866 شعبان 3حين علمت بصدور مذكرات "عبد الرحمن اليوسفي" رئيس الوزراء المغربي (الأسبق) والذي يسمى في الأدب السياسي المغاربي "الوزير الأول" بادرت بالسؤال عنها لاقتنائها لما يمثله اليوسفي من رمزية وطنية وعروبية وحقوقية وإنسانية كبيرة، تكاد تكون نادرة في هذه الأيام، ولكي أطّلع على تفاصيل أخرى من حياته ومحطّات مهمة كنت أجهل الكثير عنها، وهو الأمر الذي تأكّدت منه بعد قراءتي نصوص المذكرات التي صدرت في ثلاثة أجزاء وهي بعنوان "أحاديث في ما جرى" عكست ما جاء في الجزء الأول "شذرات من سيرتي كما رويتها لبودرقه "كما قال اليوسفي نفسه، والمقصود ببودرقه هو امبارك بودرقه (عباس)  الذي يقول في مقدمته الموسومة" محاولاتي مع بوح سي عبد الرحمن اليوسفي":

"عندما قررتُ في سنة 2016 نشر رسالة باريس للمرحوم محمد باهي حرمة، وشرعت مع صديقي أحمد شوقي بنيوب في تجميع موادها من أرشيف صحافتنا ووثائقنا، برزت لنا مواد أخرى ذات أهمية، كانت بدورها تتطلّع للنشر، وتتمثّل في مداخلات في الثقافة السياسية والذاكرة النضالية للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي".

ويشير بودرقه إلى أن ذلك حلم راوده لفترة قاربت عقدين من الزمن، وكثيراً ما حاول إقناع اليوسفي بتدوين سيرته، خصوصاً أدواره ومواقفه في الحركة الوطنية وفي المقاومة وجيش التحرير وفي ما شهده المغرب من أحداث جسام بعد استقلاله، لكنه كان يقابل الإلحاح بالصمت أو بابتسامة عريضة تلك التي لا تفارقه، والحاملة لكل المعاني والتأويلات التي يمكن أن تتبادر إلى الذهن.

ويبدو أن المذكرات ما إن صدرت حتى نفذت لأن كثيرين كانوا ينتظرونها  بشوق مثلي وعلى أحرّ من الجمر كما يُقال، وكنت قد سمعت عن عبد الرحمن اليوسفي وشاهدته  لأول مرّة حين حضر إلى بغداد في ربيع العام 1968 للمشاركة في الحفل التأبيني للشخصية الديمقراطية الكبيرة كامل الجادرجي، الذي أقيم في قاعة الخلد ببغداد، والذي كتبت عنه في جريدة المستقبل اللبنانية يوم 13 آذار (مارس) 2008 ما يلي:

أتذكر ذلك المساء الربيعي، يوم الجمعة 12 نيسان عام 1968، حين بدأ الحفل في قاعة الخلد ببغداد وامتدّ إلى حدائقها لتأبين وتكريم كامل الجادرجي المفكر الديمقراطي ـ الليبرالي، ولعل المفارقة التاريخية يوم اقترب التأبين من يوم مولده المصادف 4 نيسان 1897، حيث اجتمع عند تكريمه رجال فكر وقادة من المشرق والمغرب، إضافة إلى كوكبة لامعة من الشخصيات الوطنية العراقية، الأمر الذي يثير سؤالاً حاراً هو كيف يصبح الاستثناء قاعدة وتلتقي عندها التيارات المتصارعة بما فيها الشمولية أيضاً ؟ افتتح الحفل بكلمة لرفيق عمره ونائب رئيس الحزب الوطني الديمقراطي محمد حديد.

كان مصطفى البارزاني، الزعيم الكردي العراقي حاضراً بشخص صالح اليوسفي، رئيس تحرير جريدة التآخي، واعتلى المنصة الزعيم اللبناني كمال جنبلاط، لينقل تحية الأرز إلى النخيل، ثم ألقى يوسف السباعي تحية شعوب آسيا وأفريقيا، وأعقبه العلاّمة آغا بزرك الطهراني من الحوزة العلمية في النجف، ووصلت برقية الكنانة والأهرام إلى بلاد سومر وبابل وأرض الرافدين وكانت باسم خالد محي الدين وألقيت كلمات للفريق عفيف البزري وبرقية شفيق رشيدات ورسالة من أحمد بهاء الدين، كما تحدث في الافتتاح الدكتور صفاء الحافظ باسم أساتذة الجامعة، والأديب والمفكر اللبناني حسين مروة. وكان عبد الرحمن اليوسفي الشخصية المغربية البارزة، قد وصل لتوه، ومن الطائرة إلى الاحتفال (ليلقي كلمته المؤثرة ) واختتم الحفل بكلمة عائلة الفقيد ألقاها نجله رفعت الجادرجي.

وبالعودة إلى مذكرات اليوسفي فقد جرّبت السؤال عنها في طنجة فلم أجدها، وفي الدار البيضاء في سفرة أخرى، فقيل لي ستجدها في الرباط، وخابت جميع محاولات وآمالي في الحصول عليها في جميع المكتبات التي سألتُ عنها، وكان صديقي الأكاديمي والروائي والكاتب الدكتور محمد المعزوز قد وعدني بتأمين نسخة منها، ولكن الدكتور خير الدين حسيب حين عرف برغبتي  بالاطلاع عليها بادر بتقديمها لي مشكوراً وهي مهداة له من المؤلف ذاته وبخطه وبتوقيعه. وبالمناسبة فإن اليوسفي يرتبط بعلاقات صداقة حميمة مع عدد من الشخصيات العراقية في مقدمتهم أديب الجادر وقد تزاملا في عملهما في جنيف وفي إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

866 شعبان 1

II

لعلّ من خصال اليوسفي وشخصيته الأثيرة كما تقول مقدمة بودرقه وما تكشفه نصوص المذكرات ذاتها، وما عرفناه عنه، أنه كثير التأني والتأمل وقليل البوح وبقدر صبره وطول نَفَسِه وتحمّله للشدائد، فقد كان أيضاً دقيقاً في اختيارات جمله ومفردات خطابه، التي يحرص على تدوينها وتوثيقها لأنه لا يريد الارتجال أو لردود الفعل الآنية أن تأخذ مكانها عكس ما يرغب به المرء أحياناً. ومع كل التردد والانتظار وافق  أخيراً وبعد نأي على محاولات بودرقه المتكرّرة ومخاطباته المتعدّدة لتدوين سيرته أو لنقُل بعضاً منها، وهكذا شرع الأخير بتجميع وتوثيق واستكمال نتاجات ونشاطات اليوسفي المتنوعة التي غطت مرحلة تاريخية كاملة، سواء على صعيد الفكر أم السياسة أم حقوق الإنسان أم القانون أم الإدارة أم الصحافة، وقد خصص الجزء الثاني والثالث من مذكراته لرؤيته الاستراتيجية على مستوى الفكر والمواقف والتحليلات السياسية، خصوصاً وهو من الموقع الأول في الدولة.

ومن عمق الذاكرة الحيّة والمتوقدة لرجل تجاوز التسعين (مواليد 8 مارس /آذار 1924)، أمكن رفد المكتبة المغاربية بشكل خاص والعربية بشكل عام، بمادة حيّة وزاخرة لمفكر رؤيوي وسياسي استراتيجي وصاحب رأي ووجهة نظر في التحوّل الديمقراطي، ومناضل مشهود له في ميدان حقوق الإنسان، وهذه المادة ليست سوى ذخيرة أولية يمكن قراءتها بعناوينها الأساسية والاستناد إليها بالتوسّع والتعمّق لفضاء أرحب للمغرب بشكل خاص والعالم العربي بشكل عام، بل على مستوى السياسة والفكر العالميين، بما فيها ملابسات المنظمات الدولية الكبرى.

ولعلّ أهمية قراءة هذه المذكرات أنها  تعطي القارئ فكرة تكاد تكون مدهشة عن عملية ديناميكية متواصلة، طرفيها: السلطة والمعارضة، بما فيها من تداخل وتخارج واتفاق وتعارض وتواصل وتباعد، لكنها عملية متفاعلة تنطلق بالأساس من روح الشعور بالمسوؤلية الوطنية والواجب الإنساني والاعتبارات الأخلاقية في إطار اجتهادات خاصة لكل منهما، دون نسيان المشتركات التي تجمعهما  تحت " الخيمة الوطنية" ولذلك كان كل طرف على الرغم من الجفاء أحياناً يسعى لمدّ جسور من الثقة مع الطرف الآخر الشريك في الوطن حتى وإن بدت الضفتان متباعدتين.

وبالفعل تم بناء هذه الجسور بعمل مضني في ظروف قاسية، لكن تحقيقه وإن كان صعباً وبدا في فترة ما مستحيلاً، إلّا أن روح الشعور العالي بالمسؤولية والحرص على تطور البلاد باتجاه التحوّل الديمقراطي هو الذي ساد في نهاية المطاف، وهذا ما حصل وهكذا انتقل اليوسفي من المعارضة إلى المشاركة ومن الرفض إلى النقد ومن المطالبة بتغيير النظام إلى تحمّل المسؤولية للمشاركة في  إدارته والمساهمة في إصلاحه والعمل من أعلى موقع في الدولة لتقديم رؤية جديدة تتعلق بالتطور السلمي استجابة لمتغيرات داخلية وعالمية.

وقد أسهم هذا التطور في ثلاث جهات أساسية:

أولها - توفر إرادة ملكية سامية بالانتقال السلمي للديمقراطية والعمل على تطويرها بخطوات تدرّجية وتراكمية.

وثانيها - مجتمع مدني ناشط وأجواء حقوقية مساعدة راصدة وناقدة وتسعى لتكون "قوة اقتراح" وليس "قوة احتجاج" فحسب،  بل تبذل ما في وسعها لكي تكون شريكا في اتخاذ القرار وفي تنفيذه لتحقيق التنمية المنشودة.

وثالثها- حركة سياسية وطنية التقت رؤيتها مع الإرادة الملكية العليا ومع تطلّعات المجتمع المدني، ويضاف إلى كل ذلك شجاعة من جميع الأطراف بمواجهة الصعوبات ومجابهة التحدّيات للوصول إلى المشترك الذي يخدم البلاد والعباد  ويطمح للحاق بركب البلدان الديمقراطية تأسيساً على قيم إنسانية مشتركة، وفقاً لثلاثة اعتبارات:

الاعتبار الأول- تجاوز مآسي الماضي وفتح صفحة جديدة من العلاقات بين الأطراف المعنيّة في إطار مسار طويل الأمد ونضال متعدّد الجهات والوجوه والأشكال.

والاعتبار الثاني- تطبيق معايير العدالة الانتقالية وفقاً للظروف المغربية، سواء بكشف الحقيقة أم بالمساءلة أم بجبر الضرر أم بالتعويضات للوصول إلى إصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني ووضع آليات لمنع تكرار ما حصل، والهدف هو تحقيق المصالحة الوطنية، في إطار الاعتراف والتسامح بعيداً عن الانتقام والثأر والكراهية. وتعتبر التجربة المغربية بسياقها التاريخي أولى تجارب العدالة الانتقالية في العالم العربي، علماً بأن بعض من تولى مسؤولية قيادة مثل هذا التحوّل الحقوقي المهم هم من ضحايا العسف سابقاً الذين شاركوا بفاعلية في عملية التحوّل الديمقراطي، أذكر منهم الصديق إدريس بن زكري الذي قضى 17 عاماً في السجن وكنت قد أهديت له كتابي " الشعب يريد... تأملات فكرية في الربيع العربي" (2012) وكان قد غادرنا قبل هذا التاريخ.

أما الاعتبار الثالث- فهو التطلع للمستقبل، خصوصاً باحترام معايير حقوق الإنسان والشرعة الدولية، والانضمام إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وإطلاق حريّة التعبير والحرّيات الديمقراطية بما فيها الحق في التنظيم الحزبي والنقابي والاجتماعي والحق في الشراكة والمشاركة وعدم التمييز. وقد كانت للتغيرات الدستورية في المغرب التي حصلت بعد فترة ما سمي بالربيع العربي أن أرست قواعد دستورية جديدة لأفق تطور لاحق للانتقال الديمقراطي  توّجت بدستور العام 2011.

وكانت فترة إدارة اليوسفي قد أسست لمثل هذا التطور، وكنت شاهداً وراصداً عليها، وداعماً لها بالمقترحات والمشاورات، خصوصاً من خلال وزير حقوق الإنسان الصديق محمد أوجار، الذي أسهم بحيوية واقتدار في تحمّل مسؤولياته ما أهلّه اليوم ليكون وزيراً للعدل. وخلال رئاستي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن  كنت قد استضفته (أواخر التسعينات) في محاضرة بجامعة سواس Soas وفي لقاءات مع الجالية العربية ومع جهات رسمية ودولية عديدة لشرح آفاق التجربة المغربية، مثلما التقيت بالوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي أكثر من مرّة خلال رئاسته للوزارة، وهو ما سيرد ذكره في هذه المداخلة.

866 شعبان 2

III

ولد عبد الرحمن اليوسفي في يوم 8 آذار (مارس) 1924 في مدينة طنجة وتلقى تعليمه الأولي فيها وكانت طنجة حينها تخضع لنظام دولي بعد ثورة الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي. خلال عمله النضالي تعرّض للسجن والتعذيب واضطر للعيش في المنفى 15 عاماً وعاد إلى المغرب العام 1980، بعد لقاء والدته مع جلالة الملك الحسن الثاني بطلب من الأخير، سألها في آخر اللقاء عن أي طلب لها، فقالت له أريد عودة " ولدي" وهذا ما حصل، حيث كان قد صدر عفواً عنه.

وكان عبد الرحمن اليوسفي على علاقة وطيدة مع المهدي بن بركة الذي اختطف من باريس العام 1965 واختفى قسرياً منذ ذلك الحين، ويتحدث في مذكراته بإعجاب عنه منذ أن تعرّف عليه العام 1943 فيذكر قدراته التنظيمية والحوارية وديناميكيته وطاقته العالية وفكره المتنوّر، وكان في ذلك التاريخ قد انخرط معه في حزب الاستقلال.

ومن الطرائف التي يذكرها اليوسفي في مذكراته أنه ظلّ متمسكاً بالطربوش والجلباب  التقليدي في مراكش والرباط، لكنه تخلّى عنهما بعد حادثة عرضية منذ العام 1944، وعاد لارتدائهما في مناسبات بروتوكولية العام 1998 بعد تعيينه وزيراً أولاً من طرف الملك الحسن الثاني .

ويستذكر اليوسفي عمله في الحركة الوطنية وفي تنظيم الخلايا النقابية العمالية التي شكّلت بذوراً للمقاومة في الحي المحمدي وكانت تنشط في إطار " الاتحاد العام للنقابات المغربية" التي يشرف عليها كما يقول، مناضلون من الحزب الشيوعي الفرنسي (في الأربعينات).

ويروي اليوسفي عن لقائه  الأول بـ عبد الرحيم بو عبيد (1949-1950) في باريس، وكان عبيد قد اعتقل العام 1944 وقضى سنتين في السجن، ثم ذهب هو الآخر إلى باريس لإتمام دراسته، وكان مسؤولاً عن حزب الاستقلال فيها، ويستذكر انعقاد دورة للجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس (1951) ولقاءه بـ عبد الرحمن عزّام " أمين عام جامعة الدول العربية"، الذي ساعده في طرح القضية المغربية على العديد من الوفود العربية، لكن السلطات الفرنسية شعرت بعدم الرضا وقامت بطرده، وكان يومها مسؤولاً عن الطلبة.

ولكن الملك محمد الخامس احتجّ على قرار الطرد والاحتجاز لدى السلطات الفرنسية، ثم تم تنسيبه إلى قيادة مكتب القاهرة وسعيه للحصول على جواز سفر مصري، لكن نجاح ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 حال دون ذلك. واضطر اليوسفي للعودة إلى طنجة (1952)، ويستذكر الإضراب الذي تم تنظيمه في المغرب تضامناً مع تونس بعد اغتيال مجموعات متطرّفة فرنسية القائد النقابي التونسي  فرحات حشّاد (1952)، وتعرّض التظاهرات الحاشدة لقمع قوات الاحتلال الفرنسي، وخصوصاً في الدار البيضاء.

وفي الوقت الذي كانت البلاد محتلّة من الفرنسيين، كان الشمال المغربي محتلاً من طرف إسبانيا، وكانت المقاومة المغربية تتركّز في الشمال، وحين انطلقت الثورة الجزائرية العام 1954، استفادت من هذا الفضاء الذي وفّرته المقاومة المغربية، ويستذكر اليوسفي عودة الملك محمد الخامس إلى المغرب 1955 ويشير إلى التنسيق بين قادة المقاومة في المغرب والجزائر، والبحث عن أسلحة ومعدّات لدعم جيش التحرير المغربي والجزائري وبمساعدة الأجهزة  المصرية في ذلك عبر أحمد بن بلّه الذي كان يمثّل الثورة الجزائرية ومعه محمد بوضياف ومحمد العربي بالمهيدي.

ونقلت الأسلحة من الإسكندرية  بباخرة تدعى دينا Dina  وصلت إلى مدينة الناظور المغربية (28 شباط/فبراير/1955) وكان على ظهرها محمد بوخروبه وهو الاسم الحقيقي لـ"هواري بومدين" الذي كان يتابع دراسته بالأزهر الشريف.

وكان ربّان السفينة شاب يوغسلافي اسمه ميلان،  عاش في الإسكندرية هو وزوجته وابنته، وحين حصل العدوان الثلاثي على مصر العام 1956، تطوّع للدفاع عنها، فاستشهد في بور سعيد، حين انخرط مع المقاومة المصرية أثناء قيامه بإحدى العمليات. وكان الأمير مولاي الحسن قد زار مصر بعد تأميم قناة السويس وتفقّد عائلة ميلان الذي غامر بحياته لقيادة الباخرة التي نقلت الأسلحة  إلى المقاومة المغربية والجزائرية، وقدّم لها هدايا رمزية، كما يذكر اليوسفي، وقد تزوّج الأخضر الإبراهيمي الشخصية الجزائرية الوطنية والدبلوماسية من ابنة ميلان واسمها مليكا.

ويشير اليوسفي إلى أن المجلس الوطني للمقاومة كان يترأس اجتماعاته علّال الفاسي وبغيابه يتولى المهمة عبد اللطيف بنجلون، ويذكر أن الفقيه محمد البصري كان من أنشط عناصر هذا المجلس وهو ما أهّله ليكون رئيساً له وأعلن عن "ثورة الملك والشعب"، وفي الذكرى الثانية لها (1957) انتقد البصري انزلاق البلاد نحو الاستعمار الجديد بسبب سياسة الاستيطان الفرنسية، ويشير إلى الخلافات داخل حزب الاستقلال  التي قادت إلى تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية 1959، وذلك اعتماداً على العناصر الشابة ذات التوجه التجديدي.

ويروي عبد الرحمن اليوسفي قصة اختطاف القادة الجزائريين الخمسة يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1956، حين أقلعت طائراتهم من المغرب إلى تونس، حيث اعترضتها المقاتلات الحربية الفرنسية، والقادة الخمسة هم أحمد بن بلّه وحسين آية أحمد ومحمد خيضر ومحمد بو ضياف ومصطفى الأشرف، وقد توجهوا إلى تونس لحضور الندوة المغاربية التي شارك فيها الملك محمد الخامس والحبيب بورقيبة، وكان اليوسفي، كما ينقل، قد رافقهم خلال وجودهم  في المغرب، كما دافع عنهم لاحقاً كمحامي انتدبته الحكومة الثورية المؤقتة للثورة الجزائرية، وبالتضامن من جانب قادة المقاومة المغربية.

وبالطبع قضى القادة الخمسة نحو ستة سنوات في السجون الفرنسية، وأطلق سراحهم في 19 مارس (آذار) 1962 عشية محادثات إيفان وقبيل استقلال الجزائر بنحو 3 أشهر.

IV

في العام 1959 حجزت السلطات المغربية جريدة "التحرير"  التي كان رئيس تحريرها عبد الرحمن اليوسفي واعتقلته، كما اعتقلت الفقيه محمد البصري بالدار البيضاء، إثر افتتاحية للجريدة، ونقل إلى "سجن لعلو" وقد أضرب عن الطعام مما اضطر إدارة السجن إلى استدعاء طبيبين لعلاجه، وقرّرا نقله إلى مستشفى ابن سيناء بالرباط، وتم إطلاق سراحه بعد أسبوعين، وبقي البصري نحو ستة أشهر.

بعد خروجه من المعتقل التقى بالملك محمد الخامس في كانون الأول (ديسمبر) 1959 في جنيف وكان هذا آخر لقاء، حيث توفي الملك بعد ذلك كما يذكر اليوسفي  في 26 فبراير (شباط) 1961 وتولّى الأمير الحسن الذي أصبح الملك الحسن الثاني مقاليد العرش في مارس (آذار) 1961.

ويذكر اليوسفي الصراعات التي أعقبت تولي الحسن الثاني إدارة البلاد، ابتداء من الاستفتاء على دستور العام 1962 ومروراً بإشكالات المجلس الدستوري  والانتخابات التشريعية، تلك التي يتناولها بمرارة حيث تمت الإطاحة به فيها، وكان الحزب قد رشحه عن طنجة، بينما نجح جميع أعضاء الأمانة العامة للاتحاد الوطني للقوى الشعبية، وقد شهدت تلك المرحلة حملة ضد الصحافة وحرية التعبير،إضافة إلى  حملة الاعتقالات حيث  تعرّض لها العديد من المناضلين (حوالي 100) بإشراف الجنرال محمد أوفقير (مدير الأمن الوطني آنذاك) والرائد أحمد الدليمي وقد تم تقديمهم للمحاكمة وصدرت الأحكام بإدانتهم (1964) لاتهامهم بمؤامرة مزعومة، بينهم من حُكم عليه بالإعدام (11 من المتهمين)، وجاهياً وغيابياً، والقسم الآخر بأحكام غليظة. وحكم على اليوسفي سنتين مع وقف التنفيذ.

ويقول اليوسفي أن هناك محاولة أولى للتناوب ابتدأت في ذكرى 20 أغسطس (آب) 1964، حيث أصدر الملك الحسن الثاني عفواً بتحويل بعض الأحكام من الإعدام إلى السجن المؤبد، ثم إطلاق سراح 65 معتقلاً بمن فيهم الفقيه البصري وعمر بنجلون ومؤمن الديوري، واستقبل الملك عبد الرحيم بوعبيد وأبلغه بالتفكير بتكوين حكومة وحدة وطنية، وأرسل ابن عمه مولاي علي لإقناع المهدي بن بركه العودة إلى المغرب، وتم اللقاء في فرانكفورت، وأبدى بن بركه تحفظاته حول الجنرال أوفقير وعصابة الإجرام  كما يسميها اليوسفي، لكن اختطاف المهدي بن بركه يوم 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1965 بدّد تلك المحاولات وأدخل البلاد في دوامة جديد من الصراع وشغل الرأي العام الوطني والدولي، ولا يزال مصير بن بركه مجهولاً حتى الآن وكان الرئيس ديغول قد اتهم أوفقير بالضلوع بالعملية حسبما يذكر اليوسفي.

V

يروي اليوسفي جانباً آخر من حركته في المنفى وهو متابعة دراسته واهتمامه بحقوق الإنسان وعمله في إطار اتحاد المحامين العرب (الأمين العام المساعد) ويشير إلى مشاركته بتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليماسول (قبرص) 1983 والدفاع عن المناضلين الفلسطينيين أمام المحاكم الأوروبية وكذلك ضد الجرائم التي ترتكب في الفيتنام، كما عمل في إطار منظمة التضامن الأفروآسيوي (الأبسو) .

وبعد صدور عفو عنه العام 1980 عاد إلى الوطن وكان قد تعرف على زوجته كما يقول" هيلين" في العام 1947 بمدينة الدار البيضاء كما يذكر، وهي من أصل يوناني، وسكن والدها الخياط في المغرب. بعد أن عاشت العائلة في فرنسا، وقد تزوج منها بعد 21 عاماً من التعرف الأول عليها، حيث انتقلت العائلة إلى مدينة "كان" الفرنسية.

يتناول اليوسفي قيادة عمر بن جلون ثم عبد الرحيم بوعبيد للاتحاد الوطني للقوى الشعبية، ومن بعد قيادته، وتعيينه وزيراً أول بعد استقباله الملك الحسن الثاني بالقصر الملكي بالرباط يوم الأربعاء يوم 4 فبراير(شباط) 1998 وخاطبه الملك قائلاً" إنني أقدّر فيك كفاءتك وإخلاصك وأعرف جيداً منذ الاستقلال إنك لا تركض وراء المناصب، بل تنفر منها باستمرار، ولكننا مقبلون جميعاً على مرحلة تتطلّب بذل الكثير من الجهد والعطاء من أجل الدفع ببلادنا إلى الأمام حتى نكون مستعدين لولوج القرن الحادي والعشرين..."

ويشير اليوسفي إلى الثقة الكبيرة والواعدة من جانب الملك الذي قرّر أن يجعل "التناوب" لا مجرد تناوب أشخاص أو أحزاب، بل بداية مسيرة جديدة خصّها جلالته بقسم خاص..."

وقد فتحت تلك الخطوة ديناميكية جديدة في المسار السياسي للمغرب وأغلقت الصفحات السابقة بما فيها من صراع ومآسي، وهو الأمر الذي شهد تطورات لاحقة لتعزيز التوجّه الديمقراطي، خصوصاً ببناء أعراف جديدة وتفعيل ثقة المواطن بالدولة ومصالحة الشعب مع الحكومة . وعلى الرغم من أن الحكومة كانت مدعومة بثقة الملك، لكنها تعرّضت لتحديات عديدة وواجهتها صعوبات داخلية وخارجية، بما فيها بعض التوجهات من داخل الحزب الذي يقوده اليوسفي الذي أصرّ على أنها تجربة علينا أن نخوضها كاجتهاد وهو ما حاولت أن أحاوره فيه.

وكانت وفاة الملك الحسن الثاني 23 يوليو (تموز) 1999، وأتذكّر ذلك اليوم جيّداً، حيث كنّا باجتماع خبراء حقوقيين وعددنا 19 خبيراً في أثينا، وكان الأخ عبد العزيز البنّاني بيننا، وإذا بتلفون يأتيه فيتجه إلى زاوية من المكان الذي كنّا نجتمع فيه والحزن والألم ظاهرين عليه، ومن الحاضرين: بهي الدين حسن (مصر) هيثم مناع (سوريا) محمد السيد سعيد (مصر) أمين مكي مدني (السودان) خضر شقيرات وراجي الصوراني (فلسطين) وكاتب السطور (العراق)، وأبرقنا إلى اليوسفي نعزّيه.

واستمر اليوسفي حتى تم إجراء الانتخابات في 27 سبتمبر (أيلول) 2002 بعد مبايعة الملك محمد السادس، وكانت تلك الانتخابات الأكثر نزاهة وهي بإشراف حكومة التناوب التوافقي، أو يمكن القول الأقل تزويراً حسب تأكيدات الصحافة العالمية بما فيها اللوموند الفرنسية ومنظمات دولية معتمدة.

وكان اليوسفي قد قرّر الاعتزال بعد ذلك بنحو عام في أكتوبر (تشرين الأول) 2003، فكتب استقالته من الحزب وسلّمها إلى الصديق المحامي (رئيس نقابة محامي الرباط) محمد الصديقي (عضو المكتب السياسي) كما أبلغ عبد الواحد الراضي بنقل رسالة استقالته إلى أعضاء المكتب السياسي، مقدّماً تجربة رائدة على مستوى تحمّل المسؤولية بنزاهة منقطعة النظير ونكران ذات وشعور وطني صادق.

ويشير الجزء الأول من المذكرات إلى بعض المعالجات التي أقدمت عليها حكومة اليوسفي مثل الضمان الصحي وتشغيل الشباب من حاملي الشهادات العليا وترسيخ الانتقال الديمقراطي، والأهم في ذلك هو مسار العدالة الانتقالية الذي تميّزت به التجربة المغربية، كما احتوت على عدد من الملاحق المهمة التي هي تحتاج إلى قراءة خاصة.

VI

وكنت قد جئت على لقاء خاص جمعني باليوسفي  (ننيسان/ ابريل/ 1999 في منزل المحامي عبد العزيز البنّاني) وقد نشرته في كتابي الموسوم" سعد صالح : الضوء والظل - الوسطية والفرصة الضائعة" والمنشور في بيروت العام 2009 والمطبوع ثانية في بغداد 2012، وأحاول أن أنقل بعض الفقرات الخاصة منه والتي جاء بعنوان " استعادة تاريخية" حيث ورد فيه :

في حديث جمعني في كازابلانكا " الدار البيضاء" العام 1999 مع عبد الرحمن اليوسفي وكان حينها قد تولّى رئاسة الوزراء " الوزير الأول" كما يسمّى في المغرب العربي بعد أن كنت قد تعرفت عليه عندما كان رئيساً لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو من الشخصيات الحقوقية المؤثرة، حيث عمل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان وفي اتحاد الحقوقيين العرب، ثم قبل تكليفاً ملكياً بتولي رئاسة الوزراء، وكان اليوسفي قد طلب اللقاء مع نخبة من زملائه العاملين في الإطارين ذاتهما، على دعوة عشاء نظمها الأستاذ عبد العزيز البنّاني في بيته، يومها تحرّك فيّ الهاجس الصحفي لسببين، الأول هو كيف يمكن لمعارض وطني قضى أكثر من ثلاثة عقود في المنفى أن يتبوأ رئاسة وزارة في عهد ما زال مستمراً وكان من أشد المعارضين له، بل داعياً لإلغائه؟ والثاني كيف يفهم السياسي الوطني معارضته من خلال هيكل الدولة وكيف يمكن التعامل معها؟

بادرت حينها إلى إثارة النقاش بسؤال الوزير الأول: ألا تشعر أحياناً بالغربة أو الاغتراب، يا " دولة" سي عبد الرحمن وأنت في هذا الموقع؟ وكان جوابه، نعم والى حدود غير قليلة، لكن شفيعي أن جزءًا من خطابي ما زال معارضاً، وهو ما كنت ألمسه في أحاديثه وخطبه التي تابعتها لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، بما فيها عندما أستقبل عدداً محدوداً من الذين يرتبطون بعلاقة أو معرفة معه في منزله وكنت بينهم، الذي رفض البقاء فيه رغم طلب الملك نفسه، لكنه عاد إلى شقته التي كان يسكنها قبل توليه الوزارة، وبعدها أردف اليوسفي قائلاً: لقد كنّا نعارض الدولة من خارجها وربما بعض معارضتنا الآن من داخلها، وهي تجربة اخترناها بالأغلبية رغم تحفظ بعض الأصوات، وعلينا اجتيازها، نأمل أن تكون مفيدة وناجحة، وهي تجربة مفتوحة للزمن للمناقشة والتقييم.

وقال اليوسفي كنّا نعتقد ان بعض الملفات يمكن أن نفتحها بيُسر وسهولة وإذا بها مغلقة أمامنا، وبعضها اعتقدنا بصعوبة فتحها وإذا بها مفتوحة أمامنا، بل أننا استطعنا المضي فيها إلى حدود كبيرة، بما فيها ملفات التعذيب والمساءلة وجبر الضرر والتعويض، فضلاً عن إعادة النظر ببعض القوانين وتشريع قوانين جديدة.

استذكرتُ أثناء حديثه سعد صالح، وأنا أعدّ كتاباً عنه،  فسعد صالح عندما انتقل إلى المعارضة، جاء إليها من موقع الدولة والمعرفة بشبكة علاقاتها المركّبة والمعقّدة، لاسيّما مواطن الخلل والضعف فيها، لا معارضة بالشعارات حسب، ولعلّ المعارضة ليست وظيفة دائمة، كما أن الحكم ليس هدفاً بحد ذاته أو وظيفة مستمرة، وعلى السلطة والمعارضة، فيما إذا توفّرت فرصة التناوب والتداول والانتخاب، انتظار رأي الناس ببرامجهم ومشاريعهم السياسية، فذلكم هو ما ندعوه بـ"التجربة الديمقراطية" في الدول العصرية المتقدمة. التجربة إذاً معيار أساس في المعرفة ولفحص وتدقيق النظرية، والتأكد من صواب وصحة ومدى انطباق الممارسة، وسيرها بخط متوازي مع النظرية.

وإذا كان سعد صالح قد انتقل من موقع المسؤولية في الحكم إلى موقع المعارضة، فقد ترك بصماته وختمه على الحياة السياسية، فمن كان يتصوّر أن بإمكان مسؤول ما أن يبادر إلى اتخاذ إجراءات تتعلّق بإجازة أحزاب معارضة راديكالية وإلغاء السجون وإطلاق سراح المعتقلين، وإطلاق حرية الصحافة، لكن سعد صالح كان قد قرأ الوضع الدولي جيّداً، لاسيما بعد هزيمة الفاشية واتساع نطاق الأفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان وبخاصة بعد إبرام ميثاق الأمم المتحدة  العام 1945، وبالتساوق مع بعض إرهاصات الوضع الداخلي، (ومثل هذا الأمر قام به عبد الرحمن اليوسفي حين قرأ اللحظة التاريخية وقرر بشجاعة خوض التجربة) وهو ما يدخل في إطار علم السياسة التنبوئي حيث يضع الجميع أمام مسؤولياتهم.

في الختام أقول أن اليوسفي جمع في شخصه الاستقامة الشخصية والنزاهة الأخلاقية، إضافة إلى قوة المبادئ وصلابة الرأي، فضلاً عن قدرته عن التقاط الجوهري من الأشياء، لاسيّما اللحظة التاريخية، وتعكس مذكراته الإيمان الحقيقي بقيم الحرية وحقوق الإنسان واحترام الرأي والرأي الآخر في وقت كانت الأفكار الشمولية هي السائدة، مثلما تظهر الغنى الروحي والثراء المعنوي .

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

ضياء نافعخليل هو الدكتور خليل عبد العزيز، السياسي المعروف ومؤلف كتاب – (محطات من حياتي) الصادر في بغداد العام 2018، وابراهيم هو ألاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف، المؤرخ العراقي الكبير والاستاذ اللامع في جامعة الموصل، والخلاف الذي حدث بينهما هو خلاف فكري بحت حول موقفهم الشخصي من احداث معينة جرت في التاريخ الحديث للعراق كانا (كلاهما) شاهدين لها وشاهدين عليها كل من موقعه. ولنبدأ قصة الخلافات (الفكرية!) الطريفة هذه من بدايتها، اذ انها – في رأينا - تستحق المتابعة الدقيقة فعلا (وصولا الى الاستنتاج المنطقي حول ذلك، وهو الهدف الاساسي لهذه المقالة)، فهي خلافات بين علميين من أعلام المثقفين العراقيين المعاصرين، الذين يساهمون (بحياكة!) التاريخ العراقي الحديث وتدوينه للاجيال العراقية الحالية واللاحقة، وتدوين الاحداث (مهما كانت صغيرة) بدقة وموضوعية ينعكس – بالتأكيد – على مجمل مسيرة التاريخ العراقي ومصيره، وعلى نبض الحياة طبعا بالنسبة لحاضر بلادنا ولمستقبلها ايضا، ولنتذكر بيت الجواهري، الذي رسم صورة فنيّة وعميقة لهذه الحالة  –

 ومن لم يتعظ لغد بامس   وان كان الذكي- هو البليد

القصة هذه بدأت عندما كتب العلاف عرضا جميلا – كعادته دائما لأنه مؤرخ يتابع ويسجّل ما يجري حوله من أحداث – لكتاب خليل عبد العزيز (محطات من حياتي) باعتباره وثيقة مهمة من وثائق العراق وتاريخه، ونشر العلاف هذا العرض في موقع الكتروني معروف وواسع الانتشار، وهذا العرض هو قراءة موضوعية وهادئة وشاملة للكتاب المذكور. في ذلك العرض جاءت نقطة الخلاف الوحيدة واقعيا بين الاثنين، وكانت تدور حول تفاصيل احداث الموصل عام 1959 الشهيرة، والمرتبطة بحركة الشواف، والتي ساهم بها شخصيا د. خليل عبد العزيز، عندما كان أحد المسؤولين عن التنظيمات الطلابية آنذاك، والتي شاهدها أ.د. ابراهيم العلاف ايضا عندما كان يافعا.

 بعد ان نشر د. ابراهيم العلاف تلك القراءة للكتاب، أجاب د. خليل عبد العزيز عليه بمقالة نشرها ايضا، ودافع طبعا عن وجهة نظره التي جاءت في كتابه المذكور حول تلك الاحداث، وهكذا اصبح الخلاف بينهما علنيا، وقد اضطر العلاف بالطبع ان يجيب بمقالة جديدة يناقش فيها ذلك، وعاد عبد العزيز وكتب جوابا على ذلك الجواب، وهكذا أصبح لدينا مجموعة مقالات، وهي - عرض للكتاب بقلم العلاف وجواب على العرض بقلم عبد العزيز وجواب على الجواب بقلم العلاف وجواب على جواب الجواب بقلم عبد العزيز، وكنت اتابع هذا النقاش بدقّة بين زميلين أعتّز جدا بزمالتهما، وبغض النظر عن رأيّ الشخصي الخاص حول ذلك الخلاف، فقد كنت ارى في تلك النقاشات بينهما المستوى الرفيع والعفيف والنبيل للتعبير عن تلك الخلافات، فلا يوجد تشنج ولا عصبية ولا اتهامات ولا احكام حادة تجاه البعض، وكان كل باحث يعرض بهدوء رأيه الخاص به، مع التأكيد على احترام الرأي الآخر رغم الاختلافات غير البسيطة بين الاثنين، وهذه مسألة كبيرة جدا في زماننا الردئ هذا، حيث نرى النقاشات (البذيئة والوسخة!) مع الاسف الشديد جدا، والتي يعطّ منها الاندفاع الذاتي الوقح، والذي ينطلق من المصالح الشخصية البحتة، والمنافع المادية ليس الا، وكل ذلك يجري طبعا (برعاية !!!) من جهات واضحة المعالم ...

ونعود الى قصة هذا الخلاف بين خليل وابراهيم (التزاما بعنوان مقالتنا طبعا)، فقد انقطعت أخباره عنّي رغم اني كنت اتابعه بدقة، واستفسرت عن ذلك، فجاء الجواب من الزميل الدكتور خليل نفسه، اذ تبين انه زار العراق، ومن الطبيعي انه يجب ان يمرّ حتما بمدينته الحبيبة الموصل، وطنه الصغير ومسقط رأسه، ولكن هذا المرور كان لمدة يوم واحد فقط لا غير، اذ لم تسمح ظروفه باكثر من ذلك، ومع هذا، فقد اراد ان يلتقي بالدكتور ابراهيم الذي يسكن هناك، ولكن كيف ؟ وهكذا قرر ان (يجازف!) ويبعث اليه بخبرعن رغبته تلك بحذر شديد وبوجل طبعا، واذا بالدكتور ابراهيم يستجيب للمقترح رأسا وبحماس منقطع النظير، وهكذا تم اللقاء في بيت الدكتور ابراهيم نفسه، وفي هذا اللقاء الجميل تحدثا عن تلك المقالات والخلافات، وتم (تسويتها!!!) بنفس تلك الروحية الانيقة والراقية والنبيلة، التي تحدث بين المثقفين الحقيقيين، الذين توحّدهم روحيّة عراقيتهم الاصيلة وعراقة اصالتهم العراقية وجذورهم الوطنية في اعماق الارض العراقية . وهذا هو الاستنتاج الذي أشرت اليه في بداية هذه المقالة، وهذا هو الهدف من كل هذه السطورالتي أكتبها، والتي أريد في نهايتها ان أحيي الدكتور خليل، الذي كتبت عنه العديد من مقالاتي، ومنها مثلا – (خمس ساعات في موسكو مع د. خليل عبد العزيز بحلقتين / كتاب نصف قرن بالروسية ..وغيرها)، وكذلك اريد ان أحيي الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف، الذي أعرفه منذ سنوات النشر في جريدة الجمهورية البغدادية في سبعينات القرن العشرين، والذي اقترحت مرة عليه (عندما كنت مديرا لمركز الدراسات العراقية – الروسية في جامعة فارونش الروسية بداية القرن الحادي والعشرين هذا) اصدار كتاب بتأليفه عن المركز، يعرّف الروس بعدة شخصيات عراقية، وأذكر استجابة د. العلاف السريعة لهذا المقترح، وكيف انه أرسل لي فعلا المواد الاولية عن هؤلاء الاعلام العراقيين، وكم تأسفت آنذاك لان مركزنا لم يستطع تحقيق ذلك المقترح الرائد، والذي لازلت لحد الان أحلم بتحقيقه مستقبلا ضمن خطط دار نوّار للنشر.  

 

 أ.د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليالدكتورة قدرية إسماعيل إسماعيل.. هي واحدة من كبار الرواد في دراسة فنومنولوجيا هوسرل  بمصر، والعالم العربي، وقد استطاعت من خلال بحوثها ومؤلفاتها أن تنقل البحث في الفلسفة الفنومنولوجية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كانت في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديها هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

وشخصية الدكتورة قدرية إسماعيل هي الأخرى متميزة بطابع الجدية . وقد كان الحوار معها من أصعب الأمور، وخاصة علي أولئك الذين لا يحسنون استخدام عقولهم . فهي لا تقبل هذراً ولا فوضي. والألفاظ لديها ينبغي أن تكون علي قدر معانيها . فالتزيد مرفوض، والفيهقة مستحيلة . لذلك كانت دائرة أصدقائها ضيقة جدا، ومعارفها قليلين . وصارت الفكرة التي شاعت عنها أن الصغار يخشون منها، والكبار يهابونها.

وهَبَت الدكتورة قدرية إسماعيل حياتها كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظلت اهتماماتها الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن . وكانت تعتقد أن قدراتها الخاصة لا تقل بحال من الأحوال عن قدرات أي باحث مماثل لها في أوربا . لذلك فإن حوارها مع كبار الأساتذة في إنجلترا ( خلال البعثة في سبعينات القرن الماضي) أو الولايات المتحدة الأمريكية ( عندما زارتها في تسعينيات القرن الماضي)، كان يتسم بالندية . وكانت تصحح الكثير من آرائهم بالاعتماد علي المنهج العلمي الحديث في البحث والدرس الفلسفي .

إن مثل هذه الشخصية العلمية المتميزة كانت تحتاج إلي البيئة الملائمة لكي تقدم أطيب الثمار، وقد عملت الدكتورة قدرية إسماعيل في ظل ظروف غاية في الصعوبة، ومع ذلك استطاعت أن تؤكد ذاتها، وأن تحفر بأظافرها مجري خاصاً بها، بين دارسي الفلسفة المحدثين، وعلي الرغم من ذلك الجهد الجبار الذي بذلته في البحث والعطاء، فقد خلت حياتها تقريباً من لحظات التقدير التي يتلقاها العامل المجد، بل علي العكس : كان نجاحها هو سر مأساتها ! الغيرة والحسد، ومحاولات الوقيعة، ونشر الشائعات المغرضة : هي كل ما كانت قدرية إسماعيل تراه من حولها، في داخل كليتها. أما في خارجها، وعلي مستوي دارسي الفلسفة في مصر، فلم يكن هناك سوي الصمت المطبق عن جهودها البحثية، وكان هذا الصمت بمثابة عملية قتل بطئ .. والوحيد الذي مزق هذا الصمت كان هو (أستاذنا) الدكتور عاطف العراقي، حين تحدث عن جهودها وامكاناتها في الفلسفة الغربية، وتحدث عن منهجها، وبعد موت د. عاطف العراقي عاد الصمت واستمر النكران.

والدكتورة قدرية اسماعيل من مواليد 26/9/1941، بمحافظة الدقهلية، حيث حصلت علي  المرحلة الجامعة الأولي وهي ليسانس الآداب  من كلية البنات بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولي، وذلك سنة 1962، وحصلت علي درجة الماجستير من كلية البنات في موضوع سنة 1969 في موضوع بعنوان  "فلسفة ليبنتز : الميتافيزيقا والإلهيات بتقدير ممتاز سنة 1969، وحصلت علي درجة الدكتوراه من كلية الآداب في موضوع عنوانه "مشكلة المعني في فلسفة اللغة " بتقدير ممتاز بمرتبة الشرف الثانية سنة 1979.

ولقد شهد لها زملاؤها ومعاصروها لها بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما تتمتع به من خلق رفيع،. ولا غرو في ذلك فهي تمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثة ومنقبة، محققة ومدققة، مخلفة وراءها ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطتهم خلاصة فكرها وعلمها.

وأما عن تدرجها الوظيفي فقد تم تعينها معيدة بكلية البنات – جامعة عين شمس في نوفمبر سنة 1962،  ثم تعيينها مدرساً مساعداً عام 1971، وفي عام 1972 بدأت للتسجيل في درجة الدكتوراه وذلك تحت إشراف الأستاذ الدكتور فؤاد زكريا، وخلالها حصلت علي بعثة داخلية لمدة عامين، مكنتها للسفر إلي  إنجلترا من أن تقابل كبار الفلاسفة آنذاك، وعقب عودتها من البعثة كان الدكتور فؤاد زكريا قد سافر إلي العمل بجامعة الكويت، فأُسند الإشراف بعد ذلك إلي الأستاذ الدكتور نازلي إسماعيل حسين (التي أبت أن تناقشها لولا تدخل رئيس الجامعة في ذلك الوقت وهو الأستاذ الدكتور صلاح قطب "رحمه الله" )، ونوقشت الرسالة عام 1979.

وفي فبراير سنة 1980 تم تعيين الدكتورة قدرية إسماعيل مدرساً للفلسفة الحديثة والمعاصرة، وفي عام 1981 -1982،  سافرت إلي الولايات المتحدة الأمريكية في مهمة علمية لمدة عامين؛ حيث تمكنت من جمع مادة علمية لدراسة الفلسفة الفنومنولوجية .

وعقب عودتها بدأت تكثف جهدها للبحث في غمار فلسفة هوسرل، وكان أول عمل فلسفي لها هو كتاب  بعنوان " الجذرية في ظاهريات هوسرل "، وكانت فكرة البحث الرئيسة في هذا الكتاب هي؛ تأسيس فعل التفلسف وتحويل الفلسفة إلي علم دقيق بفضل استخدام المنهج المسمى بالمنهج الفنومنولوجي، حيث حدد هوسرل موضوع الفلسفة ومنهجها بأنه يقوم علي دراسة الماهيات . وبالتالي الفنومنولوجيا تعني نسق يتألف من أنظمة معرفية تنتج بواسطة استخدام ما أسماه منهج جديد للتفكير وهو منهج فلسفي أصيل، وهو المنهج الفنومنولوجي وقد صدر هذا الكتاب في حوالي 300 ورقة من القطع الكبير.

والكتاب الثاني كان بعنوان " تأملات في الظاهريات "  ويدور حول موضوعين رئيسيين، حيث تكشف لنا الدكتورة قدرية إسماعيل أبعاد الفنومنولوجيا من خلال موضوعين؛ الموضوع الأول الذي تناولته الباحثة ويدور حول المعني الدقيق للفنومنولوجيا ؛ حيث كشفت عن كيف نفهم فنومنولوجيا هوسرل؛ كما كشفت عن كيفية استخدام المعني الدقيق لفنومنولوجيا هوسرل من حيث: كيف تفهم أو كيف تؤول وكيف تستخدم . والموضوع الثاني كان ما أسماه هوسرل في كتابه أزمة العلوم الأوربية ( وهو آخر كتاب كتبه ولم ينشر في حياته لأنه توفي سنة 1938) ؛حيث تكلم عن امكان استخدام المنهج الفنومنولوجي في دراسة عالم الحياه اليومية، وهو العالم الذي نعيش فيه ونتصارع فيه ونموت فيه ...إلي آخره، وكان هذا الكتاب يقع في حوالي 120 صفحة من القطع الكبير.

وأما الدراسة الثالثة وهو بحث صدر بالإنجليزية بعنوان "مسألة أسس المعرفة في الفنومنولوجيا"، هل مصدر المعرفة براني أم براني، أو مصدر خارجي صرف أم خارجي وما هو دور الوعي الذي ركز عليه هوسرل، وخلصت الباحثة إلي أن عملية المعرفة عند هوسرل لها عناصر متعددة  وكان هذا البحث يقع في حوالي 43 صفحة .

والبحث الرابع وهو بعنوان " فكرة أخلاق فنومنولوجية، حيث أبرزت الباحثة كيف يمكن استخدام المنهج الفنومنولوجي في دراسة مسائل الأخلاق، والبحث هو تطبيق للمنهج الفنومنولوجي، وإشكالية البحث تدور حول أن ما يسمي بالمفاهيم الأخلاقية وهو أن أي مفهوم في الأصل يمثل خبرة معاشة فكوني أتصف بالأمانة أو الشرف أو الاجتهاد.. كل ذلك يكون من خلال معايشتي هذه القيمة أو تلك،  فاللص مهما أقسم فهو يعلم بداخله أنه لصا. وقد نشر هذا البحث بالمجلس الأعلى للثقافة بلجنة الفلسفة في ثمانينات القرن المنصرم.

وقد تقدمت الدكتورة قدرية بتلك الأبحاث للحصول علي درجة أستاذ مساعد، حيث كان قد قام بتقييم إنتاجها العلمي كل من أ.د/ نازلي إسماعيل، و أ.د/ أميرة حلمي مطر، و أ.د / محمد علي أبو ريان، وقد منحت علي درجة أستاذ مساعد في أكتوبر 1968، حيث أكدت أن هذا العمل يمثل انتاج متخصص في الفنومنولوجيا، وهذا أول مرة وأنه جدير بأن يرقي الدكتورة قدرية إسماعيل إلي درجة أستاذ مساعد.

وعقب حصولها علي أستاذ مساعد توجهت الدكتورة قدرية اسماعيل إلي مشروع آخر؛ وذلك في محاولة جريئة لكنها كانت مهمة بالنسبة لها، وهو كيف يمكن لها أن تستخدم مناهج التفلسف الذي تعلمته من إنجلترا والولايات المتحدة وكيف يمكن توظيفها في دراسة المسائل الفلسفية، فكان أول عمل لها في أبحاث الأستاذية يدور حول المنهج  المثالي (التراندسندنتالي) عند إرنست كاسيرر، وهو بحث مكون من 45 صفحة، وكان  البحث يدور حول "الشكل الرمزي عند إرنست كاسيرر- الجذور  والأصالة"، وقد ناقشت تلك الفكرة الرئيسية التي سيطرت علي كاسيرر؛ بحيث أنه قدم لنا أكبر مجلد في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وهي فلسفة الأشكال (والذي صدر بعد ذلك في كتاب يقع في ثلاث مجلدات) - الفكرة نفسها-  أي المفهوم -وهو الشكل الرمزي، يدور حول كيف تكون الفكرة، وكيف يكون الرمز، وكيف طبقه  كاسيرر في فهم الواقع، سواء كان هذا الواقع حضارة،  أو واقع مادي... إلي آخره.

والبحث الثاني وهو كتاب بعنوان "منطق المفهوم العلمي من منظور مثالي تراندسندنتالي عند كاسيرر ؛ حيث يتحدث كاسيرر عن الفرق بين concept، conception ، إذ إن تلميذته سوزان لانجر قد أوضحت الفرق بين المصطلحين، حيث بينت الدكتورة قدرية كيف طبق كاسيرر المثالي التراندسندنتالي ( وهو المتابع لكانط ) وكيف طبقه كاسيرر علي مفهوم العدد، وهذا الكتاب يقع في 180 صفحة .

والكتاب الثالث وهو بحث مكثف  ودقيق، ويدور حول "الاستقراء من منظور نقد المعرفة العلمية"، وهذا البحث تناولت فيه الباحثة النقاش الدقيق بين العمليات المنطقية الأساسية في مناهج البحث العلمي، وهي عمليات التفكير، وقدمت من خلاله رؤيتين متقابلتين: الرؤية التجريبية والرؤية المثالي (التراندسندنتالي) لبنية العلم ووظائف العلم وما هي كفاءتها وعدم كفاءتها عند كل منهما، وشرحت الدكتورة قدرية اسماعيل فيه : ما الذي جعل الرؤية التجريبية عاجزة عند فلاسفة العلم الذين يتبنون الاتجاه التجريبي، ولماذا أضحوا عاجزين عن أن يفسروا مكونات العلم سواء كانت مفاهيم علمية أو فروض أو قوانين أو مبادئ أو أحكام علمية ... إلي آخره،  وخلصت إلي أنهم افتقدوا الرؤية المثالي التراندسندنتالي، وهذا البحث يقع في حوالي 120 صفحة من القطع الكبير.

وأما الدراسة الرابع فهي تطبيق المنهج الفينومينولوجي في دراسة علم الأخلاق من خلال الفيلسوف الألماني" شيلر"، واعتمدت فيه الباحثة علي المناقشات والاجتماعات والمؤتمرات التي حضرتها في جامعة هارفرد وكانت مركزة علي الفينومنولوجيا، وكان الجيل الرابع من علماء الفينومنولجيا كان موجودين في ذلك الوقت وكانت الباحثة توجد بينهم وتناقشهم. المهم تناولت فيه الباحثة ما يسمي بالحوار الساخن بين شيلر وبين وكانط، وكيف شَرحَ شيلر كانط في كتاب نقد العقل العلمي وفكرة الواجب ..إلي آخره , وقد سأل شيلر سؤال بسيط : هل يمكن أن ندرس المفاهيم الأخلاقية دون أن نراعي أن كل مفهوم أخلاقي هو يعبر عن خبرة معاشه، أي عن حال بشري - أي أننا نعيش عن حال بشري - أي خبرة نحن نعيشها سواء كوني صالحا أو طالحا .. الي آخره وبدأ يعطينا مواصفات هذه الرؤية ويخرج منها أنه لكي نؤسس علم الأخلاق بمفاهيمه ويكون علم أخلاق حقاً  لا بد أن يستند إلي القيم، وكل قيم ليست في عالم مفارق، بل نعيشها (فحين أقول عن فلان أنه إنسان صالح كونه صالحا فهو صالح لكوني أراه صالحا من خلال أعماله علي أنه كذلك). وبدأ يوضح شيلر كيف يكون الإنسان ذاتا أخلاقية ووضع لها شروط . والكتاب يقع في حدود  388 صفحة.

والدراسة الخامس هو بحث عن ألفريد إير عن اقتلاع فكرة الميتافيزيقا، ونشر هذا البحث تحت عنوان نصوص فلسفية ترجمة وتعلق ودراسة؛ حيث كشفت الدكتورة قدرية إسماعيل عن منهج التحليل الفلسفي عند إير، والذي طبقته الوضعية المنطقية، وإير كان من أعضاء دائرة فيينا، وهو قد إنفصل، وكان هناك خلاف علي أمور معينة، وشكلَ بعد ذلك التجريبية المنطقية التي تبناها بعد ذلك الدكتور زكي نجيب محمود، وكشف الباحثة أن الدكتور زكي قد تبني أفكار إير في كتابه نحو فلسفة علمية.

والدراسة السادس بحث بعنوان : "موريتس شليك : محاولة لرؤية أخلاق علمية" وفي هذا البحث تقول الباحثة أن مورتش شليك قد نجح في أن يقنعنا بأن ما هو معياري يصير علي أنه فعلي،  كما قدم نموذج شليك جديد لأخلاق العقل، فالأفكار التي قدمها شليك بينت كيف يمكن أن نحقق الانسجام والسلام بين البشر عن طريق الاهتمام المتبادل من المراعاة والسلام بين البشر .

ولم تكن الدكتورة قدرية إسماعيل ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان عملها العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكانت في ذلك متسقةً مع نفسها تمام الاتساق، فقد كانت تبحث دائماً عن النوعية من الحياة، وتعرف كيف تتذوقها وتُرضي بها حسها المرهف . ولكن لعل السبب الأهم في عزوفها عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليها، هو أنها كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث .

وقد حصلت الدكتورة قدرية اسماعيل عن درجة الأستاذية سنة  1992، وترأست قسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية حتي  بلوغ سن المعاش في عام 2001، وخلال تلك الفترة قامت بترجمة العديد من الكتب والدراسات الفلسفية، مثل كتاب مدخل إلي المنطق الرمزي لسوزان لا نجر، كما قامت بنشر الكثير الفلسفية في كثير من المؤتمرات والندوات والتي أفرزت العديد من دراساتها حول الفلسفة الفنومنولوجية، ونذكر منها علي المثال دراسة عن : الخطاب الفينومنولوجي -الماهية والمعني، والعنف من زاوية فينومنيولوجيا، وفينومنولوجيا الخلاف والاختلاف...وهلم جرا .

تحية طيبة للدكتور قدرية اسماعيل التي كانت وما تزال تمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً لامرأة عظيمة لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

 

 

835 بصريونكان يطلق على مدينة البصرة بقمة الاسلام وقطب الثقافة العربية في الوقت الذي كانت المدن العربية الاخرى جامدة جرداء على مفترق طرق، وكانت البصره فيها رونق ونكهة الشرق الاصيل واساطيره الخيالية التي ادهشت واثارة العالم الغربي فحولوا قصصها الى مسلسلات تلفزيونية وافلام كارتونية وروائية مثل السندباد البصري او البحري وقصص الواق واق . ويذكر ان احد الخلفاء العباسيين قال بان ذهب وفضة الارض لا يبلغ ثمن نخلة في البصرة .

اليوم نحن امام شخصية بصرية سجلت لها حضورا مميزا في الساحة الادبية من خلال كتاباتها وترجماتها وندواتها الثقافية والتي تعتبر بدون شك اظافة جميلة الى حركة الادب البصري المتصاعدة . وكانت كتاباته عن الادباء البصريين واعداده وتقديمة للبعض منهم تعد مراكبة راقية وحضورا جميلا في الحركة الادبية البصرية منها كتاب – بصريون يصنعون الحكايات – وهي عبارة قصص قصيرة والتي تكشف عن الحقائق النفسية للرواة حيث نجد في هذه القصص اماطة اللثام عن عما هو كامن وخفي وراء هذه الحكايات من افكار ومشاعر وقلوب معتمة او مسفرة مستبشرة وابداع وخيال واسع يفصح عن كنوز الارث الحضاري والادبي لاهل البصرة ..

من ناحية اخرى اهتم السامر بالترجمة من الانكليزي الى العربي حيث ترجم مجموعة معتبره من قصائد الاطفال منها – الازهار كيف تنمو – و– اهطل بعيدا ايها المطر – وغيرها، وهي ما تعطي تهذيبا تربويا وشفافية للنفس وحب للجمال الذي يؤدي الى الابتعاد عن كل ما هو قبيح وسيئ .. وتعتبر الترجمة لون من الوان التبادل الثقافي والتسامح والتنوير الحضاري حيث تخلق فضاءا انسانيا مشتركا والاطلاع على ما وصل اليه الآخر .. واليوم يذكر ان الترجمة في عالمنا العربي في تراجع وربما لنقص في التموين وعدم وجود حضورا واسعا من المؤسسات المختصة بذلك الا القليل، كما يذكر ان الترجمة من الصعب ان تكون فردية بل هي عمل جماعي يضع قواعد للمصطلحات والمفاهيم وا لمفردات بدقة متناهية ... ويذكر ان الترجمة بدأت في علمنا العربي في مصر عام 1835 حيث انشأ محمد علي باشا مدرسة تسمى – مدرسة الالسن-

كان رئيسا لها رفاعة الطهطاوي، وتخرج منها طلبة قاموا بترجمة الكتب الغربية الى العربي ..

كما يذكر احصائية عن حركة الترجمة في عالمنا العربي ما بين عام 1970 وعام 1980 بلغ 2840 كتابا منها 62 في المئة في مصر و17 في المئة في سوريا و9 في المئة في العراق ...

وهو ما يعده البعض انخفاضا كبيرا في كمية الكتب المترجمة ..

836 بصريونمن ناحية تاريخية اسس الخليفة العباسي المأمون بيت الحكمة عام 813 م وكانت فيه تترجم الكتب الاجنبية الى العربي . وفي مدينة طليطلة ظهرت مدرسة للترجمة عام 1130 قامت بترجمة كتب علماء عرب ومسلمي اهل الاندلس الى اللغات الاوربية وعلى اثرها قامت الثورة الصناعية في اوربا .

وعلى اية حال فان ما يقوم به عبد الكريم السامر من حركة ثقافية متنوعة على صعيد الادب والترجمة يعد تجديدا واشعاعا وانفتاحا على الذات وثقافة الاخر وهو ما نحتاجه نحن اليوم لان ظاهرة الخطابة الصوتية لم تجني نفعا وقد اصمت الآذان واصبحت غثاءا كغثاء السيل .

والله يرحم الشاعر ابراهيم اليازجي عندما قال:

انتبهو واستفيقوا ايها العرب   فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب

فيم التعلل بالآمال تخدعكم     وانتم بين راحات القنا سلب

الله اكبر ما هذا المنام فقد      شكاكم المهد واشتاقتكم الترب

من ناحية اخرى يعد اتحاد الادباء والكتاب في البصرة ظاهرة حضارية تأوي اليها افئدة اهل الثقافة والادب والفن .. وهو في انشطة مستمرة ومتميزة ومثمرة بقوة هاديئة وناعمة وباسلوب متمدن انيق فهو يبشر بحماسته عن النغمة الثقافية الشامخة، وبالتالي فهو رمزا لكل ظاهرة ادبية بصيرة وجريئة في مدينة البصرة .

 

د. كاظم شمهود

 

محمد فتحي عبدالعالصديقتي الّتي كنتُ أزورها في الصّغرِ كانت جدتها تردد عبارة يا مقصوفة الرّقبة وكنا نضحكُ كلّما سمعناها . ولكن عندما كبرتُ علمتُ سرّ هذا المصطلح الذي  تناقلتهُ الألسن عبرَ عشرات السنين لتصف أيّ امرأة تتمرد على القيود والعادات المجتمعية . يعتقد الكثيرون أنّ هدى شعراوي وصفية زغلول   كانتا أوّل رائدات التحرر النسائيّ في العصر الحديث لكن لم يلتفت أحد إلى أن محاولات التحرر النسائي كانت سابقة على ذلك بكثير وأن البداية الحقيقة كانت مع زينب البكري

وسأحدثكم عنها زينب ذات السّادسة عشر من عمرها هي ابنة الشيخ خليل البكري نقيب الأشراف وشيخ الطريقة البكرية والتي تنتسب لأبي بكر الصديق

كان هذا الشيخ حالة فريدة بين المشايخ حيث أبدى تعاونا كبيراً مع نابليون وسلطات الاحتلال الفرنسي ضدّ أبناء بلده فعينه نابليون نقيبا للأشراف خلفا لعمر مكرم الذي فرّ مع انكسار جند المماليك إلى الشام  ...كان الشيخ البكري  من مشايخ الصوفية إلا أنّه كان يمتلك صفات ذميمة أبرزها ولعه بالغلمان وحرصه على الشّراب حتى السكر  ... إنّ شيخا بهذه الصفات لم يكنْ ليكترث بالإشاعات التي أحاطت بابنته الصغيره زينب من وجود علاقة آثمة مع نابليون قائد الحملة الفرنسية على مصر وترفها في اللباس كما قيل في ذاك الزمان !

بحسب شهادة عبد الرحمن الجبرتي صاحب كتاب  عجائب الآثار في التراجم والأخبار وهو المعاصر لفترة الحملة الفرنسية  أن جريرة زينب الصغيرة مخالطة المجتمع الفرنسي المفتوح والعصري فلبست الفساتين والمناديل الملونة والطرح الكشمير وهذا قمة التبرج في هذه العصور ! فالمجتمع الفرنسي كان جذابا للعديد من الفتيات المصريات واللواتي عشن في زمن الجهل والجمود لقرون لا يدرون عن العالم المتحضر شيئا، لقد نقل الفرنسيون معهم صوراً براقة للمجتمع العصري فالنساء الفرنسيات المثقفات والمليئات بالحيوية والنشاط يتجولن في شوارع المحروسة ويشاركن في الحفلات والمناسبات الاجتماعية بأناقتهن الأوربية حيث عهود النهضة، وهو حافز لتقليدهم وخاصة الأثرياء والمشاهير من المصريين، ولكنّ علاقة الأب المشينة مع نابليون دفعت الابنة ثمنها من شرفها وسمعتها في ذاك العصر ..

انتهت الحملةُ الفرنسية وخرج الفرنسيون من مصر ليعود العثمانيون مرة أخرى إلى مصر ولتبدأ مرحلة العقاب لكلّ من ساعد الفرنسيين وأولهم الشيخ البكري وابنته زينب ...

ويروي الجبرتي أنّه ” في يوم الثلاثاء رابع عشرينه طُلبت ابنة الشيخ البكري، حيثُ حضر معنيون من طرفِ الوزير العثماني إلى بيت أمها وأحضروها ووالدها، فسألوها عما كانت تفعله، فقالت إني تبت من ذلك ولن أكرره، فقالوا لوالدها ما تقول أنت؟ فقال: أقول إني بريء منها، فكسروا رقبتها. وماتت الصبية المسكينة. نقول قصفت الرقبة ايّ كُسرت إلى قسمين والقصف هو إصدار صوت قوي. فهل كانت تستحق هذه المسكينة أن تقتل بهذه الطريقة الوحشية لأفعال كان السبب بها والدها الشيخ الفاجر السكير ومجتمع يعيش في قوقعة العادات والتقاليد .

ومن التاريخ إلى العلم وبحسب موقع fact slides الأمريكي فالمرأة لديها غريزة الاهتمام بمظهرها وشكلها وأن المرأة تفكر في ذلك تسع مرات في اليوم الواحد وهي تستغرق عاماً كاملا في تقرير ما ترتديه يوميا ! والطريف في التقرير أنّ الرجال أوّل من ارتدوا الكعب قبل النساء. لذلك على كلّ امرأة أن تلتزم بعادات وتقاليد المجتمع أو ستلقب بمقصوفة الرّقبة من قبل العجائز ومن يحيط بها من الجهال.

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الكاتبة والباحثة السّورية

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري

 

محمود محمد عليترجع معرفتي بالدكتور "حسن عبد الحميد عبد الرحمن " إلي منتصف تسعينيات القرن الماضي، عندما تم تعينني مدرساً مساعداً للمنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب – جامعة حلوان، وعقب استلامي للتعيين تقدمت بطلب لمجلس قسم الفلسفة بحصولي علي درجة الدكتوراه (والتي كنت قد ناقشتها قبل أن استلم تعييني بأيام سنة 1995)، وهنا بادر مجلس قسم الفلسفة برئاسة أستاذنا الدكتور "محمد حسيني أبو سعده"، في وضع تشكيل لجنة الفحص، والمكونة من الأستاذ الدكتور حسن عبد الحميد وكل من الأستاذ الدكتور علاء حمروش رحمه الله، والأستاذ الدكتور محمد فتحي عبد الله رحمه الله، وعقب هذا التشكيل طلب مني الدكتور أبو سعده (رحمه الله) أن أذهب لمقابلة أستاذنا الدكتور حسن عبد الحميد في مكتبة بقسم الفلسفة بآداب عين شمس لتسلميه الرسالة، وحين ذهبت إليه وجدته في كوكبة من تلاميذه بالسنة التمهيدية للماجستير، وطلب مني الجلوس حتي يفرغ من محاضرته، وبدأت أستمع إلي محاضرته، حيث كان يقوم بتدريس مادة "منهج البحث "، واستغرقت المحاضرة أكثر من ثلاث ساعات، ولقد أعجبتني جداً طريقة الدكتور حسن عبد الحميد في تدريسه، وعقب تسليمي له الرسالة استأذنته أن أحضر مع طلبة السنة التمهيدية للماجستير للاستماع إلي محاضرته للإفادة والتعلم فوافق علي الفور.

وبالفعل أخذت في مواظبة الحضور علي محاضراته العام كله والأعوام اللاحقة، واكتشفت منه أمراً مهماً، وهو أن أسلوب الدكتور حسن كان أكثر من رائع، فقد كان أسلوباً مفيداً وشيقاً، فقد لا حظت وهو يقوم بالتدريس أمام تلاميذه كأن تلاميذه أنداداً له، وليسوا مجرد طلبة تتلقي العلم علي يديه، وكان تواضعه الجم متناسباً مع علمه الغزير، فمن فرط أدبه العظيمين أنه كان يدلي برأيه من غير ما إصرار علي صحته، وكنت أراه يفصح عن وجهة نظره السديدة في الوقت الذي يطالبك فيه إبداء وجهة نظرك بكل صراحة ووضوح .

ولعل أول ما يجذبك – كما جذبني وغيري من شخصية الدكتور حسن عبد الحميد، سمة الهيبة والوقار الذي يكسو ملامحه الشخصية الظاهرة، ويكشف عن باطن ثري، يعمر بإيمان قوي، وثقة بالنفس، وعاطفة جياشة، وسريرة نقية، وقلب صاف عن الكدورات.

علاوة علي ذلك كانت لشخصيته تلك الجاذبية الخاصة والحضور الثري الذي يقيم بينه وبين تلاميذه وأصدقائه ومعارفه جسوراً من المحبة والاحترام والاحساس بالألفة العميقة . ومن هنا كان ذلك التأثير البالغ الذي تركه فيمن يحيطون به، والذي من الصعب أن يتحقق لو كان قد ترك من وراءه المئات من المؤلفات.

والأستاذ الدكتور حسن عبد الحميد هو من مواليد محافظة سوهاج – مركز المنشاة – قرية الحُريزات- سنة 1940، وهو يعد واحداً من أهم أساتذة الفلسفة المصريين الذين تخصصوا تخصصاً دقيقاً في مجال المنطق وفلسفة العلوم، وذلك منذ بدء حياته العلمية؛ فقد أرسلته جامعة عين شمس إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه في الآداب في المنطق من جامعة السربون بفرنسا في الفترة من عام 1964 حتى عام 1975.

وأثناء دراسته عمل باحثاً بالمركز القومي الفرنسي للبحث العلمي من عام 1968 حتى 1973؛ وقد كانت الفترة التي قضاها في فرنسا فترة مليئة بالزخم البحثي والعلمي، هي التي شّكلت تكوينه الفلسفي حتى حصل على الدكتوراه برسالة بعنوان "منطق الاستدلالات القانونية".

ويبدو أنه تأثر أثناء بعثته بالمدرسة الفرنسية في مجال المنطق ومناهج البحث العلمي والإبستمولوجيا (أو نظرية المعرفة العلمية)، كما يُطلق عليها الفرنسيون؛ فقد درس عن كثب فلسفات كل من جاستون باشلار، وجان بياجيه، وروبير بلانشيه، وتأثر برؤيتهم الجديدة للإبستمولوجيا التى تقابل مدرسة الوضعية المنطقية.

فبينما تؤكد الوضعية على التحليل المنطقي للمعرفة العلمية، نجد أن الفلاسفة الفرنسيين يستخدمون المنهجين: التاريخى النقدى والارتقائى النفسى ؛ وفى حين تأخذ الوضعية بنظرة تجريبية متطرفة، يهدف أصحاب المدرسة الفرنسية إلى نزعة عقلانية معتدلة لا تستبعد دور التجربة فى تشكيل المعرفة العلمية.

لقد عمل الدكتور حسن عبد الحميد مدرساً بقسم الدراسات الفلسفية بجامعة عين شمس عند عودته من بعثته (من عام 1975 ـ 1981)، ثم تمت ترقيته إلى درجة أستاذ مساعد عام 1981، ثم أستاذا عام 1993. وقد درّس إلى جانب ذلك فى قسم الفلسفة بآداب صنعاء، وقسم الفلسفة بآداب الكويت، وهو يشغل الآن وظيفة أستاذ متفرغ بآداب عين شمس.

وخلال عمله بهذه الجامعات قام بتدريس مقررات عديدة، فبجانب مقررات المنطق ومناهج البحث العلمي والأبستمولوجيا، هناك مقررات فلسفية أخرى، مثل مدخل إلى الفلسفة، والفلسفة اليونانية، والتفكير العلمي عند العرب، والفلسفة المعاصرة؛  كذلك إلى جانب خبرته التدريسية والبحثية الكبيرة فقد شارك في كثير من المؤتمرات العلمية، كما أشرف على عدد كبير من الرسائل العلمية فى مختلف تخصصات الفلسفة؛ وغنى عن الذكر أن كثيراً من تلامذته يعملون في الجامعات المصرية والعربية.

لكن من الأهمية بمكان أن نذكر بعض المؤلفات التي تجسد فكره الفلسفي وإسهاماته العلمية، ولعل من بين هذه المؤلفات الكتب التالية:

1- المدخل إلى الفلسفة، القاهرة، مكتبة سعيد رأفت، 1977.

2- فى فلسفة العلوم ومناهج البحث، بالاشتراك مع د. محمد مهران، القاهرة، مكتبة سعيد رأفت 1978، والطبعة الأخيرة، القاهرة 1999.

3- نظرية المعرفة العلمية (الإبستمولوجيا) ترجمة مع تقديم وتعليق (تأليف روبير بلانشيه)، الكويت، مطبوعات جامعة الكويت 1986.

4- La Logique des raisonnements juridiques, koweit University press,1988 (رسالة دكتوراه  )

5- مقدمة فى المنطق الصورى، القاهرة، مكتبة الحرية الحديثة، 1990.

6- المنطق القانوني، بالاشتراك مع د. محمد مهران، حقوق القاهرة، 1997.

7- مستويات الخطاب المنهجى فى العلوم العربية الإسلامية، القاهرة، دار النهضة العربية، 2003.

8- موجز تاريخ الفلسفة اليونانية، القاهرة، 2000 .

9- تاريخ التشريع من التقليد إلى التجديد، بالاشتراك مع أ.د. آمال كامل عبد الرحمن الزقازيق، مطبعة جلال، 2012.

فإذا أتينا إلي ميدان الترجمة عن اللغات الأجنبية وجدنا إسهاماته في هذا الميدان لا تقل عن إسهاماته الأخرى في ميدان البحث الأكاديمي المختلفة، ولعل المتابعين لأنشطة الدكتور حسن عبد الحميد يلحظون أن أهم ترجماته، وهو كتاب " الابستمولوجيا لروبير بلانشيه"، كانت من اللغة الفرنسية التي كان له ولع بها.

ويمكننا تقسيم الإنتاج العلمي للدكتور حسن عبد الحميد إلى ثلاثة أنواع (بشهادة تلميذه النجيب الدكتور عصام الدين بيومي) : فهناك رؤية متميزة لتاريخ مناهج البحث العلمي، ويوجد ثانياً تفسير إبستمولوجى جديد لنشأة العلم، ثم أخيراً تطبيق لتلك الرؤية المنهجية وهذا التفسير الإبستمولوجى على مجال العلوم الإسلامية ؛ وبخاصة علم أصول الفقه. وتترابط تلك الأبحاث حيث تؤيد نتائجها بعضها البعض، كذلك من حيث اعتمادها على المنهج التاريخي النقدي والمنهج الارتقائي.

ولم يكن الدكتور حسن عبد الحميد ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف . ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث .

لقد كان الدكتور حسن عبد الحميد نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا اخلاصهم لإسلافهم بالانغلاق، والتزمت، وكراهية الحياة، وإغماض العين عن ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء .

وأما عن علمه الغزير فحدث ولا حرج، فلطالما لاحظت أن تبحره في الميثودولوجيا وفلسفة العلم، كان يدفع به إلي الدخول في تفاصيل كثيرة حول أسهل القضايا وأبسط الموضوعات، وذلك علي نحو نشعر إزاءه بوجود استكمال جوانب معرفتنا حول أمور كنا نظن أننا نعرفها كل المعرفة .

وقد شهد له كل من عرفه بأنه كان يخلص في العمل، ويتفاني في أداء واجباته، ويقرن إخلاصه في كل ذلك بالإعلان عن الرأي بوضوح، ومن غير أن يخشي في الله لومة لائم. وكما حظي الدكتور حسن بتقدير عظيم وبإعجاب بالغ في ندوات فكرية، وفي مؤتمرات علمية، أو حلقات نقاش، استهدفت الكشف عن الجوانب الابستمولوجية في كل العلوم والمعارف الأخرى .

لقد حظي الدكتور حسن عبد الحميد بكل ذلك التقدير والإعجاب والإكبار نظراً لما كان يتميز به من خلق رفيع، وأسلوب منطقي هادئ ورصين في عرض الحجج والآراء الفلسفية، فضلاً عن استلهام الدين في دفع الشبهات عن العقيدة السمحاء.

كان الدكتور حسن عبد الحميد رجلاً فاضلاً ذا خلق رفيع، قبل أن يكون رجل علم ذا معرفة وافرة وثقافة واسعة، ولا أظن أحد ممن عرفه يري في ذلك أي غرابة، فلقد ترعرع في بيئة إسلامية صالحة وتشبع – منذ صغره – بتعاليم الدين الحنيف، فكان ذلك خير معين له علي التماس طريق الحق والصواب في الفكر والسلوك، وخير زاد له علي بلورة نظرته الفلسفية حول الكون والإنسان والحياة .

وإذا ما جئنا لنكشف ما تميز به الدكتور حسن من علم وافر وثقافة واسعة، وجدنا صيته في هذين المجالين يتجاوز نطاق العالم العربي والإسلامي إلي ما هو أوسع وأرحب . ولعل الذي أعان علي انتشار صيته وازدياد شهرته، ومعرفته المتنامية باللغات الأجنبية الحية من انجليزية، وفرنسية، وألمانية وغيرهم . وغني عن البيان أن هذه اللغات، التي كان يعرفها الدكتور حسن عبد الحميد، لها شأن كبير في تشكيل تيارات الفكر والثقافة في عصرنا الحاضر . ناهيك عن أنه كان ضليعاً بلغته العربية – لغة القرآن الكريم – وعارفاً بالمصطلحات الفلسفية اليونانية واللاتينية.

تحية طيبة لأستاذنا الدكتور حسن عبد الحميد الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

كلية الآداب – جامعة أسيوط

 

ضياء نافعاسميناه في مقالة سابقة لنا - (ابن المقفع الروسي) (انظر مقالتنا بعنوان – كريلوف ابن المقفع الروسي) لأنه يذكرنا – نحن العرب – بابن المقفع الذي ترجم لنا الكتاب الخالد (كليلة ودمنه)، اذ ان كريلوف ايضا ترجم وقدّم للقراء الروس (كليلتهم الخالدة)، كما يطلقون عليه في روسيا بعض الاحيان تسمية (لافونتين الروسي)، لأنه ترجم حكاياته الخرافية واساطيره الى الروسية، ولكنه كان وسيبقى طبعا بالنسبة للروس كما يسميه الجميع في روسيا – الجدّ كريلوف، المحبوب والمفهوم من قبل الصغار والكبار معا (وهي ظاهرة قلما تحدث في  تاريخ الآداب عند الشعوب بشكل عام)، وها هي روسيا تحتفل هذا العام (2019) بالذكرى 250 على ميلاد (جدّها!)، وهي تتذكر مقاطع خالدة من حكاياته الخرافية واساطيره، والتي تحولت مقاطع كثيرة منها الى أمثال وحكم يستخدمها الروس ويستشهدون بها لحد الان في مسيرة حياتهم اليومية، لدرجة، ان جريدة (ليتيراتورنايا غازيتا) الروسية الاسبوعية قد نشرت على صفحتها الاولى في عددها الصادر بتاريخ 13- 19 شباط / فبراير 2019 مانشيتا رئيسيا كبيرا لها بعنوان – (جدّ كل الروس كريلوف  بلغ من العمر 250 سنة)، وتحت هذا المانشيت البارز نرى جزءا من صورة لتمثاله الشهير مع مقطع من حكايته الخرافية عن اربع حيوانات تريد ان تعزف الموسيقى (كفرقة رباعية) ولكنهم لا يستطيعون، وكل واحد منهم يقول، ان السبب يكمن في  انهم يجلسون بشكل خاطئ، وكل واحد يوجّه الاخرين كيف يجب ان يجلسوا، ولكن بلا نتيجة، الى ان يأتي البلبل ويقول لهم الحقيقة في نهاية الحكاية (والتي اصبحت مثل روسي شهير)، والحقيقة البسيطة تلك هي جملة يقول فيها  البلبل –

وانتم ايها الاصدقاء

كيفما تجلسون

كموسيقيّن لا تصلحون

وقد تم نشر هذا المقطع في جريدة (ليتيراتورنايا غازيتا) على خلفية صورة لصالة كبيرة مليئة بالجالسين امام اجهزة الكومبيوتر وهم يمارسون عملهم، ولا تحتاج هذه الصورة الى تعليق طبعا، اذ ان معناها واضح، فهي تشير الى مؤسسة هائلة يجلس فيها مئات العاملين امام اجهزة الكومبيوتر يوجهون بها الامور، ولكنهم لا يصلحون لادارة تلك الشؤون رغم مظاهرهم واجهزتهم، كما لم تكن تلك الحيوانات (ومنهم حمار ودب) تصلح لعزف الموسيقى كفرقة رباعية بغض النظر عن امتلاكهم للآلات والنوتات الموسيقية المدوّنة والمثبّتة امامهم وكل المستلزمات الاخرى .....

وكريلوف ليس مجهولا لدى القراء العرب، رغم اننا لا نستطيع القول – مع ذلك - ان معرفتنا لابداعه متكاملة . لقد قدّم المترجمون لدينا  بعض حكايات كريلوف الى القراء العرب، ومنهم غائب طعمه فرمان وامين سلامة مثلا،  لكن ما قدموه من نتاجاته هو في نهاية المطاف قليل جدا، ولا يتناسب مع مكانته الرفيعة والمتميّزة في الادب الروسي بلا شك، ولا يعرف القارئ العربي طبعا، لماذا قال عنه  شمس الشعر الروسي بوشكين، انه (اي كريلوف)  – (أكثر شعرائنا وطنية وأعظمهم شعبية)، ولا يعرف القارئ العربي ايضا موقعه الحقيقي في مسيرة الادب الروسي، بل اني وجدت بعض الباحثين العرب يشيرون الى ان كريلوف هو (مناضل!) ضد النظام القيصري الجائر، وانه كان (مضطهدا)، وانه كان (مضطرا) لكتابة حكاياته الرمزية واساطيره تلك ...الخ من الكتابات  العامة التي يكتبها هؤلاء (الملكيون أكثر من الملك !)، ولم يسأل هؤلاء انفسهم، لماذا يقرأ الروس نتاجات كريلوف لحد الان، رغم ان النظام القيصري قد انتهى منذ عشرات السنين، وان الانسان الروسي المعاصر لا يعرف (لا هو ولا اجداده) حتى اسماء هؤلاء القياصرة. لقد كنت – مرّة – شاهدا بمحض الصدفة  (قبل  فترة قصيرة في روسيا) على واقعة حدثت امامي، اذ قال مواطن روسي (وهو في حالة غضب) الى شخص آخر كان يتحدث معه – (لقد تصرّف معي مثل الذئب مع الحمل عند جدنا كريلوف، لأن الضعيف مذنب دائما امام القوي بغض النظر عن كل منطق!)، وقد سألت صديقي الروسي الذي كان يشاهد هذه الواقعة ايضا – (هل يعرف هذا الروسي، ان الاغريقي ايسوب هو الذي كتب هذه الحكاية قبل ميلاد السيد المسيح، اي قبل أكثر من ألفين  سنة ؟)، فضحك صديقي الروسي وقال، ولا انا ايضا اعرف ذلك، فهي بالنسبة لنا – نحن الروس - واحدة من الحكايات الخيالية الرائعة، التي كتبها لنا كريلوف بلغتنا الروسية، ولهذا، فاننا سنحتفل في هذا العام (2019) بمناسبة مرور 250 سنة على ميلاده.   

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

محمود محمد عليلا يدور الحديث عن هموم الشباب في مناسبة من المناسبات إلا وتقفز في الأذهان ذكري بعض مفكرينا الكبار ، وصور أعلامنا الخالدين في هذا الميدان من النشاط الفكري؛ أمثال الأمام محمد عبدة، ورفاعة الطهطاوي، ومصطفي عبد الرازق، وطنطاوي جوهري، ومحمد فريد وجدي ، والدكتور عاطف العراقي ، والدكتور حسن حنفي ،والدكتور عصمت نصار .

ولعل الذي يجمع بين هؤلاء علي اختلاف مشاربهم – هو إيمانهم الراسخ بأن إعداد النخب وصناعة العقول وتدريب القيادات من الأمور التي تؤدي إلي نهضة الأمم ، ولذا أكد هؤلاء علي ضرورة بناء المدارس كخطوة أولى لتخليص المجتمع من قيود الجهالة وسجن الأمية وتهيئة العقول لاستيعاب شتى المعارف للاستفادة منها في تدبير شئون المجتمع، ثم تشييد المنابر الثقافية والمنتديات الأدبية التي عكفت بدورها على تشكيل المجالس العلمية والحلقات البحثية والصالونات الأدبية، وذلك لإعداد الطبقة الوسطى المستنيرة، لتصبح حركة الوصل، وحجر الزاوية بين السلطة الحاكمة، والرأي العام التابع، ذلك فضلا عن دورها التوجيهي والتربوي، لخرق ما نطلق عليه الروح الجمعي، والذوق السائد، وتوحيد الولاءات، وتحديد الثوابت، والمتغيرات في العادات، والتقاليد، والقيم، والأخلاق، والموروث، والوافد.

أما الذي يهمني بشكل مباشر فهو الأستاذ الدكتور عصمت نصار والتي ترجع معرفتي به في أوائل تسعينيات القرن الماضي ، فق كان هذا الرجل العظيم يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد ، والشموخ الإنساني المتميز ، باحثاً ومنقباً ، محققاً ومدققاً ، مخلفاً وراءه ثروة من الكتب العلمية ، والبحوث الاكاديمية الرصينة ، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

والمتتبع للحياة الاكاديمية والثقافية للدكتور عصمت نصار يلحظ بوضوح العطاء العلمي والإسهام الثقافي اللذين أثري بهما الحياة الاكاديمية والمواسم الثقافية في مصر والعالم العربي.

يشهد علي كتاباته وأبحاثه الكثيرة في مجال الفكر العربي الحديث والمعاصر ، فمن كتاباته علي سبيل المثال لا الحصر  : الأبعاد التنويرية للفلسفة الرشدية في الفكر العربي (2000) ، واتجاهات فلسفية معاصرة في بنية الثقافة الإسلامية (2003) ، و فكرة التنوير بين سلامة موسي بين أحمد لطفي السيد وسلامة موسي ، وأحمد فارس الشدياق قراءة في صفائح المقاومة، والفكر العربي الحديث بين النقد والنقض ، وإمام المستنيرين الشيخ حسن العطار وبواعث النهضة المصرية في القرنين 18، 19، وثقافتنا بين الإيمان والإلحاد (2000) ، وحقيقة الأصولية الإسلامية في فكر الشيخ عبد المتعال الصعيدي ،والخطاب الديني والمشروع العلماني وجهان لعملة زائفة، والروحية الحديثة في الثقافيتين الشرقية والغربية ... وهلم جرا .

والدكتور عصمت نصار أحد أعمدة الفلسفة الإسلامية ورائد من روادها، الذين اتسمت شخصيتهم الفكرية بالنبوغ المبكر، والعبق القديم، وعطر الزمان الجميل . لقد شهد له زملاؤه ومعاصروه بالدقة والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة.

وقد أسهم الدكتور عصمت نصار بعضويته في كثير من المؤسسات العلمية، ومراكز البحث العلمي العالمية، وألقي العديد في بحوث في مؤتمرات وندوات محلية ودواية، منها أبحاث نشرت في الكويت في متخصصة، كما حاضر عن الفكر العربي الحديث والمعاصر في كثير من الجامعات المصرية والعربية.

كما كان الراحل كاتباً مرموقاً فى عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية كجريدة الأهرام ، والوطن، وروزا ليوسف، والوفد، والبوابة نيوز، وفيتو، والأخبار ...الخ.

والدكتور عصمت نصار له اهتمامات بهموم الشباب ، يظهر ذلك بوضوح في كل مقالاته الكثيرة والثرية للحديث عن مشاكل الشباب وهمومهم ، ويكفينا استشهادا بتلك  المقالة والتي نشرت بعنوان " الشباب والكراسي والبرنامج الرئاسي"، في 21  يوليو 2017 بمجلة روزر يوسف، حيث استعرض الدكتور عصمت نصار، تطور جهود الدولة وقادة الرأي من المصلحين لإعداد ظهير سياسي وطني من الشباب لقيادة المجتمع، وذلك منذ برنامج محمد عبده في العقد الأخير من القرن التاسع عشر إلى أخريات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وذلك للتأكيد على أن البرنامج الرئاسي الذي أزمع الرئيس عبد الفتاح السيسي تنفيذه -آن ذاك- من أعظم المشروعات الإصلاحية التي ترمي إلى إعادة بناء الطبقة الوسطى التي أعياها التشتت وأقعدها اليأس وحال الجهل والتطرف بينها والقيام بوظيفتها في إنهاض المجتمع.

ثم بينا لنا الدكتور عصمت نصار بأن " الغرض الرئيسي من الإسراع لتفعيل هذا المشروع هو خلو الأحزاب المصرية من الكوادر التي يمكنها حمل المسئولية والمشاركة الإيجابية في التخطيط والقيادة، الأمر الذي يضطره في معظم الأحايين إسناد الكثير من الأمور للمؤسسة العسكرية، وذلك ليس تحزباً أو المضي في ما يطلقون عليه عسكرة الدولة بل غيبة الكوادر أو إن شئت قل غيابها عن مسرح الأحداث أو بعدها عن المشهد السياسي والعمل العام، وأعتقد أن الواقع المعيش خير دليل على ما أزعم".

ويفرح الدكتور عصمت نصار فرحاً شديدة ببدء مشروع السيسي تحت عنوان "البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة" في 6 فبراير 2016 وقد تخرجت الدفعة الأولى منه في نوفمبر من نفس العام، بعد تثقيف المشاركين بالعديد من المعارف السياسية والإدارية والاجتماعية عقب الاستعانة ببيوت الخبرة الخاصة بإعداد الكوادر الشبابية في الداخل والخارج، وذلك في وضع المحتوى المعرفي والعلمي والتدريبي الذي استغرق ثمانية أشهر.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة يؤكد عليها الدكتور عصمت نصار فيقول :" ولا ريب في أن البدايات مبشرة إلى حد كبير وقد تابعت ذلك من خلال ما كُتب وما شوهد من وقائع في الدورات واللقاءات التي كان السيد الرئيس أحرص ما يكون على حضورها للتحاور مع الشباب حول قضايا الساعة. ولعل قلة المعلومات والبيانات عن مضمون المعارف التي وضعت في البرنامج هي التي أقعدتني عن نقد البنية المعرفية والمنهجية للبرنامج، أما ما كُتب عن مصير الخريجين هو الذي جعلني أشعر بأن هناك ازدواجية في استراتيجية البرنامج الرئاسي وعدم وضوح الغايات أو إن شئت قل تحديد المرامي منه، فبعض خريجي الدورة الأولى قد عادوا إلى وظائفهم وأعمالهم، والبعض الأخر عُين في أجهزة الدولة (مساعدين للوزراء أو محافظين)، مع العلم بأن الصفحة الرئيسية الخاصة بالبرنامج أكدت على أن ليس من مهام هذا المشروع إيجاد فرص عمل للشباب وتوظيفهم، ولا تشكيل منظمة شبابية تكون بمثابة ظهير سياسي لينمو فيصبح حزبًا يدافع عن القيادة العسكرية للدولة".

ويستطرد فيقول الدكتور عصمت نصار :" وأعتقد في ضوء المعلومات التي وقفت عليها يجب إعادة النظر في استراتيجية المشروع لتحديد وجهته. هل يرمي إلى إعادة بناء الطبقة الوسطى على أسس حديثة تمكنها من محاربة الفساد وكل مظاهر التطرف في المجتمع، أو أن البرنامج يهدف إلى إعداد كوادر شبابية لإدارة شئون الدولة والمشاركة الإيجابية في الحياة الحزبية والإشراف على المؤسسات الحكومية والجمعيات الأهلية وحل المشكلات والأزمات الحياتية للمجتمع".

وأخيرا يخلص الدكتور عصمت نصار إلي أنه " وبموجب تحديد الهدف والغاية تتمكن الهيئة الرئاسية من وضع البرنامج المناسب، فثمانية أشهر من الدورات التثقيفية لا يمكنها أن تصنع قيادة، كما أن معايير اجتياز هذه الدورات غير معلنة، هل هو النجاح على غرار الدورات التي تعقدها المؤسسات والهيئات الحكومية أم هو شيء أخر، وهل من ضمن البرنامج الذي يريد تخريج قيادات دورة تدريبية على التفكير الناقد واتخاذ القرار، الأمر الذي يمكن الطلاب من اجتياز الاختبار الرئيسي الذي يلزمهم بوضع تصورات لإدارة الأزمات وحل المشكلات المختلفة التي تعوق المجتمع عن تقدمه أم لا؛ ويتراءى لي ضرورة الفصل في البرنامج الرئاسي بين شعبتين أولهما تعمد إلى تثقيف الشباب وإعادة بناء الطبقة الوسطى على أن تتسع قاعدتها لتشمل كل المحافظات ويشيد في كل منها مقرًا لهذا الغرض، وذلك لاستيعاب 500 طالب في كل دورة بالشروط والقواعد السابقة؛ وثانيها تنصرف جهودها لإعداد القيادات وهي تحتاج بطبيعة الحال إلى مدة أكبر وبرنامج مغاير للشعبة الأولى، ولجان بحثية تعمد إلى:- وضع خطط لإدارة الأزمات، واستطلاع الرأي والتقصي لمد القيادات بنبض الشارع، والإعلام والإشراف على هيئة الاستعلامات ومحاربة الشائعات، والارتقاء بالذوق العام وذلك لإصلاح ما فسد في أجهزة التواصل الاجتماعي والأغاني والمسلسلات والمطبوعات".

تحية طيبة للدكتور عصمت نصار الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره ، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة ، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً

 

بقلم د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمد السعديفي برنامجه الشهير على قناة الفلوجه (شهادات خاصة) الصديق حميد عبدالله . يستضيف في حلقة جديدة النصيرة الشيوعية السابقة (نصيرة القيسي). ومنذ اللحظات الأولى للإعلان عن الحلقة عبر فيلم فديو قصير على مواقع التواصل الاجتماعي وموقع الفلوجه، توالت ردود الافعال بين مؤيد ومعارض . وتلقيت شخصياً عدة أتصالات، كانت أحدها من الدكتور حميد عبدالله لشهادتي السابقة على تداعيات إعتقال فالح حسن (أبو بهاء) وإعدامه في كتابي الذي صدر في طبعته الاولى من دار (فيشون) في السويد (سجين الشعبة الخامسة)، في حينها لم أدخل في تفاصيل الحدث، لكنني أشرت بما يمليه عليه موقفي الشيوعي، ولتكن شهادة للتاريخ وبعد خروج زوجة المعدوم أبو بهاء على شاشة قناة الفلوجه السيدة (نصيرة القيسي) أبنة طبيب الاسنان المشهور والشهيد الشيوعي عبد الستار القيسي . سأتوقف عند تفاصيل الحدث بما وقع، وثمة من أتصل بي لمعرفته حول قربي وموقفي من تلك التفاصيل .

في شتاء عام ١٩٨٥ وصلت من قاطع (سليمانية وكركوك) عبر مدينة (الرضائية) الايرانية الى موقع (لولان) شريط المثلث الحدودي (العراق، أيران، تركيا) . كان تواً قد أسدل الستار على يوميات المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي العراقي من ١١ الى ١٥ تشرين الثاني في منطقة (أرموش السفلى) في لولان . كانت السجال محتدم في لقاءات الانصار الشيوعيين بين اليمين واليسار على تداعيات وقائع المؤتمر ونتائجه . كانوا رفاق الفرات الاوسط يلومون الرفيق باقر أبراهيم لموقفه بوقوفه بين مندوبين المؤتمر وأعلانه بعدم ترشيحه مره أخرى لقيادة الحزب، وأعفائه عن مهامه، ورفاق أخرون منتشين يعتبروه نصراً ساحقاً بازاحة الرعيل القديم من قيادة الحزب .

بعد أيام تهيأنا، مفرزة أنصارية من مناطق لولان الى قاطع بهدينان، هنا تعرفت على (أبو بهاء) لأول مرة وعلى عدنان الطلقاني (أبو هيمن) . وبلغنا رسمياً بالحيطه والحذر من الرفاق أبو بهاء وأبو هيمن لشكوك أثيرت حولهم بارتباطهم بأجهزة المخابرات العراقية وأنهم منعوا من حضور أيام وقائع المؤتمر أي حجروا في موقع بعيد عن خيمة المؤتمر في أرموش السفلى . في صباح ممطر وبارد من نهاية شهر تشرين الثاني تحركت المفرزة ضمت على ما أتذكر حكمة أقبال (أبو قبال)، كريم عرب (أبو ماجد) كانوا عائدين تواً من دورة حزبية في بلغاريا، والفقيد أبو ميلاد وأخرون لم تسعفني الذاكرة بأسمائهم، وكانوا معنا أبو بهاء وأبو هيمن . أستغرقت مسيرة المفرزة خمسة ليالي صعبة بسبب أجواء الطبيعة والطقس من أمطار وعواصف وثلوج . كانوا (الرفاق) أبو بهاء وأبو هيمن، كما كانت المخاطبات بيننا في وضع معنوي بعيداً عن التوقعات السيئة حول مصيرهم من خلال أستغلالهم لأي فرصة في الاستراحات بالهجوم على قيادة الحزب والتنكيل بوقائع المؤتمر، ويكررون ماذا سيتمخض عن الجبل الا ولادة فأراً . والتأكيد على معاني النضال في الداخل وأهميتها لحزب ثوري .

شهادتي تقول … كانت لهم فرصة مناسبة ومتاحة للهروب الى مواقع السلطة لو كان لهم أدنى شك بمصيرهم الذي سيؤول الى نهاية حياتهم .. مررنا بقرية أسمها (جمجو) وسط ربايا وتحركات السلطة كان هروبهم أسهل من رقراق الماء لو تدفق، لكن ربما لم يفطنوا ماذا ستخبيء لهم الايام والاقدار .

وصلنا الى مقرات (زيوه) على ضفاف نهر الزاب الصغير، وكنت معهم في الفصيل المستقل التابع للمكتب السياسي لتنظيمات الداخل، وكانوا الرفاق أراخاجادور (أبو طارق)، عمر الشيخ (أبو فاروق)، حميد مجيد موسى (أبو داود) في قيادة الموقع والتنظيم مع عشرات من الكوادر الحزبية (المهمة) والمهيأة لعمل الداخل .

ابو بهاء .. يمارس حياته بشكل طبيعي في الفصيل المستقل من حراسات الى خفارات، وكنت شخصياً معه بنفس الغرفة للمبيت مع مجموعة رفاق لا يقل عددهم عن ١٥ رفيقاً . كانت ردود أفعاله غاضبة أحياناً في الحديث عن وقائع المؤتمر ونتائجه وسياسة الحزب بشكل عام، وحتى أسألته كانت شديدة ولاتخلوا من الشك أثناء المحاضرات من قبل رفاق المكتب السياسي سواء كان أبو طارق أو أبو فاروق أو أبو داود حول سياسة المؤتمر الجديدة . بين عصرية وأخرى ينسل معه أحد رفاق المكتب السياسي في التمشي الى داخل الوادي، ونحن لنا الظاهر فقط أما ماذا يجري من أحاديث لا أحد يعرف فقط كنا نتلقى توصيات بالانتباه . يبدوا لي ومن خلال تطورات الاحداث، بدأ الحزب يتحرك بشكل جدي للوقوف على تداعيات هذا الملف، كنت حينها مبلغ بالتهيؤ الى الذهاب الى بغداد مع مجموعة رفاق الشهداء أبو أحمد وأبو سرمد ناحية (الدغارة)، أبو سالار وأبو بشرى (السماوة) والفقيد علي الجبوري ديالى (جديدة الشط)، وسلام العجيلي (محمد عرب) . في يومها وشوش في آذني (أبو هيمن) في فضاء مطبخ الفصيل، أذا تريد أعطيك تلفوني عندما تصل الى بغداد أتصل بي لنشكل قيادة في الداخل، وهذه قيادة جبانة، مباشرة أرعبني الخوف، وبلغت قيادة التنظيم بتلك السابقة الخطيرة في العمل السري، بقى أبو هيمن بين صفوفنا متحدي الجميع بدون تردد ولاخوف، في ليلة أختفى من الفصيل، وعرفنا فيما بعد أن أحد أعضاء المكتب السياسي زجه الى بغداد على مسؤوليته تنكيلاً بموقف قادة تنظيمات الفرات الأوسط، وحسب المعلومات التي تواردت لنا قضى على ماتبقى من بقية الخطوط التنظيمية . 

توصلت قيادة الحزب عبر محلية (دهوك) بقيادة أبو روؤف بالتنسيق مع عميلنا المزدوج (شهاب)، الذي نقل المعلومة الى الحزب في نزول أبو بهاء الاخير الى الداخل وأيقافه من قبل مفرزة وسط الطريق وأطلاق سراحه عبر كلمة سر أو أتصال تلفوني سريع ليواصل طريقه الى بغداد، لتنقل المعلومة الى قيادة الحزب عما حدث، وبدأت الشكوك تحوم على عدة رفاق ذهبوا الى بغداد بنفس الفترة الزمنية وعلى نفس الطريق .

قرر عقد المؤتمر الرابع في (تشرين الثاني) عام ١٩٨٥ دعا الحزب مندوبيه من الداخل، وكان أبو بهاء واحد منهم، وبدأت الشكوك تزداد حوله أستناداً الى تقرير العميل (شهاب) الوقت والتاريخ ولون بشرته.

بات الرفاق في الحزب أمام منحى خطير لو طال به الزمن سيكثر اللغط ويثير البلبلة ويكسر حاجز الصمت، فلابد من قطع الشك باليقين، فتم ترتيب لقاء مباشر بين المتهم (أبو بهاء)والعميل المزدوج (شهاب) عبر محلية دهوك . في أطراف مدينة العمادية تم اللقاء بين شهاب الذي جاء عبر رفاق محلية دهوك ومن فصيلنا (المستقل) تحركت المفرزة بقيادة (أبو طالب)، الذي هو أيضا نفذ به حكم الأعدام في مدينة (شقلاوه) بعد ما أدين بتعاونه مع أجهزة البعث في مطلع التسعينيات، وعلي العقابي (ابو برافدا)، وملازم آزاد، وأبو بهاء بعد أن بلغ سوف يشارك بمفرزة أستطلاعية حول المنطقة وربما راوده أحساس أنعشه قليلاً سوف يذوب الجليد لأعادة العلاقة من جديد، وبهذا راح عن ذهنه هنا سوف تنتهي قصة حياته .

في اللحظات الأولى من اللقاء أشار العميل شهاب بأصبعه الى أبو بهاء، قائلاً هو هذا فخر منهاراً فجرد من السلاح معتبريه معتقلاً بأمر حزبي . قبل وصول المفرزة الى مقر الفصيل المستقبل وصل الخبر الى أجهزة الامن حيثيات اللقاء ودوافعه فاعتقلت السلطات العميل شهاب وساومته على جريمة أغتيال أبو روؤف ورفاقه وبدم بارد أغتال ثلاثة رفاق .

وصلت المفرزة سالمة الى الفصيل المستقل وزج ببو ببهاء بغرفة، كانت مناماً لبعض رفاق، تحولت خلال ساعات الى زنزانة أنفرادية، وبدأ معه التحقيق والضغط المباشر والشديد، وظل لفترة ليس قليلة يهتف بالشيوعية وحياة فهد، لكن بعد فترة شعر لامفر من الخلاص وقدمت له بعض التطمينات من بعض الرفاق لو تحدث بشكل صريح وواضح سوف ينقذون حياته، لكن الذي تم عكس ذلك . أدلى أبو بهاء أعترافات كاملة لمحققه الذي كان يجري تحقيقاً يومياً معه في وادي (زيوه)، وقبل سنوات كانوا قادة تنظيمات محلية البصرة من ضمنهم أبو زكي يتباهون أن بينهم مناضل بمستوى أبو بهاء . أعترف أبو بهاء بارتباطاته المشبوهه مع أجهزة المخابرات منذ نهاية السبعينيات في أعتقاله أبان الحملة على تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي وبعد أطلاق سراحه ترك العراق بأتجاه سوريا وبيروت وعدن وعاد من بعدها الى كردستان العراق مع زوجته عبر معبر القامشلي . من الجيل عاد الى بغداد الذي سبقته زوجته وحسب أدعائه بسبب سوء الاوضاع في الجبل والصراع الداخلي عدت الاتصال مع أجهزة البعث وعملت وكيلاً لهم وسكنت في بغداد مع عائلتي وباتت زوجتي على علم بارتباطاتي الجديدة وعملي مع أجهزة البعث . اليأس والغبن الذي تعرضا له بين صفوف الشيوعيين هو الذي دفعا للاتصال والتعاون مع أجهزة الدولة القمعية .

نصيرة القيسي.. في شهادتها الخاصة وتعقيباً على بعض الاعترافات ..

 تقول أن بعد أحتلال العراق زارها الشيوعيين مع باقات ورد؟.

ذهبت الى مقر الحزب لتسأل عن مصير زوجها ولم تتلقى رداً واضحا ً ؟.

في عام ٢٠٠٢ ذهبت الى أربيل والتقت ب هناء أدور وسألتها عن زوجها؟.

في محاولة أخرى ذهبت الى قصر المؤتمرات وألتقت بحميد مجيد موسى وقدمت نفسها أنها زوجة أبو بهاء وتهرب من الحديث معها بحجة هو تعبان .. وأن هو حسب أدعائها كان غير قيادي في الحزب وربما لم يعرف زوجها ؟.

تدعي أن مهند البراك هو الذي أطلق النار على زوجها ؟.

تلك الأدعاءات بعضها غير واقعية ولاحقيقية ولا تمت بصلة الى تطورات الاحداث بحاجة الى أدلة وشهود ووقائع .

أيلول العام ١٩٨٦، أجري أتصال هاتفي بعد تكليف من قيادة الحزب للتأكد من وجود (نصيرة القيسي)، حسب المعلومات التي وصلت عبر أبو بسيم، أنها تعيش في بيت أمن وبناتها يمارسن حياتهن بشكل طبيعي حضانة ومدرسة . سألتها عن أبو بهاء فقالت لي في سفرة سريعة ويرجع .. وأنتهت المكالمة .

العميل شهاب لاقى مصيره الحتمي على يد قوات البشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني .

 

محمد السعدي - مالمو

 

محمود محمد عليشهد عصر النهضة ثورة فى الفن نتيجة اكتشاف "جيوتو" للبعد الثالث أو ما يسمى بقانون المنظور الذي به تأخذ المرئيات بعدها الثالث ألا وهو "العمق" (أو الارتفاع).. فلا تبدو المرئيات مسطحة بالطول والعرض وحدهما. وأساس هذا القانون هو أن الأجسام تبدو أصغر وأصغر ببعدها أكثر وأكثر عن خط النظر، وأن الخطين المتوازيين يبدوان أضيق فأضيق ببعدهما عن خط النظر حتى أنهما يلتقيان بالوهم عن عين الناظر إذا امتدا بالدرجة الكافية.

ونتيجة اكتشاف هذا القانون صار الأمر ممكناً للفن أن يقلد الطبيعة والحياة أو أن يبدع منهما الفنان إبداعاً خلاقا دون أن يتهم بالشرك أو الردة فى إقامة الأصنام. وقد أدت الرغبة فى تقليد الطبيعة والحياة إلى الاهتمام بدراسة العلوم البحتة والتطبيقية. وهنا أخذ الفن والعلم يتلاقيا شيئاً فشيئاً تلاقياً حميماً خلال عصر النهضة، لدرجة أنهما غالباً ما أصبحا قابلين للتبادل. وفى مرات عديدة لا يستطيع المشاهد الحديث القول بما إذا كان يجب النظر إلى رسم معين على أنه عمل فنى أم على أنه دراسة علمية. كذلك لسنا متأكدين دائماً مما إذا كان يجب " تصنيف" عبقرية فردية معينة على أنها عالم أم فنان .

ومن ناحية أخرى كان على الفنانين أن يغرسوا لا التمثيل الواقعى للتفاصيل الطبيعية ودراسة المنظور فحسب، بل كذلك تمثيل التشريح والحركة. كيف كان الناس يتحركون فى عالمهم، جاعلين أنفسهم فى دراهم، كان بالتأكيد جانبا بارزا من التوكيد الجديد ثلاثى الأبعاد، وربما كان من أهم الجوانب من الناحية الذاتية، إذ كان يزود المشاهد بنوع ممتع من التماهى – الذاتي ؛ وكان على التشريح أن يتعامل مع ثلاثية أبعاد الجسم الإنساني. فى مجالات مثل هذه عادة ما كان البحث العلمي فى الطبيعة وبهجة الفنان (المشاهد) الجمالية يقتربان من بعضهما إلى درجة التراكب فعلياً .

وقد أثمرت العلاقة الوثيقة بين الفن والعلم إلى بروز فكرة " الإنسان الشامل"  L`Uomo Universale.فقد كان تحول الفنان السهل من مقاربة جمالية إلى مقاربة علمية والعكس جزءً من تعدد المواهب الظاهر الذى أطلقه عصر النهضة من خلال مناشدته للطاقة الإبداعية.. فما الذى كان يمكن فى نهاية المطاف، أن يكون محفزا لتفتح مواهب المرء أكثر من مناخ ثقافي ينادى بالكشف عن جمال هذه الطبيعة وأسرارها الخفية؟ وجدت كل طاقة المرء نفسها فى صراع مع مغامرة العالم. واستنفز هذا التحدي الشامل للشخصية المبدعة كل شئ للفعل – الفن، والعلم والمهارات التقنية، وإجادة مختلف الوسائط، ومجالا عريضا من القدرات الذهنية. وأصبح التراوح بين مختلف الوسائط شائعاً شيوع التراكب بين الفن والعلم. وطوال كل عصر النهضة، كان الموهوبون يثبتون لأنفسهم – وللآخرين – أنهم موهوبون أكثر مما يتخيل أى شخص، ليس فقط فى مجالاتهم المختارة بل فى مهن أخرى كذلك .

وليوناردو دافنشى Leonardo Da Vinci (1452-1519) هو مجرد الحالة الأشد إثارة ضمن صف طويل من الفنانين – العلماء فى عصر النهضة. وقد أطلق عليه لقب " العبقرية الشاملة لعصر النهضة المبكر" . لقد كان أعجوبة عصره ومتقدماً فى فنه عن معاصريه بمراحل كبيرة، فكان مهندساً ومخترعاً للآلات الحربية وبارعا بعلوم التشريح والطبيعة وموسيقيا. بالإضافة إلى أنه كان مثالاً ومصوراً ومهندساً .

وعلاوة على ذلك فقد كان واحداً من أعظم فناني عصر النهضة الذين اهتموا بالمنهج العلمي قبل فرنسيس بيكون " (1561-1626)، فقد أكد على أهمية الملاحظة والتجربة فى كشف آيات الطبيـعة والوقوف على أسرارها، كما دعا الباحثين في بحوثهم إلى تدوين ملاحظاتهم والقيام بتجاربهم، ونادى بأن التأمل النظري أمر عقيم لا يليق بالإنسان، وحث على التروي فى الملاحظة والتأني فى التجربة، وحذر من التسرع فى التعميم واستنباط القوانين .

كما كان واحداً ممن أثروا العـلاقة الحميمة بين الفن والعلم، فالفن عنده علم واسع الحدود، والعلم عنده أمر لا ينفصل عن الفنون. ولذلك نجده لا تفارقه محاولاته وتجاربه العلمية، فهو يمارسها في الوقت الذي يمارس فيه الفنون، وهو يعالج موضوعاً علمياً كان قد بدأه ويريد متابعة تجاربه فيه أو موضوعاً جديداً يجرب نفسه في دراسته أو يحاول له العلاج ليصل إلى نتيجة أفضل .

ولم يكتف دافنشى بذلك؛ بل نراه يبحث عن أسرار كل شئ، ويعمد إلى الكشف عن الألغاز الغامضة، ويتحرى عن العمليات والنظريات وظواهر الطبيعة. وتنوعت ميوله وهوايته حتى دفعته إلى التعلق بكل ما يحيط به ويقع تحت عينيه، فلم عناصر الأعشاب الطبيعية ومظاهر حركات الأجرام السماوية ومدار القمر وطبيعة الشمس وعلم التشريح…الخ .

ولم يعكف إنسان بقدر ما عكف دافنشى على العمل مواصلاً البحث العلمي للقضاء على الأسرار الغامضة وتنوير العالم بالاكتشافات التي نشر فيها الملاحظة والتجربة .

وقد شهد له بذلك بعض أساتذتنا المعاصرين؛ فنجد الدكتور " زكى نجيب محمود" يقول عنه: " لا أحسب أحد فى تاريخ الفكر كله يلخص عصره تلخيصاً جامعاً مانعاً بقدر ما لخص ليوناردو دافنشى عصره !. وأي عصر !. إنه عصر النهضة الأوربية التي انبعثت فبها الحياة انبعاثا، أوشك ألا يترك نحواً من أنحاء الأرض ولا رجا من أرجاء السماء إلا أرتاده .ولعلك قد سمعت به مصوراً فناناً، فهو صاحب "العشاء الأخير" – صورة رائعة رسمها في أحد أديرة ميلان أثناء مقامه بتلك المدينة فناناً رسمياً لقصر الأمير لودوفيكو سفورتزا، وهو صاحب " الجيوكندا " الموجودة الآن في متحف اللوفر بباريس رسمها وهو في فلورنسا إبان عهد قيصر بورجيا. ثم لعلك قد سمعت به مهندساً في قوى الماء، وفي ابتكار الآلات لشتى المناسبات. وقد تكون سمعت به أيضاً عالماً في الجيولوجيا والنبات. ولكن القصة التي تروي لك شيئاً من تفصيلات حياته تلك التي كانت كأنها مائة حياة لمائة عظيم اجتمعت كلها في رجل واحد. ستثير فيك العجب ما لا يثيره إلا قلة قليلة من أحداث التاريخ ورجاله .

كما وصفه الأستاذ " يوسف كرم بأنه : " ثمرة من خير ثمار عصر النهضة. اشتغل بالتصوير والنحت والموسيقى فكان فناناً عظيماً، وتبحر في التشريح والمعمار والميكانيكا فكان عـالماً مبرراً واستخلص من أبحاثه أصول المنهج العلمي، ومن مشاهداته للناس عوامل سيرتهم فكان فيلسوفاً مذكوراً . تناول علم الميكانيكا حيث تركه " أرشميدس " ونهج فيه نهجه، فوصل إلى نتائج تختلف عما كان وصل إليه الأسميون الباريسيون في القرن الربع عشر، وكان مقتنعاً بأن العلم ابن التجربة، وأن النظريات التي لا تلقي تأييداً من التجربة نظريات باطلة . فكان يرمي الكيميائيين والمنجمين بأنهم دجالون أو مجانين. وليست التجربة عنده مجرد الإدراك الحسي، بل البحث عن العلاقة الضرورية بين الأشياء، ووضع هذه العلاقات في صيغ رياضية تخلع على نتائج التجربة يقيناً كاملاً وتسمح باستنتاج الظواهر المستقبلية من الظواهر الراهنة.

 

د. محمود محمد علي

كلية الآداب – جامعة أسيوط

 

 

ضياء نافعيثرثر سائقو سيارات الاجرة من الشعوب السوفيتية سابقا (وما أكثرهم الان في المدن الروسية الكبيرة) مع الركاب في موسكو، ويذكروني بالقصص الطريفة عن ثرثرة الحلاقين في مادة القراءة بمدارسنا الابتدائية ايام زمان، وهذا ما حدث معي قبل فترة قصيرة في موسكو، اذ لاحظ سائق سيارة الاجرة ملامحي غير الروسية رأسا، وسألني بفضول واضح وصريح ومباشر – من اين انت ؟ اضطررت طبعا ان اجيبه عن سؤاله (خصوصا واني لاحظت ان ملامحة وكلامه بالروسية تبينان بوضوح انه ليس روسيّا)، وقلت له اني من العراق، فصاح باندهاش واضح – آه لو كان المرحوم جدي يعلم، ان عراقي جلس معي في سيارة الاجرة التي أقودها في شوارع موسكو . تعجبت انا طبعا من رد فعله غير الاعتيادي هذا، ومن اندهاشه، ومن مضمون جملته تلك التي قالها لي، وسألته رأسا – وما علاقة جدك بكل ذلك ؟ فقال، لأن جدي قد مرّ في بغداد عندما سافر الى الحج مع مجموعة كبيرة من الحجاج الطاجيك الآخرين، الا ان الباص الذي كان يقلّهم قد تعطّل في بغداد اثناء تلك الرحلة، ولم يستطيعوا تصليحه رغم كل محاولاتهم، وقد احتاروا ولم يعرفوا ما العمل، فنصحوهم ان يتوجهوا الى السلطات العراقية بطلب للمساعدة و بالذات الى صدام حسين، وفعلوا ذلك فعلا، فجاءت المساعدة، وتم توفير باص جيد لهم، واكملوا سفرتهم الى الحج، وانتظرهم الباص العراقي هناك وعاد بهم الى بغداد، حيث وجدوا ان حافلتهم قد تم تصليحها مجانا من قبل السلطات العراقية، وهكذا عادوا الى طاجكستان سالمين، وقد بقي جدي يتحدث عن هذه الحادثة طوال عمره في البيت وفي كل مكان يحل به، وعندما تم اعدام صدام، كان عند جدي مأتم حقيقي، وكم حاولنا ان نقنعه، ان الشعب العراقي يفكّر بشكل آخر حول صدام، ويعتبره دكتاتورا قاسيا، ولكن دون فائدة، اذ كان جدي يكرر قصة مساعدته لهم عندما كانوا في رحلة الحج، ويقول لولا صدام لما استطاع لا هو ولا رفاقة من الوصول الى مكة واكمال مراسم الحج ولا الرجوع الى طاجكستان . صمت السائق قليلا، ثم سألني – هل فهمت الان لماذا قلت لك جملتي الاولى عندما عرفت انك عراقي ؟ ابتسمت أنا، وقلت له – نعم فهمت، فارتاح جدا لاجابتي، وأضاف قائلا – ولهذا قلت لك آه لو كان جدي يعرف ان عراقي جلس معي وانني حدثته عن هذه الحادثة المهمة جدا في حياته، ثم سألني – ما ذا تقول حول هذه القصة، التي نرويها في عائلتنا دائما و حتى بعد وفاة جدي قبل عشر سنوات من الان ؟ اذ اننا لا نستطيع نسيانها . قلت له ان جدك على ما يبدو كان انسانا بسيطا جدا وساذجا، وانه تأثّر بالحادث طبعا، ولكنه لا يعرف بتاتا ماذا عمل صدام في العراق طوال تلك السنين الطويلة التي حكم فيها، ففرح السائق بجوابي، وقال، اننا جميعا في عائلتنا كنا نقول له ذلك الرأي، ولكنه كان يرفض الاستماع الينا، وانني الان، عندما سأعود الى بيتنا في طاجكستان، سأحكى لهم ماذا قال العراقي الذي جلس معي في سيارة الاجرة في موسكو حول قصة جدي . سألته، وهل ستعود نهائيا الى بيتكم في طاجكستان؟ فأجاب بحسرة – ياليت، اذ ان هناك زوجتي و اطفالي، ولكني أعمل في موسكو لعدم وجود العمل هناك، وان والدي ووالدتي وزوجتي يعملون في طاجكستان، ولكنهم لا يستطيعون العيش حتى بشكل متواضع، ولهذا فانني مضطر ان أعمل سائقا في موسكو لمساعدتهم في العيش، وازور بيتنا في طاجكستان مرة كل ستة أشهر، ولمدة اسبوعين لا أكثر، وأعود الى العمل في موسكو . قلت له، الا تستطيع ان تعمل هناك سائقا ايضا، اذ ستكون عندها قرب عائلتك واهلك، فقال، ان السائق في موسكو يكسب أضعاف السائق هناك، وانه لهذا يعمل في موسكو، فقلت له، ولكنك تصرف هنا ايضا اضعاف ما تصرفه هناك، فقال لالالا، انا وخمسة من اصدقائي الطاجيك نعيش سويّة في غرفة واحدة صغيرة و متواضعة جدا نؤجرها في اطراف موسكو لأن الايجارات خارج موسكو أرخص ، ونقتصد في كل شئ، و حتى في اكلنا وشربنا، من اجل ان نساعد عوائلنا هناك، ثم أضاف ضاحكا انه يرتاح فقط اثناء الاسبوعين تلك، عندما يزور بيتهم في طاجكستان، ويكون مع والديه وزوجته واطفاله، وتأسف جدا لان الايام الجميلة في تلك الاسبوعين تمرّ بسرعة مثل لمح البصر .

عندما وصلنا الى العنوان المطلوب، اعطيته اجرته (وبخشيشا) جيدا ايضا، وقلت له، انها لشراء هدية متواضعة بهذا المبلغ لعائلتك، وان يقول لهم انها من العراقي الذي لا يؤيد بتاتا المرحوم جدكم في احاديثه، فضحك وقال، سأحكي لهم ذلك حتما، وستكون هذه القصة الجديدة المرتبطة بالعراق ايضا مهمة جدا في مسيرة حياة عائلتنا بطاجكستان.

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

اسعد عبداللهذاكرة مختنقة هي التي تتحدث عن التسعينات من القرن الماضي، ايام الحصار الذي سحق المجتمع بشكل مخيف، كانت سلوتنا القراءة السرية ومحاولات للكتابة، وكنت احاول الكتابة عن احداث عام 1980التي سبقت حرب ايران، والتي مثلت مفترق الطرق للعراقيين، عبر استشهاد السيد محمد باقر الصدر، لكن كنت دوما اتوقف وتتحول الى كتابات غير مكتملة، نتيجة عدم تهيء المعلومات والاجواء المناسبة، وبسبب خطورة الكتابة والتي تعتبر جريمة لا يقل فاعلها عن الاعدام، فالأحداث السياسية يجب ان نسكت عنها، كانت كلمات واوامر يرددها الكبار علينا، لان سلطة صدام ترفض أي كلام معارض لما تراه.

ليلة الامس اخرجت بعض الاوراق القديمة، كانت فقط خمس وريقات لكن مليئة بالكلمات، والمتكدسة في كيس كبير محتفظ به في مخزن البيت، وسأنشرها كما هي:

سوق الاولى – شارع الداخل

نحن جيل عاش عتمة سنوات حكم البعث، كنا اطفالا عندما استشهد السيد الصدر، وتحول اسمه لخطر تخاف ان تذكره الناس، فهو جريمة لا غفران معها، مع انتشار جواسيس البعث وتغلغلهم داخل المجتمع، لذا اصبح امر اكتشاف السيد الصدر من الصعاب، كنت كثير التجوال في الاسواق الشعبية، ابحث وسط الكتب القديمة والمجلات عن المعلومة التي تغذي ذاتي، وفي احدى جولاتي في سوق الاولى الواقع في بداية شارع الداخل من مدينة الثورة، حيث يجلس عجوز يبيع كوم من الاوراق والكتب الممزقة وبقايا المجلات.

فمددت يدي ابحث عن شيء ما، وفجأة وقع بين يدي كراس فيه كتابة بخط اليد، وكان صاحبها ذو خط انيق، لا اسم للكراس ولا لصاحب السطور، لكن ذهلت من العناوين ( اين ولد محمد باقر الصدر؟ اين درس؟ ما هي كتبه؟ ) يا الهي صدمة كبيرة، بحثت عن اشياء اخرى لم اجد، ثم لففت الكراس ببعض المجلات وبقايا الكتب، واشتريتها جميعا، وعدت مسرعا للبيت، اسرعت نحو غرفتي ومعي ما يشبه الكنز، حاولت ترتيب الاوراق حسب الزمن المكتوب في اعلى كل ورقة، وشرعت بقراءتها.

الورقة الاولى: ولادته .. الثلاثاء 1-1-1985

"منذ ايام وهنالك حملات كبيرة للتفتيش عن الكتب الدينية، مع حملة اعتقالات مسعورة بالتزامن مع اخبار الهزائم العسكرية، لقد فقدت الكثير من الاصدقاء ممن اعتقلوا او اجبروا على خوض الحرب، واحس ان ايامي قليلة، لكن سأصبر كما علمنا الاستاذ الشهيد، وسأكمل سطوري اليوم سأكتب عن نشأت السيد الصدر.

ولد الشهيد محمد باقر الصدر في مدينة الكاظمية في عام 1934، ونشأ السيّد الصدر يتيماً، فقد مات والده السيّد حيدر الصدر وهو في السنوات الأولى من عمره، احتضنت رعايته والدته بنت آية اللّه الشيخ عبد الحسين آل ياسين وهم من أعاظم الفقهاء، وقد عرف عن والدة الشهيد الصدر أنها مثالاً عالياً للتقوى والورع، كانت لا تفارق القرآن تتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وقد تحملت الكثير الكثير من المعاناة حيث عاشت مع الشهيد الصدر أيام المحنة الصعبة وأيام الحصار الأخير، وكانت صابرة محتسبة.

في هذا الكنف الطاهر ترعرع ونشأ السيّد الصدر، ويجب أن لا ننسى دور أخيه الأكبر آية اللّه السيّد إسماعيل الصدر فقد أولاه الكثير من الرعاية والاهتمام مما خفف عنه آلام اليتم وقسوة الحياة

خلّف الشهيد الصدر ولداً واحداً هو السيّد محمد جعفر الصدر، كما خلّف الشهيد الصدر خمس بنات".

الورقة الثانية: دراسته.. الخميس 7-2-1985

"اعود للكتابة من جديد، بعد الخلاص من حصار البعثيين، وتحسن حالة والدي المريض، لكن يجب ان اكمل ما بداته، في الكتابة عن الشهيد السعيد السيد الصدر، واليوم سأكتب ملخصا عن دراسته.

تعلم السيد الصدر القراءة والكتابة وتلقى جانباً من الدراسة في مدارس منتدى النشر الابتدائية في مدينة الكاظمية المقدسة، وكان موضع إعجاب الأساتذة والطلاب لشدة ذكائه ونبوغه المبكر، ولهذا درس أكثر كتب السطوح العالية دون أستاذ، بدأ بدراسة المنطق وهو في سن الحادية عشرة من عمره، وفي نفس الفترة كتب رسالة في المنطق، وكانت له بعض الإشكالات على الكتب المنطقية.

في بداية الثانية عشرة من عمره بدأ بدراسة كتاب معالم الأصول عند أخيه السيد إسماعيل الصدر.

هاجر الشهيد الصدر من الكاظمية المقدسة إلى النجف الاشرف، لإكمال دراسته، وتتلمذ عند شخصيتين بارزتين من أهل العلم والفضيلة وهما: آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين، وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي.

بالرغم من أن مدة دراسة السيد الصدر منذ الصبا وحتى إكمالها لم تتجاوز 17 أو 18 عاماً، إلا أنها من حيث نوعية الدراسة تعدّ فترة طويلة جداً، لأن السيد كان خلال فترة اشتغاله بالدراسة منصرفاً بكلّه لتحصيل العلم، فكان منذ استيقاظه من النوم مبكراً وإلى حين ساعة منامه ليلا كان يتابع البحث والتفكير، حتى عند قيامه وجلوسه ومشيه".

الورقة الثالثة: دراسته.. الجمعة 3-5-1985

"للتو خرجت من سجن دام شهرين، بعد ورود اسمي باعترافات احد الاصدقاء القدماء: باني ذهبت معهم في عام 1982 لزيارة النجف الاشرف، وبأعجوبة تم اخلاء سبيلي، شفع لي دعاء امي المسكينة وعزلتي في اخر سنتين، احوال البلد لا تسر، البعث يبطش بالبلد، ومطحنة الحرب مازالت تأكل اجيالا من ابناء البلد، اليوم سأكمل الورقة الثالثة وفاءا مني للشيد السعيد الصدر.

بدأ السيد الصدر في إلقاء دروسه ولم يتجاوز عمره خمس وعشرون عاماً، فقد بدأ بتدريس الدورة الأولى في علم الأصول بتاريخ 12 / جمادى الآخرة / 1378 هـ وأنهاها بتاريخ 12 / ربيع الأول / 1391،

وشرع بتدريس الدورة الثانية في 20 رجب من نفس السنة، كما بدأ بتدريس البحث الخارج في الفقه على نهج العروة الوثقى في سنة 1381هـ.

وخلال هذه المدة استطاع سيدنا الأستاذ أن يربي طلاباً امتازوا من حيث العلم والأخلاق والثقافة العامة، لأن تربية السيد الصدر لهم ليس منحصرة في الفقه والأصول، بل أنّه يلقي ع ليهم في أيام العطل والمناسبات الأخرى محاضراته في الأخلاق، وتحليل التأريخ، والفلسفة، والتفسير، من أبرز طلابه ما يأتي ذكرهم: آية الله السيد كاظم الحائريي، وآية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، وآية الله السيد محمد باقر الحكيم".

الورقة الرابعة: مؤلفاته.. الاربعاء 19-6-1985

"بدأ الصيف هادئ وهنالك اخبار عن قرب توقف مطحنة الحرب، بالأمس جاءوا لجارتنا ام باقر بابنها الثالث جريحا حيث بترت ساقاه، لم يبق في البيت الا هذه العجوز وابنها المعوق والنساء والاطفال، ان الحرب دمرت النسيج الاجتماعي، مع حالة الرعب التي نعيشها نتيجة تسلط رجال البعث على الحياة، اني احس بالاختناق فكل شيء ممنوع، وعليك ان تفكر باي كلمة تريد قولها هل ستنسجم مع سياسة الدولة، ام ستدخلك في خانة المعارضة.

حتى كتابتي لسطور هو امر طبيعي، لكن في العراق مخاطرة، والبعض يعتبره انتحارا او معارضة، او بطولة غير محسوبة، سأعود من جديد لمواصلة ما بدأت:

سأتكلم عن اهم  مؤلفات السيد محمد باقر الصدر التي عرفتها:

اولا: فدك في التاريخ: وهو دراسة لمشكلة (فدك) والخصومة التي قامت حولها في عهد الخليفة الأول.

ثانيا: دروس في علم الأصول بثلاث اجزاء.

ثالثا: بحث حول المهدي: وهو عبارة عن مجموعة تساؤلات مهمة حول الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)

رابعا: نشأة التشيع والشيعة.

خامسا: نظرة عامة في العبادات.

سادسا: فلسفتنا: وهو دراسة موضوعية في معترك الصراع الفكري القائم بين مختلف التيارات الفلسفية، وخاصة الفلسفة الإسلامية والمادية والديالكتيكية الماركسية.

سابعا: اقتصادنا: وهو دراسة موضوعية مقارنة، تتناول بالنقد والبحث المذاهب الاقتصادية للماركسية والرأسمالية والإسلام، في أسسها الفكرية وتفاصيلها.

ثامنا: الأسس المنطقية للاستقراء: وهي دراسة جديدة للاستقراء، تستهدف اكتشاف الأساس المنطقي المشترك للعلوم الطبيعية وللإيمان بالله تبارك وتعالى.

تاسعا: رسالة في علم المنطق: اعترض فيها على بعض الكتب المنطقية، ألفها في الحادية عشرة من عمره الشريف.

عاشرا: غاية الفكر في علم الأصول: يتناول بحوثا في علم الأصول بعشرة أجزاء، طبع منه جزء واحد، ألفه عندما كان عمره ثماني عشرة سنة.

حادي عشر: المدرسة الإسلامية: وهي محاولة لتقديم الفكر الإسلامي في مستوى مدرسي ضمن حلقات متسلسلة صدر منها: الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية، وماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي؟

الثاني عشر: البنك اللاربوي في الإسلام: وهذا الكتاب أطروحة للتعويض عن الربا، ودراسة لنشاطات البنوك على ضوء الفقه الإسلامي.

الثالث عشر: الفتاوى الواضحة: رسالته العملية، ألفها بلغة عصرية وأسلوب جديد".

الورقة الخامسة: الثورة ... الجمعة 11-10-1985

" لا اعلم كيف تم تسريب قصة الاوراق التي اكتبها، وقد اخبرني محب ان اسمي رفع بتقرير للفرقة الحزبية من قبل احد الجيران، واخبرني بأهمية الفرار سريعا، قبل قرار القاء القبض، والتهمة اني من محبي السيد الصدر واني اكتب سيرة حياة الشهيد السعيد، سأكتب اليوم عن اجواء عام 1980:

في هذا العام كانت الاحداث تتسارع خصوصا بعد انقلاب صدام على حزبه في محاولة للتفرد بالقرار، ثم اعلان العداء لسوريا، واشتعال حرب الجواسيس بين البلدين، من جهة اخرى كان صدام وعفالقته يشعلون حربا شديدة ضد الخط الديني في المجتمع خصوصا بعد تظاهرات شهر صفر، واجبار السلطة على اطلاق سراح السيد الصدر بعد اعتقاله الاول، كان هنالك غليان شعبي في بغداد والنجف وكربلاء، لذلك عمدت سلطة صدام الى العنف والاشاعات لإخماد نار الثورة.

وشنت حملة اعتقالات ضد شباب الشيعة في كل محافظات القطر، في شهري اذار ونيسان من عام 1980 حتى غصت السجون بالشباب، مع حملة اعدامات للناشطين وخيرة شباب الامة.

ثم قامت السلطة البعثية بمحاصرته السيد عشرة أشهر في الإقامة الجبرية، ثم تم اعتقاله في يوم 19جماد الأول 1400هجري الموافق 5/4/1980 ميلادي. وبعد ثلاثة أيام من الاعتقال والتعذيب الشديد تم إعدامه مع أخته العلوية الطاهرة بنت الهدى وكان عمره الشريف 47 سنة وفي مساء يوم 9/4/1980، وفي حدود الساعة التاسعة أو العاشرة مساء قطعت السلطة البعثية التيار الكهربائي عن مدينة النجف المقدسة، وفي ظلام الليل الدامس تم دفنهما مضرجين بدماء الشهادة الطاهرة، وعلامات التعذيب واضحة على الجسدين الشريفين في مقبرة وادي السلام المجاورة للمرقد الشريف للإمام علي (ع).

ليدخل العراق في فترة مظلمة، سحقت الشعب وتجبر صدام ليحكم العراق بالحديد والنار، الى ان سقط في حفرته".

الوفاء

اجد من الوفاء للسيد الشهيد محمد باقر الصدر ان انشر هذه السطور، الشهيد الذي ضحى بنفسه في سبيل الحق والعدل ورفض الطغاة ودنياهم، وكان مثالا لجده الحسين (ع) حيث قدم كل ما يملك في سبيل الاسلام، في مواجهة طاغية متجبر في عنفوان قوته، وكذلك وفاءا مني لصاحب السطور، ذلك الانسان المجهول والمحب للسيد الصدر، والذي لم استطع التعرف عليه، فمصيره صعب في ضل تلك الظروف القاهرة التي شهدت تجبر الطاغية وزبانيته، وكانت اخر اشاراته انه قريبا من الشهادة.

 

 الكاتب والاديب اسعد عبدالله عبدعلي

العراق – بغداد

 

ضياء نافعصوفي لافيت – بروفيسورة في جامعة باريس، التقيتها عام 1966 عندما وصلت الى باريس (بعد انهاء دراستي في الاتحاد السوفيتي) للالتحاق في قسم الدراسات العليا بتلك الجامعة، وقد تحدثت عن هذا اللقاء الطريف في مقالتي بعنوان – (تشيخوف في العراق وتشيخوف في فرنسا)، حيث كتبت بالتفصيل كيف ان لافيت قامت (في ذلك اللقاء الاول معها) بتدقيق معلوماتي عن تشيخوف، بل يمكن القول انها اجرت لي امتحانا في الادب الروسي من حيث لا ادري (وهو اسلوب رائع من اساليب التدريس، حيث يتخلص الطالب من حالة التوتر النفسي عند الامتحان، وغالبا ما استخدمته انا لاحقا في حياتي التدريسية في جامعة بغداد)، وكيف سألتني عن بحثها حول تشيخوف، وكيف اني تحدثت لها عن ذلك البحث العلمي لكني لم استطع الاجابة عن سؤالها – (من هو كاتب ذلك البحث؟) واجبتها اني لا اتذكر ذلك الاسم الفرنسي، وكيف خجلت وانحرجت واعتذرت لها عندما قالت لي وهي تبتسم، انها هي التي كتبت هذا البحث . بعد ذلك اللقاء (الغريب والحاسم في مسيرة حياتي) وافقت البروفيسورة صوفي لافيت على قبولي في جامعة باريس و ان تكون المشرفة العلمية على اطروحتي في تلك الجامعة، وقد فرحت انا طبعا وسألتها رأسا – (متى يجب عليّ ان اؤدي امتحان القبول ؟)، فابتسمت المرحومة صوفي لافيت وقالت لي – (لقد أدّيت هذا الامتحان الان وبنجاح)، وهي جملة لن انساها مدى الحياة .

 انتهيت من الدراسة عام 1971، و عدت الى بغداد بعد اكمال دراستي، ثم تراسلت قليلا معها من بغداد، وانقطعت المراسلات واقتصرت على المناسبات، ثم علمت بوفاتها بعد فترة وجيزة .

تذكرت المرحومة صوفي لافيت اليوم (ونحن في نيسان / ابريل من عام 2019)، بعد ان اطلعت على بحث علمي عميق وجميل كتبه المرحوم البروفيسور في جامعة باريس نيكيتا ستروفه (الفرنسي الروسي ايضا مثلها) عن تشيخوف، وجاء هناك اسمها وموقف ايليا ايرنبورغ منها في كتابه عن تشيخوف، والذي ترجمته أنا الى العربية في سبعينيات القرن العشرين، وصدرت طبعته الاولى في بيروت والثانية في بغداد والثالثة في القاهرة دون موافقتي، بل ودون ان أعرف ذلك  . عندما قرأت بحث البروفيسور نيكيتا ستروفه، تذكرت طبعا مشرفتي العلمية المرحومة البروفيسورة صوفي لافيت، وقررت كتابة هذه السطور عنها تحية لذكراها العطرة، و لتعريف القارئ العربي بهذه الباحثة الكبيرة في مجال الادب الروسي في فرنسا .

لا زال اسم صوفي لافيت يرتبط باسم تشيخوف في فرنسا رغم انها رحلت منذ سنوات طويلة، اذ انها مؤلفة كتاب مهم جدا حول تشيخوف بالفرنسية عنوانه – (تشيخوف بقلمه)، وقد صدر ضمن سلسلة كتب مشهورة جدا في فرنسا تتناول حياة المشاهير استنادا الى ما كتبوه هؤلاء المشاهير من رسائل او مذكرات او اي كتابات اخرى . لقد اثبتت لافيت في كتابها ذاك معرفتها الدقيقة والعميقة والشاملة بابداع تشيخوف وتفاصيل حياته، واستطاعت في كتابها ان ترسم للقارئ الفرنسي صورة تفصيلية لهذا الكاتب الروسي الكبير، مستخدمة مقاطع من رسائله ونتاجاته الفنية من قصص ومسرحيات، اي انها واقعيا أعادت للقارئ صورة تشيخوف كما رسمها هو لنفسه (دون ان يعرف تشيخوف نفسه بذلك واستغرق برسمها طوال حياته، ولا قارئ نتاجاته كان يعرف بذلك ايضا)، أقول، أعادت لافيت رسم صورة الكاتب الروسي الكبير هذا وعبر تفاصيل دقيقة وصغيرة لا يمكن للقارئ ان يلاحظها حتى عندما يقرأ نتاجات تشيخوف، وبالتالي، فان القارئ (والباحث ايضا) يجد في كتابها هذا كل الاجابات عن اي سؤال يخطر بباله عن تشيخوف، وهذا عمل رائد وأصيل في النقد الادبي وفي علم الادب بشكل عام، عمل لا يستطيع ان يقوم به سوى الباحث الحقيقي الذي يعرف بعمق كل نتاجات تشيخوف ورسائله وما كتبه عنه الباحثون والنّقاد من دراسات وابحاث، وقد استفدت انا شخصيا منه كثيرا في اطروحتي عن تشيخوف، اذ وجدت هناك تفصيلات صغيرة و لكنها مهمة عن خصائص بعض قصص تشيخوف القصيرة ... وكم نحن بحاجة الى مثل هذه النوعية من الكتب والبحوث بالنسبة لكتّابنا وفنانينا ومبدعينا في عالمنا العربي، كتب يؤلّفها متخصصون عرب حول ادبنا العربي . لقد سألني مرة أحد أقارب الجواهري والمهتمين بالحفاظ على ابداعه، ما هو مقترحي الذي يمكن ان اقدّمه له حول شاعرنا الكبير، فقلت له رأسا – اتمنى ان أرى كتابا بالعربية عنوانه – الجواهري بقلمه، والذي يجب ان يؤلفه أحد الذين يعرفون بعمق ابداع الشاعر الجواهري وتفاصيل مسيرة حياته، وهي مهمة علمية في غاية الصعوبة، ولا يستطيع ان يقدم عليها سوى العلماء .

الرحمة والطمأنينة و السلام لروح هذه الباحثة الفرنسية (ذات الاصول الروسية)، المتخصصة المرموقة في الادب الروسي، البروفيسورة في جامعة باريس – صوفي لافيت.

 

أ.د. ضياء نافع

 

فراس الغضبان الحمدانيالرحيل لا ينتظر الكلمات ولا يلتفت اليها ولا يعنيه شأن القلوب ولا المواعيد المتأخرة ولا الرغبات والأمنيات هو جامح يحصد مثلما الريح أمامه، ويلتف حول الأشياء والأشخاص والكائنات ويطويها في دوامته المفرطة في القسوة ويترك الباقين بإنتظار مصيرهم المحتوم .

زاحم جهاد الشاعر الموسوم بالحزن وصورة المتأمل الطامح المفعم برغبة التغيير وصناعة الحياة ونشر كلمات الأمل بلوحات شعرية، رحل عن دنيانا وترك إرثا أدبيا رائعا وأرشيفا يؤرخ لمرحلة إبداعية لعائلة عراقية محترمة معروفة بوجود شخصيات فذة نبغت وتألقت كالأستاذ الإعلامي والصحفي عاصم جهاد وهو شخصية عرفت كونها شخصية ثقافية متزنة ومعتدلة ولها حضور في الأوساط الإعلامية والثقافية، كذلك شقيقه الأستاذ زاهد جهاد الذي يعمل في قطاع الصحافة وله باع طويل في العمل الإداري والصحفي وهو من الشخصيات المعروفة .

الأستاذ الأديب الراحل زاحم جهاد ترك بصمة واضحة في مجال الأدب والشعر والصحافة، ويعد الفقيد الراحل احد رواد المقامة ومن محدثيها والمقامة هو نص نثري تشبه القصة القصيرة في اسلوب صياغتها ولكنها تختلف بانها تتميز ببلاغة لغوية في المفردات، وكان حاضرا في النشاطات العامة وله إسهامات إنسانية عديدة، ويحظى بصداقات في الوسط الصحفي والإعلامي، كما يشهد له ميدان الشعر والأدب، كما يشهد له الشعب العراقي وخاصة مناطق البادية والحدود وأغلب محافظات البلاد بمعالجة الألغام غير المنفلقة، حيث اسس المنظمة العراقية لإزالة الألغام  لخبرته الكبيرة في هذا المجال كما ساهم مع المنظمة الدولية لصناعة الأطراف الصناعية للمتضررين في حوادث الألغام وقام بإجراء عمل إنساني للمسح العام للحدود الشرقية والجنوبية بخصوص مديات تأثير الإشعاعات النووية المنبعثة من مخلفات المعدات العسكرية ومنها إشعاع اليورانيوم ومدى تأثيرها على البيئة وسكان هذه المناطق التي إكتظت بهم صالات مستشفيات الطب الذري، وكذلك أشرف على منتخب  الهندسة العسكرية لكرة القدم كونه آمرا لهذه المديرية  .

 وبجهوده الوطنية المخلصة حذر الحكومة العراقية بعد عام 2003 بوجود اكثر من 25 مليون لغم  منتشر في أغلب المناطق الحدودية والتي جعلتها السيول تمتد إلى الكثير من المناطق حيث الى مقتل وبتر اطراف العديد من الضحايا، وسببت هذه الألغام والمقذوفات والمخلفات الحربية إلى ضرر كبير في مجال الزراعة، ويعرفه المثقفون العراقيون بأخلاقه الطيبة وبإنتاجه المتزن،  فلم يكن يبحث عن الدعاية لمجرد الحضور والتسابق من أجل أن يكون تحت الضوء لأنه يؤمن بأن الأدب الرفيع رسالة إنسانية لا تقف عند حد الشهرة والظهور الإعلامي،  حيث جمع مخزونه الشخصي بين العلوم العسكرية بجوانبها الإنسانية ومهنيته الثقافية والأدبية والرياضية، رحم الله هذه الشخصية المتعددة العطاءات التي هي منجز إنساني من أجل الإنسان ومستقبله الذي يشكل هاجسا يوميا للمجموعات البشرية الطامحة والقلقة من الغد والراغبة بالمزيد من الطمأنينة والذهاب بتوجس نحو تطلعاتهم .

822 زاحم جهاد

هذا الأديب نجح في خلق عوالم فكرية جميلة مؤثرة من خلال مؤلفاته وكتاباته التي شكلت جزءاً من ملامح ثقافة المجتمع العراقي والعربي، يعد النقاد الفقيد الراحل زاحم جهاد مطر هو أحد فرسان الشعر والهايكو و أحد رواد "المقامة" ومن محدثيها، و"المقامة" هو نص نثري شبه القصة القصيرة في أسلوب صياغتِها، ولكنها تختلف عنها بأنها تتميز ببلاغةٍ لغويةٍ في المفردات، يقف الأديب الراحل الذي ولد ببغداد في مقدمة من كتب شعر " الهايكو" أيضاً وأبدع فيه، كتب الرواية والقصة والدراما التلفزيونية والمسرحية، لديه دراسات وبحوث ونقاشات عن "ملحمة كلكامش " التاريخية، حصل على جوائز عديدة منها جائزة المثقف لعام 2013، مؤلفاته : مقامات معاصرة، أنا كلكامش آخر – مجموعة شعرية، كلكامشيات  مجموعة شعرية  مسرحية "، هو الذي رأى كل شى" مقتبس من ملحمة كلكامش الخالدة " قيد الطبع "، ترجمت أعماله الشعرية إلى اللغة الإنكليزية والألمانية واليابانية والتركية، رئيس ملتقى المثقف العراقي، عضو إتحاد الادباء والكتاب العراقيين، مؤسس ورئيس للمنظمة العراقية لإزالة الألغام " امكو " أول منظمة إنسانية بعد عام 2003،  أول من أعلن عن وجود أكثر من 25 مليون لغم ومقذوف من مخلفات الحروب السابقة منتشرة على أراضي شاسعة تهدد حياة العراقيين، ساهم في فريق المنظمة التطوعي بتنظيف وإزالة الألغام لمساحات تقدر بآلاف الكيلومترات، يعد خبيرا عالميا معتمدا من الأمم المتحدة وناشطا انسانيا .

ليس غريبا أن يحظى الأديب الراحل زاحم جهاد بكل هذا الإهتمام والتبجيل من قبل الأوساط الأدبية والنخب الأكاديمية وقطاعات إجتماعية عدة فهو قد ترك في نفس كل واحد من المهتمين والمحبين للأدب والثقافة والعلوم العسكرية الميدانية والمواقف الإنسانية أثرا لا يمحى جعله محط ذلك الإهتمام وتلك الرعاية الإستثنائية وأخير وبعد رحيله تم تكريمه في مهرجان بابل الدولي. فألى جنات عدن ونعيم وحشر مع الطيبين الطاهرين .

 

محمود محمد عليقد لا أكون مبالغا إذا ذهبت إلي القول بأن الدكتور "عامر النجار" المفكر الإسلامي المرموق الذى قطع رحلة طويلة ‏عبر آفاق علوم الإسلام‎ ‎وفروعها المختلفة، واستطاع ‏باجتهاده أن يصل إلى تصور شامل للنظرية الإسلامية، ‏فلسفة‎ ‎وفكراً، وأحد الأساتذة الجامعيين الذين يقومون بتدريس الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، بعد أن كانت تًدرس من خلال الدرس الاستشراقي الذي ربط الفلسفة الإسلامية بالتراث اليوناني، وأهم من نادوا بالبحث عن أوجه الأصالة والابتكار في الفلسفة الإسلامية، وهو بالإضافة إلي ذلك نموذج للأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون سواء في التزامه بأداء واجباته الوظيفية الاكاديمية علي أحسن ما يكون الأداء، أو في ارتباطه بطلابه في علاقة انسانية رفيعة المستوي في هدي من التقاليد الجامعية التي يحرص عليها كل الحرص، إذ هي دستوره في كل معاملاته مع كل من هو في الوسط الجامعي .

يشهد علي ذلك زملاؤه بكلية الآداب فرع سوهاج جامعة أسيوط (سابقا) التي شهدت مولده الوظيفي في ثمانينيات القرن الماضي (قبل أن ينتقل إلي مثل وظيفته بكلية الآداب فرع الإسماعيلية– جامعة قناة السويس)، بل ويشهد علي ذلك زملاؤه وطلابه في كل الجامعات المصرية والعربية التي عمل بها استاذا ومحاضراً لسنوات عديدة . وما زال أمد الله في عمره يواصل العطاء في تفانِ وإخلاص نادر لطلابه في كل جامعات مصر والعالم العربي من مشرقه إلي مغربه.

كما يتميز الدكتور "عامر النجار" بأنه أكثر جرأة فى الرأي ‏وشدة فى اقتحام القضايا‎ ‎الأكثر حساسية مع تحليل خاص ‏للصحوة الدينية وتاريخ حركات الإصلاح الحديثة، ‏خصوصاً‎ ‎عندما يثور الحديث حول مرحلة التجديد التى ‏قادها الإمام "محمد عبده" تلميذ‎ "‎الأفغانى" ورفيق مسيرته، ‏ولسوف أظل أؤكد دائما أن الإسلام المستنير الذى يقدم ‏صحيح‎ "‎الشريعة" واعتدال "الفقه" هو الذى يحسم الصراع ‏بين الإسلام وأعدائه وكل القوى‎ ‎الفكرية المعادية له ‏والمتربصة به،‎ ‎

والدكتور عامر النجار، هو أستاذ ورئيس قسم الفلسفة الإسلامية بجامعة قناة السويس، ونائب رئيس جمعية التراث العلمي في الحضارة الإسلامية، وأحد المهتمين بالفكر الإسلامي وتحقيق التراث وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو لجنة تحقيق التراث بدار الكتب المصرية، وصدرت له مؤلفات عديدة في مجال الدراسات الإسلامية وتحقيق التراث من أبرزها: كتاب "الصلاة"، و" الطهارة في الإسلام"، و "التصوف النفسي"، و"في مذاهب الإسلاميين"، و"في تاريخ الطب الإسلامي"، و"علم الكلام عرض ونقد"، البهائية وجذورها البابية، القاديانية، تحقيق كتاب عيون الأبناء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة.، وتحقيق قوت القلوب في معاملة المحبوب لأبي طالب المكي، وتحقيق الجزء التاسع من مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، و" نظرات في فكر الغزالي .. وهلم جرا".

وقد حصل الدكتور عامر النجار على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب جامعة الإسكندرية عام،1968 وحصل على الدكتوراه في العلوم الإسلامية مادة الفلسفة الإسلامية من كلية دار العلوم جامعة القاهرة 1981م،، كما عين شيخا لرواق البحاروة بالأزهر عام 1965، ثم مدرسا بوزارة التربية والتعليم عام 1969، كما عين مدرسا للفلسفة الإسلامية لكلية الآداب (فرع سوهاج) – جامعة أسيوط، ثم أستاذا مساعد وأستاذا ورئيسا لقسم الفلسفة، وكذلك رئيسا لقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة تعز باليمن في الفترة من 1989-1992، ومعارا إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية أصول الدين بالرياض.

وفي عام 1999 حصل على جائزة أكاديمية العلوم التربوية بالاتحاد السوفييتي، وأكاديمية العلوم التربوية بالولايات المتحدة لجهوده وبحوثه التربوية كما منح درجة الكانديدات العالمية من أكاديمية العلوم التربوية 1999.

وخلال تلك المراحل نال طلاب الدراسات العليا بصفة خاصة اهتماما لا حد له من أستاذنا الدكتور عامر النجار، فارتبطوا به وسعوا إليه من كل حدب وصوب، إذ قد وجدوا فيه نموذجاً جديراً ورفيعاً في التزام الأستاذ وعطاءه النادر وإنسانيته الفائقة لكل حد، ولهم الحق .. فلقد نذر الأستاذ وقته وجهده، بل لا أبالغ إذا قلت وهب لهم حياته عن قناعة وحب، ونجح في أن يبث فيهم روح العمل والمثابرة ودافعية الإنجاز ليفجر فيهم طاقات الإبداع .

ولقد كان تلاميذه عند حسن الظن فيما يأمله الأستاذ فيهم بما قدموه من بحوث غطت في مجملها – بفضل اختياره – بعض مناطق في فكرنا العربي والإسلامي؛ وبصفة خاصة لدي صوفية الإسلام ذوي الطابع السني، كما تجلي في أبي الحسن الشاذلي وأحمد بن عطاء الله السكندري وغيرهما .

ولقد قدر لكاتب هذه السطور أن يكون واحدا من هؤلاء التلاميذ الذين تلقوا العلم علي يد الدكتور عامر النجار منذ أكثر من خمس وعشرون سنة عندما كان الأستاذ يدرسنا في مادة التصوف الإسلامي، ومادة علم الكلام بكلية الآداب بسوهاج. وأشهد – بحكم طوال الصحبة له  -وكما يشهد غيري من تلاميذه أن أحب الأوقات عند الدكتور عامر النجار هي تلك الساعات التي كان يجلس فيها ليناقش تلميذا من تلاميذه في مشكلات بحثه أو في مراجعته، مشجعاً له ومنتظرا بلهفة الوالد الحنون ميلاد بحث جديد لواحد من أبنائه الذين وسعهم قلبه جميعاً، رغم ما قد يكون بينهم من فروق . وليس لأحد أن يستكثر بعد ذلك -  غزارة  حب التلاميذ لأستاذهم فيهون من شأنهم بدعوي أن العبرة ليست بالكم، لكن ذلك لم يغب عن ذهن عامر النجار.

والحق الذي لا مراء فيه أن أستاذنا الدكتور عامر النجار يستحق كل تقدير واحترام، فقد كان – ولا يزال قمة في العطاء وشعلة في النشاط، فلقد قدم الدكتور عامر النجار عددا من الدراسات رفيعة المستوي، لا يمكن أن يتجاهلها – أو يتخطاها – أي باحث جاد في مجال الفلسفة الإسلامية، حيث أعطي الدكتور عامر النجار خلاصة جهده وفكره للإبانة عن اسهامات الصوفية المسلمين، كانت شرارتها الأولي دراسته للطرق الصوفية في مصر تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمد كمال جعفر (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم- جامعة القاهرة) التي حصل بها علي درجة الماجستير في سبعينات القرن الماضي؛ ومنذ تلك الفترة تكونت خيوط الحس الفلسفي لنزعته الصوفية التنويرية، ثم واصل الدكتور عامر النجار ما بدأه عن الطرق الصوفية في رسالته للدكتوراه، فاتجه يفتش من خلال المنظور النفسي عما كتبه الصوفية المسلمين، وبالأخص أبو الحارس المحاسبي، وسهل التستري، والحكيم الترمذي، وتمكن من أن يصوع لنا رسالته للدكتوراه في كتاب نشر بعد ذلك بعنوان " التصوف النفسي" .

وفي هذا الكتاب تمكن الدكتور عامر النجار أن يقدم لنا رائعة عظيمه من روائعه التي حاول أن تضم إرهاصات علم جديد من خلال الآراء النفسية لدى صوفية القرن الثالث الهجري في ضوء علم النفس الحديث. وإذا ما تعاملنا مع الكتاب نجد أنه يمثل أطروحة أكاديمية سعى مُؤلفها لنيل درجة علمية، ومؤكدا أنه طوّف بجوانب معرفية مُتعددة، تعني أن صاحبه بذل جهداً بحثياً كبيراً. علاوة علي أنه في هذا الكتاب ركز الدكتور عامر النجار علي فكرة العلاج النفسي وطرح آراء فلاسفة القرن الثالث الهجري، وقال إن التصوف عانى عداء تيارات فكرية لتعمقه في دراسة النفس الإنسانية أكثر منها ما دفعها لشن حملات عديدة عليه.

إن قيمة الدكتور عامر النجار لا تكمن في عدد الدراسات التي كتبها ولا المقالات والبحوث التي سطرها قلمه الرائع قلمه الرائع، وإنما تكمن قيمته الحقيقية  بوصفه مفكرا رفيع المستوي وصاحب رؤية صوفية تنويرية؛ ليس هذا فحسب بل إنه يدافع عنها بكل ما أوتي من قوة في كل دراساته الجادة الرصينة، وفي كل مشكلة تناولها، وكل شخصية عرض لها، وكل قضية فكرية أو مجتمعية تصدي لها ودافع عنها في كل فترة من فترات حياته .

ويبدو ذلك واضحاً في مسرحيته الشهيرة " سارتر وأنا "، حيث تعد المسرحية من نماذج المسرحيات الإسلامية التي صدرت مؤخراً في ثمانينات القرن المنصرم، وتشتبك مع الواقع وقضاياه المتشابكة مسرحية "العودة" للدكتور عامر النجار، وتتناول قضية الإلحاد في الفكر الوجودي (متمثلاً في سارتر وأتباعه من فلاسفة الوجودية المُلحدة، وقد أُذيعت المسرحية في إذاعة البرنامج الثقافي بعنوان "سارتر وأنا"، ولكن المؤلف حين أراد طباعتها وضع لها اسماً آخر هو "العودة"، وقدّم لمسرحيته بكلمة عن سارتر قال في نهايتها:" وعند سارتر أن قولنا "الإنسان حر" مرادف لقولنا "الله غير موجود"، لأن وجود الإنسان عنده لا يخضع لماهية أو طبيعة محددة، بل هو إمكان مستمر على الإنسان أن يحققه؛ فالإنسان في رأيه يوجد أولاً، ثم يظل يخلق ماهيته بما يختار لنفسه من أفعال، فليس الإنسان إلا ما يُريد ويختار لنفسه من أفعال، ومن خلال هذه المسرحية نعرض خلافنا مع سارتر".

إن إطلاله علي دراسات الدكتور عامر النجار تكفي شاهدا علي ما نقول، إذ تتبدي الرؤية الصوفية التنويرية عنده في عدد من القضايا الساخنة علي ساحتنا الفكرية في العشرين سنة الأخيرة من القرن الماضي.

تحيةً لأستاذنا الدكتور عامر النجار الذي لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً متألقاً راضياً.

 

. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

796 توفيقالبشر يرتكبون الأخطاء والهفوات عن جهل او عدم معرفة ولقصور عقلي والأخيرة على الأقل ليس ذنبهم.

القنطرة الذهبية وتعدد التسميات

قلة من المدن تسمى بعدة لغات الا ان الجزيرة الصغيرة على نهر الزاب الصغير (الأسفل) الذي تجري مياهه بسرعة شديدة تعددة تسمياتها. كانت يوما مدينة آشورية عامرة تسمى ب كرت هرات .

‫في العهد العثماني بني او جدد السلطان مراد الرابع الجسرين الحجرين المنهارين وبنى الانكليز عام 1915 جسرين حديديين مكانهما. ويقال انه علق ليرة ذهبية على مدخليهما فسميت باسمها. في رواية اخرى اطلق العثمانين تسمية التون صو على الزاب الصغير . المدينة تتوسط الطريق بين مدينة اجدادي كركوك ومدينة أربيل ويشاء القدر ان تكون ولادتي على ضفاف هذا النهر اذ ولدت في يوم شتائي في محلة الصالحية انها التون كوبرى التسمية الرسمية للمدينة.

 صحينا اليوم في اجواء شبيهة بتلك التي ما هي عليها صبيحة الأعياد. خرج القوم يهتفون ويرقصون وهلاهل النسوة تسمع من بعيد وربما كانت صداها تتردد من على قلعة أربيل العتيدة.

‫لم يكن يوما عاديا هذا اليوم اذ خرج الناس بملابس العيد وتزين المكان بسعف النخيل بينما كانت بعض النسوة يوزعون الحلوى (الحامض حلو) على الصغار.

‫كان ناظر المحطة الجديدة الأكثر ارتباكا ويوزع الأدوار على اليسار واليمين بينما وقفت عائلته خارج البناية ينظرون بزهوا على رب العائلة بسدارته الفيصلية السوداء

‫اما نحن الأطفال فكنا سعداء لحصولنا على الحامض حلو الذي جمعناه انا واخي وأختي الكبيرة وذهبنا بها الى المقبرة على الرابية القريبة من البيت لنضعها على قبور اخوتنا الذين رحلوا وهم في عمر الزهور وكان اذ احتفل النمل بالحلوى وبنى أعشاشها فرحا هناك كما ذكرت لنا المرحومة الوالدة لاحقا

‫حديثي عن ضيف ذلك اليوم شاب اسمر يافع بعمر الزهور الندية اقفل بيديه خلفة وهو يتمشى مع علية القوم على طول سكك الحديدية التي تربط المدينة ب أربيل شمالا و مدينة العطاءات كركوك جنوبا.

‫كنا نحن نتمشى فرحين وراء الموكب فاليوم يفتتح عاهل العراق المفدى الملك فيصل الثاني محطة القطار في مدينة القنطرة الذهبية وتسمى ب پر دى بالكردية ويطلق التركمان عليها التون كوپرى وتلك التسمية الرسمية كما اسلفت ، مكان ولادتي وساحة لعبي في صباي .

‫لم تمر من الوقت الا القليل حتى سمعنا بان في بغداد ثورة وان هناك رئيس جديد للدولة العراقية والتي بدأت تسمى ب الجمهورية. كنا سابقا نحصل على علي الحليب الفارعة وفيها ملعقة بلاستيكية من جنود الانتداب من المعسكر القريب. نرجع فرحين بهذه العلبة الصفراء وفي المدرسة كانت مدرسة اليمين بعد الجسر الأول بينما مدرسة البنات كانت بعد الجسر الثاني كما اتذكر. كنا ناخذ كوبنا المعدني معنا كي نحصل على حبات من الجوز وحبيبات دهن الحوت كما كنا نسميها والحليب الحار. كانت ألكتب برسوم غير ملونة وكنا نحصل مجانا على الأدوات والكتب الدراسية. بدأت بالدراسة وانا لتتخطى الخمس سنوات كمستمع ولكني نجحت في نهاية السنة الدراسيةمتفوقا على الجميع كما ذكر ذلك استاذي وصديق المرحوم الوالد ناظم أفندي وساحدثكم عن تلك الأيام في الحلقات القادمة من مذكراتي.

‫الغريب ان نفس هؤلاء الناس اللذين استقبلوا جلالة الملك قبل اشهر فقط اكانو أنفسهم يهتفون اليوم وبفرح للجمهورية و قادتها وقد ملئوا اللوريات بينما شد بعظهم وشاحا احمرا على ساعده الأيسر واخرون كان لون وشاحهم اصفر.

‫اما القوم فكانوا هائجين حيث تم القبض على العديد من الأغوات الكرد وكانت بنت مدير المحطة تهتف علنا طالبة بشنقهم والقوم متجمعين أمام البناية يهجمون على شبابيك المحطة الجديدة وغضبهم يصب على احد الأغوات الكرد من الهركيين الجالس بصمت يملئه الخوف في صالة المحطة وكان البعض يهتف قائلا

‫- چيتان ئه وى ئه ى كوردان

‫ويجيب الجمع بصوت واحد

‫- كوشتنى سعيد قزاز*

‫لم اعرف ما سبب الهتاف الا أني عرفت بان الشهيد سعيد قزاز كان وزيرا عادلا إبان الحكم الملكي.

‫اما هديل بنت مدير المحطة فانتحرت لاحقا وترددت شائعات عن حبها لشاب من غير قومها فخرج والدها المفجوع هائما يدور في المدينة هائما بينما كان قد سكب قنينة من حبر پاكر ازرق على وجهه.

‫اعتقدنا انا وصديقي محمود كوزله والصبية انه جن ونحن نعدوا خلفه.

‫كان ذلك اخر أيامنا في المدينة فتركناها بعد اقل من عام عائدون الى مدينة العذابات معشوقتنا كركوك مدينة اجدادنا عام ١٩٥٩ صبيحة ما يسمى مجزرة كركوك وللحديث بقية.

 

‫ توفيق التونجي

.....................

ترجمة الهتاف:

‫ماذا تريدون أيها الكرد

‫مقتل سعيد قزاز

صفحة من مذكراتي الموسومة: التون نامه

 

محمد فتحي عبدالعالجاريةٌ شركسيةٌ وقيل حلبية، كانتْ تتميّز ببياض آخاذ يداعبُ شغاف القلوب إنّها نفيسة  والتي صار لقبها البيضاء . كلّ ماهو مدوّن عن بدايتها جارية لسيّدها علي بك الكبير الذي فتن بها ثم أصبحت زوجه له إلا أن نفوذها في عهده لم يكن بالقدر الكبير ..

كان زوجها الأول علي بك الكبير شيخا للبلاد وهو منصبٌ رفيع بمثابة الحاكم الفعلي لمصر التي كانت في هذا الوقت ولاية عثمانية  .طموحات الرجل كانت كبيرة فعمل على  الاستحواذ على الحجاز وجهز  جيشا عرمرما من أموال المصريين المساكين. وهو الرائد في فنون سلب الأموال بالمصادرة وتحرك جيش علي بك الكبير بقيادة زوج ابنته وتلميذه محمد بك أبو الذهب حيث استطاع الجيش بسط نفوذه على الحجاز ونودي باسمه سلطان مصر وخاقان البحرين ..شجع هذا الانتصار علي بك الكبير للتقدم باتجاه الشام فاستولى على القدس ويافا ثمّ دمشق بعد هزيمة الجيش العثماني ..كان علي بك يتحرك على وتيرة  لعبة توازنات القوى العظمى في عصره فحاول التقرب من الجانب الروسي العدو التقليدي للباب العالي العثماني للحفاظ على مكتسباته  ولكنّ الباب العالي كان خصما ليس باليسير  يجيد استعمال سلاح المال في شراء الذمم فاستطاع استمالة ابو الذهب قائد جيش علي بك الكبير فتوقف عن فتوحاته متحديا سيّده ومعلمه علي بك وأصبحت المواجهة بين علي بك وقائده الخائن حتمية والتي انتهت بانكسار علي بك وإصابته بأصابات بالغة أدت لوفاته  لقد نجح العثماني بالقضاء على أحلام علي بك بخيانة أقرب الناس إليه ..كانت نفيسة البيضاء هي جائزة ابو الدهب لمملوكه مراد بك فأنتقلت نفيسة من بيت رجل حالم وغير عادي وطموح إلى بيت أمير مملوك  ضيق الافق هو مراد بك  .. وتمرّ الأيام ويموت الخائن

 محمد ابو الدهب فيتشارك في حكم مصر مراد بك زوج نفيسة وابراهيم بك ... خسرت نفيسة طموحاتها في زمن زوجها الأوّل ولكنها

ورثت الكثير من الأموال والقصور والجواري وبدأت تدير تجارة كبيرة لها بشكل مستقل. فظهر دورها التاريخي في رسم معالم تلك الحقبة الزمنية للتأثير في حياة المصريين الذين كانوا لقمة سائغة لظلم مراد بك وحاشيته. فعملت على الحد من مظالمه. كانت تعارض زوجها في فرض الضرائب والغرامات على التجار الأوروبيين مما متعها باحترام التجار الأجانب ..كما تمتعت بقدر كبير من الاحترام عند العلماء والأمراء فقد كانت تجيد العربيه والفرنسيه وتقرأ لشعراء العربية بدرجة إجادة عالية وقيل كانت تكتب الشّعر ..

في عام ١٧٩٨ أصابَ مصرَ حادثٌ جلل بقدوم الحملة الفرنسية  وانكسار جند مصر بقيادة مراد بك وإبراهيم بك في مواجهة الفرنسيين بقيادة نابليون بونابرت للفارق الكبير في التسليح العصري لصالح الفرنسيين ولأول مره يسمعُ المصريون صوت البنادق والمدافع علي أرضهم الطيبه  ...

فرّ مراد بك وابراهيم بك أصبحت نفيسه البيضاء الملاذ والملجأ لكلّ محتاج وفقير، والحقيقة أنها  أدارت علاقتها مع الغزاة الجدد من الفرنسيين بقدر كبير من المرونة جعلها موضع تقدير بونابرت ففتحت قصرها في الأزبكية للجرحى الفرنسيين في المعارك فمنحها بونابرت هدية ثمينة من الحلي مزينة بالعلم الفرنسي ...كان بونابرت يسعى من خلال بسط يد الود إلى نفيسه البيضاء كي يكسب ودّ مراد بك وإقناعه بالدخول تحت طاعته. و كان  يشتد معها أحيانا أخرى ببعض الإجراءات التعسفية كالمصادرة للأموال وسجن النساء. لكن نفيسه تحملتْ هذه الخطوب والملمات بقوة شكيمة وشجاعة .

 اقتنع مراد بك بالدخول في طاعة الفرنسيين  في نهاية الأمر والتخلي عن السلاح بعد معاناة مع التشرد. فهو مملوك ضعيف اعتاد على حياة القصور والجواري. ولكن المنية عاجلته  اذ مات على أثر إصابته بالطاعون .

برحيل الفرنسيين كان لنفيسة البيضاء موعدا مع شقاء جديد فقد حلّ محل الفرنسيين العثمانيين مرة أخرى. وعينوا أحمد باشا خورشيد واليا على مصرَ  ... كان خورشيد صوره من صور الظلم العثماني في مصر فعاد إلى إثقال كاهل الشعب بالضرائب والمظالم ... وكان خورشيد لا يطيق مجرد التفوه باسم نفيسه ومع تصاعد حدة الاحتجاجات ضده وجه لها الاتهام بأنها الداعمه لهذه الثورة وأنها تستعين بالجواري في توزيع المنشورات ضده فأمر بسجنها  في بيت السحيمي ومصادرة اموالها  ..

نجح الشعب المصريّ العظيم في خلع خورشيد ثم ظهر على مسرح الأحداث محمد علي باشا كأول حاكم بإرادة الشعب. ولكن للأسف كان حاكما عسكريا استمر في البطش بالسيدة المسكينة التي أنهكها الفقر والعوز.  حتى لم تعد تملك سوى أركان بيت زوجها الأول علي بك الكبير ولم يعد يتذكرها ولا يمد لها أحد يد العون والمساعدة إلى أن ماتت ١٨١٨. لقد ولدت فقيرة وماتت فقيرة وهي في القصر أميرة. رحلت نفيسة البيضاء تلك المرأة الحلبية الجميلة وقلبها منكسر لقد فقدت ازواجها وجواريها وكل هذا الزخم من حولها لقد اختفي الجميع وبقيت وحيدة ...رحلت نفيسه ولكن سبيل الماء الذي بنته وتشجيعها الناس للتعليم ومساعدة الفقراء والمحتاجين مازال خالداً في الأذهان.

ومن التاريخ إلى العلم وهل ينكسرُ القلب حقاً ؟!!

لقد ظلت هذه العبارة لا تعدو كونها  أسطورة، الا أن توصل الباحثون اليابانيون إلى حقيقة هذه الحالة والتي أطلقوا عليها  اعتلال عضلة القلب تاكوتسوبو (Takotsubo cardiomyopathy) أو متلازمة القلب المكسور، مما  يُؤثِّر بشكلٍ مؤقت على قدرة القلب على ضخ الدّم بكفاءة، ويعتري المصاب  أعراضاً مشابهة  للأزمة القلبية،مثل آلام الصدر وضيق التنفس -وقد يلعب هرمون الأدرينالين دوراً في ذلك -وقد تكون المحصلة في النهاية هي الموت ...إنّ استسلامنا للأحزان ليس بالأمر السهل كما نظن بل قد يودي بنا إلى الموت، فالحزن والهم يقطع نياط القلوب.

 

أستاذة راغدة شفيق محمود كاتبة سورية

د.محمد فتحي عبد العال كاتب مصريّ

 

ضياء نافعلم أكن أتوقع ردود الفعل الكثيرة والمتنوعة حول مقالتي عن المرحومة الشاعرة وفيّة ابو قلام (انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مرّوا بموسكو (27) – د. وفيّة ابو قلام)، ولهذا اكتب هذه السطور عنها مرة اخرى، في محاولة للرد على تلك الآراء المتنوعة او مناقشتها في الاقل، والتي أثارها طبعا اناس يهتمون (سلبا او ايجابا) بوفيّة ابو قلام ومكانتها بمسيرة العراق في القرن العشرين، وهذا الاهتمام بحد ذاته يعني، ان وفيّة ابو قلام تستحق ان نكتب عنها ونحدد موقعها في مجتمعنا لانها متميّزة فعلا .

النقطة الاولى في تلك الملاحظات جاءت حول دورها في العراق الجمهوري قبل وصولها للدراسة في جامعة موسكو، وهذه النقطة ترتبط طبعا بالمواقف الذاتية، بل والشخصية للمعلقين . قال احدهم مثلا، ان وفيّة لم تكن معروفة ابدا، وانها برزت عندما بدأت تلقي قصائدها في المحكمة ليس الا (والتي طالبت فيها بالاعدام لمتهمين لم تنته محاكمتهم بعد، والمتهم برئ الى ان تثبت ادانته كما قال)، اي انها حازت على الشهرة لاسباب سياسية بحتة، وليس لانها شاعرة، وحتى لو كان الامر كذلك فعلا، فان ذلك يعني انها استطاعت ان تجد طريقة ناجحة ومتميزة واصيلة للتعبير عن الاراء السياسية التي كانت تعتقد بصحتها، وهو ما جعلها مشهورة ومتميزة في المجتمع العراقي . أشار قارئ آخر الى انني لم أبيّن بوضوح وكما يجب موقف وفية السياسي، بل انه قال انني ذكرت حتى اسم المحكمة بتسلسل غير موضوعي، اذ ذكرتها هكذا - (محكمة الشعب ثم المهداوي ثم العسكرية العليا الخاصة) . ان هذا الموضوع كان بعيدا جدا عن هدف تلك المقالة، اذ اننا نسعى في هذه السلسلة من المقالات الى الحديث عن العراقيين الذين مرّوا بموسكو فقط ، لاننا نرى، ان العراقيين خارج العراق ومسيرتهم واعمالهم وسلوكهم ...الخ، هو جزء لا يتجزأ من تاريخ العراق المعاصر، وذلك لأن الشخص  خارج بلده يظهر خصائصه بشكل أكثر وضوحا ودقة، ولا تهدف تلك المقالات الى توضيح او تحديد مؤسسات داخل العراق ودورها ومواقفها السياسية . أشار قارئ آخر الى ان وفيّة كانت (سياسيّة صغيرة ليس الا ولا تستحق الكتابة عنها ابدا)، وقد ذكّرني هذا القول بما كتبه مرة صحافي عراقي اسمه خالد الدرّة في جريدته (الوادي) ببغداد عام 1960 ساخرا (اثناء قمة الصراع الشيوعي – القومي الذي انتهى باحداث 8 شباط 1963 التراجيدية الرهيبة) عن فريق نسائي يلعب كرة السّلة وكان برئاسة نزيهة الدليمي، ووضع وفيّة ابو قلام في الموقع الثاني بعدها، واود ان اشير، الى ان موقف الطرفيين هنا متطرف جدا وغير موضوعي بتاتا وينطلق من المثل العراقي العتيد والشهير - (لو طخّه لو اكسر مخّه!!!) .

 واعترض أحد القراء على صفة (.. الساذجة الى حد ما ..) التي ذكرتها في مقالتي، واود ان احكي له قصة احد الاصدقاء حول وفيّة، اذ كان مع مجموعة كبيرة من الطلبة العراقيين في حفلة (وكانت هناك حفلات كثيرة للطلبة الاجانب)، وتنتهي هذه الحفلات عادة بالرقص في صالة كبيرة، حيث تعزف فرقة موسيقية، ويرقص الشباب بكل احترام، وقد رأى هذا الشاب ان وفية كانت تجلس في احدى زوايا القاعة وتنظر الى الراقصين ليس الا، فذهب اليها ودعاها وبكل ادب للرقص (توجه اليها بقوله ست وفية، وقد جرى هذا الحادث امامي)، لكنها رفضت، وقالت له، ان محمد علي الماشطة (وهو اول رئيس لرابطة الطلبة العراقيين وأبرز المؤسسين لها) قد دعاها للرقص مّرة في احدى الحفلات ورفضت، وان وجدي شوكت سري (وهو ثاني رئيس للرابطة) قد دعاها للرقص ايضا في حفلة اخرى ورفضت، فكيف توافق على الرقص معه الان ؟ وابتسم صاحبنا وتركها طبعا، وعاد للرقص مع الروسيات . لقد ضحكنا عندها آنذاك، وقلنا جميعا، ان وفية امرأة ساذجة ولم تقصد اي شئ من جوابها ذاك، رغم ان البعض قال انها ارادت ان تتباهى (كأي امرأة اخرى!) بتلك الاسماء، فقلنا لهم ان ذلك بحد ذاته سذاجة ايضا ليس الا . ان صفة (السذاجة) ليست سمة سيئة ابدا بل بالعكس، اذ انها تعني هنا البساطة، وان وفيّة كانت امرأة بسيطة جدا، وهذه الصفة تتعارض مع طبيعة السياسة وألاعيبها والتي تقتضي من الانسان ان يكون (مشيطن!) كما نقول بلهجتنا العراقية، وهو ما اردت ان اذكره في مقالتي عنها دون الاشارة الى كل تلك التفاصيل وغيرها طبعا .

اكرر – ختاما – ما ذكرته في مقالتي السابقة عن احترامي الشديد للمرحومة الشاعرة الدكتورة وفيّة ابو قلام، واكرر الدعاء بالرحمة على روحها والذكر الطيّب والعطر لها ...

 

  أ.د. ضياء نافع

 

تواردت الاخبار بعد ظهر يوم الاربعاء  31 / 5 / 2017 من مدينة اربيل حول وفاة عزيز محمد السكرتير الاسبق للحزب الشيوعي العراقي، للفترة 1964 ــ 1993، عن عمر يناهز 93 عاما، وكعادة العراقيين بدأ تداول وانتقال الخبر بينهم عبر طرق التواصل المختلفة مع هالة من المديح والاطراء للراحل جعلت منه اقرب ما يكون الى الالهة والقديسين والانبياء، من خلال ذاكرة عراقية معطوبة ومشوهة بقصد او دون قصد، وبالتالي انهال علينا الطبالين والمزمرين والمداحين والمتملقين بعشرات التقارير والمقالات عن التاريخ النضالي والانجازات الوطنية والحزبية الفذة للراحل، واكمالا للصورة ادرج هنا بعض المحطات من حياته، وما خفي كان اعظم، ليطلع الجيل الصاعد من الشيوعيين واليساريين وغيرهم على الحقيقة وفقط الحقيقة، والتي يتجاهلها البعض لغرض في نفس يعقوب ولتحريف الوقائع تماشيا مع المصالح الشخصية وسوء النفس البشرية وازدواجية الشخصية العراقية .

ح 8 

رفاق عزيز محمد يكتبون عنه

عزيز وباقر ابراهيم (1)

. . . وأخيراً، كان على الاجتماع]  المقصود به الاجتماع الكامل للجنة المركزية في اب 1964 في براغ ــ خ.ح [أن يملأ الفراغ الذي تركه استشهاد قائد الحزب (سلام عادل). وتكمن أهمية النقطة الأخيرة في المكانة المتميزة التي يتمتع بها الشخص الأول في قيادة الحزب عادة.

واختير عزيز محمد لذلك المركز بعد مناقشات طويلة، رافقتها الصراعات الظاهرة والخفية، التي استهدفت إضعاف مكانة مرشحين آخرين لإشغاله. كان أبرزهم عبد السلام الناصري، كأحد الشخصيات العربية الذي برز اسمه خلال حملة التضامن العالمية مع الحزب. وكان يتمتع كما بدا لي، بدعم واضح من أوساط الحزب الشيوعي السوفيتي .

إن الانتقادات المرة التي وجهت في الاجتماع لبعض مميزات سلام عادل، ومنها التشبث بالرأي الخاص، وكذلك ما اعتبر ضمن نزعات التنكيل بالقادة المختلفين معه في الرأي . . كل ذلك أسهم في ترجيح كفة شخصية تكاد تكون لا رأي مستقلاً لها، تدافع عنه في المواقف الحادة والحاسمة، هو عزيز محمد، والذي كان يتصف أيضا بصفة التأني والدهاء، الذي يصل حد المكر السياسي .

كنت في البداية معجبا بكثير من صفات عزيز محمد، ومنها: التأني في ابداء الرأي، والحرص على احترام رأي الجماعة، والتقدير الموضوعي والمتزن للأمور .

وأذكر أن بعض الأحزاب العربية كانت تتمنى أن يكون لدى قادتها مثل هذه الصفات. وهذا ما كان يصرح به أمامنا، بعض قادة الحزب الشيوعي السوري مثلاً .

لكن مع الهجرة الشاملة الى الخارج، وطغيان سياسة التطرف نحو (اليسار) ومع تعمق ذيلية حزبنا للقيادة الكردية، وتفشي مقاييس نضال (الجبال)، تفاقمت الجوانب السلبية لدى عزيز محمد، وتبدى المكر السياسي كنهج للخديعة والغدر والايقاع بالآخرين .

ويكفي أن أقول إن عزيز محمد كان في مقدمة أربعة مسؤولين رئيسين في تدهور أوضاع الحزب، وهم الى جانب عزيز : زكي خيري وكريم احمد وعبد الرزاق الصافي .

تتبدى مسؤولية هؤلاء الأربعة الأولى كونهم سهلوا ومهدوا لهيمنة رأس المافيا على أعلام وأموال الحزب، ثم على قيادته، وأخيراً سرقة وطنيته .

عزيز وكاظم حبيب (2)

...  كان عزيز محمد عضواً في المكتب السياسي حين تعرض الحزب لضربة 1963، وكان في حينها لا يزال في كردستان العراق. وفي اجتماع اللجنة المركزية في العام 1964 انتخب سكرتيراً للحزب. كان الرفاق الذين انتخبوه يدركون أنه ليس بالنظري المتضلع بالفكر الماركسي، ولكنه كان مناضلاً جيداً وتحمل الكثير من عذابات السجون وآلامها وأطلق سراحه بعد انتصار ثورة تموز 1958، وكان سياسياً محترفاً في الحزب ودرس في المدرسة الحزبية السوفييتية. فكان الرجل مخلصاً لحزبه ووطنه، كما كان مخلصاً للحزب الشيوعي السوفييتي والاتحاد السوفييتي باعتبارهما حصن السلام وقلعة الشيوعية والفكر الماركسي- اللينيني .

لقد كانت قيادة عزيز محمد للحزب في فترة عصيبة مليئة بالصراعات الداخلية والخلافات الفكرية والسياسية ولم يكن في مقدوره أن يلعب دوراً أكبر مما لعبه حينذاك. وكان الوضع في الحزب يساعد على استمرار قيادته للجنة المركزية والمكتب السياسي وعدم تغييره. إن هذا لا يعني أن لم يكن هناك من هو أفضل منه نظرياً، بل كان هناك فعلاً من هو أكثر منه وعياً واستيعاباً للنظرية مثل عامر عبد الله أو غيره، ولكن كانت تنقصهم جوانب أخرى في العمل الحزبي، وكان، كما يبدو، أكثرهم قدرة على إدارة الصراع الداخلي وعلى تأمين توزان لصالحه، كما أن الحزب الشيوعي السوفييتي وجد فيه شخصية متفانية في حبها للحزب الشيوعي السوفييتي ومخلصة لحزبها الشيوعي. وبالتالي استمر فترة طويلة في قيادة الحزب .

لم يستطع عزيز محمد ولا قيادة الحزب كلها أن تلعب دوراً كبيراً في تحقيق الانتصارات، بل ارتكبت أخطاء فادحة وتحملت الكثير من النكسات، وكنت أنا واحداً من تلك القيادة التي أخطأت كثيراً، سواء بالتحالف مع البعث أم في مسائل سياسية أخرى. وحصلت كوارث فعلية في الحزب لم يكن وحده مسؤولاً عنها، ومن الخطأ تحميله كلها. كما من الخطأ القول أن الحزب خرج معافى، بل خرج الحزب وقد خسر مئات الكوادر الحزبية والمثقفة والنقابية وحملة الشهادات العالية والمناضلين الجيدين، سواء عبر استشهادهم على أيدي حزب البعث والحكم الدكتاتوري الفاشي أم في معارك بشت أشان أم في معارك أخرى في كردستان العراق .

ليس هناك إنسان كامل السلوك والسيرة أو من لم يرتكب أخطاءً، أنا وأنت كنا في هذا الحزب وكنا وفق مواقعنا مسؤولين بهذا القدر أو ذاك عن أخطاء الحزب أيضاً. ولكن كان على عزيز محمد وهو في مركز الرجل الأول في الحزب أن :

* يتخلى عن مسؤولية قيادة الحزب بعد نكسة 1978/1979، ويفسح في المجال لرفيق آخر يأخذ على عاتقه قيادة الحزب .

* أن يسعى لتغيير طاقم اللجنة المركزية ومكتبها السياسي، فمن غير المعقول أن يمارس الرفاق قادة التحالف مع حزب البعث، مسؤولية وقيادة الصراع ضد البعث .

* أن يخفف أو يقطع الطريق على الحزب الشيوعي السوفييتي ممارسة تأثيره على سياسة ومواقف الحزب الشيوعي العراقي .

* يبتعد عن بعض المسائل والتصرفات الشخصية في بغداد ودمشق التي عرضت شخصه والحزب إلى إساءات كان يمكن ويجب تجنبها .

لا أجد ما يبرر الخوض في السلوك الشخصي لهذا الرجل الحزبي أو ذاك، بل الأهم من كل ذلك هو تأثيرات ذلك الرجل على حياة وسياسة الحزب .

لدي القناعة بأن عزيز محمد، إذا كان مناسباً خلال السنوات الأولى من انتخابه سكرتيراً أولاً للجنة المركزية للحزب، فإنه لم يكن الرجل المناسب لقيادة الحزب تلك السنوات الطويلة اللاحقة التي بلغت 27 عاماً دون بروز قدرة على التغيير والتجديد والإبداع. بل كان الأفضل له وللحزب تغييره بعد فترة من الزمن ليأتي غيره ويساهم في تجديد الحزب. وهذه المسألة لا تقتصر على الحزب الشيوعي العراقي حينذاك، بل هي لا تزال فاعلة إلى الوقت الحاضر. كما إنها علة كل الأحزاب السياسية في الدول العربية، فمن يصل منهم إلى سدة المسؤولية لا يريد أن يتركها لغيره وقبل موته يريد أن يورثها لأحد أبنائه. والأحزاب الشيوعية هي الأخرى مبتلاة بهذه العلة إلى الآن. والوضع الراهن في العراق يدلل على ذلك أيضاً في تعامل سياسيي الأحزاب المختلفة مع المناصب الحزبية والحكومية .

عزيز وسعاد خيري (3)

ويبقى على راس العوامل الذاتية لازمة الحزب هذه القيادة التي احتفظت بتركيبتها الحالية ولاسيما السكرتير، منذ عام 1964. وقد اعتادت ان توافق على اي برنامج او وثيقة تقرها مؤتمرات الحزب ، لتضعها جانبا بعد المؤتمر مباشرة وتسير وفقا للخط الذي رسمه السكرتير لتصفية الحزب الشيوعي منذ دخوله للحزب. فقد سبق توليه قيادة الحزب مساهمته بمعظم التكتلات والانشقاقات التي تعرض لها الحزب . وهذا ما صرح به نفسه في احتفال مختصر في مقر بغداد بعيد الحزب عام 1977. ودشن قيادته للحزب عام 1964 بخط أب التصفوي الذي دعى لحل الحزب الشيوعي العراقي والانضمام للاتحاد الاشتراكي . وفي عام 1973 وقع على ميثاق الجبهة مع حزب البعث وفقا لشروط البعث في قيادة الجبهة والمجتمع ،خلافا لقرارات المؤتمر الوطني الثاني للحزب ، ودعى علنا وفي العديد من المناسبات الى تضييق الفجوة بين الحزبين وصولا للتداخل فيما بينهما.

وشجع العناصر الانفصالية في منظمات الحزب في كردستان وعلى تفتيت منظمات الحزب في الداخل والخارج وكرر تجربته في التحالف مع حزب البعث في التحالف مع الاحزاب البرجوازية الكردية في تحويل الحزب الشيوعي الى ذيل للأحزاب البرجوازية الكردية .

والمتتبع لتاريخ العراق كيف مهد ذلك التحالف مع حزب البعث لكل الكوارث التي عانى منها شعبنا وسيكون هذا التحالف مع الاحزاب البرجوازية الكردية بشروطهم مقدمة لمزيد من المصاعب والالام لشعبنا بعربه وكرده. وسيجد سكرتير الحزب في كل الازمات داخل الحزب او مع السلطة ، خارج البلاد يتنقل في فنادق الدرجة الاولى في البلدان الاشتراكية، وقد تطول تلك الفترات الى اكثر من سنة . واطولها كانت الفترة الاخيرة لاستكمال شق الحزب وتكوين الحزب الشيوعي الكردستاني ، ومضى قدما في استراتيجيته بتشويه مواقف الحزب بتصريحاته المؤيدة لتقسيم العراق عن طريق تأييد المنطقة الامنة في الجنوب اسوة بكردستان واعتباره ذلك قضما للدكتاتورية ، وتهويله من تأثير الازمة في الحركة الشيوعية العالمية وانهيار الاتحاد السوفيتي لتبرير الاعتماد على العامل الخارجي وبالذات على الامبريالية الامريكية في تحرير العراق من الدكتاتورية!! بل ودفع الحزب للقبول بالتحالف مع عناصر معروفة بولائها للإمبريالية الامريكية ومشبوهة اخلاقيا وسياسيا للإساءة الى سمعة الحزب الشيوعي وتاريخه الوطني .

لقد تعرض الحزب الشيوعي الى الكثير من التصفيات الجسدية على يد الانظمة التابعة المتتالية ، وحاربت الحزب جهات واحزاب قومية ولكن كل ذلك لم يستطع ان يقضي عليه ، ولكن محاربة الحزب من الداخل ومن مركز السكرتير والعمل على تصفيته بدأب وطول نفس، اثر كثيرا على حزبنا واوصله الى هذه الازمة .

ان الحزب الشيوعي العراقي ضرورة موضوعية !! ولم يأتي تأسيسه وتطوره بناءا على رغبة شخص او مجموعة اشخاص مهما كان مركزها ، انه ضرورة تاريخية لإنقاذ شعبنا بعربه وكرده وسائر مكوناته من الدكتاتورية والمساهمة في بناء مستقبله ، فله من الكوادر المتنورة ومن احتضان الجماهير له ومده بخيرة ابنائها ما يمكنه من استعادة خطه الوطني والاممي وتجديد بنائه ليستطيع النهوض بمهامه الوطنية والاممية وصولا الى الاشتراكية .

ونقطة البدء هي تجديد القيادة التي اثبتت عدم جدارتها في النهوض بمهامها في الحفاظ على كيان الحزب ودوره الوطني والاممي . وانتخاب قيادة جديدة تضع في مقدمة مهامها انقاذ الوطن والشعب من هذه الازمة ، اي ان تضع القضية الوطنية والديموقراطية في مقدمة اهدافها بالاعتماد على الشعب وقواه الوطنية وليس على العوامل الخارجية .

 

خالد حسين سلطان

.......................

(1) من مذكرات باقر ابراهيم / دار الطليعة للطباعة والنشر / بيروت 2002

(2) جزء من حوار مع الدكتور كاظم حبيب عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي

سابقاً نشر في موقع الحوار المتمدن في 6/6/2011 بعنوان: (حول ماضي الشيوعيين العراقيين ومستقبلهم!) أجرى الحوار إبراهيم أحمد.

(3) مقال للسيدة سعاد خيري منشور في الحوار المتمدن في 2012 / 4 / 5 بعنوان (تحديدي العامل الذاتي الرئيس لازمة الحزب الشيوعي وتجديد القيادة السبيل الرئيس لحلها) .

 

ضياء نافعخومياكوف - اسم كبير ومتميّز ومتعدد المواهب في تاريخ الفكر الروسي بالقرن التاسع عشر، القرن الذي كان غنيّا جدا بالاسماء الروسيّة الكبيرة، و لكن خومياكوف لم يعد نجما ساطعا في سماء الفكر الروسي، بل انه الان  شبه منسي حتى في وطنه روسيا نفسها في الوقت الحاضر رغم العديد من المصادر الروسية عنه، أمّا في عالمنا العربي بشكل عام، فلا يعرفه تقريبا سوى بعض الاشخاص الذين درسوا الفلسفة الروسية وتاريخها وتخصصوا بها في المعاهد والجامعات الروسية، وهم واقعيا بعدد أصابع اليد كما يقول التعبير العربي الطريف، ويعرفه كذلك الذين درسوا الادب الروسي وتاريخه وتخصصوا به في روسيا (الادب الروسي وليس اللغة الروسية، وهذه مسألة مهمة جدا رغم شبه التلاحم تقريبا بين هذين الاختصاصين)، وهؤلاء ايضا ليسوا نسبة كبيرة بين الخريجين العرب من الجامعات الروسية بشكل عام، بل وأخذوا بالانحسار تدريجيا نتيجة عوامل عديدة لا مجال للحديث عنها ضمن هذه السطور عن خومياكوف  .

ولد اليكسي ستيبانوفيتش خومياكوف عام 1804 وتوفي عام 1860، واستطاع ان يصبح – خلال هذه السنوات القصيرة نسبيا – شاعرا وكاتبا مسرحيا وفيلسوفا وفنانا تشكيليّا وصحافيا ومؤرّخا ومترجما، بل انه ابتدأ مسيرة حياته متخصصا في علم الرياضيات بجامعة موسكو، ونتيجة لهذا التنوع الموسوعي الفكري حاز خومياكوف على موقع خاص في اكاديمية العلوم الروسية في السنوات الاربع الاخيرة من حياته، اذ اختارته اكاديمية العلوم في مدينة بطرسبورغ

عام 1856 ليكون عضوا مراسلا فيها.

سبق وان قدّمنا تعريفا وجيزا عن خومياكوف في مقالتنا بعنوان – (الادباء الروس في تاريخ الفلسفة الروسية)، ونريد هنا ان نتوسع في رسم الصورة القلمية عن هذا المفكّر الموسوعي الكبير، اذ لم نجد بلغتنا العربية مصادر كافية تتناوله وتدرس ابداعاته المتنوعة وتقدّمه للقراء العرب كما يجب مع الاسف .

خومياكوف – فيلسوف قبل كل شئ، وقد أشرنا في مقالتنا تلك، الى انه وضع اسس النزعة السلافية في الفكر الروسي، هذه النزعة التي لعبت دورا هائلا في مسيرة الفكر الروسي في القرن التاسع عشر، وفي الادب الروسي بالذات، والتي يرتبط بها (اي بالنزعة السلافية) اسم عملاق من الادباء الروس وهو دستويفسكي . خومياكوف وصل الى افكار واساسيات هذه النزعة الفكرية عن طريق التفاعل المطلق مع الكنيسة الروسية الارثذوكسية، حتى ان بعض الباحثين الروس يعتبرونه (رجل دين)  قبل كل شئ، رجل دين متعمق ومتبحّر في فلسفة الكنيسة الارثذوكسية بالذات وتاريخ الارثذوكسية بشكل عام، اي يمكن ان نطلق عليه ما نسميه بالعربية (لاهوتيّ) (ان صحّ التعبير) . لقد وصل تفاعله وتعامله مع الكنيسة الروسية الى التقبّل الكامل لموقف الكنيسة في كل شئ، بما فيها الموقف السياسي الواضح من النظام القيصري، اذ انه كان يرى، ان (روما حافظت على الوحدة بثمن الحرية)، (اما البرتستانت فقد حصلوا على الحرية بثمن الوحدة)، ولهذا فان خومياكوف كان الى جانب النظام القيصري والحفاظ عليه وتعزيزه من اجل وحدة الدولة وجبروتها وقوّتها، ولهذا ايضا، اعتبر الرأسمالية والاشتراكية معا (انعكاسا سلبيا للسقوط والانحطاط في اوربا الغربية)، واستنادا الى هذه المفاهيم قدّم الطروحات النظرية الاساسية للنزعة السلافية في الفكر الروسي، والتي تؤكد على الطريق الروسي الخاص و البحت، الطريق الذي سيؤكد دستويفسكي عليه لاحقا، ويبدأ بالكلام في كتابه الشهير (مذكرات كاتب) كيف  ان موسكو يجب ان تكون (روما الثالثة!)، اذ لا يمكن ان تكون في العالم (روما رابعة)، وان الكنيسة الارثذوكسية الروسية هي التي يجب ان تكون القوة الفاعلة والمحرّكة لتلك الظاهرة العالمية.

اما خومياكوف الشاعر، فانه بدأ مبكرا جدا، وبالذات عندما كان يدرس علم الرياضيات في جامعة موسكو عام 1821، اذ نشر عندها محاولاته الاولى في الشعر وكذلك في ترجمة الشعرالى الروسية ايضا، ومن الطريف ان نذكر هنا، ان خومياكوف قد تزوّج اخت الشاعر الروسي المعروف يازيكوف، الذي يعدّ واحدا من الشعراء الروس المحيطين ببوشكين في ذلك الزمان، اي ان خومياكوف كان يختلط واقعيا مع اوساط الشعراء الروس ويتعامل معهم  الند للند كما يقولون، بما فيهم بوشكين نفسه، وتوجد في المكتبة الروسية عدة كتب بعنوان – بوشكين وخومياكوف، وقد ظهر قسم منها  حتى في نهايات القرن العشرين، اي في الاتحاد السوفيتي بالذات، وتبحث هذه الكتب بالاساس في موضوعة علاقة بوشكين بالنزعة السلافية وموقفه منها (وهي موضوعة حساسة جدا في النقد الادبي السوفيتي)، وتحدثت هذه الكتب حتى عن العلاقات الشخصية بينهما واللقاءآت العديدة التي حدثت بين خومياكوف وبوشكين، بما فيها بعض النقاشات التي جرت بينهما، والتي تبيّن عدم اتفاقهما بشكل عام رغم العلاقات الوديّة بينهما، ونختتم مقالتنا هذه بالاشارة الى واحدة من تلك النقاشات الطريفة –

قال خومياكوف – في روسيا يوجد حب مسيحي اكثر مما في الغرب، فأجاب بوشكين قائلا – لم أقم  بقياس كمية هذا الحب في روسيا او في الغرب ..، لكني أعرف ... في الغرب يوجد اناس وضعوا اسس ذلك ...، ولو ظهروا عندنا، لكان ذلك مفيدا لنا ...

 

أ.د. ضياء نافع