تكريم القاص د. فرج ياسين

بين قهوة (ستاربكس) .. وشاي فرج ياسين / رشــا فاضـل

rasha fadel2المطر بعض هويتها ..

والبقية .. تقتسمها الاضوية المترامية على الأجساد

وهي تجوس المنعطفات المغسولة بالمطر .. متدثرة بعناق الاصابع على جوانب الشوارع الدامعة بأعاني فيروز .. ورائحة القهوة التي تداهمك في طريقك لإراقة أحزانك .. بين مقهى .. وآخر ..

 

النادل بثيابه الخضراء ينتصب بضحكته المعدنية وهو يناولني قدح القهوة التي ضاقت بها الفناجين فراحت تنسكب في أقداح بيض ..

 

- بدك شي تاني مدام ؟

-            شكرا

 

ويغيب كلانا في مرارة الآخر ..

الذاكرة لغم موقوت لانملك توقيت تشظيه .. لذا .. نشارك المطر التصاقه بزجاج المقاهي لأجده يسيل عن وجهي ... مياها مالحة مافتئت تتفجر ينابيعا .. من حنين وذكرى ..

 

المطر دافئ .. ويصر على انزلاقه على نوافذ الليل .. كما يصر قلبي على الانزلاق عن نافذة التذكر وهو يرقبني مزروعة في خضرة تلك الحديقة البعيدة ..

ينتصب قدح شاي حقيقي أمامي .. اشربه بنهم رغم معرفتي الباردة به..

 

مثل ناسكة.. ارقبه وهو يجلس أمامي ب (دشداشته البيضاء) وعيناه الصغيرتان تختبئان خلف نظارته .. وصوته الهادئ الحكيم يرحب بي ..

 

نتجاذب وجع المدينة وخيبتها ..

وأتذكر ماكتبه يوما عنها (تكريت هامشا .. تكريت متنا)

كنت أريد ان أقول له إن العنوان أوسع مما كتبه .. فهو . يصلح لان يكون فصلا في رواية او رواية قائمة بحد وجعها .. او .. لكني لم افعل ..

نتبادل أنخاب خيبتنا بأدباء اللحظة

. والذين يرتدون أحذية اكبر من رؤوسهم ..

 

ونستشعر صدقنا ببهاء فريد.. وسط دوامة الزيف ..

 

(ياله من شاي) !

 

اهتف له مأخوذة بسحر حضوره.. فيجلب لي قدحا آخر ..

 

يهب علينا نسيم ناعم .. يأخذ معه أسئلتي الحائرة التي ارميها في حضرة الحكيم فرج ياسين .. ليحيلها الى أجوبة بيضاء أعلقها على جدران الذاكرة المهترئة إلا منه ..

استرد يقيني .. برائحة الحبر ..

وانتشي برأيه فيما اكتب .. إذ يحدث ان يجتمع العالم في شخص .. تكتشف ولو بعد حين انك لم تكن تكتب الا ليقرأ .. ولم تكن تتحدث الا ليسمع ..

 

 

المطر .. الجميل يصر على الانزلاق أمامي وهو يرسم تعرجات تشبه أناقة البيروتيات .. المصرات على الجمال في كل وقت وحين ..

 

ينسكب إلي الدفء من عاشقان يختبئان في أحضان بعضهما ..

فنجان القهوة يبرد قبل ان أكمله لكني أكمل ارتشافه ببطء ..

لايشبه مطلقا ذلك النهم الذي هجمت به على قدح الشاي المقدس (كما يحب ان يسميه)

 

في حضرته .. كان الوقت يتآمر معي لأجلي حين تأخر الأصدقاء عن الحضور ..

لأحظى بعزفه المنفرد .. وهو يؤول لي .. اختلاف الأصوات وينزع الأقنعة عن المممثلين .. ويطفئ الضجيج بابتسامته الغائرة في سنواته البعيدة ...

 

تباغتني رائحة دخان مضمخة بجوز الهند ..

التفت خلفي لأجد احدهم وهو يعبّ من (أركيلته) بإدمان وانتشاء ..

 

فيغيب وجهه البعيد .. ووجهي المزروع في تلك الحديقة الصغيرة في ركنه الاخضر ..

 ولا أرى شيئا سوى الخطوط التي يرسمها المطر على النافذة ..

وهي ترسمه أمامي بإطلالة بيضاء ..

ولغة تقدس الغين ..

ومدينة معصوبة برائحة امهاتنا الطيبات ..

لاشيء يبزغ الا وجهه ..

يحمل قدح شاي يباغت بدفئة قهوتي الباردة ..

وملامحي التي تنزلق على زجاج النوافذ

 خيوطا من مطر ...

ودخان من حنين .

 

 

بيــروت – رشــا فاضـل

 

خاص بالمثقف

.................................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (عدد خاص لمناسبة تكريم القاص المبدع فرج ياسين اعتبارا من 14 / 4 / 2012)


تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2048 المصادف: 2012-04-14 02:21:12