تكريم الشاعر يحيى السماوي

شهادات حية: على هامش تكريم الشاعر يحيى السماوي (شاعرمن زمن سيأتي)

mustaf_masoudiعجيب أمر هذا العراق ..كم يستبطن في أعماقه من قدرة على النهوض من تحت الرماد والخروج من تحت الدمار ..كم يتمثل في ذاته من قابلية للتجدد وقابلية لليناعة بعد الاحتراق ...

في هذا العمق الاستراتيجي الكبير للأمة العربية الإسلامية ينتصب العراق اليوم، بشعبه الأبي وذاكرته الموغلة في الثراء، ماردا جريحا يتحسس دماءه ويبحث عن النهوض من لهيب الدمار ولاشئ سوى النهوض ..ونهوض العراق اليوم هو مدخل إلى  نهوض الأمة العربية الإسلامية من وهدة العجز الحضاري الذي أصابها لقرون ..

إنها الأسطورة في أوضح تجلياتها ..هل يمكن لحيز جغرافي أن يتحمل كل الدمار الذي يتحمله العراق ..؟هل يمكن لشعب أن يقف على رجليه بعد أن تكالبت عليه أمم الدنيا الشريرة وكلابها المسعورة من كل الجهات ..ثم فجأة ينهض وافقاكما يفعل العراق ..؟    

إن العراق اليوم ينوب عن كل الأمة العربية الإسلامية في رسم ملامح انبثاق حضاري انتظرناه طويلا ..يرسمه بصموده الأسطوري وبإصراره الغريب على دحر الاستكبار .وأكيد أن كل هذا الصمود سيفتح بحول الله نوافذ من نور على فجر النصر المبين ..

سينتصر العراق انتصارا عظيما ستقرؤه الأجيال القادمة بفخر وانبهار ..انتصارا  يترسم اليوم بين أيدينا علامات دارسة تأبى الإفصاح عن دلالاتها لغيرمن يقرؤون الأشياء في عمقها وبشائرها المستقبلية.

وليس هناك حيزيسمح بقراءة الأشياء أو بالأحرى قراءة ما وراء الأشياء أرقى مما يسمح به الشعر ؛ الشاعر مرآة الزمان، في صفاء خياله تصفو الأشياء ، ألا نقرأ عند المتنبي المجد الحضاري في نصاعته الرائعة ، ألا نقرأ العراق لديه مُجللا بالكبرياء والنخوة والجمال ..؟ ثم ألا نقرأ الصيغة نفسها في وضع مُغاير عند الشاعرة الحزينة نازك الملائكة وعند بدر شاكر، بل ألمْ يرسم السياب هذا قسمات الغيوم التي كانت تترصد العراق منذ سنوات ألم يكتب :

ياخليج يا واهب المحار والردى..

أكاد أسمع العراق يذخر الرعودْ..

ويخزن البر وق في السهول والجبالْ..

حتى إذا ما قضى عنها ختمها الجبال..

لم تترك الرياح من ثمودْ..

في الوادي من أثرْ..

أكاد أسمع النخيل يشرب المطرْ.. 

هكذا العراق..فضاء مثقل بالخصب والجمال ..بل في كل شبر من ترابه حكاية للسحر والحضارة والجمال ..وكان الشعر من أبرز تعابير ذاك الجمال لهذا ليس صدفة أن تنمو الأصوات الشاعرة هناك عالية تحاكي امتداد النخيل ..وليس صدفة أن تأتي صرخة الانبعاث الشعري العربي المعاصر من العراق ..

وليس صدفة اليوم وفي ظل عدوان صليبي همجي فاجر أن تظل صورة الشاعر العراقي في قلب المشهد تتحدى الخراب وتلملم الجراح وتفتح ألف نافذة في جدار الظلام بحثا عن صبح قادم ..ذلك هو المشروع الذي تجسده اليوم أسماء وأسماء من المبدعين العراقيين الكبار الذين لكل واحد منهم فرادته وروعته ، وليس يحيى السماوي سوى واحد من هؤلاء ..

شاعر ينحدر من ذاك المجد العراقي  الهائل ..ذاكرة تلهج بالعنفوان والروعة والتحدي والحب ..مبدع في قلبه " جرح باتساع الوطن"، تتحسس دواوينه فتوقك "قصائد من زمن السبي والبكاء " فلا تملك غير الاستسلام للبكاء فعلا ، ولا يترك لك غير هذا " الاختيار".

وان الدخول إلى عالم السماوي هو أشبه بالبحث عن الدخول إلى غموض الأسطورة نفسها في عالم العراق ..تتزاحم الدلالة بكثافة غريبة ثم تتشظى لتلامس امتدادات شتى:

 ...الحزن ..الغربة ..الألم ..العشق ..المنفى ..الصمود ..الأمل..

وكل ذلك و"قلبي على وطني" ..وكل ذلك والمعاناة لا توقف شلال الحب  في القلب العاشق ..

نفس النبع الأسطوري عند الشعراء العباسيين ..نفس القدرة الهائلة على استنطاق الحجر وطرْز الياسمين ورسم لواعج الحب وكتابة الأنين في شكل "نقوش على جذع نخلة "..انه الشعر في أجمل معانيه ، بل هي " أغاني المشرد"كما كتبها يحيى السماوي تعبيرا  عن التشريد الجمعي الذي يعيشه الإنسان العربي اليوم .

حتما لاتملك كلمات عابرة هنا أن تعكس شيئا من عنفوان التجربة الشعرية عند هذا المبدع العراقي الكبير ، لكن حسبها أن تساهم في التنبيه إلى أن السماوي واحد من الشعراء العرب الذين تتمثل تجربتهم الإبداعية الكثير من الزخم الحضاري والذي ينبغي أن يترجم إلى توحد وطني هائل واصطفاف مجيد ضمن مشروع للخروج من رماد الانهيار ..انه مدرسة لبناء الإنسان الرسالي الذي تتناثر قسماته بين ثنايا قصائد الشاعر ..فتى متعبا ..مهموما ..حزينا ..لكنه يملك قابلية هائلة للانبثاق من قلب الرماد في أبهى صورة وأكثرها إشراقا ،واليك جزء من هذه الصورة :

أذلني حُبي..

وجرحي الممتد من جدائل النخل

إلى أرغفة الشعب..

أذلني حبي..

وحينما حاصرني " الأشاوس الذئاب"

ذات ليلة:

عبرت سور الوطن المذبوح

زادي:قلقي

وكوثري رعبي..

طوفت في حرائق الشرق

وفي حدائق الغرب..

مطاردا..

وليس من صحب

إلا بقايا من رماد الدار

من طين الفراتين على ثوبي ....(عن ديوان:هذه خيمتي فأين الوطن؟)

 

د مصطفى المسعودي

(المغرب)

...........................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف تكريم الشاعر يحيى السماوي، الخميس 1/1/1431هـ - 17/12/2009)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1199 المصادف: 2009-12-17 13:13:18