تكريم القاص د. فرج ياسين

أقاويل العراق كجزء من قصة العرب / محمد العبادى

farajyaseen1مع مجموعة "رماد الأقاويل" للكاتب العراقي "فرج ياسين" يجد المتلقي نفسه أمام كاتب متميز ومتمكن من أدواته،

هو كاتب يحمل خبرة ثلاث مجموعات قصصية سابقة على مدى أكثر من ربع قرن، بالإضافة إلى خبرة نقدية واسعة في النوع القصصي.

 

تتجلى خبرة "ياسين" في تعامله بحرفية كبيرة مع كل نص من نصوص المجموعة، سواء في اختيار اللغة أم صيغة الراوي أم شكل الحبكة، وهي الخيارات التي تتبدل تبعا لطبيعة كل نص، كذلك تظهر الخبرة في الوعي بترتيب نصوص المجموعة بشكل متميز، شكل يحافظ على العلاقة بين النصوص ليعطي المجموعة انطباع الكتاب المتكامل.

 

يستطيع القارئ الواعي أن يلاحظ أن هناك خواصا مشتركة بين نصوص هذه المجموعة "العراقية" وبين نصوص القصة العربية الحديثة بشكل عام، والمصرية بشكل أكثر تحديدا، من أبرز هذه الخواص: استلهام البيئة المحلية و التراث الشعبي، التعامل مع قالب الحكاية،الحنين إلى الماضي (النوستالجيا)،الاهتمام بالصراع العربي الإسرائيلي.. وغيرها.

 

وُفّق الكاتب في اختياره لـ" حافات السنين المدببة"(ص5) كنص افتتاحي للمجموعة، فقصة العجوز "روفة" وانتظارها لزوج غرق من عشرات السنين، هذه القصة براويها الطفل وجوها العام المحمل بالشجن والنوستالجيا هي أنسب مدخل لوضع المتلقي في الجو العام للمجموعة ككل، تميز الكاتب في إبراز البعد الشهواني المستتر تحت سطح الأحداث، وفي التحكم في إيقاع النص المتصاعد باتجاه الخاتمة المتميزة.

 

أما النص الذي منح اسمه للمجموعة "رماد الأقاويل" (ص13) فهو مثال واضح على المقصود بالخواص المشتركة للقصة العربية، فالنص قادم من نفس منطقة الكتابة التي أتت منها "سره الباتع" ليوسف إدريس و "حكايات الغريب" لجمال الغيطاني، في النص يحاول الراوي ورفاقه معرفة حقيقة ذلك الشبح العاري الذي كان يظهر في بلدتهم خارجا من النهر، وهل هو حقا صاحب "القبر الأخضر" أم لا، لكن يغرق الراوي في بحر من فانتازيا الحكايات المنقوصة والذكريات غير الواضحة، كان اختيار الراوي الأول لسرد النص ملائما للغاية لحالة اللايقين وذوبان الحقيقة بين الحكايات المختلفة – والمتعارضة أحيانا – التي يسمعها الراوي من سكان القرية والأغراب عنها.

 

كذلك " رعب القربى" (ص83) تتناول مضمونا يمس أغلب دول الوطن العربي، وربما دول العالم الثالث ككل، وهو العلاقة بين الحضر والريف، تظهر هنا في شكل مقارنة اجتماعية تظهر فرق المستوى بين الضيف الحضري و المضيف القروي، و على مستوى الرمز في المقارنة بين فتى المدينة ذو الإعاقة، و أبناء الريف الممتلئين قوة وحيوية. في هذا النص وعدد آخر من نصوص المجموعة ("ليلة صيد" مثلا) نجد أن أحداث النص قد تحدث في العديد من الدول العربية،ولا يحدد جنسية النص سوى بعض الكلمات العامية المستخدمة مثل: العرزال، الدشاديش، الكراكش... وغيرها، وهو ما يدل على إتساع أفق النصوص على المستوى الإنساني، رغم ارتباطها ببيئة العراق.

 

أما في"غدًا في الصدى"(ص32) فاستخدم الكاتب الراوي العليم و عن طريقه تمكن من أن يتعامل بشكل أكثر جرأة مع بناء القصة باستخدام " الحكاية داخل الحكاية" ليعرض داخل القصة الخارجية لحكاية رمزية قريبة من حكايات "كليلة ودمنة" مع عمل رابطة – عن طريق الطفل – بين البقرة في الحكاية الداخلية، والنخلة (وما لها من مجال دلالي واسع) في الحكاية الخارجية.

 

وقد استخدم الكاتب الحكاية بصورة مباشرة في "الأميرة والحائك" (ص43)، وهو النص الذي يبدو لأول وهلة حكاية أسطورية أقرب لحكايات الأطفال، لكن الحقيقة أن تحت الحكاية السطحية بلغتها البسيطة والجميلة، هناك أعماق للنص تحتاج لمن يسبر غورها، وربما كان من أهم المفاتيح التي تساعد على ذلك هو تلك " الآلة" الأسطورية التي وجدها الحائك، والتي يتشابه وصفها تماما مع البندقية بصورتها الحديثة.

 

وفي "سرداب الخفاش" (ص39)نجد الجرأة هنا في التعامل مع اللغة باستخدام السرد مع حذف علامات الترقيم "لإتاحة مقترب سردي يستوعب التداخل الحكائي"(ص42)، بالإضافة إلى ذلك السبب الذي ذكره الكاتب في هامشه كان حذف علامات الترقيم حتميا لطبيعة النص و ميله في اتجاه عرض "تيار وعي" الراوي.

 

و يأتي استخدام الرمز بشكل ساطع في "بيوت الأخوة العرب" (ص72) وهو النص الذي تميز بجرأة في المضمون و التناول، لكن كان استخدام الرمز مسرفا في وضوحه مما أوقع النص في فخ أحادية التأويل و سد أفقه الدلالي إلى حد بعيد، يظهر هذا في عنوان النص، وفي صفات الشخصيات، خاصة الفتاة التي سميت على اسم "مدينة البرتقال" التي فارقتها أمها "منذ النكبة".

 

إن "رماد الأقاويل" هي مجموعة قصصية متميزة لقاص أخلص لفن كتابة القصة القصيرة فأجاد فيها، واستطاع أن يكتب نصوصا تنطلق من عراقيتها لتتواصل مع إنسانية العالم.

 

محمد العبادى

مصر / الإسكندرية

 

خاص بالمثقف

.................................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (عدد خاص لمناسبة تكريم القاص المبدع فرج ياسين اعتبارا من 14 / 4 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2048 المصادف: 2012-04-14 05:59:58