تكريم الناقد ا. د. عبد الرضا علي

شهادات حية: عبد الرضا علي .. البطل الصامت

a1لو كنت أعلم أن الأمور ستجري كما جرت. وأن الأحداث ستتخذ المسار الذي اتخذته، وأن حليمة عادت إلى عادتها القديمة، لما تأبطت أوراقي واتجهت صوب جامعة الموصل – كلية التربية

 لإعادة تعييني في قسم العلوم الاجتماعية في صيف العام 1976 عند قوم سبق أن أصدروا أمر إلقاء القبض علي في شباط 1963 وأصدروا أمرا بفصلي لمدة خمس سنوات من الخدمة في التعليم الابتدائي. وقدموني إلى المجلس العرفي الرابع في كركوك، كي يحكم علي في غيابي لمدة سنتين، نفذتا بحقي عند إلقاء القبض علي في صيف 1964 . قضيتهما كاملة بلا نقصان وبالتمام في سجون بعقوبة والرمادي والحلة. بعد كل هذا جئت لخدمة الوطن، ناسيا ما حل بشخصي من إثم بدون أي ذنب أو سبب معقول، ملتزما بخط الانفتاح الذي كنت أشك فيه، إذ أن اللئام شيمتهم الغدر. ولا يمكن أن تنتظر منهم خيرا.

 

وعند إعادة التعيين، كتأكيد على لؤمهم، لم يعاملوني كأقراني ولم يحسبوا لي خدماتي في التعليم الابتدائي، ناهيك عن مدة الفصل المذكورة أعلاه. بعض الزملاء الذين أرغموا، رغم أنفهم للانتساب إلى الحزب القائد، انتبهوا إلى الغبن الذي لحق بي. وراح بعضهم يقترح علي، عن نية صافية، الانتساب للحزب القائد، حيث يمكن أن أنال حقي وتتعدل الأمور. عندما أصررت على موقفي بعدم الانتماء إلى حزب البعث وعدم الانحناء أمام العاصفة، كمسألة مبدئية بحتة، تنفس بعض الأصدقاء الصعداء وراحوا يشجعونني خفية، كل همهم هو أن يقف أحدهم بوجه المنظمة السرية ويتحداها.

 

كنت منذ بداية مباشرتي في الدوام حذرا جدا، أتخذ الإجراءات المطلوبة التي تسمح لي بالهروب من الوطن في الوقت المناسب، إذ أنني كنت أتوقع منهم أن يلقوا ما يسمى بالجبهة الوطنية في عرض الحائط ويسفهوا من ركض وراءها، ذلك أن الذئب لا يعرف التوبة، وتوبته كما يقول المثل في قتله، وأن السفيه مهما كان سيخون العهد إن عاجلا أم آجلا، لذلك كان جوازي جاهزا للسفر. ولما كان اسمي مدرجا ضمن قائمة الممنوعين من السفر في الدفتر القديم الذي كان يعامل به منذ العهد الملكي إلى ما بعد ثورة 14 تموز، لذا تم رفع أسمي مع مجموعة من الأسماء الأخرى الممنوعة بطلب من سكرتارية الجبهة الوطنية التي تحولت إلى وصمة عار في جبين الحركة التقدمية العراقية. وكان على المسافر أن يبرز القرار الصادر من مجلس قيادة الثورة المباد على نقطة الحدود بهذا الشأن. وأما الدفتر الجديد الذي صدر في زمن البعث، فلا يحتوي على تلك الأسماء التي رفعت من الدفتر القديم. وهذا لا يعني أنهم ألغوا الدفتر القديم نهائيا، بل ظل شاهرا فوق الرؤوس كسيف دمقليس.

 

بدأ الضغط علي للانتساب إلى حزب البعث اعتبارا من بداية العام 1977 بصورة مكثفة بحجة أن كلية التربية هي في الحقيقة كلية البعث. وأن العاملين فيها كلهم بعثيون. وكان يصاحب الضغط التهديد والترغيب. يا الهي ماذا فعلت بنفسي؟ لماذا التزمت بأمر لم أقتنع به؟ كنت أتملص دائما من الموضوع بالأساليب الدبلوماسية، بيد أن ما ساهم في تصعيد حملة الضغط هو رؤية بعض قادة الاتحاد الوطني للطلبة لي وأنا أخرج ذات ظهيرة قائظة من مقر الحزب الشيوعي العراقي. جاءني الدكتور خضر الدوري، رئيس قسم العلوم الاجتماعية غاضبا منفعلا باهت الوجه وهو يسألني إذا ما كنت قد رجعت إلى الحزب. قلت له بهدوء إنني لم أكن فيه كي أعود إليه. إنني صديق الجميع بدليل إنني زرت مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني قبل أيام وعند سفري إلى بغداد أزور مقر البعث. هل هذا يعني إنني أصبحت بارتيا أم بعثيا؟

 

في نهاية السنة الدراسية للعام 1978 وضعني خضر الدوري في موقف محرج، حسم أمري نهائيا، حيث عقد اجتماعا ضم جميع أعضاء الهيئة التدريسية التابعة لقسم العلوم الاجتماعية. من ضمن النقاط التي طرحها في الاجتماع موضوع إعادة كتابة التاريخ التي تشكلت لها لجنة مركزية ببغداد يقودها السيد النائب صدام حسين. والمطلوب منا هو انتخاب أحد الأساتذة من بين الحاضرين كي يكون عضوا في اللجنة المذكورة. ولما كان خضر الدوري يعرف بأن اختصاصي الدقيق هو فلسفة مناهج التاريخ، لذا اقترحني أنا وعرضني للتصويت. وكان أن تم انتخابي بالإجماع. بعد أيام قليلة جاء ليبشرني بأن صدام حسين وافق على تعييني عضوا في اللجنة المركزية لإعادة كتابة التاريخ، ولكن يجب الانتماء إلى الحزب. أخرج من حقيبته ملفا، تناول منه عدة أوراق وضعها أمامي، طالبا مني قراءتها. ثم راح يحدثني عن القرار الذي تم التوصل إليه وذلك بتعييني رئيسا لقسم العلوم الاجتماعية لمدة ستة أشهر أتسلم بعدها رئاسة جامعة السليمانية، طبعا بعد توقيعي على ورقة الإهانة. طلبت منه أن يعيرني الأوراق كي اطلع عليها بهدوء في البيت، قال:

"المسألة عندنا تختلف عن الحزب الشيوعي. يجب أن توقع ثم تناقش"

تذكرت كلاً من عماد الجواهري وحكمت عبد على السماوي وغيرهما ممن انتهى بهم الأمر في أقبية الأمن. وبدا لي كما لو أنه قرأ أفكاري. وقال أن أبعاد سلطته محدودة وأن هناك كومة من التقارير ضدي، أخفاها عنهم، وأنه لا يستطيع بعد أن يدافع عني. إنه يخشى أن يأتيني جلاوزة الأمن. بدأت بتغيير تكتيكي، طالبا منه أن يمنحني مدة أسبوع لترتيب أموري. قال خذ مني عشرة أيام.

هذا هو إذن الإنذار الأخير. عشرة أيام فقط، ينبغي علي أن أنهي خلالها أموري. كان ذلك في النصف الثاني من شهر كانون الثاني 1979 . أيام قلائل قبل حلول العطلة الشتوية. فكرت في البقاء، ولكن كيف مع عملية تحريف التاريخ والتنفس في جو هو غير بيئتي؟ كيف مع عملية الإعدامات في سجن الموصل والتي كان الرفاق البعثيون يرغمون على مشاهدتها كما رواها لي صديقي الدكتور باسم الساعاتي باشمئزاز واستنكار. وكيف مع سياسة تنفيذ خط البعث الاستبدادي في الجامعة؟

ضياء في قسم التربية وعلم النفس، يقول لي أنت لحمك ما ينطبخ. اهرب كي نفتخر بك.

ابراهيم القصاب، داينني 400 دينار بدون وصل وحين قلت له ماذا إن لم أرجع؟ أجابني؛ حلال عليك إن لم ترجع.

باسم الساعاتي: قال أعرف إنك تخطط للهروب، ولكن أرجو أن تنتظر كي نهرب معا.

طارق، معاون العميد يقول: سنلتقي في لندن.

صادق أطيمش وصادق الصراف وغيرهما يتهيئون لترك الوطن.

 كيف أترك هؤلاء الطيبين الذين كانوا يخاطرون بحياتهم في عقر دار الاستبداد. ترى؟ هل كانوا يدركون حجم المخاطرة التي يورطون أنفسهم بها؟

كيف أنسى الطالب غازي فيصل وهو يقول لي أمام الصف بصوت عال: أنت حذاؤك أشرف منهم جميعا. كيف أنسى الطالب بهاء الدين الذي جاءني ذات يوم بعد الانتهاء من المحاضرة، قائلا: هذا ليس مترنيخ يا أستاذ. هذا صدام حسين. كيف أنسى الطالب يوسف عمر الذي كان يضع المناشير تحت وسائد الطلبة في القسم الداخلي والذي سمعت بإعدامه فيما بعد.

 

عبد الرضا علي، البطل الصامت كان يتابعني بصمته المعهود.

 كان يعرف أن المدة المتبقية هي عشرة أيام لا غير.

كان يعرف بأنني أنقل الاثاث القابل للحمل والكتب بسيارتي بعد منصف الليل إلى منزل أهلي في طوز وأرجع في نفس الليلة كي ألتحق بالدوام.

كان يعرف لماذا بدأت ببيع أثاث بيتي سرا.

كان يعرف لماذا انكب على تصحيح الدفاتر الامتحانية كي أنتهي منها بسرعة.

كان يعرف ما هو بديلي إن لم يسعفني الجواز.

وكان يعرف أين تكمن العقبة الجديدة التي علمت بها في آخر لحظة.

كان آخر اتفاقية قمنا بها، خضر الدوري وأنا، للتوقيع على ورقة الذل، هي أن أذهب إليه يوم 3 شباط 1979 في غرفته برئاسة الجامعة، حيث كان قد أصبح مساعد رئيس الجامعة للشئون الثقافية.  كان من المقرر أن تقلع الطائرة التي يفترض أن أسافر بها، في منتصف ليلة 31/ 1 على 1/2/ 1979 . وهذا يعني أن أي تأخير عن اللحاق بهذا الموعد يؤدي إلى أن تسافر زوجتي وابنتي وحدهما وبقائي أنا في الوطن. أي الاختفاء ومحاولة الخروج من البلد عن طريق التهريب عبر كردستان. الأمر الذي يؤدي إلى المخاطرة والمغامرة ذي النتائج غير المعروفة.

 

مثل ملاك يهبط من السماء، نزل علي صديقي عبد الرضا علي بصمته وهدوئه، ولكن مأهولين بالهموم. كان يعرف أني قد أحكمت أموري، عدا عقبة واحدة ينبغي التغلب عليها. وأن هذه العقبة تحتاج إلى مساعدة شخص ثاني، قد يعرض نفسه إلى عقاب المنظمة السرية الصارم الذي لا يعرف الرحمة. العقبة إذا عبارة عن إيجاد كفيل، يتكفل أمر عودتي من الخارج بمبلغ 500 دينار. أبدى عبد الرضا استعداده لتحمل الكفالة. قلت له كيف سيكون الأمر عند عم عودتي إلى الوطن؟ إنك يجب أن تدفع المبلغ وتتحمل سطوة المنظمة السرية. قال بلهجة صارمة وصادقة:

"أنت لا ترجع، أنا مستعد أن أصعد المشنقة في سبيلك"

وكان أن وصلت مطار برلين- شونفيلد حوالي الساعة السابعة من يوم 1 شباط 1979 ، دون أن أنحني أمام العاصفة وذلك بفضل صديقي الناقد أ. د. عبد الرضا علي، البطل الصامت.

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم ا. د. عبد الرضا علي من: 17 / 8 / 2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1442 المصادف: 2010-08-17 07:23:35