محمود محمد عليفي البدء كانت مدينة ووهان وكانت مشكلة صينية بحتة.. شاهد العالم فصولها دون مبالاة تذكر.. استمرت الحياة بكل تفاصيلها في إيطاليا، وفي الولايات المتحدة، إيران، واسبانيا، وألمانيا، وروسيا، والجزائر، ومصر، لبنان، والسعودية، والكويت.. الخ.. وفي ووهان كما في مدن العالم أجمع استمرت الحياة بتفاصيلها المملة والتي يفتقدها العالم اليوم أكثر من أي شئ آخر.. استمرت الحياة إلي أن دق فيروس كورونا باب ووهان، وبات وباءً عالمياً عابراً للحدود لا يفرق بين آراضي محتلة ومن يحتل هذه الأراضي، بين قوة عظمي وعالم دون ذلك، فالجميع في الفيروس سواء .

من مدينة ووهان الصينية بدأت القصة، حيث بدأ الوباء بالظهور في أوائل ديسمبر 2019م.. لم يكترث الكثيرون له ولم يعيرونه أي اهتمام.. في العاشر من ديسمبر 2019 تعرض 7 أشخاص للعدوي بالفيروس في أحد مدارس ووهان.. لم يخطر ببال أي أحد أبداً أن يحدث هذا كله.. وبعد أسبوعين وبالأخص في 31 ديسمبر 2019 من إصابة الـ 7 أشخاص، انتقل المرض بالعدوي إلي 104 حالة مرضية.. حصرها المركز الصيني للسيطرة للأمراض والوقاية منها، لكنه لم يصنفها مصابة بفيروس كورونا.

وفي 11 يناير 2020 وصلت العدوي إلي 284 حالة مرضية، وقد صُنفت علي أنها مصابة بنوع غير معروف للالتهاب الرئوي، ومن بين المصابين 7 عاملين في مجال الرعاية الطبية، وذلك في دلالة أن هذا الفيروس ينتقل بالعدوي بين البشر.. لم توجه الصين أي تحذيرات للمواطنين ووصل الأمر ببعضهم إلي تنظيم مأدبة طعام حضرها عشرات الآلاف من الأشخاص، بينما كان الفيروس يتفشي بين الناس.. لم يتخذ سكان ووهان الاحتياطات اللازمة ضد الفيروس.. فلم يكونوا علي علم بوباء منتشر بين أرجاء المدينة .

إلا أنه وبوتيرة سريعة ارتفعت أعداد من يشعرون بأعراض مرضية في ووهان، إلا أن تلقي العلاج كان يزداد صعوبة.. منعت حكومة ووهان المواطنين للمغادرة من تجمعاتهم السكنية.. في 30 من ديسمبر 2019م فجر الطبيب الصيني "لي وينليانغ "-طبيب عيون في ووهان الحقيقة عبر تطبيق المراسلة الصيني "واي شات"- بأن الفيروس المنتشر مميت، وطلب من سكان ووهان توخي الحذر.. اعتبرت السلطات الصينية أن الطبيب مروج للشائعات، وأنه قد يواجه تهماً بالإرهاب.. إلا أن العدوي قد أصابت الطبيب ليفارق الحياة.. وقد دوت وفاة الطبيب وسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت ردود فعل غاضبة بين أوساط الصينيين.. كانت حياته الثمن الذي أثبت أنه لم يكن مروج شائعات، فحظي بتعاطف واسع بين الناس، لأنهم قد أدركوا أنهم قد يواجهون المصير ذاته، وهذا ما يفسر ردة الفعل السريعة من عامة الشعب الصيني إزاء موته .

إن تحكم وسيطرة الحكومة الصينية علي وسائل الاجتماعي لمحاولة منع تلك المعلومات من الوصول إلي شق واسع من الشعب؛ أدي في حقيقة الأمر إلي تأخير التدخل الحكومي الفاعل طبقاً لتصريحات بعض خبراء الرعاية الصحية الذين قالوا بأن أسبوعين علي الأقل قد تم إهدارهما.. وبالفعل كانت العدوي سريعة الانتشار..

في 23 يناير 2020 وفي الساعة 10 صباحاً انتفضت السلطات الصينية؛ حيث قامت بإغلاق مدينة ووهان وعزلها عن باقي الولايات لمنع انتشار الفيروس المميت إلي باقي أرجاء البلاد، وعرف الفيروس باسم "كوفيد 19"، والمتداول اعلاميا باسم كورونا.. من هنا انتشر الفيروس ليجتاح ما يزيد عن 177 دولة حول العالم وصنفته منظمة الصحة العالمية وباءً عالمياً .

عندما بدأ انتشار الفيروس في الصين ظن الكثيرون أنها ستكون أكبر المتضررين.. في 27 من فبراير 2020 سجلت بقية دول العالم نسبة إصابات أعلي من الصين لأول مرة.. وفي 23 مارس 2020 أعلن الرئيس الصيني أن بلاده سيطرت علي كورونا في مقاطعة "هوبي" - مركز تفشي المرض، وبدأ أن الصين تنجو، وأن العالم يغرق بالفيروس القادم منها.. ما يجب أن تعرفه عن الصين عزيزي القارئ أنها متطورة تكنولوجيا، وأن كل شئ فيها مراقب ! وأن نظامها السياسي الحاكم مسيطر علي مجريات الأمور.. أول امتياز : سعة الاستجابة التي وصفها مسؤول فريق خبراء التحقيق بمنظمة الصحة العالمية بروس ايلوارد ابتكار نهج لم تر مثيلا له في التاريخ.. قامت بكين بعد انتشار الوباء بفرض أكبر حجر صحي في العالم علي 60 مليون شخص.. وفي غضون أيام قلائل قام الصينيون ببناء مستشفيين في "ستة أيام".. المستشفى الأولى هو "هوشنشان" الذي يبنى على مساحة 269 ألف قدم مربع ويسع ألف سرير، والثاني مستشفى "ليشينشان" على مساحة 323 ألف قدم مربع، ويسع 1300 سرير .

ليس هذا فقط، بل لقد لعبت التكنولوجيا دوراً بارزاً في مواجهة كورونا؛ حيث استغلت الصين الروبوتات لتقليل الاحتكاك بين البشر.. فظهر الروبوت الممرض الذي يفحص 10 أشخاص في وقت واحد.. روبرت توصيل الطلبات ومعهم جيش من طائرات الدرونز للمراقبة.. الروبوت المعقم والروبوت الجوال الذي يكشف المصابين في الشارع ويعطي نصائح صوتية للمارة.. وهناك الخوذ الخاصة بالشرطة التي تستطيع كشف المصابين بالفيروس عبر قياس درجة حرارة الجسم عن بعد وغيرها.. وهناك البيغ داتا التي ساعدت في الحرب علي كورونا؛ حيث يُعرف عن الصين أنها تمتلك تكنولوجيا مراقبة متطورة جدا علي مواطنيها، وهناك يوجد أكثر من 300 مليون كاميرا علي الأقل تراقب الجميع ؛ حيث تتعرف علي الوجوه، وبعضها قادر إلي حد ما علي التنبؤ بالمشاعر، وهي تستطيع كشف المصابين بكورونا، وتحديد أسمائهم، وأرقامهم الوطنية، ومواقعهم..

والسؤال الآن : كيف تعتمد الصين علي البيغ داتا كيف ؟

والإجابة من خلال خوارزمية ذكية تجمع بين السجل الصحي، والملف الجنائي، وخارطة السفر عبر وسائط النقل العامة.. ستتمكن الحكومة من معرفة جميع الأشخاص الذين خالطهم أي مصاب بالمرض ومن ثم تقوم بحجرهم حجراً صحياً.. ولم يتوقف الأمر فقط ها هنا، فقد طور المبرمجون هذا التطبيق بمجرد ادخال الاسم والرقم الوطني.. ستعرف خارطة الأشخاص المشكوك فيهم بإصابتهم في محيطك.. وقامت العديد من الشركات مثل ALI BABA بتطوير QR CODES مرتبط ببيانات الحكومة.. ليصبح في جيب المواطن ما يشبه إشارة المرور بثلاثون ألوان تعبر عن وضعه الصحي.. هذا الكود مطلوب إظهاره في غالبية وسائل النقل العامة ومتاجر التسوق..

من أروع ما نجده في الصين هذا الشعار :" بلغوا عنه ولو برسالة"-.. الحكومة دعت المواطنين للإبلاغ عن أصدقائهم وأقاربهم وجيرانهم في حال شعروا بأنهم يخفون المرض.. عبر فيديوهات ورسائل نصية.. وإعلانات طرقية.. كل هذا قد تعتبره أنت -وأنا -إجراءات قاسية وانتهاكاً للخصوصية، وشكلاً من أشكال الاستبداد.. لكن الصين تراه وسيلة ناجحة ليس للحد من الأصوات المناهضة للحكم فحسب؛ بل كمنهج مثالي للحد من انتشار الأوبئة.. وقطعت سلسلة انتشاره البشري خارج نطاق المنزل الواحد.. فرضت مزيجاً من الحجر الصحي، والتباعد الاجتماعي تحت رقابة تكنولوجيا متطورة جداً.. وبعد شهور قليلة أغُلقت المستشفيات المؤقتة في ووهان.. جيوش التكنولوجيا والبيغ داتا تمكنت من محاصرة الفيروس القاتل.. وستكون ربما نموذجا يحتذي به لدول العالم الأخري.. قد تزدهر الصين مجدداً ببيع خلطتها السرية للآخرين وينجو الكوكب من فيروس الصين العظيم بأسلحة الصين المتطورة.

لم تكتف الصين بذلك، فقد قامت حكومتها بإنتهاج العالم من خلال ضبط سلوكهم؛ حيث نجحت الصين في ضبط سلوك مليار ونصف المليار بشكل يسير من خلال الحكم الرشيد، والإيمان بالعلم والتكنولوجيا، والشعب الصيني بطبيعته شعب صامت وهادئ ويواجه المشاكل بالحلول والأبحاث العلمية، وليس بالصراع بالمقالات والبرامج الفضائية التي تملآ الدنيا صخباً وجنوناً.. تم حظر التجوال في العديد من المدن.. أقل مدينة عددها 12 مليون نسمة.. وعلي الفور أغلقت المطارات، وتوقفت السيارات، والتزم الصينيون بالأوامر في شققهم وبناياتهم، وقد أعدوا طعاما يكفيهم أسبوعين.. لم نسمع عن معارضة صينية تستغل الوباء وتخرج بالصراخ، وتحرض السكان علي خرق حظر التجوال .

ثم لجأت القرى والمدن في الصين إلى استخدام طائرات دون طيار، مزودة بمكبرات صوت، للقيام بدوريات في الشوارع وتوبيخ الأشخاص الذين لا يرتدون أقنعة في الأماكن العامة، وسط تفشي فيروس كورونا، حسب وسائل الإعلام الصينية الحكومية.. نشرت كل من "شينخوا" وصحيفة "جلوبال تايمز" مقاطع فيديو لطائرات بدون طيار تنبه الناس في المناطق الريفية لضرورة ارتداء الأقنعة في "هذه الأوقات". وانتشرت مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية بشكل واسع وتمت الإشادة بها كوسيلة جديدة لزيادة الوعي بالمرض، وذلك حسب قول أمجد المنيف في مقاله تايم لاين.. مواجهة كورونا".

لاشك في أن التجربة الصينية كانت فريدة في تجاوز أزمة تفشي وباء كورونا بعدما اعتقد البعض أنه لا نجاة ولا مفر من الكورونا إلا إليها، خاصة مع ظهور المرض في العديد من دول أوروبا وأمريكا وأخيرا وصل إلى الشرق الأوسط، فالتزام الشعب الصيني بتعليمات الحكومة وإرشاداتها واتباع الإجراءات الاحترازية كان الخطورة الحقيقة نحو اختفاء الوباء منها وإعلانها عدم تسجيل أي حالات مصابة بالفيروس إلى الآن، ثم يأتي فيما بعد توافر العلاج وخطط الرعاية الصحية.

والسؤال الآن كيف استفحل وباء كورونا وانتشر في العالم كله بعد هذه التجربة الصينية الفريدة ؟!

وللإجابة عن ذلك نقول : لم تكن القيود علي السفر كافية لوقف تفشي جائحة كورونا.. صحيفة " نيويورك تايمز "، قامت بتحليل لتحركات مئات الملايين من المسافرين حول العالم، لتوضيح الأسباب وراء تحول مرض كوفيد 19 من وباء لجائحة عالمية.. كان يمكن ببساطة السيطرة علي الأمر في البدايات.. فمن خلال حظر السفر كان سيتوقف تفشي العدوي بفيروس كورونا حول العالم..

لا شك في أن وباء كورونا يمثل لغز مرعبا نعيشه منذ بداية 2020.. كائنات ميكروسكوبية أرعبت العالم.. شخصيات وأفلام تنبأت بما يحصل اليوم قبل عقود.. سر يقال أنه الرقم عشرين (كما شرحنا ذلك في مقالنا عن أكذوبة نهاية العالم لابن سالوقيه) .. التهاب رئوي.. فموت.. ونتيجة.. مدن وأشباح وجثث تتهاوي بالمئات في الشوارع والمستشفيات بشكل مرعب.. تجارب علمية هنا خلقت هذا الفيروس، وهنا بدأ الانتشار.. همس في الكواليس وقصص مريبة تؤكد نظريات عديدة.. هل هو حقاً مؤامرة؟.. وباء فيروس كورونا.. غموض .

كورونا كلمة مكونة من ستة حروف فقط.. أرعبت العالم بأسره مع انطلاق العام 2020.. كائنات أصغر بأت تُري بالعين المجردة.. تهدد أقوي وأعظم الدول.. وتهدد بفتك الأجسام البشرية بسهولة مطلقة، حتي بات هناك مخاوف من تحولها إلي وباء لا تقوي البشرية علي محاربته... مر أكثر من 3 شهور منذ رصد المرض بحالة مصابة بهذا الفيروس في ووهان الصينية.. وحتي كتابة هذا المقال لم يتم الإعلان رسميا عن العثور علي علاج ولقاح لهذا الفيروس والذي عزل العديد من المدن الصينية وحول المياه إلي مدن أشباح تحوم حولها العديد من القصص المريضة ونظريات المؤامرة... وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

ابراهيم أبراشما أن تم اكتشاف إصابات بفيروس الكورونا في مدينة بيت لحم في بداية مارس حتى أعلنت الحكومة الفلسطينية في الخامس من نفس الشهر عن إعلان حالة الطوارئ في مجمل مناطق السلطة مع اتخاذ إجراءات وقائية مثل :إغلاق المطاعم والمقاهي، تعليق الدراسة في المدارس والجامعات، إعفاء الموظفين من الالتزام بالالتحاق بمكان عملهم في المؤسسات العامة، الحد من الحركة عبر المنافذ الحدودية وما بين المدن، وقف النشاط السياحي، إغلاق الأسواق الشعبية، تخصيص أماكن لحجز المصابين أو المشتبه بإصابتهم بالكورونا، ومع انتشار الوباء في إسرائيل وخوفا من تفشي الوباء بين العمال الفلسطينيين هناك طلبت السلطة من العمال العودة لبيوتهم وعاد بالفعل عشرات الآلاف من العمال وفي الأيام القادمة سيعود الآلاف .

لو وضعنا هذه الإجراءات في سياق ما أقدمت عليه الدول الكبرى والمتقدمة من إجراءات لمواجهة نفس الحالة يمكننا القول بأن تصرف الحكومة الفلسطينية يعبر عن وعي صحي وحرص على سلامة المواطنين ويعبر عن ‘حساس كبير بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، ولكن، هذه الإجراءات سيترتب عليها تداعيات أو التزامات مادية كبيرة كتوقف عجلة الإنتاج وتراجع حاد في القوة الشرائية وارتفاع نسبة البطالة التي في الأصل مرتفعة، وهو الأمر الذي يحتاج لخطوات عملية ذات طبيعة مالية واقتصادية لمواجهة الخطر وحماية المواطنين من الفقر والعوز والآفات الاجتماعية والنفسية التي ستترتب عن التزام الناس بيوتهم دون عمل .

إن كانت اقتصاديات دول العالم بما فيها الدول الكبرى اختلت بسبب الكورونا وتمر بأزمة اقتصادية غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، فكيف سيتمكن الاقتصاد الفلسطيني الضعيف أساساً بسبب الاحتلال وحصاره من مواجهة الأمر والموائمة ما بين واجب الحفاظ على صحة المواطنين من جانب والحيلولة دون انهيار الاقتصاد وربما الإطاحة بالسلطة برمتها من جانب آخر ؟وخصوصاً أن السلطة تعتمد اعتماداً كبيراً على أموال المقاصة التي تتحكم بها إسرائيل وحجزت عليها في الفترة الأخيرة (وهي أموال تمثل إيرادات الضرائب والجمارك على السلع الواردة من الخارج وتمثل نسبة 65 في المئة من إجمالي الإيرادات وتبلغ شهرياً وفق بيانات ميزانية فلسطين 2019 نحو 195 مليون دولار)، الإضافة إلى تراجع الدعم الخارجي والذي سيتأثر كثيراً بسبب الازمات المالية التي تعاني منها كل الدول المانحة للسلطة الفلسطينية ؟ .

في دول العالم التي اتخذت إجراءات شبيهة بتلك التي اتخذتها السلطة الفلسطينية تم تعويض كل من تضرر نتيجة القرارات الحكومية بعدم الذهاب للعمل وتم دفع مبلغ مالي يكافئ تقريباً ما كان يتقاضاه بالإضافة إلى الرعاية الصحية وضخ مليارات الدولارات لحماية الاقتصاد الوطني، ودول أخرى وإن كانت غير قادرة على تعويض المتضررين مالياً إلا أنها أسست صناديق وطنية خاصة للتبرع لدعم المتضررين من الفئات الفقيرة كما جرى في المغرب، حيث أعلن الديوان الملكي المغربي عن تأسيس صندوق بقيمة مليار دولار تقريباً ستخصص لتغطية النفقات الطبية ودعم القطاعات الاقتصادية المتضررة من انتشار وباء كورونا المستجد . هذه الإجراءات وإن كانت تخفف بعض الشيء عن المواطنين إلا أنها لن تحول دون تضعضع الوضع الاقتصادي لهذه الدول بل يحذر خبراء دوليون من شبه انهيار للاقتصاد الدولي إن لم يكن للنظام العالمي برمته .

إن مجرد مقارنة بسيطة بين الوضع الاقتصادي والمالي للدول وما خصصته لمواجهة فيروس كورونا والوضع الفلسطيني سنلمس التحدي الكبير أمام السلطة الفلسطينية إن تفاقم الوضع وتفشى الفيروس وخرج عن السيطرة كما حذر الرئيس أبو مازن في خطابه الأخير .

فمثلاً خصصت سبع دول عربية 81.5 مليار دولار خلال شهر مارس/ آذار بهدف دعم الاقتصاد وحماية المستهلكين والشركات من تداعيات تفشي انتشار فيروس كورونا المستجد، أما على المستوى الدولي فبريطانيا مثلاً تعهدت بحزمة حوافز اقتصادية بقيمة 30 مليار جنيه إسترليني لتجهيز الاقتصاد البريطاني لمواجهة تأثيرات انتشار فيروس كورونا، أما إيطاليا فخصصت 25 مليار، والنرويج أنشأت صندوقين بقيمة تسعة مليارات يورو لمساعدة شركات البلاد في تجاوز الأزمة التي تسبب بها الوباء، والنمسا تعهدت بتخصيص 4 مليارات يورو (4.4 مليارات دولار) كمساعدات حكومية، والسويد: طرح قروض بقيمة 500 مليار كرون (51 مليار دولار) للبنوك بغرض الحيلولة دون تعرض الشركات القوية لضربات بسبب تفشي الفيروس، وسويسرا رصدت 10 مليارات فرنك (10.5 مليارات دولار) لتخفيف الأثر الاقتصادي لفيروس كورونا الخ، وهذه الأرقام كانت في شهر مارس وهي قابلة للزيادة وقد زادت بالفعل في بعض الدول مع تفاقم الحالة، واقتصاديات هذه الدول ودخلها القومي يسمح لها بضخ هذه الأموال والمساعدات .

كان الرئيس أبو مازن ورئيس الوزراء محمد اشتيه واضحين في التحذير من مخاطر الفيروس وتبعاته الصحية والاقتصادية وضرورة أن يتحمل الجميع المسؤولية لأن الوضع المالي للسلطة لا يسمح لها بتَحَمُّل كل النفقات، وكان رئيس الوزراء واضحاً عندما قال بأن السلطة وإن كانت قادرة على صرف رواتب هذا الشهر فلا ضمانة بأنها قادرة على ذلك في الأشهر الموالية .

إذا كانت الحكومة غير قادرة على صرف الرواتب العادية فكيف ستعوض الناس الذين تعطلت أعمالهم وتوقف مصدر رزقهم بسبب الإجراءات الحكومية المترتبة عن إعلان حالة الطوارئ للشهر الثاني على التوالي ؟ فمن سيدفع للعمال العائدين من إسرائيل ولعمال المطاعم والمقاهي والسياحة والذين يسترزقون في الأسواق الشعبية وسائقو وأصحاب سيارات الأجرة والنقل العام، وكل عمال القطاع الخاص، والغالبية العظمى من هؤلاء عمال مياومون بلا نظام تأمين اجتماعي؟ .

لم تقصر الحكومة الفلسطينية في القيام بواجبها حسب ما يتوفر لها من إمكانيات، ولكن على وكالة الغوث (الأونروا) القيام بما عليها من التزامات بمقتضى النظام المؤسِس لها، فهي مسؤولة عن حياة اللاجئين الفلسطينيين وخصوصاً في مجالي الصحة والتعليم وهناك حوالي 41% من سكان الضفة وغزة من اللاجئين (نسبة 65% من ساكنة غزة ونسبة 26% من ساكنة الضفة ) وهؤلاء بالإضافة إلى لاجئي سوريا ولبنان والشتات من مسؤولية وكالة الغوث . أيضاً على دول العالم الضغط على إسرائيل لفك حصارها عن غزة وإطلاق سراح أموال المقاصة التي تقرصنها إسرائيل، كما يجب على أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال الفلسطينيين الذين اغتنوا في زمن رخاء السلطة أن يقوموا بواجبهم الوطني ليس لحماية السلطة بل لحماية الاقتصاد الوطني والشعب من وباء الكورونا .

وأخيرا فإن التحديات أمام الحكومة الفلسطينية لا تقتصر على التداعيات التي تعاني منها الدول الاخرى بل هناك تحديات نابعة من خصوصية الحالة الفلسطينية المعقدة والمركبة .فبالإضافة إلى التحدي المالي والاقتصادي المُشار إليه أعلاه، هناك التحدي الأمني الذي قد ينتج في حالة عدم قدرة الحكومة على تأمين متطلبات الحياة الكريمة وتعويض المتضررين وخصوصا الذين يعملون في إسرائيل والمستوطنات، وسيكون التحدي كبيرا في حالة عجز السلطة عن دفع الرواتب في الأشهر القادمة .

أيضا ستواجه الحكومة تحديات سياسية حيث من المعلوم في علم السياسة ومن واقع الحياة أن الخضوع والولاء للسلطة خصوصا في الدول النامية والفقيرة يرتبط بدرجة كبيرة ويتحرك صعودا وهبوطا بمدى قدرة السلطة على تقديم الغواية المالية من رواتب ومساعدات وليس على أساس الولاء الوطني أو الأيديولوجي، أيضا يبرز التحدي السياسي بالنسبة لتجاوب السلطة القائمة في غزة مع تعليمات الرئيس وحكومة اشتيه، وللأسف وبدلا من أن يحرك ويستنهض الوباء الإحساس بالمسؤولية عند الطبقة السياسية ويدفعها لتجاوز خلافاتها من أجل المصلحة الوطنية كما جرى في إسرائيل وفي كل دول العالم، بدلا من ذلك يتعمق الانقسام وتستمر المناكفات السياسية، حتى وإن كانت من طرف الصغار من الطرفين، ومحاولة توظيف انتشار الوباء لتحقيق مصالح حزبية تعزز حالة الانقسام .

 

 إبراهيم أبراش

 

 

سمير محمد ايوبلا تكاد منظومة ايمان سماوية، تخلو من التأكيد، على ان الغاية من استخلاف الانسان، هي العبادة وعمارة الارض بالعمل النافع . ولا تخلو هذه المنظومات، مما ينظم حياة الناس وعلاقاتهم ببعضهم . فهي تركزعلى ضرورة تجسيد القيم، التي تعزز ثقافة المشاركة، ونبذ المُسقِطَةِ في مُستنقعات الإقصاء وإلغاء الآخر . واني ارى ان كل هذه الأصول، لن تتحقق الا بالتعارف المستمد من روح الاستخلاف .

التعارف إن كان لذاته او لتبعاته أصل من أصول العمران الاجتماعي، المبني على الإيمان بوحدة الإنسانية، المختلفة الأجناس، المتعددة الشعوب . فالله بميزان العدل والحكمة، خلق الناس سواسية، لا تفاضل بينهم، ولا تفاوت إلا بالتقوى .

حينما نتحدث عن الانسانية، نستحضر ما للوحدة من قوة، تستطيع مواجهة جميع التحديات التي قد تتعرض لها بلا تمييز . والتي لا يمكن للفرد مواجهتها لوحده دون الاستعانة بغيره . ولذلك فإن الناس على اختلافهم يضربون في الأرض سعيا لتبادل المصالح والمنافع . يسلك بعضهم سبل الرشاد، وبعضهم سبل الفساد والافساد .

من الطبيعي ان يتعرض مطلق إنسان خلال حياته، لمشاكل وكوارث يصعب عليه حلها لوحده. فيلجأ الى قوى مُفارِقَة، يثق بقدرتها على انقاذه، فيتوسلها بالدعاء . فالدعاء حاجة فطرية عابرة لكل انسان . اما في حياة المؤمن، فالدعاء من افضل العبادات . يمارسها وهو على يقين بأن الله يُحِبُّ أن يُسألَ، وحَضَّ خلقَه على أن يدعوهُ بحاجَتهم . ولذلك لم يجعل بينه وبينهم حِجابا . مُجيزا الدعاءَ لكلِّ الناس مِمَّنْ ليسوا مِنَّا أو مِثْلَنا . أما قبولُ الطلَبِ في أيِّ دعاءٍ مُستوفٍ لِشروطه أو عدم قبوله، فهو لله وحده . ولكن المؤمن السوي، موقن في العادة، بأن رحمة خالقه تسع كل شيء .   

في حمى البلاء، ابتدع بعض الناس، أدعية زائفة ظاهرها إيماني، وحقيقتها تجاهل للمقاصد الربانية ، تقف في مضمونها الأناني حجر عثرة أمام الأخوة الإنسانية . والسخيف في الأمر، أن تطور علوم الأوبئة، لم تكف الكثير من عتاة العنصريين والطائفيين والمذهبيين، إلى تغيير بِدَعِهم في الدعاء لأنفسهم ولجماعاتهم فقط . ظنا منهم أنهم محميون، دون شراكائهم في الانسانية، وان البلاء لن يصيب الا الأغيار . ولكن تطور الأوبئة وامتدادها، افقيا وعاموديا، كشف زيف تبريراتهم وسذاجتها . فعاد بعض غلاتهم للقول ولو على استحياء، بأن دوران الوباء واستفحاله في الأرض، لا علاقة له بجغرافيا أو بدين أو مذهب أو ثقافة أو منصب أو ثروة، بل له أسباب من تصرفات الناس، أي ناس .

سؤال العلاقة بين الدين والتدين في الفكر وفي الممارسة، وضبط المسافة القائمة بينهما، وتأثيراتها على القضايا المعاصرة لاي مجتمع ووحدته وتماسكه، من الإشكاليات المقلقة، التي ساءلت جهود رواد فكر التغيير والاصلاح . من هذا المنطلق اخترت لهذه المقالة، النظر في نماذج من الغلو والتطرف في الأدعية السائدة لدى البعض، وتأثيراتها على سلاسة العلاقات بين مكونات المجتمع على كل ضفاف الايمان .

في هذا ابتلاء الكورونا الذي تعيشه الانسانية جمعاء، تشنف قلوبنا وتطرب أرواحنا يوميا، اشكال وصيغ من الابتهال والدعاء لله تعالى، وترتطم أسماعنا وأبصارنا في الوقت نفسه، بالكثير من مضامين أدعية ليست مُحايدة، بل مُثقلةٌ بِتعمُّدٍ شديدٍ بعواطف تسوِّقُ لِخطابٍ عنصري أحول، قُطْرِيٍّ، أو طائفي أو مذهبي، مُخجِلٍ لأنه يدعو ربَّ كلِّ الناس، إلى أن يرفع البلاء عن طائفتها دون إشارة إلى شركائها في الحياة من الطوائف الأخرى معها او من حولها . ظانين بحسن نية أو عن جهل أو سوء مقصد، أنَّ الله لم يهد قوما سواهم . متناسين حق كل ملل الناس، في الحياة السليمة الكريمة .

وحين أقرأ لأصحاب الفُرقَةِ الإيمانية في أيِّ مجتمع تعددي، أو أستمع لمنطق أدعيتهم المثقلة بثقافة تحتكر الرب لها، المُصادِرَةِ لحسابِ المصالح ودرء المفاسد، تذهبُ نفسي إشفاقا وحسرة عليهم، وعلى ما فيه من غرابة ومن شذوذ . فالله لم يَصْطفِ خِلْقا لاستخلافهم في الأرض ثم يكرههم . فمن يحب الله حقا، يحب كلَّ ما خلق . ومن يحب جماعته، يحب الاخرين شركاءه في المحنة . فالاختلاف والتنوع على مدارج الايمان، هو الفطرة الأولية في خلق الناس . بعيدا عن الاسباب والخلفيات لما نحن فيه من اختلاف وتنوع، من الضروري التأكيد على انه تنوع لا يفرقنا، ولا يبعث الريبة فينا ولا الشك ولا الخوف من بعض .

حين ندعو إلى الاصلاح والتغيير، علينا أن نبدأ بثقافة الانغلاق التي تكرست في نفوس البعض . ففي المجتمع التعددي الديمقراطي الذي ننشد، لا مكان لثقافة الاتهام، ولا للتكفير أو للنبذ. فما هو موحد فطرة بين الناس، أعم وأهم مما هو متفاوت ظرفيا بينهم، وأن القيمة الانسانية في جميع الناس متساوية، وأن التفاوت بينهم يكون بتلك القيم المكتسبة بجهد شخصي، وأن كل تعامل بين الناس يجب ان يكون بميزان العدالة . فسنة الله قسطاس مستقيم، لا تُحابي أحدا ولا تجافي أحداً .

بما أن هدف الدعاء رفع البلاء وتحقيق النماء، دعونا ندعو بِنِيَّة شُمولية . فالوطن السويُّ يحتضن كلَّ أهله، ويؤمن لهم كلَّ أسباب الحياة الكريمة المستدامة، في حالة من التعاون المتجه نحو الانصهار . الابتلاء عدو يحاصرنا جميعا، علينا التعامل مع عواقبه متعاونين، تماما كما نتعامل مع مسبباته .

أعلم صعوبة العيش في واقع، بعض ناسه صمٌّ بُكمٌ عُميٌ . لا يَصدَعون لحقائقِ العلم ومكتشفاته، ولا لمقتضيات الإيمان وتبعاته . على قلوبهم وعلى عقولهم أقفال صدئة، لن ينفع معها زرعُ سبعُ سنينا من الحب .

أيها الناس، ألأدعية سلاحٌ، والسلاحُ بِضاربه لا بحده . فمتى كان الدعاء صالحا وبلا آفة به، يحصل التأثير وتتحقق المنفعة إن شاء الله . لا نعرف مالذي يختبئ لنا خلف المنعطف، لكن من يعرف الله منا، يتسع عليه كلُّ ضيق، ويعرف أنَّ ثمة شمس ستشرق كلَّ يوم . أنَّى تُولُّوا وجوهَكم، ثمة وجه الله . قِفوا بين يديه، أقبلوا عليه بكل جوارحكم . فسيعامِلُكُم بالاحسان لا بالميزان، وبفضله لا بعدله .

أما أنتم ايها العنصريون، فلكُم دينكم إدعوا بما شئتم، حتى تتقطع منكم الاحبال الصوتية . أما نحن فلنا ديننا، فلن ندع مثلكم . سنعمل على تكثير الأوعية الشرعية الوسطية الفعالة، لاستيعاب قِيمَةِ النِّديَّةِ السويَّةِ الكاملة بين الناس، وحماية تفريعاتها، وحسن تنزيلها على الواقع . فالعصر الذي نعيش، هو عصر ترسيخ التعارف والتفاهم، وليس عصر العزلة والعنصرة ونفي الاخر .

 

كتب الدكتور سمير محمد ايوب

 

 

قانون الأخلاق بين دستور العراق وظاهرة الإملاق

 

عقيل العبود

 

الشاعر احمد شوقي ذات يوم قال:

 

وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ

فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

 

هذا البيت من الشعر يأخذني الى مبادئ وضعها كونفشيوس لتكون دستورا متكاملا للحياة، حيث على أساسها يتم تنظيم وإدارة العلاقات الاجتماعية والاقتصاد وفقا لقانون اخلاقي متكامل.

 

فهو المنهج والطريق لبلوغ الغايات والأهداف السامية،

حيث بموجبه، يتم تشريع العقوبات الصارمة لمن يتجاوز حدود الالتزام بتلك المبادئ.

 

وهذا يعني ان هنالك مسميات اخلاقية مقدسة وسامية يجب اتباعها بغية الوصول الى المراتب العليا للتطور الاجتماعي والاقتصادي، ليس في باب البناء المؤسساتي فحسب، بل في باب بناء العقل والضمير الإنساني.

ولذلك كونفشيوس كان مصلحا وقائدا لشعبه الذي بذل جهودا جبارة لتحقيق ما تم رسمه وهي (الطريقة) التي يحترمها الصينيون.

وذات المقدمة يمكن فهمها عندما نستقرئ تاريخ الإسلام يوم أعلن النبي الأكرم محمد ص (إنما بُعثت لأتمم مكارم الاخلاق).

حيث ان الاخلاق كانت المقدمة لبناء الإسلام.

وبيت القصيد يعود الى الشاعر احمد شوقي الذي يذكرنا في بيته عن علاقة الأمم بالأخلاق، وكيف ان تاريخ الأمم يتم نسفه عندما يتم نسف القانون الأخلاقي لتلك الأمة اوتلك، حيث قوله (فإن هُمُ ذهبت اخلاقهم ذهبوا).

ولذلك ومن باب المطابقة وكما هو ظاهر للعيان، حيث مع تفشي ظاهرة الفقر والفوضى والفساد وسرقات المال العام وتهافت القيم، سؤالي، أين نضع ساسة العراق ودستوره من قانون الاخلاق هذا، وكيف يتم تطبيق المبادئ الاخلاقية وفرضها والعمل عليها؟

 

الدكتور سمير محمد أيوب

 

 

علي ناصر الركابيمفاهيم وأسئلة كثيرة عمت عموم الأرض وحيَرت ملايين سكان هذا الكوكب الذي خلقه الله سبحانه وتعالى منذ بدأ الخليقة، حيث ترد هذا الأسئلة من أغلب الناس يومياً بعضهم البعض الاخرعن وباء كورونا العالمي بجميع وسائل الأتصال الشخصي أو الأجتماعي سواء بالهاتف الجوال، الفيس بوك والماسنجر، الواتساب، أو عند اللقاء بالصدفة في السوبرمارت أو الشارع وما الى ذلك.....

الله تعالى أنعم على الإنسان بأعظم نعمه وهي نعمة العقل، كونه أفضل خلقه، ولهذا تخطر في عقله تلك الاسئلة عن الفيروس وتراوده الشكوك في ذلك .. فتارةً يقول أنها فيروس، وتارةً أخرى يعتقد بأنها خطأ بيولوجي بغض النظرعن حسن أو سوء النيه، وأخرى يجزم بأنها مؤامرة ذات طابع تجاري وأقتصادي.

نجد أن صحيفة ديلي ميل البريطانية وجدت احتمالية مثيرة، وهي أن يكون فيروس كورونا الجديد الذي قتل عند ظهوره الأول 41  شخصا في الصين- قد تسلل من مختبر بيولوجي صيني في مدينة ووهان ليتسبب في هذا التفشي المخيف. وأن مختبر ووهان الوطني للسلامة الأحيائية يقع على بعد حوالي 32 كيلومترا من سوق هوانان للمأكولات البحرية، ويعتقد أن السوق هو بؤرة تفشي الفيروس، وتساءل البعض عما إذا كان وجوده قريبا من مختبر ووهان الوطني للسلامة الأحيائية مجرد مصادفة، لكن المجتمع العلمي يعتقد حاليا أن الفيروس تحورعبرالبشر وانتقل إليهم من خلال اتصال الحيوان بالإنسان في السوق.

يلعب الاعلام العالمي دوراً كبيراً في تحجيم وتضخيم أغلب الأمور وخاصة عندما تكون مدفوعة الثمن أو لمصلحة معينة. فتجده يوجه سهام الأتهام الى الصين، أوتجده يتهم أمريكا وأسرائيل أو دول غربية أخرى.. فترى الإعلام الروسي يركزعلى نقطة واحدة بشكل متكرر، وهي أن النخب السياسية الأمريكية، تقف وراء هذا الوباء المتمثل بالمؤامرة ، خاصة دورالمؤسسات الأمريكية وشركات الأدوية، في تخليق ونشرالفيروس، أوعلى الأقل نشر الذعر بشأنه. حيث أن هدف شركات الأدوية هو تحقيق أرباح هائلة من اللقاحات ضد الفيروس وبالتالي إضعاف الاقتصاد الصيني ومن ثم إضعاف المنافس الجيوسياسي. كما يقال بأن شركات الأدوية العالمية هي التي يمتلكها الشركاء السياسيين مما يعجز العقل عن تصوره من رؤساء دول ورؤساء وزارات ونواب ووزراء ومافيات المال والسياسة في كل أنحاء العالم ما زالت تنتظر ساعة الصفر للاعلان عن وجود علاج لهذا المرض الذي تتصارع الشعوب لأخذ لقاحه.

الصين أثبتت أنها قوة عالمية عظمى فعلًا، فقد استطاعت أن تتغلب على هذا الفيروس المؤامرة في غضون أسابيع قليلة، وقلصت خسائرها وأعلنت مدينة ووهان بأنها خالية كليا من المرض.

الاقتصاد الصيني سيحتل المرتبة الأولى عالميا ويطيح بالولايات المتحدة عن عرشها الذي تربعت عليه منذ الحرب العالمية الثانية، وتخطّط القيادة الصينية حاليا لخنق الولايات المتحدة أقتصادياً، وإقامة نظام مالي بديل ينهي هيمنة الدولار في غضون خمسة أعوام، هذه عوامل كلها قد تدفع رئيسا مثل ترامب للإقدام على جريمة حرب المؤامرة البيولوجية في آن معاً إذا صحت الاتهامات الصينية.

مهما تختلف وجهات النظر أو الاتهام فالنتيجة واحدة وهي ان شركات الادوية تمثل إحدى أدوات الإرهاب البيولوجي.

أستاذنا الكبيرعبد الباري عطوان كتب عن اتهام المتحدث باسم الخارجية الصينية للجيش الأمريكي باحتماله إدخال فيروس الكورونا إلى مدينة ووهان التي كانت الأكثر تضررًا بتفشّي المرض في تغريدةٍ له على حسابه على التويتر، وباللّغة الإنكَليزية، فهذا اتهام على درجة كبيرة من الخطورة، واتّهام مُبطّن لأمريكا، والرئيس ترامب شخصيًّا، بارتِكاب جرائم ضد الإنسانية، لأنّ الكارثة لحقت بمُعظم شُعوب العالم وبورصاته وأسواقه الماليّة وهنالك قتلى بنسب عالية.

زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي، فلاديمير جيرينوفسكي، الذي إتهم صراحة الولايات المتحدة بنشر فيروس كورونا المطور بنوع جديد عبرالعالم. من جهة أخرى يعتقد عضو سابق في لجنة الأمم المتحدة للأسلحة البيولوجية، إيغور نيكولين، أن ظهورهذا الفيروس يمكن أن يكون نتيجة لإستخدام سلاح بيولوجي أمريكي. وأن واحدة من نظريات المؤامرة المنتشرة عبرالإنترنت تقول بأن السلالة الجديدة من فيروس كورونا تستهدف الأسيويين فقط، وأنها تعد "سلاحاً بيولوجياً عرقياً". بالنظر لعدم وجود أدلة تفند هذه الادعاءات لكن حتى الخبراء الحذرون في تقييماتهم يقولون إنه لا يمكن استبعاد أي احتمال.

كتبت الدكتورة ميساء المصري عن مصير الدول العربية بأن السيناريوهات عديدة والكارثة واحدة. هنالك اصابات بالفيروس في 16 دولة حتى الآن مع تحذيرات بسرعة العدوى والإنتشار فالمصدر لم يعد الصين وحدها، و مخاوف من تحوله لوباء عالمي، 6% نسبة الجهوزية العالمية.

أن ظهورفيروس كورونا بدون سبب وبدون فعل فاعل هي نكته يصدقها من يقع في دائرة السذاجة، كونه يمتد من نظريات مؤامرة هزلية إلى أخرى مروعة، وربما أغلب المجتمعات العربية هم أكثر المتهمون بهذا المعسكر. كما هو الحال عندما أجتاح العالم سابقاً أمراض وفيروسات غير مفهومه، تنتشر فجأة وتختفي فجأة بأسماء مختلفة متنوعة منها الجمرة الخبيثة وجنون البقر وإنفلونزا بأنواع الحيوانات جميعها من الخنازير فالطيور فالقرود ... ليظهر لنا الأن مرض الخفافيش والثعابين وربما العام المقبل قد ياتي لنا مرض سلاحف النينجا او عنكبوت القرّاد الذي سوف يهدد العالم قريبًا؟ والتي جميعها لديها قاسم مشترك وهو أنها من فيروسات مصَنعه بفعل فاعل. نعم انها نكتة "لايصدقها إلا السذج ولا ينتفع منها إلا صانعها".

ترد على نتائج هذه الأفلام ذات السيناريوهات الضحلة أسئلة كثيرة تطرح نفسها: ما حال العرب وقتها عند تفشي الفيروس بسرعة فائقة؟ وهل الحكومات العربية مستعدة للوباء القاتل؟ ونحن نتحدث عن قطاع صحي متواضع او متردي فيما يخص الأوبئة والفيروسات الخطيرة، هل دول مثل العراق أو سوريا أو فلسطين أو اليمن أو ليبيا أوالسودان أو مصر أو حتى الدول العربية الأخرى، هل لديها جهوزية لهكذا وباء ؟ فبعضها عاجز عن معالجة الكوليرا والملاريا والجدري والتي معظمها أمراض بيولوجية فما بالك بفيروس الكورونا؟ هل ستوفر الحكومات العربية لشعوبها الحماية اللازمة؟ هل ستجد الشعوب العربية ما تخزنه من الطعام والشراب وعزل أنفسهم داخل منازلهم كافياً؟ هل الحكومات العربية لديها خطط أخرى غير إعلان حالة الطوارئ؟ هل ستمنع الحكومات العربية إستيراد أي منتجات تثير الريبة، خاصة وان بضائع الصين العمود الفقري للدول العربية.؟؟

من باب التواضع أرى بأن المسألة هي تضخيم مريب وبث للرعب المتعمد، وهو ما سيتم استغلاله لتعظيم الأرباح وزيادة النفوذ.. بالإضافة إلى حالة الخوف وانتشار الجهل لدى فئات واسعة من المجتمع.. وأنه لايوجد شيء أسمه كورونا، وإنما هو غاز السارين، الغاز الذي يؤثر على الأعصاب كما يحدد مفهومه علماء الطب، وينتشر بسرعه مع الهواء، ولأنه غاز خفيف على الهواء، فسوف يختفي كله قريباً. مصدر الغازهو معمل أبحاث بيولوجي في أفغانستان وأن أمريكا فقدت السيطرة عليه، وأن يكون الجيش الأمريكي بعد الأصابة هو من جاء بالمؤامرة التي أسماها فيروس كورونا إلى منطقة ووهان في الصين، التي تعتبر المنطقة التي بدأ وأنتشر منها الفيروس. تكشفت مؤامرة أمريكا - ترامب بنشر فيروس كورونا في الصين وإيران والجنوب الأوروبي لغرض إيقاف تكنولوجيا التجارة التخصصية. نعم إنها مؤامرة أقتصادية- تجارية.

ها هي أمريكا تكشرعن أفعالها القبيحة في الاستحواذ لوحدها في الهيمنه على مقدرات العالم دون إشراك آخرين كالصين.

أمريكا هي الوحيدة في تاريخ البشرية التي استخدمت القنابل النووية في اليابان، ومن غير المستبعد أن تكون الأولى عالميّا بأستخدامها قنبلة غاز السارين والأسلحة البيولوجية الأخرى، فهي تقف خلف جميع الحروب الكارثية، ودليلنا الأبرز أكذوبة أسلحة الدمار الشامل في العراق.

 

الدكتور: علي ناصر الركابي

 

محمد سعد عبداللطيفهذه الأيام يشغل بال الجميع علی الکرة الأرضیة، ما يُشاع من أخبار عن الوباء العالمي الذي يزداد انتشاراً يوماً بعد يوم، والمسمى بفيروس “كورونا”، کوفید 19 المستجد، وقد تسبب هذا الوباء منذ شهور فی شلل شبة تام فی الحیاه، وتسبب فی نسبة كبيرة من الأصابات و الوفيات وحالات الخوف والذعر خصوصاً في البلدان التي استفحل فيها خطره. والأوبئة لها أخطار كبيرة تصيب الأمم والشعوب فتهلكها، وتهدد أمن الدول وتؤذن بزوالها وإدبارها، فهي من بلاء الله الذي يصيب به من يشاء، وسيف من سيوفه المسلط على عباده يضربهم به بقصد الرحمة أو النقمة.

ولما كان هذا النوع من الأوبئة من قضاء الله وقدره، وانطلاقاً من قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). فإننا مطالبون بالعمل على الوقاية من هذا البلاء ودرء أسبابه،

 وقد تعاقبت الأزمات والابتلاءات والمحن التي أصابت البشرية عبر تاريخها الطويل، ونزلت بالناس صنوف شتى من الابتلاء؛ مثل الأوبٸة والمجاعات والفيضانات والزلازل والجفاف وغير ذلك. وبالطبع، فقد نال المسلمين من ذلك البلاء والکوارث الكثير، وسجل تاريخهم أحداثها ووقائعها وآثارها. ولعل أكثرها فتكاً كان مرض “الطاعون” الذي انتشر أكثر من مرة في مصر والشام والمغرب والعراق والأندلس وقتل ألوفاً من سكانها.

حدثت عدة أوبئة وأمراض جماعية عبر التاريخ الإسلامي، وفي مختلف دوله وأمصاره وأصقاعه، إلا أن أبرزها وأكثرها شهرةً وتأثيراً هي:طاعون (عمواس) والطاعون الجارف طاعون ۔وطاعون الفتيات أو الأشراف ۔ وطاعون مسلم بن قتيبة۔ ومن أشهر الاوبٸة طاعون عمواس، ذُكر أن المسلمين تحركوا في إطار قول (رسول الله صلى الله عليه وسلم) عن الطاعون: «إِذا سمعتم به بأرضٍ؛ فلا تقدموا عليه، وإِذا وقع بأرضٍ، وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فراراً منه »، وهذا الحديث النبوي فيه إشارة واضحة إلى ما يطبق اليوم علمياً وعملياً من "الحجر الصحي " بهدف مواجهة الأوبئة المنتشرة، فرسول الله لم يكتف بأن يأمرهم بعدم القدوم إلى الأرض الموبوءة، بل أتبعها بأن أمر من كان في أرض أصابها الطاعون أن لا يخرج منها، وذلك لمنع انتشار العدوى فينتقل الوباء إلى مناطق أخرى، ۔فلقد كان طاعون عمواس عظيم الخطر على المسلمين وأفنى منهم أكثر من "عشرين ألفاً " ومن بينهم خيرة أمرائهم، وهو عددٌ يوازي نصفهم بالشَّام وربما تخوَّف من ذلك المسلمون يومئذٍ، واستشعروا الخطر من قبل "الرُّوم،" وفي الحقيقة لو تنبَّه الرُّوم لهذا النَّقص الَّذي أصاب جيش المسلمين بالشَّام يومئذٍ، وهاجموا البلاد؛ لصعب على الجيوش المرابطة دفعهم، ولكن ربما كان اليأس تمكَّن من نفوس الرُّوم، فأقعدهم عن مهاجمة المسلمين

وقد رجع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بناء على هذا الحديث إلى المدينة ولم يدخل الشام بعد أن كان قد قصدها ولم يكن ذلك هرباً من الموت المقدر أن "عمر أجاب أبا عبيدة بن الجراح "عندما سأله عن سبب رجوعه إلى المدينة، قائلاً: أفراراً من قدر الله؟، فأجاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو غيرك يقول هذا، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله… وعليه فقد أباح بعض العلماء الخروج على ألا يكون الخروج فراراً من قدر الله، والاعتقاد بأنَّ فراره هو الَّذي سلَّمه من الموت، أمَّا مَنْ خرج لحاجةٍ متمحِّضَةٍ، فهو جائزٌ، ومن خرج للتَّداوي فهو جائزٌ، فإِنَّ تَرْكَ الأرض الوبئة، والرَّحيل إِلى الأرض النَّزهة مندوبٌ إِليه، ومطلوبٌ.

وقد طلب الفاروق بعد ذلك من أبي عبيدة أن يرتحل بالمسلمين من الأرض الغمقة الَّتي تكثر فيها المياه، والمستنقعات إِلى أرضٍ نزهةٍ عالية، ففعل أبو عبيدة. وفي ذلك درس في الأخذ بأسباب الوقاية من المرض والوباء والابتعاد عن مصادره وأماكن استفحاله، وهذا ما اکتشفه العلم الحدیث من تکاثر الأوبٸة فی المناطق الرطبة

بينما بقي أبو عبيدة بن الجراح وغيره من الصحابة في الشام ولم يخرجوا منها بعد أن أصابها الوباء. وقد أصاب بعض العلماء عندما ذكروا في حكمة النَّهي عن الخروج فراراً من الطاعون: أنَّ النَّاس لو تواردوا على الخروج، لصار مَنْ عجز عنه بالمرض المذكور أو غيره ـ ضائع المصلحة، لفقد من يتعهَّده حيّاً وميتاً، ولو أنَّه شُرع الخروج، فخرج الأقوياء؛ لكان في ذلك كسر قلوب الضُّعفاء. وقد قالوا: إِنَّ حكمة الوعيد من الفرار من الزَّحف؛ لما فيه من كسر قلب مَنْ لم يفرَّ، وإدخال الرُّعب فيه بخذلانه.

وفي رواية أن الوباء لم يرتفع إِلا بعد أن ولي (عمرو بن العاص) رضي الله عنه الشام، فخطب النَّاس، وقال لهم: أيُّها الناس! إِنَّ هذا الوجع إِذا وقع إِنما يشتعل اشتعال النَّار، فتجنَّبوا منه في الجبال، فخرج، وخرج النّاس، فتفرقوا حتّى رفعه الله عنهم، فبلغ عمر ما فعله عمرو، فما كرهه.

وهنا نجد أنه نصح القوم المصابين بأن يتفرقوا عن بعضهم ولا يتجمعوا، حتى يقلل من نسبة انتقال العدوى، وحتى لا يهلكهم المرض كجماعات، بل يهلك من كان مصاباً به من الأفراد فيبقى الآخرون في معزل عن الإصابة به ۔ فتاريخ المسلمين في مختلف مراحله، وجغرافيا العالم الإسلامي في شتى بقاعها، شهدت مثل هذه النكبات والأوبئة الكثير،

وقد طور المسلمون طرق مواجهتهم للطاعون والأوبئة فيما بعد، ففي العصر " المملوكي " ولمواجهة الأوبئة المنتشرة، والكثيرة التي أصابت أهالي الشام ومصر، عمد بعض السلاطين والميسورين من الناس بقصد الثواب والتقرب إلى الله، إلى بناء “البيمارستانات” في مدن الشام جميعها، لمداواة ورعاية المطعونين والمصابين بالأوبئة كالحمى وغيرها. ولأن الناس كانت تموت بأعداد كبيرة في فترة الوباء فإن الجثث كانت تترك ثلاثة أيام أحياناً على الأرض ولا يوجد من يواريها خوفاً من العدوى، ولذلك فقد عمد بعض الحكام والأثرياء استجابة لتعاليم الدين الإسلامي والتي تحض على دفن الميت بأسرع وقت ممكن حفاظاً على حرمته وكرامته، إلى إنشاء ما سمي بحوانيت أو" مغاسل الموتى"، والتي تهتم بتغسيل وتكفين الفقراء من موتى المسلمين ثم يتم دفنهم وفق الشريعة الإسلامية،

ولم ينس الناس أهمية التقرب من الله والدعاء إليه والرجاء منه في تلك الأوقات العصيبة، فأخذ أهل الصلاح والعباد من الناس يتوبون إلى الله ويستغفرون ويزيدون من العبادات، ومن أجل التقرب إليه فقد شرع بعضهم في إغلاق حوانيت الخمر، وابتعد الناس عن ارتكاب الفواحش والمنكرات،

وللمسلمين تجارب في تطبيق الحجر الصحي، فقبيل انتشار طاعون عام 1798م في المغرب، استطاع المغاربة تطبيق (حجر صحي) واتخاذ إجراءات للوقاية من الوباء الذي قدم من الشرق، فهم وإن لم يستطيعوا أن يتفادوه ولكنهم استطاعوا تأخير قدومه عدة سنوات، فهذا الطاعون أول ما بدأ في مصر فی مدینة "الإسكندرية " في عام 1783م. والذي ساهم في تأخير قدوم الوباء مجموعة التدابير التي اتخذها الحاکم "محمد بن عبدالله "لوقاية مملكته من الوباء المتفشي في الجزائر وذلك بأن أقام نطاقاً عسكرياً على الحدود الشرقية للمغرب، وبدأت الهيئة القنصلية المقيمة في "طنجة "في عام 1792م باتخاذ اجراءات صحية وقائية على الواجهة البحرية، بعد أن استطاعت انتزاع موافقة (مولاي سليمان) على فرض حجر صحي ضد الجزائر التي كان الوباء فيها قد تفشى آنذاك وقد إنتشر وباء الطاعون مع الحملة الفرنسیة ۔علی الشام وقد منع نابلیون من الاستیلاء علی مدینة عکا وفی الشام ۔ وفی بدایة القرن المنصرم تعرضت مصر لوباء الکولیرا وحصد أرواح کثیرة ۔ هل وباء کورونا سوف یکون نقمة أو نعمة للعالم الإسلامي فی ظل حالة الحروب الأهلیة والجهل ۔والهیمنة الامبریالیه علی الأمه ۔وهل سوف یتشکل عالم جدید وتکتلات اقتصادیة جدیدة ۔لیخرج العالم الإسلامي من الهیمنة وحاله الخنوع ۔

 

محمد سعد عبد اللطیف *

کاتب مصري وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

 

عبد اللطيف الصافيإذا كان من المبكر فعلا القول باستخلاص الدروس من أزمة كورونا كوفيد 19 الذي يواصل اجتياحه  لكل القارات ويحصد المزيد من الأرواح، ولا يعرف لحد الساعة إلى أي مدى سيصل ومتى سيتوقف، فمن المؤكد أن عديد المؤشرات تعطي الانطباع بأن عالم ما بعد كورونا سيعرف تغييرات عميقة قد تمس بنية النظام العالمي ، ولن ينجو أي بلد مهما كانت قوته من هزات و تداعيات ثقيلة إن على المستوى الجيوسياسي او الاقتصادي. علما أن الحسم في شكل هذه التغييرات ومضمونها لا يمكن الحسم فيهما الآن.

وأمام هذا المخاض الذي يعيشه العالم اليوم، وبلادنا من ضمنه، تبدو دعوة الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية الرفيق محمد نبيل بنعبد الله لإعمال تفكيرنا الجماعي للإجابة عن سؤال مالذي ينبغي فعله اليوم وغدا  مسألة جوهرية وحاسمة في هذه الظرفية الاستثنائية و تقتضي من كل القوى  الحية من فاعلين سياسيين ومثقفين المشاركة الجادة في بلورة المقاربات والأفكار التي يمكن الانتقال بها من وضعها المادي إلى ممارسات متحققة على أرض الواقع.

من دون شك أن قوى اليسار بكل أطيافها، معنية بشكل أكبر بهذا السؤال لاعتبارات عديدة لعل أهمها عودة بعض المفاهيم إلى واجهة النقاش ومن بينها

1- التضامن بوصفه فضيلة مثلى

لقد تبين مع الانتشار السريع لهذا الوباء القاتل عجز أعتى الدول وأقواها عسكريا و اقتصاديا وتكنولوجيا عن مواجهة هذا الوباء بمفردها. كما تأكد أن غياب البعد التضامني في العلاقات الدولية منذ الوهلة الأولى لظهور الفيروس شهر دجنبر 2019  كان من أهم الأسباب التي أدت إلى انتشاره مما دفع منظمة الصحة العالمية إلى اعتباره وباء عالميا. وهاهو اليوم يصل مراحل متقدمة بعدما أصاب أكثر من مليون شخص وفرض حجرا صحيا على حوالي ثلث سكان العالم.

وإذا تتبعنا تصريحات مسؤولين في الغرب الرأسمالي قبل أن يكتسح الفيروس أوروبا وأمريكا، من قبيل ما جاء على لسان وزير التجارة الأمريكي ويلبور روس نهاية شهر يناير الماضي ، حين اعتبر أن انتشار فيروس كورونا في ووهان الصينية سيكون فرصة مهمة ليتحسن الاقتصاد الأمريكي لأنه سيدفع الكثير من الشركات المتمركزة في الصين إلى الانتقال إلى الولايات المتحدة،سنلمس قمة الأنانية والخسة.

وفي السياق نفسه، لكن بوقاحة لا مثيل لها جاءت تصريحات بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني الحالي في تعليقه على تفشي وباء كورونا “بمناعة القطيع” في إشارة إلى ترك الناس يواجهون مصيرهم بأنفسهم.

أفلا يعكس هذا أخلاق الرأسمالية التي لا ترى في الكوارث الإنسانية إلا فرصا جديدة لمراكمة فائض القيمة؟

الأمر نفسه يمكن لنا تبينه من خلال مواقف الدول الأوروبية تجاه بعضها البعض، حيث غاب عنها أي حس تضامني. وتأثرت علاقاتها بشكل سلبي بما يهدد تماسك "فكرة" الوحدة الاوروبية".

في المقابل، رأى العالم كيف تصرفت كوبا الاشتراكية، التي تعيش تحت حصار اقتصادي لا إنساني منذ عقود، حين أرسلت طواقمها الطبية إلى إيطاليا وإسبانيا لمساعدة شعوب هذين البلدين في تخطي أزمة كورونا، كما رأت كيف أن الصين سارعت إلى إيفاد مساعدات مهمة إلى مختلف البلدان المتضررة بما في ذلك دول  الغرب الرأسمالي التي كان قادتها ينتظرون انهيارها للإنقضاض عليها كفريسة تحتضر اقتصاديا وتتهاوى سياسيا.

لقد أصبح التضامن بين الدول والشعوب  يفرض نفسه أكثر من أي وقت مضى، ويمكن لقوى اليسار، داخل كل بلد، ان تلعب دورا اساسيا في ترسيخ هذا المبدأ، بوصفه فضيلة مثلى، وممارسته بدءاً بشجب الحروب المستعرة هنا وهناك وحشد كل الامكانيات لوقفها، وإدانة كل أشكال التعسف التي قد تطال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتوحيد الجهود لحماية البيئة ومناصرة المدافعين عنها. وفوق هذا وذاك تأهيل هذه القوى، تنظيميا ،لتكون قادرة على نحت خطاب يساعد في تحقيق وحدتها و يوطد علاقات التضامن بين أعضائها.

2-  الدولة الموجهة لا الدولة الحارسة

تساعدنا مساءلة الطرائق التي تم اعتمادها من طرف هذه الدولة أو تلك في حربها ضد وباء كورونا داخل بلدها أو خارجه على تحديد رؤيتنا لمفهوم الدولة والدور الذي ينبغي أن تلعبه في توجيه المجتمع وبلورة الاستراتيجيات التي تمكنه من الاستفادة من الإمكانيات المتوفرة وتسخيرها في تحقيق الرفاهية للمواطنات والمواطنين، وكذا أهمية القطاع العام في تعبئة القوى المنتجة وقيادة عجلة التقدم في كل مجالات التنمية بأبعادها المختلفة.

فالصين التي تعافت في وقت مبكر من هذه الجائحة وتمكنت من احتوائها و حصر تداعياتها على نحو فعال ، ساعدها في ذلك نظام سياسي قوي فرض إجراءات صارمة، من بينها وقف عجلة الاقتصاد، استجاب لها السكان بكثير من التضحية لكن بثقة أكبر، ونظام صحي مؤهل استثمرت فيه الدولة باعتباره قطاعا استراتيجيا وأخيرا قدرة تيكنولوجية هائلة تم توظيفها في ضبط خريطة تفشي الفيروس ومحاصرته والتقليل من مخاطره الأمر الذي يعكس اهتمام الدولة بالبحث العلمي و مختلف مجالات الابتكار.ويحقق للصين الانتصار السياسي و التفوق التكنولوجي على الصعيد الدولي، ويكرس صورتها كدولة عظمى.

أما في الولايات المتحدة والدول الاوروبية حيث منحى الإصابات تجاوز بكثير أعداد المصابين بالصين، فيبدو أن الخوف من الانهيار الاقتصادي وتراجع قيمة الأرباح وهشاشة النظام الصحي وغياب القطاع العام المعبئ والدولة الموجهة كان له الأثر البالغ في تمدد الوباء وتنامي أعداد الوفيات بشكل مهول.

من خلال ما سبق يتضح دور الدولة في كبح جماح  الوباء وبالتالي ضرورة الانتقال من الدولة الحارسة حيث القطاع الخاص هو المحرك الأساسي للاقتصاد إلى الدولة المتدخلة التي تلعب الدور الطلائعي في توجيه الاقتصاد وضمان الرعاية الصحية والاجتماعية لمواطناتها و مواطنيها. وفي بلادنا يبدو الأمر واضحا ولايقبل التأويل فلولا توجيه الدولة وقبضتها الحديدية لانتهينا إلى ما انتهت إليه دول كنا ننظر إليها نظرة العاشق الولهان ومن جهة أخرى فإن ما أقدمت عليه  كل من رابطة التعليم الخاص بالمغرب والهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء بتوجيههما رسائل إلى رئيس الحكومة تطالبانه من خلالها الإستفادة من صندوق تدبير وباء كورونا يشكل علامة بارزة على ضرورة وضع قطاعي التعليم والصحة تحت الإدارة المباشرة للدولة ورعاية القطاع العام وانتشالهما من براثن التغول والجشع.

إن السؤال حول ما العمل اليوم وغدا يدفعنا إلى التساؤل عن دور لجنة بنموسى في هذا السياق، وهل لا زالت بلادنا في حاجة إلى خدماتها بتركيبتها الحالية وبمنهجيتها التي لا نعتقد أنها ستؤتي أكلها ما لم تجنح نحو إعطاء جرعة قوية لمفهوم الدولة المتدخلة القوية بمؤسساتها الراعية لحقوق أبنائها، نساء ورجالا، على أسس المساواة والعدالة الاجتماعية.

3- اليسار.. الآن وغدا

في الاخير، لابد من التذكير بأنه في الوقت الذي نفتح هذا النقاش للبحث عن المقاربات الجادة الكفيلة بإحداث نقلة نوعية في مسار بناء الدولة الوطنية الديمقراطية والمجتمع الحداثي هناك أيضا من يعملون في الخندق المناوئ بكل ما أوتو من قوة و جهد لتأبيد مواقعهم في هرم الانتاج و دوائر الثروة وينتظرون اللحظة المناسبة

ليحولوا هذه الكارثة الانسانية إلى فرص مثمرة تدر عليهم الأموال الطائلة. لا ينبغي إذن ان يغيب عن أذهاننا ان الصراع الطبقي سيحتدم مستقبلا. فهل ستكون قوى اليسار يقظة و مستعدة لربح التحديات الآن وغدا؟

 

عبد اللطيف الصافي

 

بليغ حمدي اسماعيلتتسارع الدول هذه الأيام في الإعلان عن عقوبات رادعة وسريعة وصارمة أيضا ضد كل من يهرول صوب وسائط التواصل الاجتماعي لنشر أية أخبار كاذبة، أو الترويج لأية شائعات من شأنها تكدير الصفو العام والسلم في المجتمع وبين فئاته وطوائفه، وعلى ضوء ذلك تبارت الدول في الاستباق لإعلان كل ما ينشر ضد الصالح العام للدولة هو بمثابة حرب مضادة وفتنة تسعى لتقويض الأمم . هذا بالفعل ما لا نستطيع إنكاره لا اليوم ولا الغد أيضا، بل إن علماء الاجتماع القابعين في منازلهم اليوم بحكم الحظر الوقائي خشية الإصابة بفيروس كورونا الجائج يؤكدون أن أبرز دوافع هذه الفتنة الإخبارية التي بدت اليوم محرمة هو الفراغ وعدم التفكير في مهارات مستقبلية يمكن امتهارها وتنميتها، فضلا عن أن أكبر وأهم مروجي الفتن الإخبارية اليوم على شبكات التواصل الاجتماعي لم ينالوا قسطا وافرا وحظا وفيرا من كفايات القضاء على الملل إلا باحتراف الفتنة الإخبارية .

ولماذا نعوص في حدث راهن والتاريخ الثقافي والصحافي كفيل بإبراز أن الفتنة الإخبارية كانت ولا تزال غواية معرفية لا يمكن الفكاك منها حتى ولو تغيرت وسائل التواصل أو القنوات الاتصالية في المشاركة في تلك الغواية الممنوعة قديما وحديثا . ففي عام 1904 من القرن الماضي جرت حادثة زواج الشيخ علي يوسف رئيس تحرير جريدة المؤيد المصرية من الآنسة العفيفة الفاضلة الشريفة صفية بنت الشيخ عبد الخالق السادات، وقد أثار هذا الزواج لغطاً وجدلاً كبيراً بالأوساط الاجتماعية في مصر حتى انتقل هذا اللغط والحديث الثائر حوله من قاعات وصالونات المجتمع إلى أروقة المحاكم .

وقصة هذا الزواج ليست طريفة، فهو في بادئ الأمر وخاتمته كان زواجاً طبيعياً، ولكن هذا الزواج قد أسهم في تقسيم المجتمع المصري إلى تيارات متباينة، ورأى بعض الناس أن زواج الشيخ الصحافي أو الجورنالجي هذا صدمة عنيفة ولطمة قوية في وجه أكابر وأعيان المجتمع . فقد رجحت وقتها كفة الحسب والنسب والجاه والتقاليد والأعراف الراسخة على حساب كفة احتراف الصحافة والكتابة حتى ولو كان الكاتب شيخاً معمماً .

وخلاصة القصة أن الشيخ علي يوسف وهو رائد الصحافة المصرية الذي اشتغل بالصحافة وصار صاحب أكبر صحيفة يومية في مصر وهي صحيفة " المؤيد " والتي كانت تضم قامات مصر الفكرية أمثال قاسم أمين وسعد زغلول ومصطفى لطفي المنفلوطي ومصطفى كامل، قد تقدم لخطبة صفية صغرى بنات السيد عبد الخالق أحد أشراف مصر والمنتسبين إلى سلالة الإمام الحسين (رضي الله عنه) حفيد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .

وتروي الحكايات التاريخية أن الشيخ علي يوسف قد تعرف على صفية حينما رآها في بعض المناسبات التي كانت تضم علية القوم وسادات المجتمع، باعتبار أن الشيخ علي يوسف قد ارتقى أرقى المقامات في المجتمع المصري بقلمه، واستطاع به أن يتصل بالخديو عباس الثاني ثم الخليفة العثماني في القسطنطينية، ولما تقدم لخطبتها لم يرض والدها في بادئ الأمر، لولاً إلحاح العديد من الأمراء والأشراف وسادات مصر الأماجد وقلة من الوزراء، فرضي الأب وأذعن لطلبه .

ولكن ظل السيد عبد الخالق والد صفية يماطل في موعد الزفاف طيلة أربع سنوات، حتى قرر الشيخ علي يوسف أن يظفر بعروسه فقام بخطفها وعقد عليها في بيت أحد أقاربها ويقال أن القران قد عقد في بيت السيد البكري دون علم ومعرفة الوالد بذلك الأمر حتى علم بهذا الزواج السريع من خلال عناوين الصحافة لاسيما ما نشرته جريدة المقطم عن هذه الزيجة .

وهنا قرر السيد عبد الخالق أن يغير دفة الزواج من ظاهرة اجتماعية إلى قضية جنائية، فقام باتهام الشيخ علي يوسف بأنه غرر بابنته القاصر وتزوجها دون علم أبيها، وبعد أن بحثت المحكمة أو النيابة على وجه التحديد أمر هذا الاتهام تبين لها أن صفية ليست بقاصر بل بلغت سن الرشد ومن حقها أن تزوج نفسها، كما أن قرانها قد عقد في بين أقاربها وبحضورهم، لذا حفظت النيابة البلاغ .

ولكن لم يتريث السيد عبد الخالق في أمره بعد رفض النيابة بلاغه، فقام برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الشرعية بإبطال الزواج بحجة عدم الكفاءة بين الزوجين في الحسب والنسب والحرفة، وهنا بدأت المعركة الحامية بين التقاليد المصرية وأعرافها الضاربة في القدم وبين مهنة ظن البعض أنها محرمة شرعاً ألا وهي الصحافة .

وكان القاضي وقتها هو أبو خطوة، وعرف عنه التحجر في الرأي والتزمت في القرار،وهذا ما كان فلقد أمر أولاً أن تمكث صفية في بيت أبيها بعيداً عن زوجها الشيخ علي يوسف، حتى توالت الجلسات والمناقشات وسماع الشهود حتى اهتدى إلى رأيه التاريخي بالتفريق بين الزوجين وفسخ عقد الزواج، وكان حجة القاضي في رأيه أن صاحب المؤيد الشيخ علي يوسف لم يكن صاحب نسب أو حسب، بل إنه امتهن أيضاً حرفة وضيعة وهي الصحافة وهي مهنة تقوم على الشائعات والجاسوسية وكشف الأسرار وإذاعة الحياة الشخصية للعامة دون إذن أصحابها .ورغم ما حدث رجع السيد عبد الخالق عن رأيه ووافق على زواج ابنته من الشيخ علي يوسف بعد ذلك .

هذه القصة الطريفة تجعلني استشرف بعض ملامح المستقبل في ظل المد الإخباري الذي يشعل شبكات التواصل الاجتماعي لاسيما المد الديني الذي يبدو أكثر تطرفا وراديكالية، وتلك بالفعل أعاني من مغبتها بصورة ملحة ومستدامة، هذا المد النوعي  الذي لا يرى في البلاد العربية سوى مايوه المرأة وصليب القبطي وزجاجات الخمر المتناثرة بالطرقات والأجانب العراة الضاربين انتشاراً بطول وعرض بعض البلدان لاسيما لبنان والأردن والإمارات،  وكذلك ومن وجهة نظرهم النوعية أيضا الأصنام المتمثلة في التماثيل والمعابد الفرعونية والعبث الفكري والانحلال الأخلاقي الموجود في روايات نجيب محفوظ، ولم يروا فيها الجامعة والأزهر والأوبرا التي تعرض فنوناً رشيقة لا ابتذال فيها ولا مفسدة،ولكن هؤلاء الذين تعنتوا في حكمهم ورأيهم على الشيخ علي يوسف وازدرائه ورفضه بسبب احترافه مهنة قائمة على الجاسوسية، والشيخ هذا بدوره من دعاة التنوير لامتهانه الصحافة وصناعة الخبر .

ولكن ما سيحدث في الدول العربية بعد مرور أزمة كورونا الجائحة والجامعة بغير رحمة استشراف لمستقبل آتٍ لهو استكمال لمنطقية هذا التفكير الذي لا يزال رهين العقلية الجامدة التي تقبع وراء التقاليد والأعراف البالية، وتصر على اتخاذ الدين ذريعة لتحقيق مآربها وأغراضها الخفية، فإن السيد عبد الخالق والد العروس لما استيأس النيل من مقصده راح يفتش بين أوراقه الدينية حتى عثر على شرط الكفاءة في الزواج، وهو نفس المدخل الذي ستعبر منه بعض التيارات الدينية الصاعدة لمحاربة أي فكر يتعارض مع فقههم وأيديولوجياتهم التنظيرية .

والخوف مكمنه من أن جملة هذه الشعوب وتفصيله مؤهلة تماماً لتقبل أي ثقافة فقهية مسموعة أو مرئية أو في صورة كتيبات صغيرة لا تتجاوز الوريقات العشرة،تتضمن إعلان الحرب على أي فكر مغاير، المهم أنهم ينأون عن مغبة الكتاب الكبير والآراء الفقهية المتباينة والمسائل التي تنتظر تأويلاً وتحليلاً مضطرماً لها، بل إن أغلبهم ولا أحصر أحداً يستقي من النصوص الفقهية ما يجعله يرتع ويلعب دونما لغط أو ارتياب.

وحينئذ فقط أدركت لماذا كان يصر أصحاب هذه الآراء والفتاوى والمفتشين بين ثنايا الصحائف القديمة ربما المجهولة النسب أيضاً على محاربة كلمات بعينها مثل التأويل وظاهر النص وتفكيك الخطاب والاجتهاد ودور إعمال العقل؛ لأن مثل هذه العبارات والمواضعات ستحيل نتاجهم المسموع والمرئي إلى مقصلة العقل وهو ما يرفضونه أيضاً جملة وتفصيلاً .

وقضية الشيخ علي يوسف ومهنته المحرمة في عيون البعض ستجعل الأمر سهلاً لبعض المتربصين حالياً بالتنوير و الرافضين لتطويق العقل هذه الأحايين المضطرمة، بل وجود ألوان متباينة من الصحافة من صفراء وحمراء ومتعددة الألوان تجد فرصة سانحة لممارسة هواية سكب الزيت على النار، فتزيد من الأمور اشتعالاً وسخونة، والمستفيد الوحيد في ذلك هم الذين يفضلون انكماش المدنية .ولعل موجة الهجوم مؤخراً على عميد الرواية العربية نجيب محفوظ رغم وفاته منذ سنين لهي بداية وافتتاحية لموجات متتابعة من الرفض والمنع والتحريم أيضاً.

ولأن مهنة الصحافة تمثل في نظر بعض المتشددين عشقاً ممنوعاً ومهنة محرمة لأنها تتناول بعض الموضوعات الخاصة بحياة السياسيين ورجال المجتمع وكذلك تتناقل الخبر الذي يتأرجح بين الحقيقة والرأي، بالإضافة إلى أنها تحتضن قامات فكرية تتناول الحدث بالرصد والتأويل ومن ثم الاجتهاد في إصدار حكم خاص بشأنه، فإنها ستكون صيداً ثميناً وسميناً لأؤلئك المتشددين، فسنجد من يغلو في رأيه ويرمي أحد الكتاب والصحفيين بالتكفير، وهو حكم جاهز وقديم،وعلى قدر ما يحمل سمتاً لتطويق العقل، بقدر ما يحمل معنى الورطة أيضاً .

ولعل أبلغ تشبيه للغلو في التكفير هو " الورطة"، ولقد توعد رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله : ( لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك). أما الآن فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاح خفي يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم وغداً سيصبح أداةً هجومية تستخدم قبل وأثناء وبعد الحوار مع الآخر، هذا إن كان هناك حوار من الأساس. وهذا السلاح كان قديماً يردده رجل على مرأى ومسمع قلة من الحضور ببلدة صغيرة، ثم يتناقل الخبر بصورة وئيدة ثقيلة حتى تصل لرجل يطالع حظك اليوم في شرفته، أما هذه الأيام فالنار تستعر بالهشيم سريعاً، من خلال المنتديات، والفضائيات، والمدونات، والرسائل الإليكترونية، والفيس بوك.

والأخبار المتعلقة بتجريم الصحفيين والكتاب وتحريم كتاباتهم ضاربة في التاريخ العربي والإسلامي ولا تحتاج إلى سرد جديد لها، ومن منطلق هذا نرى هذه الآونة تزاحم الصحف الدينية أو بتوصيف أدق الصحافة السياسية ذات الصبغة الدينية، وهي بقدر ما تتضمن موضوعات دينية تتضمن أيضاً ما تتناوله هذه الصحف الملونة، لذا فالخطيئة ستنال الجميع دونما تفرقة .

والصحافة في ظل المد الديني ستنال بحق لقب الحرفة المحرمة لأن الصحفي بطبيعته يميل للاجتهاد ويمقت قبضة الرقابة على مهنته المحفوفة بالأخطار والتي تتعدى مجرد الجمع والبحث عن المعلومة بل تتجاوز ذلك إلى تخصص حكم معلن يعبر عن رأيه وهنا تكمن خطورة صيده واقتناصه بيسر وسهولة . وما بالكم إذن بالصحافة الأدبية المتخصصة التي تتناول الشعر والقصة والعمل المسرحي فكل هذا في ظل هذا المد فسيناله مقصلة التشدد وسندان المنع .

وأخوف ما يخاف من الصحافي في الوطن العربي أن يطل عليه صباح يعاقب فيه على ارتكابه هذا العشق الممنوع أعني الصحافة كالذي يعاقب على السرقة والقتل وقطع الطريق والزنا، وكفى بالمرء علماً أن يخشى ربه، فيفكر في مستقبل أمته، وكيف يرتقي بها، لا أن يجد نفسه خاوياً من أي تجديد فيهرع إلى شغل وقته وإزهاق جهده وقوته في مساجلات عقيمة لا تسمن ولا تغني من جوع .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية (م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

 

محمود محمد عليفي القرن السادس الميلادي اجتاح الطاعون أوربا والشرق الأوسط ، حيث وصل إلي العرب منذ عهد الدولة الأموية حتى عهد الدولة العثمانية، وكان رعب الناس منه طوال هذه القرون يماثل رعب الناس اليوم من فيروس كورونا.. فالطاعون دأب على اجتثاث البشر من دون رحمة أو تمييز، وكان لجهل الناس بأسباب وطرائق الوقاية منه الدور الأكبر في انتشاره وامتداده إلى مساحات شاسعة. وكثيراً ما رصدت دراسة العدوي ظهوره في أقصى جنوب العراق وامتداده إلى بلاد الشام ومصر وشمال افريقيا، مخلفاً وراءه اختلالات ديموغرافية عظيمة، امتدت آثارها سنوات وسنوات بعد حدوثها.

وما ضاعف من آثار الطاعون أن عرب شبه الجزيرة العربية لم يعرفوه قبل الإسلام، لاسيما في بيئتهم الصحراوية الجافة ذات المناخ الجاف المتطرف، الذي لم يوفر بيئة ملائمة لتكاثر القوارض وهي العامل الرئيسي للحشرات الطفيلية الجالبة للطاعون. لكن الكارثة حلت بالعرب عندما دخلوا مناطق السهول الفيضية في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ومصر فاتحين، واستوطنوا واستطابوا العيش فيها. لكنهم دفعوا الثمن غالياً، إذ سرعان ما أكمل الطاعون ذلك المرض المستوطن في تلك البقاع- المحتاج للمستنقعات والمياه لينمو ويفتك بالبشر- إفناء عشائر وقبائل من الفاتحين عن آخرها. واستغرق الأمر نحو أربعة أجيال حتى توارثت أجسادهم الجينات المقاومة للبكتيريا المسببة للطاعون فتساووا مع أهالي تلك البقاع والمستوطنين فيها منذ القدم في مستوى المناعة، فقلت مع بدايات العصر العباسي على نحو ملحوظ تلك المعدلات المذهلة لفتك المرض بالناس.. أما الدولة الأموية، فكان قدرها أن تحكم العالم الإسلامي في ذروة فتك ذلك الوباء الخطر بالناس، وخصوصاً في القبائل العربية المهاجرة والمستوطنة حديثاً في الأمصار المفتوحة، وأن الطاعون كان النمل الأبيض في الدولة الأموية فصاحبها المرض المزمن تغالبه حيناً بتشجيع مزيد من القبائل على الهجرة من شبه الجزيرة العربية واليمن إلى المناطق الخصبة المنكوبة، أو بتشجيع الناس على الإنجاب أو التهجير القسري لشعوب وقبائل من الأمصار المفتوحة. لكن الطاعون غالبا ما كان يعاود الكرة فيغالب الدولة الأموية باختلالات ديموغرافية جديدة وذلك كما تقول انديرا مطر في مقالها للطاعون تاريخ .. لماذا وكيف فتك الوباء بالدولة الأموية .

في عام 2018 صدر كتاب بعنوان "الطاعون في العصر الأموي: صفحات مجهولة من تاريخ الخلافة الأموية"، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (184 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) للباحث المصري أحمد العدوي صدر قبل أيام عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ؛ (والباحث حائز شهادة دكتوراه في الآداب من جامعة القاهرة – قسم التاريخ بمرتبة الشرف)، وهذا الكتاب يلقي الضوء على حدثٍ تاريخيٍّ لم يحظ كثيرًا باهتمامات الباحثين والمؤرّخين العرب، وهو وباء الطاعون الذي انتشرت موجاته في عهد الخلافة الأمويّة، وشملت مساحاتٍ واسعة من الدولة، ضمّت العراق والشام وأجزاء واسعة من شمال القارّة الأفريقيّة. ويذكر المؤلّف أنّ تلك الموجات كانت كارثيّة على كافة الأصعدة، سياسيّة واجتماعيّة، حيث كان لطاعون مُسلم بن قتيبة دورًا كبيرًا في إنهاء عهد الأمويين.

ويتّخذ أحمد العدوي من دراسة آثار الطاعون في الأوضاع الديموغرافيّة في ذلك العصر، وانعكاساتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة؛ سبيلًا لتبيان آثاره على الدولة الأمويّة. بالإضافة إلى استعراضه في الفصل الأوّل من الكتاب "الطاعون وعالم العصور الوسطى"، لمكانته وقدرته على التأثير في حياة الناس في العصر الوسيط. مقدّمًا في الوقت نفسه نبذةً عن هذا الوباء، وشارحًا أيضًا الأسباب التي وقفت خلف فتكه بالناس بتلك الطريقة المأساوية التي تناولتها المصادر القديمة.

وهذا الكتاب متميز في بابه، لأنه يعالج موضوعاً قلَّ التطرق إليه في التاريخ العربي الإسلامي. فكثرة من المؤرخين كتبوا عن اضمحلال الدولة الأموية وقيام الثوار العباسيين بإسقاطها، وتأسيس دولتهم على أنقاضها. وتناول الباحثون في دراساتهم النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي اعتمدتها الدولة الاموية، كما تناولوا العرب والموالي والعصبية والصراعات القبلية، وعرضوا أيضاً الثورات والفتن التي اندلعت في العصر الأموي، واشتداد شوكة الخوارج وثورات آل البيت.. الخ. هذه العوامل كلها لا ينكر أحمد العدوي أثرها الأساسي في سقوط الدولة الأموية وانهيارها قبل أن تكمل قرناً واحداً من الزمان. بيد أن دراسته هذه تطمح إلى الوقوف على دور عامل خفي كثيراً ما ظهر كظلٍّ باهت في خلفية التاريخ، ومن ثم قلما انتبه إليه أحد: إنه الطاعون، ذلك الوباء الذي يشكل ايقاعاً منتظماً، ضاعت ملامحه في خضم الجلبة التي واكبت قيام الدولة الاموية وانهيارها ولم تروَ قصته بعد. لذا سلط العدوي في دراسته هذه الضوء على جوانب منه جامعاً مادة غزيرة لم يكن جمعها سهلاً على الاطلاق.

يتألف هذا الكتاب من ثلاثة فصول وخاتمة. يُناقش المؤلف في الفصل الأول «الطاعون وعالم العصور الوسطى»، مكانة الطاعون في عالم العصور الوسطى وأسباب فتكه بالناس. كما يشتمل على تعريف بماهية هذا المرض وطبيعته، وتأثيره في أوجه الحياة، ومنزلته في التراث العربي، حيث ترك فيضاً من التساؤلات الدينية والفلسفية والفقهية.. فينقل لنا وجهات نظر المتفقهين في الشأن، حيث بينهم من نهى عن الخروج من أرض ضربها الطاعون، وآخرون أجازوا الخروج منها نجاة بالنفس.

ويستعرض أحمد العَدوي في المحور الأول من هذا الفصل آراء وتوصيفات أهل الاختصاص في ذلك الزمان حول هذا الوباء، فينقل لنا تعريفات حول هذا المرض الفتاك لأبي بكر الرازي وابن حجر العسقلاني وابن النفيس وابن سينا... ولا يغفل نظرة العوام من الناس، الذين اعتبروا الطاعون عقاباً إلهياً يُصيب الناس من جراء انشغالهم بالدنيا وانهماكهم بالملذات وارتكابهم المعاصي وإهمال ما عليهم من فرائض وطاعات. وككل ظاهرة مؤثرة، تكثر الآراء والتكهنات، فشاع بينهم أنّ للحيوانات قدرة على استشعار قرب وقوع هذا الوباء، فإن عوت الكلاب وجاوبتها الذئاب ففي ذلك علامة هي بمثابة نذير شؤم بقرب حدوثه.. وفي المحور الثاني من الفصل نفسه، حديث عن الطاعون الذي احتل مكانة مرموقة في التراث العربي الإسلامي بصفة عامة؛ إذ استدعى بوصفه كارثة إنسانية كبرى، الكثير من التساؤلات الدينية والفلسفية العميقة التي تعدت النطاق الضيق للطب والمرض والوقاية، من قبيل هل كان الوباء الذي يصيب الناس بلا تمييز، عقابًا جماعيًا من الله للبشر على خطاياهم؟ وهل ثمة عدوى؟ فإذا كان هناك عدوى، فهل يُعدي المرض بذاته، أم لعلة خلقها الله فيه؟ وشكَّل الطاعون مبحثًا علميًّا تقاطعت فيه حقول الحديث والفقه والفلسفة والتاريخ، فضلًا عن الطب، وهو مجال الاختصاص الأصيل. وبحسبه، احتوت مسألة العدوى بذاتها على تعقيدات شرعية كبيرة، إذ سوّى الفقهاء والمحدثون بينها وبين عادات وثنية أخرى كان العرب يدينون بها في الجاهلية.

وفي الفصل الثاني «فورات الطواعين في العصر الأموي» حيث يحصي المؤلف الطواعين التي وقعت في عصر بني أمية، ويحدد تعاقبها الكرونولوجي، ويعرض لأخبار الطواعين في صدر الإسلام، كما أثبتها الرواة والمؤرخون، ويناقش الإشكالات المحيطة بها. ويحصي الباحث استناداً إلى المصادر الموثقة تاريخياً نحو 20 فورة من الطاعون في العصر الأموي، حيث دام الوباء في إحدى المرات أكثر من سبعة أعوام أزهقت خلالها أرواح الآلاف.. كما يحصي المؤلف الطواعين الواقعة في عصر بني أمية، ويضبط تعاقبها زمنيًا، تمهيدًا لدراسة آثارها. كما يعرض لأخبار الطواعين في صدر الإسلام عند الرواة والأخباريين والمؤرخين، ويناقش الإشكالات التي تُحيط بها، وأبرزها اضطراب الرواة والأخباريين في إحصاء الطواعين في العصر الأموي، والخلط بينها أحيانًا، وكذلك الاضطراب في التأريخ لها على نحو دقيق. كما أنه يتضمن تقويمًا إحصائيًا لفورات الطواعين في عصر بني أميَّة منذ عهد معاوية بن أبي سفيان إلى عهد مروان بن محمد. يكتب: "شهدت تلك الحقبة من تاريخ العالم الإسلامي نحو 20 طاعونًا، بمعدل طاعون واحد لكل 4 أعوام ونصف تقريبًا، وهو معدل هائل، وتكفي المقارنة بين هذا المعدل ومعدل تجدد الوباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا في العصور الوسطى المتأخرة للتدليل على عمق الأثر الذي خلفه الطاعون في العصر الأموي".

ويقف الباحث في الفصل الثالث على الآثار الديموغرافية للطواعين وانعكاساتها على المجتمع والدولة في العصر الأموي؛ فيُشير في سياق هذا الفصل إلى سرعة تفشي هذا المرض نتيجة لجهل الناس بالتعاطي معه في غياب إرشادات الوقاية والحيطة، فقد حصد هذا المرض على سبيل المثال في إحدى جولاته ما نسبته 93300 ضحية لكل 100000 نسمة، فكانت النعوش تتوالى دفعة واحدة ما بين مئة إلى 500 نعش وفي كل نعش ما بين ثلاث إلى أربع جثث.. ويشرح المؤلف أنه تسبب الطاعون أيضاً بخلو القرى والضياع من الناس، مما أثر بشكل مُباشر على موارد الدولة المتمثلة في الجزية والخراج وفقدها الأيدي العاملة، فارتفعت الأسعار من جراء نقص الأيدي العاملة، وبلغت مستويات غير مسبوقة؛ حيث وصل التضخم إلى حد فاق 50 بالمئة. ومما تسبب به الطاعون يذكر الباحث انتهاج الدولة لسياسة التهجير القسري لإعادة التوازن الديموغرافي إلى البقاع الأكثر تضرراً بسبب تفشي هذا المرض الذي أسهم في إحداث هجرات عشوائية، لجأ الناس إليها هرباً من الوباء القاتل.. وهذا ما حدا بالدولة إلى اتخاذ إجراءات صارمة وصلت إلى حد منع الفلاحين من مُغادرة قراهم، ثم لجأت إلى وشم الفلاحين والأكرة على أياديهم بأسماء القرى التي ينتمون إليها حتى يسهل أمر إعادتهم إليها.. ومن نتائج فورات هذه الطواعين المتتالية، تراجع في أعداد العرب، وهم عماد جيوش بني أمية في العراق والشام، تراجعاً حاداً، أصاب الدولة لأموية بالوهن والضعف وأفقدها مقدراتها، فعجزت عن مقاومة الثورة العباسية التي اختار روادها توقيتاً ملائماً لثورتهم بين طاعونين كبيرين أصابا الشام والعراق بين عامي 743 و748 م هما طاعونا مُسلم بن قُتيبة وطاعون غراب.. وقد أسفرا عن خسائر مادية وبشرية هائلة أصابت قلب الدولة الأموية. وانتهت الدراسة إلى تأكيد تراجع دور دمشق وفقدانها الثقل الذي تميزت به في عصر الخلافة الأموية، وكذا الأمر بالنسبة لسلوك خلفائها الذين هجروها ونأوا عنها فراراً من الطاعون.. كما يناقش الفصل هذا أثر الوباء على صعيد الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العصر الأموي". وأهم ما تمخض على توالي فورات الطاعون في العصر الأموي، كان عزوف خلفاء بني أميَّة عن الإقامة في دمشق، فكان الخلفاء قبل هشام بن عبد الملك ينتبذون إلى البرية والصحراء، أو يقيمون في الأماكن المنعزلة كالأديار اتقاءً للوباء. يكتب العدوي: " ساهم الطاعون في تغيرات ديموغرافية مهمة، كان لها استحقاقاتها السياسية لاحقًا؛ إذ قامت الدولة بتهجير عدد كبير من الزنج إلى السَّواد بغرض ملء الفراغ الديموغرافي الذي كان الطاعون يتسبب به في تلك البقاع"..

في خاتمة الكتاب، يرى العَدوي أن من غير الممكن فهم تراجع ثقل دمشق، عاصمة الخلافة في العصر الأموي، وتفسير سلوك خلفاء بني أميَّة الرامي إلى هجرها والنأي عنها إلا في ضوء الطاعون، "إضافةً إلى أن الطاعون حسم معارك كبرى جرت في العصر الأموي، منها الاجتياح المظفر للإمبراطور جستنيان الثاني لأرمينيا في عقب طاعون ابن الزبير الجارف. كما حسم الطاعون معركة مصعب بن الزبير مع عبد الملك بن مروان في البصرة التي مثّلت بداية النهاية لخلافة عبد الله بن الزبير". يضيف أن الطاعون حسم أمر سقوط الأموييين، "إذ أحسن الثوار العباسيون اختيار الوقت الملائم لإعلان ثورتهم بين طاعونين كبيرين أصابا الشام والعراق بين عامي 127 هـ/ 743 م و131 هـ/ 748 م، هما طاعون غراب وطاعون مسلم بن قتيبة. وقام هذان الطاعونان بدور كبير في نجاح العباسيين في إزالة دولة بني أمية، فكان طاعون مُسلم بن قتيبة في عام 131 هـ/ 748 م بمنزلة فصل الختام بالنسبة إلى الخلافة الاموية؛ إذ أسفر عن خسائر مادية وبشرية هائلة، أصابت قلب الدولة في عهد مروان بن محمد بصورة خاصة".

وقد صدق رسول الإسلام حين نصح بأنه إذا ظهر الطاعون فى بلد فلا تغادروه، وإذا ظهر فى بلد آخر فلا تذهبوا إليه، إنها فلسفة العزلة ومنع انتشار الوباء كما رآها النبى محمد «ص»، منذ قرابة خمسة عشر قرنًا، بشهادة الكتابات الغربية الحديثة، التى أشارت إليه مؤخرًا فى هذا السياق احترامًا لبُعد النظرة وعمق الفكرة وصدق الرؤية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

عامر صالحبين سيكولوجيا الأنتماء ومتغيرات العصر 

مما تحسب لقوة الحزب الشيوعي العراقي على مر عقود ومنذ تأسيسة هو انحيازة الكامل للهوية العراقية بعيدا عن الأنتماءات الضيقة الأثنية والطائفية والمناطقية، وبالتالي جسد الحزب في انتمائه وحدة النسيج العراقي بكل أطيافه ومكوناته، وقد تربى داخل الحزب خيرة ونخبة من المثقفين، من كتاب وشعراء وأدباء وصحفيين وأعلاميين الى جانب نخب مناضلة من الكادر التدريس والتربوي والتعليمي والهندسي والطبي والصيدلي، الى جانب الحضور المتميز للطبقة العاملة والكادحين والمحرومين من شعبنا، والتي عمل الحزب دوما للدفاع عن حقوقها في اصعب الظروف واكثرها قسوة على الحزب.

وقد لا نجافي الحقيقة أن الكثير من رفاق الحزب واصدقائه ومناصرية تعلموا في الحزب دروس غنية في الثقافة العامة والأطلاع على التراث العالمي في الآداب والثقافة والعلوم، الى جانب احترام مكانة العلم والبحث العلمي في حل المشكلات الأجتماعية بعيدا عن الخرافة والدجل والتخلف، كما تعلموا ان الحياة لا تبنى إلا بفهم القوانين الموضوعية التي تجسد سنن الصراع الطبقي الأجتماعي، وان العلم والمعارف وحدها كفيلة ببناء مستقبل أفضل. وقد ترك الحزب الشيوعي العراقي أثرا واضحا في شرائح اجتماعية واسعة لم تكن في صفوفه بل تعلمت عن بعد منه، مما اضاف للحزب قوة ونفوذ جماهيري واحترام في قلوب العراقيين لاتزال آثاره واضحة في الشارع العراقي رغم شدة القمع والتنكيل والأرهاب الذي تعرض له طوال العقود الماضية.

تؤكد الدراسات السيكواجتماعية أن هناك دوافع مختلفة للأنتماء السياسي لعل من بينها هي: المصلحة الذاتية، أي الرغبة في الحصول على مكاسب ذاتية للأفراد الذين ينتمون الى حزب ما، كالحصول على المناصب أو الوظائف أو الأموال أو المكافآت والامتيازات؛ أو الأنفعال أي اندفاع المواطنين لتأييد أفكار وبرامج وأهداف وسياسات الحزب دون تحفظ وذلك لأنها تثير عواطفهم ونزعاتهم النفسية وتجعلهم متحمسين لنصرة الحزب والوقوف بجانب قضاياه والدفاع عنها دون خوف وتردد؛ أو الادراك والتعقل والعقيدة أي أن الشخص ينتمي الى الحزب لا بسبب مصلحته أو عاطفته الجياشة وأنفعالاته المفرطة، بل بسبب الأيمان والعقيدة والادراك الثاقب لأفكار وأيديولوجية ومعتقدات الحزب وأهدافه بحيث تكون هذه جزء لا يتجزأ من شخصيته وآماله في الحياة وتطلعاته، والاشخاص الذين يدخلون الحزب لهذه الاسباب هم الحزبيون الحقيقيون الذين يبقون فيه ويدافعون عنه ويناظلون من أجل نصرته مهما كانت الظروف.

وقد أكدت العديد من الأبجاث النفسية أن هناك خمسة عوامل تتوزع عليها سمات الأفراد المنتمين للأحزاب السياسة وهي تتكامل مع بعضها البعض في ظروف صحية في حياة الحزب الداخلية، وهذه العوامل هي: التفكير الأبداعي؛ والتعبير عن وجهات النظر؛ والألتزام؛ والتفكير الناقد؛ والتنظيم الذاتي. وهناك أيضا سمات شخصية للأفراد الذين ينتمون للأحزاب السياسية في الحالات المثالية، وهي: قوة الأنا، واليقظة الذهنية، والثقة بالنفس، والحساسية الأجتماعية ، والفاعلية الذاتية، وتقدير الذات الى جانب الصلابة النفسية والصمود.

أن الأنتماء للحزب الشيوعي العراقي هو شبيه في الأنتماء الى التجارب العاطفية الأولى حيث استحضارها بقوة بين الحين والأخر إلى حيز الشعور، نتيجة لارتباطها ببداية تشكيل الخبرات العاطفية، وتعتبر من اللبنات الأولى في بناء الشخصية العاطفي على طريق اكتساب المزيد من الخبرات والتجارب.وهي اختبارات صعبة للتأكد من صلاحية الشخصية في التكيف والبقاء مع الجنس الآخر.

 

وتشكل تجربة الانتماء إلى الحزب الشيوعي العراقي لأول مرة في عمر الفرد لونا من ألوان هذا الانتماء المشحون بالعاطفة الجياشة والانفعال القوي للارتباط به الى جانب الأيمان بالفكر والعقيدة بعيدا عن المصلحة الذاتية. ومن اجبر على ترك الحزب في هذا العمر عانى كثيرا، كما يعاني من اجبر على ترك محبه الأول، حيث تجري الأشياء هنا بالضد من الشعور الذي ينتاب الفرد بأن يكون هذا الحب هو الأول والأخير وبطريقته الخاصة.

أن الخطاب الحزبي في بداية الانتماء وأن كان خطابا عقلانيا يستند إلى مادة فكرية وفلسفية رفيعة المستوى تقدم"للمحبين" له، ألا أن الحزب له القابلية على إضفاء مشاعر وأحاسيس عنيفة معززة رغبة البقاء في صفوفه، وهي نتاج عمل دؤوب سايكوعقلي ـ معرفي، يترك أثرا عميقا أكثر بكثير من وقع الحب الأول في محبيه، يترك في الشخصية شحنة انفعالية موجبة كما تدرك. وبقدر ما يكون الحب الأول فرصة لتأكيد الذات واختبار الشخصية،يكون الانتماء الحزبي هو الآخر فرصة ذهبية لتميز الشخصية ضمن إبعاد جديدة وفي سياقات غير معتادة، تشكل فرصا للنمذجة المثالية للشخصية، تمنح صاحبها امتيازا في بيئة محدودة الإمكانيات، وخاصة في صورة الخروج الايجابي عن المألوف، وتشكل مع الوقت احد المصادر الأساسية في التوافق الذاتي ورسم الملامح العقلية وحتى أحيانا المزاجية للشخصية. أو يأخذ الانتماء شكل المخالفة لما هو سائد أو كما يقال"خالف تعرف" في بيئة غارقة في الممنوعات.

أن الانتماء للحزب والاستمرار فيه إن شاء الفرد يجب أن يرتبط بعقلانية رفيعة المستوى في الدفاع عنه، وهذا يأتي عبر التخلص من غرائز الانتماء الأول المفعمة في اللوازم العصبية والانفعالات المؤذية في أحيان كثيرة للحزب، والتي يعكسها الدفاع المفرط عنه، وبأي ثمن، وبآليات غير موفقة تلحق الضرر به. وفي حالات كثيرة تسبب شحنة الحرص الزائد(الانفعال المفرط) إلى ارتكاب أخطاء ينتظرها من لا يرغب بوجود الحزب كما ينبغي أن يكون.

أن الحزب وبعد مسيرة تجاوز فيها الثمانية عقود تعرض فيها إلى هجمات شرسة من أعدائه وحلفائه، وكذلك انتكاسات كبيرة نتيجة لأخطاء ذاتية وظروف موضوعية، وعلاوة على ذلك تعرض حلفائه "الثابتين" في الخارج إلى انهيارات كبرى تمثلت في انهيار المعسكر الاشتراكي، والتي أدت ضمن ما أدت إليه إلى أن يطال الشك إلى مصداقية الفكر الماركسي. يحتاج الحزب اليوم إلى انتماءات بذهنية جديدة، ترى في الحزب مشروعا عمليا للحياة ومرنا قدر مرونة الحياة...أن عهد" ملائكة" الحزب ودعاة الحرص"المؤذي"لم تزكيهما الحياة. ومن يرى في الحزب ملاذا لتأكيد الذات، لأنه لم يجد في دائرته القريبة الملاذ، فأنه يرتكب أخطاء بحق الحزب، ومن يرى في الحزب وظيفته الدائمة فأنه يخطأ أن يقدم شيئا مفيدا له.

اليوم وبعد هذا الزخم الهائل من التغيرات الدولية والإقليمية والقطرية، فأن الحزب لم يعد حزب"دكتاتورية البرولتارية"،ولكنه يستطيع أن يكون بامتياز حزب البرولتارية، ولا حزب التكتيكات من أجل" استلام السلطة"، ولكن من حقه أن يتطلع إلى المشاركة الواسعة في السلطة، ولا حزب بناء" الاشتراكية"على نسق مرجعياتها السابقة، ولا حزب الانضباط الحديدي وفقا "للقواعد اللينينية في حياة الحزب الداخلية" ولكن حزبا منضبطا،حيث تنعدم المقومات الموضوعية والذاتية لذلك. أذن لماذا كل هذه الحملات والهجمات عليه، وخاصة عندما تبدأ الرؤيا بهذا الوضوح. أني اعتقد أن المشكلة في التساؤلات الآتية: ماذا نختار، وكيف نختار، ولماذا؟.

علينا أن لا نعطي الظواهر قوة دفع أكثر بكثير من خصوصية الظرف الذاتي والموضوعي الذي تجري فيه.أليست تلك هي سنة الديالكتيك.فمن أراد للحزب خيرا فعليه أن يقلع عن عادات "الحب الأول"في الدفاع عنه، أو عادات أخذ الثأر منه والهجوم عليه عندما ينفض العقد معه. ومن أراد أن يكون الحزب "حبه الأخير"فعليه القبول بشروط الحياة، وعلى الحزب المزيد من الاستجابة والتفحص الذاتي، وخاصة بعد تجربة تجاوزت العقد والنصف من العمل العلني وفي ظروف نوعية جديدة.

أن من يريد أن يكون حزبه حزب الثلاثينيات أوالاربعينيات أو ما يسمى" حزب فهد" فأن ذلك مجافاة للحقائق والتغيرات العميقة على الأرض في الداخل والخارج. وتستحضرني في هذا السياق ليست مقولة لينين(النظرية مرشد للعمل)، ولكن من عمق التأريخ مقولة للأمام علي: " لا تقصروا أولادكم على آدابكم فأنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم ". أذا كان هذا الحديث في التربية، فكيف يكون الأمر في السياسة وهي فن الممكنات. وهل يجوز العودة في السياسة إلى أكثر من ثمانين عاما إلى الوراء، وهل يجوز في السياسة أيضا أن تصاغ سياسات الحاضر واتجاهات المستقبل لحياة الحزب الداخلية والخارجية على ضوء معايير الثلاثينيات والاربعينيات ونحن في الألفية الثالثة. أن مآثر الحزب وتأريخه النضالي هي ملكا للجميع. ولكنني أتساءل: هل كان حزب" فهد" آنذاك بدون انحسارات أو صراعات، وهل كان في برجا عاجيا كي لا يكون كذلك، وهل كان مراقبا للمعارك الوطنية لكي يكون معصوما من الخطأ أم طرفا أساسيا فيها.. الإجابات في التأريخ المكتوب والغير منحاز نسبيا للحزب.

أن من يرى في الحزب " حبه" الأول والأخير عليه أن يكيف نفسه لميكانيزم الحياة المتغيرة أبدا وبدون انقطاع. فلا يمكن "السباحة في النهر مرتين"، لأن الماء غيره عن المرة الأولى.فالحزب اليوم يؤمن في الديمقراطية الليبرالية على مستوى السياسة والاقتصاد(مع مظلة حقوق اجتماعية واسعة). ويترتب على ذلك أن يكون الحزب واضحا في خطاباته وتحالفاته وحدود انتمائه للعقيدة الكلاسيكية. وعلينا أن نعي حقيقة أن" الحب الأخير" هو ليست صورة طبق الأصل لفلم غير ناطق عن "الحب الأول". وبين" الحبين"تأريخ مشترك يجب العودة أليه ودراسته وتقويمه بعناية وحرص شديدين. وأعتقد أن الحزب الشيوعي ليست حركة ماضوية فهو من الحركات التي تلتصق بالحاضر بشدة . وإذا كان الحب الأول يعبر عن الحاجات الأولى للانتماء، فأن الحب الأخير هو حب الأحاسيس والانفعالات الهادئة...أنه حب الحياة والاستقرار، وكما عرفنا فأن الأنتماء أليه طواعية، ومغادرته أيضا بعرفان وأحسان.

الذكرى ال 86 لميلاد الحزب الشيوعي العراقي هي مناسبة لتشديد الخناق على الفاسدين وهي مناسبة لأعادة بناء العملية السياسية في العراق بعيدا عن المحاصصة الطائفية والأثنية، وهي مناسبة للملمة الصف الداخلي لحزب فهد، وأن نتعلم من الديمقراطية والتعددية الحزبية، أن تحالفات اليوم قد تصلح أو لا تصلح لغدا، ومصالح الناس الأساسية في الخدمات العامة والعيش الكريم هي جوهر ما يطمح له الشيوعيون بعيدا عن الوصفات المتحجرة، فأن ما كان صالحا بالأمس لم يكن صالحا اليوم أو لغد. وكل عام والحزب بأفضل منه.

 

د.عامر صالح

 

كاظم الموسويقدم فايروس الكورونا المستجد بانتشاره السريع والواسع دروسا كثيرة، وظهر في الجائحة امام الجميع، متمكنا من الوصول وتسجيل أحداث قاسية ومؤلمة، كشفت ما تسترت عليه السياسة الدولية ومنظماتها الى درجة لم تعد قادرة على البقاء على الحال الذي سبقها أو توفرت فيه حاليا، وتبينت آثارها على جميع الصعد والمجالات، ولا سيما في العلاقات والنظم والتوجهات. وباتت الجائحة في الأغلب امتحانا عسيرا وصعبا، اختبرت فيه المشاريع والبرامج والنظريات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولابد من إعادة نظر في كل ما وصلته الجائحة ودقت اجراس الانذار فيه. بلدانا وشعوبا، تحالفات ومنظمات، تيارات واتجاهات. كما فعل الفايروس وأعلن جائحته. فمثلا في علاقات الدول قد يكون مفاجئا أن ترى أو تسمع رئيس دولة أوروبية ينتقد بشدة عدم تعاون دول أوروبا والغرب عموما مع بلاده وشعبه، ولا سيما في قضايا إنسانية وضرورية، ويمدح دولة آسيوية قدمت ما يتطلبه الوضع الحالي. وصار معروفا انه رئيس جمهورية صربيا، الكسندر فوتشيتش، وفي أقواله شجن وغضب والم وموقف جديد سينمو بعد الكورونا بالتأكيد، وليس في بلده وحده. كاشفا بأقواله وأفعاله فشل النظام الرأسمالي الغربي الذي أراد بعولمته تجاوز الحدود والأنظمة في إطار النيو ليبرالية وقوانينها الاجتما- اقتصادية والسياسية. قال: لقد أدركت أن التضامن الدولي غير موجود، التضامن الأوروبي غير موجود، كانت تلك قصة خيالية على الورق. لقد بعثنا رسالة خاصة إلى الدولة التي يمكن أن تساعدنا وطلبت منها كل شيء. وفعلا ردت الصين فورا بالايجاب، وارسلت ما استطاعت.

اضاف هذا الرئيس في استقباله بنفسه للوفد الطبي الصيني القادم لبلاده لتقديم المساعدات الطبية والانسانية، الكثير من الاحترام والتقدير أو في إيضاح للموقف الجديد، لا سيما وهو يقبّل العلم الصيني بعد علم بلده. أنها صورة جديدة في العلاقات الدولية والنظام العالمي قدمتها جائحة الكورونا. وتجربة تحمل دروسا وعبرا لليوم والغد. حيث تعكس تحولات جغرا سياسية. بالتأكيد، لا تمر بسهولة أو مرور الكرام كما يقال.

والاكثر صراخا وصراحة نراه في ايطاليا، فالصور الرسمية والشعبية التي تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة تكشف أزمة حادة، ليس في ايطاليا وحدها، وهي العضو المؤسس في الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي/ الناتو، ومجموعة الدول العشرين وتكتل الدول السبع الاكبر والاكثر ثراءا في العالم واحد أعمدة النظام الرأسمالي في أوروبا، يصرح مسؤولون فيها أن سلطاتهم فشلت في الحصول على مساعدات طبية ومعدات مطلوبة من حكومات الغرب التي ينتمون لها. وانهم في حالة حرب وأزمة صعبة، بينما انهالت على بلادهم المساعدات من اسيا، من الصين وروسيا، ومن الشمال البعيد، من كوبا، البلد الذي تحاصره امريكا والغرب الرأسمالي عموما طيلة عقود من الزمن. ويلفت الإنتباه هنا ما ينشر في وسائل الإعلام المختلفة من فيديوهات تصور مثلا محافظا لمحافظة انزل علم الاتحاد الأوروبي من باب المحافظة ورفع مكانه العلم الروسي، كما فعل مواطنون بانزال علم الاتحاد الأوروبي في وسط شوارع العاصمة روما ورفعوا العلم الاحمر، الصيني بدلا منه. صور لافتة بلا شك ولها معناها ودلالتها وتدعو إلى انتظار الخطوات القادمة، الان وبعده. إذ أنها ليست لقطة سينمائية عابرة بل إنها ترسم تحولا وتقول واقعا جديدا، ليس في ايطاليا وحدها. وتأتي بعدها صورة استقبال الوفد الطبي الكوبي والاحتفاء به، حيث لو عدت نسخها الموزعة لفاقت ما لا يمكن توقعه أو كل التوقعات الالكترونية منها. مرفقة بخطاب الرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو في تقديم المساعدات الإنسانية ورفض العدوان والأسلحة المدمرة. وهذه لها دلالاتها وتأثيراتها المعنوية والمادية التي تتفاعل وتسهم في القرارات والرأي والإتجاه.

رسالة المواطنة الايطالية هي الاخرى، قاسية برقتها وغاضبة بحقائقها وغنية بحزنها وصريحة بألمها وبليغة بأوجاعها. السيدة الايطالية لم تخف ما حصل أو تصمت عليه. حددت بالاسماء وقالت بصوت شعبها وأثارت معنى أن تكون ايطاليا في الاتحاد الأوروبي ودولة غربية في هذه المحنة، الجائحة.

نادت السيدة الايطالية الرؤساء الاوربيين: شكرا لانكم تخليتم عنا في وقت حاجتنا. شكرا لرفضكم إمكانية منحنا مجرد كمامات بسيطة، وأشياء أخرى لمساعدتنا على مقاومة انتشار الفيروس. كنا سندفع لكن ثمنها.. هل تعلمون ذلك؟. وتخاطبهم باسم الإيطاليين: نحن الإيطاليون منحناكم معنى الفن والثقافة.. وتعدد ما قدمت إيطاليا للعالم. وفي مخاطبتها للرئيس الامريكي دونالد ترامب ورئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون: شكرا لانكما فعلتما كل ما بوسعكما لعزلنا بدل مساعدتنا. وتستعيد معهما تاريخ لانجازات والعطاءات الايطالية.. واسماء العديد من المبدعين. وتصل إلى ذروة اللوعة والألم: اسمعوا يا اعزائي، حين نذكر اسم ايطاليا يجب عليكم أن تقفوا على قدميكم وتطأطئوا رؤوسكم.. وتختم بوجع: لن نستقبل باذرع مفتوحة الا من ساعدنا وقت الحاجة. وشكرا من سيدة إيطالية.

تصاعدت تصريحات المسؤولين والسياسيين في إيطاليا في معالجة الجائحة والعجز في مواجهتها والنقاش في الأسباب الرئيسية والسياسات التي اوصلت البلد الى هذه الأزمة القاتلة، حيث تتزايد اعداد الموتى بسببها وتغلق البلاد بلا امل. ذكر الأمين العام للحزب الشيوعي الإيطالي، ماركو ريزو، إن "الحالة المأساوية التي تشهدها إيطاليا هذه الأيام تبين بوضوح كيف تم تفكيك دولة الرفاهية والرعاية الصحية العامة في بلدنا خلال السنوات الثلاثين الماضية، منذ سقوط جدار برلين واختفاء الاتحاد السوفياتي". وأكد ريزو أنه "خلال هذه الأوقات الصعبة للغاية بالنسبة للشعب الإيطالي اختفى الاتحاد الأوروبي حرفياً، ووصل التضامن إلى إيطاليا من دول مثل كوبا وفنزويلا وفيتنام والصين، التي تنتهج نهجاً مختلفاً عن الاتحاد الأوروبي". وأكد من جديد موقف حزبه بأنه "بعد حالة الطوارئ الصحية، يتعين على إيطاليا الخروج من منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، في حين يجب إلغاء الإنفاق العسكري غير الضروري".

هذه الأفكار هي انعكاس للواقع الجديد والتطورات الميدانية، ومؤشرات إعادة وعي وادراك إنساني عام للمهمات الجديدة المطلوبة لإعادة عمران الإنسان والبلدان. وهي الصورة الجديدة لما بعد الكورونا، رضينا بذلك أم رفضناه. قبلناه اختيارا ام صمتنا اضطرارا عليه، لا احد يقف اليوم بطوله وينكر خطأ التوجهات السابقة وفشلها، ولابد من منهج استراتيجية تضامن عالمي جديد، تتجسد فيه القيم الإنسانية وآمال الشعوب على المعمورة.

 

كاظم الموسوي

 

قاسم محمد الكفائيالمقدمة: عام 2012 بعد لقائين مُنفردين مع سفير العراق في كندا سافرتُ الى بلدي العراق لأجدَ المكانَ المناسبَ الذي أطرحُ فيه (مشروعا يهتم بمصلحة وطني). ذهبت الى المنطقة الخضراء في بغداد والتقيتً ببعضٍ مَن هُم الأقربُ لصاحبِ القرار وهُم أصدقاءٌ قدامى، فوجدتُها سوداءً كعقولِ ساكنيها.. ثم خرجت. لقد عجَّت بصدري في هذا الظرف مرارة ُالمِحنة وفي صدور الفاسدين المَحسوبين على المذهبِ والدولة تعجُّ المَسرة ويعج في عقولهم الجهل. الأنكى بعد عودتي الى كندا بأكثر من عامين إتصل بي هاتفيا مديرُ مكتب وزير الداخلية محمد سالم الغبان وطلبَ مني زيارة العراق ... رحبتُ بفكرتهِ لكننا لم نتفق بعدها على الآلية، ثم رفضت.. في مقالتي هذه أبوحُ بأشدِّ اختصار بشيءٍ كتمتهُ طوالَ هذه السنين عسى أن تجدَ طريقهَا الى مَسامع مَن فسَدوا ومَن حكموا من الفاشلين ما زلنا نود بقائهم على قمةِ الهرم لعبور مرحلة أخرى قادمة لو صححوا ما فرَّطوا به. فالمالُ الذي يُمكن استرجاعَه أو تعويضَه، هو أهونُ علينا من تسلط الوهابيين والصهاينة وأزلام صدام. نتمنى أن يعودَ لهُم رشدُهم ويجددوا العهدَ مع اللهِ والوطن والشعب. العراقُ على كفِّ عفريت وقد ينزلق الجميعُ بهدوءٍ على نمط حربٍ أمريكية يصعبُ مواجهة نتائجها.. فعودتهُم الى رشدِهِم يكونُ الأفضلُ والأصَح ُّ في هذا الظرف العصيب من أجل أمن وسلامة العراق شعبا و(مُقدسات)، ويبعدهُم عن غضَبِ الأنسان العراقي الذي إن صفق اليوم لا يُأتمن شرُّه ُغدا إذا مَسُّتهُ نارُ الظالمين..... في كل ما وردَ هنا أستثني المغفورَ له أحمد الجلبي الذي ألمَّ بطبيعةَ عمل المخابرات الأمريكية وقد يُربكَ حركتهم لولا المُثبطين وينجحَ في سلوكهِ وسريرته أن يكون العراق البلد الخالي من الفساد ومن أحلام الأمريكان ولو على درجةٍ مقبولة.. لقد عاش ما تبقى من عمرهِ في العراق يراوحُ ما بين ذكاءِ الأمريكان وجهلِ زملاءهِ الساسة في المؤسساتِ الأمريكيةِ وفي شؤون الحُكم والحياة. لقد حذفتُ من مقالتي هذه وعدَّلتُ الكثير لمرات كي لا يشعر البعضُ عليها غضبي فأكون عُرضة للجاهلين. أكتب وفي فمي ماء. إنتهت.

في تأريخ العراق السياسي المُعاصِر يُمكنُنا التعرفَ على أهَمِّ المَراحل التاريخيةِ المُظلمةِ  التي مَرَّتْ وانحسِرَتْ. فلو استعرضنا مرحلةَ حكم ِصدام حسين الذي حكمَ العراقَ بالقوَّةِ المُفرطة، وتعميمِ حالةَ الخوفِ والإعدامِ سنجدُ نهايتَهُ حَتمية وُلدت معَ سلوكهِ الدَموي على صعيدِ الداخل ثم اعتدائِه على حدودِ وأراضي إيران عام1980 في الخارج. فسُمي العراق في عهده بجمهورية الخوف حتى سقوطه عام 2003.

لمّا انقضى ذلكَ العَهدُ استبشرنا خيرا بالذي جاءَ بديلا عنهُ وإن عابَ عليهِ الملايينُ من أبناء الشعب، أو قَبِلَ به الآخرون بشيءٍ من الرِيبة والتَوَجُّس كونَ الجُندي الأمريكي كان حاضرا فيما يُسمى بعمليةِ (السقوط) التي صارتْ وصمةً لا تليقُ بنا كشعبٍ يَدَّعي البطولاتِ عَبرَ تاريخِهِ المُمتدِ (كما يقال) من حمورابي الى ثورةِ العشرين. لكن الظرفَ العام في العراق يسمحُ بذلك ويجعلهُ مشروعا ( مشروطا)...عندما تُحَلُّ العُقدُ وتُفكَّكُ المُعقدات.

إعتقدَ الكثيرُ من السياسيين الجُدد الذين ليس لهم تجربة ًبالعمل مع الأمريكان أنهم سَيرجَعُون من حيث أتوا كون هؤلاء لا يفقهونَ بالضَبط كما أسلفنا متى وكيفَ تتحرّكُ المصالحُ في دهاليزِ المخابراتِ الأمريكية، ولا يفقهونَ طبيعة َالتفكيرِ لدى هذهِ المؤسسةِ الخطيرة وتوقيت حركتها الذي تعتمدُه وتنطلقُ فيهِ ضد البلدان والشعوب.

الطبقةُ السياسية ُهذه عرفتْ نفسَها وتعَرَّفت على الحياة السياسية من خلال الصحافة والإعلام التقليدي، أو بمُفرداتِ كُتيبات قرؤوها في الستينات والسبعينات والثمانينات في السياسة والفكر والفلسفة والمنطق. هذه الثقافة لا ترقى إطلاقا للعمق المعرفي في السياسات الدولية وأسرارعمل مؤسسة المخابرات العالمية، غيرأنهم بهذا الإرث المعرفي ظلوا عقودا يحلمون بقيام (الدولة الكريمة). هنا وقعَ السياسيون العراقيون الجُدد في وَحلِ مفرداتِهم وثقافتِهم البائسة عندما جائهُم (برايمر) بعد السقوط فأسَّسَ من خلالهم مجلسَ الحكم ليُجيبَهم على تلكَ المُفردات واحدةً بعدَ الأخرى. جمَع برايمر لهذا المجلس أعضاءً يرأسونه بالتناوب بحسب الحروف الأبجدية وهو بمثابة الغار الذي حشر فيه رؤوسَهم وهم فرحون. حينَ يدخلُ برايمر قاعة َالإجتماع وهُم حاضرون قبلهُ لأكثرَ من ساعةٍ على الأقل ينتظرونه، ينهضُ الجميعُ ولا يُعاودونَ الجلوسَ حتى يجلس هوَ ويأذن لهُم بها. برايمرهذا الوضيعُ في بلدِه أمريكا والمستأسِدُ، الوقحُ على العراقيين (الغِشمة) في بلدِهم كانَ يتربَّصُ بهدوءٍ، ويدرسُ الشخصية َالعراقية َبمُحتاواها النفسي والعقلي، ويتجسسُ على قلوبِهم كيفَ ومتى تخفقُ فوقَ نمطِها الطبيعي. توَصَّلَ الى الحلِ الأمثل الذي يُناسبهم، وكان يراسل إدارتَه فيُعلمها بأدقِ التفاصيل وزادَها معلومة ًأخرى أنه قادرٌ بعد استخلاصهِ نتيجة َ تلكَ الدراسةِ أن يجعلَهٌم (الساسة) يغوصونَ بممستنقع المال الذي حَلِموا بهِ طوالَ حياتِهم ولم يَجدُوه لإستكمال مُهمَّته.

لقد شرَعَ برايمر بتنفيذِ المُفردِ الأول من مفرداتِ اللغزِ الأمريكي في العراق وهو وجهٌ من وجوهِ الحربِ الناعمةِ المُتعددةِ التي رصدتها المخابرات الأمريكية في ضرب العراق قبل دخولها بغداد، وأدركَ أنهُ سينجَحُ بتعطيلِ مستقبلِ البلادِ وأهلِها. المالُ كانَ حاضرا في كلِّ حساباتِه. جمعَ برايمر أعضاءَ مجلسِ الحُكم وحاضَرهُم بضرورةِ  بناء العراق الحديث ويرجو مساعدَتهُم بذلك. فطلب منهم الإعدادَ والتحضيرَ للأمرِ بجلبِ المُتعهدين والمهندسين والخبراء ...الجميع خطط لإحضار الأقربين من أهله وأصدقائه دون تخَصُّص، أو ببعض علم. تزاحم المقاولون والمهندسون والخبراء والوزراء والوكلاء على بناءِ العراق وإعمارِه واستلموا المال بمليارات الدولارات وفق وصولاتِ استلام عليها توقيعُ المُستلِم والمَحاضرِ الأخرى. برايمر يتابعُ ويفهمُ أنَّ المالَ ذهبَ في جيوبِ أصحابِ العَلاقة دونَ أن يفعلوا شيئا يًذكر سوى أنَّ المشروعَ الواحد قد بِيعَ لأكثرَ من عشرةِ مقاولين، آخرهِم إشتراهُ بثمنٍ بخسٍ ثم هربَ للخارج بحسب خطةٍ مُتفق ٍعليها بينهم حتى تصير المقاولة (سالفه بسوق الصفافير). خلاصَتُها فإن المشاريعَ بالآلاف المُزمعُ تشييدُها كما أوضخَ لي عضو برلماني مُقرب جدا من رئيس الوزراء. علمتُ فيما بعد لم يُنجَز منها جدارا، كانَ هذا في بيتهِ بالمنطقةِ الخضراء. برايمر يعرفُ هذا جيدا لذا تركَ لهُم العِنان ليُفسِدوا فيها. فلما حاَنتْ ساعة ُعودتِه النهائية الى وطنهِ أمريكا كانَ قبلهَا في ظلِّ هذه الفوضى التي هو صَنعها كبندٍ من بُنودِ اللغزِ الأمريكي قد دفعَ ملياراتِ الدولاراتِ الى المصارفِ الأمريكية على إسمِه أو إسمِ غيرهِ، وكانت حقيبتهُ ممتلئةً بالأرواق الرسميةِ والوصولاتِ التي تُثبت أن العراق بُنيَ من جديدٍ بأيدٍ عراقيةٍ صِرفة. إن هؤلاءِ الساسةِ وعلى امتدادِ حياتِهم التي كانت نغصَا يَحلفون بالألفِ دولار ولم يجدوه، فما بالُكَ وقد فتحَت المصارفُ العراقية لهُم أبوابهَا.ا. لقد جَنوا من المال ما لا يحلم به ويبلغهُ حمورابي ولاعلي بن أبي طالب ومحمد باقر الصدر. وُفق الخطةِ الأمريكية فقد بلغ ساسة ُالعراق القمة َولم يحسِبوا للهبوطِ حساب، وما زالوا.

  غرضان متناقضان، متباعدان ما بين برايمر الذي أسَّسَ فيهم طباعَ اللصوصية (الفرهود) والسُّحت الحرام والفاسدين الذين طغتْ عليهِم تلكَ الطِباع فضيَّعوا مبادئَهم فيها وضاعَت دولتُهم الكريمة، لأنَّ المالَ ليسَ بمقدار بناءِ الإنسان والوطن، ولن يَصِدَّ لعناتِ التاريخ . يُخالجني حلمي أنّ هذه الأموالَ ذهبتْ لمشروعٍ وآخر باتجاه فلسطين أو أيةِ أغراضٍ مُعتَبَرةٍ (أخرى) تجسِّدُ المواقف القومية التي يتغنى بها الشعبُ العراقي مثلا. وفي أيِّ تفسيرٍ نطرحُه يبقى سدُّ رمق ِالشعب وبناءُ الدولةِ في المقدمة وهو لا يَمنع أن تكون فلسطين و(الأقربين) من أولوياتنا نحن العراقيين. هذا واجبٌ وصراط ٌيجب علينا عبوره واتباعه. لكننّي لا أرى فيهم خيرا بالمعنى الذي أدركهُ ويدركه الخاصَّة، لأن إرضاءَ الشعبِ يعني ديمومةَ العَطاء للآخَرين ويَحفَظ مَصالحَ الجميع.

. لقد غادرَهُم برايمر لصوصا مُحترِفين (إلا ما رحِمَ ربي) بلا قِيمٍ تُحدِّدُهم، وجعلهم مُقسَمين، مُتصارعين، يتزاورون بينهُم وهم منتفخو الذوات على بعضِهم، يفرشون السجّادَ الأحمرَ لبعضِهم البعض وفقَ بروتوكول يليقُ بالزائرالقادم ِمن الكرخ الى الرصافةِ في بغداد، أو من بغداد الى أربيل وبالعكس (أشبه بمراسيم زيارة رئيس دولة الى أخرى)...مَهزلة. يبتسمون لبعضِهم أمامَ الكاميرا وفي نهايةِ اللقاء تُدس بينهم الدسائس، مُتناسينَ كابوسَهم الذي طالما نهضوا له مُجبَرين، وجلسوا بإذنه.

تصاعدَتْ موجة ُالإرهابِ في العراق وقد استفادَ فيها الفاسدون بالملياراتِ بطريقةِ لجان مُشترَياتٍ..مثلا.. يذهبُ أعضاءُ اللجنة الفاسدة الى بريطانيا (بعضهم حملة جنسيتها) لشراء أداة َفحص المُتفجرات (سونار) يدفعُ ثمنهَا ستين الفَ دولار بالإتفاق مع المَنشأ بينما سعرُها الحقيقي مئة دولار لا غير مع أنها بِضاعة ً فاسدة ًلا تعمل إطلاقا. ُقتِلَ بسببها مئاتُ الألوف من الناس، وصارتْ بغداد المنكوبة أطلالا تنوح عليها طيورُالبوم. 

منذُ عام 2003 في ظرفِ (الفرهود) والغفلةِ وبوعي وتخطيطِ برايمر دسَّت الإستخباراتُ الأمريكية والريطانية في جسدِ العمليةِ السياسيةِ العراقية  بعضا من السياسيين المَحسوبين على (الأكثرية) في نظام الحكم  وتواصَلت معهُم على أنهُم الأجدرُ في بناءِ عراق المستقبل دون غيرِهم. ورطتهم كلٌ على انفراد بسرقةِ المال العام وبإثباتاتٍ تدينهم حتى يصيروا مطيتهم، بينما هُم الأمريكان والبريطانيون يساعدونَهم لتحويلها وتخزينِها في مَصارفِهم.

الأمريكان أبعَدوا الشرَّ المُتوقَّع عن هذه العناصر بلعبةٍ ذكيةٍ مَرّت سهلة دون حاجزٍ في أذهان دول ٍوأفرادٍ هي أن أحمد الجلبي وسعد صالح جبر هما وأمثالهُما عناصر الخطرِ الأمريكي على العمليةِ السياسيةِ في العراق فتحوَّلت الأنظارُ جميعُها عليهم وصار أحمد الجلبي على الخصوص مَهبط وشايةٍ ونميمةٍ فاستحقَ القذف خارجَ حلبةِ الحُكم. لقد نسوا أنفسَهم مُحاطون بتوصيفِ اللغزالأمريكي المُحَكم وأنهم في حالةِ غفلةٍ مُصطنعةٍ يراودًهم فيها الخطرُ الحقيقي الذي يتربصُ بهم.

حقيقة أوجزها هنا مضطرا ولا يمكن التغافل عنها ...

نوعان من الحرب تستطيع أمريكا مواجهةَ خصومِها بهما الأول هي الحربُ التقليدية التي فيها تكون الدبابة والطائرة المقاتلة والجندي حاضرون في ساحةِ المواجهةِ التي تُحفزُ الآخرَ على الإستعدادِ والإستبسال والتقيدِ بضوابطِها وقد ينتصرُ طرفٌ على آخر. أما النوع الآخر فهي الحربُ الناعمة ُالتي تمرُّ على الخَصم بهُدوءٍ وراحةِ بال ٍفتفتك به دونَ أن يعرفَ كيف أنقضى أمرُه... فهي أخطرُ الحربين بما للكلمة من معنى وليسَ صعبا على الأمريكان تحقيقه.

الحرب الناعمة مكلفة على خزينة أمريكا وسهلة على الضحايا... وخير مثال...لو انسحبت القوات الأمريكية من بغداد وما حولها هو أمر مكلف، لكنه صائب في التحليلات الإستخبارية من أجل صناعة جو الغفلة في أدمغة السياسيين والمحسوبين على المحللين والخبراء ،فالنتيجة المرجوة هي تمرير عنصرهم المندس (بعد المزايدات والمناقشات على مستوى السياسيين الذين غفلوا واطمأنوا بثقافة سياسية عوجاء تفسًّر إخلاء الجيش الأمريكي للقواعد في بغداد وضواحيها طهارة العنصر المندس ورفع حالة الشك ). بسلاسة الى قمة الهرم، عندها تنتفي حالة تمترس الجيش الأمريكي في وسط العراق وتحشيدة باتجاه الشمال عند الأكراد (إسرائيل الصغرى). 

إذا ذهبنا بعيدا باستخلاص أهم نتائج  الإختراق لمنصب رئاسة الوزراء..سيتضح ما هو أخطر على مستقبل العراق :

من خلفِ الساتر الذي هو رئيس ِالوزراء تسارع المخابرات الأمريكية العاملة في العراق بتوجيهِ رئيس الحكومةِ العراقية للعمل ِالجادَّ والمثابرةِ الصحيحةِ بتهيئةِ جميع ِالمهندسين والمتخصصين في البناءِ والإعمار وتحضيرِ كافةِ المستلزماتِ الضروريةِ . تنطلق بعدها مسيرة ُالبناء والإعمار على نمطٍ رائع ٍومُغرٍجدا. مُتنزهاتٌ في كلَّ حي ، بناءُ مشافي جديدة مجهزة بكافة الوسائل الضرورية، تعبيدُ أو تحسينُ الطرق وبناءُ الجسور، إزالةُ آلاف أطنان الزبالة التي هي إرث المرحلة التي سبقت والعمل على جمعها وتدويرها للأستفادة منها مع الإدامة في تنظيف كل شارع وزقاق وتشجيرها. تأسيسُ مراكزرياضة للشباب في المدن كافة، بناء (مولات) على نمط أمريكي تذهل المواطن بنظامها وترتيبها. بناء الأسواق للتبضع وتجهيزها بالبضائع الراقية وبأسعارٍ مقبولةٍ مع زيادة الرواتب لتكون في متناول الجميع وليس لطبقة دون أخرى.فتح مطاعم ماكدونالد، همبركر كنك، ستار باكس (مقاهي القهوة والفطورات) في كل المدن، فتحْ مراكزَ فنيةٍ يًمارِسُ فيها المتخصصون تخصُصَهم في الغِناء والمسرح والنحتِ والرسم والأدب... الغرض منه أن يبقى المواطن مبتهجا غير مُتشنِّج وسيعرف الفرق ما بين عهد أطنان الزبالة وروعة الحاضرالذي يعيشه. هذه المعادلة دونها هزيمة الفاسدين والنيل منهم ولو كانوا في بروج مشيدة  بحسب خطة واستعدادِ الأمريكان وطموحاتِهم. 

خلال السنتين أو الثلاثة من عمر البناء يصيرُ العراق في عصرٍ جديدٍ (أي قبل انتهاء مدة الأربع سنوات التي يحكم بها أول رئيس للوزراء)، تزولُ عنهُ الغُمة وتغمرُه الرفاهية لم يَنعَم بها في الماضي بإشراف أمريكي مخطط له ومقصود.

فالمالُ بعضهُ يردُ قرضا تتكبده خزينة الدولة وهو ليس بالأمر الخطأ في حسابات المواطن ولا يريد أن يعرف التفاصيل مادام  هو مغمورا بالراحة ومقبولية العيش.

في هذا الجو (المُطنع) المريح الرائع تتساقط قيمة الأحزاب السياسية والدينية القديمة فيصيرأمرُها مجَّا في مذاق العراقيين وقد تغيرت أحوالهُم الى الأفضل. تنفرُ عنها الملايين بفترة قياسية لا يدركها هؤلاء حتى قيام الإنتخابات القادمة لم يبق لهم مَن ينتخبهم سوى أفرادٍ من بابِ المنفعةِ الخاصة وليسَ المَقبولية. مرحلة رئيس الوزراء الأول في بنود عمل الأمريكيين تكون وسيلة تمهيد سهلة وسلسة لقيام المرحلة القادمة من حكم الرئيس القادم الذي سيكون الأخطر من سابقه لأنه سيجد الطريق ممهدة لتمرير كل المشاريع الأمريكية بتصفية الساسة الأغبياء المِج. أما الجيشُ العراقي خلال المرحلة الأولى ستتغير كلُّ أنماطِه القديمةِ وسيكونُ فيه الجندي قد خرج من ضَنكِ عيشه وزال من أمامهِ روتينُ الحياةِ والعَسكر متسلحا بالإعتقاد الخطأ أن الساسة الماضون هم أتباع إيران. بهذه الرؤية مهما كانت صحتها أو خطئها فإنها مؤثرة بامتياز لغسل ِالأدمغة وتوجيهِها لتصويبِ البندقية العراقية صوبَ إيران بحرب قد يحين زمانها (إيران لن تغيب عن أبسط وأعظم الحسابات الأمريكية في المنطقة).

الظرف الذي يمر به العراق في هذه الساعة حرجٌ وصعبٌ يرتقي الى (الإنذار) فليس السكوت فيه حكمة، ولا ضَياع الوقت بالتشنجات والتقولات واللهو والتحليلات السياسية الفارغة على التلفاز بنافع. أهيب بقادة الأحزاب المحترمة (الأكثرية) أن يتفقوا فورا على إبعاد تلك العناصر الشريرة وسلخهم من كل مسؤولية حساسة في الدولة خصوصا المخابرات والإستخبارات وأن يتفقوا على عنصر مستقل غير حامل لأيَّة جنسيةٍ أخرى غير العراقية ويكون موثوقا به أن ليس له امتداد سياسي مع أية دولة عربية أو أجنبية. شخصية جامعية أو قضائية مثلا مرموقة فيها الكفاءة والمقبولية ليشغل منصب رئيس الوزراء الذي ينتظره العراقيون الصلحاء وينتظره من لا حيلة له بتوفير الخبز والخدمات العامة. سارعوا ببناء المؤسسات الرصينة  في البلاد تجعل البلد آمنا خال ٍمن العناصر الداعمة للأطماع الخارجية، وليس فيه صنّاع الجريمة والفساد .

بناءُ العراق الجديد يستلزم تخليص الدوائر المهمة من الفاسدين والتوجّه بترخيص الشركات الأجنبية لبناءه، الصينية منها والروسية والهندية، وشركات اليابان، وكوريا وغيرهم ممن يُؤتمن بهم بعيدا عن مشاركة الحكومة حتى لا يجد الفاسدون لهم مرتعا.

أتمنى لبلدي العراق التقدم وللمواطن زوال الضنك وأن لا يكون غنيمةَ  المشاريع الأمريكية الصهيونية.

 

قاسم محمد الكفائي/كندا

 

محمود محمد عليعلى مدى العقود السبعة الماضية، عملت الولايات المتحدة الأمريكية على تطويق الصين؛ حيث قامت سياسة الرئيس باراك أوباما نحو «التحول نحو آسيا»، وتوجه ثلثى القوات البحرية الأمريكية نحو آسيا والتي كانت مصممة لاحتواء الصين، مما مهد لحرب باردة جديدة، وقد عززت هذه الاستراتيجية عقيدة الدفاع الوطني للرئيس "دونالد ترامب" - الذى تبنّي نهجًا متشددًا للغاية إزاء التعامل مع الصعود المتنامي لبكين على الساحة الدولية، ومحاولة فرض مزيد من الضغوط عليها، سواء فيما يتعلق بالعلاقات التجارية بين البلدين أو بالتطور التكنولوجي الصيني.. وهناك العديد من الكتابات الغربية التي بدأت تُنظِّر لتلك العلاقة الصراعية، وذهب بعضها إلى إمكانية إعادة إنتاج حرب باردة جديدة يكون طرفاها هذه المرة: الولايات المتحدة، والصين.

لذلك أخذت إدارة ترامب تتواصل المساعي بكافة السبل للحد من تنامي التنين الصيني الذي في حال عدم ترويضه، قد يبتلعها بعد سنوات، وقد تعيدنا الحرب الباردة بين الجانبين التي تظهر طابع من الاحترام إلى تصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي المعزول جون بولتون في واشنطن يوم 27 نوفمبر نوفمبر 2018 والتي تحدث فيها عن وجود تهديد متنامي من عمق آسيا تبصره الولايات المتحدة وتتأهب له ؛ حيث قال "بولتون"- خلال كلمة ألقاها في مؤسسة هريتدج للأبحاث: “إن الأولوية الأهم لدى واشنطن ستتمثل في تطوير علاقات اقتصادية في المنطقة… فالمنافسون على القوة العظمى، وتحديداً الصين، توجه استثماراتها في المنطقة عن عمد وعلى نحو عدائي لنيل أفضلية تنافسية على الولايات المتحدة.

هذا التهديد الذي تحدث مستشار الأمن القومي الأمريكي عنه والذي يعكس استراتيجية الولايات المتحدة دفع الأخيرة للتفكير بحلول للحد من التنامي الصيني المتسارع،، تلك الحلول التي ستقوم بها الولايات المتحدة- إما أن تكون عسكرية وهي مستبعدة كون الصين قوة عسكرية حقيقة والولايات المتحدة خلال العقد الأخير لم تعد تتبع فكرة الاستراتيجية العسكرية المباشرة مع دول أضعف من الصين بكثير، أو اقتصادية، لكن تم اتباع استراتيجية أمريكية اقتصادية تجاه الصين والتي ظهرت بشكل جلي بعد قيام الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية بنسبة 10٪ على البضائع الصينية بقيمة 300 مليار دولار، والتي ردت عليها الصين بإجراءات مماثلة على منتجات أمريكية بـ 50 مليار دولار، قبل أن يظهر للولايات المتحدة بأن هذه الطريقة غير فعالة .

وخلال الشهور الماضية ضج العالم بخبر ظهور فيروس ” كورونا” الذي أصبح لا صوت يعلو فوق صوته، ذلك الفيروس اللعين والذي ضرب العالم مع مطلع العام الميلادي الجديد، مخلفا حتى يومنا هذا نحو ثمانية آلاف وفاة ونحو أكثر من 600 ألف شخص وحصد أرواح ما يزيد على 37 ألفا آخرين في قرابة 177 دولة حول العالم، وحسب آخر بيانات نشرتها جامعة جونز هوبكينز الأمريكية - التى تتابع تفشى الفيروس فى العالم - فقد ارتفع إجمالي عدد الوفيات بالفيروس حتى اليوم إلى 31700، فيما بلغ عدد الإصابات به 678720 حالة... الفيروس لم يتسبب فقط في خسائر بشرية، وكذلك مادية، بعد الخسائر المهولة التي تعرض لها العالم مؤخرا جراء توقف الحركة الدولية، ولكنه تسبب في عدد من الأزمات السياسية، والتي طفت إلى السطح مؤخرا، منها ما هو قديم، وتسبب الفيروس في تعميقه، وآخر حديث خلقه كورونا، كان في 19  مارس 2020، ذلك اليوم الذي مثل علامة فارقة للصين والتي أعلنت فيها يومها الأول بدون حالة إصابة جديدة.. طوال الأزمة أثنت منظمة الصحة العالمية على إجراءات الحكومة الصينية فى التصدي للوباء، وأشاد مسئولون بالمنظمة عند زيارتهم للصين بالإحساس الهائل بالمسئولية بين أفراد الشعب في محاربة الوباء.. لا يمكن إنكار أن الصين في البداية حاولت إنكار وجود المرض، ولكنها بعد وقت قصير أعلنت عن وجوده وقدمت وتبادلت معلومات عن الفيروس مع المجتمع الدولي.. ولكن في خضم هذا اختارت الولايات المتحدة الصراع بدلا من التعاون.

ولذلك بمجرد وصول أخبار انتشار الفيروس إلى الغرب بدأوا الأمريكان فى انتقاد رد فعل الصين العدواني وسخروا من الجهود المبذولة، وهناك إشارات تشير لنظرية المؤامرة التي دخلت على خط أفكار متتبعي المرض فالمؤامرة السياسية توجهت إلى تصنيع هذا الفيروس في المختبرات الأمريكية، ومن ثم نشره في الصين لتحاصرها بذلك المرض وإغلاق أسواقها التجاري؛ وليس غريباً أن نجد السلطات الأمريكية أول من تقوم بإجلاء طاقم قنصليتها في مدينة " ووهان" والسحب الجزئي لطاقم السفارة هناك والذي جعل وزير خارجية الصين" وانج يي." يستنكر موقف أمريكا ويوضح أن كل ما يحدث ما هو تدبير أمريكي لنشر الذعر العالمي وإسقاط الصين.

ومع انفجار المرض في الولايات المتحدة في 14 مارس 2020، حققت الولايات المتحدة أرقاماً قياسية من نوع آخر؛ أكبر زيادة في أعداد الوفيات والإصابات في يوم واحد مقارنة بأي دولة أخرى في العالم، وذلك في ظل نظام الرعاية الصحية الأمريكي الذى دمرته الجائحة، إلا أن الولايات المتحدة تعاملت مع الأمر سطحياً، حيث تشاهد الصين وهى تشرع في أكبر مهمة إنسانية دولية في العصر الحديث، وذلك عندما أرسلت لإيطاليا وبعض دول الاتحاد الأوربي معونات طبية وإغاثات لمواجهة الفيروس، وقد شكرت رئيسة المفوضية الأوروبية «أورسولا فون دير لين» الصين على تبرعها بمليونى قناع جراحى، و200 ألف قناع  N95، و50 ألف أدوات اختبار لأكثر المناطق المتضررة فى أوروبا. بعدما استلم رئيس صربيا المساعدات الصينية، اتهم الاتحاد الأوروبي بتخليه عنهم وقال إن الاتحاد هو قصة خيالية والدولة الوحيدة التى يمكن أن تساعدهم هي الصين.

وبينما ترسل الصين المساعدات لدول العالم، نجد أن الموقف الأمريكي في التعامل مع فيروس كورونا كان ضعيفاً ؛ لاسيما بعد موقفها الضعيف والمتفرج مع الدول المتضررة بنسبة كبيرة من الفيروس، فضلاً عن ذلك فإن المعطيات تؤشر الى وجود حرب باردة تلوح في الأفق بينهما، فالاتهامات المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين حول فيروس كورونا تشير إلى لغة جديدة في التعامل الامريكي الصيني مما يوحي إلى التقاطع في المنظومة الدولية؛ خاصة بعد أن حثت محاورة قناة CNN «دانا باش» مرشحى الرئاسة باقتراح العواقب التى يجب أن تواجهها الصين بالنسبة لانتشار الفيروس بدلا من المناداة بالتعلم من الطريقة التى واجهت بها الصين انتشار الفيروس، وما حدث هو قيام الطبقة السياسية من الحزبين باستغلال الجائحة لتصعيد العداء ضد الصين؛ حيث خرجت إدارة ترامب بتصريحات تدين الصين وتتهمها بتفشي فيروس كورونا، بعد أن وصف الرئيس ترامب فيروس كورونا بأنه "الفيروس الصيني"؛ خاصة بعد أن قدم نفسه خلال الأربعاء الماضي رئيس دولة في حالة حرب ضد ما وصفه بـ"الفيروس الصيني" في إشارة إلى فيروس كورونا المستجد،  وقال ترامب خلال مؤتمر عقده بالبيت الأبيض: "أرى نفسي، بطريقة ما، رئيس في وقت حرب. نحن نخوض حرباً، وهو موقف صعب جداً جداً".. ولم يكتف بذلك - بل أكد ترامب أنه لا خطأ في استخدامه، معللاً: "أنا لم ألق باللوم على الصين ولكن الفيروس جاء من الصين وبالتالي فهو صيني".

وهنا أدانت الصين تصريحات ترامب، حيث شهد أول تصريح بهذا الشأن، "فجره ليجان" زاهو، نائب رئيس إدارة المعلومات بوزارة الخارجية الصينية، حيث لفت إلى احتمالية أن يكون الجيش الأمريكي هو من جاء بفيروس كورونا إلى منطقة ووهان في الصين، التي تعتبر المنطقة التي بدأ وانتشر منها الفيروس، قبل أن ترد وزارة الخارجية الصينية على الأمر لتوضيح موقفها الرسمي.. جاء ذلك في تغريدة للمسؤول الصيني على صفحته الرسمية بتويتر، حيث قال: «مراكز مكافحة الأمراض واتقائها بأمريكا.. متى بدأ المريض الأول في أمريكا؟ كم عدد الأشخاص المصابين؟ ما أسماء المستشفيات؟ يمكن أن يكون الجيش الأمريكي هو من جاء بالوباء إلى ووهان. كونوا شفافين، أعلنوا بياناتكم للعامة! الولايات المتحدة تدين لنا بتفسير».، حسبما نقلت شبكة سي إن إن.. وأثارت تغريدة المسؤول الصيني هذه تفاعلا واسعا تداولتها وسائل إعلام حول العالم، ليطرح سؤال على المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، جينغ شوانغ، خلال مؤتمر صحفي، الخميس، إن كان لدى الصين دليل على أن فيروس كورونا الجديد لم ينشأ في الصين؟

ثم جاء الرد المتبادل من  وزارة الخارجية الأمريكية فقالت إن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو تحدث إلى كبير المسؤولين الصينيين يانغ جايتشي، وأعربت أمريكا عن غضبها من أن بكين تستخدم القنوات الرسمية "لفرض المسؤولية على فيروس كورونا على الولايات المتحدة.. وحاول بومبيو نفسه ربط الصين بالوباء العالمي، مشيرًا مرارًا إلى الفيروس على أنه "فيروس ووهان، على الرغم من نصيحة المهنيين الطبيين، الذين حذروا من أن مثل هذه العلامات الجغرافية يمكن أن تخلق وصمة عار.

وفي غضون ذلك، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي في الصين شائعات فحواها أن برنامجا أمريكيا للحرب الجرثومية هو سبب انتشار الوباء، وقد صدّق عدد كبير من الصينيين هذه الشائعات، رغم أن العلماء أكدوا أن بنية الفيروس طبيعية تماما وليست مصنعة. ولكن هذه الحرب بين العملاقين ليست حربا كلامية فقط، بل تتخطى ذلك إلى أمر أكثر خطورة..

والسؤال الآن : ما هو سر تبادل اتهامات الحرب البيولوجية بين أمريكا والصين؟

في اعتقادي أن الإجابة تتمثل كما يقول الأستاذ أحمد المسلماني علي قناة الـ DMC  المصرية في أنه عندما يقول ترامب عن الفيروس أنه صيني فربما يقصد أن يقول أن الصين لها دور في الموضوع – إما بالإهمال أو أنه ربما يشير إلي مختبرات بيولوجية صينية خرجت منها خطأ أو عمداً، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري علينا ألا ننسي بأن الصين دولة لا تتحدث بسهولة، فالصين من الدول الصامتة لأبعد الحدود، فهي كثيرا ما تتحدث ببطء شديد وبدبلوماسية أحيانا ما تكون موضع دهشة، ومع ذلك لجأت إلي تصريح غير مسبوق في تاريخها الدبلوماسي وهي أن تتهم أمريكا بأنها وراء الأمر أو أنها ربما تكون وراء الأمر.

وفي الواقع هناك أبعاد داخلية وأبعاد خارجية هي السبب لما يحدث الآن بين الصين وأمريكا.. بالنسبة للأبعاد الداخلية وبالأخص في أمريكا، حيث نجد أن جزء منه يمثل صراع داخلي مع الجزب الجمهوري والحزب الديمقراطي .. الرئيس ترامب منذ البداية لم يتهم الصين، وإنما اتهم الحزب الديمقراطي واتهم الإعلام الأمريكي الذي يقول أنه يميل إلي الديمقراطيين بأن هذه مؤامرة مشتركة .. من الحزب الديمقراطي إلي الإعلام الأمريكي من أجل التغطية علي إنجازات ترامب.. الآن نجد أن نيويورك تايمز تقول أن جاريدو كوشنر (مستشار ترامب وصهره) قد أعطي معلومات غير دقيقة لترامب وأخبره بأن الموضوع فيه مبالغة وأن الحزب الديمقراطي يقصد بأن يريد أن يضعف مركزك بعدما فشل في موضوع المحاكمة بالكونجرس كما يحاول أن يضعف مركزك أيضا بأنك فاشل كذلك في إدارة ملف طبي كبير وحماية السكان في أمريكا بهذا الشكل، ولذلك قام ترامب بتسيس الموقف منذ البداية واتهم الحزب الديمقراطي .. هذا بالنسبة للأبعاد الداخلية ..

أما بالنسبة للأبعاد الخارجية فاعتقد أنه وبحسب التقرير الذي أوردته "نيويورك تايمز"، فإن المتشددين حيال الصين يرون في الفيروس فرصة لتسليط الضوء على ما يصفون بالطبيعة الشريرة للحزب الشيوعي الصيني، وتقليب الرأي العام الدولي ضده ومواجهة المؤامرات المناهضة لأمريكا.. فقد قال المستشار الاستراتيجي السابق لإدارة ترامب، ستيف بانون، الذي يقود التيار المحافظ ضد الصين إن "الوقائع تعكس بوضوح أن ثمة حرباً ساخنة وأننا في خضم حرب اقتصادية ساخنة".. ورأى أن الحكومة الصينية "أثبتت للعالم أنها تهديد وجودي للشعب الصيني وللعالم، لا للولايات المتحدة فحسب.. ولفت التقرير إلى أن بانون يتحدث في واقع الأمر بلسان الكثير من المسؤولين البارزين في إدارة ترامب الذين طالما ضغطوا لاتخاذ مواقف أكثر حدة حيال الصين. ومن بين هؤلاء بومبيو الذي يستخدم تعبير "فيروس ووهان" على رغم الانتقاد الشديد له. كذلك هناك ماثيو بوتينغر الذي يتولى منصب نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي والمهندس الأساسي للسياسة التي يعتمدهما البيت الأبيض حيال بكين، ومستشار الأمن القومي روبرت س. أوبراين، الذي اتهم الصين بالمسؤولية عن الانتشار السريع للفيروس مؤكداً أن "التفشي الذي حصل في ووهان كان بتغطية" من الحكومة.. وذكًر بأن للصين اليد العليا في الامدادات الصحية العالمية. ووجه المسؤولون الأمريكيون الانتقاد لبكين بسبب شرائها جزءاً كبيراً من الكمامات الطبية العالمية، ودعوا الصين إلى إعادة الإمدادات والمنتجات الصيدلانية والاختراعات الطبية وأجهزة الحماية إلى الولايات المتحدة.

علي كل حال يبدو أن كورونا يجدد الحرب الدعائية، ويدفع الإعلام فى البلدين للانحياز إلى مصالح بلاده بصرف النظر عن العواقب، لا فرق بين الحرب التجارية والفيروسية.. وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

في اي بلد من بلدان العالم عندما تحدث ازمة ما سواء كانت اقتصادية ام إنسانية او سائر الازمات الاخرى كإنتشار الامراض والاوبئة والكوارث الطبيعية، من الطبيعي ان تلجأ الدولة الى تشكيل خلية ازمات لمعالجة الآثار المترتبة على تلك الازمات ومحاولة إيجاد الحلول لتقليل الخسائر المتوقعة مع توفير حلول من شأنها معالجة تلك الآثار التي سببتها، واليوم كما يعرف الجميع ما يعانيه العالم من ازمة كورونا التي اختلفت بشأنها الروايات والنظريات بخصوص اصل ظهور هدا الفايروس المميت الذي سبب ازمات اقتصادية وامنية وصحية بالغة الكلف ولم يتم لغاية الان الإعلان عن لقاح فعال لوقف إنتشاره وتفشيه بين دول العالم، هذه الازمة العالمية ليست خاصة بدولة دون اخرى، فلم تعد الدول بمأمن عن الاصابة به، فمعدل الاصابات سواء المؤكدة اوغيرها تدل على مدى إتساع رقعة إنتشاره وتخبرنا كذلك الارقام الرسمية التي تعلنها الدول على أزدياد ارقام الوفيات جراء الاصابة بذلك الفايروس.

وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الدول من اجل الحد من مضاعفة الارقام وفداحة الخسائر نتيجة الاصابة بكورونا، إلا ان ذلك لا يمنع من القول بإن تداعياته المستقبلية ستكون ماثلة امام فكر وراسمي السياسات العالمية وبالتالي سنكون امام مستقبل جديد للعلاقات الدولية ووضع اسس معيارية جديدة لا تقوم كما هي اليوم على اساس القوة بمختلف انواعها سواء العسكرية ام الاقتصادية وغيرها من مجالات تحكم وتفرد الدول في السياسة العالمية، بل نعتقد بإن ازمة كورونا ستكون عاملا مهما ستنتهجه الدول إزاء الازمات المستقبلية التي ستواجهها، اي بمعنى آخر، سيكون التعاون اساس المنطلقات الجديدة في العلاقات الدولية بدلا من الصراع السائد بين مختلف الدول، ربما سيكون عام ٢٠٢٠ من التواريخ التي ستغير العالم مثلما كانت الحوادث التأريخية سببا جعلها بداية لمرحلة ما، كالثورة الفرنسية والحرب العالمية الاولى والثانية وسقوط جدار برلين وإنتهاء الحرب الباردة و١١ ايلول، كل تلك الاحداث كانت تؤرخ لبداية مرحلة ونهاية اخرى.

ان العلاقات الدولية وعلى الرغم من بروز نظريات تؤطر آليات عملها سواء كانت نظريات واقعية تعتمد القوة اساسا لمنطلقاتها الفكرية ونزوع الرغبة بتسيد العالم إعتمادا على عامل القوة المادية ام كانت نطريات مثالية تستند لرغبة البعض في شيوع مفاهيم الديمقراطية والسلام بين مختلف دول العالم، وكذلك لا يمكن إغفال جانب التغيير في كل العالم لملائمة التطورات الحاصلة سواء في واقع النظريات السائدة في مجال العلاقات الدولية وبالتالي يشهد العالم باستمرار ديناميكية تدفع بإتجاه مزيدا من التطورات التي تلائم كل مرحلة من مراحل تطورها.

وعلى هذا الاساس، يمكن ان نقول بإن ازمة كورونا من المحتمل ان توجه أنظار الدول الى حقيقة مهمة واساسية سعت اليها البشرية جمعاء الى جعل التعاون فيما بينها اساسا لنمط جديد يسود في العالم بعيدا عن منطلقات سادت ولم تجلب سوى مزيدا من التدهور في العلاقات وتشنجا على صعيد الاستمرار في إقامة العلاقات فيما بينها، هذا الامر لا يقتصر فقط على الدول كونها الوحدة الرئيسة في النظام الدولي منذ قيام الدولة القومية ١٦٤٨ عقب مؤتمر ويستفاليا وبالتالي سيادة هذا النظام لغاية الان وان لم يكن هذا هو العامل الوحيد المؤثر مع تصاعد ادوار الفواعل من غير الدول.

ان آثار ازمة كورونا ستمتد لسنوات عديدة تعاني منها الدول كونها  ازمة لم تستثني بقعة من الكرة الارضية منها سواء كانت دول ذات إمكانات ضخمة وكبيرة او كانت دول صغيرة وبالتالي اصبحت تحت مرمى ازمة كورونا وما تبعها من شل للحركة الاقتصادية والسياحية والامنية وغيرها، هذا الامر يستدعي بالضرورة ان تعمل الدول على تصحيح الاوضاع لصالحها عبر إيجاد آليات عمل مشتركة لصالحها اولا ولعموم الدول وهذا لا يكون إلا عبر تأسيس نظام عالمي جديد يستند الى مبادى جديدة تكون اساس العلاقات الدولية.

 

محمد كريم الخاقاني - باحث في الشأن السياسي.

 

بالرغم من مرور اكثر من اربعة اشهر منذ ظهور الوباء في الصين، ثم انتشاره في دول العالم ومنها الدول العظمى والكبرى امريكا والصين وروسيا والمانيا وبريطانيا وفرنسا واليابان وكندا واستراليا والهند والبرازيل. الا ان ما حدث ولا زال يحدث هو التزام ساسة هذه الدول بالصمت وعدم طلبهم اجراء تحقيق دولي، او الطلب من مجلس الامن الدولي او منظمة الامم المتحدة باجراء مثل هذا التحقيق او لجنة لتقصي الحقائق، باعتبار ان هذا الحدث يشكل تهديدا لحياة وسلامة ملايين البشر بل للبشرية جمعاء وكأن هؤلاء السياسيين يعرفون سرا ولايريدون الشعوب أن تعرفه. على الجانب الاخر من اخفائهم الحقيقة يقومون باخافة شعوبهم ونشر الرعب بين الناس واصدار تصريحات مرعبة وغير مسؤولة، بينما في الحروب من المعروف تجنب القادة بث الرعب والخوف بل واجبهم المحافظة على رفع المعنويات،خصوصا وان الوباء قد انتشر ولا يقومون بأي أجراء للدلالة على وحدة الانسانية ووقوفها بشكل متراص بمواجهة الوباء الذي يفتك بالارواح .وعدا عن ما قامت به الصين او روسيا وكوبا من مساعدة لايطاليا او بعض الدول الاخرى،لا تبدي الدول الاخرى سوى عجزها امام الوباء بل يتكلمون عن عجز انظمتهم الصحية في مواجهة الوباء. دول كبرى تصنع طائرات وقنابل نووية لا تستطيع صنع اجهزة انعاش رئوي بينما في الحروب العالمية الاولى والثانية حولت مصانعها المدنية لصناعة الاسلحة والاعتدة ليلا ونهارا.

  الرئيس الامريكي والفرنسي والبريطاني والكندي كلهم أبدوا عجزهم امام الوباء،كل هذه الاجهزة الاستخبارية وكل هذه الاقمار الصناعية لا تستطيع كشف حقيقة ظهور وانتشار الوباء ومن المتسبب الحقيقي بظهوره وانتشاره وهل هو تطور طبيعي ام نتيجة افعال مقصودة او متهورة لدول او افراد او هو نتيجة تجارب غير مسيطر عليها. الاوبئة بشكل عام تظهر وتنتشر نتيجة لظروف وتطور طبيعي غير مسيطر عليه او لاسباب مفتعلة ومقصودة .الكثير من الدول اتهمت امريكا في التسبب بظهور الوباء الحالي ومنها الصين وايران وروسيا ولكن تطور الاحداث والضرر الكبير الذي حدث على الولايات المتحدة الامريكية قد يشكل دليلا على عدم مصلحة امريكا في احداث الوباء وقد تكون هي من اكبر المتضررين.

  اذا ذهبنا الى التطور الطبيعي للفايروسات اخذين بنظر الاعتبار ظهور موجات من الاوبئة على مدى الازمنة السابقة مما قد يدعم نظرية ظهور الفايروس بشكل طبيعي وانتشاره . التغيرات الحادثة على كرتنا الارضية من خلال الزيادة في عدد سكان الارض والازدحام والتلوث وسهولة التنقل بين البلدان وموجات الهجرة تسهل انتقال الفيروسات. كما أن الضغط على موارد الارض واحداث تغييرات في البيئة واستنزاف مواردها من قبل الانسان، قد تؤدي هذه التغييرات في بيئة الارض الى حدوث طفرات في الفيروسات ومجيء اجيال جديدة اكثر خطرا وقد تكون انتقلت من فايروسات متطفلة على الحيوانات فقط الى فايروسات تصيب الانسان وتشكل خطرا على صحته وحياته نتيجة لحدوث طفرات وراثية وتغيرات في البنية الجينية للفايروس .وهناك احتمال تدخل الانسان من خلال تجاربه البايولوجية والجينية في تطوير الكائنات الحية كالفايروسات لاستخدامها لاغراض حربية او علمية ثم فقدانه السيطرة عليها مما ادى الى قيامها بغزو المجتمع البشري وانتشارها وتسببها بامراض خطيرة ووفيات. كل الاحتمالات موجودة تحت انظار العلماء الذين يدرسون الاوبئة ولكن يجب قيام اهم مؤسسة دولية اي مجلس الامن بالتحقيق او التقصي عن سبب ظهور الفايروس لنفي الاحتمال القصدي ولمنع الدول والافراد من التلاعب بمقدرات المجتمعات البشرية واحداث اوبئة دون رادع لهم.

 

د. احمد المغير - طبيب وكاتب 

 

تأليف: F.  William Engdahl*

ترجمة: عزام محمد مكي


الرئيس يقدم المساعدة لصديق

في الاول من تشرين ثاني من عام 2005، قام الرئيس جورج بوش بزيارة للمعهد الوطني للصحة (NIH) في (Bethesda) من ولاية (Maryland)، حيث عقد مؤتمر صحفي  رفيع المستوى، اعلن فيه خطة من 381 صفحة تمت تسميته رسميا " الخطة الاستراتيجية لجائحة الانفلونزا".  لقد أعتبرهذا الحدث من عدة نواحي، بنفس اهمية واستثنائية المؤتمر الصحفي  الذي عقده الرئيس في آيار 2003 الذي اعلن فيه عن نيته لرفع شكوى ضد الاتحاد الاوربي بسببب قراره مقاطعة الكائنات المعدلة وراثيا.

لم يكن هذا الكونفرنس بالنسة لبوش فقط  كفرصة لأخذ الصور.  لقد كان المقصود به ان يكون حدث جلل.  لقد كان الرئيس محاطا بنصف أعضاء حكومته، ومن ضمنهم وزيرة الخارجيه ’كونداليزا رايس’ بلاضافة الى انضمام وزراء  الامن الداخلي، الزراعة، الصحة والخدمات الانسانية، النقل، وكذلك وللغرابة وزير شؤون المحاربين القدامى.  وتأكيدا لاهمية الحدث، قام البيت الابيض بدعوة المدير العام لمنظمة الصحه العالميه الذي قدم الى المؤتمر بالطائرة من جنيف- سويسرا.  لقد بدأ الرئيس ملاحظاته: " لاتوجد في الوقت الراهن جائحة انفلونزا في الولايات المتحدة او في العالم.  ولكن لو اعتبرنا بالتاريخ كدليل، فهنالك مايجعلنا نكترث للأمر.  ففي القرن الماضي اجتاح العالم وكذلك بلدنا جائحة الانفلونزا ثلاث مرات.  وقد كانت لفيروسات من الطيور مساهمة في ذلك....".

لقد تحدث الرئيس حول خطر قريب الحدوث للشعب الامريكي: " ليس بمقدور العلماء والاطباء اخبارنا اين ومتى تكون الجائحة القادمة، ولا عن مدى الحدة التي ستكون عليها، ولكن في مرحلة ما سنواجه على الارجح، جائحة أخرى .  ويزداد اهتمام المجتمع العلمي بالفيروس الجديد المعروف ب H5N1”" او انفلونزا الطيور ...."

واستمر الرئيس محذرا:

في هذه المرحلة، لاتوجد لدينا ادلة تثبت بان الجائحة قريبة الحدوث.  معظم الناس في جنوب شرق آسيا من الذين مرضوا كانوا يتعاملون مع طيور مصابة.  وبينما تم انتشار فيروس انفلونزا الطيور من آسيا  الى أوربا، لاتوجد تقارير عن وجود اصابات على صعيد الطيور، والحيوانات  والبشر  في الولايات المتحدة.  حتى لو ظهرت اصابات فيروسيه في الطيور على شواطئنا، فهذا لايعني ان الناس في بلادنا سيصابون به.  ان انفلونزا الطيور لايزال في المقام الاول يُعتبر مرض يصيب الحيوان.  وحتى الآن، ما لم يكن الناس على اتصال وتماس مباشر ومستدام بالطيور المصابة، فمن غير المحتمل ان يصابوا بالعدوى بأنفلونزا الطيور.[1]

بعد هذا دعى بوش الكونغرس لتمرير مشروع قانون جديد على الفور بقيمة 7.7 مليار دولار لتمويل طارئ للأستعداد لهذا الخطر المحتمل.  لقد مثل هذا الخطاب كتمرين "للحرب الاستباقية" بالنسبة للأدارة،  في هذه المرة ضد انفلونزا الطيور .  وكما بالنسبة للحروب الاستباقية الاخرى، فأنها ستتبع بأضداد متعددة.

من المواد البارزة في قائمة الرئيس لإجرائات الطوارئ كانت دعوة الكونغرس لأجل تخصيص مليار آخر، بشكل صريح لاجل عقار تم تطويره في كاليفورنيا يُدعى (Tamiflu).  لقد تم الترويج لهذا الدواء بشكل كبير من قبل واشنطن ومنظمة الصحة العالمية، كونه الوحيد القادر على التخفيف من أعراض الانفلونزا العامة والموسمية، و"الممكن" كذلك ان يخفف اعراض انفلونزا الطيور.

ان الشركة السويسرية الكبيرة لصناعة الادوية (Roche)، هي صاحبة الترخيص الوحيد لصناعة (Tamiflu).  مع ازدياد القصص المروعة في الولايات المتحدة والصحافة العالمية والتي تحذر من سلاله H5N1 الجديدة و المميتة لفيروس انفلونزا الطيور والخطر الكبير من العدوى بين البشر، تم غلق سجل الطلبيات في (Roche)  لعدة أشهر قادمة.

الشئ الذي اهمل الرئيس قوله كان، ان (Tamiflu) قد تم تطويره وتملكت برائة اختراعه من قبل شركة للتكنولوجيا الحيوية في كاليفورنيا تُدعى Gilead Science Inc. ، المسجلة كشركة مساهمة، والتي فضلت ان تكون بعيدة عن الاعلام في سياق ازدياد الاهتمام في Tamiflu.  ربما كان ذلك بسبب انه في عام 1997، وقبل ان يصبح وزيرا للدفاع في ادارة بوش، كان الصديق المقرب للرئيس، دونالد رامسفيلد رئيسا لمجلس ادارة  Gilead Science Inc..  واستمر في هذا المنصب حتى بداية 2001 عندما اصبح وزيرا للدفاع.  وكان رامسفيلد في مجلس ادارة Gilead Science Inc. منذ 1988 وفقا للتصريح الصحفي للشركة في كانون الثاني 1997.[2]

في تشرين ثاني 2004، وبينما كان رامسفيلد وزيرا للدفاع، اصدر مساعده للشؤون الصحيه تعليمات بخصوص انفلونزا الطيور.  لقد نصت هذه الوثيقة بأن، "Oseltamivir (Tamiflu) سوف يستخدم لمعالجة ومنع  المرض.  يوجد دليل بان H5N1 حساس ل Oseltamivir.  هذا في الوقت ان المعروض منه على الصعيد العالمي محدود للغاية، وستكون هنالك اولوية لاستخدامه".[3]

لقد لعب توجيه البنتاغون في 2004 دورا كبيرا في إثارة الذعر  في عمليات شراء التاميفلو من قبل الحكومات في مختلف انحاء العالم.

توجد تقارير غير مؤكدة تبين بانه بينما كان رامسفيلد وزيرا للدفاع، قام ايضا بشراء اسهم اضافيه في شركته السابقة Gilead Science Inc.، تبلغ قيمتها 18 مليون دولار، جعلته واحدا من اكبر ، اذا لم يكن الاكبر، من مالكي أسهم Gilead Science Inc..  لقد استطاع ان يكسب ثروة من خلال العائدات ومن خلال ارتفاع الاسعار لأسهم شركة Gilead Science Inc.، حيث سارع سكان العالم للتدافع لشراء دواء، لاتوجد أدلة مؤكدة لحد الآن على قابليته لعلاج انفلونزا الطيور المزعوم.[4]

تشير هذه الظاهرة الى تماثل مع فساد شركة Halliburton Corporation، التي كان الرئيس التنفيذي لها نائب الرئيس ديك تشيني.

لقد حصلت شركة هاليبرتون تحت رئاسة تشيني المليارات من الدولارات من خلال عقود بناء للولايات المتحدة في العراق واماكن اخرى.[5] 

هل كانت فزاعة انفلونزا الطيور خدعة اخرى للبنتاغون، هدفها النهائي لم يكن معروفا.

كيسنجر والحرب البيولوجية

رجوعا الى منتصف السبعينات  حيث عمل مستشارا للأمن القومي (NSA) تحت إدارة ريشارد نيكسن، اشرف هنري كيسنجر المحمي من قبل نيلسن روكفلر، على السياسه الخارجية بما في ذلك مشروعه (NSSM200)، ذو السرية القصوى، (ستراتيجية تقليص سكان العالم الثالث) الخاص بالولايات المتحدة، بريطانيا، المانيا وغيرها من من حلفاء الناتو.  وفقا لسجل الكونغرس الامريكي لعام 1975، تم اختيار كيسنجر لحمل وكالة المخابرات المركزيه على  تطويراسلحة بيولوجية.  ومن بين هذه الاسلحة البيولوجية المصنوعة حديثا من قبل الانسان، كانت الجراثيم الاكثر فتكا من انفلونزا الطيور.[5]

بحلول عام 1968، في الوقت الذي استلم كيسنجر (بناء على طلبه) معلومات استخبارية مُحدثهة بخصوص "عوامل بيولوجية اصطناعية" مفيدة للحرب الجرثومية والسيطرة السكانية، قد تم للتو هندسة فيروسات انفلونزا طافرة مُعاد تركيبها الوراثي من قبل علماء البرنامج الحكومي الخاص بالسرطان الفيروسي التابع للولايات المتحدة. خلال هذا البرنامج تم العمل على تجميع فيروسات الانفلونزا وشبه الانفلونزا (para-influenza) مع فيروسات ابيضاض الدم (Leukemia) سريعة المفعول لايجاد سلاح الذي من المحتمل ان ينشر السرطان، مثل الانفلونزا، من خلال العطاس.  وقد قام نفس الباحثون بتجميع فيروسات سرطان الطيور (ٍSarcoma) وطعموا بها بشر وقرود لتقرير قدرتها على السرطنة، وفقا للباحث في مرض فقدان المناعة المكتسبة (AIDS)، الدكتور (Leonard Horowitz).[8]

وفي جهود متصلة، استخدم باحثون تابعون لحكومة الولايات المتحدة الامريكية الاشعاع لتعزيز امكانيات الفيروس المسبب للسرطان في الطيور.  تلك الحقائق العلمية المذهلة كانت تخضع للرقابة الرسمية. ولهذا كان لابد من التعامل مع ظهور الفزع المفاجئ ، على الصعيد العالمي ، بسبب سلالة قاتلة من انفلونزا الطيور في عام 2003، بأنتباه أكثر.

أرباح الاعمال التجارية الزراعية من فزع انفلونزا الطيور

لم يكن وزير الدفاع رامسفيلد المستفيد المباشر والوحيد من تخزين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وبقية الحكومات، لعقار تاميفلو، بل تم استخدام الفزع من انفلونزا الطيور كذلك لتعزيز الهيمنة على صعيد العالم، للأعمال التجارية الزراعية ومزارع صناعات الدواجن، على غرار نموذج شركة Tyson Foods والتي مقرها أركنساس.

من المثير للفضول في الواقع، لم تكن مزارع صناعة الدواجن الضخمة والغير صحية والمزدحمة التابعة لعمالقة الاعمال التجارية الزراعية العالمية، هي التي من المفترض ان تخضع للفحوصات بأعتبار إمكانية ان تكون المصدر لفيروس H5N1  وامراض أخرى.  ولكن وبدلا من ذلك فان الذين تعرضوا للخسارة الكبيرة في هستيريا انفلونزا الطيور هم اصحاب مزارع الدجاج الصغيرة والتي تديرها العوائل.  خاصة في آسيا، والتي لايتجاوز عدد الدجاج في هذه المزارع 10 الى 20 في المزرعة الواحدة.

في الحملة الدعائية التي قامت بها كبريات شركات صناعة الدواجن مثل Tyson Foods, Perdue Farms  وِ ConAgra Poultry، إدعت كذبا بأنه، عكس مزارع الدواجن الاسيوية، حيث تعيش الدواجن وترعى بشكل حر، فان منتجاتهم من الدجاج كانت (اكثر امنا) لإنها تُربى في اماكن (أعشاش) مغلقه.

كجزء لايتجزأ من مشروع التكامل الرأسي للأعمال التجارية الزراعية الذي تديره جامعة هارفارد بأشراف الاساتذة (John Davis , Ray Goldberg )، اصبحت صناعة الدواجن الامريكية واحدة من الاهداف الاولى لعملية التصنيع أو " الزراعة في المصانع". [9]

لقد حصل تطور كبير في عملية تصنيع تربية الدواجن والذبح في الولايات المتحدة الامريكية الى الحد بانه في 2003 عندما تم تسجيل اول حالة لفيروس انفلونزا الطيور H5N1 من آسيا، كان هنالك 5 شركات للأعمال التجارية الزراعية متعددة الجنسيات قد هيمنت على انتاج ومعاملة لحوم الدجاج في الولايات المتحدة.  بالتأكيد و وفقا لمصدر التجارة WATT Poultry USA، بالنسبة لعام 2003 ، كانت الشركات الخمس تسيطر بشكل ساحق على انتاج الدواجن في الولايات المتحدة، وكلها  مدمجة عموديا.[10]

والشركات الخمس كانت Tyson Foods، الاكبر في العالم، Gold Kist Inc.، ؛Pilgrim’s Pride، ConAgra Poultry، Perdue Farms.  في كانون الثاني 2007، قامت شركة Pilgrim’s Pride بشراء شركة Gold Kist Inc.، لتكوين العملاق الاكبر لأعمال التجارة الزراعية.  وقد شكل انتاج هذه الشركات الخمس معا أكثر من 370 مليون باوند في الاسبوع من الدجاج الجاهز للطهي، وهذا مايعادل حوالي 56% من كل ما تم انتاجه في الولايات المتحدة الامريكية من الدجاج الجاهز.  لقد انتجت المزارع الصناعية للدواجن في الولايات المتحدة  تقريبا 9 مليارات من "دجاج التسمين" او "دجاج اللحم" في 2005، أو 48 مليار باوند من لحم الدجاج.  لقد انتجت ولاية أركنساس، مقر شركة Tyson Foods 6،314،000،000 باوند من لحم الدجاج هذا.[11]

لقد قاموا بانتاج الدجاج في ظروف صحية و وسلامة سيئتين. في كانون الثاني 2005 قدم مكتب المحاسبة للحكومة الامريكية تقريرا "السلامة في صناعة الدواجن واللحم" خلص الى ان مصانع تجهيز اللحوم والدواجن في الولايات المتحدة لديها " واحدة من اعلى معدلات الاصابة والمرض في أية صناعة.  لقد اشاروا في هذا التقريرالى  حدوث تعرض الى " المواد الكيميائية الخطرة، دم، ومواد برازية  والتي تفاقمت بسبب سوء التهوية وغالبا مع درجات حرارة مرتفعة".  ويواجه العمال ظروف عمل خطرة: ضوضاء عالية، العمل في اماكن ضيقة وعليهم استخدام أدوات حادة ومكائن خطرة.[12]

وهنالك تقرير من مؤسسة ( VivaUSA)، وهي مؤسسة غير ربحية تقوم بتقصي الظروف التي تعمل بها المزارع الصناعية للدواجن في الولايات المتحدة.  وقد تضمن التقرير: "بفضل الأنتقاء الجيني، والتغذية  ومنعهم من الحركة أو ممارسة اي تمرين في مزارع المصنع، اصبح الدجاج الآن اكبر حجما وينمو بسرعة اكبر من اية وقت مضى".  وقد استشهدوا بدراسة لوزارة الزراعة الامريكية (USDA) حيث لاحظت هذه الدراسة بأنه" في الاربعينيات كان دجاج التسمين يحتاج لفترة 12 أسبوع ليصل الوزن الملائم للتسويق (4.4 باوند) في حين يصل دجاج التسمين، وبسبب العناصر الغير طبيعيه للطرق الصناعية في الانتاج، لنفس الوزن وتكون جاهزة للذبح في ستة اسابيع".[13]

لقد خلق استخدام محفزات النمو مشاكل صحية كبيرة في مراكز مصانع الزراعة الضخمة.  بسبب حقن الهرمونات و التطعيم المستخدمة لتسريع النمو، تجاوز نمو العضلات نمو العظام وعادة ما يعاني الدجاج من اضطرابات في الساق والهيكل العظمي التي تؤثر على قابليته على المشي.  عدم قدرته على مشي مما يجبرهم على الجلوس المستمر على تبن ردئ النوعية، مما يسبب لهم بثور على الصدر وحروق لمفاصل الرجل.  لاتتحمل أعضاء الدجاج سرعة النمو الكبيرة، مما يؤدي الى تلكؤ في عمل القلب و الرئتين، مما يؤدي الى زيادة في السوائل في اجسام الدجاج ،أوالى الموت.[14]

بموجب استثناء خاص في قانون الولايات المتحدة الامريكية، تم استبعاد الدجاج من حماية " قانون رعاية الحيوان " الفيدرالي. لم تتخذ الحكومة الفيدرالية أية قواعد حول الكيفية التي تتم فيها تربية الدجاج من ناحية المكان الذي يعيشون فيه وطريقة تغذيتهم ومعاملتهم في مزارع الدجاج.

ووفقا لعدد كبير من خبراء صحة الحيوان، فان التربية في المصانع الزراعية، بدلا من مزارع الدجاج الصغيرة التي تعتمد على حرية الحركة للدجاج، في آسيا، هي المصدر الحقيقي للأمراض الجديدة المروعة والفيروسات مثل H5N1.

عالم الدجاج المعدل وراثيا؟

عالجت شركة (Tyson Foods) لوحدها 155 مليون باوند من الدجاج في الاسبوع، وهو ما يقرب من ثلاث مرات اكثر من انتاج منافسته الاقرب.  استطاعت هذه الشركة ان تجني اكثر من 26 مليار دولار في السنة كدخل في سنة 2006.  خلال قمة حالة الهلع من انفلونزا الطيور ، في الربع المنتهي في 30 أيلول 2005، ازداد ربح (Tyson Foods) بمقدار 49%.  لقد ازداد الهامش الربحي في الدجاج بمقدار 40%.[15] لقد استفادت (Tyson Foods) والكارتل الدولي الصغير لشركات الاعمال الزراعية للدواجن، من حالة الهلع  من انفلونزا الطيور.  لقد سعت صناعة الدجاج الامريكية العملاقة الى عولمة الانتاج العالمي للدجاج مع حلول الالفية. و لقد ظهر أنفلونزا الطيور كهدية من السماء، أو الجحيم، أرسل تماما خدمة لهذه  المهمة.  واحدة من الاهداف الواضحة لهذه الشركات كانت السوق الاسيوية للدواجن.  هل اضطرت الحكومات الاسيوية، تحت ضغط منظمة الصحة العالمية (WHO) بالأضافة الى ضغوط عالمية، الى اجبار المزارعين لأختيار تربية الدجاج داخل اقفاص، مما يعرض صغار المزارعين للأفلاس وبالمقابل تزدهر شركات الاعمال الزراعية مثل (Tyson Foods ) أو مجموعة (CP) التي تتخذ من تايلاند مقرا لها.  في شباط من عام 2006 كشفت (GRAIN)، وهي منظمة مهتمة بموضوعة (الكائنات المعدلة وراثيا-GMO)، بأن مجموعة CP والتي مقرها تايلاند، وغيرها من مزارع الدجاج الصناعية " موجودون تقريبا في كل مكان تفشى فيه انفلونزا الطيور".[16] ان هذا التفشي الذي امكن تتبعه في أماكن بعيدة مثل أناضول تركيا، بلغاريا وكرواتيا، في بداية 2006، كلها سلكت الطرق التي تمت بها عمليات النقل (الجوية وسكك الحديد) للدواجن المُعالجه المُنتجه من قبل مجموعة CP في الصين، تايلاند، كمبوديا ومختلف المناطق في آسيا، حيث الأزدحام الجماعي للدجاج والظروف الغير صحية المغلقة يوفر شروط التكاثر المثالية للمرض.

لقد تضمن تقرير (GRAIN) :

لقد حدث تحول مذهل في انتاج الدواجن خلال العقود الاخيرة. ففي دول جنوب شرق آسيا-تايلاند، اندونيسيا وفيتنام - قفز الانتاج الى 8 مرات خلال 30 سنة، من حوالي 300،000 طن متري من لحم الدجاج في عام 1971 الى 2،440،000 طن متري في عام 2001.  أما انتاج الصين من لحم الدجاج فقد ازداد بمقدار ثلاث مرات  خلال التسعينات ليصبح 9 مليون طن متري في السنة.[17]

عمليا فان هذا النوع الجديد من انتاج  الدواجن قد حصل في مزارع صناعية تمركزت حول المدن الرئيسية وتكاملت مع نظام انتاجي عابر للحدود.  ويمثل هذا الارضية المثالية لتوليد جراثيم انفلونزا الطيور مثل سلالة H5N1 والتي تهدد بالتفجر الى جائحة لأنفلونزا بشرية.  وفي تقرير للمنظمة الكندية (Beyond Factory Farming)، شرح لمسارات الانتقال من مراكز الدجاج الصناعية العملاقة:

في تايلاند، الصين وفيتنام توجد شركات صناعية للدواجن متطورة للغاية والتي توسعت بشكل كبير خلال العقد الماضي. ان شركات الدواجن الكبيرة تقوم بتربية الملايين من الطيور والفراخ لامداد العمليات المكثفة لمعالجة الدواجن، تصدير الطيور والبيض الى دول مثل نيجريا( حيث تم تسجيل اول تفشي لمرض انفلونزا الطيور في افريقيا قبل فترة قصيرة) كما تقوم بتصنيع وتصدير العلف الذي غالبا ما يحتوي على فضلات (روث حيواني) ضمن المكونات.

[.........]

هذا الروث الذي قد يحتوي على فيروس حي سينتشر في المناطق المحيطة بالأراضي الزراعية، او يتم تصديره كمخصبات، ومن خلال جريان المياه قد ينتهي عند المسطحات المائية حيث تعيش، تأكل وترتاح الطيور البرية.  واكثر من ذلك فقد تم التعرف على وجود روث الدجاج في تركيبة علف أسماك المزارع السمكية حيث تم إدخاله الى البيئة المائية.  وقد ظهر إن الطيور البرية والدواجن التي أُصيبت (بأنفلونزا الطيور الشديدة ألإمراض- HPAI) في آسيا، تركيا ونيجريا، كانت قد تعرضت بشكل مباشر مع فيروس HPAI))، الذي نشأ من نظام المصانع الزراعية.  في آسيا، مات سرب من البط البري بسبب (HPAI) بعد تماسها بالمرض في بحيرة بعيدة حيث أستخدمت حبيبات علف في مزارع الاسماك، والمصنوعة من فضلات الدواجن من مزرعة دواجن صناعية.  في تركيا تم قتل اعداد كبيرة من قطعان المزارع الصغيرة، وتوفى ثلاثة اطفال بعد ان قام مصنع زراعي للدواجن ببيع طيور بعضها مريض والأخرى تحتضر الى فلاحيين محليين بأسعار مخفضة. تمتلك نيجريا قطاع  صناعي كبير لانتاج الدواجن يمتاز بسوء التنظيم، والذي يتم تزويده بفراخ من مزارع الدواجن الصناعية في الصين.

وقد اشار خبراء بهجرة الطيور، بإن الطيور تهاجر أواخر الخريف من نصف الكرة الارضية الشمالي الى نصفها الجنوبي، المشمس في الشتاء.  لقد إتبع تفشيات انفلونزا الطيور طريق شرق - غرب، وليس شمال جنوب.  وأغفل مسؤولون في (WHO) و (CDC) الحكومي في الولايات المتحدة هذه الحقيقة البارزة في الوقت الذي ينشرون فيه الخوف من طيور الطيران الحر(Free-Flying Birds).[19]

لم تكن مجموعة (CP) التايلانديه وهي من أكبر الشركات الزراعية لصناعة الدواجن، عبارة عن مجرد  نشاط تجاري لحانوت عائلي محلي.  كان لدى المجموعة، بحلول 2005، عمليات  في اكثر من 20 بلدا، ومن ضمنها الصين، حيث كانت تشغّل  80،000 عامل تحت اسم (Chi Tai Group).[20]

بالكاد كان مؤسس المجموعة، الملياردير (Dhanin Chearavanont) المولع بصراع الديكة واليخوت، رجل اعمال مكافح من العالم الثالث.  لقد بدأ نشاطه  في عام 1964 عندما تعلم موضوعة التكامل الرأسي من (Arbor Acres Farm) في (Connecticut) في الولايات المتحدة، في الوقت الذي كان اكبر مصنع للدواجن يتم تمويله من قبل (Nelson Rockefeller).  وتم اختيار (Dhanin Chearavanont) شريك تجاري مع آخرين مثل (Neil Bush )، أخ  جورج بوش، ونائبه التنفيذي  (Sarasin Viraphol) وكيل وزير الخارجية التايلاندية السابق، ليكون عضو في اللجنة الثلاثية لنخبة ديفيد روكفلر.[21]

وبحلول أوائل 2006، بدا واضحا عزم خمسة أو ستة من كبار شركات الاعمال الزراعية للدواجن المتعددة الجنسيات، خمسة منهم مقرها في الولايات المتحدة  و واحدة مقرها في تايلاند مع روابط بالبيت الابيض، للتحرك لتصنيع معظم إنتاج العالمي للدجاج، وهو مصدر البروتين لمعظم سكان الكوكب، خاصة في آسيا.

وقد تمت ملاحظة عواقب العولمة لأنتاج الدجاج، في تقرير لمشروع ، قليل ما تم الانتباه له.  فبمجرد ما يتم انتاجه في المنشأة الزراعية الصناعية الضخمة في أنحاء العالم، سيكون عالم الدجاج المُنتج، هدفا  سهلا لأول الكائنات المُعدلة وراثيا.[22]

وسط تقارير حول انتشار انفلونزا الطيور من آسيا الى أوربا، ذكرت التايمس اللندنيه في في عددها في 20 تشرين أول 2005، بوجود مشروع بحثي نشط في (Roslin Institute ) في اسكتلندا، يُدار من خلال التعاون مع البروفسور في علم الفيروسات (Laurence Tiley) من جامعة كامبريدج.  يوشك هذا المشروع على الوصول الى انتاج طيور معدلة وراثية مقاومة للسلالات المميته لفيروس H5N1.  ان هذا "الدجاج المعدل وراثيا" الجديد سيكون حاويا على جزيئات من مواد جينية تم إدخالها في بيض الدجاج ليتم من خلالها إنتاج، كما يُزعم، دجاج مقاوم لفيروس H5N1)).[23]

لقد قام  (Roslin Institute) بالتعاقد مع شركة (Viragen) للتكنولوجيا الحيوية في فلوريدا، من الحصول على حقوق التسويق لتكنولوجيا التعديل الوراثي للطيور. وتتضمن هذه التكنولوجيا ان تضع اسراب من الدجاج المعدلة وراثيا، عمليا أعداد غير محدودة من البيض ، يتم في بياضه التعبير (جينيا) عن كميات كبيرة من الدواء المستهدف.   لقد أحتلت (Roslin Institute) عناوين الصحف العالمية من خلال انتاجهم (الخروف دولي-Dolly the Sheep) .

لقد كان( Laurence Tiley) فرحا  جدا حول أحتمال تحويل جميع الدجاج في العالم الى طيور معدلة وراثيا.  لقد صرح للتايمس "نحن نعتقد بأنه حالما نحصل على الموافقة التنظيمية، سنكون قادرين خلال 4 إلى 5 سنوات لتكثير أعداد كافية من الدجاج لإستبدال جميع الدجاج في العالم.".

في غضون ، اكثر من عقدين من الزمن، مكَن، علم التعديل الوراثي للكائنات، حفنة من شركات الاعمال الزراعية العالمية - ثلاث منها مستقرة في أمريكا - لتأمين موطئ قدم وحق براءة الاختراع للأنتاج على الصعيد العالمي، لأعلاف الحبوب مثل الرز، الذره، فول الصويا، ولاحقا القمح.  مع حلول 2006، ومن خلال ركوبهم موجة الخوف من جائحة انفلونزا الطيور بين البشر، تم التوجه الى المختصين في الكائنات المعدلة وراثيا أو الثورة الجينية، للسيطرة على مصدر بروتين اللحوم الاكثر أهمية، وهو الدجاج.

سرعان ما تم تنفيذالجزء التالي من السيطرة العالمية على سلسلة الغذاء للأنسان.  لقد تمت اللعبه في يوم هادئ من شهر آب في Scott، المسيسيبي.  كانت النتائج مذهلة.   كان الجين الذي يُدعى ( المُنهي-Terminator)** على وشك ان يكون تحت سيطرة اكبر شركة عملاقة للبذور الزراعية المعدلة وراثيا في العالم.

 

 

......................................

* الفصل 13 من كتاب “ بذور للتهديم – البرنامج الخفي للتلاعب الجيني” (2007)

** هو الجين الذي يتم ادخاله في النبات المعدل وراثيا لمنعه من تكوين بذور خصبة لايمكنها من تكوين نبات عند زراعتها.  وبالتالي يُحرم المزارع من أستخدامها للزراعة في الموسم القادم (عزام).

مراجع

  1. George W. Bush, President Outlines Pandemic Influenza Preparations and Response, Washington, Washington D.C., NIH, http://www.whitehouse.gov/news/ releases/2005/11/20051101-1.html, 1 November 2005.
  2. Gilead Sciences, Donald H. Rumsfeld Named Chairman of Gilead Sciences, Press Release, Foster City, CA., 3 January 1997, http:/www.gilead.com/wt/sec/pr_933190157/.
  3. William Winkerenwerder jr., Department of Defense Guidance for Preparation and Response to an Influenza Pandemic caused by the Bird Flu(Avian Influenza), US Department of Defense, http://www.geis.fhp.osd.mil/GEIS/SurveillanceActivities/Influenza/DoD_Flu_Plan_040921.pdf., 21September 2004.
  4. F. William Engdahl, “Is Avian Flu another PentagonHoax?”, Global Research, http://www.globalresearch.ca/index.php?context=viewArticle&code=%20EN20051030&articleId=1169, 30 October 2005.
  5. Rep. Henry A Waxman, Halliburton’s Iraq Contracts Now Worth over $10 Billion, Committee on Government Reform, US House Of Representatives, Washingtom, DC., Fact Sheet, 9 December 2004, http://www.truthout.org/mm_01/5.120904A-1.pdf.
  6. Leonard G. Horowitz, “Emerging Viruses: Aids & Ebola, Nature, Accident or Intentional?”, Sandpoint, Tetrahedron Publishing Group, Idho, 2001, pp. 275-288.
  7. Ibid., p.411.
  8. Ibid., pp. 410-411.
  9. Ira Wolfert, “Chickens: Cheaper by the Mission”, The Reader’s Digest, February 1968.
  10. WATT Poultry USA, WATT Poultry USA’s Rankings, October 2006.
  11. Viva! USA, Chicken/Broiler Industry Media Briefing, http://www.vivausa.org/campaigns/chickens/media.html, 2005.
  12. IUnited States Government Accountability Office, Safety in the Meat and Poultry Industry, While Improving, Could be Further Strengthened, Washington, D.C., January 2005, GAO-05-96.
  13. Viva! USA, op. cit.
  14. USDA, Animal Welfare Issues Compendium. A Collection of 14 Discussion Papers, September 1997. http://warp.nal.usda.gov/awic/pubs/97issues.htm. Accessed on 30 September 2005.
  15. Tyson Foods, Inc., Annual Report, 2006, http://www.tyson.com/Corporate/.
  16. GRAIN, Fowl Play: The Poultry Industry’s Central Role in the Bird Flu Crisis, http://www..grain.org/go/birdflu, February 2006.
  17. Ibid.
  18. Beyond Factory Farming Coalition, Fact Sheet: AvianFlu, http://www.beyond-factoryfarming.org/documents/Avian_Flu_Fact_Sheet.pdf. Cited in GRAIN, op. cit. See also, World Health Organization, Bird Droppings Prime Origin of Bird Flu, 17 January 2004, Geneva.
  19. Walter Sontag, Der Fluch der Vögel”, Wiener Zeitung, 5 November 2005.
  20. Details of CP Group can be found on the company’s website, http://www.cpgroup.cn, and Time Asia magazine, “The Families that Own Asia”, http://www.time.com/time/asia/covers/501040223/chearavanont.html.
  21. Triletral Commission, The 2005 Trilateral Commission Membership List, New York, May 2005.
  22. Roslin Instirute, Research Reviews, Practical Environmental Enrichment to Improve Poultry Welfare, pp. 55-60, http://roslin.ac.uk/research/hostResponse.php
  23. Mark Henderson, “Scientists Aim to Beat Flu with Genetically Modified Chickes”, The Times, 29 October 2005.
  24. Viragen, http://www.viragen.com/aviantransgenicbio.htm.

 

ابراهيم أبراشفي ذكرى يوم الأرض نستحضر تاريخ نضال فلسطينيي الخط الأخضر من المواجهات الدموية دفاعا عن الأرض في الثلاثين من مارس 1976 إلى تشكيل القائمة العربية المشتركة والنضال من داخل النظام السياسي الإسرائيلي ومؤسسته البرلمانية، وعلاقة التحول في نهج نضال فلسطيني الداخل بالتحول الذي طرأ على مسار الحركة الوطنية الفلسطينية بشكل عام، والتحولات داخل المجتمع الإسرائيلي وخصوصا هيمنة اليمين الصهيوني وتراجع قوى السلام واليسار اليهودية .

فبعد حرب شرسة شنها تحالف أبيض أزرق بزعامة بيني غانتس على نتنياهو، حرب لم يتورع فيها غانتس مدعوماً بالقائمة العربية المشتركة وقوى إسرائيلية أخرى من استعمال كل الوسائل للإطاحة بنتنياهو وحزبه وخوض ثلاث جولات انتخابية ... يتحالف غانتس مع نتنياهو ويتوافقا على تشكيل حكومة طوارئ أو حكومة وحدة وطنية يتم تقاسم المناصب فيها بين الطرفين والتناوب عليها والبداية لنتنياهو مع رئاسة غانتس للكنيست مع استبعاد القائمة العربية .

القائمة العربية المشتركة كانت أول من ندد بموقف غانتس الانتهازي وغير الأخلاقي من وجهة نظرها، ويدعمها في ذلك بعض الجمهور اليهودي حتى من داخل تحالف أبيض أزرق الذي يتزعمه غانتس والذي تفكك بعد انسحاب حزبين من التحالف . ولكن، هل أخطأ غانتس عندما مد نتنياهو بمصل الحياة السياسية لوقت إضافي؟ أم الخلل في المبالغة في المراهنة على غانتس وحزبه لدرجة الاعتقاد بأنه يمكن أن يشكل حكومة ائتلافية مع القائمة العربية المشتركة؟.

إن كان تشكيل حكومة الوحدة الوطنية أو الطوارئ جاء تحت عنوان مواجهة خطر الكورونا إلا أن هذه الحكومة في ظل حكم نتنياهو ستكون أخطر حكومة فيما يتعلق بالصراع مع الفلسطينيين وفي مجمل السياسة الخارجية لإسرائيل، حيث سيقوم نتنياهو بتنفيذ كل وعوده ومخططاته الاستيطانية والعدوانية مدعوماً بمباركة الغالبية العظمى من الجمهور الإسرائيلي وغالبية القوى السياسية دون أية معارضة سياسية ذات قيمة إلا من القائمة العربية المشتركة التي ستكون معارضتها شكلية وغير فاعلة بسبب عنصرية الدولة والجمهور اليهودي، كما لا يمكن للقائمة العربية إلا أن تكون معارضة لا حظوظ لها بأن تدخل في تحالف حكومي ما دام غالبية المكون اليهودي في الدولة يمينياً عنصرياً يؤمن بيهودية الدولة.

قد يهوِّن البعض من الأمر بالزعم أن فترة مكوث نتنياهو في حكومة الوحدة الوطنية سنة ونصف فقط ثم سيتولى غانتس الحكومة وسينفذ سياساته، وفي اعتقادي أن هذا وهمٌ كبيرٌ لأن غانتس وبعد أن يتولى الحكومة خلفاً لنتنياهو لن يستطيع التراجع عن أي قرارات أو خطوات سيتخذها نتنياهو فيما يتعلق بالصراع مع الفلسطينيين واستكمال تنفيذ صفقة ترامب بل سيبني على ما تم إنجازه في عهد نتنياهو .

مع تفهمنا لموقف القائمة العربية مما آلت إليه الأمور في إسرائيل من تشكيل حكومة وحدة وطنية واتهام غانتس بالخيانة والتنكر لوعوده ومبادئه والانحياز لمصالحه الخاصة ومصلحة حزبه أو جزءاً من حزبه، إلا أن هذا الموقف للقائمة العربية ينطلق من أرضية المعارضة السياسية لكتلة برلمانية ليس فقط تمثل أقلية سكانية وبرلمانية بل تنظر لها الدولة وغالبية المجتمع اليهودي بأنها معادية لدولة إسرائيل وعقيدتها الصهيونية وسياساتها الاحتلالية والعنصرية.

المقاربة الموضوعية المؤسسة على الواقعية السياسية تقول بأن ما أقّدَم عليه بيني غانتس ليس بالأمر المستغرب إن تم وضعه في سياق الفهم العقلاني والواقعي للنظام السياسي الإسرائيلي الذي لا يمكنه أن ينسلخ أو يبتعد عن الدولة العميقة الملتزمة بالفكر والعقيدة الصهيونية التي تعتبر أن الحفاظ على دولة وشعب إسرائيل وحمايتهما له الأولوية على أي صراعات أو انتماءات حزبية، وأن الديمقراطية التي تتيح للعرب المشاركة في الانتخابات وفي النظام السياسي ما هي إلا أداة ووسيلة لخدمة هذه العقيدة، وعندما تتعارض الاستحقاقات الديمقراطية مع العقيدة والمصلحة اليهودية الصهيونية فالأولوية للأخيرة ، وبالتالي فإن تصرف غانتس كان من وجهة النظر اليهودية الصهيونية عملاً وطنياً بامتياز كما أن تصرفه ينسجم مع تاريخه العسكري والسياسي .

مع تفهمنا لسوء نتنياهو وحكومته وأهمية نهج أية طريقة لتقليل فرص نجاحه في الانتخابات ، إلا أنه تمت المبالغة في المراهنة على غانتس ليس فقط من القائمة العربية بل أيضا من جهات في السلطة الفلسطينية، ومع ذلك وبعد ما جرى نتمنى لو أن الأحزاب والقوى السياسية الفلسطينية تتعلم من الحالة الصهيونية في تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والشخصية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية إسرائيلية وجائحة الكورونا تشكلان فرصة لتقريب المواقف والعودة لطاولة الحوارات للبحث في مواجهة هذين الخطرين وتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية أو توسيع صلاحيات حكومة محمد اشتيه لتشمل الضفة وغزة .

وبالعودة للقائمة العربية المشتركة، فمنذ تأسيسها وجدت ممانعة ومعارضة ليس فقط من اليمين الصهيوني العنصري بل أيضاً من قوى سياسية في الداخل الفلسطيني "الحركة الإسلامية -الشق الشمالي" برئاسة الشيخ رائد صلاح، وحركة "أبناء البلد"، وقد برزت بشكل أوضح هذه الممانعة والخلافات في الجولة الأخيرة من الانتخابات حيث اعتبر نتنياهو القائمة العربية طابور خامس وتهديد لدولة إسرائيل فيما طالبت قوى فلسطينية بمقاطعة الانتخابات مما يعني عدم التصويت للقائمة العربية، ومع ذلك حققت القائمة العربية المشتركة إنجازاً تاريخياً بحصولها على 15 مقعداً في الكنيست وتموقعت كثالث كتلة برلمانية، ولكن ماذا بعد هذا الإنجاز البرلماني؟.

لم يكن قادة القائمة العربية المشتركة بجاهلين لطبيعة الدولة التي ارتضوا أن يكونوا جزءاً من نظامها السياسي وملتزمين بقواعد اللعبة الديمقراطية التي تضع قواعدها الدولة العميقة التي تتحكم بها الحركة الصهيونية واليهودية العالمية، وفي ظني أنهم تفهموا الأمر بحيث وضعوا لأنفسهم أهدافا ًمحددة وواضحة وهي الاندماج في المجتمع الإسرائيلي وبالحياة السياسية دفاعاً عن حقهم بالمساواة مع اليهود ووقف سياسة التمييز العنصري ومصادرة الأراضي .

بالرغم من ذلك فإن صعوبات كبيرة ستعترض الطريق أمام تحقيق هذه الأهداف إن اقتصر الأمر على التواجد في البرلمان دون أي فرصة بالمشاركة في الائتلافات الحكومية، وما يبهظ الأمر على القائمة العربية أنها تضطر لتكون في موقف المفاضلة ما بين يمين صهيوني كغانتس والأكثر يمينية كنتنياهو ، بالإضافة إلى معارضة قطاعات من فلسطينيي الداخل للقائمة ولمبدأ مشاركتها في الانتخابات.

إن الحال الذي وصل إليه أهلنا في الداخل من حيث المأزق والتحدي السياسي في التعامل مع الكيان الصهيوني ووجود خلافات بينهم حول نهج التعامل مع الدولة الصهيونية شبيه بالمأزق والتحدي الذي تواجهه منظمة التحرير في التعامل مع إسرائيل بعد الاعتراف بها وعلى قاعدة الالتزام بالتسوية السياسية ونبذ العنف .

واليوم وفي ذكرى يوم الأرض الذي يوافق الثلاثون من مارس لعام 1976 نلمس التحول في مسار النضال الفلسطيني بشكل عام، والفرق الكبير بين زمن السبعينيات وزمن اليوم، وكيف أن شكل وأسلوب نضال فلسطينيي الداخل يتأثر بالحالة النضالية الفلسطينية العامة، الأمر الذي يتطلب وقفة مراجعة استراتيجية تشمل كل أماكن تواجد الشعب في الضفة وغزة وداخل الخط الأخضر وفي الشتات .

 

إبراهيم ابراش

 

 

محمود محمد عليفي الأسبوع الماضي عقدت قادة دول مجموعة العشرين G20 عن بعد من خلال وسائط الاتصال الحديثة - في تسجيل لحضور «كورونا» الكئيب ؛ ذلك الفيروس اللعين الذي انطلق من ووهان الصينية، أواخر العام الماضي، حتى الآن إلى قرابة 500 ألف مصاب حول العالم، وفتك بقرابة بأكثر من 20 ألف ضحية. وفِي حين هوت الأزمة بمؤشرات الأسواق العالمية من طوكيو إلى وول ستريت، وعلقت رحلات أساطيل الملاحة الجوية الدولية، وأجبرت الملايين من البشر على التوقف عن العمل، فإن هذا الفيروس «المُستبد» يضع العالم أمام ثنائية قاتلة كيفما نظرنا إليها: إعصار صحي قد يصيب الملايين ويختطف مئات الآلاف من الأرواح، و«تسونامي» اقتصادي قد يغرق دولاً بأسرها، أو ينسف بنيتها التحتية، ويشلها لسنوات طويلة.

نتذكر سوياً أن وباء كورونا ظهر ـ بداية ـ قبل ما يلامس الشهرين في الصين، ومنها انتقل الفيروس ليضرب جميع الدول بلا استثناء، فلم يفرق بين دولة غنية وأخرى فقيرة أو قوية وضعيفة، فكل الدول أمام كورونا سواسية، وطيلة هذه الفترة، لم نسمع عن تكاتف أو تعاون دولي قوي لمعالجة الأزمة التي فرقت جهود الحكومات، وجعلت كلاً منها منشغلة بنفسها وإحصاء مصابي المرض وضحاياه.

لذلك كان من الضروري اجتماع قمة العشرين والتي يشارك فيها لأول مرة عدداً من الدول منها إسبانيا والأردن وسنغافورة وسويسرا الاتحادية، كما شارك من المنظمات الدولية منظمة الصحة العالمية، وصندوق النقد الدولي، ومجموعة البنك الدولي، والأمم المتحدة، ومنظمة الأغذية والزراعة، ومجلس الاستقرار المالي، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومنظمة التجارة العالمية. إلى ذلك، مثلت المنظمات الإقليمية جمهورية فيتنام الاشتراكية بصفتها رئيسا لرابطة دول جنوب شرق آسيا، وجمهورية جنوب إفريقيا بصفتها رئيسا للاتحاد الإفريقي، ودولة الإمارات العربية المتحدة بصفتها رئيسا لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وجمهورية رواندا بصفتها رئيسا للشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا.

ومجموعة العشرين هو منتدى تأسس سنة 1999 بسبب الأزمات المالية في التسعينات؛ حيث يمثل هذا المنتدى ثلثي التجارة في العالم وأيضا يمثل أكثر من 90 بالمئة من الناتج العالمي الخام. تهدف مجموعة العشرين إلى الجمع الممنهج لدول صناعية ومتقدمة هامة بغية نقاش قضايا أساسية في الاقتصاد العالمي. فإن مجموعة العشرين ج20 يمثل ثلثي التجارة وعدد السكان في العالم وأكثر من 90% من الناتج العالمي الخام (وهو مجموع الناتج المحلي الخام لجميع بلدان العالم).

لقد كانت قمة مجموعة العشرين  والتي انعقدت الخميس الماضي  الأولى من نوعها والتي تمت عن طريق الفيديو لأول مرة في التاريخ، وهي كذلك تعقد لأول مرة تحت رئاسة دولة عربية، اجتمع عبر الفيديو خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بكل من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، والرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، والرئيس الصيني "شي جين بينغ"، والرئيس البرازيلي "جايير بولسونارو"، والرئيس الإيطالي "سيرجيو ماتاريلا"، وغيرهم من قادة العالم المؤثرين؛ لمناقشة أزمة كورونا العالمية.

وقد كان خادم الحرمين الشريفين قد أعلن قبيل ساعات من انطلاق قمة العشرين الاستثنائية الافتراضية، اجتماع مجموعة العشرين في قمة استثنائية الهدف منه الخروج بمبادرات تحقق آمال شعوبنا، وتعزز دور حكوماتنا، وتوحد جهودنا لمواجهة هذا الوباء.. وكتب فى تغريدة على حسابه الرسمى عبر تويتر، مساء الأربعاء، "في هذا الوقت الحرج الذى يواجه فيه العالم جائحة كورونا المستجد، التى تؤثر على الإنسان والأنظمة الصحية والاقتصاد العالمي، نجتمع بمجموعة العشرين في قمة استثنائية؛ للخروج بمبادرات تحقق آمال شعوبنا، وتعزز دور حكوماتنا، وتوحد جهودنا لمواجهة هذا الوباء. حمى الله العالم من كل مكروه.

في صباح اجتماع القمة قد ألقي خادم الحرمين الشريفين كلمة افتتاحية شدد فيها على أن "جائحة كورونا تتطلب من الجميع اتخاذ تدابير حازمة على مختلف الصعد"، مضيفاً أن هذا الوباء تسبب في معاناة العديد من مواطني العالم. كما أكد أن الأزمة الإنسانية بسبب كورونا تتطلب استجابة عالمية، داعياً إلى التكاتف بين الدول. كما قال "نأخذ على عاتقنا تعزيز التعاون للبحث عن لقاح لفيروس كورونا"، ودعا إلى "تقوية الجاهزية العالمية لمواجهة الأمراض المعدية مستقبلاً"..

لقد كانت كلمة خادم الحرمين الشريفين في القمة كما اعتقد، هي بمثابة خريطة طريق، لعلاج تداعيات أزمة كورونا مجتمعة، ليس لسبب سوى أن الكلمة جاءت بالكثير من الخطوات والإجراءات والأفكار والمبادرات التي تجعلها نبراساً تهتدي بها الدول إن هي أرادت تجاوز مرحلة كورونا وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية بسلام وأمان.

وفي نهاية القمة صدر بيان موحد وفد خُصص فقط لبند واحد، وهو كيفية الانتصار على «كورونا» وتلافي أضراره الرهيبة، ليس على الصحة الجسدية للناس وحسب، بل على الاقتصاد العالمي وما يمكن أن يوصف بـ «الأمن الصحي العالمي" ؛ حيث لا شك أن كل الآمال معلقة على اتفاق هذه الدول العشرين ذات الاقتصادات الأقوى في العالم، وتوحد جهودها في مواجهة أكبر خطر يواجه مستقبل الإنسانية: فيروس «كورونا المستجد»، وأعتقد أن البيان الختامي للقمة، يشير إلى هذا الالتزام، وبقي التطبيق على أرض الواقع.

وثمة نقطة مهمة جديرة بالإشارة أود أن أشير إليها وهي أنّ رئاسة السعودية لـ«مجموعة العشرين» هذه السنة تضع الرياض مجدداً أمام مسؤولية تاريخية، ليس فقط بسبب «صدفة» استضافتها للقمة، ولكن بسبب «حقائق» تجعل من السعودية البلد الأكثر قدرة على تقريب المواقف، وتوحيد الصفوف بين الدول الأعضاء لمواجهة هذه الثنائية الفتاكة التي وجدت البشرية نفسها أمامها، فالسعودية ، بالإضافة إلى كونها البلد الأكثر تأثيراً في العالمين العربي والإسلامي، وفي أسواق النفط العالمية، هي وحدها التي تتمتع بعلاقات إيجابية مع معظم دول المجموعة. ويعود الفضل في ذلك إلى سياسة الاتجاه شرقاً من دون أن يكون ذلك على حساب العلاقات التاريخية مع دول الغرب، التي اتبعتها الرياض خلال السنوات الماضية وذلك كما قال فيصل عباس في مقاله بعنوان "قمة العشرين في مواجهة كورونا «المستبد".

كذلك فإن بيان قمة العشرين الاستثنائي أكدت بشكل واضح أن العشرين الكبار في العالم يتعهدون بالحفاظ على حرية التجارة الدولية والوضع كما كان قبل «كورونا» والمحافظة على سلاسل الإمداد الدولية.. الجديد هو تقدم بند الصحة للأمام من خلال دعم منظمة الصحة العالمية وتوسيع صلاحياتها، كما يدعم صندوق مواجهة جائحة «كورونا» ودعم الدول النامية في هذه الظروف العصيبة.

خلال الكلمة الافتتاحية للقمة الاستثنائية لمجموعة الـ20، دعا العاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، مجموعة العشرين لإرسال إشارة لاستعادة الثقة بالاقتصاد العالمي، من خلال استئناف التدفق المعتاد للسلع والخدمات في أقرب وقت ممكن.

كما أشار إلى أن جائحة «كورونا» قد عرقلت عجلة التنمية والنمو في العالم، قائلا: «مسؤوليتنا مد العون للدول النامية وتحسين بناهم التحتية لتجاوز الأزمة الحالية  بيان قادة مجموعة العشرين، تعهد بضخ 5 تريليونات دولار لحماية الاقتصاد العالمي، وقال قادة مجموعة العشرين، في بيانهم الختامي، إنهم ملتزمون باستعادة الثقة بالاقتصاد العالمي وتحقيق النمو.وجاء في البيان: «التصدي لآثار جائحة (كورونا) صحياً واقتصادياً واجتماعياً أولوية بالنسبة لنا». قائلين: «الاستجابة ستعيد الاقتصاد العالمي إلى نصابه».الدرس الكبير من جائحة «كورونا» هو أن العالم مرتبط بعضه ببعض بشكل يجعل من الصعب على العمل الفردي للدول على حمل مسؤولية كالتصدي لجائحة «كورونا»، ولذلك كانت إشارة الملك سلمان المهمة لوجوب دعم العشرين الكبار جهود البحث العلمي وتسريعه للخروج من نفق «كورونا».قمة العشرين الأخيرة، بارقة أمل سياسي دولي في ليل «كورونا» البهيم وذلك كما قال مشاري الذايدي في مقاله بعنوان قمة العشرين... بارقة أمل في هذا الليل الكئيب.

إن الدرس الكبير من جائحة «كورونا» هو أن العالم مرتبط بعضه ببعض بشكل يجعل من الصعب على العمل الفردي للدول على حمل مسؤولية كالتصدي لجائحة «كورونا»، ولذلك كانت إشارة الملك سلمان المهمة لوجوب دعم العشرين الكبار جهود البحث العلمي وتسريعه للخروج من نفق «كورونا.. قمة العشرين الأخيرة، بارقة أمل سياسي دولي في ليل «كورونا» البهيم.

في نهاية هذا المقال أقول مع  د. عبدالله ال مترك (وذلك في مقاله الفخر في قمة العشرين) بأن قمة العشرين نجحت وبجدارة، وبثت الأمل في شعوب العالم، بأن تتحد دول العالم لأول مرة في تاريخها، في مواجهة هذا الوباء، فكوكب الأرض لا يحتمل اليوم مواصلة الحروب العسكرية أو الاقتصادية أو المناوشات والاضطرابات، وتصدير الإرهاب، فلا مناص من التحالف والتآخي بحسب ما أوصت به كلمة خادم الحرمين الشريفين. .. وللحديث بقية عن تداعيات كرونا في المقالات المقبلة إن شاء الله!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

 

محمد عمر غرس اللهلم يقل أحد حتى الأن أن (وباء كورونا سلاح من أسلحة الدمار الشامل) رغم أن هذا الوباء يحجز إلى اليوم أغلب البشر بين جدران البيوت، ويقتل الألف بشكل متسارع، وينتشر عبر الدول كالنار في الهشيم، والرعب والخوف يسيطر على فضاء الرأي العام، وشبه توقفت أغلب الأعمال والمواصلات العامة، والكل خائف ويترقب ساعة ولحظة إصابته حتى خُيل لكثير من الناس أن كورونا هذه ستكسر أبواب البيوت وتقتحمها.

إن لم يكن وباء كورونا - الذي نرى فعله - سلاحاً من أسلحة الدمار الشامل - فما هو سلاح الدمار الشامل إذاً؟ وكيف تم أتهام العراق بذلك وتمت محاصرته ثلاثة عشر سنة 1990 – 2003م، ومنع عنه حتى الغذاء والدواء، وتم تفتيش كل شي فيه تحت هذه الذريعة، وفي عام 2003 تم إحتلاله ونهبه والتسبب في قتل النساء والأطفال والشيوخ ونشر الدمار فيه تحت ذريعة إمتلاك وتصنيع هذا السلاح، وكيف إذا تم إتهام ليبيا بإمتلاكها أسلحة دمار شامل، فكان من حزمة التهم الموجهة لليبيا والليبيين هو العمل على إمتلاك أسلحة كيماوية، وتم نهب البلاد وتشويهها وإستهدافها وجابت فرق التفتيش البلاد تبحث عنها بعد غسقاط النظام عام 2011م.

من يجرؤ اليوم على توجيه التهمة، ولمن يمكن توجيهها، وهل يجرؤ أحداً ما على دعوة مجلس الأمن الدولي لجلسة طارئة لمناقشة وباء الكورونا كسلاح من أسلحة الدمار الشامل: من أين أتي وكيف ومتى؟ ومن هو الفاعل المسؤول ومن هي الدولة المجرمة التي يجب معاقبتها لتدفع ثمن مافعلت بالبشرية، أو على الأقل من هو الذي تهاون وسبب في تسرب هذا الفايروس المدمر والقاتل والذي إجتاح الكرة الأرضية، أم أن الفاعلين أكبر من أن يجرؤ ويستطيع أحد ما حتى مجرد الإشارة لهم، هل في هذا العالم اليوم من يطرح هذا السؤال على المجتمع الدولي.

أن ثمة أمر محير جداً ليس على النخب والمثقفين أن يتجاوزوه او يتغافلوا عنه، او أن تأخذهم الأحداث وحالة الفزع والتخويف والرهبة من مرض كورونا فلا يلتفتون لطرحه والتساؤل حوله، فهذا العالم فيه من الأسرار الكبيرة التي بقت دائما أحاجي لا يجد الرأي العام لفهمها سبيل، فاللاعبون الكبار قادرون على تخوفيه وترويعه ليس فقط بالسلاح المباشر بل بأسلحة مبتكرة لا تخطر على بال، وهؤلاء يمسكون أيضاً بخيوط ترتيب سلم أولويات الرأي العام فيحددون له القضايا  ونوعها ومعانيها وجغرافيتها وحتى طريقة التفكير فيها، فنظريات التأثير على الرأي العام والأساليب الحديثة العلمية والمنهجية الذكية تلعب بالإنسان كيفما تشأ.

قد يقول قائل أنها مجرد نظرية المؤامرة - كدأب بعض المثقفين على الشك في كل حدث وإرجاعه لمؤامرة ما - فها هو العالم كله تقريباً يكتوي بنار جائحة كورونا، بل أن مسؤلين كبار في الدول الغربية نفذت إليهم كورونا العجيبة الساحرة اللعوب فتسللت لحصونهم فوصلت لقصر بكنجهام، ومبنى رئاسة الوزراء البريطانية، وأصيبت المستشارة الألمانية ميركل، ومسؤولون أخرون كبار في العالم، وإذا ما كان الأمر كذلك، فما يقول المواطن العادي - الذي يتسوق ويعمل ويتنقل ويعيش ببساطة - إذا ما وصلت كورونا إلى الحصون المحصنة حيث يسكنها قادة الدول الذين لا يلتقون بالعامة ولا يتسوقون، ويخضعون لترتيبات رسمية في تنقلاتهم ولقائاتهم ولهم الحماية الطبية المتمكنة.

أن الأمر محير جداً وغريب عجيب، فإلى اليوم لم يأتي أحداً على وصف ما يحدث بأنه سلاح من أسلحة الدمار الشامل، فإذا ما كان ما يحدث ليس دماراً شاملاً، فما هو الدمار إذاً، أم أن في الأمر شي خفي، وهل ثمة محاولات لغسل الجريمة، بإدعاء إصابة الأولغارشيا المتحكمة في العالم فلا يجرؤ بعدها أحد على إتهام الفاعلين بأنهم وراء ما يحدث او أنه شطحة من شطحاتهم، أم هم أنفسهم ضحايا لهذا الوباء كباقي البشر، فبلدانها نفسها تعاني من توقف عجلة الإقتصاد والركود وقطاعها الصحي يكابد ظروفه لمواجهة هذه الجائحة.

أن تقدم البشرية وتسارع ما يجري من صراعات وتنافس، ينبيء عن حروب لا يشعر بها الإنسان العادي إلا في أثارها العامة فيتحير: هل ما يحدث أمر عارض أم أنه جريمة كبرى وتعبير عن تنافس كبير وخفي، فالحروب التجارية الكبرى لا يكاد يحس بها الرأي العام المتهيج الذي تسوقه التلفزيونات (السمعي بصري) إلى حيث تريد كما تساق قطعان الخرفان، فيردد ويتلقف ويبتلع كل ما تقدمه له بشراهة، وحروب السيطرة على الراي العام - لا يستطيع هذا الانسان البسيط المنفعل المنساق - فهم تفاصيلها ومجرياتها وكيف هو نفسه صار جندياً فيها يدمر حتى بلاده، وأيضا الحروب الخطيرة في إستهداف المجتمعات في غذائها وزراعتها بل وفي بذورها وخصوبتها، ومصادر مياهها، وحتى في نقاء هوائها، بل وفي مناخها - الذي تقدم البشر - حتى صاروا قادرين على شن حرب العواصف والأمطار والسيول.

إنها جائحة حطمت الفوارق بين الطبقات الإجتماعية، وحرقت المراحل، ونقلت البشرية لمستوى أخر من العولمة، بل هي حداثة التأثير والتأثر في هذا العالم المترابط والمتنوع، وربما بينت في شيء منها وحدة الإنسان اينما كان، وبينت أيضاً طبيعة العلاقات الدولية بين الدول (واضح جداً في علاقة إيطاليا بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا والصين، أثناء هذه الجائحة)، لكنها بشكل أخر مخيف بينت - ربما ولو بمجرد شكوك - أن هذا الإنسان لا يتورع عن فعل أي شي ولو بشكل غير محسوب او متوقع، أو أن هذا الإنسان في غفلة ما او في خطاء بشري ما، قد يودي بالحياة كلها حزمة واحدة، بسبب وباء الدمار الشامل.

والله من وراء القصد

 

بقلم محمد عمر غرس الله

..................

للمزيد حول هذا الموضوع طالع مقال: (كورونالوجيا ثقافية عربية)، ومقال: (أحجية وباء كورونا، من ضرب من؟)

 

عباس علي مراديعيش العالم اليوم حالة من انعدام التوازن ليس فقط بسبب فيروس كورونا والذي قد يكون أحد نتائج انعدام التوازن هذا، حيث لا يمكننا الحكم على أسبابه قبل هدوء العاصفة، إذا ما تسنى لنا ذلك، ولكن انعدام التوازن سببه الأساسي الإنحطاط السياسي والثقافي والعنصرية والتطرف والشعبوية والإستغلال…

حتى لا تبقى الأجوبة والأسئلة بسيطة أو مبسطة يطرح اليوم سؤال جوهري، هو كيف لنا أن نكسر ونتجاوز المحرّمات السياسية والمالية والدينية التي شكلت حالة انعدام التوازن؟

لقد أصبحنا وجهاً لوجه في مواجهة هذه التحديات أقله نظرياً، وأصبح الصمت مرفوضاً، وهذا ما قد  يتحول إلى الجانب العملي، وتصبح المواجهة سياسية أذا ما توفرت ظروف العمل السياسي أو تتحول الى ثورات على المظالم التي تسود العالم.

ويمكن ان نلقي نظرة على بعض  هذه التحديات

أولاً- سياسياً، هل الديمقراطية هي أفضل نظم الحكم؟     

ثانياً- مالياً، هل الليبرالية هي أفضل النظم الإقتصادية؟

ثالثاً- دينياً، هل فقدت المنظومة الدينية مصداقيتها؟

قد يقول قائل إن الديمقراطية هي أساس الحكم العادل، حيث المساءلة والرقابة وحرية التعبير وحقوق الإنسان الخ. لكن التمعّن والتدقيق في سير العملية الديمقراطية تجعل المرء يدرك أن تلك الديمقراطية أفرغت من مضمونها لصالح العمليات الإنتخابية، والتي تحوّلت إلى سيرك بهلواني يتحكم بمساره المال والإعلام، الذي يتركّز في أيدي النسبة القليلة من بلدان العالم وفي داخل الدولة الوطنية. حتى في أعتى الديمقراطيات لم يعد هناك حرية تعبير رغم توافر المعلومة وسرعة وصولها، إلا أن إغراق الناس بالكم الهائل من المعلومات، المضلِلة منها  او الصادقة يقود إلى فقدان البوصلة والضياع في بحر من الأكاذيب أو الحقائق الأدواتية المكرّسة لأجل الوصول إلى السلطة، واستمرارعملية الخداع والتحكم والقمع المستتر والعلنيّ إذا ما اقتضت الضرورة والأدلة أكثر من أن تعّد أو تحصى.

مالياً، وإقتصادياً، يبلغ الناتج القومي العالمي الفعلي ما يقارب 90 تريليون دولار. ولكن حجم البورصة العالمية يبلغ 300 تريليون دولار.هذا الفرق الشاسع بين الإقتصاد الفعليّ، والإقتصاد الوهمي الإفتراضي، جعل العالم بؤرة أزمات مالية وإقتصادية كانت تظهر كل عشرين إلى ثلاثين عاماً، ولكن بفضل التطور التكنولوجي وسرعة الإتصالات تقلّصت هذه المدة الزمنية لتتكرر كل 10 أعوام إن لم يكن أقل.

 فهذا النظام الذي تحكمه ضوابط الجشع والطمع والإحتقار، أوجد هوّة كبيرة بين الفقراء والأغنياء، لدرجة إختفاء الطبقات الوسطى التي تعتبر بيضة القبّان وصمام الأمان في النظام الإجتماعي، فازداد الفقراء فقراً وازداد الأغنياء غنى، وانهارت دول، وتفشّت الأمراض، واختفت القيم بفعل هذا النظام الذي كرّس اقوياءه كل ما يملكون من جبروت مالي، إعلامي، إقتصادي وعسكري لإحكام قبضتهم على العالم كما تقدم في الشق السياسي الذي سبق الحديث عنه، وأصبحت الخصخصة إحدى أهم أساليب النهب المنظم لثروات الشعوب، حيث سيطرت شركات عابرة للقارات والأوطان على مقدرات وثروات الشعوب، وفرضت نمط الإستهلاك في أكبر عملية ربط إقتصادي عرفتها البشرية، أدّت إلى انعدام تكافؤ الفرص الوظيفية والمعيشية والخدماتية بكل أشكالها الصحية والتعليمية والإقتصادية.

ولا يخفى الدور الذي مارسته وما زالت مؤسسات العولمة الإقتصادية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، التي مارست سلطتها المكرّسة لقهر الدول الفقيرة وإحكام السيطرة على أنظمتها السياسية والإقتصادية خدمة للدول الغنية وتكريس أستغلالها ضد أرادة الشعوب، اليونان والأرجنتين خير مثال.

أما من الناحية الدينية، كان الدين ولا يزال شئنا ام أبينا  يلعب دوراً مهماً ومحورياً في حياة الشعوب سلباً اوإيجاباً، والشواهد التاريخية أو المعاشة أكثر من ان تَعد وتُحصي الحروب الدينية في العصور القديمة، او العصر الحديث والذي سنركّز عليه لانه شكّل ولا يزال الحدث في أكثر من منطقة من العالم.

منذ أواسط القرن العشرين، كان الدين العنصر الأساسي في الصراعات السياسية، منها الحرب في ايرلندا بين الكاثوليك والبروتستانت، الحرب في سيريلانكا، الحرب في قبرص، إستقلال باكستان ذات الأكثرية المسلمة عن الهند، الحرب في أفغانستان، والتي تحالفت فيها الولايات المتحدة الأميركية مع القاعدة لقلب النظام الموالي للإتحاد السوفياتي السابق، قبل أن يحصل الطلاق بين الجانبين وينقلبان على تحالفهم ويدخلان في مواجهة على أسس دينية، وهذا ما أكدته تصريحات كل من الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش وأسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة عندما قال الأول بأهل "الخير وأهل الشر" وقال الثاني "بأهل الكفر وأهل ألإيمان". ولا يمكن أن ننسى فلسطين حيث استعملت الصهيونية البعد الديني (أرض الميعاد) لإحتلالها فلسطين والتي تريد تكريسها دولة يهودية، حروب الإبادة في رواندا والصحوة الدينية التي أدت الى قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

أما في القرن الحالي، فالحرب في بورما وطرد المسلمين بعد تنفيذ عمليات تطهير عرقي، وصولاً لظهور داعش (بغض النظر عن من شكّلها وموّلها وقوّى شوكتها واستثمر فيها) فقد عمدت الى تكفير وهدر دم كل من يعاديها على أسس دينية أو مذهبية. وما يحصل في الهند حالياً من التضييق على أسس دينية من قبل الهندوس التي تلقى رعاية الحزب الحاكم على الأقلية المسلمة.

أما في الغرب أو الدول الديمقراطية فقد أعلن الرئيس الأميركي وعلى أساس ديني حذر دخول مواطني بعض الدول الإسلامية الى الولايات المتحدة، ولم تشذ اوروبا عن القاعدة حيث أصبحت ظاهرة الإسلاموفوبيا شعاراً لقوى اليمين العنصري في دول الإتحاد الأوروبي.

إذن، كيف ولماذا انحرفت الأديان عن الرسالة الإنسانية؟!

بالطبع، لم يأتِ هذا الإنحراف من فراغ، بل نتيجة استثمار طويل الأجل من قبل القوى التي تملك المال والسلطة والإستخبارات والإعلام، التي لم تألُ جهداً من أجل استغلال الدين، وبتواطؤ من مؤسسات دينية لنشر الفوضى والنزاعات وتأليب اتباع الأديان والمذاهب على بعضها البعض، للحفاظ واستمرار سيطرتها  على مقدرات وثروات الشعوب والدول التي دمرتها الخلافات الدينية، وخير دليل على ذلك العراق بعد الإحتلال الأميركي الذي زرع وغذّى الفتنة المذهبية التى ما زالت نيرانها تحت الرماد، هذا بالإضافة الى تهجير الأقليات المسيحية.

وهنا، لم يكن خافياً دور الإعلام  التضليلي في تشويه الحقائق، لا بل خلق الأكاذيب بعيداً عن أخلاق المهنة المفترضة، حيث ظهر جلياً التواطؤ الواضح والجلي بين سلطتي المال والإعلام، والأخطر  من ذلك ان الأدوات التي خلقها الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع بعض الأنظمة الذين ذهبوا بعيداً في خدمة المشروع الأميركي، رافعين راية الدين للتغطية على مشاريع لا بعد ديني لها على الإطلاق، والبعد الإقتصادي فيها ظاهر للعيان (النفط والغاز وطرق الإمداد وخطوط الأنابيب) وما حصل في الحرب على سوريا خير دليل على ذلك، وهذا ما اعتراف به وزير خارجية قطر حمد بن جاسم حين تحدث عن التهاوش على الطريدة (أي سوريا)، والمعروف ان قطر ودول الخليج كانت تموّل داعش وتمدها بالمال والرجال والسلاح والخدمات اللوجستية وغيرها.

من هنا الى أين؟!

رغم كل الضجيج الذي يرافق أزمة فيروس كورورنا، والحديث عن أن عالم ما بعد كورونا سيختلف عن عالم ما قبل كورونا، فهذا كله نوع من الكليشه لأن العالم عالم الغموض سيستمر رغم كل شيء، فقبل سنوات كانت ثورة المعلومات والإتصالات عنوان التغيير، ولكن ماذا كانت النتيجة، فالأدوات كالإنترنت وغيرها من وسائل التواصل الإجتماعي كانت وما زالت تحت سيطرة القوى التي كانت تسيطر على وسائل الإعلام التقليدية من صحافة وراديو وتلفزيون وكتب، ومن أجل الحفاظ على هذا الإمتياز والاستئثار نرى كيف تعمل الولايات المتحدة لمنع مؤسسة الإتصالات الصينية هواوي من المشاركة في بناء الجيل الخامس من الهواتف المحمولة.

أخيراً، وبالمختصر إنها الخيانة، خيانة القيم والمبادىء الإنسانية لخدمة أباطرة وقوى المال والإقتصاد والإعلام والدين. هذه القوى المتآمرة التي لا يرفّ لها جفن على الإنسانية المصلوبة على صليب المصالح أولا واخيراً.

 

عباس علي مراد

 

محمود محمد عليانتشرت في الأيام الماضية حالة من الهلع أصابت العالم جراء تفشى فيروس «كورونا»، والذى انطلق من إقليم "ووهان" الصيني، لينتقل منه ليس فقط إلى باقي الأقاليم الصينية، وإنما متجاوزاً الحدود إلى العديد من المناطق الأخرى حول العالم، حيث إنه لم يقتصر فى نطاقه مجرد المحيط الإقليمي لبكين، فى القارة الآسيوية، وإنما امتد إلى أوروبا والشرق الأوسط، وحتى الولايات المتحدة، ليصبح الفيروس بمثابة بالونة اختبار للحكومة الصينية، حول مدى قدرتها على التعامل مع الأزمة، فى إطار الخطوات التى تتخذها استعدادا لاحتلال صدارة المشهد الدولي، ومزاحمة الولايات المتحدة ؛ خاصة فى الوقت الذى تتجاهل فيه الولايات المتحدة القيام بدورها كقوى دولية مهيمنة على النظام الدولى، فى حماية العالم من المخاطر، تبدو قوى جديدة قادرة ولديها الاستعداد التام للقيام بهذا الدور لتقدم نفسها كقوى مؤثرة، وذلك بالتزامن مع انطلاق العالم نحو حقبة جديدة.

بيد أن تداعيات الفيروس القاتل ربما لا تقتصر فى أبعادها على الجانب الصحي، وحالة الهلع المترتبة عليه، وإنما تمتد في أبعادها إلى ما يمكننا تسميته بـ«خريطة النظام الدولي الجديد»، فى ظل صعود العديد من القوى الجديد، وسعيها نحو تدشين عالم جديد متعدد الأقطاب، بعدما نجحت الولايات المتحدة فى الهيمنة كقوى وحيدة، في إطار نظام أحادي القطب، منذ نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي فى التسعينات من القرن الماضي.

وقد حذّرت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية في عددها الصادر خلال الأسبوع الماضي من قدرة فيروس كورونا على إعادة تشكيل النظام العالمي، منبهةً من أنّ الصين تناور لتقود العالم في حين تفشل الولايات المتحدة الأمريكية في التعاطي مع الوباء.. في تقريرها، قارنت المجلة بين استجابة الولايات المتحدة الأمريكية والصين للوباء، معتبرةً أنّ المؤسسات الحكومية الأساسية، انطلاقاً من البيت الأبيض ومروراً بوزارة الأمن الداخلي ووصولاً إلى مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها قوّضت الثقة بقدرة وكفاءة الحوكمة الأمريكية.

واستشهدت المجلة بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتغريداته، مشيرةً إلى أنّها أثارت الشكوك في النفوس وأدت إلى حالة من الارتياب إلى حدّ كبير. وتابعت المجلة بالقول إنّ القطاعيْن العام والخاص أثبتا أنّهما غير مستعديْن لإنتاج الأدوات اللازمة للفحص والاستجابة وتوزيعها، مضيفةً: "وعلى المستوى العالمي، عزز الوباء نزعات ترامب إلى العمل بمفرده وكشف عن مدى انعدام استعداد واشنطن لقيادة استجابة العالم (للوباء).

وأوضحت المجلة أنّ وضعية الولايات المتحدة بصفتها قائدة للعالم على مدى العقود السبعة الماضية استندت إلى الثروة والنفوذ والشرعية المنبثقة من إدارة الولايات المتحدة للملفات الداخلية وتوفير المنافع العامة العالمية (السلع التي يحتاج العالم إليها) والقدرة والاستعداد لحشد وتنسيق الاستجابة العالمية للأزمات. وأضافت المجلة: "وباء فيروس كورونا يختبر عناصر القيادة الأمريكية الثلاثة. وما زالت واشنطن تفشل في الاختبار حتى اللحظة".

في المقابل، بيّنت المجلة أنّ الصين تتحرك بسرعة وبراعة لاستغلال الفجوات التي خلّفتها الأخطاء الأمريكية، لافتةً إلى أنّها تعمل على ملء الفراغ لتتموضع كقائدة للعالم على مستوى الاستجابة للوباء. وأوضحت المجلة أنّ الصين تروّج لنظامها الخاص وتوفّر مساعدة مادية لبلدان أخرى، بل بلغت حدّ تنظيم عمل حكومات أخرى. وتابعت المجلة: "تدرك بكين أنّه إذا نُظر إليها على أنّها قائدة (للعالم)، وإذا نُظر إلى واشنطن عل أنّها عاجزة أو غير راغبة في لعب هذا الدور، فيمكن لهذا التصوّر أن يغيّر بشكل أساسي موقع الولايات المتحدة في المشهد السياسي العالمي من جهة، والسباق على القيادة (قيادة العالم) في القرن الحادي والعشرين من جهة ثانية".

هذا هو باختصار التقرير الذي وضعته مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية عن "دور كورونا في إعادة تشكيل النظام العالمي.. هكذا تستغل الصين الفشل الأميركي"،  والذي قد ترجمته للعربية الأستاذة فاطمة معطي ؛ والسؤال الآن أليس من المبكر الحديث عن بدء انهيار نظام دولي بعد استفحال وباء كورونا في الغرب أكثر من الشرق..  لماذا تحاول مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية تصوير الأمر كما لو أنه نهاية القيادة الأمريكية والغربية للعالم لمجرد أن الغرب يقف عاجزا عن مواجهة الوباء... أما زالت أمريكا تمتلك كل زمام القيادة في العالم مقارنة بالصين وحلفاءها... ألا يكفي أن الدولار عصب الاقتصاد العالمي ما زال في يد أمريكا.. ألا تمسك واشنطن بخناق البشرية جمعاء من خلال شبكة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.. هل تريد الصين أصلا منافسة أمريكا علي قيادة النظام الدولي.. ألا يعتمد الاقتصاد الصيني نفسه علي الاقتصاد الأمريكي وتوابعه.. لكن في المقابل ألم تظهر الصين الآن في خضم جائحة الكورونا الدولية علي أنها نجحت حيث فشل الغرب.. ألم تفشل أمريكا وأوربا في تأمين المعدات الطبية لمواطنيهما لمواجهة الوباء.. ألا يمكن أن توديا أزمة كورونا بأمريكا كما أودت أزمة السويد ببريطانيا.. ألا يترنح الاقتصاد الأمريكي أمام الصعود الصيني الرهيب حتي قبل كورونا.. أليس متوقعا أن تتربع الصين علي عرش الاقتصاد العالمي خلال سنوات.. ألم تأتي أزمة كورونا لتضع العالم علي مفترق طرق تاريخي وتجعل من الصين محط أنظار الشرق والغرب.. أسئلة تقلق العالم وتقلق المفكرين والباحثين .

انني اعتقد أنه ليس مبكرا ، فكما نعلم أنه منذ اعتلاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عرش البيت الأبيض، فى 2017، على خلفية اختلال التوازن التجاري بين البلدين، وهو ما عرف بالنزاع التجاري ، والذي تعود أسبابه الحقيقية منذ أكثر من 30 عاما عندما بدأت الصين فى ثورة صناعية واقتصادية كبرى جعلتها تصبح إحدى القوى العظمى المحركة للاقتصاد العالمى وكانت السبب الرئيسى فى ارتفاع أسعار السلع والخامات الرئيسية فى مطلع هذا القرن؛ حيث شكّلت زيادة الطلب الصينى عامل ضغط قوياً رفع أسعار أغلب السلع الرئيسية لمستويات لم يرها العالم منذ عقود وفى بعض الأحيان تسببت فى رفع أسعار بعض السلع لأعلى أسعارها فى التاريخ، مثال على ذلك البترول الذى ارتفع ذات يوم إلى مستوى الـ ١٥٠ دولاراً، وهو أعلى سعر لبرميل النفط منذ اكتشافه، تنبهت الولايات المتحدة لهذا التهديد المقبل من الشرق وقررت أن اللحظة حانت للمواجهة، التي تهدف لتعطيل التطور الصيني المقبل بسرعة صاروخية فبدأت ما يسمى بالحرب التجارية والتي تهدف إلى : تقليل فارق الميزان التجاري الذى يميل بشدة لصالح الصين، عبر زيادة صادرات الولايات المتحدة للصين وتقليل وارداتها منها، والقضاء أو التقليل من جرائم سرقة الملكية الفكرية والجاسوسية الصناعية، والتى ترى أمريكا أنها السبب الرئيس فى التقدم الصيني الذى يسرق، ثم يبدأ البناء من حيث، انتهى الأمريكان مع قدرات صناعية قوية ورخيصة، وإعادة الصدارة لأمريكا فى سباق الاتصالات؛ حيث أصبحت الصين عن طريق شركة هواوى رائدة لتكنولوجيا «٥ج» والتى سينتج عنها قفزة تكنولوجية عالمية قد تكون الأكبر تأثيرا منذ اختراع الإنترنت، ووقف الدعم الحكومي للشركات الصينية الكبرى المدعومة من الدولة بطريق رسمي وغير رسمي وذلك كما قال محمد الهوارى في مقاله بعنوان "الحرب التجارية والتمهيد للنظام العالمي الجديد".

وبعيداً عن هذه المواجهة المباشرة تتعقد الصورة أكثر بعدد من المواجهات غير المباشرة فى آسيا والعالم كما يقول محمد الهواري في مقاله السابق ، حيث إنه من ناحية تبدو الصين أنها تستعمل كوريا الشمالية كأداة لتهديد السلام العالمي وخاصة جارتها الجنوبية الحليفة الكبرى للولايات المتحدة. فى نفس الوقت تضغط أمريكا على الصين فى هونج كونج عن طريق دعم الثورة هناك بالتعاون مع حلفائها الإنجليز وهى مواجهة فى الفناء الخلفي للصين. أيضا انتهزت الصين فرصة صدام ترامب مع الأوروبيين وتحاول ملئ الفراغ الذى قد يسببه غياب أو تقليل حجم التبادل المالي والتجاري بين الحليفين التقليديين. وأخيرا اضطرت الولايات المتحدة أخيرا لعمل تغيير كامل فى سياسة التعاون الخارجى والمعونات الخاصة بها والمطبقة منذ عقود لمواجهة مطامع الصين التوسعية المتمثلة فى مشروع أو مبادرة الحزام والطريق Belt and Road والتي وصلت حتى لإيطاليا وتبدو وكأنها تشق طريق نفوذ صينى يحوط العالم وخاصة قارة إفريقيا التي هى فى أمس الحاجة للمعونات والتمويل.

وبدون الدخول فى تفاصيل المواجهات التي يطول الكلام فيها وشرحها، ما يهمنا هنا التقريرالصادر  عن البنك الدولي وصندوق النقد والمؤسسات الأمريكية ومراكز الأبحاث، والذي كشفت عنه مؤسسة بلومبيرغ عن الصناعة ولحركة التجارة الكونية والصراع علي الأسوق العالمية وعلي حركة التجارة،  حيث تؤكد علي أن الصين متجه إلي إنزال أمريكي عن عرش الكون اقتصاديا،  وحين تُنزل الصين أمريكا عن عرش الكون اقتصاديا ، فإن هذا يعني أن مركز الاقتصاد انتقل من الغرب إلي الشرق ، مع ما يترتب علي هذا الانتقال من انتقال للفعل السياسي والدور القيادي والريادي التي تقوم به الصين.. يكفي أن أعطيك بعض النماذج وبعض الأمثلة... حاليا هناك مشروع بالصين تحت عنوان هذا المشروع " صنع في الصين في 2024 و 2025 وفق المعطيات التي بين أيدينا ووفق الأرقام التي تكلمت عنه بلومبيرغ  الصين ستكون حصتها من الناتج العالمي من الاقتصاد العالمي في سنة 2024 فإن الصين ستكون في حدود 32 % بعد كورونا متوقع أن تنزل نسبة مساهمتها إلي 28.3%.. الولايات المتحدة الأمريكية كانت حصتها من النمو الاقتصادي العالمي 13 %.. ستنزل حصتها إلي 9.2% خلال عام 2024.. في حين سترتفع حصة الهند إلي 15 % كي تصبح الهند هي الدولة الثانية بعد الصين في المساهمة في نمو الناتج القومي العالمي.. إذا أخذنا هذه المعطيات يتأكد لنا أنه فعلا الصين هي التي تتقدم علي أمريكا وأمريكا بدأت في التراجع عن عرش الكون اقتصاديا.. وهناك أيضا مؤشرات تكلم عنها صندوق النقد والبنك الدولي تؤكد علي أن الصين في عام 2030 ستكون الناتج القومي للصين في 2030 64.9 تريليون دولار وسيكون الناتج.. وقد تم عمل مقارنة ما بين الناتج القومي عام 2017 و 2030.. في 2017 كان الناتج القومي الصين في حدود 15 تريليون دولار سيصبح في 2030 64.4 تريليون دولار.. الهند كانت 9 تريليون دولار في عام 2017 سيصبح الناتج القومي للهند 46.6 تريليون.. الولايات المتحدة الأمريكية كان الناتج لقومي 22 تريليون دولار سيصبح الناتج القومي في 2030 حوالي 31 تريليون دولار أي أن الصين أكثر من ضعفي الناتج القومي الأمريكي ، هذا إذا أخذنا أيضا نسبة النمو.. نسبة النمو في أمريكا لا تتجاوز 1.2% بينما نسبة النمو في الصين في أسوأ حالاته كما هي الآن هي 5.6%.. إذا قسنا نسبة النمو بالنسبة للحركة التجارية ، فإن هذا أن الصين سابقة أمريكا والهوة ما بين الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الصيني تكبر يوما بعد يوم هذا إذا ما أخذنا نسبة العجز بالنسبة للميزان التجاري الأمريكي سيكون هناك فائض عند الصين.. ودعونا ننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة حيث يكون للحديث بقية إن شاء الله.. وللحديث بقية عن تداعيات كرونا في المقالات المقبلة إن شاء الله!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل