عبير خالد يحيىللكاتبة السورية د.عبير خالد يحيي

لا يستطيع الكاتب أن يبتعد عن بيئته مهما تناءت به المسافات ومهما أغرته الظروف بمعايشات أخرى مختلفة عما يدور في وطنه.

فالوطن في نهاية الأمر ليس مجرد أرض وبناء وجو محيط به، لكنه بالدرجة الأولى روح تسري في العروق وتفيض في الوجدان وتشعل الإحساس، ولايمكن مهما كانت درجة الغربة ودفئها أن تجعله ينسى ما كان يوما .

الوطن طقوس يعتادها الكاتب عبر يومه، ووجوه يراها في حياته، وهواء له مذاقه وروعته يتنفّسه، الوطن أفئدة تشدّك إليها هي بمثابة خيوط حريرية لا مرئية تشدّك إلى قلب كبير مهما رأيت منه فسوف يظل ساريًا في روحك، نابضًا في عروقك، متأججًا في زوايا نفسك بكل كينونته وعنفوان ارتباطك به.

ومن هذا المنطلق ننظر إلى ما بين أيدينا من آخر أعمال الأديبة الطبيبة السورية الدكتورة عبير خالد يحيي، وهو مجموعة قصصية بعنوان (ليلة نام فيها الأرق) التي تقع في 95 صفحة من القطع المتوسط تضمّ بين طياتها عشرين قصة قصيرة، تتراوح صفحاتها ما بين صفحتين إلى ست صفحات ونصف، تنقسم حسب مضمونها إلى مايلي:

-  الحديث عن الحرب وويلاتها

-  والحديث عن الخوف وآثاره، ثم محاولة مواجهته

-  والفقد بأنواعه والعجز الذي يسيطر على الإنسان، وهل يستطيع أن ينتصر عليه أم يستسلم له فى نهاية الأمر ويخضع له.

موضوعات كما نرى تسيطر على عقل الكاتبة ربما بوعي منها وربما لاشعوريًّا، تعبر عمّا في نفسها لكونها كاتبة سورية والكاتب ضمير أمته وهو القادر فى كل الظروف أن يعبر عن روح هذا الوطن وكيانه ، وإذا نظرنا إلى ماكتب عن الحرب السورية سنجد روايات عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر

-  غائب عن العشاء الأخير أيمن مارديني الاصدار عن دار رياض الريس

-  القنفذ رواية الكاتب إسلام أبو شكير عن دار فضاءات

-  أيام في بابا عمرو للكاتب عبد الله مكسور

-  طبول الحرب للكاتبة مها حسن

وكل منهم وغيرهم يكتب من منظوره ورؤيته للمأساة السورية وانتمائه لأحد أطراف النزاع، أو محاولة الوصول إلى أسباب النزاع ذاتها، أما كاتبنا الدكتورة عبير يحيي فلأنها امرأة أولًا، وأديبة ثانيا فسوف نرى مذاقًا آخر للحرب يموج بالإحساس المتدفّق مع السرد، والذي يحمل روح الأنثى بحميمية مشاعرها وخطوط حروفها ومذاق عباراتها التي تبدع وسط الدموع تارة ونظرات الإصرار أخرى في، دقة طبيبة تعرف جيدًا أين تضع المشرط، ومتى تجرح ولماذا، وكيف تداوي الجرح بالكلمات والانتماء الحقيقي لأرض نحلم جميعًا أن تعود كما كانت من قبل روضة غنّاء بناسها وأنهارها وبدائع زينتها

فإذا أردنا الحديث عن مضمون القصص فسوف نجد أن جزءًا أول من القصص تتحدث عن الحرب تمثل مايقرب من نصف عدد تلك المجموعة تقريبًا، وكلها بضمير الغائب، ماعدا القصة رقم 6 وهي بعنوان براغماتي، إذ أنها حوار بين طرفين، والقصة رقم 9 بعنوان نذور الوطن وهي بضمير المتكلم، أما قصص الحرب فهي :

الصفعة - أبناء قابيل – نهاية الانتظار – براغماتي - المنتصر في الحرب مهزوم – نذور الوطن - مركب الغرب

و قصص الجزء الثاني تتحدث عن الفقد، فقد الابن كما في قصة نذوور الوطن وصفعة وأبناء قابيل ومركب الغرب، وفقد الأب كما في قصة المنتصر في الحرب مهزوم وفقد الأخ والحبيب كما في قصة نهاية الانتظار، أو فقد الزوج كما في قصة أبناء قابيل والأفئدة الراحلة وليلة نام فيها الأرق

أما في الجزء الثالث من المجموعة علمًا بأن هذا التقسيم الجزئي يأتي في المضمون قسّمته بمعرفتي وليس تقسيمًا فعليا قامت به الكاتبة، نجد قصص هذا الجزء الثالث تتحدث عن الخوف كشريك لا يترك النفوس الخائفة ولا يغادرها، مثل قصة (يوم مت) وقصة (سيرة ذاتية) وقصة (ويبقى الولد ولد).

ثم نأتي رابعًا إلى قصص تدعو إلى الرفض والمقاومة وعدم التسليم للأمر الواقع مثل قصة (نام فيها الأرق) وقصة (رحلة) و(اللعب مع الكبار)

فإذا بدأنا بقصص الحرب سوف نجد في القصة الأولى (صفعة) تأخذنا الكاتبة مباشرة إلى أثر من آثار الحرب وذلك من خلال امرأة خرجت على المعاش حديثا وحيدة إلا من زوج لايخرج من البيت إلا لمامًا تصفه أنه جزء متحرك من أثاث البيت، بينما أولادها قد هاجروا بعيدًا، تذهب لتأخذ معاشها وتقرّر العودة سريعًا قبل الغروب لأن وجه النهار آمن نوعًا ما بينما الليل والحواجز خطر داهم لاتطمئن إليه، تركب عربة أجرة يغالي سائقها فى الأجر فتوافق مضطرة لكنه لايسير فى طريقه المعتاد بل في طريق آخر تستشعر معه الخطر فتتوسل إليه أن يأخذ كل مالديها من مال هو أملها فى البقاء حيّة ويتركها دون أن يمسّها بسوء، يقف بها أمام دار غريبة فى مكان لاتعرفه ويطلب منها النزول، لاتمتلك المقدرة على الحركة فيدفعها دفعًا ويضطرها للنزول، وحينما يفتح الباب وتشهد بعينيها الغرف والفوضى والقذارة التي فيها، يفاجئها بآخر ماكان يمكنها ان تفكر فيه قائلًا:

لاتخشي شيئا لن امسك بسوء ولن آخذ منك مالًا، كل ما أريده منك أن تنظّفي المكان

قصة لم تتحدث عن الحرب وويلاتها مباشرة، ورغم هذا تدخلنا في عمق المأساة مابين أم وزوجة واهنة بحكم السن وبحكم فقد الأبناء المهاجرين وحكم قلّة المال والشعور الداهم بالخطر في كل خطوة تخطوها وبين شاب فى الثلاثينات من العمر رغم اختطافه لها لم يفكر فى الاعتداء عليها أو سرقة مالها، بل تنظيف المكان وهنا تركت لنا الكاتبة الباب مفتوحًا على مصراعيه للتأويل فهل هذا الشاب فقد زوجته وربما هي أمه أو هي أخته ولماذا صار البيت ضربًا من فوضى وجحيمًا من قذارة وإهمال....؟!

ولانمتلك إلا القول بأنها الحرب....

ثم نرى وجهًا آخر للحرب في القصة التالية (أبناء قابيل) فنرى امرأة هجرها زوجها وعاشت لولدها الوحيد ترعاه وتأتنس بوجوده لكنه غاب وانتظرته طويلًا وفجأة يدقّ الباب بعنف، تهرول نحوه ظنّا أنه ولدها فإذا به آخر يدفعه شباب المنطقة بالركلات والصفعات ويلقونه بين يديها: قتل ابنك ياخاله

تصف الكاتبة في آخر القصة الحدث فتقول :

صمت قاتل جثم على صدور الجميع، حرّكه صفعة ضعيفة من كفّها الهزيل باتجاه وجه قابيل، وسؤال بقي بلا جواب لماذا قتلته؟

وهكذا تصرخ الكاتبة بكل حواسها قائلة:

قابيل ماذا تفعل بأخيك؟

ثم نجد آثار الحرب جلية واضحة في قصص (نهاية الانتظار) و(نذور الوطن) و(مركب الغرب) وهم متشابهون في ذات الدلالة. فإذا أخذنا قصة (نهاية الانتظار) مثلا فسوف نجد سارة ولمى صديقتين متخرّجتين حديثًا من كلية الطب، وتباشران العمل في إنقاذ المجروحين وتفقد الموتي تنتظران شخصًا واحدًا هو حسن شقيق الأولى وحبيب الثانية، وكل أملهما أن يعود سالمًا، لكن آلة الحرب اللعينة لاترحم ويبقي السؤال قائمًا لماذا يقتل قابيل أخاه ولايكف عن جريمته....؟!

أيضا في قصة (المنتصر في الحرب مهزوم) نجد أسرة اشتد أوار الحرب في مدينتها، مما اضطرها إلى المغادرة على عجل، ولم يتحمل الأب ماجرى، فمات وبقيت الفتاة الضعيفة الواهنة وحدها، وكان عليها أن تعول أمها المريضة واختها الصغيرة، فعملت خادمة بأحد البيوت، وإذا بها تجد أثاث الصالة هو أثاث بيتهم الذي تم سرقته وبيعه في سوق الحرامية، وفي إحدى كنباته مصاغها الذي خبأته، والذي أهداها إياه خطيبها، وختام هذه القصة يضعنا في حيرة فتقول الكاتبة فيه ص 38

"كيس الخام الذي حوى مصاغ ندى أخرجته ريم من حشوة الكنبة بعد أن بقرت قماشها من الأسفل بسكين حادة".

فهل اعطته ريم لندى ثانية أم احتفظت به؟

لم تجب الكاتبة عن هذا وتركت الأمر للقارئ، وكأنها تقول له الأمر ليس أمر صاغ مهما غلا، فثمنه قليل أمام فقد الأحبة والأهل والأمان والسكن.

وأيضا كان لاستخدام سكين حادة هنا وقع ملائم لطبيعة القص، فالحرب سكّينتها كانت فى منتهى الحدّة على الجميع، وبخاصة أسرة ندى وأسر كثيرة مثلها، وبطبيعة الحال إذا كانت الحرب قد طالت مدينتها فمدينة ريم من المؤكد لن تنجو من آثار تلك الحرب.

نأتي الى قصة براغماتي وفيها يعلو صوت الكاتبة برفض قائلة في ص 31

"مايحدث في أوطاننا من حروب ونزاعات حمقاء إن دلت على شيء تدل على أننا شعوب غافلة بكل طبقاتها، ندمر أوطاننا بأيدينا، وبأسلحة نشتريها من أعدائنا، والعدو الحقيقي يتربّص بنا فرحًا بما يراه منّا من فرقة وشتات واقتتال".

وقد أفاضت هنا فى الحديث عن قصص الحرب لأهميتها النفسية من ناحية، والتكتيكية في المجموعة من ناحية أخرى.

نأتي الى القصص التي تتحدث عن الفقد وهي قصص المجموعة الثانية التى تحدثنا عنها من قبل، ونأخذ مثالًا لها قصة ليلة نام فيها الأرق وهي القصة التي أخذت المجموعة عنوانها، وهي تتحدث عن امرأة وحيدة يرافقها الأرق تتساءل الكاتبة بلسان بطلتها :

-  لماذا تبرد الأماكن عندما يغادرها أصحابها؟

فسريرها تلسعه لسعات باردة منذ أكثر من ثلاث سنوات، يوم غادرها زوجها إلى مثواه الأخير، فتذكّرت فكرة قديمة كانت المرحومة أمها تلجأ إليها لجعلها تنام، وهي ارتداء ثوب جديد وحذاء جديد، فمضت بطلة القصة إلى فستان زفافها الدانتيلا الأبيض، أخرجته ووضعته على جسدها، الناحل نظرت إلى المرآة ص 64 قائلة :

-  لقد اصفر لونه قليلًا، سبحان الله حتى الملابس يجب أن تتنفس هواء الحرية بين الحين والآخر حتى لاتتبدل خامتها.

تنزع ثوبها القاتم وترتدي ثوب العرس قائلة نعم مايزال مناسبًا، ثم ارتدت حذاء الخطوبة الخاص بابنتها ووجدته مناسبًا، سارت جيئة وذهابًا مرّات ثم رفعت إبهامها مضمومة بقية الأصابع مع كلمة نعم نعم، ثمّ تخلعهما وترقد وهي تحتضنهما وتغطّ في نوم عميق، وهكذا نرى المغزى واضحًا والرؤية جلية، فلابد أن تسير الحياة وأن تتبدل الأحوال ولابد أن يولد الأمل من جديد وتعود الحياة الى رونقها، ولن يتم هذا إلّا بخلع السواد والعيش مع أمل يمنح حياتها معنى.

ولأن الكاتبة تعي تمامًا ماتكتبه، فقد كانت موفقة فى اختيار هذه القصة عنوانًا لمجموعتها، فالحرب مهما طالت ومهما كانت نتائجها فلابد أن تنتهي، وتفسح مجالا لأمل جديد يولد، تشير إليه هنا بثوب الزفاف وحذاء الخطوبة وهما إشارة لحياة جديدة وبشارة بميلاد جديد .

وهنا أيضا لايغيب عن بالنا أن الفقد بلا مقاومة موت، أما الفقد الذى يحاديه الأمل فهو بعث لحياة جديدة لابد أن نتمسك بها مادمنا نتنفس ونعيش.

والقصص التي تتحدث عن الخوف

الصفعة – يوم مت – قرناء السوء – ويبقي الولد ولد - سيرة ذاتية

فإذا اخذنا قصة (قرناء السوء) كمثال سنجدها تتحدث عن أم تزوجت ابنتها حديثًا ومرّ عليها عامان دون أن تنجب ولما جاء زوجها يشكو ويؤكد أنه سليم معافى، وأن العيب في ابنتها، قرّرت أن تعالجها بعد أن ضاق صدرها من شكوى زوج ابنتها، فلجأت إلى دجال يدعى الشيخ حسن الذي أخبرها رغم أنه لم يكشف على ابنتها ولم يرها حتى، قائلًا إن عليها عفريتًا قابعًا فى جسدها لن يخرجه إلا خوض غمار بحر هائج متلاطم الأمواج ص 18 لايجرؤ عل خوض غماره إلا من تريد طرد ذاك القرين القابع في جسد ابنتها ، ولكن المشكلة أن البنت متعلمة وسترفض حديث أمها فكانت الخدعة التى قالتها الأم أنها ستزور شقيقتها المريضة جدًّا فى جزيرة مجاورة، وطلبت من ابنتها مرافقتها فى ركوب البحر الذي كان يخشاه فى ذلك اليوم حتى البحار ذاته الذي رافقهما في رحلتهما، وحدث ماكان متوقعًا من انقلاب المركب وتعرض الجميع للغرق ونجت الأم لكنها حينما أفاقت تذكرت قول ابنتها لها حينما حادثتها عن شكوى زوجها من عدم انجابها :"انا مازلت عذراء يا أمي" وكانت النهاية الحتمية للخوف المرتبط بالجهل هو موت الابنة، لتعيش الأم فى جهلها نادمة أبد الدهر على ضياع ابنتها بسببها.

ثم نأتي إلى القصص التي تؤيد فكرة التمرد على الخوف ومحاولة التغلب عليه بمواجهته، وسوف نأخذ مثالا لها هنا قصة (رحلة)وهي تحكي عن أم وابنتها تبدآن رحلتهما في مركب تجمع غيرهما من المسافرين وتبدأ بسؤال واضح وصريح تسأله الأم لابنتها :خائفة؟

تلتفت البنت محاولة رسم بسمة بدا واضحًا أنها قناع تخفي به أعراض الهلع قائلة: لا أبدًا

بعدها أخذت كل منهما مكانها، وامتلأ المركب بالناس، خليط بين نساء ورجال وأطفال وفجأة تحدث حركة هبوط مباغتة للمركب، مما يستدعي صراخ الأم: هذا جنون ما أقدمنا عليه ضرب من الجنون

ثم يسير المركب متأرجحًا بين هبوط وصعود، بين صراخ الركاب وهلعهم إلى أن أُعلن: وصلنا هيا انزلوا

وهنا تواجه المرأة ابنتها بسؤال يلح عليها، فالبنت طيلة الرحلة كانت تمسك بيد سيدة غير أمها تتشبث بها وتطمئن إليها، سألتها أمها: لماذا لم تتشبثي بي؟! فترد البنت: خشيت أن تشعري بخووفي فتحجمي عن المحاولة.

إذن نحن أمام حالة خوف مستقر فى الوجدان، نهرب منه بأقصى مالدينا من مقدرة، ورغم الصراخ والهلع نصرّ على استمرار التجربة التى تكتمل بركوب القطار الذي تبطأت سرعته تدريجيًّا حتى توقف نهائيًّا أمام نفق مغلق، وعلى ضوء القطار المبهر رأت الأم شبح إنسان التصق بفوهة النفق، دققت النظر فيه فإذا هي شابة اقتربت وجلست أمام الأم، وإذا بها فتاة عشرينية ثيابها مهترئة، تدل أنها منسية منذ عقدين من الزمن، وعليها مساحيق ترابية باهتة، سألتها الأم: منذ متى وأنت هنا وماذا تفعلين ومن أنت؟

أشارت الفتاة بإصبعها إلى الأم كأنها تقول باتهام صريح :أنتِ.

لنصل هنا إلى لب الموضوع التي تعرضه الكاتبة علينا، ففي النفق المعنوي التى تعيشه الأم بطلة القصة تعيش منذ زمن ناسية أن العمر يمر والزمن يتغير ،لكن الأمر لايخرج فى حقيقته عن لعبة هي لعبة الحياة ذاتها بكل مافيها من خوف وهلع، لكنه لن يدوم بحال فلكل شيء انتهاء لذا نجد البنت تقول لأمها فى النهاية ص 59

هيا أمي ، game is over خبرنا الخوف وواجهناه

وقبل أن نختم هذه الاطلاله على مجموعة ليلة نام فيها الأرق للكاتبة السورية عبير يحيي نتكلم عن عدة ملاحظات سريعة منها مايلي :

-  1- الحوار يشكل أداة طيعة في يد الكاتبة بلا ترهل ولا إسهاب، ويشكّل ملمحًا من ملامح تكوين القصص والتعبير عن ذات أبطالها بدقة فنراها تستنطق أبطالها بلغة تكاد تقرب من اللغة اليومية فنجد مثلًا في القصة الأولى صفعة تقول السيدة العجوز لسائق التاكس:

-  كفر سوسة إذا بتريد

-  2000 ليرة

تشهق شهقة لا تكاد تتمها ليعترضها مساوما

-  آخذك بطريق مافيه حواجز

وفي قصة قرناء السوء نجد الحوار التالي:

تقول المرأة التي تم إنقاذها من الغرق حينما أفاقت من إغمائها:

-  أين أنا

يرد الطبيب المعالج :

-  لاتخافي ، أنت بخير ،أنت في المشفى وقد أنقذناك بعون الله من غرق مقدّر

وهكذا في حوارات القصص نجدها كما قلت تستخدم لغة طيعة سلسة بعيدة عن التعقيد تفيد بمعلومة وتقدم الشخصيات بفهم وإدراك لأبعادها،

2- تيار الوعي والمقصود به استنباط النفوس واجترار المشاعر في تداعيات نفسية لارابط بينها وقد استخدمته الكاتبة في أكثر من قصة، نجدها في القصة الأولى يوم مت تبدأ القصة على لسان شاب معاق كالتالي :

-  وحدها أمي كانت ترى في ضحكتي المعاقة حياة

لتستمر بعدها في رصد نفس هذا الشاب من الداخل والخارج شرحًا للأبعاد الجسمانية والنفسية معًا لتعطي للقارئ أخيرًا الرؤية من زوايا مختلفة، معبرة عن موضوعها التى تريد التحدث عنه.

-  3- الواقعية التحليلية وهي تتوسط الواقعية التسجيلية وتيار الوعي، فبينما الواقعية التسجيلية تقوم على السرد المباشر والوصف الخارجي، وبينما تيار الوعي يقوم على استنباط النفوس من الداخل والتنقل بين الداخل والخارج، نجد أن الواقعية التحليلية تقوم على رصد الحركات الإنسانية وتصوير الصراع النفسي الحاد، مع وصف الشخصيات وتحليلها وتفسير أحلامها عن طريق استدعاء الماضي

-  وهنا أيضًا نجد الكاتبة قد لجأت لهذا الاسلوب في أكثر من قصة، ومثال على هذا قصة رحلة التى بدأتها بسؤال صادم للأم تسأل ابنتها :

-  خائفة؟

سألتها باذلة جهدا كبيرًا لأخفي رجفان لساني كيلا يفضح رعبًا ملأ نفسي ص55

-  4- روح القص الحالة العامة هنا لروح القص فيها حزن داهم وألم جارف تأثرًا بما يجري في سوريا الوطن، فنجد فى معظم القصص كلمات مثل:

-  قطعته صرخة مارقة أعقبها صوت ارتطام حاد بالأرض ص 28

-  مايحدث في اوطاننا من نزاعات حمقاء؟ إن دلت على شيء فلا تدل إلا على أننا شعوب غافلة ص 31

-  أخيرًا بين أزرقين، فوق مركب متهالك لا يكاد سطحه يبين، قد زرع برؤوس بشرية متراصة .....خوفًا من مباغتة خفر السواحل لهم ومنعهم من ركوب مراكب الموت ص 68

5- الأسلوب يتميز أسلوب الكاتبة باستخدام الصور الجمالية لتوضيح أفكارها، فهي تعتمد عليها كثيرًا فى حالاتها الشعورية المختلفة، مابين سرور وغضب وضعف وقوة وخوف وهلع ومن أمثلة هذا الجمل التالية:

-  تلفتت الي محاولة رسم ابتسامة بدا واضحًا أنها قناع تخفي به أعراض الهلع ، أنا اصلًا أخاف من الأقنعة مهما كانت منمّقه ص 55

-  صار الصمت هو الصراخ الذي يصمّ مسمعي، احتل الذهول تقاطيع وجهي المنمنمة وتسلل الخوف الى جنباتي المظلمة ص 70

أخيرًا.. أقول أن تلك كانت إطلالة على مجموعة متخمة بمشاعر صادقة حيّة، تفيض بروح الانتماء لوطن ندعو الله جميعًا أن يعود لسابق عهده بلدًا للياسمين.

 

محمد عباس علي

....14 أبريل 2019

 

  

ثامر الحاج امينضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق صدر مؤخراً رواية (رُقم الغياب) للروائي العراقي المقيم في السويد "علي عبد العال" وهي تعد الكتاب العاشر في سلسلة اصدارته الأدبية التي توزعت بين الرواية والقصة القصيرة، وعلى خلاف رواياته السابقة التي اتخذت من المنافي وآثارها المؤلمة ثيمها الرئيسية لدرجة ان الناقد الدكتور حسين سرمك الذي درس في كتابه (الفردوس المشؤوم  المنجز الأبداعي للروائي عبدالعال وصفه  بـ "اختصاصي أدب المنافي"، فان هذه الرواية تتخذ من السيرة مادتها على مستوى الشخصيات والأماكن والحوادث، حيث يعيد فيها عبد العال احياء الماضي المتعلق به شخصيا وبمدينته الديوانية وذلك من خلال سرده جانبا من فصول حياته وحياة المدينة وطبيعة الأماكن التي شهدت طفولته ونضجه ومغامراته وكفاحه الطويل ضد الدكتاتورية .

في الفصول الأولى من الرواية التي اسماها بالرٌقم كي تعطي بعدها الزمني، يحرص الروائي عبد العال على ضبط الزمن اثناء بنائه الشخصية الرئيسية " حيان البصري " التي منها يبدأ التعريف بسلالته العريقة وتاريخ اسلافه، فبسرد ممتع يكشف عن مهارة في المزج  بين الذاتي والتخييلي وبلغة صافية يغلب عليها الشعر يدخلنا عبد العال الواقع الاجتماعي لحيان البصري نتعرف فيه على الصبي المكافح الذي تدفعه ظروف الفقر وحالة اليتم المبكر الى العمل مع (الصيادين الكسالى الشرسو الأطباع) حيث يقوم على خدمتهم بتلبية طلباتهم البسيطة لقاء أجر بسيط وبضع سمكات صغبرة يجودون بها في أخر النهار ليسد بها رمقه، ويمتعنا الكانب برهافة وصفة للواقع الاجتماعي الذي يحيط باسرة حيان المكونة من امه التي تعيش معه في كوخ بائس يظهر فيه حيان رغم الفقر والقهر انه يعيش في هدوء واستقرار راضيا بنصيبه الى ان يلتقي بعرافة  فتضطرب حياته ويتغير مجراها بعد ان تقرأ طالعه وتخبره انه سوف يتزوج من فتاة جميلة تنجب له ثلاثة صبيان  سيبتلعهم البحر الواحد تلو الآخر، الأمر الذي يدفعه الى الهرب من المصير الذي تنبأت به العرافة وذلك بالهجرة الى بلاد اخرى يتخذ فيها من البر وسيلة للعيش بدل الماء أملا في قطع الطريق على تحقيق نبؤة العرافة وينتهي به المطاف العيش في كنف الشيخ " بدر ذو النورين " الذي يلمس فيه الشهامة والقوة فيكافئه بان يهدي اليه ابنته " النوار "، التي تنجب له  ثلاثة ابناء يذهبون الواحد تلو الاخر طعما لسمكة القرش الجبار ولم يبق من العائلة الا ابن يحمل اسم" علي بن حيان البصري " الذي سيكون الامتداد و(الخيط الذي يروي هذه الرواية ص 62) .

 بهذه الحكاية الممتعة برهافة الوصف وتسلسلها الزمني، التي يرتدي بطلها قتاع الراوي  يستهل الكاتب روايته الجديدة، وللوهلة الاولى قد يظن القاريء انه امام رواية ذات طابع اجتماعي، لكنه ما ان يقطع شوطا في قرائتها حتى تتكشف له الابعاد السياسية للحوادث الصغيرة التي سربها الكاتب عبر لغه رشيقة غنية بالدلالات، فبعد قتل القرش الكبير الذي تمادى في افتراس الابناء يقول عنه (لم يمت القرش الكبير اذاً، خلّف له ذرية من القروش الصغيرة المفترسة تسبح بحرية في هذا العالم المظلم الجديد، العالم الغريب الهلامي الذي تضيع فيه جميع الحقائق والاصول ص 70) .

الرقيم الرابع الذي اسماه (في طريق العودة الى الرحم) يمثل انعطافة ونقطة تحول في مسار احداث الرواية ويؤكد فيه حقيقة ان لارواية تخلو بعض تفاصيلها من شخصية الكاتب، فبعدما كان الكاتب يتخذ في اشاراته للشخصيات والأماكن اسلوب الترميز وعدم المباشرة فانه يتخلى في هذا الرقيم عن قناع التخفي ويضعنا وجها لوجه امام شخصيات باسمائها وتاريخها الحقيقين الا عند بعضها حيث يجري التحوير البسيط على اسمائها احتراما لخصوصيتها وتجنبا المساس بمكانتها الاجتماعية من الاساءات التي قد تطالها عند ذكر بعض تفاصيل حكايته، فالحفيد " علي بن البشر بن حيان البصري " الذي يتولى سرد الفصول اللاحقة من الرواية ه العائد من اوربا عبر معبر ابراهيم الخليل في اب 2003 بعدغربة عن البلاد دامت اكثر من ثلاثين عاما هو نفسه الكاتب والمناضل "علي حسين عبد العال ص 98 " الذي يبدأ باستعادة ذكرياته مقاتلا في صفوف الانصار الشيوعيين منذ لحظة وصوله الى السليمانية ولقائه بصديقه الكردي " مام كمال " الذي شاركه تلك التجربة النضالية المريرة، بعدها يتوجه الى مدينته " الديوانية " ليكتشف حجم الخراب الذي طال النفوس والبنى ومظاهر الفوضى حيث لاقوانين ولانظافة  ونفوس مدمرة خلفتها سياسة النظام الدكتوري، عند ذلك يشرع الكاتب في فضح جرائم النظام السابق بحق الشعب وبحق عائلته على وجه الخصوص الممثلة بنكبة الاخت في اعدام ابنها وسجن زوجها ومصادرة بيتها وموتها كمدا بعد سلسة معاناة ثقيلة، وعلى صعيد تاريخه الشخصي يقول عبد العال انه صار شيوعيا بالفطرة نتيجة ماشهده من جرائم الحرس القومي بحق عائلته وبحق الاخرين عندما كان صبيا في الثامنة من عمره. كما ويسرد تفاصيل شخصية جدا عن علاقته بـ " النوار " الفتاة التي يصف ماجرى لها من انتهاك لعذريتها في لحظات حب حقيقية معه بانها ضحية التقاليد الاجتماعية المتخلفة، وفي الرقيم الرابع عشر والموسوم بـ " سيرة ثعبان " يختتم الكاتب سيرته التي تداخلت معها سيرة المدينة وسيرة النظام السياسي ويخوض في ظروف حياة الثعبان ــ الدكتاتور ــ الذي اذاق الشعب ذلا وقتلا انه انجبته افعى رقطاء الذي رغم نهايته وغيابه عن المسرح السياسي الا انه (مايزال يحكم المنطقة بجوقة من فراخ ثعابين سامة وأفاع مرقطة من نسله الشاذ ص 289) . 

وقد يحسب البعض على الكاتب خوضه في تفاصيل شخصية لاتعني القاريء، لكنني لا أجد عيبا في ان يتخذ الكاتب من سيرته وسيرة مدينته التي لحق بها الاهمال والخراب والتعسف وسيلة لفضح جرائم النظام السياسي وسيرة افعاله، وهو مافعله الروائي علي عبدالعال في روايته الممتعة (رٌقم الغياب) التي تمثل سيرة انسان وسيرة مدينة ونظام .

 

ثامر الحاج أمين

 

جبار ماجد البهادليقراة في تجليات السرد المنثور

إذا كانت اللغة قديماً في منظور ابن جني (بأنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم) والتعبير هنا اشارة واضحة ودقيقة إلى الناحية الصوتية والاجتماعية، كونها نسقاً كونياً إشارياً ورمزياً للمعرفة الإنسانية، فأنها لا تختلف كثيراً عما قاله المحدثون من الناحية التداولية،أي وضيفتها التداولية المناطة بها. وهذا يعني أن هناك فرقاً واضحاً بين مفهومي اللغة والكلام، أي أن اللغة شيء والكلام شيء آخر. واللغة كما يراها عالم اللسانيات الحديثة السويدي فرناند دي سوسير قائلاً : (أن اللغة والكلام عندنا ليسا بشيء واحد، وإنما هي منه بمثابة قسم معيَّن وإن كان أساسياً) أي أنها نتاج اجتماعي لملكة الكلام. والكلام أياً كانت أصوله أو مذاهبه أو مرجعياته الرئيسة (وحياً أو توثيقا أو تواضحاً أو اصطلاحاً أو محاكاة للطبيعة)، فإنه نتاج هذه اللغة الأم وتكوينها .

إن ما أريد أن قوله من خلال هذه التوطئة اللغوية الميسّرة إن النتاج الفكري الذي ينتجه المبدعون المحدثون شعراً أو نثراً هو نتاج وصنيعة هذه اللغة الخالدة في تطورها الزمني الطويل، وعبر آليات مختلفة من حيث المستوى النظري المنهجي أو الإجرائي التطبيقي، كونها لغة تعبيرية نفعية للإنسان . وقد اختلفت المستويات الأسلوبية الإبداعية في التعبير عن هذه اللغة اختلافا فنياً مغايراً من كاتب لآخر وفق ما يمتلكه الصانع الماهر من أدوات تعبيرية خلاقة تتحكم فيها محمولات ملكة استعداده الفطري الذاتي، واستعداده الثقافي المعرفي المكتسب الذي يكتنزه في خزين هائل من الثقافات المعرفية والإنسانية المتعددة الرؤى والاتجاهات .

لا شك أن هذا التمايز اللغوي الفارق بين هاتين الصفتين يشكل بوناً واسعاً وعلامة لافتة للنظر بين شاعر أصيل مبدع، وشاعر آخر لا يمتلك من لغة الشعر البيانية إلا الغثاء الجافي والهذيان العابر، وبين سارد رصين مُحكَم في لغته الجزلة واقتصاده الأدبي المتوازن، وآخر سارد ناثر لا يجيد من لغة النثر السردية سوى الأنشاء التقريري والثرثرة لملء الفراغ بالزبد غير النافع .

ويبدو أن هذا الأخير هو الغالب الذي كَثُرَ انتشاره الغَثُ، وتوسعت سطوته الركيكة عل حساب السمين المملوء فناً ولغةً. وربما تعود أسباب ذلك الى انحسار دور الرقيب الثقافي أو انعدامه، أو لسبب غياب وقلة الموازين النقدية واختلاط المفاهيم المعرفية لفن الرواية السردي لذلك شهدت الأوساط الثقافية عراقياً وعربياً ظاهرةٍ جديدةٍ، وإن كانت لها جذور قليلة تتمثل لدى بعض الطارئين على هذا الفن السردي بتضخيم حجم ولغة الرواية شكلاً لا مضموناً، كماً لا نوعاً دون النظر إلى آليات وشروط كتابة هذا الفن العالمي الحديث، وتدبّر قواعد قراءته من خلال تحشيد الألفاظ والعبارات والتراكيب اللغوية المصفوفة زخرفياً وفنياً بحكايات قصصية طويلة، وتصييرها شكلاً كتابياً على أنها رواية (كماً وكيفاً)متغافلين الوقوع في حبائل شرك الاقتصاد الأدبي، وتوفير الصحيح .

(ثلاثية اللوحة الفارغة) رواية واقعية حديثة للكاتب المبدع عبدالرضا صالح محمد، والصادرة عام 2015 بثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت / لبنان . وتتألف هذه الرواية من سبعة فصول متقاربة، جعل فصلها الأخير تتمة وخاتمة شائقة لفصولها، واللافت لفصولها السبعة أن الكاتب وسم مطالع هذه الفصول بمقدمات عنوانية، وقولية نصية لأبرز المشاهير من الكتاب والأدباء العالميين لتكون مرآة عاكسة وتعضيداً وإسناداً لوحه بنيات فصولها. وجاءت الدلالة اللغوية لهذه النصوص المتفردة تقنياً نصا ًموازياً لثيمات وأنساق النص الأدبي السردي الذي هو متن الرواية ووحدتها العضوية الكبرى.

إن قراءة متأنية فاحصة لأساليب السردية المعاصرة في التكوين اللغوي ل (ثلاثية اللوحة الفارغة) يُجيل بنا النظر عميقا إلى أن ندوس خلالها أرض هذه اللوحة الفنية الرامزة، ونقتفي آثار هندستها اللغوية المائزة، وجماليات أنساقها الثقافية، وأشكالها اللفظية المعمارية بقراءات تأويلية مُتجددة الألوان من حيث صيرورة رؤيتها الفكرية، وضبط ثيمات إيقاعها السردي المتضاد زمانياً ومكانياً وعُقداً وشخصيات، ومن ثمة الإيغال في مستويات نصّها السردي، والكشف عن منعطفات وتلوين بنياته التركيبية والدلالية والمعجمية، وتفكيك شفرات رموزها اللغوية التي ينتجها السياق المعرفي الدلالي للنص السردي جمالياً وفنياً، باعتبار أن اللغة كونا دلاليا قابلاً للتأويل. كل هذا الاشتباك النقدي لمستوياتها الثقافية وإنتاجها الجمالي والمعرفي يجعلك أن تقف مندهشاً صامتاً أمام عتبة هذه اللوحة الرئيس متفكراً في إيحاء مدلولها الضارب بالتأويل والتحليل، باعتبار أن العنوان بطبيعته يشكل شفرة مهمّة من شفرات العمل الأدبي، ومفتاحاً سحرياً من مفاتيح جماليات الرسالة النصية التي تستنطق عقل المتلقي، وتفتح مغاليق دهشته الفكرية بمهمازها الحركي المباغت للوعي الذهني الذي تلتقطه أنظار القارئ للوهلة الأولى من ذلك المثير الحسّي. وطبيعة الحال، إن هذه الشفرة العنوانية التي هي أساسا تمثل إيحائية رمزية دلالية مُتجلية في تركيبها اللغوي المكين، ونسقا معرفياً ثقافياً مرجعياً من أنساق العمل السردي الذي اكتملت خريطته التكوينية بثلاثة أبعاد وجوه نسوية في لوحة سردية واحدة مما يجعلها أن تكون تقنية سيمائية جديدة ونصا ًبارزاً موازياً للنص السردي الذي يقف وراءه السارد مضمراً ومُتجلياً بما تُفضي وتؤول إليه فضاءات الرسالة النصية .

(ثلاثية اللوحة الفارغة) ذات الأبعاد الثلاثة وجوه بشرية لثلاث نسوة أحبها مختار بطل الرواية الرئيس، فالوجه الأول يمثل وجه (مريم) حب الطفولة والبراءة والعفاف، والوجه الثاني يمثل وجه (ديدكا) الفتاة ذات الأصول الروسية التي جاء حبها عرضاً ورغبة وتعويضاً جنسياً وشبقاً عن حبه الطفولي الأول، أما الوجه الثالث من هذه اللوحة الأثيرة يُعد الوجه الأبرز والأهم فيها هو (زينب) التي تمثل الحب الحقيقي العذري لحياة البطل، فضلاً عن كونها رمزاً للبعد الثالث الذي تكررت وجوهه في الأبعاد الثلاثة لهذه اللوحة.

ولكل وجه من هذه الوجوه الثلاثة جاءت لغة السارد النثرية تحمل معادلاً موضوعياً مشتركاً بين رسم هذه الوجوه بلغة توصيفية نسقية رشيقة تُميّز كل وجه عن الوجه الآخر من حيث جماليات الدلالة اللغوية الفنية والتسريدية لأبعادها التوظيفية. وقد عمد الكاتب إلى أن يتحدث بلغة قوية هي لغة ضمير المتكلم الحاضر على لسان شخصياته الرئيسة والفرعية في بناء وسرد أحداث روايته، لذلك احتلت الأفعال الماضية المقترنة بتاء الفاعل، ولزمنية الحاضر ـ كدلالة حدثية زمانية ـ القدر الأكبر من فضاءات السرد الروائي (تذكرتُ ـ جلستُ ـ هممتُ) .

فمن بين الشواهد التي يتماهى فيها السارد بلغته التصويرية الشفيفة مع زينب الشخصية المحورية الثانية من أبطال روايته، فيروي سارداً على لسان حالها في توصيف حبها لبطل الرواية مختار متذكرة إياه (رأيته هنا، وهنا، وهناك، ابتسامة عبق فواح ملأ الفضاء، أو رفرفة جناحين بين الأغصان، أو لحناً سحرياً هادئاً، أو قبسا من نور ينير الظلام، فتحتُ عيني وعطره يملأ أنفاسي، وصوته يُجلجل في ذاكرتي، وهيأته ما تزال تملأ كياني وروحي). ص (17). وبهذه اللغة رسمتْ أحلامها وآمالها وتطلعاتها الفكرية والاجتماعية .

وفي معرض الحديث عن (ديدكا) الوجه الثاني من اللوحة التي بُنيَّ حبها على أساس من الرغبة الجسدية، وبدافع جنسي محض تأتي لغة السارد منسابة من لغة التفاصيل اليومية التقريرية إلى لغة يرتقي بها إلى مناص الفنية التشكيلية التي انماز بها بطل الرواية مختار باعتباره كائناً روائياً مثقفاً ورساماً تشكيلياً بارعاً. فتروي حبيبته زينب ما تعتمل ريشة هذا الفنان من أفكار وتداعيات مسوغة في الوقت نفسه أسباب رسم هذه اللوحة بالقول : (لهذا لم يضعها ضمن لوحاته، بل ترك إحدى زواياها بلطخ لونية قاتمة فارغة، ليكتفي بثلاث زوايا). ص 35، إذن اللغة الإشارية لرسم اللوحة من وجهة نظر السارد لم تكتمل فنياً، ولم تنته سردياً بعد ...

لن يكتفي عبدالرضا صالح محمد بالفضاء اللغوي السردي المعتاد للرواية بل ينعطف بلغته التسريدية إلى كون من كوائن البلاغة الحديثة في إزاحة لغوية تحويلية وتناص تاريخي إيحائي ليسقط فيه أحداث ألف ليلة وليلة الأسطورية على شخصية مركزية واقعية من أبطال روايته كنسق ثقافي ومرجعي يرمز به الى شخصية زينب الشخصية المجددة لحياة البطل مختار، ويُماهي بها رمزياً شخصية شهرزاد التاريخية المنقذة من الهلاك المحدق : (شهرزاد الأنثى التي أوقفت نزيف الدم الذي كان شهريار يمارسه كل ليلة من لياليه بطريقة بشعة، لا يقبلها العرف ولا المعتقد، لذلك كانت تضحيتها كبيرة جداً في راحتها والسهر الطويل لتروي له حكاية من أجل بنات مدينتها، التي لم تعرفهن أصلاً، إذن فهو يعتني (مختار) ويقصد بقوله : أنت يا زينب تضحين بشبابك من أجلي) ص 36 وفي هذه المقاربة السردية اللغوية لوقائع التاريخ مع الحاضر جاء التضمين متوافقاً مع شخصيتي الرواية المحوريتين شكلاً ومضموناً.

وبهذا التوصيف اللغوي التضميني الذي يؤرشف به تاريخاً ثقافة شعب، وتراث حضارة أمة تُحيلنا عبارة السارد (شهرزاد تعبث بأوراق الخريف)ص 36 التي وضعها بطل روايته عنواناً فرعياً بارزاً للفصل الأول من روايته الى دلالة لغوية سيمائية تشعيرية تجلّت بما أحدثته زينب أو (شهرزاد) من تغيير إيجابي طال حياة بطلي الحكايتين دون السقوط في هاوية المحظور السلبي.

وحين تُجيل النظر في مطلع فصله الثاني تطالعك مرة أخرى عبارة (شهرزاد تعبث بأوراق الخريف) تلك العبارة الأثيرة التي وسمها بطل الرواية لفصله الأول، حيث تتنامى بتلقائية سلسة لغة معجمه السردي النثرية الى لغة شعرية مكتنزة يهمس بها تارة بلغة تدفقية عذبة تميل الى تشعير النثر وتصويره فنياً إذا جاز لنا التوصيف، وتارة أخرى يجنح بها إلى مصاف التقريرية الجادة، حيث تكون لغة الحوار اليومي المألوف الذي يُجَسِدُ فيه إرادة وعزيمة بطله مختار مردداً: (فليس شيء يثنيني عن إرادتي، سأمتطي العاصفة الرعناء، وأطارد الغيمة الهائمة في وكرها، وأركب الموجة العاتية في محيطها، وأصنع الحروب، وأقاتل الأشباح التي تحول دون ذلك، وتهدد كياني، وتتحدى وجودي بسيوف من نار، فقد مضى العمر وجار بي الزمن لخمسين عاما من الألم والوحدة القاتلة...) ص 41ـ 42. إن هذه التلقائية في التشعير اللغوي الذي تبوح به عقلية بطله وتنفذه دخاناً سردياً نافعاً كانت السلوى الوحيدة والملاذ النفسي الآمن له في الحياة، ولولاه لفقد عقله وتحوّل الى مصح عقلي للأمراض النفسية .

وعبر مجسات أثيره النصي ينقلنا السارد بخفة لغوية إلى مشهد درامي آخر من مشاهد بطل روايته الذي يترنم بخيلاء وزهو بجمال حبيبته صوتاً وحركةً وطلَّةً بلغة تصويرية مدهشة تنم عن براعة حسية تجريبية ذاتية لافتة: (تهفو مجلجلة كأنها رشفة نسيم عابر، أرقبها من نافذة الغرفة، أهفو لرؤيتها بتأن ساعة طلتها عبر الزجاج نافذة القسم) ص 46 وكأننا هنا نرى أو نتأمل لوحة أو مشهداً فنياً تتوالى فيه حركية الأحداث بتتابع صوري متناغم ثم يمضي بنا السارد قدما متنقلاً بلغته الشفيفة واحاسيسه العذبة الى موضع تسريدي آخر يًوظف فيه طواعية اللغة توظيفاً حسياً ينسجم مع الدلالة السياقية التركيبية للحدث السردي الذي تسمو فيه الأفعال الافتراضية بحركتها الإيقاعية الرومانسية لتعزف قولها: (رقصت بما أُتيت من مهارة، ولما تعبت ألقيت بجسدي على السرير، وفتحت الكتاب ووضعته على صدري، أحسست وكأن (مختار) قريب مني، وأن عطره يملأ فضاء الغرفة ورائحته تفوح بين ثنايا صفحاته، وأن أنفاسه تحيط بي، أغمضت عيني، ونمت والكتاب على صدري حتى المساء) ص 50

وحين نتوغل بتجلٍ في مهيمنات السارد اللغوية، وننقب بتؤدةٍ عن آثار هذه السردية في معجمها اللغوي السياقي تنهض بنا لغة الكاتب قائمة لتتحول من لغة تدفقية تشعيرية نَميرةٍ الى لغة حرب وهجوم ودفاع صارم وفق ما يتطلبه مقتضى الحال ولغة المقال زمانياُ ومكانياً لتقرع نذير أجراسها الضروس بواقعة الحدث فتعلن: (حاولت مرةً اختراق سواترنا الأمامية، وخرق قواتنا الدفاعية حتى بلغت قلب الميدان، وكادت أن تثبت رايتها في مواقعنا، وفي اللحظات الأخيرة من هجومها، أفشلتُ محاولتها وأجبرتها على التقهقر إلى مواقعها الخلفية) ص 57ـ 58 ولعل هذا الانتقال المفاجئ في لغة الرواية يدل بإيحاء على الجو النفسي الذي يمرُّ به ويعيشه بطلها مع من يقصدها كحبيبة أثرت به الانتقال من حال إلى آخر .

وفي المحطة الأخيرة من محطات تسريده اللغوي نقف متأملين إلى ما يراه الكاتب من أن لغة التلاعب بالمشاعر والأحاسيس، وخاصة المشاعر الرومانسية الساخنة والحميمة، هي لغة خاصة وصامتة لا يمكن فهمها إلا بعد محاكاتها والتعبير عنها بطرائقها الخاصة . ولننظر بقراءة خاصة إلى قاموسه اللغوي الباذخ في التعبير عن المدلولات الجمالية لامرأة تدعى (سيدة القصر) من أتباع نظام السياسي قبل التغيير، أثارته بغنجها المترف، فكانت استجابته لها تصويراً فنياً زاخراً بإمارات  الجمال البديعي الباذخ بالصوت والحركة والإيقاع الأسلوبي اللافت حتى (كاد صدرها أن ينطلق لجماله، كأن ثدييها فرسا سباق تتأهبان للقفز والوثوب من حاجز مرتفع وهي تحمحم وتقول: هيت لك، ما ذا تنتظر؟ كنت أحس بهذه اللغة، وأتوق الى اللعب بها، وأرتمي في أحضانها ... إلا أن المواقف الصعبة التي تباغتك ولا تعرف نهايتها هي التي حجزت بيني وبينها) ص 171 . وهذا يدلك على أن المواقف الصعبة هي التي تنتج لغة السارد.

ومن مصداق القول ونافلته أن نقرّ حقيقة هذه الرواية التي وضع أساس خريطتها الفكرية بطلها مختار الذي حال الموت بينهما دون أن يتمها، فارتأت حبيبته وزوجته زينب إكمالها وإتمام وجوهها الثلاثة كونها وجهاً بارزاً من وجوهها الفارغة التي جاد بها قلم ساردها عبدالرضا صالح محمد .

كل هذه التعددية في الانتقالات اللغوية تؤكد بصدق أن لغة الكاتب لا تقف ميّتة أو عاجزة الأداء عند حدٍ معين أو متناهٍ من حدود اللغوية الثابتة، بل تتخطى ذلك الخط إلى فضاءات لونية من التجدد اللغوي الذي يضفي على أسلوبية السارد شيء من روحه وفكره، فيأتي تسريده للجملة أو العبارة التركيبية متساوقاً مع ثيمة الغرض والجوّ الذي وظفت من أجله أصلاً .

ولا شك أن هذا التأصيل اللغوي اللّوني الذي إنماز به المعجم السردي للكاتب تُحتّم علينا أن نُثبّت حقيقةً تأصيليةً مهمة تدلّك بقصدية واعية على أن خاصية الاستعداد الفطري والمكتسب ثقافياً لموهبة الإبداع التي يتمتع بها عبدالرضا صالح تجمع بين ثنائية الفن الروائي السردي والفن التشكيلي رسماً الذي عرف به رساماً تشكيلياً قبل أن يشتهر روائيا سارداً. لذلك جاءت أغلب أعماله الروائية والقصصية المرئية منها والخيالية لا تخلو من هذه الثنائية المتجانسة جماليا وفنيا التي أضفى عليها أجزاء كثيرة من أفياء محطات سيرته الذاتية والفنية. موظفا موضوعاتها الحياتية الشائقة بقالب سردي محكم يتماهى فيه مع شخصياته الثقافية الرئيسة بأسلوبية واضحة وقصدية مائزة تشدك نفسياً إلى أن تتفاعل بعفوية تلقائية، ورغبة كبيرة مع مجريات أسلوبه السردي الحكائي الواثب، دون الشعور بالنكوص المفاجئ أو الممل أو الضجر أو الرتابة الممقوتة، فضلا عن الإيقاع الحركي الأسلوبي في تنغيم الجملة السردية الذي يوظفه كتابياً في التعامل الدلالي اللغوي للبنية السردية، والانتقال به جمالياً وفنياً من موضع لآخر.

 

   د. جبار ماجد البهادلي            

 

"الرسم شعر صامت والشعر تصوير ناطق"..سيمونيدس

يرجع المؤرخون اصالة الهايكو الى اليابان على يد شيخه ومؤسسه ماتسوو مانوفوسا الشهير ب(باشو)، 1644-1694

وقد ارتبط الهايكو بطقوس دينية تاملية"زن" تدعو الى تحرر النفس من ضغوطها واعبائها الى عالم اكثر راحة وسمو، كما ارتبط شعر الهايكو ارتباطا وثيقا بالطبيعة ومفرداتها الزاخرة التي تدعو المرء الى تاملها ووصفها بكل عفوية تاركة روحها التي تمتزج مع روح الهايكست"شاعر الهايكو"لتكوين قويصد سيامي لروحين امتزجا معا في لحظة معينة فاثمرقويصد مكثف"مضغوط"مكتنزبمشاهده قليل بمفرداته غني بروحه، فالمفردة الواحدة فية تعني الكثير وبامكانها ان تصف الكثير..

ومن الجدير بالذكر ان الهايكو اختص بالطبيعة البحتة، فيما اختص "السنريو"بالانسان نسبة الى مؤسسه"سنريوكاراي "الشاعر الياباني(1790-1718) وهنا يكون الانسان هو محور الموضوع الذي طالما يرتبط بالطبيعة ليكون القويصد"الايحائي" الذي قد يحمل بين طياته صورا’خر، وهنا تكمن براعة الهايكست الذي يمزج بين الصورة النمطية الواضحة وبين الصورة "الرمزية" ماوراء السطوروالتي تظهر دائما في النهاية والتي يعبر عنها"الدهشة"، وحقيقة هي اللحظة المدهشة التي يعتمد عليها بناء القويصد، وقد تطور السنريو ليشمل مواضيعا شتى تخص الانسان ..

عند القطاف

تتحزم بعبائتها

فلاحة

وبعد هذه المقدمة الموجزة عن نشوء وماهية الهايكو، ناتي الى كتابة الهايكو باعتباره فن ادبي يجمع بين الفن والادب وغالبا مايكون شاعر الهايكو فنانا تشكيليا يتغنى بحبه للطبيعة رسما وشعرا، اوشاعرا عاشقا للطبيعة ولان شاعر الهايكو يمتاز برهافة الحس، والعفوية الصادقة، وعشقه للطبيعة فلابد ان تبرز عنده حاسة دون غيرها تكون هي المسؤولة عن استنطاق ذائقته الفنية الادبية، تلك هي حاسة"البصر"، الحاسة الثاقبة التي تصور المشهد الظاهري ثم تخترق ماوراء الحدث و تكون عدسته اللاقطة الحاضرة دائما لالتقاط كل شاردة وواردة، ابتداءا من دبيب نملة الى ثورة بركان، فهو يعتمد اعتمادا كليا على عدسته اللاقطة التي تقتنص الجمال وتبروزه بمقاطع ثلاث تدهشه اولا وتشعره بالرضا لانجاز قويصد غني باللحظة والفكرة والصورة وتنشيه ثم تنشي قارئه الذي يستشعر جمال المشهد وروعة اللحظة المدهشة تاركة بصمة النشوة والابداع.

وبما ان الكتابة هي المتنفس الساحر للانسان لانها تنقله من حالة الياس والقنوط التي يعيشها عن طريق نقل خلجاته النفسية الى الورق تلك العملية التي تعني ازاحة مابنفسه المثقلة بالهموم والاحزان وتحويلها الى كلمات مكتوبة ترفع عن كاهله الهموم وهو يقراها كانها حالة اخرى لانها نقلت من المباشر الى غير المباشر، خصوصا اذا تم نشرها اوشاركه احدما او مجموعة افراد بقرائتها واعطاه رايه فيها تلك الاراء كفيلة بان تخفف عن كاهله، فهي بمثابة الدموع التي تريح الانسان الحزين وتطبب نفسه لانه اخرج همومه الجاثمة على صدره مع هذه الدموع واصبحت خارجا فيشعر بالارتياح لخروج طاقة سلبية تكاد ان تخنقه، بل ان الكتابة تعتبر فن علاجي لمن اعتاد ان يتطبب بالنقش على السطور، وقد اتخذ اغلب الناس الكتابة وسيلة للتنفيس عما بدواخلهم، فليس من الضروري ان يكون المرء محترفا ليكتب، بل ان الكثير من الخواطر والومضات الشعرية تثري حالة الانسان وتشعره بالارتياح مهما كانت بسيطة، والكتابة اسلوب من اساليب الدفاع النفسي التي يلجا اليها الكثير من الناس تجنبا للدخول في دوامة الفراغ والاكتئاب النفسي والقلق والكثير من المشاعر السلبية، وليس الهدف من الكتابة ان يكون الانسان مشهورا بل لاتخاذهاهواية تمارس في اوقات الفراغ او الشعور بالضيق لتحسين الصحة النفسية وتساعد على التخفيف والتقليل من التوتر العصبي، لذا يلجا الطبيب النفسي لوصف الكتابة على انها عامل مساعد للتصالح ولو نسبيا مع الواقع باعتبار ان المعاناة جزء من الواقع الذي نعيشه ويتعامل مع هذه الجزئية بصورة خاصة لجعلها مقبولة لدى الانسان الذي يجب ان يتعايش معها ليكون اقوى منها، فالكتابة عن موقف ما يجعل الانسان اكثر فهما لحالته من حيث نقاط الضعف والقوة، كما انها تعتبرالوسيلة المثلى لتفريغ المشاعروالطاقات السلبية، فبدلا من ان تكديس المشاعر السلبية التي تجعل من الانسان بركانا مايلبث ان ينفجر باي لحظة ليدمر نفسه والاخرين، فانه ينقل تلك المشاعر على الورق تاركا امانته التي اثقلت كاهله بين اسوار الغلاف خصوصا اذا كان لايريد لاي احد ان يطلع عليها، وبنفس الوقت لابد ان يفرغها لكي يشعر بالراحة، تلك المشاعر التي سببت له الالم عندما يقراها بعد حين تكون قد اضافت له درسا اوتركت ذكرى لموقف ما، وهي تساعد الانسان لكي يرى نفسه الاخرى بصورة اوضح، لان الكتابة عن حالة ما تجعل الانسان يرى نفسه خارج الصورة، ناظرا اليها من جميع زواياها فتتضح بذلك امورا لم تكن يعرفها او يراها وهي قابعة بداخله، فيحكم عليها من زاوية اخرى اكثر نضجا ووضوحا، ومع الوقت يتعامل مع الازمات والصدمات النفسية بعقلانية اكبر، هذا الاسلوب يجعل الانسان يشعر بالرضا والاحساس الايجابي عن النفس من خلال ملأالفراغ، وتحويل مشاعر القلق والحزن الى مشاعر تقبل وتعايش.

هذا الحال ينطوي على كتابة الهايكو، فالهايكست انسان حالم بطبعه لديه المقدرة والكفاءة على تحويل الجمادات الى لوحات ناطقة، فهو يستنطق الصخرة ويجعل منها لوحة ناطقة، اوارضية الممشى، او الجدار، او السقف، او السياج، او الباب، ...الخ، في حين ان تلك المفردات تبقى جوامد عند الانسان العادي ولاقيمة لها، اذن فالهايكست يتعامل مع الاشياء على انها قيم مطلقة ناطقة، يبتزها ادبيا ليخرج مكامن الجمال الصارخ فيها، فكل شئ عنده يمثل قيمة، ويتعامل مع هذه القيمة بمنتهى الصدق والامانة وكانها كنز نفيس كي لا يفسد جوهرها الذي يعتمد على مهارته بالصياغة والاخراج، مستثمرا وقت الفراغ او الشعور بالوحدة او الاكتئاب بطريقة ايجابية، وتلك مقدرة هائلة لتحويل الجماد الى روح ناطقة..

صمت

يقابله صمت

جدران!

ان المشاعر الانسانية بمجموعها تشكل الحالة النفسية للانسان فرحا، حزنا، الما، سعادة، وهذه بمجموعها تتحكم بحياة الانسان او يتحكم بها تبعا لقدرته على ادارتها، فالانسان المتحكم بحواسه ومشاعره هو انسان قوي يستطيع ادارة ازماته النفسية باقتدار وروحية عالية يستطيع من خلالها الخروج من ازماته النفسية بسهولة ويسر مع اقل الخسائر، في حين تتمكن هذه الحالات نفسها من انسان اخر فتطرحه ارضا من خلال تغلب الوساوس والهواجس ومشاعر الحزن والخوف لتجعل منه انسانا يائسا تنعكس عليه حالته النفسية المريضة وتؤثر عليه سلبا تاركة اياه فريسة للوهم والحزن والكابة، وقد تقوده تلك المشاعر المظطربة الى الانعزال او الانطواءاو سلوك طرقا اخرى اكثر ضررا كالادمان!!

وكما ذكرنا فان الهايكست يفرغ شحناته السلبية بين عالمين اولهما الطبيعة التي احتضنت مشاعره السلبية ووهبته روحها من خلال شهيقاعميقا خالقا من المه شيئا مثمرا، فبمجرد سرحانه او تامله باي مشهد امامه او اي صورة تنقله من حالة الياس الى حالة الرضا فمثلا بامكان عصفور يحمل قشة ليبني عشا على غصن شجرة خارج النافذة ان يزرع الامل في نفس انسان حزين يجعله يسرح معه ليعيد حساباته مراقبا و مقتديا بالعصفور!

ربيع

عصفور وعصفورة

يبنيان عشيهما

ومابالك اذاكان هذا الانسان هايكست، فوض مشاعره لتحسس الجمال واقتناص اللحظة وترجمها على الورق انيا، فذلك كفيل بان يحول مشاعر الحزن الى فرح، ومهما كان ذلك الشئ صغيرا سيكون وقعه بالنفس كبير، لانه اخذ هدنة وانجز شيئا يستحق التقدير، وبنفس الروحية التي كتب بها الهايكست قرأ بها متذوق الهايكو وشعر بنفس النشوة والانتعاش الذي ازاح عن كاهله المشاعر السلبية التي اثقلت كاهله وامتلات روحه بمشاعر ايجابية مفعمة بالامل انسته ولو قليلا مشاعر الحزن، وهكذا فان اكبر متنفس للهايكست هو نقل مشاعره على الورق فتصبح وكانها حالة مختلفة امامه تختلف عما كانت بداخله، وبما ان الانسان ومع تقدم الزمن بدات تتغير مفاهيمه وتتبدل امزجته وقد انطوى ذلك على الادب ايضا ونحن في عصر السرعة، فقراءة قويصد مكتنز بالصورة والمعنى لهو كفيل باشباع حاجة القارئ واشعاره بالنشوة بدل الاطالة التي يتململ كثير من القراء منها، وهكذا فقد احتل الهايكو مكانته المرموقة كفرع ادبي رفيع يثري النفس بتفاصيل منعشة عن طريق استحضار رياض الطبيعة الغناء على الورق، وكفن علاجي لتطبيب المشاعر النفسية.

 

مريم لطفي

 

ناجي ظاهرتدور احداث رواية" الظمأ للحب"، في مزرعة فنلندية قريبة من الغابة، وتجسّد احداثُها قصةَ حبٍّ فريدة من نوعها، تدور بين غريب يفد الى المزرعة للعمل فيها، وبين زوجة شابة عافت الحياة الزوجية مع زوجٍ سكّير خامل، قضى سابقًا عامين في مصحّة عقلية، وفقد او كاد ان يفقد جانبًا هامًا من حسّه الانسانيّ في التعامل مع زوجته المرّهَفة التي سامحته على زلّاته معها المرة تلو المرة، دون ان يتغيّر شيءٌ فيه.. كما ارادت وتوقّعت.

قبل ان اعرّف الاخوة القراء بهذه الرواية الفريدة، اودّ ان اعرّفهم بكاتبها.. صاحب هذه الرواية هو الكاتب الفنلندي ميكا والتاري (Mika Waltari؛ هلسنكي، 19 سبتمبر 1908 – هلسنكي، 26 أغسطس 1979)، (تمّ وصفُه على غلاف الرواية بأنه عميد الادب الفنلندي)، وقد تعرّفت على جانب من اعماله الروائية في الثمانينيات، بعد ان قرأت روايته المشهورة"سنوحي" او" المصري"- 1945-، وبعدها روايته القصيرة الفاتنة "شجرة الاحلام"-1961-. ابتدأ والتاري الكتابةَ وهو لمّا يزل على مقاعد الدراسة ، وصدر له عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، مجموعةٌ قصصية لفتت اليه الانظار. اشتهر والتاري خلال العقدين الاولين من حياته الادبية في بلاده، وقيّمه النقادُ والقرّاء تقييمًا عاليًا، إلا انه لم يُعرف على مستوى عالمي الا بعد ان قامت هوليوود بإنتاج فيلم عن قصته" سنوحي"، فالتفت اليه العالم، وبات شخصيةً ادبية هامة، ينظر اليه محبو الادب الروائي في مختلف اصقاع العالم، باحترام وتقدير عال لأدبه الروائي، ويُذكّر هذا بالكاتب السوري المبدع حنا مينة، فهو لم يُعرف على نطاق واسع الا بعد ان تم تحويل روايته الرائدة" نهاية رجل شجاع"، الى مسلسل تلفزيوني تمّ بثُه في بداية الالفية الجارية عبر اكثر من قناة تلفزية وشاهده الملايين.

ترجم رواية "الظمأ للحب" -1947-، الكاتب المصري محمد بدر الدين خليل، المعروف بترجماته الوفيرة من الانجليزية إلى العربية، وصدرت الرواية ضمن سلسلة ادبية اشتهرت منذ الخمسينيات، حتى هذه الايام، هي سلسلة " مطبوعات كتابي"، التي بادر لإصدارها الكاتب العربي المصري حلمي مراد، فقد شاهدت واقتنيت عددًا كبيرًا من اصداراتها بعد اعادة طباعتها، وانوه ان هذه السلسلة الهامة قدمت خدمات جُلّى لادبنا العربي الحديث بتقديمها عيونا مختارة من الآداب الاجنبية المترجمة، واغنت المكتبة العربية، علما انها سلسلة شعبية جدًا.

صدرت رواية الظمأ للحب اول مرة بلغتها الفنلندية، تحت عنوان هو " غريب في المزرعة"، إلا أن مؤلفها ما لبث أن اصدرها في طبعة تالية تحت العنوان، الذي ترجمت به إلى اللغة العربية، او تحت عنوان قريب منه.

1828  الضمأ للحبيمكننا تخليص احداث الرواية بأسطر قليلة، كما اوردنا في مفتتح حديثنا هذا، مع اضافة طفيفة، تتمثل في ان بطلة الرواية، التي تبقى حتى نهايتها بدون اسم، تضحّي بالكثير من اجل راحة زوجها، الا انه لا يُقدّر هذه التضحية، ابتداءً من شرائها المزرعة لاعتقادها انها توفر له جوًّا ملائمًا لصحته المعتلّة، انتهاءً بتحمّلها فظاظته في معاملته لها، مرورًا بمحاولاته المتكرّرة لاغتصابها دونًا عن ارادتها ورغمًا عنها. العلاقة بينها وبين الغريب ويدعى التونين، تتطوّر رويدًا رويدًا، وتساعد الظروف في توفير المناخ المناسب لازدهار هذا الحب، وذلك بعد ان يقوم الزوج، ويدعى الفريد، بسرقة مال ادخرته، وتوجه الى احدى الحانات البعيدة عن المزرعة، فيتوجه التونين برفقة هيرمان- الشخصية الذكورية الثالثة في الرواية- ويعيدانه، بعد ان ينهالا عليه بالضرب، الى المزرعة، وفي المساء يحاول الفريد اغتصاب زوجته رغمًا عنها، فيهبّ الغريب لنجدتها ويضع بذلك حدًا لانتهاكه حرمتها. وهنا توفر الظروف امكانية اخرى لنمو قصة الحب بين الغريب العامل في المزرعة وبين صاحبتها المتزوجة. في المقابل لهذه القصة الغرّامية، يعثر الزوج الفريد، خلال عمله في الارض على بندقية روسية قد يكون احد الجنود الروس دفنها هناك على امل ان يعود لأخذها، فيخبئُها احتياطًا لحاجة دَنا وقتُها. في النهاية يلحق الزوج عشيق زوجته إلى اعماق الغابة حيث يعملُ العامل الغريب التونين بتقطيع الحطب، ويطلق عليه النار. الزوجة تستمع الى اطلاق النار هذا، فتهرع ألى حيث استمعت اليه، وهناك ترفع البلطة التي كان الفريد يقطع بها الاحطاب، وتنهال بها على رأس زوجها.

بهذا الحدث الفظيع تنتهي الرواية.

احداث الرواية كما تتبدى لقارئها، لي على الاقل، عادية جدًا ومن المألوف ان يقع مثلها في اي مكان من العالم، فنقرأ عنه خبرًا في صحيفة وينتهي الامر، إلا أن صاحب الرواية ميكا والتاري، تمكّن بقدرته الفائقة على السرد ان يصنع منه رواية عظيمة، وللحقيقة هو لم يختلف في ابداعه هذا عن معظم من قرأنا لهم روايات من مختلف انحاء العالم، فمعظم هذه الروايات ما هي الا قصص عادية، تمكّنت المخيّلةُ المبدعة من بعث الحياة فيها لتتحول بالتالي إلى رواية ادبية من طراز رفيع وتضاهي ما نعايشه، كل على حدة، من احداث.. نرى انها الاهم في العالم.

رغبة في تقريب الاخوة القراء من اجواء هذه الرواية اقدم فقرة او اكثر منها، يصف الكاتب والتاري النوبات الشهوانية الحيوانية التي كانت تنتاب الزوج الفريد على النحو التالي:" وكان يحبو على اربع ليضرع إلى زوجه ويتوسّل.. وقد احس يوقدة تسري في كل جسمه: كل شريان تحوّل إلى اتون ملتهب.. وكل عصب في كيانه كان يرتعش شهوة!.. وما لبثت الابتسامة العريضة، التي كانت شفتاه الغليظتان تنفرجان عنها، أن تحولت إلى السباب.. وكانت الكلمات البذيئة تنساب من فمه، وقد تجلّت على اسارير وجهه مظاهر العته.. كانت شهوته هي جحيمه! وما افظع جحيم الشهوة التي كانت تستعر في جوانحه- دون ان تجد اطفاء- فتلفح ريحها كل من يقترب منه..!". اما الزوجة فانه يصفها بقوله:" على أن المرأة شعرت- في ساعة الاسى المرير- ان في حياتها شيئًا واحدًا يخلق بها ان تحمد السماء عليه.. ذلك هو انها لم ترزق بولد. من اجل هذا، على الاقل، كانت تكبح شهوة زوجها، حتى لا تضطر قط، إلى أن تعاني فظاعة وبشاعة أن تحمل في احشائها حياة نفثها ذلك البدين الرخو، الناضح بالخمر.. وان تشهد الطفل ينمو ويكبر فترى في عينيه تلك النظرة المعتوهة التي تلمع في عيني زوجها، وتلمس في ملامحه ما في ملامح ذلك الرجل من ضعف النفس، ومن الغش والخداع، ومن الشهوة البدينة. واصبحت تكره نفسها وجسدها، لأنها كانت مضطرّة للخضوع لهذا الرجل..".

الظمأ للحب رواية رائعة.. اقترح عليكم قراءتها.. وهي تذكّر بالرواية الفاتنة "عشيق الليدي تشاترلي"، للكاتب الانجليزي ذائع الصيت دي. اتش، لورنس.

 

ناجي ظاهر

 

 

عبد الرضا صالح محمداشكالية التراجيديا ومدلولات المجتمع في السرد

تحت عنونة المدلولات في المجتمعات الإنسانية وانساقها المتباينة تتضح بجلاء مواصفاتها وكيفية عيشها، وتحيلنا فيما بعد إلى الصفات والعادات والتقاليد التي تحكمها.

وحيث أن الأسرة هي الوحدة أو أصغر خلية في تكوين المجتمع، تشكل في سلوكيات عناصرها لتتوضح بذلك مميزاتها والتي تختلف من مجتمع لآخر.

وبما أن دراسة الأسرة وما يطرأ عليها من تطور بفعل تطور المجالات الأخرى فان تأثيرها يبقى ضعيفا تجاه تقاليدها وعاداتها وما يرافقها من صفات جماعية لتعطينا صورة واضحة عن هذا المجتمع أو ذاك.

وبما أننا بصدد المجتمع العراقي، نلاحظ صفة طاغية على معظم الأسر العراقية في التماسك الأسري الرصين بين عناصرها، وهذا يعني أن الفرد الذي يولد في الأسرة الواحدة يبقى أمينا على انتمائه إليها مهما كان جنسه ذكر أم انثى.

من هذه المقدمة، ونحن بصدد قراءة واعية لرواية (موت الأم) للروائي القدير(حنون مجيد) دار أمل الجديد/ سوريا ب263 صفحة من القطع المتوسط  نلاحظ:

أن الفرد في الأسرة العراقية يظل في كنف الأسرة ولا يفارقها حتى اذا تزوج وصار لديه ابناء فإنه لا يخرج من بيت أبيه حتى يضيق البيت بالأبناء والحفدة/ أما إذا لم يتزوج أو تتزوج فسيظلون تحت هذا البيت إلى آخر العمر إن لم يطرأ عليه طارئ غريب.

وهذه الظاهرة لا نجدها في المجتمعات الغربية وحتى في بعض المجتمعات العربية، فالأبناء سرعان ما يغادرون الأسرة الأم، ما إن يبلغوا السن القانوني.

1825  موت الاممن عتبات رواية (موت الأم) أي من عنونتها وصورة غلافها نرى توافقها الكبير مع متن الرواية، وحينما نتجتاز بخطواتنا عتباتها نقف أمام مشهد حزين، ألا وهو العزاء المنصوب لفقدان الأم، محور البيت ووتدها الشماخ، مما يثير بنا مشهد السردق المنصوب للعزاء وحضور المعارف والجوارين لمواسات أهلها، والحزن والألم، وما يرافق ذلك من تقاليد وعادات في اقامة العزاء وقراءة الفاتحة، وحضور شيخ للختمة بعد الوليمة الكبيرة في اليوم الثالث.

(قبل أن يحين موعد عشاء اليوم الثالث... حل عليه رجل دين، مرصع الجبهة، كث اللحية، يلقي محاضرة عامة على الحاضرين، يصبر فيها ذوي الميت، ويستعرض فضائل أهل البيت) ص 45

وحينما نعود خطوات إلى الزمن الماضي وما يرافقه من سعادة ووئام لأسرة عبدالغفور الأب وحبه بما تتصف به هذه الأسرة من حب ووئام وسعادة قبل أن يطرأ عليها طارئ يقوض كل ما شيدته تلك الأسرة:

( سمع قهقهات قصيرة خافتة تهبط من الاعلى؛ إنها قهقهات رأفت وأخته آمال؛ هبطا على ضرب الملاعق والصحون... وأكثر ما يفرحه في هذا الوقت هو التِمام عائلته والتئامها على مائدة الشاي.) ص55

ثم نمضي قدما في معايشة صفحاتها بخطوات هادئة وتتبع أحداثها والأسباب التي أدت إلى وفاة الأم، ومن هنا تبرز أمامنا اشكالية قد تكون متفشية بين الأزواج الذين يطمحون لحياة متجددة جراء ما يحرزونه من ثروة تؤهلهم لذلك.

(فتح سجل مبيعاته وجعل يدون ما استجد من بيع هذا اليوم ... سلم قائمتي المشتريات لزبونيه وتسلم ثمن بضاعة كل منهما) ص 81

ومن خلال الإمساك بطرف الخيط، نلاحظ أن موت الأم لم يكن موتا طبيعيا، وإنما هناك امور خفية شغلها عن الاهتمام بحياتها وحياة أسرتها، اسباب تمس كرامتها جراء سلوكك زوجها عبد الغفور وكرهها له بعد كل هذا العمر من التضحية والإخلاص له

....(وتدرك ادراك المرأة المخلصة أن نزوعه إلى امرأة غيرها أبلغ ما يلحق بها من حيف... ومع ذلك آثرت الصمت ولو ان في هذا ما يأكل القلب أو يدفع إلى الجنون.) ص 186

كل ذلك حصل بسبب تسلل سعاد إلى قلب الرجل، بوسائل خبيثة، اهداءاتها اليه التي تثير الريبة في قلب ليلى، مظلة نسائية في يوم شديد المطر، عطر مميز تتوغل رائحته إلى صميم ليلى.

امرأة بقدر ليلى تربت في بيت على الفضيلة والصدق والاحترام لا يمكن لها أن تعيش مع رجل تشك بأفعاله ونواياه مع غيرها بعد العشرة الطويلة، وهي الأم الصالحة التي لم ينقصها شيء في جمالها وعفتها ونسبها وهذا يتضح من حديثها لزميلاتها في المدرسة:

(لقد وهبته أعظم ما أملك؛ قلبي ووجداني، بل أني رحت أعيش على حب رسمه هو لي قبل خيالي.) ص 136

وجود المظلة النسائية في خزان ملابسه، ومحاورتها له حول وجود هذه المظلة في بيها فجر بداخلها غيرة قاتلة، افقدتها فيما بعد حياتها:

(السود للرجال، والملونات؛ الزرق، الصفر والخضر للنساء) ص 141

وتذكرها للعطر الذي كانت سعاد جارتها أرملة صديق زوجها وهي تتعطر به في لقائها معها في مرقد الشيخ، بعد هديتها لها عن طريق زوجها الذي أخفى على زوجته أنه هدية من سعاد عشيقته.

(لم يشغل ليلى من العطر الفاضح الذي تعطرت به سعاد حال التقتها تزور الشيخ، سوى أنها امرأة حزينة لم يمض سوى بضعة أعوام على وفاة زوجها) ص116

وهكذا ظل يجري للعائلة من نكد، فليلى في موعد مع منيتها، والأبناء (رأفت وآمال) صارا بين الواجبات المدرسية، ومدارات أمهما المريضة، بينما الأب غفور يرفل بحمى سعاد. جاء ذلك برسالة المدرسة للاب:

(تكررت غيابات رافت وان لا تدري برغم اشعار اول ارسلناه على عنوان بيتك، فنحن الأن نبلغك بهبوط مستوى ولدك كذلك.)ص 158

سعى الأب إلى التجديد مع خطيبته الجديدة غير مكترث لعائلته التي راحت تتقطع أوصالاً. ونلاحظ ذلك من خلال الحوار الذي دار بين اصدقائه.

(حول عدم أحقية زواج عبدالغفور، أو عدم انسانيته بتعبيرهما مرة ثانية، من امرأة أخرى على ليلى، صحيحة أو مريضة، ولو بمرتبة امرأة مثل سعاد) ص 240

من هنا نشعر بالدرس البليغ للمجيد في روايته (موت الأم)، وما تتضمنه من حكمة في وحدة البيت، ومركزية الأم في ضياع الأسرة، لمجرد غرور يقود الزوج لتجديد حياته بعد المشاركة الحقة والتضحية الصادقة،

لقد نجح الروائي في تقديم هذا المشهد الدرامي والصورة المعتمة بأسوبه الفذ وبلغة شعرية قوية، وثيمة طالما هدت عروش أسر معروفة في مجتمعاتنا العربية

 

الروائي عبدالرضا صالح محمد

 

سوران محمدبوعي أم بغير وعي قد نكتب. نكتب، من الاعماق التي لا تصل يد أحد اليه، الا القلم الوجداني الذي يبث ذبذبات النفس المكلومة. أحيانا نهرب عن طريقه من الواقع المشجون، وأحيان أخری  نواسي به أنفسنا ونتسلى، وكذلك قد كتبت صفحات الأيام الخوالي والماضي السحيق بأقلام  قد جف مدادها ووافی المنية أصحابها، ولكننا مازلنا نعايش أجواءها المشحونة بالصراعات ومرات بجمال سرمدي لا نظير لها، نتذوقها وهي بدورها تشبع الحس الأستاتيكي في داخلنا. وكلما مررنا عليها أثناء مطالعاتنا تشتد بنا هواجس مختلفة. ربما يكتب الشاعر ولا يسأل نفسه لماذا  يكتب؟ أم لانه  ليس له جواب شاف لها أو لا يسأل نفسه أصلا هذا السؤال الوجيه البسيط، لأن الكتابة أصبحت ملكة أو جزءا من الروتين الحياتي للشاعر كالأکل والشرب والنوم والمشي في الطرقات. ودائما هنالك جمع من الناس يتميزون بتلك الصفات النفسية للشاعر ويقعون في شباك نتاجاته أو بالاحری في غرام خطابه الادبي ويترك في أنفسهم أثرا ملحوظا، لأنهم يجدون أنفسهم وواقعهم هناك داخل هذا العالم السحري أو بما يسمی باليوطوبيا الشعرية، بل حتی مرات يصعب علی القارئ أن يكتشف ماهية  سر الجاذبية  لنص ما، الا أن روحه تحس بدغدغته، وكم من عالم غير المرئي أوسع من العالم المادي كمدی سعة خيال البشر أنفسهم. اذن لا ينحسر الشعر في التعريف التقليدي بالكلام الموزون والمقفی فحسب، بل هنالك عناصر عديدة تشارك في تكوين بناءه الهندسي والفني في آن معا، بدءا من الفكرة ومرورا بالثيمة، ثم روح المثابرة والتمرد في النص وعند الشاعر، موسيقاه تنعش أرواحنا وايقاع المعاني والکلمات  تجذب شعورنا وتحتل احاسيسنا وتسيطر عليها، بلاغته تؤثر فينا بشكل بليغ، رسالته تستقر في القلب كسهم أصاب هدفه بدقة. أما الفنتازيا والصور الشعرية المتجددة تقلب مفاهيمنا كثورة يافعة تجرف كل عائق أمامها وتنقلنا من عالمنا المحسوس الی عالم مغاير تماما. وهكذا يتبين مستوی الاحترام الذي حظي به الشعر من قبل الشاعر أثناء تعامله وتداوله لحظة تأليف نصه. ونلاحظ هذا الاهتمام  في ثنايا الأسطر والمقاطع الشعرية، هل ابتذر الشاعر في استعمال المفردات وقام بأعادة استعمالها من جديد أم لا، هل أبدع الصور من عالم تصوراته ورؤاه الخاصة وفضاء خياله الشاسع أم تقلد واستعمل المألوف دون عناء وبذل جهدا يذكر؟ أما الكلام حول الأسلوب والتقنية فلا حدود لحصره في أسطر عدة ومقالة واحدة، لأنه متعدد ومتنوع کأختلاف أشكال بصمات الأصابع اليد الواحدة  وتنوع عناصر الكون الواسع. احيانا تأتي الی مخيلة الشاعر كفکرة عابرة وأحيان أخری يكتب لغرض ما أو حاجة مختبئة في نفس الشاعر، هل يكتب لهدف منشود يصيبە أم بالعكس تماما کما يراه الحداثييون أن الشعر الأصيل خال من تحقيق أهداف  معينة والمرامي السياسية المتغيرة وهذا ما أكد عليه محمود درويش بأن القصيدة السياسية  لا تعني له أكثر من خطبة، بل في الحقيقة ان القصيدة الخالدة هي صدی مدوية في آذان البشرية جمعاء مادامت السماوات والارض. ولا تشيب بمرور الأيام والسنين مخترقا بهذا حواجز الزماكان ومحتضنا هموم الانسانية والصراعات الكونية بين الموجودات المختلفة، مستعينا بتطلعات  فلسفية وأسئلة متحيرة، ثم بتعميم الخاص وجعل الذات موضوعا، وهكذا القدرة الرائعة على الوصف ونسج الصور  في آن معا، في حين يراه الآخرون  کأرضية مثالية لإعادة ابتكار الذات كما فعله بروتيغان، لكن في الأخير هي الهام وملكة مختبئة داخل النفوس ومصدرها الروح الانساني، وقد يحسن صياغتها من لهم باع طويل في عالم المجاز والقدرة علی الابداع عن طريق استخدام علوم اللغة وفنون  تعبيرية‌  اخری أثناء غوصهم في محيط الميتافيزيقا مستعينا بالجهاز التلقي والتي تتبلور في الحس المرهف عند الشاعر، لكن دائما هنالك فکرة وراء استعمال کل هذه الوسائل المتنوعة من أجل خلق نص شعري متميز ومبدع، بحيث يتميز بها عن السائد العتيق، وهنالك طريقة أخری وقياس سهل لمعرفة أصالة نص ما ومستوی جودته، وهي امكانية ترجمته الی لغات أخری واحتفاظه بقيمته الشعرية في نفس الوقت، ومن خلال هذه العملية يتبين لنا أن الجزء الشكلي من النص (المتغير) والذي اعتمد علی التزين اللفظي واختيار المفردات والألاعيب اللغوية تبقی ثابتة في النص الأم فقط، لكن الثبات الحقيقي هو لروح القصيدة والتي تتجسد في الفكرة، الثيمة، الايقاع الداخلي للكلمات والمعانی، أما اختيار المفردات والالفاظ المتشابهة  للنص في اللغة المنقولة اليها تعتمد علی مستوی الفهم ونوعية ذائقة المترجم وامكانياته الشعرية واللغوية. وخاصة في عصرنا هذا لقد تقارب الزمان والحضارات من البعض وبغض النظر عن الاختلافات العرقية والايدولوجية فان تکنولوجيا الاتصالات سهلت هذه العملية وجعلت من العالم قرية صغيرة تتنقل عبرها كل ما هو جديد  في غضون ثوان محدودة من اقصی الغرب الی اقصی الشرق، ومع ان الشعر كسائر أنواع الادب قد فقد مركزيته، الا انه ولحسن الحظ مازال يعتبر رابطا ولغة مشترکة بين الأمم والشعوب وقد اجتاز كل الحواجز المصطنعة ودون ان يخضع لجبر الانتماء والتنقيح الرقابي.

وختاما: ليس من السهل الاحاطة بتعريف تام لعالم الشعر وابداعاته وطرحه بصيغته المنتهية، بل من المستحسن ان نترك هذا الأمر كما يفهمه الناس ويتعاطون معه ، وتماما هذا ما أوصانا به رائد الشعر الفرنسي آرثر رامبو: ‘إن الإبداع، في أفضل حالاته، لا يمكن وصفه، لذا لا تحاول أن تعثر على تفسير منطقي له، بل اسبح مع التيار’.

 

سوران محمد

 

 

محمد تقي جونصدر كتابي (اللغة العربية الخامسة: الفصحى الهجينة) وهذه مقدمته:

ليس مبالغة إذا قلت: نحن اليوم نتكلم (لغة اصطلاح) أو (لغة عُرف) وليس لغة عربية؛ لان الكثير من المفردات والجمل والقواعد والتعابير والأساليب في لغتنا هي ليست عربية، بل (انگليزية)، فضلا عن التركة من الألفاظ التي جاءتنا من احتلال وتأثير لغات الأمم الأخرى منذ هيمنة الفرس عام (132هـ) وبالتتابع حتى العصر الحديث الذي ختمَ بالهيمنة الحاسمة للغة الانگليزية.

 لقد مرت اللغة العربية بمراحل خمس، بدت في كل مرحلة نسخة مختلفة عن الأخرى، ولغتنا الفصحى في العصر الراهن هي النسخة الخامسة.

اللغة العربية الأولى (الفصيحة) وهي التي تكلمها العرب الأقحاح في الجاهلية، وصدر الإسلام، والعصر الأموي. وهذه اللغة لم تدون فضاع أكثرها بعد الإسلام. وسبب عدم تدوينها أن العرب عاشوا حياة بداوة، ولم يمتلكوا تفكيراً حضارياً. ويرى رينهارت دوزي أنها (لم تعش الا نحواً من مائتي سنة بعد الإسلام). وأرى انها لم تعش بعد الإسلام أكثر من مائة سنة. والعرب في هذا كالكرد لم يدونوا لغتهم فضاعت واختلطت أصولها بالفارسية، والكرد مثل العرب بدو (بدو العجم). بينما الفرس لبعد نظرهم في التحضر دوَّنوا لغتهم فلم تضع، وقد نقشوها على جبل (بيستون) في مدينة كرمنشاه.

تميزت العربية الأولى بكثرة ألفاظها وتعابيرها فـ(للإبل ألف اسم، وللأسد خمسمائة، وللكلب سبعون. وإذا اشتهى العربي اللحم يقول: قرمتُ إلى اللحم، وإذا اشتهى اللبن يقول: عمتُ إلى اللبن ولا يقول العكس). وبأنها لفظية بتفرد لا نظير له. ويقصد باللفظية شدة دلالة اللفظة على معناها فلا تنزاح اللفظة إلى معانٍ جديدة أو كثيرة. واقتضت لفظيتها أن تكون لغة بطيئة ومسهبة عند الكلام. وتميزت بخلوها من العجمة في الألفاظ والتعابير والقواعد، وقدرتها على ابتكار ألفاظ ومسميات جديدة، وهو ما جسده الشعراء والخطباء في عصور الفصاحة. وهي لغة صعبة في ألفاظها وقواعدها. ومع صعوبة قواعدها ضعف اطراد القياس فيها. وهذا جعلها لغة لا نظير لها في حب العزلة للحفاظ على نفسها. وكان سبب انهيار هذه اللغة اختلاطها باللغات المجاورة السهلة، وجنوح أهلها إلى التسهيل والتساهل كما سنبين.

اللغة العربية الثانية (المختارة) وهي عربية القرآن. وتعد أول لغة عربية دوّنت، وتدوينها ليس لأسباب لغوية بل دينية لحفظ القرآن واستمرار تداوله. والقرآن لم يستعمل اللغة العربية كلها، بدليل انه استعمل من اسماء الجمل ثلاثة الفاظ فقط والعربية فيها ألف اسم للجمل. وأكثر اشتغال القرآن في اللغة كان في الدين ومتعلقاته. وهذا يعني ان مفردات نواحٍ أخرى قد تركها. كما انه حوَّل ألفاظاً عامة إلى دينية خاصة، كالصوم، كان يعني (الوقوف) (صام الجواد: وقف) والصلاة كانت تعني (الدعاء عموما). وساعدت هذه اللغة على نسيان النصف الآخر من العربية الذي لم تستعمله، فهجره الناس.

وأضافت هذه النسخة إلى العربية الكثير من الألفاظ مثل أيام الأسبوع (سبت، احد..) والتعابير مثل (سقط في يده = ندم). وتدل رواية (مقاتل الطالبيين) على التغييرات الجوهرية بين اللغتين قال: (كان إبراهيم بن عبد الله المحض جالساً ذات يوم فسأل عن رجل من أصحابه، فقال له بعض من حضر: هو عليل الساعة تركته (يريد أن يموت). فضحك القوم منه، فقال إبراهيم: والله لقد ضحكتم منها عربية، قال الله عز وجل: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ) يعني يكاد أن ينقض). فالأول وجدها تخالف لغة العرب الأولى، والثاني وجدها لغة قرآنية صحيحة.

تميزت اللغة العربية الثانية بـ(الفصاحة) فلم تشبها العجمة. و(العمق) أو إضافة المعنوية. وابتكرت (المصطلح) كالجهاد والزكاة والخمس والإيمان والأوثان ففتحت الباب إلى عصر العلوم كما نجد ذلك في العلوم التي ظهرت في العصر العباسي بوضعها المصطلحات الخاصة بكل علم. و(الانتقاء) فإنها أخذت من لغة العرب الأولى أفضل وأيسر الألفاظ والتعابير فكان من معجزات القرآن ان يفهمه الناس في الأزمان كلها حتى زماننا الفاقد لغته. واستعملت (أساليب تعبير جديدة) مثل: الخيال والمجاز كقوله تعالى (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)، والتعبير الصوتي مثل (الحاقة) فاستعمال حروف شديدة معا وهو الهمزة والحاء والقاف أعطى تعبيرا موحياً عن هول القيامة لا تعطيه مفردة (القيامة) أو (يوم الحساب).  وذلك ان كلام الله لعظمته لا تقدر لغة الإنسان حمله واستيعابه، فضاقت به جدران اللغة العربية ولم تستوعبه فلجأ إلى ابتكار هذه الأساليب لإيصاله إلى البشر. وهذه الأساليب أضيفت إلى طاقة العربية وإمكاناتها، فكان تأثير هذه النسخة من العربية مستمرا في نسخ العربية إلى يومنا هذا. 

 اللغة العربية الثالثة (المولَّدة) وهي التي صنعها العباسيون بتأثير العجم وادخلوا اليها (المعرّب والدخيل والمترجم) فاختلطت بالعجمة وانتهت فصاحتها الخالصة. وصارت شأن اللغات غير العربية تهتم بـ(جمال اللفظ وعمق المعنى ورشاقة التعبير) أي تجعل الاهتمام بالمعنى اكثر من اللفظ وتقدم الجمال على الفصاحة. وهذه هي (البلاغة) التي روجوا لها، فما هي الا القالب الأعجمي الذي ادخلوا لغة العرب فيه فضاقت حتى تقبلته متراجعة باطراد. فأصبحت (العربية البليغة) أو (لغة البلاغة)  اذ البلاغة (سرعة الوصول والانتهاء في التعبير) أو (إجاعة اللفظ وإشباع المعنى). ولخصت صحيفة بشر بن المعتمر البلاغة بـ(أن يكون لفظك رشيقاً عَذْباً، وفخَماً سهلاً، ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً، وقريباً معروفاً) وهذا يعني ترك هذه اللغة الكثير من الألفاظ العربية الفصيحة، والاشتغال على المعنى. فأضافت خصيصة لغوية أعجمية تناقض الطبيعة اللفظية للغة العربية. وانتقل ذلك إلى الشعر فظهر مصطلح (اللفظ والمعنى) وأكثر الشعر العباسي شعر معنى.

ويذكر القاضي الجرجاني ذلك في قوله (اختار الناسُ من الكلام ألينَه وأسهَله، وعمَدوا الى كل شيء ذي أسماء كثيرة اختاروا أحسنَها سمعاً، وألطفها من القلب موقِعاً؛ والى ما للعرب فيه لغاتٌ فاقتصروا على أسلسها وأشرفها؛ كما رأيتهم يختصرون ألفاظ الطويل؛ فإنهم وجدوا للعرب فيه نحواً من ستين لفظة؛ أكثرها بشِع شنع؛ كالعشنّط والعنَطْنَط والعشنّق، والجسْرَب والشّوْقَب والسّلْهب والشّوْذب، والطّاط والطّوط، والقاق والقوق، فنبذوا جميع ذلك وتركوه، واكتَفوا بالطويل لخفّته على اللّسان، وقلة نبُوّ السمع عنه). وقد سمي كثير من هذا الفصيح (غريباً) وهذا يعني انه صار غريباً على حياة أهل هذا العصر. وهذا الغريب عرف في بداية العصر؛ فان بشار بن برد وهو مخضرم عصري الأمويين والعباسيين  ذكر المصطلح.

ولما كان هذا العصر ولاسيما قرونه الأولى عصر نشاط، وللحاجة الماسة، فقد أضيفت ألفاظ إلى العربية هي:

1-  المولد وهو (كلام أحدثوه ليس من أصل لغتهم، وقد استخرجوه من ألفاظ عربية بالاشتقاق والتغيير الصوتي والدلالي مثل (البداية بدل البداءة) (برهن بدل أبره) (تبغدد لمن سكن بغداد) (النحرير ضد البليد) (القفد ضرب الرقبة باليد).

2- المعرّب وهو (الفاظ أعجمية نقلت إلى العربية بتصرف في القياس مثل (جوسق من كوشك) (جوالق من كواله) (الديباج من الدبْج) (الذماء: من دَمار) (رَوسم من رَوْشَم) (زرجون من زرَّكُون) (ساذَج من ساذه) (طازج من تازه)  (العسكر من لشكر) (استاذ من اوسته) (مهندس من مهندز).

3- الدخيل وهو (ما نقل الى العربية بلفظه ومعناه دون تصرف) مثل (دارصين) (يانسون) (جوري) (ابريسم) (نرجس) (ياسمين) (سفرجل) (كعك) (دفتر).

4- المترجم وهو ما نقله المتكلمون والفلاسفة والمترجمون من الأمم الأخرى مثل (العَرَض والجوهر) (أيْس وليس)، (البُطلان والتّلاشي) (الكون والفساد) (الهذيّة والهُوِيّة) وترجموا (الجمهورية) لأفلاطون إلى (المدينة الفاضلة)  وأشباه ذلك. وذكر الجاحظ جهد المتكلمين بقوله (هم تَخَيَّروا تلك الألفاظَ لتلك المعاني، وهم اشتقُّوا لها مِن كلام العرب تلكَ الأسماءَ، وهم اصطلحوا على تسميةِ ما لم يكن له في لغة العرب اسمٌ، فصاروا في ذلك سلفاً لكلّ خلف، وقُدوةً لكلّ تابع).

 وتعد هذه السمة الأبرز في هذه اللغة. وقد كثرت المفردات غير العربية في الأصل وزاحمت العربية وازدحمت، فلم يفرق الجواليقي في كتابه (المعرّب من الكلام الأعجمي) بين العربي وغير العربي كثيرا، وكذلك أصحاب المعجمات. وشكل المولد قاموسا وضع إلى جنب القاموس العربي، وقد عدّ من الفصيح أو أقل بدرجة.

 وفي هذا العصر دوّنت اللغة العربية لأول مرة بقصدية ومنهجية، عن طريق المعجمات اللغوية ابتداء من (كتاب العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي. وشمل الجمع اللغة العربية الثالثة العباسية، وما أسعفت به الذاكرة من العربية الفصحى (ومن العجب أن الملتزمين بنقاء اللغة وصفائها غالباً ما يفسرون في معاجمهم الألفاظ الفصحى بألفاظ مولدة). وعلى الرغم من الجهود المخلصة من علماء عرب وعجم في توسيع اللغة وزيادة روافدها وإيراداتها الذاتية لاستيعاب الحضارة إلا أنها لم تزد على شحيح من الارتجال والاشتقاق والنحت حفاظا على الفصحى، مما أوقعها في الاقتراض الذي مثل بداية الانحراف والهجنة.

وكانت مشاركة المترجمين الأسوأ إذ تخلوا عن فخامة الألفاظ والتعابير إلى المرونة والبساطة وترويج الخاطئ والمنحرف، مما جعلها بمرور الوقت تتخلى عن (الفصاحة). (ذلك أن العملي لا يستجيب للنظري دائماً) كما يقول دوزي، فوضع لفظ عربي إزاء لفظ أجنبي لتحقيق معنى جديد لا يكون دقيقاً، بل يكون في كثير من الأحيان عرفا لغويا أكثر منه حقيقة لغوية، وقد ارجع الجاحظ السبب الى (عدم إتقان هؤلاء المترجمين العربية، وان العلوم التي نقلوها أكبر حتى من طاقة علماء اللغة فكيف بمترجمين). وبرأيي لا يرجع العجز عن الابتكار إلى أصل اللغة العربية. وفرضاً، لو أن العرب الأوائل الأقحاح استمروا إلى زمن العباسيين لابتكروا مسميات فصيحة للأسماء الحضارية أفضل من غيرهم. ولكن حتماً هم أيضاً سيقفون حائرين أمام مسميات بعيدة عن واقعهم، فالحياة تغيرت، وكان على العرب سباق الشعوب لتطوير حياتهم ليصبح تطوير لغتهم ممكناً.

 اللغة العربية الرابعة (المختلطة بالعامية) وهي لغة القرون الوسطى إلى أعتاب العصر الحديث. فبتتابع المحتلين ولاسيما بعد مرحلة المغول ومن جاء بعدهم من أمم محتلة أعجمية ألحقت تكملات غريبة للمعجمات العربية (الفصيحة والبليغة)، أدخلت العرب في مرحلة فقدان هويتهم اللغوية تدريجياً حتى صاروا عرباً يتكلمون لغة عربية غير محضة، أو بنسبة أعجمية صارت تتزايد مع الاحتلالات الأجنبية وتفشي لغاتها، فضلا عن إهمال أبنائها لها، حتى وصلت إلى أعتاب حالة يرثى لها من التناقص والانحراف. ومراجعة (تكملة المعاجم العربية) لـ(دوزي) تظهر أن اللغة العربية في القرون الوسطى انحرفت بشكل مريع ممكن الاطمئنان لتسميتها (اللغة العربية غير الفصيحة).

 وأهم سماتها: سيادة العامي وفقدانها الجمالية وقد انعكس ذلك في شعر هذه العصور فكان شاحبا من الجمال تغلب عليه النثرية. وكان الأندلس المنطقة الأضعف عربياً فعبر منها اللحن والعامية، فضلا عن ولادة الشعر الشعبي أول مرة بالموشح والزجل. ويكفي النظر في فهرس الكتب التي اعتمدها (دوزي) في معجمه للغة العربية غير الفصحى للتأكد من أن الأندلسيين روجوا العامية ورسخوها. وقد كان (بعض مشهوري النحاة في الأندلس يعلّمون اللغة الفصحى بعامية البلد). وذكر الجرجاني في اقتباسه السابق ان الناس (تجاوزوا الحدّ في طلب التسهيل حتى تسمّحوا ببعض اللّحن، وحتى خالطتهم الركاكة والعُجْمة) وهذا الأمر ازداد كثيرا بعد زمن القاضي الجرجاني.

  ويورد عباس العزاوي في كتابه (تاريخ الأدب العربي في العراق) زخات الألفاظ والتعابير الدخيلة من الترك والمغول والتركمان والفرس وغيرهم. فقد روّج الترك ابتداء من هيمنتهم زمن السلاجقة ألفاظا وتعابير كثيرة منها على سبيل المثال من الألقاب (إخشيد، شحنة، أتابك) ومن الأسماء (أتسز= بلا اسم) (أرسلان = أسد) (خاقان = سلطان) (الله ويردي = عطاء الله) (بوري = ذئب) (قرا = أسود).

 وروج المغول والتركمان ألفاظهم مثل (باش = رأس، رئيس) وفي مصر يقولون للآن (باش كاتب = رئيس كتاب). (باشا = الأخ الأكبر، الأكبر) (أغاتي = سيدي) (پايزه = وسام) (تمغة، طمغة = ضريبة) (طواشي = خادم خصي) (خواجه = صاحب، مالك) (دايه = مرضعة، مربية) (دستور = طلب الإذن) (سنجق = لواء) (فرمان = أمر سامٍ) (قان، خان = الملك الأعظم) (چرخچية =  حراس الحدود) (كليچة: من الحلويات) (كلبچة = قيد) (ياسه = قانون).

 ومن الألفاظ الفارسية التي راجت (نياز = نذر) (آبدس = وضوء) (بند: مادة، قيد) (پول = فلوس) (پير = عجوز) (پشتكو = خلف الجبل) (پيشكو = أمام الجبل) (درويش = متصوف فقير) (زركش = مذهَّب) (دشت = صحراء) (دهليز = مجاز) (شاه = سلطان) (شاهزاده = ابن السلطان) (كلاو = غطاء رأس) (سرخيل = قائد).

وقد هجرت العربية في هذه الحقبة وصار العرب يتحذلقون بالكلام باللغات الأجنبية كالفارسية والتركية، ولم تعد العربية ذات اهتمام، والفصحى ذات وجود. كتب ابن منظور (ت 711هـ) يذكر حال اللغة العربية عند تدوينه معجمه لسان العرب (وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون).

 اللغة العربية الخامسة (الهجينة) وهي العربية المعاصرة صنعة ونتاج حركة إحياء التراث وبعث اللغة في مطلع العصر الحديث، والاحتلالات الغربية الحديثة التي نقلت حضارة الغرب. وسميتها مهجَّنة لأنها استنسخت الانگليزية في محاولتها لوضع مفردة أمام كل لفظ ومعنى غربي. ولعل العولمة اللغوية او المنظومة اللغوية العالمية دفعت إلى ذلك أيضاً لايجاد ترجمة موحدة لالفاظ كل لغة. وقد غرقت العربية فعلا في بحر الانگليزية الطامي.

وكان الفرق الحضاري، وحيوية اللغة الانگليزية حاسماً في صناعة هذه النسخة الاستسلامية للغة العربية. وما عانته اللغة العربية يشبه النواحي الأخرى كالسياسة والاقتصاد والفكر والأدب، فكلها صارت نسخاً مكررة من النسخ الانگليزية الأصلية. ولابد من الاعتراف بأن (العربية الخامسة) وهي في تراجعها غير قادرة على مجاراة اللغة الانگليزية وهي في عز قوتها وتطورها.

 ولم تكن هذه العربية أفضل من سلفها العباسية في قلة الابتكار والاستيراد، ولكن زادت عليها انها لم تقف عند حدود استيراد الألفاظ، بل  تعدتها  إلى المعاني والأساليب والقواعد، فهو اختراق وقلب للغة وتأسيس للغة أخرى لا ترى بعين الاستعمال المجردة. ولم تكن هذه العربية بعدما فقدت ألفاظها الفصيحة الهائلة واقتصرت على ما تبقى من فصيح ومعرّب ودخيل، وما ورثته من قواعد لا تزال صعبة قادرة على استيعاب مفردات الحضارة الحديثة، فضلا عن تخلف العرب واقعاً عن اللحاق بركب التطور العالمي, وانما اللغة نتاج الواقع الفعلي.

 بينما الانگليزية سهلة جداً في قواعدها فكثير من الأسماء هي نفسها أفعال مثل (Name = اسم) و(Name = يسمّي)، وسريعة التشكل مثل (Writing = كتابة) (Re- writing = إعادة الكتابة)، والقدرة المذهلة على الابتكار والخلق بحيث استطاعت مواكبة التكنولوجية والتطور الجنوني. يذكر محمد زيد مبرمج لغويات حاسوبية (كل عام تدخل كلمات جديدة للغة الانجليزية تقدر بنحو 25 ألف كلمة. هي كلمات مستحدثة نتيجة التطور العلمي المتجدد كل يوم). أي انها لغة عصرية مواكبة للتقدم العلمي. وهي مرنة على الاختصار الذي هو احد روافدها للاستيلاد والخلق. فالسلام (Hello) يختصر إلى (Hi). و(Brother = أخ) إلى (Bro) والجمل مثل (Test of English as a foreign Language) إلى (TOFEL = التوفل)، مما جعلها سريعة بإفراط لا تلحق العربية بها.

وتمثل (المعنوية = الاشتغال على المعنى) أكبر سماتها، والفرق الحاسم بينها وبين العربية، فالعربية لفظية لا تتزحزح اللفظة عن معناها كثيرا، بينما اللفظة الانگليزية تتسع إلى معان كثيرة ومختلفة.

فمثلا (Set) إذا جاءت اسما تعطي معاني: (مجموعة، طقم، جهاز تلفزيون، ملائم، موقف، موقع تصوير، شتلة صغيرة، أداة، فئة).

واذا جاءت فعلا تعطي معاني: (يغرب، يتجمد، يتصلب، يضع، يثبت، يلائم، يناسب، يعقد، يعين شيئاً لشخص، يكتب، يطبع، يلحّن، يضبط، يجبر، يرسم، يرتب، ينصّب، يصفف، يحدد، يركب، يعطي، يحدد، يرفع).

فهي قادرة على توليد الأفكار والمعاني من اللفظ الواحد بشكل لا يصل اليه الترادف العربي لاشتغالها على المعنى اشتغالا مذهلاً. ووجدنا العربية بلفظيتها الثقيلة تقف حائرة عن ايجاد لفظ مقابل لفظ انگليزي، مما جعل المترجمين يضعون الفاظا غير دقيقة أو خاطئة فأثقلوا كاهل العربية بالأخطاء.

فمثلا (Feel). ترجموه إلى (شعور) و(مشاعر) و(إحساس) وكلها خاطئة في العربية. فالـ(شعور) تعني (جمع شَعَر)، والـ(المشاعر) تعني (الشعائر)، والـ(إحساس) متعلق بـ(الحواس الخمس). وقولهم (أشعر) بمعنى (أعلم) وقالوا (ليت شعري = ليت علمي). وسمي قائل الشعر شاعراً لأنه (عالم). فلو قال قائل (هما يتادلان الشعور) فالمعنى العربي هو (يتادلان شعر الرأس!!!!).

وتمتلك الانگليزية دقة دلالة اللفظ على معناه لا نجده في العربية احيانا. فلفظة (Home) تختلف عن (house) بأنها أكثر من (مكان تسكن فيه)، فهو يضيف عمقا باطنيا هو (الانتماء إليه) فترك (house) لا يسبب ألماً بينما ترك (Home) يسبب مرض (Homesick). كما أنهم يقولون (I bought a house = اشتريتُ منزلاً) ولا يقولون هنا (Home)؛ لان الانتماء لم يتحقق بعد. ولا نجد ذلك في العربية؛ لافتقارها إلى (عمق المعنى) في التعبير. ومن دقة الانگليزية التي لا تصلها العربية مثلا الظروف أدناه تضع الانگليزية لها نسبا مئوية دقيقة لا تمتلكها العربية:

100 %Always

90 % Usually

80 % Normally

70 % Often

50 % Sometimes

30 % Occasionally

10 % Seldom

5 %   Rarely

0 %   Never

وهذا يجعل مجاراة العربية للانگليزية غير ممكن غالبا.

 ويعود تشكل هذا اللغة (العربية الخامسة) إلى نهايات القرن الثامن عشر، وبلغت ذروتها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين، وصارت تتكامل صعودا إلى يومنا. وكان ميدانها مصر ثم بقية الأقطار العربية، عن طريق الترجمة والتشجيع عليها. فقد أسس محمد علي عام 1868 (مدرسة الألسن) للترجمة إلى العربية. وكان الطلاب يمرنون على الترجمة من اللغات الأوربية إلى العربية بالاستعانة بقواميس عربية وغربية. ودرّس في الابتدائية اللغة الفرنسية. وكانت الانكليزية ترافق الفرنسية في اختصاصات تعليمية كثيرة. وقاد الخديوي اسماعيل حركة الترجمة وبجهوده (ازدهرت الترجمة في العشرين سنة الاخيرة من القرن التاسع عشر ازدهارا لم يكن له مثيل في العصور السابقة، وتناولت جميع نواحي الحياة العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية). وفي عام 1898 أصبحت الانگليزية اللغة الرسمية الوحيدة بعد العربية في مصر.

 وقال جرجي زيدان (كان التعليم في المدارس باللغة العربية قبل احتلال الانكليز مصر سنة 1882، ثم أخذت الحكومة بعد الاحتلال تنظم المدارس على نسق جديد بجعل قاعدة التعليم بالانكليزية والفرنسية وقلّت العناية باللغة العربية وصارت ساعات تعليم العربية اقل من ساعات تعليم اللغتين الأجنبيتين فضعف شان اللغة العربية). وجاء في تقرير (ان العربية المستخدمة في الدواوين سقيمة واهنة ركيكة لا تمت إلى العربية بنسب الا في الفاظها وصور حروفها اما الاسلوب ودلالة التراكيب فلا صلة له بالعربية).

 وهذا هيأ جيلا قوي الثقافة بالانگليزية ضعيف الثقافة بالعربية، وهؤلاء قادوا وشاركوا في حركة الترجمة. ووصف جرجي زيدان  حال المترجمين بقوله (وظاهر ان هؤلاء التراجمة كان بعضهم من غير أبناء هذه اللغة، فإذا ترجموا عبارة صاغوها في قالب أعجمي، وما لم يجدوا له لفظا عربيا تركوه على لفظه الإفرنجي أو وضعوا له لفظا عاميا). وقد تشكلت وروجت لغة الترجمة لتكون لغة هذا العصر، وبها صدرت الصحف الكبيرة كالمقتطف والأهرام وغيرها. وقد (تأثرت هذه اللغة الجديدة بالاصطلاحات الإفرنجية حتى نسي الكتاب أن في لغتهم اصطلاحات فنية كثيرة وردت في مؤلفاتهم القديمة مثل (علم المعاش) فقد نقل المترجمون اصطلاح (علم الاقتصاد السياسي) وتركوا التسمية العربية مع أنها اقرب إلى الحقيقة).

 وهذا دعا المحافظين إلى إنشاء مجمعات لغوية لمراجعة الترجمات. يقول مصطفى محمود ( إنَّ فكرة إنشاء مجمع لغوي كانت في كل العصور تابعة للترجمة وما يصادفه المترجمون من عقبات في التوفيق بين العربية وغيرها من اللغات التي ينقل عنها؛ لان المترجم حين يعرض له مصطلح من المصطلحات لا يستطيع الاستقلال باختيار اللفظ العربي له، لعدم توفيقه إلى ذلك غالبا، ولان ذلك يحتاج إلى مواصفة وهي لا تكون الا من جمع أهل اللغة يوثق برأيهم حتى يكون وضعهم مأمون الدخل فيقبل عليه الناس مطمئنين. بدت هذه الفكرة عندما اشتدت حركة الترجمة أيام المأمون فانه جعل يوما في الأسبوع يلتقي فيه علماء اللغة بالمترجمين فيعرض هؤلاء على أولئك عملهم، وتجري المناقشة فيه، ثم يقرّ الرأي العام على ما يقتنع به المجمع. فعمل المأمون لا يحتمل الشك في انه اول من فكر فيما نسميه الآن مجمعا لغويا).

 وكان أول مجمع لغوي بمصر هو الذي اجتمع سنة 1897 وكان مقره آل البكري، وتولى رياسته السيد محمد توفيق البكري، وأسندت وكالته إلى الشيخ محمد عبده، وكان عمل هذا المجمع وضع ألفاظ لمخترعات حديثة. ثم فتر العمل في هذا المجمع وانتهى إلى السكوت والموت. فأنشأ الملك فؤاد الأول (المجمع الملكي). ونشأت بعدها المجمعات اللغوية في القاهرة وسوريا والأردن وبغداد وغيرها.

 وجهود هذه المجمعات، والمعجمات التي صدرت عنها أو الحديثة التي صدرت من دوائر ولغويين لم تستطع توجيه اللغة أو النسخة الخامسة الحديثة للغة العربية، بعدما راجت وصارت لغة للعلم والثقافة والأدب والفن. بل نجد هذه المجمعات والمعجمات تقرّ وتشرعن مفردات وتعابير واصطلاحات وقواعد هذه اللغة الناشئة الهجينة فكان عملها سلبيا. والغريب ان كتب تصحيح اللغة وقفت عند حدود سوء استعمال الألفاظ العربية الصحيحة مثل (البؤساء والبائسون) وتركت والمعاني الغربية التي جلب لها المترجمون ألفاظ ترجمة خاطئة، ولا وقفت عند القواعد الغربية التي صار تبنى بها الجمل. بل حتى الالفاظ صحح الجانب الهين فيها وروج الخاطئ المنكر، مثل (تأسست المدرسة) قال مصطفى جواد (لا تقل تأسست المدرسة وقل أُسست لان المدرسة لا تتأسس وحدها). وقال العدناني يجوز (تأسست المدرسة لانها مطاوع أسس المدرسة). وأصل (تأسست) خاطئ لانها ترجمة لـ(Established)  والصحيح في العربية (بنيت وشيّدت) فلفظة (أسس/ تأسس) لا تعطي معنى (بنى/ وشيّد) لانها تعني (الأساس فقط) وليس اكتمال البناء.

 وممكن وصف (اللغة العربية الخامسة) بأنها لغة تحافظ على قواعد اللغة العربية، وتقل مفرداتها العربية كثيراً عن عصور الفصاحة والبلاغة، وألفاظها سهلة يفهمها الجميع حتى العامي ولكنها ترتفع عن اللهجات العامية. والسمة الأبرز فيها غير المنتبه عليها قبل بحثي هذا هو أن جانبها الأكبر بني على الترجمة من الانگليزية لاستيعاب الحضارة المعاصرة. وهذه الترجمة لم تكن موفقة بسبب فقر اللغة العربية لألفاظ تغطي جوانب هذه الحضارة، ولأن المترجمين لم يحافظوا على حدود الأصالة اللغوية العربية فتجاوزوها جهلا أو تساهلا. كما انهم توسعوا فنقلوا المعاني والقواعد الانگليزية فاخترقت العربية اختراقا لا مثيل له من قبل، وقد حافظت قبل على قواعدها بصرامة سابقا.

 فمثلا لفظة (Microbe = ميكروب) لم يجد المترجمون في العربية لفظة تقابلها، لان العرب لم يكونوا من التطور ليعرفوا هذه الدقائق، فلجؤوا إلى كلمة منسية هي (الجراثيم) فترجموا الميكروب بها. ولفظة الجراثيم في العربية تعني (الاصول، والارتفاع، وقبائل العرب) واطمأنوا أنهم يحسنون صنعا عندما حولوا الاصول وقبائل العرب إلى ميكروبات. ونجد المعجم الوسيط يقر ذلك فيذكر معناها العربي ثم المعنى الهجين. ووقفوا عند لفظة (Sterilization) فلم يجدوا لها لفظا عربيا قريبا أو بعيدا، فابتدعوا لفظة (التعقيم) وهي غير موجودة في العربية البتة. أو كانوا يعمدون إلى اسم لا يدل على المعنى بدقة فيستعملونه؛ مثلا في علم النبات (Spore) تعني (خلية تكاثر تنمو لتكوين نباتات جديدة) فوضع المترجمون إزاءها لفظ (البوغ) والبوغ في العربية (شيء يكون في جوف الكمأة). وكثير من المعاني التي لا عهد للعربية بها نقلت ووضع لها الفاظ عربية مثل (الشخصية، دفاعا عن النفس، التوازن النفسي، المعنويات، أصحاب السوابق). كما نجد هذه اللغة تستعير حتى القواعد الانگليزية مثل النفي بـ(اللا) (اللاعودة، اللاعنف) والنسبة إلى المصدر وليس إلى الاسم مثل (تدريسي، قيادي). ومثل ذلك يجعل هذه العربية في اغلب الأحيان بعيدة عن العربية حقيقة، وأقرب إلى ان تكون لغة عرفية اصطلاحية منها إلى لغة عربية. وهذا يجعلني أقول باطمئنان (إننا نتكلم ونكتب لغة انكليزية بألفاظ عربية أو نظنها عربية). وهذه العربية بألفاظها المنقولة ومعانيها المترجمة وقواعدها الدخيلة أصبحت سليقة لا يمكن الفكاك منها. ولم اهتم في كتابة هذا المؤلف بالخروج عنها، وسيجد القارئ أني قد أكتب الجملة التي ذكرت انها خاطئة، فاصلاح المنطق يحتاج إلى جهود جماعية ووقت طويل.

 لم أحصِ الألفاظ والمعاني والقواعد الانگليزية في هذه النسخة من اللغة العربية، فهذا أمر فوق الممكن، وانما ذكرت الاكثر والاهم وما حسبته يكفي لإيصال الفكرة والتسليم بحقيقة ان لغتنا العربية المعاصرة او الخامسة هي مهجنة بالانكليزية. وقد بذلت جهدا ضخما كان الهدف الأول من ورائه الدعوة إلى إحياء العربية الأصيلة وإعادتها إلى الوجود لأنها لغة أمة العرب والقرآن الكريم. ولا يمكن أن يفهم القرآن كما ينبغي ما لم ترجع العربية التي كتب بها.

 لقد هداني إلى فكرة الكتاب تدبري للقرآن الكريم وتفرّغي لخدمة اللغة العربية. فكانت اذا مرت جملة غير عربية على سمعي أدرك فورا انها ليست عربية. ومع الوقت ترسخت فكرة الكتاب، وصارت بالعمل تتوضح شيئا فشيئا حتى وصلت إلى نهايتها البديعة.

يقع كتابي في (260) صفحة. اعتمدت في دراستي عشرة معجمات هي (أساس البلاغة، الصحاح، العين، تهذيب اللغة، العباب الزاخر، المحكم والمحيط الأعظم، المحيط في اللغة، جمهرة اللغة، لسان العرب، تاج العروس). زمناً كان آخر المعجمات الموثوق بمادتها العربية هو (لسان العرب) لابن منظور (ت 711هـ). وراجعت أحياناً (تاج العروس) مع ان الزَّبيدي عاش في نهاية القرن الثامن عشر، اذ كانت اليمن بعيدة عن تأثير الانكليزية. وراجعت (265) كتاباً ودواوين (2300) شاعر وعشر معجمات قديمة ضمتها (الموسوعة الشعرية – الإصدار الثالث) فضلا عن البحث في مجمعات غير الموسوعة مثل (موسوعة أهل البيت) التي ضمَّت (4709) كتاباً وهذه الكتب متنوعة بين: معجمات، وكتب أدب، ولغة، ودين، وتاريخ، وفلسفة وغيرها. واستعملت ثقافتي العريضة في هذا المجال والمكتبات والورقية. كما اعتمدت الانترنت، وكتباً انگليزية، واستشرت مختصين باللغة الانگليزية.

 وأقول في ختام هذه المقدمة: إنَّ إحياء لغة العرب واجب ديني أكثر من أي شيء آخر. وما من لغة في العالم استبيحت كما استبيحت اللغة العربية، ولا أهل لغة كالعرب لم يأبهوا لحال لغتهم. وأنا أدعو اللغويين والمثقفين والأكاديميين والمختصين فضلا عن الحكومات العربية إلى المشاركة في إعادة العربية الفصحى إلى الحياة ، وإعادة النظر في لغتنا المعاصرة (الخامسة) والتخلص من الدخيل بما يعيد الوجه المشرق للغة العربية ويثبت اقتدارها على مواكبة العصر فضلا عن تفوقها وأخذها الصدارة بين اللغات، ولتكون الهوية الحقيقية للعرب كحال الشعوب كلها في حفاظها على لغاتها.

واللهَ أسأل التوفيق

 

الأستاذ الدكتور محمد تقي جون

 

 

1813 نجاة العدوانيميزات لغوية.. وإلى أي مدى؟ 

صدرت في ربيع عام 2020 الطبعة الاولى لرواية الشاعرة والروائية التونسية نجاة العدواني الموسومة "في عش السرطان"، اكتسبت نظرة ثاقبة بين الجمالي الأدبي للنص والعلاقة بين المحتوى والشكل.

عدد صفحاتها الميسورة بـ "واحد وعشرون فصلاً" تجاوز 200 صفحة، وبحجم متوسط يُعرف بكتاب "الجيب"، وبطباعة وحرف أنيق، جمعت بين اللغة العربية الفصحى واللهجة التونسية الدارجة أحياناً.

وعنوان الرواية كما فسره البعض، قد يظلل القاريء على اعتبار انها نبض الكاتبة، لملامسة العنوان بها. لكنها في الواقع معالجة إنطباعية ـ اجتماعية إنسانية. يندر شيوعها، نصاً واسلوباً، ومن ناحية طريقة السرد والاعتناء بالسياقات الرؤيوية وإبتكارها، كذلك ضبط الإيقاع الروائي وإختيار فصول الأحداث بإختلاف الأزمنة والأماكن. تذكرني بقصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش وهو يحاكي في "لاعب النّرد" وجدانه مقابل فلسفة الحياة.

تحوّلَ جسمُها الى نعش بارد تسيرُ به قدمان يائستان باتجاه مقبرة تتسع حولها أزيز وصفير، تحت قدميها الأرض تهتزّ وفوق رأسها طائر الموت يحجبُ سواده سماء كانت قبل الساعة العاشرة زرقاء صافية... كلما تقدّمت خطوة ازداد الإسفلت لزوجة وضاق الشارع... وجوه تطّل من نوافذ سيارات معربدة وأنوف متشككة تمتد نحوها.. تتعثر بحجر وتُرجم ببذاءات وإهانات يقذفها بها رجال أيقظ وجودها هناك على حافة ذلك الطريق شهواتهم الحيوانية التي اخترقت ملابسها لمجرد أنها لم تُكفن شعرها " ... تحب نوصلك... / ص 5 الفصل الاول.

نجاة العدواني، إلى جانب كونها شاعرة وناقدة أدبية، نشر شعرها بأهم الصحف والمجلات العربية ومواقع وإنطولوجيات عالمية، وأقيمت على هامشه العديد من الأطروحات والدراسات. وترجم العديد منه إلى لغات عالمية كالانكليزية والفرنسية والألمانية والهندية والسويدية والاسبانية، فإنها صحفية متميزة ومناضلة ثائرة - كتبت الأغنية، وأدب الطفل، والمقال النقدي والتمثيليات الإذاعية والأوبريت. تعرضت للملاحقة والاضطهاد في تونس. وضعت على اللائحة السوداء في عهد بورقيبة وتركت تونس في عام 1983 لتعيش متجولة في المنفى بين اليمن وقبرص والعراق والمغرب وفرنسا قبل أن تعود إلى تونس في 1997. في أبريل 2013 اضطرت إلى مغادرة بلدها مرة أخرى متجهة إلى ألمانيا. فهي ترى أن ثورة 2011 عرت المجتمع التونسي لتركه الحركات الرجعية تحاول القضاء على الحريات المكتسبة، خاصة المتعلقة بقضايا المرأة. نجاة العدواني ترى في نفسها مضطهدة في سبيل الكفاح من أجل حريتها كإنسان وكامرأة وتقول أن أولى تجاربها مع الديكتاتورية عاشتها وهي طفلة صغيرة داخل عائلتها، وعانت الأمرين داخل مجتمع ذكوري لا مكان فيه للفكر الحر.

إن ما يعنيها فعلاً هو أن لا يطال ذلك الصدأ الذي بدا لها يُهاجم جثتها الجامدة روحا هلعة تفرّ بها من فم تنين حديدي تُجلجل أشواك ذنبه وسط شرايينها قاذفة كرياتها بمخدر أمات إحساسها بها وبما حولها. ما أهمية أن تكون هنا أو هناك طالما أن وقتها يسير في الإتجاه المعاكس للحياة... أليس ظلما أن يُحبس الزّمن بطمّ طميمه بين عقربين ميتين، ألم تكن ظلال جدران منزل جدها العتيق أكثر دقّة في تنظيم حياة أسرة هادئة؟ ما أهمية الوقت في بلاد لا يحترم ساكنوها الوقت؟ ألم تكون مثلهم تميل إلى الفوضى والكسل برغم ظغوطات العمل؟.. ص 10 الرواية وما تحتويه من أحداث وتفاصيل قيمية مفتوحة على مصراعيها، تدفع بالقارئ نحو مقاربات سردية فلسفية من حيث مبدأ التطبيق الهائل في سياق هيمنة أو نقل الوقائع التي تتميّز بها في مجالات متنوعة، بعيداً عن أشكال المفترضات، إنما في أبحاث الذاكرة وعلم الاجتماع والنفس والقانون، على الرغم من جميع الاختلافات الزمنية وحدود توسعها.. في علم المعرفة والأنطولوجيا للروايات بالمعنى الواسع للغاية، يمكن فهم سرد القصص على أنه شكل أساسي من أشكال الوصول إلى العالم، بل إن "الطريقة السردية لخلق العالم" رفع الخيال إلى "الأداة" الأساسية للفكر البشري. ولكن من أجل فهم الوظيفة المعرفية للمحكية ونقلها، ينبغي التمييز بين نمطين أساسيين من التفكير: الأسلوب السردي في التفكير بتتبع القصص وخلق المعقولية و"الصدق"ـ والنمط النموذجي، ويشمل التفكير المنطقي العلمي أو التفسيري - المرتبط "بالحقيقة" بشكل جدلي يتجاوز إنسانياً ومجتمعياً وواقعياً، مجال الأدب وثقافة الروايات خطابياً.

في روايتها "في عش السرطان" أحكمت نجاة العدواني قبضتها على كل هذه االمفاهيم والتفسيرات، بل على كل التأويلات والفرضيات والتجارب والأفعال. وترجمتها، إلى ترتيب متماسك يجمع: بين "الحياة" و"الحدث" ـ "التفكير" و"التمثيل" دون انقطاع. كأنها أرادت أن تلخص وجهة نظرها على أن: لا تُعاش القصص بل تُروى. وليس للحياة بدايات، ولا وسطاء، ولا نهايات ولا فضاءات منفصلة. بناءً على ذلك، ليس من الممكن التحدث عن رواية "في عش السرطان" على أنها قصص غير مفصلية، لأن جوهر هيكلها السردي وصياغتها بشكل يرقى في النهاية إلى تجليات في أنماط يمكن تمييزها بوضوح على أنها نسيجاً مرجعياً للأحداث وللعلاقات الإنسانية.

دفعت سالمة الباب الثقيل فأزّ مخلفاً في روحها وحشة وازدادت دقات قلبها أضطراباً وهي تنزل إلى ذلك القبو المعتم الذي عُلق على مدخله لوح يُعلن أنه مقرّ العلاج النووي عبر درج حلزوني يسحبها من قدميها إلى حيث تتكدس هياكل نساء ورجال وأطفال ترتفع على أنينها إلى أكفان قادمة.. ص 50 الفصل الثاني../ بعد ليلة ثقيلة مليئة بالهواجس والكوابيس غادرت سالمة البيت باكراً باحثة عن دفقة هواء نقي تعيد لها حيويتها ونشاطها وسط حديقة الحي الرياضي بالمنزه حيث تعودت أن تمارس رياضة الركض قبل أن يدهمها المرض.. ص 78 الفصل الخامس...

في لقاء خاص بيننا دام ساعات ناولتني خلاله روياتها، ركن بخط يدها على الصفحة الاولى منها إهداء بسيط في ترتيب عشوائي موجز: إلى الإعلامي القدير والمناضل الثابت على مبادئه الصديق عصام الياسري مع محبتي وإحترامي.. قائلة بصوت منخفض: إنها الرواية العاشرة لي، ولكن الملاحقة والمطاردات التي حلت بيّ بسبب السياسة والتنقل من مكان لآخر فقدت جميع ما أنتجته خلال الأزمنة الغابرة من روايات ودواوين شعرية وتأليفات أغان شعبية ـ سياسية ناقدة صار يرددها الناس أينما حلوا، وتركت أثراً طيباً في الحياة الاجتماعية العامة وبين الأوساط الثقافية والأدبية والسياسية لما تحتويه من مضامين نقدية للاوضاع السياسية والمجتمعية في مراحل مختلفة.. تصفحت الرواية بسبب الفضول، ألقي على المحتوى والشكل الجمالي نظرة سريعة، بصرف النظر عن النص الأدبي والإنشاء الروائي تماماً. لكنني تفاجئت بإحتواء الرواية على أنواع عدة من المعالم الحسية وترك الخيال حراً، دون المخاطرة بالمتطلبات الأدبية بمجرد مناقشة القضايا الأخلاقية وتجاهل النص للمحيط المجتمعي.! إذ أن "السرد لا يهتم بالأدب الجيد أو الرديء" من ناحية إختيار المفردات اللغوية، كما يقول "رولان بارت" في أطروحته حول التحليل البنيوي للروايات.

تمسّك بيّ جيداً ولا تتركني لقد أقتربنا، وعندما يكون السباق بإتجاه نشوة كبرى لا يهمّ من يكون الفرس ومن يكون الفارس، إنهما واحد يركض بإتجاه نبع عذب ليشرب.

يتململ نبيل تحت إليتها:

من أين لك هذا؟

من غير أن تكفّ عن لعقه وملاعبته:

من الحب، ومن غريزتي التي لم أخجل منها يوماً.. هل عليّ أن أمارس العادة السرية مع طيفك وأنت هنا معي كابتة أحاسيسي لكي تتوهم أنني رومانسية خجولة مثل أمي وأمك اللتين عاشتا كجارتين بعقد أمضاء أبويهما أمام عدول وشهود وسط أفراح ودويّ بارود.. ص 130 الفصل الثاني عشر.. / تكشر سالمة عن أسنانها متظاهرة بالابتسام: ماذا قصدت بزمان، هل تراني سهلة المنال الآن؟ وعلياء التي قبلت بك شريكاً لحياتها واطمأنت إليك برغم عيوبك الكثيرة هل وجدت فيك ذلك الصدر الحنون الذي تستند إليه عندما كانت في حاجة إلى ذراعين قويين يأخذانها بعيداً عن المستنقع الذي تصارع تماسيحه بمفردها. يقهقه أحمد: ذراعان كذراعي نبيل، لست أدري لمَ بلاني الله بالقحاب.. ص 142 الفصل الثالث عشر

في تقديري أن نجاة العدواني، انطلاقًا من توليفها السرد الذاتي في تكوين وتحويل الهوية الشخصية لمفاهيم مختلفة لـ "الهوية السردية" المتداولة داخل المجتمع التونسي، دون أن تجردها من المضمون السياسي المباشر والعلاقات المجتمعية والروابط الفكرية. استطاعت أن تربط بين التكامل التكويني للرواية والأحداث المتباينة، بل أطرت أيضاً حدودها. وهي بالنهاية كما أعتقد، وظيفة مهمة ولها أهمية تاريخية خاصة في عمليات تشكيل الهوية الجماعية وتحويلها إلى مساحات تجانس بين الخيال والواقعية.

فمن الشائع أن يتم السرد الروائي خارج الخيالي. لكن السؤال، مع الحيطة عمداً من عدم تناولي أو الإشارة إلى المنصات السياسية التي جاءت في العديد من صفحات الرواية: إلى أي مدى تختلف رواية نجاة العدواني "في عش السرطان" منها عن الروايات الأدبية الخيالية؟. الجواب أكثر صعوبة. لأن السؤال يطرح: ليس إلى أي مدى يتوافق المحتوى مع الواقع، بمعنى آخر ـ ما إذا كان يمكن تحديد هذا الاختلاف باستخدام ميزات لغوية محددة خارج النمط السردي، وإلى أي مدى؟. فاللغة، كما يدعي"هايدن وايت" في كتابه نظرية التاريخ، ليست وسيطا شفافا، ولكنها تبني معنى كل قصة. اذن المسألة تتعلق ما إذا كان محتوى الرواية خيالياً أم حقيقياً بالإشارة إلى توقع القراء بأنهم يتعاملون مع عالم خيالي إفتراضي أم واقعي في الأساس، هنا يكمن سر السؤال، والإجابة لن يحصل عليها المتلقي دون فعل الكاتبة.!

 

  عصام الياسري

 

احمد ختاويوالطيب صالح، الروائي الارتيري: حجي جابر في "رغوة سوداء" والروائية الجزائرية فضيلة بهيليل في "ما لم تحكه شهرزاد"

لعل من حظ جيلنا أننا كنا نقرأ في يفاعتنا أمهات الكتب والكتاب وعمالقة الحرف: العقاد، نجيب محفوظ، وعمالقة الأدب الفرنسي وغير ذلك والقائمة طويلة، قرأنا في تلك الفترة الزاهرة: الثلاثية لنجيب محفوظ بكل أبعادها الكونية كما التهمنا كتبا أخرى في نفس أنساق الثلاثية، الحديث يطول في هذا الشأن وليس مقامنا الآن وإن كان ذلك، أي ما كنا نقرا كان قبل ظهور الروية الجديدة

Le nouveau roman

على يد رائدها Alain Robbe-Grillet

مع نخبة من المجديين في هذا التيار التجديدي مع مطلع الستينات وعلى وجه التحديد سنة 1963

وعند ظهور هذا التيار امتدت قراءتنا إلى غاية اللحظة مع ما بعد الحداثة، وأتحدث عن نفسي المتواضعة ليس استعلاء ولا فرادة ولا تميزا و حتى لا أقحم معي بني جيلي في هذه ألأروقة القرائية، إذ لعل لكل قارئ مشاربه وأنساقه، واليوم وقد غزت المشهد الأدبي خاصة السردي والتسريدي مجموعة من الرؤىء على مستوى التسريد ضمن " أروقة ما بعد الحداثة " وتبييء هذه ال " ما بعد الحداثة بتلاوين " قزحية تعكس راهن المرحلة على جميع الأنسجة والأصعدة

اقرأ - بكل تواضع - كل ما يقع بين يدي سواء من خلال ما أحتفظ به في مكتبتي المتواضعة، أو ما أقتنيه " شراء " أو إهداء وغير ذلك

المسألة أيضا ليست هنا أيضا وليس هذا مقامها بقدر وأنا أنهي لتوي قراءة متجددة لكتاب من عهد ما قبل الحداثة، أي ما قبل موجة الرواية الجديدة

كتاب " أنا " للعقاد الذي قرأته كم من مرة في يفاعتي، فقفز إلى ذهني ما ألتهمته وأنا شاب رواية " موسم الهجرة إلى الشمال للكاتب السوداني والإنساني الكبير الطيب صالح، وقد أتوقف مليا عند هذه الرائعة الخالدة " موسم الهجرة إلى الشمال " التي كانت منعطفا وما تزال في مدى " متخيل " الطيب صالح ولولبته " لتوريقه المتخيل الاستنباطي " من خلال بطله " مصطفى سعيد " وجدلية " بنت مجذوب " في استفزاز المسكوت عنه من خلال " نمطية " بنت مجذوب أحد شخوصه المركزية المثيرة للجدل و" لأخلقة " التسريد عند البعض ولعلي لا أطيل في نسج ما كُتب عن هذه الرواية العملاقة الخالدة التي ترجمت إلى أكثر من 30 لغة وكتب عنها كبار النقاد اعتبارا من الناقد الكبير: رجاء النقاش في مجلة " الدوحة" قبل صدورها أواسط الستينات، إلى غاية اليوم، وكان أيضا من حظنا، أي جيلنا أننا كنا أيضا نقرأ بنهم " مجلة الدوحة " أفاق " العراقية " وغيرها من أمهات المجلات الأدبية الجادة .

من مفارقات التسريد الروحي

إذا كان " داوييت " أحد الشخوص الرئيسية في رواية " رغوة سوداء " للكاتب الارتيري الفذ، الذي قرر العودة إلى إرتيريته، علما أنه ترعرع بالسعودية وعلى وجه التحديد بجدة، ويعود لملته الأرتيرية وأصالته وبالضبط إلى مسقط رأسه " مصوّع " وبالتحديد وثنائية: مصوع: جدة وملامح الخلاسية وذاكرة التبييء ووجدانية وشمولية وأهازيج " الأفرقة " السودان / الحبشة / وغيرها من المباني في " سمراويت " روايته

ومشهدية التعطل في التمدرس بين حجي جابر و بطل رواية: موسم الهجرة إلى الشمال: مصطفى سعيد " ذاكرة مستوردة ارتدادية

ومسافات استدعاء الوطن من الوريد إلى الوريد

في فنتازية التسريد

تكريس الهامش والمفصلية في تسريد المبنى من خلال تخييل التلاحم أو الارتطام أو " اشتهاء المبنى "

الارتدادية المشتهاة، تنطلق من البوصلة التلقائية ثلاثية أو رباعية: نجيب محفوظ، حجي جابر وفضيلة بهيليل

مساحة البوصلة لا تغدو إلا نمطا سلوكيا نابعا من " خلاسية المعمار السردي في دلالاته القصوى

1815 فضيلةالتسريد هاهنا عند فضيلة بهيليل وحجي جابر في مساءلة الرقعة وحالة من إقحام الذاتية التلقائية في أعمالهما. إذا كان حجي جابر في جدة يبحث مع أمه عن مدرسة لأبنها جابر، أي الروائي، كان مصطفى سعيد بطل رواية " موسم الهجرة إلى الجنب يستلم " صرة الدراهم " من أمه ليلتحق بالقاهرة بعدما التحق بإحدى المدارس بالسودان وبإيعاز من مدرسه الانجليزي، يلتحق بالقاهرة ومنها إلى لندن، وكان نابغة وفي ظرف قصير كان يجيد الانجليزية مما خوله من القاهرة مرورا بالاسكندرية الى معانقة بريطانيا ليستكمل دراسته ويلتحم بالمحيط لغربي بذهنية القروي السوداني – أثناء خروجه من قريته بالسودان يلتقي بالقطار بشخص كان يتحدث معه بالانجليزية، وفي جيده صليب الخ مسار الرواية " موسم الهجرة إلى الشمال "

بالرجوع إلى رواية " ما لم تحكه شهرزاد للروائية الجزائرية فضيلة بهيليل، والصادرة عن دار المثقف الجزائرية، تشدنا حوصلة وتعاضدية " خلاسية التبييء أيضا من بني ونيف بالجنوب الجزائري وبوادي عسلة بولاية النعامة بالجزائر وجمعة – البطلة - إلى حنان ووفاء ونعيمة والرحلة المشتهاة إلى " مدينة سيدي منصور " وعوالم الطالبات بالأحياء الجامعة واستمراء اشتهاء المعاكسة والمشاكسة عند بعض الطالبات من منطلق تبييء " العمرية " لكن بمنظور ارتدادي – فلاش باك - من " جمعة " إلى وفاء ومن نعيمة إلى حنان هنا تلتحم " مكوكية الدلالة بين حجي جابر والطيب صالح، هذا الأخير في رائعته " موسم الهجرة إلى الشمال، وبوعي كبير، يُلحم " صديقه الحميم، صديق الطفولة " محجوب " وود الرايس أجد أبناء البلدة على صعيد المعمار الهندسي لملامسة الشخوص عند حجي جابر وبهليل فضيلة، والطيب صالح ونجيب محفوظ

هذا الأخير بحكم اغتراف جل مكوناته الروائية من حي الحسين بالقاهرة وفي ظل تعاطيه مع شخوصه من منظور البنى " التوطينية "، القاهرة وأزقتها وخاصة حي الحسين في الثلاثية وبالتدقيق " بين قصرن " الجزء الأول من الثلاثية، بغوص الروائي الكبير في عالم التيه

وبطلته التي تستيقظ عند الساعة منتصف الليل من كل ليلة، وقت دخول بعلها من السهرة والأشباح وأورادها، وأن نجيب محفوظ ببنائه السردي المميز تشتم رائحة المدينة في مساراته رائحة الارتكاز والتلميح لمسكون في ذات كل خائف كالمتخيل التخييلي عند البطلة التي تسكن الخوالي الخ،

وعي اللحظة هاهنا يتقاسمها الأربعة " نجيب محفوظ، الطيب صالح، حجي جابر وفضيلة بهيليل كل حسب مرتكزاته، ولا تفلت - وجوبا معماريا - من أي منهم عوامل ونوازع التبيييء، يبقى البناء المعماري والهندسي في بلورته والذي لا يحرج عن أنساقه يختلف من سارد لأخر، وما استنتجته وأنا أستذكر هذه الحالات الشعورية ألان، أن خصائص وميزة " التبييء لاصقة بذات كل مبدع منهم نجيب محفوظ يفوقهم طبعا في تحنيك اللحظة السردية لعدة عوامل كما هو معروف وهو الحائز على جائزة نوبل

وإن كان يحسب على الرواية الكلاسكية – والبالزاكية في مجملها، - وهذا شأن ثان، ليس مقامنا ألان و التي تمجد - كما هو معروف عند الدارسين والنقاد والحداثيين الفرد على حساب الجماعة والشمولية وهذا قبل ظهور التيار التجديدي في الرواية الجديدة على يد ألان روب غريبنه،

1814  حجي جابرفيما تجنح سرديات ومسرديات الموجة الحداثية: حجي جابر الارتيري، والرواية الجزائرية فضيلة بهليلل كنماذج لمزاوجة الحداثة بالاغتراف من بيئة الصحراء والريف بكثير من الغوص في مجريات هذه الجغرافية السردية على صعيد المعمار الحداثي الهندسي والتنويري الاستبطاني على صعيد" الملمح

الروائية فضيلة بهيليل في أحدى روائعها السردية " زيارة " وهي قصة مطولة، تستبيح في وقائعها مد " الكونية " في " سلوكيات التبييء كموقع تفاعلي مع أجزاء " السيرورة والصيرورة في ذات الأوان في النص وفي الأسانيد بتقنيات حداثية، كذلك الشأن بالنسبة للروائي الارتبري " حجي جابر في روايته " سمراويت " ومرسى فاطمة "،

ثنائية هذا التعاطي مع مقومات المتخيل السردي عند هذه الموجة الحداثية / فضيلة بهيليل / حجي جابر نماذج واعدة في توطين الخطاب السردي بمكونات " الترهين، وباغتراف من مساحات البيئة بين المهمش والمرتكز وبين التفعيل نمطا حداثيا، وهذا أيضا سلوك واع لدى هؤلاء، ليس اعتباطا ولا " موميات محنطة " سرد كاسد

وإنما كدلالات مفصلية تعتبر منحنى في زمرة " التشيؤ و" وترتيب " حزمة المعمار السري في مجمل تعاطيه مع الواقع المعيش بارتدادية واعية أيضا

لنأخذ عينة من هذا من رواية " ما لم تحكه شهرزاد للقبيلة

هذا الأنموذج من توظيف المد الكوني لرقعة " جغرفة " السلوك السردي

قولها " كتضمين لمحدثات بناء اقتضه مفصلية ومركزية فصل من فصول الرواية هذه ومن نوع النوفلا، فيما كانت تتحدث عن وفاء ونعيمة وحنان بالوسط الجامعي ها هي تقفز بها ارتداديتها بوعي لافت إلى تضمين هذا الأنين التي تٌلْحمه بوعي أيضا مع مجريات أنين إحدى مٌخرجات أحد شخوصها، تقول في هذا التضمين لزجل من منطقة البيض بالجزائر لأحدى " القولات " أو دعونا نقول شواعر بالعامية، أو الملحون، أو كما يسمى عند إخواننا المشارقة والخليج " النبطي، على لسان قوالة بريزينية:

ويا وحي وما صرى في دا الواد كسال – 1-

واش يقدك فالحساب، ذا طايح، ذا مجروح يا محايني

ويا محايني وهودي يا ذا النو الهيه وريبي للصحراء

إلى أن تقول في نفس الصرخة والاغرودة:

ولا تزديش عليه الكٌورده، يديه محررين ما شافوش لعذاب يا محايني

الخ،

هذا اغتراف ضمني بوعي كبير انطلاقا من ذاتية بيئية من موقع كيمياء وتضاريس جغرافية المباني عند الروائية فضيلة بهيليل، مما ينم على أن ذات الساردة تتحكم بوعي في دلالتها ولولبة شخوصها عند الاقتضاء وحتمية " المسرود " وفضائه ومقتضياته، وهي التي كانت تتحدث عن الطالبات وأجواءهم الجاامعية، وهذا النضج السلطوي في مساءلة المشفوع فيه والمنبثق من ذات المبدعة لا يؤتى لمن لا يجيد فن " التضمين " عند الاقتضاء أو بالأحرى عند الحالة الشعورية الحاسمة، وهذا ما يتوفر لدى الروائية الجزائرية فضيلة بهليل سواء في هذا العمل " ما لم تحكه شهرزاد للقبلية " أو في مجموعتيها القصصيتين " على هامش صفحة " وعادت بخفي حنين " نفس السلوكيات الارتدادية وبلغة حداثية قوية نجدها عند الروائي الواعد والألمعي الحداثي الأرتيري: حجي جابر في أعماله " سمراويت " مرسى فاطمة " و" رغوة سوداء"

بالنسبة للخالدة " موسم الهجرة إلى الشمال " للروائي الإنساني الكبير الطيب صالح والتي - في تصوري - أنه من العسير جدا أن يأتي مبدع بمثل هذه الألمعية " سواء ما قبل التيار الجديد في الرواية الجديدة أو ضمن كلاسيكيات ما قبل ألان روب غريينه، وقد اعتبرت من أفضل 100 رواية في العالم ترتيبا، وهي من الروائع الإنسانية برمتها، الأمر هنا يختلف ولا مجال للمقارنة،

وإن سردتُ هذه " النمذجة " فمن باب مقاربة تضمينية تلاحمية لا غير على صعيد الإعمال الواردة في دائرة ذائقتي واستنتاجاتي ونوستالجيتي وأنا أنهي لتوي إعادة قراءة " أنا لعباس محمود العقاد وإن أوردت العينتين: الروائية الجزائرية: فضيلة بهيليل وحجي جابر الارتيري من منطلق قناعتي كقارئ طبعا أن هذين الأديبين يتمتعان بمؤهلات وقدرات مذهلة من شأها إن تحتل جغرافية التبييئ وصدق التفاعل ومعايشة الشخوص من الداخل بوعي وبنفسية المقتفي لأثارهم، وإن كان عز الدين اسماعيل الناقد ينحو المنحي النفسي في وقوفه على ما يتناوله في أعماله النقدية، فإن ورقتي هذه المتواضعة تجيء من استثناء المستثنى في علم وفقه الكلم، من وجهة استنتاجية والتي تعتبر - في تصوري - أداة من متلق مهما كان: ناقدا أو ذواقة أو احتكم الى نوستالجيا أو إلى مغراف بييئي جدير بالاحترام والإشادة مثل ما لامسته في تقنيات الروائيين جحي جابر وفضيلة بهليل،

أتمنى لهما موفور السؤدد وهما يقتطعان من " حقول الإبداع ما يعطي طبقا شهيا للذائقة على صعيدي المبنى والاغتراف من البيئة بصدق وباتزان وبرؤية ثاقبة ستلحقهم يوما ما بمن سبقوهم وهم يركبون وإياهم ضمن هذه الورقة زورق " التصوير الفوتوغرافي للتسريد نجيب محفوظ والطيب صالح ولي أوبة أخرى لرواية " رغوة سوداء للروائي الارتيري حجي جابر ول " ما لم تحكه شهرزاد للقبيلة " للرواية الجزائرية: فضيلة بهيليل في ورقة لاحقة وان كان من قول وهذا كنت سأرجئه لورقة لاحقة أن أقول أن رحلة مصطفى سعيد في " موسم الهجرة إلى الشمال ورحلة داوييت، أو داود أو دفيد إلى جنة الأحلام في " رغوة سوداء" لحجي جابر، تتشابهان في مسلك التخمين، أو صدفة قدر المبنى في الدلالة، أرجئ هذه المقاربة إلى حديث لاحق حتى لا أثقل كواهلكم بهذا الفصل إلى ورقة أخرى

***

كتب: أحمد ختاوي / الجزائر

.................

هامش

1- كسال جبل بالبيض بالجزائر

 

 

جمال العتابيصدق التجربة.. وحرارة المعايشة

أضحى الإحساس بإيهام الحياة حقيقة، وصار الحديث عن غموضها وإفتقادها للمنطق شعوراً واضحاً هو الآخر، وسط حياة يغلب عليها طغيان الآلة وتقهقر مظاهر العاطفة، إن القاص وجد نفسه أن يكون صادقاً مع نفسه أولاً، ومع المتلقي ثانياً، ليعبّر عن هذا الواقع الجديد بإكتشاف معطيات الحداثة في الكتابة، لا الشرح والوصف التقليدي الممل الذي لا تحتمله تفاصيل هذا الواقع المفتت، وإيقاعه السريع الخاطف.

القاص والشاعر حيدر عبد المحسن قدّم مجموعته القصصية(نهار بطيء) الصادرة عن دار التكوين في دمشق، عام 2019، بأدواته التعبيرية الخالية عن أيما شرح، أو توضيح لتفسير الرموز، انه يفترض بالطرف الثاني من العلاقة، فهماً واعياً بالعمل الإبداعي الجديد، والتأثر به، والتفاعل معه.

إن قراءة متأنية لنهار بطيء ترينا ان القاص وزع نفسه وتجربته الحياتية ( كمثقف وشاعر أولاً، وكجندي طبيب مشارك في الحروب) ، فإلتقت جوانب أساسية مختارة من التجربةبأحلام خاصة، وأقصت العمل أن يكون سيرة ذاتية، أو مسحاً لمرحلة تاريخية، مهمة القارىء تتلخص بتأمل ظاهرة فنية، أو معالجة أسلوبية، وتذوق ألوانها المتعددة. وحيدر عبد المحسن لا يحتاج أن ينتحل تجربة، أو أن يتخيلها، فالقصص محملة بنبض المعايشة الحارة، وصدق الألم الإنساني، والقدرة على إستثمار فتات الحياة اليومية بسردية تتآلف فيها الحقائق مع التأملات الصادقة ومرارة الجراح.

أحسب ان شخصية القاص حاضرة بقوة

كما قدمتها المجموعة، بهواجسها وأحلامها، تلك التي إلتقت فيها عناصر الواقع والحلم والطفولة، واللامعقول والإغراب، ورؤى تقترب من الكابوسية، في موت الأب، وموت الحصان، هروب الحارس، في قصص(جيوفاني، خزف، قناع حارسان).

تتوزع المجموعة بين ثلاثة مستويات، يتضمن الأول تسع قصص قصيرة، واثنا عشر قصة قصيرةجدا،  وملحقاً أخيرا بمقاطع قصيرة جداً، لا يتجاوز بعضها سطرين أو ثلاثة، بدأت برقم 1 وانتهت ب36، وفي المستويات الثلاثة، يختلف النسيج والاداء بين هذه المجموعة وتلك، لكنها تجتمع على خبرات الحرفة، والقدرة على بث المعنى وظلاله في السياق وتفاصيله، وإختيار الصور الدّالة المعبرة بإيجاز وحيوية، في القصة القصيرة جداً، لا يطفو السرد على السطح تقريراً أو شرحاً، حين يكون الرمز، في أرقى أحواله، ثمرة إستبطان عميق، وإستكشاف داخلي عميق، فأنه يؤدي دوره المدهش الذي يكشف عن مدركات جديدة، لنتأمل هذه النهايات(تهدلت بالحزن الذي ليس له مبرر، البتّة، الفيل يحدج المهندس بنظرة لامعة، أناقش في داخلي أكثر أفكار بني البشر براءة، دموعه التي تدخل فمه زادت من شعوره الفضيع بالجوع عين الاعمى المخيفة وهو يضربني كنت أراها أينما إتجهت).

في القصص القصيرة يجسد حيدر طاقة من التخيل والإدراك الحدسي الشعري المرهف، عبر دقة خفية بعيدة، رقيقة، إلى رؤية الأشياء والصور رؤية جديدة، تلتقط ماتنطوي عليه من ثراء المعاني المستورة، والإيحاء الكامن فيها بدراية فنية، ويد حساسة مدربة تحفظ للرموز حيويتها، وجدتها.

كيف للإنسان أن يبدع ويتحدث عن الحب وهو يرزح تحت وطأة الإختناق في قصة مرايا، رصانة القص، ونكهة الرومانسية، نمو الحب من طرف واحد، وشكوك معذبة،

حين يلوح ظل عاشق آخر، وحيدر مولع برصد الإنفعالات النفسية المختنقة، في قصة قناع تداعيات نفسية يشدها خيط متوتر من ترقب، في بناء فني أكثر حرية يعتمد الحوار والبوح وإيقاع ذكريات وأحلام وتأملات منسوجة بحذق ، كل شيء في البيت شهياً، حتى زوجة العم، قبل ان تبلغ ذروتها المأساوية في تحول المريض إلى قناع،

في قصة جرح غائر هدير السجن وصداه الموحش، والفأرة اللعينة منهمكة في القضم،

قصة جيوفاني، عمل متماس في تحميل أحداث قصة واقعية، ملامح تعبيرية، ودلالات موحية، تكشف عن دخيلة الشخصيات وتفجر معاناتها، حين يتساءل الإبن الذي كان محلقاً مع موسيقى جيوفاني : هل أستطيع أن أنقذ أبي بموسيقاي وهو يسبح الأن في بركة من الدماء؟ وثمة رغبات متناقضة في قصة أقفاص بين الزوجين وابنتهما الصبية وبائع الطيور، الذي لم يكن بمقدوره ادراك كنه المشاعر ووعي حقيقتها، قصة الخزف محاولة طيبة لخلق حالة من الانسجام والحيوان(الحصان)، والوصول الى حالة من التوحد والفيض، الجدجد والحارس والحصان عناصر البناء الدرامي الرئيسة للقصة، وردت مفردة الخزف مرة واحدة في القصة، في هذا المقطع(استسلم الحصان الى ثقل بدنه الضخم في طقس إنهيار كامل كما لوكان تمثالا من الخزف)، في ذلك اشارة الى دلالاته الشعرية دونما بوح بها كما اعتقد.

القصة تتنامى مع تنامي السرد الرشيق، وتتركز براعة القاص في تجنب التكرار والتشابه في الرؤى، مع إحتفاظه بإمتياز إبتكار الأشياء.

في المقاطع القصيرة المرقمة، تتناثر الأفكار والإشارات والأسماك والقرش والصخور ومياه البحر والطيور والأشرعة، صور تتكثف وتتجمع وتتناسق من خلال دفقات الضوء الذي يمنحه السارد للمشهد الذي يراه، والأحداث التي يستعيدها والذكريات الآفلة، مشهد البحر لا يفارقه كما يقول هو، هي ليست قصصا قصيرة، ولا قصائد نثر، رغم ان فيها شيئاً من الأثنين.

هذه المقطوعات تكاد تبدأ جميعها بحرف عطف، وفي ذلك إحالة إلى سردية متصلة، متلازمة بألوانها وموحياتها، تجتمع حول(النواة-البحر)، ثم تأتي التفاصيل المتآلفة معها لتنسج حولها غلالة من حياة قصصية بمفردات أليفة مأنوسة الإيقاع، على الرغم من أعاصير البحر وصرير الريح. هي سلسلة من صور مباشرة، بسيطة وجميلة، تكشف عن مفاتنها وحيويتها، وتومئ إلى أسرارها

في ثنايا  (نهار بطيء) نتوقف عند بعض المفردات النادر استخدامها في اللغة المتداولة، أو المكتوبة، والتي يصعب على قارىء محدود الإطلاع فهمها، لا أعتقد ان القاص يلجأ الى معاجم اللغة ليضمن قصصه هذ المفردة أو تلك، إنما الأرجح ان لغته تتشكل من مخزونه المعرفي واللغوي، وتنوع قراءته وتعدد إهتماماته الإبداعية، أذكر على سبيل المثال(الجُدجُد)، وهي حشرة لها لوامس طويلة، تصدر صريراً في الليل ، وظف القاص هذا الرمز دليلاً على اقتراب الموت في قصة (خزف)، وكلمة(الدوقل)، والصحيح الدقل بتشديد الدال، وهو الخشبة الطويلة، وسط السفينة، التي يثبت عليها الشراع، وهناك الميدعة، الثوب الذي يرتدى فوق الملابس وقاية لها من الضرر، وريش البواء، ويعني ريش النعام، وأجفان العظاية، والعظاية كائن خرافي، يُعتقد انه لا يحترق في النار، لقدراته السحرية. هذا اللون من التوظيف يحقق متعة ذاتية للقاص، وهو تمرد على عقيدة الوضوح وتقرير الحقائق بالوصف والتسمية، ربما تلك المعاني التي ينشدها على قدر من التعقيد، إعلان عن عجز اللغة العادية في الوفاء بقدراتها على التعبير.

ان معرفة الحياة وتأمل المصير الإنساني، والإحساس بالضرورات، وسواها، ما يمثل وسيلة التعبير لدى القاص حيدر عبد المحسن بغية تحقيق الإستثارة الذهنية والمتعة النفسية، المتأتيين من لذة الإكتشاف لما يرمز له الكاتب من قضايا وما يوحي به من معانٍ ودلالات خفية.

 

جمال العتابي

 

"لحظات من الخلوة والتامل تحقق لي الهدوء والتوازن التركيز، وتدفع في نفسي قوة هائلة لمواصلة الطريق"..برتراند راسل

تامل، يوكا، هايكو، زن..كل هذه المفردات النابعة من رحم الطبيعة تصب في مصب واحد وهو التركيز، سنتناوله تباعا وبشئ من الشرح الموجز.

يعتبر التامل حالة من الصفاء والتوازن التي تهدف الى تركيز الطاقة الذهنية، كما انها تعتبر نوعا من الطب التكميلي للعقل والجسم الغاية منه الوصول الى حالة عميقة من الاسترخاء والشعور بالطمانينة وصولا الى السلام الداخلي.

ففي اثناء التامل تقوم بتركيز انتباهك الى شئ ما وتغوص في اعماق ذلك الشئ، لتبتعد عن زحمة الحياة والتشويش الفكري والضغط النفسي وصولا الى الهدوء والسلام والتوازن الداخلي الذي ينتج عنه التوازن الخارجي، الذي من شانه ان يقلل المشاعر السلبية ويؤدي الى زيادة التخيل والابداع..

ووفقا لما قاله "مايكل بيم" في اساسيات الطب التكميلي والبديل فان التامل يسمح للشخص بتجربة المشاعر الشديدة تماما دون فقدان رباطة جأشه وان نتيجة التوازن العاطفي الذي هو عبارة عن رؤية اكثر ثراءا فيما يتعلق بافكار الفرد ومشاعره وافكاره، وييسر التامل احساسا بالهدوء والتعاطف وقبول الاخر، ويعتبر علاجا تكميليا للحالات المرتبطة بالتوتر، كاضطرابات الهلع والقلق العام والادمان والاكتئاب وغيرها من الامراض، وقد اثبت تاثير التامل وخصوصا"اليوغا"على كثير من الحالات المتعلقة بالاثار السلبية للاجهاد.

وبما ان الهايكو يعتمد اعتمادا مباشرا على تامل الاشياء وخصوصا الطبيعية والابحار في مكنوناتها الخارجية والداخلية للانتقال من العام وهي الطبيعة الى الخاص وهي البصمة التي تركها مشهد معين في النفس ..

ويقول روبرت ابستاين الكاتب والعالم النفساني الشهير في جامعة هارفارد"الهايكو الجيد يتساءل عن الروح المنهكة"، وان هذا النوع من الكتابة مفيد جدا في علاج الادمان والاكتئاب من خلال العودة الى الطبيعة وتامل مفرداتها والانغماس بمواسمها وطقوسها .

وقد ارتبط الهايكو ب"الزن"وهي ممارسة قديمة جدا وتعني استغراق التفكير او التامل وممارسها يجب ان يكون متقبلا لهذا العالم الحسي لالتقاط اللحظة وبدوره يدرك عالمه الداخلي، فهي اداة رائعة يمكن من خلالها تعلم  التامل وتوليد مشاعر الهدوء والسلام والرحمة، ويعتبر"باشو" الشاعر الاكثر شهرة في "ايدو"/اليابان واحد الاشخاص الاكثر شعبية في استخدام الهايكو، والقصيدة الجيدة هي قصيدة قادرة على التقاط جوهر اللحظة، لحظة من الوقت بين الروح والطبيعة، فنجد الحيوانات او النباتات او معالم الطقس الموجودة في البيئة الغنية دلالة على المواسم الاربع والحالات النفسية والسياقات الاجتماعية والثقافية التابعة لتلك المواقف كل هذا يلخص في صورة ذهنية مركزة ومبسطة في اطار تجربة فردية لتلك اللحظة.

وقد دخلت تجربة الهايكو الى العربية عن طريق الترجمة للنصوص الاصلية لكن سرعان ماانتشر هذا الفن الادبي الرفيع في بلادنا العربية حملته الطيور المهاجرة والرياح الحاملة لرائحة الطلع واريج المطر والورود واخذ نصيبه كفرع من فروع الادب له شعراء ومتذوقين .

واذا اردنا ان نبدا هذا الفن العلاجي سندرك التاثير الكبير الذي يتركه مشهد ساحر من مشاهد الطبيعة الذي يجعل المرء ياخذ نفسا عميقا ويزفره بعمق اكبر كنوع من الانتشاء والاندهاش، هذا الشهيق العميق الذي اخذه هو المفتاح الذي ياخذه الى عالم التامل، فما ان يتنفس بعمق حتى يشعر بان كما هائلا من التعب يزاح مع الزفير، وان ثقلا كان جاثما على الصدر بدا يتلاشى، ويشعر بتدفق الدم في جميع اجزاء الجسم واحساسا بالراحة ليس له مثيل، هذه الراحة تتمثل بفتح "الشاكرات السبعة"والتي تمثل نقاط الطاقة الكامنة في الجسم وكل نقطة مسؤولة عن عمل معين وان اي خلل او انسداد نتيجة الاهمال او العادات غير الصحية في الحياة، والانهماك بالعمل وعدم الخروج الى الطبيعة لاخذ قسط وافر من الراحة واستنشاق الاوكسجين النقي والمشي بشكل يومي، وممارسة الرياضة، وسنتعرف من خلال الفقرات التالية على معنى الشاكرات السبعة واهميتها في جسم الانسان:

تعرف الشاكرات على انها مراكز الطاقة السبعة في جسم الانسان- حسب الثقافة الهندية- والكلمة اصلها من اللغة السنسكريتية وتعني العجلة او الدوران، ووفقا للطب الهندي يطلق على الشاكرات مراكز القوة اوجدلات الطاقة وتعتبر هذه الدوامات بؤر استقبال الطاقة وقد وصفت بانها شبه محطة لتخزين وانتاج الطاقة وتصبح هذه الدوامات اكثر قوة عند سحبها طاقة الكون فالانهار الرئيسة (ايدا وبنغالا وسوشومنا)،هي الاجهزة العصبية (الودي واللاودي والمركزي) تسير داخل العمود الفقري في مسار منحني ويتقاطعون مع بعض عدة مرات وتشكل نقاط التقاطع هذه مراكز قوية تسمى الشاكرات، وهناك ثلاثة انواع من مراكز الطاقة في جسم الانسان، ويعتقد ان الشاكرا هي مركزلنشاط طاقة بيولوجية منبثقة عن العقد العصبية الرئيسية، حيث تبدا من قاعدة العمود الفقري متجهة صعودا الى اعلى الجمجمة وتعتبر الشاكرات نقطة التقاء الفيزياء الحيوية او" البرانا" لجسم الانسان والتي تتحكم في حالته النفسية والجسمانية، وهي المسؤولة عن امداد الجسم بالطاقة الايجابية المتزنة، مما يضمن اسلوب حياة صحي وتقسم الشاكرات الى قسمين فردية وزوجية، فالفردية تهتم بالطاقة الخارجة من الجسم للعالم المحيط وهي خصال ذكورية مثل اظهار القدرات، الرغبات، التحكمات النابعة من الفرد لكل ماحوله، اما الزوجية فهي تهتم بالطاقة الكامنة والداخلة للانسان من البيئة المحيطة وهي خصال انثوية مثل الشعور بالطمانينة، الهدوء، التفتح، الحكمة، وللتعرف على ماهية شاكرات الانسان وتاثيرها في جسم الانسان ساوجزها بالاتي:

- شاكرا الجذر او القاعدة:

ورمزها الاحمر وتقع نهاية العمود الفقري وهي تمثل اساس الانسان والمسؤولة عن الموروث والانتماء والمعتقدات والارتباط العائلي.

- شاكرا العجز:

ويرمز لها باللون البرتقالي وتقع اسفل السرة، وهي مسؤولة عن الوظائف العاطفية والرغبات الجنسية.

- شاكرا الظفيرة الشمسية: ورمزها الاصفر

 وتقع في منطقة المعدة اعلى البطن وهي مسؤولة عن الشعور بالثقة والقدرة على التحكم بالحواس .

- شاكرا القلب وتقع فوق القلب مباشرة ورمزها الاخضروتمثل نقطة التقاء الشاكرات الثلاث السفلية (عالم الحاسة) والعلوية (عالم العقل)

- شاكرا الحنجرة ويرمز لها باللون السماوي التركواز وتقع عند الحنجرة وهي المسؤولة عن التواصل.

- شاكرا الحاجب اوالعين الثالثة ورمزها الازرق وتوجد في منتصف الجبهة بين العينين وهي مسؤولة عن التركيز، التخيل، الحكمة، التفكير، القدرة على اتخاذ القرارات

- شاكرا التاج ورمزها البنفسجي وتقع في اعلى الراس وهي المسؤولة عن الجمال الداخلي والخارجي، ومن الجدير بالذكر ان المسلم حين يسجد فانه يضع جبينه وخصوصا بين العينين (الغدة الصنوبرية) على الارض لاكتساب الطاقة الايجابية تارة وتفريغ الطاقة السلبية اخرى- سبحان الله-

اذا تاملنا الوان هذه الشاكرات لوجدناها تمثل الوان الطيف الشمسي وتلك الالوان موجودة اصلا بتفاصيل متفرقة بالطبيعة بكل مفرداتها وكائناتها ومخلوقاتها وان اهمال هذه الشاكرات وانسدادها يؤدي الى مشاكل صحية كثيرة ساشرحها لاحقا في موضوع مستقل.

 كل هذه الامور تدخل تحت بند التامل الذي اذا مورس بشكل صحيح يعطي شعورا رائعا بالاسترخاء ويجعل المرء يتصل بنفسه الطبيعية ثم التفكير بشكل انضج وعلى نحو ابداعي يتجه الى خلق كل ماهو جديد ومبدع في الحياة، هذا الشعور الذي يتركه مشهد جميل معين في الطبيعة او لوحة تمثل الطبيعة بفرشاة رسام ماهر تجعل المرء اجبارا يتامل مفرداتها، وهو نفس التاثير الذي تتركه مقاطع الهايكو التي تشرح نفس اللوحة بمفردات قليلة دلالتها كبيرة مكتنزة بالمشاهد بعيدة عن التكليف والمحسنات اللفظية، بسيطة كماء رقراق، مشرقة كشروق الشمس، ساطعة كالبدر، عابقة برائحة المطر واريج الورود تجعل الانسان ينتشي بكل حواسه فهو يشم رائحة الورد والطلع والمطر ويطرب لزقزقة العصافير وخرير الماء وحفيف الشجر، ويستشعر حركة الريح ووقع حبات المطر على النافذة، من خلال مقاطع ساحرة احضرت الطبيعة بما تحوي الى غرفته اوشرفته او اي مكان يختلي بنفسه ليحتسي فنجانا من الصفاء مع مفردات الطبيعة الساحرة، لذا فان الطبيعة تنعم على شاعر الهايكو بخاماتها الرائعة الذي يقوم بدوره بنقل الصورة الحية كماهي مضيفا اليها من روحه التي يقدمها الى القارئ بطبق من ذهب، ذاكرا كل ماتقع عيناه عليه وهو جالس يتامل سحر الطبيعة ومخلوقات الله، فمثلا ممكن ان تجذب انتباهه نملة تحمل حبة قمح اكبر من حجمها اضعافا واجتهادها ودابها لتعزز عنده فكرة العمل، او تلك النحلة التي تنتقل من زهرة لاخرى وتلك الخلية الدقيقة الابعاد بهندستها الرائعة وذلك العسل الذي يخرج من بطونها بحلاوته وقدرته على الشفاء، ذلك المعسكر الرائع الذي ياخذ الانسان من حالته المرتبكة الى حالة اكثر اتزانا تجعله يقول سبحان الله، تفتح ازهار الناز صباحا تحية للشمس واغماضتها عند الزوال، زهرة الشمس التي تتجه دوما باتجاه الشمس، تسابيح الطيور فجرا، حركة الرياح حاملة رائحة الطلع، حفيف الشجر وغيرها من المشاهد الساحرة التي يشترك بها الشاعر والقارئ في ان واحد.

هذه النشوة التي يتركها مقطع الهايكو الذي يجعلك تشعر بوخز البرد، بشروق الشمس، بسطوع القمر، برائحة الارض، بتمايل السنابل، باقتراب الفجر، بحلول الربيع، بهطول المطر، بزقزقة الطيور، بامتداد الخضار في المروج، بسقوط البَرد، بتلون السماء، بالغسق، الشفق، بالغروب، تترك في النفس نشوة واندهاش وراحة تتمثل بالجمال والسكينة والامتنان لله.

من كل هذا نخلص الى القول ان الهايكو بطبيعته هو فن التامل الذي يتخذ مادته الدسمة من الطبيعة بصورة مباشرة ليعكسها بصورته الغير مباشرة على الورق راسما لوحاته لمتذوقيها الذين يشعرون بنشوة مشاهده التي تحلق بهم فضاءاته بعيدا الى عالم ساحر تجعله يستنشق اكبر قدر من الهواء النقي مالئ رئتيه وعقله وروحه بالدهشة، تلك التفاصيل البسيطة التي يكون وقعها بالنفس كبيرا تؤدي الى الاسترخاء والسلام الداخلي مع خلق حالة من التوازن والصفاء بين الوعي واللاوعي وتلك حالة صحية سليمة لحياة اكثر هدوءا وسلاما وانتعاشا وراحة للروح والبدن.

 

 

مريم لطفي

 

سهام الشجيرياكثر من جسد واكثر من روح رصدتها شبكة مشاعر عبدالكريم الحطاب، المرتبطة حتما بالسرد الشعري، ينتصر للكلمة وللعدل والسماوات المنبوتة في ذاكرة ايامه، والمساءات المحنطة بالجليد، والمنحوتة في زاوية معتقة من قلبه، كل ذلك في قلب مجموعته الشعرية (للوطن همسات حب وكبرياء، صدر عن دار السماء، بغداد، 2019، بـ 136، قصيدة) حسناً، سأصرخ مثله، بل سأطير كما طار بين ذراعي الوطن، عل حلم بين سطورها يتحقق بالوعد ويشجي ديونه، كلها للحطاب قاطرة، تفترش كلماته الطرقات، الوجع، الخوف، رائحة الام، معادلة اينشتاين، زوارق دجلة، المتنبي، صيد الاسماك، الفرج، الاوبئة، السلاطين، الحسرة، وقداسة الخطوة نحو المستحيل، ليصرخ الحطاب (تبا لكم.. تبا لكل من يدعي حب الوطن...)، يستغيث، ينحني، يقفز من شرفات الوقت، الحطاب هنا يؤرشف للأشلاء، (نزرع وتحصدون... نتألم وتسخرون... نجوع وتتخمون... نموت وتحيون...).

مساحة الوقت

يندب عبدالكريم الحطاب مساحة الوقت، ويختار الغياب، يصرخ (الا تبا لكم أيها......) ربما حضوره همٌ، لأنه استعار أضواء الحدائق، كي يكشف ستر الايام، الاغتيال، الجريمة، الهروب، الوحشة التي تنبت في خاصرة السنين، وفي خاصرة أهاته التي يهدرها في شعِره، التأهب، القلق، البغض، القطيعة، صوت الحبيبة، سر العشق والمعشوق، أصوات الأنين في غياهب عاصفة هوجاء يترنح بين اضلُعها حلم ابيض طالما غادر صمته، دائما تحفزه مساحة الوقت، لكن الحطاب يعيش الاماني (فلا ماء ولا كهرباء... ولا بديل..)، يغرس رقصته في جبين عذابات رمادية تعاني الاغتراب، يوثقها على جدار الورق، ويلتزم الصمت من بعيد، يعيد صراخه (آن الاوان...كفاكم...) ويعود ليطبع بصمته في الكلمة الحرة والخُطى الثقيلة المتعثرة، وإشارات المرور، وحملة التبرع بالوجع، الحروب العبثية، وصراخ الثكالى، جمهور ممسرح يصيغه الحطاب بالمشهدية التي تتكأ على زخات وجع مغموس في بؤبؤ الحياة الناظرة، (رحلت.. ولم يئن بعد وقت الرحيل...) غادر بإطلالتها قلبه، هو الوجع وهي صاحبة الشَعر الجميل المغموس بدم الفرسان، وحده يتلكأ مثل كهل في استذكار الشارع، الحديقة، الوجوه، صراخ الطفولة، ملعب كرة القدم، القهوة، طعم الهواء، (حقيقة ام هواء؟..) يتمدد الصراخ في الركض وراء الامل، من يفوز؟ من ينادي؟ من ينتحر؟ من يشرب الدم؟ ومن يتوضآ من عينيك رماد الوطن، وامنيات اللقاء، هنا يدرك الحطاب الحقائق لكنه يرسل المستحيل في بطون الصفحات، يكتب ويكتب بانتظار مساحة الوقت.

حبيبه العراق وحبيبته القضية

1797  همسات حب وكبرياءيرمي الحطاب توصيفاته بسيف كلماته، يلوذ بعبارات الحب للحبيب، ويقصد الوطن، عساه يلوح للغراب ان يستعير خبز الحياة، الانسان بنيان الله ملعون من هدمه، فكيف بقلبه بنيان مهدوم، حائط الوطن يصرخ في طيات حزنه، هكذا آراه في مرمى الشِعر، يلوح للأعناق ان تتدلى،(اعتراف... أنا يا سيدة النساء... رجل يبحث عن هوية...) بغداد لدى عبدالكريم الحطاب عروسة لكنه يدرك الأسى(أدرك أن حبنا ولد في زمن الاحكام العرفية..) لطفا هل هي لوعة عاشق، (هناك امرأة تمحو كل احزاني...) يمسك يدها، يسحب خنجره من غمده، وينعى الحرمان (أسرى الشهوات...بعد أن صارت العرب كالجرب..) لا يلون جراحه، ولا يرتجف من خصلات شعر نخيل الوطن، (تمر الايام والسنون...لا تبحث عن الاستثناء...) جرب مخيلته قبل كفه، دائما يغمض الفجر مقلة الحطاب عن ضياعه في بحور الدم، دائما تتدلى نخلة روحه، ليسمع صراخ التمور، يبحث عن السراب، يتذوق عنب الصبر، نبض القصيدة في امتداد صمته، يجذبه صمت الصراخ، يطارد الوعي والانحطاط، بين القهر والحقيقة، يلمس جبين صخور الوطن، ويرتدي سرابيل القناعة (فالعمر نعيشه مرة واحدة....)، يقطف الحطاب عرقه من بياض سنين التحدي في قلب شذى العراق (قاصدا قلبك.. فهل يقبلني فيه نزيل...)، تراه تعجل السقوط أو(هكذا أراك.. هكذا أحبك.. لك وحدك.. ملهمتي من تكون؟..) يرسم الحطاب شظاياه بين أثداء أيامه لا يغيب، بل يقدم اعتذاره في حضرة عيون الحبيبات، وسحابة روحه تتلألأ بين طيات قميص الدفء حين ترميه الحبيبة بسؤال الغياب(عنك يا حبيبي يتساءلون.. كل الاحبة..)، النار التي اوقدتها اصابعه، تسللت لقطرات مطر الصيف، يشرب وجعه، ويرمي رأسه بين هدب السؤال ورمش الحنين، يلوح للزعفران أن يغوص في شتائل صمته (في بلادي... يمجدون الطائفية، فالقضاء في إجازة إجبارية... الضمير أضاع القضية...) تساؤلات حب الحطاب عسف واقصاء، سيدي يثني أهدابه - كفاك نحساً- زخات لون الوطن تبرق في عنقه، يلملم بريقها، ويغسل أدران شوقه، ينتحل أهدابه، يفيق بين صلوات حنينه، يغوص في أهداب حبيبته بغداد ويستريح على مرمى حجر من طقوس الشيطان، وضالته تقوده  لـ(أغار عليك...) الحطاب هنا يلامس نبض الناس في قصة وطن ينحني، يبكيه في شعره كي تستقيم أضلاعه.

كائنات حية

كل قصائد عبد الكريم الحطاب نتحسس بريقها، نلمس أظافر قدرتها على الصبر والانتظار، نشم شذى عراقيتها فهي كائنات حية تعيش بيننا وتتحرك أمامنا، ونلوذ بملامحها، بل نتنفسها وتتنفسنا، إذ يقول يوري لوتمان في كتابه تحليل النص الشعري: (بأن أي نظام يقنن الشعر لابد أن يتلقى في الأساس باعتباره قيمة ذات مغزى)، أي قيمة دلالية اعتبارية ذات جدلية لا تنتهي ولا تتعارض مع ذاتية الشاعر، حلمه، وطنيته، انشغاله برصد الوعي، محاربة الغفلة، حب الاوطان، صناعة هدف، وبراعته وتطور أدواته الشعرية تجاه الوطن، نسجها وحولها إلى قيمة تعبيرية انفعالية تستهدف الوعي بتصويب الحقيقة في روح التلقي، وكمنظور ورؤيا متنامية لتعرية الحدث والوقوف على علائمه التي توحي بالكثير، فهو يرسل روحه الى قدر المسؤولية، ويجد سعادته إشارة في حضرة روح الوطن، (كيف تتبلور؟.. كل النساء شهرزاد...) نجده يقف بين طيات صمته ليروي البريق (يحدث في بلادي...في الليلة آلاف المرات...تمسح خارطة المأساة...)، يبوح وجه الحطاب بسلة عطف وبستان حلم، بل يحتدم القلق على حضن الوطن، (اطلعي على مأساتي وواسيني... ضميني الى صدرك وأنسيني...تنهي وجعي واسيني...كيف أهاجر... يا نبع الحنان...اعتراف ايضا.. نداء الايمان بين اضلعي.. حب وحرب...)، وهنا فأن الشاعر عبدالكريم الحطاب قاد روحه باتجاه حزن الوطن، وأطلق حنينه عبر سكوت قافلة الحرمان، وأغمض صوته، بانتظار الفرج، شعره ربما سيكون ضوء قناديل لوطن حليم لن تغادره الاجيال.

 

سهام الشجيري

 

 

1798  فارس مطرالعراقي فارس مطر .. شاعر متمرد

صدر مؤخراً للشاعر العراقي فارس مطر ديوان شعري موسوم "الفرح المتأخر يغمرني" مشار في طبعته العربية الأولى بـ "شعر معاصر"، يقع بمائة وأربع صفحات من الحجم المتوسط ويحمل عنواناً ميسوراً ومترامياً على غير ما هو شائع. فالقصائد من أليفها إلى يائها لا تحمل عناوين متواردة تحاكي أو تقترب إعتبارياً من نصوص القصائد بشكل وآخر. ويبدو أن الشاعر أراد بإصرار التفرد بإختيار هذا الأسلوب الإنسيابي، الذي يضم الجمالي والأدبي، سلسلة من لآليء الرومانسية، بأحكام متطابقة بشكل جيد لدرجة أنها تصطف لتشكل وحدة كاملة، وإن كانت مجزأةً، تبقى واحدة  من عوالم ما يعرف بـ "الشعر الملحمي"، في الأساس. وهو ليس أسلوباً مبتكراً، إنما شعر استطاع فارس مطر أن يجعله قصيدة طويلة واحدة بعنوان رئيسيٍ واحد. 

يقيم الشاعر العراقي فارس مطر وأفراد عائلته منذ أربع سنوات في العاصمة الألمانية برلين. ولد في مدينة الموصل سنة 1969 وتتميز كتاباته بالسلاسة. صدر له ديوانين في الشعر: "سنبقى"، تضمنت أكثر من أربعين قصيدة سياسية ساخرة و "تمرات في الربذة" صدرت عن دار صحارى في  العراق عام 2014، وله دراسة نقدية بعنوان "شعرية العشق بين حضور المرأة وغياب المكان الحميم". ومجموعته الشعرية الجديدة "الفرح المتأخر يغمرني" صدرت في يوليو 2020 عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان ـ الأردن. شارك في أماسٍ ومهرجانات شعرية عديدة منها مهرجان جرش 2014 ضمن نشاط إتحاد الكتاب الأردنيين ونشرت قصائده في الصحف الأردنية والعراقية والعديد من مواقع التواصل الإجتماعي وحصل على تكريمات من منتديات أدبية وثقافية عربية متنوعة. 

بدءاً لابد من الإشارة إلى أن الواقعية والرمزية والأسطورة والخيال وحتى التمرد، سمات مميزة في الفن الشعري، قديمة قدم الفن نفسه. إستطاع فارس مطر بلغة شعرية مترعة إستعاضتها في منجزه الأدبي القيّم، بطريقة لا تخلو من إبتهالات جمالية وسيميائية، قيمية وتعبيرية وفلسفية، من النص اللغوي وحتى العلاقة بين المحتوى والشكل، فأحاطها شاهدة تقدير وإعجاب. ولا أنكر أن ترانيم الشاعر، خلال قراءتي، قد استحوذت على مشاعري في تتابع غير منقطع. فهي قصيدة فيها الكثير من المساحات والتفاصيل الفرعية، وتعتمد التفعيلة المدوّرة، لكنها تتفادى استخدام القافية. تتراوح بين حب الوطن والتأمل واسترجاع الذاكرة، ومزيج من المشاعر التي تنتاب الإنسان في الكثير من المواقف الصعبة. ولا تتجاهل الهموم والأحزان الجَمعية التي أحدقت بالمجتمع العراقي والتي تخصّ العيش والوجود والموت، ـ أتون حروب، صراعات، متناقضات، أفراح وأحلام مع جدف من العواطف الزائفة والخلط الطائش لقلب الصورة.. السؤال هل تمكن الشاعر من نفخ روح جديدة في الشعر الملحمي ليسلط نظرة عامة للحياة والمعتقد، أعمال ومصير الإنسان العراقي، رغم كل التداعيات وتنوع الإضطهاد وتوسع التشابك في كل الإتجاهات بما في ذلك الثقافة والفنون؟

أَجهَلُني

لا شيءَ يُعَرِّفُني عَنِّي

أَتَحَسَّسُ أَوصالي

أَبحثُ عن جَسَدي

وأَقولُ لمن يَجمَعُني

لا أَتشابَهُ

هذا ما قالتهُ الحربُ

فلا بأْسَ تَحَمَّل شَكلي

حاوِل ترتيبَ الزَّمنِ المُتَقَطِّعِ

قَدرَ الإمكانِ

ولا تَترُك يوماً أَو طَرَفاً دون مُواساةٍ

سأُشَيِّعُ صوتي الآنَ فأَرجوكم

لُمُّوا أَنفاسي

هذا نَصِّي

زَمني

جَسَدي المُتَفكِّكُ

هاكُم قلقي وَنَشَازَ مُحاولتي

لا شك في أن التراتيل الشعبية والأغاني أصبحت مفهومة بشكل أفضل اليوم مما كانت عليه قبل مائة عام. فما الذي جعل الشاعر فارس مطر (دار النشر) أن يُعرف قصيدته بـ "شعر معاصر"؟ وماذا يعني ذلك؟.. وهل أغمره حقاً، منجزه الشعري تلك الفرحة رغم تأخرها.. وبأي لون؟.

تسمى النصوص والألفاظ غير المرتبطة بآية أو قافية أو إيقاع "مترا " Metrum، نثرًا. ومن ثم، يسمى النثر بالكلام غير المقيد. ويشمل اللغة اليومية، ولكن أيضا الشكل المصمم ملحمياً في الأدب يطلق عليه "فن النثر". والشكل الخاص الذي يقف بين الكلام المقيد وغير المنضم هو الإيقاعات الحرة. إنما المصطلح التقني مشتق من الكلمة اللاتينية (prosa oratio)  خطاب النثر، والتي يمكن ترجمتها تقريباً على أنها كلام مباشر. بمعنى ما هو على المحك سيكشف بشكل أساسي: أن أي شكل من أشكال الكلام الذي لا ينتمي لقاعدة سيكون بالتالي ملزم. بمعنى آخر: حتى لو تم التفريق بين النثر والشعر من حيث أنه غير مرتبط بالقافية أو المترا، فلديها أي "القصيدة"، القدرة على أن تكون شاعرية من خلال الأسلوب واللحن والصور والإيقاع واختيار الكلمات. وهذا ما تميّزت به قصيدة "الفرح المتأخر يغمرني". 

ما زال اللَّيلُ فَتِيّاً

وأَنا في أَوَّلِ حَتفي

سادسَتي ورصاصٌ

 

خَمسونَ شَظيَّةَ فَقدٍ

يَتَجَمَّدُ وقتي

أَتَسلَّقُ نَصِّي

 

بحثاً عن هاويَةٍ

عن شَرخٍ مُوسيقيٍّ يَتَغَمَّدُني

تُمطِرُ فوقي

غيمةُ مُنتَصَفِ اللَّيل

تُغَنِّي

تَستَنبِتُنِي

وعلى قلقٍ

تسهرُ حتَّى مَطلَعِ فجرٍ

 

يُقلِقُهَا أَيضاً

شَابَ الفانوسُ

جَدَائِلُهَا شَابَتْ

وأَنا مُنهَمِكٌ في حتفي

يَملَؤني الصَّمتُ

دِمَائي تَكتَظُّ

ووجهٌ مُلتَصقٌ في ذاكرتي

كم كان الوَقتُ رَصاصاً

والرُّؤيةُ بارودٌ

رائحةٌ صَفراءٌ

 

أَبخِرَةٌ

تَختَنِقُ الأَحلامُ

ونَغفو

نَغفو

كعصافيرٍ في ليلةِ بَردٍ

تتنفَّسُ آخِرَ زَقزَقَةٍ

 

وَيَروحُ الوعي

 

أَغيبُ

أَغيبُ

وأَصحو

 

سِيبَاطٌ

وَعناقيدٌ تتدَلَّى

صيفٌ وحصادٌ

ساقيةٌ

يانعةٌ أَنتِ كفاكهةٍ

 

ارسِمْهَا يا شِعْرُ 

في الأصل، كان النثر يستخدم للكتابات العلمية، وبالتالي كان يعني أي تثبيت مكتوب ليس نوعاً من الشعر. وهذا يعني أن النصوص كانت تعتبر نثراً، لها محتوىً تاريخياً وعلمياً وفلسفياً، أو مجرد ملاحظات. في المقابل، كان الشعر مكتوباً في شكل شعر "مقفى" الغرض الأساسي منه هو العرض الشفهي كـ "المسرح". استمر هذا القيد العام بشكل جيد حتى القرن الثامن عشر. ثم أصبح مصطلح "النثر" فيما بعد مصطلحاً جماعياً لجميع أشكال الكلام الذي لا يمكن تسميته بالشعر. في العصور القديمة، كان هناك تمييز صارم بين الكلام المقيد (الشعر الملحمي ، والشعر، والدراما) كشكل من أشكال الشعر والعرض الملائم والهادف من النثر (بيتر دليوس  Peter Deliusالفلسفة والتاريخ (، تم استخدامه كشكل من أشكال التمثيل في وقت متأخر جداً، بدل الخطاب المرتبط بالسرد. وعلى الرغم من وجود أعمال نثرية منفصلة في العصور الأدبية الفردية، إلا أن النثر كما يبدو لم يبدأ بالانتصار إلا في بداية العصر الحديث، والذي سرعان ما أصبح مع ظهور فن سردي جديد، وهو الرواية، وسيلة شعرية للتعبير، أنتج العديد من الأنواع الأدبية ـ رواية، قصة، ملحمة، مذكرات أو قصص قصيرة، ألخ.  

 

وَخَلِّدني مَبهوتاً

عَطِّلْ بئري واسكُبها

وأَعِدنِي للقهوَةِ والخَفَقانِ

وَحَدِّثني عن ذاتي

وَعُرِيِّي

كم كنتُ أَسيراً

لا أَملِكُ إلَّا جَسَدي

طُرُقاتي أَذرَعُها

 

ذِكرى

ذِكرى

أَغرِسُها

تَنمو شجراً وخساراتٍ

 

هل تُبصِرُ دربَ خَرابي

مدنٌ ومياهٌ

 

أَزهارٌ

أَخَذَت أَسرَاري

وَوَشَت بِي

يُتقِنُنُا الحزنُ فُرَادى

يَتَغلغلُ فينا

الآنَ سَأَذهبُ فاقتُلني

لا تُسهِبْ أَرجوكَ

فُصُولُ دَمِي

 

لا تَكفِي حِبرَ روايتنا

حَدِّثني آناءَ القهوةِ كلَّ صَباحٍ

كُن فرَحي وفُرَاتي

خَبَأْتُ اسمَكَ تحتَ صنوبرةٍ

قَلبي يُؤلمُني الآنَ

سأَذهبُ

فاقتُلنِي بِقصيدة نَثْرٍ

 

وانثُرُني 

أخيراً، قصائد الشاعر فارس مطر في ديوانه الجديد "الفرح المتأخر يغمرني"، من ناحية، الإنسيابية الشعرية والإلتقاء في دائرة "الإسطورة الملحمية" بكل معانيها المعرفية والأدبية، هي ليست محاولة تجريبية )نتحدث عن مرحلة ليسنك (Lessing ، بقدر ما أراد لها الشاعر أن تكون قصص متعددة عن أصول وأفعال وسقوط الآلهة. التصادم بأكمله مع الأفكار البربرية المشوهة، مع الارتباك والضبابية والأساليب التي تمس أقدار الناس، مرة أخرى يتم تجريبها بوحشية في بلد بَشَّر بظهور أول ملحمة شعرية في تاريخ الإنسانية. ماذا يعني؟. تعني قيمة ذلك أهمية المبالغة في تقدير وفهم معنى وروح وجودنا تماماً.!

***

عصام الياسري

 

 

رياض الناصريالبعث

لقد تركنا يوسف الخال في (المفازة) يعاني شدة وطأتها؛ إذ:

كانت الأرض شتاءً،

كان موج البحر يرتد

عن الشط عياءً.

كان جوع وصقيع،

كان في المرعى ذئاب،

آه، كان الرعب في الحي شديداً.

...

والكوى مغلقة والسور ينهار،

ووجه الشمس زور،

...

أترى هذا الذي مات إله ؟(1)

فزخرفة الماضي للتعويض عن قسوة الحاضر، لم تعد تجدي نفعاً، فتبدأ هنا مرحلة التساؤلات، من أجل فتح باب جديد يخرج به من(المفازة)، إلى(البعث) من أجل إعطاء الأشياء والزمن والمدن نسغاً ودماً جديدين، والخطوة الأولى باتجاه هذا الهدف، هو أن نؤمن بأن الزمن الميت سوف يحيا، فبحياته تحيى الأشياء الأخرى جميعها، وذلك يتضح من خلال اعتماد الشاعر على أسطورة أدونيس وعشتار، وعلى رمز الحياة الآخر/المسيح(الإله الميت/ الحي)، فإن جراحه للأولين عزاء، ودربُ خلاص لنا،  فإذا ما صلب في زمن اليهود، فأنه سوف يبعث حيّاً "هنا" في زمن يكون الشاعر جزءاً منه :

أتراني أهجر الدار وأمضي،

" يدفن الأموات موتاهم " وأمضي؟

أين أمضي؟

أإلى المأتم في الغابة والميت إلهُ؟

أإلى العرس، وما

في العرس خمر ومسيح؟

أم تراني ألزم الصمت وأبقى،

مثل آبائي أبقى،

جاثما بين عظام

عافها نور النهار،

ملها عتم الليالي،

والعصافير بنت أعشاشها

حيثما حطت بها ريح الشمال؟

آه لا أدري، ولكنّي أصلي! (2 )

هذه الصلاة والدعاء والابتهالات، من أجل فتح باب آخر للفكر والنفس لتنتصر على هذا الزمن الثقيل المظلم، الذي جعل الشاعر يعيش ألماً ممضا ومأساة كبرى، بسبب وعيه، إن زمنه الذاتي وزمن مجتمعه متوقفان،  في عصر يتحرك فيه الجميع، وتنمو حضارات وتزدهر وتتقدم، فللنجاة من إحساس الخوف، والفناء والضجر، والملل،  جعل الخال يتأمل بمجريات الحياة والكون، ويتساءل، وهذه التساؤلات الكثيرة التي تسود في شعره، هي دليل على النزعة التأملية التي يمتلكها، وهي باب من أبواب الاطلاع والمعرفة والثقافة، وتبرز حسه العالي بأشياء الوجود، وعناصر الصراع التي تفرزها مفردات الحياة، وتظهر تعمقه للوجود والوضع الإنساني فيه، لتؤدي به في النهاية إلى (التوقف المؤقت عن الأحكام المسبقة)، أو إلى الشك الصحي!؟  كما يقول "جون ديوي"(3). وليفرز هذا التوقف "رؤيا" جديدة، ومحاولة بعث جديدة، وأبرز قصيدة عند الخال توضح ذلك كله هي:"البئر المهجورة"

وحين صوب العدو مدفع الردى

واندفع الجنود تحت وابل

من الرصاص والردى

صيح بهم تقهقروا، تقهقروا.

في الملجأ الوراء مأمن

من الرصاص والردى! "

لكن إبراهيم ظل سائراً،

إلى الأمام سائراً،

وصدرهُ الصغير يملؤ المدى!

" تقهقروا . تقهقروا.

في الملجأ الوراء مأمن من

الرصاص والردى!"

لكن إبراهيم ظل سائراً

كأنه لم يسمع الصدى

وقيل أنه الجنون

لعله الجنون.

لكنني عرفت جاري العزيز من زمان،

من زمن الصغر.

عرفته بئراً يفيض ماؤها.

وسائر البشر

تمر لا تشرب منها لا ولا

ترمي بها . ترمي بها حجر.(4)

فهذا الإنسان/الشاعر الذي يحاول أن يموت لكي يبرهن أن الإنسان الحديث الذي ينتسب إليه الشاعر/الفدائي، لم يمت، وأنه مازال بطلاً متمرداً عنيداً، لذلك كان التساؤل الذي تطرحه الأسطورة "البئر المهجورة " هو: لو استشهد إبراهيم في معركة الإنسان المعاصر، فهل تكون الأمور على غير ما هي عليه؟ هل يتسنى لنا بناء شعب وحضارة جديدين، وإحراز التقدم والرقي الذي نبغي ونطلب، لإعلاء شأن الإنسان، وصيانة حقوقه، واحترام وجوده وحريته "التي هي هو"، ولذلك– أيضا –كانت الرسالة التي تتضمنها القصيدة، وتبعثها، إلى الإنسان المعاصر، هي أن هناك آبارا مهجورة، كلها خصب وحياة وبعث، أغضضنا عنها الطرف، فلم نشرب من مائها، ولم نرم بها ولو حجراً، وإبراهيم ليس إلا تدليلاً على وجود هذه الآبار في عالمنا، تلك الآبار التي نمر بها ونراها كل يوم ولا نلتفت إليها مطلقاً (5) :

كان حيّاً . أمس شق الفجر عينيه،

مضى يحمل قلباً ضاحكاً للنور، للدفء، مضى

يرفع زنداً، يضرب الأرض بكلتا قدميه،

يصفع الريح على خديه، يجري،

قيل نهر دافق، قيل سكون

حرت الرؤيا به. أو قيل شئ

لا يكون الكون لولاه، أيمضي؟

هكذا، يمضي، ولا يمضي سواه.

يا إلهي . حينما مات ألمْ

يشفع به حسن ؟ ألمْ يشفع

به سعي إلى الأسمى.

فيا ما مزق الشوك يديه،

وقسا الدرب عليه.

ولكم شيد، كم هدم، كم

ثار على الشئ، إذا ضن، إذا

جف، إذا هيض جناحاه،

وكم تاق إلى الفعل، فأعلى

حرماً، أو أنزل الله على الأرض،

إلهي، حينما مات ألمْ

يشفع به الوهم الذي كانا.

أما والآن قد مات، فهل

تحيى أمانيه ؟ تناجيه عروس الجن؟

تحمر الثمار الخضر في الوادي؟

أ يدري النجم؟ يأتيه

مجوس الشرق والغرب؟

إلهي . أغلق القلب على السر ودعني

أجمع الذكرى بعيني، بوعيّ،

لا لأطويها.

" حياتي لم تعد شيئاً.

ترى موتي هو الشئ؟"

ففي الموت عرفناه.

وما كنا عرفناه.

وحق الشئ أن يعرف،

كالحب الذي يعطى،

أو الخير الذي يرجى.

عرفناه

عرفنا ذاتنا فيه:

عالم ُ أوصده النسيان: لا

وقع حصاة،

لا صدى.

عالم مات به جرح الخطايا.

ولكم كان يصلى.

" مدّ لي يا رب شطآن خلاصي.

ها أنا أركض في الأرض

ها أنا أركض في الأرض

وأقدامي حديد، وعلى دربي حديد،

خلّني أمشي على الماء قليلاً

بعد حين يقفر الحي

وظلي يستطيل.(6)

وهكذا يودع يوسف الخال شخصية "اللامنتمي" في فترة ( المفازة ) ليكون بطل  "البعث" يتربع سنا المجد والبطولة، حكيماً يعرف ما يأخذ وما يذر، فارساً لا يهاب عواقب الاقتحام والتقدم والرجولة، صاحب معجزات (خلني أمشي على الماء قليلاً)، إنه شهيد ومجاهد في محراب العلم والتطور والثقافة والجهاد، أراد أن يكون ناراً عاصفة تحرق كل بال وعتيق، لتهب الحياة كل ما هو جديد، إنه كما " آلهة" العصور القديمة، بطل عصره، وعنوان زمانه وأمته؛ وبذلك يحاول الخلاص من آثام "المفازة"، بوسائل يبتدعها ويخلقها، ليتجاوز بها كل طقوس الظلام الضاربة حوله. من فكرة الموت والبعث في أسطورة تموز والمسيح، إلى البطل الشهيد،إلى الرحلة التي سوف تأتي– صوب البحر للالتقاء بأزمنة أخرى، وحضارات أخرى، لجلبها إلى زمنه وبلده وأمته، ليتخلص من مرارة زمنه التي تشقيه، وتشل كيانه، وليتجاوز كل التعاريف القديمة والقوانين القديمة والأزمنة القديمة، فهو يريد أن يتخطى الزمن الخارجي بالزمن الداخلي، وأن يأتي بالحلول من داخل ذاته، لا من الخارج فحسب، وليصهر كل ما تعلمه في حياته من حكايات وعقائد وقيم، وبما عاشه واطلع عليه الآن من عقائد وقيم وأفكار جديدة، في بوتقة الذات، لتفرز لنا نمطاً جديداً ومنوعاً من الطروحات الفكرية، والمشاعر والأحاسيس الذاتية، لتمحى بها خطايانا، وتورق آلام المساكين، خبزاً ودفئاً، ولتلمسنا أصابع الشك، فتمنحنا اليقين:

أعطشان ؟ خذ الصخرة واضربها،

أفي العتمة ؟ دحرجها عن القبر.

وأما عضك الجوع فهاك المنّ والسّلوى،

وأما صرت عرياناً فخذ من ورق التين رداءً

يستر الأثم، يواريه عن الناس.

وفي التجربة الكبرى

تصبر صبر أيوب ولا تهلع

إذا ما استفحل الشر:

صليب الله مرفوع على رابية الدهر .

وفي الشط مناراتُ متى ضاءت

ضربنا جبهة الفجر بأيدينا، وفجرنا

من الصخرة ماءً يجرف الرملَ

إلى البحر، وفي الأفق جناحا طائر

حطا على جمجمة الليل،

وفيه نجمة سمراء تروي قصة

المزود للرائح والغادي . وفي السر،

متى يعرى، إله ملأ العين،

إله لم يمت بعد، إله سكب

الحب على الجرح ِ؟.(7)

ليمنح هذا الحب البرء والطهر، وليحل محل رموز الجدب القديمة، رموز المطر والثمر، والجزر التي لا تعرف " الضجر"، ونرى: بعد معاناة العظام التي لا يطمرها أحد، وجهاً واعداً بكل لذة:

"أنا الجمال: يا جداول النبيذ جُدّلت

على اللّجَين، يا شواطئ العقيق يا فمي!" (8)

وننتهي إلى الأمل بأن وجوهنا، بعد البحث والاعتراف لم تعد مفازة لـ(قدم البوار)، فالبحر والبئر المهجورة، والله، على منال منا.(9) لتزرع الفرح والأمل في سيرنا وتقدمنا، ذلك أن العالم في حدسه الأصلي، ليس سداً أو لا خلاصاً، وإنما هو عوائق وحسب، يواجهها، يمتزج بها، لكنه يبقى متميزاً ومفروزاً كالجسد في البحر، وكالعصفور في الهواء ويبقى أبدا يبحث عما يخلصه منها، لينفذ إلى الصميم والجوهر، مدركاً أن لحظة التماس مع الجذر في العالم، يتدفق منها الدم بقدر ما تتدفق النعمة، ولابد من هذا الدم لأنه علامة التماس، أما النعمة فعلامة اللقاء والوحدة، القصيدة هنا نوع من الصلب الداخلي الدائم، أي نوع من النمو الخفي الدائم. فَهْمُ هذا الشعر يقتضي النظر إليه من هذه الشرفة، أعني كحركة شاملة موصولة بغاية؛ حركة تشكّل، وأن تخللها أحياناً مواقف ومحطات وانهدامات، كلاً واحدَ النسق واحدَ النسغ . (10)

وهذا الحوار القائم بين وعي الانحطاط ووعي التطلع، بين الرماد والتجدد هو علامة الشعر الذي يعيش الحياة وينتصر على الزمن.

لقد كان الخال في مرحلة "المفازة" أقرب إلى الرمزيين الذين احتقروا بيئتهم وأخلاقيات طبقتهم الوسطى، وهو في هذه المرحلة أشد تماسكاً عاطفياً، وتبرز عنده الروح القوية التي تسود القصيدة، وهكذا يتحتم على الشاعر الأصيل أن يكون قاطعا كالسيف، لكي يستطيع أن يرى، وأن يفهم، وأن يضع حدا فاصلا بينه وبين الموت الذي يحيط به (11):

أيها البحر، أيها الأمل البحر

ترفّق بنا، ترفّق، ترفّق!

ما أدرنا وجوهنا عنك إلا

بعدما مَزّق السياط ضحايانا

ولم ترحم العبيد الجراحا،

وهي حُبلى

كل الجراحات يا بحر

حبالى، ونحن مهد عريق

للولادات، أيّ، أيّ إلهِ

ما رأى النور بيننا، ما تربى

كيف يحيا، يشقى، يموت.

ونحن

الشيءُ يا بحر، من زمان قديم

وبنونا حجارة للزمان،

والقباب التي تسّيج واديك

حضور لديك: في كل حوز

من حماها حكاية.ياعجوز الدهر

قُصّي، قُصّي حكايات أمس

ما طوتها كف الرمال الضريرة

ألف جيل يرد في ألف جيل

ردة الموج في المياه الأسيرة

أيها البحر، يا ذراعا مددناها

إلى الله، ردنا إليك، دعنا

نسترد الحياة من نور عينيك

ودعنا نعود، نرخي مع الريح

شراعاتنا، نروح ونغدو

حاملين السماء للأرض دمعاً

ودماءً جديدة.(12)

وأخيراً لعله وجد، جسر خلاصه، بالبحر، إنه يود أن يدير ظهره لكل شئ، وينطلق إلى هذا الرمز العظيم ... الحرية، الشرود وراء الآفاق ... وليبق رفاقه (13):

"رفاقنا الـ هناك في الرمال آثروا

الهجير والنقيق والضجر"(14)

وهنا تبدأ رحلة البحر(رمز الشاعر الجواب للآفاق) في قصيدة "السفر" لتصله هذه الرحلة بالضفة الأخرى، ضفة الحياة والبناء الحضاري الجديد:

وفي النهار نهبط المرافئ الأمان

والمراكب الناشرة الشراع للسفر

نهتف يا، يا بحرنا الحبيب، يا

القريب كالجفون من عيوننا

نجئ وحدنا،

رفاقنا الوراء تلكم الجبال آثروا

البقاء في سباتهم ونحن نؤثر السفر.

أخبرنا الرعاة ها هنا

عن جزر هناك تعشق الخطر

وتكره القعود والحذ،

عن جزر تصارع القدر

وتزرع الأضراس في القفار مدنا

حروف نور تكتب السير.

وتملأ العيون بالنظر

بها بمثل لونها العجيب يحلم

الكبار في الصِّغَرْ.(15)

إنه كما يبدو يجاهد وبحرقة عجيبة للوصول إلى(الإيمان/النعمة) ولكنه لما يصل بعد، لأنه يحاول أن يخرج من ماضيه، لكنه ما زال يحمل جذوراً تربطه به وناوياً لها  "البعث"، والتضحية بنفسه على مذبحه.وحتى يستطيع تحمل هذا الماضي الجاف، الميت، المقطوعة أسبابه بينه وبين الشاعر، يعيش يوسف الخال في ما يسميه إليوت "اللحظة الحاضرة " في الماضي، يعيشها كمن ينفذ حكماً قدرياً(16):

كالزمن

يدور وهو صاعد

مسمّر

يقبع في اللون

وفي الحروف

في حجر

على حجر

في التيه تارة وفي وقوع

خطوة على الأثر

يدور

والشك ورقة

تستر عورة السقوط

عورة الرفض:

سدوم

أم أورشليم

أم ظل أيوب على الأرض؟

يا أيها الراكض في السهول

كالزمن

تبدأ حيث تنتهي

فلا تزول.(17)

ولا تزول معه رحلته، وسفره، لاكتشاف واستكناه الأشياء، داخل الذات وخارجها،  في الشرق الذي قضيته الأساس الروح الميتافيزيقية؛ وفي الغرب الذي مال بكل ثقله إلى العلوم والمنطق والبناء المادي ؛وهو يعيش هذه الثنائية ويتلمسها ذاتيا" وليس على الشاعر من واجب خلقي سوى أن يكون مخلصا لفنه وأن يعبر عن تصوره للحقيقة في أكمل صورة "(18) وهو تلمس شعري حقيقي في هذه المرحلة، فهو البادئ بالثورة ميتافيزيقيا وإنسانيا، والعائش في مناخها، وهو الشعر البادئ بقتل الجامد المغلق في كل شيء، في السماء وعلى الأرض، في الإنسان والمجتمع، في الحياة والفكر، في السياسة والدولة.(19)

ولذلك جهد الشاعر في حدسه ورؤاه، أن يقتلع الفرد من جذوره، ويقتل في حياته جاذبية العبث، وهو يجهد أيضا أن يحّول هذا العالم الكمي، عالم الثورة والعلم إلى عالم كيفي، عالم الروح والخلق.(20)

إن يوسف الخال الذي واجه أنحاء المفازة بجرأة واثقة. ها هو يجوب البحر بالجرأة ذاتها، ويدخل شيئا من التنوع في تجربته، حيث يبرز عنده الآن، الإحساس بالطبيعة، وبجماليات المكان، وبذلك الشوق المرهف للبحر والجبال، وأرض الوطن، ليعيد إلى أذهاننا غناء الرومانسيين للطبيعة، الذين جعلوا منها إلها يعبدونه، حتى في أقسى مظاهرها الوحشية:

أخبرنا الرعاة في جبالنا

عن جزر يغمرها المطر،

يغمرها الغمام والخزام و المطر،

عن جزر يسكنها الحضر.

بها، بمثل لونها الغريب يحلم

الكبار في الصغر.(21)

كذلك حاول الخال في بعض قصائده أن ينعتق من أسار الماضي، على الرغم من أن الجواذب التي تشده إليه كانت توازي أو تقترب من الجواذب التي تشده إلى المستقبل، فإن المعاني التي تصورها قصائده لا تكاد تستشرف المستقبل حتى تشيح بوجهها عنه واجدة طعم الراحة ولذتها والاستقرار في الماضي، غير أن هذه القصائد تحمل الإيمان بأن في مقبل الأيام نوراً، وإن طال احتجابه؛ فتعمل على أن تنهل من الحياة بأعلى قدر ممكن:

أخاف يا حبيبتي

أخاف أن تكون

هذه الهنيهة التي نعيشها

هي الحياة كلها

هي الـ أنا و الـ أنت يا حبيبتي

وما الـ وراء إلا ظلمة

كالموت. كالإله. لا نعرفها

والخير قد يكون أن

نظل لا نعرفها(22)

وفي قصيدة "العمر" يغني لنا الربيع أغنية الفرح:

نزيح موجة الصقيع عن وجوهنا

نحكي لها حكاية الربيع:

كيف يبسم الهواء

تنشد الطيور، كيف

يرقص الشجر

وكيف تفتح النواة في الثرى

عروقها ويعقد الثمر.(23)

فعندما تنزاح الخطيئة والطغيان والقسوة، ويحل محلها إرادة الحرية، وعقل الإنسان، والحب، حب الإنسان وحب الأرض، فأن روح الكون ستكشف روح الحب، وتعود حتى صور العذاب والوحدة والألم، المتتابعة في هذا الشعر، سياجاً من القاربين يقدم الظل والطمأنينة، ذلك أن هذه القرابين تصبح، في آخر الطريق، أزهاراً وينابيع.(24)،  فأن "غاية ما نطلب من الشاعر هو  أن يكون مدركاً مفعماً بالحيوية  في عصرنا هذا. وعليه أن يثبت ذلك بجوهر شعره" (25).

إن هروب الخال عبر البحر، لاسترداد زمنه المفقود، وبغية العودة بالحياة الضائعة الميتة، إلى الوجود ثانية، لتعيش وتنبت وتزهر، من جديد، في أرض بلاده، كان هدفاً مركزياً، يخرجه من إطار الماضي، وتعويضه بصورة مقابلة له، فأن ما يكسو الحضارة، وراء البحر، من تقدم ورقي، هو عنوان تفوق، يماثل ما كانت عليه المسيحية في عصرها الزاهر في نظر الخال، فهذا التفوق يكون بديلاً عن الخسارات التي يعيشها،  باندحار وضياع الطاقات الخلاقة للإيمان. فهذه الحضارة التي أنشد لها إليوت أبشع صورة، وهاجمها بكل عنفوان، كان الخال يرى فيها أحد عناصر التفوق في رسالته (الروحية/المادية) في آن واحد، وهو بذلك يفترق عن فكرة الزمن الميتافيزيقية التي تصوره قوة منفصلة، تصارع الفرد والجماعة، إلى الزمن الواقعي في مراحله الثلاث، الماضي والحاضر والمستقبل، قبل أن يصطدم بفقدان النقاء المعنوي في هذه الحضارة.

هذا الفقدان، للروح في الحضارة الجديدة، أخذ يتولد عنه حنين عميق للعودة إلى الوطن. فإن التطلع إلى البحر الذي كان تفاؤلا وأملا كبيرا، لم يلبث أن غرق في صراع الذات والواقع الجديد؛ وللتعبير عن هذه العودة، استعار الشاعر صورة جماعة يونانية، ابتعدت عن البحر، فضلت الطريق إليه، وعادت للبحث عنه في شبه رحيل ديني، فلما لاح لها من بعد، شعرت أنها وصلت إلى أرض الوطن.(26)

نهار!

وكل نهار جديد

دنو إلى.. أثكا ضياع

لعشر سنين، ضياع وغربة

ونحن نصلي الرجوع . أنصر

هناك بطروادة، بعيدا على

تراب غريب؟

هلمّوا

لنفتح قلوع الصباح ونمضي

على اسم منرفا.

أهلا بمنرفا

وطأنا حصون العدو، عقلنا

جنون البحار، قهرنا

عمالقة الأنس والجن ...

وعدنا.

لريح الشمال هنا، يا أوديس.

عبير أليف."

عبير حلا.

لكل تراب عبير

لأبنائه، ولون، وطعم

وغنة صوت.

-"لنهتف، إذن

ونذبح قرابيننا . ونشد، ونرو

وقائع أبطالنا ..."

ونسرع، فلا

تباغتنا الشمس.

-"نعير الرياح

سواعدنا . فقد نبصر الشط

قبيل المساء."

بلى،

وقد نلمس الأرض

"بأحداقنا

ونبكي. " (27)

لقد عاد يوسف الخال أخيرا، إلى وطنه، بعد ضياع طويل في متاهة البحر، أبعدته عن أصالته؛ ليجد الذين تركهم، مؤثرا السفر عليهم، ومؤثرين البقاء، لم يكن بقاؤهم إيثاراً للبقاء؟ أو عن عجز أو خنوع، بل لأنهم كانوا قادرين على الصمود، أمام ذلك الجفاف! لأنه جزء من تكوينهم، ولأنهم عاشقون له، وقد ألفته نفوسهم، فالأرض التي نبتوا فيها، وصدروا عنها، هي أرض جفاف، منذ عهود لا تخطر بالذاكرة، لكنهم يقدسون شرائعها، وينعمون بنقائها، وصمتها، الذي علمهم الحكمة والصبر، وعلمتهم عبر تاريخها، أن "بعثها"، يولد من "رحمها" وعلى يد أبنائها. و لا يسعه أخيراً إلا القبول بمرارتها، منشدا  ومغنيا، لهذه المرارة، أجمل صورة:

ونبدأ غربتنا من جديد

على أرضنا. يقال الرحى لا تدور

ولا القوس ترمي .

ويأبى السنا أن يعود

ليمسح جفنا بجفن.

يقال أجيناس جنّ، وأخميد

مّزق عضوا فعضوا. يقال القبور

تغصّ بأحرارنا، والحقول

موات . يقال ... وحكامنا

رعاة خنازير.

لا ! لا !

سنبدأ غربتنا من جديد

وعودتنا. ضياع الغريب

على أرضه ضياع أمرُّ

به لا يرجّى رجاء

(بأوديس)

يُرْجَى. سنرفع هاماتنا للسماء

ونحمل راياتنا

ونمشي . ويهرع كّل إلينا

ويبسم طفل:

حياة فنحيا.(28)

فما أراده يوسف الخال، وجعله عنوانا لإرادته وطموحه، وتكثيفا لتجربته الشعرية، منذ أن ولج في أول خطوة عالم الشعر، ذلك الاقتباس من(أوديسة هوميروس) كان قد تحقق عبر هذه الرحلة:

"أين ذاهب أنت، أيها التعس!

شاردا فوق هذه التلال،

وغريبا في هذا القفر من الأرض،

ووحيدا...

هو ذا شعبك!

داخل الجدران حبيسا

كقطيع من الخنازير...

... ماذا؟

أذاهب إليهم أنت،

لتطلق سراحهم،

وتجعلهم أحرارا ؟"(29)

إن هذا الاقتباس/العتبة الذي وضعه الشاعر في صدر ديوانه الأول"الحرية" يوازي أو يمثل إرادة الخال للرحيل والبحث عن النصر، وإرهاصا لما ستؤول إليه هذه الرحلة، فإن شيئا لم يتحقق في هذه الرحلة الشاقة عبر الشعر والبحر، إلا إرهاص "العودة الخاسرة" ليفتش عن الطمأنينة و"البعث" في وطنه، فبعد كل هذا العناء من دوار البحر  فأنه لم يطلق سراح شعبه، ولم يصل بهم إلى ضفاف الانتصار والحرية، وكذلك فأن هذه الرحلة لم تجعل الصدمة المدمرة لكابوس المفازة أن تندمل؛ فإذا ما أريد "للبعث" أن يتحقق فعلا، فينبغي أن يكون هناك "الله/المسيح"؛ وهو موضوع القراءة القادمة.

 

د. رياض الناصري

...........................

الهوامش

1- الأعمال الشعرية الكاملة، ص 218 .

2- الأعمال الشعرية الكاملة، ص 201 وما بعدها .

3- ينظر: تعليم الطلاب التفكير الناقد، شيت مايرز، ترجمة:عزمي جرّار، مركز الكتب الأردني، 1993، ص8.

4- الأعمال الشعرية الكاملة، ص206 .

5- شعرنا الحديث إلى أين ؟، ص136وما بعدها .

6- الأعمال الشعرية الكاملة، ص214 وما بعدها .

7- الأعمال الشعرية الكاملة، ص221وما بعدها .

8- الأعمال الشعرية الكاملة، ص238 .

9- ينظر: النار والجوهر، ص46 وما بعدها .

10- ينظر: قصائد مختارة، ص11 .

11- ينظر: قصائد مختارة، ص18 .

12- الأعمال الشعرية الكاملة، ص228 وما بعدها .

13- يوسف الخال من البئر المهجورة إلى قصائد في الأربعين، علي الجندي، مجلة الأديب، لبنان،ع يونيو1961، ص26.

14- الأعمال الشعرية الكاملة، ص234 .

15- الأعمال الشعرية الكاملة، ص232 وما بعدها .

16- ينظر:مسيحية المنطق وعبثية الإيمان، ص99.

17- الأعمال الشعرية الكاملة، ص306 وما بعدها.

18- مختارات من النقد الأدبي المعاصر، د.رشاد رشدي، مكتبة الإنجلو المصرية، بدون ط أو ت. ص1.

19- ينظر: قصائد مختارة، ص19 .

20- نفسه، ص20، وما بعدها .

21- الأعمال الشعرية الكاملة، ص234 .

22- الأعمال الشعرية الكاملة، ص251، وما بعدها .

23- نفسه، ص321.

24- ينظر: قصائد مختارة، ص14.

25- اتجاهات جديدة في الشعر الإنكليزي، ف. ر. ليفز. ترجمة:عبد 26- الستار جواد، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1987، ص12.

27- ينظر: البئر المهجورة ليوسف الخال، ص141 .

28- الأعمال الشعرية الكاملة، ص332 وما بعدها.

29- الأعمال الشعرية الكاملة، ص334 وما بعدها.

 

هناء القاضيانجذبت لعنوان ديوان الشاعرة المبدعة د. هناء القاضي "ايلول وضوء القمر"1 قبل ان اقرأه ، وكما هو معروف ان القمر يستمد الضوء من الشمس والشمس مؤنث بينما القمر المعتم مذكر، وهي صورة مركبة تشترك عدة حواس لاستخلاصها والتمتع بشعريتها وبساطتها غير المتوقعة كما انه "العنوان" يحمل مسحة رومانسية جاذبة يمكن ان تتجسد بمخيلة القاريء لعدد المرات التي لا تحصى التي يشد بها القمر الناظر اليه ولكن اضيف له شيء من الخصوصية بتفرده بشهر ايلول دون غيره ربما يقترن لدى الشاعرة بذكريات خاصة لها وقعها الخاص في نفس الشاعرة او ذاتها الشاعرة على درجة من الانبهار الذي يمكن ان نستنتجه من اللوحة التي رسمها كلمات العنوان القليلة والمعبرة .

  البساطة المقترنة بالدقة في احد تجلياتها تعبير عن التصالح بين الذات وخارجها ، تلك لمسة شفيفة مما توحي بها قصائد الشاعرة وشعريتها العالية ، تشكل المرتكز الاساسي لما تفيض به المشاعر وتجلياتها الذاتية غير المنغلقة بل المنفتحة على افاق غير محدودة من التأملات والتداعيات والذكريات بحديها السار والمحزن .

الاغتراب ولا شك يولد صورا غريبة احيانا ، ولكنها في الواقع ليست كذلك الوحدة والغياب والحنين لشيء ما بفتقده المغترب والانتظار الذي دائما يكون ما لا طائل له هموم ليست عابره او مشاعر مبعثرة بلا معنى وانما حالات شعورية يتميز بها المغترب وتكون اكثر وضوحا لدى الكتاب والادباء والفنانين ، وهذا ما لمسته كخيط رفيع وغير مرئي يشد قصائد الشاعره يتنظم هنا وينفرط هناك كأنه الثيمة العالقة التي لا مفر منها:

والوقت ..

يكسرنا .. يبعثرنا

يفيض علينا بالوحشة

يولد الغبش في حاضر رسمته .. من دونك

ص18

6 hanaa

ويحضر السرد الشعري في بعض القصائد وهو عندي اجمل الشعر ، لانه متعدد الثيمات ، يجمعها هدف واحد لا يخلو من المناجاة:

كم حلمت ..

ان ننهي المشوار ..

قابعين في كهولتنا ..

وانت ..

لا تكف عن التذمر

وكذلك انا

لكننا نقيضين .. يصلحان لبعضهما

غب .. ما شئت

ستبحث عني دوما .. وتنتظرني

.. وانا ..

في الفراغ الذي تركته .. بي

ساتيك ..

ص24

مشاعر الاغتراب شفيفة لحد الوضوح من خلال انعكاساتها على الشخوص ودائما ما تأتي من طرف واحد "الذات الشاعرة" لتعبر عن حالة او ذكرى عابرة ولكنها مؤثرة او حنين لحالة تجسد ذكريات مضت وبقت اصداءها في الذاكرة .

وبين ذلك يأتي الوطن بصور واشكال تجسد حنيا لغياب حاضر :

ساترك شباكي مفتوحا للرياح

هلا تاتي مع رائحة القداح

شاركني قدح الشاي بطعم الهال

او

اوهمني ان التاريخ ما زال يحتفظ ببقايا فضيلة

هل تاتي

كاحلام ظهيرة نيسان

ص16

لا التباس هنا بين العاشق والوطن الذي يحمل اجمل الاشياء لمحبوبته حلما او واقعا .

لغة القصائد مركبة تمتاز بخصوصية لا تمنح نفسها للقراءة غير المتمعنة او العابرة ، قراءة الشعر تختلف عن قراءة المقال او الخبر الصحفي وما شابه ، تحتاج الى فسحة من التأمل والهدوء ، لذا عدت اكثر من مرة لقراءة بعض القصائد رغم ما تبدو عليها من بساطة ظاهرة ولكن لها تداعيات ذهنية تتجسد بصور مباشرة وغير مباشرة تجذب القاريء باتجاهات مختلفةواحيانا تجعله مشاركا للشاعرة باحاسيس الاغتراب والوحدة والانتظار .

 

قيس العذاري

21.8.2020

.........................

 * ايلول وضوء القمر، لهناء القاضي، اصدار مؤسسة المثقف العربي سدني استراليا والعارف للمطبوعات بيروت

 

علاء اللامي(هذه القصة كتبتُها دفعة واحدة من الساعة العاشرة مساء حتى السادسة صباحاً. تجمّدت ساقاي حتّى أنه أصبح مِن العسير عليَّ أن أسحبهما مِن تحت الطاولة. المجهود الهائل والغبطة الغامرة، كيف تطوّرت القصة أمامي، وكيف تقدّمت في فيضان... كيف يمكن أن يقال كل شيء، كيف تُعدُّ نار متأججة لكلّ الخواطر وأكثرها غرابة، تحترق وتنبعث. كيف أصبحت الدنيا زرقاء أمام النافذة. مرّت عربة. وعبر رجلان الجّسر... كتبتُ الجملة الأخيرة. إطفاء المصباح وانتشارُ ضوء النهار./ كافكا ..من اليوميات)

معروف أن دراساتٍ وكتباً كثيرة ناقشت وحللت نقديا أعمال كافكا في أوروبا وخارج أوروبا وخصوصا قصة " المحاكمة "، مما يجعل أية مقاربة نقدية جديدة لهذه القصة أو لسواها من أعماله عرضة للاتهام بالتكرار وإثارة السأم، خصوصا إذا كانت تلك المقاربة تعج في أكثر من نصفها بمناقشة لآراء النقاد السابقين كما يقتضي التقليد الأكاديمي أو العرف التأليفي والبحثي المألوف في دراسات ومقالات نقدية كهذه. ولكننا هنا لن نعمد إلى استعراض آراء الآخرين، إلا لماماً، وبما يخدم السياق العام لمقاربتنا النقدية، ولكننا سنحاول أن نقدم مقاربة شخصية يمكن الحكم على جديتها واقترابها أو ابتعادها عن تحقيق أهدافها بعد الانتهاء من مطالعتها. هذا الكلام لا يعني التشكيك المجاني بالمنهجيات التي اختطها الآخرون، ولا بالثوابت الأكاديمية التي انطلقوا منها، بل هو مسعى لجعل محاولتنا أكثر شخصية، و بالتالي أقرب إلى طبيعة المنطلقات التي اقترحتها واعتمدتها بشكل شخصي.غير أن تناول أعمال كافكا أو سواه من كتاب عصره، وحتى من عصور أقدم من ذلك بكثير، ليس أمرا مرفوضا بحد ذاته، أو أنه قليل القيمة النقدية والفكرية، إذ لا أحد يستطيع أن يوقف الاهتمام في يومنا هذا بالأعمال الكبيرة القديمة كالإلياذة أو الشعر العربي القديم أو أعمال شكسبير ودوستوفسكي وحتى الملحمة الشعبية ألف ليلة وليلة وإعادة قراءة هذه الأعمال منهجيا والنظر إليها بعينين مختلفتين، أو يُراد لهما أن يكونا مختلفتين؟ لا أحد يستطيع أو يسعى إلى ذلك، غير أننا قصدنا شيئا آخر يتعلق بآليات القراءة النقدية انطلاقا من تجربة خاصة نسعى إلى جعلها أكثر أسئلة وأقل أجوبة وأحكاماً معيارية كما هو شائع في هذا النوع من الدراسات.

تطرح قصة "المحاكمة" ومنذ بداياتها سؤالا مهما عن ماهية الموضوع الذي تخوض فيه وتجعله مادتها وخلاصتها، وأيضا عن طريقتها الخاصة لقراءة وتقديم ذلك الموضوع. وقد اختلف النقاد ومتابعو أدب كافكا في موضوع هذه القصة اختلافا بيِّنا بلغ في حالات معينة درجة التناقض الجدي، وسنقدم بعد قليل جردة سريعة ومبتسرة لبعض وجهات النظر، محاولين أن تكون مكثفة ومفيدة.

هنا، في غمرة هذا الاختلاف والافتراق العميقين يمكن أن نتلمس نوعا خاصا وفريدا من الغنى المضموني، وتلك خصيصة يمكن للباحث أن يجدها في أغلب أعمال كافكا التي كانت هي الأخرى موضوعا للاختلاف حول موضوعها الأرأس.ولعلنا نلمس من خلال هذه الخصيصة جزء ثابتا من الهوية الإبداعية لكافكا ولنصوصه، بمعنى أن هذا الغنى والتنوع المؤكَد باختلاف القراءات يمكن أن يساعدنا كثيرا على التأكد من هوية عدد من النصوص التي تنسب لكافكا ولكنها موضع شكوك وتمحيص كما هو الحال مع مسرحيته " بنات آوى وعرب". على أن السمات العامة لأدب كافكا، المرصودة جيدا من قبل نقاد متميزين، والتي تطرقنا وسنتطرق لبعضها في مناقشتنا هذه، تضم هذا الجزء الثابت على بساطته إلى جانب أجزاء أخرى شكلية ومضمونية، وكل هذا يعطي لأدب كافكا هويته الحقيقية.

 

سنتنازل أيضا عن "حقنا" في تقديم خلاصة ضافية لأحداث القصة " المحاكمة" على افتراض أن القارئ يعرف عمَّ نتحدث وما هي تلك الأحداث ولكننا سنكتفي بخلاصة مكثفة نقول فيها: إن بطلها استفاق صباحا ليجد نفسه معتقلا وملاحقا قضائيا من قبل محكمة لا يعرفها، ومتهما بتهمة لا يعلم ماهيتها، ولسوف يبذل جهودا خارقة لا ليثبت براءته التي هو متأكد منها، بل ليعرف السبب وراء اتهامه والقبض عليه في غرفة نومه. وخلال ذلك كله، يتعرف على عالم المحاكم والمحاماة الغريب العجيب والكابوسي حتى تنتهي القصة بصدور الحكم عليه بالإعدام، ومن ثم ينفذ الحكم طعنا بالسكين من قبل اثنين من موظفي تلك المحكمة الغربية والغامضة، وكان كافكا قد روى هذه النهاية ضاحكا في جلسة مع أصدقاء مما يؤكد طبعه المرح وغير المتجهم والسوداوي - بالمعنى الكابوسي للعبارة- لشخصيته. وأسجل هنا، أن هذه المعلومة التي تتحدث عن كافكا وهو يقرأ ضاحكا لأصدقائه الخاتمة الدامية لمسرحيته، جعلتني في حيرة من أمر هذا التصرف وكيفية تفسيره. وقد ناقشت مع نفسي عدة احتمالات لتفسيره لما يعنيه أو يستبطنه من قيمة معينة، وكنت أميل إلى احتمالين: الأول، هو أن كافكا ظل يحتفظ في أعماقه بشعور من السخرية التي قد تبلغ الازدراء لهذا الموظف غريب الأطوار والذي يخلط الحكمة بالسذاجة بالتهور و بصلف البرجوازي الصغير الأوروبي عهد ذاك حتى دفعه إلى هذه النهاية، التي لا أشعر شخصيا بأنها الأكثر منطقية وانسجاما مع مجرى الأحداث. والثاني، هو أن كافكا ربما كان يقرأ هذه الصيغة للخاتمة ضاحكا، دون أن يقطع، وبشكل جازم، أنها الخاتمة النهائية، وربما كانت لديه أكثر من صيغة لنهايات أخرى. غير أن هذا الذي أقوله هنا من احتمالات يبقى مجرد ترجيحات ورجما بالغيب قد لا يؤدي إلى أي شيء مهم على صعيد فهم المضامين، خصوصا وأن طابع الفكاهة السوداء يخترق النص من بدايته إلى نهايته. وعليه، يمكن النظر إلى هذه الخاتمة بالذات كجزء من تلك الفكاهة السوداء ولكن مع القهقهة التي تصدر عن المؤلف.

نترك أحداث القصة مكتفين بالتعرف على ما كان مهما وضروريا من وجهة نظرنا، ونحاول الآن أن نقدم وصفا للحالة النفسية والعقلية والروحية التي كان عليها كافكا شخصيا، وللكيفية التي كتب فيها قصته هذه خلال ليلة واحدة ولكن بقلمه هو. إنها كيفية لا تقل غرابة عن موضوع وماهية القصة، وبل يمكن أن نجازف بالقول إنها جزء وطيد من النص المنتج من قبل كاتب كان يعيش حالة من الفيض أو التوهج الإبداعي العجيب. لنترك كافكا ذاته يصف تلك الساعات العاصفة والغامضة في يومياته في النص التالي:

(هذه القصة "الحُكْم [1]" كتبتُها دفعة واحدة ليلة 22 – 23 من الساعة العاشرة مساء حتى السادسة صباحاً. تجمّدت ساقاي حتّى أنه أصبح مِن العسير عليَّ أن أسحبهما مِن تحت الطاولة. المجهود الهائل والغبطة الغامرة، كيف تطوّرت القصة أمامي، وكيف تقدّمت في فيضان. عدّة مرات في هذه الليلة حملت ثقلي على ظهري. كيف يمكن أن يقال كل شيء، كيف تُعدُّ نار متأججة لكلّ الخواطر وأكثرها غرابة، تحترق وتنبعث. كيف أصبحت الدنيا زرقاء أمام النافذة. مرّت عربة. وعبر رجلان الجّسر. في الساعة الثانية نظرتُ إلى الساعة للمرّة الأخيرة. وإذ دخلتْ الخادمة الغرفة الأمامية للمرّة الأولى، كتبت الجملة الأخيرة. إطفاء المصباح وانتشارُ ضوء النهار. آلام القلب الخفيفة. النُّعاس الذي زال منتصف الليل. الدخول المرتجف إلى حجرة الأختين. قراءة. قبل ذلك التمطّي أمام الخادمة والقول: "لقد كتبتُ حتّى الآن". منظر الفِراش الذي لم يُمَسّ، وكأنه أُدخِلَ لتوه. والقناعة التي تأكدت أنني بكتابتي الروائية إنّما أُوْجَد في قيعان كتابة مزرية. (أما الآن) فهكذا فقط يمكن الكتابة، فقط في مثل هذا السياق، وبهذا الانفتاح الكامل للجسد والروح ....[2])

أعتقد إن الذين جربوا نعمة و متعة الكتابة الإبداعية، أو غيرها من أشكال الإبداع الفني، التشكيلي أو سواه، شعروا وهم يقرأون أسطر كافكا هذه بأنها تخصهم هم، أعني تخص كل واحد منهم، وقد شعر بها هذا المبدع أو ذاك ذات مرة وهو في غمرة عملية إبداعية أو بعد الانتهاء منها بقليل.

لا أعتقد بأن هناك تصويرا دقيقا وراقيا لهذه الحالة من الفيض الإبداعي عبر عنه كاتب آخر كما عبر عنه كافكا في هذه الأسطر القليلة الكلمات والمتوهجة بالفرح والسحر والتحليق الجمالي في سماء الإبداع .

هناك رواية أخرى حول كتابة هذه القصة، لا محيد من الإشارة إليها على سبيل العلم بها على الأقل، تذهب إلى أنه كتبها ولم يتمها بين عامي 1914 و1915، أي في الفترة التي اندلعت فيها الحرب العالمية " الأوروبية " الأولى، وتلك فترة مهمة في التاريخ الأوروبي تنطوي على عوامل ومقومات نمذجة تاريخية واجتماعية وحضارية غاية في القوة والوضوح، الأمر الذي يسهل كثيرا عملية التقعيد " التنميط" لهذا العمل الأدبي التأسيسي والذي ندر أن يوجد عمل مهم يشابهه في التعبير عن طبيعة العصر الذي كُتب فيه. وتواصلا مع ذلك، فقد ذهب عدد من النقاد والمفكرين إلى اعتبار كافكا واحدا من أهم المبدعين الذين عبروا عن عصرهم تعبيرا جماليا و أدبيا نموذجيا وأخاذا. فالفيلسوف الألماني المعروف ثيودور أدورنو يقول إن كل من تمر عليه "عربات كافكا" سيفقد حتما وإلى الأبد سلامه مع العالم، وكأني بأودورنو يعني أيضا: إن من يقرأ سرديات كافكا المفعمة بالشعر الروائي – كما أسماه كونديرا - الشفاف والصلب كالكرستال، و المعبرة بنجاح عن عصره، الذي هو عصرنا أيضا مع الفارق، سيفقد إلى الأبد سلامه الداخلي المعتاد، ولكن أي معنى يمكن أن تستبطنه عبارة " السلام الداخلي" غير ذاك المساوي لجهلنا بالعالم الذي نحياه، أو بكلمات أخرى : للعالم كما رأيناه وعبرت عنه كتابات مختلفة نوعا وبعمق لكتاب آخرين لم يروا من العالم إلا ظلاله أو سرابه.

ويماثل أديب أوروبي آخر هو دبليو . إتش . أودن بين كافكا ودانتي وشكسبير وغوته من حيث تعبيرهم عن العصور التي عاشوها، وكتبوا فيها وعنها. ويبدو لي إن الاسم الأكثر إغراء من بين هذه الأسماء الواردة في عملية التماثل هو "دانتي أليغيري" وخصوصا إذا ما برق في الذهن اسم عمله التأسيسي الضخم الكوميديا الإلهية بشقيه : الفردوس والجحيم . أما الشاعر الفرنسي الكبير بول كلوديل فهو يضع كافكا في مصاف "راسين" الذي يعتبره أعظم كاتب، وقد تكون هذه المقارنة شخصية أكثر منها موضوعية وعامة وبالتالي فهي أكثر "فرنسية" من سواها، الأمر الذي لا يغمط القيمة العالمية لأدب راسين من وجهة نظر شاعر كبول كلوديل ولكنه يبقى الأقل توفيقا بين المقارنات الأخرى.

من هنا، فإنه لمن قبيل المقاربة الواعدة و التقييم الموضوعي القول بأن كافكا كان يعتبر من بين جميع مجايليه وزملائه المبدعين الأوروبيين، عشية الحرب الأوروبية " العالمية" الأولى، الممثل الأبرز والمعبر الأدق عن روح العصر الحديث، عصر القلق والحروب والصراعات والاغتراب والتشيؤ الإنساني، عصر غزو وتدمير واستعمار الشعوب والأوطان الأخرى غير الأوروبية وصمود وصعود تلك الشعوب والأوطان المستهدفة بالعدوان الغربي.

يزيد من خصوصية تجربة كافكا الإبداعية الحالة الشخصية العاطفية والصحية التي كان عليها آنذاك، فقد كان يعيش آنذاك تفاصيل وتداعيات فشله في علاقاته العاطفية والغرامية التي تأوجت بفسخ خطوبته رسميا من الآنسة فيليس باور، إضافة إلى ظهور العلامات الأولى لإصابته بداء السل الذي سيضع حدا لحياته بعد ذلك بعشر سنين [3]. ولكننا نميل إلى عدم الأخذ بهذه الرواية، لأن سابقتها وردت في يوميات كافكا نفسه، مما يجعلها أكثر موثوقية وصدقية. وربما يمكن فهم الرواية الثانية على اعتبار أن كافكا كتب المسودة الأولى للقصة وبقيت على حالها دون مراجعة، أما القول بأن القصة بقيت دون نهاية حتى جاء ماكس برود فهو قول يتنافى مع وجود النهاية الحدثية المنجزة فيها بتنفيذ حكم الإعدام ببطلها "ك"، أما القول بأن هذه النهاية أضيفت فيما بعد، أي بعد رحيل كافكا عن عالمنا، فهو زعم مختلف لا يمكن تأكيده بسهولة، وقد مررنا في هذا الفصل على ما يؤكد أنها هي النهاية الحقيقية ولم تضف بعد وفاته، وأن كافكا كان قد قرأها ذات مرة لأصدقائه ضاحكا.

بالعودة إلى الكيفية التي كتبت بها القصة خلال ثماني ساعات من ليلة واحدة، نجد أن المؤلف كان أشبه بضحية لحالة من الانفجار الإبداعي المحموم والتحرير النفسي والروحي عبر نوع من الهذيان المشوب بالفرح والغبطة الملازمَين لحالات كهذه. هنا تحديدا، يمكن لنا أن نتفهم حالات الغموض وصعوبة التماسك التي قال بعض النقاد إن كافكا كان يعبر عنها أحيانا حين يتكلم عن موضوع وتفاصيل وأجواء هذه القصة، حتى تبدو القصة أحيانا، وكأنها كتبت من قبل شخص آخر. غير أن بصمات وروائح ومواصفات أخرى تؤكد اللُحمة الفنية والمضمونية التي تمتاز بها أعمال كافكا الأكثر أصالة وعمقا.

لنطرح الآن، تساؤلا بسيطا في ظاهره، ولكنه قد يكون في غاية الفائدة لنا في مقاربتنا لهذا العمل المهم: ما موضوع هذه الرواية ؟ يمكن لنا في الواقع أن ندرج مجموعة من الإجابات المختلفة عن بعضها إلى هذه الدرجة أو تلك، فالإجابة على هذا السؤال يمكن أن تكون:

- قصة عن العبث البيروقراطي والفساد الرهيب في أجهزة القضاء.

- أو عن الصراع الدائم ومحاولات فرض الهيمنة والتسلط والقمع بوجهيه التوتاليتاري والبطريركي في مجتمعات أوروبا الغربية في بداية القرن الماضي.

- أو هو انعكاس لتجربة شخصية مرَّ بها كافكا حين فشلت علاقته العاطفية مع الآنسة فيليس باور وخضع – كما يروي أحد النقاد دون توثيق - لمحاكمة عائلية مذلة، فُضِحَ فيها كخائن لخطيبته باور من قبل صديقتهما المشتركة غريت بلوخ، وقد تطرقنا لوجهة النظر هذه في الفصل السابق من الكتاب، وهي وجهة نظر عبر عنها أحد نقاد كافكا هو إلياس كانتيني.أما هلموت كايزر فقد ذهب بعيدا حين قال إن جوزيف ك كان (يعاني من اضطراب غريزة وكبح جنسي وأنه تعذب بسبب احتقان الشهوة الجنسية التي لم تعط إمكانية لإشباعها..)

- أو إنها قصة عن رسالة دينية مبطنة في ثنايا النص القصصي لتكون أمثولة دينية وعرضاً لبحث الإنسان عن الله، وهذه هي وجهة نظر ماكس برود الذي ورد ذكره في مناسبات عديدة في هذه الدراسة بوصفة الشخص الأكثر إضرارا بكافكا وبتراثه وإنجازه الفني الروائي .

- أو هي قصة عن الهوية اليهودية ومعاداة السامية ضمن مناخات البيروقراطية الأوروبية، حيث اليهودي كما يزعم البعض "متهم دائما وعليه إثبات براءته".

- هل القصة تعبير عن حالة عزلة إنسان بدايات القرن العشرين المتشيئ والمغترب عن عالمه وحياته أم إنها – كما يعتقد كونديرا – تعبير عن اختراق تلك العزلة بشكل لا إنساني

- أو لعلها قصة عن المصير الإنساني البائس وعبث الوجود الذي ينتهي بالموت دون أن يقيم اعتبارا للبراءة .

- وقد تكون القصة انعكاس لحالة الفزع الذي عاناه كافكا بسبب قسوة أبيه المستبد.

واضح أن هذه الإجابات الاحتمالية مجتمعة لا يمكن أن تكون نهائية وكاملة ومحقَّقة، بل ربما كانت صورا مختلفة لمحاولة طرح إجابة شخصية في جانب منها، وقد تعبر مجموعة منها عن وجه أوسع من أوجه الحقيقة التي يستبطنها نص كافكا، أما الحقيقة الكاملة فلا وجود لها في عالمنا الأدبي والجمالي الذي نحن فيه، بل قد لا تكون لها أية أهمية تفوق حقائق أخرى تتعلق بنسيجها أو تعبيراتها الفنية الأخرى.

لا يمكن في المقابل أن نتجاوز أو نهمل، عمدا ودون تمحيص أو تدقيق، وجهات نظر أخرى تعترف بعجزها أو بالتعبير الفلسفي المدرسي " لا أدريتها "، ومن بينها مثلا وجهة نظر الكاتب "توماس مان" الذي قال إن عقله ليس معقدا بشكل يكفي لفهم رواية المحاكمة، يقاسمه هذه الفكرة الشاعر كورت توخولوسكي ( 1890-1935)، الذي يعتقد إن "المحاكمة" كتاب لا يقدر إنسان بمفرده طوال حياته أن يفسره تفسيرا كاملا، وحتى كافكا نفسه – كما يظن توخولوسكي – لم يكن قادرا، أو أنه لم يكن يريد أن يفسره سوى بطريقة تجعل التفسيرات بحاجة إلى تفسيرات جديدة. وضمن هذا السياق يمكن التذكير بما قاله كونديرا ذات مرة من أن بعض الأفعال الإنسانية لا معنى لها ولا تفسير، وليس هناك ما يستوجب ذلك التفسير،إذ أن الحياة الإنسانية مليئة بأفعال وتصرفات من هذا النوع.

في مقاربتنا هذه، سنحاول قراءة " المحكمة " بوصفها تعبير سردي مشتبك وممتزج بما هو شعري عن حقيقة الإنسان "الفرد" في بدايات القرن الماضي المأساوية، والإنسان العام والمختوم بالمصير والنهاية القدرية التي هي الموت، ولكن بطريقة إبداعية هي - من حيث الشكل الفني - مزيج من الواقعية شديدة البساطة والسخرية السوداء تحاول أن تقدم أكثر أوجه ذلك الإنسان مأساوية وحيرة وضياعا، وتضيء على طريقتها الخاصة جوانب العتمة والشحوب التي تتكاثف في داخله فتجعله يعاني ويتجرع اغترابه وحيدا مواجها عبث الوجود كقدره الخاص بكفين عاريتين ومجردتين من أي سلاح حتى يسقط أخيرا مضرجا بأسئلته ودمائه:

يستيقظ جوزيف ك صباحا، كما استيقظ قبله غريغوري سامسا ذات صباح عادي جدا، ولنتذكرْ هذه "العادية" التي لن تتلاشى بفعل غرائبية ما سيلي من نص القصة، فوجد نفسه وقد استحالَ حشرةَ صرصر ضخمة، فيجد بأنه مقبوض عليه في بيته من قبل عدد من موظفي إحدى المحاكم الغامضة والغريبة. لعل هذه البداية، ليست مفاجئة تماما في نصوص كافكا، ويمكننا تشبيهها بضربة طبل مدوية بعد صوت كمانٍ أو نايٍّ حالم ينساب برتابة، تنفتح ضربة الطبل - بعد ذلك- على نسيج معقد من النغمات المختلفة نوعيا والتي تتألف منها السمفونية، وهي قد تكون محاولة لتعزيز شعور القارئ بغرائبية النص والموضوع الذي بين يديه، كما أنها تصلح لتكون فاتحة ذات طبيعة كوميدية ساخرة تؤكد الطابع الساخر للنص في طبقته الأولى، ويمكن ثالثا أن تكون مزيجا من الغرائبية والسخرية معا بوصفه القالب الشكلي والفني الذي يتضمن المعنى العام أو المضمون المركب للقصة. في الواقع لا يمكن تجاهل الجملة الأولى التي يبدأ بها النص والتي تقول ( لا بد وأن أحدهم افترى الأكاذيب على ك، لأنه - ودون أن يرتكب خطأ ما - قبض عليه صبيحة يوم مشمس ...) لقد أدت هذه الجملة مهمتها الفورية في التمهيد لأجواء القصة، كما إنها قد تكون أوحت بمعنى الافتراء الخام أو البدئي أو بأية صيغة قريبة من " الكذب"، ومن ثم، بدلالته المفارقة والمناقضة للحقيقة ومشمولاتها، ومن تلك المشمولات ما تعبر عنه كلمات من قبيل : الواقع، المتناهي، المعقول .. الصادق الخ . بمعنى معين، قد يكون لهذه البداية، على المستوى المضموني، مفعولا داخليا يتلبس تلك الأجواء، ويخترق المحمول الغرائبي والمفارق للواقع الحياتي كله في النص الذي بين أيدينا.

يبدأ النص وينتهي بطريقة هادئة وشديدة الواقعية، تبرق في تضاعيفه، بين الفينة والأخرى، طرفة أو سخرية مريرة أو سؤال عميق. من ذلك مثلا : وصفه لأحد الشخصيات بأنه (سمين لدرجة يضيع فيها السوط بين ثنايا لحمه إن ضرب) وكقول أحد الجلادين لجوزيف ك (سنفقد فرصتنا في الترقي إلى رتبة جلادين لأنك شكوتنا إلى المحكمة) ووصفه لوجه أحدهم بأن ( فيه ابتسامة هي بسبب تشوه عضلي وليس لأنه مسرور) وبالمناسبة، فلا يكاد شخص من شخصيات الخط الثاني في أعمال كافكا يخلو من تشوه ما، أو علامة فارقة معينة. ثمة أيضا، شكَّه الذي لا يخلو من شعور بالسخرية في براءته الشخصية والأكيدة حين يسأل السيدة فراولين بروستنر: لماذا تعتقدين بأنني يجب أن أكون بريئا؟

ولا يمكننا في هذا المضمار إلا أن نتذكر قوله، حين يرى مجموعة من الأطفال قرب مبنى المحكمة الغريب: لماذا لم أجلب لهم بعض الحلوى أو عصا لضربهم ؟ وقوله : هذان الموظفان اعتادا الجو الفاسد في المحكمة فأزعجهما الهواء النقي في الخارج.

أو قول التاجر لجوزيف ك حين تساءل عن الكيفية التي عرف فيها القضاة أو موظفو الحكومة شيئا عنه أو عن قضيته : إنهم يعرفون أن قضيتك ستنجح أم لا من خلال شكل شفتيك! ويمضي ك يسأل التاجر جادا لا هازلا : وهل ترى شيئا شاذا في شكل شفتي؟ فيجيبه الآخر بالنفي ضمن حوار ساخر و ينم عن شيء من العبثية، ولكنه جاد أيضا بطريقة ما و يا للتناقض!

وهذا مشهد آخر: جوزيف ك يسأل أحد المتهمين في الطابق العلوي : ما الذي تنتظره هنا ؟ فيجيبه الآخر شاردا:إنني أنتظر ..! يضيف كافكا موضحا المشهد : لكن الرجل لم يكمل إجابته، وكان من الواضح أنه ينوي أن يدلي بإجابة دقيقة على هذا السؤال لكنه لم يكن يعرف كيف يستمر.

يمكن أيضا أن نورد ضمن سياق الأمثلة على الأسلوب الساخر في الرؤية والتفسير والأحداث قضية أنواع البراءة الثلاثة التي يشرحها الرسام لجوزيف ك : الأولى، براءة مطلقة لم يحدث قط أن نالها أحد، أو براءة ظاهرية صورية يطلق سراح المتهم بموجبها ولكنه يبقى ملاحقا، والنوع الثالث هو تأجيل المحاكمة إلى أمد غير مسمى بمعنى أن المتهم يطلق سراحه ولكنه لا يعرف متى سيفتح ملف القضية ثانية ويستدعى من جديد للمحاكمة.

ويستمر تيار السخرية المرة يسري مخترقا طبقات السرد ونمو الأحداث وترابطها حتى نهايتها، فحتى المشهد الأخير في القصة وهو مشهد تنفيذ حكم الإعدام بجوزيف ك يحاول موظفا المحكمة إقناعه ولكن دون كلام بل من خلال تبادل المدية بين الرجلين بأن يقوم هو بطعن نفسه ولكنه يمتنع عن فعل ذلك فيبادر أحدهما إلى طعنه في قلبه ويدير المدية داخله مرة ومرتين فيسقط أرضا وهو يتهدج بالقول: ها أنا أموت مثل كلب حقير.ويعلق الراوي بضربة طبل أخيرة يقفل بها هذه السمفونية العجيبة يقول نصُّها: وكأنما أراد بذلك أن يخلد العار الذي لحق بالبشرية ! وهنا تعود إلى الذاكرة، ذاكرتي أنا القارئ على الأقل، تلك المعلومة الخاصة بالكيفية التي قرأ بها كافكا هذه النهاية المأساوية، وترن في الأذن ضحكاته هو يختم قراءة القصة لتتكرر التساؤلات التي طرحنا بعضها قبل قليل .

إذا ما غضضنا النظر عن فجائعية خاتمة النص فإن كل هذه الأمثلة، وثمة غيرها الكثير، قد تعطي انطباعا أوليا للقارئ عما قصدناه بالسخرية، ولكن تلك الأمثلة وغيرها قد لا تكون كافية لتبيان أهمية هذه السخرية في الأسلوب الروائي إلا إذا قرأنا قصة " المحاكمة " كلها كنص مخترق بهذه السخرية السوداء وروح العبث من بدايته إلى نهايته وليس كنص جدي ومتجهم يحاول كاتبه تطعيمه ببعض الطرف والنوادر لمقاومة سأم القارئ المتوقع.

إن عددا من النقاد المتخصصين في أدب كافكا يعتبرون هذه الواقعية المذهلة في أصفى وأبسط صورها، والممزوجة بدراية وقصدية مع تلك الغرائبية الغامضة واللاواقعية في مضامين ما يكتب، هما العنصران الرئيسيان اللذان قام عليها صرح كافكا السردي المتميز والمعبر عن عصره بتلك القوة والدقة والانسيابية والسخرية.

سخرية سوداء و واقعية شديدة في الوصف والرموز وتفاصيل الأحداث الصغيرة، والغرائبية المذهلة بل والصاعقة في الحادث الرئيسي ( شخص يستيقظ من نومه ليجد نفسه وقد انمسخ صرصرا وآخر يستيقظ فيجد نفسه معتقلا وملاحقا من قبل محكمة مجهولة ثم يعدم ) هذا الحادث الرئيسي يصير فيما بعد هو مفتاح المضمون الأصيل والأول للعمل كله. تلك هي بابتسار الركائز التي ينهض عليها إنجاز كافكا السردي إذن، وكأنه بذلك يصنع أمامنا مثلثا إبداعيا يخصه وحده : ضلعه الأول هو واقعية المكان والزمان والتفاصيل الصغيرة المحيطة بالحدث المركزي، وضلعه الثاني الأسلوبية الساخرة السوداء المندغمة بأجواء الغموض والشحوب الشامل، وضلعه الثالث غرائبية ولا واقعية الحدث المركزي. وقد يبدو من قبيل التأمل أكثر مما هو بناء استنتاجات وأحكام القول بأن حركة اشتغال هذا المثلث الكافكوي تعطينا في النهاية صورة خاصة جدا لغرائبية ولا واقعية العالم والعصر الذي عاشه من الناحية الجمالية ولغرائبية وعبثية ولا عدالة هذا العالم والعصر من الناحية الأخلاقية والقيمية.

لقد بذلت محاولات كثيرة للوقوف على المضمون الأول لهذا العمل كما سلف القول، وكل محاولة انتهت لما انتهت إليه، دون أن تكون حاسمة من حيث الخلاصة والاستنتاجات، غير أن من المفيد التعرض لتناول آخر لهذه الحيثية، وذلك من داخل النص، أو إن شئنا الدقة، من داخلِ نصٍّ داخلَ النصِّ وذلك من خلال قراءة وتحليل أحد فصول هذه القصة، وهو الفصل الخامس عشر والمعنون " في الكتدرائية "، والذي ربما يكون محاولة خاصة من المؤلف للتعريف بالموضوع والمضمون الأساسي للقصة. إن هذا النص الصغير الذي سنعرض خلاصته المركزة بعد قليل يمكن اعتباره النواة الأولى للمضمون الأساسي للقصة فعلا، بل هو - بلا مراء - قلبُها إن صحَّ التعبير، رغم إننا يمكن أن نتجاوزه أو نعزله عن السياق الحدثي لها دون أن تتأثر بيتها الكلية كثير. بمعنى معين، يمكن القول أن هذا الفصل يتمتع بشيء من الاستقلالية التأليفية، ومما يعزز هذا الرأي واقعة مؤكدة مفادها أن كافكا انتبه إلى هذا الأمر أو قل إنه ربما تعمده فنشر هذا الفصل كعمل مستقل سنة 1916 بعنوان " أمام القانون ".

هذه نبذة حكائية مكثفة لهذا الفصل وسنعود لاحقا لمواصلة تحليلنا: يُسْتَدْرَج بطل قصتنا جوزيف ك إلى كاتدرائية المدينة الضخمة بحجة تكليفه بمرافقة أحد الزبائن الإيطاليين للمصرف الذي يعمل فيه. غير أن الزبون الإيطالي يتخلف عن موعده، فيُمضي ك وقته في مطالعة ومشاهدة الأعمال الفنية الموجودة في تلك الكتدرائية ليجد نفسه فجأة أمام قس تابع للمحكمة التي كانت تقاضيه. يخبره القس بأن قضيته – المعروضة أمام المحكمة - تتجه من سيء إلى أسوأ. ولسبب غير واضح، يحكي القس لجوزيف ك حكاية عن متهم آخر، هو رجل من الريف ظل تنتظر عند باب القانون سنين عديدة دون أن يسمح له حارسها الغليظ والفظ بالدخول في كل مرة يحاول فيها ذلك. تمضي السنون، والمتهم الريفي يواظب على الحضور والوقوف عند باب المحكمة، والحارس يواصل منعه من الدخول. وذات يوم، ينتبه المتهم الريفي، الذي شاخ واقترب أَجَله إلى أنه الوحيد الذي يأتي ويقف عن باب المحكمة وليس ثمة أحد آخر غيره فيسأل الحارس عن سبب عدم قدوم أي شخص آخر فيجيبه بأن هذا الباب، إنما وجد من أجله هو فقط، وأنه ليس إلا واحد من حراس كثيرين أقوى منه وأكثر غِلْظة وفظاظة وأنه سيغلق الباب الآن نهائيا وإلى الأبد لأنه سيموت.

هذه القصة الصغيرة، داخل القصة الأكبر، تغرينا كثيرا بإيراد ومسح العديد من الدلالات والمغازي، ولكن من الواضح أنها جميعا لن تكون كافية لوضع النقاط على الحروف - كما يقال - بصدد المضمون الأول والأساسي للعمل ككل . وقد نختلف مع وجهة النظر التي عبر عنها برادبري والتي تقول بأن هذه القصة (تشكل الأساس الأسطوري لقصة المحكمة التي تبين طبيعة القانون الذي يحكمنا والذي لا يمكن اختراقه أو الكشف عن سجفه ) إذْ أنَّ الأمر لا يتعلق بأي شيء أسطوري،بالمعنى السائد للأسطورة ومشمولاتها، فهي قصة قد تكون مجرد حكاية أو أمثولة حاول كافكا من خلالها تسليط شيء من الضوء لمساعدة الباحثين عن المعنى الجوهري لعمله، بل أن هناك ناقدا مرَّ ذكره هو توخولوسكي تحدث عن احتمال قد لا يكون قد خطر بذهن الكثيرين وهو أن كافكا نفسه ربما لم يفهم تماما هذا المعنى الأول والأساسي لعمله. ولكن يمكن لنا - مع ذلك - تقويم ما قاله برادبري بخصوص ما سماه "طبيعة القانون الذي يحكمنا" إنما ليس بالمعنى المألوف والقضائي للقانون بل بالمعنى الوجودي العام وسنوضح هذا المذهب والتحفظ الذي يستبطنبه كالتالي:

من الأمور المركزية على الصعيد المضموني، يمكننا الإشارة إلى الأساس العبثي " الوجودي " العميق، الذي ينهض عليه هذا العمل، وإلى المصدر الغائي المتسائل عن المعنى والأسباب، أكثر مما هو مهتم بالاتجاه والنتائج وحتى الكيفية، الذي يَنْشَدُّ إليه جوهر النص. وقد يعتبر البعض، كونديرا مثلا، أن ذروة العبث واستبداد القوة المجهولة بالمصير الفردي للإنسان، بلغا مع جوزيف ك درجة أوصلته إلى تشكيكه بنفسه وببراءته. ففي أكثر من مناسبة يراجع الرجل ذاكرته بحثا عن ذنب اقترفه أو خطأ قام به و نساه في حياته. إنها الذروة ممثلة بمحاصرة الذات المتهمة،والمدفوعة الآن إلى ممارسة نوع خاص من الانتحار اتخذ شكل التشكيك الذاتي بالبراءة، ليست براءة الأخر بل الأنا المهشمة بالعبث القدري من جهة وبالاستبداد الذي تنتجه الحياة اليومية الأوروبية ومؤسسات المجتمع البيروقراطي من جهة أخرى. هنا، سيكون مفيدا التذكير بأن حادثة اعتقال جوزيف ك، التي يبدأ بها النص، تحدث في يوم عيد ميلاده بالضبط، أما اليوم الذي نفذ فيه حكم الإعدام طعنا بالسكين فيقع عشية عيد ميلاده التالي! هذان التحديدان الزمنيان ليسا – البتة - نتاج للمصادفات المحضة، بل هما تنطويان على إشارات قوية وواضحة و مقصودة إلى جوهر العبث الوجوي معبرا عنه بعبثية الميلاد المنتهي بالموت دون أن يكون للإنسان المولود والمحكوم عليه سلفا بهذه النهاية يدٌّ في كل ما يجري .

هذا الاستنتاج يدفعنا - شئنا أم أبينا - إلى التخفيف من قوة حضور ثنائية العدالة والظلم، بمعناهما القضائي والجنائي، لمصلحة اعتبارها مجرد وسيط مادي" سردي بالأحرى " أو مناسباتي لطرح قضية العبث الوجودي لا أكثر ولا أقل. إن البحث عن العدالة في هذا العمل ليست بحثا عاديا وباتجاه واحد عن ثيمة العدالة المطلقة، أو عن ثنائية أو جدلية العدل والظلم القانوني في بعدها الاجتماعي، بل هي – إن شئنا التبسيط - مجرد مرحلة وسطى في مناقشة المشكلة الوجودية الكبرى والتي يلخصها السؤال العتيق الحارق والقائل: لماذا يحكم علي بالموت سلفا مع إنني لم أطلب من أحد ان أولد؟ ولماذا أجد نفسي معتقلا باشتراطات هذا الوجود بمجرد ولادة لم أكن سببا فيها؟ يمكن بالتالي أن نقرأ كل ما له علاقة بالتهمة، وعدم مناقشتها أو طرحها، أو حتى عدم اهتمام المتهم بها، كمجرد نتاج لهذا الفهم" المبسط من جانبنا"، فما قيمة البحث والتساؤل عن سبب الاعتقال أو نوع وماهية التهمة الموجه إذا كان كل شيء يمضي قدما بقدرية عجيبة وفولاذية وبصورة مقررة سلفا من طرف قوة مقرِّرة غامضة لا اعتراض عليها أو راد لها.

كلمة أخيرة بخصوص الشعرية التي تغمر وتتواشج وتتغلغل في هذا العمل ممتزجة بمياهات السخرية السوداء من أدناه إلى أقصاه: إن جفاف وشحوب العوالم الزمكانية في البُنية العامة لهذه القصة، ربما تكون قد لعبت دورا مهما من الناحية الفنية، وربما تكون قد مارست تأثيرا بالغا حتى على الكيفية التي يستقبل بها المتلقي أجواء ومضامين العمل. حيث أن سيادة ضوء الشموع الشاحبة والأصوات المتهجدة أو الهامسة وعتمة السراديب والأنفاق في بنايات وأماكن لا توحي بأنها تنتمي لكوكب الأرض أحيانا، أو – أقلها- إلى مدينة أوروبية مألوفة في عصرنا، حيث أن كل هذه التفاصيل والحيثيات لعبت دور المناخ النفسي الضاغط والمساعد على تلقي النص بهذا الشكل وليس بأي شكل غيره. كما أن المفعول الداخلي لكل هذه الحيثيات وبالترافق مع الإيقاع الداخلي للأحداث، ونمو الشخصيات، ساهما إلى حد بعيد في تقديم نوع خاص جدا من الشعر الروائي عالي القيمة من الناحية الفنية، ولكن – و فقط- بالمعنى الذي تكلم عليه ميلان كونديرا حين قرأ لنا عملا آخر لكافكا هو "القصر " فكتب بضعة أسطر تغرينا مرارا بإعادة الاستشهاد بها والتفكير بتلك المماثلة والدمج بين الشعر والرواية للخروج بمركب إبداعي وجمالي جديد هو الرواية قد صارت شعرا أو الشعر وقد أصبح رواية.. يقول كونديرا إذا : لقد نجح كافكا في تحقيق ما كان يبدو مستحيل التصور قبله ألا وهو: تحويل مادة مضادة للشعر بشكل عميق هي مادة المجتمع البيروقراطي إلى شعر عظيم للرواية، وهكذا تحولت "القصر" من رواية عن حادثة مبتذلة لموظف لا يستطيع الحصول على وظيفة موعودة إلى أسطورة، إلى ملحمة، إلى جمال لا يعرف له مثيلا من قبل.. انتهى

 

 علاء اللامي

...........................

[1] - يبدو ان هذا هو اسم القصة الأولي ثم تحول إلى المحاكمة فيما بعد

[2] - اقتبسه ناصر ونوس في مقالته "مشروع لإعادة ترجمة كافكا بأسلوب جديد" الذي يتناول فيها قصة "الحُكْم" وترجمة إبراهيم وطفي لها

[3] - عبد الوهاب ابو زيد/ مدخل إلى عالم كافكا الروائي

 

 

بشرى عبد المجيدمقدمة: إذا كان تاريخ البلاغة هو تاريخ بلاغة التصوير الشعري لاحتفائها الكبير بالصورة الشعرية، فإن الصورة النثرية لا تقل أهمية عن ذلك، إذ البحث عن فاعلية الأساليب البلاغية في التشكيلات السردية الجمالية هو إطار نوعي مغاير لما عرف في الكتابة الشعرية. ثم إن الاحتفاء بالصورة النثرية والانطلاق منها في مجال التحليل الروائي، إلى جانب العناية بالسياق ودور الصورة وفاعليتها في تحقيق القصد والغاية يعد حقلاً بكراً في ميدان الدراسات السردية.

موازاة مع هذه الرؤية وهذا التصور تركز دراستنا السردية لرواية ” زنقة بن بركة “(2) للروائي والقاص العراقي محمود سعيد(3)، بهدف الكشف عن تشكيلات الصورة الروائية وفضائها الأسلوبي وما تنطوي عليه من مصادر وموضوعات وأنماط … عبر مجموعة من المحطات منها:

أولا: مظاهر اشتغال الرؤية السردية في رواية زنقة بن بركة

تختلف مظاهر توصيل الرؤية السردية من كاتب آخر، واعتمادا على هذا الاختلاف تسعى الدراسات التحليلية إلى كشف وتبيان الطرائق المعتمدة في ترتيب الحكاية التي في جوهرها هي أحداث واقعية مبطنة بجلباب الخيال وتكمن أدبية ساردها في اختيار الطريقة والأسلوب الذي تقدم به هذه الرواية.

وعليه، فالخطاب السردي لرواية ” زنقة بن بركة ” هو نموذج تتماهى فيه هوية الراوي (الروائي الحقيقي) مع الآخر (الرجل الشرقي)؛ وهذه العلاقة عبارة عن ذات تخيلية ساردة في مواجهة تحول أحيانا الأنا إلى الآخر، وتحول الآخر إلى أنا أخرى. وهو ما قاله الراوي في استهلال الرواية: ” تُحدّد العطلة عندي من خلال حدث يبدو، في الأقل، أكثر أهمية من المعتاد، ولقد نسجت الصّدفة ما جعلني أحسّ أيام ذلك الصيف المتوتر الذي قضيته في المحمدّية ” فضالة ” عام 1965، أنيّ أباشر تجربة العمر المثيرة التي تزوّق أحلام كلّ شاب. “(4)

الأنا في الرواية شخصية الراوي ـ كما أسلفنا ـ وهي شخصية فاعلة، بل إنها الشخصية المحورية التي تجذب نحوها العديد من الشخصيات الأخرى، وهذا التماهي يخلق رؤية جديدة وهي (الرؤية مع) … في رواية “زنقَة بن بركة” أبدع الكاتب في التعبير عن الواقع وتجسيد همومه بعد الارتكاز على صيغ فنية اعادت تشكيله بصور مبنية على التقاطع بين الحلم والحقيقة، على الرغم من أن الرواية تظهر على شكل سرد قصصي واحد لا يتباين فيها الزمن، وكأن أحداثها جرت في زمن واحد ـ زمن قصير ـ فلا نجد تقسيما في الرواية إلى فصول كما جرت في أي رواية أخرى، لكننا نجد ” وقفات هي فرصة لاسترداد الأنفاس إذا جاز الوصف، إذ قصّ الروائي أحداثها قطعة واحدة من ناحية، وانطبق المبنى على المعنى باتساق آخذ مبهر. فلا توجد استطالات سردية، ولا إفاضات وصفية، ولا حشو لغوي زائد، ولا إيغال مفرط في معاينة الحوادث. “(5) غير أنها عبرت عن رؤية متوحدة في مسار تقديم السرد الروائي.

أما شخوص الرواية فتبرز ثلاث شخصيات هي؛ سي الحبيب وسي صابر والرجل الشرقي وامرأة ـ قريبة سي الجزائري واسمها رقية ـ التي برع محمود سعيد في تقنيات رسمها وصف باعتبارها من الشخصيات النامية المشحونة بالعواطف في الرواية. لقد رسم ملامحها الجسمانية والصفات النفسية في مشاهد متقطعة ومتباعدة سياقيا، فيقدم جزء من الملامح ثم يستأنف الوصف بعد صفحات أخرى، حتى غذت لوحة ناطقة متميزة ضمنت لنفسها النجاح في إثارة الدهشة وشد انتباه المتلقي، ” امرأة غارقة في جلاّبة من التركال، قديمة، فضفاضة، مخططة، خمار أخضر صاعد نحو منتصف العينين اللتين لا يمكن تمييز لونهما الأدكن. كانت ترفع رأسها فينزل خمارها متوتراً حادّاً مكوّنا هبوطا اضطراريا بين مرتفعين ينتهيان فوق الجلاّبة بين الثديين” (6)، ثم يستمر في الوصف فيقول: ” كان ذلك أول صوت يصدر منها . نغمة متكاملة، عشرات الآلات الموسيقية المتكاملة في انسجام ترسل النغمات من صدى بعيد…. حتى يسخن الماء وضعت الحقيبة ومرة أخرى بدأت الأنغام تبحر بي في طريق غامض”(7)، ونجد في هذا الوصف المتقطع شحنة التشويق والإثارة للمتلقي. لقد توزع الوصف الجسماني لشخصية “رقية” على ثنائية وصفية تقابلية:

وصف المرأة المنقبة ذات الجلابة اللباس التقليدي المغربي، ومرأة عصرية ترمي الحجاب حين تقابله في شقته، تتصرف بتلقائية وتفضح عواطفها ولا تكبحها، قائلا: ” خانني التعبير؛ ماذا أريد أن أقول؟ ستبدو كل كلمة مثالية لمن يشكّ بخاصة. أنقذتني وضعتْ أصابعها البضّة على شفتي بحركة اعتيادية، كأنها تعرفني منذ آماد طويلة. حركت أماني كثيرة… تمددتْ على سريري كنت متكئا على الشباك وصدرها المتفجر يعلو ويهبط.”(8) .

تقديمها كعنصر مكمل لشخصية البطل في تقابل بين ألأفتها وشغبها وجفاء السياسة وجحوده ” لا يمشي الإنسان برجل واحدة”.

تقديمها كمعادل للحرية فقد كرر أكثر من مرة قوله: “أتمنى أن أمسخ بلبلا لأرافقك إلى الأبد”.

ونجد وحدة المكان على مستوى أحداث الرواية التي تظهر فيها نوعا من العلاقات الداخلية والخارجية التي تقدم ملامح الواقع اليومي بصدق، مليء بالخبرة الإنسانية التي تنعكس على عوالم الشخصيات وعلى أسلوب لغة الكتابة. وصورة المكان في الرواية هو جزء من نمو الأحداث وتطورها، وجزء من البنية النفسية والسلوكية للشخصيات، وجزء من الحبكة الفنية وليس المكان مجرد بقعة جغرافية محايدة أو فضاء سماويا منعزلا عن العناصر الفنية الأخرى في الرواية(9)، وقد توافق البعدان النفسي والدلالي في الرواية إذ مزج الروائي ـ منذ البداية ـ المكان مع الشخوص مزجاً دلالياً نفسياً وفنياً، قائلا: ” في بداية الشارع تبدأ المدينة الحديثة منشقّة عن القصبة القديمة، تزهو بشبابها المتألق يبتسم للمستقبل بعد أن قطعت أواصر سيطرة الفرنسيين …. وإذا كان ما جذبني إلى هذه البقعة هدوؤها وجمالها وتاريخها، فلعلّه كان العامل المشترك الذي جذب الحمام المتجمع قرب لبسور وبابه على شكل زرافات، يتمشى متهاديا، أمينا، منقبا بين ثنايا الطابوق القديم عن حبٍّ ساقط، مرفرفاً بين الحين والآخر فوق بعضه، نازلا بهدوء صاعداً بصخبٍ، يمنح المراقب بين الحين والحين التمتع بلذة من لذائذ الجنس البدائية الدائمة.”(10)

ويصف الروائي ارتباط المكان بـ(سي الحبيب) الذي أجبر على الاقامة في المحمدية ” كان سي الحبيب قد أُجبر على الإقامة في المحمدية إثر الأحداث العاصفة التي طحنت البلد …. أجبر على تحديد الإقامة لكن هل خيّر في المكان؟ لم أسأل عن هذه النقطة فمدن الساحل كلها فائقة الجمال، بيد أنه كان يحب المحمدية ويفضل اسمها القديم ـ فضالة ـ لأنها فعلاً درّة الساحل التي اكتشف قيمتها الحقيقية، قبل أكثر من نصف قرن…”(11) في توصيف المكان يختلط الواقع بالخيال فينشئ علاقات واقعية بمنتهى الخيال السردي، ويلجأ الراوي إلى الشرح والتعليق والتحليل لأن المكان بمثابة المرآة العاكسة للشخصية.

ثانيا: المستوى التركيبي.

مظاهر الاتساق النصي في الرواية:

نحيط في هذا المجال بالعناصر اللغوية لرواية ” زنقة بن بركة” التي تؤكد التماسك بين مكوناتها، وتهتم بالوسائل اللغوية الشكلية التي تصل بين العناصر المكونة لها، وتحقق ترابطا للعناصر السطحية والوصفية، وحتى نتمكن من ذلك نرصد في الرواية الإحالات القبلية والبعدية والضمائر، ونركز على وسائل الربط المتنوعة.

للاتساق النصي أهمية كبيرة فهو يعنى بالعلاقات أو الأدوات الشكلية والدلالية التي تسهم في الربط بين عناصر النص الداخلية، وبين النص والبيئة المحيطة من ناحية أخرى، ومن بين هذه الأدوات المرجعية:

الإحالة بالضمائر:

الإحالة من أكثر الوسائل الاتساقية أهمية في الربط بين أجزاء النص، إذ قلما يجدُ المتلقي نصا خاليا منها، ولا نذهب بعيداً إذا قلنا إن نظرية الاتساق تعتمد بالدرجة الأساس على مفهوم الإحالة ووظيفتها، بوصفها وسيلة لغوية من وسائل تحقيق التسلسل أو التتابع للجمل على المستوى التركيبي لتأكيد الترابط المضموني… ونقف بصورة جلية في الرواية على تحولات الضمائر من متكلم إلى مخاطب إلى غائب تلازمها القرينة التي تساعد على إزالة الابهام منها، وتفسير غموضها من ذلك قوله: ” وهكذا رجعنا إلى البيضاوات في أقل من ربع ساعة، كنَ يجففنَ شعورهنَ بغنج العذراوات اللواتي يشعرنَ باعتزاز لأنهنَ يملكنَ شيئاً يتعلق بمصير الكثير من سكان العالم بشكل ما هتف المراكشيّ، ونحن حول المائدة المدورة : ها نحن ثلاثة وأنتنَ ثلاث، كانت كبراهن التي فتنت البقاليّ لا تتجاوز السابعة عشرة، هيفاء، ملتهبة أضاف البحر إلى شعرها لونا برونزيا خمريا، وكان الماء يقطر على وجهها وبشرتها…”(12) .

نجد في هذا النص حركة للضمائر تبدأ بنون النسوة في ” كن, يجففن, يشعرن” ثم ضمير المتكلمين ” نحن” ثم يعود إلى نون النسوة، يراد من خلال هذه الحركة معان متعددة عميقة، ولا يمكن التجرد من الضمير باسم يعود عليه لأن الصيغة الصرفية هي وسيلة التوليد والارتجال في صياغة العبارة، ثم نقيس المعنى الذي نريد التعبير عنه على المعاني التي تدل عليه الصيغ(13)، ومن هنا ندرك أن وراء احالة الضمائر علاقات بين افكار وانفعالات لا يتحكم فيها الراوي وإنما تتسلط عليه وتفترض، وتولد ولادة طبيعية لا قيصرية، فمن خلال اللغة تظهر جوانب اللاشعور التي تتحكم في المبدع. فالإحالة في قوله:

ـ وهكذا رجعنا إلى البيضاوات في أقل من ربع ساعة .

ـ كن يجففنَ شعورهنَ .

ـ بغنج العذراوات اللواتي يشعرنَ باعتزاز.

ـ لأنهنَ يملكنَ شيئا يتعلق به مصير.

أحدثت الاتساق في هذا المقطع بفعل الضمير المستتر” هن ” والضمير الظاهر “ن” ؛ أي أن الضمير العائد جاء مخفيا حينا وملفوظا مطابقا حينا آخر، فلا يمكن معرفة شعور الراوي بجمال الفتيات دون الرجوع إلى السطر الأول من المقطع، وبالتحديد كلمة ” البيضاوات ” كما لا يفهم العنصر الإحالي ” النون ” في ” كن، يجففن، شعورهن، يشعرن، لأنهن، يملكن” إلا بالعودة إلى عبارة ” رجعنا إلى البيضاوات ” . فنجد تنامي في وصف البيضاوات من خلال إضافة عناصر دلالية جديدة صنعها الراوي؛ ويستمر بوصف محاسن النساء متنقلا بينهن، فيصف احداهن فتنت رفيقا معه.

ـ كانت كبراهن التي فتنت البقاليّ.

ـ لا تتجاوز السابعة عشرة.

ـ هيفاء سمراء.

ـ ملتهبة اضاف البحر إلى سحرها لوناً برونزياً خمرياً.

ـ وكان الماء يقطر على وجهها وبشرتها.

في الرواية نجد تكرار ضمير المتكلم وهو ما يسميه البنائيون ” الرؤية مع” Vision avec” ”، وهي رؤية تسمح للراوي بأن يشغل حيزا في مجرى الأحداث، أي أنه واحد من شخوص الرواية كما تسمح له أيضا بأن يعرف عن الشخصيات ما تعرفه هي أيضا عن نفسها، ومعنى هذا أن هناك حقيقة ثابتة عن سلوك وهوية الاشخاص تنتقل بينهم هم أنفسهم(14) . البطل في الرواية ” سي الشرقي” هو نفسه الراوي ـ كما ذكرنا ـ يتحدث عن نفسه ويعرف به، قائلا:” ماذا كنت ُأطلب أكثر من هذا؟ أيحكم الغريب بأكثر من أن يجد جميع ما يحتاجه على بعد لا يتجاوز عشر خطوات من البار إلى الجزّار؟ أحسستُ بعد خمس وعشرين سنة من الحرمان والاضطهاد والقسوة والصراع السياسي والسجن والفصل والعطالة أني سقطتُ في جنة يحسدني آدم عليها.”(15). الراوي يعرّف بنفسه ويتجاوز أزمة غربته في اختياره الواضح للمكان الذي سيستقر فيه، فضلا عن ذلك نجده يصف الشخصيات الأخرى ويعددها ويرسم ملامح بعضها، قائلا:” في صباح ذي شمس دافئة أواخر نيسان، أشّرَ لي سي ابراهيم فعبرت الشارع تلقفني سي الوكيل، كلفني ممتناً بإيصال طابع نادر إلى سي صابر، وبادرني سي ابراهيم وهو يرفع صندوق شليك بيده، مزهواً: أتزرعونه في بلدكم؟

ـ لا ..

لم أرَ غير سي صابر كان يتناول ملفّاً إلى يسار الباب، فيحجب ما وراءه.

ـ هتفت: جئتك بفطور

ـ ضحك: كم شربت البارحة؟

وضعت العلبة الصغيرة على المنضدة فوق الأوراق، كان رأس الشليكة الأحمر فوق تكوينها البرتقالي يرسل لألاءه المثير: تفضل يا سي:

ـ أعرفك سي الحبيب فوجئت به يجلس إلى يساره بهدوء، وينظر إليّ بتمعن، صافحته، نهض قليلا، وانحنى.”(16).

ثم يذهب أكثر من ذلك في تفصيل سلوكيات الشخصية ورسم ملامحها بصورة دقيقة، كما عمل مع شخصية ” سي الحبيب” إذ أخذ وصف هذه الشخصية وتصنيفها حيزا كبيرا، نجد سلطة الراوي في الوصف كبيرة ونراه يصور عالما متكاملا وشخصيات يتوافق سلوكها مع صفاتها الذاتية، نذكر من ذلك قوله:” ابتعدتُ إلى الشباك، لم أكن في حالة نفسية تسمح لي بمجاراة الحوار الذي بدأ شائكا ومتقطعا مليئا بالرموز. كنت أعرف وجهة نظر سي الحبيب بشكل مفصل وآراء الناس أيضا.”(17). الضمير الظاهر في ” ابتعدت” والمستتر في” أعرف” فيهما تلازم طبيعي تشي بحالة الاتساق، فكلاهما يتحدث عن حالة الراوي وانكسار نفسيته، وهي حالة تفاعل مع هاجس الألم والحزن الذي يطارد “سي الحبيب”، فالضمير في الفعل الناقص “كنت” وهو اسمها، والضمير المقدر في ” أكن” كلاهما يتحدث عن هذا التفاعل الذي أقحم الراوي نفسه فيه بوصفه شريكا في حوار وليس طرفا فيه…

إن قصدية الراوي تطلب مظاهر التعلق الشكلي للوقائع اللغوية على سطح الخطاب الروائي، وربطها بواقعه الاجتماعي ومتغيراته وتقلباته، لذا نلحظ أن الراوي أفاد من اسهامات لغة الحكي وما تقدمه له من مرونة في حشد الضمائر ومرجعياتها، ثم تداعي أفكاره والهواجس التي تراوده جعلته ينوع في الضمائر ولا ينفك من اتساقها النصي. فضلا عن ذلك تنوعت الضمائر في رواية “زنقة بن بركة” وتباينت مكانتها تبعا لتنوع الشخصيات ودرجات تقربه منها، كما أن عودة ضمير المتكلم في الخطاب السردي ارتبط بعواطف الروائي نحو قضيته وتصوراته تجاه واقعه وقناعاته بقضيته… وحين استعمل الإحالة بضمير المتكلم ربط النص بشخصه وقرب الشخصيات الأخرى نحوه، فلم يجعل من خطاب الرواية مجرد محاكاة جافة، بل صنع فضاء نفسياً ومقاما أسلوبيا خاصا يقتضه الخطاب السردي في الرواية.

تتابع الأفعال

تتبع حركة الأفعال في الرواية أسلوب عمد إليه المؤلف من أجل بناء تراكيب تساعد على توظيف الصورة الحسية والتجريدية، من ذلك : ” وفي الفترة التي قضيتها أغطّ في نوم عميق، كانت هناك أصداء أصوات انثوية رقيقة، لمسات، محاولات جادة لا يقاضي . افتح عيني على أثرها فتلتصق بجفوني صورة امرأة حبيبة، هائلة الجمال، مجللة بالأزرق، تغوص معي في أحلام عريضة، اتبع خيالها فوق الغيوم ألمس يدها الخارجية من شباك طائرة، أشد على أصابعها خوف السقوط لكنها تسحب يدها وهي تضحك فتملأ الدنيا سعادة، أسقط فأراها تحتي تسقط وموسيقى ثرة تنبعث من ضحكاتها”(18) .

تتراسل الأفعال في هذا النص بشكل واضح، مترابطة الواحد يتلو الآخر، مقسمة من حيث اسنادها للفاعل إلى ثلاث مجموعات تمثل المجموعة الأولى سرداً ذاتياً، سرداً يمثل الروائي المشارك، والعليم، والمتمركز في وعي البطل يحتفي بمرونة التنقل في زمن واحد، واختراق وعي القارئ؛ وهي:

ـ قضيتها

ـ أغط في النوم

ـ افتح عيني

ـ أتبع خيالها أفعال مسندة إلى المتكلم (الراوي)

ـ ألمس يدها

ـ أشد على أصابعها

ـ أسقط

ـ فأراها

ويتشكل أيضا في النص صوتان هما : صوت الحبيبة، وصوت صورة الحبيبة.

ـ تسحب يدها

ـ تضحك

ـ تملأ الدنيا سعادة الحبيبة

ـ تسقط

ـ تلتصق بجفوني

صورة المرأة

ـ تغوص معي

هذه الملازمة النحوية من حيث إسناد الأفعال مرة إلى ضمير المتكلم الغائب ومرة أخرى إلى ضمير المخاطبة الغائبة، يحاكي مضموناً أنثوياً، ويحاوره بوعي وإدراك وإحساس. عمد إليه الراوي وخلق منه توازنا بين الجمل؛ إذ يتعالق حدوث الفعل بشكل منتظم ومترابط من دون أن يستعمل أدوات العطف، فتبدو الجمل متساوية من حيث الصياغة والجرس الموسيقي الداخلي، يغيب فيها كلها الفاعل باستثناء جملة ” تلتصق بجفوني صورة امرأة”.

شكلت الأفعال على امتداد الرواية هاجس السعي عند الروائي في اختيار الفكرة وتقديمها، وتحقيق أمنيات شخوص الرواية إذ لكل شخصية أمنية تحاول تحقيقها، أو استردادها … وتبدو أغلب أفعال الرواية متراسلة مترابطة لتحقيق منظومة لغوية خاصة، تحفظ لروائي العراقي سعيد محمود سلطته الأسلوبية، وتترك هذه الأفعال للقارئ ردود فعل تفتح الاشتهاء نحو المتعة والمفاجأة.

ج- الاستدراك

كان الراوي يدرك شغف المتلقي بكلّ ما يناقض الكلام أو يخالفه، وفضوله في معرفة الغموض وما يتطلب من الاستدراك في الكلام، لذا أكثر من الروابط التي تنظم العلاقات الكلامية المستدرك عليها، ومنها:” لكن، بينما، بالرغم، مع أن، مع ذلك، حتى …” من أمثلة الاستدراك في الرواية قوله:” أضافت كل الرجال يحبونني، يخضعون لي، لكني لم أجد الحب العظيم الذي يجعلني أجثو على ركبتي في سبيل إبقائه والاحتفاظ به، وها قد وجدته في شخص سي الحبيب.

ـ لكنه لم يحبك

ـ ربما، لكنه إذا أحب فسيحب بكل ما يملك …”(19).

يحاول الروائي في هذا النص استمالة الحبيبة وهي تصف له حياتها وحب الرجال لها، استعمل الروائي الرابط الاستدراكي ” لكني” لتفسير مشاعرها، ثم يستدرك مرة أخرى بالرابط نفسه منعرجا بالخطاب الروائي لبناء الحدث له، ومحاولة إقناع الحبيبة بترك فكرة حبها لسي الحبيب، تستدرك مرة أخرى وتحاول إقناع ذاتها والبقاء عل حب ” سي الحبيب ” فالاستدراك هنا ربط بين رغبتين متقابلتين، جعل من القارئ منتظراً لمعرفة رغبة المرأة في البقاء على حب ” سي الحبيب ” أم عدمه.

وفي موقف آخر، يقول: ” الماضي موجود في الجرائد نعلم به أكثر من الغرباء، تكلم عن الحاضر لسعتني كلمة الغرباء لكنها لم تجرحني، لو سمعت هذا الرد الجاف من أي شخص لانزعجت، لكن أسلوبها، صوتها، سحرها، جعلني أعجب من نفسي، من تجاهل الإساءة.”(20)

على الرغم من انزعاج السارد من طريقة طرح السؤال من قبل السائلة نلحظ أن الاستدراك يبنى هنا على دلالة الحدث الزمنية فالحدث جزء من مبنى فعل، والزمن صيغة دلالتها وقوع الفعل، والاستدراك ربط بين الدلالتين وفق توافق البنى الحدثية الزمنية مع الشروع والاستمرار في السرد الآني.

وفي هذا النص الخيالي الذي يحاول فيه الراوي ملأ الفراغ العاطفي في حياته، فيتصور عشقه لمرأة حبيبة هائلة الجمال مجللة بالأزرق ـ كما يصفها ـ تغوص معه في الأحلام يتبدى الاستدراك بصورة جمالية أكثر تماسكا، وذلك حين يقول :” أغط في نوم عميق… اتبع خيالها فوق الغيوم، ألمس يدها الخارجية من شباك الطائرة أشدّ على أصابعها خوف السقوط، لكنها تسحب يدها وهي تضحك فتملأ الدنيا سعادة، اسقط فأراها تحتي تسقط وموسيقى ثرة تنبعث من ضحكاتها فتذيبني ثم تستقر على الأرض نقطة سماوية بعيدة، فيزول هلعي، لكني ابقى معلقاً بين الأرض والسماء، وهي تتمرغ في العشب تحتي.”(21)

ثالثا: المستوى الدلالي

التشبيه

تنوعت مصادر الصورة التشبيهية لتعدد الأصوات وتفاعل المعمار الفني للعناصر الروائية، إذ أن لغة الرواية لغة تلقائية تولد في لحظات الابداع التي ترتبط بالسياق النفسي للكاتب. أسهب الروائي في وصف المكان وأضفى له مشاهد شخصية وجدانية ففي هذا المشهد السردي يتعانق المكان مع الزمان في قوله:” كان يقول إنه يحسّ أن المدينة كلها منزله ـ فضالة ـ فالخضرة الدائمة في هذه البقعة الصغيرة تنعش القلب، ترسم بيد رشيقة فنانة أرصفة حالمة تزغرد، ذات أنفاس مبهورة، وممرات إسفلتية دقيقة صارخة، وبين فسحة وأخرى يندلع شلال ورود قرمزية وبنفسجية وصفراء محاطة بأخرى في ألوان شتى، تاركة المدينة رقعة شطرنج تُبدي حدائق غير مسيّجة، غابات صغيرة تحتضن الطرق في كلّ منحى وممر. وفي الفجر تغرق المدينة في ضباب هلامي هائل، لا يلبث أن يتفتّت مرغوبا أمام أشعة الشمس التي تحيله إلى قطرات ساحرة تبلل كل شيء، لكنها تترك على أوراق الشجر دموعا كالدرر اللامع يتوهج تحت الأشعة الحنون.”(22) نجد صورة المدينة ” فضالة” في عين أحد ابطال الرواية “سي الحبيب” يرويها لنا الروائي، صورة تتماهى مع نسيجه النفسي، وتمتد لتتماهى مع الشخصية في آن واحد، وهذا التمازج الوجداني قدمه الروائي بلغة شعرية تمازج فيها ايقاع الصورة وأطيافها الوجدانية؛ وبالعودة للنص لتحديد الصور التشبيهية نجد منه محذوف الأداة، كقوله:

تاركة المدينة رقعة شطرنج، الأداة محذوفة والتقدير” كرقعة شطرنج“.

غابات صغيرة تحتضن الطرق، الأداة محذوفة، التقدير” كغابات صغيرة تحتضن الطرق”.

دموعاً كالدرر اللامع يتوهج، الأداة مذكورة ” تشبيه مفصل مجمل “.

الروائي يمتلك حساسية إزاء سحر المكان لذلك جسده وفق منظوره الانطباعي المتوافق مع بطل الرواية، فنجد صورة الزمن تمتزج وجدانيا مع حالة المكان، ففي الفجر تغرق المدينة بضباب هلامي هائل، وتأتي أشعة الشمس لتفتت الضباب فتحيله إلى قطرات تترك على أوراق الشجر دموعا كالدرر اللامع المتوهج … فالفجر والضباب وأشعة الشمس عناصر فنية تتداخل مع المكان، تشكل المكونات النفسية للشخصية، وهي حاجة نفسية أكثر من وصف تقني فني جسده الروائي بلغة ليست دخيلة بل لغة إحساس شعري.

تبرز في الرواية تقنية أنسنة وصف الأشياء مستعيناً بالتشبيه، ينتقل معها المتلقي من فضاء سرد الأحداث إلى تأملات شاعرية، كقوله: ” وكأن الصوت يجمع بنغماته خيوطاً تلتفُّ على مقاومة أي رجلٍ فتسحبه نحو تلك الطاقة المندلعة من العينين المحرقتين ليذوب في نارها لم اضبط نفسي وقفت, حدّقت فيها, وجه يحوي من الحلاوة ما يكفي نصف فتيات العالم.”(23) وكقوله:” ابتسمت: قبلتني في جبهتي قبلة خاطفة: أتكفي هذه؟ مرّة اخرى, على الرغم من أني كان يتنازعني شعور ثائر لمعاملتي كطفل مدلل.”(24)

لقد كانت صور التشبيه مستمدة من واقع بيئي، تثير بالموازاة وصفا خياليا لما تحمله من إشارات صريحة تشي بتماثل فني بين المشبه والمشبه به، وتبقى أداة التشبيه عاملا فعالا في المقارنة بين طرفي التشبيه.

الاستعارة

في رواية “زنقة بن بركة” أخذت الاستعارة التشخيصية مساحة واسعة و لاسيما في وصف المرأة ونخص بالذكر قريبة الجزائري، إذ وصف مفاتن جسمها بأوصاف عدة غلبت على صورة الوصف الطابع الاستعاري التشخيصي، الأكثر عمقا في الوصف إذ يضفي المبدع فيه الصفات الانسانية على الأشياء الجامدة، فتبدو أشياء متحركة، تعمل، وتتأمل، وتمارس شغبها، وتواصل فعل الإبداع… فاسمعه يقول:” أهدابها الطوال ترسم على بياض خديها أشعة شمس سوداء متناسقة.”(25) الاستعارة في تشخيص الأهداب وهي ترسم أشعة الشمس على بياض خديها، والرسم صفة وعمل الانسان وليس أي إنسان بل إنسان فنان متمرس يتقن رسم الوجوه وتفاصيلها وتقاسيمها، ويقارب بين الألوان لأن أشعة الشمس ذهبية وليس سوداء كما ذكر المبدع، فعلى الفنان أن يتقن الابداع التشكيلي ووضع مقاربة وصفية تخيلية لتلك اللوحة وكل هذا نجده في أهداب المرأة الموصوفة.

تشكل الاستعارة التشخيصية لغة شعرية تجسد المعنى وتقارب في جعل الشيء الجامد شيئا متحركا متفاعلا ومتماهيا مع الحدث السردي، من ذلك قوله: ” قالت العبارة الأخيرة بشكل مشفق، وكانت موجات صوتها المعذّب رحلة ممتعة فوق النجوم في ارتفاع وانخفاض يهيمان بي وأنا أحلّ ألغاز الحروف البشرية.(26) وقوله: ” كانت ترتدي ثوبا أبيض يتموج برشاقة حركاتها الرّاقصة، ويشتد التصاقا عند الكشح الرّقيق لكنه كان يندلع عند الصدر وينتهي عند الكتفين ليخرج زندين بضّين كادا لرقتها يسيلان.” (27) وأيضا: ” كان هذا الثوب الثالث الذي يتحدث بصراحة واضحة عن جمال ثدين عامرين بالفتنة والجمال خلال اليوم.” (28)

إن هذا الاشتغال على الاستعارة التشخيصية يعكس لنا الغنى الرائع الذي تتميز به صور المبدع في الرواية، ولا يمكن في هذا المقام إعطاء معطيات عددية لهذه الصور وإن كانت تفيدنا في تقديم فكرة أولية عن تواتر وتوزيع عنصر الاستعارة التشخيصية، وتحديد عددها عن غيرها، لكن اكتفينا بهذا الكم من الصور الاستعارية التي تعطي انطباعاً كافياً عن المجال الحقيقي للصورة الاستعارية في رواية ” زنقة بن بركة”، والتي لا تخرج عن الطابع العام لجنس الرواية، كفن تشخيصي بامتياز. يهدف إلى تقديم أشخاص وأحداث مقنعة للمتلقي بواقعيتها في تفاعلها مع عنصري الزمان والمكان.

ج- التضاد

لا ينهض هذا المتغير الأسلوبي على تبيان قدرة المبدع في الاتيان بالمتضادات لإثارة الدهشة والتأمل، بل التلذذ باكتشاف المتلقي لموهبة المبدع في ايجاد العلاقات بين الألفاظ المتضادة أو المتباينة فضلا عن الجرس الموسيقي لاسيما إذا اقترب المتضادان أو المختلفان في البنية الإيقاعية والصرفية.

إن رواية ” زنقة بن بركة ” دخلت مخاض التضاد، من خلال مجموعة من العناصر منها:

السرد الذاتي للراوي والسيرة الغيرية.

ما عرضه الراوي في إشكالية تعدد المواجهة بين شخصية ” سي الشرقي” وشخصية المرأة ونقصد “رقية قريبة الجزائري”، التي كان مبهورا بجمالها، دقيقا في وصف مفاتنها وكل حركاتها.

ولا يخفى أن الرواية ـ عموما ـ أكثر الانواع الأدبية قابلية لامتصاص الفنون البلاغية بسبب مساحة الحرية المتوافرة في تقنية السرد، وتفاعل عناصر البناء الفني للرواية مع الخصائص الفنية للأنواع الأدبية الأخرى، والتضاد من هذه الفنون التي تتجلى من خلاله صور السرد وفاعلية الشخصيات وتفاعلها.

وبتصفحنا لصور التضاد في الرواية نقف على قوله:” كان سي الحبيب قد أُجبر على الإقامة في ” المحمدية” إثر الأحداث العاصفة التي طحنت البلد أوائل الستينات، وكان هارباً في طريقه إلى الشرق حينما أُلقي القبض عليه، ولم ينقذه من حبل المشنقة سوى الجلطة القلبية الشديدة التي طرحته وقتا طويلا معلّقا بين الحياة والموت في سجن المستشفى، في عناية الأطباء وممرضين يخفون تعاطفهم بقناع متجهّم من تأدية الواجب، وحين انتهت الأزمة بسلام بإهمال المسؤولين البالغ… “(29)

الراوي لم يتكلف المجيء بالتضاد صنعة وإنما السياق السردي فرض هذه المتغيرة بأشكال عدة، لتكوّن الصورة الواقعية المؤثرة؛ نجد الطباق في (الحياة / الموت) كلمتان متضادتان في المعنى في دائرة المفارقة السردية، إذ لولا مرضه وإصابته بالجلطة القلبية الشديدة التي طرحته وقتا طويلا في الفراش لكان ميتاً. ثم نعثر في النص ذاته على مقابلة سياقية، وفي هذه المقابلة يُنظر فيها إلى موضع البنية وعلاقتها بالبنى التي تجمعها علاقة البدلية، أو ما يسمى بالمقابلة المعجمية … هذا النوع من المقابلة لا يعتمد على المرجعية اللغوية للألفاظ وإنما على موقعه السياقي الدلالي، نلمس المقابلة في موضعين في هذا النص:

” عناية الاطباء وممرضين يخفون تعاطفهم بقناع متجهّم من تأدية الواجب” أي هناك تعاطف وحب إلى هذا المناضل لكن خوفهم من بطش السلطة، وقوانين تأدية الواجب يخفون حبهم له.

” وحين انتهت الأزمة بسلام، أحيط بإهمال المسؤولين البالغ”، يفترض أن يكرّم ويأخذ حقه مقابل ما قدمه من تضحيات وبطولات نضالية أوصلته إلى حبل المشنقة. يفترض أن يكرّم حاله حال المجاهدين الكبار الذين جاهدوا الاستعمار الفرنسي، لكن وقوف بعض الانتهازيين ضده حال دون ذلك…

يجد المبدع في المقابلة السياقية مرونة في التعبير، فهي تفصح عن قدرته على التصرف غير المقيد بالتقابل اللغوي الحرفي للألفاظ، مما يمنحه طاقة دلالية جديدة ويسبغ على المقابلة عمقا أو يجعلها أكثر قدرة على رسم صورة أو تصوير حركة، ومثل هذا وجدناه كثيرا في رواية زنقة بن بركة، من ذلك قوله:” ضحكت بغنج، حدّقت بي : ألم تتعجل؟ كل هذه المدة تقضيها معي ولا تعرف اسمي! ابتسمت: أنت قريبة الجزائري فقط: وقفتْ ذاهلة، زوت ما بين عينيها، عادت جلست على السرير: يا للمسكين! استمرت تضحك، أضافت من دون أن تسمح لي بالكلام، وقد أدركت أنها هي المقصودة في أحلامي : ضحية جديدة. أخذت أضحك أنا أيضا كنت مثارا ولا أعرف كيف أسيطر على تلك الإثارة، تجهم وجهها قليلا لكنه لم يفقد فتنته: لا أستطيع أن أحبك، فاقطع الخط .”(30)

تظهر في هذا النص ثلاث مقابلات سياقية ساعدت اثنتان منها على تطور الحدث في المقابلة الثالثة، وهي تعد ذروة النص فنجد في الأولى مدة معرفته بها، وهي مدة تعد طويلة ثم عدم معرفة اسمها مع طول مدة معرفته بها، والثانية ” تجهم وجهها قليلا ولكن لم يفقد فتنته”، والثالثة وهي ذروة الصراع العاطفي إذ “سي الشرقيّ” كانت أحلامه وردية اتجاه قريبة الجزائري، وكان يأمل أن يقطف أزهار حبها ويرتشف من عبيرها، لكن ظنه ذهب بعيدا، فهي تحب ذلك المناضل والبطل الأسطوري ” سي الحبيب ” بالرغم من انشغاله بحياة أخرى، وأشياء بعيدة كل البعد عن العواطف وحب النساء، نؤكد ذلك بقوله:” سألته: ما رأيك يا سي الحبيب؟… نعم يا سي الحبيب: ما رأيك في الحب؟

ـ ابتسم: لا أفهم قصدكِ

ـ ألا تعرف معنى الحب؟

ـ بلى، أنا أحب الناس .

ـ بدأ الحب يتكسّر بين شفتيها: وأنا من هؤلاء الناس؟

هزّ سي الحبيب رأسه: نعم.

فهي لا توافق أن تكون من ضمن الجميع، تريده حبا خالصا لها لوحدها، لكن سي الحبيب لم يتغير بالرغم ما شاهده من مفاتن امرأة جميلة جدا عرضت عليه حبا، فكان ينظر إلى الأمر كمتفرج ليس أكثر.

في هذه الرواية تظهر لنا المقابلة السياقية بشكل واسع لاسيما في رسم صورة المحب وسلوكياته، وحين يسند صورة التعب ومعاناة والهموم إليه وصورة تقابلية أخرى هي صورة طرف آخر لا يظهر له الوجد، وقلبه الذي برح به الوجد والسقم، وصورة تقابلية أخرى هي صورة المحبوب تخلو من حبه له. وبهذا تعكس المقابلة السياقية في الرواية صورة ثلاث شخصيات: الراوي نفسه ورقية وسي الحبيب. تعكس حالة الانفصال والانفصام بين هذه الشخصيات.

خاتمة

في نهاية هذه القراءة الاستقرائية الأسلوبية لرواية ” زنقة بن بركة ” أسجل مجموعة من النتائج التي توصلت إليها:

الخطاب السردي في رواية “زنقة بن بركة” يعرف نوعا من التماهي بين شخصية المبدع وشخصية ” سي الشرقي” أحد أبطال الرواية، وتدخل في أحداث الرواية وتتعالق مع الشخصيات الأخر كذلك، مما يسمح بملامسة حلول ذات المبدع في الآخر، لتبقى الذات هي الشخصية المحورية فتخلق رؤية جديدة هي ” الرؤية مع “.

الرواية تظهر على شكل سرد قصصي واحد لا يتباين فيها الزمن، وكأن أحداثها جرت في زمن واحد، زمن قصير فهي تفتقر إلى تقسيم يراعي تسلسل الفصول فصول كما جرت العادة في جنس الرواية، لكننا نجد وقفات هي فرصة لاسترداد الأنفاس إن جاز الوصف، إذ قص الروائي أحداثها قطعة واحدة من ناحية، وانطبق المبنى على المعنى باتساق آخذ مبهر دون استطالات سردية، أو إفاضات وصفية، وفي بعد عن أي حشو لغوي زائد أو إيغال مفرط في معاينة الحوادث.

وراء إحالة الضمير علاقات بين أفكار المبدع وبين انفعالاته، لا يستطيع التحكم بل تفرض عليه نفسها، فتنوع الضمائر وتنوع خصوصياتها ناجم عن تنوع عواطف الراوي.

عمد المؤلف إلى ترتيب حركة الأفعال من حيث هي حركة الفاعل، من أجل بناء تراكيب تساعد على توظيف الصورة الحسية والتجريدية، وشكلت هذه الأفعال هاجس السعي عند الراوي في اختيار الفكرة وتقديمها، ثم تحقيق أمنيات شخوص الرواية على امتداد أحداثها.

عمد المبدع إلى استخدام أدوات الاستدراك خاصة ” لكن ” مع اسنادها إلى الضمير، وغايته ربط دلالات الأحداث وفق البنى الكلامية، وشرح وتوضيح الغموض الذي يقف أمامه المتلقي بشغف كي يفهمه.

كانت لغة الرواية لغة تلقائية ولدت لحظة الابداع لذلك نجد تنوعا في الصور، لاسيما الصور التي تقوم على التشبيه، والتي ترتبط بالسياق النفسي الابداعي. وكانت صوره مستمدة من واقع بيئي وتثير بموازاة ذلك وصفا خياليا، وهي إشارة واضحة إلى تماثل فني بين طرفي التشبيه الرئيسين .

أخذت الاستعارة التشخيصية ” الاستعارة المكنية ” حيزا مهما في الرواية، لما لها من حيوية كبيرة تمتح مصادر مشعة تحيل على جمالية النص وطرائق اتصاله بالمتلقي، وتشخص الجماد وتجسده بهيئة كائن حي وسبيلها في ذلك الانزياح باللغة الاعتيادية إلى غير المألوف والمعتاد.

التضاد في ” زنقة بن بركة ” مفعم بدلالات نهضت بها السياقات، وكان قد خرج من مستواه المعروف إلى مستوى أسلوبي أكده طبيعة الخطاب السردي في الرواية، فالمقابلة السياقية التي تعتمد على المرجعية اللغوية أخذت حيزا كبيرا، لأن المبدع يجد فيها مرونة في التعبير غير مقيد بالتقابل اللغوي الحرفي للألفاظ.

 

أ.د. بشرى عبد المجيد تاكفراست

جامعة القاضي عياض / كلية اللغة العربية

......................

الهوامش

جاءت هذه الدراسة رغبة منا في إطلاع المتلقي العربي على هذا النوع من المنجزات الكتابية التي تؤرخ وتصف الواقع المغربي وأحداثه وشخصياته في فترة الستينات من القرن الماضي بعيون مشرقية، بالإضافة إلى أن رواية ” زنقة بن بركة فقدت في السوق بعد طبعتها الخامسة.

رواية “زنقة بن بركة” كتبت سنة 1970 .فازت بجائزة أفضل رواية عراقية سنة 1994 استعار محمود سعيد أجواءها من مدينة المحمدية، وهي مدينة ساحلية صغيرة مغربية، وبالضبط في شارع الزهور الذي يفصل المدينة،. بطلها سي الشرقي/ الراوي. عربيّ جاء إلى المغرب للعمل كمدرّس، هاربا من الاضطهاد الذي عاشه في بلده العراق، و” سي الحبيب” المحكوم بالإقامة الجبرية في هذه المدينة، إثر الأحداث العاصفة التي عرفها المغرب في منتصف الستينات القرن الماضي. تبدأ الرواية في عطلة الصيف… تقدم لنا الرواية رصدا شرقياً لزقاق ابن بركة بمدينة فضالة / المحمدية، ونظرا محتشدا بشخصيات لم تستطع الأقنعة المحلية أن تخفي قسماتها الحادة، وكانت عين الشرقي حادة وهي تزيح النقاب عن الوجوه المغربية وتخترق الأجساد والعقول المعذبة بقضايا مجتمع لم يتخلص بعد من سلطة الفقر والجوع والجنس …

محمود سعيد روائي عراقي من مواليد مدينة الموصل سنة 1935. أكمل دراسته واشتغل معلما، كانت توجهاته يسارية تقدمية، لذلك اصطدم بالسلطة واستمر ذلك حتى غادر العراق مضطرا… كتب مئات المقالات في الصحف والمجلات. كما أن له أكثر من عشرين رواية ومجموعات قصصية، ويحتفظ بمسودتي كتابين في التاريخ وقواعد اللغة العربية ينتظران النشر… من مجموعاته القصصية: “نهاية النهار” نشرت في القاهرة 1996، و”طيور الحب والحرب” ونشرت في القاهرة 1997، و”المنسدح” وهي مجموعة قصصية نشرت سنة 2005، و”الجندي والخنزير” ونشرتها دار فضاءات في عمان، و”مساء باريس” ونشرتها الدار ذاتها سنة 2009…. ومن رواياته: “هل انتهت الحرب” ونشرت في دار الحياة ببيروت و” الموت الجميل” والتي نشرتها دار المدى بدمشق 1998 و” قبل الحب – بعد الحب” ونشرتها دار المدى بدمشق 1999 و”الضالان” ونشرت في بيروت 2003 و”الدنيا في أعين الملائكة” ونشرتها دار ميريت 2006 و”بنات يعقوب” ونشرتها دار فضاءات في عمان بالأردن 2008 و”الطعنة” ونشرتها دار فضاءات في عمان 2010 و”الشاحنة” ونشرتها دار شمس في القاهرة 2010 و”نطة الضفدع” التي نشرتها دار الغاوون في بيروت 2011 و” وادي الغزلان” ونشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 2011… كما كتب مجموعة من قصص الأطفال بعنوان: “شجاعة امرأة” ونشرت سنة 1999.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد / العراق، ط5، 2013، ص7.

تحليل رواية زنقة بن بركة، حسين سرمك حسن، مؤسسة النور الثقافية، W.W.W alnoor.se/artiele.asp?id=90436

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص16.

نفسه، ص21 ـ 23 .

نفسه، ص25.

قضايا نقدية معاصرة في الرواية والقصة القصيرة، عمر عتيق، دار دجلة، عمان / الاردن، ط1، 2016، ص 12 .

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص8 .

نفسه، ص 10ـ 11.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص33 .

اللغة العربية معناها ومبناها، تمام حسان، عالم الكتب للنشر والتوزيع والطباعة، القاهرة، ط5، 2006م، ص 82 .

أسلوبية الرواية، مدخل نظري، حميد لحمداني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1989، ص 48 .

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص8.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص9ـ10.

نفسه، ص42.

نفسه، ص52 .

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص 125.

نفسه،ص27 .

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص52.

نفسه، ص11.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص23.

نفسه، ص55.

نفسه، ص25.

نفسه، ص155.

نفسه، ص157.

نفسه، ص167.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص10.

نفسه، ص55.

 

 

انطوان القزيينصب للحرية عروشاُ بين الكراسي العفِنة

"الطيور لا تبني أعشاشها على شواهد القبور"، ورقصة القناديل لا تغادر ثغور الجداول قبل إشراقة الغسق.. ويحيا السماوي لا يبلّ ريق ريشة قبل أن تعصر المناديل أحداق الدموع، ولا يغافل المساءات قبل أن يطمئن الى الثريّا وهي تدغدغ الجفون وتهدهد أطفال الرافدين، ولا يسلّم السيف قبل أن يرى مروحة النخيل تطارد سكان القصور حيث "الخلافة باتت منتهية الصلاحية".

هو الشاعر الذي صاح ديك العراق على أقباس بيانه، والحانوتي الذي وزّع ماء الحياة على نفوسٍ تستمطر الرجاء، وهو السندباد العائد يشقّ قوس قزحِه ، يلوّن الجنائن التي حوّلوها إلى يباس.

يعود يحيا السماوي مع "ملحمة التكتك" على حصانه الأبيض، شراعه يرسم إشراقة الإنتظار ويراعه يزنّر خريطة وطن "ليس للبيع والإيجار في حوانيت المحاصصة".

يقولون هو شاعر، لغته القلب والعيون والنجوم، فكيف يتحدث عن لصوص وسارقين.

ويقولون هو رقيق ولمّاح، فكيف يقارب كلاماً عن الذئاب والظالمين.

ثم يقولون كيف تطلّ "الضاد" من يديه كالعنقاء سحراً وبهاءً وهو ينازل وحشة الظالمين؟!.

لا يا سادة، فيحيا السماوي كما أعرفه، ليس حبراً أو قلماً أو سرداً، بل هو ديوان وجودي، حالة إنسانية، وطنية، أوجدته حكاية العراق كي يحمل مناراتها إلى مراسي الكون، وأخصبته جنائن بابل كي يزيد عطر ورودها، ووافته شهرزاد كي يكمل مشوار ألف قصيدة وقصيدة ويعيد الى الرحلة مفاتنها،  يعيدها الى التاريخ الذي يمحوه مارقون، يدنّسون أعتاب وطنه وينشرون راياتهم العالية فوق صباحاته الرمضاء.

1778  ملحمة التكتك

يحيا السماوي في "ملحمة التكتك" وهج أولم  لدرر الكلام وسيف يومض جنون البرق وناموس جديد برسم المنافقين والفاسدين والقتلة.

من بغداد، الى الكرخ والرصافة، والسماوة والبصرة، الى كل مكان في هذا الفضاء الرحب، يقارع يحيا السماوي الفساد وهوليس سياسياً ، يحمل السيف وهو ليس قاتلاً، بل ينصب للحرية عروشاً بين الكراسي العفنة.

...وأنت أيها الشاعر، ترمم الجسور، تطيّب الخواطر، لتلفّ أعناق الزنابق برذاذك المسافر.

وأنت تعصر الحبر من شفاه البنفسج، تدمن الجرح مع لذة الوجع "لأن عذوبة نهر الثورة ولا يعكّرها رصاص القتلة ".

وأنت تغافل الكلمات الى الينابيع ومسارب الامطار، أراك "تغسل الضمائر الوسخة"، وتدخل الميادين مزهواً لانك انتصرت لشعبك، ولانك ايها الشاعر العذب تحمل فاكهة الفرح الى بيوت أنهكتها لافتات الحداد ، تأخذ بأيدي بني قومك من الكهوف الى مطارح الضوء".

يحيا السماوي، علّمتنا كيف ندفن حبّة القمح لتغدو سنبلة، علّمتنا ان نعبر حفاة فوق رصيف الصابرين كي نتوجه الى ساحة التحرير.

وأخيراً علّمتنا ايها الكبير، "كيف يظلّ خطو الحر ضوءاً مستقيماً مهما تعرّجت الدروب".

يحيا السماوي، لن نغادر الأسوار ولا أحد قادر ان يحرق عشبنا ، وستبقى أنت كوكباً يعانق ظلال الناس، يسامر مراياهم ، ودعني أقول فيك ما قالت النحلة في البحر: "ان البحر لا يساوي عندي قطرة من الندى.. أيها القطرة الجميلة المتأرجحة بين ضفاف الفرات ودجلة".

 

بقلم رئيس تحرير "التلغراف" الأسترالية أنطوان القزي

 

 

اسامة غانمليس من الممكن أبداً أن نستبعد قيام قراءات نقدية متعددة – قراءة جدلية – قراءة بنيوية – قراءة رمزية – قراءة شكلية – قراءة وجودية – قراءة سوسيولوجية – الخ في قراءتنا لرواية (ظلال على النافذة) * لغائب طعمة فرمان، والبعض من هذه القراءات ستظهر في أثناء تحليلنا للنص الروائي، والبعض الآخر نشير إليه مجرد إشارة، وأحياناً قراءتين في ذات اللحظة، رغم التزامنا بالمنهج النصي – السوسيولوجي، فعصرنا هذا يخضع (للرجعيين) والثوريين، عصر الخروج الجذري على المعتقدات السابقة عن المعنى والقراءة والنقد الأدبي، ولابد للمرء أن يعتنق الثورة، أو أن يدافع عن التقليد السائد ضدها)(1)، وعليه يبقى النص – الروائي مغلقاً لحين مجيء الناقد ليفض أسراره، وليفضح المعنى الذي يتولد من القراءات النقدية المتعددة .

لم يحد فرمان في روايته (ظلال على النافذة) عن تناوله للمجتمع البغدادي، كما في رواياته السابقة جميعها، ففي هذه الرواية يتناول فرمان حياة عائلة بغدادية، وما يجري لها من خلال الواقعة التي تصبح (مأساة العائلة) ص40، مع تشخيص ردود الأفعال الإنسانية المختلفة لكل واحد منهم تجاه هذه الواقعة الاجتماعية التي زلزلت بنية تكوينهم، ومدى عمق الرد، وما تتركه في الذات الإنسانية من ألم و تمزق، مع تبلور موقف واضح ينشأ من الصراع المتفجر مع بدء الأزمة للكشف عن حدة التناقضات الباطنية المغلّفْة باللامبالاة، وحين تعرضها لأول صدمة حقيقية تظهر وتبرز بشكل حاد وعار، وتطفو على السطح لعيان تاركة عوائقها وراءها .

تبدأ الرواية بفصل تدميري(2) ، وذلك بهروب زوجة الابن الأوسط من الدار الجديدة التي انتقلوا إليها في حي الوشاش، وتكون الزوجة – حسيبة قطب الجذب والشد في الرواية، مع كونها مرآة عاكسة بانورامية لما يعتمل في دواخلهم من انفعالات وأفكار وسلوكيات مختلفة متباينة أزاء الموقف الحاصل، وسيكون هذا الانعكاس متبادل معها بطريقة جدلية متشعبة مفتوحة على كافة الاتجاهات، ولكن جميعها تدخل نقطة واحدة .

والغياب هو الوحدة الوظيفية الأولى(3)، في بداية الرواية حيث (تغيب فجأة إحدى الشخصيات الأساسية غياباً مفاجئاً وقد يترك هذا الغياب 5ضرراً)(4) بالغاً للآخرين، وستلحق بها وحدة وظيفية ثانية هي البحث عن الغائب – حسيبة، وتكون بموازاة الوحدة الوظيفية الأولى – الغياب(5) .

وهذا الغياب كان نتيجة هروب حسيبة من الدار لأسباب كما يعزوها الأب عبد الواحد الحاج حسين إلى:

[1- زعل واختفاء عن الأنظار .

2- تمرد وعصيان .

3- أم خفة تصرف أرعن ؟] ص 10 .

الفقرة الثانية تقرب كثيراًٍ من التحليل الموضوعي الجدلي، فالمنهجية الجدلية بكونها (معرفة الواقع ليست ممكنة التطبيق إلا من وجهة النظرة الطبقية)(6) فلقد حوصرت حسيبة مع مقاطعة علائقية ضمنية داخل الدار رغم أنها تعيش وسطهم بسبب النظرة المتعالية والشعور الشوفيني تجاهها، وأنها دخيلة على العائلة لأن زواجها تم بطريقة غير مألوفة، وهي ريفية تركمانية (أنا من قزرباط) ص106 والبعض يعتبرها لقيطة من (أحشاء المجتمع) ص215، فهذه النظرة الطبقية خلقت صراعاً اجتماعياً ايديولوجياً محتدماً منذ دخولها الدار، ولا يزال الصراع مستمراً حتى حين غادرته بصمت، بل ازداد ليكون صراعاً ضارياً بين أفراد العائلة الذين كانوا يبدون بنية واحدة متماسكة ظاهرياً فقط، لكنهم في داخلها متناقضين، كصورة ورق اللعب: (إن طرفي التناقض يجتمعان مع بعضهما وينظر أحدهما في وجه الآخر وينعكس أحدهما في الآخر، ويعرفان ويفهمان بعضهما البعض)(7)، لكن حسيبة لم تستطع اختراق وضعها بمغادرة الفسحة التي وضعوها فيها، ولم تستطع أيضاً التفاعل مع الآخرين لأن الآخرين عاملوها كنكرة وكطارئة مفروضة عليهم وكبنية لا تنسجم معهم، لذا لم يفسحوا لها موضعاً لائقاً بينهم، إلا بحدود متوترة تتغذى على الوهم والشهوة من جانب الأخ الأكبر، فكانت المعادلة كالتالي بينهما: هي المشجعة على التغزل بها، وهو تجتاحه الرغبة في قضمها، ولم تبين لنا الرواية مدى عمق العلاقة بينهما ولا إلى أين وصلت ! .

إن حسيبة دخلت الدار وغادرتها كـ (جسد) فقط، أي عن طريق المهبل، اللذة – الوجود، فالمهبل في هذه الحالة يقوم بأداء وظيفتين مهمتين، منح الذكر المتعة الجنسية القصوى ومنحه البدائل من الذكور، ولكنها أخفقت في إنجاب البدائل، وماتت كـ (جسد) من وجهة (نظرهم) وأصبح وضعها لا يطاق لذا (قامت بعمل احتجاجي صارخ)(8) على ظروف معينة موجودة فانسلت هاربة متوارية ولتعاقب (جسد) ها بتعهيره .

كانت حسيبة الشخصية الإيجابية الوحيدة في الرواية باتخاذها موقفاً تجاه الأحداث فهي لم تتكلم، لم تصرخ، لم تعاتب، بل تمت المخاطبة بلغة قوية مؤثرة هي لغة الصمت، وكانت تدري ما يدور حولها وتقابل بالمثل فالأوسط تزوجته والأصغر احتقرته والأكبر احترمته، وهذا يثبت بأن لها تجربة حياتية ولها وعيها ووجهة نظرها في الآخرين، ورد فعل متحفز مع علاقة بالعالم غير مقطوعة ولا مفصولة ولا محصورة نهائياً و (وحدهم المجانين الذين يجهلون كل شيء عن العالم)(9)، ورغبتها في البديل الأفضل وفي الحرية من وضعها المأزوم تترك الدار هاربة طلباً للخلاص، ولكن خلاصها يكون في بيت للعاهرات تنبعث منه صدى الضحكات الفاجرة ورائحة الشهوة، فقد داست حسيبة على البلاطة – اللغم الذي فجّرها وفجّر العائلة تاركة الجميع ينزفون باستثناء شامل فأن (حب الحياة يجاور التعطش لتحطيم الذات، الطهر والعفة يفهمان الإثم والشهوانية)(10).

اللافت للنظر أن حسيبة هي المهيمنة والمسيطرة على الحدث بل هي الحدث للرواية، وهي البؤرة، وكما قلت هي مركز الشد والجذب ويبقى الصوت الإشاري لها هو المتحدث، رغم عدم وجود الصوت الحسي لها، فالصوت الإشاري (السيميولوجي) يكتسب سمة إنسانية قوية ويكون موجوداً في كل الحوارات للرواية . ويكون كطابع البريد ملصقاً على طرف كل ظل من ظلال الرواية . هنا نتساءل بقصدية، ماذا أراد فرمان من حسيبة كرمز ؟ أو نعيد السؤال بصيغة أخرى، ما هو الرمز الذي تقترن به حسيبة كما أراد فرمان من ذلك ؟ عندما نوزع الشخصيات والمواقف والأحداث على رقعة لعبة الشطرنج، تظهر لنا المفارقة الحادة بكون أن حسيبة صممت أصلاً كرمز، وهذا ما يقوله فرمان في إحدى مقابلاته:

(أنا كنت أرمز بشخصية (حسيبة) لشيء معين)(11) .

فما هو هذا الشيء المعين الذي يقصده فرمان ؟ .. لنحرك ببطء بعض قطع الشطرنج، لابد أن تتغير الرؤية وتتضح الصورة أكثر من ذي قبل، مما تسمح لنا هذه الرؤية بأن ندلف إلى المعاني – الرمزية على اعتبار أنها (ليس الرمز صورة، إنه تعددية المعاني نفسها)(12).

على هذا النحو تبرز لنا حسيبة وهي تحتوي على المعاني الرمزية المتعددة منها – وهذا ما أتصوره الشيء المعين – أن ترمز إلى مرحلة تاريخية – سوسيولوجية – سياسية مر بها العراق أواسط الستينات، وهناك وجهات نظر رمزية عند بعض النقاد، كالناقد العراقي ياسين النصير الذي يرمز إليها – ربما – على أنها ثورة 14 تموز:

(يعطي غائب لحسيبة رمزية واضحة، فيرمز لها بقضية عراقية أوسع – ربما كانت ثورة 1958 أو شيئاً من هذا القبيل)(13) .

لكنه يذكر فيما بعد أن حسيبة يمكن التعامل معها على عدة مستويات رمزية مع النص، وان النص – الروائي يمتلك مجالات كثيرة للتعامل معه على أساس هذا التوجه وقابلية هائلة على احتوائه على إشارات تدلل على الرمز، وهذا يفسح المجال لنشوء معانٍ رمزية متعددة أو تأويلات لا تحصى لإشارات موضوعية والتعدد في التصور الرمزي يمنح حسيبة والرواية قيمة جمالية عالية شفافة .

ويمكن أن تكون المرحلة التي تلت هزيمة حزيران والتي جاءت لتكشف عن مدى عمق المأساة التي يعيشها الوطن آنذاك الزمن وعن عمق الأخطاء والسلبيات قبل الهزيمة التي كانت تمارس من قبل الأنظمة الرجعية اليمينية في المنطقة والفوضى التي سادت وسيطرة الفكر اللاعقلاني والغيبي على الساحة الثقافية وتكريس هذا الفكر بين المثقفين والعمل على نشره وتكريسه من قبلهم بين الجماهير، ومن الأمثلة على ذلك أن بعض المثقفين العراقيين كانوا يعتقدون بأنهم (يستشرفون صفاء العالم من خلال ثقب في جورب مومس)(14) .

لقد جعل فرمان من كل شخصية في الرواية تمثل فئة اجتماعية فأفكار وأحلام وتداعيات وتصورات الشخصية تكون أفكاراً ومنطلقات وأيديولوجيات تلك الفئة، أي أن هذه الشخصية تكون الممثل الرسمي لتلك (الفئة) على المستوى الدلالي .

الأب يراعي العائلة كلها ويعمل على تحسين مستواها الاقتصادي – الاجتماعي دائماً وعلى الحفاظ على التقاليد والشعائر التي نشأ عليها، وحين تختفي حسيبة يستفز ذاته للبحث والاستقصاء عنها وحده ويدع الأسرة مغلقة، والبحث يتم بمساعدة امرأة اسمها نعيمة كان لها سابقة مع الأب عبد الواحد أيام شبابه، ولم يرغب بمساعدة أحد غيرها، وتعثر عليها عند عطية العمية ولكن لا تخبر الأب عبد الواحد عن مكان مبيتها إنما تخبره عن مكان اشتغالها لأجل الانتقام والتشفي منه، لأجل الملامسات التي لم تكتمل في الخرابة . وهذه المرأة (نعيمة) هي من الخارج والأب عبد الواحد من الداخل يربطهما حب قديم، حب محنط، لم يبق منه إلا لفافات متيبسة هو من أعطاها كلمة السر رغم أنه يعتبر ان الهروب (فضيحة للعائلة كلها) ص10 وهي من حلت لغز هذا السر، فالعائلة كلها لم تفعل شيئاً إزاء الهروب، ولم يستطيع احد منهم العثور على الهاربة، ولكن هذا البحث يتم بواسطة شخص من خارج دائرتهم، وتُسلم حسيبة على طبق من زجاج ملون، وحال ملامسته يتكسر، يتفتت، ساحقاً معه فترة زمنية عاشتها حسيبة عندهم، و(البيت يتحول إلى سجن حقيقي) ص105، فالأب ينهار والابن يتيه في عوالمه البائسة ويبدأ بمقاطعة ومعاقبة نفسه والآخرين من خلال انغماسه بمعاقرة الخمرة التي تصبح طقساً يومياً له، مع عدم مواجهة أحد، وإذا تواجه يكون نائحاً مستشرفاً اللاعودة لزوجته (فهربت ولن تعود) ص49، وانسحب هذا الوضع على زمنه المتوقف عند نقطة الاختفاء نقطة الذكرى المجمدة ويبقى فاضل يعاني، يتألم، كالجواد المجروح دون أن يسقط .

نحن عرفنا أن رواية (خمسة أصوات) هي رواية أصوات خمسة مثقفين، بعدها رأينا صوتاً مثقفاً واحداً في رواية (المخاض)، ثم يظهر لنا صوتان مثقفان في رواية (ظلال على النافذة)، وهما مختلفان عن الأصوات السابقة مع تباين وتناقض، لأن فرمان جعل من كل رواية لها صوتها الخاص بها، أي أن كل صوت في الرواية له ظروفه التاريخية والسياسية والاجتماعية ومواقفه، من هنا يكون الصوت صوتاً لشريحة المثقفين في تلك الفترة، فـ (خمسة أصوات) فترة ما قبل ثورة 14 تموز، و (ظلال على النافذة) فترة بعد الثورة والعراق على مفترق طرق، فترة أواسط الستينات، عندئذٍ قام فرمان برسم شخصيتين مثقفتين تتناسبان وتلك المرحلة الصعبة فكراً وسلوكاً، فـ ماجد الأخ الأكبر وشامل الأخ الأصغر يتوسطهما فاضل العامل الأجير، ماجد درس الهندسة في أوربا وعاد، خروجه من العراق كان شبه نفي إجباري لآرائه السياسية ولاشتراكه في المظاهرات، وماجد قريب الشبه والملاح لـ (سعيد) فهما لا يعرفان ماذا يريدان أو عن ماذا يبحثان وما هو هذا الشيء ؟ويسافران لكن الأزمة تظل ملاصقة لهما وهذا إنعكاس للظرف السياسي – الثقافي – الاجتماعي في فترة الخمسينات والستينات وتبقى أصواتهم (أصوات مزدوجة)(15) ما بين الخلاص من الظرف المأساوي لهم، وبين أن يسود السلام والطمأنينة حياتهم هذا على المستوى العام وبين الانفتاح على المنحى الشخصي ومغادرة نقاط الضعف على المستوى الخاص، وبين العام الموضوعي والخاص الذاتي علاقة جدلية تبين لنا أن (ما يتسم به المثقفون من تذبذب أيديولوجي ومن انجذاب إلى فئات اجتماعية أخرى)(16)، ولكشف (الخرافة الفكرية)(17) التي يعيشها هؤلاء المثقفون البرجوازيون، لتركهم المنهجية الجدلية الحية في دراسة الظواهر والتطورات في كل مناحي الحياة .

إن ماجد كانت له علاقة جنسية مع خادمة، عندما كان يختفي في دار مخدومها لمدة خمسة أشهر، وعندما يرى (حسيبة) يتذكر فوراً (زهرة) التي تحسسه بالذنب وتكون تداعياته متداخلة متشابكة يحتاج القارئ إلى تركيز إضافي لمعرفة عن من يتكلم وأحياناً ليس في الاستطاعة التفريق بين الاثنتين (حسيبة) و (زهرة)، ولتوضيح الصورة بشكل أعمق ولبيان التداخل بينهما أقتبس هذا النص:

(من أين انت ؟ ومن عندك في قزرباط ؟ يعني العائلة كلها

هاجرت ؟ بقيت خالتك وجدتك ؟ طابت لكم بغداد ؟

بغداد تبتلع كل شيء . وكانت تنظر إلي بعينين رائعتين عطوفتين،

كأنها تنظر إلى عجلٍ ولد لتوه . وكنت أحس بفوران الدم في

شراييني، وهي ترمقني رمقاتها القصيرة الساجية . وكانت

تأتيني بالمجلات التي يشتريها أهل البيت، وأغلبها مصورة

صادرة من أرض الكنانة . وتشير زهرة إلى بعض الصور

المترفة) ص201 .

بعدئذ نكتشف من خلال قراءتنا لفصول ماجد، أن علاقته هذه ليست علاقة جنسية فقط، بل علاقة حب عارم ينخر في ذاته إلى النهاية، وحسيبة تذكره بهذا الحب الضائع، وعند بحثه عن وظيفة في دوائر الدولة وعدم عثوره على وظيفة يحول ماجد حسيبة من (قضية للأسرة إلى قضية للبلد، وثورة ورمز)(18) وتبقى زهرة وشمه المحفور في قلبه، رغم سفره وعودته الطويلة وتكون حسيبة بديلة لزهرة في الطيبة والنقاء والعفوية وليس بديلة في مكان آخر كما يوهمنا به فرمان، ويوحيه إلينا، وشغفه بـ زهرة وما تركته من فراغ وإحساسه بهذا الفراغ الذي يمزقه يحاول أن تمليه حسيبة ولو بالأنوثة النقية فقط لا أكثر ولحساسية تلك الفترة التاريخية جعلت يعكس ذلك على الرواية وعلى مثقفي الرواية، فـ ماجد مفرط الحساسية تجاه الأحداث التي تمر بها العائلة والأحداث التي يمر بها البلد وعطالته، وكذلك شامل لديه حساسية مثقف مغايرة تماماً لحساسية ماجد ويمثل فترة ما قبل الهزيمة ويمثل واقعاً مستوعباً من قبله، مغرور، أناني يؤمن بالطريقة الميكافيلية في الحياة، و(يسبغ على الحياة جدية مزيفة)(19)، لايهمه أي شيء يجري حوله، فقط كل ما يهمه نفسه، أما عائلته والآخرون فلا تهمه، لا يتعاطف مع أحد ولا أحد يتعاطف معه، برغماتي (زمن لا تحلق فيه غير الخفافيش، ولا ينعم فيه بالعيش غير المقاولين) ص289، يحوّل مأساة عائلته إلى مسرحية لكنه لم يستطع أن يضع لها نهاية، وتبقى انطباعيته تتقدم على عقلانيته انطباعية ممسوخة بوعي ممسوخ وعقلانية مدموغة بالإحباط (عش كلمة " إحباط " بقدر ما تستطيع وعندئذ ستفهمني) ص291، هذا ما يقوله لأخيه ماجد في نهاية الرواية، طموحاته بلا حدود طموحات تولد في ذهنه ميتة طموحات غير متواصلة مع الناس مع المجتمع، لكنه يصدم بالواقع الذي يعيشه .

ومن أجل الكشف لغطاء بطل فرمان المثقف، علينا أن ننطلق من المعالم الاجتماعية والثقافية له، لأن بطل فرمان المنفصل عن التقاليد السوسيولوجية الثقافية وعن المكونات الحقيقية للإنسان المثقف المنحدر من روح الشعب المنحدر من صفوفه هو ممثل لجيل زائل وهذا الإنسان المثقف يؤمن بفكرة، وهذه الفكرة قد استولت عليه ودمرته، ذلك لأنه لم يتحد ولم يوثق صلاته بالحياة اليومية، لم يوثق صلاته بالمجتمع الحقيقي ولم يؤمن بالتقاليد الثقافية الثورية فكل هذا خلق روح لا منتمية، روح انهزامية لا تستطيع أن تتعايش مع الواقع وضياع الدلالة الثورية .

يتسم سلوك وتصرف أغلب الشخصيات بالخنوع واللامبالاة والانكماش والنكوص، ومن ضمنها الشخصيات الثانوية النسائية، فالأم لا يتعدى دورها إلا مضايقة حسيبة وحالما تغادر ينتهي هذا الدور، أما الأخت فضيلة فهي خُلقت في هذا البيت للخدمة وتوفير الراحة لأفراد العائلة، ووقوفها طوال اليوم في المطبخ فأنها كالإنسان الآلي (الروبوت) لا أحاسيس لا شعور لا عواطف فقط عليها القيام بالأعمال المنزلية، هكذا ينظر إليها الآخرون، لكن في الحقيقة هي أخت محبة وطيبة تعمل على إرضاء الجميع وتحزن على مصير العائلة الذي آلت إليه .

قسّم فرمان الرواية إلى أربعة أقسام (ظلال) وكل ظل يتألف من ثلاثة فصول، الفصل الاول من كل ظل أفرد لـ الأب بضمير الغائب والفصل الثاني من كل ظل أفرد لـ ماجد بضمير المتكلم والفصل الثالث من كل ظل أفرد لـ شامل بشكل حوار مسرحي، وهذا الأسلوب في الروايات العربية لم يستخدم، فمن تقنية روائية بحتة من سرد ضمائر، تداعٍ، فلاش باك، أحلام يقظة منولوجات، أصوات متعددة متداخلة الخ .. أن يلحق فصل كامل في نهاية كل قسم على شكل حوار مسرحي، فهذا شيء جديد لم يسبق أن استخدمه أي روائي عراقي أو عربي – على ما أظن – حوار على شكل مناقشات بين الطلبة وإبداء الرأي وتفاعل الآراء للوصول إلى الأصوب مع تعليقات موضوعية صميمية، ويقول فرمان عن سبب استخدامه لهذا الأسلوب:

(وكان " شامل " في ذهني يلعب دوراً كبيراً وكنت أريده أن يكون شخصية بارزة في الرواية عند سير الأحداث في مجرى كتابة الرواية لم أجد (شامل) يبرز فيها بالصورة الواضحة والقوية المؤثرة التي كنت أنا أريد أن أظهره بها، بعد تفكير طويل لجأت إلى أن أكتب قسمه، خصوصاً وهو طالب في معهد الفنون الجميلة، بهذا الأسلوب)(20) .

رغم أن الحوار هو التقنية الوحيدة في المسرح تقريباً – البعض يستخدم الملصقات – الأفلام – الصور – لكن بالمقارنة مع رواياته، أشعر أن هذا الأسلوب المسرحي لم يأتِ متلائماً مع الرواية رغم أنه لم يضعفها أو أصبح جزء غير منسجم مع بقية الأجزاء المنسجمة، أما فصول ماجد فجاءت قمة في الروعة، عالية التقنية من أساليب مختلفة – تيار الوعي – المنولوج الداخلي، تداخل الماضي بالحاضر بالماضي – الحوار الدقيق، لذا أتى النص مزدحماً بالجمالية داخل بنية الرواية مع رؤيا فنية للناحية التاريخية السياسية .

ومن خلال هذه الأساليب الثلاث تبرز لنا جدلية الأصوات، الأصوات التي تعيش العصر الاجتماعية، السياسية، الأيديولوجية ولتكون الرواية بصمة المستقبل لامتلاكها حضوراً داخل صراع القوى المتعايشة حاضراً ومستقبلاً . كان فرمان يمتلك حرية واسعة في داخل فضاء النص – الروائي لأنه كان على اطلاع عميق بالمراحل التي يكتب عنها لأنه (كلما كانت معرفة الكاتب بفترة ما أعمق وأكثر تاريخية على نحو أصيل كان أكثر حرية في التحرك داخل موضوعه)(21) .

 

أسامة غانم

.............................

الهوامش والإحالات:

*رواية " ظلال على النافذة " – دار الآداب، بيروت / لبنان، 1979.

1- وليم راي – المعنى الأدبي: من الظاهراتية الى التفكيكية – ت / د. يوئيل يوسف عزيز، ص9 دار المأمون بغداد 1987 .

2- ياسين النصير – الصيانية والتدمير – ص51 مجلة الأقلام العدد 7-8 تموز / اب 1992 .

3- فلاديمير بروب – مورفولوجية الخرافة – ت / د. ابراهيم الخطيب المغرب 1986 .

4- فاضل ثامر – الصوت الآخر: الجوهر الحواري للخطاب الأدبي – ص115 دار الشؤون الثقافية بغداد 1992 .

5- يقول فاضل ثامر بأنه يمكن اختزال الوحدات الوظيفية الأحدى والثلاثين كما (أقره بروب وأقرته الدراسات الحديثة التي أشارت إلى إمكانية اختزال الوظائف إلى وظيفتين فقط) ص120 المصدر السابق.

6- جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي – ت الدكتور حنا الشاعر ص29 دار الأندلس ط2 بيروت 1982 .

7- م . باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دوستويفسكي – ت / الدكتور جميل نصيف، مراجعة الدكتورة حياة شرارة ص260 – دار الشؤون الثقافية بغداد 1986 .

8- د. نجم عبد الله كاظم – الرواية في العراق: 1965 – 1980 ص237 دار الشؤون الثقافية ط1 بغداد 1986 .

9- جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي ص212 .

10- م. باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دوستويفسكي ص260 .

11- دز نجم عبد الله كاظم – الرواية في العراق ص237 .

12- رولان بارت – نقد وحقيقة – ت . د منذر عياشي ص82 مركز الإنماء الحضاري – دمشق .

13- ياسين النصير – الصيانية والتدمير ص53 .

14- شوكت الربيعي وآخرون – بيان الى المثقفين العراقيين – ص157 مجلة الثقافة الجديدة العدد الاول حزيران 1969، نشر هذا البيان الموقع من قبل (4) مثقفين عراقيين هم: شوكت الربيعي (رسام وناقد) وعبد الرزاق المطلبي (قاص)، سليم عبد القادر السامرائي (ناقد أدبي) محمد ياسين المطلبي (شاعر)، رداً على البيان الشعري الذي أصدره: فاضل العزاوي (قاص وروائي – يقيم منذ سنوات خارج العراق) . فوزي كريم (شاعر – غادر العراق صيف 1978 إلى لندن وقد أصدر في لندن مجلة اللحظة الشعرية) وسامي مهدي (شاعر) وخالد علي مصطفى (شاعر) / في مجلة الشعر 69 العدد الأول مايس 1969، ونحن نعلم بأن فاضل العزاوي وفوزي كريم يمتلكان رؤية وفكراً وأيديولوجية غير التي يمتلكها الشاعران الآخران بل هما على طرفي نقيض منهما .

15- م.باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دوستويفسكي – ص238 .

16- جانفيف مورييو – ت رشيد بنحدو ص111 – (البنيوية التكوينية والنقد الأدبي) مؤسسة الأبحاث العربية بيروت 1984 .

17- جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي – ص27 .

18- ياسين النصير – الصيانية والتدمير ص52 .

19- م. باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دوستويفسكي ص256 .

20- د. نجم عبد الله كاظم – الرواية في العراق – ص236 .

21- جورج لوكاش – الرواية التاريخية – ت / د. صالح جواد كاظم ص239 . وزارة الثقافة والفنون العراقية – دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 1987 .