مهدي الصافيلم يعد التاريخ او الحضارة او النتاجات والانجازات العلمية، والابداعات الثقافية والفنية او الايديولوجيات والاطروحات الفكرية هي معيار رئيسي مهم، يعتمد في تقييم الامم والشعوب الفاعلة في الساحة الدولية، انما لغة القوة والهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية، سباق الاستحواذ ووضع الاقدام والاعلام على الارض (برا وبحرا وجوا) بين القوى العظمى يمتد في كل الاتجاهات والمجالات والقارات، لم يعد هنك فراغ كما نعتقد في الكرة الارضية خارج اطار التنافس، واسلوب بسط النفوذ والسيادة العالمية، قد لايكون واضحا للكثيرين ان اساس هذا التقسيم والتوزيع الامبريالي بدء مع نهاية الحرب العالمية الثانية (عندما تقاسمت القوى العظمى الدول الهامشية فيما بينها ووضعت يدها على مصائر الشعوب وثرواتها، واستخدمت عصا الامم المتحدة لتلك الظاهرة الامبراطورية العالمية، وحق النقض الفيتو في مجلس الامن الدولي)، ثم توسعت المفاهيم الجديدة لنزع السيادة للدول الهامشية اثناء حرب الاقطاب الدولية (المعسكر الرأسمالي والاشتراكي)، ولكنها اخذت منحى انفرادي متطرف مع نهابة الحرب الباردة، اي مع انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي بعد حرب الخليج الثانية١٩٩٠، ودخول الاساطيل والبوارج الامريكية منطقة الخليج العربي، وفي بحر الصين الجنوبي (واخيرا البحر المتوسط)، وانشاء قواعد دائمة لها في عدة دول (وبدأت تتحدث عن نشر القوات، وتنفيذ مخطط نشر الدرع الصاروخي في اوربا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق)، لم يدرك البعض سابقا ان مفهوم النظام العالمي الجديد (القرن الامريكي الجديد)يعني بطريقة مباشرة نشر الامبريالية الرأسمالية بالقوة (وبصورة علنية) في العالم، الا ان عودة القوة الروسية (روسيا بوتين)الى الساحة الدولية، وبداية صعود التنين الصيني العالمي على مسرح التأثير الاقتصادي الدولي، واتجاه تلك الدول الى انتزاع الدول الهامشية في المنطقة من انياب السيطرة الامريكية، ومساعدة الدول النامية والناشئة على التقدم سريعا في مجال الصناعات التكنولوجية الحربية والنووية والمدنية، ونجاح برامج وخطط التنمية الاقتصادية والعلمية والاجتماعية، اعادت مرة اخرى اسلوب الحرب الباردة الى الواجهة ، ولكن بصورة اكثر حدة من السابق، اي تقريبا بعد احداث هجمات ١١سبتمبر الارهابية في امريكا، وكأنها عملية مدروسة بعناية تم تطبيقها او الحاجة اليها وفق خطط مسبقة، فجاءت حرب الخليج الثالثة (حروب خارج اطار الشرعية الدولية، اسقاط حكومة طلبان افغانستان، وكارثة حرب احتلال العراق٢٠٠٣)، لتكمل مخطط التمدد الاستعماري،

لماذا بدأت الحرب في افغانستان ثم العراق؟

، يبدوا ان الامر ايضا معد بطريقة مدروسة خبيثة ، حيث تدفق الافغان العرب وغيرهم من كل اصقاع الارض بعشرات الالاف على بلاد الرافدين، فقد عبدت جميع الطرق والمعابر الحدودية المجاورة للعراق ، وفتحت لمرور الارهاب الاسود، اضافة الى الارضية الخصبة والفراغ الشامل الذي تركه الاحتلال لهم في بغداد والمناطق الغربية الممتدة حتى حدود سوريا والاردن وتركيا، اقترب الارهاب سريعا من حزام بغداد (ازدادت التدهور الامني وبدا الاقتتال الطائفي حتى مرحلة سقوط الموصل بعد اندلاع الاحداث الارهابية في سوريا) ، تطورت الامور والمسارات والازمات والاحداث السياسية في عموم المنطقة بعد اعلان الصفحة الاخرى من مشاريع الهيمنة الامريكية العالمية على موارد الشعوب ومقدراتها مع بداية الاعلان عن مشروع الشرق الاوسط الجديد،

فكما هو معروف ان هذه الدول المعنية بهذا المشروع ، لم تكن مستقلة يوما ما في قراراتها وسياساتها الخارجية وحتى الداخلية (عدا ايران بعد عام١٩٨٠)، بل كانت خاضعة تابعة للاقطاب الدولية العظمى المؤثرة في القرارات الدولية والاعتبارات الامبريالية المتعلقة بتلك الدول، وهي مسلوبة الارادة تماما في مجالات التنمية والاصلاحات السياسية والاقتصادية، (اي بمعنى اخر لو ان اي دولة من هذه الدول اتجهت الى مشاريع اصلاح اجهزة الدولة ومؤسساتها وانتقلت سلميا الى النظام الديمقراطي سيتم حتما اجهاض تلك التجربة بكل الوسائل والاساليب والطرق المتاحة قبل وحتى بعد الحرب الباردة)، فما هو مطلوب من هذه الدول (الهامشية وفقا لنظرتهم الامبريالية الاستعلائية)ان تتبع النموذج الديمقراطي الامريكي-الاوربي الجاهز، والا سوف لايكون هناك اي معنى اعتباري للقوى الامبراطورية العظمى عندما لايكون لها القدرة على التدخل في صناعة قواعد الهيمنة الدائمة لها في تلك الاطراف الاقليمية البعيدة عن سيطرتها.......

كيف تفهم شعوب الدول الهامشية معنى السيادة:

لاخيار امام الامم والشعوب الحية في مواجهة هذه التصرفات والتدخلات السافرة في شؤون بلدانهم الداخلية غير اعلان الثورة الدائمة ضد طواغيت العصر داخليا وخارجيا، ولكن كم من ثورة سجلت لها نجاحات في تلك المواجهات الخاسرة مسبقا (قليلة، وتعد على عدد الاصابع ولازالت تنزف جراء الحصار والعزلة الدولية لها)، فالشعارات تشبه الاهازيج العربية العراقية التي تنفخ في معنويات هابطة لاتقوى على مواجهة اضعف ازمة او سلاح الكتروني موجه عن بعد، ولهذا نؤكد ان زمن الشعارات والانفعالات قد ولى مع تطور سلاح القوى العظمى النوعي ، اذ لابد ان تتغير نظرة الشعوب المضطهدة منذ عقود الى تلك الحقائق الواقعية والموضوعية المعززة والمسندة بالادلة والشواهد والتجارب العلمية والعملية التاريخية، عليها ان تقتنع تماما من انها تواجه اخطبوط وشبكات امبريالية رأسمالية واسعة تمتلك ادوات المراقبة والمتابعة والملاحقة الالكترونية الكونية المتقدمة عليها وعلى العالم بأسره، تخترق السيادة الوطنية والخصوصيات المحلية بالقوة كما ذكرنا، هذا يأتي مع تراجع وتدهور الاوضاع السياسية والاقتصادية والمعاشية والعلمية لشعوب تلك الدول الفاشلة،

مع الغياب الطويل للدساتير الوطنية الحديثة ، ولمفهوم التداول السلمي للسلطة، وانعدام الرؤيا والاليات والاسس

المنطقية الضرورية المهمة في بناء دولة المؤسسات، وكذلك اتساع الهوة والفجوة بين المسؤولين والاحزاب الحاكمة من جهة وبين الشعوب المتعبة والمنهكة او المنهارة معنويا، هذه الاخفاقات والانتكاسات والصراعات يمكن ان تكون سلاح داخلي موجه، تستخدمه القوى الخارجية لاختراق وتدمير وانتهاك سيادة الدول المستقلة متى شاءت وتحت اية ذرائع مصطنعة (كما حصل في العراق وليبيا وسوريا واليمن الخ.)،

الصراخ والتباكي على السيادة والخصوصيات والهويات الوطنية والثقافية في حين ان بلدك (بل كل مجالات الاختراق)تنتهك سيادته علنا وبشكل يومي تقريبا، لافائدة منه ولن يجدي نفعا، وانتم ترون منذ عقود ان اوربا (وكذلك امريكا، تفتح ابوابها للهجرة واللجوء) تفتح ابوابها امام المعارضين السياسيين والمهاجرين ، وبالاخص من تلك الدول الجامدة (دول العالم الثالث)، والناس مستمرة بالهرب من جحيم الفساد والفشل والجهل والدكتاتورية التي تعاني منه بلدانهم ومجتمعاتهم، وكأنها اصبحت فلسفة سياسية عندهم (اي الغرب) لكنها مكشوفة للبعض "اي انها اذا ارادت ان تدخل دولة ما في عنق الزجاجة ومشروع الابتزاز او الاسقاط الطويل الامد استقبلت منه المعارضة واللاجئين كلا حسب اهميته"

لاسبيل امام تلك المواجهات التاريخية المتوارثة الحتمية البشعة (لعبة الهيمنة الامبراطورية على العالم او الشعوب القريبة منها واعتبارها حدائق خلفية لهم)، غير لغة العقل والعلم والمعرفة والسيادة الشخصية للمواطن في ارضه وبلده وامام حكومته ونظامه السياسي، عبر اثبات الوجود في مختلف المجالات، ببناء منظومة البحث والتقدم والابتكار والانجاز العلمي والتنموي، والابتعاد كليا عن التقوقع والانكماش التراثي الاجتماعي والتربوي التاريخي ، والجري سريعا مع منظومة الازدهار الحضاري الالكتروني العالمي (على غرار تجربة اليابان وكوريا الجنوبية بعد الحرب العالمية الثانية)، والترفع قليلا عن العصبيات العرقية والقبلية والطائفية، والبدء بمرحلة فهم جديدة للدين والطوائف والاعراق، ومسألة الحاجة الملحة الى التفكير السياسي الحضاري السليم في بناء امة موحدة قوية داخل دولة ناجحة، بدلا من حالة القشل والدخول في دوامة تفكك المجتمع والدولة تحت سيطر المافيات والمليشيات والجماعات الدموية العنيفة،

عدا ذلك فهي تعد لعبة خاسرة لهذه الشعوب المنكوبة المغلوب على امرها، التي لازالت بعض قواها وانظمتها الثورية تعتقد ان حمل السلاح والمواجهة هي الطريق والسبيل الوحيد لانتزاع وفرض السيادة الوطنية الشاملة على الارض، ليس الامر تراجعا او استسلاما او قبولا بسياسة ولغة الامر الواقع، انما خيارات النجاح وبقاء هذه الدول الهامشية الفاشلة موحدة قليلة، بل تكاد تكون شبه معدومة، مالم يتم علاج خلل واسباب الفشل الداخلي والتهميش الدولي، اذ تعد تجربة ايران والهند وتركيا من النماذج العالمية الناجحة نسبيا في الابتعاد جزئيا عن دائرة التهميش الدولي لها، لاسباب عديدة منها قوة تماسك الامة التاريخي (وهذه عوامل حضارية تراثية تاريخية قد لايكون لها وجود في تجارب الشعوب والامم الاخرى او لعلها ضعيفة او مغيبة او مهمشة)، كذلك تمتلك موارد وعوامل اقتصادية وتجارية ومالية وتنموية شاملة ، ولديها رغبة في الاكتفاء الذاتي، وبعقلانية تجربة الاستثمار ، بتقسيم فرص وحصص القطاعات الاقتصادية (توزيع المشاريع بين القطاع الخاص الاستثماري مع القطاع العام )، والتحرر من قبضة الرأسمالية الامبريالية والديون الخارجية وشروط صندوق النقد والبنك الدولي بالتدريج، الخ.

الامم والشعوب العريقة ليست هامشية، انما الظروف الاستعمارية التاريخية حطمت ارادة هذه الامم في استعادة المبادرة للنهوض مجددا من كبوتها، وبمحاولتها طرح نظرية بناء دولة الامة اواسط القرن الماضي، فجعلتها عرضة لطاحونة الامبريالية الحديثة ، تخضع لشروط التقسيم الجغرافي الاقتصادي بين القوى العظمى، على سبيل المثال لم يكن امام سوريا وايران غير التحالف الاستراتيجي مع روسيا لمواجهة التحديات الامريكية والاوربية في المنطقة، هذه الشروط او الضرورات الموضوعية المتعلقة بتلك التحالفات هي من جهة اخرى تعتبر كسر للسيادة الوطنية بمفهومها الرسمي وحتى الشعبي العام (بالنسبة لسوريا اما ايران فهي في قائمة الانتظار)، الا انها تذهب او تختفي مع شعارات الثورة والمواجهة والتحدي الصمود والتضحيات الجسيمة، الا ان الحقائق لايمكن تلوينها اوتزييف صورتها الى الابد، تماما كما يفعل الاسلاميين الحمقى في المعارك وساحات القتال من انفعالات وحسابات غيبية فارغة، الامور لاتحسب هكذا خارج اطار العقل والمنطق، بل وفقا للمعطيات والعوامل والاسباب الموضوعية للمواجهة او الاستسلام المشروط، حتى لايصبح الحال والامر كثور هائج ينطح حائطا اسودا امامه حتى الموت ظنا منه انه باب الخروج....

السيادة وسبل رفع التهميش لاتأتي بالتمني والانتظاروالاعتماد على الاخرين انما بالعمل الجاد ليل نهار من اجل اثبات الوجود التاريخي والحضاري بين الامم والشعوب الاخرى

 

مهدي الصافي

 

ابراهيم أبراشمنذ ظهور الثورة الفلسطينية المعاصرة منتصف الستينيات وكلما تعرضت لأزمة أو لانتكاسة إلا ونسمع بأن القضية الوطنية تمر بمنعطف مصيري وخطير أو بمرحلة فارقة، لدرجة أن البعض نعى الثورة الفلسطينية أو بشَّر بنهايتها أكثر من مرة .

في (أيلول الأسود) 1970 اندلعت مواجهات مسلحة بين الفدائيين الفلسطينيين وقوات الجيش الاردني ومُنيت قوات الثورة الفلسطينية بهزيمة على يد الجيش الأردني واعتبر البعض أن ما جرى في الأردن يعني نهاية العمل الفدائي ونهاية الثورة الفلسطينية .

أعادت منظمة التحرير لملمة قواتها وانتقلت قواتها إلى لبنان ونسبيا إلى سوريا، وخلال وجودها في لبنان حققت منظمة التحرير انجازات سياسية مهمة كالاعتراف بمنظمة التحرير ممثل شرعي ووحيد وقبول عضويتها كمراقب في الأمم المتحدة 1974 وتثبيت حضورها دبلوماسيا عبر العالم، وفي لبنان تم تفعيل وتطوير المؤسسات السياسية والعسكرية للمنظمة وتمتين علاقاتها مع القوى التقدمية والوطنية في لبنان ومع حركات التحرر الوطني عبر العالم، وعسكريا أعادت بناء قواتها ومارست نشاطا عسكريا فاعلا في مواجهة إسرائيل انطلاقا من جنوب لبنان الخ .

إلا أن هذه الانجازات أقلقت إسرائيل وأطرافا عربية ولبنانية فكانت الحرب على لبنان ودخول بيروت 1982 وما تبع ذلك من خروج المقاومة من بيروت ومن طرابلس 1983، وعندما سوئل أبو عمار وهو على ظهر السفينة إلى أين ستذهب قال إلى القدس، ومع ذلك أعلن البعض عن نهاية الثورة الفلسطينية .

من مقر القيادة في تونس أعادت منظمة التحرير ترتيب أوراقها بعيدا عن نقاط التماس مع فلسطين المحتلة وتبعثُرَ قواتها في العراق واليمن والجزائر وقيود على تواجدها في تونس .كانت مرحلة تونس صعبة على القيادة الفلسطينية فخلالها كانت مضطرة للتعامل مع بيئة عربية ودولية متغيرة حيث تم عقد قمة فاس ومبادرة الملك فهد وبدايات التجاوب العربي مع فكر التسوية السياسية، وزادت الضغوط على القيادة الفلسطينية، ووصل الأمر لمحاولة تجاوز المنظمة في القمم العربية وتم إعادة الحديث عن عودة الوصاية العربية على الشعب الفلسطيني .

لم ينقذ منظمة التحرير إلا الانتفاضة الأولى 1987 التي أكدت على تمسك الشعب بمنظمة التحرير وبالثوابت الفلسطينية ورفض محاولات الالتفاف على المنظمة وتجاوزها، إلا أن دفقة الانعاش التي مدتها الانتفاضة للمنظمة لم تستمر طويلا حيث دهمت حرب الخليج الثانية 1990 الجميع وأصبح رأس المنظمة مطلوبا من واشنطن وتل أبيب ومن دول عربية، لاتهامها زورا أنها تدعم صدام حسين، وبدأت مسيرة حصار منظمة التحرير ومحاولات تصفية الثورة الفلسطينية .

لتتجنب المنظمة مخطط تجاوزها وتصفيتها تجاوبت مع الضغوط العربية والأمريكية وولجت عملية التسوية السياسية بشكل متدرج، بداية من دورة المجلس الوطني في الجزائر 1988 حيث تم الانتقال من الشرعية التاريخية للحقوق الفلسطينية إلى الشرعية الدولية وقبول فكرة حل الدولتين بحيث قَبِل الفلسطينيون بدولة على الأراضي المحتلة عام 1967، إلى أن آل الأمر لاعتراف منظمة التحرير بإسرائيل قبل ان تنسحب هذه الأخيرة من شبر واحد من الأرض، وتوقيع اتفاقية أوسلو 1993 بسقف سياسي أقل مما ورد في قرارات المجلس الوطني، وكان تأسيس السلطة الفلسطينية 1994 .

حاول الرئيس أبو عمار أن يجعل من السلطة نواة للدولة الفلسطينية المنشودة، إلا أن عدة أسباب أحبطت مسعاه وآلت الأمور لاقتحام الضفة الغربية ومحاصرة الرئيس 2002 في المقاطعة ثم تسميمه ووفاته 2004، وأعتقد كثيرون أن القضية الفلسطينية دخلت من جديد في حالة موت سريري وتنتظر من يطلق عليها رصاصة الرحمة .

انتخب الشعب الرئيس أبو مازن 2005 ولكن ما أن تولى مهامه حتى قررت إسرائيل تنفيذ مخطط الفصل الأحادي والخروج من غزة خريف 2005 وهو مخطط كان مُعد مسبقا، وفي السنة الموالية فازت حركة حماس بمشروعها الإسلامي المُعارض لمنظمة التحرير وللمشروع الوطني بالانتخابات التشريعية، وبعد عام حدث الانقلاب وسيطرت حماس على القطاع يوم 14 يونيو 2007 .

كان من الممكن لهذه الأحداث الثلاثة المتعاقبة -2005، 2006، 2007- والمُخطط لها مسبقا أن تنهي أيضا القضية الوطنية لو أن الرئيس أبو مازن تجاوب مع دعوات البعض حتى من داخل حركة فتح بإعلان غزة إقليم متمرد وقطع كل علاقة مع القطاع، إلا أن للرئيس استمر بتقديم ما على السلطة من التزامات تجاه قطاع غزة وأبقى شعرة معاوية مع غزة من خلال الدخول في حوارات مصالحة استمرت من 2009 إلى 2017، ولكن بدون جدوى .

بالرغم من أن القضية الفلسطينية في غالبية هذه المنعطفات أو الأحداث كانت تمنى بهزائم وانتكاسات سياسية تهدد بدمار ونهاية المشروع الوطني، إلا أنها كانت تستعيد توازنها نسبيا، ليس لأن الفلسطينيين استعادوا التوازن العسكري مع العدو أو أن خصومهم تراجعوا عن مواقفهم العدائية أو أن النخب السياسية راجعت حساباتها وصححت أخطاءها وقوَّمت نهجها وأخذت العبرة مما جرى ، بل لعدالة القضية الفلسطينية وقوة الفكرة الوطنية، أيضا لأن الشعب الفلسطيني لم ينساق مع مشاريع التسوية ووقف في مواجهة كل من يسعى من الأحزاب للمساومة على الحقوق الثابتة .

الآن وفي ظل ما يُشاع عن صفقة القرن الأمريكية وصفقة الهدنة في غزة وعن تطبيع عربي مع إسرائيل ومحاولة تصفية السلطة في الضفة، فأن كثيرين يتحدثون عن المنعطف المصيري واللحظة الفارقة ويروجون لنهاية القضية الفلسطينية كما كان يحدث في كل المنعطفات السابقة .

بالرغم من خطورة ما يجري اليوم وحتى لو طرح ترامب صفقته بموافقة أطراف عربية وربما فلسطينية فهذا لا يعني نهاية القضية الوطنية، لأنها ليست ورقة مساومة بيد أي حزب من الأحزاب الفلسطينية او نظام من الأنظمة العربية، وإن كانت الصفقة ستؤسِس لدويلة غزة ففي غزة 2 مليون فلسطيني فقط فيما الفلسطينيون 12 مليون، فما هو مصير 10 مليون آخرين في فلسطين وخارجها ؟وهل الشعب الفلسطيني وخصوصا فلسطينيو غزة سيقبلون الانسلاخ عن قضيتهم الوطنية ؟ .

إن أية اتفاقات أو تفاهمات يتم توقيعها لن يكون مصيرها أفضل من مصير اتفاقات التهدئة السابقة أو مصير اتفاقية أوسلو، ولتأخذ حركة حماس العبرة من تجربة منظمة التحرير، فبالرغم مما قدمته المنظمة من مبادرات حسن النية والرغبة في السلام، إلا أن إسرائيل وواشنطن لم تتجاوبا لأنهما لن تقبلا بحل أقل من تصفية المقاومة والقضية الوطنية كليا .

فهل حركة حماس مستعدة لتقديم أكثر مما قدمت منظمة التحرير وأن تقبل بما كانت ترفضه المنظمه؟. حتى وإن قَبِلت حركة حماس فالشعب الفلسطيني في الوطن والشتات لن يقبل وسيعود مجددا كالسابق لينهض كطائر الفينيق من وسط الرماد ويُعلن عن استمرار الثورة والنضال ضد إسرائيل ومن يتساوق معها حتى تحقيق حلمه بالحرية والاستقلال .

 

د. إبراهيم أبراش

 

 

موسى فرجالدستور مصمم للانفصال وليس الأقاليم وخراب البصرة سببه الفساد

أولا: هل تستحق البصرة إقليماً...؟

نعم.. وتستحق أن تكون العاصمة الاقتصادية للعراق وللأسباب التالية:

1- عدد سكان البصرة أكثر من أربعة ملايين نسمه...

2- معظم عائدات العراق من النفط تأتي من البصرة...

3- البصرة هي المنفذ البحري الوحيد للعراق ...

4- لها حدود مشتركه مع دول الخليج وإيران وعلاقات تاريخية مع معظم دول آسيا...

ثانياً: هل يوجد نص دستوري يستوعب مطالبة البصرة بإقليم إداري يختلف عن نموذج إقليم كردستان...؟

لا يوجد ...

والنص الدستوري الوحيد الذي ينظم قضية الأقاليم في العراق بموجب دستور عام 2005 النافذ هو النص المتعلق بإقليم كردستان ولا يوجد غيره والدستور لم يتضمن مستويات أو أشكال مختلفة للأقاليم تستوعب ما يتم المطالبة به من قبل بعض الأطراف تحت مسمى " الإقليم الإداري"...

ثالثاً: النص الدستوري الخاص بإقليم كردستان وواقع تطبيقه...؟

1- توزيع الاختصاصات بين السلطة الاتحادية وسلطة الإقليم:

تضمن الدستور ثلاثة مستويات من الاختصاصات وكمايلي:

المستوى الأول: الاختصاصات الحصرية التي تختص بها الحكومة الاتحادية وحددت بموجب المادة 110 من الدستور وتشمل:

- رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي...

- انشاء القوات المسلحة وادارتها ...

- رسم السياسة المالية والكمركية...

- وفي الوقت الذي ضيق فيه الدستور العراقي اختصاصات السلطة الاتحادية وحصرها في 3 مواد بـتسعة بنود لا أكثر، فإن الدستور الألماني مثلاً خصص لذلك 17 مادة والمادة 73 تحتوي على (11) بندا في حين أن المادة 74 تتضمن 26 بندا، وفي الدستور الهندي فأن قائمة اختصاصات السلطة الاتحادية تتضمن 97 بندا 1 ...

- وفي أغلب الدول الفيدرالية فإن:

- الدفاع والجيش وشرطة الحدود اختصاص اتحادي تختص به الحكومة الاتحادية.

- الشرطة الاتحادية لها العلوية على شرطة الإقليم والأمن الاتحادي له العلوية على الأمن المحلي...

- القضاء الاتحادي له العلوية على القضاء المحلي ...

- السياسة الخارجية من اختصاص الحكومة الاتحادية ...

- التمثيل الدبلوماسي من اختصاص السلطة الاتحادية ...

- التصديق على الاتفاقيات من اختصاص السلطة الاتحادية ...

- الكمارك والمنافذ الحدودية من اختصاص السلطة الاتحادية ...

- رواتب الموظفين الحكوميين والمتقاعدين من اختصاص السلطة الاتحادية ...

في حين أنه وبموجب الدستور العراقي وعلى قلتها ورغم أنها حُددت بأضيق الحدود فإن سلطة اقليم كردستان لم تحترم اختصاصات السلطة الاتحادية الواردة في المادة 110 من الدستور فجيش كردستان "البيشمركة" لا سلطة للقائد العام للقوات المسلحة عليه، أما السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي فقد صارت وزارة الخارجية الاتحادية والسفراء يمثلون الإقليم بدلاً من تمثيلهم للعراق، في حين لا تقبض حكومة بغداد من المنافذ الحدودية للإقليم درهماً...

- وفي أهم جانب تتوقف عليه حياة الشعب العراقي أعني القطاع النفطي فقد كانت الكارثة:

ففي الوقت الذي نصت فيه المادة 111من الدستور على أن: "النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات" والذي يفترض معه أن تكون ادارة القطاع النفطي وفي كافة مراحله اختصاص حصري للسلطة الاتحادية ...فقد جاءت المادة 112 لتجعل الفقرة أولاً منها إدارة الثروة النفطية سلطة مشتركة بين الحكومة المركزية وبين الأقاليم والمحافظات المنتجة لتقول في الفقرة ثانياً من نفس المادة أن:" رسم السياسات الاستراتيجية للنفط والغاز تتم بالاشتراك بين الحكومة المركزية للنفط وبين الاقاليم والمحافظات المنتجة معا" الأمر الذي جعل إدارة إقليم كردستان تستأثر بإدارة هذا الملف وتمارس أخطر وأبشع أنواع الابتزاز فيه وهي في الوقت الذي تغتصب فيه  أكثر من استحقاقها من الموازنة العامة فإنها تقوم ببيع النفط وتهريبه دون أن تسدد للخزينة العامة أقيامه ...

المستوى الثاني: اختصاصات مشتركة بين الحكومة الاتحادية والإقليم حددتها المادة 114 من الدستور وتشمل: "الكمارك، الطاقة الكهربائية، البيئة، التنمية، التخطيط، الصحة، التعليم والتربية، الموارد المائية الداخلية"... وحقيقة الأمر بشأنها هو الآتي:

- تم افراغها من محتواها وتم التفريط بها لصالح الإقليم بنص الفقرة ثانياً من المادة 121 التي جعلت من قانون الإقليم له الأولوية على القوانين الاتحادية فيما يتعلق بالاختصاصات المشتركة حيث قالت: "يحق لسلطة الاقليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الاقليم في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الاقليم بخصوص مسألةٍ لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية".

المستوى الثالث: كل ما عدا الاختصاصات الحصرية الواردة في المادة 110 من الدستور تركها الدستور للإقليم بموجب المادة 115 منه...

2- فرض العلوية لإرادة الإقليم على الدستور:

المادة 121/ثانياً: "يحق لسلطة الاقليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الاقليم، في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الاقليم بخصوص مسألةٍ لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية" وجعل الأولوية لقوانين الإقليم على قوانين الحكومة الاتحادية عند تعارضمها...

وهي حالة شاذة ينفرد بها دستور العراق:

فدستور ألمانيا الاتحادية الصادر عام 1949 ينص في المادة 31 منه على الآتي: "يعلو التشريع الاتحادي على تشريعات الولايات الاتحادية"...

ودستور روسيا الاتحادية لعام 1993 ينص في المادة 76 على الآتي: "لا يجوز أن تتعارض القوانين والقوانين التشريعية المعيارية الاخرى الخاصة بالكيانات المكونة للاتحاد الروسي"...

- أما دستور سويسرا لعام 1999 النافذ فقد نصت المادة 49/1 منه على الآتي: " تكون للقانون الاتحادي اولوية على قانون المقاطعات"...

3- جعل الوصاية للإقليم على الدستور وجعل الأخير مرتهن للإقليم:

المادة 126 / رابعاً من الدستور: " لا يجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الاقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية الا بموافقة السلطة التشريعية في الاقليم المعني وموافقة اغلبية سكانه باستفتاء عام "...

4- لم يضمن الدستور إلزام سلطات الاقليم باحترام اختصاصات السلطة الاتحادية...

رابعاً: هل يصلح نموذج إقليم كردستان للبصرة أيضاً...؟

أبداً ...وللأسباب التالية:

1- إقليم كردستان يمثل حالة خارج مفهوم النظام الفيدرالي المعروفة في العالم وهو بحده الأدنى شكل من الكونفدرالية يضمن لساسة الكرد الاستقلال عمليا عن العراق واستنزافه والعمل على اضعافه طيلة وجودهم ضمنه والانفصال بدولة مستقلة عنه متى أرادوا ولولا وقوف تركيا وإيران ولأسبابهما الخاصة ضد قيام دولة كردستان لكانت نتيجة استفتاء ايلول 2017 الانفصال الحتمي ولكانت توجد دولتين متجاورتين أحداهما إسرائيلية الهوى وأخرى إيرانية الولاء...

2- النص الدستوري المشار إليه نشأ أصلاً بصفقة إذعان فرضت بتواطؤ من ساسة الشيعة الذين لم يكونوا في حينه واثقون من حكمهم للعراق فكانوا يخططون لإقليم شيعي يتمتع بنفس السقوف التي بني عليها نموذج إقليم كردستان كي يتيح لهم الانفصال عن العراق متى ما قرروا ذلك ...

3- ومثلما كانت فكرة الإقليم في أذهان الكرد تمتد لفترة الحكم الذاتي عام 1971 وتستند الى انفصال كردستان عمليا عن العراق منذ عام 1991 فإن فكرة الإقليم الشيعي ماثلة في ذهن ساسة الشيعة منذ انتفاضة آذار عام 1991 وترسخت في مؤتمرات المعارضة التي سبقت سقوط نظام صدام والباعث عند كلاهما الانعتاق من الظلم والهدف عند كلاهما الانفصال بدولة مستقلة...

4- ورغم أن سقوط نظام صدام قد شكل فرصة نادرة لبناء نظام حكم مدني ديمقراطي في عراق موحد وبالتالي زوال الأسباب الملجئة للانفصال فإن  ساسة المحاصصة والفساد وبتشجيع من الأمريكان سحبوا العراق الى مستنقع نظام حكم المكونات الطائفية لتستمر مساعي ساسة الشيعة باتجاه المطالبة بإقامة الإقليم الشيعي "اقليم الوسط والجنوب" وعلى غرار إقليم كردستان بالضبط ولم تتوقف لتتماهى معها مطالبات ساسة السنة بإقامة الإقليم السني وهكذا كانت المطامع الشخصية والفئوية في السلطة والنفوذ تتغلب على وحدة العراق وسلامته عند أطراف الاسلام السياسي بشقيه السني والشيعي...

5- إلا أنه وبسبب تمسك العراقيين بوحدة العراق أُحبط الإقليم الشيعي الذي طالب به ساستهم مثلما أحبطت مطالبات ساسة السنة بإقليم سني...

6- وبدلاً من ذلك برزت أمام ساسة المكونات والمحاصصة مشكله جديدة تتمثل بخطل تصورهم انقياد المكونات لهم حيث ثبت أن انقياد الشيعة لساستهم غير مضمون ومن الممكن أن تنفرط طاعة الشيعه كل محافظة على حده فتركزت مطالبات البصرة لإقليم خاص بها تقابلها مطالبات صلاح الدين بإقليم خاص بها...ولكن هذه المرة لم يكن الباعث الانعتاق من الظلم القومي أو الديني أو المذهبي وانما في ظاهره الانعتاق من فساد ذوي القربى من نفس المكون وفي حقيقته سعي الفاسدين الى عدم الاكتفاء بنهب مقدرات المحافظات وإشاعة الفساد والفوضى والخراب فيها بل الانفراد بها والمغامرة بها في بازار الولاء لدول الجوار...

7- فكانت النتيجة أن ساسة المحاصصة والفساد قد ارتكبوا الحماقتين معاً واجترحوا الخطيئتين معاً فلا هم حرصوا على وحدة العراق ولا هم ضمنوا دولة شيعية موحدة لهم في العراق ومثلهم زملاءهم من السنة الذين بات احتكامهم على دولة سنية موحدة بحكم الخيال بل وحتى الكرد فقد عصف حكم العوائل بإقليمهم في أكثر من مناسبه وفي أكثر من مره كانت القطيعة بين السليمانية واربيل قاب قوسين أو أدنى، ورغم ادعاءات الحزبين الحاكمين في كردستان فقد فشلا طيلة حكمهما بتوحيد الإقليم وواقع الإقليم بمنطقتين باتت من الرسوخ ما لا يمكن لأي كردي أن يتجاهله ...

8- التصميم الشاذ لإقليم كردستان الذي كرسه دستور المحاصصة والفساد مكن ساسة الإقليم من الاستفادة مرتين من الثروة النفطية، الاولى عبر نسبة الـ (17%) من الموازنة الاتحادية ومعروف انها تفوق استحقاقهم بنسبة الثلث، والثانية استئثار الاقليم بواردات النفط المستخرج ليس من محافظات الإقليم فقط بل نفط كركوك والموصل أيضاً مقابل دعم هذا أو ذاك من ساسة المحاصصة والفساد في معاركهم البينية للاستحواذ على السلطة والحكم ...

9- فكان انعكاس ذلك بالتفاوت الفاضح في معدلات الفقر بين محافظات إقليم كردستان من جهة ومحافظات الوسط والجنوب من جهة أخرى وكمايلي:

- في عام 2016 بلغت نسبة الفقر في العراق 30% مقارنة بنسبة الفقر في إقليم كردستان البالغة 15%...

- ووفقاً للتقرير الذي أعده الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، بإشراف اللجنة الوطنية العليا لسياسات تخفيف الفقر فإن نسبة الفقر في محافظة أربيل 3%، وفي السليمانية 3%، وفي دهوك 9%... في حين تبلغ نسبة الفقر في البصرة وذي قار 34% ، وميسان وكربلاء 37%، وواسط 40%، وبابل 41%، والمثنى 49%...

- وتشير الإحصائية الدولية إلى أن “5 % نسبة الأطفال الفقراء في كردستان، و50 % نسبة الأطفال الفقراء في المحافظات الجنوبية...

ولسنا هنا ضد انخفاض نسب الفقر في محافظات كردستان وأية منطقة في العراق أو انخفاض نسبة الأطفال الفقراء في كردستان ونتمنى أن تخلو مناطق العراق كليا من الفقر ولا يقع طفل واحد من بين أطفاله بين براثن الفقر والعوز ولكن أن تكون على حساب بقية أبناء الشعب فهذا ما نرفضه وموارد العراق يجب أن تتوزع بشكل عادل على ابناء الشعب العراقي لأنها ملكهم كما نص على ذلك الدستور ...

10- وقد درج نواب إقليم كردستان على الادعاء بأن سبب ارتفاع  معدلات الفقر في المحافظات الجنوبية عما هو قائم في محافظات كردستان يعود الى استشراء الفساد في محافظات الوسط والجنوب بينما لا وجود له في محافظات الإقليم  ونحن لا ننفي هذا ولكن المسؤولين في كردستان ليسوا أقصر باعاً في الفساد من زملائهم في الوسط والجنوب ...

خامساً: مم تشكو البصرة وماذا يلزمها حقاً...؟

البصرة عندما تطالب بالإقليم فلأنها تعاني من الفقر والبطالة وانعدام الخدمات ولكن هذه ليست مشكلتها وحدها دون غيرها بل مشكلة كل المحافظات والعراق برمته وبما في ذلك العاصمة بغداد وسببها استشراء الفساد والمحاصصة والفوضى والتخلف...

- ويكذب القائمون على امر البصرة عندما يقولون إن سبب الفقر والبطالة وانعدام الخدمات هي المركزية وشحة الصلاحيات الممنوحة لهم فالسمة الغالبة في عراق المحاصصة ومنذ عام 2003 هي الفوضى السياسية والادارية الضاربة أطنابها في كل العراق وليست المركزية أما في البصرة بالذات فإن المعضلة التي تواجهها اليوم هي سيطرة المافيات والجريمة المنظمة على كل مرافقها ومقدراتها...

- ويكذب القائمون على أمر البصرة عندما يقولون ان سبب الفقر والبطالة وانعدام الخدمات هو التقتير بالتخصيصات فالأموال التي ضخت للبصرة منذ عام 2003 تبني ثلاث بصرات وليست بصرة واحدة ويكفي أهل البصرة يقيناً ضياع الترليونات من الأموال المخصصة لهم في مئات المشاريع الوهمية...

والأموال التي نهبت من قبل ساسة المحاصصة والفساد في العراق على مدى 15 سنة من حكمهم تفوق ما تم انفاقه في العراق على مدى قرن من الزمان ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة...

- ويكذب السفهاء من ساسة البصرة عندما يرددون ترهات من قبيل أن البصرة طالبت بعد انتهاء الحكم العثماني بالانفصال عن العراق فمذ وجد العراق كانت البصرة والكوفة جناحاه اللذان يطير بهما...

- وعندما ينساق السفهاء خلف التحريض الواضح من خارج الحدود لانفصال البصرة فلأن الكويت تريدها منطقة عازلة تفصلها عما تراه في العراق من تهديد دائم والسعودية تريدها وشقيقتها الأحواز جبل من نار يفصلها عن شرور إيران في حين تريدها أيران بوابة لها على العراق "الشيعي" حالها حال الأحواز المنسلخة عن جسد العراق لتقترب بحدودها الى أمارات الخليج ...

- وعندما يردد الفاسدين من ساسة البصرة ادعاءات موقع كوهين الإسرائيلي القائلة بأن البصرة ستتحول الى دبي عندما تنفصل عن العراق تحت حكمهم فالبصرة منذ عام 2003 لم يحكمها أشخاص من تكريت أو الحويجة بل حكمتها أحزاب الفضيلة والدعوة والمجلس الأعلى وسراكيلهم وحواشيهم في البصرة وهم بالذات من حول البصرة الى مكب للمخدرات وميدان لسرقة وتهريب النفط وساحة للفوضى العشائرية والأمنية ومركز لحكم المافيات والعصابات وأفرغوها من كفاءاتها قتلاً وتشريداً وإقصاء...وعندما يطالبون لها بإقليم انفصالي على غرار اقليم كردستان يكون تحت حكمهم هم بالذات فإن مئال البصرة إما الغرق في الفساد والفوضى أكثر أو اللحاق بأختها أمارة خزعل في الأحواز...

ما الذي تحتاجه البصرة حقاً...؟

البصرة يلزمها تصدر كفاءاتها من أبناءها من غير الفاسدين وذيول أحزاب الفساد والمحاصصة أولاً وعندما يتحقق ذلك فإن البصرة جديرة بالإقليم الإداري وليس الإقليم الانفصالي وهو ما يتطلب تعديل الدستور الحالي أساساً بما يضمن تعديل النصوص الخاصة بالإقليم أو على الأقل تضمين الدستور لنصوص تستوعب أقاليم فدرالية تغلق كل المنافذ على القوى الشريرة الرامية إن بعمالتها أو جهلها تقسيم العراق، وكذب موقع كوهين فمستقبل البصرة أبعد ما يكون عن حال دبي عندما تستمر عصابات الفساد والجهل والتخلف بالهيمنة على ادارتها ولا يغير من ذلك كونها محافظة أو إقليماً ولكن البصرة عندما تدير شؤونها كفاءاتها الحقيقية والنزيهة من أبناءها في ظل نظام حكم صالح في العراق ستتقدم على هونك كونك وليس مجرد دبي ...

 

موسى فرج

.....................

الدكتور عماد كاظم دحام الشبلي -علم الاختصاص التشريعي للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم في دستور جمهورية العراق لعام 2005، بحث مقدم من قبل الدكتور عماد كاظم دحام الى مؤتمر (الاصلاح التشريعي طريق نحو الحكومة الرشيدة ومكافحة الفساد) الذي اقامته مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام وجامعة الكوفة/كلية القانون 25-26 نيسان 2018.

 

صادق السامرائيالتشبث بكرسي الحكم عاهة سلوكية عربية، لا مثيل لها إلا فيما قل وندر في المجتمعات الغائرة بالتخلف والإنحطاط، والتي تفوقت بعض دولنا على العديد منها .

فالحاكم العربي يتمسك بالسلطة ولا يمكنه أن يتصور نفسه خارج تابوت الكرسي، مما يجعله ينتهي إلى مصير مشين ومذل.

والصورة تتضح في بعض الدول أكثر من غيرها، ففي العراق إنظلقت هذه المتوالية الدامية منذ إبادة الحكم الملكي عن بكرة أبيه، وتواصلت بعنفوان رهيب، ومآل عجيب.

وفي ليبيا حصل الذي حصل وإنتهى قائدها في مأساة ، وما جرى لحاكم اليمن بعد عقود من الإستبداد، وكيف خرب البلاد ودمر العباد وتمرغ بنهايته، وقبلها مصر التي ما تزحزح عن كرسي الحكم فيها الرئيس إلا بعد فوات الأوان، وفي سوريا المشهد واضح للعيان، وفي تونس القصة كُتِبَتْ وألهمت، والجزائر تغلي، وأخيرا ما إنتهى إليه الكرسي في السودان والبقية ستأتي وقد آن الأوان واشتدَ الغضب.

ترى لماذا يتشبث الحاكم العربي بالكرسي؟

أولا: فوق الدستور والقانون

ربما ينفرد الحاكم العربي بهذه الصفة فهو الدستور والقانون بل فوقهما، وفي عرفه أن القانون عبارة عن كلمات يمكنه أن يكتبها أو يمحوها أنى يشاء ويرغب، وهذه المتعة التحكمية والقبضة اللذائذية المهيمنة على ما فيه من المطمورات، تدفعه إلى إحكام قبضته على الكرسي والإمعان الشرس للإقامة فيه رغم كل التحديات، لأنه يربط مصيره بالكرسي، الذي يتساوى مع حياته، وروحه، فلا معنى لوجوده دون الكرسي.

ثانيا: الإمتيازات المطلقة

الحاكم العربي يعيش في فضاءات المطلق ولا يمكنه أن يقارن نفسه بأحدٍ سواه، وبما أنه في كينونة مطلقة فأنه سيعبّر عن المطلق في كل شيئ، وسلوكه سيدلل على ذلك ويبرهنه بالفعل الملموس والمتكرر، لكي يتحسس إرادته المطلقة ويده التي لا يمنعها أي شيئ من الوصول إلى ماتريد، أي أنه يعيش في حالة إنفلات رغبوي يسوّغ له ما لا يجوز لغيره، ومما يساهم في ذلك المراسيم والبروتوكولات اليومية للحاكم التي توهمه بأنه هو ولا غيره أحد.

ثالثا: التحرر من الرقابة والمحاسبة

الرئاسة أو السلطة مسؤولية محكومة بضوابط وقوانين وتخضع للرقابة والمحاسبة، لأنها أمانة وتفويض للحفاظ على حقوق الوطن والمواطنين، لكنها في العرف العربي، أن الحاكم هو الذي يُحاسب فهو المنزه وكل ما عداه يكون مسؤولا أمامه وليس أمام القانون، فهو الذي عليه أن يراقب ويحاسب وفقا لمعايير رؤيته، وما تمليه عليه تصوراته للحكم وأجندات البقاء في الكرسي.

رابعا: وَهمُ العظمة

هذا الوهم الفاعل في الكرسي يغذيه المدّاحون والمتملقون ووعاظ الكراسي من المدعين بالدين، والمنتفعون من الحاكم الذي يهبهم مما لا يملك، فهناك نزعة غريبة عند الناس المحكومين، فكلما زاد حرمانهم وإستعبادهم تنامت آليات تعظيمهم للحاكم، وكأنهم يسقطون عليه ما فيهم من الاحلام الفنتازية والتصورات الرغبوية النابعة من شدة القهر والحرمان، ولهذا يتشامخ عليهم الحكام، ولا يشعرون بمرارة ما يعانونه ويتضورون منه.

خامسا: ضيق الأفق

الحاكم العربي عموما يتميز بضيق الأفق وعدم الإطلاع على ما يحصل في الدنيا من تطورات ومستجدات على جميع الأصعدة، فهو منغمس بالتبعية والإستهلاكية والإستقواء بالآخرين، ولا تجد عنده همة العمل والثقة بالوطن والشعب، وإنما يعتاش على الآخرين، ووفقا لهذا المنظور فأن ما يقوم به من نشاطات محدودة تبدو في وسائل إعلامه على أنها عظيمة، وما هي إلا ضحك على الذقون وخداع للشعب المسكين المبتلى بالغارقين في كرسي مشؤوم.

سادسا: الحاشية

هي الحلقة التي تحوم حول الكرسي، وما يهمها مصالحها ومنافعها بأنواعها، ولهذا فأنها ذات أساليب خداعية وتضليلية تغذي الحاكم بما يعزز منافعها وتبعد عن وعيه ما يتعارض معها، والعجيب في الأمر أن معظم الحكام العرب يتوهمون المعرفة ولا يستشيرون ذوي الكفاءة والخبرة، وإنما يريدون الجهلة والمخادعين الذين يصفقون لكل عبارة يقولونها، ويوهمونهم بأنهم لا ينطقون عن الهوى، وأن كل ما يقولونه يجب أن يكون مشاريع للعمل ومنطلقات للقوة والرقاء.

سابعا: الشعب

الشعب يساهم بقوة في إدامة الحاكم في السلطة، وذلك بإستكانته وإستلطافه للصعاب، والإرتهان بالحاجات والتلذذ بالمكابدات الأليمة، وفي عرفه إنها تعبّد له طريق الوصول إلى جنات النعيم، والسعادة الأبدية، فالدنيا دار شقاء وعناء وبلاء، ولا يمكنها أن تكون غير ذلك.

ومن الظواهر التي يصعب تفسيرها أن الشعب قد يستكين للحاكم لعقود وكأنه في سبات، حتى تأتيه اليقظة فيستفيق بغتة من نومة العدم والضياع والألم.

ثامنا: المصالح

أعمار الحكام العرب تتناسب طرديا مع قدرتهم على إدامة المصالح الإقليمية والعالمية، وكلما كانوا أوفياء ومنفذين ماهرين لها طالت أعمارهم التسلطية، وحالما تنتهي المهمة يتساقطون وينسفون من مواقعهم، التي تألهوا فيها وتضخموا حتى أصابهم الغرور القاتل، والنرجسية النكراء، وإذا بهم يتهالكون كالعصف المأكول، وهم في ذهول.

تاسعا: الغيبية

هذا التصور يملي على الحاكم كأنه موجود بإرادة ربانية، وربما يعتقد بأنه الذي يعمل على تطبيق شريعة الرب، وأنه المصطفى لتنفيذ مهمات السماء، فتراه يقدم على الفتك بالآخر ويحسب ذلك غضب الله على الضحية، التي لا مناص من تنفيذه وإحلاله بها، لكي يتوافق مع إرادة ربه الذي لا يعرفه حقا.

عاشرا: التملكية

التيقن بأن الوطن بما فيه وعليه ملك صرف للحاكم يبدو واضحا في سلوكه وخطاباته، وكيف ينظر للناس من حوله، فهو المالك وبيده مصير البلاد والعباد، وعليهم أن ينفذوا ويترجموا منطق " السمع والطاعة"، وإلا فأن الذي لا يتبع ولا يخنع يكون ضد الوطن ومن الخونة والمتآمرين.

حادي عشر: الأمية

والمقصود بها الأمية السياسية والسلوكية والفكرية، وعدم القدرة على إستيعاب ما يتصوره الآخرون ويرونه ويترجمونه في أجنداتهم التفاعلية مع الدول، وهذه الأمية توهم الحاكم بأنه يدري ومتمكن، وأن ما يدور من حوله لا يستحق الإهتمام، فهو فوق الجميع، لأن الأمية تدفعه إلى تصور المعرفة المطلقة، فيتلذذ بها ويتمسك بما يعززها وهو الكرسي.

ثاني عشر: إنتفاء قيمة الإنسان

الواقع العربي بدلائله وأوضاعه العامة يبرهن على أن الإنسان بلا قيمة وهو رقم وحسب، ولهذا فأن الحاكم لا يعير أي إهتمام لما يتصل بالمواطن، فهو رقم يمكنه محقه وجمعه وطرحه وضربه ببعضه، ولا يعنية ما يريد أو يطالب به، فعليه أن يستسلم ويرضى ويحمد ربه ويتوسل للكرسي، لكي يمنّ عليه ببعض حقوق إنسان أو حيوان، وهذا السلوك من قبل المواطنين هو الذي يغذي نزعة الإستبداد والإستعباد عند الحاكم، ويدفعه للتمادي بالإستحواذ على كل شيئ والإقامة الأبدية في الحكم.

ثالث عشر: القوة المزعومة

الحاكم العربي يصاب بعاهة إمتلاك القوة المطلقة، وأنه المهاب المطاع ولا يمكن لأحد مهما تصور أن يقترب من عرشه العظيم، فأجهزته القمعية بالمرصاد لأي مناوئ ومتطلع إلى لمس قوائم الكرسي العتيد، فتجده يمعن بالظلم وبناء المعتقلات والسجون، التي يذيق فيها الناس صنوف العذاب الشنيع، وبهذاه الأساليب يرى أن كل شيئ في قبضته المطلقة، ويغفل أن القبضة لا تدوم، فيقبض عليه الذين كان قابضا عليهم.

رابع عشر: الإنقطاعية

الحكام العرب منقطعون عن الواقع اليومي للمواطنين ويعيشون في صوامعهم، وتحت منظومة المراسيم والضوابط الرئاسية، التي تحركهم وكأنهم آلهة متعالون عن الناس، فيرونهم كما يتصورونهم أو كما يصورنهم لهم، فتراهم يتكلمون بلغة وكأنهم يخاطبون مخلوقات في عوالم أخرى، وهذه الإنقطاعية تمنعهم من التفاعل الحقيقي مع الواقع الجماهيري، وتمنحهم الزهو والخيلاء الذي سيطيح بهم عندما تصطدم رؤوسهم بصخرة الواقع المقيم.

خامس عشر: الإنجازية

قيمة الحاكم بما ينجزه ويقدمه لشعبه ووطنه، وهذه قاعدة معمول بها في الشعوب كافة إلا الشعب العربي، فأنه لا يأبه لهذا الموضوع ويكون الحاكم عنده عبارة عن موجود لتغذية عواطفه، والتعبير عما فيه من المكبوتات وبالكلمات وحسب، لأنه ميال لإتباع القول وإعتباره هو الإنجاز، فالقول عنده أصدق من العمل الواضح المبين، ولهذا ترى الحاكم يمعن بخطاباته الفارغة وشعاراته الوهمية، والناس تحتفي به وتنتمي إليه وتريده وتفديه بالروح وبالدم، وتسعى لتأبيده في الكرسي، وهو يصدّق ذلك ويعمل على تحقيقه، حتى تتساقط الأقنعة وتتكشف الأستار.

سادس عشر: التبلدية

العلاقة القائمة ما بين المقربين للحاكم والحاكم تصيبه بتبلد الأحاسيس والمشاعر، فيفقد قدرات التفاعل مع ما يجيش في دنيا الناس، ويزداد بلاهة وتبلدا مع الأيام حتى لتجده يتكلم وكأنه من أصحاب الكهف الذين ناموا عدة سنين وإستيقظوا، فيبعث بخطاباته إلى الشعب وكأنه الغريب عنهم والبعيد عن معاناتهم وما يشعرون، والمشكلة أنه يؤمن بأنه على حق وأنه يعمل على تخقيق أمانيه التي هي أماني الشعب بالقطع والأمر.

سابع عشر: الدوغماتية

الحاكم العربي يرى أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، ولا يمكن لأحد أن يعترض عليه أو يناقشه، والناس من حوله أما معه أو ضده، وبهذا يضع نفسه في محنة خداعية وتضليلية تقضي عليه آجلا أم عاجلا، لأن الناس لا تريد أن تخوض معركة خاسرة، ولهذا تجدها تبدو على أنها مع الحاكم وهي في حقيقتها ضده، وهذا ما تحقق في بعض الدول وبانت تداعياته وكأنه القنبلة الموقوتة والكمين الأمين.

ثامن عشر: التألهية

الحاكم العربي يتأله ويتصور بأنه إله، بمعنى أن قوله هو القول السديد، وهو المعصوم من الخطأ، وهو الذي جاء من عالم بعيد، وكأنه يريد القول بأنه يحكم بتفويض إلهي أو أن أمه أو أبوه من الآله، أو أنه نصف إله، وهذه المشاعر والأحاسيس متوارثة عبر العصور الغابرة، التي كانت أنظمة الحكم فيها ذات آليات إلهية أو متصلة بالآلهة، ومعنى ذلك أن وجود الحاكم في الكرسي بأمر إله، وهو الذي جاء به وهو الذي سيأخذه بعيدا عن الكرسي عندما يشاء.

أي أن وجوده في الكرسي قدَري!!

تاسع عشر: المديح

سلوك المديح عربي بإمتياز، فلا يوجد حاكم في الدنيا يتلقى مديحا مثل الحاكم العربي، وخصوصا من الشعراء والكتاب وأدعياء الدين، وغيرهم من رؤوساء العشائر والقبائل والرموز الأخرى، فالعرب تستشري فيهم عاهة المديح، لأنها كانت ومنذ العصور القديمة الوسيلة السهلة للفوز بالعطايا والحصول على المال من ذوي الجاه والسلطان.

وهذا المديح خدعة كبرى يتوهم بموجبها السلطان بأنه في حرز وأمان، وأن الشعب يحبه ويريده على الدوام.

عشرون: الكبرياء المرير

المشكلة العسيرة التي تنفرد بها الكراسي العربية هو تمدد الأنا الحاكمة وتماهيها بالوطن والشعب، فيحسب الحاكم أنه هو الوطن والشعب معا، وأي تعارض معه أو رفض له يعني عدوانا على الوطن والشعب، وتصبح صورته تمثل الوطن وتتفوق على أي رمز، ولهذا تكون صوره في كل مكان، ويفرضها على خارطة الوطن، فتصبح مجسمة بكينونته البدنية، ويتحول إلى مقياس أو معيار للوطنية والإخلاص والتفاني والتضحية، ومَن ينال منه ينال من الوطن والشعب ويُتّهَم بالخيانة العظمى.

وهناك المزيد من العوامل الأخرى الفاعلة في تنمية سلوك التوحد مع الكرسي والإدمان عليه، وتعزيز الغطرسة، وشدة الإلتصاق به، ويمكنها أن تكون بايولوجية أو مصحوبة بتغيرات عضوية في الأدمغة الكرسوية.

ويبقى إحترام الدستور والقانون والإنسان من ضرورات الحياة المعاصرة التي لا أولوية قبلها ولا سلطان.

فهل سنتجاوز مرحلة الخنوع والإذعان، وننطلق أحرارا في مملكة الإنسان؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

عبد الجبار نوريأمريكا اليوم تختلف عن الأمس برئيسها المهوس ترامب الرقم 45، ربما كان الأسلاف من 44 وما دون ينظرون إلى معادلة الحقل والبيدر مع الشعوب المقهورة بالقبول بالمقسوم فأما الحقل أو البيدر، لكون كان هناك توازن دولي بوجود منظومة الأتحاد السوفييتي والدول الحُرة التي في فلكها مع وجود البعض من (النداوة) في جبين قادة العرب، واليوم في غياب ثقل الموازنة وفقدان تلك قطرة الماء اليتيمة من على جبين أصحاب القرار السياسي العربي والهرولة المذلة في عار التطبيع مع المغتصب للأرض العربية لهذا أستقوى ترامب بأحادية قطب الرحا، فأخذ يتعامل مع الخلايجة وعموم العرب بمصادرة الحقل والبيدر .

ماذا تريد واشنطن؟! ترك صراعات المنطقة للقوى العربية الحليفة للتخفيف عن الجيش الأمريكي، وتمكن واشنطن من أحتواء الدول العربية الخليجية الثرية بالمال النفطي وتوجيهها إلى التطبيع مع أسرائيل، وترويج لسوق السلاح وردت أمريكا لهذه الدول أسلحة الدمار الشامل والمحرمة دولياً حيث باعت للنظام السعودي 3-1 مليار دولار في حربها على اليمن .

وهوبالحقيقة تحالف أمني في الشرق الأوسط (مقترح) تشكيلهُ قبل أجتماع عُقد يوم الأحد الماضي في الرياض وهو دفعة جديدة في أطار السعي لأحياء الجهود التي يقودها البنتاكون لجمع الحلفاء العرب في معاهدة أمنية سياسية للتصدي لتوسع النفوذ الأيراني وللحد من نفوذ روسيا والصين المتزايد في المنطقة، بالأضافة إلى التوجه الأمريكي الجديد التمحور حول الأنسلاخ من المنظمات الدولية والتخلي عن ألتزاماتها التي كلفت الخزينة الأمريكية عقوداً، بشعار: أمريكا أولا يتضمن تخفيف الأعباء الأقتصادية عن الخزينة وتحميل الشركاء الحلفاء أكبر قدر ممكن من تلك الأعباء، فهو مجرد أقتراح ولكن بدرجةٍ (محمومة) من قبل صقور الكونكرس الأمريكي وبأتفاق الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وخاصة اليمينين منهم، وهو بالحقيقة يمثل نسخة عربية من حلف شمال الأطلسي (الناتو) وهوربما يعتبره الأعلام اليميني المتطرف في واشنطن  وتل أبيب (هندسة أستراتيجية لأدارة ترامب في أحتواء أيران) وهو بالحقيقة وسيلة لحلب البقرة الخليجية النفطية تحت ذريعة تعزيز قدراتها الدفاعية أستعدادا لمواجهة البعبع الأيراني عسكريا، والتمدد الروسي الصيني من الناحية التجارية والأقتصادية، ويضم هذا التحالف ثمان دول هي أمريكا والسعودية والأمارات والكويت والبحرين وقطر وعمان وكذلك الأردن .

وأرى أن هذا التحالف سوف يجد صعوبة في بلورتهِ، وقد لا يرى النور ولا يمرْ وذلك :

-لأنسحاب مصر من التحالف يوم الخميس 11/4/ 2019 بدليل أنّها لم ترسل وفداً إلى الأجتماع الذي عُقد يوم الأحد في الرياض ويمثل هذا الأنسحاب ضربة لمساعي أدارة الرئيس دونالد ترامب لأهمية مصر ذات التأريخ  العريض وصاحبة أكبر جيش في الشرق الأوسط لأجل أحتواء النفوذ الأيراني وكذلك لتشككها في جدية المشروع الذي هو مجرد أقتراح فالأنسحاب المصري يمثل أحدث أنتكاسة لمبادرة أنشاء هذا التحالف في الشرق الأوسط وقد أبلغتْ قرارها للولايات المتحدة الأمريكية .

- أضافة إلى مجهولية وغموض الذي يحيط تجدد ولاية ترامب للأربعة سنوات المقبلة وأخذت الفكرة تتعقد لمعطيات الساحة الدولية في الغضب الدولي الذي أعقب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في أكتوبر 2018 وأشارت أصابع الأتهام التركية والدولية ألى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان .

- المقاطعة الأقتصادية والسياسية لقطر بقيادة السعودية من الصعوبة أنسجام قطر مع حلفائها الذين أوصلوا المقاطعة لحد كسر العظم وأن الحلف يزج بدول الخليج بحربٍ أقليمية وهذا ما لا يتفق مع توجهات قطرالسلمية مع أيران شريكتها في حقول تصدير الغاز السائل .

- تجاهل الحلف المزمع تأسيسهُ للخطر الصهيوني وهو أحد أهم العوامل المؤثرة في تعجيل ووأد هذا التحالف المسخ، وأن هذا الحلف يفتقد الدعم الشعبي خصوصاً في مصر والأردن المتعبة أقتصادياً، وهو أساسا حلف طائفي يثير النزعات  الطائفية التي أحرقت نارها المجتمع العربي لسنين طويلة كالحرب الأهلية اللبنانية مدة 15 عام والحرب الطائفية في العراق بين 2006- 2014، بأعتقادي أن تأسيس هذا الحلف في هذا الوقت الملغوم والمأزوم هو بمثابتة بث الضبابية على الحماقات السياسية للرئيس ترامب في نقل سفارتها إلى القدس تمهيدا لجعلها عاصمة للكيان المغتصب وكذلك سيادة أسرائيل على الجولان السورية المحتلة مما زادت  سخط شعوبها والرأي العام العالمي .

- أن مثل هذا التحالف المحتوي على فقرات جديدة تخالف روح التحالفات التأريخية ربما تزج بالمنطقة إلى ما حدث قبل الحربين الكونيتين بحمى تأسيس المحاور تزج بالمنطقة لحروب عبثية حرائقها تلتهم الأوطان وشعوبها .

- أحتدام التناقضات العربية وصعوبة تحديد مصادر التهديد هل هي أيران أم داعش الأرهابي أم أسرائيل أم من جماعات محلية خارجة عن سلطة  الحكومات المركزية أم أعداء اللوبي الأمريكي الكثر في العالم ؟ .

- ومن الأسباب المؤثرة والقوية أزمة الخليج مع قطر وفرض دولها حصاراً خانقاً عليها براً وبحراً وجواً خلقت بؤرة من العداء شعبيا وحكوميا من المستحيل خروج مثل هذه الفكرة وخصوصا في تحالف عسكري، وأساس هذا العداء المستحكم يرجع إلى أنخفاظ مستوى الثقة المتبادلة بين الدول الأعضاء، لطبيعة تحديات الدول العربية العسكرية، وأختلاف تلك الدول في العلاقات مع أيران، فالدول المتشددة والكارهة لأيران هي السعودية والأمارات والبحرين أما عمان والكويت وقطر فلهم علاقات جيدة مع أيران .

- وللحلف تداعيات خطيرة على أمدادات الطاقة الخليجية والأيرانية للأسواق الآسيوية، فاتورتها ثقيلة على المنطقة وأنهُ يدفع إلى المزيد من الصراعات وخلخلة الأستقرارفي المنطقة لدى (بعضها) نظم ديمقراطية حافظت على الأمن في زمن الحرب الباردة .

 

عبدالجبارنوري

 

حسام عبد الحسينتهدف الولايات المتحدة الامريكية الى السيطرة على العالم وإدارة إمكانياته الإقتصادية والبشرية، والسطو المالي والعسكري على الشعوب المعدومة، ومحاربة كل الحكومات والشعوب التي تحاول الخروج عن الطاعة، وضرب الحكام التابعين لها كلاً بوقته، كما حدث في ٢٠٠٣ واسقاط حكم البعث، رغم دفع ثمن الأخطاء التي ارتكبتها ادارة جورج بوش الابن في حينها، فبحسب تقرير نشرته مجلة "The National Interest" فإنه بتاريخ ٢٦ ايلول عام ٢٠٠٢، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، خطابا حمل توقيع ٣٣ باحثا في العلاقات الدولية عارضوا فيه الغزو الأمريكي للعراق.

وبحسب المجلة فان الكلمات المعاد نشرها، قدمت أسبابا قوية على ان احتلال العراق في ظل حكم صدام حسين لا يخدم المصلحة القومية الأمريكية، في الوقت الذي حذر فيه الباحثون من ان ذلك سيؤدي لنشر حالة من عدم الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط، وبالفعل الوضع الامني والسياسي في المنطقة يزداد سوءاً، خصوصا العراق الذي يريدونه اداة لضرب واشعال الصراع في المنطقة، حيث بدأت بالزرقاوي والقاعدة وداعش الى اعادته الى ما يسمى بالحاضنة العربية عن طريق التدخل السعودي وابقاء التدخل الايراني، لخلق حالة صراع عنيف يقضي على ثروات وطاقات الشعب العراقي المحروم، وعدم تركه لحالة من الاستقرار المجتمعي.

إن العراق الذي لم تتأسس فيه دولة بالمعنى القانوني والسياسي الى الان، والطبول الاعلامية التي تدعي استقلاليته عن الرؤوس الاقليمية والدولية ليس الا نفخ في اناء مثقوب، ولتهدئة الشارع الساخن في ظل الوضع الراهن.

الهدف الامريكي من غزو العراق واسقاط البعث الفاشي، اعتبر صناعة حقبة جديدة في الشرق الاوسط، لان وقائع الاحداث اليوم افرزت تطورات ومتغيرات كبيرة في المنطقة تصب في مصلحة الحكومة الامريكية، من الجانب المالي بداية الى توسع النفوذ اخراً. وهذا ما شهده العراق في الاونة الاخيرة بعلاقته مع السعودية التي تبرعت بالاموال من اجل بناء المدارس والمستشفيات والمدينة الرياضية وغيرها، حيث تمثل هذه الاموال الموقد في اشعال نار الحرب والدمار الاقتصادي.

لذا على الشعب العراقي ان يعي قوة ذاته، ويتعلم من الثورات الشعبية التي حطمت اعظم السلطات القمعية، كالحراك الشعبي في الصين وفيتنام وكوبا سابقاً، والسودان والجزائر الان، وان ينطلق من فهم الصراع السعودي الايراني بانه ليس معركته، بل ضد حياته الكريمة وحرياته واستقلاله، وعليه عدم الانجرار وراء الحيل الاعلامية والخطابات الوهمية.

الدورات المتعاقبة في الحكومة العراقية اثبتت فشلها ووعودها الزائفة، واصبح من السذاجة تصديق كلامها واعلامها، والشعب العراقي اليوم امام امل التغيير في الانتخابات، وهي بمرور الوقت وتكرارها بانت كذبتها وزيفها وتزويرها الصريح، او رفض العملية السياسية بالكامل، عن طريق الاحتجاج الجماهيري المنظم، وهذا الخيار القائم في المستقبل القريب، لتفرض الارادة الجماهيرية نفسها على اهداف امريكا ونفوذها.

 

حسام عبد الحسين

 

عباس علي مرادلا شك أن كل الحملات الإنتخابية تتمحور حول قضايا المستقبل، وأستراليا التي يتوجه مواطنوها إلى صناديق الإقتراع في 18 أيار 2019 تشهد حملة إنتخابية تستعمل فيها كل الأساليب منها السلبي ومنها الإيجابي للفوز بثقة الناخبين.

سبق تحديد موعد الإنتخابات إعلان  حكومة الأحرارعن ميزانيتها السنوية للعام المالي 2019 -2020 التي قُدمت لأول مرة في شهر نيسان منذ تأسيس الفيدرالية، وأغدقت الحكومة العديد من الوعود سواء كانت تخيفضات ضريبية أو وعود ببناء المزيد من البنى التحتية او تحقيق فائض بالميزانية بمبلغ قدره 7.1 مليار دولار وغيرها من الوعود خصوصاً التركيز على زيادة الوظائف وإدارة الإقتصاد.

المعارضة الفيدرالية لم تتأخر في الرد حيث دخلت المزاد الإنتخابي بوعود منها القديم والتي أعلنت عنها خلال السنوات الماضية كوقف العمل بالتخفيضات الضريبية، الإستثمار السلبي  "النيكتيف غيرنغ" والتي يستفيد منها اقل بقليل من 8% من المواطنين حيث لم يعد بمقدور المواطنين الإستفادة من هذا النظام إلا في حال شراء منازل أو شقق جديدة وستستمر المعارضة في حال فوزها بالحكومة بإعطاء التخيفضات للأشخاص الذين اشتروا منازلهم قبل إقرار القانون، وكذلك تخفيض نسبة الأرباح على رأس المال من 50% إلى 25% وغيرها. كما أطلقت المعارضة وعوداً جديدة أبرزها تقديم الدعم المالي للمصابين بأمراض السرطان حتى لا يتحمّلون أية نفقات إضافية.

نحن في بداية الحملة الإنتخابية، ولا شك أن سباق الوعود الإنتخابية سيستمر حتى فترة الصمت الإنتخابي التي تسبق الإنتخابات، يضاف إلى ذلك الحملات الدعائية حيث برزت النبرة العدائية في الخطاب والإتهامات بالكذب وعدم الوفاء بالوعود سابقاً من أجل النيل من مصداقية الطرف الآخر.

يبقى للناخب وحده الحكم على إداء السياسيين حيث أن نسبة ثقة المواطنين بالطبقة السياسية في أستراليا تدنت إلى أدنى مستوى لها في تاريخ أستراليا الحديث فوصلت إلى ما دون الخمسين بالمئة، بينما كانت تتجاوز 90% في سبعينيات القرن الماضي، وطبعاً للمواطن أسبابه خصوصاً بعد الصراع المرير على المستوى القيادي داخل حزب الأحرار في السنوات الست الماضية والتي ما تزال تداعياتها ظاهرة للعيان سواء في إداء الحكومة او في تدني شعبيتها في كافة استطلاعات الرأي منذ انتخابات العام 2016 (52 استطلاعاً)  حيث هجرتها قاعدتها الشعبية إلى الأحزاب الصغرى او المستقلين.

اليوم تحاول الحكومة استعادة وعيها السياسي وتقديم الوعود وأنها ستضع الماضي خلفها وانها ستكون حكومة لكل الأستراليين. هذا الكلام لم يقنع حتى بعض السياسيين الأحرار المخضرمين الذين فضّلوا الإنسحاب  وعدم المنافسة للبقاء في الحياة السياسية أبرزهم (وزيرة الخارجية السابقة جولي بيشوب، وزير الصناعات الحربية السابق كريستوفر باين، وزيرة أماكن العمل السابقة كايلي اودوير) وكانت النائبة السابقة جوليا بانك قد انشقت عن الحزب بعد معاناتها مع زملائها قبل الإنقلاب على مالكوم تيرنبول كما قالت.

حسب خبير استطلاعات الرأي المستقل جون ستيرتن فإن اجراءات الحكومة ووعودها المالية ما هي الا نوع من اليأس السياسي لأنها حكومة مأزومة وان هذه الخطوة جاءت متأخرة (سدني مورننغ هيرالد 6/4/2019 ص 36 قسم التحليلات السياسية).

حزب العمال والذي كان قد عانى من أزمة مماثلة ما بين عامي 2010 و2013 استطاع خلال السنوات الست الماضية أن يقدّم نفسه على انه مؤهل لأن يقود البلاد في المرحلة المقبلة حيث ظهر موحداً خلف رئيسه وقدّم سياساته للمواطنين على مراحل خلال السنوات الماضية سواء المتعلقة بتغيير النظام الضريبي أو سياسية الحد من الإنبعاث الحراري أو تطوير النظام التعليمي.

إذن، الحملة الإنتخابية انطلقت، وكما قال رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال سكوت موريسن إن هذه الإنتخابات ستحدّد مستقبل البلاد ليس للسنوات الثلاث القادمة، إنما للسنوات العشر القادمة قاصداً تخويف المواطنين من إنتخاب حزب العمال. في الحقيقة أن الإنتخابات القادمة مختلفة فعلاً لأنها المرة الاولى التي يبرز فيها الفرق بين سياسات العمال والأحرار الذين ما زالوا غارقين في شعارات الماضي التي أكل الدهر عليها وشرب مثل مقولة أن الأحرار يحسنون إدارة الإقتصاد بكفاءة أكبر، وهذا ما لم يثبت خلال السنوات الست الماضية التي ارتفعت فيها نسبة الدين العام من 13% إلى 19% بالاضافة إلى أن العمال قد انقذوا أستراليا من الأزمة المالية الي وقعت عام 2008 و2009 حيث بقيت أستراليا الدولة الوحيدة من الدول المتقدمة إلى جانب كندا بمنأى عن تداعياتها السلبية! ومن قال أن الإستثمار في التعليم والصحة لا يعتبر جزء من ادارة الإقتصاد؟!

أخيراً، إن استمرار تقدم العمال في استطلاعات الرأي دون انقطاع منذ عام 2016  وشعار العدالة الإجتماعية الذي رفعه بيل شورتن رئيس حزب العمال كعنوان لحملته الإنتخابية على صوابيته وأهميته لا يمكن أن يشكل بطاقة دخول مجانية لشورتن إلى اللودج، لأن الحملة السلبية التي تشنّها الحكومة والتخويف من وصول شورتن وسياسته الضريبية إضافة إلى أية هفوة أو خطأ يرتكبه العمال قد يكلفهم الإنتخابات كما حصل في نيو سوث ويلز مع مايكل دايلي الذي خسر الإنتخابات ومنصبه، وقبل ذلك كان جان هيوسن زعيم حزب الأحرار قد خسر الإنتخابات التي لا تخسر لصالح بول كيتنغ العمالي عام 1993 لأنه لم يستطع وقتذاك شرح خطته الضريبية جي أس تي وتأثيرها على سعر قالب الحلوى .

حتى الآن يحاول الزعيمان اللذان يفتقدان للكاريزما الشخصية الإلتزام بالحملة المضبوطة الإيقاع من قبل الأستراتيجيين داخل الحزبين من أجل إلحاق أكبر ضرر سياسي بالخصم وصولاً إلى يوم الحسم، وقد رأينا كيف رفض بيل شورتن الإجابة الثلاثاء 16/4/2019  عن أسئلة الصحافي من القناة العاشرة جوناثان لي عن خطته للحد من الانبعاث الحراري وكلفتها الاقتصادية.

يبقى أن نشير إلى أن الفائز سوف يواجه مجلس شيوخ قد يكون عدائياً إلا في حال حصول حزبي العمال والخضر على 39 مقعداً لتمرير السياسات المتعلقة بالضريبة والتغييرات المناخية التي يتوافق عليها الحزبين.

بالختام، نتمنى أن تكون الإنتخابات القادمة بداية جديدة لعهد من الإستقرار السياسي في البلاد والذي يشكل هاجس لمعظم الناخبين الذين سئموا من الإنقلابات السياسية، فهل هناك من يستطيع أن يعدنا بذلك؟!    

أما بالنسبة للوعود الإنتخابية فلا شك أننا سنرى المزيد والمزيد منها في الأيام والأسابيع القادمة، لكن العبرة تبقى في الإيفاء بها وما إذا ما كان الوضع المالي يسمح بذلك لأن ما قبل الإنتخابات ليس كما بعدها، وإن غداً لناظره قريب!

 

عباس علي مراد

 

صائب خليلمنذ تولي عبد المهدي الذي أعلن صراحة في احدى مقالاته، عن عزمه على إعادة قوانين النفط إلى ما قبل ثورة تموز، لوزارة النفط، بدأت المؤامرات على تلك القوانين وغيرها، وتسليم شركات النفط مصير العراق وثروته. وفي نهاية الدورة البرلمانية السابقة قاد هذا الرجل حملة لتمرير قانون شركة النفط الوطنية الذي كان سيضع كل ثروة العراق تحت ملكية وتصرف "شركة" من أجل تسهيل خصخصتها أو حتى حجز أموالها التي هي كل أموال العراق، عند ابسط حجة قانونية تقدمها اية شركة إلى منظمة التجارة العالمية مستقبلا. وقد وصف هذا القانون الذي تلاحقه الشرفاء من أبناء الوطن قبل ان يغور بأنيابه في جسد العراق، وصف من قبل خبير المحكمة الاتحادية بأنه قانون خطير يهدد ثروة العراق ويهدد البلاد بالتقسيم والحرب الاهلية (حمزة الجواهري).

والآن وقد تسلم هذا الرجل زمام السلطة في العراق بمساعدة من وثق الشعب بهم فخانوا الأمانة يتعرض العراق لأشد مرحلة خطيرة يمر بها. وقد سارع هذا الرجل بتنفيذ مشاريع تدمير العراق اقتصادياً من ديون مهولة واتفاقيات حرية تجارة تدمر الصناعة والزراعة في البلد بشهادة الجميع بما فيها اتحاد الصناعيين العراقيين، إضافة الى المباشرة بنشاط في تنفيذ أنبوب نفط الأردن الذي ليس للعراق فيه ناقة ولا جمل سوى إيصال مركز تصدير النفط الى فم إسرائيل وتحت نيرانها لتمكينها من ابتزاز العراق مستقبلا، وبشروط غير معلنة، وزيادة دعم الأردن من النفط.

لقد حاول هذا الرجل منذ كان في وزارة النفط ان يهاجم عقود التراخيص من اجل توقيع عقود أكثر فائدة للشركات بحجج مختلفة. وقد ساق اسباباً صحيحة في انتقاد العقود مرفقة بمبالغات واضافات من الأكاذيب لتشويه سمعتها بين الناس التي لا تستطيع ان تعرف ما يجري لأنها لا تستطيع متابعة تقنيات النفط والعقود. لكنه اضطر الى التراجع عن المشروع وقال ان ما أورده من أرقام قد اسيء فهمه الخ.

لكن الشركات لا ترتاح إلا بتغيير تلك العقود، وهي لا تريد تفويت فرصة وجود رجلها القديم على رأس السلطة على البلد، وواقع سياسي غريب فقد فيه الشعب أية سلطة على حكومته او مجلس نوابه، خاصة بعد التزويرات الأخيرة التي لم يسبق لها مثيل في البلاد منذ الاحتلال.

لذلك نرى اليوم انتشاراً غريباً ومثيراً للقلق لحملة جديدة من الهجوم على عقود التراخيص. وكالعادة يتم خلط الحقائق بالأكاذيب بشكل يصعب على المشاهد تمييزه، تحضيراً كما يبدو لاستبدالها بعقود أخرى تناسب الشركات، وتزيد من سلطتها على النفط العراقي ومستقبل البلاد.

ومن المثير للانتباه أن واحدة من اكثر القنوات الإعلامية التي تتبنى تلك الحملة هي قناة "العهد" الفضائية التي يفترض انها تخص العصائب، والتي يفترض انها لا تتورط بمثل هذه الألاعيب الأمريكية، بل تقف ضدها.

الحقائق هي أن عقود التراخيص، رغم عدم خلوها من الأخطاء الصغيرة والكبيرة، هي من افضل العقود التي تم توقيعها في العراق منذ الاحتلال، وهذا هو السبب الحقيقي لمهاجمتها. وقد قدر خبير نفطي انها لا تعطي الشركات اكثر من ربع ما تعطيه مثيلاتها في كردستان. حتى ان بعض الشركات تخلت عن عقودها في التراخيص، وذهبت الى كردستان، وهذا دليل قاطع على ان التراخيص لم تكن في صالحها كما هي الحالة في كردستان.

إضافة الى الأرباح الأكثر، هناك نقطة مهمة وبسيطة يمكن ان يفهمها أي شخص، وهي ان الشركات لا تريد فقط أرباحاً اكثر وإنما أيضا السيطرة على النفط وان يكون لها صوت في سياسة الدولة النفطية. ومن أجل ذلك هناك نوعان من العقود: عقود خدمة، وهي العقود التي تقدم فيها الشركات خدمات للدولة وتأخذ عليها اجرها دون ان يكون لها سلطة على سياستها. وهناك "عقود مشاركة" وهي التي تجعل الشركات مشاركة في النفط ولها صوت في تحديد سياسة الحكومة النفطية.

عقود التراخيص كلها هي من النوع الأول الذي يبقي النفط تحت سلطة الدولة. وعقود كردستان كلها من النوع الثاني الذي يمنح الشركات حق المشاركة في توجيه سياسة البلد النفطية. وهذا الفرق من أسباب إرادة الشركات لتغيير عقود النفط الخاصة بالتراخيص الى النوع الآخر الذي يتيح لها التحكم بكمية الإنتاج وغيرها من القرارات، إضافة إلى مضاعفة الأرباح أربع مرات. وهذا يعني عشرات بل ومئات المليارات من الدولارات على المدى البعيد، لذلك تجدون الحملة الإعلامية الشرسة على تلك العقود، وأنا قد ذكرت تكرارا في الماضي أن الإعلام في العراق مركز للأسلحة السامة وأن الإعلامي عدو للشعب، وما أزال مصراً على موقفي، فالإعلامي لا يأخذ راتبه إلا ليخدع الناس، وليس لاي سبب آخر.

ونقطة أخرى هي ان عبد المهدي رجل الشركات وأميركا وربما ابعد من اميركا. ولا يمكن بأي شكل لحكومته أن تعدل أية قوانين لتكون في صالح العراق وضد الشركات لأنها حكومة الشركات. وحتى لو لم تكن فأن هذا الأمر عسير للغاية فالشركات لن تتنازل عن مكاسبها بلا مقابل اكبر منه. وبوجود عبد المهدي في السلطة لم يعد هناك من يمثل العراق في صراعه مع الشركات، فالجانبين يعملان للشركات. لذلك يجب التحفظ والحذر من أي تغيير على القوانين او العقود الذي تقدم عليه هذه الحكومة.

من الصعب مواجهة كل هذه الحملة بأدواتنا البسيطة وإقناع الناس بموقفنا، لكننا نفعل ما نستطيع. أدناه ثلاث مقالات (1)، (2)، (3) لمن يحب الإطلاع اكثر ويفهم الموضوع، الأولى توضح بعض الغوامض حول النفط والعقود، والثانية تتحدث عن العقود بشكل خاص، والثالثة عبارة عن مناقشة بعض نقاط النقد التي وجهت للتراخيص. كما يمكن الاطلاع على المناقشات التي جرت تحت كل مقالة.

عدا هذا، فسوف اقدم دراسة مفصلة عن عقود التراخيص وتقدير حجم مشاكلها والخلل فيها، وانشرها بعد أسبوع تقريبا، وستكون موجهة للقيادات السياسية التي تريد ان تفهم الموضوع بشكل اكبر لتتخذ موقفاً أوضح منه. كذلك هناك كتب الأستاذ فؤاد الأمير المنشورة على النت وفيها تفاصيل كثيرة أيضاً.

الحذر الحذر من حكومة عبد المهدي، فهي للشركات "فرصة لا تعوض"، تماما مثلما هي للص كردستان مسعود البرزاني الذي اثخن في جراح العراق، والذي لن يرتاح إلا بتمزيقه. علينا أن نفهم ما يجري وان نبذل جهدا أكبر للفهم حتى ما لم يكن من اختصاصنا، ففي دولة بلا حكومة، بل بحكومة معادية ومجلس نواب فاسد جاء بالتزوير، وخاصة لجنة النفط والطاقة فيه والتي كانت دائما تحت سيطرة المشبوهين، يجب ان يفتح المواطن عينه على كل شيء ويصير خبيراً بكل شيء.

 

صائب خليل

..................

(1) عقود التراخيص مالها وما عليها – 1- مدخل إلى صناعة النفط وتسعيره

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1331916256865440:0

(2) صائب خليل: عقود التراخيص 2- العقود بخير.. ولكن!

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1342965345760531:0

(3) عقود التراخيص مرة أخرى – رد على الأستاذ سلام جعفر

https://www.facebook.com/saiebkhalil/photos/a.350693164987759/1353008004756265/

 

صائب خليليتعرض البصريون، في غياب تام متعمد للحكومة، إلى تعذيب وحصار مادي وإعلامي يهدف إلى دفعهم نحو البوابة الوحيدة التي تركت مفتوحة لهم: بوابة قفص الإقليم، التي تؤدي بدورها إلى بوابة الانفصال، في الجانب الآخر البعيد من الزنزانة.

ولو لاحظنا العزف على دفع البصرة نحو الأقلمة والفدرالية لوجدنا انها كانت من أول أهداف الاحتلال، وقد اشتغل عليها وعلى إقليم الجنوب اقرب الساسة اليه (لكي لا نقول كلمة مخرشة للذوق)، وجميع الفاسدين في المحافظة وبغداد، وكذلك بشكل مميز، كردستان، الجيب الإسرائيلي في رأس العراق، والتي حاولت ان تلعب ذات الدور وبوقاحة اكبر في مشروع إقليم المنطقة الغربية الذي تم وأده.

هذه الأسطر للتذكير السريع وإزالة الوهم اللذيذ بأن البصريين ثاروا من انفسهم اليوم بسبب كثرة الظلم الواقع عليهم، وأنهم هم من يقودون ذلك الحراك وانه سيبقى بحدود الإقليم لأنه تحت سيطرتهم. ويكفي ان نتذكر قناة الفيحاء ودورها في المشروع ومؤسسها المعروف بفساده التام، لإزالة كل وهم عن منبع هذه الدعوات وحقيقتها. ويكفي ان نلاحظ ان جميع الفاسدين من مؤيدي الدعوة، لنتساءل لماذا يتحمس الفاسدون للمشروع الذي يفترض انه سيقضي على فسادهم؟ 

ربما دعم جميع الفاسدون مشروع الأقلمة، لكن ليس كل من دعا اليه فاسد بالتأكيد. فالغالبية الساحقة من المتحمسين للإقليم اليوم هم من الناس الطيبين الباحثين عن حل للألم الذي يشعرون به، والخوف المسلط عليهم من مستقبل لا تبدو فيه نافذة أمل. ورغم ان هؤلاء مازالوا اقلية صغيرة نسبيا، فأن التنظيم الذي ينسق حركتهم والمبالغ التي توجه للإعلام المؤيد للمشروع، يجعلهم يبدون أكبر من حجمهم بكثير، وأكثر فعالية من الأغلبية الصامتة التي لا تجد من ينظمها او يعرض رأيها في الإعلام. وإن استمر الحال، فسوف نجد هذه الأقلية، مع الدعم، قادرة على توجيه المجرى السياسي وإعلان الإقليم، خاصة أن الحكومة والبرلمان اليوم بأيد معادية للعراق بشكل شبه تام، لا تكاد تسمع فيه صوتا وطنيا محتجاً، وسوف يتوجه لدعم المشروع كما دعموا مشاريع "شركة النفط الوطنية" و اتفاقيات عبد المهدي مع الأردن والعلاقات مع كردستان وكلها مدمرة للعراق، مرت وتمر بكل هدوء. ولا شك أن مشروع إقليم البصرة، كأي مشروع إسرائيلي، سينعم بنفس هذا الدعم والهدوء من الحكومة ومجلس النواب.

يبدو من مراقبة ما يجري، ان الإعلام الموجه لإقناع البصريين بمشروع الأقلمة يسير على الأسس التالية:

1- حرمان البصرة قدر الإمكان من الخدمات وجعل البصري "يصرخ" الماً. وهذا الجزء ممكن من خلال السيطرة على الحكومة المحلية بشكل خاص، وعلى بغداد بشكل عام، ومنع إنجاز الخدمات الضرورية لأطول فترة ممكنة. والحقيقة ان فساد المؤسسات الحكومية في البصرة يجعل تحقيق هذا الهدف ابسط بكثير. فالفساد بحد ذاته قليل الإنجاز، لكن اكثر من ذلك، فهو سهل الإغراء والابتزاز لمنعه من انجاز أي مشروع حتى لو أراد.

2- زيادة وعي المواطن في البصرة بهذه المعاناة من خلال الإعلام النشط بتسليط الضوء على كل فساد، ونشر اخباره في المدينة، واحيانا اختراع خراب غير موجود او المبالغة في الموجود لأجل تركيز الإحساس بالألم واليأس.

3- توجيه المواطن في البصرة إلى المنفذ الوحيد المتروك امامه مفتوحاً: الإقليم، من خلال توجيه الذنب في الخراب إلى حكومة بغداد ومؤسساتها، (وهي مهمة إعلامية سهلة فبغداد فاسدة وفاسديها يتعاونون مع مشروع الإقليم وكذلك كل وسائل الإعلام). وتصوير الأمر بأن بغداد هي المشكلة وأن الانفصال عنها، ولو جزئيا، سيحل المشكلة أو يقللها. أي التوجه للإقليم.

4- محاولة عزل المواطن الذي يتعرض للحملة الإعلامية الداعية للإقليم، عزله عن مواطني العراق، نفسيا وعمليا. وهذا العزل أو الفصل هو من روح فكرة الأقلمة اولاً، لكنه أيضا يدعم المشروع بشكل عملي ومباشر أيضا. ويتم العزل عملياً من خلال انشاء مجموعات (ثبت ان البعض منها من انشاء القنصلية الأمريكية في البصرة او السفارة في بغداد أو ربما حتى إسرائيل) معزولة خاصة بالبصريين. وقد حاولت الانتماء الى إحدى هذه المجموعات لكنها رفضت ان تنشر لي أي شيء. هذه المجموعات على الفيسبوك، تستهدف اغراق المواطن بالإعلام الداعي للإقليم، ومنعه جزئيا من رؤية الخلل في منطقه والتقليل من طرح الأسئلة التي تكشفه.

5- تنمية الروح الانفصالية والعدوانية تجاه العراق والعراقيين وتشجيع الهجوم عليهم، خاصة في المجموعات الخاصة، حيث يشعر المواطن في هذه المجموعات ببعض الأمان من الردود العنيفة، ويشعر بالحرية لطرح اية فكرة سيئة تخطر بباله (نفس الأسلوب الذي اتبعته صفحات مثل علي مارد الأسدي بين الشيعة واسعد البصري بين السنة (قبل نقله إلى موقع معاكس) في تشجيعهما ودفعهما لمتابعيهما للأسلوب الصلف في الكلام، ليأخذ هؤلاء الأسلوب معهم حيثما ذهبوا).

6- تنمية وتطوير "الشعور بالمظلومية" الموجهة لأبناء البصرة، ليس فقط من حكومة بغداد، بل حتى من قبل العراقيين "الناكرين" الذين "يأكلون من البصرة" ويستكثرون عليها ان تنهض، الخ. وهذا الشعور سهل التنمية بشكل خاص في المناطق الشيعية حيث تترسب في النفس آثار تاريخية طويلة جاهزة للاثارة. لكن السلاح فعال حتى ضد السنة عندما يراد استثارتهم، ونتذكر جميعا الحملة الإعلامية عن "تهميش السنة". وليس بالضرورة ان كل ما يقال عن المظلومية او التهميش هو كذب، لكن المهم هو تضخيمها قدر الإمكان وتسليط الضوء عليها، وجعلها هي الموضوع الأساسي.

7- تعميق إحساس المواطن في البصرة بالانفصال عن العراق، من خلال العلم الخاص بالبصرة ومن خلال تعابير عجيبة مثل "الشعب البصري" وغيرها، وتصوير هذا المواطن على انه يقف لوحده في خندق مقابل بقية العراقيين حتى من المحافظات الأخرى المجاورة والذين يأتون ويحتلون الوظائف والعمل في البصرة ويطردون ابناءها. كما يجري التركيز على انه لا يوجد وزراء بصريين في الحكومة.

8 – نظراً لان المشاعر العراقية مازالت قوية جدا بين أبناء البصرة، يتم تجنب الحديث عن الانفصال، والتركيز على الإقليم، وترفع الأعلام العراقية إضافة الى اعلام البصرة في التظاهرات.

9- الإشارة دائما الى إقليم كردستان وكيف ينعم بموارد ضعف نسبة نفوسه، ويصور الأمر على أنه بسبب كونه اقليما، وبدون الرجوع الى الأسباب الحقيقية لتلك الحصة (ابتزاز سياسي تقف وراءه اميركا وعملائها إضافة الى الفاسدين، بكل قوة) أو الرجوع الى الدستور للنظر إن كانت حصة محافظة ما ستزيد إن كانت ستتحول الى إقليم أم لا.

10- لا تكتفي حكومة عبد المهدي بدورها في منع بناء أي شيء وترك المشاكل تتفاقم، بل أيضا تتكفل بتقديم القرارات اللازمة لاستفزاز البصريين، وتوفير المادة الدسمة للإعلام الداعي للأقلمة من خلال إجراءات مثل ارسال رواتب البيشمركة لأربعة اشهر ودون مطالبة كردستان بحصتها من النفط.

11- إظهار حجم مؤيدي الإقليم بأكبر من نسبتهم الحقيقية من خلال تركيز اعلامي كبير.

12- دفع مؤيدي الإقليم وتشجيعهم على استخدام خطاب استفزازي تجاه الآخرين باتهامهم بالأنانية ونكران الجميل وإظهار انفسهم بصورة المتفضل، بهدف استثارة رد مقابل بالغضب والاستغناء، وصولا إلى تحقيق تباعد نفسي بين البصريين وغيرهم.

13- إشاعة المفهوم الخاطئ والخطير بأن الثروة التي تحت اقدام أي انسان، هي من حقه هو دون غيره، وأنه ان اعطى منها فهو متفضل. ويمكننا ان نتخيل مقدار الخلل الذي يمكن ان يسببه هذا المفهوم، خاصة عندما يطبق على مستوى المناطق في البلد الواحد.

14- حماية المندسين من توجيه التهم لهم او كشفهم، بهجوم اعلامي مسبق ضد الرافضين للإقليم، واتهامهم بأنهم يشككون بـ "المواطن البصري" ويخونونه، فقط لأنه يطالب بحقوقه.

من الواضح انه قد تم تخصيص موارد كبيرة جدا للمشروع، وان قنصلية اميركا والقنوات الإعلامية الكثيرة التي نبتت كالفطر بعد المطر، لم تؤسس إلا لهذا الغرض، وان مجابهتها قد تكون فوق طاقة اية قدرات فردية متطوعة، خاصة وأن الحكومة في بغداد هي جزء من المؤامرة، وأنها هي ومجلس النواب من مررا المؤامرات الأخرى كاتفاقية التجارة مع الأردن وقانون شركة النفط الوطنية المقبور وانبوب نفط العقبة والموازنة المستفزة والقروض المدمرة، ونجحوا بذلك بامتياز في معظمها وبدون ضجيج، سينجحون في النهاية بهذه الضربة القاصمة للعراق. ومادام التعذيب مستمر على البصريين، ولا يفتح لهم اي طريق بديل، فهي مسألة وقت.

 

صائب خليل

 

مصطفى غلمانأختلف مع بنكيران مثلما يختلف كل مهتم بالسياسة وشؤون البلاد. إنه ليس مجرد اختلاف عادي، مادام المنطق يفرض وجود ما يمنحني الفرصة لإبداء وجهة نظري فيما يخص تفكيك العديد من قضايا المجتمع وسياسة تدبير مرفقه الحكومي، الذي كان بنكيران جزءا من نظامه ومكونا أساسا في سلمه التنظيمي.

مبدئيا يمكن القول إن بنكيران مثله مثل باقي الفرقاء السياسيين ليس رجلا خارج مجرة واقعنا السياسي. وليس حالة مبتعثة من نظريات جاهزة، كمن يجدون في ذلك مآلا نظريا للركوب على موجة الشعبوية، أو ما يصفها البعض بالبهلوانية السياسية.

إنه رجل سياسة خرج من جبة اليسار الراديكالي "23 مارس" ذي التوجه الماركسي اللينيني، مرورا بمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي ثمانينيات القرن الماضي. وبعدها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم الاستقلال، قبل أن ينظم سنة 1976 لتنظيم الشبيبة الإسلامية. والقصة بعد ذلك معروفة.

لا أريد هنا الحكم على الرجل من موقع خطابه، الذي يجب أن نعترف باستثنائيته وخروجه عن النص السياسي التقليدي المتعارف عليه. وهي نقطة خطيرة في باراديجم التحولات السياسية والفكرية المعاصرة. من حيث كونها تثير الفضول وممارسة النقد. وقد شدت انتباه المغاربة وأعادت المتتبعين للمشهد السياسي بشكل لم يسبق له مثيل.

لكنني أستحضر خلال هذه الكلمة مجموعة من البديهيات الفكرية التي يمكن تسجيلها خلال تحليلي للظاهرة السياسية بالمغرب والعالم العربي. أولها أن حدود التماس بين النظام والببجيدي خلال فترة حكمه، ابتداء بأول حكومة بعد الربيع المغربي التي ترأسها بنكيران واستمرت إلى الخامس من أبريل عام 2017 أضحت أكثر قربا ومواجهة. بل إنها سجلت مناطق صمت كان يكرس أحيانا اختلافا في الأولويات ـ على الأقل ـ واحتداما في المرجعيات الدستورية وطريقة تدبير الإدارة في العديد من الملفات.

علاقة شذ وجذب بين بنكيران والقصر تلك خلقت مساحة ظل بتأثيرات مجتمعية وسياسية لم يسبق إليها في تاريخ مرعيات الحكم ورمزية السلطان. وهو ما يجعل من بنكيران ظاهرة كلامية شعبية في ظرفية مليئة بالمشاحنات السياسية والتجاذبات الإعلامية المثيرة.

يكفي فقط أن نذكر بمواقف جديرة بالقراءة المتأنية حينما يعمد إلى مخاطبة الملك بمجموعة من الرموز والعلامات التي يحللها أهل الاختصاص أنها "رسائل مبطنة" و " ووسائل ضغط" وردود أفعال أحيانا". ومن أمثلة ذلك كثير نذكر بعضها:" جلالة الملك عينني وأعفاني جزاه الله خيراً"، "أنا مجرد موظف في حكومة الملك"، "لا يقال لا لجلالة الملك"،  "الملك يغضب علي مرة وجوج. عادية راه سيدنا هذاك"، "الملك أحضر لوالدتي هدية من أمريكا"، "الملك جعل لي أربعة حراس يرافقونني أينما تحركت"، أنا ما مطلوبش مني رضا جلالة لملك"، "أنا مطلوب مني السمع والطاعة فيما هو واجب للدولة أو النصح من قبلي لجلالة الملك"..إلخ.

لا يمكن لمتابع سياسي أو إعلامي أن يتجاوز هذا الحس الأنطولوجي الكامن خلف ستار شخصية مركبة وعنيدة، دون أن يلاحظ وجود نسق سياسي بخلفيات أيديولوجية واضحة. فبنكيران يعرف ما يقول، ويدرك ما يريد فعله!

إن عفوية بنكيران وتلقائيته ليست بالضرورة نوعا من السذاجة العقلانية، وليس انغمارا تهريجيا كما يحب الكثير تسميته به، بل يمكن تصنيف خرجاته المثيرة والملتبسة بنوع من كسر الأعراف وتغيير الخطاب التقليدي المتعارف عليه، والواجب مراعات آدابه بين الجالس على العرش وموظفي الحكومة. وهي على أية حال أعراف غير مكتوبة تقضي بتفادي الخوض في شخص الملك وفي قراراته في الفضاء العام.

قبل ما كان يصطلح عليه الإعلام بالبلوكاج السياسي، هناك نزعات قوية لتحليل حالة التدبير الغامض الذي شاب العديد من القرارات الحكومية خلال ست سنوات من رئاسة الحكومة من قبل عبدالاله بنكيران. فقد حمل البيجيدي شعارا براقا تحت يافطة محاربة الفساد والاستبداد ولم يفعل. ضحا بحليفة حزب الاستقلال دون أسباب استراتيجية. بالإضافة إلى غياب منهجية واضحة للتفاوض لدى بنكيران. كما وأن الأخير التجأ إلى قرار الزيادة في الأسعار لحل الأزمة المالية عوض ابتكار الحلول واستقطاب الاستثمارات الدولية وتشجيع الاستثمار الوطني لرفع نسبة النمو للخروج من الأزمة. بالموازاة مع ذلك فشل في الحد من مشاكل دعم المواد الأساسية التي كان يراهن فيها على عملية إصلاح صندوق المقاصة، وأغلق باب الحوار مع الفرقاء الاجتماعيين النقابات، وبالتالي تم فتح الباب أم المجهول وتأجيج الاحتقان الاجتماعي. وانحدرت ميزانيات التعليم والصحة إلى أرقام غير مسبوقة، ما انعكس على صحة المواطنين وتعليمهم وقوتهم اليومي.

هذا بالإضافة إلى عديد مشاكل كانت بالأساس تسبب للمغرب حرجا كبيرا إقليميا ودوليا، من بين ذلك تدهور وضع حقوق الإنسان وتضييق الحريات ومحدودية الالتزام الحكومي بالبرامج المعلن عنها تنمويا وثقافيا ومجاليا.

عموما فإن بنكيران جاء في زمن انتقالي، لم يكن فيه الفراغ الديمقراطي أقل شأنا من مدبريه. فالرجل الذي كان يمثل حزبا سياسيا إسلاميا لم يخبر متاهات الحكم سابقا، ولا كان ممن يؤول إليهم العقد لولا مشيئة أقدار الربيع العربي، الذي اصطفى تجربة احتضان الطوبيا الإسلامية، قبل أن ينبذها أو ينقلب عليها.

إنه أخطأ فيما أخطأ فيه جميع مع سبقوه، راهن على أحصنة خاسرة، وخرج من الحكومة ولم يخرج من القرار الحزبي الذي لا زال يديره من خلف الستار.

بنكيران يمثل شريحة ليست باليسيرة في شعب كان يحتاج لمن يقود أول حكومة بعد دستور 2011 أعطى هامشا لا بأس به لأجل إصلاح ما تبقى من أحلامنا، لكنه فضل التعايش المتردد المسلوب مع ساكني القصر، وهو بذلك يفوت عليه فرصة قراءة الحكمة التي تقول:" ما لا تنجزه اليوم لن ينجز غدا، ولا يجوز للمرء أن يفرط في أي يوم. إن العزم ينبغي عليه أن يمسك بالممكن من ناحيته بشجاعة وعلى الفور. إنه لا يريد أن يفر منه، بل يواصل العمل لأنه ليس منم ذل بد".

وهو ما وقع فعلا !!

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

 

ابراهيم أبراشلأن السلطة والحفاظ عليها أصبحا من منظور غالبية الطبقة السياسية الفلسطينية الحاكمة في الضفة الغربية وقطاع غزة أهم من الوطن، ولأنه ليس بعد وصول هؤلاء للسلطة إلا البحث عن كل ما يكرس هيمنتهم وإطالة عمرهم الوظيفي، كما أن وجودهم في السلطة يخفي عجزهم وفشلهم عن تحقيق ما وعدت به الشعب، لكل ذلك تلجأ هذه الطبقة أو النخبة السياسية لعدة وسائل أو ميكانزمات لإلهاء الشعب وإخضاعه وهي تستلهم أسوء ما في تجارب الأنظمة العربية، مع اضافات ذات خصوصية مستمَدة من الواقع الفلسطيني .

 من أهم هذه الميكانزمات أو الوسائل :

1- تضفي على سلطتها شرعية وهمية وفاقدة الصلاحية سواء كانت شرعية تاريخية أو دينية أو ديمقراطية، والتاريخ والدين وانتخابات المرة الواحدة لا تمنح شرعية سياسية .

2- الاستعانة بالأجهزة العسكرية، سواء كانت أجهزة أمنية رسمية أو ميليشيات وجماعات (مقاومة) لفرض سطوتها وسلطتها، بحيث يمكن القول بأن ما يحكم في مناطق السلطتين هي الأجهزة الأمنية أو حكم (العسكر) .

3- تلجأ للبروباغندا والديماغوجية موظفة خطابا انشائيا ممجوجا يكرر الحديث عن الثوابت والمقاومة والدين والتاريخ المجيد والمصلحة الوطنية، فيحل خطاب التمسك بالثوابت محل الثوابت نفسه، وخطاب المقاومة محل المقاومة، والخطاب الديني وتمظهراته الشكلية محل الدين ذاته، ويتم استحضار الأموات من السلف الصالح والشهداء بشكل مُبَالغ فيه ويقِّولونَهم ما لم يقولونه وينسبون لهم أفعالا لم يقوموا بها، كل ذلك لإخفاء عجزهم وفشلهم .

4- المبالغة في الحديث عن الانتصارات السياسية والعسكرية وهو حديث لا ينطلي إلا على السُذج من الشعب، فكيف تكون انتصارات فيما إسرائيل تواصل احتلالها ومشاريع الاستيطان والتهويد والأسرلة تتواصل في الضفة والقدس، وقطاع غزة ما زال محتلا وفاقدا للسيادة ويعاني من نتائج موجات متتالية من العدوان ومن حصار متواصل وأخيرا يتم مقايضة المقاومة برواتب موظفين وتسهيلات معيشية ؟ .

5- احتكارها للمؤسسات والأجهزة الرسمية الشرعية منها وغير الشرعية والمؤسسات الاقتصادية والخدمية والأجهزة الأمنية والمليشيات المسلحة .

6- تحكَّمها بمصادر التمويل الخارجي سواء التي تأتي بطرق رسمية أو غير رسمية، من فوق الأرض أو من تحتها، أيضا تَحَكُّمها بمفاتيح الاقتصاد المحلي وحركة التجارة .

7- في ظل اقتصاد ضعيف يعيش أغلبيته على التمويل والمساعدات الخارجية جعلها في موقع التحكم في أرزاق الناس من رواتب ومساعدات اجتماعية وحَوَّل الراتب إلى لعنة وأداة خضوع وهيمنة، حيث الراتب مرتبط بالولاء الحزبي بل والشخصي أحيانا .

8- سيطرتها على وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية من تلفزيون ووكالات أنباء وصحافة، حتى وسائط التواصل الاجتماعي لا تسلم من رقابتها .

9- انتاج نخب جديدة طفيلية تابعة لتروج أفكارها إعلاميا وعبر وسائط التواصل الاجتماعي وتستعملها كالعصا الغليظة لقمع وتشويه من ينتقدها أو يكشف فسادها .

10- شراء الذمم بالمال والتغاضي عن فساد نافذين في السلطتين والأجهزة الأمنية والأحزاب وصُناع الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني، كما أن القيادات الكبرى في السلطتين توظف في مناصب عليا وحساسة شخصيات ضعيفة ويشوبها الفساد حتى تضمن تبعيتها لها تحت تهديد كشف فسادها المالي أو الأخلاقي .

11- تُعظِم إعلاميا من خلافاتها الداخلية وتصطنع أعداء داخليين لتبرر عجزها عن مواجهة إسرائيل وحتى تتهرب من استحقاق الوحدة الوطنية، وهي في هذا السياق غير معنية بإنجاز مصالحة وطنية حقيقية بل تسعى لتقاسم مغانم السلطة في ظل واقع الانقسام .

12- تلجأ لإستراتيجية الإلهاء بحيث تُلهي الشعب بمشاكل الحياة اليومية، من رواتب والبحث عن وظيفة وأقساط البنوك ومشاكل الكهرباء والماء وتصاريح السفر الخ، حتى لا يفكر الشعب بالقضايا الوطنية الكبرى وحتى يبقى الشعب بحاجة يومية لهذه النخب .

13- يشتغل رموزها الفاقدون للشعبية على إثارة النعرات الجهوية والمناطقية والعائلية للبحث عن الولاء الشخصي، حتى وإن أدى ذلك لضرب وحدة النسيج المجتمعي .

14- عدم الحزم في التصدي لانهيار المنظومة القيمية وانتشار المخدرات والفساد الأخلاقي مما يضعها في شبهة الاتهام بتقصد ذلك حتى تُلهي الشعب وخصوصا فئة الشباب بهذه الأمور وتبعدهم عن الاهتمام بالشأن الوطني العام .

وأخيرا، إذا كانت النخب السياسية الحاكمة وصلت لطريق مسدود وغير قادرة على تحقيق اختراق سواء على مستوى العملية السلمية أو على مستوى المقاومة أو بالنسبة للمصالحة والوحدة الوطنية فعليها أن لا تُسقط فشلها وعجزها على الشعب بالزعم أن الخلل في الشعب وأن هذه إمكانياته وقدراته أو التذرع بالمؤامرات الخارجية، فالفشل فشلهم وليس فشل الشعب والفساد فسادهم وليس فساد الشعب .

الحل يكمن في تغيير النخب السياسية من خلال انتخابات على كافة المستويات مع إدراكنا بأن النخب المتسيدة على رقاب الشعب ستزعم أيضا أن الظروف غير مهيأة للانتخابات وهو زعم مرفوض، أو من خلال انتفاضة شاملة في مواجهة الاحتلال وكل الأطراف التي تريد الحفاظ على الوضع القائم .

 

د. إبراهيم ابراش

 

 

محسن الاكرمينالحقيقة التي ممكن أنها ضاعت منا جميعا، حين افتقدنا لغة النقد للأحداث التفاعلية اللصيقة بين تجليات الماضي الذي ما انفك يمضي  ومظاهر الحاضر الذي مافتئ يجيء. هو اعتراف لن يكون مضمنا بالتعويم، بل يجب أن يكون عنصرا منفردا ورئيسا للبحث، وبه بالضبط ينبغي البدء.

ما أسباب تناوب فشل مخططات التنمية بالمغرب؟، هل الفساد والريع له جذور ثابتة تأتينا من الماضي؟، كيف يمكن تحقيق تنمية تفاعلية في حاضر لازال يئن من مظاهر فساد آت من التاريخ الماضي؟، كيف لنا أن نستشعر تاريخا مشوشا ممكن ألا يحدث في المستقبل بفعل رؤية ضبط استشرافية نسلم من أزماتها المدوية؟.

حقيقة لا مفر من ذكرها حين أصبح النقد عندنا يرتبط بكلام الفوضى ونعوت السلبية، ولا يخرج سالما من خلق منصات الالهاءات ومفرقعات الطواحن الهوائية. حين صار البعض منا يركب على سلم النقد ولا يستوفي ترتيب المتغيرات بين الماضي والحاضر، حين بات النقد مرادفا لسوء لعنة السب والشتم، ويصيب الأشخاص بدل التدبير والأفكار.

حقيقة للكتابة سحر منهج تاريخي، يسجل الأحداث الماضية ويعالجها بالبحث والتقصي والنقد من أجل فهم واقع الحاضر. وهي أحداث حاضر تتكرر لزوما بطرق مشابهة مع اختلاف الأدوات والمتغيرات ولما حتى النتائج. لنقل صدق الحق ونعترف أن  صورة الماضي الحاضرة بيننا ممكن استغلالها في تفكيك أحداث شبيهة في حاضرنا أو في مستقبلنا لسد متاريس الفساد، كما أعتبرها من البراهين التي من خلالها يمكن استشراف المستقبل بدون حواجز سالبة.

حقيقة المحفز الذي شجعني على ركب مغامرة الكتابة عن (المنهج التاريخي) هو أني أبتغي فتح نقاش سليم وعقلاني يربط الماضي بالحاضر والمستقبل الذي ما فتئ يجيء بمتغيرات غير متحكم فيها بالتمام، هو أني أطمح إلى فتح نقاش خصب يؤسس لرؤية النقد البناء دون خلفية الهدم التي تسكن البعض منا،هو أني أرى تاريخنا ساكنا لا يكشف لنا عن مفاتنه ولا يضع تفسيرا حقيقيا عن مكاشفة عوراته الماضية السالبة. الآن، ممكن أن نقول حان الوقت لتفكيك متلازمة المتغيرات، وعدم الثقة بأي متغير غير صادق لمجابهة أحداث الحاضر بثقة وأمان.

نتساءل وبدون استحضار أجوبة مسلمات، هل الماضي يتحكم في الحاضر من خلال توارث الفساد والريع ؟، هل حقا ضيعنا نصف قرن من التنمية  الفعلية في جدال سياسي بين الأحزاب الوطنية والقصر؟، هل بتنا نكرر تلك التجربة (البوليميك) بمتغيرات أخرى ومواصفات رديئة أشعلت التناحر بين الأحزاب السياسية بعينها، بدل الانكباب على شق التنمية العادلة؟، هل بمقدورنا حل المشكلات المعاصرة على ضوء خبرات الماضي الصامت بكفن الفساد؟، هل من اللازم حل مشكلات الماضي بجبر الضرر والتصالح مع كرامة الشعب، والقضاء على الفساد والريع؟، هل كنا نعيش كرامة العيش بالماضي تجاه إخفاقها في الحاضر؟، ما هي أولويات بدء الإصلاح والتصالح مع الذات والآخر والعيش المشترك؟.

نعم نعيش مشكلات وضعية مستجدة في حاضرنا، نعيش رواسب فساد وريع خبرتنا الآتية من ماض محفوف بالعراقيل المميتة، نعم نعيش مشكلات نكوص تفكير تلازمنا حتى من الماضي القريب من الحاضر، بقوة أنها لم تتخلى عن صور الفساد والريع والوصولية والانتهازية، ولازالت تحمل معها تفكير قصص تاريخ ( حديدان وجحا)  المستوفية للغة سلوكية قائمة على النصب والاحتيال وتثبيت فواصل الفساد في العقول والأرض.

حقيقة أننا لا نقدر على المزاوجة بين (النص /المبدع /المتلقي/ الأثر)، لكني أعتبر مظاهر الحاضر المتشنج بالتوتر، هو نتاج لتلك التنمية الطريحة في  فراش أمراض الفساد والريع الماضية. تنمية فشلنا بفضح رواسب مظاهرها في الحاضر/ الماضي  سواء منها الخصبة أو القاحلة.

حينما  أصبحنا لا نمتلك القدرة على توصيف حلول لمشكلات الحاضر بالتصويب والتعديل الحكيم، لأن أصحاب الفساد والريع لا يريدون حلولا كاشفة، بل يعيشون النشوة والترقي الاجتماعي من مستنقع الأحداث غير السليمة.

 

ذ. محسن الأكرمين/ المملكة المغربية.

 

صائب خليل"الحرس الثوري الإيراني" لن يجد إعلان وضعه على قائمة الإرهاب، أمراً مخجلاً، حين يعرف من سيكون برفقته في قوائم الغرب تلك. بل لعل بعض الشخصيات والمنظمات فيها، ما يدعو للفخر، ومنهم رمز السلام واللاعنف نفسه، المهاتما غاندي! فقد بيعت في مزاد علني عام 2013، وثيقة بريطانية تعود إلى عام 1932، وصفت غاندي وحركة العصيان المدني التي يقودها بـ "الإرهاب" ووصفت الاعمال التي تقوم بها الحركة في البنغال، بالأعمال الإرهابية!(1)

حين يوصف أعلى رمز انساني لـ "اللاعنف" بالإرهاب، يصبح من حق المرء أن يتساءل عن معنى تلك الكلمة، وهل يبقى فيها بالفعل إساءة إلى من يوصف بها... أم العكس؟

وفي سابقة أخرى مثيرة، لم تتردد أميركا بوصف مانديلا، الذي حمل جائزة نوبل للسلام لاحقا، بالإرهابي، وإبقاءه في تلك القائمة لسنوات طويلة حين كان يزعج الحكومة العنصرية في جنوب افريقيا، التي كانت اميركا وإسرائيل من اشد داعميها. وحين سقطت تلك الدولة بفضل كوبا (المتهمة هي أيضا من قبل اميركا) وتعاون الشعوب على فضحها، وبدا أن هذا "الإرهابي" مانديلا سيقود البلاد، لم تكتف أميركا برفعه من لائحة الإرهاب، بل قلده الرئيس الأمريكي اعلى الأوسمة الأمريكية، ليرأس لاحقاً اول حكومة لا عنصرية لجنوب افريقيا!

وقبل فترة وجيزة وضعت الحكومة البريطانية الجناح السياسي من "حزب الله" في ذات القائمة، رغم انه جزء أساسي من البرلمان والحكومة اللبنانية، ورغم ان بريطانيا تعترف بالتمثيل النيابي للجناح السياسي للحزب الجمهوري الإيرلندي، الحزب الذي مارس الإرهاب وتفجير المدنيين بحق، وفي داخل لندن وايرلندا! وهذا يضع المزيد من علامات الاستفهام على تلك التسميات.

وقد كسب حزب الله هذا اللقب إثر قتاله لتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، وبقي على لائحة الإرهاب الأمريكية، التي امتنعت أوروبا عن مشاركتها، رغم الضغوط الامريكية المتزايدة، حتى انفردت بريطانيا بالإذعان لها مؤخرا.

بالمقارنة كان حزب مانديلا "المؤتمر الوطني الأفريقي" قد ناضل لخمسين عاماً نضالا سلميا، لكنه لم يتمكن من تحرير بلاده من العنصريين البيض إلا بحمل السلاح، حين قال مانديلا انهم جربوا كل الطرق الممكنة وكانوا يجابهون دائما بأشد العنف، ثم اكتشف أنه "في لحظة معينة، تكتشف انه لا يمكن محاربة النار إلا بالنار". وهكذا قرر ان يصبح "إرهابيا" فيدافع عن نفسه وشعبه بكل الطرق، ومن ضمنها الكفاح المسلح ضد العنصرية. وفي سجنه الطويل، رفض مانديلا التعهد بعدم حمل السلاح مقابل اطلاق سراحه. وحين تكلل جهاده بالنجاح، ولم تعد محاربته مجدية، وفقد لقب “الإرهابي” جدواه، تراجعوا واعطوه جائزة نوبل للسلام!

832 غاندي

غاندي لم يستخدم العنف ابداً، لكنه قال بوضوح انه لا يسمح للجبن ان يختبئ وراء مبدأ "اللاعنف" وانه لو خير بين الخنوع للظلم والعنف، فإنه سيختار العنف. لم يضطر غاندي لاختيار العنف، لكن ذلك لم يمنع دولة الغرب العظمى حينها أن تمنحه شرف لقب "إرهابي"!

وهكذا، نجد في كل مرة أن تعريف الإرهابي، بأنه من يدافع عن نفسه ووطنه وحقه في حياة عادلة. وكنتيجة منطقية، يمكن الشك بكل من لم يحظ بشرف لقب إرهابي، بأنه قد يكون متخاذلاً في الدفاع عن نفسه وشعبه! وعندها تصبح هذه التسمية تصبح إشكالية بشكل كبير، خاصة عندما يتم تغيير لقب الإرهابي مباشرة الى مناضل، او حتى حامل لجائزة نوبل للسلام، عندما تقتضي مصلحة دولة ما ذلك!

تغيير الإرهابي إلى بطل أو حليف ليس حالة نادرة. فأعضاء القاعدة طالما وصفوا بأنهم رجال التحرير والأبطال، حينما كانوا يحاربون الحكومة الشيوعية الأفغانية، لكنهم تحولوا إلى رمز للإرهاب بعد انتفاء الحاجة لهم، وبعد مسرحية 11 سبتمبر كان لقبهم الإرهابي ضروري لإعطاء الضوء الأخضر للولايات المتحدة لتشن الحروب كما تشاء في المنطقة ولتنتهك القوانين الدولية في كل مكان، حتى في أوروبا وأميركا وكندا وغيرها.

وفي مناسبة أخرى، وصف كلنتون "جيش تحرير كوسوفو" بأنه "منظمة إرهابية بدون أي شك"، ثم تم تحويله لاحقاً إلى "قوات حماية كوسوفو" التي عملت الى جانب حلف شمال الأطلسي في عملية تحطيم يوغوسلافيا، التي كانت الدولة الاشتراكية الوحيدة التي صمدت للعاصفة، وتم انتخاب أغيم شيكو القائد السابق للجيش "الإرهابي"، رئيسا لكوسوفو بمباركة أمريكية طبعاً.

منظمة التحرير الفلسطينية كانت "إرهابية" عندما كانت تدافع عن الشعب الفلسطيني، لكن ما ان وقع رئيسها عرفات اتفاقيات مناسبة مع إسرائيل حتى أخرجت المنظمة ورئيسها من القائمة عام 1994، ليحصل أيضا على جائزة نوبل للسلام... وأي "سلام"!

وكان نتانياهو قد كشف قيادة إسرائيل لأميركا في مسألة وضع الحرس الثوري في قائمة الإرهاب كما في غيره من مواقفها في الشرق الأوسط حين صرّح: "إن الرئيس دونالد ترامب قد استجاب "لطلبي"، شاكراً إياه لذلك، وهو ما يثير المزيد من الشكوك في دوافع تلك الحركة.

في العراق، وضعت عدد من المنظمات والحركات التي سعت لطرد الاحتلال الأمريكي من العراق، والتي لم تنثن عن موقفها في ذات القائمة، مثل حركة النجباء وامينها العام اكرم الكعبي، ولا ندري ما سيتمخض المستقبل عنه.(2)

رداً على وضع حرسها الثوري في قائمة الإرهاب، بادرت إيران مبادرة جميلة ومثيرة للاهتمام، وأعلنت اعتبار القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة "جماعات إرهابية"، والولايات المتحدة "دولة راعية للإرهاب"!(3)

وبعد هذه المبادرة الإيرانية، يصبح التساؤل مطروحاً ومشروعا في كل مكان في العالم: أيهما هو الإرهابي؟ تعريف من للإرهاب يجب ان نتبع؟ وأي القائمتين هي الأصدق؟

لذلك دعونا نسأل أولاً: ما هو الإرهاب؟ ومن نسأل عن تعريفه؟ اميركا أم إيران؟

أميركا تحت إدارة ترمب لا تبدو بوضع يؤهلها لتحديد من هو الإرهابي، لأن هذه الإدارة سجلت رقما قياسياً في عدد المجرمين المدانين فيها، متفوقة على كل الإدارات الأمريكية السابقة الفاسدة والمجرمة. حيث تمت ادانة عدد من اهم المسؤولين فيها بجرائم وصلت احكامها إلى اكثر من سبع سنوات في السجن!(4) وقبل ثلاث سنين وصف جومسكي الحزب الجمهوري الأمريكي بأنه أصبح "اخطر منظمة على البشرية في التاريخ"!(5)

دعونا نعطي أميركا فرصة أخرى بالعودة الى إدارات أقل اجراماً ونرى تعريفها للإرهاب.

يقول البروفسور اليهودي الأمريكي نعوم جومسكي: "هناك تعريف رسمي تجده في القانون الأمريكي أو كتب تعليمات الجيش الأمريكي، وفي احدها تجد: "الإرهاب هو استعمال العنف أو التهديد باستعماله، وبشكل محسوب للوصول إلى اهداف أيديولوجية، سياسية او دينية، من خلال الترهيب والإجبار أو زرع الخوف."

الإدارات الأمريكية رفضت استخدام هذا التفسير للإرهاب في مشروع معاهدة دولية ضد الإرهاب بمبادرة رئيس الأمم المتحدة السابق كوفي عنان، لأن ذلك يورطها بنتائج لا تناسبها، كما يقول جومسكي، الذي يكمل: فالسياسة الامريكية القائمة على "الصراع المخفف" تكاد تنطبق على هذا التعريف! لذلك يجب صياغة التعريف بشكل "مناسب" (للولايات المتحدة).

ويشير جومسكي إلى حادثة معبرة فيقول أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت قراراً شديد اللهجة لإدانة موجة الإرهاب التي حدثت في كانون الأول عام 1987، ودعت جميع الدول لمحاربته بكل الطرق. نتيجة التصويت مواقفة جميع الدول عدا الهندوراس التي امتنعت عن التصويت، وصوتت بالضد، الدولتان المعتادتان، الولايات المتحدة وإسرائيل.

لماذا تصوت الولايات المتحدة وإسرائيل بالضد من قرار يدين الإرهاب؟ هناك سبب: السبب هو وجود فقرة في النص تقول:

"لا يفهم أي جزء من هذا القرار على انه يحدد من حق الشعوب المكافحة ضد الأنظمة العنصرية والاستعمارية، أو الاحتلال العسكري الأجنبي، في الاستمرار بمقاومتهم وبمساعدة الآخرين، والدول الأخرى الداعمة لقضيتهم العادلة".

المشكلة هنا أنه كانت هناك قوة "إرهابية" (في نظر اميركا وإسرائيل) في جنوب أفريقيا هي "المؤتمر الوطني الأفريقي"، بينما كانت حكومة جنوب افريقيا العنصرية حليفة لهاتين الدولتين والقرار يعني دعم المؤتمر ضدها. وهناك أيضا المناطق الإسرائيلية المحتلة. وكذلك كانت إسرائيل تحتل جنوب لبنان وتتعرض لمقاومة حزب الله "الإرهابي" (في نظرهما)!

ويشير جومسكي أن اميركا لا تضع الفيتو فقط على هذه القرارات، بل تمحوها من التاريخ أيضا. وانك لو بحثت في مصادر الإرهاب فمن الصعب ان تجد ذكراً لهذه الحادثة.(6)

هذا كله يجعل الأمر اكثر صعوبة بالنسبة لأميركا ويدفعنا نحو تعريف ايران. لكن دعونا نتساءل ببساطة: من هو الإرهابي؟

الإرهابي هو من يرهب الناس، فممن يخاف الناس العاديون في العالم؟ من تعتبر الشعوب الأخطر بالنسبة لها، أميركا أم الحرس الثوري الإيراني؟

الخارطة المرفقة تمثل تصويت الشعوب على هذا السؤال، ونلاحظ أن الغالبية الساحقة من الشعوب تتفق مع ايران ان أميركا هي التي ترهبها، والحقيقة انه عدا اميركا وكندا وبريطانيا ودولة أوروبية أخرى لا يبدو ان احداً يخاف من ايران أو حرسها الثوري.(7)

نلاحظ ربما ببعض الدهشة ان من ضمن الشعوب التي تعتبر اميركا اخطر الدول، استراليا والعديد من دول أوروبا وتركيا واليابان، وكذلك كل دول جارتها أميركا الجنوبية، والمكسيك التي قال احد رؤسائها يوما: "مسكينة المكسيك.. ما ابعدها عن الله واقربها من أميركا"، ويبدو ان المكسيكيين متفقون مع رئيسهم ذاك على هوية الإرهابي.

وهناك قصة أخرى عن الإرهاب بين اميركا والمكسيك: فقد اجتمع الرئيس الأمريكي السابق جون كندي مع وزير خارجية المكسيك ليدعوه للتعاون بينهما لـ "درء الخطر الكوبي"! فابتسم الوزير واجابه: "بودي التعاون معك يا سيادة الرئيس، لكني اخشى إن قلت لشعبي أننا نخشى الخطر الكوبي، أن يموت 40 مليون مكسيكي من الضحك"!

ولا ندري لماذا لا يموت الكنديون أو غيرهم من الضحك ، حين يقال لهم أن "الحرس الثوري" هو الذي يمثل الخطر عليكم وانكم يجب ان تخافوه وليس الدولة التي تصرف على جيشها بقدر ما تصرف جيوش العالم مجتمعة، وتتشر 900 قاعدة عسكرية في العالم، مجهزة بأشد الأسلحة النووية ويحكمها اليوم عصبة من المجرمين المتهورين.

 

صائب خليل

...........................

 

 (1) British Parliament paper declaring Gandhi a terrorist

https://www.mullocksauctions.co.uk/lot-60927-quotrare_british_parliament_paper_declaring_gandhi_quotquott.html?p=26

(2) وضع حركة النجباء وامينها العام اكرم الكعبي ضمن قائمة الإرهاب في اميركا

https://www.facebook.com/mazin.poayge.7/videos/148310889529748/

(3) إيران تعلن الولايات المتحدة «دولة راعية للإرهاب»

 http://alwasat.ly/news/international/241373

(4)  Mueller indictments: everyone charged in the Russia investigation - Vox

 https://www.vox.com/policy-and-politics/2018/2/20/17031772/mueller-indictments-grand-jury

(5) Noam Chomsky: 'The Republican Party Has Become the Most Dangerous Organization in World History' - EcoWatch

 https://www.ecowatch.com/noam-chomsky-trump-2093271018.html

(6) جومسكي عن تعريف الإرهاب ومحو الحقائق

http://www.inf.fu-berlin.de/lehre/WS06/pmo/eng/audio/Chomsky.pdf

(7) map-of-nations-question-which-country-largest-threat-world-peace

https://www.indy100.com/article/map-of-nations-question-which-country-largest-threat-world-peace-donald-trump-7590086

 

علي جابر الفتلاويما يجري في ليبيا والبلدان العربية الأخرى هو صراع بين تيارين كل منهما يدعي المرجعية الدينية السياسية، التيار الوهابي بقيادة السعودية، والتيار الديني الآخر بقيادة حركة الإخوان المسلمين، ولا أرى فرقا بين التيارين في التطرف، وتكفير الآخر المختلف، والتصالح مع المغتصب الصهيوني، يتبنى خط حركة الاخوان في الساحة السياسية اليوم، قطر وتركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية، إضافة للأحزاب السياسية الدينية التابعة لحركة الأخوان الموزّعة في البلدان العربية والإسلامية  تحت مسميات مختلفة؛ اختلاف في العناوين والاسماء والفكر والاتجاه والهدف واحد. المال السعودي موظف لخدمة الحركات والتنظيمات والحكومات الواقعة ضمن دائرة النفوذ الوهابي للحكومة السعودية، والمال القطري موظف لخدمة جماعات الاخوان حكومات وأحزاب سياسية دينية، ومنها حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا، وكلا الاتجاهين السعودي والقطري مُجنّدان لخدمة المصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة.

الهدف الرئيسي للمحورين التسابق في أيهما يقدم  خدمة أكثر للسيد في البيت الأبيض وتل أبيب، وهذا الأمر بات واضحا مكشوفا، من خلال استعراض الساحة السياسية العربية والإسلامية، ومؤشرات ذلك هرولة ولهاث دول المحورين باتجاه مشروع التطبيع مع إسرائيل، لتهيئة الظروف المناسبة لصفقة القرن السيئة الصيت لتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي، بمباركة أغلب الحكومات العربية، ولا ننفي وجود بعض السياسيين في العراق يعملون ضمن المحور السعودي أو القطري، لكن هؤلاء لا يستطيعون الإعلان عن أنفسهم، إنما يتصيدون الفرص في ذلك، لوجود التيار السياسي الشعبي الأقوى المناوئ للمشروع الأمريكي الصهيوني.

المحوران السعودي الاماراتي، والقطري التركي، يتنافسان ويتسابقان في تنفيذ المشروع الأمريكي الصهيوني، وحكومة أردوغان جزء من هذه اللعبة، لهذا اتخذ الشعب التركي قراره في تصفية حكومة العدالة والتنمية الاخوانية من خلال نتائج الانتخابات الاخيرة التي جرت يوم 2/ 4/ 2019م، إذ جاءت النتائج لصالح المعارضة، لكن من المتوقع أن يلغي اردوغان هذه الانتخابات التي خسر فيها حزبه وربما تعاد بهدف تغيير النتائج لصالح حزب العدالة والتنمية.

 هذه طريقة الاخوان المسلمين في التعامل مع العملية الديمقراطية، وهذا ما جرى في مصر عندما وصل الأخوان للسلطة بسلّم الديمقراطية، جماعة الأخوان المسلمين يرون أنّ فوزهم يعني نزاهة الانتخابات وخسارتهم تزوير لها، يطالبون بالديمقراطية، حتى إذا وصلوا كرسي الحكم، يحطمون قواعد اللعبة الديمقراطية السلميةة، كي يبقوا في الحكم بشكل دائم. وهذا ما يريده اردوغان وحزبه اليوم، فدعا لإعادة العدّ والفرز.

صراع المحورين مجرد صراع نفوذ، والهدف لكلا المحورين السيطرة على الحكومات على حساب مصالح الشعوب، سباق من أجل كسب ودّ السيد الأمريكي الصهيوني على حساب مصالح الشعوب المظلومة والمؤيدة لمحور المقاومة؛  ما يجري في الساحات العربية اليوم هو نتيجة من نتائج توظيف المال الخليجي المنهوب من شعوب هذه البلدان، توظيفه في خدمة المشروع الأمريكي الصهيوني. واجب المحورين خلق الأزمات والحروب والارهاب في المنطقة، إتجاه مدعوم من المال السعودي، وآخر مدعوم من المال القطري، وكلا الاتجاهين مدعومان من المحور الأمريكي الصهيوني، وسيبقى المحوران في صراع لإضعاف الشعوب  وإيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوفها، وفي حال رأت الحكومة الأمريكية والصهيونية أن المصلحة في توحيد مواقف المحورين فستتوحد، وتزول الخلافات فورا، فالهدف المركزي لأمريكا وإسرائيل من خلال أدواتها من الحكّام، إيقاع أكبر نسبة من الخسائر في صفوف شعوب المنطقة، حتى ترضخ أخيرا للمشروع الأمريكي الصهيوني في صفقة القرن، وغيرها من المشاريع.

كانت الخدمة التي تقدمها حكومات المحور السعودي أو القطري إلى إسرائيل تجري في الخفاء، لكنّها انتقلت اليوم إلى مرحلة جديدة، إذ أصبحت مسارات التطبيع مع إسرائيل علنية، وكذلك العمل من أجل صفقة القرن التي يباع فيها الشعب الفلسطيني وفلسطين من أجل عينيك إسرائيل، زيارة الوفود الصهيونية إلى الحكومات الخليجية أصبحت علنية، بعد أن كانت تجري في الخفاء، فلا خوف أو حياء بعد اليوم.

ما يجري اليوم في ليبيا يقع ضمن محور صراع الاتجاهين السعودي الاماراتي الوهابي من جهة، والقطري التركي الاخواني من جهة أخرى، التيار السعودي الاماراتي في الساحة العربية اليوم هو الأقوى، خاصة بعد سقوط حكومة محمود مرسي الإخوانية في مصر، وكان للمال السعودي الاماراتي وبقية دول هذا المحور دور كبير في اسقاط حكومة الاخوان، فتولى الحكم عبد الفتاح السيسي الذي يسير الآن وفق معطيات وتوجيهات محور السعودية.

الشعب الليبي اليوم هو ضحية صراع المحورين السعودي القطري، حكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السراج، مدعومة من الاتجاه القطري التركي، مما دعى الاتجاه السعودي الاماراتي ومحورهما، لدفع خليفة حفتر قائد الجيش ليقود حراكا عسكريا ضد حكومة فايز السّراج التي أيدتها الامم المتحدة لتقود الفترة الانتقالية، لكن ذلك لم يعجب السعودية والامارات ومحورهما من الدول العربية ألأخرى، فدعوا خليفة حفتر قائد الجيش الليبي، الذي يسير بتوجيهات محور السعودية، لاسقاط السّراج لأنّ القضية هي صراع نفوذ ومصالح، تحرّك حفتر بدفع المال السعودي الاماراتي ومحورهما مع تأييد حكومات هذا المحور مثل حكومة عبد الفتاح السيسي، والنتيجة  ضحية هذا الصراع على السلطة، سفك المزيد من دماء الشعب الليبي، ومثل هذا الصراع جرى أيضا في الساحة السورية، ولا زال في بعض المدن السورية مثل ادلب، إذ تتصارع مجموعات إرهابية تابعة للمحورين.

مشهد مأساوي يُعرَض اليوم في الساحة الليبية، المشاهدون بين من يبكي بدموع تُقرّح الخدود من أبناء الشعب الليبي ومحبيه، وبين مُصفّق ضاحك فرح بما يشاهد من سفك للدماء، الفرحون هم الصهاينة والأمريكان والذيول من الحكام خاصة حكّام الخليج، الذين يدفعون المال بسخاء من أجل القتل والدمار، أصبح المال الخليجي مصدر للخراب والقتل ليس في الساحة الليبية فحسب، بل في جميع ساحات الدول العربية والإسلامية، ما شاهدنا ونشاهد اليوم من قتل وتخريب في سوريا واليمن والعراق وليبيا، مصدره المال الخليجي الموظف لخدمة المشاريع الامريكية الصهيونية في المنطقة، أما بقية الحكام العرب، منهم من يصطف مع المحور السعودي الاماراتي أو القطري التركي، والغالبية من الحكام العرب يميلون للمحور السعودي، كحكومة عبد الفتاح السيسي المصرية، لذا أصبحت مصر اليوم هدفا لإرهابيي الخط القطري التركي التابع لحركة الاخوان المسلمين، وكلا المحورين تحت رعاية ونفوذ الحاكم الامريكي والصهيوني.

نحن نعيش في عصر الانحاط العربي، وآخر تصريح خليجي جاء من وزير خارجية عمان يوسف بن علوي، عندما دعا إلى طمأنة إسرائيل وتبديد مخاوفها بشأن استمرارية وجودها، وجاء تصريحه في مؤتمر (المنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الاوسط وشمال أفريقيا)، المنعقد في منطقة البحر الميت بالأردن بتأريخ 6/4/2019م، جميع حكام الخليج موظفون عند الحاكم الامريكي، ينفذون ما تريده أمريكا، لذا فالعلاقات الخليجية الاسرائيلية مستمرة ولم تنقطع في السّر أو العلن، إذ زار نتنياهو عمان في وقت سابق، وهناك زيارات متبادلة مع اسرائيل بين جميع دول الخليج، ودول عربية أخرى علنية أو سّرية، أما مصر والأردن فالعلاقات علنية فهناك تبادل سفراء.

 في عصر الانحطاط هذا:

هل نتوقع من هؤلاء الحكام العرب في كلا التيارين، انتصارا للمظلوم على الظالم؟؟ لا نتوقع ذلك، فعلى الشعب الفلسطيني، بعد وضوح الصورة، أن يعتمد على الله أولا، وعلى نفسه والأخيار الذين يقفون إلى صفّه ثانيا، والقاعدة الإلهية الجهادية تقول: في الصبر والصمود بوجه الظالم، ينتصر المظلوم عاجلا أم آجلا.

 

علي جابر الفتلاوي

 

كاظم الموسويعادت من جديد تظاهرات العمال في أركان الوطن المبتلى، الغني بالثروات والطاقات والفقير بالإنجازات والخدمات. كانت التظاهرات العمالية مؤشرا واضحا عن انسداد افاق التعاون بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال والعمل، وكانت السلطات تواجهها بالنار والحديد. واليوم عادت التظاهرات لتكشف عن استمرار الأزمة وان اختلفت الظروف.

الحركة الصناعية والتجارية في العراق تعرضت لضربات قاتلة وخطط مميتة، فعطل العمل في الكثير من المصانع والمعامل، ولكل اسبابه، وأبرزها الحروب والصراعات الحربية العسكرية الدموية. ومن بقي من المصانع والمعامل لم يجر تحديثه وتطويره والحجج كثيرة والتبريرات اكثر. ولما تزل خطط الاعمار والنهوض العمراني في العراق موضع جدل وتباين رؤى، لأنها إذا ما نفذ منها ما يخدم تطوير البلاد وتقدمه فإن هناك من يعمل بالضد منها ويسعى فعليا للإعاقة والتاخير، ولا يجد أحد جوابا شافيا كافيا لما عليه الحال اليوم.

أغلب التظاهرات سلمية وبقيادة أو بتنسيق مع النقابات، ومطالبها مهنية وتركز على المصالح الوطنية، فمثلا عمال محافظة ديالى يطالبون بصرف أجورهم ومستحقاتهم المتأخرة، وفتح المصانع ودعم المنتج المحلي. وعمال محافظة النجف يطالبون بزيادة الأجور وضمان الحقوق التقاعدية. أما عمال محافظة كركوك فكانت مطالبهم بتفعيل الصناعة المحلية وعدم استقدام أياد عاملة من خارج البلاد، كذلك طالبوا بحقوقهم، وحماية المنتج الوطني ودعم الصناعة. وفي محافظة البصرة تظاهرة نظمها اتحاد نقابات العمال بالاشتراك مع غرفة الصناعة في المحافظة للمطالبة بحماية المنتج الوطني ودعم قطاع الصناعة للنهوض بالاقتصاد العراقي.

قال رئيس غرفة الصناعة في البصرة ماجد رشد عبد الله لوكالة أنباء "السومرية نيوز"، إن "المشاركين في التظاهرة احتشدوا قرب مقر اتحاد نقابات العمال في شارع السعدي للمطالبة بدعم المنتج الوطني ودعم الصناعات الوطنية وتحسين ظروف العمال وتقديم تسهيلات كمركية خلال استيراد المواد الأولية"، معتبراً أن "الاقتصاد العراقي لا يمكن أن ينهض ويتطور من دون تشجيع الصناعة الوطنية وحماية المنتج المحلي من المنتجات المستوردة المنافسة".

رئيس اتحاد نقابات العمال في البصرة جاسم محمد الصالحي  صرح للوكالة نفسها، إن "مطالبنا الأساسية هي دعم الصناعة الوطنية، وتمكين القطاعين الخاص والمختلط، وتقليل الاعتماد على الثروة النفطية، وحماية حقوق العاملين في المنشآت والمشاريع الصناعية"، موضحاً أن "من الضروري تشغيل المصانع الحكومية المعطلة، وتفعيل السيطرة النوعية للحد من تدفق البضائع المستوردة الرديئة ". ولفت الصالحي الى أن "التظاهرة تزامنت مع تظاهرات مشابهة في محافظات أخرى دعا اليها الاتحاد العام لنقابات العمال"، مضيفاً أن "مطالبنا ستقدم من قبل الاتحاد الى مجلس الوزراء، وستكون لنا تظاهرات ووقفات أخرى في حال عدم تلبيتها".

واضاف رئيس الجمعيات الفلاحية في البصرة حامد عبد الله بإن "تنشيط القطاع الصناعي سوف يقلل البطالة ويلقي بظلاله بشكل ايجابي على قطاعات أخرى من ضمنها الزراعة"، مبيناً أن "القطاع الزراعي بحاجة الى وجود معامل للألبان ومصانع للتعليب وإنتاج منتجات زراعية من بينها معجون الطماطم".

اما عمال محافظة كربلاء فقد أعلنوا عن  13 مطلباً في تظاهرتهم امام اتحاد النقابات العمالية في المحافظة للمطالبة بحقوقهم المشروعة. وكانت أهم المطالب في بيان التظاهرة، التي تلخص أغلب المطالب وتعبر عن وضع العمال والعمل والنقابات:

1 ــ عمال العراق بناته الحقيقيون يناشدون الحكومة بتلبية مطاليبهم المشروعة وتفعيل الصناعات الوطنية.

2 ــ الاتحاد العام لنقابات العمال يطالب الحكومة بحماية المنتوج الوطني.

3ــ الطبقة العاملة العراقية تدعو الحكومة في دعم القطاعين الخاص والمختلط والتعاوني وتفعيل دورها في دعم الصناعة الوطنية لتحجيم البطالة.

4ــ اعادة الحياة والادامة الى مصانعنا واعادة العمال الى المصانع والشركات هدفنا ولن نتراجع عنه أبداً.

5 ــ صناعتنا هويتنا/ شعار يرفعه عمال العراق لتحقيق الازدهار والنمو الاقتصادي للوطن صناعتنا مطلبنا.

6 ــ البطالة آفة المجتمع/عمال العراق يطالبون ب"الحد" من استيراد العمالة الاجنبية.

7 ــ حماية المنتوج الوطني تقع مسؤليته على عاتق الحكومة ونطالب بايقاف استيراد السلع المماثلة وقوتنا في النهوض في صناعتنا.

8 ــ شهداء الطبقة العاملة العراقية/ شموع انارت طريق النضال لتحقيق المصالح العمالية.

9 ــ تثبيت عمال الاجور اليومية والعقود للعمال.

10 ــ تخفيض نسبة 50 % من الضمان الاجتماعي للعاملين المشمولين بقانون التقاعد.

11 ــ الاسراع بتوزيع قطع اراضي مقررة للعمال حسب كتاب رئاسة الوزراء المرقم {30092} في 25 / 9 / 2013 .

12 ــ مطالب عمال النقل في كربلاء/ مرائب كربلاء على الارصفة نطالب بتوفير كراجات رسمية بدلا من الساحات الاهلية اسوة بالمحافظات الاخرى.

13- زيادة حصة النفط للمخابز والافران مع تخفيض أسعار الوقود.

ومثل عمال كربلاء وباقي عمال المحافظات حمل عمال وفنيون في وقفة احتجاجية في محافظة الموصل مطالب ايضا متكاملة ومتابعة للمطالب العمالية في العراق الجديد.

بعد تصاعد التظاهرات العمالية انتبه السياسيون لها ودعوا إلى تفعيل العمل النقابي وتشكيل مجلس اعلى للاتحادات والنقابات المهنية. وهو مطلب عمالي قبل أن يكون مدخلا سياسياً، أو نشاطا إضافيا للأحزاب والقوى السياسية.

حسب بيان تلقت وكالة "الغد برس" نسخة منه، إن "تعزيز العمل النقابي وتفعيل دوره ستكون له انعكاسات ايجابية في اقامة بنيان اجتماعي واقتصادي مزدهر، فضلا عن رفع المستوى المعيشي للشرائح الكريمة من قوى الشعب العامل واحتضان الكفاءات والطاقات والاستفادة من خبراتها على الصعيد الوطني".

وتابع البيان "عقدنا لقاءات مع العديد من الاتحادات والنقابات البارزة في العراق، وقد استجاب العديد منها لتلك الدعوة وفي مقدمتها الاتحاد العام لنقابات العمال واتحاد الصحفيين العراقيين واتحاد الجمعيات الفلاحية والاتحاد الديمقراطي لطلبة العراق ونقابة الفنانين ونقابة المحامين ونقابة المهندسين الزراعيين"، داعيا الى" تأسيس مجلس اعلى للاتحادات والنقابات والجمعيات المهنية، ليكون الممثل الحقيقي المدني لقوى الشعب العراقي العامل".

تصاعد التظاهرات مؤشر واضح للأزمة المتفاقمة وجرس انذار مبكر ودعوة للبحث عن حلول استراتيجية للتنمية والعمران والتقدم في العراق الجديد. كما أن تجاهلها أو عدم الإنتباه لها وتلبية مطالبها يسهم في العرقلة والتأخر ودمار البلاد والعباد.

 

كاظم الموسوي

 

يوسف ابوالفوزكان المعتقد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وهزيمة هتلر وحزبه النازي، بأن أوروبا ستواصل السير باتجاه مغاير، خصوصا مع النجاحات التي صارت تحصدها أحزاب اليسار، والتي نجحت في شمال أوروبا ببناء نموذج "دولة الرفاه"، الذي يعتبر نموذجا متقدما قياسا ببقية الدول الرأسمالية في الغرب حيث الدولة هي المسؤولة عن القيام بالدور الأساسي في حماية وتوفير الرفاه الاقتصادي.

وساعد انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف القوي لليسار العالمي، وظهور نظريات مثل "نهاية التأريخ" التي تروج لكون الرأسمالية هي الحل، ساعد كثيرا في اشتداد تأثير ونمو قوى الاحزاب اليمينية التي تدعو "لإصلاحات" اقتصادية، تقف في مقدمتها الدعوة لخصخصة قطاع الدولة في ظل العولمة الرأسمالية، وان تحقيق نجاحات ميدانية جزئية في حل معضلات اقتصادية تتعلق بالتضخم والبطالة، ساعد قوى اليمين للنمو والصعود لتكون طرفا مشاركا ومهما في العديد من الحكومات الاوروبية. هذا الدور الذي سرعان ما تطور بحيث حققت الاحزاب اليمينية، صعودا أهلّها لتقود الحكومات في العديد من البلدان الاوروبية.

وساهم انهيار الاتحاد السوفياتي، في كشف ان احزاب اليسار تملك مشاكلها وأزماتها الذاتية، فيما يتعلق ببناها الداخلية والفكرية، وواقعية برامجها وشيخوخة آليات عمل يتطلب منها استيعاب المتغيرات السريعة في العالم مع تزايد تأثير ثورة الاتصالات. هذا الانهيار أيضا، جعل خارطة الأعداء والأصدقاء، تتغير، فنهاية الحرب الباردة، كانت الايذان لبدء حرب جديدة. فبروز الاتحاد الأوروبي كقوة اقتصادية وسياسية، ونموذج دولة الرفاه أصبحا مما يقض مضاجع الشركات الاحتكارية والبنوك الكبرى ومنظري "الليبرالية الجديدة" الذين تشير اصابع الاتهام لهم في اغتيال "اولف بالمه"، الاشتراكي الديمقراطي السويدي، الذي اغتيل بشكل غامض عام 1986 وكان من اشد المعارضين والمكافحين ضدها ومدافع بقوة عن نموذج" دولة الرفاه".

نجحت أحزاب اليمين المتطرف في اللعب على المشاعر القومية للمواطن الأوروبي، وتقديم برامج انتخابية محملة بالوعود، مستثمرة أخطاء حكومات أحزاب اليسار، ونتائج الازمات الاقتصادية العالمية والمحلية، خصوصا الأزمة المالية العالمية عام 2008 وعام 2011، وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، والاسعار في المواد الغذائية ووسائل النقل والسكن والخ.

تحركت قوى اليمين بطرق مبتكرة وحيوية، تعتمد التواصل المباشر والاثارة، بين صفوف الشباب خصوصا، وطرح شعارات صارخة حول معالجة التفاوت في الدخل ورفع الضرائب على ذوي الدخول العالية، وتحسين المعاشات التقاعدية وتحديد سن التقاعد ومعالجة سياسة الهجرة وضرورة خفض معدلاتها مزايدا حتى على برامج القوى اليسارية. فنجحوا في الوصول الى برلمانات العديد من دول الاتحاد الأوروبي، ونجحوا في اخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مدعومين بشكل مباشر وعلني من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" ممثلا للتيار الشعبوي اليميني.

في فنلندا، كان وجود حزب الاتحاد الوطني الفنلندي (يمين معتدل)، في حكومات مشتركة متعاقبة، فرصة لليمين المتطرف للاستفادة من الحياة الديمقراطية، لإيصال عناصر متطرفة للعمل تحت قبة البرلمان الفنلندي للترويج لأفكارهم ومفاهيمهم، هذا إذا اعتبرنا "الإسلام فوبيا" ومعاداة السامية وخطاب الكراهية برامج أيديولوجية. لهذا لم يكن مفاجئا تأسيس حزب يميني متطرف في فنلندا مثل"الفنلنديين الحقيقيين"، بعد انسلاخ شخصيات متطرفة من حزبي الوسط والاتحاد الوطني الفنلندي والتحقت بهم أسماء نشطة في صفوف منظمات النازية الجديدة، وكان نصرهم الأكبر يوم الفوز في انتخابات 2015، واشتراك ثلاثة أحزاب يمينية في تشكيل الحكومة، التي سماها الشارع الفنلندي "حكومة الأغنياء".

وساعد وجود احزاب اليمين في الحكومة الفنلندية، ونشاط شخصيات شعبوية متطرفة، في نمو خطاب الكراهية لتتبناه وتعتاش عليه قوى متطرفة، تعتمد اساليب الاثارة السياسية والتصريحات النارية، وترفع شعارات تلائم مزاج الشارع المتذمر، اضافة الى اعتماد برامج تعارض الهجرة ووجود الاجانب عموما، ساعد كل هذا على خلق أجواء مناسبة لنمو الحركات العنصرية وانتشار افكارها بشكل واسع، وثم تأثيرها على مزاج الشارع الفنلندي.

 وعضدت ذلك موجة الهجرة في عامي 2016 --2015 التي لم تكن فنلندا مستعدة ومتهيئة لها لوجستيا وفكريا. يمكن القول أيضا انه خلال العقدين الأخيرين تغيرت شخصية وسائل الاعلام الفنلندية، اذ تسلل خطاب الكراهية الى بعض الصحف الفنلندية. ولابد من الإشارة الى أن هناك قطاعاً من المهاجرين للأسف بخرقهم للقوانين وتجاوزاتهم المتكررة وارتكابهم جرائم التحرش والاعتداء الجنسي، ساهموا في إعطاء الفرصة لقوى اليمين والعنصريين والاعلام الموجه، لنشر خطاب الكراهية، الذي خلق الخوف والتوجس عند الكثير من الفنلنديين.

وهناك سؤال يمكن مواجهته كثيرا: ألم يكن المهاجرون القدامى يرتكبون مخالفات وجرائم مختلفة؟ الجواب نعم بالتأكيد، لأنهم بشر وغالبيتهم جاءوا من نفس المجتمعات التي جاء منها المهاجرون الجدد، لكن يجب ان نعرف أن عدد المهاجرين لم يكن كبيرا، وعليه فالمخالفات كانت تبدو نسبيا محدودة العدد، والاهم لم يكن هناك نشاط ملموس للجماعات العنصرية تعتاش على هذه المخالفات، ولم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي تعمل ليل نهار في نقل الاخبار والمبالغة بها لأهداف سياسية.

ان فنلندا، كدولة مدنية دستورية، لا يزال نظامها يحرّم العنصرية ويمنع التفرقة بين المواطنين، وتحكمها المؤسسات والقوانين، وان الاحزاب اليمينية، التي شكلت الحكومات الأخيرة، هي المسؤولة عن التغيرات السلبية في المجتمع الفنلندي. وباعتقادي انه ومع تزايد اعداد حملة الجنسية الفنلندية، من بين صفوف المهاجرين،  فأن هذا يجعلهم  ورقة انتخابية مهمة، فبإمكانهم ان يكونوا عاملا حاسما في قطع الطريق على قوى اليمين وعدم عودتها للحكم مرة اخرى، وذلك بالتوجه الى صناديق الاقتراع في 14  من نيسان الجاري، واختيار المرشح المناسب من أي قوى يسارية، لأجل الحفاظ على نموذج دولة الرفاه، التي تحاول قوى اليمين، التي تعزز وجودها بتشكيل أحزاب جديدة، تقويضه والقضاء عليه، ولأجل قطع الطريق على استمرار خطاب الكراهية وسياسة معاداة المهاجرين، والاهم لأجل ان يعيش الجميع بوئام وسلام ويساهموا في بناء حياة سعيدة للأجيال القادمة.

 

يوسف أبو الفوز

 

عبد الخالق الفلاحالادارة الاميركية برئاسة الرئيس دونالد ترامب كانت قد اعلنت في ايام الاعداد للانتخابات وما بعدها ان الولايات المتحدة الامريكية هي من اسست الارهاب. وهي المسؤولة عن الكثير من الجرائم من خلال ايجاد طالبان في افغانستان لمحاربة التواجد السوفيتي السابق بالاعتماد على تصريحات وزيرة الخارجية الامريكية السابقة هيلاري كلنتون للاعلام وكذلك ما نصت عليه في مذكراتها لتلقي الضوء على مشكلة هذا العصر الذي تأجج فيه الارهاب وادى الى تفاقم اوضاع العالم بهذه الوتيرة من التردي في البناء الانساني في ايامنا الحالية وتكون خطراً رئيسياً على السلام والامن الاقليميين والدوليين وانتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية وميثاق الامم المتحدة. حيث ليس من المعقول أنه فى الوقت الذي يتم فيه اعتماد قرارات دولية مهمة منها قرار مجلس الأمن رقم ٢٣٥٤ بشأن الإطار الدولي الشامل لمكافحة الخطاب الإرهابي تقوم بعض الأنظمة والحكومات بإنتهاك تلك القرارات علانية عن طريق التحريض على الإرهاب ودعمه وتمويله وتسليح وإيواء الإرهابيين وهي تعلم مسبقاً أنها لن تكون عرضة للمحاسبة أو المساءلة.

ان الاتهام بالارهاب لمؤسسة حكومية مثل الحرس الثوري الايراني عملية لخلط الاوراق يراد منها وحماقة واستهتار وهلوسة المال الخليجي لايران فوبيا وسابقة خطيرة بالعلاقات والسيادة الدولية وان شعار مكافحة الارهاب أصبح سلاحاً تستخدمه أميركا باحترافية ضد من يقف أمام مصالحها أو يدعم من لا ترغب هي أن يدعمه أحد، والمتابع لاتهامات الجور هذه يراها انتقائية وظالمة في معظمها ولا تتعدى الامكانيات الموجودة للتعامل مع هذه الظاهرة دون حرص بالمستوى الحقيقي يستهدف استئصال جذورها فكرياً وايجاد وسائل اصلاحية تربوية ومنظومة من القيم الانسانية لمحاربته بنبذ الارهاب والتطرف والعنف اينما كان .إلا ان المشهد الذي وقعت الولايات المتحدة الامريكية في خطئه من خلال دعم الحكومة الحالية للكيان الاسرائيلي برئاسة نتانياهوفي الانتخابات (كما ظهر بالصورة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يبتسم ويصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اكثر الطرق الرئيسيةفي الكيان (والتي حصلت على نتائجها حسب التقارير المعلنة و المجموعات الارهابية سياسيا وعسكريا باموال الدول المتهلوسة وتراجعها عن تعهدها بتمويل مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بمبلغ مليونى دولار كما خفضت مستوى تمثيلها فى مؤتمر وكالات مكافحة الإرهاب وتتحمل مسؤولية جميع التداعيات التالية لهذا الاجراء التعسفي والعملية الطائشة والخطرة و لم تسعف ارادتها أن تنسلخ تماما مما اتهمت به منذ اكثر من 16 عاما تماما بما قامت به من جرائم وأصبحت تعشق رائحة الدم ومنظر جثث الأبرياء والأطفال وتنكل بهم وتسومهم سوء العذاب كما هي في اليمن وتتفنن في تعذيبهم قبل القضاء عليهم بأبشع الطرق بيد عناصرها الممولة من التحالف الدولي المرتبط بهم والمجهزة بأحدث الاسلحة والطائرات المقاتلة .

 أما الكيان الصهيوني الإسرائيلي فهذا بعيد كل البعد عن قائمة الإرهاب رغم جرائمه في حق الفلسطينيين على مدى قرن من الزمان، التي فاقت في شنعها محرقة الهولوكوست المزعومة ولا يمكن الهروب منها ، فرمت التهمة على دولة جارة هي قد نالت من الارهاب مانالت وقدمت ما قدمت من دماء وارواح وتقف بوجه الارهاب بالمال والسلاح وقدمت ما قدمت من العطاء المالي للقضاء عليه في منطقة الشرق الاوسط في دول مثل العراق وسوريا واليمن حيث وقفت الى جانب شعوب تلك الدول للخلاص من هذه الافة الخبيثة وهي على وشك الانتهاء منه وهي الجمهورية الاسلامية الايرانية ولدور حرس الثورة الاسلامية في مواجهة القاعدة وداعش والنصرة وباقي الجماعات الارهابية يحظى بالتقدير من قبل شعوب وحكومات الدول المتضررة من تلك الجماعات وقراراتخاذه كمنظمة ارهابية يكون قد اتخذ افضح قراراته الغير منطقية حيث كانت هذه القوات دائماً في الخط الاول لمواجهة الارهاب والتطرف في المنطقة .هذه الخطوة قد تجعل مسؤولي الجيش والمخابرات والمؤسسات الاميركية في المنطقة عرضة لاجراءات مشابهة من جانب الشعوب الغاضبة من ممارساتها وجعلها ان تقف امام محاولة فرض السياسات الامريكية العدائية على المنطقة كي لا تعيش حالة من الابهام ، لان مشاکل المنطقة والتی نشأت معظمها من السیاسات العقیمة للدول الامبريالية وعلى رأسها واشنطن، لیس فی اصدار مثل هذه القرارات التي لاقیمة لها بل فی التخلی عن السیاسات المحابیة للارهاب ودولها الداعمة وانهاء الغطرسة والعمل على رفع قدرات الدول من خلال تقديم مساعدات لأجهزة مكافحة الإرهاب التابعة لها، خصوصاً في ظل اتخاذ التنظيمات الإرهابية من أراضي الدول التي تعاني فراغاً أمنياً وصراعات داخلية حيث تتخذها مسرحاً ومنطلقاً لتنفيذ مخططاتها العدائية ضد مختلف دول العالم». وضرورة تفعيل آليات مكافحة استخدام شبكة الإنترنت لتجنيد العناصر الإرهابية، خصوصاً الشباب، والتحريض على العنف والإرهاب ونشر الكراهية وازدراء الأديان، و الإرهاب والتطرف العنيف لا يمكن ولا ينبغي ربطهما بأى ديانة أو جنسية أو حضارة أو جماعة عرقية . مع ضرورة عدم الخلط بين التحريض على العنف والإرهاب وبين الحق في حرية التعبير عن الرأي، وأهمية اغلاق المواقع التي تتضمن المحتوى التحريضي للارهاب ودعم والقبول بمطالب شعوب وحکومات المنطقة لنیل الاستقلال والحریة وتحقیق التقدم والازدهار والحیاة الکریمة. عليهم فضح ارتباط ووحدة المصالح الرئيسية لجميع هذه الدول، على الرغم من التناقضات الثانوية في المصالح التي تظهر أحيانًا وتؤدي إلى اندلاع الصراعات بينهم

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

علاء اللاميحين قلنا قبل فترة إن مشروع "إقليم البصرة" هو محاولة مشبوهة لإحياء مشروع الاحتلال البريطاني في العشرينات من القرن الماضي فصل البصرة عن العراق، أو التهديد بذلك بعد ثورة العشرين مباشرة لضمان دوام تبعية العراق لبريطانيا، اتهمنا البعض بالتطرف والقصوية وفبركة الاستنتاجات. وهاهو أحد قادة المحاولة الجديدة لإقليم البصرة وعضو المجلس المحلي في المحافظة كريم الشوك يعلنها صريحة على الملأ ويقول (إن فكرة إقليم البصرة تمتد لـ 98 عامًا)، أي إلى السنة نفسها الذي جرت فيها أول محاولة لفصل البصرة عن جسدها العراقي، أما زميله الإعلامي "من مدرسة المتصهين فخري كريم" سرمد الطائي، وهو أحد المروجين المتطرفين للمشروع المشبوه فيعود بفكرته إلى ما قبل أربعة قرون! بل ويتحدث صراحة عن ضرورة الوصول إلى حل وسط "بين العراق والبصرة" جاعلا إحدى محافظات الوطن ندا وطرفا مستقلا في مواجهته. وربما يقصد الطائي بكلامه عن مشروعه ذي أربعة قرون، ربما يقصد الثورة العراقية الثلاثية إن كان قد سمع بها حقا. وهي تمرد قبلي مسلح قادة ثلاثة من كبار شيوخ القبائل في الجنوب والوسط سنة 1787 ضد الحاكم المملوكي في بغداد والتابع للسلطنة العثمانية داود باشا، وهم الشيخ سليمان الشاوي شيخ قبيلة "العبيد" والشيخ حمد آل حمود شيخ قبيلة "الخزاعل" والشيخ ثويني العبد الله شيخ "اتحاد المنتفك القبلي". ولكن سرمد الطائي - إذا كان يقصد فعلا هذه الثورة -  يزور الحقائق التاريخية تزويرا صريحا لأن هذه الثورة لم تكن ثورة "بصرية" بل عراقية استقلالية مناهضة للتفريس والتتريك معا، وقد ورد في المذكرة "المضبطة" التي وجهها الشيوخ الثلاثة باسم قبائلهم إلى الباب العالي في إسطنبول بلغة تلك الأيام ما يلي ( فإنه لا يصلح لولاية العراق عموما ولوزارة بغداد وتأمين الطريق إلا الشيخ ثويني العبد الله فإنه هو الأسد الذي يحميها من العجم) فأين أولئك الشيوخ العراقيين العرب الميامين من تخليطات بيادق المحاصصة الطائفية التابعين للأجنبي.

ومثلما صفق واحتشد الصهاينة بالأمس لتأييد محاولة مسعود البارزاني الانفصالية من أمثال المحرض الصهيوني برنار ليفي، يحتشد اليوم لتأييد إقليم البصرة أمثال زميله المحرض الصهيوني إيدي كوهين الذي راح يغري البصريين بأنهم على طريق الرفاه والازدهار مثل إمارة دبي إذا أقاموا إقليمهم. ويكفي دعاة الإقليم عارا أن من هرع لتأييدهم هو هذا الشخص!

أما التابع لتركيا أثيل النجيفي فقد راح يتلمظ ويستعيد ذكريات ودروس وعبر حلمه في "إقليم الموصل" وهو المتهم بتسليمها الى عصابات التكفير الداعشية ومطلوب إلقاء القبض عليه من نظامه وراح ينثر النصائح المريبة تحت شعار " لا تلوموا أهالي البصرة على المطالبة بالإقليم"! وهناك أصوات مشجعة لهذه الجريمة الوشيكة حتى من بعض الساسة الفاشلين في المنطقة الغربية والذين أفشلت جماهير الأنبار وصلاح الدين مساعيهم لإقامة الإقليم السني قبل سنوات قليلة، لهذا فأصواتهم أكثر خفوتا الآن!

والواقع، فإن التأثير الأكبر والدور الأفعل في الحملة الراهنة هو لساسة الأحزاب الشيعية الطائفية في البصرة والذين اجتمع ممثلوهم في جلسة طارئة واستثنائية، وكأنهم ينفذون انقلابا أو مؤامرة سوداء رغم أن أغلبهم متهمون بالفساد، في المجلس المحلي وجمعوا عشرين توقيعا تأييدا لبدء مشروع الأقلمة عمليا. وهذه هي المحاولة الثالثة في عهد ما بعد الاحتلال. ومن نواب ومسؤولي الأحزاب المؤيدة للمشروع ذكرت وسائل الإعلام: النائبة زهرة البجاري من حزب آل الحكيم صاحب مشروع الإقليم الشيعي في الجنوب والوسط بعد الاحتلال مباشرة في عهد رئيسه عبد العزيز الحكيم، و عبد السلام المالكي عن ائتلاف "دولة القانون"، وكأن عار مجزرة سبايكر وسقوط الموصل بيد داعش لا يكفي هذا الائتلاف وقادته، ومن تحالف الفتح النائب عدي عواد، أما الأطراف الأخرى فمنها من ينتظر الأوامر والتعليمات من الخارج ومنها ما ينتظر اللحظة الحاسمة لينتهزها انتهازا. ومن الأفراد والشخصيات يأتي في المقدمة النائب السابق المتهم بالفساد محمـد الطائي و القاضي والوزير في عهد بريمر وائل عبد اللطيف وأعضاء مجلس البصرة العشرون وفي مقدمتهم كريم الشوك.

* عادل عبد المهدي لم يعلق بشيء رسمي حتى الآن، ولكن دعاة الإقليم يروجون لمواقفه وتصريحاته القديمة المؤيد للأقلمة ويذكرونه بها، ومن ذلك بيانه في سنة 2007 حين كان نائب رئيس حزب المجلس الإسلامي الأعلى، والذي قال فيه ( إن المجلس الأعلى يحث كافة القوى السياسية على العمل جاهدة للتوصل إلى اتفاق نهائي في تشكيل الأقاليم لكي يستقر الوضع في البلاد... فبدون النظام الفيدرالي لن يكون بمقدور العراق التقدم... نحن نصر على أن الفيدرالية مطلب شعبي ودستوري). وهم يعتبرون وجود عبد المهدي اليوم في قمة الهرم السلطوي فرصة لا تعوض لتحقيق المشروع البريطاني القديم، ويهددون باللجوء إلى التصعيد إذا تم إهمال وعرقلة محاولتهم هذه كما حدث من قبل.

* يقول عبد المهدي و يكرر معه البعض من حسني النية "ولكن المطالبة بإقامة الإقليم مطلب دستوري"! نعم، هو مطلب دستوري، ولكن أي دستور تقصدون؟ وبأية شروط وآليات؟ إنه دستور دولة المكونات الطائفية والعرقية الذي تمت فبركته في عهد الحاكم الأميركي بول بريمر من قبل بعض الجهلة بالدستور وعلومه وبدعم من جهات طائفية لها أهدافها الخاصة وبتدخلات مباشرة من قبل الصهيوني نوح فيلدمان والمرتشي بيتر غالبريت. ( وقد عاد غالبريث اليوم – ويا للمصادفات وهي كثيرة ومنها رفع علم إقليم البارزاني في لقاءه مع ملك الأردن عبد الله وأخيه فيصل وإهمال رفع علم العراق ورغم أن البارزاني لا يحمل أية صفة رسمية سوى أنه زعيم حزب سياسي محلي– وقد أعلن غالبريث في ندوة نقاشية نظمت في واشنطن بإشراف الخارجية الأميركية وأعلن أن موقف الخارجية الأميركية القائم على احترام وحدة أراضي العراق خطأ استراتيجي ويجب الوقوف ضده بعنف). وهذا دليل آخر على أن كل الشرور تأتي من هذا الدستور المتفجر بالكوارث والمصائب ولا مستقبل للعراق باستمرار وجوده. لقد أصبحت عملية فبركة الإقليم من أية محافظة فأكثر أسهل كثيرا من تشكيل فريق للعبة "المحيبس الرمضانية" في أية محلة بغدادية وكل هذا بهدف تسهيل تفتيت العراق وإزالته من الوجود بأيادي أبنائه! غير أن الانتباه والتمييز مطلوبان هنا، فليس كل مواطن في محافظة البصرة يطالب بالإقليم مشبوه أو عميل يريد تقسيم العراق، إذ أن الملايين من المواطنين في الجنوب يعانون الأمرين من إهمال وفساد الحكومة الاتحادية والمحلية والمحافظين اللصوص، والذين سرق أحدهم وكان من حزب آل الحكيم ما سرق ثم هرب الى البلد الذي يحمل جنسيته "أستراليا" ونعني ماجد النصراوي. وبين المنادين بالإقليم كثيرون من المضللين والمغرر بهم والذين يجهلون جذور وأهداف المشروع الحقيقية والذين أضر بهم النظام وألقى بهم في شوارع البطالة والفقر والمرض، وهؤلاء أهلنا ويجب الإصغاء إليهم وتوعيتهم بأن الحل ليس في تطبيق الدستور الاحتلالي المشؤوم الذي أوصلهم الى هذه الحالة بل في الشطب عليه وإعادة كتابته وإنهاء نظام المحاصصة ودولة المكونات وإقامة دولة المواطنة الحقيقية. ولكن ماهي الخلفية التاريخية لدعوة الإقليم والانفصال في البصرة ومتى وكيف بدأت؟

* لأخذ فكرة واضحة ومبسطة عن مشاريع فصل البصرة عن العراق بصيغة إمارة مستقلة أو شبه مستقلة أو إدارة منفصلة عن بغداد مع بقائها ضمن العراق في صيغة قريبة من الإقليمين في دولة واحدة آنذاك، وعن موقف الاستعمار البريطاني المنافق والذي لم يتجرأ على فصل البصرة تماما، وهو الخارج لتوه من معامع ثورة العشرين الكبرى ملطخا بالدماء والهزائم، فاتخذ موقفا مركبا يرفض التقسيم وفصل البصرة لفظيا ويستعمل الانفصاليين كبعبع ضد الدولة العراقية كما تؤكد الوثائق التاريخية، هذه رؤوس أقلام سريعة من دراسة مطولة حول الموضوع للباحثين العراقيين د.علي عظم الكردي من جامعة الكوفة و د.محـمد الجزائري وتجدون رابطا يحيل إليها في نهاية هذا المنشور، مع تسجيل تحفظي على بعض ما ورد فيها، وخصوصا عدم التوقف التفصيلي عند ردود الفعل الشعبية ضد الإقليم والتي رصدها باحثون ومؤرخون آخرون، والتي تؤكد أن مؤامرة فصل البصرة قبرت بفعل ردود الفعل الشعبية البصرية الهائلة ضدها:

1- في 20 آذار 1920 وجه التاجران عبد اللطيف منديل الدوسري وهو من أصول نجدية وأحمد الصانع الكويتي المولد ، واللذان كان على علاقات مهمة بالبريطانيين من قبل، مذكرة الى المندوب الاستعماري البريطاني برسي كوكس طالبا فيها بالإبقاء على لواء البصرة تحت الحكم البريطاني المباشر وليس تحت حكم الدولة العراقية المزمعة.

2- في 25 تشرين الثاني 1920 شكل البريطانيون أول حكومة عراقية برئاسة عبد الرحمن النقيب ومنحوا وزارة التجارة فيها لمنديل وعينوا زميله الصانع وزيرا للدولة.

3- عاد المنديل والصانع لطرح موضوع انفصال البصرة وجعلها تحت إدارة مستقلة مرتبطة ببريطانيا مباشرة على كوكس بدعم من ناجي السويدي، وقدما سنة 1921عريضة مع 4500 توقيع من أهالي البصرة الى رئيس محاكم البصرة البريطاني سدني إبراهامز. وحدث ذلك بعد يوم واحد من توجه فيصل بن الشريف حسين الى العراق ملكا مُعَيَّناً من بريطانيا. وسمحت القوات البريطانية في المقابل لمعارضي الانفصال بجمع كمية أقل من التواقيع الرافضة للمشروع لتكون "المسرحية الديموقراطية" متكاملة الديكور وأعلنوا بعدها أن غالبية سكان البصرة يؤيدون الانفصال، والدليل إضافة الى التواقيع الأربعة آلاف وخمسمائة أنهم استقبلوا القوات البريطانية سنة 1914 بالترحاب ورفضوا أن تنسحب هذه القوات من البصرة (ما أشبه اليوم بالبارحة) متناسين الدماء العراقية التي سالت غزيرة في حرب المقاومة التصدي في معركة "الشعيبة" التي واجه فيها العراقيون من جميع المحافظات ومنها البصرة القوات البريطانية الغازية. ولكن المنديل والصانع أقيلا من وزارتيهما بأمر من الملك فيصل الأول بعد خلافاته مع عبد الرحمن النقيب الطامح السابق لعرش العراق وكان الرجلان من محاسيبه.

4- اقترح الانفصاليون آنذاك أن يتكون العراق من ولايتين هما العراق والبصرة وأن تكون أموال الضرائب وعائدات الزراعة والتجارة المينائية في البصرة لأهل البصرة (لم يكن النفط قد أصبح بضاعة تجارية بعد!) وأن يتم تشكيل جيش وشرطة من أهالي البصرة للدفاع عنها مع الجيش العراقي ولكن أحلام المنديل والصانع والسويدي ذهبت أدراج الرياح ولم تستجب الحكومة البريطانية وعلى لسان تشرشل نفسه (والذي كان وزير الدولة لشؤون المستعمرات آنذاك) لمطالبهم، ولكنها أبقتهم كالبعبع على قيد الحياة للاستفادة منهم مستقبلا كلما شعرت بتهديد جدي لمصالحها الاستعمارية، كما يؤكد الباحثان الكردي والجزائري، وأيضا بهدف كسر حركة مقاطعة النظام الملكي الجديد التابع لبريطانيا والتي دعا إليها علماء الدين المسلمون الشيعة وكانت حركة شاملة وجذرية لم يتمرد عليها إلا الساسة من أسرة الجلبي ومنها جاء العميل الأميركي لاحقا أحمد الجلبي وشخصيات قليلة أخرى.

5- في سنة 1928 حركت بريطانيا دعاة الانفصال الذين كان يقال إنهم يحظون بتعاطف رئيس الوزراء - الذي مات منتحرا لاحقا - محسن السعدون. وشاعت أخبار مفادها أن الحكومة البريطانية وافقت فعلا على انفصال البصرة ونشرت أخبار ذلك في عدد من الصحف المحلية ترتبط إحداها بالمدرسة الإسرائيلية. فغضب الملك فيصل من ذلك وخاطب مكتبه بكتاب سري مكتب رئيس الوزراء قائل إنه (يستبعد أن يكون من بين أبناء البلاد من ينحط إلى هذا المستوى من الخيانة). وطالب الملك بإحالة الانفصاليين الى المحاكم ولكن محافظ البصرة ووزير الداخلية ناجي شوكت ورئيس الوزراء السعدون رفضوا ذلك وتعللوا بعدم وجود أدلة قوية ضد الانفصاليين و لأنهم لا يريدون أن يشغلوا الرأي العام "بقضية تافهة كهذه" وأغلق الملف.

6- وعن أسباب فشل مشروع فصل البصرة عن العراق أو تحويلها الى دولة متحدة مع العراق يكتب علاء لازم العيسى في دراسة أخرى (ومن الأسباب الأخرى التي أدت إلى دفن مشروع الانفصال في لحد عميق ، وتحويله إلى ظاهرة هامشية ، هي كون العريضة المذكورة – التي قدمها المنديل والصانع بدعم من السويدي- لم تحظ إلا بدعم قلة من المتنفذين البصريين تساندهم فئة من التجار من أصول أجنبية كاليهود والأرمن والإيرانيين لا يدعمهم سند شعبي، كما أنها جوبهت بمعارضة قوية من قبل شخصيات بصرية متنفذة سياسياً واجتماعياً ، كان أبرزها محمّد أمين عالي باش أعيان، والمحامي محمّد زكي، وعبد الكاظم الشمخاني، وأحمد حمدي الملّا حسين، وحبيب الملّاك، وغيرهم، وأثار المعارضون دعاية واسعة ضد حركة الانفصال بعد أيام قليلة من تقديم العريضة المذكورة إلى المندوب السامي، حتى أنهم استغلوا مناسبة استقبال الأمير فيصل عند مجيئه كمرشح للعرش، وعلقوا شعارين معاديين للحركة وضع الأول منهما عند مدخل منطقة العشار جاء فيه (لتحيى الجامعة العراقية )، ووضع الثاني عند مدخل البصرة وقد كتب به (لتحيى البصرة جزء من العراق )، ثمّ شكلوا وفداً سافر إلى بغداد وقابل المندوب السامي فيها برسي كوكس، في شهر آب من السنة نفسها، وطرح وجهة نظره المعادية للانفصال، وبالرغم من أنّ كوكس لم يتخذ موقفاً حاسماً تجاه القضية، لكنه أكد لهم تفهمه لأبعاد موقفهم )!

7- تجدد طرح فكرة الأقلمة في العراق بعد الاحتلال الأميركي سنة 2003 وإقامة الحكم المحاصصاتي المكوناتي التابع. وكانت المحافظات الكردية الثلاث أربيل والسليمانية ودهوك خارجة فعلا عن سيادة العراق وتحت الحماية الجوية الأميركية في عهد نظام صدام حسين ومنذ 1991، وقد تكرس انفصالها الفعلي بعد الاحتلال، ثم انتقلت الزعامات الكردية الى الهيمنة على القرار العراقي ككل بسبب خنوع الأحزاب والقيادات الشيعية وحاجتها لحليف بوجه خصمها الطائفي التقليدي! وقد تحرك حزب آل الحكيم ورفع شعار إقامة إقليم الوسط والجنوب وهو إقليم ذو طبيعة ديموغرافية شيعية غالبة وأهداف طائفية رجعية واضحة ولكن الفشل كان مصير هذه المحاولة وبعدها بدأ الترويج لإقامة إقاليم في البصرة وفي الأنبار وصلاح الدين وفي نينوى ولكنها لم تحرز تقدما ثم جاءت محاولة البارزاني لإعلان الاستقلال عن العراق وانتهت محاولته الى الفشل، وهاهي المحاولة الجديد والثالثة لإشعال الحريق الانفصالي في البصرة من قبل قوى وشخصيات والغة في الفساد والطائفية والتبعية لدولة الاحتلال والدول الإقليمية.

* إن العلة الأساسية في استمرار بروز خطر الأقلمة كمقدمة لتقسيم العراق تكمن في مواد دستور فترة الاحتلال النافذ والذي لم يتجرأ أحد على المطالبة بتعديله تعديلا يتناسب وحجم التغييرات التي شهدها العراق "نحو الأسوأ طبعا"، بمواده التي تسهل تلك المهمة على مريديها، ولا حل أمام العراقيين الاستقلاليين والديموقراطيين سوى بإعادة كتابة هذا الدستور على أسس دولة المواطنة والمساواة وإنهاء نظام ودولة المكونات.

غير أن المسؤولية في ما حدث وما سيحدث مستقبلا، وخصوصا إذا تقدمت محاولة أصحاب مشروع "إقليم البصرة" إلى الأمام لا تقع على عاتق الدستور فقط بل هي تقع وبقوة على عاتق من أوصلوا عادل عبد المهدي وهو الأشد تأييدا لأقلمة العراق بين ساسة النظام إلى كرسي الحكم. والذين أوصلوا عبد المهدي إلى الحكم وما يزالون يحمونه ويدعمون حكومته أو يسكتون على ارتكاباتها الجسيمة معروفون للشعب العراقي: في مقدمتهم التيار الصدري وحليفه الحزب الشيوعي العراقي "المخطوف" والمرجعيات الدينية - وتفرعاتها العائلية - التي سكتت هي الأخرى عن هذا التحدي الخطير لوحدة العراق مع إنها لا تترك صغيرة أو كبيرة إلا وتدخلت فيها من إصلاح مضخات المياه في محطات التصفية في البصرة وليس انتهاء بما يسمونه "الانفلات الإعلامي" و"الفوضى الاجتماعية والأخلاقية وكثرة الملاهي وتعاطي الموبقات" متناسين أن من يدير هذه الملاهي ويتاجر بالموبقات والسموم هي أحزاب النظام الفاسدة ذاتها! إن دستور فترة الاحتلال النافذ هو البؤرة التي تنطلق منه كل التهديدات لوحدة وبقاء العراق ويقوم نظام المحاصصة الطائفية ومؤسساته التي تمرست في أعمال التزوير والفبركة بدور الأذرع التنفيذية لتلك الأخطار، فإما العراق وإما النظام الطائفي التابع للأجنبي وسيكون العراق طويل العمر هو الخيار الأكيد، فهو الأبقى من كل الفاسدين واللصوص والغزاة وأدلاء الغزاة الزائلين.

 

علاء اللامي

........................................

* روابط تحيل إلى نصوص مهمة :

1- رابط مقالة حول الثورة الثلاثية في جنوب ووسط العراق سنة 1787 لعبد الأمير الركابي:

 http://www.albadeeliraq.com/ar/node/377

2- رابط لتحميل نسخة رقمية " بي دي أف" من دراسة حول محاولة فصل البصرة عن العراق في العشرينات للباحثين علي الكردي ومحمـد الجزائري

http://www.uokufa.edu.iq/journals/index.php/ksc/article/view/5755/5040

3- رابط لمقالة حول دور بيتر غالبريث في كتابة الدستور العراقي النافذ مقابل رشى كبيرة من أموال النفط في الإقليم:

https://al- akhbar.com/Opinion/50615

4- رابط مقالة لعلاء لازم العيسى حول أسباب فشل محاولة فصل البصرة عن العراق في العشرينات من القرن الماضي:

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/1343

  

نجوى السودةالكاتب /روبرت دوريفوس

 المترجمة /نجوى السودة

***

الإسلام السياسي يحول دون الديمقراطية في العراق والإخوان المسلمين والمتعصبين دينيا في سوريا ومصر وأماكن أخرى مر ما يقرب من عام على حرب العراق،أعلنت الإدارة الأمريكية أن حربها لم تكن من أجل أسلحة الدمار الشامل أو علاقة العراق بتنظيم القاعدة، لكنها عن رسالة أمريكا المقدسة لنشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط الغافلة، غير أن،هذا لاينطبق في أي شئ على عراق مابعد الحرب، إذا ما كانت العراق قد سعت جاهدة لتجنب حربا أهلية، إلا أنها على الأرجح قد إنتهت إلى حكومة لاتمت للديمقراطية بصلة فالثيوقراطية الشيعية المستبدة تحكم بالإرهاب والتعذيب،وقوة السلاح . ماقام به الرئيس بوش في العراق هو المحطة الأخيرة لسلسلة الجهود التي تقوم بها الولايات المتحدة للوفاق مع الجناح اليميني الإسلامي ليلعب دور الساحر المتمرس "ميكي ماوس"، فينتهي به المطاف ليرتد عليه السحر، لضعف خبرته في ممارسة السحر، نستخلص النتيجة أن الجهود الأمريكية للعب مع قوى الإسلام السياسي أثبتت نتائج خطيرة، متقلبة وفي الغالب لا يمكن السيطرة عليها .إن القضية أبعد من كونها مشكلة من مشاكل الشيعة أو السنة في العراق، حيث أن قوة الإسلاميين مستمرة في التزايد، ولا أعني من كلامي القوى المرتبطة بتنظيم القاعدة ولكنني أقصد الجناح اليميني الراديكالي للإخوان المسلمين، التي يمثلها الحزب الإسلامي في العراق، والسلفيين والوهابيين. في مصر وسوريا وأماكن أخرى، والجناح الديني اليميني الذي يزداد أيضا قوة، هل هذا يعني أن النموذج المتعصب من القاعدة سيتولى زمام السلطة ؟ لا، سواء كانوا الثيوقرطيين الشيعيين أو السنة من الإخوان المسلمين في سوريا و مصر، لا يمكن مقارنة الإسلام اليميني بالقاعدة . تماما،مثل اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، واليمين اليهودي الذي إغتال إسحق رابين والمتطرفين بالمستوطنات الذين قتلوا عشرات المسلمين في الأماكن المقدسة، فالإسلام اليميني يُقدم الدعم والتفكير اللاهوتي مما يؤدي إلى المزيد من التطرف ( نعم، إرهاب ). وعلى هذا النحو الإخوان المسلمين، فهي منظمة لها باع طويل في العنف، و لها جهازها السري وذراعها شبة العسكري، وتعتز بتاريخها السابق. ولم يتظاهروا لأن الجماعة ترى أن الديمقراطية مثلها مثل أي شئ ليس إلا أداة يمكن استخدامها للوصول إلى السلطة .

" الإسلام الفاشي وحكم الشيعة في العراق " إن الحال في العراق لايتسم بالوضوح . غير أنه في عام2002، دفع ديك شيني نائب الرئيس البيت الأبيض والبنتاجون إلى حرب لا محالة، وتزايدت أصوات زوي الخبرة منادية أن يحكم عراق مابعد صدام الشيعة الذين يمثلون الأغلبية . وتبدو الصورة أقل وضوحا هل ستسيطر الغالبية الشيعية على المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، وهي قوى إرتبطت بالدعوة للإسلام من خلال حزب ظل يعمل تحت الأرض لمدة خمس وأربعين عاما، ومن منتصف التسعينات وصاعدا، وبصفة خاصة بعد 2001، قدمت الولايات المتحدة المساعدات السرية والعلنية لهذه المنظمات كجزء من الدور الذي تلعبه لتغيير نظام الحكم في العراق بالقوة، مثلها مثل مجلس أحمد جلبي الوطني، ويعملان معا عن قرب ولهما مكاتب في طهران، والمجلس الأعلى الإسلامي للثورة في العراق، والدعوة التي أسست لها قاعدة في إيران . المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، أسسه " آية الله خوميني " في عام 1982، وذراعه الرئيسي " بدر بريجاد " الذي تلقى تدريبه وتسليحه عن طريق الحرس الثوري الإيراني، ومما لاشك فيه، أن إدارة بوش كانت على علم بأعداد المجلس الأعلى الإسلامي ورجال الدعوة بالعراق، وكما أكد المستشار السابق للدولة " دافيد فيليب" المسئول عن التخطيط والإعداد للحرب ومؤلف كتاب " ضياع العراق "، وإعادة اعمارها بعد الفشل الذريع في الحرب حيث كان العديد من زملائه على دراية تامة بأن المجلس الأعلى الإسلامي بالعراق هم من سيتولون زمام الأمور بعد صدام وليس جلبي، لقد أخبرني العديد من الخبراء ممن لهم دراية ببواطن الأمور بالسياسة الخارجية وخبراء الولايات المتحدة في شئون العراق والإستخبارات الأمريكية،قد حذروني "دون جدوى" أن المجلس الأعلى الإسلامي سوف يكون القوة الغالبة أن المجلس الأعلى الإسلامي سيكون القوة الغالبة بعد أي غزو، النقطة الهامة في الموضوع، سواء أرق فريق بوش وشيني أم لا عندما كانوا على علم تام مسبق، بأنهم سيواجهون السلطة الدينية للشيعة بعد سقوط صدام . والحقيقة الُمرة اليوم، أن حوالي 150.000 من قوات الولايات المتحدة، الذين يموتون بمعدل 100 كل شهر،هم الحرس البريتوري للجناح اليميني الراديكالي السلطوي هذا النظام هو نفسه الذي تكفلت فيه جماعات من الشيعة، بسلسلة من عمليات الاغتيال من البصرة إلى بغداد من بينها إغتيال الصحفي "ستيفن فينسنت "الذي لقي مصرعه على أيدي هذه الجماعة، وكتب يقول: "أن مئات من الحزب البعثي السابق، وقيادات من العلمانيين، والسنة قد يلقون كل شهر حتفهم وأن عشرات الجثث من السنة قد أُطلق عليها الرصاص حتى الموت على غرار الموت بالإعدام . أظهرت آخر الاستطلاعات عن المجلس الأعلى الإسلامي بالعراق أن ميليشياتهم وصلت إلى عشرين ألفا من أقوى الميليشيات، تدير أعمال تعذيب في سجن سري داخل بغداد يقومون بتعذيب المئات من المعتقلين تسلخ جلودهم وأعضاءهم التناسلية من الصعقات الكهربية، أو إمرار آلات كهربية تثقبهم وتدخل بين ثنايا عظامهم . إن المجلس الأعلى الإسلامي بالعراق وشريكه من الدعوة هم القاسم الأعظم للحكومة بالعراق ولقد فرضوا على العراقيين دستورا غير توافقي يفرض سيطرة الشيعة في مقاطعاتهم ويستغلون الدين في السياسة .أثناء زيارته، لمركز التنمية بواشنطن، طلب مدير مركز التنمية " عادل عبد المهدي "المسئول الأول في المجلس الأعلى الإسلامي العراقي ونائب الرئيس العراقي، أن يطلعه على قضايا التعذيب والوحشية التي تودي بحياة الشيعيين، تكلم مستاءا " كل الإرهابيين في الجانب الآخر " وما تشير إليه هو رد فعل لذلك ".   ربما أن قمة الهزل تكمن في حرب بوش على الإرهاب في هذا، ففي حين يؤكد بوش أن حرب العراق هي بؤرة في الصراع ضد الإرهاب أو ما أطلق عليه " الإسلام الفاشي"، في حقيقة الأمر ومما يدعو إلى الخزي أن " الإسلام الفاشي " الذي يتولى مقاليد الأمور الآن في بغداد، هم حلفاء أمريكا .ربما يكمن قمة الهزل في حرب بوش على الإرهاب في هذا، ففي حين يؤكد بوش أن حرب العراق هي بؤرة في الصراع ضد الإرهاب أو ما أطلق عليه " الإسلام الفاشي"، إلا انه في حقيقة الأمر ومما يدعو إلى الخزي أن " الإسلام الفاشي " الذي يتولى مقاليد الأمور الآن في بغداد، هم حلفاء أمريكا . وفي مقابل ذلك أيضا بالطبع، الجناح اليميني الإسلامي في تصاعد مستمر . لقد أحرزت قوات مصعب الزرقاوي بالقاعدة بعض التأييد من العراقيين، ويستخدم الزرقاوي الحرب في العراق لحشد تأييد الجهاديين في كل المنطقة . والأمر الأكثر شمولا من ذلك، أن قوات الاحتلال الأمريكي يدفعون أعدادا كبيرة من أهل السنة العرب من أجل تأييد الإسلاميين. إن الإخوان المسلمين في العراق، يمثلهم الحزب الإسلامي العراقي . على الرغم أنه يستمد قوته من راديكالية أهل السنة الذين يبغضون الاحتلال، إلا أن الحزب الإسلامي العراقي قد صار جزءا من معارضي أهل السنة والأكثر تحمسا للتعاون مع حليف الولايات المتحدة الثيوقراطيين الشيعة .وقد كان يشارك الحكومات المؤقتة المختلفة،التي كانت الولايات المتحدة تقيمها من وقت لآخر في العراق بعد الحرب، وفي أكتوبر، أشاد الحزب العراقي الإسلامي بالدستور العراقي البديل، والذي استبعد الغالبية العظمى من أهل السنة العراقيين . "كذلك هوجم قيادات أهل السنة في بغداد من المقاومة، وأحرقت العديد من مقراتها أو أعتدي عليها. "ومع ذلك، هناك مظاهر أخرى مشابهة لتصاعد اليمين الإسلامي بين أهل السنة العراقيين قد شجعت الثيوقراطيين الشيعة لتضع تخيلا لمدى شراكة الإسلاميين من أهل الشيعة في العراق . غير أنه على الأرجح، ربما يكون الشغف الذي كان قد تأجج بالفعل، ونجم عنه تصاعد اليمين الراديكالي بين السنة لايمكن أن يخدم العراق، ولا المنطقة، أو حتى أغراض الولايات المتحدة . الإخوان المسلمين في سوريا ينتظرون ." شرق أوسط عظمى " ومهمة بناء الديمقراطية الذي تكلل جهودا لا يستهان بها في هذا الشأن، ابنة نائب الرئيس الأمريكي السابق " إليزابيث شيني "،التي تشغل حاليا منصب السكرتير المساعد لنائب رئيس الدولة للشئون الشرق أوسطية من أجل شرق أوسط قريب حيث صار مادعا إليه بوش وما زعمه من دفع للديمقراطية بمنطقة الشرق الأوسط . إنه الفشل الذريع الذي منيت به تجربة الولايات المتحدة في إقرار الديمقراطية في العراق،تلا ذلك الضربة القوية التي تلقتها الولايات المتحدة فيما زعمته من إقرار للديمقراطية...لتولي وجهتها إلى سوريا .هذه الدولة الصغيرة، الفقيرة في البترول، الضعيفة عسكريا تعيش حاليا حالة الضغط التي يفرضه عليها إدارة بوش . لقد خرجت قواتها المسلحة والداخلية من لبنان، مع نذير لإشعال حرب أهلية في هذا البلد مرة ثانية . لقد استهدفت أمريكا سوريا وفرضت العقوبة الاقتصادية عليها، مثلما فعلت مع العراق في عام 1998، لقد اتهم جون بولتون وآخرين من غير المحافظين أن سوريا بها برنامج أسلحة دمار شامل بعيد المدى ناهيك عن الأسلحة الكيماوية المحدودة جدا التي من المحتمل أنها تمتلكها . نقد العديد من المسئولين في الولايات المتحدة سوريا، ومن بينهم سفيرنا بالعراق " زالماي خليلزاد " راعي مقاومة المجاهدين في العراق – رغم أنه لا يوجد أي دليل على ذلك . يلتقي ليز شيني وآخرين من كبار المسئولين يلتقون، مع نظير جلبي من القادة السوريين في المنفى ليتآمروا " لتغيير النظام ." كما في العراق، فإن الإسلام الأصولي الشيعي خطى ليملأ الفراغ، كذلك الحال في سوريا فإن القوى اليمينية هي الأرجح لتحل محل حكومة الرئيس بشار الأسد، وهي ليست بعض الجماعات العلمانية الديمقراطية أو الشخصيات القومية،وإنما هم الإخوان المسلمين تأسست جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928، كجماعة سرية محظورة لها باع طويل في الإرهاب والقيام بعمليات الاغتيال . شبت جماعة الإخوان المسلمين وفردت عودها بمساعدات مادية وتنظيمية من الوهابيين بالمملكة العربية السعودية، لقد إنتشر انتشر الإخوان المسلمين في كل ركن من العالم الإسلامي. على الرغم أنها تتحاشى العنف الآن، إلا أنه في هذه السنوات الحالية كانت قد مدت يد العون، وبسخاء، وبعيدا إلى أقصى مدى عن جذورها الراديكالية . يعد سيد قطب واحدا من أهم باحثيها الضليعين، وقد استلهم منه أسامة بن لادن لتنظيمه القاعدة معتقداته في علم التوحيد . والإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة يربط بينهما اليوم نفس التبعية ويسعون من أجل هدف واحد ويحيط الغموض بمدى العلاقة التي تفصل بين الإخوان المسلمين والقوى الأخرى من القوى الإسلامية " المحافظة " من الإسلام السياسي وتلك القوى التي ترتبط باليمين الراديكالي، والإسلاميين المعرضين للعنف. ويبدو الأمر كذلك بلا منازع لمسئولي الإستخبارات الأمريكية والدبلوماسيين حيث يختلفون حول "من أين يبدأ وأين ينتهي. "

 

تحياتي/نجوى السودة

 

 

بكر السباتينبعد لقائه بالعاهل السعودي ونائبه بن سلمان، قائد الجيش الليبي حفتر المحسوب على حلفاء صفقة القرن، يبدأ هجومه المباغت على طرابلس الغرب حيث معقل حكومة الوفاق الوطني في الغرب الليبي، التي تشكلت نهاية 2015 في ضوء اتفاق رعته الأمم المتحدة ويترأسها فايز السراج.. حيث يعتبر "حزب العدالة والبناء" المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين الليبية، والمستهدف الأول من السعودية والإمارات تحديداً، أهم مكوّن مناصر للاتفاق ومخرجاته.

ويربط بعض المحللين التداعيات الليبية بزيارة حفتر الأخيرة إلى الرياض وتلقيه دعماً لوجستياً للقيام بهذه المهمة لعدة مآرب منها ضرب ثقل جماعة الأخوان المسلمين في الغرب الليبي الذي قد يحظى بدعم من قبل «حركة مجتمع السلم» القريبة من فِكر الإخوان المسلمين، ذات الحضور الكبير داخل المشهد السياسي الجزائري؛ وخاصة أن مسألة تقديم هذه الحركة مرشحًا للانتخابات الرئاسية المقبلة واردٌ جداً، حيث أعلنت وزارة الداخلية فتح باب الترشح للرئاسة منذ أيام.. وكانت جماعة الأخوان المسلمين تحظى برضى الحكومة الجزائرية التي لطالما دخلت معها في تفاهمات في قضايا سابقة، وكانت عاملًا مساعدًا لها في تخطي الكثير من الأزمات التي هددت شرعيتها. لكن هذه العلاقة مع السلطة شهدت عدّة منعطفات وأزمات على مدار السنين، منذ تأسيس الحزب إلى يومنا هذا وأهمها أن حليف هذا الحركة، الرئيس المستقيل بوتفليقة، قد غادر المشهد السياسي وصارت خيوط اللعبة في يد الجيش الجزائري الذي لا يرتهن عليه سياسياً.

 من هنا ربما يأتي الدور الذي أنيط بحفتر من قبل السعودية والإمارات بناءً على المصالح المشتركة، والمتمثل بالعبث في الخاصرة الجزائرية لضرب ثورتها البيضاء من أجل إعطاء الجيش الجزائري مبررات حفظ الأمن الداخلي باستخدام القوة إذا لزم الأمر وقطع الطريق على مرشحي «حركة مجتمع السلم» أو أي مرشح مستقل محسوب على الجماعة المحظورة من قبل حلفاء حفتر، بحجة أنْ لا تتحول البلاد إلى منطقة تفاعل مع المستجدات الليبية الطارئة التي ربما يكون لها ارتدادات بشكل أو بآخر في العمق الجزائري.. وهو ما لمح إليه في تغريدة له على صفحته في توتر، العارف بخبايا الأمور في الشمال الأفريقي، الرئيس التونسي السابق محمد المنصف المرزوقي.

وفي ذات السياق، تجدر الإشارة إلى أن حفتر لديه الاستعداد التام لتنفيذ الأجندة السعودية الإماراتية الخاصة بالجزائر وفق خيارات مفتوحة، من باب تلاقي المصالح مع حلفائه الذين يدفعون له بسخاء، ومن ذلك على سبيل المثال أنه هدد الجزائريين في سبتمبر 2018 قائلاً بأنه سينقل المعركة إلى الجزائر بالدخول معها في حرب حقيقية، على خلفية ما سماه استغلالها الأوضاع الأمنية في ليبيا ودخول قوات من جيشها الأراضي الليبية، بحسب تعبيره.

وقال حفتر حينذاك في جمع مع مؤيديه شرق ليبيا إنه أبلغ السلطات الجزائرية بقدرته على نقل الحرب في لحظات إلى حدودها، وإن السلطات الجزائرية اعتذرت وأخبرته أن دخول قوات تابعة لها إلى ليبيا عمل فردي سينتهي في غضون أسبوع؛ لكن الأزمة بين البلدين ما زالت مستفحلة دون حل، ويبدو أن عين حفتر وحلفائه لم تغفل وخاصة أن الوجود الأخواني في معادلة الصراع الليبي الجزائري يزيد من احتقان الموقف بين الجانبين.

من هنا تقودنا التخوفات إلى طبيعة العلاقات الإماراتية مع الفريق، أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع الجزائري، رئيس أركان الجيش، الذي استقبلته الإمارات كضيف شرف في الاحتفال الوطني السابع والأربعين الذي نظم في الإمارات نهاية ديسمبر 2018 بحضور ولي عهد الإمارات محمد بن زايد.

 وتزداد خطورة تلك العلاقة المبهمة بين الجانبين بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضدَّ ولايةٍ خامسةٍ لبوتفليقة رئيساً للجزائر، إذْ طالب قايد صالح بتطبيق المادة 102 من الدستور، حيث تم بموجبها عزل الرئيس لعدم قدرته على القيام بمهامه.. وأعلنت وزارة الداخلية عن فتح باب الترشح الذي ربما يدفع بمرشح حزب «حركة مجتمع السلم» إلى سدة الحكم وهو ما يخشاه حفتر وحلفائه.. إلا أن للجيش كما يبدو طموحاته المستقلة، وقد بدأها بإقالة اللواء عثمان طرطاق من منصب المسؤول الأول عن الاستخبارات الجزائرية الذي كان يشغله، نقلاً عن (وكالة الأنباء الجزائرية).

 ووفق وكالة الأنباء الفرنسية، فإن المديريات الثلاث في جهاز الاستخبارات قد وضعت تحت وصاية نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح وهي نفس الخطوات التصعيدية التي قام بها السيسي في مصر من أجل الاستحواذ على السلطات الأساسية في الدولة بدعم إماراتي سعودي.. ولقطع الطريق على هذه المؤامرة، رفع كثيرٌ من المتظاهرين في الجزائر شعارات طالبوا من خلالها بقطع العلاقة مع الإمارات، حيث يصورها بعض المثقفين الجزائريين بحصان طروادة الذي يحمل بداخله الخطر الداهم.

وأخيراً نتساءل بعد أن وفر حفتر وحلفائه الإقليميين مبررات استحواذ الجيش على سلطة البلاد تأسِّياً بمصر، عمّا ينتظر الجزائر في المستقبل المنظور، ومن هو الطرف القادر على تحديد ملامح المشهد الجزائري في ظل التداعيات الجديدة.. الجيش أم الشعب الذي ما يزال اللاعب الأهم في المعادلة الجزائرية الصعبة!

 

بقلم بكر السباتين