محمد عمر غرس اللهيعد وصول قيس سعيد (الرئيس السابع للجمهورية التونسية) - لقصر قرطاج بخطابه الذي تقدم به للإنتخابات - حدثاً ملفتاً يتطلب النظر والتحليل، فالرجل قادم من خارج المؤسسة الحزبية التقليدية وتم أختياره وفق الإنتخابات الرئاسية، وهو أستاذ جامعي في مجال القانون تعرفه قاعات الجامعات التونسية في تونس العاصمة وسوسة متخصصاً في القانون الدستوري، قدم خطاب في حملته الإنتخابية معبراً عن مسار جديد في الخط السياسي التونسي الرسمي فيما يتعلق بالسيادة الوطنية، والموقف من القضية الفلسطينية، وما يتعلق بالعلاقة مع الكيان الصهيوني الغاصب، كما قدم وبشكل ملفت لغة عربية قوية وسليمة بعيدة عن التلهيج والفرنسة، كل هذه السمات تبدو مهمة ولافت في ما نتوقعه من تأثير يحدثه هذا الرئيس القادم في زمن يبدو حيوي، وهذا سيكون له معنى عربياً بكل تأكيد، دعونا نرى

إننا بالنظر للحدث المهم في تونس لسنا في وارد الحديث عن الخوارق السياسية او ظهور السياسي السوبرمان، ولكننا أمام توقع تأثير الخط الذي بدا عليه الرئيس الجديد، والذي يمتح من مسيرته السياسية في مجال القانون وخطابه الانتخابي المميز والواضح والذي حمل الجديد (كرئيس) في التعبير بصوت سياسي جديد من طراز مختلف هو اليوم في قصر قرطاج – رئيساً - وما يمكن أن يتوقع منه في إحداث تغيير وتطوير يمس الوضع الوطني التونسي خاصة في الأعماق المهمشة، وأيضا ما يعبر عنه من الرؤية الشعبية التونسية فيما يتعلق بالقضايا الإستراتيجية أمام الوضع العربي المتردي، وتصحيح الدور التونسي الرسمي حياله.

 في الحقيقة أن وصول (قيس سعيد) لقصر قرطاج في تونس يقول شيئاً مهما في الداخل والخارج، ويمكن لنا  أن نتوقع تغيرات إيجابية داخلية وخارجية فهو وصل بإنتخابات نظيفة مرضي عنها شعبياً وبطريقة مشروعة وفق النظام السياسي التونسي وهو ما يعطيه مشروعية وقوة وفاعلية تحريك وإحداث تغيير إيجابي حقيقي، وفي ذلك ثمة تحديات تواجهه يمكن حصرها في:

تحديات داخلية:

أولاً: تحديات أساسية وحاسمة متعلقة بإمكانية تحريك عجلة التنمية نحو الدواخل والأعماق المهمشة وكسر الطبقية الجغرافية والمناطقية التي تعرفها تونس، تلك المناطق الفقيرة المعدومة التي تعيش في الظل سوى حول المدن الكبرى أو في الجنوب التونسي، من حيث ضعف البنية التحتية وإنعدام أماكن الشغل وفرص العمل، خاصة الأسر الفقيرة والنساء العاملات في الفلاحة والقطاعات الوسطى من الشباب المهمش في الدواخل التونسية، وهو أمام تحدي يحقيق توازنات تنموية وتساوي الإنجاز بين الجهات التونسية، وذلك بالفكاك من سطوة رجال الأعمال وتأثيرهم على الخط السياسي وإتجاهات التنمية وتوزيعها الجغرافي، الأمر الذي يساهم في تجفيف منابع إستغلال الشباب في حروب  الجيل الرابع، ويوقف نزيف الهجرة إلى الخارج، ويحدث إنتعاش حيوي في الأعماق التونسية.

ثانياً: تحديات متعلقة بإحداث تطوير إيجابي في بنية المنظومة السياسية في تونس، وحلحلة المنظومة العميقة التي تجذرت وتمكنت عبر الزمن، وهي التي تشكل البيئة التي تؤثر في تونس على المدى الأعمق والأبعد، وهي مكونة من شخصيات تاريخية مخضرمة لها أتباعها في العمق ذات نزوع له تأصيله يعتمد أحياناً على الأرث البورقيبي، وله شبكته التي تنسج خيوطها وفاعليتها في مفاصل الدولة وهي الأكثر تاثيراً في الأوقات حاسمة خاصة في التنسيق مع الغرب والولايات المتحدة تحديداً، فبالمعنى الذي ظهر عليه قيس سعيد في خطابه الانتخابي وسيرته الذاتية - يبقى هذا الرئيس الجديد أمام تحدى: إما أن تحتويه هذه المنظومة عبر خطوطها العريضة فيتوافق معها ويسير في إطارها العام مع السماح له بهامش التعبير والمناورة، او يستطيع هو حلحلتها وبالتالي يتمكن من فنح الباب لتنويع هذه المنظومة من الواقع التونسي الذي عبر هو عن الكثير من تجلياتها بطريقة او أُخرى من الطيف التونسي المتنوع (تنوعات القوميون العرب والقوى الوطنية الشعبية بتنوعاتها والإتحاد التونسي للشغل) بالإستفادة من وصول شخصيات تمثل العمق  التونسي بمعناه العربي والقومي للبرلمان التونسي (حركة الشعب – المثقف الصافي سعيد – سالم الابيض .. وغيرهم)، فهل ينجح بصنع معنى لهذا الطيف يكون له تأثيره العميق والمستمر سياسياً وإقتصادياً، وهل يستطيع أن يلعب دور المايستروا بجعل كل ذلك معتبراً في الخط العريض للسياسة التونسية الرسمية داخلياً وخارجياً، متسقاً مع ما كان يقوله أثناء الحملة الإنتخابية فيما يتعلق بقضايا الأُمة العربية والعروبة والتطبيع وموقفه الواضح الجلي من القضية الفسطينية بشكل يبدو جذري، وحلحلة إتجاه الدور التونسي الخفي (دور الجهاز السياسي العميق والأمني والعسكري المتحالف والمتسق مع القفاز القطري - دور حركة النهضة واذرعها) في ما يجري في ليبيا، وأيضا الأكثر إثارة وأهمية موقفه من قضية اللغة العربية التي دأب على التعبير بها فصيحاً عربياً مفوها يبدو واضحاً في مواجهة سطوة وتمكن فرانكوفونية.

ثالثاً: تحديات متعلقة بتهذيب دور الإسلامويين خاصة الشبكة المرتبطة والقريبة من الجهاز السري لحزب النهضة ونفوذ ودهقنة الغنوشي وإرتباطاته، فيما يتعلق بدورها التكاملي مع (الأردوغانية) والدور القطري وإرتباط ذلك بما يتم فعله في المنطقة العربية  خاصة في ليبيا وسوريا (لا أحد يضمن أن  لايتم القيام بنفس الدور في الجزائر حال إستهدافها فالذي غدر ليبيا وسوريا يمكنه فعل ذلك مع الجزائر دون أدنى شك حيث أن هؤلاء الفاعلون لا يتوبون ولا يرتدعون)، فالإسلامويين منذ عام 2011م في تونس تغلغلوا بفعل فاعلية حزب النهضة وقدرته التنظيمية وشبكته المتينة والمستندة على القدرة والمهارة الفائقة في (العمل السري) والتقية والقدرة على التخفي والبراغماتية كاسلوب تمكين وتمكن، ولذا فالرئيس (قيس سعيد) سيواجه عاجلاً ام أجلاً تلك الشبكة من خلال دوره السياسي والذي بين هو خطه فيما قاله وصرح به، وهو ما يبدو مختلفاً مع مسيرة النهضة ودورها الإقليمي، فهي كانت ولازالت فاعل ولاعب كبير في منظومة الإسلامويات في المنطقة العربية من خلال علاقتها بلندن والدوحة وإسطنبول.

رابعاً: تحديات إنتشال والمساعدة في فكاك الإسلام التونسي الشعبي المحلي المتجذر من يد وسيطرة الجماعات المنظمة، وإعادة الإعتبار لدور جامع الزيتونة بعيداً عن الجماعات الإسلاموية العابرة للحدود، تلك الجماعات التي بحكم تطور حروب الجيل الرابع تقع غالباً في حبائل اللعبة الدولية عبر تحالف المال والاعلام والفتوي واللعبة الدولية، فتونس التاريخية في مسالة الإسلام والدفاع عن الثقافة العربية الإسلامية لها السبق شعبياً في لعب دور إيجابي في محيطها في قضايا الإصلاح الفكري وتهذيب سلوك المجتمع ونفوذ الأوامر والنواهي القرأنية، الأمر الذي يعد حيوي وضروري في إنتشال هذه المقدرة التونسية من أيادي الشبكات العالمية التي تسيرها غالباً إدارة أعمال في إطار اللعبة الدولية حتى دون أن يعي الكثير من البسطاء من المنتمين للحركات الإسلاموية.

التحديات الخارجية:

أولاً: تحديات متعلقة بالدور التونسي في الفضاء العربي فتونس التاريخية لها تأثير في مسيرة الأمة العربية منذ القدم، وهي في المغرب العربي دُرة العروبة المكنونة، حيث يبرز تحدي إستعادة إيجابية هذا الدور والذي للأسف كان (رسمياً)  في اللحظة العربية الحرجة – منذ عام 2011م - متسقاً بل واداة مكملة لدور القفاز القطري خاصة في ليبيا، الأمر الذي لم تعهده تونس التاريخية حيث تم (الغدر بليبيا) عبر المنظومة السياسية والأمنية والعسكرية التونسية (يمثلها الباجي وأخرون متجذرون في المطبخ السياسي التونسي – الجنرال رشيد عمار ممثلاً للجيش – والجهاز الأمني العميق) بالمشاركة في إتخام ليبيا بالأسلحة بل وفتح منفذ غير قانوني على الحدود الدولية وإدخال (أطنان الأسلحة القطرية) وفتح القواعد العسكرية والمواني لإستقبال تلك الأسلحة وتسهيل عبورها للجارة ليبيا، الأمر الذي سبب ولا يزال يسبب أضرار بالغة لازالت مستمرة على ليبيا المجتمع والدولة والنسيج الإجتماعي.

ثانياً: تحدي الموقف من الشراكة الإستراتيجية التونسية مع الولايات المتحدة، فهذه الشراكة تفسر في إطار سلوك الولايات المتحدة في المنطقة العربية، في إطار أدارة أميركا للوظيفية السياسية للأنظمة العربية في سياق هذا السلوك، فمن خلال موقف الرئيس الجديد من العلاقة بالكيان الصهيوني الغاصب (التطبيع كمصطلح ومعنى)، تتضح ملامح سياقه السياسي وما يتوقع منه، وهو ما سيكون حتماً مطروحاً في مسالة هذه الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة والدور الوظيفي المرسوم لها، سوى فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وما يتعلق بما يجري في منطقتنا العربية والذي في الكثير منه من ضمن حروب ا لجيل الرابع التي تلعب بها أيادي الغرب.

ثالثاً: تحدي تصحيح العلاقة مع سوريا، فالمرتزقة من الشباب التونسي الذين حفزتهم ونظمتهم وسفرتهم الجماعات الإسلاموية من تونس (رغم رفض تونس الشعبية العميقة لذلك) عبر جهازها السري  والذي لم يكن بالتأكيد بعيداً عن أعين جهاز الأمن التونسي القوي والمعروف بفطنته وحرفيته وقدرته العالية على ضبط الأمن، فالأف الشباب من تونس تم نقلهم لقتال الليبيين والمشاركة في الحرب عليهم، وأخرون عبرها إلى سوريا بفعل فاعل يعرفه الأمن التونسي القوي جيداً، وشاركوا في قتل وتهجير وتدمير سوريا وشعبها.

رابعاً: تحدي الدور التونسي المطلوب في المغرب العربي، فتونس عنصر فاعل وقوي وله تقديره وإحترامه بين إخوته في المغرب العربي، وتحريك عجلة التكامل في المنطقة يعد عاملاً حيوياً خاصة وأن تونس تحضى بعلاقات أخوية متينة مع كل بلدان المغرب العربية، وتونس الشعبية والدولة وخدماتها ترتبط اقتصادياً بكل جدارة بليبيا والجزائر في السياحة والعلاج، وهو مايعد تكاملاً مهما نجحت تونس في إنجازه حقق لها فؤائد إقتصادية ومالية معتبرة، وهذا في المغرب العربي يحسب في طريق وحدة المنطقة وتكاملها فنحن شعب واحد واسرة واحدة وبنية تحتية واحدة.

أن المتوقع من وصول الرئيس قيس سعيد يعد تفاؤلاً مهماً بالنظر لما يمثله من خلال خطابه ومسيرته المهنية وطريقة وصوله للرئاسة وأيضاً المقدرة التونسية الواعية، وهذا المتوقع أيضاً مرتبط بأهمية تونس في أُمتها العربية فتونس شعبياً دائماً تُحدث الفرق ولها تأثير كبير في محيطها عبر نخبها وإعلامها ووعي شعبها وقطاعاتها الشعبية من طلاب ومحامين وأكاديميين معتبرين في دنيا البحث العلمي والإنتاج الفكري، وإتحاد تونسي للشغل وأيضاً من خلال الكثير من السياسيين البارزين، إنها تونس والحدث فيها لا تؤطره الحدود ولا يغلق عليه باب، فتونس نسيج عربي متين متواصل مع قضايا أمته في عمقها في دمها ولحمها، ونحن الليبيون من بين بقية العرب الأكثر إرتباطاً بتونس فهي منا ونحن منها (ليبيا وتونس أشبه حالة عربية باليمن الشمالي واليمن الجنوبي سابقاً)، فما يحدث في تونس يُخصنا ويتعلق بنا ويؤثر فينا بطريقة او أُخرى، ورئيسها هو رئيسنا نحن أيضاً حتى وإن لم نضع أوراقاً في صناديق الإنتخاب لإنتخابه.

والله من وراء القصد

 

د. محمد عمر غرس الله

كاتب ليبي مقيم ببريطانيا

 

"لابد أن تكون للقدرات الثلاث مجتمعة.. القدرة على الملاحظة.. والقدرة على التفكير.. والقدرة على البوح والمطالبة... مجملا لجميع وسائل تطوير القوى الحياتية وتطبيقها.. إذ لا أحد يعرف مديات قوة قدراته.. حتى يختبرها!!!"

  بادئ ذي بدأ لن أخجل ولن أجامل فإنا اشك واشكك بالفرضية المشاعة حول إن كل استطلاع للرأي العربي العام يمكن أن يكون له معنى أو أية مصداقية، وبعبارة أخرى اشكك في حقيقة وجود إنتاجا للرأي العربي أو بإمكانية التعبير عنه أو حتى بإتاحة ذلك للجميع، وأرى أنه من الممكن إثبات أن في بال الحكام جميع الآراء العربية العامة ليست مهمة على الإطلاق، وأن حقيقة جمع الآراء بأستطلاعات الرأي هي ليست أكثر من إنتاج أعمال فنية مزيفة لا معنى لها، وببساطة ليست هناك فرضية صريحة حول وجود إجماع حول القضايا، وغالباً ما يتم تحدي استطلاعات الرأي العام بطابع السؤال عن تمثيلية العينات، وأعتقد أنه نظراً للحالة المأساوية الراهنة للواقع العربي وكذلك للوسائل التي تستخدمها برامج تلك الأستطلاعات فإن هذا الاعتراض لا أساس له من الصحة لأنه لا يتم إجراء العمليات بصدق بحيث يتم طرح الأسئلة الكلاسيكية بطرق مائعة وماكرة أو استخدام حيل الزيف في صياغتها، وغالباً ما يتبين أن الإجابة مشتقة من شكل بناء الأسئلة وحتى الإشكاليات الخاصة التي يقام بها ذلك النوع من التنظيم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالظاهرة وتخضع لنوع معين من النظام الاجتماعي الوالي والتابع والمنتفع من الأنظمة الحاكمة.

بعالمنا العربي تخضع الإشكاليات التي تقترحها دراسات الرأي العام للمصالح السياسية المرتبطة بإبراز حكمة وعبقرية الحاكم، وبذلك سيمحق بشدة كل من معنى للأسئلة وللإجابات ويفضح هدف نشر النتائج!! إن استطلاعات الرأي العام في أشكاله الحالية هو أداة حمقاء للعمل السياسي، ولعل أهم وظائفها غرس الوهم القائل بأن هناك رأي عام باعتباره حتمية يتم الحصول عليها فقط من خلال إضافة آراء فردية، الغرض منها إخفاء حقيقة بؤس ويأس وضياع الرأي الشعبي العام، وعبره تأمل الأنظمة الحاكمة للتأثير الأساسي على تسطير فكرة وجود رأي داعم لها بالإجماع وذلك محاولة منها لإضفاء الشرعية على سياساتها، ولإحكام خروج نتائج ترضيها فهي تعمد على وضع وفرض فلسفة خفية للتصويت على استطلاعات الرأي العام وإذا ألقينا نظرة عن قرب فسنجد أن النسبة المئوية لأولئك الذين لا يجيبون على الاستبيانات أعلى بشكل عام بين الإتباع والمواليين مقارنة بالمشكوك في ولائهم لها، وأن الفرق في هذا الصدد هو الأكثر أهمية إذ أن الأسئلة الأكثر طرحًا تكون سياسية وكلما كانت مسألة الاستبيان أقرب إلى مشاكل المعرفة والإدراك ازداد الفرق في حصة "غير مجاب" بين الأكثر تعليما والأقل تعليما  وبين الأقل أو الأكثر خضوعا، وكلما تناولت الاستطلاعات قضايا النزاع وعقدة التناقضات الدينية والوطنية كلما زاد التركيز على السؤال عن أي فئة معينة من الناس تستطلع، وكلما ازدادوا عددا سيجتمعون خوفا ورعبا على حصة لم تتم الإجابة، لذلك لن يقدم الاستطلاع سوى تحليل بسيط للإحصائيات وستبرز به بقوة حصة "بدون إجابة"، فيتم تعريف المعلومات على أنها الاحتمالية فيما يتعلق بتلك الفئة للحصول على رأي وكاحتمال مشروط للحصول على رأي مؤيد للنظام الحاكم.

إن أحد أكثر الآثار الضارة لدراسة الرأي العربي العام هو بالتحديد أن الناس مطالبين بالإجابة على أسئلة لم يطلبوها هم أنفسهم أو أنهم يخشون ويتهربون من الإجابة عليها ولنأخذ على سبيل المثال أسئلة تركز على القضايا الأخلاقية سواء كانت تتعلق بصرامة الآباء أو العلاقات بين المدرسين أو الطلاب أو التوجيه التربوي أو الدراسي وما شابه، في كثير من الأحيان ينظر إليها الناس على أنها مشاكل أخلاقية وكلما انخفض مستوى هؤلاء الناس في التسلسل الهرمي الاجتماعي كلما انخفضت فاعلية الأسئلة، وقد تكون تلك الأسئلة تطرح نفسها كقضايا سياسية للناس حين يكون الاستطلاع للطبقات العليا فتتحول الاستجابات الأخلاقية إلى استجابات سياسية تشيد بالنظام السياسي وتمجد بالزعيم الحاكم وأخلاقياته وذلك بمجرد فرض مستويات ووجهات نظر لطبقات عليا والتي دوما ما تكون من اشد الطبقات ولاء للأنظمة السياسية للمنافع المادية والتسلطية التي كسبتها بوجودها.

بعالمنا العربي وعلى النقيض من كل العوالم الأخرى فيتم تصميم الاستبيانات بطريقة تجعل الناس لا يسألون ولا يفكرون أو حتى لا يعتبرون أنفسهم مشاركين أو مهتمين في السياسة أو قريبين منها، وذلك يكشف عن اختلاف خطير للغاية في فن نوعية الاعتماد على نوع المجموعة الاجتماعية إذ إن الشرط الأول للحصول على إجابة ملائمة لمسألة سياسية هو القدرة على تمثيلها على وجه التحديد والثاني هو القدرة على تطبيقه على فئات سياسية بحتة والتي قد تكون بدورها ملائمة إلى حد ما أكثر أو أقل تطوراً، وإن كتلة الأجوبة التي تعتبر إجابات سياسية تتم في الواقع وفقا للطبقة العرقية غير إن ذلك ليس من المستحيل تطبيقه في عالمنا العربي إنما الحق نقوله انه لا يمكننا أصلا التفكير بوجوده أو حتى الحلم بعمله!!! وبالتالي قد تكتسب تلك الاستطلاعات المزيفة معنى مختلفا تماما عندما يتم عرضها وبحثها وتحليلها على أوضاع المجال والحياة السياسية.

في رأيي ينبغي التشكيك في أهمية الإجابات على معظمها لان السلسلة الأولى منها تسيء وتؤثر على الابتكار في العلاقات الاجتماعية وتكون في مستوى ارتفاع مكانة المستجيب في التسلسل الهرمي الاجتماعي وتفوق مستوى التعليم، وعلى العكس من ذلك فإن الأسئلة التي تؤثر على أنواع التغيرات الفعلية في علاقات القوة بين الطبقات كلما زاد رفض المجيبين أكثر كلما كان المدعى عليه أعلى في التسلسل الهرمي الاجتماعي، وبكل بساطة وخلال استطلاع الرأي العربي العام، لا الأسئلة التي تطرح في الواقع يتم تنفيذ تفسير الإجابات لهها بغض النظر عن الإشكالية التي تنعكس حقا في إجابات فئات مختلفة من المجيبين وان المشاكل المسيطرة هي فكرة تدور لتعطي قائمة بالأسئلة التي طرحتها مؤسسات المسح أي المشاكل التي تهم في المقام الأول أولئك الذين يريدون أن يكونوا على علم بوسائل تنظيم أعمالهم السياسية فيتم استيعابهم بشكل غير متساو من قبل الطبقات الاجتماعية المختلفة، وإذا كانت استطلاعات الرأي العام تفهم بشكل سيئ حالات الرأي المحتملة فإن السبب هو وضع مصطنع يتم فيه تسجيل آراء الناس بواسطة صناديق الاقتراع وفي الأزمات تتكون حالات الرأي عبر توجيه الشعوب بآراء متشعبة وآراء مدعومة من قبل مجموعات سياسية تابعة للنظام بصور فردية أو فوضوية وبالتالي فإن الاختيار بين الآراء يعني الاختيار بين المجموعات التابعة للحاكم، وهذا هو مبدأ تأثير التسييس الناجم عن فحوى وامتداد الأزمات. وكما إن هناك آراء تشكلت وحشدت وانضغطت بجماعات حول النظام في إشكال واضحة من المصالح المتقاطعة، ولذلك فأن الاستطلاعات هي ليست آراء حقيقية، وبياناتها ونتائجها ليست مقبولة وذلك حينما يطلب دوما من المشاركين فيها أن يختاروا موقفًا بين الآراء المُصاغة، وما إن يتم ذلك عن طريق الجمع الإحصائي البسيط للآراء المنتجة حتى يتم بهذه الطريقة إنتاج وإعلان النتائج والتي هي بجملتها منافية للوقائع ومناقضة وشاطبة لحقيقة الرأي العام. وإن حقيقة عزف الشعوب عن التعبير أو عدم الإصرار عليه تتضح عبر حقيقة أن همة الاستعدادات للعديد من الفئات الاجتماعية والإرهاب والإرعاب السياسي المتعمد ازائها يمنعها من الوصول لوضعية طرح الرؤية الصريحة لها أي أنها غير مكتملة وغير متمكنة لكنها تدعي تماسك التعبير وحاجة الاستجابة العامة، وأن الناس الذين ليس لديهم رأي سيختارون في جو من الأزمات وعن طريق الصدفة، لذلك أوقن وأؤكد أن الرأي العربي العام الصريح لا وجود له ومحدد في الكبت الحاد والصمت المفجع والرأي المكبوت حد النهاية.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

باسم عثمانوليست خيارا سياسيا!!!

ما يغيب عن غالبية المنشورات الحزبية الفصائلية والإعلامية السياسية على منصات الاعلام وداخل اروقة الصالونات الأدبية التوصيفية،ان الانتخابات الفلسطينية (التشريعية والرئاسية) المزمع اجراؤها، انها تحتاج وبالدرجة الأولى الى الإرادة السياسية لأصحاب القرار الفلسطيني في الضفة والقطاع، وتحتاج أيضا الى التوافق الوطني على الإجراءات الإدارية لإنجازها و ترتيبها ونجاعتها،حتى لا تتحول الى كارثة وطنية – بقصد او بدون قصد – من انقسام سياسي اداري الى انفصال اداري وجغرافي سياسي تتكرس فيه الكانتونات الجغرافية الفلسطينية (في الضفة وغزة والقدس)، وبالنتيجة، خدمة مجانية ميدانية لأهداف المشروع الأمريكي – الإسرائيلي وتجلياته السياسية  في عناوين صفقة القرن الامريكية.

وما يغيب أيضا عن التفكير الفلسطيني الرسمي، ان هذه الانتخابات المركبة : الدستورية الإدارية والسياسية الوطنية، هي اجراء مركب: إداريا و سياسيا، تتعلق برافعتي الحالة الفلسطينية بشقيها: منظمة التحرير الفلسطينية كائتلاف وطني عريض تمثيلي وسياسي، والسلطة الفلسطينية باعتبارها احدى مكونات الحالة الوطنية الفلسطينية ومعنية بدورها الإداري الخدماتي الجغرافي لجزء من الشعب الفلسطيني المتواجد على ارضه المحتلة، والتي تتمايزعن دور ومهام منظمة التحرير الفلسطينية كاطار تمثيلي – سياسي لحركة التحرر الوطني الفلسطيني لإنجاز استحقاقات مشروعها الوطني في الحرية والاستقلال، في حين ان  السلطة تمثل الأداة الوطنية واحدى إنجازات الأخيرة (م.ت.ف) على طريق تحقيق السيادة الوطنية.

هذا الموقف ينطلق في تعاطيه من الانتخابات من مجموعة حقائق:

الحقيقة الأولى: ان السلطة الفلسطينية ليست كيان سيادي سياسي، طالما هي تحت الاحتلال، وهي ليست ممثلة لعموم الفلسطينيين (إداريا وسياسيا ووطنيا) و لطالما تقتصر في ادارتها ورعايتها على الفلسطينيين المتواجدين في الضفة والقطاع والقدس، وهذه الإدارة لشؤون الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني  تعكس نفسها بصورة او بأخرى، على صمود شعبنا وادواته الوطنية والاجتماعية لإنجاز مشروعه الوطني، لذلك، فهي ادارة مهمة بالمفهوم الوطني وتعكس معطى سياسي في معركتنا الوطنية السياسية، لهذا، فان بنية السلطة وتركيبتها وان كانت ليست سياسية فهي تؤدي لنتائج سياسية .

الحقيقة الثانية: ان شعبنا يدرك تماما انها انتخابات تحت سقف الاحتلال، وهي انتخابات إدارية من جانب، وسياسية من جانب اخر، لمكونات الحالة الفلسطينية بشقيها (منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية)، لذلك، لا بد من انتاج ومن خلال التجديد الانتخابي لإدارة ذاتية ملتزمة بثوابت شعبنا الوطنية وحقوقه المشروعة - معطى وطني- لأفشال أهداف المشروع السياسي للاحتلال الإسرائيلي وتجلياته الميدانية من خلال تعزيز صمود شعبنا على ارضه و الحفاظ على الثوابت الوطنية، ومن حيث المبدأ، كل مؤسساتنا المدنية والوطنية والاجتماعية تحت سقف الاحتلال (البلديات، الجامعات، التعليم، الصحة ..الخ)، لذلك،لا مبرر للتعاطي مع المنطق الانتقائي مع ما هو تحت سقف الاحتلال وبما يخدم رؤى حزبية ضيقة، ورفض ما هو تحت سقف الاحتلال ولنفس الغاية، الا اذا كان ذلك يكرس الهروب الى الامام من استحقاقات الهم الوطني وتعبيراعن الإفلاس والاستسلام والانبطاح السياسي.

الحقيقة الثالثة : والمهمة والتي يجب ان لا تغيب عن بالنا وتحليلاتنا السياسية، ان الانقسام في الحالة الفلسطينية أيضا مركب : هو انقسام اداري سلطوي من جانب، وانقسام سياسي وطني من جانب اخر، الأول سبيله الوحيد للخلاص منه :هو اجراء الانتخابات الادارية  في الضفة والقطاع والقدس، والثاني سبيله الوحيد للخلاص منه : هو بأطلاق باكورة الحوار الوطني الفلسطيني لإنتاج الرؤية الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية التوافقية استجابة لمتطلبات عودة النهوض الوطني الفلسطيني مجددا، وبما يعزز من مكانة منظمة التحرير وصدارتها وقيادتها للمشروع الوطني الفلسطيني وإنجاز مهامها كحركة تحرر وطني .

إن تنفيذ أي من هذه الاستحقاقات الوطنية يتطلب القيام بالخطوات الآتية:

- على الرئيس الفلسطيني الإعلان عن موعد إجراء الانتخابات، إثر انجاز لجنة الانتخابات المركزية للمشاورات التي تقوم بها وتقديم تقريرها، ضمن الحدود الزمنية المحددة في بنود المحكمة الدستورية.

- ان يدعو الرئيس الفلسطيني هيئة تفعيل وتطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والمكونة من الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية وأعضاء اللجنة التنفيذية ورؤساء المجالس التشريعية الفلسطينية وشخصيات وطنية واجتماعية ومدنية لتفعيل المؤسسات ولبلورة رؤية وطنية توافقية للأجماع الوطني واستراتيجيته المقاومة.

- الاتفاق على اعتماد النظام الانتخابي النسبي الكامل لإتاحة الفرصة لمشاركة كافة أطياف الفصائل والقوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية وضمان تمثيلها في التشريعات الفلسطينية وفقا لحجمها النسبي في المجتمع الفلسطيني، أو: اعتماد نظام انتخابي على مستوى الدوائر، والذي قد يتيح مشاركة قوائم المستقلين في الدوائر لضمان وصول شخصيات محلية مستقلة قد لا تكون لها فرصة لإقامة قوائم على مستوى الوطن، أو: اعتماد نظاماً انتخابياً نسبياً مختلطاً، بحيث يتم انتخاب نصف مقاعد المجلس التشريعي "البرلمان" عبر قوائم على مستوى الوطن، والنصف الثاني عبر قوائم على مستوى الدوائر.

- التعهد من قبل " سلطتي طرفي الانقسام الإداري والسياسي في الضفة والقطاع" بضمان حرية ونزاهة الانتخابات، وضمان احترام نتائجها والتسليم بها.

-تكليف لجنة الانتخابات المركزية بالتحضير للانتخابات ووضع الخطط الكفيلة بمنح المصداقية للعملية الانتخابية وتعزيز نزاهتها وشفافيتها من خلال وجود هيئات رقابة دولية تحظى بثقة الاطراف الفلسطينية، سواء أكانت من هيئة الامم المتحدة أو من أطراف فلسطينية أو عربية أو إسلامية ومنظمات اجنبية.

نحن احوج إلى بلورة استراتيجية وطنية متماسكة وعلى أعلى المستويات للبحث في كيفية مشاركة الجميع وبدون استثناء في هذه الانتخابات، وتوفير ضمانات فعلية لإنجاز هذا الاستحقاق الوطني بشقيه الإداري والسياسي، وميدان الاتفاق على هذا من خلال حوار وطني عام وشامل يقوده الرئيس عباس ويشارك فيه أعضاء اللجنة التنفيذية ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني والامناء العامون لفصائل العمل الوطني وشخصيات مستقلة، هذا هو الإطار الوحيد الذي يمكن من خلاله أن نصل إلى تفاهمات تمكننا من اجراء الانتخابات في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وغير ذلك، ستقودنا الانتخابات بدون الإجراءات والاليات التمهيدية لها ولنجاحها، الى كارثة وطنية يصعب التنبؤ بنتائجها.

ان نجاح أنجازهذا الاستحقاق الوطني -وهو ليس خيارا سياسيا تكتيكيا بالمناسبة -في الإرادة السياسية الفلسطينية الخالصة، ولا يحتاج الى مكياج الاجندات والتكتيكات الاستعراضية والفئوية الفصائلية، قالها الشعب الفلسطيني وسيقولها مجددا:" لقد بلغ السيل الزبى".

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

عبد الحسين شعبانيعتبر بعض الباحثين أن مصطلح "الترامبية" هو تعبير عن تيار فكري آخذ بالتبلور منذ تولّي الرئيس دونالد ترامب الإدارة في البيت الأبيض، وهو ليس عابراً أو ظرفياً، وإنما هو امتداد موضوعي لتراكم طويل الأمد في السياسة الأمريكية، في حين يراها آخرون أنها ردّ فعل سياسي طارئ ومؤقت ومرهون بوجود الرئيس ترامب على رأس السلطة في الولايات المتحدة.

وثمة سؤال آخر يتمحور حول جوهر "الترامبية"، أهي وليدة التطورات الجديدة والشاملة في الأوضاع الدولية، خصوصاً بعد تراجع دور الولايات المتحدة عقب غزو أفغانستان 2001 واحتلال العراق 2003 وفشل سياساتها لمواجهة "الإرهاب الدولي"؟ أم هي محاولة شعبوية لرئيس امتهن التجارة وسعى لوضع السياسة في خدمتها، لاسيّما برفع أكثر الشعارات رنيناً وصخباً متجاوزاً على ما هو مألوف من سياسات تقليدية اعتادت عليها واشنطن؟

وبعد ذلك فهل أصبح الوقت كافياً لتحديد الملامح الأساسية للترامبية سواءً أكانت تياراً فكرياً جديداً أم نهجاً سياسياً ارتبط بالرئيس الخامس والأربعين وسُجّل ماركة تجارية باسمه؟ ثم ما هي خصائص الترامبية وسماتها داخل منحى السياسة الأمريكية وانعكاساتها عالمياً، لاسيّما مستقبل العلاقات الدولية؟ الأمران جديران بالدراسة والتأمل بغض النظر عن "المصطلح" وما يمكن أن يتضمّنه من حمولة فكرية أو سياسية، إذْ يبقى جزءًا من ظاهرة نحاول التعرّف على ملامحها الأساسية:

الملمح الأول-  البزنس، "العمل التجاري" حيث يمثّل جوهر الترامبية فكراً وممارسة، لأنها تقوم على فلسفة توظيف السياسة في خدمة التجارة، وعلى الرغم من أن عدداً من الرؤساء جاءوا من ذات المهنة، لكن ترامب أخضع السياسة للبزنس، وهو لم يتصرّف أكثر من كونه "رجل أعمال" في حين أنه رئيس أكبر دولة في العالم، وقد مضى بسلوكه التجاري شوطاً بعيداً حدّ التطرّف بإخضاع السياسة والعلاقات الدولية  لاعتباراته.

الملمح الثاني- إعادة القرار في السياسة الخارجية إلى البيت الأبيض، بالدرجة الأساسية، وإضعاف ما سواه من مراكز مؤثرة، مثل وزارة الخارجية ووزارة الدفاع "البنتاغون" والمخابرات المركزية الأمريكية CIA، ويدلّ على ذلك الإقالات أو الاستقالات لعدد من كبار المسؤولين والأركان في اتخاذ القرار، وربما كان أهمهم وزير خارجيته جيم ماتيس.

الملمح الثالث- إملاء الإرادة على الحلفاء طبقاً لقاعدة امتثالهم له ومشاركتهم "الحيوية" في تنفيذ القرار الأمريكي، سواء كان ذلك يتّفق مع مصالحهم أو لا يتّفق ، وقد أجرى العديد من الرؤساء الأوروبيين تعديلات على سياسة بلدانهم الخارجية تبعاً لمواقف واشنطن ، حتى وإن عبّروا عن تبرّمهم منها.

الملمح الرابع- التخلّي عن قيم الثقافة الأمريكية للحقوق والحريّات التي كانت واشنطن تتباهى بها تقليدياً وأخذت تضيق ذرعاً من انفتاحها، وخصوصاً إزاء المهاجرين، فأغلقت الأبواب وحاولت بناء أسوار لمنع الهجرة.

الملمح الخامس- العزلة والانقسام والتفرّد في السياسة الخارجية، وقد ازدادت واشنطن تدخّلاً بشكل مباشر في اختيار قيادات المنظمات الدولية، فترجّح كفّة هذا وتحول دون وصول ذاك في تصرّفات فجّة ومنفّرة للدبلوماسية الدولية.

وأخذ المجتمع الدولي ينظر بعين عدم الثقة للسياسة الأمريكية وقراراتها المتفردة فيما يتعلق بالانسحاب من عدد من المنظمات والمعاهدات الدولية مثل: اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ (يناير/كانون الثاني/ 2017) وهي أولى الاتفاقيات التي انسحب منها ترامب، واتفاقية باريس للمناخ (يونيو/حزيران/2017) والانسحاب من اليونسكو (اكتوبر/تشرين الأول/2017) والاتفاق بشأن الملف النووي الإيراني (مايو/أيار/2018) والانسحاب من مجلس حقوق الإنسان (19 يونيو/حزيران 2018) وتجميد المبالغ المخصصة للأونروا (آب أغسطس/ 2018) والانسحاب من معاهدة نزع السلاح النووي مع روسيا ( 1 فبراير/شباط/2019) والموقعة مع الاتحاد السوفييتي السابق والاتفاقية الدولية لتنظيم الأسلحة التقليدية (26ابريل/ نيسان/ 2019) وغيرها.

الملمح السادس – ضعضعة التوازن الدولي بخلق الفوضى، لاسيّما بتشجيع الهويّات الفرعية وتفتيت الدول والبلدان وفرض الحصارات وإضعاف الثقة بميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات الدولية  بما يزعزع أركان النظام الدولي ويشيع جواً من التوتر وعدم الاستقرار، بما فيه منع أي تقاربات أو تحالفات سواء تخصّ الأصدقاء أو الخصوم، ولعل الموقف من البريكست والاتحاد الأوروبي، ناهيك عن الموقف من الصين وروسيا خير مثال على ذلك.

الملمح السابع-  الرهان على التهديد بالقوة حتى وإنْ لم تستخدمها، حين تلجأ في الكثير من الأحيان إلى الضغوط الاقتصادية للتأثير على سياسات الدول، العدوّة والصديقة لابتزازها، من خلال هيمنة الشركات الكبرى والسيطرة على الموارد وفرض العقوبات الاقتصادية: روسيا والصين وتركيا وإيران وكوريا وسوريا وقبل ذلك العراق، متجاهلة مصالح الشعوب وما ينجم من ردود فعل بسبب ذلك.

الملمح الثامن – التناقض والتخبّط القائم على المنفعية والذرائعية، خصوصاً بنفي حق الشعوب بتقرير مصيرها والمثال الأصرخ هو فلسطين، حيث تنكّرت الترامبية لسياسات الرؤساء السابقين بمن فيهم: أوباما وجورج دبليو بوش وكلينتون، فقامت بنقل سفارتها إلى القدس، وأعلنت عن "إسرائيلية" الجولان السورية "بحكم الأمر الواقع"، وفي الحالين ثمة تعارض صارخ مع قرارات مجلس الأمن وما يسمّى بـ"الشرعية الدولية".

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

كاظم الموسويهدا الحراك الشبابي الغاضب في العراق بعد اسبوع من التظاهر اليومي وقدم تضحيات جسيمة تجاوزت الأرقام المعلنة، عكست أساليب عنف تفضح النوايا والغايات التي تفاعلت في إدارة البلاد والعلاقة بين السلطات والشعب. وفي الوقت نفسه لا يعني هذا أن الأمور ختمت وان الغضب الشعبي بعد تلك الدماء سيسكت أو يتوقف نهائيا مهما وعد أو اغري بإصلاحات لا تتحقق عمليا أو واقعيا وتظل وعودا كسابقاتها من الحكومات السابقة التي تركت المطالب المشروعة، بعد ان اعترفت بها لفظيا، دون تنفيذ فعلي، بل زادت في اعمال الفساد والعرقلة فيها، ولاسباب لم تعد سرية، ومنها التدخلات الأجنبية.

لقد أعلن رسميا عن استشهاد مئة وأربعة مساء اليوم السابع 2019/10/7 وزاد في الليل إلى مئة وعشرة شهداء، وعن إصابة ستة آلاف وزاد العدد إلى ستة آلاف وخمسمائة مواطن عراقي، مدني وعسكري، وهناك من يضع ليس شكا في ما اعلن وحسب بل يعلن أرقاما أخرى تتجاوز المعلن. وهي في كل الاحوال ارقام مجزرة دموية لا يمكن الصمت عليها أو تمريرها دون المطالبة بمحاكمة وكشف المرتكبين لها والمنتهكين لابسط الحقوق المشروعة والمتفق عليها قانونيا ودستوريا وإنسانيا.

بلغ السيل الزبى ولم تعد الوعود المعسولة مقبولة أو قادرة على إرضاء المحرومين والمحتاجين والجائعين فعليا لا قولا أو تعليقا إعلاميا. رغم اسراع الرئاسات الثلاث في بغداد، (الجمهورية، مجلس الوزراء، مجلس النواب)، إلى الاجتماع والخطاب وتقديم برامج عمل إصلاحية لملاقاة المطالب التي رفعتها تظاهرات الغضب الشعبي، والى اتخاذ قرارات عاجلة  لمعالجة المطالب وتوفير إمكانات وقدرات، مما يستدعي أسئلة عنها، لماذا لم تتوفر قبل ذلك وكانت أغلب المطالب معروفة ومرفوعة في الحراك الشعبي في الفترات السابقة، أو السنوات السابقة. وهل ستنفذ بأكملها ام ستكون كسابقاتها، اقوالا بلا افعال، محاولات شراء وقت وتعليق الاحتجاجات الشعبية أو تجزئتها؟.

وسائل العنف التي واجهت الحراك الشعبي الاخير، كشفت قسوة مفرطة وتعاملا عدائيا لا يمكن أن يعبر عنه بشكل محايد، رغم الحديث عن طرف ثالث أو جهات مشبوهة وموجهة من جهات لها مصالح بإثارة العنف واستفزاز الحراك الشعبي وإثارة النقمة على الجهات السياسية الرسمية أو المشتركة معها في العملية السياسية. وهي ايضا وفي كل الأحوال يجب أن  تحاسب وتسجل كجرائم جنائية لا تمر مرور الكرام. وايقاف الاعتداء والتهرب او الإفلات من العقاب.

الهدوء والقرارات والوعود امام اختبار، تتطلب إعادة النظر والاستفادة من دروس التجربة الماضية، وعدم تكرار أو المراوحة والقفز على الأسباب  والمبررات والنتائج والتداعيات. والاهتمام الجدي بكل ما يصدر من مسؤولين، أو نواب، أو اعلاميين ممارسين. مثلا تصريح نائبة برلمانية، يستدعي التوقف عنده ووضعه في مواجهة السلطة والتشريع والمسؤولية. إذ أعلنت النائبة عن تحالف النصر هدى سجاد، يوم الثلاثاء 2019/10/8  أن الأرقام المعلنة حول ضحايا المظاهرات غير دقيقة ويفوق الإحصائيات المعلنة. (أليس هذا كلاما مسؤولا ويقتضي الدليل والمساءلة؟!)

وقالت هدى لشبكة رووداو الإعلامية، إن "الإحصائيات الرسمية المعلنة من قبل الحكومة العراقية حول أعداد الضحايا غير دقيقة بعد أن استقبلت مستشفى واحدة فقط في العاصمة بغداد أكثر من 100 شهيد وعدد كبير من الجرحى". مشيرة إلى أن القمع والاستهداف العشوائي الذي طال شباب العراق سيدفع بالبلاد نحو مزيد من التصعيد. وأضافت أن المحاصصة وعدم توزيع ثروات العراق بشكل عادل من الأسباب الرئيسة وراء تدهور الأوضاع يوماً بعد يوم منذ 2003 ولغاية الآن. مؤكدة أن المعالجات الحكومية لجميع أزمات العراق غير مدروسة وعقّدت المشهد السياسي والأمني والاقتصادي.

من جهتها وخلال فترة حراك الغضب وفي إطار التعاون والتنسيق المتواصل، لم تتوقف اللقاءات والاجتماعات بين الرئاسات الثلاث، ولاسيما بين رئيس مجلس الوزراء عادل عبدالمهدي، ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، ومناقشة الجهود المبذولة للإستجابة للمطالب المشروعة ولماورد من مكتب المرجعية الدينية العليا في خطبة الجمعة، والطلبات التي سلمها المتظاهرون في ضوء اللقاءات المباشرة والإتصالات التي اجريت مع ممثليهم، والتنسيق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما "جرى التباحث حول حزمة الإصلاحات والقرارات الأولى التي أعلنتها الحكومة والإستمرار بتقديمها وصولا الى تطمين أبناء الشعب على حرص السلطتين التنفيذية والتشريعية على الإستماع للمطالب المحقة والإستجابة لها ، الى جانب بحث الخروقات والإعتداءات التي ادت الى وقوع شهداء وجرحى من المتظاهرين وأفراد الأجهزة الأمنية، وتركيز الجهود على حفظ الأمن والإستقرار بعد عودة الأوضاع الى طبيعتها في بغداد والمحافظات " كما ورد من مكتب رئيس الوزراء يوم 2019/10/8.

مع كل ما حصل، يضاف له، وما يمكن الإشارة إليه باسف، يقع في تمكن جهات لها مصالح في إثارة الفوضى وإشاعة عدم الاستقرار في العراق من نشر شعاراتها واهدافها بقوة في ظروف أو هوامش الحراك الشعبي وتصويره وكأن الحراك خرج من اجل ما أرادته وخططت له وليس احتجاجا مطلبيا له دوافعه الواقعية، وعملت على تشويهه باقتراف جرائم واحداث تلفت الإنتباه وتسحب زوم الكاميرا اليها، كجرائم القناصة وحرق المباني الحكومية أو الحزبية ورفع شعارات لا علاقة لها بالمطالب المشروعة النابعة من تعثر أو تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي دفعت الى الاحتجاج والتظاهر وتصاعد الحراك الشعبي. لقد نجحت تلك الجهات وامثالها ايضا باستغلال إمكاناتها الإعلامية من تمرير ما خططت له وجعلت أوساطا اعلامية وسياسية تزعم بمعارضتها او نقدها للسلطات المتنفذة في الدولة من تكرار وترديد الشعارات والفيديوات الممنتجة باتقان وتقنية فنية متطورة وإعادة توزيعها وارسالها ونشرها بغفلة أو بغباء حماسي مريب. الأمر الذي يفضح وعي وادراك تلك الأوساط، افرادا أو مجموعات، ودورها ايضا في تعريض الوطن ومستقبل الشعب إلى إخطار إضافية وتدمير متسلسل.

هدأ الحراك الشبابي في العراق. وكانت تضحياته جسيمة ولم يعد بعد الإنكار والاختفاء من وقائع ما حصل مطلوبا، بل لابد من البحث عن سبل التغيير الحقيقي وانهاء المظالم واستثمار الثروات لخدمة الشعب والانطلاق، ولو متاخرا، بمشروع وطني ديمقراطي تقدمي يحفظ حقوق الإنسان وكرامته ويشرع لبناء دولة القانون والعدالة الاجتماعية والحريات والسيادة والاستقلال الوطني.

 

كاظم الموسوي

 

زهير الخويلدي"العصفور الذي تخلص من قفص الاستبداد وحلق في سماء الحرية لن يعود لكي يرضى بالفتات"

تشير التقديرات الأولية التي قدمتها مؤسسات سبر الآراء وقبل الإعلان الرسمي عن النتائج من طرف الهيئة المستقل العليا للانتخابات إلى تقدم المرشح الثوري الأستاذ الجامعي قيس سعيد بنسبة تفوق السبعين في المائة من أصوات الناخبين والناخبات في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التونسية سابقة لأوانها.

من المعلوم أن الأستاذ الناجح قد بنى في حملته الانتخابية الصامتة مجموعة من الأفكار التوجيهية الثورية مثل الكتلة التاريخية والحكم المحلي ومقاومة التطبيع وإعادة الاعتبار للأدوار الاجتماعية للدولة المدنية. كما أصر على فرض إرادة القوانين واحترام الدستور والتصدي للتهرب من العدالة وأكد على أهمية استمرارية مؤسسات الدولة في تقديم الخدمات العمومية للمواطنين على غرار الصحة والتعليم والشغل.

لقد ساندت القوى الثورية والمنظمات المهنية والأحزاب المحسوبة على تونس الجديدة المرشح قيس سعيد ولكن الفئة الاجتماعية التي حسمت الموقف ومثلت الخزان الانتخابي الداعم للأستاذ منذ الدور الأول هي الفئة الشابة وخاصة المتخرجين من الجامعة والمعطلين عن العمل والفصائل النشطة في الحركة الطلابية.

لقد رفض الأستاذ التمويل العمومي لحملته الانتخابية وكان زاهدا عن تلقي المساعدات واكتفى بجملة من التبرعات الرمزية من المجموعات المتطوعة التي قامت بالدعاية له منذ سنوات وجعلته يتصدر نوايا التصويت وفضل البقاء بعيدا عن وسائل الإعلام وقريبا من الناس واكتفى بتنظيم حوارات شعبية في المناطق الداخلية نظمها عدد من الجمعيات التي تنتمي إلى المجتمع المدني وابتعد بنفسه عن التجاذبات السياسية وأعلن في الكثير من المرات بقائه في وضع الاستقلالية وفسحه المجال للناس لكي يبلوروا بأنفسهم مبادراتهم التشريعية ويصوغوا مطالبهم وانتظاراتهم وينتخبوا ممثليهم بصيغة تشاركية للحكم.

لقد مثل صعود أستاذ القانون الدستوري المتقاعد إلى كرسي الرئاسة في تونس مفاجأة مدوية وحقق انتصارا ساحقا على الكثير من الوجوه المحسوبة على النظام القديم وعلى وجوه تنتمي للدولة العميقة وأعلن نهاية السيستام وتفكك المنظومة القديمة وقدم دفعا جديدا للمسار الثوري والانتقال الديمقراطي.

صحيح أن بعض القوى الديمقراطية المحسوبة على التيار الديني والقومي قد ساندت المرشح الثوري ولكن اليسار التونسي انقسم حوله فسانده البعض وهاجمه البض الآخر وبقي فريق ثالث في وضع الحياد ولكن الأهم من كل ذلك أن بعض المناضلين اللاسلطويين هم الذين ساندوه ووقفوا معه منذ الدور الأول.

لقد دافع الأستاذ في المناظرة التلفزية التي وقع تنظيمها لأول مرة في العالم العربي بينه وبين منافسه عن حرية التعبير وحرية التفكير وطال ببعث مؤسسة فداء تعتني بأسر الشهداء والجرحى ووعد ببعث مجلس أعلى للتربية والتعليم يعيد للتعليم دوره التربوي ونصح بتدريس الفلسفة للأطفال لوقايتهم من الإرهاب.

لقد كان الأستاذ المعبر عن لسان حال المضطهدين والثوار وظل وفيا للشهداء والجرحى الذين شاركوا في الانتفاضة الجماهيرية ضد الاستبداد ومنحه أكثر من ثلاث ملايين من الناخبين ثقتهم في الدور الثاني وبيّن أن شعار "الشعب يريد" الذي رفعه في حملته هو القاعدة الذهبية التي طبقها لكي يتمكن من قلب الطاولة على منافسيه وتجميع أكبر عدد ممكن من المستقلين والمثقفين والمتحزبين والإقلاع بتونس نحو الحرية. لكن هل يقدر الرئيس الفائز على السير بثبات بالجمهورية التونسية نحو التقدم والتنمية والتطور المنشود؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

علي جابر الفتلاويكنت أتابع الانتخابات التونسية من خلال قناة الميادين، وقبل يوم الصمت الانتخابي ظهر قيس سعيّد مرشح الرئاسة التونسية مع منافسه نبيل القروي في مقابلة تلفزيونية، قال قيس سعيّد كلمته التي عبّرت عن موقفه من القضية الفلسطينية: إنّ مشكلة العرب ليست مع اليهود، معتبرا أن مسألة التطبيع مع اسرائيل خيانة عظمى. نقلت الخبر أيضا قناة روسيا اليوم وأضافت القناة نقلا عن قيس سعيّد: إن العرب يعيشون (حالة حرب مع كيان محتل وغاصب)، متعهدا بعدم السماح لحاملي جوازات السفر الاسرائيلية بدخول تونس. وقد استرعت مواقف سعيّد من القضية الفلسطينية، اهتمام الفلسطينيين وإعجابهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصفه البعض بأّنه: (مرشح الفلسطينيين إلى الرئاسة التونسية).(1)

 قول قيس سعيّد أنه لن يسمح لحاملي جوازات السفر الاسرائيلية بدخول تونس. لم يأتِ من فراغ، بل إشارة إلى الحكومة التونسية السابقة التي سمحت بدخولهم وهتفوا أمام الاعلام تحيا اسرائيل، هذا الفعل المشين أثار غضب الشعب التونسي ونقمته لأن شعب تونس مؤيد للقضية الفلسطينية وللمقاومة ضد الاحتلال.

موقف قيس سعيّد من القضية الفلسطينية العلني، جعل الشعب التونسي يتجه نحوه في انتخابات الجولة الثانية في 13/10/2019م، بل دفع موقفه الوطني تجاه فلسطين الشعب التونسي ليشارك بنسبة أعلى من الجولات الانتخابية السابقة، إذ تجاوزت نسبة المشاركة 57 بالمائة، موقف قيس سعيّد من فلسطين، هو مفتاح وسرّ فوزه في الانتخابات التونسية وبنسبة عالية؛ وهذا مؤشر على أن الشعب التونسي يتبنى القضية الفلسطينية بشكل واسع وقوي. والواقع أن الشعوب العربية والاسلامية جميعا يتبنون القضية الفلسطينة، لكن حكامهم هم من خان قضية فلسطين إلّا ما ندر نذكر حكومة إيران التي تقف بقوة مع الشعب الفلسطيني، ونضاله ضد المحتل الصهيوني، رغم العقوبات التي فرضت بسبب هذا الموقف الشجاع.

 سمعت كلمة قيس سعيّد عن فلسطين، فقلت مع نفسي أن هذا الرجل هو مَنْ يفوز بالرئاسة التونسية! لماذا؟ الأمر واضح لكل متابع.

 من خلال متابعة الأحداث في تونس، والثورة الشعبية عام (2011م)، وهروب رئيس تونس السابق (زين العابدين بن علي) إلى السعودية، ظهرت مؤشرات كثيرة تفصح عن وعي الشعب التونسي تجاه القضية الفلسطينية، وحماسته في دعم المقاومة ضد الكيان الصهيوني المحتل، رغم وجود بعض الاصوات النشاز داخل حكومة تونس ما بعد (زين العابدين بن علي)، التي سارت باتجاه التطبيع مع إسرائيل، لكنّ هذه الأقلية مرتبطة مع نظم عربية تسعى للتطبيع، تنفيذا للمشروع الامريكي الصهيوني في هذا الاتجاه.

قول قيس سعيّد: التطبيع مع اسرائيل خيانة عظمى، كان في رأيي مفتاح فوزه في الانتخابات الرئاسية التونسية، وبعد الانتخابات عبّر عن امنيته في أن يكون العلم الفلسطيني حاضرا جنبا إلى جنب مع العلم التونسي. 

موقفه من القضية الفلسطينية جعل الشعب التونسي يتجه نحو قيس سعيّد، خاصة طبقة الشباب التي قاطعت انتخابات الجولة الأولى، والانتخابات البرلمانية التي سبقت الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، جاء في النتائج المعلنة في يوم 14/10/2019م، أنّ (قيس سعيّد) فاز بنسبة72.71 بالمائة، وهذا مؤشر ايجابي يظهر أن جيل الشباب العربي واعٍ، ومنهم شباب الشعب التونسي، لم ينسوا فلسطين ونكبتها، ولم ينسوا معاناة الشعب الفسطيني، رغم محاولات الحكام العرب للتطبيع مع اسرائيل، ووضعهم البرامج الخبيثة التي يريدون من خلالها تصفية قضية الشعب الفلسطيني، إمتثالا لسيدهم الأمريكي والصهيوني، الشعب التونسي حسم الموقف لصالح قيس سعيّد بعد تعرفه على أفكاره فيما يخص القضية الفلسطينية.

فاز قيس سعيّد لأنه انتصر لفلسطين وشعبها المظلوم، فمن هو قيس سعيّد؟

قيس سعيّد ولد في 22 شباط 1958م، سياسي وأستاذ جامعي، مختص في القانون الدستوري، اشتهر باتقانه اللغة العربية، له مداخلات أكاديمية مميزة للفصل في الاشكاليات القانونية المتعلقة بكتابة الدستور التونسي بعد الثورة، دخل غمار الانتخبات بتمويل ذاتي بسيط، إذ أنه رفض المنحة المقدمة من الدولة للقيام بالحملة الانتخابية لأنها في رأيه من مال الشعب، هو استاذ في الجامعة التونسية، وشغل منصب الأمين العام للجمعية التونسية للقانون الدستوري بين عامي 1990و1995 شغل منصب رئيس قسم القانون في جامعة سوسة، كان خبيرا قانونيا في جامعة الدول العربية والمعهد العربي لحقوق الانسان، كان عضوا في لجنة الخبراء التي دعيت لتقديم تعليقاتها على مشروع الدستور التونسي عام 2014م، متزوج وله ثلاثة أولاد، زوجته هي اشراف شبيل قاضية ومستشارة بمحكمة الاستئناف، ووكيل رئيس المحكمة الابتدائية بتونس.(2)

 

علي جابر الفتلاوي

........................

المصادر:

(1): موقع: قناة روسيا اليوم، www.arabic.rt.com   نشر في 13/10/2019م.

(2): موقع: وكيبيديا، الموسوعة الحرة، www.wikipedia.org نشر 14/10/2019م.

 

 

عامر صالحتمر الكثير من الدول الديمقراطية المستقرة بحالات من الانحسار والمراوحة في المكان بسبب عدم الاستجابة السريعة لمطالب المواطنين، ولكن تتم الاستجابة تدريجيا او دفعة واحدة حسب طبيعة المطالب وحجمها ومقدرة الحكومة على تمثلها وامتصاصها لأغراض تنفيذها، وقد يكلف ذلك الأتيان بحكومة جديدة قادرة على استيعاب وتنفيذ المطالب، وقد ينعكس ذلك على اعادة تشكيل الخريطة السياسية للقوى السياسية في البلاد الذي تجسده ضرورة اعادة الانتخابات البرلمانية وما يصحبها من اعادة اصطفاف للقوى السياسية. 

العراق هو من البلدان التي لا تنطبق عليه سنة الحياة الديمقراطية في استيعاب متغيرات الحياة اليومية والتي تفرز الكثير من المطالب التي تستدعي المزيد من اعادة اصطفاف القوى السياسية، ومع كل انتخابات او اصطفاف جديد  فهو ينتج نفس التحالفات السياسية التي انتجها كل مرة، والتي في جوهرها تدافع عن الفساد وتحميه ولا علاقة لها بالاستجابة لظروف الحياة المتغيره بدون انقطاع، وبالتالي نحن امام منظومة سياسية تشتغل خارج اطار الزمان والمكان الذي تعمل فيه، ومن هنا يأتي اغتراب المواطن عن النظام السياسي وانعدام ثقته به. 

بعد سقوط الدكتاتورية عام 2003 لم تكن القوى السياسية راغبة في المشروع الوطني العراقي، وقد بنيت العملية السياسية على اساس تراكمي، من اخطاء الاحتلال الامريكي، الى جانب أرث الدولة السابق القمعي، توظيف الورقة الطائفية والاثنية في بناء العملية السياسية، الى جانب تدني اداء النخب السياسية والتي لا تمتلك تجربة في بناء الديمقراطية، بل ان معظمها غير مؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة اصلا، الى جانب الفساد الاداري والمالي الناتج من طبيعة النظام، وقد زاد الامر تعقيدا هو الارهاب بمختلف اشكاله، وكانت داعش تلك الخلاصة لما جرى، وكذلك تدخل الدول الاقليمية وعبثها في القرار العراقي وارتهانه لمصالحها الضيقة. واذا كان هناك من انجاز يذكر" من بركات الاحتلال " هو التدوال السلمي للسلطة، ولكن حتى هذا تم تجاوزه والاستعاضة عنه بحرق صناديق الاقتراع وتزوير ارادة الناخب وفرض ارادة اخرى لا تنسجم مع مبدأ التداول السلمي للسلطة.

الحالة العراقية تمثل نموذجا للأحباط المزمن، فمع سقف عالي من التوقعات وبعد عهود الاستبداد والدكتاتورية والحروب والحصارات الداخلية والخارجية وجوع مطبق، تولدت لدى المواطن العادي امال عريضة بحياة رغيدة وبمرحلة سياسية يلتقط فيها انفاسه ويعوض ما فاته، وخاصة بعد انفتاحه على العالم الخارجي بكل ما فيه من مغريات وطموحات يدفع العراقي بنفسه للمقارنة مع الآخر خارج الحدود" وهو يمتلك كل الامكانيات المادية والاستعدادات النفسية "، ولكن عندما يجد نفسه محاطا بكم كبير من المشكلات وضغط يومي من الخطابات السياسية والاعلامية التي تشعره بالعجز والاحباط مضافا لها تدني قدرات جهاز الدولة وتراجع امني وضياع سلطة القانون وأستشراء الفساد وتنامي سلطة العشيرة، وانتشار المليشيات المسلحة وحملة السلاح الفردي والعصاباتي، فان حصاد ذلك سيكون خطيرا على الحالة النفسية للفرد تزيده احباطا وتفقده الثقة بالزعامات والاحزاب السياسية وخاصة الطائفية السياسية، التي استغلت المشاعر البدائية للمواطن واستخدمته لتجييش المشاعر السلبية وتوظيفها في خدمة الصراعات الطائفية وتشديد قبضة خطاب الكراهية للآنتقام والانتقام المتبادل بين مكونات المجتمع الواحد.                                                                                      

أن تأزم الاوضاع المستديم يستنهض مشاعر الغضب والقلق والخوف والتوتر والظلم والقهر والضياع والشعور بعدم الأمان، ببعضها البعض، وتختلط بكل ما هو سلبي في حياة الفرد، توصله بكل تأكيد، ورغماً عنه، إلى حالة ذهنية تسمح للإحباط واليأس أن يحتل أوسع مساحاتها، وتشعره بالعجز التام، وتبعده مسافات ومسافات عن تحقيق آماله، فتتقطع به سبل النجاة. حالة الإحباط هذه التي تواجه الإنسان وتقف حائلاً أمام تنفيذ رغباته وتقتل فيه روح الطموح، تنتزع منه، في الوقت نفسه، أسباب الخوف وتحرره من هيمنتها، وتحول الوجه السلبي للإحباط إلى وجه آخر إيجابي وفعال، ينفجر ليصنع غدا آخر حين يجد هذا الفرد نفسه وسط حشد كبير يشترك معه في مشاعره وأهدافه. عند ذاك يتحول الإحباط من قوة سلبية ساحقة ومدمرة للفرد، إلى قوة إيجابية جبارة تدفع نحو التغيير.

أن الجماهير حين تعاني من الفقر طويلا وتستشعر الظلم أو الطغيان أو إهدار الكرامة قد تسكت لبعض الوقت ولكنها عند نقطة تنفجر انفجارا قد يبدو مفاجئا ولكنه ليست كذلك، فتتحول إلى قوة مدمرة للسلطة، وقد يمتد أثره إلى ابعد من السلطة، فالغضب الجماهيري يكون مثل الطوفان لا يعرف احد إلى أين سيتوقف ومتى، فبركان الغضب الخالص يسعى نحو التدمير والتغير ولا يوجد ميزان حساس في هذه الظروف يوازي بين قدرة تدمير النظام الحاكم ومؤسساته القمعية المرفوضة وبين قدرة التميز لحدود التغير المطلوب، ويزداد حدة أكثر عندما تنعدم القيادة الميدانية للأحداث، أي أن الانفجار يحدث في بدايته كبراكين غضب دون ترتيب سابق ودن هدف محدد غير الانتقام ممن قهرها وأذلها وجوعها وخدعها.

أن الثورات والانتفاضات والاحتجاجات اليوم لا ينطبق عليها المفهوم التقليدي المنظم سلفا كما كان يحصل في عقود خلت، حيث الأحزاب تقرر مسبقا مستوى النضج الذاتي للبدء بالأفعال الثورية، تعقبها " ساعة الصفر "، فالأمر اليوم معكوس تماما، حيث تبدأ الجماهير دون سابق إنذار بإعلان انتفاضها واحتجاجها ثم تطلق دعوتها للأحزاب والقوى السياسية للالتفاف حولها، فالجماهير هي القائد الميداني للأعمال الثورية، أما دور الأحزاب فيأتي متأخر نسبيا عن الحدث ليحول مشاعر الثوار إلى برامج سياسية ملموسة كما يضفي على مسحة الغضب الثوري بعدا أكثر منطقية من خلال ارتباطه بأهداف مصاغة ومقننة " على افتراض توفر حالة النضج السياسي لدى الأحزاب من خلال تمثل قيم الوطن والمواطنة باعتبارها مصلحة عليا".

إذا كانت الثورة الاجتماعية تعرف بأنها ذلك التغير الجذري، الذي يشمل البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة، وتشكل تغييرا جذريا شاملا في المجتمع يؤدي إلى أحلال تشكيلة اجتماعية اقتصادية بأخرى أرفع مستوى وأكثر تقدما. وأنها تغيير جذري للنظام القديم، وإقامة نظام جديد ومؤسسات جديدة. أي إنها في الإطار العام قفزة للمجتمع من مرحلة إلى أخرى أكثر تقدما وتطورا ورقيا، فأن عوامل إحداثها اليوم يفوق حصرها في عوامل الفقر فقط، وان كان شرطا لازما لها، ولكن الثورة اليوم هي فعل مركب تتضافر فيه الكثير من العوامل في عالم متغير بدون انقطاع، فليست كل من جاع ثار على أوضاعه القائمة، وقد يكون هذا التعقيد في أسباب الثورات اليوم هو احد العوامل الأساسية التي جعلت الأحزاب السياسية تتأخر عن الحدث نسبيا، أما أهم ابرز عوامل الثورات فيمكن إيجازها فيما يأتي: الفقر وسوء توزيع الثروات وانعدام فرص العمل والتشغيل؛ انتشار الفساد المالي والإداري وتأصله في الكثير من المجتمعات وهو جلي في الحالة العراقية؛ الانخراط الواسع في منظومة الاتصالات العالمية الحديثة واستعمال الوسائط الرقمية بكفاءة عالية وخاصة المنتديات الاجتماعية مثل الفايسبوك والتويترر واليوتوب وتشكيل منظومة من الاتصال الجماعي والإعلام الشعبي الموازي والمهدد لأعلام السلطات القمعية؛ الانفجار السكاني الهائل وارتفاع نسبة المواليد والتي تصل في الدول العربية إلى أكثر من 3% " وخاصة في العراق " وهو نذير بمزيد من الفقر والمعاناة في ظروف عدم التوزيع العادل للثروات مما يخلق حالة من الوعي المتوقع بمخاطره كما تشكل فئة الشباب الكتلة الأكبر في التركيبة السكانية وذات المصلحة الأساسية في التغير؛ ازدياد الوعي والحماس اللازمين للتغير والذي يدفع صوب المزيد من الغليان الشعبي والغضب العام وتولد الاستعدادات الكبيرة للتخلص من النظم السائدة وإتباع كافة الوسائل بما فيها غير المعقولة والانفعالية والتي شوهدت في الكثير من التجارب؛ حالات اليأس الشديد من القيادات السياسية والدينية وتعويل الشباب على أنفسهم في قيادة التغير بعد المزيد من الإحباط والوعود الكاذبة في تحسين ظروف العيش والحياة الحرة، والحالة العراقية اليوم نذيره بمزيد من الانتفاضات الشعبية الناتجة من ضنك العيش وفقدان الثقة بالسياسين وخاصة بعد مرور ستة عشر عاما على التغير دون جدوى؛ توظيف الموروث الفكري والسياسي والثقافي المناهض للفقر والحرمان وانعدام الديمقراطيات، ويشكل فكر اليسار الديمقراطي والقوى الوطنية قوة جذب نحو التغير لا يمكن التقليل من شأنها وقد بدأت ملامحها تتضح في الحالة العراقية رغم الصعاب والتعقيد.

أن السياقات السيكولوجية التي يختمر فيها التغير الثوري تمر بمراحل تكاد تكون محكمة ، وقد تتداخل فيما بينها استنادا إلى عوامل التعجيل" العامل الذاتي ومستوى التنظيم "، فهي مراحل تجسد علاقة القهر والاستبداد بين الحاكم المتسلط والإنسان المستضعف أو المقهور، وبالتالي فهي علاقات نفسية معقدة، وقد يبدو للبعض أن الأنتفاضة العراقية مثلا هي محض احداث متفرقة " كبطالة الخريجين وأزاحة العشوائيات وغيرها " وان كانت هي شرارة "، ولكن نحن نعرف أن النظم التعسفية والظالمة والمستبدة لا تسقط بزلة لسان أو بخطأ ثانوي تقوم به، بل أن سقوطها يمر عبر تراكمات نفسية ـ اجتماعية يترك أثره البالغ في انضاج الأنتفاضة الاجتماعية، ثم يأتي الحدث المفاجأة ليقرر ساعة صفرها القاتلة، أما ابرز المراحل النفسية والاجتماعية التي يمر بها الفرد المواطن بالمتسلط الحاكم والتي تعكس بمجملها جانبا من الوجود، فأشير إليها بتصرف والتي ذكرها الدكتور مصطفى حجازي في كتابه " التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور " فهي ما يأتي:

ـ المرحلة الأولى: الرضوخ والقهر خلال هذه المرحلة، التي تدوم فترة طويلة نسبيا، يشكل زمن الرضوخ والاستكانة أو الفترة المظلمة من تاريخ المجتمع، عصر الانحطاط، وتكون قوى التسلط في أوج سطوتها، وحالة الرضوخ في أشد درجاتها. وأبرز ملامح هذه المرحلة هو اجتياف (أستدخال) عملية التبخيس التي غرسها الحاكم المتسلط في نفسية الجماهير، فيكره الإنسان نفسه ويوجه عدوانيته تجاه نفسه وتجاه أمثاله، ومن ثم يقوم بإزاحة هذه العدوانية ليمارسها تجاه من هو اضعف منه. ومن الملامح الأخرى هو الإعجاب بالمتسلط المستبد وتضخيم تقديره، فيعطيه حقا شبه إلهي في السيادة والتمتع بكل الامتيازات، وبالتالي تنشأ علاقة رضوخ " مازوخي " من خلال الاعتراف بحق المتسلط بفرض سيادته، وتنشأ في هذه المرحلة مجموعة من العقد التي تميز حياة الإنسان المقهور أو المضطهد أهمها: عقدة النقص، وفقدان الثقة بنفسه وبأمثاله، والتي تجعله يحجم عن كل جديد، ويتجنب كل تجربة قد تساهم في تغير وضعه، لذلك فهو لا يحرك ساكنا، وإنما ينتظر ذلك البطل المخلص الذي سينتشله مما هو فيه، وهذا ما يمهد الطريق للتعلق بالزعيم الفرد، تعلقا يغري بالتسلط والدكتاتورية، إن هذه الأفكار تجعل عملية التحديث تجابه بمقاومة شديدة تحبط البرنامج التنموي. أما عقدة العار فهي تجعل الإنسان يخجل من ذاته، ويعيش وضعه كعار وجودي يصعب تحمله، فيتمسك بالمظاهر لتشكل غطاء لبؤسه الداخلي، ولابد للمتسلط دورا في تحويل انتباه الإنسان المقهور من حالة الذل والقهر التي يعيشها إلى أمور ثانوية، وبذلك يحمي المتسلط نفسه من ثورة المقهورين. وأخيرا وليس آخرا يعاني المقهور من اضطراب الديمومة، حيث أن طول المعاناة وعمق القهر والتسلط الذي فرض عليه ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة على شكل تضخم في آلام الماضي، وتأزم في معاناة الحاضر وانسداد آفاق المستقبل، ويتفاعل هذا مع عقدة النقص وعقدة العار، مما يغرق الإنسان في ضعفه وعجزه واستسلامه إزاء قوى تتحكم في مصيره، ويحس انه لا قدرة له على مجابهتها.

ـ المرحلة الثانية: الاضطهاد وفيها يبدأ الإنسان بتحويل حالة الغليان العدوانية التي كانت موجهة ضد نفسه إلى الآخرين ، بعد عدم تمكنه من كبتها بالآليات التي استخدمها في المرحلة الأولى. انه يحول عدوانيته إلى الذين يشبهونه، أن جوهر هذه العملية هو التفتيش عن مخطئ يحمل وزر العدوانية المتراكمة داخليا، وبذلك يتخلص من شعوره بالذنب ومن عاره وعقد نقصه ويصبها على الآخر، متهما إياه " بشكل توهمي " أنه يحسده ويريد أن يؤذيه، وهكذا يصبح العدوان عليه مبررا فهو دفاع عن النفس ليس إلا. إن هذا التفريغ والتحويل للمشاعر السيئة الداخلية تجاه الآخر المقهور مثله ينفع مؤقتا في تخفيف التوتر الداخلي للإنسان المقهور، لكن ذلك يفشل في تخليصه وإراحته على المدى البعيد، مما يجعله ينتقل إلى المرحلة الثالثة.

ـ المرحلة الثالثة: التمرد والمجابهة عندئذ يصبح العنف المسلح وغير المسلح هو السبيل ليتخلص الشعب من عقدة النقص والجبن والخوف التي غرسها الحاكم المستبد في عروقه، وهو يحقق بذلك ذاته وينفض عن نفسه الكسل والجهل والاتكالية، وقد يكون العنف والغضب في البداية معيقا لإمكانية التفكير والتنظيم، ولكنه يفتح المجال لكل الاحتمالات، فأما إعادة دورة العنف أو الانطلاق إلى رحاب التغير السلمي الهادئ والتأسيس لمرحلة قادمة ذات صبغة تقدمية، وهذه الاحتمالات وثيقة الصلة بمن يقود عملية التغير.

ونحن إذ نقف إلى جانب انتفاضة اكتوبر العراقية، والتي تجاوزت الشعارات المطلبية الى التغير الشامل، فنحن بأمس الحاجة إلى دور مميز للفكر والسلوك الاستراتيجيين الذي يغيب كل الغياب عن ساحة الصراع والاحتجاجات، حيث لا تزال قراءتنا للأحداث قراءة انفعالية وذات صبغة إيديولوجية متحيزة، ولكنها صادقة لأنها صادرة من الأعماق في الرغبة للإصلاح الجذري، وتصل بعض الأحيان إلى نمط من القراءة الانتقامية، لأننا نحمل "عقدة الثورة " والتي قد تصل الأمور إلى أبواب موصدة، وهي قراءة نافخة في الجماهير، ولكنها لا تحمل البديل المطمئن، وهذا ما يعزز فسحة الفراغ السياسي والذي قد يؤدي إلى فقدان بوصلة التغير وانحرافها عن أهدافها المتوخاة، وأختزل بما اقصد به بقول نجيب محفوظ: " أن الثورة يخطط لها الدهاة وينجزها الشجعان ويغنمها الجبناء".

ومن هنا يجب فهم انتفاضة اكتوبر العراقية في اطار السياق الذي نشأت فيه، والذي ينعكس اساسا في اكثر من عقد ونصف من فشل تجارب الاسلام السياسي واستحواذه على السلطة وحتى على صناديق الاقتراع، مغيبا ارادة شعب في اختيار الافضل، ومستخدما كل وسائل الترهيب والتزوير والكذب والخداع التي افسدت الديمقراطية في العراق قبل ولادتها. لقد تعرض شعبنا الى كبت طويل الامد مما سبب احباط مستحكم وقد تنتج عنه المزيد من دورات الغضب المشروع. 

 

د. عامر صالح  

 

 

محمد سعد عبداللطيفحقوق الاقلیات ۔ وحقوق الأنسان

 قضية الأقليات العرقية والدينية والمذهبية واللغوية بشكل عام تتسم بدرجة عالية من الحساسية، فی بلدان الشرق الأوسط، وينظر لها رغم أهميتها على أنها مسألة خطيرة، لذلك فإن هذا الموضوع الشائك يحتاج لكثير من الدقة،والرٶية،والموضوعية والانضباط، خاصة في ظل المرحلة الحالية  التي تشهدها عملیة (نبع السلام) فی شمال سوریا من حرب یطلق علیها البعض تطهیر عرقی من حاله من السجال والجدل حول فحو عملیة ( نبع السلام) الترکیة ۔۔ وفی ظل المتغییرات المتسارعة فی سوریا ۔۔ وخروج القوات الأمریکیة من مناطق تمرکزها فی تل الأبیض وشرق الفرات، لا نعلم عن فحو المکالمة الهاتفیة التی جرت مع الرٸیسین (ترامب واردوغان) والأنسحاب المفاجٸ للآمریکان ۔ وإعطاء الضوء الأخضر للقوات الترکیة ۔ ومع التنسیق السابق مع روسیا وایران ۔۔ وتفاهمات بینهم فی غیاب الدور السوري والعربي ۔ قوات الجیش السوری الوطني او کما یطلق علیها الحر تحت قیادة ترکیا غطاء للعملیات ۔ وأکراد تطلعوا الی دور أکبر ولکن الحلیف تخلي عنهم ۔ یواجه مصیرهم ۔ المحتوم ۔ بین مطرقتین قوات بشار وقوات طیب اردوغان الترکیة ۔۔ الأکراد أخیرا تفتح ممرات للقوات السوریة فی مناطق نفوذها وتحت سیطرتها ۔۔ إن حقوق الإنسان بظننا لا تستقيم دون احترام قيم الوحدة والتماثل، ولا يمكن أن تكون مفاهيم حقوق الإنسان قضايا انتقائية على الطريقة الأمريكية، لأن البشر مختلفون منذ الأزل وسوف يظلون كذلك، لكن تجمعهم الإنسانية، فمن يقول: أن العرب مختلفين فقط عن الأكراد على سبيل المثال، بل هم أنفسهم مختلفين كعرب فيما بينهم؟

وكذلك حال المسيحي واليهودي والآشوري والتركماني والأرمني والشيعي والعلوي، جميعهم مختلفون عن الآخرين لكنهم أيضاً مختلفين فيما بينهم بنواحي عديدة.

كل هذه الاختلافات بين ما يسمى الأكثرية والأقلية، وبين مكوناتهما هو اختلاف طبيعي وموضوعي وإنساني، لكنه يفترض المساواة أخلاقياً وقانونياً، فلولا هذه الاختلافات لما كانت هناك حاجة إلى المساواة، فالاختلاف يستدعي ويتطلب مساواة سياسية واجتماعية وحقوقية أمام سلطة القانون في دولة مدنية حديثة، دولة المواطنة التي ترعى جميع مكوناتها دون تمييز.وماهو مصیر إدلب بعد عملیة نبع السلم !؟ إن الشرق الأوسط يواجه صراعات شبيهة بنمو النزعة القومیة داخل اوروبا فی مطلع القرن العشرین وتطلع الأقلیات الی الاستقلال والانفصال ۔ ولكنها أكثر اتساعا.

 أن النزاعات الداخلية والدولية تقوى بعضها البعض، وأن الصراعات السياسية والطائفية والعشائرية والاقليمية والايديولجية والمصالح القومية تختلط بعضها البعض،تتفاقم مسألة الاقليات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وشهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في أعمال العنف السياسي وعدم الاستقرار في هذه المجتمعات، وفي الغالب فإن أهم أسباب تفجر العنف يعود إلى فشل الأنظمة السياسية في المنطقة في إجراء مقاربات موضوعية وديمقراطية لهذه الإشكالية التاريخية، وبالتالي عجزت هذه الحكومات عن تقديم حلول جذرية لهذه القضية بدلاً من المحاولات المستمرة لاحتوائها وتجاهل الأسباب الموضوعية الكامنة وراء تصاعد العنف، وهناك أسباباً أخرى متعلقة بظهور خطاب قومي متطرف ومتشدد لدي بعض قادة الأقليات يدعو إلى الانفصال عن الدولة الأم، ويتبنى العنف في مواجهة الدولة، ويحرض على عدم الاستقرارالسياسي، الأمر الذي يولد خطابات متطرفة من الجانب الأخر، وهو ما يدخل هذه المجتمعات في دائرة الفوضى والفشل۔

 ظهور الأقلیات قدیما

 ۔ومع قيام دولة الخلافة العثمانية ظهرت الدولة المركزية العسكرية وبدأت قضية الاقليات بالظهور وأخذ بعض أركان دولة الخلافة في تسييس هذا الموضوع الذي تعمق أكثر مع انهيار الخلافة العثمانية وظهور النظام الرأسمالي الذي ابتدع نظام حماية الأقليات، وجاء الاستعمار الاوروبي لتنتشر سياسة فرق تسد.

إن مرحلة الاستعمار في العالم العربي شهدت تأثر المنطقة ببعض إنجازات الثورات الاوروبية، ومنها قضايا حقوق الإنسان التي تم سنها في الدساتير الأوروبية، وتعامل الاستعمار مع الأقليات بصورة تظهره على أنه حامي مصالحهم ووجودهم کما حدث فی شمال سوریا من الوجود الأمریکي، وفي بعض الدول حاول المستعمر دمجهم قومياً عبر تشريعات، لكن الأكثرية الإسلامية رفضت وتصدت لهذه المحاولات بسبب رفضها أساساً الاستعمار على أراضيها وبالتالي رفضها لأي سياسات يحاول فرضها عليهم، ثم أن الأكثرية المسلمة رفضت أيضاً محاولات الاستعمار في تغريب المسيحيين الشرقيين، هذا الأمر خلق نوعاً من التصادم بين المجتمعات العربية المسلمة التقليدية، وبين الأفكار الغربية الديمقراطية، وهو ما أدى إلى تعقيد مسألة القوميات، ووضع العراقيل أمام الحلول الديمقراطية لاندماج هذه الأقليات بمجتمعاتها، وهكذا ظلت الدول العربية بعد حصولها على الاستقلال السياسي دولاً تضم مجتمعات تعاني من أزمات معلقة مربكة وملفات مفتوحة لا تتوفر ظروف معالجتها وإغلاقها، وأهمها قضية الأقليات، وهكذا وجدت هذه المجتمعات أنها غير قادرة على القيام بثورة ديمقراطية تؤسس لمعالجة جذرية سلمية وعصرية وديمقراطية لقضية الأقليات، وهذا واحد من أهم الأسباب التي جعلت من هذه الإشكالية في العالم العربي أزمة طائفية طاحنة تلخص أزمة الأمة، وتحتوي فتيلاً إشتعل في لحظة ويحرق اليابس والأخضر  وما بقي من الأخضر في عموم المنطقة سوف یشتعل فی ای لحظة فی منطقة آخری .لقد طرح ملف الأسری من بقایا الدولة الأسلامیة (داعش) تحت سیطرة اکراد سوریا من الجانبین الأمریکی والترکی ومصیرهم فی حالة سقوط الأکراد تحت سیطرة الأتراك ۔۔رغم ان الغالبیة فی منطقه شرق الفرات من أهل السنة اکرادا او عرب لیحمل الدین السلاح فی خدمة الأهداف السیاسیة، وحالیا العملیات التی تجری شرق الفرات تستهدف المدنیین والقضاء علیهم بسبب انتماٸهم العرقی والطاٸفي بعیدا عن حقوق او الالتزامات الدولیة مبررة بذلك الأمن القومي ومتطلبات البقاء

ففی الحالة السوریة التی تفککت فیها الدولة وأصبحت ساحة للتنافس بین القوي المحیطة والتی عادة ما تحافظ علی قوتها وسطوتها دون مراعاة لحقوق وکرامة الإنسان ۔۔لقد اصبح صراع قومي عرقی دینی طاٸفی وجغرافی فی الشرق الأوسط ۔وقد ظهر کتل مکونة من نظام مذهبي تطلق علیها الکتلة السنیة وکتلة تقودها ایران فی الحرب الداٸرة فی سوریا من فصاٸل شیعیة وحزب الله وحماس ۔ ومع ظهور النعرات الإنفصالیة والقومیة مع ظهور عصر الإرهاب الانتحاری والقتل علی الهویة ۔ وأنتشار الفوضي فی مناطق متفرقة فی بلاد العرب والصراع الإقلیمی ۔یهدد مناطق شاسعة فی العالم کما هدد بها طیب اردوغان للاتحاد الاوروبی بفتح الحدود امام المهاجریین۔۔

إن العناصر المتشابكة والتعقيدات التاريخية في مسألة الأقليات تشكل واحدة من أهم الصعوبات أمام أي باحث يتناول هذا الموضوع بالدراسة والتحليل، ويضعه أمام تحديات وخيارات دقيقة، فإما أن تكون مع الليبرالية الجديدة في الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق الأقليات بشكل خاص، من خلال تبني براغماتية منفعية مقترنة مع دوغمائية لا تريد أن ترى إلا جانب واحد من الموضوع، وإما وأن تکون فی مواجهة التحدیات، وأن تکون صراعات ترتیب المجتمات البشریة، بما یتوافق مع المفاهیم الجدیدة لشرق أوسط جدید ۔ وبذلك تجد نفسك متهما بتجاهل حقوق الأقلیات إن حقوق الإنسان بظننا لا تستقيم دون احترام قيم الوحدة والتماثل، ولا يمكن أن تكون مفاهيم حقوق الإنسان قضايا انتقائية على الطريقة الأمريكية، لأن البشر مختلفون منذ الأزل وسوف يظلون كذلك، لكن تجمعهم الإنسانية، فمن يقول

 أن العرب مختلفين فقط عن الأكراد على سبيل المثال، بل هم أنفسهم مختلفين كعرب فيما بينهم؟

وكذلك حال المسيحي واليهودي والآشوري والتركماني والأرمني والشيعي والعلوي، جميعهم مختلفون عن الآخرين لكنهم أيضاً مختلفين فيما بينهم بنواحي عديدة.

كل هذه الاختلافات بين ما يسمى الأكثرية والأقلية، وبين مكوناتهما هو اختلاف طبيعي وموضوعي وإنساني، لكنه يفترض المساواة أخلاقياً وقانونياً، فلولا هذه الاختلافات لما كانت هناك حاجة إلى المساواة، فالاختلاف يستدعي ويتطلب مساواة سياسية واجتماعية وحقوقية أمام سلطة القانون في دولة مدنية حديثة، دولة المواطنة التي ترعى جميع مكوناتها دون تمييز. ۔

 

 محمد سعد عبد اللطیف

کاتب وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

رٸیس القسم السیاسي نیوز العربیة

 

ابراهيم ابوعتيلهوتصر تركيا الأردوغانية على عدوانها المباشر والصريح على الجمهورية العربية السورية، فلم يكفها كل ما قامت به طيلة السنوات الثماني الماضية من مؤامرات استهدفت كيان الدولة السورية ارضاً وشعباً ونظاماً وبنية تحتية مستقدمة من أجل ذلك كل ما أمكنها من عصابات العالم المتلحفة بالظلامية الدينية المتطرفة وتلك المرتبطة بالصهيوأمريكية الإمبريالية لتدمير كل وجوه الحضارة السورية العريقة، فسهلت لهؤلاء الظلاميين وبدعم البترودولار العربي، عملية التدريب والتسليح وتوفير كل ما يلزم من مال لهؤلاء المرتزقة الإرهابيين مع ضمان تلقي العلاج عند الإصابة في مستشفيات كيان العدو الصهيوني ....

لم تكن تركيا وحيدة في عدائها لسوريا العربية، فلقد تحالفت من أجل ذلك مع العدو الرئيسي للعرب فكان هناك تفاهمات وتنسيق ودعم مباشر من الصهيونية وأمريكا ومن يسير في ركبها من القارة الاستعمارية العجوز كفرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها، كما وقف الإخونج وقوفا مباشراً مع تركيا ومع تدمير سوريا موظفين من أجل ذلك دولار الغاز ودولار النفط ....

ومع تكالب كل أعداء الحرية والعروبة ومع تحقيق الظلاميين والإرهابيين بعض اهدافهم من دمار استهدفوه وخططوا له مرحلياً، ظن التركي من خلاله اقترابه من نيل ما يريد تحركه في ذلك شهوة تقسيم الوطن السوري وتشكيل كيان عدو جديد في شمال شرقي سوريا يحكمه الأكراد الوافدين لسوريا كلاجئين بعد هروبهم وطردهم من تركيا في عشرينات القرن الماضي برعاية ودعم مباشرين من أمريكا والعدو الصهيوني ومستغلين في ذلك انشغال الجيش العربي السوري بمقاتلة ودحر الظلاميين المرتزقة من أرض سوريا والتي سجل فيها الجيش السوري انتصارات أذهلت كل الأعداء .

وما أن اقتربت ساعة التحرير الشامل والنهائي والهزيمة المطلقة لحلفاء الإرهاب والظلام حتى تأهبت تركيا لمنع ذلك من خلال الوقوف بقوة مع حثالات العالم البشرية التي تجمعت في محافظة إدلب ساعية إلى منع الخلاص منهم مستغلة في ذلك شهوة القيصر بوتين وهدفة باختراق حلف شمال الأطلسي بتعزيز علاقاته بتركيا الذي يسعى أردوغانها لتسجيل انتصارات تعيد البريق للاتاتوركية العثمانية على حساب دول الجوار .. فتم تأخير عملية تحرير إدلب وايقاف زحف الجيش العربي السوري ولو مؤقتاً .

ولما استشعر أردوغان بقرب فشل كل مؤامراته على سوريا العربية ... عاد مرة أخرى بوجه جديد وأكثر عدوانية،  فكان أن قام بعدوانه على شمال سوريا بحجة إقامة منطقة " آمنة " ينقل إليها اللاجئين السوريين المتواجدين في تركيا، متذرعاً بمنع الإرهابيين من دخول تركيا علماً بأن غالبية هؤلاء الإرهابيين قد جاؤا من خلال تركيا وبغطاء منها، وليس مستغرباً أن يستغل أردوغان من دربتهم تركيا من الارهابيين والخارجيين عن الدولة السورية تحت مسمى " الجيش الوطني الحر " ليكون هذا الجيش في مقدمة أعداء وطنهم السوري ...

وهاهي تركيا وعملائها يقومون بالعدوان على الشمال السوري بعد أن سكتت عما يجري في تلك المنطقة لسنوات عديدة، منفذةً في ذلك رغبة أمريكا والصهاينة الذين وظفوا الكرد في تلك المنطقة لمحاربة الدولة السورية بهدف إقامة كيان لقيط لهؤلاء الكرد متناسين في ذلك أن هؤلاء الكر قد قدموا من تركيا كلاجئين بعد ثورة سعيد بيران 1925 حيث استضافهم الوطن السوري ومنحهم حق المواطنة فقاموا بطعنه فاتحين في ذلك المجال للعنصريين من الأكراد القادمين من شمال العراق وايران وتركيا للتواجد معهم موهمين العالم بكثرة تعدادهم وبحقهم المزعوم بخلق دولة قومية لهم في شمال سوريا كما حاول قبلهم البرازانيين الصهاينة بأن يفعلوا في شمال العراق ..  فتركيا هنا وبعدوانها تستهدف كما سبق تقسيم الوطن السوري واستمرار الحرب على سوريا بوجه جديد تحقيقاً لأطماع الأتاتوركيين العثمانيين ومن جهة ولمنع قيام كيان للكرد قد ينمي ويزيد الوعي القومي للكرد في مناطقهم الأصلية في جنوب شرق تركيا وهي المنطقة التي يتوجب أن تقام بها الدولة الكردية ففيها يتواجد أكثر من 25 مليون كردي ومنها قدم الكرد لسوريا فلا جذور تاريخية للكرد في سوريا وجذورهم إن صحت تقع في جنوب شرق تركيا ....

ومن المفارقات التي احدثها العدوان التركي:

- أن تقوم أمريكا بسحب قليل من قواتها من شمال سوريا كي تسهل العدوان التركي ومنع أي احتكاك بين أمريكا وتركيا موهمة العالم بمعارضتها للعدوان التركي.

- قيام الكثير من الدول التي أيدت الإرهابيين بشجب واستنكار العدوان التركي رغم كونهم مؤيدين للجيش الحر التي تستخدمه تركيا في حربها .

- استمرار الإخونج في دعم كل ما يستهدف تدمير سوريا بقيام هؤلاء بدعم العدوان التركي .

- قيام دول الجامعة العربية باستثناء قطر باستنكار العدوان على سوريا العربية بكلام وعبارات معسولة رافضين حتى الآن إعادة سوريا إلى تلك الجامعة ودخول الصومال " المنهار" إلى التحالف الداعم لتدمير سوريا برفضها لبيان الجامعة العربية حول الموضوع .

- استمرار دول أوروبا العجوز بدعمها للكرد ورفضها للعدوان التركي على سوريا ليس دعماً لسوريا بل دعماً لإنشاء كيان كردي في تلك المنطقة .

- تباكي الصهاينة علناً على حق الكرد في قيام دولة لهم واعتراض الصهاينة على قيام حليفهم أردوغان بالعدوان على تركيا .

- عدم وضوح الموقف الروسي ومحاولة بوتين تسويق أفكار للمصالحة " المستحيلة " بين الكرد والاتراك من جهة وبين الأتراك وسوريا من جهة أخرى .

- قيام بعض الكرد باللجوء للدولة السورية ساعين إلى دعمها في مواجهة العدوان التركي .

ومهما قيل، فكما فعلت الدولة السورية وكما فعل الجيش العربي السوري .. فإن منطق الأحداث والتجارب خلال السنوات الثماني الأخيرة يؤكد وبما لا يدع مجالاً للشك بأن المشروع الكردي والتركي والصهيوني والأمريكي والإخونجي والدولار الغازي / النفطي سيفشل وسيتحطم على صخرة الصمود العربي السوري .

 

ابراهيم ابوعتيله - الأردن

 

 

علي المرهجلطالما كانت المرجعية الدينية العليا في مقدمة من يوجه لهم النقد في حال خذلان الحكومة للشعب من كل الأطراف: الحكومية، أو الجماهير المؤيدة لتدخلها، أو الرافضة لهذا التدخل، وهي بين هذه النيران تحتسب، فهي بكلا الحالات مُتهمة، فإن صمتت قالوا أنها تخلت عن مسؤولياتها في النُصح والإرشاد، وإن طالبت الأطراف المتصارعة لاتخاذ خطوات عملية للإصلاح وتحاور الأطراف المُتنازعة، وطالبت بوجود أصحاب اختصاص مستقلين من الذين عُرفوا بالنزاهة للنظر في حال المجتمع ومساعدة الحكومة على اتخاذ خطوات عملية في مُحاربة الفساد قال البعض عنها من أطراف الحكومة أو الجماهير المُحتجة وهل نحن نعيش تحت ظل دولة (ولاية الفقيه) وأظنها حيرة ما بعدها حيرة!، ولكنها قالت قولتها وليجتهد من يجتهد في تأويل خطابها وأنا من بين هؤلاء، فلست من المؤيدين لتدخل رجل الدين في السياسة، ولكن طبيعة الحال في مجتمعنا وما آل إليه المآل، بعد أن (ضيعت الحكومة صول جعابها) أو بوصلتها، وبما أن أغلب المُتظاهرين هم من الذين يحترمون مقام المرجعية العليا، أجد أن لخطاب المرجعية تأثير في التهدئة وقبول لدى كل أطراف النزاع.

لا أظن أن الحكومة تستمع لتوصيات المرجعية وتسير على هديها كما يدعي رجالاتها، فلو كان الأمر كذلك لما أظهر خطاب المرجعية تململه من رتابة الاجراءات الحكومية نحو الإصلاح ومحاربة كبار الفاسدين.

سأوجز خطاب المرجعية الذي وضعته بفقرات أهمها: 

ـ مطالبتها السلطة بالتعجيل بعملية الإصلاح الذي راهنت عليه بوصفه ضرورة لا محيص عنها، فحذرت الحكومة بأن الاحتجاجات ستعود في وقت آخر بأشد وأوسع من هذا بكثير إن لم تتخذ خطوات عملية وسريعة لمعالجة الموقف.

ـ دعوتها للسلطات الثلاث لاتخاذ خطوات عملية واضحة في طريق الإصلاح الحقيقي، عبر العمل واتخاذ إجراءات واقعية يستشعر أهميتها وفاعليتها المواطن البسيط.

ـ تحذيرها الكتل الكبيرة من مغبة المحاصصة والبحث عن المكاسب الآنية للحزب أو الجماعة ودعتها للتخلي عن مصالحها الحزبية.

ـ مطالبتها السلطات القضائية والرقابية بتفعيل دورها بعملية الإصلاح الشاملة عبر عبر فتحها لملفات كبار الفاسدين ومحاسبتهم.

ـ تحميل الحكومة مسؤولية الخراب بسبب تهاونها في محاسبة الفادسدين الكبار من الذين تلاعبوا بأموال الدولة وأثروا على حساب المال العام. يعني باختصار دعوة المرجعية لتفعيل قانوان (من أين لك هذا؟). (يعني سياسي معارض جان ما عنده قمري صار بالسلطة صار ملياردير، وعنده هو وأهله وأهل أهله عدهم أرصده خيالية وشركات، إمنين جابها، من نضاله ـ مثلاً) (عمت عيني على الحُسين "ع" وإخرب بيتي على جيفارا "رض")! ماتا ميتة الشرفاء، ولم يرث أتباعهما سوى رثاؤهما والبكاء، ولا أقصد المُدَعين الأفاقين الذين يلهجون بإسم الثوار ليل نهار ويتباكون على الحُسين في الليل ويسرقون أموال الفقراء في وضح النهار!.

ـ تأكيدها على تشكيل لجنة تكنوقراط مستقلة من المعروفين بالكفاءة العالية والنزاهة التامة للتحقيق في الفساد على أن تُتاح لها الاتصال مع كل الأطراف الحكومية وغير الحكومية لا سيما المتظاهرين.

ـ برأت المرجعية نفسها (ومن حقها ذلك) لأن الحكومة لم تأخذ بتوصياتها المستمرة لمعالجة أحوال الفقراء والخريجين وأصحاب الشهادات بايجاد فرص عمل لهم، ولكن الحكومة تغافلت عن توصياتها لتدارك الأمور قبل فوات الأوان، فكان ما كان. (حكومة تُعرف طُرق التغليس والتدليس على وفق المثل القائل (أذن من طين وأذن من عجين)، يعني بحسب آي الذكر الحكيم: "صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فهم لا يرجعون" لأنهم في "ظُلمات لا يبصُرون"، فهم صُمٌ عن الحق فلا يسمعونه "بُكمٌ"، ولا يرون طريق الهدُى وصلاح لأنهم "عُميٌ"، فقد "ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلال لا يُبصرون" (البقرة/179) "إولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مُهتدين" (البقرة/16) وهو تفسير لقوله تعالى في سورة البقرة: "صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فهُم لا يرجعون" (البقرة/18) أو "صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فهُم لا يعقلُون" (البقرة/171).

ـ رفضها لاستخدام العنف الحكومي ضد الحركات الاحتجاجية ومطالبتها للمحتجين بالتهدئة لانتظار خطوات الحكومة العملية.

يحمل خطاب المرجعية رسالة واضحة للحكومة بأنها فشلت في اتخاذ خطوات جادة للإصلاح، بل وحملتها مسؤولية الدم المراق للمتظاهرين، وإن كان في خطابها ألم لما آلت إليه الأمور، ولكنها طالبت الحكومة بأكثر من خطبة منذ تظاهرات البصرة أيام العبادي، ولكن الحكومة (منطيتها إذن الطرشة).

ما يُلفت النظر ويستحق التقدير في خطاب المرجعية أنها لم تُشكك بمصداقية مُطالبة المُحتجين والمتظاهرين، ولم تتهمهم بأنهم مدفوعون من جهات خارجية، بل حمل الخطاب بين طيَاته دفاعاً عن حقهم بالتظاهر وتقريعاً للحكومة على إفراطها باستخدام العُنف، بل ومطالبتها بمحاسبة قادة الأجهزة الأمنية الذين لم يلتزموا بتوجيهات القيادة العامة للقوات المُسلحة التي أكد رئيس الجمهورية أن لا أحد منه طُلب منه ردع المُحتجين بالرصاص الحي!.

لم يأت خطاب المرجعية على ذكر وجود جهة مُندسة اخترقت الأجهزة الأمنية، الأمر الذي يعني في حال الاعتراف بوجودها الاعتقاد بفشلها وعدم قدرتها على إدراة ملف أمني بمساحة لا تزيد على كيلو مترين، فالأولى مُحاسبة قادتها.

يحمل خطاب المرجعية تعاطفاً مع مطاليب الجماهير المُنتفضة، الأمر الذي يعني رفضها للغة التخوين للجماهير التي استخدمها بعض المسؤولين الأمنيين الذين توعدوا وعربدوا على أنهم يعرفون بحجم (المؤامرة) قبل أحداث 1/10، وكان خطابهم ممجوجاً ويدل على قصر وعيهم الأمني، فإن كان من يرأس أكبر جهاز أمني يعرف بوجود (مؤامرة) ولم يتخذ إجراءات لوقاية الدولة وحماية شباب التظاهرات الذي هم أم الأمة القادم، فهو آثم، وينبغي محاسبته ومحاسبة كل من له دراية بتبعاتها ويدعي نباهة!.

في ذات الوقت حمَل خطاب المرجعية مجلس النواب مسؤولية تقعاسه عن اقرار قوانين وتشريعات تُساعد الحكومة على التعجيل في برنامجها الحكومي، بل وفي عدم محاسبتها للحكومة باتخاذ خطوات عملية لتقليل البطالة وتشغيل الشباب العاطلين.

يحمل خطاب المرجعية بين طياته شعوراً بالحسرة والتألم من أفاعيل الأحزاب الكبيرة التي لم يرتق قادتها لمستوى الحدث والشعور بمسؤوليتهم التاريخية عن هذا الشعب، فكانوا ولا زالوا في واد وناخبيهم في واد آخر!، لتُخبرهم (المرجعية) أن (الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك) وهذه الاحتجاجات مؤشرات خطيرة أو ناقوس خطر يدق لتنبيهكم أنكم ذاهبون بالبلد إلى الدرك الأسفل، فتهادوا واستكينوا وخففوا الوطئ لأن أديم الأرض من أجساد أجداد هؤلاء الصبية والشبيبة سقتها دماؤهم، وهي بتحصيل الحاصل دماء أهليكم فتريثوا ولا تستهينوا بدمائهم لأنها سقتنا وسقتكم كرامة النفس وعزتها. إنهم ابناء المدن الفقيرة ومُدن العشوائيات إن كان يصح عليها الوصف بأنها مدُنٌ. إنهم أبناء الخايبات (أمهاتنا) الثكلى اللواتي تستحي أرض الرافدين من فرط عطائهنَ، فتريث أيها الجندي أو شرطي الأمن وتمعن وأنعم النظر في وجوه هؤلاء الصبية ستجد ملاحة وجوه أمهاتنا وطيبتهنَ التي من فرط شعورك بالخطر تناسيت ملامح وجوههن السمراء التي ولدننك وحملنك وصبرنَ على شقاوتك وتمردك مثل أخيك المتظاهر الذي لم تسطع لا أمي ولا أمك وقف اندفاعه وحماسته لأنه يروم العيش بكرامة، وأظن أنك لا ترتضي لنفسك ولا له أن يعيش بذلة (فهيهات منَا الذلة) تلك مقولة تربيتما عليها أنت وأخيك المُحتج الصادق في تضحيته بنفسه بعد أن لم يجد من يحتضنه لا أنا ولا أنت ولا "حكومة أبوية" تشعر بألمه وعوزه. (جا إذا أنت خويه العشت ضيمه ما تحس بيه منو يحس بيه أمريكا لو إسرائيل، لو دول الجوار، خويه (ما حك جلدك غير ظفرك) و(الظفر ما يطلع من اللحم) وهذا الشاب المُحتج هو ظفرك فدعه يحك بقايا الصدأ في حكومتنا لعلها تستفيق ولا تخليه يطلع عن طور الأمل بحياة أفضل تحت خيمة هذا الوطن الذي لا نستظل إلَا بظله، فساعده ولا تقتص منه، ولا إتكلي (مؤامرة) ولا أنفي وجودها، ولكن لا تجعل أخيك يقع في حبالها فتقتص منه، على قاعدة (الوقاية خير من العلاج)، وإن لم تستطع الوقاية فعليك تحمل الأذى إن كان في رفض الظلم والخروج على حاكم فاسد أشر تعدَه أذى، فاصبر على أخيك لدرء مفسدة أو فتنة ولو إلى حين على قاعدة (جلب المصالح ودرء المفاسد)، ففي كسب الشباب جلب للمصالح، وفي قتلهم وضربهم شر معلوم، وفي التجاوب معهم والتعاطف مع مطالبهم خير محتوم، فكيف تسنى لك ترك الخير واستبداله بالشر، ولا كسب لك فيه معروف، والقاعدة الفقهية تقول:"درء المفاسد مُقدم على جلب المصالح"!. ولا أظن أن فيما حصل في ردع المتظاهرين ما يُنبئ عن تطبيق واع لهذه القاعدة الفقهية. ولا أجد فيما حصل من رد فعل غير محسوب لكثير أو قليل من الأجهزة الأمنية على احتجاجات الجماهير سوى عمل غير مدروس كاد أن يؤدي إلى فتنة لولا وجود بقية حكمة مكنونة ظهرت بوادرها في خطاب رئيس البرلمان الشاب الذي داعب قلوب الشباب المتظاهرين واقترب من وجدانهم في تركه للتنظير وكتابة الخطاب، ليقول ما في قلبه كشاب قريب من طموحاتهم وآمالهم، وقد خفف بعض من غلوائهم، ولكنه ليس سلطة تنفيذية فما طرحه يبقى مقول للتخدير لا فعل للتغيير.

اعترفت المرجعية في خطابها بضعف السطات القضائية والرقابية في اتخاذ خطوات عملية في مُحاسبة كبار الفاسدين، فلو حاسبت هذه الجهات عدد قليل من رؤوس الفساد لما وصل الحال لما نحن عليه الآن.

ا. د. علي المرهج

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثاني عن بزوغ حروب الجيل الرابع؛ حيث يكون حديثنا منصبا عن الرأي الثاني، ويتمثل في الكيفية التي من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية إلي الحرب غير المتماثلة بديلاً عن الحرب النظامية، وفي هذا يمكن القول: في أواخر تسعينيات القرن الماضي قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تغير من نمط إدارة الحروب الدائرة في العالم؛ حيث اكتشفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، بأن نموذج حرب الناتو "Nato -model" المبنى على القطاعات الضخمة المزودة بالآليات، غير فاعل إلى درجة كبيرة أمام قوات العصابات المدعومة من قبل الأهالي، وهذا جعل الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن نموذج آخر مؤسس على عدم توريط الجيوش الأمريكية في اشتباكات عسكرية مباشرة، وبالتالي أهمية الاعتماد على قيمة ومنطقية القوات الخفيفة (Lighter Forces) التي كانت منبوذة في السابق من قبل ألوية الجيوش التي تزحف عبر الأنهار والوديان على سكان القرى، وبالتالي التخلص من "الفشل العسكري" وتقليل المخاطر البشرية والاقتصادية لأي تدخل من قبل الجيوش الكبرى .

وهنا بدأ كثيرون من صناع القرارات في الولايات المتحدة يتحدثون عن الحرب غير المتماثلة والحرب طويلة الأمد، حيث ستشارك الولايات المتحدة - تحت مظلة هذه النماذج من الحروب- في أنشطة مكافحة الإرهاب في منطقة واسعة من العالم الإسلامي لفترة طويلة جداً. وبدا صراع الند للند peer-to-peer conflict قد عفى عليه الزمن؛ حيث أشار بعض المحللين الأمريكيين إلى أن الحروب التي شاعت في السابق أصبحت لا تتضمن دولًا، وإنما جماعات غير وطنية، وبالتالي لن تكون هناك حرب نظامية، فإن من أطلقوا هذا الرأي لم يدركوا طبيعته الراديكالية، ونادراً ما كان يُنظر إلى سياسة الدفاع الأمريكية التي أخذت به على أنها غير ملائمة. وإذا كانت الولايات المتحدة ستشارك بشكل رئيسي في عمليات مكافحة الإرهاب في العالم الإسلامي على مدى السنوات الخمسين المقبلة، فمن الواضح أننا في حاجة إلى قوات عسكرية مختلفة جداً عما نملكه اليوم.

كما أدرك صناع السياسات الأمريكية بأنه في ظل الظروف المناسبة قد تستطيع "العصابات" أن ترجح الكفة أمام "الجيش التقليدي"، حتى لو كان الأخير يمتلك مميزات خارقة في الجو، أو البحر، أو في القدرة النارية؛ حيث وصف "ماوتسي تونج " Mao Zedong حرب العصابات بأنها:" عندما يتقدم العدو فإننا نتراجع، وعندما يخيم "نناوش"، وعندما يتعب "نهاجم"، وعندما يتراجع "نطارده"؛ بمعني أن نضرب العدو طالما كان ضعيفاً، وأن نتجنبه عندما يكون قوياً، وأن نطارده عندما ينسحب، وأن نناور عندما يتقدم. فذلك ينسجم مع التفكير السليم" .

وكما يقول الباحث الأمريكي "روبرت تابر" Robert Taber (المتخصص في حرب العصابات) عن حرب العصابات بأنها:" حرب ثورية"، تجند سكاناً مدنيين أو على الأقل جزءاً من السكان، ضد القوى العسكرية للسلطة الحكومية، القائمة شرعياً أو المغتصبة".

وقد وازن أفضل الخبراء الأمريكيين بين مجموعتين من الثوابت .. وأدركوا بأنه "في مجال الحرب لابد من الأخذ في الاعتبار ليس بالتقييم أو الفوارق النوعية فحسب (مثل النواحي المعنوية، ودور السكان المحليين ... إلخ) ولكن باحتمالية وجود صفات عسكرية مختلفة بالكلية عن بعضها البعض، قد تؤثر على طرفي معادلة التكافؤ والتماثل" .

إن في حرب العصابات، نجد أن الطرفين لا يستخدمان نفس الأدوات أو استراتيجيات القتال، ولا يخضعان لمعايير التوازن السائدة، فحسب تلك الحرب، لا يوجد مسرح عمليات يلتقى فيه المحاربون بأية صورة، ويستخدم كل طرف أسلحة غير متماثلة، وقد لا تكون هناك علاقة بين الفعل ورد الفعل فيها، كما أن "الخطط المستخدمة خارج نطاق التصور ويحكمها ـ تفكير يوسوس به الهذيان والجنون، ولا يؤدى إليه العلم، أو توازن القوة مهما كانت دقة حساباته، فلا يوجد تقيد بمبادئ الحرب، وإنما بأفكار تنتج عنه عن مصادفات يتم تحويلها لخطط مدروسة، وتحيط بعملياته أقصى درجات المخاطرة، ويتم كل شئ فى سرية شديدة، ويختلط فيها ما هو مادى بما هو نفسى، كما يتمتع العدو ـ فى هذا النوع من الحروب بإرادة قوية، وتنظيم حديدي، وصبر شديد، وروح عالية، وقدرات رفيعة، تجعل تحقيق أهدافه ممكنة، حتى لو بدت وكأنها ضرب من الجنون" .

وقد وصل تطور مفهوم حرب العصابات في التفكير الأمريكي إلى مستوى اقتراح استراتيجيات محددة للتعامل مع هذا النوع من الحرب، كتعظيم قوة الإدراك النظري لما يمكنني أن يحدث استناداً على مبدأ عام يرتبط بالتفكير بنفس الصورة غير التقليدية (المجنونة) التي يفكر العدو بها، والتغاضي عن المراسم التقليدية التي طالما حكمت التحرك المضاد، كتشكيل التحالفات واستشارة الدول، وتقدير الحساسيات، والاتجاه مباشرة إلى فرض الأمر الواقع، مع تخيير الدول بين الانضمام إلى ما يتم، أو يجدون أنفسهم في الجانب الآخر، يضاف إلى ذلك "تدعيم أساليب الاستخبارات الموجهة، والعودة إلى بعض الأساليب التقليدية كنشر الجواسيس، ثم تغطية مواقع الانكشاف في الأراضي الأمريكية بسد كل الثغرات التي يمكن النفاذ منها، واتباع أساليب جديدة في التعامل مع مسألة الأمن الداخلي، على أساس تخفيف القيود المفروضة على أجهزة الأمن تجاه المجتمع" .

ولذلك أدرك المتخصصون في الشؤون العسكرية الأمريكية أن: " تكتيك رجل العصابات يختلف عن تكتيك الجندي المضاد للعصابات، لأن دوريهما مختلفان، منهما قوتان متنافرتان، تشنان حربين متعارضتين، في سبيل أهداف متضادة. ويبحث الجندي الحلول المضادة للثورة عـن كل حل عسكري، يتمثل في إبادة رجال العصابات، لكنه معاق بعقبة سياسية واقتصادية، فهو لا يستطيع أن يبيد الشعب ولا واحداً من أجزائه الهامة. أما رجل العصابات، فإنه يرغب في اهتراء عدوه العسكري، ويستعمل تكتيكياً مناسباً لهذا الغرض، وهدفه الرئيسي سياسي، ويتمثل في تسعير حريق الثورة في صراعه، وتحريض الشعب كله، ضد النظام، وإظهار عيوب هذا النظام، وعزله، وتقـويض اقتـصاده، واسـتنزاف موارده، وإثارة تفككه. إن حرب العصابات في جوهرها سياسية واجتماعية. أما وسائلها فهي سياسية بمقدار ما هي عسكرية أمـا هدفها فسياسي بالكامل تقريباً، ونستطيع أن نقول انطلاقاً من مقولة "كلاوفيتز" Clausewitz: إن حرب العصابات استمرار للسياسة بواسطة صراع مسلح، وفي درجة معينة من نموها، تصبح ثورة، عندها تغدو أسنان التنين آكلة لكل قوتها، إن حرب العصابات تعادل حرباً ثورية، إنها امتداد للسياسة باستعمال السلاح، وطالما أن أولئك المكلفين بالصراع ضدها لا يفهمونها، فلن يجدوا أية وسيلة استرتيجية أو تكتيكية لتحقيق النصر. أما إذا فهمها أولئك الذين يقودونها، فإنها لن تخيب مطلقاً، مهما كانت الظـروف، لأن الحـرب الثورية لن تبدأ إلا عندما تتوافر ظروف نجاحها " .

واعتبر الباحثون في الشؤون العسكرية الأمريكية أنّ " الطرف الضعيف، في الحرب غير المتماثلة، يستخدم المجتمع كغطاء له، ويعتمد عليه في الإمدادات اللوجستيّة، ويقوم انطلاقا منه بشنّ هجماته ضدّ الطرف الأكثر قوّة، ما يتسبّب بامتداد العنف داخل المجتمع. من هنا، فبداية هذه العمليّة هي حرب العصابات ونهايتها الإرهاب الدولي كما يحصل حاليًا، ومن نتائج الحرب غير المتماثلة حصول إبادة جماعيّة، أو حرب أهليّة، أو اندحار العدو (جنوب لبنان نموذجا) " .

ومن جهة أخري فإن الجهد الرئيسي لحرب العصابات، هو أن " إثارة تمرد السكان، الذين لا يمكن لأي نظام في دولة ما، أن يدوم طويلاً دون موافقتهم. فرجل العصابات هادم للنظام القائم، لأنه ينشر الأفكار الثورية، وتعطي أفعاله قوة إلى عقيدته، وتبين السبيل نحو التغير الجذري، ومن الخطأ أن نعتبره منفصلاً عن مرقد استنبات الثورة. إنه يخلق من المناخ الـسياسي الذي تصبح فيه الثورة ممكنة، ويمثل هذا المناخ التعبير وعنصر الاستقطاب للإرادة الشعبية في مثل هذا التغيير" .

ولذلك يري "روبرت تابر" بأنه "عندما نتكلم عن رجال العـصابات، يتداعى في أفكارنا معنى النصير السياسي، فهو مدني مسلح، وسلاحه الرئيسي ليس البندقية أو الساطور، بل علاقته مع الجماعة، مع الأمة التي يقاتل ضمنها وفي سبيلها، والانتفاضة أو حرب العصابات، عبارة عن فعل يحث على تغيرات من الثورة المضادة، أي الطريقة التي تتم بها مقاومة الثورة: فهما وجهان لعملة واحـدة، ومن الضروري ألا نخلط بينهما، أو بين عواملهما، بسبب تماثلهما. وبسبب الطبيعة السياسية للصراع، وتفاوت الوسائل التي بحوزة المعسكرين، وخاصة بسبب التناقض التـام لأهدافهما السياسي، فإن التكتيكات الأساسية المطبقة في حرب العصابات، غير قابلة للتطبيق من قبل الجيش الذي يقاتل العصابات، ولن تكون قابلة للتطبيق، وبشكل محدود جداً، إلا من قبـل (الاختصاصيين) العاملين في القوات الأمريكية الخاصة، التي يمكن أن تحاول تقليد تكتيكات العصابات" .

ويستطرد " تابر" فيقول:" إن الأسباب تامة الوضوح، فرجل العصابات يمتلك المبادرة فهو الذي يبدأ الحرب، ويقرر أين ومتى يضرب. وعلـى عـدوه العسكري أن ينتظر مستعداً لمواجهته في كل مكان، ويجد جيش الحكومة نفسه، قبل وبعد بداية الحرب، في موقف الدفاع بسبب دوره كشرطي مكلف بحراسة الممتلكات العامة والخاصة، ويجب أن نبين منذ الآن، بأن الشعب يشكل مفتاح الصراع كله، وبالواقع، ومهما بدت الفكـرة مغيظـة للمحللين الغربيين، فإن الشعب هو الذي يقود الصراع. فرجل العصابات ينتمي إلى الشعب، بنفس المقدار الذي لا يستطيع فيه جندي الحكومة أن ينتسب إليه (لو لم يكن النظام قد فقد محبة الشعب لما انـدلعت الثورة). إن رجل العصابات يقاتل بمعونة الجماهير الشعبية المدنية، التي تشكل تمويهه، ومنـابع إمـداده، ومصدر تطوعه، وشبكة اتصالاته، ومصلحة استخباراته، الموجودة في كل مكان والشديدة الفعالية" .

إذن في حرب العصابات تستخدم أساليب ووسائل وأدوات مختلفة (قنابل ذريّة، خطف طائرات، رهائن، ألغام، تفخيخ، عمليّة استشهادية، عمليّة انتحارية)، كما أنه" لا يوجد مكان محدّد لمسرح العمليّات، وحتّى الفترة الزمنيّة قد تمتدّ عدّة سنوات، وكذلك نمط الحرب لا يقتصر على مسرح العمليّات داخل دولة معيّنة، بل يشمل مصالحها ورعاياها في العالم بأسره" .

وهنا تصبح حروب العصابات أو الحرب غير المتماثلة حرباً بين طرفين غير متكافئين تماماً، وتمثل التفافاً واضحاً على قوة الخصم وقدراته يتم تفاديها وتحويلها إلى نقاط ضعف، ففي حين أنه من المرجح أن تنجح المؤسسة العسكرية الأمريكية المتفوقة على سبيل المثال، في مواجهة أي مؤسسة عسكرية تقليدية لدولة أخرى، " فيما يخص التكيف مع التقنيات الجديدة، فإن المستقبل ربما يكون من نصيب الأطراف التي لا تتبع لدولة، وجهات ليس لها صفة التي قد تسهل لها الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، إمكانية الحصول على أسلحة، ربما تكون رخيصة وعالية التقنية، تستطيع بها تحييد القدرات المتفوقة لجيوش دول عظمى" . لقد ارتقى هذا التهديد وانتقل من مرحلة خطف الطائرات، واحتجاز الرهائن، واستخدام المتفجرات العادية إلى مرحلة الهجوم المباشر بأساليب وأسلحة غير متوقعة ووسائل إلكترونية متطورة، وقد يصل الأمر إلى حد "استخدام الأسلحة البيولوجية أو الكيميائية، بهدف إحداث خسائر مادية وبشرية جسيمة" .

هذه الأطراف أو المجموعات التي لا ينطبق عليها وصف دولة، حيث لا إقليم لها، ولا سكان، ولا عقد قيادة، سيكونون أعداء غير تقليديين من نوع جديد؛ حيث يتمتعون بالمرونة، وبالترابط الشبكي، لا تحكمها هياكل تنظيمية محددة، ولا تعمل في إطار نسق عسكري واضح، ولا يمكن توقع أفعالها، أو ردود أفعالها، ولا تدور عملياتها على مسرح محدد، وهو سياق مختلف تماماً عن السياق التقليدي للحرب، وسيمثلون أكبر التحديات التي تواجه الدول والمنظمات الدولية في المستقبل وليس الأعداء التقليديين. ففي الوقت الذي يمكن لهذه المجموعات اللا تناسقية الآن استخدام إجراءات لاتصل إلى حد الحرب التقليدية، "مثل شن هجمات باستعمال أشكال شبكية متلائمة مع عصر المعلومات؛ حيث تستطيع الآن مجموعات صغيرة ومتنافرة أن تربط نفسها وأنشطتها شبكياً وتنسيق أعمالها عبر الإنترنيت فإن الطرف الثاني – الدول – لا يزال يعتمد على بنيات هرمية سلمية لا تناسب بشكل جيد التعامل مع هذه الشبكات ذات الطرد المركزي" .

وإذا أمعنا النظر في هذا النموذج، فسنجد أن الولايات المتحدة المتفوقة تستخدم كل الأسلحة الممنوعة في تلك اللحظة التاريخية ضد حركة المقاومة الفيتنامية . ومن الناحية العملية، لا يمكن للثوار ككتلة أن يصمدوا أمام هذه الآلة العسكرية، ولكن تبقي أمام المستضعفين استراتيجية واحدة: "وهي إطالة أمد الحرب، وزيادة تكاليف بقاء الخصم، فاستخدموا أسلوب حرب العصابات، وحروب الكر والفر، وحروب الغازات، والهجوم المضاد بمجموعات صغيرة . وقد كان بإمكان العملاق الأمريكي الضخم أن يدهس أي قوة تواجهه- وإن كانت كتلة كبيرة – ولكن عندما تكون الهجمات من مجموعة من البراغيث التي تلسع الأجسام الكثيرة. وهكذا، استمرت عملية لي الذراع أو العض المتبادل . وكانت الحرب حرب إرادات، وجهت فيها الولايات المتحدة كل آلاتها الإعلامية والدعائية وكل إجراءاتها لإقناع الطرف الآخر- وهم الفيتناميون – باستحالة تحقيق أهدافهم وحتمية هزيمتهم " .

ثم ماذا كانت النتيجة؟! انتصر الطرف الأضعف علي الطرف الأقوى، لم يعد الفيل قادراً علي الصمود، وأصبحت تكلفة البقاء أكبر بكثير من الفائدة من البقاء وانتصرت الإرادة، ولم تنكسر نفسية الفيتناميين. من أين جاءت هذه النتائج التي قلبت المعادلة ؟! إذا اتفقنا علي أن "الولايات المتحدة حاربت الفيتناميين بنسبة 20 % للحرب النفسية، 80 % لحرب الآلة، فقد استطاعت المقاومة الفيتنامية قلب المعادلة، بحيث أصبحت 80 % حرباً نفسية، و 20 % حرب آلة، لأنه إذا ما تم كسر إرادة الخصم، لم يعد هناك حاجة إلي استخدام الأدوات . فالأدوات فقط من أجل إقناع الطرف الآخر بعدم جدوي المحاولة، بحيث يقع في روعه الشعور بعقم المقاومة وحتمية الهزيمة" .

ومن فكرة حرب العصابات بزغت فكرة حروب الجيل الرابع فى أواخر حكم الرئيس بوش الابن، وأوائل حكم الرئيس أوباما كتعويض لحروب الجيل الثالث التي فشلت بسبب تكاليفها المادية الباهظة؛ حيث "أخذت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في الاستمرار نحو تحقيق مخططها لتفتيت الوطن العربي الذي بُني من قبل، ولكن بصورة جديدة هنا وهي إثارة الفتن، وتقليب الشعوب ضد مؤسسات الدول المستهدفة، وإثارة حالة من الفوضى العارمة، بحيث تدمر الدولة نفسها بنفسها، من خلال إنهاك مؤسساتها وإرباكها والسعي لتحطيم اقتصادها، مستغلين بذلك الانفلات الأمني الحادث، ثم سقوطها لإعادة البناء بما يلائم المصالح الأمريكية والغربية" .

وتستعين أمريكا بأعوان لها من الداخل علي مقدرة عالية لاستقطاب أكبر عدد من التابعين الذين تستقطبهم، من خلال سيطرة العمليات السيكولوجية علي العقول وتأثيراتها، فتكون بمثابة قنابل تغزو العقول لاجتذاب أكبر عدد ممكن من المتبنين لهذا الفكر المدمر، وهذا "ما يعرف بالأسلحة الذكية، وتعد وسائل الإعلام المأجورة والعميلة أهم آليات التنفيذ" .

من كل ما سبق يتضح لنا أن حرب العصابات تمثل شكلاً خاصاً من أشكال القتال يدور بين قوات نظامية، وبين تشكيلات مسلحة تعمل في سبيل مبدأ بالاعتماد على الشعب أو جانب منه، وتستهدف تهيئة الظروف الكفيلة بإظهار هذا المبدأ أو هذه العقيدة إلى حيز التطبيق... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

باسم عثمانهواجسها ومخاوفها من تداعيات تحرير إدلب، دفعها لاستعجال تأزيم الأوضاع ولقبولها بما كانت ترفضه، ولاستعجال استنساخ الكيان الإسرائيلي شمالا ًوشرقا ًبالنكهة التركية والانفصالية، ودَعَتها "منطقة اّمنة"، رغم التكريد والتتريك على غرار التهويد، ورأت في انفصالييها وأردوغانها، عكاز بقائها اللاشرعي على الأراضي السورية، والذي رأى نفسه ضامنا ً للحلم العصملي، وراّه السوريون عدوا ًوقحا ًضامنا للإرهاب والاحتلال البائد لا محالة، واعتبروها فرصة لاستلاب السيادة ولإبراز العضلات بالوكالة، لكنهم بَدوا تائهين وربما سيتحولون إلى نادمين، فهذه سوريا ليست مشاعا لعربدتكم وأوهامكم.

ان الغزو التركي على شمال سوريا ما كان ليحصل لولا الضوء الأخضر الأمريكي الذي أعطاه ترامب لاردوغان بالانسحاب الأمريكي من الشمال السوري، ولولا الخلل في العلاقات الدولية التي نسفتها السياسة الامريكية الخرقاء وتدخلها السافر في شؤون الدول دون مراعاة للأعراف و القوانين الدولية.

ان السياسة أحادية الجانب التي تمارسها أمريكا ضد شعوب العالم و سيادة أراضيه، في تجاهل تام للشرعية الدولية وهيبة مؤسساتها، وهو ما جعل اردوغان يتجاهلها و يعلن جهارة عن نيته بغزو بلد جار دون أي رادع كما تفعل الإدارات الامريكية و الكيان الإسرائيلي.

اللافت للانتباه، ان العدوان التركي على الأراضي السورية جاء تحت ذريعة محاربة " داعش" الإرهابية، بينما الواقع يقول، ان المدن التي يقصفها الجيش التركي بكل أنواع الأسلحة الثقيلة و الخفيفة، مثل راس العين وتل ابيض، هي من حررت أراضيها من بطش واحتلال "داعش" لها.

في البداية لم يكن السوريون يعرفون الكثير عن مّا سُمى “قوات سورية الديمقراطية” ولا عن أهدافها، لكن الأيام كشفت نوايا مطلقي هذا المشروع المشبوه و يقوم على الطاعة العمياء للسيد الأمريكي، وبادعاءات محاربة الإرهاب، فقد رأى العالم كله مرور وعبور الإرهابيين وإمداداتهم عبر مناطق سيطرة ميليشيات “قسد”، وكان لهم “شرف” حضور حفلات نقل الدواعش عبر الحوامات الأمريكية إلى غير جبهات، لكن الرئيس ترامب حافظ على ذريعة وجود وتسليح ميليشيات “قسد”، والتي احتفظت بدورها عبر مخاوفها من العدو التركي و حججها المزعومة ب ”حقها بالدفاع عن نفسها” ومناطق “احتلالها”.

الدّور التركيّ “الاردوغاني” في سوريّا:

1- استغلّت تركيّا علاقاتها مع العالم الغربيّ (أمريكا والاتّحاد الأوروبيّ ولاحقاً روسيّا)، في محاولتها الأخذ بزمام المبادرة في “الأزمة السّوريّة”، واعتبار نفسها لاعباً قويّاً، يُحسب لها حسابها في كافّة معادلات الحلّ النهائيّ، من خلال استغلالها للجوار الجغرافيّ.

2– طرح نفسها كدولة إقليميّة مؤثّرة وذات أهميّة استراتيجية بالنسبة لمصالح الدّول الغربيّة.

3– استخدام ذريعة “متطلّبات الأمن القوميّ التركيّ” للجم أيّ تحرّك دوليّ أو إقليميّ يقف في طريق اطماعها السياسية، مستغلة الورقة الكردية ( كمسمار جحا) في حسابات اجندتها الإقليمية.

4– التسهيل للعناصر المتطرّفة الارهابية القادمة من كافّة أصقاع العالم، باستخدام أراضيها ممرّاً لهم للوصول إلى سوريّا، ودعمها بكافّة أسباب القوّة العسكرية والانتشار.

5– استنزاف الاقتصاد السّوريّ، بفتحها المجال أمام المجموعات المسلّحة بسرقة ونهب المصانع والمنشآت الصناعيّة السّوريّة، ونقلها وبيعها في تركيّا.

6– بعد حشر تركيّا أهدافها ودورها في سوريّا بمحاربة “الكرد”، غدت أداةً طيّعة بيد القوى الفاعلة، تبتزّها في العديد من القضايا والتي تعاملت معها بمبدأ “الصفقات”.

7– غياب أيّ توجّه استراتيجي تركيّ يذهب باتّجاه استقرار المنطقة وإزالة أسباب التوتّر، على العكس تماماً، تميّز الدّور التركيّ بتصعيد العنف وخلق صراعات هامشيّة بما تطيل من عمر” الأزمة في سوريا ”.

8-الإصرار غير المجدي في فرض رؤيتها على المجتمع الدّوليّ، وانكشاف حجم النفاق الذي تمارسه، من خلال دعوتها إلى حلول مجتزأة، لا ترقى إلى مستوى إنهاء “الأزمة السورية” بالطرق السلميّة.

9– خيبة الأمل الأمريكيّة، في توظيف الدّور التركيّ في كبح محاولات تمدّد قوى اقليمية في المنطقة، وانقلاب تركيّا على التّحالف الدّوليّ في محاربة تنظيم “داعش”، والالتفاف إلى محاربة “الكرد” وهندسة القوى الحليفة لها وفق هذه الذّهنيّة والتوجّه.

 الحقيقة السورية:

الدولة السورية أعلنت عن موقفها الرافض لأي مشروع تقسيمي، وتحذيرها لكل من "تسول له نفسه النيل من وحدة أرض وشعب الجمهورية العربية السورية تحت أي عنوان"، وتأكيدها مرارا ً أن "طرح موضوع الاتحاد أو الفيدرالية يشكل مساسا ًبوحدة الأراضي السورية"، وأنه "يتناقض مع الدستور والمفاهيم الوطنية والقرارات الدولية" وأنه " لا قيمة ولا أثر قانوني له"، واعتبرته عملا ًداعما ً للإرهاب، وأنه يصب في خانة إضعاف سوريا، وأنها ترى في أي تواجد لا شرعي ”عسكري” على أراضيها هو مجرد احتلال.

لكن هذا لم يردع الانفصاليين، واستمروا في العمل على تكريس الانفصال، وأقاموا هياكل الجسم الفيدرالي – التقسيمي، واستولوا على كافة مصادر الثروات المتنوعة على امتداد الشرق السوري، وبنوا بأيديهم القواعد الأمريكية، وحفروا الخنادق حول القواعد الفرنسية، وقاموا بتنفيذ كل ما من شأنه خدمة المشروع الأمريكي-الصهيوني.

ولعبت الإدارة الأمريكية على الحبلين التركي والانفصالي، ومضت في استغلالهما إلى أبعد مدى، فقد رفضت “المنطقة الاّمنة التركية” على مدى ثمان سنوات، ورفضت سحب السلاح الأمريكي من أيدي الانفصاليين، وحافظت على النقيضين، فالأتراك يتمسكون بادعاءات “امنهم القومي” وبمنع قيام أي شكل سياسي لكيان كردي لطالما دعاه الرئيس أردوغان بالإرهابي، فيما يمضي الانفصاليون تحت العباءة الأمريكية بتكرار مخاوفهم من عدوان تركي يجتاح مناطقهم من خلال علاقة تكافلية لم يعد بالإمكان إخفائها.

ومن الواضح أن مطالبة كلا الطرفين التركي والانفصالي بإنشاء المنطقة الاّمنة، أنهما يتفقان على اغتصاب الأرض السورية لكنهما يختلفان حول السيطرة، فأردوغان يريدها مناطق نفوذ تركي ولا يمانع بالإبقاء على مناطق الإدارة الذاتية وبهيمنة المكون الكردي من باب “الرشوة”، فيما يريدها الانفصاليين منطقة اّمنة بقرار دولي أو أمريكي تمنحهم أحقية السيطرة عليها وإدارتها.

واذا صحت الانباء عن دعوة ما يسمى " الإدارة الذاتية الكردية" لروسيا للقيام بدور الضامن في حوار مع الحكومة السورية، ستكون خطوة في غاية الحكمة يقوم بها الاكراد، رغم انها جاءت متأخرة جدا، فلا خيار امام الاكراد الذين غدرت بهم أمريكا واصبحوا ضحية للأطماع "العثمانية" الجديدة،الا العودة الى حضن الوطن، و الوقوف الى جانب الجيش العربي السوري من اجل سحب البساط من تحت اقدام الطامعين الجدد بارض و ثروات الشعب السوري.

وكما يبدو ان اردوغان وقع في الفخ الأمريكي الذي نصب له،مدفوعا بحفنة من الأوهام "العثمانية" الجديدة وهو في سكرة اطماعه، والتي ستاتي عليه و على حزبه وتنهي حياته السياسية الى الابد، وكل الشعارات التي ترفعها تركيا حول دعمها للشعب الفلسطيني ومساندتها للشعوب العربية الثائرة ضد الظلم والاستبداد أو دعمها لما يسمى نهج "الإسلام المعتدل"... الخ،لا يمكنه اخفاء مطامعها ورغبتها بالهيمنة وكراهيتها وحقدها التاريخي الموروث للعرب وللمشروع القومي العربي، وأنها عضو في الحلف الأطلسي، وتدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية ودعمها لجماعات "المعارضة" فيها يؤكد ذلك، كما أن أطماعها في سوريا ليست جديدة وقضية لواء اسكندرون السوري الذي تحتله تركيا ما زالت حاضرة.  

في الوقتٍ الذي تراقب فيه واشنطن الاندفاعة السورية – الروسية نحو تطبيق بنود اتفاق (سوتشي) بالقوة العسكرية، وربما إلى أبعد من ذلك فتحرير إدلب بات “قاب قوسين او أدنى”.

سوريا ليست فقط مهد الحضارات القديمة و طريق الحرير،هي الرقم الصعب الغير قابل للقسمة لا في أوهام الطامعين ولا في اجندات الانفصاليين  الانتهازيين، قالتها دمشق و ستقولها " يا خوف عكا من هدير البحر".

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

عامر صالححمل رجل الدين، علي السيستاني، يوم، الجمعة أمس، الحكومة العراقية والأجهزة الأمنية مسؤولية مقتل متظاهرين وعدم حمايتهم في الاحتجاجات الدامية التي شهدتها البلاد، الأسبوع الماضي، وأودت بحياة أكثر من مئة شخص وآلاف الجرحى ومئات المعتقلين. ويعتبر السيستاني المرجعية الدينية العليا للشيعة في العراق، وقال ممثله عبد المهدي الكربلائي، خلال خطبة صلاة الجمعة في كربلاء، إن "الحكومة وأجهزتها الأمنية مسؤولة عن الدماء الغزيرة التي أريقت في مظاهرات الأيام الماضية"، محددًا مهلة أسبوعين للسلطات كي تعلن نتائج تحقيقاتها. 

وأضاف الكربلائي أن ما حصل عبارة عن "مشاهد فظيعة تنم عن قسوة بالغة فاقت التصور وجاوزت كل الحدود"، معتبرا أن الحكومة مسؤولة "عندما تقوم عناصر مسلحة خارجة عن القانون، تحت أنظار قوى الأمن، باستهداف المتظاهرين وقنصهم، وتعتدي على وسائل إعلام معينة بهدف إرعاب العاملين فيها".

بعيدا عن الجدل المستديم والدائر على أشده بخصوص التعقيدات الناتجة من زج الدين والمرجعيات الدينية في السياسية في الوضع العراقي ما بعد سقوط النظام الدكتاتوري في عام 2003 وما جلبه هذا التدخل من آثار سببت في خلق مزاج غير مواتي لبناء عملية سياسية بعيدة عن زج الدين في دهاليز السياسه، الى جانب اشتداد الطائفية السياسية والأحتقان الجغروطائفي، وأشتداد ساعد الاحزاب الاسلاموية، نرى ان خطبة الجمعة اليوم 11-10-2019 جسدت بوضوح كافي ادانة الحكومة العراقية واجهزتها الأمنية والعسكرية في ارتكابها إراقة الدماء بين شباب انتفاضة أكتوبر، كما طالبت الحكومة بالتحقيق العاجل ومعرفة كل التفاصيل ومن هو المسبب لذلك او ما اسمته المرجعية" بغزارة الدم "، كما اعطت المرجعية الشرعية الكاملة لأحتجاجات الشباب المطلبية بعيدا عن التهم الجاهزة الموجه لهم من قبيل العمالة و تنفيذ اجندات خارجية ورأت في مطالبهم كل الحق، كما أكدت المرجعية انها لم تقف ولا تدعم اي حزب بعينه من الأحزاب الحاكمة.

نعتقد ان هذا الخطاب وبفعل تأثر شرائح اجتماعية فيه اعطى قوة دفع اضافية للمحتجين في الأصرار على انتزاع حقوقهم والكشف عن مرتكبي جرائم القتل والقنص، وأكد عدم وقوف المرجعية الى جانب الحكومة، ومطالبتها بمحاسبة مرتكبي الجرائم، وهذا يعني لدى الشرائح المتأثرة بالمرجعية وخطبها الدوريه سقوط لشرعية افعال الحكومة واحزابها الحاكمة اتجاه المحتجين، وقد يجد موقف المرجعية انعكاساته في استمرارية زخم الأحتجاجات واتساعها في الذهنية المؤمنة بالمرجعية والمساهمة في احتجاجات اكتوبر العراقية. بالتأكيد ان خطاب المرجعية لا يخلو من محاولات امتصاص غضب الشارع الذي يلقي اللوم علبها في عدم وضوح موقفها من الحكومة وضبابيته في مناسبات كثيره وخاصة ان المرجعية لها اليد الطولى في تصميم النظام في بداياته الأولى.

نرى اليوم أن المرجعية وبعد كل الدماء التي سالت والتي سببها الصراعات الطائفية السياسية ونظام حكم بني على اساس المحاصصة الطائفية والاثنية المريضة والذي لا يستجيب لأبسط مستلزمات العيش الكريم، وساهمت المرجعية في ترسيخه ووضع لبناته الاولى بالاتفاق مع قوى الاحتلال الامريكي والاحزاب الاسلاموية الطائفية، ان المرجعية اليوم مسؤولة اخلاقيا ودينيا وشرعيا عن الدماء التي تراق. ومن هنا جاء خطاب المرجعية يوم الجمعة منتفضا على ما هو سائد وعبثي ومنتهكا لكل الحرمات الدينية والانسانية، وبغض النظر عن توقيته ودوافعه ومديات سقفه، إلا انه يشكل محاولة لردع السلطات الحكومية المتمادية والمستهترة بالدم العراقي.

ولعل ابرز ما ورد في خطاب المرجعية هو: ادانتها ورفضها للأعتداءات التي تعرض لها المتظاهرون وكذلك عدد من القوات الامنية، وصفها للمتظاهرين بأنهم سلميون، حديثها عن سقوط آلاف بين جرحى شهداء في بغداد والناصرية والديوانية وغيرها،  تأكيدها بأطلاق النار على متظاهرين سلميين، اعتداء على قنوات فضائية ووسائل اعلامية لمنعها من نقل ما يقع من احداث في ساحات التظاهر، تحميلها الحكومة وأجهزتها الأمنية مسؤولية الدماء الغزيرة التي أريقت في مظاهرات الأيام الماضية، سواء من المواطنين الأبرياء أو من الأجهزة الامنية، تأكيدها مسؤولية الحكومة عن قيام بعض عناصر الأمن باستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين، ولو بسبب عدم انضباطهم وانصياعهم للأوامر، مطالبتها بقوة للحكومة والجهاز القضائي بإجراء تحقيق يتسم بالمصداقية حول كل ما وقع في ساحات التظاهر، ثم الكشف أمام الرأي العام عن العناصر التي أمرت أو باشرت بإطلاق النار على المتظاهرين أو غيرهم، وعدم التواني في ملاحقتهم واعتقالهم وتقديمهم إلى العدالة مهما كانت انتماءاتهم ومواقعهم، تأكيدها مجددا على وجوب المضي في المشروع الإصلاحي من مكافحة الفساد المالي والإداري وتحقيق درجة من العدالة الاجتماعية، والذي شرطه أن يتم فرض هيبة الدولة، وضبط الأمن وفق سياقاته القانونية، ومنع التعدي على الحريات العامة والخاصة التي كفلها الدستور، تأكيدها الانحياز للمظلومين والمحرومين من أبناء الشعب، بلا تفريق بين انتماءاتهم وطوائفهم وأعراقهم، تأكيدها عدم انحيازها إلا إلى الشعب، وعدم دفاعها إلا عن مصالحه، وعدم مداهنتها لأحد أو جهة فيما يمس المصالح العامة للشعب العراقي.

بالتأكيد لا اريد القول هنا انها بداية القطيعة بين الاحزاب الاسلامية الحاكمة والمرجعية الدينية في النجف، حيث تتداخل وتشابك المصالح بين عناصر وقيادات من الاحزاب الاسلامية وبين عناصر ورموز من العاملين في المرجعية، وهذا نوع من تشابك المصالح وتداخلها بين الاسلام السياسي وبحثه عن شرعية للبقاء عبر استمالة رموز من المرجعيات، ولكن اقول ان هول الاحداث وما يجري للعراق من خراب شامل وضع المرجعية امام اعلان حالة الطلاق مع الاحزاب الحاكمة" ولو جزئيا " وعلى مرأى ومسمع من الشعب، فهي تبرئة لازمة نفسيا، رغم انها ليست الحل، وانما الحل بيد الشعب وحده صاحب المرجعية الوحيدة في التغير الشامل ونقل العراق الى مصافي الدول المتحضرة، يحترم فيها الدين والسياسة ". وما دامت هناك تأثيرات للمرجعية الدينية في عقول الكثير فأن موقف المرجعية اليوم يضيف الى طاقات الشباب المنتفض طاقات مضاعفة نحو التغير الشامل لنظام الفساد والمحاصصة الطائفية والاثنية.

 

د. عامر صالح

 

بكر السباتينتستمر العمليات العسكرية التركية شرق الفرات وسط تضارب في المواقف الدولية إزاءها.. فقد أعلنت وزارة الدفاع التركية يوم أمس الجمعة، القضاء على 219 عضوا لحزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية منذ بدء عملية “نبع السلام” العسكرية في شمال سوريا، في حين قتل ستة أتراك وأصيب ستة عشر آخرون جراء سقوط قذيفة هاون أطلقت من الجانب السوري على مركز مدينة أقجة قلعة الحدودية التركية حسب البيانات التركية.

وفي سياق متصل أعلن كل من، جبهة العمل الوطني لأكراد سوريا، وتجمع السوريين الأكراد الأحرار، عن دعمهما لعملية “نبع السلام” التي أطلقتها القوات التركية والجيش الوطني السوري شرقي نهر الفرات.

جاء ذلك في بيان مكتوب بشأن العملية العسكرية شمالي سوريا ضد قوات سوريا الديمقراطية الكردية متهمة إياها بممارسة الظلم في حق الشعب السوري من العرب والأكراد، وبأنه يجند الأطفال والشبان في صفوفه تحقيقاً لغايات خبيثة في المنطقة، مشيراً إلى أنهم أجبروا العديد من السكان على ترك منازلهم في المدن التي احتلوها، بينما تم اعتقال التنظيم لكثير من الأكراد وممارسته لانتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة.

بالمقابل قالت قوات سوريا الديمقراطية الكردية إن الضربات الجوية والقصف التركي خلَّف مقتل تسعة مدنيين في شمالي شرقي سوريا منذ أن بدأت أنقرة هجومها في المنطقة، كما أعلنت عن مقتل اثنين وعشرين من مقاتلي المليشيات التابعة لتركيا وخمسة جنود أتراك وتدمير خمس آليات تابعة للجيش التركي.

وقد توعد الأكراد بالرد على عملية الأتراك العسكرية الجديدة بـ "حرب شاملة". وفي محادثة مع "نيزافيسيمايا غازيتا"، أكد عضو المؤتمر الوطني الكردي، فرحات باتييف، أن قوات كردستان السورية ليس لديها خيار سوى الدفاع. ووفقا له، فإن مهمة القيادة التركية هي احتلال الأراضي من محافظة إدلب إلى محافظة دير الزور. و"هذا تكرار لقصة قبرص، التي تم تقسيمها إلى الجمهورية التركية لشمال قبرص وقبرص نفسها"، وقال لـ"نيزافيسيمايا غازيتا": "في حالتنا، الحديث يدور عن إنشاء جمهورية شمال سوريا التركية".

وقد دفعت العملية العسكرية في الشمال السوري عشرات آلاف الأسر إلى النزوح من منازلهم، وقالت مصادر أهلية أن عدد كبير من الأسر باتت بلا مأوى وتمكث بالعراء وإن أعداد النازحين تزداد بشكل كبير ما ينذر بكارثة إنسانية خطيرة.

إن دخول تركيا الأراضي السورية عسكرياً لم يكن اعتباطياً فقد تهيأت له تركيا جيداً، ويجيء ذلك لعدة أهداف تتجلى فيما يلي:

أولاً: ضرب الأكراد وعمل مناطق آمنه لسد منافذ الدعم اللوجستي إلى المنظمات الإرهابية كداعش والحزب العمالي التركي المتمركز في تلك المناطق المحاذية للحدود التركية السورية إلى جانب القوات السورية الديمقراطية الكردية.

ثانياً: إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم وتحديداً منطقة العمليات العسكرية التي تضم قرى كثيرين منهم، حيث غادروها بسبب الحرب الأهلية السورية، وخاصة أنهم باتوا يحرجون موقف أردوغان الداخلي والإقليمي.

ثالثاً: وبناءً على تحقيق الهدفين السابقين، يتمكن حزب التنمية والعدالة ممثلاً برئيسه رجب طيب أردوغان من استعادة شعبيته في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وخاصة أن ما يقلق الحزب هو بروز منافسين في المعارضة التركية ومنشقين من داخل الحزب نفسه، باتوا يطرحون معضلة اللاجئين كأحد أخطاء الرئيس أردوغان، لذلك يسعى الأخير بسرعة لسحب هذه الورقة وتحويلها لصالحه.

رابعاً: وهناك سبب آخر تجتمع عليه كل من إيران وسوريا وتركيا ويتمثل بقطع الطريق على العدو الإسرائيلي من استكمال مشرعه في تعزيز استقلال الدولة الكردستانية الموحدة التي تضم كردستان العراق وشرقي الفرات. فالخبراء العسكريين الإسرائيليين يشرفون على بناء حزب الحياة الكردي "البيجاك" المرتبط وجدانياً واستراتيجياً مع الأكراد شرق الفرات. إن كردستان الكبرى من شأنها لو كتب لها النجاح أن تشكل خطراً داهماً على تلك الدول الإقليمية وخاصة أن الدعم اللوجستي الإماراتي متوفر.

وتجدر الإشارة إلى أن عملية “نبع السلام” لم تأت من باب العمل الإنساني كما يروج لها الإعلام التركي، لأن أردوغان نفسه هو من هدد أوروبا قبل أيام بطرد اللاجئين السوريين في حال لم يدفع الأوربيون ثمن إقامتهم في تركيا، وكثير منهم تم اعتقاله واقتياده عنوة ورميه في ادلب سوى أصحاب الرساميل من السوريين الذين أسهموا في إنعاش الاقتصاد التركي. أي أن أردوغان أخذ يمارس لعبة شن حرب خارجية محسوبة؛ لدعم موقفه في الداخل وحرف أنظار الشعب والنخبة عن الأزمات الداخلية التي تواجه حكمه مؤخراً، حيث لم يعد يجديه نفعاً من الناحية الجماهرية في أنه يعتبر المنقذ لتركيا حيث جعلها مزدهرة فدخلت البلاد بعهده في منظومة دول العشرين ودول نادي باريس الست؛ فالشعب يهمه أكثر تداعيات الوضع الراهن المتأزم بسبب أزمة اللاجئين السوريين في تركيا، وخطر حزب العمال الكردستاني المتمركز شمال سوريا، وعليه فإن نتائج العمليات المحتملة ستحقق له ذلك، كونها ستؤدي إلى أبعاد القوات الكردية المسلحة عن حدود تركيا وتعيد اللاجئين إلى ديارهم.

ويركز خصوم أردوغان إعلامياً على أنه من سعى وعمل على تقويض قوة وسلطة الحكومة المركزية السورية والجيش السوري في مناطق الشمال السوري برمته ناهيك عن شرق الفرات لا بل ساهم في جلب خطر التنظيمات الإرهابية التي يسعى لمواجهتها في هذه العملية الاستراتيجية.. وخاصة بروز القوات المسلحة الكردية التي يقول أردوغان اليوم أنها تهدد الأمن القومي التركي. وإيغالاً في الخطأ فهو يجحفل في حملته قواتٍ محسوبة على المعارضة السورية ما يعني أن الخاصرة التركية ستظل ملتهبة، حيث سيحل سكان آخرون محل أبناء المنطقة، ومن ثم سيتم تسليمها أمنياً وعسكرياً لتلك القوات السورية المحلية التي تتبع لتركيا، والرهان على ذلك يعد قصر في الرؤية الإستراتيجية لأنه لا ثوابت في السياسات الاستراتيجية في إقليم تتحكم به القوى الإقليمية، وقد يؤدي ذلك إلى عودة داعش ومثيلاتها مدعومة من السعودية والإمارات والعدو الإسرائيل المتمركز في كردستان العراق.

وفي سياق متصل فقد توالت المواقف الدولية ما بين مؤيد أو معارض لهذه العملية التي ترى تركيا بأنها ستحفظ الأمن القومي التركيا، وهي عملية محدودة، فقد أيدت قطر العملية العسكرية التركية. وبعض الدول الكبرى أيدت العملية بصمت، من خلال الانتقاد الخجول للعملية التركية العسكرية شمال سوريا ضد الأكراد على نحو ما فعلت كل من روسيا وإيران وربما سوريا نفسها، على اعتبار أن العملية جاءت من باب تحقيق الأمن القومي التركي ومحاربة الإرهاب وتنسجم مع اتفاقية أضنه التي أبرمت عام ١٩٨٦ بين البلدين، ويجيء هذا التأييد المبطن من قبل تلك الدول؛ لتلاقي المصالح في هذه الضربة العسكرية الموجعة.. ولكن هل تتساوى حسابات البيدر والحقل اعتماداً على التحالفات في الحروب التي تتبدل فيها موازين القوى والاستراتيجيات، والتي تتقلب فيها النتائج والمفاجآت، وهذا لا تثير الاطمئنان. ولا أستبعد أمريكا من هذا السياق رغم مناصبتها العداء لأردوغان على أرضيّة صفقة صواريخ "إس 400" الروسيّة، كونها هيأت للعمليات العسكرية شرق الفرات بانسحابها ميدانياً.

وكان مجلس الأمن قد فشل في تحديد موقفه من العمليات العسكرية التركية في العمق السوري، لتوافق الرأيين الروسي والأمريكي الداعمين للعملية بطريقة غير مباشرة، حيث لم يتمكن أعضاء المجلس من الاتفاق على بيان رسمي بشأن العملية . حيث أفادت وكالة "أسوشيتد برس" بأن الاجتماع المغلق لمجلس الأمن شهد اختلافات في مواقف الدول لم تسمح بإصدار البيان. فقد أفادت مصادر دبلوماسية لوكالة "الأناضول" التركية بأن الخلاف الرئيسي كان حول عبارة "الإدانة" للعملية العسكرية، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة وروسيا عارضتا البيان. وأكدت المندوبة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت، بشأن الموقف الأمريكي في أن الرئيس دونالد ترامب "كان واضحاً للغاية" حول أن الولايات المتحدة لم تدعم بأي شكل من الأشكال القرار التركي بشن العملية العسكرية. وهذا بحد ذاته ليس إدانة. إلا أنه لم يمنع من تلويح الكونغرس الأمريكي بفرض العقوبات ضد تركيا والتي لن تكون مجدية، لأن البنك المركزي التركي بادر إلى سحب احتياطي الذهب التركي من نظام الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في عام 2017، حيث بلغ 28.7 طن من الذهب.

وعلى صعيد أوروبي، قال وزير الدولة الفرنسي للشئون الأوروبية إميلي دي مونتشالين إنه سيتم بحث فرض عقوبات محتملة على تركيا في قمة الاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل.

وقالت السويد إنها ستستعى للحصول على دعم على مستوى الاتحاد الأوروبي لفرض حظر على تصدير السلاح إلى تركيا خلال مباحثات الاثنين. غير أن ذلك قد يكون أيسر للتنفيذ على مستوى الدول، حسبما قال دبلوماسي أوروبي في بروكسل.

لكن المعارضة الأشد لهذه العملية العسكرية الضخمة على صعيد عربي جاءت من الموقف الإماراتي والمصري؛ ربما لثأر مبيت مرده موقف أردوغان المؤيد لقطر.. (الموقف السعودي المعارض تحول إلى مؤيد للخطوة التركية ربما من باب المراوغة والتكتيك لتنأى بنفسها عن الشبهات مستقبلاً، أو لضغوطات خارجية تعرضت لها المملكة، من أمريكا مثلاً).

وفي محصلة الأمر يطرح السؤال نفسه فيما لو تعلمت تركيا من التاريخ بأن الحرب ليست نزهة وحساب البيدر لا يساوي حساب الحقل وأنها قد تكون وقعت في فخ أراده لها الخصوم لذلك تراوحت مواقفهم ما بين مؤيد أو متفرج ساكت عن إبداء الرأي أو رافض.. فخ يستهدف شخص أردوغان لاستنزاف قواته.. فليس مستبعداً على سبيل المثال وهذا وارد في حروب المنطقة، وصول صواريخ بالستية إلى القوات الكردية بوسعها ضرب العمق التركي، وإصابة مدن مثل اسطنبول وأنتاليا ومرسين في مراحل يكون فيها الجيش التركي في العمق السوري.. فالأيادي الخفية تنتظر دورها في هذه المواجهات المنتظرة! وأعداء تركيا يبحثون عن أدوار لهم وخاصة السعودية التي تباكت على الأكراد ووعدت بالوقوف إلى جانبهم، وبالطبع الطريق الوحيد لتقديم هذا الدعم الموعود سيكون بالسلاح وربما بالمقاتلين من الجماعات التي تدعمها السعودية. هذا إذا أدخلنا في حساباتنا الدور الإسرائيلي والإماراتي في دعم القوات الكردية في إقليم كردستان، حزب الحياة الكردي "البيجاك" المرتبط وجدانياً واستراتيجياً مع الأكراد شرق الفرات.

إن ورطة تركيا ستكون وخيمة فيما ذهبت إليه في هذه العمليات العسكرية الكبيرة، ولعل أبسط مخرجاتها ستؤدي إلى إحراج موقف أردوغان أو إسقاط نهجه المختلف عليه داخلياً فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، ولا نريد أن نقول باحتمالية سقوطه إذا فشلت العملية لأن من يتربص به في تركيا لن يسكت إلى الأبد.

المستنقع السوري الذي تتوغل فيه تركيا متخم بالمفاجآت، والحرب سجال.. يوم لك ويوم عليك! اسألوا التاريخ القريب البعيد.

 

بقلم بكر السباتين..

12 أكتوبر 2019

 

احتلت الأحداث الأخيرة في العراق مكانا هاما في التغطية الأخبارية لآنها اتسمت بالعنف والعنف المضاد بين الجماهير والأجهزة الأمنية وارتفاع عدد الضحايا من الطرفين. وربما ولو كانت المظاهرات منظمة وترفع شعارات مطلبية مدروسة حتى لو كانت سياسية، بل يجب أن تكون سياسيا، ولم ينجم عنها ضحايا بهذا لعدد الكبير لما راينا هذا الاهتمام لأن الدول التي تقف وراء الكثير من وسائل الإعلام لا يهمها بل يخيفها أن يكون المتظاهرون العراقيون منظمين ويطرحون شعارات مدروسة تمس الواقع السياسي في البلد ويخيفها أكثر مسارعة المؤسس السياسية إلى الاستجابة لمطالب الجماهير ليعكس حقيقة أن العلاقة بين السلطة والحاكم لم تعد علاقة إخضاع بل إرضاء.

وإنه لمبعث أسف أن يأتي سيل من الصورالمحرضة تروجه مواقع التواصل الاجتماعي  على يد بعض العراقيين من الجيل الأول والثاني للهجرة والذين حصلوا على جنسية البلدان المقيمين بها ذلك أن مبعثها ليس الخوف على العراق ومصيره  بل إلتحريض على مزيد من العنف. إن لسان حال هؤلاء هو: بما أني أكره الحكومة فيلحل الخراب في العراق.

ويصدر بعض من هؤلاء "فرمانا" يدعو الحكومة الأمريكية للتدخل "لإنقاذ" العراق ونحن نعرف أن أقرب الحكومات إلى قلب أمريكا عبر التاريخ هي الحكومات الفاسدة والسبب بسيط هو أن لا مصلحة للغرب بنجاح الدول الفتية في نموذج تنمية مستقل يعتمد الطاقات الذاتية وأن الأموال المنهوبة تذهب إلى خزائن الغرب. أين ثروات الخليج وأموال الرؤساء السابقين مثل مبارك وبن علي والقذافي،  اليست في بنوك أوربا؟ ولم تستطع الحكومات التي ورثت تلك الأنظمة أن تسترجع إلا النزر اليسير من هذه الأموال بينما لا تنفك الحكومات الغربية  الناهبة لهذه الأموال تلقن قادة دول العالم الثالث دروسا حول معايير "النزاهة" و"الشفافية" و"الحوكمة الرشيدة" .

ورغم أن العراقيين الحاصلين عى جنسية البلد الذي يقيمون فيه يمتلكون كامل الحقوق المدنية المنصوص عليها في دساتير تلك البلدان فلم نر أحدا منهم ينشر صورا في مواقع التواصل الاجتماعي تعكس مشاركته في احدى مظاهرات الاحتجاج الاجتماعي في ذلك البلد سوا كانت عمالية أم غيرها. وتتفتح قريحتهم على العجائب في ابتداع ما يؤجج العنف في بلدهم الأم.

وجريا على عادة الضعيف الفاقد الحجة يعلل كثير من هؤلاء موقفهم بالقول أن سبب البلاء هو أن الحكومات المتعاقبة تدين بالولاء لإيران. هؤلاء لا يقرأون أو يسمعون إلا ما يصدر عن المصادر المتخصصة بذم العراق. عندما تسلم سدة الرئاسة ظل الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد يتقاضى راتبه كمدرس في الجامعة  وظل يركب سيارته القديمة من طراز بيجو 504 موديل 1983. أما الرئيس الحالي روحاني فقد نشرت وكالة أنباء سبوتنك مؤخرا أن أخاه قد قدم للقضاء وحكم عليه بأربع سنوات بتهمة فساد مالي ولم يتدخل الرئيس في الأمر. ورغم سيل الإعلام المعادي لإيران القادم من الغرب ودول الخليج لم نسمع مرة واحدة من أعداء إيران المتربصين بكل نفس يصدر منها أن الفساد يستشري في صفوف الطبقة الحاكمة فيها. قد نختلف مع إيران في الكثير من سياساتها ولكننا لانستطيع أن نقول أن إيران صدرت لنا الفساد.

 إن حقيقة أن المتظاهرين ضد المؤسسة السياسية هم جميعا هم من الشيعة  يقوض كل ادعاء صادر من عناصر خارجية أو داخلية أن الحكومة ذات طبيعة طائفية لأن الطائفية تعني التمييز في المعاملة ومنح الحقوق والامتيازات بين المنتمين لطائفة معينة على حساب الطوائف  الأخرى..

وينص الدستور العراقي في المادة 22 على أن:

 " العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة"

 وفي المادة 30 على:

 اولاًـ تكفل الدولة للفرد وللاسرة ـ وبخاصة الطفل والمرأة ـ الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الاساسية للعيش في حياةٍ حرة كريمةٍ، تؤمن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم.

ثانياًـ تكفل الدولة الضمان الاجتماعي و الصحي للعراقيين في حال الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أو التشرد أو اليتم أو البطالة، وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة، وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم، وينظم ذلك بقانون.

أين نحن من ذلك؟

وكما هو معروف فإن النص الدستوري ملزم لجميع السلطات ويستطيع اي مواطن عاطل عن العمل أو لا يتمتع بالتغطية الصحية أو الاجتماعية أن يحتج لدى المحاكم المختصة  لينال حقوقه. غير أنه من الناحية الواقعية فأن تكون بلدا نفطيا لا يعني بالضرورة أن على حكومة ذلك البلد أن تشغل جميع العاطلين عن العمل حتلى غير المؤهلين منهم  لأن ذلك يعني في الحالة العراقية  إمكانية حلول الكارثة  في أية لحظة في بلد يعتمد اقتصاده على ريع النفط بنسبة تفوق 90 بالمائة ونسبة ارتفاع الولادات الجديدة  فيه عالية جدا  لأنه بمجرد انخفاض أسعار النفط كما حدث زمن حكومة العبادي فإن الدولة لن تجد ما يكفي لدفع الرواتب. عندما انخفضت أسعار النفط في زمن الحكومة السابقة وانخفض سعر البرميل إلى 36 دولارا قبل أن يرتفع قليلا ليستقر لفترة من الزمن عند 40 دولارا صرح السيد العبادي أن واردات النفط  البالغة 40 مليار دولار سنويا  آنذاك لا تكفي إلا لدفع الرواتب..هذا يعني أن الحكومة لم يكن يبق لديها ما تصرفه على الاستثمار أو التشغيل أو تحسين البنية التحية ناهيك عن تغطية التكلفة الباهضة للحرب ضد الإرهاب فاضطر إلى السحب من احتياطي العملة (وهو مخالف للقانون) وإلى التداين من الخارج. أما حاليا فقد ارتفعت فاتورة الرواتب إلى 52 مليار دولار حسب تصريح رئيس اللجنة المالية في البرلمان هيثم الجبوري لإحدى المحطات الفضائية أي أن نصف الميزاينة تذهب لتغطية تكلفة الرواتب وإذا أضفنا التكلفة الإضافية التي ستنتج عن تشغيل مئات الآلاف حسب وعود رئيس الوزراء فإننا سنكون أما رقم مخيف.

ولا يعتبر العمل حقا دستوريا في الدول الغربية  و لا توجد قوانين تنص على ذلك رغم أنه منصوص علية في الاتفاقيات الدولية مثل العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي صدر في أواسط القرن الماضي ووقعت عليه هذه الدول . وفي الدول الاشتراكية السابقة فقط كانت القوانين تنص على أن الحصول على عمل هو حق من حقوق المواطن. ولا ننكر أن الدول الغربية تضمن لمواطنها الحد الأدنى من الدخل الذي تؤمنه منحة البطالة والتي يعتبرها المواطن الغربي معيبة بحقه لأنها في مفهومه تجعل منه غير صالح للعمل أي عضوا غير نافع في المجتمع ويمتنع الكثيرون عن تسجيل أسمائهم في سجل العاطلين المستحقين للمعونة لذلك غالبا ما تجئ إحصاءات الغرب عن البطالة غير دقيقة.  أما عندنا فلا يشعر العراقي بالحرج وهو يتقاضى منحة من الضمان الاجتماعي رغم أنه يمارس عملا حرا يدر عليه دخلا يكفي لإعالته. قال وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق محمد شياع السوداني أن وجد على لائحة الضمان الاجتماعي (وهي مرادفة لمنحة البطالة في الدول الغربية) في إحدى محافظات العراق (إحدى محافظات الوسط لا أريد ذكرها) 26 ألف شخص يتقاضى منحة ضمان اجتماعي لا يستحقها لأن لديه مصدر دخل. وفي مقابلة أجرته معه مؤخرا  إحدى المحطات التلفزيونية   قال وزير العمل الحالي باسم الربيعي وهو يتحدث عن القروض التي تمنح لإقامة مشاريع صغيرة  أن الوزارة وجدت أن الكثير ممن استلموا قروضا بحجة تأسيس مشروع قد صرفوها أما لشراء سيارة أو للزواج أو للبناء.

وانت لو واجهت واحدا من هؤلاء الذين يتقاضون منحة اجتماعية دون حق أو يصرفون القروض في مجال غير ما هو مخصص لها  وسألته لماذا يفعل ذلك فسيكون جوابه: "يابة هي الحكومة كلها تبوك بقت علي". ("يبوك" بتخفيف الكاف عامية عراقية تعني "يسرق").

هنا تكمن المشكلة الكبرى فالفساد وما روج لها في وسائل الإعلام وما استقر في تلافيف عقل المواطن العراقي أصبح خط الصد الأمامي له ضد أي مسائلة عن سوء تصرف. من الملام؟ ليس المواطن في نهاية الأمر فالإنسان يبحث عن مثل يسترشد به فلا يجده فتكون مصلحته الشخصية هي المعيار حتى لو كانت على حساب جاره بل ابن أمه. 

إن واحدة من الأسباب الرئيسية لأن لا يتمكن رئيس السلطة التنفيذية من الخروج إلى الجماهير ومصارحتها بالواقع خاصة ما يتعلق بالقساد هي أن الجماهير لن تصدقه لأنها تعتقد، وهي محقة إلى حد كبير، أن المشكلة تكمن في أن الحكومات المتعاقبة لم تعمل  على محاربته. هنا أيضا لا يستطيع رئيس الوزراء أن يرد بحجة مضادة مفادة ان الحكومة عاجزة بسبب تورط أحزاب سياسية بالفساد أو التغطية عليه وأن البرلمان لا يتعاون معها بل يعرقل عملها وأن القضاء يتعرض للضغوطات والتهديد. فقط عندما  بلغ الضغط الجماهيري ذروته وترافق معه ضغط المرجعية الدينية  وجدت السلطة التنفيذية  الشجاعة الكافية لأن تدافع عن نفسها وتشير بإصبعها إلى البرلمان الذي حاول أن يرد بالتصريحات وبعض الوعود ويبقى أهمها طلبه من الحكومة ان تقدم إليه قائمة بالفاسدين الكبار لاتخاذ الإجراءات بحقهم.

ثم جاءت كلمة رئيس الجمهورية التي حددت المسؤوليات بوضوح ووزعت اللوم بشكل عادل.

 إن ما يجعل الجماهيرالعراقية تؤمن أن من حقهم جميعا أن توفر الدول لهم عملا هو ليس وعيها الحقوقي بل ما تعتبره حقها الطبيعي في بلد يعتمد على النفط  كمصدر أساسي للثروة  وليس العمل المنتج  الذي يحصل العامل مكافئا له من رب عمله وأن هذه الثروة توزع  بطريقة غير عادلة وتستحوذ المؤسسة الحاكمة والمتنفذين في جهاز الدولة على جزء كبير و يذهب جزء آخر كبير أيضا إلى جيوب الفاسدين دون رقيب أو حسيب. ويمكننا أيضا أن نلاحظ العناصر التالية المؤسسة للأزمة:

 أولا: انسداد الأفق لدى المواطن بسبب غياب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والذي يعطل تفكيره ويجعله فاقد الحماسة في البحث عن الفرص وخلقها فالمبادرات الفردية لولوج سوق الانتاج  مفقودة أو محدودة جدا بسبب محدودية السوق والتي يقتصر نشاطها على التجارة  وبعض المهن الفنية والخدمية  التي لا تنتج قيمة مضافة تساهم في رفع  الطلب على سوق العمل مع غياب كامل للمؤسسات الحكومية التي تهتم بتوجيه المواطن نحو الاتجاهات التي يمكن ان يذهب نحوها لخلق فرصة وكيف يحصل على التمويل وتوفير التدريب الازم له حيث تدعو الحاجة. و عدا الحرب ضد الإرهاب والتي استهلكت الكثير من الثروة،  فإن الدولة لا تستطيع أن تصبح المستثمر الأكبر في السوق رغم امتلالكها الكتلة الأكبر من النقد  كما كانت الدولة العراقية في الزمن السابق لأنها دولة الاقتصاد الحر الذي يعتمد على القطاع الخاص كمحرك اساسي للتنمية وهذا لايمكن أن يحصل دون أن تتوفر لهذا القطاع الشروط الضرورية ليصبح  محركا. هذا التوجه الاقتصادي هو خيار مفروض من الخارج وقدرة الدول على رفض هذه الخيار محدودة إن لم نقل معدومة وغيرعملية وتجلب مشاكل أكثر من أن تحلها.

ثانيا: أن العمل الحكومي أصبح يدر دخلا سهلا دون متطلبات شاقة على المستوى الفكري أو الجسدي. ولم  تعد الكفاءة  معيارا للحصول عليه وتعج دوائر الدولة بموظفين لا يفعلون شيئا. في تصريح سابق له قال وزير الكهرباء أن 60 بالمائة من العمالة في وزارته فائضة عن الحاجة. ويمكننا بالطبع أن نفترض أن بقية الوزرات لديها نفس المشكلة. لذلك نجد كثيرا من طالبي العمل الحكومي لديهم نشاط اقتصادي تجاري ويحصول منه ما يكفي لعيشهم رغم ذلك لا ينفكون ينادون بالحصول على عمل حكومي خاصة منهم من يحمل شهادة مع ملاحظة أن هؤلاء لم يلجأوا يوما إلى العنف للتعبير عن مطالبهم. ويبدو لي أن ظاهرة العنف أي الاعتداء على رجال الأمن ثم الرد غير المتناسب من طرفهم لم يأت من متظاهرين يعانون من  الفقر والبطالة  فهاتين وحدهما ليستا عاملين حاسمين في توليد العنف أو الميل إلى ممارسته.إن قدح شرارة العنف في نفوس محتقنة ولكنها غير عدوانية جاءت من مجموعات منظمة.

ثانيا: الفساد المالي، أي ظاهرة سرقة المال العام (هنا يجب الإقرار أن سرقة المال العام أو أخذ العمولة  أو الارتشاء لا يشمل الطبقة السياسية أو التنفيذية العليا بل يسود في كافة دوائر الدولة في المحافظات المختلفة دون أن تفعل مجالس المحافظات شيئا لمكافحته). هذه الظاهرة لا تمدنا أية جهة موثوقة رسمية كانت أم مؤسسة خاصة بمعلومات تخص حجمها الحقيقي من حيث كمية المال المنهوب، أين ذهب المال، ما هي المنافذ التي يخرج منها المال، ما هي المؤسسات التي تتصدر قائمة الهدر والفساد، كيف تجري عملية مزادات البنك المركزي لبيع العملة ولمن تذهب العملة الصعبة المباعة، كيف يتصرف كبار التجار والمستوردين بالدولارات التي يشترونها،  ماذا فعلت عشرات البنوك التي تأسست عشية 2003 ولمن تعود ملكيتها وكثير منها كانت مهمتها غسيل الأموال وعشرات بل مئات من الأسئلة  التي يعتمد المواطن في معرفتها على الإعلام الخاص خاصة محطات التلفزيون. وفقط مؤخرا عرفنا أن قاعات البليار هي والبنوك التي تودع فيها الأموال المحصلة هي غطاء لتهريب الأموال وتبييضها ويتورط  بعض موظفي الدولة في العملية.

إن هذا العماء الذي يعيشه المواطن على مستوى المعلومة الصحيحة تجعله مستعدا لتصديق أي شئ يروج ضد الحكومة والمؤسسة السياسية الحاكمة ونتيجة لذلك فإنه يضع الجميع في سلة واحدة  فتأتي الأحكام الإطلاقية بأن الجميع فاسدون وهذا الأمر له تبعات خطيرة على مجمل النظام السياسي. ومن الطبيعي أن يحمل المواطن الحكومة المسؤولية الأولى  لأنها لا تعطيه الحقائق المتعلقة بأسباب تلكؤها كما وأنه ليس  مسؤولا عن حقيقة أن الحكومة أصبحت طرفا ضعيفا في المعادلة السياسية حيث تحولت الأحزاب إلى مراكز قوة والفساد إلى مؤسسة مخيفة قادرة على إدخال الرعب في النفوس التي تتجرأ على الكشف بما فيها القضاء.

إن هذا الموقف من السلطة السياسية يدفع بالمواطن إلى الانكفاء والسلبية وغير المبالاة وتصبح السلوكيات المضرة الصادرة من غيره ليست شأنه لأنه هو نفسه مستعد لممارستها لذلك نجد أنفسنا أمام  تحول خطير في القيم، من قيم الجماعة والتعاضد والتآزر إلى قيم الفرد والمصلحة الفردية ويصبح "البطل" هو من يجيد استغلال الفرصة ليحظى بأكبر جزء من الغنيمة.

ثالثا: الفوارق الاجتماعية الصارخة أي في الدخل إذ تجد قطاعات من الشعب تملك الكثير وتمارس البذخ بينما نجد قطاعات أخرى محرومة منه. فالسيارات الفارهة الغالية الثمن والفلل ذات الواجهات المكلفة تنتشر في كل مكان. صحيح أن الكثير منها أو ربما أغلبها يمتلكها كبار  التجار أو الأطباء  ولكن كثير منه ايضا  يملكها موظفون حكوميون  يفترض أن يصنفوا على أنهم من ذوي الدخل المحدود (الثابت والمعروف). ولم نعرف عن الحكومة أنها فرضت أية ضرائب دخل على هؤلاء لتصرفها على مكافحة الفقر والبطالة.

وخارج إطار المطالب الشخصية وعند الحديث عما هو عام لا يحس العراقي بأن تغيرا ملموسا  يطرأ على حياته وأن نوعية الحياة تتحسن مع مرور الوقت فسوء الخدمات وتهالك البنية التحتية والبروقراطية الحكومية القاتلة والعزلة المضروبة بينه وبين موظفي الدوائر التي يراجعها تلقي ضلالا ثقيلة على حيات اليومية  التي يستهلك جزء كبير منها على المراجعات. في مشهد كنت أرافق فيه صديقا  ذهب لمراجعة  دائرة التقاعد في إحدى المحافظات (لن أذكرها أيضا) وجدت أن علي أن ألج ممرات ضيقة بالكاد تتسع لمرور شخصين تأخذني يمينا ويسارا وأن سقوف البناية مكونة من سقائف من حديد "جينكو" يصطلي تحتها المراجعون، وأكثرهم كبار السن، حرا في الصيف  وسط عدم مبالاة من الموظف أزاء معاناة هؤلاء الناس الذين يتكومون أمام الشبابيك بانتطار أن تفتح فيتدافعون بينهم في مشهد مهين للكرامة ليسألوا أين وصلت أوراق معاملاتهم قبل أن يعود الموظف فيغلق الشباك في تكرار يبعث على الغضب. ولولا أن هؤلاء المتقاعدين قد تعلموا من الحياة الصبر ولو كانوا يمتلكون القابلية الجسدية  لكانوا في الصفوف الأولى مع المتظارهين. هكذا يكافئ من أفنى عمره بالعمل ظنا منه أنه سوف يستريح قليلا في نهاية العمر قبل أن يودع الحياة . وممن؟ من قبل موظفين شبان يفترض بهم أن يمتلكوا الحد الأدنى من الحس الإنساني أزاء من هم بعمر آبائهم و أجدادهم.

ونكرر القول أن مجالس المحافظات لا تجد أن تخفيف معاناة هؤلاء الناس هو شأن من شؤونها. إن إدعاء نقص المال لم يعد يقنع أحد.

وفيما تركزت مطالب الجماهيرفي لقاءاتها مع الحكومة العراقية  على قضايا تتعلق بالعيش والحاجات اليومية

تطرح قضية ضرورة خروج النظام السياسي من مأزقه نفسها بإلحاح شديد هذه المرة. فالحكومة تقول أن مجلس النواب يكبل يدها ويعرقل عملها فهو يتلكأ في الموافقة على مشاريع القوانين التي تقدمها له والتي تتعلق بحل مشاكل الناس وتعطل الكتل السياسية استكمال الكابينة الوزارية وتصر على تقاسم الدرجات الخاصة (تعبير أصبح مكروها لدى الناس) وغيره بينما يدعي بعض أعضاء في المجلس أنهم دائما ما تعاونوا في تمرير قوانين المشاريع  وأن الحكومة لا تأخذ بآرائهم ومقترحاتهم لحل المشاكل غير أن خطاب المرجعية ثم خطاب رئيس الجمهوررية قد وزع المسؤولية واضاف لها المسؤولية التي تقع على عاتق القضاء خاصة في ملف محاسبة رؤوس الفساد. ونحن نميل إلى تصديق رئيس الوزراء فيما يخص التعطيل لأن موضوع اختيار وزيري الدفاع والداخلية لا زالت حية في ذاكرتنا ولم يصوت المجلس على اختيار وزير للتربية إلا بعد مرور شهور من المناكفات والجدل و لايهم المواطن أن يكون التعطيل من الكتلة السنية أو الشيعية او الكرد أم غيرهم فهم يترفعون عن هذه القضايا ويحملون المجلس برمته المسؤولية.

إن توفر المال الكافي حاليا للاستجابة للمطالب الآنية  للجماهير سوف يؤجل أزمة النظام السياسي ولن يحلها ذلك أن إثقال الميزانية برواتب مئات آلاف العاملين الجدد يمكن أن تدفع ثمنه الوزارات القادمة بل الجماهير نفسها خاصة إذا حصل انخفاض مفاجئ في أسعار النفط وحصل ذلك في زمن العبادي كما أسلفت. إن زيادة الانتاج النفطي (حتى  لو تجاوز العراق أو تحايل على الحصة المقررة من أوبك) يمكن أن يفاقم المشاكل إذا ذهب الفائض لمزيد من الاستهلاك وليس الاستثمار في القطاعات المشغلة لليد العاملة و المولدة للقيمة المضافة.

لذلك وعند بالحديث عن إصلاح النظام السياسي نحن أما خيارين:

إما اعتماد صيغة الغالبية السياسية في تشكيل الحكومة (وهي صيغة طرحت عشية انتخابات 2014 ولم يستجب لها) أي أن رئيس الوزراء المكلف  يمتلك حرية اختيار الوزراء الذين سوف يعملون معه وتستطيع  الكتلة المعترضة أن تمتنع عن التصويت على من لا تقتنع به من الوزراء عند تقديم الكابينة الوزارية للتصويت بالثقة عليها في المجلس...وهذا الأمر سهل من حيث المبدأ لأنه لا يتطلب تعديلا دستوريا ذلك أن المحاصصة أو التوافق التي درج عليها النظام السياسي منذ 2003 ليستا مبدأين دستوريين بل أصبحتا عرفا معطلا ويمكن تجاوزة بوجود إرادة صادقة. عنذاك يمكن تحميل رئيس الوزراء الذي يأتي من كتلة الأغلبية  المسؤولية الرئيسية في الإخفاق ولن نجد أنفسنا أمام اتهامات واتهامات مضادة  فلا يدري المواطن لمن يحمل المسؤولية الأكبر.

أو جعل النظام النظام السياسي رئاسيا بحيث ينتخب رئيس الجمهورية من قبل الشعب مباشرة بعد أن يعدل الدستور لتوضع الصلاحيات التنفيذية الكبرى بيده  فهو يختار من يكون رئيس الوزراء ويكون شريكه في اختيار الوزراء و لا رأي لأحد من الكتل الأخرى في عملية الاختيار وتعبر عن موقفها في التصويت على منح الثقة للحكومة.

بالطبع كلا هذين الخيارين سوف يصطدم بعقبات كأداء واولها النص الدستوري (والذي اعتبره فخا دستوريا) الذي ينص في المادة  142 رابعا على:

 ـ يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحاً بموافقة أغلبية المصوتين، وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر.

وكما هو واضح فإن النص يمنح إقليم كردستان حق النقض وبالتالي تعطيل اي تعديل دستوري لأن التعديل لا يتوافق مع مصالحه لأن الانتخاب المباشر للرئيس ومنحه غالبية الصلاحيات التنفيذية سوف يعني المزيد من السلطة بيد المركز وأنه باعتماد صيغة حكومة الغالبية السياسية  فإن الأحزاب الحاكمة في كردستان حالها بذلك حال بقية الأحزاب لن تكون قادرة على فرض مرشحيها للمناصب الوزراية.  ولا شك أن موقف غالبية الشعب الكردي سوف يتوافق مع الموقف الرسمي في الإقليم فيما يتعلق بالحفاظ على المكاسب الخاصة بالإقليم. أما الحديث عن ثلاث محافظات فهو غطاء ذلك أن محافظات الوسط والجنوب لا هيمنة لأحد عليها و سوف لن ترفض تعديلا ترى فيه مصلحة لها كما لايتوقع أن تقف الأحزاب الممثلة لها ضد تعديلات كانت هي أقترحتها وأقرتها.

وبموازاة ذلك لا بد من قضاء عادل حازم وصارم يتوجب على أية حكومة جادة أن توفر الحماية  الكاملة للقضاة وعوائلهم ومناطق سكنهم وتحركاتهم لأن  النزيه  فيهم هو عرضة دائمة للخطر من قبل الجريمة المنظمة التي تقف وراءها أهدافا تتعلق بمنع البلد من إصلاح نفسه ففي كركوك على سبيل المثال قتل ستة من القضاة عندما كان نجم الدين عبد الكريم محافظا لها وليس لدي شك أنهم كانوا قضاة عادلين وشجعان.

إنها لمأساة أن لا يجد العادل والنزيه والشجاع  من يحميه  فيصبح  مشروعا للموت.

 

ثامر حميد

 

زهير الخويلدي"للأسف لا يمكن التخلص من الأوغاد لأننا لم ننتخبهم أصلا" - نعوم شموسكي

شهدت انتخابات 6 أكتوبر التشريعية في تونس عبور القوى المحافظة من عدة مرجعيات إسلامية وقومية ودستورية إلى البرلمان وتراجع محير للقوى التقدمية واليسارية وانقسام وتشتت داخل الأحزاب الثورية. كما عرف هذا الحدث ارتفاع نسبة العزوف وتزايد المقاطعة من طرف الشباب بمعدل مرتفع منذ 2011 وكانت النسبة 41 بالمائة ما يعني تفضيل أربع ملايين من المسجلين عدم الذهاب إلى مراكز الاقتراع والاكتفاء بالمتابعة من بعيد والتعليق على ما يحدث في مواقف ساخرة ومنددة في الفضاء الافتراضي.

يمكن تفسير تنامي حركة المقاطعة بعدم احترام السلوك الانتخابي للمرشحين والناخبين للقيم الديمقراطية وانتشار المال السياسي الفاسد وتزايد الرشوة الانتخابية في الكثير من الدوائر وخاصة في مناطق الداخل المهمش وتعمد بعض الأحزاب والجمعيات التحيل والمراوغة وابتزاز المقترعين وشراء ذممهم بالمال.

لقد ألقت نتائج الانتخابات الرئاسية المبكرة بظلالها على نتائج الأحزاب والقائمات المستقلة في الانتخابات التشريعية وساهم الموقف المساند للناجِحَيْن في بروز قوى مضادة للمسار الديمقراطي وتريد العودة إلى الماضي الشمولي وترفض الاعتراف بالدستور من جهة وفي صعود للاتجاه السلفي من جهة أخرى.

بيد أن واقع الهشاشة والتشتت قد أصاب جميع العائلات السياسية والأحزاب الكبرى ولم تحصد أفضل الأحزاب الفائزة أكثر من خمس الأصوات المقترعة وهو ما يعطل تكوين كتل برلمانية وإبرام التحالفات ويؤخر إمكانية تشكيل الحكومة المقبلة بسهولة لتزايد التجاذبات الايديولوجية بين المتفوقين والفاشلين.

يمكن تفسير النتائج التي أدت إلى اندثار الكثير من الحساسيات وإسقاط القوى المهيمنة بصورة تقليدية على الحياة المدنية في تونس والهزيمة النكراء للأحزاب الحاكمة وتراجع شعبيتها وخزانها الانتخابي بتوجه المقترعين إلى التصويت العقابي بسبب فشل منظومة الحكم الحالية في الإقلاع وتزايد حدة الأزمة الاقتصادية وتراجع الخدمات الأساسية للمرفق العمومي وغلاء الأسعار وتفشي البطالة وارتفاع العجز.

لقد دفع اليسار فاتورة باهضة وتاه الطريق مرة أخرى بعد اقتراب مجموعات داخله من المنظومة القديمة وتوجهه نحو التبرير الثقافي للسيستام وتغافله عن تجديد خطابه وعن تطوير أدوات عمله ومواكبة تقدم الذي يعرفه اليسار العالمي وزاد في عزلته عن الشعب واحتكر التكلم باسم النخب المنغلقة على نفسها والعازفة عن النقد الذاتي وأقصى الكثير من المثقفين العضويين وأصيب بمرضي الخطية والانتهازية.

لقد عمدت بعض الأحزاب البرغماتية إلى تكتيك التصويت المفيد بعد إجراء تفاهمات وراء الكواليس قصد تمكين الطرف السياسي الأبرز من الفوز بالمرتبة الأولى وضمان ترشيحه لتشكيل الحكومة وقطع الطريق أمام منافسيه الذين جاؤوا بعده في الترتيب واجبارهم على الدخول في لعبة التفاوض المشروط.

إذا كان الشق الثوري يعتقد أن الانتخابات التشريعية مثلت لحظة مفصلية وحدثا فارقا في المعركة مع المنظومة القديمة ومناسبة للتخلص من السيستام فإن دخول بعض القوى في مشاورات مع كتل فائزة من أجل بلوغ الحد الأدنى المطلوب في البرلمان للتزكية وهو مائة وتسعة مقعد يمكن أن يعصف باعتقاده.

لقد بان بالكاشف أن البيت الإيديولوجي المنقسم لا يقوم وأن العائلة السياسية الموحدة تنتصر وأن منطق الثورة يتناقض جذريا مع عقل الدولة وما يتطلب من تنازلات مذلة وواقعية سياسية تحاول التكيف مع الموجود والتنصل بصورة آلية من العديد من الوعود الانتخابية والالتزامات الجادة والاستحقاقات المهمة.

المهم أن تونس تمضي بطريقة أو بأخرى في طريق التأسيس الديمقراطي للحياة السياسية وتتعهد بعد القوى الماسكة بدواليب الدولة بالوفاء للمسار الثوري والتمسك بالتعددية والتبادل السلمي على السلطة. فهل يتمكن المرشح الثوري للرئاسية من الوصول إلى الحكم في ظل حملة التشويه التي يتعرض لها؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ابراهيم أبراشفي أية مقارنة تاريخية تفاضلية بين منظمة التحرير كعنوان للوطنية الفلسطينية وحركة حماس كعنوان لمشروع إسلامي فإن الكفة تميل أكثر لصالح الطرف الأول ليس لأن المنظمة حققت الأهداف من وجودها بل لأنها حققت عبر تاريخها انجازات وطنية لا يمكن إنكارها، بينما راكمت حماس إخفاقات وأخطاء على كافة المستويات، وكان من الممكن أن تكون المقارنة مختلفة لو أن سيرورة وصيرورة حركة حماس كانت أفضل مما آلت إليه منظمة التحرير وحركة فتح، وكان من الممكن أن يحدث ذلك لو أن حركة حماس تصرفت بعقلانية ومصداقية ووطنية بعد فوزها في انتخابات يناير 2006 حيث راهنت غالبية الشعب على أن تصحح حماس نهج السلطة وليس إعادة انتاج الفشل والفساد .

قد يقول قائل لماذا هذا التحامل على حركة حماس كـ (مشروع إسلامي) والتشكيك بنواياها فيما هي نهجت تقريباً نفس المسار الذي سلكته منظمة التحرير وتحديداً حركة فتح؟ وماذا حققت منظمة التحرير عنوان المشروع الوطني من مراهنتها على التسوية السياسية واتفاقية أوسلو؟ ولماذا الدفاع عن المنظمة وأصحاب المنظمة أنفسهم لا يريدونها أو غير معنيين باستنهاضها على أساس منطلقاتها الأولى وقد انقلبوا عليها قبل أن تنقلب عليها حركة حماس؟ .

هذه التساؤلات التي يدفع بها المدافعون عن حركة حماس هي ذاتها التي تبرر انتقادنا لحركة حماس، حيث لم تستفد الحركة من تجربة منظمة التحرير ومن أخطائها واعتقدت أنها بمجرد أن تضفي مسمى إسلامي على ذاتها وعملياتها العسكرية فستحقق ما عجزت عن تحقيقه المنظمة (العلمانية)، كما اعتقدت أنها يمكن أن تلغي المشروع الوطني والهوية الوطنية لصالح مشروع إسلامي ملتبس ومُبهَم، وكانت النتيجة أن حركة حماس ومن ورائها جماعة الإخوان المسلمين حولت الشعب الفلسطيني والقضية بشكل عام لحقل تجارب دون أن تراكم على ما تم إنجازه، وبعد كل الخراب والدمار وآلاف القتلى بسبب حروب حماس وإسرائيل خصوصا في قطاع غزة تعلن حركة حماس على لسان السيد إسماعيل هنية انها تقبل بدولة فلسطينية على حدود 67 ويتم توقيع هدنة مع إسرائيل ويجري تنسيق أمني معها، بالإضافة إلى استحالة أن تكون حركة حماس عنواناً للقضية الفلسطينية دولياً بل وعربياً ما دامت تسَوّق نفسها كمشروع إسلام سياسي وغير معترف بها لا عربيا ولا دوليا .

السياق التاريخي للطرفين يقول، إنه عندما اضطرت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في دورة المجلس الوطني في الجزائر 1988 ولوج مسلسل التسوية السياسية والقبول بقرارات الشرعية الدولية انتقدتها كثير من الفصائل الفلسطينية بما فيها حركة حماس الوليدة آنذاك، وعندما تم توقيع اتفاق أوسلو وقيام السلطة زادت حالة الغضب والرفض بل وقاطعت أحزاب كثيرة، بعضها من داخل منظمة التحرير وأخرى من خارجها،  انتخابات 1996، وحركة حماس حرمت الانتخابات وكفَّرت من يشارك في الانتخابات وفي السلطة ، كما رفضت هذه القوى (المعارضة) المشاركة في السلطة لأنها سلطة خيانية وأموالها مشبوهة على حد قولها!!! بينما سمحت للمنتمين لها بالعمل في مؤسسات السلطة والاستفادة من خدماتها كالرواتب وجوازات السفر الخ .

خلال العقد الأول من قيام السلطة عملت منظمة التحرير بقيادة أبو عمار على تشييد مؤسسات سلطة وطنية على أمل أن تؤسِس لاحقاً للدولة الفلسطينية المنشودة، وخلال ذلك واجهت السلطة أيضا الانتقادات والاتهامات ولم ينج الرئيس الراحل أبو عمار ذاته من هذه الاتهامات التي وصلت لتخوينه وتكفيره وإباحة دمه، ليس فقط ممن هم خارج منظمة التحرير بل ممن هم داخلها بل وممن ينتسبون لحركة فتح، كما رفض أبو عمار ما عرضته عليه واشنطن في كامب ديفيد 2 عام 2000 كما رفض عرضاً أن يكون رئيساً على دولة كاملة السيادة في قطاع غزة، ليس هذا فحسب بل مارست حركتا حماس والجهاد عمليات مسلحة ضد إسرائيل من منطلق أن التسوية والمفاوضات خيانة وطنية وأن المقاومة بديل عن المفاوضات وأن لا بديل عن تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر الخ، وهي أعمال كانت ترد عليها إسرائيل بتدمير مقرات ومؤسسات السلطة الفلسطينية ثم اجتياح الضفة في مارس 2002 ومحاصرة الرئيس أبو عمار فاغتياله، ثم آل الأمر بإسرائيل للانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة خريف 2005 بعد أن تأكد بأن حركة حماس هي التي ستستلم مقاليد السلطة في القطاع .

بعد صيرورة حركة حماس سلطة انقلبت الأمور رأساً علي عقب، فما كان محرماً أصبح محللاً، وما كان خيانة أصبح وجهة نظر أو تندرج في سياق الضرورات تبيح المحظورات، ومن رفض الاعتراف بإسرائيل إلى الاعتراف الواقعي بها والتعايش معها، ومن فلسطين من البحر إلى النهر إلى القبول بدويلة في قطاع غزة أما فلسطين والقدس فلهما رب يحميهما، ومن مقاومة لتحرير كل فلسطين إلى مقاومة للدفاع عن قطاع غزة وسلطة حماس فيها الخ .

الشعب بات يلمس ما آل إليه حال شعبنا وخصوصاً في قطاع غزة  من فقر وجوع وإذلال لكرامة المواطنين من نساء وشباب مصابين وبأطراف مقطوعة وهم يصطفون في مهرجانات وطوابير مصورة وبالبث الحي على الفضائيات ليتسلموا من قيادات حركة حماس أو من جهات مانحة مساعدات بمائة دولار بل بخمسين دولاراً أو كوبونة غذائية بأكياس بلاستيكية وينتظرون المنحة القطرية أو مساعدات الشؤون، كما بات يتابع تراجيديا الهجرة المنظمة وغير المنظمة من قطاع غزة وتحت نظر حركة حماس، وكأن هذا ثمن نضالهم وخروجهم فيما تسمى مسيرات العودة، وفي نفس الوقت بات الشعب يرى ويسمع عن الحياة المرفهة لـ(شعب حماس) ونخبها السياسية، والثمن البخس الذي حصلت عليه حماس والفصائل المتساوقة معها مقابل الهدنة مع إسرائيل، والهدنة تعني وقف المقاومة المسلحة أو الجهاد المقدس الذي لم يعد مقدساً إلا إذا كان للدفاع عن سلطة حماس وقياداتها.

ما سبق لا يعني منح منظمة التحرير شهادة براءة بالمطلق من الانتكاسات التي تعرضت لها القضية الفلسطينية، وإن أرادت منظمة التحرير استعادة دورها ومكانتها لمواصلة مهمتها الوطنية فعليها استنهاض نفسها والعمل على شموليتها للكل الفلسطيني وخصوصا أن بعض الفصائل المنضوية فيها أصبحت مناهضة لها، والخطوة الأولى في هذا الاتجاه أن يتم تصويب وضع حركة فتح العمود الفقري للمنظمة لأن استمراره على حاله بل وتراجعه المتواصل لا يشجع أو يساعد على استنهاض المنظمة .

التاريخ، حتى النضالي، لا يمنح لوحده شرعية سياسية دائمة، كما أن القول بالتمسك بالمشروع الوطني نظريا لا يكفي لحكم تفضيل عن الآخرين .إن لم تتدارك المنظمة وحركة فتح الأمر فإن هناك قوى أخرى من داخل التيار الوطني تعمل على توظيف تراجع المشروع الإسلاموي وأزمة حماس وضعف منظمة التحرير لتشكيل حالة وطنية أو مشروع وطني جديد أو الحلول محل المنظمة كعنوان للوطنية وللمشروع الوطني . 

وأخيرا وارتباطا بموضوع الانتخابات فإن الشعب يريد انتخابات لتجديد النخب والحياة السياسية سواء تعلق الأمر بنخب المنظمة وحركة فتح أو نخب حركة حماس والفصائل الأخرى وليس انتخابات تجدد شرعية النخب القائمة الفاشلة والمأزومة .

 

إبراهيم أبراش

 

بكر السباتين

الأزمة في العراق تفاقمت وتقلبت الأجندات الإيرانية والخليجية والإسرائيلية في الشارع العراقي سعياً منها لركوب الموجة الجماهيرية المنتفضة، حتى يتقاسمَ الخصومُ المقسومَ في العراق المُنْتَهَكُ والمنخورُ بالفساد، حيث تعالت الأصوات مطالبة بتحسين وضع الناس واجتثاث الفساد من جذوره، والنتيجة كانت إطلاق النار على المتظاهرين وسقوط العشرات ما بين قتيل وجريح.. جاء ذلك على خلفية قرار إقصاء قائد قوات جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي والمعروف بدوره البارز في المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حيث أثار ذلك غضبا كبيراً في الشارع العراقي ومواقع التواصل الاجتماعي، واعتبر الكثير من السياسيين والإعلاميين والناشطين القرار مجحفاَ. وأكدت مصادر عراقية إحالة الساعدي إلى إمرة وزارة الدفاع بقرار صدر يوم الجمعة الماضي.

ورأى رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي- في حسابة على موقع تويتر- أن هناك فساداً يتعلق ببيع المناصب في المؤسسات العسكرية والأمنية، وقال "ما هكذا تكافئ الدولة مقاتليها الذين دافعوا عن الوطن".

وفي الحقيقة أن إقصاء الساعدي لم يكن إلا الشعرة التي قسمت ظهر البعير، لأن الأزمة الخانقة التي يعانيها العراق بدأت منذ سقوط صدام حسين واحتلال العراق ثم توالي الطغمة الفاسدة على حكم العراق علماً أنها لم تتبرعم من الأرض العراقية الطاهرة؛ بل جاءت على ظهور الدبابات الأمريكية وجحفلت حلفاءها في العراق في إطار جيش لا يمتلك زمام أمره وكان أشبه بالمليشيات الخاصة، لكن وجود "داعش" في خاصرة العراق جلب الدب الإيراني إلى العراق من خلال بناء قوات الحشد الشعبي، الذي حظي برضى العراقيين بعد قيام هذه القوات باجتثاث "داعش" من الخاصرة العراقية وتحرير الموصل من فلولها.. وهذا لم يكن آخر المطاف حيث أن الحشد تحول إلى عبء على الحكومة الفاسدة من حيث ولائه لإيران وإخضاع الحكومة للرقابة غير المباشرة وسيطرته على القرار الشعبي وتبني موقف الرافض لصفقة القرن وعدم التطبيع مع العدو الإسرائيلي تأسياً بالموقف الإيراني وهو التوجه الذي يخالف براغماتية القيادة العراقية الفاسدة التي تقوم على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وسعيها الدؤوب لجسر العلاقات الدبلوماسية مع السعودية والإمارات خلافاً للموقف الإيراني.

الشارع العراقي من جهته تجاوز موضوع نقل الساعدي إلى منطقة الهامش بعيداً عن مركز الفعل؛ لينتقل إلى مواجهة جماهيرية دموية مع رموز الفساد الذين وعدوا بإصلاحات شاملة ولكن دون جدوى فقد انطلقت رصاصة التغيير كما يرى محللون.

ففي سياق متصل نشرت صحيفة الديلي تليغراف تقريراً موسعاً لفريق من مراسلي ومحرري الشؤون الدولية عن الأوضاع في العراق تحت عنوان "الحكومة العراقية تتعهد بإصلاحات اجتماعية بينما تخطى عدد القتلى 100 شخص خلال ستة أيام من الاحتجاجات".

ويقول التقرير إن الحكومة العراقية كشفت عن سلسلة من الإجراءات الإصلاحية في محاولة منها لاحتواء الاحتجاجات الضخمة التي تشهدها البلاد خلال الأسبوع الماضي والتي خلفت 100 قتيل، على الأقل.

ويضيف التقرير أن المظاهرات الأخيرة هي أكبر تحد للحكومة منذ تولت السلطة قبل أقل من عام وهو ما حاولت حكومة عادل عبد المهدي مواجهته بسبعة عشر قرار تدعم إصلاحات اجتماعية واقتصادية.

ويؤكد التقرير أن الاحتجاجات التي بدأت في العاصمة بغداد سرعان ما انتشرت إلى مدن الجنوب العراقي الشيعية حيث أصيب الآلاف وقتل العشرات بواسطة الطلقات النارية.

ويشير التقرير إلى أن الصدامات التي وقعت بين المتظاهرين والعناصر المسلحة كانت عنيفة، وأدت إلى هذا العدد من القتلى والمصابين رغم أن وزير الداخلية العراقي نفى نفياً تاماً استخدام قواته للرصاص في تفريق المتظاهرين.

كما تحدث عن قيام المتظاهرين بإشعال النيران في أكثر من خمسين مبنًى حكومي وثماني مقراتٍ لأحزاب مختلفة.

إن معرفة أسباب هذه المظاهرات العارمة (الثورة الربيعية الشاملة) تسترعي منا نبش الماضي القريب والتنقيب في ملفات الدولة العراقية العميقة، وتقليب الأجندات المتداخلة في الصراع الإقليمي داخل العراق، فثمة دول تسعى إلى جعل العراق نموذجاً للدولة الفاشلة التي ينخرها الفساد حتى لا تقوم له قائمة، ليتحول بفعل ذلك إلى أرض يباب، تقام عليها متاريس متقابلة بين إيران وحلفائها من جهة، وأقطاب صفقة القرن المتمثلة بالإمارات والعدو الإسرائيلي والسعودية وأمريكا من جهة أخرى.

ولنبدأ بإيران التي توسع دورها المشبوه في العراق، خلال العقد ونصف العقد الماضي، ما أثار تساؤلات حول أهدافها، وكيف تنظر إلى العراق في إطار استراتيجيتها الدفاعية.

فمن ناحية، تعتبر إيران العراق حليفاً لها، انطلاقاً من مفهومها. فقد سعت لعقد اجتماعات رفيعة المستوى مع مسؤولين عراقيين، وناقشت معهم موضوع الدفاع المشترك. على سبيل المثال، سافر الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إلى العراق. وتم توقيع اتفاقيات ثنائية، بما في ذلك اتفاقيات اقتصادية، والسماح للإيرانيين بالسفر دون تأشيرة للعراق لزيارة الأماكن الشيعية المقدسة. ومع ذلك، فقد احتج العراقيون أيضاً على دور إيران السلبي في العراق. ففي صيف عام 2018، استهدفت الاحتجاجات في البصرة إيران وقوات الحشد الشعبي المدعومة منها. وهناك شكاوى حول الموارد المالية الضخمة التي يدفعها العراق نظير تزويده بالكهرباء وهناك ملف فساد يحتوى على بيانات بالمخالفات في العلاقة البينية العراقية الإيرانية.

ومع ذلك فقد أسهمت القوات شبه العسكرية المدعومة من إيران "الحشد الشعبي" في هزيمة تنظيم «داعش»، وأن العديد من السكان المحليين المنضوين تحت لواء الحشد الشعبي ينتمون لطوائف مختلفة. وقد ساعد الحشد في تسليح السكان المحليين وتوفير الأمن لهم. ويرى الشباب أن العمل في هذه الميليشيات يوفر لهم مردوداً طيباً، أي أن الانخراط في صفوفها تجاوز مفهوم الولاء الأيدلوجي والطائفي إلى مفهوم الحاجة إلى معيشة فضلى تسد الرمق وتمنع العوز في زمن عراقي صعب ولا يرحم. أي أن المأزق العراقي أصبح معيشياً ويجمع في بوتقته العراقيين بغض النظر عن الدين أو الطائفة.. وهذا يعني أن الفقر جمع الشعب العراقي تحت شعار " لا أمان في ظل الفساد المستشري". من هنا تناسى العراقيون دور الحشد الشعبي في اجتثاث داعش، وفتحوا ملفات فساده المزعزمة، واتهمه الخصوم بأنه يدير سجوناً سرية وفيما يستفيد من الفوضى التي تعم البلاد دون أن تساهم في إخمادها. صحيح أنه بالنسبة للبعض، تعتبر هذه المجموعات ضامنة لأمن العراق من خلال منع عودة «داعش» التي تحولت إلى فزاعة يخيف بها الخصوم الشعب المغبون كلما تململ محتجاً على الظروف القاسية التي يعيشها. ولكن من جهة أخرى فإن الحشد الشعبي ذاته بات يخيف العراقيين الذين فروا من حرب «داعش» عام 2014، متفرقين في المدن العراقية أو شرقي الفرات وفي العمق الجغرافي الكردي. فهذا يعني أنهم يواجهون صعوبة في العودة إلى ديارهم، خوفاً من انتقام هذه الجماعات شبه العسكرية.

هذا بالنسبة للدور الإيراني المشبوه في العراق الذي يعتبر بعده الاستراتيجي.. مقابل ذلك يأتي دور أقطاب صفقة القرن الذين دخلوا الساحة العراقية لمواجهة النفوذ الإيراني المستحكم في البلاد، وأقصد هنا الدور التخريبي لكل من الإمارات والعدو الإسرائيلي وأمريكا والسعودية.

تجدر الإشارة في سياق ذلك إلى أن الإمارات العربية خلطت الأوراق في العديد من ملفات المنطقة، وصولاً إلى العراق، البلد الذي لايزال أهله يعانون من آثار الغزو الأمريكي منذ عام 2003، وما جره من مشاكل أبرزها دعم الفساد وتيسير عملياته ودعم رموزه، وكان أكثر تلك المشاكل أثراً، ظهور تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الذي صنعته مخابرات جميع الدول أعلاه، وما خلف ذلك من دمار في البلاد.

وتجلى التدخل الإماراتي في العديد من الأحداث التي تدور في العراق منذ الاحتلال الأمريكي لهذا البلد الجريح.. لم يكن آخرها تأييد الإمارات لاستفتاء انفصال إقليم كردستان. وهو ما كشفه حزب التغيير الكردي المعارض، الذي نقل معلومات إلى الحكومة المركزية، كشف فيها دعم أبوظبي مشروع الانفصال، مبيناً أن الدعم جاء "من خلال القنصل الإماراتي في أربيل رشيد المنصوري، فضلاً عن السفير في بغداد حسن الشحي، اللذين دعما رئيس الإقليم السابق مسعود البارزاني في هذا التوجه".

كذلك تحول دبي إلى وجهة مفضلة للسياسيين العراقيين ورجال الأعمال الذين تدور حولهم شبهات الفساد وغسيل الأموال وتهريب النفط وبيعه في الأسواق السوداء لصالح بعض المليشيات العراقية في البصرة؛ وجاء في تصريح لمسؤول في الخارجية العراقية ل(الخليج أونلاين) ما مفاده أن "مصادر المخابرات العراقية رصدت تهريب ما بين 300 و400 ألف برميل نفط يومياً من البصرة، تستقبلها الإمارات بشكل رسمي عبر موانئها".

فضلاً عن سرقة الأثار العراقية، حيث ذكرت تقارير إعلامية محلية، أن وسطاء إماراتيين استغلوا حالة الفوضى التي عمت العراق بعد ظهور تنظيم الدولة (يونيو 2014)، وعملوا على بيع وشراء الآثار بالتعاون مع وسطاء محليين وبعض المنتسبين الفاسدين في القوات الأمنية، وحصلوا على قطع من مدينة الموصل يعود تاريخها إلى حقبتي الآشوريين ومملكة الحضر، تقدر قيمتها بعشرات آلاف الدولارات وتم عرض هذه المسروقات في متحف اللوفر في دبي.

بل وتم اكتشاف شبكة لتهريب السلاح إلى العراق.. حصل ذلك يوم الثلاثاء الموافق 9 أبريل 2019 حيث أعلنت الهيئة العامة للجمارك العراقية عن إحباط تهريب حاوية في ميناء أم قصر بمحافظة البصرة، جنوبي البلاد، تحتوي على أسلحة تم إخفاؤها في شحنة لعب أطفال كانت قادمة من ميناء جبل علي الإماراتي.

وقال مصدر عراقي ل (أون لاين) إن "الأجهزة الأمنية رصدت اتصالات أجراها مسؤولون إماراتيون مع قيادات سياسة سنية، وإن أمولاً كبيرة يتم دفعها لهذه القيادات لتنفيذ أجندة الإمارات، وعلى رأسها محاربة الإخوان المسلمين اجتماعياً وسياسياً"، مشيراً إلى أن "الجانب الأمريكي ساعد الأجهزة الأمنية في الوصول إلى هذه المعلومات".

وأضاف: إن "الإمارات تؤدي دوراً تخريبياً في العراق على مختلف الصعد؛ ومنها دعم قيادات سنية، (ليس من باب الدعم الجاد لحماية التواجد السني في معادلة العراق الطائفية) بل لمواجهة الإخوان المسلمين في العراق وسوريا، ناهيك عن دعم عملية تبييض الأموال التي يهربها الفاسدون من العراق، عن طريق شراء عقارات باهظة الأثمان، خاصة في مشاريع عملاقة يحتفظ عراقيون متهمون بالفساد فيها بأسهم وحصص كبيرة"، مستدركاً بالقول: إن "عدداً من المطلوبين للقضاء بتهم متعلقة بالفساد يقيمون في الإمارات التي توفر لهم ملاذات آمنة".

وليس خافياً على أحد ذلك الوجود الإماراتي في إقليم كردستان شمالي العراق بالتنسيق مع العدو الإسرائيلي في محورين:

المحور العسكري من خلال دعم حزب الحياة الكردي “البيجاك” والذي يضم مقاتلين أكراد مناوئين لإيران وتركيا والحكومة المركزية في بغداد، وتساعد على ترسيخ انفصال إقليم كردستان العراق، ويتخذون من "جبال قنديل" على الحدود العراقية الإيرانية معقلا لهم. ويتحكم قادتهم بالقرار السياسي والعسكري لمنطقة شرق الفرات، ويأتي دعمهم من باب توافق الأجندات الإقليمية من قبل كل من السعودية والإمارات والعدو الإسرائيلي ومن خلفهم أمريكا، كون "البيجاك" تمثل قوة ضاربة في الخاصرتين الإيرانية الغربية، والتركية الجنوبية في منطقة شرق الفرات.

وبهذا يسيطر قادة البيجاك على القرار السياسي والعسكري لمنطقة شرق الفرات، وانطلاقاً من ذلك فإنهم سمحوا للعدو الإسرائيلي باستهداف مراكز الحشد الشعبي في العراق باستخدام الطائرات المسيرة، انطلاقاً من منطقة شرق الفرات، ناهيك عن استهداف أربعة مخازن أسلحة تابعة للحشد الشعبي كان آخرها شمال بغداد، حيث وقع الهجوم، بعد نحو 24 ساعة من تعليقات أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشأن قصف معسكرات إيرانية في العراق، إذ قال إن "إيران ليست لها حصانة في أي مكان".

جاءت تعليقات نتانياهو، بعد سلسلة مقالات وتحليلات في الصحافة الإسرائيلية، تشير إلى أن تل أبيب ربما وسّعت رقعة مواجهتها العسكرية مع إيران، لتشمل العراق، بعدما كانت تدور في سوريا ولبنان قبل ذلك. ويسعى العدو الإسرائيلي من ذلك إلى دحر النفوذ الإيراني وإدخال العراق في منظومة الدول المؤيدة لصفقة القرن سعياً منه إلى محاصرة الموقف الإيراني الداعم للمقاومة، ناهيك عن ترسيخ وجوده في إقليم كردستان ودعم المليشيات الكردية المؤيدة لها لتفجير الخاصرة الإيرانية في الوقت المناسب، وخلق الفوضى المستدامة في العراق حتى يظل بعيداً عن دائرة الفعل والنفوذ الإقليمي.

أما المحور الاقتصادي، فقد استثمرت أبو ظبي في خلافات الإقليم مع الحكومة المركزية في بغداد، وأقدمت على بناء نفوذ سياسي لها من خلال استغلال حاجة الإقليم لمستثمرين في قطاع النفط والغاز الذي يعزز آمال الأكراد بالاستقلال عن العراق، بحسب الصحفي العراقي سامان كركوكلي، المختص بالشأن الكردي. حيث قال لـ "الخليج أونلاين": إن "أبو ظبي دفعت بأهم شركاتها نحو الإقليم، مثل شركة دانة غاز، وشركة طاقة التي تستحوذ على 20% من أسهم شركة ويسترن زاكروس الكندية، وشركة الهلال التي تعمل في قطاع استكشاف وإنتاج النفط والغاز بمنطقة الشرق الأوسط".

وتجدر الإشارة إلى أن الإمارات هي التي فتحت المجال لدخول النفوذ السعودي إلى شرق سوريا من بوابة العشائر؛ لتفعيل دورها في سوريا ومواجهة المشروع التركي شرقي الفرات.

وليس مستبعداً أن يكون السلاح المهرب من الإمارات يذهب إلى مليشيا "البيجاك" الكردية وحلفائها، فيما تساعد من جهة أخرى بتسويق النفط المنهوب من قبل المليشيات الكردية في السوق السوداء المزدهرة في الإمارات.

أما السعودية وفي سياق مواجهتها المعلنة للنفوذ الإيراني في العراق فقد ذهبت تحت الضوء إلى بناء علاقة اقتصادية مع العراق لتعزيز وجودها في العراق الذي بات تحت رحمة الحشد الشعبي، والمتغلغل في الوعي العراقي على اعتبار أنه صاحب الفضل في اجتثاث داعش من الخاصرة العراقية، وتثبيت الموقف الرسمي العراقي على الخط الإيراني في كثير من القضايا وأهمها الموقف من صفقة القرن وتأييد الحقوق الفلسطينية خلافاً للموقف السعودي المجير للصفقة المشؤومة.

السعودية من جهتها افتتحت قنصليتها في العاصمة العراقية بغداد، كما منحت العراق مليار دولار لتنفيذ مشاريع تنموية.

كما أشارت مصادر الخارجية العراقية إلى مضي السعودية بإجراءات بناء مدينة الملك سلمان الرياضية في بغداد، بعد تخصيص الأرض من قبل الحكومة العراقية.

وتتودد الرياض إلى بغداد في إطار جهود لكبح النفوذ المتنامي لإيران في المنطقة، في حين يسعى العراق لجني فوائد اقتصادية من توثيق روابطه مع جارته الجنوبية.

طبعاً لا يمكن تبرئة نوايا السعودية من محاولة خلط الأوراق في العراق ولو على حساب أمن الشعب العراقي. واعتماد أجندتها على العناصر الفاسدة التي أدى نفوذها إلى نهب العراق وإغراقه في الفوضى التي تجلت مؤخراً بالمظاهرات العنيفة وما رافقها من تداعيات.

من هنا ننتظر أن يستنهض العراق هممه نحو تطهير البلاد من الطغمة الفاسدة.. واستلهام الجانب الإيجابي من تجربة صدام حسين الذي بنى النهضة الاقتصادية والصناعية والعلمية في العراق، من ذلك مفاعل تموز النووي الذي دمره العدو الإسرائيلي، والمنشآت الصناعية العملاقة، ومنظومة الصواريخ البالستية، وإطلاق أول صاروخ عربي إلى الفضاء انطلاقاً من غانا الفرنسية في أمريكا الجنوبية.. تجربة أجهضتها ذات الدول التي تسعى لتخريب العراق وخاصة العدو الإسرائيلي الذي أوشك على تحقيق حلمه ب "إسرائيل الكبرى" وقد خسئ.. فعودة الأسد العراقي إلى عرينه بات وشيكاً.. فإرادة الشعوب لا تقهر.. "ولا بد للقيد أن ينكسر".

 

بقلم بكر السباتين

8 أكتوبر 2019

 

 

محمد سعد عبداللطيففى هذا التوقيت من كل عام تحتفل مصر بنصر 6 أكتوبر 1973، بينما تطلق إسرائيل الشائعات وتبث سمومها إما تشكيكا أو تضليلا وتقليلا، وفى هذا العام أطلقت إحدى صحفها هذا العنوان (الجاسوس المصری الذی أنقذ إسراٸیل)۔ وفقا لما نشرته صحیفة (هاآرتس) الإسراٸیلیة، بعد عرض قصة فیلم (الملاك) لضابط الاستخبارات الإسراٸیلی (أوری بار جوزیف)، العميل الذي اعتمدت عليه إسرائيل، أشرف مروان، و(الملاك) هو الاسم الحركي داخل جهاز الموساد، الذى أطلق على (أشرف مروان).

وتعرض معظم رٶساء الموساد السابقین فی لقاء متلفز لفترة حرب أكتوبر 1973، والمعلومات الاستخباراتية عن موعد الحرب، وكانت المفاجأة أنه فجر يوم 4 أكتوبر أرسل أشرف مروان رسالة من لندن إلى رئيس المخابرات الإسرائيلية يطلب مقابلته فورا لإبلاغه عن موعد الحرب، ووصل على الفور في اليوم التالي إلى لندن وتمت المقابلة، والإخبار عن موعد الحرب يوم عيد الغفران قبل غروب شمس 6 أكتوبر، تم إبلاغ رئيس الوزراء جولدا مائير، وموشي ديان وزير الدفاع ورئيس الأركان، وحدث خلاف على كمية الاستدعاء من القوات على كتيبتين، أو استدعاء كامل، في نفس الوقت وصلت معلومة، من عميل آخر يحمل رقم (8200) يفيد قيام الحرب، فتم إعلان حالة (ج)، وهذا ما أكده جمال حماد في مذكراته عن وصول معلومات تؤكد أن مصر سوف تهاجم القوات الإسرائيلية.. وطلبت إسرائيل من الولايات المتحدة، إبلاغ مصر بعدم الهجوم، وبالفعل تم إبلاغ الجانب المصري فی الأمم المتحدة، لكن هناك فرق توقيت، وكانت الحرب قد اندلعت.

نتوقف هنا عند نقاط مهمة بالتحليل،.. هل كان أشرف مروان وطنيا وكان مجندا بالفعل من قبل جهاز الاستخبارات المصرية وحدثت عملية تضليل، من قتل أشرف مروان.. ولماذا تم اغتياله بنفس طريقة اغتيال (سعاد حسني) واللواء (الليثي ناصف)، وفي نفس المدينة لندن وبنفس الطريقة وهى السقوط من أعلى، بعد إعلانه عن كتابة مذكرات.. وما هي حكاية المكالمة التي بثها أحد البرامج التليفزيونية عن دار نشر إسرائيلية، عن صدور مذكراته، ولماذا قال مبارك في كلمة إنه كان وطنيا، وهو يعلم ما لا يعلمه الآخرون؟ علامات استفهام كثيرة تثار ولا إجابة مقنعة أو شافية تأتى من الأجهزة المسئولة.

ولماذا بثت قناة إسرائيلية ليلة الاحتفال بيوم تحرير سيناء العام الماضی أن إسرائيل اعتمدت على (أشرف مروان)، ومن هو (أشرف مروان)، هو صهر الزعيم (جمال عبدالناصر)، زوج ابنته (منى)، وسكرتير (محمد أنور السادات) في المهام الخاصة، ومن المقربين له وحصل علی أعلی وسام فی حرب أکتوبر من (السادات) لدوره فی الحرب، ثم کرمه (مبارك)، وقال عنه أثناء جنازته الرسمیة وکان بجواره (عمر سلیمان) مدیر المخابرات المصریة.. إنه کان وطنیا مخلصا، ونفی کل الاتهامات التى وجهت له بالعمالة، وقال (مبارك).. إنه قام بأعمال وطنیة لم یحن الوقت للکشف عنها.

هل تريد إسرائيل حرق رمزين من رموز مصر، اتفقنا معهما أو اختلفنا.. فلهما ما لهما، وعليهما ما عليهما، وحرق صورهما واتهامهما بالخيانة في صورة (أشرف مروان).. وهل بنهاية (أشرف مروان) المأساوية في عاصمة الضباب تم إغلاق الملف، ليعيش الشعب المصري في ضباب الحقيقة؟! هناك أعمال للجهاز المخابرات المصرية بطولية، في نفس الفترة من اكتشاف عميل آخر داخل القصر الجمهوري، وهو الطبیب علی العطفی، الطبیب الخاص للسادات للعلاج الطبيعي، وکان صدیق (شیمون بیریز)، لماذا تحدث رؤساء أجهزة الاستخبارات الإسراٸیلیة السابقین عن أشرف مروان، ولم یتحدثوا عن شخصیة (هبة سلیم)، العمیلة التی کانت تدرس الأدب الفرنسی فی جامعة السربون واکتشفها جهاز المخابرات المصری هی وخطیبها الراٸد فاروق عبدالحمید الفقی، وتم إعدامهما، وکان سبب سقوط طاٸرة مدنیة مصریة فوق سیناء وإجبارها علی النزول فی تل أبيب، اعتقادا بوجود (هبة سلیم) على متنها بعد استدراجها إلی طرابلس.. رغم كل الاختلاف مع أنظمة الحكم فإن الخيانة لا، فهى الجريمة التى لا يغفر لها أي  قانون، رغم وجود عیوب تاریخیة فی الفیلم من خلاف بین عبدالناصر وأشرف مروان وطلاق ابنته (منى) منه، وعدم حسم کونه عمیلا لإسراٸیل أم عمیلا مزدوجا كما ظهر فی الفیلم.

قبل أکثر من عام وقعت حادثة أثارت العالم (سيرجيه سكريبال)، العميل الروسي المزدوج، الذى تم تسميمه هو وابنته (يوليا) في حديقة عامة في بريطانيا سارعت إلى اتهام روسيا بذلك، و16 دولة، من ضمنها الولايات المتحدة، وطردت من أراضيها عشرات الدبلوماسيين الروس كعقاب على محاولة الاغتيال، الغضب ثار على مجرد محاولة القتل، لكن أكثر من ذلك، أن روسيا تجرأت على تنفيذ ذلك في الأراضي البريطانية.. أين نحن إذا كان (أشرف مروان) وطنيا أو عميلا مزدوجا.. وأين الحقيقة، وکل عام یتم فتح هذا الملف وإطلاق الاتهامات فی احتفالات حرب أکتوبر كجزء مهم من ملفات الحرب ودور الاستخبارات على الجانبين.. هل من حقيقة تضع حدا لهذا الجدل الموروث منذ 46 عاما.. ولماذا لا يتم الإفراج عن أسرار تلك الحرب برغم مرور النصاب القانونى عليها، ومنها... من هو (أشرف مروان)؟!

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

رٸیس القسم السیاسي نیوز العربیة