عبد الخالق الفلاحالعلاقات الدولية تهتم  بدراسة كل الظواهر التي تتجاوز الحدود الدولية، ويجب ان تبنى على نمط انساني حقيقي للارتقاء بالعلاقات الدولية والدبلوماسية كمهنة وعلم ينبغي تحقيق الاهداف المطلوبة وتقوم على اعادة تبني الاخلاقيات الراقية، والابداع العلمي في العمل الدبلوماسي والسياسي وبتمثيل عالمي يسهم في بناء حضارة المعرفة العالمية. كما تتجسد الرؤية في اعادة صياغة الواقع المعرفي والدراسي للعلاقات الدولية والدبلوماسية على اسس علمية قوامها البحث العلمي التطبيقي مرورا بالاستنتاج المنطقي وصولا الى التفكير الدبلوماسي الاستراتيجي الفذ وبناء الشخصيات الدبلوماسية الكارزمية القادرة على تسخير ارقى انواع نظم المعلومات لصالح فعل التاثيروالابتكار والابداع.

لا يقتصر مراجعة العلاقات الدولية على دراسة أو تحليل الجوانب أو الابعاد السياسية فقط في العلاقات بين الدول وانما يتعداها إلى مختلف الابعاد الاقتصادية والعقائدية والثقافية والاجتماعية وكذلك هي تفاعلات ثنائية الأوجه أو تفاعلات الأول هو نمط تعاوني والنمط الثاني هو نمط صراعي إلا أن النمط الصراعي هو النمط الذي يغلب على التفاعلات الدولية  الحالية ومن ذلك التمييز بين المجتمع الدولي والنظام السياسي الدولي، وبين السياسة الدولية والعلاقات الدولية التي تعني الاهتمام بالملاحظة والتحليل والتنظير من اجل التفسير والتنبؤ. ويعرفها تشارلز مايكلاند بأنها دراسة التفاعلات بين أنواع معينة من الكيانات الاجتماعية بما في ذلك دراسة الظروف الملائمة المحيطة بالتفاعلات. ويعرفها كونسي رايت (بأكثر توسعاً) بأنها علاقات شاملة تشمل مختلف الجماعات في العلاقات الدولية سواء كانت علاقات رسمية أم غير رسمية . يرى فيريدرك هارتمان بان مصطلح العلاقات الدولية يشمل على كل الاتصالات بين الدول وكل حركات الشعوب والسلع والأفكار عبر الحدود الوطنية. ويري دانيل كولارد بان دراسة العلاقات الدولية تضم العلاقات السلمية والحربية بين الدول ودور المنظمات الدولية، وتأثير القوى الوطنية ومجموع المبادلات والنشاطات التي تعبر الحدود الوطنية، ويعرف البعض الاخر العلاقات الدولية بأنها ظاهرة من التفاعلات المتبادلة المتداخلة السياسية وغير السياسية بين مختلف وحدات المجتمع الدولي.

ان التفاعلات والأنشطة السياسية الدولية، ينتج عنها أنماط مختلفة ونماذج متباينة من العلاقات التي تتركز حول أطر وهياكل تنظيمية معينة، كما أن العلاقات تحكمها وتنظمها قواعد ومعايير سلوكية دولية محددة، هي القواعد والمعايير التي يمكن أن تتطور بالوقت وفق ما تقضى به معطيات الواقع وتفرضه متغيرات الظروف.

منذ العام 2008 وتزامناً مع الازمة المالية العالمية وحرب جورجيا والألعاب الأولمبية في بكين، دخلنا طوراً جديداً في العلاقات الدولية تميز بالفوضى الإستراتيجية بدل تشكيل تعددية قطبية وأن الأحادية لا تزال تطبع تصرفات العديد من صانعي القرار في العالم، وان الدبلوماسية  المتعددة الأطراف لم تبقى هي القاعدة في الممارسات وان إعادة تشكيل النظام الدولي تبقى بعيدة المنال خاصة عندما لا تفلح الدول الخمس الكبار والدول الصناعية الأساسية في بلورة تعاون حيوي في مواجهة الجائحة " كوفيد 19" خير دليل وهذا لا يبشر بالخير لمواجهة كوارث أخرى إن من الأوبئة أو بسبب التغيير المناخي،

ويمكن لنا ان نقول بأن العلاقات الدولية الصحيحة هي تفاعلات ثنائية الأوجه  اخذ وعطاء أو تفاعلات ذات نمطين، الأول هو نمط تعاوني والثاني هو نمط صراعي إلا أن النمط الصراعي هو النمط الذي يغلب على التفاعلات الدولية برغم محاولة الدول إخفاء أو التنكر لتلك الحقيقة، بل أننا يمكننا القول أن النمط التعاوني الذي قد تبدو موجه لخدمة صراع أو نمط صراعي آخر قد تديره الدولة أو تلك الدول مع دولة أو مجموعة دول أخرى، فعلى سبيل المثال نجد أن الأحلاف وهي وسيلة لتحقيق غاية معينة بذاتها والتي تعتمد على طبيعتها وكيفية تأثيراتها ومداها، وانعكاساتها في نشوء الصراعات والروابط السياسية بين مجموعة من الدول في صورتها الظاهرية قد تأخذ النمط التعاوني بين تلك الدول برغم حقيقة قيامها لخدمة صراع تلك المجموعة من الدول ضد مجموعة أخر.

إن البعد الإقليمي هو البعد المحوري فى تحديد ما هو دولي أو غير دولي، وإن كان التفاعل يتم على المستوى الرسمي أو غير الرسمي، إلا أن تداخل البعد الداخلي مع البعد الدولي للدولة كوحدة إقليمية أثار عددًا من التساؤلات لدى بعض الباحثين، واوضحوا أن تداخل المحلى مع الدولي يجعل مهمة شديدة الصعوبة، فالداخل والخارج أصبحا متقاطعين بشكل يصعب فصله أو تجاهله والسياسة الداخلية تتأثر بالمناخ الدولي، كما أن أداء الدولة على المستوى الخارجي رهين بإنجازاتها وقوتها الداخلية. والحقيقية ان العلاقات الدولية مفهوم فضفاض للغاية، فهو فى استخدامه الحديث لا يشمل العلاقات بين الدول فحسب، بل يشمل أيضًا العلاقات القائمة بين الدول والمنظمات من غير الدول؛ مثل الكنائس ومنظمات الإغاثة الإنسانية والشركات متعددة الجنسيات، والعلاقات القائمة بين الدول والمنظمات الحكومية الدولية؛ كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي،

ويمكن لنا ايضاً ان نعرف التنظيمات الدولية ونقسمها إلى ثلاثة أنواع من حيث الاعتبار الجغرافي:

التنظيمات العالمية وتكون بالعادة عضويتها مفتوحة - وفق ضوابط محددة مسبقا- لجميع دول العالم مثل هيئة الأمم المتحدة.

التنظيمات الإقليمية والتي تكون العضوية فيها محددة لدول واقعة في إقليم جغرافي معين مثل جامعة الدول العربية والتي ينتمي لعضويتها جميع الدول العربية وكذلك مثل منظمة الدول الأمريكية والتي لا يوجد في عضويتها دول عدا الدول الواقعة في القارة الأمريكية.

التنظيمات عبر الإقليمية وعضوية هذا النوع من التنظيمات مختلفة عن تلك المتبعة في التنظيمات الإقليمية التي تأخذ في الاعتبار الجوار الجغرافي، حيث أن هذا النوع يأخذ باعتبارات أخرى سياسية كانت أو اقتصادية أو ثقافي.. الخ. ومن الأمثلة البارزة على هذا النوع من التنظيمات منظمة الأقطار المصدرة للبترول والتي معيار العضوية فيها مبني على أساس أن الدول الأعضاء فيها هم في حقيقة الأمر من كبار الدول النفطية المصدرة للبترول.

 

عبد الخالق الفلاح

 

جواد بشارةمقال قديم كتب قبل عقد من الزمن لكنه يظل صالحاً لوصف الواقع العراقي المظلم والكئيب والخطير اليوم وأضفت إليه بعض الأسماء كرؤساء الوزراء الجدد بعد المالكي وهم العبادي وعبد المهدي والكاظمي، وبعض الأحداث والوقائع الحديثة.

***

الأحداث تتسارع والتصعيد يزداد في العراق ففي كل ساعة هناك قنبلة إعلامية لها خلفيات قد تكون كارثية في المستقبل المنظور. إيران تراوغ وتهدد علناً وتتوسل للتفاوض سراً مع أمريكا لإنقاذ نفسها من كارثة محدقة وأكيدة لا تقل عن الكارثة التي أطاحت بصدام حسين،، وأذنابها الجهلة السذج والعاطفيين والمنفعلين في العراق الذين لا يهدئون رغم تبرئة نفسها من أفعالهم فبعض تشكيلاتهم الميليشياوية القذرة والوقحة في العراق ككتائب حزب الله وحركة النجباء، قصفت، ومازلت تقصف السفارة الأمريكية بصواريخ كاتيوشا سقطت في محيطها وآخرها على مطعم السفارة وأصابت عدد من موظفيها ما يعني اعتداء على سيادة الولايات المتحدة الأمريكية وعلى أرض أمريكية بموجب العرف الدبلوماسي ناهيك عما لهذا الفعل من تداعيات لاحقة وتحدى وإهانة لهيبة الدولة العراقية وسلطتها مثلما هو تحدي لهيبة وقوة ومكانة أمريكا التي لا يمكنها أن تسكت عن مثل هذه العمليات الصبيانية التي ترسل رسائل سيئة وخاطئة لأعدائها وخصومها بأنها عاجزة عن الرد ومعاقبة المجرمين والإرهابيين الذي يهاجمون هيئاتها الدبلوماسية وسفاراتها ومصالحها الحيوية وقواتها المسلحة المنتشرة في كل مكان. الداخل الإيراني يعيش حالات متفجرة وقلق واضطراب وخوف ومعاناة من الحصار الاقتصادي والعزلة والعقوبات الدولية ولا يمكن إلا أن ينعكس ذلك سلباً على الداخل العراقي. ومنذ ما يزيد عن شهرين أو أكثر من بدء الانتفاضة الجماهيرية الاحتجاجية في الأول من تشرين أكتوبر 2019 حذرنا من سلوكيات الميليشيات الموالية لإيران ومن ضعف الدولة إن لم نقل تواطؤها مع أعوان إيران في العراق لجر البلاد إلى أتون حرب مدمرة ستأكل الأخضر واليابس إذا لم ننتبه ونتخذ الاحتياطات اللازمة. فالنظام الإيراني كان يحلم بتحقيق وحدة وطنية وتكاتف وتوحيد الصفوف بين مواطنيه بعد مقتل الجنرال قاسم سيلماني لكنه حصل على العكس تماماً، خاصة بعد إصابة الصواريخ الإيرانية طائرة البوينغ الأوكرانية ومقتل ركابها الــ 176 وطاقمها فانفجرت تظاهرات احتجاجية عنيفة ضد نظام الملالي وضد الولي الفقيه خامنئي التي اندلعت منذ شهر أكتوبر 2019. لقد تحطمت هيبة ومصداقية الحكومة وانكشف كذبها ولقد وجه المرشد الأعلى بقمع وإجهاض الاحتجاجات الشعبية في إيران بكافة الوسائل والسبل وبأي ثمن كان وقطع اتصالات الجماهير الغاضبة بوسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العالمية،  وأمر باتباع نفس السياسة تجاه الحركة الاحتجاجية الشبابية العراقية. وفي خضم تخبطها قامت السلطات باعتقال السفير البريطاني في طهران لبضعة ساعات بتهم تحريضه الإيرانيين على التظاهر والاستمرار باحتجاجاتهم مما لوث أكثر صورة طهران وحكومتها الموصوفة بأنها تشجع الإرهاب العالمي وجعل علاقاتها متوترة مع أغلب دول العالم. طهران ترسل الرسائل والوسطاء متوسلة بإعادة التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية بشرط واحد فقط هو رفع العقوبات فردت أمريكا على لسان رئيسها لا شكرا لا مصلحة لنا بالتفاوض الآن وإذا كان هناك تفاوض ما فيجب أن يكون بلا أي شرط مسبق من جانب إيران وبالشروط الأمريكية ومناقشة كافة الملفات وليس فقط الملف النووي، مثل الصواريخ البالستية والتمدد الإيراني ونفوذ إيران في المنطقة الخ..

هل هذا يعني أنه الحرب واقعة لامحالة بعد اغتيال سليماني في بغداد في الثالث من يناير 2020 بطائرة مسيرة أمريكية؟ وإطلاق إيران لــ 22 صاروخ إيراني على قاعدة عين الأسد العراقية التي تحوي قوات أمريكية أيضاً ليلة 7-8 يناير؟ ومهاجمة الميليشيات العراقية الموالية لإيران للسفارة الأمريكية في العراق ومن ثم إطلاق صواريخ في محيطها وأخيراً سقوط ثلاث صواريخ في حرم السفارة ذاتها على المطعم الملحق بها وإصابة موظفين فيه فجر يوم 27/يناير؟

تريد طهران أن تظهر بمظهر الدولة القوية وألا ترسل إشارات ضعف أو خوف وتدعي أنها وجهت صفعة قوية للغطرسة الأمريكية. ترامب هدد بأنه لن يسمح لإيران أبداً بامتلاك السلاح النووي وحذر خامنئي والانتباه لتصريحاته وفرض عقوبات إضافية على إيران وتهديد خليفة الجنرال قاسم سليماني بمصير مماثل. وزير خارجية إيران جواد ظريف صرح بأن بلاده لا ترغب بالتصعيد ولا تريد الحرب وتكتفي بردها الرمزي حفظاً لماء الوجه لا أكثر متفادياً إيقاع إصابات بين صفوف الجنود والضباط الأمريكيين في قاعدة عين الأسد لكن طهران تصر على إخراج القوات الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط لا سيما من العراق الرئة الوحيدة التي تتنفس من خلالها في الوقت الحاضر. هناك علامات استباقية تتنبأ بقرب انهيار النظام إذا دخل في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية كانهيار العملة الإيرانية وارتفاع الأسعار وتفاقم غلاء المعيشة والعجز في توفير العملات الصعبة والنقد الأجنبي اللازم للتجارة.

تجدر الإشارة إلى أن الأزمة الحالية لم تكن وليد اليوم بل لها جذور تعود لأكثر من أربعين عاماً، أي منذ عام 1979 وإعلان تأسيس الجمهورية الإسلامية على يد خميني وما تلاها من أحداث كان على رأسها أزمة الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران وبدء سياسة التطويق والاحتواء التي اتبعها الرئيس كارتر بعد أن تحولت إيران من شرطي الخليج المخلص للولايات المتحدة إلى عدو معلن. ومنذ ذلك الوقت مدت إيران أذرعها ونفوذها في لمناطق ذات التواجد الشيعي كالعراق والبحرين ولبنان وسوريا واليمن. ولقد وقفت واشنطن إلى جانب العراق في حرب ضد إيران في ثمانينات القرن الماضي ومدته بالمساعدات والمعلومات الاستخبارية والمشورة والصور التي تلتقطها أقمارها الصناعية التجسسية من الفضاء. لكن العلاقات العراقية الأمريكية عادت للتدهور والتوتر بعد غزو العراق للكويت وبقيت على هذه الحالة إلى 2003 عندما قررت إدارة جورج بوش الإبن غزو العراق وإطاحة نظام صدام حسين في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 ولقد استغلت طهران الوضع الجديد بعد سقوط صدام حسين للتغلغل إلى العراق وإحكام قبضتها عليه من خلال أعوانها وذيولها من الطبقة السياسية العراقية الجديدة التي نصبتها الإدارة الأمريكية على رأس السلطة وفق نظام محاصصة تتقاسم السلطة فيه المكونات الرئيسية وهم الشيعة والكورد والسنة فالشيعة يمثلون الوسط والجنوب والسنة يمثلون المنطقة الغربية وجزء من المطقة الشمالية في الموصل والكورد في المنطقة الشمالية ذات الغالبية الكوردية .عاش العراق فترة اضطرابات وحرب أهلية بين 2004 و 2011 بالرغم من وجود القوات الأمريكية المحتلة في العراق حيث نشأت منظمات إرهابية سنية بذريعة مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق كالقاعدة وداعش لكنها في الحقيقة كانت تستهدف المكون الشيعي والسني معاً . خرجت القوات الأمريكية من العراق بموجب اتفاق بين الحكومة العراقي والحكومة الأمريكية سنة 2011 لكنها اضطرت للعودة جزيئيا بعد نشوء خطر تنظيم داعش ودولة الخلافة المزعومة التي احتلت أراضي واسعة من العراق وسوريا وتشكلت منظومة قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لدحر داعش، وكانت تعمل جنباً إلى جنب مع قوات الحشد الشعبي والميليشيات التابعة لإيران وتوفر لها الغطاء الجوي في محاربتها لأنصار ومقاتلي داعش على الأرض. وفي الداخل العراقي ساعرت إيران بدمج عناصر الميليشيات المسلحة الموالية لها داخل قوات الجيش والشرطة والأمن والاستخبارات خاصة بعد دحر الدولة الإسلامية ومقتل زعيمها الخليفة المزعوم أبو بكر البغدادي وشكلت ما صار يعرف بالدولة العميقة صاحبة السلطة الحقيقية وأقوى من سلطة الحومة الشرعية الرسمية، ألا وهي دولة الميليشيات المسلحة التابعة لإيران بقيادة الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وهادي العامري وقيس الخزعلي وأكرم الكعبي  وحامد الجزائري وفائق البطاط وغيرهم، وبو علي العسكري وغيرهموغيرهم فيما بقي مقتدى الصدر يشكل لوحده تياراً صدرياً يمتلك ميلشيا خاصة به هي جيش المهدي الذي تحول إلى سراي السلام فيما بعد وكان يقوم بمناكفة القوات الأمريكية لصالح إيران في البدء ثم دخل معترك العمل السياسي وفاز في آخر انتخابات داخل تحالف سائرون بأكبر عدد من مقاعد مجلس النواب العراقي الأخير بعد انتخابات سنة 2018. ومنافسه هو تحالف الفتح برئاسة هادي العامري الإيراني الهوى والانتماء تحت غطاء الحشد الشعبي. بعض الفصائل المنفلتة من الحشد هاجمت القواعد الأمريكية في العراق وقتلت متعاقد أمريكي فقامت الولايات المتحدة الأمريكية بقصف مجموعة كتائب حزب الله على الحدود السورية العراقية. خلال الجنازة في بغداد، خرجت الأمور عن السيطرة في المنطقة الخضراء وتم الهجوم على السفارة الأمريكية، ما دفع بالرئيس ترامب إلى إعطاء الأمر باغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، قائد الحشد الشعبي. بعدها بأيام، قصفت إيران قواعد أمريكية في العراق... لتصبح بلاد الرافدين مجددا مسرحاً للصراع الإيراني الأمريكي.

شهد العراق منذ شهور طويلة حراكاً جماهيراً احتجاجياً رافضاً لنظام المحاصصة ومطالباً بدولة مدنية وبمحاربة الفساد ومحاسبة اللصوص والفاسدين وداعياً لإحداث عملية إصلاح في بنية النظام وهيكليته وإزالة المنظومة السياسية الفاسدة برمتها لكن المنطق يقول أن القوى السياسية الحاكمة في العراق لا يمكن أن تحقق أي إصلاح لأنه ضد مصالحها لذلك يساومون ويماطلون ويكذبون ويسوفون لكسب الوقت ويراهنون على تعب المتظاهرين فلا يمكن أن يشرعوا قوانين تحاسبهم وتحاكمهم وتفضح فسادهم وجرائمهم. والحكومة التي خلقوها على مقاسهم لن تستسلم ولن تتنازل عن سلطتها وامتيازاتها وكذلك البرلمان الذي يهيمنون عليه بأغلبية عددية لن يستسلم و يتنازل عن امتيازاته أو يحل نفسه فالأحزاب الحاكمة وميليشياتها وطبقة الفساد المرتبطة بها لن يفرطوا بأي شيء من امتيازاتهم، والأموال التي سرقوها لابد من انتزاعها منهم بأي وسيلة وبالتالي ينبغي جعلهم مرعوبين من مصيرهم الأسود في المقابل يتمتع هؤلاء المجرمون بدعم طهران التي دعت ميليشياتها لتصفية التظاهرات الاحتجاجية في العراق بالقوة مثلما قامت هي بقمع الحراك الجماهيري في طهران ومدن إيرانية أخرى. فقد أعلن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي أن البلاد أحبطت مؤامرة “خطيرة جدا” بعد اندلاع أعمال عنف خلال التظاهرات التي شهدتها إيران في وقت سابق احتجاجا على رفع أسعار الوقود. وقال خامنئي بحسب ما نقله التلفزيون الرسمي إن “الشعب الإيراني أحبط مؤامرة عميقة وواسعة وخطيرة جدا وظف الأعداء أموالا طائلة لها وبذلوا جهودا كبيرة ليقوموا بمثل هذه الممارسات، أي التخريب والأعمال الشريرة والقتل”. ولكن كما صرح أستاذ العلوم السياسية الدكتور خطار أبو دياب في مقال له:" أياً تكن خلاصات الانتفاضة الحالية في إيران، فإن الصورة تبدو قاتمة للمنظومة الحاكمة وأذرعها الإقليمية. ومع بداية عصر النهوض الوطني لم يعد هناك من أفق لمشروع العودة إلى الإمبراطوريات السالفة". وفي العراق بدت التظاهرات الاحتجاجية كأنها تراوح مكانها وتواجه أفق مسدود وكان لا بد من عملية زحف مليونية باتجاه العاصمة بغداد من كافة المحافظات لإسقاط السلطة معنوياً وإعلامياً وسحب الشرعية منها أمام الرأي العام العالمي والمؤسسات والمنظمات الدولية وأتمنى أن تستغل المرجعية هذه الفرصة لتعلن موقفها الصريح بفتوى تعلن فيها عدم شرعية السلطة القائمة وتحريم قتل المتظاهرين وإقالة الحكومة الحالية وحل البرلمان بعد التصويت على قانون انتخابات عادل ونزيه ومنصف جديد على أساس الانتخاب الفردي حسب عدد السكان في كل منطقة وليس حسب قوائم الأحزاب الفاسدة المفصل على قياسها وتشكيل مفوضية انتخابات جديدة نزيهة وتحت إشراف دولي والتحضير لانتخابات مبكرة تحت إشراف دولي ورقابة دولية. هذا هو الحل الوحيد للخروج من نفق الدمار والشلل ونزيف الضحايا والشهداء والجرحى الذي يزدادا يوما بعد آخر ولتفادي الوقوع في أتون حرب أهلية دموية تأكل الأخضر واليابس وتدمر البلاد برمتها. اتهمت ميليشيات عصائب أهل الحق الجماهير المنتفضة بأنها ضحية مندسين جوكرية تابعين لأمريكيا يخططون لاغتيال رموز المرجعية الدينية العليا في النجف وذلك لكي يبرر قيس الخزعلي زعيم ميليشيات عصائب أهل الحق إرساله ميليشياته للنجف حيث إدعى أن هناك تهديد بمهاجمة وحرق بيت المرجع الأعلى السيستاني وإنه عازم على إرسال عناصره المسلحة لحماية المرجع والحقيقة هي للمشاركة في قمع الانتفاضة التي اندلعت لاستئصال النفوذ الإيراني في العراق وفي النجف وكربلاء بالذات. وبعد التي واللتيا ـ نطقت المرجعية على استحياء أخيراً بحرمة الاعتداء على المتظاهرين السلميين، ما يعني السماح بضرب المتظاهرين غير السلميين وقتلهم فهل هذا يكفي لوقف التدهور والتصعيد وتفاقم الأوضاع وتزايد المخاطر التي تدفع نحو المواجهة الشاملة والحرب الأهلية؟

تصريحات مقتدى الصدر زعيم تحالف سائرون والقائد الأعلى للتيار الصدري: عندما حدث خلاف بينه وبين من نصبه رئيساً للوزراء أي عادل عبد المهدي قال الصدر يجب أن تستقيل الحكومة ولكن بعد أسبوع، وإثر زيارته لإيران صرح قائلاً إن استقالة الحكومة تؤدي إلى الهاوية. وبعدها مباشرة بأسبوع صرح بالنقيض وقال إذا لم تستقل الحكومة فهذه بداية النهاية. ألا يرى السيد الصدر تناقضاته الفجة في تصريحاته واضطراب موقفه السياسي؟ فهذا يدل على عدم النضوج السياسي لشخص مؤثر جداً على مجريات العملية السياسية في العراق ويتبعه  قطيع يقارب المليوني تابع. الكل متشبث بالسلطة وبامتيازاته ولا فرق بين الحكومة والأحزاب والكتل السياسية في ذلك بما فيها التيار الصدري نفسه الذي يمتلك الوزراء والمسؤولين والمدراء العامين ووكلاء الوزارات والنواب في مجلس النواب.

عندما كنت في العراق في فترة حكم عادل عبد المهدي سألني كثيرون عن سبب تمسك هذا الأخير بالسلطة والحكم وعدم تقبله لمطلب تقديم استقالته حقناً لدماء الشباب الثائر ضد العملية السياسية برمتها قبل أن يقدمها مرغماً بأمر من المرجعية الدينية العليا في النجف، فكان جوابي إنه مرض السلطة والداء العضال الذي يعمي البصر والبصيرة والخوف من خسارة مظاهر الأبهة والسلطة والامتيازات وبهارج السلطان ولكن هناك عامل آخر لايقل أهمية ألا وهو سلطة وتهديد رموز وممثلي الدولة العميقة، أي الشخصيات والأحزاب والكتل الإسلامية التي تمتلك ألقوة والنفوذ والمال والسلاح والميليشيات الخطيرة وتمسك بتلابيب السلطة الحقيقية في الدولة العميقة وليس فقط تمسك بتلابيب السلطة الشرعية الظاهرية وهم الذين يتحكمون بقرار وبقاء أو مغادرة هذا المسؤول أو ذاك ويمتلكون إمكانية تصفيته سياسياً وجسدياً إذا تطلب الأمر ذلك، مثلما هددوا  على نحو مبطن رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي، ولهؤلاء أسماء معروفة ولكن لا يتجرأ أحد على ذكرها لأنهم يثيرون الخوف والهلع من سطوتهم ودمويتهم وهم على سبيل المثال لا الحصر ممثلي الولي الفقيه علي خامنئي : قاسم سليماني لأنه هو الحاكم الفعلي للعراق، وأبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي والجندي المطيع لولي نعمته خامنئي واللذين قتلا في غارة أمريكية في مطلع شهر يناير الماضي، ومعهما فالح الفياض الشخصية الغامضة والخطيرة، وهادي العامري وتنظيمه الميليشياوي الخطير والمسلح منظمة بدر والذي وضعه تحت إمرة وتصرف إيران في أي وقت تشاء وجلال الدين الصغير وعمار الحكيم بعد موت عمه محمد باقر الحكيم وأبيه عزيز الحكيم وتسلم هو إرثهم البغيض وإمبراطوريتهم المالية والسياسية والعسكرية بكل ما فيها من فساد ولم يكن عادل عبد المهدي سوى برغي بسيط في تلك الماكنة الفاسدة الضخمة التي كانت تسمى المجلس الإسلامي الأعلى وتحولت إلى تيار الحكمة، ونوري المالكي وجهازه السلطوي المعروف باخطبوط حزب الدعوة ومن معه من الشخصيات البهلوانية كابراهيم الجعفري وعباس البياتي وحيدر العبادي وعلي الأديب ووليد الحلي وعبد الحليم الزهيري ومن يسمون أنفسهم بالقيادة التاريخية للدعوة، وبالطبع التيار الصدري منذ نشأته وإلى اليوم وتاريخه الدموي وفساده السياسي والمالي وعبر جرائم جيش المهدي المعروفة منذ عام 2003 واغتيال مجيد الخوئي إبن المرجع الأعلى السابق أبو القاسم الخوئي، ومن ثم انسلاخ الجناح الأكثر دموية وانفلاتاً منه ألا وهو عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، وتنظيمات ميليشياوية متناثرة هنا وهناك تحت خيمة الحشد الشعبي بمسميات كجيش المختار وكتائب الخراساني وفيلق أبو فضل العباس وحركة النجباء وحزب الله العراقي وكتائب الإمام علي وغيرها إلى جانب تشكيلات البيشمركة الكوردية شبه المستقلة عن السلطة المركزية ولديها الحكم الفصل في حيثيات وتفاصيل العملية السياسية المركزية في العراق الفيدرالي وهناك شخصيات سياسية كانت فاعلة ومؤثرة لكنها لا تمتلك ثقلاً عسكرياً كالراحل عدنان الباججي وأياد علاوي ونصير الجادرجي وغيرهم حيث توارى معظمهم من مقدمة المشهد السياسي العراقي وبفعل ماكنة الفساد الضخمة واحتكار المناصب والامتيازات من قبل ممثلي الدولة العميقة حدثت حالة من الاحتقان الشعبي تطورت إلى ثورة شعبية عارمة. فثوار تشرين لديهم غاية واحدة اليوم هي التخلص من هيمنة الولي الفقيه وتحرير الوطن وتأمين استقلاليته السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية أي استعادة الوطن وثروات البلد من أتباع طهران، والتخلص من منابع الشر و الإرهاب الإقليمي البغيض وخاصة أتباع إيران الذين، بغفلة من الزمن، تسلطوا على رقاب العباد والبلاد وبمساعدة أمريكية لتحقيق أهداف مدمرة منها نشر الفساد والنهب وتقويض اللحمة الإجتماعية وتهديم القيم الأخلاقية العراقية، ونسف  الشعور بالمواطنة، ليتسنى للمحتلين الأمريكان والإيرانيين أن يجثموا على خيرات الوطن ويدنسوا ترابه بشلة من العملاء الذين احتموا بمظلة المرجعية وتحركوا بغطاء منها طيلة سبعة عشر عاماً ووضعوا الحكومة والسلطة ومقدرات العراق بيد الأحزاب السياسية الاسلامية الشيعية التي أعدت لهذا الدور في إيران وبمباركة الحوزة الدينية الإيرانية ومؤسسة الولي الفقيه في طهران، المستفيد الأول من الرئة الوحيدة التي بقيت لها للتنفس أي العراق وجعله تابعاً وسوقاً وعمقاً استراتيجياً وأمنياً وعسكرياً، في حالة أي مواجهة مع أعداء إيران . كما شكلت المرجعية الدينية العراقية جناحاً غير مرئي للدولة العميقة المتحكمة بالمسارات السياسية والاقتصادية والمالية في العراق والتحكم بالاقتصاد والمال والتجارة والعملات والمقاولات ــ مشروع مطار كربلاء مثال ساطع على ذلك ونشاطات العتبات التابعة للمرجعية الخارجة عن سيطرة ورقابة رسمية من قبل الدولة ــ والمناصب وتدوير المراكز والمناصب وتوزيعها على الموالين والمقربين حتى تحولت المكاتب الاقتصادية التابعة لأحزاب الإسلام السياسي والمرجعية ذاتها، برموزها كعبد المهدي الكربلائي وأحمد الصافي النجفي، إلى بؤر يتجمع فيها وحولها سراق المال العام وتجار الموت وأصحاب المقاولات والكومسيونات المليارية والمقاولات الفاسدة وغدت ما يشبه الامبراطوريات المافيوية. فعادل عبد المهدي وخلفه مصطفى الكاظمي يعرفان بالتفاصيل والأسماء هذا الواقع العفن والفاسد وأبطاله وهما جزء منهم ويمكنهما فضحهم إذا ما قرر الحكام الحقيقيين تقديمهما وحدهما ككبش فداء لجرائمهم وفسادهم فالجميع مسؤول وليس عادل عبد المهدي وحده الذي يجب أن يحاكم على جرائمه، والثوار واعون لذلك جيداً ولن يزحزحهم أحد عن مطالبهم وهم يقظون لمناورات السلطة والقوى السياسية الفاسدة فيها التي تريد العودة من الشباك بعد كنسهم وطردهم من الباب العريض.

لماذا لا تريد المرجعية أن تفهم وتستوعب أن الحكومة المؤقتة القادمة، التي تقتصر مهمتها على تشريع قانون انتخابات عادل ونزيه ومنصف يقبله الشعب والمتظاهرون، وتحديد موعد واضح للانتخابات، يكون مبني على الترشيح الفردي والفوز بأعلى الأصوات والتمثيل حسب عدد السكان وليس ممثلين عن الأحزاب والقوائم الحزبية، وإنها، أي الحكومة القادمة، لا يجب أن تأتي من الطبقة السياسية الفاسدة ذاتها التي تقوم بعملية تدوير أسماء ليس إلا للحفاظ على امتيازاتها، بل من قبل الجماهير المنتفضة التي قدمت الشهداء لأجل تغيير المنظومة السياسية بأكملها بدون استثناء بما فيهم المقربون من المرجعية نفسها من شخصيات وأحزاب سياسية دينية وغير دينية وأغلبهم فاسدون، فالشعب ليس بحاجة لوصاية المرجعية وإملاءاتها و لا لوصاية وتدخل الأحزاب السياسية لا سيما الدينية منها و لا لوصاية أو حناية أو تدخل التيار الصدري. علينا أن نبدأ من جديد بصياغة العملية السياسية في العراق كما لو إننا في 10 نيسان 2003 بعد سقوط الطاغية صدام مباشرة وتأسيس حكم مدني مستقل ومن الكفاءات لتسيير عجلة البلاد باستقلالية تامة وترميم وإصلاح البنى التحتية وتوفير الخدمات العامة وعودة دورة الاقتصاد السليمة والإنتاج الصناعي والزراعي المحلي وحماية المنتوج المحلي وإعادة توزيع الثروة على نحو عادل ومشروع واستعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة الفاسدين ورعاية الشعب والطبقات الفقيرة منه على وجه الخصوص في كافة القطاعات الصحية والتعليمية والمهنية وتوفير فرص العمل والقضاء على البطالة لا سيما بين فئة الخريجين والأهم تطبيق القانون والدستور واستعادة هيبة الدولة وسلطتها. فالميليشيات الحاكمة وأغلبها يتحرك تحت غطاء الحشد الشعبي، تعمل على تحويل الوضع الثوري إلى نوع من النزاع المسلح كي تبرر لجؤها إلى العنف المفرط بأنه نوع من الدفاع عن النفس وليس اعتداءً سافراً على شعب ثائر أعزل ومسالم يطالب بحقوقه المسروقة إذ أن الواقع السياسي البائس في العراق أفرز انسدادا لا يمكن أن يحل إلا بإحدى طريقتين إما الاستسلام وهو أمر لا يمكن أن يحدث من قبل الجماهير بعد كل هذه التضحيات الجسيمة، أو المجابهة بين المجتمع الثائر وميليشيات أحزاب السلطة الفاسدة، وبالتالي  الغرق في أتون حرب أهلية، ولا يجوز السماح لمؤسسي نظام ما بعد 2003 فتح صفحة جديدة مع "تظاهرات تشرين". فالصفحة الجديدة تفترض العطاء والمهنية والعدالة والانسحاب من العملية السياسية وتسليمها للثوار. أما الفاسد المؤسس فيميل للتلفيق والتدمير أكثر من الاعتراف والإعتذار.

لقد تحول العراق اليوم إلى اللادولة أو دولة بلا قانون تحكمه شريعة الغاب والبقاء للأقوى والقوة اليوم بيد الميليشيات المتغولة والتي تملك المال والسلطة والسلاح والإعلام وفي مواجهتهم شعب أعزل لا يملك سوى الإرادة والحلم بوطن حر. وصلت الحركة الاحتجاجية إلى نقطة حاسمة تتطلب الحسم والحد من نزيف الدم اليومي خاصة إزاء عزم الميليشيات التابعة للولي الفقيه تصفية الانتفاضة بالقوة وإغراقها ببحر من الدم لذا ليس أمام الثوار سوى الزحف المليوني السلمي إلى بغداد واحتلال مقرات السلطة. الخزعلي حذر من سقوط آلاف القتلى إذا تجاوز المحتجون الخطوط الحمر وهاجموا مقرات السلطة والأحزاب الحاكمة بينما ردد قياديو التظاهرات أنهم لا ينون الزحف على المنطقة الخضراء رمز السلطة الحاكمة فإلى متى سيستمر الحال وهو يراوح في مكانه ومتى سيحدث الحسم وتحقيق الانتصار وكيف سيتم ذلك طالما بقيت سلطة الأحزاب وميليشياتها قائمة ومؤثرة ومهددة لأي تحرك يسلبها امتيازاتها وسلطتها؟ لا يمكن إجراء أي تعديل أو توقع حدوث إصلاح من أية جهة كانت طواعية فهم متوحشون ومجرمون ومستعدون للبطش بأية قوة مناوئة لهم ومهددة لمصالحهم وذبحها من الوريد إلى الوريد فهل نحن في طريق مسدود الآن؟

ما يدور في كواليس السياسة العراقية يفصح أحياناً عن أمور صادمة وكارثية تنم عن نوايا مستترة وإجرامية، وآراء ومواقف ذات دلالات عميقة. فالطبقة السياسية الحاكمة، وبالتحديد الأحزاب الإسلامية وميليشياتها المسلحة، الموضوعة رهن إشارة إيران وتحت قيادة قاسم الجنرال المقتول سليماني المباشرة وذراعه اليمنى المقتول معه أبو مهدي المهندس، وهي بالإسم منظمة بدر وعصائب أهل الحق وحركة النجباء وكتائب حزب الله العراقي ولواء الإمام علي وكتائب الخراساني وجيش المختار وكتائب أبي فضل العباس وغيرها من التسميات المنضمة خلف واجهتها السياسية المعروفة تحالف الفتح الذي يدعي أنه هو الممثل السياسي للحشد الشعبي، كانت وما تزال متمسكة بالسلطة التي تعتبرها من حقها حكراً كتتويج وثمرة لنضالها السياسي والعسكري الجهادي ضد النظام السابق وبالتالي فهي لن تسلم هذه السلطة إلى أي كان يريد سلبها منها حتى لو كان الشعب العراقي برمته، والذي يفترض أنه مصدر السلطات وشرعيتها في العراق حسب الدستور . فها هو هادي العامري رئيس تحالف الفتح ورئيس منظمة بدر المسلحة يرفض طلب أكثر من 160 نائب طلبوا منه أن يرشح شخصية من خارج الوسط الحزبي السياسي الحاكم لرئاسة الحكومة الانتقالية المؤقتة وقال بالحرف الواحد": ناضلت لأكثر من أربعين عاماً لكي أصل إلى ما أنا عليه اليوم وأحصل على السلطة وتريدون مني تسليمها إلى حفنة من " الزعاطيط"، ويعني بهم شباب الثورة وقادة الاحتجاجات وجماهيرهم الذي يطالبون بتغيير المنظومة السياسية الفاسدة برمتها والتي يمثلها العامري والمالكي والخزعلي والصدر والعبادي والحكيم والحلبوسي ومن لف لفهم ومن حولهم أحزابهم الفاسدة والسارقة لخيرات وثروات الشعب والوطن . فشباب التحرير وباقي في سوح الثورة والاحتجاج الجماهيري في جميع مدن العراق ومحافظاته مهما كانت درجة القمع وهم واعون لما يريدون ويتميزون بسلميتهم وانضباطهم رغم الاعتداءات والاغتيالات والخطف والتهديد والقتل والعنف المفرط الذي يواجهون به من قبل الميليشيات المسلحة والقوى الأمنية وقوات الشغب المتواطئة مع أحزاب السلطة الفاجرة. ولقد وضع الثوار شروطاً يجب أن يتحلى بها من سوف يتولى قيادة المرحلة الانتقالية وهو اليوم متجسد بشخصية مصطفى الكاظمي، لحين إجراء انتخابات قادمة وفق قانون انتخابات جديد عادل ومنصف ونزيه وتحت إشراف دولي تم التصويت عليه مؤخراً رغم نواقصه، ويقترحون شخصية حيادية نزيهة وكفوءة لقيادة الفترة الانتقالية على أن لا ينشرح للانتخابات القادمة ولن يتمتع بأية امتيازات خارجة عن الحد المقبول وسيكون الحكم الفصل من قبل الشعب الذي سيخرج من صناديق الاقتراع تحت مراقبة وإشراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي و لا يترك أدنى فرصة لأي حزب للالتفاف على العملية الانتخابية بحجة تخصيص نسبة للأحزاب تتراوح بين 25 و 50 بالمائة والنصف الآخر للانتخاب الفردي على أساس عدد السكان والدوائر المتعددة المحددة بالأقضية والنواحي والترشيح الفردي والفوز لمن يحصل على أعلى نسبة أصوات لأن الشعب ينوي كنسهم كلياً من المشهد السياسي القادم ومن ثم يقوم النظام القادم المنتخب شرعياً بالإصلاحات الجذرية والتشريعات اللازمة التي يحتاجها الوطن والمواطنين بمختلف انتماءاتهم ومكوناتهم والتي من شأنها إخراج البلاد من النفق المظلم الذي وضعته فيه الطبقة الحاكمة الفاشلة . فالأحزاب والكتل السياسية مازالت مصرة على المناورة الخبيثة واقتراح فرد من بين صفوفها تقف خلفه لتتلاعب به وتحافظ على امتيازاتها من خلاله كاقتراحهم ترشيح فلاح السوداني أو إبراهيم بحر العلوم أو قصي السهيل أو مصطفى الكاظمي أو علي شكري أو أسعد العيداني أو فالح الفياض أوعباس البياتي أو عزت الشابندر وغيرهم من الوجوه الكالحة التي يرفضها الشعب. وإذا لم يذعن الشعب ويتراجع ويخلي ساحات الاعتصام فسوف يتعرض لعمليات إبادة جماعية حقيقية، وتسيل دماء كثيرة وتزهق أرواح. لقد جلبت الميليشيات التابعة لإيران مرتزقة من أفغانستان وباكستان إلى العراق لتعزيز صفوف الميليشيات الموالية لها والتي تقوم بعمليات القتل والاختطاف اليومي بين صفوف المتظاهرين والاعتداء عليهم في ساحات الاعتصام وخارجها عند عودتهم إلى بيوتهم، وفي مقابلها استعدادات أمريكية تعزيزية لقواتها المتواجدة في العراق تحسبا لأية مواجهات قادمة. على المتظاهرين أن يعوا خطورة الموقف ويحصنوا أنفسهم من الآن لأن مخططات السلطة الحقيقية في الدولة العميقة ونواياها خطيرة وإجرامية. المرجعية هي التي أفتت بتشكيل الحشد الشعبي وكانت محقة بذلك وهي وحدها القادرة على الإفتاء بحل الحشد الشعبي بعد أن اختطفته الميليشيات المسلحة التي كانت موجودة قبل تأسيسه وصارت تمارس سلطاتها وعنفها وقمعها وخطفها وقتلها للناشطين باسمه والتحكم بالعملية السياسية برمتها تحت رايته. فإلى متى يبقى المتظاهرون السلميون صامدين يقدمون يومياً شهداءً يسقطون بسلاح الميليشيات والعصابات الإجرامية التي تعمل لحساب السلطة؟ هل السلمية تعني تحريم الدفاع عن النفس؟ إذا استمر الأمر هكذا فسوف تتم تصفية شباب الثورة عن بكرة أبيهم خلال أسابيع قليلة ولابد من وقف النزيف. فالحقوق تؤخذ ولا تعطى والطبقة السياسية الفاسدة الحاكمة لا ترغب في التنازل عن أي من امتيازاتها طواعية إلا إذا أرغمت على ذلك والمعادلة بين أحزاب السلطة والشعب غير متكافئة فالنظام مدعوم من إيران والشعب مكشوف الظهر.

لا يوجد لدينا رجال دولة بل رجال سلطة وحيتان فساد ورؤوساء عصابات وميليشيات حاكمة فرجال الدولة يركنون إلى العقل والمنطق السليم في إيجاد الحلول إبان الأزمات الخطيرة التي تهدد مصير بلدانهم ويتناسون خلافاتهم عكس رجال السلطة الذي لاتهمهم سوى مصالحهم الخاصة ومجلس النواب عاجز عن تشريع قانون انتخابي عادل ومنصف ونزيه يعتمد مبدأ الدوائر المتعددة والانتخاب الفردي بنسبة ١٠٠٪ وعلى أساس الدوائر الانتخابية التي تقسم حسب الكثافة السكانية ويكون الفائز هو الشخص الذي يحصل على نسبة ٥٠٪ فما فوق من أصوات السكان في الدائرة الانتخابية وهذا لا يعجب الأحزاب السياسية المتمسكة بالسلطة والتي من الممكن أن تخسر حتى شرعية وجودها أو لن تتمكن بالفوز ولا حتى بمقعد واحد في البرلمان القادم وهي كارثة سياسية بالنسبة لها. هل يفهم السياسيون وأحزابهم وكتلهم هذه الرسائل التي وردت في خطب المرجعية؟ وهل سيواصلون مساعيهم لعرقلة أي حل يأتي من خارجهم للبقاء في السلطة بأي ثمن؟ فمن الواضح أن قانون الانتخابات الفردي على أساس تعدد الدوائر الانتخابية لكل محافظة والفوز بأعلى الأصوات لا يناسبهم ولكن لا بد من فرضه عليه بالقوة والإصرار والضغط الجماهيري. نحتاج لقانون  انتخابات عادل ونزيه كما يجب تجريد الميليشيات  المتنمرة والمتمردة والخارجة على القانون من اسلحتها ونحتاج كذلك لقانون أحزاب جديد يمنع الأحزاب صاحبة ميليشيات مسلحة أو لها علاقة بميليشيات المشاركة بالانتخابات القادمة ويسحب الشرعية من الأحزاب الحالية لاسيما المتورطة بملفات فساد.

إيران لن تستسلم بسهولة للمناورات الأمريكية إذا استمر لوي الأذرع بينها وبين أمريكا في العراق ومن المعروف لدى المراقبين والمحللين أن طهران تخطط لفرض أمر واقع جديد في العراق من خلال مناورة ضخمة لا تقل عن الاحتلال العسكري المباشر ولكن بأدوات محلية بهدف إحكام القبضة الإيرانية على العراق وتحويله لعمق استراتيجي لها في مواجهة أي ضربة أمريكية قادمة ضدها. ولا يوجد أمام أمريكا، بعد هذه الإهانة الصارخة واقتحام حصنها الدبلوماسي في العراق، وضرب سفارتها من الداخل على نحو مباشر ووقح، سوى الانسحاب مذلولة ومنهزمة وغلق سفارتها في العراق أو رد الصاع صاعين وبقوة كافية تلجم هذه الميليشيات المنفلتة، سيما وإن بنود الاتفاقية الأمنية بينها وبين العراق تسمح لها بذلك بحجة الدفاع عن النفس. فهي لا تستطيع الاعتماد على الحكومة العراقية في تأمين سلامة سفارتها وجنودها في العراق لأن هذا الأخير في هذه اللحظة بات دولة فاشلة وأسوء من الصومال وليبيا فقد دخل في نطاق اللادولة وطغيان الفوضى وحكم الميليشيات علناً وها هو آخر مسمار يدق في نعش النظام فسينهار كل شيء والبداية من الاقتصاد وإرجاع العراق للفصل السابع وانسحاب قوات التحالف الدولي وغلق السفارات الأجنبية فيه إذا استمر الوضع على ما هو عليه من الفلتان، وربما عودة داعش مرة أخرى لتشكل تهديداً مباشراً على العراق ككيان ودولة.

هل سيتجرأ عادل عبد المهدي فعلاً لا قولاً اعتبار الضربة الصاروخية الإيرانية على الأراضي العراقية ضد قواعد أمريكية بأنها انتهاكاً صارخاً للسيادة العراقية؟ ومحاسبة إيران وطرد سفيرها من بغداد؟ أبلغت الجمهورية الإسلامية في إيران الحكومة العراقية في آخر لحظة بان الرد الإيراني على اغتيال قاسم سليماني قد بدأ وان الضربة ستقتصر على أماكن تواجد الجيش الأمريكي في العراق دون أن تحدد مواقعها وهذا كذب. وفي نفس الوقت اتصل الجانب الأمريكي برئيس الوزراء العراقي وأخبره بأنه سيرد على الهجوم الصاروخي الإيراني وعبد المهدي لا حول له ولا قوة. وكانت الصواريخ تتساقط على الجناح الخاص بالقوات الأمريكية في قاعدتي عين الأسد في الأنبار وحرير في أربيل وفي مواقع أخرى كما ادعت إيران. وحاول عبد المهدي من خلال اتصالاته وتوسلاته يحاول احتواء الموقف وعدم زج العراق في حرب مفتوحة سيكون العراق والمنطقة من أول ضحاياها. لكن العراق لم ينجح في احتواء وتجاوز هذه الأزمة الخطيرة المستمرة لغاية اليوم والتي تهدد العراق والمنطقة والعالم بحرب مدمرة شاملة.

اجتمع قادة الميليشيات في قم بتوجيه الولي الفقيه لتصفية حركة الاحتجاجات السلمية في العراق وفرض أنفسهم كبديل بذريعة توحيد فصائل المقاومة الإسلامية ضد الوجود الأمريكي في العراق وتنظيم تظاهرات مليونية لسحب البساط من تحت أقدام المعتصمين السلميين لصالح العملية السياسية الفاسدة الحاكمة، تنظمها وتقودها الميليشيات المتغولة التابعة لإيران وقيادتها المعروفة يضاف إليهم هذه المرة مقتدى الصدر واتباعه والذي التحق بهم طوعا أو مكرها بضغط وتهديد من طهران، وكانت أول تظاهرة مليونية مدفوعة الثمن بغية زيادة عدد المتظاهرين قد جرت في منطقة الجادرية لمدة ساعتين نقل إليها المتظاهرون من كل أنحاء العراق بباصات وفرتها الدولة وأموال أعطيت للمتظاهرين وأكل ودعم لوجستي وكانت النية في البداية أن يحتلوا ساحات وخيم المعتصمين المدنيين السلميين وطردهم من ساحات الاحتجاج والقيام بالاعتصام بدلا منهم حتى خروج القوات الأمريكية والذي يرفض سيقتل أو يغيب و سوف يرفعون شعار أمريكا بره بره بغداد تبقى حرة ولن يتجرأ أحد على معارضتهم، لكن الذي حدث هو مجرد فقاعة إعلامية حيث تفرق المتظاهرون بعد ساعتين بأوامر من مقتدى الصدر نفسه . لقد حصل توحد وتلاحم بين عناصر الطرف الأول، أي الجيش والشرطة وقوات مكافحة الشغب الرسمية الحكومية وقوات الصدمة الدمج فكل عناصرها تقريباً من كتائب حزب الله وميليشيات أخرى، مع ما سمي بالطرف الثالث، أي مسلحي الميليشيات المجرمة وأحزابها الفاسدة الحاكمة، ضد الطرف الثاني وهي الجماهير المنتفضة المطالبة بحقوقها المشروعة بسلمية وقتلها بالرصاص الحي. وقد تفاقمت ظاهرة القتل والاختطاف والاغتيال ضد الناشطين وضد ساحات الاعتصام التي تعرضت لهجمات مسلحة مباغتة وأحرقت في البصرة وذي قار وبغداد وكان لابد من تصعيد جماهيري مضاد يتمثل بتكثيف التواجد الجماهيري وتنظيم حركة زحف مليوني على مراكز القرار في العاصمة بغداد. وكان هذا هو رأيي وموقفي منذ بداية الحراك، بأنه لابد من واجهة رصينة ومحترمة ونزيهة ووطنية من شخصيات نظيفة لا تشوبها شائبة تتصدر المشهد الإعلامي وتطرح كممثل رسمي وشرعي للحراك والمنتفضين أمام الحكومة والهيئات والمحافل الدولية وتطرح خارطة طريق واضحة ومفصلة للعملية الانتقالية وللتغيير المنشود وفق سياقات قانونية ودستورية للخروج من دائرة القتل والخطف والاغتيال والتدمير لأنه إذا لم يحدث ذلك فنحن ذاهبون لا محالة للمواجهات المسلحة العنيفة بين جلادي ومجرمي السلطة وميليشياته وبين الشعب الأعزل الذي سيضطر للدفاع عن نفسه إزاء ما يحضر له من سيناريو كارثي ومجازر ودماء وتضحيات. نحن في فرنسا نتحرك وفق هذا الإطار لدى السلطات الفرنسية لكنهم يردون علينا: من يمثل المتظاهرين والمحتجين؟ نحن نعرف السلطة ووجوهها لكننا لا نعرف وجوها وأسماء متفق عليها من قبل المنتفضين وبالتالي لا نعرف كيف نتعامل معهم وكيف سندعوهم للمشاركة والظهور في الفعاليات والأنشطة الدولية ومنظمات حقوق الإنسان وغيرها. لذا لابد من إصرار قيادات الحراك الجماهيري على مطالبة البرلمان بحل نفسه وتحضير الانتخابات القادمة تحت إشراف ورعاية ومراقبة وتنظيم الأمم المتحدة والمراقبين الدوليين. ولقد وجهت كلمة للسيد مقتدى الصدر بعد أن أعلن انسحاب تياره من ساحات الاحتجاج ورفع خيم تياره وأنصاره معطياً بذلك إشارة البدء بالهجوم على ساحات الاحتجاج بالقوة من قبل الميليشيات المنفلتة وقلنا له بصريح العبارة: ألا تعتقد أنك تعرض أمن العراق وأمن وحياة المتظاهرين والمنتفضين للخطر بدعوتك لمليونية ينظمها ويشارك فيها قتلة ومجرمون مسلحون من الميليشيات التي وصفتها أنت بنفسك يوماً ما بالوقحة والمنفلتة من أمثال عصائب أهل الحق والنجباء وحزب الله وغيرهم؟ ولم يرد. فيما تستمر نفس هذه الميليشيات المستهترة بتأزيم الأوضاع والتصعيد الخطير لجر أمريكا لعمل عسكري لا يحمد عقباه. وأمام كل ذلك ما تزال المرجعية، التي من المفترض أنها تقف إلى جانب المتظاهرين والمحتجين المدنيين وتقدم لهم الدعم والتأييد والمساعدة، تلتزم الصمت حيال تنمر الميليشيات التي تترك تحت لافتة الحشد الشعبي المحسوب على المرجعية.

لقد ابتلينا بهذه اللغة الإنشائية المضببة والقابلة للتأويل حسب مصلحة كل طرف لماذا لا تضع المرجعية النقاط على الحروف وتقول بصراحة ووضوح تام وبالأسماء ما الذي تراه كموقف صائب للخروج من المأزق والانسداد، ووقف استمرار نزيف الدم وسقوط الشهداء على يد الميليشيات المجرمة التي تحكم البلد لصالح إيران ومصالحها العليا؟ فمن الذي ينتهك سيادة العراق؟ أليست إيران وليس فقط أمريكا؟ ومن الذي يفرض الإملاءات الخارجية أليست إيران وأمريكا؟ ومن الذي يسوف ويماطل أليست الأحزاب الإسلامية التابعة لإيران والحاكمة للعراق بقوة السلاح الميليشياوي؟ كان البعض يعتقد أن الصدر وتياره يحمون المتظاهرين السلميين من تعسف وبطش الميليشيات الإجرامية لكن الصدر غدر بالثوار والمتظاهرين المعتصمين في سوح التظاهر وأمر بسحب أعوانه وخيمه وتركهم وحيدين مكشوفين أمام هجمة شرسة من قبل قوات النظام والميليشيات المجرمة التابعة للأحزاب الإسلامية الحاكمة تلبية لأوامر إيرانية صريحة بتصفية الانتفاضة مقابل وعود وامتيازات قدمت له من بينها تكليفه بالملف العراقي واعتباره الرديف لحسن نصر الله في العراق. ولقد سبق أن حذرنا من نوايا ومخططات إيران وأعوانها من الميليشيات المسلحة المتغولة في تصفية الانتفاضة في أقرب فرصة ممكنة والآن قدم مقتدى الصدر بسلوكه الغادر هذه الفرصة للميليشيات وقوات الأمن ومكافحة الشغب المخترقة من الميليشيات لضرب الانتفاضة بالقوة وتصفيتها. ذهب مقتدى الصدر إلى إيران وهو ليس بحاجة إلى ذلك لكنه آثر الاحتماء بها بذريعة إكمال دراسته الحوزوية هناك. فهو سيتخرج بسرعة في غضون أشهر قليلة، ويختصر السنوات الطوال التي تمتد لعقود طويلة عادة، و اللازمة لتأهيله دينياً، وستمنحه حوزة قم رتبة آية الله مجتهد، الأمر الذي لا يحلم به من حوزة النجف وصرامتها في هذا المجال، وبالتالي سيكون قابل ليتبوأ منصب مرشد ديني على غرار تجربة حجة الإسلام خامنئي الذي تحول بقدر قادر بين ليلة وضحها إلى آية الله العظمى والمرجع الأعلى خليفة لمرشد الثور الراحل خميني، ويخطط لمقتدى أن يصبح مرجعاُ ينافس المراجع التقليديين شعبياً بعدد مقلديه كما تتمنى إيران وتعمل من أجل ذلك لسحب البساط من مرجعية النجف بعد وفاة السيستاني المنتظرة وهذا هو سر تكليفه بالملف العراقي. ومقابل ذلك لم يتردد مقتدى الصدر في الانضمام لمحور المقاومة الإسلامية العالمية أي محور ميليشيات إيران والعمل على تصفية التظاهرات السلمية بقوة السلاح على يد قوات مكافحة الشغب وقوات الصدمة المخترقة ميليشياوياً وبعض القوى الأمنية الأخرى التي تأتمر بأوامر أحزاب السلطة وأصحاب الميليشيات الوقحة والمتنمرة كبدر وعصائب أهل الحق والنجباء وحزب الله العراقي وغيرها التابعة لإيران والتي انضم إليها الصدر وميليشياته سرايا السلام تحت ذريعة إخراج القوات الأمريكية وتشكيل محور المقاومة الإسلامية العالمية وهم اليوم يهاجمون ساحات التظاهر والاحتجاج في البصرة وبغداد وذي قار وحرق خيم المعتصمين. فمقتدى الصدر لا يتحمل أن يكون مهمشاً أو معترضاً عليه أو أن يشكك أحد بنواياه أحد ويطعن بصلاحيته وقيادته وهو لا يتقبل النقد ويطالب بالطاعة العمياء من المتظاهرين أسوة بأتباعه. لدينا مثل شعبي يقول "لو ألعب لو أخرب الملعب" وهذا هو موقف مقتدى الصدر فإما أن يخضع له الثوار والمحتجون ويقبلون قيادته للتظاهرات ويذعنون لأوامره أو يتخلى عنهم ويرفع عنهم حمايته لهم ويغدر بهم ويتفق مع أعدائهم على تصفيتهم جسدياً كما يحدث اليوم. وهو يستقوي بقوات الأمن وقوات الحشد الشعبي التي خطفت من المرجعية ووضعت تحت إمرة وخطط إيران. فمن أخرج المارد الشرير من القمقم عليه إرجاعه له لتخليص الشعب العراقي من شروره وبطشه وتنمره وأقصد بذلك المرجعية الدينية العليا في النجف التي أفتت بتأسيس الحشد الشعبي لضرورة آنية لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي إلا أن ميليشيات حزبية إجرامية مسلحة تابعة وموالية لإيران تغلغلت داخل الحشد الشعبي وانضوت تحت إسمه واتخذته غطاءاً لجرائمها وخطفت إنجازاته وجيرتها لنفسها وهي التي تهاجم وتخطف وتقتل وتذبح وتحرق ساحات الاعتصام السلمية المطالبة بحقوقها الشرعية أما ما يخص سرايا السلام وهي بقايا جيش المهدي سيء الصيت فهي لم تنضوي تحت مسمى الحشد الشعبي وبقيت مستقلة نسبياً عن قياداته التي فرضت نفسها عليه مثل أبو مهدي المهندس وفالح الفياض وقيس الخزعلي وأكرم الكعبي وأبو علي العسكري وحامد الجزائري وأبو ولاء الولائي والبطاط وغيرهم لكنها ميليشيات كانت وستظل رهن إشارة مقتدى الصدر وتحالفت مؤخراً مع محور إيران الميليشياوي لوأد الانتفاضة الجماهيرية ولقد نجح هؤلاء التابعين والذيول الإيرانيين في اختراق الجيش والأمن الداخلي من خلال عمليات الدمج تحت عباءة قوات الصدمة، على غرار عصائب أهل الحق وحركة النجباء وكتائب حزب الله العراقي وغيرها في التحكم بالقرار العسكري والأمني العراقي وهو الأمر الذي طالب به مقتدى الصدر نفسه ولكن ماذا لو تم دمج سرايا السلام فلمن سيكون ولاؤها للحكومة الجديدة أم لمقتدى الصدر؟ إذ أن ولاء الميليشيات المدمجة هو لإيران على نحو صريح ولا لبس فيه وليس للدولة العراقية أية سيطرة عليها بل هي أقوى من الدولة. فماذا سيكون موقف مقتدى الصدر؟ هل بإمكانه تحدي الأوامر الإيرانية ورفضها وهو مقيم فوق أراضيها في أغلب الأوقات كالسجين؟ مقتدى الصدر مضطرب وغاضب لأنه فقد هيبته ومكانته لدى الكثير من فئات الشعب العراقي بل وخسر قدسيته في أعين الكثير من أتباعه فهو متقلب المزاج والمواقف ومتخبط في قراراته السياسية وليس بوسع أحد توقع تصرفاته ونزواته وعلى الثوار والمحتجين أن يكونوا حذرين في التعامل معه خاصة في القضايا المصيرية. لقد أثبت الثوار أنه ليسوا بحاجة إليه وهذا ما أفقده صوابه، فعندما صرح أحد قادة تياره وهو حاكم الزاملي أنه لو انسحب الصدريون فلن يبقى في ساحة التحرير أكثر من 100 متظاهر، خرج مئات الآلاف يومي الجمعة والسبت بعد انسحاب الصدريين حتى ازدحمت بهم ساحة والتحرير وبقية ساحات الاحتجاج والتظاهر في البصرة وذي قار والحلة والديوانية والعمارة والكوت وغيرها وبلغت الملايين. وهؤلاء لن ينجروا لفخ المواجهة الإيرانية الأمريكية وشعارهم العراق أولاً ونريد وطن وسوف يزحفون بالملايين يوم الجمعة القادم مشياً على الأقدام من كافة محافظات العراق باتجاه بغداد وبوسع الصدريين كأفراد وعراقيين وليس كأتباع تيار سياسي أن ينضموا إليهم. استبقت ميلشيا الأحزاب الحاكمة الأمر وقامت بتصعيد جديد استفزازي من خلال الهجوم على مقر السفارة الأمريكية من الداخل خارقين بذلك ما التزمت به طهران نفسها بأنها لن تهاجم أمريكا مباشرة ولن تسمح لأتباعها بالقيام بذلك وبالتالي فهي تتحمل مسؤولية ما حدث وعليها تحمل الغضب الأمريكي والرد الكاسح الذي يعده لهم الرئيس ترامب وأرجو ألا يكون على أرض العراق لكنه قطعاً لن يتجاهل مسؤولية الزعماء الميليشياوين في العراق وسوف يعاقبهم على طريقة معاقبته لسليماني وأبو مهدي المهندس.

عراق ما قبل وما بعد داعش:

بغداد ومدن العراق الأخرى تسبح في الخراب والإهمال وافتقاد الأمن وانتشار وباء كورونا وهيمنة الميليشيات الإسلامية المسلحة الولائية التابعة لإيران على المشهد السياسي والأمني والمجتمعي والديني، والأخطر من ذلك هيمنتها على النشاط الاقتصادي المتردي في العراق خاصة بعد انخفاض أسعار النفط في السوق الدولية. الدولة الرسمية تبدو إما ضعيفة أو عاجزة عن وضع حد لهذا التغول المجتمعي والتمرد وتحدي هيبة وسلطة الدولة من قبل فصائل مسلحة منفلتة وعشائر مسلحة تتصرف كأنها عصابات جريمة منظمة، وتغلغل الفساد الإداري والمالي والسياسي والاقتصادي في كل مفاصل الدولة بدءاً من منافذها الحدودية وانتهاءً بإدارة الدولة ككل وفق مبدأ المحاصصة الطائفية والمذهبية والعرقية أو الإثنية، مروراً بمؤسسات ودوائر الدولة المختلفة التي تذيق المواطن مر العيش وتنتهك كرامته وتسرق قوته ومرتباته بشتى الطرق وبمختف الذرائع فنقص الخدمات وصل إلى حد لا يطاق خاصة انعدام الكهرباء وزيادة ساعات القطع للتيار الكهربائي لأكثر من 20 ساعة في اليوم في عز الصيف حيث درجات الحرار تصل للستين درجة مئوية في الظل. كان هذا التشخيص قد سجلته قبل عشرة أعوام خلال زيارتي للعراق سنة 2010، أي قبل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام " داعش " سنة 2014 واحتلاله لثلثي مساحة البلاد وعدد من المحافظات المهمة وعلى رأسها الموصل التي سقطت بيد ميليشيات داعش الإرهابية وأعلنت من هناك دولة الخلافة بقيادة بو بكر البغدادي. كان تنظيم القاعدة الإرهابي بقيادة المقبور أبو مصعب الزرقاوي الذي سام العراقيين العذاب وسيل الدماء من خلال عملياته الإرهابية ضد الدنيين وسعيه لإشعال نار حرب أهلية طائفية بين السنة والشيعة في العراق التي راح ضحيتها مئات الألاف من الطرفين خاصة بعد تفجير قبتي الإمامين العسكريين في سامراء، ما حفز الميليشيات الشيعية المعروفة باسم جيش المهدي بقيادة مقتدي الصدر للتصدي للزرقاوي وعناصره بنفس الأسلوب الإرهابي بغياب وتقاعس الجيش وعدم مبالاة المحتل الأمريكي. ولكن عندما استفحل أمر الزرقاوي وبات يهدد مصالح الولايات المتحدة في العراق بادرت إلى تصفيته جسدياً. كان أول تنظيم عسكري ميليشياوي مسلح خارج إطار الجيش العراقي النظامي، هو لواء بدر التابع آنذاك للمجلس الأعلى الإسلامي بقيادة محمد باقر الحكيم قبل اغتياله في النجف فور عودته من منفاه في طهران. ثم انفصل هذا التنظيم المسلح وأسس كياناً سياسياً بقيادة هادي العامري مع بقائه فصيلاً ميليشياوياً مسلحاً تحت إمرة الولي الفقيه الإيراني. استفحل خطر ميليشيات جيش المهدي وباتت تتحكم في حياة الناس وتتحدى الدولة بحجة مقاومة المحتل الأمريكي فحاول التصدي لها أول رئيس وزراء عراقي مدني بعد انتهاء سلطة بول بريمر كحاكم مدني ممثل للاحتلال الأمريكي، وهو أياد علاوي، لكنه فشل برغم الدعم الذي كان يتلقاه من القوات الأمريكية. ومن ثم حاول نوري المالكي الحد من طغيان جيش المهدي في حرب خاطفة بمؤازرة ودعم أمريكي سماها صولة الفرسان، ولم ينجح تماماً حيث قام المرجع الديني الأعلى علي السيستاني بإنقاذ مقتدى الصدر في آخر دقيقة ومنع اعتقاله ومحاكمته بتهمة قتل نجل المرجع الديني الأعلى السابق، عبد المجيد الخوئي الذي عاد من لندن بدعم وتأييد وتشجيع من المخابرات البريطانية. عايشت بنفسي كل تلك الأحداث بعد عودتي من منفاي الفرنسي سنة 2003 ومن ثم عند زيارتي للعراق سنة 2008 و2010 ومن ثم واضبت على زيارة العراق مرة أو مرتين في كل عام لغاية اليوم، وأنا أتابع وأراقب وأحلل تطورات الأوضاع على كل الصعد في العراق والمنطقة لا سيما في إيران ولبنان وسوريا، بسبب تأثيرها المباشر على ما يجري في العراق. انشق قيس الخزعلي عن جيش المهدي وشكل ميليشياته الخاصة تحت اسم عصائب أهل الحق التابعة لإيران والتي وصفها مقتدى الصدر بالميليشيات الوقحة. ثم تشكلت فصائل مسلحة أخرى كالنجباء حزب الله العراقي وغيرها من التنظيمات الميليشياوية المستقلة تماماً عن سلطة الدولة العراقية الضعيفة إن لم نقل الغائبة تماماً. كان العراق آنذاك ذو وجهين: الوجه الرسمي المتمثل بالدولة ومؤسساتها الشكلية وواجهتها الدبلوماسية، والوجه غير الرسمي للدولة العميقة، دولة الميليشيات أو " اللادولة". كان الأكراد يعيشون في شبه استقلال عن الدولة المركزية الاتحادية رغم ارتباطهم بها شكلياً وحصولهم على مستحقاتهم المالية التي بلغت نسبة 17 بالمائة. أما السنة فقد كانوا منقسمين على أنفسهم بين سنة السلطة المشاركين في العملية السياسية وفق منهج المحاصصة وهم شلة من اللصوص، أو متحالفين مع التنظيمات الإرهابية المسلحة سواء تحت مسمى القاعدة في بلاد الرافدين أو داعش. هذا الوضع المتردي هو الذي سمح لداعش باحتلال الموصل وعدد آخر من محافظات المنطقة الشمالية والغربية ذات الأغلبية السنية. مثلت داعش تهديداً حقيقياً مباشراً على سلطتي بغداد وأربيل على حد سواء. الأمر الذي دفع بالمرجع الأعلى السيد السيستاني إلى إصدار فتوى الجهاد لكفائي اندفع آلاف الشباب لتلبية فتوى المرجع الأعلى والتطوع لقتال داعش فاستغلت التنظيمات الميليشياوية المسلحة ذلك الظرف واحتضنت العديد من هؤلاء المتطوعين وانضوت تحت غطاء الحشد الشعبي الذي بات رسمياً ويحظى بتسليح ودعم وتمويل الدولة العراقية إضافة إلى المساعدات الإيرانية التي يتلقاها مباشرة من طهران ومن الحرس الثوري بقيادة الجنرال قاسم سليماني كانت هيشة الحشد الشعبي تحت رئاسة فالح الفياض رسمياً لكن قائدها الفعلي الحقيقي هو أبو مهدي المهندس مؤسس كتائب حزب الله العراقي والذراع اليمنى لقاسم سليماني في العراق ولقد اغتالت القوات الأمريكية هذين الزعيمين " سليماني وأبو مهدي المهندس" بطائرة مسيرة على طريق المطار مؤخراً لأنها اعتبرتهما قائدين إرهابيين خطرين على المصالح الأمريكية في العراق. اضطر العراق الرسمي بعد استفحال خطر داعش إلى طلب المساعدة من قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا بعد خروج القوات الأمريكية من العراق سنة 2011. الأمر الذي قبلته طهران على مضض لحين الانتهاء من خطر داعش لأنه العراق كان بحاجة للغطاء الجوي لقوات التحالف الدولي في حربه ضد داعش. واستمرت العمليات الإرهابية والهجمات في العاصمة العراقية ومدن اخرى. حاولت الحكومات العراقية المتتالية منذ علاوي والجعفري والمالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي واليوم مصطفى الكاظمي، استعادة سلطة وهيبة الدول شيئاً فشيئاً وإعادة الأمان لشوارع العاصمة بغداد خاصة بعد دحر تنظيم داعش الإرهابي سنة 2017. شعر الناس ببعض الراحة النفسية لعودة مظاهر الحياة الطبيعية سنوات 2017 ولغاية 2019 وبدأت السلطات برفع الحواجز الكونكريتية التي كانت تخنق العاصمة بغداد وباقي المدن العراقي وتطبق على أنفاس المواطنين بحجة منع الإرهابيين من مباني ومؤسسات الدولة. وصار الناس يتنزهون في شوارع بغداد مع نعومة جرين نهر دجلة على ضفاف شارع أبو نؤاس القديم والعريق. أما السلطة العراقية وبرلمانها فقد بقوا متحصنين داخل المنطقة الخضراء الحصينة التي بناها الأمريكيون، مع تضاعف عدد السيطرات ونفاط التفتيش من جميع الأنواع في الشوارع الرئيسية وبين المدن. تفاقمت الاختناقات المرورية. وتكاثرت الشوارع المغلقة. باتت نقاط التفتيش منتشرة في كل مكان - كل 300 متر على الشرايين الرئيسية لوسط المدينة. بغداد ومراكز المدن الأخرى لتجنب الاختناقات المرورية يتعين على الناس السير في الشوارع والأزقة الجانبية الموازية، خوفاً من تفجيرات الإرهابيين الذين يفجرون بانتظام شاحنات صغيرة ضد الدوائر الحكومية والفنادق الكبيرة. في كل مرة تمر المركبات المحملة بالمتفجرات دون عوائق لن أصحابها يملكون بادجات تتيح لهم التنقل بدون مضايقات أو تفتيش. عدا بعض الأجهزة التي يسميها العراقيون السونار التي يفترض بها كشف الشاحنات المفخخة في نقاط التفتيش. تحول العراق إلى شبه ثكنة لسنوات عديدة قبل أن يستعيد وجهه المدني قبل التظاهرات الاحتجاجية التي انجلعت سنة 2011 ومن ثم عادت بوتيرة أكبر في أكتوبر سنة 2019 والتي راح ضحيتها أكثر من 800 شهيد وآلاف الجرحى والمصابين ومئات المفقودين والمعتقلين والمخطوفين واغتيال العشرات من المدنيين والصحافيين. استمرار العنف يهدد الإجماع المجتمعي الهش، وتحاك الاتهامات جزافاً، وأغلبها كيدية، ضد العديد من الناشطين، بتهم التعامل مع السفارات والمخابرات الأجنبية. والأخطر من ذلك أن فرق الموت استأنفت الخدمة. ونشطت في عمليات اغتيال وخطف وترهيب المتظاهرين والمحتجين، حتى أكثر من محاربة الإرهابيين، كان الأمر يتعلق بتوظيفهم وتزويدهم بوظيفة أكثر استقرارًا وربحًا من تلك التي يوفرها التمرد على السلطة لقد وُعدوا بمناصب في قوات الأمن أو الإدارة، وبحسب الجيش الأمريكي، تم دمج نصفهم في المؤسسات العسكرية والأمنية العراقية، والآخرون ظلوا مجندين داخل تشكيلات الحشد الشعبي وداخل الفصائل المسلحة المستقلة. نفس الشيء حصل قبل أعوام بين صفوف ما عرف آنذاك بقوات الصحوة من السنة لفصلهم عن الإرهابيين وتسليحهم وتمويلهم وأغلبهم من العشائر السنية التي كانت تخشى السلطة الشيعية لكنها تذمرت من طغيان وإرهاب الجماعات الإرهابية المسلحة من نوع القاعدة وداعش. كان الجيش العراقي والشرطة، ومايزالان ينظران نظرة قاتمة إلى المنافسة من هؤلاء المدنيين المسلحين. فما حصل سابقاً مع قوات الصحوة يحصل اليوم مع عناصر الميليشيات والفصائل المسلحة المنفلتة. فعندما ألقت الشرطة القبض على رئيس الصحوة القوي، عادل المشهداني، الذي كان يسيطر على حي الفاضل. ثم حمل آلاف الرجال الذين كانوا في خدمته السلاح ضد الجيش والشرطة. خلفت المعارك في الشوارع ثلاثة قتلى وخمسة عشر جريحًا. ويكشف الحادث عن التوترات بين هذه القوات المتنافسة على السيطرة على مناطق النفوذ. حدث نفس الشيء عندما اعتقلت قوات مكافحة الإرهاب عناصر تابعة لكتائب حزب الله العراقي ثارت ثائرة هؤلاء وهجموا على مقر قوات مكافحة الإرهاب في المنطقة الخضراء وأجبروا الحكومة على إطلاق سراح زملائهم المعتقلين للتحقيق، وداسوا بأحذيتهم على صورة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمى إمعاناً منهم لأهانة الدولة ورئيسها وإشهار تحديهم لسلطة الدولة. الضباط والجنود ورجال الميليشيات نصبوا خيامهم في شوارع بغداد واخترقوا ساحات التظاهر بميليشياتهم، خاصة ميليشيا سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر وغرقت بغداد في حالة فوضى كاملة، لأن كل واحد يطيع أوامر رئيسه أو ضابطه أو زعيم عشيرته، أكثر من أوامر الدولة. دولة تتواصل مع شياطين الماضي. على بائعي الكتب في شارع المتنبي الانتظار عدة أسابيع للحصول على الكتب الأجنبية: المتعصبون من وزارة الثقافة يقومون بفحص العناوين واحدة تلو الأخرى ويفرضون عليها رقابة. الصحفيون خائفون ومنهم من تعرض للاختطاف كمازن لطيف الكتب والصحافي والناشر والموظف في شبكة الإعلام، وكذلك توفيق التميمي الصحافي والموظف في شبكة الإعلام العراقية الرسمية. وانتشرت إشاعة في زمن حيدر العبادي عن وجود قائمة تضم 400 صحفي "ستتم تصفيتهم" ثم ظهرت قائمة أخرى في عهد عادل عبد المهدي، وثالثة في عهد رئيس الوزراء العراقي الحالي مصطفى الكاظمي.

 

د. جواد بشارة

 

 

محمود محمد علينعود ونختم حديثنا عن العلاقة الملتبسة بين جماعة الإخوان المسلمون والشيعة الإثنا عشرية، فنقول: عندما انبثقت ثورات الربيع العربي في عام 2011م، أعلنت إيران من خلال علي خامنئي، أن تلك الثورات تمثل امتداداً للثورة الإسلامية في إيران، وقد كان لإيران أسبابها في "اكتشاف" إسلامية الربيع العربي. فذلك التعريف يقي الجمهورية الإسلامية "شرور" ربيع الآخرين؛ ذلك أن حراك الشارع الإيراني عقب الانتخابات الرئاسية الأخيرة، اعتبر "محرَّكاً من الخارج وتقف وراءه قوى الاستكبار وأعداء الإسلام"، وبالتالي فإن نقيض ذلك هو ما يجري عند العرب، وهو بالاستنتاج الرسمي الإيراني نعمة أوحت بها الثورة الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عقود: فعساكم يا أهل إيران تتعظون من منافع صناعة إيرانية تُصدّر إلى الجوار، بدل الإستكانة إلى منتجات الخارج وأفكاره المشبوهة حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان!

وعندما وصلت جماعة الإخوان المسلمين إلي سدة الحكم، قامت إيران لتبارك وصولهم كما بينا في مقالنا السابق، ولتذكرهم بالعلاقة الطيبة التي جمعتهم مع الثورة الإسلامية منذ عام 1979، وحتى قبل ذلك (مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي كان ترجم قبل الثورة كتابين لسيّد قطب).

وفي فترة حُكم الإخوان القصيرة لمصر (2012-2013)، ظنّت إيران أنها قد حقّقت أطماعها بالوصول إلى أرض الكنانة، فكانت أول دولة في العالم تُقدِّم التهنئة للإخوان بفوزهم بالسلطة. ولقد قام قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري الإيراني" العميد قاسم سليماني (1957-2020) بزيارة سرية إلى القاهرة، أجرى خلالها محادثات مع مسؤولين كبار مقرّبين من الرئيس محمد مرسي. وكذلك زار سليماني سرّاً "حزب الله" في لبنان و"حركة حماس" في قطاع غزة.

بيد أن جماعة الإخوان المسلمين تناقضت مع الحكم في تونس ومصر والأردن وسوريا وبلدان أخرى، حيث خرجت علي خط التضامن التقليدي ما بين "جماعات" الإخوان المسلمين وحكم الثورة في إيران، فلقد كان صعباً على "إخوان" سوريا أن يهضموا الوجود في خندق واحد مع إيران المتحالفة والداعمة لنظام الأسد (الأب والابن) في سوريا. علاوة علي تغير موقف الشيخ يوسف القرضاوي والذي كان من قبل يعبر عن تضامن وتأييد لإيران، أضحي يندد من خطر التمدد السياسي الإيراني في البلدان العربية تحت عباءة التشيع.

من خريف إلى ربيع استغنى "الإخوان" عن العراب الإيراني المتراجع النفوذ، وراحوا يقتربون من واشنطن ؛ حيث طار اليها عصام العريان في أوج الأزمة الدستورية الاخيرة في مصر. راح "الإخوان المسلمون" يستوحون أصول الحكم في العصر الحديث من نصائح أميركية لم تُخف مباركة إدارة أوباما لتسلّم جماعة الاخوان المسلمين لمقاليد الحكم هنا وهناك. أدلى راشد الغنوشي (شيخ "الإخوان" في تونس) بأفكار في واشنطن كانت تعتبر محرّمة في عصر "النهضة" المعارضة. تحدث "إخوان" الأردن عن حوار مع الإدارة الامريكية. وقام خالد مشعل زعيم "الاخوان" في فلسطين بزيارة تاريخية إلى غزة تحت بصر الاسرائيليين وحماية غربية أمريكية لا غبار عليها.

وهنا أدركت الولايات المتحدة، انه من الصعب احتواء الاسلام او منعه من اعادة “دولة الخلافة الاسلامية”، وامام هذا الفشل في القضاء على الاسلام جرى التحول الى الخطة البديلة الا وهي احتواء الاسلام عن طريق السماح لتشكيل دولة اسلامية وفق الشروط الامريكية، وكان الاخوان المسلمين في نظرهم خير بديل للتنظيمات "الجهادية".

ولما كان جماعة الاخوان المسلمين معروفون بمبدأ ” نصف الحلول او بالمنهج التوفيقي” وهو قريب من المنهج الميكافيلي” الغاية تبرر الوسيلة “. وهو نفس الإستراتيجية التي اتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية في تغيير مسارات الحركات “الجهادية” فعلى سبيل المثال نجحت أمريكا بتحقيق انحراف في مسار القاعدة وشبكتها لتصوب هجماتها محلياً.

والسؤال الآن : متى بدأت علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالإخوان المسلمين؟.

ارتكزت السياسة الأمريكية تجاه جماعة الإخوان المسلمين خلال ثورة 25 يناير 2011 في مصر علي عدد من المحطات في العلاقة بين الجماعة والولايات المتحدة، وكانت المحطة الأولي هي رغبة الولايات المتحدة تسليم الحركات الإسلامية المعتدلة الحكم في دول الربيع العربي ؛ حيث لم تقرر الولايات المتحدة الأمريكية بأن هذا القرار هو وليد اللحظة، وإنما ارتكز علي "العديد من التطورات في العلاقة ابتداءً برابطة الطلاب المسلمين، ومنظمة ترست الإسلامية في أمريكا الشمالية، ومجلس شوري الإخوان في أمريكا، والجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية، والمجلس الأمريكي الإسلامي، والجمعية الإسلامية الأمريكية، والاتصالات الرسمية بين الجماعة وأمريكا، ومن ثم خطاب كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في العام 2005 في الولايات المتحدة الأمريكية لا تعارض وصول الإسلاميين للحكم".

وهنا يذكر " روبرت داريفوس " مؤلف كتاب "لعبة الشيطان" أن علاقة الولايات المتحدة بالإخوان المسلمين ليست وليدة الحدث بثورة 25 يناير 2011 م،  بل تمتد لعقود طويلة خلت. ففي أواخر 1953م، حين برز سعيد رمضان زوج إبنة حسن البنا كمسؤول سياسي وخارجي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وكان لقاء رمضان مع الرئيس "دوايت إيزنهاور"، في البيت الأبيض نقطة انطلاقة لرمضان كمسؤول عسكري أيديولوجي للجماعة، والذي قال :" إن عنف الجماعة نابع من إعادة تشكيل المنطقة العربية وفق المواصفات الإسلامية السلفية، وقد كانت الولايات المتحدة تنظر لرمضان على أنه حليف محتمل لها بحربها ضد الشيوعية ".

وقد كان مؤتمر جامعة "برنستون" للثقافة الإسلامية الذي تم دعوة سعيد رمضان للمشاركة به، مؤتمراً أمريكياً يهدف إلي "التعرف علي قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وقد كان السفير المصري هو من يقوم بهذا الدور، وبعد ذلك أصبح رمضان حليفاً للسعودية بعد وفاة حسن البنا إلي جانب ارتباطه مع مخابرات عدد من الدول الغربية" .

إلا أن العلاقات بين الجماعة والولايات المتحدة بقيت بين مد وجزر تبعاً لمعطيات كل حقبة وظروفها. فقد بنت الولايات المتحدة علاقات مع الإخوان المسلمين كحليف لها، خلال الحرب الباردة في صراعها مع الشيوعية بالأساس، ولتقويض فكرة القومية العربية والناصرية التي جمعت بين الاثنتين؛ الفكر القومي والموالاة للشيوعية.ولكن عقب الثورة  في إيران عام 1979 عرف الإخوان أول خلاف لهم مع الولايات المتحدة الإسلامية كما يشير "جلبير الأشقر"، "على إثر ترحيبهم بمجيء نظام الخميني عقب ثورة اعتبرت مناهضة  للولايات المتحدة وأعطت دفعة قوية لتوسع الأصولية الإسلامية على الصعيدين الإقليمي والعالمي. بيد أن هذا التنافر سرعان ما تم تجاوزه بسبب التدخل السوفييتي في أفغانستان نهاية عام 1979 الذي أحيا التعاون بين واشنطن والإخوان" .

فقد شكل الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي بتحالف الولايات المتحدة مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر، الرابطة الإسلامية، وأخرون – بدعم يصل إلي ثلاثة مليارات دولار وبإشراف وتعاون ودعم السعودية وباكستان، تحولاً في الحركة الإسلامية قوي الإسلام السياسي، وذلك "عبر محاربة الشيوعية، وإعداد كادر جديد مدرب علي القتال العسكري وتعزيز روابط المسلمين بين شمال إفريقيا، ومصر، والخليج العربي، ووسط آسيا، وصعود الإسلام السياسي الاقتصادي من خلال قوة البنوك الإسلامية، وتعزيز قوة المؤسسات الدينية المصرية" .

وفي عام 2005 كانت بدايات التحول في السياسة الأمريكية نحو الضغط باتجاه إشراك الإخوان المسلمين في السلطة في مصر بشكل أكبر؛ فقد شهدت "انتخابات مجلس الشعب في هذا العام عن فوز جماعة الإخوان المسلمين في مصر بـ 88 مقعداً مقارنة بانتخابات العام 2000، التى حصدت بها الجماعة 17 مقعداً تطوراً ملحوظاً للجماعة، وقد جاءت هذه الانتخابات في ظل الإصلاحات التى كانت الإدارة الأمريكية تطالب الرئيس مبارك بها، والمتمثلة في التعامل بشكل ديمقراطي مع أحزاب المعارضة المصرية، وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين ".

ونظراً للمطالبات الأمريكية للرئيس مبارك بوجوب إصدار تعديلات تسمح بالتعددية والمشاركة السياسية، والديمقراطية، والحرية، والعدالة دون قيود على الأفراد أو الحركات، ونظراً لمبادرة الإصلاح التى هدفت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تطبيقها في دول الشرق الأوسط رغبة منها في وقف امتداد الحركات الإسلامية في العالم العربي، أصدر الرئيس مبارك تعديلات دستورية في العام 2007 هدفت إلي تطبيق مشاركة أوسع لجماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات.

وقد أسهم ظهور المرشد " مهدي عاكف " بتقديم شكل جديد لبرنامج جماعة الإخوان المسلمين في مصر، عبر تأكيده على أن الوقت مناسب لإنشاء حزب سياسي مصري في العام 2007 – فكرة إخوانية من أيام المرشد "عمر التلمساني" – وقد برر "عاكف" رغبته بإنشاء حزب سياسي جديد من أجل فك الحصار الأمني الذي يفرضه النظام على الجماعة وأفرادها، ورغبة منهم في الحصول على الترخيص من لجنة الأحزاب المصرية .

وإلي جانب أن إيجاد حزب جديد يساهم في تقبل الشعب والنظام لجماعة الإخوان المسلمين لخلافة الرئيس مبارك، "برر عاكف أيضاً ضرورة إنشاء حزب جديد لأسباب تعود لشيخوخة النظام، وللظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها مصر، وللضغط الأمريكي لمزيد من الديمقراطية في المنطقة العربية، ولفوز الإسلاميين في عدد من الدول المجاورة في الانتخابات، وفوز العام 2005م في انتخابات مجلس الشعب المصري، ولرؤية الجماعة بوجوب استهداف ومغازلة الحزب الحاكم لتقبل الجماعة كجزء من النظام السياسي" .

ولعل من أهم الدوافع ارتدادات هجمات 11 سبتمبر 2001م تبدل الأجندات على كلا الطرفين؛ حيث  دشن الرئيس الأمريكي السابق بوش (الابن) أجندة الحرية، القائمة على فرض الديمقراطية بالقوة على الأنظمة العربية، كأفضل وسيلة لأمن واشنطن والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. وقد فسرت "كوندوليزا رايس" في العام 2005م هذه السياسة على اعتبار أن هجمات 11 سبتمبر "جاءت كنتيجة لتصاعد التطرف في الشرق الأوسط، والذي يفرزه غياب قنوات أخرى، كالنشاط السياسي والإجتماعي، للتعبير عن الرغبة في التغيير؛ الأمر الذي يستدعي الولايات  المتحدة اتخاذ مسارها الخاص لإحداث التغيير في المنطقة" .

ومن هنا تبدلت أجندة الإخوان المسلمين، سعيا للنأي بتنظيمهم قولاً وعملاً عن التنظيمات "الإرهابية"، وبدأوا يتكيفون مع الواقع، مبدين أنهم منفتحون على تقديم  من العملية السياسية ً، فقد أدركت جماعة الإخوان أهمية أن تضغط واشنطن على الرئيس "حسني مبارك" لإعطائهم هامشاً من الحرية للعمل. وبانعطافة لتغيير قواعد اللعبة كما يعتقد الصحافي "برادلي هوب" Bradley Hope، أصبح الكثير من مفكري الجيل الجديد الإسلاميين، يعتقدون كونهم التنظيم الأكفأ والأكثر شعبية في المعارضة والرابح الأكبر من أي انفتاح سياسي. وهذا ما عكسته، توجهات وتصريحات قيادات الجماعة في تلك المرحلة .

ففي استراتيجية لتحسين صورتهم أمام الغرب، بدأت جماعة الإخوان بمبادرات للوصول الى الجمهور الغربي والترويج لاعتدال الجماعة؛ فأطلقت الجماعة مبادرة بعنوان "مشروع إعادة تقديم الجماعة للغرب، والتي تضمنت استشارات مستفيضة من خبراء خارجيين. وفي مبادرتهم للإصلاح الداخلي في مصر عام 2004م، أكدت الجماعة على احترام القوانين والمواثيق الدولية . ما يعني ضمنيا آنذاك، استعداد محتمل لقبول كامب ديفيد. وفي مقابلة  مع وكالة "أسوشيتد برس" Associated Press في العام 2005 م، سعى المرشد العام للإخوان المسلمين مهدي عاكف، إلى طمأنة الغرب من أن الجماعة لن تحاول تغيير سياسة مصر الخارجية إذا ما وصلت إلى السلطة بما في ذلك التصريح علنا "نحترم كل الاتفاقيات" (التي وقعتها مصر، مع إسرائيل) وفي العام 2006م؛ يقول شادي حميد أن :"عبدالمنعم أبا الفتوح أخبره "أنه مستعد لقبول حل الدولتين، مع سيادة كاملة لدولة فلسطينية، وكذلك الحال للدولة الإسرائيلية . وكتب خيرت الشاطر بصحيفة الجارديان البريطانية في نوفمبر 2005 م مقالاً بعنوان كما "لا تخافونا " للدفاع عن ديمقراطية الجماعة، وتعريف الغرب بالإخوان" .

وقد ساهم تغيير الخطاب الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين في أن تخطو خطوات كبيرة في الوصول إلي السلطة، من خلال استعمالاتها لمفردات، "مثل: التنمية، والدعوة، والوعظ، ووضع حلول للمشاكل السياسية، والارتكاز على مشروع نهضة، أي أن مشاريع هذه الحركات كانت عبارة عن استجابة لواقع إيجابي، أو مأزوم، أو لمنعطفات تاريخية سياسية".

علي أية حال، فإنه علي الرغم من أن هذه التطمينات تتناقض مع المبادئ المعلنة تاريخياً لجماعة الإخوان المسلمين، وعقيدتهم التي استقطبوا بناءً عليها تأييد الجماهير ودعمها، تحسنت صورة الجماعة نسبياً في وسائل الإعلام الأمريكي، واعتبرت جماعة معتدلة على الرغم من تناقضاتها. وبذلك يكون تفاعل الولايات المتحدة مع الإخوان المسلمين ممكناً لاعتبارات استراتيجية، طالما أن الخلاف خلاف مصالح لا أيديولوجيا، وطالما نبذوا العنف والتزموا بالمعاهدات والمواثيق الدولية؛ حيث لم تعد الخلافات الأيديولوجية والهويات محدداً من محددات السياسات الخارجية الأمريكية، كما كان الحال إبان الحرب الباردة؛ بل ربما يرجع ذلك إلي أن عدائية الولايات المتحدة حيال الإسلاميين سببها مناهضة الحركات الإسلامية للمصالح الأمريكية الاستراتيجية، وليس في المسألة أي عداء ثقافي .

وثمة نقطة جديرة بالإشارة، وهي أنه في يوم 28 يونيو 2007 م اعتمدت وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس" سياسة جديدة، ترخص لدبلوماسييها الاتصال الرسمي بالإخوان المسلمين في مصر والعراق وسوريا، وبقية الدول العربية، واشترطت تعليمات رايس لسفرائها، ومساعديها أن تكون البداية هي الاتصال بممثلي الجماعة المنتخبين في البرلمانات، والنقابات المهنية، ثم تمتد الاتصالات لتشمل الزعماء الآخرين للجماعة.

وفي الشهر التالي، أي في يوليو 2007 " نظمت مجلة "نيوزويك" وصحيفة "واشنطن تايمز" لمن أسمتهم بالمعتدلين الإسلاميين، ودام الملتقي أسبوعاً كاملاً، وحضره من هؤلاء المعتدلين، رجلا الدين الشيعي اللبناني الشيخ محمد حسين فضل الله، والزعيم الإخواني الأمريكي من أصل باكستاني "مزمل صديقي"، والسفير الألماني الأسبق في المغرب " مراد هوفمان"، وهو مقرب جداً من جماعة الإخوان، والدكتور طه جابر العلواني من المفكرين المصريين المقربين من الجماعة، والشيخ راشد الغنوشي مؤسس وزعيم حركة النهضة التونسية ( وهي فرع لجماعة الإخوان )، والدكتور طارق رمضان الأستاذ بالجامعات السويسرية والبريطانية، وحفيد الشيخ حسن البنا ونجل الدكتور" سعيد رمضان"، ونشرت وقائع المنتدي، ومقالات لجميع هؤلاء المشاركين لمدة 7 أيام متتالية في المجلة والصحيفة، وكان جوهر المنشور هو أن الجهاد ( أي العنف) في الإسلام لا يشرع إلا لأغراض دفاعية هي مقاومة عدوان خارجي أو طغيان داخلي" .

وبعد ذلك توالت الاجتماعات على نطاقات أضيق، وعلى مستويات أكثر رسمية وخبرة عملية، وكانت كل الاجتماعات العلنية للمنظمات الإسلامية، تدعو مسئولين أمريكيين خاصة من الخارجية، ومكتب التحقيقات الفيدالي، وكانوا يلبون الدعوات بكل سرور، وتجري بالطبع محادثات مهمة على هامشيها .

وبدأ المسلمون الأمريكيون المنخرطون في الارتباط البناء مع الحكومة الفيدارلية يحصدون الثمار، ومعهم بالطبع جماعة الإخوان الأم في مصر، وكانت أولي تلك الثمار تعليمات حكومية أمريكية :" من الخارجية، ومن وزارة الأمن الداخلي، ومن المركز القومي لمكافحة الإرهاب، بوقف استخدام التعبيرات التالية في المكاتبات الرسمية، وفي البيانات العلنية: المتطرفين الإسلاميين، والجهاديين، والمجاهدين، والفاشية الإسلامية، الإرهاب الإسلامي" .

وكان من الضروري إقناع السيناتور الجمهوري "جون ماكين" John McCain بهذه التحولات وجدواها، وكان "منير فريد " أحد قيادات الجمعية الإسلامية لشمال أمريكا، قد أجري أول اتصال " للإخوان بـ"جون ماكين"، واقتنع الرجل في النهاية، وأصبح فيما بعد المدافع الرئيسي في الكونجرس عن الارتباط البناء مع الإخوان المسلمين؛ فقد استطاع هذا الرجل أن يقنع معظم أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بالكونجرس في أوائل عام 2009م، إلي التوصيات التالية :"إعادة تسمية الجماعات الإسلامية – مثل الإخوان بالناشطين الإسلاميين بدلاً من المتطرفين أو الأصوليين، وتصنيف جماعة الإخوان كجماعة تنبذ العنف، ووقف استخدام تعبير الجهاديين لأنه يربط الإسلام بالعنف، وإشراك المسلمين الأمريكيين في الحوار كجسر للتواصل مع العالم الإسلامي " .

وفي هذا العام 2009م، الذي بدأ يتولى الرئيس "باراك أوباما" منصب الرئاسة في العشرين من الشهر الأول فيه أي في شهر يناير، كان من قراراته الأولي تعيين السيدة "داليا مجاهد" مستشارة خاصة، ولم يمر سوي أقل من شهرين على تولي إدارة أوباما الحكم، حتى قبلت وزيرة الخارجية الجديدة السيدة "هيلاري كلينتون" الدعوة لإلقاء الخطاب الرئيسي في مؤتمر مركز دراسات الإسلام والديمقراطية، "وهو إحدي وحدات المعهد الدولي للفكر الإسلامي، ويديره إخواني تونسي هو الدكتور" رضوان المصمودي". وتأسس هذا المركز كمبادرة مشتركة بين المعهد الدولي للفكر الإسلامي، وجامعة جورج تاون، بفضل جهود الدكتور سبوزيتو نفسه " .

وفي الرابع من يونيو عام 2009م ألقى الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" خطاباً القاهرة، دعا لحضوره عشرة من أعضاء كتلة الإخوان المسلمين في البرلمان المصري ، لم تكمن أهمية الخطاب فيما حمل في طياته من دعوة الى إصلاحات ديمقراطية، بقدر ما هو دعوة لمكافحة التطرف العنيف  وضيقه على تنظيم القاعدة والتنظيمات التي تدور في فلكه. فقد أكد أوباما بأن الحرية الدينية "هي في صلب السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وأن الولايات المتحدة ليست في حالة حرب مع الإسلام، ولن تكون . كما أن الإسلام ليس جزءا من المشكلة المتعلقة بـمكافحة التطرف، بل هو جزء مهم في تعزيز السلام .كما تعهد أوباما بالدفاع عن حقوق الإنسان والحقوق السياسية في كل مكان .هذا الى جانب ملاحظاته حول الديمقراطية، وتمكين المرأة  في الشرق الأوسط، والتنمية الاقتصادية ".

وفيما يتعلق بدعوة أوباما أعضاء من الإخوان المسلمين إلى الخطاب، فقد تكون دلالاته سياسية، لما حمل الخطاب من رسائل ضمنية حول المبادئ الديمقراطية والقيم الإنسانية وتمكين المرأة والتنمية الاقتصادية والسلام ؛ بمعنى أن إدارة أوباما "وضعت محددات لأي قوة سياسية، حزب، أو نظام حتى يحظى بدعم وتأييد أمريكي. ولكن الباحث "عمرو عمار" في كتابه " الاحتلال المدني"، رأى أن دعوة أوباما للإخوان تدلل على إعلان رسمي عن دعم جماعة الإخوان في مصر، وإعلان غير رسمي من الإدارة الأمريكية بالتخلي عن نظام مبارك، وهو ما يمثل تجليا لخيوط المؤامرة على الشعوب العربية ".

من كل ما سبق يتضح لنا بأن الإدارة الأمريكية التي يرأسها "أوباما"، حين شجعت علي عمليات التحول الديمقراطي، من أجل أن تضع سياستها المتعلقة بالإصلاح السياسي والاقتصادي، في سياق متسق مع أهداف الاستراتيجية لشعوب المنطقة، إلا إن ذلك تأخر كثيراً، بحيث إن ربيع الثورات العربية، لم يمهل بعض القيادات العربية التقليدية طويلاً، فجاء التغيير سريعاً في تونس ومصر مطلع عام 2011، وفي ليبيا نهاية عام 2011م، وفي اليمن مطلع عام 2012م، بفعل انتفاضات شعبية، وأياً كانت أسماء ساحات الاحتجاجات (ميدان التحرير، دوار اللؤلؤة، شارع الحبيب بورقيبة، ساحة التغيير) فالهدف ظل واحداً، وهو سقوط الأنظمة التي تؤمن بفكرة الدولة الوطنية، سواء كان كلياً عن طريق تغيير شامل للنظام، أو جزئياً عن طريق إدخال بعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية، ليحل محلها أنظمة لا تؤمن بمفهوم الدولة الوطنية. وقد رأت إدارة أوباما أن خير من يقوم بهذه المهمة "جماعة الإخوان المسلمين"؛ فهم أجدر من ينفذ مشروع تفتيت الوطن العربي، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، والفوضي الخلاقة، من خلال تبنيهم كذباً وزوراً شعارات " الإسلام هو الحل"، والإسلام منهم برئ.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

عبد الجبار العبيديسَئلنا التاريخ فقلنا له: ان القصص القرآنية حدثتنا عن الخلل الكبير الذي حدث في موازين الحياة عند الشعوب في غابر الازمان؟ فهل ما يحدث اليوم هي الاحداث تأتي متشابهة في زمن مختلف ؟ فيرد علينا قائلاً ان القصص القرآنية هي من الجزء المتغير من تراكم الاحداث الانسانية، وهي تجارب الشعوب التي سبقت الاديان السماوية واحداثها حصلت فعلا من جراء تجاوز الانسان على الحقوق في ذاك الزمان، وهي عضات وعِبرلمن يأتي بعده من بني الانسان.. لا يمكن تركها فهي تاريخهم المكتوب، لذا اعتبرها القرآن حقيقة لا مناص من الاعتراف بها، فقال عنها : "نحن نقص عليكم نبأهم بالحق،الكهف 13.. " أي كيف ما كانت وحدثت.. ويقول:" ان الحُكم الا لله يقصُ الحق وهو خير الفاصلين الانعام 57".أي ان الله هو الذي أوردها عنهم وليس هو منشئها حين وصفها بطابع العدل والحق كما يريدها.. لتكون عبرة لمن يأتي بعدهم.

اذن فقد كان التعمد في الخطأ في مسار الفكر الانساني هو من صنع الانسان الأول حين تخلى عن القيم والمبادىء.. ولم يستجب لعدم ادراكه ما ارادته الطبيعة ان يعمل به وفق الصراط المستقيم التي أمرته ان لا يأكل حقوق الناس بالباطل، ولا يظلم احد، ولا يقتل احد دون فساد في الارض لانها تتنافي وموازين الحياة .. هذه ثوابت طبيعية جاءت بأقوال حدية يحرم على الانسان تجاوزها. أي هي .. "دائرة محرمة مغلقة "لذا.. فلفظة الحقوق الآلهية تعبرعن فكرة وتؤدي غرضا ابلاغيا لا يُرد .. سماها القرآن لاحقاً بالقصص القرآنية وهي واقع حال وليس خيالاً.

رؤية جديدة تطرحها كتب السماء للبشرية ليتبصروا فيها ولأداء الحقوق بين الحاكم والمحكوم وبين الناس بعد ان مرت البشرية بعهود الظلام .. .نظرية آلهية جاءت لاحقة لخط تطور التاريخ.. فكيف لوتم الاعتداء عليها.. ؟ .. أكيد يكون الانتقام ممن َظلم .. أشد وأمَر.. على الانسان .

ثم جاءنا القرآن ليعرض علينا هذه القصص والتحذير مما حدث بأسلوب النُذر،وأسلوب الوحي للبشر :يقول الحق:" ان أنا الا نذيرُ مُبين،الشعراء 115.. فأنذرَهم بما جاء به الله فكذبوه فأغرقهم في البحر،يونس 73. وحين لم يتعضوا جاءهم بأسلوب الأيحاء بالنبوات ليقنعهم بترك الخطأ، يقول الحق : "انا أرسلنا نوحا الى قومه ان أنذر قومك.. فكذبوه فجاءت كلمة الغرق حقا وحقيقة لتكريس معنى العدالة المطلقة في التحقيق، التي رفض القرآن ان ينقذ حتى ابن نوح مع ابيه في السفينة لانه من غير الصالحين .. فيرد الحق على نوح ان يدعه يغرق " لانه عمل غير صالح، هود 46".. وتكررت في عهد فرعون فأغرقه في البحر وجعله من المثبورين.. الانعام .. .102.. هنا تحققت نظرية العدل المطلق وانتهاء ظلم الانسان للأخرين.. فدخلت البشرية في منعطف جديد .. للعدالة والحق كنظرية تطبيق .

اذن .. كيف يجب ان نقرأ النص القرآني؟ نقرأ النص معتمدين على المعلومات التاريخية المتوفرة لدينا من الحفريات الاثارية المتشابهة مع النص المنسوب للمعرفة الانسانية بخط تطور التاريخ.. وحين نقرأ التاريخ القديم نشعر بشيء جديد لم نتعلمه من مناهجنا المدرسية، وهوان الفترة الزمنية السابقة للديانات النصية هيأت لنا موردا علميا قابلا لاستقبال الايحاء الديني بعد ان تشكلت اللغة المجردة في ابسط صورها حتى بدأت انسانية الانسان تأخذ شكل الانسان الحديث.. حيث بدأ خط تطور التاريخ.. التي بدأت بقصة نوح ومن بعده هود.فنوح هو اول الانباء المرسلين " يقول الحق :" انا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده،النساء 163". ويقصد هنا الأيحاء الى رسوله محمد(ص).

 ان خط سير التاريخ انصب كله على تحقيق العدالة بين الناس .. لذا جاءت نظرية العدل الانساني بصفتها المطلقية التي لا يجوز تجاوزها بالمطلق لأن بها تستقرامور الناس.. أي هي ثابتة لا تتغير ولا تتبدل بتدل الانسان والتاريخ سرمدية الأصل والبقاء معاً.. فالخارجون عليها ليس لديهم قابلية دخول الامتحان ثانية واجتيازه .. بل أصبحت مركونة لاصحاب نظرية الحق .. فهو ثابت لا يتغير ولا يتبدل.. لأن "الله قوله الحق، الانعام 73" وهي القوانين الناظمة للوجود كقوانين التطور نحو التغيير،وهو اللوح المحفوظ اي القانون الصارم للوجود، والذي هو ليس مناط الدعاء مهما دعا اهل الارض والانبياء لتغييره لا يتغير وهو الذي تنطبق عليه كلمة القرآن حين يقول :" لا مبدل لكلماته الكهف 27" .. وهو صالح لكل زمان ومكان .. فحذاري من الاعتداء عليه لانه مطلق في التطبيق .. وهذا ينفي نظرية فقهاء الدين التي تنسب لنفسها التغيير.. با لدعاء والتبريك..

اما قولهم : "لا يردالقضاء الا الدعاء" فهو أمر لا علاقة له بالنصوص الحدية.. وما هي الا احداث جزئية في ظواهر الطبيعة ولا غير.. كما في قوله تعالى:"اذا قضى الله أمرا فانما يقول له كن فيكون البقرة 117".. وهذ اليس له علاقة باللوح المحفوظ الحدي في التنفيذ.. وانما بالمتغير من احداث التاريخ .. ويبقى قولهم بالغيب والعصمة للانبياء والصالحين.. فهذا مردود عليهم بقوله تعالى:" تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها لا انت ولا قومك من قبل.. .هود49".لذا ما تدعي به مرجعيات الدين من العلم ببصائر الامور والدعاء المُستجاب لهو فرية على الناس لا غير. .كما هي دعايتهم في ولاية الفقيه والمهدي المنتظر الوهميتين وغيرهما كثير. واخيرا كما يقولون ان تبرئة المصاب بكورونا يكون بالدعاء والتقرب من الأولياء.. فهو وَهمُ كبيرودجل على المغفلين.. بل بالعلم والاحاطة والتدبير..

من يملك هذه الصفات الوهمية لا توضع فيه امانة الوطن ولا يستحقها الا المخلص لله والوطن وهاهم كما تراهم لا يطبقون الا باطلهم وما فيه يوقنون .. وخاصة في هذا الزمن الرديء الذي اصبحت المنافع المادية تعلو على القيم والاخلاق والدين . فهل يستطيع من يملك زمام السلطة الظالمة ان يتصف بهذه الصفات وان يجابه كل عواصف التحديات والزمن.. ؟ لا اعتقد فقد ذهب عصرالأحرار.. وجاء عصر العبيد.. فعلينا الابتعاد عن آكلة المال الحرام، وقتل الأنسان البريء،وخيانة الاوطان والتزوير.. فالطبيعة ترفض احلال الخلل فيها ثانية بعد ان حل الاصلاح.. بالأيمان ومعتقد القادر القدير .. من هنا فالمؤرخون قصروا في نقل حقائق التاريخ بعد مجي الدعوة الاسلامية وكيف سارت وطبقت نظرية الحكم التي اعتراها التقصير، لذا وقعوا في خطأ التقدير.

هنا نرى ان الحكماء من اصحاب الحق، ادركوا كيفية نشوء المجتمعات وكيفية معرفتهم بأدارتها لأنهم كانوا كباراً في نظرتهم للعدل، وكيفية نقله للاجيال لتعيش فيها بأمن وامان وكيفية معرفة الحقوق.. اي بناء المجتمع ألانساني ألاكثر أمنا وأستقرارا وألاقدر على توفير اسباب الرخاء او ما يسمى اليوم بالسعادة للبشر فكانت الدساتير والقوانين لا اراء الفقهاء والمدلسين.. من هنا بدأت المجتمعات المتقدمة برجالها الأفذاذ تدرك اسباب ربط الظواهر الحياتية - علماء العلم لا فقهاء الدين- حتى انتجت لنا نظريات متعددة ومتنوعة طالبتنا بمعرفة الاصح لاتباعها في التطبيق العملي لواقع الحياة الانسانية .. من لم يستطع ان يكون بهذه الصفات عليه ان يتخلى عن مسئولية الانسان والوطن وينزوي في زاوية الذل والمهانة كماهم اصحاب نظرية التغليس عن الحق ظالمي شعوبهم من اتباع سلطة المظلومين في العراق وغيره.. .اليوم.

من هذه النظريات المتعددة هي النظرية الاجتماعية المبنية على نظرية الافكار الحديثة التي بواسطتها يستطيع المواطن ان يوقف الظلم ويرد السلطة عن هواها وهي ما نسميها بأرادة الامة.. "ثورة تشرين الوطنية في العراق مثالاً"البعيدة عن نظريات القوة والقداسة الوهمية والمتمسكة بنظرية القانون والعدالة الاجتماعية والحقوق.. هي نظرية ان يكون العدل فيها مكفولا ً بنص القانون والعرف الاخلاقي للجماعة الانسانية لا بقانون القوة، ولا الذين كسبوا المعركة من اصحاب نظريات الحسب والنسب والمذهبية والطائفية .. اما التقدم الذي كسبته الدول - الدولة الاسكندنافية مثلاً- لم يحدث الا بزيادة القبول للقيم المشجعة لهم على قبول مواصلة السير به.. من هنا نشأت نظرية فلسفة التقدم وتقريرها في الأذهان على اساس جديد للنظر الى التاريخ وأحوال البشر.

ومن هنا ايضاً قسم العلماء المجتمعات الى متحضرة لها قيمها الروحية الرفيعة في اساليبها المتطورة في مواجهة الحياة والطبيعة مثل المجتمع الياباني .. ومجتمعات غير متحضرة فهي التي لم تتجاوز الطور البدائي في قيمها الروحية واساليب حياتها العلمية والعملية والطبيعية والتي لم تفهم نظريات الحق والعدل المجتمعي.. وان ظهرت متحضرة في مظهرها الانساني كما عند غالبية دول المسلمين.. فالمظهر ليس كالجوهر.. وهي التي وقفت وتقف اليوم عاجزة عن مواجهة الصعاب والتحديات التي تواجهها .. لعدم قدرة انسانها على تجاوز هذا التحديات فقابلتها بنظرية التغليس والتبرير.. ولأن الباطل صار يتعايش معها،كما في المجتمعات العربية ويقف العراق الذي تنازل حكامه عن نظرية الحق وتطبيقاتها .. وتمسكوا بنظرية المظاهر الفارغة في المقدمة فقد ضاعت عندهم السيطرة على القانون وحقوق المواطنين.. وبقوا يعيشون في غرفهم المظلمة كالسجناء في زنزاتهم منفردين.

ان الذين استأثروا في الفيء،وأختيار الولاة على الهوى،وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة من جنس جحد الأحكام المنصوصة والشرائع الحقة المعروفة والعفو عن المجرمين والسارقين والقتلة بقانون العفو العام والخاص ونسوا المعتقلين والمغيبين بدون وجه حق.. باختراق الدستور،والسنن المنصوبة،خرجوا عن مفهوم العدالة واجماع الامة فلا يستحقون حكمها حين تحولوا من نظرية الصدق الى الكذب والأفتراء،وما علموا ان ليس هناك أحسن وأفضل من الصدق.. ولو كانوا كذلك لصدقوا ما كانوا به يدعون،ولوضعوا دستور يضمن حقوق كل الناس دون تفضيل نظريا وتطبيقاً،ليحدود سلطة الدولة عن حقوق الناس ولعاشوا محترمين في ظل القانون ولما زوروا اراء الناس بالرشوة والتهديد.. هذا التوجه فقده بعض الحكام العرب والمسلمين من زمن رغم اننا ورثناه من التراث العالمي.. والذي نادى "بالحرية والاخاء والمساواة قبل الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 بعهود" .

ولربما الاحساس بالعدل بدأ يظهر اليوم في بعض من ابتعدوا عنه، عندما بدأوا يحسون بالندم القاتل كما في مصطفى الكاظمي مثلاً.. .وتحضرني كلمة قالها حيدر العبادي الفاشل سياسياً نكتبها بتصرف : "ان من يحكمون اليوم تعودوا على حياة مترفة لا يستطيعون التنازل عنها بعد.. " كارثة اخلاقية هذا الذي تفوه به العبادي أبن الأصول الذي مسخ تاريخه بقصد.. وهذا لا يحقق دولة مواطن بل دولة لصوص- وان كانوا هم دولة لصوص - ان الذي يجب ان يتحقق هو بأختيار الامة لحاكمها وتحديد مسئوليته في الرقابة المالية ومدة خلافته وسلطته الأخلاقية كي لا يتجاوز نظرية الحق والقانون.. هنا كان مقتل تاريخ قادة حزب الدعوة وعلى رأسهم المالكي للقيم والقانون عندما اسـتأثر بالسلطة تجاوزا على الوطن والمواطن وخان نظرية الحقوق تساعده نظرية القوة التي سخرتها له المحكمة الاتحادية تجاوزا على الحق والقانون في سنة 2010 عندما أغتصب السلطة من مستحقيها مستندا الى قوة الطائفة والحزب لا بنظرية حكم القانون.. "أخذناها وبعد ما ننطيها" وكأنها كانت ملكا له وللوارثين.. فهل قالها قبله محمد(ص) صاحب الدعوة والحق الكبير؟ والقرآن يخاطب محمد(ص) : "لو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك،آل عمران 159" .. فكيف يتجاسر على قولها ظالم عنيد.. ؟ هذا هو تفكير الظلم .. الذي صرفته الدنيا عن التفكير بالحق.. وليس في الدنيا أخطر من العيش بدون تفكير.. فالعبرة بالحقائق الواقعة الى جانب المبادىء المعلنة .

هذا التوجه الفلسفي الصائب هو الذي احدث انقلابا في الفكر الجديد المعتمد على تقدم التعليم المقونن بالقانون.. من هنا بدأت نظريات ارسطو تنكمش وتضمحل تجاه العلم الجديد بعد ان كان المنطق الارسطوطاليسي هو المعتمد في التغيير.. من هنا اقول وبقوة ان البحث والتجربة والمنهج التعليمي الجديد الخالي من التوجهات المثيولوجية العقيمة هي التي اوصلت الانسان الى العلم الصحيح.. فبدأ العلم يحمي العقل البشري من الشكوك التي زرعها الفكر الديني الذي لا يؤمن بالصيرورة الزمنية في رأس الانسان فأوقف بنصه الجامد اللا متحرك عقل الانسان وتفكيره بعد ان ابعده عن الفكر الروحي الذي ظن به ان الانصراف عنه الى دراسة العلم العقلي انما هو مضيعة للوقت وصرف الانسان عن عبادة الله.. وكانهم هم وكلاء الله في الارض والقرآن يقول : "لكم دينكم ولي دين"، هنا كان ولا زال مقتلنا في امة العرب والمسلمين.. وهذا ينطبق على حال الوطن العراقي اليوم حين اصبحت سلطة الدين توجه العلم والتعليم والقانون.. والعكس صحيح.

ومالم يعمل علماء المناهج العربية التعليمية على الربط بين العقل والتفكير بطريقة منطقية عقلية واحترام القانون .. سنبقى مستسلمين للافكار غير العملية التي تقودنا الى التوقف دون حراك.. اي ان الصيرورة الزمنية ستتوقف عندنا كما احدثها اصحاب المذاهب الدينية التي تركتنا عظاما نخرة لا نقوى على الحراك وطرحت علينا مقولات لايقبلها العقل .. "73 سبعين فرقة في النار الا واحدة"من يقبل هذا المنطق وله عقل ودين.. ؟ وعن اية جنةٍ ونارٍ يتحدثون وهم لا يؤمنون.. .نعم علينا وخاصة الطبقة المثقفة التي تدعو للاصلاح الى نقل مركز الثقل في العلم من الخيال الى الواقع ومن النظري الى العملي وخاصة في بناء المنهج الدراسي العلمي الصحيح .. لنحدث التفكير الانساني في روح الامة ومضونها الحضاري منذ الصغر.

فاذا ما توصلنا الى قناعة المنطق بموجب هذه النظرية.. سيكون الجزاء على قدرالمواهب والجهد المبذول ومستوى ذلك الجهد في الدقة وعدمها ونصيب العلم والخبرة في العمل،وان تكون للانسان العراقي حرية التصرف والتعاقد ليكون له الحق في الامان على النفس والمال،وان يكون هذا الحق مكفولاً بنص القانون والعرف الاخلاقي للأمة.. بعدها سنكسب المعركة في النهاية بالقيادة المخلصة للوطن والتي تراعي شروط ما يفرضه الوطن على الانسان وليس الأعتماد على الأخرين "ما حك جلدك مثل ظفرك".. بسلطان الضمير بعد ان تحترم الحقيقة او بعضها وليس بالذين خانوا الامانة وقتلوا الشباب الغض من المطالبين بالحقوق .. حتى اصبحوا اليوم في مذمة الانسان والتاريخ .. ..

لنعمل على ايقاف نظرية الخطأ والتخلف التي ينفذها الحاكم في الوطن بمساعدة رجال الدين السفسطائيين اليوم الذين سرقوا المال والحال وذلك.. بتطبيق نظرية الضد النوعي لنهزمه دون متاعب وعراقيل.. فالوطن ملك الشعب وليس ملكا للصوص التاريخ.

هذه المهمة الوطنية الصعبة موكولة دائماً الى الكتاب الحقيقيين الذين تخلقهم العواصف والتحديات.. لمواقفهم الشجاعة من حقوق الاوطان والانسان .. وان يكن صوتهم خافتاً في البداية .. لكنه .. يمكن ان يوقظ أمة كما في ثوار تشرين.. بكاملها في النهاية.. نأمل ان يكون الرهان على المخلصين ناجحاً..

فهل كنا نعتقد ان المعارضة العراقية التي وقفنا معها من اجل الوطن تكون بهذا المستوى الخياني الرخيص.. ؟

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

محمود محمد عليعقب أحداث ثورة 25 يناير المصرية  في عام 2011م ازداد التقارب الفعلي بين جماعة الإخوان المسلمين وإيران، من خلال توجيه آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران تحية إلى ثوار التحرير، واصفا إياهم بأنهم أبناء حسن البنا، وهي إشارة صريحة وقوية إلى طبيعة العلاقة بين أبناء البنا وأبناء الخميني.

كما كانت إيران أول المهنئين بفوز الدكتور محمد مرسي برئاسة جمهورية مصر، وقد كانت هناك خطب عديدة في صلاة الجمعة بإيران، وأغلبها تعبر عن موقف رسمي دعا المصريين إلى التقارب الإيراني المصري بانتخاب الدكتور مرسي باعتبار ذلك واجباً دينياً، لا يُعفى منه أحد.

وعقب وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم، رأى نائب وزير الخارجية الإيراني للشئون العربية حسين أمير عبد اللهيان، بأن طهران تشعر بالارتياح لوصول الإخوان إلى أماكن متقدمة في قيادة بعض الدول العربية، بعد اكتساحهم نتائج الانتخابات البرلمانية، كما حدث في تونس، ومصر، والمغرب.

في هذا المقال نحاول أن نبرز المحددات الحاكمة للموقف الإيراني من الإخوان المسلمين ، حيث يمكن أن نبرز مجموعة من العوامل شديدة الأهمية والتي قد تساعد على فهم مستقبل علاقات جماعة الإخوان المسلمين ونظام الخميني الحاكم في إيران في ظل عدد من التحديات الإقليمية التي تواجه الطرفين بضراوة أكثر من أي وقت مضى ، وهذه العوامل ناقشها بوضوح محمد الرصارصي في كتابه سالف الذكر وكذلك محمد محسن أبو  النور في دراسة له بعنوان "هل يمكن أن تكون إيران ملاذاً آمناً للإخوان المسلمين"، وهذه العوامل تتجسد علي النحو التالي:

أولاً: توجد هناك بعض من المفاهيم الفكرية والفقهية التي تجمع بين الطرفين الشيعي الصفوي والسُّنّي الإخواني، وهي بمجملها ذات أهداف سياسية بصبغة إسلامية، تقوم على فكرة الإسلام الأممي، إذ بالنسبة إلى إيران، كما تدّعي، هدفها هو "حضارة الإسلام الجديدة"، أمّا الإخوان، فهدفهم الأسمى في تحقيق "الإسلام العالمي"، إضافةً إلى أن كليهما ينبذان القومية العربية والهوية الوطنية والحدود بين البلدان الإسلامية والمدنية الغربية؛ وفي هذا الصدد، يشير حسن البنا في كتابه "مذكرات الدعوة والداعية"، قائلًا: "أما العالمية أو الإنسانية، فهي هدفنا الأسمى وغايتنا العظمى وختام الحلقات في سلسلة الإيضاح، والدنيا صائرة إلى ذلك لا محالة، وهي خطوات إن أبطأ بها الزمن فلا بدّ من أن تكون، وحسبنا أن نتّخذ منها هدفاً، وأن نضعها نصب أعيننا مثلاً، وأن نقيم هذا البناء الإنساني، وليس علينا أن يتم البناء، فلكل أجل كتاب؛ وهنا وجدنا النظام الإيراني يعي أن علاقته بجماعة الإخوان المسلمين تاريخية وتتصف بالاستراتيجية على مر عقود التلاقي الفكري والأيديولوجي والسياسي بين الجانين، كما يحمد النظام الإيراني لقادة التنظيم الدولي لجماعة الإخوان كونهم أول من أيد قائد الثورة الإيرانية آية الله الخميني في مقر إقامته بضاحية "نوفل لو شاتو" بالعاصمة الفرنسية باريس قبيل نجاح الثورة، كما كان قادة التنظيم الدولي للجماعة أول من هنأ الخميني  بنجاح الثورة في طهران.

ثانياً: إنّ الإسلام في منهجية الفكرَيْن الإيراني والإخواني ليس أكثر من قالب تصدير أو جسر عبور للوصول إلى دفّة الحُكم وتنفيذ غايات وأهداف تعمل على تفكيك الأمن القومي العربي وتقليص المفاهيم والمبادئ والأفكار المتعلّقة بالعروبة حاضراً وماضياً، بغية تسطيحه مستقبلاً من العقل والواقع، فضلاً عن البناء العالمي للإسلام لقيادة البشرية، سواء عن طريق "التنظيم الدولي للإخوان"، أو عبر التحالفات الإسلامية مع النظام الجمهوري الإسلامي الحاكم في إيران؛   ومن هنا أدركت إيران منذ البداية أهمية جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم دولي قوي ظل يعمل في مصر بطاقته القصوى، وهو ممتد ومتشعب في عشرات الدول حول العالم، كما أن المرشد الإيراني الأعلى "علي خامنئي" نفسه يعد واحداً من المتخصصين الإيرانيين القلائل في شؤون جماعة الإخوان المسلمين ولأنه طليق في اللغة العربية، تحدثاً وكتابة؛ فقد ترجم للقيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين سيد قطب ثالثة كتب قبل  الثورة الخمينية ويحرص في كل رمضان على جمع عدد من القراء المصريين في منزله.

ثالثاً: أما من ناحية المفاهيم الدينية، فإنّ جمهورية إيران ترى أنّ عصر الإمام المهدي المنتظر الذي غاب في سرداب بمدينة سامراء شمال بغداد، منذ عام 255 هجري/ 686 ميلادي، فقد حان زمن ظهوره. وبذلك، تنظر إيران إلى علاقتها الخاصة مع جماعة الإخوان المسلمين، على أن تكون الأداة المساعدة في تغلغل المدّ الإيراني داخل البلدان العربية؛  وهنا ركزت إيران الإسلامية في تعاطيها مع جماعة الإخوان على مفاهيمهما المشتركة في بناء الدولة ونظام الحكم الإسلامي، وعزز ذلك المواقف المتطابقة لدى الجماعة وإيران في عدة مسائل منها مناهضة الإستكبار العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة" واتفاقهما على أن "إسرائيل هي الشيطان الأصغر في المنطقة.

رابعاً: إنّ تقارب التطابق التنظيمي بين نظام "جمهورية إيران الإسلامية" من جهة، و"حركة الإخوان المسلمين" من جهة أخرى، واضح التشابه والمعالم، إذ إنّ درجة "المرشد" على رأس الهرم وفوق منصب رئيس الجمهورية، وإنّ "مجلس تشخيص مصلحة النظام" في إيران يقابله "مكتب الإرشاد" عند الإخوان. وهكذا تشابه بنيوي وتقارب مبدئي، لم يأتيا كنتيجة ظرفية مرحلية، أو علاقة مصلحية عابرة، وإنّما هو انعكاس فكري في الآراء والتصوّرات، ويكشف عن مدى التجانس العملي والصلة التاريخية لعلاقة ترتبط بين جانب "سُنّي إخواني" يزعم أنّه يمثِّل الثقل الأكبر بين الحركات الإسلامية السُّنّية، وآخر "شيعي صفوي" يدّعي أنّه الحامي الوحيد لعموم الشيعة في العالم، ويستخدم كلاهما الإسلام لمآرب سياسية تخدمهم على حساب العروبة كقومية والإسلام كدين؛   وهنا رأت إيران أن مصر التي يوجد فيها مقر وثقل جماعة الإخوان، هي مركز القوة في العالم الإسلامي السني، لما تشكله من ثقل سكاني، وإرث حضاري وموقع جغرافي متميز.

خامساً: هناك تأثرات واضحة بفكر سيد قطب عند حزب الدعوة الإسلامية الذي أسسه آية الله محمد باقر الصدر في العراق في أوائل الخمسينيات مع عدد من العلماء العراقيين واللبنانيين، وكذلك لدى الحركة الإسلامية الإيرانية بزعامة الإمام الخميني منذ ستينيات القرن الماضي، وخصوصاً نظرية حاكمية الله. وإذا صح هذا التأثر، يمكن تلمسه في كتاب “الحكومة الإسلامية” للإمام الخميني الذي نشره كمجموعة محاضرات ألقيت في الستينيات خلال منفاه في مدينة النجف العراقية. ويشير البعض إلى تحالف “حزب الدعوة” مع “الحزب الإسلامي العراقي”، وهو الفرع الإخواني المحلي، ضد حكم عبدالكريم قاسم الذي كان يهيمن عليه الشيوعيون، وأن الحزبين كانا حتى سقوط قاسم بانقلاب 8 فبراير 1963 م في حالة شبه وحدة تنظيمية؛ ومن هنا وجدنا أن هناك علاقة أيديولوجية قوية تربط بين الإسلاميين في كل من إيران ومصر، فهم يتشاركون في المشاعر المعادية لإسرائيل، ويدعمون حركة المقاومة الفلسطينية (حماس (، ويعتبرون أن الثقافة الغربية تشكل  تهديداً عليهم في ظل التزامهم بحكم الشريعة؛ وهذا ما يفسر قول المرشح الخاسر في انتخابات الرئاسة الإيرانية التي جرت في صيف 2013م، علي "أكبر ولايتي" في واحدة من جولاته الانتخابية إن الإخوان المسلمين هم الأقرب فكرياً وعقائدياً إلى إيران.

سادساَ: تواصلت علاقة جماعة الإخوان المسلمين مع نظام الخميني في إيران في عهد الرئيس السابق محمد حسني مبارك، حيث اتفق الطرفان في معاداتهما لنظام مبارك ووصفه بأنه حليف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وكذلك رفضهما إتفاقية السلام مع إسرائيل، ودعم إيران لحركة حماس التي تعتبر فرع الإخوان الفلسطيني في قطاع غزة؛ وهنا يتعامل الطرفان على اعتبار أن النظام الإيراني أقرب إلى النظام الحركي، وقد تولى زمام السلطة في طهران بعد الثورة التي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي، وبالتالي فإن العلاقات بين الإخوان كحركة وصلت إلى السلطة في مصر بعد ثورة، والخمينية كحركة وصلت هي الأخرى إلى السلطة بعد ثورة، يغلب عليها طابع التكافؤ من حيث أن الجانبين يقومان على أساس فكر التنظيم المستند على مبادئ دينية إسلامية تتعدى في جوهرها الحقيقي فكرة الدولة المحددة بسياج سياسية، وإن كان هناك اختلاف في المنطلقات الفكرية لكيفية بناء هذه الدولة.

سابعاً: إيران والإخوان في حاجة آنية ماسة إلى كل منهما الآخر، فبينما خرجت جماعة الإخوان من السلطة في مصر بشكل درامي بعد أن عزل قادة القوات المسلحة المصرية ومعهم الشعب المصري الحر، الرئيس مرسي من السلطة في 3 يوليو 2013م، وشنت أجهزة الدولة كافة أعنف حرب دعائية تلقتها الجماعة في تاريخها وفقدت طليعة رموزها ونخبة شبانها بين معتقل وصريع في تلك الأثناء، تسبب لها ذلك في خسائر أساسية فادحة اضطرت معها إلى الاحتماء بالنظامين القطري والتركي لكنها كذلك في حاجة إلى توسيع دائرة الاحتماء الإقليمي، وهنا يمكن أن تبرز إيران كأحد حوائط الصد للجماعة، وإن كان برز عكس ذلك على الساحة اليمنية، مع توسع الحوثيين والاعتداءات التي قاموا بها وطالت الإخوان المسلمين.

ثامناً: أكد عز الدين إبراهيم - أحد قيادات الإخوان المسلمين ومؤسس تنظيمها في ليبيا بعد هروبه من مصر - على حقيقة التقارب التاريخي الحميم بين جماعة الإخوان والشيعة الإيرانيين عموماً: "قام الإمام الشهيد حسن البنا بجهد ضخم على هذا الطريق، يؤكد ذلك ما يرويه الدكتور إسحاق موسى الحسيني في كتابه ”الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة ” من أن بعض الطلاب الشيعة الذين كانوا يدرسون في مصر قد انضموا إلى جماعة الإخوان المسلمين، ومن المعروف أن صفوف الإخوان المسلمين في العراق كانت تضم الكثير من الشيعة الإمامية الإثنى عشرية، وعندما زار نواب صفوي سوريا وقابل الدكتور مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين اشتكى إليه الأخير أن بعض شباب الشيعة ينضمون إلى الحركات العلمانية والقومية، فصعد نواب إلى أحد المنابر وقال أمام حشد من الشبان الشيعة والسنة: من أراد أن يكون جعفرياً حقيقياً فلينضم إلى صفوف الإخوان المسلمين، ولكن من هو نواب صفوي زعيم منظمة فدائيان إسلام الإسلامية الشيعية؟؛ وهنا يعد العقل الجمعي لدى قادة الإخوان المسلمين، النظام الإيراني مدين إلى جماعة الإخوان المسلمين بحلحلة معضلة العلاقات مع مصر، لا سيما وأن أول رئيس إيراني تطأ قدماه أرض مصر بعد 39 عاما من المقاطعة كان في فترة حكم رئيس من الجماعة، كما أن أول زيارة لرئيس مصري إلى طهران بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979م، كانت في ظل الرئيس نفسه.

تاسعاً: يدرك اللاعب الإيراني أن سياسات طهران الإقليمية لا تحظى بالقبول اللازم لدى قطاعات شعبية ورسمية واسعة في البلدان العربية بسبب موقفها من الأزمة السورية والوضع الميداني في العراق وغير ذلك من الملفات الشائكة، لذلك هي في حاجة إلى تعزيز روابطها بجماعة لها حلفاء كثر على الأرض، داخل مصر وخارجها، رامية في ذلك إلى الحد من خسائرها الاستراتيجية من عزل الدكتور مرسي وموقفها المتردد وغير الواضح من بيان 3 يوليو 2013م، وما أعقبه من مواجهات بين السلطات المصرية والمواطنين المصريين الرافضين لإقصاء أول رئيس منتخب ديمقراطيا في تاريخ مصر، إلا أن الممارسات على الأرض التي تقوم بها إيران في سوريا واليمن والعراق والبحرين قد تباعد بين الطرفين بدرجة كبيرة.

عاشراً: منيت إيران بخسائر لا يمكن تداركها بسهولة، بعد حملة العلاقات العامة الهائلة التي شنها السلفيون والأصوليون في مصر في الفترات الأخيرة وتصدير صورة نمطية عن الدولة الإيرانية باعتبارها تسعى للمد الشيعي في بلدان العالم العربي السنية، وهذا من شأنها كذلك أن يباعد بينها وبين الإخوان المسلمين، في ظل حرص الجماعة على الانفتاح على كل التيارات السياسية في المنطقة العربية، وخاصة تلك ذات المرجعية الإسلامية المعتدلة.

الحادي عشر: لدى جماعة الإخوان عدد كبير من القادة الميدانيين الشبان الذين فروا من مصر إلى الدول العربية الحليفة لنظام 3 يوليو 2013م، فور فض اعتصام رابعة مساء يوم 14 أغسطس/آب 2013م، ومنهم عدد كبير متواجد الآن في أبو ظبي والرياض والكويت والمنامة وعَمّان، مما يشكل عليهم خطورة بالغة في حالة معرفة السلطات في تلك العواصم بالأمر، لذلك فإن التحالف مع إيران، يمكن أن يدفع البعض للتفكير في اللجوء إلى  إيران، إذا كان من الممكن أن توفر لهم مقرا آمنا بعيدا عن الملاحقات الأمنية.

الثاني عشر: تنسجم العقيدة التاريخية لدى كل من إيران والإخوان حول عدد من القضايا الثابتة في التكوين الأيديولوجي لدى كل منهما، وعلى رأس ذلك الموقف من الغرب، ومن إسرائيل، ومن دعم حركات المقاومة في فلسطين، وهو ما يسمح ببناء قاعدة صلبة يمكن البناء عليها في حالة تفكير إيران في إيواء قادة جماعة الإخوان في داخل أراضيها، إذا تمت تسوية قضايا خلافية برزت وترسخت مؤخراً بين الطرفين في اليمن والعراق وسوريا والبحرين.

الثالث عشر: وجود مؤشرات عن حدوث لقاءات أجراها دبلوماسيون إيرانيون في مصر مع قادة الإخوان الموجودين في مصر للوقوف على إمكانية وآلية التعاون في تلك الفترة.

الرابع عشر: إن فكرة البديل الإيراني أمام رموز قادة جماعة الإخوان المسلمين اللاجئين لدى كل من قطر وتركيا، تنطوي على عدة مخاطر لا تخص الإخوان وحدهم، بل تتعلق أيضاً باللاعب الإيراني الذي يسعي آنيا إلى استخلاص موقف مصري مؤيد لتحركاته الإقليمية الاستراتيجية؛ خاصة إزاء الملف السوري بالرغم من أن طهران كانت الطرف الأكثر خسارة من عزل الرئيس "محمد مرسي" في أعقاب التغيير الذي وقع في القاهرة بين يومي 31  يونيو و3 يوليو 2013م.

الخامس عشر: إن وجهتي نظر القاهرة وطهران حول العمليات العسكرية الدولية على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تكاد تكون متطابقة، إذ رفضت العاصمتان الانضمام إلى التحالف الدولي الذي يشن عمليات عسكرية على مناطق تمركز عناصر التنظيم المسلح في محافظات سوريا، وهي نقطة التقاء يمكن للاعب الإيراني - الذي يسعى عن كثب لإعادة العلاقات مع مصر - البناء عليها لتكوين تحالف ضمني غير معلن حول قضايا الأمن الإقليمي.

السادس عشر: لدى إيران خبرة - قريبة زمنيا - في مسألة لجوء المعارضين المصريين إلى أراضيها، لاسيما بعد إيوائها عدد من معارضي النظام المصري إبان مقتل الرئيس المصري محمد أنور السادات في السادس من  أكتوبر أول 1981م بأسلحة عناصر من أفراد القوات المسلحة المتماهين مع الجماعة الإسلامية، ووصل الأمر إلى أن وفرت طهران ملاذا آمنا لأسر الفارين من ملاحقات نظام مبارك وما يزالون متواجدين حتى الآن بإيران بالرغم من امتعاض أجهزة الدولة المصرية من تلك السياسات.

السابع عشر: يعد ملف إيواء إيران للإسلاميين المعارضين واحدة من أكثر القضايا الخلافية على مائدة العلاقات المصرية - الإيرانية الراهنة، مع إصرار النظام المصري على استعادة المطلوبين أمنيا والمتواجدين في إيران، فضلاً عن بقايا الجهاديين اللاجئين إلى إيران بعد الحرب الروسية - الأفغانية في ثمانينيات القرن العشرين؛ ولذلك فإن تفكير إيران في إيواء قادة جماعة الإخوان المسلمين سينطوي على مخاطرة جادة وحقيقية في ملف محاولة استعادة العلاقات المقطوعة مع مصر منذ توقيع الرئيس السادات اتفاقية السلام مع إسرائيل ( في كامب ديفيد عام 01979م. تكرر الأمر نفسه بعد اجتياح التحالف الدولي بقيادة أمريكية، أفغانستان) أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وفرار الجهاديين المصريين المنضوين إلى تنظيم القاعدة مع القيادي الجهادي البارز أسامة بن لادن من أفغانستان عبر الحدود المشتركة إلى إيران واستقرارهم هناك أو تمكنهم بمساعدة السلطات من التسلل إلى العراق وباكستان وعدد من الدول ذات الحدود المشتركة... وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد عليصدق من قال بأنه على مائدة المصالح السياسية، كل الأوراق مطروحة للعب، وكل الأطراف مرشحة للفوز بقدر اقترابها من الخسارة، إنه قانون اللعبة الواضح للجميع، إلا أن هناك من اللاعبين من لا يستطيع تقبل فكرة الخسارة من الأساس، فيقوده طمعه السياسي إلى التحالف مع الشيطان من أجل تحقيق مصلحة ما، وجماعة الإخوان المسلمين من الأمثلة الصارخة لهذا النوع الطامع من اللاعبين، بتحالفاتها المريبة وعلاقاتها المشبوهة ومواءماتها النفعية مع كل من يخدم مصالحها، وبتحالف الجماعة الإرهابية مع النظام الإيراني، يتضح إلى أي مدى يمكن أن تذهب جماعة الإخوان ، ولو زحفًا على البطون، فقط من أجل مصلحتها.

وقد ذكرنا في المقال السابق كيف ارتبطت جماعة الإخوان المسلمين بعلاقات تاريخية مع النظام الإيرانية الذي سيطر تماماً على السلطة، بعد نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة آية الله الخميني عام 1979م في إسقاط الشاه "محمد رضا بهلوي" الذي حكم إيران بين عامي (1979-1941م) ومن ذلك لقاءات أجراها قادة التنظيم الدولي للجماعة بالمعارضة الإيرانية في عدد من العواصم الأوروبية في أوج سلطة الشاه.

لقد كشف لنا التاريخ كيف أنه عقب وصول آية الله الخُميني إلى عرش إيران، عقب نجاح الثورة الإسلامية- بادرت أمانة سر التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، إلى الاتصال بالمسئولين الإيرانيين؛ بغية تشكيل وفد من الإخوان لزيارة إيران، للتهنئة بالثورة وتدارس سبل التعاون المشترك.

وبالفعل، عينت إيران ضابطًاً، للاتصال بالتنظيم الدولي للإخوان في لوجانو/ سويسرا، بتاريخ 14 مايو 1989؛ لدراسة القرارات السريعة، ومنها تشكيل وفد من الإخوان لزيارة إيران وتقديم التهاني بمناسبة نجاح الثورة الإيرانية والإطاحة بالشاه، وفعلا تمت الزيارة عقب وصول الخميني إلى طهران بعدة أسابيع برئاسة يوسف ندا، القطب الإخواني الكبير والمشرف وقتها على أموال الجماعة وعلى قسم الاتصال بالعالم الخارجي.

وكانت دعوة "عمر التلمسانى" كما  بينا في المقال الأول يمثل أول خطوة حاول من خلالها جماعة الإخوان المسلمين إحداث هذا التقارب بينهم وبين الشيعة بدعوة أن هذا سيصب فى صالح المسلمين. وفى حرب تموز 2006، التى خاضها حزب الله، اعتلى الإخوان فى هذا التوقيت دعوات التقارب بين السنة والشيعة، عبر دعوات التفخيم من حسن نصر الله، الذى قاموا بتشبيه بصلاح الدين الأيوبى؛ كما أن محمد مهدى عاكف، المرشد السابق للإخوان يعد من أكثر المطبعين مع الشيعة والداعين للتقارب مع الشيعة.

وهناك نقاط كان التعاون فيها بين الإخوان وإيران أكثر وضوحا وانفتاحا، ففي عام 1988- على سبيل المثال- وافق الإيرانيون بناء على طلب من الشيخ محمد الغزالي على الإفراج من جانب واحد عن جميع السجناء المصريين الذين حاربوا مع الجيش العراقي ضد إيران.

هذا وأن النظام الذى يتبعه الشيعة خاصة إيران، متقارب مع الإخوان، فكلاهما يتبع نظام المرشد الأعلى سواء إيران أو الإخوان، وفي هذا الصدد نشأت جماعة «الدعوة والإصلاح» في إيران مستندة على أفكار ومبادئ جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر؛ إذ تُعدُّ هذه الجماعة ممثلة للإخوان في الحياة السياسية الإيرانية، وتأسست عقب انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ونجاحها في إسقاط الحكم الملكي وإزاحة الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي عن سدة الحكم في يناير 1979، وتأسيس الجمهورية الإيرانية (ولاية الفقية).

وتمثلت هذه العُرى الوثقى بين الإخوان وإيران بما جمع بين حسن البنا، وتقي القمي، وآية الله كاشاني، ونواب صفوي، وآية الله الخميني؛ أبطال غزو الشيعة للعالم السني، وهي علاقات سرية، كما يصفها الخرباوي: "لا يعرف عنها الكثيرون شيئاً، إلا قيادات الإخوان أنفسهم وليس قاعدة الجماعة"، مشيراً إلى أن "حسن البنا اقترب من الشيعة بشكل كبير، وهو ما أثار غضبة علماء السنة، حتى إنّ أقرب المقربين منه اتهموه بخيانة عقيدته مقابل دراهم معدودة".

ويعكس هذا الاتهام تبايناً داخل جماعة الإخوان، فيما خصّ التقارب المفرط مع إيران، إذ ثمة جناحان داخل الجماعة للتعامل مع إيران، أولهما: جناح "يوسف ندا" الذي يقدم نفسه بأنه مفوّض العلاقات الخارجية للجماعة، وهو صاحب صلة مباشرة ووثيقة مع الإيرانيين والشيعة، حيث زار طهران عدة مرات، وله علاقة وثيقة بالطوائف الشيعية والإخوان في إيران .

وكان علي أكبر ولايتي، وزير الخارجية الإيراني الأسبق والمستشار الأعلى للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، أكد في ندوة عن "الحوزة الدينية والصحوة الإسلامية" عقدت في مدينة مشهد الإيرانية "أنّ الإخوان المسلمين هم الأقرب إلى طهران بين كافة المجموعات الإسلامية".

ويؤكد حفاوة ولايتي بـ"الإخوان" ما صرّح به القيادي السابق في جماعة الإخوان في مصر الدكتور ثروت الخرباوي، الذي كشف عن علاقات سرية طويلة وممتدة بين مؤسس الجماعة حسن البنا وقائد الثورة الإيرانية آية الله الخميني، "وذلك في إطار من الروابط التي جمعت الرجلين بالمخابرات الغربية".

وكان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد زار مصر بدعوة من المعزول محمد مرسي للمشاركة في مؤتمر إسلامي، وخطب في جامع الأزهر الشريف، وهو ما يعد، في نظر الخرباوي، دليلاً آخر على قوة العلاقة بين الجانبين، كما أن زيارة مرسي لطهران عام 2012 للمشاركة في مؤتمر "دول عدم الانحياز" كأول رئيس مصري يزورها بعد 34 عاماً دليلٌ آخر على الصلة الوثيقة بين الطرفين.

وهناك دراسات مهمة أبرزت خصوصية العلاقة بين فكر جماعة الإخوان المسلمين وإيران، ويمكن أن نركز علي ست دراسات في هذا المقال وذلك علي النحو التالي :

1- الدراسة الأولي: للباحث محمد سيد رصاص، في كتابه الذى حمل عنوان «الإخوان المسلمون وإيران الخميني - الخامنئي»، حيث فسّر لنا الدوافع الإيرانية في الدفاع المستميت عن الإخوان في مصر، وحركة النهضة التونسية، وحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، بأن «مرسي» كسر حظرًا فرضه سلفاه على نفسيهما بعدم زيارة طهران، وطرح مبادرة تشكيل مجموعة اتصال رباعية، تضم القاهرة والرياض وأنقرة وطهران؛ من أجل معالجة الوضع السوري، ورفضتها السعودية بوعي بخطورة إشراك إيران في شأن عربي، هي جزء من المشكلة فيه؛ قائلًا في كتابه: «تجاهلت الجماعة الشواهد المؤكدة بأن التقارب بين مصر بقيادة الإخوان، وإيران الخمينية، لن يكون في صالح العرب ولا المسلمين بأي حال من الأحوال، في ظل ما تقوم به إيران من أعمال تخريبية في أكثر من ساحة عربية، وسعيها إبراز هوية أطماعها الفارسية، التي تعتبر الإسلام عدوها اللدود لقضائه على الإمبراطورية الفارسية، وهذا العداء الذى ظل الفرس يتوارثونه جيلًا إثر جيل.

2- الدراسة الثانية : للباحث العُماني أحمد الإسماعيلي بعنوان " صناعة الإسلام الثوري.. الخطاب والتَّشكُّل لدى الإخوان المسلمين وولاية الفقيه "، حيث يتناول في دراسته تحليل سياقات التحول لدى الإخوان في مصر، ويقدم مقاربات معرفية بين الحركتين في صناعة الإسلام الثوري، تُعنى بطبيعة الخطاب وسياقات التشكل التي فرضتها الإيقاعات السياسية والاجتماعية على كلتيهما، ويناقش ثلاث أطروحات تتمحور حول طبيعة صناعة الإسلام الثوري وسياقاته؛ حيث تعنى أولاها بطبيعة الخطاب الثوري لكلا الحركتين، مركزا على شبكة المفاهيم التي وظفها الإسلام الثوري، في سبيل استقطاب الجماهير المتعطشة للخروج من وحل الفقر كظاهرة اجتماعية، والديكتاتورية كظاهرة سياسية، وهو إشكال يهتم بتفكيك البنى اللغوية لخطاب الإسلام الثوري. ثم يقوم الباحث برصد سياقات التحول السياسية والاجتماعية وتحليلها، التي مرت بها هاتان الحركتان، وعلاقتهما بالحركات الثورية الأخرى، وبالمركزية السياسية، وبالقضايا العالمية، وقدرة رموز هاتين الحركتين على استيعاب الأطراف الأخرى في دوائر الصراع السياسي. ويقدم الباحث تصورا حول مآلات صناعة الإسلام الثوري لدى هاتين الحركتين؛ لماذا نجحت في إيران وأخفقت في مصر؟ كما يرى أن الإسلام الراديكالي لا يمكن أن يظهر إلا في فضاءات اجتماعية مختنقة بالفقر والجهل والظلم ومليئة بالتناقضات الفوضوية، وفي ظل حكم أنظمة سياسية خانقة للحريات والعدالة والمساواة، وموغلة في البطش والظلم والفساد. هذا هو المناخ الذي يهيئ لصناعة الإسلامات الثورية في الوطن العربي والإسلامي بشكل عام، وبدون هذا المناخ لا يمكن لهذا النوع من الإسلامات الراديكالية أن يتأسس؛ لأنه لن يجد ما يقتات عليه في بناء فضائه الخاص.

3- الدراسة الثالثة: للباحث اللبناني هيثم مزاحم -المتخصص في الحركات الإسلامية المعاصرة بعنوان" نظرية الحاكمية بين سيد قطب وعلي خامنئي "، حيث درس بين لنا مدى تأثير نظرية الحاكمية، التي طوّرها سيّد قطب وشكّلت لاحقاً العمود الفقري للبناء النظري للحركات الإسلامية والجهادية في العالم الإسلامي، على الخميني وتلميذه وخليفته علي الخامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران. ويشير إلى أن رؤية الخامنئي لحاكمية الشعب جاءت في مقابل الديمقراطية في الغرب، والفرق الأساسي بينهما أن حاكمية الشعب هي أن يقرر الشعب ما يريد تحت سقف الإسلام. أما الديمقراطية فهي أن يقرر الشعب ما يريد دون ضوابط أو سقف يحكمه. ويقول: إن هذا البعد الشعبي لا نجده عند المودودي وسيد قطب، اللذين جعلا الحاكمية الإلهية متمثلة في الخلافة، بحيث جعلا خليفة الله أشبه بالطرح الكاثوليكي لسلطة الكنيسة على الأمة، من دون أن يكون للشعب أي دور اجتماعي أو سياسي يذكر. وبالرغم من الفوارق الشكلية بين أطروحة المودودي– قطب، وأطروحة الخميني– الخامنئي، فإن الجانبين يتفقان في أن الحاكم الحقيقي في الإسلام هو الله وحده، وأن الدولة الإسلامية سواء أكانت جمهورية أم إمارة أم خلافة، فهي كما يقول المودودي «دولة مهيمنة أو مطلقة، محيطة بجميع فروع الحياة ونواحيها، ولكن أساس هذه الهيمنة والإحاطة التامة، إنما هو القانون الإلهي الجامع الواسع، الذي وكل إلى الحاكم المسلم تنفيذه في الناس». كان جلّ تركيز الخميني هو على البرهنة على صحة نظرية ولاية الفقيه المطلقة في عصر غيبة الإمام الثاني عشر، وامتداد ولاية الفقيه إلى الأمور السياسية، بمعنى قيادة المسلمين وتولّي السلطة وتفرعاتها. كما أن البنية الفقهية والعرفانية لدراسة الخميني، ومن بعده الخامنئي، تجعله –كفقيه- دقيقاً جداً في إطلاق أي حكم فقهي أو فتوى بتكفير مجتمع مسلم، بخلاف المودودي وسيد قطب اللذين لم يتخرجا في المدرسة الدينية التقليدية كالحوزة أو الأزهر.

4- الدراسة الرابعة: للباحث البحريني عباس المرشد بعنوان " التيارات العابرة للوطنية بين الثورة والدولة: الإخوان المسلمون وإيران"، حيث بين في دراسته هذه: إنه على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على علاقات الإخوان المسلمين بالحركات الإسلامية الشيعية في إيران؛ فإن هذه العلاقة التاريخية لم تكن على وتيرة واحدة، لا من حيث طبيعة الأطراف، ولا من حيث المنحى الذي سارت عليه، الأمر الذي أحاطها بالغموض تارة، والخصومة تارة أخرى، والازدواجية تارة ثالثة. وشهدت هذه العلاقة حالات مد وجزر، ولكن بدا واضحاً، من سياق تطورها، أن الطرفين قد تجنّبا القطيعة التامة، على الرغم من أن التطورات السياسية المتعاقبة قد أثّرت في طبيعة هذه العلاقة، وأن الانتقال من وضعية الثورة إلى وضعية الدولة أو (استلام الحكم أو المشاركة فيه بدرجة ما) من شأنه أن يؤدي إلى تعزيز العلاقة العابرة «المتجاوزة» للوطنية، بل وتسخير ثروات الدولة ومقدراتها لخدمة هوية العبور المتجاوز للوطنية. وهذا يعني أن الحدود بين الثورة والدولة في التيارات العابرة للوطنية، هي حدود تخضع لحسابات ذات وجهين، الأول: هو العقلانية النفعية، كبروز حالات لم تكن موجودة من قبل، كما في حالتي حركة حماس الفلسطينية، مقابل حركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، مقابل العلاقة الوثيقة بين نظام الحكم في الجزائر وإيران. والثاني: ما يطلق عليه «أخلاق التكييف» وما تفرضه من ممارسات لا تتفق تماماً والرؤية العقائدية للجماعة أو الدولة، فتلجأ إلى إجراء تغيير في درجة القيمة المعطاة لبعض الرؤى العقدية، بما يتلاءم ومتطلبات الواقع العملي والفعلي، كما في حالة وجود اختلاف مذهبي قابل للتوتر الطائفي. ويشير الباحث إلى أن المتغير المستقل في دراسته هو الاختلاف المذهبي، خلافاً لحالات أخرى يكون التجانس المذهبي فيها هو المتغير المستقل. ويتتبع الباحث في دراسته البدايات الأولى لعلاقة الإخوان المسلمين بالحركة الإسلامية الشيعية في إيران في مرحلتين، الأولى: مرحلة التنظيم، والثانية: مرحلة الدولة. وذلك من خلال استعراض التراكمي التاريخي للمواقف بين كلا الطرفين، لدراسة حالات التيارات العابرة للوطنية، وكيف تتشكل داخل إطار الدولة الوطنية.

5- الدراسة الخامسة : للإعلامية والكاتبة السعودية سكينة المشيخص بعنوان الإخوان المسلمون وإيران: القاسم المشترك في الخليج ؛ حيث  ترى أن علاقة جماعة الإخوان المسلمين بالدولة الإيرانية، تكتيكية أكثر منها استراتيجية، فثمّة قواسم مشتركة تجعل طرفي العلاقة في حاجة حيوية لتنفيذ مشروعات وأجندة توسعية، تلتقي عند فكرة عامة حول الخلافة التي تتطلب انتشاراً دينامياً في الأوساط الشعبية للدول الإسلامية، وذلك ينطوي على استغلال منهجي للمشاعر الدينية للناس، وتوظيف أشواقهم الدينية للوحدة والذهاب بها في مسارات مضللة، تصنع زيفاً كثيفاً حول الأجندة الخفية لخطط التوسع واختراق الحكومات والمجتمعات. ويأتي هذا البحث في إطار دراسة جدوى مشروعات الطرفين. فالعلاقة بين جماعة الإخوان والدولة الإيرانية عقب الثورة الإسلامية قائمة على مصالح مشتركة قوية، فالجماعة ترى أن الثورة الإسلامية في إيران انتصار لرؤيتهم ومشروعهم العالمي، فهي أول حكومة إسلامية في الزمن المعاصر، مما يعزز البرامج والخطط المشتركة بينهما، ولذلك فإنهما في حال انسجام لم تتعرض لأي ضغط أو تصدّع، حيث نجحا في كثير من المواقف والأحداث في تأكيد اتفاقهما، وخلق مزيد من عناصر العداء المشترك لدول المحيط العربي والإسلامي. وتجيب الباحثة على عدد من التساؤلات: كيف استطاع الطرفان توحيد أهدافهما على الرغم من التمايز المذهبي؟ ما المحفزات التي تجعل الجماعة وإيران يبقيان على تماسك علاقتهما؟ كيف أفادا من تعزيز الطائفية في تمرير الأجندة المتطرفة في المجتمعات الإسلامية؟ ما فرص استقرار العلاقة بين الجماعة والدولة الإيرانية وتحقيق أهدافهما؟ ما دور الطرفين في تأزيم العلاقات المجتمعية الداخلية في الدول المحيطة؟

6- الدراسة السادسة:  للباحث المصري المتخصص في الحركات الإسلامية علي عبدالعال بعنوان "موقف القاعدة وداعش من إيران.. دراسة مقارنة "، يقول في دراسته: إن العلاقة المفترضة بين إيران وتنظيمي «القاعدة» و«الدولة الإسلامية» شغلت الكثيرين من الساسة وصناع القرار، والمنظرين الإسلاميين، كما شغلت مساحات ليست قليلة من اهتمامات وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة. ويرى أن التوظيف السياسي، وزاوية التناول الخاصة، واتهامات العمالة، قواسم مشتركة بين كل هذه الأطراف، ضاعت معها الحقيقة التي يمكن أن يطمئن لها الباحث تجاه قضية سياسية وفكرية مهمة كهذه؛ إذ لم تخل معظم الكتابات التي تناولتها من التحيز والميل (مع أو ضد). ومع خلو الساحة من دراسة موضوعية جادة تشفي غليل البحث، يحاول الباحث في هذه الإطلالة سبر أغوار هذه العلاقة من مصادرها وشهود العيان عليها، من خلال رصد الخطابات والتصريحات والبيانات الرسمية، والمساجلات التي خرجت تعلق على الأحداث وقت وقوعها من قبل أطرافها والمشاركين فيها.. وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

  

عامر صالحأعلنت خلية الإعلام الأمني، الاثنين الماضي في 21 أيلول 2020، تكليف قوة من جهاز مكافحة الإرهاب للتوجه إلى محافظة ذي قار والبحث عن الناشط المختطف "سجاد العراقي" والذي تم أختطافه يوم السبت مساء بتاريخ 19 أيلول 2020. وقالت الخلية في بيانها إن "رئيس مجلس الوزراء  القائد العام للقوات المسلحة، وجه قيادة العمليات المشتركة بإجراء فوري للبحث عن الناشط المدني  سجاد العراقي الذي اختطف في مدينة الناصرية". وتابع، "تم تكليف قوة مِن جهاز مكافحة الأرهاب للتوجه الى محافظة ذي قار مسنودة بطيران الجيش للبحث عن المخطوف وتحريره، وانفاذ القانون بالخاطفين وتقديمهم للعدالة، وسنوافيكم التفاصيل لاحقا". وقد تم لاحقا فرض حصار على بعض المناطق والعشائر المشتبهة بأختطاف الناشط المذكور استنادا الى الشهود والمعلومات التي وردت من متابعة الحدث وكذلك من اصدقاء سجاد العراقي الذين كانوا معه في السيارة الخاصة التي كانت تنقلهم، وقد أصيبوا بجراح من عملية الأختطاف التي رافقها اطلاق نار من كواتم.

ويوم الثلاثاء المصادف 22 أيلول 2020، أعلنت خلية الإعلام الأمني، انطلاق عمليية تحرير المختطف سجاد العراقي في ذي قار، مشيرة إلى أن العملية تشمل 6 مناطق. وقالت الخلية في بيانها: “انطلقت وحدات (افواج من جهاز مكافحة الارهاب و فوج من شرطة ذي قار وفوج من لواء مغاوير قيادة عمليات سومر، بتنفيذ واجب مشترك للتفتيش والبحث عن المخطوف (سجاد العراقي) والقاء القبض على الخاطفين". وأضافت أن " الواجب يشمل مناطق (أم الغزلان وناحية الدواية الشديد والعبيد والعكيكة الهصاصرة وسيد دخيل) بالتزامن مع خروج اللواء الرابع بالرد السريع على الحدود الفاصلة مع محافظة ميسان، ويأتي هذا الواجب بإسناد الأبطال في طيران الجيش".

 وبعد مضي ما يقارب الأسبوع على أختطافه وتجنيد أفضل القوات المسلحة العراقية والمتمثلة بجهاز مكافحة الأرهاب الى جانب قطعات اخرى واسناد جوي، لم تتم عملية تحريره من الخطف وألقاء القبض على الخاطفين المجرمين، حيث كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار، الخميس 24 أيلول 2020 عن آخر التطورات بشأن عملية البحث عن الناشط المختطف سجاد العراقي، وقال المتحدث الرسمي بأسم القيادة العامة العميد فؤاد كريم للأعلام ان " عملية البحث والتفتيش التي تقوم قوة مشتركة من جهاز مكافحة الارهاب والجيش العراقي توقفت منذ يومين" وأوضح  أن " سبب التوقف جاء بعد حدوث اشكالية مع شخصيات ذات ثقل اجتماعي مهم وستستأنف العملية في الساعات المقبلة بعد ان حلت الاشكالية التي حصلت، ولحرص الحكومة والقوات الأمنية على النسيج الاجتماعي ولأثبات نيتها الحسنة توقفت العملية حينها وانسحبت القوة الأمنية للقاعدة الجوية في الناصرية".

بالتأكيد ان خبرة جهاز مكافحة الارهاب وقدراته الاستثنائية يعكس الصورة الحسنة والمتقدمة للقوات العراقية التي تعتبر نموذجا في بناء الاجهزة الحيادية والبعيدة نسبيا عن تأثير السياسات الطائفية الأقصائية وقد مثل الجهاز في بنائه وقيادته مختلف شرائح الكفاءات العلمية والمهنية الميدانية وكذلك مثل مختلف ألوان الطيف العراقي وأنتماءاته المتنوعة، وقد قدم الجهاز في المعارك ضد داعش بحدود اكثر من 40% من قدراته لتحرير الأرض من داعش، وهو قادر بالتأكيد على حسم سريع لموقف ميداني ولوجستي كقضية اختطاف " سجاد العراقي "، ولكن بالتأكيد وعلى ما يبدوا أن سطوة العشائر وخاصة المتحالفة مع الأسلامويين السياسين يريد ان يخرج من العملية بالحفاظ على ماء الوجه وحماية "شرف" العشيرة من ألحاق العار بها بسبب عملية الأختطاف والتي قد تكون انجزت بتواطئ قيادات سياسية عشائرية، وبالتالي تحويل القضية الى قضية جنائية عادية فيها مجرم وضحية، وبعيدا عن التسميات السياسية لمن يقف وراء الأختطاف. وقد قامت بعض العشائر في الناصرية في تحدي بائس امام جهاز مكافحة الارهاب بأستعراض قواتها، ولكن الجهاز المتمرس في المناورات الميدانية اكثر حكمة من عقل متحجر.

بالتأكيد هناك من يتربص للأيقاع وألحاق الأذى بجهاز مكافحة الأرهاب، وخاصة من الأحزاب والمليشيات الأسلأموية وحتى من قوى سياسية طائفية متمرسة في التخريب والأختطاف، وفي واقعة اختطاف سجاد العراقي من مدينة الناصرية والتدخل السريع لجهاز مكافحة الأرهاب للأفراج عنه بدأت بعض القوى المليشياوية والمعروفة بجرائم الأختطاف في تحريض العشائر على جهاز مكافحة الأرهاب، ذلك الجهاز المهني والمحترف في الأداء والذي قاتل داعش وقدم خيرة منتسبيه شهداء لتحرير الأرض المغتصبة من داعش، نعتقد ان عملية تحرير سجاد العراقي لا تحتاج الى تدخل جهاز مكافحة الأرهاب بل الى قوى صغيرة حيادية، لأن الأختطاف هنا سياسي مليشياوي ويحتاج الى المناورة الذكية مع الجهة المختطفة، ما دام لحد الآن لايتجرأ الكاظمي على تسمية الأشياء بمسمياتها ولا يقدر على المواجهة المباشرة، وهناك سوابق لذلك حيث الضحايا بقوا دون تشخيص للمجرم القاتل والجهة التي تقف ورائه ومجرد وعود في ألقاء القبض على القتلة، ويعرفهم الكاظمي بعناوينهم الرئيسية ولكن تلك هي إشكاليات موازين القوى في مختلف المعالجات.

وبالتالي قد يتمكن جهاز مكافحة الأرهاب في ألقاء القبض على مختطفي سجاد العراقي والأفراج عنه، وهو احتمال وارد جدا، ولكن هل يشار الى جهة المختطف بوضوح كما يتمناها الضحايا، الى جانب أن تداعيات تدخل الجهاز في بيئة عشائرية ملغومة بالتحالفات السياسية المليشياوية والفساد قد يترك آثارا ومزاج سيكواخلاقي للنيل من مكانة جهاز مكافحة الأرهاب والتي بدأها عادل عبد المهدي في محاولته لتصفية قيادة الجهاز. أن التحريض المقصود على جهاز مكافحة الأرهاب سيعبد الطريق امام عودة داعش الأجرامي بكل ثقلها وعندها لم تستطيع المليشيات الكارتونية المسلحة " خفافيش الظلام " الدفاع عن نفسها، أما مهمة الدفاع عن العراق كوطن للجميع فهي حصريا تناط بتلك الأجهزة المهنية الحيادية التي تجد في الشعب حليفا ثابتا لها.

ما يجري لقضية الشاب العشريني "سجاد العراقي" الباحث عن لقمة العيش وهو خريج الكلية ـ قسم التاريخ يسري على غيره من ضحايا سلطة الدولة العميقة حيث الشهداء اكثر من 700 والجرحى تجاوزا 30 ألف جريح وفيهم من الاعاقات الدائمة وغير القابلة للعلاج الى جانب المغيبين والذين انظم أليهم الناشط المدني سجاد العراقي وقد تجاوزعددهم 150 مغيب، تلك هي مخرجات نظام المحاصصة الطائفية والاثنية الى جانب الفساد الاداري والمالي والاجتماعي الذي انهارت على  خلفيته الدولة العراقية ووصلت الى حد العجز والشلل التام..

 

د. عامر صالح

 

مصطفى محمد غريبالماء عصب الحياة الذي لولاه لكانت الحياة على الأرض (وأية ارض) جدب وخواء وبلا ريب دون ادعاء لا تصلح للحياة البشرية والحيوانية والنباتية، أرض بدون ماء دليل على القحط والاطلال والخراب، والانسان منذ ان ظهر على وجه الأرض كان الماء بالنسبة له البقاء والديمومة والبناء فسعى دائماً من اجل الحفاظ عليه، الاهتمام بطرق وسبل  الاستفادة منه ، ولم تذكر فواصل التاريخ ان قامت أمم بحرب او وسيلة سياسية او حربية  لقطع المياه بشكل جماعي عن اقوام أخرى ، وحرب المياه هذا المصطلح الذي طرق مسمعي اول مرة على ما أتذكر أواسط القرن العشرين وكنت لا أفقه ما كان يقصد به  كتاب الدراسات والمقالات والتحذيرات، من ضرورة التوجه للحفاظ على مصادر المياه والعمل على خزنها لتامين المستقبل الحياتي، وبالإشارة الى المخاطر من استعمال الحرب المائية في المستقبل،  وفي ذلك الوقت كنت بصراحة لا أفقه بشكل استراتيجي معنى الجملة سيكون " برميل الماء في المستقبل اغلى من برميل البترول وحتى اغلى من الذهب!" وكنت اضحك في سري لأنني كنت أؤمن بدجلة والفرات والانهر والجداول والروافد الأخرى أبدية انها مُلك بدون استثناء بعد ما كان يطلق عليه " بين النهرين " ولطالما سألت حينها عن هذا المعنى " حرب المياه!"  فما وجدت في حينها جواباً شافياً وحتى عندما قرأت سورة الأنبياء " وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ " ربطتها فقط بالشرب دون الاستفادة من فوائد أخرى، وكنت مرات اضحك في سري ايضاً وبسبب سذاجتي وهي ضمن سذاجة الوعي عند الطبقات الكادحة والفقيرة عندما يمر علي خبرا سريعاً بأن الحرب في المستقبل ستقوم من اجل الماء وانا أرى مناطقاً في بلدي تغرق بفيضانات مائية والكميات الهائلة في دجلة والفرات وفي نهر ديالى وغيرهما وما تفعله مياه الامطار التي تهطل في  الشتاء وحتى الربيع، وفي سن ال 13 وبالذات في 1954واجهت  فيضاناً هائلاً وعرفت خطورة المياه التي تهدد بغداد لولا حماية سدة ناظم باشا وتضحيات العراقيين في الحفاظ على السدة  بالعمل المثابر على ردم الثغرات او حمل أكياس التراب ووضعها في مناطق معينة في السدة، وبمرور الأعوام بدأ وعي يتطور ومفهومي لأهمية حرب المياه يتغير ومعرفتي تزداد بمعنى جوهر الحرب وأهمية المياه وتأثيراتها على عصب الحياة في بلادي ولطالما تابعت بتواضع أهمية الحفاظ على دجلة والفرات بعدما عرفت حق المعرفة انهما ينبعان من بلد جار هيمن على العراق حوالي أكثر من 600 عام إلى أن انتهى عام 1922م وكان حكمه باسم الدين الإسلامي وسلبه حقه في التطور العلمي والبناء الجاد، وعندما سقط هذا الجار المريض قامت على اثره تركيا الحديثة بازدياد النزوع القومي بدلاً من الإسلامي تحت طائلة الحضارة الغربية الاوربية وبدلت حروف لغته التركية من الحروف العربية الى الحروف اللاتينية ، اما الجار الاخر ايران ظهر لا يقل طمعاً واستغلالاً عن الأول وبخاصة في مسالة نهج الطائفية واعتقاده ان العراق ملكاً صرفاً  ضمن الامبراطورية الفارسية التي نوهه عنها العديد من قادته الحاليين رجال دين او غيرهم من المؤمنين بولاية الفقيه ولا انسى  احد رجال الدين وخطبته في صلاة الجمعة وهو يضحك بهدوء " ايران أصبحت غير السابق ويعني قبل الثورة " ايران الآن  الحشد الشعبي في العراق وسوريا واليمن ولبنان" تعتبر المعنى من امتداد تأثيرها على هذه الدول.

الجاران تركيا وإيران يشنان منذ سنين حرباً تارة مخفية ـ سياسية ذات أطماع توسعية ولهما اجندة خاصة بهما تعمل داخل العراق وتتدخل في شؤونه الداخلية، وأخرى - علنية تهدد وتتدخل عسكرياً كلما حانت الفرصة، وهنا آمنت بجانب ايماني بنذالة الحروب ومدى خطورتها على العالم والخسائر التي نجمت عن نتائجها ومن بينها العراق بأن أشرس الحروب العدوانية ايضاً هي حرب المياه ولها اتجاهات عديدة منها

- تدمير آلاف الهكتارات الزراعية والبساتين والغابات والتأثير على حياة المواطنين بطرق عديدة ومنها

- الضغط من اجل نقص المنسوب المائي والتجاوز على حقه الطبيعي المنصوص عليه في القوانين الدولية مما يؤدي الى الرضوخ والتنازل عن الحقوق

- تحويل مجاري الأنهار ومنابع المياه وبناء السدود هدف تصحري للبلدان وتوسيع مساحة الجفاف فيها وجعلها تابعة سياسياً واقتصادياً وتجارياً وغير ذلك.

وبجانب ما قامت به الجارة المسلمة تركيا!! فعلته الجارة المسلمة إيران!! بتحويل وبناء السدود وغلق اكثر من نهر وجدول ومنبع مائي يقدر بحوالي 45 نهر ومجري مياه وإغراق مساحات من الأراضي العراقية بمياه المزابل المالحة ونفايات المعامل والمصانع وصبها في شط العرب ، بينما قامت تركيا ببناء السدود بما فيها سد " اليسو " الذي انتهت من بنائه في كانون الثاني 2018 وبمجرد تشغيله بدأ انخفاض منسوب المياه مما خلق مشكلة " لها  اول وليس لها من آخر" مثلما يضرب المثل، وبهذا تكاد مسبحة الكارثة قد اكتملت بعدما حولت وأغلقت ايران مجرى ومنابع الأنهار في أراضيها حيث قال خالد  الاسدي لـ(سكاي نيوز عربية") "بلا شك العراق لايزال لا يمتلك اتفاقية تشاطئ مع تركيا بشكل أساسي، باعتبار منبعين ( دجلة والفرات)  للمياه الأساسية للعراق، المياه التي تردنا من إيران قليلة جدا، باعتبار أنها روافد قصيرة. إيران أيضا لديها سدود وموانع جبلية كثيرة ممكن أن تَحول دون وصول هذه المياه إلى العراق " هذه الحقائق التي تشير الى مدى الاضرار التي لحقت بالعراق واوضاعه وثرواته الزراعية والحيوانية والاضرار البشرية والمخزون المائي وغيرها من الثروات التي تدعم اقتصاد البلاد بسبب النهج العدواني والتجاوزي من قبل الجارتين تركيا وايران وحبسهما للمياه وتحويلها لأراضيهما متجاوزين على الحقوق الطبيعية والقانونية للعراق بهدف الاستغلال والتهديد وتجويع الشعب العراقي،  وأشار في هذا الصدد منصور البعيجي رئيس لجنة الزراعة والمياه في البرلمان العراقي  محذراً " من ازمة مائية تواجه العراق " ثم بعد انخفاض مناسيب نهري سيروان والزاب* من قبل الجانب الإيراني طالب تحرك الحكومة العراقية لحماية البلاد وحماية الشعب العراقي من سياسة شن حرب المياه بالضغط لاستخدام " الملف الاقتصادي للضغط عليهم لضمان حصة العراق المائية" وفي صدد حماية البلاد فذلك أمر جلل لأن الوضع العراقي في ظروفه الحالية يدل على امر واحد وهو ضعف الدولة ودفاعاتها بسبب المحاصصة والتدخل الخارجي وحكومات جاءت بالفساد والسرقة والتجاوز على المال العام والتطاحن في سباق الهيمنة والسيطرة على مقاليد الدولة وتزوير الانتخابات وتأثيرات الميليشيات والتنظيمات الطائفية المسلحة وبخاصة التابعة لإيران ..الخ فكيف يمكن الحفاظ على مصالح البلاد ومصالح الشعب اذا كانت الدولة لا تستطيع التحكم في أوضاعها الداخلية وهي طيعة للتنظيمات والميليشيات الطائفية المسلحة ومافيات الفساد، وتأكيد الباحث في الشأن العراقي زياد العرار بالقول انه " "عندما تكون الدولة ضعيفة يختطفها جارها الذي لا يسعى أن تكون هذه الدولة بخير، هذا واقعنا مع جيراننا تركيا وإيران. يقطعون المياه ويتلاعبون بكل الأوراق التي يمتلكوها من أجل أن يتم تنفيذ مصالحهم في الداخل العراقي"

هذان هما الجاران اللذان يقطعان المياه عصب الحياة وفي الوقت نفسه يعلنان صداقتهما وتضامنهما ويصدران بالمليارات من الدولارات البضائع والسلع وما يستطيعان اليه من النهب والسرقة والاستيلاء والبضائع الفاسدة ونهج الضغط السياسي بالحصول على التسهيلات التجارية وغير التجارية.

ان حرب المياه التي تنبأ بها الباحثون والمختصون منذ القرن العشرين أصبحت واقع ملموس في الوقت الحاضر، واصبح العراق مهدد ليس بالجفاف فحسب بل الحاجة التي تدفعه بالرضوخ السياسي والاقتصادي وغيرهما للجارين  خلال وقت ليس بالبعيد ، لقد دقت ساعة الخطر للحكومة العراقية والقوى الوطنية المخلصة ولأكثرية الشعب العراقي بأن البلاد إضافة الى ما تمر به من نكوص وتراجع وفقر وادنى من الفقر وتدمير مقبلة على ما هو اكثر كارثية ومأساوية، فجميع القطاعات الحياتية مهددة بالخراب والتدمير والجوع والعطش وبالتالي سيكون عراق النهرين بلا نهرين ولا روافد حقيقية وفي تلك الحالة المزرية سوف يقوم بشراء حتى مياه الشرب وليس الزراعة والصناعة والثروات الطبيعية فحسب، " وأن غداً لناظره قريب **" اذا لم يقم العراق بالدفاع عن نفسه بشتى الوسائل المتبعة في هذا المضمار عن موارده وحقوقه المائية المنصوص عليها في القوانين الدولية والحقوق الإنسانية.

 

مصطفى محمد غريب

....................

* قطع إيران لمياه "نهر الزاب" الأسفل، جعل مخزونات المياه في "سد دوكان" تسجل انخفاضا غير مسبوق

** غدًا لناظره قريب، هي مقولة للنعمان بن المنذر أحد ملوك الحيرة وقالها لأحد وزرائه وكان يدعى قرد بن أجدع وقد كان يعني بها أن انتظار الغد ليس ببعيد على من ينتظره..

 

 

قادة جليدإن ما يجري اليوم في الشرق الأوسط وتسارع الأحداث في المنطقة وهرولة بعض الأنظمة العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني لا يمكن فهمه أو تحليله إلا في إطار الخطط السياسية والإستراتيجية للإدارة الأمريكية بدأ الترويج لها سياسيا وإعلاميا من خلال مفهوم الشرق الأوسط الجديد بغية تحقيق الهدف الإستراتيجي وهو تصفية القضية الفلسطينية وتحييد كل الدول العربية التي كانت تشكل محور المقاومة والتصدي في الصراع العربي الإسرائيلي .

و في ضوء هذه الرؤية التي أكدتها الأحداث المتتالية والمترابطة لا يمكن فهم ثورات الربيع العربي المزعومة إلا في هذا السياق التاريخي من خلال تفكيك الدول الوطنية العربية ذات البعد القومي من أجل إضعافها وتقسيمها على غرار ما جرى لدولة العراق وليبيا وسوريا وبعث الفتنة والشقاق وإنتاج الأزمات في لبنان لمحاصرة وإضعاف موقف حزب الله المقاوم باعتباره يشكل كابوسا مرعبا ودائما لإسرائيل، وأخيرا وليس آخرا إعلان الحرب على دولة اليمن العربي الشقيق من طرف تحالف عربي مشوه بأهداف عدمية في المنطقة الرابح فيه خاسر تخدم أجندات دولية وعالمية ومن أبرزها إسرائيل المستفيد الأول  في ظل الوضع القاتم والمزري الذي تعيشه الأنظمة العربية التي بدأت تخطط فعلا للبقاء في عروشها خوفا من شعوبها التي قد تثور عليها في أي وقت لأن ساعة الثورات ليس لها عقارب بالنسبة للشعوب المستضعة والمقهورة .

إن هرولة البحرين والإمارات لتوقيع إتفاقية سلام دونكيشوتية مع الكيان الصهيوني لأنها لم تكن معها في حرب حتى توقع إتفاقية سلام مزعومة وتشجيع بعض الأنظمة العربية الأخرى للدخول في هذا المسار المظلم إما بالوعد أو الوعيد، هو من المضحكات المبكيات وهذا عندما تقرأ أو تسمع الحجج والتبريرات التي يبررون بها خيانتهم للقضية الفلسطينية والمتاجرة بها على حساب الدم الفلسطيني ومشاعر العرب والمسلمين وشعوب العالم التي تقر بحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة  دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .

إن إسرائيل لا تريد السلام مع العرب ولكنها تريد منهم الإستسلام والإنبطاح والتحلل من القضية الفلسطينية وكل القضايا الجوهرية ذات الصلة، لأن إسرائيل عبر التاريخ ليست دولة سلام ولا تؤمن به ولكنها كيان مصطنع مارق لا يمكن أن تعيش أو تستمر إلا من خلال شن الحروب على الدول العربية وقمع الشعب الفلسطيني صاحب الأرض، فالسلام لا يخدم إسرائيل ولكنه سيؤدي إلى زوالها وفنائها والدليل على ذلك أن إسرائيل رفضت مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية سنة 2002 من أجل تحقيق سلام شامل وعادل بإقامة دولة فلسطينية معترف بها دوليا على حدود 1967 وعودة اللاجئين وإنسحاب إسرائيل من هضبة الجولان العربية السورية المحتلة في المقابل إعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل .

إن بعض العرب يتوهمون عندما يعتقدون أن إسرائيل دولة سلام أو يمكن أن تكون كذلك وهم في الحقيقة يعرفون ذلك جيدا ولكن تنقصهم الشجاعة للجهر بموقفهم المخزي والتصريح علنا وجهرا بأنهم ليسوا عربا أو لم يعودوا كذلك وأن القضية الفلسطينية لا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد .

إن كل المطبعين الجدد مع الكيان الصهيوني هم عرب ولكنهم يهود جدد بالوظيفة والهدف الإستراتيجي من هذا التطبيع في ظل الضعف العربي والإنقسام والإستسلام هو تصفية القضية الفلسطينية وإستبدال العدو الإساسي والحقيقي والمركزي للعرب والمسلمين بعدو وهمي هو إيران التي تعتبر تاريخيا الخلفية الإستراتيجية للعالم العربي  في إطار العالم الإسلامي الكبير والشامل وهذا ما تخشاه أمريكا وإسرائيل،  لذلك عمدت من خلال شيوخها المعتمدين في المنطقة إلى إذكاء الفتنة المذهبية والطائفية وتقسيم العالم العربي والإسلامي إلى عالم شيعي وعالم سني، من أجل فصل إيران عن محيطها الحضاري والثقافي وبالتالي محاصرة أية دولة عربية أو إسلامية تحاول أن تشيد نهضتها الخاصة لأن ذلك يعمل على يقظة العالم الإسلامي وهذا ما لا تريده أمريكا ولا إسرائيل وخير دليل على ذلك المضايقات والإستفزازات ضد تركيا محاولة لمحاصرة نهضتها رغم أنها عضو في حلف الناتو.

أما جامعة الدول العربية فلم تعد كذلك، بل يصدق تسميتها بجامعة دول الخليج العربي صاحبة القرار الأول في هذه المؤسسة التي أصبحت تخضع لإبتزاز مالي واضح بإعتبار أن المالك للمال هو المالك للسلطة وهو الذي يفرض قراراته على الجميع، أما مصر التي كانت قلعة العروبة والقومية العربية ورقم أساسي وفاعل في المنطقة فلم تعد كذلك، من خلال ظروفها الحالية وفقدت وزنها القومي والتاريخي والإستراتيجي في المنطقة وأعطيت لها مهمة لتنفيذها بإتقان  من طرف الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني وهو مباركة التطييع العربي الصهيوني والتشجيع عليه وشيطنة كل القوى المعادية لإسرائيل.

إننا في المستقبل نراهن على الوعي العربي الإسلامي وعلى قرار الشعوب في إطار وحدة المسلمين جميعا، لأن فلسطين قضية مقدسة تهم كل عربي وكل مسلم بغض النظر عن المذهب أو البلد أو الطائفة وإن غدا لناظره لقريب .

 

الدكتور قادة جليد الجزائر

 

محمود محمد عليلقد شكل سقوط الخلافة الإسلامية (الدولة العثمانية 1299 هـ - 1924مـ) صدمة كبرى في أذهان العديد من مفكري وشخصيات العالم الإسلامي؛ حيث كان يُنظر إلى الخلافة باعتبارها حافظة الدين والداعية له؛ لذا بعد سقوطها انبرى عدد من الشخصيات الإسلامية في محاولة إحياء الخلافة الإسلامية؛ من أجل الحفاظ على الدين والتمسك به، وفي تلك الأجواء السياسية الملبدة بغيوم التعقيدات العالمية وتغيير موازين القوى، أُسست جماعة الإخوان في عام 1928؛ من أجل إحياء تلك الفكرة.

ففي مصر وبالذات في عام 1928م وجدنا الشيخ حسن البنا ينشئ حركة الإخوان المسلمين كأول إسلامي تحزبي يظهر للساحة بعد سقوط الدولة "العثمانية"، وقد استطاعت هذه الحركة الانتشار سريعا بسبب خلو الساحة من الحركات الاسلامية؛ وأما في طهران 1979م فقد وجدنا الخميني يعود من المنفي وينشئ الجمهورية الإسلامية في إيران ، ورغم تباعد الحدثين التقي احسن البنا وورثتهما مع الخميني وأتباعه حول نوع من الأخوية ، جوهره الخروج عن الفكر السياسي الإسلامي التقليدي عبر جعل الشريعة مصدر السلطة بدلاً من المجتمع، حتي وجدنا المستشرق الايرلندي فريديريك هاليداي قبل رحيله أصلا بحثاً يكتب بحثاً رائعاً بعنوان "  إيران والإخوان علاقات ملتبسة ؛ وفي رأيه قللت عقيدة الإخوان بشأن الفوارق بين السنة والشيعة علي اعتبار أن الأمة الإسلامية واحدة بطوائفها ، وساعد ذلك في تقرب الحركة الشيعية وجماعة الإخوان من بعضهما بعضا .

والشواهد علي ذلك أنه في عام 1945، توجه أحد متشددي التيار الديني الشيعي في إيران ومؤسس حركة "فدائيان إسلام" ويدعى نواب صفوي ليجتمع بسيد قطب أحد قادة الفكر الإخواني. وقد مثّلت تلك الزيارة التي قام بها صفوي دليلاً على مدى التقارب بين الجماعتين الراديكاليتين. وبعد ذلك بثلاث سنوات، أي في عام 1948، قام حسن البنا -مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين عام 1928- بتأسيس جمعية التقارب بين المذاهب الإسلامية، وكانت تلك دعوة صريحة للتقارب بين الجماعات الإسلامية بغض النظر عن توجهاتها المذهبية، حيث كان تنظيم الإخوان المسلمين يرى أن التقارب بين المذاهب الإسلامية عام 1948 ؛ علاوة علي إفتاء رئيس الجمعية وهو شيخ الأزهر آنذاك  وهو محمود شلتوت بجواز التعود بالمذهب الشيعي الاثنا عشري والسماح بتدريسه في الأزهر.

كما وجدنا السيد عمر التلمساني (مرشد الجماعة الثالث) كتب، قائلا عام 1985 بعنوان "شيعة وسنّة" قال فيه: إنّ" التقريب بين الشيعة والسنة واجب الفقهاء الآن، وبعيداً عن كل الخلافات السياسية بين الشيعة وغيرهم، فما يزال الإخوان المسلمون حريصين كل الحرص على أن يقوم شىء من التقارب المحسوس بين المذاهب المختلفة فى صفوف المسلمين".

وكانت دعوة التلمسانى أول خطوة حاول من خلالها الإخوان إحداث هذا التقارب بينهم وبين الشيعة بدعوة أن هذا سيصب فى صالح المسلمين. وفى حرب تموز 2006، التى خاضها حزب الله، اعتلى الإخوان فى هذا التوقيت دعوات التقارب بين السنة والشيعة، عبر دعوات التفخيم من حسن نصر الله، الذى قاموا بتشبيه بصلاح الدين الأيوبى.

وقبل ذلك كان وصول سيد قطب إلى نظرية الحاكمية متابعة لإرهاصات فكرية عند الندوي وعند المودودي بكتاب الأخير “المصطلحات الأربعة في القرآن”1941. هناك تأثرات واضحة بسيد قطب في كتاب فلسفتنا 1959 للسيد محمد باقر الصدر، الذي أسس في ذلك العام حزب الدعوة . وقد تأثر خميني و حزب الدعوة الشيعي كثيرا بافكار وتنظيم الاخوان المسلمين حتى قام خميني بترجمة العديد من كتب سيد قطب ومنهم اشتق اسمه “المرشد الاعلى” الذي ما زال ساريا في ايران.

وأوصى الخميني أتباعه في كافة الدول الإسلامية ـ وبالتحديد المناطق الشيعية التي تحاذي المناطق السنية في إيران ـ بعدم إثارة النعرات الطائفية وتجنب التحريض وسبّ رموز السنة، وإقامة صلاة جماعة مشتركة بين السنة والشيعة، وتأسس حينها مركز سمي”التقريب بين المذاهب الإسلامية” يكاد يكون كتاب “إيران والإخوان المسلمون” للباحث الإيراني عباس خامه يار، من الكتب النادرة التي تناولت بالتفصيل العلاقات بين إيران وجماعة الإخوان المسلمين، قبل انتصار ثورة الخميني سنة 1979، وبعدها ويكتسب الكتاب أهميته من كون الإخوان المسلمين، أكبر الجماعات السنيّة ذات الصلة الطيبة بالشيعة ومراجعهم ورموزهم.

وهنا وجدنا نظام ولاية الفقيه يشترك مع جماعة الإخوان في العديد من القواسم الفكرية نتيجة للتأثير الكبير الذي مارسته الجماعة على الحركة الإسلاموية الإيرانية منذ «نواب صفوي» وحتى الخميني، ومن دلائل تأثر الحركة الإسلاموية الإيرانية بفكر الإخوان هو قيام المرشد الحالي للثورة الإسلامية «على خامنئي» بترجمة كتابي «في ظلال القرآن» و«المستقبل لهذا الدين» واللذين يعدان من أحد أهم مؤلفات المفكر الإخواني «سيد قطب» إلى اللغة الفارسية.

وتمر الأيام يتغير النظام في مصر ويتغير في إيران، ويتحول إخوان مصر طيارا عن استخدام العنف لقلب الحكم ويسطو الخميني علي ثورة شعبية أطاحت الشاه .. حضر الإخوان إلي العمل في السر وظهر الخميني وصحبه في العلن .. في الظاهر تغيرت الهوية .. وفي العمق حافظ الطرفان علي أخويتهما .. وما حصل حسب عقيدة الإخوان لم يكن تقارباً بين مذهبين ، وإنما بين مشروعين ، غاية كل منهما الإستئثار بالسلطة .. كان التقارب أوجه في تعاطف الخميني مع خالد الأسلمبولي (قاتل الرئيس المصري أنور السادات) عام 1981 ، وإطلاق اسمه علي شوارع طهران .. ولا يخفي أنه كان لفكر الإخوان وأدبياتهم وقع مؤثر فيما مر به إيران ؛ من أماراته ترجمة المرشد الأعلي الحالي " علي خامنئي لسيد قطب " إلي الفارسية ..

غير أن ثمانينيات القرن الفائت كشفت علي أن لإيران أهدافاً توسعية ، تتجاوز مصالحها المشتركة مع الإخوان ، ونتج منها فتوراً لم يؤدي إلي قطع الأواصر بينهما .

ومرت الأيام ووضعت الحرب العراقية – الإيرانية أوزارها وفارق الخميني الحياة في الثالث من يونيو عام 1989م ، واغتيل رئيس وزراء لبنان " فيق الحريري" عام 2005م ، وجر حزب الله لبنان إلي حرب مع إسرائيل عام 2006م .. وجاءت ثورة الربيع العربي عام 2011 وزادت إيران من تدخلاتها تحت ظل ولاية الفقيه وأطلقت يد حرسها الثوري عمداً علي زعزعة استقرار البحرين والكويت في عام 2912م ، وحركت الحوثيين في اليمن عام 2015م، وألهبت الحدود مع السعودية وألقت بحزب الله ومليشيات شيعية في القتال ( منذ 2013- 2017) إلي جانب بشار الأسد وتهجير مئات آلاف السوريين من بيوتهم وبلداتهم .

والجديد تخبط الإخوان في مواقف متناقضة تعبر عن استياء من الدور الإيراني ، ولكن من دون الوصول إلي حد القطيعة ، بل إن تجديد البيعة لإيران علي نحو مناصرة الحوثيين في مواجهة السعودية  عام 2009م  والانحياز إلي قطر في أزمتها مع السعودية ، والإمارات ، والبحرين ، ومصر .. يدافع الإخوان عن علاقاتهم لإيران بذريعة دعمها مقاومة حزب الله وحماس لإسرائيل .. ويذهب بهم ذلك مذهب التزلف علي حد الرمز الإخواني الراهن لفتحي يكن في قوله :" الصحوة الإسلامية تستمد عقيدتها من ثلاث مدارس: حسن البنا ، وسيد قطب ، والخميني.

إن ارتباطات تنظيم الإخوان المسلمين بإيران لا تقتصر على أفرع التنظيم في مصر أو ما حولها من دول عربية، بل يمتد ذلك إلى منطقة الخليج العربي، حيث لا يخفي عناصر التنظيم والمحسوبون عليه تعاطفهم مع النظام الإيراني أو أحياناً الحديث عنه على استحياء حينما يكون هذا الحديث متعلقاً بجرائم النظام. بتاريخ 28 يوليو 2017، بث تلفزيون أبوظبي برنامجاً وثائقياً تضمن اعترافات عضو تنظيم الإخوان المسلمين القطري محمود الجيدة، وورد فيه أن جماعات الإخوان المسلمين الخليجية قامت بتأسيس ما يسمى مكتب التنسيق الخليجي ليكون مظلة لجماعات الإخوان في المنطقة. وورد في الوثائقي الإماراتي أن المكتب التنسيقي الخليجي يرتبط بعنصر يمثل حلقة الوصل بين المكتب والنظام الإيراني، في دلالة على حجم الارتباط والتنسيق بين الإخوان وإيران حتى على مستوى دول الخليج العربي.

علاوة علي علاقة تنظيم "حماس" بالنظام الإيراني والحرس الثوري الإيراني هي أفضل مثال على مدى قرب العلاقات بين إيران والإخوان المسلمين. تنظيم "حماس" يمثل ذراعاً عسكرية لتنظيم الإخوان المسلمين في فلسطين. وقد رفع التنظيم منذ تأسيسه عام 1987 شعار تحرير فلسطين والقدس وغير ذلك، إلا أنه سرعان ما تبين أنه يسخّر جميع عناصره البشرية وقدراته خدمة لأجندة النظام الإيراني، وسرعان ما انكشفت الخيوط والحبال التي تربط أعلى كوادر التنظيم بالمرشد الأعلى الإيراني وحرسه الثوري. ولذلك، فقد عملت هذه الحركة على التحكم بالأوضاع في غزة وما دونها، وأسهمت في إلحاق الضرر الكبير بأمن الدول العربية، ومن ذلك دور "حماس" في عمليات اقتحام السجون المصرية عام 2011 وإطلاق المحكومين من تنظيم الإخوان المسلمين منها، والهجوم على أقسام الشرطة والمراكز الأمنية.

وفي دراسة لأستاذ الإعلام بجامعة بيرزيت في فلسطين محمد أبو الرب بعنوان :" إيران وحماس: ما بعد انتخابات المكتب السياسي "، تناول خطاب حركة حماس، والتحولات المحتملة على منظومة علاقات الحركة بإيران وحلفائها في المنطقة، كحزب الله وسوريا بعيد انتخاب هيئة قيادية جديدة لها في فبراير (شباط) 2017، والتي أفرزت أسماء جديدة لقيادة المكتب السياسي لحماس لم تكن ضمن عضوية المجلس السابق. وتستعرض هذه الورقة المحطات الكبرى في علاقة إيران بحماس، في محاولة لاستشراف طبيعة العلاقة التي ستحكم الطرفين، خصوصاً بعد انتخاب يحيى السنوار لقيادة الحركة في قطاع غزة، فإلى أي حد ستقترب حماس من إيران أكثر في ظل قيادته؟ وإلى أي حد ستتفاوت رؤى قيادتي حماس السياسية والعسكرية من العلاقة مع إيران وملفات المنطقة الساخنة كالأزمة السورية؟ يرى الباحث أن انتخاب السنوار كان مفاجأة للمتابعين للشأن الحمساوي، خصوصاً أن الأخير خرج من سجون الاحتلال عام 2011 في صفقة تبادل الأسرى، كما أنه لأول مرة تنتخب حماس قائداً لها بخلفية عسكرية، فإسماعيل هنية وعبدالعزيز الرنتيسي والمؤسس أحمد ياسين، جميعهم من التيار المدني الدعوي لحركة حماس. كما أن انتخاب قيادة جديدة لحركة حماس وفوز يحيى السنوار فيها ينبئ -دون شك- بتقارب جديد بين الحركة وإيران، وخصوصاً أن السنوار محسوب على التيار العسكري لحماس، الذي لم يبارح مواقفه من إيران وسوريا وحزب الله، خلافا للمواقف السياسية الدبلوماسية لحماس.

وقبل أن ننهي هذا المقال الأول من حديثنا عن خصوصية العلاقة الملتبسة بين جماعة الإخوان والمسلمين والشيعة الاثنا عشرية نؤيد القول بأن تفسير سر العلاقة بين الشيعة الاثنا عشرية والإخوان المسلمين هو ان كلاهما يؤمنا بمبدأ اسلامي : ” التعاون في ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً في ما نختلف عليه.” والقاسم المشترك بين كلا الاتجاهين هو” الفكر” الوحدوى المتجسد فى هدف كلاهما تثبيت الإسلام كنظام للحكم أما دوافع الدعم الاميركي للاخوان فهو ياتي من مبدا ” دعم حركة الاخوان المسلمين في كل دولة يختلفون معها "؛ حيث تقوم فلسفة الاخوان وحزب الدعوة كلاهما على الاختباء تحت غطاء المناداة بالحريات وتحقيق العدالة وقمع الظلم ومحاربة الفساد والمظلومية. ويشتركا بسرية العمل واستخدام الاسماء الحركية التنظيمية. إن اغلب القيادات الرئيسية اي المؤسسة والامانة يرتبطون بعلاقة جيدة مع ايران.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

عامر صالحجرى الحديث ما بعد 2003 مقترنا بتساؤلات مشروعة هل هناك دولة في العراق، واذا كانت هناك دولة رسمية بكامل مقوماتها فأين هو دورها في تعزيز الأنتماء للعراق كوطن يحتضن الجميع، وهل تقوم الدولة العراقية بكامل وظائفها في الأمن والاقتصاد والسياسة والقضاء وبسط سلطة القانون، وبنفس الوقت يجري التساؤل هل هناك دولة عميقة في العراق تقف خلف الدولة الرسمية وترسم سياستها وتصادر وظائفها  الأساسية، وتفرض منطق القوة على الدولة الرسمية من خلال المليشيات المسلحة  والاحزاب ذات الأجنحة المسلحة والتي تشكل جزء من العملية السياسية الى جانب العصابات الأجرامية المسلحة وسلاح العشائر المنفلت الذي يوازي سلاح الدولة ويقارعها ويهدد الأمن المجتمعي، والأكثر خطورة وتهديد هو التحالف غير المقدس المعلن والخفي للعديد من العشائر مع الأحزاب المليشياوية التي تشكل جزء من العملية السياسية عبر تمثيلها في البرلمان والتي تفرض اجندة مختلفة متعارضة مع السيادة الوطنية للعراق وتقف بالضد من أمنه واستقراره. 

وهناك من الآراء ما ينفي وجود دولة بعد انهيارها في 2003 وكذلك لا وجود للدولة العميقة كمفهوم يقف خلف الدولة الرسمية، وانما ما موجود هو شتات لقوى سياسية لايجمعها جامع ومختلفة بكل شاردة وواردة وذات ارتباطات بقوى اقليمية مختلفة، ولا تؤمن بسلطة الدولة والقانون والقضاء، وغير مؤمنة بالديمقراطية ولا بالتدوال السلمي للسلطة، وان ما يجري على ارض العراق هو صراع شرس لتنفيذ اجندة خارجية عبر عملية سياسية مشوهة أو بقوة السلاح من خلال التهديد المستمر للسلم الأجتماعي، او عبر صفقات من التشويه والتزوير للأنتخابات البرلمانية كما جرى ذلك للأنتخابات التشريعية في عام 2018 حيث حرق صناديق الأقتراع والتزوير وتمثيل شعبي لا يتجاوز 20% من مجموع من يحق لهم التصويت.

في تلك الأجواء والتركيبة المشوهة للبرلمان وضعف شرعيته الشعبية جرى ويجري الصراع مع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الذي جيئ به في وقت فقدت القوى السياسية الطائفية والاثنية بوصلتها تحت ضغوطات انتفاضة اكتوبر الجماهيرية ووضعتها على المحك، بل وضعت الاحزاب الطائفية الأسلاموية والأثنية امام مواجهة عسيرة وضغوطات لأيجاد مخرج لأزمة البلاد المستعصية منذ سبعة عشر عاما، والتي اهدرت المال وعم الخراب والفساد وانعدام الخدمات الانسانية الاساسية، من صحة وتعليم وكهرباء وانعدام فرص العمل وخاصة للخريجين، وقد قدر اهدار المال العام ما يقارب 1400 مليار دولار، واليوم حيث تجد الحكومة صعوبة في تسديد رواتب المتقاعدين والموظفين الشهرية، أي انه الأعلان عن افلاس الدولة والحكومة للقيام بواجبات الحد الأدنى من العيش الكريم، وهو تأمين حدود لقمة العيش.

رئيس الوزراء الذي أتي به من توافق شيعي شيعي أولا، ومن ثم توافق شيعي سني وكردي ثانيا، وقد جيئ به على مضض من القوى التي رشحته لأنه مثل خيار الفرصة الأخيرة، وخاصة للقوى الأسلاموية الشيعية، وبالتالي كان خياره هو فرصة تلك القوى للتنصل من مسؤلياتها عن ما جرى من فساد وازهاق للأرواح ومن عبث في الأمن والسلم الاجتماعي، وحين الأتفاق عليه تمت ايضا المصادقة على برنامجه الحكومي في محاربة الفساد وسرقة المال العام والكشف عن قتلة المتظاهرين، وعندما بدأ الكاظمي بخطوات صوب محاربة الفساد او محاولاته لوضع حد للسلاح المنفلت، وهي محاولات الحد الأدنى بل بعضها خجول او محاولات جس النبض، حتى بدأت القوى الأسلاموية التي رشحته لرئاسة الوزراء في حملة مسعورة للتشكيك بجهودة في محاربة الفساد والسلاح المنفلت السائب لدى العشائر وغيرها، وقد أتهم من قبل القوى التي أتت به ووافقت على برنامجه الحكومي بأنه يسعى الى تصفية الحساب والانتقام من بعض القوى الأسلاموية، وان محاربته للفساد تخرج عن السياقات القانونية والقضائية، وأنه ينفذ الأجندة الأمريكية في العراق وغيرها من التهم الجاهزة التي يسوقها من لا يرغب الاستقرار والامن في العراق.

وبعيدا عن قدرات السيد الكاظمي وحدود جرئته ووضوحه في معالجة مختلف الملفات، فأنه لا يمكن لرئيس وزراء ان يعمل دون كتلة برلمانية تسنده وتقف الى جانبه، وخاصة تلك القوى التي جاءت به، ولكن بالتأكيد أثبتت الفترة المنصرمة والقصيرة من حكومة الكاظمي أن من أتى به اراد لنفسه الخلاص من ضغط الشارع العراقي المنتفض، ووضع الكاظمي في فم المدفع وأفشاله بمختلف الوسائل بل وتحميله مسؤولية الفوضى والخراب وغياب هيبة الدولة منذ 17 عاما في آتون الصراعات الطائفية والاثنية وتحميله فشل اكثر من عقد ونصف من الخراب والدمار والفساد.

 لقد سعت أحزاب الإسلام السياسي بعد سقوط الدكتاتورية، إلى تشكيل "دولة عميقة" في الظل ومنظومة متكاملة من شبكات المصالح، تمثلها قوى خفية متسلحة بالنفوذ السياسي والمالي ولديها ميليشياتها وإعلامها، شعارها: السلطة والثروة والنفوذ، قامت بتوظيف الفئات الرثة في المجتمع لديها علاقات ومصالح مشتركة مع دول الجوار، واعتمدت البيروقراطية الإدارية والفساد المنظم للاستحواذ على الموارد المالية وتعزيز مشاركتها في رسم سياسة الدولة، وفق مبتغاها.

تجذرت هذه الأحزاب في مفاصل الدولة المختلفة وأجهزتها، وسيطرت على وسائل الإعلام، كقوة إضافية لتعزيز مواقعها ومواقفها على السواء، وفرضت أجنداتها وفق مرامها ونهجها وأهدافها. وهي التي تتحكم اليوم بالموارد المالية والبشرية، وتعتمد على شبكات الفساد المعشعشة في قلب الدولة ومؤسساتها، التشريعية والقضائية، التي تم إنشاؤها أو السيطرة عليها والتغلغل فيها من خلال استخدام الموارد الطفيلية وغير القانونية، وهي تمتلك سلطة مدججة بالمال والسلاح، تستخدمها من أجل بسط نفوذها لقمع المعارضين والحفاظ على النظام العام.

وفي ظل هذا التعقيد والتشابك في الأجندة والمصالح وانهيار الدولة فقد شكلت قوى الدولة العميقة، وخاصة الأحزاب الطائفية المليشياوية والقوى الأثنية جزء اساسي من واجهة الدولة الرسمية في ابرز مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، مما عقد المشهد الميداني في معالجة الفساد الاداري والمالي والحد من الجرائم وحصر السلاح بيد الدولة وتدهور الأمن حيث تشابك اجندة الدولة الرسمية مع اجندة الدولة العميقة، ومن هنا نفهم صعوبات الكاظمي في الأطاحة بالرؤوس الكبار للفساد والبدأ بالرؤوس الأصغر رغم الصعوبات التي ترافق ذلك والتي ابرزها ضعف الدعم والتشكيك من قبل القوى السياسية الطائفية والمليشياوية ومحاولة افشال جهود الكاظمي وتصويره بالفاشل غير المتمكن او عديم الخبرة.  

قد يدفعنا هذا التشابك بين الدولة العميقة والدولة الشرعية أنه ليس هناك دولة عميقة في العراق إنما دولة سطحية وحكومة ضعيفة تتلاعب بها الأحزاب الشخصيات والميليشيات المتنفذة وهناك حركة انسيابية بين الدولة العميقة والرسمية وسهولة انتقال وخلط اجندة، هذه القوى لا تعمل مثل جماعات الضغط المشروعة في الأنظمة الديمقراطية كما موجود في أمريكا وأوربا إنما تعمل بوسائل مشروعة وغير مشروعة وهي معروفة الصلات والروابط وليست خفية كما في الديمقراطيات العريقة، فمعظم المطلعين يعلمون من هي الجهات التي تقوم بالأعمال الغير مشروعة والتي تصل إلى تنفيذ اغتيالات ضد خصومها وتخريب العملية السياسية وحرفها عن مسارها الديمقراطي والعبث بأصول أللعبة الديمقراطية.

فمصطلح “الدولة العميقة” عراقيا ، يقصد به “صناعة النفوذ” لشخصيات وأحزاب وميليشيات أغلبها مرتبط بإجندة خارجية ويعمل معها لمصلحته الشخصية او لأرضاء الطرف الخارجي وهما ضد مصلحة العراق بالضرورة ، ولا يقتصر ذلك على الفاعل السياسي الشيعي فقط إنما الفاعل السياسي السني والأثني القومي وبعض الأقليات ومن جميع التوجهات التي تبدو متناقضة ، لكن توحدها المصالح الضيقة والتي لها أذرع واسعة وتدخل في جميع المجالات.

وفي وسط تلك التعقيدات في العملية السياسية وبناءات الدولة المشوهة فأن الكاظمي يدخل في لعبة خطرة يفتقد فيها الى حلفاء سياسين من داخل قبة البرلمان، بل أنه يدخل في صراع مع الدولة بملامحها الحالية كما أن الدولة بتشوهاتها تقاتل الكاظمي وتعرقل اقدامه على أية خطوة صغيرة كانت أم كبيرة، بل أنها تخطط لأفشاله، ومن هنا نرى ان تحالفه المرحلي مع المتظاهرين، وتحالف المتظاهرين معه لتقوية عوده هو ضرورة ميدانية وتكتكية لابد منها، وبكل الأحوال تبقى الخطوات القادمة والمتمثلة بالمهام الأتية هي من يعزز فرص النجاح لمصلحة بناء الدولة والتأسيس لظروف اكثر أمنا واستقرار للعملية السياسية، وابرز تلك المهام هي:

أقرارالقانون الانتخابي: وهو من اختصاص مجلس النواب وقد تم التصويت على أغلبية مواده، وان المتبقي تحديد عدد الدوائر وعدد المقاعد المخصص لكل دائرة، والتي هي محل شد وجذب بين الكتل السياسية حتى هذه اللحظة. وحسب تقديرات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، لابد من إقرار القانون الانتخابي قبل ستة أشهر من الموعد المحدد للانتخابات، لغرض توفير المواد اللوجستية.

تعديل قانون المحكمة الاتحادية: لقد أصبح تعديل قانون المحكمة الاتحادية حاجة ملحة بعد الاختلال في قوامها، لغرض إعادة النصاب لاجتماعاتها، لأنها هي المعنية بالمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، وفق (الفقرة سابعاً، المادة 93 من الدستور العراقي).

حل مجلس النواب: لا يمكن الحديث عن الانتخابات العامة المبكرة دون الاتفاق بين الكتل السياسية على حل مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بطلب من ثلث أعضائه أو من قبل رئيس مجلس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية، وان يكون ذلك قبل شهرين من السادس من حزيران إذا اتفقت الكتل السياسية على هذا الموعد، ليتسنى لرئيس الجمهورية الدعوة للانتخابات العامة المبكرة، وفق (الفقرة ثانيا، المادة64 من الدستور).

تطبيق قانون الاحزاب السياسية: لقد تم إصدار قانون الأحزاب منذ 2015 دون إجراءات حقيقية لتفعيله، وقد جاء ضمن المنهاج الوزاري: التطبيق الكامل لقانون الأحزاب وهو من اختصاص الوزارة والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وكذلك ديوان الرقابة المالية وأيضا يقع من مهام مجلس النواب المعني بالرقابة على أداء هذه المؤسسات. لضمان الحد المقبول من تكافؤ الفرص بين الكيانات السياسية عند خوض الانتخابات.

نزع سلاح المليشيات السائبة والسيطرة على السلاح المنفلت والاستعانة بالمنظمات الدولية لمراقبة الانتخابات وتوفير بيئة آمنة للناخبين الى جانب الجرئة الحكومية في الاعلان عن قتلة المتظاهرين وبما يسهم في خلق مزاج مطمئن للناخب ورسالة للمواطنين ان الحكومة قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية تبعث الامل وتؤسس لنظام سياسي جديد يعبر عن ارادة المواطن بعيدا عن التزوير والتهديد وسلب ارادة الناخب.

 

د.عامر صالح

 

بليغ حمدي اسماعيلحينما تقرر طواعية أن تجلس أمام شاشة التلفاز لتتابع الفضائيات المصرية والعربية أي الناطقة باللغة العربية فإنك أمام تنبؤ محتمل وهو أن يتصدر المشهد المصري الراهن مساحة كبيرة من اللحظات الإخبارية والتقارير السياسية المصورة، حتى تظن أن المنطقة العربية لا تضمن دولا أخرى سوى مصر، وتلك المشاهد والتقارير واللحظات الإخبارية السريعة والطويلة تفي بأن تخرج بثمة ملحوظات محددة يمكن توصيفها وتقنينها في عبارات تقريرية إخبارية أيضا لا تحتمل صدقا بالقدر الذي لا يمكن نفيها أيضا سواء إن كان المواطن مؤيدا لنظامه السياسي الرسمي، أو معارضا ومخالفا لكافة سياسات الدولة .

من مثل هذه العبارات التقريرية،  أأنت مع النظام، أنت ضد النظام، هناك ثورة شعبية ضد الرئيس، لا توجد ثورة بل حفنة من الصبية خرجوا في وجه النظام، الشعب يمارس كراهيته المستدامة ضد الشرطة البوليسية إن صح التعبير، الشرطة في خدمة الشعب وتحمل عبء حفظ الأمن والاستقرار، كل القنوات التي تعادي مصر الأيام الراهنة هي بتمويل تركي قطري وتسعى لإسقاط نظام الرئيس السيسي وإضعاف الروح المعنوية للجيش المصري، كل القنوات المصرية الاستثمارية الخاصة تتقمص دور المحامي والدرع والرمح والسيف للدفاع عن النظام المصري القائم ضد هؤلاء المرتزقة . ومنصة تويتر تشتعل بين هاشتاج ارحل يا سيسي، وبين هاشتاج كلنا معك يا سيسي. قناة الجزيرة القطرية المعادية للوطن والمواطن والدولة تثير الفتنة وتبث الرعب والخوف وتحرض الناس على الخروج في وجه النظام، قنوات فضائية مصرية تؤكد أن الوضع أكثر استقرارا وثباتا والمشهد تحت السيطرة.

وهذا المقاول الفنان الفاشل محمد علي في الخارج يمثل دورا هزليا ضعيفا لتحريض الشعب ومطالبته الخروج في ثورة، في نفس الوقت الذي نرى فيه الوجوه الإعلامية التي أقبل بعضها وأرفض الكثير منها يهللون للدولة .

تخيل معي أن كل ما سبق هو ما يشغل المصريون منذ فترة، وأصبح الجميع بين حالتين ؛ الأولى التربص بالآخر، والثانية الخوف من الفوضى التي قد تؤثر على الحياة الشخصية للمواطن، ولاشك أنني أقف في صف النظام المصري لأسباب كثيرة وطويلة من أبرزها أن النظام السياسي القائم هو الذي حمى مصر من الجماعات الراديكالية التي حاولت احتكار مصر وإقصاء الجميع سوى من حالف وناصر وأيد تنظيم حسن البنا .

فضلا عن أنه لا يمكن إنكار حجم الإنجازات التي تمت ولا تزال على أرض مصر ومساحة الحراك المجتمعي والسياسي الذي قاده شباب مصر سواء في الجامعات المصرية أو المنتديات المحلية والعالمية التي احتضنتها مصر، إلا أن ثمة ممارسات وزارية اصطدمت بمطامح الأسر المصرية التي لم تخرج بعد من تبعيات جائحة كورونا الاقتصادية، هذه الممارسات الوزارية لا أعرف سببا مقعنا لي أنها تتم بمنأى عن رؤية الدولة المصرية، وأحيانا كثيرة أظن أن بعضا من إجراءات الوزارات والمؤسسات الحكومية تتم بعيدا عن متابعة ورقابة الدولة لاسيما وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني وأنا وغيري يرون أن هناك تخبطا في السياسات التعليمية وإدارة غير جيدة لملف التعليم في مصر بل أذهب مع الكثيرين في الراي القائل بأن وزير التربية والتعليم وعشرات القيادات التعليمية في مصر لا يفطنون من أمر التعليم والتمدرس ومعالجة الأنظمة التعليمية شيئا وأن الوزارة تبتكر وتخترع سياسات وإجراءات من وجهة نظري كمتخصص في التعليم هي عبثية لا ترتبط بواقع التعليم ودراسات الحالة ولا تفي بمتطلبات التطوير الذي ننشده ولا هي فعلا كفيلة بخلق جيل واع مرتبط بقضايا بلاده، وكذلك بعض الرسوم التي فرضت مؤخرا وربما تمت بدون دراسة أو تخطيط أو مراعاة للبعد الاقتصادي الناجم عن الجائحة الكونية المعروفة بكوفيد ـ 19، وكان المشهد إزاء بعض السياسات الحكومية هو تذمر البعض وتعجب البعض الآخر، وغضب الكثيرين .

ومنها جاءت الدعوات الخبيثة داخل وخارج مصر التي من شأنها كانت تعمل على تعبئة الشارع المصري القابل للغضب في الخروج لتظاهرات لا يعرف مداها ولا يمكن التنبؤ بنتائجها اللهم سوى الفوضى المرتقبة . ومصر عانت تلك الفوضى وقت انتفاضة يناير التي قادتها مجموعات من الشباب غير المؤهل سياسيا أو المدرب على إدارة الأزمات والكوارث وتنظيم جماعة الإخوان الذي وجد في الانتفاضة الشعبية فرصة سانحة قوية لم تتكرر من أجل استقطاب الملايين من المصريين من أجل الوصول إلى سدة الحكم وهو ما تم بالفعل.

وتلك الأصوات التي تدفع الغضب دفعا صوب الشوارع والميادين تركز فقط على أبسط الإحداثيات المجتمعية مثل الغلاء ومشكلات الطعام والشراب، وأيضا تلعب على غضب البعض من التصالحات العقارية المخالفة، رغم أننا لو فكرنا بمنأى عن حالة الغضب الشعبي فإن كل من شيد عقارا بصورة مخالفة فهو أحق بالمساءلة والمحاكمة لمخالفته لقوانين البناء .

لكن الشأن الذي يهمني كمواطن خرج وأيد وناصر الرئيس السيسي في كل خطواته أن يقدم النصيحة حبا للوطن أولا ولمصر العظيمة الذي علمت الإنسانية الحضارة في أبهى صورها، وللرئيس من جهة أخرى تأييدا وقناعة بوطنيته التي لا يمكن التشكيك فيها رغم تلك المحاولات الرخيصة التي يقوم بها المعادون لوطن العظيم.

هذه النصيحة تتلخص في قاعدة سياسية محضة مفادها المواجهة من مسافة النقطة صفر أي المواجهة القريبة المباشرة للأزمات الطارئة والتي تتسبب في إزعاج إحداثيات البناء والنهضة في مصر، هذه القاعدة السياسية تفرض على الأجهزة الرقابية والمؤسسات المجتمعية الرسمية التابعة للدولة أن ترصد وبحث وتؤول حالات امتعاض المواطن من المشهد الانتخابي المنصرم لمجلس الشيوخ ولماذا لم يخرج المواطن للتصويت لهؤلاء الوجوه غير المعروفة، في الوقت الذي أقسم لي فيه كثيرون أنهم لا ولن يتأخرون في أي تصويت لاستحقاق ديموقراطي بحق الرئيس أو الدستور أو مصلحة الوطن، الأمر الذي يدعو للدهشة والإعجاب أيضا في نفس الوقت.

فهم يفضلون الخروج للتصويت فيما يخص الوطن ويرفضون الخروج للتصويت لصالح أشخاص ربما تبدو مجهولة أو مشبوهة التوجه أو محفوفة بالأزمات الشخصية السابقة، والإعجاب أنهم يحبون أن يقفون بجوار رئيسهم في كل استحقاق ديموقراطي يضمن استقرار رأس النظام السياسي، هذه المواجهة القريبة المسافة والمساحة ليست بالضرورة أمنية بل مواجهة سياسية تتطلب الوعي بمطالب ومطامح المواطن المشروعة مع التأكيد على كلمة المشروعة أي التي تخضع للقانون .

وهذه المواجهة من مسافة النقطة صفر تقتضي بالضرورة أيضا تحييد الصورة الإعلامية القائمة لأنها بالفعل تضر بالنظام السياسي أكثر من نفعه وأن تركز على حجم الإنجازات السياسية التي تتم على أرض الواقع وأن ترصد بدقة حجم المشكلات والأزمات والتحديات التي تواجهها مصر وكيف تتحرك الدولة لحلها وإدارة الأزمة كل هذه الأمور من شأنها أن تخفض حدة الغضب للنقطة صفر أيضا وتبعد تفكير المواطن عن تلك الدعوات الخبيثة من أجل التظاهر وشيوع الفوضى في الشارع المصري.

وتقتضي الوطنية أيضا أن تدفعنا لتقديم النصيحة بإعادة النظر في المشهد الانتخابي المرتقب لانتخابات مجلس النواب وتحليل الطرح الإلكتروني على شبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر والذي يشير إلى احتقان الكثير من الوجوه المرشحة ومن القوائم الانتخابية الموحدة وهذا التحليل من أجل تصويب بعض الخطوات التي ستتم في المستقبل والتي تعيد تمام الثقة بين المواطن ونظامه السياسي.

إن مصر من قدرها أن تكون محط أنظار الجميع القاصي والداني، المحب والمكره والكاره، الوطني المخلص لبلاده والخائن لأرضنا الطيبة، هذا القدر هو الذي يجعلنا أكثر حرصا على استقراره وثبات نظامه السياسي لاسيما وأنني من الجيل الذي شهد إحداثيات فوضى يناير ويرفض أن تعود بنا الأيام إلى تلك الفترة غير الطبيعية في تاريخ مصر، وإذ أننا ننشد الاستقرار والطمأنينة بين طوائف المجتمع المصري فإنه على النظام المصري أن يواجه تحدياته الداخلية بقدر كبير من الحكمة والرؤية الثاقبة، وخصوصا أن مصر بالفعل تواجه تحديات اكبر وأخطر منها على سبيل المثال لا الحصر أزمة سد النهضة وتعثر المفاوضات المصرية الإثيوبية، والتحرش التركي على الحدود الليبية، وهذا التوتر الإقليمي في المنطقة .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق التدريس.

كلية التربية، جامعة المنيا، مصر.

 

 

ابراهيم أبراشالوضع في فلسطين ينزلق نحو مزيد من التدهور، بحيث لم يعد الأمر مقتصراً على مواجهة تحديات الاحتلال والانقسام بل أُضِيف إلى ما سبق تدهور العلاقات مع بعض الدول العربية وجامعة الدول العربية ومحاولة واشنطن وحلفاؤها في المنطقة فرض قيادة جديدة على الشعب الفلسطيني، وقلق من انزلاق القيادة الفلسطينية نحو سياسة المحاور وتحديدا المحور التركي القطري.

الشعب الفلسطيني قد يختلف مع قيادته ويوجه لها الانتقادات على سلوكيات وممارسات يعتقد أنها خاطئة، سواء في زمن أبو عمار أو في زمن أبو مازن، بل يمكن القول إن الشعب الفلسطيني من أكثر شعوب الأرض انتقاداً لقياداته وعدم رضاه عنها ما دامت لم تنجز تحقيق الحرية والاستقلال وإقامة الدولة، إلا أن قيادة مفروضة من الخارج لن تكون قيادة وطنية بل تابعة لمن صنعها وصيَّرها حاكمة.

 ولكن وفي المقابل الشعب الفلسطيني حساس تجاه أية قيادة ذات أجندة خارجية، كما أن الواقع وتجارب الشعب الفلسطيني الطويلة والمريرة مع الأنظمة والحركات العربية والإسلامية أثبتت أن القيادات الفلسطينية منذ الحاج أمين الحسيني إلى الرئيس أبو مازن مروراً بأحمد الشقيري وياسر عرفات وبالرغم من أخطائها هي الأكثر حرصاً على المصلحة الوطنية من أي نظام عربي أو غير عربي.

احترام الشعب الفلسطيني لقيادته الشرعية احترام للكرامة الوطنية ولا يقبل أن يتم اهانتها من أية جهة كانت، وأي قيادة تأتي عن طريق واشنطن والأنظمة العربية المتحالفة معها لن تكون وطنية وستكون مجرد أداة أمريكية وإسرائيلية لتصفية القضية الوطنيةـ وقد رأينا نوع القيادات التي نصَّبتها واشنطن على أفغانستان وعلى العراق بعد الاحتلال مباشرة، وعلى دول أمريكا الجنوبية، ونرى حال جامعة الدول العربية وأنظمتها التي تريد أن تصنع لشعبنا قيادة جديدة.

ولكن، وفي المقابل أيضا هناك مسؤولية تقع على الشعب وعلى القيادة معاً وهي مسؤولية معالجة الخلل في مؤسسة القيادة بما يتطلب من إجراء انتخابات شاملة لأن المؤسسات والقيادات القائمة ينتابها عوار الشرعية ووصلت لطريق مسدود واستمرارها لن يؤدي إلا لمزيد من التدهور، ولأن قيادة جديدة مُنتَخبة ستقطع الطريق على المحاولات الخبيثة لفرض قيادة غير وطنية بزعم أزمة شرعية القيادة الراهنة.

الشعب الفلسطيني بكامله يريد إجراء انتخابات عامة وشاملة لتجديد النخب والمؤسسات ووضع حد للانقسام المدمر، والرئيس أبو مازن استشعر هذا الإحساس الشعبي عندما طالب من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2019 بإجراء انتخابات شاملة في فلسطين حيث قال: (قررت بعد عودتي من هذا الاجتماع أن أعلن عن موعد لإجراء انتخابات عامة، وأدعو الأمم المتحدة والجهات الدولية ذات العلاقة للإشراف على إجراء هذه الانتخابات، وسوف أحمل أية جهة تسعى لتعطيل إجرائها في موعدها المحدد المسؤولية الكاملة).

فما الذي جرى حتى اختفت المسألة الانتخابية عن سلم اهتمامات القيادة والأحزاب وكان حضورها هامشيا في اجتماع الأمناء العامين للفصائل؟ ولماذا تجدد الحديث عن الانتخابات في الأيام الأخيرة بتردد بعد شبه القطيعة مع جامعة الدول العربية ومحور الإمارات مصر والسعودية، وما يروج عن محاولة هذا المحور صناعة قيادة فلسطينية بديلة للحالية؟ ولماذا الذهاب لتركيا وقطر لطلب المساعدة في إجراء انتخابات عامة، وتركيا وقطر محور من المحاور المتصارعة في وعلى المنطقة وليست مرجعية لا عربية ولا إسلامية؟

بالعودة إلى خطاب الرئيس في الأمم المتحدة، لا نعتقد أن مشاركة فلسطينيي القدس كان السبب الحقيقي لعدم إجراء الانتخابات، كما أن التذرع بغياب التوافق قبل إجراء الانتخابات ليس عذرا، صحيح أننا كنا نطالب ونقول بأن التوافق أهم من الانتخابات ويجب أن يكون سابقاً لها، ولكن بعد أكثر من عشرة أعوام من الحوارات للتوصل لمصالحة وتوافق وطني بدون فائدة لم يعد مجالاً للانتظار وسيصبح الحديث عن التوافق قبل الانتخابات مجرد حجة للتهرب من الاستحقاق الانتخابي.

نعتقد أن ضغوطاً من بطانة الرئيس تم ممارستها آنذاك على الرئيس حتى يؤجل مسألة الانتخابات، ضغوط من النخب المستفيدة من بقاء الأمور على حالها ومن الذين يخشون فقدان مواقعهم وسلطتهم في أية انتخابات نزيهة لأن الشعب ضجر منهم وفقد ثقته بهم وهم يُدركون ذلك، والتقت رغبة هؤلاء مع ما تريده النخب السياسية في الفصائل الأخرى وخصوصا حركة حماس بالرغم من كل ما أثارته من ضجيج حول رغبتها بإجراء الانتخابات وتحميل القيادة الفلسطينية مسؤولية التهرب من هذا الاستحقاق.

وحتى نكون أكثر وضوحاً وصراحة فبالإضافة إلى الكيان الصهيوني الذي لا يريد انتخابات فلسطينية نزيهة يختار من خلالها الشعب قيادته وتنهي حالة الانقسام فإن قيادات نافذة في حركتي فتح وحماس اللتان تمسكان بزمام أمور السلطتين في غزة والضفة لا تريد الانتخابات وفي هذه الحالة يتقاطع موقفهم مع الموقف الإسرائيلي.

حركة حماس تعلم بأنها لن تحصل على الأغلبية التي حصلت عليها في انتخابات يناير 2006 والتي أهلتها لتشكيل حكومة، وأن تفقد حماس الأغلبية البرلمانية وتتحول لحزب معارضه فهذا معناه فقدان سلطتها في قطاع غزة والأخطر من ذلك بالنسبة لها قطع الطريق على مشروع الإخوان المسلمين الذي تشكل غزة إقليم –قاعدة له، كما أن سيطرة حماس على القطاع لم يعد شأناً حمساوياً أو فلسطينياً خالصا بل أصبح مندرجاً في سياق مشروع أكبر من حماس.

 أما بالنسبة لمنظمة التحرير وحركة فتح على وجه الخصوص، فلا نبرئ البعض من المسؤولين الذين يتنطعون للقيادة والرئاسة بدون انتخابات لأنهم يعلمون أن لا شعبية لهم ولا حظوظ لهم بالفوز بالانتخابات وخصوصا الرئاسية، لذا يسعون لاستمرار الأمور على حالها إلى حين غياب الرئيس أبو مازن ليحلوا محله بدون انتخابات من خلال قرار للمجلس المركزي أو الوطني أو المحكمة الدستورية لتعيين رئيس أو قيادة مؤقتة إلى حين إجراء الانتخابات والتي قد لا تجري لسنوات، وقد يكون قرار المحكمة الدستورية بحل المجلس التشريعي خطوة استباقية في هذا السياق.

التحول الجديد في المسألة الانتخابية وما ظهر من خلال زيارة وفد قيادي لتركيا يومه الخميس 24 سبتمبر وبعدها لقطر ومطالبتهما بالإشراف على الانتخابات ورعاية حوارات المصالحة لا يرجع لوعي متأخر بأهمية الممارسة الديمقراطية أو رغبة بتجديد الشرعيات كما يطالب الشعب بل له علاقة بالخوف من تشكيل قيادة بديلة وهو المسكوت عنه أو (الخافي اعظم) في مسألة التطبيع الإماراتي البحريني مع الكيان الصهيوني وموقف جامعة الدول العربية الداعم له وفي توتر العلاقة بين القيادة الفلسطينية وجامعة الدول العربية، حتى الهروب نحو تشكيل (القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية) ليس الهدف منه تفعيل المقاومة جدياً وتصعيدها لانتفاضة شاملة، بل له علاقة أيضاً بحسابات مواجهة مؤامرة تشكيل قيادة بديلة، في مراهنة أن تشكيل حركتي حماس وفتح هذه الهيئة القيادية سيلمِع من صورة الوجوه القيادية في الجانبين بما يستعيد بعض مصداقيتها.

وحتى لا تنزلق الأمور إلى ما هو أخطر بما في ذلك أن تصبح القيادة والسلطة جزءاً من المحاور المتصارعة مما يؤدي لفقدان استقلالية القرار الوطني يجب على الشعب الخروج إلى الشارع للضغط على الطبقة السياسية الحاكمة حتى يتم إجراء انتخابات ديمقراطية حقيقية وبرعاية دولية كاملة وليس طبخ انتخابات تُعيد تكريس نفس الطبقة السياسية الراهنة. ونعتقد جازمين أن إجراء انتخابات أكثر أهمية من تشكيل (القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية) بتركيبتها الراهنة والتي يُراد من تشكيلها تحسين صورة الأحزاب ومد سلم النجاة لها للتغطية على مأزقها والنزول عن السلم، وتحويلها لملهاة جديدة تستعملها الفصائل لإلهاء الشعب وإيهامه بأنها تسير على نهج الثورة والمقاومة والانتفاضة وتكريس سلطتها في حالة عدم إجراء الانتخابات!!.

 

إبراهيم أبراش

 

 

 

ناجي احمد الصديقكانت ايران على أجندة الرئيس الامريكى دونالد ترامب منذ الوهلة الاولى، فقد وعد الرجل مؤيديه وهو فى مرحلة الدعاية الانتخابية بان اول ما يفعله حينما يدخل البيت الابيض هو اخراج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الايرانى وقد صدق الرجل وعده واخرج الولايات المتحدة بالفعل من ذلك الاتفاق وكانت تلك هى البداية لضغوط شتى ظل يمارسها ترامب وهو يأمل – كما كان يقول- فى ان تأتى ايران اليه صاغرة لابرام اتفاق جديد يلبى رؤيته ويحقق طموحاته

مضت سنوات طويلة على انتظار دونالد ترامب عمل خلالها بكافة السبل على الضغط المتزايد على ايران بدءأ من فرض العقوبات الاقتصادية والتى ظلت وتيرتها تتصاعد يوما بعد يوم وانتهاءا بإعادة العقوبات الدولية بشكل احادى على ايران بعد ان انتهت فترتها دون ان يجد دعما من حلفاءه المقربين من الدول الاوربية .

لقد وضح ألان تماما اكثر من اى وقت مضى نية الولايات المتحدة الامركية الصادقة فى الضغط على النظام الايرانى مهما بلغت التكلفة حتى يقدم على المفوضات وهو صاغر دون تقيد بالقانون الدولى او اهتمام بمعارضة الدول، وان كل ما قامت به الولايات المتحدة منذ مجىء الرئيس ترامب الى السلطة ينم عن تلك النية الصادقة، ويرى الكثيرون بان الضغوط المتزايدة من الرئيس ترامب على جمهورية إيران هى وسائل تهدف الى إخضاع نظام الحكم الاسلامى فى إيران الى مواضعات الراهن الذى وضعها ترامب بنفسه فى منطقتي الشرق الأوسط والخليج العربي ومن اهمها صفقة القرن التى ستعيد صياغة الحغرافيا السياسية والاقتصادية فى تلك المناطق وانه بات مقتنعا اكثر من اى وقت آخر بان هذا النظام سيكون حجرة عثرة كبير فى طريق هذا الحلم الكبير

لم يكن الرئيس الامريكى فى حاجة على ان يقطع على نفسه وهو فى مرحلة التصويت على الرئاسة بأنه سوف يخرج بامريكا من الاتفاق النووى مع إيران لان الخروج من الاتفاقيات الدولية يحتاج الى دراسات معمقة لمعرفة مآلاته البعيدة والقريبة، كما انه لم يكن فى حاجة الى تهويل الخطر الايرانى فى اعين دول الخليج حتى نشأ فى بواطنها رهاب ايرانى هو اقرب الى رهاب المرضى الذين يتصورون الخطر تصورا هو ابعد ما يكون من الحقيقة، ولكن ها هى الايام تثبت ان كل ما فعله الرئيس الامريكى تجاه النظام الايرانى كان يهدف الى إخراج نظام الملالى من المشهد الاقليمى لان ذلك المشهد قد اخذ فى تصوره مجتمعا منسجما بين دول الخليج من جهة ودول الشرق الأوسط من جهة اخرى وواسطة عقده إيقونة الشرق أوسط دولة اسرائيل اليهودية. فنظام الملالى فى أجندة ترامب هو نظام بال لن يفيد الدول المعاصرة التى يتصورها ترامب ولن يفيد الانفتاح الذى يخطط له لتنداح العلاقة مع إسرائيل من المحيط الى الخليج وتضيع فلسطين لتى يقاتل من اجلها عباس وهنية، وتبرز الى الوجود فلسطين اخرى منزوية فى ركن قصى متكئة على زراعى اسرائيل وومعتمدة على المنح والمساعدات ويعيش اهلها فى رغد وسلام واستسلام .

كان وما يزال فى أعماق الرئيس ترامب شئ من حتى تجاه نظام الحكم الاسلامى فى إيران، فإيران هى الدولة الوحيدة فى العالم التى قامت بتهديد الدولة العبرية تهديدا يستهدف وجودها على هذه الأرض وان تناسى قادة إسرائيل كل الهزائم والانكسارات التى تعرضوا لها فى حرب أكتوبر 1973م فأنهم لن يتناسوا ما أطلقه النظام الايرانى من تصريحات علنية بأنهم سيمحون اسرائيل من الخريطة، وإسرائيل هى اكثر من يخشى مثل تلك التهديدات لأنها تعلم بأنها قامت على ارض مغتصبة وان صاحب هذه الأرض يتربص بها فى كل ساعة وجين. ولعل دخول الرئيس الامريكى الى البيت الأبيض محمولا على أكتاف اليهود هو ما يجعله يزداد إيمانا بانه لا امان لإسرائيل الا بزوال النظام الذى يحكم إيران اليوم

كان مؤملا من الرئيس الامريكى استعمال كافة الوسائل التى يتيحها له القانون الدولى فى الضغط على ايران ولكن لم يكن مرجوا منه – برغم ازدراءه المستمر للقانون- ان يختلق الأحابيل ليرغم بها المجتمع الدول للوقوف ضد إعفاء إيران من العقوبات الأممية التى فرضها عليها مجلس الأمن الدولي بقرار منه، فبموجب ذلك القانون فان العقوبات الدولية بحظر تصدير السلاح سترفع بحلول اليوم العشرين من سبتمبر 2020 ولكن الرئيس الامريكى يرى ما لا يراه الناس فأعلن منذ وقت مبكر انه لن يسمح برفع تلك العقوبات بل وقام من فوره بتكليف وزير خارجيته لاقتراح مشروع قرار فى مجلس الامن يمنع رفع العقوبات ولكنه منى بهزيمة تاريخية برفض جميع الدول الأعضاء ذلك القرار ما عدا دولة واحدة ومع ذلك فقد تواصل سعى الإدارة الامريكية لاستمرار الحظر واعلن بومبيو ان الولايات المتحدة ستلجأ الى آلية (سناب باك) المضمنة فى الاتفاقية النووية وهى إعادة فرض تلك العقوبات بالرغم من انه قام بالانسحاب بإرادة منفرة منها فى عام 2018 فور تسلمه سدة الحكم.

لم تكن إيران ببعيدة عن السعي المحموم للرئيس ترامب بتطبيع العلاقات بين اسرائيل وبعض الدول العربية .. بل يمكن القول بان من بين أسباب اختيار الإمارات العربية والبحرين كأول تلك الدول هو ايجاد موطئ قدم لإسرائيل داخل منطقة الخليج العربى لمراقبة الأنشطة الإيرانية عن قرب بل يمكن ان ان نمضى اكثر من ذلك ونقول ان الإمارات والبحرين ما كانت لتنصاع لرغبات الولايات المتحدة بالتطبيع مع اسرائيل لولا تضخيم امريكا للبعبع الايرانى من جهة وتهديدها برفع الحماية العسكرية منها من جهة اخرى .

إيران اذا فى عين العاصفة الاميركية دبلوماسيا واقتصاديا وعسكريا فقد ظل سيف العقوبات يزداد حدة يوما بعد يوم تماما كما ظل التصعيد العسكري ينحو نحو الارتفاع بعد ان توجهت حاملة الطائرات الامركية نحو الخليج العربى فى إشارة واضحة بان الخيار العسكري أصبح مطروحا هو الأخر وهوعين ما قاله الرئيس الامريكى بان اى تهديد او اعتداء ايرانى على امريكا سيقابل برد مزلزل

فهل يستطيع الرئيس الامريكى إخضاع نظام الحكم فى إيران ليوقع صاغرا على اتفاق نووى جديد برؤية ترامبية محضة ؟؟ ام ان تحمل ايران لقسوة تلك الضغوط ما زال حتى الان فى مراحله الاولى؟؟

 

ناجى احمد الصديق الهادي - السودان

 

رائد الهاشميكما عودتنا الطبقة السياسية في تفضيل مصالحها الشخصية دائماً على مصلحة البلد والمواطن تم مصادقة قانون موازنة عام 2020 من قبل الحكومة بعد مرور تسعة أشهر على موعدها المقرر ودفعت بها الى قبة البرلمان لتدخل في دهاليز الخلافات والمصالح والصفقات السياسية المريبة والخلافات الأزلية مع الاقليم لغرض المصادقة عليها رسمياً لتصبح نافذة المفعول والتنفيذ، وهذا ليس غريباً علينا ففي كل عام تتكرر مهزلة تأخير اقرار قانون الموازنة ونشهد المهاترات والخلافات السياسية وتتسرب أخبار الصفقات المريبة خلف الأبواب المغلقة بين الكتل السياسية لغرض الحصول على المكاسب الغير مشروعة والتي تكون دائماً على حساب الوطن والمواطن.

السيد الكاظمي رئيس مجلس الوزراء اضطر الى المصادقة على الموازنة والاسراع بدفعها الى البرلمان ولم يترك الأمر كما حدث في عام 2014 لعدة أسباب أولها لضمان ديمومة رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية للأشهر الثلاثة المتبقية وثانياً للحصول على غطاء قانوني للاقتراض بمبلغ سبعة وعشرون تريليون دينار لتغطية نفقات الموازنة الضرورية وثالثاً لضمان الايفاء بوعوده التي قطعها للشعب وأهمها الدرجات الوظيفية لبعض الشرائح التي وعدهم بالتعيين أمام وسائل الاعلام،وبدون المصادقة على الموازنة لن يستطيع أن يعين مواطن واحد في هذا العام، ورابعاً لكي تتمكن حكومته من العمل بحرية تحت غطاء قانوني ومالي لاجراء التغييرات المختلفة التي أعلن عنها في عدة مناسبات.

اقرار موازنة عام 2020 أثبتت حقيقة دامغة وهي فشل الحكومات التي تعاقبت على العراق منذ عام 2003 ولحد الآن في ادارة البلد وخاصة الملف الاقتصادي وأثبتت عجزها وفشلها في اخراج الاقتصاد العراقي من عباءة الاعتماد الكلي على النفط في تمويل موازنة البلد وفشلها في النهوض بالقطاعات الاقتصادية الأخرى والتي بالامكان الاعتماد عليها في تعظيم موارد الموازنة وتقليل الاعتماد على النفط وخاصة القطاع الصناعي والزراعي والتجاري والسياحي.

جاءت أرقام الموازنة مخيبة للآمال ومقلقة حيث بلغت حجم النفقات الكلية 148 تريليون دينار فيما بلغت حجم الواردات الكلية 67 تريليون دينار وبذلك أصبح العجز أكثر من 81 تريليون دينار وهو أعلى رقم بلغه العجز بتاريخ البلاد، ومن الطبيعي أن تكون الموازنة خالية من أية تخصيصات استثمارية بسبب الظروف الاقتصادية التي يمر بها البلد نتيجة انخفاض أسعار النفط وجائحة كورونا.

التحديات الاقتصادية القادمة على البلد خطيرة جداً وحجم المشاكل الرئيسية يتضاعف ومعدلات الفقر والبطالة والأمية تتضاعف بشكل مقلق والنقص في كل الخدمات الرئيسية لازال قائماً والقدرة الشرائية للمواطن العراقي في هبوط مستمر وعجلة الاستثمار والبناء متوقفة وحجم الديون الخارجية والداخلية وفوائدها في صعود مقلق.

الخروج من هذه المآزق الكبيرة يتطلب وقفة ونيّة جادة من الحكومة الحالية أو من الحكومات القادمة في وضع خارطة طريق جديدة ورسم خطط تنموية حقيقية تتضمن توقيتات زمنية دقيقة للاسراع بالنهوض بالقطاع العام والقطاع الخاص والمختلط واعادة الحياة للقطاع الصناعي والزراعي والسياحي ومن الممكن الاستعانة بالاستثمارالأجنبي والمحلي ووضع أسس حقيقية للاستثمار وتوفير الحماية الكاملة للمستثمرين من الفساد والتهديد وتقديم كافة التسهيلات في المعاملات الاستثمارية وكذلك التأكيد على مبدأ احتضان القطاع الخاص العراقي بشكل حقيقي وتذليل كافة العقبات والصعوبات أمامه وفسح المجال له لأخذ دوره الحقيقي في بناء البلد وتحريك الاقتصاد العراقي واستيعاب جيوش العاطلين من الشباب.

أخيراً أقول بأن البلد مقبل على هاوية الانهيار الاقتصادي والاجتماعي،  والشعارات والتصريحات الاعلامية الرنانة لن تنقذ البلد من الخطر،بل نحتاج من حكوماتنا وبرلماناتنا الى نيّة حقيقية وولاء حقيقي للوطن وتخطيط علمي سليم وضرب بيد من حديد على رؤوس الفاسدين لكي ننقذ بلدنا الحبيب وشعبنا المسكين الذي أثقلته الهموم والمعاناة وبدأ صبره بالنفاذ.

 

د. رائد الهاشمي

باحث وخبير اقتصادي  

 

 

عدنان ابوزيدصورة الكمامة أصبحت من مبدئيات المشهد اليومي في أغلب دول العالم، يتخذ منها الناس، حائط صدّ أمام فايروس كورونا، ومن المرجّح انها ستبقى لفترة طويلة تغطي الأنوف والافواه، متناغمة مع موجة تظاهرات عالمية تنتقد "تكميم" الأصوات المعارضة حتى في أكثر الدول عراقة في الديمقراطية، ولعلها مصادفة، لا ميعاد، حيث كوفيد 19 يتزامن مع احتجاجات عالمية، ليختلط مفهوم "التكميم" بين الصحة والسياسة، وحيث مفردة الكمامة، مقتبسة في الأصل من الفعل كَمَّمَ، الذي يعني في العربية، الستر، والسد، والمنع.

وقبْل الكمامة، التي يُؤرًّخ لظهورها في العام 1897 على يد الجراح الفرنسي بول بيرغر، كان هناك "تكميم" الافواه، لتحصين الأنظمة من عدوى تفشي الرأي المعارض الذي يفضح الملفات ويكشف الأسرار.

ومن دون مزاوجة قسرية، في المفهوم، فان من الواضح ان اللغة المشتركة بين الصحة والسياسة، هي الفايروسات التي تصيب الجسم، والخطاب الذي يستهدف العقول، وفي كلا الحالين، فانّ الفم هو المطلوب تحت شفرة المقصلة.

الذي اكتشف الكمامة الطبية، لم يكن يجهل تلك القطع القماشية التي يضعها المتظاهرون في انحاء العالم على أفواههم، احتجاجا على سياسات خنق الأصوات وحرية الرأي، وربما لاحت في مخيّلته مشاهد الأفارقة الذي يرتدون الكمامات وهم يجتاحون الغابات للصيد، وثورات العبيد في القارة السمراء، الذين خيّطوا أفواههم احتجاجا على القمع والعبودية.

 حصد وباء الإنفلونزا الإسبانية نحو 50 مليون شخص بعموم العالم قبل نحو قرن من الزمن، عاش فيه العالم رعبا حقيقيا، أدى الى فرض حرض التجول، وأغلِقت الأماكن العامة والأسواق، والطرقات، وانتشرت شرطة خاصة تفرض العزل القسري، وألزمت حكومة سان فرانسيسكو، السكان ارتداء الكمامة في أكتوبر 1918، وحين انتهت الأزمة، لم تنحسر هذه القطعة التي تغطي نصف الوجه، اذ ارتداها الآلاف من المتظاهرين من جديد في احتجاجات على السياسة المحلية، في قمع حرية الرأي، وتكميم الأفواه.

في ذلك الوقت، اعتبرها الناس انتهاكا للحريات العامة، وتأُسّست رابطة تحت اسم "ضد الكمامة" رافقتها احتجاجات وعصيان، وعدوها أداة فاعلة ضد الحرية، وكان ذلك نتاج عدم الثقة بين الشعب والسلطات، وما ينجم عنه من شك وريبة من أي اجراء حكومي، حتى لو كان غرضه، صحّيا بحتا.

بسبب الحساسية السياسية للكمامة، أمر مجلس الصحة في ولاية أيوا الأمريكية، بتصنيع أقنعة قياسية، تتيح الكلام الواضح، وتم رسم الهامش العلوي بإحكام فوق جسر الأنف، مباشرة تحت العينين، فيما اكد التعليمات على ان هذه الكمامات غرضها صحيّ بحت، في إشارة الى ضرورة تجنب اللغط والشك، وفيما اذا هناك دوافع سياسية للانتفاع من أزمات الوباء.

 في 17 سبتمبر 2019 وصف الصحافيان برنارد كين، وجنين خليك، الحكومية الكندية الفيدرالية، بانها "نظام كمامات"، ولم يكن القصد من ذلك، سوى التبرم من قيود الحريات.

 ينتهي المطاف بالكمامة الى تحوّلها الى شاكلة اجتماعية ترفية، اذ ظهر الكثير من المترفين والاثرياء والمطربين في

أقنعة باهظة الثمن، وتحولت لدى بعض الساسة الى رسائل عبر رسوم وتصاميم في رموز من الألوان والاعلام.

 ظهر يساريون في فنزيلا بكمامات حمراء، وارتدى مناصرو حزب الخضر، كمامات خضراء، وارتدت ماكرينا أولونا نائبة رئيس حزب فوكس الاسباني اليميني المتطرف، الكمامة الخضراء العسكرية.

الرئيس إيمانويل ماكرون، صبغ كمامته باللون الازرق، مفتخرا بانها فرنسية الصنع في حديثه لتلاميذ المدارس، وفعل وزير الخارجية الإيطالى لويجى دى مايو، الأمر ذاته، لكنه تعرّض للانتقاد للريبة في الأغراض السياسية لسلوكه.

في العراق، سبقت الكمامة، كورونا، وُتظهر الصور، متظاهرين، ارتدوها قبل هلع الفايروس العظيم، وحين استفحلت العدوى، تحدى المتظاهرون، السلطات بنزعها والتوجه من جديد الى معاقل الاحتجاج، بل ان البعض شكّك في أغراض سياسية وراء الإعلان عن توسع انتشار المرض.

 

عدنان أبوزيد

 

 

عبد الجبار نوريوهل ينسى العراقيون جريمة نفق الشرطة ببغداد في أبادة عائلتين بكاملهما عددهما 14 نفس عراقي عام 2005، وهي واحدة من تلك الشركات المشبوهة في التهريب والأغتيالات والتدخل في حرمة السيادة الخارجية والأمن الداخلي، والذي أثار قلق الشارع العراقي تعليمات السفارة الأمريكية في بغداد تعلن: عودة مؤسسة بلاك ووتر السيئة الصيت للعمل في العراق !؟ .

والكارثة أن العراق ألزم نفسه بقانون سنهُ بنفسه للأعتراف بتلك الشركات الأجنبية الأمنية في أقراره في البرلمان العراقي في 26 كانون الثاني 2017، وهو التخبط السياسي العشوائي بعينهِ، وبناءً على ما أقرّهُ مجلس النواب وصادق عليه رئيس الجمهورية أستناداً إلى أحكام البند (أولا) من المادة (61)  والبند (ثالثا) من المادة (73) من الدستور العراقي النافذ في 2005 بسنْ " قانون الشركات الأمنية الخاصة " Private Military and Security Companies في 26 كانون الثاني2017 جرى التصويت في البرلمان العراقي على أقرار عمل هذه الشركات الأجنبية في مجالات عسكرية ومؤسساتية وخدمية أستناداً إلى القرار البرلماني . 

وهكذا قد أقرّ وشرعن من قبل العراقي نفسهً، وللأسف فتح باب الشركات الأمنية الخاصة ربما هو جرحٌ  جديدٌ غائر قد لا يندمل في جسم الوطن المثخن بالجروح من أسهم الغدر الأقليمي والدولي وحتى من (بروتس العراقي) الذي شارك في طعن وطنه العراق في زج أرضه وشعبه في الشبكات العنكبوتية لمتاهات المستعمرين بصيغة العولمة والحداثوية السياسية والعسكرية وممارساتها الوحشية التي يتستر عليها البيت الأسود الأمريكي، ومن أهم الشركات الأمنية الخاصة العاملة والتي جدد العراق عقود عملها في مطلع 2017 هي : بلاك ووتر الأمريكية، تيتان العسكرية، واين كرون، أنترنشنال تربيل كانوبي، وشركات بريطانية مثل : شركة آرمر كروب، ووايجيس ديفينس سيرفيس البريطانية، وقد دخلت هذه الشركانت الأمنية إلى العراق عقب الأحتلال الأمريكي للوطن عام 2003 وما رافقهُ من هشاشة أنهيار أمني، وخاصة حاجة الهيئات الدبلوماسية وشركات الأستثمار، لذا أن أكثر من 60 شركة أمنية أجنبية تعمل في العراق غالبيتها في بغداد والبصرة وأربيل والسليمانية . 

المعطيات التدميرية المرعبة للشركات الأمنية الخاصة !!!

-الكل يعلم التأريخ الأسود لشركة بلاك ووتر الأمريكية السيئة الصيت والتي قتلت 14 مدني عراقي وجرحت 18 آخرين في أطلاق نار في 16 أيلول 2007 في أحدى ساحات بغداد على أناسٍ لم يكونوا أهدافاً مشروعة، ولم يكونوا يمثلون أي تهديد حقيقي بل هو الحقد الأسود والكراهية للمخابرات الأمريكية تجاه الشعوب المقهورة بدليل أعترافات العسكري المتهم بالقضية (سلاتن) أمام محكمة المحلفين الأمريكية والذي حُكم عليه بالمؤبد قال: أني غير نادم على ما فعلت لأني أثأر أنتقاماً من العراقيين المشاركين في أحداث سبتمبر 2011، بعد فضيحة هذه الشركة في العراق سُلطتْ الأضواء على دور الشركات الفاحشة والذي يتضح أن هذه الشركات وراءها أجنداتٍ أجنبيةٍ تروّج لها أعلامياً في أسواق نشر السلام على الطريقة الأمريكية وعلى ما يظهر أن هناك العشرات من المعاهد في أمريكا وبريطانيا وألمانيا تروّج لقوة هذه الشركات الأمنية الخاصة بأن لديها معدات ألكترونية في أستخدام الطائرات بدون طيار، وأن هذا الترويج الأعلامي هو ليس فقط لأغراض عسكرية بل لعقد صفقات تجارية مع تلك الدول التي تعاني من صراعات سياسية وأجتماعية وضعفٍ في البنية الأمنية والعسكرية، وان لها كيانات تجارية خاصة تقدم خدمات عسكرية وأمنية وهي أحدى تجليات العولمة الأقتصادية العسكرية والأمنية والسياسية . 

- أنفاق هائل وكبير في أستهلاك الدخل القومي على حساب الموازنة التشغيلية، وغياب الرقابة الحكومية على هذه الشركات حيث يتخلل الغش والتلاعب في حساباتها لصالحها النفعي والربحي، وقد وصل أجور المرتزقة في الشركات الأمنية إلى ألف دولار في الساعة، والقناص المحترف من هؤولاء الميليشيات يتقاضى 15 ألف دولار يومياً . والكارثة الكبرى أن من بين بنود الأتفاقية الأمنية مع تلك الشركات هي (حصانة) الجنود من الملاحقة القانونية لأي جرمٍ يرتكبوه، وأن القضاء الأمريكي هو المرجع الوحيد وليس القضاء العراقي علما أن الحكومات العراقية بعد 2003 مسلوبة الأرادة تجاه المحتل ولا تستطيع محاسبة المحتل على جرائمهِ، وثبت أن لهذه الشركات معسكرات تدريبية وسجوناً داخل العراق لا تخضع للقوانين المحلية وهو ما يشكل تهديداً وخرقاً للسيادة الوطنية والتي هي هيبة الدولة لأفتقاد تنظيم قانوني لنشاط هذه الشركات، وأن الأعتماد على هذه الشركات الأمنية تؤدي بالتالي إلى أهمال الأمن الوطني وتدهوره وضياعهِ . 

- تدخلات عسكرية بحجة تقديم خدمات عسكرية لوجستية بمثابتة تأثيرات سيادية على هيبة الدولة السياسية والدبلوماسية، أضافة إلى فقدان لأحتكار الحكومي للسلطة العسكرية جراء تدخل الشركات الأمنية في مهامها العسكرية، بل ذهبت أبعد والأبعد في أقحام نفسها في بؤر النزاعات المسلحة والتي تعتبر شركة بلاك ووتر أبرز مثال لهذه الخطوة الخطيرة حيث شاركت في الأعمال العسكرية في العراق وأفغانستان لصالح الجيش الأمريكي، وتمتلك هذه الشركات قاعدة بيانات نحو 21 ألف جندي سابق من القوات الخاصة فهي طبعاً تعتبر تهديداً للأمن القومي للعراق، علما أن هذ الشركات الأمنية لها صلات غير مباشرة وقد تكون مباشرة بقوات التحالف الدولي في العراق وسوريا وأفغانستان وغوانتنامو وهي حاملة فايروس الأنتقام من العراقيين الذين قتلوا أكثر من ستة آلاف من المارينز وجنود الأحتلال الأمريكي على يد رجال المقاومة الشريفة .

هذا ويمكن أن يذهب الحقد أبعد أنتقاماً من أحداث سبتمبر 2011 تحت شعار السي آي أي (التزوير السياسي) في تبرير أحتلال العراق وأفغانستان، وأن هذه الشركات الأمنية تنتشر ضمنها الميليشيات الصربية أصحاب الخبرة في الأبادة العرقية ضد الجماعات المسلمة في البوسنة والهرسك، وكذلك رجال من شرطة جنوب أفريقيا والتي لها خبرة في أبادة اللون الأسود، ومن شرطة ساوباولوا شركاء العصابات المنظمة في بيع البشر والمخدرات وترويج الدعارة عبر الموانيء الخطرة للعالم، وأن أغلب المشتغلين ضمن هذه الشركات الأمنية الخاصة هم من المرضى النفسيين أو المرتزقة ومن بقايا النظم العنصرية في أفريقيا فهم قتلة بالأيجار، وأن القوانين الدولية وأتفاقيات جنيف للحروب لا تنطبق عليهم أي ليس هناك ما يعرقل تصرفاتهم، وللعلم أن الشركات العسكرية الخاصة تحتل مرتبة متقدمة في أسهام العسكرة الأمريكية والبريطانية في العراق اليوم .

الخاتمة/ لا يليق بنا سوى صرخة بوجه الباطل فليكن شعارنا قول سيد البلغاء الأمام علي " لا أبقاني الله أن أبقيت عدوي خلفي " الكل يعلم أن هناك خاصية لأرض العراق التي ضمت بجنباتها عظماء الرجال كتبوا صفحات الظالمين والعتاة بوجوه متعددة، وأن وراء أحياء هذا القانون العدواني وفرضه هم شلّة من سياسيي الفرهدة ونهب المال العام بحجة أعمار العراق وهو بالحقيقة أفقار العراق وأهانتهِ وسلب ما تبقى من ملابسه الداخلية ليبرروا للمحتل بقاءهُ بعد تلميع صورته، يا لهُ من وطنٍ مضرج بأشعار محمود درويش ورؤى نجيب محفوظ وحزن كنفاني، أو كما كتب الكاتب المتألق " عزيز دفاعي "{أن حكوماتنا اليوم أما هم خارج الحدث أو ينامون في كهفٍ معزول أو أنهم غير مدركين ما يرسم للعراق} . 

 

وأضيف : السياسيون في العراق يفتقدون المشروع المستقبلي، وهم اليوم من يؤجج النعرات الهوياتية والشعبوية، ودخلوا إلى تبني هذه الشركات من باب المساومة والأبتزز وأستعمالها كورقة ضغط على الحكومة المركزية . 

 

عبد الجبار نوري

كاتب ومحلل سياسي عراقي مغترب

 

جواد غلوممن غرائب ما يجري في بعض أوساطنا الاجتماعية وبتأثير من الاوساط السياسية العربية وبالذات في العراق الان وفي لبنان وسوريا وبدرجة أقل في البلدان الاخرى انك ترى كثيرا ممن يشتم الطائفية ويلعنها ويبدي مساوئها، لكن قلبه يفيض بها وتحنو نفسه الى طائفته متمرغا في ترابها الملوث بالكراهية للآخرين كمن يأكل ورق الخسّ وينسى سماده الذي توغل في وريقاته يعلكها بأسنانه منتشيا زابدا ماءً يسيح حقدا وانتقاما وعداوة للأطراف الاخرى وكما يعلم العراقيون وقد يجهل أبناء بقية الدول العربية ان سماد ورق الخسّ هو من الفضلات البشرية " الخراء " ولا شيء غيره لينمو ويكبر وترتوي أوراقه من تلك الفضلات .

 فالطائفية سواء ان كانت عِرقية أو دينية أو مذهبية يمكن توصيفها انها رائحة كريهة تنبعث من فم حاملها دون ان يشعر ويعلم بنتانتها ويحسّ بعفنها لكن القريبين منه الذين يسمعون انبعاثات لسانه يشمّون ما فاحت من جيف الحقد والضغينة والبغضاء.

فالعقل حين يضيق ينحو منحىً طائفيا لأن الوطن أكبر بكثير من الطائفة التي لا تعدو ان تكون كيانا دينيا او عِرقيا أو تمذهبا لفئةٍ معينة؛ فمن يختار ان يكون طائفيا لا يمكن ان يكون وطنيا مخلصا لبلاده ابدا ، فالطائفي الضيق الصدر ابعد مايكون عن عقيدة حب الوطن المقدسة وكلما تفاقمت الطائفية واشتد اوارها برزت العنصرية قرينا لها وليس بعيدا عنّا تجربة جنوب افريقيا والتي عانت طويلا من نظام " الابارتيد " الموغل في العنصرية قبل ان يتوحّد سكانها البيض والسود بزعامة نلسون مانديلا.

 نقول لساستنا "الكرام جدا" ان الوطن اكثر اتساعا واكبر بكثير من الطائفية ولمن يريد ان يرهن نفسه للعمل من اجل الوطن فلينسَ الطائفية والتمحور لهذه الفئة او تلك.

اكتب عن هذه الظاهرة المقززة وانا أسمع في الوقت الحاضر دعوات لأحيائها والتعويل عليها والنفخ في رمادها لإشعالها مرة اخرى بشكل أشدّ سعيرا مما كانت في السنوات السابقة المريرة التي ذاق أهلنا طبختها العفنة السامة القاتلة قبلا .

ولمن يريد الرقيّ والنماء لعراقنا ديمقراطيا فليطمر الطائفية في أعمق غور لأن الديمقراطية عمادها المواطنة والسواسية بين السكان بلاد على اختلاف مللهم ونحلهم ومشاربهم وأعراقهم وعقائدهم فالتمحور الطائفي لا يؤسس دولة عدلٍ كما ان الدولة التي تنشأ وتتأسس على نظام طائفي تخلق أزمات طائفية حتى تستمرّ ويبقى الوطن عرضة لأزمة اثر أخرى الى أن يصل الأمر الى استحالة العيش المشترك بين مواطنيه .

من هنا يبدأ النزوع نحو التقسيم والتفتت والتشرذم والمحاصصات على طريقة هذا لرهطي وهذه لفئتي كما يحصل الان فذلك الموتور يدعو الى اقليم سني وذاك يهيئ نفسه للاستقلال بذريعة استحالة العيش المشترك مثلما حصل سابقا في السنوات التي تلت الاحتلال حين دعا بعض سياسيينا الغارقين في الطائفية الى تكوين كيان لطائفة معينة على شكل اقليم فيدرالي او كونفدرالي في وسط وجنوب العراق والأمر لا يعدو كونه حنكة سياسية امريكية المحتوى جاءت بمشروع التقسيم للسيطرة والتحكّم بالكيانات الصغيرة التي ستنشأ لاحقا وفق ما جاء به اليانكي الاميركي الديمقراطي (جو بايدن) في مشروعه الخبيث الطويّة قبل عدة سنوات ؛ تماما كما وصلتنا هدية الديمقراطية الملوثة بالطائفية واتضح بعد فتح غلاف سيلفونها الجميل ظاهريا فاتضح انها هدية مسمومة أطاحت بشعبنا العراقي وملأت أحشاءنا بالأوجاع والقيء الى يومنا هذا ؛ والخوف  كل الخوف ان يفوز هذا البايدن في الانتخابات الاميركية المقبلة ويعود الى برنامجه الاول التقسيمي ويعمل على ترسيخه ويبدو ان جمهوريي اميركا وديمقراطييها  الحزبين الرئيسيين فيها يعملان على توجيه سياسيينا بالرمونت كونترول لإثارة فكرة التقسيم الطائفي بين آونة وأخرى .

 فيا أيها الطائفيون ، انتم تشتمون انفسكم وتسيئون لأتباعكم ، لستم وطنيين مهما ادّعيتم كذبا وبهتانا ومَيْنا فمن يعمل خيرا لوطنه كلّه محال ان يكون طائفيا ومن يتحزّب لمجموعة معينة يضيق صدره بالوطن فلا تقولوا بألسنتكم مما ليس في قلوبكم ؛ فالعراق أشمل بكثير من الطائفة مهما كثرت أعدادها واكبر من الحزب مهما اتسع في صفوف الرعيّة.

لا نغالي اذا قلنا ان الميل الطائفي هو علّة ترافق غير الأسوياء ومنهم المرضى غريبو الأطوار المليئة قلوبهم كراهيةً للآخرين ظنّا منه انه سيرفع شأن طائفته اذا بثّ المقت والحقد والكره كي يهلل له الجهّال من بني جلدته لكنه سيخسر وطنه حتما ومن يختار اللعب بخزعبلات الطائفية لا يكون وطنيا أبدا وفاقدا للحرية أيضا لأنه مرتهن بطائفيته ومحبوس في أسارها ، فأينما تكون الحرية يكون وطني على حدّ تعبير الشاعر البريطاني البصير (جون ميلتون).

أكاد أوقن انه كلما رأيت طائفيا وسمعت منه شيئا أتحسس منه سمات الوحشية لأنها - ايّ الطائفية - لابدّ ان تخلق أعداءً لتكون فريسة لها، ولكي تستمر بمنطقها الاختزالي المبنيّ على اتهامات الغير لتستعدي وتخلق أهدافا حتى ترمي سهامها سواء كانت صائبة ام طائشة .

ويخطئ من يظنّ ان رعاة الطائفية يجنحون للسلم وكيف للسلم ان ينمو في نقيع ماءٍ راكدٍ لفئة واحدة وزمرة معينة على العكس من العدالة والمساواة التي لابدّ ان يجري شريانها لتعم الوطن كله وتشمل أهل هذا الوطن دون النظر الى طوائفهم وعقائدهم وألوانهم العرقية ومذاهبهم الدينية. فالطائفية لعنة مركّبة بكل لوثات ضيق الأفق، ابتليت بها بلادنا ، دخلت علينا خلسة من دروب التضاريس الدينية الوعرة المسالك والغريب انها تسمح وتأنس لمريديها بشتمها وإظهار شرورها مثل مجرم ينتشي لذكرِ أعماله الشريرة ودناءة إجرامه وعنتهِ وقوتهِ وتعسّفه وتنتفخ أوداجه طربا لمسلكه المشين الذي يظنّ انه بطوليا ، فالطائفي مجرم لا يثق بمواطني بلاده متعددي الأعراق والمذهب والعقيدة الدينية وان لم يلوّث يديه ظاهريا وإنما يلوّث لسانه حقدا وكراهية للغير ولذلك يستحقّ اللعنة والعقاب الصارم معاً.

 

جواد غلوم

 

 

احمد سليمان العمريالحديث عن التطبيع البحريني مع دولة الإحتلال لم يبدء حقيقي وعلى أرض الواقع مساء الثلاثاء 15 سيتمبر/أيلول 2020م

وقت احتضن البيت الأبيض التوقيع على معاهدة السّلام بين دولة الإمارات العربية والبحرين مع إسرائيل ولا 11  سيتمبر/أيلول 2020م، من خلال تصريح الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» على تويتر لتوصّل الصديقين الرائعين إلى إتفاق لتطبيع العلاقات بينهما، ويعتبره انفراج تاريخي آخر - حسب وصفه - إنما بدأ بإستضافة المنامة مؤتمر «السّلام من أجل الإزدهار» يوم الثلاثاء 25 يونيو/حزيران من العام الماضي ويعرف في الصحف الغربية بـ«Peace to Prosperity» الذي انعقد ضمن خطة للسّلام المزعوم في المنطقة بإدارة أمريكية، وتحديداً بجهود صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره «جاريد كوشنير».

مع أول أيام ورشة العمل تزامنت موجة غضب شعبي عارمة في بعض الدول العربية كالأردن ولبنان والمغرب وامتدت لتصل العاصمة الألمانية «برلين» رفضاً للمؤتمر.

افتتح الورشة في يومها الأول المستشار الأمريكي  كوشنير بكلمة استمرت عشرين دقيقة عن ضرورة تهيئة الأجواء الملائمة للإستثمار، مشيراً إلى رغبة كثير من رجال الأعمال الفلسطينيين بحضور المؤتمر، إلّا أنّ عدم مشاركتهم كان وراءه منع السلطة لهم، في نفس الوقت أرجأ كوشنير عدم إمكانية إبرام إي مشروع استثماري في الضفة الغربية وغزّة إلى كونهما معزولتان، بالإضافة إلى الخوف من الإرهاب في المنطقة، على حدّ تعبيره، مضيفاً أنّنا بالسّلام فقط نستطيع جلب المستثمرين إلى الضفة وقطاع غزّة لتشمل مصر والأردن ولبنان.

إذن، أصبحت دولة البحرين رابع دولة عربية مطبّعة مع إسرائيل بعد أن تزامنت هذه الخطوة تقريباً مع الإتفاق الإماراتي، ومن قبلهما مصر والأردن، حيث عزمت الدولتان في بيان مشترك صدر عن الولايات المتحدة والبحرين وإسرائيل يوم الجمعة، وهو ذات اليوم الذي صرّح به ترمب عن «إتفاقية السّلام»، التي أبرمت هذا المساء في واشنطن البيت الأبيض برعاية عرّاب السّلام ترامب وصهره كوشنير ومعهما رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» ووزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد آل نهيان ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، وكبار المسؤولين في الحكومة الأميركية ووفود دولة الإمارات والبحرين وإسرائيل.

وتزامن توقيع السّلام المزعوم بتجمعات أمام البيت الأبيض إحتجاجاً على توقيع اتفاقيتيّ التطبيع ملوّحين بالعلم الفلسطيني وهتفات «لا للتطبيع... التطبيع خداع».

سبق وأعلن ترمب يوم الخميس 10 سيتمبر/أيلول عن سلام محتمل في الشرق الأوسط لأنّ دول أخرى ستحذوا حذو الإمارات، وهي تنتظر الإنضمام للسّلام، حيث كشف الآخر عن محادثات ومباحثات مع العاهل السعودي الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان، مؤكّدا إنضمامهما إلى السّلام، بالإضافة إلى سلطنة عُمان والمغرب والسودان.

وأكّد نتنياهو أيضاً خلال الأيام الماضية إبّان مؤتمر صحفي بثّته قناة «كان» العبرية أنّ دولاً عربية أخرى ستقيم عن قريب علاقات مع إسرائيل.

إذا صدقت إرهاصة ترمب ونتنياهو فستعترف جميع هذه الدول قريباً جداً بإسرائيل. 

 ومن الجانب الألماني فإنّ وزير خارجيتها «هايكو ماس» يعمل مع السعودية بجدّ لإتمام ما بدأه ترمب، حيث التقى وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله آل سعود في الرياض 19 أغسطس/آب وأوضح ماس ضرورة العلاقات السعودية الإسرائيلية في المنطقة.

 كامب ديفيد

لو وضعنا الإتفاقيات التي سبقت دولة الإمارات والبحرين تحت المجهر لنبحث عن المفارقات بينها لننصف بعضها أو نُعيبها، لوجدنا الأولى بتوقيعها معاهدة سلام - ولا تزال سارية حتى الآن - في منتجع «كامب ديفيد» قبل أربعين عام في17 سبتمبر/أيلول 1978م، في الولايات المتحدة الأميركية، بين الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق «مناحيم بيغن» برعاية الرئيس الأميركي الأسبق «جيمي كارتر» تستعيد شبه جزيرة سيناء في 1982 وتفكّك المستوطنات الإسرائيلية المقامة عليها وتنهي 30 عاماً من الحرب، والتي بدأت بين مصر والدول العربية منذ تأسيس دولة الإحتلال في عام 1948م، هذا على الرغم من تقدّم القوات المصرية والسورية في تشرين الأول/أكتوبر 1973م في البداية على الأرض، إلّا أنّ القوات الإسرائيلية تمكّنت من حسم المعركة، فتجد الكثير يعتقد أنّ مصر لم تكن مجبرة آنذاك على توقيع إتفاقية سلام مع العدو.

مؤتمر مدريد

وهو المؤتمر الأول الذي التقى فيه ممثلون فلسطينيون وإسرائيليون وجها لوجه، بمبادرة من الرئيس الأمريكي الأسبق «جورج بوش» الأب والاتحاد السوفييتي السابق في العاصمة الإسبانية مدريد في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1991م للعمل على أساس مبدأ «الأرض مقابل السّلام» وتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 242 المتمثّل في انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي التي احتُلت عام 1967م، وقرار رقم 338 الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار على كافة جبهات حرب أكتوبر، غير أنّ المؤتمر تعثّرت محادثاته ولم يفضِ إلّا ببدء المفاوضات الثنائية بين إسرائيل والدول العربية المشاركة فيه، وعلّ إتفاق أوسلو هو أهم ما تمخّض عن مؤتمر مدريد.

إتفاق أوسلو

أقدمت منظمة التحرير الفلسطينية على توقيع «إتفاق أوسلو» في سبتمبر/أيلول 1993م، والذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق «إسحق رابين» ورئيس اللجنة التنفيذية بالمنظمة الراحل ياسر عرفات برعاية النرويج وتوقيع كّل من الولايات المتحدة وروسيا من أجل تأسيس حكم ذاتي فلسطيني.

معاهدة وادي عربة

ربّما كانت المعاهدة الأردنيّة الإسرائيليّة الموقّعة في 26 تشرين الأول/أكتوبر 1994م بين رئيس الوزراء الأردني الراحل عبد السّلام المجالي ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحق رابين ضرورة لتحقيق تسوية شاملة ودائمة لمشكلة مياه نهريّ الأردن واليرموك والمياه الجوفية لوادي عربة، وحريّة الملاحة والوصول إلى الموانئ بين الطرفين، بالإضافة إلى استعادة الباقورة في محافظة إربد والغمر من أراضي وادي عربة من خلال إبرام عقد كراء استمر 25 عاماً، بدل الإحتلال والذي انتهى العمل به يوم الأحد 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2019م، هذا بالإضافة إلى البند الذي يلزم إسرائيل بإحترام دور الأردن في الأماكن الإسلامية المقدّسة في القدس والعمل على توطين اللاجئين والنازحين الفلسطينيين.

وأُعتبرت الإتفاقية الأردنيّة الإسرائيليّة واحدة من مخرجات إتفاق أوسلو.

لو تمعّنا الإتفاقيات المصرية والفلسطينيّة والأردنيّة لوجدنا أنّ الحاجة - مع كثير التحفّظ - هي التي دفعت هذه الدول لإبرام معاهدات سلام مع الإحتلال، فجميعها ترتبط مع إسرائيل بحدود بريّة وبحريّة ومقرونة بإسترداد أرض محتلّة، بالمقابل مرتبطة أيضاً بإضعاف الموقف الفلسطيني في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي.

فما هي إذن الذرائع التي دعت الإمارات العربية والبحرين لتوقيع إتفاقيات إذلال ويسمّى حيناً سلام مع الإحتلال؟ وهل اتخذت الإمارات والبحرين وحدهما قرار التطبيع مع إسرائيل دون الرجوع إلى السعودية وموافقتها؟ سؤال ستجيبه نتائج المساعي الأمريكية والألمانية مع السعودية الأيام القادمة.

وجزئية أخرى لا بدّ من ذكرها في هذه المعادلة، وهي موقف جامعة الدول العربية يوم الأربعاء 9 سيتمبر/أيلول الذي أسقط إدانة الإتفاق التطبيعي بين الإمارات وإسرائيل من برنامجه، بل أضاف بنود تضفي الشرعية على اتفاق أبو ظبي وتل أبيب، ناهيك عن الإطراء الإمراتي الشعبي والحكومي المتبادل المبتذل والمهين في آن بين الدولتين، بينما المعاهدة المصرية نجم عنها ولغاية اليوم غضب مصري وعربي، ووصفت بتقويض الوحدة العربية والقضية الفلسطينيّة، بالإضافة إلى تعليق عضويّة مصر في الجامعة العربية، والتي نُقل مقرّها جرّاء المعاهدة من القاهرة إلى تونس، هذا واستدعت معظم الدول العربية سفراءها من القاهرة، مقرونة بقطع العلاقات الدبلوماسية معها، عدا الإنتقادات اللاذعة التي واجهها السادات، والتي انتهت بعد ثلاث أعوام بإغتياله.

كذلك حراك الشارع الأردني المتواصل، الذي يواجه أي قرار حكومي من شأنه إقامة علاقات مع الإحتلال، ويقف أمام السياسات الإسرائيلية بشكل دائم ومستمر، يعيد توازن المعادلة من جديد. كما ويرى الفلسطينيون بالحراك الشعبي الأردني واسع النطاق ضد العلاقات مع الإحتلال عنصر قوة داعم للفلسطيني في صراعه ضد الإسرائيلي، ودعمهم للتحرّر وإقامة دولة ذات سيادة مستقلّة.

نهاية وقبل أن نسيئ الظنّ بدولة الإمارات والبحرين، التي بدا من ظاهر اتفاقيتهما مع الإحتلال تطبيع وإذلال، فهل من وراء هذا الإبرام الضغط على إسرائيل لإقامة دولة فلسطينيّة؟ أمّ أنّ هاتين الدولتين ظنّتا التنفّذ في المنطقة فقط من خلال الإحتلال؟

والمخجل والمعيب في الأمر أنّ ترامب أثناء المهانة، أو كما أُطلق عليه إعلامياً «حفل توقيع السّلام» صرّح بقطع التمويل عن الفلسطينيين، ليرد بن زايد على نتنياهو بالشكر لوقف الضّمّ المؤقت للأراضي الفلسطينية.

إنهم بهذه المعاهدات يتبرؤن من رابط العروبة والدين من الفلسطيني والأرض، وإن كان الأمر هكذا وكما يبدو، فكيف لمثل هذه الهياكل من حُكم بلاد برمّتها، وتسليم أمّة رغم إرادتها إلى غاصب مُحتلّ؟

 

أحمد سليمان العمري

 

 

كاظم الموسويلم يكن خبر موافقة الاتحاد السوفيتي على قرار تقسيم فلسطين في وقته عاديا، ولا معبرا عن موقف مبدأي او قرار مدروس بابعاده الاستراتيجية، بل كان قاسيا وصعب الهضم عمليا، (كما يقال)، ليس لدى قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي وحدها وقيادة الدولة وحسب، بل ولدى الاحزاب الشيوعية، و"المعسكر الاشتراكي "، والابرز فيها طبعا الاحزاب الشيوعية في الوطن العربي. كان أغلبها في موقف رافض لاي قرار  معاد للشعب الفلسطيني ومن مبدأ احترام نضال الشعوب وتقرير المصير واعتبار الغزو الصهيوني استعمارا. وموقفها منطلق ايضا من كون القرار سن شرعة قيام كيان مصطنع وتحت حجج فيها كثير من عنصرية وعوامل معارضة لواقعها، من جهة، ولا تبرر التفسيرات التي برر بها، من جهة ثانية، وربما سقط الموقف السوفييتي تحت ضغوط المصالح الدولية او التنافس الدولي، من جهة اخرى، وهي الأبرز في الواقع والممكن في فن السياسة. فلا فلسطين ارض الميعاد السياسية التي ادعوا ولا الشعب الفلسطيني هو المسؤول عن قتل اليهود في اوروبا وطردهم من مدنهم وصنع الهولوكست لهم، بل حدث بالعكس تماما، حيث اقترف الصهاينة واسيادهم هولوكست فعليا بالشعب الفلسطيني وعلى ارضه وتراثه وتأريخه، ولا يمكن التعويل على جاليات مهاجرة ان تبني وطنا للاشتراكية والديموقراطية في المنطقة. ولهذا ادت الموافقة الى كارثة ما يحصل الآن، وصنعت ارتباكا سياسيا واحراجا تاريخيا لا تعوضه التبريرات والاعذار الرسمية، فقد ارتكب اغتصاب ارض ماهولة وتشريد شعب آمن، وقيام كيان استيطاني عدواني وأداة للإستعمار وقاعدة عسكرية متقدمة للامبريالية العالمية، تقاسمته القوى الغربية ذات المصلحة والقوة، البريطانية والأمريكية وبالتنسيق والتخادم الغربي عموما والعربي خصوصاً. وارتكب الكيان مجازر وحروبا عدوانية وشكل منذ اعلانه خطرا على الأمن والسلم في المنطقة والعالم. وكل هذا حصل في ظروفه وصراعات المحاور والتحالفات الدولية ومشاريع تنظيمات عنصرية استثمرت في قدرات وتمكنت في فرض خيارات لها على حساب الحق والعدل والانسان.

وهذا الامر اصبح معروفا لكل ذي بصر وبصيرة، كان المركز الشيوعي قائما ومؤثرا في القرار  السياسي وبما انه لم يعد بعد الانهيارات التي حصلت والتي تارخت بسقوط جدار برلين فلابد من تصحيح الموقف والنظر اليه من منطلقات واقعية جديدة تعبر عن المصالح الوطنية والقومية والعمل بجدية لدور مؤثر وفعال في حركة التحرر الوطني. وكما انتهت الاحزاب الشيوعية في اجتماعاتها المشتركة من تاثير المركز وضغوطه فلابد لها الان من الوضوح مع نفسها ونظريتها وموقعها من الصراع الفكري والسياسي والتحرري.

جاءت خطوة التطبيع المعلن الان بين دول عربية والكيان بقرار صهيو امريكي فرصة للاحزاب السياسية عموما، واليسارية خصوصا، لاعلان موقف واضح منها، وتبني الموقف الصريح والصحيح والمعبر فعلا عن التغيير المنشود فيها كاحزاب يسارية وفي إطار تطورات الواقع وصيرورة العملية الثورية التحررية.

وقد اصدرت الاحزاب الشيوعية وبعض القوى والمنظمات اليسارية والعمالية في البلدان العربية بيانات ادانة واستنكار منفردة وفي ادبياتها ووسائل إعلامها المحدودة، مما يعني انها متقاربة في موقفها العام مما جرى وحصل عمليا، وجاء لفائدتها سياسيا وطبقيا، فالحكومات التي اقدمت على التطبيع والغدر بالقضية الفلسطينية حكومات رجعية وراثية متخلفة ايديولوجيا ومرتهنة بمصيرها بالامبريالية العالمية ومتواطئة مع المشروع الصهيوني منذ البدايات ولكنها تتغطى دائما بالغطاء الديني الاسلامي والقدس الشريف، ومسرى الرسول و.، وتعمل في الوقت نفسه في تخريب العلاقات الاخوية الفلسطينية الداخلية والخارجية  والعربية عموما.

ما نشر وعرف من بيانات عن الاحزاب الشيوعية في مصر ولبنان والأردن والعراق وسورية والسودان ومنظمات واتحادات وقوى يسارية في تونس والمغرب والجزائر والبحرين والكويت، وربما في غيرها ايضا. واجمعت هذه البيانات التي صدرت ونشرت على إدانة التطبيع واعتباره مذلة واستسلاما ومجانيا وغدرا بالقضية الفلسطينية وانكارا لحقوق الشعب الفلسطيني واستهانة بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وكل القوانين والاتفاقات الدولية التي يستند إليها نضال الشعب الفلسطيني وداعميه من العرب واحرار العالم. وهذا الموقف في هذه اللحظة سليم ومطلوب ولكن الرفض والاستنكار والشجب لا يعني التجريم والتحريم وقد يتحول الى مهادنة واتفاق وتبرير للاحوال والمتغيرات والضغوط كما حصل في عام النكبة..! وهنا السؤال والتأكيد على تصحيح الموقف واصدار توضيح يبين موقف اليسار التاريخي من القضية الفلسطينية والتحرر الوطني وتقرير المصير وعدالة قضايا الشعوب.

امام هذه القضية الحساسة والمهمة والراهنة الان أكثر من أي وقت اخر، يتطلب التفكير في أمور اخرى، تتعلق بطبيعة المرحلة والقضايا الراهنة والموقف الطبقي والعلمي منها. من بينها مصطلح اليسار، الذي يتطلب اعادة نظر معاصرة، اذ يتوجب تعريفه ليس كما كان لكل من يحمل اسمه او الشيوعية لفظيا، وانما ارتباطا بالمواقف والعمل الثوري الذي يقوم به ويقوده نظريا وعمليا. فليس صحيحا ان تكون يساريا وتتعانق مع القوى الراسمالية والامبريالية، مصيرا ومسيرة، او التقارب الى ادواتها وركائزها السياسية والاجتماعية في الكفاح الاستراتيجي وتبني برامجها ومناهجها في العملية الثورية وقبول قيادتها لها حتى في ظروف انحدارها وتذبذبها السياسي والفكري على مختلف الصعد. حيث يصح السؤال هنا: كيف تميز اليوم بين اليسار واليمين في السياسة والمواقف الفكرية والعملية؟.

كشف اعلان التطبيع السياسي بين عواصم وحكومات عربية والكيان الاسرائيلي بقرار امريكي وبتغريدة رئيس امريكي في الاسابيع الاخيرة من موعد الانتخابات الرئاسية، عن استسلام رسمي عربي مهين ومذل، لا يشفع او  يعطي اي تبرير  لما اعلن وقرر لهم ما لم يستطيعوا البوح به علنيا ورسميا... وهذا الوضع لابد من تحليله واقعيا وتقييمه عمليا ووصفه في إطار صيرورة العملية التحريرية لشعوبنا العربية ولقضية الشعب الفلسطيني خصوصا، وعاجلا.

المحك الآن لكل من يعتبر نفسه من اليسار، في توضيح صوته وصورته، لا تلاعب في الألفاظ والعبارات ولا دوران حولها. الكيان الاستيطاني في فلسطين المحتلة صنيعة استعمارية لمشاريع وخطط تفتيت الوطن العربي وتدمير وحدته وحرمانه من التحديث والتطور والتقدم، ولا يمكن في الحالة هذا التفرج على ما يقوم به وانتظار  نتائجه، وهذه مجرد إشارة وانتباه وعلى الاحزاب والقوى معرفة مكان اقدامها من الان وقبل فوات الاوان.

 

كاظم الموسوي