يحيى السماويثـلاثُـةُ جـدران من حـجـرة

 بـمـئـات الـجـدران (*)


 

 

(1) يـقـيـن

لـسـتِ " لـيـلـى "  ..

وأنـا أكـذبُ لـو أزعــمُ أنـي فـي طـقـوسِ الـعـشـقِ

" قـيـسُ "

*

نـكـتـفـي بـالـسَّـمـعِ مـن خـلـفِ جـدارٍ

خـوفَ أنْ تـطـردَنـا مـن جَـنَّـةِ الـخـيـمـةِ والـنـاقـةِ " ذبـيـانُ "

و " عَـبْـسُ "

*

لـيـسَ عـشـقـاً

مـاؤهُ وهْـجُ سَــرابٍ  نـتـسـاقـاهُ خـيـالاً

ورغـيـفٌ قـمـحُـهُ خـوفٌ وهَــمْــسُ

*

وبـسـاتـيـن مـن الأحـلامِ

لا يـنـبـتُ فـيـهـا غـيـرُ شــوكِ الـصـحـوِ

غـرْسُ

*

أيـكـونُ الـوردُ ورداً

حـيـن لا تـنـظـرهُ الـعـيـنُ ولا يـلـثـمـهُ الـنـحـلُ

ولا شــمٌّ ولـمْـسُ؟

*

حِـلـيَـةُ الـلـيـلِ نـجـومٌ

ووشــاحُ الـصـبـحِ شــمــسُ

*

إنـنـي فـي الـعـشـقِ لـيْ طـبـعُ الـيـعـاسـيـبِ

وأنـتِ الـوردُ والـراحُ الـتـي مـن دونـهـا لا يـثـمـلُ الـقـلـبُ

ولا يُـرفـعُ كـأسُ

*

لـيـس سـهـمـاً مـن سِـهـامِ الـعـشـقِ فـي فِـقـهِ هُـيـامـي

حـيـن لا يُـطـلِـقـهُ نـحـو ظـبـاءِ الـلـثـمِ

قـوسُ

*

والـضـحـى لـيـس ضُـحـىً

إنْ لـم تُـضـيـئـي فـيـهِ عـيـنـيَّ

ولـيـلـي إنْ تـغـيـبـي فـيـهِ عـن حـضـنـيَ

رِمْــسُ

*

كـلُّ صـبـحٍ ولـنـا فـي الـعـشـقِ مـيـلادٌ  جَـديـدٌ

ولـنـا فـي كـلِّ لـيـلٍ رحـلـةٌ نـحـوَ الـفـراديـسِ

وعـرسُ

***

السماوة 18/6/2020

.................

(2) طـقـوس

وجـهُـكِ الـقِـبـلـةُ إنْ صَـلَّـيـتُ شِـعـراً وتَـبـتَّـلـتُ الـى الـعـشـقِ

ونـادتْ لـلـهـوى مِـئـذنـةُ

*

فـلـيـقـولـوا كَـفَـرَ الـعـاشـقُ بـالـمـعـشـوقِ ..

هـل يَـكـفـرُ  بـالـمـشـحـوفِ  نـهـرٌ سـومـريُّ الـمـوجِ ؟

أو تـهـرَبُ مـن أهـدابـهـا والـجـفـنِ يـومـاً مُـقـلـةُ ؟

*

لـيْ طِـبـاعُ الــنـهــرِ : إنْ سِــرتُ

فـلا ألــتــفِــتُ

*

لـلـئـيـمٍ وخـبـيـثِ الـطـبـعِ والـكـامـلِ نـقـصـاً

فـسَـواءٌ فـي طـقـوسِ الـعـشـقِ يـا مُـلـهِـمـتـي إنْ نَـبَـحـوا

أو سَـكـتـوا

*

بـتـلـةٌ مـنـكِ : بـساتـيـنٌ  ..

وقـطْـرٌ مـن نـدى واديـكِ : نـهـرٌ  ..

فـاشـهـدي يـا حُـجَّـةَ اللهِ عـلـى عِـشـقـيَ يـومَ الـنـشـرِ :

قـلـبـي بِـضـعـةٌ مـنـكِ

ومـا غـيـرُكِ يـا شـمـسَ يـقـيـنـي لِـسـفــيـنـي رحـلـةُ

***

السماوة 20/6/2020

.....................

(3) مـزاح جِـدّي

كـان اتـفـاقـاً بـيـن مـولاتـي وبـيـنـي

حـيـن تـخـطـأُ :

لا تُـعـاقِــبُـنـي عـلـى أخـطـائِـهــا أبـداً

فـإنْ كـسَـرتْ يـدي  ـ مـثـلاً ـ أمـدُّ لـهـا يـدي الأخـرى لِـتـكـسـرَهـا

فـأحـظـى بـالـشـفـاعـةِ

فـهـي تـأبـى أنْ تـكـونَ عـقـوبـةُ الـشـيـخِ الـعـنـيـدِ  مُـجَـزّأةْ

*

فـإذا اشـتـكـيـتُ الـقـيـظَ

تـمـنـعـنـي مـن الـمـاءِ الـقـراحِ  ..

وإنْ شـكـوتُ الـبـردَ

تـلـســعُــنـي بـنـارِ الـمِـدفـأةْ

*

كـان اتـفـاقـاً بـيـنـنـا  ..

مـثـلاً  :

تـعـاقِـبـنـي إذا نـظـرَتْ  بـإعـجـابٍ إلـيَّ ـ بـدونِ أنْ أدري ـ امْـرأةْ

*

وإذا ارتـكـبـتُ جـريـمـةً مـن دونِ قـصـدٍ

كـانــبـهـاري بـالــمُــذيـعـةِ

حـيـن تـقـرأُ نـشـرةَ الأخـبـارِ كـاشــفــةً عـن الـكـتِـفَـيـنِ

تـلـطـمُـنـي بـنـظـرتـهـا  ..

ولـكـنْ

حـيـن أنـظـرُ بـانـكـسـارٍ لـلـعـجـوزِ الـعــمــشــةِ الـعـيـنـيـنِ (**)

تـتـركـنـي أحَـدِّقُ مـا أشــاءُ كـأنَّ عـيـنـي مُـطـفـأةْ

*

مـا زلـتُ أذكـرُ مـا جَـنـيـتُ  مـن الـعـقـاب الأنـثـويِّ

لأنـنـي عَـبَّـرتُ عـن رأيٍّ وتـجـربـةٍ

فـقـلـتُ  :

مُـضَـيِّـفـاتُ خـطـوطِ مـوزمـبـيـقَ لا يـشـبـهـنَ فـي سِـحـرِ الأنـوثـةِ

مـثـلَ  سِـحـرِ مُـضَـيِّـفـاتِ خـطـوطِ هـولـنـدا

فـإنَ الـفـرقَ بـيـنـهـمـا كـمـا بــيــنَ الـحـصـى والـلـؤلـؤةْ

*

فـإذا انـتـهـيـتُ مـن اعـتـذاري ســاعـةً أو ســاعـتـيـنِ

تـظـلُّ شـهـراً بـالـمَـلامـةِ  و " الــتـِـدِرْدِمِ  " والـعـتـابِ مُـعَـبّـأةْ (***)

*

كـان اتـفـاقـاً بـيـنـنـا

وأنـا أحِـبُّ الإتـفـاقـاتِ الـتـي تُـبـقـي مـلاءاتِ الـسـريـرِ

لـحـفـلٍ مـحراثـي وتـنُّـورِ الـعـنـاقِ مُـهـيّـأةْ

*

لـكـنـنـي فـي الـشـعـرِ أنـسـى الإتـفـاقَ

أطـيـعُ زورقـيَ الـعـنـيـدَ إذا يُـغـادرُ مـرفـأهْ

*

الـشـعـرُ أنـشــأني

ولـسـتُ أنـا الـذي قـد أنـشـأهْ

*

والـشـعـرُ مـبـدئـيَ الـحَـنـيـفُ ..

أنـا امْـرؤٌ غـلـبَـتْ طـبـائـعُـهُ الـتـطـبُّـعَ

سـوف يُـردى لـو يُـجـانِـبُ مـبـدأهْ

***

السماوة 22/6/2020

***

يحيى السماوي

...........................

(*) من مجموعتي المعدة للطباعة والنشر قريبا (التحليق بأجنحة من حجر ) والتي كتبتها في سجني القسري خوفا من جائحة كورونا .

(**) عمشة العين: العين  المريضة التي تسيل دمعا  ..

(***) دردم: المرأة التي تروح وتجيء ليلا ـ وفي اللهجة الشعبية العراقية تعني الكلام المتواصل غير المجدي ، وهو المعنى المقصود في النص .

 

 

حسين يوسف الزويدذاتَ شوقٍ وانغماسٍ في متاهاتِ الحنينْ

حَلَّ في القلبِ صداعُ الوجدِ

و انداحَ اليقينْ

جَبلُ الغيمِ مِنَ التهيام أغوتْهُ الهُبُوبْ

من رياحٍ أغرَتِ السفّانَ في نشر الشراعْ

يُنشِدُ الضلِّيلَ من (توضِحَ) و(المقراةِ)

مِنْ أرضِ (دَمُونْ)

سارَ حادي السُفْنِ لا يلوي على

أيِّ ضياعْ

سادراً ينوي رُسُوَّاً عِنْدَ

شُطآنِ المتاعْ

لكنِ الأقدارَ شاءَتْ

غَسَقٌ بالجوِّ لاحْ

وعلى الأفقِ تمطّى من عَتيٍّ ورياحْ

عَبَثاً حاوَلْتُ تثبيتَ شِراعي

في عتوٍ في أقاصي الكونِ  صاحْ :

لا صدى بينَ يدينا

لا دواءً من جراحْ

ضاقَتِ الفكرةُ عندي

أينَ ذيَّاكَ (البسيطْ)؟

أنتَ بحري يا بسيطاً

وبه يعلو الصياحْ

                      ***

قِفْ بالنمِّيصةِ (١) وانظرْ في روابيها

                عَمّا جرى من عذاباتٍ، سَترويها

إبّانَ كانَ الهوى في القلبِ مُضْطَرِماً

                 والنفسُ لا ترعوي، تبغي أمانيها

و كيفَ صبري ودُنيا الحسنِ دانيةٌ

            سكنى الدوارسِ هامت في مآقيها(٢)

قد عِيْلَ صبري ودُنيا الحسنِ دانيةٌ

               قـطـوفُـها وأنـا كالـطـفـلِ أبـغـيـهـا

لو أبصرَتْ ميتاً في التُربِ عاشقتي

                كأنـمـا ذاقَ  مـاءَ العيشِ مـن فيها

قد كانَ بَحرو هواها لاطماً لَجِباً

              وكنتُ غُمْراً، تـجـاريـبـي تُماريـهـا

تجري السفينةُ لا يـنـتـابُها خللٌ :

                  ها قَدْ حَجَجْتُ الى أسوارِ واديها

وَ ذاتَ نَحْسٍ طَغَتْ في الأفقِ زوبعةٌ 

                  وهاجَ في اليَمِّ شيءٌ من عواتيها

حاوَلْتُ أنْ أمنحَ الأحلامَ أشرِعَةً

              كي أُرسيَ النفسَ في أحلى مراميها

لكنَّها سَوْرةُ الأحزانِ قد هَطَلَتْ

               أرْخَتْ سدولاً وما أدرَكْتُ شاطيها

لكنني سوفَ أرقى للنجومِ وإنْ

              تأتِ العواصفُ قلبي، سوف يُدْميها

        وسوفَ أنشرُ فوقَ الغيمِ أجنحتي

               وسوفَ أقطفُ في الأحلامِ، عاليها

و سوفَ أنهضُ كالعنقاءِ مشتعلاً

                 من الرمادِ  ويحبوني المدى فيها

                   ***

 د. حسين يوسف الزويد

.....................

 (١) النميصة : اسم موضع في قرية الحورية بالشرقاط مسقط رأس كاتب هذه السطور.

(٢) كي تتضح الصورة عنذ القارئ فأن موضع النميصة يقع قبالة (تل الحويش)  والذي اتخذه اهالي المنطقة مقبرة لموتاهم.

 

     

عبد الله سرمد الجميلغابتْ مطارقُهم عنِ الأسماعِ

            والصمتُ رانَ على صدى الإيقاعِ

كانَ الضجيجُ الشاعريُّ ملاذَهم

         من صرخةِ الموتِ التي في الناعي!

لكأنما الإزميلُ ريشةُ عازفٍ

            نحتوا بها صَرْحَ الهوى المُتداعي

وحَسِبتُهم من آلِ داؤودٍ؛ لهم

                   لانَ النحاسُ بشكلِهِ المِطواعِ

مالُوا على تلكَ الكؤوسِ لِيثمَلُوا

                   فَرَأَوْا وجوهَهُمُ ببطنِ القاعِ!

يا دلَّةً عربيّةَ الأوجاعِ

                   كسَرَتْ فناجيني شِفاهُ ضِباعِ

خلَتِ الرفوفُ منَ الصحونِ فما ترى

                       إلّا طُيُوفَ بريقِها الخدَّاعِ

كانت لمعجزةِ النحاسِ حكايةٌ

                        تُتلى من الأجدادِ للأتباعِ

يُحكى بأنَّ العُمْيَ يوماً أبصروا

                     لمّا رَأَوا من وَمضِهِ اللمّاعِ

هذا الهدوءُ المُستفِزُّ سينتهي

               وبريدَ خيرٍ سوفَ يُلقي الساعي

               ***

د. عبد الله سرمد الجميل - شاعر وطبيب من العراق

 

 

صحيفة المثقفمَلَلْتُ الحَجْرَ المنزلي بسبب الكورونا .. ما أنْ تَلَحْلَحتِ القيود، بعد عدة شهور، وسُمحَ لمحلات الحلاقة والمقاهي وبعض المطاعم الصغيرة بمعاودة عملها وفق ضوابط صحية، خرجتُ مثل طائرٍ فَرَّ من قَفَصه، إلى مقهى أتردُّد عليه مع شلّةٍ من الأصدقاء، أحياناً .

النهارُ في برلينَ مُتردّدٌ، لا يعرف كيف يحسم أمره، أيكونُ صحواً، أم..!

تُطلُّ الشمس تارةً، وأخرى تتوارى خلف طبقة سميكةٍ من الغيم تُهرولُ نحو الشرق .

شَمَمتُ في الهواء رائحةَ مطر، لمْ تثنيني عن الخروج .

**

جلستُ إلى طاولة صغيرةٍ في المقهى، عند شباك زجاجيٍ كبير أمام مدخل متنزه فريدريش هاين .

بدأ المطرُ حُبَيباتٍ .. لم تلبَثْ أنْ تزايدَت نَثيثاً . بعدَها صارت مِزنَةً، فعاصفةً راحت تَجلِدُ زجاجَ الشبابيك، مصحوبة بقصف رعدٍ مخيف ...

وئيداً أحرّكُ الملعقة في قدحِ الشاي، لاهياً أرقب المطرَ ينهمرُ بخيوطٍ كثيفةٍ متصلة . إختنقَتْ فتحات الصرف في الشارع، كأنَّ سيلاً عارماً إجتاحَ الشارعَ ... قفزَتْ إلى خاطري قصيدة السياب  " إنشودة المطر "، لاسيما:

[ .. أَتعلمينَ أَيَّ حزنٍ يبعثُ المطرْ ..؟

وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا إنهمَرْ ؟

وكيفَ يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع ؟ ]

**

المشهدُ، لوحده، وما إستدعاه "مطر السياب " يُغني عن وصفِ الفرقِ بين السرابِ والمطر !!

*  *  *

مَنْ أَنا ..؟!

أنا واحدٌ من أولئكَ المَطحونينَ بين رحى الغربة والوطنْ ...

أنا مَنْ نهبوا وطنَه وتأريخَه، حوَّلوه ساحاتٍ يرقُصُ فيها الردّاحونَ والمُنَوّمون بالغيب والخرافة،

إلى جانبِ قِطعانٍ من ميليشياتِ القَتَلَة المُنفَلِتة من كل عِقال ...

صَيَّروه نُكتةً للغادي والآتي.. وحكايا خُرافاتٍ ...

**

كمْ من مرةٍ قُلنا " نموتُ ولن يمرّوا "...

ها همْ ... !!

مُتْنَا ومَرّوا!.. بلْ مَرّروهم !!

أكنّا نتبعُ حُلُماً كي نراه، ويتبعنا كي يرانا..؟

أما كانَ في وُسعنا أنْ نُغافِلَ أعمارنا ونُربّي أيامنا قليلاً، لنَستشرِفَ ما سيأتي؟!

كُنّا نغنّي كي نُلهي المسافةَ عنّا، علَّنا نضفرُ بعزيمة جديدةٍ لنواصلَ المسير!

آهٍ من أرجُلٍ بَرَتِ الحجارةَ وقطَّعَتْها دروبٌ أوصلَتنا إلى أكثر من بيتٍ، إلاّ بيتنا !!

*  *  *

منذُ ماتَ محمدٌ إبنُ عبد الله، إنفَرطَ "الصَحبُ" ...

دُقَّتْ طبولُ الحربِ، وإشتعلَ التناحرُ على السلطة،

حربٌ سياسية / مَصلحيّة بإمتياز !! لا علاقةَ لها بالإيمان والمقدّسات كما يزعمون ..

سالَت فيها، ولمّا تزل إلى اليوم، أنهارٌ من الدماء ... وما من حكيمٍ أوقَفَ الفِتنَة / المَقْتَلَة !

**

ما شأننا نحن الآنَ، بعد 1368 سنة، بتلك اللعنة .. ؟!

أنكونُ جئنا إلى الحياةِ خطأً، لنكونَ أضاحي لهذا الخَبَل ؟!!

ما شأنُ أطفالنا وزوجاتنا بسلالة الجنون والمجون ؟!

حروبٌ تتناسل حتى الساعة، ليس لنا فيها ناقة ولا جَمَلْ ؟!!

تَجوعُ الناسُ وتَعرى، وما فَتىءَ البرابرةُ يقرعون طبولَ الموتِ ،

ما شأنُ مئات الآلاف من القتلى، من "الجزيرة" حتى خراسان وما بعدَ خراسان ؟!!

*  *  *

إذا كُنّا نَقيسُ المدى بمنقار لَقْلَقٍ، وغمزةَ الحبيبِ بشفرةِ وردة ...

فما بالُنا نعجزُ عن توصيفِ مَنْ يَفتَدينا كي نحيا ؟!!

أَترحَمُنا البَسمَلَةُ والحوقَلَةُ حين نسألُ الليلَ حُلماً جميلاً ؟!

وهَلْ يمرَضُ الحلمُ كما يمرضُ الحالمون ؟!

رصاصٌ لئيمٌ أَفزَعَ الشهداءَ من ذكرياتٍ لمْ يُدونونها ...

أما كانَ من حقِّهم أنْ يزرعوا النعناعَ كي تَقلَّ رائحةُ الظُلمِ والظلام ؟!

ويناموا أَبعدَ من مدى "البَرنَوْ" في زمنٍ تحجَّرَ فيه الكلام ؟؟

**

أيها النائمونَ فينا، مِنّا عليكم السلام !!

إذهبوا إلى النومِ، سنصحو ونَحرسُ ذكرياتكم / أحلامكم من عَبَثِ مُتزلّفي الرثاء ..

ومن تُجّارِ الرِثاء الرَث، "الرَوزَخونيّة"* !

ناموا قليلاً، هذا المساء ... لنْ نُعاتِبُكم على طولِ الغياب،

ناموا ، خبّأنا أسماءكم في شغاف القلب،

لنْ تَكبروا أو تمرضوا وتشيخوا مثلنا ...

ناموا، وكونوا نشيدَ الذي لا نشيدَ له ...

ناموا ، فمن حقِّكم أنْ تُصدِّقوا أحلامَكمْ، وتُكذّبوا ما يُلفِّقونَه الآنَ من "وطن !"..

تُصبحونَ على وطن، عَصيٍّ على التصدير إلى "الجوار" !!

وطنٍ يأبى التَفَتُّتَ كبَعْرِ الماشية !

تُصبحونَ على وطنٍ معافىً، بلا خُرافاتٍ ... مليءٍ بشقائقِ النُعمان، حلوٍ كأحلام الصغار ...

***

يحيى علوان

...................

* الروزخون، هو مُقريء في كتاب (روضة الشهداء) يستخدمه خطيب المنبر الشيعي حين يروي قصة مقتل الحسين بن علي. والروزخون منحوتة من أصلٍ فارسي (روزة خوند) بتحويل الضاد زاياً في الفارسية ! وحُذفت الدال لتسهيل النطق بالعربية . يرادُ بذلك باللهجة العراقية ودول الخليج إنتقادَ ترديد مقولاتٍ قديمة جرى تحنيطها خارجي سياقها الزمني لأسقاطها على كل كل زمانٍ ومكان ...!!

 

حسين فاعور الساعديفي حضرةِ القطيعِ

من قبيلتي وعزوتي الأخشان

أضعتُ قهوتي

ومتعة َ الصباحْ

أضعتُ رهبة الوديانِ

حين تهدأ الرياحْ...

أضعتُ مرجَ القمحِ

حقلَ النفط ِ

ضاعتْ مهرتي

واشتدّت الجراحْ

أطلقتُ لحيتي

وصرتُ باسم الله أسحبُ السلاحْ

**

في حضرةِ الجزارِ

أو في هكذا حضور

ينفذ ُ الكلامُ

تنتهي اللغاتُ

يبدأ الحوارُ بالبترول ِ والدوﻻر

**

ما أروعَ القطيع

في شرقنا الممتدّ

والفسيح ِ والغنيّ والبديعْ

ينامُ والذئابُ في الأطرافِ تأكلُ الخراف

يجترُّ...

ﻻ يفرُّ

ﻻ يخاف

**

في حضرة الحضورْ

من ممثلي "الجمهورِ"

من ممثلي مصانع السلاحْ..

ممثلي منابر ِالكلاب ِ والنباحْ

ممثلي مراكزِ التزييفِ

والتلفيقِ والتشويهِ

والتسميمِ والكساحْ

ممثلي مواقعِ التجهيلِ ِ

والتضليلِ والتجميدِ والتشريحْ

ممثلي مراكزِ التجويعِ والإفتاءِ واﻻفقارْ

والتفتيت ِ والتقطيع ِ والتسليحِ

حتى دولةِ القبيلةِ الغبيةِ البلهاءِ

ﻻ مجالَ غير الحربِ والدماءِ

والبكاءِ حيث يمكن البكاءْ

**

في حضرةِ القطيعِ

حين تصبحُ القبيلة ُ الغبية ُ البلهاءُ

دولة ً تجنـّدُ الأحلافَ

تحضنُ الأعداءَ

تقصفُ الطيورَ والورودَ والأحلامَ

تحرقُ الأطفالَ والعاداتِ والأعرافْ...

تقطّع الأحياءَ بالمنشارِ

تـُعدمُ العجوزَ والرضيعْ

بدأتُ في دوامتي أحتار

**

في حضرة ِ الحضورِ

أو مع هكذا قطيعْ

في شرقنا الممتدّ والبديعْ

لا بدَّ من جَنين ٍ آخر ٍ

جديدٍ

ينعشُ الواحاتِ والحقول والأنهارْ

يُعيدُ للأرحام ِ طُهرَها...

لا بدَّ من ولادة ٍ تُعيدُ

للأمومة ِ العذراءِ دورها

لا بدَّ من ترميم ِ جودة البذار

وفحص ِ دورة َ الفصولِ والأمطارْ

لا بدَّ من تغيير صيغة الخطابْ

وحذف ِ الصفرَ من جداول ِ الحسابْ

لا بدَّ من تمحيص ِ ما يقولـُهُ الإمامُ

قبلَ البدءِ بالصلاةْ

ورصدِ كيف تُـصرفُ الزكاةْ

وتركِ الباب كيفما أشاءُ أعبد الإله

**

لا بدَّ يا ممالك "اليزيد"

من طيّ صفحة التجهيل ِ

دفن ِ دولة العبيدْ

لا بدَّ من إعادةِ التدوين والكتابْ

فقاتلُ الحسين ِلا يزالُ بيننا

وفي بيوتنا

يمارسُ الإخصابَ والإنجابَ

يمنعُ التفكيرَ والتدوينْ

يوجّهُ القطيعَ

لا يقدّمُ اعتذارْ

**

في حضرة القطيعْ

يضيعُ ما يضيعُ

يدفعُ السلطانُ...

يُسكتُ الجميعْ

يصبحُ الجبانُ قائداً

ويصبحُ الدجالُ كاتباً

ويصبحُ الثرثارُ شاعراً

تـُناقشُ الأمور بالثغاءْ

وينضبُ العطاءْ !

**

في حضرة القطيعْ

تـُـداس النعجةُ الهزيلةُ العرجاءَ

يغمرُ الطفولة َ الضجيجُ والضوضاءُ

تصبحُ الأحلامُ كسرةً مبلولةً بالماءْ

**

لا يغضب القطيعُ

لا يثورُ

قد يواجهُ الأخطارَ

قد يغـبُّ

قد يُصابُ بالدوارِ

تأكلُ الذئابُ نصفـَهُ

يظلُّ صامتاً......

لكنـّه إن جاعَ

يبدأُ الصراخَ والثغاءْ

فقولُ الفصل عنده ُ

ما بينَ الكرشِ والأمعاءْ

**

في حضرة القطيعْ

تـُحققُ الأحلامَ دولةٌ وهميةٌ

ويشعلُ الصراعَ منصبٌ وهمي

يُوجّهُ الأجيالَ جاهلٌ أمّي

لا مكان للإبداعِ والذكاءِ

لا مجالَ للتدقيقِ والتمحيصِ

لا مجالَ للتفكير والإصغاءْ

فبعضُهُ في كلـّه يضيعْ

وكلهُ في خدمة التدجينِ والترويضِ والتطبيعْ

لتصبح الحبيبة : الغانيةَ الممشوقةَ البيضاءْ

وفارس الأحلام : جثة ً كبيرةٌ،

سيارةٌ وسرعة انتصابْ!

**

في حضرة القطيعْ

تشتد ُّ حالة الغيابْ

تزدادُ ساحة الخرابِ

يكثرُ التلقيح ُ والإنجابْ

شعوبُنا مكسورةُ الجناح

ترابُنا مشاع ْ

أحلامُنا سرابْ

يزغردُ الرشاشُ بيننا

لأتفهِ الأسبابْ

ويَحسمُ النقاشْ!

فاللحية ُ الطويلةُ المقياسْ

والجثة ُ الكبيرةُ المعيارْ

كم نغيبُ في الغياب

وفجرُنا الجميلُ خلفَ الباب

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

عبد اللطيف رعريبعِشقِي هذا حينَ تكتملُ

اللَّذاتُ..

سأنقرُ السَّماء بأعوادِ الثقابِ

لتلِدَ الغَيْمة فجرًا

ثمَّ..

فِي واضِحِ النَّهار

سَأمنحُ دمِي شرَابًا للعَذارَى

وأقفُ على سَاقٍ

أمَامَ

مدخَلِ

الصّحراءِ...

فكلَّما، احتَرقَ طائرٌ بدُخانِ المَوتى

أزنُ رِيشهُ

بمِقدارِ المَاءِ الهَاربِ

تحْتَ قدَماي...

فأنْ نمَتْ في كُفوفي

دَالية

فسأرُشُ النّهر بنبيذٍ خاثرٍ

وانْ أصِيبَ الرَّمْلُ بزَعلِ الرِّيحِ

فسأغمضُ عينِي

حتَّى تنتهِي السَّكرَة

وأستَحمُّ بوَابلٍ

مِن القُبلِ ...

لَعلَّ الله فِي خلْوتهِ

يَرسُم أخرَ الصُّورِ

لقدسيةِ

الأنبياءِ...

عَاريًا إلاَّ من عِشْقِي

سأجُوبُ كُلَّ القلُوبِ وأزرعُ

ورْدةً ...وأكثرَ..

بتَمامِ عرَائِي

أيضًا سَأصلِّي لمنْ غابْ

وأصَلِّي لمن حضرْ...

وأطَاوعُ جريانَ النَّهرِ.

هكذا,كلمَا أومأتُ بعَينٍ,تسْقطُ الأخْرى

في التُرابِ

فإمَّا إعْصارٌ في الانتِظارِ

وإمَّا أبْوَابًا تخلط ُشَخيرَ العانِساتِ بالبكاءِ...

سأمُوتُ عُمرًا بينَ الأغْنياتِ

واضعُ للمنتهَى شُرُوطاً لوأدِ الأحْكامِ...

على قارعةِ الطريقِ

سأقفُ بخَجلِ الأمَّهاتِ

فأعَاتبُ الشَّجَرةَ الأصْل

وأتمَادَى بدُون وقفٍ فِي عَرائِي

حتَّى تنامُ القَبيلة فِي نَحيبٍ مُطلقٍ

علَى

قارِعَة ِ

الطرِيقِ....

سأدقُ مِسمارًا عَلى لوحٍ إشهارٍي...

وأعلقُ مِعطفِي الحزِينِ

وحِذائِي الضَّاحكِ لكُلِّ الجِهاتِ ....

حتَّى أذا مرّ عَريس المَجانين

يشْهدُ بوَفائِي للعَراءِ..

وإذا مرَّتْ دورٍيَّة المُخبرينَ

تنهِي لعلمِ الحَاكمِ

انتِهاءَ صَلاحيتِي فِي الكلامِ

على

قارِعة

الطريقِ

سَأصَففُ اليابِساتِ مِن وَرقِ الشَّجر

وأدُوسُ عَليهَا قبلَ مَولدِ الحرِّ

فانْ هِي تغبَّرتْ أدُسَّها فِي جيبِ الرِّيحِ

حتَّى تتعرَّشُ مِن جَديد

وأصَفِّفُها يابسَة وأدُوسُها

فانْ هي تَشجَّرَتْ فأحبالي تواً

جَاهزَة للانتِحارِ

وعلى شَاهد ِقبرِي أدوِّن ُعبارَةً للخُلودِ

هنَا

يرْقدُ

شاعِرٌ

يرد ُّ

الوهْم

للوراءِ...

***

بقلب عبد اللطيف رعري/منتبولي فرنسا

 

عبد الرزاق اسطيطوالحكاية الثالثة

كانت السماء ملبدة بالغيوم السوداء ، والجو شديد البرودة، ظل الفلاقي كعادته عند كل مساء وهو جالس فوق تلة معشوشبة يراقب تكاثف السحب و أسراب الطيور والحمام العائدة إلى أعشاشها في انتظار مجيء رفيقه "أبو الفانوس"" الصياد الوحيد الذي يصطاد السمك بالنهر ويحمله الى سوق المدينة من أجل بيعه وإطعام صغاره ... تعرف عليه الفلاقي عندما نزل الى النهر هاربا من الشرطة، و"أبو الفانوس" هذا رجل في الأربعينيات من عمره متوسط القامة نحيف الوجه غائر العينين أسمر البشرة، بدأ الشيب يغزو شعررأسه، وكانت له مكانة خاصة عند الفلاقي، يحدثه، وينصت إليه باهتمام، ويساعده على جمع السمك ووضعه في السلة، أومراقبة شبكة الصيد وهي في مياه النهر، لأن "أبا الفانوس" كان الوحيد الذي يحمل للفلاقي الطعام، ويقتسم معه سجائره وقهوته، وأحيانا كثيرة يجود عليه ببعض الأسماك لكي يجعل منها وجبة غذائه أو عشائه..عندما طال انتظار الفلاقي ويئس من ظهور" أبو الفانوس" وفتك به الجوع .انسل كعادته إلى ضيعة ولد الحوات ونسي أن خبره قد شاع بين الكل، وتجاوز البلدة إلى البلدات المجاورة، وأن الأعين مفتوحة عليه في كل مكان بما فيها عيون الشرطة التي لا تنام..وولد الحوات أوالعرايشي جاءت به إلى ضفاف وحقول نهر اللوكس زهور بنت العتال التي ورثت عن والدها ضيعة أشبه بجنة فيحاء على الأرض، وهي مازالت في رعيان شبابها تفيض حيوية وجمالا تعرفت على ولد الحوات كما تشاء الصدف ذات مساء ممطرحزين ، وهي تركب الحافلة عائدة من المستشفى الإقليمي، بعد زيارة لوالدها المشرف على الموت نتيجة مرض لم ينفع معه علاج، تبادل أطراف الحديث أثناء الرحلة فأعجبت بأدبه، ومغامراته في البحر، واشتعل الحب في قلبيهما ونمى وترعرع مثل الأغصان المورقة المثمرة، فتعددت اللقاءات على شرفة أطلنتيك. ومن هناك عرفته على والدها الراقد بالمستشفى، كما لو أنها تريد له أن يموت، وهو مطمئن عليها. وفي المقابل عرفها حسن على أسرته بديورالحواتة، وهوحي يسكنه البحارة يقع بالقرب من ليكسوس التي شيدت على جهة اليمين من مصب نهراللوكوس من المدخل الشمالي لمدينة العرائش، بالقرب من هضبة " التشوميس" المطلة على البحر، ومصب النهر حيث موقع أنتيوس، ومعركته ضد هرقل، وحدائق الهسبريسات بتفاحها الذهبي..

كان والد حسن بحارا، ورئيس مركب للصيد، ومسؤولا عنه نيابة عن مالكه، يتمتع رغم كبر سنه ببنية قوية وقامة شامخة كأشجار النخيل، جميل الوجه والعينين تزين محياه ابتسامة لاتفارقه أبدا ، تنتابه حالة شرود كما الشعراء كلما اجتمع مع أسرته أو جالسه أحد على المائدة.. وقد ورث عنه حسن كل شيء بما فيه حب البحر، وركوب أمواجه. ومنه تعلم الشيء الكثير عن البحر، والصيد ، والمرأة التي كان يشبه جمالها، وعمقها، وتقلب أحوالها ومشاعرها بسحر البحر وتقلب أمواجه ...غير أن الشرط الذي وضعه العتال والد زهور من أجل القبول به كزوج لابنته قلب حياته رأسا على عقب. فقد طلب منه أن يترك الصيد ويهجرالبحر ويعيش مع زهور بالضيعة المطلة على النهر.

وهكذا تحول حسن من العيش في البحر إلى العيش على ضفاف نهراللوكوس معتبرا ذلك تضحية منه في سبيل الحب، ومنذ وطئت قدمه ضيعة زهور بنت العتال أصبح حسن معروفا لدى العسس، و أصحاب البساتين والضيعات خاصة خوسيه بولد الحوات العرايشي ... وخوسيه هذا راود أكثر من مرة زهور على نفسها..وكانت زهورامرأة قوية وجذابة إضافة إلى غناها ...تشتغل في الضيعة بلا رحمة ولا هوادة إلى أن حولتها إلى جنة فيحاء على الأرض.. لا تراها تضحك إلا ساعة جني الغلة. وكان الكل يضرب لها ألف حساب أكثر من زوجها .خاصة العسس ، وخوسيه الذي إذا جمعته معها الصدفة يحييها بأدب، و يطرق برأسه إلى الأرض ويشبك يديه خلف ظهره احتراما لها، وحبا لسواد عينيها كما يقول العسس، وهم يتغامزون عليه.. وعندما فشلت خططه، عرض عليها الزواج، قبل أن تتزوج بولد الحوات، وقد كانت ترد على رسله من العسس دائما بجملة واحدة قائلة :" ياك ما انقرضوا المغاربة وبقا غراسبانيولي بورقعة هذا تزوج به زهور" .

مرالفلاقي بحرص شديد بجانب صناديق النحل، وحظيرة الأبقار، واسطبل الخيول، والبئرالمغطاة بدالية العنب، وأشجار الرمان المتدلية فروعها وأغصانها على الأرض القريبة من سور القصب، والباب الخلفي للضيعة المفضي إلى أحياء المدينة، ومقبرتي النصارى واليهود ببلعباس.. وقبل أن يصل إلى أشجار البرتقال والتفاح بخطوات قليلة باغتته ضربة قوية من الخلف من عصى غليظة لإحدى العسس نزلت على كتفه كالصاعقة فسوته بالأرض .. حضرحسن ولد الحوات مع عسسه وأشبعوا الفلاقي ركلا ورفسا وسبا، وألصقوا به كل ما التهمته مؤخرا الثعابين، وسرقه العسس من الضيعة من حجل وحمام وبيض وفراخ ورمان.. وانضمت إليهم زهوركعاصفة هوجاء.. قالت بصوت مسموع وهي تقف على رأس الفلاقي: "كنا نظن أنك تبت وجننت بعد واقعة خوسيه لكنك ربما مازلت بعقلك وتحتاج مرة أخرى لمن يربيك..وسوف أحسن تربيتك وستكون آخر درس لك. لأنها سوف تكون آخرمرة تطأ فيها قدماك ضيعة بنت العتال" .

كان الفلاقي ينظر إليها، وفي عينيه حزن وغضب طفل لا يعرف لماذا يتناوب عليه الإنسان والزمان بهذه القسوة. ولماذا يصران على تعذيبه وإذلاله كل مرة، فامتزجت آلام جسده مع آلام روحه فزادته سخطا وجنونا على الكل.... وعقابا له على تجرئه وجسارته عروه من ثيابه، وكبلوا يديه، ورجليه بأسلاك صدئة، ثم لفوا عليه حبالا قوية وأنزلوه ككيس من الأكياس الثقيلة إلى قاع بئرعميقة ، شديدة الظلمة والبرودة. حيث تقبع الثعابين، وتعيش الضفادع، والحشرات. ظل الفلاقي مكبلا عاريا تصطك أسنانه من البرد والخوف من ظلمة البئر. يزيده رعبا وخوفا احتكاك جلد الثعابين والضفادع بجسمه ... تجمدت أطراف يديه، ورجليه وبدأ يغيب عن الوعي شيئا فشيئا، فتراءت له الخيول تركض في النهرجامحة، تظللها أسراب طيور بألوان، وأحجام مختلفة، وخلفها عيشة تعدو، وتمرح كطفلة، وهو ينادي عليها بصوت خفيض متقطع منكسر " عيشة.. ع.. ي.. شة.. عي...شة." فسمعت صوته فمدت له يدها، وهي تقول له ضاحكة والريح تعبث بخصلات شعرها من فرط الهوى: " أنا منك وأنت مني فلا تخف من النار، ولا من الماء، ولا من جنوني. فأنا الناروالجنون ، ومنك الماء يفيض علي كالنهر، وينتشر.فأرتوي منه وأغتسل" فهم بها وهمت به، ومن عشقها له ضمته إلى صدرها فانتشر الدفء في أوصاله واشتعل البئرنارا متوهجة فغاب الفلاقي عن الوعي كما يغيب الماء في رمال صحراء مقفرة ..ظل في مياه البئر المثلجة لليلة كاملة ..عند مساء الغد، وتحت أمطار غزيرة باردة أخرجوه ، وألقوا به على العشب المبتل بجانب النهر، محطما ومكوما على نفسه بلا حس، ولا وعي، ولا حركة.. قابضا بأسنانه على لسانه كخروف مذبوح ... وعادوا من حيث أتوا من غير إحساس أو شعور بالذنب ..صدم" أبو الفانوس" من ما رأت عيناه.. وانتابه سخط جارف كالشلال، وهو يقول مستنكرا :" لو كانوا يهودا ما فعلوا به هذا المنكر" ودعا على العسس بالجحيم والخسران.. لم يعرف "أبو الفانوس" ما الذي حدث للفلاقي. نزع بسرعة عن ظهره معطفه البني الثقيل، وغطى به الفلاقي ثم شرع في البحث عن بعض الأغصان، والقصب وجذوع الأشجار، والأشواك اليابسة التي لم يقربها المطر.. جمع كومة من الحطب وأضرم فيها النار بعود ثقابه تحت شجرة الكاليتوس الباسقة ، وقرب الفلاقي منها... ظل الفلاقي على تلك الحالة أكثر من شهر يمشي على يديه ورجليه كحيوان خرافي، ويرتجف من البرد، وانتشرت في جسمه الحمى كالنارفي الهشيم، واشتد عليه عند نزول الليل السعال الشديد، واحمروتقرح جلده، وانتفخ وجهه كأن نحلا لسعه، وظهرت عليه دمامل صغيرة يسيل منها القيح.. رق "أبو الفانوس" لحال الفلاقي فصار يطعمه، ويعالجه بالأعشاب، والمراهيم الطبية، وبعض أقراص الحبوب المضادة للتعفن إلى أن تحسنت صحته....

غضبت عيشة غضبا شديدا من ما فعله ولد الحوات بالفلاقي فألقت بزهور ذات صباح باكر في قرارة البئر، ولم يعرف أحد ما الذي حصل وكيف. وهناك من العسس من أشاع عنها بأنها انتحرت.. ولأن ولد الحوات لم يقدرعلى فراقها جن، وتشرد في شوارع العرائش، وشرد معه أبناءه بعد أن باع الضيعة برخص التراب لخوسيه، وندم ندما شديدا بعد أن بذرثمنها في شرب الخمر، ولعب القمار، والسهر في محاولة منه لنسيان كل شيء... وتداولت ألسن العسس حكايته، ووصلت إلى أهالي المدينة، ومرشدي الشرطة. فمنهم من قال: " انتقمت منه عيشة على ما فعله بزوجها الفلاقي فقتلت زوجته زهور، وجننته وشردت أولاده في الشوارع والأزقة" ومنذ ذلك الوقت لم يعد أحد يقترب من الفلاقي أو يمنعه من دخول البساتين أو يمد يده عليه مخافة أن يلقى نفس المصير الذي لقيه ولد الحوات وزوجته وأبناؤه. وتلك حكاية أخرى .

(يتبع)

***

عبدالزاق اسطيطو

 

رحيم الساعديلوحدك، تموت على ضفة من نهار مؤجل

لوحدك، تحاول ان تحدد نقطة للصراخ

وتعلم ان الزمان قصير

وبعدك لم تنجز المستحيلات التي حلمت كثيرا

ونمت على لحظة من ضوئها

انت لم تقرا كل القصائد بعد

ولم تسقط المطر المنسي بسقف خيالك

ولم تكتب الكتاب الذي

سيجعلك بمثابة ديكارت او افلاطون

ولم تعتذر لكل الذين ظلمت

انت لم تندم من خطاياك العديدة

انت لم تعتذر لتجاعيد أمك

وحزن ابيك

ولم تبك على الضحك

 الذي ضحكت طوال حياتك

لوحدك ... تحاول ان تتنفس هذا العالم

فيشح عليك

وتنسى بانك كنت تقاتل كل الوجوه لتبقى

وكنت تلفق تهم الموت ...

لبعض الناس

وتترسم لللاهين هناك ... اغبى صوت

وليس هناك ثوان لتعتذر

من الطير والشمس من الظل من الورد من النجم

من الله من الخوف ومن هذا الصباح

الذي يمر عليك ولست تراه

لوحدك تتنفس رائحة الموت

ولم تعتذر لأختك قبل ذهابك ، لكي لا تعود

ولم تعتذر لذكرى صديق غدرت

لطفل قتلت

ولم تكترث لكل اراضيك ولون نقودك

ولم تنتبه لكل حاجاتك الباقية

لكل قصاصاتك التي تحتفظ

لوحدك تنث شعورك

وتمطر على غابة ميتة

‫***

د. رحيم الساعدي

 

 

ياسين الخراسانيأشتهي اليومَ ظِلَّ الصنوبرِ.

ليس لِلَمْسِ الظِّلالِ حفيفٌ،

ولا يخْمُش الذّكرياتَ كما يفعلُ

الشّوكُ في حُمْرةِ الوردِ.

يَحمِلني.. أحملُ الضّوءَ عنهُ،

يسيرُ إلى بلْدتي في الشّتاءِ الأخيرِ.

أنا معهُ، لا أبارح ريحًا تداعبهُ.

هو في داخلي مثلَ حُب قديمٍ تَشَابكَ بالشَّعْرِ.

قلتُ أمشِّط أطرافَه بالرُّموشِ.

ولكنّ ظلَّ الصنوبرِ أعلى من الأرضِ...

كيف أعودُ إليَّ إذا طِرْتُ في نَشْوةِ الظلّ؟

 

في تُخومِ الضّياءِ أُعَرِّف نفسي على نفسِها:

لَونُها شاحبٌ من طباعِ السّماءِ،

كأن تَبزغَ الشمسُ في يومِ عيدٍ.

ولستُ طويلا ولكنّ ظِلي بطولِ الصنوبرِ،

تَسكنهُ عُقدة الإرتقاءِ. أراهُ يُحاسبني

إن أطَلْتُ المُكوثَ قريبًا من الشّمسِ:

من قال لي أنَّ أجْنِحتي من شموع وطين؟

 

وتَحْملني في الربيع نَسائمُ عِطرٍ.

أنا واحدٌ بكثيرٍ من الانزياحِ.

ضعيفٌ على وزنِ هذي الحجارةِ.

ألمُسُ أرضي بخفّة قطٍ. أزيل الغبارَ عنِ الوهمِ:

فلتكنِ اليوم مثلي،

تزور خفيفا إذا طُلب الغيمُ في كلماتِ المجازِ،

وتُلقي بنفسِك في البحر ما دامتِ الأغنياتُ

وصيفةَ لحظتنا في السعادةِ.

هل تنْزوي في شروخِ الأنا فُطرياتُ الحَكايا؟

أريدُ خروجا من النّفسِ،

في داخلي وردةٌ لم تر الضّوءَ منذ انتحار المجرّةِ.

اليومَ تترك أرض الغيابِ،

وتهجُر نرْجِسة في سهوب الحياةِ.

ستبكي طويلا فأنت ككلبٍ شريدٍ رأى عَظْمة الحُبِّ،

أو ربّما سار في عَقِبِ الكلماتِ

يحاول فتح الكتاب على صفحة الذكريات القديمةِ.

هل أنت في قُوّة العُمْرِ مثل مصارعِ وحشٍ

وحاملِ رُمحٍ؟ فسدِّدْ إلى جهة القلبِ،

تعرفه جيدا موضع الألم المُتَكَلِّسِ،

ألقِ به نحوَ ظِلّ الصنوبر، هل تعرف الظلَّ؟

أطول من عُمرنا هو أعلى من الأرضِ،

في يده يأكل الفَيْنقُ النورَ، يغسلُ

ريش الأساطير، ثم يعود إلى وَهَجٍ.

لن تنام وحيدا،

فأنتَ وديعة أمٍ لنهر البدايةِ،

أو نَمَشٌ في وجوه الطفولةِ،

أنت كجَدْي الهضاب يُعيقُك صخرُ السفوحِ

وليس لقمة رأسك خوفٌ من الإنحدارِ،

ستختارُ فَصْلكَ في مسرحيةِ هزْلٍ

فلا تكثرت للشّخوصِ،

فأنت الأمير وساقي النبيذِ،

سترقصُ خوفا من الصّمتِ:

-أنتَ إذن ضيفُنا اليوم في سنةِ الهدْمِ

أو لحظة الإنعتاقِ؟

-أنا مثلما قلتَ: أتبعُ قافلةَ الغَجَرِ الطّيبين

يُريحونَ حزن المدينةِ

في لعبة الفرح المُسْتعارِ.

-سنمضي معًا؟ قلتُ لي.

و سنحلُم بالانتشاءِ؟

أجِبني بِحَقِّ الطريق الطويلِ ...

-أجلْ، نَشْوة الظلِّ،

في دَيْرِ صفصافةٍ،

أو ظِلالِ صنوبرةٍ لا تُبالي ...

***

ياسين الخراساني

 

ياسمين العرفي الإهداء إلى ابنتي:

"جودي"


كتبْتَ الحروفَ رسمْتَ الرُّقَمْ

               أنرْتَ الطَّريقَ شحذْتَ الهممْ

وتدري حقيقةَ بوحٍ بحبرِ     

                    فسبحانَ ميْتٍ  بحيّ علمْ

بقدٍّ جميلٍ وطولٍ رشيقٍ       

                      أصالةُ صنعٍ بعيدِ القِدمْ

فمنْ جنحِ طيرٍ صنعْتَ وريشٍ  

                      تقاربَ حبركَ حدَّ اللثمْ

ومنْ شجرٍ قدْ قددْتَ ومنهُ       

                   حفظْتَ لروحِكَ كلُّ الشّيمْ

وناسٌ تبارتْ لصنعٍ بديعٍ    

                  أعادَتْ إليكَ  الَّذي قدْ هرِمْ

خططْتَ الجبالَ وأرضَ الجمالِ

                  وسطَّرْتَ حرفاً لكلّ الأممْ

تميسُ حياءً بكفِّ الحبيبِ    

                    وسحرُ عيونِكَ يأبى ينامْ

على ورقٍ قدْ شدوْتَ فنوناً   

                  تهيمُ بها الرأسُ حتَّى القدمْ

بكفِّ الأديبِ تُرقصُ قلباً

                       تقّبلُ راحاً عليماً رسمْ

تلوّى بكفّ الأنامِ انتشاءً 

                    وترفعُ سُفلاً لأعلى القممْ

وأنتَ بصغرِك للناسِ حاجٌ

                      فعندَ الولاةِ وعندَ الخدمْ

يشيخُ الزَّمانُ ووحدَكَ باقٍ 

                  صغيراً بجسمٍ كبيرَ الشَّممْ

تُعرّي خبايا النّفوسِ وتدري

                       تواريخَ عهدٍ قديمٍ رممْ

فإنْ أهملوكَ فتلك المصيبَةُ

                     سوء النَّدامةِ عقبى النّدمْ

وحسبُكَ ذكرُكَ أوَّل قولٍ

                        وأنَّ بكَ اللهَ قالَ: قسمْ

                   ***

شعر: ياسمين العرفي

 

 

مصطفى عليمن وحي قُصيدة زياد السامرّائي

(قلبي كلْبُها)


 

غدّاءَ يلْهثُ خلْفها روّاحـــا

فَرَهينُها لا يستطيعُ بَراحا

 

هُوَ ظِلُّها قَبْلَ الزوالِ وبعْدهُ

طَرَباً تَمايَلَ حوْلها وإنزاحا

 

مُتَياسِراً في الصُبحِ جَنْبَ فَراشَةٍ

لِيصيرَ مَيْمَنةُ الجَناحِ رَواحـــــا

 

عَلِقتْ عصافيرُ الرُؤى بظلالها

أَعَجِبْتَ إِنْ سَكَنَ الرُبى صَدّاحا

 

زرعتْ رُؤاهُ سِدْرةً قْدْسيّةً

ماإنْفَكَّ تحْتَ ظِلالِها فلّاحا

 

فَبِشهْقَةٍ سكرى قد إنفَرَطتْ عُرى

وَتَفايَضَ التنّورُ ثُمّ إنْساحـــــــــا

 

كَشَهيقِ ناعورِ ألفُراتِ إذا بكى

وأحالَ بادِيَةَ الرُؤى أدْواحا

 

فَنَما بِأهدابِ الخيالِ سَفَرْجَلٌ

عَبَرَ المَجازَ وعانقَ التُفّاحا

 

قد صارَ ذبّاحاً لها وَ ذبيحَهـــا

فَسقى الهوى المذْبوحَ والذبّاحا

 

إِذْ صاحَ قلْبي ، فَرْطَ عِشْقٍ، كْلْبُها

مُتَقَلِّداً معنى الوَفاءِ وِشاحـــــــــــا

 

فَتَوَشّـــحَ المَدّاحُ بُرْدَةَ مِدْحَةٍ

سَكِرَ المَديحُ وأسْكرَ المدّاحا

 

فَفُؤادُهُ كلــــــــــــبٌ وَفيٌّ للّتي

كَسَرتْ دِنانَ الروحِ والأقداحا

 

كلبٌ وفيٌّ عاشَ بينَ ضُلوعِهِ

حتى تغجّرَ هائماً سوّاحــــــا

 

لمّـــا تراءتْ في يبابِ خَريفِهِ

شَطَحَ الخريفُ مُبرْعماً قِدّاحا

 

لا تَسْتَهنْ بالشَطْحِ خلْفَ غزالَةٍ

إِنْ كُنْتَ تجْهلُ فإسْئلِ الشَطَّاحا

 

وأسْلكْ طريقَ العارفينَ مُعاقِراً

ما قد أحَلَّ حَبيبهمْ وَ أَباحـــــــا

 

وَأَدِرْ فُؤادكَ عن صغائرِها كَمَنْ

وَقَقفتْ لَهُ بِطَريقِهِ فَأَشاحــــــــــا

 

هِيَ شَطْحةٌ ، فَرْطَ التَواجدِ، باضَها

فَهَلِ إسْتراحَ بِما غَوى وَأَراحــــــا؟

 

بَلْ سَكْرةٌ صوفيّةٌ وَتَجوْهوتْ

عِنَباً كَدمْعِ العاشقينَ مُباحـــا

 

مِنْ عاشِقٍ وَخَطَ الغرامُ فُؤادَهُ

سكْرانَ مازَجَ لوعَةً وَمِزاحا

 

ياوائِدَ التأْويلَ من شَطَحاتِنا

أَوَ تَقْتُلُ التَلْميحَ واللّمّاحــــا

 

فالْــوارِداتُ سَحائِبٌ موْقوتَةٌ

حَدَّ التَشَظّي تشتهي المِقداحا

 

وَكُرومُ غيْبٍ دمعُها لا ينْتهي

ما دامَ جمْرُ غرامِنا سفّاحــــا

 

وَمِياهُ سِحْرٍ من بِحارِ غُيوبِهِ

مازالَ وابِلُ غيمِها سَحّاحـــا

 

فالْماوراءُ زَمازِمٌ سِحْريَّةٌ

ألْفيْتُهُ للقاصِدينَ مُتاحــــا

 

بازٌ يُحَلِّقُ ماوراءَ تُخومِها

مُتَأبِّطاً هذا السَديمَ جَناحا

 

فَغَدا المُقَرَّحُ من لَظى خُسْرانِهِ

قيثارةً عَزَفت (صَبا ) و جِراحا

 

تَتْرى الخَواطِرُ من دِنانِ بَوَاطِنٍ

وَعُيونِ خافِيَةٍ بَكَتْ أمْلاحـــــــا

 

وَلَهٌ فَسُكْرٌ ثُمّ كَشْفٌ بعدهُ

يرْتَجُّ طورُ كَليمِهِ ألْواحا

 

كمْ فاضَ (غارٌ) في الجِبالِ بلاغةً

قَهَرتْ مُسيْلَمةَ الخَنا و سَجاحـــــا

 

يامانِحاً شَجَرَ الخيالِ دُموعَهْ

بَقِيَ الخيالُ نَديمَكَ المَنّاحـــا

 

داويْتَ مُتّئِداً ولكـــنْ لم يَزَلْ

جَدَلُ النُهى يَتَسوَّرُ الأرْواحا

 

فَوَساوسُ الخُسْـــــرانَ تلْدغُ قلْبَهُ

وَكَمن يصارعُ في الدُجى أشْباحا

 

لمّا كَوَى قَبَسُ الحَقيقةِ روحَهُ

نَزَعَ العِقالَ تَزهُّداًد وأزاحـــا

 

هل يبْرَحُ المَجْذوبُ حِكْمَتَهُ إذا

أودى الجَوى بِوِقارِهِ و أطاحا

 

نَدَمٌ تَفَتّقَ في ضفافِ فُؤادِهِ

نَسِيَتْ تُرَتِّقُ جُرْفَهُ فَأَقاحا

 

كَدَمامِلِ الأعماقِ يَفْقَئُها الــــذي

جَرَحَ الرُؤى و تَقمَّصَ الجَرّاحا

 

وإذا شُكـــــــوكٌ لامَستْ وجْدانَهُ

نادى اليقينُ على اليقينِ وَ صاحا

 

ياموقِنينَ بصيرتي قَحَطتْ فهلْ

قَبَسٌ لديكم سادتي قد لاحـــــــا

 

صَمَتوا خُشوعاً ثُمّ غابوا في السُرى

وَسَرى بِأسْرابِ القَطــــا نَوَّاحــــــا

 

بَكَتِ السفينةُ دفَّةً مهْجورةً

وَنَعتْ هَديرَ اليَمِّ والمَلّاحا

 

يادالِياً في الماوراءِ دلاءَهُ

مُتَصيِّداً ما يُسْكِرُ المُتّاحا

 

إمْلأ دلائكَ للمُقَرّحِ خمــــرةً

مُزِجَتْ رِضاباً طيِّباً وَقَراحا

 

تَتَشَيَّصُ النخلاتُ في الاعماقِ إِنْ

لَمْ تلْقَ من ماءِ الخيالِ لَقاحــــــــا

 

في الليلِ يحْرُسُ شُرْفةً في روحِها

لم يخْشَ أمطاراً هَمَتْ وَرِياحــــــا

 

وَقُبيْلَ ديكِ الفجْرِ يطرُقُ بابَها

مُتَشوّقاً قد ضيّعَ المفْتاحـــــــا

 

لِيَشُمَّ قهْــــــــوةَ دلَّةٍ بَدَويَّةً

والهالُ ينشُرُ عطْرَهُ فَوّاحا

 

فَيَتيهُ كالطاووسُ ينفشُ ذيْلَــــهُ

وَكَمن تعاطى الروْحَ ثُمّ الراحا

 

لِيُباشِرا مَشْيَ الصباحِ سَويّةً

فَيَرى الضياءَ بِقلْبهِ مِصْباحا

 

وَلَكم رأيْتُهما يسيرانِ معـــاً

قلباً وَشاعِرَهُ الحزينَ صباحا

 

وَهُناكَ عِنْدَ الجسْرِ يرْبطُ قلْبَهُ

مَنْ ذَا سَيُخْرِسُ قلْبَهُ النبّاحا

***

مصطفى علي

 

 

عدنان الظاهرأولاً :

ما ردّتْ ..

كيفَ تردُّ وقد سَدّتْ

شُرُفاتِ البيتِ بخِرسانةِ إسمنتِ

وطَلَتْ جُدرانَ الرُدهةِ بالفحمِ سَخاما

قالتْ أرهَقَني عَرَضٌ لا أدري كيف أُداري خسراني

الصرخةُ في داري أُعجوبةُ أولادِ الشيطانِ

جاملتُ وأربيتُ على حافاتِ الأخبارِ سلاماً

ما ردّتْ ..

أصغتْ شَتَمَتْ أسنانَ الذئبِ العاوي

الفُرصةُ منها ضاعتْ

مسّدتُ ذِراعَ اللوعةِ في قبضةِ " شمشونِ الجبّارِ "

يُدلي دلوَ " دليلةَ " في مضمارِ البئرِ الهاري

لو فيكِ براءةُ ما فيها عيناً أو خدّا

قرأتْ عنوانَكِ دقّتْ سَوءةَ بابِ الظنِّ مِرارا

سألَتْها ما ردّتْ

شأنَ اللاعقِ سُمَّ الغدّةِ في نابِ الأفعى

يصلى شمسَ الحُمّى في جمرةِ نيرانِ الصيفِ

رُدّي يا هذي .. ما ردّتْ

صَفّقتُ فطارتْ ..

طارَ الوعدُ ذِراعاً مخلوعا

عانى مِنْ ثُمَّ هوى صَرْحاً جبّارا

ثانياً :

ناموسُ الإشراقِ ثقيلُ

بُشراكِ أَعيدي ما فاتكِ في عيدِ الإنشادِ

زينةُ أقواسِ النصرِ كواعبُ غيْدُ

بُشرى ترديدِ الصوتِ الراقي

أنَّ التغريدَ ملاعبُ إطلاقِ التنهيدِ

أنَّ السقفَ العالي أوطأُ من فِتْرٍ في شبْرِ

لا أرحمُ جبّارا

يتأرجحُ في أُفُقٍ مُختارٍ مُنهارِ

لولا تغريدُ الأوتارِ لما شقَّ طريقا ..

التاجُ المَلَكيُّ سَحابةُ ياقوتِ عقيقِ

الذُروةُ ماسُ جليسةِ إكليلِ العرشِ

مَلَكٌ بالصرْحِ الأمردِ يأتيها بلقيسا

أُبَهةً حوراً عينا

السندسُ في كوثرِ كأسِ الرأسِ خُمارُ

مِصرٌ تأبى والحَضْرَةُ والنيلُ

ناداها " جبريلُ " وجبّرَ كَسْرَ التأويلِ.

***

عدنان الظاهر

تموز 2020

 

 

 

صالح موسى الطائيالفجرُ يفوحُ بعينيك َ

مختصرا ً كلَّ الحياة ْ

يا ناقرَ حَلمات ِ البراعم ِ

بالحُبّ والرعشات ْ

 

يلتفّ ُ عليكَ الغصنُ حبيبا ً

فيُزهرُ قِدّاحا ً وأمانْ

ويُلفْلفُني الشوق ُ

بمليون ليل ٍ

وألف ِ سؤالْ

 

فاقتربْ وتعالَ نُجرّب

هذا العبث الكوني

لكَ قلبي زادٌ وماء ْ

كُن ْ صاحبي ونديمي

 

لا تَخَفْ

غرّدْ في البلدان النوويّة ِ

أسْمـِعْهُمْ أنفاسَ الوردة ِ

وهْيَ تسيلُ

دموعا ً وجَمال ْ

 

غـَنِّ لي

فأنا الحَيُّ الميّتْ

زَقزق ْ واقرأ ْ لي

من سُوَر ِ الحُبِّ

آيات ٍ طوالْ

فالتاريخُ بدون شفاهْ

والعصافيرُ...

قد نقشَتْ بمناقيرها

حُلـُمَ الأرض ِ

فوق انبثاق الغصون ْ

 

زَقزق ْ في الأزقـّة ِ والعَتَبات ْ

فالشوارعُ تأكلُ بالعابرين ْ

عنكبوتُ الدنيا يتناسلُ

في أخوةِ يوسُفَ

 

الروحُ متسخة ٌ جدّاً

بدُخان ِ الحَيرةِ والأفكارْ

مطرٌ يغمرني حين أراك َ

وروحي تتقرفصُ

تحت جَناحيك َ

كي تحلـُمَ فيك َ

فخذني بعيدا ً...بعيدا ً

عن خيط ِ دم ٍ

يتأرجحُ بين القُطبين ْ

وانشرْ ريشاتِكَ راياتٍ

ودُستورا ً جديدا ً للعشاقْ

فالطفلُ النفطيُّ

ما زال يتيما ً

يرفسُ في الطين ِ

بلا نهرين ْ

منتظرا ً منك َ

قمحا ً وماءً

وضوء ً وسلامْ

***

شعر صالح الطائي

 

 

 

احمد الحليها أنتِ إذن

قررتِ الإبتعادَ

فليسَ أمامي من خِيارٍ

سوى ان أتوارى وأنكفيءَ

حتى أستعيدَ جذوتي

 

قِيلَ لي: يتوجّبُ عليكَ

لكي تصِلَ إليها

أن تحوزَ واحداً

من هذهِ الأشياءِ،

عِرقَ القُنفذِ أو نابَ الذئبِ

أو عظمةَ الهدهدِ .

قلتُ: إذن سأضيع .

 

يُخَيَّلُ إليَّ أنّ صُدودَكِ

لا ينتمي لكائنٍ بَشَريٍّ

وإنّما لمُفترِسات

 

يُهروِلُ الصَهيلُ

في الحُقولْ

كالنارِ في الهَشيمْ

 

تُشيرينَ بإصبَعِكِ

إلى ريشةٍ

فتصيرُ طائر

 

حَرفاً حَرفاً

وكلمةً كلمةً

يَكتبني حُضورُكِ

على سبّورةٍ

حتى تأتيَ مِمحاةُ غيابِكِ

فيتبَدّدُ كلُّ شيء

 

كلُّ ينابيعِ الأرضِ

لن تروي ظمأي

مثلما تفعلُ شفتاكِ

***

أحمد الحلي

 

 

صحيفة المثقففي لحظات حنين لماضٍ عشناه نشعر بحاجة لاسترداد بعض الأحداث التي علقت في الذاكرة وأبى الذهن أن يمحو ملامحها. علقت وتعلّقت بأهداب يوميات الراهن رغم سقوطها في بئر عميق شحيح المياه كريم الحجر، إنه الزمان. ورغم ذلك أيضا فإن تيار الزمن يعود بنا إلى تلك اللحظات وكأنها ومضات تذكّرنا بجميل عصر عشناه لا يمكن حتى أن نماثله براهنية عصر نعيشه.

وفي لحظات استرخاء الذهن نعود بمشاعرنا إلى تلك التجربة التي عادة ما توّثقها براءة عمر الطفولة فترسم في ثغورنا ابتسامة تغزو المحيى وتستفرد بالذات عما يحيط بها.

كنت تلميذة في الطور المتوّسط وكان يجلس إلى جانبي في الطاولة تلميذ تعمّدت أستاذة الفرنسية دون غيرها أن تجلس التلاميذ ذوي المستويات الضعيفة إلى جانب التلاميذ النجباء، وكان ذلك التلميذ من نصيبي شاركني طاولتي وفرّقني عن صديقتي وقد كنت أنزعج لذلك. كنت أحب حصة مادة الفرنسية وأستاذتها إلا أنني كنت أمتعظ لفكرة أن يفرض عليك جليسك.

لم يكن لذلك التلميذ أي حضور بالنسبة لي ولا حتى هو كان يتوجس من جلوسه إلى جانبي، لم يتجرّأ يوما على الحديث معي. لقد كنت نجيبة القسم وزعيمته وصارمة مع الأولاد حد الإقصاء.

ولكن يوما من أيّام حصّص الفرنسية، كانت الأستاذة تأمرنا بإحضار اللوحات التي نكتب عليها بالطباشير في حصة النحو والصرف، وكانت تعاقب بالضرب كل من ينسى لوحته أو يخطئ في الإجابة. لم أنتبه أنني قد نسيت اللوحة وما إن طلبت الأستاذة من التلاميذ إخراج لوحاتهم حتى تملّكتني حمى جعلتني أشعر بتوهج وحرارة في وجهي وكنت أتصّبب عرقا.

يا إلهي لقد نسّيت اللّوحة ستضربني الأستاذة، أي حرج أمام التلاميذ وأنا زعيمتهم وكليمتهم، القول قولي والفعل فعلي، ماذا أفعل الآن؟ ثم كيف يمكن لأستاذتي المحبّبة أن تضربني؟ إنه حرج بالنسبة لي ولها أيضا. أعرف أنها لو ضربتني سوف تضربني  وهي منزعجة، كيف أخرج من هذا المأزق؟

جليسي ذلك الذي كنت لا أشعر به، أصبح حضوره يتراءى. لأول مرة نظر إلي وقال لي: هل نسيّتِ لوحتك؟ أجبته مستغربة ومتهكّمة نعم وبعد ماذا هناك؟ قال: يمكن أن نعقد اتفاقا بيننا إن وافقتِ. أي عهد أو عقد أو اتفاق قد يربط بيننا؟ لم آخذ كلامه على محمّل الجد، ثم قلت في نفسي لن أخسر شيء إن استمعت له، أنا في كل الأحوال سأُضرب أمام الجميع. قلت ما اقتراحك؟ قال أعطيكِ لوحتي وأضرب مكانك على أن تعطيني الإجابة عن كل سؤال تطرحه الأستاذة؟ توقفت برهنة ودونما تفكير قلت له اتفقنا، لم أصدق أنني تخلّصت من إمكانية الضرب، لم يكن يهّمنِ ألم الضرب كما الشعور بالإحراج.

وحقا قال للأستاذة لقد نسّيت لوحتي وصعد المنصة مع الذين وقعوا في فخ النسيان، وأخذت تضربهم الواحد تلوى الآخر وأنا أنظر، ولكن ذلك التلميذ الذي لم أكن أهتم لأمره كان كلما ضربته الأستاذة كلما شعرت أنا بالألم، حينها قلت ليتني لم أوافقه في اقتراحه، أنا في كل الأحوال لم أكن أخفي عليه لوحتي وإجابتي، ولكنني أيضا لم أكن أكشفها له.

عاد ذلك التلميذ إلى مكانه وجلس إلى جانبي، شعرت بالذنب وأنبّني ضميري قلت له هل تألمت؟ أجابني بنبرة رجولية غير مبالية: طبعا لا. ثم أردف يسأل ستطلعيني على الإجابات، قلت له نعم لا تقلق وهكذا أرّد ديني. حينها كان يكتب على غلاف دفتر له ويرفعه بكل ثقة وبلا خوف. أدركت أنه تلميذ ذكي، لقد ضرب مرّة وتجنّب الضرب عدّة مرات التي كان سيخطئ فيها الإجابة، في عرفنا نقول" ضرب ساعة ولا كل ساعة". عندها شعرت بارتياح كبير وإذا به يقول لي: في كل مرة تنسّين فيها لوحتك تذكري أني موجود. تبسمت وقلت له حسنا هذه لن أنساها.

وبعد سنين عديدة مرت التقيت صدفة مع ذلك التلميذ، اليوم أصبح رجلا ناضجا كان يمسك بيد طفل يحمل على ظهره محفظة، إنه ابنه. نظر إلي وسألني عن أحوالي، تبادلنا أطراف الحديث ثم افترقنا، حينها قلت في قرارة نفسي ماذا لو أني أخبرت ذلك التلميذ الصغير كيف كان والده وهو تلميذ؟

بينما اليوم هو يمسك بيده متوّجها به إلى المدرسة لعله يفهم ما لم يفهمه والده ويتجنب نفس مصيره. قلت ذلك في نفسي وأكملت طريقي، وإذا بي ألتقي أيضا وصدفة بصديقة الطفولة، لكن هذه المرة صديقة الطور الابتدائي، على ما يبدو أنه يوم الالتقاء بالأصدقاء. لقد كانت صدفة جميلة وربّ صدفة خير من ألف ميعاد.

التقيت بصديقتي وكانت أيضا مع ابنتها عند موقف الحافلات وقد كنت أنا أيضا متوّجهة إلى هناك. وكم كانت فرحتها وفرحتي بلقيانا، في تلك المدة التي انتظرنا فيها الحافلة اختصرنا عمرا من الذكريات قد مضى. ثم حولت نظري لابنتها التي قبّلتها وسألتها عن مستواها الدراسي وعن كفاءتها، فقالت لها أنظري هذه صديقتي كنت أدرس معها هي أكملت دراستها ونجحت، وأنا أنظري لحالي، واسترسلت تشكو حالها وسوء أحوالها، ثم قالت لها كوني مثلها واهتمي بدراستك فرق كبير بيني وبينها.

هنا تدخلت مقاطعة إياها وعرضت عليها مقايضة كتلك التي عرضها علي زميل اللوحة والضربة. قلت لها ما رأيك أن نتبادل المهام والمسؤوليات أعطيك محفظتي بمشاغلها وامتيازاتها وتعطيني ابنتك بمشاكلها ومستلزماتها. نظرت إلي ودون تفكير قالت طبعا لا وضمّت إليها ابنتها. حينها قلت لها: عليك بالرضا بما عندك لأنها نعمة إن نظر إليها فاقدها حسدك عليها. فهمت قصدي وأطرقت رأسها وقالت لي: صح عندك الحق الحمد لله.

المسكينة شعرت بالشفقة عليها، ولا أدري من المسكين حقا هي وصاحب اللوحة أم أنا، عدت وقلت في نفسي هل علي أن أجبر بخاطرها، نعم علي ذلك، عندها قلت لها: أسأل الله أن تكون ابنتك أحسن مني ومنك. في تلك اللحظة رفعت رأسها ونظرت للسماء متوّسلة وقالت: آمين، آمين.

ابتسمت هي ورضيت وفرحت أنا ثم وكأنني استفقت من حلم، يا إلهي لقد تأخرت على العمل والحافلة لم تأت بعد، قلت لها لنذهب في سيارة أجرة قالت لا لست مستعجلة سأنتظر. ذهبت لحال سبيلي وتركتها تنتظر وأنا ما كنت أبدا أحب الانتظار لولا وجودها هناك الذي سلبني شعوري وإدراكي بالوقت ولأول مرة شعرت أن في الانتظار انتصار..

 

د. أمينة بن عودة -  جامعة معسكر

الجزائر

 

 

جميل حسين الساعديقالت صحبت َ العشْــق َقُلْــ         ــتُ وفيهِ يوما ً مُنتهــايْ

فصــــلاةُ عشقي لنْ يكـــو     نَ وضوؤها إلاّ دمـــايْ(1)

أُمْنيّتــــــي يــا نجمتــــــــي         أنْ تسمعي يوما ً نِـــدايْ

أنْ تتركي الفلك َ البعيــــــــ         ــد َ وتنزلـي حتّى سمايْ

ما عادَ لي وطـــن ٌ أحـــثُّ إليـــــه ِــ مُشتــــاقا ًــ خُطــــايْ

مــا عاد َ لِيْ وطــن ٌ ســوى       عينيـــك ِ أُنبئه ُ أســــايْ

في غربتي انطفـــأتْ قنــــا         ديلي أعيدي لي ضحايْ

مــا مِنْ حبيــب ٍ قبْل َ هــــ         ـــذا اليوم ِ تحضنه ُ يدايْ

لا تسأليني مــــن أنـــــــا         فـــي أيّ أرض ِ مُبتــــدايْ

مــا معدنــي ما ملّــــــتي         ما وجْهــتي ما مُبتغـــــايْ

أنا نسمة ٌ جذلــى أظـــــــــلُّ كمـــا أنـــا ....هـــذا مُنـــــايْ

أنــا مُنْـــذ ُ بـدْء ِ ولادتي           الحبُّ يسكنُ فـي حشــايْ

مَنْ يُصْغ ِ لِي يومـا ً يَقُــلْ       قَـدْ أُنزِلَتْ للعِشْـق ِ آيْ (2)

كمْ مرّة ٍ أصبحْت ُ كهْــــ       ــلا ً ثُم َّ عدْت ُ إلى صبايْ

كمْ مرّة ٍ قـدْ مُـتُّ في الــ         ــدنيـــا وأحيــاني هـــوايْ

بين َ الورود ِ وِلدْت ُ مِــنْ       نسْــــل ِ البنفسْــج ِ والـدايْ

إنْ تعجبي مِنْ سحْر ِشعْـ     ــري في سروري أوْ شجايْ

هو َ مِنْ لِسـان ِ الغيب ِ لمْ     يَصْــدَحْ بـه ِ أحــد ٌ ســوايْ

لمّـــا نطقــْتُ به ِ سَـرَتْ       أنغــــــامُـــــه ُ في كلّ نايْ

وترددتْ أصــــــداؤه ُ           حتّــــى المجرّة ِ يـــا مُنايْ

إنّــي أحبّــــك ِ مُرْغَمــــا ً           وإليـك ِ تدفعُني خُطايْ

انــا بانتظارك ِ أنْ تقـــو          ليـها ... أتيتُـــك َ يا فتايْ

                           ***

جميل حسين الساعدي

......................

(1) في البيت تلميح الى قول الحلاج وهو على الصليب.. .

ركعتان في العشق لا يصحّ وضوؤهما إلاّ بالدم

(2) آي جمع آية والآية: العلامة 

 

 

صحيفة المثقفللشاعر التشيكي : بتر بتشيجك

ترجمة: حسين السوداني

Špěrky z oblázků

حلي من حصى

- 1 -

Dva otazníky

bělostný krk labutě

v zrcadle řeky

علامتا إستفهام

عنق البجعة الناصع البياض

في مرآة النهر

- 2 -

Chvění listí stromů

mezi kousky nebe

křídla kořenů

حفيف أوراق الأشجار

بين قطع السماء

أجنحة الجذور

- 3 -

Stačí jen vánek

a phone se i skála

v zrcadle řeky

يكفي النسيم فقط

ليحرك الصخرة أيضا

في مرآة النهر

- 4 -

Vše je naopak

listí padá k oblakům

vidím to v řece

كل شيء بالمقلوب

الأوراق تسقط على الغيوم

أرى ذلك في النهر

- 5 -

Oslepen třpytem

míjím zcela lhostejně

krásu temnoty

معميا ببريق باهر

أتخطى غير مكترثا

جمال العتمة

- 6 -

Na špičce stromu

sedí racek - tak lehkost

od země k nebi !

على قمة الشجرة

يجلس نورس - هكذا خفة

! من الأرض حتى السماء

- 7 -

Nebe je pyšné

celý den se  prohlíží

v hladině řeky

السماء بفخر

تنظر طول النهار

في سطح النهر

- 8 -

Zdánlivě ztuhlá

pod zasněženým ledem

dál řeka teče

تجمدت بجلاء

تحت الجليد  المغطى بالثلج

مازال النهر يجري

- 9 -

Tak tiše rampouch

jen po kapkách přiznává

že ledy tají

صامتة هكذا الجليدية المتدلية

تعترف قطرة قطرة

أن الجليد يذوب

- 10 -

Na modrý rybník

přiletěly labutě

bílé obláčky

حطت البجعات

على بركة السمك الزرقاء

سحب بيضاء

- 11 -

Šedá volavka

Na horizontu vody

stojící hůlka

مالك الحزين الرمادي

على أفق الماء

عصا واقفة

- 12 -

Tak čisté nebe

i zemi zametl vítr

uklizeno

هكذا سماء نظيفة

الريح أيضا كنست الأرض

إنتهى التنظيف

- 13 -

V nebi před bouří

biče blesků práskají

čehy nebo hot ?

في السماء قبل العاصفة الرعدية

أسواط البروق تطقطق

ذات الشمال أم ذات اليمين ؟

- 14 -

Paprsky slunce

v mrazu vykřesávají

jiskry na sněhu

أشعة الشمس

تقدح شرارات في الصقيع

وتسقطها على الثلج

- 15 -

Halenka noci

přehozená přes krajinu

jaký striptýz po ránu !

ثوب الليل الفضفاض

ملقى على منظر الريف الطبيعي

! يا له من تعري في الصباح

- 16 -

Nad řekou vážka

odnese obraz z hladiny

proud nebo křídla?

يعسوب فوق النهر

يبعد صورة عن سطح الماء

التيار أم الأجنحة ؟

- 17 -

Slunce zakryly

nebem letící mraky

I můj stín mizí

سحب طائرة في السماء

غطت الشمس

حتى ظلي إختفى

- 18 -

Obloha bliká

ale blesky jsou němé

vzdálená bouře

السماء تومض

لكن البروق خرساء

عاصفة رعدية بعيدة

- 19 -

Je letní ráno

hvězdy spadly do trávy

svítí v kapkách rosy

صباح صيفي

النجوم سقطت على العشب

تضيء في قطرات الندى

- 20 -

Průzračná voda

na dně horské bystřiny

šperky z oblázků

ماء رقراق

في قعر جداول الماء الجبلية

حلي من حصى

***

 

غانم العناز (80 عاما)

سـهـرتُ  وادع  الــقــلــب ِ

                أنـاجـي  الـعـمـر عن  قربِ

رأيـت  ما  مـضى  مـنــي

               شــريـطاً  إقــتــفـى  دربــي

سـنـيــن ٌ حـلــوة ٌ مـــرت

                سـريـعــاً سـهـلـة  الـجـنــب

وأخـرى  صعـبـة ٌ  نـاءت

                بـثــقــلٍ عـجّـلـت  شــيــبـي

           ***

فـلمـا  كـنـت ُ في فـجـري

               رضـعــت ُ مـنـبــع َ الـحــب

حناناً  يسري  في روحي

               وديــنـا ً  قــرّ  في  قــلــبــي

            ***

فلما  صرت  في  صبحي

                مـزجـت  الـجــد  بـالـلـعـب

فــمــا  كـان  لــيَ  هــــمٌ

              ولـم  أشـــك ُ مـن  الــكــرب

أزور  دجـلـة  الـجــذلـى

              أحـيـي  مــاءهـــا  الــعـــذب

تـلاقـيـنــي  بــتــرحــاب ٍ

               بـوجـهٍ مـشـــرق ٍ  يــسـبــي

أعــوم  فـيـهـا  نـشــوانـا

               كأني  في  الـفـضا  الـرحـب

أعــود  بـعــدهــا  أشــدو

                بــقـلــب ٍ دائـــم   الــوثـــب

             ***

فلما  قـمـت ُ في  ظهـري

              زرعت  السهل  في  الصعب

خـبـرت  أوجـه  الـدهــر

              وذقـت  الـكـأس  كـالـقــعــب

فما  خـفـت  من  الـهــولِ

              ولم  أهـرب  من  الـخــطــب

ومـا  كـل ّ  لــيَ  عـــزم ٌ

              ولا  قـصّـرت  فـي  الــــدأب

ولـجـت  أبحـر  الـعـشـق ِ

              وجــبــت   جــنــة   الــحــب

شـربـت  فـيـهـا  أقـداحاً

              فـمــا   أحــلاه  مـن  شـــرب

            ***

وعم ّ السعد  في عصري

               وفـاض  الـحقـل  بالـخـصب

بـــأولادٍ   وأحــــفـــــاد ٍ

               وخـــلان ٍ  بـــلا  عــــيــــب

فلم  أبـخـل  بـمـعــروف ٍ

               ولم  أخـرج  عن  الــركـــب

          ***

أراني  اليوم  في  شيـبي

               ســعــيـد  الـقــلــب  والـلــب

أقــوم  مـصـبـحـا ً أدعـو

               وأمـسـي  شـاكـــرا ً  ربـــي

أحب  المشيَ  في  الحقل ِ

               وحـيـدا ً أو  مـع  صـحـبــي

أزور  الـغـاب  أحــيـانــاً

               فـأغـفـو  فـوق  ذا  الـعـشـب

فـيشـدو  صوت  عصفور ٍ

                بـلـحـن  الـعـاشـق  الـصّـب

يـفـيـض  عـندهـا  قـلـبـي

                بـما  أخـفـيــه ِ في  جـنــبـي

فـما  أحـلاها  من  ذكـرى

               ومـا  أهــنــاه  مــن  قــلــب

فــتــلـكــم  أنــعــــم   الله

               لمن  يـخـشاه  في  الـغــيــب

           ***

غـانـم  الـعــنّــاز

واتفورد  -  ضواحي  لندن

أيار/ مايو  2017

 

 

عبد اللطيف رعريأنا رجلٌ من تراب

من رمادِ

الغاباتِ

من وحلِ القُبورِ.

.من خَليطِ الماءِ والزعفرانِ ...

أردُّ لكلماتِي اعتبارًا واحدًا أنْ تحيى

حينَ أموتُ.....

 لا  استثناءَ فِي حياتِي

غيرَ أنِّي أعشقُ جُنونِي

لا أمدُّ يدي لسَرابٍ

قد  يُحرقهَا

أو لعَدميٍّ قد يعضُّها

أنا حينَ أطلبُ

 مُهلة للّتأملِ

 فِعلًا

لأغيّر سنًواتِي ..

لا بِكسرةِ خُبزٍ

بلْ

 بكلمة طرَّزتها المَعانِي

قبلَ حلُولِي ضَيفًا على أهل الكتابِ ..

رجُلٌ ...

قطعة مِن ترابٍ

مِن حديدٍ

 مِن معدنٍ أصِيلٍ

أطأ عالمَ الطفيلياتِ بقدَمٍ دامِيةٍ

فأدمّرُ من حَولي طاعُونا يُولدُ

فَضَاعة  تتكونُ..

فأخلعُ اليُتم عن وجودٍ

 مُقلقٍ

وجُود بلغزٍ شَيطانِي

 دِيمُونيَاكْ.....

رجلٌ

 حينَ أعلنتُ منذُ زمنٍ

أنَّ النَّملَ

مَصدَر مفْهومِ التكتّلِ..

 أغْلُومِيغَاسْيُونِيلْ...

وأغنياتِي عن الحبِ

عن الجَمالِ

عن الشجرِ

عن الأرضِ

فرْصة لأعرٍّي صدرِي للقذائفِ

فهلْ تحفظُ ابتسامتك عمِّي شيخ إمام

 ماءَ الوجهِ

حتّى ينفجرُ الوضْع.

."فيدو شمعة"

"البقرة حلوب"

"يا عبد الودود"

وهل لازال بوجهك نقطة دم

أصيلة

كأصلك ديفا العصُور سيِّدتي فيروز

لنعبرَ الجِسر معًا ...

"القدْس لنا" ..

."حبيتك تنسيت النوم"

"سلم لي عليه"

وهل حجتك قوية سيّد كارل

 أنّ المال في يد فاسدٍ

 قنبلة...

انا رجلُ من صلصالٍ

 ونفحُ الرُوحِ ألاهيٌّ

 بفعلِ القداسة ِ

والرُبوبية ....

وليسَ بوحْمِ أمٍّ سَالَ لُعابُهَا على فاكهةٍ لم يتم نضْجهَا

رجلُ كرجالات بلادي

 لسنا شُخوص لأرواحٍ في السَّماء

 قيدَ البقاءِ

نحنُ فقط بحجمِ أنفُسنَا

بحَجمِ الفَيضِ فِينا

 رجلُ لما طرقَ أرض الله..

بمشيئة الله..

أصرّ على حلمٍ يطول

 أن يغرِي الكائنات بيدٍ مطلية بالحناءِ

 إن لم تسلم تقطع

 وعينٌ

 ترَى

البُعد

 فلا تدمعُ...

 وقلبٌ يرَى الجَمالَ فيتخشعُ

هل

 تذكُريني يا بدوية في عمقِ الصحراء

 حين أخلطُ التبن بالرمادِ

واصنعُ الاهًا

 لي

والاهًا  لكِ

 والشَّمسُ تسخرُ منِّي

و الرِّيحُ تضحكُ للعاصفةِ

ونحن نغْرقُ فِي القُبلِ..

وأنتِ فِي كلِّ مكانٍ..

هل

 لَديكِ غيرِي

 يُثقنُ

 فُنونَ القَولِ سيّدة  مَاتالِيرْدَا

 لتصِيرِي شَاعِرَة

 تغْزِلُ الكلامَ حينَ تصْمُتُ الجَداتُ ..؟

هل

في طَريقِك أرْصفة

 بَعثَرها الظَّلُ

 لتُمسِكِي خَيطكِ مِن بينِ الخيُوطِ

للنَّجاةِ...؟

هل

في

قاموس الأسماء

 اسمًا

يُدخلكَ الى قلبِ امرأة بدلَ من    

"كُولِيطرُوسْ الأعمَى

 نسبة لأبيك..؟..

رجلٌ عُيونَه قصِيدة

 في طُرقاتِ الوطنِ

 ينتظرُ سقُوط َ تمثالٍ

محَتْ الثورَة تارِيخَه الغَادرِ

ينتظر هفوة

الأبُ

الرُوحي

 للأجيالِ

"أبو الانوار"

 ينتظرُ غمضَ العينِ

ليتسلل الى باحةِ الانتظارِ

 في

غَفلةٍ من سكرتيرة القاضِي...

رجلٌ يقِرُّ بصحبةِ الأمراءِ

 ليُعزِّز نبُوءة القَصيدةِ

 بِصحبةِ المجَانِين

 ليحْميها من كَيدِ الكائِدينَ

 فِي

 عزِّ

 الانتفاضَةِ.......

 ***

بقلب عبد اللطيف رعري مونتبولي/ فرنسا

 

مصطفى ساهي كلشيُقسّمُ الموتُ ألحاناً على وترٍ

          عند الفراقِ على طولِ المسافاتِ

(بغدادُ) والحزنُ مَشدودٌ على قدمي

          يزدادُ يزدادُ في بُعدي وخطواتي

هل تَنكُرينَ مُحبّاً جَاءَ مُتّشحاً

          ثوبَ الغيومِ وأسرابَ اعترافاتِ؟

أَم تحمليه إلى صدرِ النخيلِ لكي

              يُعمدَّ القلبَ في ماءِ المؤاساةِ؟

(بغدادُ) فالقلبُ قد حانتْ قيامتهُ

        كيف الرجوعُ أيا وجهَ السَّمَاوَاتِ؟

أُغلّقُ الروحَ بالآمالِ أُقنعها

          وأرسمُ الفجرَ في لونِ المجازاتِ

الصبرُ يمشي ولكن مشيَ تأتأةٍ

          كعثرةِ الساقِ في مشيِ الجنازاتِ

(بغدادُ) أُقسمُ بالشمسِ التي رقصت

         في ماءِ (دجلتنا) رقصَ الفراشاتِ

مزروعةٌ أنتِ في قلبي وفي رئتي

 تمشينَ تمشينَ في (حمضي) و(جيناتي)

**

الْيَوْمَ عُدتُ أيا (بغدادَ) مُنكسراً

       أطوي الضلوعَ على شكلِ العناقاتِ

أتيتُ للدارِ كي أشكو الفراقَ لها

              أتيتُ أحملُ أوجاعي وخيباتي

حتى رأيتُكِ عيناً قد تملّكها

                  دمعٌ يُشاطرهُ يأسُ المناداةِ

فَانسَلَّ من رحمِ الأشواق ما حفظتْ

      روحي من الدمعِ في وهمِ ابتساماتي

ورحتُ أسألُ عن نفسي التي بقيت

         بين الضفافِ وأحضانِ المساءاتِ

فما وجدتُ من الذكرى سوى ألمي

     يمشي الهوينى على جُرحِ انتظاراتي

(بغدادُ) (بغدادُ) أرجو منكِ مغفرةً

             إني عثرتُ بأحجارِ الفراغاتِ

لا أهلَ لا صحبَ يا عمري ولا وطناً

       إلا صدى الصمتِ موصولاً بأناتي

أينَ الليالي التي بالشعرِ أجعلُها

      مثل الشموعِ على صوتِ الكمنجاتِ

آمنتُ بالشعرِ لي أُنثَى يُعوضُني

        عن كُلِ أُنثَى وعن جرحِ الخياناتِ

لم ألقَ غيركِ يا (بغدادُ) عاشقةً

         تَستعذبُ الحُبَ في رحمِ العذاباتِ

لا ترمقيني بنظراتِ العتابِ إذا

             مناجلُ الدمعِ لم تَحصدْ ملذاتي

فللدموعِ كما لِلناسِ فلسفةٌ

           تُأوّلُ الحُزنَ من لونِ الجراحاتِ

لا تَعذُلي النايَ إن غنّى بِعُزلتهِ

          فدمعةُ النايِ في صوتِ المقاماتِ

حُزني على الماءِ يبكي دونَ معرفةٍ -

                      منا فنرجمهُ باللامبالاةِ

الدمعُ ماءٌ ودمعُ الماءِ نفهمهُ

             عند الكآبةِ في سجنِ البحيراتِ

ما كُنتُ أكشفُ أحزاني على ملأٍ

               لكنما الدمعُ قد خطَّ العباراتِ

بعضُ القصائدِ عند الشوقِ نَكتبها

                والبعضُ تكتبُنا عِنْدَ المُعاناةِ

***

مصطفى ساهي كلش