تكريم الناقد ا. د. عبد الرضا علي

شهادات حية: بعد فراق ٍ دامَ أكثرَ من ثلاثةِ عقودٍ ونص

yaqub_alkamisi-  سيداتي وسادتي؛ نحن الآن على مقربة من مطار اسطنبول . الطائرة ستقوم بالهبوط، نرجو ربط أحزمة الأمان... شكرا .

جاء صوت المضيفة دافئا وناعما من خلال مكبرات الصوت في الطائرة ،

 باللغة البولندية أولاً تبعته باللغات التركية والانكليزية  . بعد قليل من الوقت، شعرنا بحركة استدارة خفيفة للطائرة . إذا ً بدأت الطائرة بالهبوط. نظرت إلى ساعة معصمي؛ إنها تشير إلى ما بعد الظهر.عليّ الانتظار في المطار التركي عدة ساعات لأركب طائرة أخرى تقلني إلى الرياض، العاصمة السعودية.  سنصل قبل الفجر  . منذ الصباح وحتى ما بعد منتصف الليل، سفر متعب من مدينة وارشو البولندية  إلى مدينة الرياض السعودية  لحضور المهرجان الوطني الخامس والعشرين للتراث والثقافة في الجنادرية / السعودية. لم أكن مشاركا في تقديم بحث في هذا المهرجان، بل كنت ضيفا ضمن الوفد البولندي الذي يضم أيضا زميلاً عراقياً وآخر مستشرقاً من أصل بولندي تخلف عن الحضور... هل يستحق هذا المهرجان كل هذا العناء، كنت أفكر مع نفسي جزعا تارة واقنع نفسي تارة أخرى بأنها فرصة لزيارة معالم العاصمة السعودية وسألتقي وأتعرف على مبدعين من بلدان مختلفة

بعد عدة ساعات انتظار مملة في مطار اسطنبول، صعدنا بتثاقل إلى الطائرة المتوجهة إلى مدينة الرياض. التعب  والملل جعلني أغط في نوم عميق فور جلوسي لفترة قصيرة على المقعد المخصص لي في الطائرة .  عندما استيقظت ؛ انحسر الضوء الذي كان يأتيني من شباك الطائرة بجانبي  تماما، فقد صار الوقت ليلا . حطت الطائرة في مطار الرياض ونحن نترقب الفجر بعد ساعتين. لم  اشعر بإجراءات الدخول وانتقالنا  إلى الفندق  مع  وفود أخرى كانت على متن الطائرة ؛ فقد ساعدتنا هيئة الاستقبال على انجاز كل هذه المهمات وإقامتنا في فندق أنيق وفخم  . لم أفكر سوى بمتابعة النوم ولم اعر أهمية لكراس صغير أنيق وزع علينا في الفندق، محل إقامتنا خلال فترة المهرجان كان صادرا عن رئاسة المهرجان وكان   يتضمن برنامجا للنشاط الثقافي والفكري، فضلا عن قوائم بأسماء أعضاء  الوفود المشاركة في المهرجان من دول مختلفة .

بعد وجبة فطور شهية في مطعم الفندق، التقيت بالشاعر فوزي كريم. كان يجلس    على اريكة       مريحة في باحة الفندق في الطابق الأرضي مع أخيه الفنان التشكيلي صادق. وفي المساء تعرفت  وبغبطة كبيرة، على الشاعر الكبير المبدع يحيى السماوي .

في غرفتي في الفندق أ اضطجعت على السرير وانأ أتصفح الكراس ذا الطباعة الأنيقة . كانت الأسماء العراقية  تتراقص مع أعضاء أكثر من وفد . توسعت حدقتا عيني وأنا اقرأ أعضاء الوفد البريطاني. انه هو صديقي بعينه، مكتوب هنا الدكتور عبد الرضا عليّ،  نعم انه هو صديقي بعينه انه عبد الرضا الودّي، ومر في ذهني شريط من الذكريات القديمة.....تعرفت عليه لأول مرة في إعدادية النضال الكائنة في محلة السنك في بغداد بين شارعي الرشيد والجمهورية غير بعيدة عن جامع الخلاني ذي المكتبة العامة  العامرة المشهورة  . كان شابا طويلا، رشيقا، إلى حدود النحافة، دمث الأخلاق، مرحا، محبوبا من زملائه ذا شخصية شفافة صافية كصفاء نظاراته الطبية.  في  تشرينات عام 1961  كان حضوره واضحا عندما اضربنا ليوم واحد اثر اغتيال مدير مدرستنا الشهيد ممدوح الالوسي.كان عبد الرضا آنذاك يدرس في الصف الخامس العلمي (الصف المنتهي في ذلك الوقت) .

ازدادت لقاءاتنا يوميا تقريبا في المساء، في مقر المركز العام لاتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية الكائن في الوزيرية . وكان هذا المقر زاخرا بخيرة الطلبة اللامعين المثقفين النشطين.

(أصبحت هذه النخبة ، في سبعينيات القرن المنصرم ،من رموز الثقافة والأدب في العراق) ومنهم ؛ الأديب والصحفي والمترجم المرحوم سامي محمد عبدا لله، والشاعر والأديب المرحوم طارق ياسين، والممثل الراحل عبد علي اللامي،  والمخرج السينمائي الراحل بسام الوردي والإعلامي والفنان التشكيلي عمران القيسي والفنان الكبير كوكب حمزة والفنان المبدع جعفر حسن والممثل طلال القيسي والشاعر الغنائي جودت التميمي و المسرحي عبد الأمير السماوي والصحفي سهيل سامي نادر، والممثل حافظ عارف وبالتأكيد عبد الرضا عليّ الودي وآخرون .

في ذات السنة تشكلت اللجنة الفنية للاتحاد ، يديرها الراحل سامي محمد عبدا لله ويساهم فيها كل من : عبد الرضا علي وعبد علي اللامي وطارق ياسين وإبراهيم خلف وفيصل الدراجي وطلال القيسي ومحمد مفلح سعيد الالوسي وسمير محمود خضر وحافظ عارف ونضال المهداوي وسميرة محمود خضر وكاتب هذه السطور وآخرون لم تسعفني الذاكرة بإيراد أسمائهم .

قدمت فرقة الاتحاد مجموعة لا بأس بها من المسرحيات، وخاصة ذات الفصل الواحد، نذكر منها : مسرحية المساكين  تأليف طارق ياسين وتمثيل عبد علي اللامي وإبراهيم خلف وفيصل الدراجي، ومسرحية دكتور في الريف /ارتجال/ تمثيل محمد مفلح الالوسي وعبد الأمير شندي وكاتب هذه السطور ومسرحية قيس وليلى في القرن العشرين للمرحوم شهاب القصب أخرجها وقام بدور البطولة / دور الوسيط / عبد الرضا الودي، ومسرحية المعذبون في البيت تمثيل ابراهبم خلف، ومسرحية ست دراهم ليوسف العاني وهي من إخراج عبد الرضا جرى الإعداد لها. وفي يوم العرض ألغيت بقرار من اللجنة الفنية لامتلاء ساحة الاتحاد بالمخبرين السريين . ومسرحيات أخرى كثيرة كانت من إعداد وإخراج عبد الرضا أكثرها ذات طابع نقدي هزلي ذات سخرية لاذعة يؤديها بأسلوبه الخاص المرح وموهبته العالية وكنت أشاركه في معظم المسرحيات، كان أيضا يساهم في بطولة مسرحيات ضمن فرقة نادي المهداوي الرياضي للتمثيل مع الفنان عبد علي اللامي . إحدى المسرحيات كانت من تأليف الممثل الإذاعي إبراهيم الهنداوي.

وجاء الانقلاب الأسود في الثامن من شباط، وتوقف النشاط الثقافي والأدبي والفني في العراق قاطبة، أسوة بالشلل الذي أصاب مناشط الحياة الاعتيادية الأخرى ؛ فقد اعتقل من اعتقل وسجن من سجن وعذب من عذب . وقد شمل هذا الوباء عبد الرضا أيضا وكذلك سامي محمد عبدا لله. وبعد شهور من هذه  الفوضى أفرج عنهما . وابتدأت السنة الدراسية (1963 / 1964) حيث ضمنا معهد  واحد هو معهد المعلمين . وكان هذا المعهد، ذو السنتين، هو الخيمة التي حافظت على حياتنا من نهش وحوش الحرس القومي .  قبلنا أيضا في القسم الداخلي للمعهد رغم كوننا من بغداد العاصمة.

 

في معهد المعلمين بالأعظمية

كان معظم طلبة المعهد من المدن الصغيرة والقرى القريبة والنائية وقسم آخر من محلات بغداد وأحيائها الفقيرة ؛ كان معهد المعلمين بالنسبة لهم الشاطئ المستقبلي الآمن، وهو كل ما كان يصبو إليه الشا ب  من هذه الشرائح الاجتماعية . كان المعهد بالنسبة لنا المحطة الآمنة ؛ فانه مصدر رزق  بعد سنتين فقط من الدراسة فمجموعتنا أيضا تنحدر من اسر فقيرة مسحوقة . لكن هذا المعهد لم يكن بالنسبة لنا قمة الطموح في حياتنا . اذكر مرة وبعد وجبة الغداء كنا أنا وعبد الرضا وشلة من زملائنا نجلس قرب باب القسم الداخلي للمعهد نحتسي شايا، كان يعده كهل يقتات من بيعه لنا ليعيل أسرته الكبيرة، افتقد اليوم طعم ورائحة هذا  الشاي ونكهته العراقية الخاصة .  في هذه الجلسة  قال عبد الرضا : (كم أتمنى أن ادرس الدكتوراه يوما ما .... أريد أن ألقب يوما  بالدكتور ....) فوافقه معظمنا وتمنى نفس الأمنية.

بعد قبولنا في معهد المعلمين والقيام بإجراءات الفحص الطبي والكفالة . ومن شروط الكفالة أن يخدم المتخرج سنتين على الأقل في التعليم الابتدائي؛ هي سنوات الدراسة. بعد الأسبوع الأول ظهر قرار  في لوحة إعلانات المعهد يشير إلى وجود أماكن شاغرة في القسم الداخلي وعلى الطلبة الراغبين في التسجيل في هذا القسم تمديد فترة الكفالة إلى أربع سنوات، وهنا عليهم أن يخدموا مدة أربع سنوات فألتحق بالقسم الداخلي معظمنا  وتأسست ردهة 8 وكان معظمها من بغداد  وقسم  منهم  (معرفة قديمة)  أنا  وعبد الرضا وطارق ياسين وعبد المنعم رياح الناصري وحربي عزيز . بعد شهر من إقامتنا في القسم الداخلي أصبحت ردهة 8 مشهورة جدا بين الردهات الأخرى فقد ضمت بين جدرانها الشعراء والموسيقيين والممثلين والرسامين والكتاب، وكان لطلبة هذه الردهة نشاطات متميزة مع طلبة معهد الفنون الجميلة الذين كانوا يشاركوننا المبنى. وكان بين هؤلاء الطلاب أيضا (معرفة قديمة) كوكب حمزة  وجعفر حسن وعبد الأمير السماوي وآخرون . وأصبحت لنا معرفة جديدة بكمال السيد طالب (الملحن المشهور فيما بعد) وعبد الحسين كامل (ممثل وخطاط ورسام) وكاظم  فارس (ممثل) وعلي رفيق توفيق  (مخرج سينمائي) ومحمود حمد (موسيقي) وآخرون .

لم تكن المواد الدراسية في معهد المعلمين صعبة، أو هكذا كنا نشعر، فلم نكن نخصص وقتا للمطالعة ومتابعة الدروس اليومية، ولذلك كان لدينا ساعات طويلة يوميا لابد من توظيفها للمطالعات الثقافية العامة، وكنا دائما نتباهى بمناقشاتنا ومتابعاتنا اليومية، كما أبدينا اهتماما كبيرا للنشاطات اللاصفية العملية كالرسم والموسيقى والتمثيل والنشر الأدبي بمجلة المعهد (معلم الغد). فقسم منا انخرط في حلقة الرسم تحت رعاية أستاذنا الراحل الفنان التشكيلي قاسم ناجي، وقسم انضم إلى دورة تعليم الموسيقى وبدأ يأخذ دروسا عملية ونظرية مع الموسيقي الفنان الراحل (أبو الأناشيد العراقية ، هكذا كان يسمى،) أستاذنا أكرم رؤوف وقسم آخر التحق في فرقة معهد المعلمين للتمثيل تحت رعاية أستاذنا الراحل الفنان وجيه عبد الغني ،  وقسم اخذ يحرر المقالات الثقافية والأدبية  لمجلة المعهد الفتية (معلم الغد) . تحت إشراف الأستاذ زكي الجابر . وقسم انتظم في إحدى الفرق الرياضية. كان كل واحد في مجموعتنا قد ساهم في أكثر من منشط وهكذا كان عبد الرضا ممثلا وكاتبا.

منذ مستهل العام الدراسي الأول تشكلت فرقة معهد المعلمين للتمثيل  وكان جل أعضائها من سكنة الردهة 8 في القسم الداخلي . قدمت هذه الفرقة منذ تشكيلها ولمدة سنتين أعمالا غير عادية من قبيل : مسرحية الخبز المسموم للكاتب العراقي جيان (قدمنا منها الفصل الأول فقط)، ومسرحية  لا قيمنه  لمكي العفون  وهي مسرحية معرقة عن مسرحية داء النسيان للكاتب الفرنسي ماكس رينيه، ومسرحية عنتر وعبلة في القرن العشرين للكاتب   باقر خضير، ومسرحية قيصر وكليوباترا لباقر خضير أيضا ومسرحية البكالوريا (لا أتذكر المؤلف) التي اختتمنا بها نشاطنا الفني لمدة سنتين، فكانت ضمن حفلة التخرج .بالإضافة إلى تمثيلية تلفازبة  واحدة هي  (ردهة  8) وهي من تأليف  عبد الرضا الودّي . كانت حفلاتنا في المعهد تتضمن أكثر من مسرحية، تتخللها استراحات فنية يعدها الزملاء في اللجنة الموسيقية وتشمل : قطع موسيقية بأشراف الأستاذ أكرم  رؤوف، يعزف فيها زملاؤنا  فاضل عواد (الفنان والدكتور المعروف، دخل المعهد بعدنا بسنة)  وطارق ياسين وضيفنا الدائم عليّ الإمام (من أئمة عازفي العود اليوم ، كان يدرس في إعدادية الأعظمية)  بالإضافة إلى كاتب هذه السطور. وفي واحدة من هذه الحفلات قرأ فتاح عبد اللطيف نشرة للأخبار؛ كانت على شكل شريط طويل. احتوت النشرة أخبارا ونقدا لاذعا لإدارة المعهد ولقسم من الأساتذة .

كانت مسرحية الخبز المسموم هي باكورة عملنا المسرحي في المعهد في السنة الأولى وكانت بالطبع من إخراج الأستاذ وجيه عبد الغني، وقد قسم أدوارها الرئيسية بيني وبين عبد الرضا            و   عرضت المسرحية لمدة ثلاثة أيام متتالية على مسرح قاعة المعهد. كان دور عبد الرضا  (شقاوة) يدير شركة شاحنات، ودوري كان احد سائقيه،وكان في احد المشاهد أن يصفعني عبد الرضا على خدي  بعد مشادة كلامية عنيفة بيننا وكنا قد تدربنا بشكل جيد أن اقوم بردة فعل قبل الصفعة وقد نجحت هذه الصفعة في عرضين اثنين نجاحا يبدو حقيقيا، خاصة  وأن عبد الرضا كان دائما يؤدي أدواره بحرفية عالية ، والمرة الثالثة جاءت ردة فعلي متأخرة قليلا فجاءتني صفعة قوية حقيقية ذات صوت واضح دار في القاعة الغاصة بالجمهور الصامت الذي يراقب الأحداث، فشق احد أسناني جدار الحلق الداخلي واخذ الدم يسيل من فمي، فما كان مني إلا أن استغل ذلك بالتفاتتي نحو الجمهور، فأنفجرالجمهور بالتصفيق لمدّة طويلة، حيث كان الجمهور يعتقد بأن هذه بدعة إخراجية بدم اصطناعي أبدعها الأستاذ وجيه عبد الغني . أكملنا المسرحية إلى النهاية بشكل طبيعي وحسب ما هو مرسوم للمسرحية، وعند إسدال الستارة أسرع إليّ عبد الرضا وقد قطب حاجبيه وشفاهه تتحرك بدون كلمات وهو ينظر إلى أرضية خشبة المسرح منزعجا قائلا  : (يعكوب  اني  آسف)  فضحكت على الفور قائلا: (لاتدير بال . .اني تأخرت بتوقيت الراشدي .المهم المسرحية نجحت .لا تدير بال) وبعد وقت قصير  انفرجت الستارة وتقدمنا خطوتين إلى الأمام لتحية الجمهور .

عندما رجعنا  في المساء إلى القسم الداخلي، بعد احد عروضنا المسرحية كنا نناقش المسرحيات بشكل عام من قبيل: أين  كانت الإخفاقات وأين المسائل الجديدة التي أضيفت للعرض بعد التدريبات وكان يشترك بالنقاش ا لجميع في ردهة 8، فانبرى  منذر زكريا بكر التكريتي (أكمل السنة الأولى فقط ثم التحق بكلية الشرطة) انبرى للنقاش ليغيض عبد الرضا وليوقع بيني وبينه قائلا : (كان يعقوب أفضل منك اليوم، وهو أفضل منك كممثل ) . فأجابه عبد الرضا بهدوء وببرود : (شيء أكيد .. وانأ اتفق معك أيضا) وأغلق الموضوع . هكذا كان منذ أول مرة عرفته كفنان متواضع جدا ولديه سرعة بديهة لحسم الأمور، وقد نقل هذا التواضع إلى سلوكيته كأستاذ وأكاديمي وباحث .

في بداية الدراسة في المعهد أخبرني عبد الرضا أنه تم تشكيل مجاميع فنية للتمثيل  أسسها  بعض الفنانين المعروفين  آنذاك  بعد إغلاق أغلبية  الفرق المسرحية  التي كانت تعمل  في فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، وشجعني للاشتراك معه في مجموعة للتمثيل (اعتقد كان اسمها : مجموعة المسرح الشعبي للتمثيل – وهي ليست فرقة المسرح الشعبي للتمثيل التي كان يديرها الفنان الكبير جعفر السعدي) كان يديرها الفنان مهند الأنصاري (عمل مخرجا إذاعياً  لفترة طويلة في إذاعة الكويت، ثم مخرجا سينمائيا في مصر) وكان يساعده في إدارة المجموعة الفنان عبد القادر الدليمي (الصحفي والإعلامي المعروف) . في هذه المجموعة عملنا معا شهرين أو ثلاثة وكان العمل يقتصر على التمثيليات الإذاعية. هنا ظهرت موهبة الودي بشكل مقتدر حيث أخذ يكتب الدراما الإذاعية، اذكر منها تمثيلية بعنوان: هي أغلى (وكانت باللغة العربية الفصحى) اذكر ذلك جيدا حيث جسدت إحدى شخصياتها بنفسي.

لماذا لم يدم عملنا الإذاعي هذا طويلا؟  في يوم من الأيام  ونحن خارجين  من استوديو التسجيل التقينا، صدفة، بأستاذنا وجيه عبد الغني ؛ حيث كانت فرقة مسرح 14 تموز منهمكة بأعداد إحدى تمثيلياتها التلفازية، فاستغرب قائلا: ماذا تعملان هنا ؟  فأخبرناه بعملنا الإذاعي هذا . عند ذلك قال لنا: (من الآن سوف تعملان في فرقتي...فرقة مسرح 14 تموز للتمثيل . .. عندنا   إن الذي يتقدم للانظما م  للفرقة نقبله للتجربة لمدة من ستة أشهر إلى سنة، أدواره تكون بالدرجة الأولى  كومبارس عندها يكون عمله مجانا، وإذا ما اثبت مقدرة في عمله بعد هذه الشهور نقبله ممثلا من الدرجة الثالثة وهذا طبعا يعتمد على نشاط الممثل واهتماماته ومتابعاته، وسوف يتقاضى اجراً حسب  درجته الفنية . ولكن بالنسبة لكما ولزميلكما فتاح عبد اللطيف سنقبلكم في الفرقة كممثلين من الدرجة الثانية و  أنا سأكون سعيداً بذلك).

سررنا جدا  لذلك ولأننا سوف نكسب نقودا جراء عملنا ... فمصروفنا الجيبي أصبح متوافراً ؛ إذا ما علمنا أن الفرقة تقدم عروضا أسبوعية، وفي شهر رمضان ستكون النشاطات التمثيلية ثلاث مرات في الأسبوع. في اليوم التالي أصبحنا أعضاء رسميين في الفرقة وانهمكنا في متابعة أدوارنا، وتركنا الذهاب إلى معهد الفنون الجميلة المسائي؛ كمستمعين، بطلب ساعد فيه الأستاذ وجيه عبد الغني، للحضور إلى دروس الأستاذ الراحل الحاج ناجي الراوي.اعتقد حضرنا مرتين أو ثلاث مرات هذه الدروس فقط.

استمر نشاطنا الفني والتمثيلي في معهد المعلمين بدون انقطاع ؛ ولم يؤثر عليه عملنا في التلفاز ضمن فرقة 14تموز،بل بالعكس  شجع هذا، مثلا، عبد الرضا، صاحب الطاقة التي لا تنضب والمواهب المتعددة،للعمل بنشاط آخر؛ فشرع بتأليف تمثيلية تلفازية  بعنوان (ردهة 8) . تدور أحداثها حول ردهة من ردهات القسم الداخلي وتعرض حياة ومشاكسات ود عابات الطلبة ولا تخلو من عقد نفسية لبعض شخوصها  . في البداية قدم الأستاذ وجيه عبد الغني هذا النص باسم فرقة معهد المعلمين للتمثيل إلى لجنة فحص النصوص في مديرية الإذاعة والتلفزيون لإجازته. فأجيز بسرعة غير متوقعة، ثم وزعت الأدوار على عبد الرضا وفتاح عبد اللطيف والمرحوم سامي محمد عبد الله  وموسى فنجان الساعدي وعبد الرزاق الحاج حسين وو كاتب هذه السطور .استمر التدريب يوميا،و في يوم العرض ألتلفازي  نقلنا ستة أسرة من ردهتنا  (هي أسرّتنا بأفرشتها)  في شاحنة صغيرة إلى ستوديو حيدر العمر (ستوديو البنكلة) في مبنى الإذاعة وبدأنا التدريبات مع الكامرة فالعرض سيكون مباشرا، لعدم وجود التسجيل بالفيديو آنذاك . في المساء عرضت التمثيلية .كان مستوى العمل جيد جدا، يدل على ذلك أن لجنة الصرف في دائرة التلفزة قررت صرف مبلغ يوازي ما يعطى للتمثيليات الجيدة . ذهبنا فرحين لاستلام المبلغ ولكن فوجئنا بإرساله إلى وزارة التربية حيث اعتبر عملنا كنشاط مدرسي , ورجعنا بخفي حنين .

كانت علاقتنا بأستاذنا المرحوم وجيه عبد الغني حميمة جدا. يعاملنا كإخوته ويعتز بنا كثيرا وكنا نشعر بهذا الدفء الذي افتقدته الأجيال الجديدة.فقد كان حريصا على تطورنا في شتى المجالات وكنا نريد أن نكون بمستوى هذا الاهتمام. فمرة قمت بتدريس ابنه قيس اللغة الانكليزية استعدادا للامتحانات العامة عندما كان في الصف السادس الابتدائي . أما عبد الرضا فكانت له حصة الأسد لرد الجميل، فقد اخذ على عاتقه تدريس معظم المواد لقيس ولأخته ليلى. وكذلك تلبية لطلب الأستاذ وجيه قام بتدريس أطفال المنلوجست العملاق عزيز عليّ ؛ سوزان  وايفون ونجله الراحل عمر الذي استشهد أثناء حرب الطاغية رئيس جمهوريّة الخوف .

خلال عملنا في فرقة 14 تموز، وبتشجيع من سكرتير الفرقة أستاذنا وجيه، مارسنا الكتابة في الصفحة الفنية من جريدة الأخبار التي يشرف  عليها بنفسه (رئيس تحرير الصحيفة   صبيح عبد الغني مصطفى المحامي شقيق الأستاذ وجيه) . كان ذلك بعد تخرجنا من المعهد وكنا أنا وعبد الرضا بالدرجة الأولى نتميز عن بقية أعضاء الفرقة بنشر المقالات الفنية النقدية المختلفة والومضات الساخرة.

قبل مستهل السنة الثانية لدراستنا في المعهد  اتفقنا، وكنا نلتقي يوميا في العطلة الصيفية في مقهى البلدية الكائنة في منطقة الميدان، اتفقنا أن نتأخر عن التسجيل في القسم الداخلي لمدة أسبوع، وكانت  هذه هي خطة عبد الرضا، لكي يسجلوننا في ردهة لوحدنا ؛ كي ننشط ونعمل بحرية أكثر وخاصة عندما، نعود في آخر الليل، بعد العروض التلفازية لفرقة 14تموز . ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان ؛ فقد صدر قرار بفصلنا من المعهد وإحالتنا إلى لجنة انضباطية منبثقة من مجلس المدرسين لمعرفة عدم التحاقنا . وبعد مواجهتنا لأسئلة هذه اللجنة، ألغي قرار الفصل بعد أن اتضح  لهذه اللجنة أن هوءلاء المفصولين هم من خيرة طلبة المعهد في كل المجالات . وبهذا نجحت الخطة  ووضعونا في ردهة صغيرة وحدنا . وكان ممن سكن في هذه الردهة الصغيرة : الراحل طارق ياسين والراحل عبد المحسن اطيمش وفتاح عبد اللطيف  وعبد الرضا وكاتب هذه السطور. أصبحنا في هذه السنة أكثر سعادة وفي هذه الردهة بالذات، فقد ازداد تأخرنا الليلي  ( بعذر رسمي طبعا لعملنا بفرقة 14تموز)، وازدادت مشاكساتنا ومقالبنا للآخرين ولبعضنا .

في نهاية السنة الثانية، نظمت ا دارة المعهد حفلة تخرج طلبة السنة الثانية عندها قدمنا مسرحية البكالوريا، وهي مسرحية هادفة ساخرة ذات فصلين، شارك في بطولتها عبد الرضا وفتاح عبد اللطيف وكاتب هذه السطور وساهم بالتمثيل في الأدوار الأخرى موسى الساعدي ويحيى اسماعيل المصري وعباس لفتة الاسدي وآخرون  و قدمت الفعاليات الموسيقية الأخرى بإشراف الراحل الأستاذ أكرم رؤوف . ثم بدأ توزيع الجوائز التقديرية للطلبة المتفوقين في مختلف المناشط . فما كان من مجموعتنا إلا أن تحصد معظم هذه الجوائز. وكانت حصة الأسد للمتخرج عبد الرضا علي؛ فقد حصل على الجائزة الثانية للمتفوق الثاني على جميع طلبة المعهد، وجائزة التمثيل، وجائزة التأليف المسرحي .  في نهاية تشرين الأول وبداية تشرين الثاني من سنة 1965م   تم تعيين الخريجين في مدارس بغداد الابتدائية. وبدأ عملنا في النهار كمعلمين وفي المساء استمر نشاطنا كأعضاء عاملين في فرقة مسرح 14تموز للتمثيل, وقدمت الفرقة عملا مسرحيا واحدا وكان النشاط مقتصرا بالدرجة الأولى على العمل التلفازي .

لم يكن معهد المعلمين هو قمة طموحنا العلمي، فما أن فتحت الجامعة المستنصرية  أبوابها للدراسات المسائية، بعد سنتين من تخرجنا من معهد المعلمين، سارعت مجموعتنا للالتحاق بهذه الجامعة التي كانت في ذلك الوقت جامعة أهلية . التحق الراحل سامي محمد عبد الله وعبد المنعم رياح الناصري وسعيد طه الدوري بقسم الأدب الانكليزي . وعبد الرضا عليّ والراحل  محسن اطيمش والفنان فاضل عواد وموسى فنجان والمرحوم عامر خزعل محسن (هو شقيق الأديب زهير الدجيلي والإعلامية فاطمة المحسن) سجلوا في قسم الأدب العربي، وفائق ياسين وعبد الحسين حبيب في قسم العلوم السياسية.و التحق كاتب هذه السطور بقسم التربية وعلم النفس .

لما كانت الدراسة في الجامعة مسائية ؛ فكان علينا أنا وعبد الرضا أن نلغي عملنا في فرقة مسرح 14 تموز للتمثيل كان ذلك في تشرين الأول من عام 1967 م  وقتها كانت الفرقة تجري الاستعدادات  لمسرحية  (الدبخانة)، حيث حرمنا أنفسنا من الاشتراك بهذا العمل .

بعد أربع سنوات من المواضبة على الدراسة تخرج الجميع وبتفوق ملحوظ، فها هو عبد الرضا علي الودي قد تفوق على الجميع فهو (الأول على دفعته) وانتقل مع زملائه إلى التعليم الثانوي، بل أصبح يعمل في أفضل مدارس العاصمة.  ونسب كاتب هذه السطور، وقتها، للعمل في مركز البحوث التربوية والنفسية في جامعة بغداد .

قلت لقاءاتنا في  مقهى البلدية، بعيد تخرجنا من الجامعة ، وكنا نلتقي من وقت لآخر في احد بيوتنا، وكانت هذه اللقاءات لا تخلو من عود الفنان كوكب حمزة وألحانه الخالدة التي عطرت  أجواء سبعينيات القرن المنصرم . كان آخر لقاء لي بعبد الرضا علي الودي في بيت المرحوم  سامي محمد عبد الله النقيب  في نهاية ربيع سنة  1974 م   وبحضور الفنان الراحل عبد علي اللامي وابراهيم خاف وآخرين . لم يكن وقتها كوكب موجودا فقد سبقنا للدراسة خارج العراق  . في نفس هذه السنة  سافر عبد الرضا إلى القاهرة للدراسة . وعندما عاد إلى العراق بعد نيله شهادة الماجستير في سنة 1977 م كنت قد سافرت إلى بولندة في نفس السنة لغرض الدراسة. وانقطعت الأخبار طيلة السنوات العجاف التي تلت .........

ألقيت بالكراس جانبا على الطاولة الصغيرة بجانب السرير في غرفتي  ونزلت إلى باحة الفندق ، سلمت على ياسين النصير وفاضل ثامر، وسألت صادق، الذي جاء ضمن الوفد البريطاني، فيما إذا كان الدكتور عبد الرضا عليّ قد جاء إلى الرياض ، فأشار الفنان صادق بيده قائلا : (انظر ها هو الدكتور عبد الرضا الواقف هناك، هذا الذي يتحدث مع الأستاذ يحيى السماوي)   . التفت صوب إشارة يده، توقفت برهة متأملا، متفحصا الطول نفسه، يبدو الجسم  ممتلئا قليلا، والجزء   المتبقي من شعره أصبح ناصع البياض . تقدمت منه حييته دون أن اعرفه بنفسي. أخذته جانبا وطلبت منه الجلوس. فسألني من اكن  ؟  فقلت له سنجلس هنا أولا   وسأعرفك بنفسي وبعد ذلك سنتبادل التحيات وسنبكي أيضا. في البداية لم يتمكن من التعرف عليّ؛ ربما لكوني تغيرت كثيرا وهذا الذقن والشعر الذي غزاه البياض. وعندما ذكرته عن معارفنا المشتركين وذكرته عن بعض الأسماء، صوب نظراته إلي، ثم انفتحت حدقتا عينيه بشكل أوسع بعدها فتح ذراعيه واحتضنا بعضنا وفعلا بدأت الدموع تسيل.

سررت جدا لوجودي في هذا المهرجان وهذا اللقاء يستحق العناء .لم نفترق إطلاقا طيلة إقامتنا في مدينة الرياض . وبدون ملل كنا نجتر ذكرياتنا التي طوتها العقود من السنوات. تذكرنا القصائد  الساخرة التي كنا نتبارى بنظمها باللهجة العراقية التي كنا نهجو بها بعضنا بعضاً،  وبحسرة تذكرنا الذين رحلوا عنا . المهم اننا قررنا ان نكون علي علاقة واتصال مستمرين . وأخيراً أقول إنَّ لقبه صفة تنطبق على شخصيته، فعلاقاته وديّة لأنه عبد الرضا عليّ الودّي.

.........................

* باحث أكاديمي عراقي في علم النفس التربوي وفي مجالات الأدب والثقافة والفنون يقيم في بولندة.

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم ا. د. عبد الرضا علي من: 17 / 8 / 2010)

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور يعقوب الخميسي المحترم .لقد قرأت مقالك كاملا يتحدث عن معاناة وأصرار ونضال أنساني من أجل الوصول الى الطموح في الحياة بكل الطرق السهلة والصعبه .وكذلك الذكريات الجميله التي مرة عليك وعلى أحبائك من أصدقائك وكيف كانت الحياة حلوة وجميلة بكل محتواها حيث كانت كل الاماني قابله للتحقيق عكس هذه الايام السوداء التي تمر علينا وبكيت وأنا أقرء أجمل الذكريات وبعد فراق عمر طويل التقيت برفيق عمرك وشبابك الاستاذ الدكتور عبد الرضا اللهم صحه دائمه وعمر طويل أن شاء الله وتحياتي لكم من العراق الجريح .

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1443 المصادف: 2010-08-18 13:27:03