تكريم الناقد ا. د. عبد الرضا علي

شهادات حية: د.عبد الرضا عليّ وأنا .. وبيروت الملاذ

rasha_fadelلا اؤمن كثيرا بتلك العلاقات التي تتعلق على اسلاك الانترنت لأن هذه المساحة الالكترونية السحرية بيئة ملائمة لارتداء اكثر من قناع فنسمع احيانا عن نساء ينتحلن صفة الرجال وبالعكس وقد يعتبر الاطباء ذلك نوعا من التنفيس للخلل الكوني الذي يحدث في امنا الارض .

 

مهما كانت الاراء حول هذا المجال الالكتروني العجيب الا اني سأحتفظ باستثناءات تحملني على الزهو كثيرا من خلال مامنحتني اياه من معرفة عظيمة اضافت لي الكثير واعتبرها منعطفات مهمة في حياتي واذكر منها معرفتي بأستاذي د. عبد الرضا علي التي جرني اليها الشاعر عبد الرزاق الربيعي والتي اصبحت فيما بعد محورا اساسيا في صداقتنا التي تجمع بين الابداع الانساني والمعرفي ، ولعل من يعرف الدكتور عبد الرضا علي عن كثب كما ادعي يشاطرني هذا الرأي مضيفا ان هذا الانسان لاينتمي لهذا العصر لما يحمله من التزام ودقّة واحترام واذكر هنا رسائله التي تصلح لأن تكون قطعا ادبية رسمها بعناية بالغة وعلى الرغم من انه لايجيد الكتابة على الكيبورد الا باصبع واحدة الا انه يصر على أن يحرك الكلمات ويتمسك بالكسرة والفتحة والهمزة وكل محاولاتي بتحريره منها بائت بالفشل فهو من طراز الجيل الملتزم بلباقته ودقته وحرصه مزاحما  جيل الانترنت الذي يعتمد الكلمات المختصرة والافكار السريعة وانا التي تنتمي لهذا الجيل حيث غالبا ما استخدم (شورت هاند) في القفز بالافكار والكلمات ...

وعلى الرغم من ذلك .. كانت هنالك الكثير من قنوات الحوار بيننا ..

وفي حواري معه كنت أراه ابا وصديقا لافرار من الجلوس امامه والكتابة اليه ..

وكنت اكتب له مايصادفني حينا وما أريد ان اقوله للآخرين ولا اجرؤ على ذلك حينا اخر ..

ولم أكن أشعر باكاديميته الا حين اقرا له نصا نقديا حيث يتجلى صوته الاكاديمي بوضوح واكاد اصاب احيانا باالارتباك امام شخصيته الانسانية الخفيفة الظل والبسيطة والمتواضعة وبين رصانة لغته وتنظيراته الاكاديمية .. وهذا الارتباك يعود لخلل تكويني يجعلنا نتساءل حين نرى السياسيين يجلسون خلف طاولاتهم المستديرة ويقررون شؤوننا ومصائرنا:  ترى هل يضحكون مثلنا ؟ هل يتداولون النكات مثلنا ؟ وهل يمكن للفنان الذي نحب مثلا ان يشتم ؟ ان يمارس اخطائه الانسانية مثلنا ؟

 

كان د عبد الرضا علي يمارس انسانيته كاملة .. فهو الانسان البسيط في حواره .. وهو صاحب الابتسامة والنكته وهو الغاضب احيانا اخرى .. واذكر هنا ماقاله الحميم جواد الحطاب عنه حين زاره في بغداد حيث حضر د. عبد الرضا مع وفد اكاديمي فقال: هذا الرجل صاحب خلق ومكانة ادبية رصينة وهو خفيف الظل وعشرته لاتمل ...،  وانا اؤيده في كل ذلك ..

 

ولعل الفصول القادمة من علاقتي  به ستؤكد هذا الكلام وهي ترسم  صورة هذا الانسان الكبير بألوان الكلمات .

 ra1

حين غسل الموج الأبيض عن قلوبنا سخام الحرب

بيروت عطايا الرب الشاخص نحو يتم أحلامنا وهي تتساقط أوراق خريف مبكر داهم ربيعنا بحرافة يباس اوقظ فينا شجن الكتابة حتى هذا الوقت المتأخر من الذكرى ..

 

واتسائل: هل كانت بيروت مدينة أرضية ام انها سقطت من جنان السماء لتغسل أحزان المهزومين والمنكسرين وهم يدقون باب جنانها ويرموا عند اعتاب خضرتها باحلامهم المعطوبة وقلوبهم التي تكسر خزف نبضها فوق اسفلت الخيبة .. وتقلدوا رائحة الياسمين والبحر من جديد !

 

لم تكن بيروت زاهية في ذلك اليوم الغائر في مفكرة الشتاء وأعياد الميلاد ..فحسب

بل كانت تتلألأ أمامي بثوب عرس عجزت الحروب عن اغتيال بياضه السادر غيوما من سماء قصية عصية على الرصاص ..

 

في ذلك اليوم الذي شهق له الزمن والوقت جاءني هاتف موصول بحبال السعادة وهو يقول لي : انا في فندق السفير وننتظرك الان !

 

  تسارعت أقدامي نحو فندق السفير الذي يطل على (الروشة) وقريبا من الفندق الذي انزل  فيه وكانت خطواتي تركض للإمساك بحبات الوقت وهو ينفرط بسرعة من بين ايدي الفرح،  فأنا لم أعرف هذا الإنسان إلا اكاديميا بملامح حبرية غالبا ماتأتيني عبر البريد الإلكتروني او الهاتف في أحسن الأحوال ..

   

ودخلت الفندق ...

وقبل أن اعثر عليه سمعته يناديني بتلك الهيبة التي تقتفي سنواته وخفة الروح التي ترافقه حيثما حل ...

رقص الفرح في قلبي وأنا أحييّه بدهشة غامرة ..

 

هو عبد الرضا علي اذن !

الأكاديمي والكاتب والمعاصر لأكثر كتابنا غورا في التاريخ وأكثر ألاحداث المهمة على الصعيدين السياسي والثقافي التي رسمت تأريخ البلاد المتشظي حتى كان هو احد شظاياها في هجرته البعيدة من اليمن .. الى لندن او كما يحب ان يسميها (كاردف) طاردة الثقافة بامتياز !

 ra2

على طاولة المحبة اجتمعنا .. انا وهو وزوجته المعتّقة بألق السيدات العراقيات السيدة أم رافد رفيقته وظله الحميم في سماء الغربة ومطره الأوحد في جدب السنوات العجاف ..

 

هو عبد الرضا علي اذن ... !

الخارج من متون الكتب الى فضاء البحر والروشة التي جمعتني ولملمتني واعادت صياغتي من جديد بكل مفردات الفرح والجمال وانا اعيش هذا الفرح الاستثنائي على مائدة كانت كريمة معي وهي تغدق علي اشهى الذكريات ... تلك المائدة العراقية بحكاياتها التي يجيد عبد الرضا علي سردها بذاكرة  ... لاتشيخ . .

 

  كان يحكي لي عن طعام ام رافد الشهي الذي يضرب به المثل فقلت له : لقد سمعت (بالقيمة) الشهيرة التي تشتهر بها  أم رافد فاستغربا من ثنائي عليها وانا لم اتذوقها وحين سألا عن مصدر هذا السر الشهي دق الهاتف فقطع كلامنا و كانت الشاعرة أمل الجبوري على الطرف الآخر وكان اتصالها خير اجابة على علامات استفهامهما !

  

أمل الجبوري ومائدة المحبة و(قيمة) ام رافد الشهيرة      

ra4                         

على مائدة الحب والعراق والذكريات جلسنا نحن الاربعة د. عبد الرضا والشاعرة أمل الجبوري وأم رافد وانا  واصرت على دعوتنا لمطعم يطل على البحر حيث هدير الامواج ورذاذها يبلل احاديثنا الماطرة..

 

وكنت قد التقيت بالشاعرة امل الجبوري لأول مرة في بيروت لأكتشفها شاعرة وانسانة عاملة مهمومة بوطن اسمه العراق كان مبتدأ قصائدها ومنتهاها حيث اعلنت اعتزالها عن الشعر في ديوانها الاخير الصادر من دار الساقي (هاجر قبل الاحتلال .. هاجر بعد الاحتلال) والذي اعطتني نسخة منه وكان صرخة احتجاج ويأس اطلقته حنجرة القصيدة التي لم يعد بوسعها ان تواصل صيحاتها كما رأت امل وعكس مارأيت !

  

أمل قبل الإحتلال ... أمل بعد الإحتلال

 ra5

روحي قبل الإحتلال

كانت موؤدة في مدافن البعد ،

حبلى بالمخلص في أنابيب عاقرة .

 

 روحي بعد الإحتلال

صارت تتوارى بين جدران المنطقة الخضراء

صارت غطاء سماء مقفلة على التحسر

تداري اصفرار نسغها الذي بدأت تأكله العائلة ،

صراخ الأطفال وقبلات الزوج .

 

قلبي قبل الإحتلال

عنكبوت ضلّل المخبرين عن المعنى

ودثّرني بغواية الغموض .

 

قلبي بعد الإحتلال

هرب من اسر روحي ، شامتاً بشجن انفاسي

فرحاً بحرّيته

التي غصّت وتقيأت موتي .

 

جسدي قبل الإحتلال

كان حشوة يورانيوم لأسلحة مطلّقة

كان ذخيرةً لحروب قادمة

كان رغيفاً

ساخناً يبحث عن معدة خاوية .

  

جسدي بعد الإحتلال

لايصل إلى حدود غبطته ،

معوق نصف ميتٍ يكره لهاثه الأخير .

 

قبري قبل الإحتلال

لم يحلم بأكثر من أن يشمّ تراب طفولته

لم يحلم بأكثر من غطاء لفضيحة مماته .

 

قبري بعد الإحتلال

صار الموت يسأل عن هوية روحي ، وعن فصيلة طائفتي

وكأن التراب يريد أن يعرف انتسابي إليه !!

 

من يقرا الديوان كاملا سيشعر ان اعلان أمل الجبوري لاعتزال الشعر ماهو الا محاولة للصمت لأطلاق صرخة ابعد مدى فالشاعر يبقى شاعرا ولاينفك عن كتابة قصائده بأبجديات شتى وهو امر قدري لاخيار فيه ..

 

كان لقاء الجبوري بدكتورعبد الرضا عاصفا بالذكريات ووجدتني انصت لهم وكأني اتفرج على فلم سينمائي تدور احداثه في العراق واليمن ولندن والمانيا وكان ابطال موزعين بين عدد من الشعراء الاصدقاء هم  عبد الرزاق الربيعي وفضل خلف جبر وغيرهم ..

 

ولا ادري ان كان التواصل التلباثي هو السبب في اتصال الشاعر عبد الرزاق الربيعي  ليكون حاضرا في مائدتنا العراقية في قلب بيروت والبحر ..

 

فيما راحت بعد ذلك امل الجبوري تناقش الكثير من المشاريع الادبية مع د. عبد الرضا ورحت انا وملائكة ابنة الشاعرة امل الجبوري نخطط لمشاهدة فيلم جديد في السينما !

 

كانت فكرة مجنونة .. لم اتمكن من تنفيذها فقد كنت أشاهد فيلما عراقيا شخوصه امامي واحداثه تسردها الذاكرة بلا انقطاع او نسيان .

 ra6

كانت ملائكة لاتشبه أمها في تحديها وصلابتها ربما لأنها لاتزال صغيرة ولان ضروفها المترفة لاتشبه ظروف والدتها بالتأكيد

 

.. وتذكرت كلام الربيعي عنها ذات يوم حيث أخبرني ان أمل وضعتها في حضنه حين كانت رضيعة  لقراءة احدى القصائد.. فيما كانت تجلس امامي شابة جميلة وهادئة وخجولة ..

 

تدخل القلب من الباب بسرعة وتلقائية ولعله الأمر الذي تشترك به مع والدتها كثيرا ..

 

في اليوم التالي لم اتمكن من مرافقة د عبد الرضا مع ام رافد في جولتهما البيروتية وكان علي أن أعود للعراق .. فقد انتهت دورتنا الاعلامية .. ولم احظ بدكتور عبد الرضا الا بيومين حافلين صاخبين  لكنهما لم يكونا كافيين فرفقته لاتمل ابدا بل تغني الوقت وتسرقه من بين اصابعك دون ان تدري ... وهكذا رجعت انا الى بغداد فيما بقي د عبد الرضا مع امل الجبوري وام رافد وكان في ذلك عزائي .. فلمتنا العراقية لم تنته .. وهذا ما اسعدني فعلا .

 

مع جواد الحطاب وضحى الحداد وغيرتي التي استشاطت !

بعد عودتي من لبنان بفترة قصيرة كانت للدكتور عبد الرضا زيارة لبغداد منحتنا فرصة التواصل بشكل يومي وشعرت اني ارافقه في برنامجه المقرر للزيارة حيث حضر مع وفد اكاديمي التقى  فيه بعدد من الشخصيات السياسية والاكاديمية وابرموا عدة اتفاقات تخص الجامعة الهولندية حيث ينتمي د. عبد الرضا اليها، وكنت سعيدة بهذا التواصل الذي يضعني بقلب الحدث لكن هذه السعادة تحولت في احد الايام الى غيرة وحسد كبيرين حين اتصلت بدكتور عبد الرضا لأجد الشاعرة والصديقة الاعلامية ضحى الحداد تجيبني بعدها ابو الجود لأشهق بحسرتي وانا بعيدة عن( لمّتهم) العراقية الحميمة ولا انسى الصديقة ضحى وهي تتندرعلي بلقاءها بالدكتور عبد الرضا وكذلك الحطاب فهي مناسبة تستحق المباهاة والاحتفاء و..... الغيرة ايضا !

 

الحقيبة الطائرة !

في أحد الأيام جاءني اتصال من رقم غريب فأجبت واذا به شخص يقول لي انه عثر على حقيبة فيها مجموعة ارقام هواتف وكلها لاتجيب وحين جرب رقمي اجبته والحقيبة تحتوي على مجموعة من الكتب والملابس وورقة تتضمن قائمة بهواتف واسماء في العراق وخارجه فسألني ان كان لدي احد مسافر من دمشق فتذكرت امي  حيث كانت عائدة من العمرة حديثا وقادمة سوريا فطلبت منه ان يقرأ لي اسماء الموجودين في قائمة الأرقام فكان الربيعي والصائغ والحطاب  فاستغربت جدا لأن امي انسانة بسيطة لاتقرا سوى الادعية وكتب الاعشاب على الرغم من كونها معلمة قديمة ومن اوائل المعلمات في تكريت اذا لمن الحقيبة ياترى ! ولماذا رقمي موجود فيها !

 

طلبت من الرجل وكان اسمه سيد عبد الحميد ان يقرأ لي الكتب فبدأ يستعرض لي محتوى الحقيبة ومن الكتب الموجودة رادوني الشك بأنها لاستاذي عبد الرضا علي فكتبت له بسرعة واتصل بي مباشرة ليؤكد لي انها حقيبته التي اضاعها وحزن عليها في دمشق حين كان عائدا من العراق  

 

وبعد عدة اتصالات استلمنا الحقيبة من سامراء حيث وصلت بالخطأ الى سيد عبد الحميد وهو سائق نقل للمسافرين وكانت الحقيبة ضمن حقائب المعتمرين القادمين عبر دمشق للعراق ، وكان السيد عبد الحميد نبيلا وكريما فقد رفض اخذ مكافأة لإعادته الحقيبة ورفض حتى اجرة الطريق من سامراء لتكريت ..

 

ولم يمض وقت طويل حتى كانت هذه الحقيبة العجيبة تحط بين يدي بعد رحلة مكوكية من لندن وصولا للعراق عودة الى دمشق وطيرانا الى سامراء وبعدها الى تكريت لتحط بين يدي اخيرا  !

 

لم اقاوم فضولي في معرفة مابداخلها من باب الاطمئنان على الاقل !

 

وحين فتحتها كانت مرتبة بعناية فندق،تصفحت بعض الكتب واعدتها الى مكانها . .. ولأني اعرف ان العطر رسالة تكتب على الأثير حملت زجاجة عطر احبها واحسبها ثمينة وضعتها هدية للعزيزة أم رافد ...

 

وكان العطر لغتي التي أردت أن أكتب بها سعادتي بوصول حقيبة هذا الانسان الحميم الي دونا عن كل الموجودين في قائمة صداقاته ومحبيه ..

لعلها جائت الى اكثر الناس محبة له .. لتحط بين يدي

طائر محبة ابيض حمل زجاجة عطري .. وطار بها على الخطوط الحطابية

حيث كان الشاعر الصديق جواد الحطاب ينتظرها على الضفة الأخرى ببغداد ليوصلها الى رافد الذي كان يزور بغداد في حينها .

 

  لحبر المحبة بقية

لاتزال معرفتي بهذا الانسان الكبير تشهد

 فصولا جديدة ..

ومع كل فصل يزداد زهوي وسعادتي به

فهو قادم من الزمن الاخر ..

الزمن الذي احببت ووجدت نفسي في زمن اخر

لذا فهو كتابي الذي اتصفحه بدهشة كل يوم ..

وهو الحركة الدئوبة التي تشاكس كسلي كلما استسلمت للصمت لأجده يهتف على الطرف الاخر

ان زمن الكتابة والصداقة والدهشة مازال على اوله ..

 

    rasha200020@yahoo.com    

 

 ...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم ا. د. عبد الرضا علي من: 17 / 8 / 2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1442 المصادف: 2010-08-17 06:57:15