عبد الاله الياسري(البحر المنسرح)*

 ***

تُجيب بالطَّرفِ حين أَسالُها

أَنـابَ عنـه اللِحـاظَ مِقْوَلُهـا

 

وليس مثلَ الكــلامِ نظرتُهـا

أَفترُها في الجفونِ أَجزلُهـا

 

تبسَّمتْ رغمَ حِذْرها وهفتْ

وكاد صمتُ الشفاهِ يَخذلُهـا

 

طُوبَى لبُــردٍ فويـقَ مُنبلــجٍ

لقـامــــةٍ زانَــــها تَـدلّلُهــــا

 

وددتُ لو ساعدي عباءتُها،

لضمِّ مـا شـاقَني، ومُخْمَلُها

 

قـد أَذهلتْني بهمسِ رغبتِها

وجهـرِ ما فيَّ بـتُّ أُذهلُهـا

 

تَبعتُهــا إذ مشـتْ تُطمئنُهـا

لواعجي والرقيبُ يُوجِلُـها

 

ما يُطمِعُ النـاسَ في تَفرُّقِنا؟

وما سَـيَجني لهــا تَطَفّـلُهــا؟

 

حَـــوَّاءُ مِـنْ آدمٍ وآدمُ مِـنْــ

ـها. وحدةُ اللهِ. كيف نَفصلها؟

 

وبينمــا كنـتُ خلفَهـــا قلِقـاً

أُحـاورُ النفسَ ليْ وأَسـأَلُها

 

دخلتُ هيمانَ وسْطَ غرفتِها

ماكنتُ ـ لولا الهيامُ ـ أَدخلُها

 

دنـوتُ منهــــا دنـوَّ مُنتحِــرٍ

ورحتُ خوفَ النوى أُقبِّلُهـا

 

وأَيُّ حَــرٍّ أَشـــدُّ من قُبَـلِيْ؟

هجيـرُ قيظِ العــراقِ أَسهلُها

 

فبادلتْــني بمثـلِهـــا ومضتْ

تُبــرِّدُ النــارَ ليْ وتُخضِلُهـا

 

حتَّى تَعرَّتْ فكـدتُ أَشـربُهــا

من شـدّةِ الكبـتِ بيْ وآكلُها

 

وصارت النفسُ بين ما يَتَـأَنَّـ

ــاها وما ــ للرواءِ ــ يُعجِلُهـا

 

وشـبَّ فينــا الغـــرامُ. تُشعـلُني

ــ وما انطفأنا جوَىً ــ وأُشعلُها

 

لقـد جُنِـنَّـا ومَن يلــــومُ مَجــا

نيـنَ ازدرتْ عقلَها، ويَعذلُهـا؟

 

ما أَصعبَ الحُبَّ! لم أَذقْه كـذا

وأَصعـبُ التجْـربـاتِ أَوّلُهـــا

 

لمَّا تَـــزلْ في فمي حلاوتُهــا

أَعلَـى مَجسَّـاتِهــا وأَسـفلُهـــا

 

غابـتْ وما غـابَ طيبُهــا أَبـداً

إذْ صار بين الضلوعِ منزلُهــا

 

مَنْ مُخبِرُ الفجر أنَّ صاحبتي

قد فلَّ جيشَ الظلامِ مشعلُهـا؟

 

فـي أُمّـــةٍ كبَّـلـتْ ذوي كــرَمٍ

بجهلِهـــا كي يســودَ أَرذلُهــا

 

أَنْفـاقُهــــا أُفـقُهــــا وبلقعُهــا

أَشجـارُها والسرابُ منهلُهــا

 

لا أَرضُها تَحضنُ الربيـعَ ولا

ضَياعُــه في القفــارِ يُخجلُهــا

 

سُخطٌ علَى من يُحبُّها ورِضاً

عـلى عــدوٍّ يبيـتُ يقتــلُهــــا

 

حاربـتِ اللحنَ بالنعيــقِ لـكي

يصيـرَ صنوَ الغــرابِ بلبلُهـا

 

شاهَ من الحزنِ وجهُ ضحكتِها

حتّى غـدا كالبكــاءِ أَجملُهـــــا

 

تَكاد حتّى النعوشُ ترفضُهـــا

ماليْ أنا الحيُّ رحتُ أقبلُهـــا؟

 

أَهنـتُ كِبْـري بحمـلِ ذلَّتِهـــا

عـلامَ ــ عبدالإلهِ ــ تَحملُهـا؟

 

لابــدَّ من كـفِّ ثـــورةٍ بغـــدٍ

يُطِيحُ صرحَ الطغـاةِ مِعوَلُها

***

شعر عبدالإله الياسريّ

...................

* البحر المنسرح هو بحر من بحور الشعر العربيّ المحصورة في ستة عشر بحراً. قليل التداول بين الشعراء، ويكاد يكون منسيّاً في عصرنا الحديث. أُحيي موهبة الشاعرة القديرة (عروبا باشا)؛ إذ أَحيته بقصيدة لها على متصفّحها (الفيسبوك).مطلعها:

(لا توقظ الشوق قد غدا طللا

لمَّـا بسـيفٍ من الجفـا قُتـلا)

ولئن عارضتها ببيتين معلّقاً عليها؛ فإنّي لم أقنع بهما إحياء لهذا البحر، بل طمعت في أن أذيع، على عاشقي الشعر وعاشقاته وشعرائه وشواعره، قصيدة قديمة لي تسير عليه، رغبة في الإستئناس بوزنه المنسيّ والإلتفات إلى جماله المهمل.

صحيفة المثقفحدث ذلك سنة 2024

كانت الجدة الكبيرة تستند على الجانب الأيسر لباب المنزل الخارجي المفتوح على آخره، ومن الواضح إنها تنتظر أحدا أو أمراً، كفها اليمنى معقوفة الى باطنها وغائصة في خاصرتها اليمنى . وكان الاهتمام يفرش سجادته على وجهها بأكمله وخاصة عينيها العجوزتين واللتين رأتا من الدنيا الكثير . اسمها حسناء وقد تعدى عمرها الثمانين، غير إن ذلك لا يبدو عليها فالطب قد تقدم كثيرا مما جعل متوسط الأعمار في ازدياد مطرد . سرحت بفكرها في عدة مسائل.. استغرقها الموقف لذا تذكرت حكاية سمعتها من أُمها في طفولتها ... كانت أُم حسناء وهي صبية تسكن إحدى النواحي على أطراف الريف مع أسرتها ومع إن زوجها معلم في مدرسة الناحية الا إنها لم تكن تعرف كل شيء عن الحياة الطبيعية حيث كانت غالبية الأُمور تعد من المحرمات التي لا يحسن الخوض فيها بحضور الأطفال والنساء على خلاف ما هو عليه الآن. حدثتها أُمها ذات صباح وكانوا في زيارة الاسرة الكبيرة على مشارف الريف حدثتها يوم أصابها فزع كبير إذ مرت بقرة كبيرة بقربها، طمأنتها أمها و أخبرتها إن البقر مسالم .. ثم سرحت الأم بعيدا مما أثار انتباه حسناء فسألت أُمها أين سرحت بفكرها أجابت الأُم كانت لدى جارتنا أم محسن بقرة كبيرة تدر عليهم من الخير الكثير ومن ريعها وحليبها يعيشون تقريبا فلا مورد آخر لهم الا أرضا صغيرة منها طعام البقرة ومنها شيء من غذاء العائلة، استأنفت أُم حسناء ذات يوم وأنا وابنتهم حفصة كنا نلعب قرب البقرة فما كنّا نخاف منها ... رأينا أبا حفصة يتقدم من البقرة ومعه رجلان يلبسان فوق ملابسهما معطفين أبيضين تقدما نحو البقرة وبينما أصغرهما انهمك في التربيت على ظهرها وعنقها أدخل الآخر حقنة كبيرة الى جوفها . وبعد أقل من عام كان للبقرة عجل جميل أحببناه تماما ولعبنا به ومعه ردحا من زمن . عادت حسناء الى الواقع وهي ترى حفيدتها تعاني قلقا مبهما يستفزها فيفارقها الصبر لذا تلوذ بالحركة فتظل تذرع الغرفة ما بين النافذة والباب ذهابا وعودة . حفيدتها سحر التي نشأت يتيمة الأبوين في حضنها بعد أن قتل والداها معاً في حادث مروري . فهي تقيم معها في نفس الدار، وهي زوجة مذ عشرة سنوات لرجل يشتغل آونة ليتعطل اخرى فقد كانت البطالة من نصيب العمال عموما وعمال الحقول خاصة وهي تتكرر وباطراد بسبب استعمال المكننة الزراعية فما كان الرجل يجني ما يكفى الاسرة الصغيرة ... حتى معونة الدولة للعاطلين عن العمل - التي شرّعت مؤخراً - ما كانت تسد كل الاحتياجات وبما إن جدتها تبلغ من العمر حد العجز وإن ظلت تحسن بعض الشيء القيام والقعود والتجول في أنحاء المنزل كلما أحست بالخدر أو الضجر لذا غدت سحر بمثابة ممرضتها الخاصة وخادمتها في نفس الوقت كما هي حفيدتها ولم تكن سحر قد أنجبت بسبب من زوجها المريض من جهة والفقير فلا يستطيع أن ينفق على علاج ولا على أطفال . صبرت المرأة دهرا وها هو الفرج أخيرا يقرع بابها . كانت المرأة الشابة تتمشى في الغرفة الرئيسة في المنزل وهي غرفة تستعمل لأغراض شتى، منها استقبال الضيوف ومنها الراحة وفيها تتلقى الجدة الكبيرة علاجها كلما زارها طبيب العائلة الذي يرعاها بموجب القرارات الرسمية . عادت الجدة تنظر للطريق بلهفة ثم تذكرت أبناءها الذين تفرقوا أيدي سبأ في المعمورة فقد شدتهم وشتتهم رياح الغربة التي تعبر بسفنها البراقة السماء الدنيا لتغري الشباب بأشرعتها الهفهافة وبالوناتها الملونة . وفجأة تذكرت حسناء ما اقترحته زميلتها في الجامعة وهما في السيارة التي تدرج بهما في طريق العودة الطويل حتى منزليهما الواقعين في حي متطرف قالت الزميلة

: اسمعي حسناء ماذا لو كانت هناك طريقة يمكن للمرأة أن تحمل دون أن يمسها رجل؟ ! ذهلت حسناء كان ذلك قبل ما يربو على ستة عقود أجابت حسناء

: ماذا ؟ كيف؟ وهل يمكن ذلك؟! أجابت الزميلة التي غاب عنها اسمها مع وضوح المحادثة في ذهنها كما لو إنها حدثت صباح هذا اليوم

: افترضي ذلك افترضي فقط ليس ذلك المهم وليس ذلك سؤالي بل سؤالي أذلك حلال أم حرام؟! وما رأي مجتمعنا في ذلك أجابت حسناء بشيء من العنف

: وما أدراني ثم قلبت شفتيها وقاربت ما بين حاجبيها وأبدت لا مبالاتها بهذا الأمر إذ استدارت نحو الطريق تتابع قراءة اللافتات الملونة على واجهات المحلات، لم تعرف الا الآن فقط إن هذه الزميلة كانت تستقرأ المستقبل. لاح من بعيد شبح سيارة خدمية وحين اقتربت عرفت العجوز إنها ما تنتظر فقد خط على جانبيها بالبنط الغليظ " مؤسسة أُمهات للإيجار " فنادت حفيدتها بصوت عطوف - فيه بعض الاهتزاز بفعل الشيخوخة - كي تستعد فقد حضرت اللجنة. نزل من السيارة رجلان وبمعيتهما امرأة في منتصف العمر ترتدي مثلهما معطفا أبيض، و تلتها امرأة أُخرى تحمل سجلا كبيرا. سعت الاخيرة الى الحفيدة الشابة وجلست بقربها وأعادت عليها سيل الاسئلة التي وجهت اليها في المقابلة السابقة في مركز المؤسسة قبل شهرين، سألتها عن الاسم والعمر واسم الزوج وإذا ما كانت قد أسقطت طفلا أو أجهضت يوما وتأكدت من رغبتها في الإنجاب وتربية طفل دون عمر رياض الأطفال ومدى استعدادها في التخلي عنه آنذاك ثم إن عليها أن تتعهد هي وزوجها بالتخلي عنه تماما، ثم طلبت منها ومن زوجها الذي ظهر سريعا بعد استدعائه أن يوقعا أسفل عدة أوراق بعدها خرجت الشابة الى خارج المنزل مصطحبة سجلها الضخم، وكذلك الرجلان اللذان وقعا الأوراق بعد الزوجين - باعتبارهما مسئولَين وشاهدين من المؤسسة المعنية - ثم انصرفا وطلبت كبرى المرأتين من سحر أن تستلقي فزرقتها بالبيضة المخصبة وطلبت منها الراحة لعدة ساعات ووعدت بزيارات متكررة ومتقاربة لمراقبة نمو الجنين المنتظر ثم وضعت الظرف الأول في يدها وقالت ستستلمين مثله كل شهر وبعد الولادة ستستلمين مكافأة ضخمة ومثلها عند تسليمنا الطفل . ثم خرجت مودعة.

***

سمية العبيدي - بغداد

 

 

عبد الله سرمد الجميلأطوفُ حولَكِ كالصوفيِّ مُرتعِشا

                      وكلّما شرِبَتْ عيني ارتوَتْ عطَشا

إن يُنبِتِ الغيمُ في الصحراءِ زنبقةً

                           ففوقَ خدِّكِ ثغري أَنبَتَ النَّمَشا

وإنْ مشَتْ خلفَ بلقيسٍ جحافلُها

                        فخلفَ شَعْرِكِ ليلُ اللاجئينَ مشى

لمّا تبسّمْتِ موسيقى هنا انبعثَتْ

                      والوردُ أمسى على الأنهارِ مُفترَشا

عيناكِ نورُ الفناراتِ التي انتظرَتْ

                            سفينةَ الفجرِ تجلو ذلكَ الغَبَشا

كَمَاسَةٍ أنتِ يبكي كانَ صائغُها

                       من حُسْنِ ما صنعَتْ كفّاهُ مُندَهِشا

مرّتْ على القلبِ أسماءٌ فما بَقِيَتْ

                            لكنَّ اسمك فوقَ الماءِ قد نُقِشا

                         ***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر من العراق

 

مامون احمد مصطفىلين

تفاحة بيضاء

أجاصه تقطر عسلا

حبة تين منداة

رمانة تفتح أبواب الغيب

لوزة تعتق الازمان في نواة النخيل

كوز صنوبر

ينثر المدى عطرا

سنديانة تخبئ الدهر في الينابيع

في الخمائل والغدائر والجداول

رائحة الظل والطل والندى

حين ترقص فوق الموج

تهتز الأناشيد، تعزفها الرياح

تلقحها البدايات، توازيها النهايات

مدن تخزن التاريخ

الأمكنة والازمنة

تنقل الأشياء من غلافها

تَزرعها، تُوزعها، تَنحتها

تُهدهدها، مثل طفلة لم يستعمرها الوقت

أو يأكلها الزمن.

**

"2"

1087 ليناهي انتشار الغبطة في الغبطة

والفرح في الفرح

سعادة تتلحف سعادة

شلال ماء يسقط في صحراء

تُسابق الظل وتَسبق المستحيل

فيها، كل شيء

ناهض، متوثب، قافز، منبعث

من رحم سحابة زرقاء

يحيطها الندى المخضل بالمدى

يرسمها ريش طنًان يمتص الشهد

يَرذ الشذى

**

"3"

فيها

يجتمع الرعد والبرق

السناء والسنا

تختلط العواصف بالنسائم

تهيم البراكين في الوداعة

تسكن الزلازل على رمش

يكاد يطير نحو السماء

نحو الكواكب وهي تسافر

تهاجر بحثا عن سرير من غيم

من سحاب مرصع ببخور

يغمر الحشا

هي

رعشة امي، خفق ابي

تسح رائحتهما

فوق سروة تتصابى

تجس الخبايا، تختبر النوايا

تهز الوجد

تدمج الازمان في الأمكنة

تخلط الروائح في عبق يتجلى

تتخلل الروح، ترجها، تبعثها،

مثل صهيل يشق الغابر، السحيق،

تحمحم رخام يفضح الجمال

في نواة ذكرى وذكريات

أناشيد، اهازيج، واغنيات

تراتيل، تسابيح، وأمنيات

**

"4"

هي حبي، وعشقي،

لهفي وانتظاري

ارضي وعشبي

قلبي ودمعي

بكائي وضحكي

هي

رائعتي، قصيدتي، روايتي

نهمي، وتري، ولحني

غاليتي، بيضاوتي

نبضي وخفقي

بدايتي، نصفي، نهايتي وخاتمتي.

مأمون احمد مصطفى

...............

مهداة الى ابنة ابني معتصم، جاءت الى الدنيا بعد أيام قليلة من وصول لارا ابنة ابنتي لينا الى الكون، امتداد من امتداد، جذر من جذر، وحبل سري يقطع لتشكل حبل جديد، فتاتي ريما ابنة ابني احمد بعد شهر من وصول، ثلاثية من إناث تضفي على حياتي، حياتنا، لوحات من شهقات حبلى بالسعادة، انجبت حقائق لمفردات العم، الخال، ابنة العمه، ابنة الخال. من الجمال، الحرية، الانشراح، الانطلاق، التحليق، ان ترى امتدادك يجتمع في حدقتيك، في الرموش والمقل، في عمق الروح وسويداء القلب، لتطير على اجنحة شفافة ترسم المستقبل اشراقا ومضاء ونورا.

صحيفة المثقفتقولين ماذا،

أتبحث عن يقظة

في متاه المنام..؟

أم صحوة في مهب

الطقوس اليتامى

تخاتل صخب النفوس

كإن السجايا

تجاري عسول الكلام..؟

**

تقولين ماذا ؟

لو أراد الغمام نثيثاً

يداهن دمعة حلت

بكأس المدام..

**

لماذا اراها

تحرك اجفانها

في سفوح الهواجس شوقاً

علَها تقتفيني في حشود الزحام..!!

**

أراني افتش عن بقايا

في قلوب العذارى

تحن كطير الحمام..

تقولين خذني بعيداً

الى حيث تمضي العصافير

تشتهي صخبها باقتراب المساء

تلوذ باعشاشها

تداعبها هدهدات الوئام..

**

تقولين ماذا ؟

أما تشتكين النوى،

ألا تصبرين..؟

الا ترتجين نداءات

هذا الزمان الحزين..؟

وذاك اليقين..

متى ينجلي همنا

ونصحو على همسة من حنين..؟

 (2)

شهية أنت أيتها المرأة الساحرة

تسيرين خلف الرياح

وخلف الرعود

وتبدين كالهمسة الحائرة..!!

**

شهية أنت أيتها القبلة الماكرة

تفر العصافير من منبع الكرز

ما أن تحاذر

دفقة الإشتهاء اللعين..

هو الشوق يجتاح الهواجس

والسنين، فهل تذكرين..؟

كم من سويعاتٍ تلاشت

ثم غابت

كعطر الياسمين..

وكم من دروب ترامت

بين صفصاف المياسم

والدروبِ ..

هل تلمسين شحوبي..؟

لم نركب الإثم

ولم يجتاحنا شكاً

ولم نحدو بآلهة السرابِ ..

لم يكن في صخبنا

غير الهوى، أنتِ التي

فاحت على مر السنين..

هكذا كنا،

وما زلنا، نقيم العهد

وجداَ في ركاب السائرين..!!

***

د. جودت صالح

18/08/2019

فتحي مهذبأتخاصم مع أموات..

جوار ضريح أبي الميت منذ خمسين سنة ونيف.. أحرجهم صخبي وعويلي.. جمر دموعي المتطاير ..

حمحمة حصاني المتمايل مثل تابوت يحمله لصوص وسكارى..

شجوا رأسي بعظام دون كيشوته..

عضني خفاش عصابي من شحمة أذني.. لن أنسى أجراس جناحيه الرجيمين.. وضحكته الطويلة..

سحبوا حصاني الى قبر مهجور..

سمعته يبكي مثل باخرة تطفو على كتفي مهاجر ..

- هل حصدوا ركبتيه بمنجل _..

أنقذني شاعر كنعاني مات غرقا في نهر يحرسه تمساح بقذائف أربجي..

أخرجني من أنفاق النوم المعتمة

الى ساحل مزدحم بعواء قطار ليلي. ومسافرين فروا من شتاء مخيلتي وطوفان كوابيسي .

  

فتحي مهذب

 

حيدر الاديبجسد

جسدي زمن من فتاوى

أصابعي أراء تتعايش في محنة الاسماء

صوتي يتناسل في نعمة الوحشة

كلما دهسته الذكرى

صاح من الأعماق

اعجبني!

**

أنثى

انثى لن تصل فلا تذهب نفسك عليها اقمارا

سيتهمونك بالصدق ... ان الصدق زمن غير ذي زرع

فلا تذهب وجهك عليها أسئلة في الدروب وفي الأفعال الناقصة

**

طلاق

فقدت كلمة المرور لدخول فسحة الراحة والوضوح والزرع المطمئن والنعاس الثمين

فقدت كيف ابتسم لأنثى تعبر الشارع بصحبة فوضاي

فقدت لحظة الكتابة الى الضالين والعصافير

فقدت حداثة التقوى

فطلقتني الجهات أربعا لا رجعة فيها

**

مفاتن الجوع

في مفاتن الجوع يتضح الشبه بين الرصاصة والعصفورة

في مفاتن الجوع تغلق الطفولة اعلاناتها

في مفاتن الجوع تقترب القيامة مقدار سرب من شهداء

في مفاتن الجوع غدو الشعر مزبلة

وفي قوافيه

يسرقون يدك ويعطونك رصاصة عاقر

يسرقون فمك ويعطونك اسما مستعملا

وانت في بعض وطن

بين وردة مؤجلة او رصاصة حاسمة

**

الأيام

الأيام أصدقاء نسوا قميصي على جرف القدر ومضوا يسردون نسيانهم حتى تشقق حنينا ... لم احظى بالطريق الى قلبي ولا الى القدر الماكث في رغوة الحكمة

**

الفطرة

الفطرة افصح الوسائد كي احلم بالجنة

هي الجرأة على الثمر المر والأخطاء الواقفة بباب العمر.. ...

 التوبة المستمرة عن لهجات السبل السيئة الحظ   انها

 انها بهجة التلقي

**

السعادة

حزنا حزنا أراوغ حروفها لعلي افتح صلحا ماهرا يدقق في بنود الغياب الذي أكتمل في جملة مشيبي.. حزنا حزنا أحدق في مراياها وظننتها مرة أنثى وأخرى قصيدة بيضاء وثالثة هي الفرق الرائع بيني وبين ابجديات الخريف لكني لم أروض روحها في معاجمي وبقت نجما بعيدا يطعمني أسخف الأمال في مصاهرتها

هي ليست ضرورة ... انها هواية صعبة

**

الوحشة

كنت اطارد الأنثى في ازقة القصائد وفي الإيميلات الموقرة ..كنت بدون انثى ينقص دمي عن دلالته المجيدة .. اما الان لا متسع في جنوني لهذا الثراء الكلاسيكي.. الان لغة الجماليات هي جماليات الجثث المحترقة / المقطعة / جماليات الأوطان التي تخثر الغروب في حروفها ... الان زمن الجمل الناقصة والأديان المعلبة .... ما أصعب ان تقف مثقلا بالوطن المستحيل ويرمونك بالرصاص المؤمن بالله واليوم الأخر !!!!!

**

قاموس

 الفقراء / عصافير مسحوبة من زمن الحقيقة / فاكهة طالق / شهداء غير مهمين / صباحات ملغومة بغيبة الله / مسافات لا تواريخ لها ولا سلاطين / مصاحف تباع على الله /

هذه بقايا قاموسي الذي اكله / الذئب والمثقفون

 **

الدعاء

رحيق محبة وارتكاب المستحيلات في لحظة خاطفة

كتابة على الوجود

غياب المسافات

غياب اللغة

لا اله الا انت اني في الطريق اليك

**

الذكريات

الذكريات وردة عاقر وربيع للملح المستعر في العناوين / خذلني الشعر مرات وخذلني الحب الف مرة ... كلاهما يقطران من جبهتي ماءا كلما دفق الطيب من قلبي لكنهما سرعان ما يغربان في هجير الاغتراب كلما أفلت أنثى او اعتذرت قصيدة .. وكل هذا يصب في صالح الذكريات التي تهاجر تباعا الى ابتسامة صوب حائطي الأعزل

**

التوبة

شجاعة في مفاتحة الله على حذف البشاعة ورسائل الشيطان المعتقة في د مي

**

القبر

أخر الأصدقاء الناصحين ولن أتحدث عن قمر كلما دعوته للشهادة اعتذر او تراجع خلف غيوم ماكرات

**

 

الحب

مباغتة لا تتكرر

طريقة جيدة لتسرق نفسك بنفسك

شيطان بين الوانك السبعة

جنازة بامتياز

ليس هو الأنثى .. إنما طريقة لوصفها

على اغلب الحق يشيع من الوردة والقصيدة

فاجتنب قول قلبك

ثم اجتنب ان تشيع النظرة الأولى في دمك

ستكون حكاية ثكلى

ومثلا

للذين تنالهم الحمى بأول ضربة حب

 

حيدر الأديب

 

عبد الامير العباديالجُب

يا من حفرتم الجب

اتعلمون انه اذل زليخة

قتل مفاتنها

جردها من جمال الله الساحر

ماتت زليخة كمدا

وظل الجب يبتلع آلاف الزليخات

الجب عاد الآن

يبتلع وطنا اسمه يوسف

*

الكهف

لقد كنت رحيما بالكلب

ضممته بدفئك

وقلت لقد أمنت له الجنان

لكنك ما علمت أن فصيلته

استنسلت ذئبا

افترس البشر

*

ساق بلقيس

آه من القصر الممرد

كم كان عصيا عليك

أتحسبين أنه  لجة

وتبهرك القوارير

أم أن ثوبك الحرير

اوهمك  أنه أصابه بلل

لقد حمتك فطنة سليمان

ولم تحمنا فطن الرعاع

فكسونا جمرنا عارا

***

عبد الامير العبادي

 

حسين حسن التلسيني

وأسـألُ السـفـنَ والملاحيـنَ

وأمـواجَ البحـار وشبـاكَ الصَّيـدِ

عنـكِ يـا ليـلى

وأمخـرُ العبـابَ

مـن بـحـر إلى بـحـر

 ومـن مُحيـط إلى مُحيـط

بـاحثـاً سـائـلاً

مملكـة البحـار والمُحيـطـاتِ

 عنـكِ يـا ليـلى

وعن شعـركِ الأسـودِ المُسـتـرسـلِ الآفـل

كظـلام الليـلِ الحـالكِ

خـلـفَ حواجـز الحُدودِ النـائـيـاتِ

**

بتُّ أخشـى علـى نفـسـي مـن الغـرقِ

من أنْ تـبـتـلعـني أمـواج البحـر العـاتيـة

دونَ أن أراكِ دونَ أنْ أحظـى

بلقـاءِ قـدِّكِ الناضـحِ بجمـالِ اليـاسمـيـن

وفـتـون خمـائـل الجنـان ِ

**

كُـنـتِ علـى سـواحلِ البحـر الأبيـضِ

تجلـسـيـنَ كطفـلـة

تقـفـيـن كـريحـانـة

بـأقـدامكِ العاريـة وثـوبـك المـرتـق

من آلام السـنـيـن ومـرارة المحـن

كُـنـتِ تـرسـمـيـنَ ما تـشـتـهـيـن

مـن سـفـح ومـن جبـل

مـن بـر ومـن بحـر

مـن ألـم ومـن أمَـل

كُـنـتِ حيـنـمـا تـقـفـيـن أمـامَ خارطـة هذا الكوكب

كُـنـتِ لا تـرسـمـيـنَ إلا قـاراتـهِ المُحتـرقـة

قـاراتِـه العـطـشـى لـمـقـلـةِ الشـمس الذهبـيـة

**

مـا الـذي قـد حَـلَّ بـكِ؟!

هـلِ ابـتـلعـتـكِ أمـواج المـدِّ العاتـيـة

إلى كـنـفِ جحيـم جـزْرهـا الملتهـب؟!

أمْ هلِ اغـتـالتـكِ قـراصنـة البحـر المجرميـن

وليـمـة لظـلام دمائـهـم الحـقـيـرة؟!

لا أدري !

**

سـأبـقى أقـفُ علـى حـافـات الموانـئ

 ومـراسـيـهـا

فـي مَمَـرّاتـهـا

أسألُ المسـافـريـنَ والمتعـبـيـن

وأولئـك القادميـن

مـن تـلـك البحـارِ النائـيـة

عنـك يـا ليـلى

ثـم أقـفُ قبـالـة أمواجـهِ العـاتيـة

أصـرخ أبكي

أسـأل أنـادي

ليـلى ليـلى أينـك يا ليـلى

إلـى أن أهـوي مـن عـليـائي

سـاقطاً فـوق وجهـي المُـدَمى

مـن قسـوة الفـراق

وآلام الاشـتـيـاق

دونَ مُجـيـبٍ لـي دون مُغيـث !

**

سـأبقـى أعـزفُ بقـيـثـارتي التي

صنـعـتـهـا لـي

مـن أرز لبنـان ومـنْ جـوز كـردسـتان

ووضعـتِ لهـا أوتـاراً

مـن أوتـار هـذا الكوكـب الـدَّوَّار !

سـأبقى أعـزف لعودتـنـا يا طائـر البحـر

لحـن الشـرق والغـربِ

لحـنَ اللقـاء

بعـد الفـراق المُـرِّ الطويـل !

سـأبقى أجـوبُ بحـار العالـمِ وبـراريهـا

مثـلَ مجنـون لا يَمـلُّ المسـيرَ ولا التـرحـال

باحثاً عنكِ سائلا ً عنكِ

الطيـر والشـجر

الموج والنـهـر

القمر والبشـر

دونَ أن أملَّ المسـير ولا التـرحال !

***

حسـين حسـن التلسـيني

أربيـل ـ خوشـنـاو /9 /10 /1989 0

محمود سعيدكاد الرّعب يقتله ما إن فتح عينيه، بدأ قلبه يدق بعنف، ما هذه؟ ركّز النّظر نحوها، لم يرَ مثل هذا الحيوان من قبل قط. فكّر قليلاً. رأى صورة شبيهة. أهي خنزيرة بريّة! لماذا كبيرة هكذا. تبدو عملاقة. قربه، على ظهرها تشخر، قوائمها القصيرات مفتوحة إلى الخارج، بطنها يندلق عظيماً كقربة ماء، تنـزّ عرقاً وقبحاً، شهباء متربة، موحلة، عيناها مغمضتان على رمص أصفر منفّر اتّخذ مسرباً يابساً لبضعة عشر مليمتراً تحت العينين المطبقتين، صدرها يعلو وينخفض كمنفاخ عملاق، بينما لمعت حلمات أثدائها البيض في جانبي البطن منتظمات على صفين، بارزات تلمع في ضوء الشّمس، هو أيضاً كان متمدداً على ظهره، بينهما أقل من مترين.

حدّق نحو السّماء، فضاء في دائرة الضّوء المثلومة، تحّددها ذؤابات البردي، لم يتذكّر أولّ الأمر سوى انفجار القنبلة التي مزّقت القارب بمن فيه، طوّحت به عالياً كالطّير، لماذا أغمض عينيه حينما أصابه الألم الأكبر في جبهته؟ ما يتذكره أنّه ردّد وهو يعلو متوجساً النهاية: (مِتنا.) نعم. كان موقناً بالموت. ثم سقط. يتذكّر أنه أحسّ بارتجاج جسده العنيف. توقع أن يسقط في الماء، لكنّه قُذف على شيء أشبه بالفراش اللّين. أهي قصيبات البردي التي يضطجع عليها الآن؟ ثم غاب عن الوعي.

فاجأه انفجار القنبلة، كان يراقب ذؤابات البردي، أشبه بحشائش مدببة، سهام ترتفع فوق الماء أكثر من متر، خفف العريف من سرعة القارب، بدأ البردي الهشّ يصطدم بأسفل القارب، طفق يستعدّ للنزول، علّق الغدارة على كتفه الأيسر، والحقيبة على ظهره، صعد ليقفز، وجهه نحو غابة البردي، ظهره إلى رفيقيه في القارب، قال: يا الله! ثم حدث الانفجار، الدّمار، الطّيران، السّقوط، غياب الوعي، ترى ماذا حلّ بهما؟ حيان؟ ميتان؟ من يدري؟ كل شيء محتمل،

ظنّ أنه مات، لكنّه حيّ. ثم تذكّر انه أفاق بضع مرات على أصوات الخنانيص الصّغيرة، لم يدرك أول الأمر ما هي! أصوات وحركات حسب، قرب إذنيه، وجهه، كل جسمه. رطوبة تلعق وجهه، شيء ليّن بمصّ إبهام يده اليمنى المفروشة على صدره، مداعبة رضيع، أكثر من حيّ! حيوات صغيرات، تتبارى، تنتفض تملأ الفضاء حياة وحيوية، لكن نقيق الضّفادع كان غالباً على كل صوت، آلاف الأصوات، لا بل الملايين، تردّد، دفعات، لازمات، ذبذبات، أيعقل أن تكون لهذه المخلوقات الصّغيرة تلك القدرة الجبّارة على امتلاك هذا الكون الشّاسع؟ هدير دبابات؟ مكائن طحين؟ شاحنات ديزل؟ قطار سريع؟ لا، لا يمكن لشيء أن يشبه هذه الضّجة أبداً.

غرق في رائحة البردي، رطوبته، عفنه، رائحة تقتحم الخياشيم، رطوبة من دون برد تغرق ظهره، شعر قذاله حتى منتصف رأسه تحت الأذنين، حدّق بالسّماء مرّة أخرى، فراشات سمر تميل إلى السّواد، صغيرات بحجم الذباب تتبارى فوقه، تحط على كل بوصة من وجهه، جسمه، تحطّ لحظة ثم ترتفع، تترك المجال لغيرها، تتحلّق في دائرة لا تنتهي، ملايين الفراشات تحتلّ الجوّ، تظلّل قصيبات البردي، تهوّم خالقة جواً سحرياً، هلاميّاً يكوّن بتشكيلاته الخرافية بلسماً يخفّف من ضجيج نقيق الضّفادع الرّتيب الصّاخب. وقف خنوص صغير على صدره، التّقت عيناهما، ربما فتح الجفن وإغلاقه جذبت أنتباه الخنوص، طفق يلعق حنكه، لم يكن قبيحاً كأمه،جلد ترابي يميل إلى الصّفرة، لم يكن طول الخنوص أكثر من عشرين سنتمتراً، سميناً يتبختر، ثم نزل إلى الأرض، بدا واخوته لقصر أرجلها وكأنها تسير على بطنها، كانت تلهو في ضوء الشّمس القويّ، ترضع ثواني، تتناطح، تصعد على جسمه، تلطع كل شيء عار من أعضاءه، وجهه، يديه، أذنيه. ألسنتها ورديّة رقيقة خفيفة، أسمك قليلاً من ورقة وردة، لكنها ذوات مسامات واضحة، وحركات لا تهدأ، تداعبه، تنطح خده بخطمها المرطب دائماً، خطم حوافيه جادة كأنها قصت بسكين، أعينها صغيرات أشبه بخرزات صفر لامعة، كانت تشع مرحاً عابثاً، عكس الأم النّائمة، تفيض قبحاً مجسماً يغرق الجزيرة الصّغيرة.

ماذا لو استيقظت الخنزيرة ودهمته؟ ارتعب، دق قلبه بعنف ثانية، حرّك رأسه إلى الأعلى، ألم ثقيل في جبهته،

نعم، في جبهته، لا بد أنه مجروح، قفز ضفدع أضخم من كف يده فوق وجهه، ترك على ملامحه رطوبة مقزّزة خضراء، مكث ثانية ثم نزل تبعه خنوص، لكن الضّفدع هرب، اختفى بين طيات البردي، تحت أشعة الشّمس.

ماذا يفعل؟ كيف ينجو؟ اعتلى خنوص آخر صدره، توجه نحو الإبهام، اندفع يمصه، دغدغه، وأد ضحكة على الرّغم من تقزّزه، ابتسم، سحب إبهامه، لحقه الخنوص الصّغير، طفق يلعب مع الأصابع، ينطحها، يعضّها بلثة خالية من الأسنان، يتنفس بصوت كأنه أنين ورقة تتمزّق، ظنّ حركة الأصابع لعبة، تبعها بإلحاح أنى تحركت.

بدأ خنوص آخر يلعق جبهته، أحس بألم مفاجئ، التّهب الجرح كالنّار، دفع الخنوص من دون شعور، إذن يداه سليمتان كلتاهما! حرك رجليه بهدوء كي لا يوقظ الخنزيرة. غمرته فرحة كبرى، حرّك ساقيه قليلاً وبتحفظ. الرّجلان سليمتان أيضاً، أجبهته وحدها مصابة إذاً؟ لا بد أن الجرح ليس بكبير وإلا لنزف كثيراً، تحسّس بأصابع يده اليمنى موضع الجرح، خفيف غير غائر، لكنّه طويل، طول سبابته، لا ليست شظيّة القنبلة ما جرحه، كان مات، لابد أنّها غدارته حينما سقط! لكن أين هي الآن؟ رفع رأسه قليلا مرة أخرى، ساطه ضوء الشّمس القوي، أغمض عينيه، آلمه الجرح من جديد. عضّه العطش والجوع، ماذا يفعل؟ لكن أين الغدارة؟ أين الحقيبة؟ أين المزادة؟ نظر إلى السّاعة، التّاسعة وعشرون دقيقة، يعني أنه ظل فاقداً وعيه أكثر من ثلاث ساعات، لابد أن الضّربة كانت قوية على الجبهة، كان الجزر في أوّله آنئذ. سيأتي المدّ في الخامسة عصراً، لابد أن يفعل شيئاً لينجو، لكن كيف؟ وهذه (الهامة) أمامه؟

رفع جذعه قليلاً، هجمت عليه ثلاثة خنانيص وهي تشخر، أعين جذلات لامعات، صعدت على بطنه وصدره، تزاحمت، كانت تتشمم كل شيء، تتنشق بصوت الورقة المشقوقة بذلة القتال الخضراء المبقعة، تعضّ أصابعه بلثات لحمية مليئة باللعاب، ملابسه، أزرار بذلة القتال، أبعدها برفق عن وجهه، رجعت وبإلحاح، علت أصواتها مع نقيق الضّفادع، اجتذبت رنة الفرح في الصّوت اخوتها، كثر العدد، أصبحت ستة خنانيص، أحاطت به من جميع الجوانب، أخذت تنطحه من كل الجهات، تداعبه، تدفعه لقهقهة كادت تفلت من الأسر. بعد لأي رأى جزءاً من نطاق الغدارة يخـتفي تحت رأس الأم، ماذا يفعل؟ يا له من سؤال!

قبل أربعة أشهر وخلال نفس اليوم الذي تسلم فيه شهادة الهندسة قُصفت البصرة بشكل استثنائيّ ولمدة زادت على أربع ساعات متواصلات، نكّت صديقه: ‘‘يا لكثرة احتفالاتهم، يشاركوننا حتى في احتفال التّخرج’’ كانوا يتوقّعون هجوماً جديداً على المدينة؟ بدا كل شيء محتملاً، في الحرب كل شيء متوقّع، لكنّه لم يتوقّع مهما اشتطّ به الخيال أن سيأتي يوم يحتفل به مع خنازير وهو جائع، وحيد، بعيد، جريح! والأفظع من كل شيء أنّه لا يستطيع أن يتخلص من هذا المأزق البسيط، حيوان خطر لكنّه نائم!

قرّر أن يرفع خنوصا ويرميه على أمه لتستيقظ، لا شك أنها ستذهب إذا استيقظت! ماذا يبقيها هنا؟ لكن عليه أن لا ينهض، يحب أن يبقى مستلقياً، أنتصاب الجذع ربما يعني في نظرها استفزازاً، من يتكهن برد فعل حيوان يدافع عن صغاره؟ ماذا ستفعل خنزيرة ذات نابين حادّين إن استفزّت؟

رفع الخنوص الصّغير من بطنه، ظن هذا أنه يداعبه، فتح فمه الخالي من الأسنان، حرك قوائمه الصّغيرات بمرح، كان بطنه أبيض ناصعاً، شعره زغب وبري لم يصبح إبراً حادة كشعر أمه بعد، رماه على الأم وهو متمدّد، لكن الرّمية لم تكن قويّة، فتحت الخنزيرة عينيها الصّغيرتين المرمصتين. احمرار دمويّ يختلط بالسّواد، شخرت بجفاء، دفعت الخنوص بقوّة جعلته ينقلب على ظهره، أغمضت عينيها من جديد، استمرأ الخنوص اللعب، جرى نحوه مرّة أخرى، وهو يصدر أصوات مرحة وكأنّه يغني، تبعه الباقون، رماها بخنوص آخر، لكن بشكل أقوى، فتحت عينيها هذه المرة بغضب، شخرت، لكنّها لم تنظر ناحيته، ظلّت على ظهرها، قوائمها مفتوحات نحو الخارج، بطنها منفوخ كقربة مليئة بالماء، استمرأ الصّغار اللعب، هجموا عليه. لكن ما الخطوة التّالية؟

عاد نقيق الضّفادع يسود الجو صاخباً مقرفاً مشوباً بشخير الخنزيرة وصغارها، كان عليه أن يبقى ساكناً مادامت عينا الأم مفتوحتين، ظلّ يراقبها، كم استمر ذلك؟ لم ينظر إلى السّاعة، لم يحرّك أي ساكن، أخذت اللحظة تعدل ساعة، ربما لولا نقيق الضّفادع لسمعت صوت تنفسه، نعمة من الله.

ثم لحظها تتحفّز، أسمعتْ شيئاً لم يسمعه؟ لابدّ. شخرت بقوّة، فجأة استوت على قوائمها أسرع من البرق، غاصت القوائم في ركام البردي المنتشر على الأرض الليّنة، نظرت باتجاهه، لكن فوقه بقليل، نحو ذؤابات البردي، صوّتت بعنف، توقفت الخنانيص عن اللعب، استدارت. جعلت ظهرها نحوه، كاد ذيلها الذي تفرّدت شعراته الشّهباء أن يلامس صدره، سارت بهدوء تحيطها خنانيصها، تغوص الأرجل في البردي، آنذاك سمع صوت طلقة قريبة من رأسه، جفل. ارتجف. الصّوت جافٌ قوي ساخن. يعني أنها انطلقت من قريب. عند ذلك ركضت الخنزيرة هاربة وصغارها وراءها، اعتدل أراد أن يلتقط غدارته. لكن عموداً نبت بلمح البصر، حال بينه وبين الغدارة، عمود بشري، قفزة أسرع من الوميض، شبح! خيال وهميّ! جنيّ! لا إنه بشر حقيقيّ! من أين جاء؟ كيف قفز؟ حدّق به، أطول منه بنحو خمسة عشر سنتمتراً. مئة وثمانون، خمسة وثمانون! عملاق بالنّسبة إليه، يبتسم بانتصار المقتدر. بزة القتال تختلف، الشّارات كذلك، غطاء الرّأس أيضاً، طاقيّة صوفيّة من ‘‘ الكاكي’’ متنافر الوبر، ‘‘ قمصلة ’’ عميقة اللون، خضراء، مفتوحة الصّدر، تقاطيع سمر جذابة. حذاء جندي ثقيل أسود، عينان بنيّتان تقدحان، هتف بالإيرانية مع إشارة أمر بالانبطاح.

لم يصدّق سامر ما يحدث، أيّ يوم هذا؟ زفر بحرقة، يا للشؤم! يومه الثّاني بعد التّدريب في الجيش ينتهي هكذا! صرخ الإيراني من جديد. أجبره على أن ينبطح على وجهه هذه المرّة. وضع حذاءه الثّقيل على أعلى كتفيه، الغدّارة قرب رأسه. أي حركة يفجّر رأسه. حظّ تعس، أوّل واجب عسكريّ له يقع فيه أسيراً، لم يرمِ طلقة واحدة! سمع كثيراً عما يفعلون بأسرى الحرب! سيعذبونه، سيجردونه من ملابسه، سيتركونه طيلة الليل عارياً في شتاء ثلجيّ، سيجبرونه على شرب البول من المرافق، إن لم يمت من التّعذيب، فسيجمد في الثّلج، وإن نجا من الثّلج، سيموت مريضاً من شرب البول. يا لمصيرك الأسود يا سامر، انتهت حياتك، انتهت أحلامك! مدّ الإيراني يده إلى حقيبة وراء ظهره، سحب حبلاً أخضر، طفق يُعدّه لربط يدي سامر من الخلف، لكن الحبل طار، زلزلت الأرض تحتهما، فجأة سقط الإيرانيّ على سامر، غطى رأسه وأعلى كتفيه. كاد يختنق، لكنّه أحس بقطيع خنازير هائجة ضخمة تندفع فوقهما، كانت عيناه مفتوحتين، ومن الفتحة الصّغيرة التي أتاحها الفراغ بين جسد الإيراني والأرض رأى سامر أمامه عشرات الأرجل القصيرة تتقافز بسرعة مجنونة، تملأ الكون، مندفعة لا يوقفها شيء، سرعة عاتية، قطار أهوج. عبدت بأرجلها الثّقيلات طريقاُ داخل غابة البردي والقصب الهشّ، فجأة أنتهى إعصار الخنازير كما بدأ، أخذ صوت دبيبها يخفت بشكل تدريجيّ وهي تبتعد.

حرّك سامر رأسه، أفقد زلزال الخنازير توازن الإيرانيّ، كادت أظلافها القويّة تمزّقه، بصعوبة أزاحه سامر من فوقه، قلبه على ظهره، كان لا يزال يتنفس. الحمد لله، جراح تثخنه، تمزّقت ‘‘قمصلته’’ الثّخينة. سرواله في أكثر من مكان، الدّم يسيل من تحت صيوان أذنه، من رأسه، أنفه، أعلى كتفه، طارت طاقيته الصّوفية الوبرية، أحدث كلُّ ذلك في ثوانٍ؟ أصبح خصمه العتيد كتلة من اللحم لا حراك لها في أقلّ من دقيقة واحدة! أي مصادفة حميدة. ليحمد الله، لو لم يكن فوقه لحلّ به الشّيء نفسه. ربما كان مات، من يصدّق عدوه أنقذه؟

رأى على بعد عدة أمتار حقيبة الإيراني، وأبعد منها قليلاً غدّارته نصف مدفونة بالبردي المتعفن، رأى أبعد منها ببضعة أمتار المزادة. شرب قليلاً من الماء. يده ترتجف. كان الزّلزال لا يزال في داخله. يقلقل وجوده، يرجّه، مسح وجه الإيرانيّ بكفه. كان لا يعي ما يفعل، تساءل مع نفسه، لماذا لا أهرب؟ الفرصة سانحة، لكن ممن أهرب؟ من مريض؟ تجاهل الهمس. ظلّ يمسح دماء الإيرانيّ. متى رأى هذه التّقاطيع؟ أين؟ الملامح مألوفة، كأنه قريب، صديق، لكنه عامله بخشونة! وضع ‘‘بسطاله’’ الثّقيل على كتفيه، هو الآن جريح. لم لا يهرب؟ ممن؟ من الخنازير! لا. سيجد سلاحه، لن يخاف أحداً بعدئذ. لماذا لا يرجع إلى قاعدته؟ لكن كيف؟ حتى أنه لم يعرف من أين أتى! الظّلام سائد عندما صعد فجراً إلى زورق الدّورية. قبل يوم واحد، البارحة، حينما التّحق بوحدته سألوه فقط إن كان يجيد السّباحة، هذا كل ما في الأمر.

العريف وحده يعرف المسالك المائية وسط محط الهور حيث تضيع المسافات، الإحداثيات، العلامات، لا شيء غير ممرات ماء متقاطعة متوازية، تضيق، تنفرج، مياه تحيطها قصيبات البردي من كل جانب، مياه لم تكشف عن لمعانها إلا بعد إقلاعهم بساعتين. مجارٍ تبدو سوداء في الليل، ممرات لا تنتهي، تلمع فيها نجوم متناثرة كحبات لؤلؤ منفرطة فوق قماش أسود، ثم أخذ السّواد يقلّ حتى بدأ سحر ممرات المياه يغرق في شفافية حالمة تحت ندى لذيذ وبرد غير قارص.

والآن ما العمل؟ العريف مختفٍ. هو حرّ لكنّه لا يعرف الطّريق. العدوّ مريض. كيف ستهرب؟ أستموت من الجوع وسط الخنازير؟ فتح الإيراني عينيه، التّقت نظراتهما بعد شرود، قال وهو يئن: أما زلت هنا؟ لمَ لمْ تهرب؟

صعق سامر، هتف فرحاً: أأنت عراقيّ أم من عربستان؟

-  من البصرة.

-  لماذا إذن معهم؟

تأوّه وهو يحاول أن يتلمس جروحه:  سُفرنا قبل سبع سنوات، سنة 79، رمينا كالكلاب عند الحدود، مات نصف أهلي من الجوع، المهم يجب أن تسرع في الهرب. سيأتي أفراد فصيلي بعد ربع ساعة، إنهم يعرفون مكاني ومكانك، شاهدنا انفجار زورق دوريتكم فجراً، نحن الذين رصدناه، أعطينا المدفعية الإحداثيات، أهرب قبل أن يأسروك.

ارتجف صوت سامر: لا أعرف أين أتجه!

أغمض الجريح عينيه، يغالب الألم، أنَّ بتوجع: ساعدني على النّهوض.

اجتازا بضعة أمتار من البردي، كان يتكئ على سامر، اقتربا من حافة الماء اللامتناهي، قال: إنه خطأي، مهما يكبر الإنسان فهو طفل لا يستطيع تجنب الأخطاء، أثرت الخنازير عندما أطلقت الرّصاصة. فعلت ذلك من دون تفكير، خشيت أن تظن الخنزيرة أنني أقصد الأذى بصغارها فتهاجمني وتهرب أنت أو تقتلني، أردتها أن تهرب فأثرت خوف القطيع.

ضحك سامر: حتى لو رأيتك لما قتلتك، لم أضع في عقلي القتل مطلقاً.

حدق به الجريح جاداً: لابد من القتل، أقتل أو تقتل، إنّها الحرب، العالم يحكمه الخنازير، يهددون البشر كلهم.

توقف برهة، ثم أشار إلى الشّرق: أنظر تلك الجزيرة، تستطيع أن تخوض إلى هناك، الماء ليس عميقاً، سيبدأ المدّ بعد خمس ساعات، إذا مشيت بجد فستصل إلى قاعدتك بعد أربع ساعات، توكل على الله، لا تضيّع لحظة واحدة، هيَّا، لماذا يرسلونكم؟ هذا القارب الخامس عشر الذي ينفجر وينتهي طاقمه! إنّهم يعلمون أنّنا نعد لهجوم من هنا، ليس الأمر سراً، فلم يضحّون بكم؟ كل يوم قارب يسير إلى حتفه، أتعرف السّباحة؟

-  نعم.

-  إذن هيّّا، خذ معك حقيبتي فيها طعام وماء يكفيك يومين، في أمان الله.

-  لكن تلك الجزيرة قريبة، لا تأخذ أكثر من ساعة.

-  صحيح، بعدها توجه نحو الشّمال، جزيرة أخرى، ومن هناك استدر نحو الشّرق أيضاً ستصل جزيرة صغيرة فاتجه نحو الشّمال برهة قصيرة، عندئذ سترى الطريق إلى الغرب، وسيقودك إلى وحدتك، احذر الخنازير، لا تستفزّها.

قال ذلك ثم سقط من الإعياء.

-  قلت لك أسرع، إن سمعت الرّمي أغطس في الماء، أتعرف كيف تعد قصبة للتنفس؟

-  نعم.

-  كم سنة لك وأنت في الجيش؟

- يومان فقط.

- يومان ويرسلونكم إلى الموت؟

أحس سامر بقلبه يجيش عاطفة نحوه، أراد أن يعانقه، يصافحه في الأقل، لكن هذا هتف وعيناه تدمعان: قلت لك أسرع، لا تضيّع ثانية.

ثم أكمل وبصوت متهدّج، وهو يراقب سامر يخوض الماء رافعاً غدارته وزوادته إلى الأعلى: كم لعنت نفسي!

***

محمود سعيد

1984

 

مادونا عسكرهو،

جرفٌ عليمٌ عطشان إلى كأس سقيم

غمرٌ عاشقٌ ظامئ إلى كنف ظلّ عليل

تباشير الخلق

عاشق ومعشوق

نهر عظيم النّور

يهدي ويهتدي إلى خزف الماء

أنتَ،

إناء الخزّاف

أرجوحة النّور والنّار

تهتدي إليه

عند بزوع أولى البواكير

-2-

عينان على الأزرق المتدلّي

تجادلان حرفاً

مشرّعاً

على البدء المبتدأ به

عينان معناهما

الأكوان تشهدُ جريان الزّمنِ

الخارج عن الزّمنِ

لا دهشة إن

جمّت البئرُ

واستفاق النّبيّ على مآسي النّبوّة

وغالب الموتَ بحروف الملح

المتشبّثِ

بكنف الماء

عصف شديدٌ

وينتهي إلى لجّة الوصلِ

ويغدو الكون حلماً

قديماً

أو شكّاً

محتملاً

أو لحظة عابرة

في فقه الحياة

-3-

إذا تجلّى النّور ذات وحيٍ

هوى الدّجى

خاضعاً ذليلاً

فكيف رأى السّانح

بركات الغضب

في هيئة تقديسٍ

ومثال تنزيهٍ

كيف طوّع الظّلّ

قبل انبلاج الشّمس

وجعل سراجاً ضريراً

دليلاً

وسبيلاً

لمنسحقي القلوب

إذا تراءى الضّياء برهةً

هام القلب في الغربة الخاشعة

فكيف ارتضى المبارك

فناء التّراب

في جريمة النّار المتّقدة

إذا أشرق النّور

أمعن في الإشراق

ذرّ سناه

حتّى لا يُسمع أنين

البعيدين

ولا يفتخر القريبين

***

مادونا عسكر/ لبنان

مامون احمد مصطفىلريما

كل المسافات

كل الثواني

وكل البدايات

ككون مشدود من ثرى الأرض

للثريا

في قبة سماء

في رحم مظلل بسماء

وسماء

وزيتونة الفية

تمسك الازمان من كلها

من نهايات النهايات

**

"2"

لريما

كل شيء ممكن

مباح، حر، طليق،

نسر يحمل الأرض من أطرافها

يلملم الأوراق من رحم صخرة صماء

ينثر المجهول فوق الربى

يجمع المعلوم في قلب الصدى

ارجوحة من فل وحبق وياسمين

توزع اللمى على صفحات الشمس

تغرس براءة الطبيعة

بياض زهر اللوز، حياء الكرز

تورد الجلنار، عطر المريمية،

فوح الندى، شهيق التراب

في ابتسامة تشق الضوء

تفور، تكتظ، تزدحم بالنور والنوار

**

"3"

ريما

قطعة القلب، كل الكبد،

لهفة الانتظار على أبواب الغيب

شهقة الانتصار على المخبأ

في كأس الوجود

كتلة من نسيم طري

تعرفها الطيور رغم المسافات

رغم البعد، رغم الضباب

**

"4"

ريما

آنية من خزف مطعم بذهب

بفيروز، لازورد، ياقوت،

ماس ومرجان

رحلة النهار في العتمة

الظلام، النور في الدموس

النهوض من عدم مدفون بعدم

الى سقسقة العصافير

شقشقة الفجر الممزوج برائحة الخبز

برائحة الناس المحملين بالتوق

بالشوق والاشتياق،

بالرجاء المعصور من الروح

بالحلم المنصهر بالأمل

بالدفق، بالنماء، بالوجود،

بالميلاد المولود من ميلاد

بالحياة المحشوة بالحياة.

***

مأمون أحمد مصطفى - النرويج

..................

مهداة الى ابنة ابني احمد التي وصلت الدنيا كمهاجرة من رحم كان يغلفها بالطمأنينة الى حياة تترجرج وتهتز وتتصادم وتتمخض. أي الى مجهول ينتقل من مجهول.

 

ريكان ابراهيمأتخجلُ من سجيّتها بَغيٌّ

إذا ألقتْ عن الوجهِ

النِّقابا؟

أيُرجى برَّ والدهِ لقيطٌ

فيُحسِنَ في مسيرتهِ

الثوابا؟

أيؤمنُ ذئبُ قاحلةِ البوادي

على غَنمٍ بها الراعي

تغابى؟

أيخفضُ ذيلَهُ كلبٌ فينسى

الذي وسَمتْ وِراثتُهُ

الكِلابا؟

أيُشْفى حاسِدٌ من طبعِ لؤمٍ

به يَرجو لصاحبهِ

مُصابا؟

أيُمحى القُبْحُ من وَجْهِ الغواني

فيُبْرِئنَ المَباسِمَ والرِّقابا؟

أيكتسِبُ الرجولةَ في مشيبٍ

فتىً قد كانَ مأبوناً

شبابا؟

أينسى ثأرَهُ جَمَلٌ صَبورٌ

وإنْ جَرَّعتَهُ سُمَّاً

وصابا؟

أرى ما قُلْتُهُ طبعاً أصيلاً

ومَوْرُوثاً قديماً

لا اكتسابا

ويَصدقُ ما نقولُ على رجالٍ

سِياسيّينَ قد بَلغوا النصابا

فلا تأمَنْ سياسيّاً لأمْرٍ

وإنْ طابَ الحديثُ بهِ

وحابى

فقد يُعطيكَ من يده ثواباً

ويُخْفي تَحت عِمّتهِ عِقابا

وعِلْمُ النفسِ أخطأ حِينَ سمّى

السياسيّينَ

أبطالاً صِلابا

وهُمْ مرضى

شفاؤهمُ عَصيٌّ

فمَنْ وَرِثَ الشبابَ

عليهِ شابا

ومدرسةُ السُّلوكِ بما تُنادي

به كذَبَتْ ولم تبلُغْ

صوابا

ومَنْ عَشِقَ السياسةَ وهْوَ

شيْخٌ

فيعني أنَّهُ شيخٌ

تصابى

***

د. ريكان إبراهيم

 

 

عبد الله الفيفيأَيُّ عِيْدٍ مِنْكَ أَضْحَى 

                أَرْوَعَ الأَعْـيَـادِ عِـيْـدا!

لَوْ تَهَجَّـتْـهُ اللَّـيَالِـي 

                 بَرْعَمَتْ فَجْـرًا قَصِـيْدا

تَفَّحَتْ صَيْفِيْ: ثُغُوْرًا، 

                   وخُــدُوْدًا ، وقُـــدُوْدا

وجَرَتْ مَوْجًا مِنَ الدَّا 

                نَاتِ، تُـوْمًـا، وفَـرِيْـدا!

             **

كُـلُّ أُنْـثَى ثَـارَ فـيها 

               يَوْمُها الْـ أَضْحَى عُقُوْدا

لَـوَّنَتْ مِنْ مِرْشَفَـيْـهِ 

                 شَـفَـةَ الصُّبْـحِ الوَلُـوْدا

بِـغَـدٍ دَانِـيْ السَّماوا 

                    تِ تُـرَبِّــيْــهِ وَلِــيْـدا

لم تَـعُـدْ فِـيْهِ أَثـَاثـًا، 

                  لابْـنِ آوَى، أو ثَـرِيْـدا

لم تَـعُـدْ فِـيْهِ ذَكَـاءً 

                  شَـهْـرَزَادِيًّـا بَـلِــيْــدا!

              **

فِـيْهِ فِتْـيَانُ الحِمَى تَغْـ 

                  ـرِسُ لِلْـحَـقِّ البُـنُـوْدا

لا سَبَـارِيْتَ تَـرَى فِيْـ 

                  ـهِمْ ، جَبَانًا أو حَقُـوْدا

يُشْرِعُوْنَ الأَحْرُفَ الأُوْ 

               لَـى إلى المَعْنَى صُعُـوْدا

وعلى اسْمِ اللهِ مِنْ «لا 

                شَيْءَ» يَبْـنُـوْنَ وُجُـوْدا

يَتَحَدَّى في «زَمَـانِ الـ 

            ـفَصْلِ» بالوَصْلِ الحُدُوْدا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

صحيفة المثقفالمرء هشٌ

كرقاقات خبز

خبأتها الامُّ ..

بانتظار الإدام ِ

المرء هشٌ

يموت في كنف البيت

فردا

أو في اشتباك الزحام ِ

وفي لجة البحر

يقضي

أو بصحراء باردة الضلوعِ

فارحم فديتك ضعفا

تغلغل في الدما ......

حتى العظام

وجنبنا الخصومة من لئام ِ

المرء هشٌّ ... زجاجٌ

يُخشى عليه

من الصدى والصدام ِ

اجمد فلعل عفوا

يحلُّ فينا ربيعا

من الألى والأنام

نضام فيها جياعا

وان شبعنا نضيمُ

يُجار فينا صغارا

فان كبرنا نجورُ

حتى نواري القبورُ

فخّارة من تراب

تعثو بغير لجامِ

يزدان فيها الضميُر

فيمن لديه ضمير

وربما بعض ود ...

اخوة كالعداء

تصيبها المزن غيثا ... صواعقا

من غير ضوء وماء

فها هنا الافق قيظ

أو قامة من جليد

تلتف في محض وهم

مرقع

غلالة

تملصت مذعورة

من الغطا

والسماء ِ

***

سمية العبيدي

مالكة عسالمُدّي يديك يا أمي

من ثنايا القبر .. واصفعي

من زاغ عن العَقد الرباني

وهات حكمة منك تدنيني

ونصحا بصبر أيوبَ يغشاني

ظِلنا في الأفْق صار أسودَ

وعلى الرمح تكسرت الأماني

سُقتُ نفسي

 نحْو مَرْجنا الأخضر

أنزع اليابس من الأغصان

لأرمّم شرْخ قلب

ترنّح بسُحْت الأحزان

رمتُ باهتمامي ردُّ الماءِ للغدير

وتثبيتَ أواصر، أرهقتْها يدُ الأزمان

رفْقاً بسحنة الأجداد

أصونها بذُلّي

 حتى لا تذروها ريحُ النسيان

فحرارة النفس أجهدتني

ليظلّ كوكبُنا ساطعا في عنفوان

تراني أظلم نفسي

وأكبدها رهَقا .. بالمشقة والأشجان

فالظل الذي لمّنا يا أمي

توارى ..

تُرى .. من قصف خيطَنا

فتبعثرت حباتُه في جهالة الأركان؟؟

ذُدْتُ عن رحِم.. كي لا يتمزق

حتى ..تعبتُ من تكاليف جرح

في البدن تضخّمَ.. وفي روحي أنساني

بي همّ حبلِنا السّري يشتَدّ متناً

لكنّ الضرب يا أمي.. في الصخر أعياني

سريرتي.. لصنو قديسةً اصطفاني

ومَجّا.. لآخر في التّرعة رماني

دُكّها يا أخي وعلى تلّها

 حطّمْ شقائق النعمان

ومزّقْ عُهدة الأسلاف

ومن شرائطها

 اصنعْ زعانف للريح

تسبحْ قشّة في الأكوان

طوبى لشقيق نناشد طيفَه

يختال في ربانا..

وتبّا لمَن .. مِن الذاكرة

أذابَ نفحة الجذور

في سيْل من دُخّان

***

مالكة عسال

 

انعام كمونةما كان ينفك مغزلها من نحت الأنامل حطبا لموقد الشتاء، وهي الصائمة مذ زمن الصوف البارد معفرة الروح بتنهيدة غبارا نديا، يتفطر كحل عينيها اسراب ضياء تلامس خفقان العمر زهوة تعب بقناطير السلوى الملحمية الوداعة، تزفر قيظ أحلامها صفصافة نبض تعوم بشجن ضفاف خشنة المواسم، تضفر فتيل الشموع زيتا  لقناديل العتمة، تصوغ الوان الشفاه من ضوع شحيح دهلة لسد رمق تنور الجوع باكتاف قناعة ...

هي سيدة الطين تحوك وشاح الحرير من ورد الأماني وتلبس الرث البالي، تزخر برائحة الصبر من بخور الظمأ فيعانقها كحل الفجر طيفا يسكب نبيذ حلمه ريقا لأفواه البردي، ليكتسي لونه الذهبي خمرة خبز تنتشي من كفوف هور الحنان، توقد نار وجعها من غروب النعاس لتهتدي قوارب اللهفة الضالة لكرم فنجان الضيافة فتهدي فردوس الأمان تحت خيمة القصب الذابل، تهدهد سبخ اللقمة على قدم بحر مهاجر لمد يباس، يحرق انفاس الحرث ونبضات نسل الجبين، فتحصد تبن السنين مكافأة هباء لأنين الانتظار، هذه سيدة الخيرات تضوع عجفا بظل آهات النخيل، ويلتهم مستنقع الأفاعي تبر الأصيل .

***

إنعام كمونة

 

باسم الحسناويتوضيح:

أوضِّحُ الفرقَ بينَ الحبِّ والذلِّ،

           لا سيَّما عند شَخْصٍ شاعرٍ كَهْلِ

أنا أحبُّكِ يعني أنَّني رجلٌ

               أحقُّ محترفٍ للحبِّ بالوَصْلِ

يعني كذلكَ أنَّ اللهَ ميَّزني

       فليسَ في الكونِ شخصٌ رائعٌ مِثْلِي

هم يعشقونَ أذلّاءً نساءَهمو

               وإنَّني شامخاً أهواكِ كالنخْلِ

وربَّما كانَ لي مثل الورى ولدٌ

              وانَّني مثلهم أحنو على نجْلِي

لكنَّني ناظرٌ إن كانَ كوكبةً

             من النُّجومِ وإلا ليسَ من نسْلِي

إني منحتُكِ بَعْلاً من سنا قمَري

           فبوركَ القمَرُ المَطْعونُ من بَعْلِ

        **

قدستُ أشيائي القديمة

في كفِّها نهرُ الفراتِ، ودجلةٌ

             في كفِّها الأخرى ولاتَ عراقِ

قلتُ استجيبي للعناقِ فأرهصت

                   بعناقِها لولا وأدْتُ عناقي

وإذا أردنا أن نعانقَ بعضنا

                     لعناقِنا نسعى بلا أعناقِ

أنا راغبٌ فيها بكلِّ نبوَّتي

                   لكن أمعراجٌ بغيرِ بُراقِ؟

ما لي سوى الشفتينِ من وطنٍ ولي

               علمٌ يرفرفُ من سنا أحداقي

قدَّستُ أشيائي القديمةَ كلَّها

             وعلى الجديدِ أنا قذفتُ بُصاقي

         **

خلاف

لسنا بمتَّفقَينِ فيما نشعرُ

                 أنا أندبُ القتلى وأنتَ تكبِّرُ

كبَّرتَ من أجلِ الحروبِ تشنُّها

                   علماً بأنَّكَ عن إلهِكَ مدبِرُ

لو كنتَ تقصدُ أنَّ ربَّكَ حاضرٌ

                فعلاً بحربِكَ ما رأيتُكَ تفخَرُ

أنْ قد قتلتَ الألفَ في يومٍ وفي

             يومَينِ، بينا ألفَ شخصٍ تأسِرُ

الحربُ بنتُ الكلبِ تكرهُ بعلَها

               ومن الطبيعيِّ الخؤونةُ تفجرُ

يهتزُّ من طربٍ متى قدّامَهُ

           تزني الحليلةُ.. بئسَ هذا المنظَرُ

ويشاءُ إقناعي بأنَّ القحبةَ

          الشوهاءَ من ماءِ السَّحابةِ أطهَرُ!

       **

بطولة

أنا ملكٌ يبكي بكلِّ بطولةٍ

      فما ليَ من شعبٍ سوى معشرِ الدَّمْعِ

أقاتلُ أهلَ الزيغِ من أهلِ ملَّتي

    فهم بَصَري من دون شكٍّ وهم سَمْعي

إذا ما تشهَّيتُ النساءَ وجدتَني

     تزوَّجتُ أنثى من بني السيفِ والنطعِ

أنا لا أظنُّ الحبَّ ظناً وإنَّما

             إذا ما أنا أحببتُ أحببتُ بالقطعِ

وليسَ مهمّاً حين أصبحُ نخلةً

               إذا لم أكن إلا المسافةَ للجذعِ

ولا فرقَ بين الماءِ والنبعِ إنَّما

            نضحتُكَ ماءً فانتميتَ إلى نبعي

         **

في ذكرى الحرب

أتحاولُ الآنَ الوقوفَ على الجحيمِ

                  لكي ترى أبناءَكَ الشُّعراءَ

ماذا يهمُّكَ من توهُّجهم بتلك

                    النار ما دامَ الدخانُ نساءَ

هم يشربونَ خمورهم في قعرها

                 حتى إذا سكروا بدوا أشلاءَ

فكأنَّهم خرجوا لتوِّهمو من

                الحربِ التي لا تقتلُ الأعداءَ

بل تقتل الأخَ والصديقَ بنَبلِ من

               شربَ الأخوَّةَ والصداقةَ ماءَ

يا ليتَ من شاءَ الدفاعَ عن الحمى

                    ببطولةٍ فتكت بنا ما شاءَ

أبطالَنا الأمواتَ قوموا جانباً

                   حتى نرى أبطالَنا الأحياءَ

                **

الأحرار العبيد

هم الأحرارُ أجمعُهم عبيدُ

                      شعارُهمو نفيدُ ونستفيدُ

لقد ركضَ الزمانُ بنا سريعاً

                     ولكن قطُّ ما قربَ البعيدُ

نعم نمنا طويلاً في كهوفٍ

                    إلى أن ملَّنا الزمنُ المديدُ

ونحمدُ ربَّنا أنا مددنا

                    ذراعَينا ليذكرَنا الوصيدُ

وإلا لم نجد كهفاً لنومٍ

                 على حجمِ الكسالى أو يزيدُ

وأنّا كلَّما عهدٌ تقضّى

                     فذا من نكسةٍ عهدٌ جديدُ

                 **

إعلان

باسمي وباسم النهر أعلنُ أنَّنا

                لسنا لأن نبكي على استعدادِ

بل نحنُ من فرحٍ نزفُّ كلامَنا

                 في موكبِ الأولادِ والأحفادِ

لنقولَ شيئاً واحداً هو أنَّنا

                متفائلونَ بقتلِ حرفِ الضادِ

فيكون رمز نضالِنا وجهادِنا

                    في أمةٍ خلقت ليومِ جهادِ

إن تفتخر فلها افتخارٌ بالذي

             اضطهدَ الجميعَ بخطَّةِ استبدادِ

إياكَ لا تخدع بظاهرِ مدحِها

                   للراغبينَ بلحظةِ استشهادِ

لو كانَ حقاً مدحُها ما سلَّمت

                   شرفَ البلادِ لخسَّةِ القوّادِ

                ***

باسم الحسناوي

 

عدنان الظاهر1ـ الترعةُ في واديها أوهامُ

تتشظّى.. تتباعدُ شأواً شأوا

الجُرمُ الفالتُ سهواً إقدامُ

لا ضيرَ تقدّمْ

حولكَ لا شئَ سواكا

فيكَ الخُلوةُ ملأى

فيها ما فيها للقاصي والداني

فيها شوكُ البرِّ وقرُّ شتاءِ الجيلِ الآتي

سلّمْ وادخلْ

السابقُ أولى لولا أنكَ تخشى

تصطنعُ الأعذارَ وتجري خلفكَ زَحْفا

ما نفعُ الغُربةِ تُفنيكَ حطاما

لولا ما فيكَ هناكَ لما شَنْفتَ الأسماعا

خففْ غُلواءَ مَضاءِ التجريفِ القاسي

الأبعدُ محجوزٌ جُرْفا

لا ظُلّةَ لا راحةَ تحت نظارةِ حرِّ الشمسِ

عَلَناً باعوكَ وباعوا مثواكَ وجاروا

فمتى تحرثُ أرضا

ومتى يأتي الباقي طوْعا؟

**

2ـ طفّوا ..

طفّوا الأنوارَ وشيلوا أطرافَ المسرحِ للأعلى

ماتَ القنديلُ وضاعَ الفصلُ الأوّلُ والثاني

ضاقا ذَرْعا

لا مِنْ أثرٍ للمُشرفِ والحاكي

ما قيمةُ إسرافي طَرْقاً بالبابِ

ما جدوى إلحاحي

أطفئْ باقيكَ وسلّمْ مفتاحكَ للجارِ

هذي الطبعةُ لا ناسخَ يُنهيها

إطبعْ أخرى

قلّبْها عَرْضاً طولا

ما ضرّكَ لو جدّدتَ الذكرى

"الطاقةُ لا تفنى"

إدمجْ صوتَ البوقِ بصمتِ الكابوسِ المُستشري

إيّاكَ وحدِّ الموسى طَعْناً هيّا

هيّا نرفعْ أنخابَ حِدادِ الأركانِ السودِ

نرفعُها راياتٍ للنصرِ!

**

3ـ هَرَجُ الفجِّ عميقُ

قارِبْ واشددْ أبراجكَ قوّمها

حرِّكْ أغصانَ التبرِ لئلاّ يسّاقطَ زيتونا

رأسُكَ مفتاحُ الحلِّ النابتِ في أرضِ النجوى

شوكاً ونجوماً وخُزامى

فتمَهلْ وافصلْ رأسكَ عمّا في رأسي

عنوانُكَ مشؤومُ

لا ينفعُ إلاّ للبائعِ والشاري

والضاربِ في دجلةَ فأساً من نارِ

**

4ـ بيني والمُهرَ الناشزَ هولاً فرقُ

يمضي والقبّةُ إنذارٌ مسبوقُ

يا نجمةَ صُبْحٍ أزرقَ فوّاحِ

أنعشتِ سماءَ الأفُقِ الأعلى ساحاً ساحا

يوحي فالبوحُ سلاحُ التوقِ المُستشري قدّاحا

إني رائيكِ وأنتِ القَدَحُ الساقي أرواحا

أضرمتِ سوادَ اللُجّةِ قُلتِ سلاماً

ما جدوى ردّي إنْ قُلتُ سلاما؟

التوقُ الضاربُ سوطاً في ظهري

يُحصي أنفاسَ شموعِ الليلِ الماشي خَلْفي

شدّي أضلاعَ الخزفِ النازفِ إحراقا

هذا بَصَري في مِحجرِ سابقةِ الإنذارِ

لا حدَّ يضيقُ وراءَ الآفاقِ شِقاقا

أو يطغى عِملاقا

مهلاً يا ساقي

النجمةُ أحداقُ الأقداحِ

**

5ـ خُضّيهِ جِذْعا

عاطيهِ ما في الخمرةِ من ثغرِ النارِ

هزّي أعطافكِ أركانا

يسّاقطْ منها بُرهاني

هل يُجدي أنْ أسألَ جِذْعاً مشدوخا

أو أمخُرَ في بحرِ اللوحِ المحزوزِ

تتآكلُ موجاتي صوتاً في صدري

ـ الضجّةُ في الموجةِ خرساءُ ـ

والطيشُ المتغطّرسُ يُنسيني تكويني

ينأى أبعدَ من هذا

يُطفئُ نارا

آهٍ يا ناري من مُرِّ الإنذارِ!

***

عدنان الظاهر

منصر فلاحيا أيهـــــــــــــا القلب الذي اتعبتني

هلا استرحت من الهوى وأرحتني

.

ها أنت أشعلت الغرام تفننا

لم تدر انك بالغرام ظلمتني

.

أحببت من لا تستقيم مــع الهوى

تهب الوعود على الوفاء وتنثني

.

أهدى لها ورد الربيع نضــــاره

وأعارها هاروت سحر السوسن

.

فتانة سامتك هجرا بعدمـــــــا

أدمت حشاك بسهمها المتمكن

.

كم واعدتك وقد مضت مختالة

وأراك تنزف كالطريد المثخن

.

ولكم نصحتك لا تكن متهـــــورا

فرميت نصحي جانبا وعصيتني

.

يا قلب تبا للغــــرام وأهله

ولكل قلب للصبابة ينحني

.

ماكان يهزمني الكماة لدى الوغى

حتى أتيت بحبهـــــــــــا فهزمتني

***

 

الشاعر منصر فلاح - صنعاء

....................

نضاره = نعومته

المتمكن = النافذ

مختالة = متكبرة

الطريد = الذي يطارده العدو أو الصياد

المثخن = كثير الجراح

الكماة = جمع كمي وهو الفارس المدجج

الوغى = الحرب.