عبد الناصر الجوهريمَنْ يَفْرُقُ عنّا موج البحْر؟

فقبْلتُنا الأُولى تتحصَّنُ فيها "خيْبرُ"

قد سبقتْها

كُهَّانُ "مُسيْلمة الكذَّابْ"

لا داعي لخروج الأحزابْ

فكتابي المُتدلِّي من أسْتار "الكعْبةِ "..

مذْ أكلتْهُ الأَرَضَةُ ؛

فالشِّعْرُ استنبط ما في بطن "قُريْش"

مِنْ أنسابْ

فوجدنا عند العودة ألويةُ النصر مُمزَّقةً

فوق سواحل "قُرطبة" المعْشوقة

في إلهام الكُتَّابْ

إبلُ الصَّدقات إذا غضبتْ تُـسْمِعُ فى أكْباد الأمصار..

حُدَاءَ الأعرابْ

اختلف الفُقهاءْ

واختلف الشُّعراءْ

هل قرْطكِ ضاع على ناصية البصَّاصينْ؟

والآن تضيقُ زوايا الواشينْ

والفجوةُ شاسعةٌ عندكِ في متن حضارتهمْ

لكنْ عند حضوري

فغياب بغيابْ

أيُّ الأوصافِ تريدين قراءتها

فوق ضريح هُويَّتنا

قبل نزوح الخَلجَات إلى غورٍ قَحْلٍ،

وسرابْ؟

فالدَّمعُ تحجَّر في عينيك الباردتين ..

إن الليلةَ عُرْس بناتِ العمِّ ،

فراشاتُ حُقول البرسيم اشتقْنَ إليكِ ..

قُبّيلَ موات ضفائرِكِ على بهو الترعةِ..

دون خضابْ

من يَفرُق عنّا البحرَ ...؟

توهب أوْرادُ " نفًّرِي " الحسِّ الصُّوفىِّ..

ولا تُكتسبُ الحضرةُ؛

إلا لو تُخْطفُ فى خلوته الألبابْ

فمواقفه ليستْ ذاتًا فى نثركِ..

تُنْسج من قبل الأضدادْ

كيف اتسعتْ للرؤيةِ سلْخ لغاتى

من أخبركِ..اليوم

بأن " نفّرِى" الحضْرةِ..

شاعرْ؟

أو أنَّ مُؤْلفهُ السلف الشَّرعىّ.. لنثْريتكِ الولهانةِ..

فىْ ثائرْ؟

إنَّ غبارَ القريةِ يألفُ فيك ِ العودةَ ..

للأحبابْ

والصبحُ الراكضُ بجوار المنزل..

يرقبُ سرْبكِ قبل رجوع الصيفْ

في صحبةِ أنَّاتِ قصائدنا الغزليَّةِ ..

أمَّا شمسُ سواقينا المهجورة ..

تشتاق قدومكِ من بين الغابْ

من أخبركِ اليوم

بأن قطيعتنا نصف مسافات العُزلةِ ..

فالرَّقصُ.. على قبر مُعلَّقتى لا يُرضى أتباعكِ..

من غلمان الأعرابْ

فالقرويُّون على أعتاب ممرٍّ لا يصْلحُ

إلا ذاكرةً لتراثى

لا يمْتشقون سيوفَ الرِّدّة ..

والتَّصريعُ الباسقُ منْفيٌّ ،

والنَّفىُ عقابْ

ما كانت .. تُرْهبَ أجسادٌ

تحترف المشيَ على أسلاكِ التفكيكِ ..

ونصُّ براءتها؛

سيفْلتُ منْ سلفيَّة فتْواكِ،

ومصْطلحات الإرهابْ

"فالطَّهطاويُّ " صَعيْدىٌّ سافر من قبل لـــ"باريسَ"

ولم يثأرْ من غُربتهِ،

لم يتبرأْ من أروقةِ "الأزهر"،

لم يخجلْ من عامود أصالته

أو من نظرياتِ الإعرابْ

مِنْ يخبر كُهَّان حداثتنا

أن التنظيرَ يصادرُ أخيلةً لهواجسهمْ؟

من يُخبر كُهَّانكِ..

أن جميع سعالى ما بعد حداثتنا ..

لا تعشق إلا صكَّ قطيعتها للشعر العربيِّ..

وللإطنابْ؟

وتراوغ فينا المأسوفَ عليه الوطنَ المسلوبَ..

عروبتنا المخبوءة فينا ،

وتشذّب نخلَ الأحقابْ

اعترفتْ غيماتُ النثر ..

بأن العزف الوافدَ

ما عاد يجادل خوف الأعرابيّ النازح ..

من صهد اللغةِ الأوَّابْ

كيف تُجرّد مُنْتدياتي

مِنْ خبز اللغويين..

ومن ماء التورية المُنْسابْ؟

فالأعرابُ كما قيل ..

يجيدون مقايضة النِّفْط بأسلحة العولمة ،

الفيتو

لكنْ ليس يجيدون الدَّعوة للإضرابْ

مَن أدراكِ بأن قطيعينا

تسحقها أحذيةٌ لغزاة شمالى،

لا تدري علم الترجمة ،

الأنسابْ

مَنْ أخبركِ اليوم ..

بأن "التكنولوجيا" دين رعاة البقر،

وتمثال "الحُرِّية " ليس ستعصب أعينه "المارينزُ"،

فليست نزهةْ

أن نخلع عن كل الأمصار صلابتها

أن نحفر بئراً يحفظ ساقيةً لبلاغتنا

ليستْ نزهةْ

أن نطلق ركبَ بداوتنا

حين تدق العاصفةُ الأبواب.. فلا ننسى ذاكرةً لطفولتها

لا ننسى أرضًا في القلب تقدّسها الأجدادْ

لا ننسى نفس تجاعيد التِّرحال،

ولا سفن الاستكشاف إذا حلَّ تلصُص "كولومبوسٍ" يومًا

لن ننسى مقبرةً لتراثِ الأحفادْ

نصف رجال الوطن مصابون بغيبوبة عشق الأرضْ

والنصف الآخر يحمل كل مراجله

ينتظر المحتلَّ على الأعتابْ

خائنةٌ - يا زائرتى - كل الأبراجْ

ما كان لسربكِ إلا وطنٌ من عاجْ

ما عاد لدينا أي رِتاجْ

في غربتنا سنهاجر نمسح نعليها

أو نغسل أطباقَ مطاعم "فيينّا"

أو نهدر عمراً فى تنظير تخلُّفنا

عن ركبِ فروض الهيمنةِ الكذَّابْ

في غربتنا سنهاجر من برزخ عزلتنا

فالرجلُ الأبيضُ لن يحتلَّ الأرضَ الزنجيَّةَ ..

حتى يعولمنا فى الموطنْ

فمزارعنا ليست كمزارع "كَنَدا"

ليست كمزارع "بوسْطُنْ"

إن مزارعنا تبتزّ الفلاحين المكدودين ..

بوخز البلهارسيا .. تبتزّ التعب النائم بالأحلام

نعلم أن النخل عقيمٌ

نعلم حين قدوم المحتلِّ بأن الطير اعتاد الخرس الجامح..

حين يُساوم فينا النجدة والإقدامْ

لكنكِ لستِ.. شهيدةَ هذا الوطنِ ..

لعلَّ الرُّبَّانَ الهاربَ عن وجهته..

ينسى نظريات إبادة "غزةَ"..

فالقصفُ سيمنعنا أن نقرأ فاتحةً عند الدفن

على قبر الشهداءْ

لن نتصفح صفحات "الهيبز"..

ولن نكشفَ.. تأويلات الوجه الآخَر..

حين اغتالوا ذاكرة البيداءْ

أعرابُ "نيويورك" ستأتى فوق الدباباتِ ..

مع الاعداءْ

فـــــ"عليٌّ" يا بنتَ "خوارجِنا" استشهد ..

من أجل عيون مبايعة الدهماءْ

لن نُثقِلَ عبء العامَّة .. بالروكّ وبالبورْنُو ..

وببيع الأعضاءْ

من أخبركِ الآن..

بأن "القحطانيين"العُزِّلَ لم تنقلْ أسرار لغاتي؛

حين انقرضوا

أو أن شعوب الأعراب يخافون الحربَ ..

ويرضون بمُرِّ الاستسلامْ؟

من أخبرك..اليوم بأن النخلَ بوادي "دجلةَ" نامْ

هذا الوطنُ الشاردُ..

ليس بدون إمامْ

قد يعشق أشجار الزيتون بكل حمائمه

لكن لا ينسى ثأراً لو قتلوا حتى الأيامْ

من أخبرك بأن اللغويين بأرض معاركهم ..

قد ذاقوا مُرّ التقسيم ..

ما هجروا قمرَ الأحزانْ

حريَّةُ هذا الجسدِ الممشوقِ لِمَن؟

حريَّةُ هذا الوطن المحتلَّ لِمَن؟

لن تُطمَسَ فينا أشواق الأوطانْ

من سيعلِّم أطفالَ

"شِكَاغُو"

أن العرب بقايا الصحراءِ المهزومةِ ..

ما هم إلا ظاهرةٌ صوتيّةْ

أو أن "الجاحظُ." مات صريعًا تحت قواميس التفسير..

وإعمالًا للعقل؛

انضم لدرس المعتزلةْ

مات "الجاحظُ" مدفونًا بالكتب اشتاق العُزْلةْ

من سيعلِّم نخبة "باريسَ"..

بأن "المُتنبِّيَ"..شيعىٌّ نادى بنبوَّته

أو أن لـــ "زرْيابَ" مقاماتُ الآلات الشرقيَّةْ

حتى قرطبة اشتاقت للعزف "بإشبيليَّةْ

أو أن "خليل" قصيدي كيف أضاف إليه "الأخفشُ" بحرًا؛

"فالأخفشُ" أهمله فى دائرةِ البحر المُتقاربْ

فلذا ..عشق الكولا ،

والشمْبانيا فى الحاناتِ السريَّةْ؟

من سيعلِّم أطفالَ الزنج خديعة

أن رعاةَ الإبل العرجاءِ.. يُجِيدون الشعرَ..

ولا يقدر أعتي من فيهم

أن يخرج للغزواتْ؟

عادت عيناكِ بكذبٍ تبتزُّ الناياتْ

إني أشتمُّ روائحَ هذا الكذب المجنون ..

بلهجتك الإفرنجيَّة

"بغدادُ" انتصرت يا أبواقَ هزائمنا

والجلَّادون هنا

أتعبهم صوتُ صراخ بلاغتنا اللغوَّيةْ

إنَّا لله ..

وإنا نفترش التوريةَ ،

القافيةَ،

السجعَ ،

اللغةَ السمحاء،

كنايتَها،

ووشائجَها "القحطانيَّةْ"

إن الفجوة شاسعةٌ

ما أجمل أوقاتكِ فى نُزُل الشرق الأوسط ..

ليس الوطن المختلف عليه..

وليس سواه النيل يوحِّد فينا الشريانْ

هل ضلّ ذكاؤك فينا ؟

من أدراك بأن الناطورَ الواشيَ..

يملك حدْساً تنويريًّا

ويقيّد كل عصافير الاستيطانْ؟

العزلة ثانيةً

والإطنابُ مريضٌ

والمجدُ البائسُ ينتظر الفرسانْ

أعلمُ أن امرةَ الجيل الرابع للحاسوب ..

ستشكِّل بالمحمول وزارتها

ستخبّئ كل دعايتها في كشف العصيانْ

أقسم أني حين يجيء الطابور الخامس والآباتشي

حين قدوم المارينز..

إلى وطني العاشق لدماء المُغْتصبينْ

لن أتوارى خلف القلعة ،

أو في "قصر التينْ"

لن أتوارى في سرداب الهرم الأكبر "خوفو"

لن أتوارى في أحراش النيل الطيّبِ ..

لن أُنكرَ ..أىَّ استدعاءٍ لفتاوى الدينْ

لن أندب حظ بنادقنا

لن أتشاءمَ حين تمرّ علينا؛

"زرقاءُ يمامتنا" لا يبهرها أسلحة الأعداء،

ستلمحُ جيش غزاتي

وتحذرنا لو جاء الوالى المخلوعُ ..

يحاصر ثورتنا فى الميدانْ

لن يستجوبني فزعي

حين أهاجم أول قافلةٍ

مرّت في غفلة متحف "لقمان"

إن قصائدنا أرهقها طول السفر العاشق..

لاسترداد الأوطانْ

صرنا الغرباءْ

خارج سرب حداثيي المهجرِ ..

ليس غريبًا أن تنبذ جَوْقَتنا ؛

كي تشرب شايًا في فندق"مارشالْ"

كى تتحذلق دومًا .. بلسان النخبة..

والأبطالْ

ليس غريبًا أن تسرد سطوة حلف" الأطلنطيّ"..

تُثرثر:

إنَّا مهزومون .. كعادتنا

من قبل بدايةِ أي قتالْ

ليس غريبًا أن تقذف في وجه الوطنيين ..

دخانَ سجائرها الممزوجَ ..

بطبع فصاحتها المُحْتالْ

فالنُّثَّارُ أتين إليها فى استعجالْ

إنَّا لله ..

وإنا في الليل نقايض عِيرَ العزفِ ..

بِعِيرِ البعثات المُخْتالْ

من حيث أتيتِ تعودينَ ..

فإن الوطن جميلٌ

والجسدُ العربىُّ مصانٌ في سجن "أبو غْريب"

اعتاد كلاب السجانْ

إن الحلمَ لدىَّ سيهوى استقلالاً للمعنى ..

والمحتلُّ سنمنعه.. بأظافرنا لو دخل الأرضَ ببارجةِ الغزوِ..

إذا مرَّ بدون استئذانْ

من حيث أتيتِ تعودينَ ..

فلن ترقبُ أطفال القرية ..ظلّكِ..

فالصفصافُ اعترف الآن ..

بأن السفنَ المحتلَّةَ إطناب مياهى الإقليميَّةِ..

ليستْ منحةَ عيد الاطلنطىِّ أمام الخلْجانْ

من أبلغكِ الآن

بأن النيلَ يخاف القرصانْ ؟

هذا كوخ مجازى المبنىُّ بعرق الطين الوسنانْ

سيؤمِّن قافيةَ العُرْبانْ

أمَّا خنساءُ بني الأصفر ..

سوف تشكّل بالليل وزارتَها

في أوَّل مجلس حكمٍ

مِنْ بين رفاق الجامعة المنضمون لسرب الرفض..

ومحترفي كسر "التَّابو" ،

وقافية الشَّطرين

وعقرالأوزانْ

فالطير ُالزَّاجلُ قال:

بأنَّ الشُّعراءَ المغضوبَ عليهمْ

- وأنَّا أوَّلُ مَن فيهمْ –

سيزفَّون إلى زنزاناتِ الأمريكانْ

إنَّا للَّهِ ..

وإنَّا عُشّاقُ الأوطانْ.

***

شعر: عبدالناصر الجوهري – مصر

 

 

صالح البياتيبردًا أيها الشجر

سلاماً أيها البشر!


الآشجار:

ضجرة شجرة اليوكالبتوس من وحدتها

نضرة بجدائل خضراء طويلة

رخية تدلت أغصانها، كأذرع الأطفال النائمين 

فتية.. لكنها ليست بضنينة

على استقبال الطيور

وبناء الأعشاش.

 قليلا سترتفع، حينما يحل الصيف 

ظلالاً وأفياءً تلقي على من حولها

بردًا وسلاما

عندما تمد أغصانها الجديدة

**

الشجرة وأنا:

وترٌ هي، تهتز للريح طربا وفرحًا 

قوس انا، اتمايل طلبًا للسكون

لأنها الحياة، وهبتني القوة

لأني الفناء، أعطيتها حركتي البطيئة

تبادلنا الأدوار، كما يحصل احيانا

انا عدت لوحدتي التي اعتدتها

وهي لعالمها الشجري المتصل بالعناق

تأنس به وتحتمي

اما انا فسأحتمي بين جدران وحدتي

كأي كتاب قديم بلغة ميتة

بلا أنيس يقرأه، او حتى يتصفحه

**

 البشر!

امامي أفق اخضر، مرقش بشرارات نارية

ارتعاش الغابة، صمت مهيب، أوجس خيفتي

اسيرُ بين باسقات الشجر، قزم قمئ، جندي مخبول اسيرْ

احمل على كتفي عبء هزائم لم أخض غمارها

وعلى ظهري الهزيل اوشال عمر حسير    

كحل العربدة وقلم ناري، سلبا نور عيني

تقاطعت الطرق امامي تغريني بالضياع

قوافل الأفكار انفلتت عن عقالها

عبثا تنبح الريح بلا صوت، لا تكف عقارب العقل عن الدوران

هرطقات طحنت حتى العظم عروش الجبابرة  

تربع ركام الأمم جبلا أرجوانيا اعظم

رأسه يناطح السماء، رمح ذهبي، يخترق قلب الأنبياء

وقاعدته تنبسط ، تفترش أديم الارض 

كهنة المعابد يتلون ادعيتهم، غداة هجيع الملائكة

لعنة برج بابل حلت بهم، فتبلبلت ألسنتهم

**        

انا جرم صغير جدا، في عالم فسيح جداً

يضج بعربدة الجبروت، ضد الملكوت

انسحاب ظل هزيل بين هياكل متداعية

عبادات انطوت على اسرارها

انا حصاد وهم قديم

ارث أساطير، حكايات كهنة المعبد

عرائش كرم، مات حراسها العمي، قبل الف عام

**

رفيقا سفري، لدربي المعرح للسماء بلا صعود

هل ارتوت تلكم الناقة التي أسرت بي للنهر شرقا

ام هلكت عطشاً، في صحراء حيرتي، حين أوغلت غربا 

اعند جبل سيناي أنخت ركابي، القيت خمرة اوزاري

اوعند الكعبة المكرمة، ارتحت

اغتسل، اتطهر في مياه بئرها المقدس من اوحال ذنوبي.

**

رفيقا سفري الأرضي، كلب ابيض ودفتر شعر عربي

يصحباني أينما ذهبت

كما رافق هرمس في رحلته الماورائية، موسى العبري

اعترف أني لست ابداً، في مكانتهما ولا في حكمتهما 

الذؤبتان المتدليتان من قلادة عمري شابت، قبل ولادتي

تضئ طريقي نجمة الصباح

كوكب الزهرة يلتمع في ناصيتي

ان نسىيت من انا، والى أين أسير

ذكرني رفيقا سفري، فهما اعرف مني بنفسي 

يحتفظان بكل ما تبقى لي من خرافة حياتي 

يذكراني بما نسيت،عندما اقف عاريا يوم الحساب

كصخرة ملساء نحتتها الريح انسانا بلا رأس

**

وداعا صديقتي الشجرة

وصلتني رسالتك الأخيرة

ملقاةً على العشب الأخضر

مغموسةً بخضاب اسود

بإعجوبةٍ.. تماسك نصل الورقة

انطمست الحروف، توسلتْ يائسة

لو ان بصقة مطر مباركة، تطفئ حرائق الغابة

لما إسْوَدَّ اليخضور بالنار

الشمس احمرت عينها

انحدرت دمعة، غسلت حزن الأشجار

همستُ، سأصلي الليلة للنار المقدسة 

ألاّ تمسك بسوء أبداً.

***

صالح البياتي

 

 

جميلة بلطي عطريصُراخٌ..صُراااخْ

الصّيحةُ في فَمِ الرّيح

فُقاّعةٌ تركلُها الصّدْفةُ

عاصفةٌ هوجاء تُرْعدُ

تهُزُّ أركان المجرّة

يمتدُّ الصّفيرُ عبْر الكُهوف

عبْرَ المجاري

يتموّجُ في المغارات المنسيّة

مرّةً بعد مرّة

تمّ تُلهِيه المسافةُ

يتحوّلُ حشرجةً في صدْر الأثير

اختناقًا يطبقُ على الصّوت

كما الميّتِ ينتظرُ المصير

تخفتُ الحشرجةُ ..يضيع

رجفةٌ ثمّ شهقةٌ تغيضُ في أوردة الصّقيع

والحَكواتي يطوِي الأوراقَ الصّفراء

يُعلنُ السّاعة الصّفْر

نهايةٌ تَقضمُ فأْلَ البداية

فرسٌ ولا فارس

أَوْ

فُروسيّةٌ في الزّمن الضّائع

ويظلُّ الصّراخُ صدًى

كما في حكايات جدّتي

يُوهمُ بالغلبة

بالفارسِ يمتطِي حصانًا

أو بِساطا يَطير

أمّا الواقعُ فتنخرُه الدّيدان

تمتصُّ دمه رُويدًا

والحياةُ على شفير.

***

بقلمي: جميلة بلطي عطوي - تونس

 

عبد اللطيف الصافيكيف لي

أنا القادم من تيه الجنوب

ونرجسية الاحلام

أن أبرأ من حب

ينتظرني كل مساء

في طريق محشو بالبرق

و أجنحة الفراش

و ريش الحمام

ورماد العنقاء

يدس في صدري نوتة ناي

و ابتسامة حارقة

وقبلة في ظرف مغلق

ثم يرحل عند أول مفترق

خال من الذكريات

يتركني

لوجع يثور في رأسي

كدوار البحر

لليل غامض يعتصرني

مثلما يعتصر ضرع يابس

فتسيل الاغنيات من مجرى دمعي

مبللة بالحزن

و تنزل من مجرى سمعي

كماء المزن

ها أنا الآن بين فكي كماشة

يبتلعني

سراب موغل في الهشاشة

والجنوب الذي يأويني

لا تكتمل صورته إلا بالحب

أو بالحرب

أو بهما معا

***

عبد اللطيف الصافي / كلميم-المغرب

 

 

مالكة عسالفتحت بابي، فلمحت شيئا كالورقة، يرقص على هبة ريح منسلة من الفتحة، اقتحمت طويّها في فضول جميل، انفرج مبسمها عن عبارة: الحضور ضروري لحفل زفافي ياشقيقي ورفيق دربي، الذي تقاسم معي عقوق الأيام، ولعنات القدر في عرين الطفولة..أنا اليوم سألتحم بنصفي الآخر ..

يريد أن يكمل جسده..أليس الزواج تكملة، ودق أوتاد الرزانة في فدافد الشغب والاستهتار، وترويض طفل المراهقة، بسببه قضى ليالي تحت تهاطل الأمطار، ولفحات الشمس ليسكته، وفاعلا حقيقيا لإبادة حشرات الوحدة مستفزته بطنينها الأحمر، ورادعا قويا بإغلاق أبواب مطارة الجنس الآخر في وجهه، على الأقل في البداية.. ؟

لكن لا تسألني عن الشريكة حمالة حطب المقبل في جيدها، فأنا أجهلها تماما..على كل حال هي امرأة ككل النساء ...لرهافة قلب صديقي، ستعيش حياة ببريق الماس، تنجب أو ينجبان هما الإثنان، لا أدري، لا أدري أتنجب هي أم ينجبان هما معا ذرية الاستمرار، وترسيخ الا سم في سجل الحياة ..و لكن لا أدري أهي صالحة أم ليست كذلك، ولا هي عاقر أم ولود ...بيني وبينك أليس الزواج لعبة شد الحبل في ميدان التعب وحرق الأعصاب في رماد الأشقياء..؟ يا أخي من يرد الغطس في بحيرة هادئة يرها، ومن يرد خوض حمم السعير يرها.. وما شأنك أنت وهذا التحليل المريض؟ فأنت خارج المربع، تعيش فرخ حمام في أعلى أسفل الأبراج... فإن أضعت مفاتيح قفص الزفت هذا في برك شطط القدر، فذا شأنك ...اُتركِ الثرثرة والاستفهام، فاللحظة تضيق بهما، وهيئ نفسك لتعلن للصداقة وفاءها ......

بقرت بطن الصوان الذي تخلى عن دفتيه، لأنتقي خيرة الملابس ..تسربلت القمصان والسراويل في هدوء..لا شيء منها يدعو إلى الغبطة ...حتى الحذاء فاتح شدقه منذ أسبوع.. ماذا أفعل ؟أأجمع قشاتي في عشي وأمرر إليه اعتذاري ؟...يا أخي أية ذريعة تقنع صديقك بالقبول، اِلْوِ جسدك في أية ملاءة وانصرفْ، واستفذ من حصتك هذه، فما زالت أمامك مثل هذه الأجواء...أتمزح ؟فمبلغي المادي يتعرض للقضم قبل الوصول إلي هيكلا عظميا.. وما تبقى تساومه فواتير الماء والكهرباء والكراء .......

بعثرت الملابس، والتبعثر أُدْمِنت عليه منذ الصغر، هكذا علمتني أمي، فحين لفظني رحمها بعد البنت الثانية، كربة الأسرة، ومعبر نحو الشؤم كما تراها الأسرة، لكونها رديفة البكر، كأنها غلطة العمر..البنت مصيبة إذا عَنَستْ، وترى فيَ أنا ذكر البيت ومبهجه...أتتفق أنت على أن البنت كارثة، رغم بحر حنانها المتدفق، وتحملها جزءا من مسؤولية البيت ؟أعوذ بك من لغوك المخروب هذا ......على إثر التبعثر كنت أجد ملابسي منسقة كالآيات القرآنية، والتغيير يتم على ذوق أمي أو أختي من حيث انسجام الألوان ..والوسخة أرميها أشلاء في الجنبات ..ولا دراية بالطبع أية أنامل جمعتها ونظفتها، وأعادتها مرصفة إلى مكانها..والتلبية بنفس الإيقاع حين تهاجمني صراصير الجوع، ولا شأن لي بالمائدة وأوانيها، فارس البيت كنت، أمشي فيه أميرا .....ولما بعثرتني الأيام، أعيش الآن بأسلوب التبعثر، حتى غدا النظام من كبريات المعضلات..غرفتي، أِلفتُها هكذا مبعثرة..لأن التبعثر هو الذي يريد...... قمصان منكمشة، وربطات عنق: أسمال بالية لا غير ..يالهذه الدعوة البلوة، التي غدت اليوم فاتورة دين يجب تسديده..ركنت إلى سريري تتجاذبني متاهات وعيناي مبسوطتان على الملابس ..قمت ثانية بعثرتها يمينا، شمالا..لبست قميصا أصفر، فأصبحت ككنائس الضوء..

ومنظري أبشع من وجه ميت ..نزعته..ولبست آخر أحمر، فذكرني بإشارة دورية الليل، وبقع دم الضحايا المهرقة غدرا

فأقلعته أيضا ..تصور دعوة فرح تجر عليك سيلا من المشاكل..جلست على حافة السريرأتمعن في الأحذية : أانتعل الحذاء الرياضي مع السروال ؟أي تناسق؟ ألا تعرف مقلبه في الأجواء الحارة؟تجاوزْه ياعم ..الصندل :أظن لا اعتراض فالرِّجل لها منفذ لاستنشاق الأكسجين.. الصندل مع السروال ؟ أية غرابة وأي تبعثر؟...أنا قلت لك منذ قليل :إني مبعثر ونشأت على التبعثر ...

أنسيت حذاءك؟ .. حدثتك عنه سابقا...اِلتحفْ أية خرقة وهيا لتبتر هذه الليلة من قائمة الليالي الماردة، فتروِ صحراءك الجدباء ..حل ترقيعي لِرَي القشور أما تحت الضلوع فالدود ينغل..أعدت الملابس إلى مزبلتها ثم تسمرت في مكاني، متتبعا مروق ذكرايات من حافة الطفولة مبتسما، مقطبا ... انتفضَ الحذاء ضاربا النور في الجوانب يلمع بشكل مدهش، جوربان بلون رمادي تقفزان من الدرج، وتحطان عصفورتين على الحذاء، أفرك عيني، أغمضهما، أفتحهما أُرمِشُ.. يتدلى القميص ببياض مشع كحيوان رخوي، تركض وراءه بذلة دهماء، ربطة عنق رقطاء تتلوى كثعبان ..تزحف الجماعة نحوي ..أربعة أياد بلورية تُلبِسني..تُقوّم الخلل..أنا الآن في تمام أناقة الأمراء ..مشطت شعري ..

ابتسمت، التفتّ، انحنيت، قمت، عاينت سحنتي في المرآة، تأبطت الهدية وانطلقت كالسهم نحو العرس ..انتبهت على

صفارة سيارة الشرطة.. جلبة وغوغاء ..الحمذ لله إذ مازلت في بيتي..

***

مالكة عسال

 

نبيل عودةظهر في حارتنا فجأة. من الصعب تحديد دقيق لوقت ظهوره، جاء أمس؟ جاء أول أمس؟ تجمعت شهادات مختلفة، بعضها ذهب للإصرار على انه مضى على ظهوره في حارتنا اسبوع بالتمام والكمال، وربطوا بين ظهوره وبين بداية بث التلفزيون لتمثيلية قصة حياة ام كلثوم. آخرون قالوا ان هذه تخيلات، فظهوره محصور بالأربع والعشرين ساعة الاخيرة. فحارتنا صغيرة، وبيوتها قريبة من بعضها البعض، بالأبنية وبالعلاقات، وانه لا يجوز ان يكون جميع اهل الحارة قد اغفلوا ظهوره لهذا الوقت الطويل، الذي يكاد يتجاوز الأسبوع بكامله، وهذا التحليل فيه منطق، كما يعتقد اغلبية اهل الحارة.

هذا النقاش اشغلنا ليلة كاملة، وبعدها لم نعد إليه، صار خلفنا، وصارت حقيقة ظهوره هي الاهم. وباتت معرفة تفاصيل عنه في رأس سلم الأولويات.

ظننته كما ظن ذلك اهل الحارة ضيفاً عابراً عند أحد الجيران. بعد ان طالت ضيافته بدأنا نبادله تحيات اطول، ونحاول في جلساتنا ان نقارن انطباعاتنا ومعلوماتنا عنه، ونستفسر عنه اصحاب الحوانيت في حارتنا، علّهم يوسعون معلوماتنا عنه وعن شؤونه ومن يكون وما علاقته بالمضيفين؟

أيجوز انه ضيف ثقيل الى هذا الحد؟ او يكون أحد ابناء حارتنا الذين غادروا قبل سنين؟!

 كبار السن من أهل حارتنا لم يتذكروا وجود شبيه له او ما يمت اليه بصلة، سلسلوا المرحومين والمسافرين للخارج والمنتقلين لإحياء اخرى، واستصعبوا الوصول الى من يشبهه شكلاً وجيلاً. حتى ام ابراهيم، ذاكرة الحارة وسجل ايامها ومولدة نصف اناثها وذكورها، اعلنت بعجز وأسى خلو سجلها من كل ما يمكن ان يربط الضيف الجديد بحارتنا.

وربما هو ليس مجرد ضيف!! يبدو انه ساكن جديد عند جيران مختلفين بعض الشيء عنا، يحافظون على مسافة من كل اهل الحارة، رغم بشاشة وجوههم وحسن سيرتهم. الله يخلق الناس مختلفين مثل أصابع اليد ولا اعتراض على امره، هذا اكيد!

بدأت تحاك الخطط لكشف ما خفي من امر الضيف/الساكن على غفلة من أهل الحارة، غير ان ما صعب وعقد الخطط، كون الجيران “انعزاليين” حسب تعبير بقال الحارة وقارئ الصحف الوحيد فيها، والذي يتحف جلساتنا بتعابيره الغريبة والمسلية التي يحفظها عن الصحف، ويدبها بمناسبة وغير مناسبة، ولولا وجود اولئك الجيران لما فهم اهل الحارة المعنى الدقيق لكلمة "انعزاليين" البعض توجسوا أن يكون استعمال هذا التعبير يوازي الكفر، فاستغفروا ربهم وطلبوا رحمته.

اما الصعوبة الثانية في كشف المعلومات الموثوقة فكون هؤلاء الجيران بحركة دائمة. الزوج يعود مرة في الاسبوع. وبالكاد تراه ابراج المراقبة، رغم ان كل التحركات ترصد وتبلغ لمجالس السهرة بتفصيلاتها الدقيقة، وحتى نلتزم الدقة، هناك اضافات لا بد منها لجعل السهرات ”رومانتيكية” كما يقول البقال، وقد فهم أهل الحارة ان الرومانتيكية هي المبالغة، غير ان البقال عجز عن اعطاء التفسير الواضح، فطلبوا اليه حفظ سخافات الصحف في تجاويف دماغه. أما الصعوبة الاخرى فكون الزوجة تعمل بالتعليم وتتعلم مساء وهي دائمة الانشغال او “تعمل حالها مشغولة” كما تقول ام إبراهيم.

وهي لذلك تعتذر عن الاشتراك بقعدات القهوة وفتح البخت ومعرفة المخفي، الذي لا يخفى على ام رياض، وام رياض طعنت في السن وبدأت تخربط بين أسماء أحفادها، ويقال ايضاً بين اسماء ابنائها، لكن المستقبل لا يخفى عنها وتورده كما في نشرات الاخبار، مفصلاً ومطولاً، ومليئاً بالتعليقات والتحليلات والتوقعات، والإمكانيات المطروحة، وهي تؤمن ان الانسان ليس مسيراً تماماً لكنه ليس مخيراً بشكل مطلق، وانه يقدر في حالات ما، ان يتوكل على عقله ويغير بعض الامور، لكنه لن يغير المصائر. والحاجة ام سليمان وافقت ام رياض بالكامل لكنها لا تدري اين سمعت هذا القول “اعقل وتوكل” فهي متأكدة انه مكتوب في الكتب.

وما يميز ام رياض كفتاحة بخت هو نصائحها التي لا بد منها لمواجهة كل طارئ تكتشفه داخل فنجان القهوة. وكثيراً ما انقذت (برؤيتها الثاقبة للطالع المثبت في فنجان القهوة) ابناء الحي من غدر عزرائيل او من مصائب اقل قسوة، وهذا مؤكد على ذمة نساء الحارة مجتمعات ومنفردات، ويقلن ان ام رياض كانت تنذر صاحبة البخت بما هو معلوم وواضح في قعر الفنجان او على حوافه، وكيفية الاستعداد الكامل للطارئ القادم، وأحيانا تعطي اشارات لا بد من تذكرها والانتباه لها، وانه لا بد من الاستعانة عندها بالحاجة ام سليمان لتبخير المنزل وتلاوة الآيات الكريمة ورش الملح خارج البيت، اذ يقال ان الارواح الشريرة لا تحب طعم الملح وترتعب من تلاوة القرآن، ومن ثم اذا كان الطارئ مرضا، يجب الانتقال للطبيب، ليواصل ما بدأته الحاجة من علاج وطرد للأرواح الشريرة، مما يسهل استمرار العلاج.

توصلت النساء الى ضرورة اخذ اسرارهم من صغارهم اي من اولاد الانعزاليين الذين يشاركون اولاد الحارة بعض العابهم قبل استدعائهم بلهجة آمرة للعودة الى البيت. لكن الاولاد مقلون بالكلام، نسخة من اهلهم. حثت النساء اولادهن على استقاء المعلومات عن الضيف الغريب من ابناء الانعزاليين، غير ان الاولاد لا يقلقهم ما يقلق ذويهم وينسون ما اوكلوا من مهام حينما تسخن اللعبة.

اشتدت الحيرة بالحارة، وحتى لا نغفل امر ما يجري لا بد من ان نسجل ان محاولات بعض النسوة لاستدراج اولاد العائلة الانعزالية في الحديث لم توفق، وفشلت فشلاً ذريعاً، وكاد يصل حد الفضيحة، اذ انتبهت الام ومنعت اولادها من النزول للعب.

اتهم الرجال نساءهم بأنهن قليلات خبرة في مجال التحري والتحقيق. بل واحتد أحد الرجال واتهمهن بأنهن قليلات عقل. وذكر رجل آخر آية قرآنية كما قال، تؤكد صحة قلة عقل النساء. احدى الزوجات تحدت زوجها غاضبة ان يجلس حضرته ويجري التحريات وعمليات الرصد وجمع المعلومات بدلاً منهن، بدلاً من التلفظ بالتهم الجائرة والاهانات. صاح رجلها بغضب، ان الجواسيس كانوا دائماً من الرجال، وتحدى ان تذكر اسم جاسوسة امرأة؟! ودعم كلامه بأسماء معروفة، مثل رأفت الهجان، الذي شاهدوا حلقات المسلسل عنه في الصيف الماضي، واضاف اخر حتى جواسيس اعدائنا كانوا من الرجال. هل سمعتم باسم ايلي كوهين وما فعله بالسوريين؟! وقال آخر، انه حتى في امريكا، ام المساواة، الجواسيس من الرجال، فهذا بولارد يتجسس لإسرائيل، وصاح شاب متحمس انه حتى الجاسوس جيمس بوند كان رجلاً وان النساء كن لمتعته فقط. فنزل الصمت على رؤوس الرجال، فهم لم يسمعوا بهذا الجاسوس، ولا يريدون ان يظهروا جهلهم امام نسائهم، ثم ان قصة تمتعه بالنساء كانت ثقيلة وغير لائقة لتقال في محضر مشترك بين رجال ونساء الحارة. وكان أفضل لو تركها لجلسة رجالية، وهنا نطق شيخ الحارة حكمه غير القابل للرفض وهو ان الرجال كانوا دائماً قوامين على النساء ديناً وشرعاً وعقلاً.

انسحبت بعض النساء باستنكار، ولأول مرة يحدث انقسام واضح رغم الصمت الذي تواصل بسبب حذر النساء من تأزيم زائد للموقف. ومع ذلك بقي المخفي يستفز اهل الحارة ويثير حيرتهم.

كان الضيف/الساكن الجديد يخرج باكراً كل صباح، مهندماً على آخر طراز، يفوح منه عطر ذكي، مما دفع الرجال للاقتراب منه ومبادلته ابتسامات واسعة وتحيات صباحية عطرة، متنشقين رائحة عطره الذكي، وقد اثار نوع العطر وثمنه خيال الحارة، خاصة الرجال. واضاف حججاً جديدة لضرورة الكشف عن المخفي. البعض قال انه عطر مستورد من مصانع البغاء في الغرب، التي تصنع هذه العطور لجعل المرأة طوع بنان الرجال. آخرون استخفوا بهذا التحليل وقالوا ان صناعة العطور اليوم حدودها السماء، وانه من الخطأ مقارنتها بالكولونيا الرخيصة والمغشوشة التي تباع ببقالة الحارة. وان العطور اليوم اثمانها تشابه اثمان الذهب، هذه المسألة استصعب الرجال استيعابها. اما النساء فتحسرن، مما أثار حفيظة وخوف بعض الرجال، فقطعوا حديث العطور، وقالوا انه من الواضح ان الضيف/الساكن مليونير من اياهم وبالطبع لم يكن من الصعب الطعن بهذه النظرية، لعدم امتلاك الضيف/ الساكن سيارة فاخرة، فهو يستعمل نمرة 44 وهي اشارة للحذاء. وكان الضيف يعود اخر النهار مهندماً معطراً كما لو انه محفوظ في براد. وثار تساؤل جديد، كيف يطيق الضيف ربطة العنق والجاكيت في هذا الحر؟ واضيف هذا السؤال الى لائحة المخفيات التي لا بد من توضيحها وتفسيرها.

المسألة التي تستحق وقفة خاصة ان الراصدات من النساء، اكتشفن ان الضيف ظهر حتى هذا الوقت ب (7) بدلات مختلفة الالوان والتفصيل وب (12) قميصاً بألوان مختلفة. واختلفوا على عدد ربطات العنق، بسبب صعوبة التمييز بين الوانها من نقاط المراقبة والرصد، فمنهن من تصر انها (8) ربطات عنق حتى اليوم، ومنهن من تصر على (12) ربطة عنق تماماً بعدد القمصان. لكنهن اتفقن ان يبقين هذه المعلومات طي الكتمان عن مجلس الرجال، نكاية بهم من الاهانة الجماعية التي طالتهن، غير ان سمر ضعيفة النفس، التي تشترى وتباع بابتسامة من زوجها، اعترفت في لحظة ضعف بهذه المعلومات السرية. وكاد اعترافها يحدث طوشات بيتية بين الازواج وزوجاتهم، بسبب شعور المهانة وفقدان الهيبة، واستهتار النساء الظاهر بمركز الرجال، بإخفاء أسرار يجب الا تخفى، حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه، ويتدهور امن الحارة واستقرارها، وما ينقص رجال حارتنا في هذا الزمن الرديء ان يتعطلوا عن اعمالهم للقيام بمهمات الاستطلاع والرقابة؟! حقاً النساء قليلات عقل، بل وقليلات دين ايضاً كما قال شيخ الحارة وأضاف: “ان كيدهن لعظيم”، اما المسألة التي استصعب رجال حارتنا هضمها، فهي كيف يعرف زوج سمر، الحديث العهد بالزواج والمسؤولية، هذه الاسرار وهم ذوو النفوذ والسطوة تخفى عنهم؟

وجهن النساء اللوم لسمر التي فضحتهن، وتقرر فرض مقاطعة نسائية كاملة عليها عقاباً لها للخروج عن كلمة النساء وفضح اسرارهن. غير ان زوج سمر لم يهزه الامر. طمأن سمر بأن هذه المقاطعة لا تختلف عن المقاطعة العربية لإسرائيل، سرعان ما تصبح فتحاتها أكبر من فتحة طبقة الاوزون. قد يعالجون فتحة الاوزون، مهما طال الزمن، اما اوزون المقاطعة العربية فيتسع باستمرار، ونفس الحالة مع نساء الحارة، وقال لها: ابدئي بجارتنا الحجة ام سليمان فهي المفتاح. تحملي كشرتها وادعيها لتبخر البيت، فهي تعشق هذه المهمة وتكرس لها كل وقتها وتفكيرها واحلامها.

قالت له سمر انها لا تؤمن بهذه الخرافات والتقاليع. طمأنها بأنه لا يختلف عنها، ويعتبرها تمثيليات مسلية، لكننا ابناء حارة يسري علينا ما يسري على الجميع ونقبل ما يقبلون، هكذا السياسة يا سمرة. وبهذا الشرح الوافي والواضح تعلمت سمر اول دروس السياسة، وبناء عليه كشفت لزوجها معلومة جديدة بأن الراصدات سجلن حتى اليوم، استعمال الضيف لـ (3) ازواج من الاحذية المختلفة، فطالتها قبلة من رجلها، وهكذا كان.

مع صباح اليوم التالي، رصدت سمر خروج ام سليمان لبلكون بيتها، مقابل بلكونها بالضبط، فسارعت سمر تلقي على جارتها تحية الصباح بصوت قصدت ان تسمعه عاشر جارة. اجابت الحجة ببرود وبعدم رغبة ظاهرة في تبادل ما هو أكثر من التحية. غير ان سمر عاجلتها بطلب تبخير البيت، خوفاً من ارواح شريرة تكون وراء فلتان لسانها وتخريب سر نساء الحارة. وقالت انها كئيبة وتشعر بتوعك وأنها لولا ذلك لما فتحت فمها، اذ ان زوجها رأى حالتها واصر ان يعرف ما تعانيه ويبدو انها كشفت السر وهي غائبة عن الوعي.

توردت خدود الحجة وفتحت عينيها بيقظة، وانهالت تخاطب سمر ب “يا حبيبتي ويا روحي ويا ضو عيني، ويا فلذة كبدي، والعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن العفاريت والجن”، وتمتمت بآيات مقطعة، وصلت كلمات متناثرة منها لا يربطها رابط بمعنى واضح، وقالت بصوت مرتفع لتسمعها الجارات: “انا في الطريق اليك يا سمر يا روح امك، لن ابقي لهم اثراً بإذنه تعالى”.

وهكذا انتقلت المعلومة من بيت الى بيت، بأسلوب يضاهي بسرعته وانتشاره أفضل محطات التلفزة، مثل تلك التي نقلت لصالوناتهم حرب العراق المسماة "الجزيرة" وحتى أفضل من سرعة انتقال الاخبار المفبركة لدار الإذاعة الإسرائيلية.

دب النشاط في الحارة، وتجمعت الجارات داخل وخارج بيت سمر لحضور طرد الارواح الشريرة من بيتها.

قامت الحاجة بجهد واضح، وبذلت ما في وسعها من قدرة صبر وقوة ايمان، حتى ظهرت شرايين عنقها وأجهدها التعب والعرق، وما ان اتمت مهمتها، حتى تساقطت متهالكة على الكنبة، فسارعت اليها سمر بكوب ماء بارد.

اما المفاجأة الكبيرة التي لم يتوقعها أحد فهي ان الراصدات في الصباح التالي ابلغن المتجمعات في بيت سمر ان الضيف لم يظهر هذا الصباح، فأصابهن الخبر بالذهول والحيرة ومضت عدة ايام وصار عدم ظهور الضيف مرة اخرى حقيقة متجلية.

وتعطلت او كادت مشاريع الرقابة وتوقفت النقاشات واختلافات الرأي وبدأ الملل يتسرب للبيوت، فتطفأ الاضواء في ساعات مبكرة ويلهو كل رجل بما كتب له.

وفي صباح أحد الايام وحتى قبل ذهاب الرجال الى اعمالهم، طرقت ام سليمان باب بيت سمرة بقوة، صارخة بفرح شديد انها تعرف الان حقيقة الضيف المزعوم، فهو ظهور للشيطان بصورة بشرية بهية، اختفى حينما نجحت ام سليمان بإخراج روحه النجسة من بيت سمر وانقذت الحارة من احابيله، فالحمد لله!!

***

نبيل عودة

 

عادل الحنظلفي ليلٍ بدّدَ وحدتَه الوحي

توضّأَ بالشِعْرِ وصلّى

وتَلا بضعةَ آياتٍ

من أشعارِ التوْق

سلّمَ من غيرِ سجود

سبّحَ بضعَ ثلاثاتٍ

في مسبحةِ الشوق

رتّلَ من وحي ضرامِ الوجد

سُوَرا أحرفُها خمرةُ صَبّ

كتَبَتْها فوقَ سطوعِ البدر

جنيّةُ وحي

عاشقةٌ لم يرَها منذُ فروض

ودَعا بعضاً من أدعيةِ الغاوين

ممّن هاموا في اوديةِ الحب

ممن إنْ قالوا فعلوا

جعلوا الحُبَّ سُلافَ وضوء

اوَليسَ الحبُّ عبادة

كتبَ المجنون بليلى

أبلغَ آياتٍ صوفية

أَوَلَم تكُ ليلى عشتارا

ذات الحسنِ وسيّدة الاكوانِ السبعة

تُنْزِلُ أطراسَ الوحي

قصائدَ قدسية

تخبُرنا

منذُ رأى سيّدُنا في حوّاء

كتلةَ شهْد

عشقَ الشعراءُ نساءا

جعلوهنّ محاريبَ صلاة

أتقولُ لمَنْ قامَ الليل

يتضرّعُ في السُهد

ليناغي أينانا

وليسقي فينوسا خمرَ رضاب

تُشرِكُ بالأعرافِ وبالأقداس

بئسَ ذميم القول

أنا أعرفُ أنّ الحبَّ إله

يجلسُ جنبَ إلهَه

يثملُ مثلي

يلثمُ مثلي

يعلمُ كلّ غيوبِ العشق

لا يرسلُ للنارِ سوى

من ينشدُ قدّاسا

غيرَ صحائفِ عشتارِ الابدية

***

عادل الحنظل

 

خالد الحليهل تكفي الكلمات..؟!

أسئلة تغرقنا

لي .. ولكمْ

وللذين كانوا قبلنا

أسئلةٌ تصرخُ حولنا

وحولهمْ

كيف لكمْ ..؟

تبريرَ صمتكمْ ..؟

أسئلةٌ تغرقنا

أسئلةٌ تغمرهمْ

هل تستوي الشموسُ والضبابْ؟

هل يستوي الحضورُ والغيابْ؟

هل يستوي الواقعُ والسرابْ ؟

- 2 -

كلّ منّا

ضيّعَ حُلْما

في يومٍ ما

واليومُ أتى ما ضيعناه من الأحلامْ

يسألُ عنّا

كم نتمنى

أن يقرُبَ منّا ..؟!

لكنّي أسألُ

هل توجد أحلامٌ أجملُ

من أحلامٍ تتورّد في ساحاتِ التحريرْ ..؟!

ملبورن 7/12/2019

***

تسلسل

قالوا لي: لا تسألْ

صرخوا بي:

سلسلْ مالمْ يتسلسلْ

رحتُ لوحدي ألهثُ

في هلعٍ أبحثُ

عن أيامٍ ضائعةٍ

وحروف هاربةٍ

تتغطى بخسوفٍ لا يعرف بدراً

و كسوفٍ لا يأمنُ شمساً

هل يمكنُ أن يتسلسلَ ..

ما لنْ يتسلسلْ؟

قالوا والسيفُ قريبٌ من عُنُقي:

صَهْ لا تسألْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن

 

عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي


تظاهراتنا القديمة

لا تتناسب أبداً

مع رواتبنا التقاعدية

علينا إرجاعها

أو دفنها

قبل أن نُدفن.

**

أنا من زرع القضبان الحديدية في الحديقة.

كُلُّهَا سَتُزهر

حتى وإن لم يُصَدق الموتى.

**

أحقاً؟ وصلتكَ رسالة؟

مزقها.

سنجمعها بعد ذلك

قصاصةً قصاصه

وسنلصقها ثانيةً

ونقرأها

ألا تسمع رصاص المواجهات؟

**

أتنتظر بأي ثمنٍ

أن أقول لك:

"ليس الأمر هكذا"

إنه هكذا

بحذر قص أظفرك

فالمقص يلمع.

**

ما الضير فيما

لو أنني كذبت قليلاً؟

فكلها: ذنوب مغفورة

أن نتنفس

حتى وأن لم نَرغب بذلك

السلة الفارغة

التاج الزجاجي.

**

تَصعُب الكلمة

يَصعُب الصمت

على المسمار المتين

حَبلٌ قصير

سَلةٌ تتأرجح

بخبرٍ قليل.

**

أنباءٌ متضاربة

ريح ونار وتهديدات.

سيدة بالأمس على الضفة

انطلقت تتمشى

ثيابها بين السحاب رفرفت

فنسينا الراية.

**

هذا الضوء

الوحيد

هنا عالياً على قمة الجبل،

القتلى هم الذين صعدوا به إلى هنا.

ألا تتذكر؟

**

أما المرمر

العاري تماماً

الأبيض تماماً

فلا ينتظر أن يكون تمثالاً

**

لكل شيء سِرَه:

لظل الصخرةِ

لمخلب الطيرِ

للشِلّيلةِ

للكرسي

وللشِعر أيضاً.

***

 

 

كاظم نعمة اللاميالْتَفَتُّ إليه حانقا، فلاحت لي يده تزحف كأفعى راقصة قرب جهاز المذياع المتهالك وهي تعبث بأزراره. وبعد تجوال قصير في محطات إذاعية محدودة استقرت أصابعه على إذاعة تبث أغنية "يا حريمة" للمطرب حسين نعمة.  بصراحة أقولها وأنا في هذه الحال ما عادت تلك الأغنية الشجية هي المفضلة لديّ كما كنت أستعذبها في ما مضى من عمري نتيجة لما يقوم به هذا المجنون الجالس بجواري فقد راح يتمايل برأسه المدور مع أنغام الأغنية التي باتت نشازا يلد نشازا آخر، مما دعاني إلى نهره بعصبية.

-  ركِّز على الطريق رجاءً.. ويا حبذا لو زدت في سرعتك والتزمت الصمت ,, فأنا على موعد مهم

- ما هذا التناقض. التركيز على الطريق وسرعة القيادة لا يتناسبان مطلقا. دعك من كل ذلك واسمعني جيدا ....

وضع للسانه جناحين وانطلق يسرد لي مبتسما تفاصيل حياة المطرب وأثر الأغنية على حياته ذاهبا باتجاه مغامراته الشخصية وعلاقاته الحميمية مع النساء .. وبهزة من رأسي أبديت تأسفي لتورطي بكراء غريب الأطوار هذا والذي لم يأبه لهزة رأسي وما فيه من غليان وواصل هذيانه على أنغام الأغنية .. ودون سابق إنذار هطلت الأمطار بشدة واضحة بدا أثرها جليا وهي تنقر صفيح السيارة وزجاج النوافذ كفريق دجاج ينقر كومة حنطة بِشَرَه الجائعين .. لحظتها انعدمت الرؤيا فعالجها السائق بتشغيل الماسحات.. ونتيجة لِقِدَمِها وتيبسها راحت تعزف لحنا غوغائيا همجيا زاد من مستوى القهر الذي لازمني في ظل هذا السائق المتخلق بأخلاق بعوضة تافهة.

- يا صبر أيوب

فكرتُّ جدياً بإيقافه، والنزول لكراء سيارة أخرى. لكن ما جعلني أتراجع عن ذلك هو أنّ النتيجة ستؤول إلى عدم وصولي قاعة المعرض التشكيلي في الوقت المناسب والتشرف بمشاهدة لوحات رسام البورتريه نادر النادر القريبة لقلبي وبالتالي سأفقد هذه الفرصة الجمالية التي انتظرتها طيلة أعوام مضت بقدوم الفنان نادر النادر بعد طول غياب في بلاد المهجر بغية أن يقدم أعماله هنا في بلده بعد تحقيقها نجاحا هناك.

لا خيار لدي سوى تحمل هذا اللجوج ومتابعة حركاته المقززة فاقتنعت صاغرا مثلما يقتنع الفقراء بطبخ طعامهم سلقا إن شح الزيت، عملت الشيء الوحيد الذي أقدر عليه إزاء هذا العذاب بأن أدميت سبابتي عضّا حتى كدت ألتهمها.

اجتمع المطر بمعية حسين نعمة والماسحات بتحد كبير في مواجهتي لتتسرب أصوات الجميع من خلال طبلة أذني حتى أعماق روحي لإقامة حفلة تقريع وتعذيب لذاتي بسادية كان قائدها رعونة هذا السائق الذي واصل عدم اكتراثه لما أنا فيه فمد يده اليمنى لرفع حدة صوت الأغنية، علا الصوت فالتفت إليّ .. فعلت مناسيب قهري ثم عاد من جديد فغير الموجة فكانت أغنية أخرى كرهت مطربها حد اللعن، ثم أخرج يده اليسرى من نافذة التاكسي واستقبل دموع السماء براحة يده المكتنزة اللحم وراح يصهل مشاركا صهيل المطرب.

- الدنيا حلوة، الناس حلوة، والوطن باسم سعيد

- أي سعادة هذه أيها المعتوه؟ ستقتلنا. قف هنا

واصل قيادته وصهيله دون توقف مما دعاني للمغامرة بإمساك مقود السيارة بقوة وإقفال جهاز المذياع والصراخ بوجهه.

- قف .. قلت لك قف! قف! أيها التافه

قابل صراخي وجنوني بابتسامة مستفزة وأوقف السيارة وركنها على جانب الطريق مبتعدا بعشرين متر عن قاعة المعرض التشكيلي، فوصلنا متأخرين عن الموعد المحدد لافتتاحه. ترجلت من السيارة. غمرتني موجة برد قارص بمعية مطر كثيف لم يحدهما عديد ملابسي الشتوية في أن يجدا لهما موطأ قدم عند عتبات جلدي. لكنني لم أعبأ بشدتهما أو بالأحرى لم أشعر بهما لهول ما عانيته من سخافة السائق ولجاجته بل استجمعت شجاعتي ووجهت سهام نظري إلى عينيه مليا ففقأتها بشدة. ورغم برودة أعصابه المستفِزّة حاولت كبح جماح نفسي لكنني فشلت. أمرته بفتح نافذة السيارة فمرّرت يدي منها وأمسكت بيده اليمنى هذه اليد اللعينة التي ما كانت تبحث عن المحطات الإذاعية المناسبة بل كانت تلسع عقلي وقلبي بوخزات خبيثة، ووضعت النقود فيها وأطبقتها بقسوة وقلت له متعمدا مشاركة رذاذ بصاقي لكلماتي الثائرة.

- في المرة القادمة لا تسهب في التمايل كثيرا مع أنغام الأغاني العراقية وأنت تقلُّ في سيارتك بشرا، خوفا من أن تتسبب بحادث مروري يخسف بك الأرض وبمن معك.. نصيحة أخيرة: كُنْ حذرا يا صديقي من عشيقتك كي لا تزدريك لأنها ستكون في أحضان رجل آخر أكثر وسامة منك وأقل بصاقا متطايرا أثناء الحديث

استمر بفتح شدقيه مبتسما ببلاهة تخفي مكرا، ثم شغلَّ المذياع من جديد. وإذا بصوت حسين نعمة مشاركا فاضل عواد بأغنية "هي يا أهل العمارة" أِنْتَظَرَ ردة فعلي. واجهته بتقبل ما يقوم به باستسلام بعد يأسي من معالجة ما أحدثه في نفسي.. تطلع في النقود وكأنه يعدها غيبيا ثم دسها في جيب سترته المتهرئة، ولطمني بموجة ضحك ساخرة عكست ضحالته، وأدار محرك سيارته منطلقا وهو يوغل في تعذيبي برذاذ بصاقه المتطاير وهو يقول (ستنسى ولكن بعد أن تَكْبُر).

استقبلت موجة البرد وتساقط الأمطار بصدري فاتحا ذراعيّ برغبة الشفاء من كل هذا الوجع تبللت روحي فغُسِلَتْ من أدران هذا السائق المثير للجدل حتى بان ما فيها من رؤى وأحلام. نظرت إلى ساعتي بقلق لقد افتتح المعرض قبل وصولي بخمس دقائق "الحمد لله لم يضع من الوقت الشيء الكثير" بعدها ولجت باب القاعة المفتوح قليلا فشفطني وكأنّه دوامة محيط عانت الأمرين حتى عثرت بي.

غُصْتُ في أعماق القاعة فوجدتها تكتظ بالناس من مختلف الأعمار والأجناس، الجميع يتحرك كخلية نحل تتنقل بصخب ودوي بين اللوحات كحبل الحقائب في المطارات وهي تجوب دائرة بحلقة مستديرة بانسيابية حول المسافرين. تطلعت فيهم كعدسة كاميرا بلقطة بانورامية فلفت انتباهي أحدهم وهو يقف أمام لوحة تصور وحشا يستل عظام امرأة، شاهدته أي الرجل وهو يمسك بيد امرأة تجاوزت عقدها الخامس لم تدع صبغا تجميليا لم تلون به وجهها المتغضن، سمعته يتحدث عن جمالها بإسهاب ونفاق عجيب ترد عليه بابتسامة حذرة كي لا تكشف عن أسنانها المتهالكة.

-  البرد يقتلني، والدفء الذي أطالعه في عينيك يدعوني لتذكر صوبة علاء الدين وهي تتوهج في ليالي الشتاء الموحشة في بيتنا القديم.

انتبها لي ولاحظا استغراقي بالتطلع اليهم، فجلدتهم بابتسامة غبية أشد غباءً من ابتسامة سائق التكسي، صَمَتَا، شعرت بالإحراج فأدرت وجهي ناحية أخرى ومشيت متنقلا بين اللوحات وأنا أحك رأسي بسبابتي ممررا إياها فوق انفي كأني عازف كمان ماهر وكل ذلك خجلا من ابتسامتي التي صعقت نفاق هذا المتيم بتلك المرأة القبيحة. دفعت بأقدامي مسرعا باتجاه بقية اللوحات علني أجد ضالتي فلفت انتباهي انتصاب لوحة متفردة عند زاوية لا تجاورها فيها أي لوحة أخرى مستقلة بشكلها الفنطازي ومعناها العميق كانت اللوحة لصياد سومري بقامة طويلة، طويلة جدا يرتدي البدلة الخاكية وينتعل البسطال العسكري والبيرية ذات النسر الذهبي وهو يقف أي الصياد على زورقه القيري المسمى "البلم" ورأسه عند حدود الشمس. تطلعت فيه بإعجاب فوجدته يسحب شباكه من النهر فتعلق فيها حوريات يرتدين السواد نائحات لاطمات وهن يمزقن الشباك. وقفتُ أمام اللوحة باستغراق فكري، تأملتها طويلا، بنيت صورا عديدة تتحدث عن تاريخ نعيشه كل حين، تاريخ من الأنين بصوت مبحوح. وقف بقربي شخصان تعرفت على أحدهما كان الممثل والمخرج المسرحي "ساري العبقري" كشفا عن عبقرتهما بتحليل وتفكيك اللوحة سيميائيا.

- لوحة عظيمة.. هذا الصياد متدين!! متصالح مع الحياة!! أعطاه الله أجره حوريات في الدنيا قبل الآخرة يتزوج منها ما يشاء

- هذا الرسام متدين بالفطرة

- انظر إلى الصياد ألا يشبه سعدون أبو طويلة

ضحكا ضحكة مجلجلة اهتزت لها القاعة وانتبه لها حتى الأطفال القادمون مع ذويهم. شاركتهما بابتسامة ذات معنى. التفتا ناحيتي فتفاجئا بي مبتسما.

- وأنت يا أستاذ ما رأيك؟

أبديت امتعاضي وانسحبت منهما بهدوء دون أن أشفي غليلهما بإجابتي. السماء ترعد بشدة والمطر يتراقص على زجاج النوافذ كشروخ رسمتها يد الأقدار على جدران الحياة الباهتة.. واصلت تجوالي بين اللوحات معجبا بها حتى تذكرت صديق طفولتي الفنان نادر النادر الذي كنت أضربه ضربا مبرحا لأنه كان كثير الغش في لعبة "التصاوير" ابتسمت في سري واستعذبت ذكرى تلك الأيام الجميلة ورحت ابحث عنه في أروقة القاعة لأقدم له التهاني، فأخبرني أحد الضيوف بأنه غير موجود هنا بل هو الآن في فرنسا يتسكع في مقاهي الشانزلييه وأرسل لوحاته هذه بيد أحد معارفه لإقامة هذا المعرض التجاري حيث لاحظت تواجد هذه العبارة فوق كل لوحة "اللوحة للبيع" .. تضايقت قليلا لكن القيمة الفنية العالية للوحات عوضَت الكثير عن وجود نادر بنفسه.. وماذا كان سيضيف وجوده؟ لا شيء بالتأكيد.. تركت البحث عنه وواصلتُ تنقلي بين اللوحات بروح لطيفة عاشقة للفن التشكيلي.

ثمة شاب بملابس رثة لاحظته يتنقل بارتباك في القاعة مرتطما بهذا دافعا ذاك يمر بعديد اللوحات مرور الكرام ذاهل عن كل شيء، أراه يبحث عن شيء ما يبدو أنه شاب غير سوي دخل المكان الخطأ، اكتفيت بالنظر إليه ازدراءً وما جعلني أذهل عنه فتاة في العشرين من عمرها تمسك كتبا بيدها يبدو أنها طالبة جامعية بقميص ابيض وتنورة رصاصية تقف منتفضة بصدر متقدم إلى الأمام كجندي فاتح يأكل كل شيء أمامه، ووجه يشتعل كرمان اقتطف من بساتين ديالى فرطته يد من حرير، وشعر كليل بهيم يتراقص فوق العينين لاطما خديها بقبل هيجت مكامن مشاعري ورغبة مستعرة في التكلم معها ولو بحرف يتيم.. لكن ما الذي سأقوله لها .. أخاف أن تردني بقسوة عرفتها في كل نساء المدينة اللواتي واجهتهن بإعجابي .. ما العمل الوقت يمضي والمعرض أوشك على الخواء من زواره إلا أنا باق أتجول بحميمية كشفتها أنفاسي اللاهثة .. السؤال يجتاح روحي فيحطم أسوارها .. ما الحل: "لا تبقى مكبلا هكذا" نداء سماوي يهز العرش لا تبقى مكبلا، تحرك، الوقت يمضي.. أتقدم نحوها بعد أن عزمت أمري على اطلاق عبارتي التي لا أملك غيرها "أنت جميلة ،، بل جميلة جدا"

صدني عن أناقتي في الاقتراب من هذا الغصن الأهيف ذلك الشاب الذي عاد يتسيد المشهد من جديد. أراه يتلفت كسارق عُرف عنه الغباء، ينط بقفزات ضفدعية. تساءلت مع نفسي هل هو مخبول حقا، أم يتصنع الخبل .. طيب لم لا يشعر به الآخرون. لم لا يكترث إليه أحد إلا أنا. أراه يملأ الشاشة. يتقدم نحو الفتاة، أحاول أن أمنعه، أن أصده لكن ثمة سلاسل تحد من حركتي .. يقترب كوطواط شرس ويمسك بالفتاة ويحضنها فيعصر صدرُه صدرَها. حليب ثدييها يغرق المكان يلون الفضاء بالأبيض الناصع. وبلمح البصر يهرول بها خارجا من إحدى النوافذ محطما زجاجاها، جارحا مؤخرة الفتاة ينز دمها كميزاب بيتنا في الماجدية، يعلق شيء من قميصها الأبيض الشفاف في زجاج النافذة أتابع السارق صارخا به وسط الناس "حرامي .. حرامي" أتطلع إليه من مكان كسر زجاج النافذة وهو يهرول بالفتاة العاجزة عن المقاومة المطر الكثيف يعرقل هروب اللص .. ثمة مطب اصطناعي يقف بمواجهة أقدامه اللاهثة جريا يعثر يسقط وينهض من جديد أراه يجري بسرعة في ساحة المدينة الكبيرة يتعثر بمتسول عجوز فقدته المدينة منذ أعوام، يسقط، يتقلب فوق الإسفلت الغارق بمياه الله الماطرة، تُكْسَر ساقه، يطل عظامه ابيضا من بين اللحم والعضلات، يعجز عن الحركة لكنه يبقى محتضنا الفتاة بكل ما لديه من قوة.. تواصل الأمطار جلده وجلد الفتاة بنفس القسوة، يتبلل جسدها، تختض بيد اللص.. الغرابة سيدة الموقف .. ما هذا.. ما الذي أراه: شعرها بدأ يتساقط حتى بانت صلعة رأسها .. ثدياها المنتفضان تخليا عن تقدمهما فتراجعا للخلف فاختفيا.. ومسمى قميصها تلون باللون الأسود .. كل شيء بدأ يتلاشى في جمال الله من خلال هذه الفتاة.. المطر يتواصل بهطوله حاصدا كل جمال في الفتاة.. حتى تنورتها الرصاصية انزاحت عنها بعيدا.. توقعت أن تظهر ساقيها بعد انزياح التنورة كعظم عاج لامع شفاف.. لكن التنورة اختفت فاختفى الساقان فبانت أحشاء بطنها وكأنها بلا عجيزة.. وآخر ما تلاشى عنها بريقها الذي كنت أراه متوهجا في القاعة وهي تتكئ على الحائط باعتداد.

اترك النافذة المكسور زجاجها وأنفذ خارج أسوار القاعة سريعا فيبتلعن الشارع الممطر أصباغا.. سماء الله تتلون بشتى الأصباغ.. ثمة خيط ألوان ذائبة في مياه المطر تقودني حتى مكان اللص وهو يحتض آخر قطرة لون في جسد الفتاة .. أوبخه بلسان يحمل العطف والغضب.

- ها ؟.. كنت تطارد أصباغا ملونة وها هي قد ذهبت للمجهول. لقد خانك تقديرك لم تزن الأمور كما يجب

الرعد يهزم الطمأنينة والناس في ذوبان مستمر تحت هطول الأمطار التي تمشي الهوينا مطمئنة وكأن لا شيء هناك.. أحد المارة الذائبين يصطدم بي فيترنح جسدي أمامه .. يشير لي بيده علامة الجنون.. أصرخ بهم: ماذا هناك؟ أخبروني؟ أتعلق بأذيال ألوانهم : "ردوا إليّ روحي"... أواصل صراخي، لا أحد يسمعني، ما من جواب سوى صدى صوتي يتردد في فضاء المدينة الموحش .. حتى وجدتني حينها أستغيث من شدة الألم في ساقي المنكسرة وسط ساحة المدينة الكبرى محتضنا إطار اللوحة الفارغة إلا من أحلام بمعية الوان وأصباغ ذائبة تتشكل منها صورة شيطان وملاك، جرفتها مياه الأمطار بعيدا باتجاه أطراف المدينة النائمة.

- أتسمع تنهدات السمك؟

-  في القاع؟

- نعم؟

- ما بها؟

-  إنها تخشى القرش

-  وأنت؟

- أنا من يبعث الدفء فيها والأمان .. سأنتظر ذلك

- هراء .. نحن لا ننتظر شيئا سوى أن يمر الوقت

***

  قصة

الكاتب كاظم اللامي

 

جليل المندولايحاولت الهروب من تساؤلات قد تكشف خبايا نفسها بالأقتراب منه، لم تكن تدرك ان كانت فكرتها هذه سديدة أم لا.. لكنها تحاول، فربما تستطيع تسديد بعضا من سهام عينيها الجميلتين نحوه، عادة قديمة تلجأ اليها الأنثى كلما شعرت بقرب هزيمتها، فهذه السهام كفيلة بجعلها تشعر بلذة النصر، فلا معنى للهزيمة في قواميس المرأة، ففي أوج خسارتها تحتفل بالنصر.

خطوتين أو ربما أقل بقليل المسافة التي سمحت لنفسها أجتيازها على شفا حدود أبتدعها ذهنها للحفاظ على الصورة التي رسمتها للشخصية التي تريد طبعها في أذهان من حولها، والتي كان للخجل لمسات واضحة في ثناياها.. أو لعل دنوها منه يخفي توترا بدت ملامحه جلية على قسمات وجهها الذي يبعث على الأمل في دروب طالما أغلقتها الحياة بوجه مثل هذه الملامح.

كانت تتأمله بحذر وهو يطرح أسئلة لم تكن ذات شأن، وهو يعلم أيضا انها كانت كذلك.. لكنها أثارت في نفسها تساؤلات أكبر عن مغزاها، غير انها لم تجرؤ على طرحها بل أكتفت ببعض الكلمات، لم تتذكر منها سوى تلك التي كتمتها في نفسها مكتفية بتلميحاته التي تكاد تشبه تلك الكلمات.

لم يكن ليستطيع إطالة النظر في ذلك السحر المنبعث مع بريق عينيها لأكثر من لحظات لم تكن كافية لأشباع رغبات التأمل في ذلك البريق ليستسلم على مضض مكتفيا بتطويق خصرها الممتلئ بنظرة لم تكن أقل جرأة من نظراتها، سارحا ببصره في مساحات ممتدة حول جسدها وهو يعريه بناظريه حتى بدا له غضا دفعه ليصبح راهبا عند قدها المتمرد حتى التجبر بسلبه العقول التي داعبها بتمايله المجنون.

لم ينتبه أحد ممن حولهما الى اللغة التي يتحدثان بها، رغم انها مألوفة لدى الجميع الا انه لم يفهم احد منها حرفا واحدا سواهما، رغم ذلك فقد كانا يتربصان بالنظرات التي تحيط بهما من كل جانب ويصغيان للهمس الذي يدور جوارهما، كلا ممن حولهم كان مشغول بهموم لم يعبئا لها، هذان مرا بجانبهما وهما يتحدثان عن أمور في العمل، وتلك فتاة تبتسم لهما وهي تجري مكالمة هاتفية من هاتفها الجوال، وخلفهما مجموعة تتفق على المكان الذي سيتناولون به عشاءهم.. فعلا انه موعد العشاء لكنه لم يرغب ان يتركها ليقضي فترة استراحته في تناول الطعام خصوصا ان شهيته للحديث معها قد بدأت تصل الى مرحلة النهم، نهم كل الكلمات التي تخرج من بين شفتيها الـ.. دقق النظر في شفتيها لبرهة، لكنه عجز عن وصفهما ربما كانتا جميلتين، لكن ماهي مقايسس الجمال التي يعرفها عن الشفاه، لم يفكر طويلا فحسبه انهما كانتا طريتين، وشعر أيضا بأنها لا تريد تركه ليس شغفا لكن ثمة شيء ما يمنعها من تركه لوحده، ربما لأنها لم تتعود على اجواء العمل بعد، ربما لأنها كانت تريد ان تعرف امورا تجهلها عن نفسها، ربما.. لكن من المؤكد ان هناك شيء ما..

أنصتت له بأهتمام رغبة منها بالأنصات دون ان تبدي شغفها، وبين لحظة وأخرى تتساءل مع نفسها، ما الذي يحدث هنا، ولم تشعر بالأطمئنان لوجوده قربها رغم انها تريد الهرب منه اذ انها لا تحبذ فكره انقيادها لمعبده، وكأن همساته تغزو ذهنها حتى قيدتها، تلك الهمسات التي تعيد الى ذهنها لحظات من العمر كانت تظن انها قضت، لكن يبدو ان تلك اللحظات ليس لها ان تموت قبل أن نحيا، انها كالشياطين التي لا تفارقنا حتى يتحقق مرادها بخطيئتنا، فهي شياطين الروح..

الغريب انها لوهلة شعرت ان شياطين روحيهما ألتقت في غفلة من زمن توقف عند لحظة أقترابها منه، تلك اللحظة التي لاتقارن بالثواني والساعات التي تمر على حياتنا، لحظة لها مقاييس خاصة، وقتها غير معلوم رغم انه طويل جدا الا اننا نشعر بقصره، غير ان لذتها تبقى كعبير يعطر الروح.

انها شياطين الروح حقا، لم تعد تشك بهذا مطلقا، لكن هذه الفكرة كانت مرعبة بالنسبة لها، بل وتكاد تقتل ماضيها، وتمحو ثلاثين عاما من ذاكرتها بكل مافيها من آلام ومسرات، بدموعها وضحكاتها، شيطان لكل عام، وشيطان لكل ألم، وشيطان يدفعها للأقتراب أكثر، وشياطينه ترقص فرحا وهي تصفق لشياطينها..

لهفة الشوق يخمدها احيانا لقاء العيون، لكن لهفته لم تخمد حتى بعد ان سبر أغوار روحها، فشياطين روحه تدفعه للألتفاف حول روحها لتمزق كيانها القديم وترقص معه على أنغام هوىً يستفز غرائزه، لكن لمحة الخجل على محياها كانت مصدا رادعا لرغباته ليصارع شياطينه التي تزيد عن شياطينها باكثر من خمسة عشر آخرين اذ يستفزونه لكي يستسلم منقادا لهم، لكنه خرج أخيرا بنصر لم يكن يرغب به كثيرا، فالهزيمة بين أحضانها غاية لم يدركها..

كما لم يدرك ان نصره على شياطينه كان زائفا اذ ان رنين منبه الساعة التي ضبطتها على توقيت معين في جوالها كان نذيرا لها بقرب فترة جديدة من عملها، تمعنت في جوالها عدة مرات وهي تسترق النظر اليه وكأنها تستأذن منه للهروب.. وحين حانت لحظة الهروب استعادت كل ذكرياتها ولحظات ظنت لوهلة انها لم تعد موجودة..

***

جليل ابراهيم المندلاوي

 

ريكان ابراهيمنسخة من هذه القصيدة مهداة

لحضرة السيد أرنستو جيفارا


أنا لا أصدق أن كوبا دولة

 كبرى ولا كاسترو زعيم

خالدٌ ...

لي منجلٌ من عهدِ أُمي في الحصادِ

كسرتُهُ

كي لا يظنَّ الآخرون بأنّني

رجل شيوعي

ولديَّ مِطرقةٌ تعودُ إلى أبي

من صُنْعِ حدّادٍ يسوعي

خرّيج هافانا، وهافانا لها

ولَعٌ شديدٌ بالمطارقِ

والسيوف

ولقد تَخرَّج في مدارسها الألوف

فأعدَّهم كاسترو المُبالغ في العداء

لثور أمريكا ودرَّبهم على نقرِ الدفوف

**

مُذ دخَّنَ السيجارَ كاسترو

كانَ يحلُم بانتصارْ

(يبدو جميعُ المعجبينَ بتبغ هافانا

القديم يُفكّرون بالانتصارْ)

انا لست من أهل اليمين ففيهِ

رجعيّون أقزامٌ صغار

لكنني رجلٌ أرى أنَّ الذي نصَر

اليمين هو التخلُّف في اليسار

وأرى شيوعياً بهذا الحجم من صدرٍ

وأكتافٍ سيخسرُ حُلمَ ليلتهِ

إذا طلع النهار

**

يا سيدي كاسترو الجميلَ برغم لحيتهِ

التي صارتْ شعارْ

أنا لا اعتراضَ لديَّ إنْ حاربتَ

أمريكا وشطَّ بك المسار

لكنَّ مطرقةً ومِنجلَ حاصدٍ

غيرُ الصواريخ المخيفةِ

والبوارج في البحار

أنا ناصحٌ، وكما نصحتُ أخاكَ

جيفارا، أُذكِّرُ باختصارْ:

إسمعْ معي...

قبلي وقبلَك شاعرٌ قد قالها:

لا عدلَ إلّا إن تعادلت القوى

والأقوياءُ همُ الكِبار

**

يا سيدي لا تبعث الجنديَّ للميدانِ

حين يكونُ جائعْ

لا تبتدع سُنَنَ الهجومِ على العدوِّ

وأنتَ أضعفُ مَنْ يُدافِع

يا سيدي...

ما رأيُ حضرتكَ الكريمة بالوراثة؟

هل أنَّ كوبا ليس فيها غيرُ راؤولٍ

لتجعلهُ الوريث؟

أم أنَّ حُبَّ الحكم يسري في النفوسِ

كأنّه المرضُ الخبيثْ؟

إنَّ اليسار تصوّفُ

والعبقرية موقفٌ

وأمام هذا قد يطولُ بنا الحديث

**

يا سيدي كاسترو

إذا أغراكَ ما قد قلتهُ

فأبعث لنا من تبغ هافانا

سجائرك الجديدة

فلربما ننسى الذي قُلنا ونصبحُ

من رفاقك في العقيدة

**

وإذا تعبتَ من النضالِ

فغادر الحزبَ العتيدَ وكن

مليكاً دون تاجْ

ما ظلَّ في العُمر الذي يكفي

رفاقكَ كي يُثيروا الاحتجاجْ

حقاً تعِبْتَ وخارتِ العضلاتُ

فيك، فصرتَ أحوَجَ

ما تكونُ إلى (مساجْ)

واثنانِ في كوبا يُحبّهما الجميعُ؛

عَراقةٌ الحزبِ الشيوعيْ

وتقدمُّ التدليكِ والتأهيلِ

والطبِّ الطبيعي.

***

د. ريكان إبراهيم

 

جمال مرسي (معارضة لنونية ابن زيدون)


آنَسْتُ نُورَكِ مُذْ أَغرَى لَيَالِينَا

                     بِالشَّهدِ والوَردِ يَا أَغلَى أَمَانِينَا

لُمتُ الظَّلامَ الَّذِي مَا كُنتُ أَعرِفُهُ

                       إِلَّا دُمُوعاً أُرِيقَتْ مِنْ مَآقِينَا

دَربٌ مِنَ الشَّوقِ نَحوَ الصُّبحِ يَأْخُذُنِي

                      مِنِّي إِلَيْكِ إِلى أنْ تُشرِقِي فِينَا

كَتَمتُ تَحتَ ضُلُوعِي كِلْمَةً، عَجَزَتْ

                    عَن وَصفِهَا لُغَتِي، فِيهَا تَأَسِّينَا

تَاجٌ عَلَى رَأسِ أَشعَارِي يُزَيِّنُهُ

               حَرفَانِ مِن رَوْضَةِ النِّسْرِينِ تَزيِيِنَا

وهَلْ سَتَنعَمُ أَشعَارِي بِحَاضِرِنَا

                 إِلاَّ إِذَا نَهَلَتْ مِنْ فَيضِ مَاضِينَا؟!

رُوحِي فِدَاؤُكِ يَا مَن بِتُّ أَعشَقُهَا

                    ولَم يَجُلْ فِي خَيَالِي أَنْ تُجَافِينَا

هِيَ المَحَبَّةُ جَلَّ اللهً خَالِقُهَا

                 قَد أَنبَتَتْ فِي قُلُوبِ الخَلقِ نِسرِينَا

شَمسٌ بِأُفْقِيَ قَد أَرخَتْ جَدَائِلَهَا

                عَلَى الظَّلامِ، وجَاءَتْ كَي تُدَاوِينَا

مَدَّتْ إِلَيَّ يَداً، مِن طِيبِ مَلْمَسِهَا

                          نَسِيتُ أّيَّ جَفاءٍ كَادَ يُفنِينَا

سَلَّمتُ بِالعَينِ قَبلَ الكَفِّ فَاْنصَهَرَتْ

                      عُيُونُنَا فِي عِنَاقٍ غَاظَ وَاشِينَا

الدِّفءُ فِي يَدِهَا، والطُّهرُ فِي دَمِهَا

                 والعِطرُ فِي فَمِهَا يُهدِي الرَّيَاحِينَا

لا زِلْتُ أَذكُرُ إِذ جَادَتْ بِضِحكَتِهَا

                 والَّليْلُ سَاجٍ وصَمتُ اللَّيلِ يُغرِينَا

دَاوَتْ بِقَلْبِيَ هَمّاً قَد شَقِيتُ بِهِ

                  مُذْ كَشَّفَتْ دُرَراً فِي الثَّغرِ تَسبِينَا

يَا لَلجَمَالِ الَّذِي أَبصَرتُ طَلْعَتَهُ

                  فِي وَجهِ مِن سَبَحَتْ فِيهَا مَعَانِينَا

نِيلٌ إِذَا مَنَحَتْ، نُورٌ إِذَا ضَحِكَتْ

                     شَهدٌ إذَا نَطَقَتْ، تَسمُو قَوَافِينَا

رَأَيْتُ نَفسِيَ فِي لَيلٍ يَطُولُ بِنَا

                   كَمَا يُرَى البَدرُ فَرداً فِي دَيَاجِينَا

الشَّمسُ تَمنَحُهُ نُوراً يُشِعُّ بِهِ

                   كَي مَا يُسَامِرُ فَي الَّليلِ المُحِبِّينَا

غَرِيبَة هَذِهِ الأَيَّامُ تَحرِمُنَا

                       مِمَّنْ نُحِبُّ ومِمَّنْ أَثَّروا فِينَا

بَحرٌ يُقَرِّبُنَا مِنهُم، ويُبعِدُنَا

                   مِنْ دُونِ أَشرِعَةٍ عَنهُمْ ولاَ مِينَا

شَتَّانَ مَا بَينَ مَن مُتْنَا بِهِم عَطَشاً

                   و بَينَ مَن غَمَرُوا بِالحُبِّ وَادِينَا

مَاذَا سَتَكتُبُ أَشعَارِي إِذَا وَصَفَتْ

                   مَن أَسعَدُوا الكَونَ أَقوَالاً وتَبْيِيِنَا

سَأَلْتُهَا، قَالَت الأَشعَارُ عَاجِزَةً :

                     لَنْ نَستَطِيعَ لَهُمْ وَصفاً يُوَافِينَا

النُّورُ يَنبُعُ مِن عَيْنَيْكِ مُلهِمَتِي

                     فَكَيفَ أَمنَحُ لِلأَنوَارِ تَزْيِيِنَا ؟!

لا تَعجَبِي، فَالهَوَى لَوْ زَارَ صَاحِبَهُ

                        يَهِيمُ حِيناً وقَد يَهذِي أَحَايِيِنَا

قَلبٌ كَقَلبِكِ أَهوَى أَن أَعِيشَ بِهِ

                      فَمِثلُ قَلبِكِ بَعدَ المَوتِ يُحيِيِنَا

صَوتُ كَصَوْتِكِ تَهوَى الأُذْنُ نَغْمَتَهُ

                  مَاذَا سَيُنشِدُ بَعدَ السِّحرِ شَادِينَا؟!

يَمَّمتُ وَجهِيَ نَحوَ البَيتِ خَاشِعَةً

                  جَوَارِحِي، وجَلالُ البَيتِ يُغشِينَا

دَعَوْتُ رَبِّيَ أَنْ يُبقِيكِ لِيْ سَنَداً

                    فَرَدَّدَ النَّبضُ فِي الخَفَّاقِ: آمِينَا

هِيَ الحَيَاةُ أَذَاقَتْنَا حَلَاوَتَها

                       حَتَّى دَعَا لَكِ قَاصِينَا ودَانَيِنَا

أَيقَنْتُ أَنِّيَ مَهمَا طُوِّعَتْ لُغَتِي

                   يَظَلَّ شِعرِيَ فِي عَيْنَيْكِ مِسكِينَا

يَا لَيْتَهُ كَانَ يَسْطِيعُ القِرَاءَةَ فِي

               سِفرِ العُيُونِ، ومَا فِي القَلبِ تُخفِينَا

قُرآنُ رَبِّيَ يَحكِي عَن مَلَائِكَةٍ

                         للهِ لَوْ أُمِرُوا، جَاؤُوا مُلَبِّينَا

و قَد رَأَيْتُكِ فِي الأَحلامِ فَاتِنَتِي

            مَلْكاً عَلَى الأَرضِ فِي الأَنوَارِ تَمشِينَا

نُبِّئتُ أنَّك جئتِ الأَرضَ مُرسَلَةً

                         مِنَ السَّمَاءِ بِأَخلاقِ النَّبِيِينَا

تُوحِينَ لِلنَّاسِ أَن ثُوبُوا لِرُشدِكُمُو

                وسُقتِ فِي نُصحِكِ الغَالِي بَرَاهِينَا

أَستَغفِرُ اللهَ مِن قَولٍ بِهِ شَطَطٌ

                        فَإِنَّ لِلشِّعرِ شَطْحَاتٍ تُوَاتِينَا

لا تَعتِبِي إِنْ رَأَيْتِ الشِّعرَ يَأْخُذُنِي

                لِمَنْ تَخِذْتُ هَوَاهَا فِي الوَرَى دِينَا

نَقَشْتُهَا فَوقَ صَدرِي قِصَّةً بَقِيَتْ

                   وَضِيئَةً فِي المَدَى تَمحُو مَآسِينَا

وَهَبتُها الرُّوحَ، إنَّ الرُّوحَ أُمهِرُهَا

                  لِمَن إِذَا جُرِحَتْ فَالجُرحُ يُدْمِينَا؟

رَضَعْتُ فِي المَهدِ نِيلَ الطُّهرِ مِن يَدِهَا

                    وهَل كَمَا النِّيلُ مِن نَهرٍ يُرَوِّينَا

وطُفتُ مِن شَرقِهَا لِلغَربِ مُنْتَشِيَاً

                     رَأَيْتُ أَزهَارَهَا تَكسُو رَوَابِينَا

مَا زِلتُ أَذكُرُ لَهوِي فِي مَرَابِعِنَا

                    وذِكرَيَاتِ شَبَابِي فِي ضَوَاحِينَا

لَيتَ الَّذِي مَرَّ مِن عُمرٍ يَعُودُ لَنَا

                          لَكِنَّهُ الشَّيبُ يُنْسِينَا أَمَانِينَا

يَجِيءُ غَصبَاً فَلَم نَمنَعْ زِيَارَتَهُ

                    ويَنثُرُ الفُلَّ فِي الفَوْدَينِ، يُغرِينَا

كَأَنَّنَا بَعدَمَا أَضحَتْ كُهُولَتُنَا

                   نَقشاً بِحَاضِرِنَا، نَشتَاقُ مَاضِينَا

تَاللهِ لَم أنسَ مَا قَد كَانَ يُضحِكُنَا

                    كَلَّا، ولَم أَنْسَ مَا قَد كَانَ يُبكِينَا

قُولِي أُحِبُّكَ كَي مَا أَستَظِلُّ بِهَا

                   عَسَى تُهدِّئُ فِي القَلبِ البَرَاكِينَا

لَستِ البَخِيلَةَ حَتَّى تَحرِمِي وَلِهَاً

                     يَحيَا بِهَا عُمُراً لَوْ كُنتِ تَدرِينَا

بَيْنِي وبَينَكِ بَوْنٌ شَاسِعٌ ومَدَىً

                  و كُلُّ أَشرِعَتِي أَضحَتْ بِلا مِينَا

جَمِيلَةٌ بَعضُ أَحلَامِي فَقَد زَرَعَتْ

                   فِي أُفْقِ أَخيِلَتِي الأَعنَابَ والتِّيِنَا

مَنَحتُهَا مَن بِهَذِي الأَرضِ قَد حُرِمُوا

                          حَقَّ الحَيَاةِ مَلايِيِناً مَلاَيِيِنَا

الحُلْمُ يَا رَبَّةَ الأَحلامِ يَحمِلُنَا

                          عَلَى جَنَاحِ أَمَانِينَا فَيُحيِينَا

لَيتَ الحَيَاةَ كَمَا الأَحلامُ نُبصِرُهَا

                   وَردِيَّةَ الرَّوضِ، تَرعَاهَا أَيَادِينَا

لاَ خَوْفَ، لا فَقرَ، لا أَوجَاعَ تَسكُنُهَا

              لا حَربَ، لا مَوتَ تَرعَى خَيْلُهُ فِينَا

مَا عَادَ يَشغَلُنِي مَا قِيلَ مِن زَمَنٍ

                (أَضحَى التَّنَائِي بَدِيلاً مِنْ تَدَانِينَا)

رَسَمتُ يِا أَنتِ مَا قَد فَاقَهُ لُغَةً

                     بِلا غُرُورٍ، ولَم تَعجَزْ قَوَافِينَا

سَكَبْتُ كُلَّ أَحَاسِيسِي عَلَى وَرَقِي

                      فأَوْرَقَتْ فِي فَضَاءَاتِي أَفَانِينَا 

يَوماً وَعَدْتُ إِذَا " وَلَّادَةٌ " رَجَعَتْ

                      إِلَى الحَيَاةِ لَجَاءَتْ كَي تُحَيِّيِنَا

واليَومَ وَفَّيتٌ وعداً قَد قَطَعتُ عَلَى

             نَفسِي، وعَارَضْتُ مَا قَد كَانَ يُشجِينَا

          ***

شعر : د. جمال مرسي

15/2/2018م

 

 

جواد غلومإذْ يُغادرُك ظلُّك في الليالي الحالكة الظلمة

ويُلوِّحُ لكَ مودّعاً

يُبقيك أنيسَ الوحشةِ وضجيعَ الصمت

تُومئ للأشباح متوسّلاً أن يبقَوا سُمّاراً لك

يظلُّ الأملُ آخر الأصدقاء المغادرين .

**

للأسُود عرينُها الساكن

للعصافير أعشاشُها الصاخبة

للكلاب جحورُها النائية

للماسِ غورهُ العميق في جوف الأرض

حيثُ السعير الجهنميّ

وضغطُ الدهور السحيقة في القِدَم

وللإنسان صديقُه النابت في داخلهِ

ساخناً ، بارداً ، لا ضير .

**

إذا لفَظتْني الأرض

وركلتْني بأقدامها

أتطلّعُ الى شجرة الملكوت الأعلى

ألوذ بالسماء صديقتي

مع أني لم أذقْ قِـطافَها .

**

القبر أول الأصدقاء المرحّبين في العالم السفلي .

**

السعادة صديقةٌ على موعدٍ معها

أترقّب طلعتَها ووقعَ خطاها

لكنّها كثيرا ما يتأخر وصولُها .

**

ليتني أفقه لغة القطّة السياميّة

صديقة المرأة العانس الوحيدة

لأسألها كيف لا تنشب أظفارها

وتمزّق الوحشة إربا إربا .

**

الكلب صديقٌ آتٍ من مدينة اليوتوبيا

بُعثَ ليرمم جدران الوفاء وحده

اذ لا أحد يشاركه سعيَه

هل قُدِّرَ لأنجاسِ الكلاب

أن تكون أعمّ وفاءً من طهاراتنا؟!

**

صديقُك من عادى شرورَك

اقترب من غناك وفقرك

دنا من هاويَـتِـك منقذاً

ارتقى معك في قمّتِـك مؤازراً

ووصلَك في الضيق والسِعة .

**

قلما يكون النجاحُ صديقَ النابغين والعباقرة

غير انه حتما صديقٌ دائمٌ للصوص

لحواةِ المال والشهرة الزائفة

**

تزهر الارض اذا وطأتها قدَمُ صديق

لكنّ هناك من يزلقهُا في الوحل فتتسخ

***

جواد غلوم

 

فتحي مهذبلم أعثر على مفتاح

في جيب (يونغ)

لأفتح قلعة رأسي

المليئة بالفهود

والمهرجين .

**

ثمة طرق متزايد

على شباك رأسي

أظن ذاك الملعون سيزيف

هشم مصابيح الحانة

جاء ليسترد صخرته

النائمة على حدبة ظهري

منذ زفرتين ونيف .

**

لم أجد شيئا في خزانة (أنكيدو)

لم أجد  عشبة الخلود..

لم أجد ألبومه الشخصي..

صورته الأخيرة قبل موته

في مستشفى المجانين..

لكن لماذا بيته مطوق بالفلاسفة

وبائعي لوازم الدفن ؟

**

لماذا هم كثر في طريقي..

القتلة الذين يرتقون براهينهم

بإبرة  البراقماتيزم..

أمام دار الأوبرا..

النهار (بمسدسه الأشيب)..

نظرته السيميائية العميقة

القبار الذي يضحك كلما سقطت

دمعة من (عنق الحصان)..

الحمامة التي تنادي باسمي

فوق شجرة الكاليبتوس..

حذار ثمة وحش يترصدك

على حافة السهو..

ثمة قطار مليئ بالأسرى

تحت جناحك..

ثمة لصوص يختبئون في عتمة

اللاجدوى..

بوذا على حصان مهشم..

**

أنصت إلى أمواج سيارة الإسعاف

ثمة غريق قادم من شاطئ اللامعنى..

ثمة ممرضة شقراء

تغسل حصان غريزتها بدموع الموتى..

ثمة صيدلاني يتبخر ببطء..

أنصت إلى صفارة الشرطي

ثمة مظاهرة ضخمة يتزعمها

لوقيانوس السميساطي .

***

فتحي مهذب

 

 

عبد الجبار الجبوريالخميسُ يوقظنُي من ياقتي، ويقولُ لي تَعالَ أعلمّكَ لغةَ النسيّان،وأعلمّكَ كيفَ تقبضُ على نجمةِ النسيّان وتمرغ أنف البحر بإصبع الهذيان، وها أنا أرشُّ طريق طلتّها بماء الورد،فتجيؤني في الحلم كل خميس، لترسمَ قصائدي على رملِ طفولتها، وجهاً يحبُّه قَلبي، كيف أُصفّف شَعرصباحَها، وهي تدلفُ الى بيتِ روحي كعروسٍ، حاملةً بحقيبتِها نجمةَ الليل، وشالَاً أحمر، وقنينةً من عطر إبطيّها، وأصابع لأحمر الشّفاه، تصافحُ يدُها يَدي، وقلبُها قَلبي، وروحُها روحي، وعيونُها عيوني، وشفاهُها شفاهي، في لحظةٍ نصير واحداً، ثم نتشظّى غريبيّن،تتمتم شفتاها بشيءٍ لاأفهمُه، ويتعثّر فَمي بكلامٍ كأنهُ يهذي فَمي، نجلسُ غريبيّن قُدّام البّحر، نلبسُ عُريَّ البحر،وأقمصةَ الليّل،كنتُ أقول لها تغيبينَ كدخان سجائري، وقنينةَ عِطري، وتسافرينَ على غيمةٍ محملةٍ بهمسِ المطر،أنا نايكِ المكسور،وأنا قمركِ القتيل على باب دمعتك، (آآ لَوَنْ يِنفتحْ كَلبي جان راويتج عليه شلون تتلجم جراحي،آآ لو موعيب أصيحن جنت أصيحن سامحيني بكل صياحي،سامحيني لا ألمّ الناس بصياحي وشهكَتي وجلمة سامحيني)، أنا شهقة خنقتها الريحُ، وإغتالَ دمعتَها الليلُ، وصاحَ في أول الصّباح حَرفي، (روحي لاتكَلها شبيج، وإنتَ الماي مكَطوعة مثل خيط السمج روحي)، روحي كمثرى تتدّلى من أعلى سماء، ترفلُ بالحزنِ، وبالموسيقا، والشعر، والموت، على قارعة النسيان، أُقسمُ بقامتكِ المطبوعةِ في قلبي،أقسمُ بعينيكِ اللتين تصمت دونهما الكلمات، أقسمُ بأنوثتكِ الكافرة، أقسمُ بطلّتكِ التي تُشبِهُ وجهَ القمر، أقسم بنهدينك، اليهربانِ من أصابع عَطشي، أقسمُ بزيتونة صدرييّك، وهما يضيئانِ أياميَ المثقلاتِ بالمطر، أحلمُ أنْ أقّبلَ ترابَ نَعليكِ، أقسمُ بماءِ شفتيكِ ولون دمعتيكِ، أقسمُ بذاك الشال، الذي ظل يُلوّح لي من بعيدٍ هناك، دون أنْ تراهُ عَيناي، عيَناي المكلومتان بفاتحة الغياب، عيَناي اللتان ترنوان طولَ العمر، بإنتظار طلتك البهية، كلَّ خميسِ،أخبرك ألآن، فالخميسُ ماتَ يومُ الخَميسْ،هذا ما ترسمه قصائدي على رمل طفولتك،طفولتك التي تنموكالعشب على وجع أيامي، وتنأى كالبحر الى سماء أخرى......

***

عبد الجبار الجبوري - الموصل

 

محمود روبيبريق..

ينطفئ أحيانا..

يصرخ في الظلام..

يعترف بالحقيقة..

حقيقة البهاء الأزلي

والعيون لا تنظر أبدا

تستنكر ذاك الانطفاء..

تُكذّبه.. تراه هروبا جبانا..

انسحابا من أرض المعركة..

فرارًا عند الزحف المقدس..

يالفظاعة كره معرفة الحقيقة!

لم يقل هذا البريق أنه بهاءً حُرًا

لطالما ملَّ أنهار المديح المتدفق..

حقبٌ متعاقبة.. لا تبتغي نهاية..

والنهار عاجزٌ عن فضح هكذا سر..

اليل حافظهُ وفاضحهُ أيضا..

لكن عيوننا الحمقى لا تنظر أبدا

***

محمود روبي

 

جمال مصطفىالـلـيــلُ ازرقُ،

أيُّ حــانْ

وعَـلَـيـهِ تَـحْـنـو قُـبّـتـانْ !

 

ادخـلْ

كـأنَّ قـصـيـدةً بـسـيـاقِـهـا

تَـتَـنـادَمـانْ

 

ادخـلْ:

هـنـا الـخـيـّـامُ مُـعــتَــكِـفٌ

عـلى مَـرِّ الـزمـانْ

 

مَـن انتَ؟

لا بـلْ صـوتُ مَـن هـذا؟

أسـاطـيـنُ الـمَـكـانْ

 

تَـصْـطَــفُّ أقـواسـاً عـلى الـرُؤيـا

وتـزدلِـفُ الـمَـعـانْ

 

هـيّـا:

دخـلـتُ،

أمـامَ مكـتـبـةٍ وقـفْـتُ،

وشَـمْـعَــدانْ

 

وكـأنّـمـا:

رَنْـدٌ ومِـسْـكٌ كـالـغــمـامـة ِ

يَـسْـرقـانْ

 

في خِـفّـةٍ

مِـن مِـخْـلـبِ الـصـقْــرِ الـيَـمـامَـة َ

في حَـنـانْ

 

أنا مِـن جـنـوبِ الـكـونِ:

لي أهْـلٌ هـنـاكَ

ونَـخْـلَـتـانْ

 

هُـمْ يَـسْـمَـعــونَ الـسَـلْـطَـعــونَ

يَـسـبُّ أمّ َ الـشُـمْـبُـلانْ

 

لا شيءَ تَـطْـحَـنُـهُ طـواحـيـنُ الهـواءِ

سـوى الهَـوانْ

 

مَـن انتَ؟

 قـال: انـا ثـلاثـتُـنـا

 إذا اتّـسعَ الـخُـوانْ

 

سـرٌّ وراءَ الـسـرّ:

قــاصٍ ــ في طـبــيــعــتـهِ ــ ودانْ

 

الـسـرُّ يَخـتـلـقُ الـمـسـافـة َ كـالـسـرابِ

لِـكُـلّ ظــانْ

 

سِـتّـونَ

ــ تَـتْـرى في الـدقـيـقـةِ لـن تَـعــودَ ــ

مِـن الـثَـوانْ

 

قـد يَـنجـلي فـيهــا الـجـلـيـلُ الـمـستـحـيـلُ

أو الـمُـصـانْ

 

بِـحـجـابـهِ عَـنّـا .

يـقـولُ: أنـا أراك ولا تَــرانْ

 

سـبـّـابـةُ الـعـيــنِ الـتي تُـصـغـي

إلى أقـصـى الـرهـانْ

 

نـسْـغُ الـصعــود الـحُـرّ اشـجــاراً تـطـيـرُ

إلى الـجِـنـانْ

وتَـعــودُ:

نـسْـغُ نُــزولِـهــا

أدرى بـمـا قـبْـلَ الأوانْ

 

وبـمـا طَهـا

في الـغـيْـبِ طـاهِـيهـا

ومـا ذاقَ اللـسـانْ

 

هـو إنْ تَبَخـّرَ مُـستـعـيـنٌ

أو تَـكَـثّـفَ مُـسْـتَـعـانْ

 

الـسَيـْسَبـانُ لِيستـظـلَّ بـهِ الـرعـاةُ،

الـسَيْـسـبـانْ

 

الـعـاشـقـون الـعـاشـقــاتُ

إذا الـقــساة ُ .

الـسـنْـديـانْ

 

أنْـشَـبْـتُ فـأسي في اللّـحـاءِ،

 تركـتـُهــا .

 كـادَ افـتِــتـانْ

 

هـذا بـتـلـكَ،

 وهــؤلاءِ بـهــؤلاءِ .

 الـمَـعْــمَـعــانْ

 

جَـدَلٌ عـلى أمـلِ اندلاعِ الـنـارِ

مِـن تحْـتِ الـدخـانْ

 

هي ذاتُهـا بَـعْــدَ الـرُباعـيـّاتِ

فـاغــمـة ُ الـدِنـانْ

 

لـيستْ بنيْـسابـورَ،

تَـعـْـرفـهـا ولـيـستْ اصـفـهـانْ

 

لـيستْ نبيـذَآبادَ غـرْبَ الهـالِ،

شـرْقَ الـزَعْـفـَرانْ

 

مـا بـيـن لـثـغـتِـهـا هي الأنثى الـتي .....

والـتـرْجُـمـانْ

 

نُـثـِرَتْ نِـقـاطٌ مِـن

حـقـيـقـتـهــا كَحَـبـّاتِ الجُـمـانْ

 

إلا اذا ثـقـبـوا الـزمـانَ

 فـعـادَ سَـوْفَ كَـ ـسَوفَ كـانْ

 

إلا (إذا) جَـزَمَـتْ،

مـتى جـزمَـتْ (إذا)؟

هـل تـأخــذانْ

 

مِـنهـا،

فـقـاطَـعَـهُ الـنـديـمُ:

نـصـيـبَ فـانـيـةٍ وفـانْ

 

اللـيـلُ ازرقُ

أمْ زجـاجُ الـحـانٍ عَـشّــقَــهُ اقـتـرانْ

 

الخـمْـرِ

 بـالـقَـدَحِ الـسـمـاويّ انـتــشــاءاً

 في اتّــزانْ؟

 

مـا مِـن حَـرام ٍ في الـقـصيـدةِ

غـيْـرُ تَـرويـضِ الحـصـانْ

 

هـاتِ الـرياضـيـّاتِ: هـنـدسـة ً وجَـبـْـراً

يَـلـعـبـانْ

 

في صـرّةِ الأسـرارِ: أفـعـى لا تَـمـوتُ

وأفـعُــوانْ

 

كَـبُـرا فَـصـارا حـاويَـيـْنِ

 بـلا يَـديْـنِ، يُـرَقّـِصـانْ

 

فـيْـضـاً

تَـكـامـلَ كَـمُّـهُ في كُـمّـهِ

حـتى أبــانْ

 

فـبـأيّ أرقـامِ الـيـقـيـنِ

تُـكَـذ ّبـانْ

 

حـتى ولَـوْ زعَـمَ الـذيـنَ:

كـعــارفَـيْـن ِ تُـطـعّــمـانْ

 

الـكَـرْمَ بالخَـشْـخـاشِ

أوْ بالـكَـرْمِ خَـشْـ ـ ـ ـ

يا اُلْـعُــبـانْ

 

يَـنـزو مـزاحُـكَ فـوقَ جِـدّكَ

ثـمّ لا يَـتـنـاكَـحـانْ

 

هـذا لأنَّ خـيـالَـهُ

مُـتـلاقِـحٌ: إنـْـســاً وجــانْ

 

تَـتَـحـيّـنـانِ

عـلى أبي حَـيـّـانَ

مـا تَـتَـحـيـَّـنـانْ

 

يَـتَـحـيّـنـانِ مُـقـابَـسـاتٍ مـنـكَ

سـاحـرةَ الـبَـيـانْ

 

لا بَـلْ يُـقـابـِسُـنـا الأخـيـرُ زمـانُـهُ

دعْ عـنْـكَ كـانْ

 

لِـتَـكُـنْ مُـؤانـسـةً وإمْـتـاعــاً

وأصـداءاً حِـسـانْ

 

طُـويَ الـمـكـانُ

فـصارَ أصغــرَ مـثـلـمـا

طُـويَ الـزمـانْ

 

عُـمَـرٌ تَـساءَلَ: كَـمْ لَـبَـثْـنـا،

قـلْـتُ: مَـرّتْ سـاعـتـانْ

 

هَـلاّ تُـسـَمّي بَـعْـضَ مـا أحْـرَقْـتَ؟

 قـالَ: (الكَـفّـتـانْ:

 

الـذلُّ في الـشكْـوى ولَـو كـانتْ،

وكَـعـبـةُ شَـلْـمَـغـانْ

 

فـكـتـابُ تألـيبُ العـَـوام ِعـلى اللبـيـبِ:

مُـجَـلّـدانْ

 

وشُروحُ كَـلاّ قَـبْـلَ لا

للـفـيـلـسـوفـةِ شَهْـرَبـانْ)

 

عـن بَـحْـرِ (كـانَ)

 سـألـتُ حـتى ـ ـ ـ بَعْـدَ حـتى أوْقـفـانْ

 

عـن بحـرِ (سـوفَ) الآنَ

وانـدفـعــا مَـعـاً يَـستـفـسـرانْ

 

يا صـاحـبـيَّ،

اللـيـلُ ازرقُ لا مَـجـازاً

بَـل عـيـانْ

 

وهُـنـا: عـلى هـذي الـرفـوفِ

جـوابُ مـا لا تَـعـرفـانْ

 

وسـقـوفُ مـا رَفـعـتْ

و تَـرفـعُـهُ مُـجَـنّـحَـةً يَـدانْ

 

فـاكـورةُ اللا شَـكِّ خـادمَـة ٌ،

 وأذرعُـهــا ثَـمـانْ

 

وتُـروسُ سـاعـتِهـا وقـد شَـفّـتْ

وعَـبْـداهـا الّلـذانْ

 

حُـرّيـن ِ قـد طَـفَـقـا عـلى ايـقـاعِـهـا

يـتـراقـصانْ

 

قـفَـصُ الـطـيـور يـطـيـرُ مـفـتـوحـاً:

تُـغــرّدُ وحْـشَـتـانْ

 

قَـبْـلَ الغـروبِ

كـأنَّ وحْـدَكَ لَـسْتَ (وحـدَكَ)

يا فـلانْ

 

هـذا هـو الحاكي،

اسـمعـا يـا صـاحـبـيَّ مِـن الأغـانْ

 

ومِـن (الـربـاعـيّـاتِ) يا عُـمَـرٌ

فـراحـا يُـصْـغـيـانْ

 

ذو الـقـوسِ مـا هـذا المُخَـصَّـرُ؟

هـذه؟

هـذي الـكَـمـانْ

عَـبّـأتُ غـلـيـوني فـدخّـنَـهُ،

وغـابَ مع الـدخـانْ

 

هـل مِـن جـديـدٍ؟

قـال: فـاسْـمَـعْ

قـلْـتُ: إنّـا مُـصْـغـِـيـانْ

 

الـقـلْبُ عـقـلٌ في الـقـصيـدة

والـقـصيـدةُ ثُـعْــلُـبـانْ

 

مـشْـطٌ لِـتـسريـحِ الـدَهـاءِ مع الـفـراءِ

إذا الـنسيـمْ

 

وافى سـيَـلْـعـبُ وحـدَهُ

مُتـنـاغِـمـا ً عَـيْـنـاً و جـيـمْ

 

قـمَـراً عـلى ضـوءِ الـقـصيـدة

في القـصيـدة يَـرْسـمـانْ

 

وهـنـا أبـو حـيّـانَ نـشـوانَ انـبـرى:

لـوْ تَـسـمَـحـانْ

 

عَـرّبْـتَـهُ أمْ جـاءَ وحْـيـاً بالـتي ..؟

 كـادَ الـلـســانْ ـ ـ ـ ـ

 

حَـسَـنـاً خُـذا هـذا وبالـفـصحى،

فـقـلـنـا: آخــذانْ

 

وعْـلان ِ

مِـن ذَهَـب ٍعـلى سـفْـحِ الـصدى

يَـتـنـاطـحـانْ

 

والـنـاسُ في الـوادي

فـصـولُ حـكـايـةٍ ومُـعَـسْـكَـرانْ

 

الليـلُ ازرقُ في الـقـصيـدةِ

والـقـصـيـدة سـاحـلانْ

 

يـتَـقـلّـدانِ الـبَـحْـرَ أوْسـمـَـةً وَهَـوْلا ً،

لا ضَـمـانْ

 

الـريـحُ

سـيّـدةُ الـكـبـائـرِ والـمـصائـرِ

والـمَـضـانْ

 

فـبـأيِّ خـلْجـان الـقـصـيـدةِ

راجـعَـَـيـْـن ِ

تُـجَـذِّ فـانْ؟

قـالا:

 مِـن الـشَـتّى ـ ـ إلى الحَـتّى

 مـروراً بالأتـانْ

 

بـيـضـاء َ طَـوَّقَهـا يـقـولُ:

خـَلـيـقـة ٌ بالأقـحـوانْ

 

بالغـيـمِ

بالـمـطـرِ الـذي يَسقـي

حـقـولَ الخـيْـزرانْ

 

كي

تـفـرحَ الـناياتُ بالـشَجَـن الـمُعـتّـقِ .

باخـتـزانْ

  

صُـبـّيـرةِ الـشَـظَــفِ الـطـويـلِ

الـمـاءَ مِـن آنٍ

لآنْ

 

بالحَـيْـرة الحُـبـلى الـتي لا حـيـرةٌ

بَـلْ حـيـرَتـانْ

 

لَـمْ تَـقْــوَ سـاقُ الحـنْـدقـوقِ

مِـن الـريـاحِ

عـلى احـتِـضـانْ  

 

ألـعـابِ يَـعْـسـوبَـيْـنِ

مِـن اهـدابهـا: يَـتـدلّـيـانْ

 

حَـذِرَيـْـنِ

ــ ألاّ يَـسْعَــلا عَـسَـلا ً ــ

فـلا يَـتَـلاسَـعــانْ

 

أُسُّ الـتـبـاسِ الحـقِّ

أغـشـيـة ٌ

تَهـيـجُ وغـدّتـانْ

 

مُـذْ كانَـتـا

ــ كـانَ الـسِجـالُ ولـمْ يَـزلْ ــ

تَـتَـصارَعـانْ

 

كـأسي الـتي انـدلَـقَـتْ ثـمـالَـتُـهـا

وثـمّـة َ اُخْـرَيـانْ

 

عُـمَـرٌ، أبـا حـيّـانَ أيـنـكُـمـا؟

أكـانَ الـصـاحـبـانْ

 

نَهـرَيْـن ِ في وادي الـسرابِ

معَ الـرؤى يَـتـراءَيـانْ؟

 

سَـكـرا فَـغـابـا،

لـن يكـونـا

صـاحـبَيْ هـذا الـزمـانْ

 

وحْـدي إذنْ:

عـادا إلى رَفٍّ

ونـامـا في أمـانْ

 

لَـكَـأنّـمـا

الـعَـدَمُ انـقـشاعُ الـوَهْـمِ،

لا معـنى الـمَـعـانْ

 

قـطْـفُ الـرغـائـبِ قـبْـلَ مَـوعـدِهـا

و مـا بَـعْــدَ الأوانْ

 

و(سـمـعـتُ صـوتـاً هـاتـفـاً)

في الـفـجْـر: حَـيَّ عـلى الأذانْ

  

الـفـجْـرُ ديـكٌ في الـقـصـيـدةِ

والـقـصـيـدةُ أرْجُـوانْ

 

سَـهْـرانَ

يَـنْـقـرُ نـقـطـةَ الـنـونِ الـزبـيـبـةَ

يـا جـبـانْ

 

أدمَـيْـتَهـا ودهـنْـتَ عُـرْفَـك َ،

قـال: حَـسْـبي حَـبّـتـانْ

 

الـنـمْـلُ خـيـط ٌ في الـمَـجـازِ

الآنَ تـدخـلُ نـمـلـتـانْ

 

في جـوفِ قـافـيـةٍ

-  تَـسَـمَّـرتـا -

فـأطـبـقَ كَـهْـرَمـانْ

 

لا بُـدَّ لي مِـنّي،

ومِـن سِــنَـةٍ أضـافَ الـبُـؤبـؤانْ

 

أرِحِ الـذي

مِـن أجـلِ قـافـيـةٍ

تُـسـمّـيـهِ الـجَـنـانْ

0

الـشـمـسُ تَـضحـكُ

 أمْ عـلى آسِ الـسيـاجِ

عـمـامـتـانْ؟

***

جـمـال مـصـطـفـى

 

زياد كامل السامرائيإسعاف

واقفةٌ هناك...

تحتَ مظلة الوقت.

ولكي أشاغل المطر بيني وبينها

طبعتُ على راحة كفّي شفتيّ،

ونفختُ بقوةٍ

لتعبُر الشارع...

مُسرعة  قُبلتي

قبلَ أن تدهسها

سيارة الاسعاف المجنونة.

 **

شيطانٌ رابع

أنا في الشرق

وهي في دولة بعيدة،

نائية

تبعثُ لي رسالة حُبِّ

كَتَبَتها على صورتها

وهي تداعب كرات الثلج.

أبعث لها صورة "التحرير"

هي قالتْ : أحبكَ

أنا قلت : "ثورة" ما بين أحبكِ أحبكِ

ينقطع "النت"

لا نقول شيئا.

 **

حُب

يدخلُ النفق.....

ليس طويلا،

قطار الحبّ المتسارع.

أمسكُ يدها

يدها تُلامسُ زجاج النافذة الملساء

آه ....

تصرخ

يخرج

قالتْ: لكمْ أردتُ أن أكون معكَ الى الأبدِ !

***

زياد كامل السامرائي

 

عبد الزهرة شباريإلى الجموع الهادرة

في ربوع وطني المناضل!


ألووا عنانكمُ  واتلوا أيــــــــــة الطرَبِ

                   فالحبُ في شَــــــــــــــــدوَكُمْ قيثارةُ الرُتَبِ

والخيلُ عندَكُمً دُهمـــــــــــــاً لَها طَرَبٌ

                    في ساحَةِ الجَمعِ كَلمى تطفو على الشُـهُبِ

كأنكُمْ في ثيابِ العرسِ زاهيــــــــــــةٌ

                   تبدونَ أو أُ سُــــــــــداً في الحربِ والكُرَبِ

إنّيّ رأيتُكُمُ والحب يُنبئنـــــــــــــــــي

                 ويعتَلي النَخلَ نِســــــــــــــــراً لا ولمْ يصبِ

مَرحا لِساريةٍ في شَـــــــدوَكُمْ خَفَقَتْ

               لَفَّ الزنودِ بســــــــــــــــفرِ البيضِ واليُلبِ كَمْ

من ســـــــــنينٍ أبتْ ألاّ أغاولُها

                    في غَمرةِ الحُزنِ أياماً بها وَصــــــــــــَبي

والروحُ ظمأى  وما تدرونَ ما صَنعَتْ

                    في غَلسَـــــــــةِ الليلِ جاءتْ تَرنو للخُطَبِ 

تَوَسدتْ من فِراشِ الشوكِ وَانغَمَسَتْ

                    عُمرَ الحياةِ قَضَتْ عُمراً على السَـــــــغَبِ

 

أســـــــــــــيرُ أهذي مواويلي مولَّهةٌ

                    عَطشــــــــــــى كأنّي بأرضٍ لا وَلمْ تَطُبِ

أعاتُبُ الشِـــــــعرَ ترحالي على وَلَهٍ

                        وأســـــألُ الخَودَ أينَ الشـــوقِ والحببِ

وأينَ أينَ الَوفى جَفَّتْ مَنابعــــــــــهُ

                      أثَر ابتعادي وصُــــــــوتٌ ما خَلاّ عَتَبي

فبتُ أطوي الجفا كالعيسِ من ظمأٍ

                  يخالها الناسُ  ملآى وهي في سَــغَبِ تموجُ

من حولّي الأيامُ مضــــرجَةٌ

                     دمُ الشباب يناغي ســــــــورةُ الغضَبِ ما

همَهُمْ غير حبِ الأرض تعشقهمْ

                    أرضُ الســـواد ِ بذاتِ الخيرِ والخصُبِ يا

رحمَةَ الله طوفي حولَهُمْ وَهُبــي

               بُردَ الحَنينِ بعزٍ في ذُرى السُـــــــــرُبِ أرمي

قوافي الهوى في الليلِ من وَلَهي

               وَأســــــألُ النَجمُ كمْ هُومتَ في غَضَبي حَيرى

النُجُومُ بوجهِ البيضِ تَرمقُني

                    وَتســـــــــري خَجلى بنيلٍ  لا وَلَمْ تَهُبِ أنا

العُراقُ جُراحاتــــــــــــي مُطَهَرَةٌ

                      لا تَشكي  ضـــــيما ولا ذُلاً على الحُقَبِ

 

إذا دَجا الليلُ بالظلماءِ  كُنتُ لَهـــــا

                     أيقظت شــــــعري بِعزٍ في هَوى الطَرَبِ

تَنأى رؤاي وَشدوي في حِما وَطَني

                         وَتستَفيضُ شـــــجوني بالهوى الكُرُبِ

ســيانُ عِندي إذا ما عشت ممتَحِناً

                أو مُتُ في خَيمتي  الوَلهى على الجُدُبِ تنثالُ

من دَمِيَّ الأيامُ زاهِيــــــــــــةٌ

                       وَيشرَبُ الليُلُ من أهي وَمِنْ صَخَبي إنْ

غاضَ دَجلَةً من بغداد ندَّ  لهـــا

                     جُرفُ الفُرات وصاختْ دولَتَ الكذبِ أما

تَرى الشَمسَ في عُرنينَها كُسِفَتْ

                         وَبانَ مِنها شَواظٌ ينبو بالغَضَــــــبِ يا

رَحمةُ الله أطوي شَـــدوَ من وَهَبوا

                       تِكَ الدِماءُ وَأعمارُ علــــــى النُوَبِ أُعيذُ

شَدوي وشِعري بالهَوى عَلَناً

                       إذا تساوتْ دِماءٌ في سُرى الرِيَبِ مادَتْ

عرا بيدهم في جِرفِ ذا وَطَني

                  وَانمازَتْ البيض في الَعلياء  كالسحبِ مَدوا

الرِقاب جسوراً للعُلى وَطَناً

                          وَأوقَدوا الرُوحُ  بركاناً علــى الطَلَبِ

 

وَعاهدوا الشَعبَ إيماناً بِمَلْحَمَـــــــــةٍ

                         لَها دَوياً على الأفاقِ وَالشُــــــــــــهُبِ

فالنَصرُ فيكُمْ  نَما في شَمْسِكُمْ سطعت

                          بُشراكَ يا  شَعبُنا  ترقى على السُحُبِ

سَينجَلي الغَيمُ حَتماً من سَـــــــــمائكُمُ

                       ويرتَقي الشَعبُ عِزاً يسمو بالحَسَبِ  !!

***

عبد الزهرة الشباري

في البصـــ23/12/2019ـــــرة