محمود محمد علياستغلال الأقليات الدينية

نعود وننهي حديثنا في هذ المقال عن الكيفية التي جعلت إسرائيل تثير النعرات الطائفية في الوطن العربي من خلال استغلال الأقليات الدينية، وفي هذا يمكن القول : وترتكز نظرية شد الأطراف على عدة عناصر ذات أبعاد عرقية، كما ذكر " موشى فرجي " Mousi Faraji في كتابه "إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان نقطة البداية ومرحلة الانطلاق " الصادر عن "مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا"، التابع لجامعة تل أبيب .

أهمية الكتاب تكمن في أمرين، أولهما أنه يشرح بالتفصيل الدور الكبير الذي قامت به المخابرات "الإسرائيلية" في مساندة حركة تحرير الجنوب، سواء على صعيد الإمداد بالسلاح والخبراء والمال، أو على صعيد حشد التأييد الدبلوماسي والسياسي لمصلحتها. الأمر الثاني الذي لا يقل أهمية أو خطورة أنه يشرح على وجه الخصوص بالتفصيل أيضاً استراتيجية "إسرائيل" لإضعاف العالم العربي بوجه عام، وإضعاف مصر على وجه الخصوص. وكيف أن تلك الجهود الحثيثة استمرت حتى بعد توقيع مصر اتفاقية السلام مع "إسرائيل" في عام 1979م .

أفاض المؤلف في شرح نظرية "شد الأطراف" التي هي محور الكتاب وموضوعه الأساس. فذكر أنها ترتكز على عدة عناصر ذات أبعاد عرقية وعسكرية وسياسية، وعرض لكل واحد من تلك العناصر على النحو التالي:

من الزاوية العرقية كانت الفكرة بمثابة دعوة لخلق تجمع اثني يضم دولاً وجماعات غير عربية في إطار من العمل والتعاون لمواجهة المد القومي العربي، باعتبار أن ذلك المد يهدد تلك الدول والجماعات. وقد ركز الخطاب "الإسرائيلي" في هذا الصدد على أن خطر ذلك التهديد يجب أن يدفع تلك الأطراف إلى الاحتشاد في خندق واحد. وهذه الرسالة نقلها بصراحة ووضوح "بن جوريون " إلى كل من "عدنان مندريس" Adnan Menderes رئيس وزراء تركيا في أواخر الخمسينات، وشاه إيران والامبراطور هيلاسلاسي. وهذا هو المعنى الذي عبر عنه "مائير عميت" Meir Amit رئيس الموساد حين ألقى في عام 59 محاضرة على دفعة جديدة من عناصر الموساد قال فيها: إن التهديد بالخطر العربي الذي جسدته حركة المد القومي، كان لا بد أن ينجح في إثارة النوازع النفسية لدى الجماعات غير العربية داخل الدول العربية، وخاصة في العراق وسوريا ولبنان والسودان.. كما إن الوجود الاثني المتمثل في شعوب مثل الشعب "الإسرائيلي" والتركي والإيراني والإثيوبي، الذي يتناقض مع العنصر العربي المهيمن على المنطقة، شكل أساساً لقيام علاقة تحالفية بين "إسرائيل" والدول التي تمثل تلك الشعوب.

استخدمت "إسرائيل" سلاح التخويف من هيمنة العرب المعززين بالقوة النفطية، لكي تحث الدول والجماعات غير العربية إلى الاحتشاد والتحالف لدرء ذلك "الخطر". وقد عبرت عن ذلك جولدا مائير وزيرة الخارجية في مؤتمر لحزب العمال عام 1960، حين قالت: لقد نجحنا في إقناع الدول المحيطة بالدول العربية لإقامة "حلف الدائرة"، ليشكل سوراً من حول تلك الدول، يدرأ الخطر ويقي هذه الدول ويصونها من حركة القومية العربية .

فكرة التخويف من الخطر العربي استثمرت عسكرياً إلى أبعد مدى. فقد ركزت "إسرائيل" على أنه لا سبيل إلى صد ذلك الخطر إلا بإقامة تعاون عسكري وثيق بين "إسرائيل" وبين دول الجوار، وجندت لتلك المهمة أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية. في هذا السياق عقد أول لقاء بين رئيس الموساد "رؤوفين شيلواه" Reuven Shiloah وبين وفد عسكري تركي في روسيا عام 1957، وتتابعت تلك اللقاءات في إيطاليا ودول أخرى. وكان التعاون العسكري والأمني لصد خطر المد العربي، هو الموضوع الرئيسي لكل تلك الاجتماعات. وما حدث مع تركيا تكرر مع إيران وإثيوبيا، حيث ركز بن جوريون في خطابه الموجه إلى تلك الدول على أن العرب يزعمون أن الشرق الأوسط هو شرق عربي، ومن الضروري أن تشكل الدول الأخرى غير العربية في المنطقة كتلة واحدة، لدحض تلك المقولة، وللدفاع عن وجودها واستقلاله .

هذا الجهد "الإسرائيلي" أثمر تعاوناً أمنياً وثيقاً مع الدول الثلاث (تركيا، إيران، إثيوبيا). وأدى إلى تنظيم لقاءات سرية عدة بين رؤساء الأركان في الدول الأربع، عقدت في كل من أنقرة وطهران عام 1958، وفي سياق ذلك التعاون أرسلت "إسرائيل" أكثر من عشرة آلاف خبير عسكري وأمني إلى تركيا وإيران وإثيوبيا. وتطور هذا الرقم في السنوات اللاحقة، حتى وصل عدد الخبراء العسكريين "الإسرائيليين" في إيران وحدها عامي 77 و 78 إلى أكثر من 20 ألف شخص. كما زودت "إسرائيل" كلاً من تركيا وإيران بأسلحة من صنعها، مثل صواريخ بر - بر (جبريال) ومدافع هاون وأجهزة رادار وبنادق ورشاشات من نوع عوزي.

إزاء النجاح الذي حققته "إسرائيل" على ذلك الصعيد، فإنها أصبحت مطمئنة إلى أن تلك الدول أصبحت تمثل قوى احتياطية لها في مواجهة العرب، وإن اختلف الموقف بالنسبة لإيران بعد قيام الثورة الإسلامية في عام 1979 .

في ذات الوقت اعتمدت "إسرائيل" الرؤية الاستراتيجية الشاملة لنظرية شد الأطراف على ضرورة خلق اصطفاف سياسي متجانس ومترابط ومتحالف مع الغرب. وحرصت "إسرائيل" على أن تقدم نفسها بحسبانها دولة تمثل امتداداً للغرب وعمقاً استراتيجياً له. واعتبرت ذلك يشكل قاسماً مشتركاً لها مع تركيا، كما تعاملت مع إيران وإثيوبيا على أنهما دولتان تدينان بالولاء للغرب. وفي سعيها لإبراز عوامل التشابه أو التطابق بينها وبين دول الجوار، فإن "إسرائيل" أرادت أن تكسر جدار العزلة السياسية التي فرضت من حولها، لأن تعاملها مع دول الجوار غير العربية من شأنه أن يوفر لها إمكانية التحرك إقليميا ودولياً باعتبارها دولة معادية في المنطقة. وفي هذه النقطة نبه المؤلف إلى أن تحقيق "إسرائيل" غاياتها السياسية في استراتيجية شد الأطراف لم يكن يتأتى لولا مساعدة القوى الغربية التي وجدت أن مصالحها تتوافق مع إقامة هذه الشبكة من التحالفات. ولذلك فإن جميع اتفاقات التعاون في مختلف المجالات بين "إسرائيل" والدول الثلاث لقيت دعماً غير محدود من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا بوجه أخص .

خلاصة القول إن نظرية شد الأطراف وجذبها ثم بترها التي استخدمتها الولايات المتحدة ومعها إسرائيل نجحت في مهمتها ؛ حيث وجدنا الولايات المتحدة الأمريكية في عهد أوباما تستخدم موضـوع الأقليات الدينية في المنطقة العربية كوسيلة للوصول إلى أهداف استراتيجية، فالأهمية التي يحتلهـا الدين في حياة المجتمعات في العالم عموماً، وفي المجتمعات العربية خصوصاً، دفعت الولايات المتحدة الامريكية إلى استخدام هذا الجانب المهم في التلاعب بالمجتمعات العربية، للوصول إلـى النسيج الاجتماعي العربي في أدق مفاصل الحياة العربية.

ويعد الدين دافعاً مهـماً لتنظـيم الحياة الاجتماعية في ممارسـة الطقوس الدينيـة، ويذهب إلى أبعد من ذلك، حيث ينظم السلوك اليومي والحياة الاجتماعية، لذا فإنه يمكن تصنيف الإنسان على أساس دينه، وخصوصاً بعد تعدد الطوائف الدينية إلى أكثر من طائفـة داخل الدين الواحد، وبذلك يمكن تصنيف المجتمعات على أساس ديني طائفي ليسهل التعامل معها كوحدات مجتمعية ضعيفة .

إن عدم التجانس بين المجتمعات الاثنية بسبب اختلاف المستوى الفكـري والعقائدي، أدى إلى ازدياد الأقليات الدينية، والمذهبية، والطائفية في داخل الدين الواحد. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أصبح الدين الاسلامي نتيجة الاختلاف الفقهي ينقسم إلى عدة طوائف ومذاهب، وكذلك الحال ينطبق على الدين المسيحي .

ويعد لويس التاسع ملك فرنسا وقائد الحرب الصليبية على بلاد العرب، الـذي انهزم في معركته مـع مسلمي مصر 1249-1250،هو أقدم من وصى لضرب المسلمين في نص وصيته التالية "إذا أردتم أن تهزموا المسلمين فلا تقـاتلوهم بالسلاح وحده، فقد هزمتم أمامهم في معركة السلاح، ولكن حاربوهم في عقيدتهم فهي مكمن القوة فيهم" .

فظهرت الحرب على المسلمين عن طريق ضربهم في عقيدتهم وشريعتهم الإسـلامية، وذلـك بإشاعة الصراعات الطائفية والمذهبية، لإضعافهم مـن جهة، وإثارة الحروب الأهلية من جهة أخرى. وبعد صعود اليمـين المسيحي المتطرف في انتخابات عام 2000 فـي الولايات المتحدة من جهة، وتفجيرات 11 سبتمبر 2001 الأمريكية، والتي نتج عنها فوز بوش الابن (المتطرف دينياً) التي نتج عنهـا إعلان الحرب على الإرهاب المتمثل بالعرب والمسلمين من جهة أخرى، فقد استغلت الولايات المتحدة الأمريكية وضع المنطقة العربية الذي يتنوع بالأقليات الدينية، والتي تعاني بعضها من الاضطهاد، لذلك سعت الإدارة الأمريكية في عهد باراك أوباما إلى تفتيت المجتمع العربي عن طريـق استغلال هـذه الاقليات للتدخل في شؤون المنطقة. ومع اختلاف من نادى في كيفية استيعاب الأقليات الدينية، إلا أنهم اتفقوا في استثمار هذه الأقليات لزعزعة استقرار المجتمعات العربية، حاملين بمعيتهم، المنظرين الأمريكيين، شعارات كالديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحرية، واحترام الأديان، والتي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية إحدى مهامهـا الأكثر إنسانية.

ومن أهم الذين اهتموا ونادوا لاستغلال الأقليات الدينية في المنطقة العربية، عن طريق تفتيتها للسيطرة على تلك المجتمعات:

1- زبجنيو برجنسكي :

قــدم برجنسكي عـدداً من الأفكـار من خلال مؤلفاتـه، التي نادت بتقسيم الـدول العربيـة والسـيطرة عليهم مـن دون الحاجـة إلى اسـتخدام قوات عسكرية، فقد نظم "برجنسـكي" خطـطاً استراتيجية ترمي إلى تفتيت الدول العربية من داخل بنائهـا الاجتماعي، وفي مقدمـة الوسائل التي نادى لها هي دعم كل الأقليـات الدينية، والمذاهب، والطوائف داخـل المنطقـة على غـرار مـا قام بـه سابقاً، خـلال الحـرب الباردة، بتنظيم ما يسمى (بالجهـاديين)، والتي نتج عنها تنظـيم طالبـان، فـي أفغانستان لمحاربة السوفييت، لخدمة المصالح الأمريكية. كما ذكر برجنسكي بخصوص وحـدة مصر وسـوريا أمراً مستحيلاً، لكون مصر ذات أصول وأعراق غيـر عربية، بينما سوريا ذات أصول عربية، لذلك أمر وحدتهما غير ممكن. وبالتالي يمكن أن تكون هنـاك دويلات على أساس الـدين أو العـرق لتتكون دويلات صـغيرة لا يمكنها مواجهة المخاطر لوحـدها مما سيؤول الأمر إلي تكـوين اتحاد كونفدرالي مـع انضمام إسرائيل لهذا الاتحاد، لا بل وقيادة هذا الاتحاد، الأمر الذي يسهل تفوق الهيمنة الأمريكية عليه.

إذ قدم برجنسكي خلال منصبه كمستشار للأمن القـومي فـي عهد الـرئيس "جيمي كارتر"، وما بعد منصبه، عدة مشاريع ونظريات لخرق الصف العربي من خلال التركيز على الأقليات الدينيـة والعرقية، وعلى سبيل المثال، عندما حث على اسـتخدام استراتيجية "الطرق على الجدران من الأسفل" من خلال " قوس الأزمات" The Arc of Crises لينتج عنها تجزئـة المجزء، فضلا ً عـن كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى"، الذي وضح فيـه كيفيـة تقسيم وتجزئة الدول العربية على أساس ديني وطائفي ومذهبي وعرقي.

اعتمد برجنسكي في هذه الأفكار ببعض الشواهد، منها شواهد سياسية، التي من جملتها الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، وما نتج عنها من صراع على أساس ديني، والتي خلفت أحزاباً ذات صفة انعزالية تدعو إلى إقامة كانتونات مستقلة لتمتلك قدراً من الحرية في علاقاته.

ومنها شواهد ديموغرافية، والتي تمثلت بوجود جسم غريب داخل الجسم العربي وهي العمالـة الوافدة، حيث مثلت تلك العمالة أقلية قابلـة للزيادة، وخاصة في بلدان الخليج العربي، والتي تمثل أدوات ضغط على البلدان العربية في الحفاظ على حقوقها وتشريع قوانين تحفظ وجودها على الأرض العربية. والأخرى هي شواهد الثورة العلمية في مجال الاتصالات، فعلى الرغم من أن هذه النظرية صيغت في نهاية السبعينات، ولكن كانت هناك بوادر تطور علمي في مجال الاتصالات وهو ما سيؤدي بدوره إلى تواصل الأقليات الدينية وانغلاقها على نفسها لتحمي ذاتها وكيانهـا من أفكار الأقليات الاخرى.

2- برنارد لويس:

تعـد أفكار لويس هي استكمال لاستراتيجيات نظريـة (قـوس الازمـات لبرجنسـكي)، والتـي يدعو فيها إلى تجزئة الدول العربية لما تحويه من أقليات دينية وعرقية. وجـاءت بنـود هـذه الأفكـار على ثلاث نقاط:

الاولي: هي استغلال الأقليات الدينية، والقومية، والمذهبية فـي منطقـة قـوس الأزمات، والتي تمتد مـن الجناح الجنوبي للاتحاد السوفيتي سابقاً مروراً بإيران، وتركيـا، والعـراق، ودول شـبه الجزيرة العربية، حتى الشمال الإفريقي، ومن هذه الأقليات هي (الأقباط فـي مصر، الطوائـف الدينية في السودان، الأكراد، والدروز، والبلوش، والموارنة، والأذرين، والعلويين في سوريا) وغيرها من الأقليات، التي ستؤدي الى خلق فوضى وعدم استقرار ومن ثم تجزئة الدول العربية .

الثانية: استغلال مسألة الحدود التي رسمها الاستعمار البريطاني والفرنسـي للـدول العربيـة، التـي لـم تضـع بعـين الاعتبـار أهمية لوضع القوميات أو المـذاهب الدينيـة، ممـا يثيـر الجـدل حـول ضرورة إعادة رسم حدود الدول، لإعطاء حق للأقليات العرقية، والاثنية، والدينية في إنشاء دول خاصة بهم .

الثالـثة: الاعتمـاد علـى الكـره الـذي يوجـد بـين أغلـب الأقليـات مـع الدولـة المتواجـدين فيهـا، والعمـل على تشجيع عصيان قوانين الحكومة والتمرد على نظامها لتفتيت هذه الدولة، لذلك يمكـن للولايـات المتحدة الأمريكية الوقوف مع هذه الاقليات لاستغلالها في تحقيق أهدافها، وبذلك يرى لويس ضرورة اعتماد رؤية برجنسكي في اتخاذ هذه المنطقة كمنطقة نفوذ مهمة، عن طريق تفتيت بعض مراكز القوة فيها.

من كل ما سبق يمكن إجمال الأهداف الأمريكية-الصهيونية تجاه الوطن العربي بما يأتي :

1- تجزئة الوطن العربي من جديد وتفتيت كياناته السياسية. والغاية من هذا تقليص دور الدول العربية المحورية، مثل مصر، والعراق، وسورية، وذلك كي لا تؤدي هذه الدول دور القيادة لحركة القومية العربية وحركات التحرر الوطني والمقاومة. وإن هذا التقسيم الجديد المقترح، إنما يهدف إلى تشتيت العناصر الأساسية المكونة للقومية العربية، ومن ثَم إلى صعوبة تحقيق أي هدف عربي وحدوي ولو بأدنى درجاته، وهي حالة التضامن العربي، وبهذه اللعبة تتهدم أعمدة النظام العربي السياسية والاقتصادية والأمنية.

2-يحاول هذا المشروع تحويل "إسرائيل" إلى قطب إقليمي رئيس في المنطقة، وذلك عن طريق كسر طوق المقاطعة العربية لإسرائيل اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وبذلك تغدو "إسرائيل"-وبدعم من الولايات المتحدة- دولة لها مكوناتها الإقليمية المحورية في المنطقة، نظراً إلى ما تملكه من قوة عسكرية، وقوة مالية وتجارية وقوة تقنية، فضلاً عن أذرعها الأخطبوطية المتصلة بصنَّاع القرار كلّهم في العالم، مستفيدة من الدعم الممكن كلّه.

3- إن الخطر الأكبر من هذا المشروع هو محاولته إلغاء الثقافة العربية، والثقافة الإسلامية وإلغاء العادات والتقاليد والسلوكيات الناتجة عنها كلّها، بغية خلق جيل جديد لديه هوية جديدة مخالفة لهويته الأصلية. وهنا تسقط منه روح الالتزام الوطني والقومي. ويتحقق الهدف من المشروع وهو تحطيم سلطة الدولة، وسلطة المؤسسات وسلطة العقل، والثقافة والإنتاج والإبداع. وهنا مكمن الخطورة، أي حين يتحول المجتمع عن رابطة العقد الاجتماعي وعن تراثه وتاريخه وهويته.

4- يضع المشروع الصهيو-أمريكي العرب أمام خيارات صعبة ومحددة، فهم إما أن يدخلوا في هذا المشروع وبغض النظر عن حقوقهم وأراضيهم وثرواتهم، أو أن الخيار الآخر هو الحرب الوقائية الاستباقية، والعراق وأفغانستان أكبر دليل على ذلك.

5- إضعاف الدولة القومية بشكلها الحالي، وهو ما يسهل عملية الاختراق للدول التي ترفض التدخلات الخارجية في شؤونها، أو التي ترفض التغيير على الطريقة الأمريكية.

6- ضمان عدم التحام الأقليات والطوائف والأعراق، وضمان عدم ذوبانها أو على الأقل انسجامها مع الأغلبية في أي بلد من بلدان الشرق الأوسط في إطار جامع على الشكل الذي كانت فيه منذ قرون، لضمان أنها ستكون بحاجة إلى مساعدة خارجية، ومن ثَم ستكون الولايات المتحدة جاهزة للتدخل في أي مكان تراه مناسباً في أي بلد من هذه البلدان إذا رأت ذلك لمصلحتها، وبحجة الحماية.

7- إن الهدف من ورقة الأقليات هو تسويغ وجود "إسرائيل"، وتوسيع رقعة النزاعات الإقليمية الداخلية العرقية والقومية، لإشغال العالم العربي والإسلامي وشعوب هذه الدول بالمشكلات الداخلية المستجدة لديها، والمخاطر التي تتهدد بلدانها المعرضة للتفتيت والتقسيم، بمعنى تقسيم المقسم أصلاً وتجزئة المجزأ.

8- إفساح المجال أمام "إسرائيل" للدخول والتغلغل في هذه الدول عبر الأقليات، سواء القومية أم الطائفية أم العرقية، ولنا في أكراد العراق مثال على ذلك.

يمكن أن نلحظ أن هذه الأهداف تصب في مصلحة الدول الاستعمارية الغربية والأمريكية والصهيونية العالمية أولاً وآخراً، بعكس ما تروج له تلك الدول، بأنها تريد نشر الديمقراطية والحريات بين شعوب المنطقة، وتخليصها من الديكتاتوريات والظلم والعنف، ومن ثَم بناء دول حضارية وديمقراطية ومدنية. ما نراه هو خراب دول المنطقة ودمارها وتفتيتها وتقسيمها بما يخدم تلك الأهداف الصهيو- أمريكية والغربية الإمبريالية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ميثم الجنابيالظاهرة الصدرية.. الراديكالية الشيعية المعاصرة (2-2)

يمكننا في الإطار العام القول، بأن «التيار الصدري» بوصفه ظاهرة راديكالية يبرهن من جديد على أن الحثالة الاجتماعية ليست مستعدة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها لما جرى ويجري. ومن ثم فإن ممارساتها ككل لا تفعل إلا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. وهو أمر يشير بدوره إلى طبيعة الضعف التاريخي والثقافي للظاهرة الراديكالية في العراق. ومن الممكن رسم الملامح العملية لهذا الضعف وأثره اللاحق على مجرى العملية السياسية في الموقف من قضيتين، شكلتا بعد سقوط السلطة الصدامية عام 2003 «مفاصلا» يمكن من خلالها إدراك حدود الظاهرة الصدرية، والمقصود بذلك ما يسمى «بمعركة النجف» و«مفتاح الصحن العلوي»، اللتين لعبتا دورا كبيرا في تاريخ التيار الصدري من حيث كونه ظاهرة راديكالية.

فقد كانت «معركة النجف» الميدان الذي جرى فيه للمرة الأولى اختبار القوى السياسية العراقية بشكل عام والراديكالية منها بشكل خاص. إذ كشفت من حيث مقدماتها ونتائجها عن طبيعة وحجم القوى السياسية المشتركة فيها، وكذلك بنية وغاية كل منها. كما أنها أظهرت حجم ودور الراديكالية السياسية في ظروف العراق الحالية والمستقبلية. وهي معادلة كشف الزمن اللاحق، وخصوصا قبل وبعد الاستفتاء على مشروع الدستور الدائم (نهاية 2005) عن أثرها ومحتواها الفعلي.

فمن المعلوم، إن قيمة الأحداث التاريخية تدرك بمستوى وكيفية حسمها للإشكاليات الكبرى التي تواجهها الدولة والأمة. وبغض النظر عن المجرى السريع لحسم «معركة النجف» التي دارت رحاها في أيام معدودة بين رجال مهلهلي الثياب بأسلحتهم الخفيفة وقوة تكنولوجية عسكرية هائلة مدعومة بقوات حكومية وتأييد سياسي رسمي ومجافاة شعبية لا تخلو من استياء وشماتة من «السوقية»، أي حثالة المدن والأرياف العراقية. لكنه حسم كان يحتوي في أعماقه على أبعاد لا علاقة لها بالصراع الدامي بين قوات «عقلانية» وأخرى محكومة بتقاليد الاستعداد المتحمس «للمهدي». وحالما التقت الجيوش الأمريكية وجيش المهدي في الأزقة الخربة، فإن عجاجها وضجيجها أنتج تلك «الصحوة» المفاجئة بالخروج من مدينة لم تحاصر إلا بقوة التوتر وثقل المرجعيات الواقعية والوهمية لرجال الدين والدنيا. وعندما نترك هذه المقارنة للزمن لكي يكشف عن أبعادها التاريخية الفعلية، فإن مما لا شك فيه هو أثرها الكبير والمهم بالنسبة لآفاق وإمكانية الراديكالية السياسية العراقية الجديدة كما مثلها التيار الصدري. وذلك لما في مقدماتها ونتائجها التي جرت عام 2004 من أهمية بالنسبة لجميع القوى التي كانت وما تزال تمثل الطيف العام للصراع السياسي في العراق.

فقد كانت «معركة النجف» من حيث مقدماتها مرتبطة ارتباطا وثيقا بصراع القوى الاجتماعية والسياسية العراقية من اجل «حسم» موقعها في السلطة الجديدة. كما أنها كانت المعركة التاريخية الأولية الكبرى للراديكالية العراقية التي نشأت من تراكم الأحداث الداخلية. فهي القوة السياسية العراقية الكبرى، وقد تكون الوحيدة، التي نشأت من تلقائية التراكم الذاتي السياسي والاجتماعي والاقتصادي العراقي. مما أعطى لها زخما راديكاليا كبيرا أيضا من حيث تمثلها وتمثيلها لآمال وأماني وأحاسيس الشرائح الاجتماعية العريضة والمهمشة، أي الأغلبية العراقية التي أخذت تعي نفسها بنفسها بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، وتطالب بحقوقها وشرعية تمثيلها للمصالح الوطنية.

فالوطن العراقي الفعلي كان (وما يزال لحد ما) كمية من الشرائح الاجتماعية المنهكة في حروب الصدامية واضطهادها الرهيب للفرد والجماعة والمجتمع، وانتهاكها المريع لكينونة العراق والعراقيين. ووراء هذا الواقع كانت تختفي مغامرات القوى السياسية العراقية «الخارجية»، التي كان دخولها للعراق اقرب ما يكون إلى هجوم من اجل الاستيلاء عليه. وشأن كل قوى سياسية مغتربة ومتغربة لفترة طويلة لم تكن راغبة تماما به، حالما تبين لها بأن الوطن الذي تواجهه ليس الذي كانت تصبو إليه، وإن الوطن هو ليس عراق الماضي والأحلام، بل عراق السخام والأسقام، أي كل هذا الكم الهائل من الشرائح الرثة. مما جعلها تتراوح بين الامتعاض والانزواء. وفي كلتا الحالتين كانت السلطة فقط (مجلس الحكم الانتقالي) ميدان سباقها المحموم بما في ذلك في تمرير السياسية المغامرة من اجل حسم المعارك الجديدة. وبهذا المعنى كانت معركة النجف من حيث مقدماتها وغاياتها الفعلية معركة بين القوى السياسية «الخارجية» و«الداخلية»، أكثر مما هي معركة بين القوى الوطنية العراقية والأمريكية الغازية. فقد استدرجت قوات «الخارج» (المعارضة السابقة) قوات الداخل (التيار الصدري) إلى معركة خاسرة. وجرت من جانب «القوى الخارجية» بحكم موقعها المناوئ للسلطة الصدامية وضعف قدرتها الذاتية على إدارة الصراع السياسي والاجتماعي، بينما جرت من جانب «القوى الداخلية» بفعل سكرتها الشديدة من نبيذ الراديكالية الرخيص. أما النتيجة فهي «كسر أنف» التيار الصدري. إلا أن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في كونها المعركة التي جعلت من التيار الصدري ملاكما جيدا بعد أن فقد شموخ الأنف العظمي ليكسب مرونة المعارك اللاحقة. تماما بالقدر الذي أدت إلى جعله قادرا على تمثل بعض مكونات وعناصر الضمير الوطني العراقي المنافي والمتعالي عن نزوع الطائفية السياسية التي أصبحت البضاعة الأكثر رواجا لقوات الخارج «الديمقراطية»!!

ذلك يعني انه إذا كان من الممكن الحديث عن فضيلة وفائدة تخدم مشروع إعادة بناء الهوية الوطنية العراقية في مجرى الأحداث الدامية لمعركة النجف وبعدها، فإنها تقوم في مساهمتها الموضوعية على تذليل تقاليد الراديكالية السياسية والتوتاليتارية في العراق. فقد قيل قديما بأن الآلهة قد تخطأ، لكنها لا تظلم. وهي معادلة كانت وستبقى حية أثناء الحرب والسلام والفشل والنجاح في حال النظر إليها، باعتبارها مرجعية مجردة في سموها الأخلاقي. ويمكن وضع هذه الفكرة بعبارة اقرب إلى فهم الذهنية المعاصرة، والقائلة بأن المساعي الأخلاقية والروحية الكبرى قد تتعرض إلى فشل ومآس، إلا أنها لا تفعل في نهاية المطاف إلا على شحذ ذهنية الأفراد والجماعات والأمم بالشكل الذي يجعلها قادرة على مواجهة ذاتها بمعايير الحق والحقيقة.

فقد كانت مختلف مظاهر «معركة النجف» مجرد أشكالا متنوعة لما يمكن دعوته بمعركة النجف الكبرى، أي معركة الرجوع إلى حقيقة الهوية الوطنية العراقية التي لعبت النجف دورا تاريخيا هائلا في بلورة وصياغة عناصرها الثقافية الكبرى. ذلك يعني أنها إحدى الظواهر والمراحل التي لابد منها من اجل شحذ ذهنية ونفسية الأفراد والجماعات العراقية من اجل تكاملهم لاحقا في هوية واحدة تعي ذاتها بمعايير الحق والحقيقة. فقد كان آنذاك من السهل النظر إليها بمعايير الطائفية والجهوية والحزبية الضيقة وما شابه ذلك، لكن حقيقة مداها ومدارها أوسع من جميع الأحكام الجزئية المذكورة. والقضية هنا ليست في أن النجف «مدينة مقدسة»، بل على العكس تماما! إذ لا قدسية في المدن والأماكن والتواريخ والأحداث. وذلك لأن حقيقة المقدس تقوم في ما لا يمكن ابتذاله، أي انه شيء لا كالأشياء، مثل الحقيقة والجميل. ومن ثم لم تكن «معركة النجف» سوى إعادة إجلاء جديدة لحقيقتها التاريخية باعتبارها مركزا من مراكز صيرورة الوعي القومي والوطني والثقافي العربي والإسلامي.

طبعا ليس في هذا الحكم من جبرية ترتقي إلى مصاف الإقرار بالقضاء والقدر، إلا أن مما لا شك فيه أن «معركة النجف» التي هزت الضمير العراقي آنذاك كانت تشير إلى طبيعة وحجم الخلل الكبير الكامن في بنية الدولة العراقية الحالية والسلطة والمجتمع والوعي السياسي للأحزاب والحركات. والمقصود بذلك ضعف القوى الاجتماعية والسياسية جميعا وانتشار وسيادة ما يمكن دعوته بنفسية المؤامرة فيها. فهي النفسية التي كانت تتركز فيها ومن خلالها أحزمة الخلل المشار إليه أعلاه.

فمن الناحية الظاهرية يمكن النظر الآن إلى «معركة النجف» على أنها خاطئة من حيث قواها ووسائلها ونيتها وغايتها. لكنه نظر لا معنى له بمعايير الرؤية التاريخية الدقيقة. وذلك لأنها جزء من مستقبل مجهول، أو ما كانت تطلق عليه تقاليد الفلسفة الإسلامية مصطلح «سر الغيب». وهو الغيب الذي بدأت ملامحه تتضح الآن بغض النظر عن مآسيها آنذاك. فالمآسي عرضة للزوال والنسيان، و"معركة النجف" باقية من حيث كونها مرجعية اجتماعية سياسية، أي تجربة ومدرسة كبرى بالنسبة للوعي السياسي، وليس لمرجعية البنية التقليدية التي لا يضفي عليها الزمن شيئا غير غبار التبجيل المتطاير من أنفاس العوام المتعبة وذهنيتهم المتهيبة من كل ما هو عتيق! بعبارة أخرى، إن "معركة النجف" ومآسيها المباشرة لم تظلم العراق من حيث محتواها الباطني! وذلك بفعل "دورها" التاريخي في تذليل النقص الجوهري الذي لازم وما يزال يلازم بناء الهوية الوطنية العراقية والإشكاليات التي تواجهها. والشيء نفسه يمكن قوله عن قضية ما يسمى بمفتاح المرقد العلوي، التي كانت في مظهرها الصيغة الرمزية لمعركة النجف، أو مفتاحها الأول والأخير! فقد كشفت هذه القضية برمزيتها السياسية عن المصير التاريخي للراديكالية الجديدة كما مثلها التيار الصدري.

إن الأمم تصنع في مجرى تاريخها رموزها الخاصة، بوصفها الصيغة الأكثر كثافة لتجاربها المتنوعة في مختلف ميادين الحياة. وعلى قدر وعمق تجاربها تتراكم وتنفعل رموزها التاريخية في سبيكة وعيها الاجتماعي. من هنا فاعلية الرمز التاريخي في الرؤية الوجدانية والسلوك العملي خصوصا في مراحل الانعطافات الحادة والدامية. فالأفراد والجماعات والأمم لا تستطيع العيش والتأمل والالتفات إلى الماضي وتأمل المستقبل دون رموز تعطي لها حق الصراخ والصمت، والحزن والفرح، والعصيان والاطمئنان، والسكينة والهيجان. إذ تعطي الرموز للمرء والجماعات والأمم حق الالتفات إلى الماضي والنظر بعيونهم الباكية فرحا أو حزنا إلى ما ينبغي القيام به من اجل السير نحو مستقبل مجهول بوجدان يقترن بيقين الماضي. فقد أطلقت الثقافة الإسلامية على هذه الحالة عبارة "عالم الغيب والشهادة"، أي الاقتران المحير والمدهش للعقل والضمير في تأمل المشهود والغائب في الكون والوجود والأنا. وهي حالة وقف أمامها العراق المعاصر متحيرا ومذهولا، عندما تحوّل مرقد الإمام علي و«مفاتيح» الدخول إليه إلى إحدى قضاياه السياسية الكبرى والدامية في الوقت نفسه.

فمن الناحية التاريخية ليست هناك من شخصية كبرى في تاريخ الإسلام استطاعت أن تستثير خفايا الوعي والضمير وتضارب المشارب والتقييمات كشخصية الإمام علي بن أبي طالب. ففي مجمل كيانه الواقعي يبدو لغزاً، وفي مجمل صورته التاريخية كياناً من الصعب احتوائه. فهو من الشخصيات، التي لا يلزم بالضرورة التعامل معها في مقولات الأحكام المجردة ومنطق السياسة المعاصرة وهمّ المصالح العابرة. فالتاريخ في شخصياته النبيلة أوسع وأعمق من أن يخضع لميزان تناقضاته المباشرة. واستطاع الإمام علي أن يجسد في ذاته أحد مبادئ الوجود الكبرى القائمة في فكرة الحق والعدل الإنساني. مما جعل منه أحد الرموز الكبرى التي لا يعقل ولا يقبل تاريخ العراق بدونها. فهو الرمز الذي يقبع عميقا في صراخ العراقيين وصمتهم وأفراحهم وأحزانهم وعصيانهم واطمئنانهم وسكينتهم وهيجانهم. وفيه يمكن تفهم سرّ «الصراع» من اجل الاستحواذ على «مفاتيح» الدخول إليه، وهو الذي كانت أبوابه مشرعة على الدوام للجميع!

فمن الناحية «المادية» ليست مفاتيح الصحن العلوي أكثر من مفتاح عادي لفتح أبوابه، وبمعناها «الاقتصادي» هي وسيلة الدخول على الهدايا المقدمة إليه أو سرقتها! ولعل المفارقة الروحية القائمة وراء اعتبارات «المادة» و«الاقتصاد» تقوم في تحول الإمام علي نفسه إلى ميدان للحراسة والسرقة المحتملة من جانب أولئك الذين يدعون الانتماء إليه وتمثيل ما كان يسعى إليه. وتعبّر هذه الحالة عن مستوى الانحطاط الفعلي في العراق بشكل عام، وفي الحركة الشيعية العراقية بشكل خاص. إذ تشير هذه الحالة في الواقع إلى مستوى تهشم القيم الأخلاقية والمعنوية للتيار الراديكالي الذي جسّده «التيار الصدري». مع انه كان يحتوي في أعمق أعماقه على تمثل «الحق العلوي» الداعي للعدالة من خلال مصادرة ما تمتعت به العائلات «العلوية» الارستقراطية على امتداد قرون من الاستحواذ شبه التام على الثروات المتكدسة من عرق ودماء الجماهير الشيعية. وهي ظاهرة يمكن رؤيتها بالعين المجردة في تناقض بيوتهم وبيوت المحلات النجفية، أو قذارة المدينة ونمطها المتهرئ على خلفية الصحن العلوي المليء بالذهب والمجوهرات، أو بين ما تمتلكه هذه العائلات «العلوية» الارستقراطية من ثروة وثراء فاحش وافتقار المدينة لأبسط مقومات الحياة المدنية المعاصرة. وليس مصادفة أن يجعل التيار الصدري من نفسه «مسئولا» عن المرقد العلوي والصحن الشريف بعد أن «صادره» بطريقة مميزة لنفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية. إذ وجد في «المفتاح» الأسلوب السحري للاستحواذ على القوة الروحية للمرقد. لكنها لم تكن في الواقع أكثر من «مصادرة ثورية» أو سرقة عادية. ومن ثم لم تكن حماقات التيار الصدري في السرقة سوى الوجه الآخر، أو المعارض لرزانة الارستقراطية التقليدية في السرقة.

والقضية هنا ليست فقط في أنها فسحت المجال أمام الحثالة الاجتماعية «للسيطرة» على «ثروات» هائلة، بل وفي انتهاكها لتقاليد «الأمانة» التاريخية المتعلقة بنقل المفاتيح بوصفها الصيغة الرمزية للأمانة المعنوية المتنقلة في الأجيال. لاسيما وانه الأسلوب الضروري لتراكم الثقة وتقاليدها الرمزية التي تفقد الثروة المادية بدونه قيمتها الروحية والمعنوية. إذ ليس المرقد العلوي في الواقع سوى توليف نموذجي لوحدة المادي والروحي المتراكمة في مجرى معاناة العراقيين من اجل تحقيق المبادئ المتسامية التي مثّل الإمام علي في كينونته الكلية أحد نماذجها الرفيعة. الأمر الذي كان يجعل من فتح أبوابه والدخول عليه والمثول بين يديه أحد الرموز الأكثر أهمية بالنسبة للوعي العراقي في الاقتراب من المنهل المتسامي لتمثيل ما يسعون إليه. وهو فعل لا غرابة فيه بالنسبة للأفراد والجماعات والأمم جميعا.

فالجميع تبحث عن «مفتاح» لحل مشاكلها! وليس مصادفة ألا يستطيع الإنسان أن يعيش بدون «مفتاح» بوصفه الجزء العضوي لعيشه المدني. كما انه ليس غريبا أن يرتقي المفتاح إلى مستوى الماوراطبيعي، بحيث جرى ربط «مفاتيح الأمور» بيد الله، أو أن يتحول الله نفسه إلى حامل مفاتيح الغيب والمجهول. وكان يمكن ملاحظة اغلب أبعاد هذه الصيغة النفسية في الصراع الذي كان يدور في الخفاء والعلن بين مختلف تيارات الشيعة من اجل الإقرار «بمرجعية» مقبولة وشرعية لمسك مفاتيح المرقد العلوي. ويعبّر هذا الصراع "الطبيعي" عن ظاهرة هبوط المقدس إلى مصاف الحياة الواقعية. كما انه صراع يكشف مرة أخرى عن أن المصالح الواقعية هي المصدر الحاسم في تغير مضمون المقدس، خصوصا حالما يصبح ممكنا وزن أي شيء بميزان المصالح العابرة. وهي الصيغة الأقرب والأكثر التحاما بجسد الراديكاليات السياسية وأرواحها. وقد قدم "التيار الصدري" في صراعه المرير ضد "المرجعية الشيعية" من اجل أبعادها عن «الصحن الشريف» عبر الاستيلاء على مفاتيحه نموذجا «حيا» عن النفسية الراديكالية وذهنيتها السياسية. إذ لم يكن الدفاع عن «قدسية» الصحن الشريف والمرقد العلوي و"حرمة الإسلام" و"المبادئ" سوى الأسلوب الدعائي لمصادرة الموارد التقليدية التي يجتذبها "المكان المقدس". فقد غاب "المفتاح" بعد مقتل حامله الرفيعي ليظهر مع ظهور أفواج "جيش المهدي" فيه! وهي حالة فجة للغيبة والظهور، كما بلور تاريخ التشيع صيغتها المجردة في مجرى معاناته الفكرية والروحية والوجدانية والسياسية على امتداد قرون. فعوضا عن غيبة الإمام وظهوره من اجل إحقاق العدل بعد أن ملئت الدنيا ظلما وجورا، والتي سعت المرجعية التقليدية لتمثلها وتمثيلها دينيا ودنيويا، نرى غياب المفتاح وظهوره بأيدي «جيش المهدي» الممتلئ بحثالة المدن والأرياف. وتحول الدفاع عن المقدس إلى أسلوب لسرقة قدرته على اجتذاب أضحية الناس المادية!

وترمز هذه الحالة إلى واقع الانحطاط الشامل للراديكالية السياسية الشيعية، التي لم تتعظ بعد من تجارب العراق المعاصر، بحيث نراها تعيد وتستعيد بحمية مفرطة كل أخطاء الراديكاليات السياسية. ومن الممكن البحث عن سببها غير المباشر في طبيعة الخراب الشامل الذي أحدثته التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية من جهة، وفي تاريخ المرجعية «الرسمية» التقليدية من جهة أخرى. إلا أن ذلك لا يغير من واقع استخفاف "التيار الصدري" من قيمة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. وهو استخفاف ناتج من خفة "التيار الصدري" وطبيعة مكوناته الاجتماعية ومستوى التأهيل المعرفي والمهني الذي لا يصعب قياسه بأي ميزان مهما كان ضعيفا ومتخلفا من مقاييس المعاصرة والحداثة. وهو السبب القائم وراء جهله التام بقيمة العمل السياسي والديمقراطي والحقوقي. بحيث تحول منطق السلاح إلى سلاح المنطق الوحيد في التعامل مع النفس والآخرين. وهو سلاح خشبي سرعان ما تكسر في أول مواجهة جدية. وبغض النظر عن الآلية التي جرى بمساعدتها جر "التيار الصدري" إلى معركة خاسرة منذ البدء، فإن طبيعة التيار نفسها كانت تجبره في الواقع على خوض غمارها باعتباره امتحانه الأول. وهو امتحان كانت النخب السياسية العراقية المغامرة، التي ملئت آنذاك (مجلس الحكم الانتقالي) تهدف من خلالها إلى رميه في الهاوية. وحالما وقع فيها أدرك بصورة أولية الحقيقة القائلة، بأن مفتاح الأمور الكبرى لا ينبغي سرقته من اجل الاستحواذ على "المقدس"، بل ينبغي صنع نموذجه العقلاني من اجل الدخول إلى عالم العراق المعاصر ومواجهة إشكالاته الواقعية.

وهو درس لم يتعلمه "التيار الصدري" آنذاك بصورة جيدة. لقد اعتقد بأن الخروج الذي يمكنه أن يحفظ ماء الوجه يقوم في إرجاع المفتاح إلى "المرجعية الموقرة". بينما كان ذلك مجرد خروجا فرديا يرمز إلى حقيقة تقول، بأن المرجعية الشيعية «الرسمية» قادرة على أن تكون صمام الأمان المقبول في مواجهة الإشكاليات التي تثيرها زوبعة الراديكالية السياسية. بمعنى تحولها إلى الكيان الذي يتحمل أخطاء الرعونة الراديكالية من خلال رمزية حمايتها للمرقد العلوي، الذي مازالت آمال العراقيين ترقد فيه بسكينة تنتظر «مهديا» جديدا بلا «جيش» من حثالة المدن والأرياف! أما الدرس السياسي الأكبر الذي كان ينبغي أن يتعلمه "التيار الصدري" والحركات الراديكالية الموجودة والقابلة للنشوء في ظروف العراق الحالية فيقوم في ضرورة إرجاع مفاتيح الأمور المادية والمعنوية إلى مرجعية الرؤية العقلانية والواقعية الهادفة إلى بناء الهوية الوطنية العراقية على أسس جديدة تتجاوز تقاليد وميراث الراديكالية السياسية. ولا يعني ذلك في ظروف العراق الحالية والمستقبلية سوى ضرورة إرجاع مفاتيح الأمور والمستقبل إلى المؤسسة الشرعية، أي إلى الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني. (يتبع....)

***

ميثم الجنابي

 

مجدي ابراهيمنتابع آراء ابن رشد متابعة نقدية، ولمَ لا؟ وهو الذي سَنَّ النقد وأسس للمنهجية النقدية وَوَضَعَ لها المعالم البارزة والسّمات الواضحة، نتابعه حول مقالة العقل في الإسلام، لنراه يرفض الأقاويل الخطابية والأقاويل الجدلية ويأخذ بالبرهان فقط ثم يمضي به إلى أعلى منازل الوصول نحو طلب الحقيقة الإلهية. ولا شك في أنه يعتقد في دين يُنسب إلى العقل أكثر مما هو منسوب إلى الوحي. يقول في شرح ما بعد الطبيعة: "فإنّ الشريعة الخاصّة بالحكماء هى الفحص عن جميع الموجودات، إذ كان الخالق لا يُعبد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته التي تؤدي إلى معرفة ذاته سبحانه على الحقيقة، الذي هو أشرف الأعمال عنده وأحظاها لديه، جعلنا الله وإياكم ممن استعمله بهذه العبادة التي هى أشرف العبادات واستخدمه بهذه الطاعة التي هى أجلّ الطاعات.

فلئن كانت طاعة الله بالفكر والتأمل طاعة شريفة بغير خلاف، فلا مناص من أن يكون الدين الذي يقوم عليها هو دين العقل. ولو كان للعقل في ذاته دينٌ لاستغنى الناس عن الوحي.

لا جَرَمَ هذا دين لا يتعدى شرف المعرفة بمصنوعات الله، وهو دين يجعل العقل مقدّماً على الشّرع، إذْ الشريعة بما هى شريعة جاءت للناس كافة، وليس في طاقة الناس كافة أن يحتملوا ما لا يطاق من دين العقل. والعقل نفسه يستلزم فارقاً لا بد منه - فيما يشير العقاد - بين تمثيل الحقيقة للبحث والتفكير، وتمثل هذه الحقيقة بعينها للتدين والاعتقاد. فالحقيقة الاعتقادية لا بد أن تمتزج بتصوّر المؤمنين بها؛ لأن الخطاب فيها مُوجّه إلى ملايين من البشر منهم العارف والجاهل، ومنهم الذكي والغبي، ومنهم كبير النفس وصغيرها، وعظيم الحسّ ووضعيه، ومنهم من يطلب الكمال ومن لا يعرف كمالاً يطمح إليه. (الفلسفة القرآنية، بيروت، د/ ت ص 181).

أمّا هذا الدّين الذي يدعو إليه ابن رشد من بحث عقلي بحت، ومن إيمان بسلطان العلم؛ فمن الطبيعي ألا تكون ثمرته متصلة بالدين من حيث هو دين، ولا بالتجربة الدينية التي يتعطل فيها العقل في نهاية المطاف؛ ليتقدَّم الذوق والوجدان، وليرتفع لواء البصيرة على خطاب العقل والبديهة. وهذا هو السبب الذي جعله لم يستطع أن يفصل مقالاً حقيقياً بين الحكمة والشريعة من الاتصال، بل فصل اتصالاً فيما بينهما.

وهذا هو السبب أيضاً في هجومه على التجربة الدينية والروحية. واعتراضه عليها هو اعتراض على المعرفة الخالصة، في حين يؤثر ابن رشد العلم. مطالب الصوفية مطالب روحانية. ومطلب ابن رشد مطلب عقلي في أول وآخر مقام. ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل من ابن رشد أيضاً يوغل بالمعقولات إيغالاً ربما يخرجها عن المقصود الذي تتصل أسبابه مباشرة بأرسطو تقليداً ومتابعة، وتكاد لا تجعل التوفيق بينه وبين العقائد الإسلامية أو الجوانب الإشراقية متوافراً ملحوظاً أو شبه ملحوظ.

وفي مقدمة الدكتور أحمد الأهواني ينقل أيضاً نصّاً عن ابن رشد جاء فيه:" وبالجملة فيظهر ظهوراً أولياً أن بين هذه الكليات وخيالات أشخاصها الجزئية وإضافة ما بها صارت الكليات موجودة . وإذ كان الكلي إنما الوجود له من حيث هو كلي بما هو جزئي .." (تلخيص كتاب النفس: ص80، ومقدّمة الأهواني: ص57).

وهذا النّص قاطع الدلالة في أن ابن رشد يؤثر الطريق الذي يُوصّل إلى المعقولات معتمداً على المحسوسات الخارجية، لا ذلك الطريق الذي يذهب إلى أن للكليات وجوداً خارجياً حقيقياً، وعنه تفيض إلى النفس، وهو ما ذهب إلى مثله ابن سينا وغيره ممن يقول بالفيض والإشراق.

ويعبّر ابن رشد عن هذا تأكيداً من جانبه على تأسيس العلم القائم على التجربة الحسية ثم صعوداً من المحسوس إلى المعقول بقوله:" ومن البين أن هذه الكليات ليس لها وجود خارج النفس مما قلناه. وأن الموجود منها خارج النفس إنما هو أشخاصها فقط ". وأن الكليات تستند في وجودها الذهني إلى خيالات أشخاصها، لذلك تكثرت المعقولات بتكثرها، واختلفت باختلاف العقليين لها ... إلى أن قال:" وبالجملة فمن هذه الجهة يلحق المعقولات الأمور التي نرى بها أنها هيولانية، لا المخالطة التي يزعم ثامسطيوس وغيره ممن يقول بوجودها فعلاً دائماً (تلخيص كتاب النفس: ص81).

وددتُ التأكيد على هذه النقطة، أعنى متابعة ابن رشد لأرسطو متابعة تامة، ثم فشل محاولات التوفيق بين فلسفته من جهة والعقائد الإسلامية من جهة أخرى؛ بسبب إيغاله في العقل كمصدر فلسفي خالص يستقي روافده من الفلسفة الأرسطية؛ ثم إقحامه على المباحث الإلهية المنعزلة عن أذواق النّص المقدّس. هذه واحدة.

أما النقطة الثانية: فهى الفرق الفارق بين المنازع العقلية الخالصة لديه، وبين التّوجُّهات الصوفية التي يقطع برفضها على الجملة فضلاً عن التفصيل. فلئن كان قد رفض الأخذ بالفيض والإشراق، وهذا حقه بطبيعة الحال، ورفض أن يكون للكليات وجودٌ خارجي حقيقي، وآثر أن يعتمد على المحسوسات الخارجية ومنها يصعد في طريقه إلى المعقولات: طريقُ أرسطو الذي يؤثره على الدوام؛ فهو من جانب آخر أنكر بموجب اتجاهه العقلاني الموغل في التطرف كل ما ينقض لديه طريق البرهان أو يتصوّر أنه ينقضه بوجه من الوجوه.

وليس لقائل أن يقول: إنك لتحمل على ابن رشد حملة جائرة؛ لأنه أختار طريقه العقلاني ورفض بمقتضاه طريق الصوفية؛ وهذه حملة في غاية الجور. ولكن الحقيقة أننا لا نحمل على ابن رشد من أجل هذا الغرض غير العلمي بالمرة.. كيف وهو الفيلسوف المسلم المستنير؟ بل نفرّق تفرقة ظاهرة بين العقل المطلق الذي لا يعرف له حدوداً يتوقف عندها وهو الذي تبنّاه ابن رشد وعمل لأجله وفق ما أنتهى إليه، وبين العقل المُرَوَّض على الإحالة في المطالب الغيبة العويصة، وهو عقل لا يقبله ابن رشد ولا يسيغ فيه مظنّة القبول.

وبالمقارنة بينه وبين نظرائه لم يكن ابن رشد يدين للولاء إلا لمثل هذه النزعة العقلية الخالصة ممثلة في الرفض الدجماطيقي القاطع. فلئن كان أنكر الخوارق والعجائب والكرامات، ورفض كل ما يأتي به الصوفية في هذه الأمور، وانتصر للعقل في الإيمان بضرورة العلاقة بين الأسباب والمسببات، وذهب إلى أن من يلغي الأسباب ولا يؤكد على وجودها، يلغي في الوقت نفسه صناعة العقل الذي يدلنا على أسباب الموجودات؛ إذ أن العقل ليس شيئا أكثر من إدراك الموجودات بأسبابها ومن رفع الأسباب فقد رفع بضاعة العقل.

أقول؛ إذا كان ابن رشد أنكر الخوارق والعجائب على الصوفية، واعتقد العلاقة الضرورية بين الأسباب والمسببات، فإننا نجد في هذا الباب فيلسوفاً مشرقياً كابن سينا في "الإشارات والتنبيهات" فعل ما لا يفعله ابن رشد رغم نزعته العقلية، مما يوحي بالدلالة على محدودية العقل عنده، وأنّ ثمة طور يدق فوق إدراك العقول السليمة هو بلا شك طور البصيرة، حتى إذا ما بَلَغَنَا عن أحد العارفين أخباراً تكاد تأتي بقلب العادة فليس لنا أن نبادره بالتكذيب؛ فابن سينا لا ينكر كرامات الأولياء لمجرد أنه فيلسوف عقلاني بل أفرد في "الإشارات والتنبيهات" فصولاً ناصعة رائعة تحدّث فيها عن أحوال العارفين وحركاتهم ودرجاتهم وصفاتهم مما يرفضه ابن رشد ولا يقر بوجوده أصلاً، الأمر الذي يكشف عن مساحة المعقول لدى كل منهما، وما يحرك هذه المساحة من مصادر خارجية تستند إليها، وتشي بنسبة كل فيلسوف إليها بفروق في الدرجات.

وإنا لنلتفت فنجد مفكراً آخر كابن خلدون يحدثنا عن "بهاليل الصوفية" الذين يأتون بالخوارق والعجائب، وعنده أن هذا  فضلاً الله يؤتيه من يشاء، فهؤلاء البهاليل - كما يقول ابن خلدون- قومٌ أشبه بالمجانين من العقلاء، وهم مع ذلك قد صحت لهم مقامات الولاية وأحوال الصديقين، وعلم ذلك من أحوالهم من يفهم عنهم من أهل الذوق، مع أنهم غير كلفين. ويقع لهم من الأخبار عن المغيبات عجائب؛ لأنهم لا يتقيدون بشيء فيطلقون كلامهم في ذلك ويأتون منه بالعجائب. وربما ينكر "الفقهاء"؛ هكذا يتكلم ابن خلدون، أنهم على شيء من المقامات لما يرون من سقوط التكليف عنهم، والولاية لا تحصل إلا بالعبادة. وهو غلط عنده؛ فإنّ فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا يتوقف حصول الولاية على العبادة ولا على غيرها (را: مقدمة ابن خلدون، القاهرة 1979م، ط3، جـ1 ص 425).

ولما كان ابن رشد قد اجتمعت لديه الصفتين معاً: صفة الفقيه، وصفة الفيلسوف العقلاني، فلا تنتظر منه أن يقبل عجائب الصوفية، بهاليل كانوا أو غير بهاليل، أو يسيغ النظر في خوارق أفعالهم، بل نرجح أن هجومه على التصوف ورجاله، كانت بذرته الأولى من جرثومة الفقه نابتة. ثم لما أستن له طريقاً عقلياً بعد اطلاعه على فلسفة أرسطو، وبعد تبينه وتبدّيه لها، قويت شوكة هذه الجرثومة فرفض التصوف بإطلاق!

وقد سبقت الإشارة إلى أننا لاحظنا أن ابن رشد أراد بالقياس العقلي أن يجيء على غرار القياس الفقهي، وقلنا أن قياس الأول على الثاني من ناحية المسكوت عنه من الأحكام فيه فرقٌ، وفرقٌ كبير ( را: فصل المقال:ص 25 وما بعدها)، إذْ يبدو لنا أن القياس الفقهي قد استخدم في الصدر الأول وما بعده لحاجة عملية، ومعظم الأجوبة التي أجاب بها الرسول صلوات الله عليه، وصحابته والتابعين، فيها ضرب من القياس الفقهي بوجه من الوجوه.  أما القياس العقلي، فهو أمر لا تعرفه الثقافة الإسلامية في الصدر الأول خاصّة. إذْ العلم به علم بالتأويل، والعلم بالتأويل مُتفرّع عن البرهان بالحالة التي يريدها ابن رشد.

وابن رشد نفسه لا ينكر هذا حين يقول:" فإنّ الصدر الأول، إنما صار إلى الفضيلة الكاملة والتقوى، باستعمال هذه الأقاويل دون تأويلات فيها، ومن كان منهم وقف على تأويل لم يُر أن يصرح به. أمّا من أتى بعدهم، فأنهم لما استعملوا التأويل قلّ تقواهم، وكثر اختلافهم، وارتفعت محبتهم، وتفرقوا فِرَقاً (فصل المقال: ص 65).  والملاحظ أنه يقول بالتأويل (فصل المقال: ص32 - 34) ثم يمنع التأويل بعد جوازه، وينكره على الفرق الإسلامية (فصل المقال: ص 62،35 وما بعدها) ثم يطالب به أهل البرهان (فصل المقال: ص 37،38،66) كما يلاحظ أن التأويل عنده يجئ كما لو كان توفيقاً كما فعل مع فكرة قدم العالم بين الفلاسفة والمتكلمين (ص43- 41 من فصل المقال)، وذلك حين وفق بين ما بدا له من تعارض في وجهات النظر. وقد حذر ابن رشد من كل تحريف يقع للطرق المشتركة المذكورة في القرآن، فمن حرفها بتأويل لا يكون ظاهراً بنفسه، فقد أبطل حكمتها، وأبطل بعد ذلك فعلها المقصود في إفادة السعادة الإنسانية (فصل المقال: ص65).

ونحن نسأل .. كيف يقرُّ هنا التأويل وكيف ينفيه بعد أن كان قد قرره، ثم ينفيه إلا إذا كان ظاهراً بنفسه، ظهوراً مشتركاً للجميع؟ أيكون قد وضع في اعتباره منهج النقد للأشاعرة وللفرق الإسلامية الأخرى؟ ولماذا أتكئ في البداية على وجوب التأويل ثم أشترط ها هنا في تقريره - بعد أن نفاه عن الفرق - على التقاط الاستدلالات الموجودة في أشياء، كان الشرع كلفنا اعتقادها، وجميعها معتمد في الكتاب العزيز؟

فإذا ما أخذ من أراد لنفسه أن يرفع عن الشريعة لواحق البدع في نظره إلى مجمل الآيات بما أمكنه من غير أن يتأوَّل من ذلك شيئاً؛ إذا اجتهد من أراد لنفسه ذلك من غير أن يتأوَّل منه شيئاً ألا يكون التأويل ظاهراً بنفسه ظهوراً مشتركا للجميع، فلا بد أن يكون من أهل البرهان. هكذا يقول ابن رشد في فصل المقال

(ص56) . فإذا عرفنا هذا عنه، قلنا إنه لا يلزم ذلك؛ فالتأويل في ذاته ممتنع إلا على الراسخين في العلم، وهم أهل البرهان دون غيرهم في نظر ابن رشد. ولما كانت التأويلات التي خصّ الله العلماء بها لا يمكن أن يتقرر فيها إجماع مستفيض بنصّ ابن رشد (فصل المقال: ص 36- 38)، صارت الحقيقة الإيمانية لا يمكن الوصول إليها بالبرهان؛ لأن عين هذه الحقيقة غير عين تلك، أعني عين الحقيقة البرهانية غير عين الحقيقة الإيمانية.

ولننظر في قول لابن رشد كهذا القول الذي يعتمد فيه على الآية القرآنية الكريمة:"أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هى أحسن" (الآية 125 من سورة النحل)، وإنه ليعني بالحكمة (البرهان). وبالموعظة الحسنة (الأقاويل الخطابية). وبالمجادلة بالتي هى أحسن (الأقاويل الجدلية). وهذه هى طرق الدعوة إلى الله كما يتصورها ابن رشد (ص31،30 فصل المقال) .

ونحن نسأل مرة تلو الأخرى: لماذا لا تكون الحكمة هنا حكمة أعلى من حكمة البرهان العقلي أو حكمة النظر الفلسفي؟ وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قد خَصَّ بالبعث إلى الأحمر والأسود، فلا لأن شريعته تتضمن طرق الدعاء إلى الله، وأعلاها وأرفعها عند ابن رشد البرهان وكفى، ولكن لأن الحكمة هنا هى حكمة "وحي" جاء ليدب في أنفاس الخلائق كلمات الحق، فإذا هم أعزة حكماء بقدر ما عرفوا من الكتاب والحكمة، وبقدر ما تزكت فيهم العقول والأرواح، وترقت الأفئدة والضمائر على ما قال تعالى:" ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم"(البقرة: الآية 129).

وعليه؛ فتعلُّم الكتاب والحكمة مقرونٌ بالتزكية غير مفصول عنها حتى إذا نشأت العلوم عن الكتاب والحكمة، فلا بدّ من علوم تنشأ كذلك عن التزكية، فلا الحكمة وحدها بكافية دالة على المقصود ما لم تكن التزكية متممة لها في طريق الصعود إلى الهدف الأسمى من التعليم.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

ميثم الجنابيالراديكالية الشيعية المعاصرة (1-2)

لقد أشرت في المقال السابق عن الظاهرة الراديكالية في العراق إلى أن سبب اختيار التيار الصدري بالنسبة لتحليل ودراسة الظاهرة الراديكالية يقوم في كونه التيار الأكثر نموذجية من بين التيارات الراديكالية السياسية العراقية الحالية. وإلا فإن أغلب الحركات السياسية الأخرى تحتوي على أقدار مختلفة من النزعة الراديكالية. بل من الممكن القول، بأن الغالبية المطلقة للأحزاب والحركات السياسية المؤثرة في الحياة العراقية الحالية تنتمي إلى التيار الراديكالي بمختلف أصنافه. وذلك لما فيها جميعا من عناصر الغلو والتطرف ونزعة الإرادة الفجة وسيادة الوجدان وضعف العقلانية والواقعية وغيرها من الصفات المميزة للراديكالية. كما يمكن أن تكون هذه العناصر مكونات مبطنة للهدوء الظاهري والانتماء المفتعل أو المبجل لتقاليد السلف وأصولهم الميتة، كما نراه في التيارات السلفية بمختلف أصنافها. وإذا كان النموذج الديني (الإسلامي) هو الأكثر بروزا الآن، فلأنه النتاج الطبيعي لانحطاط الفكرة الدنيوية القومية. الأمر الذي يجعل من الراديكالية الدينية الصيغة الأكثر تخلفا لزمن الانحطاط السياسي.

فقد استطاع الكبت العنيف والتخريب الشامل من جانب الدكتاتورية الصدامية «عقلنة» الأحزاب والحركات السياسية الدينية والدنيوية. بمعنى «اجبرها» على البحث عن قيم التوازن والاعتدال والشرعية والديمقراطية. وهو تحول يمكن رؤيته في انتقال اغلب الأحزاب السياسية الإسلامية الكبرى مثل الدعوة والمجلس الأعلى وكثير غيرها إلى صوب «الارتقاء» النسبي في مضمار الرؤية الواقعية والنفعية. كما نراه أيضا في تحول الشيوعيين من أيديولوجية الرؤية الكونية والتحزب الطبقي إلى مضمار الموافقة الشاملة والانصياع التام للأعداء الطبقيين بما في ذلك في أتفه الأمور، وفي أكثرها إشكالية. بينما تحولت الحركات والأحزاب القومية الكردية إلى طائع مطيع لإملاء «القوى الإمبريالية» السابقة ونابذة لكل فكرة تمس «حق تقرير المصير» ومصيرها ليس بيدها! والشيء نفسه يمكن قوله عن اندفاع القوى الليبرالية والوطنية والقومية العراقية إلى صف المشارك والمؤيد والمدافع للغزو الأجنبي دون أية ضوابط أو قواعد أو اتفاقات تحفظ الحد الأدنى من إمكانية توسيع الأبعاد اللبرالية والوطنية والقومية في الصراع الاجتماعي والسياسي اللاحق في العراق.

وتجعل هذه المفارقة من الرؤية المنطقية مضحكة «العقل الرزين». شأنها شأن الحكم الذي يجمع بين اليقين واللامعقول كما هو الحال على سبيل المثال في رؤيتنا لخيانة النخب السياسية «الوطنية» للمصالح الوطنية العليا. الأمر الذي يجعل من النخب السياسية في ظروف العراق الحالية كيانات محيرة للعقل والمنطق. فالرؤية المنطقية واضحة المعالم بهذا الصدد، لأنها تنطلق من مقدمات واقعية من اجل الوصول إلى استنتاج مجرد مهمته إدراك أسباب ظهور الوقائع ونتائجها الملازمة. إلا أن مفارقة الظاهرة في ظروف العراق الحالية تقوم في أن الحيرة التي نواجهها بهذا الصدد هي حيرة الانحطاط لا حيرة المعرفة. بحيث جعل ويجعل من العقل الرزين مضحكة، بمعنى جعله كل محاولة ترمي إلى تأسيس البدائل العقلانية محلا لاستهزاء النخب العابرة ومصالحها الأنانية الضيقة. وهي ظاهرة مميزة للراديكالية التي عادة ما تتخذ مشاعرها الوجدانية الأولية صيغة الاندفاع الهائج صوب الغنائم الصغيرة مع أول انتصار سياسي.

 فالمواقف السياسية التي حكمت السلوك النظري والعملي العام والخاص للأحزاب والحركات السياسية في العراق في كل مجرى النصف الثاني من القرن العشرين، كانت مرهونة بنفسية العداء بين الاتجاه الوطني والقومي والإسلامي من جهة وبين معسكر القوى الامبريالية من جهة أخرى. فقد كان هذا المعسكر يحتوي بالدرجة الأولى على كل من الولايات المتحدة وبريطانيا (والدول الشيوعية بالنسبة للإسلاميين). إذ كان هذا الاتفاق الضمني يحكم نفسية وأيديولوجية القوى السياسية في العراق جميعا، رغم خلافاتها الداخلية العميقة والعريقة أيضا. غير أن الإجماع على العداء للامبريالية قد تحول في نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين إلى إجماع عليها بوصفها «منقذة» العراق وحاملة لواء البديل الديمقراطي. بل وتحولت الولايات المتحدة وبريطانيا بالذات إلى الحلفاء الاستراتيجيين في هذه الرؤية. وهو تحول يفترض فهم مقدماته ونتائجه ضمن سياق تحليل الظاهرة الراديكالية العراقية الجديدة، والإجابة على الأقل على أربعة أسئلة تتعلق فيما إذا كان هذا التحول هو نتاج رؤية واقعية؟ وما هي الحدود العقلانية لهذه الرؤية؟ وما هي أسسها الفلسفية والسياسية؟ وهل يعني ذلك أنها تحولت من تقاليد العداء والراديكالية إلى تقاليد الشرعية والرؤية الاجتماعية؟ وهي أسئلة تتناول صلب الموضوع لأنها تحاول طرح الأسئلة المتعلقة بخصوصية الظاهرة الراديكالية العراقية الجديدة من خلال الإجابة على «مبررات» هذا الانتقال وأسبابه الفعلية، وأثر كل ذلك على تحديد مسار النزوع الجديد لهذه الراديكالية.

إن دراسة مقدمات وشروط «الانتقال التاريخي» في مواقف الأحزاب الدينية والدنيوية، الوطنية والقومية، الاشتراكية والشيوعية، الملكية والديمقراطية، المدنية والتقليدية من العداء المتأصل للامبريالية إلى حليف لها يحتوي على قدر من التغير في الأحكام السياسية النظرية والعملية التي تعطي لنا إمكانية القول، بأن تغيرا قد جرى فيها. ويحتوي هذا التغير على قدر من الرؤية الواقعية. بمعنى إدراكها جميعا، بأن إعادة إنتاج وتأصيل العداء للمراكز الإمبريالية هو جزء من تراث أيديولوجي لا يمكنه أن يؤدي إلى نتيجة مفيدة وبالأخص، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي. وهي خطوة إلى الأمام فيما يتعلق بمرونة المواقف السياسية مما جرى من أحداث عالمية مؤثرة على آفاق العملية السياسية في كل مكان بما في ذلك في العراق، الذي كان يشكل (وما يزال) بؤرة ساخنة من بؤر الصراع العالمي الجديد. لكنها واقعية مبتورة، لأنها تفتقد لأي تأصيل عقلاني. بمعنى أنها واقعية بلا إستراتيجية واضحة المعالم في ما يتعلق برؤية المصالح الجوهرية للعراق ومعاصرة المستقبل فيه. من هنا خلوها لأسس فكرية وسياسية خاصة بها. بمعنى إننا لا نعثر في البرامج السياسية والمشاريع النظرية لهذه الحركات والأحزاب والنخب على ما يمكنه أن يكون تأسيسا نظريا يعطي لهذا التحول والانقلاب بعدا عقلانيا يؤكد واقعيته الضرورية. بل على العكس، إن كتابات وبرامج هذه الحركات ما زالت متحجرة بمفاهيمها القديمة، الإسلامي بإسلاميته السلفية أو مذهبيته الضيقة، والقومي بقوميته الجامدة أو صيغتها العرقية، والاشتراكي باشتراكيته المجهولة، والشيوعي بشيوعيته المعلومة. وهكذا الحال بالنسبة للبقية الباقية.

إننا نقف أمام حالة محيرة للعقل النقدي في محاولته فهم سرّ الانتقال المسرور من «جنان» الإسلام والقومية والوطنية والاشتراكية والشيوعية إلى «جحيم» القوى الاستعمارية القديمة والجديدة ونزوعها الامبريالي. وهي حالة انتقال فعلية ترتسم ملامحها السعيدة على محيا القوى والأحزاب والنخب السياسية، بينما مازال فؤادها الأيديولوجي مليئا بمفاهيم العداء والاستعداء للحلفاء الجدد، أعداء الأمس! كما يلازم هذه الحالة بالضرورة انفصاما بالشخصية السياسية. وفي هذا يكمن تناقض، ولحد ما زيف الشعارات المعلنة عن الدولة الشرعية والديمقراطية والعدالة والمساواة والقيم الأخلاقية. ومن ثم استحالة تراكم الرؤية الواقعية العقلانية باعتبارها فلسفة متماسكة في ميدان بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد والعلم والثقافة.

فالفلسفة الواقعية العقلانية للنظام الديمقراطي الفعلي هي أولا وقبل كل شيء منظومة متكاملة ومتوحدة في الظاهر والباطن، ومنسجمة في مواقفها النظرية والعملية. في حين أن ما نعثر عليه هو مجرد تأقلم ونزوع نفعي جزئي، يفصل القوى السياسية عن تاريخها وتاريخ الدولة والمجتمع والثقافة. وذلك لأن انتقال هذه القوى والنخب السياسية من العداء للامبريالية إلى «حليف إستراتيجي» لم يكن تحولا مبنيا على إدراك فلسفي تاريخي متراكم واقعي وعقلاني لضرورة البدائل التي يحتاجها العراق في العالم المعاصر، بقدر ما كان انقلابا وتبدلا. والأتعس مما فيه أيضا هو أن هذا الانتقال لم يكن أكثر من هرولة وركض وراء أعداء الأمس من اجل استرضاءهم لكي يكونوا حليفا إستراتيجيا، بدون إستراتيجية جديدة. والشيء الوحيد الواضح المعالم في هذه العلاقة هو الاستعداد للرضوخ والخضوع غير المشروط!! وقد أثر هذا التناقض ويؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في إعادة إنتاج واستثارة الراديكالية العراقية الجديدة التي يشكل "التيار الصدري" احد نماذجها الكلاسيكية.

إن مبررات هذا الانتقال وأسبابه الفعلية لا تتمتع بقدر من المصداقية قادرا على تأسيس البدائل العقلانية وروح الاعتدال. من هنا استثارته القوية والمدهشة للراديكالية العراقية الجديدة عوضا عن تحييدها بطريقة تجعلها جزء ضروريا من خميرة الوعي السياسي الفعال. ومن ثم وأد نماذجها الأكثر تطرفا وغلوا. وهي نتيجة تشير إلى عدم الاتعاظ الكلي والدقيق من تجربة الصدامية. ومن عدم تذليل بقاياها المنتشرة في كل مسام الوجود العراقي. وفي هذا يكمن دون شك إعادة إنتاج صداميات جديدة متناثرة مجزأة قد لا تقل تخريبا عما سبقها، لكنها تؤشر في الوقت نفسه على اندثار وحدتها الصلدة. ومن ثم تلاشي قدرتها الفعلية على مواجهة موجة التحدي العميقة في تذليل زمن الراديكالية.

ومن حصيلة هذه العملية المتناقضة المشار إليها أعلاه ظهر التيار الصدري بهذه الصورة المفاجئة. بمعنى أن ظهوره «الاجتماعي» و«الوطني» و«المعادي للاحتلال» و«المدافع عن المقدسات» وما شابه ذلك، هو الوجه الآخر لتقاليد الماضي في منافستها للقوى الدينية والدنيوية التي جاءت مع قوى الاحتلال وبمؤازرته في تسلم زمام السلطة، والمشاركة الوهمية والواقعية فيها. بمعنى أن الظهور المفاجئ والعنيف للتيار الصدري يحمل في أعماقه بقايا وثقل التوتاليتارية والدكتاتورية.

فقد كان «التيار الصدري» الراديكالي الجديد صنيعة الماضي التوتاليتاري والدكتاتوري، سواء من حيث «تاريخه» السياسي في شخصية الصدر (الأب) وهيبتها الروحية التي لم تكن معزولة عن محاولات السلطة الصدامية صنع بدائل «عربية» للمرجعية الشيعية التقليدية، أي المجردة عن «القومية». ومن ثم كانت مهمتها السياسية هي إضعاف المرجعية المذهبية «الخالصة»، أي المناوئة أو التي تحمل في أعمق أعماقها نفسية المعارضة وروح الاغتراب الشامل عن السلطة. وهي خطة عادية بمعايير الدكتاتورية الصدامية لكنها غير عادية بإمكانياتها الداخلية على خلفية التهميش الاجتماعي الهائل الذي تعرض له العراق بشكل عام ومناطق الشيعة بشكل خاص.

فقد كان العراق قبيل وبعد سقوط الصدامية كتلة هائلة مهمشة، أي كيان من الحثالة الاجتماعية الرثة في حياتها ومظهرها ونفسيتها وذهنيتها وعلاقاتها الخاصة والعامة وفكرتها عن الحرية، باختصار في كل شيء! وفي ظل حالة من هذا القبيل كان المزاج الاجتماعي مستعدا لقبول أي شكل جديد للراديكالية المناهضة. لاسيما وأن المزاج الاجتماعي كان محكوما بتراث يتلذذ للنزعة التوتاليتارية. لهذا حالما انهارت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، فإن الرصيد المكبوت للثأر الراديكالي بين هذه الأحزاب والحركات، الذي لم يبدده ارتباطها بقوى الاحتلال، سرعان ما اخذ يتراكم في حركة شعبية عريضة ومباشرة تلقفها واستحوذ عليها «التيار الصدري». وهو استحواذ لم يخطر على قلب عراقي وباله في حال عدم «إرتقاء» الحركات الدينية والدنيوية صوب التعامل المباشر مع «أعداء الأمس» التقليدين.

ذلك يعني، إن الظهور المفاجئ للتيار الصدري وقدرته الملفتة للنظر على استقطاب «الشارع العراقي» بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، لم يكن في الواقع سوى الوجه الآخر لتراكم الشحنة الراديكالية المقلوبة في المزاج الاجتماعي. وتراكمت هذه الشحنة بصورة لا مثيل لها في تاريخ العراق المعاصر، وبالأخص في مجرى الحروب الهمجية التي انتهت صورتها المباشرة بسقوط الدكتاتورية عام 2003.

بعبارة أخرى، إن الصعود المفاجئ والسريع والعنيف للراديكالية الصدرية هو الوجه الآخر للسقوط المفاجئ والسريع والعنيف للدكتاتورية الصدامية، بوصفها الصيغة الكلاسيكية للراديكالية العراقية. وهو أمر يعطي لنا إمكانية القول بأنهما كلاهما ينتميان من حيث المقدمات إلى ظاهرة واحدة. وهي ظاهرة نعثر عليها عند جميع الحركات الراديكالية السياسية في العراق المعاصر. وإذا كان التيار البعثي الصدامي قد جسدها بصورة «نموذجية» على مستوى الدولة في غضون عقود، فإن التيار الصدري قد جسدها في غضون أشهر في المناطق التي استطاع «الاستيلاء» عليها أو مصادرتها. وقد كانت الأساليب والنتائج هي هي ذاتها! إذ نرى نفس العبارة تجاه «العدو الخارجي» و«المحتل»، كما نرى نفس العبارة المتشدقة بكلمات «الوطنية» الممزوجة بالدفاع عن «المقدسات» و«الإسلام». والشيء نفسه يمكن قوله عن السلطة والدولة. إذ لا تعني السلطة سوى سلطة الفرد الجاهل أو نصف المتعلم. أما الدولة فهي «الأنا» المتلبسة مرة بصدام وأخرى بالصدر! أما المجتمع فهو كتلة لا تتمتع بغير حق الانصياع وتنفيذ كل ما تريده القيادة والإمامة بأساليب القوة والعنف. إذ لا مجال ولا معنى للثقافة والعقل!

مما سبق يتضح، بأننا نقف من جديد أمام الصعود الخطر للنزعة الراديكالية في العراق، التي شكلت مصدر مأساته المعاصرة. فالتجربة التاريخية للعراق المعاصر تبرهن بصورة قاطعة على أن خطورة الراديكالية تقوم في رفعها قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد إلى مصاف العقيدة المقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. لكننا نلاحظ ممارسة الراديكالية لهذا الفرض بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس ويقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو المطلق الوحيد. مما يجعل منها في الأغلب قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف سوى الخراب والتوغل الدائم فيه. وكشفت هذه النتيجة ممارسات «التيار الصدري» في بداية أمره، كما سيكشف عنه الزمن اللاحق ضمن التيارات السياسية عموما والإسلامية خصوصا.

«فالتيار الصدري» هو الحركة التي تمثلت في ظروف العراق الحالية مضمون الراديكالية بأكثر أشكالها تخريبا وتدميرا. وسبب ذلك يقوم في كونها لم تستفد من تجارب الاضطهاد التاريخي الهائل الذي تعرض له الشيعة، بوصفهم "المكون" الأساسي والرئيسي والأكبر للعراق. كما أن ممارستها التي ترافقت مع ظهورها السريع على خلفية زوال البعثية الصدامية تشابهت بصورة شبه تامة مع ممارسات التوتاليتارية والدكتاتورية. ومن ثم وضعت نفسها بالضد من المجرى العام للتيار الشيعي والوطني والاجتماعي العراقي. أما الحصيلة فهو الانحدار الدائم صوب الانصهار مع الغلاة الجدد من مختلف التيارات السلفية.

ولعل أهم ما يميزها بهذا الصدد هو نظرتها الضيقة المقيدة بنفسية ومزاح أو هوى الحثالة الاجتماعية. مما كان يحد من إمكانية نموها العقلاني، كما يجعلها بالضرورة أسيرة الحدود الضيقة في رؤيتها لآفاق تطوير الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة. إذ أننا لا نرى ولا نسمع ولا نعثر على برنامج «صدري» له علاقة بمكونات الدولة المعاصرة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة البديلة للتوتاليتارية والدكتاتورية. ويشير هذا الواقع إلى افتقاد الرؤية السياسية الإستراتيجية وفقدان المشروع السياسي وانعدام الرؤية الواقعية والعقلانية عن طبيعة التغيرات التي جرت في العراق. وليست العبارات العامة عن «الدولة الإسلامية» و«المجتمع المسلم» و«الثقافة الإسلامية» وما شابه ذلك سوى كلمات لا معنى لها في حال انعدام تحديدها الدقيق بمعايير الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية، أي في حال عدم وجود برنامج نظري وعملي يحدد بصورة دقيقة الغايات الكبرى ووسائل تنفيذها. أما العبارات التي نسمعها بين الحين والآخر فهي ليست أكثر من صياغة «إسلامية» لأغلب مضامين التوتاليتارية والدكتاتورية.

إننا نعثر في «التيار الصدري» على إدراك ضعيف ومشوه لطبيعة التحولات الجارية في العراق. وقد وجد ذلك انعكاسه المباشر في بادئ الأمر بالتناقض الحاد بين الاشتراك الجماهيري الفعال والعنيف في السياسة، ورفض الاشتراك «الرسمي» فيها. ولم يعن ذلك من حيث المضمون لا من حيث الشكل سوى محاربة الانخراط الفعال في الحياة السياسية الاجتماعية. من هنا بقاءه وبقاء خطابه السياسي ضمن عبارات لا تتعدى في أفضل الأحوال لغة الشعار السياسي المهيج لنفسية الفئات الرثة. وهو توجه لابد وأن يقلّص مع مرور الزمن قاعدته الاجتماعية ويجعلها قوة مناهضة لأبسط مفاهيم الحرية والتقدم الاجتماعي. وهي عملية بدأت ملامحها الأولية في ظاهرة تزايد وتوسع وتعمق الشرخ السياسي والفكري والمعنوي بينه وبين المجتمع. إذ يمكن ملاحظته في الشرخ الهائل بين المؤيدين والمعارضين له في المدينة والريف، بحيث تحولت الظاهرة الصدرية إلى جزر متناثرة لا يربطها سوى الاستعداد للعنف. وهي عملية مستنفذة بالضرورة لأنها غير قادرة على مواجهة العنف الفعلي القائم في ظاهرة التهميش التي تعرضت لها فئات هائلة من المجتمع العراقي بشكل عام والشيعة بشكل خاص. كما نرى ذلك في الهوة السياسية القائمة بين «التيار الصدري» والحركات السياسية العراقية عموما، بما في ذلك الشيعية. بل أن ما كان يميز «التيار الصدري» قبل تعرضه للضربة القاضية في جولته الأولى ضد القوات الأمريكية والعراقية الرسمية، هو استعداءه للحركات والتيارات والأحزاب الشيعية وخذل زعماؤها التقليديين. وهي ظاهرة تعكس الطابع الراديكالي للتيار الصدري، بغض النظر عن نفسية المؤامرة والمغامرة التي كانت القوى المتزاحمة في «مجلس الحكم» والشيعية منها بالأخص تستدرجه لخوض «معركة الشرف» الخاسرة. وفي هذه العملية كانت تتبين مستوى وحدود وديناميكية الاغتراب السريع بين الظاهرة الصدرية وبين المجتمع.

وفي الإطار العام يمكن القول، بأن الظاهرة الصدرية بوصفها ظاهرة راديكالية تبرهن من جديد على أن الحثالة الاجتماعية ليست مستعدة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها لما جرى ويجري. ومن ثم فإن ممارساتها ككل لا تفعل إلا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. الأمر الذي يشير بدوره إلى الحقيقة التي ينبغي تحويلها إلى بديهة عملية بالنسبة للوعي السياسي المعاصر في العراق، والقائلة بأن مهمة إنقاذ المظلومين بوصفها فلسفة للحرية الفعلية لا تتبلور بينهم، بل بين أولئك الذين استطاعوا تجاوز حالة الظلم، بمعنى ممن هو قادر على رؤية حدود الظلم من موقع البدائل العقلانية. وهي حقيقة تنطبق بقدر واحد على الظاهرة الراديكالية الاجتماعية والقومية والدينية.

فقد استطاع «التيار الصدري» أن يستقطب من حيث قواه الاجتماعية كمية الحثالة الاجتماعية الهائلة في العراق المعاصر، مما جعل منه التيار الأكثر نموذجية لتمركز وفعالية القوى الرثة. وهي قوى اجتماعية عراقية معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في وسائله، فإنه التجسيد الأكثر تخلفا لكيفية إدارة الصراع الاجتماعي والسياسي، وذلك لأن «منطقه» الوحيد هو منطق السلاح لا سلاح المنطق. وهي أيضا وسيلة معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في نيته فقد كان يسعى للهيمنة، وهي أيضا نية معبرة عن حالة عراقية فعلية. بينما لم تكن غايته المعلنة عن طرد الاحتلال وغايته الباطنة عن إحلال النظام الإسلامي، سوى وجهان مكملان للرؤية الراديكالية التي لا ترى ولا تسمع ولا تتذوق حقيقة ما يجري في العراق وحوله والعالم.(يتبع....).

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

مجدي ابراهيمانتهينا في اللقاء السابق عند نقطة "العقل الكلي" الذي لا تغيُّر فيه، بل ثبات هو العقل الفعال الذي لا يلحقه فساد ولا يناله زوال، وفي هذا المقال نأتي على رأي ابن رشد في العقل والنفس. وخلاصة مسألة العقول كما اشتهرت في الفلسفة الإسلامية أن الله سبحانه وتعالى تعقل ذاته، فكان العقل الأول. وأن العقل الأول يحرك ما دونه حتى تنتهي العقول إلى العقل الفعال وهو الذي يمدُّ العقل الهيولاني الذي يقتبس منه الإنسان تفكيره، ويسمى بالهيولاني تشبيهاً له بالهيولي التي تقبل الصور، ولم يذكر العقل الهيولاني قبل الأفروديسي.

على أن القفطي يحدّثنا في "إخبار العلماء بأخبار الحكماء" عن آراء أرسطو في النفس، ومع أن حديثه هذا لا يخلو من سذاجة إلا أنه يصيب كبد الحقيقة، حين يقول واصفاً ما انتهت إليه أبحاث أرسطو الميتافيزيقية:" ثم إن أرسطو طاليس رأى كلام شيخه أفلاطون وشيخ شيخه سقراط، فوجد كلام شيخه مدخول الحجج متزلزل القواعد، غير محكم البنية في الرد والمنبع، فهذبه ورتبه وحققه ونمقه وأسقط ما ضعف منه وأتى في الجواب بالأقوى، وسلك في كل ذلك سبيل المجاهدة والتقوى؛ فجاء كلامه أفصح كلام وأسدّ كلام وأحكم كلام. غير أنه لما جال في هذا البحر برأيه غير مستند إلى كتاب مُنزل، ولا إلى قول نبي مرسل ضَلَّ في الطريق، وفاتته أمور لم يصل عقله إليها حالة التحقيق"...

والسؤال الآن: هل ابن رشد كان يتابع أرسطو في مسائل ما بعد الطبيعة وبحوث النفس والعقل، وهو على هذا الوصف الذي رأيناه عند القفطي؟ وكيف تنسى له التوفيق بين مذهب أرسطو وشراحه وشروحه، وبين عقيدة الإسلام في خلود النفس والثواب والعقاب والنبوة والوحى إلى آخر المعتقدات الإسلامية؟!

عندي أنه لا تخلو محاولات ابن رشد التوفيقية من آراء تحالف في جوهرها معتقدات الإسلام إذا هو كان تابع أرسطو بغير نقد إلى منتهاه؛ فكان لابد أن تقوم على نظريته في النفس والعقل بعض المآخذ والثغرات: يتحدّث عن جوهرية النفس دون توضيح لمعنى الجوهر. قد يقصد أنها ليست عرضاً لجسم وإنما لها وجود متميز وبالتالي من طبيعة غير مادية. واضح أن هذا التصور للنفس تصور أفلاطوني. نجد ثانياً تناقضاً بين قوله إن العقل الهيولاني استعداد لتلقي أفكار من العقل بالملكة، وقوله إن العقل ليس به شيء بالقوة. نجد أخيراً أن ابن رشد وإن رأى العقل الفعال جزءً من الإنسان وليس خارجاً عنه، فإنه لم يفهمه عقلاً فردياً لكل إنسان وإنما النوع الإنساني كله. وإذن لم ينجح في محاولته الدفاع عن عقيدة الإسلام في خلود النفس كما يقول الدكتور محمود زيدان في (نظرية ابن رشد في النفس والعقل: ص48).

ومن جانب آخر نرى الإمام محمد عبده في هذه النقطة الأخيرة يقول: إن ابن رشد يقول بخلود النفس وسعادتها وشقائها وعذابها ونعيمها، وأن عقل الإنسانية العام لا وجود له لا عند أرسطو ولا عند ابن رشد، فإن أرسطو وابن رشد لا يقولان بعقل يسمى عقل الإنسانية العام، بل كان ذلك من مزاعم أفلاطون التي عنى أرسطو بإبطالها وتبعه ابن رشد وغيره في نفيها.

ولقد دارَ صراعٌ طويلٌ بين فرح أفندي أنطون صاحب مجلة الجامعة والإمام محمد عبده حول هذه المسائل، إذْ ينفي الإمام محمد عبده في ردوده على الأستاذ الأديب فرح أنطون صاحب مجلة "الجامعة"، وفي صدد المساجلات الطويلة التي دارت بينهما، أن يكون اتصال النفس بالعقل الفعال معناه الفناء فيه أو الإندغام كما عرفته الجامعة مما جرى به رأي فرح أنطون. وعنده أن العقل الفعال هو العقل العاشر المصرف للمادة العنصرية لا عقل الإنسانية العام كما تقول الجامعة. وينفي الأستاذ الإمام عن أرسطو وعن ابن رشد مظنة القول بعقل يسمى كما قلنا بعقل الإنسانية العام. فالعقل الفعال هو الذي يخرج النفس من العقل الهيولاني إلى العقل بالملكة، ومن العقل بالملكة إلى العقل المستفاد، ومنه إلى العقل بالفعل. أما نفوسنا؛ فهى عقول بالقوة، ولكنها تستعد استعداداً خاصّاً للاتصال بذلك العقل أي بالإقبال عليه وتوجيهه وجهتها نحوه مما ارتسم منه فيها بالصور العقلية الخاصّة بذلك الاستعداد الخاص.

والعقل الأول كما يراه محمد عبده، ليس هو كما يقول صاحب الجامعة فرح أفندي أنطون؛ فإنّ العقل الأول - كما يروى العقاد عن الشيخ محمد عبده، هو جوهر مجرد عن المادة، وهو أول صادر عن الواجب، وقد صدر عنه الفلك التاسع المسمى عندهم بالفلك الأطلس، ونفس ذلك الفلك تدبر حركاته الجزئية، وعقلُ آخر هو العقل الثاني، وعن هذا العقل الثاني صدر الفلك الثامن المسمى عندهم بالعقل الفعال أو العقل الفياض، وعن العقل صدرت المادة العنصرية وإليه يرجع ما يحدث في عالمها.

على أننا إذا نحن رجعنا إلى أقوال ثامسطيوس، فيما يتعلق بالفقرة الأولى من اعتراض الأستاذ الإمام؛ لوجدنا أن فكرة العقل العام كانت موجودة في أقوال ثامسطيوس، وكذلك في آراء الاسكندر الأفروديسي. فأما ثامسطيوس فهو يقول:" .. أما عن ماهيتي التي هى في نفس الوقت الماهية المشتركة لجميع الناس، ماهية النوع الإنساني؛ فإنها تتكون من الصورة أي صورة النفس الإنسانية، من العقل بالفعل.

ولذلك لا نقول مع الاسكندر الأفروديسي إنّ العقل الفعال إلهي، بل هو ما يميز النوع الإنساني. العقل الفعال هو نحن جميعاً، ففكرة العقل العام موجودة إذن عند شراح أرسطو - وإنْ كان ثامسطيوس رَجَعَ فيها إلى أفلوطين في نظرية اتصال النوع بالأفراد، إذ إن فكرة الاتصال أو الاستمرار بين مختلف مراحل الوجود هى فكرة ينزع فيها أفلوطين إلى نوع من الوحدة الصوفية مع المبدأ الأول، وذلك يقتضي إزالة التعارض بين المراتب المختلفة للوجود. فإن "المثل" التي قال بها أفلاطون، والتي هى قوام العقل ومحتواه، تكون عند أفلوطين مبدأ ثانياً صادراً عن المبدأ الأول (را: التساعية الرابعة لأفلوطين في النفس: ص 48).

وقد سبق لنا ملاحظة أن أفلوطين يذكر أن نفوسنا كلها واحدة ولكن الاختلافات الفردية ترجع إلى العنصر الجسمي الذي فيها، وكذلك الحال في فكرة "الإنسان" أو "فكرة الإنسانية" فهى فكرة واحدة فينا جميعاً، ولكنها قد تكون متحركة في شخص وساكنة في آخر تبعاً لحالة كل منهما؛ فكل منا "إنسان" ولكن لا يعني هذا أن شعورنا واحد. أما الاسكندر الأفروديسي، ففضلاً عن كونه تلميذاً لأفلوطين فهو الذي قال بوحدة العقل المنفعل في كل الأشخاص، على ما ذكر ماسينيون فيما تقدّم، وقال إنها هدم لنظرية الأبدية وللثواب والعقاب. وأما بالنسبة للمساجلة الطويلة التي دارت بين الأستاذ الإمام وفرح أفندي أنطون، فإنّ الفصل فيها يرجع، كما وضح الأستاذ العقاد في كتابه عن ابن رشد، إلى اختلاف المصادر، فكل ما يذكره الشيخ الإمام محمد عبده عن العقل الأول، صحيح بالنسبة إلى فلاسفة الإسلام في المشرق، ولكن ابن رشد كان يعتمد على شرح أرسطو مباشرة ويفسره برأيه لا بآراء الفلاسفة المشرقيين ... أما الأستاذ فرح أنطون، فكان جل اعتماده على تخريجات رينان، ولم يتوسّع في الاطلاع على كتاب التهافت وغيره توسع استقصاء. وقد صرح بذلك حين قال " .. لا مناص للكاتب العربي اليوم من أخذ تلك الفلسفة عن الإفرنج أنفسهم، فأخذنا كتاباً للمستر مولر عنوانه: فلسفة ابن رشد ومبادئه الدينية، وكتاباً عنوانه: "ابن رشد وفلسفته" وهو للفيلسوف رينان المشهور.

لقد كانت المصادر إذن مختلفة، وكان أكثرها مروياً عن صاحبه، مأخوذاً من خلاصة كلامه، ولو توحدت المصادر مع حُسن النية لما تباعدت بين المتناظرين في هذه المسألة، ولا في غيرها، شُقة الخلاف.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

رائد جبار كاظمواقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا من شهر تشرين الثاني، انما هي لغرض المطالبة بالحقوق والخدمات واصلاح الحال ومحاربة ومكافحة الفساد السياسي والاداري في كافة مفاصل ومؤسسات الدولة العراقية وتغيير الوضع الاجتماعي والمعيشي المزري للشعب العراقي، ومحاولة الحد من هيمنة وفساد السلطة السياسية الحاكمة وأستأثارها بمقدرات الشعب وبالامتيازات والمخصصات لوحدها ومن برفقتها من الاحزاب والكتل السياسية في أدارة الدولة، أما الشعب فهو في حال مأساوي يرثى له، من حيث مستوى الخدمات وفرص العمل والسكن والوضع الصحي والاقتصادي والثقافي والتربوي والتعليمي، فما تحقق من تغيير منذ 2003 الى اليوم هو ليس بمستوى الطموح ولا يناسب حجم ما تعرض له العراق من كوارث ومحن طوال الفترات السابقة، ليتم تعويضه من قبل النظام السياسي الديمقراطي الجديد بما فقده من سنوات المر والجمر من سنوات حكم الدكتاتور وغطرسته المفرطة تجاه الشعب العراقي المظلوم.

التظاهرات والاحتجاجات الشعبية الواسعة التي خرجت في محافظات ومدن العراق انما هي عفوية صادقة، نابعة من مظلومية واقعية ونقص حاد في جميع الحقوق والخدمات، وخاصة ضمن فئة عمرية شابة جديدة لم تذق طعم الحرية الجديدة ولم تحصل على حقوقها بصورة صحيحة وسليمة، جيل شبابي مظلوم ولد مع مطلع نهاية الدكتاتور وبداية حقبة سياسية جديدة محملة بالاعباء والاثقال والاوحال السياسية القادمة من منافي ومطابخ سياسية عالمية متعددة لا نعرف أهدافها ونواياها سوى أنها عراقية اللسان ومختلفة الاهواء والاجندات والبيان، كيانات وأحزاب سياسية تنفست هواء الخارج والدول التي وهبتها جنسيات أخرى ليس لسواد عيونهم وانما لسواد عيون العراق ونهب ثروات أرض السواد مستقبلاً أو من خلال تلك الجنسيات المؤدلجة، التي تعبر عن أهواء وهواء تلك الدول المهيمنة والحاكمة على أرض العراق وسياسته، وتعدد تلك الدول المهيمنة على العراق لا تتعلق بدول الجوار وانما تعدى ذلك الى دول أجنبية أخرى، ينتمى لها هؤلاء الساسة والحكام.

أزدوادج الجنسيات للكثير من الساسة وقادة الاحزاب جعلهم يمرون بحالة من الازدواجية في السلوك السياسي والاجتماعي، وغياب حالة التوازن والحس الوطني عن أي ممارسة مع الشعب، ولم يلمس الناس أي عمل فيه مصلحة البلد وشعبه، بل لمسوا حالة من التواطىء مع الدول والساسة التي ينتمي لها هولاء القادة والاحزاب التي جاءت من خارج الحدود، وقد أصيب بتلك العدوى والفايروس حتى الاحزاب العراقية التي تأسست ما بعد 2003 في الداخل، حين أقتربت من تلك الخارجية التي أتت بعد احتلال العراق وغزوه من قبل الولايات المتحدة الاميريكية.

الواقع العراقي واقع معقد جداً، وهناك من يعيش على حالة الفوضى والاضطراب التي يتعرض لها العراق، ويجني من وراء ذلك الخيرات الحسان، فالعراق في أوقات الخير وفي أوقات الشدة يدر خيراً ومالاً وفيراً على أهله ومن يحكمه، وهناك من يصنع الازمات ويعتاش عليها، فتجار الحروب والفتن يملأون الأرض، والعراق محاط بهؤلاء من كل جانب، سواء في الداخل أو الخارج، ودائماً الأمور تصب في صالح الاغنياء والتجار وليس في صالح الفقراء والمعوزين والثوار والمتمردين على الواقع، فهؤلاء قد يكونوا وقوداً للحروب والثورات والتظاهرات، ولكن من يقودها ويوقدها له الخبرة في الخروج منها وتوجيهها كيفما يشاء وفق مخططات معدة سلفاً، وهناك من يمول تلك الازمات من الداخل والخارج ليجني ثماراً يانعة ليس لها مثيل، أما الشعب والفقراء بنظرهم فليذهبوا الى الجحيم، ما داموا هم يغطوا بنعيم أبدي دائم.

أستطاع الكثير من السياسيين وأصحاب الاجندات والارادات أن يؤظف التظاهرات الوجهة التي يريد، رغم كونها لم تخرج تحت زعامة قائد أو حزب أو مكون معين، ولكن هؤلاء يفكرون بشكل مختلف عما يفكر به الكثير من المتظاهرين والمحتجين السلميين، فالامور دائماً ما تدور وتدور وتعود لهم مرة أخر ليجنوا ثمارها، وهذا ما فطن له الشعب خلال تلك السنوات العجاف، والقادة والساسة يريدون أن يجعلوا من التظاهرات والاحتجاجات (حصان طروادة) ليتخفوا فيه، لا ليقاتلوا أعداء الشعب بل ليمزقوا ويحطموا ذلك الحصان والشعب من باطنه، الشعب الخارج للاصلاح والتغيير، وهناك أجندات متعددة تريد ركوب الموجة وتحقق رغبة أسيادها وزعمائها من الداخل والخارج، وتعددت السيناروهات وأختلفت الارادات والاجندات التي تحرك الاحزاب والكتل السياسية من جهة والشعب من جهة أخرى، ويعمل الكثير على حرف وتشويه مسار تلك التظاهرات والاحتجاجات السلمية من خلال تغذية وامداد المتظاهرين بأفكار مختلفة، غايتها قتل هؤلاء المحتجين والركوب على ظهورهم لتحقيق مآرب كبرى لا يعلم بها الا الله والراسخون في الفهم والعلم والسياسة.

ومما يؤسف له أن العراق على مر التاريخ واقع تحت تأثير كبير من قبل سياسات وأجندات وولاءات خارجية مختلفة، وكل جهة تريد تحريك مكوناتها ورعايها الاثنية في داخل العراق لتحقيق هدفها وغايتها الكبرى، والعراق محاط بدول جوار قوية ومرعبة ومن ساندها من ذوي السلطان الأكبر من العرب والعجم والبربر، لذلك فحالة الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العراق معدومة بسبب هيمنة تلك الدول وقوتها على مر التاريخ، هذا بالاضافة الى وجود عامل مهم جداً وهو فقدان الحس والشعور الوطني لكل من يحكم العراق، والعمل الدائم على تحقيق مصلحته وحزبه وجماعته التي ينتمي لها، أما البلد والشعب فهم في رعب دائم وحالة تشظي وأنقسام مستمر.

مما يلاحظ على الموقف الغربي عامة والامريكي خاصة من التظاهرات في العراق هو طابع الجمود والبرود والشرود، وعدم التدخل لحل تلك الأزمة السياسية التي يعاني منها الواقع العراقي اليوم، بل أن الطرف الغربي والامريكي تحديداً يدفع بأتجاه تصفية الحسابات مع أيران، وجعل العراق ساحة حرب لتحقيق مصالحها، ولم يكفي أمريكا وبعض دول الخليج وتجار الحروب أن يكون العراق ضحية حرب أستمرت لثمان سنوات مع أيران في القرن العشرين، حرقت الأخضر واليابس بين البلدين الجارين، بل جاءت اليوم لتعيد نفس السيناريو لتجعل العراق ساحة حرب وتؤجج الفتنة بين البلدين مرة أخرى، من خلال زجّ الشعب والمتظاهرين في تلك الحرب الضروس، ليتحول مسار التظاهرات والاحتجاجات في العراق من الجانب السلمي الى الجانب العدواني والحربي بين طرفين أو أكثر، فأمريكا تخطط ودول الخليج تمول والعراقيون ينفذون، ذلك هو السيناريو الشيطاني المخطط له، والذي من خلاله يفقد العراق الكثير، حقوقه وتظاهراته وشبابه، أما خيراته وثرواته فتذهب في جيوب مخططي الحرب وساسة الفساد والخراب، ومما يؤسف له أن يذهب الشباب والناس وقوداً للحرب ولمخططات عدوانية تأكل الأخضر واليابس، ونلاحظ أيضاً مدى مستوى الشيطنة والمكر لكل من يخطط لتلك الفتنة ويركب موجتها، فدول الخليج وتركيا وبعض الدول العربية والاجنبية الأخرى كانت قد عملت على ابادة العراق وأهله من خلال سلسلة الأرهاب والتفجيرات والحركات التكفيرية التي دمرت العراق، وقد تم غض النظر عنها وتجاوزها والسكوت عنها دولياً وعالمياً، ولكن من الواضح أنها تريد جر العراق وشعبه لحرب جديدة بين العراق وأيران، وضرب بلدين جارين من خلال ركوب موجة التظاهرات وحرف مسار شبابها والمطالبين بحقوقهم المسلوبة، وعند ذلك سنكون بين فكي كماشة، فبين حرب خارجية من جهة وبين فساد وأرهاب سياسي من جهة أخرى، وهذا سيناريو واحد من بين سيناروهات عدة تروج لها الاحزاب والتيارات السياسية في العراق، من خلال قولهم بالتآمر على العملية السياسية في العراق والعمل على أطاحتها، وعودة المتضررين من حزب البعث الى السلطة من جديد، وتحذير الشعب من تلك المؤامرات الداخلية والخارجية، ويعمل الساسة على تخويف الجميع من تلك المؤامرات والمخططات، ويرهبوهم ويرعبوهم من عودة عقارب الساعة الى الوراء، فالشعب العراقي واقع بين خيارين كما يقول الساسة، فاما هذا الحكم واما عودة البعث والفوضى، ولكن الشعب يبقى رهين المؤامرة والمتآمرين عليه، و(ضاعت لحانة بين حانة ومانة) كما يقول المثل الشعبي، ولكن الشعب والمتظاهرين السلمين قد وعوا اللعبة وعرفوا كل المخططات ولم تنطلي عليهم تلك السيناريوهات السياسية والمؤامرات المقيتة، فالشباب خرجوا (يريدون وطن) فيه كرامة وعزة وشرف، والشعب لديه خيار واحد ليس الا وهو (اما يكون أو يكون)، فقد ملّ الجميع الخطابات العدمية والشعارات الحزبية الزائفة التي يسرق فيها الشعب في وضح النهار، ولا أحد يكمم تلك الأصوات الصادحة في ساحات التظاهر للمطالبة بالحقوق والخدمات والعيش بكرامة في وطن غني يستوعب الجميع بكل أطيافه ومكوناته الجميلة. وعلى الاحزاب وقادتها الخروج من أبراجهم العاجية ويحطموا الاسوار المبنية بينهم وبين الشعب ويقفوا معه في محنته ومظلوميته وينتصروا له ويزيدوا من تقديره وأحترامه بدلاً من الاستهانة به أو أذلاله، فكلنا في مركب واحد، وعلينا أن نتجاوز المحنة بسلام كي لا يقع السقف على رؤوسنا وتنهار دولتنا وتباد بسبب ذلك الصمت السياسي الرهيب للاحزاب والبرلمان والحكومة، وعندها لا ينفع الندم ولا عظ الظالم على يديه. 

 

د. رائد جبار كاظم

 

عامر صالحإن الحركة الاحتجاجية التي عمت الشارع العراقي منذ بداية اكتوبر لهذا العام هو نوع من المعارك التاريخية الفاصلة والحاسمة بين فريقين متناقضين، هما فريق السلطات الحاكمة التي فقدت شرعية وجودها على خلفية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخانقة والمتراكمة عبر اكثر من عقد ونصف من الزمن، ويمثل هذا الفريق منظومة الحكم والاحزاب الحاكمة منذ 2003 والقائمة على اساس المحاصصة الطائفية والاثنية السياسية والتي تعاملت مع الدولة العراقية كغنيمة يجري تقاسمها بين الاحزاب التي توالت على تسيير دفة الحكم، والفريق الثاني هو قوى الاحتجاجات الشعبية ذات المصلحة الأساسية في عملية التغير التقدمي، والمطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية. ولكل فريق " جمهوره " الخاص والذي يتشكل في سياقات الغضب المتراكم في اتجاهين متنافرين: غضب السلطة وسدنتها وأعوانها، وغضب الثوار. ما هي طبيعة الغضب الجمعي لدى الفريقين، وما هي دلالاته، وكيف ينشأ لدى الفريقين، وما هي تداعياته، ذلك ما نطمح إلى تبيان اتجاهاته الرئيسية في هذه المحاولة المتواضعة.

أما الغضب الجمعي و" الثائر " أو الانفعال الثوري منه بشكل خاص فيتشكل من خلال حالة الوعي الجمعي بالمشكلات المشتركة بين أفراد المجتمع والمستعصية على الحل، كالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، والتي تبدو بشكل واضح في انتشار الفقر والتفاوت المريع للدخول، وخاصة القائم منه على خلفية الفساد الإداري والمالي والسياسي، والمتمثل بالرشوة والمحسوبية والمحاباة والوساطة والابتزاز والتزوير وسرقة المال العام وغيرها، وخاصة عندما يكون الفساد اكبر حجما من المحاسبة ويصبح ثقافة شائعة تنهك أفراد المجتمع، ويدخل ضمن التركيبية السياسية للدولة، إلى جانب انعدام أو ضعف الخدمات العامة، من صحة وتعليم وماء وكهرباء وضمانات اجتماعية مختلفة،وعدم تفعيل دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي في إعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، وانعدام فرص العمل للمواطنين، يقابل ذلك في الطرف الآخر ثراء فاحشا وغير نزيه لشرائح اجتماعية وسياسية وقيادات في الدولة والأحزاب الحاكمة، الأمر الذي يترك انطباعا غير قابل للطعن بأن الدولة وقياداتها وأحزابها هي مصدر الظلم الاجتماعي ومسببه الرئيسي، وهي مصدر اهانة أفراد المجتمع وإذلالهم وتميزهم وتأليبهم على بعضهم سياسيا ومذهبيا وطائفيا واثنيا.

وتولد هذه السياسات بمجملها حالات من الكبت والقمع والحرمان المتواصل، وكلما زادت فترة الكبت للمشاعر المصاحبة فهي تشكل أرضا خصبة لغضبا جمعيا ثائرا محملا بشحنة الانفعال الثوري وهو محمود ومطلوب حيث الحاجة إليه لإثبات ذات الفرد والمجتمع ووجودهما، واخذ الحقوق ممن ظلموه وسلبوا إرادته في الحرية الحقيقية والعيش الكريم، فالغضب الجمعي الثائر أو الانفعال الثوري هنا هو حالة صحية وسوية للتعبير عن كبت المشاعر التي خنقت داخل الذات المجتمعية بفعل عوامل القمع والحرمان وانعدام الحريات والعدالة الاجتماعية، وهكذا جاءت انتفاضة الشعب العراقي ترجمة حية لطول كبت مشاعر الحرمان والفقر والفاقة التي تركها النظام المحاصصاتي البغيض، وهكذا جاءت الاحتجاجات المطلبية تعبيرا حيا وصادقا عن عمق أزمة الفساد السياسي والإداري والمالي الذي لا نلتمس فيه أفقا للحل، وهو نذير بمزيد من الاحتقانات والإعمال الاحتجاجية الناتجة عنه.

أما غضب السلطة الحاكمة وأجهزتها وأعوانها والذي أطلقت عليه بالغضب الجمعي " الجائر " فهو غضب الثورة المضادة، والتي تحاول بكل ما أتت به من بقايا القوة لعرقلة وتأخير اختمار الغضب الجمعي " الثائر "، وغضب السلطة الجمعي الجائر هو من نوع غضب " القطيع " نسبة إلى قطيع الأغنام الذي تتحرك جموعه بإشارة من الراعي الكبير ومن مرجعية سياسية ما او من زعيم أوحد، فهذه الجموع لا تتحرك على خلفية عوامل موضوعية مفهومة في الفكر والسياسة والممارسة، وإنما تتحرك على خلفية العداء لمطالب الجماهير المشروعة، يحركها خطاب قائد الضرورة السياسي أو الديني ذو المسحة الانفعالية الضارة بمصالح الناس، فسلوكها هو سلوك هستيري تجسده حالة الخوف من كل جديد، فهي لا تميز بين الصديق والعدو الحقيقي، ولا بين النافع والضار، ولا بين الخطر الحقيقي وما يشبهه، فسلوكها يخلو دوما من التميز، فهي تندفع تحت وطأة التعصب لإرضاء غريزة القطيع " الحيواني "، دون وعي وتنتشر في صفوف المجتمع كالنار في الهشيم لتخرب كل شيء دون حسبان لتصرفاتها وعواقبه، يحرك سلوكها " فوبيا " هستيرية، فهي لا تمتلك قدرة على التخطيط والحكمة في اللحظات الحرجة، وإنما يحرك سلوكها منطق القطيع الذي يتجمع على شكل حظائر بانتظار إشارة من " القائد" أو " الراعي " أو " المرشد الديني " أو " المفتي ". أن الغضب الجمعي الجائر مجردا من كل الصفات الإنسانية فهو يتحرك فقط على خلفية حاسة الشم القوية التي يمتلكها " القطيع " ويندفع حيثما توجه له الإشارة من فوق، وهذا ما يتعارض مع خصوصية الإنسان وعقله المتفرد، فالإنسان يتميز بالعقل الذي يجعل منه كائنا بيولوجيا اجتماعيا، فردا منتميا للمجتمع أو الجماعة البشرية، يطورها وتطوره، يقدرها وتقدره، يسمعها وتسمعه، يتفق معها ويختلف، ويبقى القضاء والحكم العادل هو الفيصل.

وعلى خلفية ذلك اندفعت الأجهزة المخابراتية والأمنية والميليشياوية وأعوان النظام من خلال الإذعان الأعمى لمشيئة القائد السياسي أو الزعيم الديني أو اي مرجعية سياسية أخرى مرتكبة أبشع جرائم القتل والتصفيات بحق الجماهير الثائرة، حتى بلغ عدد الشهداء اكثر من 350 شهيد وعدد الجرحى تجاوز 12 ألف جريح، مع العلم ان الاحتجاجات كانت بمسحتها العامة سلمية، سواء بتقديرات المنظمات الدولية والانسانية بل وحتى بتقديرات الحكومة العراقية.

البعد الأكثر عمقا في منطق الأحتجاجات العراقية انها ليست سياسية بامتياز بل تخضع لقوانين علم الاجتماع النفسي أي انه سيكولوجي سوسيولوجي يتمظهر أساسا في حالة العنف الجماعي وتكوين سريع لذكاء انفعالي جمعي يكون المحرك الأساسي فيه الازدحام والتحرك الجماعي مما يقلص من حسابات الذكاء الذهني الفردي الذي يدفع صاحبه الى الحيطة وعدم المغامرة وخاصة النفعية. فمن لم ينخرط في الذكاء الانفعالي الجمعي بالمشاركة الحقيقة وليس الشكلية فانه يبقى خارج اطار الحالة الأنفعالية الثورية، وبالتالي ما يجري هو حراك حيوي يعيشه النسيج الاجتماعي من اجل المطالبة بتحسين الاوضاع الانسانية العامة ومنها الاقتصادية بشكل خاص، وبحكم ضعف اصغاء السلطة وعدم أذعانها للمطالب المشروعة خلال عقد ونصف من الزمن فأن سقف المطالب لدى المحتجين ارتفع الى المطالبة بأسقاط المسببات الرئيسية للأزمات الدورية في البلاد والمتمثلة بنظام المحاصصة السياسية والمطالبة بأعادة النظر بكامل بنيته الدستورية والمؤسساتية. 

لازال الحراك الاجتماعي العراقي محصورا في منطقة الانفعال الثوري الشديد ولم ينتقل الى مصافي الثورة الشاملة، بحكم عوامل موضوعية ارتبطت اصلا بغياب او ضعف القوى السياسية والمجتمعية التي تستطيع احتواء الانفعالات الثورية للجماهير وتحويلها الى فعل منظم يستطيع التمهيد لأخذ زمام المبادرة وطرح بديل لأزمة الحكم القائمة منذ عقد ونصف من الزمن. وفي ظل هذا الغياب إن اصبح مزمنا، فأن الأحتجاجات ستكون امام احتمالات التمديد والمراوغة من قبل السلطات والمراهنة على الزمن وتعب المحتجين، أو يتم ركوب موجتها من قبل قوى خارجية او داخلية لاعلاقة لها بمصلحة الشعب العراقي، أواحتمال قيام اجنحة عسكرية بفرض حالة الطوارئ في البلاد والتهيئة الى مرحلة انتقالية" رغم ان الأخير صعب في الحالة العراقية ولكنه غير مستبعد". يحتاج العراقيون الى المزيد من دعم المجتمع الدولي لشرح الأزمة البنيوية للنظام القائم، فالنظام لازال يتمتع بشرعية دولية، ولازال المجتمع الدولي ينظر للأحداث في العراق بأنها أزمة حكومية وممكن اصلاحها بتغير حكومي، وليست أزمة نظام سياسي ويجب اعادة النظر في بنيته الأساسية.

 

د.عامر صالح

 

ميثم الجنابيلقد توصلت في المقالات السابقة إلى أن الراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص هي الجزء الحيوي والمهم من تاريخ الدولة والأمة والفكر. أما قيمتها الفعلية فتتوقف على كمية ونوعية تنشيطها لمختلف جوانب الحياة. ويتوقف مسار هذا التنشيط ونتائجه على مستوى تطور العقلانية السياسية وبنيتها التاريخية في مؤسسات الدولة والمجتمع والثقافة. بمعنى انه كلما كانت العقلانية السياسية واسعة الجذور وراسخة في بنية الدولة والمجتمع والفكر كلما كانت الراديكالية أكثر فاعلية وقيمة بالنسبة لشحذ الرؤية النقدية والوجدان الأخلاقي. وعلى العكس من ذلك، كلما كانت العقلانية السياسية ضعيفة الجذور في بنية الدولة والمجتمع والفكر كلما كانت الراديكالية اعنف تأثيرا وأكثر تخريبا بسبب تغليبها للرؤية الوجدانية وتدميرها للتراكم التاريخي في المؤسسات والفكر والتقاليد. وميزت هذه الحالة تاريخ العراق الحديث، التي جعلت من الراديكالية السياسية القوة الوحيدة الفاعلة في العقل والضمير والوعي الاجتماعي. مما أدى تدريجيا إلى تخريب التراكم التاريخي للعقلانية السياسية والفكرة الشرعية في بنية الدولة والمجتمع والثقافة. بحيث أدى إلى حالة أصبح من الممكن القول فيها، بأن الراديكالية السياسية بمختلف أطيافها كانت وما تزال تشكل التيار الساري في تاريخ العراق الحديث، والعنصر المكون لأغلب الرؤى السياسية «اليسارية» و«اليمينية»، «الدينية» و«الدنيوية» (العلمانية). مما جعل منها عاملا فاعلا ومؤثرا في نفسية وذهنية اغلب حركاته السياسية ومواقفها من النفس والآخرين.

لقد أدت ظاهرة انتشار وسيادة الراديكالية السياسية في العراق الحديث إلى جعلها إحدى اخطر الظواهر السياسية والثقافية بالنسبة لوجوده وآفاق تطور البدائل فيه. ولعل أهم نماذجها الحالية العنيفة هي الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة (السلفية المتشددة). إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية القومية الدنيوية الفارغ، أي لزمن السيادة شبه المطلقة للراديكالية الدنيوية (العلمانية) البعثية. بمعنى إن الراديكالية التي استطاعت إفراغ التاريخ المعاصر للعراق من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية أدت إلى إنتاج «بديلها» في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعراق عن حقيقة تقول، بأنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.

ويقف العراق الآن أمام حالة نتوء لنماذج من الراديكالية لا تقل همجية من تلك التي أنتجتها. ويصعب توقع صيغة أخرى لهذه الحالة «الطبيعية» في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، بأنها ظاهرة سوف تستفحل تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية «العلمانية» والدكتاتورية الصدامية الطائفية. بعبارة أخرى، إن خروجها العارم هذا سوف يضفي على كل السلفيات الممكنة طابعا متطرفا ويجعلها اشد همجية في علمها وعملها. إلا أن مفارقة هذه الظاهرة المدمرة تقوم أيضا في أن استفحال الراديكالية المعاصرة في العراق سوف ينفي بصورة سريعة زمن الدكتاتورية والتوتاليتارية، ومن ثم الراديكالية الهمجية نفسها. وذلك لأنها تعمل بوعي وبدون وعي على استعادة تقاليد العنف الذي تدعي مواجهته والقضاء عليه. وهي حالة لها مقدماتها في توسع المدى المادي والمعنوي لنفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية والفئات الرثة التي لازمت استحكام التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وهي حالة تكشف عنها نادرة واقعية في العراق تحكي عن أحد «ممثلي» الحثالة الاجتماعية عندا قال لشخص «مثقف» قبل أن يقتله «كيف تعتدي علي وأنا حوذي ابن حوذي ابن حوذي!» أي عندما تتحول الحثالة إلى قيمة «أرستقراطية» تستعلي على الجميع من حيث قدرتها على مواجهة الثقافة باعتبارها قيمة تافهة وضعيفة!

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار إن العراق في ظرفه الحالي هو بلد الحثالة الاجتماعية، فيمكننا توقع أثر ذلك في نفسية وذهنية الراديكالية الممكنة فيه. وهي راديكالية لا يمكنها ألا تكون همجية تامة بسبب طبيعة ومستوى الخراب والتهميش العنيف لمختلف قواه ومكوناته الاجتماعية. بحيث يمكننا القول، بأن النتيجة التي ترتبت على زمن الاستفراد الدكتاتوري في العراق هو التهميش الكامل للمجتمع وتهشيم كينونته التاريخية. إذ لم يكن الخراب والتخريب الاجتماعي وطبيعة ومستوى التهميش والهامشية، نتاجا لأزمة اجتماعية اقتصادية قاهرة، بقدر ما كان نتاجا مباشرا وغير مباشرا لقهر الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية، أي لقهر مركب وشامل وبنيوي. الأمر الذي يفرض على الراديكاليات الممكنة نمطا من التفكير الأيديولوجي والنفسية الاجتماعية أقرب ما يكون إلى خليط من أيديولوجية الحثالة الاجتماعية والرثة السياسية. مما يضعها بالضرورة على خلاف حاد ومواجهة شاملة مع مشاريع البدائل العقلانية في العراق.

وسوف يضع هذا الخلاف والمواجهة بالضرورة هذه الراديكاليات الفاعلة والممكنة ضد المسار العام لمشروع بناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. غير أن هذه العملية المؤذية تحتوي على قدر من الفائدة السياسية لترسيخ قيم الواقعية والعقلانية. وذلك لأن استفحال المواجهة الهمجية من جانب الراديكاليات لمشاريع البدائل العقلانية في العراق سوف يؤدي بالضرورة إلى انحسارها السريع. وهو انحسار محكوم بخلخلة القاعدة الاجتماعية التي ترسبت في أعمق أعماقها كراهية شديدة للفكرة التوتاليتارية والدكتاتورية وممارساتها، أي للراديكالية الهمجية بحد ذاتها. وذلك لأن الراديكالية المعاصرة في العراق، وبالأخص في نماذجها الدينية والطائفية لا تعمل في الواقع إلا على استعادة العنف المنظم للسلطة بطريقة «اجتماعية». بمعنى محاولتها توسيع مدى العنف من خلال إشراك الفئات الاجتماعية المهمشة. وهي عملية متناقضة سوف تسهم بتسريع اغترابها الشامل عن المجتمع نفسه. وذلك لأنها لا تمتلك إمكانية التأثير المادي والمعنوي الذي تمتلكه الراديكالية المتسلطة. وفي مجرى هذه العملية المتناقضة تساهم الراديكالية الدينية والدنيوية والقومية (العرقية) في تأسيس الرؤية العقلانية والاعتدال عند مختلف الشرائح الاجتماعية. ويمكن تلمس هذه الظاهرة في نمط تفكير الناس العاديين «البسطاء» الذين تخلوا عباراتهم وتصوراتهم وأحكامهم وتقييمهم للأحداث والأشخاص من الدموية وشعور الانتقام والعنف والقسوة. بمعنى إننا نعثر فيها على أجنة الإدراك العادي لقيمة الاعتدال والديمومة العادية في وجود الأشياء.

إن تعمق وتوسع وترسخ الإدراك الضروري لقيم الاعتدال والعقلانية هو الاتجاه الواقعي والفعلي المضاد لمضمون الراديكالية نفسها التي تجعل من قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد عقيدة مقدسة. بينما يفترض المقدس تحقيق هوية الثبات. في حين تمارس الراديكالية «فروضها المقدسة» بحمية بالغة عبر مطابقتها مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس مع يقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو المطلق الوحيد.

من هنا ارتفاع زئيفها وزعيقها ونعيقها وتناثر زبدها المتطاير من أفواه «الرعية» بكلمات لا تفقه حقيقة معناها. فالراديكالية بشكل عام لا تفقه المعنى في الكلمة والعبارة والحدث. والشيء الوحيد الذي تراه وتمارسه بحمية بالغة وحماسة منقطعة النظير هو جهلها المرفوع إلى مصاف «المقدس». من هنا اكتظاظ كلامها وشعرها وشعارها بكلمة «المقدس». حيث تصبح أتفه الأمور وأشدها ابتذالا «مقدسة»، ويصبح «الدفاع عن مقدساتنا» الأسلوب الهمجي لتبرير أفعالها في كل ما تجهله من مقدمات وتعتقده من غايات! ويعبّر هذا التناقض عن طبيعة الراديكالية نفسها التي لا تتقن غير فصل الكلمات عن العبارة، والمضمون عن المعنى، والواقع عن الحقيقة، والماضي عن الحاضر، والتاريخ عن الزمن، والمستقبل عن أفعالها! وهو واقع يجعلها أكثر القوى طغيانا في تغييب المجتمع والدولة والثقافة عن فكرة «المقدس». أما المقدس الوحيد فيصبح لهوها بالعبارة وإهمالها المريع للذاكرة التاريخية. وفي هذا بالذات تكمن خطورتها الفعلية بالنسبة لمصير الأمم والدولة والثقافة.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن النفسية والذهنية الراديكالية هي التمّثل النموذجي لمساعي «الحسم الشامل والجذري» في تغيير الواقع والمؤسسات والأفكار والقيم، حينذاك تتضح طبيعة أسلوبها في العلم والعمل. ويؤدي هذا الأسلوب في النهاية إلى تدمير تجارب الماضي وخزين الذاكرة التاريخية ومرتكزات التقاليد الكبرى والقيم والمؤسسات. بمعنى أنها لا تعمل في الواقع إلا على كسر ونثر حلقات السلسلة الفعلية للذاكرة التاريخية. مع ما يترتب على ذلك من تخريب التجارب الخاصة للأمم وتسخيف فكرة القانون والنظام. حينذاك تصبح قسوتها في «النظام» امتهانا لفكرة الحق والحقوق والشرعية، مع ما يترتب عليه من تحطيم لفكرة الدولة والقانون والأخلاق والمجتمع المدني. أما الحصيلة النهاية فهي تحول الراديكالية إلى قوة مدمرة لا تنتج غير الخراب والتوغل الدائم فيه. وفي هذا التناقض الدائم والمميز للراديكالية تكمن عوامل رؤيتها المأزومة، التي تحوّل العقل إلى هوى، والحدس إلى هراوة.

أما في الممارسة العملية فإن المصير المحتوم للرؤية المأزومة للراديكالية يقوم في جعل منطق السلاح سلاح المنطق الوحيد! مع ما يترتب عليه من استظهار واستبطان لنفسية القوة وتقاليد التجييش والتسليح الشامل. ويمكن ملاحظة ذلك على مثال ظاهرة الاهتمام المفرط بصنع «جيش المهدي» الشيعي وجيوش السنّة المتناثرة التي يحمل بعضها ألقاب الإسلام والبعض الآخر أسم الجهاد وثالثها اسم التوحيد ورابعها أسماء الصحابة وألقاب التابعين.

إن نفسية التجييش والولع بصنع «الجيوش» هو الوجه الآخر للنزعة الراديكالية المتخلفة، التي تعتقد بأن القوة والعنف هي الأداة الوحيدة لتحقيق المقدس! أما في الواقع فإن التجييش و«الجيوش» ما هي إلا الصيغة الأكثر ابتذالا ومراهقة للفعل السياسي الذي يستجيب إلى نفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية، أي للقوى إلي كانت وما تزال الثمرة المرة لمغامرة التهميش المريع الذي سلكته الدكتاتورية الصدامية تجاه النفس الاجتماعية والتقاليد السياسية. وهي مغامرة شكلت البطانة الخفية لظاهرة التشرذم المتكتلة بتأثير وقوة التخلف المعنوي في «جيوش» الحثالة الرثة، التي كانت وما تزال الضحية الكبرى لزمن الراديكالية الفارغ. فقد أفرغت الراديكالية المجتمع والعقل والضمير والرؤية من أي مشروع عقلاني. وليس مصادفة أن تكون في أواخر حياتها الأكثر ولعا في افتعال زيف التقية ودعاية «الصحوة الإيمانية» من اجل تشكيل جيوشا إضافية «مقدسة» (من القدس) وفدائييها الذين مهروا في جعل العراق وما فيه مجرد كبش فداء لرذيلة السطوة والاستبداد.

إن هذا «التسلسل» المحتوم في تعميق وتوسيع نفسية وذهنية التجييش والتسلح يؤدي بالضرورة إلى تجذر نفسية وذهنية العنف والإرهاب المميز للراديكالية بشكل عام والإسلامية بشقيها الشيعي والسنّي بشكل خاص في ظروف العراق الحالية. حيث تجري استعادة العبارة «الثورية» عن العنف و«العنف الشرعي» وما شابه ذلك من اجل تبرير نفسية وذهنية العنف نفسها. وتشير هذه الظاهرة أولا وقبل كل شيء إلى ضعف فكرة المجتمع المدني والدولة الشرعية. وفيها ينعكس أيضا انعدام وعي الذات التاريخي في ميادين الثقافة السياسية والاجتماعية والحقوقية. بحيث يجري تحويل الفكرة المتسامية عن ضرورة القوة الداعية إلى «إرهاب أعداء الله» إلى جزء من «إرهاب عدوكم». وإذا كان العدو الدائم للراديكالية هو المؤسسات ووعي الذات التاريخي حينذاك يصبح الإرهاب الشامل ضدهما هو الأسلوب النموذجي لتخريب الحرية والنظام ووعي الذات (الثقافي). أما الحصيلة المترتبة على ذلك فهي خراب المجتمع والفضيلة. وكشف تاريخ العراق الحديث بصورة نموذجية عن هذه النتيجة بحيث يمكننا الحديث عن راديكالية عراقية هي بحد ذاتها نموذج كلاسيكي لما يمكن أن تؤدي إليه الراديكالية من طريق مسدود في ميدان بناء الدولة والمجتمع والثقافة.

وفيما لو حاولنا تكثيف الرؤية النقدية للظاهرة الراديكالية في العراق الحديث، فمن الممكن صياغتها بالشكل التالي: إن مقدسها الأوحد هو يقينها الخاص بما تعتقده. الأمر الذي يجعل من أفعالها تضحية دائمة لا غاية منها سوى «البرهنة» على «صحة» و«عظمة» عقائدها وشعاراتها المتعالية في سماء الأوهام. إلا أن الراديكالية لا تتحسس الآلام لأنها تجرّب كل نماذج الكسر العنيف على الآخرين، ولا تستمع لأي تأوه واعتراض ونقد لأنها تجد في الآهات نغم الوجود، وفي الاعتراض حجرة على قارعة الطريق، وفي النقد تشكيكا باليقين، ولا ترى الماضي لأنها تحتقر تجارب الأسلاف، كما أنها لا تشاهد الحاضر لأن عيونها شاخصة صوب مستقبلها فقط، ولا تشم نتانة الاستبداد المتصاعدة من استهتارها بالحق والحرية لأنها مصابة بزكام التأفف من الهواجس والخواطر والأفكار المخالفة لها، ولا تتذوق طعم الحياة لأن ما يثير غريزتها دماء «الأعداء». أما الحصيلة فتقوم في تحول العقل عندها إلى هوى، والحدس إلى هراوة

إن الحصيلة العامة التي يمكن التوصل إليها من خلال دراسة وتحليل مختلف جوانب الظاهرة الراديكالية بشكل عام والعراقية بشكل خاص، هو أن تاريخها يبرهن على أنها بلا تاريخ فعلي بمقاييس الدولة الحديثة والفكر النظري العلمي. وذلك لأن حياة الراديكالية وعلمها وعملها وحياتها ونشاطها ما هو إلا الإفراغ الدائم للحياة والعلم والعمل والنشاط من عناصر الوعي الذاتي. وهي نتيجة متنوعة المظاهر ومختلفة المقاييس بفعل تنوع القوى الراديكالية وتباين مقدمات ظهورها الملموس، إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة الظاهرة كما هي. ومن الممكن أن نتخذ من التيار الصدري الجديد وظاهرة الغلاة السلفيين الجدد نموذجاً «حيا» للظاهرة الراديكالية العراقية الجديدة.(يتبع....).

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

عبد السلام فاروقلعلنا نذكر رواية (قنديل أم هاشم) للعبقري يحيي حقى.. تلك التى شهدت مواجهة بين العلم والجهل، أو بين الطب الحديث والطب الشعبي الموروث المرتكز على الحجامة والعطارة وأساليب العلاج البدائية. فى ذلك العهد البعيد منذ أكثر من مائة عام كان العلم قاصراً على الصفوة من القادرين، ولم تكن هناك سوى مدرسة طب واحدة أنشأها محمد على ثم أغلقها الخديوى محمد سعيد عام 1850. ومع تزايد صيحات المقاومة خلال فترة الاحتلال نادى مصطفى كامل بإنشاء جامعة وطنية عام 1904، ورفض الإنجليز . وقتها لم تكن هناك سوى بضعة مدارس عليا متخصصة لا يزيد عدد الدارسين بها جميعاً عن 1000 طالب! وكان الاعتماد حينئذ على المدارس الفنية والصناعية لتخريج الكوادر التى يحتاجها سوق العمل.

قويت النزعة الوطنية عقب حادثة دنشواى واستقالة اللورد كرومر، فأصر المصريون على افتتاح اكتتاب عام لإنشاء جامعة أهلية، فبادر وقتها أحد أثرياء بنى سويف هو  "مصطفى كامل الغمراوى" فتبرع بمبلغ خمسمائة جنيه، وأوقف ستة أفدنة لإقامة الجامعة المصرية  التى تم افتتاحها فى ديسمبر 1908، وبلغ إجمالى الدارسين بها من المنتظمين والمنتسبين نحو 2700 طالب!

بعد هذا التاريخ بنحو خمسين عاماً وصل عدد الكليات بالجامعة حوالى 12 كلية، وتم افتتاح فرع لها بالخرطوم عام 1955، وكان عدد الجامعات – عدا الأزهر-حينئذ 3 جامعات، بلغ إجمالى الدارسين بثلاثتهم نحو 58 ألف طالب.

تطور التعليم كثيراً خلال تلك الحقبة على يد الوطنيين والمثقفين المخلصين أمثال أحمد لطفى السيد، الذى كان أول رئيس لجامعة القاهرة بعد ثلاثة من الأمراء هم: (أحمد فؤاد، وحسين رشدى، ويوسف كمال). ثم (طه حسين) الذى تولى وزارة المعارف فى مطلع الخمسينات، فعمد لجعل التعليم الابتدائى مجانياً عام 1944، ثم أعلن مجانية التعليم الثانوى عام 1951، وتوسع فى إعفاء الطلبة الجامعيين من المصروفات.. ومنذ ثورة 1952 بات التعليم العالى تعليماً قومياً بعد أن كان قاصراً على فئة الأثرياء من علية القوم.

وخلال ما يقرب من سبعين عاماً تطور التعليم العالى وشهد توسعاً هائلاً أفقياً ورأسياً، حيث وصل عدد الكليات بجامعة القاهرة وحدها إلى نحو 30 كلية ومعهد متخصص، ونحو 150 ألف خريج سنوياً، هذا إلى جانب مراكز البحوث والدراسات المتخصصة التابعة للجامعة .

مؤخراً، وبالتحديد فى مارس من هذا العام، جاءت مبادرة رئيس جامعة القاهرة ودعوته لحث العقل الجمعى المصرى على التطور، من خلال مشاركات أكاديمية ومجتمعية وإعلامية موسعة. وعلى إثر تلك المبادرة أُقيمت عدة ندوات تناقش الموضوع الذى ما زال مطروحاً بأبعاده التنظيرية والبحثية، بحثاً عن أرضية تنفيذية له فى المستقبل.

تشكيل العقل الجمعى.. مهمة مَن؟

حسناً فعل الدكتور محمد عثمان الخشت بدعوته تلك.. لكن هل بإمكانه وحده القيام بمهمة تشكيل وعى مائة مليون مصرى أو حتى 10% من هذا العدد؟!

طه حسين كان وحده عندما قرر إعلان مجانية التعليم ليفتح الباب واسعاً أمام الجميع لينهلوا من بحور العلم كيفما شاءوا، لكن اتضح بعد مرور نصف قرن أن التعليم وحده لا يكفى، وأن أسواق العلم والعمل اليوم تتطلب ما هو أبعد من مجرد تكديس العقول بمعارف نظرية جامدة . نحن الآن تجاوزنا عصر الفضاء والثورة الصناعية إلى عصر الثورات التقنية والبيوكيميائية، وبعد أن ذهب انبهارنا بسرعة الطائرة والصاروخ، أفقنا على ثورة ليزرية تنطلق بسرعة الفيمتو ثانية، وليس ببعيد أن تنطلق بنا آلات الغد بسرعة الضوء لا بسرعة الصوت !

والسؤال الذى طرحه الدكتور عثمان الخشت هو : أين نحن من كل هذا؟ هل سنظل أبد الدهر عالماً ثالثاً يستهلك ولا ينتج؟ هل سنظل نخطو ونحن مكبلين بموروثات فكرية تشدنا إلى الوراء بينما العالم الأول تجاوزنا بتطوره التكنولوجى بآلاف الأميال، فمتى سنلاحقه؟

مبادرة الخشت تستحث الأفراد والمؤسسات المعنية بالتعليم والثقافة للمشاركة فى نهضة مجتمعية تنطلق من وعى المجتمع بالتحديات المستقبلية . ومنها التحدى الاقتصادى . فالنهضة الاقتصادية لا يمكنها أن تنطلق إلا من خلال الأساس العلمى والتقنى.

هو مشروع طموح متعدد الأبعاد والرؤى والمآلات، وهو فى حاجة إلى تضافر الجهود وتشابك الأيدى والعزم على الاستمرار رغم العراقيل. وكل مشروع طموح لا بد أن يواجه فى بدايته متاعب ومشكلات، ومهمته الكبري تكمن فى مواجهة المشكلات وتجاوز العراقيل.

لم تكن جامعة القاهرة وحدها حين بادرت ودعت، فهناك من استجاب، وهناك جهود أخرى فردية من هنا وهناك .. جامعة الأزهر على سبيل المثال، أخذت على عاتقها أن تشارك بما تستطيع فى إعادة توجيه الفكر الدينى نحو الاتجاه الوسطى المعتدل، وهى خطوة أولى ضرورية من أجل تهيئة الفكر الجمعى لفكرة العولمة وضرورة مواكبة حركة التطور العلمية والتقنية الهائلة.

هناك جهود ثقافية تقوم بها مؤسسات ثقافية عدة، كالهيئة العامة للكتاب، وهيئة قصور الثقافة، من أجل امتصاص الطاقات الإبداعية للشباب، وبث الفكر التنويري الحداثى.. لكنها ما تزال أدوار،مهما عظمت، مشتتة وقاصرة عن إحداث حراك مجتمعى ملموس.

الدور الإعلامى.. أخطر الأدوار وأشدها نفاذية

العالم بأسره يتجه اليوم نحو الفكر التفاعلى .

لا أحد بإمكانه أن ينزوى فى ركن قصي يقرأ ويؤلف ويبدع ويخترع، ثم يخرج على الناس بشئ جديد . العلم المعاصر هو علم تبادلى متجاوز للحدود، وبإمكان العامل فى الصين أن يتقن صناعة أدق تكنولوجية أمريكية دون الحاجة للسفر أو مغادرة مقعده . فالعلم يأتيه سهلاً ميسوراً، والتجربة وحدها هى التى تمنحه الخبرة، وحينما يطور أدواته ويضيف للصناعة الأمريكية التى اقتبسها بالأمس فكرة جديدة  فإنها تنتقل بسرعة عبر الأثير الإليكترونى وتتلقفها الأيدى العاملة فى كل مكان . هكذا تتطور الصناعات التكنولوجية بشكل يومى عبر الحدود بسرعة خرافية، بحيث نشهد فى كل ساعة منتجات أكثر تطوراً وحداثة.

مؤسسات الصحافة ومعها دور النشر المحلية والعالمية باتت تخشى أن يأتى اليوم الذى تختفى فيه الكتب المقروءة اكتفاءً بالكتاب الإليكترونى. حتى أن التعليم فى أكثر من دولة بات يعتمد على الكتاب الإليكترونى التفاعلى . فلا حاجة الآن للتلقين والتلقى السلبي، بل لا بد من المشاركة والتعاون والتفاعل والبحث والتساؤل، حتى لا ينفصل طالب العلم عن واقعه المعاصر، ويغدو فى النهاية كياناً جامداً يلفظه سوق العمل الذى لا يعترف سوى بالكفاءة العملية والخبرة التجريبية.

الإعلام يتمتع بمزايا لا يحوزها غيره، كمؤسسة تثقيفية وفكرية بعيدة الأثر. وأخطر مزاياه قدرته على إنشاء جسور تفاعلية بينه وبين الجمهور، سواءً كان الجمهور قارئاً أو مستمعاً أو مشاهداً.

المشاركة المجتمعية والدور الإنسانى الفعال

يكمن السر فى خطورة الدور الإعلامى أن بإمكانه دائماً تحريك الرأى العام .

هناك كتاب مهم تُرجم مؤخراً بعنوان: (الأخبار والرأى العام، تأثير الإعلام على الحياة المدنية) يؤكد أن الأخبار اليومية  لها دور فى تشكيل الوعى، ناهيك عما تتضمنه الصحف من محتوى تثقيفى وأدبى وفنى . ولو عدنا القهقرى لليوم الذى قرر فيه المجتمع المصرى أن يكتتب لينشئ جامعة وطنية أهلية تكون نواة لتعليم جامعى راقى، لا بد حينئذ أن نتساءل: هل فعلها المصريون فجأة، أم بفضل دعوة قديمة لمصطفى كامل تناولتها الصحف والمنابر حتى وصلت إلى مواطن سويفي قرر أن يأخذ زمام المبادرة ويخلد اسمه بمثل هذه المشاركة الفاعلة.

مبادرة الخشت لا ينبغى لها أن تحجل على قدم واحدة، بل لا بد لها من ألف ساق أخرى تركض بها إلى عالم الواقع، فتتحول إلى مشروع تنفيذى ينهض به المجتمع ذاته دون انتظار لقرار وزارى أو تمويل حكومى قد لا يوجد.

إن مشروع تطوير العقول كما أفهمه ليس مشروعاً تثقيفياً فوقياً يلعب فيه المثقفون دوراً تنظيرياً متعالياً، بل هو مشروع شعبي عملى يهدف للقضاء على البطالة بتحويل مصر إلى عقل صناعى تقنى كبير.

إنها مبادرة للبحث عن طريقة لملاحقة الرَكب الحضارى، ولتحسين أحوال الناس المعيشية بإنشاء مشروع قومى عام يستوعب طاقات المصريين الإبداعية والفكرية والبدنية . فتطوير العقل المصري الجمعى معناه حسن استغلال اللحظة الحاضرة للاتجاه للمستقبل.

لماذا الخشت؟ ولماذا الآن؟

مما لا شك فيه أن مصر، بل ومنطقة الشرق الأوسط بأسرها، مقبلة على وضع إقليمي ودولى مختلف وغامض. هناك قوى عالمية تأفل وتضعف، وقوى أخرى تصعد وتستحوذ لنفسها على مساحات جديدة من النفوذ . والأحداث الإقليمية الملتهبة المتقلبة تفرض على الراغب للبقاء قوياً ثابتاً أن يبحث لنفسه عن مستقبل.

الآن وليس فى الغد ولا بعد غد.. فلا وقت هناك للتوانى والتخاذل والتردد فى اتخاذ القرارات ووضعها موضع التنفيذ. مصر تبحث لنفسها عن موضع قدم فى الخارطة الصناعية والتقنية العالمية، ولن يحدث مثل هذا الأمر من تلقاء ذاته، بل لا بد من فعل ملموس وحقيقي يحقق مثل هذه النقلة .

الدكتور محمد عثمان الخشت لم يكن بعيداً عن مثل هذه الفكرة ولم تطرأ له فجأة، بل كانت تشغله منذ بداية حياته الفكرية، منذ أن كتب عدة مؤلفات عن تطور الأديان، وعن المجتمع المدنى وتفاعلاته مع الدولة، وعن أخلاق التقدم . ما دفع الباحثين لإصدار دراسة مستفيضة عن الخشت ومشروعه الفكرى لتجديد العقل الديني فى 2018، أعدها نحو 24 باحثا وباحثة مصريين وعرب تحت عنوان : " تجديد العقل الديني في مشروع الخشت الفكري"، وصدرت الدراسة فى كتاب من تحرير غيضان السيد.

هى إذن ليست مبادرة طارئة يراد لها أن تحقق بعض الصدى الإعلامى، بل مشروع فكرى منهجى يحتاج لتبنيه من جانب المثقفين والإعلاميين، لتحقيق حراك مجتمعى يهدف لتطوير العقل الجمعى المصرى تطويراً من شأنه أن يحدث نقلة نوعية فى الواقع الاقتصادى والمعيشي للمصريين .

لم تنطلق مبادرة الخشت فقط لكونه رئيس أكبر وأعرق جامعات مصر، بل لأنه قبل ذلك أستاذ فلسفة الأديان والمذاهب الحديثة، وله عدد كبير من المؤلفات فى شتى المجالات الفكرية والفلسفية والسياسية. ما يعنى أن مشروعه الفكرى ينبثق من مسئوليته كمفكر وقيادى فى الاضطلاع بدوره فى تشكيل الوعى القومى .

فضاءات التطوير وآفاق التعاون المشترك

أكبر العراقيل التى قد تصادف مشروعاً كهذا أننا لا نتمتع بثقافة العمل الجماعى .

المنظومة الإدارية التى جثمت عليها منذ الأزل أشباح الروتين والبيروقراطية والتزمُّت والفردية حوَّلت القطاعات الإدارية إلى جزر منعزلة لا تناغم أو تعاضد فيما بينها .

مشروع تطوير العقول مشروع جماعى يستلزم تكاملاً بين عدد من المؤسسات الفكرية والصحفية والثقافية والتعليمية والإعلامية من أجل تحقيق نهضة مجتمعية حقيقية.

هناك دعوة أُعلنت، وأبحاث كُتبت، وندوات أقيمت . فهل هذا يكفى؟

التعاون مطلوب من أجل توفير التمويل لوضع المقترحات المطروحة قيد التنفيذ .. ثم أن الاستمرارية والديمومة هى الفيصل بين أن يظل المشروع حياً ولو نظرياً لحين تنفيذه، وبين أن يُطوى فيُنسَى.

 

عبد السلام فاروق

 

 

مجدي ابراهيملم يكن للعقل قيمةٌ بغير النظر فيما يفرزه وهو الفكرة.. جهود الفلاسفة النظرية إنْ هى إلا مجرد فكرة.. ونظرات النّظار فيما ينظرون إليه ما هى إلا مجرد فكرة. وإبداعات المبدعين ومعرفة العارفين وخطرات المفكرين وثمرات العقول والأذهان إنْ هى إلا مجرد فكرة. الفكرة في رحاب العقل توليد. والعقل الوَلَّاد هو الذي ينتج الأفكار، وما من جهد نظري ينحت فكرة إلا ويقوم العقل بنشاطه من ورائه.

صحيح أن هناك طموحات للعقل الفلسفي تجعله يروم بالفكرة الوصول إلى الحقائق الإلهية. ومما كان "ديكارت" استخدمه في كلمة "فكرة" أنه عَنى بها كل ما يستطيع العقل إدراكه بالمباشرة. وفي إجابته على "هوبز" ذكر أنه قد استعمل هذه الكلمة؛ لأنها كانت شائعة عند الفلاسفة للدلالة على صور مدركات العقل الإلهي. وبينما اتجه الفلاسفة الأفلاطونيون الجدد والمدرسيون إلى استعمال الكلمة (فكرة) التي استعملها أفلاطون للدلالة على المعرفة الإنسانية، خاصّة بالمعرفة الإلهية، نرى ديكارت قد عاد مرة أخرى إلى استعمال كلمة فكرة للدلالة على المعرفة الإنسانية، متفقاً في ذلك مع تقاليد أفلاطون الصحيحة. وإذا كان الفرقُ أوضح من أن يحتاج إلى دليل بين الفكرة في ذاتها معزولة عن التطبيقات العملية والفكرة نفسها موجهة إلى العمل لا قيمة لها بغيره ولا يعتد بها بغير النظر إلى مجرياتها العملية؛ فنحن نستخدم كلمة "فكرة" للدلالة على جهود الفلاسفة النظرية التي يتمٌّ في الغالب عزلها عن التطبيقات العمليّة. من أجل ذلك سنتناول في هذه المقالة تصنيفات العقول وأقسامها، ونخصُّ بالذكر مقالة العقل الفعال كما وضحها أرسطو وشراحه : يونان ومسلمين؛ لنستوضح الرأي بعدها في عقل الإنسانية العام بعد تقسيم العقول كما جاءت على ألسنة فلاسفة الإسلام.

ولم تكن جهود الفلاسفة النظرية بالتي تخرج عما ما هو منسوب لأرسطو وشراحه في مسألة العقول وتقسيمها، ومعالجة هذا التقسيم بمثل ما عالجه أرسطو وحذا حذوه فلاسفة الإسلام بالشرح والتعليق. وقد رأى "ماسينيون" في كتابه "محاضرات في تاريخ الاصطلاحات الفلسفية والعربية"، الصادر عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية : أن ابن رشد كان يعتقد بأفضلية شرح الأفروديسي على شرح ثامسطيوس لتبيان رأي أرسطو، ويقول إننا نجد أرسطو في كتاب "PERIPSYCHE " (النفس) الجزء الثاني والثالث يقول بوجود عقلين: (1) العقل الفعال (2) العقل المنفعل. ويريدُ بالأول هذه القوة الذاتية التي بها تدرك الكليات، لأن كل مادة تجري في الدنيا جريان السيل، وذلك شيء ثابت عن كل تجربة طبيعية. فإذا فقدت كل المبادئ الأولية مثل العليّة والغائية بالتجربة الحسية، فلا بدّ من وجودها في العقل الفعال؛ فهو الذي يبني به في التصورات الترتيب المنظم بعد تمييزها. ويتابع "ماسينيون" قوله بأن العقل المنفعل أو "ENTENDEMENT " "الفهم" هو معنى استعداد النفس الإنسانية لانطباع التصورات على ذهنها. وقد اختلفت تلاميذ أرسطو في علم النفس حين شاع كتابه؛ فمن تلاميذه ثامسطيوس، وإسكندر الأفروديسي، ولها مذهبان متضادان في العقل المنفعل أو الهيولاني، لحد العقل الفعال عنده. أما عند الفلاسفة مثل ابن سينا "في كتاب النجاة " : فالعقل الفعال هو الأدنى من حيث الدرجة من عقول الأفلاك التي تنتهي سلسلتها إليه وهو الذي يدبّر أنفسنا. قال الأفروديسي بوحدة العقل المنفعل في كل الأشخاص.

وعلى ما ذكره  ماسينيون عن ابن رشد من تفضيله لشرح الاسكندر الأفروديسي، يغلب على الظن أن ابن رشد كان ميالاً إلى الأخذ برأي الفارابي وابن سينا في خلود العقل الفعال رغم نقده للاتجاه الإشراقي عندهما. ولما كان الاسكندر تلميذ أفلاطون، وكان ابن رشد يرى رأي الاسكندر، فلم يكن من المستبعد وجود أوجه التقاء بين ابن رشد والفارابي وابن سينا، إذ لا تخلو اتجاهات ابن سينا ومن قبله الفارابي في مسألة العقول هذه من آثار أفلاطونية أفلوطينية.

وعلى العقل وحده يعوّل الفلاسفة إنْ في مسألة خلود النفس أو في مسألة المعاد أو غيرهما من المسائل الميتافيزيقية الشائكة، ومنها مسألة النفس الكلية وهم في تعويلهم على العقل النظري لا يعتدون كثيراً بما يصدم شعور البسطاء من الذين يؤمنون. وقد ذكر "ول ديورانت" في "قصة الحضارة" عن ابن سينا أنه :"يعالج كل هذه المسائل مستنداً إلى العقل وحده، غير متقيّد مطلقاً بالدين، ولكنه يذكر حاجة الناس إلى الأنبياء ليبينوا لهم قواعد الأخلاق في صور من الاستعارات والمجازات تفهمها عقولهم وتتأثر بها، وبهذا يكون النبي رسول الله، لأنه يضع الأسس التي يقوم عليها النظام الأخلاقي والاجتماعي. ومن أجل هذا، كان النبي ينادي ببعث الأجساد، وكان بعض الأحيان يصور الجنة تصويراً مادياً، والفيلسوف وإنْ كان يشك في خلود الجسم، يدرك أنه لو أن النبي قد اقتصر على تصوير الجنة تصويراً روحياً محضاً لما استمع الناس إليه، ولما تألفت منهم أمة واحدة قوية منظمة. وفي كتابه عن ابن رشد يقول العقاد :"ويستتبع هذا القول أن الحياة بعد الموت عامة غير شخصية، ويفنى كل شيء في الإنسان إلا عقله الذي ليس هو بجوهر مستقل بل هو عقل النوع البشري كله عام في جميع آحاده.

ونحن لا نعدم أصول فكرة النفس الكلية أو فكرة الإنسانية أو الإنسان عند "أفلوطين " حين يقول :" ولكنا لو فرضنا أولاً أن نفسي ونفس شخص آخر هما نفس واحدة، فليس صحيحاً مع ذلك أن المركب من النفس والجسم واحد في كل منا. فالنفس المتماثلة في جسمين مختلفين لا يكون لها في كل منها عين التأثرات .. ومعنى ذلك أن النفوس كلها واحدة ولكن الاختلافات الفردية ترجع إلى العنصر الجسمي الذي فيها. وكذلك الحال في فكرة الإنسانية، فكل منا إنسان ولكن ليس معنى ذلك أننا جميعاً شعوراً واحداً.

وهذه المسألة تتصل عند ابن رشد بعموم الحياة بعد الموت، لا من حيث هى شخصية فردية، بل من حيث هى عامة وكلية، وتندرج تحت فكرة النفس الكلية. ولذلك يقول ابن رشد في هذا، أو فيما معناه، في نص ممتاز من نصوص "تلخيص ما بعد الطبيعة" :" وذلك إنّا متى فرضنا موجوداً في أشخاصه خارج النفس، لم يخلو اشتراك الأشخاص فيه أن يكون على أحد وجهين : إمّا أن يكون جزء منه في شخص حتى يكون زيد إنما له من معنى الإنسانية جزء ما، وعمرو جزء آخر فلا تكون الإنسانية محمولة على كل واحد منها حملاً ذاتياً ...، فإنّ الذي له جزء إنسان ليس بإنسان، وهذا بين الاستحالة بنفسه. أو يكون الكلي موجوداً بكليته في واحد من أشخاصه، لكن هذا الوضع يناقض نفسه، وذلك أنه يلزم ضرورة إمّا أن يكون الكلي متكثر في نفسه حتى يكون الكلي الذي يعرف ماهية زيد غير الذي يعرف ماهية عمرو، فلا يكون معقولهما واحداً، وهذا مستحيل. أو يكون شيء واحد بعينه موجوداً بكليته في أشياء كثيرة .. وذلك محال .. إلى أن يقول : "وليس يلزمنا هذا الشك متى وضعنا أنّ وجود الكلي في الذهن. فإنّ المعنى الذي كان به الكلي كلياً، قد تبيّن في كتاب "النفس" أنه جوهر مفارق، وواحد بعينه أعني معقول المعقولات"..

وعلى كلام ابن رشد يتبيّن أن الجوهر المفارق معنى كليّ لا يخرج عن حدود التصور الذهني؛ لكنه ليس يلزم أن يكون له وجود واقعي كوجود أشخاص. ومحال أن يكون في وجود أشخاص؛ لأنه يتكثر في ذاته، والتكثر لا يجيز الوحدة المعقولة، ولا يمكن أن يكون الشيء الواحد بعينه موجوداً بكليته في أشخاص كثيرة، فإنه محال؛ فلا يبقى أن يكون الموجود الكلى موجوداً ذهنياً، جوهراً مفارقاً، واحداً بعينه هو : معقول المعقولات.

وتدخل في فكرة النفس الكلية عند ابن رشد فكرة خلودها، وفي رأيه أنه ليس يلحق عند عودة النفس محال بالقدر الذي يلحق فيها المحال عند عودة تلك الأجسام بعينها؛ لأن النفس باقية خالدة بخلود العقل الكلي الذي يوجب العلم به ثباتاً في ذاته، بواسطة الذهن حين يُجَرّد عن المواد والحواس والأشخاص طبائعها المشتركة المتغيرة؛ ليصل إلى هذا "العقل الكلي" الذي لا تغير فيه، بل ثبات هو العقل الفعال الذي لا يلحقه فساد ولا يناله زوال.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

محسن الاكرمينأضرحة أولياء الله الصالحین بالمغرب ممتدة من الماضي السحیق إلى الحاضر/ المستقبل بقوة الاعتقاد والحجیة الدینیة،حضور مؤثث في الذاكرة الفردیة والجمعیة للمجتمع المغربي بسلبیة أو بایجابیة أثره . أضرحة نقرأ مسبقا أنھا ساھمت وبقوة في بناء التاریخ المغربي  الاجتماعي والسياسي بشقیه القدیم والحاضر .

إن الضریح - أو الزاویة - لم یكن قبر ولي صالح ولا قبر شیخ طریقة صوفیة فقط معزول المدفن مغطى برداء أخضر، بل ھو أكثر من تلك القبة المنكسرة دائريا باللون الأخضر، فامتداداته الاجتماعیة /السیاسیة/الاقتصادیة تفوق كراماته المكانیة والزمانیة في المرقد،إنه یمتلك لجام الحاضر / المستقبل لفرملة التطور التنويري / الانعتاقي من سلطة طلاسم التفكیر الماضوي – العقدي الشعبوي – وفق خضوع الذات الحیة لتوجیه كرامة رفات الولي الصالح من تحت ترابه.

 فقد فطن السیاسیون للأمر (المبنج) فحولوا دفة لعبة الصراع السیاسي على السلطة إلى أقبية الزوایا والأضرحة بكل تقنیة وسریة، فكان الأمر شبیھا بالتخرج من كلیة الزوایا السیاسیة بإجازة سلالیة دمھا نقي في بيعة التحكم، تسود بوصلة دینیة إصلاحية، تمتلك سلطة الحل والعقد. إن الانتساب التاریخي إلى الزوایا والأضرحة – ذات الكرامات- بالمغرب له السحر الأبيض المخدر الذي سلسل التفكیر التحرري التنويري وقید حركة المجتمع نحو الحرية الكونية، وأسقط الدین في متاھة التحریف الاجتماعي، وسلب الإنسان إنسانيته، وبنى أبجدية جدیدة ترسم بنیة الترقي في السلم السیاسي الاجتماعي تحت مظلة الحصانة الدینیة أو العرقیة / السلالیة المتخرجة من زوایا الأضرحة.

إن الإجابة عن بعض الإشكالات التي طرحتھا قضایا الأضرحة والزوایا لهو الأمر الذي ینكشف من خلال موجھات عدة منھا، ھل للزوایا والأضرحة نفس المركزیة الآنية – المكانة - التي كانت لھما في التاریخ المغربي الماضي؟ ھل یمكن اعتبار الزوایا والأضرحة بالمغرب نواة لسلطة سیاسیة / إنشاء توجه سیاسي/ عصبیة سلالیة / قبلیة !!!؟ ھل العمل داخل الأضرحة والزوایا یقتصر على ما ھو دیني / اعتقادي، أم یتعدى إلى السلطة السیاسیة، والسحر الأسود؟ ھل شرعیة الأضرحة والزوایا مستمدة من بنیة الوعي الجمعي المحصل في قیم المجتمع أم أن الأمر تنمیط للتفكیر- البسیط / الساذج - الواجب امتلاكه من طرف المجتمع كإیدیولوجیة سیاسیة ؟.

 الأضرحة والزوایا الحاضر /الماضي في الذاكرة الشعبیة نحن الامتداد الطبیعي للأجداد، ومادام الأمر ھكذا فلازالت زیارة الأضرحة لھا طقوسھا العائلیة الموسمیة. إن مفھوم البركة مقاسه متمدد بتمدد الاعتقادات المجانبة لقيم الدین، إن بركة شیخ الطریقة عند الفھم الشعبي ممتدة ولو بعد وفاته بقرون فھو مفتاح حل عقد الحاضر، إنھا بركة وھبة سماویة تسود وتحكم الحاضر من خلال توارثھا من طرف الخلف والأحفاد حتى ولو فسدت أخلاق فيضهم الروحي !!! إن الفكر الشعبي له مرجع الجواب عن ھذه الأسئلة الماكرة والخادعة. فالأضرحة والزوایا تعتبر قبلة لمن سدت في وجھه الأبواب فالھم  النفسي یحمل إليھا، ولتحصن بھا لإفراغه عن طواعیة وبأريحية حافزة، له الأمر الذي یدفع إلى إمكانية اعتبار(الأضرحة) عیادة علم نفس شعبیة تفرج الكرب، ولھا الحل الجاھز لكل المشكلات، حتى وإن كانت إعاقة مستدیمة.

ھذا المعتقد السطحي ھو مازال یزكي دور الأضرحة في الحاضر. إن الدین في محصلته الاجتماعیة "المتغيرة" لھو البوابة التي ولجنا من خلاله إلى الأضرحة من أبوابھا الواسعة. فالفكر الشعبي المطلسم بعادات دخیلة وممارسات مبتدعة جعل المزارات فكا لنحس الحیاة ومشاكلھا وتحولاتها الاجتماعية غير السوية، وقبلة لإراحة النفس من ضغط الحاضر المرتبك بجدلیة الواقع المفترض والحقیقي. فالنیة المبیتة - عند الفھم الشعبي-  ببساطتھا العفویة كرست العادة الاعتيادية  حتى وإن كانت مجانبة للحقيقة. وأصبح الشیخ/ الولي ذلك المرجع للإفتاء بحل أزمات الوضع الاجتماعي المتحرك بالتغیر الدائم.

 إن الولي الحاضر/الغائب بكراماته المتمددة یلعب دور الطبیب النفساني – حتى وھو في قبره - باستلھام مسیطر على الواقع وتلوینه بألوان دینیة تخدم مثلث العلاقة بین المرید التائه والولي الكفیل، وسلطة المكان والزمان كحجاب محصن . إن الشكوى إلى الغائب في الاعتقاد الشعبي ھو نفور من الحاضر الذي لا يحسن الإنصات للألم الإجتماعي وآهاته. ھروب إلى الخلف من حاضر القھر للذات والمتحدي.

إن الغائب "المیت" یحسن الإنصات من وراء ثوبه الأخضر، حتى ولو بعدم الجواب، وبلا تعلیق ولا نقد ولا لوم حاد. إنه ملاذ الحلول الترويحية عن الذات حتى ولو كانت حلما كابسا على النفس والذات والمحيط.

 إن تمجید الماضي وتبخیس الحاضر لهو الأمر الذي نشترك فیه كلنا أميين كنا أو مثقفین من طينة التنوير، إن مقود الماضي ھو من یسلك بنا منعرجات الحاضر ویعمل على حمایتنا بكيس أمان من الوقوع في حافة الأزمات، فما العمل للتحلل من ثوب الماضي الضيق على الذات الحاضرة !!! ؟ إن التفكیر الشعبي باعتقاداته المبسطة من جانب تحويل القیم والفعل السلوكي یفتقد إلى آليات التحلیل لمشكلات  تبخيس الواقع ومجابهة القوة الضاغط بحذاء الاحتواء السلطوي .

فإشكالیة أزمة الواقع في بعدھا الابستملوجي، تستوجب حلولا دقیقة وإجرائية ليس للتنوير بل لعيش الكرامة. أبسط ما نقول عنھا التوعیة والقضاء على حجاب الجھل، وھو الحل الذي لا یدفع إلى طلب الحمایة من الغائب /الحاضر في الأضرحة/ الأولياء الذین كراماتھم لا منتھیة. إن الاعتقاد بكرامات الأضرحة لهي انتكاسة ورجة عقلیة تدفع بالحداثة نحو ھامش الانتظاریة بالتأجيل !!!.

 لا نبتغي صياغة البدائل "الممعیرة" بمؤشرات الحداثة الصادمة، وإنما وصف الحال، ثم نقده، وتوصیف بدائل التمكين والممكن لتجاوز سلطة الماضي الذي ما انفك یمضي بإكراھاته وبامتلاكه الضمني على آلیات تفكیرنا. ويمكن أن یطوح بنا في الدرك الأسفل لحفرة "لآلة عائشة". فلا مناص لنا " الآن وليس غدا" من تحصین الحاضر الذي مافتئ یأتي من قوة رفض سلطة كرامات الموتى واعتبار تمجید ثقافة الحیاة المسلك الأول لتجاوز ثقافة تقدیس الموتى.

 

محسن الأكرمين

روائي وباحث في علم الاجتماع والتربية

 

في خضم سؤالنا السابق، والمتعلق: ما هي أبواب التواصل التي ارهصته بين التراث الإسلامي مع التاوية والفكر الحداثي الغربي، عن تبادل التأثير والتأثر بين الطرفين مشروعا، من وجهة نظره؟ وعنه ما بعد؛

وعليه:

في الظروف الموضوعية والدولية العامة، وبعد أنهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وتفكك الكتلة الاشتراكية، وانتكاسة الاحزاب اليسارية العربية والتي دأب اصرار ربط مصيرها، تابعة، ذيلية، لأوامر قيادة مركزية السوفيت في تقرير تحالفاتها ومستقبل مصادر تعامل منهجها حينذاك، ما اصابها من هدر كامل وطيش فراغ عابث؛ دفع مجموعة من المفكرين العرب المعاصرين الحديث عن تبادل التأثير والتأثر بين الطرفين ـ مع المركزية الغربية عموما ـ، بموجب تلك الارهاصات الحداثية والمابعدها،  أحتدت جدية البحث عن محاولة أستلهام "أنموذج" في التدبيرات الفلسفية العمرانية وتوحيد قضايا المجتمع، أمر ضروري لبناء ثقافة مستقبلية حية، أحياء ثقافة الإنسان من فرد تابع "ذيلي" إلى عاقل مشارك، بل لتحول الذات العاقلة إلى ثقافة عضوية منتجة، وفاعلة بواجب المشاركة، والتدبير الناجع نحو بناء الدولة وضمان تننظيم أستمرارية تحديث ثقافتها، ومشاريع تجديد ادوات واساليب نماء استراتيجيتها و تطورها.

فصاحبنا ـ العلوي ـ انغمس بحثه مستلهما من الانموذج الاسلامي، تراثه الضخم، ـ والتي اشرنا إليها في الحلقة السابقة ـ، مع اخذه بناء وشائج التعايش فيها مع أطر الفلسفة "التاوية" والتجربة الثقافية الصينية، لأستهام الأنموذج الثقافي المتماسك، لتحقيق النهضة في المجتمع العربي المعاصر، وما تقتضية من إعادة تشييد ثقافة للذات العربية، وتجاوز أزمات مثقفيها الخاصة والمجتمعية عامة، لجعلها تتواصل وتتبادل التأثير والتأثر، وتدبر إمكانات قادرة على المساهمة في تطوير مشروع الحداثة في سياق تفاعل ثقافة الفضيلة لذات أكثر إنسية وارتقاءا، مشاركة، ترتبط بآليات تطعيم الحداثة ـ التجربة الصينية، هنا، حاضرة ـ والتراث العلمي الإسلامي التنويري بما قامت على أستبعاده في لحظتها النهضوية؛ أي استغذائها بطموحات الإنسان و وسائل إنتاج تخيلاته وعقائده، والتي سيركز عليها تصوف ابن عربي، والشيرازي والسهروردي... وابن باجة ومسكوية والخلدونية مع التجربة الثقافية الصينية مثلا؛ إضفاء بما يحافظ على ثقافة الفضيلة تلقيح مركزها الذات الإنسانية كذات متعددة الأبعاد، متنوعة الأفاق، وغير قابلة للأختزال في بعد إكساب نسيج إنتاجها الثقافي العقلي أو إنسجامها الحداثي بشكل متألف متناغم، فيتم أتحادها بعد ذلك.

في السياق نفسه، هذا إضافة إلى تنقية هذه الحداثة من أدران صبغتها وإشارات نزعتها المركزية الغربية، والتي حصرت كل القرارت والأحكام بين يديها مع أخضاع كل السلط تحت نفوذها، وهي تقرر سياسة البلدان، وتصدير قرارات توجيهية ثقافات الشعوب، وبأسمها استعمر حق تقرير المصير.

وإعادة بناء نظام يقتضي تحرر تبعية العقل والبلاد لمركز رئيس واحد، وهو فاعلية الذات التي تمنحها تنوع وتعدد واختلاف اقسام ثقافة الفضيلة نوعا من "الاستقلال المحلي"، بقدر ما تدعو إلى تجاوز موانعها وشواغلها، أو، صرفها عن القيام بتطويرها التي فرضها البعد "الدوغمائي" الخاضع لسلطة الفكر اللاهوتي والمبيقات القروسطى لهذا التراث.

وتتمثل هذه الموانع أو المعيقات في سلك معها مسلك الاختلاف من أشكال الحذق لتبلغ منه مأربه، أشكال التحايل، والتي مارسها مفكروا العرب والأسلام على الذات صراعا، كما مارسوها مفكروا الصينيين في تفرس في داهنية ورواغة المركزية الغربية في تحول وتغير مآربها، ليقلصوا من فاعليتها وحريتها، حيث جعلوها مرتهنة في وجودها بالذات المطلقة، ما تنبه إليها العلوي إشارات واضحة في آبحاثه؛ منبها، حين جعلوا هذه الذات في ـ الله ـ عز وجل، مثبطة فاعلية وعجز تحرر، حين ربطوا عزوم وجودها بالذات اللامحددة، بل فاصل وقطيعة عن الذات الإنسانية؛ بحاجاتها ورغباتها، وزمانها، وأشواقها، وأنفعالاتها، ورغائبها، وشهواتها، وسرديات أفكارها، وأخطائها، ونهايتها، عن الذات الآلهية المطلقة والميتافيزيقية، بمؤهلات صفاتها المتعالية، وأسمائها القدسية. وهذا ما كانت مخرجاته التشكيك واللايقين في عالم ثقافة الفضيلة وبمركزية الذات بقواعد قواها الإدراكية الحسية، مما جعل ـ الغرب/المستشرقون ذريعة تأجيل نظر الاندماج في المشاركة، بل العزل والأقصاء في الذات العمرانية المدينية ـ الذات السياسية، وبالتالي في موضوع تصور الحرية والتحرر، بما هي حرية/استقلال فردي مدني، وحتى بضوابط بناء طبيعة وأسلوب "العقد الاجتماعي" وليس أثره على صورته الطبيعية، ونشأته على حب الخير عن ثبته وختمه.

 وبهذا تناول الباحث العلوي، ترابط عملية إعادة بناء الذات العربية في اشكال ثقافية متعددة؛ بأشواقها، وأنفعالاتها وأفكارها وتقلبلاتها وأخطائها، ممارسة التفكير الجاد نحو عضوية مدنيتها، ثقافة التحرر والحرية فضيلة. بقواها الإدراكية وإرادتها الفاعلة، لها سؤالها وإشكالاتها وتطويرها التي فرضها الآفق الفكري الخاضع لسلطة الذات الفاعلة، المتآثرة والمؤثرة لهذا التراث.

فثقافة الفضيلة، بآسمائها وصفاتها دارسة المناهج الأكثر ديمومة من شخصية الإنسان بمعناها الاجتماعي والأخلاقي، محفوظة الحرية، وحقوق عضوية وسلوكها المكتسب أو الموروث في تدبير التبادل المعرفي. أكيد وبلا ريب، طبعا، سيدافع عن ذات مشتركة بكل ما يملك من أنوار، سؤلا وتحقيقا عن الحرية والعدالة والأخاء والمساواة.

بهذا يقوي العلوي نظرته التي ترتبط بأدوات منهجية وأساليب تجوال عملية إعادة بناء ركائز الذات العربية إنسية وتنوير، من خلال سؤال الذات ثقافة فضيلة سؤلا متحررا. فالتحرر بما هو ارتباط عملي بالحرية فلابد أن يشخص شعور الهزيمة واستفراغ طاقته، ثم الخروج بنزوع رأي راجح وعمل مستقيم دائم، تشكيل ركيزة الذات فيها محركا أساسي. فهي منبع تطور مراحل عمران إنسية التنوير نحو إمكان التغيير والنقد، بما في ذلك نقد تجارب العقل نفسه، من أجل تحفيز مسؤولية متابعة مهارات الأداء وتطوير ألية تطلعات المعارف وإضفاء طابع توزيع النسبية والتاريخية المعرفية على الحقائق وقيمتها عنه. ومن نافل القول، أن الحرية هي تناغم وانسجام ثقافة الفضيلة ما يؤهل الذات؛ من مقاومة تعسف الدوغماء، وسفه التعصب بأمتلاك احاد الحقيقة وتباحث ادوات تجبر القوى الانتهازية المحافظة داهنية مآربها، وكشف مختلف أشكال مغالق المريدية الظلامية بالنقد والحوار، وذلك لغرض فك القيود المتحكمة في تحجير الثقافة العضوية وبنية فضائلها في العطاء والخير من استبداد العقل المهيمن والتي تحول دون سعي الإنسان على التفكر والعمل والابداع والتجديد.

إذن ما هي الرؤية التي يمكن آن نستخلصها مما ورد بمجمل ما احتوى موضوع المقالة عن اسبقتها من حلقات، سنجيب عنها، بـ(خاتمة) لاحقا.

 

إشبيليا الجبوري

 

ميثم الجنابيالراديكالية العراقية الجديدة – الجذور الهشة (1-2)

إذا كان المضمون الفعلي للكلمة يستمد طاقته الخفية وتأثيره غير المباشر في الوعي والذاكرة من معناها الأول، فإن الرجوع إلى المعنى الأولي في الكلمة كما قال كونفوشيوس قبل آلاف السنين، هو الفعل الضروري من اجل وضع الأمور في نصابها. فعندما نقول كلمة «رئيس» فان ذلك يفترض أن يكون كالرأس من الجسد، وعندما نقول كلمة «فرض» فان ذلك يفترض إدراك معنى الواجب، وعندما نقول كلمة «عقل»، فان ذلك يفترض ربط الأحكام والتصورات والتقييم بقواعد التدليل والبرهان. وعندما نقول كلمة «التزام» فان ذلك يفترض التقييد بقواعد وشروط محددة. وهي فكرة عميقة من حيث قدرتها على تمثل ما في الكلمات من وظيفة فعالة في ضبط السلوك الظاهري والباطني للفرد والجماعة. وفي هذا يكمن سر الكلمة وتأثيرها الخالد في المعقول والمنقول في تاريخ الأمم. وفي هذا أيضا تكمن الطاقة السياسية للكلمة.

وفيما لو نظرنا إلى تاريخ الأمم ومجمل إبداعها في الميادين كافة، فإن الكلمة تبقى الأكثر تأثيراً وثباتاً وإثارة وتهييجاً وتنظيماً وتوجيهاً. كما أنه أمر وثيق الارتباط بقوتها المنطقية والوجدانية. ففي الكلمة فقط يمكن تكثيف أشعة العقل والوجدان، كما أنها حاملة كل منهما بالقدر الذي يجري توظيفهما فيها. وعلى كيفية توظيفها يمكن للعقل أن يؤسس الفكرة والأفكار، كما يمكنه من خلالها استثارة الضمير والوجدان. وبالقدر ذاته يمكن توليف العقل والوجدان فيها بطريقة قادرة على صنع الانسجام الضروري في روح وجسد الأفراد والجماعات والأمم. وفي نفس الوقت يمكن التفريط بتجارب الأمم ورميها في سلة المهملات بوصفها أشياء لا قيمة لها. ويمكننا العثور على هذه الحالة في تجارب الأمم جميعا. بمعنى رؤية التأثير الفعال والحاسم أحيانا للكلمة في بلورة الذهنية الراديكالية وتوتير نفسيتها الوجدانية العارمة.

ولعل كلمة الراديكالية من بين أكثرها إدامة وتأثيراً وفاعلية في هذا المجال. فمعناها الأول مأخوذ من الجذر، أي أنها تعادل فكرة «الجذرية»، أي الفكرة الداعية إلى اقتلاع الأشياء من أصولها وعروقها . ذلك يعني أنها تمثل مضمون وأسلوب الذهنية المتحكمة بفعالية الوجدان الفردي والاجتماعي. وحالما تتحول هذه الذهنية إلى ميدان الحياة السياسية، فان معناها السياسي يصبح فعلا مطابقا لاقتلاع كل ما يقف «حجر عثرة» أمام تصوراتها وأحكامها الخاصة. حينذاك تصبح الكلمة فعلا لا منطقيا من وجهة نظر المعرفة وتراكمها الضروري، ولا عقلانيا من وجهة نظر التاريخ والثقافة، مع أنها جذر المنطق وحاملة نموذجه المعقول. مما جعل من تاريخ الراديكالية في كل مكان مجرد زمن الخروج عن خط الاعتدال والوسط العقلاني. وتترتب هذه النتيجة على ما في الراديكالية من نسبة مشوشة ومشوهة للعقل والوجدان تعادل في فاعليتها وتوظيفها وحدة العقل والجنون، والمنطق والتبرير! وأكثر ما تبرز هذه النسبة في ميدان الحياة السياسية. وبما أن السياسة هي أسلوب وجود المجتمع والدولة والأفراد والفكر، من هنا إمكانية ظهور وتأثير الفكرة الراديكالية في تاريخ الأمم والدول قاطبة بدون استثناء. أما ظهورها الملموس وشكلها الخاص فانه محكوم بطبيعة التطور التاريخي والسياسي من جهة، وبكيفية تجسيد الفكرة الراديكالية نفسها في الواقع السياسي من جهة أخرى. وفي هذين الجانبين نعثر أما على مستوى رفيع من تأسيس الفكرة العقلانية والاعتدال الرافضة أو المقيدة للنفسية الراديكالية، وأما انهيار للعقلانية والاعتدال مع ما يترتب عليه من صعود للراديكالية بمختلف أشكالها.

بهذا المعنى يمكن اعتبار الظاهرة الراديكالية ظاهرة تاريخية لها أشكالها المتنوعة والمختلفة في تاريخ الأقوام والدول والثقافات. إذ لا يخلو تاريخ أمة وثقافة ودولة منها، بوصفها الخميرة الوجدانية التي تتحسس معالم الغبن أو الظلم أو "الانحراف" عما تعتقده مساواة أو حقا أو صراطا مستقيما. وعادة ما تجعل من رؤيتها وبدائلها الجذرية طريقا وأسلوبا وغاية واحدة لا يمكن الحياد عنها. الأمر الذي عادة ما يضعها في صراع مع المجرى الفعلي لتاريخ الدولة والأمة والثقافة. وهو صراع يحدده في الأغلب نزوع الراديكالية الهائج للتغيير الجذري، وبالتالي السعي الحاسم لتغيير الواقع والمؤسسات والأفكار والقيم بصورة جذرية وسريعة. من هنا تحول أسلوب التغيير الشامل إلى نموذجها الأمثل في العمل. وعادة ما يؤدي هذا الأسلوب إلى تدمير تجارب الماضي وخزين الذاكرة التاريخية ومرتكزات التقاليد الكبرى والقيم والمؤسسات. مما يجعل منها الطرف النقيض للإصلاح الحقيقي. وإذا كان لهذا الأسلوب ما يبرره في المسار العام للتطور التاريخي العالمي وخصوصية تمظهره في مختلف الحضارات، فان ذلك لا يعني ضرورته كما هو بمعايير البدائل العقلانية المعاصرة.

فمن الناحية الواقعية لا يمكن للدولة والثقافة والحركات الفكرية والسياسية الكبرى أن تظهر دون أن تتعايش معها مختلف أصناف الراديكالية. وذلك بفعل كونها الخميرة الملازمة لصيرورة القيم بشكل عام وقيم الاعتدال والوسط بشكل خاص. فالتاريخ ووجود الدولة والمجتمع والثقافة هو عملية صراع دائمة ودائبة. وهو صراع يولد بالضرورة مختلف التيارات والاتجاهات، التي تمثل الرؤية الراديكالية إحداها. وبما أنها التمثيل الوجداني (غير العقلاني) لقيم العدل والمساواة والحرية، فإنها عادة ما تقف بالضد من فكرة النظام الملازمة لوجود الدولة والمجتمع والثقافة. لكن هذا التناقض الطبيعي هو بالقدر نفسه أحد المصادر الضرورية لتطور الدولة والمجتمع والثقافة في حال حل الإشكاليات التي تساهم في تغذية النزعة الراديكالية وظهورها وتوسعها. بهذا المعنى يمكننا الحديث عن قيمة الراديكالية من حيث كونها تيارا يصب عموما في اتجاه تحسين وترسيخ وتوسيع المدى الثقافي للتقاليد العقلانية الكبرى ونماذج الاعتدال فيها. وذلك للدور الذي تلعبه في «استنفار» الطاقة الفكرية وشحذ رصيدها الاجتماعي بضرورة الاعتدال باعتباره الصيغة المثلى لتراكم القيم والمعارف والتقاليد والبنى المتنوعة للدولة والمجتمع.

وحالما ننتقل إلى العراق، فإننا نستطيع أن نرى في تاريخه الصيغ الأوسع انتشارا والأكثر عمقا وفاعلية للفكرة الراديكالية وتقاليدها مقارنة بغيره من دول ومناطق العالم العربي. وهي ظاهرة يمكن فهمها من خلال خصوصية ظهور وتطور الدولة العربية الإسلامية من جهة، وكيفية انكسار مختلف مدارس الفكر في تقاليده السياسية وحركاته الاجتماعية، من جهة أخرى. فالانكسار الراديكالي الحاد في زمن عثمان بن عفان لتقاليد الوحدة الإسلامية المتراكمة بمعايير الدولة الموحدة والوحدة الروحية والسياسية والقومية في زمن أبي بكر وعمر، قد أسس لإمكانية الفكرة الراديكالية التي جعلت من انتفاضة المسلمين الأوائل وقتل الخليفة عثمان فعلا يرتقي إلى مصاف الحق. ومع أنها فكرة جدلية، لكنها تاريخية ومؤثرة بالنسبة لبلورة مفاهيم الثورة والتغيير الراديكالي. وظهر تأثيرها للمرة الأولى في فعل "الانتخاب الجماهيري" للإمام علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين. وفيه أيضا كانت تكمن فكرة الحق المسيس. ومن ثم سهولة الانتفاض بمعاييرها.

وهي الحالة التي حالما أصبح العراق ميدانا لها، بعد معارك الجمل وصفين والنهروان، فإن نتيجتها المباشرة هي تغلغل النفسية الراديكالية وإمكانية استحواذها على ذهنية العوام والخواص. وليس مصادفة أن يتحول العراق لاحقا، وبالأخص بعد صعود الأموية وتقاليدها السياسية الاستبدادية وفكرها الجبري، إلى احد مصادر إنتاج وتأسيس الغلو والتطرف السياسي والعقائدي. فقد كانت هذه المظاهر الصيغة الوجدانية لتحدي الإرهاب والاستبداد والخروج على قواعد الحق الإسلامي. أما استمرارها في صراع القوى فقد افرز كما هائلا من الفرق الإسلامية وتنظيرها اللاحق في مدارس الكلام والفلسفة. أما صراعها النظري والعملي في العراق فقد جعل منه ميدان المواجهة العنيفة التي رمت بفكرة القانون والوحدة على أطراف دجلة والفرات. وصنعت مع مرور الزمن هالة المواقف المترامية على أطراف مدنه المنتفضة مثل البصرة والكوفة والنجف وكربلاء وغيرها، بحيث أعطى لها في الذاكرة الاجتماعية والوعي السياسي قوة العقل والإيمان واليقين والإحسان في كل ما ترمي إليه وتهدف من أقوال وأفعال.

وهي حالة كان يمكنها المساهمة في تثوير العقل، تماما بالقدر الذي جعلها مصدرا ومرتعا خصبا للنفسية الراديكالية وذهنيتها السياسية. وهو السبب القائم وراء هذا الكم الهائل من فرق الغلاة والانتفاضات الكبرى التي ميزت العراق على امتداد تاريخ الخلافة، بحيث أدى في نهاية المطاف إلى صيرورة الصيغة النمطية العامة القائلة، بأن أهل العراق هم «أهل الأهواء» و«أهل الشقاق والنفاق». ولا يعني ذلك من الناحية التاريخية والفكرية سوى كونه بلد الغلو والتطرف (الراديكالية)، أي منطقة الاحتراب الفعلي لقيم الوجدان في مواجهتها لما تعتقده انحرافا عن قيم العدل والمساواة والحق. وفي هذا أيضا كانت تكمن قيمة وأثر الغلو والتطرف في بلورة وتعميق وتوسيع وترسيخ منظومة الرؤية العقلانية والاعتدال. فالمعتزلة هم الاستمرار الأكثر تمثيلا للقيم السياسية لغلاة الخوارج والشيعة، ولكن في ميدان الرؤية العقلية. بمعنى تحويل فكرة الحق الوجداني إلى ميدان الرؤية السببية وإدراك علل الأشياء استنادا إلى العقل بوصفه معيار الحسن والقبيح في كل قول وفعل وأثر. وميزت هذه التقاليد تاريخ العراق وفعلت في صيرورته التاريخية وكينونته الثقافية بقدر متكافئ من القوة والديمومة حتى سقوط بغداد وتهشم فكرة وفاعلية المركز الثقافي السياسي.

ولعل الوجه الآخر لانتشار تقاليد الراديكالية الفكرية والعقائدية والسياسية، هو توسع وترسخ منظومة التقليد المذهبي المختبئة في بنية العوام والخواص، التي أعطت لها السيطرة العثمانية أبعادا تخريبية، لأنها لم تكن جزء من ديناميكية التطور الحضاري. على العكس لقد تحولت هذه التقاليد بفعل آلية الاستبداد والانحطاط الثقافي إلى عقد متراكمة في الوعي الاجتماعي كانت وما تزال تعيق إمكانية التراكم العقلاني الحر للأفكار والقيم. وليس مصادفة أن يفتقر العراق بعد أول ظهور مستقل له بعد تفكك السلطنة العثمانية، إلى نخبة عقلانية متميزة في ميدان الفكر والسياسة. بل أن التراث المتراكم في غضون قرن من الزمن قبل انحلال السلطنة لم يكن قوة فاعلة لا في عقل ولا في ضمير العراق وقواه الاجتماعية. بحيث لا نعثر من حيث الجوهر على قوة سياسية واضحة المعالم تمثل الصيغة العملية لنمو وتراكم الأفكار والقيم العملية.

وهي نتيجة لها تاريخها الخاص في العراق، والتي ارتبطت أساسا بغياب تاريخ الدولة وتقاليدها السياسية لقرون عديدة في ظل السيطرة التركية، ثم الانكسار المفاجئ للتقاليد المتراكمة في أواخر المرحلة العثمانية في مجرى الحرب العالمية الأولى. كل ذلك أدى إلى صعود النفس السياسية فقط. وبالتالي تحول السياسة إلى الميدان الأوسع واليومي لتقييم مفاهيم الدولة والحق والجمال والأخلاق. وبهذا تكون قد اختزلت كل الأبعاد المتنوعة وغير المتناهية للوجود الاجتماعي إلى ميدان هو نفسه ليس إلا وسيلة تحقيقها. وعوضا عن أن تتحول السياسة إلى ميدان تختبر فيه مفاهيم الدولة والحق والجمال والأخلاق، تحولت إلى معيار شبه شامل وأوحد لحياة الفرد والمجتمع. مما أفرغ حياة الفرد والمجتمع والدولة من أهميتها وقيمتها، بوصفها غاية الفعل العقلاني للسياسة. وترتب على ذلك افتقاد السياسة نفسها لمعايير الرؤية الاجتماعية. مما أفسح المجال لاحقا لظهور مختلف أشكال وأصناف الراديكالية.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

إن الشعار الذي رفعه مقتدى الصدر في الآونة الأخيرة، والمحبب فيما يبدو إلى قلبه والذي وضعه في عبارة "شلع قلع" إي إزالته مع جذوره، هو احد النماذج الجلية لهذه الذهنية المسطحة والغبية لحد ما. إنها لا تعي ما تقول باستثناء سجع الكلمة الفارغة والمثيرة لنفسية العوام والمستجيبة لذهنيتها في استسهال الحلول. مع إن كل ما في مقتدى الصدر هو تثبيت متشدد ومتشنج للنزعة التقليدية. من هنا تشوه هذه الراديكالية التي تعادل من حيث الجوهر نفسية الشطار والعيارين، إي نفسية وذهنية الحثالة والعصابة.

 

ميثم الجنابيالراديكالية العراقية الجديدة – جذور في مياه آسنة (2-2)

إن افتقاد الرؤية الراديكالية في العراق للرؤية الاجتماعية جعل من السياسة أداة هوجاء للوجدان الثوري والسذاجة الفكرية، التي صنعت بدورها سبيكة مشوهة يصعب تحديد هويتها، وذلك لافتقادها إلى مقومات المنطق والنفعية. فقد كانت هذه الظاهرة وما تزال محكومة بضعف التقاليد العقلانية واستتباب بنية الدولة والمجتمع المدني وضحالة التأسيس التاريخي للنخب الفكرية والثقافية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. وفي هذا تكمن خصوصيتها في تاريخ العراق الحديث، الذي جعل من الراديكالية «منهجا للعمل» عند الأغلبية الساحقة للأحزاب السياسية. أما النتيجة فهي تحول «الشارع» إلى قاطرة تجر خلفها «النخب» السياسية. وكانت هذه النخب في الأغلب اقرب إلى نفسية ومزاج الشوارع والعوام. وعوضا عن أن تضع الشوارع في محلها الجغرافي والاجتماعي، فانه جرى تحويلها إلى مقولة سياسية. وفي هذا الواقع كان وما يزال يكمن الخطر الهائل للراديكالية السياسية في حياة الدولة والمجتمع في العراق. وذلك بفعل تحولها إلى النموذج الوحيد للفكرة الراديكالية.

إننا لا نعثر للراديكالية في العراق على نماذج في ميدان الفكر والإبداع الفني والسلوك الفردي والاجتماعي. وتشير هذه الظاهرة إلى ضعف الحرية الفعلية من جهة، وإلى استفحال نفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية والهامشية السياسية فيها، من جهة أخرى. ولعل تجربة العراق في مجرى سيطرة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو نموذج «كلاسيكي» لهذه الظاهرة. ومن ثم ينبغي البحث في هذه الظاهرة عن جذور الراديكاليات الرثة من دينية ودنيوية. بمعنى النظر إلى توسع مداها الكمي والنوعي على انه إشارة على سعة انتشار الفئات الرثة في العراق بوصفها إحدى المظاهر الكبرى لضعف تطور الدولة والمجتمع. وساهمت هذه النتيجة في توسيع مداها الكمي والنوعي الأيديولوجية الراديكالية وممارساتها العملية على امتداد عقود، وبالأخص بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958.

فقد رمت القوى الراديكالية المجتمع في أتون الاشتراك السياسي اللاعقلاني من خلال زج الجميع في عراك لا يدرك معنى وقيمة السياسة بوصفها علما لإدارة شئون الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والعلم. وأدت في دعواتها الغوغائية إلى جعل الجهل والتخلف والمغامرة مكونات لسبيكة الانهماك غير العقلاني في صراع الجميع ضد الجميع. وجرى تتوج هذه العملية من خلال الاندفاع الهائج للأرياف إلى المدن، واستقطاب الحثالة بوصفها رصيد ورصيف الطريق الجديد للمستقبل. وأصبح الجميع أسير العبودية الراديكالية التي جعلت من المغامرة والانقلابات والخيانة وغيرها من الأساليب أمورا مقبولة ومعقولة بمعايير «الشرعية الثورية». وبلغت هذه العملية ذروتها القصوى في المرحلة الصدامية، التي حولت العراق إلى كيان رث. وهي ظاهرة فريدة من نوعها في التاريخ المعاصر، لأنها الوحيدة التي استطاعت أن تجعل من التوتاليتارية أسلوبا لتصنيع شامل للرثة الاجتماعية. مما يجعل من دراسة خصوصية التوتاليتارية العراقية ضرورة علمية وعملية من اجل رؤية خصوصية وآفاق الظاهرة الراديكالية الجديدة في العراق1. لاسيما وأن زمنها في العراق قد كشف عن ظاهرة قذرة وقاسية في نفس الوقت، ألا وهي جمعها مكونات يصعب وجودها خارج الخيال، مع أن الخيال هو مصدر الإلهام، ومثير القلق والأحلام، والرغبة في تناول ما يبدو بعيدا عن رؤية العين وممسك الأيادي.

ولعل المفارقة الكبرى لهذه الظاهرة تقوم في أنها استطاعت أن تجرّد وجود الأشياء والناس والأفعال من تاريخها، وأن تصنع بالتالي زمنا بلا تاريخ. وفي هذا يكمن سرّ انهيارها السريع وهروبها المريع، اللذين كشفا عن حقيقة تقول بأن التوتاليتارية البعثية الصدامية هي زمن بلا تاريخ. من هنا اندثارها الخاطف وبقاياها الخربة في كل مكان. وهي نتيجة تشير في الإطار العام إلى فقدان التوتاليتارية البعثية إلى جذور طبيعة لها في العراق، وأنها مجرد ظاهرة عرضية ومرضية تمثلت العناصر الرخوية المميزة للهامشية الاجتماعية والسياسية في عراق القرن العشرين.

فقد كانت التوتاليتارية البعثية الصدامية مجرد غشاء استمد «حيويته» من المقدرة على امتصاص ألوان الأشياء وأشعتها. وبالتالي لم تكن في الواقع سوى ذلك الغشاء الذي سرعان ما جف بعد أول نزع له من جسد المجتمع والدولة. وفي تناقض هذين الجانبين تكمن خصوصيتها في العراق. فمن الناحية المجردة يمكن النظر إليها على أنها جزء من تاريخ التوتاليتارية بشكل عام، إلا أن رخاوتها الفجة وانهيارها السريع واضمحلالها الخاطف يعطي لها في نفس الوقت طابعا متميزا. والجانب الأول يقوم في إمكانية تذليل مخلفاتها بسرعة، أما الثاني فيقوم في عبرتها بالنسبة للحركات السياسية العراقية. لاسيما وأنها تكشف بما لا يقبل الشك، عن خطورتها بالنسبة لجهود الأجيال المضنية، والدمار الشامل للقوى الاجتماعية، والثروات الوطنية، والجهد الضائع، وافتقاد التاريخ.

فقد حولت هذه التوتاليتارية كل شيء إلى عبث، بحيث أفقدت الحياة والموت من معناهما! وهي نتيجة تجعل من كل ما قامت به في العراق فعلا خارج التاريخ، وبالتالي خارج الحقيقة والقانون والأخلاق. لأنها لم تكن في الواقع أكثر من مجرد آلة لتفريغ المعنى من كل شيء. بينما المعنى هو الكيان الوحيد الذي يعطي لكل وجود حدوده وقيمته وأثره في التاريخ.

فمن الناحية التاريخية عادة ما تفرّغ التوتاليتارية الزمن من التاريخ وذلك بفعل مساعيها «تبرئة» الحاضر من الماضي، وتحويل رغباتها وتصوراتها إلى يقين المستقبل. وعادة ما يضعها هذا التناقض في صراع يتحول من محال إلى مستحيل، بحيث يجعل منها بالضرورة قوة عاتية تجعل من كل ما تجهله «عثرة» ينبغي إزالتها. وبما أن جهلها بالتاريخ هو شرط وجودها التاريخي، لهذا عادة ما تجعل من تغييب وعي الذات التاريخي سلاحها الفعال في مواجهة الحاضر والمستقبل. وفي هذه المواجهة تجرّب كل الصيغة الممكنة للجهل والتجهيل الذاتي لكي تقف في نهاية المطاف أمام نفس هاوية الانحطاط والسقوط المميز للتوتاليتاريات جميعا. إلا أن لكل انحطاط وسقوط معناه التاريخي وعبرته السياسية وقيمته الثقافية. فالتوتاليتارية في نهاية المطاف هي تعبير عن النقص التاريخي في وعي الذات القومي، وخلل تقاليده السياسية، وضعف حصانته الثقافية. وتجربة العراق لا تشذ عن هذه «القانونية» الصارمة، التي لا يقلل من أهمية دراستها وتحليلها ونقدها كونها ظاهرة تتسم بالسوء والتفاهة مقارنة بالتوتاليتاريات «الكبرى»، وكذلك لما لها من أثر بالنسبة لمستقبل العراق.

وفيما لو تجاوزنا هنا مختلف نماذج الجدل الأكاديمي والسياسي والإيديولوجي المتعلق باستكناه حقيقة التوتاليتارية ومقدمات نشوئها التاريخي، فإن التنوع والاختلاف في المواقف تجاهها يعكس عموما تنوع الرؤية الجزئية والمدققة عما هو مشترك ومختلف في أشكال ظهورها وتجسيدها في مختلف المناطق والبلدان والدول والأمم. إلا أنها تصب عموما في محاولات تشخيص نموذجها العام والخاص. وعموما يمكننا القول، بأن التوتاليتارية هي نتاج خاص للمسار التاريخي للأمم. أو بصورة أدق أنها تمثل الانقطاع الراديكالي لتاريخ الأمم والثقافة. ومن ثم فهي وثيقة الارتباط بخصوصية تطور الأمم وكيفية تمثلها لتقاليد حل الإشكاليات الكبرى لعلاقة الطبيعي بالماوراطبيعي في الفرد والجماعة والدولة، وكذلك بمستوى انتقال الأمم من المرحلة العرقية إلى المرحلة القومية الثقافية.

فمن الناحية الشكلية (والعملية أيضا) تسعى التوتاليتارية إلى تمثل وتمثيل الوحدانية من خلال تحويلها إلى واحدية شاملة لوجود الأشياء والأفعال والناس. ولا يمكن حل هذا التناقض إلا بانحلال التوتاليتارية نفسها. وذلك لأن التوتاليتارية لا تعقل خارج هذا التناقض التاريخي الذي يميز مساعي العقائد الكبرى لتمثيل «الحقائق الخالدة». بمعنى محاولتها تمثل وتمثيل ما تعتقده نموذجا أفضل وأسمى لوجود الأشياء ونظام البشر. وبهذا المعنى يمكن القول، بأن التوتاليتارية عريقة شأن عراقة البحث عن واحدية معقولة لنظام وجود الأشياء والبشر. وبالتالي فإنها يمكن أن تتمظهر من خلال العقائد الدينية والدنيوية على السواء. فالنصرانية القروسطية هي مرتع للتوتاليتارية الدينية التي تجسدت بصورة فاقعة في محاكم التفتيش، والحنبليات الإسلامية القديمة والمعاصرة هي منبع للتوتاليتارية الإسلامية. كما نعثر عليها في الحركات الدنيوية الخالصة كالنازية الهتلرية في ألمانيا والفاشية الموسولينية في إيطاليا والشيوعية الستالينية في الاتحاد السوفيتي. بعبارة أخرى أنها تتمظهر بمختلف الأشكال التي لا يتعارض جوهرها مع واقع الصراع الحاد والدموي أحيانا بينها، تماما بالقدر الذي لا يقلل من تباينها اشتراكها في الكثير من قواعد العمل، التي تصل أحيانا إلى حد التطابق التام والشامل في القول والفعل والنتائج.

إن آلية توليد وإعادة إنتاج التوتاليتارية ترتبط أساسا بثلاث أسباب هي كل من فقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي الأخلاقي، وأخيرا خلل التوازن الداخلي، الذي عادة ما يجد انعكاسه في سيادة الغلوّ والتطرف العملي. وتحدد هذه الأسباب ظهور وفاعلية العناصر الكبرى للتوتاليتارية، وبالأخص كل من: «مشروع بلا بدائل»، و«يقين بلا احتمالات»، و«إرادة بلا رادع»، و«واحدية عقائدية - سياسية بلا روح ثقافي». أما النتيجة الحتمية لكل ذلك فهي تخريب المجتمع والدولة والوعي. وفي الإطار العام يمكن القول، بأن نتيجة التوتاليتارية هي تخريب الكلّ، وذلك لأن كل مسعى لفرض نموذج كليّ سوف يؤدي بالضرورة إلى تدمير الكلّ. إضافة إلى أن مفهوم الكلّ بحد ذاته صعب البلوغ حتى بالنسبة للوعي المجرد. لاسيما وأن الكلّ يتعارض مع الإجبار. كما انه بحد ذاته يفترض تلقائية ارتقاء جميع مكوناته. بينما التوتاليتارية في جوهرها هي نتاج الخروج على الكلّ الاجتماعي والتاريخي من جانب حفنة صغيرة لا علاقة لها بالكلّ سوى ادعاء تمثيله المطلق. ويصنع هذا الوهم اشد المفاهيم غلوا، وأكثر القيم رذالة، وأوسع الممارسات شناعة.

وقد جسدت التوتاليتارية البعثية الصدامية في العراق نموذجا خاصا لها أدى إلى «صناعة» نوع ربما هو الأتفه في تاريخ التوتاليتاريات بأسرها. فقد كانت في ممارساتها تجسيدا لفقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي، الذي وجد انعكاسه في سيادة الغلو والتطرف العملي. أما النتيجة فهي «تنظيم» دكتاتورية بلا حدود ولا قيود، «نظامها» الوحيد هو تقنين العنف والإرهاب. بحيث جعلت من «مشروعها» لبناء العراق عقدا أبديا لا علاقة له بالتاريخ والمجتمع، وتطاولت إلى درجة لم تسمح بأي قدر من البدائل، بما في ذلك من جانب «الحزب» الذي تمثله. وأكملت ذلك بيقينها القاطع لكل احتمالات من جانب أي فرد وجماعة ومنطقة وطائفة وحزب وقومية. باختصار أنها وجدت في كل «احتمال» مهما صغر جريمة ومؤامرة وتخريبا للحق والحقيقة. مما جعلها تمارس أقسى أنواع القهر والإكراه. وأعطت لكل أفعالها المنافية للقانون والأعراف والأخلاق والحق والحقيقة صفة «الإرادة الثورية». مما افقدها تدريجيا من كل رادع عقلي وأخلاقي، بحيث دفع بها في نهاية المطاف إلى أن تلتهم نفسها بنفسها بعد إفراغ مستمر للمجتمع من كل قواه الحية. أما النتيجة فهي سيادة رؤية عقائدية لا علاقة لها بالمفهوم الحقيقي للسياسة بوصفها علم إدارة شئون الدولة استنادا إلى المجتمع وتنظيم قواه بما يخدم المصلحة العامة. ولا مكان في هذه الرؤية للثقافة بالمعنى الدقيق للكلمة. بعبارة أخرى، أنها أدت إلى واحدية عقائدية - سياسية بلا روح ثقافي. أما النتيجة فهي إنتاج مستمر للرخوية والرخويات في كل مكونات الدولة والمجتمع.

لقد مزقت التوتاليتارية البعثية الصدامية نسيج الوجود العراقي وشوهت مكوناته الطبيعية، بحيث جعل منها مجرد آلة اجترار للزمن وقتل الحياة. وقد لا يكون مصادفة أن ينتحل الحزب اسم «البعث»، بوصفه إشارة غير واعية إلى ارتباطه بالموتى. فالبعث مرتبط بإعادة الحياة للموتى من اجل تحقيق الثواب والعقاب. ولا يبدع هذا الفعل حياة، لأنه مرهون في أفضل الأحوال بنفسية الحساب والعقاب. الأمر الذي أوقف البعثية الصدامية بالضرورة عند حدود الاستجواب البارد في مثال منكر ونكير، اللذين يمثلان في التقاليد الدينية الإسلامية حراس بوابة القبور اللاهوتية «للبعث والنشور». غير أن وراء هذه الأبواب وحراسها يقف «ملك الناس» و«إله الناس» المتسامي بمعايير الوحدانية الإسلامية. أما في العراق فقد حاولت التوتاليتارية البعثية الصدامية إحلال نفسها محل المطلق والتاريخ، وبالتالي تمزيق النسيج التاريخي والثقافي للعراق وهويته الخاصة.

ولم يكن ذلك معزولا عن طبيعة الأيديولوجية البعثية بشكل عام وصيغتها السياسية بشكل خاص. فالأيديولوجية البعثية لا علاقة صميمية لها بإدراك ماهية التاريخ العربي ومكوناته الثقافية. أنها كانت مجرد ترنيم مزيف لفكرة قومية مجردة عن واقعها التاريخي، بينما القومية العربية في جوهرها هي قومية ثقافية لا عرقية. في حين حاولت الأيديولوجية البعثية الصدامية أن تجعل منها عرقية خالصة وطائفية سياسية أدت في نهاية المطاف إلى تضاد شامل مع حقائقها التاريخية. وبالتالي إلى تخريب الوعي الذاتي العربي. واستتبع هذا التخريب تدمير الهوية العراقية بوصفها هوية عربية إسلامية ثقافية. مع ما ترتب عليه من انبعاث قوي للفئات الرثة و«ذوقها» الراديكالي. وهي نتيجة تكمن بدورها في تاريخ الراديكالية في العراق.

فمن الناحية التاريخية لم تكن الراديكالية العراقية سوى النتيجة المتراكمة في خصوصية امتصاص الحثالة الاجتماعية ورميها إلى «مدن» السياسة. الأمر الذي جعل من القبيلة (العشيرة) قوة «ثورية» في العشرينيات، ومن رؤساء العشائر «شيوخا» سياسيين في الثلاثينيات، ومن جهلة «الدنيويين» و«رجال الدين» قيادات سياسية في الأربعينيات، ومن «الضباط والجنود» زعماء في الخمسينيات، ومن خليطها رؤساء في الستينيات، ومن أنصاف المتعلمين وأنصاف الكادحين وعرفاء الجيش والشرطة «قيادات الضرورة». وأصبح مألوفا كون أغلب هؤلاء «القادة»، إن لم يكن جميعهم، لم يقرأ مقالا أو كتابا عن «نظرياتهم» الجاهزة. وهو السبب القائم وراء تحول الشعارات السياسية والهتافات «المدوية» إلى الأسلوب الأوحد والأكثر «فاعلية» في التعامل مع الأحداث والواقع. ويمكن رؤية هذا الواقع في كمية ونوعية الشعارات «السياسية» والهتافات التي «دوت في سماء العراق» في مجرى القرن العشرين. ولو جمعناها سوية لسمعنا أصوات لا يعقل معناها، ولوقفنا أمام صورة مريعة في تشوهها، وأمام خط بياني عن مدى فقدان العقلانية السياسية والنتائج المدمرة التي يمكن أن تؤدي إليها.

كل ذلك يؤكد حقيقة واحدة وهي ان الراديكالية العراقية كانت وما تزال مجرد جذور في مياه آسنة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

لقد قمت بتشريح الظاهرة الصدامية والتوتاليتارية العراقية في كتاب حواري كبير وطبع ثلاث مرات تحت عناوين مختلف مثل تشريح الظاهرة الصدامية، والتوتاليتارية والاستبداد.

 

مؤيد عبد صوينتيمكن البدء بملاحظة أن الديمقراطية منذ بزوغها الأول كانت مصحوبة دوماً ب(ديانة مدنية) بتعبيرٍ آخر: كلما تمتعت الديمقراطية بالثقة بنفسها تعي أنها بحاجة الى تحييد (الثيوقراطية) ليس عن طريق علمنتها بالطبع بل عن طريق اختراع معادل وظيفي - وليس وكيلاً- للقانون المقرر من أعلى سلطة قانونية في البلد تطلبت الديمقراطية ديانة يمكن - دون أن تضع اساسا للقانون- ان تبارك خلقه السياسي في قبال تصورات مرجعية أخرى للقانون مثلتها مرجعية ولاية الفقية في نسختها الشيعية ومرجعية مرشد الاخوان المسلمين في نسختها السنية، بينما المرجعية الاساسية في الدولة المدنية تتجلى في الدستور، فضلا عن مركزية مفهوم (المواطنة) الذي تنظر إليه الادبيات الدينية بوصفه مفهوما قاصرا وعابرا، ويبدو أن القلق الكامن في تعرض التجربة الشيعية إلى الفشل والنكوص وصيرورة الوصف التأريخي بعدم قدرتهم على إدارة الحكم إلى واقع مُعاش هو السبب الحقيقي الذي وقف حائلا دون نفض المرجعية يدها تماما عن جماعات الاسلام السياسي، فالتحفظ الجاف هو الموقف الذي تبناه السيد السيستاني مع عدم الرضا، غير أن الاحتجاجات وضعت المرجعية أمام سؤال حقيقي بشأن الموقف الذي ينبغي أن تتخذه في هذا الظرف التاريخي في تأريخ العراق وتأريخها على حدٍّ سواء.

        - ٢-

- هناك شعور مضمر ومتبادل بين المرجعية وجمهور الشارع العراقي مفاده مسؤولية المرجعية الضمنية عن وصول هذه الطبقة السياسية إلى مقاليد السلطة في البلاد، فطبيعة الدعم الذي قدمته المرجعية لجماعات الاسلام السياسي والقوائم الانتخابية التي تشكلت تحت أنظارها مكنت هذه الطبقة من بثّ الخطابات المحتكرة لصوت المرجعية بوصفها الممثل الطبيعي لأفكارها وتطلعاتها، بغض النظر عن مدى صدقية هذه الادعاءات من عدمها.لتفضي التجربة عن طريق المسؤولية التضامنية - ولو بصوت ٍ خافت - إلى تحميل المرجعية الفشل الذي رافق الأداء السياسي، لتكتشف المرجعية بعد سنوات طوال أنها وقعت ضحية للأحزاب الدينية الحاكمة لتتحمل الانتكاسات والأزدراء والأخطاء.

- يخوض السيستاني معركة مصيرية للدفاع عن فلسفة النجف ورؤيتها التاريخية لطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة أمام زخم نظرية (ولاية الفقيه) التي تتدخل في الوضع العراقي بآليات وصور متعددة، فمطالبة السيستاني ب(دولة مدنية) تحتكم إلى القوانين والدستور في العراق كانت من أبرز المؤشرات إلى حجم تلك التحديات، وهي أشارة نادرة وشجاعة لا يمكن تصور صدورها من غير السيستاني، بل لا يمكن توقع صدورها حتى من خلفاءه، فالخلاف بين النجف وقم له جذر تاريخي قديم، فضلا عن الخلاف في تقديم رؤية للتعايش السلمي بين المكونات المختلفة، ويبدو أن هذا الأمر شكل هاجسا عند السيستاني منذ وقت مبكر عبر إجابته لسؤالٍ طُرح عليه :ما الأكثر أهمية عنده: وحدة الشيعة أم حماية الديمقراطية؟ أجاب بأن حماية الديمقراطية لها الأولوية عنده.

- شعور السيد السيستاني بأن فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها عند سقوط الموصل قد اُستثمرت سياسيا من قبل أطراف سياسية لا تلتقي مع الخط العام لمرجعية النجف، فقد وُجهت الفتوى بخلاف المسار المؤقت الذي أراده السيستاني منها، مما جعل العلاقة معقدة ومتشابكة بين السياسي والديني وطريقة تأطير كل منهما على حده، لاسيما أذا تذكرنا ديدن المرجعية بعدم الخروج بشكل مباشر والتواصل مع الجمهور وطرح الأفكار والرؤى عبر المسارات المسموعة او المكتوبة.

 

د. مؤيد عبد صوينت

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن اللاتنبؤية العلمية بين أينشتين هيزنبرج؛ حيث يمكن القول بأنه عندما شرع أينشتين يقدم مجموعة من الأدلة النظرية لنقد مبدأ اللايقين من خلال مناقشته نقده لميكانيكا الكم التي اتهمها بالذاتية والقصور، فقد أكد أن ميكانيكا الكم كأي جانب آخر من الفيزياء لا تتعلق إلا بالعلاقات بين موضوعات فيزيائية . وكافة قضاياها وتعبيراتها إنما تصاغ بدون أي إشارة إلي ملاحظ . والاضطراب الذي يحدثه الملاحظ.. مسألة فيزيائية بأكملها ولا تتضمن أي إشارة إلي تأثيرات صادرة من الكائنات الإنسانية من حيث إنهم ملاحظون. إن أداة القياس تحدث اضطرابا لا لأنها أداة يستعين بها ملاحظون من البشر، ولكن لأنها شئ فيزيائي ككل الأشياء الفيزيائية، فلقد رأينا عن طبيعة قياس موضع الإلكترون وسرعته، أنه لتحديد الموضع يستخدم شعاع ضوئي. ولكن هذا الشعاع نفسه مكون من فوتونات وبمقتضي الطول الموجي للشعاع تصطدم هذه الفوتونات بالإلكترونات وتغير من سرعته. كذلك الحال في حالة قياس السرعة . وعلي هذا فليست المسألة إذن تأثير ملاحظ أو ذات علي العمليات الفيزيائية. وليس استخلاص حكم بعدم يقين علمي، نتيجة لتدخل الذات . وإنما هو شكل من أشكال التحديد الموضوعي للتداخل بين ظواهر فيزيائية خالصة . وعدم اليقين هذا ليس إلا نتيجة للتداخل الضروري بين عوامل فيزيائية متعددة، فمبدأ عدم اليقين ينطبق علي الطبيعة سواء كنا ننظر إليها أم لا ننظر. ولهذا فهو مبدأ علمي فيزيائي خالص موضوعي وليس نتيجة لحدود المعرفة الإنسانية فهو ليس عجز إنسانيا وإنما هو قياس لصفة معينة للإلكترون . ومن ثم فهو قياس لصفة فيزيائية خالصة . هذا إلي جانب أنه لا يكشف عن نقص في الإعداد الفني لمقاييسنا العلمية ولا يحدد من دقة هذه المقاييس، بل هو نتيجة هذه المقاييس ودلالة علي هذه الدقة . لذا فإن الفهم الذاتي لمبدأ عدم اليقين وعدم التحديد فهم غير علمي كما رأينا . فعدم اليقين صفة كمية وتحديد فيزيائي خالص، لا يرتبط بالذات الدارسة ارتباط معلول بعلة . وليس نتيجة لعجز عن الكمال في المعرفة أو لنقص في مقاييسنا العلمية . وإنما هو مظهر للتداخل الموضوعي الخالص بين العمليات الفيزيائية . خلاصة القول فإن أينشتين واحد من العلماء الذين يتهمون فيزياء الكم بالذاتية والقصور ويجعلون منها مرحلة مؤقتة من مراحل المعرفة، لا يردون ذلك إلي مبدأ عدم اليقين وحده، وإنما إلي الأساس المنهجي الذي تقوم عليه الفيزياء، وهو حساب الاحتمالات باعتبار أن الاحتمال وصف غير كامل للظاهرة الفيزيائية.

ولذلك استبعد أينشتين المنهج الاحتمالي كأساس للفيزياء النظرية بوجه عام، نتيجة لربطه جوهر الفيزياء النظرية بالوصف الفردي الكامل، ففي خطاب وجهه إلي ماكس بورن في 30 ديسمبر سنة 1947 يقول :"أنني بالطبع أري أن التفسير الإحصائي يقوم علي جانب كبير من الصدق، ولكنني لا أستطيع أن أؤمن به إيمانا جديا . ذلك لأن النظرية غير متماسكة مع المبدأ القائل بأن الفيزياء ينبغي أن تمثل حقيقة واقعة في المكان والزمان بدون تأثيرات خيالية عبر المسافات ..ز إنني مقتنع اقتناعا مطلقا بأن المرء سوف يصل في نهاية الأمر إلي نظرية تكون فيها الموضوعات المرتبطة بقوانين ليست احتمالات وإنما وقائع متصورة ".

وهكذا استبعد أينشتين المنهج الاحتمالي كأساس للفيزياء النظرية بوجه عام، نتيجة لربطه جوهر الفيزياء . والحقيقة أن استبعاد أينشتين للمنهج الاحتمالي كان خاطئاً إلي حد ما، حيث إن القوانين الاحتمالية في فيزياء الكم والميكانيكا الموجية كما يؤكد بعض الباحثين، هي قوانين محققة تحقيقا تجريبيا، وتكشف كشفا صادقا عن طبيعة الظواهر التي تنطبق عليها . إن دخول المنهج الإحصائي ليس معناه إدخال الشك والعوامل الذاتية في مجال ينبغي أن يكون موضوعيا بشكل حاسم، وإنما يدل علي سقوط التصور الزائف المحدود للموضوعية في مفهومها التقليدي، فتحديد الموضوعية بحدود موضع الجزيء الفرد وسرعته، تحديد جامد . إذ أن الموضوعية ليست صفة التفرد، وإنما صفة الترابط والتداخل، والتعدد والتشابك . ولهذا تميزت الفيزياء الحديثة بوجه عام، بموضوعيتها لاحتفاظ موضوعات بحثها ونتائجها بهذه الصفات . والاحتمال هو التعبير الدقيق الكامل عن هذه الصفات من ترابط وتداخل وتعدد وقابلية للتغير واستقلال . وهي الصفات التي واجهتنا في حركة الغازات واتجاه المحدود entropy وحركة الإلكترون وموضع الجسيم في موجة الاحتمال . هي صفات فيزيائية أصيلة، يعبر عنها حساب الاحتمالات تعبيرا دقيقا . والقياس الاحتمالي بشكل عام ليس تحديدا متعسفا للموضوعات المدروسة وإنما استيعاب لها وامتلاء بحقيقتها وطواعية لإمكانياتها .

وإذا كان التحديد الفردي في نظر أينشتين يعد في نظره جوهر الموضوعية، إلا أنه نسي أن " كل مادة إنما تتحرك في وسط نشيط لا في فراغ ميتافيزيائي .. لأن الطبيعة في الحقيقة لا تعرف الفراغ المطلق، فحركة الإلكترون ليست حركة منفردة في منطقة معزولة عن كل شئ، بل هي وسط عدد هائل من الفوتونات، ومرتبطة بلا انقطاع بعمليات تبادلية من الإشعاع والامتصاص . والخطأ التصوري الذي يقع فيه كثير من العلماء والمفكرين في فهم الدلالة الاحتمالية للفيزياء الحديثة وللقيمة الموضوعية للاحتمال، يبرز في محاولتهم تحديد منهج تناول هذه الظواهر الجديدة في هذه الحدود : تحديد أي نقطة يوجد فيها الجزئ في لحظة معينة ثم حساب القيمة الدقيقة لطاقته وكمية حركته . علي أن الميكانيكا الموجية تجيب علي هذه الحدود بأنه لا توجد نقطة وإنما يوجد امتداد، لا توجد لحظة مطلقة وإنما مدة، لا توجد قيمة ثابتة لكمية الحركة في المكان الذري، وإنما توجد فحسب تنوعات من هذه المقادير . فضلا عن أن هذه التنوعات، مرتبطة بالامتداد والمدة . إن هذه التنوعات لكميات الحركة وللطاقة هي النسيج الموضوعي للواقع . وهذه الحركة الذاتية من الامتصاص والإشعاع وتبادل الطاقة وكميات الحركة هي العملية الفيزيائية الواقعية، وهي لا تجد التعبير الدقيق عنها إلا في الصياغة الاحتمالية، ولهذا اعتبرت فكرة الاحتمال الأساس النهائي للفيزياء كافة .

ومن جهة أخري عارض هيزنبرج وبقوة دعوة أينشتين وغيره من الفيزيائيين، في أن مبدأ اللايقين ناتج عن عمليات موضوعية خالصة . فأداة القياس أداة فيزيائية مركبة من عناصر فيزيائية تقوم بينها وبين الوقائع الفيزيائية ظواهر موضوعية دقيقة غاية الدقة هي التي يحددها تحديدا دقيقا مبدأ اللايقين أو عدم التحديد ؛ فنجد هيزنبرج يعقد فصلاً في كتابه " الفيزياء والفلسفة "، بعنوان " نقد تفسير كوبنهاجن لنظرية الكم – والاقتراحات المضادة له"، حيث ذكر أن النقد الذي ظهر في العديد من أبحاث أينشتين (وغيره) يركز علي قضية ما إذا كان تفسير كوبنهاجن يسمح بوصف متفرد موضوعي للحقائق الفيزيائية . يمكن أن نعرض حججهم الجوهرية فيما يلي : إن البرنامج الرياضي للنظرية الكم يبدو وصفاً كاملاً كافياً لإحصائيات الظواهر الذرية . لكن حتي لو كانت تقاريره أن احتمالات الوقائع الذرية صحيحة تماما، فإن هذا التفسير لا يصف ما يحدث واقعيا وصفاً مستقلاً عن الملاحظات أو بين الملاحظات . لكن شيئاً ما   لابد أن يحدث، هذا أمر لا يمكن الشك فيه . وهذا الشئ لا يلزم أن يوصف بصيغة الالكترونات أو الموجات أو كمات الضوء . ومهمة الفيزياء لا تتم دون أن نصفه بشكل أو بأخر . لا يمكن أن نقر بأنه يشير إلي فعل الملاحظة وحده . لا بد للفيزيائي أن يسلم أنه في علمه إنما يدرس عالماً لم يصنعه هو، عالماً سيوجد دون تغير يذكر في غير وجوده . وعلي هذا فإن تفسير كوبنهاجن لا يقدم أي تفهم حقيقي للظواهر الذرية يسهل مرة أخري أن نري أن ما يتطلبه هذا النقد هو الانطولوجيا المادية القديمة . ولكن، ما ستكون الإجابة من وجهة نظر تفسير كوبنهاجن ؟

ويستطرد " هيزنبرج "، :" يمكن القول إن الفيزياء جزء من العلم، ومن ثم فإنها تهدف إلي وصف وتفهم الطبيعة . وأي صورة للتفهم – علمية كانت أو غير علمية إنها تعتمد علي لغتنا، علي تبادل الأفكار . إن كل وصف للظواهر، للتجارب ونتائجها يرتكز علي اللغة كسبيل أو حد للاتصال . وكلمات هذه اللغة تمثل مفاهيم الحياة اليومية، وهي مفاهيم هذبت في اللغة العلمية للفيزياء إلي صورة مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية . هذه المفاهيم هي الأدوات الوحيد لاتصال لا يشوبه غموض حول الوقائع , حول إقامة التجارب وحول نتائجها . وعلي هذا فإذا ما سئل الفيزيائي أن يقدم وصفا لما يحدث واقعيا في تجاربه , فإن كلمات "وصفا" و"يحدث" و"واقعيا" لا تشير إلا إلي مفاهيم الحياة اليومية أو الفيزياء الكلاسيكية . فإذا ما تخلي الفيزيائي عن هذا الأساس، فقد وسيلة الاتصال غير الغامض فلا يستطع المضي في عمله . وعلي هذا فإن أي تقرير عما قد "حدث واقعيا" هو تقرير صيغ في لغة المفاهيم الكلاسيكية وهو بطبيعته ناقص بالنسبة لتفاصيل الوقائع الذرية – بسبب الثروموديناميكية والعلاقات اللامحققية . إن سؤالنا " إن نصف ما يحدث " ( في عملية الكم النظرية) بين ملاحظتين متعاقبتين هو –بصفته – تناقض، لأن كلمة الوصف إنما تعني استخدام المفاهيم الكلاسيكية، بينما لا يمكن تطبيق هذه المفاهيم علي الفضاء بين الملاحظات، هي لا تطبق إلا عند مواقع الملاحظة.

وفي فقرة أخري يؤكد هيزنبرج قائلاً :" تظهر في نظرية الكم أعقد مشاكل استخدام اللغة . لم يكن لدينا في البدء أي دليل بسيط نربط به الرموز الرياضية بمفاهيم اللغة الاعتيادية . كان كل ما نعرفه في البداية هو حقيقة أن مفاهيمنا الشائعة لا يمكن أن تطبق علي بنية الذرة . مرة أخري بدت نقطة البداية الواضحة للتفسير الفيزيقي للصورية هي اقتراب البرنامج الرياضي لميكانيكا الكم من برنامج الميكانيكا الكلاسيكية . وذلك في الأبعاد الأكبر كثيرا من حجم الذرات، وحتي هذا لا نستطيع أن نقوله دون بعض التحفظات . فسنجد حتي تحت الأبعاد الكبيرة العديد من الحلول للمعادلات الكماتية النظرية، والتي لا نظير لها في الفيزياء الكلاسيكية، تظهر في هذه الحلول ظاهرة " تداخل الاحتمالات" . وهذه ظاهرة لا توجد في الفيزياء الكلاسيكية . وعلي هذا، فلن يكون تافها علي الإطلاق – حتي داخل حدود الأبعاد الضخمة – ذلك الارتباط بين الرموز الرياضية والقياسات والمفاهيم المألوفة، ولكي نصل إلي مثل هذا الارتباط غير الملتبس علينا أن ندخل في اعتبارنا ملمحا آخر من ملامح المشكلة علينا أن نلاحظ أن النمط الذي نعالجه مناهج ميكانيكا الكم هو في الحقيقة جزء من نظام أكبر (حدوده العالم بأسره)، أنها تتفاعل مع هذا النظام الأكبر، ولا بد أن نضيف أن الخصائص الميكروسكوبية للنظام الأكبر مجهولة – إلى حد كبير على الأقل . لاشك أن هذا وصف صحيح للوضع الواقعى . ولاستحالة أن يكون هذا النظام موضوع قياس وتفحصات نظرية، فإنه لن ينتمى إلى عالم الظواهر مالم يكن يتفاعل مع مثل هذا النظام الأرحب، الذى يمثل المراحب جزءا منه. والتفاعل مع النظام الأكبر هذا بخصائصه الميكروسكوبية غير المحددة يقدم إذن إلى وصف النظام (الكماتى- النظر لا والكلاسيكى ) عاملا إحصائيا جديدا . وفى الحالة الحدية للابتعاد الكبيرة يحطم هذا العامل الاحصائى آثار و" تدخل الاحتمالات " حتى ليقترب البرنامج " الكماتى – الميكانيكى " الآن من البرنامج الكلاسيكى فى الوضع الحدى . وعلى هذا يصبح الارتباط عند هذه النقطة بين رموز نظرية الكم ومفاهيم اللغة الاعتيادية غير مبهم، ويصبح هذا الارتباط كافيا لتفسير التجارب .

والملاحظ أن هذا الذي سار فيه هيزنبرج هو نفس الأتجاه الذي طوره بريدجمان في كتاب " منطق الفيزياء الحديث " (1927) وهو أيضاً الذي سار فيه أصحاب مدرسة كوبنهاجن (بور – ديتوش) عندما ركزوا علي أن معني قضية ما مرتبط بطرق تحقيقها وملاحظتها .وأن الظواهر لا تملك أي واقع فيزيائي موضعي قائم بذاته وباستقلال عن طرق تحقيقها وملاحظتها والقياس عليها، أي أنها لا توجد إلا بالنسبة لذات تختبرها وتجرب عليها " ويترتب عن وجهة النظر هذه أن القضايا العلمية تشير إلي طرائقنا التجريبية وليست الأشياء ذاتها التي هي موضوع التجربة " . وهذا هو السبب الذي من أجله قلنا أن مدرسة كوبنهاجن تمثل لونا وضعيا جديدا يحاول انطلاقا من الإشكالية الجديدة التي طرحتها الفيزياء الكوانطية أن يعيد تمييزا تصوره ماخ بين المعرفة الحسية، أي معرفة الطبيعة مثلما تمدنا بها حواسنا . وبهذا المعني لن يكون للظواهر وجود موضوعي مستقل عن من يدركها ولن تكون سوي مركبات ذهنية من الإحساسات . معرفة الشئ في ذاته التي هي مستحيلة لا سيما وأن الوجود إدراك إذ أن ما نلاحظه ليس الطبيعة في ذاتها، بل الطبيعة في ارتباطها بطرائقنا ومناهجنا، أي في ارتباط بما يسمونه ( الذات).

ومن هنا نجد هيزنبرج يعترف أن :" تفسير كوبنهاجن لنظرية الكم ليس علي الإطلاق وضعيا . فبينما تركز الوضعية علي أن عناصر الواقع هي الإدراكات الحسية للمراقب، فإن تفسير كوبنهاجن يعتبر الأشياء والعمليات التي يمكن وصفها بلغة المفاهيم الكلاسيكية , نعني الواقعية، أساسا لأي تفسير فيزيائي .

ولم يكتف هيزنبرج بذلك، بل نراه يصب جام غضبه علي الوضعية المنطقية قائلا :" أما المشكلة الأساسية فقد أقرت بها الوضعية الحديثة فى وضوح . يعبر هذا الخط من التفكير عن انتقاد للاستخدام الساذج لمصطلحات معينة مثل" الشئ " و "الإدراك الحسى" و"الوجود " وذلك بالمسلمة العامة بأن مسألة ما إذا كان لجملة ما أى معنى على الإطلاق، هى أمر لابد أن يخضع لفحص دقيق نقذى . والموقف من خلفها – مشتقان من المنطق الرياضي . ويصور منهج العلوم الطبيعية كوصلة من الرموز ملحقة بالظواهر . من الممكن أن تجمع الرموز – كما فى الرياضيات – حسب قوانين معينة، وبهذه الطريقة يمكن أن تمثل التقارير عن الظواهر بمجاميع من الرموز . فإذا ما كان ثمة مجموعة من الرموز لا تطيع القوانين، فهى ليست خاطئة، إنما هى فقط لا تنقل أى معنى . والمشكلة الواضحة فى هذه الحجة هى افتقارنا إلي أى معيار نحكم به عما إذا كانت الجملة بلا معنى . فنحن لن نصل إلى حكم حاسم إلا إذا كانت الجملة تنتمى إلى نظام مغلق من المفاهيم والبديهيات، وهذا أمر يعتبر فى تطوير العلوم الطبيعية الاستثناء لا القاعدة . يقول التاريخ إن التخمين بأن جملة معينة لا معنى لها قد قاد فى بعض الحالات إلى تقدم كبير، إذ فتح الباب لتوطيد علاقات جديدة كانت مستحيلة لو كان للجملة معنى . ولقد ناقشنا فى نظرية الكم مثالا هو الجملة : " فى أي مدار يتحرك الإلكترون حول النواة ؟" . لكن المخطط الوضعي المستمد من المنطق الرياضي هو على العموم نطاق ضيق للغاية في وصف الطبيعة يستخدم بالضرورة كلمات ومفاهيم يصعب تعريفها إلا في صورة مبهمة. ولقد قادت القضية القائلة إن كل المعرفة تتركز في نهاية المطاف في الخبرة قادت إلي مسلمة تتعلق بالتفسير المنطقي لأي تقرير عن الطبيعة . ربما كان هناك ما يبرر مثل هذه المسلمة في مرحلة الفيزياء الكلاسيكية، لكن قد عرفنا منذ ظهرت نظرية الكم أنها لا يمكن أن تحقق إن موقع وسرعة الإلكترون كلمتان يبدو أنهما محددتان من ناحية المعني والارتباطات المحتملة، والحق أنهما كانتا مفهومين واضحي التحديد داخل الإطار الرياضي لميكانيكا نيوتن، لكن الواقع أنهما ليستا كذلك، تخبرنا بذلك العلاقات اللامحققية . فلقد نقول إن الموقع في ميكانيكا نيوتن كان محددا تماما، لكن العلاقة بالطبيعة لم تكن كذلك . وهذا يبين أننا أبدا لن نستطيع أن نعرف مقدما أية قيود قد تكتنف قابلية تطبيق مفاهيم معينة عندما نمد موقفنا إلي مناطق من الطبيعة بعيدة لا يمكننا اختراقها إلا باستخدام أعقد الأدوات . علينا إذن في عملية الاختراق أن نستخدم مفاهيمنا أحيانا بطريقة لا تبرر ولا تحمل أي معني . والإصرار علي مسلمة التفسير المنطقي الكامل سيجعل العلم مستحيلا، وسيذكرنا علم الفيزياء الحديث هنا بالحكمة القديمة القائلة علي كل من يريد ألا يتفوه بخطأ أن يصمت.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

 

عدنان عويدWhat Is Classical Liberalism

by John C. Goodman

ترجمة (بتصرف): د. عدنان عويّد

قبل القرن العشرين، كانت الليبرالية "الكلاسيكية" هي الفلسفة السياسية المسيطرة في الولايات المتحدة الأمريكية على ما يبدو، وهي التي شكلت منطلق الفلسفة السياسية لـ "توماس جفرسون" (Thomas Jefferson) .. ولموقعين بيان الاستقلال .. وعلى أساسها تم تطبيق بنود بيان الاستقلال الأمريكي، ممثلة بالدستور، وأوراق الفيدرالية، والعديد من الوثائق التي أنتجت من قبل الناس الذين أوجدوا نظام الحكومة الأمريكية، هذا وأن العديد من المحررين أو المعتقين الذين عارضوا العبودية، كانوا من حيث الجوهر ليبراليين، مثلما كان المنادون بحقوق المرأة، أو ممن قاتل من أجل مساواتها في الحقوق ليبراليين أيضا.

على العموم، إن الليبرالية " الكلاسيكية " في سياقها العام هي الإيمان بالحرية، وحتى هذا اليوم، فإن أوضح البيانات (النظرية) لهذه الفلسفة هو ما جاء في بيان الاستقلال/ لجفرسون/، وفي ذلك الوقت، كما هي الحال اليوم، فإن معظم الناس يعتقدون أن حقوقهم تأتي من الحكومة، وأن معظمهم اعتقد بأنه يملك هذه الحقوق فقط عندما يتم انتخاب الحكومة التي ستمنحهم هذه الحقوق، بيد أن الفلاسفة الانكليز أمثال " جان لوك " ( John Locke)، فقد بينوا أن الطريق الآخر للحقوق يدور حول الإقرار بأن الناس يحصلون على حقوقهم بمعزل عن الحكومة كون هذه الحقوق تشكل جزءا من طبيعتهم، ثم إلى حد بعيد يستطيع الناس تشكيل هذه الحكومات وحلها أيضا، على اعتبار أن الهدف الشرعي للحكومة هو حماية هذه الحقوق .

إن الناس الذين يطلقون على أنفسهم اليوم اسم "الليبراليون الكلاسيكيون" غالبا ما يميلون لامتلاك الرؤية ذاتها للحقوق، ولدور الحكومة ذاتها التي امتلكها أوعبر عنها " جفرسون " ومعاصروه، إضافة إلى ذلك، لم تكن لديهم الرغبة أو الميل لوضع أي تمايز هام ما بين الحريات الاقتصادية، والحريات المدنية .

على يسار بقعة الضوء السياسية لليبرالية، توجد أشياء كثيرة معقّدة، حيث نجد الاختلاف الكبير بين ليبرالي القرن التاسع عشر وليبرالي القرن العشرين، فليبراليون القرن التاسع عشر اعتقدوا بالحريات الاقتصادية، بينما لم يؤمن أو يعتقد بها ليبراليون القرن العشرين، الذين اعتقدوا بأنها – أي الحريات الاقتصادية - لاتكون اختراقا أو اغتصابا لأي حق أساسي بالنسبة للحكومة في ضبطها لمسائل مثل، أين يعمل الناس؟، ومتى يعملون؟، أو ما هي الأجور التي يعملون من أجلها؟، وما هي الأشياء التي يستطيعون شراءها، أو يستطيعون بيعها، والسعر الذي يستطيعون الشراء به؟ ... إلخ . هذا وفي الوقت نفسه، نجد أن ليبراليين القرن العشرين قد استمر تأثرهم بمعتقدات القرن التاسع عشر، وكذلك احترامهم للحريات المدنية، وفي محطة المدار الأخير للقرن التاسع عشر، كان هناك دعم غير محدود من قبل الليبراليين للحريات المدنية، وقد قامت بعض المؤسسات الاجتماعية الداعمة لهذه الحريات مثل (الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية) (ACLU) في أمريكا على سبيل المثال لاالحصر. هذا ونحب أن نشير هنا أيضا إلى أنه منذ أن أصبحت الليبرالية هي الآيديولوجيا المسيطرة في القرن العشرين، راحت النزعة السياسية العامة لهذا القرن تعكس معتقدات هذه الليبرالية، ثم مع نهاية القرن العشرين ذاته،حقق المواطنون القليل من الحقوق الاقتصادية قياسا لما حققوه أو حازوا عليه في بداية القرن، بينما كان حضهم أوفر كثيراً في جانب الحريات المدنية .

نماذج الحقوق المدنية:

إن قوائم حقوق الإنسان تشير بأن للأفراد "حقوقا" كثيرة، ولكن الأسئلة المشروعة التي تطرح نفسها علينا هنا هي: ماذا يعني الحصول على الحق؟، وهل تكون بعض الحقوق مختلفة بالأساس عن الأخرى؟. ومع ذلك نجد في تقاليد الليبرالية الكلاسيكية،أن الحقوق حازت على الكثير من الصفات التي تتضمن التالي:

أولا: الحقوق تعتبر وسائل اتصال:

تعتبر الحقوق وثيقة الصلة بالمسؤوليات الأخلاقية التي يتعامل بها الأفراد مع بعضهم بعضا، وهي تشير هنا بشكل خاص إلى نطاق السلطة أو السيادة التي يتمتع بها الأفراد داخلها، وتخويلهم رغبة الاختيار دون تدخل من أحد، ففي هذه الحالة تحكم الحقوق هنا كمسألة أخلاقية على أعمال الناس الآخرين في عالم لا يقوم على شخص واحد فقط، أو على عالم يتواجد فيه أفراد كثر لايتفاعلون مع بعضهم . فالعدالة أو الحقوق وفق هذه الرؤية سوف لن توجد في عقل الفرد الذي لايريد لأي شخص آخر أن يطالب بحق مقابل، كما أنها لن توجد أيضا في عقل من يريد الدخول بصراع مع أية تجربة لحقوق الفرد، إن الحقوق توجد حيث يتفاعل الناس مع بعضهم ويقيمون علاقات وفقا لاهتماماتهم ومصالحهم .

ثانيا: الحقوق الأساسية تقتضي الواجبات:

إن من حق أي فرد أن يقوم بأعمال خاصة تتطلبها رغباته وحاجاته، على أن لايكون لهذه الأعمال مساس بحقوق الآخرين، وهذه الأعمال الفردية في المقابل تتطلب واجبات من قبل الآخرين تجاهها، فعندما يقوم (س) مثلا بوضع (مرجوحة) في منزله، يعتبر هذا حق مشروع له، ومن واجب الآخرين عدم ممانعته في عمله هذا، ولكن في المقابل ليس من المفروض على الآخرين تقديم المواد الأولية له على سبيل المثال، وهذا ينطبق على(ج) أيضا تجاه الآخرين .

على العموم يمكنا القول في هذا الاتجاه، إن هناك واجبا سلبيا وآخر إيجابيا في مثل هذه الحالة، فوضع (المرجوحة) في منزل " س " على سبيل المثل فرض الواجب (السلبي) على الآخرين تجاه بناء المرجوحة، بعدم ممانعتهم أو تدخلهم في وضعها، كما أنه لم يفرض واجبا إيجابيا في المقابل وهو المساعدة في تقديم المواد الأولية لـ " س " . هذا وفي السياق ذاته يمكننا الإشارة هنا إلى أنه من الحقوق الأساسية المعروفة وهي، حق الحياة، والحرية، وحق الملكية، قد تدفقت حقوق كثيرة أخرى أو اشتقت من هذه الحقوق الأساسية بناء على تزايد النشاط العملي والفكري للناس، ثم راحت من هذه الحقوق المشتقة تتكون واجبات جديدة .

ثالثا: الحقوق مصانة:

بين " توماس جفرسون " في بيان الاستقلال، بأن الحقوق الأساسية مصانة، وهذا يعني أنه من غير الممكن التفريط بها من قبل الفرد الذي حاز عليها، كما أنه من غير الممكن تصديرها أو استيرادها .. بيعها أو شراءها، أو المتاجرة بها، ولكن من الممكن انتهاكها على أية حال .

رابعا: الحقوق الأساسية لايمكن أن تأتي من الحكومة:

وهنا أيضا نتكئ على بيان الاستقلال الذي أشار بأن الحقوق الأساسية لاتعطى أو تصنع أو تحوز على شرعيتها من قبل الحكومة، بل إن الحكومة ذاتها تحصل على شرعيتها من وجود هذه الحقوق ذاتها، وحسب رؤية كل من " لوك " و " جفرسون "، والعديد من الآخرين الأخلاقيين والعقلانيين، فإن الحكومات تشكل من أجل حماية هذه الحقوق، هذا وقد أكد " لوك " في هذا الاتجاه أيضا، بأن شرعية الحكومات في الحقيقة قد أسست لتسهل أكثر الأعمال تأثيرا وهي فرض هذه الحقوق الأساسية، وأن الحكومات الشرعية وجدت بالتوافق، بينما الحقوق الأساسية لم تؤسس أو توجد بالتوافق .

خامسا: الحقوق الجوهرية مقابل الحقوق الإجرائية:

إن بعض الحقوق التي دخلت ضمن قائمة حقوق الإنسان عدّت حقوقا " جوهرية " وبعضها الآخر حقوقا " إجرائية "، والآباء المؤسسون لقضايا حقوق الإنسان، كانوا مهتمين جدا وبكل وضوح بهذين النوعين من الحقوق، والعمل على التمييز بينهما، لذلك كثيرا ما نجدهم يشيرون إلى أن الحكومات الشرعية وجدت أساسا لحماية الحقوق الجوهرية، ولكن أثناء ممارستها لهذه المهمة الحكومية، تكون بحاجة للإلتزام بإجراءات حقيقية لتحقيق مهمتها ، فعلى سبيل المثال، لكي تحمي الحكومة الحقوق، وتحكم أو تفصل في الخلافات حول هذه الحقوق، يجب على الحكومة هنا أن توجد وتدرب أجهزة خدمة لهذه المهمة (قوات شرطة)، وهذه المسألة تدخل في مدار الحقوق الإجرائية، هذا وتحوز الحقوق الإجرائية على أربع سمات أساسية هي الآتية:

1- هي أقل أصالة من الحقوق الجوهرية .

2- هي حقوق عرضية .

3- هي تدل ضمنا على الواجبات الايجابية .

4- هي نتاج توازن المصالح .

الحقوق في الدولة التشا ركية:

ما يميز نشاط الدول ذات الطابع التشا ركي في القرن العشرين، مثل الدولة (الشيوعية) أو الدول ذات الطابع القومي العنصري، مثل، (النازية، والفاشية)، هو رفضها الفكرة الكلاسيكية للحقوق الليبرالية، حيث نجد أن كل أنموذج من هذه الدول يؤكد وفقا لاتجاهه الأيديولوجي، طبيعة أو صيغة الحقوق التي يطالب بها، فبالنسبة للشيوعية كان التركيز على حقوق الطبقة العاملة، ومواجهة الحقوق الفردية في صيغتها الليبرالية، وبالنسبة للنازية والفاشية ، كان التركيز على حقوق العرق والأمة والمجال الحيوي، وبالنسبة لمهندسي دولة الرفاه، كان التركيز على مطالب الحاجات الاجتماعية بعمومها، هذا وأن كل هذه الأنظمة تقر بشرعية عيش الأفراد في العيش من أجل الدولة، ومعارضة الحقوق التي طرحتها الليبرالية الكلاسيكية، ثم نادرا جدا ما هاجمت فكرة الحقوق في حد ذاتها، بل هي في الحقيقة طرحت تعريفا جديدا لمفهوم "الحق" بالشكل الذي أفرغت منه معظم محتوى الحق في صيغته الليبرالية .

مصادر الحقوق:

سؤالان مشروعان يطرحان نفسيهما علينا هنا وهما: من أين تأتي الحقوق؟، وكيف يمكن لهذه الحقوق أن تصان؟ .

إن الآباء المؤسسين لمسألة الحقوق، اعتقدوا أن الحقوق الأساسية أو الجوهرية تأتي من الطبيعة، لذلك من هنا جاءت تسمية " الحقوق الطبيعية "، هذا في الوقت الذي اعتمدوا فيه أيضا على النماذج الأخرى من المفاهيم أو الرؤى العقلانية لحماية كلا الاتجاهين في الحقوق وهما، الجوهرية منها والافتراضية وهي التي تتضمن المذهب النفعي، والقانون المشترك، ونظرية العلاقات الاجتماعية .

أما أهم مصادر هذه الحقوق فهي:

الطبيعة كمصدر للحقوق:

إن الحقوق كمطالب أخلاقية وشرعية، تعمل على محاصرة أعمال الحكومة والأفراد التي تتخذ ضد الفردية، أو ضد ما من شأنه أن يقوي أو ينمي تلك المطالب التي نهضت بداية مع الحقوق الطبيعية التقليدية في الفلسفية، فالفلاسفة أمثال " هوجو كروتيوس "Hugo Grotius ((1583 -1645)، و (سامول فون فبندوروف) (Samuel von Pufendorf) (1632- 1694)، والعديد من المشاهير أمثال (جان لوك) (1704- 1632 (، ناقشوا بأن الإنسانية قد حازت على حقوق أساسية أكيدة مثل حق (الحياة، الحرية، الملكية)، وهذه الأفكار قد أثرت في الحقيقة وبكل وضوح في الآباء المؤسسين، كما انعكست في بيان الاستقلال الأمريكي والعديد من الوثائق المتعلقة بحقوق الإنسان . ففي الوقت الذي نرى فيه العديد من المفكرين المبكرين بما فيهم " لوك " يعتقدون أن " الله " هو الذي منح هذه الحقوق، نجدهم أيضا يشيرون إلى أن الإنسانية امتلكت حقوقا أخرى حتى مع إبعاد فكرة أنها من عند " الله "، وبذلك استطاعوا عبر اكتشافهم لإمكانية استخدام القدرات الإنسانية للعقل، أن يمتحنوا حتى القوانين الطبيعية للكون .

إن مسألة الجدال حول القوانين الطبيعية غالبا ما يتسع ليجذب إلى محيطه نماذج القوانين الأساسية، أو الجوهرية أيضا، مثل، حق الحياة، الحرية، والملكية، وأنه من السهل بمكان أن نرى كيف أن نظرية الحقوق الطبيعية قد توافقت مع الحقوق الافتراضية، لتدرج في قائمة الحقوق فضاءات حق الكلام، والدين، والاجتماع .

المنفعة مصدر من مصادر الحقوق:

تعامل الاتجاه الفلسفي الثاني من الجدال مع الحقوق الأساسية أيضا، حيث أكد دعاة هذا الاتجاه أن الحقوق الأساسية أو الطبيعية تكون ذات بعد حيوي، كونها تخلق الظروف التي تكمن تحتها السعادة، أو القاعدة العامة للرفاه بشكل متزايد، إضافة إلى ذلك، وبسبب، أن معظم الأفراد يعتبرون هم أنفسهم الحاكم الأفضل لحاجاتهم، التي تمثل، متطلباتهم، رغباتهم، قيمهم، ومن ثم مجموع الرفاه الاجتماعي لهم ، فإنه من المكن أن تتحقق هذه الحاجات وبشكل متزايد عندما يكون الشعب حرا في قراراته، ومستقلا عن تلك القرارات التي يصنعها شخص بمفردة، أو كتلة اجتماعية صغيرة تحركها منافعها الشخصية الضيقة . لذلك، ولكي تتحقق سعادة الإنسان ورغبته في العيش، من الضروري إيجاد مجال أو فسحة واسعة للاستقلال الذاتي داخل هذا الإنسان . فكل حكم للفرد نابع من إدراك الفرد بذاته (هو أو هي ) لطبيعة وأهداف عمله، يكون هذا الإدراك هو الأساس، أو المنطلق للحرية الحقيقية، وأي تدخل من قبل الآخر فرد كان أم حكومة في هذا (الحكم) المتعلق بالفرد، سيكون غير قانوني .

إن المنظرين القدماء لحقوق الإنسان، أمثال (لوك)، قدروا تماما ذاك الجدال الذي دار حول أهمية (المنفعة) كمصدر للحقوق، ففي نقاشه حول مسألة (الملكية) وجد " لوك " أنه عند السماح للناس في نقل ملكيتهم من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة، فإن الجهد الذي وضعوه من أجل تحسين ملكيتهم عبر هذه الطريقة يهدف – برأيه – إلى إنتاج المنفعة للمجتمع بعمومه .

القانون العام مصدر من مصادر الحقوق:

يعتبر هذا المصدر الذي عرف واشتهر من قبل المؤسسين بـ (القانون العام)، قريبا في رؤيته من رؤية (الحقوق الطبيعية)، هذا ويمكن للقانون أن يقسم هنا إلى قسمين هما: القانون العام، والقانون الخاص، والقانون العام في سياقه العام وجد من قبل هيئات تشريعية، ويتألف من قوانين شرعية، أسست بدورها على أبنية دستورية . أما على مستوى القانون الخاص،فقد ارتقى عبر السياق التاريخي له كنتيجة للقرارات الرسمية المتعلقة بالمحكمة، أو للقرارات القضائية، في دوائر الملكية والاتفاقات القانونية بين الناس .

إن (القانون الخاص) صفة استخدمت لوصف عملية قانونية قديمة، عملت على تصوير وكشف أن أساس هذه العملية القانونية جاء تراكميا – قضية قضائية بعد أخرى – عبر التاريخ، وبذلك فإن الحكام الذين تعاملوا مع هذا القانون الخاص، لم يروا أنفسهم كخالقين لهذا القانون بقدر ما هم مكتشفين له، وبالتالي هذا الموقف دفعهم إلى تأييد مبدأ (القانون الطبيعي) الذي بموجبه يكون هناك قوانين طبيعية للتصرف تأصلت في الإنسانية نفسها، وبسهولة كبيرة، اكتشفت عبر ثورة العادات والتقاليد التجارية .

إن وظيفة أو مهمة حاكم القانون الخاص، كانت النظر الجهد المبذول لكشف القوانين التي وجدت مسبقا، ثم تقديم أحكام جديدة تؤسس عليها.

العقد الاجتماعي مصدر من مصادر الحقوق:

لقد أدركت سلطات الدساتير التي انطلقت من حقوق الإنسان ذاك الأثر العظيم لنظرية العقد الاجتماعي على الحقوق الفردية، وفي هذا الاتجاه ناقش الفيلسوف " توماس هوبس " بأن الحكومة الشرعية هي التي تؤسس على عقد اجتماعي بين المواطنين (الذين تعهدوا بإطاعة الدولة)، وبين سلطة الدولة (التي تعهدت بدورها مقابل تنفيذ المواطنين لتعهدهم أن تقوم بحمايتهم من الجريمة والاعتداء الخارجي)، هذا وللفيلسوف " جان لوك " وجهات نظر حققت تأثيرا واسعا على المؤسسين ، حيث شرح مفهوم العقد بين أعضاء المجتمع على انه وعد يتم فيه تبادل التخلي عن الحريات الحقيقية التي استطاع الأفراد قانونيا ممارستها في الحالة الطبيعية من أجل التزود با الأمان عبر الحكومة التي أنشئت بذاك العقد الاجتماعي . ثم أن كلا من " هوبس " و " لوك " وفي إدراك محدود جدا، ناقشا بأن المواطنين الحقيقيين اعتقدوا بضرورة الحفاظ على الحقوق الأساسية بمستوى يواجه عمل الحكومة .

إن المعرفة الأساس لنظرية العقد الاجتماعي، هي أن الحكومة ربحت شرعيتها من خلال موافقة المحكوم (الشعب) الذي حاز على حق تشكيل الترابط السياسي بين الطرفين (الحاكم والمحكوم)، هذا الترابط أو الدمج الذي هو نفسه أوجد الواجبات والقوة لكلا الطرفين، بينما نرى في الواقع أنه لاتوجد حكومة قامت من خلال عقد اجتماعي، وراحت تتطور عبر طريق ميثاق العقد الاجتماعي الذي فرض طاعة المواطنين للحكومة مقابل حمايتها لحقوقهم وتامين الاستقرار لهم، لذلك غالبا ما نجد تلك الاختراقات والتعديات على الحقوق غير المبررة إما من قبل المواطنين أنفسهم تجاه بعضهم بعضا، أو من قبل الحكومة نفسها التي تقوم بتجاوز سلطتها الشرعية باختراقها للحقوق الفردية .

من بين الفلاسفة الأكثر حداثة، يأتي الفيلسوف "جان رالوز" ((John Rawls، الذي أعطى حياة جديدة لنظرية العقد الاجتماعي، فبدلا من عرض الحقوق على أنها هدايا من الحكومة أو من (الله)، ثم بدلا من كون أساسها المنفعة، أو العقل، وما يحققه هذا العقل من نتائج تتعلق بأسس هذه الحقوق، فهو يرى أن العقد الاجتماعي كأساس للحقوق، لم يكن عقدا اجتماعيا يوقعه الناس فيما بينهم، بقدر ما هو (اتفاق افتراضي) يريده الناس (العقلاء) الذين عرفوا بأنهم ذاهبين بالضرورة للعيش تحت ظل حكومة، غير أنهم لم يعرفوا إلى أين تقودهم مواقفهم الفردية، ففي هذه الحياة الحقيقية، كل واحد منا يعرف بأنه يحوز على ممتلكات، ومسؤوليات قانونية تتضمن في سياقها العام، الذكاء، القوة، الصحة، الدخل الوافر، وعلاقات أسرية .. الخ، وبهذه المعرفة كل واحد منا أيضا، يفضل هنا الميل بالضرورة نحو المؤسسات التي تحقق له منافعه الخاصة حتى ولو كانت بعيدة عن الحكومة وسلطتها .

 

كاتب وباحث من سورية.

 

 

 

 

صباح الحاج مفتنلا أروم في هذا المقال القصير أنْ اتكلم عن ما تعنيه الفلسفة، وما هو تعريفها؟ ونحن نعتقد، بل ويعتقد المتخصصون بالحقل الفلسفي، وكثير من المثقفين، أنّ الفلسفة ليس لها تعريفاً جامعاً، وإنما لها تعريفات متعددة تبعاً للفلاسفة ومذاهبها ومدارسها. وأنّ ما يهمني هنا هو أنْ أُبيِّن مهمة الفلسفة الاساسية، وأقوم بربط هذه المهمة مع ما نعيشه في الحاضر، ًوما يجرّنا فيه إلى المستقبل جرّاً، ما دمنا نمتلك شعوراً بشيء اسمه "الموجود الآن"، وشيئاً اسمه "المستقبل". 

ومن هنا، فأنّ الفلسفة لاتقتصر يوماً ما، على فرد واحد، أو مفكّر واحد، ولا على مذهب فلسفي واحد بعينه، بل هي تقتضي الاحتمالات المتعددة، كما وتقتضي إظافات، تصحبها تصحيحات بشكل مستمر. فالفلسفة هي تماماً كالعلم، سواء بسواء، تعمل بجهود مشتركة، وتصويب دائم.. 

وبحسب ما يراه "بريجسون" أنّ كل اتجاه من الاتجاهات التي تسير عليها الفلسفة، يؤدي بنا بمفرده إلى الاحتمال، ولكنّ هذه الاحتمالات وتلاقيها، تفضي بنا الى شعور، هو أننا في الطريق الى اليقين. ثم بعد ذلك، سنظل نقترب من هذا اليقين باستمرار. 

وهذا يعني أننا نخرج الفلسفة من هالة التقديس، ونخضعها للنقد المستمر والمتجدد؛ إذ إنّ تقديس الفلسفة هو بمثابة قتلها، وانتهائها وتجرّدها من البحث الذي تتّسم فيه، ويمثّل عملها الرئيسي.

إنّ استشعارنا للأشياء يتركز بشكل كبير منه على اللحظة الحاضرة، فهو انتظاراً وانتباهاً لمستقبلٍ مشرق، لا نتذكر فيه من الماضي إلاّ بقدر ما ينفعنا في مزجه بالحاضر.

إذا كانت الفلسفة هكذا، وكذلك العلم، يسيران بهذا الاتجاه العمودي، وهما اللذان أحدثا التغيرات الهامة في تطور الحياة وسيرها بالاتجاه الذي يخدم البشرية، فهذا يعني أنّ كل ما نهدف إليه من تغيّر، أو مطلب، نعتقد أنه في غاية الضرورة، لابد أنْ نخرجه من هالة التقديس، ونتقبّل فيه النقد والتصويب، وننظر إلى ما هو أهم وما ينفعنا، اذا ما أردنا أنْ  نتعايش سوية، في حياة حرة كريمة.

وهذا ما يدعونا إلى استحظار ما أراده كارل ماركس من الفلاسفة، في أنْ يوجهوا نظرهم إلى اللحظة الحاضرة، ويعملون على تغيّر هذا العالم، الذي يؤسس للشعوب مصيرها ومستقبلها، لا أنْ ينظرون فقط إلى تفسيرات العالم بطرق متباينة.

هذه الرؤية الواقعية التي أرادها ماركس، تعد رؤية بعيدة عن التقديس، ورؤية تدعوا إلى إلغاء الايدلوجيات، وتقويض النزعات الراديكالية، التي تطيح بآمال الشعوب وتطلعاتها التقدمية؛ إذ إنّ ما يهمّنا هو ما يوجد اليوم، وما سيوجد مستقبلاً ويدعونا إليه، فأنّ الزمان في تطور، ويدفعنا أنْ نعمل بشكل مستمر، وتصحيح مستمر.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

نتواصل بالتعرف إلى إجابة سؤلنا السابق: ما هي المرتكزات التي توجه من خلالها العلوي لثقافة الفضيلة في الفكر الثقافي العربي؟

يضعنا الباحث العلوي في قراءاته أمام فلسفة ثقافة الفضيلة للذات في الفكر العربي الإسلامي، تقوم على المرتكزات في رؤية السياسات الفكرية عنها، وتقوم:

رؤية السياسات الفكرية التاريخية، بآعتبارها تشغل قراءة ثقافة الفضيلة في "ذات" الفكر العربي الإسلامي "غيمة ماطرة" لقراءة تاريخية عمادها الإقرار بتطور إستفهام هذه الثقافة عن هذه الذات عبر سلسلة مراحل تاريخية الفلسفة، إنطلاقا من التراث العربي الإسلامي، ومرورا بعصر المعرفة الذهبي، ووصولا إلى المرحلة المعاصرة؛ بمعنى، أن هذه الثقافة في موطنها ـ الذات ـ دلالاتها هشة عبر التاريخ. وأن الفكر العربي الإسلامي، مقولبا في الأنموذج الأموي بتفرسته نحو الخارج أو ممثلا في الأنموذج العباسي بتوسمته نحو الداخل أو الأندلسي بتبنيته نحو التعايش، لا يجب أن يوهمنا بأنه يقدم التلبية النهائية والمطلقة عن تدارك إستفهام ثقافة الفضيلة، وموطنها "الذات" حتى إذا أغفلتها بعد حجة.

 فهو معطى؛ عون يسهم في إنجاح المهمة الموكلة إليه، جعل ثقافة الفضيلة مشاركة فيه، ولها نصيب وافر المشاركة، ووضعها إشارات وعلامات في تغير المضمرات الشاردة البصيرة منها، بسبب من ضعف الوهج أو سموم الهم أو صور الهزال ومن حمل على عبس الخصوم الكريهة في التناحر، وحملها على الإبهام والغموض غلبة في مساهمة ما حصصت وطرحت تغير لونها من متغمد عن ظاهر غير محرر.

وبتحصيل حاصل، الأنموذج، يسهم، إلى جانب الفلسفة الحديثة والمعاصرة، في البحث عن تلك الثقافة في الذات بالقدر الذي يسمح به تطلعاته الفكرية الباحثة في القرون الوسطى، بالتماثل الغربي، إن شئنا. لأن من العبث، التسليم، أن يكون هناك معطى فاعل لأي أنموذج مما هو اعلاه، أن يثيب لأستلهام أحد منهما في بناء ثقافتنا المعاصرة ما لم يتم استدراك الفارق التاريخي بينهما والحداثة الغربية، مهما اتجهنا في ثقافة الفضيلة عن ذواتنا شرقا، دون التخلي عن فكرة التماثل بينهما، وآفساح المجال لتأهيل الثقافة العربية كي تعلى وترقى إلى مستوى الاتصال والتفاعل مع تواصل ثقافة الفضيلة الحداثية. وعليه، وتوافقا مع تخويل هذه الميول التاريخية ونزعتها، في النطق أو التعبير، محددة، نتاج ضيق الأفق الذهني الناشيء عن نزعة محدودة النطاق، ذات أسوار لا تتعرض للفاعلية الثقافية والعقلية الإنسانية، إلا ضمن موضع انحسار من جانبي الاطراف المهنية مخولة الميول والمعاملة، الرامية بضيقة التساهم، وتلك النظرة جاءت إنسجاما من النزعة التاريخية التي يشير إليها العلوي في أبحاثه، مثمنة متونها ليس في مشاغل ثقافة الفضيلة كفارقة في الذات العربية، وإنما عن قيمتها الفائضة، لأن البحث فيها ـ لدى البعض ـ قد يكون أوعز بجانبها، ما أشاروا إليها إشارة نمطية خفيفة، ومن أومأ، فأوحى إليها ما أن سبحوا أقروا ولخصوا "يجب التماهي معها" بشكل مطلق. بينما العلوي، حدد موضعها وما يقتضي تتبع آثار وجودها وتطورها عبر المراحل التاريخية مرتكزاتها، عن رؤية، لتحديد موضع إشكالية ثقافة الفضيلة عن موقع الذات العربية المعاصرة من هذا التصور من جانب، ومنهج ارتكاز ضمان اهمية المشروعية التاريخية لاستدامة البحث عنها من جانب أخر.

ومما لا حاجة لذكره، هي رؤية عقلانية جدلية؛ متطورة بيقظتها وبتقبل  مرونتها وتفهم عصريتها، على اعتبار لا يمكن أن تكون محصنا بالدفاع ومواجهة خصوم المعرفة والعلم، في حال يتغيب العقل عن التسامح والتفاوض عن أنواره، ولا يتخذ أداوات منهجية مناسبة، ويتجنب إمكان إرادته من التفاهم مع الثقافات "الدوغماء" المغلقة.  لكن تقبل هذه المرونة في تجسيد العقل وتوظيفه في هذه الرؤية لا تعني الهاوية في النسبية المبذلة، أو، السقوط في الضألة المرهقة والأخذ لهذه الثقافة مع ذاتها الممتحنة والمدمرة لكيانها، وذلك لأنها تستوي وتعترف بموطن جوهر أصلي وصلب في نواة ثقافة الفضيلة بوجود هذه الذات، والتي يستوجب أن تتوحد أعمدة ركائزها عندها سقف لمختلف زوايا النظر إليها محمولاته، و وكذلك تعدد أفاق أبعادها،  ألا وهي ثقافة الفضيلة في هذه الذات هي الحرية، والتي على أساسها يمكن ترقب مدى مشاركة ومساهمة الفكر الاعتزالي،  الكلام، أو الزهد الصوفي الإسلامي، إلى جانب تفهم الفكر الحديث والمعاصر، في بناء ثقافة الفضيلة وتطورها ويقظة تدبيرها من عمرانية لهذه الذات عبر الحفاظ على استقامة تفهم حريتها هاته.

ومن نافل القول، هنا، وبوسم هذا العقل جادل العلوي الفكر الاعتزالي والكلام لمتأخروا الأشاعرة والشيعة.../الزهد الصوفي والحداثة في تفهم اختلافاته الداخلية الحاذقة والحادة، واشتغل على التهذيب من حدتها؛ جعل منها موضوعات فكرية ومسائل ومقولات مناقشة تألف بمنهج جديد، أو تختلف فيها حين تضفر أطروحات فيما بينها يراد بها مقام تقدم تنسج الانفتاح والتفاوض والتفاهم والتسامح، نواة ثقافة الفضيلة أن تتجسد، تجانس وأنسجام للمكاشفة والمصارحة والمصالحة، والتي تعبر عن نفسها في ذلك التكامل بين هذه الأطروحات بمثابتها، رغم تباينها،  وأن لا يؤثر الخلاف على حسن المعاملة، و، (اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية)، تعالج، حول الاهتمام بثقافة الفضيلة؛ كمكون أساسي بالذات الفكرية التي تسهم في بنائها؛ توافق التنسيق المنسجم بين جوانب تطبيقاتها المختلفة؛ في إيجاد الأحجام والمساحات وجذور المعادلات التفاضلية والتكامل بحساب الثقافة والفنون التي تسود؛ الحث على توافق متبادل مشترك بين سماتها المتعارضة؛ يكون نسقا ثقافيا عن ذات منسجمة ليكمل بعضها بعضا. لكن، تسهم تلك الاطروحات "رغم اختلافها" عن اهتمام بنائها كثقافة عن ذات مرادف لحريتها.

كما وهب اشتغاله بوسم هذا العقل عطاءه؛ على التلطف الفهام من اختلاف الفترات، عطية عبر مراحل تاريخيتها المتنقلة والمختلفة لغنائم الأفكار المتعثرة والماقبل العصر الذهبي الإسلامي، مع تطور الفكر والعلوم الاسلامية في نافلة تجلياته مع الفكر التنويري الغربي عن فرض مفارقة ذا الاختلاف في الفكر القروسطي، حيث يعتبر الفكر الاعتزالي رغم أنتمائه إلى الفكر ما قبل الحداثي، بأنه يشكل جزءا لا يتجزأ من الحداثة، لأن هذه الأخيرة هي بمنزلة مرجع محايد يتسع للجميع، كما الماء إذا أجتمع في حوض، وزع وثاب، وليس حكرا على الغرب، لينفرد بالتصرف فيها في ظلمة، وأساء المعاشرة كي يستبد به الحكم، ويحكر بها رأيه. وبهذا يمكن الحديث عن توقعات قبل حداثية "الأنا ـ المفكر" المرهصة، كتبعية لخيارات نبع ثقافة الفضيلة أو بديل لحرية الذات، وإثبات آهليتها الفكرية الفاعلة، وإمكانات تفاعل قواها العقلية، لدى مفكري الإسلام والشرق عموما بأنحاء مختلفة، وأن كان للبعض هدؤ تسترها أحيانا، ألا أن للبعض الآخر سافرة معلنة كما هو الحال عند الجاحظ واخوان الصفا والنظام والشيرازي، والغزالي، وكما عند ابن طفيل وابن رشد وابن باجة في الأندلس...الخ، وايضا يتحدث عن إصابته عن ما بعد الحداثة أيضا لدى هؤلاء المفكرين حول ثقافة الفضيلة عن مركز نبعها الذات، لا تغادرها، عمادها الإقرار بتعددية فضيلة الذات وانشراح هويتها وانفتاح تغير جوهرها، بما يسمح قوامها؛ بتبادل التمثيل اعترافا بفعالية تأثيرها وأنشطة حريتها عبر الاعتراف بتعددية أنوار تبادل المعرفة والعلوم النابعة منها وبتماثل سطوعها؛ نور العقل، ونور الإيمان والوجدان، ونور التاريخ والعمران، ونور أنفتاح وأنشراح الأنا على الآخر. فهي نظريات رغم أختلافها، هي كما أشرنا إليها أعلاه، مبرمة في جوهرها بمنطق جدلي يضفرها، ويتسلسل لثلاث مدارج ممتدة: إثبات الذات وانوارها كما هو عند ابن باجة وابن طفيل... ثم امتداد لمدرج: نفي الذات مع الفكر الصوفي (السهروردي، ابن عربي) واخيرا امتد آفق جامع بين "إثبات الذات ونفيها" بين ابن باجة، أو، "فلسفة التاو" بين العقلانية الفلسفية والعقلانية العرفانية"، بين تدبير المتوحد وتدبير الملتزم بقضايا المجتمع، أمر ضروري لثقافة فضيلة مستقبلية حية، إذ لا يزهد أن تحول ثقافة الفضيلة العقلانية الفلسفية الإنسان من فرد إلى ذات عاقلة، بل لابد من أن تتذاوت تصاميم العقلانية العمرانية وتتدخل لتحول الذات العاقلة إلى ذات "مدنية ـ سياسية"، بمعنى سعيها أقتدار نحو بناء إرادة ثقافة فضيلة موطنة ـ عضوية فاعلة، تقوم بمهام المساهمة في إدارة وظائف الدولة والتدبير الأمن لاستمرارية تحديثها.

ما هي أبواب التواصل التي ارهصته بين التراث الإسلامي مع التاوية والفكر الحداثي الغربي، عن تبادل التأثير والتأثر بين الطرفين مشروعا من وجهة نظره؟ هذا ما سيتم الإجابة علية، لاحقا.

يتبع .... تتمة 4 ـ 5

 

إشبيليا الجبوري

 

 

صادق السامرائيالشخصية البشرية المضطربة تمتاز بأنها تمتلك نمطا من التجربة الداخلية والسلوك ينحرف كثيرا عن المسار الذي نتوقعه من البشر الذي نسميه سويا.

وهذا النمط الراسخ في الشخصية يتأكد بالكيفية التي يتلقى بها الشخص نفسه ويفسرها أو يفهمها وكذلك الآخرين والأحداث من حوله.

وكذلك تكون استجاباته ممزوجة بالانفعالات الغريبة عن معدل الانفعال العام لدى الآخرين.

فهو يكون متقلب المزاج ومشاعره وعواطفه لا ترتبط بالموقف الذي هو فيه وتظهر شذوذا وانحرافا واضحا.

وهذه المواصفات تؤثر على تفاعلاته مع الآخرين وتؤدي إلى ضعف في قدرته على السيطرة على اندفاعا ته.

هذه الحالة تكون صلبة وغير قابلة للمطاوعة والتغيير وتتسبب في العديد من المشاكل وعلى مختلف المستويات.

والسياسي قد يكون من المصابين باضطراب في شخصيته ينجم عنه سلوكيات كارثية من خلال القرارات التي يشارك في إتخاذها، خصوصا عندما يعمل في نظام لا ديمقراطي يوفر له قدرا كبيرا من الحرية التي تحقق الفردية ولاستبداد والطغيان.

وسأتناول بعض إضطرابات الشخصية السياسية بإيجاز وكما يلي:

أولا: الإضطراب الشكوكي

وهو إضطراب يملي على الشخصية أن تكون في حالة من عدم الثقة والشك بالآخرين، فتفسر دوافعهم على أنها شريرة دائما.

وهي تشك بدون أدلة كافية وتعتقد بأن الآخرين لديهم نوايا في إيذائها وخداعها واستخدامها لتحقيق أغراضهم.

وتكون مشحونة بالشكوك الغير مبررة حول إخلاص وصدق العاملين معها لها.

ولا يمكن لهذه الشخصية أن تطلع الآخرين على أسرارها لأنها تخشى أن تستخدم ضدها.

ولديها توجه عجيب لقراءة المخفي والبعيد من الدوافع والإشارات.

وهي شخصية لا ترحم ولا تغفر وتكون في أذيتها قاسية إلى حد غريب.

ويمكن لهذه الشخصية أن تستجيب لأي هجوم أو تعرض لها بالعنف والقوة الشديدة جدا.

ثانيا: الإضطراب السايكوباثي

إضطراب عنيف وقاسي لأنه لا يعير إهتماما للآخرين ولا يراعي القوانين، ويميل دائما إلى خرقها والعبث بحقوق الغير والاعتداء عليها.

وهي شخصية تميل إلى الكذب وإستخدام الآخرين من أجل تحقيق المصالح والرغبات، وينعدم لديها القدرة على التخطيط والوعي المستقبلي، وإنما ترغب بالإندفاعات الحامية والمتكررة. وتكون شخصية هائجة عدوانية وتدخل في نزاعات متلاحقة.

وتتخذ قرارا قد تتسبب في إيذاء الغير وإيذائها كثيرا، لفقدان القدرة لديها على حساب النتائج، وعدم الشعور بالمسؤولية المتواصل وتحسب فشلها نجاحا ونصرا.

وتتميز بموت الضمير وغيابه التام، وعدم الندم على كل ما تقوم به من أفعال وتتخذه من قرارات.

ثالثا: الإضطراب النرجسي

الطاووسية المتعاظمة والشعور المريض بالعظمة والكبرياء والحاجة إلى التبجيل والإحترام، وهي شخصية خالية تماما من الشعور بالآخر، لأن محور تفاعلاتها وعواطفها تكون حول الأنا المتضخمة الكبيرة.

ولديها الإحساس بعظمة أهمية الذات الفردية وتضخم ما تقوم به أشد التضخيم، وتحسب الآخرين من واجبهم أن يعظموها ويمجدوها على أقصى ما يمكن التعظيم والتمجيد.

وهي مشحونة بفنتازيا النجاحات الفائقة والقوة والجمال والإلهام، وكل ما يمت إلى الإله من صفات.

وما تقوم به يعد فريدا ولا مثيل له في الأرض، ولهذا لا بد من تقديم آيات العرفان والتعظيم على مدى الساعات، لكي ترضي تطلعاتها نحو تأكيد الذات وتعظيمها، ولابد من المعاملة الخاصة لها.

وهذه الشخصية تستخدم الآخرين كالعبيد من أجل أن تتحقق مصالحها، وتعتقد أن الآخرين يحسدونها ويغارون منها ويستهدفونها أيضا.

وهي شخصية متكبرة، عنيدة وتميل إلى التهور في بعض الأحيان.

رابعا: الإضطراب الإدماني

قد يكون السياسي كحوليا أو مدمنا على الخمر، وهذا السلوك يدفع به إلى استخدام آليات دفاعية معروفة هي التبرير والإسقاط والنكران، والتقليل من أهمية الموضوع والحدث أو المشكلة والمنطقية الزائفة القوية.

وهذه الآليات تنعكس على سلوك السياسي وتدفع إلى قرارات مؤذية، لأنها لا تريد رؤية الواقع وتلامس جسد الحقيقة أو المشكلة وإنما تنأى عنها بالتبرير والنكران.

خامسا: الإضطراب الثعلبي

أن يمارس السياسي أساليب الثعالب وخبائثها ويتخلق بأخلاقها ويحسب ذلك شطارة وسياسة ورجولة وذكاءً وقوة.

وأن يتفنن في خبرات الإيقاع بالآخرين وحفر الهاويات لهم وأكلهم وهم أحياء.

هذا المكر والخداع السلوكي يصاب به الكثير من العاملين بالسياسة ويحسبونه سياسة وقدرة فذة على الإيقاع بالآخر، الذي يجب أن يكون قوة مضافة إليهم وليس عدوا لهم.

وقد فعل هذا الإضطراب فعله في عالم السياسة، وأودى بحياة الكثيرين من الأبناء الأذكياء في أتون الموت السياسي والجسدي والفكري.

سادسا: الإضطراب الكرسوي

في هذا الإضطراب يتحول الكرسي إلى غاية ووسيلة في آن واحد، بل ويكون هو الوطن والشخصية والمعالم التي تحدد قوة وقدرة السياسي.

فيصبح أغلى من الوطن والحياة، مما يؤدي إلى ضيق الأفق والرؤية والإنغلاق والتحجر في الكرسي حتى يتهاوى إلى السقوط الأكيد، لأنه سيتمادى في جوره وغيّه وطغيانه، لما أصاب السياسي الجالس عليه من عماء كرسوي مدمر.

وقد تصل الحالة بالسياسي إلى أن يتصور بأن ذئبا يجلس تحت الكرسي، وما عليه إلا أن يكون في تمام اليقظة والحذر من كل الذين يحومون حول كرسيه، لأنهم في عرفه ذئاب تريد أكله وأخذ الكرسي منه.

وبعضهم يصاب بالداء الوخيم لدرجة لا يمكنه مغادرة دائرته أو وزارته أو قصره الرئاسي خشية أن يفقد كرسيه لأنه لا يأمن الذئاب عليه.

سابعا: الإضطراب الفكري

ونعني به نمط التفكير الذي يتصوره السياسي ويستسلم له ويرى من خلاله الأحداث والتفاعلات. و يكون النمط القائم في رأسه محددا بمفردات وموضوعات ضيقة يريد أن يفرضها على الواقع، بعيدا عمّا يسوغ أهميتها ودورها في صناعة الحياة المفيدة والباقية للجميع.

ويدخل ضمن هذا الإضطراب نمط تفكير الحزب الواحد والرأي الواحد.

وإضطراب أنا أمتلك الحقيقة ولا يمتلكها غيري.

وتحول النظام إلى مقياس للوطنية والولاء، وفيه يغيب الوطن والمواطن ويؤكد رؤاه وتصوراته النمطية، التي تريد أن تمنح شكلها للأفراد وتصنعهم على هواها ومنهجها، المحصور في دائرة الرؤية الواحدة التي لا تقبل القسمة إلا على نفسها.

وقد تسبب هذا الإضطراب في إدامة عدم الإستقرار ونشوب النزاعات وتداعي القدرات وتنامي الملمات على الشعوب.

ويكون تحت مظلة هذا الإضطراب التفكير العنصري والطائفي والمذهبي والحزبي، الذي يصل إلى حد التفكير الوهمي أو الإصابة بداء الوهم الفكري.

ثامنا: الإضطراب الإندفاعي

ويكون صاحب هذا الإضطراب فاقدا لقدرة المقاومة و السيطرة على إندفاعاته وإغراءاته وقد تتخذ أسلوبا دفاعيا وتخضع لقانون، وتتأكد كثيرا بإطلاق الغضب المتولد وفقدان القوة على تهذيبه وتوجيهه التوجيه الحسن، وإنما الإرتماء في أحضان السلبية والدمار الذاتي والموضوعي القاسي.

هذا الضعف في المقاومة أو ما نسميه غياب الحلم والتبصر وقدرة العقل على التحكم بدوافع العاطفة والنفس السيئة الفاعلة في الأعماق البشرية، هو الذي يؤسس لمآسي وطنية قاسية. ويُصاب المضطرب بتوتر وتحفز شديد للقيام بالعمل ويتملكه بحيث يعمي بصيرته ويشل عقله فيقفز إليه فيشعر براحة وسعادة مؤقتة يدفع ثمنها قاسيا برغم كل قدراته التبريرية والتعسفية، التي تحاول أن تظهر السلوك على أنه مبرمجا ومخططا له بعناية.

وتلك مصيبة الإضطراب الإندفاعي الممتزج بالإضطراب النرجسي القاتل.

تاسعا: الإضطراب الإنفعالي

أن يكون سلوك الشخصية تبعا للإنفعالات والمشاعر القائمة فيها، بعيدا عن كل الإعتبارات والإستنتاجات الأخرى.

أي أن الشخصية تولي إهتماما أكبر لرؤاها الإنفعالية وحدسيتها الشعورية، وتخضع لمنظارها ودعوتها لفعل شيئ ما يعبر عنها.

وإضطراب الإنفعال يؤدي إلى قرارات غير متوقعة ولا مدروسة، بل أن هذه الشخصية لا تسمح بالدراسة، ولا تقبل بنتائج لا تتفق ورؤيتها الإنفعالية للموضوع أو المشكلة.

عاشرا: الإضطراب الصندوقي

وهو إضطراب الإنغلاق والتقوقع في الذات والرؤية الفكرية أو السياسية والإمعان بها، والتطرف والإنحراف بسببها وقد يصل هذا الإنغماس المرضي بالفكر إلى درجة الوهم والتصرف وفقا للأوهام المتولدة عنها، والتي تقود الشخصية بقوة وعنف إلى التعبير عنها وتأكيدها بعيدا عن الخسائر وسوء النتائج المتمخضة.

حادي عشر: إضطراب الاستنقاع

أن تفرض الشخصية حصارا على نفسها ونظامها وتعيش في مستنقع رؤاها المقطوع عن مياه الحياة والبعيد عن حركة الزمن، مما يؤدي إلى سيادة قوانين المستنقع على نهر الحياة الجاري وهذا يقضي بعدم التوافق وحتمية الإنتهاء.

ويؤثر هذا الإضطراب على المجموعة القائمة ضمن النظام أو الحزب وتصيبهم بالشلل، وتستنفر فيهم غرائز وقدرات البقاء والصراع على مصادر صيرورة ثابتة أو متناقصة، مما يحدو بهم إلى قتل بعضهم البعض وتحويل وجودهم السياسي إلى مأساة مروعة تنتهي بهم جميعا إلى وديان السقوط القاسية.

ثاني عشر: إضطراب حب الظهور

حب الظهور فاجعة سياسية على مستوى الفرد والجماعة التي يمثلها، لأنه سيوهم الفرد بما ليس فيه ، ويعطيه حق التصرف في موضوعات لا قدرة له على تصريف أمورها بحذاقة وجدارة وقابلية جيدة، كما أنه يحرف الشخصية عن طبيعتها ويدفع بها للتحليق في أجواء سرابية لا تستفيق منها إلا بعد أن تحطم ذاتها وموضوعها.

حب الظهور إضطراب قاتل يصيب الشخصية السياسية وينفخها لدرجة الإنفجار الحتمي.

ثالث عشر: إضطراب حب المديح

وهذا الإنحراف يترادف مع الإنحراف الذي سبقه، لكن المديح أكثر دمارا للشخصية وأشد قدرة على حرفها وتشويهها وتدمير كيانها، وإخراجها من آدميتها بسبب النوازع المتطفلة التي يعبر بها الآخرون عن حاجاتهم الدونية، والتي يلصقونها بصورة الشخصية السياسية صاحبة القدرة على التأثير بالوسط الذي هي فيه.

والإضطراب ينجم عن التفاعل السلبي ما بين المفردات السلبية المتفاعلة بحيث تظهر وكأنها تفاعلات إيجابية ذات نتائج مفيدة للأطراف المتفاعلة في الوسط السياسي.

رابع عشر: إضطراب الهوس التاريخي وحب البقاء

هذا إضطراب مرعب وقاسي يحل بالشخصية السياسية ويدفع بها إلى القيام بأفعال وإتخاذ قرارات ذات تفرد وغير مسبوقة في زمنها المعاصر والسابق،  لكي تجد لها مكانا واضحا وباقيا في التأريخ.

وهو إضطراب سلوكي ناجم عن نزعة الخوف من الموت والتشبث المطلق بالحياة، وعدم الإيمان بمغادرتها ورفض الموت الذي لا بد لكل حي أن يواجهه.

وهو سلوك منحرف وخطير يعبر عن أنانية فائقة وعدم الإحساس بالآخرين، وإستخدامهم من أجل أن يحملوا شمعة تواجد تلك الشخصية في أقبية التأريخ أو متاحفه.

وقد أصيب بهذا الإنحراف العديد من الساسة والقادة، وقد واجهه جلجامش في زمنه لكنه عبر عنه بطريقة صحية وذات قيمة إنسانية وحضارية، حيث وجد أن الهوس بالتأريخ والبقاء في الأرض يتحقق بالبناء والتفاعل الإنساني الخلاق، الذي علينا أن نتوجه إليه بكل طاقاتنا لكي نبقى ونفيد الإنسانية، ونقدم إضافات حضارية باقية تشير إلينا وتعبر عن أفكارنا وسلوك شخصيتنا.

لكن للأسف الشديد يتم إستثمار هذه الرغبة البشرية بطريقة منحرفة تدفع إلى سفك الدماء وإشعال الحروب وتحقيق الويلات.

خامس عشر: إضطراب المغامرة والمقامرة

من الإضطرابات الإندفاعية التي تصيب الشخصية السياسية وتحتم عليها الولوج في تفاعلات غير محسوبة وذات نتائج مرعبة، أساسها حب المغامرة والمقامرة.

فيتحول الشعب في نظر السياسي إلى أشياء أو أوراق لعب على طاولة الصراعات السياسية، أو سلعة تجارية يقايضها بما يشاء من تصوراته وغاياته، التي تأخذه إلى حيث لا يفيد أحدا سوى نبضات الرغبات المتفجرة في كيانه المفلوت، والمتحرر من الروادع والضوابط الدستورية والقانونية.

سابع عشر: إضطراب الحرب

وهو إضطراب إندفاعي ناجم عن حب إشعال النيران في الأشياء، وقد يكون ركنا مهما من أركان العدوان وإشعال الفتن والصراعات البشرية.

فترى المصاب به لا يعرف حلا للأزمات القائمة إلا بالحرب والفتك بالآخرين.

وهذا منهج خطير يحقق الويلات المروعة للشعوب التي يتمكن منها فرد أو مجموعة أفراد، يتحقق فيهم هذا الاضطراب المقيت الذي لا يبني الحياة بل يشيع الدمار والفناء فيها.

ثامن عشر: إضطراب القلق والخوف

الخوف والقلق على المصير يدفع إلى المحسوبية وتقريب الأهل والقرابة وأبناء المحلة والعشيرة وكل المعارف، وفي ذلك تحقيق لنهاية السياسي ودماره لأنه قد أصبح ضحية للخوف والقلق، الذي حسب أنه سيعالجه بما فعل وإذا به يقع في فخ الدمار والخوف من أقرب الناس إليه.

تاسع عشر: إضطراب الرغبات

في هذا الإضطراب الذي يغيب فيه الرادع لأن السياسي يتحول إلى قوة فوق القانون، ويكون هو القانون وهو الذي يقرر مصير الآخرين، تنطلق الرغبات ويتم التعبير عنها بإنفلات سافر وإسراف فائق مما يترتب على ذلك نتائج سلبية وضارة.

عشرون: إضطراب الوطنية الزائفة

ما هي الوطنية وكيف يكون التعبير عنها ليس واضحا في هذا الإضطراب، وغالبا ما تكون مقرونة بحمل السلاح وحسب.

أما البناء والتفاعل الإيجابي والمعاني الأخرى فأنها مجهولة وممنوعة، ويتم تزييف الوطنية واعتبار الكرسي والسلطة مقياسا لها والمحتكر الأكبر لمعانيها.

إحدى وعشرون: إضطراب الأنا

تصبح الأنا شيئا مركزيا ومحوريا للسلوك التفاعلات المختلفة.

وتسمع من الشخصية المصابة بهذه العاهة كلمة  "أنا" مرارا وتكرارا وكذلك كلمة "أنني".

وتأخذ الأنا أبعادا أكبر وتصبح ككرة الثلج المتزايدة الحجم.

فتكون الشخصية قد أفصحت عن وجودها السياسي بطريقة مَرضية مضرة بها وبالآخرين، حتى تصل إلى درجة التضخم السرطاني، الذي تكون نهايته كنهاية أي شخص مصاب بالسرطان. وترى أصحاب هذا الإضطراب ينسبون كل الأشياء لأناهم.

ولسان حالهم يقول "أنا الكرسي"، أنا القوة"، أنا الشعب"، " أنا الوطن"، "أنا القانون" وأنا وأنا...الخ من عجائب الأنا.

إثنا وعشرون: الإضطراب العِظامي

السياسي في هذه الحالة تتولد عنده سلوكيات غريبة، وتراه يبحث عن حسبه ونسبه ويتحدث معك على أنه من الأصول المهيمنة على الحياة والتي ترسم طريقها، فتراه يدعي ما يدعي ويأخذ بتوثيق أصله وفصله ويربطه بأطهر الأصول ويبعده عن أي فصل أو أصل غير معروف. فيعتني بشجرة نسبه ويحدثك وكأنه فارس الفوارس منفوخ الصدر كالطاووس.

فيقول أنه فلان الفلاني وأن لقبه كذا وأن أجداده كذا ويمضي في تسطير المناقب وإختلاقها، ويبتعد كثيرا في ذلك حتى وكأنه التأريخ له والحياة ملكه ولا يمكنها أن تستقيم من دونه.

وهذا الإضطراب بلاء كبير يدفع إلى المآسي ويحقق الويلات ولا ينفع الناس لأن المصاب به ينقلب إلى عظامه وينشغل بها، وينسى أن عليه أن يتفاعل مع الحياة ويقدم ما يؤكد عصاميته ودوره المبدع الخلاق، بدلا من ضياع الوقت في نبش القبور.

ثالث وعشرون: الإضطراب الإعتمادي

أن تكون الشخصية معتمدة على غيرها من أصحاب القدرات وقوة تقرير المصير وصياغة القرارات، فتتحول إلى أداة تنفيذية لخطط قد تعرفها أو لا تعرفها.

وهذا الإضطراب ناجم عن نكوص في السلوك وإرتداده إلى حالة سابقة من العمر عندما يكون الشخص معتمدا على والديه.

ولعدم إشباع تلك الرغبة الإعتمادية، فيتم تعويضها في أعمار متأخرة وخصوصا عندما تتوفر الرموز التعويضية، التي تمنح القوة والأمان وتحقق الرغبات والتطلعات المتحركة في الأعماق الشخصية.

رابع وعشرون: إضطراب العمى العقائدي

العمى العقائدي هو التشبث الدوغمالتي بالرؤية الفاعلة في رأس الشخص وتمحوره حولها، وعدم قدرته على رؤية غيرها، فيرى أن ما يقوم به صحيح ومثالي، ولا مثلبة عليه، وأن في الآخرين جميع المثالب والعيوب، مما يتسبب بتداعيات سلوكية مريرة وقاشية في المجتمع الذي تكون فيه هذه الشخصية السياسية بمسمياتها وتجمعاتها وأحزابها.

خامس وعشرون: إضطراب الأكذبة

في هذه الحالة تتعود الشخصية على الكذب الذي يتعزز بحوافز مترامة ومخارج سهلة، توهم الشخص بأنه يمتلك شطارة وحذاقة وقدرة على المناورة، وينفي أنه يمتهن الكذب لأنه صار حالة غير واعية ومشروعة في وعيه المنحرف.

هذه محاولة متواضعة ومقتضبة لتحديد بعض الإضطرابات التي تصيب الشخصية السياسية  وتتسبب في القرارات المؤذية للحياة، ويمكن إضافة إضطرابات أخرى إليها،  وهي بحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة.

وأرجو أن لا يُفهم منها أن كل مَن يمارس السياسة مصاب بهذه الإضطرابات، بل أنها خلاصة تأملية لمسيرة الشخصية السياسية في بلدنا على مدى القرن العشرين وما بعده، قد تفيد الآخرين في المستقبل وتساعدهم على عدم الوقوع في المآزق والمحن، وتصنع طريقا واضحا للتفاعل السياسي الصحي والحضاري الذي ينفع الأجيال المتعاقبة.

 

د. صادق السامرائي

7\1\2007