تكريم الشاعر يحيى السماوي

وطن على شاهدة قبر .. قراءة في الجموعة النـثرية "شاهدة قبر من رخام الكلمات"

يُعَـد الشاعر العراقي يحيى السماوي من أبرز الشعراء الوطنيـين في المهجر، فطالما طرَّز قصائده بالشوق والحنين إلى وطنه العراق، ووقف على أطلاله باكياً مستعطفاً الأقدار أن تنجيه من المهالك والضياع،

مستدراً غمائم الماضي لتسعفه بمقدار ذرة من الإحساس بالوجود وإنْ على هامش ذكرى.

ومن يقرأ نصوصه يشم رائحة الأرض العراقية الطيبة المعطاء، ونسائم الحقول، ومواسم افتراع الشجر، وبساتين النخيل في السماوة، تلك المدينة الغافية على حواشي المياه العذبة والظلال الوارفة، الحافلة بالرقة والجمال والإبداع والمبدعين، والتاريخ النجيب. وقد مُني بالغربة والبُعد عن عشِّه الذي يعشقه ولا يعشق العيش في سواه، فمُنيَ بأعمق الأسى والحزن، ولولا ذاك ما كان ليصدح بأعذب ما يُقال في الحنين إلى الأوطان!.

وهو اليوم يضع بين أيدينا آخر مجموعة صدح بها من تلك الألحان "شاهدة قبر من رخام الكلمات"، وأراد لها أنْ تكون ألحاناً منثورة، كما أراد بعنوانها الحزين هذا أن يضع لبنات قبرٍ مُفتَرَض من وحي إبداعه بالكلمات لشيء ما. وماذا ذاك الشيء إلا وطنه الغائب المُضيَّع الحاضر في ذهنه أبداً: (سأترك لأطفالي/قائمة طويلة/ بأمنياتي التي لم تتحقق..منها مثلاً/ أن يكون لي وطن آمنٌ.. وقبر!. ص24)، (غير أن الوطن سقط من الصرة../ الصرة التي خبأت فيها حلمي المستباح.. ص111)، (في حضرة الوطن أستغني عن أبجديتي/فأكتب بدمي/ أو دموعي.. 113)، (هذا العراق الكبير الكبير/ كيف أضحى مجرَّد إضبارة في سفارة؟. ص142).

ويتبدَّى العراقُ له في كل شيء، ويقفز ذكره لديه في كل نص، وهو لا يكفُّ عن بكائه، والارتماء في أحضان ذكراه، حتى وجدَ في بكائه والدته رحمها الله تعالى، التي توفيت في العراق دون أن يكون حاضراً في توديعها للمرة الأخيرة، معادلاً موضوعياً لفقدان الوطن بأكمله، والتشبث بكينونته في آن: (لم تحمل نعشها عربة مدفع/ ولم يُعزف لها مارش جنائزي/ القروية أمِّي لا تحب سماع دويِّ المدافع/ ليس لأنه يُفزعُ عصافير نخلة بيتنا../ إنما لأنه يذكرها بـ"جعجعة القادة" الذين أضاعوا الوطن../ وشردوني!. ص10)، (لي الآن سبب آخر يمنعني من خيانة وطني:/ لحافٌ سميك من ترابه تدثرتْ به أمي../ ووسادةٌ من حجارته/ في سرير قبرها!. ص7)، (لستُ سكراناً../ فلماذا نظرتم إليَّ بازدراء/ حين سقطتُ على الرصيف؟/ مَن منكم لا ينزلق متدحرجاًً/ حين تتعثر قدماه بورقةٍ/ أو بقطرة ماء/ إذا كان يحمل الوطن على ظهره../ وعلى رأسه تابوت أمه؟. ص16)، (وأنتم أيها الهمجيون/ من متحزِّمين بالديناميت/ وسائقي سيارات مفخخة/ وحملة سواطير وخناجر:/ كفى دوي انفجارات وصخبٌ/ الطيبة أمي لا تطيق الضجيج/ فدعوها تنام رجاءً. ص18).

ومن خلال هذا الرثاء الجليل تتخلقُ لدى السماوي مشاهد حزينة ترتبط بواقع العراق البائس، وينطلق إلى الكشف عن خبايا شديدة الأسى لابد من كشفها والوقوف عليها، وكأنه في ذلك يفتح سجلاً يُحصي فيه تلك الخبايا، ويكثِّف القول في وضعه بعد الاحتلال: (جلدها المطرز بالشذر/ لا تجري تحته قطرة دم زرقاء../ قد يكون لون دمها أحمر/ لكثرة ما شاهدتْ من دم على  الأرصفة../ أو أخضر لكثرة ما حملت من عشب../ أو أصفر لكثرة ما طحنت من سنابل/ وخبزت من خبز/ أو أسود لكثرة ما حدقتْ في ظلام العراق!. ص30)، (عباءتها الشديدة السواد/ وحدها اللائقة علماً لبلادي/ فيها كل تفاصيل الوطن!. ص33)، (أعيدوني إلى زنزانتي/ وأطلقوا سراح وطني. ص38)، (إن زنزانة أغفو فيها آمناً/ لأوسعُ عندي من وطنٍ/ لا أمان فيه!. 46).

ولا تهدأ له ثورة وهو ينظر في واقع عراقي مرير يرسم فيه الساسة أبشع صور الجريمة المنظمة، ويلطخون صفحات تاريخه بالخزي غير المسبوق، وفضائح يندى لها الجبين، فيدعو لها بالمسح من ذاكرة العراق، ونشر العدالة والأمن والمساواة، ثم نشر العراق مجدداً وقيامه من تحت الرماد مثل طائر الفينيق: (سينفض التاريخ من صفحاته البيضاء/ الساسة الذين ملأوا:/ بطوننا بالقرقرة../ وآذاننا بالخطب../ وأيامنا بالوعود../ وشوارعنا بالنفايات../ ومياديننا بالميليشيات../ وحاراتنا بالملثمين../ وبيوتنا بالنحيب../ ومقاهينا بالعاطلين عن العمل../ والشوارع الخلفية بالجثث المشوهة. ص54)، (العراق عجَّل الله فرجه- متى يخرج من البئر؟ ص79)، (العراق عجل الله فرجه_ متى يستفيق/ لتقوم المواطنة العادلة/ فيتساوى الجميع/ مثل بستان نخيل واحد/ لا فرق بين "سين" و"شين"../ وعمامة وعقال../ ولحية وشوارب. ص79-80)، (العراق المنتظر/ متى يقوم/

من تحت رماد الانتظار. ص81).

فما الذي جناه المواطن من الوطن وحاكميه على مر الحقب والعصور؟: (وعدونا بالمصانع../ فأقاموا  السجون!/ بالمسرة../ فغرسوا الفتنة!/ بالميلاد../ فأقاموا المآتم!/ بالمساواة كأسنان المشط../ فجعلونا كأسنان التماسيح../ وطني ليس زائدة دودية/ لماذا يريدون استئصاله؟ ص82)،

(من أين للوطن الغريق/ بلوحٍ خشبي.. أو طوق نجاة؟. ص84)، (لي من نفطه: السخام../ من حقوله: التبن../ من تنوره: الرماد../ من بقرته: الروث../ من عسله: الشمع../ من بحار خيراته: الزبد../ من سمائه: الرعود../ ومن واديه: السبخ../ ومن شرطته: الصفعات../ عجباً!!!/ أكل هذا ويقولون:العراق بخيل؟. ص106)، (غسلوا الوطن بدم أبنائه../ مدوا حبلاً من سرفات الدبابات/ من قمة "بيره مكرون"/ حتى آخر نخلة في "جيكور"/ نشروا عليه العراق.. 120).

حتى أصبح الوطن سوق نخاسة يتربع على أنقاضه البائعون والشارون: (معتصمون بحبل الأجنبي../ متعاونون على "المن والسلوى"../ عاقدون العزم/ على عقد الصفقات السرية../ أهذا وطنٌ؟/ أم سوق نخاسة؟. ص129).

ويبقى العراق في دواخل روحه وطناً تحنُّ له الروح، وتبتهج بذكراه، غير قابل للنسيان، حتى إذا رأى الآخرون حبه نوعاً من الحماقة، دون أن ينسى مدينته "السماوة": (أليس حماقة أن تحب العراق مثلي؟. ص50)، (تركتُ الوطن وديعةً/ عند السيد الزمن. ص72-73)، (السماوة دميتي في حجرة الكون/ وفراشتي في حديقة العالم. ص73).

وتتسربل أحزانه في ثنايا هذه المجموعة من النصوص، فتتجلى الغربة عن الوطن موئلاً لهذه الأحزان، ومصدرها الأكبر: (أنا لستُ روما../ فلماذا كل طرق الحزن/ تؤدي إلى قلبي؟. ص75)، (لا تبخلي على جرحي بالرماد/ وطِّنيني واحتك../ فقد بلغتُ من الغربة عِتيَّا!. ص78)، (حيرتي سماء.. وقلقي أفق. ص123).

حتى إذا يبلغ الحزن أوجه لديه يحاول أن يخفف من أهمية الوطن والاكتفاء بالذات العفيفة كتعويض عن الوطن الضائع: (ما حاجتك لوطن/ إذا كنتَ مملكة للمحبة/ وجبينك عاصمة للنقاء؟. ص143)، وكأنه في هذا ينضمُّ إلى كثير من المبدعين في المجالات كافة الذين صاروا يهزئون من خرافة اسمها "الأوطان" في ما يكتبون!.

ولكن هيهات لشاعر الوطنية أنْ يقبل بأقلَّ من وطن الأمِّ والآباء والأجداد والتاريخ والذكريات، هذا الوطن الذي بدا السماوي حريصاً على أن يجعله صنواً للحياة نفسها فيسجل مواقفه منهما معاً وفلسفته بإزائهما: (الفرق بين الحرية والحربة/ نقطة واحدة/ بين البحر والبر/ حرف واحد/ ومع ذلك/ فإن شعوباً كاملة/ غرقت بالدم/ وأوطاناً شاسعة/ سقطت من خارطة العالم/ نتيجة انزلاق نقطة/ من موضعها في كلمة../ أو خطأ في الإملاء/ وقع فيه قائد مسعور/ أو طاغية أحمق/ ينظر إلى العالم/ من فوهة مسدسه المهيَّأ للإطلاق!. ص66-7)، (ما تحتاجه واحات الشعوب:/ جدول صغير من الحكمة/ لا بحرٌ من الغطرسة. ص67)، (إن قائداً سياسياً فاسداً، قد يؤدي إلى ضياع وطنٍ../ وتمزيق أمة!. ص86)، (أوشكُ أن أؤمن/ أن الله/ يحب العبد/ على قدر كراهته/ لآلهة "البيت الأسود" في واشنطن.. ص90)، (يلزمني قلب "هولاكو" وضمير "تيمورلنك"/ لأعرف حجم لذة "المحرر الأمريكي". ص92)، (لو كنتُ سوطاً/ لجلدتُ الجلاد.. ص96)، (إن رطانة تملأ المائدة خبزاً/ أجدى للمحرومين/ من بلاغة تطحن الهواء!. 102)، (كل فضاءات الغرب/ لا تتسع لجناح حمامة شرقية!!. ص116)، (هذا ليس إنصافاً سيادة الرئيس/ لقد أمرتَ بإقامة نصب للجندي المجهول../ أطالب فخامتكم بإقامة نصب تذكاري/ للشعب المجهول!. ص127).

 

إيقاعات نفسية:

تمرَّدَ السماوي ونفسُه الشاعرة من قيود الإيقاعين الداخلي والخارجي في نصوص هذه المجموعة، وخرج بها من معهود صنيعه من التزام محترف بقيدَيْ الوزن والقافية، ولكنه عوَّضهما بالإيقاع النفسي الصادم القائم على المفارقة في المعاني، والإزاحة، وتبادل الحواس، وكأنه رأى أن إشغال الذهن بمثل هذه العناصر الفاعلة يُـبعد النصوص عن شرائط الشعر التي يلتزم بها في قصائده عادةً، أو لنقلْ إنه رأى أنَّ شرائط الشعر تُبعد النصوص في هذه المجموعة خاصةً عن مقاصده، فأعملَ ذهنه في صناعة نصوص نثرية مركزة البنى، مُفصَّلة على مقاييس ما يريد قوله من غير زيادة ولا نقصان، محتفظاً بالمستوى البلاغي اللافت، ولعله رأى في انفلات الواقع الذي يتناوله في هذه النصوص من انضباط ومنطق، ما لا يصح معه استخدام الضوابط الفنية الصارمة في التعبير عنه:

لماذا ذهبتْ إلى الجنة وحدها

وتركتني في جحيم الحياة؟ (ص22)

إن العسس هم اللصوص في الوطن المخلَّـع الأبواب! (ص31)

أنا جثة تمشي على قدمين/ في مقبرة/ اسمها الحياة! (ص34)

أطلقوا سراحي من قبضة الخرتيت/ واعتقلوا الوطن.. (ص36-37)

ما أوسع وطني!!/ كيف اتسع/ لكل هذه المقابر الجماعية؟ (ص40)

الساسة الكبار ينصبون شباكهم/ لاصطياد الأوطان../ الصغار ينصبونها/ لاصطياد كراسي السلطة. (ص42)

الريح الصفراء/ لم تُبق من الرمال/ ما يكفي النعامة لدفن رأسها! (ص43)

الشعير أكثر جدوى/ في الوطن الاصطبل (ص52)

لماذا إذن/ كلما ازددتُ اقتراباً من الله/ ازددتُ ابتعاداً عن الوطن؟ (ص58)

دخلته وأنا تابوت/ وغادرته وأنا مقبرة! (ص72)

إذا كان المتهم أخرس../ والقاضي أصمّ../ والشاهد أعمى../ فما الفائدة إذن من فصاحة القانون/ وبلاغة المعنى؟ (ص73-74)

يا لغضب الموتى الأحياء/ من الأحياء الموتى.. (ص82)

أنت أجمل قصيدة أنوثة/ أحفظها عن ظهر رجولة! (ص108)

في حضرة الوردة/ أستغني عن يدي/ فألمسها بنظراتي (ص113)

لم أبدأ جنوني بعد/ فلا تعقلي. (115)

النفط الذي أشبعنا جوعاً/ متى يجف؟/ سنبقى ننـزف دماً/ حتى/ آخر برميل. (ص145)

كلانا ترصده العيون/ أنا عيون الشرطة السرية/ وأنتِ عيون المعجبين. (ص150)

.............

 

إنَّ  "شاهدة قبر من رخام الكلمات" يصلح درساً في الوطنية، فقد كرَّس الشاعر يحيى السماوي فيه كلَّ ما يمكن قوله في وطنه العراق المملوء بالمآسي والمفارقات محتلاً وغيرَ محتل، ويمر بمرحلة تاريخية عصيـبة قاتمة، ويضمنه تساؤلاته الوطنية ومشاعره المتلبسة بالحزن والأسى التي تتفاوت بين القنوط والأمل بشأن  هذا الوطن الذي يشعر بالغربة عنه فيه في جميع أحواله.

 

................................

* شاعر وناقد وباحث أكاديمي عراقي مقيم في السويد.

...........................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف تركيم الشاعر يحيى السماوي، الخميس 1/1/1431هـ - 17/12/2009)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1199 المصادف: 2009-12-17 11:36:13