تكريم الشاعر يحيى السماوي

شهادات حية: شهادة عن الشاعر العراقي يحيى السماوي

mohamad_masoudiلم يكن قد وقع بين يدي أي ديوان من دواوينه الشعرية العديدة حينما عرفت الشاعر العراقي المتميز يحيى السماوي. كنت حينها قد قرأت له قصائد متفرقة في بعض مطبوعات العراق فحسب،

 لكن معرفتي بشعره وخبرتي بجمال إبداعه كسبتها من النصوص الكثيرة التي نشرها بمواقع إلكترونية متنوعة بحيث أتاحت لي متابعة جديده، وفي نفس الآن حصلت على بعض دواوينه التي قرأتها إما في أصولها أو عبر نسخ مصورة. وهكذا وجدت نفسي أمام قامة شعرية عراقية أخرى لا تقل شموخا عن شعراء العراق الكبار. وما لفت نظري، وأنا أقرأ للشاعر، قدرته على تنويع موضوعاته تنويعا كبيرا، وقدرته على تلوين أسلوب قصائده بألوان مختلفة غنية وجميلة. وهكذا، وأنا أقرأ شعره، وجدت نفسي أحيانا وقد صنفت الشاعر ضمن شعراء الكلاسيكية بفخامة لغتهم وقوتها، وبدقة تصويرهم وحسيته، وبصخب إيقاعهم وعنفوانه، لكني سرعان ما أعدل عن هذا الحكم لأضعه في زمرة شعراء الرومانسية والذاتية في عذوبة لغتهم الوجدانية، وفي صورهم الحالمة الآسرة، وفي إيقاعهم المتوتر الهادئ، غير أني أعدل، مرة أخرى، عن ذلك لأجعله شاعرا حداثيا من المجددين والمُجدين في نهجهم التحديثي حينما طالعت نصوصا أخرى للشاعر وقعت نغماتها على صور شعرية متراكبة مبتكرة، وفي ديباجة لغوية أسلوبية حديثة تتراوح بين الرمز والإشارة وبين السرد والتشخيص، وفي إيقاعات شعرية زاخرة بالإمكانات الموسيقية. ولعل هذه الحيرة التي تنتاب قارئ شعر الدكتور يحيى السماوي تؤكد أنه شاعر من طينة الشعراء الكبار في العراق الذي عودنا على إنجاب مبدعين تعتز بهم اللغة العربية وتعتز بهم العروبة، ومن الأكيد أن الشاعر المفلق يصعب تصنيفه ضمن اتجاه أو مذهب فني بعينه، لأن إبداعه أغنى وأكبر من كل تحديد وتنميط.

ونظرا إلى أن هذه الورقة أردتها أن تكون شهادة عن الشعر والشاعر، وبما أني منشغل بالنقد ومشتغل به، فإن هذه الكلمة لن تقتصر على هذه الانطباعات العامة التي خرجت بها من قراءتي لشعر الشاعر، بل إنها ستلتفت إلى لمحة جمالية طالما أسرتني في نصوص الشاعر يحيى السماوي، إنها لمحة السخرية الممزوجة بنبرة الأسى التي نعثر عليها في أكثر من قصيدة، وبخاصة حينما يتعلق الأمر بقضايا الوطن وتصوير معاناة أهله؛ كما نرى في قصيدة "أصل الداء" التي يقول فيها:

« أربعة كنا مصابين بداء

أعجز الطبيب والعطار في مدينة

جميع أهليها يعانون من التعاسه...

ومرت الأيام

حتى حل في البلدة شيخ طاعن مهنته الفراسة

زرناه نستفهم عن أمراضنا

بادرني بقوله: من أي شئ تشتكي؟

قلت: من الضباب في بصيرتي

ومن شعور غامض أفقدني الوقار والكياسه

فتارة أشعر أن بلدتي مئذنة

ترشنا بالنور والأريج

حتى تستحيل جنة أرضية

وتارة أشعر أن بلدتي إذاعة

تنهى عن المعروف أو تأمر بالمنكر

حتى تستحيل حانة لنخبة

ومخدعا لساسه

فلم أعد أميز العهر من القداسه...»

تلفت نظرنا، في هذا المقطع المستشهد به، نبرة السخرية والتهكم التي تشي بحس نقدي رافض لما يجري في وطن سُلم إلى المحتل، واختلطت فيه الأحوال حتى حال المنكر أمرا مباحا وصار المعروف منهيا عنه. وأصبحت البلدة فيه حانة لنخبة تفعل ما تشاء إلى حد اختلطت فيه على الإنسان الأشياء فلم يعد يميز بين العهر والقداسة، ففقد الوقار والكياسة وغشت بصيرته سمادر الضباب. وما يهمنا في هذا المشهد الشعري المعبر عن واقع العراق ووضعه قدرة الشاعر على تشخيص هذه الحال عبر السرد والحوار باعتبارهما طاقتين فنيتين جسدتا رؤيته الساخرة، وعبر لغة شعرية لا تخلو من نبرة توتر وانفعال، ومن قدرة تصويرية تنتقل من الواقع الخارجي إلى دواخل النفس الإنسانية وانشغالاتها وحالاتها النفسية. وبهذه الكيفية استطاع الشاعر أن يجعل من موضوعه الواقعي ومن مأساة وطنه لوحة شعرية فنية على قدر هام من الإشارة والإيحاء، ومن التصريح والتوضيح لتعي كل أذن واعية.

فماذا بقي لنقوله في حق هذا الشاعر وشعرُه أبلغ في القول عنه وعنا؟

 

د. محمد المسعودي/ طنجة/ المغرب

 

...........................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف تكريم الشاعر يحيى السماوي، الخميس 1/1/1431هـ - 17/12/2009)

 

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1199 المصادف: 2009-12-17 13:15:31