تكريم القاص د. فرج ياسين

المكتبة / حامد فاضل

hamed-fadilاهداء للقاص المبدع د. فرج ياسين

لمناسبة تكريمه

 

من تسربل بسرابيل المفاجأة؟ جدي، أم أنا، أم المدرس الذي ألقاه قطار الليل في محطة بلدتنا ؟ فداهمته خيول هواء الصحراء . لبث حاملا حقيبة أحزانه فوق كتفه، قبَّل سيكارة وامتصها عميقاً .. عميقاً، ومن خلفه في الظلام البعيد، كان يأتي نباح الكلاب، ومن حوله كان نهر من الناس يجري، مع النهر سار يتطلع في ما يرى، فأوصله النهر إلى حوذي متثائب .. بعينين نصف مغمضتين، ساق الخيول التي أتعبها الجري طول النهار، فراحت تسير على مهل تحت حقل سماء تناثرت فيه زهور النجوم . وقد رحلت بعد ما حلقت بالخيال من طريق المحطة إلى (طولة) خلف صرائف الفقراء، حيث تحظى بحفنة من شعير وسطل من الماء، وبعد التخلص من سرجها واللجام، تمرغ أجسادها بالتراب وتغفو لتصحو على سوط حوذيها، فتضبح، تجري، تجوب الدروب التي ستغمرها شمس يوم جديد .. سُحب من الحزن كانت تلملم أشتاتها برأس المدرس الذي حلّ في بلدة قيل للوافدين إليها، عليكم بحمل ثلاث إذا ما عزمتم، مضرب لقتل الذباب الذي يفوق على الصين تعداده، مطرقة لدق المسامير قبل الجلوس على تخوت المقاهي، قرآن لتقسموا أن لا تعودوا إلى بلدة صيرتها الحكومات منفى لمن لا يهزون أكتافهم على صوت قرع الطبول، أو يرصفون حناجرهم خلف جوقة المنشدين .. ماؤها خابط مالح، والعواصف تمطرها بالغبار، وتزفر صحراؤها بالهجير، ومن حولها يزحف السبخ يزنرها بزنار من الملح .. بلدة تزدحم دروبها بالشياه والماعز والبقر والكلاب اللاهثة التي تقضي ظهيرتها في البرك الآسنة، وشيء طبيعي أن تنهق الحمير، أو تظل صافنة في الدروب .. بعدد الأصابع سياراتها، ونسبة الأفندية فيها لا تتجاوز عشرة بالمائة، يمر بها الأعراب للتسوق والتطبب عند العطارين، وبعد التسوق والتطبب، يربطون خيولهم بتخوت المقاهي ويجلسون لاحتساء القهوة أو شرب الشاي، الشرطي فيها يعادل ضابط العاصمة، وفي سجنها ينزل السجناء من المبعدين إلى البادية، وما بعدها غير صحرائها المستهلة بالصخر والملح وبحيرة ماء أجاج، صيفها دبق خانق، والشتاء صاقع يضرب العظم، والخريف يعري البساتين من ثوبها، والربيع لا مذاق له، حيث الرياح تكنس الأرصفة وتسفحها فوق وجوه البيوت .. تمر بها قوافل الهاربين من الجحيم، يحدو بها أمهر المهربين عبر صحرائها، وهي تهرع طالبة للنجاة في ما يجاورها من بلاد .. لقد كان يدري أن الذين نفوه إليها ليدرون أن الرجوع محال، وان عاد منها وذاك احتمال، فسيحمل في كليتيه حصاها، ويدمن درب العيادات طالبا الشفاء . لقد مرَّ فيها الكثيرون من قبله، فمن عاد، عاد مريضاً، ومن ظل، مات وسلمه أهلها للتراب . بلدة يعاقرها الجهل والفقر والأوبئة .. مرة على تخت مقهى وسط العاصمة، ذات ليل تنز المسامات من حره، وتبتل فيه الملابس من نثيث العرق، حيث تموز عاف قدسية الآلهة، وظل ينفث حرّ آهاته في سماء البلاد، جالَسَ المدرس شخصاً عليه سمات أهل الجنوب، عقال غليظ، ويشماغ يجمع الليل والصبح في لونه، ومسبحة يسر طرزت بالفضة خرزاتها السود كما الليل إذ يمتلئ بالنجوم، رجلاً كان زير حكايا، يحكي له ويسمع منه، وقد سره أن يكون معه، يحدثه عن شجون البلاد، كأنه يعرفه منذ بدء الخليقة، ساحر يخبئ بين أكمامه ألف أحجية ما يزال يجهلها الآخرون، سحر المدرس بما قد رواه، وبما كان يعتقده أو يراه، وكانت براعم تلك الرؤى برأس المدرس لما تزل للتو تنمو، فراح يطالبه بالمزيد، وينهل مما تفيض به قريحة من يحدثه، يحتسي الشاي حسوة تلو أخرى، ويمسح عن وجهه ما ينز من عرق، والجبين تغضن منه، وعيناه شدهما إلى وجه محدثه، فلا تطرفان .. كان الجنوبي يطبخ أفكاره بهدوء على نار تموز في ليلة الصيف تلك التي التقيا صدفة في ذرى قيظها، وكان المدرس يحاول أن يؤجج نار النقاش، كي يذيب شمع أختام من يحدثه، ويكسر قيد الحذر، ولكن سيف الزمان المسلط فوق رؤوس البشر، أطاح برأسيهما نحو وادي الوسن، وبث التثاؤب في ثنايا الكلام .. مضى الوقت بينهما دون أن يشعرا، وقد بدأ المقهى يلملم أردية الليل من حوله، وسَكر أبوابه معلناً لبقايا الزبائن أن حان وقت الختام .. حين أوشك أن يفارقه قال : من أية بلدة أنت ؟ قال من بلدة لا يعين فيها، أو ينقل إليها إلا المغضوب عليه من السلطان، قال : فمن أي قوم ؟ قال : من الذين لا يطأطؤون الرؤوس لأولي الأمر . قال : فما أسمك ؟ قال : في قابل الدهر، ربما ثانية نلتقي، نتقارب أكثر، فتعرف اسمي وأعرف اسمك .. تلفع في (بشته) فصار له لون تلك العيون التي تحدق من ذرى غابة الضوء نحو عالمنا، الذي ما نزال ندب على ظهره منذ أن شاء خالقنا أن نكون، ومضى تاركاً المدرس في حيرة، يحدق في هالة الضوء التي تحيط بذاك الجنوبي، كأن المصابيح التي زين الله فيها السماء، نزلت إليه، تهرع بين يديه ومن خلفه، فسار في مظاهرة من الضوء حتى اختفى .. أية بلدة تلك التي عناها الجنوبي بلدته؟ أسف المدرس لعدم إصراره على معرفة اسم ذاك الرجل الذي تنبأ: (ربما ثانية نلتقي نتعارف أكثر فتعرف اسمي وأعرف اسمك) . وراح يطمئن نفسه: (ربما تصدق نبؤته) ولكي يسكت همس القلق، ظل يبحث عن سمة البلدة في ما يراه على جانبي الدرب من بيوت تتلفع بردة الليل حيطانها، وتكشفها لعينيه كف القمر .. عبر ظهر جسر عتيق، تئن أضلاعه النخرات تحت وطء حوافر خيل (الربل)، وتصطف تحت أخشابه (دوَب) عجائز من حديد صدئ، يشاكس الموج أطراف شالاتها الخضر يبللها، ويتركها ناقعة بالرذاذ، فاجتاز نهراً له من العمر أكثر من ستة آلاف عام، وما كلّ أو تريث في سيره أو شكى من وهن، فما زال يسرع نحو الجنوب .. بلدة لا يُعين فيها، أو يُنقل إليها إلا الذين يرون الأبيض، أبيض، والأسود، أسود، ولا يخلطون بينهما لأجل الرمادي .. أخرج المدرس كتاب نقله، وراح يعيد قراءته للمرة الألف .. للمدرس قال جَدُ المدرس : خذ هذه الرسالة مني إلى رجل في البلدة تعرفه سجون البلاد، كنا نزلين في سجن صحراء بلدته، كان يزرع الشمس في الزنازين، فتهرب الخفافيش من نورها، نخلة جنوبية سامقة، كلما رمته الليالي بأحجارها الداكنة، تساقط ضوءً جنياً، كان وميض أفكاره، يمزق ظِلَ سجانه، وكنا ونحن بطامورة قبر خرافي على حافة عالم لا يرى قوانين تأريخه، نرى قبس الفجر حين يطالعنا، ومنه تطل الأماني علينا، وتربو على راحة الأفق أحلامنا، ونسمع ذاك الهدير الذي يهز جذوع الطغاة، إذا ما أنصتنا إلى صوته الهادئ، وفي الليل حين تدب البرودة في ثنايا النسيم، ويشخر في إدارة السجن مأموره الشحيم البطين، يغني الجنوبي مواله، والأوبذية تعبر من بين قضبان قاعة السجن، تتسور جدرانه، وتمضي بعيداً، هناك بعيداً إلى بؤرة الحزن، تسكب آهاتنا عند آماد صحرائنا، تسفح فوق الرمال أشواقنا إلى الأهل والأصدقاء، إلى مدن ما تزال تفرش لأقدامنا الطرقات، إلى دفء أحضان أمهاتنا الصابرات، إلى من تركنا لهن بقايا عطور الرجال فوق الشراشف، فوق الوسائد، حبيباتنا، زوجاتنا اللواتي يَسْتفَنّ ما تبقى من العطر بين ثنايا الفراش .. وحين يضج بنا الوجد بين الجوانح، تفز حناجرنا بالنشيد الذي يرهب سجاننا، فيفرش الصيف أفرشة من نسيم البراري، ويدعو إليه حناجرنا، ويفرد أجنحة من هواء عليل تحمل ما تفيض به قرائحنا، وتنثره فوق غلائل الرمل، فتنهض صحراؤنا الفارعة، تمشط عشب البراري، تظفر للسدر جدائل أغصانه، تضمخه بماء العيون، وتلقي عليها خمار الرمال، وتهرع كي تلتقي بالقمر .. وحتى الذئاب التي يؤجج الليل بين أضلاعها أنين العواء، إذا ما تهادى نحو أوجارها صوتنا الرهوان، تلين وتهدأ وهي تسمع إنشادنا .. فنهتز، نهتز من طرب، نفرد أذرعنا، نحلق نحو حقول النجوم، نقطف منها، لنشد باقات ضوء، بها نرشق الليل، فيهرب قدامنا، ينكس على عقبيه جيش الظلام، ونحن نطارده بالنشيد، ونمزقه بوميض الحناجر : لن يضيع عليك سَلْ عنه أي سائر على الدرب، فكل الذين تلقاهم يعرفونه .. حين تلقاه تعرف أن ضوء الشموع التي في يديك، هو نفسه ضوء تلك الشموع التي في يديه، فلا تشعرن شعور الغريب: (هوش) وامتثلت الخيل لأمر حوذيها، توقفت تلهث قدام فندق جدي، الباب يفتح ذراعيه للوافدين، خطوة، خطوتان، وكان المدرس قدام جدي .. فمن تفاجأ في نصاعة الضوء، جدي أم المدرس؟ حين التقت عيونهما بعد طول افتراق، نبرا بصوت واحد: (أنت)، ثم كان العناق، همس المدرس لجدي الذي لم تزل ذراعاه تحتضنان المدرس : صدقت نبوءتك عن بلدتك، نفيت إليها لتعرف اسمي وأعرف اسمك، وأخرج من جيبه رسالة جده، وسلمها لجدي الذي تلاها، فعادت به إلى حقبة قد خلت، وهزت لنخلة ذاكرته تساقط منها سمات وجوه الذين التقى بهم في سجون البلاد، سالكي دروب القوافل التي تحل بسجن وترحل منه إلى آخر : يحدو بها نحو واحة الشمس صوت الضمير، تسير وتضعن أنى يسير، وترفض أن تخلي الزمام لحادي الظلام، الذي ضلل قوافل الآخرين .. فظم المدرس ثانية إلى صدره، وشد على يده، فقد صار يعرفه الآن أكثر، وسارا معا في الممر الطويل، وأنا سرت خلفهما حاملاً حقيبة زائر الليل الذي خصه جدي بأفضل ما بفندقنا من مطارح .. وكما لم يكن المدرس يتوقع أن يجد الرجل الجنوبي بتلك السهولة التي التقاه بها .. لم أكن أتوقع أن الذي جاءنا نزيلاً بفندقنا ليلة الأمس، سيدخل في الصباح إلى صفنا حيث قدمه المدير لنا : الأستاذ مدرس التأريخ الجديد .. وأجزم أن المدرس لم يتوقع أن يجدني ضمن طلابه .. عرفت بالأمس مما رأيت أن جد النزيل صديق لجدي، وانه يحمل منه خطاباً إليه، وخمنت أنه لا بد قد جاء بلدتنا موظفاً مثل غيره من المقمين بفندقنا، ولم أدر أن هذا النزيل سينهي لنا لهونا أنا وطلابه الآخرين، فلم يعد الدرس بعد مجيئه شاغراً، وصرنا نخوض بتأريخنا، نسمع ما لم يقله الرواة، من كل طارف وتليد، وكان المدرس رباننا، ونحن نفرد أشرعة الحالمين، نبحر نحو دواخلنا، نبحث فينا عن العلل التي ما تزال تحاصرنا في الدروب، ولم يعد الدرس يستوعب ما قد يفيض به لسان المدرس، فكنا نطارد أفكاره بعد انتهاء الدوام لننهل منها، وكان لأسلوبه من النور ما لا يزال إلى الآن ينير الطريق لطلابه .. وما هي إلا كما يهطل الغيث فوق خصيب التراب، فسرعان ما نمت براعم أفكار المدرس في تربة طلابه، وصار المدير يحسب للمدرس ألف حساب، فجاء يحذرنا منه، يطلب منا، بل كان يرجو أن لا يضللنا بما قد يضيف على درسه من غير ما في الكتاب، وأكد أن علينا أن لا نجالس من هو أكبر منا، أو نلتقيه، خصوصنا مدرسنا الجديد الذي نقلوه من العاصمة .. تقدم منا، تقرب أكثر، وانحنى نحونا ــ وبداخلنا كان صوت الحقيقة يصرخ فينا أن لا نصدق أفك المدير ـــ الذي كان يبلع ريقاً جف من خشية ما رأته عيناه من نورنا وهو يحاول التخلص من ارتعاشة صوته قال: صدقوني ليس بيني وبين المدرس أي خلاف .. ولكنني لا أحب أن تتعرضوا للأذى . فلا يسحرنكم هذا المدرس بأفكاره، واحذروا أن تكونوا مثل الفراشات، يبهرها الضوء وتحرقها ناره .. صمتنا جميعنا، ونحن نحدق بوجه المدير، فأعشى لعينيه نور العيون التي حاصرته بألف سوآل . وحين استدار ليغادرنا ساحباً قدميه المقوستين من صفنا، تعثر في سيره فهوى، ولاحقه ضحكنا حتى الإدارة حيث انزوى لائذاً بمتراس مكتبه .. وكما كان أهلونا يقولون (كل ممنوع مرغوب) زاد التصاقنا بمدرسنا، وصرنا نرى فيه كل أحلامنا كشباب .. يوماً تحدث عن بلدتنا لا كما صورها الآخرون، قال : هذه بلدة حطت الحضارة رحلها قبل ستة آلاف عام على أرضها، وفي معابدها نزلت قوافل آلهة الأولين . ربما ها هنا على مثل هذا التراب سار أبطالها السومريون حاملين رؤوس أعدائهم، سائقين السبايا نذورناً إلى معبد (سموي) رب السماء، ومن ماء نهرها والتراب صنعوا رقم ما دونوا من ملاحم، وطوب ما قد بنوا من قلاع، كانت الشمس كل صباح تصعد إلى زقورة أجدادكم، تأتي إليهم تزور الحقول تلقي غلالة دفء على الشجر والعشب والزهر، تنضو عن النهر ثياب المساء، تنظفها من عتمة ليلة فائته، ثم تكشف عن وجهها لمرايا السواقي، تضيء البيوت، القصور، المعابد، وحتى السجون .. تمنح الضوء والدفء لأسياد بلدتكم والعبيد، فالشمس لا ترتضي التفرقة، ولا تنتقي ثلة دون أخرى . إنها تنشر هالتها على أرض خالقها، ومن دب فيها، أو نما من ترابها .. أهلوها كالنخيل الذي يشمخ في بساتينها . بلدة لم تكن تنحني لصروف الزمان، أو تمرغ جبينها بالتراب، تمر على نهجها العير حاملة صناديق أسرار حواضرها وأساطير صحرائها، وعلى وشم آثار أسلافها تنسج الشمس (كلتها)، لا خرائب فيها لبوم الخرائب، ولا غابة لخطب الببغاوات . سيماؤها الذي في وجوه أبنائها، الشجاعة والطيبة والكرم السومري، الماء، والملح، وخبز التنانير، والتمر، واللبن الرائب، وأهلا وسهلاً، وحياكم الله .. الصبر والحلم في أهلها فطرة منذ شاء ألإله لها أن تكون، وقد عرفوا بعدائهم المزمن للسلاطين، لذلك لم يلتفت نحوها على مر تأريخها ذو التيجان، والطرابيش، والعمائم، والصولجان .. هكذا كان شأن أجدادكم، دحروا الآخرين بمآثرهم، وما يزالون يبهرون البشرية بآثارهم .. هذه هي بلدتكم مثل ما قد رأى المنصفون، لاكما صورها الجاحدون لفضل حضارتها، أو أرادوا لها أن تظل على حافة التأريخ منسية . وأنتم لتأريخها وارثون، ثروتها مخبأة في رؤوسكم، حبها يربو في قلوبكم، مجدها ما يزال يرنو إلى سواعدكم، ولا أظنكم تريدون لها خيبة الظن فيكم .. هزني المدرس بأفكاره، وكنت كما الأرض محروثة بانتظار البذور، فما أن يصبها وابل، أو يبللها الطل، أو تقبلها قطرات الندى، تهتز، تربو، وتنبت من كل فكر منير .. والمدرس ينظر إليّ نظرة الأب إلى أبنه، منذ أن تحدث جدي له عن أبي، وأخبره بأن أيادي الذئاب امتدت إليه ذات ليلة حالكة، انتزعته مخالبها من سريره، وألقته في جوف سيارة مظللة نوافذها، وسارت به مسرعة إلى حيث لم نعد نسمع في بيتنا صوته، وظل فراشه بارداً، ولم يبق لأمي منه إلا أنا، أضيف ملامحه كل عام إلى وجهي الشاحب .. فصار المدرس يعاملني كأبي، وصرت له مثل ظل يرافقه أنى يحل أو يرحل، فكنت أتبع خطو المدرس، أراقب كل من يأتيه زائراً، وقد فاض بين الجوانح نهر الفضول لذاك الطويل الملثم بيشماغه الأحمر، الذي يجيء قبل منتصف الليل إلى فندق جدي، يمر قدام عيني قافلاً أزرار معطفه، ويبدو كمن يخبئ شيئاً .. مرة أتيت المدرس بفنجان قهوته، وشاياً لضيفه . كانت يداي مشغولتان، دخلت ولم أطرق الباب، فأبصرت وجه الملثم دون لثام، ولكنني تظاهرت أني لم أره . خرجت على عجل لأدس جسدي جنب جدي في صالة الانتظار.. ذات مساء وكان الملثم قد غادر كعادته بعد منتصف الليل، كنا نتهيأ لإغلاق باب فندقنا، حين داهمتنا الذئاب مشرعة مخالبها، كشرت بوجه جدي أنيابها، ثم مسرعة هاجمت غرفة المدرس، وجاءت به بملابس النوم تسحبه .. تذكرت ليلة جاؤوا أبي، خمس دقائق قالوا ثم يعود إليكم، ولكن تلك الدقائق ما تزال تتناسل حتى فقدنا الأمل من عودته . إلى جهة غير معلومة أخذوا أبي، ولم يتركوا ولا أثر يدل عليه، ولم يأتي منه ولا خبر .. وها هي نفس الذئاب التي هاجمت بيتنا قبل حفنة أعوام، تهاجم فندقنا، تفترس ضيفنا، خمس دقائق قالوا لجدي، وجدي خبير بتلك الذئاب وتلك الدقائق .. رأيت المدرس يقبل جدي، يودعه، ثم جاء إلي ّ ليحضنني هامساً الأوراق تحت فراشي، سحبوه مني، تشبثت به، ونزت دموعي حين حملوه إلى الجهة التي حملوا إليها أبي .. لم ننم ليلتنا السوداء تلك، نقل جدي ما للمدرس من كتب، وأشياء أخرى إلى بيتنا، وخبأها عند أمي .. في الصباح واقفاً كنت أمام مكتبة بلدتنا، حاملاً تحت دشداشتي أوراق جدُ خطيرة، قلت لنفسي: تشجع وكن رجلاً مثل أبيك، ومثل المدرس .. وفي المكتبه كان صاحب المكتبة دون لثام، ومن خلف واجهة الزجاج نظرت إليه، نظر إلي، قالت عيناي أنا أعرف، قالت عيناه أنا أدري أنك تعرف .. تقدمت منه، تقدم مني، دخلت إلى المكتبه، وما أزال فيها إلى الآن .  

 

.....................

 

تعليق القاص الدكتور فرج ياسين على القصة

 

عزيزي استاذ حامد

لن ابجلك بأية كلمة مجاملة لأن من يقرأ قصتك هذه يستغرق جميع الأشارت والنعوت لمجرد الأشارة اليها، ولكن من حقي ان أقول يا صديقي انها فصة ذكرتني بتقاليد البناء السردي المنظبط بالحس والمعرفة والموهبة طبعا

واريد ان اهمس لك بأن نهايتها مصنوعه على نحو مذهل يقول هذا هو فن القصة عند كبار مبدعينا

محبتي وشكري العميق

 

هذا ما كتبه أخي العزيز الدكتور فرج ياسين عن هذه القصة .. وقد ارتأيت أن أهديها له بمناسبة تكريمة من قبل مؤسسة المثقف العربي

      

 

خاص بالمثقف

.................................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (عدد خاص لمناسبة تكريم القاص المبدع فرج ياسين اعتبارا من 14 / 4 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2058 المصادف: 2012-04-24 10:15:43