محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور عزت قرني (أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس والمعار لجامعة الكويت) واحداً من كبار الأساتذة الأكاديميين الذين أحبوا الفلسفة، واتخذها طريقاً لمحبة الحياة، وعمق حبه لها بالبحث المنهجي والدرس الأكاديمي لتاريخها، ومذاهبها، ومدارسها الفكرية، بداية من عصورها الكلاسيكية الأولى إلى ما وصلت إليه في عالمنا الراهن؛ حيث كان شغله الشاغل أن ترتبط الفلسفة بالمجتمع، بقضاياه الاجتماعية والسياسية والثقافية، وأن تكون مرآة يتطلع من خلالها إلى معنى الخير والحرية والجمال والحقيقة.

وأكاديمياً بدأ عزت قرني (مع حفظ الألقاب) جهده الفلسفي من جعبة الفلسفة  المثالية  ومن نقطتين،  إحداهما تمثل عتبة البدايات والأخرى تمثل، قوس النهاية؛ ففي البدايات مثلت فلسفة أفلاطون نقطة البدء في منهج عزت قرني الأكاديمي، فكانت أطروحته للدكتوراه التي حصل عليها من جامعة السوربون بفرنسا عام 1972 بعنوان «الدوكسا في نظرية المعرفة الأفلاطونية». وفيها فند فلسفة أفلاطون وفق مبدأ التدرج والانتقال بالمفاهيم والرؤى المعرفية من مستوى (الدوكسا) والتي تمثل أيديولوجية الرأي العام الشائعة، إلى مستوى أكاديمي علمي يتحرى الضبط المعرفي والمنهجي، وإعمال العقل في الرصد والتحليل والتقييم.

ولد إمام عبد الفتاح إمام بمحافظة الشرقية، شمال شرقي القاهرة عام 1934 لوالد من علماء الأزهر الشريف، وخلال رحلته الوظيفية عمل بأغلب جامعات مصر، وجامعة الكويت، وطرابلس، وجامعة سبها بليبيا، كما أشرف على الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه داخل مصر وخارجها، وهو أبرز تلاميذ زكي نجيب محمود، وأهم الباحثين في فكره وفلسفته.

والدكتور عزت قرنى هو واحد من آخر جيل عمالقة الفلسفة في مصر، وقد ولد في الجيزة بمصر في 15 يناير 1940. تخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1960، وحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون (باريس – فرنسا) عام 1972 عن أطروحة بعنوان الدوكسا في نظرية المعرفة الأفلاطونية. وهو حاصل على جائزة الدولة التشجيعية في الفلسفة عام 1975، وعلى وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1976، وهو عضو في الجمعية الفلسفية المصرية والجمعية التاريخية المصرية وجمعية محبي الفنون الجميلة بالقاهرة. عُيِّن في جامعة الكويت عام 1987.

وقد أثرى عزت قرني المكتبة العربية بعدة مؤلفات نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: كتاب الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون؛ وكتاب الفكر الجديد في أزمة الفكر العربي المعاصر؛ وكتاب العدالة والحرية في فجر النهضة العربية؛ وكتاب مستقبل الفلسفة في مصر؛ وكتاب في الفكر المصري الحديث؛ وكتاب فعل الإبداع الفني مع نجيب محفوظ؛ وكتاب تأسيس الحرية ، طبيعة الحرية؛ الذات ونظرية الفعل، فكرة الخير ونظرية الشر.

كما أسهم عزت قرني فلسفياً على مستوى الترجمة، فقد كان له الفضل في أن ينقل إلى العربية – عن اليونانية القديمة- عدداً من محاورات الفيلسوف اليوناني أفلاطون. اتسمت ترجمته بسلاسة التعبير مع الإبقاء -بقدر الإمكان- على المغازي الفلسفية وغير الفلسفية للنص الأفلاطوني. علاوة على ذلك، كتب قرني لكل محاورة مقدمة تمهد للقارئ الطريق بأن تضعه في السياق التاريخي للنص، وبأن تقترح عليه هيكلا أوليا للتطور العضوي للأفكار. أضاف عزت قرني إلى النص المترجم هوامش حوت ملاحظات أو إيضاحات أو إحالات نصية، الأمر الذي زاد النصوص ثراء ووضوحا.

وكان الدكتور عزت قرني قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وكان عزت قرني من المؤمنين بأن الفلسفة هي الممثل الشرعي لوجود المجتمعات، لأنها تحمل الرؤية الحقيقية للكون والإنسان. علاوة علي أن هناك بعض الأقلام والأصوات في نظر عزت قرني تهمش دور الفلسفة معتبرة أنها بلا أهمية، لذا يرى أنه علينا أن نميز بين أمرين مختلفين: الأول هو تدريس الفلسفة، والثاني هو مكانة الفلسفة في المجتمع، وينبغي للجميع إدراك أن كل مجتمع وتجمع له نوع خاص من الفلسفة، لأن المعنى الحقيقي للفلسفة بوجه عام هو الرؤية للكون والإنسان والعلاقة فيما بينهما، فهي الكلام عن المبادئ والغايات والأصول التي توجه السلوكيات لتحديد وترشيد الخطوات فتجد أن الفلسفة قد تكون ضمنية أي بشكل تلقائي تظهر من خلال الأعمال والأفعال ولكن وجودها غير واضح أو تكون معروضة بشكل محدد وبصياغة واضحة ومكتوبة ونحن نريدها محددة لكي نصل الى الفعالية والانتاجية بأقل التكاليف الممكنة.

وكان عزت قرني صاحب مشروع فلسفي ، حيث كان دائما ما يقول لنا : إن رسالتي الفكرية الهادفة إلى بلورة رؤية فلسفية جديدة خاصة بالثقافة العربية نابعة من مواقفنا و تصوراتنا ومشاكلنا الحالية لتقدم بطريقة حرفية تفصيلية، كما أننا مطالبون بالتعريف بإنجازات الحضارة الإسلامية التي شوهتها الحركات المتطرفة في زمن طغت وغلبت فيه العلوم التطبيقية وتحولت أغلب العلوم الإنسانية إلى علوم حية، هل تؤيد أن تكون الفلسفة تطبيقية؟ وهل توجد فلسفة ذات عمل جماعي.

وكان أيضاً يقول لا احد ينكر أن هذا العصر هو عصر التطبيقات بل إن التكنولوجيا أصبحت أهم من معظم العلوم ومن يعمل فيها يكسب أموالا أكثر ممن يعمل في البحوث العلمية البحتة، لكن لا يمكن أن تقوم التكنولوجيا من دون ‘الأبحاث النظرية’ التي تعتبر أساساً ما يتولد عنها من تطبيقات، لذا فإن الحضارة الغربية بكل ما انتجت تعود إلى أفكار بالأساس نظرية، قدمها فلاسفة منذ عصر النهضة الاوروبية.

وقد سئل عزت قرني ذات مرة في إحدى ندواته الرائعة بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر بأن السلطة الدينية تحارب الفلسفة وترفض تدريسها فما سبب ذلك برأيك؟

وقد أجاب قرني بأن السلطة الدينية ترفض الفلسفة باعتبارها منافسة لها لذا فإن معظم الفلاسفة المسلمين والذين أطلق عليهم ب المتفلسفين’ هم برأيي ليسوا فلاسفة بالمعنى الدقيق، والمشكلة الأساسية في السلطة المعنوية التي أصبحت حكرا على البعض وهي يمكن أن تكون موزعة على جهات عدة وفي ذلك ‘فليتنافس المتنافسون أما بالنسبة لما يدرس في البلاد الاسلامية فهو منقول من منظور غربي بحت والسلطة الدينية تتخوف من الفلاسفة لأنهم يفكرون.

ثم يطرح لنا عزت قرني الحل لإنقاذ ثقافتنا أو لتكوين فلسفتنا الخاصة بنا فيقول : أنا أفضل تسمية ثقافتنا الجديدة باسم ‘الأصوليات’ لكي نبتعد عن الاسم ‘الفرنجي’ وتتخلص من التأثير الاجنبي عليها، لأن الفلسفة هي علم الأصول كما قال العلماء، وبالنظر إلى الحضارة الإسلامية نجد أنهما قد أنتجت اتجاهات مهمة في ميادين العلم ، ولكن يرجع أساسها وأصلها إلى التوحيد، ولا بد لنا أيضا من إعادة تكوين علم أصول الدين ليحمل أساسا نظرة إسلامية مستقبلية فعلم أصول الدين القديم أصبح تاريخياً.

وتوفي في يوم الأثنين الموافق 17 يونيو 2019 عالمنا المفكر والفيلسوف الدكتور عزت قرني أستاذ الفلسفة بكلية الآداب ، ورئيس لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة، إثر حادث سيارة في مدينة الشيخ زايد عن عمر يناهز 79 عاماً .

وقد نعى المجلس الأعلى للثقافة بأمانة الدكتور هشام عزمى، الفيلسوف والمفكر المصري الدكتور عزت قرني مقرر لجنة الفلسفة بالمجلس، والذي لقي مصرعه عصر اليوم في حادث أليم. وفي بيان المجلس أعرب الدكتور هشام عزمى، عن حزنه وأسفه الشديد لهذا الخبر الحزين كما وصفه، وقال إن الراحل كان له مشروعه الفلسفي الخاص والهام، وأضاف: “عهدناه وطنيا مخلصا، مؤمنا بدور الفلسفة في قيادة المجتمعات”. وتابع الدكتور هشام عزمى، :"إن خسارة هذا العالم الجليل خسارة كبيرة تلاميذه ومحبيه، رحمه الله وغفر له وألهم محبيه الصبر".

تحية طيبة عزت قرني الذي كان ومازال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به و يسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله الدكتور عزت قرني، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت أمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عدد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

مصدق الحبيب(1840 – 1921)  Carl Menger

هو الاقتصادي النمساوي، ثالث اقتصاديي الثورة الحدّية، بعد جيفنز وفالراس، والذي عرف بكونه مؤسس المدرسة النمساوية في الاقتصاد، وصاحب النظرية الذاتية لقيمة العمل.

ولد كارل منگر عام 1840 في گاليسيا Galicia التي كانت ضمن الاقليم النمساوي - الهنگاري والتي اصبحت الآن جزءً من جنوب پولندا. کانت عائلته موسرة وكان ابوه واخواه محامين بارزين. انهى دراسته الابتدائية والثانوية المتقدمة في گاليسيا وذهب لدراسة القانون في جامعتي براغ وفيينا، ثم حصل على الدكتوراه في القانون من كراكوف Krakow  عام 1867، ودرجة الاستاذية من جامعة فيينا عام 1873، وهي الجامعة التي بقي فيها تدريسيا وباحثا لأكثر من ثلاثين عاما. 

خلال عقد الستينات من القرن التاسع عشر، عمل صحفيا متخصصا بالمواضيع الاقتصادية فتركزت تقاريره ومقالاته على السوق الاقتصادية والمالية وتقلباتهما. كان هذا العمل هو الذي أثار فضوله حول الاقتصاد وحول مدى انطباق النظريات الاقتصادية على الواقع العملي، خاصة بما يتعلق بالاسعار، وكيف ومَن يقررها ويغيّرها صعودا ونزولا. ولذا فقد بدأ بدراسة الاقتصاد دراسة واعية تمخضت عن اكمال ونشر كتابه الشهير "مبادئ الاقتصاد" المنشورعام 1871. في عام 1876 انتدب ليكون معلما خاصا لأمير البلاد وولي العهد الشاب رودولف هابسبرگ لیحاضر له فی الشؤون الاقتصادية والقانونية والسياسية ويسافر معه في زياراته الرسمية عبر أوربا. وهكذا استمر في عمله هذا لمدة ثلاثة عشر عاما ولحين انتحار الامير مع عشيقته القاصرة في فضيحة ماسمي بحادث ميرلنگMayerling Incidence  . عامان بعد هذه الصدمة أوكل اليه الامبراطور فرانز جوزف والد الامير رودولف مهمة رئاسة قسم الاقتصاد في جامعة فيينا.  كما كلفه ايضا برئاسة اللجنة الوطنية لإصلاح النظام النقدي في النمسا عام 1889. إستقال من منصبه كرئيس لقسم الاقتصاد في جامعة فيينا عام 1903 وتفرغ للبحث والدراسة لحين وفاته عام 1921.

1613  منكر عُرف منگر باختلافه مع زملائه الحدييين حول وحدة القياس الحدية التي استنبطوها وأسموها بالـ "يوتل"، وهي وحدة قياسية لتقدير المنفعة التي يستمدها المستهلك جراء استهلاكه او استخدامه لسلعة ما.  يرى منگر ان هناك صيغا واغراضا مختلفة للانتفاع من أي سلعة ولذا فلا يصح تطبيق وحدة ثابتة لقياس مديات الانتفاع المتباينة. فمثلا، اذا اعتبرنا منفعة دلو من الماء، سندرك بأن الاستعمالات المختلفة لهذه الكمية من الماء لشخص ما في ظرف ما ستأخذ ترتيبها حسب الاهمية، من اطفاء العطش وتحضير الطعام الى غسل الصحون ثم غسل الملابس وثم وثم وربما اخيرا الى سقي الازهار. وبالتأكيد ستختلف المنفعة حسب درجة الاشباع وستتناقص من الدلو الاول الى الدلو الاخير. ولذا فان من المنطقي ان لاتستطيع اي وحدة قياس ثابتة كالـ "يوتل"   Util أن تفي بقياس المنفعة لجميع تلك الاغراض المختلفة.

كما انه اختلف مع الكلاسيكيين في قيمة السلعة بناءً على قيمة العمل، ذلك انه رأى بأنهم أهملوا قيمة السلعة الاستعمالية وركزوا فقط على قيمتها التبادلية في السوق. ولكن اذا اعتبرنا القيمة الاستعمالية فان السلعة ستثمن بمقدار قابليتها على اشباع حاجة المستهلك، وبغض النظر عن كمية العمل المبذول في انتاجها. ومن هذا المنظور ذهب منگر الى تفسير معنى ونشأة النقود والاسعار فاعتقد ان كل العلاقات الاقتصادية مرتبطة بديناميكية السبب والنتيجة والتي تتمحور حول حاجات الانسان وطرق اشباعها. وهنا فانه اختلف مع المفهوم الارسطوطالي للتبادل القائل بأن الناس يتبادلون السلع ذات القيمة المتساوية لديهم. لكن منگر يرى ان الاصح هو ان الناس يبادلون ما له قيمة أقل عندهم بما هو اكثر قيمة في نظرهم، الامر الذي يثبت جدوى التبادل ومنفعة الطرفين منه. ومن هذا التبادل نشأت النقود كأداة لقياس القيم المتبادلة، ونشأت الحاجة الى الطرف الثالث الوسيط من أجل احداث وتسهيل عملية التبادل التي غالبا ما تكون من الصعب ان تحدث لوحدها. 

كذلك فان منگر أغنى مناقشة "متناقضة الماء- الماس" التي حيرت آدم سمث، وذلك بتفسيرها بناءً على المفاهيم الحدية، وبالذات عن طريق التفريق بين المنفعة الكلية والمنفعة الحدية. فالماء ، اساس الحياة وذو الطلب العالي رخيص أو مجاني لان منفعته الحدية واطئة جدا بسبب وفرته لكن منفعته الكلية عالية جدا بسبب ضرورته. أما الماس الذي ليس له أي منفعة عملية والمطلوب من قبل القلة القليلة من الناس يكون سعره غالي جدا ذلك ان منفعته الحدية عالية جدا بسبب ندرته ومنفعته الكلية واطئة جدا بسبب قلة فائدته العملية. وهنا، فإن الوفرة والندرة يشيران الى العرض الذي يسهم في تحديد قيمة السلعة التبادلية جنبا الى جنب مع الطلب عليها. وبالنسبة للسعر فإن منگر يعتقد بأنه يمثل حلقة الاتصال بين القيمة الذاتية التي يقررها المستهلك لسلعة ما نظراً لاهميتها له وبين القيمة الموضوعية التي تتقرر في السوق نظراً لحسابات المنتج وعوامل العرض والطلب. وهكذا يصبح السعروسيلة لقياس قيم السلع والخدمات. كما انه يفسر نشوء النقود كنتيجة لعملية تلقائية عضوية أوجدتها ضرورة التبادل السلعي والخدمي، تماما مثل نشوء اللغة بين البشر، كوسيلة لتسهيل تفاهمهم وتفاعلهم فيما بينهم. فالنقود إذاً عبارة عن سلعة ايضا، لكنها السلعة الاكثر تداولا وتبادلا. ولاشك فانها تطورت عبر الزمن فكانت مثلا لدى بعض المجتمعات وفي زمن ما عبارة عن نوع من الماشية أو فرو بعض الحيوانات أو الملح، وأخيرا اصبحت تقاس بالذهب بسبب صفاته الفريدة والذي اصبح بعد فترة خاضعا لسيطرة الدولة ومنظما بموجب قوانينها.

اُعتبرت نظرية السعر والنقود من صلب مساهمات منگر في تاريخ الفكر الاقتصادي ، خاصة وانه قد نظر الى السعر كتجسيد موضوعي لظاهرة سببية تجلت في خضم محاولات اشباع  الانسان  لحاجاته. وهذا هو ما أكده الاقتصادي جوزيف شومبيتر حيث قال ان ماوصفه منگر حول نشوء مفهوم السعر لايصور فقط عملية اشباع الانسان لحاجته انما يفسر ايضا بقية الظواهر الاقتصادية المعقددة في اقتصاد التبادل (Schumpeter   (1954,.  كان ذلك انعكاسا مباشرا لما أكد عليه منگر من ان على المرء، مستهلكا كان ام منتجا، ان يمتلك المعرفة اللازمة لاتخاذ قراراته الاقتصادية. ويقصد وعيه الاقتصادي ومعرفتة بالسلعة التي يشتريها وبسعرها وبكلفتها وبكل علاقات السبب والنتيجة المتعلقة بعملية التبادل وما يترتب عليها من آثار اقتصادية.

وفي شرحه لنظرية الانتاج، كان منگر قد صنف السلع وعلاقتها باشباع حاجات الانسان الى مراتب عليا ودنيا. فمثلا علاقة الخبز بالمستهلك لاشباع الجوع عبارة عن علاقة ذات مرتبة دنيا ، لكن علاقات عوامل انتاج الخبز بالمستهلك ستكون من علاقات المراتب العليا.  وهذه العلاقات مصنفة هي الاخرى الى مراتب ثانوية فمثلا نوعية الدقيق وحالات الافران تكون من المرتبة الثانية تليها حالة المطاحن ثم نوعية القمح وحالة الحقول وعمل الفلاحين ستكون في المراتب الثالثة والرابعة والخامسة وهكذا صعودا الى اعلى المراتب التي تمثل ابعد العلاقات بالاستهلاك المباشر للخبز من قبل المستهلك. والاستنتاج الاساسي هو ان سلع المراتب العليا ستتحول تدريجيا الى سلع وخدمات المراتب الدنيا ذات الصلة المباشرة باشباع الحاجات. ما يترتب على ذلك  هو ان الطلب على عوامل الانتاج (أو سلع وخدمات المراتب العليا) سيكون عبارة عن استجابة للطلب على السلع ثيقة الصلة باشباع حاجة المستهلك وهي الخبز في هذا المثال (وهي من سلع وخدمات المراتب الدنيا) التي تشبع الحاجة مباشرة.  وفي هذا الايضاح يثبت منگر صحة مقولته الشهيرة بأن كل الاشياء محكومة بقوانين السبب والنتيجة التي تسري باتجاهين.

من الجدير بالذكر هنا هو ان اغلب مساهمات منگر الاقتصادية وردت في مؤلفه الاساسي، "مبادئ الاقتصاد" المنشور عام 1871 والذي لم يلق اي اهتمام في ذلك الوقت لكنه اصبح فيما بعد الكتاب التأسيسي للمدرسة النمساوية في الفكر الاقتصادي. كتب منگر ايضا في اصول وطرق البحث فكان كتابه الموسوم "تحقيق في طرق بحث العلوم الاجتماعية مع اشارة خاصة لعلم الاقتصاد" المنشور عام 1883. أثار هذا الكتاب ضجة كبيرة وانتقادات صارخة من قبل مجتمع الاقتصاديين في فيينا. وعلى أثر ما جاء فيه من آراء جريئة غير تقليدية ولدت تسمية "المدرسة النمساوية" لمنهج منگر ومن تبعه كإشارة سلبية باعتبارها خارجة عن المنهج التقليدي المستتب والشائع في ألمانيا وما حولها.  وقد ردّ منگر على تلك الانتقادات في كراس كان عنوانه " اخطاء المنهج التاريخي في الاقتصاد الالماني" المنشور عام 1884 والذي بدأ منه الجدال المنهجي بين المدرستين الالمانية والنمساوية. خلال سنوات الجدال تلك كسب منگر رهطا من تلامذته وزملائه الذين اصبحوا فيما بعد من ألمع الاقتصاديين كـ يوجين بوم بافرك   Eugen von Bohm-Bawerk وفريدريش وايزر Friedrich von Wieser  الذي تنسب اليه صياغة قانون تناقص المنفعة الحدية وقانون توازن المستهلك كما نعرفهما اليوم بعد ان ترجم وشرح ولخص ما كتبه منكر بنفس المعنى.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

محمد السعديبعد أن أسدل الستار على أعمال المؤتمر الرابع لحزب الشيوعيين العراقيين في ١٥ تشرين الثاني العام  ١٩٨٥. ورفعت خيمة المؤتمر من منطقة (أرموش السفلى) في شريط لولان الحدودي وفيها ألغى النصف من الرفاق  النصف الآخر . إتجهت السياسة الجديدة في تعزيز تنظيمات الداخل من خلال زج عدد أكبر من الرفاق نحو صوب مدن الوطن . وأتخذ من الفصيل المستقل في وادي (زيوه) على نهر الزاب خلف مدينة العمادية نقطة إنطلاق وتجميع الرفاق وتهيأتهم لوجستياً وتنظيمياً ومعنوياً من خلال المناطق الذي ينتمون لها (الفرات الأوسط، الجنوبية، بغداد، والمنطقة الوسطى) . بأشراف مباشر من قادة الحزب عمر الشيخ (أبو فاروق)، حميد البياتي (أبو داود)، أرا خاجادور (أبو طارق)، بعد أن أزيح باقر إبراهيم (أبو خولة) عن القيادة المركزية للتنظيم بعد كلمته التي ألقاها في خيمة المؤتمر بتخليه عن مسؤولياته كافة وأعتذاره من المندوبين عدم ترشيح نفسه ثانية لاي مسؤولية حزبية مما سبب أرباكاً داخل تنظيمات الفرات الاوسط بتلك أعتبروها مفاجأة، كان هناك أفق في التعويل عليه.

تجمعنا في وسط ذلك الوادي الضيق، والذي أستهدف فيما بعد بالاسلحة الكيمياوية بسلاح الطيران الحكومي، كانت جريمة ما زالت تداعياتها تلاحق ملفات جرائم النظام الراحل، وقد بلغ عددنا التقريبي ستون رفيقاً من كل بيدر حبة . وفي شتاء قارص من نهائيات العام ١٩٨٥ وفي غرف رطبة ولم يكسر رطوبتها الا دفء الأفاق بالعزم نحو أماني جديدة من النضال والأجواء الحميمية الطاغية بين الرفاق والأماسي اليومية حول وثائق المؤتمر ونتائجه ودعواته نحو تعزيز العمل الحزبي في الداخل ودعمه الكامل لتبقى الجبال نقطة تجمع وهدف لالتحاق الرفاق من بطش الدكتاتورية والالتحاق من الخارج (القامشلي)، تعد المنفذ الأهم والمهم للالتحاقات للحفاظ على كيان الحزب والخوف من العزوف عن الركب الحزبي .

في إعداد الخيارات من الرفاق بالتوجة الى مدن العراق تجري بسرية تامة، لكن ممن تكثر اللقاءات به داخل الوادي أو على سطوح غرف المقر جيئةً وذهاباً تعطي ضوء أخضر للرفاق الأخرين أنه مهيأ قريباً في النزول الى الداخل . بداها الرفيق الشهيد محمد وردة (أبو جيفارا)، فبدل من أن يأخذه الدليل (شهاب)، أبن العمادية العميل المزدوج الى مدينة الموصل أمناً نحو بغداد، دخل به الى مديرية أمن دهوك وضاعت أخباره بين الرفاق حيث رفاق تنظيم الداخل يتطلعون الى وصوله بلهفة للاطلاع على نتائج وأخبار عقد المؤتمر وبين قيادة التنظيم المطمئنة الى وصوله بسلام لانه تعتقد كان بيد أمنه . بعد فترة زمنية أنحصرت بأربعين يوماً، وهو ما زال يتلوى من وطأة التعذيب اليومي في أقبية البعث المنحل، كان يعتقد فترة زمنية كافية للرفاق بأن يقدموا على تغير أوكارهم الحزبية، لكن لم يدر على باله أن رفاقه ينامون بهدوء بعيداً عن تلك التوقعات، فأجبر أن يبيح ما في صدره من أسرار خطيرة عن الاوكار الحزبية وأجهزة الطبع والاسلحة، كانت ساعة صفر واحدة في الواحدة ليلاً من أول ساعة في السنة الجديدة من شهر كانون الثاني  العام ١٩٨٦ . في الهجوم على عدة أوكار حزبية خربطت حسابات أجهزة السلطة في القدرة على بناء هذا التنظيم رغم أساليبهم القذرة في تشويه ومعاداة الشيوعية . رفاق سطروا ملاحم بطولية (أبو غسان، أبو أزدهار، أبو سهيل، أبو قيس، أبو جلال، أبو ستار، سفانة، أم ستار) . أبو جلال (محمد الخضري) هو القائد الفعلي للتظيم أستشهد في مقاومة بطولية في محاولة لالقاء القبض عليه، أما أبو قيس  خالد جاسم معاوية، وقع بيد المخابرات بعد مقاومة بطولية في بيتهم في مدينة بعقوبة ومحاولته للإلتحاق الى الجبل .

بعد كارثة الرفيق محمد وردة (أبو جيفارا) . تهيأ للنزول الى مدن العراق والتي تعد كابوساً في ظل نظام فرض سطوته بقوة الحديد والنار وألاعيب المخابرات والأمن، كل تلك السطوات المخيفة والمرعبة لم تحد من أرادة الشيوعيين في مواصلة النضال والتحدي . غابا عنا وعن عداد الفصيل الرفاق المرحوم علي الجبوري (أبو أحمد)، وعبد فيصل (أبو عبير) . في دقيقة أو ساعة لا أحد يعرف توقيتها في التحرك ومع من، من الرفاق والطريق المؤدي للقرب من المدن القلقة بأتجاه العاصمة بغداد . غابوا وبعد شهور وربما سنة كاملة تواردت الأخبار عبد فيصل معتقل وعلي الجبوري عاد الى الجبل محملاً بحكايات وهموم لم تحكى بعد.

اللقاءات في الفيصل أشعرت الجميع لمن الدور القادم في النزول الى بغداد . الرفاق الشهداء (أبو بشرى، أبو سالار، أبو سرمد، أبو أحمد) . أستيقظنا في صباح ندي، والشمس ما زالت غائبة عن سفوح الوادي وكلمعتاد تجمعنا حول سقيفة المطبخ في وسط المقر ننتظر من يد خفر المطبخ وجبة الفطور خبز منقوع بالدهن تفقدنا رفاقنا الأربعة شعرنا بغيابهم، أنهم زجوا الى بغداد . غابت أخبارهم ولم نعد نسمع شيء عنهم الا بعد شهور أزداد الهمس بين الرفاق أنهم في قبضة أجهزة السلطة ومن بينهم الرفيق  (أبو سرمد) أستشهد في بيته  في ناحية (الدغارة) محافظة الديوانية، عندما حاولت أجهزة السلطة في القاء القبض عليه فقاومهم فاستشهد . قدمت هذه المقدمة لكي أبين للقاريء المتابع طبعاً ومن يمتلك حساً في فرزنة الاحداث .

 بدأ الحديث معي حول التهيأ للنزول الى بغداد، وكنت مهيأ نفسياً ومعنوياً ونضالياً وبقناعة لاتلين في مواصلة العمل النضالي الصعب والخطير مسنوداً على قناعات كاملة وبدون خوف ولا تردد ولا شيئ يحيد عن موقفي أن تطلب الآمر الاستشهاد . وكان معي سلام العكيلي (محمد عرب)، من أهالي الخالص محافظة ديالى، والذي يعد من الشيوعيين المنتميين بصدق وقناعة وشجاعة متميزة، تعرفت عليه عن قرب في قاطع سليمانية وكركوك قبل سنوات قبل توجهه الى بغداد في المرة الأخيرة عام ١٩٨٤، وترشيحي للعمل معه في بغداد زادني قوة لمزاياه النضالية والشخصية . تحركنا في ليل’ دامس وتحت رذاذ مطر خفيف يعتكر حركتنا أحياناً مع مفرزة من الأنصار صوب قرى محافظة الموصل، ولأنه كان عائد تواً من بغداد يحمل أنطباعات عن حركة الناس وخطط العمل والتحرك، أتفقنا أن أتسلل قبله الى بغداد، وأعتمد على حالي لمدة أيام لحين وصوله الى بغداد وحددنا نقطة اللقاء الاول في موقف الباص (حافلة النقل) بحي الأعظمية بجانب سينما الأعظمية والتي تحولت فيما بعد الى دائرة مسرح السلام، وحددنا أن يكون يوم الجمعة الواحدة ظهراً وأن يكون الانتظار لا يتجاوز خمسة دقائق وأن لم يتم يعاد في يوم الجمعة التي تليه، وأن لم يتم تلغى كل المواعيد وتلغى الاتفاقات وأن لانعرف بعضنا ولم نلتقي سابقاً، وفعلاً لم نلتقي لانه في اللحظات الأخيرة منع من التسلل لتوارد أطراف حديث الى قيادة الحزب وقيادة التنظيم في الجبل عن حملة كبيرة في بغداد ومحافظة ديالى ضد تنظيمات وأوكار الشيوعيين، أدت الى تحطيمها بالكامل، بدأت أبحث عن مآوى حتى يأويني من ليل بغداد الموحش، فلم أجده الا على رصيف مرآب النهضة محشوراً بين مئات من جنود الحرب ذاهبين الى أتونها الحارقة وويلاتها المجهولة، وحتى البيوت التي أختارته ربما ستأويني سدت أمامي فلم يبقى أمامي الا البحث عن منافذ لم تكن في الحسبان من أجل تأمين ليلة أمنة بعيده عن الكوابيس والمخاطر الجدية التي تحيط بي من كل جانب وركن، في ظهيرة بغدادية من نهاية شهر شباط ١٩٨٦ والشمس تسدل ذيولها بسطوع على أرصفة الشوارع، حاولت يائساً في الاتصال بالدكتور كريم عبد الرحمن دبش من سكنة مدينة الحرية عبر تلفون البيت الأرضي فتفاجأ بمكالمتي، وكان التردد والخوف واضحاً من خلال نبرات صوته وصداها هل أنا هو فعلاً (علي الجبلي)، لقد مرت سنوات طويلة على غيابه وتقاذفته الدعايات بين الموت وقسم الاعدامات في بناية أبي غريب وعلى قمم الجبال وبين عواصم المدن (دمشق، طهران)، في الختام أستجاب الدكتور كريم عبد الرحمن دبش الى تأكيداتي هو أنا بعينه فحددنا موعداً سريعاً لرغبتي الملحة في منطقة (باب الدروازة) بمدينة الكاظمية، عندما وصل الى المكان حاملاً تحت ذراعيه جريدة الجمهورية الحكومية كنت جالساً في ركن مزوي بمقهى شعبي أراقب المشهد ربما هناك من يتابعنا أو يرصد لحظات لقاءنا وبعد أن شعرت بتململه من طول الانتظار والذي لم يتجاوز الأ دقائق معدودة خرجت له فتصافحنا بحرارة فأطمئن أكثر عندما رآني مبتسماً بمظهر يوحي له بالأطمئنان أخذتنا حرارة الأحاديث تحت حرارة أشعة الشمس المتسلطة على رصيف الشوارع الى العبور الى حي الأعظمية عبر جسر الأئمة فمررنا بجانب منارات أبي حنيفة النعمان الى كورنيش الأعظمية عبر أزقة بيوتها القديمة . عادتني تلك اللحظات الى سنوات مضت عندما كنت طالباً في الأداب في التردد على تلك الأماكن (مكتبة الاعظمية، كورنيش الأعظمية)، وبيت أستاذنا المرحوم محمد يونس الساعدي عندما شكلنا وفد من طلبته في الأداب جامعة بغداد لزيارته بعد أن تعرض لأزمة صحية أقعدته لأيام في البيت، وبسبب ظروفي الصعبة والخطورة المحيقة بي أن أرافقه الى بيتهم لقضاء ليلة هادئة من ليالي الخوف، فذهبنا الى بيتهم في منطقة الحرية وتعرفت على أخيه راضي الطالب في جامعة بغداد، ودارت بيننا أحاديث طويلة ولساعة متأخرة من الليل فركنا الى النوم بنفس غرفة راضي التي يطل شباكها على الشارع وبقي راضي يهمس بأحاديث العاشق الولهان بشوق حبيبته في التلفون مع خطيبته، زميلته في كلية الأدارة والاقتصاد، وأنا بين إيماءة النوم واليقظة وما بينها تعالت الأصوات الى سمعي بصراخ ينذر بوقع شيء خطير، لم أعرف من أين هبطت عليه رباطة الجأش والهدوء الغريب وأنا السياسي المطارد والمختفي من عيون السلطات بمثل هكذا مواقف، كان الأخ الصغير للدكتور كريم وراضي هاوي طيور (حمام) ومرتب لهم برج على السطح وحاولوا بعض منافسيه في تلك الليلة التسلق الى السطح وسرقتهن فأنكشف أمرهم  قبل تنفيذ الجريمة وحدث ما حدث، كنت معتقداً أنا المستهدف في ظل وضعي المضطرب . في الصباح تحول ما وقع الى مزحة وأستغراب من تلك المصادفة الرهيبة . بعد ساعات خرجت من بيتهم يائساً للبحث عن شبر في أرض العراق الواسعة لتآويني ساعات من ليل مخيف .

 

محمد السعدي

من كتاب سيصدر في هذا العام .

بيني وبين نفسي .  

 

 

جواد غلومصديقي العتيد المعتّق الطبيب الحاذق والموغلة علاقتي به من زمن الفتوّة والصبا ومازالت في أوج توهّجها ، هذا الصديق يتصل بي بين الفينة والفينة كلما احسّ بوجود وقت فراغ لديه وما أقلّ فراغهُ في غمرة انشغالاته الجمّة، يتنقل من مشفى الى آخر وهو الأخصائي الضليع في أمراض القلب والأوعية الدمويّة لنقضي جلسات ومسامرات بصحبة بعض أصدقائنا القدامى فقد اعتدنا على أن نرتّب لقاءاتنا كلما أكرمَنا الوقت بفسحة من اللقاء، ثم جاء زمن الكورونا الوغد ليزيدنا بعدا وتفريقا باستثناء اللقاءات الهاتفية ونصائحه الجمّة عبر الأثير خوفاً عليّ مما لا تحمد عقباه لو نزلت هذه الكورونا على صدري وأقامت ردحا في رئتيّ المتعبتين أصلاً جراء التدخين الهائل الذي أمارسه .

ومن طباع هذا النطاسيّ الصديق الحميم واهتمامه الملفت بي انه لايني يراقب وضعي الصحي باهتمام بالغ ويعمل على فحص ضغط الدم بنفسه كلما التقينا، هذا الرجل الصديق المزدحم على الدوام والذي يندر جدا اللقاء به لكثافة عمله ؛ يحسب عدد دقات قلبي المتعب ويرغمني على فحص دمي من المختبر الملاصق الى عيادته دون ان يكلّفني مالا من جيبي الشحيح اصلا من اجل معرفة نسبة السكّري الذي لازمني طويلا ويوصيني بانتقاء ما أتناوله راجيا مرةً وحازما مرةً اخرى لو رأى مني هوانا او تكاسلا ويتندّر معي ساخرا قائلا لي : إنني طوع أمرك الآن .

لكن الغريب حقا ان صديقي النطاسيّ العزيز عليَّ لا يبدي ايّ اهتمام بوضعه الصحي المعتلّ هو الاخر ويتناسى انه مثلي مبتلٍ بدزينة من الأمراض الشائعة ونحن على اعتاب الشيخوخة وجسده صار مرتعا خصبا للأمراض وكلما اهمس في أذنه مشاغبا ومداعبا ان يلتفت الى نفسه أول الأمر غير انه يردّ عليّ مازحا بان باب النجار ستبقى مخلوعة وان حذاء الاسكافي الماهر سيبقى متهرئا، ولا يخفي عليّ صراحته المعهودة بأنه اكثر سقماً من مراجعيه المرضى غير انه يتحامل على نفسه ويحمل عبء ما يعانيه جسدُه طالما ان مريديه المرضى هم بأمسّ الحاجة اليه .

ويعلل ذلك بقوله ان الاطباء المصابين بالسقام يمكن ان يكونوا أصعب أنواع المرضى تعاملاً لأنهم نادرا ما يراجعون زملاءهم ذوي الاختصاص ولا يأبهون بالعلل السود الكامنة وراء ملابسهم البيض لا يتعاطون الأدوية والعقارات التي يقترحونها ويصفونها لمراجعيهم، كما أنهم أقلّ الناس ممارسة للرياضة وكثيرا ما تزداد معاناتهم النفسية عندما تبلغ بهم نرجسية التفوّق العلمي وقد تصل الى حدّ العجرفة والثقة بالنفس مبلغا ؛ إذ يعمدون إلى تناول الادوية بأنفسهم عند اقتضاء الحاجة دون استشارة زملائهم الاخصائيين ربما لشدة ثقتهم التي يتوهمونها إنها الأنجع والأكثر فعالية وقد يُكذّبون حتى نتائج التحليلات الخاصة بهم عندما تردهم من غرف المختبر ويبدو ان أمثالنا السائرة بين ظهرانينا لم تجانب الصواب حين تندّرت وتعجبت كيف ان " طبيبا يداوي الناس وهو عليل " .

وتبقى غرائب الحياة شائعة ومحيّرة حقا فالنجار الماهر الذي يلوي الخشب الصلب ويلينه باحتراف متقن قد يصل حدّ البراعة وبلمسات فنية تخلب الانظار وتسحر الالباب يعجز تماما عن اصلاح باب بيته المتهالكة وكذا الاسكافي الذي يفهم تماما ان اناقة الانسان تبدأ من حذائه اولا لكنه لا يفلح ابدا من ان ينتعل حذاءً جميلا مريحا وتراه يبخس على نفسه جديدا ويقنع ذاته ان يلبس حذاءً طنبوريا تالفا مع انه يشغل كلّ ذهنه ومهارته لتصميم احذية فيها من الابتكار والصنعة الحسنة الشيء الكثير مثل حال صديقنا الطبيب اللوذعي الذي لا يعبأ ابدا بوضعه الصحي وكلّ اهتمامه ان يرضيني ويرضي مراجعيه المرضى المبتلين بالأسقام .

ويبدو ان معظم الأشخاص – أصحّاء كانوا أم مبتلين بالسقام – لا يتصرفون بعقلانية تجاه صحتهم بما في ذلك ممتهنو الطب البشري وما يتعلق بهم من صيادلة وممرضين وذوي المهن الصحية إذ إن سلوكهم الخاص تجاه صحتهم ليس خاضعا للعقل الاّ بنسبة قليلة جدا ومن النادر جدا ان ترى أحدا يفكّر في إضافة خمس او ست سنوات الى عمره لو التزم بوصايا ونصائح الناصحين ذوي الخبرة والاختصاص الطبي .

فمن منّا نهض صباحا ليمارس رياضة الجري والهرولة سواء كنا فتيانا او في مراحل العمر المتأخرة او انتقى طعاما صحيا بحسابات السعرات الحرارية وفق مقادير محسوبة، وحتى لو مارسناها أمدا محدودا فإننا نادرا ما نواظب عليها لتكون عادة متّبعة متداولة يوميا وكم عجزنا عن إقناع أولادنا الشباب للإقلاع عن التدخين او الحذر من السمنة المفرطة مع اننا نمتلك البراهين والأدلّة على خطورتها ودنوّها من الموت لكننا ننعطف كثيرا للاهتمام بصحتنا حينما ينذرنا العطل او يقتحمنا المرض المفاجئ وتبدأ التوقعات السيئة بالظهور الى العلن مما يعني بجلاء إننا لا نفكّر بأوضاعنا الصحية مبكرا ونفتقد الرؤيا العلاجية على المدى البعيد واعتقد جازما ان هذا الحال جزء من تكويننا النفسي وقد أكون انا وصديقي الطبيب الماهر من هؤلاء الذين لا يبالون بعافيتهم الاّ بعد فوات الأوان

ومن الحالات التي تبعث الراحة في نفسي حينما ارى البعض يسابق ظهور الأمراض وأوجاع الشيخوخة ويعمل على تعطيلها مدة أطول ويولي اهتماما ملحوظا بعافيته ليكسب مزيدا من سنوات العمر لحياته من خلال ترويض نفسه وانتقاء الطعام الأفضل لغذائه الصحي والنأي عن كل ما ينغّص مجرى حياته لتكون سلسة وضّاءة مستبشرة يعيشها بهناء لما تبقّى من العمر ويسير في مسالكها غير الوعرة وكأنه في مشوار عشق للقاء من يحبّ .

وكم ستكون حياتنا بهيجة لو استمررنا على هذا المنوال، وهذا ما أوصاني به صديقي الطبيب دون أن يوصي نفسه أولا فهذه غرائب الحياة ان يهتمّ الإنسان بالآخرين ويغفل ذاته ولا ادري هل فات الأوان أم مازال في العمر بقية لنعيشه على أفضل ما يرام .

 

جواد غلوم

 

 

وليد العرفي لا يُمكن لمنْ يعرف الشاعر المرحوم: عمر الفرَّا أن ينساه؛ فقد كان له حضور لافتٌ، وشخصية مُحبّبة تدخل إلى قلب الآخر؛ ليعلق فيها، وقد مكَّنتني معرفتي الشخصية بالشاعر ـــ على الرغم من فارق العمر بيننا ـــ بحكم علاقة الجوار ـــــ إذ كان يجمعنا حيٌّ مشترك، ولم يبعدْ بيتي عن منزله سوى أمتارٍ قليلة من جهة، مثلما ارتبطت به برباط أخوَّةِ رضاعةٍ على شقيقتي الكبرى التي تُجايله من جهةٍ أخرى حينما كان الأهل متجاورين في بناء مشترك قبل أن يستقلَّ كلٌّ في منزل منفرد . وعندما بدأت غواية الشعر تجذبني إليها بدأت تتعمّق معرفتي به، وكنت في بداية دراستي الجامعية وقتذاك في اختصاص اللغة العربية التي لحق بي في التخصّص ذاته كلٌّ من زوج الشاعر، وكذلك ابنه البكر: نزار الفرّا الذي أصبح فيما بعد أبرز الإعلاميين في التلفزة السورية، وله برامج ذات انتشار جماهيري واسع، وحضور لعبت فيه شخصية نزار الفرّا دورها في تحقيقه، وهو أخٌ كريم وابن أخ استتبعت علاقتي بوالده علاقتي به أيضاً،

وقد دامت علاقتي بالشاعر المرحوم: عمر، وما انقطعت تلك الصلة التي استمرّت قرابة ربع قرنٍ؛ فكان أخاً وصديقاً مُقرَّباً إلى أن تغيّرت الظروف في العقد الأخير، فرحل كلٌّ منا في سبيل، وانقطعت الأخبار، وقد قُدّر أن يتوفّاه الله من دون أن نلتقي في آخر عشر سنوات .

عُرِف الشاعر المرحوم: عمر الفرّا بالشعر ذي اللهجة البدوية، وهو أحد أنماط الشعر الشعبي المُتداول في الموروث الأدبي فيما يُعرَف بالزجل، وقد حاول بهذا الأسلوب من التعبير أن يُحقّق جماهيرية منقطعة النظير ربَّما لم يحظَ بها شاعرٌ آخر في هذا العصر، ولعلَّ من أهم عوامل تلك الجماهيرية تعود إلى سببين رئيسيين: السبب الأول موضوعي، وهو يعود إلى حُسن اختيار الشاعر إلى ذلك النوع في التعبير؛ فاللهجة البدوية لهجة غالبية السكان في الوطن العربي، وهي لهجة الفصاحة والعروبة التي ارتبط بالصحراء العربية، وما تُمثّله تلك الصحراء من ارتباط بالذاكرة الجمعية المحببَّة لدى عامَّة الجماهير العربية . وقد كان اختيار الشاعر هذا النمط في التعبير يعود إلى رؤيته في هذا المجال التي ترى أنَّ محاولة الشاعر المعاصر للتفرّد والتميّز تبدو مسألة شبه مستحيلة، إذ يقتضي ذلك من الشاعر المعاصر أن يدخل في محاولة سباقٍ غير مضمون النتائج لو أنه كتب في الشعر العربي الفصيح، وهو ما يستوجب أن يتجاوز كل ما قيل في الشعر العربي منذ امرىء القيس حتى امرىء هذا العصر، وهو ما يبدو عملاً يقوم على مغامرة ورهانٍ خاسرين، وكان مُحقّاً في ذلك الموقف، وتلك الرؤيا .

السبب الثاني: ذاتي، ويمكن أن نُشعّب القول في هذه الذاتية إلى جمالية الإلقاء التي كانت سمة أسلوبيةً من سمات النطق لدى الشاعر تفنَّن الشاعر فيها، وامتلك مهارة نادرة في فنِّ الإلقاء، ومن غير الخفي أن الشعر نصفه إلقاء، ولا يغيب عن البال في هذا السياق تفضيل الجماهير شعر حافظ إبراهيم على شعر أحمد شوقي عندما كانوا يستمعون إليهما؛ فيما كان ذلك التفضيل ينعكس لصالح أحمد شوقي لدى قراءة تلك القصائد، ولذلك كان الإلقاء سبباً من علو القصيدة واستحسانها لدى الناس، أو في خفض قدرها، إلى جانب ذلك فقد كان اختيار الشاعر الموضوعات التي تمس طبيعة الحياة، وتُلامس مشكلات الجماهير الأكثر تداولية، وبذلك نجد أن قصائد الشاعر الفرّا إنما هي في حقيقتها حكايات حقيقة مستقاة من الواقع الذي عاشه الشاعر، وعانى بعض تجاربه في الحقيقة .

وأشير في هذا السياق إلى أنَّ قصيدة: (حمدة) التي كانت سبباً في شهرة الشاعر، وذيوع نجمه هي في الحقيقة قصة حقيقية سمعها الشاعر مما كانت ترويه له والدته، وهي قصة شابة ظلمت بسبب رفضها الزواج ممن لا تحب، وحاولت أن تقول: لا في وجه العادات والتقاليد الاجتماعية والتي يستهلها بالقول: " ما أريدك ما أريدك حتى لو تذبحني بايدك ما أريدك ابن عمّي ومثل أخوي، ودم وريدي من وريدك، أمّا خطبة لا يا عيني، لا ني نعجة تشتريها ولا ني عبدة من عبيدك ما أريدك " وقد تنوّعت قصائد الشاعر في موضوعاتها ما بين الشعر الاجتماعي والوطني كما في قصيدته التي وسم ديوانه بها: " الأرض إلنا " الأرض إلنا الأرض إلنا حفرناها بأظافرنا، كما كان الهمّ القومي أحد شواغل الشاعر الشعرية في قصائده مثلما كانت قضية فلسطين قضية حاضرة في شعره، وكذلك قضية الصراع العربي مع الكيان الصهيوني، كما أشاد بانتصارات المقاومة في جنوب لبنان، إلى جانب استدعاء شخصيات ومحاورتها في إسقاطات على الواقع العربي المأزوم من مثل قصيدته: "عرار" الشاعر الأردني الشهير

وربّما يحتاج كل جانب من تلك الجوانب إلى بحث مستقل غير أنه لا بدَّ من تسليط الضوء على مسألة جدُّ مهمة، وهي ما كان الشاعر قد تنبَّه إليها على صعيد اللغة التي استخدمها في صياغته الأسلوبية، إذ إن لغة الشاعر لم تكن لغة متقعرةُ في بداوتها، بل حاول أن يُحضّر اللغة البدوية، ويًلبسها ثوب المعاصرة من غير أن تفقد ارتباطها الجمالي باللغة البدوية، وارتهانها الفنيّ، وعلى سبيل المثال يستخدم الشاعر لفظ الشفاه، وهي لفظة غير متداولة في اللهجة البدوية، وفي سؤال لي عن تلك الظاهرة كان ردّه أنه يُريد أن يكون شعره مفهوماً لدى كل العرب من المحيط إلى الخليج، وقد روى لي قصةً طريفة، - وكان رحمه الله - يتمتع بروح الظرافة واللطف بأنه عندما كان يلقّي قصيدةً فيها كلمة قلب باللهجة البدوية (كَلب) بفتح الكاف كان يضطر للشرح في بعض دول المغربي العربي .

وربّما كانت غلبة شهرة الشاعر بالشعر البدوي قد جعلت منه شاعراً باللهجة البدوية غير أنَّ ما لا يعرفه كثيرون أنَّ الشاعر قد وُرِث تلك الشاعريَّة من والده الذي كان زجَّالاً من نوع طريف وما لا يعرفه كثير أيضاً أنَّ الشاعر عمر الفرّا كتب الشعر الفصيح، ولديه ديوان شعري عنونه بـــ:

(الغريب) وكان الشاعر قد اطلعني عليه في مخطوطته الأولية، وأسهمت في انتقاء بعض رسومات تعبيرية للقصائد فيه، ومن هذا الديوان قصيدة ما زال في ذاكرتي مطلعها الذي يقول فيه:

حدَّثتْني عيناكِ سبعَ لغاتٍ

وقد كان رحمه الله صوتاً شعرياً له خصوصيته مثلما كان لحضوره الشخصي جماله، وقد قال فيه الرئيس الراحل حافظ الأسد: " إنَّ شعر عمر الفرَّا يُعادل كتيبة دبابات

 

د. وليد العرفي

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عبد الحميد صبرة ؛ حيث نقول:  لم يكتف "عبد الحميد صبرة"  بذلك يؤكد بأنه من منطلق هذ الفهم للعلم، فإنه عندما نطل علي العبقرية العربية في مجال العلوم الطبيعي، ونحاول أن نتعرف علي أبرز قسمات، أو ملامح هذه العبقرية، تود أن نتساءل: هل كانت لديهم منهج بحث؟، وهل كان لديهم أسلوب في التكفير العلمي؟، وهل كان لديهم إنجاز معين أو انجازات معينة؟ ؛ وماذا كانت عبقرية العرب؟..

وهنا يجيبنا صبرة قائلاً : الواقع أن العلم العربي، كان مزيج من كل هذا.. نعم العلم العربي قام علي أسس كانت موجودة من قبل ؛ حيث استقاها العرب من حضارات كانت سابقة عليهم، أهمها كان العلم اليوناني .. لكن كانت توجد عناصر مهمة جداً جاءت من الهند ومن فارس .. العنصر اليوناني كان أهم هذه العناصر.. أهميته تمثلت في الكيفية التي وصل إليها العلم اليوناني بإخراج عباقرة من أمثال إقليدس، وبطليموس، وأرشميدس، وأبولونوس .. كانوا عباقرة في الرياضيات بكل المستويات، ولكن آيا كانت المستويات التي يمكن أن تحكم بها .. العرب اطلعوا علي هذا التراث كله وبرمته ولم يطلعوا علي أجزاء منه كما قيل .. العرب نجحوا في أن يدخلوا أجزاء أخري في هذا التراث اليوناني، وذلك  بعد أن استوعبوه كله ودرسوه، بحيث إنه كان في استطاعتهم أن يستخدموه استخداماً مستنيراً، أي استخدموه استخداماً يدل علي تمكن لا فقط مجرد الفهم والتقليد! ..

وهناك أمثلة كثيرة .. ولكن في نفس الوقت اطلعوا علي نتائج علمية جاءتهم من الهند لم تكن معروفة عند اليونان، ونتيجة هذا أن نشأت مشكلات! .. هي فعلا مشكلات علمية نتجت من وجود عناصر متباينة في الظاهر، أصبحت الآن تجسد لنا مفكراَ واحداَ هو المفكر العربي! .. ماذا يفعل هذا المفكر أمام تلك العناصر المتباينة في قطاعات كثيرة مثل حساب المثلثات .. بعض الدوال جاءتهم من الهند، وحتي الأرقام والتي كان يسمونها الأرقام الهندية والتي نسميها الآن الأرقام العربية، هي التي انتقلت إلي أوربا عن طريق العرب واستخدمها العرب  .. العرب أخذوا هذا النظام ووضعوه جنباً إلي جنب مع النظام الستيني، والذي كان يوجد عند البابليين، ثم انتقل إلي اليونان، وظهر في علم الفلك اليوناني، وأخرجوا نظام جديد لم يكن معرفاً لا للبابليين، ولا للإغريق، ولا للهنود،وهو الذي قامت عليه كل التطورات العلمية في أوربا بعد انتقال العلم العربي إلي اللاتين ..

وثمة نقطة مهمة يؤكد عليها "عبد الحميد صبرة"  وهي كما يقول : إذا سألت عن المنهج هل كان هناك فرق في المنهج ؟ ؟.. والإجابة علي هذا السؤال في الحقيقة تختلف بالاختلاف الميداني للبحث .. في بعض الميادين يمكن القول بأن المنهج الذي اتبعه العرب كان شبيه جداً بالمنهج اليوناني في بعض الفروع .. لكن هناك فروع أخري نشأت نتيجة هذا المزج بين الثقافات المختلفة.. نعم كان لديهم منهج جديد وهو "المنهج التجريبي"، وهذا المنهج لا يعتبر خاصة من خواص العلم اليوناني البارزة .. فالخاصية المعروفة عن العلم اليوناني بأنه علم نظري غير أكاديمي ..

لكن الطابع التجريبي واضح جداً في العلم العربي؛ حيث تجده في بعض جوانب الدراسات الميكانيكية.. وتجده أيضاً في المعادن والبصريات وفي فروع كثيرة .. لكن الاهتمام بالرصد والأرصاد فقد كان من اهتمام اليونان، ولكن اتخذ أهمية خاصة في الحقبة العربية .. إذن كان هناك تجديد في المنهج عند العرب.. وهذا التجديد في المنهج كان له تأثير فيما بعد علي التطور العلمي في أوربا بعد الترجمة العربية إلي اللاتينية ..

أما فيما يتعلق بالإنجازات فقد كانت هناك إنجازات للعرب، مثل حساب المثلثات، حيث لم يكن فرعاً رياضياً بذاته قبل أن يبحث فيه العرب، وكانت لديهم نظريات في الفلك؛ حيث يبحث مؤرخو العلوم بعلاقاتها بإنجازات كوبرنيقوس، وهذا يمثل بحث تاريخي موضوعي قائم علي الوثائق الموجودة والمعروفة أمامنا .. كذلك العرب كانت لديهم نظريات في حساب الأعداد، وكذلك إنشاؤهم لعلم الجبر الذي شيده وبناه محمد بن موسي الخوارزمي وهذا لم يكن موجوداً لا عند اليونان ولا عند الهنود ..

لم يكتف فيلسوفنا المصري عبد الحميد صبره بذلك، بل يعطينا نموذج آخر من روائع العلم العربي ألا وهو كتاب المناظر للحسن بن الهيثم، والذي يقول عنه بأنه من "أنفس ما أنتج العلماء العرب في مجال الفيزياء". والله يعلم كيف استثمر ابن الهيثم تجربته في ادّعاء الجنون فوضع "أشمل وأنضج نظرية في سيكولوجية الإدراك الحسي وصلتنا من العصر القديم والوسيط" ..

وبفضل بصيرة ابن الهيثم، نصل "بالتدرج والتلطف إلى الغاية التي يقع عندها اليقين"، فندرك تعقيدات تشغل بالنا اليوم من خلال شرحه التالي لاختلاف النظريات بصدد البصر: "كل مذهبين مختلفين إمّا أن يكون أحدهما صادقاً والآخر كاذباً، وإما أن يكونا جميعاً كاذبين والحق غيرهما جميعاً، وإما أن يكونا جميعاً يؤديان إلى معنى واحدٍ هو الحقيقة، ويكون كل واحد من الفريقين القائلين بذينك المذهبين قد قصّر في البحث فلم يقدر على الوصول إلى الغاية فوقف دون الغاية، ووصل أحدهما إلى الغاية وقصّر الآخر عنها، فعرض الخلاف في ظاهر المذهبين، وتكون غايتهما عند استقصاء البحث واحدة".

ثم يؤكد "عبد الحميد صبرة" بأن شخصية ابن الهيثم تمثل شخصية عملاقة في تاريخ العلم  سواء في فلسفته ومنهجيته معاً. كتب في الحساب والفلك والموسيقى والأخلاق والشعر. وكانت الهندسة، أو الجومطريا بتعبير العرب هي ميدانه الأثير، بحث في هندسة السطح المستوي أو أصول الهندسة لإقليدس وأيضاً في هندسة المجسمات أو القطوع المخروطية لأبلونيوس، وفي مصنفات لأرشميدس. رفض سلطة الكتابات القديمة فيقول إن (طالب الحق ليس هو الناظر في كتب الأقدمين، المسترسل مع طبعه بحسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم).

حقق صبرة كتاب ابن الهيثم (الشكوك على بطليموس- 1971). هكذا دخلت الشكوك في عناوين ابن الهيثم، فضلاً عن شكوك أخرى ترد فعلاً فيما أسماه (تعليقات) على كذا. إن الشكوك وجه آخر للنزعة النقدية التي هي عصب العقلية العلمية. لقد لازمته النزعة الشكية منذ مطالع الصبا، وأشار صبرة إلى أن نشأته وسط تضارب بين ملل ونحل شتى، سببت له بلبالاً واضطراباً، ولم يعصمه من الحيرة إلا جناحا العلم الفيزيائي: صرامة الرياضيات ومتانة التجريب، أو العقلانية على الإجمال. وبالتالي خرج ابن الهيثم من الأزمة بخيار حاسم هو التفكير العقلاني، كما تتمثل أروع صوره في البحث العلمي.

وقبل أن أنهي مقالي هذا أشيد بالدراسة القيمة التي كتبها عنه زميلنا الدكتور خالد قطب (أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب جامعة الفيوم) بعنوان "فلسفة تاريخ العلم العربي : عبد الحميد صبره رائداً "، وفي هذه الدراسة ناقش خالد قطب أطروحة عبد الحميد صبره حول مركزية العلم العربي أو الديالكتيك بين الاسـتيعاب والتجـاوز داخل العلم في العصور الوسطي الإسلامية. يهتم عبد الحميد صبره بتفسير تحول المعرفـة العلمية عبر الثقافـات. فهو يحاول أن ينتقـد الاتجاهات المعاصـرة في التأريخ للعلم العربي لكي يقدم وجهة نظر جديدة والتي تعكس البيئة العقلانيـة العامة. إن الأبعاد الاجتماعية والسياسية لها تأثيرها علي الإنتاج العلمي الذي يقدمه العلماء أنفسهم. حيـث يشير عبد الحميد صبره إلي مصطلح العلم العربي ليعني به تلك المساعي العلمية التي قدمها العلماء والمؤسسات العربية الإسلامية. كما يتعامل عبد الحميد صبره مع الـدروس الابستمولوجية داخل العلم العربي.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي "عبد الحميد صبرة" هذا الفيلسوف المصري الذي شرفنا بجامعة هارفارد الأمريكية حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا العملاق، فتحية طيبة للدكتور حامد طاهر الذي الذي خطفته منا كورونا، والذي يمثل لنا نموذجاً فذاً للفيلسوف الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله "عبد الحميد صبرة" الذى رحل عن عالمنا يوم 12 ديسمبر عام 2013 تاركاً لنا إرثاً عظيماً من تاريخ العلوم ممثلاً في مئات من الطلبة والعديد من الكتب والمقالات والأبحاث العلمية ... فهل نستفيد من هذا الإرث؟ أم نكتفي بقراءته والترحم على عصر جميل قد مضى؟ أم نستفيد منه لبناء المستقبل؟

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...................

المراجع

1-  خالد قطب: فلسفة تاريخ العلم العربي: عبد الحميد صبره رائداً (دراسة)

2- أمسية ثقافية فاروق شوشة مع د عبد الحميد صبرة أستاذ تاريخ العلوم عند العرب (يوتيوب).

3- محمد زهران: الدكتور عبد الحميد صبرة... وتاريخ العلوم (مقال).

 

 

 

مادونا عسكرالإنسان عقل يفكر ويرتقي وقلب يحبّ، يدفع العقل للسّلوك بضمير حيّ وإرادة حرّة بمعزلٍ عن أيّ ضغوطات فكريّة أو عقائديّة أو أيديولوجيّة. إنّه الإنسان كما هو وكما يجب أن يكون بجوهره العاقل والمحبّ. قد نختلف على تحديد الأساليب المنطقيّة المؤدّية إلى نتائج سليمة، وقد نختلف على تعريف المحبّة وكيفيّة السّلوك فيها، وما إذا كانت مطلقة أو خاضعة إلى أصول محدّدة. إلّا أنّ الإنسان الحقّ هو الجامع في جوهره العقل والقلب اللّذين يكوّنان الضّمير. وما هو الضّمير غير عقل متّزن يتحرّك بدافع المحبة؟ وما هو الضّمير غير صوت المحبّة الموجّه للعقل؟

الأب جان ميلييه Jean Meslier، كاهن كاثوليكيّ عاش في أواخر القرن السّابع عشر وبداية القرن الثّامن عشر. إرضاء لوالديه واصل دراسته الدّينيّة على الرّغم  من عدم تحمّسه للفكرة، وما لبث أن عيّن كاهناً على رعيّة إتريبنييه Étrépigny الفرنسيّة وخدم رعيّته طيلة أربعين عاماً بهدوء ومحبّة مبتعداً عن الأضواء في عصر كانت فيه الكنيسة مسيطرة بالكامل على عقول النّاس وحياتهم ومصائرهم. ناهيك عن أنّ أي خلاف صريح لمسلّمات الكاثوليكيّة يمكن أن يجعل المخالف وقوداً لعذابات محاكم التّفتيش.

كان الأب جان ميلييه محبوباً من أبناء رعيّته خاصّة الفلّاحين والفقراء والمستضعفين. عرف بلطفه ومحبّته وأخلاقه الحميدة ولم يتوانَ عن الأخذ بأيدي أبناء رعيّته ومساعدتهم ومساندتهم. إلّا أنّ جان ميلييه صدم الجميع بما فيه السّلطة الكنسيّة بوصيّة اكتُشفت بعد مماته تبيّن أنّه احترم العقيدة والإيمان المسيحيّ ظاهريّاً، وأمّا في السّر وطيلة أربعة عقود تبيّن الوصيّة أو الرّسالة الفلسفيّة المتضمّنة ما يقارب الخمسمائة صفحة ونشرها رودولف شارل سنة 1864 تحت عنوان "Le testament Jean Meslier"، والموجّهة إلى سكان القرى والمدن والسّلطة الكنسيّة إلحاده ورفضه للأديان وآراءه السّلبيّة فيها. ما كان سببّاً لعدم دفنه في مقابر الكنيسة وعدم تسجيله في سجلّ الموتى، ولا نعرف إلى اليوم أين دفن الكاهن الكاثوليكي الملحد.

قد يتساءل البعض عن قدرة الأب ميلييه على كتمان سرّه أربعين عاماً. ويمكن الرّد على هذا التّساؤل ببساطة إذ إنّ الخوف من السّلطة الكنسيّة المسيطرة كان سببّاً منطقيّاً لعدم إعلانه عن إلحاده. فلا ريب أن ميلييه لم يرغب في المثول أمام محكمة التّفتيش أو الموت حرقاً أو ذبحاً أو  شنقاً. وقد يحتار البعض الآخر في سلوك الأب ميلييه تجاه رعيّته وأمانته وتفانيه في الخدمة. وفي هذا كلام آخر، واستشفاف للحالة الإنسانيّة الواحدة في كلّ زمان ومكان. فعلى الرّغم من الضّغط النّفسيّ الّذي عاشه ميلييه كونه غير قادر على إعلان إلحاده ومناقشة أفكاره المعتمدة على النظريّة العقليّة فقط. وعلى الرّغم من رفضه للعقيدة المسيحيّة ورفضه للأديان بشكل عام، وعلى الرّغم من الواقع المعيش المعاين لفظائع كثيرة ارتكبت بحقّ أبرياء إلّا أنّ الأب جان ميلييه تصرّف كإنسان. وأمّا أفكاره وقناعاته الإلحاديّة وآراؤه الدّاعية للاشتراكية الّتي تأثّر بها الكثير من مفكّري عصر التّنوير، فلم تقف حاجزاً أمام إنسانيّته الجامعة للعقل المفكر والقلب المحبّ.

تصرّف جان ميلييه بضمير حيّ ومحبّة حقيقيّة تجاه الفقراء والمستضعفين وذوي الاحتياج، مع أنّه كان بإمكانه أن يستفيد من كهنوته آنذاك ويسلك سلوك السّلطة الكنسيّة وينزع طبيعيّاً إلى الانتقام أو الظّلم. كما كان بإمكانه أن ينتقد السّلطة الكنسيّة ويتحدّاها وينتهي به الأمر إلى الموت. أو أن يتصرّف كملحد في زيّ كاهن أو يمارس كهنوته كوظيفة. إلّا أنّ ميلييه تصرّف إنسانيّاً وضميريّاً وبإرادة حرّة بمعزل عن أيّ منهج عقائدي أو إيمانيّ. ولا ريب أنّ الدّافع هو المحبّة. فلئن قيل إنّ الأب ميلييه كان محبوباً من رعيّته فذاك يعني أنّه تصرّف عمليّاً بما يتوافق وهذا التّفاعل المحبّ. إذ لا يمكن للإنسان أن يشعر بضعف الآخر وحاجته أيّاً كانت الحاجة، سواء أكانت ماديّة أم معنويّة، إلّا إذا حمل في عمقه المحبّة. ولا يمكن للإنسان أن يحمل رؤية للمستقبل داعياً من خلالها إلى توحيد الصّفوف وإلغاء الطّبقيّة الاجتماعيّة إلّا إذا تمتّع بعقل مثقّف ومتّزن يدفعه إلى احترام  الحرّيّة والحقوق الإنسانيّة. ولا يمنع الإنسان عن الظّلم والانتقام إلّا الضّمير الحيّ ونبذ السّلطويّة. فيسعى إلى الاهتمام بشأن الآخر ومساندته وتشجيعه إلى المضي قدماً.

القيمة الإنسانيّة واحدة، أكان الإنسان ملحداً أو مؤمناً أو علمانيّاً. وغالب الظّنّ أنّ هذه التّصنيفات تخلق حواجز بين البشر وتقيّد إنسانيّة الإنسان وتحجب عنه الرّؤية العميقة لأخيه الإنسان فيتعالى ويتكبّر وينغمس في الإعلاء الوهميّ للذّات. فإمّا يشعر أنّه ملاحق أبداً وإمّا يشعر أنّه محور الكون. قد تكون هذه التّصنيفات أسهل للعقل إلّا أنّها غير موجودة في حقيقة القيمة الإنسانيّة. فالإنسان هو الإنسان، وإذا ما تكاسل في السّعي إلى تنمية العقل وتطويره وتثقيفه، وتوانى عن اكتشاف عمق المحبّة المتأصّلة في داخله، وتراخى في تدريب ذاته على مناقشة الآخر واحترام عقله وإرادته وخبراته وتجاربه، بقي مشروع إنسان ملقىً على حافّة هذا الوجود.     

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتورعبد الحميد صبرة (1924-2013م)، أحد الفلاسفة المصريين المعاصرين المرموقين، الذين كانت لهم مكانة متميزة، في دوائر العلم الأوربية والأمريكية، فهو أستاذ تاريخ العلوم، والمتخصص في تاريخ علم البصريات والعلم الإسلامي في العصور الوسطى، والدكتور عبد الحميد صبرة من خريجي جامعة الاسكندرية، وهو منذ سنوات طويلة خلال القرن الماضي، ورحلته مع العلم، ومع الخبرة، ومع الريادة، تحمل اسمه عبر الدوائر العلمية في أوربا، وقد انتقل إلي جامعة هارفارد - أرفع منابر البحث العلمي في بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1972م، حيث استقر بها أستاذاً لتاريخ العلوم العربية، وخلال هذا التاريخ اهتم بسبل انتقال الثقافة العلمية عبر الحضارات الإنسانية مبرزاً دور الحضارة الإسلامية في صنع النهضة الأوروبية ومرحلة الحداثة.

لم يحظ "عبد الحميد صبرة" (مع حفظ الألقاب)، مثل غيره بما هو أهل له من الاهتمام والتقـدير الذي يتناسب مع جهوده . فهـو ينتمي للرعيل الثاني من رواد الفكر الفلسفي في جامعة الإسكندرية وكان معاصراً للدكتور أبو العلا عفيفي.. ومع ذلك فلا يعرفه إلا المتخصصون الذين درسوا على يديه أو رجعوا إلى مؤلفاته وترجماته وتحقيقاته. وللأسف ليس بـين أيـدينا أية بيانات أو وثائق يمكن أن تكون عوناً لنا في رسم صورته ولا نملك إلا شذرات قليلة لا تتعدى أسطر معدودة جاءت عرضاَ في كتابات زملائه عنه.

ولد "عبد الحميد صبرة" في طنطا عام 1924م لعائلة فقيرة وكان الطفل الوحيد، بعد أن درس في المدرسة القبطية المحلية تحصل على منحة لدراسة الفلسفة في جامعة الإسكندرية، تتلمذ على علماء؛ مثل يوسف كرم، وأبو العلا عفيفي، ثم تحصل عام 1950 على منحة من الحكومة المصرية، لدراسة فلسفة العلوم في كلية لندن للاقتصاد، وحصل على درجة الدكتوراه في عام 1955، تحت إشراف فيلسوف العلوم النمسوي "كارل بوبر" عن أطروحة في علم البصريات في القرن السابع عشر.

عاد "عبد الحميد صبرة" إلى جامعة الإسكندرية عام 1955 وحاضر بها حتى العام 1962 في قسم الفلسفة بكلية الآداب، ثم بعد ذلك سافر للتدريس والعمل في معهد فاربورج (Warburg Institute) في لندن من العام 1962 وحتى العام 1972 حين انتقل إلى جامعة هارفارد أستاذا لتاريخ العلوم العربية.... وقد اهتم "صبرة" بوسائل انتقال الثقافة العلمية من العصر القديم إلى الوسيط ثم الحديث.

ولعبد الحميد صبرة" إسهامات قيمة جداً تأليفاً وترجمة (من الإنجليزية إلى العربية وبالعكس)، ومن مؤلفات الدكتور صبرة بالإنجليزية مثلاً "نظريات الضوء من ديكارت وحتى نيوتون"(وهو عنوان رسالته للدكتوراه) و"الثورة الأندلسية على الفلك البطلمي" و"الضوئيات والفلك والمنطق في العلم والفلسفة العربية" و"المنطق عن ابن سينا" و"إسهامات العالم الإسلامي في تقدم العلوم"... إلخ.

ترجم "عبد الحميد صبرة" أعمالاً لكارل بوبر (أستاذه في الدكتوراه ويعتبر الكتاب الذى ترجمه الدكتور صبرة لبوبر "عقم النزعة التاريخية" أول دخول لبوبر إلى المكتبة العربية!) ويان لوكاشيفيتش (من كبار فلاسفة المنطق الرباضي البولنديين)، كما حقق وترجم من العربية للإنجليزية مؤلفات للحسن بن الهيثم (كتاب المناظير الذي كتب في القرن الحادي عشر وهو من عدة أجزاء)، مما فتح الطريق للباحثين في الغرب للتعرف على والتعمق في إبداعات العالم العربي والإسلامي العلمية في الحقبة التاريخية الذهبية له (تقريباً من القرن الثامن الميلادي إلى القرن الثاني عشر... والتي أدت بعد ذلك إلى الثورة العلمية في أوروبا)، وأن تلك الإبداعات كانت أعمق بكثير من مجرد نقل وترجمة الفلسفة اليونانية معارضاً بذلك وبنجاح نظرية بيير دوهيم Pierre Duhem هذه المعارضة الناجحة انتشرت في الأوساط الأكاديمية لتاريخ العلوم وجبت نظرية بيير دوهيم وأصبحت معروفة بأطروحة صبرة (Sabra Thesis)!.

وقد حصل "عبد الحميد صبرة" على العديد من التكريمات والجوائز منها وسام جورج سارتون من جمعية تاريخ العلوم عام 2005 وهى أعلى جائزة قدراً في مجال تاريخ العلوم كما حصل على عضوية الأكاديمية الأمريكية للعلوم والفنون (والتي تضم من بين أعضائها حتى الآن 250 حاصل على جائزة نوبل و60 حاصل على جائزة بوليتزر!) ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي.

والدكتور عبد الحميد صبرة من العاشقين لدراسة تاريخ العلم، فهو يري أنه في الواقع لا يجب إنكار أن التاريخ بوصفه تاريخ هو نظرة إلي الماضي، لكن هذا الواقع لا يمكن وضعه بالنسبة لتاريخ العلوم فقط، وإنما يمكن وضعه لأي تاريخ سواء كان تاريخ سياسي، أو تاريخ اقتصادي، أو تاريخ الفن.. الخ.. صحيح أن الاهتمام بتاريخ العلوم جاء متأخراً عن الاهتمام بتاريخ هذه الجوانب الأخرى من جوانب الفكر والحضارة الإنسانية، لكن لما لا يكون هناك تاريخ للعلم طالما أن هناك تاريخ لكل هذه الجوانب؟!.. إذن ما فائدة النظر في العلم؟..

يقول "عبد الحميد صبرة": الوقع أن الفائدة كبيرة، حيث يوجد لدي جواب قصير وإجابات كثيرة تتوقف حول ماذا وراء السؤال.. هناك جواب قصير، واعتقد أنه مهم ودائماً استخدمه مع الطلبة، وهو أنه طالما أننا قريبين من الانتاجات العلمية الحديثة، وهي التي تقطع خطوات كبيرة وواسعة بسرعة وبسرعة هائلة؛ وخصوصاً في العصر الذي نحن نعيش فيه..

النتيجة هي أننا بدون تفكير في الموضوع إطلاقاً نأخذ العلم قضية مسلمة، وكأنه شئ طبيعي كان يجب أن يكون موجود وما علينا إلا أن نقبل عليه ونشتغل به وكل شئ يسير علي ما يرام.. لكن الواقع أن هذا غير صحيح.. العلم لا يجب أن يؤخذ علي أنه قضية مسلمة وشئ حتمي.. كان لا بد أن يكون موجود.. الإنسانية احتاجت إلي كم قرن حتي تنتج ما يسمي بالثورة العلمية في القرن السابع عشر؟.. وماذا حدث في هذا القرن؟..

نسمع عن عباقرة في الرياضيات وغير الرياضيات قبل القرن 17 ؛ منهم العلماء المسلمون والعرب، وقبلهم علماء اليونان.. والسؤال هنا: كيف نجح العلم وبلغ مرتبة التقدم العلمي في كل هذه الفترة الطويلة حتي ينتج لنا عباقرة مثل نيوتن؟.. ما السر في هذا؟.. العلم إذن هو نوع من التقليد؛ أي عملية تاريخية متصلة.. وكما أن العلم قد اتخذ هذا الوقت الطويل لكي ينشأ بالطريقة التي ينشأ بها، يمكن أيضا أن يختفي..

هذه الملاحظة تبدو لنا غريبة!.. علم يختفي بعد أن ظهر هذا الظهور الواضح القوي!.. نعم يمكن أن يختفي، وعلي الأقل يمكن أن يتوقف عن النمو.. فالصينيون كان لهم علم وكانت لهم تكنولوجيا.. أما الإغريق فلم يكن لهم تكنولوجيا بالمعني الحديث ولا حتي بالمعني الصيني ولكن كان عندهم علم.. والعرب كانوا كذلك.. هذه الحضارات الثلاثة: الصينية واليونانية والعربية.. قطعت أشواط طويلة جداً، وهامة في تقدم الفكر العلمي.. توقفت.. لما كان هذا؟.. ربما يبدو من الآن أن التوقف بعد ارتباط العلم بالتكنولوجيا أصبح أكثر عسراً مما كان في الماضي.. ربما يكون هناك شئ من الصحة في هذا..

لكن هذا لا يمنع من أنه حين يتخذ العلم شكل محسوس، مثل شكل الميكروفون الذي أمامنا أو التلفاز.. الآن موجود في كتب يمكن أن تُقرأ.. فإذن من الصعب أن نفقد من معرفتنا التامة بكل هذه الأمور.. لكن ربما قد نفقد القدرة علي تقديم هذه المعرفة والمضي بها إلي الأمام.. والواقع أن هناك علماء كثيرون الآن يتكلمون عن هبوط في النشاط العلمي في السنوات الأخيرة.. شئ غير مستحيل.. لكن بصرف النظر،هو مستحيل أم لا.. لكي يكون عندي فهم تام لطبيعة الفكر العلمي وحدوده وتفاعل هذا الفكر مع المجتمع الذي ينشأ ويتطور فيه، لا بد من النظر في التاريخ، لأن التاريخ هو بعد من أبعاد التفكير العملي، والتكفير العلمي ليس شئ يظهر مرة واحدة في صورة إلهام يحدث في أنا واحد، وإنما هو عملية فيها كثير جداً من الأخطاء، وفيها كثير جداً من التصحيحيات، وفيها كثير جداً من التراجع، أو التقدم، والذي تكون حصيلته، والذي نسميها نحن "التقدم".. لكن كل هذا يحدث في إطار زمني.. وإذن فلا بد من الرجوع لهذا الإطار الزمني... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

المراجع

1- خالد قطب: فلسفة تاريخ العلم العربي: عبد الحميد صبره رائداً (دراسة)

2-أمسية ثقافية فاروق شوشة مع د عبد الحميد صبرة أستاذ تاريخ العلوم عند العرب (يوتيوب).

3- محمد زهران: الدكتور عبد الحميد صبرة... وتاريخ العلوم (مقال).

 

طارق الكنانيالشروكية: لقد اختلف كثيرا في معنى كلمة الشروكي وتناولها عدة باحثين لما لهذه التسمية من دلالات اجتماعية مهمة تخص النسبة الاكبر من سكان العراق. ينسب البعض هذه التسمية الى الشروباك وهي كلمة سومرية تعني السكان الاصليين، ويقول بعض الباحثين انهم يقصدون بهذه التسمية اولاد شيروكين الملك العادل، ويقول البعض ان المقصود بها الشرقيون حيث جاءت كلمة الشروك من الشرق وتعني ابناء الشمس أي ابن الالهة لأنهم كانوا يعبدون الكواكب،وهناك من يقول انهم جاؤا من الهند مع جاموسهم وهذا رأي حديث حاول اصحابه النيل من فئة معينة خلال فترة محددة قاد بها هؤلاء السكان تمردا قويا ضد السلطة، هناك رأي اخر وهو ان السكان الذين سكنوا شرق الفرات اطلق عليهم الشروكية وتعني الشرقية وعلى عكسها يطلق لفظ الغربية على سكان مناطق غرب الفرات

لقد اثارت انتباهي هذه التسمية في عقد السبعينات عندما كنت طالبا في بغداد وجدت تسمية الشروكية منتشرة بشكل كبير وكانت تطلق على الناس الوافدين من المناطق الجنوبية الى العاصمة والذين تم توطينهم في مناطق معينة من العاصمة بعد ان منحهم الزعيم عبد الكريم قاسم اراضي سكنية في منطقة الثورة بالرصافة والشعلة بالكرخ ومما تجدر الاشارة اليه ان هؤلاء هم من سكان الجنوب ولم تطلق هذا التسمية على النازحين من المناطق الغربية والاعتقاد الغالب ان من اطلق هذه الصفة واستخدمها هم سكان المناطق الغربية النازحين الى بغداد للتمييز بينهم ولكن مع مرور الوقت اتخذت هذه التسمية صفة غير مرغوبة بها.

ان الامتداد الجغرافي لهؤلاء السكان الوافدين الى بغداد هو الجنوب فهم من المحافظات الجنوبية مثل ميسان والبصرة وذي قار وهذا الامتداد اكسبهم طبائع ومواهب عديدة فهم يمثلون الرئة الثقافية والفكرية والرياضية والفنية لبغداد في الوقت الحاضر وهم يمثلون الحراك الشعبي والثقافي حيث اصبحوا بمرور الزمن الاغلبية المطلقة حيث يشكلون اكثر من 50% من سكان العاصمة وضواحيها.

المعدان:

تسمية قديمة جدا وقد وردت على لسان المنذر بن المنذر في عدة مناسبات وعلى عدة روايات نورد احداها وهي الاقرب للحقيقة:

كان ضمرة بن ضمرة يغير على مسالح، جمع مسلحة – وهي الحامية العسكرية للمناذرة ملوك العرب في ذلك الوقت – وكان أحيانا ينقض على أطراف مملكة المناذرة وينهب منها ما ينهب، لذا ارسل المنذر بن المنذر بن أبي النعمان سرايا عسكرية لقتل ضمرة بن ضمرة أو القبض عليه، ولكنها عجزت عن ذلك فقد كان يتحصن بمجاهل الصحراء بحكم خبرته بمسالك الصحراء وبموارد المياه، فهو فارس شجاع لا يقعقع له بالشنان. وأخيراً أضطر المنذر ملك العرب أن يهب ضمرة بن ضمرة ألف من هجائن النعمان المشهورة، وقد جاءت القصة في كتاب أنساب الأشراف كما يلي:

وضمرة هو شقة بن ضمرة بن جابر، كان شاعراً. حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن المفضل وغيره قالوا: كان ضمرة بن ضمرة يسمى شقة بن ضمرة، وكان ذا رأي، فبلغ المنذر بن المنذر أبي النعمان بن المنذر قال له: من أنت؟ قال: شقة بن ضمرة. قال: تسمع بالمعيدي لا أن تراه. يقول: يعجبك أن تسمع بالمعيدي لا أن تراه، ويقال إنه قال: لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال شقة: أبيت اللعن، إن القوم ليسوا بجزر أي بغنم تجزر، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا نطق نطق ببيان، وإذا قاتل قاتل بجنان، والرجال لا تكال بالقفزان، فأعجب المنذر بما سمع من منطقه، فسماه ضمرة باسم أبيه، وكان أبوه أثيراً عنده، وكان من رجالات بني تميم. وهذا مختصر جدا لخبر المعيدي .

وقد ورد ايضا عن عمر بن الخطاب (رض) حين وفد عليه وفد العراقيين قيل له يا امير المؤمنين ان وفد (المعدان) قد وصل فعند ذهابه للقاء هذا الوفد وجدهم يتكلمون بصوت عال ولا يهابون شيء ولم يخاطبوه بأمرة المؤمنين انما خاطبوه باسمه فردد قول المنذر بن المنذر واضاف اليه (ان تسمع بالمعيدي خير من ان تره وان تراه خير من ان تكلمه).

ما هو معنى كلمة 'معدان'؟

المعدان ومفردها معيدي وهو الاسم الذي يعرفون به في اللهجة العراقية وكذلك يسمون باللغة الإنكليزية (Marsh Arabs) والتي تعني عرب الأهوار هم مجموعة سكانية عراقية موطنها الأصلي منطقة أهوار جنوب العراق.

اعتاد العراقيون ان يطلقوا كلمة معيدي على سكنة الاهوار كما اعتادوا ان يقصدوا بها معنى سلبيا وللتصغير من قيمة هذا الشخص والتقليل من شانه .. وقد قال البعض ان اصل كلمة معيدي اتت من كون الناس في هذه المناطق كانت على الدوام معادية للدولة والحكومات وتختبئ في قتالها للدولة بغابات القصب الكثيفة حيث يصعب تعقبهم .. ولكن بالبحث والتحري اتضح انه هناك رأي آخر في اصل كلمة معيدي والتي غالبا ما يقصد بها الاساءة الى هؤلاء الناس المبتلين بهذه التسمية .. هنالك مرادف لهذه الكلمة في اللهجة المصرية وهي كلمة المعدي (بفتح الميم والعين) وهي تعني الشخص الذي يستخدم قاربا او زورقا كوسيلة للتنقل في الانهار والبحيرات والمسطحات المائية.. ولان سكان الاهوار يعيشون على مناطق من مسطحات مائية واسعة ويبنون بيوتهم بشكل فني فوق هذه المسطحات المائية المسماة بالأهوار.. فكان لابد لهم من استعمال القوارب والزوارق كوسيلة للتنقل وقد اشتهروا باستعمال المشحوف كوسيلة تنقل بين تجمعاتهم السكنية المقامة على هذه المسطحات المائية الشاسعة وكلمة معيدي بالأصل هي نفس الكلمة بالدارجة المصرية اي المعدي او المعداوي .. ولكن بما ان العراقيين مولعون ومغرمون بالتصغير فقد انقلب المعدي الى المعيدي والمعداوي الى المعيداوي .. اي مستخدمي الزوارق للتنقل.

وهناك رأي آخر لتسمية المعيدي حيث اطلق على مربيّ الجاموس حصرا فهؤلاء يمتازون بقوة جسمانية فريدة وجمال الشكل،وطباع مختلفة عن بقية افراد المجتمع وهم غير محصورين بمنطقة معينة حيث نجدهم في الوسط والجنوب على حد سواء ويطلق عليهم اسم المعدان, وبما انهم امتهنوا تربية الجاموس فقد امتازوا بصناعة خاصة وهي صناعة مشتقات الحليب مثل القيمر والجبن والحليب وقد وردت كلمة المعدان في التراث الغنائي العراقي حيث غنّت المطربة وحيدة خليل رحمها الله (لحزن حزن معدان وارچی العصّابه واتنخی بالعباس من هالطلابه).

المعدان ومفردها معيدي وهو الاسم الذي يعرفون به في اللهجة العراقية وكذلك يسمون باللغة الإنكليزية (Marsh Arabs) والتي تعني عرب الأهوار، وهم مجموعة سكانية عراقية موطنها الأصلي منطقة الأهوار في جنوب العراق . حيث يشكل المعدان الغالبية من سكان الأهوار لكنهم ليسوا كل سكان الأهوار، ونسبتهم في الأهوار الشرقية أكبر من الأهوار الغربية، إذ أنتقل المعدان في السنوات الأخيرة وبفعل عدة عوامل من بينها عمليات الاعدامات لسكان الاهوار وعملية تجفيف الأهوار بعد عام 1991م إلى مدن مجاورة وإلى خارج العراق. ويتميز المعدان بتربيتهم للجواميس واعتمادهم على صيد الأسماك كمصادر للمعيشة. كما يتميزون ببناء صرائف من القصب ذات طراز معين تسمى المضيف وهو عبارة من بيت مصنوع تمامأ من القصب والحصير الذي يصنع من القصب وقد يتكون من صالة رئيسيه ويجلسون الضيوف متكئين متقابلين علي اعمده من القصب وعادة يكون الموقد في وسط المضيف إضافة إلى قوارب مصنوعة من القصب تساعدهم في صيد السمك تسمى المشحوف، رغم أن الميزتان الأخيرتان يشترك فيها المعدان مع فئات أخرى من سكان جنوب العراق.

وورد ايضا عن الباحث العراقي عباس العزاوي يقول في كتابه عشائر العراق أن المعدان أو المعادي هم مجموعة تمتهن تربية الجواميس كما أنه يقول أنه لا يرى أثراً للهنود أو الإيرانيين فيهم ويعتقد أن الزعم بوجود أصل عراقي قديم فيهم مثل الأصل السومري لا يتجاوز حدود التخرصات "و الكلام للعزاوي". حيث يذكر أن الكل متفقون على أنهم عرب, وأن تربية الجاموس لا تحقق أصلاً غريباً. وإنما تعين حاجة اقتضتها الحالة ولا يبعد أن يكون الجاموس موجوداً قبل الفتح (الفتح الإسلامي للعراق) فاستمر وتدرب العرب على تربيته أو أن الذين تعهدوه قد اندمجوا فلم نعد نفرق بينهم وبين السكان الأصليين.

وقام مجموعة من الباحثين منهم نادية الظاهري، وماريا بالا، وفينتشينزا باتّايا، وفيولا غرونغي، ومحمد الحمود واخرين على عينات من الكروموسوم واي والحمض النووي الميتوكندري mtDNA في 143 شخص من عرب الأهوار وكشفت التحليلات للمجموعات الوراثية Haplogroups والمجموعات الوراثية الفرعية sub-haplogroups التي تمت ملاحظتها في عرب الأهوار عناصر أصيلة منتشرة في الشرق الأوسط في المجموعات الجينية الذكرية والأنثوية على حدٍ سواء، يوحي الأصل الشرق أوسطي الشائع للسكان الحاليين لأهوار جنوب العراق بأنه إذا ما كان عرب الأهوار من نسل السومريين القدماء، فمن المرجّح أن يكون السومريون أيضاً من السكان الأصليين .في عام 2011 اثبتت دراسة علمية ان معظم المعدان لديهم نسبة مرتفعة 88.1%من السلالة الذكورية J1 وهي سلالة منتشرة بین غالبية العرب خاصة اليمنيون وبالشرق الأوسط وشمال أفريقية وجد 41% من المسيحين في سوريا لبنان والعراق هم من هذه السلالة اما السلالات الانثوية المكتشفة لديهم فهي السلالات J,H, T,U.

كذلك قد تكون (معدا) مصدرها من مجموع كلمتين (مو) ماء بالسومرية و(دا) وتعني ثقل أو كتلة أو جسم يتخذ شكلا خاصاً . أو لؤلؤة الماء حسب قاموس المعاني ومنها جاءت تسمية (دان) اي قذيف المدفع القديمة، وبالتالي فمعدان قد تعني (لؤلؤة الماء أو كتلة الماء) وذلك لارتباطهم بالماء في الأهوار وسرعة تحركهم فيه بواسطة الزوارق أو السباحة التي يتعلمونها أطفالاً ويبرعون فيها.

يذكر ان المعدان كانوا يسمون في العصر العباسي بقبائل المعادي. ويوجد قول جاهلي يقول: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. القول الجاهلي ينطبق على طائر ذو صوت جميل وشكل بشع ومن هنا جاءت التسمية على ما يظن المؤرخون.

خلاصة القول:

لقد ارتبطت او اختلطت تسمية الشروكي مع تسمية المعيدي. كونهم يمثلون طبقة سكانية واحدة واصول عشائرية واحدة يسكنون نفس المنطقة وتجمعهم صفات واحدة فهم يختلفون بثقافتهم ونزعاتهم عن بقية سكان العراق فهناك حيث بدأت اولى الحضارات في الكون لابد لها ان تضفى صفات ومميزات خاصة لأصحابها،حيث يمتاز سكان هذه المناطق بغزارة الانتاج الثقافي والفكري والفني. وهذا الانتاج لا يقف عند عصر معين دون غيره فـ (الشروكي) والمعيدي هو اصل كل الفنون،لقد حاول الكثير الانتقاص من المعدان و الشروكية لا لشيء الا لأنهم مختلفون في نمط التفكير والتقاليد الاجتماعية وهذا لكونهم من الامم العريقة التي تجذرت فيها العادات والتقاليد وليس من السهل عليهم مغادرة هذه الطباع حيث اصبحت مغروسة في الجينات الوراثية لديهم حتى قيل في شخصيته الكثير،(لما كانت البيئة في الأهوار معزولة نسبياً عن ضجيج المدن حيث تعقدّ الحياة وتوفر التعليم والوظيفة الحكومية والتجارة وسواها من المهن على اختلافها ينشأ (المعيدي) صادق القول صريح اللسان لا يجيد الاحتيال، سليم الطوية على ذكاء فطري، في العصور الحديثة، وبعد قيام الدولة العراقية في عشرينات القرن الماضي، استخدم مصطلحي المعيدي و الشروكَي بقصدية هدف منها الطعن بعشائر الجنوب خاصة لأسباب طائفية / سياسية، فقد قاموا بسلسلة من الانتفاضات والثورات ضد الحكومات المتعاقبة، استمراراً لانتفاضاتهم ضد الاحتلال العثماني) وكانت الأهوار توفر لهم البيئة المناسبة لاتخاذها كقواعد انطلاق وحماية وتجمّع وأمداد وتخزين للسلاح والعتاد والتموين وما شابه.

وذا اردت ان تعرف المعيدي فهناك ثلاث اشياء: (اذا اكل دمر هدومه واذا اشتم ريحة الدواء يزوع (يتقيأ) وما يصدك الا تحلفله بالعباس).

وللدكتور محمد المندلاوي رأي مغاير لما اوردناه يعارض فيه صاحب كتاب المفصل في تاريخ العرب . فيه الكثير من الغرابة حيث يقول ان المعدان هم الاكراد وان اللغة الكردية هي اللغة السومرية .

 

طارق الكناني

 

عصمت نصاريعتقد الكثيرون أن مصطلحات (الحرية، الاستبداد، العنف، الراديكالية والإرهاب) لا يمكن الوقوف على دلالتها إلا في الحقل المعرفي الذي لفظها وأنتجها واستخدمها.

وقد تجاهل بعضهم أن تلك المعاني المستنبطة من استخدام هذه المصطلحات ليست حكرًا على ميدان بعينه، فالحرية في ميدان الفكر أوسع وأشمل من حصر دلالتها في ميدان السياسة أو الاجتماع، كما أن الاستبداد والعنف والإرهاب إذا ما مارسته السلطات القائمة على المفكرين وأصحاب الأقلام والمجتهدين تكون قسوته لا تقل خطرًا على الإنسانية من استبداد الحكام والساسة والملوك والسلاطين.

كما أن المنطق الإطاحي الراديكالي ليس ضربًا من ضروب الفاشية فحسب، بلا هو الحُمق بعينه ذلك الذي يعتقد أن للحقيقة وجهًا واحدًا وأن الصواب دومًا في ما يعتقد أدعياؤه، وأن دونهم لا يحق لهم المناقشة أو النقد أو التحاور والجدل حول أمرٍ قد كرروه أو انتهوا إليه.

ومن هذا الباب نجد الرجعيين في شتى الحقول المعرفية يعتقدون بأن الموروث والتليد من الأفكار والعريق من الرؤى والتصورات لا ينبغي المساس بقداستها المزعومة بل يجب احترامها واقتفاء أثرها، لأنها تحوي فصل الخطاب وعين الحقيقة ومن ثم يصبح الخروج عليها مروقًاً يستحق صاحبه الصفع بناصيته والتنكيل به وكسر قلمه.

وقد شاهدنا ذلك في العصر الوسيط وما فعلته الكنيسة بالفلاسفة والعلماء والمجددِّين والمجاهدين وقد مارسه عصبة من الفرق الإسلامية الجانحة عن الأصول الإسلامية والمقاصد الشرعية وسار في ركابهم ما نطلق عليه الجماعات السلفية ومعتنقي الوهابية والقطبية الإخوانية.

والغريب أن نجد الأزهريين من بدايات القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن العشرين قد ظهرت فيهم مجموعة رافضة وناقضة لأي شكل من أشكال النقد أو التجديد وسجنت الاجتهاد في ضرب التقليد.

فحاربت ـ تلك المجموعة الرجعية المستبدة ـ كل محاولات النهوض بالأزهر كمؤسسة تعليمية وقمعت المجتهدين في العلوم الإسلامية بداية من "الشيخ حسن العطار(1766م - 1835م)" حتى "الشيخ عبد المتعال الصعيدي(1894م - 1966م)" ـ في هذا السياق ـ فأصابه العديد من أشكال العنف والاضطهاد بداية بالقدح والشتم والاتهام بالجهل إلى التهديد بالفصل وحرمانه من راتبه والوقوف دون ترقيته وصد الناس عنه والتشكيك في عقيدته.

فعلى الرغم من نبوغه وسعة علمه وكثرة تآليفه المبتكرة، ظل في دائرة النسيان حتى أخريات القرن العشرين، وجهل معظم المثقفين المعاصرين قدره ومكانته بين علماء الأزهر وهو الثائر المجدد والعالم المدقق الذي كان يعتز بعمامته الأزهرية ولم يحد قط عن نهج المصلحين المستنيرين.

ولا نكاد نجد من بين مفكري النصف الأول من القرن العشرين على اختلاف نوازعهم واتجاهاتهم، من هو أكثر عناية بتحديد المصطلحات وتوضيح المفاهيم وبسط الأفكار والرؤى والتصورات وترتيبها في نسق منطقي لا نكوص فيه ولا اضطراب، أفضل من "الشيخ عبد المتعال الصعيدي" ذلك الشيخ الأزهري العصامي، الذي نشأ خلوقًاً، صبورًا، شغوفًاً بطلب العلم، شجاعًا جريئًا، عاقلًا في التناظر والتثاقف، مجتهدًا مجددًا مبدعًا في مؤلفاته وتصانيفه، وتشهد بذلك كتاباته التي تجاوزت الخمسين مؤلفًاً في النحو والبلاغة والمنطق والفلسفة وعلم الفقه والكلام والحديث.

وأعتقد أن أهمية كتابات "عبد المتعال الصعيدي" ليست فيما قدمته من معارف مستنبطة عن قراءات متأنية في أدق المشارب العلمية بل إن أهميته الحقيقية ترجع إلى وجهته النقدية ونهجه الإصلاحي الذي اجتاز الكثير من المعوقات لتجديد العقل الجمعي، وتحرير الفكر الأصولي من جموده الذي حاق به لابتعاده عن ميدان العلوم العقليّة والمعارف العلميّة الحديثة.

ولا ريب في أن "عبد المتعال الصعيدي" يعد من أكبر تلاميذ الإمام "محمد عبده (1849م - 1905م)"، ولاسيما في ميدان النقد والإصلاح وكيف لا؟ فقد صاحب "الشيخ الأحمدي الظواهري (1878م - 1944م)" و"الشيخ مصطفى المراغي (1881م - 1945م)" و"الشيخ مصطفى عبد الرازق (1885م - 1947م)" أثناء عمله بالأزهر فقد أخذ عنهم الكثير من مبادئ مدرسة الأستاذ الإمام.

أمّا وصف "الشيخ عبد المتعال الصعيدي" بأنه المجترئ المناضل والمجتهد الحكيم فيرجع إلى عدة أسباب، أولها : تعريفه الطريف لمصطلح "الأصولية الإسلامية" ذلك الذي جاء فيه أن الأصولية هي إحياء الأسس الجوهرية والمبادئ الشرعية، وقد أجمل الأصول في قسمين : اعتقادية وتشريعية، وتتمثل الأولى في أصلين هما التوحيد الذي يعني عبادة الله الواحد المنزه في صفاته عن التشبيه والتجسيد والغني بذاته عن أي سلطة كهنوتية لتقربه من عباده أو تكون سيفًاً على رقابهم، فتحجر على حريتهم في الكفر أو الإيمان به.

والأصل الثاني هو التصديق بجميع الرسل والإيمان بوجود الملائكة والكتب المنزلة واليوم الآخر وغير هذا من أصول الإيمان وفروعه، ويكشف هذا الأصل عن عالمية الإسلام التي تنئ عن التعصب الملي والجنسي والعنصري.

أمّا الأصول التشريعية فتتمثل في ثلاثة أصول: أولها : جلب المصلحة ودفع المفسدة التي توازن بين صالح الفرد ومصلحة الجماعة من جهة وسائر البشر من جهة أخرى.

وثانيها: مراعاة الزمان والمكان وهي القاعدة التي تثبت أن التشريع الإسلامي يحمل بين طياته بذور تطوره، وإمكانية موائمته للمتغيرات الحضارية لكل البشر وتتمثل هذه البذور في نسخ الآيات القرآنية والحديث الشريف، والاجتهاد الذي لم يغلق بابه أبدًا منذ نشأته بداية من اجتهاد الصحابة إلى ما شاء الله.

وثالثها: التوسط بين الإفراط والتفريط، ويبدو في موازنة التشريع الإسلامي بين متطلبات الروح والجسد، والدنيا والآخرة.

أمّا السبب الثاني في تسميته بـ المجترئ المناضل والمجتهد الحكيم، يرجع إلى أرائه المبتكرة في قضايا التراث، التجديد، الحرية، الوعي والإصلاح. تلك التي جاءت مغايرة إلى حدٍ كبير مع أقرانه من شبيبة الأزهر آن ذاك.

أضف إلى ذلك اجتهاداته في العديد من المسائل الفقهية مثل حجاب المرأة وعملها، والطلاق الرجعي، والخلع وتولي المرأة القضاء واشتغالها بالسياسة والعمل بالشرطة والجيش وموقف الإسلام من الفن الغنائي والتصويري، وتفرقته بين أمة الدعوة وأمة الاستجابة ومشروعية الأخذ عن الأغيار، وتجديد فقه الحدود وتحديث العلوم الأصولية (الفقه، الكلام والحديث الشريف) ونقضه التصوف الفلسفي والتصوف البدعي، رده على المستشرقين ودعوته إلى تجديد المناهج التعليمية بالأزهر وغير ذلك.

أمّا مكمن أصالته وعلو مكانته بين تلاميذ مدرسة الإمام "محمد عبده" فيبدو بوضوح في نجاحه في تطوير منهج الأستاذ الإمام في التجديد والإصلاح والرد على المستشرقين.

أزمة التجديد وغيبة المدارس الفكرية:

لعل أكثر الروابط اتساقًا بين هذين المصطلحين هي علاقة التداخل وما يتبعها من تلازم فإذا ما استعرضنا تصانيف المفكرين عن التجديد والمجددين وكتاباتهم عن المدارس الفكرية سوف ندرك أن كل المعنيين بدراسة هذا الموضوع قد اتفقوا فيما بينهم على تحديد المفاهيم ووقفوا كذلك على أهم المعوقات والأزمات التي تحول بين التقدم الثقافي وغيبتهما؛ فالتجديد هو وسط بين التقليد والتبديد، وأن آلياته هي الاجتهاد والنقد لتحديد الثابت والمتغير في القضايا المطروحة، وأن مقصده هو إيجاد حلول للمشكلات التي تعوق العقل الجمعي عن النهوض والتقدّم. أمّا المدارس الفكرية، فتتشكل عقب رسوخ مناهج التجديد التي تشغل نقطة مركز الدائرة وعلى طرفيها تحتل منابر المحافظين والمُحَدِثين كفتي الميزان.

وكلما اتسعت وكثرت المساحة التي تشغلها منابر التجديد، تتراجع وتضعف سلطة المحافظين والمُحَدِثين.

وتشهد الواقعات التاريخية أن وجود أشكال التطرف والجموح، وظهور الجماعات الرجعية والجماعات الفوضوية مرتبطًاً بضعف مدارس الوسط أي المدارس الفكرية التي تحمل لواء التجديد والإصلاح والتنوير والوعي وتنجح في إعادة بناء الطبقة الوسطى باعتبارها المسئول الأول عن دفع المجتمع قدمٌ للأمام.

وإذا ما انتقلنا إلى ميدان التفكير الديني ومدارسه التي تنتج الخطابات والمشروعات، فسوف نتبيّن أن معظم المجددين في الفكر الديني كان مقصدهم الأول هو توضيح الثابت الذي يجب اقتفاؤه والمتغيّر الذي ينبغي تطويره وتحديثه (المنقول والمعقول)، وذلك استنادًا على استنباط مقاصد النصوص واستقراء حاجات الواقع.

والجديرُ بالذكر في هذا السياق أن جل المنابر الفكرية التي ظهرت منذ أخريات القرن الثامن عشر إلى النصف الأول من القرن العشرين، قد اتسمت خطابتها بالجدة والأصالة والاتساق والموضوعية في مناقشة القضايا والواقعية في انتخاب الحلول لمشكلات الواقع والتفاؤل في استشراف المستقبل، ذلك فضلًا عن تواصل روادها المتمثل في وحدة المقصد من جهة، والمنهج من جهة أخرى؛ وذلك دون أدنى تقليد للاحق عن السابق، أو التعلق بالمذهب والنهج دون إعادة تقييمه ومراجعته وتطويره.

والشيخ "عبد المتعال الصعيدي" كان من هذا الطراز فقد سار على نهج منابر المجددين ولم يخرج عن نهجهم في الإصلاح ولا منهجهم في الاجتهاد، الأمر الذي أثمر خطابًا أكثر تقدُّمًا ومشروعًا أقدر موائمة مع متغيرات العصر.

وسوف نحاول في السطور التالية توضيح قواعد منهجه وسمات آراءه التي تعد بحق تطورًا فائقًا لمدرسة الأستاذ الإمام "محمد عبده".

(1) التأليف بين التراث والتجديد في استنباط الحلول المناسبة للقضايا المطروحة: فلم يكن التراث عند شيخنا عائقًاً أمام التجديد أو التطوير أو التحديث، وذلك بعد عرض الموروث الثقافي والعقدّي على مائدة النقد، لاستبعاد الدخيل والمتوهم والمنحول والمدسوس، والإبقاء على قطعي الثبوت وقطعي الدلالة من التراث العقدّي (القرآن وصحيح السنة)، والنافع من العادات والتقاليد التليدة.

فالإحياء عند "الصعيدي" لم يكن تكرارًا أو إعادة للموروث من الأفكار أو الآراء الفقهيّة أو المؤلفات والتحقيقات والحواشي والشروح الثقافية، بل غربلة وانتقاء لانتخاب ما يصلح للواقع المعيش؛ ليثبت أن في مقدور الفكر الإسلامي مواكبة العصر والتصدي لمشكلاته الحديثة دون عنت أو جمود. وقد نجح "الصعيدي" بذلك في تطوير القاعدة الأولى من منهج الأستاذ الإمام: "تحرير الفكر من قيّد التقليد والرجوع بالدين إلى سذاجته الأولى".

(2) الاتساق في الرأي: لا نكاد نجد من بين آراء "الصعيدي" ما يناقد المفاهيم التي وضعها للمصطلحات الرئيسة لخطابه ألا وهي "الأصولية، التجديد، الإصلاح، التساجل، حرية الفكر، عالمية الإسلام، حقوق الأغيار في بلاد المسلمين، المواطنة، رفض الإسلام للإرهاب والتطرف والشطط والمجون وانتصاره للوسطية والعقلية الإسلامية الجامعة بين الدين والعلم والأخلاق والسياسة في بناء الأمة".

(3) النسقيّة في بناء الخطاب المشروع من حيث ترابط الأفكار والتصورات والرؤى بنهج منطقي يتفق مع العقل من جهة ويتناسب مع مقتضيات الواقع من جهة أخرى؛ فيمتاز خطاب "الصعيدي" بأن آراءه في نقد الموروث لا تتعارض مع تمسكه بالأصول العقدّية والمقاصد الشرعية، وأن انتصاره للمعقول لا يناقض الصحيح والثابت من المنقول، كما أن تأثره بالنهوج الغربية والاتجاهات الحديثة في معالجة بعض القضايا الشرعية لم يجنح به إلى منحدر الاجتراء والمروق والتجديف، وقد سار على نفس النهج في تطبيق اقتراحاته وتصوراته الإصلاحية في شتى الميادين (التعليم، السياسة، الفقه، التصوّف، الأوضاع الاجتماعيّة والمنابر الثقافية).

(4) تقديم المعقول على المنقول في التناظر مع الأغيار، ويبدو ذلك واضحًا في رده على أكاذيب المستشرقين وادعاءاتهم التي أرادوا بها تشويه صورة الإسلام. وقد أقبل كذلك على التحاور مع الجهلاء وقليلي العلم من المتطاولين على المبادئ الشرعية والأوامر الإلهية. وكذا تبصير الجامدين من العلماء بما فاتهم من حقائق وإخبارهم بحسن مقصده وسلامة رأيه، وكان مُوفقاً إلى حد كبير في مخاطبته الخواص والعوام، وقد انتحل منهج ابن رشد (1126م - 1198م) ومن بعده منهج الأستاذ الإمام "محمد عبده" في مناظرة الأغيار وتفهيم العوام وتوعيتهم وتقويم معارف العلماء من المخالفين. وقد قدم المعقول على المنقول حتى لا يلزم مناظره بما يرفض أو يصادر على المطلوب.

ويبدو ذلك بوضوح في كتابه المشهور "لماذا أنا مسلم؟"، الذي صدر عام 1936م، ذلك الذي رد فيه على ادعاءات القس "صموئيل زويمر (1867م -1952م)"، الذي جمع جل مزاعم دوائر الاستشراق العقدّي وأكاذيب غلاة المبشرين، وراح يروج لها بين الشباب العربي المسلم الذي جهل حقيقة التراث الإسلامي وراح يلتمس معارفه من الدوائر الغربية التي لا تخلو من العنت والتعصب وطمس الحقائق.

وقد اختار "عبد المتعال الصعيدي" هذا المستشرق للرد عليه وتفنيد آرائه لإدراك مدى خطورة أحاديثه وكتاباته على العوام والخواص، ثم دعم الاحتلال الإنجليزي له وتمكينه من التواصل مع مختلف طبقات المجتمع المصري، أضف إلى ذلك نهج "صموئيل زويمر" في التبشير الذي كان يعتمد على تشكيك محاوريه في الثوابت العقدّية، وها هو يصرح بذلك في قوله "إنّ تبشير المسلمين يجب أن يكون بلسان نفرٍ منهم نستقطبه نعلمه، ثم ندسّه بين صفوفهم، لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أبنائها".

والأخطر من ذلك أن "زويمر" قد صرح في مؤتمر المبشرين المنعقد في "القدس عام 1935م"، أن الهدف الحقيقي لجماعات الاستشراق والتبشير هو إبعاد المسلم عن دينه في المقام الأول حتى يكون تابعًا للاحتلال الغربي، ومعاونًا في الوقت نفسه لهدم الإسلام من الداخل، ونشر الإلحاد في الطبقة الوسطى المثقفة.

والجدير بالإشارة في هذا السياق، أن "عبد المتعال الصعيدي"، قد ألف كتابه هذا في قالب قصصي حواري بين طرفين أولهما "القس زويمر" وثانيهما "محمد" الشاب المثقف العارف بأسلوب دينه. ويعني ذلك أن المناظرة بين الشيخ "الصعيدي" و"زويمر" ليست حقيقية بل متوهمة بل من تأليفه على غرار (قصة علم الدين) لعلي مبارك (1823م -1893م)، و(حديث عيسى بن هشام) لمحمد المويلحي (1858م -1930م).

وإذا كان الصعيدي قد طوُّر كثيراً في نهجه الجدلي مع المستشرقين؛ فإن خطابه مع أواسط المثقفين من غير المتخصصين في العلوم الشرعيّة كان نموذجاً في الوضوح والبساطة في العرض، والدقة العلمية في المناقشة، ويبدو ذلك واضحاً في كتابيه (حرية الفكر في الإسلام) و(الحرية الدينية في الإسلام).

أمَّا معاركه الفكرية؛ فكانت أقرب إلى منطق المحاججة ولغة البرهان وأبعد ما تكون عن أسلوب القدح الشخصي وتجريح الخصم وتخويفه أو الكذب والتدليس عليه، الأمر الذي كان شائعاً في مناظرات معظم المثقفين آنذاك، ويمكننا أن نراجع في ذلك محاورته مع الشيخ عيسى منون (1889م - 1956م)، ورده على الشيخ خالد محمد خالد (م1920-1996م)، وعلي عبد الرازق (م1888-1966م)، وطه حسين (1889م - 1973م)، وإسماعيل أحمد أدهم (1911م -1940م)، وغيرهم من قادة الرأي في عصره، وتشهد بذلك كتاباته (في ميدان الاجتهاد)، (تاريخ الإصلاح في الأزهر وصفحات من الجهاد في الإصلاح)، (المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى الرابع عشر)، (في الحدود الإسلامية).

حريّ بي توضيح أن خطاب "عبد المتعال الصعيدي" في تجديد الفكر الديني الموجه إلى الصفوة لم يكن من اليسير على البيئة الأزهرية المحافظة تقبُّله، ولاسيّما بعد وفاة الأستاذ الإمام "محمد عبده" وظهور الأحزاب السياسية المصرية (عام1907م) وما تبعها من ذيوع الاتجاهات الفلسفية الغربية وتأثر قادة الرأي بها، وعقد العديد من المناظرات العقدّية بين دعاة التحديث الغربي وأعلام الاتجاه الجامد الرجعي، ذلك فضلًا عن المجادلات الكلامية بين الأزهريين والسلفيين المحدثين والصوفيّة، وحملات المستشرقين وجماعات الإلحاد والمحافل الماسونية ودعاة "الديانة البهائية" وفرقة "الإخوان المسلمين".

أضف إلى ذلك كله، تزايد أعداد الجامدين من شيوخ الأزهر، الذين لم يترددوا في قدح وإقصاء وتكفير مخاليفهم، ولاسيّما بعد تشكيل هيئة كبار العلماء (عام 1913م) من معظم أولئك الشيوخ الإطاحيين، وقد عبَّر عن ذلك تمردهم وشجبهم لكل حركات الإصلاح وتطوير نظام التعليم بالأزهر، وعلى الرغم من وجود بعض تلاميذ الأستاذ الإمام داخل المؤسسة الأزهرية من أمثال "الشيخ مصطفى المراغي (1881م - 1945م)"، و"الشيخ الأحمدي الظواهري (1878م - 1944م) "إلا أنَّ صوت الرجعيين كان الأعلى ومصاولاتهم كانت هي الأعنف.

الأمر الذي عطل مشروع "الصعيدي" في تجديد العلوم الأصوليّة وإصلاح المناهج التعليمية الأزهرية، والوقوف بينه وأفكاره دون أن تصل لشبيبة الأزهريين أو تكوين مدرسة لتفعيل ما كان ينادي به وتحقيق مقصده.

الأمر الذي دعاه إلى توخي الحذر في الاجتهاد، وذلك عن طريق حشد الحجج وترتيب البراهين تبعًا لطبيعة المسألة وبنية القضية المطروحة مسار الخلاف، ذلك فضلًا عن توضيحه المقصد والمآل وإفصاحه عن العلل والأسباب التي تأنى في دراستها قبل إدلائه باجتهاده. وذلك يتضح في اجتهاداته في تجديد علم الكلام وعلم أصول الفقه وعلم الحديث وتحديث أليات فقه الحدود وفقه المعاملات.

كما اتسمت كتاباته بالمجاهدة والمصابرة في تحمل تبعة آراءه، والوقوف بشجاعة في وجه المعارضين لمشروعه ووجهته في التجديد والإصلاح غير عابئ بالأضرار المادية والمعنوية التي أسفرت عنها معاركه المختلفة وصولاته المتباينة. ومع ذلك كله، فكان ينحاز دومًا للبراهين الواضحة والأدلة الثابتة أيًا كان مصدرها مادامت لا تخرج عن سياج صريح المعقول وصحيح المنقول، وذلك بعد تعديلها وتطويعها وفق مشاعره ورؤيته الخاصّة.

وكان، رحمه الله، يردد بيتاً "لأبي العلاء المعري (973م -1075م)"

حظي كدقيق يوم ريح نثروه.. وجاءوا بحفاة فوق شوك يجمعوه

كما التزم بالاعتماد على المنهج الاستنباطي والاستقرائي في اختبار الآراء والحجج قبل قبولها، ويبدو ذلك في مراجعته للقضايا الفقهيّة بداية من التحليل الدلالي للنص القرآني أو الحديث الشريف، ومقابلته باستنباط الأحكام المستخلصة منها، ثم استقراء نتائج تطبيقها في الواقع والتعويل بأبعاده الثلاثة (العقل، الواقع، الشعور) في الحكم على مقاصد اللغة، واعتمد أيضاً على المنهج الفونولوجي وغايات الاجتهادات، والمنهج التأويلي (الهرمونيطقا) في حديثه عن حرية المرأة وقضية السفور والحجاب وقضية الخلع والطلاق الرجعي والطلاق ثلاثة، ومخالفته في الكثير من المسائل جمهور الفقهاء، أضف إلى ذلك حديثه عن حجية الإجماع والناسخ والمنسوخ، وحد الردة وموقف الإسلام من الفنون الجميلة، وتولي المرأة القضاء والعمل بالجيش وجواز ولايتها الولاية الكبرى، الأمر الذي عرضه إلى الخصم من راتبه تارة، والفصل تارة أخرى وعدم ترقيته تارة ثالثة؛ للتصريح بأن الخطابات الكاملة هي تلك الخالية من الاضطراب والنكوص - فيما تطرحه من أفكار- والقادرة على توصيل مضامينها للرأي العام القائد فيحميها، والرأي العام التابع ليتقبل تطبيقها، فالخطابات المعادية للسلطات القائمة (الحاكم، أصحاب النفوذ، الرافضين للمذهب أو الوجهة) سوف تواجه بالرفض والتسفيه من شأن أصحابها، أمّا الخطابات التي لا تلقى استحسانًا من الرأي العام التابع فيصعب استحالتها إلى مشاريع والوصول إلى مقاصدها، ويعني ذلك أن "الصعيدي" قد فطن إلى أن علة نجاح خطاب "محمد عبده" في ميدان التجديد والإصلاح يرجع إلى كثرة تلاميذه الذين حملوا الرسالة جيلاً بعد جيل للوصول إلى الغاية المنشودة، لذا نجد "الصعيدي" يأسف على خلو عصره من المدارس الفكرية، وتعملق الأقزام، وشهرة المجترئين، وذيوع الآراء الفاسدة الشاغرة من الحجج العقلية والبراهين العلمية، وعلى الجانب الآخر تجاهل العلماء وانزواء ذوي الدربة والدراية خوفًاً من بطش ذوي السلطة أو اتهامهم بالكفر من قبل الخصوم أو تطاول الجمهور عليهم.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. عصمت نصَّار

 

 

بشار الزبيديبقلم: هايكو فلوتاو

ترجمة: بشار الزبيدي

لا يكل بعض منُظري ثقافتنا الرائدة أبداً من تكرارِ موضوع إن الحضارة الغربية قائمة على أساس يهودي مسيحي. ولكن ماذا عن الفلسفة اليونانية؟ وماذا عن العُلُوم العربية التي لولاها لبقي أرسطو وأفلاطون مجهولان بالنسبةِ لنا؟

وَلَدَ جيم الخليلي، أُستاذ الفيزياء النووية النظرية في إنجلترا، في بغداد عام ١٩٦٢، وهو ابن أب عراقي وأم إنجليزية. كان مقر الخليليين في الأصلِ في مدينةِ الكوفةِ بالقُربِ من مدينتي النجف وكربلاء المقدسة الشيعِيَتَين. ولا عجب أن يتطرق أيضاً العالم جيم الخليلي الحائز على عدةِ جوائز  إلى مسألة المُساهمة التي قدمتها العُلُوم العربية في تأسيس الثقافة الغربية، التي غالباً ما يُشار إليها باسم الغرب.

العُلُوم العربية ومورِديها:

"بيتُ الحكمةِ" (الذي كان موجودًا في بغداد) هو عنوان كِتاب الخليلي. يقود البحث المُفصل القارِئ إلى استنتاج مفاده أن أُسُس الثقافة الأوروبية غير نابعة فقط من الأساس اليهودي المسيحي، بل إن الحضارة العربية الشرقية والتُراث اليوناني الروماني ساهما على قدم المُساواة تقريباً في أساس ثقافتنا.

يَفهم المُؤلف الخليلي مُصطلح "العلوم العربية" على أنه تلك العلوم التي تمت رعايتها في عهدِ السُلالةِ العربية الإسلامية العباسية، التي حكمت من ٧٥٠ إلى ١٢٥٨. وكان من بين عُلماء ذلك الوقت الفُرس واليهود والعرب والبربر والباحثين المسيحيين، الذين ساهموا جميعاً في ازدهارِ العلومِ الحديثةِ. وكانت مصادر الأبحاث تعتمد على الفلسفةِ اليونانيةِ والطب الفارسي والرياضيات والعُلُوم الطبيعية الهندية.

تراجم عن الفارسيةِ واليونانيةِ:

1579 هايكو فلوتاووقد تم تطوير هذهِ المعرفة في كثير من الأحيان من قبل العرب الذين عاشوا في البداية في عهد الخُلفاء هارون الرشيد (في الفترة ٧٨٦ إلى ٨٠٩) وأبو جعفر عبد الله المأمون (٨١٣ إلى ٨٣٣). استندت هذه العُلُوم على ترجمات من الأعمال الفارسية واليونانية وكذلك الهندية إلى اللُغة العربية، التي كانت اللُغة الرسمية للإمبراطورية العباسية ولُغة التواصل المُشتركة في المنطقة بأسرها.

كانت حركة المُعتزلة بمثابة الأساس الإيديولوجي للمجدِ المعرفي الذي ظهر حديثاً، والذي كان بالكاد واضحاً في عهد السُلالة العربية السابقة من الأمويين المُقيمين في دمشق. ولم يَرَ مُمثلو هذا الخط الفِكري أي تناقض بين الإيمان (الإسلامي) والبحث العلمي العقلاني. وقد عبر الخليفة المأمون عن هذا الموقف أيضاً.

بغداد كمركزٍ للعُلُومِ:

كتب الباحث جيم الخليلي أن "التقدُم المُثِير" يرجع إلى التراجم المُكثفة في حقولِ الطب وعلم الفلك والرياضيات والفلسفة، وصناعة الكيمياء، الذي تجلى لأول مرة في بغداد، ولكن بعد ذلك انتشر في جميع أنحاء الإمبراطُورية العباسية. هذا التطور، حسب الخليلي، "استغرق مائتي عام، وهو الوقت الذي تُرجمت فيه معرفة الحضارات السابقة"، الإغريق والفرس والهنود إلى اللغة العربية,بعد أن أصبح التعلم قائمًا في الإمبراطورية الإسلامية، وسرعان ما حقق نجاحًا مؤكدًا. وأدى ذلك إلى تجميع المعرفة العلمية التي تجاوزت بكثير مجموع ما كان موجودًا في السابقِ.

هُناك العديد من التفسيرات للازدهارِ المُفاجئ للعِلم في بغداد العباسية. يرى جيم الخليلي أن السبب الرئيسي وراء ذلك يكمُن في حقيقةِ تأسيس العباسيين لعاصمتِهِم الجديدة بغداد (التي تأسست عام ٧٦٢) في وسط الإمبراطورية الساسانية الفارسية السابقة، بعد انتصارهم على الأمويين. كان السبب الرئيسي لحركة الترجمة هو "هوسُ العباسيين" بالثقافةِ الفارسية. وبالطبع،قدمت السُلالات الفارسية مُساهمة كبيرة في النصرِ العباسي على الأسرة الأموية السابقة.

الدور الريادي لقُرطبة:

ومع ذلك، لا بد من الإشارةِ هنا إلى أن أحد الأمويين القلائل الباقين، "عبد الرحمن "، الذي وَصَلَ إلى إسبانيا وأَسَسَ الخلافة في قُرطبة، حيث أرتقى بالعلمِ والفنِ في الوقت الذي وصلت فيه بغداد، إلى مستوى مُماثل.

وقد أثبت الخليفة المأمون في بغداد أنه الراعي الأكبر للعُلُوم. كان يدعوا العُلماء والفنانين إلى بلاطهِ أسبوعياً، ويُقدم لهم النبيذ والطعام. كما أرسل مبعوثين حول إمبراطوريتهِ الشاسعةِ لشراء النصوص القديمة. وحسب الكاتب الخليلي أن الخليفة، إذا هزم عدواً في معركةٍ، فإن أحد شروط الاستسلام التي كان على المهزومين تنفيذها هي تسليم النصوص القديمة من أرشيفهم. لقد أسَسَ المأمون قبل كُل شيء "بيت الحكمة"، بيت العلوم (الطبيعية) في بغداد. لا توجد بقايا أثرية لهذه المؤسسة (حيثُ اختفت جميع القصور في ذلك الوقت؛ ومع غياب بناء المحاجر، تم بناء جميع المباني آنذاك من الطوبِ الطيني، الذي لم يَنجْ طوال هذه القرون، ولم ينج لاحقًا من الغزو المغولي).

1580 الحضارة الاسلامية

فن صُنعِ الورقِ الصيني:

في بيتِ الحكمةِ، كما يروي الكاتب، أنشأ الخليفة مع مرورِ الوقتِ أكبر مكتبة في ذلك الوقت (رُبما باستثناءِ تلك الموجودة في قُرطبة). استَفادَ العباسيون من نقلِ فن صناعة الورق عن طريق الصينيين المُنهزمين بعد معركة الانتصار ضدهم، بحيث تم بناء أول مصنع للورق في العالم العربي الفارسي الإسلامي في بغداد.

كتب الخليلي: "نمت المكتبة بسرعة وحصلت على العديد من النصوص من اليونان وبلاد فارس والهند، وكانت هناك أيضًا ترجمات عربية لهذه النصوص،والتي احتل إنتاجها في بغداد قطاع كامل".

الفلسفةُ الأرسطيةُ واللاهوت الإسلامي:

تَمَت ترجمة أعمال  إقليدس وأرسطو وبطليموس عدة مرات. يذكر الخليلي اسم محمد بن موسى الخوارزمي (٧٨٠-٨٥٠) كواحدٍ من عُظماء العصرِ، والذي كان مُترجمًا وعالمًا في الرياضيات والفلك ونشر كتاب الجبر (ومن هنا جاءت كلمة الجبر) ؛ كما قدم الخوارزمي مُساهمة حاسمة في إدخال نظام الأرقام الهندي إلى العالم العباسي.

 المسيحي حنين بن إسحاق (المتوفي عام ٧٦٧) هو عالم عظيم آخر من العصر العباسي،  عمل كطبيب ومُترجم وسافر كثيراً من أجل جمع المخطوطات القديمة، ونقل أعمال أفلاطون وأرسطو إلى اللُغة العربية. وأخيرًا، يُشير المؤلف إلى العالم "أبو يوسف الكندي (٨٠١- ٨٧٣)" في العصرِ العباسي "بصفته" فيلسوف العرب "، إذ كان عالم رياضيات ومُنظر مُوسيقي وفيلسوف، ساهَمَ أيضًا في إدخالِ نظام الترقيم الهندي إلى العالم العباسي. لكن أهمية الكندي تكمن، كما يذكر الخليلي، بالدرجة الأساس في التوفيق بين فلسفة أرسطو واللاهوت الإسلامي. وبهذا الجهد، "أرسى الكندي الأساس الفكري للجدلِ بين الفلاسفة وعلماء اللاهوت" الذي استمر لأكثر من ٤٠٠ عام.

تفسيراتٌ لتراجُعِ "العصر الذهبي":

يتساءل جيم الخليلي: ماذا حدث "للعصر الذهبي الإسلامي"؟ أولئك الذين يبحثون اليوم في العالم الإسلامي عن آثار العظمة القديمة للعصر الذهبي الإسلامي عادةً ما يشعرون بخيبة أمل. وقد ظهرت  تفسيرات كثيرة لهذا الأمر، مثل أن الاجتياحَ المغولي عام ١٢٥٨، الذي دمر بغداد وأنظمة الري الحساسة في بلاد الرافدين والذي أدت إلى نهاية العلوم الإسلامية بشكلٍ مُفاجئ.

لا يتفق المؤلف جيم الخليلي مع هذا التفسير. ويقول إن العثمانيين هم الذين لم يواصلوا التطور المجيد للعباسيين، على سبيل المثال من خلال عدم تشجيع الطباعة. كانت اللغة العربية، أشبه بالخط المائل، وغير مُناسبة في البداية للتقنيات الجديدة، كما عرضت طباعة الكتب أيضًا التقاليد الفنية العظيمة للغة العربية للخطر بسبب اختراع الطباعة. وفقا للخليلي، فقد تمت طباعة النُسخة الأولى للقرآن في عام ١٥٣٧ في مدينة البندقية وليس في اسطنبول.

التأثيرُ على النهضةِ الأوروبيةِ:

مراكز الثقافة العربية الأخرى - مثل القاهرة - كانت ستستمر في الوجودِ بعد سقوط بغداد. ومؤرخ مشهور مثل ابن خلدون (١٣٣٢- ١٤٠٨) من تونس الحالية، عاش عندما كانت بغداد بالفعل في حالة خراب. ومع ذلك: لا يستطيع جيم الخليلي أن يُقدم تفسيراً مرضياً للحالة المؤسفة في العالم العربي الإسلامي اليوم. لكن: ألم يستمر المجد السابق لبغداد، وقُرطبة، وغرناطة، والقاهرة في أوروبا، إذ إن "العلوم العربية" جلبت المعرفة اليونانية والفارسية والهندية إلى أوروبا وبالتالي وَلَدَت عصر النهضة؟

 تمامًا مثلما أدى غزو العرب لبلاد فارس إلى نقل الثقافة الفارسية إلى هُؤلاء العرب، فقد وقع المُنتصرون الكاثوليك الإسبان على إسبانيا المُسلمة في أيدي كنوز قُرطبة الثقافية الغنية.كما تداخلت طُليطلة المسيحية مع الروح العلمية للموريين قبل سقوط إسبانيا المُسلمة عام ١٤٩٢.

وأخيراً، سَعَت حركة المُعتزلة للخليفة المأمون في بغداد إلى التوفيق بين الإيمان والعلم. ومع ذلك، ظل العقلانيون في المُعتزلة مُسلمين مُتدينين. وقد حدث الشيء نفسه في وقت لاحق في عصر النهضة الأوروبية، إذ سعى الإنسانيون أيضًا إلى التناغم بين الإيمان والبحث، ومع ذلك وقفوا إلى جانب إيمانهم الكاثوليكي.

قد ترغب أوروبا الوسطى والشرقية والغربية والشمالية تزيين نفسها بالتُراث اليوناني الروماني، بيد إن الإرث اليهودي المسيحي والإسلامي الشرقي تبقى نواقل ثقافية لأوروبا. وفي ضوءِ الجدل المعرفي الواسع حول الإسلام، الذي يستند على معرفة قليلة في الغالب، لن يكون النقاش مُفيدًا إلا إذا أدرك أبطاله حقيقة أن هُناك وقت كانت فيه الثقافة الإسلامية على وجه الخصوص مُتفوقة كثيرًا على الثقافة الأوروبية.

 

...........................

معلومات عن كاتب المقالة:

"هايكوا فلوتاو Heiko Flottau" هو صحافي ألماني عمل كمراسل اجنبي لصحيفة " Süddeutsche Zeitung" في صربيا وفي بولندا ثم عمل في القاهرة كمراسل وخبير في شؤون الشرق الأوسط لصالح صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية طيلة ١٥ عاما  وله مؤلفات منها كتاب "من النيل إلى الهندوكوش - الشرق الأوسط والنظام العالمي الجديد " (٢٠٠٤) (الطبعة العربية ٢٠٠٦) ثم اختتم مسيرته بكتاب بعنوان "الجدار العازل - فلسطينيون وإسرائيليون على أرض ممزقة" (٢٠٠٩) والذي صدر بنسخة عربية عام ٢٠١٢.

 

 

محمود محمد عليمن معين نهر النيل العذب نغرف وجهاً عربياً مضيئاً في سماء عالمنا العربي المعاصر، الذي خبت نجومه، وقلت شموسه، وتقلصت رموزه، ولكن الخير كل الخير في البقية الباقية من الرواد العظام الذين لا ينساهم التاريخ أبداً، ومن هؤلاء الرواد نحاول في هذا المقال أن نتطلع إلي نموذج نسائي نهتدي عبر طريقه، وشخصية استطاعت أن تحفر في صخور صماء منعت المرأة خلال فتراتها من حقها في تعلم اللغة الفرنسية واللاتينية، لتتجاوز هذا المنع وتصل بعلمها وتراثها العلمي مبلغ الرجال، تلك هي الدكتورة زبيدة عطا، والتي استطاعت أن تصل بعلمها مبلغ الرجال خلال فترة منعت فيها المرأة من حقها في التعليم.. لتمثل الأمل في نفوس فتيات جيلها، ولتصبح أيقونة تاريخ العصور الوسطي في مصرنا الحبيبة..

وهنا نعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الثالث والأخير حول رؤيتها الاستبافية والحقيقية لأزمة سد النهضة الإثيوبي، وهنا نقول: لقد سعت إسرائيل للعمل علي بناء علاقات تطبيع مع دول كثيرة مثل كينيا وأثيوبيا، بل نجد أن إثيوبيا أخطر من كينيا، لأنه يوجد بها جزء من اليهود يسمى الفلاشة وهم الذين شاركوا في عمليتي شلومي وأوشيه، فهم مشكوك في أصلهم رغم أن الإدارة الصهيونية الحاكمة قالت إنهم ذات أصول يهودية، ورغم أن إسرائيل تنظر لهم كمواطن درجة سادسة إلا إنهم سعداء بهذه المعاملة لأنها أفضل من فقر إثيوبيا، فالمدارس لا تقبلهم كما يحصلوا على أقل أجور في إسرائيل، فالتعامل مع الفلاشة سيئ ولكنهم عامل مهم، فالذين يهربون من السودان كلهم إثيوبيين يريدون الدخول إلى إسرائيل لأنهم يعتقدون إنها جنة الله في الأرض، المشكلة أن إثيوبيا تتحكم في مياه النيل وإسرائيل تزين لهم فكرة بيع المياه مثل البترول، حتى أن الفكرة السائدة الآن في الدول الإفريقية أن مصر والسودان يشربون المياه بلا مقابل، وهذا لن يؤثر على السودان ولكنه سيضر مصر.

وأما فيما يخص السدود الأخري التي تبنيها الشركات الإسرائيلية؛ فمن الواضح أن تلك الشركات  موجودة في إثيوبيا؛ حيث تساهم في إقامة السدود الصغرى منذ فترة طويلة، وتعكف علي إرسال خبراء في الري وتوليد الطاقة لتعليم الإثيوبيين، حتى أن السفير الإسرائيلي يعتبر أهم شخصية في بعض البلاد الإفريقية، فهم لديهم مبدأ الوصول إلى القادة، وهم يحاولون الوصول إليهم عن طريق تجارة الماس وهي أهم تجارة في إفريقيا، فأكبر تجار الماس في إفريقيا من اليهود، ولأنهم يتحكمون في الاقتصاد يتوصلوا إلى القيادات الشابة مثل الكونغو، أيضا عندما حكم آل كابيلا حكم استبدادي لم يتعاونوا معه وأعلنوا إنهم لن يساعدوه لأنه حاكم مستبد، ثم نشرت صحفهم الإسرائيلية بعد ذلك أنهم يعملوا بازدواجية لأنهم علنا أعلنوا إنهم لن يتعاملوا معهم لأنهم استبداديين وقتله ثم أتضح إنهم أقاموا اتفاقية بموافقة الإدارة الإسرائيلية في السر، أيضا يرسلوا إلى روندا وبورندي المتحاربين أسلحة قديمة عفا عليها الزمن حتى يقضوا على بعضهما البعض ويكونوا قد ساعدوا هؤلاء وهؤلاء.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة تؤكد عليها زبيدة عطا، وهي أن المساعدات التي تقدمها "تل ابيب" لدول حوض النيل ليست لوجه الله، وأن "الغذاء مقابل المياه " أصبح هو الشعار الذي تتعامل معهم به، مشيرة إلي أنها كانت تأمل ان تشارك مصر "الأحباش" بناء سد النهضة، وأن الفاقد من النيل يمثل 600 مليار متر مكعب سنويا؛ أي ما يعادل 12 ضعف حصة مصر.

وحول رؤية الدكتورة زبيدة حول أزمة سد النهضة؟ ومن المسئول عنها؟ ؛ فنجدها تقول بلا خجل بأن "سد النهضة".. مخطط "صهيوني- أمريكي" لحصار مصر مائيا داخل دول حوض النيل، فدول الحوض لا تشهد اختراقا اسرائيليا بقدر ما تشهد غزوا منظما منذ اربعة عقود، بهدف تعطيش وتجويع مصر عقابا علي عدم تصدير المياه عقب اتفاقية السلام، وقد عرضوا بالفعل على مبارك حل مشكلة النيل مع دول الحوض في مقابل أن يصل لإسرائيل حصة من المياه، ولكن "مبارك" رفض هذا العرض... كثيرا ما أكدت في دراساتك علي ان الشركات والمهندسين الإسرائيليين يعملون في حوض النيل منذ 40 عام مضت، أين كانت القيادة المصرية من ذلك؟ ولماذا تركناهم يفعلون ذلك؟

وهنا تجيبنا زبيدة عطا فتقول: ماذا كنا سنفعل.. دول الحوض ليست مجرد دويلات تعمل تحت أمرنا، هناك مصالح إرتأتها مع اصحاب رؤوس الاموال العالمية، ولا اقصد هنا اسرائيل فقط، ولكنني اتحدث عن الغزو الصيني والايطالي والأمريكي الذي يجتاح بلاد النيل بالشركات متعددة الجنسيات، والجميع هدفهم المصلحة الشخصية بعيدا عن الأمن القومي المصري، فانا لا اعتقد ان المشكلة مشكلة مياه، فالفاقد من مياه النيل يصل الي 12 ضعف ما تحصل علية مصر، ويبلغ الفاقد أكثر من 600 مليار متر مكعب.

وحول تحذيراتها بشأن انهيار "سد النهضة".. قالت زبيدة بأن "سد النهضة طبقا لجميع الدراسات الجيولوجية يمر فوق الاخدود الافريقي العظيم، والذي يصل من تنجانيقا حتي شمال لبنان، وهذا يعني ان خطورته ستطول دول كثيرة، كما ان معامل الامان قليل لا يتعدي 3 درجات فقط، ولا يتحمل ثقل 70 مليار متر مكعب، ورغم ذلك كنت أتمني أن نشارك "الأحباش" بناء هذا السد والمشاركة في الدراسات واختيار الموقع الأفضل، بدلا من ان تستغل بعض الدول غيابنا بهذا الشكل".

ومن هذا المنطق تحاول زبيدة عطا إلي نقسم الكتاب إلى ثلاثة أبواب. الأول بعنوان: "إسرائيل وأفريقيا" وفيه تناقش المؤلفة زبيدة عطا تراجع الدور المصري في أفريقيا بعد عهد الرئيس جمال عبد الناصر والذي كان لفترة حكمه تأثير واضح في دعم ومساندة حركات التحرر في مناطق عديدة من دول القارة وهو ما أدى إلى قيام معظم دول أفريقيا بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل في أعقاب حرب السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣م.

ورغم ذلك فإن الحكومة المصرية لم تحاول الاستفادة من هذا الموقف في توثيق التعاون بينها وبين الدول الأفريقية عموماً ودول حوض النيل خصوصاً، وهو ما أدى إلى نجاح إسرائيل في استعادة علاقاتها تدريجياً مع دول القارة، خصوصاً بعد توقيع اتفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية في كامب ديفد بالولايات المتحدة الأميركية عام ١٩٧٩م.

ويستند أصحاب الرأي الرسمي في مقارنتهم بين مدی نفوذ مصر واسرائيل في حوض نهر النيل، إلى أن حجم استثمارات إسرائيل في إثيوبيا مثلاً -وهي إحدى الدول الرئيسية المؤثرة في حوض نهر النيل- لا يزيد عن مائة مليون دولار، وهو رقم ضعيف بالمقارنة بالاستثمارات المصرية في تلك الدولة. لكن الرأي الآخر في هذا الجانب لا يربط بين تدفق الاستثمارات وحجم التأثير السياسي منها مثلاً ما يقوله العديد من خبراء المياه في مصر والسودان من أن إسرائيل لديها أحلام ومشاريع كبيرة في مياه النيل، ويستند أصحاب هذا الرأي أيضاً إلى أن إسرائيل تستخدم أزمة المياه، كورقة ضغط على مصر، لتحقيق مطالبها الخاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.

ويتناول الباب الثاني أطماع إسرائيل في شبه جزيرة سيناء، وإمكانية توصيل مياه نهر النيل إليها عبرها، ويشير إلى فقرات متعددة من كتاب الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز "الشرق الأوسط الجديد"، تؤكد على اهتمام المسؤولين هناك بمشروع توصيل مياه النيل إلى إسرائيل عن طريق القنوات المائية في مصر، وهو المشروع الذي تسعى إليه الصهيونية العالمية منذ أيام هيرتزل، ولذلك جاء اهتمام إسرائيل بشبه جزيرة سيناء، وهي النافذة الغربية التي يمكن أن تؤمن لها حلاً لأزمة المياه التي تعاني منها.

ويشرح الباب الثالث ـ وهو الأهم والأكبر حجماً بين صفحات الكتاب ـ الأبعاد التفصيلية لعلاقات إسرائيل بدول حوض نهر النيل، والدول الغربية التي تساندها في ذلك، فالولايات المتحدة تتبع سياسة الترهيب والترغيب مع الدول الأفريقية، التي تقف موقفاً معادياً لإسرائيل في المحافل الدولية, ومن الحقائق التي تم الكشف عنها انضمام هولندا وألمانيا إلى الولايات المتحدة في دعم وتمويل النشاطات الإسرائيلية في أفريقيا, وأيضاً فإن لفرنسا دوراً لا يستهان به في تسهيل عودة إسرائيل إلى القارة السمراء, بحكم شبكة علاقاتها الواسعة بقادة الدول الناطقة بالفرنسية, كما لا يمكن تجاهل دور بريطانيا في هذا الميدان، في شرق أفريقيا وفي نيجيريا.

وفي النهاية نقول: إن هذا الكتاب صيحة تحذير لكل من يهتم بأزمة المياه في دول حوض نهر النيل وإذن في الختام تتساءل الدكتورة زبيدة عطا: هل يمكن بعد كل هذه المعلومات والوقائع على الأرض، أن ينهار ذلك تحت شعار نظرية المؤامرة الوهمية؟

مع كل ذلك، تسعى إسرائيل للحصول على مياه النيل بشتى الطرق, منها التأثير على دول منابع النيل, كورقة ضغط على مصر, وعملت إسرائيل, وتعمل, على صناعة حضور قوي لها في مدخل البحر الأحمر, وفي جنوب السودان ودارفور, لفصلهما عن السودان. يستعرض هذا الكتاب النشاط الإسرائيلي في دول حوض النيل, وفي مدخل البحر الأحمر, ويطلق صيحة تحذير لكل من يهتم بحاضر مصر ومستقبلها من دولة تضمر الشر للشعوب حولها, لأنها ترى أنها فوق الجميع!.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور زبيدة عطا بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكرة مبدعة في التاريخ، ونموذج متفرد لأستاذه جامعية نذرت حياتها بطولها وعرضها لخدمة الوطن الغالي مصر، وأثرت حياتنا الفكرية بكل ما قدمته من جهود.

تحيةً مني لزبيدة عطا التي لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف تبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في زبيدة عطا قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمرها قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاها الله لنا إنسانة نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منها عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.......................

المراجع

1- سعيد الشحات: أطماع إسرائيل فى أفريقيا والنيل (مقال).

2- محمد عبد السلام: زبيدة محمد عطا خبيرة الشأن اليهودي تكشف المخطط الصهيوني (حوار بجريدة الدستور).

3- شيماء أبوعميرة: كتاب "اسرائيل في النيل" (مقال).

 

 

 

 

محمود محمد عليهناك افتراض خاطئ في مضمونه يقول بأن علم التاريخ افتقر لأصوات نسوية استطعن أن يخترقن القلاع الفكرية المشيّدة بإحكام من قبل الوعي الذكوري المتغطرس، بل تكاد تخلو القواميس المعرّفة بالمؤرخين من أسماء مؤرخات سجّلن حضورهن على نحو متشظّي عبر محطات التاريخ؛ وبالتالي ليس هناك إسهام نسائي في مجال علم التاريخ عامة، وتاريخ العصور الوسطي خاصة؛ أى أن كل المؤرخين رجال، وليس هناك نساء مؤرخات؛ بل إن هناك من يتخذ من هذا الافتراض الخاطئ، كدليل على أنه ليس للمرآه مقدره على التفكير العقلاني- الذي يعتبر التاريخ شكل من أشكاله- وسنحاول في هذا المقال بيان خطأ هذا الافتراض، من خلال استكمال عرض الدكتورة زبيدة عطا في الكشف عن الأبعاد الحقيقية لأزمة سد النهضة الإثيوبي، ثم الرد على الدعوى – غير العلمية – بأن المرآه لا تمتلك القدرة على التفكير العقلاني والتي يستدل بهذا الافتراض الخاطئ.

وهنا نعود ونكمل حديثنا عن الدكتورة "زبيدة عطا" ورأيها حول الكشف عن الأبعاد الحقيقية لأزمة سد النهضة الإثيوبي، وهنا نحلل كتابها السالف الذكر، وهو كتاب إسرائيل في النيل، حيث طرحت "زبيدة عطا " في مستهل دراستها إطلالة سريعة عن العلاقة بين إسرائيل وأفريقيا، وتستعرض الآراء حول التأثير الإسرائيلي فى منطقة حوض النيل، مشيرة فى ذلك إلى أنه فى الوقت الذى كان فيه الدور المصري يتراجع فى أفريقيا بعد عهد جمال عبدالناصر «رحل يوم 28 سبتمبر 1970»، فإن إسرائيل كانت تكسب مواقع نفوذ جديدة لها فى القارة، وكانت في ذلك تسير على السياسات الأولى التى أعلنها بن جوريون أول رئيس وزراء لها الذى أكد الحرص على الاتجاه نحو أفريقيا، أما شيمون بيريز رئيس إسرائيل الأسبق فأكد فى كتابه «الشرق الأوسط الجديد»، أن أفريقيا لن تنهض وتحل مشكلة المياه إلا بالتكنولوجيا الإسرائيلية، حينما عرض مشروعه لتوصيل مياه النيل لإسرائيل عن طريق مصر، وهو ما تكرر على لسان المسؤولين الإسرائيليين الذين زاروا إفريقيا أو استضافوا وفودها أو مسؤوليها فى إسرائيل.

ثم تؤكد زبيدة عطا بأنه في عهد الرئيس السادات بدأ دور شركة النصر يقل، وبدأت تتخذ العداء نسبيا، وكانت تلجأ للأمم المتحدة حتى تشتكي مصر، لأنها لا تقوم بالمشاريع وهي تريد أن تقيم مشاريع، إلا أن السادات هددهم إذا أقاموا المشاريع، وكان يقول إن الخطر الأساسي علينا في إفريقيا وأنه سيدخل حرب مع اسرائيل واثيوبيا، وعندما جاء مبارك للحكم أهمل الجانب الإفريقي تماما وأغلق الشركة ولم يعد لمصر دور تقريبا في المنطقة، رغم ان إسرائيل تضع المنطقة أمام عينها منذ عهد بن جوريون الذي قال أن الخدمات التي يقدمونها لإفريقيا ليس لوجه الله إنما لمصلحة إسرائيل، هنا بدأت إسرائيل تلعب دورها، لذلك قام "سلفان شالوم" كان يقوم بزيارات لدول إفريقيا ليعرض عليهم إنتاجية الفدان في إسرائيل التي تعادل سبعة أضعاف إنتاجية الفدان في مصر، وكان يرسل لهم الآلات الحديثة ويدربونهم عليها، فأصبحت إسرائيل بالنسبة للإفريقي شيء كبير.

وأما فيما يتعلق بالأسباب التي جعلت إثيوبيا تنقلب علي "السادات"، فتؤكد زبيدة عطا بأن إثيوبيا لم تكن راضية عن مشروع ترعة السلام، ووصول المياه إلي اسرائيل، كما أنها كانت تريد أن تبني السدود وهذا ما جعل السادات يهددهم بالحرب، والغائب عن البعض كما تقول زبيدة عطا هو أن الدور الإسرائيلي في تلك القضية بالتحديد ليس جديد ولكنه قديم جدا، ولقد كتب "بوسافيرج" وهو ضابط مخابرات إسرائيلي عن السياسة التي كانوا يتبعونها، وأكد أن إسرائيل تلعب على منذ الخمسينات حتى يمكنها التضييق على مصر، واستخدموا في ذلك سياسة التقسيمات الكونفدرالية في السودان وغيرها من دول الحوض.

وهذه السياسة تقوم علي نظرية "سياسة شد الأطراف ثم قطعها"، لذلك كانوا يدعمون الأقليات للانفصال، بقصد الضغط على مصر، ففي الوقت الذي ظهر فيه البترول في السودان كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يمثل مشكلة كبيرة للإسرائيليين، فأرادوا الضغط علينا بنفس سياسة شد الأطراف، فأصبحت السودان جنوب أفريقي مسيحي وشمال عربي مسلم، والحكومة السودانية أرسلت ضابط يدعى "جورنج" للقضاء علي حركة الانفصال ولكنه تحول الي زعيم، وهذا ما حدث مع عبود الزمر الذي كان ضابطا ثم تحول لجهاديا إرهابيا وقتل أنور السادات، وبهذه الطريقة كانوا يدعمون جورنج ويدعموا جيشه في هذه الثورة.

وهنا وصل الأمر إلي منتهي الخطورة وهي أن إسرائيل تمكنت من أن تجعل جنوب السودان يعلن أنه لن يدعم مصر في تلك المعركة؛ فإسرائيل كالعادة هي السبب كما تقول زبيدة عطا، وذلك لأنها روجت لفكرة الاحتلال المصري لجنوب السودان، وهذا جعل من يؤيد مصر في الجنوب ينقلب عليها، حتى أن كل شخص يرشح نفسه للانتخابات تكون دعايته الانتخابية انه لن يجعل مصري يضع قدمه في المنطقة حتى يكتسب شعبية، أيضا روجوا للسودانيين أن المراعي التي يمتلكوها سوف تضيع نتيجة لمشروع "جورينج"، وبالتالي بدأ الأهالي يهاجموا معدات الشركة الفرنسية حتى اضطرت الشركة لإيقاف المشروع، هذه المؤامرة استمرت حتى انفصلت السودان، والآن يشجعوا على انفصال دارفور وكوردفان وجبال النوبة، كل تلك التقسيمات إذا نجحت ستنتهي السودان تماما، وسوف تدمر المنطقة كلها بفضل الجهود الإسرائيلية.

وثمة نقطة مهمة نود مناقشتها هنا وهي تتعلق بمحاولة اغتيال "حسني مبارك" في أديس بابا، حيث تقول زبيدة عطا بأن تلك الحادثة كان دور في العزلة النفسية للإثيوبيين؛ إذ يكفي إنها كانت سبباً في مصر فترة طويلا عن الجانب الأفريقي، وهذا ما صنع العزلة، ففي عهد عبد الناصر كانت مصر تدخل بقوة إلى دول إفريقيا، لذلك كان لها تأثير قوي عليها كتأثير الأب، ففي أحد مؤتمرات الوحدة الأفريقية كان رئيس المؤتمر ينادي جمال عبد الناصر بلقب والدي رغم أنه اكبر سنا، وقال أن رئيس مصر في مكانة الوالد لكل دول إفريقيا.

وهنا قد يتساءل البعض: لماذا تغيرت سياسة الأب التي تعامل بها الأفارقة مع عبد الناصر في عهد السادات؟

تقول زبيدة عطا : اعتقد أن لحظة التغيير في تلك السياسة جاءت بعد ان تحالف الزعيم الافريقي "منجيستو" مع إسرائيل، فالدول التي وقفنا بجانبها ساعدت إسرائيل وتحالفت معها، فاريتريا كانت تخضع لإثيوبيا وأعطت إسرائيل ميناء في منطقة دوبلوج، ولأن إسرائيل كانت تريد أن تتواجد في البحر الأحمر منحت أمريكا قواعد أمريكية في دوبلوج ومصوع وأسمرة، فهم كان لديهم أطماع للسيطرة على المنطقة، وفي نفس الوقت وجد الاريتريين مجموعة من شركات الخدمات الإسرائيلية التي تقدم خدمات سياحية وعمالية وتعليمية وصحية فمنحت أحد الشركات الإسرائيلية 150 ألف فدان من أراضي اريتريا حتى تستغلها، وكانت الشركة تصدر منها اللحوم في الخمسينات، كما أخذت من شركة إيطالية اسمها سيناء حق الانتفاع لخمسين ألف فدان من اريتريا.

لم تكتف بذلك، بل حشدت زبيدة عطا في داخل الكتاب آراء كثيرة قيلت فى مسألة أطماع إسرائيل فى مياه النيل، وربط ذلك مع التوغل الإسرائيلي فى أفريقيا، وهنا تحاول الدكتورة زبيدة أن تبين كما قلنا أن العقلية اليهودية تخترق "حوض النيل" بشكل منظم منذ أكثر من اربعة عقود لحصار مصر من الجنوب، وان الهدف الواضح من ذلك تعطيش وتجويع مصر، مبينة أن الغزو الصيني والايطالي والأمريكي يجتاح بلاد النيل بالشركات متعددة الجنسيات، وان غياب مصر أضحي يمثل خطورة علي الامن القومي.

وينتقد الكتاب قلة الاهتمام والتهوين الرسمي المصري من خطورة الدور الإسرائيلي في أفريقيا, فيما يخص أزمة حصة مصر من مياه النيل, حتى إن بعض الرسميين، وصحفيين وكتاب محسوبين على السلطة، يربطون الحديث في هذا الجانب بنظرية "المؤامرة" التي تتخيل خطراً وهمياً قادماً بلا دليل.

ويستند أصحاب الرأي الرسمي إلى أن حجم استثمارات إسرائيل في إثيوبيا مثلاً -وهي إحدى الدول الرئيسية المؤثرة في حوض نهر النيل- لا يزيد عن مائة مليون دولار, وهو رقم ضعيف بالمقارنة بالاستثمارات المصرية في تلك الدولة.

ويشير الكتاب إلى جملة من الوقائع والشواهد التي تؤكد قيام إسرائيل بتغذية الشعور لدى المسؤولين الأفارقة في دول حوض النيل، بأن مصر تسلبهم حقوقهم ومواردهم الطبيعية بلا ثمن, بالإضافة إلى الدعم العسكري الإسرائيلي لبعض الدول وحركات التمرد في القارة, سواء من خلال التسليح أو تدريب المقاتلين, وهو ما يجعل دورها وتأثيرها على صناعة القرار أكبر من مجرد النظر إلى حجم الاستثمارات المالية.

وتكمن مشكلة الكتاب في أن إسرائيل لديها مشكلة كبيرة وهي مشكلة المياه، فهي تعول علي المياه من خلال المناطق التي احتلتها، أو من المياه الجوفية التي كانت في سيناء اثناء فترة احتلالها، وقد وجدت إسرائيل أن كل هذا لا يكفيها، وبالتالي اكتشف الإسرائيليون أن هناك أزمة خطيرة بالنسبة لهم فيما يخص المياه .. ولذلك كانوا يريدون المياه بأي وسيلة ولذلك فكروا في عهد الرئيس السادات أن تقوم مصر بتوفير لهم من خلال عن طريق أنابيب المياه في قناة السويس التي يمكن أن تصل غلي صحراء النقب وهنا تروي الأراضي وتستفيد إسرائيل من المياه .. وهذا الأمر جعل إسرائيل تحاول قدر استطاعتها الدخول في إفريقيا وهي منذ البداية وهي مهتمة بأفريقيا وذلك من أجل حماية أمنها في باب المندب والضغط علي مصر .. إسرائيل من سنة 1952 وهي تتدخل في أمور السودان، حتي تمكنت من تقسيمه إلي شمال وجنوب من خلال نظرية شد الأطراف ثم قطعها، أي اللعب علي الأقليات، ثم بعد ذلك الانفصال؛ أي الأقاليم الأفريقية أكثر توجها للسياسة الاسرائيلية.

إذا تحدثنا عن الشركات سنجد أن كينيا لها 12 شركة خدمية، مع ملاحظة إنهم كانوا يريدون في البداية أن يجعلوا من كينيا وطن قومي بدلاً من فلسطين، لذلك كانت من أول الدول التي زارتها جولدمائير عندما كانت وزيرة خارجية قبل أن تصبح رئيسة وزراء، ثم أخذت الأسر اليهودية تنتقل إلى كينيا، ولأن اليهود ناجحين في العمليات المالية أصبح لديهم 12 شركة خدمية، وهم يغلفون نواياهم وأطماعهم بتقديم الخدمات للمسلمين الموجودين بالبلد كأسلوب معاملة لاستيعابهم حتى أنهم يبنون لهم المساجد، فبدأت تنتشر فكرة أن الشركات الإسرائيلية ستساعد الناس في التعليم والزراعة وغيرها، خاصة وأن انتاجية الزراعة في إسرائيل أضعاف انتاجية مصر.

وهنا وجدنا إسرائيل تعاني من ندرة المياه، فالكثير من الكتب اليهودية ذكرت أن الحروب القادمة ستكون حروب مياه، لذلك يسعون للحصول على المياه بأي وسيلة، ولا يمكن أن يفكروا في تحلية مياه البحر بتكاليفها المرتفعة والدول المجاورة لديها مياه كثيرة، لذلك هم لديهم ألف مشروع منذ هرتزل الذي أراد أن يحصل على العريش ويصنع بها مستعمرة، ثم مشروع كيري وهي عبارة عن مواسير تمتد تحت القناة لتصل لهم المياه، ثم مشروع هرتزل الذي يصعد على الساحة كل فترة زمنية وهو عبارة عن توطيب أهل غزة باستقطاع جزء من سيناء، في مقابل أن يعطوا لمصر 200 كيلو في صحراء النقب. ... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.........................

المراجع

1- رامي جلال : إسرائيل في النيل! – جريدة المصري اليوم (مقال).

2- سعيد الشحات: أطماع إسرائيل فى أفريقيا والنيل (مقال).

3- محمد عبد السلام : زبيدة محمد عطا خبيرة الشأن اليهودي تكشف المخطط الصهيوني (حوار بجريدة الدستور).

4- شيماء أبوعميرة: كتاب "اسرائيل في النيل"(مقال).

5- رانيا رياض تناقش قضية التدخل الاسرائيلى فى قضية مياه النيل مع د زبيدة عطا عميد كلية اداب حلوان السابق 9 اكتوبر 2012 (بوتيوب)

 

 

 محمد السعدي(كل شيء يبدأ بالوعي، ولاقيمة لشيء من دونه).. ألبير كامو  

قد يسأل البعض؟. عن دوافعي في الكتابة عن تلك الرموز الأدبية والفكرية والسياسية والفلسفية والتاريخية والنضالية والاجتماعية والفنية بدءاً من عبد الرحمن القصاب وباقر أبراهيم وطه صفوك ووحيدة خليل وتورغنيف وتولستوي وعبد الفتاح إسماعيل ورشا فاضل ويسنيين ومايكوفسكي وباسترناك ولليندي وعامر عبدالله ومهدي أبن بركه وعلي الجبوري ومحمد الدفاعي وضياء نافع وحياة شرارة وغادة السمان وعبد الحسين شعبان وحسين سلطان وسامي كمال وشوقي الماجري وجون نيكسون وعامر السعدي وحسقيل قوجمان وسلام عادل وساسون دلال وخليل عبد العزيز وفاضل البراك وبيريا حارس ستالين الخاص وبشرى عباس وأستروفسكي وأنا ليند وعمر أحمد أسماعيل وبوشكين وستار غانم وليرمنتوف وخزعل السعدي وعبير الجنابي ويهودا صديق  وخالد أحمد زكي وبهاء الدين نوري وآخرون . أنني أشعر بالانتماء الى هذا السجل الانساني في تحديد مسارات الحياة سواء أختلفت أو أتفقت معهم وبغض النظر عن مواقعهم وعطاءاتهم المختلفة .أما أنتم قد تختلفون أو تتفقون فالآمر سيان؟.

مابين حربين ولد ونشأ الفيلسوف الوجودي والروائي والسياسي ألبير كامو لأب فرنسي مزارع وأم إسبانية في قرية الذرعان التي تعرف ببلدة مندوفي بمقاطعة قسطنطينة الجزائر العام ١٩١٣ وبعد عام من ولادته قتل والده في الحرب العالمية الأولى، وأخذت والدته على عاتقها مسؤولية تربيته مع أخيه مما أضطرت وبسبب الظروف الصعبة أن تعمل (خادمة) في البيوت . نشأ في جو عائلي فقير ومضطرب ومحيط قلق ومجهول بسبب شبح الحرب والفقر والعوز ومعاناة والدته في العيش مما تركت بصماتها الواضحة على علاقته الجدلية بين أبداعه والعبث والأنتحار وعلاقته بأسطورة سيزيف وصخرته مع الفتى الأسطوري الاغريقي في حملها الى أعلى مرتفع قمة ودحرجتها مرة أخرى وأخرى ويظل هكذا الى الأبد وصبر المرء وقدرة التحمل وروح التحدي وأساس الوجود في خلق الانسان ليتلقى هذا المصير من العذاب  السرمدي وتمرداًعلى عبث الوجود، كما كان يشير له النقاد ملك أدب العبث، وقد نظر الى القضايا الحياتية الاجتماعية والسياسية من منظور فلسفي وميتافزيقي والتي تدين العنف الثوري والذي يؤدي الى مجيء الأنظمة الاستبدادية في خنق حرية الناس ومصادرة حقوقهم، ومن خلال نصوصه الادبية والفلسفية يدعوا الى لغة الحوار بين الثقافات ودعم الابداع والمبدعيين مما شكل هاجس له في نقد سياسة ستالين في قمعه لحرية الابداع والرأي الآخر. في بداية مشواره السياسي أنضم الى الحزب الشيوعي الفرنسي وسرعان ماأنفك عنه بل أصبح معادياً لسياسته  في نزعته الستالينية في معالجة قضاياه وعلاقته مع مصير الشعوب  . ولقد سخر قسم كبير من كتاباته الأدبية ولقاءاته الصحفية ضد سياسة ستالين في أدارة دفة الحكم، وهو الذي لعب دوراً في منح الروائي السوفيتي بوريس باسترناك جائزة نوبل للابداع عن روايته دكتور زيفاكو والتي منعت من الطبع والنشر في بلاده فهربت كمسودة الى أيطاليا فذاع صيتها، ظلت التكهنات الى وقت متأخر تشير الى المخابرات السوفيتية بالتعاون مع السلطات الفرنسية في قتله من خلال حادث سير مدبر في باريس ١٩٦٠ . كما يروجها بين الحين والآخر الكاتب والشاعر الإيطالي جيوفاني كاتيللي حول تآمر سوفيتي / فرنسي في التخلص من صوته العالي في إنتقاده للسياسة السوفيتية ، كانت نهايته مأساوية كأنها نهاية فلسفته العبثية حول الحياة والموت . شكل مع رفاقه خلية الكفاح للمقاومة الوطنية الفرنسية ضد الاحتلال الالماني لبلده، وعندما تحررت فرنسا تحولت الكفاح الى جريدة رسمية مسؤولها الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر لكن ألبير كامو قاطعها لاختلاف الرؤى بينهما من الموقف من ستالين وسياسة الحزب الشيوعي الفرنسي، وظل خصمه اللدود في مجالات الموقف والابداع والفلسفة .

من المواقف التي يشار له بالبنان وقفته أنه ألبير كامو مع المقاومة الجزائرية في نضالها ضد الاستعمار الفرنسي وطالب ساسة بلده من ترك الاراضي الجزائرية وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية، ومنح شعب الجزائر حرية الاختيار والعيش والحياة . شهدت فترة عمره ٤٧ عاماً معتركات ومعارك فكرية وأدبية وسياسية كانت أبرزها مع رفاق الوجودية جان بول سارتر وسيمون دي بفوار .

ومن أعماله الادبية الكبيرة رواية الغريب والطاعون وأسطورة سيزيف بين العبثية والتمرد والسقطة والرجل السعيد الذي يروي بها سيرته الذاتية عن حياته في الجزائر، ومن العظام من فلاسفة ومفكرين الذين تأثرا بهم كارل ماركس وفيودور دوستوفسكي وفرانز كافكا . في العام ١٩٥٧ حصل على جائزة نوبل للاداب عن باكورة أعماله الادبية . في العام ١٩٤٧ كتب روايته الطاعون في مدينة وهران الجزائرية عندما أجتاحها وباء الطاعون وتحولت المدينة الى أشباح والشوارع فارغة .

وفي وصف مخيف في روايته لوباء الطاعون على لسان أحد أبطالها (عندما يعم الوباء تزحف القبور الى المدينة)، وأرتباطاً بما يجتاح العالم اليوم من وباء (كوفيد ١٩) فيروس كورونه، حيث طبعت الرواية ملايين من النسخ في أيطاليا لشدة الاقبال ومتابعة قراءتها مجدداً أرتباطاً بتطورات الاحداث حول جائحة كورونا .

 

محمد السعدي

حزيران / ٢٠٢٠

 

 

محمود محمد عليعرفت الأستاذ الدكتور "زبيدة محمد عطا" (أستاذ تاريخ العصور الوسطي وعميد كلية الآداب – جامعة حلوان السابق) منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، وذلك عندما عُينت مدرساً بقسم الفلسفة في جامعة حلوان، كانت وقتها تشغل منصب وكيل الكلية لشؤون التعليم والطلاب، ولا أنسي عندما احتفت بي عند  استلامي للتعيين، ومنذ تلك اللحظة وتجمعني بها وإلي الآن علاقة طيبة .

وتعد زبيدة عطا (مع حفظ الألقاب) أحد أهم وأشهر الأساتذة الجامعيين الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في تاريخ اليهود في العصور الوسطي من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه – إلي مستوي دراسته دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كانت في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص التاريخي لديها هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أنها وطنية، عاشقة لتاريخ بلادها، تتميز بالصبر والتحدي، تجيد التصرف في المواقف الحرجة، مشهود لها بحبها الكبير والعظيم لمصر وغيرتها الشديدة علي تراثها من الحضارة، صادقة وصاحبة شخصية جذابة، تخطف أبصار وقلوب كل من يتعرف عليها. عندما تتحدث يصمت الجميع، ليس عن جاذبية حديثها النابعة من غزارة علمها ومعرفتها وروعة منطقها في تحديد ما وراء الأسباب والنتائج .. أفكارها وكتاباتها من طراز نادر، وتعد مؤلفاتها من أبرز وأكبر المراجع التاريخية والسياسية محلياً، واقليمياً، وعالمياَ في قضايا حساسة ومهمة من منظور تاريخ العصور الوسطي.. ناجحة في عمل العديد من المقارنات التاريخية حول أوضاع المصريين عبر العهود المختلفة للبحث عن الهوية المصرية للفلاح المصري والقبطي المصري، سواء في العهد المسيحي أوبعد الفتح الإسلامي، فتمكنت من رسم ملامح الشخصية المصرية عبر العصور المتعاقبة.. كانت عاشقة  للقراءة منذ نعومة أظفارها وليس أدل علي ذلك من حفظها معظم ما قاله وليم شكسبير وهي طفلة لم تبلغ الحلم .. وأمور كثيرة يطول حصرها..

كانت زبيدة عطا تعشق الشخصيات التاريخية، وأعظم شخصيتين أعجبت بهما "زبيدة عطا" شخصية كليوباترا، وشخصية الاسكندر الأكبر، وكان ذلك من أسباب ارتباطها بدراسة التاريخ علي حد علمي.. فأما كليوباترا فقد كانت تنظر "زبيدة" إليها علي أنها تمثل شخصية ذكية، وأول ملكة مصرية من أصل يوناني تقربت إلي المصريين، وعرفت لغتهم، وكانت تجيد عدة لغات، وكانت ذكية جداً، ومثقفة جداً وعند أُحرقت مكتبة الإسكندرية في عهدها، كانت الهدية التي قدمها لها "أنطونيوا" حوالي 280 ألف نسخة من مكتبة "برجاما" كي يعوض لها المكتبة المحروقة، وكانت سياسية من طراز فريد وفيها ميزات رائعة لا حصر لها ... وأما الإسكندر ذلك الشاب الصغير، والذي تمكن من أن يفتح العالم، وكان يتعامل مع الشعوب من واقع منظور إنساني، فعندما جاء إلي مصر، ذهب إلي معيد واحة سيوه، ليقدم القرابين للآلهة المصرية، كي يتقرب إلي الشعب المصري، وهو شخصية مثقفة، وإنسان ذكي، وقائد محنك ومتميز.. وكل هذه الأمور اجتمعت في شخص واحد برغم من موته المبكر، حيث مات وعمره 37 سنة

ولدت الأستاذة الدكتورة زبيدة محمد عطا في يوم العاشر من شهريوليو عام 1944، بحي الروضة بالقاهرة وتلقت تعليمها بمدارسها، (وهي الطفلة الوحيدة بجانب عدد أثنين من الأولاد)، ثم التحقت بكلية الآداب بقسم التاريخ جامعة القاهرة؛ حيث حصلت علي ليسانس الآداب عام 1964م. وأكملت دراساتها العليا بجامعة القاهرة؛ فحصلت علي الماجستير عام 1969ن، ثم الدكتوراه في تاريخ العصور الوسطي في عام 1972، وعملت كمدرس بقسم التاريخ بكلية الآداب جامعة المنيا  في شهر يوليو عام 1973م، ثم أستاذ مساعد عام 1978م، ثم أستاذ بذات الجامعة 1983م.. تم إعارتها كرئيس لقسم التاريخ بجامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية، وبعدها عادت إلي مصر، واستمرت بالتدريس بالجامعة، حتي أصبحت عميداً لكلية الآداب بجامعة حلوان من عام 1999 حتي عام 2004، ومازالت تعمل بها للآن كأستاذ متفرغ لتاريخ العصور الوسطي .. متعها الله بالصحة والعافية.

حصلت زبيدة عطا علي عضوية العديد من اللجان والجمعيات العامة، منها عضو في مكتبة الإسكندرية، عضو في مؤتمرات الإصلاح العربي، وعضو بالمجلس الأعلى للثقافة والفنون ولجنة التاريخ، وعضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وعضو مجلس إدارة اتحاد المؤرخين العرب، وعضو اتحاد الأثريين العرب، وعضو تقييم مادة التاريخ بالمراحل الإعدادية والثانوية بوزارة التربية والتعليم، وعضو لجنة تحكيم جوائز الدولة التقديرية، وجوائز الدولة  للتفوق العلمي، وعضو محكم في لجنة جائزة النيل ومقررة اللجنة الاستشارية بقطاع الآداب بالمجلس الأعلى للجامعات، قامت بالإشراف علي أكثر من 40 رسالة علمية للماجستير والدكتوراه في جامعات محلية وعربية.

كما أن لها عشرات الأبحاث التاريخية والسياسية والتي نشرت في مصر والعالم، مثل : الشرق الإسلامي والدولة البيزنطية زمن الأيوبين، والحياة الاقتصادية في مصر البيزنطية، والفلاح المصري بين العصر القبطي والعصر الإسلامي، وبلاد الترك في العصور الوسطي، وزبدة الفكرة في تاريخ الهجرة لبيبرس الدوادار (تحقيق)، والمنيا في العصر البيزنطي، ومنهج البحث التاريخي، والمقاتل البيزنطي، والدولة البيزنطية من قسطنطين إلى انستاسبوس، واليهود في العالم الإسلامي بين وثائق الجنيزة والمؤرخون اليهود والمصادر الإسلامية (ثلاثة أجزاء)، دولة المماليك الشرعية الحكم الدينى، والقدس عربية في ضوء وثائق الجنينزة، ووثائق الجنيزة كمصدر لدراسة التاريخ الإسلامي، وإسرائيل في النيل، والحياة الاقتصادية في العالم الإسلامي في ضوء وثائق الجنيزة، والقومية اليهودية والاندماج وصلتهم بالمجتمع الاسلامي وفقا لوثائق الجنيزة، وعكا كآخر إمارة صليبية، وصورة الفارس الاقطاعي والصراع الإسلامي المسيحي كما وردت في ملاحم القرن الحادى عشر الميلادى البيزنطية واللاتينية؛ ودراسات في التاريخ الإسلامي الوسيط، والمماليك وشرعية الحكم .. وهلم جرا..

علاوة علي أن "زبيدة عطا" حصلت علي العديد من الدورات التدريبية في مصر والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، كما حصلت علي جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في عام 2003 م وشهادة تقدير من وزارة التعليم الروسي وجامعة الصداقة الروسية لتدعيم العلاقات الثقافية بين مصر وسوريا،وشهادة تقدير من جامعة الدار البيضاء ووزارة التعليم بالمغرب . كما حصلت علي العديد  من شهادات التقدير من جامعات مصرية عديدة .

وزبيدة عطا متخصصة في تاريخ اليهود عامة وتاريخ يهود مصر، حيث قدمت للمكتبة العربية كما ذكرنا مؤلفات رائدة من أهمها، «يهود مصر- التاريخ السياسى» و«يهود مصر- التاريخ الاقتصادى»، و«اليهود فى العالم العربى»، وتقدم فى هذه المؤلفات صورة وافية عن حياة اليهود فى المنطقة، وفى مؤلفيها عن يهود مصر تفند الكثير مما يقال عن تعرضهم للاضطهاد، وإجبارهم على الهجرة، والمعروف أن إسرائيل والدوائر الصهيونية هى التى تردد ذلك.

وفي كتاب هام جداً وخطير بعنوان «إسرائيل فى النيل»، وهو دراسة تناقش نفوذ إسرائيل المتزايد في حوض نهر النيل ( الكتاب يقع في 184 صفحة، ‌وهو صادر مكتبة الشروق الدولية في القاهرة منذ عام 2009م )، حيث يناقش أبعاد الدور الإسرائيلي، منذ أكثر من نصف قرن وحتى الآن، في الوصول بالمشكلة إلى مرحلة الأزمة حالياً.

في هذا الكتاب تحذر "زبيدة عطا" مما نحن فيه الآن بخصوص "أزمة سد النهضة الإثيوبي "؛ ولكننا للأسف لا نقرأ، ففي هذا الكتاب تناولت أطماع إسرائيل فى مياه النيل، وأبرزت فيه كيف كانت «إسرائيل» فى حالة بحث دائم عن الظروف التى تهيئ تنفيذ أطماعها لأجل ضمان البقاء، وتعد قضية المياه هى صلب هذه الأطماع.

وتذكر "زبيدة عطا" في الكتاب أن الحكومة الإسرائيلية حاولت الضغط على الرئيس المصري "أنور السادات " في أعقاب اتفاقيات السلام 1979، من أجل توصيل مياه النيل إليها عبر سيناء، واستخدمت في ذلك إثيوبيا، سواء من خلال دعمها لبناء بعض السدود، التي تقلل من تدفق المياه إلى مصر، أو في دعم الرئيس الإثيوبي "منغستو هيلا ماريام" لإحداث قلاقل في السودان، من خلال دعم المتمردين في الجنوب، وهو ما أدى إلى إغضاب الرئيس المصري، فألغى فكرة مد المياه إلى سيناء، تمهيداً لنقلها إلى إسرائيل.

اكتشفت زبيدة عطا أنه خلال الفترة من 2009 إلي 2011 بدأت أمور كثيرة تظهر علي الساحة الدولية والإقليمية، مثل اتفاقية حوض النيل عام 1929 التي تحاول أثيوبيا إنكارها، ومحاولتها التفكير في بناء عدد كبير من السدود، وهو الذي سيؤثر علي نصيب مصر من المياه.

ومن هنا كان اهتمام "زبيدة عطا" بموضوع إسرائيل في النيل، حيث رجعت إلي مصادر كثيرة ما بين مصادر أوربية ومصادر إسرائيلية، كما رجعت للمجموعات التي كُتبت سواء من مصادر سودانية أو مصادر مصرية، وهنا قامت بتجميع تلك المواد، وتبين لها أن هذا يمثل بالنسبة لها موضوع مهم جداً ولا بد من أن نهتم جميعنا به ونحس بخطورة الموقف .

كما أكدت "زبيدة عطا" على أنه في كتابها "إسرائيل في النيل" قدمت بالوثائق والأدلة القاطعة سيناريوهات "تل أبيب" "الشيطانية" لحصار مصر مائياً داخل دول حوض النيل؛ وبالذات إثيوبيا، مشيرة إلى أن دول الحوض لا تشهد اختراقاً، بقدر ما تشهد غزواً إسرائيلياً منظماً يقابله على الطرف الآخر    لا مبالاة مصرية عجيبة الشكل؛ وبخاصة في زمن حكم الرئيس "حسني مبارك"،  الذي أبي بل رفض بقوة ألا يتواصل مع أشقائنا الأفارقة بسبب حادثة اغتياله في أديس أبابا في  أواخر القرن الماضي.

ولهذا أشارت "زبيدة عطا" في هذا الكتاب إلى أن الشعب المصري من حقه أن يعلم مصير نهره الخالد، وما يحاك له من مؤامرة صهيونية شريرة، موضحة أن المهندسين الإسرائيليين توافدوا على أديس أبابا لدراسة تنفيذ سدود بها منذ أكثر 30 سنة، وأن الرئيس السادات أعلن وقتها إنه سيخوض حربا ضروس ضد إسرائيل وإثيوبيا من أجل مياه النيل.

كما أوضحت "زبيدة عطا" أن أطماع إسرائيل في مياه النيل تعود إلى عام 1903؛ أي قبل "وعد بلفور" وقيام دولة إسرائيل نفسها، وأن المياه التي سرقتها إسرائيل من سيناء وفلسطين والأردن بعد نكسة 1967 لم تكفهم، مؤكدة أن إسرائيل تحلم بتوصيل مياه النيل إلى إسرائيل عن طريق القنوات المائية في مصر، وأن مشروع "الشرق الأوسط الجديد" (لشميون بيريز، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق)، وهو المشروع الذي تسعى إليه الصهيونية العالمية منذ أيام هيرتزل.

وبلا شك في أن كتاب " إسرائيل في النيل" جاء حقاً برغم صدوره منذ أكثر من عشر سنوات، إلا أنه وما زال يكشف لنا باستمرار عن تزايد الجدل في حوض نهر النيل بين دول المنبع ودول المصب وبخاصة مصر، وحصتها في مياه النهر، ومدى إلزامية الاتفاقيات الدولية المبرمة منذ عقود في الحقبة الإستعمارية التي تحدد حصص الأطراف المختلفة والتزاماتها تجاه نهر النيل.

كما ينتقد الكتاب قلة الاهتمام والتهوين الرسمي المصري من خطورة الدور الإسرائيلي في أفريقيا، فيما يخص أزمة حصة مصر من مياه النيل، حتى إن بعض الرسميين، وصحفيين وكتاب محسوبين على السلطة، يربطون الحديث في هذا الجانب بنظرية "المؤامرة" التي تتخيل خطراً وهمياً قادماً بلا دليل.

ويستند أصحاب الرأي الرسمي إلى أن حجم استثمارات إسرائيل في إثيوبيا مثلاً -وهي إحدى الدول الرئيسية المؤثرة في حوض نهر النيل- لا يزيد عن مائة مليون دولار، وهو رقم ضعيف بالمقارنة بالاستثمارات المصرية في تلك الدولة.

ويشير الكتاب إلى جملة من الوقائع والشواهد التي تؤكد قيام إسرائيل بتغذية الشعور لدى المسؤولين الأفارقة في دول حوض النيل، بأن مصر تسلبهم حقوقهم ومواردهم الطبيعية بلا ثمن، بالإضافة إلى الدعم العسكري الإسرائيلي لبعض الدول وحركات التمرد في القارة، سواء من خلال التسليح أو تدريب المقاتلين، وهو ما يجعل دورها وتأثيرها على صناعة القرار أكبر من مجرد النظر إلى حجم الاستثمارات المالية... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............................

المراجع

1- رامي جلال : إسرائيل في النيل! – جريدة المصري اليوم (مقال).

2- سعيد الشحات: أطماع إسرائيل فى أفريقيا والنيل (مقال).

3- محمد عبد السلام : زبيدة محمد عطا خبيرة الشأن اليهودي تكشف المخطط الصهيوني (حوار بجريدة الدستور).

4- شيماء أبوعميرة: كتاب "اسرائيل في النيل"(مقال).

5- رانيا رياض تناقش قضية التدخل الاسرائيلى فى قضية مياه النيل مع د زبيدة عطا عميد كلية اداب حلوان السابق 9 اكتوبر 2012 (بوتيوب)

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأنه ليس الهدف من النقد بيان العيوب والمثالب، وهو المعني الدراج الشائع في الثقافة الشعبية، بل كما قال أستاذنا حسن حنفي، هو وضع المفكر وعمله في مرحلته التاريخية، من أجل تطوير الجيل اللاحق للجيل السابق، وهذا أكبر دليل علي الوفاء، استمرار عمل الأجيال في إعادة صياغة المشروع الفلسفي الجماعي لمرحلة تاريخية بأكملها، هو عصير النهضة العربي منذ القرن الماضي. أما النكران والجحود، فهو في الإهمال عن غير قصد، والاستبعاد عن قصد، وبالتالي قطع الشرايين من القلب، وتجفيف النهيران، حتي لا تصب في النهر الكبير.

ومن هذا المنطلق نعود ونكمل حديثنا عن رؤية الدكتور قاسم عبده، حول حصاد الفكر التاريحي العربي، وهنا يمكننا القول:  كانت الصدمة الثانية التي حركت ركود الفكر التاريخي في نظر قاسم عبده  متمثلة في الثورة العرابية وتطورات الأحداث التي انتهت بالاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882م. وفيما بين صدمة الحملة الفرنسية في السنتين الأخيرتين من القرن الثامن عشر وأولى سنوات القرن التاسع عشر، وصدمة الاحتلال البريطاني في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، بدأ الفكر التاريخي محاولة الخروج من ركوده وأنماط الكتابة التقليدية.

لكن الاحتلال أوجد واقعاً جديداً كما يقول قاسم عبده، وكان حادثة غير مسبوقة في تاريخ مصر الإسلامية، ومن ثم فإن هذا الحادث غير التقليدي، كان يتطلب تناولاً غير تقليدي أيضاً. وبرزت في هذه الفترة كما يقول قاسم عبده كتابة المذكرات السياسية التي كتبها زعماء الثورة العربية، وكانت هذه الكتابات لوناً جديداً من ألوان الكتابة التاريخية، لعله كان الجديد الوحيد في مجال الفكر التاريخي العربي حتى ذلك الحين.

كان الاحتلال الانكليزي، كما ذكر قاسم عبده، من أهم أسباب اثارة الوعي التاريخي في مصر في بدايات القرن العشرين، حين استخدم الانكليز التاريخ لتبرير احتلالهم مصر واستمرار حكمهم. وعلى الجانب الآخر استخدم المصريون التاريخ باعتباره أحد أسلحتهم في مقاومة الاحتلال وسلطانه. وهنا يقول قاسم عبده : بيد أننا يجب أن نلاحظ أن معظم الكتابات “التاريخية” التي ظهرت في تلك الفترة لم تكن “دراسات تاريخية” بقدر ما كانت نوعاً من “الشهادات” والمذكرات”. ويمكن القول في نظر قاسم عبده أن الدراسة الأكاديمية للتاريخ لم تبدأ في مصر، ومن ثم في العالم العربي، سوى بعد إنشاء الجامعة المصرية سنة 1908، ثم تحولها الى جامعة حكومية سنة 1925.

وفي كلية الآداب في الجامعة المصرية، كان قسم التاريخ كما يقول قاسم عبده، الأقسام الخمسة وهي: التاريخ، واللغة العربية، واللغات الشرقية، وقسم اللغات الأوروبية، وقسم الفلسفة. ويذكر أن بداية الدراسة الاكاديمية للتاريخ في العالم العربي، كانت مقترنة بتبعيتها لفكرة التاريخ الأوروبية، وتقسيمات التاريخ حسب الرؤية الاوروبية، إذ كان من الطبيعي أن يقوم الاساتذة الاجانب بتنظيم الدراسة في كلية الآداب، ولم يكن قسم التاريخ استثناء في ذلك. وكانت الانكليزية والفرنسية، وغيرهما من اللغات الاوروبية كما يقول قاسم عبده، لغة التدريس في الجامعة مثلما كانت الانكليزية لغة التعليم بالمدارس الثانوية، وظل قسم التاريخ تحت رئاسة الأساتذة الأجانب حتى سنة 1936.

وكان من المستحيل عليهم أن ينسلخوا عن ثقافتهم، ومن تراثهم التاريخي، كما يقول قاسم عبده، ولم يكن ممكناً أن يخرجوا عن إطار فكرة التاريخ الاوروبية. وظلت عيوب النشأة تلازم الدراسة التاريخية في العالم العربي حتى الآن سواء، من حيث فكرة التاريخ، أو من حيث فلسفته، أو من حيث تقسيم العصور التاريخية. وربما كانت الفائدة الإيجابية الوحيدة في نظر قاسم عبده في هذا المجال متمثلة في تطور منهج البحث التاريخي الذي نقل دراسة التاريخ في العالم العربي من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة حقاً.

بدأت مشكلة تكوين المؤرخ العربي، والمفكر العربي في نظر قاسم عبده، من خلال الحيرة التي عاناها بين الانبهار بمنجزات الحضارة الأوروبية الغالبة من ناحية، ومحاولة البحث عن الذات الحضارية والهوية الثقافية في مواجهة قوى الاستعمار والتسلط الأوروبي من ناحية أخرى.

كانت فكرة التاريخ، من حيث الوعي بالذات وبالآخر، ومن حيث إدراك دور الجماعة في الكون وعلاقتها بالجماعات الإنسانية الأخرى كما يقول قاسم عبده، هي الباعث وراء تقسيم العصور التاريخية من جهة، وتوزيع مناهج الدراسة التاريخية من جهة أخرى. ومن ثم فإنه كان طبيعياً أن ينقل الأجانب فكرة التاريخ الأوروبية إلى رحاب الجامعة المصرية، ولكن الذي لم يكن طبيعياً في نظر قاسم عبده أن يقتصر تعريب الدراسات التاريخية على اللغة من دون المفهوم والجوهر الذي يحرك الدراسات التاريخية ويحدد أطرها ومجالها.

ولم ينجح الجيل الذي تولى المسؤولية بعد الأجانب كما يعلن قاسم عبده سوى في طرح وجهة نظر مصرية في مواجهة الكتابات الأوروبية، ولكن صياغاتهم لبرامج الدراسة تمركزت على محورين أساسيين هما مصر وأوروبا. ولم يكن تاريخ الوطن العربي، الذي تنتمي مصر إليه كما يذكر قاسم عبده قاسم، يحظى إلا باهتمام قليل، على حين تركز الاهتمام على تاريخ أوروبا وحوض البحر المتوسط، ولم يكن ثمة اهتماماً بتاريخ آسيا أو افريقيا، أو تاريخ الأميركتين. وانتقلت هذه البرامج، بطبيعة الحال، إلى كل من جامعة الاسكندرية وجامعة عين شمس بعد انشائهما. ومن الجامعات المصرية الثلاث انتقل هذا المفهوم كما يقول قاسم عبده إلى الجامعات العربية، مع تعديلات اهتمت بالتواريخ الوطنية والمحلية، ووسعت من دائرة الاهتمام بتاريخ الاسلام والحضارة العربية الاسلامية.

تخرج العدد الأكبر من المؤرخين العرب الحديثين من أقسام التاريخ في الجامعات المصرية، وعلى أكتافهم قامت أقسام التاريخ في الجامعات العربية في سورية والعراق والأردن ومنطقة الخليج والسودان ومنطقة المغرب العربي، وإلى جانب الذين تخرجوا في الجامعات المصرية والعربية كما يقول قاسم عبده نجد أجيالاً جديدة تخرجت من الجامعات الأوروبية والأميركية. واستمرت رؤيتهم للتقسيمات التاريخية على النمط الأوروبي نفسه، وظل تركيزهم على تاريخ العلاقات العربية – الأوروبية بشكل أكبر من اهتمامهم بالدوائر التاريخية الأخرى في آسيا وافريقيا.

بيد أن هناك تطوراً مهماً يستحق الرصد في نظر قاسم عبده، فقد زاد الاهتمام بتاريخ الحضارة العربية إلى دراسة التاريخ المحلي لكل قطر من الأقطار. وفي المقابل تراجعت الدراسات الخاصة بتاريخ العرب كما يقول قاسم عبده باعتبارهم أمة واحدة أمام الدراسات القطرية والمحلية. وحرصت كل دولة على أن يكون تاريخها محوراً لتوزيعات المناهج في الجامعات. ووجدنا أنفسنا أمام كفتي ميزان غريب، إحداهما تهتم بالتاريخ الإسلامي في عصر ازدهار الحضارة العربية الاسلامية، والثانية تركز على الذات المحلية، أو القطرية. بل والقبلية في بعض الأحيان. وبينهما تضاءل الاهتمام بتاريخ العالم، والحضارات المجاورة، كما اختفى الاهتمام بتطور علم التاريخ، وفلسفته، ومناهجه. ولم تعد للدراسات النظرية في علم التاريخ تلك الأهمية التي بدأت بها الدراسات التاريخية في الوطن العربي.

وهنا يقول قاسم عبده : في وسعنا ان نقدم تقسيماً عاماً للاتجاهات التي سادت في مجال الدراسات التاريخية منذ الثلاثينات وكان ذلك انعكاساً للتيارات والتطورات السياسية في العالم العربي.

1- الاتجاه المتأثر بالفكر الغربي، وينقسم إلى:

أ - أتباع المدرسة الانكليزية الذين تأثر غالبيتهم بآراء أصحاب نظرية البطل في التاريخ ممن ساروا على درب ت. كارليل. وكان الرعيل الأول من المصريين الذين درسوا في أوروبا في الثلاثينات، وتلاميذهم في مصر والعالم العربي، وراء هذا الاتجاه الذي ما تزال آثاره ماثلة حتى اليوم. وازدهرت هذه الاتجاهات في النصف الأول من القرن العشرين.

ب هناك عدد ممن تأثروا بآراء الألماني ليوبولد فون رانكه ومدرسته التي لا ترى التاريخ إلا من خلال الوثائق، وهي مدرسة حاولت أن تجعل من التاريخ علماً بمقاييس العلوم الفيزيقية، فاستبعدت كل ما لا يجد سنداً له من الوثائق والأدلة الصارمة، وحبست نفسها في إطار نمط من الموضوعية الزائفة. ولا يزال بعض المشتغلين بالتاريخ في العالم العربي يرى أن هذه هي الوسيلة المثلى لدراسة التاريخ، ويظن هؤلاء وأولئك أن التاريخ دراسة تحاول أن تسترد صورة ما حدث في الماضي “بالضبط”.

وتأثر عدد بأفكار ونظريات أرنولد توينبي عن التحدي والاستجابة كما يري قاسم عبده، وهذه النظرية هي القطب المعاكس للتفسير الماركسي للتاريخ الذي بدوره استقطب عدداً من العقول العربية فبرز تيار يحاول دراسة التاريخ المصري والعربي من وجهة نظر التفسير الماركسي.

وشكّل القوميون المؤمنون بفكرة الوحدة العربية كما يعلن قاسم عبده رافداً مهماً من روافد الفكر التاريخي في العالم العربي، ومن ثم تركزت دراساتهم على هذا الجانب، وانتجوا عدداً من المؤلفات التاريخية، ولكن أهم إسهاماتهم تمثلت في نشر كتب التراث التاريخي العربي. وازدهر هذا الاتجاه طوال فترة المدّ القومي في النصف الثاني من القرن العشرين، ومن ناحية ثانية ظهرت في الآونة الأخيرة اتجاهات إسلامية عالمية طبعت الدراسات التاريخية بطابع البحث في التراث التاريخي لتأكيد الرؤية السلفية التي تؤكد عالمية التاريخ الإسلامي.

ثم ظهر التخصص في أنماط الكتابة التاريخية، وهنا يقول قاسم عبده: فوجدنا دراسات متزايدة في مجال “التاريخ الاجتماعي”. و”التاريخ الاقتصادي”، كما تصاعد الاهتمام بتاريخ النظم والمؤسسات، والتاريخ الحربي وتاريخ الفن والتاريخ الثقافي “التاريخ الحضري – تاريخ المدن” وكذلك تزايد عدد الكتابات التي تهتم بعلم التاريخ نفسه، وإن كان أغلبها مترجماً عن اللغات الأوروبية.

وقد كان للمؤسسات المهتمة بالدراسات التاريخية أثرها الواضح في تطور هذه الدراسات في العالم العربي خلال القرن العشرين، إذ تم كما يقول قاسم عبده تنظيم دور الوثائق، ومراكز نشر التراث، ومراكز الدراسات والبحوث في كل أنحاء العالم العربي، وفي خارجه أيضاً. وتعددت الدوريات التي تخصصت في الدراسات التاريخية، سواء تلك التي تصدرها الجامعات أو تلك التي تصدر عن الجمعيات والاتحادات المهتمة بدراسة التاريخ.

وقد كان للتطورات السياسية أثرها في تطور الدراسات التاريخية أيضاً، إذ أنتجت كما يقول قاسم عبده فترة الكفاح ضد الاستعمار كتابات تاريخية عديدة عن قضية الاستقلال. وظهر المؤرخون الوطنيون والقوميون والاسلاميون. وعندما عقد السادات معاهدته مع اسرائيل، وما أعقب ذلك من انحسار للفكر العربي برز إلى السطح تيار يركز على التواريخ المحلية كما يقول قاسم عبده، وظهرت كتابات تعادي الأفكار القومية العربية على مستويين:

أ - التاريخ الجزئي لكل منطقة بل دراسة تاريخ الطوائف العرقية والدينية.

ب - التاريخ الكلي الشامل من منظور الجماعات السياسية الدينية التي تعادي الفكرة الوطنية والقومية وتنادي بنمط من الأممية الإسلامية.

بيد أن ما يلفت النظر، أن الصراع العربي- الصهيوني أفرز تياراً جاداً يبحث في الأصول التاريخية للمسألة من ناحية، ويحاول دراسة العلاقات بين العالم العربي والغرب الأوروبي من منظور الصراع العربي – الإسرائيلي من ناحية أخرى. إذ أن الدراسات التاريخية كانت وسيلة من وسائل النضال العربي ضد الصهيونية على جبهة المواجهة الثقافية. والناظر في تراث الدراسات التاريخية التي تدور حول الصراع العربي – الاسرائيلي، والعلاقات العربية – اليهودية منذ فجر التاريخ، سيلاحظ بسهولة أن هذا الحادث التاريخي المستمر منذ 1948 حتى الآن كان حافزاً ايجابياً في تطور البحث التاريخي في العالم العربي من وجوه عدة.

ويختتم قاسم عبده قاسم كلامه فيقول : خلاصة ما يمكن قوله أن القرن العشرين ترك في العالم العربي تراثاً كمياً ونوعياً كبيراً من المعرفة التاريخية يمكن أن يقودنا الى بناء فكرة التاريخ العربية التي تجسد رؤيتنا لتراثنا ودورنا في الكون وعلاقاتنا مع الآخر.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور قاسم عبده قاسم بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمت من جهود.

تحيةً لقاسم عبده قاسم الذي  لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في قاسم عبده قاسم قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليعرفت الدكتور قاسم عبده قاسم منذ أكثر من ربع قرن، كان سيادته يمتلك دار نشر عظيمة وهي دار عين، وسعدت حينما عرض علي أن ينشر أولي كتاباتي وكانت بعنوان " الأصول الشرقية للعلم اليوناني عام 1997، وأعقبها بعد ذلك بنشر كتابي "العلاقة بين المنطق والفقه عند مفكري الإسلام"، ومنذ تلك اللحظة جمعتنا علاقة الود والصداقة.

ويعد قاسم عبده قاسم أحد أبرز القامات العلمية التي تعهدت أجيالًا كثيرة بالعلم والمعرفة، وفاض علمه حتى اجتاز الآفاق، وتعددت مجالات إسهاماته العلمية ما بين التاريخ والأدب، والموروث الشعبي، والترجمة… فبلغت مؤلَّفاته وكتاباته وترجماته ما يزيد على المئتين ومعها تعددت علامات التقدير التي حصل عليها، فحصد جوائز عدة في الفكر والكتابة والترجمة. وجاءت كتاباته التاريخية لتعطي المؤرخ صورًا أكثر مصداقية عما حوته الكتابات ذات الصبغة الرسمية وإضافة حقيقية إلى تاريخ مصر، بكل ما تتضمنه من إيحاء ودلالة وصدق لجزئيات الواقع الحياتي المجتمعي، في وقت ساد اغتراب العلم التاريخي وتجاهله وتهميشه لدور الناس والجماعات الشعبية في صنع التاريخ. فوجه تلاميذه في الدراسات العليا إلى التركيز على دور الصُّنَّاع الحقيقيين لتاريخ مصر والعرب ولثورات التحرُّر في الوطن العربي، ودراسة القوى الشعبية، ورؤيتها لذاتها وللأحداث من حولها وفي إطار ذلك الفهم والوعي تحركت ثوابته الحضارية ورسالة المؤرخ العلمية لتتفاعل لتخرج أجندته البحثية، التي حار البعض في تفسير مكوِّناتها أو مكنوناتها.. تعرض للظلم أحيانًا فلم يستسلم.. دخل السجون وخرج منها أشد عزيمة وأكثر مضاء.. ليواصل مسيرته متفائلًا من نجاح إلى آخر حتى أصبح أحد أهم رواد المدرسة التاريخية منذ الربع الأخير من القرن العشرين : إنه خير مثال للعظمة التي عناها مكسيم جورجي حين قال : ” من العظماء من يشعر المرء في حضرتهم بأنه صغير، ولكن العظيم بحق هو الذي يشعر الجميع في حضرته بأنهم عظماء”، وذلك في حواره الذي أجراه حول أبعاد العلاقة بين التاريخ والأسطورة.

وقاسم عبده قاسم (مع حفظ الألقاب) من مواليد القاهرة مايو 1942، هو فيلسوف ومؤرخ مصري، وأستاذ متفرغ بقسم التاريخ بكلية الآداب، جامعة الزقازيق، وقد حصل دكتوراه الفلسفة في التاريخ من جامعة القاهرة بمرتبة الشرف الأولى، 19 مارس 1975م، في تخصص تاريخ العصور الوسطى، كما حصل علي أستاذا مساعدا (1984)، ثم أستاذا ورئيس قسم التاريخ (84-1987)، ثم عمل أستاذ زائر بجامعة الكويت من 1987إلى 1993م، ثم أستاذ متفرغ بكلية الآداب – جامعة الزقازيق من 2002م حتى الآن، وكان قد زار جامعات كصيرة منها؛ أستاذ زائر بالجامعات الإسبانية في سنة 2000م، وأستاذ زائر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة من 1993إلى1996م.

وكان قاسم عبده قاسم عضواَ مشاركاً في الكثير من الجمعيات العلمية مثل : الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، والجمعية العربية لعلم الاجتماع، وجمعية الصداقة المصرية الألمانية، وعضو المنظمة العربية لحقوق الانسان، وعضو لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، أمين التثقيف، وعضو اللجنة التنفيذية لحزب العمل الاشتراكي، وعضو اللجنة العلمية الدائمة لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين، وعضو لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر، والمشرف العام على دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بمصر من 1991م حتى الآن، وعضو لجنة الترقيات بأكاديمية الفنون بمصر من 2000إلى 2003م، وعضو اللجنة العربية للدراسات العثمانية بتونس من 1983 إلى 2002م، وعضو الجمعية العربية لعلم الاجتماع بتونس من 1982 إلى 1987م، وعضو لجنة التاريخ بالمركز القومي للترجمة 2010م، وعضو اللجان الاستشارية بمكتبة الإسكندرية .

ولفيلسوفنا قاسم عبده العديد من المؤلفات منها: النيل والمجتمع المصري في عصر السلاطين المماليك، دراسات في تاريخ مصر الاجتماعي، الخلفية الايدلوجية للحروب الصليبية، الوجود الصليبي في الشرق العربي، أهل الذمة في مصر – عصر سلاطين المماليك، ودراسات في تاريخ مصر الاجتماعي – عصر سلاطين المماليك، ورؤية إسرائيلية للحروب الصليبية، و الرؤية الحضارية للتاريخ : قراءة في التراث التاريخي العربي، واليهود في مصر من الفتح الإسلامي حتى الغزو العثماني، وبين الأدب والتاريخ، الخلفية الإيديولوجية للحروب الصليبية، و التاريخ الوسيط : قصة حضارة – البداية والنهاية (ترجمة)، التنظيم البحري الإسلامي في شرق المتوسط (ترجمة)، الحروب الصليبية : نصوص ووثائق الحملة الأولى، والاستيطان الصليبي في فلسطين : حولية فوشيه الشارتري (ترجمة)، جمهورية الخوف : وصورة العراق تحت حكم صدام (ترجمة)، وبين التاريخ والفولكلور، وحضارة أوربا العصور الوسطى (ترجمة)، وفي تاريخ الأيوبيين والمماليك، وعصر سلاطين المماليك: التاريخ السياسي والاجتماعي، والتنظيم الحربي الاسلامي في شرق المتوسط (ترجمة)، رؤية اسرائيل للحروب الصليبية  .

وله أيضا العديد من المقالات والبحوث الأكاديمية والثقافية والسياسية، كما شارك في العديد من المؤتمرات الدولية، والإقليمية، والمحلية في تونس والمغرب، والجزائر وقطر، وتركيا، وقبرص، والمجر، وليبيا، وإسبانيا، وإيطاليا، واليونان، وتتارستان، والمملكة العربية السعودية، والكويت، ومصر في أثناء الفترة من 1979م حتى 2010م.

وقد منح قاسم عبده عدة جوائز منها : درجات الشرف والجوائز والمنح العلمية، وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية – مصر 1983م، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى – مصر1983م، وجائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية – مصر 2000م، وجائزة معرض الكويت الدولي الحادي والثلاثين للكتاب عن الترجمة للعربية 2006م، وجائزة الدولة التقديرية – مصر 2008م.

وكان قاسم عبده من المتخصصين في التاريخ الذين لهم وجهة نظر فلسفية حول حصاد الفكر التاريخي العربي في القرن العشرين، حيث كان يري أن الحديث عن الدراسات التاريخية في العالم العربي خلال القرن العشرين، بعد غيابه، لا يمكن أن يستقيم من دون أن نضرب معول البحث في تربة الفكر التاريخي العربي، بحثاً عن الأصول والجذور من ناحية، ومحاولة كشف التأثيرات المحتملة للتراث العربي الإسلامي على الفكر التاريخي العربي الحديث من ناحية أخرى.

والناظر في خريطة الدراسات التاريخية في العالم العربي اليوم كما يقول قاسم عبده سيلاحظ ظواهر عدة لافتة، كما أنه سيجد أن خيوطاً كثيرة تربط الدراسات التاريخية العربية باتجاهات ومدارس خارج الوطن العربي، وستلفت النظر أيضاً تلك الكثرة من الدراسات التي تركز على التواريخ المحلية والقطرية على رغم وجود المؤرخين الذين اهتمت دراساتهم بتاريخ العالم العربي كله. ومن ناحية أخرى، سنجد أن عدد الاقسام الأكاديمية والجمعيات العلمية المهتمة بالدراسات التاريخية زادت زيادة كبيرة خلال الربع الأخير من القرن الماضي، من دون أن ينتج عن هذه الزيادة الكمية، تقدمٌ كيفي مناسب.

وبقدر ما تنوعت أنماط التدوين التاريخي العربي وتعددت، زادت كما يقول قاسم عبده أعداد المؤرخين واختلفت رؤاهم ومشاربهم، وكان منهم من اهتم بتسجيل الحوادث والوقائع العارية، ومنهم من حاول أن يفهم وأن يفهم قراءه مغزى ما سجله قلمه، ومنهم من وضع قواعد منهج البحث التاريخي أو حاول أن يفهم القوانين التي تحرك التاريخ، فكتب فلسفة التاريخ.

ثم دخلت الحضارة العربية الإسلامية منحنى الأفول والغروب، وهبت رياح الزمن المعاكس كما يقول قاسم عبده وخرجت الحضارة العربية الإسلامية من المواجهة الطويلة المضنية ضد المغول والصليبيين وقد انتصرت عسكرياً، ولكنها دفعت الكثير من حيويتها وقواها الإبداعية ثمناً للانتصار العسكري. وحين انتهت الحرب بقيت النظم المملوكية حاكمة في العالم العربي، لكنها فشلت في إدارة المجتمع المدني. واتضح ذلك الفشل في نظر قاسم عبده قاسم جلياً في مظاهر عديدة، كما كانت هناك تراجعات وانهيارات موازية في مجالات الاقتصاد والفكر والثقافة. ولم يستطع العثمانيون شيئاً بعد توسعهم الى العالم العربي سوى “إبقاء الحال على ما هو عليه”.

ولم تنتعش الكتابة التاريخية في العالم العربي في نظر قاسم عبده، مرة أخرى، قبل القرن التاسع عشر. وما بين التدهور الذي حدث في القرن السادس عشر، ومحاولة تجديد الفكر التاريخي العربي في القرن التاسع عشر، كانت كما يقول قاسم عبده قاسم هناك فترة اجترار وخمول لم يقطعها سوى ظهور عدد محدود من جامعي الأخبار التاريخية الذين كانت كتابتهم أقرب إلى عدم الكتابة، لأنها لا تقول شيئاً يسهم في تقدم الفكر التاريخي.

ولكن الظروف التاريخية الموضوعية التي بدأ العالم العربي كما يري قاسم عبده يتعرض لها منذ القرن التاسع عشر حركت كثيراً من المياه الراكدة، فالدولة العثمانية صارت “الرجل المريض” الذي تنتظر القوى الأوروبية وفاته حتى تقتسم تركته، بل إن هذه القوى الاستعمارية استولت على أملاكه قبل الوفاة بعشرات السنين.

وكان عبدالرحمن الجبرتي في رأي قاسم عبده هناك أول من سجل هذه “الصدمة” في كتابيه “عجائب الآثار” و” مظهر التقديس” ويعتبره بعض المؤرخين علامة البداية على حركة التأليف التاريخي في العصر الحديث. ويقول قاسم عبده قاسم هناك :الناظر في كتابي الجبرتي يجد صدى “الصدمة” واضحة في صفحاتها، وعلى رغم احتفاء عدد من الباحثين بعبدالرحمن الجبرتي باعتباره بادئاً لحركة تدوين التاريخ في العصر الحديث، فإن ما كتبه يعتبر من جوانب عديدة استمراراً، بعد انقطاع، لكتابات المؤرخ ابن أياس ومن سبقه من مؤرخي عصر المماليك. كانت كتاباته نوعاً من الحوليات التي تصل احياناً الى يوميات سجل فيها الحوادث التي عاصرها، ولم تكن ابداً نوعا من دراسة التاريخ بمعناها الحديث. وعاصر الجبرتي اثنان سجلا حوادث الفترة نفسها، لكن من منظور مختلف هما نقولا بن يوسف الترك اللبناني، والشيخ عبدالله الشرقاي.

كانت هذه الكتابات صدى باهتاً لتراث الفكر التاريخي العربي في نظر قاسم عبده ولم تضف شيئاً ذا بال في مجال الدراسات التاريخية العربية. وعلى النهج نفسه سار رفاعة الطهطاوي وتلاميذه في مصر، ولكن ما يحسب للطهطاوي كما يقول قاسم عبده أنه بدأ حركة ترجمة للمؤلفات التاريخية الأوروبية بخلقِ نوعٍ من التلاقح الثقافي، وإثارة الوعي التاريخي لدى ابناء مصر من ناحية أخرى، وحاول إنشاء مدرسة للتاريخ والجغرافيا لم تستمر في الوجود فترة طويلة. ودور الطهطاوي في الفكر العربي الحديث معروف ومشهور، ومن هنا يأتي دوره في تحريك الوعي التاريخي العربي. بيد أن كتاباته التاريخية الكثيرة في نظر قاسم عبده تحمل من بصمات التراث التاريخي العربي بقدر ما تقدم من ملامح تجديد الوعي التاريخي في العالم العربي. وعلى رغم أن بعض الباحثين يرى أن “التسجيل التاريخي أصبح بفضل جهود الطهطاوي ومدرسته تاريخاً بالمعنى الحقيقي لكلمة تاريخ” فإن قاسم عبده قاسم يرى أنه كان تجسيداً لحال الانتقال من المفهوم التقليدي للتاريخ في التراث العربي الاسلامي، إلى نمط جديد في الدراسة التاريخية يتخذ من الثقافة الأوروبية ثقافة مرجعية، ويسير على دربها في تقسيم العصور التاريخية، ومنهج البحث، وفلسفة التاريخ.

وهنا يقول قاسم عبده ودليلنا على ذلك أن علي مبارك، الذي كان معاصراً للطهطاوي، لم يستطع ان يتخلص من إسار التراث التاريخي العربي، بل إن أهم مؤلفاته على الاطلاق، وهو كتاب “الخطط التوفيقية الجديدة لمصر والقاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة” لم يكن سوى تقليد لخطط المقريزي الشهيرة، وتم بناؤه على غرار هذه الخطط. وجاءت كتابات تلاميذ مبارك والطهطاوي استمراراً للخط نفسه مثل كتابات محمد مختار باشا، واسماعيل باشا سرهنك.

ويستطرد قاسم عبده  فيقول : ظل القرن التاسع عشر يمثل مرحلة الانتقال التي جسدتها مؤلفات كل من فيليب جلاد ويعقوب آرتين في مصر، وسليم نقاش اللبناني وميخائيل شاروبيم. بيد أن أهم ما يميز الكتابات التاريخية في هذا القرن أنها كانت تسير على طريقة الحوليات القديمة في غالب الأحوال، كما أن معظمها لم يكن ليشكل أية إضافة للفكر التاريخي... وللحديث بقية!.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

قاسم حسين صالح(1834 – 1910)  Le’on Walras

هو الاقتصادي الفرنسي اللامع الذي لم يدرس الاقتصاد في اي جامعة او معهد اكاديمي لكنه درسه بعمق دراسة ذاتية. وهو ثاني الاقتصاديين الثلاثة الذين تنسب اليهم "الثورة الحدّية"، اضافة الى الانكليزي وليم ستانلي جيفنز والنمساوي كارل منگر. تميز فالراس عن زميليه بمساهمته الكبرى في استنباط وارساء نظرية التوازن الاقتصادي العام   General Equilibrium. فلم يهتم أي اقتصادي سابق لفالراس بسؤال كيف يتم للنظام الاقتصادي الواسع بكل سلعه المتعددة واسواقه المختلفة ان يتوازن فعليا وليس افتراضا كما كان مسلما به ليد آدم سمث الخفية وتلقائية فلسفة "دعه يعمل دعه يمر"  Laissez-Faireالى ان لمعت فكرة الجواب في رأس فالراس فتصدى الى اتخاذ الخطوات الاولى على طريق الحل الذي سيأخذ مراحل عديدة من اجل ان يكتمل. لقد اعتقد فالراس جازما بأن توازن الاقتصاد ككل ممكن ان يتحقق عن طريق المعالجة الرياضية لايجاد اسعار وكميات توازن كل السلع المتداولة في الاسواق. وقد ساعده في الاهتداء الى ذلك اهتمامه وحماسه الاستثنائي للمنهج التكنيكي رغم انه لم يتخصص في الرياضيات لكنه درسها مليا كما انه اعتمد في احايين كثيرة على مساعدة زملاء متخصصين مثل پول بيكارد.  كان فالراس يدرك كل الادراك بأن التوازن المزمع تحقيقه رياضيا على الورق سوف لن يكون بالضرورة دليلا على تحققه الحرفي في الواقع لكن المغامرة جديرة بالخوض وستهئ مفاتيح كثيرة للمضي قدما في ذلك الاتجاه.

1568  فالراسولد فالراس عام 1834 في منطقة ايفرو الفرنسية، وكان والده اقتصاديا يعمل في ادارة التعليم. أنهى فالراس دراسته الابتدائية والثانوية محليا وتقدم للقبول في الكلية البوليتكنيكية التي كانت تشترط امتحانا شاملا في العلوم والرياضيات من اجل القبول.  ولكن بدلا من ان يدرس متطلبات الامتحان المحددة، استهوته مواد اخرى فانكب على دراسة المثلثات التحليلية وحساب التفاضل والتكامل والميكانيك عند ديكارت ونيوتن ولاگرانج، وبذا فقد فشل في اجتياز الامتحان والحصول على القبول في الكلية البوليتكنيكية، لكنه حصل على قبول في كلية اخرى هي كلية هندسة المناجم،  التي ضاق ذرعا بمناهجها وبيئتها بعد شوط قصير فتركها ولم يعد للدراسة في اية كلية اخرى. أمضى فالراس ردحا من عمره  كشاب بوهيمي في باريس متنقلا من عمل لآخر. فقد جرب الصحافة والادب والنقد الفني وعمل في المناجم وادارة البنوك ولم يستطع ان يستقر في أي من هذه المجالات ويتخذها كمهنة احترافية له!  وذات مساء في عام 1858 وعندما كان يرافق والده في فاصل مشيه المعتاد، وبعد محادثة طويلة قرر ان يتجه الى الاقتصاد كأهتمام مركزي. كان متجاوبا مع فلسفة والده ومتحمسا لميوله الاشتراكية ومؤيدا لموقفه باعتباره أحد الحديين الاوائل. كما انه وجد الرغبة لدراسة ابحاث الرياضي أوگستن كورنو   Augustin Cournotالذي كان زميلا لوالده والذي تنسب اليه المحاولات الاولى في ادخال الرياضيات كأداة تحليلية في القضايا الاقتصادية. بعد سنوات كتب فالراس يقول انه وجد في حقل الاقتصاد ضالته التي جعلته يشعر بالمتعة والرضا كما يشعر الرجل المؤمن بدينه. وهكذا كرس نفسه لدراسة الاقتصاد وبدأ يكتب وينشر المقالات التي للاسف لم تلق اي اهتمام من قبل بقية الاقتصاديين. في عام 1860 اشترك ببحث في المؤتمر العالمي للضرائب الذي عقد في لوزان - سويسرا. ولم يثر البحث الانتباه الا عند تقديمه شفهيا من قبل فالراس، فقد حاز على استحسان كبير من قبل بعض المؤتمرين ودعاهم ان يعرضوا عليه وظيفة تدريسية في اكاديمية لوزان. وهكذا فقد بقي في لوزان كتدريسي لمدة عشر سنوات حتى عام 1870 حيث استُحدث قسم الاقتصاد في كلية القانون فكانت فرصة مواتية له ان يقدم طلبه. تألفت لجنة المقابلة من ثلاثة اساتذة في الاقتصاد واربعة اداريين/ سياسيين. اثنان من الاساتذة رفضوه بسبب ميوله الاشتراكية ودعوته آنذاك الى الغاء الضرائب وتأميم الارض، وثلاثة من السياسيين قبلوه بسبب منهجه التكنيكي البعيد عن السياسة. وهكذا فقد حصل على اربعة اصوات من سبعة فحاز بمنصب الرئيس الاول لقسم الاقتصاد في لوزان. 

في عام 1874 نشر كتابه الهام بعنوان "مبادئ الاقتصاد البحت" الذي قدم فيه مساهمته المركزية لعلم الاقتصاد وهي نظرية التوازن الاقتصادي العام. ومن اجل شرح هذه النظرية استنبط فالراس تجربة عملية للاختبار، فبدأ عمله بافتراض اقتصاد مصغر متمثل  في سوق واحدة يتم فيها تبادل سلعتين فقط بين فريقين من المشترين (المستهلكين) والبائعين (المنتجين) الذين يتنافسون بالمزايدة والمناقصة الحرة لحين وصولهم لسعر التوازن الذي يرضي الطرفين، آخذين بنظر الاعتبار ان قيمة كل سلعة انما تتحدد بموجب منفعتها الحدية لكل منهما. تبدأ المنافسة في هذه السوق الافتراضية باعلان سعر اولي لسلعة معينة لاطلاق منافسة المستهلكين على الشراء بأقل مايمكن وكذلك منافسة المنتجين أو التجار على البيع بأعلى مايمكن الى ان يصار الى اتفاق الطرفين على سعر معين. وبذلك تهيأت فرصة مراقبة سلوك المستهلكين وعدد المستعدين منهم لشراء سلعة معينة بسعر معين وكذلك مراقبة ردود فعل البائعين واستعدادهم للبيع بذلك السعر. فكان واضحا انه اذا ازداد عدد اولئك المستهلكين المستعدين للشراء(جانب الطلب)،  ارتفع السعر، واذا ازداد عدد البائعين المستعدين للبيع (جانب العرض)، انخفض السعر. كان فالراس قد استنتج بانه في نهاية المطاف ستتساوى قيمة المصروفات الاجمالية مع قيمة المبيعات الاجمالية في تلك السوق، وهذا ماسمي بعدئذ ب "متطابقة فالراس"  . Walras Identity

بعد ذلك قام فالراس بتوسيع نطاق تجربته لسلع اكثر واسواق اكثر، فاكتشف ان لكل عدد من السلع المتبادلة سيكون هناك معدل سعر تبادل مشترك لايقدم ولايؤخر بحيث يمكن اهماله، ولذلك فان عدد نسب اسعار التبادل Price ratios  سيكون اقل بواحد (n-1)  من عدد السلع المتبادلة ( (n. كما انه ادرك ان القيمة الاجمالية لكل السلع المطلوبة ستساوي القيمة الاجمالية للسلع المعروضة للبيع في كل الاسواق. أي انه لو كان هناك فائض في الطلب على سلعة ما سيكون له بالمقابل فائض في عرض سلعة اخرى، مما يمكن الاستدلال منه بأن القيمة الاجمالية الصافية لفائض الطلب في كل الاسواق ستكون مساوية رياضيا الى صفر، وهذا ماسمي بعدئذ ب "قانون فالراس" Walras Law.  كما يمكن الاستدلال بأن نسبة اسعار المشتريات ستكون مساوية لمعكوس نسبة كمياتها.

ومن اجل الوصول رياضيا الى حالة التوازن العام، صمم فالراس أربع معادلات متزامنة   Simultaneous equations وشرع في حلها:

- المعادلة الاولى لكميات السلع المطلوبة

- المعادلة الثانية لاسعار السلع نسبة الى كلف انتاجها

- المعادلة الثالثة لكميات مدخلات الانتاج المعروضة

- المعادلة الرابعة لكميات مدخلات الانتاج المطلوبة

على ان تحل هذه المعادلات فتسفر عن استخراج قيم المجاهيل الاربعة وهي سعر كل سلعة وكميتها، وسعر كل مدخل انتاجي وكميته. وكان فالراس قد اضاف معادلة خامسة تقضي بأن النقود المتوفرة (الدخل) ينبغي ان تصرف بكاملها. وبهذا يكون قد جعل عدد المعادلات اكثر من عدد المجاهيل خلافا للقانون الرياضي، مما دفعه ان يختلق، افتراضا ، سلعة اعتباطية سماها G1 واختار لها سعرا قياسيا يتم بموجبه مقارنة الاسعار الاخرى، وهذا ما أُطلق عليه ب Walras Numeraire الذي اصبح شائعا بعدئذ كوحدة قياس.

كانت لفالراس مساهمات اخرى غير نظرية التوازن العام. فقد ناقش نطاق علم الاقتصاد ونظرية القيمة ودور الرياضيات في فهم وتقدير وتقييس الظواهر الاقتصادية، ونظرية الانتاج عبر التكنولوجيا الثابتة والمتغيرة، ورأس المال والادخار والائتمان والنقود، والنمو الاقتصادي، والمنافسة والاحتكار. لقد اكد فالراس ان تجاربه التطبيقية كانت من أجل الاختبار العلمي للمسلمات كنظام المنافسة الكاملة وفكر "دعه يعمل دعه يمر"  الذي تبناه الاقتصاديون الكلاسيكيون كمفهوم وفلسفة من دون أي اختبار لمدى صحته ومصداقيته. ومن هنا يأتي طبيعيا ادراك فالراس بأن السلع المختلفة والاسواق المتعددة لابد ان تكون متداخلة الارتباط وشائكة العلاقات خاصة بتعددها وتنوعها لكن تلك العلاقات المعقدة يمكن تمثيلها بمعادلات رياضية واستخراج حلولها. وهذا مايفسر افتتان فالراس بالحلول التكنيكية الرياضية مما جعله رائدا في الاقتصاد الرياضي الذي يستخدم الارقام والبيانات ويهتم بحسابها وتقييمها فيحول طبيعة الاقتصاد من وصفي الى تطبيقي تكنيكي.  وكمكمل لكتابه "مبادئ الاقتصاد البحت"، اصدر فالراس جزئين آخرين احتويا على دراسات سابقة منقحة ومزيدة، كان الجزء الاول منها عام 1896 بعنوان " دراسات في الاقتصاد الاجتماعي" ، والثاني عام 1898 وكان بعنوان"دراسات في الاقتصاد التطبيقي".

لم تلق مساهمات فالراس الهامة الاهتمام المتوقع ولم يأخذ هو المكانة التأريخية التي يستحقها إلا بعد مماته بعقود وخاصة خلال الثلاثينيات من القرن العشرين. كان ذلك لاسباب عديدة منها ان ثقل الفكر الاقتصادي والحراك النظري كان في انكلترا وليس في فرنسا او سويسرا، أضف الى ذلك ان كل كتابات فالراس كانت باللغة الفرنسية ولم تترجم الى الانكليزية أوالى لغات اخرى الا بعد زمن طويل على رحيله. السبب الآخر هو ان عمله كاستاذ ورئيس قسم الاقتصاد كان في كلية القانون حيث تدرس الاغلبية من الطلاب ليتخرجوا كمحامين وقضاة وليس كأقتصاديين، فلم يعير جلهم اي اهتمام للاقتصاد الا بقدر كونه درسا ثانويا. ولهذا فقد اصاب فالراس الاحباط فتقاعد عن العمل بعمر 58 عاما رغم انه استمر في نشاطه الفكري خلال الثمانية عشرعاما اللاحقة. ومما خفف عليه كثيرا هو انه قد وجد ضالته في خلفه كرئيس للقسم، الاقتصادي الايطالي القدير وليفريدو پاريتو  Vilfredo Pareto الذي ترأس القسم عام 1893 وعمل مع فالراس يدا بيد ليشكلا تراثا فكريا متميزا سمي فيما بعد بمدرسة لوزان في الاقتصاد.

كانت السنوات الاخيرة من حياة فالراس كئيبة ومثقلة بالمرارة والخيبة والخذلان رغم وجود شذرات مضيئة قليلة كذيوع شهرته، اخيرا، في سويسرا وحصوله على المواطنة فيها وكذلك قبوله كعضو فخري في جمعية الاقتصاديين الامريكية عام 1892. توفي فالراس عام 1910 بعمر 66 عاما وهو يصارع مرضا عقليا أتلف من عمره عدة سنوات!

 في كتابه " تاريخ التحليل الاقتصادي" الصادر عام 1954 وصف الاقتصادي الشهير جوزيف شومبيتر فالراس بانه "اعظم الاقتصاديين" ووصف نظريته في التوازن الاقتصادي العام بانها "وثيقة الاقتصاد العظمى" Magna Carta of Economics.

أما الاقتصادي يورگ نيهانز فقد وصف فالراس في كتابه "تاريخ النظرية الاقتصادية" قائلا "برغم ان فالراس لم يضيف للاقتصاد أي رؤيا جديدة لكنه قدم مساهمة عملاقة على طريق بناء الموديلات الاقتصادية الرياضية.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

محمد السعديبهاء الدين نوري يهدىء العلاقة مع الاتحاد الوطني

 يعد الرفيق بهاء الدين نوري (أبو سلام) نموذجاً من تلك الايام الغابرة من النضال الثوري وتحطيم الرؤى . في صيف ١٩٨٣ تعرفت عن قرب في الجبل على بهاء الدين نوري في مناطق كرميان وقرداغ وشهرزور، كان في يومها المسؤول الأول في قاطع سليمانية وكركوك لانصار الحزب الشيوعي العراقي، وكنت ملتحق تواً من تنظيم الداخل وذهني معبأ بالافكار والمشاريع والخطط والطموح جلها تصب في البحث عن فرص للاطاحة بالنظام الدكتاتوري، حقاً كانت أحلام صادقة بمشاريع ثورية لكنها طوباوية بعيدة عن رؤية الواقع بالعين الأخرى . في يومها ألتقيته على عجل في تقليب سريع لتطورات الاحداث في الداخل، كان ينصت لي بإهتمام وأنا أستقرأ الوضع السياسي وظروف الحرب وعلاقاتنا بالجماهير وتأثيراتها على أثر هروبنا الجماعي عامي ١٩٧٨ / ١٩٧٩ وترك الساحة فارغة فقط للبعثيين يعبثون بها، في أنتهاك صارخ لحياة الشيوعيين وأصدقائهم. آنذاك كانت جريمة بشتاشان تلقي بظلالها السلبية على معنويات الأنصار وحراكهم السياسي، وكان للرفيق بهاء رأي وإتجاه آخر من تشابك الاحداث يدعوا الى تهدئة الأجواء بين الأطراف المتطاحنة رغم أن الأتجاه العام هو الذي كان طاغي بين رفاق الحزب هو الانتقام والثأر لدماء رفاقهم التي نزفت على سفوح وجبال قنديل . المتعارف عليه بين أوساط الشيوعيين عن شخصية بهاء الدين نوري هو الاعتداد بمواقفه والتمسك بها هكذا تتحدث سيرته الذاتية (الحزبية) منذ العام  ١٩٤٩ منذ أن وطأت قدماه أرض العاصمة بغداد من قرية نائية وغافية على سفح جبل قرداغ (التكية)، تلك القرية التي عرفت من خلال قصته الشهيرة أيام العمل الجبهوي مع البعثيين (قرية على سفح جبل) . يذكر أنه جاء الى بغداد بناءاً على وصية من السجن للرفيق فهد في حال أعتقال حميد عثمان، وطيلة وجود فهد ورفاقه في السجن من العام ١٩٤٦ بعد المؤتمر الأول للحزب عام ١٩٤٥ وتشكيل لجنة مركزية ومكتب سياسي وبرنامج سياسي للحزب ونظام داخلي شكلت خمسة مراكز حزبية في العاصمة بغداد في فترة وجود فهد ورفاقه في السجن بعضها أنهار والبعض الآخر تعرض الى الاعتقال والمطاردة والتصفية،  أكثرها كانت أختيارات غير موفقه ومبنية على أسس بعيدة عن القدرة والكفاءة والقيادة بسبب الوضع الاستثنائي للحزب الشيوعي ومعاداة السلطة الحاكمة له .

مشى بهاء الدين نوري بإتجاه تهدئة العلاقة مع حليف الامس عدو اليوم الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) في قاطع سليمانية وكركوك رغم الغضب الحزبي والجماهيري عن ماآلت اليه الامور في التصعيد والقتال في القواطع الاخرى . فراح وعقد أتفاقية عن عدم الاقتتال الداخلي مع مله بختيار مسؤول قوات الاتحاد الوطني في قاطع سليمانية وكركوك في قرية ديوانه فعرفت فيما بعد باتفاقية (ديوانه) بالضد من الجو العام السائد في التصعيد رداً لأعتبار ودماء الشيوعيين التي سالت في قرى بشتاشان ووادي بليسان وجبل قنديل مما سببت غضب وأستهجان كبيرين وأدت الى أنسحاب رفاق من مواقع النضال وعزوف البعض عن العمل الحزبي فتركت بلبلة كبيرة بين الرفاق وأنتقادات ساخرة وصلت الى حد التجريح والاتهامات، وفي غضون ذلك الوضع الحزين وفي تلك الاجواء المشحونة، تدوي صفعة مفاجئة غير متوقعة كالصاعقة على معنويات الشيوعيين ببث أذاعة الاتحاد الوطني الكردستاني بياناً موقعاً باتفاق الأسيرين من قادة الحزب كريم أحمد وأحمد باني خيلاني لمرات متعددة تدعو الشيوعيين الابتعاد عن العمل والتنسيق مع قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) والحزب الاشتراكي الكردستاني (حسك)، وتدعوهم في التنسيق والعمل المشترك مع مقاتلي الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك)، في الوقت نفسه يقتلون ويعذبون برفاقنا ؟.

 تطورات متسارعة

يومها ساد الأسى والتعجب عن ما يجري من تطورات متسارعة بين بشمركة الحزب فانتقل الشيوعيين مجبرين من مناطق كرميان وقرداغ الى مناطق شهرزور وكرجال وسورين وهزارستون، وفي محاولة تعد يائسة أمر الرفيق بهاء بأجراء أنتخابات حزبية للهيئات واللجان الحزبية في سابقة جديدة من تاريخ الحياة الحزبية، لكنها لم تشكل شيء أمام حجم التحديات الجديدة .

توقيع بيان

في الشهور الاخيرة من العام ١٩٨٣ وصل أحمد باني خيلاني الى مناطق كرجال بعد أن فكوا أسره قادة الاتحاد الوطني الكردستاني على أثر توقيع بيانهم المذل بحق دماء رفاقنا مع كريم أحمد بعد أن قتلوا رفاقهم العرب ومثلوا بهم تعبيراً عن شوفينيتهم وحقدهم، وصل حاملاً معه قرار تعيينه مسؤول أول للقاطع ..؟.

 هنا نقطة نظام … رأس سطر ؟.

أحمد باني خيلاني عضو اللجنة المركزية من أهالي دربندخان، كان قاريء مواظب في المساجد قبل أن يعتنق الشيوعية، وهو من رجح كفة الميزان بعقد الجبهة العام ١٩٧٣ بضغط ومراوغة من سكرتير الحزب عزيز محمد بعد أن كانوا ثمانية من أعضاء اللجنة المركزية من مجموع خمسة عشر عضو ضد هذا المشروع بل طالبوا في الحد الأدنى من البعثيين الأعتذار عن قتل الشيوعيين العام ١٩٦٣، لكن البعثيين كانوا وقحين ولم يستجيبوا . ومن هم المعارضين لهذا المشروع ؟. مشروع الجبهة مع البعثيين ؟.

زكي خيري، بهاء الدين نوري، عمر الشيخ علي، أراخاجادور، سليمان أسطفيان، عدنان عباس، مهدي عبد الكريم .. وأخيراً أحمد باني خيلاني الذي أنقلب على هذه المجموعة في الجلسة الثانية من الأجتماع ليحسم التصويت على أقامة الجبهة الوطنية والقومية التقدمية .

منذ اليوم الأول لوصوله كنت مقاتلاً بنفس الموقع وأراقب تطورات الاحداث لسبب لاغيره ما زلت أحمل مرارات  عمل الداخل ومخاطره وحياة الناس في حبها للحزب ومقارنته بما يجري بين صفوفنا ومستوى صراع قادتنا . جاء أحمد باني خيلاني وحامل معه قرار مسبق ومدعوم من سكرتير الحزب عزيز محمد بعزل بهاء الدين نوري عن كافة مسؤولياته العسكرية والحزبية وحصر نشاطه السياسي والعسكري بل تحجيمه وتقزيمه . في تلك اللحظة بدأ صراع محموم بين القائدين الشيوعيين الى مستوى الاتهامات الشخصية المتبادلة وتعيير بعضهم بتاريخهم القديم بفضحه على الملأ من مواقف وأحداث وتاريخ شخصي فكانت كفة النزاع تميل أكثر الى جانب أحمد باني خيلاني وسط الرفاق والأنصار لانه أصبح هو المسؤول الاول وبيده القرار حتى لو كانت على حساب المباديء والأمانة التاريخية وهذه سمة غالبة عند العراقيين عموماً يميلون بمواقفهم مع القوي حتى لو كان عاطلاً وغير أميناً . وفي هذا الأثناء بعد ما حوصر الرفيق بهاء وجرد من مسؤولياته وعمم على الرفاق بعدم الاخذ والعطاء معه أي بمعنى أدق مقاطعته أجتماعياً وسياسياً والنيل منه لكي تثبت أنتماءك الحزبي . تركت تلك الضغوطات على حياة بهاء الدين نوري فراح يلوح بنشر وثيقته التقيمية عن تاريخ الحزب من ١٩٦٨ الى ١٩٧٩ ويطالب بعقد مؤتمر طاريء لمناقشة أزمة الحزب ووضع الحلول الكفيلة بأنهاضه من جديد وبعدم شرعية القيادة الحالية، رغم أتساع الحملة ضده وشدتها من رفاق الأمس لكنه لم يضعف أو يقدم تنازلات بل يزداد تمسكاً بموقفه ويدافع عنه بكل بسالة وتحدي وقناعة، وتتطور الامور الى مستوى محاولة حجزه وحجره وهو داخل موقعنا في شريط مناطق كرجال في جبال (بيارا وطويلة) أي بمثابة إقامة جبرية، بعد هذه الحمله الكبيرة ضده ومراقبة ومتابعة رخيصة بأساليب معيبة ولا تليق بنا نحن الشيوعيين مع الحملة المفترئة للمساس بتاريخه السياسي والشخصي حيث وصل بنا المستوى الى الكيل له بتهمة العمالة للسلطة . هنا شكل عندي الوعي والموقف بتجلي جديد في تقييم الاحداث والخلافات والموقف منها دعتني أن أعيد النظر بمواقف عديدة ورسم رؤى جديدة في مسيرة حياتي النضالية، وعندما كنت أسأل رفاق الحزب عن مصداقية وواقعية تلك الأتهامات بلا جواب شافي وبدون مسؤولية الا أن تطورت الاحداث الى حد التصادم والمواجهة فتسلل عبر مقرنا الى مناطق شهرزور مع مرافقه الوحيد أبن أخيه (آسو)، والتحق فيما بعد به عبدالله فرج (مله علي) المسؤول العسكري السابق للقاطع ورفاق حلبجه توفيق الحاج وأقربائه وسرية فتاح كلالي ليعلنوا تمردهم العسكري والحزبي على الحزب وسياسة الرفاق في القاطع .

كنت ضمن جحافل المقاتلين لملاحقتهم في سهل شهرزور في طريقة متخلفة لانهاء الازمة وأحتواء الخلافات بيننا  كرفاق ومناضلين وأصحاب مشروع ثوري، كانت الحلول المطروحة عشائرية أكثر مما هي سياسية ووطنية أدت بنا الى أنسحاب كامل من أراضي شهرزور مناطق تواجدنا وقربنا من الجماهير الى الشريط الحدودي في جبال سورين طبعاً كانت أيضاً مشاكلنا مع الاتحاد الوطني الكردستاني فعلت فعلتها من خلال دعمهم لهذا العصيان والتمرد الحزبي والعسكري بل شاركوا بتأجيجه بالتنسيق مع خطط النظام . أنتهى المشوار ببهاء الدين نوري في قريته (التكية) في قرداغ بإصدار صحيفته القاعدة ونشر وثيقة تقيمه بها وتاريخ خلافاته مع قيادة الحزب ونقد لاذع لسياسة الحزب في فترة الجبهة وما ألحق بها من ويلات .

بعد شهور من تلك الازمة العاصفة الخانقة بدأت تتلحلح بعض المواقف بأتجاه التهدئة والتواصل عبر وسطاء مؤثريين على المشهد السياسي (الكردستاني) فتوقفت الحملة من الطرفين لكنها يبدو لي مشروطه بالتزامات من الطرفين . أنحصرت تلك التطورات في الفترة الزمنية من نهاية عام ١٩٨٣ الى بدايات العام الذي تلاه . في صيف هذا العام وعلى حين غرة يصل بهاء الدين نوري مع مله علي وعائلته ويتخذوا من بساتين قرية (آحمداوه) موقعاً لهم على طلة نهر متدفق (ريبوار) من الاراضي الإيرانية . كنت أمر وأسلم عليهم متى ما نزلت الى قرية آحمداوة في تبادل أحاديث عامة بعيداً عن ما جرى . ومن أجل طوي تلك الصفحات من الماضي كما أعلن في حينها وفتح صفحة جديدة من التفاهم وسماع الآخر والمضي قدماً بإتجاه لملمة الصفوف ..

حيث تمت دعوتهم من قيادة الحزب الى مناطق لولان حيث إجتماع اللجنة المركزية هناك من أجل الوقوف مباشرة على تقاطعات مواقفهم وأراهم السياسية، لكن هذه المرة الآمر لم يطول وفي مفاجئة سريعة في تسريب الاخبار في عملية أعتقال بهاء الدين نوري وهروبه من السجن ووصوله الى مناطق قرداغ، وكانت هذه بداية النهاية في تصعيد المواجهة مجدداً. تعرض بهاء الدين نوري في حياته الحزبية والنضالية الى أكثر من محاولة تهميش وأقصاء ضمن دائرة الصراع السياسي والخلاف الفكري منذ مطلع الخمسينيات، عندما أعتقل وهو داخل السجن جرده وسحب منه كل مسؤولياته رفيقه حميد عثمان . وفي فترة قيادة سلام عادل لحزب الشيوعيين والخلاف معه حول قيادة سياسته للحزب فعارضوا تلك السياسة كل من بهاء الدين نوري وعامر عبدالله وزكي خيري والشهيد محمد حسين أبو العيس، وفي تدخل السوفييت في أنهاء هذا الخلاف قدم الرفاق أعتذارهم ووضعوا حياتهم تحت تصرف الحزب الا بهاء الدين نوري بقى معتداً بموقفه ولم يخشى من الوقوع في الخطأ وفي الدفاع عنه مما أبعد عن دائرة الأضواء الى موسكو لسنوات عدة وعاد بعد مجازر ٨ شباط ١٩٦٣ .

عزل نهائي

في المحاولة الثالثة تم عزله نهائياً والى الأبد وبدون أي هيئة حزبية أو لجنة لسماعه ودراسة أرائه، حيث عرف  شخصياً بطرده من الحزب من خلال أدبيات ونشريات حزبية . في العام ١٩٨٧ زرته في قريته (التكية) رغم التحذير الحزبي الصارم بعدم الاتصال واللقاء به، فوجدته بتلك الروح العالية من التحدي والمواصلة بصحة أرائه وصدق مواقفه رغم مرور تلك السنين وما تعرض له من حملة كبيرة للاساءة الى تاريخه ومواقفه تجاوزت المألوف وخرجت عن الاساسيات في أصول النزاعات الفكرية . كنت ومازلت أعتبر قادة الحزب رفاق ضحوا بحياتهم وأفنوا مستقبلهم من أجل هدف سامي للعراق وأهله، وتركوا لنا أرثاً نضالياً كبيراً رغم الأخطاء التي رافقت عملهم النضالي، فالعلاقة معهم والتواصل وفاءاً شيوعياً .

في بدايات العام ١٩٨٩ كنت في الشام (دمشق) بعد أن نجوت بأعجوبة من السلاح الكيمياوي في أخر أنفال حكومي على مناطق (سركلو بركلو) مقرات الاتحاد الوطني الكردستاني ربيع العام ١٩٨٨ . ألتقينا مجدداً لأسابيع وسكن عدة ليالي في بيتنا في ركن الدين، الذي كان يشاركني به عزيز الشيباني وخضر عبد الرزاق ودارت حوارات سياسية متعددة مع أطراف عراقية خرجت من رحم الحزب وشخصيات من حركات تحرر ورفاق آخرين، كنت أرافقه ببعضها بناءاً على رغبته وأرى جبروته في أدارة الحوار وطرحه السياسي في المستجدات ومعالجة الازمة وأيمانه بقدرات المناضلين في أعادة بناء صرح الحزب . في العام ١٩٩٠ كنت في مدينة مالمو السويدية بعد الهجرة الجماعية التي عصفت بحياتنا عكس الذي كنا نصبو له في مشروعنا من العودة للوطن أدت بنا الى الهجرة المعاكسة خارج أسوار الوطن . في مدينة مالمو تجمعني الظروف مرة أخرى بالرفيق أبو سلام وصلني من العاصمة أستوكهولم وسكن معي في شقتي المتواضعة ولم تمل أحاديثه كانت بالنسبة لي دروس ومعاني نضالية في تقليب صفحاته عبر تاريخ طويل وعميق بالتجارب والدروس والعبر . رغم عمر سنه وصحته العليلة وحياته المرهقة كان بحاجة الى أجواء حياة مثل السويد في تقديم الخدمات وحياة تليق بالبشر، لكن أبو سلام كانت عيونه وأحاسيسه تربو صوب الوطن حالماً بوطن خالي من الاستبداد والدكتاتورية وحزب شيوعي معافى من ترسبات الماضي . فحزم حقائبه بأتجاه الوطن ليقضي ما تبقى من العمر بين أهله ورفاقه وشعبه . بقينا فترة طويلة نتبادل وجهات النظر عبر الرسائل البعيدة وكانت أشعر بأصراره على مواصلة النضال من خلال سطور رسائله . ومازلت والى يومنا هذا بعد مضي ثلاثة عقود أتابع تغريداته ومقالاته بنفس الاصرار وروح التحدي والدفاع عن تلك المباديء التي حلم بتحقيقها منذ أن وطأت قدماه أرض بغداد الحبيبة وهو شاباً يافعاً . للرفيق أبو سلام الصحة والعافية وثناء له على أصراره في مواصلة الطريق رغم الخلافات ببعض المواقف وتقاطع الرؤى والافكار على أقل تقدير بالنسبة لي .

 

محمد السعدي

شباط/ ٢٠٢٠

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن أستاذنا الدكتور حامد طاهر الذي ذهب ضحية كورونا، وهنا يمكننا القول بأن: لكل فكر مكتمل قواعده وأسسه التي يقوم عليها، ويستند إليها، وله محاوره الجوهرية التي ينشغل بها، كما أن له غاياته التي يسعي إلي تحقيقها . وقد يصرح المفكر نفسه بهذه العناصر المنهجية، التي تحكم نشاطه العقلي،وتوجه اهتماماته الفكرية، ولعله، في بعض الأحيان – يدفع إلي ذلك دفعاً، لا سيما إذا كان يتصدى لدراسة بعض المسائل التي تختلف المواقف حولها، أو يثور النزاع بصددها . ولا شك أن قيام المفكر نفسه بتحديد منهجه، وإبراز خصائصه وملامحه يزيد فكره وضوحاً، ويجعل من السهل متابعته في جوانبه المختلفة التي تبدو علي الرغم من اختلافها – متماسكة، تمثل في مجموعها نسقاً فكرياً متلاحماً. لكن الأمر لا يكون علي هذا النحو دائماً، فكثيراً ما يترك المفكرون لغيرهم فرصة القيام بهذه المهمة، وهي مهمة لا تخلو من صعوبة، ولكنها – مع ذلك- ليست مستحيلة، وهي لا تحتاج- في كل الأحيان- إلي صبر ومثابرة وإمعان نظر، فإذا تحقق ذلك كان الوصول إلي تحديد خصائص هذا الفكر أمراً ميسوراً وذلك كما ذكر الدكتور عبد الحميد مدكور ضمن بحثه عن النهضة الإسلامية في فكر محمود قاسم.

ويمكن القول بأن ما قدمه حامد طاهر من أفكار وآراء حول نهضة العالم الإسلامي من وهدته التي التي انحدر إليها بعد عصور ازدهاره الأولي كانت أفكاراً واضحة المعالم، مكتملة العناصر والحلقات، وأنها تمثل جانباً شديد الأهمية من جوانب فكره، وربما لم ينل هذا الجانب ما يستحقه من اهتمام، إذا قورن بالقضايا الكثيرة التي تضمنها تراثه الفكري والفلسفي، وما بذله فيها من جهد، كان يصل إلي حد المعارك الفكرية أحياناً، ويمكن الإشارة إلي موقفه من الفكر الفلسفي فى الإسلام، والذي يؤكد فيه حامد طاهر إلي أن الفكر الفلسفى فى الإسلام يرجع فى جذوره الأولى إلى القرآن الكريم، الذى دعا إلى إعمال العقل فى كل شئون الحياة، وحذر من تقليد السابقين بدون وعى، حتى لو كانوا هم الآباء، وأدان اتباع الهوى دون التجرد بموضوعية إلى جانب الحق، ثم حين بدأ المسلمون يتصلون بالأمم الأخرى، ويتعرفون على ثقافاتها اقتبسوا منها ما وجدوه صالحا لحل مشكلاتهم الفكرية، أو مفيدًا فى تنظيم عملهم العقلى، كما حدث بصفة خاصة مع منطق أرسطو.

ولم يكتف حامد طاهر بذلك بل يقول:" وإذا كانت الفلسفة الإسلامية قد بدأت مسيرتها لدى المسلمين بعلم الكلام، الذى ناقش فى مراحله الأولى قضيتيْن دينيتيْن هما: مشكلة القدر (الجبر والاختيار) ومشكلة مرتكب الكبيرة، فإنه قد توسع فيما بعد فتناول مسألة الصفات الإلهية، ثم استقر أخيرًا، وحتى اليوم، فى ثلاثة مباحث رئيسية هى: الإلهيات، والنبوات، والسمعيات.

ويستطرد فيقول:" وقد نشأت إلى جانب علم الكلام: الفلسفة ذات الاستلهام اليونانى، أو كما يسميها البعض تجاوزا: الفلسفة المشائية. وهذه راحت تقدم أفكارًا دقيقة للغاية حول طبيعة النفس وخلودها، وكيفية خلق العالم وحدوثه، وعلاقة العالم بالله، ثم تجلت عبقريتها فى أهم مسألة حينئذ وهى محاولة التوفيق بين الفكر الفلسفى التابع من العقل الإنسانى، وبين الوحى المنزل من السماء، وهى المسألة التى عرفت باسم العلاقة بين الحكمة والشريعة .

وإذا كان هذان المجالان: علم الكلام، والفلسفة ذات الاستلهام اليونانى في نظر حامد طاهر قد اعتمدا (العقل) وسيلة أساسية للمعرفة، ومرجعية لها، فإن الصوفية الذين انتشروا منذ القرن الثالث الهجرى كما يقول حامد طاهر ذهبوا إلى أن العقل لا يكفى وحده فى المعرفة، بل لابد من التجربة التى تقوم على (الذوق) الخاص، ومن مبادئهم الشهيرة فى هذا الصدد أن (مَنْ ذاق عرف)، وهم يتمسكون بقول الله تعالى:) وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ ( [سورة البقرة: 282ٍ] وهذا يعنى أن الطريق إلى العلم لا ينحصر فى براهين العقل، وإنما فى طريق أخلاقى طويل قوامه التقوى .

وهكذا أصبح لدى المسلمين في نظر حامد طاهر أكثر من منهج للمعرفة، خاصة وأن علماء الحديث كما يقول "رفضوا كلا من عقل الفلاسفة، وذوق الصوفية، وأكدوا على منهج (النقل) الموثق القائم على الفحص الدقيق لسيرة الرواة، وأنتجوا فى ذلك علما هو علم مصطلح الحديث، الذى يتميز بالأصالة الكاملة".

ولم تقتصر الفلسفة الإسلامية عند حامد طاهر على مناقشة المسائل الفكرية والدينية الخالصة، وإنما تشابكت مع السياسة . فقد جرى استخدامها فى تدعيم آراء الفرق السياسية التى ظهرت لدى المسلمين منذ وقت مبكر، واستمرت حتى اليوم، وهى الفرق الكبرى التى يمثلها: أهل السنة والشيعة، والخوارج – بتفرعاتها التى تكاد تستعصى على الحصر.

وعند التحليل كما يقول حامد طاهر، يتضح أن مجالات الفلسفة الإسلامية تزيد على عشرة مجالات. وقد ترك لنا أعلامها فى كل مجال ثروة فكرية رائعة، ومعظمها ما زال مخطوطًا حتى اليوم، والكثير منها ضاع فيما ضاع بسبب الحروب والكوارث التى نزلت بالمسلمين، ومع ذلك فإن الباقى من هذه التركة ما زال يمثل نسبة أكبر من نسبة أى تراث آخر، تركته أمة لأبنائها.

وهنا يتساءل حامد طاهر: فما هو واجبنا تجاه هذا التراث الثمين ؟ أولا: لابد من البحث عنه، والكشف عن كنوزه، وإخراجه للناس بصورة محققة حديثة. وثانيًا: دراسته بمنهج علمى حديث للوقوف على أبرز أفكاره، وما يمكن أن يستفاد منها فى الوقت الحاضر. وبالطبع لا يمكن التوصل إلى هذا وذاك إلا بفهم واستيعاب وتحليل ومقارنة، حتى تظهر القيمة الحقيقية لما بين أيدينا، ولما يمكن أن نتركه لأبنائنا من بعدنا.

ويجيبنا حامد طاهر فيقول  ومن إحساسى العميق بهذه المشكلات، كتبت منذ فترة بحثا بعنوان (منهج التعامل مع النصوص التراثية) (انظر: سلسلة دراسات عربية وإسلامية – الجزء 38) تناولت فيه مشكلات النص التراثى عموما فى بعض مجالات العلوم الإسلامية واللغوية. لكننى أتجه هنا إلى (تحليل النص الفلسفى) وهو موضوع أضيق، لكنه يعتبر جديدا تماما فى اللغة العربية. وأرجو أن يكون تناولى له فاتحة لدراسات أعمق وأوسع، وخاصة من الباحثين الشبان. ومن الله أستمد العون .

وثمة نقطة أخري مهمة وجديرة بالإشارة نود أن نشير إليها وهي أن حامد طاهر فيلسوف متعدد المواهب، كان يجيد اللغة الفرنسية تماماً، ونتيجة دراسته في جامعة السوربون، ومنها ترجم العديد من المؤلفات، في الفلسفة والاجتماع والأدب، وله اعترافات وخواطر كثيرة، نذكر منها أقواله التالية:

1- يقال إن الاعتراف: شجاعة وأنا أقول إنه: استسلام .. والأمران متداخلان .. فالشخص الذى يعترف .. يشبه من يتعرى أمام الآخرين .. لكنه لا يفعل ذلك .. إلا بعد أن يدرك أن ما يفعله .. هو نهاية التماسك !

2- قضيت معظم سنوات عمرى، وأنا أحاول فهم الماضى من كتب التاريخ، حتى إذا اقتربت كثيرا من ذلك، وجدت.

3- أنفقت زمنا طويلاً، فى معايشة عواصم الحضارة الإسلامية: دمشق، وبغداد، وقرطبة .. وأخيرا وجدتنى أعيش وحيداً فى عصر الإنترنت ! ى أجهل الناس فى فهم الحاضر.

4- صدّقت الذين قالوا لى: إن الحب العذرى هو أسمى أنواع الحب .. وبعد أن وقعت فيه أكثر من مرة، وجدت أنه هو الحرمان بعينه .

5- نشأت على أن عالم الكتب، هو أعلى قيمة من حياة الواقع، حتى تبيّن لى خطأ هذا القول تماماً، فليست الكتب سوى المرآة، التى تعكس الواقع بكل ما فيه .

6- القراءة هى الطريق الأمثل للكتابة، والمسألة هنا أشبه، بالإناء الذى لا يفيض، إلا بعدما يمتلئ !

7- مأساة الإنسان على الأرض أنه لا يحظى بفرصة واحدة، إما أن ينتهزها، أو يخسرها .. والمؤكد أن الحساب قادم لا محالة .

8- أسوأ من قابلتهم فى حياتى: المنافقون الذين يظهرون الطاعة ويضمرون المعصية، والين يداهنون المسئول، لكى يحصلوا منه على مكافأة سريعة، فإذا ترك منصبه، اختفوا من أمامه تماما .

9- أسوأ من قابلتهم فى حياتى: المنافقون الذين يظهرون الطاعة ويضمرون المعصية ـ، والين يداهنون المسئول، لكى يحصلوا منه على مكافأة سريعة، فإذا ترك منصبه، اختفوا من أمامه تماما .

10- معظم الناس يعيشون حياتهم يوما بيوم، دون أن يتركوا وراءهم شيئا يذكر، بينما أفراد قلائل فقط من العباقرة، هم الذين ساهموا فى تقدم الإنسانية، كالذى اخترع الكهرباء، أو الطائرة، أو التلفون المحمول ..

11- اللغة العربية التى نعاها حافظ إبراهيم، فى قصيدة عصماء مبكية، ما زالت تعانى من الإهمال واللامبالاة، وكسر القواعد على ألسنة أهلها، وأقلام كتّابها . أما التلاميذ الذين يتعلمونها فلهم الله، لأنهم أصبحوا يتجرعون (النحو)، كالدواء المر، الذى لا يشفى أحدا !

12- شعار (مجانية التعليم) أصبح خاليا من المضمون، وعلينا الاعترف بذلك دون مجاملة أو مكابرة، ويمكنكم أن تحسبوا معى ما تنفقه الأسرة، على الدروس الخصوصية، وستجدون أن المدارس أحق بتلك المبالغ، للنهوض بالعملية التعليمية، وإصلاح حال المعلم، وتوفير الأجهزة اللازمة ..

وكان حامد طاهر عشاق الشعر العربي، حيث ذكر في سيرته الذاتية أنه قال: عكفت فى سنوات المرحلة الثانوية، التى كانت تمتد فى الأزهر إلى خمس سنوات، على قراءة كمية كبيرة من دواوين الشعر العربى، القديم والحديث، ولم يبهرنى فى العصر الجاهلى سوى طرفة بن العبد، بقصائده المحكمة البناء والعميقة الأفكار . أما كل من عنترة وامرئ القيس فقد كنت معجباً بهما كشخصيات أسطورية عربية، أكثر من كونهما شاعرين حقيقيين . كذلك أعجبنى شعر عمر بن أبى ربيعة، ومجنون ليلى وكثير عزة وفضلت – لنفسى – جريراً على الفرزدق . . كما أحببت البحترى أكثر من أبى تمام . . وقرأت ابن الرومى أكثر من مرة، وكذلك أبا نواس وأبا العتاهية، وحفظت كثيراً لبشار بن برد، أما المتنبى فقد كان أخلص أصدقائى . ومازلت حتى اليوم أحتفظ بديوانه على مكتبى، أنظر فيه من وقت لآخر . وكذلك أعجبت بأبى فراس الحمدانى، والشريف الرضى . . هذا بالإضافة إلى الشعراء الأقل شهرة، والذين كنت أقرأ لهم مقطوعات متناثرة فى كتب الأدب والتاريخ.. ومن العصر الحديث، قرأت البارودى كأنه "مقرر دراسى"، وكذلك حافظ إبراهيم، أما شوقى فقد كان صديقى الثانى بعد المتنبى . وعشت فترة طويلة مع شعراء المهجر، وخاصة إيليا أبوماضى، وأحببت كثيراً شعر الأخطل الصغير وتأثرت به . . وهناك شاعر اسمه فوزى المعلوف قرأت له قصيدة "على بساط الريح" فلم يفتر اعجابى به حتى اليوم . وكان لأبى القاسم الشابى وقع خاص فى نفسى . . كما قضيت وقتاً طويلاً جداً مع قصائد نزار قبانى ... إننى أترك الكثير جداً من أسماء الشعراء الذين أعجبت بهم لأقول إن من ذكرته هنا، ومن لم أذكره . . كانوا يعيشون معى فى حياة فعلية، وكنت أحس وأنا أقرأ لكل منهم أنه إنما يخاطبنى أنا وحدى، ويحدثنى منفرداً عن همومه وآلامه .

وكان حامد طاهر من الداعين إلي تجديد الخطاب الديني، ففي إحدى لقاءاته التلفزيونية قال: إننا في حاجة في تلك المرحلة التي نعيشها إلي خطاب ديني بعيد عن التشدد والتعصب والقصور في معالجة قضية الوحـدة الوطنيـة، ولا يدعو للكراهية ولا التعصب ضد اتباع أي عقيدة أخرى، ولا يؤدي للفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط، لأنه يعتمد على القرآن والسنة، وما تـضمناه من هدايات وأوامر، تدعو إلى السماحة، والعدل، وحسن المعاملة لأهـل الكتاب.. وتجديد الخطاب الديني ليس المقصود به المساس بالثوابت الشرعية، بل ينسحب فقط على المتغيرات التي تتجدد بصفة مستمرة وتحتاج إلى رؤى جديدة، في ظل الظروف المعاصرة التي نمر بها، خاصة وأنه لا بد للداعية أن يتواصل مع مستجدات كل عصر ويشارك المواطنين همومهم ومشاكلهم، وأن السمو إلى مستوى عقول المواطنين بالبعد عن القصص الخرافية التي تحذر الناس وتشل طاقاتهم وتحول بينهم وبين العمل الجاد المنتج الذي تحتاجه البلاد في مرحلة التنمية الشاملة.. كما أن بحث تجديد الخطاب الديني لم يأت وفقاً لتعليمات، أو توجيهات، أو ضغوط خارجية، بل إن الإسلام حث علي تجديد الخطاب وفق متغيرات الزمن في إطار الحفاظ علي الثوابت، وأن تجديد الخطاب الديني يعد "ضرورة عصرية لبيان تعاليم الإسلام في ضوء الواقع، مشيرا إلى أن المؤتمر يرمي إلى التأكيد على أصالة الثقافة العربية والإسلامية وإبراز قدرتها على استيعاب التجديد"..

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الفيلسوف المتعدد الجوانب حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا العملاق، فتحية طيبة للدكتور حامد طاهر الذي الذي خطفته منا كورونا، والذي يمثل لنا نموذجاً فذاً للفيلسوف الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

لكن في المقابل، يظل حامد طاهر بالنسبة إلي الذين اقتربوا منه بدرجة كافية،ولزملائه الذين خلت نفوسهم من الحقد عليه، ولتلاميذه الذين تعلموا منه البحث المنظم في البحث، والتقييم المتزن للأمور، والتعبير الدقيق والواضح عن الفكر- يظل حامد طاهر لهؤلاء جميعاً: صورة ناصعة للفيلسوف والعالم والأستاذ والإنسان، الذي يكون قدومه إلي الدنيا إضافة حقيقية لها، ورحيله عنها من أفدح الخسائر.

رحم الله الدكتور حامد طاهر الفيلسوف الإنسان والأستاذ وإن كان جسده قد فارقنا، فإن فكره سيظل باقيا ن ما بقيت الحياة علي وجه الأرض . ولا يسعني إلا أن أقول مع أستاذنا الدكتور عاطف العراقي أن أخاطب روحه في السماء قائلا: اذكريني، وذلك بعد أن انتشر الفساد الفكري والظلام الثقافي، ازدادت فيه طرق وأساليب جيوش البلاء والظلام، بحيث أصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، وإن كان أكثرهم لا يعلمون .

نعم أقول لروحه اذكريني حين يتم لقاء الأرواح بالأرواح في عالم الخلود، وبعيداً عن العالم الزائل الذي نعيش فيه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط