تكريم الأديبة وفاء عبد الرزاق

قراءات نقدية: الشخصية العجائبية في قصص وفاء عبد الرزاق .. مجموعة امرأة بزي جسد أنموذجا

ghanam_mohamadتكتنز معظم قصص وفاء عبد الرزاق بشخصيات عجائبية، ويتمخض عن هذا الاكتناز مواقف واتجاهات ورؤى تحاول من خلالها أن تسلط الضوء على جملة من الأشياء التي باتت تغزو حياتنا الإنسانية المعاصرة بطريقة عجائبية،

 وأخذت هذه الشخصيات اتجاهات وأشكال متنوعة أثارت المتلقي وشدته نحو العمل بشكل كبير. والشخصية العجائبية" شخصية مأزومة تحمل وعياً ورغبة في التغيير، إذ ترى العالم العجائبي من خلال منظورها الفردي، وتتميز هذه الرؤى بأنها رؤى حلمية تلجأ إليها الشخصية لتحقيق رغباتها المكبوتة أحيانا، وتسيطر الأحلام والكوابيس المشوشة في بعض الأحيان على هذه الشخصيات أيضا، كما تسود رؤى هذه الشخصيات التمويهات البصرية، والتخيلات المشوشة، والتحليق في عالم الحلم والاستبطان حيث اختلاط الحلم بالحقيقة" (1)، ومن الجدير بالذكر إنه في الأدب العجائبي يحصل انزياح عن الواقع لحساب اللاواقع المدهش، وتتغير ثوابت كثيرة من أهمها الأبعاد الثلاثة المعروفة للشخصية وهي (2). 

 

1. البعد الخارجي الذي يتعلق بالكيان المادي المتصل بتركيب جسم الشخصية أي المظهر العام.

2. البعد الداخلي الذي يتعلق بالأحوال النفسية والفكرية للشخصية وما ينتج عنها من سلوك.

3. البعد الاجتماعي الذي يتعلق بالظروف الاجتماعية والمركز الذي تشغله الشخصية في المجتمع." والشخصية العجائبية ما هي إلا مساحة مشتركة يجتمع فيها الواقع واللاواقع وان طغى الأخير عليها، وهي تقنية فنية استخدمتها الرواية الحديثة لتعبر عن أزمة الإنسان المعاصر، لذلك جاء البناء الفني لهذه الشخصية على وفق رؤية جديدة لا تحتفي بالأبعاد الداخلية والخارجية فحسب، إنما تعمل على تقويض الصورة الثابتة للشخصية والعمل على هدم مرجعياتها الواضحة ومن ثم إعادة تشكيلها بصورة غرائبية تتجاوز قوانين الواقع والطبيعة. ويتم في الروايات العجائبية" (3)  كما يتم في الروايات العجائبية   "وصف مخلوقات غير مرئية، أو تحويل الشخصيات المرئية إلى شخصيات غير مرئية، وتعمل هذه المخلوقات (...) على خرق العرف الطبيعي وخلق قوانين جديدة، وتنحو بعض الروايات العجائبية (...) إلى إحياء الكائنات غير الحية لخلق مشهد عجائبي يثير الدهشة، ويسري الوصف فيها على الإنسان والحيوان والنبات"(4)

تتشكل شخصيات وفاء عبد الرزاق القصصية في مجموعتها (امرأة بزي جسد) بشكل عجائبي يثير الدهشة والغرابة لدى المتلقي، وتحاول من خلال رسم الشخصيات بهذه الطريقة العجائبية للكشف عن جملة قضايا خرقت النسيج الاجتماعي والتكوين الحقيقي للشخصية في الواقع. ففي قصة مقلوب سائق، ترسم لنا القاصة شخصيتين بطريقة ساخرة ومعكوسة للوضع الطبيعي المتعارف عليه، إذ جعلت من الشخصية الحقيقة سيارة أجرة(التاكسي)، كما جعلت من (التاكسي) شخصية واقعية لتحدثنا عن همومها ومشاكلها فهذا الانقلاب في تحديد الأدوار في رسم الشخصيات يعكس لنا حالة فنتازية عجائبية تثير دهشة المتلقي وتشده للتعرف على الشخصية بطريقة تأملية عميقة (كلهم يصعدون التاكسي يأخذون أي منعطف يشاؤون أي اتجاه أو شارع. إلا أنا يصعدني التاكسي يساومني على الأجرة يحدد لي وجهته وعنوانه بالضبط ألبي رغباته وأسوق. توقفت مرة لنقل مغرورة بنفسها وبلونها الأزرق الجميل، أوسعت جدراني وفتحت نوافذ صدري لتتنفس هواء الربيع المنعش) (5). إذ  ترسم لنا القاصة هذه الشخصية بعد أن جردتها من تركيبتها الحقيقية وأضفت عليها ملامح أخرى، فأصبح هذا الشخص حاملاً للسيارة ويتجول بها في الشوارع حتى ملّت قدماه من المشي، وهذا الوصف الفنتازي العجائبي للشخصية يشير إلى ما يتعرض له الإنسان من اضطهاد وقسوة وعدم اهتمام، ويأتي هذا الوصف محملاً بالأبعاد والدلالات الرمزية التي من شأنها أن توجه القراءة وجهة معينة.

أما الشخصية الأخرى المتخيلة (التاكسي) فتركبت كذلك بشكل عجائبي غير مألوف وصاحبَ هذا الرسم للأبعاد الشخصية تحولاً في دلالة الشخصية، إذ ارتبط العجائبي بالرمزي ليعكس للقارئ الحالة المأساوية التي تعرضت له هذه الشخصية (التاكسي)، فما ترويه هذه الالة المؤنسنة من سرد عجائبي هو تصوير للواقع المرير الذي خيّم على حياة الناس، إذ من خلال هذا السرد تنقلنا القاصة إلى داخل أسرة، وهذه الأسرة هي رمز للمجتمع، فالأسرة أخذت طابعاً عاماً لا خاصاً (مررت يدها على المقعد الأمامي الأزرق الفاتح المصنوع من القطيفة، فتحت الصندوق الأمامي واستخرجت الملكية خذ اقرأ، أنا أعود لموظف في شركة النفط اسمه (عايف زهقان) متزوج ثلاث نساء لكل واحدة أربع بنات لم يرزقه الله بولد، عذبوني أولاد الكلب، إثنتا عشرة بنت وكل أسبوع لأربع دور: أربع بنات يلعبن على قماشي في المقعد الخلفي. انظر لونه يختلف عن الأمامي...) (6). تكشف لنا الشخصية العجائبية (التاكسي) عن معاناة داخلية تتلقاها يومياً من عائلة صاحب الملكية، وهذه المعاناة تشير إلى الفوضى العارمة التي تعتري هذه الأسرة، وتغزو الواقع بكل تفاصيله، وما حصل من أنسنة الآلة ما هو إلا دليل على أن كل ما يتعلق بالمشاعر والكرامة والأحاسيس أصبح منتهكاً في زمننا هذا لاسيما وأن إضفاء صفات الإنسان على الآلة وتصويرها بهذه الطريقة القاسية المتمثلة في معاناتها في بيت مالكها من الرموز التي تعمق البعد الدلالي لأحداث القصة، وهذه الأنسنة تعد تحولاً عن الواقع الطبيعي الأمر الذي يجعل من الشخصية/ التاكسي شخصية عجائبية بعد أن أصابها التحول والتغيير والمسخ، ثم تستمر القاصة في سرد معاناة هذه الشخصية التي تصور لنا عالم الماديات بعد أن تضفي عليه صفات الإنسان العقلية والقلبية المتعلقة بطريقة التفكير والحب والكراهية وغيرها من الصفات، لتكشف لنا مالذي يصبح للآلة بعد أن تتحول إلى إنسان: (هنا تجلس الزوجات باختلافهن اللوني والطولي ومعزتهن لدى الأستاذ عايف، لكن زوجته الصغرى لعنها الله تأخذني في يوم عطلة زوجها وتفرغه لمتعتها الخاصة إلى بيت عشيقها الباكستاني ولضرورات الصمت أكذب على عايف وأخفي السر، لكن زوجته الوسطى تدقق معي بطريقة مملة مع هذا أتحملها لأنها تأخذني إلى أهلها تقضي النهار كله) (7). الشخصية العجائبية/ التاكسي تسرد لنا تفاصيل عن أسرة مالكها عايف وهذا السرد يعكس عن الغش والخداع والخيانة التي استشرت في بيت عايف، ثم نلاحظ من خلال هذا المقطع أن الشخصية العجائبية / التاكسي أخذت تمارس فعل الخادم أو الشغال في بعض العوائل  ومايحمله من أسرار خطيرة عن كل فرد في البيت، ويأتي هذا لإبراز حالة الفوضى المستشرية في تلك العوائل إذ كل شخص من هذه العائلة يعطي سره للخادم أو السائق، وبالتأكيد هذه التصرفات تثير الغرابة، والدلالة الأهم إن مجتمع الانسان أقسى من مجتمع الآلة في عالم هذه القة المتخيل مما يخلق مفارقة عجائبية ذات ابعاد رمزية ودلالات إنسانية، ومما يزيد من الفعل العجائبي الخاص بأبعاد الشخصية هو الحوار الذي ينشا بين الشخصية الواقعية التي تتحول إلى سيارة، والشخصية العجائبية الثانية/ التاكسي، وهذا الحوار يضعنا أما أفعال عجائبية تقوم بها الشخصيات

(1.من اين البنية؟

   2. ياغبي من عائلة شوفرليه الأصلية

   3.عذرك ما قصدت الأصل واسم العشيرة بل لمن ترجع ملكيتك يارقيقة العود وعذبة الكلام؟

  مررت يدها على المقعد الأمامي الأزرق الفاتح المصنوع من القطيفة، فتحت الصندوق الأمامي واستخرجت الملكية) (8). نتعرف من خلال هذا الحوار على التحول العجائبي الذي طرأ على الشخصيات وغيّر في الأبعاد الخارجية للشخصية، وهذا التحول في فعل الشخصية يكرس الفعل العجائبي داخل القصة ويجعل الانزياح عن الواقع ضمن شبكة من القصديات التي ذهبت إليها القاصة في مروياتها، كما تضعنا القاصة أمام دهشة وغرابة وفعل عجائبي تتمكن من خلاله إلى لفت انتباه القارئ وجعله واعياً ومتأملأ بشكل جيد للأحداث التي ستنتج عن طريق العجائبية، ويأتي هذا أيضا عن طريق الحوار الذي تتكشف من خلاله أحداث ومواقف ترتبط بعالم العجائبية وترمز للعالم الواقعي المعاش.

 وفي قصة (طفل بصحن هريس) التي تجسد معاناة بطلة القصة التي تكون في دعوة على العشاء لعوائل من الذوات، فبعد أن جاء الطعام بدأت البطلة بتجسيد شخصيات عجائبية عن طريق المخيلة (دارت الشوكات والملاعق وكؤوس العصير وتسابقت الأيدي بما لذ وطاب. إلا أنا تجمدت بمكاني حين شاهدت هيكلاً عظمياً لامرأة من أفريقيا حبا على طول المائدة خائر القوى يدور حول الأواني ولا يقوى على مد عظام يده لتتسابق مع الجميع) (9). إنّ استحضار هيكلاً عظمياً بهذه الطريقة الغرائبية يشير ويرمز إلى الذاكرة العربية المعاصرة عند بعض الناس هذه الذاكرة التي امتلأت بالمشاكل، فأرادت القاصة هنا أن تضعنا أمام مقارنة مابين شعوب أنهكها الجوع والفقر وشعوب متخمة بالترف، وتكمن العجائبية هنا في طريقة الوصف الشخصاني الذي سيطر على الحدث القصصي.

وتستمر القاصة  في وصفها العجائبي إذ شاهدت الطفلة اللبنانية وهي محمصة (رأيت طفلة لبنانية مشوية محمصة محاطة باللوز والفستق، قلت في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله) (10). فانتقلت القاصة بين البلدان العربية من خلال الوصف العجائبي للشخصيات، واختارت من كل بلد مايتوافق مع مايعانيه الإنسان، فالطفلة اللبانية اشتعلت بنيران الحرب المستمرة في لبنان، وانفتح هذا الوصف على أكل الإنسان لأخيه الإنسان وفي هذا إشارة إلى الحروب الأهلية التي تشتعل في لبنان وفي غيرها من البلدان فأصبحت المواقع الجغرافية دالة على التحولات الاجتماعية والحضارية والسياسية التي تعانيها البلدان العربية في صورة تبتعد تماماً عن الواقع الطبيعي لصالح الصورة العجائبية التي تعبر عن واقع مؤلم ومرير.

 

د.غنام محمد خضر

العراق/جامعة تكريت

 

......................

(1) . العجائبية في الرواية العربية (من عام 1970 الى نهاية عام 2000)، فاطمة بدر حسين، اطروحة دكتوراه، جامعة بغداد، كلية التربية للبنات، اشراف: د. شجاع العاني، 2003: 35

(2) . . ينظر: حركة الشخوص في شرق المتوسط، إبراهيم جنداري، الموقف الثقافي، بغداد، ع27، لسنة 2000: 85.

(3) .العجائبي في رواية الطريق إلى عدن، د.فيصل غازي النعيمي، مجلة جامعة تكريت للعلوم الانسانية،مج14،ع2،لسنة2007، 122

(4)   العجائبية في الرواية العربية (من عام 1970 الى نهاية عام 2000): 13

(5) .امرأة بزي جسد:17

(6) م ن:18

(7) . امرأة بزي جسد:18

(8) . م ن:18

(9) امرأة بزي جسد: 35

(10) م ن:36

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الأديبة وفاء عبد الرزاق، من: 05 / 11 / 2010)

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1545 المصادف: 2010-11-28 05:23:02