تكريم الناقد ا. د. عبد الرضا علي

شهادات حية: عبد الرضا علي: في مديح المعرفة .. في مديح التهذيب ..

husan_sarmakينبغي أولا إعطاء كل ذي حق حقه . ويبدو أننا نفهم حتى أمثلتنا المتداولة بروح مازوخية صرف .. وهذه سمة من سمات الشخصية العراقية الراكزة .. فكل أطروحة في حياتنا نأخذ جانبها المعذِّب ونترك جوانبها المشرقة الإيجابية البناءة

.. من ملحمة استشهاد الحسين .. إلى لعبة كرة القدم . ومن أسوأ ما فهمنا جوانبه المازوخية المعتمة هو مبدأ " أذكروا محاسن موتاكم" فصرنا نركز على مناقب الجثث والمقابر وننسى حسنات الروح الحية المتحركة .. ولعل في تمزيق هذا الشعار تكمن القيمة الفريدة لمشروع مؤسسة المثقف العربي في الإحتفاء برموز الثقافة العراقية وهم أحياء .. بدلا من أن نشمر عن سواعدنا لاستذكار منجزاتهم وهم أموات رغم أننا غير صادقين حتى في هذا المنحى .. فلدينا شعار آخر مكمل عنوانه "الطاح راح" .. كما أن شدة انفعالنا على الراحل تحليليا تعني أننا لم نصدق أننا خلصنا منه .. فتحية لمؤسسة المثقف العربي ولمسؤولها العزيز الأستاذ " ماجد الغرباوي" ..

تعود علاقتي بالدكتور "عبد الرضا علي " إلى أكثر من ثلاثين عاما .. لكن الأقدار وظروف الحياة الجائرة لم تتح لي التواصل الحي والمباشر وغير المباشر (عبر الإيميل) معه إلا مؤخرا .. كان مدخل التعارف أولا معرفيا من خلال متابعة مؤلفاته الهامة .. وهي مؤلفات كان لها الأثر في أنها حفزتني للبحث في نواح مستترة من الموضوعات التي تناولها الدكتور عبد الرضا أولا .. وهذه قيمة البحوث المعرفية الجليلة في شتى الفروع .. أن لا تكون مادة للقراءة حسب بل أن تثير في ذهنك وأعماقك جوانب تدفعك إلى الغوص عميقا في ما يناسب منهجك وتخصصك وتطلعاتك التي تختلف قطعا عن منهج وتخصص وتطلعات من تقرأ بحثه . كانت الوقفة الثرة الأولى مع كتابه "الأسطورة في شعر السياب" الصادر عام 1987.. لقد تناول عبد الرضا علي هذه الموضوعة بصورة شاملة وتفصيلية وبصورة تختلف عن المعالجات السابقة للثيمة ذاتها .. توقف عند توظيف رمز عشتار والرموز الأنثوية الأخرى رغم أن بعضها مقحم على ثقافة السياب ومع ذلك – وفي التحليل النفسي – كان لها معنى عميقا .. ومن التناقض في توظيف هذا الرمز الأنثوي انطلقت لوضع كتابي (التحليل النفسي لرسائل السياب) الذي انبنى على موضوعة التضاد العاطفي التي ربطتها وحدة في الشعر والسلوك والرسائل ...

بعدها ، ومصادفة، وكل مقادير حياتنا تجري بالمصادفات والمقادير وقد تكون هذه أفعال قوى اللاشعور الخلاقة .. عدت إلى قراءة الكتاب ومعه كتاب اباحث (نائل حنون) في معالجة هذا الموقف المتضاد من الرمز الأسطوري نفسه .. وهو رمز عشتار .. والتناقضات التي حفلت بها مواقف الباحثين أنفسهم من رمز واضح ومعروف فانفتحت أمامي آفاق جديدة هيأتني دراستي المكثفة للموروث الأسطوري العراقي لوضع كتابي " تحليل أسطورة الإله القتيل – أسطورة نزول عشتار إلى العالم الأسفل) ..

ومن يراجع مؤلفات الدكتور عبد الرضا علي سيجد أن الكثير منها يحمل هذه القيمة .. الثراء المعرفي العالي وثقل المادة التي يعالجها .. في وقت صار همّ الكتاب خصوصا الأكاديميين ، وعبد الرضا علي منهم لكنه يتميز منهم ، حشو وخنق مؤلفاتهم بالمواد المترجمة التي لا يعرف القاريء العربي المسكين أصلها .. أتذكر اللقاء الأخير مع الراحل الكبير الدكتور (عناد غزوان) سأله الكاتب (حامد المالكي) لماذا حجوم بحوثك صغيرة؟ قال: لو كانت لدى الأخوة المصريين لأصبح حجم الواحد منها 600 صفحة .. أنا لا أحشو .. وعبد الرضا علي لا يحشو .. ويقدم مادة غير مكرورة وغير مبتذلة ..  .. وحتى المطروق منها (العروض مثلا) يأتي مطروحا من مقترب مغاير .. ومن منظور جديد .. العلم لا يأتي بأشياء جديدة .. العلم يقوم بإعادة تنظيم ما هو موجود أصلا .. ولجدة المعالجة نجد بحوثه تحظى بمناقشات واسعة أو باهتمام إجرائي مميز .. خذ كتاب العروض الذي أشرنا إليه .. لقد ترجم إلى اللغة الفارسية للتدريس في جامعة طهران ، وهذا ما يثلج القلب ويؤلمه لأن مغنية حينا تطرب الأحياء المجاورة في حين أن أهل حيها يسمعون ولكنهم صم لا ينطقون كلمة الحق ..  خذ كتابه الأخير (الذي أكلت القوافي لسانه) ولاحظ الكم الكبير من المناقشات والملاحظات التي أثارها .. والمقالات التي كتبت عنه .. وأتذكر أن هذا الأمر حصل مع كتابه الأول عن عبد الرحمن مجيد الربيعي (صدر في عام 1976) الذي كتب عنه الكثير الكثير لكن مقترب عبد الرضا علي كان متفردا .. 

باختصار أن الدكتور (عبد الرضا علي) هو ثروة معرفية عراقية .. ثروة عراقية أصيلة وغنية هجّت إلى بريطانيا لأننا أمة لا تعرف قيمة التبر الذي نسحقه مع التراب بلا رحمة وبلا تأثر فنحن نسحق أنفسنا ذواتها .. .. ثم أننا محقون لأننا نعمل وفق مباديء (محترمة) منها أننا ننتظر بصبر جسور ومديد لنتذكر دائما محاسن موتانا .. الله يعطيك الصحة عبد الرضا علي والعمر الطويل والإبداع المتجدد ..

أما من الناحية الإنسانية .. فقد كان اللقاء الأخير مع الأستاذ الإنسان الإنسان في مهرجان الجنادرية في الرياض هذا العام ولمدة عشرة أيام فرصة عظيمة لاستكشاف جوانب من روح وشخصية هذا المبدع .. مرة كنت في زيارة لمبدع عراقي كبير في دمشق .. وتناولنا السيرة الذاتية لبعض المبدعين وقلت : ( أنا أرى أن أي مبدع عظيم لا يكون قبل ذلك إنسانا عظيما تنثلم أجزاء كبيرة من عطائه وشخصيته ) .. فعلق الأستاذ المبدع قائلا : (فعلا قبل أن يكون الفرد مبدعا كبيرا .. يجب أن يكون أولا إنسانا كبيرا) .. وعبد الرضا علي من هذا النمط .. تغذي إنسانيته الكبيرة إبداعه .. وتنتعش به .. خذ أولا البساطة والتواضع .. عندما أراه يقفز إلى ذهني التعبير المأثور: السنابل الممتلئة تنحني ، والسنابل الفارغة تنتصب .. لكن للحياة أحكامها .. فالريح العاصفة عندما تأتي تكسر أولا ظهور السنابل الفارغة العجفاء في حين تبقى السنابل الممتلئة الراهية شامخة وآسرة .. لماذا تنحني السنابل الممتلئة أمام الريح ؟ يتساءل "أدونيس" ويجيب بروعة : تنني السنابل الممتلئة أمام الريح القوية لا خوفا ، وإنما لتدلها على الطريق !! .. وبتواضعه عاش عبد الرضا علي في قلوب أصدقائه وطلابه ومحبيه في كل مكان .. هجّ قبل ذلك إلى اليمن الشقيق وهنا أتذكر قصيدة المبدع (موفق محمد) : (لا تيأسنّ حسن .. دوّر خبز باليمن) .. .. كل سيرة عبد الرضا علي العلمية (في البكالوريوس والماجستير والدكتوراه وفي التدريس والبحوث) هي سيرة تميز وتفوق وإبداع متفرد تجعله عاصف النرجسية وماحقها .. لكنه حين تجلس إليه وتسمع نكاته (وهو ملك الطرافة والروح الساخرة) وإن لم تكن تعرف مستواه الأكاديمي ومنجزه ، فستعتقد أنك تجلس إلى إنسان بسيط وعادي وأخ حبيب لك تعرفه من سنوات طويلة .. أنا أرى أن هذه هي الميزة الكبرى لعبد الرضا علي .. لم يتردد أبدا – وأمام مجموعة منا - في استذكار أيام العوز المريرة وكيف يتقاسم الرغيف والفلس مع أصدقائه .. ومآزق الحاجة التي حاصرته حد الإختناق .. وكيف كان يعطي الدروس الخصوصية لأبناء العائلات في البيوت ومنهم أولاد المونولوجست الثائر الراحل (عزيز علي) .. يا إلهي ما أعظم أن تكون مبدعا مقتدرا وبسيطا .. ما أروع أن يكون الرجل الشجاع حييا كما يدعو رسول الله ... هذه لم نسمع بها أيضا ولم نترب عليها .. ولذلك يكون المقتدر والشجاع عندنا وقحا في كثير من الأحيان ..

عبد الرضا علي .. تحية للمعرفة ..

                              تحية للإنسانية ..

                                          تحية للتهذيب ..

                                     وكل عام وأنت والإبداع والعراق الجريح بخير ..     

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم ا. د. عبد الرضا علي من: 17 / 8 / 2010)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1442 المصادف: 2010-08-17 07:29:54