تكريم القاص د. فرج ياسين

حبذا لو .. للثلج ذاكرة / بديع الآلوسي

farajyaseen7إلى فرج ياسين

إن مررت بقرية (لاشو)، سترى من بعيد شجرة الدردار الهائلة،

تحتها يمكث صليب من الزان المطلي باللون الأبيض . يحكي هذا الصليب قائلاً :

 (كل الأنهار إلى البحر والبحر ليس بملآن، إلى المكان الذي جرت منه الأنهار تعود راجعة .....) .

في ذلك المساء كان وحيدا ً، الثلج يتساقط بكثافة، بعد موجة البرد تجمدت البحيرات والأنهر، لبس جواربه الصوفية والمعطف الشتوي، ولم ينس القبعة الروسية، ما أن هم بالخروج حتى رأى العالم على حقيقته، تبعه كلبه، صرخ به: إحذر الموت .

الريح تصفع وجهه لكنه كان أكثر عنادا ً منها، رغم انه يعرف جيدا ً أًنَ الإنسان أضعف من بعوضة أمام  الطبيعة، إذا لم يحسن مجاراتها .

 وصل أخيرا ً قطيع الأبقار البيضاء التي دثر الثلج ظهورها، قال : يا للهول كيف تحملت قسوة البرد ! .

 لم يهدأ باله، راقب الثور الذي كان يرمقه بعينين دامعتين . أحس أن البشر ها هنا لا يمتلكون الرحمة الكافية .

قال أمس للوسي الغجرية : من لا يحترم الحيوانات لا يحترم البشر .

 

قرية لاشو منسيه لا يعثر عليها بسهوله في عالم الخرائط، إنها لا تحلم بشيء محدد هذه الأيام سوى بالمطر، لكن الثلج والسماء الرمادية يتحدان لولادة موت جديد، وبينما هو منغمس في فهم ما يحدث استولت عليه فكرة خشخشة الفئران التي غزت عنابر القمح كي لا تموت .

 أهالي لاشو ينتظرون منذ أسبوعين، ينتظرون تغير أحوال الطقس، ماتت سيدتان عجوزان وانتحر رجل، كما تجمد توماس الأعور وظلت قطعانه بلا علف .

 

وهو يفكر بكل هؤلاء الذين رحلوا والذين سيرحلون خطفت سيارة غريبة وأفزعته .

وصل  أخيرا إلى البحيرة التي تجمدت هي الأخرى وكسيت بالثلج الناصع، هنالك وجد اثأر أقدام لرجل وكلب قد جازفا  بالهو على ذلك السطح المتصلب، رونق البحيرة ليس كما هو، ربما لأن صفحة الماء لم تعد صالحة لعكس العالم الافتراضي، أحس أن الأشباح تحوم حولها ولم تعد حافلة بالحياة . كل ذلك قاده إلى أن يقول ساخرا ً لصاحبة الحانة : الشتاء ليس فصلا ً مثاليا ُ للتزاوج .

كان يقرأ الخوف من الهلاك في عيون الأبقار، إن الثور كان أكثر يأسا ً .

 لم يمكث طويلا ً عند البحيرة، كان أينما يولي وجه يصطدم ببياض الثلج الذي صار يهطل بكثافة ويهيمن على مفاصل المكان، الثلج لامس وجهه مولدا ً رعشة سرت في أوصاله.

قال لجارته الغجرية : في الجنة سيكون حالنا هكذا، ابيض مثل ...

قالت بلا أي تفكير : إذن، إني لا أريد الذهاب إلى هنالك، إنها تذكرني ....

 

الفلاحون المحليون لا يولون  اهتماما ً بحيواناتهم، ربما لأنهم  فقراء ولم يتلقوا مساعدات كافية تنتشلهم من هذا الحيف .

على الرغم من بؤسه لكنه أبتسم عندما تذكر صوتها وهي تقول له بود : صباح الخير مسيو جاك .

 حيثما مد بصره،  أحس بأن الموت  يلفه بردائه الأبيض، هذا الهاجس ادخله في قلق جديد، وخاف أن يموت متجمدا ً مثل توماس الأعور .

 

أسباب كثيرة تقنع الفلاحين في الانكفاء على الذات في هذا البرد الحارق، عجل الخطى عائدا ً خائفا ً من أن تتعثر خطواته وينزلق ولا يقوم .

قال للثور : حظك من الدنيا ان تمشي على أربع .

لم يفهم ما الذي حدا به  للخروج الأخرق في هذا السديم  الضبابي، حين رأى الشجيرات مثقلة بالثلج قال لها : أعرف أن الطبيعة ترفسنا جميعا ً وبلا رحمة .

المخيف انه لم ير الشحارير ولا السناجب ولا الماعز البري، التي اعتاد رؤيتها في جولاته السابقة، حينها  لم يعرف لماذا داهمه الحزن، تعثرت خطاه لكنه نهض وهو يردد : يا إلهي هل أهلكتها جميعا ؟ .

خيل له أن موت الأبقار سيتبعه هلاك آخر سيمتد ليطال كل الفلاحين الذين بلا تدفئة كافية، تصور أن الموت في لاشو يحاصر الزمان والمكان، لكنه حين تذكر الغجرية التي أنقذت أرانبها الأربعة، شعر بالفرح، لأنها قالت له : منذ أسبوعين وأرانبي تنام معي، يا لها من سعادة .....

لكنه  وقيل ان يودع الأبقار، قال للثور التعيس : ان سيدك حمار انتهازي، لا يخاف الله .

حث الخطى طلبا ً لقليل من الدفء، عاد راجعا ً لبيته محملا ً بوجع إضافي، وكأنه اكتشف للمرة الأولى عنف البشر .

بالأمس رأى في الحانة الأهالي يحتسون النبيذ الرديء . قال احدهم :مات متجمدا ً لأنه ...

سأل : عم تتحدثون ؟

ـ عن توماس الأعور .

وغص الجميع بالضحك ...

كلما تذكر أن صاحب الأبقار مات إثر نوبة قلبية  أو متجمدا ً على قارعة الطريق، تحفز وحث خطاه بحذر، متمنيا ً أن يصل بسلام إلى مكانه الآمن .

السكون والليل الأبيض يخيم على لاشو، ضحك من آخر هاجس، أفكاره المتقافزة ما فتئت بين الفينة والأخرى تقوده إلى أن ينادي السماء بصوت مرتفع  :

ـــ رحمتك يا رب.

بعض الفلاحين الحمقى  يظنون انه بلا أحاسيس وبلا أبقار وبلا عمل محدد .....

في قرية لاشو يخيم القنوط، فالكل هنا ينتظر المطر ....

لكنه ما أن وصل بيته وتدبر أمر النار حتى عادت الحياة تركض كنهر ضاحك  .....

  

بديع الآلوسي

لاشو ــ  فرنسا

شباط / 2012

 

 

خاص بالمثقف

 

.................................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (عدد خاص لمناسبة تكريم القاص المبدع فرج ياسين اعتبارا من 14 / 4 / 2012)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2048 المصادف: 2012-04-14 03:31:02