ابراهيم أبراشفشل السلطة أو انهيارها لأي سبب كان هو فشل لمشروع التسوية السياسية ولنهج أوسلو وربما يُحسب كفشل للنخب السياسية التي راهنت على السلطة، ولكنه لا يعني فشل أو نهاية المشروع الوطني التحرري أو منظمة التحرير الفلسطينية، ربما أثر عليهما وأضعفهما ولكنه لا يعطي المبرر لمن يريد أن يطلق رصاصة الرحمة على المشروع الوطني والمنظمة مستغلا ضعف السلطة أو انهيارها أو حتى سوء ممارساتها .

السلطة الفلسطينية ليست المشروع الوطني ولا منظمة التحرير بل إحدى أدوات العمل السياسي لهما فرضتها ظروف قاهرة، وفشل الأداة لا يعني فشل الأصل أو مَن يستعمل هذه الاداة ما دام باستطاعته البحث عن أدوات أخرى .

وهكذا وبجهل من البعض وبنية مبيتة خبيثة ومشبوهة من آخرين يتم الخلط ما بين السلطة الوطنية الفلسطينية من جانب والمشروع الوطني ومنظمة التحرير من جانب آخر، وهو خلط يترتب عليه مخرجات خطيرة من وجهة نظر هؤلاء أهمها أن حل السلطة الوطنية بقرار من القيادة الفلسطينية أو فشلها وانهيارها نتيجة الممارسات الإسرائيلية والأمريكية معناه فشل المشروع الوطني الفلسطيني ومنظمة التحرير وعليه المطلوب البحث عن بديل للسلطة ومنظمة التحرير، مما هو قائم من تشكيلات سياسية أو صناعة كيان جديد وإلباسه لباس المشروع الوطني .

وللأسف تتقاطع واشنطن وتل أبيب مع حركة حماس وفصائل فلسطينية في الترويج لهذا الخلط وموقفهم المعادي للسلطة وللمشروع الوطني الذي تمثله منظمة التحرير حتى وإن اختلفوا في الأهداف النهائية والبديل المرغوب من كل طرف .

في الفترة أو الأشهر الأخيرة وعلى أرضية الخلط ما بين السلطة والمشروع الوطني يتبلور حلف غير رسمي من أعداء المشروع الوطني التحرري وأعداء الشعب الفلسطيني يتشكل من إسرائيل وواشنطن وبعض الدول الغربية والعربية، وللأسف فإن هذه الدول توظف المواقف الفلسطينية المعارضة للسلطة وللقيادة الفلسطينية وبعضها من فصائل منظمة التحرير لتبرر مواقفها وسياساتها المعادية للمشروع الوطني التحرري .

لا شك أن منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية ليستا منزهتان عن الخطأ بل نقول إن كثيرا من الأخطاء والخلل صاحبت مسيرتهما سواء تعلق الأمر بإدارة الأمور الداخلية في مناطق السلطة ومع مكونات النظام السياسي أو في كيفية إدارة ملف المفاوضات والتعامل مع إسرائيل، ولكن ما آل إليه حال السلطة ومنظمة التحرير لا يعود للأخطاء الداخلية فقط بل يمكن القول بأن هذه الأخطاء كانت ثانوية إذا ما قارناها بتأثير المخطط الإسرائيلي والأمريكي للقضاء على منظمة التحرير وإفشال الدور الوطني للسلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى ممارسات قوى المعارضة الفلسطينية .

نعم، إن ما آل إليه حال منظمة التحرير والسلطة الوطنية لا يسر أحدا بل يثير استياء غالبية الشعب الفلسطيني، ولكن نُعيد التأكيد بأن السلطة ليست المشروع الوطني بل هي مشروع تسوية ونتاج لاتفاقية أوسلو وفشلها يعني فشل التسوية السياسية التي هي أصلا مشروع تسوية أمريكي ثم توسعت أطرافها ليضم أربعة أطراف دولية (الرباعية الدولية) مع خطة خارطة الطريق 2002، فلماذا الآن نقول بأن منظمة التحرير أو السلطة فشلت ولا نقول بأن الرباعية وكل من تعامل وشارك في السلطة الفلسطينية يتحمل مسؤولية الفشل؟ .

نؤكد بأن فشل السلطة ونهج التسوية السياسية الأوسلوي لا يعني فشل المشروع الوطني ومن يقول بذلك إنما يفتأت على المشروع الوطني، لكن منظمة التحرير تتحمل درجة من المسؤولية نتيجة فشل رهانها على التسوية السياسية التي عنوانها اتفاقية اوسلو وسلطة الحكم الذاتي.

فمنذ تأسيس السلطة ومراهنتان متعارضتان تتصارعان على السلطة:

1- المراهنة الأولى طرفاها الأساسيان إسرائيل والولايات المتحدة حيث كانت مراهنتهما أن تكون السلطة أداة لتحقيق أمن إسرائيل وكبديل مطيع لهما لتحل محل منظمة التحرير والمشروع الوطني .

2- المراهنة الثانية فلسطينية ووطنية كانت تأمل أن تشكل السلطة قاعدة ومنطلقا للدولة الفلسطينية المنشودة من خلال عملية انتقال تدريجي من الاحتلال إلى سلطة حكم ذاتي ومنها للدولة .

 لكن لم تجري الأمور بما تشتهي المراهنة الوطنية المنشودة حيث وظفت إسرائيل وجود سلطة فلسطينية لتقوم بتكريس الاستيطان ومواصلته مع مناصبة السلطة العداء وخصوصا بعد أن رفض الراحل أبو عمار في قمة كامب ديفيد 2 عام 2000 الخضوع للابتزاز الأمريكي ومن بعده الرئيس أبو مازن مع رفضه لآلية المفاوضة والمساومة على القدس وأساس التسوية السياسية القائم على الأرض مقابل السلام وحل الدولتين وأخيرا رفضه التساوق مع صفقة القرن الأمريكية .

ومع واشنطن وتل أبيب عملت حركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى على إفشال السلطة حيث أن حماس وطوال سنوات تأسيسها وهي تعمل كل ما من شأنه إعاقة عمل السلطة وتشويهها وتشويه منظمة التحرير والمشروع الوطني في مراهنة أن تحل محل السلطة ومنظمة التحرير، دون أن نتجاهل أخطاء السلطة نفسها سواء في الإدارة الداخلية أو في إدارة ملف المفاوضات .

منذ سنوات ونحن نحذر من حل السلطة أو انهائها لأي سبب كان قبل تهيئة البديل الوطني سواء كان منظمة التحرير بعد استنهاضها واستيعابها للكل الوطني أو الدولة الفلسطينية كواقع وليس مجرد مشروع أو فكرة، واليوم فإن إسرائيل وواشنطن وأطراف أخرى بما فيها فلسطينية تقوض السلطة الفلسطينية دون وجود بديل وطني محل إجماع وطني .

ما هو موجود اليوم هي منظمة التحرير الفلسطينية والتي بالرغم من حالة الضعف التي تنتابها وفشل محاولات تطويرها واستيعابها للكل الوطني إلا أنها تمثل رسميا الشعب الفلسطيني ومحل اعتراف غالبية دول العالم بأنها عنوان للشعب الفلسطيني كما أن لها سفراء في غالبية دول العالم، فهل من صالح الشعب الفلسطيني التشويه والتشكيك بهذا العنوان والكيان المعنوي للشعب ؟ و أليس غريبا أن تلتقي المواقف الإسرائيلية والأمريكية من المنظمة والمشروع الوطني مع موقف أحزاب وفصائل فلسطينية !! .

كان من الممكن تَفَهم موقف المعارضين والمشككين بالمنظمة والمشروع الوطني لو كان عندهم البديل أو كان مشروعهم يحقق انجازات وانتصارات، ولكن والكل يلمس مأزق بل وفشل مشاريع كل من ناصب المنظمة والمشروع الوطني العداء أو طرحوا أنفسهم بديلا عنهما، فإن موقف المطالبين بتجاوز المنظمة والمشككين بالمشروع الوطني لن يخدم إلا دولة الاحتلال ولن يصب إلا لصالح الانفصال ومشروع دولة غزة، ولو استوعب معارضو المنظمة والسلطة بأن إسرائيل التي حاربت منظمة التحرير والسلطة وأفشلتهما في تحقيق الهدف الوطني هي نفسها التي تحاربهم و أفشلت مشروعهم وإسرائيل وواشنطن لن تقبلا التعامل معهم بل مجرد وجودهم إلا بثمن أفدح مما قدمته المنظمة والسلطة، لو تفهموا ذلك لأعادوا النظر في مواقفهم من المنظمة والقيادة والمشروع الوطني لو كانت نواياهم وطنية صادقة .

 

أ. د. إبراهيم ابراش

 

 

عبد الحسين شعبانفي 24 فبراير/ شباط الجاري سيتم التصويت في استفتاء شعبي على الدستور الكوبي الجديد، وذلك بعد أن صوّت البرلمان بنوابه البالغ عددهم 560 نائباً بالإجماع على المشروع بعد مناقشته بحضور راوول كاسترو الأمين العام للحزب الشيوعي. وافتتح باب النقاش على الدستور الذي ساهمت فيه نقابات واتحادات وجمعيات وهيئات مدنية متنوّعة، إضافة إلى جمهور واسع، لسماع آرائهم ومقترحاتهم طيلة ثلاثة أشهر من 15 أغسطس/ آب لغاية 15 نوفمبر /تشرين الثاني قبل عرضه على البرلمان (ديسمبر/ كانون الأول/2018).

ووصل عدد الاقتراحات إلى 783 ألفاً و174 اقتراحاً لتعديلات أو إضافات أو حذف أو إلغاء. وقامت لجنة مختصة بتصحيح 60% من النص الأصلي، وشارك في النقاش الغالبية الساحقة من الذين يحق لهم التصويت من سكان كوبا البالغ عددهم 11 مليون نسمة.

وكان من أهم التعديلات إلغاء فقرة تتعلق ببناء المجتمع الشيوعي، وهي التي كانت من أبرز ما تصدّر دستور العام 1976. وقد أثارت تلك النقطة ردود فعل متباينة، منها أن كوبا تخلّت عن نظامها الشيوعي، خصوصاً بانفتاحها على اقتصاد السوق، حيث يعمل الآن 591 ألف كوبي في القطاع الخاص، وهو ما لم يكن مسموحاً به قبل سياسات الانفتاح وتخفيف وطأة تدخل الدولة التي كانت سائدة طيلة نصف القرن الماضي.

لكن الاتجاه الآخر يعتبر مثل ذلك التطور مجرد قراءة جديدة للحظة التاريخية التي تستوجب التعاطي مع مستجدات العصر والانفتاح أكثر على الملكية الخاصة والاستثمار الأجنبي، مع حفاظ الدولة على مكتسباتها الاشتراكية وعدم التخلي عن مقاليد السلطة. واعتبر منسق لجنة صياغة الدستور أوميرو أكوستا أن هذا الدستور هو «تعبير صادق عن الطابع الديمقراطي والتشاركي لشعبنا لأنه انبثق منه ويعبّر عن روحيته».

وأكّد الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل الذي تولّى السلطة في 19 إبريل/نيسان 2018 خلفاً لراوول كاسترو الذي حكم من 2008 ولغاية 2018، بعد أن تولى شقيقه فيديل كاسترو زعيم الثورة فعلياً قيادة البلاد من العام 1959 ولغاية العام 2008، أن الدستور الجديد ينص على إعادة صلاحيات رئيس الجمهورية ونائب الرئيس ورئيس الحكومة وهو يحدد سقف الترشّح عند تولّي السلطة للمرّة الأولى ب 60 عاماً، كما يحدد مدّة الرئاسة ب 5 سنوات قابلة للتجديد لمرّة واحدة.

وقد أثار موضوع «زواج المثليين» نقاشات حادة وردود فعل كبيرة بسبب الصيغة الملتبسة التي احتواها الدستور بتعريفه الزواج بأنه «اتحاد بين شخصين» وليس بين رجل وامرأة، كما هي حال دستور العام 1976، وكانت غالبية المشاركات والمشاركين قد عبّرت عن رأيها برفض هذه الصيغة التي تم العدول عنها، والإبقاء على الصيغة القديمة التي تغلق الباب أمام زواج المثليين.

ويحتوي مشروع الدستور الجديد على ديباجة و224 مادة، وسيقوم بنسخ دستور العام 1976، الذي جاء في ظروف الصراع الأيديولوجي الحاد وثقافة الحرب الباردة، فهل سيشكل الدستور الجديد قطيعة مع الثورة، لاسيّما لأجيال ما بعد الثورة؟ أم أن الدولة أصبحت من القوة بمكان فأخذت تجري مراجعة للتجربة بإيجابياتها وسلبياتها، متوسمة إحداث إصلاحات هيكلية وضرورية في بنية النظام؟

ولعلّ دواعي الإصلاح كان قد مهّد لها راوول كاسترو الذي قام بتشجيع السياحة الأجنبية التي ارتفعت من 400 ألف إلى 4 ملايين سائح والسماح ببيع وشراء المنازل والممتلكات وإدخال مقتنيات التكنولوجيا والعولمة مثل الأنترنت والكومبيوتر والهواتف النقالة وتخفيض العمالة الحكومية والقيود المفروضة على الكوبيين للسفر وتوزيع الأراضي على الفلاحين وتشجيع الاستثمارات الأجنبية.

وكان مثل هذا التطور والانفتاح يحتاج إلى قاعدة تشريعية ودستورية شرعية لمواجهة التحديات المجتمعية، تلك المرتبطة أساساً بالتنمية والحريّات، ناهيك عن التحديات الإقليمية والدولية، لاسيّما بعد الزيارة التاريخية لباراك أوباما إلى هافانا ( 20 مارس /آذار 2016).

«حروب سبعة، آخرها الحرية والحداثة» كان هذا عنوان فقرة ختامية في كتابي الموسوم «كوبا- الحلم الغامض»، (دار الفارابي، بيروت، 2010) والحروب الخمسة اجتازتها كوبا بنجاح خلال القرن ونصف القرن الماضي، ورغم ما تحقق، فإن حقل الحريات وحقوق الإنسان بحاجة إلى إعادة نظر، وإقرار بالتعددية وحرّية التعبير وحق الاجتماع والاعتقاد والتنظيم والمشاركة، فقد أدى التضييق على هذه الحقوق إلى استثمار الثورة المضادة لهذه الثغرات والمثالب، الأمر الذي كان يحتاج إلى مراجعة جادة ومعالجة إيجابية لإدراجها في الدستور.

وسيبقى مصير كوبا ومستقبلها رهناً بمواجهة التحدي الخاص بقدرتها على الاستثمار بالعلم والتكنولوجيا لمواكبة التطور العالمي، والتي ظلّت محرومة منها بسبب الحصار الأمريكي الجائر عليها منذ ما يزيد على نصف قرن، إضافة إلى شحّ الإمكانات والعزلة ونقص الموارد.

ويأتي الدستور بمثابة الجرعة الأولى للانتقال الديمقراطي بمبادرة من داخل منظومة النظام لاعتبارات براغماتية ولكسر حالة الجمود السياسي والركود المجتمعي والحراك الشعبي ولتطوير الاقتصاد وفكّ العزلة، ولكن المطلوب اليوم وفي المستقبل هندسة جديدة تربط الاشتراكية بالديمقراطية، وتضفي عليها «وجهاً أكثر إنسانية»، وذلك هو الضمان لتحقيق مجتمع أكثر عدالة.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

لا يُعرف بالضبط نسبة المغتربين العرب، الذين يعيشون في بلدان المهجر، كما لا يُعرف كم من بينهم هي نسبة النساء والشباب والشيوخ، الذين يعانون الكثير من التحديات منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تلاها من أحداث وصراعات سياسية واجتماعية سيما بعد إنتهاء الحرب الباردة وسقوط المعسكر الإشتراكي ونتيجة لما يُعرف بـ "الفوضى الخلاقة" التي أدت إلى إنهيار الإستقرار في منطقتنا العربية. أيضاً الأحوال الإجتماعية والقوانين المشددة التي تتعارض مع حقوق الإنسان وكرامته في العديد من البلدان العربية، بالإضافة إلى سوء الأوضاع الإقتصادية وإرتفاع نسبة البطالة والحد من تحقيق طموحات الشباب وحرمانهم من كامل حقوقهم. كلها أدت إلى إتساع فك إرتباط الانسان العربي بموطنه الأصلي وترك آلاف المواطنين مسقط رأسهم والتوجه سبيل الهجرة والرحيل مغامرين بحياتهم لاجل الحرية في بلدان شتى وبشكل خاص الدول الصناعية.      

وعلى قدر أهمية توحيد جهود مؤسسات المجتمع المدني العربية لتيسير شؤون الجالية والدفاع عن مصالحها، إذ لم نقل المصالح الوطنية والقومية على أقل تقدير. فقد باءت جميع المحاولات الفردية بهذا الإتجاه بالفشل سابقاً، بسبب التناقضات العامة وغياب الظروف الموضوعية.. فالفكرة من ناحية المبدأ لا بأس بها، انما واقع التجربة في هذا المجال كما يعلم الكثيرون، كان ولا يزال مريراً وشاقاً للغاية، على الرغم من وجود منظمات مجتمع عربية لا تعد ولا تحصى، ومن كل قطر كذا تجمع، يتنافس داخلها كل من موقعه، على منصب قيادي محسوباً بـ "المثقال". قطعاً جميعها، سواء على مستوى الجمعيات أو "الكومونات" أو الأفراد، لم تستطع تحقيق مشروع كهذا ولا أبسط منه بسبب الولاءات السياسية والحزبية الضيقة والانتماء العرقي والعقائدي ومحاربة البعض للبعض الآخر. وإن وقع في قمقام من الأمر، كما يقال، وإنتقلنا من المحسوس الى المعقول بعيداً عن التمنيات والعواطف، سيبقى "الهدف" بؤرة للتوتر وسيكون عرضة للانتهاك والتمرد لأجل السيطرة والاستحواذ كما جرت العادة داخل الكثير من التجمعات. ويشتد الصراع وميل طرف لهذا الصوب وآخر إلى ذاك. ويتخندق أصحاب المحسوبيات بإتجاه البعثات الدبلوماسية "العربية" ومكافأتها بالتعاون. ويعرف القاصي والداني أن هذه البعثات لم تقدم شيئاً يذكر لمواطنيها، وهي من ساهم بسبب إهمالهم على تراخي مفهوم الانتماء للوطن لدى العديد من أبناء الجاليات المغتربة. وان رمزية هذه البعثات بالمجمل تتلخص بخدمة أنظمة متسلطة فاسدة، هي سبب مغادرة العديد من المواطنين أوطانهم بما في ذلك العقول العلمية والثقافية وأصحاب الخبرة.. نعتقد بأن المعرفة تقود إلى الحقيقة التي يبلغ فيها منسوب المنطق مستواه للفصل بين المتناقضات وكشف المستور دون مجاملة على حساب المبدأ.

ففي ظاهرة جديدة غير مطمئنة يحيطها الكثير من الكتمان وملاباسات واوهام، يجري على "الواتساب" مؤخراً تبادل رسائل حول فكرة تأسيس مركز للجالية، يحلم البعض أن يكون نواة "لوبي عربي" في برلين. تحت مسميات مختلفة، تفتقر للعديد من المباديء والأسس والشروط. ولا يسمح بإبداء الرأي والنقد أو المساءلة كما هو متعارف عليه في البلدان المتحضرة وتكفله النظم السائدة قانونياً. وما لا يجوز عرفاً، ما يقوم به القائمون على الترويج من نشر أرقام هواتف ممن تكرموا بالكتابة من باب الفضول دون إذن منهم، ويحظر من تتعارض أراؤه وتصعب الاجابة على تساؤلاته على أهميتها. مما إضطر الكثيرين إلى إيقاف التواصل دون التمكن تقنياً من حذف أرقام هواتفهم الشخصية.. السؤال: إن كان ثمة اعتقاد بأن هناك حقاً رغبة جامعة بإتجاه هكذا مشروع خيالي.. فكيف لنا أن نتعاطى معه بهذه الطريقة ومنشأ الاستحواذ بات واضحاَ، يشكل الفصل الأول من مسرحية غير مكشوفة معالمها الحقيقية والنوايا التي تقف وراءها؟.

وإن كان البحث عن إطار جديد يتناسب مع حل مشكلة تشتت أبناء الجالية العربية مجتمعياً، هدفاً بحد ذاته. فيقتضي ذلك أولا، إدراك أهمية الحفاظ على التنوع الحضاري، ووضع خطط إنمائية للتجانس بين الثقافة والفكر لنقل المغترب إلى موقع أفضل تجاه مشروع كهذا. إذ أن "الكومونة المجتمعية العربية" من وجهة نظري لا تجد نفسها معنية بما يدور حولها قطعاً، سيما فيما يتعلق بـ "الاندماج الثقافي ـ الاجتماعي" الذي يفهم في أغلب الأحيان بشكل خاطيء. كما أنها منفصلة تماماً عن جوهر قضاياها الموضوعية، المجتمعية والوطنية. وثمة حقيقة تم إغفالها: أن المجتمعات العربية بما في ذلك الوسط الثقافي في المهجر، منفصلة عن بعضها البعض، وكل يبحث عن أبناء ملته منفرداً، بعيداً عن أي مشاركة في الشأن العام كنصرة شعب فلسطين واليمن مثلاً. ومن لا يعلم، أن أي دعوة لفعالية ثقافية أو وطنية متميّزة لا تحظى بإهتمام كبير من قبل أبناء الجالية العربية، فيما يتقاتلون لشراء بطاقة باهظة الثمن لحفل تافه.

ومن المؤسف لم يستوعب الوافدون الجدد من أبناء الجاليات العربية أهمية المفاهيم المتأصلة بعالم غير العالم الذي عاشوا واعتادوا عليه، كالإندماج ومد جسور التبادل المعرفي والثقافي والتفاعل المجتمعي، التي من شأنها إن تكون مصدراً مكتسباً، للتقارب ومد الجسور بين الحضارات والمجتمعات المختلفة الثقافات، لمواجهة التحديات والتكيّف مع الواقع الجديد والدفع به نحو منظومتنا الثقافية والاجتماعية بأساليب إبداعية خلاقة. وهي في واقع الحال آفاق إعتبارية قيمة تتفاعل مع مرور الزمن بشكل طبيعي عند الأجيال، سيكولوجياً ووجدانياً، تنمي ذائقة المغترب نحو جمالية التنوع ومعنى الثقة بنفسه وقدرته على التكيف وجودياً ومجتمعياً وسياسياً، الأمر الذي ييسر عملية تغيير البنية الجماعية بشكل مميّز.  

كما إن طبيعة العلاقة بين مؤسسات المجتمع العربية من جهة، وبينها وبين أبناء الجاليات العربية ومنهم المهاجرون الجدد الى بلاد الإغتراب، لم تنضج. ولا يزال ما كان يتطلب عمله، تأسيس "مجلس تنسيق بين الجمعيات" بعيداً، ودور الجاليات على المستوى العام لم يُفعل. ولم يفكر أحد قطعاً بأهمية صناعة التواصل "المتبادل" بين الأجيال، سيما في المجال الثقافي والاجتماعي والسياسي. أيضاً "التكامل المجتمعي" داخل المنظومة العربية، الذي سيقوّم إرادتها ويؤثر إيجاباً على المسلك السياسي لها في العلاقات الثقافية والعامة داخل المجتمع الجديد. أن ما تقدم من ملاحظات وآراء، هي لسان حال تجارب وعينات بينية امتدت لسنوات طويلة على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي والطلابي والنقابي، وعلاقات غير قصيرة بين أوساط الجالية العربية والمجتمع الألماني. أصبح تشخيص الخلل والتحريض لمواجهته، مسألة جدلية، تجعل تحريك الكفاءات العربية على المستوى الثقافي والسياسي، أمراً مطلوباً. كما يشكل مصدر قوة للبحث عن حلول أفضل وبطريقة عقلانية، بعيداً عن أهواء إرتجالية مبنية على تصورات ساذجة لا تمتلك من المواصفات والنضج.

أتساءل: هل بإستطاعة "فلسفة الرغبة" غير محسوبة النتائج أن تغيّر الواقع وتحقق ما يطمح إليه حقاً أبناء الجالية وفي مقدمها الدفاع عن مصالحهم في بلاد المهجر، ومواجهة الحدث الذي ينال من مصالح الوطن العربي وحقوق شعوبه في اي محفل على الساحة؟. وهل حقاً، "المصالح العامة والوطنية" لها قداستها وموضع إهتمام المغترب العربي؟. الحقيقة بالمطلق لا !!.

إنني أشك بأن هناك قوى فاعلة تمتلك مقومات موضوعية، مؤسسات مجتمع مدني أو كومونات جماعية معنية بموضوع كهذا؟. لكن السؤال المهم، ما الهدف أصلاً من وراء ذلك وفي هذا الظرف تحديداً؟. إذ ليس من المعلوم مَن مِن "النشامى" يقف وراء هكذا مشروع عديم الفائدة، يفتقر للعنصر البشري ويلاقى الاستهجان الواسع. بيد أن هناك بالملموس "لوبيات أجنبية" استطاعت أن تحقق ما تطمح، أثر علاقات سياسية وثقافية ومادية متراكمة، ووجود جهد إعلامي وبحثي ومجتمعي يدعمها، إلى جانب ـ وهو المهم ـ إلتزام أبنائها بمبدأ التكامل الاجتماعي والتمسك بقيم التضامن والانتماء. في الوقت الذي تفتقر الجالية ومؤسسات المجتمع العربية إلى هذه الإمكانيات، ولم تتمكن على قدر تنوعها وتعددها الكمي تحقيق ما تطمح إليه على مدى أجيال، قضى منهم ولم يحصد شيئاً لا هنا ولا هناك على الطرف الآخر من ضفاف الوطن.

إن الإرتباط بالأوطان قضية حساسة، تشكل للجيل الأول من المهاجرين العرب الذين يسميهم أفنان القاسم "بالغرباء" في سياق وصف دراماتيكي دقيق، إلتزاماً أخلاقياً ووطنياً لا جدال فيه:[مقاه شاحبة منعزلة عفنة، يتلاقى فيها غرباء مسافرون أو منفيون فيما بينهم، إنهم ليسوا مشردين ولا مهاجرين بل هم مستلبون ميتافيزيقيون، صاروا غرباء عن أنفسهم من فرط ما انتظروا اللحظة غير المحتملة التي يمكنهم فيها العودة إلى بلدهم]. وصف القاسم تحريض للإنتقال من التقوقع والجمود للوصول إلى صيّغ جديدة من الأنماط في حياة الجالية العربية. وهذا التحدي بالذات يقترن بأي جيل نتحدث عنه بالنسبة لأبناء المهاجرين من الجيل الأول. وعلينا أن نعترف، إن الهجرة والتهجير قسراً نحو الخارج هي مسألة سياسية بإمتياز، ولم يكن الإختيار طواعية، بل نتيجة الصراع الطبقي وقهر الإنسان اقتصادياً وإجتماعياً وملاحقته سياسياً. أيضاً الحروب والاحتلال وفقدان الأمن وإنتزاع الهوية وإقتلاع الشعور بالإنتماء للوطن والتربة من جذورها، اضطرت الكثيرين للهجرة إلى عوالم ومجتمعات بديلة، تحملوا المشاق إلى أن استقر بهم الأمر أو كاد.   

لقد لعب الفكر المعاصر في الغرب، دوراً فلسفياً إيجابياً في مجال التقارب الثقافي والفكري بين الحضارات، لكنه أخفق في أغلب الأحيان إذا ما تناول ذلك من زاوية سياسية بحتة، حيث يغلب طابع الإنحياز حداً مفصلياً على حساب مبدأ الحوار بين الثقافات والتعايش المجتمعي. وإذا كان دور المستشرقين والمستغربين "العلمي لا الأيديولوجي" من حيث النشأة، هاماً ومتنامياً في مجال توأمة التبادل الحضاري ـ الثقافي لا السياسي، إذا جاز القول، فالصورة عندما نتحدث عن مسائل الإندماج والإنتماء أو الهجرة والإغتراب، لاتزال ملتبسة في عقولنا شكلاً ومضموناً حد بتر الشرق عن الغرب حضارياً وتاريخياً. ولا نستطيع على ما يبدو أن نضعها في سياقها المادي والمعنوي، فيما يؤثر على ترسيخ إرادتنا في مجتمعات جديدة علينا. نستوعبها كما نستعد لمواجهة تحدياتها، وليس الهرولة وراء من دأب على المغالاة في الإندماج الكامل دون الربط بين كينونيتنا وتراثنا الحضاري والثقافي كأي شعب وأمة.  

لكنني أرى من حيث إتساع ظاهرة الولاءات الطائفية والعرقية والسياسية والإنحياز الأعمى للتعصب الديني وغياب الوعي عن مواجهته، ومن حيث تحوّل التباين الفكري إلى صراع أيديولوجي من أجل المصالح الخاصة والفئوية. أيضاً، التباين الجنسي بين الذكور والإناث وعبودية الرجل للمرأة داخل منظومتنا الاجتماعية وإنتقالها من الداخل إلى المهجر. ويؤسفني التأكيد على أن هذه الظاهرة قد أصبحت مورثاً في غاية من الإحاطة والكتمان داخل العديد من المجتمعات العربية في بلاد الإغتراب، وتقف حائلاً أمام الإندماج المجتمعي بين أبناء الوطن الواحد والمنظومة المجتمعية العربية أيضاً. أقول علينا تقع مسؤولية كبيرة لمواجهة هذه التحديات وتأثيرها مستقبلاً على الأجيال القادمة. وعلى الأطراف المعنية إن رغبت في تغيير هذا الواقع المرير، عليها أن تتجه بعناية فائقة من خلال حوار موضوعي مشترك، إلى إيجاد آليات متكافئة قابلة للتحقيق دون كلفة باهظة لا تستطيع تحملها، مادياً وتقنياً وبشرياً.. كما يتطلب حسب تقديري التدرج في البناء، أفقياً وعامودياً، وفق معايير واقعية أساسية تتوفر فيها الضمانات اللازمة وأهمها الصدق والمسؤولية والكفاءة والخبرة والتنوع الفكري والبشري. إذ هي المدخل الأساس الذي نستطيع على أساسها رسم المحاور التي ينبغي أن نركن لمعالجتها على أرض الواقع، ننسج ونبني طبيعة العلاقة فيما بيننا دون شروط وإملاءات لنرتقي بمستوى صناعة الحدث الذي نعتقد بأنه جوهر القضية التي يدور في فلكها كل الجماعات والمنظمات.

ما يعنيني موضوعياً في هذا المضمار البحث عن صياغات جديدة تساعد على إيقاظ الأصالة ومبدأ المسؤولية لدى أبناء الجالية في المهجر وجعلهم أشد تعلقاً بإنتمائهم الوطني وأكثر إنجذاباً إلى المنشأ والتأريخ والثقافة واللغة والأعراف والمعتقدات والتقاليد، إذ كلها تشكل موروثاً حضارياً نعتز به ونسعى إلى مغازلته الموروث الحضاري الذي إقتربنا منه حديثاً في مجتمعات جديدة علينا بشكل جذاب. لا البحث عن مجالس وهمية كي نزيد رقماً لما هو قائم من تجمعات فيها من الإشكاليات التي اعتاد عليها أبناء الجالية العربية على كافة الأصعدة والمجالات.  

 

عصام الياسري

 

عبد الجبار الجبوريعسكرياً هُزمتْ اليوم، مايسمّى الدولة الاسلامية في العراق والشام (دولة الخرافة)، تنظيم داعش الإجرامي، في كل من سوريا والعراق الى الأبد، وبقيّتْ عصاباتُها تقاتل من أنفاق في عمق الصحراء الغربية بالعراق، وتهاجم ليلاً هذه القرية أوتلك، إذن داعش إنتهتْ كتنظيم يهدّد المدن المحرّرة، بعد أن إنشّلت قدرته العسكرية، وفَقَد حاضنته الى الأبد، اليوم بدأتْ معركة أخرى، ولكنّها ليست عسكرية، وإنما معركة سياسية، أقسى وأمرّ من المعركة مع داعش، التي ستفضي بالتأكيد الى معارك داخلية، تمهّد لعودة داعش بصورة وأخرى، وهي الأقسى من داعش وجرائمه، هذه المعركة، هي معركة تقسيم العراق، في مرحلة ما بعد داعش، وهناك عدة سيناريوهات طافت على السطح السياسي، الاوّل هو الدعوة لإقامة إقليم نينوى، وهو مشروع يجري الإعداد له من خارج المدينة من مدينة دهوك، وقيادته من اهل الموصل أي لم يعيشوا معاناة وكارثة ما حلَّ بأهل الموصل، وتدعمه جهات لها مصلحة في إقامة هذا الاقليم، بالرغم من النوايا الصادقة لمن يقود دعوة الاقليم، ولكنّه مشروع تدميري لنينوى، لأن الصراع السياسي للأحزاب، القومي والطوائفي والديني والمذهبي هو من سيقوّض نوايا من يقود المشروع، إضافة أن نينوى، ليست نينوى، هي مختطفة لدى جهات دولية وإقليمية، وأحزاب سياسية وطائفية تسيّطر على المدينة بالقوّة، معتمدة على الدعم العسكري الخارجي، كما يعرف الجميع، ولاتسمح بإنجاح تنفيذ أقامة الاقليم الاداري، وهناك السيناريو الثاني، ألا وهو إعلان مدينتي سنجار وتلعفر كمحافظتين واحدة للإخوة الإيزيدية، يدعمها حزب العمال الكردستاني وبعض الاطراف في الاحزاب الكردستانية، هي سنجار، والثانية دينية تدعمها الأحزاب الطائفية الحاكمة، هي تلعفر، وهناك سيناريو ثالث ظهر بعد الزيارة المشبوهة للسفيرالايراني لمدينة سامراء، ودعوته لحكومة عادل عبد المهدي، لجعل مدينة سامراء محافظة منفصلة، عن محافظة صلاح الدين، وربّما يسلّم مسئولية المحافظة لإشراف إيران عليها، والتحكّم بها من خلف الستار بغطاء ديني وهدف سياسي، أما السيناريو الرابع وهو إعادة الدعوة لإقامة أقليم البصرة، وهو مشروع تقسيمي مدعوم إيرانياً وبقوّة، بعد أن فشلت الدعوة من قبل، وحصل مروجو الإقليم على نسبة خجولة، وهزيمة ساحقة من أهل البصرة الفيحاء الاصلاء 16%، إضافة الى سيناريهات اخرى غير ظاهرة منها إقليم الانبار، السؤال لماذا في هذا الوقت، خرجتْ الاصوات النشاز، للمطالبة بإنشاء أقاليم ومحافظات منفصلة، عن الحكومة المركزية أو من سلطّتها، ولكي نجيب على هكذا أسئلة ملحّة، تشغل الشارع العراقي، بل وترعبه وتقلقُه، لأنها مشاريع تهدّد وحدته الجيوسياسية والاجتماعية، وتنذر بحرب أهلية وطائفيّة، نقول إن معركة التقسّيم إنطلقت الآن، لأسباب داخلية وخارجية، الداخلية، هو الفشل الحكومي المتواصل، في تشكيّل حكومة ناجحة ومتوازنة، تمثّل كل أطياف المجتمع، إضافة الى الفساد المستشري في كل مفاصلها، بسبب هيمنة الأحزاب الطائفية التي تدعمها إيران، وتهميش وإقصاء مكونّات المجتمع العراقي، وإستحواذ جميع المناصب السيادية والامنية والاستخبارية والمخابراتية لها، وهيمنة إيران لتنفيذ أجندتها ومشروعها في المنطقة، والذي يدعونه بال (البدر الشيعي)، وإقامة (دولة العدل الالهية)، برعاية ولي الفقيه المرشد الخامنئي، وأسباب خارجية، وهو الصراع الامريكي – الايراني، للتحكم بموارد وثروات العراق، وموقعه الاستراتيجي الجيوسياسي، إذن تفكيك العراق وتقسيمه هو مشروع امريكي – ايراني، كل من مصلحته وتحقيق مشروعه، فيما ترفض تركيا ودول الخليج العربي في دعم إقامة مثل هكذا مشاريع، ليس حباً بالعراق، وإنما حفاظاً على أنظمتها من التفكك والتفتيت والتقسيم، بل تدعم إعادة التوازن وإنهاء الإقصاء والتهمّيش، الذي تعاني منه طوائف وقوميات ومكونات عراقية، كالسُّنة والتركمان والإيزيدية والمسيحيين وغيرهم، إذن معركة التقسيم في العراق، ماضية في ظلِّ صراع سياسي بين الأحزاب نفسها، وصراع دولي بين امريكا وايران، وصراع اقليمي بين إيران التي تسيطر على العراق، وبين دول الخليج العربي والسعودية وتركيا، فهل تنجح عمليات التقسّيم وزرع بذور الفتنة الطائفية، بإستحداث محافظات على أسس طائفية وقومية ومذهبية وعرقية، كما تريدها إيران وأحزابها، وهل تكفي النوايا الصادقة، لإقامة أقاليم إدارية، للخلاص من هيمنة إيران وأحزابها المتسلطة في بغداد، وتحكّمها في مصير العراقيين، في ظلِّ وجود مدينة منكوبة ومدمّرة، ونصف سكانها خارج المدينة، والنصف الآخر يعيش ظروفاً قاسية جدا، بعد معركة وهزيمة داعش، النوايا الحسنة والصادقة لاتكفي، لقيام هكذا أقاليم، تفتقد الى مقومات الاقليم الادارية والنفسية والسياسية والمجتمعية، لأننا شعب لم نتعود ولم نعش في ظل حكم الاقاليم، منذ تأسيس الدولة العراقية ولحد الآن، ولانشبه أن نستطيع أن نتشبه لدول اوروربا وامريكا الفدرالية، لهذا سيفشل حتماً دعاة الإقليم في نينوى والبصرة لهذه الأسباب، إضافة الى الصراع الطائفي السياسي والوضع الامني الكارثي المتعدد الرؤوس وتسلط جهات خارجية مسلحة لانعرف من وراءها نينوى، تتحكم في وضعها الامني، إذن معركة التقسيم التي ظهرت مؤخراً لها اهداف سياسية أولا وطائفية ثانياً، تدخل البلاد في أتون حرب اهلية طاحنة قد تطول أو بلا نهاية حتى، ولهذا نعتقد، ألأصرارعلى تنفيذ مثل هكذا مشاريع تقسيمية، هو نوع من اعلان الحرب، وإدخال العراق بحرب ونفق الحروب التي عانينا منها في اعوام مابعد الاحتلال حتى ظهور تنظيم داعش الارهابي، الذي كان نتيجية حتمية لحرب طائفية سببتها السياسة الطائفية ومنهج الاقصاء والتهميش، والاجتثاث وحل الجيش السابق واصدارقرارات الثأر والانتقام من مكون بعينه، نقول اليوم وبكل صدق، أن ظهور داعش مرة أخرى في مدن الغربية، هو إحتمال لاتريده هذه المدن، وإن أُجبرت عليه في السابق، بسبب سياسة المالكي الإنتقامية، التي سلّمت المدن لتنظيم داعش الارهابي، وجرى ما جرى، فإذا كانت الحكومة والأحزاب المتنفّذة، جادة في عدم السماح لداعش بالعودة، وهي الوحيدة التي بيدها الأمر، وليس بيد أهل المدن المحرّرة من داعش، لأن السلطة هي من يتحكّم بها، فلتعالج أسباب عودة داعش، وأولى الأسباب هو القضاء على الفساد، الذي تمارسه أحزاب السلطة ورموزها وميليشياتها، بدعم ايراني واضح، وتعالج عملية الإقصاء والتهميش، وإطلاق مبادرة المصالحة الوطنية الحقيقية، وتطبيق شعار المصارحة قبل المصالحة وطي صفحة الماضي الأليم الأسود، بعيداً عن الإملاءات الإيرانية ونواياها المسّبقة الانتقامية والثأرية وأحقاد وأمراض التاريخ وأحقاده العالقة في سياستها، والتي لاتريد أن يستقر العراق، ويعود النازحون الى ديارهم، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وغيرهم، ممّن لم تلوّث أياديّه في دماء العراقيين، كائناً من كان، وتخرج من عباءة وهيمنة المؤثرات الايرانية والامريكية، وإلاّ فإنشاء محافظات جديدة على أسس إدارية، لاغبار عليه بل نطالب به، ويفضّل أن تؤّجل الى وقت آخر، لأنّ إنشاءها في هذا الوقت بالذات، يعني ايقاظ الفتنة الطائفية النائمة، على العموم، هذه السيناريوهات تطرق أبواب الحرب بين العراقيين، في وقت حَرج جدا، هو خروجه من حرب طاحنة تدميرية مع داعش، وفي ظل وجود ملايين العراقيين، بين مهّجر ونازح ومتغرب ومغترب خارج العراق، ووضع أمني سيء تتحكّم به أكثر من جهة اقليميّة ودولية، وتأزم العلاقة بين الإدارة الامريكية وإيران، والتي قد تصل حد أعلان المواجهة العسكرية بين الطرفين، حتى تظهر علامات التقسيم مجسّدة بتوقيت خاطيء، بدعم دولي وإقليمي، بكل تأكيد وبثقة لأيشوبها الشك، أن مسألة تقسيم العراق، الى أقاليم إدارية في ظاهرها وطائفية وقومية في باطنها، وإنشاء محافظات كقنابل موقوتة، هو محض اللعب بالنارومحض سراب، لأن طريق التقسّيم، سيكون مسدوداً أمام هكذا نوايا لانقول عليها شريرة، وإنما تحملُ بصماتها، التقسيم الذي يريده أهل التقسيم سيفشل حتماً، وتتحطّم نواياه الشريرة على صخرة الوعي العراقي، ذي التاريخ الحضاري، ولهم في اقليم البصرة إسوة سيئة، العراق لاُيقسّم إلاّ على نفسه، ولتذهب مشاريع الفدرلة والتقسّيم، وإنشاء محافظات طائفية، وعرقيّة وإثنية ومذهبية الى الجحيم ...

 

عبد الجبار الجبوري

 

هل العراق ما بعد الإحتلال الأمريكي للبلاد، يحمل سمة الدولة؟ هل هناك معالجة حقيقيّة للملّفات التي لازالت دون حلول جوهريّة من خلال إصلاح الوضع السياسي بالبلاد؟ هل هناك إمكانيّة لإصلاح الوضع السياسي بالبلاد، دون وجود مشروع سياسي؟ وهل من الممكن بناء دولة عصريّة ترعى مصالح المواطنين بشكل متساو، دون عمليّة سياسيّة؟ هذا الأسئلة علينا الإجابة عليها بشكل دقيق، قبل أن نتفق على وجود عمليّة سياسيّة بالبلاد أصلا، وعندما نقول عمليّة سياسيّة فإننا نعني بها هنا عملية تستطيع تنفيذ بناء الدولة التي توفر المناخ المناسب لإيجاد بنية إجتماعيّة متماسكة وبيئة آمنة ومستقرة لمجموع شعبها، من خلال مشروع سياسي يعالج الأزمات التي ترافق " العمليّة السياسية" منذ الإحتلال لليوم. فالعراق اليوم وهو يتخبط في لا عقلانيّة من يمسك بزمام أموره، ليس  بحاجة الى إصلاح سياسي ، ليس لأنّ الإصلاح السياسي لا تتوفر شروط إجراءه لغياب نظام ديموقراطي حقيقي، وليس لأنّ الغالبيّة العظمى من القوى السياسيّة العراقيّة لا تريد إصلاح واقع فاسد ساهمت وتساهم في ترسيخه، وليس لعدم وجود قوى قادرة فعلا على تنفيذ الإصلاح. بل كون العراق بحاجة الى بناء عملية سياسيّة تهدم كل ما خلّفته قوى المحاصصة منذ وصولها الى السلطة لليوم، لأن ما يقال عن إصلاح لما تسمّى بـ " العملية السياسيّة" لا يمكن حدوثه ونحن نفتقر الى قوى سياسيّة مساهمة في " العملية السياسية" منذ إنطلاقها أو من خارجها، ولها تأثير كبير على الشارع السياسي علاوة على إيمانها بمشروع الدولة بمعناها الحقيقي. فالحقيقة التي علينا قبولها ونحن نراقب ما يجري في وطننا، والتي علينا أن نراها بعيون مفتوحة. هي أنّ ما تسمّى بـ "العمليّة السياسية"، تمتاز بقبح لا ينفع معها كل عمليات التجميل، ناهيك عن الماكياج الذي يراد له أن يجمّلها. والأنكى من الأثنين هو: أنّها تمتاز برائحة طائفية كريهة، وتعيش في مستنقع طائفي فاسد يعتاش على سرقة ثروات وطننا وشعبنا.

أنّ الدولة بمفهومها غير المحدّد بتعريفات ثابتة  وفق القاموس السياسي أمام أسئلة كبيرة عن مشروعيتها بالعراق، فالعراق كــ "دولة" اليوم لا يعيش صراعا طبقيّا بالشكل المتعارف عليه، رغم إتّساع رقعة الفقر بين نسبة كبيرة من عدد سكّانه، فـ "الدولة" اليوم تعمل كأداة لطائفة ضد طائفة، وهذا بحد ذاته يلغي مفهوم الدولة بالكامل، وكون " الدولة" تراجعت عن تمثيل كافّة أبناء الشعب بشكل متساو، ولم تنجح في توزيع الثروات بشكل متساو وعادل، لذا فمفهوم الدولة من الناحية النظرية على الأقّل أمام تساؤلات مفتوحة عن شرعيتها، إن لم نقل وجودها.

الدولة اليوم بالعراق لا تأتي كونها صراع بين طبقات بل كونها صراع بين طوائف دينية، وهنا تحديدا تكون هي المسؤولة وإن إمتازت بمواصفات وتعريفات الدولة، عاملا على إنهيارها. فالدولة وإن كانت شخصيّة معنوية، تحوّلت  اليوم بالعراق الى سلطة تجيد فنون الصراع الطائفي وليس الصراع الإجتماعي، سلطة بعيدة عن تعريفات الدولة بالمطلق تقريبا.

يقول لينين في تعريفه للدولة من أنّها: "هيئة لسيادة وهيمنة طبقة على أخرى بقوة القانون كتعبير عن حالة الصراع بين الطبقات الاجتماعية". وتعريف لينين هنا يؤكّد عدم وجود دولة بالعراق لأسباب منها، غياب القانون

والذي إن وُجد فأنّه لا يمثل الّا مصالح رجالات السلطة الفاسدة، علاوة على عدم قوّته أصلا، فنراه متراجعا بجبن أمام قانون العشائر وقانون الميليشيات، ومنحنيا بذل أمام فتاوى المؤسسة الدينية التي هي أقوى من القانون! كما وأنّ الصراع مثلما ذكرنا قبل قليل هو صراع طائفي وليس صراع إجتماعي أو طبقي.

في تفسيره لوظيفة الدولة تجاه سكّانها وتأثرها بالعقل الجمعي، يرى الفيلسوف وعالم الإجتماع الفرنسي ( أميل دوركايم)، " أنّ من أهم واجبات الدولة هو تحكمّها وسيطرتها على العقل الجمعي للسكّان للحيلولة دون إنزلاق الخلاف الذي قد يحصل بين طوائفها وقومياتها المختلفة الى حرب أهليّة". ولو عدنا الى المثال العراقي اليوم، سنرى أنّ السلطة قد نسفت مفهوم الدولة ووظيفتها من خلال، مساهمتها الفعّالة في نشوب حرب أهليّة طائفيّة دفع شعبنا ولليوم أثمانها غالية جدا. كما شاركت أيضا بصدامات قوميّة ساهمت بتمزيق النسيج الإجتماعي، ووضع الدولة كمفهوم وكيان في خطر كبير. ووفقا والتفسير لازال لـ  (دوركايم) " فأنّ الدولة القويّة هي من تضع مشاكل شعبها على طاولة وتُشارك الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وأبناء شعبها في إيجاد الحلول المنطقية لها بما يعزز السلم المجتمعي، كما على الدولة أن تبتعد عن جميع مكونات شعبها بمسافة واحدة، والا فلا داع لإستمرارها".

لا يُمكن إصلاح أي شيء دون أن يكون ذلك الشيء موجودا، فلا يُمكن إصلاح سيّارة عاطلة مثلا دون أن تكون السيّارة موجودة، ولا يُمكن إصلاح بناء آيل للسقوط إن لم يكن هناك بناء أصلا، كما وأنّ الإصلاح وليكون إصلاحا حقيقيا فهو بحاجة الى عمّال ومهندسين ذوخبرة في مجال عملهما ويمتازون بالمهنية والحرفيّة، والّا فأن عملية الإصلاح وإن تمّت فأنها ستفشل وبذلك ستُهدر أموال وجهود ووقت. وإصلاح المؤسسات لايختلف بشيء عن الإصلاح الذي تطرقنا إليه قبل قليل، فإصلاح المؤسسة التعليمية بحاجة الى وجود عملية تعليميّة بالأساس، ولإصلاح العمليّة هذه سنكون بحاجة لبناء مدارس وجامعات ومختبرات، كما ونكون بحاجة الى بناء كادر تدريسي مسلّح بآخر تقنيات التعليم الحديث، ونفس الأمر ينطبق على المؤسسات الصحية والتربوية وغيرها. الا أن الإشكال الأكبر يكون عندما نتناول مفهوم إصلاح ما يطلق عليه " العملية السياسيّة". كوننا هنا بحاجة الى وجود عمليّة سياسيّة أساسا، ومن ثم التفكير والعمل على إصلاحها أو محاولة تزيين وجهها القبيح.

أي عمليّة سياسيّة بحاجة الى مشروع سياسي، تتفّق عليه أحزاب ومنظمات سياسية مختلفة أيديولوجيا، هدفها هو الوصول بالدولة للقيام بوظائفها تجاه مواطنيها والمقيمين فيها. ولو عدنا اليوم الى المثال العراقي، فهل هناك ما يشير الى قيام " الدولة" بوظائفها تجاه مواطنيها ونحن على أعتاب العام السادس عشر للإحتلال من خلال مشروع سياسي وعمليّة سياسية؟ الإجابة عن هذا السؤال تفضي الى سؤال آخر وهو الأهم: إن لم تكن هناك دولة بالشكل الحقيقي للدولة، والذي نتج وينتج لعدم وجود مشروع سياسي بالبلد، والذي يعني عدم وجود عملية سياسيّة، فهل الحديث عن إصلاح هذه العمليّة السياسية له مبرراته، وما هي هذه المبررات؟

أنّ إصلاح العمليّة السياسيّة بالعراق بحاجة الى ساسة يحترفون الوطنيّة ورجال دولة حقيقيين وأحزاب قادرة على بلورة حاجات الناس التي تتفاقم أحوالهم بشكل دراماتيكي ويومي الى حركات إحتجاجيّة، وليس الى رجال عصابات ومافيات لا تعرف الا السرقة والنهب والإنصياع الى إملاءات الدول الأجنبية والإقليميّة. وبالتالي فأنّ العراق لا يحتاج الى إصلاح العملية السياسية فيه نتيجة عدم وجود مشروع سياسي وطني، بل بحاجة الى تغيير شامل للسلطات الفاسدة الثلاث التي تتقاسم ثروات البلد سوية مع المؤسسات الدينيّة، أي تغيير شكل الحكم.

أنّ " الديموقراطيّة" بالعراق هي ديموقراطية الطوائف والقوميات، وهذا الشكل من الديموقراطية لا يبني الا وطنا للطوائف والقوميات. وهنا تحديدا تكون الدولة إن وجدت ملكا لأمراء الحرب والفاسدين. ويبقى السؤال الذي تصعب الإجابة عليه هو: هل سنرى تيارا سياسيا ينأى بنفسه عن سيرك " العمليّة السياسيّة" ليكون في مأمن من محاسبة التأريخ، والقوى الدينية القوميّة تقود البلاد نحو الكارثة. أنّ ما تسمّى بالعمليّة السياسيّة بالبلاد منذ الإحتلال الأمريكي لبلدنا ولليوم، ليست سوى عملية سرقة لتأريخ وثروات وحاضر ومستقبل شعبنا ووطننا، عملية سرقة تقودها نخب إسلاميّة وقومية وميليشياوية علينا فضحها والعمل ضدّها، لا العمل معها لبناء دولة على مقاساتها وأهدافها.

ما بين الأقواس، جاء بتصرف من مقالة تحت عنوان "مفهوم الدولة عند إميل دوركايم" للكاتب ، أحمد أغبال.

 

زكي رضا - الدنمارك

 

عبد الجبار الجبوريأمس إنتهى مؤتمر وارسو ضد الارهاب، الذي شاركت فيه أكثر ثمانين دولة، وهذه هي المرة الأولى في التاريخ، أن يجتمع هذا العدد الكبيرمن المسئولين الكبار من جميع دول العالم وترعاه الولايات المتحدة الامريكية بوفد كبير من نائب الرئيس ووزير خارجيته، لبحث قضية واحدة إتفق عليه الجميع، وإستشعروا خطورتها على العالم، ألا وهي خطرالارهاب الإيراني، وضرورة إزالة نظامه ولو بالقوة العسكرية، لأنه يمثل حسب التوصيف الامريكي (الراعي الأول للإرهاب في العالم)، وأنْ ( لاسلام في الشرق الاوسط دون مواجهة إيران)، إذن الهدف الأول من عقد مؤتمر عالمي، هو تحجّيم وإنهاء الدوّر الإيراني التخريّبي المزّعزّع لأمن وإستقرار الشرق الاوسط، الذي يأخذ أشكالاً متعددّة في الإرهاب، ويتمدّد في عواصم إستراتيجية عربية، تؤهلها للسيطرة على الشرق الاوسط جيوسياسياً، وهي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، مع تأسيس ميليشيات مسلحة مليونية تأتّمر بأوامر الولي الفقيه الايراني مباشرة (فقط في العراق أكثر من مئة ميليشيا)، ومهمة هذه الميليشيات والأحزاب هي إقامة الإمبراطورية الفارسية وعاصمتها بغداد، وإقامة (دولة العدل الالهية المزعومة لها)، وهي هدف إيران ومشروعها الإستراتيجي الديني الكوّني التوسّعي، الذي يسمّونه (الهلال الشيعي)، والذي أصبح (بدراً شيعياً كما يصرّح أتباعه)، وكانت جلسة مؤتمر ميونيخ لوزراء الدفاع والأمن خاتمة المؤتمر، والذي أفصح بشكل واضح وجَّلي، وبإتفاق الجميع، أن خطر الارهاب الإيراني أخذ يطرق أبواب الجميع، خاصة بعد الإعلان عن القضاء على تنظيم داعش في سوريا والعراق، وظهور فصائل مسلّحة متطرّفة جداً، أشدُّ وأقسى من داعش تسّمى –حرّاس الدين – تحمل بصماتها أصابع إيرانية واضحة، من خلال تنفيذ عملياتها، وطريقة التنفيذ ومكان التنفيذ وأدوات التنفيذ، مؤتمر ميونيخ وضع ستراتيجية مواجهة طهران عسكرياً، وخطوات وساعة التنفيذ، إذا ما فشل الحصار الإقتصادي والجوي والنفطي واللوجستي على ايران، وقد بدأت الادارة الامريكية أولى خطواتها بهذا الاتجاه، بإنتشارها السريع والواسع في الاراضي العراقية، وإمتلات القواعد والمعسكرات في جميع المدن العراقية، بالجيش الأمريكي المنسحب من سوريا، وتشكيّل ما يسمى – جيش السنة – لمواجهة الميليشيات، وطردها من المدن المحرّرة المتواجدة فيها، وعلى الطرف الآخر تحاول الأحزاب وقادة الميليشيات إستمالة – المدن السنية – وشخصياتها ورؤساء عشائرها، بالترغّيب والترهّيب الانضمام الى ميليشياتها أو الى الألوية التي تشكلّها حديثاً لقتال الأمريكان في العراق، وعرقلة تقدّمهم لإسقاط النظام الايراني، وشاهدنا عمليات إغتيالات لقادة الميليشيات، وإعتقالات للآخرين، وهناك وحسب المعلومات والتسريبات، صفحات لانهاء وتصفيّة آخرين، تمهيداً لتفكيّك وحلّ الحشد الشعبي والميليشيات بصورة كاملة، وحصر السلاح بيد الدولة فقط، وهذا قرار أمريكي له الأولوية في العراق، والتي أخذت تنادي به بعض المراجع في النجف، وقد اخذت تنفذ الميليشيات عمليات لتضليل الرأي العراقي والامريكي وهي عمليات غلق مقرات حشود وميليشيات تسمّيها ( وهميّة وخارجة عن القانون)، ونحن نعرف أنها كانت تقاتل الإرهاب مع الجيش والحشد الشعبي، فلماذا تفطنّت عليهم الآن الميليشيات، واخذت تصفيّهم وتجعلهم كبش فداء لها، كما فعلتْ مع أوس الخفاجي آمر لواء أبو فضل العباس وغيره، إذن المشهد العراقي الحكومي والميليشياوي والحشداوي لايحسدون عليه، لانهم أستشعروا خطر زوالهم أمريكياً، وهناك خياران لهم، أما مواجهة أمريكا عسكرياً، أو الإستسلام وتنفيذ ما يطلبه منهم الأمريكان من شروط قاسية جدا، تفقدهم سيطرتهم وقوّتهم على المدن والمحافظات والسلطة معاً، وهذا ما تصرّ عليه أمريكا، لأنها تدرك أن الميليشيات الايرانية التي تنفذ أجندة ولي الفقيه، هي سبب فشل المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة، ويصبُّ في صالح المشروع الإيراني وبنجاح، فعليهم الإسراع بإنهاء دور وسطوّة وسيطرة الميليشيات ومن يتبّعها، السؤال الإفتراضي هل ستقاتل الميليشيات الأمريكان في العراق، بعد أن تخلّت عنهم، سيدّتهم وسيدّهم في طهران، حيث صرّح الرئيس الإيراني، قبل أيام بأن إيران ( غير مسئولة عن عمليات الميليشيات خارج ايران ولا تدعمها)، فهل هناك أبلغ من هذا الكلام والصراحة، نحن نرى ونعتقد جازمين، أن أياً من قادة الميليشيات، لن يجرؤ على إطلاق رصاصة واحدة، على جندي أمريكي واحد في عرض العراق وطوله، وهذه الجنود والقادة الامريكان يتجولون في شوارع وأسواق المدن، ولايجرؤ احدٌ على إعتراضها، وما تصريحات وتهديدات قادة هذه الميليشيات، إلاّ إستعراض للقوّة الوهمّية ووهم القوّة، لرفع معنويات الأتباع لاأكثر، وهذا يجري كله، والأحداث على الارض، تؤكد أن أمريكا، تحضّرلعمل عسكري واسع ومعركة طويلة مع الارهاب، الذي تمّثل رأسه وترعّاه وتموّله وتسلّحه إيران، فبعد إعلان إنتهاء العمليات مع داعش، في آخر معاقله في الباغوز بسوريا، ستنتقل المعركة للعراق، ومؤتمر وارسو يعبتر أكبر تحالف دولي عسكري ضد ايران، وهذا كماأشرّنا يحدث لأول مرة التاريخ، لأنه وَحّد العالم، وخاصة أوربا ضد دولة ترعى الارهاب العالمي هي إيران، وتقوده أمريكا بكلّ ثقلها العسكري والسياسي، والاعلامي والتكنولوجي الفائق القوة والتفوّق، ويعتبر المؤتمر إعلان حرب بمعنى الكلمة، والدليل تهّجم الرئيس الايراني روحاني عليه، ووصْفه بأنه مؤتمراً فاشلاً، ووصفه وزير الخاراجية ظريف، بأنه مؤتمر ضعيف ومسيّس، إذن إيران أدركت بعد إنعقاد مؤتمر وارسو أنها الهدف الثاني بعد داعش، وأنها الآن في عين عاصفة الحرب، في ظل ظروف إقتصادية منهارة تعيشها وبالغة القسوة داخلياً، بعد تجمّيد الأرصدة والبنوك والتعاملات المصرفية عربياً وعالمياً معها، وفي ظل إستحضارات عسكرية أمريكية وإسرائيلية وأوربية وعربية غير مسبوقة، آخرها فتح جميع المطارات، والقواعد ونصب الصواريخ، وإرسال ألوية وكوماندوس خاصة للعراق والمنطقة، والقبة الحديدية التي وصلت للقواعد العسكرية، ووصول حاملات الطائرات النووية واالبوارج الحربية لموانيء الخليج العربي والبحر الابيض، وتوجيّه صواريخ توما هوك الذكية وغيرها، كلُّ هذا يجري على مرآى ومسمع من العالم، يقابل هذا كله توافقات أمريكية – روسية وتوافقات أمريكية – تركية، حول مستقبل سوريا والعراق والشرق الأوسط كله، هذه التفاهمات عزلت وطوّقت نظام ملالي طهران سياسياً وعسكرياً، نعم تم تطويق ايران عسكرياً بالقواعد الأمريكية العسكرية، التي تنتظر إشارة البدء بعمل عسكري، سريع وخاطف لإسقاط النظام، ولهذا رأينا التهديّدات الايرانية، ضد السعودية ودول الخليج العربي وباكستان، بحجّة دعمها للإرهاب، وتحميّلها مسئولية التفجيرات، التي إستهدّفت الحرس الثوري في الاراضي الايرانية، نعم أقولها بثقة ويقين، أن مؤتمر وارسو وضع العالم كله في صورة تغيير النظام الايراني، وإقامة تحالف عالمي لذلك، وأنه أي المؤتمر، سيكون فاصلة بين عصرين، عصر قبل النظام الايراني، وعصر بعد النظام الايراني، أما الإستراتيجية الامريكية لمن لا يرى في جدّية أمريكا إسقاط نظام طهران، وإنهما ( حبايب من تحت العباءة وخلف الكواليس)، فأنه يخطيء هذه المرّة، لإن أمريكا تحالفت مع ملالي طهران لإسقاط نظام صدام حسين، وكانت مصالحهما تتوافق، وألآن تقاطعت المصالح جذرياً، بل أصبح نظام طهران يُشكّل تهديداً حقيقياً لمشروع أمريكا الإستراتيجي، في إقامة الشرق الاوسط الكبير، بل معرّقل له إنْ لم يكنْ ندّاً له، وعندما تتقاطع المصالح يصبح خيار الحرب أقرب من السلام وهو ما يحصل بين أمريكا وإيران في الشرق الأوسط، ألم يكنْ شعارأمريكا عبر التاريخ، لاتوجد صدقات دائمة بل توجد مصالح دائمة، وهو ما نراه الآن، مؤتمر وارسو سيضع الشرق الاوسط في عَين العاصفة، وسيغيّر خارطة المنطقة كلها، وأولّها تغيّر النظام الإيراني ...

 

عبد الجبار الجبوري

 

زهير الخويلديمرة أخرى تنظم مؤتمرات في أماكن محددة من العالم من طرف قوى مهيمنة يكون موضوعها تدارس الصراع على فلسطين ويكون الهدف المعلن هو إيقاف الصراع والتقاتل وبلوغ حالة من السلام والتفاهم.

مؤتمر وارسو الذي وقع تنظيمه في بولندا والذي تم التسويق له بوصفه المؤتمر الأول الذي ضم عربا وإسرائيل وجها لوجه وجاء نتيجة قرار أمريكي وموجه بالأساس ضد إيران وليس ضد الفلسطينيين هو في الحقيقة يندرج في مسلسل طويل من المؤتمرات والقمم التي عقدت في الماضي القريب والبعيد والتي يتم الإعداد لها من طرف الدول الكبرى وتستهدف في الغالب تركيع غالبية الدول العربية وإجبارها على الاستسلام وإتاحة الفرصة لإسرائيل من أجل التوسع أكثر وأخذ الفرص الزمانية والمكانية لفرض هيمنتها.

لقد أثبت الدول الغربية في مناسبات عديد سواء في مسار مدريد أو أوسلو انحيازها الواضح والكبير للكيان المزروع وبالتالي عدم حياديتها في الصراع ووقوفها إلى جانب المعتدي وممارستها الابتزاز للضحايا.

أما الهدف من المؤتمر فهو يبدو في الظاهر استئناف مسار المفاوضات وتدارك الفشل المرير الذي انتهت إليه ما اصطلح على تسميته بصفقة القرن وتغذية الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة الأبية وفي العمق هو التفاف جديد على الحقوق التاريخية للشعب العربي وتأجيل قيام الدولة الفلسطينية الموحدة.

إذا كانت المشاركة قد اقتصرت في هذا المؤتمر على محور الاعتدال العربي ويتم تغييب محور المناهضة فإن المطلوب رأسا من هذا المحور هو المزيد من التنازلات وتفعيل التطبيع مع الكيان الصهيوني والقبول بمشروع تهويد الأرض وإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي.

النقطة الثانية التي يجري الإعداد لها بشكل دائم تتعلق بكيفية محاصرة محور المقاومة والبحث عن الطرق الممكنة لتقليم أظافره في المنطقة والحد من فعاليته والإجهاض على التجارب التحررية والقدرات النضالية التي يمتلكها واستهداف القوى الإقليمية التي تدعمها وخلق مشاكل داخلية فيها وتلهيها عن دورها الرئيسي.

ربما الدرس الكبير من انعقاد مؤتمر وارسو هو إعادة طاولة المفاوضات إلى شغل الدول العربية المطبعة وسحب البساط من الدول المقاومة وكأن الأمر يتعلق باستهداف فصائل المقاومة والتطبيع مع الاحتلال. غير أن مقاطعة الفلسطينيين لهذا المؤتمر وخاصة السلطة السياسية في رام الله وبالتحديد فتح والتيار الوطني إضافة إلى القوى الصامدة في غزة ومختلف الحساسيات السياسية الرافضة للحوار التنازلي يؤذن بفشل مثل هذه التحركات الدبلوماسية الدولية ويؤكد الحاجة الماسة إلى التفاوض الجدي مع القوى الفاعلة على الأرض والماسكة بزمام المبادرة في علاقة مع الشعب الفلسطيني واحترام التزاماتها المبدئية مع الدول الصديقة لها والتي لم تتدخر أي جهد في دعمها والوقوف معها في كل الوضعيات التي تمر بها. فهل يأتي مؤتمر وارسو بالسلام والأمن لمنطقة الشرق الأوسط أم أنه فرصة لكي تعلن إسرائيل غضبها من جيرانها وتتوعد بالحرب من أجل فرض خيار التعايش بالقوة بعد فشلت في فرضه بالطرق الدبلوماسية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي  

 

علي المؤمنبصرف النظر عن حجم الفشل وسوء الإدارة والفساد الذي تسبب في إفشال جزء مهم من مشروع الصعود الشيعي في العراق بعد العام 2003، والإرهاب المنظم والتآمر السياسي والمخابراتي والإعلامي لمختلف الأطراف الطائفية المحلية والإقليمية، ضد هذا المشروع التاريخي المصيري، وكذلك إصرار الطرف الأمريكي على فرض مشروعه السياسي والثقافي؛ فإن العراق ـ في المحصلة النهائية ـ تجاوز بعد العام 2003، مرحلة نظام طائفي شوفيني عمره مئات السنين، وتحول الى دولة شراكة بين مكوناته، وأعطى للمكون الشيعي جزءاً من حقه في الحكم، وهو ما جعل من هذا المكون بؤرة أسياسية للاستهداف الإقليمي الطائفي، لأن المنظومة الإقليمية الطائفية لا تستطيع التأقلم مع واقع الصعود السياسي الشيعي في العراق، والذي أصبح الفاعل الأبرز في العملية السياسية وفي تحديد مضمون الحكم وشكله، فضلاً عن قدرته على تفتيت المشروع الأمريكي في العراق من داخلة وخارجه، وإخراج القوات الأمريكية والأجنبية، برغم كل الإتهامات التي ألصقها المحيط المحلي والإقليمي الطائفي والعنصري بالمكون الشيعي.

و لم يقتصر الاستهداف الطائفي والعنصري المحلي والإقليمي على المرجعية الدينية والجماعات السياسية والمؤسسات المدنية، بل تعداه الى الإنسان الشيعي وحياته ووجوده ومصادر عيشه. والمفارقة أن يلتقي تآمر المحيط الطائفي والعنصري لضرب شيعة العراق، مع نتائج فشل وسوء إدارة وفساد بعض الكتل السياسية الشيعة ومسؤوليها. حتى بات الإنسان الشيعي بين فكي كماشة التآمر وسوء الإدارة.

وبات نخر الصف الشيعي من داخله، والتآمر على وجود قواه الأصلية، وإضعاف المرجعية الدينية، و الدعم السياسي والمالي والإعلامي لشخصيات وكيانات شيعية تمثل ضداً نوعياً، وتجفيف منابع الحياة، والمبالغة في تصوير مظاهر الفشل والفساد، هي من أولويات التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي. إضافة الى المساعي الكبيرة لهذا التحالف في تفتيت أي علاقة ايجابية بين الواقع الشيعي العراقي مع إيران وحزب الله اللبناني والحراك الشيعي البحراني، وعموم الشيعة في الخارج، بهدف عزل شيعة العراق والاستفراد بهم، كما كان يحصل خلال حكم البعث، حين كان شيعة العراق مكشوفي الظهر بالكامل، ويتعرضون لأبشع ألوان الإبادة الجماعية والتمزيق الإجتماعي والاستلاب الثقافي والتدمير النفسي. وقد نجح الثالوث الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي ـ نجاحاً نسبياً حتى الآن في هذا مجال إيجاد نوع من الحواجز النفسية، من خلال استخدام مختلف وسائل القصف الدعائي والإعلامي، والتآمر المخابراتي، والضخ المالي الهائل، في خلف حواجز نفسية. وهو ما يعبر عنه بعض السياسيين والناشطين الإعلاميين والمدنيين الشيعة في المحافل السياسية وسائل الإعلام ووسائل التواصل. وهو برغم قلتهم العددية، إلّا أن مايمتلكونه من وسائل التاثير والتعبئة المنظمة، مايجعل صوتهم عالياً جداً، لا سيما أنهم يستثمرون أساليب التأثير الدعائي البعثي، وشعاراته وأدبياته الموروثة الجاهزة، ولا سيما دعاية الكراهية والإنعزال والشوفينية والعنصرية التي كان يستخدمها نظام صدام خلال حربه مع إيران (1980 ـ 1988).

إلّا أنّ المحصلة النهائية في الصراع بين الثالوث الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي من جهة، وشيعة العراق ومرجعيتهم الدينية وقواهم السياسية والثقافية وداعميهم الإيرانيين من جهة أخرى، لاتزال لمصلحة الصعود الشيعي وبفارق كبير جداً في مستوى الإنجاز، لأن الوجود الديني السياسي الإجتماعي الشيعي في العراق هو الأصيل واللصيق بحقائق الأرض، بينما يظل التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي غريباً عن العراق بكل التفاصيل والمعطيات.

كما أن  حجم التآمر الدولي والإقليمي الطائفي من جهة، وكثير من الفشل وسوء الإدارة، لا يقلل من ضخامة الإنجاز السياسي والاجتماعي والثقافي النوعي الذي حققه المكون الشيعي خلال الخمسة عشر عاماً الماضية (وسنوضح في حلقات قادمة تفاصيل هذا الإنجاز النوعي التأريخي بالأرقام والوثائق، بالمقارنة الى الوضع السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي لشيعة العراق قبل العام 2003).

 

د. علي المؤمن

 

عبد الحسين شعبانلعلّ المسألة الأولى التي واجهت العراق منذ الاحتلال عام 2003 هي «احتياجات العدالة» والسبيل للوصول إلى رضا الناس، أفراداً وهيئات، حيث يفترض أن تكون الإجراءات شفّافة وتصل إلى أفراد المجتمع الذين بإمكانهم التعرّف على مساراتها، سواء بالمعلومات أو بالمشورة القانونية، لحلّ المنازعات الجارية والوصول إلى نتائج عادلة ومنصفة.

وقد واجهت العراق طائفة حادة قديمة وجديدة من النزاعات، سواء ارتفاع منسوب النزاعات العائلية وتأثير ذلك في مشكلات السكن والدخل والوضع المعاشي والاقتصادي وعلى الأطفال وتعليمهم وتربيتهم، إضافة إلى نزاعات الملكية وما صاحبها من عمليات تزوير واحتيال، وكذلك مشكلات العمل والخدمة والفصل السياسي والسجناء والمعتقلين وغير ذلك. وقد راجت في سنوات ما بعد الاحتلال منازعات لم يعرفها العراق من قبل، خصوصاً تلك التي تتعلّق بالتطهير الديني أو الطائفي أو الإثني، في العديد من المناطق المختلطة، سواء في العاصمة بغداد أم البصرة أم الموصل أم كركوك أم الحلة أم غيرها.

وإذا كان المحور الأساسي لأي نظام للعدالة هو الإنسان، فإن القضاء هو الأكثر تأهيلاً لحل النزاعات، ويفضّل الناس بشكل عام اللجوء إليه للفصل في نزاعاتهم، لكن بروز مرجعيات جديدة تقدّمت على مرجعية الدولة أضعف من دور القضاء، وخصوصاً في ظل استشراء ظواهر العنف والإرهاب، حتى بدت الدولة معوّمة أو عاجزة أو حتى متواطئة مع القوى المتنفّذة.

وقد شهد القضاء العراقي تصدّعات وتحديات عديدة ما بعد الاحتلال فثمة عيوب ومثالب عانى منها بسبب حالة الفوضى السائدة وعدم استقرار الأوضاع والظروف الاستثنائية وطول الإجراءات وتعقيدات البيروقراطية والتدخّلات السياسية والحزبية والعشائرية، مع التأكيد على وجود قضاة نزيهين وشجعان، بل إن بعضهم دفع حياته ثمناً لموقفه وجرأته، علماً أن مجزرة القضاء التي قام بها بول بريمر، شملت نحو 250 قاضياً، تركت صدمة كبيرة على الجسم القضائي والقانوني، خصوصاً حين احتوت قائمة الذين تم عزلهم قضاة معروفين بكفاءتهم ونزاهتهم، وقد تمت إعادة بعضهم إلى الخدمة لاحقاً.

وقد واجهت احتياجات العدالة مشكلات متعدّدة ومتنوّعة، في السنوات الأربع الماضية، شملت معالجة مشاكل النازحين واللاجئين بسبب احتلال «داعش» للموصل وتمدّده في محافظات صلاح الدين والأنبار وجزء من ديالى وكركوك، الأمر الذي جعل أكثر من مليوني إنسان بحاجة إلى إجراءات استثنائية تقتضي إعطاء الأولوية لعودة النازحين وإعادة الإعمار والإصلاح والتنمية وإيلاء اهتمام خاص بالمحافظات المنكوبة، وخصوصاً الموصل والبصرة، و للناس الأشد ضعفاً، لاسيّما الفقراء والمهمّشين والنساء والأطفال والشيوخ وذوي الاحتياجات الخاصة، فهؤلاء يحتاجون إلى مسارات عدالة سهلة وسريعة ومعقولة لحماية حقوقهم ومصالحهم.

وإذا كان الإنسان (الفرد) هو محور العدالة، فلا بدّ من أخذ ذلك ضمن قاعدة شمولية كلية عامة تطبق على الجميع، فكلّ ظلم يتم منعه أو حلّه بإنصاف، يُسهم في تمكين الناس قانونياً، وخصوصاً إذا تم ربطه بالتنمية.

ويعاني قطاع الشباب بشكل خاص من مشكلات قانونية، سواءً في الحياة أو العمل، علماً أن قدرته على التحمّل كبيرة، قياساً للأكبر منه سناً، وكذلك لاستخدامه شبكات التواصل الاجتماعي ومنجزات الثورة العلمية - التقنية بما فيها تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصالات والاستفادة من مصادر المعلومات والمشورة القانونية.

وقد أشارت إحصائية صدرت في لبنان (2017) عن «معهد لاهاي للابتكار القانوني» (هولندا) HiiL

وبالتعاون مع «المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة» (بيروت)، فإن 73 % من الشباب يعتمد على هذه المصادر، في حين أن نسبة غير الشباب تقل عن 50%، وتظهر الدراسة أن معدل انتشار المشاكل بين الشباب، ولاسيّما الجرائم المنظمة وقضايا العنف والإرهاب، هي الأكثر شيوعاً على المستوى العالمي، بحكم اندفاع الشباب وروح المغامرة والتحدّي التي يمتلكها، ناهيك عن عدم تقدير العواقب القانونية لما يقدم عليه أحياناً.

أما احتياجات العدالة بالنسبة للمرأة فهي في الغالب تتعلّق بالتمييز وعدم اعتماد مبادئ المساواة، إضافة إلى القوانين المجحفة، وبعض التقاليد والعادات البالية بالضد من «اتفاقية سيداو» الدولية بشأن «منع جميع أشكال التمييز ضد المرأة» (1979). وتتدنّى ثقة النساء بالسلطات الرسمية لجهة تأمين مستلزمات احتياجات العدالة بسبب النظام الاجتماعي الذكوري والمنحاز، والتفسيرات الخاطئة والتأويلات المغرضة للنصوص الدينية.

لم يسأل ونستون تشرشل الزعيم البريطاني عن الدمار الذي أصاب المدن البريطانية بسبب القنابل الألمانية، بل كان أول سؤال وجهه لمن حوله: هل القضاء بخير؟ وحين كان الجواب مطمئناً، قال إن بريطانيا بخير، وهو الجواب الذي اطمأن إليه شارل ديجول حين دخل فرنسا محرّراً وسط دمار عام، لكنه حين عرف أن القضاء فعّال وأن الجامعات كانت تشتغل بطاقة وحيوية حتى في الملاجئ قال: إذاً فرنسا ستنهض.

 

عبد الحسين شعبان

 

محمد العباسيالشعب السوري المناضل يعاني من كل صوب وحدب منذ انطلاقة تلك الاحتجاجات السلمية.. لا يبدو أن أحداً يريد لهذا الشعب المغلوب على أمره النهوض والتغلب على وضعه المأساوي.. فتأتيهم الضربات من كل ناحية.. من النظام السوري.. من حلفاء النظام السوري من كل الأجناس والأطياف الطائفية.. من الروس، أرضاً وجواً، من خلال "الفيتو" الروسي المتعنت والمتكرر في مجلس الأمن.. من التردد الأمريكي المشكوك جداً في نواياه المبيتة بالذات في فترة "أوباما" ووعوده المحبطة التي طالما خذلتنا دون أدنى مبالاة بعدد الضحايا من الأبرياء والأطفال والنساء.. من الدعم الإيراني المتبجح للنظام الظالم وسطوة "بشار الأسد" تحت شعار حماية المزارات المقدسة، رغم أن النظام العلوي البعثي الحاكم في سوريا لا يمكن اعتباره مذهباً شيعياً ولا علاقة له بالإسلام.. وكذلك يأتيهم الخذلان من الجامعة العربية التي "لا حول لها ولا قوة" وليس لها سلطة ولا سلطان.. من وعود الدعم التركية التي أوقفتها الخلافات مع روسيا خلف حدودها وانشغالها بالجماعات الكردية المدعومة روسياً وأمريكياً.. والموضوع يتشعب في كل اتجاه، وكل جهة لها مصالحها ومطامعها.. بينما الشعب السوري يعاني الأمرين بين فكي المطرقة والسندان!

منذ أيام الحرب الباردة كانت أمريكا وروسيا تشعلان حروبهما بالوكالة.. كل جهة منهما تدفع بالسلاح والمال لجهة ما لتحارب جهة أخرى.. مجرد معارك وحروب تشعلانها بغض النظر عن الضحايا والمآسي.. ومن خلفهما تجار السلاح واللوبيات المصنعة لأدوات القتل والدمار.. مجرد ساحات لتجارب الأسلحة الجديدة أحياناً أو لبيع مخزوناتهما من الأسلحة الصدأة قبل نفاد صلاحيتها.. وهكذا دعمت أمريكا الأفغان ورمت بهم في أتون الحروب ضد الروس لسنوات أعادت أفغانستان إلى القرون الوسطى.. وشجعت أمريكا جماعات مثل الطالبان والقاعدة.. بل وشجعت الدول العربية والإسلامية السماح لأبنائها بالجهاد في أفغانستان.. وأن تمدهم بالمال والدعم والفتاوى الشرعية بلا هوادة.. ثم انقلبت عليهم جميعاً بعد أن استنفدت مبتغاها ونالت مرادها.. أما اليوم فأمريكا وروسيا قد تكالبتا على سوريا بذريعة محاربة الإرهاب "الداعشي".. وتوزعتا الأدوار، أمريكا تحارب "داعش" في العراق وشرق سوريا.. وروسيا تتكفل بهم في سوريا كذريعة للبقاء في المنطقة والاستمرار في تجارب أسلحتها وصواريخها.. ويبقى السؤال المحير: هل روسيا حقاً تحارب الدواعش في سوريا؟

كثيراً ما عانت الدول العربية من صنوف الاستعمار الأوروبي تارة، ومن زرع السرطان الصهيوني في قلب الأمة تارة أخرى، مما أضطر بعض العرب أحياناً إلى اللجوء للروس (السوفيت) لبعض الدعم والسند في الماضي، كما فعل "السادات" قبيل تحرير سيناء.. لكن هذه المرة فقد أتتنا الفاجعة الكبرى من روسيا ذاتها وبشكل مباشر لا ريبة فيه.. فروسيا تتدعي أنها لا تقف مع النظام السوري (!)، لكنها تدعم الجيش السوري!  إدعاء غريب جداً ولا يمت للمنطق بصلة ولا يقبله عقل.. لأول مرة منذ عصور القياصرة الروس نواجه أطماع روسيا التوسعية في منطقتنا العربية بهذا الشكل المباشر.. ونكتشف أن في روسيا اليوم قيصر جديد اسمه "بوتين".. ولسانه في المنطقة هو وزير خارجيته المدعو "سيرغي لافروف".. و"لافروف" هذا ظل يتفنن في سرد الأكاذيب والادعاءات ويتقلب "على بطنه وظهره" دون حياء.. وكان جل كلامه يمتاز بالكذب "جهاراً" دون أن يرد عليه أحد منا.. ولا حتى أمريكا ذاتها!!

"لافروف" هذا (رغم أفول حضوره هذه الأيام) ظل يتبجح بكل فخر بعمليات القصف الجوي في سوريا على أساس أنها بطلب من النظام السوري، لذا هي عمليات لا تشوبها شائبة، بعكس غارات التحالف التي ليس لها حق في التحرك في الأجواء السورية بدون إذن مسبق.. وفيما يخص الاتهامات المتكررة الموجهة إلى سلاح الجو الروسي باستهداف فصائل من المعارضة المعتدلة، وحتى جحافل المدنيين الأبرياء، في سياق غاراتها المتواصلة في سوريا، فقد دأب "لافروف" في وصفها بأنها عديمة الأساس على الإطلاق.. لأن قنابلهم (العنقودية والفسفورية) موجهة ضد الإرهابيين فقط!!.. ففي نظر "لافروف" وكل المتحدثين الروس وبكل بساطة أن النظام السوري هو من يحدد لهم الإرهابيين وأماكن تواجدهم.. وأن كل من يعمل ضد النظام بغض النظر هم بالضرورة ضمن المصنفين كذلك.. هم وكل قرية ومدينة قد يتواجدون فيها أو حولها!

ماذا عن "داعش"؟  لماذا إذن كانت الطائرات الروسية تتفادى القصف المباشر لمناطق نفوذ "داعش" وهي كانت واضحة للعيان؟  بل أن التواطؤ كان جلياً في حالات متكررة، حيث كانت "داعش" تتوسع وتغزو ذات المناطق التي تقصفها روسيا وتخليها من المعارضة المعتدلة مباشرة بعد كل غارة.. وبشكل مريب كان القصف ينقطع عندها.. وكأنما الأمر مرتب بينهما مسبقاً.. وكما لو كانت "داعش" على علم مسبق بالقصف ليخلو لها مناطق جديدة.. وهذا التواطؤ لا يمكن نكرانه.. فذات الحالة تتكرر مع عمليات القصف المدفعي والبراميل المتفجرة من جانب النظام.. لتأتي بعدها "داعش" وتستولي على مناطق جديدة "باردة مبردة".!!

و ظل "لافروف" وغيره من أفراد حكومته يكررون أن موسكو تسمع مثل هذه الاتهامات منذ بداية عملياتها الجوية، على الرغم من أنها دعت دول التحالف منذ اليوم الأول من الغارات الروسية إلى الجلوس وإجراء مشاورات مهنية حول "الأهداف الصائبة" و"الأهداف الخاطئة" على أرض سوريا، بدلاً من الانخراط في خطابات دعائية.. وظل "لافروف" يوجه انتقاداته للتحالف ويشدد: "بدلا من ذلك يفضل شركاؤنا تكرار اتهامات عديمة الأساس على الإطلاق، ويتحاشون الحوار العملي، وهو أمر يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية التي يسعى التحالف لتحقيقها".

الغريب في الأمر أن روسيا لا تزال تتحرك في سوريا دون أن تجد من يوجه لها أي انتقاد أو شجب واضح المعالم.. بينما كان "لافروف" يقوم بتوجيه الانتقادات والتنديد للتدخلات التركية والأمريكية سواء على حدودها مع سوريا أو في العراق.. ولم ينتقد قط أو يشجب في ذات السياق التدخلات الإيرانية وميليشياتها الطائفية في كل من سوريا والعراق.. كما لو كان التاريخ يكرر ما فعله الأمريكان في العراق في 2003 وبتواطؤ مريب مع إيران ثم تركوا الساحة العراقية للإيرانيين "لقمة سائغة".. فذات السيناريو يتكرر في سوريا، والإيرانيين ينتظرون تسلم زمام الأمور فيها من الروس ليكملوا "كماشة" الهلال الشيعي الممتد من "قم" إلى "الضاحية الجنوبية" في بيروت.. بينما العمل قائم على قدم وساق في اليمن جنوباً.

بل ظل "لافروف" يتمادى في بهتانه مضيفاً: "إننا بحثنا هذه الأفكار مع شركائنا الأمريكيين، ونأمل في مواصلة الحديث بشكل أكثر تفصيلا قبيل اللقاءات القادمة لمجموعة "دعم سوريا".. ويشدد الوزير الروسي على أن العنصر الرئيس لوقف إطلاق النار يكمن في قطع قنوات تهريب الأسلحة عبر الحدود السورية-التركية والتي تساهم في تغذية الإرهابيين في سوريا.. ويعتبر أنه من المستحيل التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقر بدون قطع قنوات التهريب هذه.. ولا يأتي على ذكر ميليشيات "حزب الله" اللبناني ولا المرتزقة الباكستانيين والأفغان والميليشيات العراقية وجنود حراس الثورة التي تغزو سوريا بدعم وتمويل وتسليح من إيران.. ورغم أنها كانت تنتقد تركيا بشكل مباشر كونها المنفذ الرئيس لدخول مرتزقة "داعش" في الأيام الأولى لنشأة هذه الجماعة، إلا أنها ظلت تستثني ذكر "داعش" ذاتها كونها منظمة إرهابية معارضة للنظام (ربما لعلمهم بأنها ليست كذلك).. ولم تكن ترى أنها تستحق منها أن توجه لها قصفها والقضاء عليها كما كانت تدعي.. مما يطلق العنان كما أسلفنا سابقاً للشك بل الاقتناع التام بالتواطؤ بين النظام والدواعش منذ البداية.

لقد نشر موقع "مدار اليوم" التالي: "ميزة الكذب الروسية، أساسها أن تورد خبراً كاذباً (مثل ادعائها بأنها تجتمع بالمعارضة السورية والجيش الحر)، تضع فيه بعض الحقيقة أو نكهتها، لتسوقه باعتباره الحقيقة ذاتها، ولا شيء غيرها".. وفي أخبار أخرى كان المدعو "بغدانوف" (نائب وزير الخارجية الروسي) يتحدث عن العلاقة مع المعارضة السورية التي كثيراً ما وصفها الروس بـ "الإرهاب"، فإنها لا تتعدى علاقتها المشبوهة مع بعض الجماعات المعارضة المرتبطة بالنظام، ومنها تواصله مع حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) الذي يبدو أن لهم مندوباً دائماً في موسكو، ويتم التواصل معه، ويفسرون الأمر على أنه اتصال مع الأكراد كلهم، لأنه أحد الأحزاب الكردية في سوريا، ويصنفه الروس في عداد المعارضة السورية، وهم في ذلك يتدعون التواصل مع كافة فصائل الأكراد والمعارضة السورية.. وحيث أن حزب الاتحاد الديمقراطي موجود في موسكو، فإن لقاءات الروس واتصالاتهم تتم في موسكو، وحيث أن لهذا الحزب جناح عسكري هو "قوات الحماية الشعبية"، المتحالفة مع تشكيل واحد فقط من الجيش الحر في غرفة عمليات "بركان الفرات"، فإن اتصالات الروس معهم هي إذن اتصال مع الجيش الحر.. فروسيا ظلت تفسر وتفصل الأوضاع كما تشتهي!!

أكاذيب "بغدانوف" لم تبتعد كثيراً عن الأكاذيب الروسية الأخرى الصادرة عن المصادر العسكرية المتفقة معها حول العمليات الجوية في سوريا، والتي كان أساس القيام بها محاربة تنظيم "داعش"، لكنها ذهبت في اتجاهات أخرى بقدرة قادر.. إذ ركزت الطائرات عملياتها على حمص صعوداً إلى حماه وإدلب وحلب، ثم التفتت جنوباً إلى دمشق وصولاً إلى مثلث التقاء محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق، وفي كل هذه المناطق، تنتشر قوات من المعارضة المسلحة "المعتدلة" باستثناء بقع محدودة تتواجد فيها "جبهة النصرة" المنتمية إلى "القاعدة"، والتي يمكن أن تشكل وحدها هدفاً للطيران الروسي.. لكن الجميع كانوا أهدافاً للطلعات الروسية، التي كانت في فترات ما تتجاوز خلال شهر الألف طلعة، تستهدف خلالها مدناً وقرى بتجمعاتها السكانية، ومستشفياتها وأسواقها، فتقتل المئات من المدنيين بينهم غالبية من الأطفال والنساء.. والأهم في معطيات العمليات الروسية، أنها لا تكاد تستهدف "داعش" إلا بنسبة لا تتجاوز العشرة بالمائة حسب التقارير الدولية (موقع مدار اليوم).

و لا يمكن اختصار المواقف الروسية إلا بالقول: "أكذب ثم أكذب ثم أكذب.. حتى يصدقك الناس".. وهذه نظرية "نازية" واعتمدتها روسيا أيضاً منذ أيام الإتحاد السوفيتي البائد.. حتى باتت من كثرة تكرار الكذب الفاضح تصدق نفسها.. وهذه نظرية ورثها "لافروف" ويكررها نائبه "بغدانوف" ويعيدها المسؤولون الروس بما فيهم رئيس الوزراء "مدفيديف" والقيصر (الدكتاتور) الروسي الجديد "بوتين".. جميعهم يمتازون بميزة الكذب بلا خجل أو حياء.. بينما تستمر المجازر الروسية دون أن تجد من يردعها أو يشجبها صراحة ولو من باب الإنسانية والرحمة بهذا الشعب الذي يكاد ينقرض.. ومن المخجل بالنسبة لنا نحت العرب أننا لا نوال نتكل على السند من روسيا وأمريكا وأوروبا والأمم المتحدة دون أن يكون لنا في أوضاعنا رأي ولا سلطان.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

ابراهيم أبراشرفع الحصار أو تخفيفه حق لأهل غزة وواجب على كل فلسطيني وعلى كل إنسان حر لأنه حصار جائر وظالم أدى لتدمير الاقتصاد وإفقار العباد وإذلال الشعب، كما أنه جزء من مخطط لفصل غزة عن الضفة وتدفيع أهالي القطاع ثمن مقاومتهم وتصديهم للاحتلال، ولكن، لو فكرنا مليا في الآليات أو المشاريع لإنهاء الحصار، خارج إطار المصالحة الوطنية الشاملة التي تُعيد الوصل بين الضفة وغزة كوحدة جغرافية وسياسية وبما يحافظ على الهوية الوطنية للقطاع، فإن تخوفات كبيرة تنتابنا وخصوصا أن ما جرى ويجرى تحت عنوان تخفيف الحصار وتحسين المستوى المعيشى لأهالي غزة ثمنه وقف المقاومة وحتى مسيرات العودة السلمية وتكريس الفصل، الأمر الذي سيؤدي لأن يكون ثمن تخفيف الحصار أو رفعه أسوء من الحصار ذاته، وهذا ما حذرنا منه منذ سنوات.

 عندما تأتي الدعوات لرفع الحصار بذرائع الوضع الإنساني من أطراف مثل واشنطن وإسرائيل وبعض الدول العربية وخصوصا قطر، ودون التنسيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية حيث الأولى صاحبة الولاية القانونية على قطاع غزة والثانية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وسكان غزة جزء من هذا الشعب، وعندما تتزامن هذه الدعوات مع طرح صفقة القرن والإفشال المقصود لجهود المصالحة .. فإن وراء الاكمة ما وراءها، وما وراء الأكمة مشروع لتصفية القضية الوطنية برمتها .

لم يعد خافياً على أحد أن الأحداث المؤلمة في غزة أصبحت تحتل مكان الصدارة في الاهتمامات السياسية الوطنية والإقليمية والدولية وعلى المستويين الرسمي والشعبي، فالمداولات في المنظمات الدولية تبحث في الوضع بقطاع غزة، والمظاهرات التي تخرج تتحدث عن معاناة أهالي غزة وتطالب بنصرة غزة ورفع الحصار عنها، والندوات واللقاءات الفلسطينية الداخلية تركز جل اهتمامها على الأوضاع في قطاع غزة وخصوصاً الفصل بين غزة والضفة، وكأن الأمور ببقية الوطن على خير ما يرام أو أنها مناطق محررة أو لا معاناة فيها، كل ذلك غيب الضفة الغربية والقدس بل غيب فلسطين وغيب الوطن لتصبح (القضية الغزاوية) تحل محل القضية الفلسطينية.

لا شك أن غزة جزء من فلسطين بل هي الجزء الأصيل الذي حمل الهم الوطني الفلسطيني منذ النكبة حتى اليوم، وأهلنا في غزة لم يكن لهم يوماً انتماء أو رابطة سياسية أو جنسية إلا لفلسطين، وأهل غزة لم يترجلوا عن صهوة النضال يوماً، وهم الأكثر تفاعلاً مع كل حدث قومي أو وطني أو ديني أو أممي، بعفوية يندفعون وبإصرار يناضلون وبصمت يعانون....، ومع ذلك أو لذلك فإن الشعب الفلسطيني في غزة وحسب كل المعطيات التي تنشرها المنظمات الدولية هو الأكثر فقراً والأكثر بؤساً، والأكثر تعرضاً لجرائم القتل التي يقوم بها العدو الإسرائيلي .

فهل أن الخصوصية السسيولوجية والجغرافية الغزاوية وما يجري وجرى فيها وضد أهلها منذ النكبة وطوال سنوات الاحتلال شكل الشخصية الغزية المتميزة بالاندفاع والعنف وقوة الانتماء الوطني ؟أم (أنه أسلوب غـزة في إعلان جدارتها بالحياة) كما قال شاعرنا الكبير محمود درويش؟ أم أن مخططاً يجري حتى تغيّب غزةُ الوطنَ وحتى تُستنزف إمكانياتُنا وجهودنا في الصراع على مَن يحكم غزة وننسى القضايا الوطنية الأساسية؟.

يبدو أن في غزة كل ذلك، ولذلك فإن مخططات خطيرة تجري لتختزل فلسطين بغزة أو لصيرورة فلسطين والدولة التي يتحدثون عنها مجرد كيان سياسي في قطاع غزة . لا شك أن كل فلسطيني بل كل من يحمل مشاعر إنسانية إلا ويتطلع لرفع الحصار عن غزة وليعش أهل غزة حياة كريمة يستحقونها، ولكن نتمنى على حركة حماس الحاكمة في غزة أن تعمل على ألا يكون ثمن رفع الحصار عن غزة تكريساً لعملية الفصل بين غزة والضفة، وألا يتم توظيف معاناة أهل غزة لتحقيق أهداف سياسية لا علاقة لها بالدوافع الإنسانية، وأن تستدرك الأمر وتقطع الطريق على مخطط فصل غزة عن الوطن الفلسطيني، ولا يعقل أن تكون الهدنة مع العدو ممكنة والمصالحة الوطنية غير ممكنة.

لا نريد لأهلنا في قطاع غزة أن يدفعوا ثمن غياب استراتيجية عمل وطني للمقاومة، وغياب استراتيجية سلام حقيقي وثمن تعطل مسلسل التسوية، ولكننا لا نريدهم أيضا أن يكونوا حقل تجارب للسياسات الأميركية بالمنطقة، سواء كانت سياسة (الفوضى البناءة) أو صفقة القرن، ولا لسياسة المحاور وأجندة الإسلام السياسي الفاشلة والمدمِرة، ولا لكل مستَجِد بالعمل السياسي .

 إن المهمة الرئيسة لشعب يخضع للاحتلال أن يحرر وطنه ويقيم دولته الوطنية بجهود كل قواه الوطنية لا أن يتجاوز الوحدة الوطنية والمشروع الوطني الذي عنوانه الدولة الوطنية من أجل مشروع افتراضي أقرب للوهم السياسي هو من اختصاص مليار ونصف المليار من المسلمين الذين يعيشون في دول مستقلة .

لا نريد لأي شيء أن يحوّلَ دون رفع الحصار عن أهلنا بالقطاع حتى وإن كان ثمن ذلك وجود سلطة حركة حماس في القطاع لحين من الوقت، ولكن دعونا نفكر، ما دام الأمر الواقع – الانقسام- يفرض نفسه شئنا ذلك أم أبينا وقد يستمر لحين من الوقت ما دامت القوى الصانعة له في مركز القوة، فكيف نحافظ على المشروع الوطني وعلى وجود قيادة وطنية واحدة في ظل وجود حالتين سياسيتين هما نتاج لجغرافيا سياسية يكرسها الاحتلال وتغذيها أجندة خارجية ؟.

ليست هذه دعوة لتكريس الفصل بل دعوة لوضع حد لحالة العداء والتحريض الداخلي، محاولة الحفاظ على وحدة الشعب والمشروع الوطني ضمن سياقات جديدة تقول بوجود حالة سياسية في القطاع وأخرى في الضفة الغربية، وخصوصاً أننا نتحدث عن مشروع وطني، والمشروع هو ما قبل التحقق والإنجاز، ولا أعتقد أن حكماء فلسطين سيعجزون عن إيجاد صيغة ما للمشروع الوطني أو تقاسم وظيفي وطني يُخرج النظام السياسي والمشروع الوطني من حالة الانحدار بل والاندثار لحين إنجاز التحرر الوطني والدولة المستقلة على كامل الأراضي المحتلة عام 1967 وعودة اللاجئين، إن لم تخرج الطبقة السياسية من حالة الصمت بل التواطؤ على الحقيقة حيث الجميع يعرف أن الانفصال يسير بخطوات سريعة، فإنهم يتحملون المسؤولية ليس فقط على فصل غزة عن الضفة بل أيضا عن تصفية القضية الفلسطينية .

 

أ. د. إبراهيم ابراش

 

لم يشهد التاريخ استخفافا بالقانون الدولى كما نشهده اليوم فالكل يعمل حسب مصالحه لا يأبه ان تعارضت تلك المصالح مع تعهداته الدولية ام توافقت معها، وقارب العالم اليوم الى الارتكان الى قانون القوة، والعلامات الدالة على هذا لا تحتاج الى بيان او برهان، فالعالم يذخر بالدماء نتيجة انتهاكات القانون الدولى الانسانى ويذخر بالدموع نتيجة انتهاكات القانون الدولى لحقوق الانسان حتى جاءنا الرئيس ترامب بفرية خرق المواثيق والتعهدات الدولية وركل كل الاتفاقيات التى يرى هو وليس غيره انها لا تخدم مصلحة الشعب الامريكى وتبعه فى ذلك صنوه ناتنياهو ثم صار قادة العالم فى كل حدب وصوب يبحثون عن الخروج من مأزق التعهدات الدولية والمحلية على السواء انصياعا لاهوائهم تارة، وتحقيقا لرغباتهم تارة، وانتقاما من خصومهم ترات اخرى.

فالى اى مدى يوجب القانون التزام الحكام بموجبات القانون ومقتضيات العهود ؟ والى اى مدى يستطيع اولائك الحكام اللهث وراء رغباتهم حتى لو كان ذلك ضد الالتزام بتلك العهود

القاعدة العامة فى المعاهدات الدولية انها لا تسرى الا بين اطرافها ولا ترتب آثارا قانونية الا فى مواجهتهم - الا من بعض احكام استثنائية محدودة – سواء اكانت تلك الاثار حقوقا ام التزامات (م 40) من اتفاقية فينا للمعاهدات لسنة 1969م، ولهذا فان تلك الاتفاقية قد لزمت اطراف المعاهدة الدولية احترام بنودها وعدم التصرف تحت اى ظرف بما يخالف احكام المعاهدة ولهذا فانه من غير المقبول فى فقه القانون الدولى ان يقوم احد اطراف المعاهدة الدولية بالتصرف او اتيان اى عمل يخالف تعهداته التى التزم بها بموجب معاهدة دولية مكتملة الشروط، كم انه من غير المقبول ايضا الالتفاف على احكام المعاهدة والتلاعب بالالفاظ او المواقف فى سبيل القيام بعمل يخلف بنود المعاهدة، حيث نصت اتفاقية فينا للمعاهدات على ان تقوم اطراف المعاهدة الدولية بتنفيذ التزاماتها بما يتوافق وحسن النية فى المادة 26 منها(كل معاهدة نافذة تكون ملزمة لاطرافها وعليهم تنفيذها بحسن نية) وفى هذا الخصوص يقول الدكتور على صادق اوهيف فى كتابه القانون الدولى العام (ان مبدأ احترام الدول للمعاهدات التى تكون طرفا فيها وتقيده بها الزم فى محيط القانون الدولى العام من مبدأ احترام التعهدات فى محيط القانون الخاص لانه فى حالة القانون الدولى الراهنة لا يوجد – كما هو الحال داخل الدولة – سلطة عليا لديها من الوسائل ما يمكنها من ان تتولى تنفيذ المعاهدات جبرا اذا ما حصل اخلال بها) وعليه فانه فى حالة عدم احترم الدول لألتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية فانه ستسود الفوضى مما يعنى انهيار القانون الدولى ( نتيجة ما يؤدى اليه هذا الاخلال من تصادم مستمر بين الدول للدفاع عن مصالحها المتضاربة) .

لم يترك القانون الدولى امر تعديل المعاهدات او الانسحاب منها لاهواء المسؤليين فى الدولة لان استقرار الاوضاع التى تقررها المعاهدات الدولية امر مهم للسلم والامن والرفاه الاقتصادى والاجتماعى هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان الاطمئنان الدولى لا يتأتى الا حين يشعر المجتمع الدولى انه غير معرض لتغيير الاوضاع بتغيير الحكام وان ما نظمته معاهدة دولية مكان احترام كامل من ساسة الدول وان النظام الدولى يسير وفقا للقانون وليس وفقا رغبات الساسة، ففى تعديل المعاهدات – مثلا – نصت المادة 40 من اتفاقية فينا على جملة شروط يجب على الدول الالتزام بها وتصب جميعها فى اعلان رغبة تعديل المعاهدة واتفاق الدول الاعضاء على التعديل وان تتخذ جميع الاجراءت التى تم النص عليها فى متن المعاهدة . اما المواد من 42 الى 45 فقد نصت على المبادىء العامة التى يتعين على الدول مراعاتها عند اقدام اى منها على التحلل من التزاماتها فى معاهدة مرتبطة بها سواء عن طريق ابطال المعاهدة او انهائها او ايقاف العمل بها وفى هذا الخصوص فقد نصت الفقرة 2 من المادة 42 من اتفاقية فينا على انه (لا يجوز انهاء معاهدة او الغاءها او الانسحاب منها من جانب احد الاطراف الا تطبيقا لنصوصها او نصوص هذه الاتفاقية فقط وتنطبق هذه الفقرة على وقف العمل بالمعاهدة) كما تنص المادة 43 على (بطلان المعاهدة او انهاءها او الغءها او الانسحاب منها او وقف العمل بها تطبيقا لهذه الاتفاقية او لاخكام المعاهدة لا يؤثر فى واجب اى دولة فى اداء التزاماتها المقررة فى المعاهدة التى تكون ملتزمة بها وفقا للقانون الدولى بغض النظر عن المعاهدة).

هذه النصوص تؤكد ان الالتزامات الواردة فى المعاهدات الدولية موضع احترام من جانب القانون الدولى وانه ليس من السهولة ولا اليسر ان تقوم الدول بالتحلل من تلك الالتزامات دون وجود مبررات جدية وان السياج المنيع التى احاط به القانون الدولى التزامات الدول بموجب العاهدات الدولية تشير الى مدى حرص القانون الدولى على استقرار الاوصاع الدولية دون النظر الى اعتقادات الساسة او رؤاهم او حتى رغباتهم فى تغيير تلك الاوضاع دون مبرر جدى يتعلق ببنية العمل داخل نظام الدول وليس برغبات الساسة .

بين ايدينا وامام اعيننا امثلة صارخة على فقه الساسة فى نقض الالتزامات الدولية بموجب معاهدات بذلت الدول فيها جهدا كبيرا حتى تتوافق مع مصالح الدول المتعاهدة فيها .

دونالد ترامب .. الرئيس الامريكى الذى جاء الى سدة الحكم محمولا على اكتاف اليمين الصهيونى المتطرف لانه اطلق من الوعود ما يجعل كل بنى صهيون يقفون خلفه حتى وان كان فى تلك الوعود ما يتعارض مع التزامات الولايات المتحدة من حيث القانون الدولى ومن حيث مكانة امريكا كدولة عظمى يجب ان تكون نموذجا فى قيادة العالم، وهاهو اليوم يجد نفسه مرغما للايفاء بوعوده فسحب امريكا من معاهداتها الدولية واعترف بالقدس عاصمة لاسرائيل وغض الطرف عن ممارساتها القمعية تجاه الشعب الفلسطينى فى اراضيه المحتلة وحارب الصين بالتجارة وخاض مع بنى جلدته سجالا ضروسا ومازال يتلمظ.

منذ تولى الرئيس دونالد ترامب الرئاسة انسحبت الولايات المتحدة من عدة معاهدات دولية تحت تأثيره الذى يحمل شعار امريكا اولا حيث اعنت امريكا انساحابها من اتفاقية باريس للمناخ ومن المعاهدة الايرانية الاوربية النووية ومن اتفاقية اليونسكو وها هى اخيرا تنسحب من معاهدة حظر الاسلحة النووية .

 لم يكن لدونالد ترامب سببا فى هذا الخروج الكبير الا انه يريد ان يحقق به شعارا اتخذه لنفسه يوما ما فجعل مصلحة العالم كله دبر اذنيه وسعى حثيثا نحو مصلحة من اوصلوه الى الحكم وفعل كل ما فعله وليس فى سمعه الا النداء الغلاب حيث يدعوه اليهود الى ان يكون الرئيس الاعظم فى تاريخ امريكا .

ليس من الاسرار ان وطأة قرارات الرئيس دونالد ترامب على القضية الفلسطينة كانت هى الاشد منذ فجر الاحتلال الصهيونى وحتى الان، فهو الذى تجرأ على نقل سفارته الى القدس وهو الذى ساند اسرائيل على القتل العزل فى مسيرات العودة على تخوم غزة وهو الذى ما زال يروج الى صفقة القرن الكبرى لتصفية القضية الفلسطينية لهذا فلا عجب ان تبغه فى نقض العهود صنوه ناتنياهو لانهما يعتقدان انه لا عهد الا ما ليتماشى مع رغباتهم ولا ذمة الا لمن يتماهى مع طموحاتهم، وانه قد ولى زمان القانون واقبل نظام القوة فحق لرئيس اسرائيل ان يطرد مراقبى مدينة الخليل الذين جاءو بموجب اتفاقات اوسلو مع السلطة الفلسطينية التى تشفع لها تمسكها المميت ببنود نبذها ناتنياهو وجعلها وراء ظهره

علينا التيقن ان فقه الساسة فى نقض العهود هو تمام المصلحة الذاتية وليس متطلبات القانون الدولى، وعلينا التمعن والتفكر فى مسيرنا خلف الرئيس ترامب فى نبذه لتقاليد النظم القانونية الدولية الراسخة واجتراحه لقانونه الخاص الذى يؤمن فقط بقوة بلاده، وحقها الابدى فى تلبية متطلباتها دون اعتراض من احد وليس لنا هنا ان نقف فى وجه متطلبات التغيير الحتمى للتعهدات الدولية ولكننا ندق جرس الانذار لنبذ تلك التعهدات لمجرد رؤية عابرة او اعتقاد مغاير او حتى ظرف طارىء قليل التأثير وندعو بعد هذا الى الانصياع التام لمواضعات القانون الدولى التقيييد الصارم لالتزمات المعاهدات الدولية تماما كما فعلت اروبا مع الايرانيين فى الاتفاق النووى الايرانى

 

بقلم: الاستاذ ناجى احمد الصديق المحامى - السودان

 

 

علاء اللامي"إنجازات" حكومة عبد المهدي الكارثية حتى الآن بدعم من البرلمان والكتل النيابية الرئيسة والسفارتين الأميركية والإيرانية:

1- رفع حصة الإقليم في الموازنة من 12 بالمائة إلى أكثر من 20 بالمائة.

2- تنشيط الصناعة والزراعة والقضاء على البطالة بإلغاء الحماية الكمركية وتطويق العراق بالمناطق الصناعية والتجارية الحرة.

3- سحب قوات مكافحة الإرهاب من كركوك وبعض المناطق التي استعيدت من سيطرة قوات البيشمركة خارج الحدود الإدارية للإقليم.

4- حل مشكلة السكن بتوزيع المزيد من قطع الأراضي دون خدمات، لتحويل العراق إلى بلد عشوائي بامتياز والاستمرار بتجريف غابات وبساتين النخيل.

5- البدء بمشروع أنبوب "البصرة - العقبة" لتصدير النفط العراقي بالمقلوب "إلى جنوب قناة السويس"، وليكون نفطنا على مسافة شمرة عصا من مصانع ومحطات كهرباء دولة العدو "إسرائيل"التي ستصدر لنا الكهرباء باسم الأردن.

6- استمرار عرقلة تنفيذ وإنجاز ميناء الفاو الكبير فيما يوشك ميناء مبارك الكويتي على انتهاء من التشطيبات وبدء استقبال السفن والقطارات.

7- الموافقة على منح الكويت ربطا سككيا مع القناة الجافة العراقية خلال زيارة برهم صالح للإمارة.

8- عدم التعليق على "الدعايات المغرضة" التي أطلقها رئيس الوزراء التركي يلدرم والتي قال فيها إن هناك إحدى عشرة قاعدة عسكرية لتركيا في شمال العراق.

9- تعيين سياسي من خارج الحكومة لضبط تصريف حصة محافظة البصرة من الموازنة العامة لسنة 2019.

10- تعيين عدد من رجال الأعمال وأصحاب الملايين كأجراء يوميين متطوعين تنازلوا عن رواتبهم في وزارة الصناعة والمعادن. وقد ذكر الكاتب إياد السماوي في مقالة له أسماء ثلاثة منهم مع رقم الأمر الوزاري القاضي بتعينهم، وهم:

* معتصم عادل عبد الجبار

* محمد صبحي محسن

* مثنى محسن جار الله، مقدّم أمن سابق كان يعمل في الأمن العام في النظام السابق، ومشمول بإجراءات المساءلة والعدالة بموجب كتاب هيئة المساءلة والعدالة الذي يحمل الرقم أ م خ / 2744 في 21 / 6 / 2012 والمعنون إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء / الدائرة القانونية.

* وفي هذا السياق أيضا، ذكر النائب السابق مشعان الجبوري على شاشة التلفزيون الحكومي "العراقية"/ برنامج "دائرة حوار" اسمي اثنين آخرين من أصحاب الملايين المقيمين في بريطانيا، ووافق مكتب عبد المهدي/ اللجنة القانونية على طلب تعينهما موظفين بدون راتب في وزارة الكهرباء وهما: وديع رياض وديع وليث سعد وديع. وقد تلا الجبوري نص قرار تعينهما على الشاشة المذكورة!

الرابط بدءا من الدقيقة التاسعة:

https://www.youtube.com/watch?v=NrLz0SK40hM

8- التقاط صورة سيلفي مع ضابط أميركي فجرا في شارع الرشيد، بقلب بغداد، وهم الذين كانوا أجبن من يمروا فيها بمدرعاتهم، وهو يتبسم ابتسامة إقطاعية ذات مغزى!

9- رفع الصبّات والحواجر الاسمنتية ثم إعادة بعضها بعد أيام ومنها صبّات ساحة كهرمانة ومواقع أخرى.

أعتقد أن لعنات الله والناس والتاريخ ستحل مجتمعة أو فرادى بكل من ساهم في هذه الكوارث أو علم بها فلم يتصدى لها بل سكت عليها!

 

علاء اللامي

 

جواد بشارةهل سبب ذلك هو غياب الدولة والسيادة أم ضعف السلطة والنظام في مواجهة واقع التدخلات؟

من البديهي القول، في مجال التحليل الجيوستراتيجي، أن هناك معادلة شرق أوسطية مرتبطة بتوازن قوى إقليمية ودولية ومحلية، وفي حال حصول أي خلل في طرفي المعادلة تنشأ الأزمات والتوترات، وربما تتطور إلى مواجهات مسلحة. هذا هو واقع العراق اليوم، فهو واقع بين فكي كماشة طرفيها يتنافسان على النفوذ والثروات . فمن جهة لم تيأس روسيا، وريثة الإتحاد السوفيتي السابق، في استعادة بعض نفوذها في العراق من خلال صفقات بيع الأسلحة والحصول على صفقات تجارية وصناعية عديدة في مجال الطاقة وغيرها، في حين تريد الولايات المتحدة الأمريكية الاستحواذ على كل شيء في العراق بذريعة أنها هي التي قدمت الخسائر والأموال والأرواح لقلب نظام الحكم السابق وبالتالي من حقها وحدها احتكار الغنائم المترتبة على غزوها واحتلالها للعراق منذ العام 2003 ولغاية اليوم. إلا أن الطرف الإقليمي داخل المعادلة ما يزال فاعل ومؤثر ويتمثل بإيران والعربية السعودية وتركيا وبعض دول الخليج الأخرى كقطر، وإلى حد ما سوريا، قبل أن تغرق في وحل الحرب والتدمير الداخلي، والأردن الذي يقطف ثمار ما يجري في العراق لترميم اقتصاده وتقويه بنيته التحتية وتحقيق التطور والتنمية . وفي أطراف المعادلة الجانب المحلي أيضاً والمتمثل بقوى سياسية موالية لهذا الطرف أو ذاك، إقليمياً ودولياً.

إقليمياً، نلمس تواجداً حقيقياً وتدخلاً مباشراً لأكبر ثلاث قوى إقليمية في المنطقة وهي إيران والسعودية وتركيا، على كافة الصعد العسكرية والأمنية والاقتصادية. إلا أن التنافس الأكثر وضوحاً هو بين العربية السعودية وإيران الذي يتخذ أشكالاً مختلفة، ليس أقلها دعم وتوجيه قوى سياسية وعسكرية محلية عراقية ميدانية عن طريق التمويل والتسليح والدعم المادي والمعنوي. شريطة أن ينفذوا ما يسهم في ترسيخ النفوذ الإقليمي لكل طرف معني بهذه المعادلة. العقبة الأساسية تتمثل في الصراع المباشر بين طرف إقليمي وهو إيران، وطرف دولي وهو الولايات المتحدة الأمريكية وهو الأمر الذي كان يحدث بالوكالة عادة وليس بالاشتباك المباشر كما يحدث الآن في العراق. حيث يأخذ الصراع طابع فرض الإرادات ولوي الذراع وعلاقات القوة في ساحة خارج البلدين هي الساحة العراقية التي يتواجدان فوقها أمنياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً. لكل طرف أدواته المحلية العراقية وتحالفاته الإقليمية وخطابه الإعلامي والدعائي الذي يروج لسياسته وذلك في غياب تام للرأي العام العراقي وللإرادة العراقية الحرة المستقلة. تبدو إيران هي القوة المهيمنة على المشهد العراقي حيث توجد تشكيلات وعناصر مسلحة وتنظيمات سياسية وعسكرية موالية أو تابعة لها مباشرة وتتلقى أوامرها وإملاءاتها وتوجيهاته ومستعدة لخوض معارك ميدانية للدفاع عنها وعن مصالحها في العراق في حالة تعرضها لعقوبات دولية وأمريكية جائرة وحصار اقتصادي التي تريد الولايات المتحدة أن يلتزم بها " العراق الرسمي" أي الدولة العراقية، بغية عدم تعريض نفسها لتبعات وتداعيات تلك العقوبات التي سوف تنعكس عليها سلباً في حالة عدم الانصياع وتنفيذ الإملاءات الأمريكية. لذلك يجد العراق نفسه في موقف صعب جداً لهو غير قادر على رفض الأوامر الأمريكية ولا مواجهة إيران بموقف يهدد مصالحها الحيوية في العراق من خلال التزامه بالعقوبات المفروضة على إيران، بل و لا حتى بإمكانه إنتهاج مبدأ النأي بالنفس وعدم التورط في هذا الصراع الذي لا ناقة له فيه ولا جمل. تضغط إيران على قوى سياسية وبرلمانية في العراق باتجاه إصدار قانون يطالب رسمياً بإخراج القوات الأمريكية والأجنبية عموماً من العراق. ولكن هناك أجندات غير عراقية تقف وراء مثل هذا المخطط، فمصلحة العراق تتمثل بإنهاء كل أشكال النفوذ والتدخل المباشر في شؤونه، سواء أكانت إيرانية أو أمريكية أو سعودية أو تركية، لكنه اضعف من أن يقوم بذلك في الوقت الحاضر. فأي تصعيد في المواقف بين الأطراف المتصارعة على أرض العراق من شأنه أن يحدث استقطاباً بين القوى المؤيدة لإيران، وهي كثيرة، والقوى المؤيدة لبقاء القوات الأمريكية في العراق، وهي ليست قليلة، واقصد بهؤلاء جزء من السنة والأكراد وبعض القوى الشيعية الموالية لأمريكا على نحو خفي ومستتر، وقد يتطور هذا الاستقطاب إلى مواجهات مسلحة دموية على الساحة العراقية يدفع ثمنه والخسائر المترتبة عليه الشعب العراقي برمته، وأول الغيث هو حدوث انشقاق داخل ما يعرف بالحشد الشعبي عندما تجرأ أحد مكوناته في انتقاد إيران علنا وبالإسم الصريح واتهام بعض العناصر المسلحة الموالية لها باغتيال الروائي العراقي علاء مشذوب . وهو تنظيم كتائب أبي فضل العباس الذي يقوده أوس الخفاجي الذي تم اعتقاله وإهانته وتهديده وغلق مكاتبه على يد فصائل أخرى من الحشد الشعبي تابعة لأبو مهدي المهندس وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، دون أن يعلنوا عن هوياتهم الصريحة بالطبع.

الخاسر الأكبر في الخلل الحاصل في هذه المعادلة هو الحكومة العراقية الجديدة والرئاسات الثلاث وخاصة رئاسة مجلس الوزراء إذ يبدون في نظر العراقيين والمراقبين بأنهم بلا حول ولا قوة مهما حاولوا ترقيه صورتهم وإطلاق تصريحات كلامية لا أساس لها من الصحة على أرض الواقع. فإنكار وجود قواعد أمريكية على أرض العراق يفقدهم مصداقيتهم لدى الرأي العام العراقي فالكل يعلم أن هناك قاعدة أمريكية كبيرة محصنة في عين الأسد ويتواجد فيها مايربو على العشرة آلاف مقاتل بكامل أسلحتهم ومعداتهم الحربية الثقيلة، وهي القاعدة التي زارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فجأة وبدون سابق إنذار وبدون إعلام الحكومة العراقية وبلا حتى طلب إذنها أو موافقتها، ما يؤشر إلى غياب السيادة العراقية واحتقار الولايات الأمريكية لهذه السيادة الناقصة إن لم تكن الغائبة كلياً بنظر الأمريكيين، إلى جانب وجود عدة قواعد منتشرة في ريوع كردستان العراق وبعلم وموافقة إدارة الإقليم والحكومة العراقية المركزية. فالسيد رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي، الذي جاء لقيادة عملية إصلاح شاملة، قد لايرغب في السر بمغادرة القوات الأمريكية كلياً لأنها تشكل، على نحو ما، نقطة ارتكاز لقوة عسكرية مسلحة مساندة له قد يستفيد منها في المستقبل في حالة نشوب مواجهة بينه وبين قوات الحشد الشعبي الموالية لإيران إذا ما استفحلت هذه الأخيرة وتغولت وصارت تتحكم بحياة العراقيين في كل صغيرة وكبيرة وهو أمر غير مستبعد. إلى جانب ما يواجه السيد عبد المهدي من تحديات مجتمعية عاجلة خاصة الخدمات والماء الصالح للشرب والكهرباء والصحة والحصة التموينية والبطالة، لا سيما تلك المنتشرة بين الخريجين من الجامعات والذين لايجدون تعيينات أو فرص عمل، والأهم من كل ذلك فتح ملف الفساد الذي ينخر أحشاء العراق كالخلايا السرطانية وإيجاد السبل لمكافحة هذا الوباء المستشري في الجسد العراقي لكن واقع الأمر لا يسمح للسيد رئيس مجلس الوزراء أن يقوم بهذه المهمة رغم تأسيسه للمجلس الأعلى لمكافحة الفساد وعزمه الجدي على تحقيق هذا الهدف لكنه يعرف جيداً من هي رؤوس الفساد الكبيرة وماهي قوتها وحجمها وتأثيرها، ومنها ما هو موجود في حكومته ويتواجدون حوله وبالقرب منه، وكذلك داخل مجلس النواب والكتل السياسية المتحكمة بالعملية السياسية العراقية برمتها، وهم من يسميهم العراقيون بالحيتان الكبيرة وجيش من التابعين لهم والمستفيدين منهم في كافة مفاصل الدولة. يكمن خوف العراقيين من تذبذب المواقف الأمريكية وتغيرها باستمرار والغدر بهم في حالة اعتمادهم على ماتعلنه الولايات المتحدة الأمريكية من عزمها على إنهاء الوجود والنفوذ الإيراني تماماً في العراق، ولديها سابقة خطيرة في تسعينات القرن الماضي حيث غدرت بهم إبان الانتفاضة الشعبانية،، وهل الولايات المتحدة الأمريكية قادرة فعلاً على استئصال الوجود الإيراني بدون إرسال قوات عسكرية جرارة قد تكون أكبر من تلك التي أرسلتها لغزو العراق سنة 2003 وهو الأمر الذي لايريده الرئيس الأمريكي ترامب ولا الشعب الأمريكي ولا يؤيده الرأي العام الأمريكية لتكلفته العالية والخسائر البشرية المترتبة عليه؟. خاصة وإن هناك إشاعات عن وجود اتصالات سرية ومفاوضات غير معلنة لكنها مباشرة بين الأمريكيين والإيرانيين حول مسألة تقاسم النفوذ في العراق ودور إيران في المنطقة إذا ما ضمن الأمريكيون عدم تهديد إيران لإسرائيل، لأن هذه الأخير اعتبرت إيران الخطر الأكبر على حياتها ووجودها، وهو العامل الأهم في المعادلة الشرق أوسطية بنظر الأمريكيين، لذلك تحاول الولايات المتحدة تأسيس ناتو عربي إسلامي موالي لها لمواجهة تمدد وتوسع النفوذ الإيراني في المنطقة، لا سيما في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وفي كافة المناطق التي تتواجد فيها أقليات شيعية. ولكن لو تعهدت إيران سراً أو عن طريق خطابها الإعلامي، بعدم إشهار عدائها لإسرائيل والكف عن التحرش بها في سوريا ولبنان، وبالمقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم السعي لإسقاط النظام الإسلامي الشيعي في إيران وعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، ورفع العقوبات عن إيران فربما يمكن التوصل إلى تفاهمات واتفاقات بين الجانبين على حساب الحلفاء الإقليميين بالطبع، وهذا غير مستبعد.

هناك في الوقت الحاضر في الظاهر معسكرين: الأول ويسمونه معسكر الاعتدال الذي تقوده السعودية وبعض دول الخليج وتدعمه الولايات المتحدة الأمريكية، ومعسكر الرفض والمقاومة ونواته الشيعة وتقوده إيران ويضم القوى الشيعية العراقية المسلحة وحزب الله اللبناني وسوريا الأسد والحوثيين في اليمن وبعض القوى الشيعية الحركية في البحرين والكويت والقطيف .

الرئيس الأمريكي ترامب يعلم علم اليقين أنه ليس باستطاعته مهاجمة إيران من داخل الأراضي العراقية لوجود قوى عراقية شيعية مسلحة يمكنها أن تضربه من الخلف دفاعاً عن إيران، بل ولا حتى تشديد الحصار على إيران وخنقها من الجانب العراقي المرتبط بإيران تجارياً واقتصادياً وسياسياً ومذهبياً وحدودياً وعسكرياً، ما يجعل مثل هذا السيناريو مستحيلاً وكل مايقوم به ترامب يدخل في باب التهديد اللفظي والابتزاز الاقتصادي لدول المنطقة وبضمنها العراق. فالانتخابات العراقية الأخيرة لم تأتي بقوة كبيرة ومؤثرة وحاسمة مؤيدة لأمريكا ولا لإيران،فالكفة متعادلة لدى الطرفين في تشكيلة الحكومة العراقية الجديدة المزدوجة الولاء للخصمين اللدودين أمريكا وإيران. لقد تعمدت الولايات المتحدة الأمريكية حل الجيش العراقي النظامي السابق وأضعفت الجيش العراقي الجديد البديل ولم تدربه أو تجهزه كما ينبغي ما فتح المجال أما عناصر وميليشيات مسلحة كثيرة أن تمارس قوتها وسلطتها الخارجة عن القانون والشرعية قبل تأسيس الحشد الشعبي بفتوى المرجعية لمحاربة داعش الإرهابية، فانضمت كافة الفصائل المسلحة الميليشياوية لتشكيلة الحشد الشعبي واختلطت الأمور حيث باتت كلها تتمتع بالشرعية والقدسية وإستحالة المساس بها من جانب الحكومة إلى جانب وجود القوى المسلحة الكردية " البشمركة" التي تأتمر بأوامر الحكومة الكردية في الإقليم رغم كونها جزء لا يتجزأ من الجيش العراقي وتأخذ مرتباتها من وزارة الدفاع العراقية. فهل تجهل الولايات المتحدة الأمريكية هذا الواقع العراقي المعقد؟ كلا بالطبع لذلك لم تفاجأ أمريكا بانهيار الجيش العراقي النظامي في المناطق الشمالية والغربية عندما هجمت عصابات مسلحة منفلتة إرهابية وهي التابعة لتنظيم داعش الإرهابي، واحتلت ثلثي العراق، وقبل ذلك سيطرة ونفوذ التشكيلات الإرهابية المسلحة التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي والدولة الإسلامية في العراق بقيادة الإرهابي الأردني أبو مصعب الزرقاوي على أغلب مناطق العراقي الغربية بل وحتى في العاصمة بغداد نفسها. فلقد انهزم الجيش العراقي في الموصل والأنبار وغيرها من المناطق أمام حفنة من عصابات داعش المسلحة بأسلحة خفيفة وخلال ساعات قليلة ولم تفتح الحكومات العراقية المتعاقبة لحد الآن، من نوري المالكي ومرورا بحيدر العبادي وانتهاءاً بعادل عبد المهدي، ملفات تحقيق بهذا الخصوص لمعرفة أين يكمن الخلل ومن المسئول عن ذلك الانهيار وهل بالإمكان محاسبته قضائيا وقانونياً. واليوم يجد الجيش العراقي نفسه أضعف من أن يقوم لوحده بمهمة الدفاع عن الوطن لأنه ليس بالقوة اللازمة لمواجهة التهديدات الإرهابية ولا التنظيمات المسلحة غير الرسمية التي تسيطر على أغلب مناطق العراق، فضلاً عن التهديدات والتدخلات الإقليمية والانتهاكات التي تقوم بها بعض دول الجوار كتركيا. أمريكا تقول أنها موجودة وباقية في العراق، وإيران تعلن أنها موجودة وباقية إلى ألأبد في العراق وتتدخل في كل صغيرة وكبيرة فيه بما في ذلك اختيار الوزراء والمسؤولين . وأخيراً لا يجب أن ننسى دور وموقف المرجعية الشيعية العليا في العراق ونفوذها السياسي والمعنوي في كل مفاصل العملية السياسية والمجتمعية في العراق الجديد منذ سقوط نظام صدام حسين وإلى يوم الناس هذا.

 

د. جواد بشارة

 

صائب خليلمقدمة: في المقالة الأولى حول اتفاقية حرية التجارة مع الاردن(1) ناقشنا منطق نظرية رئيس الحكومة عادل عبد المهدي والتي تقول بأن فتح الأسواق يساعد على تنمية البلدان المتأخرة مثل العراق، وبينا خللها.

وفي هذه المقالة، سنناقش قول عبد المهدي: "اما الدول التي تريد فعلا فقط بغلق أبوابها وتعتقد ان صناعتها وزراعتها ستتطور لن تتطور.. وهذه تجارب العالم كله"، كما صرح في مؤتمره الصحفي الأسبوعي الأخير(2)

قبل ان نبدأ مناقشة هذا القول، لنلاحظ أولاً أن الاتفاقية بين عبد المهدي والأردن، تمثل "حرية تجارة" مفتوحة من الناحية العملية على كل العالم وليس الأردن فقط، كما بين اتحاد الصناعيين العراقيين، حيث ستغزو الصناعة الصينية والإسرائيلية وغيرها العراق من خلال "ثقب" الأردن، عن طريق تبديل العلامة التجارية فقط.

فهل هذا هو الطريق للتنمية الصناعية الذي انتهجته "كل دول العالم " كما قال عبد المهدي؟

لحسن الحظ، أن تاريخ التطور الاقتصادي للعالم ليس سراً، ولدينا عدد كبير من الكتب التي تروي الطرق التي اتبعتها الدول المتقدمة لبناء اقتصادها، وأحد اشهرها يسمى: "ركل السلم"(3)

الكتاب يناقش الخيار بين الحماية والانفتاح في تاريخ النمو الاقتصادي، وبشكل خاص في المراحل الأولى للصناعات الوليدة مثل الصناعات العراقية. ولنلاحظ هنا أن أمثلة الكتاب اخذت من تاريخ النمو الاقتصادي الرأسمالي، ولا علاقة لها بالسعي للابتعاد عن الاشتراكية والبعث وغيرها من الحجج المستخدمة للدفاع عن الاتفاقية، ويؤكد ذلك موقف اتحاد الصناعيين العراقيين من الاتفاقية.

1- تاريخ الرأسمالية: لا صناعة وليدة بدون تعرفة حماية

نقتطف من الكتاب أعلاه أن "فريدريك ليست" اشهر الاقتصاديين الالمان في القرن التاسع عشر، والأب الروحي المدافع عن الصناعة الوليدة، كتب في "النظام الوطني للاقتصاد السياسي" ان "الدول النامية لا يمكنها ان تطور صناعات جديدة في ظل وجود منافسة قوية من الدول المتقدمة، بدون تدخل الدولة، وخاصة بقيامها بتوفير التعرفة الحمائية"!

وهذا الاستنتاج يشبه استنتاجنا في المقالة السابقة، وهو بالضد من نظرية عبد المهدي التي ساقها في معرض دفاعه عن اتفاقيته مع الأردن، حيث يقول بأن الطريق الى تنمية الصناعة والزراعة في الدول النامية مثل العراق، هو بفتح أسواقها وإلغاء الحماية، او تركها "للأخير"! وهو فوق ذلك يدعي ان دول العالم المتقدمة جميعاً، قد فعلت ذلك.

دعونا ننظر إذن الى التاريخ، ولنبدأ بتاريخ اشد دعاة حرية السوق، بريطانيا القرن التاسع عشر ثم اميركا، لنرى كيف قاما بتنمية اقتصادهما. جاء في الكتاب:

"كانت بريطانيا (في القرن الخامس عشر) تفرض الحماية بالتعرفة حتى على تصدير الصوف الخام (أو المنع في عهد الملكة اليزابيث الأولى) حماية لصناعتها، ولم تفتح التصدير إلا بعد التأكد من ان صناعتها مكتفية منه وعاجزة عن استهلاكه." ص 41

"استمرت بريطانيا بفرض حماية تعرفة مرتفعة للغاية على صناعتها حتى 1820 ، أي بعد جيلين من بدء ثورتها الصناعية رغم أنها كانت متقدمة بخطوات كبيرة على الدول المنافسة."

"في عام 1700 فرض حظر على المنتجات القطنية الهندية، فأضعفتها كثيرا، وجرى تدمير صناعة القطن في الهند بالكامل في فترة لاحقة عندما أصبحت بريطانيا منتجا اكثر كفاءة للقطن من الهند".

"كانت الولايات المتحدة اكثر الدول حماساً لاستخدام الحماية حتى ان المؤرخ الاقتصادي بول بايروخ اطلق عليها لقب حصن الحمائية الحديثة" ص 48

"كانت السياسة الاقتصادية الفرنسية  ... ذات تدخل شديد من الدولة، ولطالما اشتكت بريطانيا من ذلك."

"أن كل الدول المتقدمة تقريبا، قد تبنت شكلا من أشكال استراتيجية تنشيط الصناعات الوليدة عندما كانت في طور اللحاق بغيرها، وكانت التعرفة الحمائية عنصرا أساسيا من هذه الاستراتيجية، وأن المملكة المتحدة والولايات المتحدة اللتان تعتبران معقل التجارة الحرة، كانتا من استخدم الحماية بالتعرفات الجمركية بقوة أكثر من غيرهما." ص 90

يستثني الكتاب دولتين فقط في العالم (سويسرا وهولندا) والى درجة قليلة بلجيكا (التي كانت لها تعرفات محدودة نسبيا، واستفادت من كونها جزء من الإمبراطورية الاسبانية لفترة امتدت من منتصف القرن السادس عشر- أي بدايات الرأسمالية، ولمدة 160 عاماً)، حيث تطور اقتصاد هذه الدول دون تعرفات حمائية مهمة.

كيف تمكنت هاتان الدولتان من تطوير اقتصادهما دون حمائية مؤثرة؟ كانت لدى كل منها أسبابا خاصة جداً تضمن استفادتها من الانفتاح اكثر بكثير من الحمائية. سويسرا استفادت من الحروب النابوليونية في فترة تنمية حرجة، واستخدمت هولندا بدلاً من الحماية الجمركية، سياسة صارمة لحماية تفوقها الملاحي العالمي في القرنين السادس عشر والسابع عشر (مرت في تلك المرحلة فترة كان ثلثي السفن التجارية الكبيرة في العالم هولندية!) وهو ما يضمن تفوقها التجاري، الذي يستفيد من الانفتاح بشكل أكبر من التعرفة!

والحقيقة ان وجود هاتان الدولتان، لا تنفيان ضرورة الحمائية للنمو، بل هما اشبه بالاستثناء الذي يؤكد القاعدة!

2- هل ينطبق مبدأ حماية الصناعات الوليدة على الاقتصاد القديم فقط؟

كلا. فـ "لأكثر من قرن من الزمان في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، كان متوسط تعرفات الحماية الكمركية الامريكية على الواردات الصناعية من أعلى المتوسطات في العالم، رغم انها تمتعت بحماية طبيعة تتمثل بارتفاع تكاليف النقل اليها. ويمكن القول ان الصناعات الامريكية كانت اكثر الصناعات تمتعا بالحماية في العالم" ص93

"لم تبدأ الولايات المتحدة بتزعم الحملة العالمية من اجل تحرير التجارة إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية." (في تلك الفترة كانت الولايات المتحدة تمتلك اكثر من نصف الإنتاج الصناعي العالمي ونصف رؤوس الأموال الاستثمارية، حيث كانت الدول الأوروبية تلعق جراحها من التدمير الشامل لتلك الحرب – صائب خليل) 56

"دول شرق اسيا اتبعت دعماً اكثر واقعية وأفضل تصميما ليخدم سياسة التصدير، (فإضافة الى فرض التعرفات) فقد خفضت التعرفات الخاصة بمكائن الصناعة الإنتاجية والمواد الأولية المستخدمة لتصدير المصنوعات". ص 77

عدا هذا فأن جميع الدول في العالم ماتزال تضع تعرفات مختلفة وتستغل اية فرصة لزيادة تعرفاتها عندما تشعر انها في غير صالحها، حتى لو كان ذلك مخالفاً لاتفاقياتها التجارية ولبنود قوانين منظمة التجارة العالمية، كما فعلت أميركا مؤخراً مع منتجات صينية.(4)

3- بعد الصعود.. تتغير القواعد والأدوار

“غيرت الدول المتقدمة مواقفها السياسية تبعا لموقعها في سلم التطور... فعندما كانت تلك الدول في طور النمو، قامت بحماية صناعاتها الوليدة .... ولكن وبمجرد التحاقها بالدول المتطورة، بدأت بالدعوة الى التجارة الحرة...”! ص 104

"ففي القرن التاسع عشر، كانت المانيا والولايات المتحدة تنظران بانزعاج إلى دعوة بريطانيا إلى فضائل التجارة الحرة، واعتبرتاها "تظاهر كاذب بالفضيلة"، لانهما يعرفان ان بريطانيا استخدمت في القرن السابق، إجراءات حماية لصناعاتها الوليدة، اكثر قوة من أية دولة أخرى! ويسود اليوم الشعور نفسه، عندما ينادي مفاوضو التجارة الأمريكيون بفضائل التجارة الحرة للدول النامية"

ملخص الموضوع إذن، أولاً، أن الحماية للبضائع بالتعرفات، ليس كما وصفها عبد المهدي، إجراءات خانقة للصناعة بل ضرورية لولادتها وحياتها، خاصة في البلدان النامية، على الأقل بشكل معقول لكي لا تحمي مساوئ الصناعة أيضا.

والنقطة الأخرى هي ان الحماية بالتعرفات اعتبرت دائما في صالح البلد الذي يفرضها، لذلك نرى حربا تجارية شديدة، تصر فيها البلدان على فرض التعرفة على استيراداتها، وتحتج البلدان الأخرى عليها.

4- الضغوط على الدول النامية والمهزومة والمستعمرة

يكتب تشانغ: "تتعرض الدول النامية لضغوط كبيرة من العالم المتقدم لإجبارها على تبني مجموعة مما يسمى "السياسات الرشيدة" لدفع التنمية الاقتصادية، وهي التي تحظى بموافقة واشنطن، واهم شروطها تحرير حركة الاستثمار والتجارة الدولية والخصخصة وإزالة القيود أمام الاقتصاد الحر."

وهنا تساؤل مهم: إن كان "الاقتصاد الحر" مفيدا للبلدان النامية فلماذا لا تتبناه بنفسها بدون ضغوط؟ وهل ان "العالم المتقدم" حريص على تطوير شركات وصناعات في الدول النامية لكي تنافس شركاته؟

هذا بالتأكيد مضاد لمبدأ الرأسمالية تماما، حيث ينتظر أن تعمل كل شركة أو دولة على منع الدول الأخرى من اللحاق بها، ويفترض أنها تفرض عليها قواعد تؤخر نموها، لا ان تجبرها على ما يطور صناعتها لتنافسها!

التاريخ يثبت هذا المنطق، ويؤكد ان الدول قد فرضت الغاء الحمايات على أعدائها وخصومها عندما سيطرت عليهم، وليس عندما كانت تريد تنشيط اقتصادهم:

"عندما فتحت اليابان على يدي الكومودور بيري قائد الاسطول الأمريكي (القرن التاسع عشر)، أجبرت على توقيع اتفاقات تحدد التعرفة الكمركية بما لا يزيد عن 5%" ص 93

"ومن الطريف أن اليابان فرضت الأمر نفسه على كوريا بالقوة بعد ذلك حينما فتحتها عام 1876، فأجبرت كوريا على التوقيع على اتفاقية جردت كوريا من حريتها في فرض التعرفة!"  ص89

"وحين تمكنت اليابان من استعادة حريتها في وضع التعرفات في عام 1911 وضعت استراتيجية صناعية كانت الحمايات تمثل فيها عنصراً اساسياً، وصار أداء اليابان أفضل بكثير."  ص97

ويمكننا ان نجد في كتاب "نعومي كلاين" والمسمى "عقيدة الصدمة" أمثلة كثيرة على تلك الضغوط التي تمارسها اميركا اليوم، والانقلابات العسكرية التي تنظمها من اجل اجبار الدول النامية على اتباع سياسة الاقتصاد الحر، بل تكاد تكون كل الانقلابات التي قادتها السي آي أي في مختلف بلدان العالم لإبدال حكوماتها عنوة، تستهدف هذا الضغط.

ولا يقتصر استعمال هذا السلاح الاقتصادي على الأعداء والخصوم، بل ان بريطانيا سعت إلى منع حتى مستعمراتها من التصنيع:

استحدثت في بريطانيا مجموعة متماسكة من السياسات الهادفة إلى منع تقدم التصنيع في المستعمرات، خاصة اميركا (التي كانت مستعمرة لإنكلترا). وكتب احد مسؤولي المستعمرات الإنكليز انه "يجب عدم السماح للمستعمرات بتصنيع حتى مسمار حدوة حصان!"

"وعن طريق ضوابط التجارة والصناعة، منعت المستعمرات من تصنيع المواد الخام التي درجت بريطانيا على استيرادها وتصنيعها، ولذلك لتثبيط أية صناعة يمكن أن تسبب منافسة بأي شكل من الأشكال مع الدولة الأم (بريطانيا)، ولكي تبقى أسواق المستعمرات للصانع والتاجر الإنكليزي" ص 85

5- "كيف أصبحت الدول الغنية بالفعل غنية؟"

يسأل المؤلف "هو جون تشانغ" في النهاية سؤالاً: "كيف أصبحت الدول الغنية بالفعل غنية؟" ويجيب عنه: "أن الدول الغنية لم تصل الى ما وصلت اليه فعلا، من خلال انتهاج السياسات التي توصي هي بها الدول النامية حاليا"!

ويبين تشانغ أن العكس هو الصحيح! "فالغالبية من الدول الغنية استخدمت سياسات تجارية وصناعية تعتبر "سيئة" من وجهة نظر ما توصي به بنفسها. فاستخدمت حماية الصناعات الوليدة".

وهنا نتذكر مقارنة للبروفسور نعوم جومسكي بين بلدين ينتجان القطن ويصدرانه لبريطانيا في القرن التاسع عشر، هما أميركا ومصر. وكيف أن أميركا رفضت بشدة توصيات آدم سميث بعدم تصنيع القطن، والاكتفاء بتصديره كمادة أولية، فازدهرت صناعتها، بينما مصر التي كانت تخضع للضغط البريطاني استمعت الى تلك النصيحة، ولم تتبع حماية صناعتها، فبقيت متخلفة.

6- لماذا "ركل السلم"؟

ربما تساءلت عزيزي القارئ عن الاسم الغريب للكتاب. لماذا اختار المؤلف: "ركل السلم"؟

هذا التعبير العبقري استعمله الاقتصادي الألماني "ليست" في معرض دفاعه عن صناعة بلاده النامية حينها، بوجه توصيات الدول الغنية ، فكتب: "إنها حيلة ذكية ومعروفة يلجأ اليها كل من وصل الى قمة العظمة، حين يركل السلم الذي صعد على درجاته ليصل إلى اعلى، ثم ليحرم الآخرين من استخدام نفس السلم للحاق به." ويكمل: "مثل كل المصنوعات البريطانية، فأن فكرة التجارة الحرة، مصنوعة للتصدير فقط وليس للاستهلاك المحلي". ص 58

ويؤكد تشانغ: "تتعرض الدول النامية لضغوط كبيرة من العالم المتقدم لإجبارها على تبني مجموعة مما يسمى "السياسات الرشيدة" لدفع التنمية الاقتصادية، ... واهم شروطها تحرير حركة الاستثمار والتجارة الدولية والخصخصة وإزالة القيود أمام الاقتصاد الحر."

أي أن الدول الغنية تستخدم توصياتها.. كوسيلة لإعاقة الدول النامية عن انتهاج السياسات التي كانت هي نفسها تستخدمها من قبل لتحقيق التنمية الاقتصادية. ويضيف تشانغ: "إن منع الدول النامية حاليا من تبني مثل هذه السياسات، يشكل قيدا خطيرا على قدراتها وطاقاتها على تحفيز التنمية الاقتصادية"!

ويقول: "أن كل دولة نجحت في الارتقاء من خلال الحماية التجارية .. لا يسعها إلا ان تركل السلم، ثم تعود لوعظ الدول الأخرى بمزايا التجارة الحرة."

7- خاتمة: ما الدور المناط بعبد المهدي؟

يبدو لي أننا عرضنا أمثلة كافية تبين أن انتهاج الهدف من اتفاقية التجارة الحرة، هو منع النمو الصناعي (الرأسمالي) في العراق، وأن عبد المهدي يستخدم من قبل جهة ما، لـ "ركل السلم" الوحيد الذي يعرفه العالم، لتنمية الصناعة الوليدة!

وهنا نتذكر أيضا مشروع عبد المهدي ورفاقه الأربعة، المسمى ظلماً “شركة النفط الوطنية”، الذي طعنت به المحكمة الاتحادية بعد ان وصفه خبيرها بأنه يهدد بضياع النفط وجر البلاد الى حرب أهلية!

ونتذكر أيضا الغموض والاستعجال الذي أحاط بترشيح عبد المهدي وبطرق لا دستورية، ثم محاولة جميع الأطراف التنصل من المسؤولية عن ذلك الترشيح.

وفي الختام يصبح السؤال مشروعا: ما هو الدور المناط بعادل عبد المهدي؟ ومن يقف وراءه؟

 

صائب خليل

..........................

(1) صائب خليل: نظرية “التنمية بفتح الأسواق” – هل تمنح عبد المهدي جائزة نوبل؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2209909279066129

(2) المؤتمر الصحفي الاسبوعي لرئيس مجلس الوزراء السيد عادل عبد المهدي. - YouTube

https://www.youtube.com/watch?reload=9&v=p7vvGXWWGu8&feature=youtu.be

(3) "هو جون تشانغ" : ركل السلم

https://archive.org/details/raklsollam1

(4) إدارة ترامب تفرض رسوما جمركية على واردات صينية بقيمة 50 مليار دولار سنويا

 https://www.france24.com/ar/20180404-الولايات-المتحدة-تقترح-رسوماً-جمركية-على-50-ملياراً-من-الواردات-الصينية

 

 

ضياء الحكيمالبابا فرنسيس في مهمة السلام والمحبة كسب النسبة الأكبر من عالمنا العربي بزيارته الفريدة الى دولة الإمارات المتحدة . وكي نكسب مكانتنا في عالم اليوم علينا تتمة مسؤولية حمل رسالة واضحة لمن أعطب وشوّه مجتمعاتنا العربية بكسوة التطرف الممتدة على طول العالم. وهنا النقطة الأساسية لمعنى التتمة (1) في كسب التعايش السلمي دون حروب وتبادل تصدير أسلحة الموت (2) منع لباس التعصب وكسوة التطرف من ألإنتشار ودحض أوهام من يقومون  بإنعاشه كلما إحتضرمروجيها وإقترب دفنها .

أختي الأصغر كانت تسكن في دُبي. سألتني كيف أفهم زيارة البابا للأمارات وكيف تقارنها تاريخياً بحكاية لا ترتقي الى مستوى الصدق التي تروي قصة رب عمل سأل أحد عماله "هل تؤمن بأن هناك حياة بعد الموت ؟ أجابه العامل بالتأكيد لا . فرد عليه رب العمل بأنه سيثبت له العكس . ففي اليوم الذي طلبتَ فيه رخصة يوم السبت الماضي لحضور تأبين ودفن وفاة خالك، جاء بنفسه الى المعمل يسأل عنك ".  وسواء أكانت هناك حياة بعد الموت أو لا  فلنقل اللهم أدخلهم الى أرض الحقيقة وعلِمنا وعلمهم نقد الذات وإبعدهم عن نار التعصب والجمود. وأقول كمؤمن ، ان البابا فرنسيس رجل السلام الأول كسب بزيارته الرسمية عقول الناس في مهمة السلام ورابطة المحبة وحقيقة ترحّيب أهل الأمارات والعرب جميعاً بها. لقد كسرَ البابا  جدار التعصب الذي أحاطته بنا غيبيات الكذب المزعوم وتأويلات اللاهوت وتعاليم من يؤمن بأحقية اليهود في الأرض المقدسة في مناورات لم تعد تسير أو تتوافق مع اللباس التاريخي للتعايش السلمي .

إكساءُ الرعية بكسوة التطرف الرباني يحتاج الى مراجعة إنسانية مهذبة وذكية . الكسوة أو اللباس الذي تغطى وتلحّف به من تقمّص مسؤولية التربية العنصرية للمذهب وأخذ به الحال للتطرف ،ضاعف في إنتشار سموم فكرية تطورت الى حروب زمنية نحن في منأى عنها. 

والتتمة الاخرى الواجبة الأدخال  هي مسؤولية الأسرة تجاه أبنائها، ومسؤولية المدرسة والجامعة قبل ترخيص الحكومة أحزاب الدولة التي أعطبت العلم والتعليم . العقل التوجيهي في البيت ومدارس الأجيال أهم من  حماقات حكومات متطرفة لم تعد تعي رسالة الأنسان للاخر .

 العالم تغيّر ، وبقينا شعوب تأمل في منح ثقتها لنخبة مؤمنة منقذة تأخذ مكانها في الوسط بين الراعي والرعية، ولا تبشّر (بالشدة) حكومات تتبع أيحاءات الصهيونية  ليكونوا دعاة السلام على الأرض . العالم تغير. ولن يكون مكاناً لمن يُخرّج أنصاره بثياب الجهاد  ويدعو عن همجية إقتناء السلاح للقتال الزمني دون فهم وإستيعاب  مردوداته السلبية . رجاحة العقل في المجتمعات  تنتصر في التمسك بإرادة الشعب وحاجاته ولا تترك كسوة التطرف وإيحاءاته الملونة.

إنهاء صراع الأديان وتطرفها يتطلب وقفة رقيّ حضارية نتقبل فيها الأخر ونكسب دول تؤمن بالتعايش السلمي وصرف أنظارها عن بيع الأسلحة. وعلى ضوءها نمنع ونصرف عن أذهان دول أخرى– غربية او شرقية – فكرة الحديث الى حكوماتنا ومؤسساتنا عن بيع السلاح والذخيرة.

شجعتني ملاحظة أحد الأخوة المعلقين على مقالي السابق  "حربُ دولةُ الحق على دولة الباطل" ونص قوله (ليس من الإنصاف ان نلوم الاديان ولا رجال الدين ولا حتى رجال السياسة ولكن نلوم تجار الحروب من اصحاب مصانع الحروب التي تنتج ابشع وافتك وأمضى أسلحة الخراب والدمار والقتل الجماعي للبشر بدون تفرقة لكي تتوقف الحروب لابد من حضر صناعة السلاح ومنع تصديره) . وأنا معه في ذلك . أما ملاحظتي الودية فهي نقدي الموجه  لرجال الدين لتركهم  المفاهيم ألانسانية وضرورتها للمجتمع وتتبعهم لرغبات السلطان الحاكم في أغلب الحالات . ففي إسرائيل  يحوط الحاخامات بالدعوة لإحاطة الحائط الفاصل بين رعية الله (العرب واليهود) وخولتهم حكومتهم بالتبشير له والتطرف في منهجيته.

إننا نكتب للمتفاخرين بإصولهم العنصرية وتاريخهم الدموي وهم يلبسون كساءاً دينياً زاهياً ويُفرّقون بين الراعي والرعية (والله وماخلق) . نكتب ضد إنعاش كسوة التطرف ولباس الكهنة  والدعوة لقتل إنسان وقد تم كشف معانيها ولم تعد مطابقة للعقل الأنساني . ومرة أخرى أقول لقد كسب البابا فرنسيس عقول الناس في مهمة السلام والمحبة المُرحب بها في كل أطراف العالم.

 

كاتب ومحلل سياسي

ضياء الحكيم

  

 

 

علي المؤمنلم يكن مستشار الأمن القومي الأمريكي "جون بولتون" يمزح حين أكد بأنه سيحتفل في شباط 2019 في طهران بسقوط نظام الجمهورية الإسلامية. وكان بذلك يبعث رسائل إطمئنان الى إسرائيل والسعودية والأنظمة الإقليمية الطائفية بأن الشرق الأوسط سيخلو خلال العام 2019 من (التهديد الشيعي)، بطبعاته الإيرانية والعراقية واللبنانية والسورية واليمنية. فالمقاصد الأمريكية تعد طهران محور (الصعود الشيعي) وقاعدة (عصر الشيعة)، فإذا انهارت هذه القاعدة انهار عصر الشيعة، وعادوا الى عصر الإنزواء والتهميش والقمع، كما كانوا قبل العام 1979. ولذلك، فإن ستراتيجيا "دونالد ترامب" وحليفيه "نتن ياهو" ومحمد بن سلمان في ضرب (التهديد الشيعي) لا تركّز كثيراً على ضرب المحاور المحلية الشيعية، أو ما يسمونه أجنحة محور المقاومة في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبحرين وغيرها؛ بل على ضرب رأس المحور وتدميره، والمتمثل بإيران، وحين يقطع الرأس، تموت الاجنحة تلقائياً، وحينها سينتهي (عصر الشيعة) كما يقولون. وهو ما عبّر عنه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بقوله: (سننقل المعركة الى داخل إيران).

وقد عبّر وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" في 6 شباط الجاري، في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، عن هذا الحراك الأمريكي السعودي الإسرائيلي في المنطقة ضد محور الصعود الشيعي بكل وضوح، بقوله: (نعتقد أن تشكيل تحالف كالناتو في الشرق الأوسط ضد إيران، بات وشيكاً، ولم يتبق سوى الإتفاق على التفاصيل. إن جميع دول المنطقة تدرك أن وجود هذا التحالف هو في إطار مصالحها)).

والحقيقة، أن تاريخ التحالفات في الشرق الأوسط لم يشهد يوماً هذا التعاضد المركّز بين القوى الدولية والإقليمية والمحلية؛ لاستهداف الواقع الجديد الذي تشهده المنطقة منذ العام 2003. و قد يشبّه بعض المراقبين هذا الوضع بالتحالفات التي استهدفت الإيرانيين بعد انتصار ثورتهم في العام 1979. ولكن تحالفات اليوم هي الأكثر خطورة والأكبر عدّة وعدداً على الإطلاق؛ لأن المستهدف لم يعد مجرد نظام سياسي أو مد فكري أو تأير آيديولوجي؛ بل المستهدف هو الإنسان الشيعي و عصره.

يقوم التحالف "الترامبي" العلني على ثلاث ركائز أساسية: حكومة الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الاسرائيلي والمملكة السعودية، وترافقهم ركائز ثانوية. ويستهدف هذا التحالف ثلاث ركائز أساسية متقاربة: إيران، شيعة العراق وشيعة لبنان، فضلاً عن ركائز ثانوية؛ ولا سيما شيعة البحرين وشيعة اليمن.

وليس عبثاً ان تزيد هذه التحالفات من حدّة شراستها يوماً بعد آخر، فالقوى الشيعية - برغم عدم وحدة مساراتها أحياناً - تعمل بدأب على تغيير الثوابت السياسية والطائفية السائدة في المنطقة منذ مئات السنين، ومعها موازين القوى والتجاذبات والاصطفافات. فإيران ـ مثلاً ـ باتت القوة الإقليمية الأولى في المنطقة، وإحدى القوى العالمية السبع الكبرى. ورغم تأكيدات مسؤوليها بأنهم لا يتدخلون في الشأن الداخلي للدول الأخرى، أو في دعم الشيعة وجماعات الممانعة في الدول الأخرى، إلاّ أن مجرد وجود قوة إسلامية شيعية مهابة؛ هو ظهير معنوي كبير للشيعة ولكل قوى الممانعة في المنطقة.

ومن هنا سيظل التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ السعودي يعمل بتركيز على ضرب هذه القوة في الصميم في وضعها السياسي الداخلي، وفي تطورها العلمي والتكنولوجي، وفي نفوذها المعنوي الخارجي، وفي كل منابع القدرة التي تمتلكها. وإذا كان الناتو الشرق أوسطي الجديد المضاد لمحور الصعود الشيعي، سيفشل في مساعيه العسكرية والسياسية؛ فإنه ربما سينجح عبر القصف الإعلامي والدعائي المكثف، في تكريس معادلة مختلفة في عقول بعض العرب، تتلخص في أن أسرائيل هي صديقة العرب وحليفتهم، و أنها تمثل ضمانة أمنية لأنظمة المنطقة، في مقابل قوى الصعود الشيعي. أما العدو الحقيقي للأنظمة العربية فهي إيران وقوى الصعود الشيعي في العراق ولبنان تحديداً.

وبالتزامن مع ذلك، سيكرس الحلف الأمريكي - الإسرائيلي ـ السعودي نجاحه النسبي في تفكيك مسارات الشيعة في بلدان الصعود الشيعي، و لاسيما في العراق، للحؤول دون أي تحالف حقيقي بين القوى الشيعية الممانِعة في المنطقة، من خلال استقطاب بعض رموزها عبر زرع القناعات الوهمية أو الإستغفال أو شراء الذمم. فضلاً عن محاولات حرف الرأي العام الشيعي العراقي باتجاه العداء لمحور المقاومة وإيران. وهو ماتنفذه فيالق سياسية وفرق مخابراتية وجيوش الكترونية ضخمة في عددها وعدّتها، مرتبطة بالأجهزة الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية والسعودية (وهو ما سنفصله في الأقسام القادمة من سلسلة المقالات هذه).

 

د. علي المؤمن

 

صائب خليلفي حديثه الأسبوعي الأخير مع الصحافة (انظر الفيديو (1))، أشار رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، الى اتفاقه لإلغاء الرسوم الجمركية مع الأردن، والذي أثار الاحتجاج الشديد في مختلف القطاعات في العراق. ومن كلمته نستنتج ان عبد المهدي ينوي "عمل ذلك مع بقية دول الجوار"، معتبرا أن "هذا طريق مهم لتوفير المزيد من فرص العمل، لتنشيط الاقتصاد الوطني لتنشيط الزراعة لتنشيط الصناعة...".

كيف يكون فتح الأسواق المحلية في بلد متخلف اقتصادياً مثل العراق، "طريق لتوفير فرص العمل"، دع عنك "تنشيط الاقتصاد الوطني والزراعة والصناعة"؟

لننظر الى الأمر ببساطة بمنطق الناس الاعتياديين، قبل ان ندخل في النظريات الاقتصادية التي تؤيد أو تخالف نظرية عبد المهدي.

لنفترض أن هناك شخصاً ينوي الاستثمار في الزراعة أو الصناعة. سواءاً كفلاح يزرع حقلا لنفسه، أو رجل اعمال يفكر بإنشاء منشأة زراعية أو صناعية. ولنقل انه يفكر في انشاء مزرعة للطماطة، وأن هذا الشخص هو أنت.

أول ما ستفكر به هو: هل سأستطيع بيع محصولي بربح؟

ستحسب كلفة الأرض والعمال والبذور والسماد والحراسة والنقل والمبيدات، إضافة إلى قلة الكفاءة التي تصاحب المشاريع الجديدة وانخفاض انتاجيتها إلخ، لتخرج بنتيجة ما: إذا استطعت ان ابيع الكيلو بكذا او أكثر، يكون المشروع رابحاً، وإلا فإني اغض النظر عن الموضوع.

والآن لنقارن بين الحالتين، فنذهب أولاً إلى سوق ما قبل نظرية عبد المهدي حيث الحماية الجمركية، فنجد سوقاً متعطشاً للطماطة، حيث لا تتوفر فيه إلا طماطة مستوردة ومجمركة، بأسعار مرتفعة نسبياً إضافة إلى زراعة محلية لم تسد حاجة السوق.

ثم أذهب الى سوق نظرية عبد المهدي، فأجد السوق مغرقاً بطماطة اردنية (مع اشاعات بأنها إسرائيلية) رخيصة، لأنها جاءت من مزارع ضخمة ذات خبرة طويلة وكفاءة في الإنتاج والتسويق والنقل والعرض والتغليف الخ. 

الآن، وفق نظرية عبد المهدي، يفترض ان الحالة الثانية هي التي تشجعني على البدء بمشروعي وليس الأولى!! المنطق يقول العكس. ففي حالة السوق المحمية تكون الفرصة كبيرة لي كصاحب المشروع أن أجد ان السوق تتحمل بضاعتي الجديدة رغم قلة كفاءتها، ويبقى لي ربح معقول واحتياطي من الخسارة التي قد تسببها الظروف غير المحسوبة. أما في حالة السوق الحرة، فالفشل محتم علي! إن كنت اريد الفلاحة بنفسي، فسأغض النظر عن ذلك وابحث لي عن وظيفة في الدولة، وإن كنت ثريا ابحث عن استثمار لأموالي، فسوف افكر بمكان آخر لها. وإن كانت نظرية عبد المهدي قد طبقت على كل المجالات فلا مفر لي من البحث عن بلد آخر لاستثمار أموالي.

إذن المنطق يقول أن فتح الحدود قاتل للمشاريع الجديدة. ربما يختلف الامر مع المشاريع الموجودة أصلا؟ لننظر:

لنقل انك صاحب مزرعة طماطة إذن، وتبيع محصولك بسعر جيد، وتفكر بتطوير مزرعتك ومضاعفة انتاجها والاستفادة من عاملين آخرين معك. وتشعر ان الأرباح تكفي للتفكير باستيراد بذور افضل وتجربتها وربما باستخدام كرتونات مطبوعة خاصة بك ليعرف الناس بضاعتك الجيدة. وقد تفكر بالمخاطرة بزراعة محصول آخر إضافي مادامت الطماطة قد تغطي خسائره في الفترة الأولى.

ثم جاء عبد المهدي بنظريته، وهبط سعر الكيلو إلى ثلثي سعره القديم بغزو من طماطة اجنبية من شركات كبيرة مستقرة وطويلة الخبرة ومدعومة من دولها. وفق نظرية عبد المهدي الجديدة، فأن هذا يفترض ان يشجعك على تنشيط زراعتك! أما انت فلا شك انك ستعتبر ان من يقول لك ذلك مجنون، وستذهب للتفكير ليس فقط بإلغاء مشاريعك التوسعية، بل ستفكر ببيع المزرعة، إن وجدت من يشتريها، والبحث عن عمل في مجال آخر.. إن بقي مجال داخل البلد!

 

إذن نظرية عبد المهدي تقتل المشاريع الموجودة أصلا أيضا، او على الأقل تحبط التفكير في توسيعها، إن لم يكن تصفيتها. ويؤكد المتحدثون عن اتحاد الصناعيين العراقيين أن ما سيدخل العراق من هذه الثغرة لن يكون الصناعة الأردنية فقط، بل ستدخل كل البضاعة الصينية بعد توضع عليها عبارات "صنع في الأردن"، وهنا يكمن مقتل الصناعة العراقية الحقيقي.

ماذا لو كنت صاحب مزرعة ضخمة جداً ومتطورة بحيث تنتج بكفاءة كبيرة قادرة على المنافسة مع الشركات الدولية، وقادرة على منافسة البضاعة الإسرائيلية والصينية التي تطمغ كصناعة في الأردن؟ عندها فقط ستكون سعيداً بنظرية عبد المهدي لأنها ستفتح لك أسواق الأردن لبيع بضاعتك!

ما هو عدد الشركات العراقية الدولية الحجم والكفاءة في العراق؟ صفر!

إذن، المنطق يقول أن نظرية عبد المهدي تبدو وكأنها صممت للقضاء على الزراعة والصناعة في العراق، سواء منها المستقبلية أو الحالية! لكن ربما يكون الخطأ منا نحن وإننا لا نستطيع بمنطقنا البسيط ان ندرك "خفايا" ما تفكر به تلك "العقلية الاقتصادية". دعونا نسمع المزيد منه:

"الزراعة والصناعة لا تنشط فقط بالحماية. الحماية يجب ان تأتي في النهاية."

لنلاحظ ان هذه الجملة تعترف ضمنا أن "الحماية تنشط الزراعة والصناعة"، لكنها ليست الوحيدة! أما الجملة الثانية فهي من غرائب الاقتصاد كما سنرى. فجميع البلدان المتطورة ابتدأت بحماية صناعتها الوليدة، فهي التي تحتاج إلى الولادة كما الطفل الوليد، كما ورد في منشور مؤيد لما نذهب اليه. فهل يتم حماية الإنسان في البداية عندما يكون وليداً ام فيما بعد؟ الصناعة والزراعة هي الأخرى تولد ضعيفة بحاجة الى الحماية تماما كالطفل الوليد. وليس المنطق فقط هو من يقول ذلك بل كل تاريخ الثورة الصناعية والزراعية للعالم، كما سنرى في القسم الثاني من المقالة. لنكمل نظرية عبد المهدي:

"الزراعة والصناعة تنشط بتوفير وسائل الدعم المهمة، ابتداءا من كل ما يتطلبه هذه القطاعات من شروط للنجاح ومن توفير سوق محلية ودولية حينذاك ممكن للحماية ان تأخذ مجراها."

إذن "السوق المحلية" هي اول الشروط للنجاح، (ومن غير المعقول الحديث عن "سوق دولية" لبضاعة وليدة ضعيفة) لكن كيف توفر السوق المحلية بدون الحماية؟ كيف توفر السوق المحلية وانت تغرقها بالمنتج الأقوى الأجنبي؟ وهل من هدف للحماية سوى توفير السوق للمنتجات الوطنية؟ أن توفر سوقا محلية ودولية ثم أن تأخذ الحماية مجراها؟ ما الداعي للحماية إن كانت البضاعة قد حصلت على سوقها المحلية والدولية؟

خطاب عبد المهدي، لا يوضح شيئا عن نظريته الغريبة، بل تزداد الأسئلة مع كل جملة. وبعد ان يلمح إلى تجربة البعث بالحماية (متبعاً الأسلوب المعروف لتشويه اية فكرة بلصقها بالبعث، رغم ان عبد المهدي كان جزءاً من مجرميه وفي أسوأ أيامه)، يقول :

"الحماية ضرورية لكن بتوفير شروط. كيف ندعم الزراعة ابتداءاً من الملكية من الحيازة إلى الإرشاد الزراعي إلى توفير الآلات والمعدات والوقود الى توفير البذور والمكافحة الى توفير الأسمدة إلى ضمان شراء الحاصلات بأسعار محددة توفرها الدولة الى التسهيلات المصرفية عندما ننجز مثل هذه الاعمال ممكن حينذاك ان نوفر سياسة ناجحة للحماية وهذا ما تقوم به الدول."

رأينا قبل قليل، ان "السوق" هو الشرط الأول لوجود منتج أصلاً، ولذلك يلجأ الناس الى الحماية.. حماية السوق من اغراقه بالبضاعة الأجنبية، لتوفيره للبضاعة المحلية لكي تخلق اصلاً. عبد المهدي يعترف بذلك بنفسه، لكنه لا يريد الحماية ولا يجد مشكلة في إغراق السوق المحلية قبل ولادة البضاعة الوطنية، بل يرى أن هذا في صالح الصناعة الوطنية! نظرية عبد المهدي ان الحماية "يجب أن تأتي في النهاية"، لكن السؤال كيف ستأتي البداية؟ على البداية ان تنتظر لحين اكمال "الإرشاد الزراعي وتوفير الآلات والمعدات والوقود والبذور والمكافحة والأسمدة ..." يعني، خاصة في بلد مثل العراق .. إلى الأبد!

ثم كيف توفر الآلات والمعدات والوقود و... والزراعة لم تبدأ بعد؟ ما هو الإرشاد الزراعي حين لا تكون لدينا زراعة؟ كيف تدعم الحكومة الفلاح بمساعدته على حل مشاكله، وتلك المشاكل لم تخلق بعد لنعرفها وندرسها؟

يكمل عبد المهدي: "اما الدول التي تريد فعلا فقط بغلق أبوابها وتعتقد ان وصناعتها زراعتها ستتطور لن تتطور وهذه تجارب العالم كله"..

"تجارب العالم كله" تقول ان الدول التي تغلق أبوابها بالحماية لا تتطور؟

سنتوقف عند هذه الجملة لنعود لها لاحقاً. فما نعرفه الآن هو انها ليست ضد المنطق، وإنما يقف ضدها كل اتحاد الصناعيين العراقيين والموانئ العراقية ولا يرونها في صالح العراق بل مدمرة لصناعته وزراعته، وأنها لن تخلق فرص عمل كما يقول عبد المهدي، بل ستفقده الكثير من فرص العمل، وهم يتهمون عبد المهدي بتوقيع الاتفاقية تحت ضغط جهات خارجية. فهل ان عبد المهدي يفهم ما لا نفهمه ولا يفهمه الصناعيون والزراعيون والمشتغلون بالموانئ، وأن فتح الأسواق لا يقتل الصناعة الوليدة بل يطورها ويزيد فرص العمل؟ هل صحيح ان تجارب العالم تقول ذلك؟

في الحلقة الثانية سنبحث ذلك. سنراجع تاريخ تطور الدول الصناعية المتقدمة، وننظر إن كانت "تجارب العالم كله" تؤيد نظرية عادل عبد المهدي، بالتنمية عن طريق "فتح الأسواق". فإن كان الأمر صحيحاً، فيبدو ان لدينا "عقلية اقتصادية" كما يقولون، وأنه يستحق على نظريته هذه، أن نرشحه لجائزة نوبل للاقتصاد.

وإن لم يكن الأمر كذلك؟ .. عندها يكون لكل حادث حديث!

 

صائب خليل

..................

(1) https://www.facebook.com/saiebkhalil/videos/570947953371820/

 

بلا شك نحن أمام موضوعة عراقية معقدة يشوبها الكثير من المخاطر، إذ ثمة حقيقة نواجهها، ليس هناك قيادة "حكومة" أتت منذ 2003، قادرة تجنيب البلاد من الإنزلاق نحو الاسوء. وإن اللاعب الاقوى في المعادلة العراقية، قوى داخلية وخارجية متنفذة تمتلك الكثير من الوسائل والإرادات ولا تريد الخير للعراق وشعبه. وبالتأكيد أن ما نشاهده من لقاءات يطلق عليها "مؤتمرات" تعقد هنا وهناك تحت شعارات ومسميات كثيرة لها أهداف وغايات ليس بالضرورة لا تلامس أو تتصدى للمأساة العراقية وتحمل وجدانيات وطنية تبحث عن حلول بكل إخلاص وجدية. 

تابعت على مدى الاسابيع الأخيرة المنصرمة ولغاية 27 كانون الثاني 2019، الضجة المتواصلة على مواقع التواصل الاجتماعي حول ما سمي بالمؤتمر الشعبي الأول من أجل عراق موحد، والذي يحمل شعار "العراق مكّون واحد". وكان كل من راقب السجالات التي سبقت إنعقاد هذا اللقاء والمتعلقة بشخوصه وأدواته، تمنى أن يكون هذا المؤتمر؟. فصلاً إستثنائياً في ظرف استبيحت فيه القيّم وطأطأ الظلم قامة مجتمع بكامله وأستأثر الدخلاء بالسلطة. وحيثما إننا نقترب من الذكرى السادسة والخمسون على انقلاب حزب البعث الفاشي في 1963 وحلول الذكرى المشؤومة السادسة عشر على غزو العراق واحتلاله. والجدير بالذكر أن كلا الحدثين خططت لهما دوائر أجنبية استعمارية، ولم يجني منهما المجتمع العراقي سوى الموت والدمار.  

في ديباجة الدعوة التي وصلتني جاء: تتشرف الهيئة التحضيرية لمؤتمر برلين بدعوتكم لحضور مؤتمرها الأول تحت شعار "العراق مكّون واحد" لتبادل الآراء والمقترحات حول تحسين الوضع الراهن في العراق ومناقشة الآفاق المستقبلية فيه. نتطلع لمشاركتكم الفاعلة في المؤتمر.. لكن ومن وجهة نظري ومفهوم علم السياسة، لا يمكن تعريف المؤتمر بأكثر من "لقاء عام" متواضع، لغياب المهنية السياسية واللجوء الى ردود فعل إرتجالية قائمة على الفعل ورد الفعل في المسائل البالغة الحساسية. ناهيك عن إفتقاره العديد من المقومات الفكرية والإدارية وخلوه من الرموز والعناصر الفاعلة المعروفة في الأوساط السياسية التي تستطيع حقاً الكشف عن هدف اللقاء وخطابه السياسي كمشروع بشكل واضح وصريح. وكان القائمون على إدارة المؤتمر ومنسقه العام الاستاذ مصطفى الصافي قد روج في مواقع التواصل قبل أسابيع، بأن  اكاديميين من أصحاب الإختصاص يحضرون ليقدموا الدراسات العلمية والتقارير والوثائق المتعلقة بالشأن العراقي في مجالات هامة عدة ووضع الحلول لها، لكننا تفاجئنا بمشاركة الاستاذ ليث يوسف فقط .

لم تأت مطالعات رئيس "المؤتمر" الاستاذ مصطفى الصافي والاستاذ ليث يوسف، الرنانة، على بساطتها وإحتوائها الكثير من المغالطات والتناقضات، بشيء جديد. غير تكرار من أنه لا يملك مشروعاً بعينه، إنما أفكارأً أساسية سبعة، يعتبرها مدخلاً هاما لضمان إنقاذ البلد والبدء في عملية التغيير السياسي في العراق: أولا تقييم ودراسة الانتفاضة الشعبية القائمة حاليا في العراق. ثانيأ التدخلات الخارجية والسافرة في العراق وانتهاك سيادته بشكل ملفت للنظر. ثالثاً تهجير متعمد وممنهج للكثير من الاقليات العراقية ومن قبل بعض المكونات والاحزاب. رابعاً الدعوة لدولة مدنية علمانية تعزل الدين عن الدولة بالكامل. خامسأ فتح علاقات متوازنة مع دول العالم المختلفة وايجاد ارضيات مشتركة. سادساً دعوة المجتمع الدولي الحر على مستوى الحكومات والشعوب للوقوف مع ابناء الشعب العراقي للخروج من محنته هذه وانهاء دور الاحزاب الفاسدة الحالية ومحاكمتها. وسابعاً وهو المهم مطالبة اشراف الامم المتحدة ومجلس الامن للمساهمة باستقرار العراق وتامين حمايته بالتعاون مع ابناء الشعب العراقي الذي سيكون لهم مشروعا عراقيا قويا ينبثق من خلال (مؤتمر برلين) ويختتم بالقول، وهو بوابة لعقد مؤتمرات كثيرة بنفس المنهج والنقاط اعلاه حتى يتبلور مشروعا عراقيا خالصا يساهم جميع العراقيين ببنائه واعداده دون مؤثرات خارجية نعم لابأس الاستفادة من تجارب الاخرين لمصلحة شعبنا العراقي.. ( يمكن مراجعة هذه الأفكار وتفاصيلها على صفحات التواصل) ولا لي أي تعليق عليها او مناقشتها!!. 

وإذا كانت هذه الأفكار هي مشروع الصافي وحسب، فلماذا كلف نفسه كل هذا الجهد وحمل الآخرين أعباء السفر والتكاليف المادية والجسدية والنفسية. وكان بإمكانه الترويج لأفكاره عبر وسائل التواصل وجزاه الله خيراً !!. وليسمح لي الاستاذ الصافي أن أقتبس هنا رأياً أخر له، مناقضاً لما ردده بأن لا مشروع لديه: [علينا جميعا النهوض كما ويحق للجميع اعادة صياغة الافكار وتنقيحها وارسالها لنا وطرحها بشكل علني ومباشر والهدف هو الوصول لمشروع عراقي حقيقي] .... أتساءل كيف لنا أن نستوعب توجه كهذا يشوبه الكثير من الغموض والشكوك، ونقتع بأن القائمين على "المؤتمر" ليس لديهم أي مشروع سياسي ؟. أنه أمر في غاية الغرابة!!..

الأمر الغريب الآخر، ماذا يريد الصافي إيصاله عندما يؤكد: بأن لدى الآمريكان رغبة جادة بالتفاوض وتحمل المسؤولية بإتجاه التغيير وانهم يبحثون عن البديل وألافكار والمقترحات. وعليه يناشد الحاضرين لأن يتحركوا للكتابة له عن آرائهم كما اشرنا سلفاً..ومما لا حاجة لتوضيحه، لا أستغرب قول الاستاذ ليث يوسف وهو بصدد الدفاع عن رأي الاستاذ الصافي المتعلق بتفسيرالمصالح: من أننا نريد الامريكان وبحاجة للتعامل معهم، وأنه لا يجد غضاضة من التعامل مع جميع الدول بما في ذلك إسرائيل. فما هو الهدف من هكذا تنويه وفي هذا الوقت؟. ألا هو تمهيد لشيء ما !!.

تقدمت بجملة تساؤلات للمؤتمر مشيراً بأن هناك في الآونة الأخيرة توجه لبعض القوى الوطنية العراقية يستهدف توحيد الجهود وإحداث تغيير سياسي جذري في نظام الحكم، ربما يمكن الاستفادة من ذلك بدل تبذير الطاقات والجهود. وتساءلت عن مدى نجاح هذا الحراك مستقبلا، وهل يعتقدون بأنه سيجد استجابة.. وما هي الضمانات؟. قلت أيضاً، أنني لا اتصور إن التنسيق مع قوى خارجية لتبني مشروعاً بديلاً، تسنده وتموله ومن ثم تستثمر أتباعه لحاجتها كما فعلت مع رموز النظام الحالي، سيعود بالفائدة!.. وسألت عما إذا هناك قوى وشخصيات داخل العراق داعمة لهم.. وما هي صحة ما يشاع عن دخول البعثيين على الخط؟.

لم أكن أتصور بأن الرد على هذه التساؤلات سيكون الى هذه الدرجة من السذاجة وعدم النضج السياسي. وكان يفترض أن يكون منفصلاً عن المناظرات الشخصية، وينتهج الموضوعية والمنطق لحل الخلاف في وجهات النظر بعيداً عن التفسير والتأويل. في ظل غياب تام للإدارة المنضبطة وتناوب الرئاسة على مقاطعة المتحدثين في أكثر من موقع دون إكمال فكرتهم. مما أدى الى الفوضى وإنهاء أعمال "المؤتمر" وفضه من قبل الصافي بشكل عشوائي دون الخروج بأي نتائج. وإكتفى بالقول: لقد فوضنا " أي مصطفى الصافي و ليث يوسف" المجتمعون، لقيادة العمل ومتابعة تشكيل اللجان والتواصل مع الهيئات والمنظمات العالمية وغيرها؟.. ولا أعرف من فوضهم، اذ لم يبقى في القاعة سوى بضعة أشخاص لا يتجاوز عددهم العشرين، علما من أن معدل الحاضرين كان بحدود الستين.  

في تسعينات القرن الماضي كتبت مقالاً تحت عنوان "زورق المعارضة العراقية الى أين" تطرقت فيه ضمناً، بأن أمريكا خصصت مبالغ طائلة للمعارضة العراقية لتستعين بها لاسقاط صدام، وكتبت أيضاً ان جميع أطراف ما تسمى بالمعارضة أخذت حصصها بإستثناء الحزب الشيوعي، الذي أبى ذلك وإبتعد عن المشاركة مع الوفود لزيارة الولايات المتحدة للتفاوض معها، وبات ذلك آنذاك معروفاً.. انكر الجميع، وعاتبني البعض الآخر، على الرغم من أن الأمريكان ووسائل الإعلام العالمية قد نشرت اسماء القوى والشخصيات المستفيدة. أكدت تلك الأطراف صحة ذلك بعد سنوات دون اي تبرير او إعتذار.. ما أود قوله، أن المعارضة تلك آنذاك لم يكن في وارد ذهنها أن تستعمل الأموال لهدف وطني حقاً، إنما هدفها كان مصالحها وملء الجيوب ولا تزال كذلك، نقضت العهود لأجل الاستحواذ على السلطة.. أن الإتكال على الخارج تحت أي ذريعة، لا يكفي التلويح والتبرير، إنما يجب الإعلان عن ما يختبىء وراء الاكمة بكل أمانة. وإلا سيكون اي توجه لها عرضة للشكوك والاتهامات، وسيمس بشكل مباشر الشأن الوطني والمصلحة الوطنية العامة بالصميم. 

إتخذ الاستاذ الصافي من حديثي وما سبقه من تساؤلات ومداخلات وآراء موضوعية بهذه صريحة، ومن ضمنها التعريف بشخصي كما هو متعارف عليه، لاقطع دابر اي سوء فهم حول موضوع حضوري هذا اللقاء الذي أشيعت عنه قبل إنعقاده الكثير من الشكوك والسجالات. حيث أعلنت عن إنتمائي السابق للحزب الشيوعي، قائلاً بأنني أتشرف بذلك.. أقول إتخذ منها ذريعة لاتهامي بتخريب المؤتمر، وسبباً لعدم جلوسه معي كوني شيوعياً!!. لا أريد مناقشة الرجل على خطيئته، لأنه يدرك تماماً بأن مؤتمره فضفاض لا هوية له ولا تعريف، ويعلم أنه إرتكب خلال جلسة يوم واحد أخطاءً ومغالطات وتناقضات لم يستطع تلافيها، وأدت إلى إفشال مؤتمره بنفسه دون أن يعترف..خاتمة أتساءل: هل يستطيع الرجل تحقيق مشروع سياسي وهو لا يستطيع إدارة "إجتماع بسيط" ولا يملك سعة صدر وسماحة نفس؟. لا أتخيّل ذلك!!.

 

عصام الياسري

 

 

قاسم حسين صالحمن عادتي انني استطلع الرأي في تناولنا لقضية سياسية او اجتماعية مهمة او خطيرة، لغرضين، الأول:ان تصاغ بدراسة موضوعية بعيدة عن تحيزات الباحث لتقدم نصيحة لمتخذي القرار وفائدة علمية للكتّاب والمثقفين، والثاني .. توثيق ما يحدث للتاريخ والأجيال.

وبغض النظر ما اذا كان العراق يمتلك الآن مقومات الدولة (السيادة، الأمن، المساواة امام القانون، الاستثمار الأمثل لموارد وثروات الوطن، العدل بمفهوميه الاسلامي والحديث، أو ان فيه دولتان .. رسمية معلنة وعميقة خفية) .. فأننا توجهنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الألكتروني بالسؤال الآتي:

(دولة العراق .. بيد من الآن؟.

نرجو ان تكون الأجابة موضوعية لأنها ستعتمد في دراسة علمية).

شارك في الأجابة 257 بينهم اكاديميون ومثقفون واعلاميون .. اليكم نماذج منها كما وردت بالنص، ولا يعني اننا معها او ضدها.

* بيد اشخاص ليس لديهم الأنتماء والوفاء والولاء لارض الوطن، يضحّون بالشعب والارض وثروات الوطن من اجل أحزاب هم ينتمون اليها.

* بيد اميركا بالمطلق والبقية ادوات.

* بيد امريكا، وايران، والاحزاب التي تمتلك المال والسلاح ، والمافيات ومليشيات مسلحة تعمل لجهات خارجية.

* بيد أحزاب ليست احزابا بالمفهوم العملي للحزب، استولت عليها عوائل متوارثة مثل (التيار الصدر، الحكمة، المجلس الاعلى، حزب الدعوة، الحزب الاسلامي). حتى الاحزاب العلمانية كالمؤتمر الوطني ايضاً يسطير عليه افراد وليس هناك ديمقراطية داخل الاحزاب السياسية.

* ليس هناك مفهوم للدولة ولا نظام سياسي واضح هناك فقط فوضى عارمة وضياع هيبة القانون .. وتفسيره حسب الرغبة.

* هناك دولتان .. الدوله الرسميه والدوله العميقه، وهما متداخلتان.

* بيد رجال الدين الشيعة، والسادة ، ومن يدعون انهم احفاد النبي.

* الدولة بيد الاحزاب الاسلامية الشيعية الفاسدة وبدرجة اقل الاحزاب السنية الفاسدة.

* الدولة بيد الطبقة الوسطى التي تعيش من إنتاج الخدمات ولا تسهم في إنتاج ثروة المجتمع

* بيد القوى غير المنضبطة والخارجة على القانون واصحاب المال والعشيرة.

* الدولة تخضع لثلاث جهات الاولي اميركا بنفوذها وتاثيرها على الواقع العراقي واحداث الفتن والاقتتال الداخلي وقدرتها على صناعة جماعات سنية وشيعية وكردية مؤثرة وتحريك ادواتها لخلق ازمات اقتصادية وارتباك امني. والثانية بيد احزاب تعمل لتحقيق مصالحها حتى لو ادى لحرب اهلية. والثالثة بيد اجندات خارجية واقليمية تعمل على ارباك العراق لانها ترى فيه كطائر العنقاء سرعان ما يعود اقوى باسا وبعضها تضخ الاموال بدافع انساني خادع يحمل خنجر بروست.

وكانت هنالك اجابات ساخرة، مثل:

- استر علينه لا تودينه بداهيه

- بيد اللصوص، الحرامية

- بيد من يرفعون شعار (ياليتنا معكم فنفوز فوزا عظيما)، واجزم لو كانوا معهم لنهبوا امتعتهم وولوا مدبرين

-  الدولة عبارة عن فريسة اصطيدت من قبل الاسود والضباع والنسور التمت حولها. يتنافسون بالتهامها يا استاذي الفاضل.

-  حضرتك تسال عن دولة .. فكيف نجيب عن مسمى لا وجود له.

- بيد الله. سالت شخصا ما الفرق بين حكم الشاه وحكم الملالي، فاختزل الجواب بجملة: في زمن الشاه كنا ندعو الله كي يخلصنا اما الان فان الله بالشارع ولا نعرف من ندعو كي يخلصنا!

تحليل النتائج

يجمع المستجيبون ، وغالبيتهم اكاديميون واعلاميون ومثقفون، أن العراق لا توجد فيه الآن دولة بالمفهوم المتعارف عليه في العلوم السياسية، ويصفون واقع الحال بالآتي:

- الدولة الان موزعة بين احزاب وكتل سياسية وعوائل تحتكر مؤسسات رسمية في الوزارات، وميليشات وقوى مسلحة ومافيات.

-  يفتقر العراق الى احد اهم مقومات الدولة المتمثل بفرض سلطة القانون وضمان امن المواطنين، فيما يعيش المواطنون فوضى عارمة واغتيالات تستهدف من يطالب بان يكون العراق دولة يحاسب فيها من يرتكب جريمة قتل لا ان تسجل ضد مجهول.

- ان الذين وصلوا الى الحكم استفردوابالسلطة والثروة، وبهذا افتقدت الدولة واحدا من اهم مقوماتها المتمثل باستثمار موارد الوطن لخدمة الناس واعمار الوطن، وتخلت عن اهم مبدأ في النظام الديمقراطي المتمثل بتحقيق العدالة الاجتماعية.

- ان الدولة تشترط ان يكون هنالك انسجام بين ما تقوله وما تعلنه، وان ما يحصل الان في العراق هو تناقض صارخ ومعيب بين ما تعلنه احزاب الاسلام السياسي وما تفعله.

استنتاج ختامي

يشخّص المستجيبون ان(اميركا وأيران) هما اللتان تمليان ما يريدان على الحكومة العراقية.والمشكلة ان هاتين الدولتين في صراع معلن ساحته الأرض العراقية، اذ صرح ترامب في زيارته لقاعدة (عين الأسد)- التي علمت بها الحكومة من وسائل الاعلام!- ان الغرض الرئيس لهذه القاعدة العسكرية (المذهلة بتعبيره) هو مراقبة ايران. وان الحكومة العراقية في مأزق يصعب عليها ارضاء دولتين قويتين لهما نفوذ قوي في العراق، ما يعني انها فاقدة للتمتع المطلق بالسيادة بوصفه الشرط الآول لمقومات الدولة، وانها فاقدة للشروط الأخرى لمقومات بالتبعية.

موقف .. قد يشكل البداية:

في لقائه (الاربعاء 6 شباط الجاري2019) بالمبعوثة الأممية، حذر السيد علي السيستاني الكتل السياسية من انها اذا لم تعالج الازمات فقد تفقد الفرصة الأخيرة، وطالب الحكومة بتأمين الخدمات ومحاسبة الفاسدين .. ما يعني ان المرجعية الموقرة هي مع ما توصل له هذا الاستطلاع من تشخيص. ومع ان الأحزاب الشيعية والكتل المحسوبة عليها تبارك ما تقوله المرجعية وتعلن التزامها بتنفيذه، فانها لا تطبق ذلك عمليا، لأنه يهدد استفرادها بالسلطة والثروة والنفوذ.وانه ليس امام القوى التي تسعى الى ان يكون العراق دولة سوى توحيد موقفها بمطلب واحد يضمن الخطوة الأولى نحو قيام دولة .. هو قيام مجلس مكافحة الفساد بتشكيل محكمة من قضاة مستقلين تبدأ من الان بمحاكمة حيتان الفساد تنقل عبر وسائل الأعلام .. وبدونه تبقى سيكولجيا التغافل والتماهل هي المخدّر الذي تعتمده حكومة السيد عادل عبد المهدي .. ان اكمل ولايته! .. او أن المرجعية ستافجأ احزاب السلطة المحسوبة عليها والخجله من افعالها بما يعيد لها دورها في اقامة دولة مدنية كما فعلت في ثورة العشرين؟!

 

ا. د. قاسم حسين صالح