نبيل عبدالامير الربيعيمن خلال علاقتنا التاريخية القلقة مع يهود العراق، وفي خضم الأحداث والأزمات التي رافقتها، تأصلت فينا على مر الزمن حالة لا تبارحنا إلى يومنا هذا، وهي صورة اليهودي عدواً، تحولت الفكرة إلى قوة ناهية لكل فعل ينوي تعديل الصورة، تلك الصورة المرسومة في المخيلة سلفاَ: (مستغلون، محتكرون، منعزلون، عملاء، اعداء، صهاينة. إذن كيف السبيل والغاية إلى الخروج من هذه الاشكالية المفروضة، بالحق وانصاف التاريخ؟ أم مسايرة المفروض لما تم غرسه في نفوسنا؟ لأحد مكونات الشعب العراقي الذي عاش في بلاد الرافدين زهاء 2600 سنة حتى هجرتهم القسرية عام 1951م.

المشكلة الأساسية ليست في حق العراق بامتلاك أرثه بصرف النظر عن الاعتبارات الدينية، بل أن حق العراق في امتلاك هذا الارث هو حق أصيل تبعاً للظروف الموضوعية والتاريخية. ولكن علينا التذكّر فقط أننا نتحدث عن أرث تاريخي، وثائق وآثار هامة للغاية للبحث العلمي والتاريخي وتكاد تكون كنزاً بالنسبة لمراكز البحوث، والأكثر من هذا أن الدول قد تمتلك حصرياً أرثها التاريخي، لكن تلك الملكية لا تؤهلها لإخفاء هذا الارث ومنع البشرية من الاطلاع عليه . قضية الأرشيف اليهودي بصرف النظر عن الجدل السياسي حوله يبدو اليوم أقرب إلى أن يوضع في أطار حلم، لكل المهتمين بالارث الفكري الإنساني والباحثين فيه، تحت بند أن تراث البشرية هو تراث مشترك(1).

ضمن امسيات اتحاد ادباء وكتاب بابل وبرنامجه الثقافي الثاني والأربعون. وكانت محاضرتي ليوم الخميس الماضي ٢١/٢/٢٠١٩ تحت عنوان (الارشيف اليهودي العراقي). وقد ادار الجلسة د. عبد الرضا عوض.

بداية المحاضرة تطرقت عن تأريخ تواجد المكون اليهودي في العراقي منذ السبي الآشوري عام 859 ق.م ولغاية ترحيلهم القسري عن العراق عام 1951م. ومن ثم ما قامت به الحكومات المتعاقبة على اعتقال وتغيب واعدام ابناء المكون اليهودي، ثم التطرق عن طريقة العثور على الأرشيف اليهودي العراقي.

في قبو داخل مقر جهاز المخابرات العراقية لحكومة العراق السابقة قبعت الوثائق والآثار والمخطوطات الهامة التي يتم توصيفها اليوم تحت مصطلح «الأرشيف اليهودي» لعشرات السنوات بعيداً عن الأعين وفي أجواء خزن لا تراعي المعايير الدولية، ما أدى إلى تلف العديد منها، حتى العام 2003م لم تكن القضية مثاراً للجدل، وكان بالإمكان أن تتعرض تلك الوثائق إلى الحرق أو التلف الكامل من دون أن يعرف العراقيون حتى أنها موجودة في ذلك القبو . وبناءً على معلومات سرية، ذكر أن العثور على وثائق وملفات الأرشيف اليهودي تمت من قبل الجيش الأميركي في السادس من أيار 2003م، إذ قام 16 جندياً أمريكياً، وهم من ضمن فرقة البحث عن أسلحة الدمار الشامل، حيث تم العثور على كمية من لفائف التوراة، وكتب الصلاة والتقويمات العبرية العائدة لتأريخ حقبة من الزمن لتأريخ طائفة دينية عاشت قرابة 26 قرن من الزمن في بلاد الرافدين وهجّرَ لأسباب شتى من العراق حتى بقى منها النفر القليل الذي لا يتجاوز أصابع اليد . أن الدفين - الأرشيف اليهودي - وجدَ متعفن، وبعضه ذات قيمة وثمن حضاري وتأريخي، والكثير منه لا يقدر بثمن وهناك 7002 من الكتب وعشرات الآلاف من الوثائق التي سرقت من يهود العراق(2).

في المقابل، كشف سعد اسكندر، مدير دار الوثائق العراقية :«أن الوثائق التي عثر عليها بعد سقوط النظام السابق عام 2003م كانت ثلاثة أنواع : وثائق أمنية، أرشيف حزب البعث، والأرشيف اليهودي، إذ أنه مجموعة من الكتب الحجرية القديمة والكتب الحديثة ووثائق ومخطوطات يعود تأريخها إلى ما قبل 300 سنة أو أكثر، هذه الوثائق التي جاءت بعد تهجير يهود العراق وسلب ممتلكاتهم وإخراجهم من العراق، و ترك ما تبقى من معابد ومدارس وبعض البيوت الكبيرة التابعة للطائفة، في عهد صدام حسين أراد نظامه إكمال عملية الإبادة فبدأ بالموروث الفني والثقافي اليهودي وهاجم المعابد والبيوتات واستولى على وثائقهم وكتبهم.

هناك اكثر من رواية لقصة العثور على الأرشيف اليهودي العراقي، ومن ثم الاستيلاء على موجوداته وسرقتها:-

أولاً الرواية العراقية الرسمية يسردها مدير دار الكتب والوثائق العراقية سعد اسكندر بقوله : إن الأميركيين لم يعثروا على الأرشيف اليهودي كما يدعون، بل أن أحد كبار ضباط جهاز المخابرات العراقي السابق، تقرب من أحد رجال المعارضة (بعد عودتهم من العراق) وأخبره أنه كان مسؤولاً عن أرشيف مهم جداً يعود إلى النبي موسى، ويريد كشفه للقوات الأميركية بشرط الحصول على ضمانات أمنية. وبالفعل قامت الفرقة العسكرية المكلفة بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل (فرقة ألفا) وبعد تحديد موقع الأرشيف بمساعدة عراقية، صدرت أوامر وزير الدفاع الأميركي بجمع الأرشيف والتحفظ عليه(3).

تذكر رئيسة هيئة الآثار والتراث العراقية د. أميرة عيدان : أن القوات الأميركية عثرت على حوالي (30) صندوقاً تحتوي مخطوطات باللغة العبرية في أحد أقبية دائرة المخابرات العراقية(4).

أخرج الجيش الأميركي الأرشيف من قبو تحت الأرض، بالاتفاق مع سلطة الائتلاف الأميركي المدني، وتم الاتفاق مع مؤسسة نارا- الأرشيف الوطني الأميركي- التي تولت عملية الترميم، وينص الاتفاق مع المؤسسة على أن تكون وزارة الثقافة العراقية طرفاً معها، بعد حل سلطة الائتلاف الأميركي»(5)

ثانياً بعض الروايات تؤكد أن القوات الأمريكية عندما اجتاحت العراق، عثرت على سجن خفي في قبو في مديرية الاستخبارات العراقية، يضم 16 صندوقاً من الحديد والخشب، وقد نقل الأرشيف إلى مطار بغداد مقر القوات الأمريكية، كاشفاً أن أحد المترجمين العراقيين أبلغ عن وجود هذا الأرشيف لدى القوات الأمريكية في مطار بغداد، إلا أن أمريكا عام 2005م قامت بتوقيع مستندات مع العراق بأن تستعيد الأرشيف اليهودي.

ثالثاً فقد نشرتها صحيفة الواشنطن بوست بقلم الكاتب لورين ماركو في 10 كانون الاول 2013 فتذكر انه : بناءً على معلومات سرية قام 16 جندياً اميركياً باقتحام الطابق السفلي من مقر المخابرات لنظام الرئيس السابق صدام حسين في بغداد في 16 آيار 2003 الذي غمرته المياه، حيث تم العثور على كمية من لفائف التوراة وكتب الصلاة والتقويمات العبرية.

محتويات الأرشيف

حاولت الجهات الرسمية العراقية التقليل من أهمية محتويات الأرشيف اليهودي العراقي. ذكر السفير العراقي في أمريكا لقمان فيلي «بأن الأرشيف العراقي في أمريكا ليس يهودياً بالكامل، إذ يضم وثائق تعود إلى منظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى وثائق أمنية وأرشيف حزب البعث . كما أن معظم الكتب الدينية للأرشيف اليهودي كانت بالعبرية ومنها بالعربية، ومن ضمن محتويات الأرشيف اليهودي:

1- كمية من لفائف التوراة لمقاطع من سفر التكوين البالغ عددها 48 مكتوبه على جلد .

2- تقويمات باللغة العبرية .

3- 7002 كتاب.

4- مجموعة من الخطب المطبوعة بشكل جميل من قبل حاخام في المانيا في عام 1692م.

5- عشرات الآلاف من الوثائق المدرسية تعود لأعوام العشرينات من القرن الماضي حتى منتصف السبعينات، والكتب المدرسية التربوية لمدارس الأليانس.

6- 1700 تحفة نادرة توثق لعهد السبي البابلي الأول والثاني.

7- أقدم نسخة للتلمود البابلي تعود لعام 1793م .

8- أقدم نسخة للتوراة عمرها 200 سنة جلبت أصلاً من فينا عام 1568م.

9- مخطوطات تاريخية .

10- سجلات شرعية تعود لعدة قرون التي تركتها الجالية اليهودية العراقية.

11- كتب دينية وقصصاً تعود إلى القرن الثامن عشر والتاسع عشر.

12- لفائف من التوراة برقع جلدية .

13- أنجيلاً بلغة العبرية .

14- وثيقة عبارة عن مذكرات مكتوبة يدوياً عام 1902م.

15- كتاب صلوات عيد الفصح يعود لعام 1930م باللغتين العبرية والفرنسية.

16- مجموعة من المواعظ لأحد رجال الدين طبعت في ألمانيا عام 1892م.

17- كتاب التصوف عام 1815م.

18- رسالة رسمية تعود إلى رئيس الحاخامات بشأن تخصيص الأغنام لرأس السنة.

19- تقويم عربي وعبري لعام 1972/ 1973م.

20- كتاب مقدس باللغة العبرية عمرة 400 سنة.

يقول اليهودي العراقي الثري (أدوين شكر) المقيم في لندن، والذي غادر العراق عام 1971م وعثر على شهادته المدرسية ضمن المعروضات في واشنطن : يحتوي الأرشيف على عشرات الآلاف من الوثائق، وما يقرب من (2700 كتاب) تم عرض (24) قطعة منها فقط في المعرض، ومن بين هذه القطع شهادتي المدرسية.. ويحتوي الأرشيف كذلك على المستندات التي تم العثور عليها داخل مدرسة (فرنك عيني) اليهودية في بغداد، التي تم إغلاقها عام 1972م وتحويلها إلى المدرسة النظامية التابعة إلى وزارة التربية. كذلك يوجد ضمن الأرشيف وثائق زواج وكتب ومراسلات بين أبناء الطائفة اليهودية العراقية وجهات في دول العالم، إلى جانب نسخ من كتب دينية وتاريخية يرجع تاريخية إلى ما يزيد عن (400) سنة(6).

من جهته يذكر النائب الإسرائيلي العمالي (موردخاي بن فورات) وهو أحد المنحدرين من يهود العراق الذي يعمل باحثاً في مركز (إرث يهود بابل) الواقع قرب تل أبيب: إن إسرائيل اشترت مجموعة من المخطوطات الأثرية الثمينة من عناصر ميليشيا رافقت القوات الأميركية لدى دخولها إلى العراق عام 2003. ويضيف : إننا تمكنا من الحصول على تعليق نادر لسفر أيوب نشر سنة 1487م وقسم من كتب الأنبياء المنشورة في البندقية سنة 1617م من مخازن حصينة لأجهزة الأمن العراقية في عهد صدام حسين(7).

صيانة وترميم الأرشيف

بعد نقل القوات الأمريكية الأرشيف للصيانة إلى إدارة الأرشيف الأمريكي للوثائق في ميراند تكساس كلية بارك، للتأكد من سلامة الأرشيف العراقي اليهودي، بعد أن تعرض للرطوبة والحرارة أثناء الخزن، والاطلاع على عمليات حفظه وصيانته التي تم باستخدام التقنيات والأساليب الحديثة، في هذا المجال وترقيم صفحاته بشكل الكتروني، وأعداد عرض صوري وفديوي يوثق عمليات نقل الأرشيف وصيانته وإنقاذه من التلف، كما أن مكونات الأرشيف نحو 18% تنطوي على أهمية تاريخية فعلاً، في وقت يتوقع اكتمال صيانته منتصف عام 2014م ليجري تسليمه إلى الحكومة العراقية بحسب الاتفاق بين الجانبين.

لكن مشروع الترميم كان متعثراً حسب تصريحات الحكومة الأمريكية، أثر ازدياد العنف وسفك الدماء في بغداد عام 2006م، إلا أن عودة الاستقرار بعد عام 2007م تقريباً إلى العراق تحول مبلغ ثلاث ملايين دولار في عام 2011م وهو الدعم الاقتصادي للعراق لدعم إعادة العمل وللترميم بالشكل الجيد وفق أساليب علمية رصينة، ومن المتوقع أن يصل اثنان من خبراء العراق للاطلاع على مجريات العمل في مجموعة الملف التي تم العثور عليها.

في كلية بارك في تكساس في قسم الأرشيف، إذ يعمل عدد من الخبراء بشكل متواصل بأجهزة وأدوات مختلفة للتنظيف وترقيم الوثائق والأوراق المهمة وتغليفها، كما يعمل عدد من التقنيون لامتصاص الرطوبة من تلك الأوراق، وخاصة كتب الصلوات وإصلاح ما تلفتها الحشرات عبر الأعوام، كما أن البعض يتم تنظيفها تماماً وقد يتم تجليدها ثانية، بعد إنجاز الإصلاح والترميم سيتم عرض الأرشيف على الشبكات الفضائية مع تنظيم معرض له بعنوان اكتشاف واستعادة المحافظة على التراث اليهودي العراقي(8).

أن الأرشيف يتضمن مجموعة من الوثائق المهمة التي تؤكد تاريخ الحضارة البابلية وتأريخ اليهود ويحكي قصة اليهود، وهنالك صيحات كثيرة ليس فقط من الحكومة العراقية ولكن من المواطنين أيضاً لاستعادة الأرشيف اليهود بعودته إلى موطنه الأصلي حضارة بلاد الرافدين، أن المرحلة المقبلة ستشهد تحسناً في قضية استعادة الأرشيف اليهودي ولكن لا يمكن أن نحدد متى يعود إلى موطنه الأصلي(9).

مراسيم دفن الأجزاء التالفة من الأرشيف

أبدى متحف الأرشيف الأميركي موافقته على نقل جزء من الأرشيف اليهودي العراقي إلى بغداد فيما تم دفن الأجزاء التالفة منه في مقبرة لليهود العراقيين في نيويورك، بينما تستعد لجنة حكومية لمتابعة هذا الملف مع المسؤولين الأميركيين(10)، من خلال ما تم من أجراء مراسيم دينية خاصة لدفن الأجزاء المتضررة من الأرشيف يعكس صورة العراق الجديد، كانت مراسيم الدفن لأجزاء وصفحات تالفة من التوراة التي هي جزء من محتويات الأرشيف اليهودي الذي نقل لترميمه في واشنطن وذلك في مقبرة (نيو مومنتيفور) التابعة للجالية اليهودية في ضواحي مدينة نيويورك، بحضور السفير العراقي في واشنطن، لقمان فيلي، بحسب ما نقلت صحيفة تايمز أوف انديا THE TIMES OF INDIA، أنه وفقاً للقانون والعرف اليهودي، فإن أسلوب الدفن هذا يستخدم للأشياء التي تحمل طابعاً مقدساً وتتعرض للتلف ولم تعد مناسبة للاستخدام والتداول . وقال رئيس منظمة الجالية اليهودية في العراق، موريس شوحيت، بحسب الصحيفة أوف انديا، إن «الصندوق الذي وضع في القبر يحتوي على الأجزاء والصفحات التالفة من التوراة التي علاها التعفن والتفسخ، كما أن أكثر من 120 شخصاً حضروا مراسيم الدفن» . وبينت الصحيفة أن «الأرشيف الوطني في واشنطن، كان قد نظم معرضاً لبعض العينات من محتويات الأرشيف اليهودي بعد ترميمها لفسح المجال أمام الزوار من الجالية اليهودية والآخرين، إلقاء نظرة على إرث اليهود الذين عاشوا في العراق منذ مئات السنين، ومقتنياتهم القديمة والنادرة»(11).

رأي بعض العراقيين حول عودة الأرشيف

هناك عدة تساؤلات حول الأرشيف، منها من يقول : العجيب أن يكثر الحديث اليوم عن إرسال الأرشيف اليهودي إلى وزارة الآثار العراقية في بغداد على الرغم من أنه من غير الواضح أين سيتم حفظه أو عرضه؟ والسؤال الكبير حول الأرشيف الذي يطرحه يهود العراق اليوم هو كيف يمكن إرجاعه إلى العراق دون ضمانات حقيقية لحفظه وصيانته وإمكانية الاستفادة منه خصوصا وادعاء الحكومة أنها تمتلك أضعافه في العراق؟ فلماذا لا يمكنها حفظ وصيانة الموجود فعلاً عندها لتضعه في المتاحف بصيانة واهتمام ويتم عرضه في المتحف وإمكانية الاستفادة منه؟.

لذلك كله كتب بعضهم رسالة موجهة إلى مسؤولين في الإدارة الأمريكية ووقّعها الكثير من الحضور من اليهود العراقيين يطالبونهم بالحفاظ على أرشيفهم وعدم تسليمه إلى بغداد كحق طبيعي من حقوقهم بعد كل تلك المحن والمآسي والتهجير والمعاناة، فضلاً عن السعي الحثيث لاسترجاع الحقوق المغتصبة لتأريخ أبناء الديانة اليهودية، وإن تأريخاً عظيماً عمره ثلاثة آلاف عام لا يمكن أن تمحيه خمسين عاماً من المعاناة والمحنة والتهجير وسيبقى خالداً يدونه التاريخ بحروف من ذهب كما يتذكره الطيبون من مختلف الأديان والمذاهب الذين تعايشوا وتحاببوا وتزاوجوا بمودة ووئام وانسجام وسلام(12).

يتساءل الصحفي نبيل الحيدري في مقال على موقع إيلاف إن «السؤال الحقيقي هو أين حقوق يهود العراق اليوم ؟ فإذا أقرّت الحكومة بتأريخهم العظيم، فعليهم بإرجاع جنسياتهم أولاً كما طالبت في مؤتمر الأديان في السليمانية العام الماضي، وكذلك طالبتُ إعطائهم مقاعد برلمانية أسوة بغيرهم من الأديان والمذاهب لإرجاع جميع ممتلكاتهم وأموالهم التي سلبت ظلماً وعدواناً،وتعويضهم عن الخسائر الفادحة التي ألمّت بهم، فكيف يجوز إرجاع الأرشيف بدون أهله وأصحابه الحقيقيين، وهذا غير مقبول، فمثلا الشهادة المدرسية ترجع إلى صاحبها الحقيقي وكذلك الوثائق الأخرى . والسؤال الكبير حول الأرشيف الذى يطرحه يهود العراق اليوم هو كيف يمكن إرجاعه إلى العراق دون ضمانات حقيقية لحفظه وصيانته وإمكانية الاستفادة منه خصوصاً، وادعاء الحكومة أنها تمتلك أضعافه في العراق، فلماذا لا يمكنها حفظ وصيانة الموجود فعلاً عندها لتضعه في المتاحف بصيانة واهتمام ويتم عرضه في المتحف وإمكانية الاستفادة منه . لذلك كله كتب بعضهم رسالة موجهة إلى مسؤولين في الإدارة الأمريكية ووقّعها الكثير من الحضور من اليهود العراقيين يطالبونهم بالحفاظ على أرشيفهم وعدم تسليمه إلى بغداد كحق طبيعي من حقوقهم بعد كل تلك المحن والمآسي والتهجير والمعاناة، فضلاً عن السعي الحثيث لاسترجاع الحقوق المغتصبة لتاريخ ناصع يتجاوز المسلمين والمسيحيين في ثلاثة آلاف عام باهر خالد(13).

أما رأي الأستاذ سمير عزت معلم، الذي أرسل في رسالة على النت قال : رأي في الموضوع هو على أساس :

1- مصدر المعروضات: اغلب المعروضات صودرت من بيوت وكنائس يهودية عند قيام سلطات الأمن/الاستخبارات بمداهمة البيوت والكنائس.

2- الأهمية الدينية: لا أهمية لصندوق خشبي بداخله مجلة جلدية ملفوفة وعليها مخطوطات التعاليم الدينية بالعبرية لمن لا يقرأ العبرية.

3- انتقاص فئة: أن كانت الغاية من الإعادة عرض المفردات على أبناء الشعب العراقي فلن يتم ذلك تماما ما لم تسنح الفرصة أمام اليهود العراقيين من زيارة العراق والمعرض.

لذلك اعتقد انه من المرجح ترك المعروضات لمن سهر وحرص على استعمال جميع طرق التكنولوجية في استنساخ وإنقاذ ملفات تلفت في مياه السراديب وتوضع الآن تحت أنظار الجميع دون تفرقة.

أما رأي الأستاذ حسقيل عزرا جميل، في رسالة على النت قال : عزيزي نبيل اعتقد الأحسن أن يكون الارشيف اليهودي لدى دوله محايدة للحفاظ عليه وهذا أوسط الأمرين.

أما السيدة ثريا كانوا بطرس فقد علقت على الموضوع وقالت: أفضل حل باعتقادي هو وضعه أمانة لدى اليونسكو، لحين استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية ووجود حكومة عراقية تهتم بتراث العراق كله على أساس أنهُ تراث وطني وليس على أساس نظرة إيديولوجية

أما الدكتور خضر البصون، فكان لهُ رأي مخالف إذ قال : اعتقد أني معارض لفكرة إرجاع الارشيف إلى العراق . طبعاً المكان اللائق له في متحف يهود العراق حيث يعيش معظم يهود العراق، ولكن إذا كان هذا علقم مرّ، فمن الطبيعي أن نفضل أن يبقى في دولة «محايدة» ربما انكلترا حيث أسهل السفر إليها.

كما علق الدكتور فلاح حاج حول الارشيف وقال : الارشيف ثروة تاريخية ينبغي الحفاظ عليها، على الأقل للاستفادة منه في مجال التوثيق . هذه كنوز ثمينة بغض النظر عن موقفنا من دولة إسرائيل . ربما يكون من المناسب الاحتفاظ بهِ في دولة محايدة مؤقتا بسبب الأوضاع الأمنية غير الطبيعية.

وفي نهاية الأمسية كانت هناك مداخلات بشار عليوي، سعد الشلاه، د. نصير الحسيني، الباحث أحمد الناجي، د. عبد الرضا عوض) وكانت هناك عدة تساؤلات حول الأرشيف، منها من يقول : العجيب أن يكثر الحديث اليوم عن إرسال الأرشيف اليهودي إلى وزارة الآثار العراقية في بغداد على الرغم من أنه من غير الواضح أين سيتم حفظه أو عرضه؟ والسؤال الكبير حول الأرشيف هو كيف يمكن إرجاعه إلى العراق دون ضمانات حقيقية لحفظه وصيانته وإمكانية الاستفادة منه خصوصا وادعاء الحكومة أنها تمتلك أضعافه في العراق؟ فلماذا لا يمكنها حفظ وصيانة الموجود فعلاً عندها لتضعه في المتاحف بصيانة واهتمام ويتم عرضه في المتحف وإمكانية الاستفادة منه؟.

أما من ناحية المخاوف على الأرشيف من قبل الحضور فهي عديدة منها مثلا : أين وكيف سيحافظ على الأرشيف؟ هل سيبقى كأرشيف كامل؟ هل سيكون مصير الأرشيف مثل ما حصل ولا يزال يحصل بالآثار في العراق؟ كيف يمكن الاطلاع عليه وعلى محتوياته إذا عاد إلى مكان غير آمن؟ وقد كانت حصيلة الحوار أن يبقى الأرشيف في دولة محايدة للحفاظ عليه دون عودته إلى العراق.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.........................

المصادر

1- مصطفى الكاظمي - الحرة عراق - عن الأرشيف اليهودي .. وحلول تضمن الحقوق-10-2-2014.

2- الواشنطن بوست تروي قصة سرقة الأرشيف اليهودي العراقي 11/12/2013. http://l-news.net/index.php/policy/36438.html

3- جريدة العرب بتاريخ 5/10/2009. حوار مع مدير عام دار الكتب والوثائق العراقية د. سعد اسكندر.

4- تصريح أوردته وسائل الإعلام العراقية في 5/1/2009.

5- صحيفة الصباح الجديد - سها الشيخلي في 3/18/2014.

6- صحيفة العرب. العدد 9435 بتاريخ 11/1/2014 . حوار مع اليهودي العراقي أدون شكر..

7- صحيفة العرب العدد 9436 في 11/1/2014.

8- صحيفة الصباح -الأرشيف اليهودي العراقي.. في طريق العودة – في8-9-2014 http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=77399

9- العراق تايمز – الأرشيف اليهودي في طريقه إلى بغداد -http://sumria.blogspot.com/2013/04/blog-post_6.html

10- العراق تايمز- الأرشيف اليهودي في طريقه إلى بغداد- http://sumria.blogspot.com/2013/04/blog-post_6.html

11- المدى برس/ بغداد -17-12-2013 تحت عنوان (مراسم دفن أجزاء تالفة من الأرشيف اليهودي في نيويورك).

12- نبيل الحيدري - الأرشيف اليهودي العراقي تاريخ حافل بالأمجاد –إيلاف - في 20-ديسمبر – 2013.

13- موقع إيلاف – نبيل الحيدري - الأرشيف اليهودي العراقي تاريخ حافل بالأمجاد-20 ديسمبر 2013- See more at: http://www.elaph.com/Web/opinion/2013/12/858745.html#sthash.HRwqvA02.dpuf

 

 

عدنان عويدفي المفهوم: تعتبر الواقعية إحدى المدارس الفنية التي تركز في اهتمامها على كل ما هو واقعي وحقيقي وموجود في الطبيعة والمجتمع، وقد توازى  ظهور الواقعية مع المدرستين الاتباعية والرومانسية، ففي أعماق الرومانسية بذور حية تنادي بتحرير الإنسان من واقع مؤلم، وفي الاتباعية كثير من الرؤى العظيمة التي تتجه إلى الواقع بغية إصلاحه وتطويره. هذا وتعمل المدرسة الواقعية ساعية عبر فنانيها وأدبائها إلى تجسيد مشاهداتهم في الواقع على شكل أعمال فنية وتصويرها بصورة طبق الأصل، وذلك من خلال رصد كافة الظروف المهمة على أرض الواقع, سواء الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية, وكذلك الشؤون الدينية المختلفة، وتظهر في هذا الفن أو الأدب الواقعي مشاعر وانفعالات الفنان أو الأديب في كافة الأعمال التي ينتجها، الموضوعية والملاحظة الدقيقة، والثورة على شرور الحياة، والثقة بقدرة العلم على حل مشكلات الإنسانية من خلال الخلق الأدبي أو الفني، مما أتاح المجال لوجود نوعين من المدارس الواقعية وهما الواقعية الرمزية، والواقعية التعبيرية.

بيد أن التمذهب في إطار الفلسفة الواقعية, لم تتحدد نظرياته الدقيقة إلا على يد جماعة الشعراء وكتاب القصة والمسرحية الذين آمنوا بقدرة الكلمة على الكفاح  والهجوم على الواقع الفاسد لتدميره تدميرًا شاملا بغية إعادة بنائه. متخذين أبعادًا حضارية إنسانية.

أسباب ظهورها وأهدافها:

ظهرت الواقعية على شكل اتجاه أدبي في القرن التاسع عشر، والعشرين تحت تأثير مزدوج لنهوض العلم والعقلانية الفلسفية.

لقد رافق ظهور تلك المدرسة, انتقال العالم بشكل جذري من الحياة الزراعية إلى الحياة الصناعية المتطورة، والتي أضحى فيها الواقع الملموس أساساً متيناً تبنى عليه الأشياء، حيث ركزت الثورة العلمية والتقنية على تقديم تفسيرات وتعليل للكثير من الظواهر على الأرض. لقد فجرت البورجوازية الزاحفة إلى السلطة والمنتصرة في القرن التاسع عشر, نمط الحياة التقليدي المبني على الانتماءات التقليدية وعلى التوازنات الاجتماعية وعلى المقولات اليقينية, فكان هناك في الحقيقة سعي دائم لتفسير كافة أسباب الوجود، ومن هنا اقتبس الفن التشكيلي على سبيل المثال هذا المجال ليجسد, تلك المرحلة، وتوثيقها لمجمل الشخصيات التي كان لها وزنها الاجتماعي والسياسي والديني، ومنها تندرج كثير من أعمال الكلاسيكيين التي تهتم بالطبيعة والبورتريه ورسم المزهريات والطبيعة الصامتة. وهذه ما حققه العلم أيضاً في الوصول إلى نجاحات مماثلة على مستوى العلوم الفيزيائية والكيميائية والميكانيكية وغيرها، ومن هنا ظهرت الواقعية على أنها  ليست حكراً على الرسم والنحت والسينما والموسيقى والثقافة بصفة عامة فحسب, بل هي ملتقي جملة من الابداعات العلمية والفكرية كذلك.

إن الواقعيين يختارون مادة تجاربهم من مشكلات العصر الاجتماعية، وشخصياتهم الأدبية تؤخذ من الطبقة الوسطى (البورجوازية) لتنتقد آفاتها التي تهدد المجتمع بالانحلال، أو من طبقة العمال لتصور ما يعانونه من جور وظلم، فالمجتمع موضوع الفن، والفن تعبير عن المجتمع من أجل المجتمع.

فعلى الروائي، قبل كل شيء، أن يدرس مظهر الأشخاص، ويسألهم ويمحص أجوبتهم، ويدرس مساكنهم، ويستجوب الجيران، ثم يدون حججه واضعا حدا لتدخل الكاتب إلى أقصى درجة ممكنة فيكون المثال الأعلى نوعاً من اختزال مقاصد الأشخاص، وسلسلة من الصور لمظاهرهم المتنوعة. إن الملاحظة الدقيقة هي عمل الروائيين الأساس. فلقد زال الهوى والوهم. إن الواقعية تهدف إلى أن تصبح التعبير عن مفردات الحياة اليومية أو محاكاتها, بيد أن هذه المحاكاة ليست تسجيلا فوتوغرافيا ولا نقلا آليا لزخم الحياة بإيجابيات وسلبياته، بل هي عملية ابتداع للواقع وصياغته صياغة واعية تقوم على المتخيل والتصوير والتشكيل والنمذجة.

إن الكتابة الواقعية عملية إبداعية تستند إلى الواقع تستوعبه وتتمثله أو تستلهمه، ثم تصبه في معمارية فنية تقوم على التماسك والانسجام والتآلف الجدلي. لقد  عزف الواقعيون عن التعقيد وعن الزخرفة اللفظية المعروفة لدى الكلاسيكيين وعن لغة الطبقات الأرستقراطية وتبنوا لغة الشرائح الاجتماعية الشعبية بعيدا عن كل تملق طبقي وعن كل روح غرائبية. فالإخلاص هو القيمة الوحيدة التي يريدها في الفن، ثم أعرب عن رغبته في الشعر .

خصائصها:

خصائص المدرسة الواقعية بما أن المدرسة الواقعية ظهرت في فترة التطور الصناعي، فقد كان هناك:

1-  إهمال كبير للذات بهدف حشد الجهود للتركيز على القضايا المادية والملموسة، أي أنها أهملت الذات من أجل الموضوع، ومن هنا جاءت خاصية إهمال إحساس الفنان من أجل التركيز على الواقع. لقد ركز الفنان أو الأديب أو المفكر الواقعي كافة اهتماماته وتصويره على ما هو معاصر, وتناول الأحداث الصحيحة أو الممكنة , ووصف الأشخاص والبيئات والزمان والمكان وتصوير كل ذلك تصويرا يحاكي الواقع المشاهد, ومع العناية باللفظ والصيغة والصورة. أي تناول كل  ما هو حقيقي ويحاكي المنطق والعقل، والابتعاد بشكل تام عن الأحلام والأوهام والخيال، وبالتالي أهمال كل ما هو تقليدي وأسطوري أو ذاتي.

2-  لقد ابتعدت الواقعية في الرسم عن تكوير الأجسام من خلال التظليل وذلك بهدف الإيهام بما يسمى البعد الثالث، حيث لجأت الواقعية لاستخدام الألوان في صورة مساحات، واعتمدت في ذلك على أنواع الألوان ودرجاتها.

3- اكتشاف القوانين التي تتحكم في المجتمع والعلاقات الاجتماعية، وآمنت بأن الإنسان خاضع لنواميس وسنن صارمة. سماها  "أوغيست كونت" بـ "الفيزياء" الاجتماعية .

4 - الضوء ليس مسلطاً على العازف من مصدر خارجي، ولكن ينبع من جسمه ومن تباين المساحات ودرجات الألوان.

اتجاهات الواقعية:

أ- الواقعية الانتقادية: وقد شملت الانتقادية الواقعية جزءًا كبيرًا من إنتاج الواقعيين، حيث كانوا يناضلون بسلاح النقد إزاء أمراض المجتمع.

وهي الشكل الذي أخذته الواقعية في القرن التاسع. أي أن الواقعية ولدت وهي نقدية، لأن أوضاع المجتمع الصناعي الأوروبي في منتصف القرن التاسع عشر، كانت تحول دون تبلور فكر ثوري جماهيري مؤثر في الفنون والآداب. فاكتفت الواقعية وقتها برصد التناقضات الاجتماعية والكشف عن خبايا الأزمات الكبرى التي كانت تعصف بأوروبا. وقد تحرى الأديب الواقعي النقدي الصدق في وصفه لحركة التطور الاجتماعي. ويعد هذا الموقف وقتها موقفا إيجابيا، لأن  الأديب أو الفنان الواقعي رفض الصمت والانصياع للإيديولوجيا البورجوازية, وآثر تعرية الواقع ووصفه كما هو بكل موضوعية وبكل جرأة. ولكون يفتقر إلى النضج السياسي، وإلى الوعي الإيديولوجي, وإلى الرؤية الجدلية وإلى الشمولية، لم يستطع تفكيك الواقع وإعادة بنائه وفق نظرية ثورية بهدف تغييره وتحويله والقضاء عليه، وبعبارة أخرى نستطيع أن نقول إن الواقعية النقدية تمثل الطرف الثاني من الجدلية (أي نقيض الأطروحة كما طرحها هيجل)، التي لم تتوج ولم تكتمل بالتجاوز إلى نفي النفي .

ب - الواقعية الطبيعية: وهي شكل آخر من أشكال الواقعية، يلتصق بالمادي والعلموي, وهذه المدرسة هي أقرب إلى علماء الاجتماع, أو التصاقًا بهم، رغم أنها جاءت رد فعل على تفلت مذهب (الفن للفن) والرومانسية من مضمون الحياة والمجتمع، لذلك عمل الواقعيون الطبيعيون على توثيق صلة الأدب بالحياة، واستعانوا بالعلوم التجريبية.

ج - الواقعية الجديدة (الاشتراكية): إن الجمالية الأساسية لواقعية الاشتراكية تتمثل فيما يلي:

1- الوفاء للإيديولوجية الشعبية، ووضع النشاط الإنساني في خدمة الشعب وروح الحزب، والارتباط العضوي بنضال الجماهير الكادحة.

2- هي نزعة إنسانية اشتراكية وأممية، ذات تفاؤل كبير بالتاريخي.

3- لقد رفضت الشكلانية والذاتية, وكذلك  الذاتية الطبيعية. وهي حصيلة النظرة الماركسية إلى الفن والأدب، والموقف المشترك للكتابة هو الالتزام بأهداف الطبقة العاملة، والنضال في سبيل تحقيق الاشتراكية.

4-  وكان الواقعيون الاشتراكيون يدينون ميوعة الأدب الحديث في المجتمعات الرأسمالية وخاصة المدارس التي تنطلق من الذاتية والتخيل والاحساسات الذاتية, مثل الرمزية والانطباعية والسريالية والرومانسية والوجودية.. وغيرها ، مثلما هاجموا الواقعية الانتقادية لأنها تتظاهر بتحليل المجتمع، لكن لا تفضح البورجوازية وطبيعة استغلالها للمجتمع والدولة.

5- تمثل الواقعية الاشتراكية بالنسبة للواقعيين الاشتراكيين الطموح من  أجل وضع الأسس لمجتمع اشتراكي مثالي ونموذجي، ولروح ملحمية جديدة تؤسس للبطل الاشتراكي، صانع التاريخ ومستقبل الإنسانية.

أهداف الواقعية لدى الأدباء والفنانين العرب:

لقد احتفى الواقعيون العرب بالمبادئ الوطنية والقومية والإنسانية، فكانوا عبر أعمالهم الفنية والأدبية, يطالبون بتحرر الأوطان من المستعمر ووحدتها, وتحرر الشعوب من التخلف الحضاري المزري، ونهضتها إلى مستوى تطور العصر. فبعضهم يرى الاشتراكية المنصف الوحيد من الفقر، وفريق يرى التمسك بالشرعية الإسلامية وتطبيقها هو ما تنشده الإنسانية من قيم حضارية متقدمة.

وقد نشأت فكرة الالتزام نتيجة احتكاك الأديب بمشكلات الحياة التي يعيشها، وكانت قضية الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية وقضايا التحرر العالمية هي أهم القضايا التي تبناها الأدباء والفنانون العرب، فصارت مهمتهم النقد والمعارضة والتنبؤ، بيد أن هذا (الالتزام) صار سجنًا وقيدًا لفكر الكاتب أو الفنان أو الباحث, فهو الذي حرر نفسه من إسار المواقف، نراه قد عاد ليقيد مواهبه في محراب الكلمة والمذهب والنمذجة، وهذا سجن أشد حصرًا للموهبة.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

..........................

المراجع:

للاستزادة في هذا الموضوع راجع التالي:

1- المدرسة الواقعية - رزان صلاح -  موقع موضوع - ٧ فبراير ٢٠١٦.

2-  الواقعية في الأدب - أ. د/ الطيب بودربالة. و د/ السعيد جابا الله -  مجلة العلوم الإنسانية- جامعة محمد خيضر بسكرة العدد السابع - 2005

3- المدرسة الواقعية في الفن التشكيلي - عويم بن ساعدة  - منتدى متوسطة .

4- المدرسة الواقعية - شبكة الفصيح.

 

 

حسين سرمك حسنمن الشعوب المحتلة قطعوا رؤوس أصحابها؟- تم التعرّف على 32 منها لقادة جزائريين قُطعت رؤوسهم! – المحتلون الفرنسيون يقطعون رؤوس الجزائريين ويحتفظون بها في المتحف الفرنسي؟

أكملتُ قبل مدّة موسوعة عن الإبادت الغربية (الأمريكية البريطانية والفرنسية والبلجيكية بشكل خاص) وفيها معلومات مثيرة وخطيرة تُكشف لأاول مرّة للقارىء العربي. فأغلب القرّاء في عالمنا العربي لا يقرأون ، وللأسف ، بلغة أخرى غير لغتهم الأم وخصوصا باللغة الانجليزية – ولهذا فهم لا يطلعون على ما يُكشف من وثائق خطيرة تنشرها الحكومات الغربية المعنية بفعل التقادم الزمني أو بفعل طلبات قوانبن حرية الحصول على المعلومات أو يسرّبها مواطنون غربيون شجعان آمنوا بأن الحقيقة ومصائر الشعوب أعلى من مصالح الفئات الاستغلالية المتحكمة في بلدانهم او يحصل عليها باحثون وكتّاب وصحفيون استقصائيون ملتزمون بشرف الكلمة. والأفراد البواسل من الفئتين الأخيرتين تحمّلوا الكثير من التضحيات في سبيل مبادئهم ولعل أفضل الأمثلة على ذلك ما حصل للصحفي غاري ويب (أنتج عن قضيته فيلم مهم هو "اقتل الرسول kill the messenger) وعبقري الكمبيوتر آرون شوارتز (الخالق الرائع لموقع رديت Reddit ولـ  أر إس إس RSS) وراي غريكار وكارول كاسير وعضوة مجلس الشيوخ الأمريكي "نانسي شايفر" والجندي الأمريكي برادلي ماننغ والمتعاقد الأمني إدوارد سنودن والصحفيان الشهيران الأمريكي سيمور هيرش والبريطاني روبرت فيسك وغيرهم الكثير من "أبطال الحقيقة" فإليهم منّا آيات الاحترام والتقدير.

في هذه الموسوعة (1916 صفحة) سوف يتم تصحيح التصوّر الخطير الخاطىء الذي يسيطر على عقول الكثيرين وهو أن هناك (محرقة) أو (هولوكوست) كبير في تاريخ العالم الحديث هو المحرقة اليهودية أو الهولوكوست النازي ضد اليهود والذي تدور حوله الكثير من الشبهات ويتم تغيير عدد الضحايا بين وقت وآخر حينما تتكشف حقائق جديدة (منها عدم وجود غرف غاز نازية في معسكرات الاعتقال وظهور سجلات الصليب الأحمرالدولي التي كانت متسترا عليها سابقا) تثبت بما لا يقبل الشك أن العدد الحقيقي لضحايا الهولوكوست هو أقل بكثير مما تروج له الدعاية الصهيونية.

ما سيثبت في هذه الموسوعة هو أن هناك محارق وهولوكوستات غربية (أمريكية وبريطانية وفرنسية وبلجيكية بشكل خاص) أغرب من الخيال بأعداد ضحاياها وبأساليبها الوحشية. إبادات جماعية لا يمكن أن يصدقها العقل ومن المستحيل أن يقترفها إنسان يحمل مشاعر وعواطف بشرية سليمة وصحّية. هذه الإبادات (الهولوكوستات ، المحارق) تفوق بمئات المرّات الهولوكوست اليهودي من حيث وحشية الأساليب وعدد الضحايا المُرعب. وقد كلّفت هذه المحارق الغربية البشرية خسارة ما يقارب 300 مليون إنسان بالحسابات التقريبية كما رأينا في المقالة السابقة (الإبادات (الهولوكوستات ، المحارق) البشرية الجماعية الغربية قتلت أكثر من (300) مليون إنسان في العالم الثالث!!). وهذا الحساب يستثني الحروب الدموية الكثيرة التي شنها الغرب مثل الحرب العالمية (الغربية) الأولى والحرب العالمية (الغربية) الثانية التي كبّدت البشرية عشرات الملايين من الخسائر المباشرة وغير المباشرة بالأرواح.

الآن نتوقف عند حادثة أغرب من الخيال!! :

هل تصدّق هذا: يحتفظ متحف الإنسان الفرنسي بـ 18 ألف جمجمة من الشعوب المحتلة قطعوا رؤوس أصحابها؟- تم التعرّف على 32 منها لقادة جزائريين قُطعت رؤوسهم! – المحتلون الفرنسيون يقطعون رؤوس الجزائريين ويحتفظون بها في المتحف الفرنسي؟ 

701 سرمك 1

(مدير المتحف الفرنسي وسط الجماجم المحفوظة في علب كرتونية)

- جماجم" الجزائريين في فرنسا.. نسخة "داعشية" من القرن التاسع عشر

- "جنرالات فرنسا هم المعلمون الكبار في القتل والجرائم ضد الإنسانية وسبقوا "داعش" في قطع الرؤوس وحرق الأجساد"

هذه أوصافٌ ساقها مؤرخون وباحثون جزائريون عقب الكشف عن آلاف الجماجم المحفوظة في أحد متاحف باريس لمقاومين جزائريين قُطعت رؤوسهم، بأوامر جنرالات فرنسيين، في مشهد يحاكي من وجهة نظرهم ما يفعله التنظيم الإرهابي "داعش" في عصرنا الحالي؛ بل "فاقَهُ"، ليعكس إرهاباً يعود عمره إلى القرن التاسع عشر.

تلك الجماجم أحيت "جرائم" لم تُدفن ارتكبها الاستعمار الفرنسي، وطالت مناطق بالجزائر هُجّر بعضها وأُبيد سكانها لتنقطع سلالة المقاومين؛ فلم يعد لهم أحفاد يتوارثون تاريخهم سوى باحثين من منطقة "ليشانة"، التي يقول مؤرخون إنها كانت مهد "ثورة الزعاطشة" الشعبية عام 1849.

قناة "فرنسا 24" بثّت، قبل أيام من الآن، تقريراً كشفت فيه عن 18 ألف جمجمة محفوظة بمتحف "الإنسان" في باريس؛ منها 500 فقط جرى التعرف على هويات أصحابها، من ضمنهم 36 قائداً من المقاومة الجزائرية قُتلوا ثم قُطعت رؤوسهم من قبل قوات الاستعمار الفرنسي أواسط القرن التاسع عشر.

701 سرمك 2

- "لم يُقرأ في التاريخ أن قوماً قطعوا رؤوس آلاف البشر وخبّأوها في متحف طيلة ما يزيد عن قرن ونصف إلا في فرنسا"

ولم يُكشف بداية سر هذه الجماجم سوى في مارس 2011، على يد علي فريد بالقاضي، الباحث الجزائري المقيم في فرنسا. وفي العام نفسه، صدرت عريضة تطالب باسترجاعها؛ غير أنها لم تلق رواجاً كبيراً. وفي أيار الماضي، تمكّن إبراهيم سنوسي، الأستاذ الجزائري في جامعة "سيرجي بونتواز" الفرنسية، من جمع قرابة 30 ألف توقيع لاسترجاع بلاده لهذه الجماجم.

سعيد عبادو، رئيس "منظمة المجاهدين" الجزائرية (شبه حكومية تضم المقاومين الذين حاربوا فرنسا)، قال للأناضول إنه "لم يقرأ في التاريخ أن قوماً قطعوا رؤوس آلاف البشر وخبأوها في متحف طيلة ما يزيد عن قرن ونصف إلا في فرنسا".

- اخفاء الجماجم جريمة لا تُغتفر وظلم لا مثيل له- هذا ردّ جميل 137 ألف جزائري شاركوا في تحرير فرنسا من الغزو الألماني

سعيد عبادو وصف إخفاء فرنسا لهذه الجماجم بأنه "جريمة لا تُغتفر وظلم لا مثيل له"، مطالباً السلطات الفرنسية بإعادتها إلى الجزائر من أجل دفنها في أرضهم طبقاً لاتفاقية إيفيان (بين الجزائر وفرنسا والتي انتهت بالاستفتاء على تقرير المصير واستقلال الجزائر في 5 يوليوز 1962.

وأشار رئيس "منظمة المجاهدين" إلى أن "السلطات الجزائرية أرسلت وفدا إلى فرنسا في يناير 2016، ترأّسه وزير المجاهدين الطيب زيتوني الذي قال إن هناك أملاً لاسترجاع الجماجم".

وتابع: "الفرنسيون يحملون فكراً استعمارياً، ولا نأمن جانبهم ونستعد لهم"، مستدركاً بالقول: "نعمل للتعامل مع فرنسا على أساس الند للند والمعاملة بالمثل، خاصة أن 138 ألف جزائري شاركوا في تحرير فرنسا (من الغزو الألماني) خلال الحربين العالميتين الأولى (1914/ 1918) والثانية (1939/ 1945)

ولفت إلى "اعتراف فرنسا بذلك من خلال دعوتها الجزائر للمشاركة في الاحتفال بانتصار فرنسا على النازية (في 14 يوليوز 2014)؛ لأنّ الجزائريين شاركوا بدمائهم في الدفاع عن استقلال فرنسا".

701 سرمك 3

(مدير المتحف ميشال غيرو وسط الجماجم ويقول إن الاحتفاظ بها كان لأسباب علمية)

- "بلد كفرنسا تدّعي الديمقراطية وحقوق الإنسان تضع رؤوسا قطعها المستعمر ببشاعة ووحشية وِفعْل لا يقترفه إلا الإرهاب في متاحف لتُعرض على الزوّار"

وجنّدت الجزائر، خلال الحربين العالمية الأولى والثانية، عشرات الآلاف من الجزائريين ودفعت بهم في الصفوف الأمامية لجبهات القتال، حيث قُتل منهم الآلاف في المعارك ضد الألمان.

وخلال الأسبوع الماضي، قالت الخارجية الفرنسية إن باريس والجزائر تجريان "حوارا وثيقًا"، وتعملان في إطار "مناخ من الثقة بشأن جميع القضايا ذات الصلة بالذاكرة؛ بينها إعادة نحو 50 جمجمة تحتفظ بها باريس في خزانات معدنية بالمتحف، بعيداً عن الزوار"، وهو ما كان قد صرح به الوزير زيتوني في تموز الماضي بأنه جرى تشكيل لجان مشتركة بين الطرفين بهدف "الإسراع في استرجاع جماجم هؤلاء المقاومين".

وأبدى الوزير استغرابه من "أن بلداً كفرنسا التي تدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان تضع رؤوسا قطعها المستعمر ببشاعة ووحشية وفِعْل لا يقترفه إلا الإرهاب في متاحف لتُعرض على الزوار"، واصفاً ما اقترفته فرنسا "بعمل يُبرز أقبح صورة عرفها تاريخ البشرية".

من جهته، رأى عمار سعداني، الأمين العام لحزب "جبهة التحرير الوطني" الحاكم في الجزائر، أن إخراج فرنسا قضية جماجم المقاومين الجزائريين إلى العلن يعد بمثابة "إهانة" للجزائريين.

وتساءل، في تصريح صحفي، "لماذا نلاقي إهانات جديدة من دولة (فرنسا) تقول إنها صديقة؟". وواصل تساؤلاته: "لماذا أخرجوا قضية جماجم مقاومين جزائريين موجودة في متحف بباريس إلى العلن؟". وتابع: "لقد أسموه متحف الإنسان، مع أنه كان يجب أن يسمى متحف الحيوان؛ لأن فيه إهانة لأشرف رجال الجزائر".

701 سرمك 4

(لم يتم الكشف عن وجود تلك الجماجم حتى شهر آذار 2011)

- جرائم فرنسا في الجزائر تفوق جرائم النازيين

من جانبه، قال الطيب الهواري، رئيس منظمة أبناء الشهداء (يتامى المقاومين الذين قتلتهم فرنسا)، إنّ "العالم سيكتشف مرة أخرى أن فرنسا التي خرجت بعد الحرب العالمية الثانية في 1945 لتندّد بالجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها النازية هي ذاتها التي نفّذت نفس الجرائم ضد الجزائريين وما زالت تنفذ مزيداً من الجرائم إلى يومنا هذا عبر عدم الكشف عن الحقيقة".

ووصف "الهواري"، في تصريح للأناضول، إخفاء الجماجم بأنه "جريمة دنيئة وغير أخلاقية"، مشدّداً على ضرورة استرجاعها مع الأرشيف الجزائري الذي استولت عليه فرنسا خلال الفترة الاستعمارية.

وحول محاولة الفرنسيين، خاصة من اليمين المتطرف، إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين؛ اعتبر أن "الفرنسيين يكشفون أمام التاريخ أن الاستعمار سبق "داعش" في قطع الرؤوس وحرق الأجساد"، مضيفاً: "الإنسانية والتاريخ يكشفان أن جرائم قطع الرؤوس ليست من تصرفات المسلمين، ولكنها منهم (الفرنسيين)، وتم إلصاقها بنا".

وفي هذا الصدد، أشار إلى أن "1600 عائلة جزائرية من قبيلة أولاد رياح، أبادها الفرنسيون بالدخان في القرن التاسع عشر، في جبال الظهرة، بولاية مستغانم.

ووقعت ما يُسميه الجزائريون "محرقة أولاد رياح" على يد العقيد الفرنسي "إيمابل بيليسيي"، في 19 و20 حزيران 1845، الذي حاصر نساءً وأطفالاً ومدنيين في مغارة فرّوا إليها في جبال الظهرة، فأشعل العساكر الفرنسيون النار في مدخلها حتى لقي جميع من فيها حتفهم اختناقا بالدخان، وأبيدت حينها قبيلة أولاد رياح بأكملها، حسب مؤرخين.

على الخط نفسه، سار المؤرخ الجزائري مصطفى نويصر، في وصفه للاستعمار الفرنسي لبلاده، قائلاً للأناضول: "لو نفتح سجل فرنسا في الجزائر لن نُصاب بالدهشة ولكن بالصدمة"، لافتاً إلى أن "فرنسا لم تقم بقطع الرؤوس فقط بل حرقت الإنسان وقتلت الجزائريين بالدخان".

701 سرمك 5

(الجماجم التي تمّ التعرّف على أصحابها)

- جنرالات فرنسا هم المعلمون الكبار في القتل والجرائم ضد الإنسانية

ونوّه نويصر بأن "بعض المؤرخين قارنوا ما قامت به فرنسا في الجزائر بجرائم أدولف هتلر (زعيم النازية في ألمانيا)، فوجدوا أن جرائم فرنسا تفوق جرائم النازية".

ومضى في قوله: "جنرالات فرنسا هم المعلمون الكبار في القتل والجرائم ضد الإنسانية"، داعياً إلى "إبراز مثل هذا النوع الوحشي من الجرائم للرأي العام العالمي (..) هذا سلاح في أيدينا لكي نقول للغرب أن جرائمه تفوق جرائم داعش، وبعض الأطراف في العالم الإسلامي".

ولفت إلى انتشار صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك"، تنشر صوراً لجرائم فرنسا في الجزائر مقابل صور لجرائم "داعش" في سوريا والعراق، معتبراً أن "هناك صحوة تجاه هذه الجرائم تقول للفرنسيين أنتم الذين صنعتم الإرهاب بوحشيتكم، هو ردة فعل على الممارسات الوحشية للاحتلال".

701 سرمك 6

(جمجمة حمّادي)

- في مذبحة الزعاطشة أبادوا واحة كاملة (800 شهيداً) بسكانها وقطعوا 10 آلاف نخلة!

وتُعد مجزرة واحة الزعاطشة (بلدة ليشانة حاليا في ولاية بسكرة) أبرز الجرائم التي اُرتُكبت إبّان الاستعمار الفرنسي وتعود وقائعها إلى 26 نوفمبر 1849، عندما هاجم الجنرال "هيربيون" الواحة التي كانت معقل الشيخ "بوزيان" قائد ثورة الزعاطشة، بقوات بلغ إجمالها 8 آلاف عسكري. وبعد يومين من الحصار والقصف بالمدافع، تمكنت القوات الفرنسية من تدمير الواحة بالكامل، وقطع 10 آلاف نخلة، وإحصاء 800 جثة لشهداء جزائريين وعدد آخر غير معروف تحت الأنقاض. ومن بين الشهداء كان الشيخ "بوزيان".

أما الجيش الفرنسي، فقد خسر 165 جندياً وأصيب 790 آخرين، وفق الحصيلة التي أوردتها بعض المصادر.

701 سرمك 7

(جمجمة الشهيد القائد الجزائري شريف بوبغلة)

- قطعوا رؤوس الجزائريين وعرضوها في الأسواق

مصادر جزائرية تحدثت عن "إبادة" سكان "الزعاطشة" عن بكرة أبيهم؛ لكن لا يوجد ما يؤكد أو ينفي بقاء أحفاد لسكان الواحة أو للشيخ بوزيان الذي قُتل ابنه وعمره 16 سنة، وقُطع رأسه هو الآخر.

الصحافي الجزائري حفيظ صواليلي قال، في دراسة نشرها بجريدة "الخبر" يوم 5 يوليو 2015، إنه "بعد معركة الزعاطشة التي خاضها المقاومون من 16 يوليو إلى 26 نوفمبر 1849، على بعد 30 كلم جنوب غرب مدينة بسكرة؛ قرّر العسكريون الفرنسيون قطع رؤوس القادة، منهم بوزيان والشريف موسى الدرقاوي، وعَرْضها في إحدى الثكنات ثم الأسواق ببسكرة لمدة ثلاثة أيام، لتكون عبرة لمن يتجرأ على مقاومة بلاده، حسب المحتل الفرنسي".

وتابع صواليلي: "ولأن هؤلاء المقاومين وغيرهم مثّلوا رموزا لرفض المحتل، احتفط الفرنسيون برؤوسهم المقطوعة بطريقة مُذلة".

701 سرمك 8

(جمجمة الشهيد الجزائري مختار)

- البرلمان الفرنسي وافق عام 2010 على إعادة جماجم محاربي كايدونيا التي احتفظت بها فرنسا !!

وفي مايو الماضي، نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية نداءً لمثقفين فرنسيين وقعوا عريضة للمطالبة بإعادة جماجم المقاومين الجزائريين إلى الجزائر، مشيرة في الموضوع الذي عنونته بـ "جماجم المقاومين الجزائريين لا مكان لها في متحف باريس" إلى مصادقة البرلمان الفرنسي على قانون يسمح بإعادة جماجم محاربي "الماوري" في 2010 الذين جرى الاحتفاظ بهم بفرنسا إلى موطنهم كاليدونيا الجديدة.

- الاستعمار الفرنسي انتهج منذ دخوله الجزائر سياسة تهجير واسعة النطاق وحتى إبادة قرى بأكملها استمرت إلى غاية خروجه عام 1962

من جهته، قال ميشال غيرو، مدير المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس، في يونيو: "نحن مستعدون لدراسة طلب تسليم جماجم الجزائريين المحفوظة في متحفنا"، مشيرا إلى "عدم وجود أي عائق قانوني لتسليمها"، حسبما أفادت به وكالة الأنباء الجزائرية.

بن يوسف تلمساني، رئيس المجلس العلمي للمركز الجزائري للبحث في التاريخ (حكومي)، الذي طالب باستعادة تلك الجماجم، قال للأناضول إنه "من الصعب اليوم تحديد خارطة لأحقاد هؤلاء المقاومين الجزائريين الذين توجد جماجمهم في متحف باريس لسببين رئيسيين: السبب الأول يكمن في أن "هؤلاء المقاومين لم يكونوا بالضرورة أبناء المنطقة التي وقعت فيها ثورات شعبية ضد الاستعمار؛ ولكنهم تنقلوا من مناطق أخرى لمؤازرة إخوانهم ضد بطش المحتل وظلمه، وقُتلوا في معارك ومجازر لتنقطع أخبارهم عن أهلهم في مناطق أخرى". أما السبب الثاني فهو معروف لدى كافة الباحثين في التاريخ، ويتمثل في أن "الاستعمار الفرنسي انتهج منذ دخوله الجزائر سياسة تهجير واسعة النطاق وحتى إبادة قرى بأكملها ضد السكان استمرت إلى غاية خروجه عام 1962. وكان يكسر قبائل، وبنقل أفرادها إلى مناطق أخرى وحتى خارج البلاد؛ من أجل كسر شوكة أي مقاومة لوجوده"، وفق تعبير تلمساني.

محمد بلحي، باحث في التاريخ من منطقة بسكرة التي شهدت ثورة الزعاطشة في القرن التاسع عشر، قال إن "سكان المنطقة أبادتهم فرنسا عن آخرهم. ومن الصعب الحديث الآن عن سلالتهم وأحفادهم".

ندير بولقرون، مدير صحيفة "صوت الأحرار" التابعة لحزب جبهة التحرير الوطني (الحاكم) في الجزائر وينحدر من منطقة "ليشانة" التي يقول مؤرخون إنها كانت مهد ثورة الزعاطشة الشعبية عام 1849، أكد أن "هذه المنطقة شهدت ما يمكن أن نسميه إبادة جماعية كاملة أرضاً وبشراً ونخيلاً من قبل الفرنسيين".

701 سرمك 9

(هكذا علّقوا رؤوس الشهداء بوبغلة وابنه ومساعده لثلاثة أيام- كتاب: جيش أفريقيا للكاتب الفرنسي فرانسوا كينوا)

- علّقوا رؤوس الثوّأر المقطوعة لثلاثة أيام

وروى المتحدث للأناضول هذه المعركة والتي أنجز بشأنها بحوثاً عدة سابقاً: "كما هو معلوم تاريخياً، في 26 نوفمبر 1849 وعلى إثر الهجوم الكبير الذي قامت به قوات الاحتلال الفرنسي، حيث إن مصادر فرنسية تحدثت عن قيام 8 جنود فرنسيين بهذا الهجوم ... تم تجميع أهل القرية وقتل الشهيد بوزيان الذي استشهد على أرض المعركة شاهراً سيفه في مواجهة قوات الاحتلال وقُنل ابنه والشيخ درقاوي معه" وقُطعت رؤوسهم

وأردف: "للدلالة على جرائم الاحتلال، قامت السلطات الفرنسية بقطع رؤوس الشهداء الثلاثة وتم التنكيل بهم ونُقلت إلى بسكرة (30 كلم من منطقة الزعاطشة) وتم تعليقها على مرأى من الملأ لثلاثة أيام في محاولة لترويع وقهر الجزائريين وكرسالة أن المقاومة قد انتهت".

وأشار بولقرون إلى وجود عريضة في إطار مسعى استعادة جماجم الجزائريين كلها من باريس، وقد جرى التوقيع عليها من لدن شخصيات تاريخية وأكاديمية بالتعاون مع جمعية مشعل الشهيد (غير حكومية)، وأنهم بصدد تفعيلها. كما أنهم قرّروا بمناسبة ذكرى 26 نوفمبر المقبل والمصادفة لذكرى ثورة الزعاطشة تأسيس جمعية تهتم بجمع الوثائق حول تلك الثورة.

وتمّ التأكد من أن سبع جماجم تعود إلى مقاومين جزائريين، بينها جمجمة الشيخ بوزيان قائد تمرد الزعاطشة بشرق الجزائر عام 1849، والذي أسره الفرنسيون وأُعدم رمياً بالرصاص وقطع رأسه، وأخرى لأحد مساعديه. وقد أضيفتا إلى مجموعات المتحف في 1880. وهناك أيضاً جمجمة محمد الأمجد بن عبد المالك، الملقب بالشريف بوبغلة، الذي فجر ثورة شعبية وقُتل وقُطع رأسه أيضا عام 1854.

701 سرمك 10

(الباحث الغيور الأستاذ علي فريد بالقاضي الذي اكتشف المأساة الفاجعة)

- الجماجم محفوظة في علب كرتونية تشبه علب الأحذية!

وتتواجد الجماجم في علب من الورق المقوّى، موضوعة في خزانات حديدية، معروضة في المتحف الفرنسي، حسب وسائل إعلام محلية.

وفي عمود رأي نشره على الإنترنت، عبر علي فريد بلقاضي، الذي يطالب بعودة هذه الرفات إلى الجزائر، عن أسفه لأن الجماجم ملفوفة وموضوعة في علب كرتونية عادية تذكر بعلب محلات الأحذية. ورفض برونو دافيد هذه الانتقادات، مشيراً إلى أن العلب مخصصة لهذا الغرض ومكلفة، وأوضح أن هذه الجماجم مصفوفة في خزائن مقفلة في صالات مقفلة. وتابع أنه منذ أن تولى رئاسة المتحف في نهاية 2015 قرر أنه ليس من حق أحد أن يرى هذه الجماجم احتراماً لرفات بشرية تم التعرف على أصحابها، وأضاف أنه لم يرها هو أيضاً.

701 سرمك 11

(لاحظ أن الجماجم محفوظة في علب كرتونية مثل علب الأحذية)

 

الدكتور حسين سرمك حسن

14 – شباط / فبراير – 2019

........................

- عن قناة العالم

عبدالرزاق بن عبدالله ومصطفى دالع ــ هيسبرس

الإثنين ١٠ أكتوبر ٢٠١٦ - ٠٨:٣١ بتوقيت غرينتش

- رابط فيلم:

هذا رابط فيلم عن موضوعة الجماجم المحفوظة في المتحف الوطني الفرنسي للتاريخ الطبيعي

https://www.noonpost.org/content/17165

- ملاحظة:

مصادر هذه المقالة والمقالة السابقة عن الإبادات البشرية الغربية مثبتة في مخطوطة الموسوعة.

 

جواد بشارةمن خصائص الزمن، على الأرض، وفي مجرتنا درب التبانة في الفضاء البعيد ما بين المجري، يمكننا التعاطي مع الزمن كفاعل حقيقي ضمن النسيج الزمكاني الذي تحدثت عنه النسبية العامة لآينشتين. فهذه النظرية قالت بإمكانية السفر نحو المستقبل ولم تمنع إمكانية العودة إلى الماضي لكن ذلك يبدو مستحيلاً في الوقت الحاضر . وهذا الموضوع ألهب خيال المبدعين والفنانين والكتاب خاصة كتاب الخيال العلمي. ففي سنة 1895 نشر ه ج ويلز رواية آلة الزمن la machine à explorer le temps، قبل سنوات من إنتهاء فترة حكم الملكة فيكتوريا والتي سبقت ببضع سنوات هيمنة الفيزياء النيوتنية التي دامت قرون طويلة. فلقد نشر آينشتين في بداية القرن العشرين، وتحديداً سنة 1905 نظريته في النسبية الخاصة التي زعزعت أركان مفهوم المكان والزمان الذي ورثناه من غاليله ونيوتن، ومن فهمنا لهذه النظرية بدا ممكناً السفر عبر الزمن، وعلى وجه التحديد الذهاب نحو المستقبل... فالزمن هو نفسه بالنسبة للجميع حسب المفهوم الغاليلي في حين أنه، في نظرية آينشتين مرتبط بالمدة المقاسة أو المحسوبة من قبل مراقبين يكونان في حالة حركة، وسرعة تلك الحركة، ما يعني أن الزمن ليس مطلقاً وثابتاً بل نسبي . ولقد اثبت العلماء لاحقاً صحة هذا المبدأ الآينشتيني: " تباطؤ الزمن مع السرعة"، فكلما كان الجسم المتحرك سريعاً في حركته تباطأ الزمن بالنسبة له عما هو عليه في المكان الساكن، وهو المبدأ الذي عرف فيما بعد بمفارقة التوأمين. ويمكن لمس الفارق الزمني وتأثيرات " الرحلة نحو المستقبل" فقط في حالة السرعة العالية جداً وقطع مسافات بعيدة جداً، أي المسافات مابين المجرية وبسرعة تقرب من سرعة الضوء دون أن تبلغها بالطبع لأنه لايوجد شيء في الكون يمكنه أن يسري بسرعة أكبر من سرعة الضوء حسب آينشتين. فلو تخيلنا رائد فضاء على متن مركبة فضائية متطورة وسريعة جداً ينطلق سنة 2019 نحو نجمة بتيلغوس Bételgueuse التي تبعد عن الأرض مسافة 500 سنة ضوئية وبسرعة 99.995% من سرعة الضوء، فعند عودته سيشيخ رائد الفضاء هذا عشر سنوات بالكاد لكنه سيجد الأرض وهي في المستقبل سنة 3019 أي سينقضي 1000 عام على الأرض، وهذا يعني أن رائد الفضاء الأرضي سافر نحو مستقبل الأرض. والمسالة ليست سوى مسألة وقت وإمكانيات تكنولوجية كما يقول أستاذ الفيزياء في جامعة برينستون، ريشار غوت . أما السفر نحو ماضي الأرض فهذا مستحيل مهما كانت الإمكانيات ومهما بذلنا من جهد ووقت فبوسع الزمن أن يتقلص أو يتمدد ولكن لايمكن أن ينعكس أو يرتد كما تنص النسبية الخاصة الآينشتينية، إلا أن النسبية العامة الآينشتينية قالت بإمكانية ذلك نظرياً بعدما أدخل عامل الثقالة أو الجاذبية الكونية وتأثيرها على نسيج الزمكان . فمعادلات النسبية العامة تسمح بعدة حلول تتوافق كل واحدة منها مع حالة مختلفة عن الأخرى لذلك يكون الجواب معقداً على سؤال كيف يمكن أن نسافر عبر الزمن إلى الماضي، البعض من تلك الحلول تصف أكوان متعددة موازية يكون السفر فيها نحو الماضي ممكناً فيجب أولاً الخروج من كوننا المرئي والذهاب إلى كون آخر، عبر ثقوب دودية، ومن ثم العودة إلى كوننا المرئي (إن كان ذلك ممكناً وهو ما لم يثبت حتى نظرياً) عندها يمكن أن تكون العودة نحو حقبة زمنية من ماضي الكون المرئي، والعلماء يجهلون كل شيء تقريباً عن هذه الفرضية العلمية والمسألة مفتوحة للدراسة والبحث فهناك طريقة ما للذهاب إلى الماضي من الناحية النظرية ولكن هناك استحالة من الناحية العملية إلا إذا تقبلنا فكرة تعدد الأكوان وتفاعلها فيما بينها فهناك مفارقة من يسبق من؟ فلو غادر أحدنا نحو ماضيه وقتل جده أو والده قبل ولادته فكيف يكون قد ولد وسافر ليقتل جده أو والده بنفسه؟ فالكون المرئي بقوانينه الجوهرية المعروفة يمنع حصول مثل هذا الخرق، خاصة وإننا لانعرف شيئاً كثيراً حتى عن كوننا المرئي نفسه فمابالك عن الأكوان الأخرى الموازية وعن طبيعة وحقيقة وماهية كوننا وباقي الأكوان خارج نطاق نظامنا الشمسي ومجرتنا؟ درس آينشتين في نسبيته الخاصة ما ينطوي على مثل هذا التساؤل، هل يمكننا أن نسافر إلى الماضي وطرح فرضيتين جوهريتين: الأولى تقول أن القوانين الفيزيائية ينبغي أن تكون هي ذاتها بالنسبة لجميع المراقبين، ثانياً، أن سرعة الضوء في الفراغ هي ذاتها في كوننا المرئي وبالتالي فهي أحد الثوابت الكونية ولها نفس القيمة بالنسبة لجميع المراقبين أياً كانت حركاتهم النسبية. ما يعني أنه إذا كان هناك مراقبين في حالة حركة نسبية ويقيسان المدة التي تفصل بين حدثين فلن يحصلا على نفس النتيجة، ونفس الشيء بالنسبة للمسافات، وبتعبير آخر لو كانت هناك ساعتان، واحدة في حالة حركة يحملها مراقب ستشير إلى زمن أبطأ مما في ساعة لدى مراقب ساكن على الأرض وكذلك المسافات تتقلص حسب الحركة والسرعة، وليس فقط الزمن. بيد أن ذلك لم يساعدنا على فهم كيفية السفر نحو الماضي وهل هو ممكن أم لا. عالم الرياضيات النمساوي الشهير وصديق آينشتين وهو كورت غوديل Kurt Godel اقترح طريقة من خلال النسبية العامة. ولقد اشتهر غوديل بنظريته عن اللاتكامل théorème de l’incomplétude في الرياضايات والتي أثبتت حدود ما يمكن أن يذهب إليه ويثبته الرياضيون أو علماء الرياضيات لكنه اكتشف في نهاية أربعينيات القرن الماضي وجود حل مثير للفضول لمعادلات النسبية العامة تصف كوناً في حالة دوران ذاتي حول نفسه وقدم هذا الحل كهدية عيد ميلاد لآينشتين بمناسبة بلوغه العام 70 من عمره ولم يكن العالم الحكيم في برينستون سعيداً بهذا الحل لأنه يعني بالنسبة له ضرورة مراجعة نظريته والشك بصلاحيتها كلياً . فالكون الذي درسه غوديل بواسطة نسبية آينشتين العامة غريب ومثير للفضول حقاً لأنه كون متسق متجانس وكل نقاطه متساوية لكنه ليس إيزوتروب isotrop فلديه اتجاه مفضل يمكننا اعتباره بمثابة محور للدوران الذاتي ولذلك عندما نبتعد عن ذلك المحور نشعر وكأننا نعاني من قوة من نوع من مركز للجذب الثقالي أو قوة الطرد المركزي force centrifuge، وهي التي تمنع المادة من أن تنهار ما يمنح الكون المرئي ظاهره المستقر الذي يعتبره آينشتين ضرورياً لأي نموذج من النماذج الكونية المقترحة. ولكن مايترتب على ذلك هو الذي أزعج وأحرج آينشتين لأن السفر نحو الماضي باتت ممكناً في حالة وجود الدوران الذاتي فلتحقيق ذلك ينبغي القيام بحركة منحنية دورانية زمكانية مغلقة ما يعني بتعبير الفيزيائيين إنحناء مغلق من نوع زمني، أي مسار يجلب المسافر إلى نقطة ما من الزمكان متموضعة في ماضيه. يمكن مقارنتها بحركة دائرية مغلقة حول سطح كروي عندما نفترض الزاوية المقاسة حول محور الكرة . وهكذا فإن إنحناءة زمنية مغلقة هي بمثابة حلقة داخل الزمكان . وفي الكون الدوراني الذي اقترحه غوديل فإن مثل هذه الإنحناءة تحيط بالكون كله كالخط الموازي الذي يحيط بالكرة الأرضية . ما دفع العلماء لبحث ودراسة سلسلة من الحلقات الزمكانية، وكل واحدة منها تتيح، من الناحية النظرية على الأقل، إمكانية السفر نحو الماضي .

فبالنسبة للنظرة التقليدية التي لدينا عن السفر عبر الزمن، فإن قطع مسافة، أو السفر عبر إحدى تلك الحلقات سيكون مخيباً للآمال، لأن الزمن سيمر على نحو اعتيادي كما نعهده، ومن خلال نوافذ مركبته الفضائية سوف يرى المسافر النجوم والكواكب في العمق المعهود للفضاء وإن عقارب ساعته مستمرة في الدوران باتجاهها المألوف ومع ذلك سوف ينتهي المسافر إلى أن يبلغ نقطة في الزمكان سبق وأن وجدت في ماضيه.

في عام 1914 تيقن آينشتين أن نظريتيه تتضمن إمكانية وجود حلقات زمكانية مغلقة ولم يعجبه ذلك وقد صرح بهذا الصدد قائلاً :" إن حدسي يعارض بشدة مثل هذه الفكرة " فوجود هذه الحلقات الزمكانية يخلق صراعات مع مبدأ السببية الذي يقول أن لكل سبب نتيجة وتأثير أو كل سبب يسبق نتائجه وتأثيراته. ولو قررنا تطبيق مبدأ السببية على كون غوديل برمته فسوف نستنتج أن كل رحلة حول حلقة زمكانية مغلقة من شأنها أن تضع المسافر في وضع يمكنه أن يغير ماضيه ... وهذا مبدأ علمي. وهنا نعود إلى مفارقة مقتل الجد على يد الحفيد الذي يعود إلى الماضي قبل ولادته ليقتل جده حيث ينبغي أن يمنع ذلك ولادته ووجوده فكيف إذن وجد وعاد للماضي ليقتل جده؟ من حسن حظ دعاة وداعمي مبدأ السببية أن الباحثين لم يكتشفوا آثاراً لصالح الكون الدوار على نفسه ولقد حاول غوديل نفسه البحث عن ذلك من خلال تفحصه لكتالوغ المجرات، لذلك بقي نموذجه غير واقعي وغير قابل للتطبيق فهو يشير فقط نظرياً إلى أن الحلقات الزمكانية المغلقة هي إمكانية في النسبية العامة للسفر داخل الزمن، للماضي أو المستقبل.

وفي العقود القليلة الماضية انكب علماء الكونيات على وصف منحنيات زمكانية مغلقة عديدة، فلقد تخيلوا، مثلاً، أن الزمكان يمكن أن يتشوه أو ينبعج في جزء من الكون المرئي فقط. ففي البنية العامة، إن الزمكان هو الذي يملي على المادة كيفية الحركة والمادة تملي على الزمكان كيفية الإنحناء والتحدب، كما قال عالم الفيزياء الحاصل على جائزة نوبل للفيزياء جون ويلير John Wheeler، بعبارة أخرى، إن الكواكب والنجوم والمجرات، تشوه هيكيلية وبنية الزمكان في حين إن هندسة الزمكان هي التي تحدد حركات الأجسام الموجودة في حيز زمكاني ما. وفي بعض الحالات يكون التحدب الزمكاني قوياً بمكان بحيث يمكنه أن يفتح طريقاً للاتجاه من الحاضر نحو الماضي وبالتالي اقترح الفيزيائيون بعض الآليات الغريبة التي بموجبها تنبثق تلك الطرق. ففي عام 1991 أثبت العالم ريشار غوت في مقال له أن " الأوتار الكونية، وهي أجسام افتراضية في غاية الطول والنحافة، بل أنحف من قطر ذرة (وهي ليست كالأوتار في نظرية الأوتار الفائقة) الأمر الذي يجعل من الممكن، عند تفاعلها وتشابكها، خلق وتشكيل منحنيات وتحدبات زمكانية مغلقة عملاقة " وفي عام 1983 بدأ العالم كيب ثورن من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا ـ كالتيك Caltech ـ بدراسة " الثقوب الدودية، لكي يصف ــ نظرياً ــ نوعاً من الإنحناء الزمكاني المغلق القادر على الربط والتوصيل بين منطقتين مختلفتين من الزمكان أو بين كونين منفصلين كما لو إننا نعبر من خلال نفق . وحسب قوانين النسبية العامة، مثلما يمكن الربط بين منطقتين مختلفتين في الفضاء، من الممكن الربط بين منطقتين أو حقبتين مختلفتين من الزمن، حسب تعليق شين كارول من معهد كالتيك أيضاً .

صار بوسع علماء الفيزياء والكونيات صياغة معادلات رياضياتية لوصف الثقب الدودي وغيره من التحدبات والإنحناءات الزمكانية المغلقة . لكن الأمر توقف عند حدود الرياضيات فحسب, فالدخول في ثقب دودي يمكن تخيله كروي الشكل كما شاهدنا ذلك في فيلم الخيال العلمي البديع انترستيلير Interstellar، مابين النجوم ــ الذي أخرجه كريستوفر نولان سنة 2014 حيث تم خلق مدخل ثلاثي الأبعاد داخل نفق رباعي الأبعاد في الزمكان، كما هي حالة الترحال على مديات جميع المنحنيات والتحدبات الزمكانية المغلقة، فإن المرور من خلال ثقب دودي من شأنه أن يتشابه مع كافة الدروب التي تتكون عبر الزمكان فمهما عمل المسافر عبر الثقب الدودي فإن زمنه يمر ويتدفق نحو الأمام، المشكلة هي في تعريف مفهوم" نحو الأمام" وماذا يقصد به حيث سيكون عديم التزامن مع بقية الكون المرئي أو المنظور. وحتى لو توصل العلماء إلى المعادلات الرياضياتية بخصوص الثقوب الدودية إلا أن النماذج المقترحة تعاني من مشاكل مهمة. فلأجل تشكيل ثقب دودي يجب توفر " طاقة سالبة " هائلة. حسب شين كارول. ولكي تظهر الطاقة السالبة يتوجب أن تتأرجح وتتقلب الطاقة الموجبة الموجودة في حجم معين من الكون إلى أن تصل إلى قيم سالبة لذلك لايمكن تصور فتح نفق رباعي الأبعاد لثقب دودي إلا بتوفر ما يكفي من الطاقة السالبة ولكن من الصعب الإبقاء على ثقب دودي مفتوحاً، إن لم يكن مستحيلاً، فقط بالاعتماد على الطاقة السالبة، فالطاقة السالبة مقترنة بالكثير من الإشكاليات العويصة التي يصعب السيطرة عليها . فحتى لو عثرنا على الطاقة السالبة اللازمة والضرورية لفتح ثقب دودي، فإن الجسيمات الأولية سوف تنتقل قاطعة حلقة زمكانية بعدد لانهائي من المرات ما يعني أن علينا توفير كمية لامحدودة من الطاقة السالبة وهذا مستحيل. وكما إن وجود الطاقة في مكان ما يشوه الزمكان، فإن الثقب الدودي سينهار برمته في نقطة لانهائية الكثافة داخل الزمكان أي يتحول إلى ثقب أسود . والحال أن العلماء ليسوا واثقون بإمكانية حدوث ذلك في الواقع الكوني، ما يعني أن الكون نفسه يمنعنا من بناء آلة يمكنها السفر عبر الزمن والرجوع إلى الماضي، لأن الطريق الدودي الذي ستسلكه المركبة سوف يتحول إلى ثقب أسود وعلى عكس الثقوب السوداء، التي هي أجسام كونية فضائية، فإن الثقوب الدودية والمنحنيات الزمكانية المغلقة ليست سوى بنيات وهيكيليات افتراضية مبتكرة لمعرفة الحدود القصوى للنظرية . ففي النسبية العامة، من الصعب تفادي الثقوب السوداء، في حين يمكن تفادي حدوث ثقوب دودية أو منحنيات زمكانية مغلقة . ولكن حتى لو كانت الثقوب الدودية صعبة الإدراك والتصور لكن مجرد التفكير بها في النسبية العامة يعد أمراً مهماً . فمن غير المنطقي أن تكون لدى البشر مقاربة للسفر داخل الزمن و لا يذهبون إلى الحدود القصوى لتلك الفرضية . فبالإصرار على مثل هذه الممارسات والتجارب يتحسن فهم العلماء للكون المرئي ويتطور استيعابهم له ويمكن ألا يوجد الكون نفسه لو سمحت خصائصه بإمكانية السفر والعودة نحو الماضي لمعرفة كيفية تكونه.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

صادق السامرائيهذه نظرية جاء بها ليون فيستنجر عام 1957 تؤكد ميل البشر للتبرير وتسويغ ما يقوم به من أفعال تتناقض وما يؤمن به ويعتقده ويراه، فيستحضر ما يجعل الفعل المناهض لمعتقده متوائما ومنسجما معه!!

فالبشر يمتلك حساسية عالية أو ثيرموستات حساس جدا لأي عدم توافق ما بين أفعاله ومعتقداته، فالبشر يدرك وبمستويات مختلفة أي عمل لا يتوافق مع معتقده ورؤاه ومواقفه الفردية والجمعية، وعندما يحصل العمل المناهض لما فيه، يتسبب في إضطراب داخلي عليه أن يبتكر الوسائل والأساليب الكفيلة بتهدأته وتسكينه، والوصول إلى حالة الإستقرار الداخلي والإتفاق مع ما يحتويه.

 وهذا الإضطراب يسمى اللاتوافق، ويتطلب العمل الجاد للتخلص منه لما يتسبب به من عدم راحة نفسية وعقلية، وهذا اللاتوافق أو التنافر ما بين المعتقد والعمل أو الفعل، تتناسب شدته مع قباحة وفداحة العمل المتنافر مع الرأي والمعتقد، فالسلوك المتنافر يتسبب بعواقب نفسية سلوكية موجعة تتطلب التداخل السلوكي العاجل.

ويسعى صاحب السلوك المتنافر إلى أن يغيّر ما يراه ويعتقده لكي يسوّغ َعمله القبيح،  لكن هذا السلوك صعب ولا يمكنه أن يكون الخيار الأول والأسهل، أو أنه يلجأ إلى تغيير سلوكه، وقد يتوب ويقرر أن لا يعود إلى فعلته مرة أخرى، لكنه ليس الأكثر شيوعا، أو أنه يبرر ما يقوم به ويدافع عنه ويستحضر ما يعزز ما قام به ويجعله متفقا مع ما يعتقده ويراه ويؤمن به، وهذا يسمى التبرير، وهو السائد دوما.

فأقبح الجرائم وأفظع المآثم يمكن تبريرها من قبل مرتكبيها، الذين يعتقدون بالمثل السامية والرحمة والعدل والإنسانية، إذ يتم النظر للسلوك بأساليب أخرى تساهم في شيوعه وتكراره وتمجيده.

وخلاصة النظرية أن السلوك عندما يتقاطع مع المعتقَد، يضع الشخص في مأزق تنافري ما بين عمله ومعتقده، وعليه لكي يتخلص من وجع التنافر أن يغير معتقده أو رأية أو يتوب أو يبرر ويعزز ماإرتكبه من عمل شنيع.

وهذه النظرية تساعدنا على فهم وتفسير السلوكيات السائدة في مجتمعاتنا، والتي تتنافر مع الأعراف والتقاليد والمعتقدات المتوارثة عبر الأجيال، التي تآلفت وتواشجت وتمازجت بكل ما فيها.

فعندما ترى المسلمين يطوفون حول الكعبة بقلب واحد وروح تلهج بإسم الله ، وكأنهم حالة واحدة منسجمة متوافقة متناغمة معتصمة بحبل ربها المتين، وتجدهم بعد ذلك يتقاتلون ويكفرون بعضهم، ويهتكون أعراضهم وحرماتهم ويقجرون أماكن عبادتهم، ويفعلون ببعضهم ما لا يستطيع عدوهم أن يفعله بهم، تتساءل بحيرة عن تفسير ما يجري ويدور؟!!

وعندما تتأمل أبناء الوطن الواحد والدين الواحد والمعتقد الواحد يقتل بعضهم البعض، ويحسبون ذلك من طقوس العبادة وأركان الدين، تتساءل عن هذا السلوك المدهش الرهيب؟!!

ومن أسهل الأساليب وأكثرها رواجا للقيام بالفظائع ضد أخيك في الوطن والمعتقد وأكثر، كأن تكفره أو تحسبه مرتدا، خصوصا وأنك تستحضر ما هو مقدس وديني لتعزيز ما ستقوم به من جريمة، فتقول أنني أقتل أخي المسلم لأنه كفر أو إرتد، أو أنه لم يتبع طريقي الذي يعبّر أصدق تعبير عن الدين والشريعة والرسالة، وأنك إمتلكت القدرة والنفوذ بتفويض من رب العالمين، الذي جعلك آلته للإقتصاص من الكافرين والمرتدين والخارجين عن طاعته، وبهذا فأنك تنفذ إرادة الله ولا شأن لك بما تقوم به سوى تنفيذ أوامره وحسب.

وقمصان الله والشرائع والأديان وغيرها معروفة ومكررة في مسيرات الصراعات والمصائب والخيبات البشرية، لأنها من أسهل ما يمكن إستحضاره لإبعاد حالة التنافر ما بين المعتقد والسلوك.

فقتل المسلم لأخيه المسلم بل لأي مخلوق حرام وجريمة شنيعة، لكن القاتل الأصولي المتطرف يبرر قتل المسلم وإستباحة عرضه وممتلكاته،  بما لا يُحصى من التسويغات والتبريرات المعززة بالآيات والأحاديث والفتاوى والإقتداء بكذا وكذا، وبالتأويلات التي تحرره من أوجاع التنافر وتأثيراته الإضطرابية القاسية.

وخذ – على سبيل المثال – الصراعات الدامية ما بين المذاهب والفرق والجماعات، وما تتسبب به من خسائر ومظالم وقهر وترويع وجرائم بحق الإنسانية، وبمبادئ ومعايير الأرض والسماء، وكيف أنها تتواصل وتتأجج وتزداد قبحا وشراسة، ووراءها أدعياء دين وقادة ومروجين ومسوغين، ومساندين ومنادين بالمزيد من الفظائع والجرائم والمآثم، وكل يحمل راية الله ويشهد أن لا إله إلا الله، وتسانده سيول من الفتاوى والآراء التي تحبب إليه العمل القبيح وتحسبه الفضيلة الكبرى.

كما تجد الأقلام والمعممين والملتحين ومَن له منفعة في هذا العدوان، قد إندفع بجنون المتوحشين الساعين للإفتراس المشين، وبأفعالهم هذه يؤسسون لثقافات تدميرية وتفاعلات إنقراضية مروعة، ويصبح الناس المتورطون بهذه الآثام والمتصلون بها، لا يرغبون بسماع ما يفندها أو يكرههم بها، وإنما يصيخون السمع لما يعززها ويزيد من لهيبها وتأثيرها، فتراهم ينكرون ما لا يتفق وما يحقق التوافق ما بين السلوك المتنافر ومعتقدهم.

وحالهم كالذي يشتري بضاعة ويشعر بأن من الأفضل له لو إشترى غيرها أو أنه وجدها بسعر أقل في مكان آخر، فيتوتر وينزعج، ولكي يقلل مما إعتراه، يستجمع ما ينفره من البضاعة التي لم يشتريها، وما يحببه بالبضاعة التي إشتراها.

وتلعب العواطف دورا كبيرا في التأسيس للممانعة والإنغلاق في صناديق الغفلة، والتغاضي عمّا لا ينسجم ويعزز فعل الرذيلة والتوهم بأنها أفضل من الفضيلة، وهذا الخلل الإدراكي والفهم المنحرف عبارة عن سلوك تغافلي عمهي، يسعى لخداع النفس وإيهام العقل وإحراف القلب ونزع جواهر الإنسانية من أعماق البشر، وتحويلهم إلى آلات وأدوات لتنفيذ البشائع وكأنهم سكارى منومون محقونون بأفيون البهتان والضلال المهين.

ولهذا فالإعلام يحتشد بما يبرر ويسوّغ ديمومة السلوك الرذيل المناهض لأسس ومبادئ الإسلام، وما جاءت به الرسالات السماوية، ويمضي في تسويق بضائع الرذيلة والدجل والتضليل والخداع والإيقاع ما بين الإنسان والإنسان، وتجد مقاطعة شبه تامة لكل ما يزعزع أركان البهتان ويُفحم الأكاذيب والإدعاءات التدميرية.

والذين لا يمتون للمجتمع والدين بصلة ينظرون إلى ما يجري، ويفسرونه على أنه سلوك خارج عن العصر وأن المنطقة تعيش عصورا مظلمة كريهة، وعلى البشرية أن تطمرها بحفر ما فيها، ولهذا تتجيش الجيوش وتداهمها أساطين التدمير والترويع والتخريب والتهجير من كل حدب وصوب.

وعندما تسأل أي شخص مهما كانت ثقافته عما يجري، يأتيك بأتفه وأقبح الأسباب ليسوّغ الذي يحصل ويأبى أن يسمع منك غير ذلك، وبهذا فهو يساهم عن قصد أو غيره في تقوية السلوك وتبريره وتعزيزه، ولهذا فأن السوء السائد سيزداد سيادة، لأن الناس لا تجد بُدا من إسناده وتصديق ما يساهم في تواصله من إدّعاءات وتبريرات مخادعة مضللة وذات سُميّة ووبائية عالية.

ومن الواضح أن العديد من الذين أصبحوا رموزا ومتسلطين، يديرون دفة اللعبة التغريرية التحريفية التدميرية، حتى أن بعضهم صار يتحدث عن الشك في صحة القرآن ويريد أن يأتي بقرآنه، ليبرر به ما يرتكبه من الجرائم والمظالم والمآثم التي تزعزع أركان السماء.

ومن الأمثلة على ما يجري في المجتمع أن الذين تسنموا السلطات، يحسبون ذلك نصرا من ربهم، وما نهبوه وسرقوه من أموال الشعب رزق من الله، فقد فتح الله لهم خزائن الأرض وعليهم أن يتنعموا بنعمته الفضيلة، ونعمة الله لا تحصى ولا تعد وقد خصهم بها، وبهذا يمعنون بالفساد ونهب الأموال، ولا يعنيهم الفقراء والجياع، لأنهم في تقديرهم يعيشون غضب الله عليهم ولا قدرة عندهم لرد غضب الله على عباده.

ووفقا لهذه النظرية يمكن تفسير وفهم الظواهر العصية الدائرة في مجتمعاتنا، وعندما سألوا أحد الحكام عما يصيب أبناء بلده من الويلات وأنهم يتقتلون، كان جوابه بأنهم ليسوا مواطنين من أبناء الوطن، إنهم إرهابيون، ونحن نقاتل الإرهابيين!!

وقس على ذلك العديد من الحالات والظواهر والتفاعلات المتناقضة مع أبسط القيم والمبادئ والأعراف، والتي تتكرر وتتواصل بعنفوان ووحشية.

وسألوا أحد المسؤولين عن الخسائر في صفوف المدنيين وتدمير ممتلكاتهم، فأجاب ببرود وعدم إكتراث، بأنها أضرار ثانوية لا يمكن تفاديها، وقد حصلت في جميع الحروب، فما الجديد في هذا .

والثقافة السائدة في أحد البلدان الذي دُمّرَ عن بكرة أبيه، أن كل ما جرى وتحقق بسبب النظام السابق لا غير، وأن الذين يحكمون فيه لا ناقة لهم ولا جمل بما يحصل من الدمار والخراب وملاحم الفساد وتهجير العباد!!

وهكذا ترى الأمة في مآزق تضليلية خداعية تمويهية تأخذها إلى متاهات سقرية ذات تداعيات فادحة وشنيعة النتائج والتفاعلات، ويساهم أبناؤها في توفير الديناميكية التواصلية الكفيلة بتحقيق أكبر الإنهيارات الفكرية والسلوكية والإعتقادية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية والسياسية والعسكرية، وذلك لبراعاتهم التبريرية والتسويغية التي تحقق تعجيزا وشللا، وإنحطاما أليما في أرجاء أعماق الأجيال المبتلاة بقادة التنافرات والتوافقات التحريفية الخلاقة.

وفي أمة ذات تراكمات تراثية وحضارية هائلة، يصبح أي سلوكٍ فيها مُبرَّرا ومُسوَّغا، ما دامت تمتلك الوفير مما يساهم في التعضيد والإسناد، فمخزون الأمة المعرفي كفيل بحمل جميع وجهات النظر والتعليلات اللازمة لأي سلوك، وفي هذا مَكمَن الخطر والبلاء الوخيم!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

محمد فتحي عبدالعالأصل الاكراد: حينما نتحدث عن حضارة هذا الشعب العريق الذي يسكن الآن غرب اسيا بمحاذاة جبال زاكروس وجبال طوروس والتي تسمی كردستان الكبري وتزعم الجغرافيا التوراتية ان جنة عدن بكردستان،  فيما تقع كردستان  بين جنبات بلاد أربع هي تركيا والعراق وسوريا وايران وازاء هذا التنوع الانساني فنحن أمام حالة فريدة لا تنتهي من الجدل والاختلاف حول أصل الاكراد وحضارتهم التي وصفها التاريخ بأقدم الحضارات الارستقراطية في العالم الا انها في الوقت ذاته تجربة مثيرة وفريدة أمام أي باحث، ونبدأ بحثنا بتساؤل من هم الاكراد؟

بحسب الروايات العربية فالمسعودي في كتابه (مروج الذهب) يقول ان الكرد من سلالة الايرانيين الذين لجأوا الي قلاع الجبال هربا من ظلم حاكم ظالم ذكره بأسم الضحاك وهو ما ذهب اليه الفردوسي أيضا في كتابه (الشاهنامه) ولا زال مهرجان جزن كردي أو العيد الكردي في 31 اغسطس من كل عام شاهدا علي الخلاص من ظلم الضحاك والحقيقة أن ما اثبتته الدراسات التاريخية هو أن الضحاك لم يكن شخصا بل أسرة ملكية حكمت ايران جمعاء، كما أوردهم الطبري وابن خلدون في مقدمته بأسم بدو الفرس.

لا يخلو أصل الاكراد من جدل مثير فالمؤرخين العرب بذلوا جهدا هاما في البحث عن الاصل العربي للاكراد فيذكر المسعودي في مروج الذهب أن الجد الأكبر للاكراد هو ربيعة بن نزار ابن معد !!

فيما ذهب أخرون الي أنه مضر بن نزار واجمعوا انه كان اميرا علي ديار ربيعة (ديار بكر) فيما زعم ابن عبد البر في كتابه (القصد والأمم ) ان الاكراد من نسل عمرو مزيقيا بن عامر بن ماء السماء وانهم وقعوا بأرض العجم وتناسلوا بها وان انفصال الاكراد عن العرب جاء مع انهيار سد مأرب حيث كانوا من القبائل العربية التي هاجرت من اليمن الي الشمال نحو الجزيرة العربية وانهم سكنوا بعدها الجبال واختلطوا بعدها بعناصر اجنبية،

ومن أطرف ما سيق في أصل الكرد زعم البعض بشكل اسطوري  من سلالة الجن وذلك لشقرة لونهم أو انهم من سلالة من أسرهم  الجني (جاهيل – جاسد) الذي طرده سيدنا سليمان عليه السلام.

الابحاث الحديثة تنتصر في بعضها للاصل الايراني للاكراد فبحسب نظرية مينورسكي، فأصل الاكراد يعود الي الفرس و ٲيد ذلك بعض المستشرقين من أنهم أحفاد الايرانيين الخالدين المحاربين الاشداء، قاطني الجبال وقد نزلوا منذ الالف الثالثة قبل الميلاد الي سهل دجلة والفرات واخضعوا لحكمهم القبائل السامية الضعيفة،‌ وقد ذهب البعض في تأييد هذه الوجهة الي القول أن كلمة كرد هي كلمة فارسية تعني الابطال..كما أورد المؤرخ زينفون ذكر الكرد تحت مسمي كاردوخ وأنهم من هاجموا الجيش اليوناني اثناء عبوره بحيرة وان الواقعة شرق تركيا.. فيما يري هيردوت، أن الشعب الكردي ينحدر في الاصل من سلالة الكروديوني والعرق الآري ...أما السوفيتي مارفي، نظريته  فيری ان الاكراد أقرب الي قبائل الٲرمن والكلدانيين والقوقازيين لطبائعهم المشابهة لهذه الاقوام.. اما البروفيسور لهمان هوبيت، فذهب الي ان الاكراد هم اجداد الجورجيين..

تشير الدراسات الادبية الي أن ٲول ظهور لكلمة كرد كان في الكتابات باللغة البهلوية علی شكل كرد وكردان وان الملك الساساني المؤسس اردشير بابكان يذكر ماديج ملك الكرد ضمن خصومه وان كلمة كرد مشتقة من مملكة كوتيوم ومن شعب كوتي وهي واحدة من اقدم الممالك السومرية ومعاصرة لعيلام وارمينيا واكاد واشتهر الكرد في النصوص المسمارية باسم كرتي واحيانا كاردوخ ..

أقدم الوثائق الاسلامية التي أتي فيها ذكر لكلمة كرد كان بين سطور الرسائل المتبادلة بين الامام علي بن ابي طالب وعامله في البصرة زياد بن أبيه، كما يذكر الحافظ الذهبي تابعيا اسمه ميمون الكردي وجاء في أسد الغابة لابن الاثير  اسم صحابي يدعي جابان ابو ميمون الكردي والذي اتصف بشدة الورع والتحرج في رواية الاحاديث الشريفة كما ورد ذكر الكرد في المصادر الاسلامية في انضمام الكرد لثورة عبد الرحمن بن الاشعث علي الخلافة الاموية وارسال الحجاج الثقفي جيشا لاخضاعهم وكذلك في وقوف بعض الكرد مع مروان بن محمد اخر خلفاء بني اميه والذي ورث وسامته عن امه الكرديه..كما شارك البرامكة من الكرد في وصول العباسيين الي سدة الحكم كما شاركوا في الثورة عليهم ايضا بعد نكبتهم في عهد هارون الرشيد.. وللحديث بقية ...؛

 

استاذه سروه عثمان مصطفی .. اديبة كردية

د. محمد فتحي عبد العال .. كاتب مصري

..................

المصادر:

- تاريخ الكرد في الحضارة الاسلامية د.احمد الخليل

- خلاصة تاريخ الكرد وكردستان محمد امين زكي بك

- الويكبيديا العربية

- الكرد وكردستان ارشاك سافراستيان

 

الى حد قريب كانت المناهج الدراسية بدءا بالقراءة الخلدونية- التي الفها ابو ساطع الحصري وسماها على اسم ابنه "خلدون"- والتي خرجت اجيال من المثقفين من كتاب وادباء وعلماء اثروا الساحة المجتمعية بابداعاتهم التي كانت ولاتزال ياكل المجتمع ثمارها، اطباء، مهندسين قضاة، معلمين، وكل شرائح المجتمع، كانت بمادتها السلسة وطريقة هجاءها تعتبر المرجع الاول للطفل وهو في اول مراحل حياته الدراسية، تلك الطريقة التي تجعله يتهجأ اي كلمة وهو في الصف الاول، ولايخفى على احد انّا كنا نتهجأإ اسماء المحال التجارية ويافطات الاطباء لما لهذه الطريقة الهجائية من وقع تكنيكي على دماغ الطفل وكأن الكلمة قطع "ليغو" يفككها ثم يعيدها..

اما اليوم فالهجوم التعليمي على دماغ الطفل وصل ذروته في ظل المناهج الصعبة جدا ابتداءا من الاول الابتدائي حيث القراءة التوليفية، فتجدالطفل يردد كالببغاء دون ان يعرف كنه الحرف او الكلمة، دروس علمية في مادة العلوم كحالات المادة والاجسام الغاطسة والطافية"قاعدة ارخميدس" التي كانت تدرس في المتوسطة، طرق معقدة في درس الرياضيات لف ودوران من اجل حل مسالة طرح بسيطة تقود الطالب الى متاهات لاغنى له عنها سوى التذمر وكره الدروس ثم العزوف عن الذهاب الى المدرسة ، اضافة للدروس الاخرى الغير منهجية كالحاسوب واللغات مع تقصير باستغلال واهمال دروس الفنية والرياضة والتي تعتبر المتنفس الوحيد للطالب، وقد بدا الامر ياتي اكله من خلال التسرب من مقاعد الدراسة ناهيك عن ان بعض بنايات المدارس غير صالحة صحيا ونفسيا ، تفتقر لشروط النظافةاضافة الى تكدس اعداد كبيرة بالصف الواحد يصل الى اربعين او خمسين طالب، مع التفريط بالزامية التعليم التي تركت الحبل على الغارب لقيام بعض الاهالي من الطبقة الفقيرة بالزام اطفالهم بالنزول الى سوق العمل وترك المدرسة مما ولّد اجيالا من الاميين الذين يغزون المجتمع الان..

ان الامر محسوم بالنسبة لطلاب المدارس الاهلية من حيث البنايات والاهتمام بالتدريس وان كانت المناهج واحدة والتي تمتاز بالصعوبة والضغط على اعصاب الطفل خصوصا الطفل المتوسط الذكاء او مادون المتوسط، فتلك الماساة يدفع ثمنها الطفل واسرته وخصوصا الامهات اللواتي تولن بانفسهن مهمة اداء الواجبات، وهذه للاسف حقيقة ومعاناة حقيقية في كل بيت تقريبا ..

ان واقع التعليم اليوم يحتاج الى وقفة جادة لايجاد الحلول الناجعة المناسبة  لاعادة التوازن الى العملية التربوية من جديد من خلال اعادة النظر بالمناهج الدراسية والاهتمام اكثر بالواقع التعليمي الذي يعتبر الخط الاول والرافد الحيوي المهم في اي مجتمع يسعى الى التطور والازدهار ..

 

مريم لطفي

 

ميثم الجنابيلقد كان المستقبل وما زال وسيبقى من بين اعقد الإشكاليات، حتى حالما يتحول إلى "فكرة قريبة التنفيذ" و"مشروع واقعي" و"مخطط واضح المعالم" و"قضية فنية فقط" و"مسألة زمن لا غير". والسبب يكمن في كونه احتمالا حيا. ومن ثم يحتوي على إمكانيات لا تحصى، خصوصا حالما يجري الحديث عن مستقبل في ظل صراع لم تحسم أولوياته، ولم تتبلور في أذهان ونفسية قواه الاجتماعية والسياسية ونخبه العامة والخاصة مرجعيات قومية عليا1 . فالمستقبل هو في الأغلب ديمومة لمعلوم ومشروع لمجهول، وبالأخص هو تحقيق لمبادئ مرجعية كبرى او مبادئ متسامية، أي لتجارب الأمم في كيفية حل إشكاليات وجودها الطبيعي والماوراطبيعي ونوعية تراكم هذه الحلول في مرجعيات خاصة. من هنا يصبح الخروج عليها انحطاطا او تخريبا او نكوصا او تحللا، وبالمقابل يصبح البقاء ضمن سياقها التاريخي والفناء بمعاييرها الثقافية أسلوب الرقي الدائم. وضمن هذا السياق يمكن القول بأن تأسيس التاريخ الفعلي يفترض تأسيس "تاريخ المستقبل". وليس مصادفة أن يكون احد الأسباب الجوهرية لانتكاسة الفكرة القومية الراديكالية هو أنها لم تستند إلى وعي ذاتي تاريخي، إي وعي قادر على تأسيس منظومة البدائل الكبرى بالضد من صنع الأهواء المتبدلة والمسطحة للأيديولوجيات السياسية المصطنعة. وقد غذّت هذه الحالة وما تزال تغذي الجذرية السياسية للأصوليات المتطرفة، بوصفها الوجه الآخر للراديكالية السياسية القومية والشيوعية. وكلاهما وجهان للغلو والانغلاق العقائدي. وليست الطائفية السياسية في الواقع سوى الثمرة المرة لانغلاق طرق وآفاق هذه الراديكاليات السياسية المصطنعة. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بأن الطائفية السياسية هي الموجة الأخيرة لهولاكو الغزو الهمجي الملازم لسيادة فكرة الزمن، أي لتيار الخراب المادي والمعنوي للقيم الإنسانية، وانعدام الرؤية التاريخية والمستقبل. وهي موجة نعثر عليها ليس فقط في تعصب الحركات المذهبية والطائفية المغلقة، بل وفي "الاجتهادات" الخربة للصحافة والإعلام ورجال الفكر! ومن الممكن أن نتخذ من "محنة" العراق المتولدة من زاوج دكتاتورية قبيحة باحتلال أقبح وما يدور حوله نموذجا "حيا" بهذا الصدد. ومفارقة الظاهرة تقوم ليس فقط في تحول العراق من "قلب العروبة" النابض إلى ميدان الاقتتال الهمجي، بل وإلى ميدان التجريب المبتذل "للتفلسف" الطائفي، كما نراه في مختلف مظاهر البحث عن أسباب ومقدمات "محنة العراق" في مقارنات "تاريخية" مبتذلة مثل "ابن العلقمي" و"صدام حسين"، والروافض والنواصب، أي إلى مختلف مظاهر اجترار الزمن وإنتاجه المتكرر لحالة الانحطاط. وليس هذا بدوره سوى ما ادعوه بهيمنة نفسية وذهنية الزمن، أي اجترار معالم ونتائج الانحطاط والخراب، التي يمكن التدليل عليها في احد نماذج "التفلسف" المسطح عبر مقارنة "محنة القرآن" القديمة "بمحنة العراق" الحالية2 !

إن "محنة" القرآن، أي الجدل اللاهوتي السياسي حول مسألة ما إذا كان القرآن قديما (منذ الأزل) أم مخلوقا (بمرحلة ظهور الإسلام)، لم تكن امتحانا سياسيا فقط أو اختبارا عقائديا عاديا من اجل السلطة كما يشيعه هذا النوع من "التفلسف". كما أنها لم تكن معتركا بين "شيعة" فرس بقيادة المأمون، و"سنة" عرب بقيادة الأمين، وإلا لأدى ذلك إلى رمي كل جدل الأفكار والمدارس في مزبلة المذاهب المنغلقة.

إن هذا الإسقاط المفتعل والمسطح على أوضاع العراق الحالية هو تفعيل سيئ للخطأ والخطيئة. انه يساهم في تفعيل الكليشات المذهبية والطائفية المميزة للزمن الميت و"القرون المظلمة" عن تصوير "شيعة العراق" فرسا وصفوية (مع الجهل المريع بهذا المصطلح)، و"سنة العراق" عربا! أي كل ما يساهم بوعي أو دون وعي على تعميق وتوسيع الأوهام الطائفية. والأوهام هي على الدوام القوة الأشد تخريبا. وحالما تسعى لجعل الزمن تاريخا، فإنها تتحول إلى مغول الجاهلية الجديدة وتتر المستقبل الفاحش!.

فمن الناحية التاريخية كانت "محنة القرآن" امتحانا فكريا وثقافيا معقدا وعسيرا، لا يخلو من أبعاد سياسية. لكنها أبعاد كانت جزء من صيرورة الثقافة الإمبراطورية العربية الإسلامية ورؤيتها الكونية الصاعدة. وهو السر القائم وراء تحول المأمون ومرحلته إلى "العصر الذهبي" في الحضارة الإسلامية. أما محنة العراق الحالية فهي محنة الانحطاط العام للدولة والثقافة والفكرة القومية، التي لعبت فيها الطائفية السياسية وما تزال دورا فاعلا. وفي هذا الانحطاط العام يكمن سرّ المصّنع الخفي والعلني للطائفية السياسية وليس العكس. من هنا خطورة الإسقاطات المبتسرة للقراءة الطائفية للتاريخ. فالطائفة من حيث البنية والتركيب زمن "دائر"، والطائفية اجترار ممل لقيم ومفاهيم تعيش على أطراف التاريخ الفعلي. ومن ثم فهي نفسية وذهنية جزئية، أي لا علاقة لها بمنطق التاريخ العام. لهذا لا يوجد تاريخ طائفي، وذلك لأن الطائفة بلا تاريخ. من هنا يمكننا القول، بأنه لا توجد قراءة طائفية للتاريخ، بل يوجد تأويل مذهبي ومتحزب لزمن الأسلاف، أي لماض لا قيمة له بحد ذاته. أما القراءة الطائفية للتاريخ فهي مجرد اصطناع مفتعل لنفسية وذهنية الأهواء (أي ما يعادل فكرة الأيديولوجية المتحزبة بالمعنى الحديث). وهي قراءة تؤدي إلى تهشيم الوحدة أو "الغرض المتسامي" الذي تدعي تمثيله، وذلك لأنها تسحب الوعي الاجتماعي والسياسي صوب مستنقع اللاعقلانية والهمجية. وهي الحالة التي يمكن رؤيتها على واقع العراق الحالي، ومن ثم احتمال تكرارها في دول العالم العربي الأخرى.

من هنا ضرورة قراءة الماضي أيضا بالشكل الذي يجعلها جزء من قراءة المستقبل، لكي يكون بالإمكان التحرر من اجترار الزمن والارتقاء إلى مصاف التاريخ. فالعالم العربي ما زال يراوح في مكانة لمدة قرنين من الزمن. واغلب ما فيه مستورد، بما في ذلك رموز الملابس العربية الأصيلة! وهو السبب القائم وراء عدم إدراك الحقيقة البسيطة القائلة، بان حقائق التاريخ الكبرى هي مرجعيات متسامية لا علاقة لها بالأحزاب والمذاهب والطوائف. وان حيويتها الفعلية والحقيقية تقوم في استعدادها وقدرتها على تنظيم وعي الذات القومي (العربي). وبالتالي، فان قراءة صراع الآراء والمواقف والمدارس القديمة ينبغي أن يتحول إلى جزء من قراءة الأفكار، أي إلى جزء من بناء العقل النقدي ومنظومة القيم الثقافية مثل الإقرار بالتعددية والتنوع والاختلاف بوصفها مرجعية فكرية روحية كبرى، أي النظر إلى كل الاختلافات القديمة على أنها اجتهادا. والأهم من ذلك التحرر منها بوصفها حلولا ورؤية "عصرية". وذلك لأن تجارب الماضي جزء من الماضي، أي جزء من الزمن المنصرم. والتاريخي فيها فقط يقوم في قدرتنا على توظيفها العقلاني بالشكل الذي يخدم تطوير الرؤية الإنسانية وفكرة الحرية والتقدم الاجتماعي.

إن تحويل القراءة المتفلسفة للتاريخ إلى قراءة مغلوطة لتاريخ الفلسفة والأفكار، يعادل المساهمة في إثارة مختلف أشكال اللاعقلانية والهمجية. فإن كانت هذه القراءة عن دراية فهي ارتزاق وتخريب للعقل والضمير القومي، وإن كانت عن غير دراية فهي ليست فكرا.

بينما تفترض الدراية والفكر التأسيس الحي للتاريخ القومي بوصفه تاريخيا ثقافيا، أي نفيا لزمن الانحطاط، وفي الحالة المعنية لزمن الطائفية بمختلف أصنافها، والسياسية منها بشكل خاص. فالتاريخ الثقافي للأمم (والعربي احدها) وحدة متناقضة لا تخلو من دموية. ومهمة المثقف بشكل عام ورجل الفكر بشكل خاص تقوم في تنشيط حركة الدماء في قلوب وشرايين الوعي القومي الثقافي وليس في سكبها على أسياف المعارك الهمجية! فالبديل العربي الجديد في العراق يقوم في نفي العار العراقي وتحويله الى جزء من غربلة الزمن السيئ.

***

ا. د. ميثم الجنابي

....................

1-  لقد أبدع التاريخ الفكري والثقافي العربي الإسلامي وأسس في الوقت نفسه لهذه المرجعية الضرورية الكبرى بمفهوم "الاجماع". بمعنى الصيغة المعقولة والمقبولة للاتفاق العام على فكرة ورؤية لا تنفي التنوع والاختلاف، بقدر ما أنها تؤسس لتحييد تحول الاختلاف إلى قوة مخربة. والاجتماع بهذا المعنى يعادل قوة العقل المنطقية في قدرته على تصنيع الاتفاق والوفاق والمساومة العقلية. وهي فكرة ديناميكية هائلة، وذلك لأنها تحتوي بحد ذاتها على مرجعية وتؤسس لها بمعايير الرؤية والمبدأ والمنهج والغاية. والمهمة الآن تقوم في كيفية تحويل هذه الرؤية إلى أسلوب لبلوغ المرجعيات القومية أي الاجماع على ما يمكن تنشيط التنوع والاختلاف دون أن يؤدي إلى تغلب العابر والجزئي والثانوي على العام والكلي.

2- اتناول هنا بالأخص ما وضعه محمد عابد الجابري من مقالات آخر عمره في المجلات السعودية! وهي حالة تشير الى خراب فكري ومعنوي. كما انها ظاهرة مؤسفة للغاية. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى ما يمكن دعوته بالهشاشة الخفية والمبطنة للفكر والثقافة العربية وبالتالي عدم قدرتها على مواجهة اغراءات الرشوة والابتزاز أواخر العمر بأثر ضعف الصحة وثقل العيال وأشياء اخرى!

 

 

سليم مطر(عقدة تفوقهم) و(عقد نقصنا)!

طيلة تاريخ البشرية، من اولى ميزات الحضارات الصاعدة، ايمانها الكبير بـ(تفوقها الاخلاقي وامتلاكها عقيدة الحق) مع قدرتها الساحقة على اشعار الشعوب المستضعفة بـ(النقص) إزاء تفوقهم الثقافي والاخلاقي وانهم ملائكة منقذين!

جميع الحضارات والامبراطوريات والاديان ما تمكنت من الانتشار الّا عبر ايمانها الذاتي بتفوقها العقائدي والاخلاقي، وقدرتها على إقناع الشعوب الاخرى بانها ناقصة: وحشية، كافرة، متخلفة، دكتاتورية.. الخ.. وهي ايضا مثل جميع الحضارات، فيها الجنّة وجهنّم، وشعوبها ملائكة وشياطين.

قبل الاسهاب بالتنظير، هاكم هذا المثال البسيط، لتوضيح كيف تلعب(عقدة التفوق والاستعلاء) دورا سحريا بتعمية ضمائر اشد الناس ملائكية ودفاعا عن المستضعفين:

قبل اكثرمن عام حدثت في فرنسا ضجة كبيرة في جميع الاوساط لمحاكمة الرئيس السابق (ساركوزي) بتهمة استلامه قبل اعوام رشوة من (القذافي) لدعم حملته الانتخابية.

لكن الغريب والعجيب، ان لا احد من اليمين واليسار والمثقفين ورجال الفلسفة والاخلاق والدين، طرح السؤال التالي: انتم تحاكمون هذا الرئيس لانه قبض رشوة. ولكنكم تسكتون تماما عن جريمة اكبر بملايين المرّات ارتكبها بحق شعب ووطن، عندما ارسل اساطيل فرنسا لشن حرب على ليبيا وتركها للدمار حتى الآن؟! بل هذه الجريمة لم تكن ضد ليبيا وحدها، بل ضد افريقيا بكاملها التي كانت تستفيد من ثرواتها.

نعم ان هذه الثقافة التفوقية التي تبرر النفاق وتدمير الآخر، تمارس بصورة دائمة وحتى بشكل غير واع ولا مقصود. خذوا مثال الجيش الامريكي الذي احتل العراق ودمر دولته وشعبه ونشر فيه الفساد والارهاب. كل هذا لم يحرك كثيرا ضمائرهم، لكنهم فجأة ثارت ثائرتهم لمرأى صورة أحد معتقلي سجن (ابو غريب)!!

نفس الحال عندما يسكتون ويشجعون سياسة إسرائيل بأذلال وقتل وحصار ملايين الفلسطينيين، ولكنه يصفقون لـ(ديمقراطية إسرائيل) عندما تحاكم جندي صفع فلسطيني، او وزير اختلس بضعة دولارات!!!

نعم هنالك الكثيرون في الغرب من الطيبين والملائكة، لكنهم في غالب الاحيان دون ان يدركوا، يخضعون لـ (عقدة التفوق الشيطانية) دون ان يدركوا: قبل سنوات احتجت النجمة الفرنسية السابقة (بريجت باردو) ضد المسلمين واليهود لانهم يذبحون المواشي ليكون لحمها حلال. وطالبت بفرض الطريقة الاوربية (المتحضرة جدا جدا!!)، أي بقتل المواشي بضرب الرأس بالمطرقة او الصعقة الكهربائية!!!

نعم ان الحضارة الغربية هي مثل جميع الحضارات المهيمنة في التاريخ، تعميها شعاراتها الداعية لـ(نشر عقيدة الحق) وانها مكلفة من قبل (الله) او (التاريخ) لانقاذ الشعوب المسكينة من (خطايا التخلف والتعصب والدكتاتورية)! بل هي افضع حضارة مهووسة بهذا الشعور بالتفوق والاحتقار للشعوب الاخرى، لأنها إمتلكت وسائل جبارة، مخابراتية وحربية واقتصادية واعلامية وثقافية واتصالية، مع تقنيات نفسية شيطانية لنشر ثقافتها الاستعلائية، وتشجيع (عقدة النقص) لدى الشعوب المستضعفة. وآخر واخطر وسائلها، شراء ذمم النّخب الفاعلة من خلال المال والشهرة، ونشر الثقافة الاستهلاكية والخلاعية بين الشعوب.

اساس الحضارة الاوربية الحديثة!

ان اولى تجليات (عقدة التفوق) في اوربا الغربية، ظهرت بقوة للبدء بالحملات الاستعمارية والفتوحات منذ القرن الخامس عشر. بررت فلسفاتهم التقدمية والانسانية جدا جدا (بما فيهم الكنيسة، وحتى مفكر ثوري مثل ماركس)، غزو العالم من اجل انقاذه من الوحشية والتخلف ونشر الحضارة الانسانية الاوربية! باسم هذا الشعار والشعور التفوقي، أبادوا شعوب كاملة في امريكا واستراليا. بل ان هذه الحضارة هي الاولى في تاريخ البشرية، مارست بصورة منظّمة خلال قرون (سياسة ابادة الشعوب بدنيا) من اجل الاستيلاء على اراضيها، مثل هنود امريكا الشمالية وفي استراليا وجنوب افريقيا، وأخيرا اسرائيل.

خلال قرنين قاموا بنقل اكثر من مئة مليون افريقي كعبيد الى امريكا الشمالية والجنوبية، مع رمي نصفهم في البحر لانهم ضعفوا وهبط ثمنهم! بل الاكثر هولا انهم عند اكتشاف امريكا راحوا يتحدثون عن (عالم جديد) كأنه لم يكن موجودا ولا مسكونا ببشر قبل مجيئهم! واطلقوا على افريقيا (القارة العذراء) تشبيها بالمرأة العذراء التي اتى الفحل الاوربي كي يضاجعها ويجعلها مأهولة بالبشر!

دون رحمة وتحت شعارات التحضير والتنوير شرعت جيوشهم المستعمرة بنهب الخيرات وتحطيم الثقافات والعقائد واللغات المحلية، وفرض حضارتهم المتفوقة. بل بلغ نفاقهم انهم حتى الدين المسيحي الذي يحاربونه في بلدانهم، راحوا يستخدمونه في مستعمراتهم كوسيلة سحرية للسيطرة الروحية على الشعوب. تحت رعاية الجيوش الفاتحة، قام المبشرين بنشر المسيحية في افريقيا وآسيا وامريكا.

ديمومة عقدتي التفوق والنقص!

رغم جميع التطورات الفكرية والسياسية بعد نهاية الاستعمار، الا ان (عقدة التفوق والاستعلاء الحضاري الغربي) لا زالت مهيمنة على الشعوب الغربية. وتتغذى على (عقدة النقص لدى الشعوب المستضعفة) التي تصرخ بتقديس كل ما هو غربي بما فيه ازبالهم وسمومهم الصناعية والطبية.

لهذا فأن من أكبر واصعب مهمات النخب المدنية والدينية في البلدان المستضعفة، الانتباه لهذه الحالة، وتمييز ايجابيات وفوائد الحضارة الغربية، مع فضح نفاقها وأخاديعها العقائدية والضميرية. وبنفس الوقت مكافحة(عقد النقص) لدى شعوبنا من خلال احياء وإعلاء (ثقافة الهوية الوطنية) والتنبيه الى قيمة التراث الادبي والفني والحياتي، والتخلص من (الروح الاستهلاكية) واللهاث والهوس بكل ماهو جديد وغربي! خصصوصا خصوصا التخلص من هذا الاعتقاد الساذج والعذري والطفولي بأن الغربيين متفوقين علينا اخلاقيا. كلا ثم كلا ثم كلا: انهم رغم تفوقهم التقني والاقتصادي، إلا إنهم زالوا بشرا مثلنا، فيهم ملائكة وشياطين. وأوطانهم مثلا اوطاننا، فيها جحيم وجنّان.

 

سليم مطر ـ جنيف

 

 

منى زيتونتُنسب للإمام علي بن أبي طالب عبارة شهيرة، ربما توضح سبب العذاب العاطفي الذي يلاقيه كثير من بني آدم، يقول فيها: "زهدك في راغب فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهد فيك مذلة نفس". وهناك أشخاص رائعون نقابلهم في حياتنا، ليس من بينهم رجل يتلهى بمشاعر البنات، ولا بنت تتبذل من أجل أن تحظى بزوج، لكنهم مع ذلك يعانون لأجل الوصول إلى الشريك المثالي، وتكوين أسرة معه ترضيهم وتسعدهم. ولكن، كيف السبيل للحب الحقيقي؟

الحب الحقيقي يزيد الثقة بالنفس. يجعلك تحب ذاتك، ليس هو الذي يجعلك تستعظم عيوبك وتكره ذاتك؛ ربما كان أكثر من يفهم ذلك ويستشعره من تكون لغتهم للحب هي اللغة الأولى (كلمات التقدير والتشجيع)، ويستحيل أن تبقى علاقة ناجحة مع استمرار النقد من جانب أحد طرفي العلاقة، ومداومته على إثبات تقصير الطرف الآخر. في العلاقات الناجحة عندما يخطئ أي من طرفي العلاقة يعترف ويطلب الصفح طالما يريد للعلاقة أن تستمر؛ فالمحب الحقيقي لا يتوقف عند الأخطاء التي تبدر من شريكه في رحلة الحياة، ولا يراكمها ليعيد تذكيره بها، طالما اعتذر عنها.

لكن الأمر أكبر من ذلك. الحب الحقيقي ليس تغافلًا عن أخطاء الحبيب، بل هو نظرة إلى الحبيب تقترب من رؤيته كاملًا!

هل الحب أعمى أم بصير؟!

تقول إحدى أساطير الإغريق إن الآلهة قد تعاركت، وفقأ إله الجنون عيني إله الحب، فحكم زيوس كبير الآلهة على إله الجنون أن يقود إله الحب طوال عمره؛ ولأجل ذلك يقولون: الحب أعمى، ومن يُسيِّره مجنون!

لكن، هل الحب الحقيقي بالفعل أعمى؟

أنا أقول: بل الحب الناضج الحقيقي يتفهم العيوب. الحب الحقيقي هو حب يشترك فيه العقل والقلب والروح؛ لذا فإن الإدعاء أنك تحب شخصًا وأنت غير معجب بصفاته ادعاء كاذب، بل وعلى قدر درجة إعجابك بصفاته يكون حبك له. لكن أحيانًا لا يتفهم الإنسان نفسه، فيتصور أن هناك صفة تزعجه في إنسان وأنه يحبه بالرغم منها، والحقيقة إنه قد يكون يحبه لأجلها! أو على الأقل يحبه بمجمل صفاته كما هو، ومنها هذه الصفة.

قد تعرف شخصًا صراحته جارحة، وتتصور أنك تحبه بالرغم من هذه الصفة، والحقيقة أنك ترى ما وراء هذا العيب ميزة فيه هي صدقه العميق وعدم نفاقه، فأنت تحب هذه الصراحة التي قد تصل حد الوقاحة في نظر آخرين. أنت بالفعل تحبها، وربما لو لم تكن فيه هذه الصفة ما أحببته!

كمثال آخر: من يعتدّون بكرامتهم قد يبلغ بهم الأمر في كثير من المواقف مبلغ العناد، ومع ذلك لا يعدمون من يحبهم، وقد يكون عنادهم في مسائل الحق والكرامة ليس عيبًا في نظر من يحبونهم، بل هو من أشد ما يكبرونهم عليه!

لكن أغلب الناس تتصور أنها تتحمل عيوب أحبتها، وليس كل الناس لديها درجة من الوعي الكافي لتدرك أنهم قد يكونون يحبونهم كما هم، ولو لم يكونوا بهذه الصفات ما أحبوهم. ربما أيضًا أن المسألة ليست فقط مسألة وعي، بل إن الحب الحقيقي الذي يبلغ هذه الدرجة نادر وقليل.

الحب الحقيقي يعني أن ترى إنسانًا لا يضاهيه أحد ولا يماثله في نظرك أحد، لا تملك أن تفكر في غيره، ولا تشعر بغيره، ولا يؤثر فيك غيره. تحبه إجمالًا لا تجزئة. أما من يحب صفات ويكره أخرى فلم يبلغ مبلغ الحب الحقيقي، وهذا حال أغلب الناس؛ يحبون بعض المزايا وتعجبهم، ويتذمرون من صفات أخرى يرونها عيوبًا. والأدهى من ذلك عندما يكون ما يتذمرون منه هو صلب شخصية الشريك، فيشعرونه دومًا أنه معيب، ويبدأ الشعور بعدم التوافق.

الإشكالية إذًا ليست في الحب، لكن فيمن يدّعون الحب. كثيرًا ما تكون الصفات التي تتسبب في عدم التوافق واضحة تمامًا في فترة التعارف والخطبة، لكن كلا الطرفين قد يتغاضى عنها لأجل إتمام الزواج. وبعد الزواج، البنت تدعي المفاجأة بالصفات التي لا تعجبها في الرجل، وتبدأ الشكوى، والرجل يكون أكثر وضوحًا فيسعى لتغييرها في شريكته، وقد يعترف بأنه كان يرى العيوب قبل الزواج ولكنه كان واثقًا أن شريكته ستتغير من أجله! فهناك صنف متسلط وفاقد الثقة في نفسه في آن واحد، يريد أن يتزوج بشخصية ذات مزايا عديدة، ولا يرضيه أي عيوب يراها على قلتها، فيسعى أن يجري عليها بعض التعديلات ربما ساعده ذلك التسلط على تأكيد ذاته واكتساب مزيد من الثقة في نفسه، ويبدو أنه لا يفرق بين أن يتزوج إنسانًا/إنسانة ذا/ذات كيان واعتبار وبين أن يشتري سيارة بحاجة إلى تعديلات لتكون أفضل!

كما أن هناك صنف شاعري رومانسي للغاية لا يدرك معنى الحب الحقيقي وأهمية التوافق العقلي كجزء لا يُجتزأ منه، يسيء إلى نفسه بالانسياق وراء مشاعره تمامًا، ويمكن أن يضيع عمره سدى من أجل من لا يستحق. وقد يفكر في هذا الحب الحالم على أنه حب العمر الذي لا ولن يُنسى، ويصل حد التماهي معه والتلذذ بتعذيب النفس فيه، دون مبالاة بالكرامة أحيانًا.

شريك حياتك المثالي ينبغي أن يحبك كما تحبك أمك. يحبك بأخطائك وعيوبك قبل حسناتك ومزاياك. يقول نجيب محفوظ: "أقصى درجات السعادة هو أن نجد من يحبنا فعلاً. يحبنا على ما نحن عليه، أو بمعنى أدق يحبنا برغم ما نحن عليه".

يذكرني هذا بقصيدة كتبها أخي المهندس فداء الجندي في زوجته ورفيقة حياته يقول فيها:

أحبك مثلما أنتِ *** أحبكِ كيفما كنتِ

ومهما كان، مهما صار *** أنتِ حبيبتي أنتِ

وأنا أقول عندما تجد شخصًا يدعي محبتك ورغبته فيك، ولا يكف عن محاولة تغييرك اعلم أنه شخص مستبد لا يحبك بل يرغب في امتلاكك. من يحبك لا يُغيِّرك شكلًا ولا موضوعًا. من يحبك يريدك كما أنت، ويتقبلك كما أنت.

لا تجعل رغبتك في التكيف لمسايرة المحيطين بك تغيرك جذريًا بحيث تشكل ضغطًا عليك. في النهاية لن تكون سعيدًا إلا عندما تكون نفسك، لا بد أن تعيش الحياة التي تريدها وأن تشعر أن من حولك يتقبلونك كما أنت دون محاولات لتعديلك.

مزايا وعيوب

بالرغم من أن الحب الحقيقي لا يستشعر العيوب ولا يكاد يركز عليها، فإن لكل منا بالفعل مزاياه وعيوبه، وتفهم طباع شريك الحياة ومحاولة التكيف معها أساس رئيسي من أسس السعادة. ضع في اعتبارك أنه لن يمكنك أن تجد إنسانًا تتفق معه بنسبة 100% وإن وجدته لن تكون سعيدًا، فمساحة الاختلاف هامة لتشعرك أن هناك حياة.

والمزايا والعيوب تعني أن لكل صفة ما يناقضها، كما أنه كثيرًا ما تترتب الصفات بعضها على بعض، أو لنقل إن العيوب ما هي إلا درجة متطرفة من إحدى الصفات، وكل صفة إيجابية في البشر قد تتحول إلى سلبية فيهم إن تم الإفراط فيها.

ويمكن القول أيضًا إن أغلب صفات البشر هي صفات متصلة على تدريج، وليست صفات منفصلة، وهناك حدان للصفة ونقيضها؛ فالخير والشر ليسا صفتين منفصلتين بل هما حدا تدريج، لا يصل أي بشر منا إليه، فلسنا خير مطلق ولا شر مطلق، ودرجة الخير في داخل كل منا تحدد مكاننا على التدريج المتصل.

وينبغي التنبه لذلك التطرف في الصفات المسمى بالعيوب، وعدم إنكاره، وإلا فسيستمر كل منا في اعتبار نفسه كاملًا، ويرى النقص في الآخر فقط. ينبغي أن نزيد وعينا بأنفسنا، وليس فقط أن نديم تركيزنا على الآخرين لنرى القشة في أعينهم، ونتعامى عن لوح خشب في أعيننا.

ولنتذكر أن نجاح أي علاقة في حرص كلا الطرفين على المحافظة عليها، وليس لأنهما مثاليان بالنسبة لبعضهما، والعقلاء لا يهدمون علاقاتهم إلا لأسباب قوية. يقول الشاعر:

تمسك إن ظفرتَ بودِ حرٍ *** فإن الحرَ في الدنيا قليلُ

ومن أمثلة تطرف الصفة الإيجابية لتصير عيبًا:

- العاطفية والحنان والتفهم الزائد مزايا قد يتطرف الإنسان ليصل درجة أن يعيش في الخيال ويهرب من الواقع، وقد تصبح إرادته ضعيفة.

- التفاؤل أمر جيد لكنه أيضًا قد يصير معيقًا في كثير من الأوقات لإدراك الواقع.

- قوة الشخصية قد تؤدي إلى التصلب في الرأي، والصلابة قد تؤدي إلى العناد!

- القيادة المميزة قد تصل حد التسلط والإحساس بالعظمة.

- الإفراط في التنظيم والترتيب ومحبة الكمال ميزات، لكن كثيرًا ممن يملكونها لا يتقبلون النقد بتاتًا.

- الطموح وتحمل المسئولية والاجتهاد والمثابرة مزايا، لكن الإفراط فيهم يؤدي للبرود وقسوة القلب والتشاؤم والبحث عن المصلحة!

- الاستقلالية والاعتماد على الذات من الصفات العظيمة، لكن قد يعزلان الإنسان عن محيطه.

- الحماسة والجرأة والشجاعة في مواجهة المواقف قد يتطورون في الشخصية إلى سرعة انفعال وعنف ورغبة في الانتقام.

- الانتباه للتفاصيل والدقة أمر جيد، سواء في العمل أو الدراسة، وأحيانًا عند التعامل مع الناس، لكن قد يؤدي ذلك للقلق الشديد المعيق أو الشك في الآخرين أو الوسوسة.

- التفكير المتأني قد يتطرف ليصير ترددًا وعدم قدرة على الحسم، بينما سرعة الحسم قد تتطرف وتؤدي إلى اتخاذ قرارات غير مدروسة، فتصبح عجلة تجلب الندامة.

- حب العمل قد يصل حد الإرهاق وإهمال الحياة الشخصية.

- الحب أجمل ما في الوجود لكنه قد يتطرف ويصل حد الغيرة المفرطة وحب التملك.

- الإخلاص للجماعة التي ينتمي إليها الفرد أيًا كان نوعها قد يتطرف ويصل حد التعصب.

- الصراحة قد تصل إلى درجة الوقاحة.

- التمسك بالعادات والتقاليد الاجتماعية الحسنة شيء عظيم، لكن قد يتطرف بعض الناس لدرجة الرجعية والتمسك بتقاليد بالية، لا أصل لها في الدين، ولا قيمة حقيقية لها في المجتمع.

- حب الحياة قد يصل إلى الانهماك في الملذات، وربما حب الضوضاء، وربما أيضًا ضرر الصحة.

- ربما يكون حب الطبيعة المفرط سببًا في اعتزال الناس.

- الانفتاح على الآخرين وحب استكشاف العالم والمغامرة قد يصل حد المخاطرة.

- حب المنزل والعائلة الزائد قد يؤدي إلى فقدان فرص كثيرة في الحياة المهنية.

- الرضا يمكن أن يتطرف فيصير لا مبالاة!

- الكرم الزائد قد يصل حد الإسراف والتبذير.

 

شخصيتك تحدد نوعية الشخصية التي تكرهها

ينبغي التنبه أيضًا إلى الصفة السِمة؛ أي الصفة التي تغلف الشخصية، وتعتبر أظهر ما فيها؛ لأن ليست كل صفاتنا تكون بالدرجة المؤثرة نفسها في انطباع الآخرين عنا.

ويعتبر ارتباط شخصيتين ذاتا سِمتين ظاهرتين متعاكستين من أهم عوامل الفشل الذي يكون من الصعب تداركه أو تجاوزه وعدم الالتفات له، لذلك فإن تجنبه من البداية يجعلك لا تتكبد عناء تجربة ستكون على الأغلب فاشلة.

من أمثلة ذلك:

- الشخص الذي يكره القيود ومحاولة فرض السيطرة لا بد أن يبتعد عن الشخصيات التي تكثر الطلبات، لأنها شخصيات خانقة بالنسبة له.

- الشخص الذي يبحث عن الدعم وتنمية ثقته بنفسه وقدراته يكره الشخصيات كثيرة الانتقاد.

- الشخص العملي الطموح يكره الشخصيات المحبطة.

- الشخص المسالم الذي يحب الحياة الوادعة يكره الشخصية التي تعكر راحة باله وتخلق المشاكل حوله.

- الشخص العاطفي للغاية يكره الشخصيات الباردة.

- الشخص الواضح الصريح يكره الشخصيات الشكاكة التي تتمهل في تصديقه بلا سبب!

- الشخص الحساس يكره الشخصيات الوقحة.

- الشخص الذي يحب الخصوصية يكره الشخصيات المتطفلة.

- الشخص الرومانسي الحالم يكره الشخصيات الواقعية.

- الشخص المتحمس الذي يشتعل نشاطًا يكره الشخصيات البطيئة.

- الشخص المعتز برأيه يكره الشخصية المجادلة.

- الشخص الحيوي محب التغيير يكره الشخصية الروتينية الثابتة على المألوف في كل نواحي حياتها.

- الشخص المتزن لا يحب الشخصية الخفيفة التي تغير رأيها كل لحظة بلا سبب.

وأكرر أنه ينبغي إن أردنا إنجاح العلاقة أن نقر بالعيوب والأخطاء، ثم نحاول تلافيها، لا أن نصر عليها ونكررها، كما يُفضَّل من البداية الابتعاد عن أصحاب الشخصيات التي سِمتها الأساسية تناقض السِمة الرئيسية في شخصياتنا مهما كانت المزايا التي نراها فيهم.

الكِبر جذر كل الشرور

كثيرًا ما تنصلح العلاقة بين شخصين، ثم لا تلبث أن تسوء بعدها بفترة قصيرة. فما هي الأسباب التي تقف وراء ذلك؟

أحيانًا يرجع السبب إلى تمسك كل طرف من طرفي العلاقة أو أحدهما بالسمات الشخصية المعيبة لكل منهما، التي ينشأ ويتجدد عنها الخلاف.

في حالات أخرى، يقع الخطأ في المشكلة الأولى التي تنشب بين الطرفين على أحدهما دون الآخر، ويرجع سبب تجدد المشاكل إلى تألم الشخص المخطئ من رد فعل الطرف الآخر الذي لم يتقبل خطأه ولم يمرره دون حساب، وبمجرد أن ينصلح الحال نجد المخطئ يترصد أي تصرف للطرف الثاني ليلومه عليه باعتباره المخطئ هذه المرة! وتستمر حالة الترصد من كلا الطرفين لتنشأ سلسلة تكاد لا تنتهي من الخلافات، تتمرر بسببها العلاقة، ويتبعها بالضرورة قطع نهائي لها، أو الإبقاء عليها صوريًا إن كانت رابطة دم.

ولو دققنا سنجد أن جذر المشكلة يكمن في الحالة الأولى في رفض تغيير السمات المعيبة والسلوكيات الخاطئة سبب نشوء وتجدد المشاكل، وفي الحالة الثانية يكون جذرها هو رفض الإقرار بالخطأ من قِبل الطرف الأول، لمجرد انجراح صاحبه وتألمه من رد الفعل الذي قُوبل به، واعتباره رد فعل الطرف الثاني الذي سبب له الألم خطأ يستحق أن يبحث للطرف الثاني عن تلكيكة يرد بها عليه لينتقم ويرتاح باله!

وأتساءل، لماذا ننسى دائمًا أن الكِبر هو جذر كل الشرور، وأن الإقرار بالخطأ ومحاولة تهذيب النفس أهم سمات المؤمنين؟

 

د. منى زيتون

 

 

محمد ممدوحفى لقاءات عدة فكرية ووعظية حاولت أن أقدم للناس وجهة نظر الإسلام الحقيقية في ضوء جوهر مقاصده التى تختصرها آية (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام162)  أى أن الإسلام يتدخل في كل شئ من أصغره إلى أكبره، من حقيره إلى عظيمه، من جزئه إلى كله، وهو إذ ينظم ذلك فإنما يقصد إلى اتمام نعمة الحق على الخلق إذا اتبعوا منهجه، وشقاؤهم إذا أعرضوا عن منهج الله سبحانه، كما يقصد إقامة الواحدية المطلقة لله الواحد الأحد، فالصلاة خالصه لله، والذبح خالص لله، والحياة كلها خالصة له سبحانه، والممات له حبًا فيه وإقبالاً عليه وشوقًا إليه أو ذودًا عن دينه ودفاعًا عن العقيدة عبر الجهاد والشهادة، ثم في الأخير لا يخلُ شئ من هذه الأمور من دين الله الصحيح، فالصلاة تكون بعلم، والحياة من معاملات وسلوكيات تكون وفق منهج الله وضوابطه، والممات وما يتبعه من مآتم وأحزان يكون وفق المنهج العام لله، بلا ابتداع ولا مغالاة، أما إذا تم شئ من هذه الجوانب كافة على غير منهج الإسلام فهو دعوة صريحة إلى الجاهلية الأولى، خاصة إذا كان معنى الجاهلية كل ما يبتعد عن جوهر الإسلام أو يعاديه أو يُضاده.

أقول هذا والواقع يشهد على مدى ما وصل إليه هذا الدين من عبثية ورجس ما أنزل الله بهما من سلطان، فاعتدينا على شريعة الله ومنهجه، وابتدعنا دينًا غير الدين باسم الدين، وأوجدنا إلهًا غير الله باسم الله، واخترعنا شريعة غير الشريعة باسم الإسلام، ويكفى للدلالة على هذا الألم ما يُحدثه الناس في مآتمهم من بدع.. قرى بأكملها لا تقبل إلا بقارئ معين من الإذاعة يتحصل في الليلة الواحدة على مبلغ ثلاثين ألف جنيه .. وقرى أخرى تتباهى بمآتمها، بحجم الإضاءة، وعدد الكراسى الفاخرة الوثيرة، وعدد ما يُنصب من زينة وخيام وسجاد، وعدد المعزين، وأجر القارئ، كل هذه الأكاذيب والخيلاء الكاذبة من مداعى الفخر والتباهى والتعالى بين الناس، وينظر الفقير إليهم ولا يجد لميته ثمن الكفن ولكن يدين نفسه لأجل إتمام عمليات المنظرة الكاذبة والفارغة خوفًا من نظرات الناس المشمئزة ومصمصة الشفاة.

وقرى أخرى تقيم العزاء ثلاثة أيام، كل يوم بقارئ مختلف، وإضاءة كبرى، وصوانٌ كبير، وقرى تقيم ما يسمونه " الأربعين" و "الذكرى السنوية " أيضًا بذات التكاليف وذات العنجهية والجاهلية والمنظرة.

مئات المشاهد والعادات التى ينتحر العقل أمامها !!

وما جدوى هذه التكاليف؟ وما فائدة هذا البذخ؟ وماذا ينال الميت منه؟! لا شئ أبدًا يناله من هذا العُهر، فلا ينفع الميت إلا الصدقة أو العلم أو الولد الذى يدعو له أو أثره الطيب الذى يبقى بعد مماته من زرع يأكله إنسان أو طير أو حيوان، أو علمٌ ينفع به الناس أو أى أثر تُحمد عاقبته، أما غير ذلك فلا جدوى منه ولا خير يٌرجى من ورائه.

وما مبرر أولئك الذين يرتكبون هذه الحماقات؟! لا شئ غير تقليد الآباء ووجود معايير مغلوطة للشرف.

والقرآن يذم المقلدين للآباء في غير موضع (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (المائدة104) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (لقمان21) (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (الزخرف22) حتى عبادة الأصنام، لم يعرضوها على عقولهم، وإنما تأثروا بالعادة والتقليد فقالوا (قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) (الأنبياء53) (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)(الشعراء74)، حتى الفواحش يفعلونها ويعترفون بها، ولا مبرر لهم غير عبادة السلف من دون الله، من دون الإرتكاز إلى العقل (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا) (الأعراف28) منطق اللامنطق، العهر بعينه، لا عقلانية ولا قبول للحوار العقلانى، هذه قناعات لا سبيل إلى تغييرها في فكرهم، هذا ما يُصرون دومًا عليه، وكأن ما يفعله الآباء قد حاز درجة المقدس الذى لا فكاك منه ولا نقاش فيه.

وأمثال هؤلاء في حاجة إلى إعادة ترتيب أفكارهم وتدريبهم وتثقيفهم من جديد بعد هدم ونقض ما حوته عقولهم من سموم، وتعويدهم احترام العقل واللجوء إليه والقبول بموضوعيته وتجرده، وإلا فلن يكون إلى إقناعهم من سبيل.

وطائفة أخرى تنظر إلى موضوع المآتم والبذخ فيها على أنها قضية شرف، فدومًا تجد على ألسنتهم عبارات " نفعل ما يليق باسمنا أو بعائلتنا "، أو " لابد من مأتم تتحاكى به الناس " أو "لابد من مأتم يليق بالحاج فلان أو بفلان " ومثل هذه التعبيرات قد غزت قطاعات كبرى من مجتمعاتنا، من أبناء الدين الخاتم، أبناء العقل، أبناء المستوى الرفيع للإنسانية، وهى عبارات لا تمت إلى الإسلام بصلة بقدر ما قد استُعيرت من الجاهلية الأولى.

وما دخل الشرف بالفشخرة والمغالاة في المآتم؟! الشرف الحقيقى في طاعة الله سبحانه، في إقامة سنة نبيه () وليس في معاداتهما معًا، ليس في المنظرة التى لا تُغنى ولا تُسمن من جوع، التى لا تفيد أمة في قنطير ولا قطمير.

الشرف الحقيقى في التزام سنة رسول الله ()، في الإحسان إلى الفقراء والمعوزين بدلاً من هذه النفقات الطائشة التى لا تفيد حيًا ولا تنفع ميتًا، فالصدقة الجارية أولى، وإطعام البائسين أولى وكسوة العراة أولى، وأبواب الخير أولى، كل ما يقدم من نفع للإنسانية أولى من بذخ لا مردود له غير الفشخرة والتباهى والكبر، والثلاثة حاربهم الإسلام ووقفت لهم الإنسانية بالمرصاد، الإنسانية القيمية لا البشرية، الإنسانية الباحثة عن الإنسان لا المضادة لوجوده.

والنبى الكريم () يخبرنا بأن هذا كله رجس من عمل الشيطان، لا قيمة له، بل ضرره أكبر من نفعه حال تكالب الناس على هذه العادات وتباهيهم بها وجعلها معيارًا للشرف أو عادة الآباء التى لا سبيل إلى قطعها، والميت لا ينفعه من ذلك شئ، بل هو كله للأحياء فشخرة وتعالى، والله يكره التعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) (القصص4) (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) (القصص83) أما ما ينفع الميت فقد حدده الرسول الأكرم () : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له "(1) .. هذه هى الثلاثة النافعات بعد الموت، لم يأت ضمنهم العزاء، ولا كبار القراء، ولا المشاعل و المباخر، فقط إما صدقة، وإما علم، وإما ولد صالح يدعو لوالديه بالرحمة ..

أما ما يعتاده الناس من مآتم كبرى، يطوف فيها ولدان بصنوف المشروبات، فهذا يمثل المنظرة ويدل على التباهى والتكبر برزق الله وعطائه، وأن تصير هذه العادات ضمن مئات العادات الأخرى الباطلة واللامنطقية راسخة إلى حدّ ظن المنطقية والعقلانية فيها، فتلك مصيبة أعظم، وأن يُصر عليها المتعلمون وأرباب الشهادات العلمية الرفيعة فتلك أعظم من سابقتها، لأنهم – وهم أهل العقل – يُنحون العقل جانبًا ويقدمون عبادة الأسلاف والآباء، والمعايير الباطلة للشرف على ما يقتضيه العقل وتراه الحكمة.

إن هذه المنظرة ليست من الدين في شئ، ولن نصنع أبدًا بتلك الأهواء مستقبلاً تحترمه الأمم، ولن نخطو خطوة واحدة للأمام ونحن باحثون عن الشكل لا المضمون، العرض دون الجوهر، فتلك هى الآفة التى طالما حاربها الدين (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (المائدة15) (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية18) (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الفرقان23) وواجب الأمة بأسرها أن تحتكم إلى العقل في كل عاداتها وتقاليدها فما كان حسنًا قبلناه، وما كان سيئًا رفضناه، وهذه من العادات السيئة التى تعمق الجاهلية الأولى في البذخ والإسراف والتباهى بلا أدنى مردود دينى أو دنيوى، بل هو التبذير والتعالى لا أكثر ..

 على العلماء الحقيقيين الذين يرجون الله واليوم الآخر أن ينظروا بعين بصيرة ناقدة إلى تلك العادات المرذولة، أن ينظروا إلى النبى () وكيف كان يتعامل في مثل هذه المناسبات .." اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد شغلهم أمر صاحبكم "(2) .. لم يكن يدعو قراء القرآن وهم كُثر حينئذ، ولم يكن يصنع صوانًا أو إضاءة أو أيٍ من تلك المراسم، بل كان أهل الميت يتلقون العزاء لمدة ثلاثة أيام لا غير، لا قارئ، ولا صوان، ولا إسراف .. على العلماء أن يوجهوا الناس نحو فقه الأولويات، وفقه الواقع، وفقه المقاصد، فالإنفاق على أبواب العجز والعوز أولى من المنظرة والفشخرة، والميت ينتفع بالصدقة الجارية لا بالقارئ ذى الثلاثين ألفاً، وإلا فلن تعالج مشكلات أمتنا ما دمنا نرى الباطل وندير له ظهورنا، ونرى الحق ونغمض عنه أعيننا ولنا في كل حياتنا الأسوة برسول الله () (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب27) (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر7) . أما من أصر على عبادة السلف أو قلب معايير الشرف بتلك الصورة فهو يهدم الدين، يثور ضد العقل، وكلاهما إثمٌ كبير، وشر عظيم، وفى هذا بلاغ وحجة على العالمين.

 

د. محمد ممدوح

...................

  1- سبق تخريجه

  2- رواه ابن ماجه والترمذى برقم 3132

 

يعرف الزواج شرعا وقانونا على انه رباط مقدس بين الرجل والمراة وفق شروط وضوابط محددة يتفق عليها الطرفان من اجل اقامة مؤسسة اجتماعية (الاسرة) تنسجم انسجاما وثيقا مع الدين والقانون لتكون منظومة  قوامها التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي التي تضمن الحقوق والواجبات للطرفين.

وهذه المؤسسة الصغيرة التي على اساسها يقوم المجتمع الغاية منها الاستقرار النفسي واستمرار النسل البشري الذي تربطه علاقات سليمة قوامها المودة والرحمة،قال تعالى(ومن اياته خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليهاوجعل بينكم مودة ورحمة.. الروم 21) اي ان تكون لكل زوج زوجة تناظره من حيث المستوى الخلقي والاخلاقي يتعايشان بكل مودة ورحمة ولتسكنوا هنا تعني السكن والسكينة.

والزواج لغةً هو الارتباط والاقتران بين اثنين بعد ان كانا منفصلان.

اما الزواج اصطلاحا فهو عقد بين الرجل والمراة يتيح لكل منهما الاستمتاع بالاخر وفق ضوابط وشروط لتكوين الاسرة، ولكي يكتمل الزواج  ويقام على اسس متينة يجب ان يتحقق فيه الشرطين الشرعي والقانوني.

ان الزواج خارج المحكمة والذي يسمى بالعامية (عقد المومن) يكون مستوفٍ من الناحية الشرعية ويقوم به عادة شيخ مختص بامور الزواج والطلاق،لكنه يفتقر الى التوثيق بالمحكمة مما ينجم عنه تبعات لاتحمد عقباها..

ان من يقدم على الزواج خارج المحكمة اما ان يكون بسبب عدم استحصال الموافقة من الاهل او انه متزوج ويريد الزواج من اخرى بالسر او ان الزوجة قاصرا غير مؤهلة للزواج او انه مصمم اصلا على الاستمتاع وسلب حقوق الزوجة التي ترضى بهذا الوضع مرغمة اما لعوامل اقتصادية وهي اهم العوامل اذ تضطر بعض الاسر لتزويج بناتها لفقر حالهم اولافتقارهم للثقافة والادراك بجسامة هذا الامر خصوصا ان عقد الزواج الرسمي يترتب عليه تسجيل الزوجة والاولاد في سجل النفوس وهذا يترتب عليه اعتراف الزوج/الاب رسميا بمسؤوليته عن هذه الاسرة والانفاق عليها في كل الاحوال ان كان الزوج موجودا او في حالة الطلاق لاسامح الله،هذه المسؤولية التي توفر الحصانة لهذه الاسرة من كل الظروف.

في السابق كان هذا الزواج مقتصرا على المناطق الريفية ،فقد اعتاد سكان الريف تزويج بناتهم بسن مبكرة لعدة اسباب ،منها لاسباب اقتصادية تتعلق بالعمل المضني الذي تقوم به المراة من زراعة واعتناء بالحيوانات حالها حال الرجل ومنها لزيادة النسل لنفس السبب ومنها عشائريا وغير ذلك،فقدكان هذا الزواج شائعا  ولازال،اما الان فقد انتشرت هذه الظاهرة بل وغزت مجتمع المدينة وصار من المسلّمات وهذا طبيعي نتيجة الحروب والاثار الوخيمة التي تخلفها الحروب، بوجود كم هائل من الارامل والايتام ،فصارهذا الزواج يجري على قدمٍ وساق لسهولته وتملص الزوج من مسؤولياته وبالمقابل تفشت حالات الطلاق السريع التي تخلي هذا الزوج من التزاماته خصوصا النفقة وباتت الزوجة المتضرر الوحيد من هذه الصفقة الغير عادلة اجتماعيا واقتصاديا فتجدها تلاقي الامرّين في سبيل استحصال الجنسية او شهادة الجنسبة لتسجيل اطفالها في المدارس وكانما قد انجبتهم لوحدها! اضف الى ذلك حرمانها من النفقة لتجد نفسها كريشة في مهب الريح لاساند ولاسند،وتفضل الف مرة ان تبقى من غير زواج على ان تكون ام وحيدة مع عدد من الاطفال بلا معيل ولانفقة.

هذ الموضوع يجب ان يحمل بمحمل الجد للحد منه عن طريق توعية الاهل بكل وسيلة من وسائل الاعلام المتاحة واقامة الندوات التثقيفية لما له من خطورة على الاسرة والمجتمع ،كما يجب  ان يخضع الى قوانين صارمة للحد منه وان وجدت تلك القوانين التي بدا مفعولها غير سارٍ في ظل الفوضى العارمة التي يعاني منها  المجتمع الان.

 

مريم لطفي

 

نايف عبوشلاشك أن الحضارة العربية الإسلامية، قدمت للإنسانية، إبان عصور ازدهارها، الكثير من الإنجازات في كل مجالات المعرفة. فكانت بتلك الإنجازات الكبيرة، قد وضعت الأساس، للنهوض الحضاري الإنساني المعاصر، واوقدت مشاعل التنوير في العالم المعاصر، بارهاصات تأثيراتها الإيجابية.

وعندما غابت الأمة عن ساحة العطاء والإبداع بتأثير تداعيات الانحطاط الحضاري اللاحق، تليف العقل العربي المسلم ،وتوقف عن العطاء، وعجز عن مسايرة التمدن، وصناعة التقدم على قاعدة( وقل رب زدني علما )، حتى حاصرته مخرجات الحداثة المعولمة الراهنة بتسارع تواليها المدهش ، بما تمتلكه من عناصر التأثير، في فضاء عصري مفتوح في كل الاتجاهات،وعندها ركن المسلم المعاصر، بتداعيات تلك الظروف، إلى  الدعة، والاقتيات على ذاكرة الماضي ، وراح الكثير من أبناء الأمة يتغنون بامجاد، وابداعات الماضي، على نحو فارغ، ودون مساهمة تذكر في صنع الحاضر بالصورة البهية المطلوبة، التي تستكمل إشراقة الماضي المتألق ، وتتواصل مع عراقة وهجه بجدارة .

ولأن البلدان العربية والإسلامية في مسيرة نهوضها المعاصر، لا تزال متلقية للعلوم، والتقنيات، ومستلزمات التطور ، حيث يتسم الحال الراهن لها - كما معروف - بالتخلف ، والاعتماد على الخارج حتى في رغيف الخبز، والدواء، في الوقت الذي تتسارع فيه إيقاعات التطور في البلدان الصناعية بوتائر متصاعدة، مما فاقم فجوة التطور في كل المجالات، بشكل لافت للنظر، فإنه لم يعد ممكنا اليوم، النهوض بمجرد التغني بالامجاد، والاقتيات على مجرد ما ابدعته الحضارة الإسلامية في ماضيها المشرق، وحسب.

 لذلك، وفي الوقت الذي يتطلب فيه الأمر التواصل بإجلال مع ما ابدعه الأسلاف من إنجازات ،فإنه لابد من الحرص، في الوقت نفسه، على السعي الجاد، والعزم المتواصل، على غذ السير نحو تحقيق التقدم اللائق بمكانة الأمة، بصيغة الخطوة إلى الأمام، على قاعدة( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وذلك من خلال تنشيط حس المساهمة الإبداعية في تحقيق منجزات علمية، ومعرفية، وتقنية، ترفد واقع الحال العربي الراهن، بمقومات النهوض، بردم فجوة التخلف ، واللحاق الجاد، بركب الحضارة المعاصرة دون تباطؤ .

ولاضير عندئذ من التواصل مع الموروث الحضاري، والاستلهام الحي له، عند الشروع بمعالجة إشكالات الحاضر، والتفاعل الإيجابي، في ذات الوقت، مع المعطيات الإيجابية للعصرنة من دون تردد ، وإهمال ما هو سلبي، وضار منها ، وذلك من خلال الشروع في عملية تنمية شاملة، تأخذ كل أبعاد المشكلة بنظر الاعتبار، حيث ليس من الصواب الاكتفاء بمعالجة بُعْدٍ واحد منها فقط،وبعكسه فإن البقاء على الحال مأزوما، ومنهكا حضاريا، يعني تفاقم التخلف، واتساع هوة التأخر التي يفترض ردمها، وتجاوزها على عجل.

 

نايف عبوش

 

 

معراج احمد الندويإن مفهوم العدالة الاجتماعية هو استحقاق أساسي للإنسان نابع من كونه له الحق فى التمتع بمجموعة من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بإعتبارها حقوقا أساسية من حقوق الإنسان وجزءا لا يتجزأ منها.  العدالة الاجتماعية هي من أسمي القيم التي يحرص عليها العالم المتحضر. تنادي العدالة الاجتماعية بالمساواة وعدم التمايز. وفي العصر الحاضر، العدالة الاجتماعية، فهي نظام اجتماعي اقتصادي مركب يهدف إلى إحداث العدل بين طبقات المجتمع. وأما عن توزيع الثروات، فهو النسق الذي تختاره المجتمعات العادلة في معاملة أفرادها فيما يتعلق بتوزيع الموارد وتوفير حصة تشاركية لكل مواطن. تقوم العدالة الاجتماعية على عدة عناصر ومقوّمات، من أبرزها: المحبّة والكرامة الإنسانيّة والمساوة والتضامن بين جميع أفراد المجتمع.

إن العدالة الاجتماعية في الإسلام هي عدالة إنسانية شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية. العدالة الاجتماعية في الإسلام، فلا يمكن إدراكها إلا ضمن التصور العام للإسلام حول الكون والحياة والإنسان والمجتمع، باعتبار أن الإسلام يمثل تصورا شاملا ومتكاملا يعالج مختلف مجالات الحياة. العدالة الاجتماعية بحسب الرؤية القرآنية هي رعاية الحقوق العامة للمجتمع والأفراد، وإعطاء كل فرد من أفراد المجتمع ما يستحقه من حقوق واستحقاقات والتوزيع العادل للثروات بين الناس والمساواة في الفرص وتوفير الحاجات الرئيسة بشكل عادل واحترام حقوق الإنسان المعنوية والمادية.

ولقد جاء الإسلام ليعلي من قيمة الإنسان بغض النظرعن عقيدته أو جنسه أو لونه. "كلكم لآدم وآدم من تراب". الإسلام هو أول من ساوى بين البشر جميعا بغض النظر عن الفروق الدينية أو اللونية أو العرقية أو الطبقية. فلا يميزالإسلام بين البشر في كل هذه الأمور. فالناس مستوون كأسنان المشط ليس لأحد على أحد فضل إلا بتقوى الله. لقد اهتم القرآن الكريم كثيراً على أهمية تطبيق العدالة في المجتمع لقداحتوى القرآن الكريم على ست عشرة آية تختص بالعدالة الاجتماعية، منها ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعراج 24). قد حظيت بأكثر من نصف الآيات التي أشارت إلى العدل والمساواة في الناس.

مفهوم المساواة في الإسلام: المساواة من المفاهيم المكملة لمفهوم العدل ظاهرياً، فالمساواة مشروطةٌ بوقوع العدل، وهي إن تحققت في المجتمع ضمنت توزيع الحقوق لجميع أفراد المجتمع بشكلٍ متساوٍ في الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية وما شابه، دون التمييز بين الأفراد سواءً في العرق أو الجنس أو اللون، والمساواة بين الناس والتي تعدّ من أهم مكونات وأسس بناء العدالة الاجتماعية تعني المساواة أمام الشرع والقانون، والمساواة في الفرص، والمساواة في تقلد المناصب العامة، والمساواة في الحصول على المكاسب والامتيازات، والمساواة في الحقوق والواجبات. فالمساواة بين الناس تعطي حيوية للمجتمع، ومن أجلى مصاديقها المساواة في تكافؤ الفرص. والمساواة في توزيع الثروات مع تساوي الحقوق والاستحقاقات، فلا يفضل في الوظيفة نفسها وبالمؤهلات نفسها موظف على آخر، لأي سبب كان، كاللغة أو اللون أو المذهب أو العرق أو القبيلة أو ما أشبه ذلك من اعتبارات لا وزن لها في الدين. ولا تسود العدالة الاجتماعية إلاّ باحترام حقوق الإنسان فإن احترام الإنسان كإنسان وتكريمه هو من أجلى مصاديق تطبيق العدالة.

مفهوم العدل في الإسلام: العدالة الاجتماعية هي من أهم مكونات ومرتكزات العدل في الإسلام. العدل هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه ووضع الأمور في أماكنها الصحيحة. العدالة الاجتماعية في الإسلام ليست مطلوبة للإنسان فرديا واجتماعيا فحسب، بل هي أمر إلهي، بقول الله تعالى: {﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى}﴾ (النحل 90) جعل الإسلام العدل من القيم الإنسانية الأساس، التي جاء بها الإسلام، كما جعلها من مقومات الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية، حتى جعل القرآن إقامة القسط أي العدل بين الناس. يعد العدل من القيم الأساس التي حث عليها القرآن، وكررها في العديد من الآيات، ولقد فرض الله العدل على المسلمين ليشمل كل شيء في حياتهم، ابتداء من العدل في الحكم، إلى الشهادة ومعاملة الأسرة والزوجة وجميع الناس، حتى مع الأعداء والخصوم، فلقد قال الله تعالى:﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (النساء 58)، وأيضا قال الله تعالى:﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (المائدة 8) يحاول الإسلام مع صميم المشكلة الاجتماعية ويهدف إزالة أسباب الفقر والحرمان، واقتلاع جذور الفساد الاقتصادي، ذلك لأنه لا يمكن تحقيق العدالة في عديد من أنواعها دون وجود العدالة الاجتماعية، فهي التي توجد الأجواء المناسبة والأرضية الصالحة لتطبيق مبدإ العدل والعدالة في الأبعاد الأخرى. العدالة الاجتماعية في الإسلام يقوم على العدل الذي هو قاعدة من قواعد النظام العام الإسلامي، واتساقاً مع ذلك اعتبر المنظور الاقتصادي الإسلامي العدالة الاجتماعية، فإن من أسس العدالة الاجتماعية في المنظور الاقتصادي الإسلامي إقرار هذا المنظور للكثير من حقوق العمال بالتوازي مع إقراره لواجباتهم والتي يجب أن يسعى المجتمع المسلم كله، إلى توفيرها وحمايتها، ومن هذه الحقوق: الحق في الأجر العادل، وهو ما يستدل عليه من ربط القرآن والسنة بين العمل والأجر، كما في قوله تعالى: ﴿قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت﴾ (القصص: 25)

إن الهدف الأساسي من العدالة الاجتماعية لا بد أن يركز على البنية الأساسية للمجتمع، أو بشكل أكثر دقة " الطريقة التي تقوم المؤسسات الاجتماعية الكبرى من خلالها بتوزيع الحقوق والمسؤوليات الأساسية، وتحديد كيفية تقسيم الامتيازات من خلال التعاون الاجتماعي. وفي الإسلام تختلط كلمة المساواة بمكلمة العدل. ومن عظمة الإسلام أنه يَمزُج بين العدل والمساواة؛ فالحق أنه لا حرية ولا مساواة بلا عدلٍ ، فلأول مرة في تاريخ الإنسانية شريعة وتعاليم توجه للإنسانية كلها، وتعتبر كل إنسان على ظهر البسيطة أهلًا لتقبل الحقوق والالتزام بالواجبات كأي إنسان آخر، وإن كلًا من الأصل والجنس واللون لا يمكن أن يفرق بين إنسان وآخر أمام القانون. إن تحقيق العدالة الاجتماعية من الأسس الثابتة للعدل حيث يتم من خلاله التساوي بين البشر وذلك بتعزيز مفهوم المساواة في الفرص والحقوق والواجبات، وذلك يسهم في سد المنافذ والنزاعات القائمة وتعميم العدالة الاجتماعية في سبيل الحياة السعيدة على وجه الأرض. فالإسلام أول من جعل العدالة الاجتماعية ويفترض بالمسلم أن يكون عادلاً اجتماعياً في سلوكه وحياته وممارساته لينعم هو وباقي أفراد المجتمع بالأمن والسلام.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا -الهند

 

صادق السامرائيالطغيان في اللغة من طغى يطغى طغيا ويطغو طغيانا، أي جاوز القدر وارتفع وعلا في الكُفر.

وأطغاه المال: جعله طاغيا.

وطغى الماء: إرتفع وعلا على كل شيئ فاخترقه.

وطغى السيل: جاء بماءٍ كثير.

وطغى البحر: هاجت أمواجه.

والطغيان والطُّغوان لغة.

وعندما نعرّف الطغيان بالمفردات النفسية والسلوكية، فأنه يعني الفعل الظالم الناجم عن فقدان الأمان.

فالطاغية يكون في موقف محكوم بخيارين، فأما المواجهة أو الفرار، وتتغلب فيه حالة المواجهة على الفرار، لأن نتيجة الفرار قاسية وصعبة وخالية من الحوافز والمسوغات ولا تحقق الرغبات.

فالمواجهة رغم صعوباتها، لكنها ذات محفزات ومعززات لا محدودة، تدفع بالطاغية إلى الإمعان بسلوكه الإستبدادي حتى النهاية.

وكأنه في سباق نحو الهاوية، وكل ما يقوم به ويفكر به ويقرره، إنما من أجل إطالة مسافة السباق وحسب.

فالطاغية ليس غبيا أو جاهلا، وإنما يتمتع بقدر متميز من الذكاء، الذي يسخره لمشروع إطالة مسافة سباقه وصراعه مع الآخرين، الذين يمنحهم المواصفات والمسميات التي تبرر محقهم والفتك الفظيع بهم.

ومنبع السلوك الطغياني هو فقدان الأمان الداخلي، ومعظم الطغاة هم الذين فقدوا هذا الشعور في طفولتهم، وصار الشك والتوجس والخوف والظن بالسوء معيار سلوكهم.

فإن كانوا في عائلة فأن سلوكهم الطُّغواني يتكشف، وإن كانوا في دائرة أو منصب حكومي أو سياسي فيكون تعبيرهم أوضح.

وكلما إمتلك هذا الشخص قوة أكبر، كلما إنطلقت آلياته الدفاعية المنبثقة من بركة عدم الشعور بالأمان المتأسنة في أعماقه.

وتبدو حالة عدم الشعور بالأمان كالدملة المملوءة بالأقياح، والتي تريد الإنفجار وإطلاق ما فيها من الصديد.

وبعض العلماء والباحثين يرى أن العلاقة قوية ما بين الشخصية السادية والطغيان البشري، وآخرون يحسبونه تعبيرا عن المشاعر الشريرة الدونية الغابية الكامنة، وغيرهم يرى أنه من إنتاج النرجسية الفاعلة في السلوك، والتي تسببت فيها الطفولة المحرومة من الأمومة والشفقة وتقدير المشاعر والأحاسيس، أو الطفولة المهملة والمنبوذة.

وفي واقع السلوك الإستبدادي،  أنه إستجابات لمنبهات خارجية تدركها آليات الشك والخوف والحذر، وتمعن في رد فعلها العنيف عليها، حتى أن بعضهم يتملكه الشعور بأنه يعرف أعداءه من نظراتهم وملامح وجوههم، وفي هذا إمعان بالشك والبرانويا الوهمية، التي تدفع إلى إجراءات تعسفية قاسية ومرعبة.

ولهذا فأن الطغاة يفتكون بأقرب الناس إليهم، ولا يوجد في عرفهم وفاء أو صداقة، وإنما كل الآخرين أعداء وأعداء، ويتحينون الفرصة للفتك بالطاغية، ولهذا فعليه أن يتغدى بهم قبل أن يكون على مائدة عشائهم.

ومن رؤى الطغيان وتفسيرات سلوكه، أن البشر إذا وُضِع في مجاميع تتنافس على مصادر قليلة، فأن التفاعل فيما بينها سيكون فتاكا ومبررا للفظائع والمجازر والجرائم المرعبة.

وفي واقع ما يدور هو إستحضار آليات الغاب وتأكيدها، والعمل بموجبها للوصول إلى ذروة الوحشية والإفتراس الشرس للآخرين.

وما يقوم به الطغاة المعروفون من أفعال لا يمكن تصديقها، إذا حسبناهم من البشر، ولا بد من وضعهم في خانة أخرى، ونتصور بأنهم يظهرون كالبشر.

إن سلوك الطغاة لا يمت بصلة إلى آدميتهم أو بشريتهم، وكأنهم مخلوقات أخرى بهيأة آدمية، فالتصرفات الوحشية الإفتراسية، التي يقوم بها الطغاة العتاة، لا يمكن للخيال أن يتصورها، ولا يتمكن عقل إنساني من إستيعابها والتصديق بها، والتأريخ يزدحم بشواهدهم المروعة.

ترى مَن يُطعم الطغيان ويمده بقوته وعنفوان سلوكه؟!!

فهل أن الضعفاء يلدون الطغاة؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

ميثم الجنابيملاحظة وتقديم: لقد كتبت هذا المقال قبل أكثر من عشر سنوات ولم اطبعه آنذاك. وقد كنت اسعى آنذاك للمساهمة في إرساء اسس الرؤية الواقعية والعقلانية في الفكرة السياسية العملية العراقية. غير أن الأحداث والوقائع كانت تكشف عن طبيعة ومستوى الهوة العميقة بين الرؤية الفلسفية العلمية وثقل التقاليد الأيديولوجية الدينية والدنيوية التي لا تسمع ولا ترى ولا يمكنها تأمل أي شيئ خارج ما اعتادته وتعودت عليه. وهذا الأخير لا يعدو من حيث الجوهر غير كمية بلاغية من الجهل والغباء وانعدام الرؤية المستقبلية. إضافة إلى بطون جائعة وأفواه لا تمتلئ،  أي كل ما اطلقت عليه بعض شخصيات الورع والتصوف عبارة "اكياس خراء". وبالتالي، فإن هذا المقال لتنوير الرؤية العقلية ولا علاقة له بالأكياس!

***

من مفارقات فكرة المرجعية في التاريخ العراقي الحديث والمعاصر اقترانها بالمؤسسة الدينية. وهو اقتران لغوي ومؤسساتي لا علاقة له بالفكرة كما هي. فمن الناحية النظرية تتعدى ماهية المرجعية كل الأشكال الواقعية. وذلك لأن حقيقة المرجعية مثال متسامي. وبالتالي لا يعني حصرها بالمؤسسة الدينية سوى تحجيم وتقييد مضمونها الحقيقي.

فحقيقة المرجعية، بالمعنى الفلسفي، تتطابق مع فكرة الاحتمال الواقعية والعقلانية. بمعنى أن الجوهري فيها للفكرة المجردة، أما تحقيقها العملي فهو نماذجها الملموسة. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الحديث عن مرجعيات عديدة هي جزء من صيرورة الوعي النقدي والبحث عن البدائل، أي كل ما يتراكم في تجارب الأمم بوصفه مرجعيات متسامية. وهي الرؤية الوحيدة القادرة على تحرير الوعي من ثقل القيم والمفاهيم التقليدية باعتبارها بقايا قابلة للعيش وليس للإبداع. فالقيم والمفاهيم التقليدية تبقى، في أفضل الأحوال، جزء من بقايا البنية التقليدية للوعي والوجود الاجتماعي. ذلك يعني أنها تعيش في الأغلب بمعايير الزمن وليس التاريخ. وهي الحالة التي يمكن تحسس كل طابعها المأساوي في تاريخ العراق الحديث، الذي جعل من "البديل الديني" نفيا "للايدولوجيا العلمانية" (الدنيوية). وهو نفي مزيف، تماما بقدر زيف الأيديولوجية "العلمانية" للعراق الحديث.

إذ لم تكن "الأيديولوجية العلمانية" الأكثر انتشار وسيادة في تاريخ العراق الحديث سوى صيغ متناقضة في وحدتها للهامشية الاجتماعية والعرقية والمذهبية، أي لأشد أنواع الصيغ الأيديولوجية تخلفا وتخريبا، كما هو جلي على مثال الشيوعية والبعثية. فقد كانت الشيوعية والبعثية "العراقية" تعبيرا نموذجيا عن سيادة الحثالة والهامشية. وهو سرّ انحطاطهما المعرفي والأخلاقي والسياسي. وبالتالي لم تكن البدائل المصاغة بمعايير النفي المباشر سوى الصيغة المكملة لهما. وهو واقع جلي في صعود التيارات السلفية الدينية المتنوعة، وبالأخص في نماذجها الطائفية. ويبرهن هذا الصعود بحد ذاته على افتقاد تأسيسها لمعنى "المرجعية" من قيمتها ومعناها الحقيقي بوصفها مثالا متساميا. الأمر الذي يجعل من إعادة النظر بإشكالية الديني والدنيوي في العراق، إحدى أهم القضايا النظرية والعملية التي يتوقف على كيفية حلها مهمة التأسيس الواقعي والعقلاني لمرحلة الانتقال صوب التحرر الفعلي للفرد والجماعة والمجتمع والفكر، أي كل ما يؤدي إلى بناء الدولة والمجتمع والثقافة بوصفها منظومة الحرية الشاملة. وتفترض هذه النتيجة بدورها تحليل خصوصيتها الباطنية، أي البحث في إشكالية الدين والسياسة بوصفها إشكالية التاريخ الثقافي والسياسي للعالم العربي والعراق بشكل خاص.

فإذا كانت الكلمة تاريخ، أصواتها ولسانها في الثقافة، فإن كلمة التيار الإسلامي في العراق هي الأخرى صوت من أصوات الثقافة العربية الإسلامية ولسانها في العراق. لاسيما وانه التيار الذي يعكس في خصوصيته ظهور وتبلور أحد نماذج ما ادعوه بالظاهرة الإسلامية المعاصرة. والظاهرة الإسلامية ليست فرضية أيديولوجية مجردة، كما أنها ليست مجرد "تسييس" للإسلام. فالجدل المتمحور حول ما يسمى "بتسييس" الإسلام هو من بقايا التحزب الأيديولوجي النابع من انعدام أو ضعف إدراكه للحقيقة القائلة، بان "الظاهرة الإسلامية" هي إحدى أهم واعقد الإشكاليات الثقافية السياسية بالنسبة للعالم الإسلامي. من هنا تنوعها وخصوصيتها.

فمن الناحية الظاهرية تبدو كما لو أنها مجرد إشكالية الدين والسياسة. بينما هي في الواقع إشكالية الوجود التاريخي والكينونة السياسية والثقافية لعالم الإسلام. وذلك لأن حصر هذه الإشكالية في ثنائية الدين والسياسة يعني إرجاع مضمونها التاريخي والثقافي إلى مجرد تكرار ونسخة باهتة لإشكالية الدولة والكنيسة، التي واجهها الغرب الأوربي وحلها بطريقته الخاصة. وهو حل ساهم في بناء الحضارة الأوربية (الغربية) المعاصرة وصروح القومية والمجتمع المدني والديمقراطيات الرأسمالية.

أما في عالم الإسلام فإن لها مقدماتها الخاصة. فقد برزت ظاهريا أول الأمر كما لو أنها شكلا من أشكال التحدي، بعد أن تحسس العالم الإسلامي للمرة الأولى انهياره شبه التام أمام الغزو الأوربي. حينذاك بدأت تطفو إلى سطح وجوده الاجتماعي والسياسي ردود الفعل المتنوعة، التي جرى تصويرها بعبارات التحدي واليقظة والنهضة والانبعاث والثورة وغيرها. وتعكس هذه الأوصاف لحد ما بعض جوانب الظاهرة الإسلامية لا حقيقتها.

من هنا، فإن الاجتهادات النظرية المتنوعة في مساعيها كشف علاقة الإسلام بالسياسة انطلاقا من تحسس هذه المواجهة أو التحدي للهجوم الأوربي الغربي تهدف في نهاية المطاف إلى بناء صرح تأويلي يؤيد أو يعارض هذه العلاقة لا إلى تأسيسها العلمي والعملي بمعايير الحاجة التاريخية والانتماء الثقافي. بينما ينبغي البحث عن جذور هذه الظاهرة أولا وقبل كل شيء في كيفية الانقطاع الذي حدث تاريخيا بين المرجعيات الثقافية والواقع المعاصر للإسلام في هذه المنطقة أو تلك. ومن هنا عالمية الظاهرة الإسلامية، باعتبارها بحثا عن المرجعيات الثقافية الذاتية.

وإذا كان تأثير الغرب الأوربي جليا وعميقا في إبراز الظاهرة الإسلامية إلى حيز المواجهة، فلأنها كانت تتراكم في الواقع باعتبارها جزء من تاريخ الثقافة الذاتية. الأمر الذي يفسر سبب الزوال التدريجي والاندثار الهائل لكمية ونوعية التأثيرات الغربية الأوربية في العالم الإسلامي في مجرى القرنين التاسع عشر والعشرين، بعد أن استثارت في عالم الإسلام الظاهرة الإسلامية نفسها من سباتها الطويل تحت عروش الاستبداد. من هنا، فإن صعود الظاهرة الإسلامية نفسها لم يكن رد فعل على الهيمنة الأوربية(المادية والمعنوية)، بقدر ما كان رد فعل على الذات.

واتخذت هذه المركزية الإسلامية في مجرى تطور العالم الإسلامي صيغا وأبعادا سياسية متنوعة ومختلفة، عبّرت بمجموعها عن حوافز المواجهة والتحدي واستثارة الإرادة، أي كل ما كشف سياسيا وثقافيا عن نزوع الإسلام للتعبير عن المصالح الجوهرية للعالم الإسلامي من خلال تحوله إلى "مشكاة" المواجهة الثقافية مع الغرب(الأوربي) آنذاك. فقد سعت المركزية الإسلامية، من الناحية التاريخية، إلى وضع أسس الرؤية النقدية تجاه التجربة الأوربية وتطبيقاتها السياسية والاجتماعية والأخلاقية في العالم الإسلامي. أنها أرست بصورة تدريجية معالم الوحدة الضرورية بين الوعي السياسي والاجتماعي المعاصر وبين تاريخ الأمم الإسلامية. وحاولت استعادة اللحمة المنفرطة بأثر الغزو الكولونيالي، بين التاريخ والوعي، بين الرؤية الواقعية ومرجعيات الثقافة الخاصة، بين البدائل ومصادر الوعي التاريخي والثقافي. ومن ثم إعادة ترتيب الأحجار الضرورية لبناء صرح التلقائية الفكرية في العلم والعمل. إلا انه كان صعبا عليها أن تتخذ في بادئ الأمر توجها سياسيا – دينيا صرفا، لأنها لم تتحدد بآلية النظام الثقافي المستقل. فهي لا تشبه بشيء آلية الإبداع الثقافي الإسلامي في  عصور الخلافة المزدهرة، رغم الاستقلال النسبي للعالم الإسلامي، بما في ذلك في أواخر مرحلة الدولة العثمانية. لهذا عانت الحركة الأولى للتلقائية الثقافية الإسلامية من انفصام حاد عن مصادر وعيها التاريخي، ومن ضغط الثقافة الأوربية. مما كان يعّرضها على الدوام لعواصف التغيرات المفاجئة والطارئة. من هنا سرعة انحلال التراكم الفكري والروحي والاجتماعي الأولى في أواخر الدولة العثمانية الذي ساهم في بلورة تيارات سياسية وفكرية جديدة ونشطة مع سقوط السلطنة وتجزئة العالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص. ورافق ذلك شرذمة القوى الاجتماعية والفكرية والسياسية. وكسر هذا التحول المفاجئ والطارئ تقاليد الرؤية المتراكمة في غضون قرن من الزمن. مما أضطر الوعي الاجتماعي إلى أن يقع من جديد في نفس آلية ما أسميته بالحركة الأولى للتلقائية الثقافية الإسلامية، ولكن ضمن شروط جديدة  تجسدت بسيادة الرؤية الدنيوية (العلمانية) وحركاتها السياسية (من ليبرالية وقومية واشتراكية وشيوعية وغيرها). وتعرض هذا التراكم بدوره في مرحلة النضال من اجل الاستقلال الوطني وما تبعها من الانقلابات العسكرية وصعود الدكتاتوريات الحزبية والفردية والعائلية والقبلية إلى كسر وهدم جديدين.

كشف هذا الانقطاع عن وجود هوة عميقة بين التاريخ الإسلامي وبين الواقع المعاصر، وكشفت في الوقت نفسه عن غياب الرؤية العقلانية والثقافية، وبالأخص عند الحركات السياسية، تجاه الإشكاليات الواقعية الكبرى. غير أن هذه الانقطاعات المفاجئة أدت أيضا إلى تعميق وترسيخ التوجه العام القائل بضرورة التأسيس الذاتي(الثقافي) للرؤية التاريخية تجاه الماضي والحاضر والمستقبل، باعتباره إحدى المرجعيات الفكرية الكبرى. وعليها أيضا ظهر التحسس الأولى لأهمية البديل الثقافي – السياسي. بمعنى تنامي براعم الرؤية التاريخية والسياسية عن ضرورة  التحّصن الثقافي، وما يترتب عليه من استقلالية حضارية في العالم المعاصر. وهو أمر جعل من التفعيل السياسي للإسلام جزءا من البحث عن البديل الشامل في حوار الحضارات وصراعاتها في العالم المعاصر.

لقد تحول الإسلام في تياراته المتنوعة واستقطابه المتنامي لمختلف القوى الفكرية والسياسية، إلى ميدان التحرير الثقافي للنفس. ومن ثم استعادة المركزية الثقافية الإسلامية على أسس جديدة قادرة في المدى القريب على إبداع نظما معقولة ومقبولة في العالم المعاصر، أي أننا نقف أمام إجماع خفي متراكم في الوعي الاجتماعي والسياسي المعاصر في العالم الإسلامي على ضرورة تأسيس نظم للحياة تستمد مرجعياتها الفكرية والروحية من التاريخ الثقافي للحضارة الإسلامية وأممها المتنوعة. ومن ثم تحول جهادها واجتهادها في مختلف الميادين إلى "قطب" روحي فعال في الصراع الحضاري، مع ما يترتب على ذلك بالضرورة من تفعيل سياسي لمكوناته الثقافية. فهي المرحلة الضرورية التي ينبغي أن تقطع أمم العالم الإسلامي ودوله أشواطها من اجل تكاملها المادي والروحي في نظم حكومية وسياسية وثقافية على المستوى القومي والإسلامي والعالمي.

غير أن هذا التكامل مرهون بخصوصية الظاهرة الإسلامية في هذا البلد أو ذاك. الأمر الذي يدفع إلى الأمام هذا الجانب أو ذاك باعتباره القضية الجوهرية لما أسميته بأشواط التكامل المادي والروحي في نظم حكومية وسياسية وثقافية. ولا تشذ الظاهرة الإسلامية في العراق عن ذلك.

ففي العراق تندفع إلى الأمام قضية الدين والدنيا، وعلاقة الديني بالدنيوي إلى الأمام باعتبارها القضية النظرية والعملية الأساسية لبناء النظم الحكومية والسياسية والثقافية في العراق. بمعنى كيفية حل هذه الإشكالية من وجهة نظر المشاركة البناءة للحركات الإسلامية في إعادة تعمير العراق على كافة المستويات، وبما يضمن بناء دولته العصرية ومجتمعه المدني ونظامه الديمقراطي والحقوقي الشامل. ولا يمكن حل هذه المهمة على المستويين النظري والعملي بصورة متجانسة دون إعادة تأسيس هذه الثنائية بصورة واقعية تأخذ بنظر الاعتبار ما ادعوه بمعاصرة المستقبل. وذلك لأن علاقة الديني بالدنيوي هي علاقة متغيرة ومتنوعة المستويات. إذ تختلف هذه المهمة من الناحية النظرية بالنسبة للتيار السنّي والشيعي بشكل عام، وفي العراق بشكل خاص.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل ما أضعه هنا من أفكار حول "التيار السنّي" في العراق هو مجرد رؤية محتملة لما يمكن أن تكون عليه الحركة الإسلامية السياسية المتبعة لتقاليد الحركات السنيّة. ذلك يعني أنها حركة كامنة في العراق أكثر مما هي واقعية، وواقعية أكثر مما هي احتمال. بمعنى أنها جزء عضوي من الظاهرة الإسلامية بشكل عام وفي العالم العربي والعراق بشكل خاص.

ولعل أهم ما يخصه بهذا الصدد في العراق هو ضرورة الاهتمام بثلاث قضايا جوهرية وهي: أولا قضية إعادة تأسيس فكرة "الفرقة الناجية" صوب الاهتمام بفكرة جوهرية الحق وأولويته على الرجال، وثانيا قضية إعادة تأسيس "السنة النبوية" التقليدية ضمن الرؤية الواقعية لسنّة التطور التاريخي، وأخيرا تحويل الفقه الثابت ومدارسه التقليدية إلى فكرة ثبات القانون والاجتهاد فيه حسب متطلبات التطور الاجتماعي والسياسي الديمقراطي والمجتمع المدني.

وفيما يتعلق بالقضية الأولى ("الفرقة الناجية")، فإن ذلك يفترض العمل من اجل إلغاء فكرة الفرقة بمعناها النفسي والعقائدي والتنظيمي. بمعنى تحرير فكرة "الفرقة الناجية" من الفرقة والإبقاء على جوهرية النجاة فيها، عبر تحويلها إلى فكرة سياسية. وهو تحويل ممكن من خلال ربط مضمون الفكرة السياسية للنجاة بالعمل النظري والعملي على حل الإشكاليات الواقعية الكبرى بعد إدراكها بمعايير معاصرة المستقبل بشكل عام وفي العراق بشكل خاص. مما يستلزم بدوره العمل من اجل ربط الجانب السياسي للفكرة بأبعادها الحقوقية. كما انه ممكن من خلال تأسيس الأبعاد السياسية للنجاة بمعايير الحقوق. مما يستلزم بدوره نفي حق الحديث باسم "الفرقة الناجية" و"أهل السنّة"، والعمل بصفة حركة اجتماعية أو سياسية أو كلاهما. بمعنى العمل والمشاركة بمعايير الرؤية السياسية والحقوقية شأن كل الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية. فهي المقدمة الضرورية لتذليل التوتاليتارية الدينية ونفسية التقديس الأيديولوجية. إذ يؤدي هذا التحرير والتحويل في مضمون الفكرة إلى نقل اهتمام الحزب السياسي الإسلامي وحركاته الاجتماعية صوب المستقبل وليس صوب الماضي. بمعنى تحويل كل الرموز الكبرى مثل النبي والصحابة والتابعون وأئمة الفقه والكلام وغيرهم إلى مصادر ثقافية تساهم في تعميق وترسيخ الرؤية السياسية والحقوقية.

إن إعلاء شأن "المصدر الثقافي" في الرؤية السياسية والحقوقية للحركة الاجتماعية والأحزاب السياسية يساهم بصورة فعالة وغير مباشرة في تذليل فكرة ونفسية "الأصول" اللاهوتية. بمعنى المساهمة على جعل معنى ومضمون الاجتهاد فعلا واقعيا ومستقبليا. ولا يعني ذلك إزالة أو تذليل فكرة الأصول بحد ذاتها، بقدر ما يعني أن "الأصول" هي ليست كيانا مستقلا بحد ذاته مقدسا بهيئة "نصوصا" لا تقبل التغير والتبدل. فالنصوص أيا كانت هي "أبدية" ولا "تقبل التغير والتبدل". إلا أن قيمتها "الأبدية" الفعلية تقوم في قدرتها على أن تكون جزءا من "المعاصرة"، أي جزء من معترك تربية العقل النقدي ومساهماته الواقعية في حل الإشكاليات الجوهري الكبرى للتطور الاجتماعي. بعبارة أخرى، إن النصوص لا تقدم حلولا، بل رؤية. وأن معيارها "المقدس" هو بقاءها ضمن إطار الرؤية الثقافية، التي يستحيل تأسيسها في العالم المعاصر دون إيجاد الصيغة المناسبة لحل إشكالية الديني والدنيوي.

وفي واقع العراق المعاصر، فإنها ممكنة من خلال حل أربعة حلقات في سلسلة "الدنيوية العراقية"، وهي أولا تذليل سيطرة الديني على الدنيوي، أي أولوية الإيمان والعقائد الجاهزة على الرؤية السياسية والاجتماعية الضرورية، وثانيا تأسيس فكرة الدنيوية المعتدلة بقيم الانتماء الثقافي الذاتي، وثالثا ربط فكرة وقواعد الدنيوية بفكرة الحق والحقوق، وأخيرا تجسيد الدنيوية بوصفها منظومة حقوقية سياسية اجتماعية اقتصادية وثقافية. فهو التأسيس الذي يمكنه أن يكون أسلوبا للتطور المتجانس في العراق، ومقدمة لدمج فكرة "السنة النبوية" فيما ادعوه بمعاصرة المستقبل في العراق.

وفيما يخص القضية الثانية ("السنّة النبوية")، وإعادة تأسيسها ضمن الرؤية الواقعية لسنّة التطور التاريخي، فإن ذلك يفترض العمل من اجل عقلنة ماهيتها التاريخية والمجردة. وهي ليست مهمة تأويل صرف، بقدر ما أنها تنبع من حقيقة السنة النبوية، بوصفها نموذجا تاريخيا ومتساميا للثقافة الإسلامية. وهي حقيقة تجعل من "السنّة النبوية" كيانا محدودا من الناحية الثقافية، بمعنى انحصار قيمتها العملية المباشر في حدود العالم الإسلامي، مع أنها تحتوي شأن كل ما هو متسام في الفكر والتاريخ على قيم أوسع من حدوده الزمنية والجغرافية.

إلا أن القيمة الكبرى للفكرة تقوم أولا وقبل كل شيء في أبعادها الثقافية الخاصة. الأمر الذي يعطي لها أثرا ماديا وروحيا بالنسبة لتاريخ ووجود الأمم نفسها وكيانها المتميز. و"السنّة النبوية" هي من بين هذه الأفكار المتسامية. فقد مرت شأن كل فكرة متسامية بمراحل ثلاث هي مرحلة الصيرورة والتكون ومرحلة الكينونة التاريخية ومرحلة الكيان المجرد. ويمكن التعبير عن هذه المراحل  بمرحلة البداية والوسط والنهاية، أو الولادة والحياة والموت، أو العمل والفكر والاغتراب. والتعبير الأخير هو الأكثر دقة بالنسبة لرؤية الظاهرة من حيث كونها تيار تاريخي – ثقافي. بمعنى انه ظهر في ظروف تاريخية معينة وأثر في مجراها لاحقا واغترب عنها عندما تحول إلى كيان ميتافيزيقي (ماورائي).

فقد كانت "السنة النبوية" فعلا وقولا تاريخيا للنبي، أي أنها وثيقة الارتباط بوجوده وشخصه الكريم. من هنا كان القول فيها عملا والعمل قولا، بمعنى وحدتهما التامة. وفي وحدتهما شكلا الصيغة التاريخية والفعلية لوجوده الشخصي. ومن ثم لم يكن فيها آنذاك اثر للتقديس والتعالي بالمعنى الوجودي والديني. لكن حالما تحولت لاحقا إلى مصدر من مصادر العقيدة الإسلامية وأصلا من أصول الإسلام والدين والفقه، واختلط فيها الصحيح بالموضوع والكاذب بالحسن والمقبول بالضعيف وما شابه ذلك من التقييمات الدقيقة، فإنها تحولت في الواقع إلى جزء من تاريخ الثقافة. وهي حالة طبيعية بالنسبة لتطور الحضارات، بحيث تجعل من الرجوع إلى ما يبدو "سليما" و"صحيحا" و"حقا" مقارنة بما هو موجود، فعلا وقولا مندرجا ضمن الاجتهاد التاريخي للثقافة نفسها. ولم تتخلص السنّة النبوية من تأثير هذا القانون التاريخي للثقافة. أما المحاولات اللاحقة لجعلها كيانا خارج التاريخ وفوقه وتجميدها الكمي والنوعي وتقديسها الشامل، فانه قد أدى إلى اغترابها الفعلي عن مجرى التاريخ الفعلي وإشكالاته الواقعية. بعبارة أخرى إن دمج مراحلها الثلاث في مكونة واحد، أي دمج مضمونها الأولي والتاريخي والمجرد، بوصفها مكونات مختلفة، في كل واحد أدى إلى تقييد كل شيء فيها، وبالتالي إلى "تقديسها".

ولم يعن تقديسها من الناحية الفعلية سوى اغترابها التام عن إشكاليات التاريخ والواقع. من هنا أثرها الكبير، على الأقل من الناحية الفكرية في تجميد وتكلس الإسلام تاريخيا وثقافيا. فقد كان هذا النوع من "السنة النبوية" أحد مصادر وأصول التأخر التاريخي للإسلام والعالم الإسلامي. إذ لم يعن تحويلها إلى أصل أولي وجوهري ومرجعية حياتية شاملة، سوى فرض صيغتها الشكلية المقيدة للإنسان والمجتمع والثقافة. بمعنى وضعها بالضد من مصادر وأصول التطور والتغير. بينما المهمة الآن تقوم في إعطائها موقعها الضروري في الرؤية الإسلامية الواقعية من خلال تحويلها إلى نموذج معقول يساهم في قبول سنة التطور غير المحدود وغير المحدد، بمعنى تحويلها إلى نموذج للرؤية العملية الباحثة عن حلول وبدائل. وهو تحويل ممكن في حال الإقرار المنهجي بنظرية الاحتمال الدائم ومعاصرة المستقبل. مما يفترض بدوره "رمي النصوص" والتعلم من محتواها التاريخي – الثقافي. بمعنى جعل السنّة النبوية أحد النماذج التاريخية والثقافية الكبرى للعقل النظري والعملي المعاصر والنظر فيها بمعايير المستقبل. بمعنى تقديم صيغة عقلانية جديدة للرؤية الإسلامية عن سنّة التطور، لاسيما وأنها الرؤية التي تتمتع بتاريخ عريق وعميق في مختلف صنوف وعلوم الفكر الإسلامي. وهي صيغة ممكنة في العالم المعاصر من خلال ربط فكرة "السنّة" أو القانون الكوني للتطور والتغير والتبدل بفكرة الأصول العقلية. وهو ربط يمكنه أن يحرر "الأصول" الإسلامية التقليدية من مرجعيتها كما هي. وفي هذا تكمن إحدى مقدمات تذليل ذهنية ونفسية "الأصولية" "السلفية" وغيرها من نماذج التحجر الفكري والمذهبي. كما أنها تتضمن في أعماقها إمكانية جعل فكرة الأصول مرجعية. بعبارة أخرى إن المهمة تقوم في جعل فكرة الأصول مرجعية ثقافية لا الأصول التقليدية كما هي. وعلى هذا الغرار وبأثره تصبح فكرة السنة النبوية مرجعية ثقافية مهمة لتأسيس فكرة وضرورة التطور والتغير والتبدل بالشكل الذي يستجيب لمعاصرة المستقبل.

أما بالنسبة للقضية الثالثة المتعلقة بتحويل الفقه الثابت ومدارسه التقليدية إلى فكرة ثبات القانون والاجتهاد فيه حسب متطلبات التطور الاجتماعي والسياسي الديمقراطي والمجتمع المدني، فإنها تفترض في البدء صياغة تحديد جديد لماهية الفقه الإسلامي. وينبغي أن يتركز هذا التحديد حول الفكرة القائلة، بأن حقيقة الفقه تفنن في اكتشاف وإدراك وتحقيق المعنى في النصوص والأحداث والوقائع والمستقبل. فهو التحديد الذي يحرر الفقه من تكرار النصوص والخوض في غمار مياه آسنة أو جدول صغير يعتقد السائرون فيه أنهم يغوصون في أعماق البحر. ويعيد التكرار الممل في حفظ المتون وأمهات الكتب إنتاج هذا الوهم عوضا عن أن تكون مجرد تمارين ذهنية للتعامل مع إشكاليات الواقع بروح المعاصرة. وليس المقصود بالتحرر هنا سوى التحرر من أحكامه القديمة، وإعادة النظر بتقاليد الرؤية الفقهية نفسها. فهي تقاليد مازالت أسيرة الفلسفة القديمة عن الأصول، بينما تفترض الرؤية الفقهية الجديدة صياغة فلسفة جديدة للأصول تعنى بإعادة بناء الكيان النظري للفقه الإسلامي من خلال إعادة ترتيب الأولويات في رؤيته للأصول نفسها. وهي إعادة ينبغي أن تستند إلى مرجعية فكرة الأصول.

وهذا بدوره يفترض جعل الفقه فلسفة الحق الإسلامي وبناءه على أسس منهجها العام هو البحث عن علل الأشياء وأسلوبها العملي هو الظن العقلي. مما يستلزم بالضرورة تأسيس فكرة إلغاء ذهنية ونفسية التحريم فيه. والأسلوب النظري والعملي لذلك يقوم في تحويل جهود الفقه النظري والعلمية صوب الاهتمام الدائم بقضايا الرؤية العقلية الحقوقية. وبالتالي جعل الفقه في مختلف اجتهاداته جهادا من اجل الحق والحقيقة. وهي مهمة يمكن إنجازها فقط من خلال تحويل قواه الذاتية صوب المباحث الاجتماعية السياسية. بمعنى العمل من اجل بناء منظومة من فقه حقوق الإنسان المدنية، ومنظومة من فقه الدولة الشرعية، ومنظومة من فقه الحكم الديمقراطي (نظام الشورى العصري)، ومنظومة من فقه الحقوق الاقتصادية وغيرها من جوانب حياة الفرد والمجتمع والدولة.

أما التيار الشيعي، فإنه التيار الفعلي والواقعي للظاهرة الإسلامية في العراق. بل انه يتعدى ذلك من حيث اندماجه العضوي في نسيج الصيرورة التاريخية والكينونة الثقافية والروحية للعراق. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إليه، باعتباره الحامل الفعلي لفكرة البدائل الإسلامية في العراق. لاسيما وانه كان على امتداد كل تاريخه المعاصر ممثل روح التمرد والدعوة للحرية والنظام الاجتماعي والعدالة. وهو تاريخ يضع أمامه في الظروف الحالية أكثر من أي اتجاه إسلامي آخر مهمة المساهمة النظرية والعملية في صياغة وتجسيد الرؤية العقلانية والواقعية لآفاق البدائل السياسية الثقافية في العراق.

إن الأثر التاريخي للتيار الشيعي وآفاقه يفترضان مساهمته الفعالة في حل إشكالية الديني والدنيوي انطلاقا من ظروف العراق الحالية. وهي مساهمة تفترض إعادة النظر، استنادا إلى فكرة ومعايير معاصرة المستقبل، بثلاث قضايا وتأسيسها الجديد. وهي أولا قضية "ولاية الفقيه" وذلك عبر تحويلها إلى فكرة ولاية قانون الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني، وثانيا قضية تحويل فكرة المرجعية إلى اجتهاد اجتماعي وسياسي يهدف إلى إشراك المجتمع في بناء الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني، وأخيرا قضية تحويل عقيدة "الإمام المنتظر" إلى نظرية البحث عن بدائل المستقبل الواقعي والعقلاني استنادا إلى جوهرية العدل في التراث الشيعي.

ومع أن فكرة "ولاية الفقيه" ليست جديدة في الفكر الشيعي، إلا أن أبعادها السياسية المعاصرة لم تعد اجترارا أو إعادة مباشرة لفكرة "الإمام" و"الناطق" و"الشيعي الكامل". كما أنها لم تعد، بأثر التحولات الكبرى التي جسدتها الثورة الإسلامية في إيران ونتائجها العملية فيما يخص بنية الدولة والنظام السياسي والثقافي، مجرد فكرة عامة وتجريدا نظريا.

فقد كانت "ولاية الفقيه"، بما في ذلك في صيغتها التي بلورها وجسدها الإمام الخميني، رؤية أولية تحاور بعض قواعد العقيدة الشيعية المتعلقة بمسألة "الغيبة" و"الإمام المنتظر" ودور علماء الدين في التعامل مع إشكاليات الواقع. وهي رؤية كانت تهدف أساسا إلى إشراك علماء الدين الشيعة في السياسة. بمعنى تفعيل الدور السياسي لفكرة الانتظار، التي كانت تعني واقعيا نقل فكرة وممارسة التقية إلى ميدان المسئولية الفردية والتاريخية لعلماء الدين الشيعة. وقد احتوت بهذا المعنى على تقاطع سياسي مع تقاليد "التقية" الشيعية، إلا أنها كانت تعيد إمكانية تمحورها المحافظ، وذك لأنها كانت محصورة بالأطر اللاهوتية لفكرة "الولاية". بعبارة أخرى، انها كانت تعيد إنتاج التشيع التقليدي ولكن بصورة فعالة، عبر توجيه شحنة الوجدان ونفسية التمرد على الظلم والجور، دون كسر منظومته بصورة جذرية، أي دون تقديم رؤية بديلة تستند إلى معاصرة المستقبل. لهذا كانت من الناحية الظاهرية تمثل تجسيدا للفكرة التثويرية، لكنها كانت تحتوي في أعماقها على نقيض لها. الأمر الذي أعطى للثورة الإسلامية في إيران طابعا محافظا. لقد كانت الثورة الإسلامية في إيران "ثورة محافظة". وهي مفارقة كانت تكمن في عدم حل الرؤية الأولية لفكرة "ولاية الفقيه" إشكالية الديني والدنيوي بالطريقة التي تذلل بصورة جذرية إمكانية إعادة إنتاج الرؤية التوتاليتارية نفسها. وذلك لان مهمتها لم تكن العمل من اجل اشتراك "المؤمنين" في السياسية وعلماء الدين في الحركة الاجتماعية السياسية، بل في "بنائها" بالطريقة "الإسلامية".

أما في العراق، فإن تكونه التاريخي المعاصر وتركيبته الثقافية قد جعل من التأسيس النظري لعلاقة الديني بالدنيوي اكثر انفتاحا وعقلانية عند أهل الفكر والنظر من التيار الشيعي العام. والقضية هنا ليس فقط في أن التيار الشيعي العراقي كان يتصف على الدوام بانفتاح واسع على مختلف التيارات الفكرية العالمية والعربية والعراقية، بل ولتحرره الكبير من تقاليد المذهبية المغلقة في موضوعاتها. ومن الممكن الإشارة هنا إلى الإبداع النظري لمحمد باقر الصدر. إذ نعثر في كتبه الشهيرة "فلسفتنا" و"اقتصادنا" (وما يقال عن احتمال "سياستنا") عن بطانة ماركسية مقلوبة. والقضية هنا ليس فقط في أن أسماء وموضوعات الكتب هي نسخ وموازاة للمكونات الثلاث الكبرى للماركسية، أي الفلسفة والاقتصاد والسياسة، بل وفي ردودها البديلة. وبغض النظر عن مستوى النقد الفكري فيها لمكونات الماركسية التقليدية، غير أن مجرد الاهتمام بها كان يعكس مستوى وطبيعة الاندماج الفعال في قضايا الفكر والواقع السياسي والفكري العراقي، أي أن موضوعاتها لم تكن اجترارا وتكرارا لما في "أمهات الكتب" و"متون الأئمة" وما شابه ذلك، بل محاولة ذهنية للمشاركة في إشكاليات المعاصرة آنذاك. وبهذا المعنى يمكن النظر إليها باعتبارها إحدى البدائل النظرية والعملية السياسية الشيعية المهمة في تاريخ العراق المعاصر. وذلك لأنها حاولت الخروج على الواقع مع البقاء ضمن بعض مرجعياته التاريخية والثقافية الكبرى – التشيع. وفي هذا تكمن قيمته التاريخية وأهميته بالنسبة  لمعاصرة المستقبل من جانب التيار الشيعي فيما يتعلق بإمكانية الحل النظري والعملي لمسالة "ولاية الفقيه". فهي القضية التي تشكل مضمون ولب الرؤية النظرية لمشروع النظام السياسي البديل في العراق. ويتوقف الحل الإيجابي لهذه القضية على كيفية تحويل فكرة "ولاية الفقيه" إلى فكرة ولاية قانون الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني، بمعنى التأسيس لفكرة الاجتهاد السياسي وليس العقائدي.

وهي المقدمة الضرورية التي يستتبعها حل القضية الثانية في سلسلة حل إشكاليات علاقة الديني بالدنيوي ضمن التقاليد المميزة للتيار الشيعي في العراق، ألا وهي قضية المرجعية والمرجعة. مما يفترض في البدء إعادة تأسيس فكرة المرجعية والمرجع الديني في التيار الشيعي المعاصر، بالشكل الذي يحولها إلى جزء من منظومة المرجعيات الثقافية.

فالمرجعية في التشيع هي مؤسسة لها أسسها المذهبية والعقائدية وكيانها التاريخي وأبعادها الروحية، أما المرجع الديني فهم أشخاص ورموز. بينما يفترض البديل أن تكون المرجعية فكرة منظومية تقر بمبادئ الاحتمال والتنوع وتحتوي عليها، وأن يكون المرجع منظومة مبادئ. فهي الصيغة التي يمكنها أن تعيد إنتاج الثبات التاريخي والمؤسسي للمرجعية الشيعية ولكن على أسس ثقافية جديدة مقترنة بمعاصرة المستقبل. وذلك لأنها الصيغة القادرة على أن تستعيض عن المؤسسة التقليدية بالمنظومة، وعن الأشخاص والرموز بالمبادئ  سوف تعطي للثبات أبعادا حركية. فمضمون الثبات فيها يتطابق مع المنظومة المؤسسة والداعمة لقيم التغير والتبدل والتطور والواقعية والعقلانية والنزوع الإنساني والديمقراطي. كما انه يضمن إمكانية إحكام مفاهيم وقيم التغير والتبدل والتطور بأوزان داخلية، هي أوزان الانتماء الذاتي والرؤية الثقافية. لاسيما وأنها أوزان لها تاريخها العريق ونماذجها المتنوعة.

فمن الناحية الظاهرية والعامة استطاع التشيع أن يكشف عن قدر هائل من الثبات في وجه كل الضغوط العنيفة التي مورست ضده تاريخيا من جانب مختلف القوى. ولعل التاريخ الحديث للعراق هو أحد اصدق وأعمق الصفحات الكبرى للتدليل على الاستعداد الهائل للتشيع في مواجهة التحديات الكبرى والبقاء ضمن حيز الانتماء الذاتي. بمعنى البقاء ضمن تقاليد الانتماء للمدارس الشيعية والتفاعل مع التغيرات الكبرى في مختلف الميادين. وهو بقاء وثيق الارتباط بمؤسسة المرجعية نفسها. ذلك يعني أن قيمة التشيع وقدرته على الثبات التاريخي، بما في ذلك قدرته على المحافظة على القيم الإنسانية وتمثلها الوجداني، قد ارتبط أساسا بمؤسسة المرجعية. غير أن هذا الارتباط الضروري المحكوم عليه بعنف الخارج لم يعد ضروريا في ظل الانفتاح المعاصر في العراق. وهو تغير وتحول ينبغي أن يجد طريقه إلى تحول وتغير في فكرة المرجعية نفسها. وهي مهمة ينبغي للتيار الإسلامي الشيعي أن يأخذ على عاتقه جهود تأسيسها العملي والعملي.

وإذا كانت الجذور العقائدية للارتباط المذكور أعلاه تكمن في فكرة وتاريخ "الغيبة"، فإن المهمة الأولية للفكر النظري ينبغي أن تسير في اتجاه فك هذا الرباط اللاهوتي وإعادة شده بطريقة تجعل منه رابطا وجدانيا بالتراث لا غير. بمعنى التأسيس للقيمة الوجدانية والتراثية للمرجعية في تاريخ "الغيبة" من خلال إعلاء شأنها الروحي باعتبارها رمزا ثقافيا خاصا لمعارضة الظلم والجور والطغيان والاستبداد.

فهي الرؤية التي يمكنها أن تكشف عن طبيعة الأبعاد التاريخية للمرجعية، أي النظر إليها باعتبارها كيانا تاريخيا له حدوده الثقافية. كما ينبغي توسيع مدى هذه الحدود من خلال جعلها جزء من معاصرة المستقبل. ويترتب على ذلك حل القضايا الفكرية المتعلقة بنموذج الممارسة السياسية وأسلوبها المنهجي، واقصد بذلك ثنائيات الخواص – العوام، والظاهر – الباطن من خلال إدراجهما ضمن معايير ومقاييس الممارسة السياسية العلنية والنظام الديمقراطي. وهي نتيجة ترتبط ارتباطا عضويا بتحويل مؤسسة المرجعية إلى فكرة متسامية، وترقيتها إلى مستوى المرجعية الثقافية. آنذاك يحصل التواصل النوعي الجديد بين التاريخ والمعاصرة، كما يحصل التكامل التاريخي – الروحي بين "الغيبة" و"المستقبل"، أي بين الأبعاد الروحية للمرجعية والوظيفة السياسية الجديدة لها عبر النشاط  النظري والسياسي للتيار الشيعي المعاصر.

ويمكن تجسيد هذا التواصل على المستوى النظري والعملي من خلال التأسيس السياسي الفعال لخمس قضايا أساسية كبرى بهذا الصدد وهي قضايا الهوية العراقية، والمجتمع المدني، ودولة الحقوق، والتعددية السياسية، والانفتاح الفكري. فهي القضايا المحورية بالنسبة للعلم والعمل المتعلق بإمكانية تفعيل المرجعية والمرجع بمعايير معاصرة المستقبل، وبالأخص إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن للتيار الشيعي في العراق تاريخ متميز فيها. إذ للهوية العراقية في التشيع قيم محلية ووجوه شعبية ومثقفة، دينية ودنيوية، مؤمنة وغير مؤمنة. ونعثر في مراقد الأئمة وتاريخ الحسينيات والعزاء، أي في الأفراح والمآسي على نماذج لتجمعات وتآزر المجتمع المدني. بينما تمثل التقاليد العلوية  – الإمامية أنموذجا أعلى لفكرة الحق الإسلامي، بمعنى احتواءها على صيغة وجدانية وحقوقية وتاريخية لجوهرية الحق بوصفه عدلا. كما نجد في تنوع وتباين واختلاف الحركات الاجتماعية والسياسية الشيعية واشتراكها في المبادئ المرجعية نموذجا معقولا للتعددية السياسية. وفيه تكمن أجنة الانفتاح على النفس والآخرين، بوصفه الضمانة المادية والمعنوية للخروج على المذهبية الضيقة وتقاليدها.

إن هذا التحول صوب معاصرة المستقبل يضع بالضرورة مهمة استكمال الحل المنطقي لعلاقة الديني بالدنيوي في التيار الشيعي العراقي من خلال الرجوع إلى نقطة البداية، أي قضية المهدي. فالمهدي هو ليس "نهاية التاريخ" بل بدايته الرمزية. وتمثل هذه الصيغة المعادلة المتكونة من التاريخ والعقيدة الإيمانية. وإذا كانت هذه المعادلة إحدى الصيغ الواقعية التي حفظت للشيعة وحدتهم المادية والمعنوية من خلال الدور الذي لعبته المرجعية بوصفها مؤسسة ورجالها باعتبارهم رموز شخصية وتاريخية، فإن معاصرة المستقبل تفترض تحويل عقيدة "الإمام المنتظر" إلى نظرية البحث عن بدائل المستقبل الواقعي والعقلاني. وذلك من خلال التأسيس السياسي والحقوقي لجوهرية العدل في التراث الشيعي. فالمهدي ليس من الهداية فقط، بل والمكون الجوهري لفكرة الانتظار، أي المستقبل. ومعاصرة المستقبل تفترض أن يكون الحاضر محور الاهتمام العلمي والعملي للحركة الاجتماعية والسياسية الشيعية من اجل توليف الأبعاد الروحية والعقائدية لفكرة "المهدي المنتظر"، بمعنى تحويل راهنيتها العقائدية إلى راهنية سياسية وثقافية. مما ينبغي نفيه بصورة عقلانية من خلال تحويل "انتظار الأشخاص" إلى "انتظار البدائل"، أي نقل الوعي الاجتماعي من انتظار المعجزات إلى تحقيقها في الفعل الاجتماعي – السياسي. فالبدائل لا تحتمل الانتظار، لأنها تستلزم بالضرورة العمل من اجلها. وذلك لأن فكرة البدائل نفسها هي اجتهاد دائم ضمن حيز الاحتمال والإمكان، أي ضمن حدود الرؤية العقلية وإشكاليات الواقع. وبالتالي فان تحرير الانتظار من الأبعاد اللاهوتية والعقائدية والمذهبية يتضمن في أعماقه تحريره من نفسية العوام وذهنية التقليد. حينذاك يمكن تحقيق "المهدي المنتظر" في مشاريع متعددة غايتها العليا هي فكرة الحق. فالمهدي هو الحق، والحق هو الواقع والمستقبل والهداية.

وفي تحقيق التيار الإسلامي بشقيه السنّي والشيعي في العراق للمهمات النظرية والعملية الكبرى المطروحة تكمن أيضا مقدمة اندماجهما التاريخي في حركة اجتماعية سياسية ثقافية في العراق، يمكنها أن تكون نموذجا لما ادعوه بالإسلام الثقافي، أي الإسلام القادر على حل إشكالية الديني والدنيوي في العالم المعاصر بما يضمن للعراق إمكانية الازدهار والتقدم والإبداع الإنساني الأصيل في مختلف المجالات. فهو الإسلام الوحيد القادر على الإسهام بصورة فعالة في معترك البدائل السياسية الثقافية ليس على النطاق العراقي والعربي والإسلامي فحسب، بل والعالمي أيضا. وذلك من خلال المساهمة في إرساء الأسس الواقعية لنقل إشكالية الديني والدنيوي من نماذج وتصورات واحتراب العقائد القديمة إلى جهاد المعاصرة والاجتهاد في دروبه الواقعية والعقلانية. أما الحلول الجوهرية والمستقبلية الكبرى، فهي تلك التي تتراكم من تجارب الأمم الواقعية. وهي تجارب تنفي مع كل خطوة حقيقية في ميدان الحرية والنظام، تصورات وأحكام وعقائد الماضي أيا كان نوعها وشكلها وحجمها. ومن ثم تفتح طريق الحرية الفعلية للحداثة بوصفه طريق الاحتمال العقلاني والإمكان الإنساني، أي طريق الدنيوية العقلانية الثقافية. وما عداها مجرد اجترار للزمن وتجارب ميتة سرعان ما تتلاشى وتندثر.

***

ا. د. ميثم الجنابي

  

حسن العاصيالقرن العشرين شهد تغيرات عميقة على مستويات الفلسفة والنقد النظري، تبدلت خلاله المفاهيم النظرية، التيارات الفلسفية، المدارس النقدية بصورة لافتة، وانعكس ذلك على الفكر بشكل عام. فهل نحن مقبلون على مرحلة ما بعديات، ما بعد الحرب الباردة، ما بعد الماركسية، ما بعد الحداثة، ما بعد العولمة، ما بعد الاستعمار؟ هي مجرد مصطلحات أم هي توصيفاً لمرحلة من عصر سريع التحول ولا يستقر على حال؟ أم أنها مؤشر على فترة انسداد ونكوص فكري؟

مازال النقاش متواصلاً في أوساط المفكرين والمثقفين وراسمي السياسات الاستراتيجية في العالم منذ أكثر من ربع قرن، حول نظرية المفكرين الأمريكيين "فرانسيس فوكويوما" عن النظام العالمي الجديد، ونظرية "صامويل هنتنغتون" عن صراع الحضارات.

والآن بتنا نسمع من بعض المفكرين عصر "ما بعديات" للدلالة على مرحلة ما بعد العولمة التي ارتبطت بكل ما هو أمريكي النمط والثقافة والمفهوم والصناعة. السؤال الكبير هنا هل تمكنت العولمة فعلياً من حذف الهويات القومية، وأسست عالماً إنسانياً خالياً من الحدود؟ أم أن العالم يتهيأ لمرحلة ما بعد العولمة، ذلك أن مشروع الأسواق المفتوحة والاقتصاد الموحد ينهار، ربما خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مؤشر على ذلك، وربما يتبعها آخرون لاحقاً.

يبدو أن حتى أمريكا نفسها خلال ولاية "ترامب" تحاول الفكاك من العولمة التي كانت لفترة قصيرة مضت رائدة لها. وإلا كيف نفسر سعي الإدارة الأمريكية الحالية التحرر من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، والتخلص من التزاماتها تجاه المجتمع الدولي، والانغلاق على نفسها والانكفاء نحو شعار "أمريكا أولاً" الذي كان شعار حملة ترامب الانتخابية. يترافق الطلاق الأمريكي مع القارة الأوروبية الفضاء الأقرب للولايات المتحدة جغرافياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، مع تصاعد الميول القومية والأفكار اليمينية حد الشوفينية والعنصرية في أوروبا، وتصاعد التمييز العنصري والكراهية ضد المهاجرين والأجانب الذي يعكس وجودهم في جانب منه وجهاً من وجوه العولمة.

في القرن العشرين

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات من القرن العشرين اختفت مفاهيم وقيم ونظم، وحلّت مكانها أخرى جديدة، فغاب عن المشهد مصطلحات مثل الصراع الأيديولوجي، النظام الاشتراكي والشيوعية، الحرب الباردة. وظهرت أفكار جديدة وتعابير وكلمات جديدة، مثل العولمة والحداثة، واعتبر بعض المفكرون الغربيون أن الاشتراكية قد تمت هزيمتها للأبد، وأن الرأسمالية قد انتصرت، وبهذا فإن التاريخ أوشك على نهايته كما قال المفكر الأمريكي المحافظ من أصل ياباني "فرانسيس فوكوياما" في كتابه "نهاية التاريخ" الذي ألفه عام 1992 بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، رغم أنه تراجع لاحقاً عن كثير من الأفكار التي وردت في كتابه، إلا أنه يمكن اعتباره نموذجاً للمقاربة، يعبر عن العديد من المفكرين الغربيين الذين روجوا لأفكار ما بعد الحرب الباردة. عالم القطب الأوحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية القوة الاقتصادية والعسكرية والتقنية الأضخم.

دخل العالم مرحلة جديدة بعد الثورة المعلوماتية والتطور الهائل في وسائل الاتصالات، والتمدد الواسع للشركات متعددة الجنسيات وتقدم آليات الاقتصاد الرأسمالي. أدى هذا إلى تراجع دور الدولة بالمفهوم التقليدي، وضعف الثوابت السياسية كالسيادة والوطنية والدولة القومية.

عقب أحداث أيلول/سبتمبر 2001 أقدمت الولايات المتحدة على احتلال أفغانستان والعراق، وأصبحت القوة الوحيدة المتسلطة على العالم، وفرضت إرادتها ومفاهيمها وأسلوبها على بقية الدول، بحيث تحول البيت الأبيض مركزاً للعلاقات الدولية. وقامت أمريكا بتنصيب نفسها قاض على العلاقات الدولية والثنائية والإقليمية والمحلية. كما سعت إلى إخضاع معظم الدول وغالبية الحكام الذين تحولوا إلى موظفين في الإدارة الأمريكية. وهيمنت الولايات المتحدة على مجلس الأمن وبقية المنظمات والهيئات الدولية وعلى منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد والبنك الدولي، وسيطرت على نظام الاتصال وشبكة المعلومات العالمية وعلى أهم الوسائل الإعلامية والأقمار الصناعية. بدا وكأن أمريكا سيطرت على العالم أجمع، وأن هذا الكون قدر له أن يتأمرك.

عصر ما بعد الحرب الباردة

بدأت مرحلة جديدة استبشرت البشرية معها قدوم حقبة مختلفة، تتراجع فيها أصوات التهديدات النووية وصراع الأيديولوجيات وانقسام العالم، نحو مرحلة من الهدوء واستثمار أموال سباق التسلح في تحقيق الرخاء والرفاه الاجتماعي للشعوب. وهذا يتطلب اتباع استراتيجيات سياسية واقتصادية وفكرية جديدة تعتمدها الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة التي تربعت على عرش العالم كدولة عظمى وحيدة.

ولكن هذا لم يحصل من سوء طالع الشعوب، ولم يصبح العالم أكثر أمناً ولا استقراراً من ذي قبل، بل على العكس تماماً، تفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم بكل عنجهية وغطرسة نحو المزيد من الحروب والقتل، وبذلك اضاعت أمريكا فرصة نهاية الحرب الباردة لصياغة استراتيجية مختلفة لجعل العالم اقل اضطراباً.

الأزمة المالية

كثير من المفكرين اعتبروا أن الأزمة المالية التي أصابت البنوك والشركات الأمريكية الكبرى في العام 2008 بمثابة مؤشر مهم على احتمال انتهاء عصر العولمة، ومرحلة السطوة الأمريكية باعتبارها تعكس مركزية رأس المال المالي. حيث يعتبر البعض أن الأزمة كانت اقتصادية وليست فقط مالية، وأدت في النهاية إلى سقوط السياسة الليبرالية الجديدة التي اعتمدت العولمة للهيمنة على اقتصاديات العالم. وقد شكل ربما تدخل إدارة الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" وضخ حوالي 600 مليار دولار لإنقاذ البنوك والشركات الأمريكية التي كانت قد أعلنت إفلاسها وانهارت، سقوط النموذج الرأسمالي، لأن الرأسمالية في الأصل تقوم على حرية السوق الذي يوازن نفسه دون تدخل الدولة.

إن حرية الحركة للبضائع والبشر، وارتفاع مستويات التجارة العابرة للقارات، وظهور الاتحادات التجارية الدولية، كل هذا أسهم في تسريع وتيرة النمو الاقتصادي العالمي بمعدلات غير مسبوقة، لكن الأزمة المالية عام 2008 بددت هذه الإنجازات، ووضعت العولمة على حافة السقوط.

فإن سألنا كيف ذلك، نقول إنه بدلاً عن حدوث طفرة اقتصادية كما هو الحال عقب خروج الاقتصاد من أية أزمة مالية، ما حصل هو العكس حيث تقلص النمو الاقتصادي العالمي بنسبة حوالي خمسين في المئة بعد الأزمة. هذا الانكماش الاقتصادي كان على حساب توزيع الثروة بصورة عادلة. أقدمت البنوك على رفع معدلات الإقراض والاستثمار في البورصة والعقارات، بدلاً من ضخ واستثمار الأموال في اقتصاد حقيقي يخدم الطبقات الوسطى والمتدنية.

عولمة العالم

العولمة التي بدأت في ثمانينيات القرن العشرين نتيجة تطور النظام الرأسمالي العالمي، والآفاق التي أحدثتها ثورة الاتصالات والمعلومات، وظهور البث الفضائي، ثم شبكة الانترنت التي أزالت الحدود السياسية والاقتصادية والثقافية بين الدول والشعوب، ومنحتهم فرصة التواصل فيما بينهم والتفاعل خارج قيود السلطة، ثم ظهر البريد الالكتروني، ومنصات التواصل الاجتماعي لاحقاً، التي أصبحت صوت القوى المقموعة في الأنظمة الاستبدادية، ومنبراً لخطابها السياسي والفكري.

العولمة هي امتداد وتطور طبيعي للرأسمالية، وتجاوز لعصر الحداثة، وهي بمثابة تحقق نبوءة المفكر الأمريكي "آلفن توفلر" وتجسيد للتطورات الهائلة التي ظهرت في مرحلة الموجة الثالثة على الأصعدة الفكرية والعلمية والتقنية، وهي أفكار روج لها توفلر وتوقع أن يتم المساس بسيادة الدول واختراق الهويات الثقافية للأمم الضعيفة، التي تعيش على هامش دول المركز الرأسمالي الصناعي المتطور.

وكان المفكر الأمريكي "توفلر" قد أصدر كتاب "صدمة المستقبل" العم 1970، وكتاب "الموجة الثالثة" العام 1980. وقد استعمل تعبير صدمة المستقبل للدلالة على التغيرات الاجتماعية المستقبلية التي توقعها، في دول العالم وخاصة الدول المتقدمة، ومنها القلق المتزايد الناجم عن تسارع وتيرة الحياة. وفي كتاب الموجة الثالثة ذكر ثلاث أنواع من الموجات، وكل واحدة منها تدفع نحو تشكل نمط محدد من ثقافة المجتمعات، وحين تتوفر إمكانية ولادة موجة فإنها تزيح الثقافة التي قبلها. فالموجة الأولى كانت بالمجتمعات الزراعية وامتدت حتى القرن السابع عشر ميلادي، وكانت هذه الموجة قد أزاحت المجتمعات التي كانت تعتمد على الصيد ولديها ثقافة بدائية.

واعتبر "توفلر" أن الموجة الثانية بدأت مع الثورة الصناعية في أواخر القرن السابع عشر لغاية منتصف القرن العشرين، ومن أبرز معالمها النظام التعليمي الموجه، وظهور الشركات بهيئتها الحديثة، واعتمدت هذه الموجة على التضخيم. تضخيم الإنتاج حتى يلبي احتياجات الجميع، وتضخيم التوزيع كي يتضخم الاستهلاك. تضخيم التعليم ليواكب الطفرة الصناعية والتقنية، ولإيجاد متخصصين والاستفادة من تعليم الجميع. جرى أيضاً تضخيم وسائل الإعلام كي تقوم بدورها في غسل عقول البشر، ونشر المفاهيم التي تخدم مصلحة القوى الصناعية، وتعميم ثقافتها على الشعوب والدول النامية. تضخيم صناعة الأسلحة كي تكون قوة ردع لاي تمرد وخروج عن الهيمنة الرأسمالية.

ثم ظهرت الموجة الثالثة منذ خمسينيات القرن العشرين، ومازالت متواصلة، وهي مرحلة ما بعد الصناعة. هي إيجاد مجتمع يعتمد على المعرفة والمعلومات كمورد رئيسي، نطلق عليه عصر الثورة المعلوماتية، عصر الفضاء، عصر القرية العالمية، عصر العولمة. هذا العصر يركز على الجودة والتنوع والإنتاج المعرفي، والمقدرة على التجاوب مع المتغيرات المتسارعة. وهو عصر يتوفر على طيف واسع من أنماط الحياة ووجود ثقافات فرعية، وسعي الشركات نحو التخصص. ويمكن للمعلومات أن تكون بديلاً عن الموارد المادية للأمم والشعوب. إن الطبقة العاملة قد تم استبدالها بطبقة أخرى تتكون من طبقة العقول العاملة، فهل نحن مقبلون على الموجة الرابعة من المسيرة التاريخية للرأسمالية؟

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

هل يشير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى انهيار فكرة السوق المفتوحة والاقتصاد الواحد؟ وهل نحن مقبلون على عصر ما بعد العولمة؟ وهل استيقظت أوروبا من صدمة خروج الشريك القوي؟ وماهي إمكانية انتقال العدوى إلى دول أوروبية أخرى، ومن هي الدولة المرشحة أكثر من غيرها؟ جميعها وغيرها أسئلة تشغل تفكير مراكز الأبحاث الأوروبية التي يسعى الباحثون فيها لمعرفة هل خروج بريطانيا أحد أعراض الأزمة المالية التي أصابت الاقتصاد العالمي في العام 2008، أم أنه فيروس معدي سيتنقل لمرشح آخر.

الأزمة المالية تسببت بتقليص حجم النمو الاقتصادي العالمي، وعمقت من مبدأ عدم المساواة وتفشي ظاهرة رفض الحدود المفتوحة، وكذلك النقمة على القادة السياسيين التقليديين. ويلاحظ أن نسبة حصول الأحزاب التقليدية الأوروبية في الدول الأعرق ديمقراطياُ، قد تقلصت انتخابياً إلى نحو ثلث الأصوات بعد أن كانت تحصل على ثلثي الأصوات قبل الأزمة المالية. كما يلاحظ تنامي الغضب الشعبي على القادة والزعماء الأوروبيين الذين انتخبهم الناس للتخفيف من سطوة الأزمة ولم يفعلوا شيئاً. هذا الغضب الشعبي الذي اعتبر أن نظام العولمة قد تركهم يواجهون مصائرهم وحدهم، تستغله الأحزاب اليمينية والقوى الشعبوية، التي توظف مشاعر الناخب الأوروبي التي تثقله الأزمات الاقتصادية، وتستثيره رؤية المهاجرين الذين يتوافدون على القارة الأوروبية، ويعتبر أنهم يسرقون الوظائف وينافسون على مصادر الرزق.

إن الثلاث عقود الأخيرة قبل الأزمة المالية شهدت نمواً في الاقتصاد العالمي، ساهمت فيه حرية الحركة والتجارة عابرة الحدود والتطور في التقنيات الحديثة والثورة الرقمية، وهو تطور أسهم في تحسين المستوى المعيشي للشرائح والعائلات الأوروبية، لكنه في ذات الوقت أدى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي لهذه الدول. وما بعد الأزمة لم تتعدى نسبة النمو الاقتصادي 2 في المئة وهو أقل مؤشر للتعافي الاقتصادي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ومن نتائج الأزمة المالية عام 2008 أن رفعت البنوك من معدلات الإقراض، وارتفعت الاستثمارات في البورصة والسندات المالية والعقارات، وهي قطاعات لا يستثمر فيها إلا الأغنياء، بدلاً عن أن يجري الاستثمار في قطاعات اقتصادية تسهم في خلق وظائف جديدة تخفف من حدة الأزمة. وهو أمر يؤدي إلى عدم العدالة الاقتصادية بين الدول وفي الدولة الواحدة. فبحسب دراسة لبنك سويسرا نجد أن من بين أكبر 46 اقتصاداً عالمياً، كان هناك 12 دولة تعاني من عدم العدالة في العام 2007، بينما بلغ العدد 35 دولة في العام 2017، مما يؤكد بوضوح اتساع ظاهرة عدم العدالة في توزيع الثروات.

قيام عالم آخر

إن كانت العولمة مجرد مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية، فإننا مقبلون على مرحلة جديدة في مسيرة النظام الرأسمالي، وظهور اتجاهات أو عولمات أخرى جديدة. سيرورة الحياة بالمعنى التاريخي لا يمكن اختزال أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في نمط واحد، أو عولمة واحدة وثقافة واحدة بات الجميع يتضرر منها حتى في معقلها.

من الطبيعي والحال هذا أن تتسع دائرة الرفض لهذا الغول المتوحش، ولهذا النظام الذي يتسبب في زيادة الأثرياء غنىً والفقراء إفلاساً، فظهر "التحالف ضد العولمة" الذي يضم ملايين المناهضين في العالم، وتم تأسيس "المنتدى الاجتماعي العالمي" في العام 2001 الذي يعقد اجتماعاً سنوياً بهدف تنسيق الحملات التي يقوم بها أعضاء الحركة العمالية لمناهضة العولمة، وتبادل وتطوير المعلومات حول خطط العمل. وهذا المنتدى بمثابة رداً على منتديات النخبة القوية من الدول التي تعطي نفسها الحق في وضع الاستراتيجيات الاقتصادية العالمية مثل "مؤتمر دافوس" الشهير.

في البرازيل ظهر "المنتدى العالمي للبدائل" أيضاً في العام 2001 بجهود قوى سياسية واجتماعية ومدنية معارضة للعولمة، بعيداً عن المواجهات التي كانت قد شهدتها كلاً من جنيف وبراغ وسياتل، لتبادل التجارب والأفكار والمقترحات حول البدائل المتاحة للعولمة في شكلها الحالي، ويستقطب سنوياً آلاف المشاركين من خمس قارات، ويحضره برلمانيون غربيون.

هل هناك إمكانية قيام عالم آخر؟

العولمة الراهنة ليست سوى شكلاً من أشكال الهيمنة الأمريكية، التي قسّمت العالم إلى أثرياء وفقراء، وهو ما يتطلب إحداث انقلاب في السيرورة التاريخية للبشرية. إن العالم الذي نعرفه لم يعد محكوماً من الأحزاب السياسية ولا من رجال السياسة، بل تحكمه الاتحادات الاقتصادية الدولية الكبرى مثل البنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية، والتجمعات الاقتصادية العملاقة لكبريات الشركات عابرة القارات.

لقد بات منطق حسابات الأسواق الحرة هو السائد والمقرر للسياسات العالمية، وليس البرلمانات الغربية التي تضم بين جدرانها مندوبي الشعوب المنتخبون. وانتقلت السلطة من السياسيين ليقبض عليها رجال الاقتصاد المسيطرين على وسائل الإعلام والاتصال، ويمتلكون المعلوماتية وتقنياتها الحديثة. بل لقد وصل الأمر إلى حد محاولة رأس المال المالي إحكام قبضته على قوت البشر واحتكار الغذاء في العالم.

من هنا تبرز أهمية إجراء المقاربات الفكرية لتقديم أفكار وحلول لتحقيق العدالة في توزيع الثروات، وعدم الاكتفاء بالاحتجاجات والاعتراضات. حلول تضمن نمو اقتصادي مستدام للاقتصاد العالمي، وتطوير الحياة الديمقراطية، ومنح منظمات المجتمع المدني دوراً أكبر في المشاركة بوضع السياسات العامة، ثم رفع فاعلية المؤسسات الدولية ومنها الهيئات التابعة للأمم المتحدة. ربما أيضاً العمل الجماعي من قبل المتضررين دولاً وشعوباً، بهدف جعل نظام العولمة أو ما بعده نظاماً أكثر إنسانية اجتماعياً.

هل يمكن بالفعل تخفيف وحشية العولمة الراهنة التي تضع الجميع في ميزان الربح والخسارة بسوق البيع والشراء؟ هل تستطيع الأفكار البديلة رسم وجه آدمي للرأسمالية الأسحم؟ وهل تتمكن المنتديات والمؤتمرات البديلة من صياغة مستقبل للبشرية، مختلف عن المستقبل الذي ينتظرنا، أم أن المشاركين فيها ليسوا سوى يساريين متقاعدين من الحرس القديم الذين لم يستطيعوا التأقلم مع التحولات الوقائع الجديدة؟

بديل العولمة

حسناً، ما هو بديل العولمة؟ يبدو أنه عالم يتألف من قوميات بحدود مغلقة ويشهد صراعاً بين الحضارات. وربما أننا سنشهد عالماً مختلفاً لم نعهده بعد ولا نعرف ملامحه.

صاحب كتاب "رأس المال في القرن الواحد والعشرين" عالم الاقتصاد الفرنسي توماس بيكتي ، الذي صدر في العام 2013 حذر من أن معدل العوائد في رأس المال على هيئة الأسهم والفوائد والايجارات واستثمارات طويلة الأمد، هو أعلى من معدل النمو الاقتصادي على شكل الناتج القومي والدخل الفردي، هو أمر من شأنه مراكمة ثروة الأغنياء، إذ أنها تنمو بصورة أعلى من الناتج وأجور العمل، وبهذا يتضخم رأس المال المالي على حساب رأس المال البشري، فينال الأثرياء الحصة الأضخم على حساب بقية قطاعات المجتمع، والنتيجة عدم عدالة تصاعدي في توزيع الثروة، وتآكل تدريجي في الطبقة الوسطى بالمجتمعات.

على الدوام كانت الطبقة الوسطى بمثابة قلعة النظام السياسي الليبرالي الغربي، وتقلصها يهدد الأنظمة الديمقراطية. في فترة قبل عام 2008 كانت نسبة الحكومات الغربية تحظى بتأييد شعبي نحو الثلثين، لكن الآن انخفضت هذه النسبة إلى نحو الثلث.

هذا الاستياء الشعبي من الحكومات والعولمة استغله قادة الأحزاب اليمينية الشعبوية، أمثال ترامب في الولايات المتحدة وماري لوبن في فرنسا ومثل الذين قادوا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو انسحاب يعكس الغضب الاجتماعي الذي يلقي باللائمة على الأنظمة الحالية وعلى حرية التجارة وتنقل الأفراد والمهاجرين الذين يسرقون الوظائف.

في أعقاب أزمة 2008 انتعشت الأحزاب اليمينية الشعبوية العنصرية، ولاقت افكارها القومية المتطرفة قبولاً لدى قطاعات واسعة من الناس، بعكس ما توقع بعض المفكرين بأن تزدهر الأحزاب اليسارية بعد الأزمة. وهذا يعود في جانب مهم منه إلى فشل الأحزاب اليسارية والليبرالية الغربية في تقديم حلول للإشكاليات التي واجهتها الدول الغربية، وعجز اليسار على تقديم أية أفكار أو مشاريع جاذبة للجماهير، وكذلك عدم تمكن المفكرين والمثقفين اليساريين الغربيين من وضع منهاجية واضحة. هذا الضعف في قوى اليسار وانحسار دورهم أدى إلى تنامي فكر اليمين المتشدد.

فيما سبق توافق اليسار الأوروبي الضعيف مع الاشتراكيين الصينيين والرأسماليين الأمريكان على لغة العولمة، حين شجعوا فكرة التجارة الحرة، ووافقوا على مبدأ عدم المساواة في مقابل معدلات نمو اقتصادية سريعة ومتصاعدة. لكن في السنوات الأخيرة بدأ يعلو صوت الاحتجاجات الوطنية تدافع عن مصالحها ووظائفها ومصادر رزقها، ثم باشرت بعض الدول في اتخاذ إجراءات ضد العولمة. الإشكالية الحقيقية أن هذه التدابير تحمي الاقتصاد الوطني على المدى القصير، لكنها سوف تؤدي إلى عزلته وإضعافه لاحقاً، مما ينتج ركوداً ثم بطالة متزايدة ثم تضخم فأزمة اقتصادية جديدة.

بينما يتضح أن الطبقة المتوسطة هي المتضرر الأكبر، فإن المعركة الحقيقية بينها وبين نظام العولمة، ويبدو أن الموجة الرابعة سوف تشهد صراعاً طبقياً معاصراً، بين الطبقة المتوسطة ونظام العولمة، وليست بين التجارة الحرة والإنتاج المحلي، ولا بين اليسار واليمين. ما تحتاجه البشرية هو أيديولوجية تكفل العدالة الاجتماعية وتعادل الفرص، وإعادة توزيع الثروة بشكل منصف يسهم في نمو الطبقة الوسطى من جديد، وانتصارها على وحش الحداثة.

ماذا يفعل العرب؟

النخب العربية من مثقفين ومفكرين وسياسيين واقتصاديين وعلماء اجتماع، لم يتمكنوا من تجديد لا فكرهم ولا خطابهم ولا أدواتهم ولا منهجهم، كي يتكيفوا مع المتغيرات الكونية الكبيرة التي لم تدع شيئاً على حاله، ولم يتمكنوا من فهم منطق العولمة الكامن. إن المنهج التاريخي المقارن لم يعد صالحاً لفهم الظواهر الكونية المعقدة وتفسيرها، فلا بد من الانخراط البحثي المعرفي لاستنباط مناهج مختلفة لقراءة ومقاربة فترة ما بعد الامبريالية، ما بعد الحداثة.

أم أن العرب قبلوا أن يعيشوا على هامش المجتمع الدولي، وهل هم فعلاً جزء من ثقافة العالم؟ إن ثقافة أي أمة هي ما يحدد وجودها والمساحة التي تحوز عليها، وأسلوبها في رؤية الكون، وطريقتها في التحليل والتخطيط وترتيب الأشياء.

فإذا كان تجاوب العرب مع العولمة يواجه صعوبات جمة، إذ يعاني الاقتصاد العربي من هبوط في مستويات النمو، وفشل في سياسات التوافق بين التعليم وأسواق العمل، كما يعاني العرب من ارتفاع نسبة الولادات ، وعدم وجود نظم وطنية للعلم والتكنولوجيا والمعلوماتية، فإن مرحلة ما بعد العولمة، أو عصر الموجة الرابعة سوف تضاعف هذه التحديات في العالم العربي بوصفه يضم دولاً نامية تخضع لضغوط اقتصادية داخلية وخارجية، ولا يستطيع التكيف مع المستويات الفائقة من التطور والكفاءة والمهارات التي تفتقد لها الاقتصاديات العربية، وبهذا قد لا يكون أمام هذه النظم إلا التفكك لضعفها وعدم توفر إمكانية المقاومة لديها، أو ربما يحمل العصر الجديد الحافز لدي العرب إثارة روح التحدي، للقيام بتحولات اقتصادية ثقافية جذرية تسهم من خلال تفعيل العمل العربي المشترك في أن يكون العرب موجودين لا قوماً مندثرين.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

الحسين اخدوشسرّع ظهور مفهوم الإنسان على مسرح الفكر النظري للقرنين الثامن التاسع عشر الحديثين بانبثاق مشكلات نظرية جديدة في الثقافة الغربية، نجمت عن التأسيس المنهجي للإنسان (من منظور فلسفة التاريخ وبعض علوم الإنسان)، بالتالي ظهور مشكلة القيّم المشتركة وبروز مشكلة البحث عن كيفية فهم وتأويل الثقافة والروح الإنسانية بشقيها الداخلي والخارجي.

شكلّت كلّ هذه المستجدات الفكرية تحفيزا نظريا للبحث عن فهم جديد يستجيب للطابع "الكوسموبوليتي" (=العالمي) للإنساني كما أسّست له التصورات الإنسية للأنوار ضدّا عن تلك التصورات ذات النزوع  "الإثنومركزي"«Ethnocentrisme»، التي كانت قد خيّمت بظلالها على الدراسات التاريخية والثقافية منذ الاكتشافات الجغرافية الكبرى إلى قيام الحركات الاستعمارية أواخر القرن التاسع عشر.

والواقع انّه لم يكن بالأمر اليسير أن تُفْهم القيّم والمعايير الإنسانية على أنَّها كونية لو لا أنّ تَشَبّع الإرث الأنواري بالفهم الكوني للثقافة الإنسانية، وبالأخصّ لدى الذين نظّروا لفكرة التقدّم الإنساني وعلى رأسهم "كانط" «Kant» المفكّر الفرنسي "كوندورسي" «Condorcet» الذي آمن أشدّ الإيمان بوحدة مصير البشرية وقدرتها على تحقيق تقدّمها العقلي غير النهائي.

مهّدت الحداثة الفلسفية الغربية الطريق نحو ظهور مركزية إنسِية مكان المركزية اللاهوتية المطرودة من على مسرح الفكر النظري العقلي، فتحوّل بذلك النقاش الفكري (الذي كان في ما مضى جدالا بين الديني والعقلي) ليصبح في الفترة الحديثة حوار العقل واللاعقل. بذلك تبدّل النقاش في المسائل المعنوية والروحية لحياة الإنسان الحديث، حتى تلوّنت تلك القضايا بنماذج معيارية أخرى جديدة: قيمية وأخلاقية، تحتّل فيها الإنسية المُعَلْمَنة صدارة التشريع والتأسيس للقيّم الأرضية، ضدّا عن أية إمكانية للارتداد من جديد إلى القيم الدينية المتعالية؛ محقّقة بذلك إحدى تنبؤات الفيلسوف نيتشه عن إنسانية متحررة من كل أوهام الدين والمثالية السالبة للحياة الأرضية.

لكن الإحراج الذي تنطوي عليه هذه النظرة الجديدة من حيث هي تسويغ لكونية "القيّم الإنسانية" المُعَلْمَنَة، هو أنّ التحوّل الذي وقع بعد الانتقال من "النموذج التقليدي للمجتمع" إلى نمط جديد للحياة الاجتماعية والسياسية يوصف بكونه حديث ومعاصر، قد جعل هذه العلمنة أيديولوجيا تنصّب نفسها نوعا جديدا من اللاهوت باسم الناسوت الكوني الذي اقترح نفسه ديانة جديد للعصور الحديثة. 

إنّ النقاش حول مسألة العلمنة لم يكن أبدا مفصولا عن صراع قوى النظام القديم المتمثلة في الإقطاع المدعوم كنسيا مع القوى الاجتماعية الصاعدة المتمثّلة في البورجوازية الناشئة. لقد كان ذلك النزاع في عمقه السبب الاجتماعي والسياسي لمحاولة كبح تسلّط الفئات الأرستقراطية المتحالفة مع رجال الدين، فكان الحديث عن مدى قدرة الأديان على الاستجابة للتقدم النظري للإنسان إفرازا مباشرا لهذا الصدام الذي سينتهي بتحييد سلطة الكنيسة عن الفضاء العام.

أفضى النقاش حول هذه المسألة إلى طرح التساؤل: هل يمكن تحقيق تقدّم إنساني حقيقي باعتماد النظرة الدينية التقليدية للأمور؟ ألم تفقد الأديان التقليدية الكثير من جدواها الروحية المعنوية في غمرة التطور الهائل الذي تحققه البشرية في مسيرتها نحو اكتمالها التاريخي؟ وهل يلغي المنظور الكوني للإنسان التعدّد الخلاّق والاختلاف المبدع الذي ساد الثقافات البشرية على مرّ تاريخها؟

قد تكون الرّيادة الثقافية والصلاحية العقلانية للحداثة لا تحول دون نقدها من طرف دعاة الخصوصية القيمية والثقافية، الذين يستثمرون نقط ضعفها المنهجية المتمثلة في عدم تركيزها للنظر على وجود تفاوت واختلاف قيمي حتى من داخل الكونية نفسها. وتدعم هذا الرأي حجج كثيرة، تأتي على رأسها حجة انهيار المعايير الإبستيمولوجية والميتافيزيقية لليقينيات الكلاسيكية التي قامت عليها الحداثة العلمية التي تشكّل سند العلمنة نفسها.

غير أنّه لمّا عرَف أنموذج الذاتية، والذي تمحورت حوله الحداثة الغربية، نوعا من الاندحار والانحسار الفلسفيين وذلك منذ مطلع القرن العشرين، حيث تكشّفَت أزمة العلوم الأوربية مع "هوسرل" وظهر انسداد أفق النزعة الإنسنية مع "هيدغر"؛ فقد ظهر أنّه لم يعد بإمكان "بارديغم الذات" المؤسّس للعلمنة أن يصمد أمام صعود أنموذج نظري جديد تحتل اللغة صلبه.

الواقع أنّ لمفهوم العلمنة  (la sécularisation)أهميته في الفكر الغربي الحديث، نظرا لما أثاره من خلافات وتباينات فكرية في غاية من الأهمية، خصوصا ما يتعلق بعلاقته بالتراث الديني وبالحداثة. وقد شكل كتاب هانس بلومنبورغ «مشروعية الأزمنة الحديثة»  ترجمة للنقاش الدائر حول دور العلمنة في نقل الشعوب الغربية من الوقوع تحت هيمنة الكنيسة ورجالاتها إلى لحظة تحرّرية شملت كل مناحي الحياة الأساسية للناس. بيّن هذا الكتاب، بشكل أركيولوجي عميق، سبب نشأة الحداثة، وكيف أطاحت التأويلات العلمية لعقلانية العصر الحديث بالعصور الوسطى اللاهوتية المسيحية.

الظاهر أنّ النزاع الفكري حول مفهوم العلمنة قد بدأ يطفو من جديد على سطح النقاش الفلسفي المعاصر. ويبدو أنّ لانتقاد بعض نظار الفكر الغربي المعاصر لمحدودية أفق الحداثة دوره في استعادة مختلف الجوانب الروحية المنسية من طرف أيديولوجيا الأنوار الحديثة. لذلك، اعتبر "هانس بلومنبورغ" علمنة العصور الحديثة مفهوما جيّدا يُسعفنا في فهم كيفية تطور وتغير النسق الفكري للحداثة الغربية التي تشكّلت في سياق النزاع الطويل ضد التقليد التراثي الغالب على ثقافات الشعوب الأوربية للقرون الوسطى.

لئن كانت فلسفة الأنوار مع "كانط"، مثلا، قد دعت إلى تحرير الفرد من طغيان التقليد والأفكار الموروثة، بالتالي الحكم على الوقائع والأمور من خلال معايير العقل الممكنة وحدها؛ فإنّ ذلك كان يجد ما يبرّره في محاولة عصر الأنوار نقد ورفض كلّ وصاية وتسلط تريد التحكّم في إرادة الناس. من هنا كان ولابد من العمل على تحييد قوى التقليد التي تبرّر ذلك التسلط؛ وذلك لن يتأتى، بحسب أطروحة الأنوار، إلاّ بعلمنة المجتمع بالإعلاء من قيمة العقل والدعوة للحرية والمساواة وتحقيق تعاقد سياسي حقيقي يعكس مجموع الإرادات الفردية.

يظهر أنّ مشروع الحداثة الغربية الذي كان بمثابة علمنة شاملة للحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية ما كان له أن يتحقّق لولا تضافر العوامل الفكرية (العلم والفلسفة) مع بعض العوامل السياسية والثقافية الاجتماعية. غير أنّ هذه الحداثة نفسها سرعان ما ستظهر تناقضاتها وتبرز محدوديتها رغم كلّ ما وعدت به من تفاؤل؛ فهي، بالنهاية، لم تعكس كل أفعالها تلك الأقوال والدعاوي التي ادعتها أيديولوجيتها الأنوارية، بل ظلّت الغلبة والسيطرة ومنطق القوة طاغية على مناحي الحياة السياسية.

لقد أظهرت الأحداث الكبرى للقرن العشرين اندحار قيم الحداثة أمام سيادة منطق رأسمال، وقيام الحركات الاستعمارية مع ظهور الامبريالية والصهيونية التوسعيتين على حساب الدول والشعوب الضعيفة. ولعلّ في هذا الأمر ما يكفي ليكتشف المتأمل في أيديولوجيا الحداثة محدوديتها بمحدودية الدعاوي المؤسّسة لها.

 

الحسين أخدوش

 

سارة طالب السهيلحقا اننا نعيش معطيات  مجتمع ما بعد الحداثة عبر فضاء تكنولوجي واسع الافاق وثورة اتصالات غيرت كثير من المفاهيم الاجتماعية والثقافية وجمعت بين ثقافات الشرق والغرب في لحظة كونية ممتدة عبر الاثير، فبضغطت زر واحدة على هاتفك المحمول قد تتواصل مع العديد من الاشخاص في العالم ومن مختلف الثقافات لكي تتبادل الرؤى وكل ماهو مشترك انساني.

ورغم هذه الحقيقة، فان ذواتنا الحضارية والمخزون الثقافي لكل واحد منا قد يطل برأسه في هذه اللقاءات الالكترونية، فالانسان عبارة عن مخزن للمعارف والعلوم والثقافة المتوراثة خاصة الثقافة الشعبية وعلى رأسها الامثال الشعبية التي نتشربها من أهالينا ومن مجتمعنا كما نشرب كأس الحليب كل صباح، خاصة وانها وسيلة لتعليم دروس فن الحياة بشكل حكيم وايضا مرح، وكما تتنازع مضامين الامثال بين الحث على الفضيلة ونبذ الرذيلة، فانها تسخدم اساليب متنوعة بين الجد والسخرية لتوصيل هذه المضامين لمتلقيها.

ولاغرابة ان نجدنا مصبوغين ومختومين بختم الامثال الشعبية لانها ببساطة تجري منا مجرى الدم في العروق عبر تداولها عبر الاجيال والحقب الزمنية باعتبارها مرآة تعكس عاداتنا وتقاليدنا وافكارنا وقيمنا الاخلاقية والدينية ورؤانا الاقتصادية والسياسية والفكرية والفنية، على ذلك يمكن اعتبار المثل فلسفة شعبية لمنظومة حياتنا. 

فالأمثال الشعبية تمثل خلاصة خبرات الشعوب وحضاراتها وثقافتها ومنجزات عقلها الجمعي قديما وحديثا ايضا بما تحتويه من حكمة الايام والخبرات الانسانية طوال عقود، ولعل ما يبقيها على قيد الحياة هو ما تملكه من خصائص فنيه كالايجاز والايقاع الموسيقي مما يسهل حفظها وتناقلها، ولذلك قال ابن المقفع: "إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق وآنق للسمع وأوسع لشعوب".

المثل لغة واصطلاحا

المثل  في اللغة هو النظير والشبيه، كما تقول شَبهه، وشِبهه. واصطلاحا، فان  الأمثال هي العبارة الفنية السائرة الموجزة التي تضاع لتصوير موقفا أو حادثة ولتستخلص خبرة إنسانية يمكن استعادتها في حلة أخرى مشابهة لها مثل:" رب ساع لقاعد" و " ورجع بخفي حنين" و"الكلام لك واسمعي يا جارة".

كما يعرف المثل بأنه جملة قيلت في مناسبة خاصة، ثم صارت - لما فيها من حكمة - تذكر في كل مناسبة مشابهة، ويشترط  فيها الإيجاز وحسن التشبيه وإصابة المعنى وحسن الكناية.

وتنطلق الامثال الشعبية  من بيئة وفكر الجماعة الانسانية في اي مجتمع من المجتمعات البشرية لتعكس ببساطة موجزة وموحية نظرتهم للحياة، وهي نظرة مستقاة من واقع خبرتهم بها ومعايشتهم لها كواقع يومي مجرب مما يضفي عليها طابع الحكمة والديمومة، ولان خبرات الناس تنبع من واقع حياتهم وبيئاتهم، فان امثالهم تعكس طبيعة هذه البيئات المتنوعة، فأبناء البيئة الساحلية تصطبغ بصبغة بحياة البحر من مد وجزر وصيد وسفن وامواج عتية وسماء صافية ومعاني الاغتراب خلال رحلة البحث عن الرزق.

وتعكس الامثال الشعبية المستقاة من البيئة الزراعية قيم الاستقرار والتعاون ومن ثم التفاؤل بالمستقبل حينما يأتي وقت الحصاد بالخير الوفير "من زرع حصد "، بينما تعبر الامثال الصادرة عن البيئة الصحراوية قيم ومعاني الترحال بحثا عن العشب والماء وما يستتبعه من حاجة ملحة للصبر والتحمل.

خصوصية المثل

يتمتع المثل الشعبي  بالعفوية عبر استخدام لغة العامة السنة العامة وينفرد بابتعاده عن الرقابة وعدم معرفة قائله، كما ان ينطلق من تجربة وقصةانسانية فردية لكن مع تكرارها مع افراد أخرين يحولها لتجربة جمعية يشترك الكثير من الناس في معايشتها بحلوها ومرها مما يضفي عليها طابع انساني مشترك مثل "الحب اعمي".

ويستسيغ الناس المثل بكل سهولة لما يحتويه من بلاغة نافذة عبر عنها أبو اسحق النظام بقوله: " يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكتابة، فهو نهاية البلاغة.

الحكمة والمثل

تتشابه المثل والحكمة في كثير من الاحيان بسبب التقائهما في السرد والايجاز والسهولة والخبرة الانسانية، ومع ذلك فانهما يختلفان في الهدف والمصدر كما يقول الباحثون المتخصصون.

فالحكمة تعبر عن تجربة خاصّة يولّدها العقل بعد تحليلها؛ ليصل بعدد التحليل لحكمة يستفيد بها في حياته ويفيد غيره من خبرته، وقد عبر الخالق العظيم عن الحكمة بقوله تعالى "ومن اوتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا" فالحكمة ليست متاحة لأي شخص الا اذا كان عقلانيا حكيما. وقد عرفت الانسانية الكثير من الحكماء والحكم ومن امثلتها حكمة صينية لا انساها ما حييت وهي " من يعرف اكثر يغفر أكثر "، وفي عالمنا العربي جرت الحكمة مصبوغة بالشعر كما في أبيات المتنبّي: "إذا غامرت في شرفٍ مروم فلا تقنع بما دون النّجومِ.. فطعم الموت في أمرٍ حقير كطعم الموت في أمرٍ عظيم.

أما المثل فيكون نتاج لموقفٍ لحظيّ يُقال فيه قولاً فيصبح مثلاً، ولكنه قد يتقارب مع الحكمة إذا نتج عن تجربة مثل " لكل حيٍّ أجل، بعضُ الحُلُمِ ذلُ، يد واحدة لا تحمل بطّيختين، لن يصغي إليك أحدٌ حتّى تقول شيئاً خاطئاً ".

التقاء الامثال عالميا

من متابعتي لبعض الامثال العالمية وجدت ان الكثير منها يتشابه في  مضمونه وخبراته الانسانية بالامثال العربية، وهو ما يؤكد حقيقة ان الخبرة الانسانية المشتركة تتواصل بين الشعوب وتتجاوز حواجز المكان. وهناك الكثير من الامثال التي خرجت من البيئات الشرقية والغربية لكنها تعبر محتوى انساني  جلعها تنتشر في مكل مكان من ارض المعمورة، ومنها مجموعة الأمثال العالمية التي تدعو لاغتنام الفرصة مثل: (اطرق الحديد وهو ساخن)، و(اصنع كوخك والشمس ساطعة) وغيرها.

وكذلك تتشابك الامثال في المنطقة العربية، وتبعد عن القطرية بانتشارها الجغرافي في الميحط العربي كله مما يصبغ عليه صبغة انسانية مشتركة ومن ذلك العديد من الامثلة التي خرجت من البيئة الشعبية اللبنانية ولكنها عرفت طريقها لكل الشعوب العربية فصارت ملكا للجميع ومن ذلك: " آخر الطحين كركعة " ، "الحائط الواطيء كل واحد بيقفز عليه" ، و" ضربني وبكى وسبقني واشتكى " ، " اليد الواحدة لا تصفق... وغيرها.

ومن نماذج الامثلة الاجتماعية التي تعكس الخبرة البشرية المثل السويسري " من هز بيت جاره.. سقط بيته " وقد يقترب معها في المعنى المثل الشعبي العربي "اللي بيته من ازاز ما يحدفش الناس بالطوب " ، والمثل الايطالي " قناعتك نصف سعادتك " يلتقي في مضمونة بالمثل " القناعة كنز لا يفني ".

وكذلك المثل البولندي " فعل الخير مع ناكر الجميل مثل إلقاء ماء الورد في البحر" تقابلها بيت زهير بن أبي سلمى حكيم شعراء العرب " ومن يصنع المعروف في غيره اهله يكن حمده ذما عليه ويندم ".

اما المثل الفرنسي " إذا أردت أن تعرف رقي أمة فانظر إلى نسائها " يقابلها أمثولة الشاعر حافظ ابراهيم " الأم مدرسة ان أعددتها أعدت شعب طيب الاعراق"، والمثل الامريكي " كثيرا ما نرى الاشياء على غير حقيقتها لأننا نكتفي بقراءة العنوان"، والمثل الصيني " سلح عقلك بالعلم خير من أن تزين جسدك بالجواهر" ، والمثل الروسي أخطاء الاخرين دائما أكثر لمعانا من أخطائنا، والمثل الانجليزي " كل امرئ يصنع قدره بنفسه"، والاسباني "الإعجاب بالنفس وليد الجهل"، والايرلندي " اعط حبك لأمرأتك، وسرك لوالدتك "، والمثل الهندي "عامل ابنك كأمير طوال خمس سنوات، وكعبد خلال عشر سنين، وكصديق بعد ذلك"، والمثل التشيكوسلوفاكي " علمني أهلي الكلام، وعلمني الناس الصمت "، والمثل البرتغالي "على الذين يعطون أن لا يتحدثوا عن عطائهم، أما الذين يأخذون فليذكروا ذلك "، كل هذه الامثال تتقارب على اختلاف جغرافيتها وحضارتها من كل انسان على ارض البسيطة. 

امتزاج الأنا والاخر

علاقة الأنا  بالاخر في ثقافتنا الشعبية  تبدو في بعض الاحيان علاقة امتزاج او تكامل او تقارب في ثقافتنا الشعبية التي تجسدها الامثال بشكل واضح، ولذلك كانت هذه العلاقات المتشابكة محل العديد من الدراسات المتخصصة في هذا المجال ومنها دراسة للباحث  سيد إسماعيل  في كتابه "الآخر.. في الثقافة الشعبية"  لاحظ فيها أن الشعوب التي كانت تعيش ضمن الدولة العثمانية لديها قدر من الأمثال المشتركة أو المتشابهة، كما هو الأمر لدى الأتراك والعرب والأكراد والألبان، وذلك نتيجة  الحياة المشتركة بينهم التي امتدت 400-500 سنة، ضمن الدولة الواحدة والثقافة الواحدة (الإسلامية)، ويبدو في الأمثال أو الحكم المنسوبة إلى (نصر الدين خوجة) أو (جحا).

وقد وجد بين الأمثال الشعبية الفارسية والألبانية ما هو متطابق أيضا مع الأمثال الشعبية العربية مثل: (بيخاف من خياله) و(اللي بيطلع الحمار لفوق بينزله)... ومن الأمثال المتشابهة بين الأمثال الشعبية الفارسية والألبانية (النجاة في نهاية الفنجان) و(اللص الماهر يطفئ المصباح أولا).

وهناك أمثالا متشابهة في المعنى ومختلفة في التعبير مثل المثل الفارسي "أحرق لحيته بنفسه"، والمثل الألباني "ذهب الجدي بنفسه إلى القصاب"، والمثل الفارسي "الإنسان يحتاج إلى العقل لا إلى القوة"، والمثل الألباني " ماذا يفيدك المال والقطيع إذا ليس لديك عقل؟"،  والمثل الشعبي الفارسي" القرد لا يصلح للحفر على الخشب" يقابله في الألبانية " لا تدع الذئب يحمي الغنم"... وغيره.

وتم رصد التشابه والتطابق في الامثال العربية والالبانية  في أول كتاب جامع للفولكلور الألباني (النحلة الألبانية- 1878م) الذي وضعه الباحث والشاعر ثيمي ميتكو (1820-1890) ثم صدر لاحقا "أمواج البحر- 1908م"  للباحث والشاعر سبيرو دينه (1848-1922).

وفي هذين المصدرين، وجدت بعض الأمثال الشعبية العربية والألبانية المتطابقة أو المتشابهة مثل: " ما تزرع تحصد"، و"زلة القدم ولا زلة اللسان" ، " لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد "،  و" العمل يدل على الإنسان"، و" لقت الطنجرة غطاها"،  و"الصديق الصالح يدل على الطريق الصالح"، و" يرى الشعرة في عين غيره ولا يرى الحطبة في عينه"، وعكست مثل هذه الامثال  دلالات ثقافية واجتماعية وسياسية.

ضرورة الفرز

ورغم أهمية الامثال في حياتنا باعتبارها خبرةانسانية ضرورية للتواصل والاندماج الاجتماعي، الا ان بعضها يعبر عن مضامين تبعث على التشاؤوم او الانهزامية لدى بعض الشعوب التي وقعت تحت براثن الاحتلال، واخرى يدعو للتكاسل ويقلل من شأن الطموح والتطلع، وهو ما يتطلب منا ان نكون اكثر وعيا عند تلقي الامثال ويكون لدينا القدرة على فرز الغث من السمين منها.

ومن النماذج السلبية لهذه الامثال: "  اللي يباوع لفوق يتعب" و" اللي يبص لفوق توجعه رقبته"،  و"رايح فين يا زعلوك بين الملوك". فهذه النماذج اطلقت من قبل فئة اجتماعية عليا تحاول الحفاظ علي مكتسباتها وسلطاتها من ان تحاول الطبقات الدينا التطلع اليها والحلم بها.

وهذه النماذج السلبية للامثال الشعبية لابد وان نفرزها ونتخطاها ونأخذ بما ينفعنا ويبث فينا الامل للمستقبل ويدفعنا للعمل والنجاح والسلام والتعاون والرحمة.

 

سارة السهيل

 

سامي فارسالتعليم هو المرتكز الأساسي في عملية النهوض الحضاري للأمم وهو العمود الفقري في عملية التنمية والبناء والأعمار، وعندما ينحرف التعليم عن مساره الصحيح نتيجة العديد من الأسباب والمشاكل والمعوقات وطرق الفساد المتعددة يصبح التعليم عبئاً ثقيلاً على المواطن والدولة

الشعوب الحية هي التي تحترم المفكرين والمبدعين والمعلمين الذين يعملون على بناء الإنسان، هي التي لاتستسلم للفساد والتخلف والجهل بل تستلهم من التراث الفكري والحضاري وتستفيد من تجربتها الخاصة ومن التجارب العالمية المتشابهة لتغيير واقعها نحو الأفضل وتأمين  مستقبل ابنائها فتستمد العزم بالأعتماد على ثرواتها البشرية وتسخير طاقات وقدرات الشباب وخبرات الكفاءات وتشجيع رؤوس الأموال من " القطاع الخاص " ليكون سنداً وداعماً في عمليات الإعمار والبناء والتنمية المستدامة فيكون للقطاع الخاص الدور الفعال في تغيير الواقع فيساهم مساهمة جادة في التنمية والأعمار والأستثمار الأمثل بالتعليم

وأيجاد الحلول المناسبة والمعالجات فيعمل على أنشاء مؤسسات تعليمية لها مكانة عالمية تحقق مخرجات تعليمية ذات مستوى وجودة عالية  لتحقق  تعليماً ينافس التصنيف العالمي واقتصاداً تنموياً يسهم في عملية بناء الإنسان ومؤسسات الدولة

تجربة التعليم الأهلي بالعراق لم تكن حديثة العهد كما يظن البعض بل قامت العديد من المؤسسات التعليمية الأهلية والمتمثلة بالمدارس والمعاهد في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة التي اعتمدت على التعليم الأهلي في بداية نشأتها ولكن الظروف السياسية خلال الحكومات المتعاقبة التي عملت على محاربة وتهميش التعليم الأهلي وعدم أعطائه الدعم الكافي لينمو ، كما هي سياستها في محاربة وتحجيم القطاع الخاص في كافة المجالات فلم يحصل  على الدعم الكافي لينمو ويأخذ دوره الحقيقي في دعم الأقتصاد العراقي

وتلك السياسة جعلت من المواطن العراقي وخلال عقود طويلة مضت يعتمد على الدولة في توفير كل احتياجاته مقابل أمتلاك الحكومة السيطرة على الثروات البشرية والمعدنية  للبلاد وتقوم هي بتوزيعها حسب سياساتها الخاصة مما خلق العديد من المشاكل الإقتصادية المعقدة والتي من نتائجها البطالة والركود الأقتصادي في العديد من المجالات الحيوية في الصناعة والزراعة بشكل مأساوي وعدم مواكبتها للتطور العالمي وهذه السياسة ونتيجة عدم توفر البنية التحتية لايزال القطاع الخاص الى يومنا هذا يعاني من محاربة العديد من الفئات في المجتمع ويعامل على انه حالة غير صحيحة وذلك نتيجة الثقافة المتخلفة التي زرعتها الحكومات المتعاقبة في معاداتها للقطاع الخاص  ولأسباب سياسية وأقتصادية معروفة للجميع

بعد عام 2003 ونتيجة تغيير العديد من القوانين والتي تنص على دعم القطاع الخاص والأستثمار المحلي ومنها في مجال التعليم " الأهلي الخاص " أنشئت العديد من المؤسسات التعليمية من رياض الأطفال والمدارس والجامعات

حصل ذلك  نتيجة العديد من الأسباب منها تردي واقع التعليم العام في العراق وعدم قدرته على توفير العديد من المستلزمات الأساسية للعملية التربوية  والتعليمية وكذلك للظروف القاسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة والتي خلقت العديد من المعوقات والمشاكل المستعصية نتيجة الفساد الإداري والمحاصصة التي جعلت التعليم العام دون المستوى المطلوب وفي جميع المراحل دون استثناء من التعليم الأبتدائي الى التعليم الجامعي

وايضاً تلبية حاجة طبيعية نتيجة لمسايرة العولمة  والأنفجار المعلوماتي الهائل الذي يشهده العالم وتلبية الرغبة في التعليم بأعتباره حق مشروع لكل فرد في المجتمع مما أعطى الحافز الى انشاء العديد من المؤسسات التعليمية الأهلية لتوفر ما عجز عنه التعليم العام فأخذ التعليم الأهلي او الخاص يستقطب أعداداً كبيرة من الطلبة وعمل على أمتلاك هيئات تدريسية مؤهلة ذات كفاءات وخبرات أستمدها من التعليم العام خلال عقود مضت وأمتلكت بعض المؤسسات الأهلية  بنايات ذات مواصفات أكاديمية حديثة مزودة بوسائل تعليم تتناسب مع التطور الحاصل في وسائل التعليم العالمية فأنتشرت العديد من المؤسسات التعليمية الأهلية في العراق وتلك حالة إيجابية تجعل حالة التنافس فيما بينها لجذب الطلبة ، واختلفت هذه المؤسسات في حجمها وذلك حسب إمكانية المستثمر المادية والكفاءة وقدرته على توفير الأفضل والأحسن وهنالك العديد من المشاريع الصغيرة أصبحت أشبه بالدكاكين كما يطلق عليها  بعضها تحمل أسماء براقة همها الربح السريع في المقابل هنالك مؤسسات رصينة من المرحلة الأبتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعات والقائمون عليها هدفهم دعم التعليم في العراق والأرتقاء به ، وتلك حالة إيجابية سليمة من خلال الأستثمار الصحيح في التعليم ليكون رديفاً وطنياً وداعماً الى التعليم العام مما يستوجب على الدولة توفير جميع أنواع الدعم والوسائل المتيسرة لديها لينهض التعليم الأهلي بالعملية التعليمية ويأخذ دوره الطبيعي في عملية التنمية المستدامة ويعمل على سد الفراغ الحاصل في التعليم العام من خلال امتلاكه المرونة وقدرته على التغيير والتطوير

ان ماتوصلنا اليه جاء نتيجة دراسة مستفيضة وزيارات ميدانية في العراق الى الجامعات والمدارس الأهلية والتعليم العام وأطلعنا على تجربة مدارس المتميزين والموهوبين في بغداد والمحافظات ، وقمنا بمتابعة الحالات الإيجابية وتشخيص الحالات السلبية وذلك بالتعاون مع مراكز بحوث في جامعات عراقية وتوصلنا الى نتائج أهمها أن دعم التعليم الأهلي من قبل الدولة وتوفير له كل مستلزمات النجاح والتطور والنمو هو احد الحلول السليمة التي تعمل على إنقاذ العملية التعليمية

فلابد من تذليل الصعوبات والمعوقات وتوفير فرص التواصل مع المؤسسات التعليمية الأهلية العالمية  والأستفادة من الخبرات المتوفرة لديها في مجال المناهج والهيئات التعليمية والإدارية على ان تكون مخرجات التعليم الأهلي توازي المؤسسات العالمية في الجودة والكفاءة

قمنا كذلك بالتواصل مع الجامعات والمؤسسات البريطانية ومع المهتمين بالتعليم من البريطانيين  وتوصلنا الى مايلي

من اجل تحقيق الجودة العالية في التعليم لابد من تحقيق برنامج التطوير المهني والإداري للهيئات التعليمية والإدارية للمدارس الإهلية العراقية بالتعاون والتؤامة مع المؤسسات التدريبية البريطانية التي تتمتع بخبرات وتجارب تعليمية ثرية وذلك للإرتقاء بالتعليم الإهلي ليكون بمصاف التعليم في الدول المتقدمة .

لذلك نقترح تحقيق برنامج التطوير المهني النوعي للمؤسسات التعليمية من خلال الشراكات العالمية مع مؤسسات علمية وتدريبية

يستهدف برنامج التطوير المهني التعليمي الممارسات المهنية للهيئات التعليمية والإدارية ، والمشرفين التربويين، في إطار معايير عالمية، ووفق المتطلبات الأساسية والواقع المهني للفئات المستهدفة، واحتياجات التطوير والتغيير ، ويتم تنفيذ هذا البرنامج في إطار شراكة دولية تتمتع بخبرات وتجارب تعليمية ثرية ومتميزة.

ويقوم البرنامج بإعطاء المعلمين فرصة معايشة واقع التدريس في دول متقدمة، ضمن بيئة تعليمية متطورة، ونقلها الى العراق من خلال ورش عمل تطويرية وتأهيلية .وفق خطط سنوية تستوعب أعداداً من المتدربين القادرين على سد النقص الحاصل في التدريب في كافة مجالات التربية والتعليم والعمل على تإسيس برنامج رصين لوضع مناهج تعليمية تواكب التطور في مجال التعليم

لذلك نقترح ان يعقد مؤتمراً متخصصاً لتعليم في لندن من أجل الإطلاع على المؤسسات التعليمية البريطانية عن كثب وكذلك يحضره من المتخصصين بالتعليم في المؤسسات التعليمية العالمية مما يفتح الأفاق أمام التعاون مع المؤسسات العراقية يعقب المؤتمر ورش عمل ينفذ فيها برنامج التطوير المهني في التعليم بشكل عام وكذلك يشارك في المؤتمر من العراق ممثلي التعليم العام والتعليم الأهلي من المؤسسات الرصينة

ان توفير سبل نجاح ودعم التعليم الأهلي في العراق من قبل الدولة يفرض بالتالي استحداث قوانين وضوابط يكون بموجبها التعليم الأهلي يجب أن يكون ذو مكانة متقدمة في التصنيف العالمي للتعليم

وكذلك ان يكون داعماً وشريكاً حفيقياً للتعليم العام في العراق .

أن دعم الدولة للقطاع الخاص للأستثمار في التعليم هو ايضاً من التجارب العالمية التي عملت فيها الدول على دعم مؤسسات تعليمية عالمية ثم جعلت من القطاع الخاص راعياً لها وبالتالي تلك المؤسسات أصبحت ذَا مكانة عالمية متقدمة في التعليم في العالم

ومن الحلول لأنقاذ التعليم أيضاً  تشجيع الهجرة العكسية للأكاديميين العراقيين والتربويين من ذوي الخبرة والكفاءة

وتوفير الفرص المناسبة لهم لإدارة المؤسسات التعليمية في العراق في القطاع العام والأهلي وكذلك تشجيع الأستثمار الأجنبي الأكاديمي في بناء مؤسسات تعليمية ذات جودة عالية في العراق .

 

سامي فارس

الأمين العام لجمعية المدارس العربية التكميلية في المملكة المتحدة

..........................

ورقة عمل ملخص لدراسة عن واقع التعليم في العراق وكيف الأرتقاء به