تكريم الشاعر يحيى السماوي

ملف: تكريم الـ (....) العراقي يحيى السماوي .. كائنٌ خرافيٌ يستعير عينين من منطقتين مختلفتين

saosan_sodaniيبدو عنوان مداخلتنا هذه غريبا، أو على الأقل منطويا على محذوف ضخم وغريب في بابه، فهل يبدو يحيى السماوي غير معروف (التجنيس)؟

 ربما لا يبدو الأمر متعلقا بتجنيس يحيى السماوي ذاته، لان تجنيس الكاتب، او أي شخص هو نتاج تجنيس نتاجاته، فالرسام هو من ينتج ما يجنس باعتباره رسما، والنحات من ينتج نحتا، فما الذي ينتجه يحيى السماوي إذن؟ أليس هو الشعر؟

نعم انه الشعر، ولكننا مع ذلك نشعر ان تجنيس السماوي كشاعر، بدرجة من الدرجات، إجحاف لموهبة هي ذاتها تحتار في تجنيس كتاباتها، لأنها كتابات تستعصي على التجنيس فهي كتابة تقف متفردة، وان كانت تسير مع الجميع، لأنها تضع رجلا في الشعر، وتضع أخرى في النثر، تماما كما تقف كتابات الصوفيين التي يمتنع الكثيرون على تجنيسها شعرا، كما يشعر الكثيرون ان من الإجحاف ان نصنفها باعتبارها نثرا.

 

نحن شخصيا نصنف يحيى السماوي باعتباره رائيا، ونعتبره، في الكتابة تحديدا، باعتباره كائنا مركبا، كما هي الكائنات الخرافية المركبة كالقنطور والسارونيمات وأميرات البحر، انه كائن خرافي يستعير عينين من منطقتين مختلفتين: عين من منطقة الشعر، وعين أخرى من منطقة النثر، كما انه يستعير طين نصه هو الآخر من منطقتين مختلفتين، طينة من منطقة الشعر بأخيلته، وطينة من منطقة النثر بعقلانيته، وسيكون الناتج، في الأخير، نصا يبيح ليحيى السماوي، بعد عناء أيام الخلق ان يستوي على عرش النصوص الرؤيوية.

لقد مارس يحيى السماوي الشعر الحر في بحر الكامل (متفاعلٌ):

"مَنْ ليْ بمصباح ٍ

يُضيءُ دجى الجواب ِالمستريب ِِ ..

يُزيلُ عن جَـسَد ِ السؤال ِِ

ملاءةَ الدم ِ والحُـطام ِ ؟

الناطقُ الرسميُّ

يُطنِبُ في الحديث ِ عن الربيع ِ ..

ونشرةُ الأخبار ِتـُنبئُ عن خريف ٍ

قد يدومُ بحقل ِ دجلة َ ألفَ عام ِ

ورسائلُ الأصحاب ِ

تسألُ عن جوازات ٍ مُـزَوَّرة ٍ ...

وعن سُفـُن ٍ مُهيَّأة ٍ

لِشـَحْن ِ الهاربين من الجحيم"         07/08/2007

ومارس كتابة الشعر العمودي في البحر ذاته:

(رباعيات أخرى)

لا تـُسْـرفــي باللــوم ِ والعَــتـَبِ

                                    فأنا ـ وإنْ جزتُ الشبابَ ـ صبي

قـلـبي بـه ِ للحـب ِ ألـفُ مــدىً

                                      رَحْـب ٍ وِغاباتٌ من الـوَصَـب ِ

إنْ أغـْضَبَتـْك ِ صـبابـتي فـأنـا

                                      أطـْفَأتُ فـي نيـرانها غـَضَبي

قـدْ أوْرَثـَتـْني عِـفـَّة ً بـهـوى ً

                                      أمّـي .. وأوْرَثني الوفـاءَ أبـي

02/08/2007

 

بينما كان يحيى السماوي، في نصوصه النثرية التي مدار مداخلتنا الان، يركب تجنيسا (خاصا) حينما وضع عنوان (نصوص نثرية) لبعض نصوصه ومجاميعه، مثلا مجموعته (مسبحة من خرز الكلمات)، فهو يعني بالنصوصِ الدلالةَ الشعرية، بينما يعني بالنثر إنها غير خاضعة لقوانين العروض حتى في نسخته الحديثة في الشعر الذي سمي حرا، أي نمط السياب ونازك الملائكة، إلا أنها تحاول ان تتوسل بوسائل: ايقاعية شعرية داخلية، كالتوازيات، والتقاطعات، والتكرارات، كما ان الشكل الخطي لـ(رسم) القصيدة على الورق: كالعتبات النصية، والعنونة، والتناصات، والفراغات، والتقطيع المقنن للجمل، مما يحول القصيدة تحت يد يحيى السماوي الى رؤيا في المقام الأول وعمل فني تقني لغوي في المقام الثاني. 

 

يحاول السماوي توظيف اهم التقنيات الشعرية كالالتفاتات الصورية التي تمتاز بشدة البساطة والمفارقة في ان معا:

"أنت ِ لستِ شمسا ً

وأنا لستُ زهرة دوّار الشمس ..

فلماذا لا يتجه قلبي

إلآ نحوك ؟ !" 

" أبـتـي......

عـيـنـاهُ مُـمْـطِـرتـان ِ .."

 

"أكلُّ هذه السنين العجاف ..

الهجير ..

الحرائق ..

معسكرات اللجوء ... المنافي ..

وقلبي لم يزلْ

أعمقَ خضرة ً من كلّ بساتين الدنيا ؟ !!"

وقد تشكل المفارقة الأرضية الاهم للنص:

 "ألأحياء ينامون فوق الأرض

الموتى ينامون تحتها

الفرق بينهم:

مكان السرير

ونوع الوسائد

والأغطية"

 

يطيل السماوي أحيانا كثيرة الاشتغالَ في جسد نصوصه مؤثثا أفق توقع مغدور حينما تأتي الخاتمة المفارقة، وعلى نحو غير متوقع، لتجهز على ذلك الأفق الذي هيأه النص:

"كلٌّ يذهب في حال سبيله :

النهرُ نحو البحر ..

السنابل نحو التنّور ..

العصفور نحو العشّ ..

الآفك نحو اللعنة ..

القلم نحو الورقة ..

الصلوات نحو الله ..

الوطن نحو الصيارفة ..

وقلبي نحوك !"

 

وتشكل ثنائية: الوطن والمنفى، الأرضية الفكرية لعشرات من نصوص يحيى السماوي... فالوطن يتجلى في شتى التجسدات إلا ان واحدا منها يكون بصورة معشوقة يمنحها الشاعر حبا يصل حدّ الذوبان فيها والإتحاد بها :

"حـيـن َ اخـتصَـرْتُ بـخـيـمَـة ٍ وطـنـا ً

وغُـصْـنـا ً بـالـخـمـيـلـةْ :

قـدَّمْـتُ أوراق َ اعْـتِـمـادي

لـلـمـنـافي"

"حيـنـمـا حـاصـرني (الأشاوسُ الذئابُ) ذات

َ لـيـلـة

عَـبَـرتُ سـورَ الـوطـن ِ الـمذبـوح ِ"

 

لكن وطنه ممتحنٌ بالمحتلين والسراق:

"وحـيـن عـدتُ :

رأيـتُ " شـمـشـونَ" الجـديـدَ

يـبـيـعُ في حـانـوت ِ مـطـمَحِـه ِ

"دلـيـلـةْ " !!

ورأيْـتُ " أسـيـادَ الـقـبـيـلـةْ "

يَـتـنـاطَـحـون َ عـلـى ثـيـاب ِ أبي

ويَـقـتَـسِـمـون َ نـصـف َ الـلـيـل ِ

أرغِـفـة َ الـطـفـولـة ْ !

فـحَـزمْـتُ ما أبـقـتْ لـيَ الأيامُ

مِـنْ عَـفَـش ِ الـكـهـولـة ْ!"

 

كان الحسّ الفجائعي لازمةً في منجز يحيى السماوي، ففي قصيدة (شاهدة قبر من رخام الكلمات) "قدّم يحيى السماوي نصّا يمكن القول أنه من عيون نصوص الرثاء في الشعر العربي المعاصر، ضرب فيه على أوتار المعاني الفردية والوجودية والنفسية والفلسفية والأسطورية لموضوعة الموت، وغاص عميقا في ظلمات اللاشعور الإنساني".

 

لقد اصدر السماوي كما كبيرا من المجاميع الشعرية التالية: 1- عيناك دنيا 1970، 2- قصائد في زمن السبي والبكاء 1971، 3- قلبي على وطني 1992، 4-جرح باتساع الوطن 1994، 5- من أغاني المشرد 1993، 6- الاختيار 1994، 7- رباعيات 1996 ، 8- عيناك لي وطن ومنفى 1995، 9- هذه خيمتي .. فأين الوطن ..؟ 1997، 10- أطبقت أجفاني عليك، 11- الأفق نافذتي، 12- زنابق برية، 13- نقوش على جذع نخلة، 14- قليلك ... لا كثيرهن، 15 ـ البكاء على كتف الوطن، 16 ـ مسبحة من خرز الكلمات، 17 ـ شاهدة قبر من رخام الكلمات، وهذا الكم الكبير كاف لان يتخذ يحيى السماوي موقعه اللائق في خارطة الشعر العراقي..

...........................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف تكريم الشاعر يحيى السماوي، الخميس 1/1/1431هـ - 17/12/2009)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1201 المصادف: 2009-12-19 10:14:54