تكريم الشاعر يحيى السماوي

قوافل بلا هوادج / دراسة نقدية في إبداعات الشاعر الكبير يحيى السماوي

sadam_alasadiإنها لمحات خاطفة تنبض من قلبي قبل قلمي، وأتوقف معتذرا من القراء معترفا باني لا انصف الشاعر أبدا مهما طويت السطور ورتبت الأفكار فما عساي أن افعل مع قوافل مشحونة بالرؤى

وربما بسبب ذوقي العاجز عن حمل الأفكار سقطت في ذائقة مخرفة وربما لم استأهل أنا بالتحديد الكتابة عن فنه الرفيع فأجد نفسي ضالا في قوافله فلعلي أصيد من غزلانه الجامحة واحدة ومن طيوره المحلقة ريشة ومن سحابات أمطاره دفقة

إنها حيرة أن يبحر البحار مع السماوي فكم شاعرا مرّ في حياتي منذ الخمسينيات من القرن المنصرم وكم موضوع نقدي كتبت في حياتي وكم من رؤى استبدلت حتى ضعت في غيابة الجب مرارا فلم أجد مثل السماوي شاعرا ينقلك من ضجيج العمر إلى هدأة العمر، انه طبيب ينام على متن الوطن وتشرب من قصائده كأس العافية وتشم في رحيقها سعف النخيل فهو لا يقدم لك الوخز مؤلما بل شهيا ولا يشاكسك متعصبا بل ضاحكا انه شاعر شفاف وصوفي يلعق بجراح الموت راضيا وأيوب يقدم للدود بقايا جسد متمرد على المرض، انه يقدم غربة روحية بدون وجع فكأنك لا تشعر بغربته هو بل بغربتك أنت ،انه شاعر يخيط من صبره سفينة يبحر بها إلى عوالم الناس كالضوء لا يتجسد في الأشياء بل يتلألأ فيها بصوفية عذبة يغامر في كلماته ليقنع الأحبة ويهدئ من غضبهم بضرب من دخان الفجيعة وأنات الحياة اليومية

مع هذا الشاعر كيف بي أن أجد عنوانا ومستهلا لقصائده وقد يكفيك أن تقول يحيى السماوي وتسكت؟

وكأني استنفد الشاعر لو حصرته في أوراق وصفحات وهو يحتاج إلى دراسة مستفيضة وأقولها مبتهجا أني قرأت مجموعته (قليلك لاكثيرهن في ساعة واحدة وقد وضعت لافتات كتابتي ونقلت مشاعري دون قلم وسيجت جسرا ذهبيا يربط بين قصائده المرفرفة كالطيور لفضاء بعيد كالبجع يسير نسقا وصنعت قنطرة واحدة أسميتها القوافل كي تعبر من بين ضفتيها أمواج الشعر ضمن مهيمنات وأنساق كثيرة منها:

 

اولا///ألق الحبيبة الخالدة في بوارق عينيه

لحبيبة زانت بتبر عفافها جيد الهيام8

وهو يرسم قصائده نميرا ورغيفا للجائعين، فنعم الرغيف الشهي

اهدي نمير قصائدي

ورغيف تنور المحبة والسلام9

وهو يقف واثقا بأن محبته الصافية قلادة يعلقها على جيد امرأته الدم واللحم او بغداد الأم :

حتى اذا جسّت يداك يدي

أعود فتى بهيا

ثانيا //ألق الغربة والعمر الخرافي السحيق المخرب بعذابات الوطن المحتل والمباع للطغاة،فقد هرمت نخلة العمر كما هرم المغني السياب :

لاتعجبي ان هرمت نخلة عمري

قبل ان يبتدئ الميلاد2

ـ  فلماذا هرمت النخلة انه تفرد وقابلية خلاقة في رصف انعكاسات الذاكرة فقد ظل الحنين طاغيا على مضامين شعره،انه يعيش غربات وليس غربة واحدة لتحملها (غربة الوطن -السماوة /الأحبة الشعر الحقيقة الحرية العدالة وقد تنتهي الصفحات ولا تنتهي غربات السماوي أبدا :

سابقى ضاربا في الغربتين

أفرّ من نفق

لأدخل في نفق 48

فما جدوى الغربة وصباح دجلة يستغيث وزنبقته مقيدة بسلاسل الحرمان ورحيقها في اكف أعدائه

فليس سوى الحلم :

لابدّ من حلم ٍ

لأعرف أنني قد نمت ليلي في غيابكْ

الآن يكتمل انتصاري

باندحار غرور أشجاري

أمام ظلال غابكْ 23

بهذا الأمد الجياش من الحزن والاحتراق الوجداني تتفجر ينابيع الذات السماوية مطلقة لغة رائدة وهو يقلع بسفين امرأته ليبحر كيف يشاء :

أني ليغنيني قليلك عن كثير الأخريات

فلا تلومي ظامئا هجر النمير

وجاء يستجديك كأسا من سرابكْ 25

هذه محاجته وحجته وعذره فلا يخفي سرا بل يبوح بحقيقة أمره وفعله معترفا بخرافة العمر وعدم جدواه :

وأنني نهرٌ خرافيٌّ

إذا مرّ على القفار قامت واحة ٌ

وأعشبت صخورْ 41

معترفا بانهزام القبيلة حاملة السيف على ابنها متناصا مع الشاعر القديم(قومي همو قتلوا أميم أخي)

ومع نزار (يتقاتلون على بقايا تمرة) :

ورأيت أسياد القبيلة ْ

يتناطحون على ثياب أبي

وأرغفة الطفولة ْ  46

قالبا الموازين (ولا تصعر خدك) من لمسات قرآنية إلى فيض من التناقضات البشرية :

من حق صدرك أن يصعّر دفئه

إن جئت التمس الملاذ

اذاعوى ذئب الشتاء

مكشرا عن برده 53

ولم يحاجج الا التي وقفت حجرة عثرة في طريقه متحاورا معها :

لست الذي يمكن أن ينتهر النهر

وان يغضب من تشبث الجبالْ

وهذا التكرار المرسوم بالتوقعات ينهال كالمطر في رصف الصور

تحت مهيمنة :

يحدث ان اجعل من يديك سورا ليقيني من ذئاب وحشة الليالي 57

ثم يعتذر بإحداثياته عن تقصير :

 

يحدث إن اكتب في خيالي

قصيدة تعجز أوراقي وأبجديتي عن نقلها من مرجل اشتعالي 59

 

والذي يريد قوله اكثر من هذا:

يحدث في خيالي

أن اهزم الطغاة والعتاة والأباطرة ْ 60

وكل مافي الارض من جبابرة ْ

وهذا يعرفه الشاعر المستحيل المحال أبدا فحتى مصباح علاء الدين يخفق في التنفيذ فالأباطرة مازالوا لكنه يستطيع ان يسرج الخضرة في القفار ويقيم جسر الود بين الصقر والعصفور

 -ثالثا / الفجائع الدائمةالتي لاتنتهي :

فجائعنا ولودات وأما مسرتنا فغانية عقيمُ

هذه مفاتيح الشاعر من هذا البيت يبدأ الحزن السماوي 70فالشواهد كثيرة تنضح من فواجع القصيدة الميمية وهي تحمل التساؤلات بعد التساؤلات:

أخاف عليّ مني ان قلبي

غريمي في السكينة والخصيمُ 70

وقوله الرائع وصوررته المغرية:

أقيلوا عثرة الامواج القت

بنا عنكم فمجذافي هشيمُ 72

فمالذي يفعله لينقذهم السماوي وهو يرتدي قناع نوح المنقذ بمجذاف هشيم،وهو يعلم ان كل الدروب تؤدي الى روما وقلبه ما تفضي اليه الدروب،انه جسد يتشظى حطاما ويسقط وينهض قائلا :

جفَّ في حنجرتي النبض

فلملمت بقايا جسدي وقمتُ 82

وبالرغم من البعد والغربة والجراح يبقى الشاعر سحابة تغدق المطر:

وأنني سحابة

تزخ في برية الوحشة

أمطارا من الظلال ِ97

رابعا /الق الشعر في رحيل آخر

أكاد اجزم بأن هذه القصيدة ديوان شعر لوحدها وهو يهيئ من زمنه الوقود :

عجبا عليّ بردت في

جمري واحرقني جليدي 108

وقد وصفت همي انا الفقير الاسدي قائلا متناصا معه :

الجمر ياكل من حريق كتابتي وأصابعي يبست من الاسهاب

وقوله الرائع :

عريان إلا من ثياب الشوك بستان الشريدِ

 

هنا ينطلق الشاعر ويستقي من التراث اصالة الدلالة الرئوية في قوله :

وحزمت أمتعة الطريق حطام مغترب وقيدِ

مانفع سيف ابن الوليد بغير حزم ابن الوليدِ ؟

أجدني منبهرا بهذه الصورة التراثية الرائعة والاعتراف بفكرة النص:

قلبي انا وطن الهوى ووجوه احبابي حدودي 111

هذا شعر يخلق شعرا وهو ينقلنا لصورة عباسية رائعة يسرب من صور البحتري مثيلا :

انا والهوى ضفتان من نهر يضاحك رمل بيدِ 113

فكم وصف الشعراء قبله ضحكات النهر في تعانق الضفتين ولكن ليس بهذا الوصف دلالة على شاعريته الفذة .. وفي قصيدة رثاء مبكر أجد نفسي عاجزا عن الاقتراب لتلك الدلالات :

 

يثمل النعناع في ثغر تلوذ به زهور الجلنارْ120

أي تشبيه يرتقي لهذه الصورة ،وحين يصف ثغره المتعب :

تُغري اذا ضحكت مواويلي القديمة

بالصداح

تحيلني طفلا تدثره رياش الياسمين

وأية صورة نزارية فاقت صورته هذه :

قالت ستعرف حين يخذلك الحنين الى الديارْ

أنّ الثرى وهمٌ

فدعك من الحديث عن الملاذ المستعارْ121

هذه قدحات من السمو الشعري الخلاق أقول أروع من الأروع وأنقى من النقاء

وفي " قصائد خدج " بالرغم من قصرها انها فيض وجداني خالص

ينثر للبحر درا وللسحاب غيثا :

الوطن استراح مني وانا استرحتُ

لأنني منذ تمردت عليه مت100ّ

لو كنت مكان السماوي لوضعت هذا المستهل اهداءً في المجموعة فلإنها لافتة عذبة ،وما أجمل النسق الحكائي في القصيدة نفسها :

من حسن حظي

أنني استبدلت بالوطن المدينة َ

بالمدينة منزلا ً

بالمنزل الطيني ركنا من بقية حجرةٍ

بالحجرة الشباك افتحه على نهر بلا ماء102

ولن يتوقف الشاعر وهو يدرك ان الخراب قد عمّ وطنه:

 

أعرف أن النهر ظامئٌ

وأنّ الجفن يشكو وحشة القفارْ

لكنني سأحرث الحقل

فقد تقود لي الرياح يوما موكب الامطارْ 99

نعم سوف تقودك قصائدك لمطر عراقي قادم فالمستقبل لنا نحن الشعراء

وفي مسك الختام أقف عاجزا في كسب الرهان فإن السماوي وصل إلى حد حقق فيه اكبر مستوى من النضج الشعري يجنبه التهافت الذي يقع فيه من يكتبون الشعر سدى ،وكم يؤلمني من يكتب عنه ولا يجيد كشف قوافله ،وأقول كم من أناس تظلم الشعر حين تكتبه ولا تجيده وكم من نقاد تنقد الشاعر ولا تعطيه حقه وأنا واحد منهم

مع اعتذاري وتقديري للشاعر الكبير يحيى السماوي

د. صدام فهد الاسدي

...........................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف تركيم الشاعر يحيى السماوي، الخميس 1/1/1431هـ - 17/12/2009)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1199 المصادف: 2009-12-17 11:49:42