تكريم الأديبة وفاء عبد الرزاق

قراءات نقدية: وفاء عبد الرزاق .. تعود إلى أهلها

mohamad_obaydiعلى مشارف الريح افتقدنا الخطى، اتسع غبار المسافة، تبعنا شرطيّ إلى مرايانا، يلوّح لنا مبتهجاً بعتمتنا، زحف ألم الدقائق على أجسادنا، فغدونا مثل وطن يبحث عن قلب أوعن اتجاه للنهار،

وطوّق الصليب صدورنا ..... الحقائب لم تزرّر قمصانها، بقيت ظلالنا وحيدة كأمنية بأعقاب السجائر، والرحيل طارد أشجارها.

 

حينما نريد قول شيء أو قراءة شيء أو نرى شيء أو نسمع شيء فإننا بالتأكيد، نستعيد التركيب العلامي من خلال التجاور أو التداخل من جهة ومن خلال التضاد والتباعد من جهتها الثانية . وبالتالي هذا التركيب لابد أن يأخذ معه القدرة الحقيقية لصياغة هذا الشيء ومن ثم الدخول إلى عالم الواقع.

واليوم نحن أمام تجربة شعرت أنا بحاجة للكتابة عنها، ولاسيما وأنا متخصص في كتابات التاريخ عن الفن القديم، وكذلك ناقد في الفن التشكيلي، واليوم أنا متذوق لنوع من الفنون وهي الرواية وبالتحديد سوف تكون كتاباتي عن رواية (السماء تعود إلى أهلها) للكاتبة والروائية والشاعرة العراقية (وفاء عبد الرزاق) .

إن أي عمل فني وبالتحديد الرواية تعتمد في تكوينها على مبدأ مهم يبدو لي اخذ من المناهج النقدية المعاصرة وهو مبدأ ى (التركيب) ومن ثم يلتحق به معرفة للقوانين العامة التي تلجأ إليها الرواية ومن ثم تعمل بموجبها التجاورات  العلامية، ذلك ان هناك وحدات فردية أمضت بها الروائية لأنها أخذت تستمد معناها من علاقات عناصرها بعضها البعض، الرواية هنا تبدأ أساسا من التركيب ولا تمر بمراحل اعتمدتها الروائية في كتاباتها السابقة . ولهذا سوف أواجه نوعا من التعقيد عن كيفية هذا التركيب ومفرداته ومرجعياته .

البعض يقول ان الرواية هي : الجنس والسياسة من أهم مفردات هذه الرواية بل هما الركنان الأساسيان بمعنى آخر الساقان اللتان حملتا هذا البناء الروائي من بدايته حتى نهايته . إن امتزاج الجنس بالسياسة . هذا التداخل بل التعاشق بينهما قد تجلى في الرواية من حيث بناء الشخصيات والأحداث بل إن الدراما التى حفلت بها نتجت عن هذا الانصهار.

وهنا نقول كيف نحدد أركان الرواية من دون أن نعرض التركيب الداخلي للعلاقات، وبما أن العلاقات تتكون من شتى العناصر لابد ان يكون هناك تواز أو تعارض أو تكافؤ أو قلب .. الخ ولكن لابد من بقاء تركيب العلاقات سليما، كيف يكون سليما أنا أجد البناء الأوائي يستند على مفردتين هما (الجنس والسياسة) أي قانون يحكم الرواية وهي تتموج في مفردتين، اليوم نحن أمام أمواج مختلفة لا يهمني ما في الظاهر ولا حتى الباطن يهمني ما يتضح من بنى عميقة، هنا يبدأ التنبيش ليكون استقراء الرواية مفهوم وفق التركيب العلامي المرصود من قبل مرجعياته . هذا الأمر ربما أوقع الروائية في أن التركيب العلامي في روايتها السابقة لا تحددها القيمة الثقافية وتصبح تلعب في مرحلة آنية، وبالتالي ربما تخرج روايتها من مغزاها الحقيقي ولا يمكن إخضاعها إلى الذوق العام كما يقولون بعض النقاد ولكن؟ لأننا ربما في الفن نرفض المعنى الواضح ونحاول بدلا عنه أن نحدد التراكيب الشكلية العميقة .. أنا اعرف من خلال قراءة الرواية أن (وفاء عبد الرزاق) تحاول تحويل العلاقات من نظامها الظاهري إلى الباطن العميق من المركب البسيط الجزئي إلى الكلي البعيد عن العموميات، وبالتالي توقع نفسها في خطأ توهم المتلقي أنها تعمل وفق القيمة الظاهرية وبالا مكان أن تستند إلى التركيب الواقعي وتزيل التعقيد. ولكن هنا أجد من غير الممكن أن أكون متلقيا ولا أجد محتوى الرواية أن تكمن بواطنها وبناها العميقة .

في مقدمة النظرية الأدبية وجدت (تيري ايغلن) يقول باستطاعتك أن تنظر إلى أسطورة، أو مباراة في المصارعة، أو نظام قرابة قبلي، أو قائمة مأكولات في مطعم، أو صورة زيتية، أو تقرأ قصة أو رواية ولكنك في نفس الوقت تقوم بمحاولة عزل مجموعة من القوانين، التي تربط هذه العلاقات لتكون معاني، رواية (السماء تعود إلى أهلها) تجاهلت تلك المفردتين في بناها العميقة وهذا ما قالته هذه العلاقات فعلا وركزت بدلا عنها على علاقات داخلية شكلت بعضها مع البعض الآخر .

إن نقطة التحول في حياة كل من شمس وفجر حدثت بعد اللقاء مع صابر القواد ومن ثم تكشفت الأغوار النفسية لهما فى ملحمة جلجامش كان أنكيدو يعيش مع الحيوانات حتى مر بمرحلة التحول فى حياته وهى اللقاء مع الأنثى كما جاء فى هذه الأبيات :

فأسفرت البغي عن صدرها وكشفت عن عورتها

فتمتع بمفاتن جسدها

نضت ثيابها فوقع عليها

أنا لست من الناضجين بعد في علم اللغة ولكني وجدت (سوسير) يقول:

لكلإاشارة لغوية معنى يفصل اختلافها عن الإشارات الأخرى ولا يوجد في نظام علم اللغة الا الاختلاف . فلنختلف جميعا . المعنى هنا ليس كامنا لاعند (صابر) ولا(كلكامش) ولا(انكيدو) الذي يعيش مع الحيوانات  ليظهر مفاتن الجسم لغرض التمتع، هنا وجدت عن الروائية عناصر افرادية تندمج بقصة خالقة ذات تأثير كبير وتنجح في التركيب الذي جعلته أساسا في روايتها كما أسلفنا انه تجاور علامي تعطي للمفردة حقها أينما تكون وأينما تحل  حتى في زمانها، هذا ولد عند المتلقي إحساسا يبدو لي انه أشبه بلوحة تشكيلية تكاملت  في المدرسة الرومانسية .

 

شخصيات الرواية ...

لا أريد أن أبدء بوليد .. ولا حتى لوحاته .. ولكني أوجدت العراق هنا أيقونة تتحول إلى رمز بالرغم من تعارض المكان مع لندن هذا أنا اسميه تجاور في العلاقات وهو ليس بالشيء السلبي ولكن وضعت  السجن .... العزلة.   حب ابن الجيران ... اللذة

دفء الجسد ... ريشة ألوان . 

من المسلم ان تقوم الروائية بإقصاء المعجم كونا لإيقونة محددة والرمز متحول من مكان إلى مكان، ولكن هذا يوقعها في الابتعاد عن التركيب العلامي وتبقى تسير في اتجاه واحد، جسد لذة عواطف مشاعر، هذا التواصل مع الواقع موجود عند الشرقيين وبالرغم من الالتفاف حول الموضوع بقيت (وفاء عبد الرزاق) تتواصل مع الواقع بتحديد الرمز بالرغم من تركها العراق لأكثر من 25 سنة وهي سنين مهمة في حياتها ربما تؤشر هذه الحالة نوع من، التداخل ولكن المنهج السيميائي لا يكترث لهذا الأمر ليبقي الحركة الكلية هي التي تبني العلاقات الخاصة .

إنني لا أريد أن اعثر على الوجه الآخر لوليد وأعطيه صفة أخرى  ولاسيما تجاورت فتاة سمراء اخرى، كل هذه المفردات تشتغل بالتركيب وهنا لابد من ان تتوالد  مفردات جديدة هذه التي لم أرها في الرواية أغفلت تماما، والإبداع للأيقونات الجميلة الجديدة بقي في الجنس واللون الأشقر الذي لا يرتبط بظهور معنى جديد، او قيمة دلالية وشكلية جديدة بالنسبة لعلاقات موجودة أصلا في الواقع مثلما وجدت الفتاة السمراء.

إنني اعرض التوليد هنا من خلال التركيب بهذا التحديد لا التزم بالرواية كمسميات ولكني التزم بأفعال، (صابر) لم يكن توالد لبنى المفردة كون المهنة باقية بمعنى التعامل مع الأثرياء هو الآخر لم يكن مولدات لتراكيب ناتجة عن عمليات الجنس أو الاشتقاق لمسميات أخرى .

نعرف جيدا إن التركيب إبداعا جديدا من خلال تجاور العلامات ...

شمس ... فجر..  شقراء .. سمراء ملاحظتي تخلو من التضادات ولكي افترض نسقا او مجموعة من القواعد وجت الروائية تفترض هي الأخرى نسقا لها لتجعل من المتلقي في حيرة من أمره لا يستطيع ضبط الإيقاع من هذه الدلالات كما ضبطت طريقة استعمال (وليد) ولو لم يكن الأمر كذلك لوجدت أن بإمكان القارئ الاعتيادي لا يصل إلى مستوى نخبوي، والكل يفهم ما تقول، ولكنها أوجدت لنفسها متسعا من الوقت لتصحح الإيقاع، من خلال تحديد ما تسمح به من قواعد مثلما أوجدت :

 فى صمته

ـــ  ويحك وليد . صرت تكلم نفسك . الله يلعن الوحدة وتتهيأ أيضا

رش لونا ذهبيا على إطار الصورة المركون أرضا

ــــ الشقراء رمز الغواية

تردد الصوت ثانية . وليد . وليد

ـــ  يا رب أنا أكلم نفسي . إذا من أنتما ؟ هل أنتما من الجن؟

ـــ وهل لرجل مثل وليد وثقافته أن يؤمن بالجن؟

ـــ نحن أجمل امرأتين رسمتهما. اقترب من اللوحة . هل تسمعنا جيدا

     نريد أن نعقد معك اتفاقا

 

هذا التحديد بضبط الإيقاع أوجدت فيه وحدات جديدة واستعمالات جديدة وهنا قصدت بشكل جلي توالد المعنى وربط العناصر وانجاز جمل الرواية.

ومن هنا فان الروائية نجحت في التركيب بعد أن رسمت المنظور الواقعي بحجم الأشخاص، وحملت المعنى في لوحات مختلفة يمكننا أن نقول انه كلما ضعفت طريقة التمثيل قويت بالمقابل عملية أيقنة الإشارات وهذا هو سر وفاء عبد الرزاق إنها تبتعد عن الواقع لتنطق من خلاله المقاصد..

 

                                                                      محمد العبيدي

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1587 الخميس 25 /11 /2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1542 المصادف: 2010-11-25 08:06:26