تكريم القاص د. فرج ياسين

تداخل الأزمنة في قصص فرج ياسين .. قصة (ذهاب الجُعَل إلى بيته) أنموذجا / سوسن البياتي

farajyaseen4ابتدأ المشوار الأدبي للقاص فرج ياسين شاعرا، واستقر في نهايته على أن يكون قاصا

له أسلوبه الخاص والمميز عن باقي أقرانه، فهو يصرح بذلك بقوله (وقد غادرت الشعر وعالمه منذ عام 1975 لأكتب في القصة القصيرة)(1)،  وأبسط مايمكن الإشارة إليه انه قاص مقل فهو (واحد من الذين يكتبون بـ" قلة " محسوبة)(2)، وقد أصدر خلال هذا المشوار خمس مجاميع قصصية كان أولها (حوار آخر) التي صدرت عام 1981 وآخرها (ذهاب الجُعل إلى بيته) الصادرة عام 2010.

لم يكتب القاص فرج ياسين رواية واحدة، إلا أن قصة ( ذهاب الجُعل إلى بيته) يمكن أن تنضوي تحت هذا الجنس الأدبي وعدها رواية قصيرة تنهض على إمكانيات الدمج بين قوانين القصة وقوانين الرواية، أي أن ننظر إليها على أنها صورة مصغرة من الرواية، وصورة مكبرة عن القصة القصيرة .

وقد أثار هذا النوع الكثير من الإشكالات من حيث المفهوم والخصائص والتحديد النوعي، وربما تداخل مع الأنواع القصصية الأخرى لدى بعض الدارسين، إلا أن مايمكن الإشارة إليه أن الرواية القصيرة أو مايسمى بالقصة الطويلة هي جنس أدبي مزيج من القصة والرواية، وقد حددت هيلاري كليابتريك مجموعة من السمات التي تميزها عن الرواية منها:

(( - التركيز على شخصية واحدة أو على حدث واحد.

-     الميل إلى تقديم لحظات مهمة أكثر من التفاصيل المفرطة وومضات من الفكر أكثر من التحليل المكثف.))(3).

وعلى وفق هذا التحديد سيتم تجنيس ( ذهاب الجُعل إلى بيته) بوصفها رواية قصيرة تحمل مواصفاتها وسماتها إذ يتم التركيز على شخصية واحدة محددة هي شخصية ( الراوي/ الشخصية ) الذي يقوم بسرد قصته عبر مستويات دلالية واشارية وسردية اقرب للمنظور الذاتي باستخدام ضمير المتكلم الذي يشكل انتقالة نوعية من الخارج إلى الداخل، إذ يصبح ضميرا معبرا عن الذات المتكلمة/ الساردة ومشخصا لها، كما أننا نجد ذلك الاحتفاء بتقديم لحظات مهمة من حياة الراوي/ الشخصية إذ تمثل الإعادة إلى جوهر الحياة الماضوية – قبل لحظة السرد- وانتقاء لحظات تتصل اتصالا مباشرا بالحدث الذي يتم سرده، ومثل هذا الانتقال أدى إلى تداخل فعلي بين الأزمنة، وهو ماستحرص هذه القراءة على استيعابه والتحريض على قراءة النص السردي قراءة تستوعب إشكاليات هذا التداخل وتنوعاته.

تم النظر إلى الزمن بوصفه (( إطارا للفعل، وموضوعا للتجربة ))(4)، وبأنه (( العصب الرياضي الذي تتمكن الحياة فيه من ضبط حركتها وتنظيم مسيرتها وتشكيل أنموذجها.))(5)، وإذا كان المكان عنصرا محددا من حيث المفهوم والتحديد، فان الزمن بقي عنصرا مراوغا وعصيا على الفهم، فالفلاسفة والنقاد والأدباء والمفكرون لم يميزوا صيغة وجودية واضحة له.

تنطلق فكرتنا الأساسية من أن النص السردي نص يرتكز في بنائه الفني للزمان على التلاعب بالمحددات الزمنية، بمعنى أننا لا نركن إلى توقيت زمني محدد، ففي الوقت الذي ينطلق فيه النص من الحاضر نجد أنفسنا بإزاء ماضٍ يتسلط عنوة على الحدث، وربما ننطلق في رؤيتنا نحو المستقبل بإشارات وصيغ تفتح أبواب التنبؤ والاستطلاع ويبقى النص في سرده يرتكز على الراهن، فبين الماضي والحاضر والمستقبل يؤدي النص دوره فـ (( إذا كان الماضي نتاج إعمال الفكر والذاكرة التي تحمل هذا الخزين الهائل من المنظومة المعلوماتية التي يمكن استعادتها بكل بساطة حالما يستدرج الراوي/الشخصية ذاكرته ويعملها في منطقة تلاقح خصب، فإن الاستباق هو الوجه المقابل للماضي السردي، فالماضي أساس الاسترجاع وحجره الأساس، أما في الاستباق فيتم إعمال الفكر وتوجيهه نحو المستقبل بعيداً عن الخط الفاصل للماضي والحاضر على حدٍّ سواء )) (6).

قصة ( ذهاب الجُعل إلى بيته ) تتلاعب بأنموذجها النص من خلال الانتقال من الحاضر إلى الماضي تارة، ومن الحاضر إلى المستقبل تارة أخرى لتشكل بنائها الفني للحدث القصصي على وفق نسق متداخل مرتبط بالأحداث، ويشير هذا المصطلح إلى أن (( تسرد الأحداث بشكل متداخل زمنيا ودلاليا بحيث يتداخل بعضها مع البعض الآخر ))(7)، مع الأخذ بنظر الاعتبار اختلاف المكان وهذا يؤدي الى ((غياب الترتيب الزمني من القصة المتخيلة ))(8)، وهذا الاختلاف في - الزمان– تحديدا أدى إلى تداخل في الأزمنة واختلاف بينها، ومثل هذه اللعبة السردية لا تتم إلا على يد قاص ماهر يضع فصول قصته وأحداثها بين يدي راو يتقن لعبته السردية داخل العمل القصصي، فـ(( المؤلف المبدع يتحرك بحرية في زمنه : بإمكانه أن يبدأ قصته من النهاية أو الوسط ومن أي لحظة من لحظات الأحداث موضوع التصوير دون أن يخل مع هذا بالمجرى الموضوعي للزمن في الحدث المصور.))(9 ) .

يشير الحدث القصصي إلى خروج الراوي/ الأستاذ خليل في جولة حول إحدى القرى البعيدة والنائية بحثا عن خيط يوصله إلى خصوصيات جده الطرفاوي الذي يجهل عنه كل شيء، وفي القرية المحددة وفي إحدى بيوتاتها تتم استضافته، فيجتمع رجال القرية على دعوة للعشاء، يلتقي هناك بالشيخ عفتان وهو من كبار رجال القرية، والغجري، ومع هذا الأخير تصل السهرة الليلية إلى أوجها ليقف على الأسرار التي جاء من اجلها، ولتكشف لنا المفارقة – في النهاية – على أن الطرفاوي ماهو إلا تسمية تطلق على الأرنب وذلك بعد أن يصطاده الغجري أرنبا لفطورهما .

تتخلل القصة – مع المواقف التي تسرد- استرجاعات واستباقات عدة، وإن كانت الاسترجاعات هي الغالبة، إذ نقف عند مايسمى بنسق التداخل الذي يشير إلى (( تداخل أحداث الحاضر مع ذكريات الماضي ويتحقق هذا بطرق عديدة غير متكافئة في أهميتها، والأكثر شيوعا هو استحضار الماضي بواسطة الحاضر)) (10) حينما يلجأ الراوي إلى قطع السرد في لحظته الراهنة، والعودة بالزمن إلى الوراء في ذكر حادثة سابقة، بحيث تتم الإشارة إلى حدثين في آن واحد، احدهما في الحاضر، والآخر مستعاد من الماضي بعيدا كان أم قريبا .

يقول الراوي:

(( صورتان صغيرتان خطفتا في سراب المخيلة، واحدة لنظرة زوجتي في اللحظات الأخيرة، والأخرى لربى وحقول، وطريق ابيض يلتوي صعدا، ذاهبا لحظة الغروب لموافاة الشمس إلى موعد قديم، وفطنت إلى أنني لم التق أحدا، لا إنسان ولا عربة ولا طير ولا أي من حيوانات الإحراج، ثم وجدت نفسي فجأة في وسط الخضرة، رصيف من نباتات كثيفة، ذات أوراق متلاصقة بمحاذاة الطريق....)) (11).

يبدأ الاستهلال السردي عبر مخيلة الراوي / الشخصية الذي يكشف عن الحدث القصصي بجملة من المعطيات، إذ تتم الإشارة إلى الفضاء المكان لربى وحقول، وطريق ابيض يلتوي صعدا/ وسط الخضرة، رصيف من نباتات كثيفة، ذات اوراق متلاصقة بمحاذاة الطريق، وتحديد الفضاء الزماني ذاهبا لحظة الغروب لموافاة الشمس إلى موعد قديم عبر أوصاف متلاحقة ومتراكمة هي الأخرى .

يفتتح المشهد القصصي بهذا المستهل وفيه يحرص الراوي على الظهور وإبراز شخصيته بوصفه مشاركا في الحدث، بل أن الحدث برمته مرتبط به، وهذا الارتباط يحتم استخدام صيغة المتكلم للتعبير عن ذاتيته وأنويته، إذ إن هذا الضمير (( ضمير يحيل الفعل الحكائي على المؤلف فيذوب الحاجز الزمني الفاصل بين زمن السرد وزمن السارد..)) (12)، ويعطي فرصة اكبر للمؤلف بالتدخل، وإن كان التدخل يوحي بإشارات سير ذاتية إلا أنه لايمكننا أن نخمن ذلك إن لم يكن هناك ميثاق سير ذاتي كأن يصرح المؤلف مسبقا – أو بعد كتابة النص- بأنه ينتمي إلى هذا الجنس الأدبي.

وفي نص آخر يقول الراوي:

 

((منذ ستة وثلاثين عاما، أصبحت أمه في عداد الموتى فلا أطباء بغداد النطاسيون ولا رقي السادة، ولا صلوات الزوج الحزين! استطاعت إرجاء ساعتها المحتومة لحظة واحدة.ومع انه كان في سن التاسعة عشرة . وكان قد حزم أمره للرحيل مأخوذا بفكرة ما عن الريف الأوروبي ...

فأرته صورة تشبه صورة زفاف بحجم الكف، كانت فيها أمه تقف بابتسامة خجلة أمام أبيه، قالت : إنها لاتشبه ملامحك فقط، بل تشبهك حتى في قامتها ! إنها قصيرة ليست بالنسبة لأبيك فحسب . بل حتى لو وقف إلى جانبها شخص من جنوب شرق آسيا، الفرق هو انك طويل في حياتنا المشتركة، بحيث لا يسع أية امرأة إلا أن تنسى انك قصير، وكذلك أن تنسى شكلك الأنثوي. )) (13).

إن التحديد الزمني يشير إلى أن الذاكرة هنا تعمل بأقصى فاعليتها، إذ تتجسد في عودة الراوي إلى الوراء منذ مايقارب ستة وثلاثين عاما، وفيه نكتشف تفاصيل من شخصية الراوي / الشخصية وأوصافه، فثمة علاقة بين لحظة السرد / الذي يتم خلاله الحدث والتفاصيل التي قادت إلى هذا الاسترجاع، وبين الماضي الذي تم سرده، والمتلقي إذ يحس بهذا الانتقال المفاجئ، نقول المفاجئ لأن الراوي لا يمهد لهذا الانتقال ولا يشير صراحة إلى أن مايتم سرده ماهو إلا انتقال من الحاضر إلى الماضي، إلا أن الاشتغال الطباعي – إذ تكتب الاسترجاعات بخط غامق يغاير المتن النصي الأصلي الذي يكتب بخط عادي فاتح – هو الذي يخضعنا لهذا التصور لاسيما وأن السياق السردي الذي ينضوي تحته النص المستعاد يكشف عن هذا الانتقال، وفيه يصبح الراوي حرا في التقاط الكمية الجوهرية والمناسبة للمادة المستعادة، وبما تتيحه الذاكرة من معلومات .

 

وغالبا ماتتعلق الاسترجاعات المذكورة بحياة إحدى الشخصيات القصصية التي تدخل المشهد القصصي كما هو الحال بتعريف حماد بالشيخ عفتان، والاسترجاع الخاص بقصة تلقيب الغجري بهذا اللقب، يقول الراوي:

 

((انه الشيخ عفتان مريط الطرفة، اكبر أبناء القبيلة سنا، قيل انه فر من الجيش التركي في السفربلك . ثم القي القبض عليه واقتيد إلى الحرب مجددا، قاتل المسقوف مع الأتراك لكنه اسر وبقي هناك بعد انتهاء الحرب، ثم عرف طريق العودة إلى القرية أخيرا .)) (14).

ويقول كذلك:

 

((...ثم سألته : ماقصة تلقيبك بالغجري ؟ فقال: لأنني خرجت من القرية وأنا صغير كنت في سن الحادية عشرة يوم اصطحبني أبي إلى المدينة، وأمام حانوت بقال رأيت السمسية أول مرة في حياتي

...

لكن لقب الغجري لم يلصق بي حقا إلا بعد بضع سنين، يوم عدت مرة كعادتي بعد غياب طال إلى القرية، فرأيت خيام الغجر ترفع أعمدتها وأعلامها بالقرب من كوخ الشيخ عفتان. وفي المساء كنت نجما حقيقيا في سماء الاحتفال. لقد أعجب الغجر بطريقة ارتدائي للملابس الإفرنجية وبطريقة تحدثي وأوجسوا خيفة من احتمال تسفيه أساليبهم وكشف خططهم، لكن كل شيء مر كما لو أن الشيطان هو الذي يرعى أبواب الجنة، إذ غزت قلبي صبية غجرية لاتزيد على السادسة عشرة، لم تكن ترقص أو تغني بل تضرب على الطبلة وراء عازف الربابة ...فقررت الرحيل معهم في اليوم التالي، ولم اعد إلى القرية إلا بعد عامين. ولما نوديت بالغجري أول مرة كنت قد نسيت تلك الصبية!.)) (15).

يسير السرد القصصي في اتجاه مغاير يتخذ من اختلاف الضمائر السردية أسلوبا خاصا، فقد تم التعامل مع النص السابق الخاص باستعادة تفاصيل من حياة الشيخ عفتان بصيغة الغائب، إذ يروي حماد – وهو إحدى الشخصيات المشاركة- هذه التفاصيل التي يعرفها الجميع باستثناء الراوي / الشخصية الأستاذ خليل بوصفه ضيفا على هذه القرية، فيما يروي الغجري قصة تلقيبه بهذا اللقب من منظوره الخاص بصيغة المتكلم لأنه الأكثر معرفة وقدرة على إعطاء المعلومات التي قد يجهل الآخرون البعض منها، فمثل هذا الانتقال ربما يعود إلى قدرة الشخصيتين على الكلام وإدارة السرد، فالشيخ عفتان في مرحلة عمرية لاتسمح له باستذكار تفاصيل ماضية حتى وإن كانت تتعلق به، وبالتالي تصبح قدرته على سرد الأحداث ضعيفة وربما مشكوكا فيها، فيما نجد قدرة الغجري على الحوار والتقاط احدث جوهرية تخدم مسار السرد القصصي .

ومن خلال هذا الفعل نجد تداخلا واضحا في الأزمنة، فبينما كان السرد حاضرا يمسك بخيوط الحدث من خلال اجتماع رجال القرية ودخول الغجري عليهم بهذه الطريقة إذ أحدث دخوله ضجة بين الجالسين، دفع بالسرد إلى اتجاه آخر، يعود بالمشهد إلى الوراء، إذ يتسلط الماضي بكل القوة ويشكل الاسترجاع مادة هذا الماضي ومحوره الأساس الذي يستند إليه اعتمادا على الذاكرة، يقول الراوي:

 

((داهم المكان رجل افسد خلوة الليل بضجة حضوره رافعا عقيرته، قبل وصوله بأصوات يبدو أن القوم يتعاملون معها كما لو أنها هويته، لأن حمادا نهض من مجلسه وراء الوجاق وأطلق تحية غريبة فهمت على أنها إشارة التعرف الفاهقة بالزهو والاعتداد. تهامسوا مصرحين – لمجرد استهجانهم ذلك الحضور الصاعق – بفرحهم الذي ليس له حدود. وامتد إلى مسامعي همسهم الجهير، خشيت من أنني لم أكن قد سمعت بشكل صحيح، إذ وجدتهم يطلقون عليه لقب الغجري..)) (16).

وربما كان الراوي على وعي تام بأصول اللعبة السردية التي يتقنها، فهو لايكتفي بالاسترجاعات التي كثيرا ماتأتي مفصولة عن السياق السردي للحدث الراهن، بل انه يحرص على أن يقدم استرجاعاته في شكل كتلة سردية متراصة لايفصل بينها وبين الحدث الراهن فاصل، يقول الراوي:

 

((لكن أنفاس الرجل المنقوعة بالعرق ودخان اللفائف قربت المسافة بيني وبين مشهد قديم، حين رأيت تقاليد استقبال القطيع العائد من الرعي، وأنا أشارك زملاء الدراسة في المرحلة الابتدائية في سفرة مدرسية، حدث ذلك مرة واحدة في سن الطفولة، وأنني لأتذكر الآن كيف شممت رائحة هذا الرجل منذ ذلك الزمن البعيد، وبدأت أتعرف

على أنفاسه التي هي أنفاس مكان منقرض لم يعد له وجود إلا في ذاكرتي ...)) (17).

 

تعمل الإرسالية السردية على الخضوع لتدخلات الراوي غير المنتهية، فالحدث الذي تتم الإشارة إليه إنما هو حدث يتم سرده في الحاضر، والانتقال المفاجئ من الحاضر إلى الماضي إنما جاء تعبيرا عن حاجة السرد إلى ذلك، فثمة خيط يربط بين الزمنين يتعلق بطبيعة المفردات التي استوجبت مثل هذا الاستحضار، فأنفاس الرجل المنقوعة بالعرق أعادته إلى مشهد قديم حدث في الماضي، ولعل إشاراته السردية المتعددة مثل : وأنا أشارك زملاء الدراسة في المرحلة الابتدائية في سفرة مدرسية/ سن الطفولة/ منذ ذلك الزمن البعيد/ لم يعد له وجود إلا في ذاكرتي تحيلنا على ذلك الماضي الذي يعد موجودا إلا في ذاكرة الراوي.

وإذا كان الراوي حريصا على الإفادة من كل مايخدم نصه القصصي ابتداء من استخدام الزمن الحاضر مرورا بالماضي الذي يشكل عمود الفقري لنص، وصولا بالمستقبل الذي يظهر بتفاوت نسبي شديد الاختلاف عن سابقه / الماضي، فالاسترجاعات المبثوثة في ثنايا النص طويلة نوعا ما، وربما يعود هذا إلى أن الذاكرة تسرد مواقف ووقائع حدثت في الماضي، والإشارات المقتضبة عنها قد لاتخدم السرد ولا تعطي انطباعا أو تصورا كاملا عن الفكرة التي يود الراوي طرحها، لذا فعلى الراوي في مثل هذه المواقف أن يطيل في سرده نوعا ما، لأن ما يطرحه لا يدخل ضمن مايمكن أن نسميها بالتواريخ والأحداث التاريخية التي يمكن الإشارة إليها فقط من دون ذكر الحادثة، فمجرد إشارة إلى تاريخ ما أو حدث فانه سيشكل استرجاعا لهذا الحدث، إذ أن ما تم سرده يتعلق بمجريات الحدث القصصي وهو ما يستوجب إطالة في الطرح .

يعرف الاستباق بأنه ذكر حدث لاحق عن زمن السرد، فهو يشكل استطلاعا أو تنبؤا أو توقعا له قبل حدوثه، وغالبا مايتم ذكر هذا الحدث في زمن لاحق، وإن كان اغلب القصاصين لايسردون حادثة وقوعه بل يتركون الأمر متعلقا بذكره فقط، وهو يأتي ملخصا، مكثفا، موجزا في تفاصيله، يقول الراوي:

 

(( لم يكن ضد فكرة التناسل، لكنه كان ضد صورة ما عن مستقبل ابنائه الذين سيكونون في أعمار شتى ساعة يبلغهم خبر موته، ليس ذلك فحسب بل حين يرون بأعينهم تقاصره يوما بعد يوم أمام قامة الموت الهائلة..)) (18).

ويقول كذلك:

 

(( فأجابت من دون حرج: كنت سأكره جسده البالغ الطول مثل زرافة، وملامحه التي لا تريد مغادرة سن الثامنة عشرة، فضلا على طريقته الاستعراضية في التحدي..)) (19).

و:

 

(( حدست بأنك سوف تقول ذلك ....)) (20) / ((ابدى احد الرجال ملاحظة حول

صفيحتي البنزين فقلت انني سوف احتاجهما من اجل العودة . وأراد الرجل معرفة عدد الأيام التي سأمضيها بينهم فأجبت : إنني لن امكث لأكثر من ضحى الغد..)) (21) / (( قال له صديقه باقر الأميري: سيكون لك مصير أفاق، لذلك فان عليك التحلي بأخلاق غجري،لأن احتمال الاستضافة يعد واحدا من صفحات مدرسة الخروج ....)) (22).

إن انتقال الراوي من الحاضر إلى المستقبل إنما يشير إلى تطلعه إلى الأمام، الذي يحرص على أن تكون لتنبؤاته المستقبلية وجود في سرده القصصي، وهذه التنبؤات تشتغل في منطقة سردية تسمح بالتأمل والكشف عن أحداث ستقع فيما بعد، أي بعد زمن السرد الذي يتم فيه سرد الحدث الراهن، وتصبح فيها الشخصيات – التي تستبق الأحداث- شخصيات متأملة، مستطلعة.

تشير النصوص المذكورة والمبثوثة في ثنايا النص عن إمكانية استباق أحداث لم تقع بعد، وربما جاءت السين وسوف – الدالتين على المستقبل – لتعمق مثل هذه التصورات وتسوق الفعل إلى منطقة مستقبلية بعيدة عن الفضاء الراهن الذي يتحرك خلاله الراوي، إذ انه يحرص على أن يقدم بعض تأملاته في سياق تخيل أو إعلان، أي أن اغلب الاستباقات التي ركز عليها الراوي جاءت متخيلة، وإن وعيه هو الذي يهيمن عليها، فيما جاء البعض الآخر معلنا، لضرورة سردية، ففي النص الذي تم سؤاله عن عدد الأيام التي سيمضيها كان الإعلان والتصريح ضروريا لذلك لمعرفة عدد الأيام التي لن يمضي منها أكثر من ضحى الغد، بمعنى أن السياق السردي القائم على السؤال ورغبة الإجابة عنه هو الذي حتم أن يكون الاستباق معلنا عنه ومصرحا به، فيما اشتغل السرد في النص الأول على التلميح دون التصريح به، وانه اشتغل في منطقة الوعي بعيدا عن استدراكات الآخرين ووعيهم، لأن التنبؤ كان يتعلق برغبة الراوي في عدم الإنجاب ليس لأنه ضد فكرة التناسل بل لأنه لم يكن يرغب في أن يرى أبناءه صورة مطابقة عنه لاسيما فيما يتعلق بقصره .

ويبرز التداخل واضحا في الحوار الآتي :

( - إنني أصغي إليك

-     عليك التخلي عن عاداتك في الطعام، وافتح عينيك جيدا لكل دقائق الرحلة، قد لاتعود من سني حياتك كلها بشيء أكثر بلاغة مما سوف تصادفه هناك .

أجاب الدكتور خليل : لكنني قررت عدم البقاء حتى ولو ساعة واحدة في أية قرية أمر بها .

-     إن للرحلة قوانينها . وقد لايصلح أي مكان للإقامة طالما أن هناك أماكن أخرى .

-     اجل لقد وضعت لكل شيء حسابه. أما الطعام!

-     الطعام ؟! لاينبغي حساب مثل هذه الأمور الصغيرة .

-     ولكن لابد من بعض الأطعمة مع أنني نباتي، إلى حد ما كما تعلم .

-     لن تبقى كذلك هناك !

-     أهذا معقول ؟

-     لأنك ستبدو حفيدا مزيفا لجدك الطرفاوي الكبير!.)) (23).

اذ إن المتلقي سيجد نفسه أمام لحظة استرجاعية، فالحوار الذي تم بين الراوي والأستاذ باقر الأميري عبر الهاتف تم قبل لحظة السرد/ قبل سفره، فهو أمام حوار يعتمد الاستباق في الأحداث، فالتوجيهات والتعليمات والنصائح تبث كلها في صيغة تنبؤية، وهي كلها مرتبطة بالأحداث التي ستجري وسيتعرض لها الراوي أثناء سفره، فالطابع الغالب على هذا الحوار طابع استباقي على الرغم من انه يعد استذكارا يتم لحظة السرد، فالتداخل واضح من خلال الانتقال من الحاضر / لحظة السرد إلى الماضي / لحظة الاسترجاع عبر ملاحقة استباقية للأحداث / لحظة توقع الحدوث .

وقد يأتي الاستباق في شكل أحلام اليقظة أو التخيلات التي تترأى أحيانا للشخصية، يقول الراوي :

 

(وتخيلت حمادا وهو يذهب ليضطجع مع واحدة منهن،لأن بريق السيارة تحت ضوء النجوم سوف يربط مشاعره بجسد آخر، أكثر رواء وفتنة كان قد حرمه حياته كلها.)(24).

ففعل التخيل فعل استباقي لحدث سيتم فيما بعد، بمعنى انه يشكل توقعا لحدوث الفعل الذي ارتبط بذهاب حماد، ومثل هذه التخيلات لا تأتي إلا في سياق منلوج حينما يكون الوعي غائبا عن الواقع، ويتحرك العقل غير الواعي ضمن حيز غير مرئي إلا في ذاكرة الشخصية، ويشتغل العقل آنذاك بصورة جامدة إذ يقدم الحوار – الذي يمارسه الراوي / الشخصية- بصورة غير منطوقة ولا مسموعة، إلا أن ملامح الراوي توحي بأن ثمة أفكارا تدور في ذهنه ويعبر عنها بصورة غائبة عن وعي الآخرين .

 

أ.م.د سوسن البياتي

جامعة تكريت/ كلية الآداب

 

........................

الإحالات:

1.   المنتصف في ضيافة الأستاذ فرج ياسين .

2.   حوار آخر " مع فرج ياسين، 6 .

3.   بنية الرواية القصيرة – الرواية القصيرة في الأردن وفلسطين، 30.

4.   قال الراوي( البنيات الحكائية في السيرة الشعبية)، 161 .

5.   جماليات التشكيل الروائي – دراسة في الملحمة الروائية ( مدارات الشرق) لنبيل سليمان، 175.

6.   المغامرة السردية – جماليات التشكيل القصصي رؤية فنية في مدونة فرج ياسين القصصية، 129 .

7.   الملحمية في الرواية العربية المعاصرة، 177  .

8.   القضايا الجديدة للرواية، 168 .

9.   أشكال الزمان والمكان في الرواية، 236 .

10. دراسات في الرواية الأمريكية المعاصرة، 58.

11. ذهاب الجعل إلى بيته، 7 .

12. الكون الروائي، 109 .

13. المجموعة، 15-16 .

14. المجموعة، 31-32 .

15. المجموعة، 52-54 .

16. المجموعة، 51 .

17. المجموعة، 20-21 .

18. المجموعة،11 .

19. المجموعة، 46 .

20. المجموعة، 46 .

21. المجموعة، 48 .

22. المجموعة، 12.

23. المجموعة، 18-19.

24. المجموعة، 59 .

 

.......................

المصادر والمراجع:

1.   أشكال الزمان والمكان في الرواية، ميخائيل باختين، تر: يوسف حلاق، وزارة الثقافة، دمشق، 1990.

2.   بنية الرواية القصيرة – الرواية القصيرة في الأردن وفلسطين، محمد عبيدالله، ط1، دار أزمنة، عمان، 2007.

3.   جماليات التشكيل الروائي – دراسة في الملحمة الروائية ( مدارات الشرق) لنبيل سليمان، محمد صابر عبيد- سوسن البياتي، ط1، دار الحوار، اللاذقية، 2008 .

4.   " حوار آخر " مع فرج ياسين،حمزة مصطفى، جريدة القادسية، 4/2/1982 .

5.   دراسات في الرواية الأمريكية المعاصرة، مجموعة نقاد، تر: عنيد نشوان رستم، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد، 1989.

6.   ذهاب الجعل إلى بيته، فرج ياسين، ط1، دار رند للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 2010.

7.   قال الراوي( البنيات الحكائية في السيرة الشعبية)، سعيد يقطين، ط1، المركز الثقافي العربي، 1997.

8.   القضايا الجديدة للرواية، جان ريكاردو، تر: كامل عويد العامري، ط1، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2004 .

9.   الكون الروائي- قراءة في الملحمة الروائية ( الملهاة الفلسطينية) لإبراهيم نصرالله، محمد صابر عبيد، سوسن البياتي، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007.

10. المغامرة السردية – جماليات التشكيل القصصي رؤية فنية في مدونة فرج ياسين القصصية، سوسن البياتي، ط1، مؤسسة الشارقة للنشر والإعلام، الشارقة، 2010 .

11. الملحمية في الرواية العربية المعاصرة، سعد عبد الحسين العتابي، ط1، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2001.

12. المنتصف في ضيافة الأستاذ فرج ياسين، حوار :احمد اسعد شلال، جريدة المنتصف، ع 27، 31 تشين الأول 2006 .

 

 

خاص بالمثقف

 

.................................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (عدد خاص لمناسبة تكريم القاص المبدع فرج ياسين اعتبارا من 14 / 4 / 2012)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2048 المصادف: 2012-04-14 07:24:22