تكريم القاص د. فرج ياسين

سحر اللغة وأفق الإبداع ..أنماط التناص في مجموعة: (ذهاب الجعل إلى بيته) القصصية لفرج ياسين( ) أنموذجا / عبد الله حسن جميل

farajyaseen5تتعدّد التقانات والأساليب الفنّيّة التي يتوافر عليها النّص الأدبي (الشعري منها والسردي)

على وفق الذائقة الفنيّة التي يتمتّع بها الأديب (صاحب النص الأدبي)، والمرجعيات الثقافية والفكريّة والأسلوب الأدبي الذي يتميّز بها الكاتب نفسه، وهذا أمر مرهون بحاجة النّص إلى مثل هذه التقانات والأساليب، ولعل القاص فرج ياسين لا يختلف كثيراً عن أؤلئك الأدباء الذين تميّزوا بثقافة عالية ورصينة وأسلوبٍ أدبيّ ينمّ عن فنانٍ كبيرٍ، صحيح أنّه مقل وأنّه من أصحاب الحوليات (إن صحّ التعبير) ولكنَّ حولياته هذه لا تخرج إلا بعد قناعة تامة ومراجعة دقيقة ومعايشة داخل نصّه القصصي، هكذا كان يقول لي دائماً، وبالفعل فإنّ قارئ قصصه يستطيع معرفة ذلك من خلال أعماله القصصية المتميّزة والمطعّمة بنكهة فرج ياسين الحكيم والمتّزن والثائر .

ما يتناوله هذا البحث هو الحديث عن أنماط التناص في قصص فرج ياسين وتحديداً مجموعته القصصية (ذهاب الجعل إلى بيته)، وقبل التوغّل في الحديث عن هذه الأنماط لابدّ لنا من الحديث عن التناص وتعريفه كي يتسنّى لنا السير في بحثنا على وفق خطوات ثابتة وراسخة ..

ظهر مفهوم التناص إلى الوجود في الستينات من القرن العشرين، بفعل التجديد الذي لحق الفكر النقدي في تلك المدة، ويعدّ هذا المفهوم من الأدوات النقدية الرئيسة في الدراسات الأدبية، ووظيفته هي تبيان الدعوى القائلة بأن كلّ نصّ يمكن قراءته على أساس أنّه فضاء لتسرّب وتحوّل واحد أو أكثر من النصوص (السابقة) في نصوص أخرى (اللاحقة) .

وتنطلق جوليا كريستيفا في تعريفها للتناص فتقول: (إنّ كل نصٍّ هو تشرّب وتحويل لنصوص أدبية أخرى) ([1])، وهذا معناه (أنّ كلّ نص هو بؤرة تناص أو مجمع تناصات) ([2] إذن فهذه الظاهرة قائمة على (المبدأ الحواري بين النص السابق والنص اللاحق) ([3] والنّص على هذا الأساس ليس مرجعية، وستكون مهمة القراءة منصبّة على تحقيق المرجعية … وكل نص له الحرية بالدخول في علاقة مع كل النصوص الأخرى .

إذن فقد أظهر  النقد الحديث التناص على أنه تأثير ويكون للنصوص السابقة دور المحرّض الرئيس نحو كتابة جديدة ومغايرة في صوتها الفني والإبداعي.

وحضور التناص في الأعمال الأدبية له ما يبرره شريطة أن لا يقع وقوعاً تاماً، وفي هذه الحالة يفقد النص رؤيته الإبداعية والجمالية ويظل – النص – اتباعياً مكرّراً، يفقد مصداقيته – كنص – له قيمته الإبداعية والجمالية .

وقد مرّ التناص في الأدب العربي ببدايات غنية تحت مسميات نقدية تناسب عصوره القديمة وعاد من جديد للظهور متأثراً بالدراسات اللسانية الغربية الحديثة كمصطلح مستقل له أصوله ونظرياته وتداعياته، وفيه – أي في الأدب العربي المعاصر – حظي مفهوم التناص باهتمام كبير لشيوعه في الدراسات النقدية الغربية نتيجة للتفاعل الثقافي وتأثير المدارس الغربية في الأدب العربي، وكانت دراسة التناص في بداياتها قد اتخذت شكل الدراسة المقارنة وانصرفت عن الأشكال اللفظية والنحوية والدلالية .

ومن الأمور التي يجب الإشارة إليها أنّ التناص (إمّا أن يكون اعتباطيا يعتمد في دراسته على ذاكرة المتلقي . وإما أن يكون واجباً يوجه المتلقي نحو مظانّه) ([4])، وهنا يعتمد على المقصدية التي يقع فيهـا المبدع، وفـي الحالتين فإنّ تمييز هذه الظاهرة يعتمّد (على ثقافة المتلقي وسعة معرفته وقدرته علـى الترجيح) ([5])، وهذي هي ثقافة القارئ المتميّز .

كما أنّ من الأمور  الأخرى المهمة التي علينا التنويه بها أنّ تعدّد أنماط التناص عند أديب معيّن يشير إلى تعدّد المرجعيات والمصادر التي استقى منها الأديب ثقافته، وهو أمر لا يتحدّد بزمن معيّن، وإنما قد يستمر طيلة حياة هذا الأديب، على أنّ الأمر لا يعدو مجرّد التثقيف فحسب، بل قد يتجاوز ذلك إلى تلوين الذائقة الأدبية وتهذيبها ..

الملاحظ على مجموعة (ذهاب الجعل إلى بيته) القصصية تعدّد أنماط التناص فيها، وهذا يشير إلى تنوّع المرجعيّات الثقافية فيها، ففي قراءة متأنيّة لهذه المجموعة القصصية نكتشف أنّ القاص فرج ياسين قد اتكأ على العديد من المرجعيات والمصادر التي تتحدّد بموجبها أنماط التناص، والتي ستنقسم على:

 

التناص الديني:

وهو النمط الأول والمهم الذي نكتشف سعة مساحته وحضوره على مساحة قصص المجموعة، والمقصود بهذا النمط هو استحضار الأديب لبعض القصص أو الإشارات الدينية وتوظيفها في سياقات النّص الأدبي لتعميق رؤية معاصرة يراها في النوع الذي يطرحه أو القضية التي يعالجها ([6])، ولعلّ السبب الذي جعل القاص يعود إلى هذا المصدر وبهذه السعة والانتشار هو عمق هذه الثقافة المترسّخة في دواخل ثقافة فرج ياسين، كما أنّ أهميّة هذه الثقافة بالنسبة للقارئ ضرورة لابدّ من الاهتمام بها والانفتاح من خلالها على القارئ، ومن نماذج هذا النمط قوله في قصّة (ذهاب الجُعَل إلى بيته):

(هيا يا برع أذكر اسم الله على رقبة هذه الذبيحة) ([7])

إذ اعتمد النص السابق على آية قرآنية كريمة وهو قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ([8])، غير أنّ القاص لم يوظّف النّص كما هو، وإنما التقط الإشارة الدينيّة المتوافرة في النّص الأصلي مستثمراً طاقاتها، ولعلّ في ذلك نوع من الإشارة إلى طبيعة الحياة التي يحياها الإنسان في المجتمع الذي ينتمي إليه القاص، واعتماد القاص على نصّ قرآني هو في حدّ ذاته نوع من البحث عن الرصانة اللغوية والفكريّة لما تتميز به اللغة القرآنية من إشعاع وتجدد، ولما فيها من طاقات إبداعية، تصل بين الأديب والمتلقي، بحيث تستطيع التأثير في المتلقي، على نحو مباشر يضاف إلى ذلك قابليتها المستمرة لإعادة التشكيل والصياغة  من جديد، بحيث يستطيع أدباء عدّيدون أن يستثمروا الآية الواحدة، لإسقاط مغزاها، أو شكلها، على أزماتهم الخاصة، لتعبر عن تجاربهم الفردية، من دون أن يلتزموا صيغة واحدة ([9]) إذ إن الأثر الديني واضح وجليّ في هذا النّص .

ولعلّ النّص اللاحق الذي ينتمي إلى قصة (ذهاب الجُعَل إلى بيته) أكثر جلاءً ووضوحاً:

(إنّ أرضة الموت تجد مكاناً آمناً تستوطن فيه لذلك فإنّها ستعمل بجد حتى تأتي على جسدي العجوز) ([10])

إذ يعتمد النّص السابق على قوله تعالى: (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته) ([11])، وهذه الآية الكريمة تتحدث عن قصّة نبيّ الله سليمان بن داود (r)، وقد استغل القاص بعض مفردات الآية الكريمة مثل (أرضة الموت، حتى تأتي على جسدي العجوز) مع شيء من التلاعب اللفظي موظّفاً إياها في سياق ثانٍ مختلف عن السياق القرآني الأول وهـو بهـذا الفعل استطاع أن (يفرز نصاً ذا بنائية ودلالية قرآنية) ([12])، ولعلّ هذا الأمر يُسجّل لصالح القاص، فقد نجح في أن ينقل الدلالة الأولى في السياق القرآني السابق التي تشير إلى معنى: (الموت الحقيقي)، إلى دلالة لغوية ثانية مختلفة تُشير إلى معاني: (اليأس، النهاية المؤلمة المتحققة ...) .

تتكرّر ملامح ظاهرة التناص الديني المتكئ على النص القرآني في المجموعة القصصية التي يشتغل عليها البحث، وذلك في النّص التالي من قصّة (ذهاب الجُعَل إلى بيته):

(ثم بصوت مرتفع تعمد أن يصل إلى مسامع هراط: اذهب إلى قماط الزوجية كما كنت تفعل منذ رسو سفينة نوح على الجودي، لكن هراط كان قد ابتعد) ([13])

إذ يمكن معاينة عبارة (رسو سفينة نوح على الجودي) التي تتشكّل ملامحها من النّص القرآنيّ في قوله تعالى: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) ([14])، فقد استفرغ القاص فرج ياسين التركيب السابق من نصٍ قرآني – كما بيّنا –، مستغلاً نوع التشابه بين النّصين، إلا أن المعنى في النّص القرآني يشير إلى اللقطة الصورية التي انتهت عندها قصّة السفينة التي ركب فيها نبي الله نوح (r) وهو معنى (الاستقرار)، بينما يُشير المعنى في نص فرج ياسين إلى معنى (القِدَم)، والفرق ما بين المعنيين واضح وجليّ، وهذا مما يُسجل لصالح الأديب، ولعلّ هذا التناص هو ما نسميه بـ (التناص الامتصاصي) وهو أن يقوم الأديب باستلهام مضمون نص سابق أو مغزاه أو فكرته، ويقوم بإعادة صياغة هذا المغزى أو المضمون أو الفكرة، من جديد بعد امتصاصه وتشربه، من أن يكون في النص الجديد حضور لفظي واضح، أو ذكر صريح للنص السابق ([15])، وهنا نستطيع القول أنّ النّص القصصي السابق قد اكتسب شرعيّته من المرجعيّة الدينيّة التي تمثّل مصدراً مهمّاً من مصادر الثقافة عند القاص فرج ياسين .

وفي النّص اللاحق من قصّة (هو الذي خسر كل شيء) فإنّ ظاهرة التناص مع النّص الديني تتكشّف من خلال توظيف المفردة القرآنية:

(ففكر عصام برنين قطع النقد المعدنية، بيد أنه لم يسمع شيئاً، ولم يبادر إلى الاحتماء حتى بعد أن أخذ الكهل يولي وجهه شطر المكان الذي كان يختبئ فيه بين الشجيرات، في الجانب الآخر من الحديقة) ([16])

إذ يلجأ النص السابق إلى آلية التناص مـن خلال توظيفه للمفردات (يولي وجهه شطر المكان) التي يتوافر عليها النص القرآني في قوله تعالى: (ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) ([17])، إذ تتشكّل الملامح الدينيّة للنص القصصي من خلال المفردات السالفة الذكر، ومع أنّ المعنى واحد في النّصين (القرآني والقصصي)، فالتركيب القرآني (فولّ وجهك شطر المسجدالحرام) يُشير إلى معنى ضرورة الاتّجاه إلى القبلة في حال الصلاة وهو ما يفعله المسلم عند كلّ صلاة، ويُشير التركيب القصصي (يولي وجهه شطر المكان) إلى معنى الاتجاه إلى وجهة معيّنة (المكان الذي كان يختبئ فيه بين الشجيرات، في الجانب الآخر من الحديقة)، فالمعنيان – كما نرى – متشابهان إلا أنّ القاص استطاع أن يجعل من نصّه الجديد متآلفاً مع السياق العام للقصّة وأن يجعله وحدة واحدة لا تنافر بين أجزائها .

ومن النماذج الأخرى لأنماط التناص الديني المتّكئ على النص القرآني قوله مـن قصّة (هو الذي خسر كل شيء):

(وكان الرجل الثالث يقف في الوصيد) ([18])

وقوله أيضاً من قصّة (الصبي):

(صاحت خالته التي كانت تقف في الوصيد) ([19])

إذ وظّف القاص مفردة (الوصيد) القرآنيّة في النّصّين السابقين، التي وردت في قوله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) ([20])، ومفردة (الوصيد) هنا – أي في النص القرآني والقصصي – تعني (الفناء)، ومع أنّ استخدام هذه المفردة محصور في القرآن الكريم والمعاجم اللغوية، فغالباً ما تستخدم لفظة (الفناء) بدلاً عنها إلا أنّ استخدامها هنا منحها نوعاً من الخصوصيّة والتألّق الذي يكشف عن نوعٍ من أنواع التأثّر والانفتاح على المرجعيّة الدينيّة التي تمثّل المصدر الأهم من مصادر ثقافة القاص في هذه المجموعة، بدليل كثرة النصوص المتّكئة على المرجع الديني .

ويأتي النّص اللاحق ليؤكّد ما قلناه وذلك في قوله من قصّة (هو الذي خسر كل شيء) الذي يأتي متأثّراً بالأسلوب القرآني:

(فقاطعه مغاضباً) ([21])

إذ استطاع القاص أن يلوّن نصه بالمفردة القرآنيّة (مغاضباً) التي وردت في قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه) ([22])، والمعنى ما بين الاستخدامين مغاير، إذ نجد أنّ المعنى في النّص القرآني يُشير إلى (المراغم التي تعني المهرب) فهو على هذا الأساس تعني الغضب مع عدم البقاء، بينما تأتي (مغاضباً) في النص القصصي لتعني (شدّة الغضب مع البقاء)، فالدلالة مغايرة بالنسبة للمفردتين في النّصّين السابقين .

أما في النّص اللاحق من قصّة (الصبي) فيتشكّل التناص من خلال حضور المفردة القرآنيّة مع تبايّن الدلالة ما بين النّصّين:

(لا تبرح مكانك هذا) ([23])

إذ وظّف القاص مفردة (لا تبرح) الواردة في قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين) ([24])، إلا أنّ الدلالة فـي النّص القرآني تُشير إلـى معنى (الاستمرار في السير والبحث)، بينما تُشير الدلالة في سياق القصّة إلى معنى (البقاء في المكان وعدم تركه)، ولعلّ الفرق ما بين المعنيين واضح وجليّ، وقد استخدمها القاص استخداماً ذكيّاً، إذ أنّه أضفى على نصّه نكهة دينيّة تؤكّد أهميّة هذا العنصر وحرف دلالة هذه المفردة إلى دلالات أخرى أوضحناها قبل قليل .

وفي النص اللاحق يعتمد القاص على العنصر الديني ولكن هذه المرة سيكون هذا المصدر الحديث النبوي الشريف وذلك في التاليّة من قصّة (ذهاب الجُعَل إلى بيته):

(كُلْ . مُدَّ يدك وسم باسم الله الرحمن الرحيم) ([25])

إذ اعتمد القاص في نصّه السابق على الحديث النبوي الشريف: (عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اجْلِسْ يَا بُنَيَّ وَسَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ قَالَ فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ أَكْلَتِي بَعْدُ) ([26])، فالنّص السابق محمّل بالإشارات والإيحاءات التربويّة النبويّة التي تهذّب النّفس وتحملها على ضرورة تحلّيها بأدب النبي (r) وأخلاقه، ولا شكّ أن القاص في هذا التناص يحاول لفت الانتباه إلى مكانة الضيف عند العربي وضرورة إكرامه، إنّ حضور النّص الديني وبهذا الحجم لدليل أهميّة العنصر الديني وأهميّته في قصص فرج ياسين بل على تصدّره لمرجعيّات القاص الثقافيّة .

وفي النّص التالي من قصّة (ذهاب الجُعَل إلى بيته) يتّكئ القاص على المصدر الديني أيضاً الذي يحمل فيه بُعداً رمزياً:

(أطلق الغجري ضحكة مجلجلة ثـم قـال: إننـي لا أساوي عند الشيخ عفتان جناح جرادة .)  ([27])

فقد اعتمد القاص في النّص السابق على الحديث النبوي الشريف الذي يذكر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مرّ (بذي الحليفة فرأى شاة شائلة برجلها فقال أترون هذه الشاة هينة على صاحبها قالوا نعم قال والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) ([28])، فالمعنى في النّصين الديني (الحديث الشريف) والقصصي يُشيران إلى معنى واحد وهو تدنّي قيمة الشيء، فالحديث الشريف يُشير إلى تدنّي قيمة الدنيا وأنها لا تساوي عند الله جناح بعّوضة، ويُشير المعنى في النّص القصصي إلى معنى تدنّي قيمة الغجري عند الشيخ عفتان وأنه لا يُساوي في نظره جناح جرادة، ولعل القاص في هذا النص قد وظّف المفردة الدينيّة ليؤكّد على أهميّة حضور المصدر الديني وتصدّره في ثقافة القاص على الأقل في هذه المجموعة القصصيّة .

 

التناص الأسطوري:

 تعد الأسطورة من المصادر المهمة التي يتكئ عليها الأدباء (لما فيها من طاقات تعبيرية واسعة، لا يمكن تأديتها عن طريق اللغة البسيطة المباشرة) ([29])، وعند مواجهتنا للمجموعة القصصيّة وجدنا عدداً من النصوص التي تنضوي تحت هذا النمط وابتداءً من عنوان المجموعة ذاتها (ذهاب الجعل إلى بيته)، والذي يُمثّل في الوقت ذاته عنواناً لإحدى قصص المجموعة، إذ يُشير هذا العنوان إلى الأسطورة الشعبيّة المنتشرة في أذهان أبناء المنطقة من أنّ الجُعَل ([30]) أراد أن يخطب (الشمس) فأبت إلا أن يطهّر الأرضَ من عفونتها ويُعيد إليها طهارتها (وهو شرطها)، فبدأ بالعمل على تنظيف الأرض وما زال منهمكاً بهذا العمل حتى وقتنا الحاضر .

وإشارة القاص في النّص اللاحق من قصّة (ذهاب الجُعَل إلى بيته) هي استمراريّة لتوكيد هذه الأسطورة الشعبيّة:

(ولاح جُعَلٌ من أقصى الجلسة، خارجاً من حافة الضوء، خلف الفانوس، مستعرضاً بخيلاء ملك كرته السوداء، هازاً أعطافه من دون توقف ونابذاً آثار أقدامه في ضوضاء العتمة، ذاهباً على الرغم من الجميع إلى بيته !) ([31])

ويحاول القاص أن يُكرر ذكر جزء من ملامح هذه الأسطورة من خلال التعرّض لذكر تفاصيل العمل المُلقى على عاتق (الجُعَل) وذلك في النّص التالي من قصّة (ذهاب الجُعَل إلى بيته):

(وجدتُ أنّ المكان الذي أقتعده الآن بينهم يصلح أن يكون المهجع المثالي مشترطاً لنفسي مقدماً بقاء الفانوس إلى جواري – فـي الأقل – لكي أستمتع برؤية الجُعَل وهو يخطر أمامي متباهياً بكرة الروث التي تكلّف مـن أجل إعدادها الكثير وهو يدحرجها ذاهباً بها إلى بيته) ([32])

إذ يذكر القاص شيئاً من تفاصيل الأسطورة من خلال الحديث عن العمل الملقى على عاتق هذه الحشرة وذلك من خلال عبارة: (ولاح جُعَلٌ ... مستعرضاً بخيلاء ملك كرته السوداء، هازاً أعطافه من دون توقف ونابذاً آثار أقدامه) في النّص الأوّل، وعبارة: (الجُعَل وهو يخطر أمامي متباهياً بكرة الروث التي تكلّف مـن أجل إعدادها الكثير وهو يدحرجها ذاهباً بها إلى بيته) في النّص الثاني، ولعلّ القاص في إيراده لهاتين العبارتين يحاول أن يُسدل الستار على هذه الأسطورة (فقد عاد الجُعَلُ إلى بيته منهياً مهمّته)، مع أنّه يكشف لنا وبوضوح أهميّة هذا المصدر الثقافي المهمّ من مصادر ثقافته .

أما عن الأنموذج التالي من نماذج التناص الأسطوري والذي يُمثّل عنوان قصّته الثانيّة (هو الذي خسر كل شيء)([33]) فمن الجلي انه أقام تناصا واضحا مع عنوان الملحمة العراقية (ملحمة كلكامش)، كما انه  يؤكّد  حضورها في النّص التالي من القصّة نفسها، وذلك في قوله:

(إنّ على ذلك الرجل أن يبكي بكاءً مراً حارقاً . مرة من أجل حياته الشقية، ومرة أخرى من أجل حياته الفاسدة، يبكي اليوم وغداً وفي كل حين، هو الذي خسر كل شيء، ولم يعد بحاجة إلى الاحتراز، وهو يقفز السياج، لقد دفنت خطواته الثقيلة كل أثر للرهبة، وديثت الأسرار الصغيرة في الوحول، غبرت بتفاصيلها البائسة، وامتصها الليل) ([34])

فقد خرج في القاص في الأنموذجين السابقين إلى فضاء أكثر شمولاً، إذ اتّكأ فيه علـى (ملحمة كلكامش) ومع أنّ العبارة المذكورة (هو الذي خسر كل شيء) تُشير في الملحمة إلى المصير الذي وصل إليه  (كلكامش) حين لم يبلغ الخلود ولم ينعم بصحبة انكيدو، إلا أنّها في قصّة فرج ياسين تُشير إلى مصير (الأسطة حميد)، ونحن نلمح الفرق ما بين الشخصيّتين، إلا أنّ القاص استطاع أن يُسقط ملامح الشخصيّة الملحميّة (كلكامش) على شخصيّته القصصيّة (الأسطة حميد) من خلال توظيفه للنّص الأسطوري السابق، وهو ما يُشير إلى حساسيّة هذا المصدر في تكوين ثقافة القاص .

ويستفيد القاص فـي النص التالي من المرجعيّة الأسطوريّة وذلك فـي قوله مـن قصّة (الصبي):

(فأخلى القطة الصغيرة ودخل في الجدار . أصبح الجدار زجاجة، وبقي هناك يرتجف، ويبكي ثم تحوّلت القطط الثلاث السود إلى ثلاث ضفادع بلون العشب أخذت تنق وتقفز، حول المجرى الآسن الذي في وسط الزقاق .. بينما تحولت القطة الأم إلى امرأة، تحمل صفيحة ملأى، وتذهب لتسكبها من فوق الجرف فثار غبار كثيف، تدلت خرق قديمة وأشياء أخر بعضها خفيف أخذ يتأرجح قبل أن يتم سقوطه .. ولما عادت فأقبلت رآها وهي تنظر إليه غير أنها لم تتعرف عليه، وهو في داخل القمقم الزجاجي لكنه شم أناملها فوق أنفه) ([35])

فالملاحظ لهذا النّص سيتبيّن وبشكل واضح وجليّ عمق الأثر الأسطوري في النّص السابق، فقد استفاد فيه القاص من الأسطورة في رسم أحداث وملامح القصّة التي تعتمد اعتماداً كليّاً على عنصري الغرابة والخيال، فعبارات (ودخل في الجدار) و (أصبح الجدار زجاجة) و (تحوّلت القطط الثلاث السود إلى ثلاث ضفادع بلون العشب أخذت تنق وتقفز) و (بينما تحولت القطة الأم إلى امرأة) و (وهو في داخل القمقم الزجاجي) كلّ هذه العبارات تؤكّد توافر العنصر الأسطوري وتغييره لمجرى السياق النّصّي للقصّة إلى سياق أسطوري بحت .

في النّص اللاحق من قصّة (الصبي) يتكرّر الفعل التناصيّ المتّكئ على المرجعيّة الأسطوريّة وذلك في قوله:

(إذ انخرمت فيه كل قصص الرعب التي اختزنتها منذ طفولته الباكرة، قصص عن الأشباح والسعالي، التي جعلت من حَمَار الشيقا مسكناً لها) ([36])

إذ ينفتح النّص السابق على التلميح بعمق المصدر الأسطوري وأهميّته في النّص القصصي من خلال إيراد التركيب اللغوي: (قصص عن الأشباح والسعالي، التي جعلت من حَمَار الشيقا مسكناً لها)، و (حمار الشيقا) هذا هو اسم لمكان كان الناس في مدينة تكريت التي ينتمي إليها القاص يظنون أنّ الأشباح والسعالي كانت تسكن فيه، ولعلّ توظيف القاص لهذه العبارة منح النّص نوعاً من الخصوصيّة المناطقيّة في حصر وجود السعالي والكائنات الأسطورية بموضع معيّن وهو (حمار الشيقا) .

 

التناص الأدبي:

وهو أحد المصادر المهمة التي توجّه إليها الأدباء العرب بوصفها مصدراً غنيّاً قياساً إلى الثروة الشعرية والنثريّة العربيّة التي خلّفها السلف من الأدباء على مر العصور، ونعني بالتناص الأدبي هو تداخل نصوص أدبية مختارة قديمة أو حديثة شعراً أو نثراً معنص القصيدة الأصلي بحيث تكون منسجمةوموظفة ودالة قدر الإمكان على الفكرة التييطرحها الأديب .

ومن النماذج التي وجدناها لهذا النمط قوله في قصّة (ذهاب الجُعَل إلى بيته):

(حانت مني التفاتة إلى جهة اليسار، فتبقّى في خاطري شيءٌ من رفيفٍ منفعلٍ لنباتات الحلفاء حول الساقية، حيث بزغ جرم أسفع مستدير مثل رغيف) ([37])

إذ تستحضر القراءة التناصية أبياتا شعريّة لابن الرومي:

مـا أنسَ لا أنسَ خبازاً مررتُ به          يدحو الرُّقاقةَ وشكَ اللمحِ  بالبصـرِ

مــا بين رؤيتها فـي كفه كرةً          وبين رؤيتهـا قــوراءَ كالقمــر

      إلا بمقــدارِ مــا تنداح دائرةٌ          في صفحة الماء يُرمَى فيه بالحجـر ([38])

فقد وظّف القاص الأبيات الشعرية السابقة مكثّفاً إيّاها في الجملة القصصيّة (بزغ جرم أسفع مستدير مثل رغيف)، ولا شكّ أن هذا الأمر يُشير بل يؤكّد ما ذهبنا إليه من أنّ المصدر الديني هو أهم مصادر القاص ومرجعياته الثقافيّة، ومن الملاحظات المهمّة في هذا التناص والتي يجب علينا الإشارة إليها هي أنّ القاص قد قلب التشبيه هنا فشبّه الجرم السماوي بالرغيف مع أنّ ابن الرومي في أبياته الشعرية السابقة قد شبّه الرغيف (الرُّقاقةَ) بالجرم السماوي (قوراءَ كالقمر) .

إنّ المجموعة (ذهاب الجُعَل إلى بيته) القصصية تنفتح على مجموعة من الأسئلة التي تُستجوب من خلال التأشير على عددٍ من النصوص التي اعتمدت على مرجعيّات ومصادر ثقافيّة متنوّعة ومن ثمّ تحليلها للوقوف على حقيقة (أن النص يتشكل من نصوص سابقة أو معاصرة حتى يغيب الأصل غيابا ً لا يدكه سوى أصحاب الخبرة) ([39])، وأنّ القاص في نصّه الجديد يحاول استثمار طاقات النّص القديم على النحو الذي يصل بالنّص إلى أعلى مستويات الفن .

الأمر الآخر أنّ المرجعيّة الدينيّة تتصدّر جميع المرجعيّات الثقافيّة من حيث مساحة انتشار النّصوص والمفردات التي تُشير إلى المرجعيّة الدينيّة في نصوص مجموعة (ذهاب الجُعَل إلى بيته) القصصيّة التي قامت عليها الدراسة، ويليها المرجع الأسطوري، وأخيراً يأتي المصدر الأدبي .

 

م.د. عبد الله حســن جميل

جامعة تكريت / كلية التربية

للبنات / قسـم اللغة العربية

  

..................

الهوامش المصادر:

 [1])) علم النص ، جوليا كريستيفا : ترجمة : فريد الزاهي ، دار توبقال ، الدار البيضاء المغرب ، ط1 ، 1991 : 21 .

[2]))جماليات الشعرية ، د. خليل الموسى ، مطبعة اتحاد الكتاب العرب ، ط 1 ، دمشق ، 2008 : 328 .

[3]))مصطلحات النقد العربي السيمياءوي – الإشكالية والأصول والامتداد – ، د. مولاي علي بو خاتم ، مطبعة إتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2005 : 189 .

[4])) تحليل الخطاب الشعري ( إستراتيجية التناص ) ، د. محمد مفتاح ، دار التنوير للطباعة والنشر ، ط 1 ، الدار البيضاء ، 1985 : 131 .

[5])) المصدر نفسه : 131 .

[6]))ينظر : التناص .. نظرياً وتطبيقياً ، أحمـد الزغبي ، مكتبـة الكتاني ، ط 1 ، إربـد – الأردن ، 1995 : 106 .

[7])) ذهاب الجعل إلى بيته ، فرج ياسين ، رند للطباعة والنشر والتوزيع ، ط 1 ، دمشق ، 2010 : 17 .

[8]))القرآن الكريم ، سورة الأنعام ، الآية : 121 .

[9]))ينظر : التناص بين النظرية والتطبيق : شعر البياتي أنموذجا ً ، د. أحمد طعمة الحلبي ، منشورات الهيأة العامة السورية للكتاب ، ط 1 ، دمشق ، 2007 : 100 .

[10]))ذهاب الجعل إلى بيته : 55 .

[11])) القرآن الكريم ، سورة سبأ ، الآية : 14 .

[12]))ورقة نقدية بعنوان : النص – المرجـع – الإشـــــارة ، مشتاق عباس ، الطليـعة الأدبيـة ، العـدد 3 ، السنة الثالثــة ، بغداد 2001  : 101 .

[13]))ذهاب الجعل إلى بيته : 57 .

[14])) القرآن الكريم ، سورة هود ، الآية : 44 .

[15]))ينظر : التناص بين النظرية والتطبيق : شعر البياتي أنموذجاً : 191 .

[16]))ذهاب الجعل إلى بيته : 69 .

[17])) القرآن الكريم ، سورة البقرة ، الآية : 150 .

[18]))ذهاب الجعل إلى بيته : 69 .

[19])) المصدر نفسه : 109 .

[20])) القرآن الكريم ، سورة الكهف ، الآية : 18 .

[21]))ذهاب الجعل إلى بيته : 78 .

[22])) القرآن الكريم ، سورة الأنبياء ، الآية : 87 .

[23]))ذهاب الجعل إلى بيته : 102 .

[24])) القرآن الكريم ، سورة الكهف ، الآية : 60 .

[25])) ذهاب الجعل إلى بيته : 44 .

[26])) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ، تأليف : محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط ،: مؤسسة الرسالة ، ط 2 ، بيروت ، 1414 هـ - 1993 : 12 / 9 .

[27]))ذهاب الجعل إلى بيته : 55 .

[28])) المستدرك على الصحيحين ، محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري ، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا ،: دار الكتب العلمية ، ط 1 ، بيروت ، 1411هـ -1990م : 4 / 341 .

[29]))التناص .. نظرياً وتطبيقياً: 85 .

[30]))حشرة سوداء معروفة تدحرج كرة روث سوداء .

[31]))ذهاب الجعل إلى بيته : 40 .

[32])) المصدر نفسه : 50 .

[33])) المصدر نفسه : 67 .

[34])) المصدر نفسه : 95 .

[35])) المصدر نفسه : 102 .

[36])) المصدر نفسه : 123 .

[37])) المصدر نفسه : 7 .

[38])) ديوان ابن الرومي، الأستاذ أحمد حسن بسج ، دار الكتب العلمية ، ط 3 ، بيروت ، 2002 : 2 / 146 .

[39])) جماليات الشعرية  : 322 .

 

خاص بالمثقف

.................................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (عدد خاص لمناسبة تكريم القاص المبدع فرج ياسين اعتبارا من 14 / 4 / 2012)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2048 المصادف: 2012-04-14 07:14:01