تكريم القاص د. فرج ياسين

قصص فرج ياسين القصيرة جدا .. قصة أفواه انموذجا / جمال نوري

farajyaseen5عن دار رند للطباعة والنشر صدرت المجموعة القصصية (واجهات براقة) للقاص فرج ياسين

وهي تضم بين دفتيها قصصا تنوعت في آلياتها الفنية مما دعا  القاص إلى تقسيمها إلى ثلاثة أقسام سأتوقف عند القسم الأخير الذي كرسه لفن طالما أثار الحديث والاحتجاج في أواسط المثقفين والقراء ولست هنا بصدد الحديث عن هذا اللون السردي الذي وصفة جاسم عاصي بأنـــــــه (فن صعب) ولا بما ذهب بعض المنظرون حين وصفوه بأنه( جنس أدبي حديث يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة السردية الموجزة والقصديه الرمزية والتلميح والاقتضاب والتجريب والجملة القصيرة الموسومة بالحركيه والتوتر وتـأزم المواقف والأحداث  وربما كان فرج ياسين متفقا مع (ادجار الان بو) الذي اعتقد جازما إن للغة دورا مهما واساسيا في القصة القصيرة جدا لضرورة احتواء هذا الجنس على اللغة الشعرية إذ ينبغي إن لايكتب كلمة واحدة لاتخدم غرض الكاتب وربما اتفق فرج ياسين ايضآ مع (أج..تي ..يست) في كتابة القصة القصيرة الحديثة حين وصف همنجواني بـ (الرجل ذي الفأس الذي يقتلع غابة كاملة من الاطناب) ولهذا نجد إن القاص فرج ياسين يحرص اشد الحرص على اللغة ومستوياتها ودلالاتها الشعرية وربما كانت اجواء قصصه لاتخلو من هذا التوظيف العالي للمفردة وهي تؤدي دورها السردي المتنامي في حين تتوهج بإشعاعها الشعري الذي يضيء النص ويمنحه امتياز انتمائه إلى هذا الشكل السردي الذي بقي ضمن مساحة التجريب والتمرين التي اشتغل عليها القاص العراقي خاضعا لمزاجية وتوجس في الاشتغال على هذا اللون السردي الجديد .. وربما غاب عن الكثير ممن جرب الكتابة واستسهل ولوج هذا العالم الذي قد يوحي للوهلة الأولى بأنه مجرد مفارقة يبتكرها الكاتب وغاب عنهم أهمية اللغة التي أشار إليها القاص الراحل (موسى كريدي) مؤكدا على خطورتها القصوى حين يقول ( ومشكلة قصاصينا ايضاً أنهم لم يفهموا بعد عبقرية اللغة وطواعيتها، لم يدركوا ادراكا واعيا قدراتها على الأداء والتعبير)

ولعل ماجعل قصص فرج ياسين المشحونة بالشعرية إن تمتلك حضورها الإبداعي هي لغتها ألموثثة بوعي مبتكر من فهم اللغة ومعطياتها وسأتوقف عند قصتين برع فيهما فرج ياسين إيما براعة ففي قصة أفواه يستهل قصته بهذه الجملة (لم يفه بكلمة وهو يلج البيت) والصمت وحده يُشفر لأشياء كثيرة قادمة ستضيئها القصة لاحقا ولعل ما انطوت عليه جمله الاستهلال في هذه القصة تنسحب على معظم قصص فرج ياسين التي يفتتحها بجملة استهلالية زاخرة بالدلالات والمفاتيح التي ما إن يمسك بها القارئ حتى يستطيع بالتالي إن يلج إلى مغاليق النص ويمسك بخيوط السرد التي تقوده الى فهم حقيقي لواقع استطاع القاص بفنية بارعة إن يجسده وان يعلن في الوقت ذاته عن صوته المدوي في أدانة كل ماهو لاانساني ولاسيما الجوع الذي فتك بهذه الأسرة التي عجز معيلها عن  جلب القوت واستعان بالغناء عله يكون بديلا عن هذا الجوع الذي يطحن البطون ويحجر المآقي المستفهمة عن سر هذا الخواء واليباس، ولم يكن بوسع الرجل ذي القامة العصلاء إن يعيد بابتسامته المغتصبة شيأ من الحبور والحركة والحياة إلى الأفواه المتطلعة إلى ما يبعث في أوصالها دبيب الحركة والتواصل.. لقد مثل فرج ياسين في هذه القصة المكثفة التي اختزل عبرها الصمت وحده كل مستويات الاحتجاج والرفض عبر متابعة لأدق

 

التفاصيل التي أسهمت في تثوير النهاية الفجائعية وهي تؤكد عقم الحياة في هذا العالم المحاصر بالجوع والاستلاب والموت المجاني ..يرى اوجين يونسكو إن (كل أدب جديد هو عدائي :العدائية تمتزج بالأصالة وهي تقلق مااعتاد عليه الناس من افكار) وهكذا يصبح المعادل الموضوعي الرمزي عاملا محرضاً وفاعلا في الادانة والإشارة لما يريد القاص إن ينهض به ضمن بناء قصصي متقن، وفي قصة- أدران- يحاول تصوير موت الحوار وعقمه بين الرجل والمرأة وهنا ايضا ينتفي الحوار وتبقى المتابعة والملاحقة لحركات الرجل هي المقياس الذي يسجل به توتر السرد حيث يرتفع قدما نحو الذروة أو على وجه التحديد إلى الفضاء الاخير الذي يؤكد حرص الرجل على غسل كل الحجرات بالمياه بعد إن غسل العتبة والفناء والمرأب ولانه يدرك لاجدوى الحوار المبتور فأنة يلاحق خطواتها برشاش الماء ( بينما راح يتعقب مواقع إقدامها برشاش ثر وهي تدلف إلى الداخل ) هذا فضلا على اشتغال القاص على مدلولات المكان دخولا وخروجا وما أضاف على تفاصيلها من مواكبة درامية لتأزم وتنامي الحدث القصصي ومع إن هذه المتابعة لن تكفي في قراءة هذه القصص التي تحتاج بالتأكيد إلى منهج وإجراء استقرائي تحليلي لكل تفاصيلها  إلا إننا حاولنا إن نشير إلى بعض مواطن الإبداع والجمال في تجربة فرج ياسين الثرة أملين إن تكون هذه عتبه أوليه لقراءة إبداعاته وانجازاته القصصية المهمة

 

 

خاص بالمثقف

 

.................................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (عدد خاص لمناسبة تكريم القاص المبدع فرج ياسين اعتبارا من 14 / 4 / 2012)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2048 المصادف: 2012-04-14 06:16:20