تكريم الأديبة وفاء عبد الرزاق

المتخيل التعبيرى وأثره فى استلهام الموروث النفسى فى قصيدة بيت الطين

wafaa_abdulrazaghقصيدة بيت الطين للشاعرة وفاء عبد الرزاق فازت بجائزة نازك الملائكة لعام 2010

1-   بيت الطين: الصورة التالية هى محور التعبير لدى الشاعرة والمصدر الذى استقت منه

الدلالات والعلاقات النفسية والوجدانية وهى التوصيف الفنى الذى ترجمته من لغة التصوير إلى لغة التعبير الشعرى وتلك جسارة وقدرة على التخيل تقدمها وفاء عبدالرزاق فى محاولة لتقريب الفكر الوجدانى وتحويل المتخيل الرمزى التراثى من واقعه وسرمديته إلى الحياة الخارجية الحقيقية وهو كما يبدو فى الصورة مشهد لمنزل عربى قديم تحيط به أشجار النخيل ويحمل فوق سقفه طبقا هوائيا إشارة إلى المدنية التى أصابته وإلى ثورة الاتصالات الصناعية التى غمرت جدرانه وهذا المشهد معروف فى الأوساط الريفية العربية البسيطة ويمر من أمام هذا البيت نهر صغير تشكل زرقته حيوية وخصوبة وبكارة للطبيعة والعهد ويرمز القارب فيه إلى الهدوء وطبيعة الحرفة التى يقوم بها صاحب بيت الطين، وهنا تتقابل الفكرة التصويرية الفوتغرافية مع التطبيق التعبيرى فى النص ويكون التكثيف هو وسيلة الشاعرة فى نقل هذا التركيب التصويرى الوجدانى الحى من حيزه وفضائه إلى حيز أخر وفضاء أخر أكثر ترجمة وتعبيرا عن طريق الترجمة الشعرية.

  613-wafaa

2- التجربة

فى نص بيت الطين للأديبة العراقية وفاء عبدالرزاق الفائز بجائزة نازك الملائكة بالجائزة الثانية كنص شعري للعام 2010م  نلمح عدة متخيلات موضوعية ونفسية لاتركن عند التحليل الواقعي لمتغيرات الحياة الخارجية فقط وإنما تتجاوز ذلك إلى ذات الشاعرة وإلى باطنها وعمق خيالها الذى يتجه نحو الواقع البعيد حيث تحلق فى ماضيها وتاريخها ليس على مستوى الانفعال الوحدوى الشخصي بقدر ما هو انفعال مركب من الواقع والماضي والذكريات للمكان والزمان والأشخاص والحنين الذى يؤكد على عملية الرفض للمتغيرات، والبحث عن قيم جديدة وأعراق ممتدة من التاريخ والماضى، وهذا يجعلنا نشير إلى أهمية المتخيل النفسي لدى الشاعرة حيث يجمع بين أركان التجربة لديها وبين اضطراب حاضرها الذى لاتريد أن تفصح عنه صراحة، وتلك مسألة مهمة فى تحليل الظواهر الوجدانية فى الإبداع عامة وفى الإبداع الأدبى خاصة وتزداد أهمية ذلك عند الشاعرة وفاء عبدالرزاق لكونها تجيد ألوانا عديدة من فن القول، تشمل أجناس الأدب شعرا ونثرا فهى تكبت القصة القصيرة والرواية والشعر بنوعيه الفصيح والعامى ولها مقالات ورؤى أدبية متنوعة، وأقيمت حولها الدراسات النقدية فى مختلف الأقطار العربية وتطرح أعمالها فى المحافل العلمية والأكاديمية للبحث والدرس، ونالت العديد من الجوائز الأدبية والتقديرية، واعتقد أن ذلك يضيف لأهمية البحث في المتخيلات الموضوعية بعدا جديدا وهو دراسة الشخصية والتجربة من منظور الفكرة والدافع من وراء النص، وهل يمكن للشاعر والأديب أن يتمثل ذاته البعيدة من منظورالواقع الذى يعيش فيه سواء أكان رافضا لهذا الواقع أم متقبلا له؟ وهل تصلح هذه الطريقة التمثيلية التشخيصية التى يقترب فيها الشاعر من خصوصية السرد فى تجاوز الدلالات الزمنية ومن ثم المقارنة بين الحالات الخاصة والعامة فى الحياة والعالم الخارجى؟!.. لاشك أن تلك المفاهيم والدلالات التى تطرحها مثل هذه التجارب تقف على أمرين : الأول المقارنة بين قيم الواقع من خلال إيراد الصورة المقابلة ومحاولة تقديم قيما جديدة بواسطة المتخيل النفسى التعبيرى الذى يتعلق بعناصرالرمز الخاصة بالشاعر، الثانى: تقديم الملامح الشخصية الخاصة فى صور شعرية خارجية تتمثل فى أوصاف المكان وعلاقات الواقع المتنحى بعيدا، وذلك عن طريق الانفعال التصويرى وعن طريق المقابلة بين الانفعالات الوجدانية التى تبدو فى صورة حركية مركبة من الماديات التى ترجمها النص والشاعر إلى رؤى روحية وعاطفية تشمل الحاضر وتنعرج نحو الماضي فى رحابة وعاطفة تفيض وجدا، وتبوح بكوامن النفس، وفى تجربة الشاعرة وفاء عبدالرزاق لاتنفصل الحقائق والدوافع الإبداعية عن الوجدان والانفعال بالمتغيرات وتستطيع أن تقف على ثوابت موضوعية في تجربتها عامة تتعلق بالتعبير وتتعلق بالبحث فى الجذور والأصالة من مستويات عديدة تشمل التصوير الوجدانى، وتشمل التعبير اللغوي، وتشمل كذلك الفكرة الموضوعية التى تنطلق منها فى تعبيراتها وتتصل بالتعبير البياني حيث تكثر من الصور المجازية والاستعارية مما يجعل الأسلوب في تجاربها مركبا من عناصر عدة، ولايقف التعبير لديها عند متخيل تصويري فردي وإنما يستوعب الصفات والموروثات التى اختزلتها الذاكرة والتاريخ الثقافى للمكان والأشخاص، وهذا يشير إلى بناء المتخيل الوجدانى لديها وانحساره فى النفس والتعبير الداخلى، دون أن تخرج عن دائرة المتخيل الخارجى الواقعى الذى تصارعه، وعند قراءة النص الفائز بجائزة نازك الملائكة ( بيت الطين) سيتضح ذلك البعد التعبيري بداية من العنوان وانتهاء بصورالنص التى أتاحت هذا التداخل الزمنى والمكاني واللغوي.

 

3- العنوان

العنوان قيمة موضوعية تختزل كثيرا من الفكر الوجداني الذي يريد الشاعر والكاتب أن يبثه فى ثنايا النص، وفى تجربة وفاء عبد الرزاق تتزايد أهمية العنوان نظرا لاهتمامها بحشد العديد من الموضوعات والأفكار المكثفة فى هذا العنصر، مما يجعله مصدرا للعديد من الرؤى التى تفسر كثيرا من ملامح التجربة، وتشير إلى الدلالات التى تنطلق منها الصورة الأولى وما يعقبها من صور متتالية، والمتأمل فى دلالة التركيب يجد أنه يحمل إشارة إلى المكان وخصوصيته التى تشير إلى دلالة زمنية تكاد تكون بعيدة، لكنها حاضرة فى النص ومتتالية فى صوره ومواقفه من خلال توالى الانفعالات، مما يؤكد على أهمية الحضور الشخصى للشاعرة ومن ثم مراقبة المتخيل الوجدانى والموضوعى الذى يشير إلى الحنين والأصالة، ويشير إلى خاصية التركيب التصويرى لدى الشاعرة، وإذا ترقبنا دلالة التعبير سنجد أنه مكون من مصطلحين بينهما علاقة إضافية تبحث عن توصيف منطقى للجمع بين الطين كمادة لها طبيعتها وخصوصيتها وبين المأوى والسكن كرمز من رموز الاستقرار، والحقيقة أن هذه الاستعارة الاسمية لم تأت بها الشاعرة لإثبات دلالة تاريخية بقدر ما تؤكد على الانفعال بحقبة زمنية ربما لم يلاحظها الجيل الحالي وهى مرحلة القرية والريف فى الوطن العربى، قبل عصر المدنية الذي نعيش فيه الأن، حيث كانت المنازل تقام بالطين اللبن، وتلك رمزية شديدة الحساسية فى النص لأنها تدل على بكارة الزمن الماضي وخلوه من الماديات والتمدن الذى ذهب بالقيم، ومن خلال ذلك تقدم الشاعرة أوصافا لهذا الزمن المكان - البكر- المكان الطين الذى يتناقض مع البديل الذي حل مكانه فى الحياة وأصبح سمة من سماتها تنضح بالجفاف والخشونة والصلابة بعيدا عن الوجدان والسهولة واللين، وهذه رؤية فلسفية تتعلق بتاريخ الإنسان وتتعلق بمجيئه ورحيله فى النهاية إلى بيت الطين الذي أصبح غريبا عنه، وهنا تبرز الدوافع وراء هذه التجربة وتتضح الفكرة التأويلية فى النص إذا تقترن بقيم وعادات وتقاليد تبحث عنها الشاعرة، وترتبط بكيفية بناء الحكمة الرمزية في صورة وجدانية تدرك كثيرا من ملامح الشاعرة، وتقدم الجوانب الخاصة فى حياتها الشخصية، وكأنها جزء من هذا الطين ولاتريد أن تتبدل، كما تبدل الأخرون إلى جفاف وعناد وتخلى عن القيم، والبحث فى علاقة المضاف والمضاف إليه يؤكد ذلك حيث يدل الإسناد على أهمية التعريف بلفظ المضاف إليه من خلال اضطراب العلاقة بين التركيبين ( بيت – الطين) والبحث عن توصيف يجمع بينهما، مما يشير إلى وجود انحراف فى المعنى أدى إلى خلق علاقة خاصة جديدة ترتبط بضمير الشاعرة، وهي الإشارة الزمنية إلى مرحلة من مراحل الحياة الخاصة، ويشيرالإسناد إلى مجموعة من التقديرات التى حذفت من النص، والتى تدل إضافاتها إلى توضيح الصورة الوجدانية التى تمتح منها الشاعرة، من ذلك لو بحثنا عن توصيف للجملة الاسمية التى تدل على ثبات الحركة ووقوفها عند مستوى تعبيرى زمنى خاص، مما يؤكد أن الجملة ليست على حالها، بقدر ما هى مقدمة لجواب تركته الشاعرة لتقدير المتأمل فى دلالات النص من ذلك " بيت الطين" -  هنا = إشارة  .. للمكان وبث علاقات جديدة متطورة بتطور الفكر داخل النص، وهذا "بيت الطين" = تصبح الجملة.. العامة المطلقة خبرا للمبتدأ المعرف الذى يفيد بأهمية الإسناد على المستوى البلاغى، ويمكن أن تضيف للنص الضمائر والأسماء التى تفسر العلاقات وتقدم المتخيل التعبيري الخاص بضمير الشاعرة الساكن، والمتوجه بصريا نحو الموروث النفسى والموضوعى المتمثل فى القيم وفى المكان والزمان، والمتتبع لصور النص يجد أن الشاعرة قامت بوصف هذا البيت ووصف ملامحه وعلاقاته على مدار التعبير وانقسم هذا الوصف إلى جزءين جزء خاص بالصفات الخارجية التى تقترب من الحس الذى يمكن أن ينطبق على عموم المكان فى حياة الشاعرة، وجزء خاص بذات الشاعرة ولم تفصح عنه مباشرة وظلت محتفظة بتفاصيل دقيقة لهذه العلاقة النفسية الخاصة التي تجمع بينها وبين بيت الطين، ولم تعلن عنها كاملة إلا فى نهاية النص حيث تقول :

بيتُ الطين

يا أنا في الصفعات ومذاق العصا

قدمي لا تستريحُ

وصلَ العدّ ُحدَّهُ

اعرفني ولو بالشبَهِ الـظَّـنون

الشَّاهدُ ما بكَ من هوى

وضريحي وردة ٌ

لا يـُدفنُ القرنفلُ

قبري زجاجة ُعُطرٍ

تقطـِّـرُ ماءكَ وتختمرْ.

فى هذا المقطع الذى يمثل نهاية التجربة وختام الرحلة التعبيرية تقدم الشاعرة الجانب الطفولى التعليمى التربوى الذى كان يشيع فى بيوت الطين فى الزمن البعيد، وتحاول أن تبحث عن نفسها وتقابل من خلال المقارنة التصويرية بين الجمال والقيم والتاريخ فتخاطب البيت فى صراحة وتعتمد على الاستعارة والتشبيه والصور الوجدانية التي سيأتي الحديث عنها فى حينها وتستعرض الحياة الخارجية بكل متناقضاتها وتقدمها من خلال البحث فى المقارنة بين زمنين متفاوتين .

 

4- النص

وجهـُكِ الكتومُ على الحائطِ

تسحّ ُ الجاراتُ من طينـِهِ

عاصفة ُالنقيض هو

ينقشُ عمرَهُ البذرُ

يتناقلُ الـٌّلقاحُ بجفنِهِ

وحجرٌ أقولُ له أضئني

ظمئتُ حتى شاب دمي

كلـّما خلتُ وقعَ نارهِ أتبخـَّر.

وجهـُكِ عتبتانِ

إيقاعُ البعيد أعوادُهُ

عمّ ُالفصولِ وشقيقـُها

جرّدْني قصَبة ً

نحو السَّماءِ اندفاعُها

فسحة ُالغصنُ الطريُّ

على شفتي توأمُ مائِها

وجهـُكِ زحفُ الصروح بابُـه

طـَرقتــُهُ

عضَّ أصابعي بنقيضيهِ

وانتشرَ

لنساءِ الغسقِ العاريات ثياباً

رايتـُه في المنام شهيَّ السُّؤال:

ووجنتـُكِ الحقلُ

لماذا حلبتِ ياسمينـَها؟

لماذا تركتِ الريحَ تشربـُهُ؟

أجبتـُهُ :أمومة ُعمري مالحٌ صبرُها

لمْ أنتبه أنـِّي أشربُ البحرَ

لم انتبه أنـِّي أُرْضِعُ الريحَ

لم أنتبه أنَّ ابنتي جرعة ٌفاسدة ٌ

ربـَّما حكمة ُالصمتِ لهُ

بابـُكِ حين طرقتـُهُ

لم انتبه أنـِّي امرأة ُالظلامِ

وسُمرتي قـُفلُ الخطى

أُقتـَلـَعُ من رئتي حين أحادثهُ

بابـُكِ لم تنمْ غابتـُهُ

ما زلتُ واثقةً أنـَّهُ المجيب.

 

بالنعناع أعجنُ سنابلي حنـَّاءَهُ

أمسحـُه ُبركة َ وليٍّ وانتحبُ:

رأيتـُها البارحة على الرحالِ تلتئمُ

تكشط ُالطرقات من قـُشور أضلعي

رأيتُ القشورَ براحتيها وطناً

أيحصلُ أن ينقرَ الحَبَّ بيدي

عصفورُ الترابِ ويسرقَ ناظري؟

كما كنتُ أسرقُ ضوءَها لرفــِّهِ

أيحدثُ أن أراها بحجم البهجةِ

فوق قحط الأرض ظلا؟

حين تصبحُ غرفتي صلاة ًخجولة ً

أعرفُ أنَّ ثماركِ تنضحُ

من التصاق الشبابيكِ

واختناقِ الحقائب بعذرها

أتلمـَّسُ روحَكِ النـَّهار

وقتَ تكسِّر أجزائي ساعة اختناق

يقدحُ الشايُ بكوبه وضوءاً

وصهوة ُالماء في القدح تقرأُ المحيط

كتبي معجزةَ اندفاعٍ تتراقصُ

أُصبحُ مدينة ًجاهزة ًللعناقِ

وعلى عجَل خوفي أنهضُ

أعرفُ انــَّكِ هنا

تأتين بالقـَدرِ راكضاً

كصغيرٍ يتبع أمـَّهُ

تضمـِّدين سكوني

تـُصهرين قيودَ أسئلتي

تتصاعدينَ غامرةً بالمطر

ويهطلُ  ضلعكِ بالحنين.

قابلة ٌأنتِ

توّلـِّدُ جمرةً بكرُها النـَّهرُ

صرختُ ساعة الطلق

صرختْ الطيورُ والأغاني ذهلتْ

ها هنا مرقَ اختراقـُها

وها هنا دماءُ الدخول  دفاترٌ

تسجـِّل مولدَ بكرٍ

حين خلقهُ اللهُ لم يُثن ِ.

صحا على نقر الجوارح الحلـُم ُ

شَرِهة ًتخرجُ  من صدري وتنهشُ.

أصدقائي خناجرٌ وضيوفٌ

يطاردون الزادَ بحثاً عن طفولتي

عن كركرة الشوارع للصغار

والعبث الطفل على قرص خبز البتول

عن رغبة الأرض في احتضان مهابة أقدامهم

وهُم يشدّون قفزاتـِهم

على خصرِ الضِّفافِ حزاماً

أنا الآن ألهو بتعثــّري

كلـَّما هربتْ جثتي من تناقصِها

أرجعتـُها لأحتمي بالشَللْ.

يتـَّسع الهـَذر بحكايتي

أصمتُ مشنوقة الصوت

بأوتار عود غريب

أقولُ له  أغثني

وترُكَ أفضت له أمومتي

لي رغبة ُرقص الـِّلجام

حين يـُكبحُ

رقصَ العودُ مُرٌّ العروق

خبـَّأ عينـَه ودسَّ في جيبي حالـَه ُ

معولُ الشِّريان يهدمُ

يتهدَّمُ ويختنقُ.

لا تختنقْ

كعادتها عندَ البابِ تسندُ قلبَها

و تتزاحمُ في عيونها الصور

حين لم تجدها السِّدرةُ انتحرتْ

أحمرُ النـَّبق ِسقفـُكَ ما لـهُ

أليس فيه من أفواه الحمائم مضغة ٌ؟

ملجأ ٌالعصافير صوتـُهُ

عشقنا رجعَ غزارتهِ

يجنـِّح للشمس كي تستظل.

بيتُ الطين

يا أنا في الصفعات ومذاق العصا

قدمي لا تستريحُ

وصلَ العدّ ُحدَّهُ

اعرفني ولو بالشبَهِ الـظَّـنون

الشَّاهدُ ما بكَ من هوى

وضريحي وردة ٌ

لا يـُدفنُ القرنفلُ

قبري زجاجة ُعُطرٍ

تقطـِّـرُ ماءكَ وتختمرْ.

 

5- القراءة والتحليل

المحور الأول :

فى محاور نص " بيت الطين" الرئيسية نلمح حضورا خاصا للمكان ونلمح وجود مقارنة ضمنية بواسطة الصورة الوجدانية التى تواجه القارىء منذ البداية مما يشير إلى أن بؤرة النص وطبيعته متجهة نحوعملية التمثيل مباشرة، لتقدم المتخيل النفسى الساكن في ضمير الشاعرة، ويلاحظ أيضا فكرة الحوار الداخلى الذى تنطلق منه الرؤية التصويرية والتى تحول التعبير من صفة الشعر إلى طبيعة السرد، فى إشارة إلى اعتماد التركيب الجنسى الأدبي الذي يجمع بين درجة التكثيف الشعرى وبين خصوصية السرد التى تعتمد على الوصف فى محور التجربة، وقد ساعد على ذلك الطريقة الأسلوبية التي تعتمد عليها الشاعرة فى إيراد الجزئيات والمقارنات اللغوية بطريق التصوير التي توضح طريقة الانفعال والتقريب بين الجمل والعبارات، وكأن الشاعرة تستدعي العالم القديم وتحله محل العالم الجديد رغبة فى إقصاء وتبديل وإحلال القيم ومن ثم العودة بواسطة الصورة التى تحرص عليها، وتلك مسألة دقيقة جدا ولاتقف عند رؤية أحادية إذ تحتاج إلى مواجهة وصرامة فى المقارنة الضمنية، وتحتاج إلى بعث قيم جديدة  تبز الواقع، لأن المقارنة هنا بين أعراف وتقاليد وحيوات لاتقف عند خصوصية الشاعرة فقط بل تمتد لتشمل حضارة كاملة وتشمل أزمانا متغيرة، وقد ساعد ذلك فى افتتاح النص بخطاب موجه مباشر دون واسطة، مما يجعل الحضور الذهنى قائما ومتخيلا فى الوجدان الخاص، ويجعل التقابل الموضوعى شكوى وعتاب دون أن يكون هناك تصريح مباشر، تقول الشاعرة فى مفتتح النص :

وجهـُكِ الكتومُ على الحائطِ

تسحّ ُ الجاراتُ من طينـِهِ

عاصفة ُالنقيض هو

ينقشُ عمرَهُ البذرُ

يتناقلُ الـٌّلقاحُ بجفنِهِ

وحجرٌ أقولُ له أضئني

ظمئتُ حتى شاب دمي

كلـّما خلتُ وقعَ نارهِ أتبخـَّر.

فى المقطع السابق إيحاء ومناجاة إيحاء بالعلاقة الحميمة التى تريد أن تجعل منها الشاعرة قاسما مشتركا بين النص والمكان، ومناجاة جانبية توهم بالعتاب ولغة الصد والهجر التى تنعكس أثارها على الشاعرة وهنا تحاول استخدام الفكر التصويري في المقابلة الوجدانية النفسية التى تحتدم وتتحول إلى صراعا واشتباكا جعل الصورة العامة فكرة تأتي وتمثل حضورا كاملا وفى نفس الوقت تغادر النص حينما نبحث عن مصدرها وعن علاقاتها وهذا يمثل الصورة الأولى الافتتاحية المشهدية المتضمنة خصوصية التحاور والوصف بين الثابت والمتغير لينتج الصراع ويبثه فى صور النص ومع أن لغة الخطاب لم تخرج عن أحادية التعبير والتمثيل إلا أن الصراع ظل يوحى بوجود الطرف الأخر المتحاور، وظل هذا التناغم الدلالى الداخلي يسير في انفعال راسخ متنقلا بين أنحاء الزمن الواحد دون أن يكون هناك خللا في تناسق الصورة وتماسك أجزائها فمثلا المقطع الأول:

( وجهـُكِ الكتومُ على الحائطِ  - تسحّ ُ الجاراتُ من طينـِهِ ) نجد تقابلا بين عملية التكثيف للصورة العامة وبين البحث عن العلاقات الأسلوبية التى تجمع كل هذه الدلالات فى متخيل متحد في المصدر حيث يشيرالمقطع الأول إلى تصوير حالة الصمم التي تسيطر على المكان مع أن ذلك من طبيعة الجماد، ورغم أن هذه الطبيعة لن تتبدل إلا أن التناغم الموسيقى الناتج عن وحدة الإيقاع وتعدد التصوير أغنى كثيرا عن تحقيق الخطاب الثانى المنتظر الذي تكنه الشاعرة فى ضميرها كمحور ثابت تنطلق منه الدلالات ، وتشير الصورة الجزئية فى التركيب الثانى إلى عملية البكاء التى أرسلتها الشاعرة بواسطة التشخيص الاستعارى فى ثنايا النص المكان مما يطرح الصورة الوجدانية وتأثيراتها فى المتخيل التعبيرى، ويطرح وجودا لصراع الصورة مع الذات والواقع ومع النص وإمكانية تقبله لمثل هذه المنعكسات المتناقضة على مستوى الفكر التمثيلى المعروف سلفا فى النص الشعرى الحديث، وهذا يشير إلى دلالة التطوير للتوظيف التصويرى، وقد اندفعت الشاعرة فى هذا التصرف فى مدارالفكرة الافتتاحية التى تمثلها الصورة الخاصة الوجدانية متخذة من نفسها ومن باطنها ضميرا تعود عليه الدلالات حيث تستمر فى هذه المقابلة عن طريق الصورة بين المجرد المحسوس وبين المشاعر الداخلية ووقع أثرها على النفس، ووقعها على تفاصيل المكان بصفته متخيلا تمثيليا يتحاور مع الواقع من خلال الشاعرة ومن خلال الوصف التشخيصي للدلالات التي تطرحها العملية الشعرية في قالبها التصويري الجديد وهذا بدوره يثير تساؤلات عدة منها : هل النص المعاصر بجانب التكثيف يحتاج إلى تعدد الصورة وتعدد المرجعية التصويرية أم أنه يجب أن يأتى فى إطار الصورة المحورية الكلية التي تعبرعن موضوعيته فى متخيل تعبيرى واضح ؟؟ وهل تصلح الصور الجزئية أن تقوم بدور الصورة الكلية...؟؟ الحقيقة أن نص " بيت الطين " يؤكد على أن توحد الفكرة وانشطار الصورة الحوارية الداخلية يزيد من فعالية التعبير وحضور المتخيل دون اضطراب بين الأجزاء العامة للفكرة وذلك لأن التخيل بواسطة الصورة أصبح من سمات النص المعاصر، وهذا ويؤكد على أن التكثيف وحده لايجعل النص يسير في اتجاهه الإيحائي والمتتبع لتفاصيل الصورة الوجدانية فى قول الشاعرة الأتي يلاحظ ذلك حيث تدل التعبيرات الموضوعية على ما يأتى تقول :

  وجهـُكِ عتبتانِ     ------ ( صورة حسية )               = المكان 

إيقاعُ البعيد أعوادُهُ      ----- ( صورة معنوية )              = الشاعرة

عمّ ُالفصولِ وشقيقـُها ------( صورة وصفية )             = الطبيعة

جرّدْني قصَبة ً         ----- ( صورة تشخيصية نفسية )    = الشاعرة

نحو السَّماءِ اندفاعُها    ----- ( صورة حركية )              = تأمل وأمنية

فسحة ُالغصنُ الطريُّ    ----  ( صورة خارجية )            = الذاكرة

فى التراكيب السابقة تواجهك العلاقة الحميمية بين أوصاف المكان وبين ذات الشاعرة وتقابلنا حالة الانكسار المختبئة خلف الصورة الحوارية التى تطرحها العملية التأثيرية فى اتجاهات مختلفة تفسر كثيرا من الاضطراب الذى جعل الوصف الحسى والمعنوى يمتزجان بحال الشاعرة، وجعل الأسلوب يتشكل من التشبيه البليغ والاستعارة فى دلالة مكثفة، بجانب لغة الصمت التى تقابل هذا التعبير حيث يسير التصوير من جانب الشاعرة ومن خلال اتصافها بالتأثير نحو الذات الخارجية تقول وفاء عبدالرزاق :

على شفتي توأمُ مائِها

وجهـُكِ زحفُ الصروح بابُـه

طـَرقتــُهُ

عضَّ أصابعي بنقيضيهِ

وانتشرَ

لنساءِ الغسقِ العاريات ثياباً

رايتـُه في المنام شهيَّ السُّؤال:

ووجنتـُكِ الحقلُ

لماذا حلبتِ ياسمينـَها؟

لماذا تركتِ الريحَ تشربـُهُ؟

كما مر نلاحظ أن التصوير والاندفاع نحو تحقيق المتخيل التعبيري الحواري هو هدف الكاتبة وهو مناط البحث عن الصيغة الإبداعية المناسبة، وقد جمعت فى الصورة بين أوصاف النفس ورغباتها الدفينة وبين محاور البحث عن الجزئيات والمنمنمات وغزلها فى ثياب تصويرى رشيق تتكامل خيوطه عند محاكاة النفس وعند تحقيق الرشاقة الداخلية التى لاتبدو فى الصورة بسهولة وإذا تتبعنا حالة الشاعرة من خلال التوظيف الزمنى ونوعية الفعل المعبر به سنجد أن الصورة تتصارع فى النفس الداخلية لتنتج خطابا وتأويلا رمزيا يمكن ترجمته عن طريق السرد القصصى إلى حكايات ومواقف متفاوتة بين الواقع الحقيقى والأمنية والرغبة من ذلك الأفعال :

زحف – عض – انتشر – رأيت – حلبت – تركت

هذه الأفعال التى لاتخرج عن الزمن الماضى بما يحمل من خصوصية تعبيرية تشير إلى طاقات الحكي والسرد وفتح أفاق التأويل حسب مقتضيات الصورة، وتتناسب مع حالات التعبير المتضمنة معنى الماضى البعيد، والعلاقة بين الفعل " زحف " والفعل " عض" هى علاقة الانتهاك للأمان وللمعنى الخالد فى ضمير النفس الشاعرة، وكذلك التعبير بالفعل " حلبت " كناية عن ذهاب العبق الروحى واختفاؤه .. إلى أخر هذه الصورالزمنية المتصارعة فى داخلها مع الشاعرة فى كثير من أوصافها، بالإضافة إلى وجود الاستعارة فى كثير من علاقاتها حيث تشير الدلالات الإسنادية إلى انحراف المعنى التأويلى عن حقيقته إلى محاولة جلب معاني مختلفة تؤكد حالة الحوارالتى تسعى لها الشاعرة وقد أدى ذلك إلى تقديم حالة من التستر خلف أقنعة الماضي عن طريق الصورة التشخيصية فى التراكيب الأتية :

على شفتي توأمُ مائِها

لنساءِ الغسقِ العاريات ثياباً

والمقابلة بين الصورتين فى المعنى لاتقف على دلالة متحدة بقدر ما تفسر التناسق في عملية التخيل التي تضطرب فى الظاهر وتتحد وتتآلف معانيها فى الباطن واعتقد أن حقيقة النساء العاريات المتصفة بالغسق الذى يشير فى رحابة معناه إلى دخول الليل وإلى وجود الظلمة ورمزية وانحراف الدلالة عن معناها ويشير فى احتمال ضئيل إلى توهج القمر ومايرمز له من أمان، مما يؤكد على عملية التناقض التى تصرعليها الشاعرة حتى فى داخل الصورة الجزئية الواحدة، ويؤكد على غياب النفس وتوزعها بين الماضى البعيد بآماله وأحلامه والمقابلة بين الحياة الخارجية المعاصرة، واعتقد أن القصيدة من خلال صورتها الافتتاحية قدمت عدة متخيلات تعبيرية تشمل التاريخ النفسي للشاعرة وتشمل الواقع المتناقض وتقدم من خلال المقابلة بين هذه المتخيلين المكان ومعالمه المعنوية والحسية وتعرج على عادات وتقاليد الماضي من منظور الشاعرة ومن منظور معالجتها للتراث الشعبى الريفى ، وهى تسير فى دائرة تعبيرية تحاول الحلم وتحاول استبصار الماضي وتحاول توظيف الحواس فى انتقالاتها بين الماضي والحاضر والخروج إلى أفاق المستقبل الذى لم تعلن عنه صراحة لكنه بدا في متخيل الذات الحاضرة التى تستشرف بواسطة الحلم والرؤيا الواقع والحاضر والماضى بغية البحث عن الزمن الجميل من وجهة نظرها ومن خلال ثقافتها المكانية، ويمثل هذا المحور الزمن الماضي بمعناه وحقيقته ويمكن أن نطلق على الصورة الأفتتاحية الصورة الماضية الخاصة والعامة والخصوصية أقرب إلى التوصيف الدقيق .

المحور الثاني :   

فى المحورالثاني لنص "بيت الطين" لـ "وفاء عبدالرزاق" تقدم لنا الدلالة التعبيرية مجموعة من المتخيلات الخاصة والعامة مقرونة بضمير الشاعرة وحديثها عن الذات فى ظل الماضى والتاريخ البعيد محاولة  استشراف واقعها والدخول إلى واقع الوطن النفسى العام بعيدا عن متناقضات التحولات السياسية، ومن ثم المقارنة بين عدة تشكيلات اجتماعية ونفسية تختلف فى منطوقها التصويرى عن الصور الجزئية السابقة، لكنها تتحد فى استمرار جدلية التحاور وفي استقصاء المعالم الوجدانية للملامح الزمنية وهى بذلك تواصل تحديها لفكرة التعبير التصويري المكثف والمتنوع والمعتمد على جدلية الماضى ورموزه وتخطى وتجاوز الحاضر، وترجمة المتخيل التصويري الفوتغرافي الحقيقي، في محاولة للجمع بين آليات التصوير الشعرى اللغوى والتصوير الصناعى الجاهز، وهنا يظل النقاش مستمرا حول عملية التركيز والتعبير بواسطة المتخيل كعنصر أساسى فى تشكيل التجربة وفي بناء الصورة المركبة من التشكيل الصناعى الخارجي، والتشكيل التعبيري الوجداني وتنقسم الصورة المحورية في هذا الجانب إلى عدة أقسام :

1– القسم الأول يتضمن خطابا وجدانيا حواريا يدور حول الوقوف على حقيقة التنازع الداخلى بين النفس ورغباتها وبين المتخيل الوجداني البعيد في مقابلة الواقع الخارجي في شتى أنماطه وصوره المعروفة تقول وفاء عبدالرزاق :

لماذا حلبتِ ياسمينـَها؟

لماذا تركتِ الريحَ تشربـُهُ؟

أجبتـُهُ :أمومة ُعمري مالحٌ صبرُها

لمْ أنتبه أنـِّي أشربُ البحرَ

لم انتبه أنـِّي أُرْضِعُ الريحَ

لم أنتبه أنَّ ابنتي جرعة ٌفاسدة ٌ

ربـَّما حكمة ُالصمتِ لهُ

بابـُكِ حين طرقتـُهُ

وسُمرتي قـُفلُ الخطى

أُقتـَلـَعُ من رئتي حين أحادثهُ

بابـُكِ لم تنمْ غابتـُهُ

ما زلتُ واثقةً أنـَّهُ المجيب.

فى هذا المقطع تبدو الدلالات المنطقية الداخلية فى علاقات متخيلة فى سياق فلسفى يستنطق الأشياء النفسية ويستوقف الذات فى نقاش حوارى متعدي إلى أصل الحقيقة ومتجاوز للمألوف التعبيرى، حيث بدأ بأسلوب الاستفهام المعروف بتضمنه معنى الاستنكار والمعروف بعلاقاته التى تقوم على زمن خاص من الحدث الأصلي، ولأن الاستفهام فى غير حقيقته فإن الدلالات الناتجة عنه لاتخرج عن البحث فى أصل النتيجة التى تستهجنها الفطرة الطبيعية للشاعرة، ويدل على ذلك انحراف العلاقات الأسلوبية عن معناها الحقيقى حيث أسند الفعل على سبيل المجاز إلى غير حقيقته التى وضع لها فنسبة الحلب إلى الياسمين والشرب إلى الريح والمسؤلية الضمنية التى تطرحها الشاعرة إلى الضمير الغائب تجيز حضور المتخيل وتفتح باب التأويل على مساحات واسعة من الخيال المركب من الصورة النفسية الوجدانية والرمز والصورة الخارجية التي تتعين فيها كل فضاءات النص، وتكرار الجزم بـ " لم" في صيغة المتكلم تجعل من الشاعرة شريكا فى التحاور وفى الدوافع والأسباب التى تبحث عنها، ونسبة الغفلة وعدم اليقظة إلى الذات تدل على الصدق والصراحة والاشتراك فى الفعل وفى حركة الصورة النفسية الوجدانية ومجىء الفعل " أنتبه" فى صيغته المضارعة يزيد من عمق المأساة ومن قوة المواجهة التى وضعت الشاعرة نفسها فى داخلها وذلك لاستمرارية الحدث وعدم توقفه، وكذلك التكرار الصوتى الحركي الذي تضمنته الجملة الفعلية في السياق التعبيري يفرض جدلا واسعا حول العملية الجهرية التي اشتملت التحاور النفسى التصويرى في داخل التجربة وفى عمق الدلالات ويدل على شخصنة الفكرة والخروج بها من حيز التعبير والإيحاء إلى فضاء الواقع مما يزيد من عمق الصورة والتجربة وإذا تفحصنا الدلالة فى الأفعال ونسبتها إلى المجاز سنجد أن هناك حوارا داخليا لم تفصح عنه الصورة هذا الحوار هو وجدان الشاعرة وضمير الماضى وواقع الحاضر والغيب فى المستقبل الغامض دل على ذلك بوضوح الصيغة الزمنية التى ورد فيها الفعل " أشرب" و" أرضع " وهى الصيغة المضارعة التى تمتد من الحال إلى المستقبل تستشرف وتناقش، وكذلك أسلوب التوكيد فى دلالة " أنى امرأة الظلام" والذى له علاقة بمفتتح النص " نساء الغسق العاريات " هذه العلاقة تدل على المشاركة فى الفعل والصنيع والحال التى تتضمنها تجربة الشاعرة، ويلاحظ أن الانحراف الأسلوبى للمعنى يدل على أن الشاعرة تستخدم الصورة اللونية القاتمة فى التعبير عن حالة الرفض وعن حالة الفقد التى تعانى منها على المستوى الإنسانى ولعل السمرة التى نعتت بها الشاعرة نفسها كانت خروجا عن المألوف فى التعبير، واعتقد أن هذا له دلالة فى المعنى الكلى للنص حيث يدل على اقتران التصوير ومطابقة النص التعبيري المصور بالنص الفوتغرافي الذي قدمته الشاعرة فى سابقة فريدة من نوعها لتتحدى الإبداع فى داخلها وتنقل التعبير الشعري نقلة مختلفة، ويلاحظ أن جدلية الصورة اللونية تشيع فى أبهاء النص وفى أنحاء التجربة بغية التواصل المعرفى والعلاقى فى تنويع اللوحة ومطابقة الذات بالتعبير واللقطة الحية بالوجدان، ويلاحظ ان الزمن هنا هو زمن الفعل المضارع مما يدل على انتقال الشاعرة من حالة الوصف التاريخية إلى دلالة الاستشراف الحالية .

 

2- القسم الثاني : فى هذا القسم من النص والصورة الموضوعية تنشطر الدلالة النفسية وتخرج من حيز الاستفهام والإنكار إلى حيزالتبصر واستخدام الصورة الدلالية البصرية كمحاولة لاكتشاف المتخيل الوجدانى ورؤيته فى صورة متعدية تستوعب التجربة والذات وتترجم حالات النفس وحالات التعبير وتطرح علاقات جديدة للحوار الداخلى، بحيث يشمل علامات المكان وأوصاف النموذج الإنسانى وطبيعة المتخيل الوصفى بطريق السرد المتتابع فى حركة وصراع مستمر ومحاكاة النموذج الواقعى فى الماضى تقول الشاعرة : 

بالنعناع أعجنُ سنابلي حنـَّاءَهُ

أمسحـُه ُبركة َ وليٍّ وانتحبُ:

رأيتـُها البارحة على الرحالِ تلتئمُ

تكشط ُالطرقات من قـُشور أضلعي

رأيتُ القشورَ براحتيها وطناً

أيحصلُ أن ينقرَ الحَبَّ بيدي

عصفورُ الترابِ ويسرقَ ناظري؟

كما كنتُ أسرقُ ضوءَها لرفــِّهِ

أيحدثُ أن أراها بحجم البهجةِ

فوق قحط الأرض ظلا؟

وفى هذا المقطع تبدو الصورة البصرية ذات علامات تبدأ بمفتتح فلكلورى تراثى يمزج بين طبيعة النفس وميلها للفرح ولكن الدلالة ما تلبث أن تتحول لتخرج من فضاء إلى أخر ومن رمزية خاصة إلى عامة إلى تقديم ومواصلة التتابع الحكائى فى محاكاة النفس والواقع البعيد والقريب وجاءت الأفعال فى صورة مجازية استعارية تمزج بين الحركة المتوثبة وبين الرؤية البصرية التى تشير إلى الإدراك والتميز فى الفصل بين الأمور والإشكاليات وقد تكرر الفعل " رأى " فى صيغ زمنية تجمع بين الماضى والمضارع وفى مرجعية تتحد فى الضمير وفى نسبة الزمن وفى تجاوز الواقع والملاحظ أن الدلالة الزمنية الغالبة على النص هى الدلالة المضارعة التى تقفز بالنص والفكرة إلى أنحاء بعيدة من التأويل بالإضافة إلى التوظيف الاستعارى والمجازى وتحويله المعنى من حقيقته المعروفة لخصوصية الفعل والحركة إلى أفاق أرحب حيث التأويل والرمز وحيث محاورة الذات وتحقيق الصراع فى الصورة، مما يجعل من المحاكاة النفسية مصدرا من مصادر الفكر عند الشاعرة، حيث تتجاوز المألوف لتمزج بين الماضى وتستحضره فى صورة يزج بها الحاضر، ومن يتأمل هذا التركيب يقف على منهجية التجربة ويقف على موضوعية الحدث الذى تشكلت منه هذه التجربة وصراعها مع النفس والذات والواقع  تقول وفاء :

أيحصلُ أن ينقرَ الحَبَّ بيدي

عصفورُ الترابِ ويسرقَ ناظري؟

كما كنتُ أسرقُ ضوءَها لرفــِّهِ

أيحدثُ أن أراها بحجم البهجةِ

فوق قحط الأرض ظلا؟

والصيغة الاستفهامية التى تعاتب بها الطبيعة وتشتكي العالم الخارجي والتي تفسر كثيرا من جدلية هذا المتخيل تتيح لنا أوصاف الشاعرة التى تحمل فى جنباتها عاطفة جياشة قوية وهنا تخرج من طبيعة المحاكاة إلى واقع الفن الشعرى تستنطق الفكرالنفسي وتحاور ملامحها فى الطبيعة التى أخرجتها، وهنا تتواصل الشاعرة مع المدرسة الشعرية التى شاعت فى القرن الماضى وخاصة ما اتسمت به التجربة التطبيقية للصورة النفسية التى تمثل الاغتراب الداخلى عند " بدر شاكر السياب" لكن بخصوصية وفاء وخصوصية التجربة واختلاف المتخيل الذى يشير إلى أن الغربة ليست غربة جسدية بقدر ما هى غربة نفسية، او ابتعاد عن مناخ الألفة والذكريات، ولعل التعبير بلفظ السرقة وصيغة المضارع  " يسرقَ ناظري -  أسرقُ ضوءَها "  والاتفاق فى المفعول الذى وقعت عليه الحركة والحدث وهو الرؤية والنظر والضوء تفصح عن ذلك وتؤكد أهمية الربط بين معالم النفس والطبيعة الوجدانية التى تصدرعنها، وتؤكد كذلك أهمية الاستعارة والمجاز فى تجربة الشاعرة وفى تطبيق معالم التعبيرالتخييلى الذى ينفتح على النفس والزمن والعالم الخارجى، ويلاحظ كذلك استمرار العزف على وتر الزمن المضارع مما يعنى استمرار الاندفاع نحو الواقع والمستقبل .

3- وفى القسم الثالث تشكل الدلالة التصويرية بعض وقائع الشاعرة وبعض تداعيات يومها والتنقل بين جنبات النفس حيث تترجم الصفة التى تجمعها ببيت الطين على المستوى النفسى وعلى المستوى الانعكاسى حينما تسرد وقائع الحركة اليومية التى تمثل عاداتها فى مقارنة بين معالم المدنية الحديثة وبين راحة وهدوء بيت الطين تقول وفاء:

حين تصبحُ غرفتي صلاة ًخجولة ً

أعرفُ أنَّ ثماركِ تنضحُ

من التصاق الشبابيكِ

واختناقِ الحقائب بعذرها

أتلمـَّسُ روحَكِ النـَّهار

وقتَ تكسِّر أجزائي ساعة اختناق

يقدحُ الشايُ بكوبه وضوءاً

وصهوة ُالماء في القدح تقرأُ المحيط

وهذه العلاقة الحميمية بين جزئيات المكان بيت الطين تنعكس عليها دلالات النفس المثقلة بهموم التمدن وهموم الحياة الخارجية لكنها تجد المأوى فى اقتراب الثمار واقتحامها البيت وفى خلوة النفس واحتساء الشاى فى ظرفية خاصة تتجمع فيها هذه النفس وتخرج من كبوتها ووعكتها إلى العاطفة التى تجعل من ماء القدح أكثر ريا من المحيط الزاخر، فى دلالة تشبيهية رائعة تنقل الذات من حالاتها الخاصة الدائمة إلى حالة جديدة تهادن فيها الأشياء والزمن هنا تتفاوت نسبته لكنه يميل إلى الدلالة المضارعة التى تسير فى طريق الاستشراف .

 

4- وفى القسم الرابع تعود الشاعرة إلى طبيعتها الأولى التى تترجم التجربة والعاطفة وتحاكى الخارج فى محاورة نفسية تشيرإلى متخيل الحركة التعبيرية الثقافية لديها وتلفت النظر إلى عملية الصراع والمعاناة التى تتزاحم بمظاهرها فى مناخ القدر اليومى واعتقد أن ذلك يجعل من النص والصورة أفكارا متجانسة تتحد وتتصف فى عمومها بالتعددية التى تجمع الأوصاف النفسية الحقيقية للشاعرة، وتجمع بين طول العرض التصويرى التعبيرى، مما يجعل النص قسيما بين الحياة الخارجية بمشاكلها وهمومها وبين الواقع النفسى الذى يعانى من غياب النزعة الإنسانية فى غربتها وفى ابتعادها عن محيطها الاجتماعى الذى يتوافق مع حالة التعبير التى تسعى لها الشاعرة تقول وفاء :  

كتبي معجزةَ اندفاعٍ تتراقصُ

أُصبحُ مدينة ًجاهزة ًللعناقِ

وعلى عجَل خوفي أنهضُ

أعرفُ انــَّكِ هنا

تأتين بالقـَدرِ راكضاً

كصغيرٍ يتبع أمـَّهُ

تضمـِّدين سكوني

تـُصهرين قيودَ أسئلتي

تتصاعدينَ غامرةً بالمطر

ويهطلُ  ضلعكِ بالحنين

وهنا تمتزج الواقعية النفسية بالصورة الخارجية وتتصارع الدلالات الزمنية فى النص لتعكس حالة من التشابه فى المعنى وتقدم واقعا يميل إلى التعبير البلاغى التشبيهى أكثر منه دلالة تحاكى بها الماضى الذى اعتمدت عليه كثيرا ولعل التراكيب الجزئية التى تدل على رصد العديد من المتخيلات الوجدانية مثل: " بالقـَدرِ راكضاً - كصغيرٍ يتبع أمـَّهُ - تضمـِّدين سكوني - تـُصهرين قيودَ - ويهطلُ  ضلعكِ " تدل على نوعية الحركة الداخلية للفكرة التصويرية، فضلا عن أنها صورا بيانية ذات تأثير فى بناء المتخيل العام للنص والصورة الكلية والجزئية وفى استشراف القادم الذى تمثلته الصورة الحركية لحركة الحياة فى توظيف القابلة واستدعاء ومحاكاة الطقوس التى تتبع اقتحام الحياة والفرحة والبهجة فى ضمير ووجدان الماضى غير أن عملية الاستدعاء هنا تشكلت بناء على المقابلة بين الفكرة واللقطة التعبيرية التى تشكل المقارنة الوجدانية وكأن هناك دلالة تحذيرية ضمنية لم تعلن عنها الشاعرة ولم تريد أن ينتقل المتخيل من درجته الأولى إلى المرحلة التالية، وقد استعارت الشاعرة الدلالة الصوتية بكامل تداعياتها فى مطابقة المفاجئة الحركية لقدوم القدر ومجىء الطفل الرمز وحدوث جلبة، تستدعيها العلاقة الوصفية وهنا يتضافر الحوار الداخلى ليقدم الدليل تلو الدليل على صدق التجربة ومعاناة صاحبتها فى التمثيل والتقريب للحركة والصوت واللون بكافة أشكالهما وتصرفاتهما اللغوية والحسية والمعنوية ولعل التعبير بقولها :

  صحا على نقر الجوارح الحلـُم ُ

شَرِهة ًتخرجُ  من صدري وتنهشُ.

يؤكد صفة الواقع ويكشف حقيقة المفاجاة التصويرية التى تعكس وتترجم الوقائع فى دلالات معكوسة تؤكد حقيقة الشاعرية وحقيقة اللغة التصويرية فى النص ويجب أن يكون لهذا المقطع وقفة تأملية تبحث فى رمزيته ومحاكاته وجرأة التصوير والتمثيل، بإحساس الأنثى، والذى لا يصريح به إلا من تجاوب مع تجربة الأمومة الصادقة التى تعطى ولاتنتظرالمقابل، ومن توفرت فيه المصداقية والوفاء ومنطقية الإخلاص ومداومته، والبحث فى دلالات الألفاظ وصورتها الاستعارية يؤكد ذلك ويفيض بالمتخيل الوجدانى الذى تهفو إليه الشاعرة، ولم يخرج التوصيف التعبيرى الزمنى من حالته التى تترجمها الشاعرة فى انحاء الصورة وهذا يشير إلى أن الصورة الموضوعية التى شملها هذا المحور قامت على استكشاف الواقع الخارجى فى سلوكه وأنماطه وتقاليده وذلك يتجاوب مع رغبة الشاعرة فى البحث والاستقصاء حول مفاهيم الواقع الجديد  .

3- المحور الثالث

فى المحور الثالث من النص والذى يأتى فى ختام الفكرة التعبيرية والصورة التطبيقية تتزاحم الدلالات وتستمر فى بناء المتخيلات التشكيلية وتنتقل من حيز النفس إلى مصارعة الواقع ومحاولة بناء متخيل اجتماعى يبحث عن الأسباب وراء انهيار الذات ووراء تبدل القيم، وجاءت الصورة التعبيرية فى مظاهر عدة منها مايتعلق بعملية التوظيف الخارجية للمعادل الموضوعى الذى قامت عليه التجربة، ومنها ما يتعلق بدلالة الحركة الفعلية داخل النص وصوره وانتقالاته ، ومنها مايتعلق بمظهر النص وشكل التعبير، وهذه التصرفات تعود بالضرورة على الشاعرة وعلى فنية التعبير لديها حيث تتسع تجربتها لتشمل أطروحات تطبيقية وموضوعية ، تسير فى نسق الجمع بين خصوصيات الفن الأدبى وبين الميول الإبداعية التى تتعلق بذات الشخصية الشاعرة، وذلك يعد تكنيكا خاصا وإطارا إبداعبا تنطلق منه الفكرة التعبيرية وقد تمثل فى عدة مظاهر تتعلق بصيغة الشكل الداخلى للموضوع والجانب التخييلى الخاص بحالة الانفعال التى ترجمت النص إلى أفكار وخيالات تصويرية ذات مرجعية من ذلك  :

1- الرؤية المشهدية التفصيلية لدقائق الصورة وتعبيراتها والتى تطورت فى حركة النص الأخيرة حين تخلصت الشاعرة من سيطرتها على نفسها وحنينها إلى الماضى والبحث عن الهدوء والاستقرار وانطلقت نحو الواقع الخارجى تتمثله وتقدم أوصافه بالطريقة التشكيلية الحديثة للتعبير بالشعر فى رؤية تجديدية، تتوافق دلالتها مع دلالة الإيقاع الداخلى للنص وهى هنا لم تعتمد على التصوير الكلى للمشهد بل تركت الصورة تنتقى اللقطات الاجتماعية فى مقارنة ضمنية وجدانية بين قيم الواقع وقيم الماضي تقول وفاء :  

أصدقائي خناجرٌ وضيوفٌ

يطاردون الزادَ بحثاً عن طفولتي

عن كركرة الشوارع للصغار

والعبث الطفل على قرص خبز البتول

عن رغبة الأرض في احتضان مهابة أقدامهم

وهُم يشدّون قفزاتـِهم

على خصرِ الضِّفافِ حزاماً

فى هذا المشهد تقدم الشاعرة حوارا تفصيليا لحركة الحياة اليومية فى صورة تعبيرية لطفولة منتهكة، ثم تقدم الوجه المقابل للصراع المعاصر الذى كان حائلا أمام الطفولة وأمام توالى حركة الواقع الطبيعى، مما جعل النص يتطور من صفته الأولى الشعورية إلى الصفة الحسية وهنا تعبر التجربة عن الشعور العام وعن الصراعات وتلك عملية تقريبية تلجأ لها الشاعرة لتقدم الوجه الحقيقى للواقع المرفوض الذى تحول فيه الصديق إلى خنجر وإلى ضيف يبحث عن الزاد ويرعى فى الطفولة، وتأتى تعبيرات " أصدقائي خناجر " وضيوف يطاردون الزاد -  خبز البتول - رغبة الأرض في احتضان مهابة أقدامهم" بما تحشد من دلالات تصويرية لتفضح المدنية وتفسر التناقض الذى عم الحياة، وقد اعتمدت الشاعرة على التقابل الدلالى الحركى كحالة تقريرية نتجت من الجمع بين الدلالة الاسمية والفعلية والتشبيه المركب الذى تتشكل أركانه من الفعل الخارجى، وهنا ياتى المتخيل ليقدم جانبا من الواقع الذى تشهده مدينة الشاعرة، والتى ترسله كتيمة وعلاقة وملفوظ موضوعى إلى الضمير الإنسانى .

2- الرؤية الشخصية التى تتضمن ذات الشاعرة من خلال العودة إلى النفس كمحطة مرحلية تنطلق منها وتعود إليها مرة أخرى تقرأ انعكاسات الواقع وصدى أحداثه وهنا تتضح شخصية الشاعرة وتبدو فيها العلاقة التى تجعل من نفسها مرآة تنعكس فيها صور الواقع وتتضح معالم التجربة فى ظل الصورة الوجدانية التى تنسجها الدلالة فى النص، واعتقد أن ذلك يكسب التجربة صفة التركيز ويجعل النص يستوعب خبرات كثيرة من خبرات الشاعرة فى تجاربها وفى استيعابها لكثير من تفاصيل الحياة من الماضي البعيد وحتى الواقع الذى تعيش فيه تقول :

أنا الآن ألهو بتعثــّري

كلـَّما هربتْ جثتي من تناقصِها

أرجعتـُها لأحتمي بالشَللْ.

يتـَّسع الهـَذر بحكايتي

أصمتُ مشنوقة الصوت

بأوتار عود غريب

أقولُ له  أغثني

وترُكَ أفضت له أمومتي

لي رغبة ُرقص الـِّلجام

حين يـُكبحُ

رقصَ العودُ مُرٌّ العروق

خبـَّأ عينـَه ودسَّ في جيبي حالـَه ُ

معولُ الشِّريان يهدمُ

يتهدَّمُ ويختنقُ.

ولعل انتقال الخطاب وعودته إلى الشاعرة جعل من التعبير متخيلا خاصا بحركة النص وتحوله فى غير مرة من الصورة الكلية الخارجية إلى الصورة النفسية الوجدانية التي تحرص الشاعرة على تقديمها فى أشكال تأثيرية وفى مواقف تبدو فيها الانفعالات هي المفسر للصراع وهى ثنائية تحرص عليها فى إيقاع تصويري يقدم القضية والإشكالية ثم يطرح التجربة ووقعها على النفس الشاعرة .

3- تكرار للقطة التصويرية فى إطار المشهد الواحد الذى يسير فى اتجاه التقديم والحشد للجزئيات والمواقف التى تترجم المتخيل الوصفى لمعالم الحياة فى رمزية متجددة لاتنحصر فى تكرار الصورة أو تتابع تفاصيلها مما يؤكد على أن التكرار هو تكرار لطريقة العرض والتعبير وليس للفكرة الموضوعية، وهذا غناء اتسم به المتخيل التعبيرى فى النص، حيث لم يقف عند دلالة شكلية واحدة، وتلك من خصوصية الملاحم التى تكتنز بالمواقف والصور والأشكال التشخيصية وتسير فى طريق ملىء بالتعددية المتخيلة فى صور من صنع الشاعر ومن وجدانه ومن عمق تفكيره ولها صلة بالواقع، وقد خفف من حدة ذلك المزج بين الطابع الوصفي السردي وبين طريقة التعبير الي احتملت وجهين أحدهما وجه الشاعرة كدلالة يقع عليها التأثير، والأخر وجه الحياة الخارجية تقول وفاء :

لا تختنقْ

كعادتها عندَ البابِ تسندُ قلبَها

و تتزاحمُ في عيونها الصور

حين لم تجدها السِّدرةُ انتحرتْ

أحمرُ النـَّبق ِسقفـُكَ ما لـهُ

أليس فيه من أفواه الحمائم مضغة ٌ؟

ملجأ ٌالعصافير صوتـُهُ

عشقنا رجعَ غزارتهِ

يجنـِّح للشمس كي تستظل.

وقد اقتضت لغة الوصف وطريقة السرد التى اتبعتها الشاعرة أن تقدم الوجه التصويري الأخر بطريقة مقروءة تشارك فى صنعها وقرائتها مع القارىء دون أن يكون هناك تعارض أو تناقض فى تقديم الوجه الضمنى فى أشكال تصارعية متعددة، ورغم ذلك فقد تنوعت الدلالات التصويرية، وتعددت العلاقات واتسمت القراءة بتقديم المتخيل في وجوه نفسية وبصرية وقولية وصوتية ولونية كما تكون الصورة الخارجية وكما تكون الدلالة المتخيلة المترجمة من الضمير ومن اللوحة المنقولة فى محاكاة شديدة الحساسية، وقد اهتدت الشاعرة إلى الجمع بين مصادر الطبيعة وبين ملامح الواقع حتى أصبحت جزءا من العلاقة التصويرية التى أتاحت لها أن تقول : أليس فيه من أفواه الحمائم مضغة ٌ؟ / ملجأ ٌالعصافير صوتـُهُ / عشقنا رجعَ غزارتهِ / يجنـِّح للشمس كي تستظل." فى صيغة استفهامية ذات إيقاع مركب من التقديم المشهدى ومن الترديد الصوتى النفسى الداخلى الذى يطرح الواقع من خلال عناصره ومحتوياته، دون تصريح مباشر بالمكنون ودون خروج عن طبيعة المتخيل الوجدانى، فى تطبيق لعملية الاستدعاء وتطبيق لفكرة المجاز بطريق مختلفة حيث تستنطق الواقع وتطرح فيه الفكر المقابل من خلال النفس ووقع الحدث على تصوراتها العامة التى يمكن أن تدركها فى التقابل بين الماضى والحاضر، ومن طبيعة هذا التعبير التكثيف لقسوة الصدى ومرارة المتابعة دون أن يكون فى الأسلوب حنينا لتلك النزعة .

4- المتخيل الاسترجاعي وهو عبارة عن طريقة داخلية يسترجع فيها الشاعر نفسه التى أطلقها فى فضاء النص، ويعود حيث ابتدأ القراءة التصويرية، ويمكن أن تكون عود على بدء عند الوصول إلى المقطع الأخير من النص، وقد قامت الشاعرة بهذا التصرف للتعانق مع فكرة الترديد الصوتى فى الموشحة وفى اللحن الموسيقي الملحمي، وتلك طبيعة فطرية، وغريزة وجدانية تتصف بها التجربة عند الشاعرة وفاء عبدالرزاق، وكان هناك إصرار على التأكيد والتقديم لكافة المتخيلات النفسية والإنسانية والاجتماعية التى جاءت فى صورة بيت الطين ثم تطورت وشملت مناحى الحياة، ثم عادت مرة أخرى إلى حيث انطلقت فى رحلتها الشعرية .

 واستغرقت هذه العملية الصورة النهائية بكامل جزئياتها، وقد انعكس عليها العناء حيث جاءت الصورة الكلية التى تجزئت إلى موضوعات وأفكار بعد رحلتها الطويلة في أركان النص لتقدم حوارا خاصا يجمع خيوط التعبير فى بؤرة واحدة ويشير إلى النهاية التي تتفق في طريقتها مع التقاليد المرعية فى الحياة والتى لايشذ عنها أحد حيث الحنين إلى الماضى والذكريات، مهما تعددت القضايا والإشكاليات ومهما أزعجنا الواقع بهمومه وصراعاته، و جاءت أيضا الصورة الأخيرة لتدمج بين البيت المأوى والسكن والرمز بطبيعته الريفية، كمعلم مكانى حقيقى وبين الدلالة النفسية التى لا تنفصل عنها الشاعرة، وكان اعتمادها على الأساليب الإنشائية ضرورة حتمية لتدل على ثبات الموقف وتشير إلى اعتبارات الذات والرغبة العارمة فى العودة فى شكل من الأشكال حتى ولو بعدت النهاية طلبا للخلود والراحة والطمأنينة، وقد تم الربط بين مفتتح النص وصورته الأولى وبين نهايته بطريقة مبتكرة رغم طول النص ورغم تعدد صوره مما يدل على تماسك التجربة والفكرة لدى الشاعرة، ويدل على توهج ويقظة ذهنها، وهذا دليل على التشبع بالصورة ومحاكاتها دون أن تغفل حقيقتها الشاعرة ودون أن تهمل صفاتها الإبداعية فكان لها وجها وللنص وجه أخر وكان لها تاريخ وذكريات ووقائع، وكان للصورة أحداثها الخارجية، وكان لها صفاتها المعنوية الشعورية، وكان للتعبير وصوره الداخلية بكل إيقاعاتها وحركتها دلالات عديدة قدمت المتخيلات العامة والخاصة، واستوعبت المعالم الخارجية للحياة والعالم الذى يحتوى كل هذه المتناقضات والإشكاليات، الخارجية والداخلية الذاتية الوجدانية والحسية والمعنوية، مما يؤكد على أن الفكرة هنا جاءت من منطلق التعبير الوجدانى، الذى طرح الصورة الوجدانية من وجوه شتى ومن رؤى متعددة تقول الشاعرة وفاء عبدالرزاق :

بيتُ الطين

يا أنا في الصفعات ومذاق العصا

قدمي لا تستريحُ

وصلَ العدّ ُحدَّهُ

اعرفني ولو بالشبَهِ الـظَّـنون

الشَّاهدُ ما بكَ من هوى

وضريحي وردة ٌ

لا يـُدفنُ القرنفلُ

قبري زجاجة ُعُطرٍ

تقطـِّـرُ ماءكَ وتختمرْ.

وحقيقة الخطاب وتوجه النداء صراحة إلى المنادى بيت الطين دون استدعاء الاستعارة وتطابق العودة من ضمير المتكلم توحى برغبة العودة ورغبة التحليق فى أفاق الذكريات التى تشكلت فى "مذاق العصا " والصفعات " التى ترجمت الشخصية مباشرة، حتى تحول الخطاب الصريح من المباشرة إلى المناجاة وإلى الغريزة التى جبلت عليها الشاعرة فى الحياة وفى التعبير حيث الجمع بين أكبر قدر ممكن من الحب والعطاء والخيروبين إنكار الذات والعزف على أوتار الخلود فى عالم النفس المطمئنة، والمقطع الأخير فى الصورة الأخيرة يؤكد ذلك ويوضح كثيرا من نزعات التجديد عند الشاعرة إذا ربطنا بين مفتتح النص وبينه فى الدلالات والعلاقات تقول وفاء: اعرفني ولو بالشبَهِ الـظَّـنون /الشَّاهدُ ما بكَ من هوى / وضريحي وردة ٌ/ لا يـُدفنُ القرنفل / قبري زجاجة ُعُطر / تقطـِّـرُ ماءكَ وتختمرْ. وهنا تتضح المعالم الخاصة بالنص وبالشاعرة والعملية الإبداعية حيث لاتخرج عن فكرة التعبير بالمتخيل النفسى والوجدانى دون إهمال أو ترك الجانب الحسى فى صوره وحركته المتعددة، ومن يريد استظهار القضايا والإشكاليات التى لها صلة بالواقع يمكنه إدراك ذلك فى أنحاء النص ومن يريد القبض على ذات الشاعرة فيمكنه تتبع مراحل البناء والانتقال من فكرة إلى أخرى ومن دلالة إيقاعية داخلية إلى أخرى، وعندئذ سيرى وجها متعدد الاتجاهات، مهموما بقضايا الذات والإنسانية فى المقام الأول بحيث يظن القارىء أن الفكرة متجهة نحو التشكيل الوجدانى ولكنها متجهة فى الحقيقة نحو التجسيد بالوجدان لخصوصيات الواقع في مقارنة ضمنية مع الموروث، وهنا يمكن إدراك قضايا الواقع واتجاهاتها ولكنها ليست هى المقصودة فى بادىء الأمر لأن التعبير عند الشاعرة يشمل متعديات كثيرة ومتخيلات عديدة تتجه نحو التعبير الإنسانى والتجسيد الفني الإيقاعي الموضوعي المتناغم ولا ينحصر في اتجاه خاص .

 وبعد فإن الصياغة الزمنية التى شملت النص جاءت فى المفتتح فى دلالة الماضى ثم انتقلت إلى المضارع ثم عادت من جديد إلى حيث بدأت، مما يدل على أن التجربة عند الشاعرة لاتقف عند مردود زمنى خاص ولاتعتمد على صياغة واحدة أو قراءة نفسية خاصة، واعتقد أن هذا يتوافق مع منطق التعبير عند الشاعرة التى تترجم الصورة الضمنية الخاصة واللوحة التعبيرية فى الطبيعة الخارجية إلى نص شعرى متكامل الأركان والعناصر، ويتوافق مع لغة الصورة ومنطق الترجمة التى تستلهم الحياة الخارجية بكامل محتوياتها، وهذا تجديد لعملية التعبير التى تحتاج إلى مثل هذه التجارب، واعتقد أن فى التعبير بهذه الوسيلة مولد إرهاصا بمولد حركة تعبيرية جديدة فى الشعر العربى تقوم على قراءة الطبيعة والمتخيل النفسى والإنسانى وتستدعى من منظور التعبير الفوتغرافى الحقيقى الحياة عن طريق الشعر والتجربة الإبداعية، وهى طريقة تختلف عن شعراء المدرسة الرومانسية التى كانت تتناول التعبير من المنظور المغرق فى العاطفة وتستعذب الآلام وتهيم فى بحور الرمز دون أن طرح لقضايا الواقع، وتبلغ درجة الاختلاف هنا من حيث الترجمة من النفس والواقع والتحليق في سماء الموروث النفسى وتصديره فى شكل قيم جديدة فى عرضها وتناولها، حيث تقدم الصورة بواسطة المتخيل الموضوعى الإيجابى فى جزئيات تتلاحم وتتضافر لتقدم الصورة الكلية فى إطار الذات والقيم والأعراف .

وأخيرا جاءت هذه الدراسة كمحاولة لفتح حوار جديد مع المثقف العربى العام والمتخصص، حول إمكانية طرح النص فى منطقه الجديد دون حصار من قيود وهيمنة المدارس التقليدية، وكذلك القراءة الموضوعية التصويرية من خلال تعدد وتنوع الصورة وانتقالاتها حسب الإيقاع الداخلي للنص والفكرة والتعبير، ومن ثم طرح ومناقشة المتخيل النفسي والفكري والموضوعي والاجتماعي للواقع والحياة العربية الخارجية التى نحياها بعيدا عن الذاتية والفردية، كما قدمت لنا وفاء عبدالرزاق في نصها الإنساني التصويري "بيت الطين"  الذى حلقت فيه فى أجواء الماضي والحاضر والواقع والمستقبل تستعرض العديد من القضايا والأفكار من منطق التجسيد الوجداني بواسطة الصورة الفوتغرافية وترجمتها إلى نص شعرى يمتاز بغنائه وتكثيفه وشموليته  ومناقشته لواقع تتشابه فيه المعالم العربية والإنسانية  . بيتُ الطين ملحمة إنسانية لابد من اعتبارها معلقة هذا الزمن نضعها على أبواب بيوتنا كي نقرأ سطورها صباح مساء.

 

الدكتور نادر أحمد عبد الخالق

الثلاثاء 21/12/2010

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الأديبة وفاء عبد الرزاق، من: 05 / 11 / 2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1569 المصادف: 2010-12-22 13:23:17