تكريم الشاعر يحيى السماوي

بلقيس يحيى السماوي!

60هناك أسكبُ العبرات، حين يميل بنا النخيل، وعلى مفرق زقاق بيتنا يقذفنا بهدأته، يبدأ أطفالي بالقفز، مرددين خلف صوت المزمار وهو يصيح طربا: وصلنا الحسا*

أعصر وجه أبي الغافي تحت رمل بللته سماوات الله، أدخله في جيبي بعد أن أخفي دمعتي تحت نقاب الانتظار.. وأمي خلف الباب تترصدنا بالقبلات الدافئة، والصلوات الخاشعة على سلامتنا،  تنظر من شقوقه التي كان أبي- رحمه الله-  يشقها بنوره، يوم أن كان يحمل إليها دلو الحليب، وصرة الزعفران من ناصية النور، وأنا أرفع من شمعة النار تحت إبريق، أصفر، كبير، فتصبه أمي بيدها المكتنزة بأساور الذهب، في أكواب مزخرفة من خزف الجنة، ليسقيه أبي لمن كان في حضرته في ليلة المولد الشريف !

ولأني كنت دائما أتلصص على أناشيد الحضرة، فتأخذني رقصة الروح إلى صدر البيت حيث الصحن المكشوف، ومنذ ذلك الزمن وأنا مغشية عليّ، ومُصابة به!!

لذا، اقترحت عليّ نفسي أن أ روضها بالبكاء، وحتى ذلكم الشفاء الأبدي من لوعة اليتم، والحرمان، بعث الله لي أبي من تحت الرمال، مكتسيا بجبة السماء الواسعة، دالفا إلى روحي البعيدة بوهج محموم.. موقظا فيّ عوالج الآخرة بقنطرة القصيدة!

فإليك.. والدي أهدي قصيدتي المبتدأة طَهورها ببسملتك!

 

 

    مدينة الإحساء التي ولدت فيها وتنطق بالعامية: الحَسَا. حيث أعيش بعد زواجي في مدينة أخرى

ابنة أبي أنا!

 

لا يزال الله يبعث بالأنبياء

دون أن يُعلن عنهم

أبي كان واحداً منهم

 

كل ليلة يكثر فيها صخب الأزقة

يصعد إلى خلوته

هناك..

يغشاه نور الفانوس الذي ما نضب زيته

ينسج من دموعه ظل الله

الظل الذي لون بمسراته مرايا النوافذ

تلك وحشة يقتنصها

كمن يطارد صيداً سميناً

وحده يرقص

وحده يدور

وحده يسقط في نور الله

وعلى عتبة الشفاعة يبسط فراشه

يعد حبات المسبحة

مئة

مئتان

ثلاث مئة

ثم يغفو..

ينعس كنعاس الوحي في الضحى

 

لا يزال الله يبعث بالأنبياء

دون أن يعلن عنهم

أبي كان واحداً منهم

 

أعبر حاشية الدفوف المستريحة من غنائها الصوفي

أتحاشى السقوط في خلاخلها

أدنو منه

فيبتسم بلون القمح

أضع يدي على فخذيه

يجيبني كجبريل السائل ذات يوم أغبر:

بلقيس

سيكون لك شأن عظيم يا بنيتي

أسأله أكثر

فيأخذه مرة أخرى دوي النحل

وصلصلة الأجراس

مرة أخرى يبتسم

وقد تفصد جبينه باللؤلؤ

هناك:

لا قلب ينام

لا ريح تصفع

ولا طين يصدأ

هناك تُسفح الأماني

ويدر الضرع المبتور

 

لا يزال الله يبعث بالأنبياء

دون أن يعلن عنهم

أبي كان واحداً منهم

 

وأنا من فرط فرحتي

أقطع صُرَّة التأويل

لأَنبُت مرة أخرى

كما أنبأني في المرة الأخيرة

بقلة على جرف دجلة!

 

لا يزال الله يبعث بالأنبياء

دون أن يعلن عنهم

أبي كان واحداً منهم

...........................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف تكريم الشاعر يحيى السماوي، الخميس 1/1/1431هـ - 17/12/2009)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1199 المصادف: 2009-12-17 12:15:08