تكريم الناقد ا. د. عبد الرضا علي

شهادات حية: نصفُ ساعة بصحبة عبد الرضا علي

ali_wajehالمرَّةُ الأولى التي قرأتُ فيها اسمه كانت باهداءِ قصيدةٍ مشاكسة لجواد الحطّاب حملت اسم ايرو – بلا – تيكا، المرَّة الثانية هي بحصولي على نُسخة من كتابه الشهير (الأسطورة في شعر السيّاب - بغداد 1978،)

 والتي كانت من المراجع التي لا يمكن لأي باحث الاستغناء عنها ان اراد دراسة جيل الروّاد، والثالثة حين اكتشفتُ اننا نكتبُ بذات الموقع الألكتروني على شبكة الأنترنيت...

 

(2)

كنتُ متعجبّاً لهذه الشَّخصية، الأكاديميّة، المُعارِضة والتي لم يسهم سقوطُ القيء البرونزي في ساحة الفردوس 9-4-2003 بتخفيف جمر الرفض في صدرها،هذه الشخصية النّاقدة والبخيلة بآرائها الى أبعد الحُدود، والعَذِبة، كما حسدتُ نفسي – مرَّةً أخرى – حين امتلكتُ الجرأة و راسلتُهُ ومن ثمّ التقيتُ به، في يومٍ كثير الغُبار...

 

(3)

دوماً ما أحسدُ نفسي، أنا الغضُّ ذو العشرين عاماً بصفتي صديقاً لكبار السِّنِ والشأن معاً في مجال الأدب، ولا أعتبرُ نفسي الا تلميذاً مُخلصاً وشخصاً مقرَّباً ممّن عُلِّموا وتعلَّموا وعلَّموا أبجديّة الحرف في بلدٍ تحتَ كلّ حائط منه نجدُ شاعراً أو بعضَ شاعر، وأنا اذ أمتلكُ صلة التتلمذ مع عبد الرضا علي ومحمد حسين الأعرجي وياسين النصيّر وفاضل ثامر وجواد الحطّاب وفضل خلف جبر و عدنان الصائغ وحميد قاسم وعبد الرزّاق الربيعي وغيرهم الكثير فإنني أمتلكُ سعادةً و غروراً لو عرف لذّته حُكّامو الصدفة في البلاد لحاربوني عليه، بداية اعتياديّة بيني وبين أستاذي عبد الرضا علي، أرسلتُ له رسالةً، جاءني الرَّد مشفوعاً بحنانٍ أبوي، أرسلتُ له عدّة قصائد فأحببتُ ثناءَهُ عليها برسالةٍ أخرى بالاضافة الى أملٍ شاهق بلقائه ذاتَ يوم...

 

(4)

في فندق المنصور ميليا المطل على دجلة كان لقائي بأبي رافد، كان يوم اثنين، أما الثلاثاء فكان من المفترض بي أن أكون على الحدود العراقية – الايرانية للعودة الى منفى كان يمتصُّ ما تبقّى من شبابي ليتركني كهلاً ذا عشرين عاماً...

نصفُ ساعة فقط، من السابعة وعشرين دقيقة الى السابعة وثلاثين دقيقة، أهداني خلالها النّسخة الأخيرة التي كانت بحوزته من كتابه (الذي أكلتْ القوافي لسانه وآخرون) وأهديته النسخة الأخيرة من مجموعتي الشعريّة الأولى (منفائيل)...

نصف ساعة وملايين الأسئلة كانت تعصفُ برأسي، فهذه الأسئلة الانشطارية لم أستنفدها مع مُحمّد حسين الأعرجي بشهرٍ كاملٍ فكيف أستنفدُها مع عبد الرضا علي بنصف ساعة؟...

كان ضخماً كقصيدةٍ جاهليّة، ومفهوماً كالماء، وعذباً كضفيرةِ بنتٍ جنوبيّة، وأنا اكتفيتُ بالصمت والاستماع لمعلوماته، حدّثني عن شخصيّة أكاديمية يكتب أكثر ممّا يتنفّس، حدّثني عن الجواهري وزيارته الى الموصل، عن اعداده لكتاب (الجواهري في جامعة الموصل) والذي سُحب من المطابع والأسواق – أملكُ نسخةً نادرة منه ! –، حدّثني عن علي جواد الطّاهر بصورةٍ سريعة، حدثته عن محبّتي لجيل كليّة الآداب في تلك الفترة وأعني بهم يوسف الصائغ ومحسن أطّيمش والأعرجي وغيرهم، أما هو فقد ظلّ يؤكد ضرورة اكمال دراستي، بقينا نتحدثُ عن الجواهري لآخر ربع ساعة، حينها أخبرته أنّ عليَّ الذهاب لأنني كما قال ابن زُريق :

يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ            مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يُروعُهُ

ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ             رَأيُ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ

أما هو، فقد أصرّ على ايصالي الى جسر السنك الذي يمتدُّ على ضفّتي دجلة، دجلة المُصاب بالسلّ والذي يُشبه ساقيةً صغيرةً في بُستانٍ ما، مشينا ونحنُ ننظرُ اليه، قلتُ له :

-دكتور، لا أعلم ما سيقوله الجواهري لو رأى دجلة الآن وهو الذي قال في مقصورته :

ودجلة إذ فارَ آذيّها   كما حُمَّ ذو حَرَدٍ فاغتلى

أما أبو رافد، لم يرد عليَّ، كان يمزجُ عينيه بأفق مظلمٍ بعيد، رُبَّما كان يفكّر بعمرِه الذي انتهى به المطاف بين طاردتين للثقافة العربية ! ، بغداد وكاردف على حدّ سواء !...

أسميتُهُ اسماً مختلفاً، باهداء مجموعتي اليه، فقد كتبتُ :"د.عبد الرضا أنا"،  أما أنا فقد عدتُ الى المنزل بغرور عشرين متنبياً اذ انه كتب : الى علي وجيه، صديقاً، وأخاً عزيزاً وشاعراً مبدعاً

 

(5)

عبد الرضا علي، عذبٌ وجودك بيننا، ثمَّة على هذه الأرض مَنْ يستحقون محبتنا كلّها ...

 

 

القصيدة...

غرباء

الى : عبد الرضا علي

ومن فطرٍ في قدمِ السَّماء هطلنا ؛ نحنُ الغرباءُ ؛ ننقلُ منافينا في الحقائبِ مع الرَّسائلِ العاطفيّة، ونجودُ بشبقِنا على البالوعة : فيما تظلُّ فتياتٌ بِعُمر المُفخخة يحتضنَّ وسائدَ صلبة...

ونحنُ مَنْ ضيَّعوا الطَّريق الى السَّماء الجديدة وهي تنضحُ بالكافور، ونحنُ شواهدُ قبورِ مَنْ لمْ يموتوا، ونحنُ مَنْ يدفعُ الحساب في مطاعم الفقهاء الجُدد ؛ دون أنْ يأكلوا شيئا...

الهي :

نحنُ أخطاؤكَ ؛

ذنبُنا أنّا عرفنا الحرفَ قبل الجَّميع [ والموت أيضاً ]

أعطنا شهراً دون موتٍ أو رغبةٍ بالرحيل كي نؤمن !...

 

بغداد 13-8-2010

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم ا. د. عبد الرضا علي من: 17 / 8 / 2010)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1442 المصادف: 2010-08-17 06:25:42