في حوار مع الاستاذ ماجد الغرباوي حول الاصلاح الديني (2-2):

majed_algarbawia- كنا نغرّد خارج «السّرب».. فطالتنا فتاوى التكفير

في الجزء الثاني والأخير من الحوار مع الباحث العراقي الاستاذ ماجد الغرباوي،

يطال الحديث ظواهر التطرف والتسامح وتراث الكراهية، ويطرح الغرباوي تقييمه لبعض نماذج الإسلاميين في الغرب وإيران، ويقول أن ‘’العراقيين الموجودين في إيران كانوا أكثر التصاقا بالواقع الشرق أوسطي، فهم أقرب لإدراك حجم الهوة بين القيم الغربية والأبعاد الثقافية التي نعيشها’’.

ويضيف بأنهم ‘’عاشوا الاستبدادين الديني والسياسي، واكتووا بناريهما، وخبروا الفكر الديني، والتنظير المثالي البعيد عن الواقع’’.

مضيفاً بأنهم ‘’شاهدوا عن قرب تلوّن المسارات وفق إرادة رجل الدين. وكيف يُعاد تشكيل الواقع ضمن منظومة قيم معينة’’.

أما الإسلاميون العراقيون في الغرب فيقول بأنهم ‘’يعيشون ضمن شرائح اجتماعية بعضها مولود هناك، وقد تربّى على القيم’’ نفسها معتقدا أن ‘’مشاروعاتهم ناجحة في حدود المكان الذي يعيشون فيه’’ ولكنه يستدرك ويقول ‘’أشك بنجاح تجاربهم عندما يراد تطبيقها ضمن شروط ثقافية شرق أوسطية، لأن الواقع غير الأحلام الوردية الحالمة’’. وفيما يلي نص الحوار:

 

* ظاهرة اللاتسامح والتطرف والغلو الديني من الأمور التي تُطرح في مقام تشويه الإسلام وتقديم قراءات مبتسرة لمفاهيمه. على أي نحو تموضع ظواهر التطرف والغلو ومشابهاتها في العصر الحديث؟

- هناك أكثر من منشأ لظاهرة اللاتسامح والتطرف الديني، أهمها راهناً، كما في السؤال، الفتاوى التكفيرية التي تصدر من هذا الطرف وذاك، ففقهاء التطرف لا يتورّعون عن إصدار الفتاوى الواحدة تلوى الأخرى، وكلها تبعث على العنف واللاتسامح، وتدعو إلى تكفير الطرف الآخر، وجواز قتله وتحطيمه. وقد ساعد على انتشار هذه الفتاوى سعة وانتشار وسائل الإعلام الحديث من جهة، وتدني مستوى وعي الناس، الذي عمل رجل الدين على تحجيمه وشلّ فاعليته، حتى بات الفرد لا يعي من الدنيا سوى ما يقوله رجل الدين.

 

تراث الكراهية

كذلك هناك التراث الروائي المثقل بالعنف وتوليد الكراهية والحقد، وتلك النصوص التي تبيح قتل الآخر، وتصفيته فكريا وجسديا، ابتداء من حديث الفرقة الناجية وانتهاء بنصوص وفتاوى الفقهاء السلفيين وغيرهم. كلها ساهمت في تعميق الهوة بين أبناء الدين الواحد، وخلقت حواجز نفسية وشعورية بين أبناء الأمة الواحدة. وكل فرقة أو مذهب صوّر الفرق الأخرى على أنها ضالة، كافرة، تستحق العذاب، ومرتدة عن الإسلام، وَجَب قتلهم وتشريدهم وإبادتهم. فهي نصوص عبأت الأمة بعضها ضد بعض، وما فتئ رجال الدين وكتب التراث تتناقل هذه النصوص وتتباهى بها، لتثبت أحقيتها على الآخرين. تتداولها الأوساط العلمية وتعمل على تنقيحها وتثبيتها تاريخيا، سندا ودلالة، غير عابئة بتداعياتها. للأسف لقد ابتلت الأمة بتراثها، وتحوّلت الكتب الصفراء وباء عليها، لا تستطيع التحرّر من سلطتها، ولا تقدر على تحديها ومخالفتها، على رغم ما فيها من تناقض وتضارب، ورغم كثافة الأبعاد المدمرة.

 

* هذه دعوة مباشرة لإعادة النظر في التراث؟

- عندما ندعو إلى إعادة النظر بالتراث، والتحقق من تاريخية كلّ نص يرد فيه، ودراسة ظرفه الذي صدر فيه، فبلا شك نحن لا نقصد الدين والنص الديني الذي هو نصوص الذكر الحكيم وما صحّ من السيرة المفسّرة لآيات أحكامه، أو السيرة التي ترسي قيم المحبة والإخاء والصدق والتسامح، أو السيرة التي تدافع بجدٍّ عن قيم الإنسان، وتدعو إلى إحياء روح الإنسانية لدى الجميع.

 

نموذج الإسلاميين في الغرب

* ما هو تقييمكم للنموذج الإسلامي الذي قدّمه نجاح كاظم وليث كبه وغيرهم من الإسلاميين العراقيين في الغرب خلال العقدين الماضيين (بالمقارنة مع نموذج العراقيين الإسلاميين في إيران مثلا)؟

- لستُ مع استنبات قيم ومفاهيم وأنظمة تنتمي إلى واقع آخر، ما لم تُخترق ويُعاد تكيّفها ضمن الواقع الجديد. فمثلا عندما أدعو إلى المواءمة بين الديمقراطية والإسلام فيجب الأخذ بنظر الاعتبار الواقع الذي وُلدت فيه الديمقراطية، والأجواء الثقافية التي أحاطت بها، وإلا عند استنبات الديمقراطية في أجواء لا تنتمي إلى الثقافة والقيم نفسها، سوف تكون ديمقراطية شوهاء. أنا لستُ ضد الديمقراطية بل من دعاتها، وإنما أرفض طريقة الأخوان في استعارتها، ومحاولة فرضها بالقوة ولمّا نستكمل شروطها الثقافية والاجتماعية والسياسية.

 

* هل من الممكن الإتيان ببعض الأمثلة التوضيحية في هذا الجانب؟

- أضرب لك مثالا عندما يحتكم الرجل الغربي للانتخابات في فرز المرشح الأصلح - شخص أو حزب -، فإنه يحترم هذا الخيار ويدافع عنه، لان ولاءه للقانون، وليس لحزب أو شخص. ولا يهمه ماذا يكون موقف رجل الدين والكنيسة. لهذا تعمل الديمقراطية ضمن هذه الأجواء وتؤدي دورها. لكن هل ولاء الفرد في مجتمعاتنا للقانون؟ وماذا لو تحرّك رجل الدين أو رجل السياسة أو شيخ العشيرة ضد العملية الديمقراطية؟ هل سينحاز الفرد للقانون ويدافع عن الديمقراطية، أم ينصاع لفتوى الجهاد ويعلن براءته من الحكومة والقائمين عليها؟ بل لا يتردد في إشهار سيفه، والتضحية في سبيل الله والدين لإجهاض المشروع العلماني الكافر؟

 

أمة مغلوبة

أقدّر جهود العاملين المخلصين في الغرب، وأثمّن انجازاتهم، إلا أن تلك النماذج للأسف تواجه صعوبات شتى في عالمنا الشرق أوسطي. نحن أمة والحمد لله متدينة!، ملتزمة لا تخالف علماءها!، وتستجيب لرجل الدين فيها!، والديمقراطية التي يدعون لها تفترض شروطا لا تتوفر عندنا، ونحن بحاجة إلى ديمقراطية مفرغة من كل حمولتها الإيجابية، لتبقى إطارا نتحكم فيه متى شئنا! نحن نريد ديمقراطية متى ما كانت معنا، ونرفضها حينما تتصادم مع مصالحنا الحزبية والفئوية! نحن أمة لا يحترمنا حكامنا، ولا يخشون تمردنا، أمة مغلوب على أمرها، متى اعترضت توجّهت ضدها فوهات البنادق، أُبيدت عن بكرة أبيها إلى جهنم وبئس المصير! بينما تلك أمة حية، محترمة، يخشاها الحاكم، ويحسب لها ألف حساب، ويسعى لإرضائها بكل الوسائل والطرق.

 

التلقي الأسترالي للإسلام

* بالمناسبة، أنتم تقطنون حاليا في بلدٍ (أستراليا) ينتمي إلى الإطار الغربي من الناحية الحضارية، فكيف تقارنون بين التلقي الغربي للإسلام كما هو الحال في أوربا وأميركا وبين التلقي الأسترالي له، لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر أيلول وما تلاها من حوادث تفجيرية لبِس أصحابها العنوان الإسلامي؟

- الفرد الأسترالي غربي في ثقافته وسلوكه، وإن احتفظ ببعض الخصوصيات، فهو لا يختلف عن أي مواطن أميركي أو أوربي في نظرته للإرهاب، أو للإسلام الذي ينتمي له الإرهابيون، ممن تشبعوا بثقافة الموت، وكراهية الحياة، والحقد على الآخر، فشوّهوا سمعة الدين، وأطاحوا بقيمه الإنسانية الرفيعة. لقد دمّر هؤلاء كل الجهود الخيرة التي قام بها المسلمون في الغرب وأستراليا، تلك الجهود التي عكست وجها ناصعا نقيا عن الإسلام. ثم جاء هؤلاء ليقيموا ‘’دولة إسلامية’’ في سيدني، فبدأوا بمحاسبة النساء، كخطوة أولى على طريق إقامة الدولة المنتظرة! وعجبي أن هؤلاء من أي طينة خلقوا؟ والى أي ثقافة ينتمون؟ فكانت تداعيات تصرفاتهم أن خلقت فجوة كبيرة بين المسلمين وغيرها. وتبددت كل الجهود الخيرة، وأصبح المسلم مشبوها متهما أينما ولى وجهه.

 

تحوّلات جيل

* كيف ترصد التحولات الفكرية التي مرّرتم بها مع نخبة من جيلكم العراقي، خاصة صديقكم عبدالجبار الرفاعي، حيث كنتم قريبين من الفهم الأيديولوجي الديني أثناء عملكم الفكري والتحريري في منشورات إيرانية، فيما يبدو لاحقا أنكم - والرفاعي في مشروعه الجديد وآخرين - بدأتم تمارسون فعلاً نقداً من الداخل الديني)؟

- امتاز بعض الأخوة العراقيين في المهجر الإيراني بحس نقدي، قاومَ كل ألوان الضغط الأيديولوجي، ولم يفتّ في عضده الوعد والوعيد الذي يقدّمه الخطاب الديني. فلم يتحرّج من مقاربة الممنوع أو التحرّش بالمقدس، بل راح يغور بعيدا في آفاق قصيّة، سبّبت له تراكمات نقدية اجتاحت كل المنظومة القيمية بل والفكرية. وهذا لا يعني التنصل أو البراءة من كل شيء، وإنما خضع كل شيء لميزان العقل والتعقل، فكنا حالة نشاز، ضمن الأجواء الثقافية التي اعتادت التسليم والتلقي والانفعال مع حركات عيون وشفاه الخطيب المنبري. فكنا نتحدث همسا ونتناجى سرا، لا يمكننا البوح بكل قناعاتنا، وكنا نجبر على التماشي مع الوضع الاجتماعي، الذي نرفضه في أكثر تفصيلاته.

 

اختراق المسموح

لكن الشيء الجميل أن هذا الهم النقدي تحوّل إلى مشروعات ثقافية وفكرية، سواء كانت مستقلة، أو كانت ضمن المؤسسات الإيرانية. وهي نقطة إيجابية يجب أن تُذكر باستمرار للأخوة العراقيين في المهجر الإيراني. وأمامنا مركز دراسات فلسفة الدين، برئاسة الأخ عبدالجبار الرفاعي، الذي أصدر مجلة قضايا إسلامية معاصرة، وإلى جانبها سلسلة كتب منوعة. كما كانت هناك جهود أخرى فردية أو مؤسساتية، مستقلة أو ضمن المؤسسات الإيرانية، إذ إن المثقفين العراقيين تغلغلوا داخل الوسط الثقافي والإعلامي العربي الإيراني، وقدموا إنجازات مهمة وكبيرة، بل بعض المؤسسات يرجع الفضل فيها إلى الكادر العراقي. كنا في مجلة ‘’التوحيد’’ نسعى لتقديم رؤى نقدية متجاوزين في كثير من الأوقات حدود الهامش المسموح به من حرية الرأي، لكنها كانت مجازفات موفقة، وإنْ كانت محدودة، كما أصدرنا سلسلة رواد الإصلاح، وهي مشروع شخصي، أنفق عليه المتحدّث معك من ماله الخاص، وأشرف على تحريره وإصداره، كما ساهم في كتابة أحد كتبه.

 

العمل في جو تراجيدي

* ولكن ما هو تقييمك النقدي لجهدك في إيران؟

- التقييم الصحيح لجهود العراقيين لا سيما الدائرة الخاصة يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار الاتجاه العام فكرا وعقيدة وسياسة، فقد كنا نغني خارج السرب، وأنت تعلم مسؤولية منْ يغني خارج السرب في الأجواء المغلقة! تعلم حجم المعاناة عندما تطرح رأيا يخالف الاتجاه العام عقيدة وفكرا. لقد أصدرتُ عددا خاصا عن الشعائر الحسينية في إيران، وفي قم تحديدا، تناولنا فيه الشعائر من زاوية نقدية. لا أحد يُقدّر قيمة هذا العمل إلا منْ عاش تلك الأجواء. إنها أجواء تراجيدية! في كل يوم تظهر لك بدعة جديدة، وتُؤسّس قداسة دينية جديدة، والاتجاه العام نحو اتساع الشعائر وممارسة كل الطقوس وبإشراف رجال الدين، حتى أصبح كل شيء مقدّس لا يمكن التشكيك فيه، ثم تأتي وتصدر عددا كاملا في مجلة إسلامية تنتقد فيها الشعائر الحسينية! هل تعلم ماذا يعني ذلك؟! حدّثني صديق فاضل ويحمل شهادة دكتوراه في تخصّصه، قال: عاتبني فلان عندما شاهدني أمشي معك في أحد شوارع مدينة قم، وقال لي كيف تمشي مع إنسان كافر؟ فقلت (والكلام للأخ الدكتور) معاذ الله، منْ هو الكافر؟ فأجابه: فلان رئيس تحرير مجلة التوحيد، الذي ينتقد الشعائر الحسينية؟ وهل تعلم تداعيات تهمة التكفير؟ إنها هدر الدم بلا تردد. ولا شك أن هذا الإنسان لا ينطلق من فراغ لو لم يستفتِ رجل دين بذلك؟ إننا متدينون، ملتزمون لا نخالف رجل الدين.

* أخيراً، أشكرك شيخ ماجد على هذا الحوار الممتع.

- وأنا أشكر جريدة الوقت على إتاحة هذه الفرصة.

 

الوقت - نادر المتروك:

 

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=17171

15/9/2006

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 10 المصادف: 2006-09-15 10:57:29