تكريم الفنان شوكت الربيعي

الفنان شوكت الربيعي .. تحليل سيكولوجي

qassim_salihyكنت التقيت الفنان شوكت الربيعي أول مرّة بالعاصمة صنعاء  ربيع عام  1998 حيث كنت حينها استاذا زائرا بجامعتها، وكان معنا الأديب والناقد الكبير المرحوم الدكتور عناد غزوان،

 فتعارفنا وتسامرنا وأصبحنا صديقين عن بعد حيث كان هو في ايطاليا وأنا في العراق.

 

ولقد فكرت أن أبدأ مقالتي عنه بكتابة مقدمة عن الابداع الفني والفنان التشكيلي من منظور سيكولوجي فعزفتعن ذلك لثلاثة أسباب، الأول:أنّي كنت فصلّت في ذلك بكتابي (الابداع في الفن) الصادر عام 1982، والذي جرى تحديثه واعيد طبعه ثلاث مرات آخرها عام 2007، وكتابي (في سيكولوجية الفن التشكيلي) الصادر في عامي  (1999و2006) الذي حللت فيه أعمال وشخصيات ثلاثة  فنانين، بيكاسو وغويا وجواد سليم. والثاني: ان الموضوع مناسبة خاصة بتكريم فنان عراقي دعاني للمشاركة فيها مشكورا الأخ أبو حيدر مسؤول موقع المثقف. والثالث: أن أنحّي تأثير الصداقة وأكون موضوعيا .

 لهذه الأمور، فكرت أن اتحدث عن شوكت بما لا يتطرق له آخرون ..فعمدت الى أن أطبّق عليه اختبارين نفسيين بعثت بهما اليه عبر البريد الالكتروني، يستهدف الأول الكشف عن عمليات عقلية ، فيما يستهدف الثاني تقديم مؤشرات عن شخصية شوكت،  وطلبت اليه ان يجيب عليهما من دون (مزاغله)، ففعل ..على ذمته!..واليكم النتائج.

 

الاختبار الأول: عادات العقل

 يستهدف هذا الاختبار الكشف عن عادات العقل التي تعني نمطا من السلوكيات الذكية يتطلب عددا من المهارات مثل الاستفادة من التجارب السابقة والميول وحرية الاختيار واستخدام الأفضل والأكفأ من العمليات الذهنية ....

 المقياس مؤلف من (14) بعدا، وقد حصل شوكت على النتائج الآتية، علما بأنه ما كان يعرف الهدف من هذا الأختبار. 

     

البعد الأول: عادة المثابرة

وهى إحدى عادات العقل التي تأخذ مكانتها في صدارة العادات،  وتميز الأفراد الذين لا يقبلون الهزيمة،  القادرون على المواظبة وتكرار المحاولات من أجل الوصول إلى تحقيق الهدف،  الذين يضعون لأنفسهم استراتيجيات بديلة لا حصر لها لمواجهة القضايا الصعبة والأمور الشائكة،   وتشكل هذه العاداة واحدة من العادات الأساسية في عمل الذكاء وعمل العقل،  وهي شرط ضروري لبناء العقل النقدي المنفتح على كل الاحتمالات.

 ولقد حصل شوكت على 6,5 درجة من 7.

 وهذا يعني ان الأخطاء التي ارتكبها شكلت له حافزا نحو بذل المزيد من الجهد، وانه حين يفشل في تحقيق هدف معين  يسعى الى تحقيقه باستخدام وسائل أخرى.

  

البعد الثانى: التحكم فى الإندفاع والتهور

 تكشف هذه العادة العقلية عن قدرة الفرد على  إمتلاك قدراً من التأني والصبر،  والقدرة على تبنى وسائل واستراتيجيات محكمة تتفق وطبيعة الموقف المشكل،  والابتعاد عن التهور والتسرع والفورية فى إصدار الأحكام والاستجابات،  ومراجعة الذات بهدف الوصول إلى قرار نهائى حول الموقف المعروض.

 وقد حصل شوكت على درجة كاملة وكشف هذا البعد أنه متريث في افعاله وانه يأخذ وقتا في التفكير قبل ان يصدر قرارا .

 

البعد الثالث: الإصغاء بتفهم وتعاطف

 تعني  قدرة الفرد على الاستماع والفهم للرسالة التى يتلقاها،  مع نقدها فى إطار تحليل المضمون والمعانى،  والتعاطف مع وجهة نظر الشخص الآخر وفهمها،  فالإصغاء فعل نقدي تأملي وعمل ذهني معقد يتضمن كثيرا من الفعاليات والقدرات الذهنية.

  حصل على 5 درجات من 6 ..وهذا يعني ان شوكت يؤمن بأن رأيه صحيح يحتمل الخطأ، ويستمع للآخرين وينصت لهم، وأنه يتمتع بحس نقدي عال لأن الأصغاء فعل تأملي وعمل ذهني معقد يتضمن فعاليات وقدرات ذهنية من نوع خاص لدى الذين يتمتعون بهذه العادة العقلية. 

 

البعد الرابع: التفكير بمرونة

 تكشف هذه العادة العقلية عن قدرة الفرد على استخدام طرائق غير تقليدية في حل المشكلات ومواجهة التحديات،  واستخدام بدائل متعددة للوصول إلى حلول غير تقليدية.

 حصل على درجة كاملة في المرونة الفكرية اذ تبين انه يتعامل مع المشكلة بالطريقة التي تناسبها بعد ان يتأمل ايجابياتها وسلبياتها.ويبدو ان شوكت يختلف عن الفنانين المبدعين الذين يغلب على معظمهم التفكير الانفعالي فيما يغلب عليه التفكير الموضوعي، وقد يعود سبب ذلك الى أنه يمارس الكتابة ايضا.

 

البعد الخامس: التفكير المجرد/ التفكير حول التفكير(ماوراء المعرفى)

وتعني قدرة الفرد على التفكير فى العوامل والمسببات التى تكمن خلف أى ظاهرة تواجهه،  وتعرف  أنسب الطرق لمواجهتها.

 حصل على درجة فوق المتوسط في هذه العادة العقلية، فمع أنه يفكر في ايجابيات وسلبيات العمل الذي سيقوم به، ويستشير المقربين منه بخصوصه، الا انه لا يفكر بصوت مسموع ويحاور نفسه فيه بل يطبق ما تعلمه سابقا، ولا يفكر في تأثير عمله على الآخرين مكتفيا باستشارته المقربين.

 

البعد السادس: السعى نحو توخى  الدقة

وتعني القدرة على نقد الفرد لما يقوم به من أعمال بهدف تحقيق الدقة والجودة والرصانة.

 حصل على 5 درجات من 6 وتبين انه لا يهرب من خطأ ارتكبه بالانشغال عنه في عمل آخر بل يسعى الى تصحيحه، وانه يعمل على انجاز ما يكلف به على أكمل وجه.ويبدو ان شوكت من المؤمنين بأن ( خير الأمور أوسطها)..وفي هذا يختلف ايضا مع عدد من الفنانين المبدعين الذين يميل معظمهم الى التطرف في المواقف.

 

البعد السابع: التساؤل وطرح المشكلات:

تختص العادة العقلية هذه بقدرة الفرد على طرح أسئلة والدخول فى مناقشات وحوارات حول الموضوعات المختلفة،  ومن زورايا مختلفة،  وبرؤى متعددة،  مع وجود القناعه الكافية بأن الموضوعات المطروحة للمناقشة لها حلول متعددة وبدائل متنوعة يجب التفكير فيها.

 

 حصل على درجة عالية في هذه العادة العقلية التي كشفت انه دائم السعي لمعرفة ما هو جديد، وأنه لا يؤمن بوجود حقائق ثابتة بل أن الأمور لديه ثابتة نسبيا.

 l1

البعد الثامن: تطبيق المعارف الماضية فى أوضاع ومواقف جديدة

وتعني قدرة الفرد على تطبيق ما سبق تعلمه من خبرات ومهارات فى المواقف الجديدة بكفاءة وفعالية.

 يمثل الماضي عند شوكت نقطة البداية لتعرف الحاضر والمستقبل، وهو يميل الى استحضار خبرات سابقة في تعامله مع المشكلات الجديدة، ويرى في خبراته الفاشلة السابقة اساسا لتحقيق نجاحات تالية ..وقد حصل على درجة كاملة في هذه العادة العقلية.

 

 

البعد التاسع: التفكير والتواصل مع الأخرين بكفاءة

تركز هذه العادة على أهمية التواصل اللغوي،  وتكشف عن قدرة الفرد على الحوار والمناقشة،  واستخدام مفردات اللغة بدقة فى اقناع الأخرين والتواصل والتفاعل معهم.

 

 يرى شوكت في نفسه انه يستطيع توصيل افكاره بسهولة الى الآخرين، وأنه يستخدم لغة دقيقة وصحيحة .ومع انه حصل على درجة عالية في هذه القدرة العقلية الا أنه يواجه مشكلة مع الآخرين سنأتي على ذكرها لاحقا.

 

البعد العاشر: الاستخدام الأمثل للحواس

وتعني قدرة الفرد على استخدام حواسة المختلفة فى أكتساب المعرفة وفهمها.

كشف الاختبار أن شوكت كان من أيام دراسته يستخدم أكثر من حاسة في تعلمه، وعمل مبكرا على ربط المعلومات المتضمنة في المقرر الدراسي بما هو موجود في البيئة التي عاش فيها حفزته نحو استكشاف ما فيها بأكثر من حاسة، لاسيما المكان بدلالتيه الطبيعة والانسان في هذه الطبيعة، والتأثير اللوني لهذه البيئة، نجم عنها  تطوير وتهذيب لحواسه في عمليات التعلم المختلفةبخاصة دلالات المكان واللون..وقد حصل على درجة كاملة في هذه العادة العقلية.

 

البعد الحادى عشر: التصور، الابتكار

 هذه تعني محاولة الفرد إلى التوصل لحلول جديدة غير مألوفة للمشكلات التى يواجهها من خلال التمعن فى تلك المشكلات والنظر إليها من زوايا متعددة.

 حصل على درجة عالية في قدرته على الاتيان بأفكار جديدة ودرجة متوسطة في طرح هذه الأفكار .فهو يؤكد من جديد مبدأ (خير الأمور أوسطها) باعتماده حلولا وسطية ترضي كل الأطراف حين تواجهه مشكلة او عمل. وحين يصل الى حل بخصوص مشكلة ما لا يقدمه الا بعد عرضه على المقربين منه، مع أن لديه القدرة على طرح الأفكار الجديدة ولكنه حذر في طرحها ما لم تكن ترضي الأغلبية بمن فيهم متخذو القرار.

 

البعد الثاني عشر: الإقدام على المخاطرة المسؤولة

وتعني قدرة الفرد على مواجهة المواقف الغامضة من خلال بذل مزيدٍ من الجهد،  مع وضعه فى الحسبان النتائج المحتملة.

 حصل على درجة معتدلة، اذ يبدو أن شوكت ليس من النوع الذي يحب المخاطرة التي تقوم على الفردية فيما هو يميل الى مشاركة الآخرين للتغلب على المشاكل .ومع انه يتمتع بقدرة عالية على تحمل المسؤولية، الا ان المستحيل يمثل عنده عائقا امام تحقيق كل طموح.

 

البعد الثالث عشر: الدعابة والمرح أثناء التعلم

وهذه تختص بالكشف عن قدرة الفرد على تقديم نماذج من السلوكيات التي تدعو إلى السرور والمتعة والضحك أثناء عملية التعلم والعمل بهدف تيسر عملية الفهم وأكتساب المعلومات الجديدة.

 

يستخدم شوكت روح الدعابة والفكاهة المهذبة في تعامله مع الآخرين، ولا اعلم ما اذا كانت لغة الجسد (تعابير وجهه) تساعده على ذلك.. وبابتعاده عن السخرية من الآخرين حصل على درجة كاملة على هذا البعد فيما يخصه من طرفه هو لا الآخرين..بمعنى أنه قد يرى نفسه مرحا فيما الآخرون لا يرونه كذلك.

 

البعد الرابع عشر: التفكير التبادلي

وتعني قدرة الفرد على التفكير بإتساق وتواصل وتناغم  مع الأخرين،  مراعياً احتياجاتهم، ومتفاعلاً معهم من أجل التوصل إلى الطرائق والاستراتيجيات المناسبة للحل، مع تقبل ما يعرض عليه من أراء وافكار.

  حصل على درجة عالية في هذه العادة العقلية بميله الى تبادل الأفكار والآراء مع الآخرين وتعامله معهم بروح الفريق الواحد.. بعكس فنانين كثيرين حيث (الأنا) عندهم يكون متضخما.

 

لقد كشفت نتائج تحليل الاختبار عن أن  العادات العقلية المميزة لدى الفنان شوكت الربيعي تتمثل بالآتي:

المثابرة، التحكّم في الاندفاع والتهور، الاصغاء الى الآخرين بتفهم وتعاطف،  التفكير بمرونه، تجاوز حدود التفكير التقليدية الى التجريد والتفكير ما وراء المعرفي، توخي الدقة، التساؤل والحوار والمناقشة، تطبيق المعارف السابقة في المواقف الجديدة، التواصل مع الآخرين، الاستخدام الأمثل للحواس، ابتكار حلول غير مألوفة للمشكلات، تجنب المخاطرة والمجازفة، والتمتع بروح الدعابة والمرح..من طرفه هو.

 

 وفي ضوء هذه النتائج نتوصل الى استنتاجين:

 الأول: ان الأبداع بشكل عام والابداع الفني بشكل خاص يجب ان تتوافر في صاحبه عادات عقلية غير تقليدية.

والثاني: ان هذه العادات العقلية غير التقليدية توافر معظمها وبمستوى عال لدى الفنان شوكت الربيعي.

 

ثانيا :مؤشرات  شخصية

  استهدف مقياس آخر قدّم الى الفنان شوكت الربيعي تقديم مؤشرات بخصوص شخصيته كشفت نتائجه عن الآتي:

• ان اكبر نقاط ضعفه هو خوفه من المجهول وقد يدل هذا على انه يعيش حالة اغتراب نفسي.والخوف من المجهول اشمل من الخوف من المستقبل لأنه يتضمن ما يخبؤه القضاء والقدر.

• انه شخصية استرضائية، يحاول ان يرضي الجميع باختياره الحلول الوسط، وقد يسبب له هذا محاسبة قاسية لنفسه حين يختلي بها..يمكن أن يوظفها لاشعوريا في أعمال فنية تريحه نفسيا بآلية التفريغ الانفعالي.

• يعيش شوكت حالة تناقض بين فكرتين :فكرة الآخرين عنه بأنه شخصية انطوائية، وفكرته هو عن نفسه بأنه شخصية مرحة..ونترك للنقاد تقصي ذلك في أعماله الفنية.

• يعاني شوكت من صعوبة التوفيق بين حبه للآخرين وسعادته في ان يكون بين آخرين يحبهم، وخوفه منهم في الوقت نفسه، اذ تبين أن أكثر شيء يخاف منه هو (الانسان).. ولا أعلم ما اذا كان هذا مجسّدا في لوحاته التي فيها بشر.

• جانبان يغلبان على شخصية شوكت هما انسانيته وتعاطفه مع الفقراء والمعوزين وشعوره بالذنب انه لا يستطيع مساعدتهم، وحبه للعلم والمعرفة ليس لذاتيهما فقط بل أنه يرى ان الصديق الحقيقي هو المثقف الوفي.

• لا تشكل المرأة ولا الجنس عاملا قويا في ابداعه وليس لديه هوس بهما كما هما عند فنانين مبدعين عالميين (جوجان المولع برسم المكتنزات وبيكاسو المولع برسم الرشيقات، مثلا)، وفنانين عراقيين معروفين(ماهود أحمد مثلا، العمارتلي ايضا!).كما أنه يلوم النساء على أنهن مازلن يصدقن بانهن ماكرات.ولا أعلم ما اذا كان يرى أن الرجل أكثر مكرا منهن، أم أنهن، في نظره، ..ساذجات!.

 

نرجو ان نكون وفقنا فيما أوصلتنا اليه أدواتنا الاختبارية التي لم نضف لما كشفته عن فناننا الكبير الصديق شوكت الربيعي شيئا من عندنا، ولم أشأ أن أوظفها في تحليل أعمق، وما كان بمقدوري أن أطبقها على أعماله الفنية لأنني لم أطلع عليها، وقد يثبت صدقيتها المختصون بالنقد الفني.

 ومع ان هذه الدراسة التحليلة الأولية أضاءت جانبا من شخصية شوكت الربيعي وعملياته الفكرية، فانها تفتح الباب لدراسات أوسع وأعمق عن الفنانيين المبدعيين العراقيين بشكل خاص..مع خالص محبتي.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

رئيس الجمعية النفسية العراقية

العراق

10 / نيسان/2011

 

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1692 المصادف: 2011-04-24 07:07:30