تكريم الأديبة وفاء عبد الرزاق

قراءات نقدية: نصوص الشاعرة وفاء عبد الرزاق...تجميل الذات..تعرية الآخر / حيدر الأسدي

haidar_asadi(أخاف إنساناً لا يقرأ شعراً) / (جان كوكتو)

عندما تقرأ نصا أنثويا، ثمة تمظهر جلي وأخر خفي يجعلك تغوص تفكيكا للنص(التفكيك بشأنيته العامة)،

سيما أن كان شعراً، الجلي في الأمر هو الكم الثوراني الناقد لتراث اجتماعي بالي، بصيغته العمومية والخصوصية، وأخر يعبر عن نزعات يملكها (الانا) مقابل الأخر

 (العالم) بكل تفصيلاته، فان كان المجتمع المذبذب يحمل أصرة تواصل ذكورية محصورة للقيم التداولية ومحرمة على القيم وئيدة الصوت، فما حيلة النص الأنثوي من ظل هذا الخضم الهائل المرعب، غير نصا ثائراً يعري المكامن وان كان طليعة كبيرة من النصوص الأنثوية تختبئ خلف ذلك النص تحاشيا لمصادمات نقدية (ناقدة) بمنظار اجتماعي وليس أدبي، يهتك النص الأنثوي ويحرم على (الذات الشاعرة) البوح بأي مكنون، حتى ان كان تجربة معاشة، او مشاهدات ملتقطة من الواقع الحياتي، فثمة من يتقنع خلف زيف هذا المجتمع وخلف التعقل الجمعي رافضا إفصاح أي شذوذ سلبي حتى وان كان شعرا، وحينما اقرأ نصا أنثويا يحيلني للوهلة الأولى إلى إيقونة علم النفس والاجتماع التي تكون مرارا في اغلب النصوص الأنثوية أن جازت التسمية التي لا أحبذها، غير أن مجموعة من الشاعرات كسرن هذا الطوق ليجبلن الناقد النظر بإطار نقدي لما للإيماءات ألقصديه والاشتغالات الصورية في النص، وعندما يقرأ قارئ منتج نصوص الشاعرة العراقية (وفاء عبد الرزاق) فثمة إصره تفتح الباب على مصراعيه لإثارة جدل داخل تلك النصوص، ربما يكشف عن براءة النص الأنثوي بمقابل الصفاء التجريبي في القول، واشتغال المقاصد الواعية الذي يرفع من قيمة النص، الشاعرة، الإبداع، سأقتطف من حدائقها ثمرات زرعتها هنا وهناك في مواقع الانترنت لأروها بفيض مائي الذي مداده شط العرب والبصرة التي هي أرضها قبل ان تكون أرضا لنصوصها:

 

(و أنا بانتظار أن أولدَ

 على يديكَ

 أترنـَّح مثقلةً بكَ

أعطي ثيابي إلى جنتِكَ

 أتحررُ منـِّي صعوداً إليكَ

أثقبُ عينَ النعاسِ

ليصبحَ شمساً لليلٍ)

(من قصيدة صعودا اليك للشاعرة وفاء عبد الرزاق)

 خلال ملاحظاتي للنص الأنثوي، ثمة تحايل واحد موضوعا للبوح، التجربة، الخطاب يتشكل ويصب بإطار واحد، ربما قراءاتنا تؤل لهذه النتيجة، ولكن ثمة مسكوت عنه قيمة اعتراضية في النص وان كان محذوفا غائباً يكفي التركيز التوضيحي ثورانا ضد التراث الاجتماعي المملوء بلادة،

 

(أتأملُ وجهي فيكَ

كقامةِ مراهقةٍ

تستكشفُ الغائبَ من جسدِها) (نفس القصيدة)

التداخل في التجربة، ربما يربك ويفوض وربما يرتب ويبعد الانحسار في النص فيلتئم كل مضض ويكون الغائب المنادى (هو الصراع الأوحد) الذي تكابده ألان، وحتى طريق تجميل الأنا في الخطاب للأخر، هو مونلوغ يسكب الحزن في بوتقة الخطاب، كل خطاب موجه يحمل مدلولات... فماذا تحمل ألينا الشاعرة  وفاء في خطاباتها الشعرية؟ انه تساءل تجب عنه داخل نصوصها:

 

(أتحتسي الماءَ المذهَّبَ

أم تـُعلـِّمُهُ قفزَ الصخور

وتطاردُ قـُبلتـَهُ

كيف تنسابُ بروحكَ حارةً

سخيـَّة ً تتجمـَّعُ،) (من قصيدة هل أنت الصامت شيطنة والمتطلع)

 

خطاب العذال، الهجاء، المديح، حتى وان اجتمعت الصور الثلاث بهيكلة (ألمقصديه) الإيماءات، والاقتصاص، والغائب الهامشي،

 

(أيـُّها الصَّافنُ شيطنة ً

الهاربُ بنفسِكَ إليكَ

هل هذتِ البيوتُ حين تركتـَها؟

أتـُراها انتبهتْ أنـَّها وحدُها؟

غرفتـُكَ التي جنـَّتْ جـُدُرُها

ابتسمتْ

وأنتَ تحكـٌّها برأس ِالقلمِ

ربـَّما اختنق السرير بضياعهِ

أو كمَّمَ صوتـَهُ البردُ

أنت كلُّ ُعائلتهِ

أظـِّنــُّهُ خاصَمَ أعزلَ السؤال) (نفس القصيدة السابقة)

 

التحذير، التنبيه، المعلومة، وانصهارها في  بوتقة (الإيماءات القصدية) تؤدي بالفعل القرائي نفس النتيجة وأفصح، من وضوحية طرحها، لتشكيل تجميلا للانا، وتعرية للأخر (حتى وان حذف من النص)

فان التفاعل مع النص، يتوقف على طبيعة المعطيات التي تطرح فيه،

المقاصد، الصور، درجة منح القارئ تفاعلية، لإثراء الدلالة داخل كل نص كان،

 

في قصيدة (لحظة أنوثتي)

(ماذا ستلبسُ الليلة 

رقصَ روحي أم قناديلي 

أم دهشة َالستارة ِالتي تعرَّت لأجلنا؟)

 

الستارة (هل ثمة خطاب يرسل من الأنا الشاعرة إلى تلك الستارة، وما هي رمزيتها في النص ـ وهل النص مدعاة لإثراء جدلية الخطاب بين الأنا والأخر (المخاطب) بعيدا عن تلصص الأعين وهل ثمة ستارة تغطي البوح الخاص، في ظل اكتناف العالم الغموض.

 

(ما أوضحك بغموضي

وما أجملك في مصرعي بين دفتيَّ وجدك

حين جاءتني الرياحُ برغبتها العارمة

عرفتُ أنك فيها

لذا وضعتُ خدِّي على شجرة ٍلأسمعك

تلمَّستُ الوردَ لأشمك

بكيتُ لأمطرك) (نفس القصيدة السابقة)

 

اللعب على تناقض المفردة زائد التقطيع والانتقال مدعاة أخرى لفاعلية بنائية في النص تصوغ الإطار الموضوعي (الخطاب) على هيئة تشكيلية تبعث مرسلات (صور والتقاطات) بمنحى ومحورية الهم الإنساني ـ الذي يلامس الشاعرة الأنثى - مشكلات المرأة، لواعج العصر الحداثوية (تضايق الزمكان) في تناول موضوع المرأة. كما تقول (مدام دوستايل): (الحب هو تاريخ المرأة) (الحب بمنحاه ومفهومة المطلق الذي ينعجن وينصهر مع كيان المراة سيما ان كانت حساسة (شاعرة) يتدفق الحنان في صوره المختلفة ليبعث تلك المخرجات الفنية في القول. الخيال، الاغتراب، طرفان من نوع خاص في تكوين النص لدى الشاعرة وفاء عبد الرزاق.وكما يقول ألبرت اينشتاين: الخيال أكثر أهمية من المعرفة، ففيه يصنع الإخراج الفني

(للنص) بصورته الأخيرة، قبل (موته) حسب رولان بارت.

وفي قصيدة (إحدى عشرةَ جبهةً)

 

(ترامَت أطرافُها لرُقاد الجائعين

ولكواكبَ صغار تجمَّعتْ حولها

وحلبت عَرقًا يتيمًا

هي أوَّلُ احتراقٍ، وآخرُ الكرْم

لا مياهَ إلاَّ زرقتها

ولبنًا من شجر

هي أخضر طارده القيظُ

وأبيض صلاَّه المَغيب

لا جدارَ سواها

ولا مطرَ سوى سقفٍ حزينٍ

تهبط ُعليها ليلاً

بقشَّةٍ أتلفَها عصفور

بحريقٍ شبَّ بسرِّيَّةٍ وتآكلَ

ببحرين نجلاوين

ونسيانٍ عميق)

 

تعمق الشاعرة من اللون تارة كوصفاً للطبيعة التي تحيط الجو الشعري، وأخرى وصفا معنويا، او موضوعيا او حيويا يبعث نشاطا ويوظف تركيبيا  داخل النص. باعتبارية مكان اللون في حياتنا العامة. للتوزع كلوحات تشكيلية مضمنة داخل النص خالقة جو لاواعي في التأثير (بالأخر) (الياسمين. شوش الوهن. زنابق. عنبر. ربيع. باقات زهور. الماء. احتراق) (فان كل ذلك يحفز من الصور الدرامية داخل النص...ديكورا كان او وصفا مكانياً)

مع انتشار الأفعال لتشكل دراما داخل النص. يمكن القول أن نصوص وفاء عبد الرزاق، مشكلة لنقد منظومة اجتماعية أرهقت كيان (المرأة الإنسان) وانزعنها حقوقها لترتمي بها في غياهب العادات البالية، ولم تخلُ تلك النصوص من مناجاة الأخر، بصوره المختلفة، والعبور إلى مناطق الهدوء وتشهد بماهيتها اختلافا كليا عن تلك النصوص الأنثوية التي تحكي بصيغة

 (المرأة الغاضبة عن إرهاصات المجتمع ألذكوري) بل يحس القارئ المنتج أن وفاءاً تكتب نصوصها (باعتبارها كيانا مجتمعيا) يسعى لحجز تواجده الطبيعي في المشهد الحياتي والشعري والثقافي معا معبرة عن ما في جعبة مئات النسوة ممن يشاركنها الهم العام.

 

حيدر الاسدي

قاص وكاتب – البصرة

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الأديبة وفاء عبد الرزاق، من: 05 / 11 / 2010

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1533 المصادف: 2010-11-16 16:10:39