تكريم الناقد ا. د. عبد الرضا علي

قراءات في المنهج: قراءة في كتاب: " أوراق في تلقي النص الإبداعي ونقده" للناقد الأكاديمي الدكتور عبد الرضا علي

qusay_askarفي عام 1997 أجرت إحدى القنوات الفضائية مقابلة معي  قلت فيها بالحرف الصريح ليس لدينا ناقد كبير ماعدا الدكتور علي جواد الطاهر ويبدو أنني ذكرت اسم المرحوم الطاهر من باب الوفاء لجهوده

لأنني لم أكن مقتنعا أن في العراق ناقدا أبدع نظرية أومنهجا نقديا يمكن أن يعتمد عليه في جامعاتنا العربية أو على الأقل في جامعاتنا العراقية.

  لكني أقول هذه المرة بصراحة لو إن المقابلة أجريت معي الآن لوجدتني أجيب جوابا مختلفا لأن قناعتي بوجود ناقد عراقي مميز قد تغيّرت إلى حد بعيد، ولكنت اخترت هذه المرة الناقد المميز الموضوعي الدكتور عبد الرضا علي لسبب واحد هو إن النقاد الذين قبله كانوا جمعيين فنحن لاننكر موسوعيتهم وسعة اطلاعهم لكنهم لم ينظـِّروا لنا أو لم يكن بإمكانهم لسبب ما أو لأسباب عديدة أن يصوغوا لنا نظرية نقدية توازي المناهج الأوروبية في النقد لأن ماينشر في الجرائد والمجلات والدوريات وما يطبع من محاولات يمكن أن نصفه تحت عنوان خواطر نقدية ليس أكثر.

  إن القناعة التي آمنت بها - كما قلت - تغيرت تماما بعد اطلاعي على كتابين نقديين للكاتب الدكتور عبد الرضا علي الأول قبل سنوات عنوانه " نازك الملائكة" والثاني كتاب " أوراق في تلقي النص الإبداعي ونقده" الذي أستعرض اليوم  بعض أفكاره ومنها اكتشفت أن الناقد علي بصدد صياغة نظرية نقدية يمكن أن تكون منهجا مميز المعالم كي  يدرس لافي العراق بل في الجامعات العربية.

الفكرة الأولى التي طرحها الكاتب هي موضوع الحداثة وعّرفها بأنها منهج فكري من الحياة قبل أي شيء آخر، فالحداثة لاتتعلق بمسألة ظاهرية فقط ولاتعني استخدام الآلة  المتطورة فنحن شعوب العالم الثالث نستخدم التلفاز والكومبيوتر ونستقل السيارة ونقود الطائرة ونصنع بعض الأسلحة لكن هل يعني تعاملنا مع الآلة حداثة؟ أبدا لا لان الحداثة تعني التطور وفق رأي المؤلف وقد يكون تعاملنا مع الأدوات الناتجة عن التطور بسبب الحاجة لا الإيمان المطلق بالتطور ويلفت الكاتب نظرنا إلى أن الحداثة من مهامها أن تطرح أيضا تصورا جديدا للواقع الفكري.

  ومن أهم الاسباب التي دفعت إلى الحداثة أو الموقف الحداثي قضية الاستلاب الاستعماري التي وعاها الشاعر العربي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 فكأنه أراد بثورته على القافية الثورة على منهج فكري قديم فكأن المؤلف أراد بالتلميح أن يقول إن :- الثورة على الشكل الشعري القديم هي ثورة على التقاليد البالية  الخروج عن القافية هو خروج على الحاكم الفرد الدكتاتور

تغيير موسيقى الشعر تعني التناغم مع موسيقى العصر السريعة.

وحدة الموضوع بدلا من التشتت لأن التشتت يعني تشرذمنا مثل قصيدة قديمة.

  ثم يضع الناقد الدكتور عبد الرضا علي أمامنا المفردة أو الصيغة  التي ميزت كل شاعر، فالأسطرة كان السياب سباقا لها، والتقنية القصصية عند نازك والقناع عند عبد الوهاب البياتي، وهناك نقطة لفت إليها النظر هي تداخل الأصوات والأزمنة دراميا.

  ومن الأسس المهمة التي نـّظر فيها قضية المحلية والعالمية في الأدب. إنها لاتخضع للتطور العلمي والصناعي فقط، وقد لاحظت أن أهلنا العرب يتباكون لعدم حيازتهم على جوائز مثل نوبل ولتجاهل الغرب لأدب الشعوب العربية أسباب يمكن أن يلخصها التساؤل التالي

 هل  كوننا من العالم الثالث؟

هل حدث ذلك بسبب تخلفنا العلمي؟

  الدكتور عبد الرضا علي يذكر سببا مهما هو عولمة الغرب " فهي هيمنة مركزية لأيديولوجية معينة تستخدم سلطة التقانة الحديثة في فرض سيطرتها على العالم لاحتوائه بشتى الحيل، فارضة ثقافة الأقوى، وأفكاره على المنكفئين أو المغلوبين ثقافيا بعد إشعارهم بالدونية" ص 23 .

  إذاً هناك عامل مهم في نظرة الغرب إلى دونية أدبنا ألا وهو عامل التقنية وعامل الغلبة الذي يلحقه الغرب بالتقنية فاليابان أمة متطورة من ناحية التقنية لكن الغرب لايعرف عن آدابها شيئا مع أن الأدب الياباني أدب راق هنا يلحق الغرب اليابان بمفهوم الغالب والمغلوب  أما الصين وهي من الدول الآسيوية  المتقدمة تقنيا والغرب لايعرف عنها إلا مصطلح الكونفشيوسية فإنه يعتبرها من الدول التي لاتقدر أن تجاريه في الهيمنه لأن فلسفة الصين لاتعتمد على الهيمنة أما الدول الأوروبية الأخرى مثل روسيا التي سبقت دول غرب أوروبا في غزو الفضاء والوصول إلى القمر فهناك تجاهل لها مع أن الأوروبيين يحفظون أسماء كتاب روس مثل تولستوي وغيره  لكن تجاهلهم للروس مع معرفتهم الواسعة بالأدب الروسي تأتي من امتداد روسيا الآسيوي وعلاقتها بالشرق أكثر من الغرب.

  الأمر الآخر هو قضية تبني المصطلحات الجديدة الواردة من الغرب ويضرب لها مثلا بمصطلح التناص

  intertextuality

 وهو يعادل عندنا مصطلح توارد الخواطر ونضيف نحن أيضا مصطلح الانزياح في الأدب

Displacement  

ومعناه في اللغة العربية العدول ويرى الدكتور عبد الرضا أن اللغة العربية مادامت قد رسخت مصطلحاتها منذ القدم فلايجدر بنا أن نستبدلها من دون سبب.

  أما الموضوع الآخر المهم الذي أشار إليه في مجمل نظريته الأدبية فهو موضوع الترجمة، فقد ذكر أن الترجمة عرفت عند العرب منذ محاولات خالد بن يزيد ومن ثم تأسيس دار الحكمة والمترجمون العرب نقلوا إلينا عيونا من التراث الإنساني دون أن يشوهوا اللغة العربية لأنهم تعاملوا مع فن الترجمة من باب الاقتدار فانتبهوا إلى أن اللغة العربية تعتمد على الاشتقاق والنحت فتعاملوا مع هذين الفنين اللغوين بحذر واقتدار ويصنف الدكتور عبد الرضا أساليب  الترجمة إلى صنفين صنف مضطرب وصنف رصين والمضطرب هو القليل لكنه الأكثر ضررا باللغة وذوق المتلقي، ونؤكد نحن مقولة الدكتور الفاضل بمثل نسوقه من حياتنا المعاصره هو المخترعات العلمية الحديثة التي دخلت البلاد العربية قبل أكثر من مائة سنة مثل:

Train.... plane.... Fan.... electricity

 في ذلك الوقت كانت الأمية في البلاد العربية تصل إلى 99% لكن المجامع العلمية العربية وأهمها المصري والسوري والعراقي كانت ذات كفاءة عالية فوجدت مصطلحات معاصرة مقبولة مثل قطار وطائرة ومروحة وكهرباء أما حين تعجز عن إيجاد مصطلح مواز فإتها تبقي الكلمة كما هي مثلما أبقى المترجمون الأوائل على كلمات مثل فلسفة وكيمياء.

  الموضوع الآخر الذي ذكره الدكتور عبد الرضا هو قضية الرسائل في فصل" سيابيات". يبدو أن النقاد العرب تجاهلوا رسائل السياب فراح الدكتور الفاضل يفتش عنها ليدرس شعره من خلال رسائله ويحلل نفسيته وفقا لسطوره النثرية.

  هذه أمور مهمة ذكرها الناقد الجليل دخلت فيها ببعض التفصيل لأني وجدته يحاول أن ينظر للقاريء العربي وطالب الجامعة بمنج نقدي جديد نود أن يكمله والنقاط المنهجية الجديدة يمكن أن تكون كالآتي:

النظرية الأولى: تغيير المصطلح الأدبي العربي الموروث الحي أو المهمل... لماذا؟ ... متى يتم التغيير؟ ...مصداقية المصطلح الجديد وصلاحيته... امثلة على المصطلحات البديلة مثل التناص التوارد.

النظرية الثانيةك الترجمة مقارنة بين القديم والحديث. الشروط " بعضها أشار إليه الدكتور الفاضل في الكتاب نفسه.الأسس الموضوعية.موضوع الاشتقاق والنحت في الترجمة.

النظرية الثالثة: الشعراء من خلال خصوصياتهم المهملة مثل فن  الرسائلأو  مايروى عنهم." أستطيع أن أضرب مثالا على ذلك أني قابلت في دبي عام 1996 الاستاذة الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة - أطال الله عمرها - فسألتها عن قصة احتقارها للسياب فقد قرأت في أكثر من مجلة أن لميعة كانت تحتقر السياب الذي أحبها فقالت أبدا لم يحدث ذلك بل كنا يحترم أحدنا الآخر ويجله ويقدره- على فكرة لميعة العزيزة متواضعة جدا فكيف تقابل السياب بتكبر وعنجهية- وعندما سألتها هل كان يسميك لجمالك بالامبراطورية فقالت لم اسمع ذلك ربما ذكر ذلك من وراء ظهري، ووفقا لاحتقار لميعة المزعوم وهيامه بها كان أ كثر من ناقد يكتب عن عقدة السياب العاطفية في حين ظهر من خلال رسائل السياب المهملة أنه كان على علاقة عاطفية بشاعرة لبنانية وأخرى في فرنسا ص 88 ومابعدها.

  إن الناقد الجليل الدكتور عبد الرضا علي وضعنا أمام قضايا جوهرية وحساسة في الآن نفسه وأنا أطالبه أن يضع لنا منهجا نقديا جديدا نهتدي وفق اسسه العلمية الموضوعية  وهذا ليس بالمحال عليه لما يتمتع به من علم ومعرفة وحس نقدي موضوعي مرهف الأمر الذي جعله الناقد العرقي الأول والعراقي الناقد الذي يقف في مصاف النقاد العرب المقتدرين الكبار  أمثال أستاذنا القدير حسام الخطيب  وعبد الكريم اليافي ومحمد غنيمي هلال بعد أن كادت ساحة النقد العربية تخلو من ناقد عراقي كبير.

 

نقد وتحليل: د قصي الشيخ عسكر  

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم ا. د. عبد الرضا علي من: 17 / 8 / 2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1442 المصادف: 2010-08-17 08:48:48