مواضيع تفسير وتأويل الآيات القرآنية،  والتركيز على ما يخدم الكرسي ويؤمّن منافعه الذاتية، فينال من ذلك المكارم والمقامات الرفيعة لأنه قد صار قريبا من الكرسي العتيد.

وبسبب ذلك أسهموا بتجهيل الأجيال وحرمانها من العلم والمعرفة، وإنسحب ذلك عليهم فأصابهم الويل والعذاب، لأنهم بلا قاعدة شعبية ولا تابعين من عامة الناس، الذين أصبح من موجبات التسلط عليهم القبض على مصيرهم بالدين، فكان للمتاجرين بالدين دورهم في تأمين التأييد الجماهيري للكرسي الذي يستخدمهم إلى حين.

وترانا اليوم نكرر ذات السلوك الخطيئة الذي مارسه المفكرون والفلاسفة على مر العصور، وتجدنا نكتب عن السلفية والفرق الدينية ونحاول أن نبرر ونفسر أن الذي أصاب الأمة ويصيبها بسبب الدين، وكأن المجتمعات لا يشغلها في الدنيا إلا الدين، ففيه الحياة والممات.

إن الإقتراب النافع عليه أن يبتعد عن هذه الهذيانات التي لا تفيد بل تضر، لأنها تدفع إلى مواقف دفاعية وتعزز التمسك بما هو خائب وبائد، فعلينا أن نركز على المنطلقات العلمية المعاصرة اللازمة لبناء الحياة وصناعة المستقبل، ونهمل الكلام في الموضوعات الدينية والتنظير والتحليل الغاشم، الذي في جوهره يساند ما يتصدى له ويمنحه آليات بقائية وتنموية وتوظيفية تؤهله لتجنيد المزيد إلى جانبه، فالإهمال هو الإقتراب الأنجع، والتركيز على إكتساب مهارات صناعة الحياة وتطويرها وتنمية قدرات الأجيال وإطلاقها لكي تساهم في مسيرة العصر المنيرة، هو الأكثر نفعا وقدرة على بناء الواقع الإنساني السعيد.

وعليه فأن المطلوب من المفكرين والمثقفين العمل على تغيير وجهة الخطاب التنويري نحو الإيجابية، ومهارات صناعة الأمل وتزويده بوقود التفاؤل والإنطلاق إلى قادم سعيد، وبهذا سيتمكنون من إنشاء تيار معرفي يزداد قوة مع الأيام.

ولا يمكن إنقاذ الأمة من مستنقعات التضليل وآفات البهتان وسلوكيات الإنكسار والخسران، إلا بالوصول إلى تيار تنويري يجري في ربوع الأجيال كالنهر الدفاق المولد للحياة الإنسانية الحرة الكريمة، التي تحترم العقل وما فيه من رؤى وتصورات ومعتقدات، وتحسبها زينة الدنيا وعدتها للنماء والرقاء الحضاري الخلاق.

فهل يمكننا أن نصنع تيار نور تستنير به الأجيال، وتبتعد عن أجيج النيران والإمتهان؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

محمد العباسيمنذ إنطلاقة حركات الربيع العربي الذي لا يمت للربيع بشيء لا من قريب ولا من بعيد.. وهنالك حالات من من البؤس والخراب تطل علينا عبر الشاشات والأخبار.. بدءاً من الوضع في ليبيا واليمن وسوريا.. وأضم معها الوضع في العراق على يد الدواعش من ناحية والمجازر الطائفية التي لا يتوانى عنها الحشود الشعبية ضد أهل العراق من السنة من ناحية أخرى.  فمنذ 2011 وقنواتي التلفزيونية "متسمرة" على المحطات الإخبارية.. وكل يوم أطمع في سماع أخبار عن إيجاد الحلول وإنتهاء الصراعات وتوقف المجازر.. لكنها ذات الأخبار وذات العذابات تتكرر كل يوم!

مشاهد القتل والدمار هي جل المشاهد.. جثث الأطفال تحت الركام.. بيوت تتساقط على العوائل.. براميل متفجرة وأحياناً حتى الألغام البحرية الصدأة تنهمر على رؤوس البشر من السماء.. صواريخ ارض-أرض وقذائف وقنابل عنقودية وفراغية وطائرات حربية تقصف بلا هوادة.. صور شتى لكافة فنون القتل وكأنما البشر مجرد حشرات زاحفة على الأرض لا حقوق لها في الحياة.. ومن بين كل المواقع والحروب الدائرة أقف مذهولاً مما يحدث في سوريا بالذات.. فالجيش "العربي" السورى (أو لنقل ما تبقى منه) يقصف أهل سوريا دون وازع من ضمير.. والقصف يطال كل شيء وأي شيء على الأرض، ولا يفرق بين البيوت والمستشفيات والمزارع والأسواق طالما يقطنها بشر ويتحرك في طرقاتها الأطفال والنساء والشيوخ.. بل وحتى الحيوانات!

في كل قرية ومدينة يتم قصفها وأريافها نجد مجموعات من المتطوعين يحفرون بأيديهم العارية بين الصخور والطوب بحثاً عن الضحايا، الأحياء منهم والأموات.. إنهم رجال الدفاع المدني الشعبي السوري.. فبعد كل عملية قصف على الدور والمستشفيات يتراكض هؤلاء الأبطال بلا هوادة للتنقيب عن الضحايا بين الركام والغبار والأتربة، لعلهم يجدون من يتنفس بين الحجارة والأسياخ وكتل الإسمنت التى تطمر عوائل بأكملها.. لعلهم بين العشرات ممن قضوا يجدون قلباً لا يزال ينبض بين الركام.. ومعها تتعالى نداءات "الله أكبر".. فيستخرجون من بين الحطام أطفالاً تهشمت أضلاعهم الغضة ونساء تقطعت أوصالهن وشيوخ تلاشت ملامحهم.. وأحياناً لا يجدون سوى أوصال وبقايا جثث وأحشاء دامية ملطخة بالتراب والأوحال.. مناظر تقشعر لها الأبدان.. ولن يتحمل مشاهدتها أقوانا عزيمة وأشدنا بأساً.

هؤلاء هم بحق الشجعان ممن وهبوا حياتهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بين براثن الموت وجنون المعارك.. هؤلاء هم بحق الملائكة.. ففرق الدفاع المدني التي تعمل في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة في سوريا تعمل بمنهجيةٍ مختلفة عن الفرق الأخرى (النظامية) وتقاليدها في دول الجوار والعالم، والتي يعمل أغلبها في ظروفٍ طبيعيةٍ ويستجيب للكوارث فور وقوعها..  ففي سوريا ومنذ الأيام الأولى من ثورتها الشعبية ضد النظام فإن حالة فقدان الأمن هي الصفة الملازمة للعمل هناك، فكثيراً ما تسقط قذائف النظام وبراميله أثناء قيام رجال الدفاع المدني بانتشال جثث الضحايا الأبرياء، ليسقطوا هم أيضاً قتلى فوق جثث من يحاولون أن ينقذونهم.. فهؤلاء المتطوعين هم رجال وشباب تخلوا عن وظائفهم وجامعاتهم وانخرطوا في هذا المجال القاسي لعلهم يقدمون قليلٌ من العطاء لوطنهم، دون أية أطماع في مكاسب مادية أو شخصية، ولا تغطيهم تأمينات صحية ولا حتى يتقاضون الرواتب في أغلب الحالات.. جل همهم أن يكون لهم دور في الحياة بين براثن الموت المحيطة بهم.

رجال الدفاع المدني الشعبي في سوريا هم الجنود الحقيقيون على الأرض.. فهم يعملون في أخطر مكان في العالم..  فإلى اليوم تعتبر البراميل أعظم قاتل للمدنيين في سوريا.. عادة تكون عبارة عن براميل قديمة وصدئة محشوة بالمتفجرات، المسامير، الزجاج، شظايا القنابل وفي بعض الأحيان حتى رؤوس الفؤوس أو المواد الكيماوية مثل غاز الكلور وغيرها من السموم.. وتأتي البراميل بأشكال متعددة، باستطاعة أكبرها والذي قد يزن 500 كغ أن يدمر منطقة يبلغ حجمها مساحة عشرة أبنية.. وعادة يتم إسقاط هذه البراميل من هيلوكوبترات من علو أربعة أميال دون تركيز أو هدف محدد، لتصيب بشكل عشوائي المدن والقرى دون أدنى مبالاة لمن تسقط على رؤوسهم.. بل يقول السيد "دندر ساهين" مدير معهد أكوت للتدريب والأبحاث : "حتى تستطيع فهم الضرر والتهديد والدمار الذي تخلفه الكارثة بدقة في سوريا.. إنهم يعانون ما يعادل زلزال بقوة 7.6 يحدث خمسين مرة في اليوم".

تخيلوا معي أيها الأعزاء تحت أية ظروف يعمل هؤلاء.. فوالله كل واحد فيهم يستحق عن جدارة جائزة "نوبل" للسلام.. فهؤلاء الأبطال هم أحوج الناس للدعم والسند والتدريب والإعداد والتشجيع.. بل هم بحاجة ماسة لجلسات علاج نفسي تعينهم على تحمل ما لا طاقة للبشر العاديين منا التعامل معه كل يوم من أهوال ومناظر مرعبة.. هؤلاء هم بحق الجنود المنسيون الذين يضحون بالغالي والنفيس من أجل الآخرين.. فمع بداية حملة البراميل المتفجّرة في نهاية 2013 وهم يعيشون الموت في كل لحظة.. حيث يبدأ القصف منذ الساعات الأولى في الصباح وقد يستمر حتى ساعاتٍ متأخرة من الليل.. ومعها يعايشون وجوه أهالي المدينة الضحية حيث تمتزج فيها جميع ألوان الطيف من الخوف والهلع والأسى والترقب لمزيد من الدمار.. وهم مستمرون ولا يتوانون عن العمل بكل إخلاص، وإن كانت عمليات القصف قد خفّت في السنة الأخيرة لكنها لم تنتهي بعد.. وعزائهم في كل ذلك أن يجدوا بين الأنقاض بعض الأحياء.. أو أشباه الأحياء.. أو أمواتاً يتسنى لذويهم الصلاة عليهم وإكرامهم بسرعة دفنهم ببعض الوقار.. قبل أن تنهمر عليهم المزيد من صنوف أسلحة الدمار!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

حسن حاتم المذكور1- كانت لنا ثورة، وزعيم، نزيه كفوء مثقف وشجاع، بيته مكتب في وزارة الدفاع، وسرير يفترشه ليلاً على ارضية المكتب، ومطبخه (سفرطاس) تبعثه اخته، كان في ظلام النظام الملكي الطائفي، يغزل في خلوته ثورة لتحرير فقراء العراق من كوارث العوز والجهل والأذلال والأوبئة، فأيقض صمت البركان العراقي، ثورة تموزية، اعادت بناء دولة كاملة السيادة، وحكومة تبني ولا تصرح، والعراقيون مشغولون بأكمال حلمهم، بعد اربعة اعوام فقط، استعاد العراق حقيقته، انجازات وطنية، على اصعدة الحريات والأزدهار والممارسات الديمقراطية.

2 - تجمعت حثالات الداخل، في هجين ولا اوسخ منه، وفي قطار امريكي معبأ بقوى الشر والعمالة والخيانات الوطنية، قوميين عرب وبعثيين ومثلهم عشائر كردية، واحزاب ومراجع شيعية سنية، انفجر قطار الردة عن مجزرة شباطية سوداء، مدعومة بوحشية امريكية، واطماع انظمة جوار منحطة، وصفقات مشبوهة بين الغرب الأمريكي وشيعوعية الأتحاد السوفيتي انذاك، ادواتها سيافين بعثيين وقوميين عرب، وافتاء اسلامي مشبع بالغدر، واكراد متوحشين لصيد الغنائم، وخذلان حزب شيوعي بلا شيوعية، عملية اغتيال وطن، وتصفية زعيم وطني لا يتكرر، وحكومة وطنية لا تتكرر، وثورة وطنية ستتكرر.

3 - استشهد الزعيم الخالد، حاول الأراذل ان يجدوا ثغرة في شخصيته الوطنية، فوجدوا في جيب نزاهته دينار وربع الدينار، ومديونية تقدر بثلاثة دنانير، وحياة واحدة اهداها لشعبه ووطنه، ولو كان يملك اغلى منها، لأهداها لفقراء العراق، شهود عيان نقلوا عنه، عندما وجد نفسه وحيداً مع قلة اصدقاء منهكين، قال لهم اذهبوا لعوائلكم، وخرج يواجه موته، حليقاً وسيماً مبتسماً بأعلى درجات السمو والشجاعة، وهو في سيارة المتأمرين، وعلى الجسر ودع دجلة على موعد يعود عبر ارادة الأجيال، وليس صدفة ان يكون قبره في ما دجلة الخير.

4 - مفارقة طريفة: عندما هاجمت قوات البعث، ضريح الأمام الحسين في كربلاء، وافرغوا رصاص غدرهم في قبته، لم يدافع عنه مرجع او رئيس حزب شيعي واحد، ولم تسقط حتى ولو عمامة او ماسة عن خاتم ثمين، جميعهم هربوا واخفوا رؤوسهم تحت رمال التقية، ولو كان الأمر يتعلق في دسم الفساد، لرقصت وتمددت اللحا، لتشرب نصيبها من برك الفرهود، فأين الثرى من الثريا، وتلك الكيانات من زعيم كان للعراق.

 

حسن حاتم المذكور

 

عماد عليالوضع الاجتماعي الاقتصادي في كوردستان بشكل يمكن ان يدع اي متتبع يرى فيه ساحة واسعة تتعرض للعديد من ما يمكن ان يُسمى بالمؤآمرات السياسية الكبيرة من اي كان، وهو في حال وموقع ثقافي سياسي اقتصادي اجتماعي من درجة ضعف يمكن استغلالها بسهولة عند من له المصلحة في التاثير على وضعها وضمان ما يهمه في مستقبلها، وما هو الواضح جدا هو التدخلات المختلفة الاخرى وهي الاقتصادية الاجتماعية قبل السياسية لدى الكثيرين منةحولنا وفي الشرق الاوسط بكشل عام واستخدام قوى داخلية تابعة بشكل مباشر او غير مباشر لتنفيذ اجندات عديدة من قبل هؤلاء المتطلعين لتغيير كوردستان باتجاه ما يهمهم ويضمن لهم بقائها على ضعفها لنيل اخهدافهم.

اضعف واسهل فجوة لاستغلالها في تنفيذ الخطط من قبل المتدخلين هو الاسلام السياسي المرتبط تنظيما وسياسة وفكرا وفلسفة بالقوى الخارجية والافكار العامة الواردة منها من قبلهم مرتبطة باهداف ونيات خبيثة باسماء وعناوين براقة مختلفة.

من له دراية ومعلومات بسيطة عن تاريخ كوردستان الاجتماعي يعلم بانها كانت في ابسط حالاتها وان المجتمع فيها عاشوا بابسط حالاتهم ولكنهم كانوا محبي الحياة ومناضلين ومضحين من اجل تحسين وضعهم ومعيشتهم واستغلوا كل السبل لقضاء حياتهم بالرفاهية والسرور ببساطة جدا.

اما اليوم وبعد التغييرات الكبيرة في سلوك الناس واسلوب معيشتهم وبروز الوسائل الكبيرة للتلاقي والتواصل عدا تلك التظيمات الخانعة التابعة، حدثت تغييرات كبيرة في طبيعة حياة الشعب الكوردستاني وتفصيلاتها بشكل يُلاحظ مدى تاثير المتدخلين بشكل كبير وواضح على الفرد قبل العائلة والمجتمع. ان من يؤدي الدور السلبي في الواقع الاجتماعي هو الاسلام السياسي التابع لافكار وفلسفات واهداف قوى غير اصيلة ليست من الواقع الكوردستاني ولا يمكن ان تكون نابعة من الرحم الاصيل لهذا المجتمع، واستوردت من خلال تنفيذ هذه الاجتندات والسياسات ونشرت كمجموعة من العادات والتقاليد المظهرية وليس لها علاقة بالموجودات الجوهرية التي لا تهم المصدرين، وهي اصلا لا تتوافق مع جوهر المجتمع الكوردستاني واصالته.

لو دققنا كثيرا وبشكل علمي عند تقييم الواقع الاجتماعي ومقارنة التغييرات التي حدثت بشكل يمكن ان تُعتبر حدث مفاجيء على ما يتسمه هذا الشعب الاصيل، فاننا نلاحظ تغيير نظرة المجتمع للحياة بتدرج دون ان يلمس بنفسه هذا وهو يتعايش في الواقع المتغير، فانه كان محبا للحياة ويعيش بكل ما يملك محاولا بكل ما يتمكن ان يكون بسيطا ومستغلا فترة حياته ليكون مسالما وامينا لما يؤمن. اما التغيير الذي حدث فانه تاثر بما ورد واصبح لا يبالي بالاصالة وما كان عليه اجداده من الخصال والسمات والصفات الحياتية البسيطة المؤمنة بما يعيش فيه، بل تاثروا بهذه الافكار السوداء وما اكثرهم تركوا الحياة بكل ما فيها ويعيشون لما فُرضت عليهم من الفلسفة البائسة والالتزام بالغيب والخيال بعيدا عن حياتهم اليومية، اي اصبحوا فقط اجسادا وماتوا فكرا وعقلا وغابوا عن المجتمع ولم يحسوا بالحياة وما فيها. فان المؤثر الاول والاخير بعد الظروف الاقتصادية والاجتماعية البائسة والازمات الكبيرة هو الاسلام السياسي الموجه للناس ويامر على من يتمكن بان يعيشوا للاخرة ويتركوا الحياة على عكس اجدادهم بينما المستفيدين يعيشون في ترف وابهة حياتية على عكس ما يدعون. وهم مسؤولون عن تغييب العقل الكوردستاني الاصيل والخصال التي تمتع بها هذا المجتمع، واحلوا بدل منها المستورد من الخرافة والغيبيات لدى الاطفال والشباب قبل البالغين الكبار. ومن المؤسف ان يواكب ثقافة الموت مع العنف والقتل والتشديد على التعصب الفكري الديني غير المالوف وغير المسبوق في كوردستان. والمشكلة الحقيقية هي انهم يدعون امتلاك الحقيقة وينفون اي فكر او فلسفة اخرى مخالفة ويقدسون ما يؤمنون وبادعاءات خيالية مستغلين الوضع الفكري الاقتصادي السياسي الضعيف في كوردستان، اضافة الى تدني الثقافة العامة لدى الشعب، ومهددين من يخالف ما يؤمنون بالموت والنحر والحرمان من الحوريات والملذات المحرمة الموجودة في حياة اليوم وهي مجانية ومحللة في الجنة الموعودة لمن يتغير ويؤمن بثقافة الموت ويترك الحياة.

المشكلة الاكبر في هذه القضية الناسآوية التي يعاني منها المجتمع الكوردستاني هو الادعاءات الكاذبة الكثيرة التي يدقونها ويفرضونها في عقل الفرد، واسهل الطرق هو استغلال النصوص التي يفرضونها ويدعون تقديسها بما يشاؤون ويفسرون ويدعون عدم الامكان بقبول غيرها وياتون بها من الكتب المقدسة ويؤولونها وفق مزاجهم ومصالهم واهدافهم، واول المهام هو الضغوطات على من يتبع على تركهم للحياة وايمانهم المطلق بالاخرة والغيب والموت، وبه ينشرون ثقافة الموت وترك الحياة بين الشباب وبه يموّتون الحياة لدى المجتمع، ويرسخون لدى المقتنعين القناعة بان الموت على تلك العقائد التي يفرضونها بالترغيب او الترهيب بانه افضل من هذه الحياة التي يعتبرونها فانية وان الموت الجميل للمؤمن بما يؤمنون سيؤدي الى حياة رفاهية سعيدة دائمة في الاخرة. انها حقا اكبر المشاكل والقضيا والتي تؤدي الى الموت الجماعي من خلال التاثير والتخدير للعقل وتحويل الانسان الى الة بعيدا عن التغيير مؤمنا بفكر وفلسفة واحدة وهي انتنظار موته، هذا ان لم يؤمروا هؤلاء المؤمنين والمقتنعين بتلك الافكار على الانتحار من خلال عمليات عسكرية سياسية ارهابية من اجل اهداف حياتية لمثل هذه الجماعات الضالة الخارجة من قانون الحياة.

اما المسؤول عن هذه الظاهرة الغريبة ونشر ثقافة الموت ليس الاسلام السياسي فقط وانما الحكومة الكوردستانية والفساد المتفشي من قبلها والاحزاب معها، اضافة الى التدخلات الخارجية عن طريق الاسلام السياسي وحتى الاحزاب والتنظيمات المسماة بالعلمانية لاهداف سياسية خارجية لا تمت بصلة بمصلحة الشعب الكوردستاني، مع الوضع الاقتصادي المزري الذي يفرض على الفقير التوجه نحو الغيب والخيال لانقاذ نفسه من الحال التي يعيش فيها وافضل الطرق هو التخيل المنعش للروح بتوفير المال والجنس والماكل والمشرب المجاني في حياة لا نهاية لها وبابسط الطرق والوسائل هو ترك هذه الحياة والرحيل الى الاخرة عقلا وفكرا ومعيشة.

 

عماد علي

 

قالوا في التعليم، إن" مهمة المعلم أن يزرع الصحراء، لا أن يقتلع الحشائش الضارة من الحقول "وقالوا أيضا" إذا كنت تعتقد أن التعليم باهظ الثمن، فلتجرب الجهل"، ففي لوكسمبورغ يصل متوسط راتب المعلم إلى 73 ألف دولار سنويا، وبنسب أقل في كوريا الجنوبية (34 ألف دولار)، والمانيا (46 الف دولار) وهي أعلى من مرتبات اﻷطباء والمهندسين بحسب منظمة التعاون الاقتصادي الدولية، فيما يتقاضى المعلم العربي بإستثناء دول الخليج ادنى الرواتب بوجود أزمات السكن والمواصلات والصحة والكهرباء والنتيجة هي مصانع لتفريخ العلماء والمخترعين والمكتشفين وبمختلف التخصصات في الدول اﻷعلى أجرا للمعلمين، مقابل مصانع لتفريخ الجهلة في الدول التي تتعامل مع شريحة المعلمين على أنهم اﻷدنى مرتبة واﻷقل مرتبا !

قبل بضعة أعوام جاءتني اﻷولى على دفعتها بعلوم القرآن الكريم في إحدى الكليات راجية كتابة كلمة تهنئة لها بالمناسبة وأثناء تجاذب أطراف الحديث معها واذا بها ﻻتفرق بين الإدغام والإقلاب، وﻻ بين الترقيق والتفخيم في أحكام التجويد والتلاوة مع إنها تعد الف باء علوم القرآن يعرفها أصغر طويلب علم في الكتاتيب يومها سألت نفسي " ترى كيف ستُدرس هذه الطالبة اﻷولى مادتها وماذا ستضيف لطلبتها اذا ما أصبحت معيدة في كليتها أو مدرسة لمادة التربية الاسلامية في المرحلتين المتوسطة أو الاعدادية بذات الإختصاص؟ ماذا لو أنها سئلت من قبل طالباتها عن أحكام الناسخ والمنسوخ، المحكم والمتشابه، المكي والمدني، أسباب النزول، معاني الكلمات وتفسير اﻵيات، الفرق بين التفسير الموضوعي والتفسير بالمأثور، إعراب القرآن؟ ماذا لو سئلت في القراءات السبع أو العشر، المجمل والمفصل، المطلق والمقيد، عن قصص القرأن وأمثال القرآن وأحكام القرآن وإسقاطها على واقعنا المعاصر مدلهم الخطوب؟ ﻻحظ أنا هنا أتحدث عن اﻷولى على دفعتها وليس عن ناجحة من الدور الثالث بالواسطة أو عن راسب للسنة الثالثة بنفس المرحلة وﻻ عن ناجح بالغش الورقي أو الالكتروني!

ما ذكرته يفسر لنا جانبا من المأساة التعليمية والتربوية في العراق ولماذا بلغت نسبة رسوب الثالث المتوسط لهذا العام 2019 أكثر من 60 %، فيما إكتفى بعض التربويين بالتبجح بأن النسبة وبرغم تدنيها هي أعلى من العام الماضي مقارنين بذلك بين العام الدراسي الفاشل باﻷفشل، بينما شرع عدد من النواب كعادتهم للتخلص من المأزق أو لغرض التشهير و التسقيط أو الضغط السياسي فضلا عن عشقهم للظهور الإعلامي بتقديم طلب لإستضافة وزير التربية وكالة ولما يتسنم الرجل منصبه هذا قبل 3 أشهر لا أكثر فأنّا لهم أن يحملونه المسؤولية أو يستوضحون منه عن اﻷسباب والتداعيات والقضية برمتها بحاجة الى مراجعة شاملة لسجل التربية والتعليم كله منذ عام 2003 والى كتابة السطور، فبعد ان تصدر العراق ولعقود قائمة اﻷفضل في مجال التربية والتعليم بنسبة أمية أبجدية بلغت صفر % بعد مكافحتها كليا أصبح اليوم يعاني من وجود 7 ملايين أمي ناهيك عن أنصاف اﻷميين وأرباع المتعلمين وأخماس المثقفين ؟!

ومن اﻷمثلة ايضا أن زميلا لي له باع في اللغة العربية سأل مدرسا في المرحلة المتوسطة عن أحكام المبني للمعلوم والمبني للمجهول فلم ينبس ببنت شفة ﻷن الكثير منهم إنما يراهن على مادة اﻷدب والانشاء - الدرخي - للنجاح بمادة اللغة العربية أما النحو والصرف فهذا - حقل الغام - بالنسبة للطلاب ومعلميهم على سواء لايقترب منه وﻻيخوض غماره الا النز اليسير منهم، عن المدارس الطينية والكرفانية والمدارس ذات الدوام الرباعي والثلاثي، المقاعد الدراسية الخشبية أم المسامير،دورات المياه التي لاتصلح حظيرة للخنازير، السبورات أم الطباشير المطلية بالبنتلايت اﻷسود أو الاخضر لتجديدها سنويا، وعن المساحة الاسفنج - مزدوجة الاستعمال - تارة لتنظيف اﻷواني والأقداح بعد الدوام، ولمسح السبورة خلاله، لن أتحدث ولايفوتني تكرار قضية - سطلة المسح - التي تتحول الى أداة لسقي المياه اثناء الامتحانات ثوابا - يعني هيج ثواب مليان جراثيم هم ماينراد - ناهيك عن غياب وسائل الترفيه في ساحات المدارس وأجهزة التكييف داخل الصفوف والفاعات - بطرك البنكة الهندية - علاوة على تكاليف المواصلات،ضيق ذات اليد الذي أجبر اﻻف التلاميذ على التسرب المدرسي لغرض العمل مبكرا ومساعدة ذويهم على أعباء الحياة بما يعرف بعمالة الاطفال،بعد المسافات،الاختنقات المرورية، اﻷوحال والمياه الاسنة وغرق الشوارع المؤدية الى مدارسهم شتاء، المشاكل اﻷسرية، انقطاع الكهرباء الدائم، الانشغال بالهواتف النقالة وألعابها " طالب بطول القزمة يحمل آيفون 6 !!".

والطامة الكبرى تكمن بهدم المدارس على يد مقاولين بنية إعادة بنائها ومن ثم " افتكرني، في لحظة حلوة، عشنا فيها الهوى "، و تغيير المناهج المستمر وغير المدروس من أجل ..أجل ماذا؟ طباعتها بملايين الدولارات دوريا بمطابع متفق على مناقصاتها سلفا بين البائع والمشتري، بروز ظاهرة الإعتداء على الكوادر التدريسية من قبل ذوي التلاميذ والتجاوز على إدارات المدارس، الظروف اﻷمنية المتدهورة في بعض المناطق، وكذلك قضية الطلبة النازحين داخل خيام النزوح، بروز ظاهرة المدرس الخصوصي واللجوء اليه لتحقيق النجاح على حساب الدوام والانتظام فيه من قبل المدرس الخصوصي والطلبة على حد سواء، كلها أسباب تراكمية أثرت سلبا على واقع التربية والتعليم بما لاينبغي إغفال أي منها وبأي حال من اﻷحوال، ﻷن النتيجة الكارثية هي اللجوء الى آخر العلاج المتمثل بالدور الثالث لترقيع نسب النجاح ضمن الإحصاء النهائي ليقال أن العراق حقق نسب نجاح كذا وكذا كما في كل عام دراسي نصفه حر وعطل واحتفالات وطنية ودينية، ونصفه اﻵخر " برد ورياح ومطر .. يتك تك على الشباك؟ هذا في حال وجود شباك سليم أصلا في المدرسة لم يتعرض لحجارة أبناء المحلة أو طابوق الطلبة الكسالى إحتجاجا على معدلات الرسوب !

 

أحمد الحاج

 

وداد فرحانشعر المرأة هو تاج مملكة جمالها وزينة انوثتها، وله مدلولاته في شخصيتها، تتباهى به في لحظات حياتها، ولا تفرط ببهائه إلا في الأحزان، عندما كانت العادة أن تجز المرأة ضفيرتها لفقدان عزيز.

واهتم الأدب العربي بشعره ونثره بالتغزل بجمال شعر المرأة، فقد احب العرب المرأة التي تمتاز بطول شعرها، الذي يشكل عنصرا مهما من عناصر جمالها، يقول إمرئ القيس:

غذائرها مستشذرات إلى العلى

 تضلّ العقاص في مثنى ومرسل

وأهمية الشعر عند المرأة وقيمته، لا يعرفها أحد أكثر منها، حتى أنها تتفحص انسداله وطوله على كتفيها كل يوم كأنه طفلها الذي تراقب نشأنه بين يديها. فهل تتخلى المرأة عن شعرها بسهولة؟

ربما يشاركني الكثير بالنفي، وهذه الحقيقة المتفق عليها بين نساء الأرض، إلا أنها تجاوزت الحقيقة عندما قررت خلع تاجها لتمنحه للأطفال المصابين بمرض السرطان.

إنها المرأة التي قاومت سر انوثتها من أجل بعد إنساني لا يفهمه البعض.

تقول ميرنا الشاعرة والانسانة "لأنه عزيز وغالٍ، رافقني كل عمري" تبرعت به.

هكذا شاركت الأطفال يوما بعث فيهم البهجة والأمل بالشفاء وهم يرون ميرنا بلا شعر تأسيا لفقدانهم له.

فكيف لهذا القرار أن يولد لولا التجرد المنفرد من ماديات الحياة وجمالها، لنوهب جمال الروح لهؤلاء المرضى، وهي تمشي الهوينا معهم كأنها  بضعة أمل بالشفاء، وما يدريكّ لعلها غيرت في كيميائية الأطفال نحو الشفاء.

لقد هوّنت الغربة عليهم وبفخر قالت:

”قصصته لأمشي مع المرضى جنبا إلى جنب ولنشعر معا أننا نحمل تيجانا على رؤوسنا".

تخلت ميرنا عن تاج رأسها لتزينه بتاج الإنسانية الذي لا يصدأ ولا يزول.

 

وداد فرحان - سيدني

 

عباس علي مرادليست رسالتي أن أتيكم بشيء غير حقيقي. رسالتي هي أنتم. وإيمانكم وعملكم يثبتان إن إيماني بكم كان في محله (سعادة)

هذه رسالة من آمن ان التحرير يبدأ بالانسان والاستثمار به، لان العقول المستعَمرة والمرهونة لا يمكن ان تبني أوطاناً.

لماذا نستذكر سعادة ومسيرته ، ولماذا يجب ان نعود الى فكره وعقيدته وننهل منهما وما عسانا نقول في من استشرف ما يحدث  ويثبت صوابية رؤيته؟

ادرك سعادة مُبَكِّراً ان الامة السورية تملك حساً بالوحدة، واراد ان يجنب ابناء أمته الفوضى والتمزق، فحذر من أسلوب زعماء  الطوائف،المذاهب القبائل والجهات (بشقيه الاجتماعي والسياسي) ومن خلفهم القوى الاستعمارية التي تتواطئ معهم وتستعملهم لتعزيز مصالحها من خلال خلق الاوهام في نفوس اتباعهم، لبسط وفرض سلطانهم السياسي الاجتماعي من خلال الاستثمار بالجهل، الذي نكب بلادنا بالويلات والحروب المذهبية والطائفية والقبلية والجهوية. ومثلاً ما زالوا يقولون عيش مشترك بدون بيع وشراء وتأجير وتزاور بين المواطنين في القرية الواحدة وبئس هكذا عيش!

اوليس سعاده من قال: في الوحدة الاجتماعية تزول الحزبيات الدينية وآثارها السيئة وتضمحل الأحقاد وتحل المحبة والتسامح القوميان محلها ويُفسح المجال للتعاو ن الاقتصادي والشعور القومي الموحد وتنتفي مسهلات دخول الإرادات الأجنبية في شؤون أمتنا الداخلية.

وأيضاً لقد أدرك سعادة ، ان مشروع إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين ليس من أجل تحقيق الاسطورة اليهودية على أرض الميعاد، بل هو مشروع استعماري يبغي السيطرة على مقدرات الامة وتفرقة أبناءها، ومع تقدم الايام بدأت تتضح الحقائق التي تدل على التخطيط المنظم للقضاء على كل ما يحافظ به المواطن في العالم العربي وسوريا الطبيعية على هويته وثقافته ووحدته حتى الاقتلاع من الارض، أي ان الصراع صراع وجود وليس صراع حدود. فيقول «المسألة الفلسطينية ليست مسألة إسلام ويهود، بل مسألة قومية من الطراز الأول» (الأعمال الكاملة، جزء 15: 145).

تمرد سعادة على الواقع السائد وادوات إنتاجه وبحث عن أدوات جديدة، اراد من خلالها تأسيس معرفة مغايرة كلياً تحرره أولاً، وتحرر أمته ثانياً، نتج ذلك عن الوعي الضدي بأن ما هو قائم وموجود لم يعد كافياً، لا بل أصبح عائقاً أمام تقدم الامة السورية وحلم أبنائها بسبب القيود الكثيرة وتمزق الهوية.

«إننا الآن أمام الأفعى ذات المئة رأس، لأن الأخطار التي تهدد كياننا وعمراننا من الشمال والجنوب والغرب والشرق كثيرة وعظيمة» (الأعمال الكاملة، ج 1: 400، عام 1933)

لذلك باشر سعادة وضع الاسس لمواجهة هذا المشروع المتكامل من خلال كتاباته وتوجيهاته وصولا الى تشكيل الحزب السوري الفومي الاجتماعي، الذي يعتبر الرد الاهم على هذا المشروع الذي ينافسنا على ارضنا وثقافتنا ووجودنا  حيث يقول: في الحزب السوري القومي الاجتماعي فقط نجد وحدة الشعب ولا يمكن أن ينشأ فيه مشكلة من هذا النوع من أجل مركز في السماء لم ينتدب الله أحدًا على الأرض ليقوم بالحشر والحساب نيابة عنه.

1948 في عين زحلتا الشوف  30 ايلول-) .. (سعاده)

كان سعادة على دراية تامة ووعي خالص، انه مهما كانت كلفة خيار المواجهة والتصدي أقل كلفة من خيار الخنوع والخضوع والاستسلام والتنازل، والشواهد على ذلك كثيرة، فعلى سيبل المثال لا الحصر فلسطين وما سمي بمسيرة السلام اين اصبحت ما عُرف بمسيرة السلام ومبادرة السلام العربية؟ التي تدرجت من الأرض مقابل السلام وحل الدولتين، الى السلام مقابل السلام، الى الوقت مقابل السلام، وغيرها من الشعارات التي رفعتها منظومة النظام الرسمي العربي والعدو الصهيوني،  وها نحن اليوم  امام ما سمي صفقة القرن صفقة الاستسلام والاذلال مقابل السلام والحفاظ على العروش وأي سلام مع عدو لا يعرف الا الاخذ. لانهم لا يريدون ان يعرفوا ان فيكم قوه لو فعلت لغيرت وجه التاريخ.

 

 وهذا ما يظهر بصورة متسارعة من السر الى العلن في المؤتمرات التطبيعية مع العدو واستبداله بإعداء مفترضين، خدمة لحكام دول الخليج وعروشهم الوهمية، او الاداة الاستعمارية التي رهنت نفسها وامكانياتها لخدمة المشروع الاستعماري بكل سيئاته، وبهذا الخصوص يقول سعادة :  إن حقيقة الأمم ليست رغائب عند بعض الناس، بل هي قواعد صحيحة عليهم أن يكتشفوها.

إن المنطقة المسماة الشرق الاوسط في أدبيات الاستعمار او الاستحمار كما سماه أحد الفلاسفة الجزائريين، والتي نجترها بوعي او بدون وعي، ومن ضمنها سوريا الطبيعية تغلي على مرجل الازمات والمؤامرات التي ترسمها وتنفذها  قوى الاستعمار الغربية الاميركية والصهيونية، من اليمن الى ليبيا والسودان وصولا الى سوريا وفي قلبها فلسطين، حيث الحديث عن فلسطين الجديدة والفلسطيني الجديد، وما ادراك ما فلسطين الجديدة والفلسطيني الجديد، متناسين ان المقاومة والقوى الوطنية التي هزمت العدو ودحرته من لبنان، وصمود الدولة والجيش العربي السوري والقوى والشعب الفلسطيني الحي سيعملون على إفشال هذه الصفقة واسقاطها رغم ان وراء الصفقة تحالف كبير وخطر لانه هناك اقتناع ان الصفقة ليست قدرا لا راد له، وهي مرحلة من مراحل الصراع الطويل والذي ما زال مستمرا تحت تسميات وصفقات، ولكن الشعب الفلسطيني والقوى الحليفة لم تُهزم ولن ترفع راية الاستسلام، وما نراها في مسيرات العودة ما هي الا تعبير عن التصدي حتى باللحم الحي للمشروع من هذا الجيل الشجاع الذي لا يهاب الشهادة هذا الجيل العصي على الكسر والهزيمة وقد كان سعادة نموذجا وسباقا بالتضحية لانه راى  إن الحياة كلها وقفة عز فقط...

 عليه ندرك لماذا اغتيل سعادة وكان التخلص منه بهذه السرعة من قبل الطغمة الحاكمة في لبنان والشام ومن كان خلفهم من القوى الاستعمارية.

سبعون عاما مضت على الاغتيال وما زال صوتك مدوياً

ختاماً، لا بدّ لنا من أن نردّد في هذه المناسبة المجيدة مأثورة سعاده: «سواء فهمونا أم أساؤوا، فهمنا فإننا نعمل للحياة ولن نتخلى عنها.

وهذه هي صفقة الكرامة والاباء والعنفوان والتضحية، ولتكن لهم صفقاتهم وقرونهم، وليبقى لهم ايضاً نموذج الفلكلور اللبناني الاصيل المتمثل بالحروب الطائفية المتجددة بين الحين والاخر وصفقات البيع ففلسطين بخمسون مليار دولار على مدى عشرة أعوام وهي ديون مع الفوائد بينما قدموا لترامب في أقل من 30 ساعة 450 مليار دولار.

 

عباس علي مراد

 

صادق السامرائيعقل الأمة مكبّل بما "قال" فلان وذكر فلان، ولا يمكنها أن تتنفس هواء الحرية وتتفاعل بعقلها مع عصرها إن لم تحطم قيود "قال"!!

أمة تتحرك في أنفاق "قال"، ولا تستطيع الحركة في فضاءات شاسعة، وتدرك ضرورات صناعة الحياة وبناء المستقبل، وتحميل الأجيال رسالات إنسانية واعدة.

إنها أمة مخنوقة ومحرومة من أوكسجين الوجود المعاصر، وتريد أن تعيد عجلات الزمن إلى الوراء، وتعرقل دورانها مع الأرض، فكيف ستواكب وتتناغم مع حركة الكون الوثابة الرائدة المتجددة الولاّدة؟

إن التعتق في أوعية "قال" يتسبب بتخمر الأفكار وإكتسابها درجة عالية من السمّية والتأثير المسكر، الذي يصيب العقول والنفوس والأرواح بالغثيان الرهيب، فيجعلها تتطوح في شوارع أيّامها وتترنح على أرصفة الويلات، وهي مغيّبة الوعي ومنقطعة عن واقعها وفي شرود عن ذاتها وموضوعها، بل أن هذه الأفكار تحيلها إلى وحوش كاسرة وضواري سابغة ذات فظائع منكرة ومآثم مقرفة، وإلى مشاريع خطايا وويلات رهيبة.

فالذين يعيثون في الأرض فسادا ويسفكون دماء الأبرياء، إنما هم من المصابين بالإدمان على أفكار "قال"، والمنومين بتأثيراتها المخدرة التي جردتهم من أية صفة آدمية، وقتلت كل نفس طيبة في ربوع دنياهم، وأطلقت إرادة النفس الأمّارة بالسوء التي إستفحلت وإنكلبت وتسعّرت، فتحولوا إلى عقارب سيئات تنفث زعافها من حولها فتبيد الموجودات وهي ترفع رايات "قال".

ويبدو أن مشكلة الأديان كافة تتلخص بمعضلة "قال"، لأنها تنفي العقل وتمنع دوره، وترفض التطور والإجتهاد، وتمحق أبعاد الزمن، وكأن "قال" دستور كوني وقانون شرعي، وأن الذي "قال" ليس من البشر بصلة ولا كان في مكان وزمان ما، وما قاله ليس إبن الحالة التي كان فيها بجميع ظروفها المحيطية والذاتية وغيرها، وكأن الذي قال قد إنتهى عند قوله كل شيئ، وعُقمت الحياة والعقول من الإتيان بجديد بعد قوله الذي أسهم في صناعة المتحجرات الآدمية.

إن "قال"، تتنافى مع بديهيات الوجود والحياة، وتنفي الحركة، وتأبى الدوران، وتجرّد الإنسان من عقله، وتحسبه صاحب جمجمة ودماغ عليه أن يُحشى، بمعطيات "قال"!!

ولا يمكن للأمة أن تكون إذا بقيت مرهونة بأقبية "قال"، فعليها أن ترى بعيون عصرها وعقله وروحه، وأن تجتهد وتثوّر العقول والنفوس لتخرجها من أسر الضلال والبهتان.

فتحرر من عبودية "قال"، ودع عقلكَ يقول ما يجب أن يُقال!!

مع الإحترام لكل قولٍ مِثال!!

 

د. صادق السامرائي

 

عماد عليتشكلت حكومة اقليم كوردستان في حمل طبيعي من تسعة اشهر وتسعة ايام بعملية ولادة حزبية قحة تنافست في وضع اسسها المصالح الكتلوية داخل جميع الاحزاب التي شكلت الحكومة  وبتصفية الحسابات الحزبية الداخلية فقط. عليه وبعد النظر في الامر من هذه الزاوية والتاكد من حجم ونوع  المشاكل والديون المتراكمة عليها يمكن لاي مراقب ان يخمن درجة نجاحها منذ اليوم دون اي جهد . هذا عدا التخمين على اساس تقييم من حالفه الحظ من الهذه المنافسات في تسلم المنصب ومنهم لم يصدق هو بنفسه انه فاز باليانصيب الذي يوزع كل اربعة سنوات ويسفيد منه ماليا ويضمن حياته واولاده واحفاده من يحالفه الحظ وما يحمل من الصفات وسلوكه ونظرته الى الحياة بعيدا عن الشهامة والهيبة وحتى الشرف الى الابد، ويزداد بهذا الفساد فسادا والمشاكل المتعددة مشاكلا عويصة اخرى والشعب هو الذي يدفع الضريبة والثمن على حساب الشباب ومستقبلهم قبل اي احد اخر.

اننا عرفنا انهم لم يستندوا على ابسط معيار في تشكيل هذه الحكومة التي يعتمد عليه مصير الملايين ومعيشتهم، انها حلا اعلم حكومة ام حومة عائلية بحتة وليست كما كانت بداية تشكيل الحكومات السابقة بل تركزت هذه التشكيلة على تعدد العوائل الاوليغارشية المتنفذة في الاحزاب بعدما كانت هناك عائلة واحدة من قبل وهي البارزانية المسيطرة على الديموقراطي الكوردستاني منذ تاسيسيه، بينما اليوم العوائل المتعددة التي برزت في الاحزاب وسيطرت على الاتحاد الوطني الكوردستاني وحركة التغيير  ايضا، اي بدلا من التاثير على الديموقراطي ومحاولة سحبه الى الحزبية الصحيحة بعيدا على المصالح العائلوية ومضارها على الشعب، فهم  جروا حلهم واتبعوا سياسات هذه العائلة  وعملها السياسي الاقتصادي، وهذا ما يزيد من الطين بلة وتنعكس افرازاته السلبية على حياة الشعب والتجربة التي لا يكون مصيرها الا الفشل بعد وضوح الامر منذ مدة ليست بقليلة.

لو دققنا في الموجود في المنطقة بشكل عام وفي العراق بشكل خاص، وحللنا المعادلات السياسية الاقتصادية العسكرية المعقدة وتوجه العالم وتركيزها على هذه الرقعة وكيف يتعاملون بدقة في خطواتهم، فاننا نعلم مدى دقة الامر ونعلم كوردستان ضمن هذه الرقعة وهي رقم ضعيف جدا فنتاكد ما تحتاجه من العقلية التقدمية الخبيرة النيرة في تحليل ما يجري وتحديد الاصح في الخطوات سياسيا واقتصاديا اكثر بكثير من الاخرين، اما داخليا فان الازمات التي حصدت الاخضر واليابس فيها وتراكمت معها المشاكل العويصة والحالة المادية المالية الميؤسة  وتبعات الديون التي بلغت ثلاثين مليار دولار على اقليم وليس دولة وبيع ما تحت الارض مقمدما بعملية هي اصلا ليست مجازفة فقط وانما مغامرة بمستقبل الشعب و قمار على حساب الشباب، فنتاكد من عدم حل ما توجد من مثل هذه المشاكل الضخمة المعقدة بهذه العقليات التكتلية الحزبية المخابراتية التي تسلمت زمام الامور وتحكم باسم حكومة وليست لها علاقة بفحوى وعمل جوهر ما يمكن ان تسمى بحكومة حقيقية. انها حكم عوائل واحزاب ودوائر متنفذة ولا تمت بمفهوم وعمل ومهام حكومة مدنية.

هنا لا نتكلم عن معيار الشخص المناسب في المكان المناسب اصلا، لانه بات من الغيبيات عند اهل المنافسات التكتلية، فهل من المعقول ان تهدي وزارة لاحد كونه خسر موقعا اخرا تنافس من اجله كي ترضيه وترضي تكتله وعائلته، فهل من المعقول ان تعطي منصبا وزاريا لاحد لا يمت باية خبرة من قريب او بعيد لهذا المهام المناط به لانه ضمن كتلة لو لم يحصل على المعروض من قطعة كعكة السلطة فانه سوف يضر الصراع الداخلي للحزب وللعائلة . فهل من المعقول ان تهدي منصبا وزاريا لاخر له الفضل الشخصي على راس كتلة ولا يمت بما يُعطى له من المنصب الوزاري باي شكل كان بل يتعارض المنصب مع اختصاصه؟

ونتيجة ذلك اننا لسنا من يتفائل ليضلل نفسه قبل غيره، وعليه نؤكد بان الحكومة ستكون افشل من قبلها وستاني من عدم امكانياتها وما تأِن من تحتها من  ثقل مشاكلها قبل ما تراكمت عليها من المشاكل وثمرات الازمات من الكابينات السابقة الفاشلة، ولم تتحاسب على عملها  وما تحتاجه مثل هذه الحكومة في مثل هذه الظروف، بل وزعت المناصب وفق الترضية لمن فشل من قبل.

هذه هي حال الشعب الكوردستاني الذي قدم ما يملك من دمه واغلى ما لديه من اجل تحقيق اهدافه وامانيه العامة، ويتلقى الضربات الموجعة من ايدي من ليس له مهمة الا الاستاثار بخير هذه الامة فقط ونتيجة فشل من استولى على زمام الامور، وصحيح من يفعل ويضحي هو في اخر المستفيدين ومن يستلم ثمرة تلك التضحيات من حثالى الشعب، لانهم يتميزون بالصفات التي تجعلهم قريبين من المتنفذين واول تلك الصفات التملق بكل اشكاله على حساب عرضهم وشرفهم وحياتهم مهما كانوا، والنتيجة ستكون مخزية للشعب وسوف يستمر يعاني من ويلات ما تصنعه ايدي هؤلاء اكثر كما فعلوا لحد اليوم دون ان يهز لهم شعرة من بدنهم. 

 

عماد علي

 

ميلاد عمر المزوغيلأننا كنا في غفلة من امرنا حيث اننا نعيش في فرح دائم، لم نتقدم اليكم بالشكر والتقدير على ما قدمتموه لنا نحن شعوب مصر وليبيا وسوريا وتونس حيث تم اسقاط تلك الأنظمة الديكتاتورية بفضلكم، إلا انه والحمد لله قد خرج علينا من ينبهنا الى ضرورة شكر قطر، فالفضل لصاحب الفضل والوفاء من شيم الرجال، ذكرنا مفتي الديار الليبية الذي آويتموه ونصرتموه وقت الشدة، بان من لم يشكر قطر فهو اقل وأخس من الكلب، عندها وفقط، افقنا من غفوتنا فقررنا ان نشكركم فاعذرونا لتأخرنا في القيام بالواجب وكلنا امل في ان تقبلوا عذرنا فانتم اصحاب القلوب الكبيرة والأحضان الدافئة والأيدي السخية والعقول النيرة الخيّرة الساعية الى اسعاد العرب والمسلمين اينما وجدوا وحيثما حلّوا.

لنبدأ بالشعب التونسي فلولا مساعدتكم لذهب دم البوعزيزي هباء منثورا، ولبقي بن علي في السلطة الى ابد الابدين، ذهب الرجل، تساقط المطر في ذاك العام بشكل لم يسبق له مثيل فكان ربيعا جميلا وهبت النسمات الرقيقة تدغدغ مشاعر التوانسة، ذهب النظام القمعي وحل اللا نظام، في هذه المدة الوجيزة من حكم النهضة حدثت وتحدث اشياء لأول مرة، لم يألفها الشارع التونسي منذ الاستقلال وحتى سقوط النظام، العصابات التكفيرية تجوب الشوارع قتلت المدنيين والعسكريين والساسة وأصحاب الرأي في وضح النهار، والحكومة لم تحرك ساكنا، بفضلكم انشهرت العديد من الاماكن التي لم يألفها السياح وتصدرت نشرات الاخبار ومنها جبل الشعانبي، اصبح المواطن التونسي غير آمن في بيته كما في الشارع فلزم سكنه، الشوارع امست خالية من المارة، تقلص عدد السياح مصدر الرزق، ازداد عدد العاطلين عن العمل، هباتكم ومنحكم كان لها بالغ الاثر في صمود الشعب التونسي، شكرا قطر.

في مصر تم بواسطتكم ازاحة النظام العسكري الجاثم على صدور المصريين لأكثر من نصف قرن، اتى الى الحكم اناس كانوا من المغضوب عليهم من الحكم العسكري وقد زج بالعديد من زعمائهم، كتعويض لهم عن الظلم الذي لحق بهم، وما جزاء الاحسان إلا الاحسان فما كان من هؤلاء المتسلطون الجدد إلا ان قاموا بأخونة مؤسسات الدولة ومحاولة بناء امبراطورية اممية، كيف لا فالعثمانيون ليسوا بأفضل من الاخوان ولا باس من الاستعانة بالأتراك اصحاب الخبرة وبالأخص السيد اردوغان، الشعب المصري اساء فهم الاخوان فأطاح بهم دون ان يعطيهم الوقت الكافي، فما كان من الاخوان إلا ان اعلنوها حربا شعواء على كافة ابناء مصر ولا تزال الاعمال الاجرامية من قتل وتدمير تحدث كل يوم، الشعب المصري يقدر دوركم الرائد في ايصال مصر الى وضعها الراهن من حيث غياب الامن وتزايد اعداد العاطلين عن العمل وفشل مؤسسات الدولة الخدمية والإنتاجية، شكرا قطر.

 الشعب السوري يتقدم اليكم بالشكر والتقدير لأنكم استطعتم (من خلال تمويلكم للحركات الخيرية التي اتخذت اسماء عدة منسوبة إلى الإسلام، داعش، النصرة، وغيرها الكثير) اخراج الملايين من ابنائه الى خارج الوطن في رحلات ترفيهية قد يطول امدها مدفوعة الاقامة full board من قبل دول اصدقاء سوريا والأمم المتحدة، حيث كان النظام القمعي يمنعهم من السفر، خوفا من اطلاعهم على ما يجري حولهم من تطور في عديد المجالات، ومن ثم يعودون الى البلد لافتعال الازمات، ألستم من قتل ابن المفتي احمد بدر الدين حسون الشاب اليافع المزهو بحب الدنيا وملذاتها، لولاكم لما دخل الجنة، لأنكم قصّرتم اجله وبالتالي منعتموه من ارتكاب المزيد من المعاصي، اما الباقون بأرض سوريا فإنهم تعلموا الصبر على ايديكم، الشعب السوري (الارامل واليتامى واسر الشهداء والجرحى) والمفتي حسون يقولون لكم، شكرا قطر.

اما الليبيون فإنهم مدينون لكم بإزاحة النظام الذي حكم البلد لأكثر من اربعة عقود، المهجرون بالداخل الذين تركوا ديارهم، عجزوا عن تعليم ابنائهم، يعيشون في مساكن غير صحية، اموال الشعب تم التلاعب بها من قبل من اتيتم بهم الى السلطة، ما يقرب من المليون ليبي يعيشون خارج الوطن، خوفا على ارواحهم وأموالهم من "اخوانكم" في الدين الذين اعمتهم السلطة فصاروا ينظرون الى من يخلفهم الرأي كافر زنديق، ما يقرب من الثلاث اعوام لم تتوقف اعمال القتل والسلب والنهب، امددتم مناصريكم بكافة انواع السلاح دربتم آلاف الشباب الليبيين لأجل ان يتقاتلوا فيما بينهم وتزداد الهوة بين اطياف الشعب وانتم تتفرجون وتتلذذون، شكرا قطر.

تتحدثون عن الديمقراطية وأنتم احوج اليها من غيركم من الشعوب، لم تتقبلوا قصيدة اعتبرها الجميع أنها لم تنقص من كرامتكم، بل كانت مجرد دعوة لإعطاء المزيد من الحريات فكان عقابه السجن ولم تنفع مطالبات المنظمات الحقوقية لكم باحترام حرية الرأي والتعبير وإطلاق سراحه فالرجل لا يزال يقبع في سجونكم، عفوا ضيفا عزيزا. لأجلنا انشاتم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ونصبتم القرضاوي مفتيا عاما لديار المسلمين، جعلتم من "الجزيرة" منبرا لبث افكاركم وفتاويكم الخيّرة البناءة، جلبتم الى الدوحة من ارتأيتم انهم سيكونون رجال دين"مفتّنون" على شاكلة القرضاوي ليقوموا بالإفتاء بدويلاتهم التي اصبحت تدور في فلككم.وأخيرا اتوجه بالشكر والتقدير الى مفتي الديار الليبية الذي نبهنا الى القيام بواجب الشكر ولنثبت له اننا اوفياء ولسنا كلابا، شكرا قطر. وعذرا على التأخير في القيام بالواجب. 

 

ميلاد عمر المزوغي

 

 

علي علييروي لنا تاريخ بلدنا ان ساحته السياسية لم تخلُ يوما من اضطرابات وقلاقل، كان جلها نتيجة أطماع في اعتلاء كرسي السلطة، بدءا من العصر الأموي فالعباسي، ثم عهد الاحتلال العثماني، وآخرها التغيرات المتتالية في نوع الحكم والشخوص والعائلات الحاكمة خلال القرن العشرين، والذي تنقلت فيه السلطة بين الملكية والجمهورية. والى يومنا هذا مازالت الساحة زاخرة بكم هائل من الصراعات والخلافات. وقطعا هناك فروقات جمة بين حكومات الأمس البعيد قبل قرون، وحكومات القرن الماضي والحكومات المعاصرة في القرن الحادي والعشرين. ففي الخلافة الاموية كانت الحكومة تتكون من الخليفة وحجّابه والوزراء والقضاة والمستشارين وقادة العسس (الشَرطة). وكانت جل مشاكلهم من تدخلات دول الجوار، اما المشاكل الداخلية فكما روى لنا التاريخ أيضا، كانت تـُحل بجلسات بين شخصيات ذوي مكانة اجتماعية مع كبارالدولة، وكان البلد سائرا في ركب التطور وان كان سيرا سلحفاتيا وئيدا.

اليوم وقد دخلت التكنولوجيا والعلم جميع مفاصل الحياة، بما يسهِّل ويعجِّل تقدم البلدان التي تضع مصالح شعوبهم من أولويات جداول أعمالها، ماذا يحدث في بلد هو مهد الحضارات، البلد الذي شـُرّعت فيه أول القوانين، وكـُتِب فيه أول حرف، وغير ذلك من الإختراعات التي كان سبّاقا بها. ماذا لو قارن أي مُنظـِّر بين مايملكه العراق من رصيد تاريخي في العلوم والمعارف، وبين ما هو عليه اليوم نسبة الى باقي الامم. وهو الذي يقول فيه الشاعر:

لا ينزل المجد إلا في منازلنا      كالنوم ليس له مأوى سوى المقل

أظن أن عملية حسابية بسيطة للغاية في النسبة والتناسب، توضح الفرق بين العراق في التقدم التكنولوجي والعلمي والثقافي وبين أمم وُلِدت بعده بقرون. فهو مازال يسير بذات السير السلحفاتي على الرغم من الفارق الزمني والطفرات العلمية والتكنولوجية التي استحدثت في العالم. فقد ملأ أجدادنا المكتبات بأبحاثهم واكتشافاتهم واختراعاتهم في العلوم كافة، واقترفت الحكومات المتتالية خطأ كبيرا في التعامل مع هذا الكم الهائل من الموسوعات، إذ يظن حكام العراق –السابقون والحاليون- ان الإرث الحضاري يحفظ في الأدراج والدواليب، وعدّوه كنزا ضموه كملكية خاصة مع التيجان والأموال والقصور والضيعات، ليكون رصيدا يجير لحسابهم وحساب عوائلهم وأحفادهم وليس لأبناء هذا البلد. وبذا نهضت شعوب الأمم من حولنا وتنعمت بالرفاهية والحداثة في وسائل العيش، فيما حكام وادي الرافدين -لاسيما الحاليون- مافتئوا يغذون الجدالات والصراعات والخلافات والاختلافات والمناكفات والمماطلات والتهديدات والوعيدات. الأمر الذي خلف سلبيات وأفرز ترديات أسفرت عن الانفجارات والاغتيالات والعبوات اللاصقات والكاتمات الساكتات والاختراقات والخيانات. ناهيك عن الاختلاسات والسرقات والتزويرات والتعيينات والشركات المخفيات والمقاولات الوهميات والخزعبلات اللامنتهيات. وبات ساسة وأرباب كتل يرون ان الساحة لاتصلح إلا للبهلوانيات، فظهرت -كنتيجة حتمية- البارزانيات والمطلگيات والهاشميات والعلاويات والليثيات والعلوانيات والحاتميات والضاريات. تاركين حبل البنى التحتية للبلد على الغارب، فطفح كيل التراكمات من الإهمالات في مجالات الكهربائيات والمائيات والتموينيات والسكنيات، والى آخره من تاءات التأنيث التي لم تعد ساكنة في العراق الـ -جديد- بل هي تارة (مرفوعة) تاركة المواطن محروما منها، وتارة (مفتوحة) وفاتحة أبواب البطالة والفقر والمرض والتخلف، وتارة (مجرورة) تجر معها أذيال الفشل والخيبة، وهكذا ضاع مستقبل المواطن بين ماضي حضارته وحاضر حكامه وساسته.

***

علي علي

 

البقرة تعظ!

سئلت بقرة: الى متى تمنحينهم حليبك (ذهبك اﻷبيض) ولحمك اﻷحمر وجلدك وعظمك مقابل 12 كيلو علف يوميا ؟!

ضحكت بخبث على طريقة "لافاش كيري" ثم قالت "هذا السؤال يجب أن يوجه الى من أعطوا كبريتهم وغازهم وفوسفاتهم ونفطهم (ذهبهم اﻷسود) وضحوا بمزارعهم ومصانعم وبساتينهم ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم كله مقابل الإبقاء على ما تبقى من مفردات الحصة التموينية + ربع كيلو عدس مستورد كل عام في رمضان، اذا كان البشر قد فعلوا بأنفسهم كل ذلك ..ظلت عليهه؟!".

حقا " واهم من ظن يوما أن للثعلب دينا "!

جاؤوا بثلعب ذات يوم ليحاكموه بتهمة المكر والخداع وسألوه " لماذا تكذب وتحتال على الدجاج المسكين بغية الفتك به ؟" قال " لأحصل على قوت يومي !

قالوا " أما علمت بأن الكذب للحصول على الرزق وهو بمثابة جريمة - نصب واحتيال - يطلق على مرتكبيها محليا 56 كما ان قتل اﻷبرياء والضعفاء حرام !

قال " أريد ان أوكل - ابن آوى - محاميا للدفاع عني ﻷنني مظلوم !

جاؤوا بإبن اوى فهمس بإذن ابن عمه الثعلب قائلا " قرابتي ومن اﻵخر، كم دجاجة ستعطيني اذا ما حصلت لك على قرار البراءة واستللتك من هذه القضية مثل الشعرة من العجين ؟"

قال الثعلب " تئبرني ابن عمي ..شتريد انطيك !!"

رد ابن اوى " كل دجاجة تضحك عليها وتصيدها انت هص وأنا هص ونقسم بالنص " قال " لك داد اروحلك فدوة بس خلصني وتدلل عيوني !"

التفت ابن آوى قائلا بثقة " ان موكلي الماثل أمامكم والذي تبدو علامات البراءة جلية على محياه إنما كان يحتال على الدجاج المستورد فقط لتشجيع الصناعة الوطنية ونبذ الخصخصة وتجنيب البلاد والعباد خطر الطائفية وللوقوف بقوة الى جانب الدجاج المحلي المظلوم ضد الدجاج اﻷجنبي المشؤوم، موكلي الشريف هذا لايتخير بمكره وخداعه غير الدجاج المضروب أو المصاب بأنفلونزا الطيور لحماية المواطن من اﻷوبئة واﻷمراض الفتاكة مضحيا بذلك بحياته من أجل الجماهير، فهل هذا البطل يستحق العقاب أم الثواب ؟!"

بكى الحضور وصدر الأمر " لقد حكمنا على الثعلب بالبراءة من جميع التهم المنسوبة اليه، وقررنا إعادة الإعتبار اليه، وتعويضه عن كل ما لحق به من تشويه سمعة أضر به معنويا وماديا، كما قررنا إلقاء القبض على كل المدعين بالحق الشخصي ممن اتهموه زورا وبهتانا بخداع الدجاج والتهامهم، واطلاق يده من اﻵن فصاعدا لإلتهام الدجاج الذي يرى إلتهامه ولو بالنصب والإحتيال مناسبا للصالح العام ومجديا للصحة العامة، فالغاية تبرر الوسيلة وعليكم بقذف المعترضين على القرار بالمياه الحارة والغازات المسيلة !!" .

خرج ابن آوى والثعلب يدا بيد وسط تصفيق الجماهير الحار وفرحهم الغامر بأخذ العدالة مجراها، لاعنين كل الدجاج الذي يتهم الثعالب ويتجنى عليها زورا وبهتانا، الفضائيات بدورها أخذت تتسابق لإجراء الحوارات المتلفزة مع البطلين اللذين يبذلان ما بوسعهما للقضاء على الدجاج الغازي الخسيس،مقابل الإبقاء على حياة الدجاج الوطني النفيس !

في اليوم التالي أعلن جميع أصحاب حقول الدواجن المحلية إفلاسها لصالح " كنتاكي فرايد تشيكن " الاميركي المستورد التلفان، وصاح آخر ديكة الموهيكان من أعلى آخر نخلة تمر ظلت شامخة لوحدها في البستان، الله يطولنا بعمر السلطان وﻻيضحك علينا الانس والجان ..فناداه الثعلب المتربص به أسفل النخلة " احسنت، هلم الينا وإنزل اﻵن ودعنا نكرمك أنا وابن عمي ابن اوى بأنواط الشجاعة وأوسمة الفرسان التي تستحقها أيها الديك الوطني الشريف، وحقا ماقاله أمير الشعراء أحمد شوقي " مخطئ من ظن يوما ان للثعلب دينا" .

ﻻتكن دجاجة ..!

الدجاجة التي لاتبيض سرعان ما تشوى على النار لقد تعلمت بتعاقب اﻷصنام أن تضحيتها ببيضها وفلذات أكبادها وتقديمهم قرابين تباعا هي طريقتها المثلى للنجاة و سبيلها الوحيد للنفاذ بجلدها من نصل الجزار الحاد لحين إنتهاء مرحلة الإباضة وإحالتها على التقاعد والتي وبرغم كل النياشيين - التنك - التي علقت على صدرها أيام العطاء ستشهد صدور الحكم النهائي غير القابل للطعن والتمييز بشويها أو قليها أو سلقها لامحالة ..فلاتكن دجاجة تشتري أمنها المؤقت بإرسال أبنائها تباعا الى - مقلاة - الانتهازيين من أجل حياة قصيرة مشوبة بالذل والهوان في ظل طاه سياسي يطبخ للشعب هما ووهما، وللحاكم غنائم وغنما ..لاتكن دجاجة اذا نامت ساعة تقديم القرابين إستغرقت في نومها واذا نهضت الى حتفها أحدثت مسرعة الى نصل الجزار من خلفها عجاجة، كان عليها أن تحاجج بكم التضحيات التي قدمتها من ذي قبل وتدافع عن نفسها بكم النياشين - الفالصو - التي كرمت بها نظير عديد التضحيات التي قدمتها قريرة العين على مذبح الحرية ..بق بق باق باق !

ﻻ خيار للخرفان وﻻ أمان !

قيل لخروف " قررنا إبادة اﻷسد بالتحالف مع الذئب فما هو رأيك بالموضوع ؟ صمت قليلا ثم قال، " أنا مأكول في الحالتين فليأكلني ملك الغابة خير لي من ابي سرحان "، ذاك ان مشكلة الخروف اﻷزلية أنه لايبحث عن الخلاص النهائي من قاتليه بل عن أي المقصلتين أفضل ما جعل أعداءه يستخفون به ويخيرونه على الدوام بين مقصلتين ..مشنقتين ..طاغيتين ..خازوقيين،معدتين،تتناوب الخرفان على مدحها وذمها بين حقية وأخرى، ولم يخيروه يوما ربما ﻷنه لايريد ذلك ولايحلم به، بين عدل وظلم، حياة وموت،عبودية وحرية، خياراتك خلاصك فأحسن اختيارك منذ خط الشروع وأعلم أن كل الذين يبكون أصناما تتناوب على ظلمهم وجلد ظهورهم لم يذوقوا طعم الحرية يوما ولم يتنسموا عبقها خارج أسوار الحظيرة التي ما فكروا يوما وﻻ آباءهم بمغادرتها، فمثلهم كمثل الخروف أعلاه شعارهم مذ رأوا النور هو .. مااااع ! اودعناكم أغاتي

 

احمد الحاج

 

مضت أكثر من ست سنوات مذ عقد حزب ”الدعوة الإسلامية“ آخر مؤتمر له في مارس/ آذار من العام 2013، جدّد فيه الثقة بأمينه العام نوري المالكي الذي ظل متربعا على كرسي أمانة الحزب طوال الفترة الماضية. فقد عجزت قيادة الحزب عن عقد المؤتمر العام، بعد نكبة العام 2014  عندما سقطت أكثر من ثلث مساحة العراق بأيدي تنظيم داعش الإرهابي، ليعقب ذلك موجة من المجازر والكوارث التي لم يشهد العراق لها مثيلا في العصر الحديث. حصل كل ذلك في ظل قيادة أمين عام الحزب للحكومة وللقوات المسلحة العراقية. كارثة أطاحت بالمالكي من المنصب الأكثر صلاحيات في البلاد، ليحل محله غريمه حيدر العبادي لينشق الحزب إثر ذلك عمليا الى جناحين، وهو الواقع الذي دفع بقيادة الحزب الى عدم الدعوة لعقد المؤتمر السابع عشر خوفا من الإنشقاق المؤكد للحزب.

وكانت المصيبة الأعظم التي وقعت على رأس الحزب، هي في خروج رئاسة الوزراء من بين يديه، وهو الذي أحكم قبضته عليها واحتكرها لمدّة ثلاثة عشر عاما، بعد أن مني في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة بهزيمة مذلّة، كانت أبرز تداعياتها تولّي الدكتور عادل عبدالمهدي لرئاسة الوزراء مما أدى الى إصابة الحزب قيادة وقواعد بصدمة شديدة لم يستفيقوا من هولها الا قبل عدة أسابيع. فشدّة الصدمة جعلتهم يستغرقون في أحلام اليقظة معوّلين على فشل عبدالمهدي في إكمال حكومته لعل الحزب يعود الى الحكم عبر أحد الغريمين العبادي والمالكي.

وبعد نجاح عبدالمهدي في إكمال التشكيلة الحكومةـ عدا وزارة التربية- استفاق الحزب من صدمته ومن أحلامه البائسة فبدأ حراكا جادا لعقد المؤتمر السابع عشر الذي طال انتظاره، ويستحق اليوم لقب مؤتمر الإستفاقة من الصدمة!   فالهدف من عقد هذا المؤتمر لن يكون مراجعة سيرة الحزب سيئة الصيت في الحكم ، ولا محاسبة قيادته، ولا كوادره التي هيمنت ولا تزال على مفاصل الدولة، ولن يفتح ملفات فسادهم،  ولن يقدّم أي اعتذار للشعب العراقي عن فشله في ادارة البلاد، وفي تشويه سمعة الحركة الإسلامية ليس في العراق فحسب بل في المنطقة، بعد أن قدّم أسوا نموذج في الحكم شكّل صفحة سوداء في مسيرة الأحزاب الإسلامية في العصر الحديث.

 بل إن الحزب يستجمع قواه اليوم استعدادا للمعركة مقبلة! التي تتطلب وحدة الحزب،لأنها معركة شرسة تستهدف رأس الحكومة الحالية، ولذا فجلّ ما يهم قادة الحزب اليوم هو الحفاظ عليه موّحدا بعد ان مهّد حيدر العبادي لذلك عبر انسحابه من جميع مواقعه الحزبية، وبعد أن أيقن بسيطرة جناح المالكي على مفاصل الحزب. وهكذا فلن يؤكد المؤتمر العام على ضرورة إصلاح الحزب لأنّ الحزب عصيّ على الإصلاح، بل سيشحذ همم أعضائه ويجمع شملهم تحت ظل هذه القيادة  التي ستبقى  تسيّر أمور الحزب سواء علنا او من وراء حجاب وعيونها ترنو نحو كرسي رئاسة الوزراء.

 وستعود للعبة المؤامرات التي اعتادت عليها في جنح الظلام، ولتوثيق العلاقات وتقديم التنازلات لهذه الدول او تلك، فلقد أسكرت نشوة السلطة قادته والى الحد الذي اطارت فيه صوابهم حتى ظنّوا انهم دعاة إصلاح قدّموا انجازات للعراق لا مثيل لها في التاريخ، لكنهم في الواقع  ليسوا سوى مصداقا للآية الكريمة (قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا).

 

ساهر عريبي

 

المشهد معد لأسوأ الاحتمالات، ما بين النزوع المستمر إلى إعادة إنتاج نفس الصراعات إلى استكمال كل المقدمات لنظام سوبر شمولي إلى انهيار شبه عام في القدرة على الاختلاف والتفكير النقدي والمستقل .. من الحرب الأهلية اللبنانية التي قرأها مهدي عامل "كحرب ثورية" تشارك فيها الطبقة العاملة وحلفائها، أما سوريا وعلى الرغم من كل الفروق بين مواجهة السبعينيات والثمانينات وبين الحرب السورية الراهنة لكن الخلاف الوحيد تقريبا بين الحربين كان فقط في البدايات وفي حجم الدمار .. العشرية السوداء في الجزائر، الجهاد في الصعيد وسيناء، الحرب الطائفية العراقية على دفعات منذ 2003، مجزرة حماة، حلبجة، تهديم النجف وكربلاء ومقامات سامراء وحملة الأنفال، تل الزعتر والدامور، ثقافة المظلومية عند الجميع وغياب أية محاولة للفهم أو حتى للتأمل، لا تفسير سوى نظرية المؤامرة، العشرية السوداء وأسلمة الثورة السورية وصعود الجهاديين كلها من إنتاج مخابرات الأنظمة أما "نحن"، الأكثرية القومية والطائفية فهي التي تستهدفها المؤامرة والأقليات ليست إلا رأس حربة تلك المؤامرات .. حطمنا كل التابوهات أمام حل نهائي ينتظر صعود قوة محلية راغبة وقادرة على وضعه موضع التنفيذ، بل الجميع ينتظر ظهور مثل هذه القوة، كل شيء هنا كما وجد مع هتلر وحله النهائي : وصم "الآخر" بالانحطاط القيمي، اعتقاد راسخ بالتفوق "الأخلاقي" و"القيمي" على الآخر الطائفي والقومي المشرقي وأيضا على الأوروبي والغربي عموما، يأخذ هؤلاء مكان اليهودي الذي اتهمه هتلر بالانحطاط المادي والقيمي، إيمان لا يتزعزع بالقائد المخلص الذي سيعيد "الأمجاد الغابرة" وسط احتفاء عام بصدام وصلاح الدين، بالأمس فقط صفقنا لمن هتف بإبادة العلويين أما الجولاني والصدر والمحيسني ومحمد مرسي فهم ثوارنا، جيفاراتنا، ما الذي بقي ليحول بيننا إذن وبين غرف الغاز ؟ فقط عجزنا، لا شيء آخر .. يمكن اختصار أحوالنا بكلمة واحدة : فشل عام، فشل في كل الميادين : ثوراتنا، دولنا، اقتصادنا، أخلاقنا، أفكارنا، لا نجد اليوم إلا تكرار تافه بل أو أكثر من تافه وغاية في السذاجة لآخر منتجات الفكر الديني الغيبي بعد انحطاط الثقافة والحضارة العربية الإسلامية القروسطية نمارسه بكل جدية بل وننسب إليه، مستغلين قيم ليبرالية نعاديها بعمق، صفات وميزات إنسانية ما، فشل حتى في عنفنا الهمجي .. آخر ما لدينا (ما تبقى لنا بعبارات كنفاني) هو فقط إهلاسات محمد وتلامذته الأشد شمولية وانحطاطا وهوسا .. إن التخلف والانحطاط وداحس والغبراء هو ما نتمسك بهم بكل قوة أما نموذجنا المثال فهو إيران الملالي وبغداد ما بعد صدام وليبيا ما بعد القذافي الذي نسعى نحوهم جاهدين .. بين تقمص دور الضحية واستدرار شفقة أقوياء العالم من جهة وإنكار إنسانية خصومنا ورفض أية شفقة أو حقوق قد يستحقونها .. اعتقدت في وقت سابق أننا قادرون على ممارسة دور آخر البرابرة الذين يمكنهم بالفعل أن يقضوا على البشرية أو على الأقل على الحضارة الغربية، لكن يبدو أنني غاليت في ثقتي بنا وبالإسلاميين وحلفائهم الليبراليين المازوخيين كطليعة متوجة لبربريتنا .. من الواضح أننا أعجز من ذلك، حتى الآن على الأقل .. مقارنة صغيرة فقط تكفي لتبين عجزنا والفوارق الهائلة بيننا وبين قبائل الهون والمغول، وبين الصينيين المعاصرين مثلا أو حتى عصابات المافيا القادمة من البلقان وشرق أوروبا وجنوبها .. كل ما يمكننا فعله حتى الآن هو إعادة إنتاج معاركنا مع طواحين الهواء الطائفية والهوياتية والإعداد لحل نهائي على شاكلة حلبجة أو سنجار أو عفرين أو كنائس العريش أو إبادات جماعية محدودة في ظل غياب القدرة على حل نهائي حاسم ... لكن هذا لا يعني أننا فاشلون تماما: يمكن القول أننا نساعد العالم بالفعل على تجاوز أوهام الليبرالية التعيسة والإعداد لحروب جديدة ستسحق دون رحمة أعدادا لا حصر لها من الأغبياء الذين يؤمنون بساداتهم وقطعانهم وبإهلاسات أنبيائهم وقديسيهم 

 

مازن كم الماز

 

منى زيتونلا تؤثر الثقافة فقط على الاتصال اللفظي بل وعلى السلوكيات اللفظية (الصوتية) والسلوكيات غير اللفظية (تعبيرات الوجه وتعبيرات العين ولغة الجسد وغيرها) التي تعتبر اتصالًا غير لفظي؛ فكما أنه لا يمكن توحيد البشر على لغة واحدة، لا يمكن كذلك الاتفاق على نظام موحد لأنماط التواصل غير اللفظي؛ حيث تختلف شعوب العالم في التعبير بها وتفسيرها لها.

وقد تظهر الفروق بين الثقافات الفرعية في المجتمع الواحد، فيختلف المُتقبل اجتماعيًا منها باختلاف الثقافات الفرعية والطبقات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة بالمجتمع.

وكثيرًا ما يكون التأثير الثقافي مرتبطًا بتأثير النوع (ذكر أو أنثى)، بسبب اختلاف المعايير الاجتماعية المقبولة لسلوكيات كل من الذكور والإناث في المجتمع نفسه.

إن ترجمة السلوكيات غير اللفظية مثل تعبيرات الوجه عبر ثقافات مختلفة قد تكون مشكلة، وهي مشكلة لا تقل عن مشكلة فهم اللغة التي يتحدث بها هؤلاء الأفراد ذوي الثقافة المختلفة. ويمكن أن تؤثر الثقافات المختلفة في إساءة الفهم وحدوث الضيق بين شركاء التفاعل الاجتماعي بسبب الفروق بينهم في تلك السلوكيات غير اللفظية.

على سبيل المثال فإنه رغم أن المقاطعة لا يُسمح بها في أغلب الثقافات حتى عندما يكون المستقبل الذي قام بالمقاطعة شخصًا في موقع رسمي أو ذا سلطة كبيرة قياسًا بالمرسل، فإن الثقافات تتفاوت فيما بينها في تقبل المقاطعة أثناء الحوار في المناقشات غير الرسمية، فهناك ثقافات تتقبلها باعتبارها نقاشًا، وثقافات أخرى ترفضها بتاتًا وتعتبرها إساءة أدب.

والثقافات الآسيوية الشرقية لا تربي في أبنائها –الذكور والإناث على السواء- استخدام درجة عالية من الاتصال البصري أثناء الحوار، وينزعجون تمامًا من استخدامه، ويُعتبر من إساءة الأدب أن يرفع الصغير عينه في من هو أكبر منه سنًا، بينما في الثقافتين الأوروبية والأمريكية لا بد من المحافظة على درجة من الاتصال البصري أثناء إجراء الحوارات وإلا فإن هذا علامة واضحة على عدم الاهتمام، ويستخدم أبناء ثقافات البحر المتوسط والثقافة اللاتينية درجات عالية للغاية من الاتصال البصري، للدرجة التي يرى بها الإنجليز –وهم أبناء ثقافة أوروبية- أن الإيطاليين –ينتمون لثقافة البحر المتوسط- يرفعون الكلفة بشكل غير لائق بسبب المحافظة الزائدة على اتصال خط النظر!

وبوجه عام يتم تشجيع النساء على التعبير الانفعالي في معظم الثقافات، لكن ثقافات دول البحر المتوسط تشجع عليه الرجال والنساء معًا. ولا تقف الفروق الثقافية عند هذا الحد بل قد تختلف الانفعالات التي يُسمح للفرد بأن يعبر عنها باختلاف الثقافات. معلوم أن الإيطاليين من أكثر شعوب الأرض رومانسية، وتعبيرهم الانفعالي عن الحب مفرط، يستخدمون فيه كل قنوات الاتصال اللفظي وغير اللفظي، لكنهم أيضًا وكسائر شعوب البحر المتوسط يفرطون في التعبير عن باقي الانفعالات الإيجابي منها والسلبي. على النقيض فإن الشعوب الشرق آسيوية تتحرج من التعبير عن الحب، وتعبيرها الانفعالي بوجه عام أقل حدة، ومن غير المقبول على الإطلاق التعبير عن الانفعالات والمشاعر السلبية تجاه الآخرين. وسنجد مثلًا أن تعبيرًا وجهيًا كالابتسام يلازم وجوه اليابانيين حتى عند سماع الأخبار المحزنة، بينما قد يعتبر مثل هذا السلوك إساءة أدب في أغلب الثقافات. وهناك شعوب أخرى في المقابل مثل الأمريكيين والكنديين لا يمثل التعبير عن الانفعالات السلبية أي مشكلة لديهم، طالما أن الأسلوب المستخدم كان لائقًا.

وفي الثقافة المصرية لا يحبذ للرجال الابتسامة الواسعة، وكذلك للنساء عند تعاملهن مع الغرباء، وقد تُفسر ابتسامة النساء بشكل خاطئ من قِبل الرجال في التفاعل بين الجنسين. وسبق وذكرنا أن النساء أعلى في الحساسية الانفعالية من الرجال، والدراسات قد أثبتت أن مهارتهن أعلى في الحكم على تعبيرات الوجه، لكن كثيرًا من الرجال قد يسيء الحكم.

في ثقافات عديدة يأخذ الرجال مساحة واسعة من المكان، فينثرون أوراقهم على مساحة متسعة، وقد يأخذون مساحة أكبر على الأريكة، وهي وسيلة يستخدمها حتى ذكور الحيوانات للتعبير عن الهيمنة، لكن في ثقافات كالثقافات الشرق آسيوية تعتبر مثل هذه السلوكيات غير مقبولة على الإطلاق.

وتختلف المسافة التي تشعرك بالارتياح عندما يقفها الناس منك باختلاف الثقافة التي نشأت في ظلها. الثقافة العربية وثقافة البحر المتوسط بوجه عام والثقافة اللاتينية هي ثقافات قد يُستخدم فيها التلامسContact Cultures ؛ حيث يشعر أبناؤها بالارتياح عند وجود الناس على مقربة منهم، والثقافة اللاتينية تحديدًا ترسخ في الرجال الاقتراب جدًا من بعضهم عند الحوار وفي المحال وفي وسائل المواصلات، بينما ثقافات أوروبا وأمريكا الشمالية وشرق وجنوب آسيا هي ثقافات لا يحدث فيها التلامس Non –contact Cultures ، وإن كنت تربيت في أحد مجتمعاتها لن تكون مرتاحًا مع التقارب الشديد، وستشعر بانتهاك مسافتك الشخصية عند الحوار مع أبناء النوع الآخر من الثقافات أو الاقتراب منهم، ويلزمك أن يبتعد من يحاورك عنك مقدار ذراع على الأقل لتشعر بالارتياح. والإشكالية تستمر عندما يتراجعوا للخلف كي يحدث توازن ليجدوا أن الشخص من أبناء ثقافات التلامس الذي يتفاعلون معه يتحرك مقتربًا!

في بعض الثقافات العربية ترفض النساء مصافحة الرجال باليد، بينما في أستراليا تبدأ النساء في مصافحة الرجال، وفي بعض البلاد كروسيا وفرنسا كثيرًا ما يتم تقبيل يد المرأة.

في الثقافات الآسيوية تكون تحيتهم التقليدية خالية من التلامس، حيث تتلاقى راحتا يد الشخص أمام أعلى صدره ملامسة ذقنه مع انحناءة ليحيي الآخر الذي يبادله التحية بالطريقة نفسها، أما إن حدثت المصافحة ففي الصين على الصغير أن يبدأ بمصافحة الكبير، مع انحناءة خفيفة. العكس في كوريا الجنوبية حيث يبدأ الكبير بالمصافحة والتي تكون خفيفة.

بعض الثقافات تكون المصافحة فيها قوية وطويلة وتظهر تلك المصافحة بوضوح في أمريكا اللاتينية عمومًا، وقطعًا هؤلاء لا يفوتون التواصل البصري أبدًا حتى أثناء المصافحة. كذلك يفضل العرب المصافحة القوية خاصة بين الرجال، ولهم أولويات في البدء بالمصافحة فيبدأون بكبار السن وبالجالسين جهة اليمين. بعض الثقافات يزيد فيها الرجال على المصافحة بهز اليدين. على العكس في بريطانيا وفرنسا فالمصافحة خفيفة سريعة، لكن الإنجليز يفضلون الاحتفاظ بمسافة كبيرة بين الشخصين المتصافحين!

وتوجد فروق ثقافية قوية في التقبيل كأسلوب للتحية، فهناك ثقافات ينتشر فيها التقبيل كتحية بين أفراد الجنس الواحد، فالنساء تقبل النساء، والرجال يقبلون الرجال، وهناك ثقافات يشيع فيها العكس حيث يقبل الرجال النساء، وكثيرًا ما تحدث إساءة فهم من أبناء هذه الثقافات ذات التقبيل المختلط عندما يجدون رجالًا –ينتمون إلى ثقافات كالثقافة العربية- يقبلون رجالًا آخرين!

حتى مكان القبلات وعددها توجد فيها فروق ثقافية؛ على سبيل المثال فإن الرجال العرب في منطقة الخليج يقبلون أنوف بعضهم.

في أمريكا اللاتينية ينتشر العناق القوي كوسيلة للسلام بين الذكور. في الثقافة المصرية يمكن أن نجد ذلك بين الذكور لكن في حالة اللقاء بعد فراق طويل لسفر أو نحوه. ويكون العناق والقبلات كوسيلة ترحيب أكثر شيوعًا بين النساء.

وتعد إشارات الأصابع من أكثر السلوكيات غير اللفظية اختلافًا في مضمون الرسالة التي تحملها عبر الثقافات المختلفة. بل إنه حتى وضعيات الجلوس تختلف التوجهات الثقافية نحوها، ففي الثقافة الأوروبية لا يجدون أي إشكالية في وضع قدم على الأخرى أثناء الجلوس، بينما قد يعتبرها شخص ينتمي إلى الثقافة التركية أو العربية غرورًا وإساءة أدب لا بد من الرد عليها بالجلوس بالوضعية نفسها.

تتدخل الثقافة أيضًا في تحديد السلوكيات المتعلقة بالمكان. في الثقافات الأوروبية والأمريكية لا يمكن أن نلمح ذلك التفاوت الكبير في مساحات الغرف الذي يعكس اختلاف المكانة في التفاعل الاجتماعي في ثقافات أخرى.

كما تتدخل الثقافة في سلوكيات التفاعل الاجتماعي الخاصة بالوقت، فنجد اعتبارًا واهتمامًا كبيرين للوقت في ثقافات أوروبا وأمريكا الشمالية على العكس من المرونة التي نلاحظها في ثقافة البحر المتوسط والثقافة اللاتينية نحوه. يكون هذا ملحوظًا في العلاقات الشخصية وفي علاقات العمل؛ فالثقافات الغربية تحرص على الوقت، ويُعتبر احترام المواعيد الخاصة بموعد العمل أو الاجتماع والزمن المخصص لإنجاز المهام أمرًا هامًا لا يُستثنى منه أحد كبير أو صغير، بينما الثقافة اللاتينية متساهلة مع المواعيد إلى حد بعيد، أبعد بكثير مما يمكن أن نجده حتى في الثقافات العربية.

ولا يقتصر تأثير مفهوم التأخر في التفاعل الاجتماعي على البشر، بل يشمل التأخر بشكل أساسي وسائل المواصلات، والقطار الذي يُعتبر وصل متأخرًا في اليابان لأنه تأخر عن موعده دقيقة واحدة، يستحق سائقه التحية في مصر!

بالنسبة للتوجه الزمني؛ فأغلب الثقافات الغربية ذات توجه زمني أحادي Monochronism؛ حيث يغلب على الناس أن يركزوا في أداء مهمة واحدة أمامهم، بينما الثقافة اللاتينية وثقافة حوض البحر المتوسط وباقي الدول العربية غير المتوسطية يكون توجهها الزمني متعدد Polychronism؛ حيث يقوم الناس غالبًا بعدة أعمال في وقت واحد.

أغلب الثقافات كذلك تضع تصورات أمام الفرد عن الوقت المناسب لإنهاء دراسته، والوقت المناسب للزواج، ثم للإنجاب، وغيرها من المراحل في حياته، والتي من المنطقي أن يختلف البشر فيها، ولكن تؤثر الدرجة التي يختلفها الفرد عن تلك التوقعات على توافقه الاجتماعي وتفاعله مع غيره من أفراد المجتمع.

وإذا كانت الثقافة لا تلعب دورًا مباشرًا في تشكيل الخصائص الجسمية للأفراد، فإنه من المعلوم وجود ثلاثة أجناس رئيسية من البشر (الجنس الأبيض، الجنس الملون، الجنس الأصفر)، وكل جنس من تلك الأجناس الثلاثة يتميز أبناؤه –خاصة المحافظون منهم على نقائهم العرقي- بخصائص جسمية مميزة، ومع تركز أبناء أحد الأجناس البشرية في نطاق جغرافي معين فإن ذلك يخلق ثقافة خاصة بهم، ترتبط بشكل غير مباشر بالخصائص الجسمية للأفراد الذين ينتمون إلى تلك الأجناس.

وفي بعض الثقافات التي تتسم بالعنصرية يكون لخصائص جسمية كلون الجلد والبناء الجسمي -والتي تظهر العِرق الذي ينتمي إليه الشخص- تأثيرها العميق على تفاعل الفرد في المجتمع.

كما تعطي بعض الخصائص الجسمية ميزة للفرد في بعض الثقافات، فتكسبه ثقة في نفسه تؤثر إيجابيًا عليه في المجتمع، فكونك طويلًا في أمريكا يعطيك مزايا كبيرة للحصول على الأعمال والقيام بالأدوار القيادية، بل وقد أظهرت إحدى الدراسات أن فرصة مرشحي الرئاسة الأمريكيين الأكثر طولًا في الفوز بالانتخابات أعلى من خصومهم الأقصر، وأن هذه الخصيصة الجسمية تؤثر بقوة على تصويت الناخبين!

والثقافة تتدخل أيضًا لتحدد الأزياء المقبولة وغير المقبولة في المجتمع، كما تحدد ما إن كان هناك زي يشيع بين أبناء المجتمع ويعتبرونه زيهم الشعبي كالساري في الهند والعباءة المطرزة في فلسطين.

وقديمًا، في الشرق والغرب، كان الناس من الطبقات الاجتماعية المختلفة يلبسون ما يدل على انتمائهم لها (السلطان- القاضي- الأمير- الشريف- الذمي- العامي المسلم- .......).

وتتدخل الثقافة كذلك لتحديد أنواع المجوهرات وشبيهاتها (الإكسسوارات) المقبولة، فبعض الثقافات التقليدية كريف وصعيد مصر لا تعترف بأي نوع من الحُلي إلا الذهب الأصفر، وينعكس المستوى الاجتماعي والاقتصادي للمرأة بناءً على ما تمتلكه منها. كما تعكس الحُلي الوضع الاجتماعي للفرد في كثير من الثقافات. في الثقافات الغربية تضع المرأة خاتمًا من الماس في الإصبع البنصر من اليد اليسرى كعلامة على أنها متزوجة، بينما يضع الرجل خاتمًا ذهبيًا. في بعض الثقافات الشرق أوسطية مثل مصر تضع المرأة خاتمًا ذهبيًا يُعرف بـ "الدِبلة" في ذلك الإصبع، بينما يكون خاتم الرجل غالبًا من الفضة.

وتؤثر الثقافات في تقبل الجنسية المثلية أو عدم تقبلها. في الثقافات العربية والتركية والآسيوية والأفريقية بوجه عام لا يُحترم ما يُسمى بالجنس الثالث! ويتم تحريم الشذوذ وتجريمه قانونًا، وأي مظهر يظهر به الإنسان يخالف المفترض في النظرة التقليدية لجنسه لا تكون متقبلة من أفراد المجتمع، ويتعرض الفرد للاستهجان بسببها، وذلك على عكس الثقافات الغربية التي تعطي لهم الحق في مخالفة الطبيعة الإنسانية، وتبرر لهم ذلك في إطار الحرية الشخصية!

ويصل أثر الثقافة حتى إلى طريقة تأثيث المنزل، وحجم الأثاث. في المجتمعات المصرية تصر العائلات على شراء حجرات كاملة كبيرة الحجم مهما كانت سعة المنزل، وبعض الأثاث كحجرة السفرة لا يُستخدم إلا نادرًا، وهناك ما يُعرف بالنيش الذي يمتلئ بأدوات مائدة لا تُستخدم إلا نادرًا في بيوت الطبقة الوسطى من المجتمع، ومع ذلك فهناك إصرار على تكبد الأموال لأجل شرائه وشرائها.

ولا يخرج الطعام عن قائمة ما تشمله الاختلافات الثقافية بين الشعوب؛ فلكل ثقافة أفكار فريدة تتدخل في تحديد ما يمكن أن يؤكل، وما هو لذيذ، وما هو مميز، كما تختلف كذلك عادات الطعام؛ حيث تتدخل الثقافة في تحديد مواعيد وجبات الطعام وأي الوجبات هي الوجبة الرئيسية التي تجتمع فيها العائلة. للثقافة أثرها كذلك في تحديد سلوكيات تناول الطعام. في دول شرق آسيا يستخدمون عودين من الخشب لتناول الطعام، وفي المناطق البدوية من شبه الجزيرة العربية يستخدمون أيديهم لتناول الطعام، بينما يشيع استخدام أدوات المائدة المعروفة في أغلب الثقافات المتحضرة. وتختلف كذلك طرق عرض الطعام، وما إن كان مسموحًا بأن يأكل الجميع من طبق واحد أم لا، من ثقافة لأخرى.

ختامًا ينبغي لفت الانتباه إلى ضرورة تفسير السلوكيات التواصلية في ضوء النوع (ذكر أو أنثى) والثقافة بحرص؛ لأنها أشكال من التعميمات للسلوكيات النمطية للجماعات، تساعدنا على فهمها، لكن تبقى للفروق الفردية كلمتها المحددة لسلوكيات الأفراد، ولتنظيم وتفسير مدركاتنا عن كل منهم.

 

د. منى زيتون

 

سليم مطرلقد عشت هذه الحكاية منذ سنوات عديدة عندما كان ابني (باسم) في المدرسة الابتدائية. كنا نسكن في حارة (SERVETTE) الشعبية في وسط (جنيف) السويسرية. وكنت يوميا اصطحبه الى المدرسة بسبب خطورة الشوارع. هناك تعرفت على (شارل) وهو اب لتلميذة في صف ابني. (شارل) رجل سويسري اشقر، طويل مثلي، وضخم، فيبدو كأنه محارب فيكنغ، لكنه عندما يتحدث يتكشف عن طيبة ورقّة.  منذ اول لقاء صرح لي بأنه ينتمي الى واحدة من تلك الطوائف الانجيلية الامريكية العديدة التي تجتاح اوربا والعالم، بعد ان هجر كنيسته الكاثوليكية. مع اللقاءات راح يطلعني على مطبوعاتهم محاولا بصورة مؤدبة كسبي. وانا كعادتي كان موقفي هو الفضول المعرفي وطرحي عليه الاسئلة الكثيرة. وكنت الاحظ ثمة عرج في قدمه اليسرى. وعندما سألته إندهشت من شرحه للسبب:

ـ انه الشيطان يا صديقي.. الشيطان يبث سمومه..

ـ كيف؟!!

ـ انت تعلم ان المسيح يكره العقاب، لكنه في طائفتنا يكلف الشيطان ليعاقب المخطئين من امثالي... نعم انا استحق ذلك لاكفر عن خطاياي..

لم اسأله عن ماهية خطاياه، لكني ابديت له استغرابي بأن طائفته لا تستطيع ان تساعده على التخلص من الشيطان، فاجابني:

ـ بالعكس، ان طائفتنا تشجع الشيطان على معاقبتنا، كي نتطهر في دنيانا من خطايانا، ونستحق دخول الجنة بعد الموت..

هكذا استمرت علاقتنا لطيفة في حوارات صداقية وكنت ابدي له اعتراضاتي بشكل خفيف دون الحاح. وقد تزاورنا عائليا وتعرفنا، انا وزوجتي (ماركريت -  أم باسم) وهي سويسرية، على زوجته (مادلين) وهي برتغالية.

مع الايام والاسابيع كان مرض (شارل) يتفاقم وانتقل أيضا الى رجله اليمنى . واستمر هو بتقديم الشكر للمسيح على تكليفه للشيطان بتطهيره بهذا العقاب!

*    *   *

ذات يوم بعد ان اوصلت ابني الى مدرسته، اخذت طريقي صعودا في الحديقة العامة الكبيرة. كنت متعبا في حالة غضب وهيجان بسبب بعض المتاعب في عملي. إذا بي اشاهد (شارل) هذه المرة بالكاد يستطيع السير متكئأ على عكازة وهو يسحب رجليه شبه المشلولتين! اتجهت اليه مندهشا، وقبل ان أسأله قال بصوت ضعيف ووجه منكسر:

ـ كما ترى يا سليم، انا استحق.. انا استحق.. المسيح يريد تطهيري من ذنوبي..

وإذا بي وكما يحصل لي في كثير من الاحيان عندما أكون متعبا وغاضبا، فقدت صوابي وانفجرت وارتميت عليه ومسكته من كتفيه بقوة ورحت اهزّه بعنف وانا اصرخ بجنون:

ـ اللعنة عليك وعلى طائفتك الشيطانية.. كن رجلا وارفض الخنوع لهؤلاء الدجالين. المسيح نبي المحبة.. المسيح نبي الغفران، فكيف تعقل انه يتحالف مع الشيطان.. كفى كفى لهذا الخنوع والمذلّه. فوق مالك يستلبون منك صحتك وكرامتك..  كن رجلا وتمرد ضد الشيطان وطائفة الشيطان.. تحرر واحبب نفسك لتستعيد صحتك.. هل فهمت!!

طبعا المسكين قد تفاجأ بردة فعلي هذه، واتخذ وجهه ملامح طفل مرتعب وهو يطلق حشرجات مخنوقة.

نفضت عنه يديّ وتركته، لأكمل مسيرتي وانا مستمر اصرخ بالشتائم ضد هذا العالم الذي يسيطر عليه الدجالون والمستغلون ويخنع له الضعفاء المساكين..

وكعادتي ايضا، بعد اقل من نصف ساعة هدأت وشعرت بالاسف والاثم لانه قسوت عليه. فعدت الى الحديقة ابحث عنه كي اعتذر منه وآخذ بخاطره، لكني لم اجده. لم اتجرأ الذهاب الى بيته خجلا منه ومن زوجته التي توقعت ان تكون غاضبة مني. في اليوم التالي كذلك لم التقيه. بعد يومين اخبرني (باسم) بان (ابنة شارل) قد تركت المدرسة وان المعلمة اخبرتهم ان عائلتها قد انتقلت الى مكان بعيد.

استغربت حصول هذا التغيير، ولكن لم يخطر ببالي ان له علاقة بالسلوك الذي بدر مني. مع الايام تناسيت الامر، ولكني بين حين وآخر كنت اتذكر (شارل) وأتسائل اين حل به الزمان، وهل فقد رجليه، او ربما قد قتله الشيطان ليطهره من خطاياه؟!

*    *    *

بعد مرور عام تقريبا، كنت اسير قرب المحطة، عندما سمعت صوتا اليفا يناديني بلهفة:

ـ سليم .. صديقي سليم..

وقبل ان اعرف من، اذا بشخص يرتمي عليّ محتضنا مقبلا.

أخيرا ها هو صديقي (شارل) امامي بقدمين صلبتين وهو يشع صحة وبهجة!؟

عندما جلسنا في المقهي حدثني بقصته العجيبة:

ـ لقد انقذت حياتي يا صديقي. لن انسى ابدا تلك الساعة التي واجهتني بالحقيقة التي كنت باشد الحاجة لان اسمعها، خصوصا من إنسان مثلك قلبه صادق وروحه تنطق بوجع الظلم. مباشرة عدت الى بيتي مفجوعا محطما، فوجدت زوجتي ورحت ابكي وانا اسرد عليها ما حصل، واكرر عليها كلماتك مرات ومرات لانها قد انحفرت عميقا في كياني.

كنت كالعادة اتوقع من (مادلين) ان تواسيني، لكنها هذه المرة قد صبّت الزيت على النار، إذ فوجئت بها هي الاخرى تعلن ثورتها عليّ  وتهددني قائلة:

ـ اسمع عزيزي (شارل)، ان صديقك (سليم) نطق بالكلام الصحيح، الذي كنت اكتمه في صدري ولا اتجرأ ان اصرح به احتراما لمشاعرك. ألآن اسمعني:

اما أن نهجر سويسرا ونغادر معا الى البرتغال، او اهجرك انا وآخذ ابنتي واعود الى بلادي. ليس امامك غير هذا الحل، كي تتخلص من طائفتك الشيطانية هذه، وتنقذ نفسك وعائلتنا.

وفعلا خلال يومين، جمعنا اغراضنا ورحلنا سوية الى قريتها في جبال البرتغال. هناك قامت زوجتي بجمع اقاربها واهل القرية في الكنيسة وبحضور الكاهن وسردت عليهم بالتفصيل حكايتي مع الشيطان. بعد المداولات اتفقوا جميعهم مع الكاهن على احاطتي بكل الرعاية اجل تنظيفي من كل  ما علق في روحي وبدني من عقيدة الشيطان، من خلال التراتيل والصلوات وبعض الطقوس والمياه المقدسة.

لقد لائمتني الحياة هناك بعيدا عن جنيف وصخب الحضارة وضغوطات الطائفة. ارتحت لطيبة الناس وللهواء العليل، ومشاركتهم في فلاحة مزارع العنب والفواكه. وفعلا بالتدريج أخذت آلام الرجلين تخف، وخلال بضعة اشهر اختفت تماما واستعدت صحتي واكثر من قبل. وها أنا كما تراني امامك، عدت شابا وأكثر..

قبل ان نفترق اخبرني بانه في زيارة قصيرة لبلاده سويسرا، لانه قد قرر هجرها تماما والاستقرار في قرية زوجته. اعطاني عنوانهم ودعانا انا وعائلتي لزيارتهم متى ما نشاء. وكانت آخر عبارة له وهو يحتضنني مودعا:

ـ اشكرك يا صديقي المسلم، لقد صالحتني مع المسيح..

 

سليم مطر ـ جنيف

 

صادق السامرائيالواقع المُعاش يتسيّد فيه الأموات ويندحر الأحياء، وبما أنه محكوم بالأموات فهو واقع ميت ومميت.

هذا الإستنتاج تشير إليه وتوضحه التفاعلات الحاصلة في مجتمعاتنا، إبتداءً من الخطب والتصريحات والكتابات بأنواعها، وما يتردد في وسائل الإعلام المتعددة.

فجميعها وبلا إستثناء ترفع رايات الأموات ولا تجد فيها وجودا للأحياء ولا تشم منها رائحة العصر، وكأن الجميع قد إنقطع عن زمانه ومكانه وإندس في غوابر الأجداث، فالأموات مقدسون والأحياء منبوذون.

ولا بد للأحياء أن ترتقي بسلوكها إلى ما كان عليه الأموات، أي أن تلغي المسافات وتختصر الوجود بحالة لميت ما، وتعيشها وتقدسها وتكرس حياتها لأجلها، حتى تتقرب إلى جنات النعيم وتتحرر من خطاياها وآثامها، فالدنيا بلا قيمة ولا معنى، وإن جوهر الكينونة في الموت والأموات، ولهذا نجد للموت مواكب تتدافع نحوها الأجيال، وتتساقط في وديانها الإرادات وتغيب معاني الحياة.

ومجتمعاتنا منشغلة بما يؤسس لمشاريع الإستثمار بالموت، وبما يستحضر الأموات على أنهم أحياء.

ومن المعروف أن المتاجرين بالدين يستثمرون ببضاعة الموت، وعندهم ما مات ما فات ولا آتٍ بعد أن مات مَن مات.

ولا يمكن لمجتمعاتنا المحكومة بالأموات أن تصنع حاضرا وتبني مستقبلا، إن لم تتحرر من سلطة الأموات، وتستوعب حاضرها وتستقدم مستقبلها، وتنطلق بإرادة إنسانية معاصرة متفاعلة مع مناهج العلم والعقل الإبداعي الإبتكاري الفعّال المساهم بصناعة الحضارة وبناء المستقبل.

فالأموات يقتلون جوهر الحياة فينا، ونحن الأحياء علينا أن نمارس حياتنا فهي مسؤوليتنا، وقوتنا ورسالتنا وأمانة علينا ان نصونها ونتواصل بها ومعها، لكي نعبّر عن معنى وجودنا وديدن بقائنا وإنطلاقنا الخلاق.

وهذا يعني أن لا بد من ثورة تنويرية ثقافية معرفية ضد الأموات الذين يتحكمون بمصيرنا، ويذيقوننا وجيع الويلات والحسرات.

إنهم ماتوا ونحن الأحياء، فلماذا نعيش في وهم أننا الأموات وهم الأحياء؟

فهل من قدرة على الإستفاقة من هذا الغي والجحيم الأليم؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

عبد الباسط محمدماذا عن الحلم الذى كنت تمتلكه وإنتهت صلاحيته؟ ماذا عن مستقبلك المظلم الذى لاتنيره بشعلة الأهداف؟ لماذا لا تؤمن بقيمتك وإمكاناتك؟ لماذا لا تسعى لسعادتك؟  لماذا لا تغير حياتك؟ لماذا تستصغر ذاتك؟ لماذا تضع ظروفك بقفص الاتهام جاعلاً نفسك مفعول به دائماً؟

كل هذه الإستفهامات المطروحة،  تقودنا الى القول وبلا شك إن رحى التطوير تطحن الجميع، فى عالم لا يقبل أولئك الذين يأملوا لايعملوا،  فالتميز بلا شك مطلبًا ملحًا في سبيل التنافسية الشرسة، وتحقيق الريادة والصدارة.  لكننا نأسف لما نسمعه  ونقرأه بين الفينة والاخرى عن شباب عظيم وبالرغم من عظمة إمكاناته الإ أنه قد توافقت معه التساؤلات المطروحة بالمقدمة واستفحلت، فيه حالات الإخفاق بل إنزلق فى مزالق فاسدة مظلمة.

وأننا على يقين بأن الفاعل الرئيس لذلك يتبلور فى أشخاص قد تسللوا الى مائدة التفكير الخاص بكثير من شبابنا، حاملين كلمات كما الامصال المسمومة تخدر العقول، بل قد تؤدى بها الى الدفن بمقابر الفاشلين، هؤلاء الاشخاص هم ما نطلق عليهم لفظة لصوص التفكير التى سطرنها بعنوان المقال .

بالتاكيد أنهم لصوص إعتادوا إجراماً خطيراً، أشد خطراً، وفتكاً من أؤلئك الذين يسرقون الأموال، و الممتلكات .أنهم  أشخاص تأزمت لديهم حالة الأنا، فنجد مفهومه للنجاح محتكر لأنفسهم فقط، ورؤيته لواقع غيرهم مرير، ومستقبلهم اليم حتى رؤيتهم لذواتهم اشد فتكاً، فيسقطوا تلك التأزمات على حياة الاخرين، وأهدافهم  فيسرقوها بنهنهاتهم، وتهكماتهم المحبطة، وأسلحتهم التى تقول (محال أن تفعل ذلك،ان ظروفك غير مواتية للنجاح،كيف لك أن تفعلها وفلان بذاته فشل، أن كل ما تفعله ليس له أدنى فائدة، أنظر حولك ستشاهد فلان وفلان على الرغم من أنه تفوق الا انه لم يعمل بعد) كلها كلمات ولدت من رحم أوهامهم وخبثهم وأنانيتهم .

فالخطر ليس خبث الأمصال هذه أن تطولنا نحن فحسب فتعصف بأفكارنا الاجابية، واهدافنا الطموحة، بيد أن مكمن الخطر فى أن تطول من يسيروا ورائنا أيضاً. سيكررون نفس ما نفعله ويقلدوننا حتى فى ارتكاب الاخطأ ويتجرعون نفس الأمصال المحبطة فينقلوها لغيرهم.

لذا نتحدث بإستصراخ لهؤلاء اللصوص فى عالم تقدمت فيه الالات، وتاخرت فيه نفوسهم أن يتوبوا عن هذه الجرائم النكراء،  اللعينة وأن يجعلوا النية الطيبة تتدفق فى شرايينهم .عندها سيغرسوا بذور التفائل فى حقول غيرهم، ويجنوا زهورها المتفتحة بحديقة المجتمع بإثره.

ونقول لمن يريد أن يتفوق فى دراسته، فى عمله، فى حياته،عليك أن تعلم تمام العلم بأنك شىء عظيم أوجدك الله لهدف، وغاية،ووضع فيك ما يميزك .مؤكداً قد تتعثر بطريق نجاحك، قد تفقد توازنك، قد تنطفىء، لكن عليك الا تتبرم من الصعوبات فهى بوابتك صوب الهدف والنجاح، وعليك أن تدرك أيضاً أنك لست أقل ممن نجحوا. فقط لا تلتفت لكل ما يحبطك، أنت وحدك من يستطيع أن يفجر طاقاتك، انت من تصنع سعادتك وتغير حياتك، تأمل نفسك وأعرف قيمتك جيداً واعلم أن معرفة اليوم تصبح عديمة الفائدة غداً، لذا طور نفسك آمن بامكاناتك .

أننا بحاجة إلى شباب يبعث الأمل لغيره، شباب لا يلعن الظروف، شباب متحرر من المقاهى والتعصب، متحرر من المهرجانات والعبثية. شباب لا يلهث فى كل خطوة يخطوها، شباب يمد يده ليوقد شموع العمل والأمل من جديد، شباب من أجل رفعة مصرنا الغالية.

قلمى يتركك وهو على أمل أن ترتب أهدافك، وتصحح خططك، وتقتل لصوصك بسلاح الاصرار، لتقى نفسك من كهف المجهول الفسيح.

 

الكاتب: عبد الباسط محمد

معيد بكلية التجارة جامعة بنى سويف

 

عماد عليالمشلكة في كركوك هي النظر اليها وكأنها ترسانة للمواد الطبيعية والذهب الاسود فقط دون الاعتبار الى اهلها وتاريخها وكيف تغيرت ملامحها من قبل الغادرين من الحكومات الدكتاتورية الجائرة، وكأن عندهم الانسان لا شيء امام المادة. هناك صراع محتدم خفيا كان ام علنا في المنطقة والدول المستعمرة القديمة التي تشارك بشكل خفي وقوي وباسلوب مخادع وبحركات وافعال وترغيب وترهيب من قبلالشركات الكبيرة المسيطرة على زمام السياسة الاستعمارية الحديثة وهي تصر على كيفية رسو سفينة كركوك وفق مصالحها.  ربما لا يعلم احد بان بريطانيا هي الفاعل القوي في اية خطوة حصلت قديما وتحصل حديثا وفيهذه المرحلة ازدادت تحركاتها وهمتها لانها تعتبر نفسها صاحبة الحق وتريد اعادة امجادها وما استغلته من الثروات وما كان في وقته نتيجة سيطرتها على مقدرات العراق في المرحلة التي انتدبته وسلبت خيراته لمدة طويلة، وهي لحد اليوم تعتقد بان لها الحق فيها. اما تركيا التي تريد اعادة امجاد العثمانية فانها تعمل وفق ما مترسخ في عمقها ولا شعورها ونظرتها الى المنطقة وكانها سلطان كل زمان وصاحبة البيت ولابد ان تعود اليها ما تريد وانها كركوك المدينة التي اُخذت منها عنوة كما تعتقد وتدعي بصراحة في كثير من الاوقات . اما اصحابها الحقيقيين وهم ضعفاء مغدورين لهم ظروفهم السياسية الاقتصادية المعقدة وليس لهم امكانية وقوة وضع النقط على الاحرف ليعلنوه صراحة بان كركوك تعرضت للسلب والنهب تاريخيا وجغرافيا وديموغرافيا ولنا كل الوثائق التي تدل وتثبت ملكيتها، وان من يدعون بصاحبية المدينة المظلومة هم لم يروها تاريخيا الا حديثا وجذبتهم اليها ثورتها ولم يكن سلفهم يعلم حتى اسم المدينة، فقوة الدولة ودكتاتوريتها هي التي فرضت التغييرات التي اصبحوا هؤلاء في موقع يمكن ان يدعوا زورا وبهتانا ما يقولونه اليوم، نعم الكورد وبعد ان حُرّم من الدولة في بدايات القرن العشرين من خلال نقض معاهدة سيفر وحلت محلها معاهدة لوزان، اخذ منه الحق وسلب منه التاريخ قبل المستقبل وغُدر به من قبل المعنيين الاقوياء والمتحالفين بطرق ملتوية وحيل وخداع معلومة لدى الجميع.

اليوم وبعد كل تلك التعقيدات المتراكمة منذ مدة ليست بقليلة فيظهر المزيفون والطامعون ويدعون زورا وهم يعرفون زورهم وبطلانهم ذلك قبل الاخرين، والعلة الكبيرة في كل تلك الادعاءات والزيف والتضليل هي وجود الذهب الاسود الذي اصبحا نقمة على اهلها كما هو حال المدن الخرى المماثلة كخانقين وسنجار والاماكن والمواقع الصغيرة الغنية في كوردسان باجزاءها الاربعة. وما نعلمه هو التغييرات الكبيرة في مراحل تاريخ هذه المدينة سواء ما رافقت مع التغييرات السياسية العامة للدولة العراقية ام مع تغيير اوضاع الكورد الذي تعرضوا للتسفير والترحيل والتعريب في اكثر مراحل تاريخهم في هذه المدينة، وهناك دلائل ووثائق لا يمكن لاحد انكارها تثبت احقية الشعب الكوردي فيها في الوقت الذي يجحد الاخرون  وبتبجح كبير على كل شي يخص صاحبها الاحق. ما يعمق الامر غصة هو الثقافة الشوفينية التي تحملها هذه الحكومات والنسبة الكبيرة من هذه الشعوب التي تعلم بانها تسرق وتسلب وتدعي العكس.

اليوم نحن في مرحلة مابعد الدكتاتورية كحكومة في العراق فقط ولا نزال في حال الدكتاتورية ثقافة ومرعفة، نرى الطامعين موغلين في ثقافة وفكر الشوفينية التي هي مستقرة في كيانهم وفي عمق من مد يده الى الباطل دون ان يهتز بدنه في التاريخ الحديث، والا عندما لم يُكتشف النفط فلم تكن هناك مشكلة حول طبيعة وتركيبة هذه المدينة والتاريخ يوضح لنا الاكثرية الساحقة لاهله دون اية مشكلة في الامر. اليوم وبعد التغييرات الديموغرافية التي حصلت على يد الدكتاتورية البعثية هناك من يريد ان يصدق الكذب المتكرر الذي اعيد صياغته من قبل الحكومات الشوفينية الطامعة على حساب اصحاب الحق الحقيقيين ويريد غدرا ان يبقي على الباطل، ويريدون بتكرار الكذب ان يصدقهم حتى اصحاب الحق ويترك لهم الامر كيفما ارادوا، ولكن الشعب الكوردي الذي اصبحت قضية كركوك والمناطق المستقطعة قضيته الاخلاقية والشرف والكرامة لا يمكن ان يسمح بسهولة لمن يريد الغدر مرة اخرى مستندا على الزيف، وسوف يصح الصحيح مهما كان وراء الزيف والغدر والكذب قوة غاشمة.

فكركوك هي القضية المركزية لجميع الشعب الكوردستاني ومن يتذكر جيدا الثورات فانه يعلم بانه لم تكن هناك حتى مساومة  تكتيكية في هذا الامر والتي اعتبرت كفرا وحنثا بالعهد والشرف على هذا الحق التاريخي الذي اصبح صلب شرف امة وماضيه ومستقبله وحقه المهضوم الذي يريد استرجاعه مهما بلغت التضحيات الجسام والتي سالت دماء من اجله ولازال ابناءها مستعدين لتقديم اكثر رغم الفجوات في عقلية القادة الكورد الذي لا يعملون باستراتيجية تتطلبها القضية وحقيقتها، وحتى يطمئن من يتخيل بانه سوف يمد في غدره اكثر فيما يعتقد ويريد ان ينفذ غيه، فيجب ان يتذكر بان ابناء هذه المناطق هم في طليعة الثورات الكوردستانية وكانت عينهم باصرة  على كركوك وان كانوا في اية منطقة اخرى في كوردستان وقدموا الكثير ولازالوا مستعدين مهما ضاعفت التضحيات.

ان ابسط الحلول في هذه المرحلة الت ينعيشها وسيطرة لغة العصر والحق هو اعتراف من هو وافد تاريخيا وليس ابان النظام الدكتاتوري فقط باصلهم وفصلهم الحقيقية ويطلبوا مساعدة من اصحابها لضيافتهم وتامين جياتهم.

اما العقل السليم هو التعامل مع الواقع الموجود بفكر وعقلية عصرية تقدمية وعدم انكار الحق وبحوار ولكن دون الدخول في امور زائفة صنعتها الحكومات الدكتاتورية والادعاء بغير الحق من اجل تضليل المقابل، لان الجميع يعلم بان المدينة لها صابحها الحقيقي وشعبها العتيد ولا يمكن ان يتنازلوا ابدا عن حقوقهم، وما لحق بها الغدر ازدادت همة ابناءها وقوت ايمانهم بتمسك بحقهم مهما بلغ الامر تعقيدا.

 

عماد علي

 

العلمانيون هكذا يبحثون عن شطط القول وضعيف الحديث حتى تنفتح قريحتهم ليكتبوا عن ما يؤمنوا به من خيالات، واغلب ان لم يكن كل علمانيي شمال افريقيا (مصر الجزائر المغرب تونس) يبحثون في كتب البخاري ومسلم لكي يؤكدوا ثقافتهم ويطعنوا بثقافة الاسلام، اما الكتب الامامية فلا تخلو من الاحاديث الضعيفة ولاننا لا نسلم بصحة كل ما جاء في كتبنا أي ان الروايات خاضعة للتمحيص سندا ومتنا لذا فانهم يتجنبون كتب الامامية .

وهكذا الدكتور المرحوم علي الوردي هنالك ترسبات في عقله يبحث عن ادلة لاثباتها وافضل دكان يجد فيه ضالته هو دكان ابي هريرة فقد انتقى حديثا له ولم ينقله نصا وبتره بقول الوردي " قال النبي محمد:" الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام" لعله يقصد بهذا القول إن الشرير الظالم العاتي لا ينقلب خيّراً تقياً بمجرد دخوله في الإسلام. فهو قد يبقى ظالماً عتياً ولكنه يطلي ميوله الظالمة بطلاء من الصوم والصلاًة أو من التسبيح والتكبير"

لاحظوا ان الحديث مبتور وجملة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام مشروطة بالعبارة التي بترها الوردي وهي اذا تفقهوا وفي مكان اخر اذا فُقهوا، ونص الحديث "النَّاسُ معَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيارُهُمْ في الإِسْلامِ إِذَا فَقهُوا"...لاحظوا الاختلاف في النقل

النقطة الاخرى يقول الوردي لعله أي النبي محمد (ص) يقصد، أي انه غير متاكد ما المقصود من الحديث ولو لم يبتره لبتر( لعله ) وسكت ولكنه ماذا يفعل لديه اتهامات للمصلين والمسبحين لكي ينتقصهم امام الراي العام ويريد لها دليل .

اما في الكافي للكليني عندما اورد الحديث كتب في الهامش " روى العامة هذا الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) هكذا " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا تفقهوا " ويحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد أن الناس مختلفون بحسب استعداداتهم وقابلياتهم وأخلاقهم وقولهم كاختلاف المعادن فان بعضها ذهب وبعضها فضة فمن كان في الجاهلية خيرا حسن الخلق عاقلا فهما ففي الاسلام أيضا يسرع إلى قبول الحق ويتصف بمعالي الأخلاق ويجتنب مساوي الأعمال بعد العلم بها والثاني أن يكون المراد أن الناس مختلفون في شرافة النسب والحسب كاختلاف المعادن فمن كان في الجاهلية من أهل بيت شرف ورفعة فهو في الاسلام أيضا يصير من أهل الشرف بمتابعة الدين وانقياد الحق والاتصاف بمكارم الأخلاق، فشبههم (عليه السلام) عند كونهم في الجاهلية بما يكون في المعدن قبل استخراجه وعند دخولهم في الاسلام بما يظهر من كمال ما يخرج من المعدن ونقصه بعد العمل فيه".

هذا التفسير يغفل عنه او لا يريد ان يطالعه لانه ينسف ما يريد ان يقوله .

والان دعنا نناقش رايه بمن يضمر السوء ويقيم الصلاة، فالاسلام عليه بظاهر القول والتصرف واما ما يضمر في قلبه فهذا من شان الله عز وجل، وبالنسبة لمن يؤدي العبادات وياتي بنقيضها فلو كانت ظاهرة فانه يستحق الجزاء عليها حسب نوعها فالتي فيها تجاوز على حقوق الاخرين فانها تسترد ويعاقب حتى لو قام الليل صلاة والنهار صياما فلا علاقة لها بمن يقترف الذنب لان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ومن لم ينته فان صلاته قد تكون صحيحة ولكنها بالتاكيد غير مقبولة ان ثبت اقترافه الفحشاء.

ولماذا لم يلتفت الوردي الى روايات اهل البيت عليهم السلام التي تؤكد على الخير والايثار والتصرف السليم وان يكونوا زينا لاهل البيت وليس شينا، ولا يجوز الحكم قبل الجناية والجناية هي ظاهرة وليس ما يضمر في القلب

 

سامي جواد كاظم

 

شاكر فريد حسنفي العام 1992 ظهر في الساحة اسم مقنع يحمل كنية "أحمد منير"، بدأ يكتب زاوية في صحيفة " الاتحاد " الحيفاوية العريقة، بعنوان " معاتبة / مداعبة "، تراوحت بين اللسعة والغمزة واللفتة واللمحة والملاحظة . وما ميز كاتب الزاوية الصراحة والجرأة والشجاعة الأدبية، التي نحتاجها في حياتنا الثقافية، بعيدًا عن التملق، ومثلما قال الشاعر حسين مهنا في حينه، مخاطبًا أحمد منير: "أكتب، أكتب لنا الوانًا من النقد الموضوعي الذي لا يتملق قريبًا ولا بعيدًا، كبيرًا وصغيرًا " .

ولم نعلم نحن الكثير من الأصدقاء وأهل الأدب الا بعد فترة، أن احمد منير هذا ما هو إلا أ. د . فاروق مواسي، الشاعر والناقد والقاص واللغوي والقارئ الجيد، وذلك بعد ان أن باح بالسر المحرر الادبي للصحيفة وكشف للبعض اسم احمد منير الحقيقي .

وكان الأحمد / الفاروق قد كتب وتناول الشعراء الكبار أمثال: سميح القاسم، جورج نجيب خليل، فدوى طوقان، شفيق حبيب، تركي عامر، أحمد حسين، ميشيل حداد، حنا أبو حنا، نبيه القاسم، ومحمد علي طه، وكذلك لم ينس ان يكتب عن كشاجم باقة ايضًا .

وقد جمع الشاعر محمود مرعي من المشهد هذه الكتابات، وأصدرها فيما بعد بكتاب، يمثل أجرأ وأصدق الكتابات النقدية في مشهدنا الثقافي وحياتنا الادبية .

فماذا قال أحمد منير عن الفاروق ؟!، فلنقرأ : " صديقنا فاروق مواسي، وسنغيظه أولًا لاننا لم مسبّق اسمه باللقب الاكاديمي، يحاول ان يلم من كل علم بطرف، فهو يريد ان يكون الشاعر والناقد والباحث والقاص واللغوي والمربي و ... ناسيًا ان التخصص ضرورة ملحّة لمن يريد ان يتقدم في ميدان ما، فلماذا نجده في كل عرس له قرص؟ ألا يخاف ان يخرج من المولد بلا حمص، وشانه يكون كشأن الباحث عن جلده .

تذكرت أن مجلة "الحصاد" التي كانت تصدر في رام اللـه كتبت ذات مرة على لسان عصام العباسي ان مواسي هو " كشاجم "، تيمنًا بكشاجم الرملي . زلمن لا يذكر سبب هذا اللقب : إن هذا الاسم هو تجميع لحروف، فالكاف أول " كاتب "، والشين اول " شاعر " والالف اول " اديب " والجيم اول " جواد "، والميم اول " منجم "، ولكن المرحوم عصام العباسي قصد في " الميم " لدى مواسي انها اول " مؤلف " .

فهل، صدّق مواسي انه يجب ان يكون كل هذه معًا ؟ الا يخاف ألا يكون في أي واحدة منها ؟

اننا ننتظر من مواسي ان يستمر في عطائه، ولكن باتجاه واحد ومنحى محدد، حتى يكثف تجربته، ويغني أسلوبه أكثر، لا ان يمسك ست بطيخات معًا . وسأقتطف مقطعًا من قصيدة لمواسي تحمل العنوان " فاروق مواسي " (اسمه بالتمام والكمال ؟ّ!!) لعل في قوله عبرة :

" فاسلك سبيلك أيها الفاروق من بدء الضياع

وابدأ طريقك موعظة

كرّز وأوجز !

لو تختزل !"

وتحية حب رغم كل ذلك .

فلصديقي، وصنو أخي الراحل نواف عبد حسن، وصديق العائلة، ب . فاروق مواسي (أبو السيد)، تحية مصمصية عطرية ندية دافئة، تتماهى مع تحية صديقنا المشترك الشاعر والزجال الشعبي الأستاذ تميم الأسدي، متمنيًا له العطاء الوافر، والحياة العريضة المديدة الجميلة .

 

كتب: شاكر فريد حسن

 

حسن حاتم المذكور1 - عبد الكريم، كل عام وانت الشهيد الحي، لا زالت قلوب العراقيين وسيوف انتفاضتهم معك، جوع ودموع ملايين الأرامل والأيتام وحسرة المعاقين، وانتظارالنازحين والمهجرين والمهاجرين معك، وجرح العراق لا زال ينزفك، كنت اقرب الأتقياء الى قلب الله، واقرب الشهداء الى قلب الوطن، سقطت الأقنعة عن خيانات التاريخ الزائف، ومثلما كانت القومية عاهرة، فالأسلام السياسي اكثر عهراً، الأشتراكيات والديمقراطيات والرسالات الخالد والمقدسة، كانت ولا زالت اوكاراً للشياطين ومجزرة للضحايا، القومية العربية خانت نفسها بقتلك في شباط 1963، والكردية فتحت ابواب قوميتها، لكل عابر سرير دولياً كان ام اقليمياً، مراجع الأسلام السياسي، خانوك وخانوا الله معك، اليسار الذي تخلى عن مشروعك الوطني، يحمل اسمال برامجه، سائر خلف حثالات السائرون بلا عودة، وان استذكروا ثورتك، فقط للأساءة اليك، حتى ينسلوا من مسؤوليتهم عن ضياعها.

2 - جميعهم سقطوا في مؤبد الفساد والأنحاط، يلف عنقهم حبل العمالة والخيانات، لم نصدق، ان مذهب اهل البيت، يصبح يوماً مصيبة شعب، واحزابه كبيض فاسد، كلسها ابيض وداخلها عفن معتق، والقضية الكردية التي تضامن معها ابناء الجنوب والوسط وضحوا، كانت في الأساس (بلا قضية)، عشائر جاهله متخلفة تمتهن التهريب، نساها المد العثماني، لوثة على ارض العراق، كل ارثها بغال وانابيب وصهاريج لتهريب الثروات العراقية، وما تركته عروبة البعثيين واخوانچية المتأسلمين، ليس الا جراح لا زالت تنزف الخذلان والبيانات الأولى ومراسيم الصباحات السوداء، لا تفزع يا قمراً، يعود بعد كل غياب، ففي العراق لازال العراق، ومشروعك التموزي لازال نابض في قلوب العراقيين.

3 - الصهاينة الذين قاتلتهم في فلسطين، اصبحوا الآن جارتنا الشمالية، تشكل لنا حكومتنا، وتدير شؤون سلطاتنا التشريعية والتنفيذية والقضائية ورئآسة جمهوريتنا معها، تهرب النفط العراقي الى موانئها، عبر مينا جيهان التركي، ولها 20% من الموازنة، تتمدد في جغرافية كركوك والموصل وديالى وتكريت، ولها دائماً متنازع عليها مع كل تمدد جديد، ضاق الوطن على ابناءه، فاصبح شماله بغداد والبصرة جنوبه، لا شرق له ولا غرب، بمقدساتنا في النجف وكربلاء، احتلتها واستوطنتها ايران، واصبحت خارج حدود دولتنا، واضرحة أئمتنا فيها رهائن، محكومة بالمؤبد، تديرها مراجع ايرانية وتحرسها مليشيات ايرانية، ومن هناك تدير برنامج افقار وتجهيل واذلال مجتمع الجنوب والوسط، مع كل هذا وذاك، لازالت رئة العراق، تتنفس مشروعك الوطني، واسمك عنوان نهضة قادمة من قمر انت فيه.

4 - عبد الكريم: جميع انجازات ثورة الرابع عشر من تموز / 1958،  الكبيرة، احتلتها ايران بعد عام 2003 واستوطنتها، ورفعت على واجهاتها جداريات مجنديها، يتيمتك مدينة الثورة، وبعد ان اغتصبتها جداريات صدام حسين، اعادت اغتصابها اسماء ال الصدر، هكذا بالنسبة للهويات التاريخية لجميع محافظات الجنوب والوسط، احتلتها جداريات ال الحكيم، واسماء اخرى لا علاقة لها بتاريخ الأرض، لا تحزن يا صديقنا، انه قدرنا الأبتر، ان يصبح رئيس حكومتنا (اثول) وكأستحقاق  برزاني، يتشاطر في اهداء وبيع العراق بالجملة والمفرد، حثالات الفساد والعمالة والأنحطاط، تتكاثر كالديان في اجساد اوطان اذا ماتت شعوبها، بنات وابناء العراق، والجنوب منهم بشكل خاص، يحاولون ان لا يموتون اكثر، ان ينهضوا ويمدوا صوت انتفاضتهم، الى حيث معاقل الحثالات، ليعيدوا الحياة للمشروع الوطني لثورة الرابع عشر من تموز 58 الوطنية.

 

حسن حاتم المذكور

 

علجية عيشكان موقف الجزائر  من الأحداث الليبية هو إيجاد حل سلمي يقي ليبيا من خطر التدويل وما يتبعه من تدخل اجنبي، فضمت صوتها إلى الإتحاد الإفريقي، لكن النتيجة هي أن الثوار الليبيون وجهوا للجزائر اتهامات بأنها أرسلت مرتزقة جزائريين ليقاتلوا في صفوف الميليشيات الموالية للقذافي، الأمر الذي كذبته الجزائر، وظلت العلاقات بين الجزائر وليبيا يشوبها التوتر إلى حين سقط القذافي فعادت العلاقات إلى سائر عهدها

تتقاطع الجزائر بالساحل الإفريقي بفضل انفتاحها الجغرافي بحيث يجمعها بالساحل الإفريقي أكثر من 2837  كلم بنسبة 44 بالمائة من مجموع حدودها البرية  الممتدة على 6343 كلم، فضلا عن امتدادها الطبيعي فهي تتقاطع عبر متغيرين اساسييتن  هما امتددات قبائل “التوارق” وتزايد النشاط الإرهابي بالمنطقة، فالنظام الليبي مبني على أنه النظام الذي يحكم فيه الناس أنفسهم من دون وصاية عن طريق المؤتمرات الشعبية التي تتولى اللجان الشعبية تنفيذ قراراتها، فكان نظاما فريدا من نوعه مبني على شبه مؤسسات شعبية، يبقى المجتمع الليبي مجتمع الدولة المارقة، ففي تقرير له منشور على صحيفة إلكترونية slate afrique  للدكتور منصور لحضاري من جامعة المسيلة، فسياسة القذافي ارتكزت على دعم التوارق ودعوتهم إلى تمكينهم من بناء وطن قومي لهم في الجزائر، وهو ما أثار امتعاض الدول المعنية بتواجدهم على أراضي كالجزائر، فكانوا موالون له وانضموا للقتال في صفوف ميليشياته، وبعد سقوطه عادوا إلى قبائلهم بصحراء الساحل الإفريقي فاندمجوا في الفصائل المحاربة لحركات الأزواد، علما أن الأوضاع في ليبيا عرفت بحركة 17 فبراير، بدأ فيها الحديث عن حقبة ما بعد القذافي،  وظهرت سيناريوهات متعددة في حال انهيار النظام، وقيام آخر على أنقاذه، تمثل ذلك في سلسلة من اللقاءات في العواصم العربية (قطر) والغربية (لندن، باريس وروما)، ما حصل في ليبيا هو تحالف بين السلطة والثروة، اي النظام الذي استولى على الحكم ووزع مفاتيحه على ابناء عائلة القذافي، وهو شبيه إلى حد ما بالمرحلة البوتفليقية وكيف استولت جماعة من الأشرار على السلطة واقتسمت الريع.

تقول دراسات أن منطقة المغرب العربي هي الآن في مفترق الطرق بفعل الأحداث الجارية في ليبيا التي تحولت من ثورة شعبية إلى نزاع مسلح في شكل حرب أهلية شاملة، وهذا يثير تخوف كبير لدى الجزائريين من أن تنتقل هذه الشرارة إلى الجزائر في ظل الحراك الشعبي ومطالب تغيير النظام من جذوره، ولا شك أن الحرب الأهلية في ليبيا ستحمل معها في حالة استمرارها الكثير من المخاطر  قبليا،  لقد عرف الزعيم القذافي أكثر سندا للقضايا العربة خاصة الظروف التي  عاشتها مصر وتونس وخلع الرئيس حسني مبارك وبن علي،  وكان يعبر عن قوميته بالقول: “معمر القذافي ليس له منصب حتى يستقيل منه كما فعل الرؤساء” وكان يقول ايضا: ” معمر القذافي ليس رئيسا بل هو قائد.. هو الثورة، هو التضحية، هو المجد، هو التاريخ” ثم يقول: “أنا ليبيا”،  وكان يصف نفسه في القمم العربية والمحافل الدولية بأنه عميد الحكام العرب وملك ملوك افريقيا، كما كان يصف نفسه بإمام المسلمين وصاحب المكانة العالمية، ومثلما جاء في تقرير adrien hart صحفي متخصص في الشؤون الإفريقية، بعد سقوط القذافي عرفت ليبيا  انفلاتا أمنيا، مكن من انتشار ما كانت تحوزه ليبيا من أسلحة الأمر الذي انعكس على منطقة الساحل التي كانت سوقا لترويج السلاح المتطور والخطير.

فقد أعطت الأزمة الليبية نفسا جديدا للجهاديين في الساحل الإفريقي، ليس على ليبيا فقط بل على المغرب العربي كله بما فيها الجزائر، حسبما جاء في تقرير خبراء مغاربة  آمنوا بفكرة اندماج المغرب العربي وتوحيد قضاياه، فخير وصف لهذه الأوضاع الرسالة التي كتبها الرئيس التونسي لحبيب بورقيبة بعثها إلى الملك إدريس السنوسي عند سفره إلى طرابلس، عندما وصل الرئيس الأسبق  جعفر النميري إلى الحكم في السودان عن طريق انقلاب عسكري في ماي 1969 وجاء فيها:  بلادكم الشاسعة التي حباها الله  بثروات كبيرة تشكو من فراغات ثلاثة: فراغ ديمغرافي، سياسي وفراغ ثقافي، وهذه الفراغات هي التي مهدت لمجيئ القذافي إلى السلطة في ديسمبر 1969، والتعامل مع هذه الفراغات يتطلب جهدا كبيرا، وبحكم الحدود المشتركة (982كلم) تعتبر الجزائر ما يحدث في ليبيا تهديدا لأمنها القومي، والتخوف من انتقال الأسلحة إلى عناصر إرهابية في أراضيها وفي الساحل، ولمواجهة ذلك يرابط الجيش الوطني الشعبي وحرس الحدود في المناطق الحدودية مع ليبيا، لمواجهة الإرهاب وجرائم التهريب من وإلى ليبيا، مع التزامها الحياد حيال الأطراف المتصارعة وتعارض في نفس الوقت أيّ تدخل أجنبي ودعمها طرف ضد طرف آخر يعرض ترابها لمخاطر أمنية عكس المغرب الذي له هامش الحرية أكثر من الجزائر،  بحيث لا يعتبر المغرب الوضع في ليبيا تهديدا مباشرا لأمنه القومي.

 

قراءة علجية عيش

 

قال تعالى" إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ".

يعاني العراق اليوم من آفتين خطيرتين للغاية وأعني بهما آفتي الإبتزاز والإختلاس اللتين مزقتا النسيج المجتمعي وأصابتا السلم اﻷهلي وإقتصاد البلاد بمقتل، اﻷول منها يُعرف على أنه التهديد بإفشاء أو نسبة أمور شائنة بهدف الحصول على ربح غير شرعي له أو لغيره والضغط لتوقيع محررات لنفس الغرض، وقد أسهمت الثورة المعلوماتية وتحول العالم الى قرية صغيرة بفعل وسائل الإتصال الحديثة وإستشراء مواقع التواصل الاجتماعي على انتشاره كالنار في الهشيم بما يعرف اليوم بـ"الابتزاز الالكتروني" واغلب ضحاياه من النساء حتى إن المحاكم لتغص اليوم بمئات الملفات والقضايا التي تتعلق بهذه الكارثة التي لم يكن لمجتمعاتنا المحافظة معرفة بها ولو بالحد اﻷدنى الى قبل عقد ونيف من الزمن ما تسبب باﻵف حالات الطلاق والتفكك اﻷسري والخيانات الزوجية وإنعدام الثقة وقطيعة اﻷرحام بل والقتل والإنتحار والنزاعات العشائرية ايضا، ما إستدعى تنظيم عشرات المؤتمرات والندوات وورش العمل لبيان خطر الابتزاز الالكتروني وإستعراض الطرق المثلى للوقاية منه وسبل الحد من مخاطره المرعبة !

الاختلاس بدوره أصبح ظاهرة بشعة للغاية يمارسها الكثير ممن يتسنمون المناصب العليا والدنيا ويؤتمنون على المال العام للحفاظ عليه واذا بهم يستغلون مناصبهم لسرقة ما أؤتمنوا عليه مع تزوير الوثائق والمستندات والعقود ذات العلاقة لإخفاء معالم جريمة الاختلاس وتقاضي الرشى أو دفعها لهذا الغرض، ومن ثم حرق الطوابق المخصصة لحفظها عند إفتضاح جرائمهم النكراء ليدون الحريق ضد التماس الكهربائي كما جرت عليه العادة وليفلت المختلسون والمرتشون والمزورون من العقاب وإفتعال الحرائق المتعمدة على سواء !

وأشد ما يحزنني في هاتين الجريمتين البشعتين هو الإنحياز المتعمد بتناولهما وضيق الافق في التعامل معهما انطلاقا من العصبيات بمعنى تضخيم إختلاس الخصم السياسي، العرقي، المذهبي، العشائري، الديني، وإشهاره والتشهير به أمام الملأ مقابل تقزيم إختلاس التابع والمريد وإخفائه أو التقليل من شأنه وكأن شيئا لم يكن، إضافة الى الإقتصار على تناول الابتزاز الالكتروني برغم خطورته فحسب من دون بقية انواع الابتزاز الشائنة اﻷخرى التي لاتقل سوءا عنه كالإبتزاز السياسي الذي تمارسه اﻷحزب والكتل والتيارات المتنفذة ضد بعضها سرا وجهرا كوسيلة ضغط للحصول على المناصب التي تطمع بها انطلاقا من ميكافليتها التي أرضعتها صناعيا وطبيعيا، وكذلك الابتزاز الفضائي الذي تمارسه القنوات المملوكة لسياسيين من المال الحرام وعادة ما تلجأ تلكم القنوات من خلال نشراتها الاخبارية وبرامجها الحوارية - التوك شو - الى استضافة سياسيين يلوحون بفضح ملفات فساد معينة ضد جهات مناوئة من دون الاستغراق بتفاصيلها وﻻ الكشف عن أسماء المتورطين بها ليتم الاتصال بعيد البرنامج بإدارات تلك القنوات لتسوية القضايا العالقة بعيدا عن الضوضاء مقابل وعد بمناصب أو عقد صفقات مشبوهة أو التكتم على ملفات فساد مشابهة يمتلكها الطرف اﻵخر ضدهم لتظل طي الكتمان لطالما احتفظ الطرف اﻷول بسكوته وبناء عليه فأنا لا أثق كثيرا بتلك البرامج التي تزعم كشف الحقائق للناس مع انها لاتكشف الحقيقة بقدر الإبتزاز والتعتيم عليها واقعا ما يفسر لنا أسباب تقلب مقدميها وانقلابهم على المستضافين خلالها بين مدح وقدح بين فينة وأخرى فمن يتابعهم يعلم يقينا حجم نفاقهم وتقلباتهم وتغيير جلودهم بين حوار وحوار حتى أن عدو اﻷمس وفاسده الخائن العميل على حد وصف الحلقات السابقة لذات البرنامج يصبح ولي اليوم الحميم ونزيهه الوطني الشريف بقدرة قادر ..وﻻيفوتني التذكير بالابتزاز الدولي والاقليمي بحق العراق وشعبه الصابر فأميركا تبتزنا منذ عام 1990 وتفرض علينا شروطا تعجيزية لتنفيذ اجندتها واﻻ فالحصار والدمار والمقاطعة قائمة لحين الامتثال لإبتزازها المستمر لافرق في ذلك بين رؤساها الجمهوريين والديمقراطيين، ولن ننسى ابتزازات دول الجوار الاقليمي المتواصلة منذ 29 عاما لتحقيق مصالحها وفرض اراداتها على المشهد العراقي برمته ف بدءا بأيران وانتهاء بالسعودية مرورا بالكويت وتركيا وسوريا، فهذا يبتزنا بالمياه وذاك بالكهرباء واخر بالديون ورابع بترسيم الحدود والابار النفطية المشتركة وهكذا !

ولشحذ الذاكرة بشأن الابتزاز السياسي لمنعه والحيلولة من دون تكراره حسبي أن اتناول جانبا من الفظائع التي تسبب بها على مر التأريخ المعاصر واستهلها بـعبارة "سيكون شعبي فخورا بي بالتأكيد" التي أطلقها الرئيس الاندونيسي الاسبق احمد سوكارنو المغرم بالنساء والضعيف أمامهن مدوية حين حاولت المخابرات الروسية إبتزازه بصور فاضحة سجلتها له خلسة في موسكو، تماما كتلك التي صورت له في القاهرة بكاميرات سرية لطالما نصبها رئيس المخابرات العامة المصرية سيء الصيت والسمعة " صلاح نصر " للايقاع بضحاياه، نصر الذي جند 100 فتاة بينهن ممثلات شهيرات أبرزهن سعاد حسني، لتصوير كبار المسؤولين والسياسيين المصريين والعرب بأوضاع مخلة ومذلة لضمان السيطرة عليهم وابتزازهم، نصر الذي نجح بإغواء المشير عبد الحكيم عامر بالزواج العرفي من ممثلة الاغراء، برلنتي عبد الحميد لإبتزازه والسيطرة عليه وهما أحد أسباب هزيمة حزيران عام 1967 أمام الكيان الصهيوني المسخ وضياع القدس والضفة الغربية وسيناء والجولان بستة أيام فقط لاغير ليدخل الاعور الدجال موشي دايان ويقف عند حائط البراق - حائط المبكى عندهم - منتشيا بالنصر الذي صنع بفروج الغانيات والمطربات والراقصات ودواعر ضباط اﻷمن والمخابرات العرب آنذاك الغارقين بالجنس والخمر والمخدرات ما أسفر عن ضياع اﻷوطان والمقدسات حتى كتابة السطور، المبتزون الوضيعون الساديون هؤلاء على شاكلة صلاح نصر المصري وناظم كزار العراقي ورفعت الاسد السوري، كانوا يتنمرون على أبناء جلدتهم ويذيقونهم سوء العذاب ويتبخترون أمامهم، فيما كانوا يخطبون ود أعدائهم ويتبخرون ويتضاءلون حيالهم تماما كما قال الشاعر في أمثالهم قديما :

أسَـدٌ عَلَيَّ وَفي الحُروبِ نَعامَــةٌ رَبْداءُ تجفلُ مِن صَفيرِ الصافِرِ

وقد تناولت الافلام العربية - جرائم نصر - كما تناولت الابتزاز المختلط بالجنس لخطورتها حتى قبل دخول الهواتف الذكية بسنين طويلة وأشهرها فيلم " ابتزاز " 1999 بطولة جميل راتب الذي ناقش أربع قضايا كل واحدة منها أشنع من اﻷخرى وكلها موجودة بين أظهرنا حاليا "الجشع، الاغواء، القتل العمد والإيهام على انه انتحار، الابتزاز " .

أما عن أشهر ثلاثة إفلام عربية تناولت جريمة الاختلاس أو حامت حولها فهي فيلم " أم العروسة " بطولة عماد حمدي الذي يقرر إختلاس المبلغ الذي بعهدته المالية لتزويج إبنته وقد رشح الفيلم ﻷوسكار افضل فيلم ناطق بغير الانكليزية، وكذلك فيلم " رمضان فوق البركان " لعادل امام الموظف الذي يختلس حقيبة رواتب الموظفين للزواج من حبيبته فيُسرق على يد عصابة استبدلت حقيبته بأخرى، وفيلم " ولدي " وهذا له قصة عجيبة خلاصتها ان منتج الفيلم وهو موظف وقع في غرام الفنانة كاميليا التي عشقها الملك فاروق والتي قضت لاحقا بإنفجار طائرة غامض أودى بحياتها عام 1950 قيل أن فاروق هو من دبره لها وسبق لكاميليا التي طبقت شهرتها اﻵفاق آنذاك أن اتهمت بالتجسس لصالح الكيان الصهيوني ﻷن والدها كان يهوديا " منتج الفيلم اختلس أموالا من الشركة التي يعمل بها لإنتاج الفيلم بغية التقرب الى حبيبته على امل اعادة ما اختلس الى الخزنة من أرباح الفيلم اﻻ انه كان عاثر الحظ اذ افتضح أمره وسجن اثناء عرض الفيلم الذي منيُ بفشل ذريع فـ - ضاع الخيط والعصفور - !

ولو تأملت في قصص الافلام الثلاثة وكواليسها مجتمعة لتوصلت الى أنها تريد تبرير جريمة الاختلاس وشحذ العواطف تجاه المتورطين بها حتى أن المشاهد وطيلة مجريات الفيلم يتمنى لو يتم إعفاء المختلسين من العقوبة وأن يتم سداد ما بذمتهم من عهدة مالية عبثوا بها للضرورات غير الملجئة وهذا لعمري أس الفساد والافساد والضحك على ذقون المشاهدين والعبث بمشاعرهم وعقولهم، وربما لتبرير الاختلاسات والسرقات لخزينة الدولة التي يقوم بها رجال السلطة النافذين آنذاك !

المشرع العراقي تعامل مع جرائم الابتزاز ضمن قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 وادرجها ضمن جرائم التشهير"، أما جريمة الاختلاس المخلة بالشرف فهذه تشكل مع التزوير والرشوة والابتزاز والتهديد بالتشهير وتشويه السمعة أكبر بوابة لسرقة المال العام والخاص والعبث به والاستيلاء على عقارات الدولة وممتلكاتها وتحويل ملكيتها في العراق ويعاقب عليه بحسب المواد (315-320) من قانون العقوبات (111) لسنة 1969 اذ نص القانون على عقوبة الاختلاس بـ "يعاقب بالسجن كل موظف او مكلف بخدمة عامة اختلس او اخفى مالا أو متاعا أو ورقه مثبته لحق أو غير ذلك مما وجد في حيازته".

وخلاصة أسباب النجاة من كل ذلك الهرج والعبث الذي أحاط بنا إحاطة السوار بالمعصم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم (إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا) فأين نحن من كل تلكم التعاليم السامية والمثل النبيلة التي اوصى بها النبي الاكرم صلى الله عليه وسلم وحيا من الشارع الحكيم ؟ وفي حديث شريف آخر قال الحبيب الطبيب صلى الله عليه وسلم " سيصيب أمَّتي داء الأمم"، قالوا: يا نبيَّ الله، وما داء الأمم؟ قال: الأشَرُ والبَطَرُ، والتَّكاثر والتشاحن في الدُّنيا، والتَّباغض، والتَّحاسد حتى يكون البغي ثمَّ الهرج"، وبناء على ما تقدم لابد من التعامل مع جريمتي الاختلاس والابتزاز بشدة بعيدا عن العصبيات والانحياز لهذا الطرف او ذاك فالكل ومن المفترض أنهم أمام القانون سواء، مع تشديد العقوبات بحق المتورطين مهما كانت مراتبهم وانتماءاتهم وعلى النساء الحذر كل الحذر من نشر صورهن الشخصية ويومياتهن على مواقع التواصل أو الاحتفاظ بها في الهواتف الذكية المعرضة للقرصنة عبر الهاكرز والكراكرز كتعرضها للسرقة والاعطال المفاجئة المؤدية الى تسريب المعلومات المفضية الى الابتزاز، والحذر من التحدث مع الغرباء والثقة بهم وتبادل الرسائل والصور الشخصية ومقاطع الفيديو الخاصة معهم والتساهل في ذلك والتكاسل في تغيير الباسوورد وتفعيل أمان الملفات الشخصية بين حين واخر فكلها اسباب اسفرت عن انتشار ظاهرة الابتزاز الالكتروني وغرق المحاكم بطوفان من الشكاوى والدعاوى المتعلقة بها، إنها إضاءة على الذين إختلسوا الشمس - بغداد - وإبتزوها وخلف سحب الدخان اﻷسود في ليل حالك الظلمات حجبوها ثم تحت التراب واروها وما أكرموها .

 

احمد الحاج

 

عقيل العبودالمساء البارد عاصفته لم تزل تستفز تلك اللحظة من المغامرة، نهاية العام ستشهد عالما جديدا تتبعه أحلام وامنيات، لكنها ليست على نمط أولئك الذين يبحثون عن منتجعات، اوفنادق سياحية على غرار الخمس نجوم، إنما هي انتقالية متعكزة في زمن تملؤه الحواجز، لتعترض طريق من أراد الحياة.

العراق بعد حرب الكويت، مدن يسكن بيوتاتها الخوف، والحزن، والجوع، وتنتهك حقولها الآفات. الحصار أيامه، ما زال يتذكرها، بتلك السيناريوهات؛ النخالة السوداء، وشحة الوقود، ومظاهر الفقر، تلك التي اريد لها ان تمضي املا بإستعادة مخالبها القديمة، هذا ناهيك عن موضوعة الاستدعاءات الأمنية المتعلقة بتفاصيل التحقيقات الخاصة بذوي من يهمهم الأمر في قضية ما تم تسميته بحسب سجلات السلطة (بالغوغاء).

الفرق الحزبية، ومختار المنطقة، تلك الدهاليز هي الأخرى بقيت تمارس سلطتها المخيفة، استئنافا لتلك الطاغوتية، التي بسببها أرغم الآلاف على مفارقة انفاسهم، ليتم دفنهم عاجلاً تحت الأرض عبر تلك الكتل المخيفة، وسرفات الدبابات.

الشفلات انذاك، تلك الآليات التي من خلالها تُختَصَرُ رحلة المئات من المحطات، لِتُزَهَقُ ارواح من وجدوا أنفسهم مكبلين فجأة عبر مسالك تلك الكيانات المحاطة بالأسلاك وأسلحة العسكر، يوم اصوات بعضهم اندلعت، تعبيرا عن لغة استنكار، تم حبسها طوال ازمنة تلازمت مع محطاتها الكوابيس.

انذاك، الهروب منفذ لا تعترضه الحدود، لولا اصحاب (البيريات الحمراء) وتلك السيطرات التي تشبه ثكنات الجيش.

بغداد الطريق الذي منه تمر تلك الحافلات، يومئذ، العابرون ينتظرون اللحظة المؤاتية- طريبيل تحولت مراكزها الى حلم، عبره يصنع الفارون مستقبلهم المجهول.

 لذلك ارض النخيل، الخارطة التي بأنهارها وجبروتها بقيت صابرة كما اعتادت، راحت تودعهم، احبتها، الواحد تلو الآخر.

الأجواء الباردة يومئذٍ رغم لياليها الممطرة، الظلام كأنما راح يتنحى، ينتزع ارديته، تحننا على أولئك الذين قرروا ان يودعوا حقائبهم بحثا عن أمكنة آمنة.

(عَمَّان) الساعة الثالثة والنصف بعد منتصف الليل تفتح ذراعيها لإستقبال لاجئين بلا أغطية، والوافد اليها أسوة معهم، اولئك الذين ما انفكت حكاياتهم تتعقب أسوار الموت لوطن انتهكت حُرُماته حراب السياسات وأقنعتها المفبركه. 

اللحظة التي بها ابتدأت مفردة الهجرة، المشهد نفسه تلك العلب الدخانية التي كانت بحوزته (الفايسوري) مع أمتعة افترشها على ذلك الرصيف لبيعها، لعل ذلك يساعده بالحصول على سرير يعيد له طاقته بعد سفر، العفش فيه هو الآخر يبحث عن مكان.

الساعة حينئذٍ اوشكت ان تكون السادسة صباحا، والبرد كما بيت تساقطت جدرانه، ليبقى هكذا عاريا عند منتصف الشارع يستقبل الوافدين اليه من جهة البوابة التي عبرها تتدفق تلك الاعداد.

الذخيرة التي كانت معه بحسب اصراره،  يجب ان تساعده للعيش، لإستئناف خطوات وجوده، لذلك في اليوم التالي، كما زبون قديم طلب صحنا من الفول، يتبعه كأسا من الشاي، بينما جيبه لم يكن يتسع الا لذلك المصروف الذي يُمَكِنَّه من تناول المتيسر من العشاء.

 الساعة العاشرة من ليلة باردة كان قد تهيأ لسؤال النادل الذي قدم له الطعام حيث كان من جنسية اخرى عربية، في حينها لم يكن متذمرا كما يبدو، بل كأنه يصرخ سيما وأنه ودع كل شئ ؛ وظيفته، اصحابه، مكتبته، أطفاله الصغار، ودموع امهم ذلك في بيت هو من قام بزراعة نخلته التي بقيت واقفة كأنها تنظر اليه بسعيفاتها المحطمة في انحناءاتها المتشعبة.

 نظراته في يومها بقيت عالقة تنظر الى ذلك الشموخ، لتحتضن في طريقها دموع أمه التي خرجت خلفه لتسكب إناء الماء عقيب خطواته بعد مغادرته المنزل وهي تدعو له.

مدينته انذاك، إرثها كأنه يتحول الى كائن صنمي، الوطن كله في حينها اصبح على شاكلة خارطة ورقية، الذكريات، الماضي كله كان يتدافع بطريقة متزاحمة، المشاهد بضمنها صور المتظاهرين، أولئك الذين تم احتجازهم في مدينة ألعاب الناصرية، تلك التي اطلق عليها ساحة الاحتفالات الكبرى، بعد ان تم تخصيصها للمناسبات الحزبية إبان سيطرة الجيش على المدن لإبادتهم ودفنهم في منطقة تسمى الهولندي ليكون هو ومن معه من الناجين، شاهد عيان لأحداث اول مقبرة جماعية عرفتها تسعينيات القرن المنصرم.  

عراقيته تلك الصورة التي كما يقال في وصفها أيام زمان على انها  تشبه الهرم، انقلبت من مستضيف الى مستضاف، ويكأنها هكذا مثل لعبة المكعبات في وضعها المتداعي.

لذلك على هيئة منكسرة، راح متنهدا (يوم لك ويوم عليك)،  ذلك بعد ان انتابه شعور بالوهن.

لكنه مع تلك التنهدات، أعيد له الأمل ليبقى متمسكا بهيبته خاصة عندما تم تلبية طلبه للعمل، في ذات المطعم ولو بشقاء واجر زهيد.

 

عقيل العبود   

................

* من مذكرات لاجئ عراقي بعد التسعينات: حقائق غير هامشية