MM80بعد عشر سنوات من التحول السياسي في العراق، وتزامنا مع انتخابات مجالس المحافظات، حري بالمثقف ان يتصدى لترشيد وعي الشعب،

mutham aljanabiالجمهورية الرابعة – "جمهورية الاحتمالات".

أدى سقوط التوتاليتارية البعثية في العراق في نيسان من هذا العام (2003) إلى انتهاء فترة طويلة من تاريخ الجمهوريات الدموية الخارجة على القانون. وللمرة الأولى بعد أربعة عقود من الزمن ظهرت إمكانيات متنوعة للاحتمالات في التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي. فقد شكل سقوطها في عام 2003 مرور أربعين عاما بالضبط بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في الانقلاب الغادر عام 1963. ويرتقي هذا الزمن من حيث رمزيته وفاعليته في تكون الأفراد والشخصيات إلى مستوى النضج الكامل و"سن الحكمة" و"النبوة". وفيه يتولى الناس أيضا شئون موتاهم بطريقة توحي بان أمرا قد انجر وبلغ التمام. ويواجه العراق هذه الحالة الفعلية في وقوفه أمام احتمالات هائلة في مختلف الميادين للبرهنة على نضوجه المادي والمعنوي. تماما بالقدر الذي تشكل معيارا على نضجه السياسي والاجتماعي في مواجهة الإشكاليات الكبرى لإعادة بناء الدولة والمجتمع.

إن انتهاء الديكتاتورية البعثية الصدامية يعني في الوقت نفسه انتهاء واحدية "الاحتمال". مع أن الاحتمال يفترض بحد ذاته التنوع. غير أن التوتاليتارية ضيقت على كل شيء بما في ذلك مفهوم الاحتمال، الذي يشكل من حيث الجوهر النقيض المادي والمعنوي لها. إذ قضت على كل الاحتمالات، وأبقت على يقين واحد يقول، بان المستقبل هو الموت فقط. ومنه صنعت فكرة ونموذج الوحدة التي يشترك في اصفرارها وخمولها وفسادها الموتى جميعا! من هنا فإن التحول العاصف الذي يلف العراق الآن لا يقوم في انتهاء مرحلة "الجمهورية الثالثة" فحسب، بل وفي تنوع الاحتمالات العديدة لتطوره اللاحق. الأمر الذي يجعلنا نضع فكرة الاحتمال بوصفها العنصر الأكثر جوهرية في تحديد ماهية "الجمهورية الرابعة".

إذ ليست "الجمهورية الرابعة" التي ما زالت إمكانية أكثر منها واقعا سوى المشروع السياسي والثقافي المحتمل للدولة العراقية المقبلة. وفي الإطار العام ليست "الجمهورية الرابعة" في الواقع سوى الفرضية الكبرى التي يمكنها (وينبغي أيضا) تمثل تجارب العراق في مختلف الميادين منذ نشوئه وحتى الآن عبر اختزالها التام في مشروع اشمل وأتم لبناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافية الإنسانية المتفتحة. وبالتالي ليست هناك من مهمة كبرى ينبغي البرهنة عليها أكثر من تحقيقها بأساليب ديمقراطية. ولا يمكن تنفيذ هذه المهمة دون تقييم التجارب السابقة بشكل عام وتجربة العقود الأربعة بشكل خاص لما لها من آثار مازالت سارية المفعول في استمرار الخلل البنيوي الشامل في الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والقيم. ولعل المرجعية الكبرى الآخذة بالنمو بهذا الصدد، رم تناقضاتها الفجة أحيانا، تقوم فيما يمكن دعوته بادراك أهمية وجوهرية الرجوع إلى النفس، باعتبارها مهمة تأسيس الدولة الحديثة.

 

مرجعية الرجوع إلى النفس ومهمة تأسيس الدولة الحديثة

إذا كان ضلال الأفراد، أيا كان نوعه ومستواه، هو جزء من حياتهم الشخصية، فإن ضلال الأمم هو عين السقوط في هاوية الأوهام والرذيلة. فالأول جزء من دراما الحياة ومن ثم يحتوي على إمكانيات متنوعة النتائج، بينما لا يحتوي الثاني إلا على قدر محتوم هو ضياع الأمل وانحطاط الوجود. فالابن الضال يعود وفي انتظاره عيون حنونة، بينما ضلال الأمم هو ضياع الروح وتيه الجسد! وهي حالة مأساوية نادرة الحدوث، لكنها تحتوي مع ذلك على إمكانية واحتمال صنع مأثرة تستحق الغناء والتمجيد أو مسخرة لا قيمة لها. وفي كلتا الحالتين ليس أمام العراق مهمة المفاضلة بينهما مازال يقف أمامهما بوصفهما جزء من مصيره الفردي والوجودي. بمعنى وقوفه أمام حالة فريدة ونادرة في تاريخه العريق، كما لو انه يريد البرهنة من جديد على بديهة قد يكون هو أول من عانى من اجلها وأسس لها بمعايير الحس والعقل والحدس، ألا وهي أن رؤية الظلال في الضلال هي بداية الصعود الفعلي لأشعة الوعي الذاتي. ولا يمكن لهذا الوعي أن يتكامل إلا بعد تأسيسه لفكرة "الرجوع إلى النفس" بوصفها مرجعية متسامية.

وليست هذه "الاظلة" سوى الصيغة الأولية لحركة الوعي الاجتماعي والسياسي باتجاه إدراك قيمة الرجوع إلى النفس. وسوف تستغرق هذه العملية فترة طويلة نسبيا، بسبب كمية ونوعية الانحطاط المادي والمعنوي الذي تعرضت له بنية الدولة والمجتمع والثقافة بشكل عام والسياسية منها بالأخص. وما لم ترتقي النخب الاجتماعية والسياسية إلى مستوى تمثل إشكاليات العراق باعتبارها إشكالاتهم الخاصة، وتمثلها في الأقوال والأعمال والرؤية الإستراتيجية للبدائل، فإن الضياع يبقى ملازما لحالة العراق.

فالإسقاطات التاريخية مثل التعميم السريع هي الصيغة الخربة للاجتزاء والتطويع الأيديولوجي. وعادة ما تلازم هذه الصفة الوعي السياسي المبتذل، كما أنها عادة ما ترافق نشوة المنتصر ومرارة الحسرة القابعة في أعمق أعماق النفس الغضبية حالما تتعرض للهزيمة والانكسار. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الحالة في الخطاب السياسي للقوى "المنتصرة" و"الخاسرة" في ظروف العراق الحالية. مع ما يرافقها من بروز لمختلف نماذج الخطاب الطائفي. وهو خطاب لا عقلانية فيه ولا واقعية. ومساهمته الوحيدة تقوم في إذكاء نفسية العداء والانغلاق، وتجميد العقل والبصيرة، وإجبار الضمير على قبول الرذيلة والانهماك في تبريرها وتجميلها و"تقدسيها". وفي نهاية المطاف تحويل طبيعة الإنسان الاجتماعية إلى تطبع على احتقار قواعد العيش المشترك. ولا يتفنن في تصنيع وتهذيب هذه الهمجية وقدرتها على القتل والفتك شيء أكثر من النزعة الطائفية والعرقية، بوصفها الحلقة التي تقفل على المرء والجماعة إمكانية التحرر من ثقل الماضي. بمعنى العيش والبقاء بما فيه من قيم ومفاهيم. وبالتالي إخضاع الحياة إلى أصنام ميتة.

ومفارقة الظاهرة تقوم في أن الأصنام الميتة اشد فاعلية من غيرها على تمويت العقل والروح والضمير. ويمكن رؤية ملامح هذه الحالة في طبيعة وحجم التمويت السياسي للعقل النقدي والروح الاجتماعي والضمير الوطني. وتشير هذه الظاهرة بحد ذاتها إلى نوعية العقوبة العقلية والأخلاقية والروحية التي يتعرض لها العراق حاليا. لكنها "عقوبة" تاريخية سياسية ثقافية هي الثمرة الخربة لزمن الراديكالية السياسية ونموذجها "الأرقى" في التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية.

إن صعود مختلف مظاهر اللاعقلانية في العراق كان نتيجة مترتبة على تراث هائل من تقاليد الاستبداد والقهر والاغتراب عن حقيقة العراق ومكوناته التاريخية الجوهرية، ومرجعيات ثقافته الذاتية. ونعثر على هذه الصورة ونموذجها التاريخي في كيفية صعود الأموية وممارستها الخاصة تجاه العراق. فقد كان التاريخ الأموي فيما يتعلق بالعراق هو حلقات متراكمة من الإرهاب والقتل العنيف لسلسلة ولاة قساة، بدأ من عبيد الله بن زياد ومرورا بالحجاج الثقفي وخالد القسري وانتهاء بيوسف الثقفي. فقد صنع هذا التاريخ بدوره حلقات لا تنتهي من الاحتجاج والانتفاض والتمرد أدت في نهاية المطاف إلى انهيار الأموية واندثارها التاريخي، بوصفها قوة لا علاقة جوهرية لها بالعراق، ولا رابط يربطها به غير استخراج الخراج وسرقة ثرواته وانتهاك حرماته.

ومثلت الصدامية في الواقع الصيغة "الحديثة" للأموية القديمة. بمعنى أنها جسّدت بصورة نموذجية تقاليد الاستبداد والقهر والاغتراب عن حقيقة العراق. فتاريخها هو زمن القتل والتهجير والحرب والإبادة، ووجودها هو اغتراب دائم عن كل مرجعياته الثقافية الذاتية. فقد جعل من دار السلام دار الحرب والقبيلة والعائلة، وتلاشت قيمة العلماء والأدباء والفنانين والمفكرين، وأصبحت مرتعا لمرتزقة العسكر والإعلام المؤدلج والأذواق الرخيصة. واندثرت فيها كل معالم التطور والتقدم والرقي، بحيث تحول العراق إلى كابوس يجثم بثقله على كاهل الأحياء. ولم يعد العراق غير كمية من الثروات المصدرة والآثار المهربة للبيع في مزاد الانحطاط الذي أشرك في ولائمه كل من هب ودب! وقد أدت هذه العملية بعد عقود مريرة إلى تفريغ كامل للعراق من مكوناته التاريخية الجوهرية. وليس مصادفة أن يستعيض العراقيون البسطاء في نطقهم لاسم صدام بكلمة هدام! وهو "السجع" الوحيد الذي يمكن أن يصنعه زمن الاستبداد والانحطاط. لكنه سجع يحتوي في أعماقه على الصدى التاريخي لأرث عريق من طلب الثأر والانتقام من كل ما هو مغترب ويسعى لتغريب العراق عن مرجعياته الثقافية الذاتية.

ذلك يعني، أن التجربة التاريخية المتكررة لانتقام السلطة المضاد تكشف عن نمو يفوق كل التصورات المحتملة في نوعية وكمية انتقامها. فإذا كانت المعارضة العراقية تعادي السلطة بقيم الحق والشرعية والعدالة، فإن السلطة كانت تنتقم من المجتمع وقواه الحية. وهي العبرة التي استطاع العباسيون فيما مضى تمثلها والاستفادة منها من خلال إلغاء فكرة الأموية ونموذجها ومكوناتها وقواها الذاتية. كما كانت المقدمة التي أدت في الواقع إلى نشوء وتطور الحضارة العربية الإسلامية بوصفها ثقافة كونية. ومن ثم فهي "النموذج" القابل للإحياء بالنسبة للدولة العراقية الحديثة. من هنا فان السؤال الجوهري والعملي الأكبر يقوم في كيفية الانتقال من أموية مغتربة عن العراق إلى "عباسية" عراقية. إن ملامحها تتراكم أمام العيان، رغم تباين المرحلة واختلاف القوى المشتركة في الانتصار عليها. ففي الماضي أدت الأموية بفعل تشريدها للقوى العراقية والانتقام من كل عراقي، إلى أن جعلت "الداخل" و"الخارج" يحتمي فقط برغبة الانتقام والتشفي منها. وفي الماضي ظهر أبو مسلم الخراساني، والآن من تدعوهم بقايا الأموية "بالصفويين". أما في الواقع، فإن كل "السلطة" الحالية هي من "الخارج". أنها قوى مهجرة ومغرّبة من جانب الأموية الصدامية وليست مغتربة بذاتها. إن كل القوى المعارضة هي من "الخارج" (المجلس الأعلى، والدعوة، والأحزاب الكردية، والليبراليون، والشيوعيون، والمستقلون وغيرهم). إنها القوى التي تكتلت من خلال تفاعل إشكاليات صراعها مع الصدامية، لكنها كانت جميعا محكومة بقوة المواجهة العنيفة ضد القهر والاستبداد والتهجير. والاستثناء الكبير الوحيد هو للحركة الصدرية، بوصفها حركة "الداخل" المهمش والمهان والمبعد والمحتقر! ومن تلاقي وتواجه وتصارع قوى "الخارج" و"الداخل" العراقي ظهرت إشكاليات سوء الفهم، المحكومة في اغلبها بسبب الاحتلال الأمريكي. ومهما يكن من أمر القوة التي أسقطت الصدامية، فإن الواقع يشير إلى أن سقوط الأموية الصدامية هو بداية الاحتمالات المتنوعة للبدائل. وإذا كان من الصعب تحديد آفاقها بصورة دقيقة، فإن مما لا شك فيه هو حتمية اشتداد الصراع لكي تتم عملية ما يمكن دعوته بالتطهير الذاتي. وهي عملية أشبه ما تكون بالطوفان، لا يقف إلا حيث تقف قوة اندفاعه الذاتي. وكما حدث بعد سقوط الأموية الأولى من تصفية وتطهير لها واستكمالها بظهور "السفاح"، فإننا نقف أمام ظهور سفاحين صغار وكبار. وهي عملية لا يمكنها الهدوء ما لم تبلغ نهايتها. كما أنها العملية المؤلمة التي تتصف بقدر كبير من الدموية والعنف. وبالتالي ليست الطائفية السياسية والعرقية والجهوية وغيرها سوى بعض مظاهرها. وسوف تجبر هذه المظاهر الجميع على إدراك حدودهم الذاتية، ومن ثم البحث عن "مساومة" تاريخية جديدة تعيد للعراق إمكانية بناءه الذاتي. بمعنى التوصل إلى أن إعادة بناء العراق تفترض الانطلاق من مشروع عراقي خالص، بوصفه مشروع المستقبل. ولا يمكن تحقيق هذه المشروع دون صنع وحدة ديناميكية بين فكرة وآلية عمل النظام السياسي والدولة. ولعل لأفضل صيغة واقعية لها في ظروف العراق الحالية هي فكرة مركزية الدولة ودولة القانون من خلال تنشيط وتوسيع مدى فكرة الأغلبية السياسية والقضاء على كل نماذج التجزئة التي شكل "نظام المحاصصة والشراكة والتوافق" نموذجها العملي.

والمقصود بمركزية الدولة هنا  هو شرعية سلوكها المحكوم بالقانون هو أساس ومصدر الإرادة الوطنية القادرة على الفوز في معركة المستقبل. وهو الرهان التاريخي الذي ينتظر العراق كدولة ونظام سياسي ومنظومة اجتماعية واقتصادية وعلمية وثقافية تلامس كل هموم الأفراد والجماعات والمجتمع.

مما يضع أمام جميع الحركات السياسية والاجتماعية العراقية المعاصرة بغض النظر عن عقائدها مهمة إدراك العبرة التاريخية والسياسية والأخلاقية من تجربة التخريب الشامل التي لازمت زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية ومرحلة "الحكم المؤقت" و"نظام المحاصصة". أما فكرة دولة القانون، فان المقصود بها هو الصيغة المثلى لتمثل حقائق التاريخ العراقي الحديث. وهي المهمة الأعقد بسبب انعدام تقاليد الدولة ومؤسساتها. من هنا شراسة المواجهة العلنية والمستترة من جانب البنية التقليدية للأحزاب بشكل خاص. وفي الوقت نفسه هي مهمة وطنية كبرى، لأنها تضع احد اخطر الشعارات الدقيقة أمام اختبار فعلي وتاريخي كبير، يرتبط نجاحه بنجاح بناء الدولة الحقيقية. وهذا أمر مستحيل دون الربط الفعال بين مركزية الدولة وبناءها على أسس الاحتراف المهني والعلم الحديث، وليس على أساس الانتماء الحزبي والعقائدي. فالأخير عاجز عن تمثل حقائق التاريخ والعلم. بينما دولة القانون هي تاريخ فعلي وعلم دقيق مفتوح على كل الاحتمالات العقلانية والإنسانية.

 

ميثم الجنابي

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

  

mutham aljanabiنهاية الزمن الفارغ وبداية التاريخ الفعلي

 من بين البديهيات السياسية الكبرى التي يتوقف عليها مسار العملية السياسية المستقبلية في العراق هي استحالة تمثيل الفكرة العامة والبقاء ضمن حدود المكونات الجزئية. وهو سر الخلل الفعال في بقاء "العملية السياسية" العراقية تتراوح في محلها. فعندما نطبق ذلك، على سبيل المثال على فكرة الوطنية العراقية العامة والديمقراطية الشرعية، فإننا نقف أمام إشكالاتها النظرية والعملية. بمعنى كيفية ومستوى فهم المضمون الحالي والمستقبلي للفكرة العامة، ومن هي القوة الاجتماعية والسياسية القادرة على تمثلها وتطبيقها بمعايير الرؤية الوطنية والديمقراطية والشرعية.

فالفكرة الكبرى حالما تصبح جزء من برنامج القوى الجزئية، فإنها تؤدي بالضرورة إلى طريق مسدود. وهو أمر جلي في مجرى الصراع العنيف، الظاهر والمستتر حول "الوطنية العراقية" من جانب مختلف القوى السياسية. وظهر ذلك بوضوح أيضا من خلال مطابقة فكرة "الوطنية العراقية" و"الإجماع الوطني" مع فكرة استبدال "الاستحقاق الانتخابي" "بالاستحقاق الوطني". ويكشف هذا الاستبدال عن طبيعة القوى الجزئية وليس الفكرة. أما القوى التي جعلت من "المقاومة ضد المحتل" من اجل "تحرير العراق وعروبته"، فقد كشفت عن استحالة تحقيقها بفعل طابعها الجزئي، أي طائفيتها السياسية (السنية). ومن ثم لم تكن فكرة التحرير تعادل فكرة الحرية، كما أن شعار عروبة العراق لم يكن أكثر من عرابة السلطة! والشيء نفسه يمكن قوله عن القوى القومية الكردية بهذا الصدد. إذ لم يكن دفاعها عن "الديمقراطية" و"محاربة الطائفية" و"الاستحقاق الوطني" سوى الصيغة الظاهرية للعرقية المتآكلة في مجرى التغيرات الاجتماعية السياسية التي أعقبت فوزها الأول في ظل غياب "العرب السنة" في اقتسام السلطة. وذلك لأن القوى القومية الكردية قوى عرقية بالنسبة للعراق. إذ لا تمثل الوطنية العراقية بالنسبة لها أكثر من 9% والبقية الباقية "كردستانية". وحتى حالما تزيد هذا الرقم إلى 17% أو عشرين أو أكثر، فإنه ليس من اجل تأكيد العراقية بل للحصول على امتيازات عرقية. أما القوى التي تمثل الطيف الشيعي، فإنها القوة الوحيدة التي تحتوي في أعماقها على إرهاصات توسيع المدى الاجتماعي للفكرة الوطنية العراقية. وهي إرهاصات قائمة في صلب وتاريخ التشيع العراقي باعتباره تشيعا للعراق. أما "التكتل السياسي الشيعي" المعاصر فانه مجرد صيغة مؤقتة لاستعادة الفكرة الوطنية العراقية والقومية العربية الثقافية (وليست العرقية أو العنصرية). والسبب والمقدمة الواقعية لذلك يقومان في انه إذا كان منطق الديمقراطية الملازم لفوز الأغلبية يقضي في مجراه على شعور الغلبة، فإن القضاء على شعور الغلبة يفضي إلى سيادة فكرة المسئولية المشتركة والحقوق العامة. وهي عملية معقدة وطويلة نسبيا سوف تسحب الجميع إلى الاشتراك الفعال في تنظيمها بوصفه أسلوب تذليل فاعلية "النسبة" العرضية (من عرقية وطائفية وجهوية وأمثالها) بالنسبة لفكرة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. وفي هذا تكمن ضمانة التطور التدريجي للنظام الديمقراطي والدولة الشرعية والمجتمع المدني بوصفها منظومة مترابطة. لاسيما وأنها العملية الوحيدة القادرة على تحرير المجتمع والفكر من مختلف الأوهام. وقد تكون أوهام الزمن الطائفي والعرقي من بين أكثرها أهمية بالنسبة لتأسيس الدولة الجديدة وآفاقها المستقبلية.

فالطائفية بشكل عام والسياسية بشكل خاص الواسعة الانتشار في ظروف العراق الحالية ليست إلا الوجه الآخر للانحطاط الثقافي العام وبؤس الحاضر. مما جعل منها على امتداد الصراع المتنامي ما بعد الصدامية الوتر الوحيد لعزف القوى "السياسية" الحزبية الضيقة. ويعكس هذا العزف أولا وقبل كل شيء بؤس الحياة والفكر والثقافة والمستقبل. لكنه بؤس له مقدماته الفعلية في مجرى تراكم التقاليد الراديكالية والإرهاب الشامل الذي ميز النظام الجمهوري في مراحله المختلفة.

فقد فاجئ سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية المفاجئ، الجميع بإمكانية احترابهم الهمجي. بمعنى أنه أفرز للمرة الأولى إمكانية إعادة ترتيب الأمور بطريقة تكسر هيمنة الرتابة الطائفية السياسية السابقة. ولا يمكن لهذا الكسر أن يكون شيئا آخرا غير توسيع وتعميق وتشديد الرؤية الطائفية السياسية ودفعها إلى النهاية، من اجل اكتشاف حدودها، بوصفها بنية تقليدية متخلفة ومن ثم غير قادرة على العيش والانتعاش طويلا في ظروف المعاصرة.  

وهي ظاهرة برزت ملامحها الجلية في اشتداد الاختلاف على مستوى "التمثيل الطائفي"، والمتشابه على مستوى "المنهجية" والرؤية والقيم. وهي نتيجة طبيعية. وذلك لان الطائفية من حيث مقدماتها وآلية فعلها واحدة، بوصفها بنية تقليدية مغلقة، أسلوبها الأمثل للسيادة هو الإبقاء على ثنائية السادة والعبيد، أو القادة والطائفة عبر مصادرة العقل وحرية الفكر. وقد أدى الغزو والاحتلال إلى تفجير وتعميق وتوسيع حالة التشوه الكامنة فيه، ومن ثم تخلخل القيم والمفاهيم والمبادئ والشخصية الوطنية. وحاصر هذا التحول التاريخي والانعطاف الراديكالي الجميع في بداية كما هو جلي في ظهور تكتلات وأحزاب و"شخصيات" طائفية خاطفة! ثم إلى تشرذم طائفي سياسي. مع ما لازمه بالضرورة من احتراب داخلي وتنافس دموي، أي كل ما يعكس خلله الذاتي وانحسار الطبيعي.

والشيء نفسه يمكن قوله عن نهاية أوهام الزمن العرقي (الكردي). ومن الممكن تتبع هذه الحالة من خلال تحليل السلوك العملي والخطاب السياسي للنخب الكردية "القومية" السياسية والمثقفة، أي القيادات التقليدية والمتعلمين، وبالأخص في مجرى "الاندماج" التعيس بمخطط الاحتلال الأمريكي للعراق والتماهي معه، بحيث لم يبق في العراق قوة تتحدث عن "التحرير" غيرها! ولم يكن هذا "التوافق" مع الاحتلال معزولا عن تراكم النزعة العرقية التي لا تصنع في مجرى "كفاحها" غير مختلف عناصر اللاعقلانية والانحطاط. وتراكمت هذه العناصر في مجرى "النضال القومي" للحركات والأحزاب الكردية في العراق من خلال انعزالها التدريجي عنه وانفصامها عن مستقبل الاندماج التاريخي والطبيعي به من جهة، والتكامل مع مختلف القوى التي ناصبته العداء من جهة أخرى. 

ولم تكن هذه الظاهرة معزولة عن طبيعة الصراع العالمي الإقليمي الذي لف المنطقة، وبالأخص بعد انهيار الحكم الملكي وحلف بغداد وصعود الراديكالية السياسية. لكنها ظاهرة تعكس من حيث مقدماتها الذاتية طبيعة الضعف الذاتي للحركات القومية الكردية و"القومية" الكردية ككل. ومن الممكن رؤية ملامح هذه  الظاهرة في "الرجوع" إلى العراق بعد انهيار الصدامية، أي في تناقض "التخلي عن الاستقلال" السابق للغزو الأمريكي والنضال من اجل "الفيدرالية". وتتعارض هذه الخطوة مع فكرة "التحرر القومي" وتشكل رجوعا إلى الوراء مقارنة بما كان من "استقلال"، لكنها نموذجية فيما يتعلق بكشفها لطبيعة النفسية والذهنية الملازمة للحركات القومية الكردية التي بلغت في مجرى "استقلالها" المحكوم بالغطاء الجوي الأمريكي البريطاني الفرنسي، درجة التقوقع العرقي. ويتمثل هذا التوقع من حيث آليته وغاياته النموذج الصهيوني، أي "الاحتلال البشري للأرض!"، مع انه لا ارض كردية في العراق بل أكراد فقط.

لقد كان "سر" الرجوع الطوعي إلى بغداد جزء من إستراتيجية السرقة والتأثير "على المركز". ولم يكن المركز في الواقع سوى قوات الاحتلال. بمعنى العمل معها عن قرب من اجل التحضير والتأسيس لفكرة الانفصال. فقد كانت تتوازى هذه الفكرة مع كل الأفعال الظاهرة والمستترة "لقوى التحالف الكردستاني". بحيث نعثر عليها في نمط السرقة والابتزاز العنيف الذي ميز هجوم الميليشيات الكردية بعد سقوط السلطة الصدامية ، وفي سلوكها تجاه فكرة ونمط "الفيدرالية"، التي لم تكن في الواقع أكثر من تنظيم يحدد نمط السرقة والابتزاز للمركز، وفي عملها تجاه ترسيخ مبدأ المحاصصة في كل شيء، وفي محاولات ابتزاز الثقافة والمثقفين من خلال "بيوت الثقافة" المأجورة ومهرجاناتها الركيكة، و"علاج" المثقفين المرضى، أي مختلف نماذج الرشوة المبطنة، والقيام بكل "المآثر" الممكنة من اجل تقويض فكرة مركزية الدولة والفكرة الوطنية العراقية. غير أن النتيجة الجلية الآن هي بداية انهيار المشروع العرقي الكردي في العراق. وهي نتيجة حتمية! إذ يعكس هذا الصعود والهبوط بصورة نموذجية خلل الوعي "الوطني" و"القومي" الكردي، بدأ من الصراع من اجل "الحكم الذاتي" وانتهاء بمغامرة "الفيدرالية العرقية". فقد كان في مجرى تاريخه الكلي والجزئي مجرد عنصر من عناصر الصراعات الإقليمية والأجنبية في المنطقة بشكل عام وفي العراق بشكل خاص. أما "التحالف الكردستاني" فقد كان الصيغة السياسية العملية التي فرضتها الولايات المتحدة في أول الأمر من اجل توظيفه في إستراتيجية "إعادة ترتيب" أوضاع العراق، ومن خلال "الشرق الأوسط". بينما الآن هو استمرار عادي لصراعات تقليدية وبينية. لكن النتيجة واحدة وهي انه جزء من لعبة عقيمة بالأصل لأنها جزء من مشروع أجنبي وغريب. وفي هذا تكمن حتمية ما ادعوه بنهاية الزمن العرقي.

 

المركز السياسي والمركزية الثقافية

إن هذه الحصيلة الآخذة في النمو والتراكم والجلاء بأثر انتهاء نفسية وذهنية الزمن وبروز وتراكم فكرة التاريخ، هي مجرد احد مظاهر العملية الأكثر جوهرية لصيرورة المركزية السياسية والثقافية للدولة. بمعنى أنها العملية التي تنحو باتجاه الانتقال إلى فكرة المركز الثقافي السياسي. وهذا قانون حتمي في الكينونة العراقية. ومن الممكن هنا الإشارة العابرة إلى نماذج قديمة وحديثة بهذا الصدد. فقد حاول الحجاج الثقفي (السلف النموذجي لصدام من حيث الشخصية والأسلوب والمزاج والدموية) أن يجعل من مدينة واسط مركز في العراق محل البصرة والكوفة. لكنه لم يفلح وذلك لان وظيفتها في الوعي واللاوعي كانت مجرد أداة للوصول إلى القتل. من هنا اندثارها. وما حدث ويحدث الآن يستنسخ هذه الحالة والنتيجة. بمعنى أن محاولات الأطراف جعل نفسها مركزا من خلال "تفجير النفس" لإرهاب البقية الباقية، أي محاولة تفجير العراق من الداخل لإعادة التحكم به بمعايير الزمن ليست ذات فاعلية في نهاية المطاف. وذلك لانتهاء مرحلة الزمن في العراق. ولعل نموذجها الاجتماعي السياسي جلي في ظاهرة الانتقال من اطرافية بدوية إلى "قومية عربية" ومنها إلى "سنية عربية" ثم "سنية وهابية" ثم "سنية إرهابية"، بحيث جعلت من سنة الإرهاب إرهابا سنيا، او من الإرهاب سنة، ومن السنة إرهابا. وليس مصادفة أن نرى في بعض ملامحها الناتئة ما يذكرنا بنفسية وذهنية الموجات الأولى للمغول والتتر. وليس مصادفة أيضا أن نرى من وراءها ظهور رؤوس العثمانية الجديدة تنظر بعيون شاخصة لا تخلو من بلادة الزمن لاسترجاع "ولايات" هي التي علمتهم أبجديات الثقافة والدولة! أما الحصيلة فهي تركيبة بليدة وخشنة بقدر واحد اقرب ما تكون إلى فقاعة الزمن. والشيء نفسه يمكن قوله عن اطرافية الأقلية القومية العرقية (الكردية). بمعنى أنها تبقى رغم كل محاورتها التغلغل إلى المركز بصفة "أقلية" مغلقة هو مجرد جهد ضائع ولا ومعنى له لأنه يتعارض مع صيرورة المركزية السياسية والثقافية للدولة البديلة الآخذة في النشوء والتراكم.

 إن اجترار الزمن هو الوجه الآخر لتفريغ تجاربه التاريخية ووعيه الذاتي من قيم العقلانية والحكمة العملية. إذ ترتبط هذه النتيجة أساسا بتحلل فكرة المركز الثقافي السياسي، أي كل ما نعثر عليه في تحلل فكرة الوطنية المثلى بوصفها المرجعية الجامعة لوحدة صيرورته التاريخية وكينونته الثقافية. كما يمكن العثور على هذه البديهية في كل تاريخه الفعلي. ففي إحدى القصائد الكبرى التي قيلت بحق سرجون الثاني، ملك آشور (ت – 705 قبل الميلاد)، نقرأ الخطاب الموجه إلى نينيجيكو (اله الحكمة):

يا اله الحكمة!

فجّر ينابيعك لسرجون، ملك آشور،

وحاكم بابل،

وملك سومر وأكد،

ومشّيد هيكلك!

واجعل للعقلاء والعلماء قدرهم

ووفقهم بالتمام وبلوغ المرام!

ويعكس هذا المقطع النموذجي فكرة وذهنية المركز السياسي، التي صنعت بدورها قيمة المركزية الثقافية. بمعنى التوكيد على أن الحكمة هي منبع الحكم، وان العراق هو آشور وبابل وسومر (أي شماله ووسطه وجنوبه) وان للحكم الرشيد (العقلاني والحكيم) قدره في بلوغ التمام والمرام. وتكشف هذه الفكرة بعد مرور حوالي 2700 عام، عن طبيعة ونوعية المرجعية الغائرة في أعمق أعماق الوجود العراقي وتاريخه الذاتي عن أن العراق هو صيرورة تاريخية وكينونة ثقافية لا مكان فيها للتجزئة المفتعلة. بمعنى أن كل الصيغ المفتعلة التي جرى حشرها في وعيه السياسي على امتداد تاريخه الحديث (وبالأخص منذ ثلاثينيات القرن العشرين) لم تؤد في نهاية المطاف إلا إلى الزوال والاندثار دون أن تثير في الذاكرة غير مختلف نماذج الأسى والكراهية، كما هو جلي في ما آلت إليه الأيديولوجيات الكبرى كالشيوعية والبعثية، وما نراه ونسمعه من صداها الباهت في "الاستفحال" البليد للأحزاب العرقية الكردية، وهوس الحركات الطائفية، وهمجية السلفيات السنية ("الإسلامية")الإرهابية، ومختلف أشكال مستويات التجزئة والانحطاط.

ذلك يعني أن الحالة التي يقف أمامها العراق والدولة العراقي بعد عقدة من الزمن تكشف عن محاولات الرجوع إلى الماضي هي أوهام مستحيلة. بمعنى انه لا يمكن تكرار تجربة الماضي الفاشلة. والقضية ليست فقط في أنها ليست واقعية ومعادية للطبيعة والتاريخ والروح والجسد والمستقبل وفكرة الحياة بحد ذاتها، بل ولتغير بنية الدولة الاجتماعية والسياسية، التي تجد تعبيرها الأولي في استعادة المركز لمركزيته، والإبقاء على الأطراف بوصفها مكونات ضرورية للحركة والدوران ضمن أفلاكه. فالانقلاب النوعي الذي جرى ويجري في بنية الدولة العراقية ونظامها السياسي والقيم الاجتماعية هو تغير بنيوي كامل وجديد. انه انقطاع نوعي لا يشبه في شيء ما كان يحدث فيما مضى. فقد كانت الانقطاعات السابقة ظاهرية فقط. بينما ما يحدث الآن هو تحول نوعي، كما هو جلي في فكرة الدستور الدائم والنظام السياسي الديمقراطي وفكرة العدالة والضمان الاجتماعي والحرية وما يرافقها من صراع مناطق وأطراف واثنيات وطوائف، أي كل تلك الوحدة المتناقضة والحي لتأسيس وحدة جديدة للدولة والمجتمع والمرجعيات الكبرى.من هنا تراكم المفاهيم والقيم السياسية والاجتماعية وتدقيق معانيها ووظيفتها في مجرى صراع علني ومستتر حادين. ويمكن الاكتفاء هنا بفكرة "الشراكة الوطنية" التي تحولت إلى محاصصة تقليدية سيئة. بمعنى كشفها عن أن الدولة الحقيقية لا تعترف بالشراكة بل بالإدارة الصالحة والعقلانية. وبدون ذلك تتحول كل العبارات الجميلة من شركة وشراكة وتوافق واتحاد وأخوة وما شابه ذلك إلى مجرد أداة نفعية ضيقة. مع ما يترتب عليه من إدراك نقدي بضرورة إخضاعها إلى آلية جديدة لتنظيم جميع عناصر الوجود الضروري لمنظومة الحكم والنظام السياسي. وتوظيف كل ذلك من اجل تأسيس حركة عمرانية شاملة للروح والجسد العراقي، كما هو جلي في اقتناع الجميع بفكرة الإدارة السياسية الاجتماعية (فكرة الأغلبية السياسية). فو الطريق الوحيد لتأسيس نام سياسي رشيد يرشد الدولة في مسارها الجديد. مما يذلل بالضرورة كل مظاهر العنف وإمكانيات الحرب الأهلية وما شابه ذلك من نماذج غير عقلانية. لاسيما وان تجارب الأمم التي مرت بحروب أهلية ضروس تنتهي حالما تنتهي الحرب. أما خصوصية الحرب الأهلية المحتملة في العراق، فأنها مجرد حالة جزئية وذلك لأنها لن تحتكم ولن ترتق إلى صراع بين أيديولوجيات. فالحد الأقصى لها هو صراع بين مركز وأطراف. بمعنى سهولة حسمها.  (يتبع....)

***

 

ميثم الجنابي

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

  

mutham aljanabiاللحظة التأسيسية للتاريخ العراقي الجديد

إن العبارة المندهشة عما يسمى بـ "لحظة العمر" تعكس بقدر واحد جلاء الحقيقة وغموضها، أي كل ما يجعل من الواقع والرغبة والحقيقة شيئا واحدا. وبالتالي يعطي للعقل إمكانية التفسير والتأويل باعتبارهما شيئا واحدا. وإذا كانت هذه الحالة نادرة في حياة المرء، فإنها أكثر ندرة في تاريخ الأمم والدول. لكنها حالما تحصل، فإنها تتحول إلى حصاد منعش ومرهق بقدر واحد، شأن كل ما في الحياة الفعلية من تناقضات هي عين الوجود ومصدر المعنى ودليل العارفين! من هنا إثارتها لهياج الجدل والهام اليقين، وشكوك العارفين والجاهلين في أسئلة وتساؤلات تتراوح ما بين التفاؤل المغري واليأس القاتل، والتأييد العارم والمعارضة الشامتة. باختصار كل ما يميز حالات الوجود الفردي والاجتماعي زمن الانقلابات الكبرى، والتحولات العاصفة، والوقوف أما "مفترق الطرق" المجهولة. وذلك لأنها حالات تندرج أما ضمن سياق الزمن ومروره العابر، او تتغلغل في طبقات الوجود الفعلي لتاريخ الأفراد والجماعات والأمم.

وقد كان انهيار الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية في العراق عام 2003 الحالة النموذجية لهذا النوع من "لحظة العمر" المغرية والقاتلة! من ها إثارتها واستثارتها لجدل سوف لن ينتهي ما لم تنتهي إشكالية التعارض المستعصي بين نفسية الزمن وفكرة التاريخ في الوعي والوجود العراقي. فالزمن لا يعرف العقود والقرون. إنها لحظات في تاريخ الوجود. من هنا قيمتها بالنسبة للتأمل والاعتبار العقليين، أي للحاضر والمستقبل. ولهذا عادة ما تمر عشر سنوات في تاريخ الأفراد الجماعات والأمم والدول بوصفها زمنا عابرا، بينما تتحول لحظات او أيام إلى "محطات" كبرى في تاريخها الذاتي. من هنا إمكانية أن تهز بضعة أيام العالم، بينما ينام العالم غافلا ذليلا قرونا من الزمن في سبات هو عين اللذة المخدوعة!

وليس مصادفة أن تثير "عشر سنوات" بعد انهيار الدكتاتورية في العراق جدلا في العراق والعالم العربي والعالم أيضا بمستويات مختلفة. ولكل منه مقدماته وغاياته، أسبابه ونتائجه. أما بالنسبة لنا، فان ما جرى هو "لحظة التاريخ الكبرى". وذلك لأنه وضع للمرة الأولى إشكالية الزمن والتاريخ في الوجود العراقي بوصفها قضية وجودية ومعنوية بقدر واحد. إذ لا تعني ولا تعادل عشر سنوات بمعايير العد العادي سوى 10 سنوات من الزمن. أما بمعايير التاريخ، فأنها تعني تذليل تركة 700 سنة ما بعد سقوط بغداد عام 1258 حتى انقلاب تموز 1958، وحطام 400  سنة من الاحتلال العثماني، وخراب 40 سنة من دكتاتورية فجة، وتركة 10 سنوات من الاحتلال والاحتراب والتشرذم والاقتتال الدموي والسرقة والنهب والاحتيال وغيرها من الرذائل. ذلك يعني أن عشر سنوات (203-2013) هي العقد الأول من التاريخ الفعلي للولادة الجديدة للعراق الحديث. وذلك لأنها تضع للمرة الأولى بعد قرون وعقود وسنوات من الزمن مهمة التأسيس الفعلي للتاريخ الذاتي.

إن التأسيس الذاتي للدولة والأمة هي على الدوام المهمة الأكثر تعقيدا، ومن ثم الأكثر عذابا وعذوبة في الوقت نفسه. وذلك لأنها اللحظة الأكثر اضطرابا وإثارة للمواجهة والتحدي والصراع والاقتتال بمختلف أشكاله ومستوياته. الأمر الذي جعل ويجعل منها على الدوام اللحظات الخاطفة في تاريخ الأمم. وذلك لأنها اللحظات التي ترتقي فيها الأحداث والإرادة إلى مستوى الإدراك الواعي للمستقبل. بمعنى العمل والفعل بمعايير التطور التلقائي وليس بردود الفعل المباشر على ما هو خارجي. بعبارة أخرى، إن الأحداث التاريخية الكبرى هي التي توجه قواها النقدية والفعلية أولا وقبل كل شيء تجاه النفس من اجل إرساء أسس تطورها الذاتي. وهي الحالة التي تحسسها العراق وتلمسها وتذوقها وآخذ بإدراكها بمعايير الجسد والروح للمرة الأولى بعد قرون من الزمن. فإذا كان اغلب النصف الأول للقرن العشرين، بوصفه بداية الدولة الحديثة، يدور في فلك رد الفعل على السيطرة الأجنبية (من انتداب وهيمنة وسطوة بريطانية)، فان النصف الثاني منه تراكم بمعايير الزمن القاتل للراديكاليات السياسية والبنية التقليدية للنظم السياسية. ومن خلال هذه العملية المتناقضة كان تراكم وعي الذات الاجتماعي والوطني والقومي يشق لنفسه الطريق، شأن مياه الحياة المضغوطة تحت أحجار صماء. وإذا كان مخرجها الهائل قد بدأ مع بدايات القرن الحادي والعشرين، فان ذلك يعني بالنسبة لنا بداية القرن الجديد. وهو ما يشكل مضمون اللحظة التأسيسية الجديدة بالنسبة للعراق.

إن اللحظة الكبرى في تاريخ الأمم هي التي تشق لنفسها الطريق إلى الكلمة والعبارة والمعنى. ومن ثم تجبر الجميع، كل على مقدار ما فيه من طاقة واستعداد، لتأمل ما فيها والانهماك بأشكال ومستويات مختلفة للمساهمة أما برصف الكلمات وأما بسبك العبارات وأما بتحقيق المعاني. ووراء كل منها قدر من المعاناة هو الصدى العلني أو المستتر لما في هذه اللحظة من اثر واقعي مباشر على الحياة والوعي، أو احتمال كامن فيما أطلقت عليه تقاليد الثقافة العربية عبارة "سر الغيب"، أي الاحتمال غير المتناهي لكمون المستقبل.

من هنا عادة ما تبدو اللحظة التاريخية التأسيسية مفاجأة كبرى، وذلك لأنها تعيد إنتاج حقيقة المفاهيم وإعادة دمجها وتنشيطها في نسيج الوعي الاجتماعي والقومي. وليس هذا في الواقع سوى المقدمة الروحية (العقلية والوجدانية) لنقد الذات الفعلي، أي نقد التاريخ الواقعي من اجل تصحيح مساره المستقبلي. وبالتالي، ليست اللحظة التأسيسية سوى مقدمة صنع التاريخ الطبيعي. والتاريخ الطبيعي هو تاريخ المستقبل. وليس المقصود بتاريخ المستقبل سوى التطور التلقائي عبر تكامل الدولة والنظام السياسي بالقضاء على زمن السلطة. أما مضمون التكامل هنا فهو التطور والتقدم والارتقاء بمعايير المعاصرة والحداثة، أي المؤسسة على جوهرية العلم وديناميكية التطور الاقتصادي ووحدة الحرية والنظام وقيم العدل والمساواة.

فقد كان القرن العشرين رقما لا علاقة له بالعراق. أو أنه عاش قرنا من الزمن لا علاقة له بالتاريخ العالمي. انه قرن الانغلاق والتقوقع والتخلف والرجوع إلى الوراء. انه قرن التضحيات الكبرى والهزائم الكبرى. وذلك لأنه لم يرس أسس المنظومة الضرورية للتقدم الفعلي. كما أن معاناته لم ترتق إلى مصاف الإدراك العقلي والعقلاني لقيمة وأهمية وكيفية تحقيق اللحظة التأسيسية بالنسبة للتاريخ القومي، أي إرساء أسس التاريخ الطبيعي والعقلي للدولة والمجتمع والثقافة. ولا يمكن بلوغ ذلك وتحقيقه دون إرساء أسس النظام السياسي الاجتماعي والعقلاني واستكمال مقوماته الحية وتجاربه الدائمة.

وشأن كل عملية تاريخية كبرى عادة ما يتداخل فيها الوهم والخيال مع الرزانة والحصافة والتعقل الرزين. ولا غرابة في الأمر. فالحياة خليط هائل لا ينتظم إلا بمتناقضاته! وينطبق ذلك بالقدر نفسه على حياة الأمم. إذ لا تنتظم متناقضاتها إلا عبر إرجاعها إلى حقائقها الأولية، أي أولوية الحياة العاقلة، أي المحكومة بما كان أسلافنا يدعوه بالعقل الفعال. فهي المقدمة الضرورية لجعل فكرة الاحتمال الواقعي والعقلاني أسلوب الحياة نفسها. وبالتالي، فان حقيقة اللحظة التأسيسية الحالية بالنسبة للعراق تعادل من حيث الأسلوب والمعنى مضمون العقل الفعال، أي العقل التاريخي للأمة من اجل تذليل مختلف أوهام زمن الخراب والضياع والتخلف!

ذلك يعني أن اللحظة التأسيسية او "لحظة العمر" هي بداية كل وجود فيه. وبما أن الوجود غير متناه، من هنا سوف اكتفي بالقضية الأكثر جوهرية للوجود التاريخي للأمة، أي قضية الدولة والنظام السياسي. فهي القاطرة التي يمكنها أن تسحب عربات الوجود صوب الغاية (المستقبل) او تسقطها في هاوية الضياع أو الموت.

 

تأسيس وليس إعادة بناء

إن الإشكالية العصية لوحدة وديناميكية الزمن والتاريخ في العراق هي أولا وقبل كل شيء إشكالية النظام السياسي والدولة. وسوف لن ينتهي عصيانها "المنطقي" والواقعي ما لم يجر تذليل زمن الاغتراب عن حقيقة التاريخ العراقي. وفيما لو جرى تكثيف مسار الدولة العراقية الحديثة ونظمها السياسية (ملكية وجمهورية، ديمقراطية نسبية ودكتاتورية تامة، فإننا نقف أمام حقيقة مرة المذاق والطعم ألا وهي فشل الدولة العراقية الحديثة وتحلل نظامها السياسي. إذ لم يكن الاحتلال الأمريكي للعراق وطبيعة ونوعية المهانة الوطنية والقومية للعراق سوى النتيجة "المنطقية" لواقعية الفشل الفعلي للدولة والنظام السياسي فيه. وبما أن النظام السياسي هو قلب وروح الدولة، من هنا دوره الحاسم بالنسبة للأمة وكينونتها الذاتية، والتاريخ ووعيه الذاتي، والمستقبل وآفاقه، وديناميكية الاقتصاد والعلم والثقافة، ونوعية العلاقات الاجتماعية والقيم.

فقد كان الاحتلال الأمريكي للعراق هو خاتمة الانحلال الذاتي للدولة العرقية الحديثة ونظامها السياسي. ومفارقة الاحتلال تقوم في انه أنهى الاحتلال أيضا. بمعنى أن ما جرى بعده هو نفي لما كان يسعى إليه، وما يجري الآن هو نفي لزمن الاحتلال والانحلال بقدر واحد. بمعنى أنها بداية التحرر الذاتي الفعلي للعراق الحديث. وهو تحرر معارض وناف "للتحرير الأمريكي" من حيث قواه وآفاقه وغاياته، وذلك لأنه يرسي للمرة الأولى منظومة مرجعياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقيميية والوطنية الخاصة. وليس الاحتراب الدموي ومختلف أشكال ومستويات اللاعقلانية فيه سوى الوجه الظاهري لهذا التحول الكبير. وذلك لان ما يجري ليس إعادة بناء او ترميم للدولة والنظام السياسي والقيم، بل تأسيس جديد ونوعي لهما.من هنا تعقيده الشديد ومرارته الفائقة بسبب ضعف القوى الاجتماعية وتمزقها الداخلي وتراكم أمراضها الهائلة وخرابها المعنوي وتحلل القيم وشبه غياب للنخب الاجتماعية العقلانية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. بمعنى أن العراق مازال ركيكا وهشا. وقد يكون عدم نضوج قواه السياسية بشكل خاص احد المؤشرات الجلية بهذا الصدد. بمعنى أن اغلبها ما زال يعيش بمعايير الزمن والغريزة. من هنا هموم السلطة وليس الدولة، والطائفة وليس المجتمع، والجهة وليس الوطن، والأنا وليس نحن. وقد تكون هذه الحالة هي إحدى أقسى العقوبات التي يمكن أن تتعرض لها الأمم عندما تبقى قواها السياسية محكومة بالغريزة والزمن. بمعنى عدم ارتقاءها إلى مصاف التاريخ والرؤية التاريخية. فقد عاش العراق قرنا من الزمن هو "تاريخ" ضائع! وقد تكون هي أحدى أقسى العقوبات التي يمكن أن تتعرض لها الأمة والدولة والثقافة. لأننا نعثر فيها على جهل وتجهيل بقيمة التجارب التاريخية. وهي صفة اقرب ما تكون إلى ذاكرة الحيوان منها إلى عقلية الإنسان. وذلك لما فيها من استعداد على النسيان وتكرار نفس الأخطاء والخطيئة.

 

الخروج من مأزق الفشل التاريخي

غير أن هذه الحالة المثيرة للتقزز والغثيان هي حالة العراق الفعلية، كما أنها حالة اغلب قواه الاجتماعية والسياسية. أنها اقرب إلى حالة الحثالة والهامشية والأطراف. من هنا ضحالة قواه الذاتية الحالية أيضا. الأمر الذي جعل من كل ما فيه مشكلة وإشكالية. بل أن العراق هو إشكالية أيضا. إذ نقف أمام إشكالية الهوية والمجتمع والوطنية والنخبة، أي أمام الإشكاليات التي لا يمكن حل أزمة الفشل التاريخي للدولة والأمة ما لم يجر استنادها جميعا إلى مرجعيات متوحدة كبرى.

فعندما نقارن حالة العراق الحالية بحالة دولا أخرى كألمانيا واليابان بعد هزائم الحرب الشنيعة واحتلالها من قبل قوى خارجية، فإننا نقف أمام ظاهرة استعادتهما السريعة لقوتهما الذاتية وبصورة لا تقل عما كان بل وتفوقت عليها أيضا. وعندما نتأمل حيثيات وأسباب هذا النجاح، فإننا نتوصل إلى أهمية وفاعلية خمس منها وهي وجود مجتمع ونخب، وتاريخ ثقافي، وعي قومي له مرجعياته الراسخة والمتكاملة نسبيا، وارث علمي وتكنولوجي، وطاقة ذاتية. فقد اثبت نجاح التجربة الألمانية (الغربية) واليابانية، بان التأسيس الناجح للدولة يجري من خلال ربط هذه المكونات بالنظام السياسي. لهذا نرى نجاحه في ألمانيا الغربية وفشله في ألمانيا الشرقية، مع إنهما كلاهما ألمانيتان، والشرقية كانت مركزها الموحد.

أما عراق ما بعد الاحتلال، فانه لا يحتوي من حيث الجوهر إلا على "تاريخ ثقافي" لكنه كامن، وطاقة ذاتية لكنها ليست مؤهلة بعد. أما البقية الباقية فهي إما بدائية وإما مبعثرة. وبالتالي، فان هذه المكونات "موجودة" ولكنها هشة او مفككة او ضعيفة او بدائية. ومن ثم لا يمكنها العمل بآلية منظومة نشطة. ذلك يعين، انه لم يكن في عراق ما بعد الاحتلال قوة او مقدمة قادرة على سحب البقية الباقية، أي انه يفتقد إلى قاطرة قادرة على سحب المكونات الأخرى. وفي هذا تكمن خصوصية مرحلته الانتقالية، كما نراها جلية في شراسة الزمن وشراكة السلطة وشركة الأحزاب والعائلات. لكنها شأن كل شراسة عابرة وشراكة سلطة عرضة للتحلل السريع في ظل ديناميكية تحول خفية ولكنها قوية. والمقصود بذلك ديناميكية التأسيس الجديد للدولة بشكل عام ومركزيتها السياسية وكينونتها الاجتماعية الثقافية. الأمر الذي يجعل من كل رذائلها الحالية فضائل المرحلة الدكتاتورية!

فقد كشف التحول العاصف الذي لف العراق بأثر سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية وآثاره المستمرة لحد الآن عن حقيقة تاريخية يقوم فحواها في تعقيد ودموية الانتقال من منظومة سياسية إلى أخرى. وهي ظاهرة "طبيعية"، بمعنى أنها تجري بفعل تصارع مكوناتها. إذ إننا لا نعثر في تاريخ الأمم والتاريخ العالمي ككل على تحول جذري في بنية الدولة دون أن يرافقه بالضرورة استثارة للعنف. فالقديم لا يتنازل بسهولة والجديد بحاجة للنمو والقوة. ومن معترك هذين التيارين تتطاير شرارة الاقتتال. وعادة ما ينتهي بفوز من يتحلى بقدر اكبر من الصبر والعقل. بمعنى الصبر على مواجهة قوى القديم، والعقل في صنع البدائل. وهي فرضية لم تتضح ملامحها للأغلبية بعد، لكنها تبقى من حيث المنطق والواقع اقرب إلى البديهة! إذ أننا نرى ملامحها العامة في تذليل تقاليد الراديكالية السياسية، ونمو الرؤية الواقعية والعقلانية تجاه الإشكاليات الكبرى التي يواجهها في ميدان بناء الدولة والمجتمع والثقافة، وتراكم فكرة ونماذج وأساليب الحداثة، والعمل من اجل استمداد مقوماتها من واقع العراق الحديث وبمعايير المستقبل، وأخيرا التحرر المتزايد من ثقل الأيديولوجيات العقائدية. وهي عملية معقدة وشائكة لكنها جلية فيما يتعلق بمسار الانتقال النوعي في الموقف من فكرة الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة والقيم. وبالتالي، فإننا نقف للمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث أمام "منظومة" أولية في تذليل نفسية وذهنية الزمن (الفارغ) والانتقال صوب التاريخ الفعلي. وهذه بدورها مازالت تجري ضمن حالة "المرحلة الانتقالية". وهي مرحلة او حالة تتسم بقدر كبير من التعقيد، بسبب تداخل وتشابك مقدماتها ونتائجها، إضافة إلى كونها حالة لم تتحدد معالمها بصورة واضحة بعد، بسبب ضعف تراكم المقومات الجوهرية للتطور التلقائي والديناميكي. مما جعل ويجعل من الواقع العراقي كيانا مازال مراوحا ضمن تقاليد وقيم الزمن الضائع، أي الزمن الذي لم يتحول بعد إلى تاريخ إرساء أسس الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي والعلاقات المدنية والدخول والمساهمة الفعالة في تطوير العلم والتكنولوجيا والثقافة. وفيما لو حاولنا اختصار وتكثيف هذه الحالة بصورة اقرب إلى تصورات الحياة العادية، فإنها أشبه ما تكون بحالة المقامرة والمغامرة.

إن حالة العراق اليوم مازالت أسيرة زمن المقامرة والمغامرة، التي سادت وانتشرت وتغلغلت في كل مرافق وجوده الاجتماعي والسياسي الحديث والمعاصر. وهي الظاهرة التي شكلت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية نموذجها التام! ومن دون الخوض في مقدمات هذه الظاهرة وأسبابها، أصولها وجذورها المتشابكة في التاريخ العراقي الحديث، وبالأخص بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958، فان نتائجها المباشرة كانت جلية في استفحال وهيمنة النفسية الراديكالية للحثالة الاجتماعية والأطراف. الأمر الذي جعل من فكرة الدولة لعبة أطفال أو في أفضل الأحوال جرى مطابقتها مع فكرة السلطة التقليدية. من هنا تراكم نفسية وذهنية التعامل الخشن والبليد مع مؤسساتها التي لم تعد في نهاية المرحلة الصدامية أكثر من "مؤسسة" عصابة عائلية جهوية فئوية طائفية مغلفة بغلاف أيديولوجي لا علاقة له بالواقع والمستقبل. وليس مصادفة أن تنتهي هذه الحالة بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية وانهيار البعث كحزب وأيديولوجية إلى صعود مختلف نماذج الانحطاط المادي والمعنوي، أي كل ذلك المخزون المتهرئ والمتآكل والمضغوط بغطاء القهر والإرهاب المنظم! أما الدولة، بوصفها الحاضنة الضرورية للعلاقات الاجتماعية والسياسية فإنها تحولت إلى مجرد حدود وهمية وارض جغرافية مملوكة لرغبات أفراد وعائلات. وقد ترتب على ذلك صنع احد أتعس وأرذل نماذج "الزمن السياسي" الفارغ، أي الضائع بالنسبة لتاريخ العراق الحديث والمعاصر.

لقد أدى هذا الزمن السياسي الضائع إلى تضييع إمكانية التراكم الطبيعي بالنسبة لإنتاج النخب الاجتماعية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. كما كان وما يزال احد المصادر "الطبيعية" لتعقيد مرحلة الانتقال صوب النظام الديمقراطي الفعلي والدولة الشرعية، أي كل ما وجد ويجد طريقه إلى استفحال الطائفية السياسية والعرقية والجهوية والتقليدية للأحزاب و"توافقها" والاستماتة من اجل "حصتها" (المحاصصة) في السلطة وسلوكها العلني والمستتر تجاه القضايا العامة والخاصة. غير أن هذه العملية التاريخية المرة والمريرة تبقى في نهاية المطاف الصيرورة الضرورية لتراكم القوى الاجتماعية السياسية العراقية، أي صعود القوى العراقية الفعلية من رحم المعاناة القاسية للولادة الطبيعية. ومن الممكن أن نطلق على هذه الحالة عبارة الوقوف المرتقب الأول والأكبر أمام النفس. انه وقوف الارتقاب أمام مفترق تكرار الزمن الضائع، أي زمن السلطة ومغامرات ومقامرات الأحزاب والنخب المؤقتة، أو الانتقال إلى تاريخ الدولة، أي دولة القانون والشرعية.

إن هذا الوقوف المترقب هو التعبير المرهف عما يمكن دعوته بدراما المستقبل، أي حالة الافتراق المعقدة والمثيرة بين إمكانية التطور الذاتي المستقل للعراق وبين إمكانية انغلاقه وانكفائه وتعميق "منظومة" التفكك الوطني والاجتماعي. وهو بالقدر ذاته مفترق الانغلاق والانحطاط أو الانفتاح والتطور الذي وقف ويقف أمامه العراق في تجربته الديمقراطية والحقوقية الأولية، أي تعلم انتخاب واختيار القوى السياسية والأفراد من اجل إدارة شئونه بنفسه. لكنه اختيار ما زال يعاني من ثغرات كبرى بسبب المواجهة الخفية بين اتجاه تقوية مركزية الدولة ومنظومة الحقوق وحكم القانون وبين قوى و"مؤسسات" وتقاليد "المحاصصة" في السلطة، و"التوافق" في "الديمقراطية" و"الشراكة" في المال! (يتبع...)

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

khadom habibالمدخل: فترة ما قبل حرب الخليج الثالثة 2003

لم تقدم الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً أية مساعدة حقيقية وفعلية للمعارضة العراقية في نضالها من أجل إسقاط النظام الدكتاتوري قبل خوض الحرب الخارجية في العام 2003. وما الأموال التي دفعتها أو وضعتها تحت تصرف أبرز قوى المعارضة، بما في ذلك الصرف الباذخ على مؤتمر المعارضة ببيروت في ربيع العام 1991 ومنذ دفع 98 مليون دولار أمريكي، فلم تكن الأخيرة سوى سبباً لنشوء خلافات إضافية في صفوف المعارضة العراقية المتعاونة مع الإدارة الأمريكية حول توزيعها وسبل استخدامها. ومنذ أن عقد مؤتمر بيروت في العام 1991 وأثناء الانتفاضة الشعبية، تفاقم التدخل الفعلي والمباشر من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والمملكة العربية السعودية وإيران وسوريا وبعض دول الخليج العربي في شؤون المعارضة العراقية. وكان المؤتمر الوطني العراقي برئاسة الدكتور أحمد الجلبي، الذي كان قد تأسس بوحي من الولايات المتحدة الأمريكية ودعمها ، هو سبيلها في هذا التدخل في شؤون المعارضة وفي شد أغلب قوى المعارضة العراقية المقيمة في الخارج أو في إقليم كردستان العراق لسياسات ومواقف الولايات المتحدة بالعراق. ولم يكن هذا يعني عدم وجود خلافات بين الدكتور أحمد الجلبي وتلك الجهات.

لم يكن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في حينها راغباً بشن حرب خارجية ضد النظام العراقي، ولكنه مارس توجيه الضربات العسكرية وتشديد الحصار الاقتصادي الدولي من أجل إضعاف النظام وتحجيمه في منطقة الخليج والشرق الأوسط، ولكن هذه الإجراءات تسببت بطحن الشعب العراقي جوعاً وسقوط الكثير من الضحايا العسكريين والمدنيين وتدمير الكثير من البنى التحتية أيضاً.

إلا إن مجيء جورج دبليو بوش إلى البيت الأبيض قد سهل وعجل في صعود صقور اللبرالية الجديدة والمحافظين الجدد وممارسة سياساتها العسكرية القائمة على الضربات "الاستباقية" وإشاعة الخوف من القدرة العسكرية الأمريكية، إضافة إلى ممارسة سياساتها الاقتصادية لصالح الاحتكارات الأمريكية الكبرى والشركات العابرة للقارات من جهة، والمنهكة والمستنزفة لاقتصاديات الدول النامية من جهة أخرى، وهي التي شجعت على توجه الولايات المتحدة صوب سياسة جديدة إزاء النظام العراقي.

كان الوضع هكذا قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. ولكن وحال وقوع العدوان الإجرامي في الحادي عشر من سبتمبر في العام 2001 من جانب تنظيم القاعدة الإجرامي وبدعم من دولة طالبان الإسلامية السياسية المتطرفة في أفغانستان، حين تم "تحويل اتجاه أربع طائرات نقل مدني تجارية وتوجيهها لتصطدم بأهداف محددة نجحت في ثلاث منها. وتمثلت الأهداف في برجي مركز التجارة الدولية بمنهاتن ومقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون). "سقط نتيجة لهذه الأحداث 2973 ضحية و 24 مفقودا، إضافة لآلاف الجرحى والمصابين بأمراض جراء استنشاق دخان الحرائق والأبخرة السامة" . فتحت هذه العمليات الإرهابية الدولية الأبواب على مصارعها أمام سياسة القوى الجديدة في البيت الأبيض، فكانت الحرب ضد أفغانستان والتحضير للحرب ضد النظام العراقي. وكان المؤتمر الوطني العراقي وبعض القوى السياسية الأخرى تسعى للحصول على دعم مباشر لإسقاط الدكتاتورية بنفسها وبدون حرب خارجية ولكنها عجزت عن ذلك. وواحدة من تلك المحاولات تبناها الدكتور أحمد الجلبي وهيأ لها بالتعاون مع وكالة المخابرات المركزية وبدعم من القوى الكردستانية انطلاقام من أربيل، ولكنها فشلت بسبب رفض الإدارة الأمريكية دعم العملية في آخر لحظة أدت إلى فشلها وإلى تعريض بضعة مئات ممن كان مهيئاً لهذه العملية لمخاطر جمة جرى ترحيل الكثير منهم إلى الولايات المتحدة والبعض الآخر تعرض لمخاطر أخرى حين صعود القوات العراقية على كردستان أثناء الصراع الكردي-الكردي في العام 1996. بعد ذلك تم التوافق بين الإدارة الأمريكية الجديدة، التي كانت تنشد الحرب فعلاً، وأغلب قوى المعارضة التي رأت في الحرب خير وسيلة وأسهلها للخلاص من حكم البعث والدكتاتور صدام حسين. وحين قررت الإدارة الأمريكية شن الحرب فعلاً، قررت أيضاً منع المعارضة العراقية من المشاركة في النضال للإطاحة بالنظام وجمدت نشاطاتها النضالية ضد النظام وحصرتها بالدعاية للحرب الخارجية وفضح جرائم النظام العراقي والقبول بالحصار الاقتصادي الدولي دون إثارة المشاعر ضده وتأمين معلومات مهمة حول الوضع في العراق، إضافة إلى ترك مهمة الإطاحة بالنظام الدكتاتوري بيد القوات الأمريكية وقوات الدول الأخرى المتحالفة معها. كما طلبت من الأحزاب السياسية العراقية تزويدها بعدد كبير من الخبراء والسياسيين العراقيين لتقديم الدراسات الضرورية لها باتجاهين:

1) عن واقع العراق حينذاك والمشكلات السياسية والاجتماعية والقومية التي يعاني منها المجتمع.

2) سبل تغيير واقع العراق في المرحلة ما بعد الحرب وحل المشكلات الكبيرة التي تفاقمت عبر حروب النظام وسياساته المناهضة للشعب، وللكرد على نحو خاص ولكل القوى المعارضة له.

تؤكد المعطيات التي تحت تصرفنا وتصريحات الذين عملوا ضمن هذه المجموعات الكبيرة من الخبراء في مختلف الاختصاصات الاقتصادية والقانونية والثقافية والسياسية والنفسية بأن الولايات المتحدة لم تكن مهتمة أصلاً بالاستفادة منهم ولا من التقارير والمقترحات الكثيرة التي أعدوها والتي قدمت للإدارة الأمريكية وفريق العمل الأمريكي مع العراقيين، والتي بذل جهد كبير لإنجازها. وحين وصول هؤلاء الخبراء إلى العراق بعد سقوط الدكتاتورية، استخدموا كمترجمين أو كخبراء لا عمل لهم غير الجلوس والانتظار وتسلم الرواتب العالية من الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت في جوهرها إهانة كبيرة وجهت لأغلب هؤلاء الخبراء والسياسيين العراقيين وأغلبهم شعر بهذه الإهانة.

لقد عملت الولايات المتحدة الأمريكية باتجاهات ثلاثة في ما يخص النظام العراقي :

1. إعاقة تطوير القوى الوطنية العراقية لقدراتها النضالية ومنع مشاركتها الفعلية في الإطاحة بالسلطة، ولكنها تتحمل مسؤولية الموافقة على خوض الحرب من جانب دول أجنبية؛

2. ربط أغلب قوى المعارضة العراقية بمشاريعها بالعراق وإلزامها بأداء مهمات معينة؛

3. اعتبار الولايات المتحدة هي التي أطاحت بالنظام وهي التي يحق لها تقرير مصير العراق ومستقبله السياسي والاقتصادي والثقافي وإدارة العملية السياسية، وما على المعارضة العراقية بعد الإطاحة بالنظام إلا الالتزام بما ترسمه وتقرره الإدارة الأمريكية ورئيس إدارتها بول بريمر الحاكم والمستبد بأمره. وهكذا كان الأمر لفترة غير قصيرة!

وكان الهدف من وراء هذه السياسة واضحاً تماماً ومرتبطاً بالأهداف الأساسية للحرب الأمريكية ضد النظام العراقي والتي تختلف تماماً عن أهداف القوى الوطنية العراقية.

لم تكن حجة الحرب ضد النظام العراقي مبررة دولياً ومرفوضة من جانب الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، إذ إن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى ركزتا على نحو خاص على وجود أسلحة دمار شامل، وخاصة السلاح النووي، بالعراق، وإن هذا السلاح يشكل تهديداً لدول المنطقة وبشكل خاص لإسرائيل، في حين إن المفتشين الدوليين الذين كلفوا بمراقبة وتدمير أسلحة الدمار الشامل بالعراق ومنها السلاح الكيماوي والبيولوجي، قد أكدوا بما لا يقبل الشك تدمير هذه الأسلحة بالكامل. واستناداً إلى ذلك جاء رفض مجلس الأمن الدولي قبول حجج الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها بشن الحرب ضد النظام العراقي، وكانت ألمانيا الاتحادية أقوى الدول الرافضة لهذه الحرب من دول حلف الأطلسي وامتنع مستشار الدولة، جيرهارد شرودر، عن المشاركة فيها مما حصد كراهية جورج دبليو بوش. وقد أجبر موقف مجلس الأمن الدولي الرافض للحرب توجه الولايات المتحدة نحو إقامة تحالف دولي خارج إطار اللوائح الأساسية وقرارات الأمم المتحدة وشن حرب لا تحظى بالشرعية الدولية. وفي حينها تورط وزير خارجية الولايات المتحدة كولن باول بكذبة كبرى في ما قدمه من معلومات غير صحيحة إلى مجلس الأمن الدولي وشاركه في ذلك رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) جورج تنت. لاحقت لعنة تورطهما بكذبة كبرى حتى بعد انتهاء خدمتهما في وزارة الخارجية وفي وكالة المخابرات المركزية على التوالي، رغم اعتراف الأول بكذبه واعتذار عنها!

لقد وقعت الحرب فعلاً في التاسع عشر من آذار 2003 وانتهت في التاسع من نيسان 2003 بهزيمة شنعاء للقوات المسلحة العراقية والنظام العراقي وهروب الدكتاتور الصغير صدام حسين بعنجيتهه المريضة وطغمته الجائرة. وكان هذا السقوط متوقعاً تماماً، رغم إن النظام العراقي لم يتوقع أن تقوم الولايات المتحدة بشن الحربين الأخيرتين، حرب العام 1991 وحرب العام 2003، وهو غباء سياسي استثنائي من جانب صدام حسين وطغمته الحاكمة. وكان معتمداً في ذلك على ما قدمه للولايات المتحدة من خدمات في حربه ضد إيران وكالة عنها ولإشباع هوسه بالقوة وأطماعه التوسعية في الفترة بين 1980-1988، وكان في الثانية يتوقع أن تقف روسيا معه مانعة عنه وقوع الحرب وخسارته فيها.

لقد ادعى جورج دبليو بوش أنه يريد تخليص العراق من أسلحة الإبادة الجماعية أولاً، وتحرير العراق وشعبه من الدكتاتورية ثانياً، وإقامة نظام ديمقراطي حر بالعراق ثالثاً، وإن الإدارة الأمريكية لا أهداف أخرى لها في البلاد. ويمكن الادعاء، وهو ما قلته مرات عديدة في محاضراتي ولقاءاتي الصحفية والتلفزيونية في ألمانيا أو في غيرها، بأن الإدارة الأمريكية كانت تكذب على شعبها وعلى الشعب العراقي والشعوب العربية وشعوب وحكومات العالم، لأن أهدافها لم تكن هذه كما لم يكن حباً في سواد عيون الشعب العراقي عموماً والشعب الكردي خصوصاً، بل كانت لها أهدافها الخاصة ضمن إستراتيجيتها في المنطقة وعلى الصعيد الدولي. وهدف الإطاحة بالنظام هو الذي التقت عنده مع أغلب قوى المعارضة العراقية. وقد لعب بعض قوى المعارضة العراقية دوراً كبيرا ومنذ وجود بيل كلينتون في البيت الأبيض لإقناع الإدارة الأمريكية بشن الحرب ولكن الحزب الديمقراطي وبيل كلينتون رفضا ذلك، في حين جورج بوش وإدارته الجديدة ومستشاريه اللبراليين الجدد وحزبه الجمهوري اليميني المحافظ مقتنعينً قبل قوى المعارضة العراقية بضرورة شن الحرب لأنها تتطابق مع سبل الوصول إلى أهدافهم في المنطقة.

حاولت قبل حرب الخليج الثالثة أن ألخص العوامل الكامنة وراء رغبة الإدارة الأمريكية الجديدة بشن الحرب ضد النظام العراقي وقد لخصتها في محاضرة قدمتها في ندوة سياسية أقيمت بلندن في شهر شباط/فبراير 2003، أي قبل الحرب بشهر واحد تقريباً، ومشاركة ثلاث شخصيات سياسية عراقية ، وقفوا إلى جانب حرب التدخل في حين كنت ضدها. ويمكن الإشارة إلى ما ذكرته حينذاك في النقاط التالية:

 

1. من الناحية السياسية

- ضمان تحويل العراق بموقعه الاستراتيجي المهم إلى جانب سياسات الولايات المتحدة وإستراتيجياتها في المنطقة وتأمين وجود مناسب، ثابت وقوي لها بالعراق.

- ضمان الرقابة المستمرة على إيران وتحديد دورها في منطقة الشرق الأوسط ونشاطها العسكري وسعيها لامتلاك أسلحة الدمار الشامل (إنتاج القنبلة النووية) وإضعاف قدرتها على التوسع ودعم القوى المتطرفة.

- ضمان حماية إسرائيل من التطرف الإيراني والتطرف القومي العربي في آن واحد.

- ضمان حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني على وفق الرؤية والمصالح الإسرائيلية.

- ضمان القرب من روسيا الاتحادية والصين وإبعادهما عن "المياه الدافئة" في الخليج العربي بعد أن ضمنت قربها من الدولتين عبر وجودها في أفغانستان.

- استباق الأحداث المحتملة في منطقة الشرق الأوسط وتكريس وجودها في دول الخليج والعراق والعمل من أجل تغيير الوضع في إيران لصالح سياسات الولايات المتحدة.

- وكانت الإدارة الأمريكية ولجنة الأمن القومي وبعض المؤسسات البحثية المركزية قد بدأت تفكر بمحاولة جادة لإقامة تحالف سياسي بين قوى ودول مساندة للولايات المتحدة وفيها قواعد عسكرية وأكبر ترسانة سلاح أمريكي في العالم، وكذلك مع تنظيم الأخوان المسلمين على صعيد الشرق الأوسط تحت تأثير قناعة بإمكانية التعاون مع هذه القوى لضمان الاستقرار و "مصالحها الحيوية" في المنطقة. وكانت دولة قطر قد بدأت كعراب غير مباشر لسياسات ومواقف الولايات المتحدة، ومن ثم مباشر، إضافة إلى الاتفاق مع الفكر التحالفي الجديد للإدارة الأمريكية مع الإخوان المسلمين باعتباره العامل الضامن للأمن والاستقرار في المنطقة، كما يتجاوب مع الإسلام دين أكثرية شعوب هذه المنطقة.     

 

2. من الناحية الاقتصادية

- ضمان فرض هيمنة الولايات المتحدة على مناطق استخراج وتصدير النفط الخام في المنطقة، وخاصة نفط العراق الذي يمتلك احتياطياً كبيرا، سواء المعروف منه أم المقدر. وأخيراً اعلن وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني ان الاحتياطي النفطي القابل للاستخراج ارتفع الى ما مجموعه 143.1 مليار برميل بعد أن كان 115 مليار برميل. ولكن هناك توقعات بأن يرتفع احتياطي النفط إلى أكثر من ذلك بكثير خلال الأعوام القادمة. وكانت هذه المعلومة غير خافية عن شركات النفط الاحتكارية الدولية. كما أن الولايات المتحدة كانت قد ضمنت بحربها في أفغانستان إمكانية مد خط أنابيب لنقل النفط عبر باكو عبر افغانستان.

- ضمان الهيمنة على أسواق العرق والمنطقة في صراعها مع الصين وروسيا.

- فرض سياسة اللبرالية الجديدة (اقتصاد السوق الحر المنفلت) وبعيداً عن دور الدولة في الشأن الاقتصادي على العراق.

- نشر النموذج الاقتصادي الأمريكي في بلدان المنطقة واعتبار الولايات المتحدة قدوة في الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية والمدافع عن حرية الشعوب!

 

3. من الناحية العسكرية

- الرقابة على عملية التسلح في دول المنطقة ومحاولة ربطها بالولايات المتحدة واحتكار تصدير السلاح لها وبما لا يسمح على تغيير التوازن العسكري المنشود من جانبها مع إسرائيل.

- منع النشاط النووي وبقية أسلحة الدمار الشامل في دول المنطقة الأخرى عدا إسرائيل.

- تحويل المنطقة كلها إلى قاعدة عسكرية وسياسية لصالح الولايات المتحدة في صراعها على الصعيد العالمي.

- تحويل نشاط قوى القاعدة وحربها ضد الغرب إلى ساحتين هما أفغانستان والعراق، وهو ما حصل فعلاً.

لقد وقفت ضد الحرب لعدة عوامل جوهرية ، كما كنت ضد الدكتاتورية وأساهم في العمل لإسقاطها وألخص تلك العوامل بما يلي:

1. إن الحروب عموماً لا تعالج المشكلات القائمة بين البلدان بل من شأنها خلق مشكلات جديدة وزيادة التعقيدات والتشابكات في الأوضاع والمشكلات.

2. إن الحروب لا تخلق مستلزمات بناء حياة ديمقراطية، إذ أن الديمقراطية لا تفرض من الخارج، ولكن الخارج يعتبر عاملاً مساعداً لا غير. كما إن هدف الولايات المتحدة الأمريكية وسياساتها لا يسمح بالقناعة بأن نيتها كانت إقامة دولة ديمقراطية في العراق، في وقت كانت وما تزال تساند كل النظم الرجعية حتى بعد "الربيع العربي"، إذ برزت مساومتها مع السعودية وقطر بشكل صارخ حالياً وفي الموقف من التدمير الهائل لسوريا وقتل أكثر من 100 ألف إنسان حتى الآن.

3. إن أهداف الحرب الأمريكية-البريطانية لا تتطابق مع أهداف القوى الوطنية والديمقراطية العراقية إلا في نقطة واحدة هي إسقاط النظام، ولكن ماذا بعد ذلك.

4.  الخشية من تداعيات الحرب وعواقبها الوخيمة على العراق خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، إذ كان لقوى الإرهاب الدولي نفوذ كبير في المنطقة غذته في حينها الولايات المتحدة والدول الغنية بالموارد النفطية والمالية وخاصة المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج، إضافة على دعم باكستان. كما إن الفكر الديني المتطرف هو السائد في هذه الدول العربية وباكستان التي كانت تصدر الأفكار والأشخاص والأموال للمتطرفين والإرهابيين على مدى سنوات، وبعضها ما يزال يواصل ذلك حتى الآن بصورة غير رسمية.

5. . القوى الوطنية والديمقراطية لم تكن مؤهلة لإسقاط السلطة ولا لتسلم الحكم بعد إسقاط الدكتاتورية عبر الحرب، بسبب أوضاعها ودور قوى الإسلام السياسي فيها وتأثير إيران ودول المنطقة على سياسات أغلب القوى السياسية ومواقفها، إضافة إلى عدم دعم القوى الدولية لها بما يساعد على إسقاطها عبر قواها الذاتية، رغم إن الظرف الموضوعي لإسقاط النظام كان جاهزاً، كما إن النظام كان مؤهلاً للسقوط.

وفي ما عدا ذلك لم تأخذ الولايات المتحدة وحليفاتها بنظر الاعتبار كيف سيكون عليه الوضع بعد إسقاط النظام، وكيف سيتعامل صدام حسين مع الوضع بعد سقوط نظامه؟ لقد تحدث الخبراء الأمريكيون بعد انتهاء الحرب عن الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية في الحرب ضد العراق. لم تكن تمتلك استراتيجية ولا تكتيكات سليمة ودفعت بالعراق إلى أتون حرب مباشرة مع قوى الإرهاب دون أن تمنحه القدرة على مواجهة الإرهاب. لم يكن لدى الإدارة الأمريكية رؤية سليمة لما كان عليه العراق وما ينتظر الشعب بعد الحرب وسبل مواجهة العواقب المحتملة.

حين بدأت الحرب في العام 2003 كنت نزيل المستشفى، وفيها كتبت سلسلة مقالات تحت عنوان "نشاط صدام حسين في الداخل والخارج ما بعد سقوط النظام في العراق" نشرت في حينها في مواقع عدة، ثم نشرتها في كتاب بجزئين بعنوان "مقالات حول بعض المسائل الملتهبة في العراق للفترة 2003-2005" الجزء الأول، [صادر عن "مركز هافيبون للدراسات والنشر الكردية في برلين، الجزء الأول، سلسلة الدراسات 45. برلين 2005]، شخصت فيه الإجراءات التي اتخذها صدام حسين لمواجهة الوضع الجديد بعد سقوط نظامه في المجالات التالية:

** أقام تشكيلات شبه عسكرية لمقاومة الوضع الجديد موزعة على مساحة القسم العربي من العراق.

** شكل المجموعات الأمنية التي تكون مهمتها الوصول إلى مراكز اتخاذ القرار وتوفير المعلومات الضرورية لمواجهة الأوضاع الجديدة وتأمين المعلومات الضرورية للعمليات التي يتقرر تنفيذها.

** تأمين أرشيف خاص للمهمات التي يراد تنفيذها من جانب تشكيلاته باتجاهين:

أ) أرشيف يضم أسماء القوى كانت معه وانقلبت عليه لتأديبها وبث الرعب في نفوس الآخرين للكف عن ذلك؛

ب) أرشيف ممن كانوا مع النظام وما زالوا على موقفهم للاستفادة منهم في الحصول على ما هو ضروري من معلومات حول أوضاع الوضع الجديد.

** ثبت تنظيمياً مجموعات العمل الحزبي السرية التي تبتعد عن الأضواء وتتقدم خطوة فخطوة نحو الأمام في عملها السياسي وفي أوساط المجتمع.

** شكل مجموعات الدعاية والإعلام التي تعمل في الصحف المحلية والعربية والأجنبية وبصورة عقلانية لكي لا تتسبب بانهيارها أو اعتقالها أو فقدان مواقعها المكتسبة وترفع من أساليب عملها تدريجياً.

** تأمين مخابئ موزعة على مساحة العراق في بغداد والوسط والجنوب وغرب بغداد وضع فيها الكثير من الأسلحة القابلة للاستخدام في الظروف الجديدة ولا يمكن أن يصل إليها إلا من شخص لهذه المهمات.

** كون المجموعات المالية التي وزعت عليها الأموال بالعملة الصعبة لكي تحتفظ بها لوقت الحاجة بهدف تمويل الفرق العسكرية والمدنية، وهي موجودة في الداخل والخارج ويسحب منها في ظروف معينة حين يستوجبها العمل.  

** تشكيل مجموعات التخريب والتأديب والاغتيالات الفردية والابتزاز وكسب العناصر للعمل ضمن جماعة فدائيي صدام، وهي الجماعة الأكثر إخلاصاً لصدام حسين والنظام الدكتاتوري والتي صرف على تربيتها وتدبيرها الكثير من الأموال.

** مجموعات التغلغل في الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

ورغم إن صدام حسين لم يكن يتوقع الحرب، إلا إنه اتخذ الكثير من القرارات التي تضمن سير نشاطه المعادي للوضع الجديد.

لا شك في أن اعتقال وموت صدام حسين وولديه قد أثر على خطط صدام حسين، ولكنها لم تتوقف، إذ كان عزة الدوري هو المسؤول العسكري في حزب البعث قبل انقلاب 17 تموز 1968 وبقى كذلك طيلة الفترة التي كان البعث وصدام حسين في الحكم. وبالتالي فهو الذي أخذ المهمة على عاتقه، وكان صدام حسين قد منحه ثقة كبيرة رغم كل شكوكه بالناس وبأقرب المقربين إليه.

أما قوى المعارضة العراقية فكانت منقسمة على نفسها ومتباينة في موقفها من الحرب ضد العراق. كما كان لكل منها أهدافه التي لم يعلن عنها ويسعى إلى تحقيقها بعد سقوط الدكتاتورية على أيدي القوات الأمريكية وحليفاتها، رغم وجود أهداف مشتركة وضعها التحالف السياسي العراقي قبل سقوط النظام وفي مؤتمرات فيينا وصلاح الدين ولندن وواشنطن.

لقد وقعت أغلب قوى المعارضة العراقية تحت ضغط وتأثير الدول المجاورة والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية. وإذ كان لإيران تأثير مباشر وفعال ومعلن على قوى الإسلام السياسية الشيعية والقوى الكردستانية، كان المملكة السعودية وبعض دول الخليج وسوريا تأثرهم المباشر على القوى القومية العربية اليمينية وعلى بعض القوى الإسلامية السياسية السنية. كما كان هناك تأثير مباشر للولايات المتحدة وبريطانيا على كل هذه القوى. وكان الدعم الأمريكي والبريطاني والإيراني والسوري قد توجه صوب القوى والأحزاب الشيعية والقوى الكردية باعتبارها قوى كانت مظلومة ومضطهدة من النظام الدكتاتوري. وتشكلت عدداً من التنظيمات، إضافة إلى قوى محافظة ليبرالية وذات توجه طائفي شيعي منذ العام 1991 التي وجدت التأييد والدعم من جانب ذات القوى المؤيدة للكرد والشيعة، ومنها المؤتمر الوطني العراقي وتنظيمات الشيوخ على سبيل المثال لا الحصر. وكانت القوى اللبرالية والقومية السنية ضعيفة عموماً بسبب إدعاء النظام وكأنه يمثل السنة.

وخلال فترة المعارضة وقبل الحرب بكثير تشكل تحالف سياسي بين القوى القومية الكردية والأحزاب والقوى الشيعية باعتبارهما من الجماعات المظلومة والمضطهدة من قبل النظام. وهذا التحالف الذي تشكل فعلياً قبل إسقاط النظام قد حظي بتأييد الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا مما جعل القوى الديمقراطية التي رفضت الحرب معزولة نسبياً عن ذلك التحالف الأثني - الطائفي في آن، وهو الذي تسلم السلطة بعد الاجتياح والاحتلال مباشرة وتمثل ابتداء في مجلس إدارة الدولة المؤقت ومن ثم في الحكومات الثلاث التي أعقبت ذلك.

لقد كان التيار الديمقراطي التقدمي، وبضمنهم الحزب الشيوعي العراقي، قد تعرض لضربات قاتلة من قبل نظام البعث الدموي، ولم يستطع النهوض السريع من تلك الضربات وخسارته كانت كبيرة بقواه وكوادره المقدامة والمثقفة والواعية والفعالة التي استشهد عدد كبير بسبب قمع النظام، إضافة إلى استشهاد عدد كبير منهم أثناء نضالهم في حركة الأنصار الشيوعيينفي الفترة بين نهاية 1978-1988. كما إن القوى الديمقراطية الأخرى كانت ضعيفة وغيبت تنظيماتها بسبب القمع الذي تعرضت له وسعي صدام حسين إلى تصفيتها أو فرض الهجرة أو العزلة عليها. وحاولت القوى الأخرى عزل التيار الديمقراطي العربي، رغم سعيه لإقامة أحسن العلاقات الممكنة مع قوى التيار القومي والديمقراطي الكردي، ولكن كان للقوى الإسلامية السياسية الشيعية تأثير كبير عليها من خلال دور وتأثير إيران أيضاً. لهذا لم يكن غريباً ما حصل من تحالف بين الأحزاب الكردية والأحزاب الشيعية بذريعة المظلومية المشتركة. ولكن هذه الحالة السياسية المعقدة هي التي ساهمت في ما حصل في أعقاب إسقاط الدكتاتورية بالحرب الخارجية وفرض الاحتلال والتداعيات التي نشأت والتي ما تزال متواصلة حتى الوقت الحاضر.

 

حصاد الفترة الواقعة بين 2003-2013 

حين يحاول الباحث المحايد الإيجابي أن يتابع حصاد فترة عشرة أعوام من تاريخ العراق في أعقاب إسقاط النظام عبر الحرب الخارجية سيجد نفسه أمام مجموعة من النتائج والعواقب المتناقضة، أي من النتائج الإيجابية والعواقب السلبية التي تسببت بها حروب العراق العديدة الداخلية منها والخارجية. وازدادت اللوحة قتامة والعواقب أكثر سوءاً للمجتمع وتطوره إذ كانت لدى منفذ الحرب عوامل وأهداف إضافية غير عقلانية سعى إلى تحقيقها بعيداً عن الوعود التي قطعها للشعب والقوى السياسية التي وافقت على خوض الدول المتحالفة الحرب خارج نطاق قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. وقد أصبحت تلك الأهداف معروفة للشعب العراقي وشعوب العالم كلها. ولهذا، وخلال الفترة المنصرمة، تداخلت الجوانب الإيجابية في الخلاص من الدكتاتورية البعثية الغاشمة بالعواقب السلبية، مثل نظام المحاصصة الطائفي والإرهاب والفساد والتمييز وتراجع الحريات العامة وحقوق الإنسان والمرأة على نحو خاص، في لوحة شديدة التعقيد والتشابك المتفاعل والمتبادل التأثير والدافعة في المحصلة النهائية إلى اتجاه محدد غير مضمون العواقب، بل ويحمل معه مخاطر جمة بالنسبة على اتجاه تطور الأحداث ومجمل التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي، إضافة إلى الاتجاهات الأمنية والعسكرية والعلاقات الخارجية.

امتلكت الإدارة الأمريكية إرادة الحرب وإسقاط النظام وإدارة العراق بواسطة قواتها العسكرية وإدارتها المدنية وإبقاء القوى السياسية العراقية المعارضة كاحتياطي لها من خلال فرض الاحتلال على البلاد بعد الحرب، وكانت تريد الوصول إلى تلك الغايات دون أن تفكر بما سيكون عليه موقف المجتمع والقوى السياسية، وبالتالي لم تضع مخططاً عقلانيا لإدارة البلاد وحمايتها بعد الإسقاط، كما لم تضع أسس عقلانية لتنظيم الدولة بعد تدمير الدولة ومؤسساتها وأجهزتها العسكرية والمدنية، كما إنها لم تسلم مقاليد الحكم مباشرة بيد قوى المعارضة لمنع وقوع فراغ قاتل في البلاد كما حصل فعلياً. ونتيجة لكل ذلك برزت ابتداءً، كما كان منتظراً، عدة عواقب شديدة الأثر السلبي على مستقبل العراق، رغم الترحيب الشعبي العام بالإطاحة بالنظام الدكتاتوري والاستقبال الطيب للقوى العسكرية التي دخلت البلاد:

1. حصول فراغ سياسي وإداري كاملين في البلاد تسببا في نشوء فوضى عارمة ونهب وسلب لمؤسسات الدولة المدنية والعسكرية الفارغة من موظفيها وعسكرييها وكذلك البنوك ودور مسؤولي الحكم السابقين.

2. ترك المناطق الحدودية دون رقابة فولج منها الإرهابيون وأتباع القاعدة بتوجيه من قيادتهم في الخارج.

3. توفرت إمكانية هروب الكثير من قادة النظام من العسكريين والمدنيين وضباط الأمن والمخابرات وفدائيي صدام حسين إلى خارج البلاد وعدتهم فيما بعد لمواصلة نشاطاتهم البعثية بأساليب وأدوات أخرى، وهو ما يحصل الآن وبمساعدة مباشرة من رئيس الوزراء العراقي على وفق قراراته الأخيرة إزاء فدائيي صدام حسين!

4. بدء عمليات انتقام واسعة ضد جمهرة من البعثيين من غير القتلة والمجرمين دون محاكمات شرعية وعادلة.

5. عجز المعارضة العراقية عن إعادة تنظيم صفوفها بصورة سليمة والتوحد وراء أهداف محددة، بل بدأ كل منها يسعى إلى تأمين مصالحه على حساب المصلحة العامة ومواجهة الوضع الجديد على أسس عقلانية.

6. ومما زاد في الطين بلة تعيين الحاكم بأمره بول بريمر لإدارة البلاد مدنياً وتوجهه صوب تشكيل مجلس الحكم الانتقالي على أسس طائفية وأثنية مناهضة لمبدأ المواطنة العراقية، وتشكيل أكثرية شيعية فيه، دون اعتماد مبدأ المواطنة ثم فرض الاحتلال على البلاد رسمياً استناداً إلى قرار مجحف صادر عن مجلس الأمن الدولي بطلب من الولايات المتحدة ورفضه الشعب العراقي وقواه السياسية. وقد أشعر هذا الموقف السنة بالضعف وكأنها المسؤولة عن جرائم نظام عنصري فاشي دموي، وخلق الأرضية الصالحة للصراع الطائفي لا على مستوى الأحزاب الإسلامية السياسية فحسب، بل وعلى مستوى المجتمع.

7. ترك الوضع الجديد جمهرة غفيرة من الموظفين والعسكريين دون رواتب أو بدنانير عراقية لا قيمة لها ولا تغني من جوع ولا تسمن، مما دفع الكثير منهم إلى التوسل بأي وسيلة تساعدهم على العيش وتوفير الغذاء لعائلاتهم. وهي التي ساعدت على كسب قوى غير قليلة منهم إلى جانب القوى المناهضة للوضع الجديد.

8. لقد كان الوضع في فترة صدام حسين فاسداً جداً من الناحيتين المالية والإدارية، ولكنه اشتد وتعمق بعد سقوط النظام وبممارسات من جانب بول بريمر وسلطة الاحتلال وجمهرة من السياسيين العراقيين الذين تسلموا السلطة ووجدوها فرصة مناسبة للنهب والسلب على نطاق واسع، وهي الحالة التي ما تزال متواصلة ومتفاقمة حتى اليوم.  

وفرت هذه الحالة أوضاعاً جديدة من خلال:

- بدء الجماعات البعثية الهاربة بإعادة تنظيم صفوفها وامتلاك السلاح المنهوب والمخبأ لمواجهة الوضع الجديد على وفق خطط وضعها صدام وأتباعه سلفاً.

- بدأت قوى القاعدة التي توفر لها السلاح بتنظيم صفوفها بشكل واسع والتأثير على مناطق بعينها لكسبها إلى جانبها وتنظيم ما أطلق عليه بالمعارضة المسلحة، كما بدأ أول تلك التحالفات بين القوى المضادة في مواجهة الوضع الجديد. وتوفرت البنية التحتية الضرورية لإرهاب المجتمع بشكل جدي وواسع وابتزاز الناس.

- بدء العمليات العسكرية ضد القوى السياسية المحلية وضد القوات الأجنبية ومن أجل تشديد التمايز والاصطفاف الطائفي.

- وفي ذات الوقت نشأت ميليشيات مسلحة وطائفية تابعة للأحزاب الإسلامية السياسية، الشيعية منها والسنية، التي مارست عمليات انتقامية متبادلة أصبح الشعب ضحيتها.

لقد أسقطت الحرب النظام، ولكنها لم تكسب السلام وتجلبه للمجتمع، بل جلبت معها الفوضى والخراب والموت على نطاق واسع. كما وفر الوضع الجديد حرية الكلام والنشر، ولكنه وفر معه إمكانية وحرية قتل الناقد والمتكلم دون معرفة أو تحديد الجهة المنفذة لقرار القتل. وإذا كان الخوف سابقاً من النظام البعثي الحاكم بأجهزته القمعية، أصبحت الخشية بعد السقوط من قتلة كثيرين غير مشخصين من داخل وخارج قوى الحكم. كما إن احتمالات تحول الصراعات الراهنة إلى نزاعات مسلحة طائفية ما تزال غير مستبعدة تماماً من قاموس بعض جماعات سياسية وطائفية في الحكم وخارجه. وإذ كان الوضع في إقليم كردستان العراق مستقراً وآمناً قبل إسقاط النظام ومنذ انسحاب قواته وإدارته منها، فإن الوضع الأمن والمستقر قد استمر بعد إسقاطه أيضاً وتوفرت له فرصة مواصلة تغيير وجه الإقليم عمرانيا واجتماعياً، في ما عجز حكام بغداد القيام بذلك في المناطق العربية من العراق حتى الآن. وإذا كانت العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بدأت بصورة أولية غير متوترة، فإنها تشهد اليوم توتراً كبيراً ومخاطر تعقيدات إضافية في هذه العلاقات لا بسبب حداثة التجربة وعدم وجود خبرة ونقص في القوانين التي تحكم هذه العلاقة وضبابية بنود في الدستور فحسب، بل بسبب سياسات الحكومة الاتحادية التي لا تريد معالجة المشكلات القائمة على وفق بنود الدستور، ومنها مشكلة ما يطلق عليها اليوم بالمناطق المتنازع عليها، أو بشأن عدم دفع رواتب الپيشمرگة الكردستانية كجزء من القوات المسلحة العراقية ...الخ، وردود الفعل الكردستانية على تلك السياسات.

 

 

ما هي حصيلة الأعوام العشرة المنصرمة؟

من الناحية الإيجابية يمكن الحديث عن خلاص العراق من دكتاتورية غاشمة لم يشهد مثلها تاريخ العراق الحديث ولا دول منطقة الشرق الأوسط من حيث طبيعته الوحشية وذهنيته العنصرية والعسكرية الفاشية وأطماعه التوسعية ورغبته في حل المشكلات بالقوة العسكرية الغاشمة محلياً وإقليمياً ومن مطلق إن الحق والقوة هما وجهان لعملة واحدة أحدهما يستوجب الآخر ويشترطه أولاً. كما يمكن الإشارة إلى تحسن أوضاع استخراج وتصدير النفط الخام مما فسح في المجال إلى زيادة عائدات العراق من موارد النفط الخام المصدر سنوياً ثانياً. وإلى تحسن في مستوى حياة ومعيشة بعض فئات المجتمع وليس كلها، ومنها نشوء فئة واسعة متوسطة بين موظفي الدولة العسكريين والمدنيين البيروقراطيين وفي التجارة والمقاولات والعقار، متجاوزين أو بعيداً عن نشوء فئة متوسطة في الصناعة والزراعة باعتبارها الحاملة لفكر المجتمع المدني، إضافة إلى وجود مؤسسات وأحزاب سياسية دون وجود قانون ينظم هذه الأحزاب، ووجود منظمات مجتمع مدني، رغم إن أغلبها وفي الغالب الأعم شكلية ومن مواقع دينية، وانتخابات عامة على وفق قانون غير ديمقراطي يسمح بالتجاوز على اصوات الناخبين.

هذه الجوانب الإيجابية نسبياً عليها تحفظات كثيرة بارزة للعيان. فإذا كانت الدكتاتورية البعثية الصدامية قد أُسقطت بفعل العامل الخارجي، فإن أرضية نشوء دكتاتورية جديدة لحزب وفرد حاكم ما زالت قائمة بسبب الأرضية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الدينية التي ما تزال سائدة في المجتمع. وها نحن نشهد ظهورها بوضوح كبير ومخاطر متفاقمة يوماً بعد آخر والتي تشير إلى احتمال وقوع كارثة. وإذا كان النفط قد تحسن وضعه، فإن العقود الكثيرة التي وقَّعت على دفعات لم تكن كلها في صالح العراق وغير ضرورية ومؤثرة سلباً على حقول النفط ذاته، إضافة إلى الغاز، وعلى سوق النفط وأسعاره وغير منسجمة مع قدرات العراق الفعلية وطاقاته التصديرية، كما تحمله أعباء تلك العقود ولسنوات طويلة قادمة، إضافة إلى عدم إقرار قانون النفط والغاز حتى الآن، ونشوء مشاكل جديدة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق بشأن عقود النفط الكردستانية، والتي فيها إشكاليات ومشكلات أخرى تختلف عن إشكاليات عقود النفط التي وقعت ببغداد، خاصة وإنها عقود مشاركة غير مفيدة للعراق، وهو اتجاه سلبي بالنسبة لموارد العراق النفطية والمالية وبالنسبة إلى ضعف القوة التفاوضية للطرف العراق واستخدام الخلاف من جانب شركات النفط الدولية لصالحها وفي غير صالح العراق. كما إن مؤسسات الدولة ليست مؤسسات حرة وديمقراطية بالمعنى الصحيح لأنها كلها قائمة على قاعدة المحاصصة الطائفية السياسية اللعينة التي قسمت الشعب العراقي إلى طوائف وملل مدمرة وليست جامعة. إذ إن الهويات الفرعية تصبح قاتلة للهوية الوطنية حين تأخذ مكان الصدارة وتدفع بالهوية الوطنية العراقية إلى الخلف أو تنسفها من الأساس. وتقوم الكثير من الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني على أساس ديني ومذهبي يتعارض تماماً مع قواعد وأسس المجتمع المدني ومع الدستور العراقي واعتبار "الدين لله والوطن للجميع".

 

سأحاول هنا أن أتتبع حصاد عشر سنوات منصرمة من عمر الشعب العراقي في عدد من المجالات المهمة:

1. في السياسة الداخلية

تفقد البلاد، وبعد مرور عشر سنوات، يومياً وساعة بعد أخرى الحرية والحياة الديمقراطية النسبية التي نشأت بعد إسقاط الدكتاتورية والتجاوز الفظ والمستمر على حقوق الإنسان وفقدان القضاء والهيئات المستقلة دستورياً لاستقلالها وخضوعها للحاكم الفرد وحزبه، الذي يحل يوماً بعد آخر محل حزب البعث في سلوكه العام وهيمنته، وهي تنذر بكارثة محدقة. ومنذ سنوات يجري اعتداء مستمر على حرية الفرد من خلال التطبيق غير السليم لقانون المساءلة والعدالة في الاعتقال الطويل الأمد دون تحقيق أو محاكمة، ثم ممارسة ابشع أشكال التعذيب التي بلغت إلى مستوى التعذيب الذي مارسته أجهزة القمع الصدامية أو التي مارستها أجهزة الأمن الخاصة التابعة للإدارة الأمريكية في سجن أبو غريب. خلال الفترات المنصرمة جرى اعتداء على صحف عديدة منها جريدة المدى ومقر الحزب الشيوعي العراقي وحزب الأمة، وأخيرا جرى الاعتداء على أربع صحف محلية وعلى مقر حزب الأمة ثانية، ثم نفذت عمليات اغتيال للكثير من الشخصيات العراقية السياسية والمناضلة في سبيل المجتمع المدني، ولنا في ما حصل للمناضل الوطني وفي سبيل إقامة المجتمع المدني والديمقراطية الشهيد كامل عبد الله شياع أو غيره ما يؤكد دور أجهزة وزارة الداخلية بذلك والمرتبطة عمليا بمكاتب رئيس الوزراء. ولسنا بعيدين عن غياب الأمن بالعراق، إذ إن قوى الإرهاب المحلية والعربية والدولية ذات التوجه الإسلامي المتشدد والمتطرف تمارس عملياتها الإجرامية بكل حرية، رغم ادعاء الحكومة بقدرتها على ضرب هذه التنظيمات الإرهابية. لقد أصبحت قوات عمليات بغداد وقادتها اليد الضاربة لرئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، وهي قوات لم تنشأ على وفق الدستور العراقي والقوانين المرعية. وأصبحت مهمتها ملاحقة النشاطات الاحتجاجية للمواطنات والمواطنين واعتقالهم وتعذيبهم وزجهم في بيوت غير معروفة، تماماً كما كانت تفعل قوات الأمن وفدائيي صدام حسين.

وبسبب نهج الحكومة الذي يمارس سياسات أمنية بدلاً من ممارسة السياسة لحل المشكلات القائمة، فإن الصراعات بالبلاد قد تفاقمت في السنوات الثلاث الأخيرة واقتربت من أن تتحول إلى نزاع عسكري طائفي مدمر.

إن العراق يفقد يومياً بمعدل عشرة اشخاص شهداء ضحايا الإرهاب وجرحى بالعشرات نتيجة عجز الحكومة سياسياً في مواجهة الوضع الراهن. وسياستها البائسة والطائفية سمحت بعودة جادة لثلاث قوى سيئة وإرهابية هي: تنظيم القاعدة على صعيد المنطقة مندمجاً بتنظيماته العراقية المحلية أولاً، وعود تنظيم البعث إلى الساحة السياسية لا بقواته المدنية المتغلغلة في أجهزة الدولة على مستويات قريبة من رئيس الوزراء فحسب، بل وتنظيماته العسكرية السرية وبوضوح كبير ثانيا، وتنظيمات هيئة علماء المسلمين السنة التي يترأسها الدكتور حارث الضاري والمتحالفة مع التنظيمين المذكورين، القاعدة والبعث، إلى التأثير المباشر على أوضاع البلاد.

والمشكلة الداخلية تبرز بوضوح كبير في التدخل المباشر لمرشد الثورة الإيرانية الإسلامية علي خامنئي بشؤون البلاد الداخلية والموجه الفعلي لسياسة الحكومة العراقية عبر مستشاريه العاملين بالعراق وعلى مقربة من رئيس الوزراء العراقي. وتمتلك إيران أجهزة أمنية تابعة لجهازها الأمني وأخرى للحرس الثوري منتشرة في المدن العراقية كافة دون استثناء، بما في ذلك كردستان العراق، إضافة إلى وبشكل خاص العاصمة بغداد. وهو أمر يثير الحزن والكآبة في النفس ويعتبر خطراً كبيراً على استقلال وسيادة البلاد وقراراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في آن.

وتتعرض الهيئات المستقلة العراقية التي ورد ذكرها في المادة 99 من الدستور العراقي لعام 2005 مثل المفوضية العليا لحقوق الإنسان والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وهيئة النزاهة والبنك المركزي إلى تدخل مباشر من جانب السلطة التنفيذية في حين منحها الدستور الاستقلالية التامة عن السلطة التنفيذية وغير الخاضعة لقراراتها، وأخضعا لرقابة السلطة التشريعية، أي مجلس النواب. وما حصل للبنك المركزي خلال الأشهر الأخيرة يعتبر تجسيداً حياً لتجاوزات فظة من جانب السلطة التنفيذية ورئيسها في شؤون البنك المركزي ومفوضية الانتخابات المستقلة بحيث أدى إلى خرق فظ للدستور العراقي والمادة 99 منه. وإن ما حصل لطاقم البنك المركزي من إهانة واعتقال وإساءة للسمعة يؤكد النهج الجديد للسلطة التنفيذية المهدد للعملية والحياة السياسية والدستورية بالبلاد. ونحن شهود أيضاً على ما يجري اتجاه المرأة وفقدانها للكثير جداً من حريتها وحياتها المستقلة ومكانتها في المجتمع وابتعادها كثيراً عن مساواتها بالرجل.

وفي حينها قال رئيس الحكومة الحالي بأنه أخذ الحكم ولن يعطيه لغيره بعد اليوم "أخذناها بعد ما ننطيها"، وهو مماثل تماماً لما قاله صدام حسين حين وصول البعث للسلطة بأنه جاء ليبقى!! ، وعدا عن ذلك فالإرهاب يخطف كل يوم عشرات الناس والفساد يسرق الملايين والمليارات من خزائن الشعب العراقي!

 

2. الاقتصاد ومستوى معيشة الشعب

خلال السنوات العشر المنصرمة لم يعرف العراق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وتغيير في واقع البيئة المتدهورة، بسبب غياب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية لما يفترض أن ينشأ بالعراق، غياب الإستراتيجية التنموية والخطط العقلانية القابلة للتنفيذ وآفاق تقدمه. فالاقتصاد العراقي كان ريعياً نفطيا واستهلاكياً منذ عشرات السنين وما يزال كذلك، بل يمكن الادعاء بأن الطابع الريعي النفطي قد تعمق وتفاقم فيه بسبب غياب الإنتاج الصناعي والإنتاج الزراعي إلى ابعد الحدود، وحل محلهما الاستيراد المنفلت لكل السلع الصناعية والزراعية، حتى ما كان تقليدياً ينتج بالعراق. ويؤدي هذا الواقع إلى عواقب سلبية معروفة جداً لكل إنسان له خلفية اقتصادية أو إطلاع على الاقتصاد والحياة الاقتصادية للشعب، ومنها:

** إن غياب الرؤية السليمة والواضحة للسياسة الاقتصادية، كما هو حال البلاد حالياً، يعقد على الساسة المالية والنقدية مساهمتها الفاعلة والمؤثرة إيجابياً على الحد من نسب التضخم وتقلب سعر صرف العملة العراقية، إذ إن السياسة المالية والنقدية هي الأداة التنفيذية للسياسة الاقتصادية، وحين تكون السياسة الاقتصادية بائسة حقاً يصعب تنفيذ سياسة مالية ونقدية ناجحة. ورغم ذلك تسنى للبنك المركزي، بسبب علمية ونزاهة وحصافة طاقم البنك، أن يخفف من الآثار السلبية لغياب وفردية السياسة الاقتصادية في الاحتفاظ باحتياطي جيد ساعد على حماية العملة الوطنية من التقلبات من جهة، وحد من التضخم الذي كان يصاحب الوضع الاقتصادي والمؤثر سلباً على مستوى حياة ومعيشة الفقراء وذوي الدخل المحدود بشكل خاص. وكان لإجراءات رئيس السلطة التنفيذية المخالفة للدستور أن ألحق أضراراً بهذه السياسة ودفع بالدينار إلى التراجع أمام الدولار الأمريكي بنسبة غير قليلة وازداد التضخم والحقا بأضرار ملموسة بالمواطن وبقدرته الشرائية ومستوى معيشته.   

** استنزاف موارد النفط المالية من خلال إغراق السوق العراقية بالسلع الاستهلاكية المستوردة ودفع المزيد من الرواتب لموظفي الأجهزة الإدارية والحكومية متضخمة والمنتفخة، وهي ثروة ناضبة لا بد أن تكون للأجيال القادمة حصة منها ومن استخدامها في التنمية الاقتصادية الإنتاجية.

** ضعف شديد، أقرب إلى الغياب، في توجيه الموارد المالية النفطية صوب التثمير الإنتاجي لتحقيق التراكمات الرأسمالية لصالح تنويع الاقتصاد الوطني وتخليصه من ريعيته الشديدة وتنويع بنية الدخل القومي، وإغناء الثروة الوطنية بموارد جديدة من الإنتاج الصناعي التحويلي والزراعة المحلية.

** استمرار البطالة في المجتمع لعجز الدولة عن توفير فرص العمل عبر التنمية الاقتصادية والتصنيع وتحديث وتطوير الزراعة، وتوجيه القوى الفائضة صوب الجهاز الحكومي والإداري مما ساهم بخلق بطالة مقنعة تصل إلى أكثر من نصف العاملين بكثير. وهي تستنزف الدخل القومي دون أن تساهم في إغنائه، إضافة إلى تعطيل عمل الدوائر بسبب إغراق الدوائر بالمزيد من الموظفين الفائضين عن الحاجة الفعلية وغياب المسؤولية المباشرة لكثرة الموظفين. وتشير المعلومات الموثقة إلى إن الموظفين يواظبون على عملهم الوظيفي يومين أو ثلاثة ايام في الأسبوع، والأيام الأخرى يعملون في مجالات أخرى لتأمين دخل إضافي مالي لهم.

** استمرار وجود نسبة مهمة من سكان العراقي تعيش تحت خط الفقر المقرر دولياً لدول مثل العراق. ورغم محاولات بعض المسؤولين تقليص هذه النسبة رسمياً، فإنها تتراوح اليوم بين 20-25/ من إجمالي السكان، وهي نسبة عالية جداً في بلد نفطي كالعراق.

** ومع الفردية السائدة في مجلس الوزراء وغياب المنهجية، فإنه يعاني من غياب المتابعة الرصينة والواعية لما تصدر من قرارات حكومية، إضافة إلى تخلف الإدارة الاقتصادية والحكومية وغياب المستوى العلمي والحداثة في إنجاز مهماتها بما لا يسهم في تحسين الأداء. إضافة إلى مستشارين لا يساهمون إلا في مدح رئيس الوزراء وتحويله إلى مستبد جديد، إنهم ليسوا بمستشارين بل هم بطانة، والبطانة ترقص على أنغام سيدها. والشاعر يقول:

إذا كان رب البيت بالدف ناقر  فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

** ومما يزيد في الطين بلة ويؤذي المجتمع ضعف شديد في الخدمات العامة كالكهرباء والماء والنقل والمواصلات الآمنة ..الخ، رغم الأموال الخيالية التي صرفت على إقامة منشآت الطاقة الكهربائية والتي طمر الكثير من تلك الأجهزة المستوردة في رمال الصحراء العراقية والأموال في جيوب الفاسدين من أجهزة الدولة بمستوياتها المختلفة، ومنهم من صرف مليون دولار لإقامة حفلة خاصة في الولايات المتحدة لزواج ابنه!  

** ومن الظواهر السلبية غياب التنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وبين الحكومة الاتحادية ومجالس المحافظات، وتفاقم الصراعات. ويمكن أن يلاحظ المتتبع عواقب ذلك على الحياة اليومية للمجتمع. وإذ تسعى الحكومة الاتحادية إلى الهيمنة على القرارات مركزياً وحصرها بها، يسعى الإقليم ومجالس المحافظات الي الحصول على أقصى ما يمكن الاستقلالية عن المركز. وبين هذين الاتجاهين، وبغياب القوانين المنظمة لهذه العلاقات وغياب التقاليد الديمقراطية والتعامل الإنساني، تنشأ وتتفاقم الصراعات وتتحول إلى نزاعات يصعب حلها.

** ومن يتابع الوضع بالعراق سيجد نفسه أمام نظام جديد سدد ضربة قاتلة للنزاهة ونظافة اليد بالبلاد. فالفساد المالي والإداري والحزبي قد أصبح نظاماً سائداً معمولاً به على نطاق شامل. فالدولة والحكومة بكل مؤسساتهما وكذلك المجتمع يمارسونه كمسألة ثابتة لا يمكن الفرار منها. وهي التي تجهد خزينة الدولة وتعطل التوجه صوب التنمية الاقتصادية والتثمير الإنتاجي وتنشط الإرهاب وخراب البلاد. إنه نهب منظم لم يعد الحديث يجري على ملايين، بل مليارات الدولارات التي نهبت من البلاد عبر الفساد. وإذ كان الفساد المالي والإداري والحزبي موجوداً وواسعاً في زمن الدكتاتور صدام حسين، فإنه اليوم أصبح أشمل وأعمق وأكثر إرهاقاً لمالية البلاد. وقد ساهمت به سلطة الاحتلال ومجلس إدارة الدولة المؤقت والحكومات الثلاث المتعاقبة وأجهزة الدولة والشركات الأجنبية والمحلية.

** ومن الجدير بالذكر هنا إن البيئة العراقية التي ألحقت الحروب الخارجية والداخلية الدموية خلال العقود المنصرمة أضراراً فادحة بالبيئة العراقية وبحياة الإنسان وعلاقته بالطبيعة، تزداد تدهوراً وتلحق أفدح الأضرار بالإنسان وأمه الطبيعة. وخلال الأعوام المنصرمة لم تتخذ إجراءات كثيرة ملموسة في هذا الصدد، في ما عدا إقليم كردستان العراق ومنطقة الأهوار، حيث أمكن للمخلصين من أبناء البلاد وبمبادرات خاصة ودعم أجنبي إلى إعادة ثلث المساحة التي كانت تحتلها أهوار العراق بعد أن جففها الدكتاتور الأرعن صدام حسين وحرم أهلها، وهم من أصل عراقي سومري، العيش في المنطقة. فما أن تمطر السماء حتى تمتلئ بغداد، دع عنك مناطق أخرى من العراق، بالمستنقعات الآسنة. وعلى الناس أن يسعوا للحصول على قوارب وماطورات مائية للسير في مياه وأوحال تلك المستنقعات في وسط مدينة بغداد.

إن الشعب العراقي يعيش في هذه المرحلة مأساة ومهزلة في آن. فموارده السنوية تبلغ 138 تريليون دينار عراقي أو ما يعادل 116 مليار دولار أمريكي، وهو رقم فلكي بالنسبة لموارد العراق في انصف الأخير من القرن العشرين، نجد هناك بطالة واسعة وبطالة مقنعة وفقر واسع ونهب أوسع لتلك الأموال جهارا نهارا. ونتيجة ذلك ارتفع عدد أصحاب الملايين والمليارات من الدولارات بالعراق، منهم من هو نائب في المجلس ومنهم من هو في الحكومة أو في رئاسة الدولة، ومنهم من هو في المؤسسات والحوزات والمراجع الدينية، ومنهم من يعمل في التجارة والمقاولات والعقار والعقود والمضاربات المالية، ومنهم من يحتل مواقع مهمة في الأحزاب الإسلامية السياسية أو القومية أو العلمانية غير الديمقراطية.     

كلنا يدرك بأن الحكم الطائفي السياسي والفساد المالي والإداري والحزبي وغياب الحلول السياسية واعتماد الحلول الأمنية العسكرية وتفاقم الفردية في الحكم هي من العوامل المحفزة للإرهاب واستمرار نزيف الدم وسيل الدموع في البلاد. وليس هناك من أفق للخلاص من ذلك إلا بالخلاص من الحكم القائم على المحاصصة الطائفية والأثنية، والخلاص من الأرضية التي تعيد إنتاج كل ذلك ! ولدي الثقة بأن الشعب سينتصر في المحصلة النهائية وأن طال الزمن وأجبر الشعب على تقديم المزيد من التضحيات والدنيا دوارة، كما يقول المثل اشعبي العراقي، ولا تستقر على أحد ولو استقرت على أحد لما وصلت لمن هو في السلطة الآن ولن تبقى عنده طويلاً والعاقبة تلائم الأفعال... هكذا يعلمنا التاريخ الذي تكتبه الشعوب ولا يكتبه المستبدون المنتصرون في غفلة من الزمن!!!

إن مهمة المجتمع اليوم أن تمنع تحول العراق إلى الدكتاتورية ثانية، رغم وجود الأرضية الصالحة لذلك، وهي مهمة القوى الديمقراطية وسائر المخلصين لهذا الشعب ومن عانى من الدكتاتورية الغاشمة السابقة. إنه النداء الذي يسبق وقوع الكارثة، فما يجري بالعراق عبارة عن رياحٍ صفراء تسبق العاصفة التي يفترض أن نبعدها عن أرض وشعب العراق بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه وقواه الوطنية الأمينة لشعبها.

 

16/4/2013        كاظم حبيب

 

..................

الهوامش

 استطاع الدكتور أحمد الجلبي أن يحقق تعاوناً واسعاً مع الولايات المتحدة بحكم علاقاته مع ثلاث أطراف أمريكية هي: 1: البنتاگون (وزارة الدفاع)، 2) وكالة المخابرات المركزية (CIA) ، 3) وزارة الخارجية الأمريكية، 4) بعض أهم مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية بشأن الشرق الأوسط وذات الصلة المباشرة بتلك الجهات الرسمية، ومن خلال هذه الجهات انفتح له الطريق على البيت الأبيض، وكان لتلك الجهات صلات متينة ومباشرة مع إسرائيل وبهذا انفتح الدرب أيضاً على الأخيرة أيضاً. كاظم حبيب

 الموسوعة الحرة، ويكيبيديا، أحداث 11 سبتمبر 2001.

 المصدر السابق نفسه.

 ملاحظة: شارك في هذه الندوة أربع شخصيات سياسية عراقية هم: السادة محمد بحر العلوم، الدكتور محمود عثمان، والدكتور كاظم حبيب، ثم التحق بالندوة الأستاذ يونادم كنا، الذي كان لتوه قادماً من الولايات المتحدة الأمريكية. وحين انتهيت من محاضرتي وبين أسباب رفضي للحر، رجاني السد بحر العلوم الاحتفاظ بنص محاضرتي المطبوعة لديه. كاظم حبيب 

 ملاحظة: لم يكن وقوفي ضد الحرب خيار اعتباطي، بل ومن المؤسف أن أقول أني كنت أتوقع ما يجري اليوم على الساحة العراقية وربما بأكثر مما حصل حتى الآن. وهذا يعود لمعرفتي بالمجتمع العراقي وبنيته وبالقوى الإسلامية السياسية وروحها الانتقامية وطائفيتها البشعة وقدرتها على إلحاق الأذى بالمجتمع ووحدته ومستقبله. وهذا ما هو حاصل فعلاً. قبل الحرب كانت كردستان منذ العام 1991 مستقلة تماماً عن حكم الدكتاتور وانتهت في العام 1998 من حربها الداخلية بين الحزبين الكرديين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وبدأ العمل لتطوير الإقليم بطيئاً. ومع ذلك لم يكن بحاجة إلى الإسقاط للحصول على ما حققه بعد ذلك وبعد الحرب بالضرورة. ولكن لم يكن المجتمع الذي وقع تحت حكم الدكتاتورية لعقود ثلاث عاجزاً عن استخدام إسقاط النظام عبر الحرب لصالحه. وهكذا كان حال القوى الديمقراطية. وحين أُسقطت الدكتاتورية بالحرب، لم ترغب الإدارة الأمريكية تسليم السلطة للمعارضة، بل كانت تريد أن تتولاها هي، وحين رفض المجتمع هذا المخطط سلمت السلطة لمن لا يقود البلاد إلى الوحدة، إلى من سمي بالأكثرية الشيعية. أي بيد الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية التي تقود البلاد إلى الصراع وتعميق الهوة بين الشيعة والسنة من المسلمين وتساهم، شاءت أم أبت بما حصل لأتباع الديانات الأخرى في البلاد من عواقب وخيمة وقتل وتشريد وتهجير وسلب ونهب ...الخ. لا يمكن أن تلد الحرب ديمقراطية، بل فوضى وخراب ودمار وموت كبير، فالحرب تلد حرباً أخرى. وهي المشكلة التي تواجه العراق حالياً. إن لم تكن الحرب قد اسقطت صدام حسين، كيف يمكن أن نتصور حال العراق الآن؟ سؤال يصعب الإجابة عنه، وربما الحرب الأمريكية ضد العراق هي التي ساعدت على انطلاقة الربيع العربي. ورغم الكبوة الراهنة للربيع، فإن ما حققه من جرأة الجماهير واندحار خوفها من الدكتاتوريات هو الكفيل بتعديل المسارات اللاحقة للشعوب العربية صوب الديمقراطية. أن النظم الدينية الراهنة لن تدوم طويلاً وعمرها قصير بالقياس إلى عمر الشعوب. كاظم حبيب 

 لقد كتبت سلسلة المقالات في الشهر الرابع من العام 2004 ونشرت في الحوار المتمدن في حينها كما نشرت بكتاب. بعد نشر هذه المقالات اتصل بي الصديق الشاعر صادق الصائغ من مقر الخبراء العراقيين في الولايات المتحدة واستفسر عن مصدر هذه المعلومات. قلت له من يرف صدام حسين يدرك الإجراءات التي اتخذها لمواجهة الوضع الجديد.وترجمت تلك المقالات إلى الإنجليزية ووضعت تحت تصرف الخبراء والمتعاونين معهم من الإنجليز والبريطانيين. ومن المحزن أن أقول بأن ما كتبته قد برهنت الحياة عليه بنسبة عالية جداً، وهي مصدر حزني.

 في العام 1995 نشرت كتاباً ببيروت تحت عنوان: "ساعة الحقيقة: مستقبل العراق بين النظام والمعارضة". وقد أكدت في حينها على خطأ التحالفات الجارية التي خلطت الأوراق بين القوى المدنية والديمقراطية والقوى الإسلامية السياسية، دون أن تكون هناك حدوداً واضحة بين هذه القوى، إذ كنت أدرك طبيعة هذه القوى وقدرتها على التهام كل شيء لستة اسباب جوهرية:

1. الجواب العام الذي كان يسود العراق بسبب إرهابه ضد الشيعة وبالتالي ستدفع الأحزاب الإسلامية السياسية إلى الانتقام من السنة وكأنهم المسؤولين عما حصل بالعراق وأنهم سيحققون تعاطفاً بسبب هذا الموقف.

2. تحالفهم مع الكرد الذي يمنحهم قوة إضافية تفوق قوتهم الاعتيادية.

3. التأييد الواسع من جانب نظام الحكم الإسلامي الإيراني الشيعي للأحزاب والقوى الشيعية.  

4. تأييد الولايات المتحدة وبريطانيا لقوى الإسلام السياسي وتحالفها مع الكرد ورغبتها في إقامة نظام سياسي لا يوحد الشعب العراقي بل يمزقه طائفياً.

5. ضعف القوى الديمقراطية العراقية، رغم إن الحزب الشيوعي كان أقوى الضعفاء بين القوى الديمقراطية العراقية حينذاك.

6. الجهل والأمية والبؤس والفاقة التي كان يعيش تحت وطأتها المجتمع العراقي وخاصة في الوسط والجنوب وغوص الكثير من الناس في الدين والغيبيات وأعمال السحر وما شابه ذلك، بحيث غيب الوعي الديمقراطي كثيراً.

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

  

يرتقي المسرح المدرسي الى فن ثقافي متميز لتنمية المواهب الفكرية والحركية لدى المتلقين من خلال فتح افاقا فكرية واسعة عن طريق" التوعية بقضايا المجتمع والتعرف على حضارات وثقافات مجتمعات الشعوب الاخرى" (احمد سيمان:1999،ص133) ترى الباحثة ان ذلك يساهم في اتساع افق مداركهم لبنائية مجتمعهم والمجتمعات الاخرى، الامر الذي يدفعهم الى المقاربات العديدة التي من خلالها يستطيع المتلفي تفهم قضايا مجتمعه من خلال الانفتاح على قضايا المجتمعات الاخرى من حيث التشابه والاختلاف، مما يضيف اليه الخبرة الواسعة للتفسير والتحليل لعمق تلك القضايا، مما يدفعه الى ايجاد حلول ابداعية تساهم في بناء مجتمعه ومن الممكن اتخاذ ثيم النصوص المسرحية واتي تعنى بالبحث عن حقيقة الوطن وماهيته والمفاهيم المرتبطة به وعمق الانتماء لارضه ومجتمعه، الامر الذي يساهم مساهمة فاعلة في تحقيق الاهداف التربوية والتعليمية للمسرح المدرسي، من حيث تقوية الروابط الانتمائية الوطنية والمواطنة الصالحة، لتنضيد وشائج العلاقات القائمة في المجتمع واحترام اراء الاخرين في طرح الحلول للقضايا المعاصرة والمهمة في المجتمع.

يساهم المسرح المدرسي في" استلهام التاريخ والتراث وتجسيد ما نستلهمه في مواقف واحداث ومواضيع ودلالات بهدف تقريبها من ذهن الطالب" ( فيصل المقدادي :1984، ص123) فعرضها هكذا وبهذا الشكل الفني يساعد على ترك اثر ايجابي في تذكر المعلومة التاريخية التي يتم عرضها من خلال شخصيات اسطورية وتاريخية حقيقية وخيالية، ومما تجدر الاشارة اليه ان كتاب المسرح المدرسي ادركوا اهمية هذا الجانب فتوجهوا الى جعل الشخصية الاسطورية حاملة لسمات الحضارة والحقبة الزمنية التي تنتمي اليها، الامر الذي ينمي مدارك المتلقي(المتعلم) في استقبال تلك المعلومات باكثر من حاسة، فضلا عن تجسيد هذه هذه الشخصيات بما تحمله من جماليات وبنائية تنشد رسم صورة واضحة ووافدة نحو التطور والنماء، كما تستند الى اسس بنائية ماثلة في ذلك العصروبتلك الجماليات للارتقاء بالتذوق الجماليوالحس الفني تجاه ما يتلقاه من اعمال فنية .

ان المسرح المدرسي يعمل على " التحرر من الكثير من الأنفعالات الضارة مثل الخجل وعيوب النطق والانطواء والاكتئاب (فيصل المقدادي:1984،ص123) ترى الباحثة ان ذلك يساهم في تنمية الثقافة السلوكية للمتعلم بشكل فعال للتخلص من كل ما يعيق تحرره من القيود الاجتماعية والسياسية، كما تدعو النصوص المسرحية الى التخلص من ذات القيود وحرية الراي مما يساهم في ترصين بناء شخصية المتعلم وزرع الثقة في ذاته ورسم صورة واضحة ووافدة نحو التطور والنماء في داخله، وبذلك فان هذه البنائية ستسهم في الارتقاء بالمتلقي (المتعلم) الى التحرر من كل العوائق الاخرى مما يجعل المتعلم اكثر انفتاحا واوسع في تقوية الروابط الاجتماعية المتمثلة بالصداقة التي تقوي بنائية المجتمع المدرسي قائمة على التعاون بين الطلبة والاحترام، فضلا عن تنمية مخيلة المتعلم للتلقي من خلال ملكات خياله واستثارته من خلال النصوص الفنتازية، فالخيال يلعب دورا مهما في تلقي المعلومة بصورة مدهشة وهذه اللحظة او ما تسمى بالصدمة تترك اثرا واسعا ومميزا في ذات الوقت، الامر الذي يقلل من نسيان المعلومة التي تلقاها من النص المسرحي الفانتازي، كما ان الحوار المسرحي يعلم المتعلم على الطريقة النوذجية بالتخاطب مع الاخرين .

يهدف المسرح المدرسي الى"غرس القيم الاخلاقية والانسانية في نفوس الابناء كما يسهم في ارساء قيم العمل الجماعي " (احمد سيلمان:1999،ص133) التي تسهم في ارساء هذا البناء ومن خلال استلهام الشخصيات الاسطورية التي تمتاز بالقوة الفذة والخارقة، ورسم هذه الشخصيات على اسس القيم التربوية والتعليمية، لنجد البطل يمتاز بالصدق ومحاربة الظلم ومساعدة الاخرين فضلا عن التضحية وتقديس الصداقة لارساء القيم الاخلاقية من خلال المسرح الذي يشد المتعلم اليه فيكون البطل قدوة وانموذجا يقتدى به ليرسي كاتب النص المسرحي المدرسي دعامة اخلاقية بنائية لذات المتعلم،ويعد هذا المضمار احد الاعمدة القيمية للنص المسرحي الذي يتعامل مع مراحل عمرية خطرة في بنائها .

مثل المسرح المدرسي في العشر سنوات الاخيرة في محافظة بابل عوالم خطابية تميزت بخاصيات ذاتية تكون فيها الاحداث والاشياء في انسجام تام مع مرجعية الطالب حيث التعايش ان صح التعبير والانصهار في مكوناته، حيث قدم اعمالا مسرحية طلابية لاحصر لها ابدعها كتاب منهم" حسن الغبيني، رحيم مهدي، صباح محمد حميد، غالب العميدي، احسان عبد الله، كريم فاضل عباس، منور ناهض، مهند ناهض، عزيز جبر، علي حسون، حميد راضي، وغيرهم من الكتاب " من اعمالهم التي قدمت على مسرح مديرية النشاط المدرسي" رسالة معلم الجغرافية، ارض القربان، الحياة، نظم وقتك يا شاطر، شمس الحضارة، كلكامش كما اراه، البحث عن الحقيقة، النور والظلام، العودة الى الحياة، الصمت الابيض، سنبقى احياء، اخطبوط الحنان، واعمل اخرى لاحصر لها.." تمثل مسرحية شمس الحضارة للمؤلف رحيم مهدي عملا مسرحيا هادفا تمكن المؤلف فيه من كتابة نص تدور احداثه في اجواء طقسية بمشاعلها وبخورها التي ترنو الى تعتيق الزمن،لتمثل احداث المسرحية مقابلة يجريها مقدم ومقدمة مع المؤرخ طه باقر حول موضوع الحضارة اليونانية القديمة وملحمة كلكامش ثم تحدث انتقالة مفاجئة الى مساجلة تدور بين كلكامش وهرقل في ايهما الاقوى والارجح ليدور بينهما قتال وتدور احداث المعركة وسط مجاميع يقسمون الى فريقين احدهما يناصر الاخر هرقل حتى يصرع كلكامش هرقل فيركع له، فتحت ثيمة المسرحية ابواب الحرية للكاتب في طرح آرائه وافكاره قناعاته بتأصيل الحضارة البابلية والسومرية وما الحضارات التي تلتها الا راكعة لها،حيث ان حضارة سومر سبقت الحضارة اليونانية بسنين ومن خلال الترحال والتجارة والغزوات تمكنت من المثاقفة بين شعوبها وشعوبنا الامر الذي تجسد في "حتى يصرع كلكامش هرقل فيركع الى كلكامش" اذ يمثل هرقل الحضارة اليونانية اما كلكامش فانه يمثل الحضارة السومرية بما تحمله من أصالة .

تعد طه باقر "ان ملحمة كلكامش هي اوديسة العراق القديم،ويضعها الباحثون والمؤرخون من شوامخ الادب العالمي "، تمسك الكاتب باعتزازه بوطنه من خلال اعتزازه بحضارته ونتاجاته الادبية التي تعد ارثا ادبيا يرسم ماهية وحضارة وادي الرافدين تلك الحضارة الاصيلة التي ارست القوانين البشرية التي ارست قواعد الفكر الانساني وتجسد ذلك في الحوار التالي "المقدمة :ان اول حضارة عرفها التأريخ هي حضارة وادي الرافدين،وان لهذه الحضارة من المقومات والسمو والابداع علاوة على اسبقيتها في القدم " وان هذا العرض لميزات الحضارة انما يأتي من الاعتزاز بالارض والوطن والارث الحضاري والتاريخ وهذا ما تؤكد عليه البنى الفانتازية في الثيمات التي تستعرضها .

توجه الكاتب نحو البحث عن الحقيقة من خلال تساؤلات عرضها على لسان الحاضر للمؤرخ طه باقر الذي عاش في الزمن الماضي ليقلب اوراق ازمان موغلة بالقدم من اجل الوصول الى حقيقة مفادها ان لحضارة وادي الرافدين الفضل الكبير على بقية الحضارات في بنائها وانمائها وتغذيتها بالاصول الفكرية بمختلف مدياتها واتجاهاتها لتكون الحقيقة واضحة المعالم في نهاية الصراع بين كلكامش وهرقل حين يركع الى كلكامش،كما ان الاجابة اتت على هيئة ومضات ارسلها الكاتب من تلك المساجلة بين الاثنين "كلكامش انا قاتلت الثور المجنح وانت كذلك قاتلته ..وكان سبب شقائي امرأة وهي عشتار وسبب شقائك امرأة وهي هيرا ..ووجدت عشبة الخلود ودخلت العالم السفلي وعبرت بحر الموت وفعلت انت نفس الشيء وهذا يعني اناك مجرد اكذوبة وما انت الا ظل لي" ان هذا الحوار يمتلك دلالات عميقة المعنى ليؤكد حقيقة مفادها ان الحضارة اليونانية تعود بأصولها الى حضارة وادي الرافدين وما الشخصيات الاسطورية التي ظهرت في ملاحمهم الا مديات لشخصيات وادي الرافدين وبذلك فان نتاجاتها الاصيلة وهذه حقيقة اثبتها الكاتب بطريقة سهلة وعميقة في ذات الوقت وذكية "كلكامش ألا تعرفني انا ابن اوروك وباني اسوارها انا الذي جاب البراري والغابات وقتل خمبابا حارس الغابة .. ألا تعرفني انا الذي جاء بك الى الوجود ولولا اسطورتي لما وجدت يا هرقل في عالم الاسطورة " تلك هي ومضات تثبت الحقيقة التي عرضها الكاتب بصورة خيالية جميلة " كلكامش :في الالف الرابع قبل الميلاد خلد اسمي وكتب على اسوار اوروك وكنت ملكا وبطلا وذاع ذكري على كل لسان واصبحت كل ملك يود ان يعرف معنى البطولة والخلود حتى تعرف هوميروس بعد الف سنة فانشأك الى الوجود .. وقد وضعت على غراري " فهذا الحوار يمثل قوة فكرية تثبت ان الحضارة اليونانية اتت بعد حضارة وادي الرافدين بالف عام،والشبه الكبير بين بنائية هرقل وكلكامش هو ذاته ينعكس من الشبه بين الفكر اليوناني والفكر الرافديني الذي سبقه بالف عام "هرقل يهجم على كلكامش وتدور المعركة والمجاميع تقسم الى نصفين وتتأثر بالصراع حتى يصرع كلكامش هرقل فيركع الى كلكامش " وهذا هو الصراع الذي يمثل القوة البدنية التي طرحها الكاتب، بحث النص عن القوة واظهرها من خلال الصراع الذي دار بين الشخصيتين الاسطورتين،الا ان الطرح جاء بشكل فكري،حيث تقاذف كلاهما الحوارات في طرح افكار كل منهما وحجمه وبراهينه ثم انتقل الصراع الى القوة البدينة حين هجم هرق على كلكامش ليكون الانتصار من نصيب كلكامش اخيرا لذلك فان القوة هنا برزت بهيئة فكرية اما عن اسبابها فان السبب الرئيس هو تأصيل الحضارات،فكل يدافع عن ارثه الحضاري ومكنوناته المكتنزة،كما رصد الكاتب شجاعة الابطال من هذا الباب اذ ان الشجاع من يدافع عن مواطنته ويفتخر بتاريخه وحضارته لان ذلك يدفعه الى الذود عن وطنه والتضحية من اجله بالغالي والنفيس.

ابرز النص فتح الابواب لتحقيق حرية الكاتب في طرح تساؤلات مهمة جدا لتأصيل حضارته، وتمسك النص بشخصيات الاعتزاز بالوطن وارثه الحضاري من خلال طرح المكانة السامية لحضارته بين الحضارات العالمية القديمة، كما اتجه الكاتب نحو معرفة الحقيقة التي مفادها ان حضارة وادي الرافدين من الحضارات الاصيلة التي تمخضت عنها حضارات اخرى، وبحث الكاتب عن القوة في النص باتجاهين الاول فكري والثاني بدني، ورصد شجاعة الابطال من خلال الاعتزاز بارثهم الحضاري ووطنهم

تراصت الاحداث في حبكة اعتمدت الاشياء الخارقة للطبيعة،فمن غير المعقول او الطبيعي ان نتحدث الى الاموات مثلما تحدث المقدم الى المؤرخ العالم طه باقر،كما ان الهلوج الى عالم موغل بالقدم من الخوارق الزمانية والمكانية التي لا تحدث في الطبيعة اطلاقا "المقدم: يا لروعة هذا الموضوع المثير حقا فجزيل الشكر الى العلامة طه باقر وادعو الحضور الكريم بضيافة من عرفنا بملحمة كلكامش وقرائتها ففيها الايفاد الكامل لهذا الموضوع فشكرا وشكرا لروحك الطاهرة والتي بقت خالدة معنا " ،نظمت الاحداث في سياق اطر فضاءاتها الزمانية والمكانية اللامتناهية المديات،حيث جنح الكاتب من الزمان الموغل بالقدم زمن هوميروس ونتاجاته الادبية "الكورس :يالعظمتك يا هوميروس لقد دونت الالياذة والاوديسة وهما تحفة الاساطير في حضارة اليونان " منتقلا الى الزمن الحاضر الآني ثم الى زمن طه باقر الماضي وبعدها استرجع زمن ملحمة كلكامش التي سبقت ملاحم هوميروس بألف سنة فجاءت الانتقالات بانسابية راقية بسيطة غير معقدة بحيث لن تعاني من فجوات بنائية داخل النص فربط الاحداث كان محكما،كما هي الانتقالات المكانية من اليونان واصدار الاشاعة باولوية الحضارة اليونانية ونتاجات هوميروس الاسطورية "المقدم :ثمة اسباب كثيرة جعلت الاشاعة تبدو سبه اسطورة ومفادها ان اليونان هم اول من ارسى قواعد الفكر الانساني،واول من وضع اسس الحضارة في العالم وقد آن الاوان لدحض هذه الشائعة واحلال الحقيقة موقعها " منتقلا الى مكان ضبابي الوجود لم تعرف له معالم حيث كان لقاء طه باقر ثم الانتقال الى اوروك،فهذه الانتقالات المكانية الافتراضية اضفت على الفضاء المكاني ايهاما بوجوده الفعلي .

خلت احداث النص من الموت،اذ انها امتازت بالصراعات الفكرية والبراهين والاثباتات العقلية باصالة حضارة وادي الرافدين فضلا عن اصطباغها بالالوان الشعبية الفولوكلورية المتمثلة بومضات ملحمية اسطورية سومرية،هذا وقد ضمت الاحداث خرافات تجسدت في الولوج الى عوالم مجهولة وبادوات مجهولة ايضا فاختراق الطبيعة الانسانية والتمكن من الدخول الى عوالم الموتى والحديث اليهم من الاحداث الخرافية التي من غير المعقول تحقيقها في الواقع وتحتاج الى قوة خرافية حتى تبرز الى الوجود "المقدمة: الجميع يعلم ان اول حضارة عرفها التأريخ ..... ومن سمات هذه الحضارة (يدخل طه باقر) آه ياللمصادفة ها هو الاستاذ طه باقر وهو استاذ وعالم اثاري متخصص في علوم الحضارات القديمة صباح الخير استاذ طه " "طه باقر :صباح الخير " جاء الاختراق هن بالاتجاه المعاكس فالموتى هم من اخترق عالم الاحياء لذلك فان الاختراق برز في هذا النص باتجاهين فقد جنح الخيال من عالم الواقع لعالم الموتى الذي تجسد في شخصيات الملاحم مثل كلكامش هرقل أما الاتجاه الثاني فقد حدث الاختراق فيه من عالم الخيال (الموتى) نحو الاحياء وتجسد في شخصية طه باقر،وجاء ذلك بغية اثارة الصدمة والدهشة في ذات المتلقي وكتن لهذا الاختراق الخيالي اطار خارجي ضم الاحداث في قالب وسياق منظم فهو ليس اعتباطي لا هدف له بل جاء بمثابة براهين ودلائل لاثبات فكرة النص وجاء من الواقع نحو الخيال من خلال الولوج الى عوالم سرية مجهولة تتمثل بعالم طه باقر،عالم هوميروس،عالم كلكامش وهرقل، لقد اعتمد المسرح المدرسي بناء الاحداث على الاشياء الخارقة للطبيعة التي تمثلت باختراق عالم الاموات تارة وتارة اخرى اختراق الاموات لعالم الاحياء، كما احيطت الاحداث المتناقلة زمانيا ومكانيا باطار متماسك ومنظم، وخلت الاحداث من الموت فضلا عن بروز الالوان الفولوكلورية الشعبية المتمثلة بومضات من ملحمة كلكامش التي ضمت اساطير وخرافات، كما انسابت خيالات الاحداث داخل اطار متماسك انتقل من الخيال الى الواقع ثم الى الخيال، فلا يمكن تحقيق احداثها الا من خلال الخرافة، وظهرت عوالم سرية تمثلت بعالم طه باقر وعالم هوميروس وعالم كلكامش وهرقل .

ظهرت الشخصية الخارقة بما تحمله من سمات اسطورية حيث تمثلت بكلكامش وهرقل بما يحملانه من ابعاد خارقة للطبيعة واسطورية،من حيث ظهور شخصيات انصاف الالهة "صوت :انظرو الى هرقل هذا البصل الذي نصفه اله والنصف الاخر بشر،هذا البطل الذي نزل الى العالم السفلي وقضى على قوى الشر والظلام انه ابن جوبتيرا العظيم،انه رمز البطولة في الاغريق"، فقد حملت هذه الشخصية السمات الخرافية في قضائها على الوحوش ثم السمات الاسطورية المتمثلة في حملها لسمات الالهة كما ان شخصية كلكامش ايضا امتازت بتلك السمات "هرقل :انا ابن اليونان الذي نصفه اله والنصف الاخر بشر" "كلكامش :انا كلكامش الذي ثلثاه اله وثلثه الاخر بشر "، برزت شخصيت الوحوش بصورة غير مباشرة عن طريق الرواية والسرد فكان الوحوش هم سكنة العالم السفلي ممثلي قوى الشر والظلام،كما ان الحديث عن شخصية خمبابا حارس الغابة الذي يعد من الوحوش التي خلقتها الالهة لحراسة غابات الارز "كلكامش : ألا تعرفني انا ابن اوروك وباني اسوارها انا الذي جاب البراري والغابات وقتل خمبابا حارس الغابة " فضلا عن شخصية الثور المجنح "كلكامش : انا قاتلت الثور المجنح " ويعد الثور المجنح او الثور السماوي من الوحوش الاسطورية التي اسرت عشتار الى السماء لارساله انتقاما من كلكامش حين رفض الزواج بها واهانها وهي وحوش اسطورية خلقتها الالهة لاداء وظيفة معينة تصب في مصالح الالهة .فقد ظهرت شخصية الرجل الخارق وتمثلت بطه باقر وكلكامش وهرقل، كما ظهرت شخصيات الوحوش بهيئة قوى الشر والظلام في العالم السفلي وخمبابا حارس الغابات والثور السماوي الذي ارسلته عشتار للانتقام من كلكامش

ان المسرح المدرسي في هذه الفترة لايتعارض مبدئيا مع عالم التصورات للطلبة وفي ذلك تاثيرا على بناء شخصية الطالب يجب الانتباه له من قبل اللجان العلمية التي تصدر الموافقة لانتاج هكذا نصوص فمن المفترض ان تراعي تاثيراتها السلبية على بنائية الطالب،فان العجائبي ذلك التردد الذي تواجهه الشخصية العارفة بقوانين الطبيعة حينما يلاقي حدثا خارقا تجسده الشخصية الداخلة في الخطاب فانه يولد الحيرة من العجائبي عن عدم قدرة الذات الانسانية على ايجاد تعليل منطقي لظهوره او عدم معرفتها بالطريقة التي يمكن التعامل بها معه، ليوجد العجائبي بموازاة الموضوعي وقد يخترقه ليثير التردد في ذاتية الطالب والمسرح المدرسي من هذه الناحية استغل هذه الميزة في ابراز الارث الحضاري لوادي الرافدين كما هو واضح في الانموذج التحليلي السابق، حيث استند البناء الدرامي الى مقاطعة لقوانين الطبيعة دون أي ارتداد الى الواقع اليومي المألوف وهذا مانجده في العوالم المسرحية التي " تدور احداثها عبر نفق الزمن في الماضي او المستقبل .فيسمو الى خلق محاورة بين العالم الواقعي والخيالي يثير بالنتيجة عنصر التردد كما هو الحال في العوالم الاسطورية التي تقوم باختراق الشيء الغريب للسياقات الطبيعية والمنطقية وقد وظفها بشكل ايجابي متمثلة في الشخصيات ومظاهرها المتعددة. فهو لم ينقل الواقع مع كل عناصره المرئية والطبيعية إلى مستوى فوق طبيعي، لكنه يجعل هذا الواقع يتحول، ويدمج مع الفوق طبيعي ليساهم في اثراء مخيلة الطالب مع ابقاء قاعدته الفكرية سليمة، حيث ابتعد عن السحر والشعوذة التي تثير خيال الطالب وتجمح به نحو بنائية سلبية فضلا عن استبعاد الأقزام والجن والأرواح وحوريات البحر والمشعوذين.كما اتسمت هذه الفترة الزمنية الحاسمة بنفي الاعمال الادبية التي تلعب فيها القوى الخارقة دورا اساسيا لدرجة ان الكتابيات الوثائقية والاشياء المنطقية والعقلانية تفقد نفوذها وسيطرتها المألوفة لان التاثير الذي تتركه مرهون بحقيقة ما تطرحه من عوالم، وينبع من الواقع ويكتسي باللاواقع ليظهر بصورة احلام فيتجسد في الهروب الى عالم الاحلام حيث لاوجود للزمان والاعراف والقوانين، عالم خالي من كل القيود ليتمكن من تحقيق احلامه الفردية النابعة من ذلك الانعكاس والمتسمة بالوحشية ضد الواقع الملطالب او المتعلم لذلك نجد النفور منها سمة بارزة في المسرح المدرسي لافتقارها الى الوحدة او العمومية والتوازن فضلا عن اقترانها باحلام اليقظة من حيث سهولة الحلول والانانية كذلك الانهزامية، فغالبا ما تقترن بتصورات ومفاهيم مغلوطة او مظللة او بحقائق غير واقعية. كما يمكن قراءة النتاجلت المسرحية لهذه الفترة في اغلب الاحوال بوصفها رمزية فالواقع والاطر والشخصيات لاتتطلب تصديق الطالب لتاثير التطور التكنولوجي على بنيته الفكرية وتطلعه الى مستقبل يضج بالاطر الخيالية التي يتوجب على المختصين كبح جماحها، الا ان الخيال المنتج والمطور للعملية التربوية والتعليمية من الممكن الافادة منه في هذا المجال وبالفعل فقد افاد المسرح المدرسي في غرس قيما تربوية توجه سلوك الطالب نحو الافضل ونجحت هذه الفترة في صيانة فكر الطالب من المؤثرات التكنولوجية السبية وتوطيد الايجابية منها من خلال عروضها المسرحية، فشخصت المادة وحولتها الى كائنات حية تعيش وتخضع لتغيرات وتؤثر وتتاثر وتتحدث الاطيار والاشجار والحيوانات والحشرات وكل ما يدب على الارض حيث يصل الواقع الى الاسطورة، لتمثل لونا ادبيا يعتمد الاشياء الخارقة للطبيعة كعنصر اساسي للحبكة والفكرة الرئيسة واحيانا للاطار، وتدور الاحداث في مثل هذا النوع في فضاءات وهمية او كواكب ينتشر فيها الخيال المنسوب للواقع بغية امتاع وافادة الطالب، ونظرا للواقع الحالي المليء بالموت والانفجارات المتتالية العلمية التي زاحمت المواد الدراسية في ذهن الطالب،والانفجارات الارهابية التي تركت اثرا مؤلما في ذات ا لطالب فقد عالجت هذه الفترة ولو بنسبة ضئيلة هذه المشكلة فخلت الاعمال المسرحية المدرسية من العلم والموت، على التوالي كفكرة رئيسة واساسية، على الرغم من وجود قدر كبير من التداخل بينهما والمسرح المدرسي والتي تعد نوعا متفرعا من الخيال التاملي يضم الكثير من الاساطير والخرافات القديمة، فشرعت هذه الفترة الى عرض نوع جديد من العجائبي جاء من المسرح واصبح اكثر شيوعاً انها العجائبية الرومانسية Romantic Fantasyالموضوع الاساسي قوة الحب. وقوة اكبر من الزمن والموت،لتكز على البناء الوجداني للطالب بعد ان اعتاش الحروب وحطمت ما حطمته من دواخله الغضة والقليلة الخبرة، فذهبت هذه الفترة الى تطوير البنية الاجتماعية للطالب من خلال التغلب على الحدود الاجتماعية والذهنية لمعرفة الذات، المنزل/الوطن، الفرح /السعادة، كل هذه الممكنات تاتي من الاصرار على التكاتف والاعتزاز بالمزاطنة الصالحة، فنحن بامس الحاجة الى هكذا بناء شرعت فيه العقول النيرة في مديرية الانشطة الطلابية في بابل مشكورة لانها شعرت بعظمة المشكلة التي غض النظر فيها منذ سنوات.   فتحقق هدف المسرح المدرسي لعشر سنوات سبقت في غرس القيم الاخلاقية والانسانية في نفوس الطلبة كما اسهم في ارساء قيم العمل الجماعي، وارتقى المسرح المدرسي الى فن ثقافي متميز لتنمية المواهب الفكرية والحركية لدى الطلبة من خلال فتح افاق فكرية واسعة عن طريق التوعية بقضايا المجتمع والتعرف على حضارات وثقافات مجتمعات الشعوب الاخرى بصورة تثير الدهشة حيث ساهم المسرح المدرسي في استلهام التاريخ والتراث وتجسيد ما نستلهمه في مواقف واحداث ومواضيع ودلالات بهدف تقريبها من ذهن الطالب، كما عمل على التحرر من الكثير من الانفعلات الضارة مثل الخجل وعيوب النطق والانطواء والاكتئاب.

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

saieb khalil

كما كان متوقعاً أثارت هذه المناسبة الكثير من الكلام والجدل، وكالعادة سارعت صحافة الكبار لكي تلغم النقاش بإعطاء الكلمات الأساسية مفاهيم فاسدة تفرغها من معناها وتضع الأسئلة المغشوشة وتثير الضوضاء حولها، فضمنت اعوجاج الكلام وفساده وخلوه من أي معنى مقلق بالنسبة لها. لقد كان ذلك ضروريا، فلا بد من إدامة الصور المزيفة من أجل الضربة القادمة، فالمعركة مازالت ساخنة و "التاريخ" بعيد عن النهاية. 

التشويش الأقصى المتطرف نراه في كتابات كتاب من أمثال عبد الخالق حسين ممن يلقون بأنفسهم بلا حذر ولا تحسب، ويذهبون بالمغالطات إلى اقصى أبعادها وإلى درجة تجعلها مفضوحة ومستفزة، ولذلك فهؤلاء لا يمثلون في الحقيقة المغالطة الأكثر خطراً، لكن لا بأس بالمرور على خطابهم.

في مقدمة مقالته "العراق بعد عشر سنوات .. حقائق وأرقام" (1) يقر الدكتور عبد الخالق حسين في البداية بأن حزب البعث جاء "كأداة منفذة لأقذر مؤامرة دبرتها المخابرات الغربية وعلى رأسها الـ (CIA)" وتم من خلال تلك الأداة "ذبح هذه الثورة الوطنية وقيادتها المخلصة في إنقلاب 8 شباط الأسود عام 1963، وأدخل البلاد والعباد في نفق مظلم ولحد الآن. ثم اغتصب البعث الحكم ثانية عن طريق مؤامرة دبرتها الشركات النفطية الأمريكية والبريطانية بتدبير وكالة الـ (CIA) أيضاً عام 1968"

ثم يبين لنا الكوارث البشرية والإقتصادية نتيجة لذلك، لكنه يعود ليقول: "كل ما ألحق بالعراق من خراب ودمار وأضرار وجرائم، منذ 8 شباط 1963 وإلى الآن، يتحمل مسؤوليته البعث الفاشي"!

 الذي يعرف الدكتور عبد الخالق يعلم أنه يقصد من ذلك إنقاذ الولايات المتحدة من اللوم، رغم اعترافه بما لا يمكن نكرانه من دور السي آي أي، التي دبرت المؤامرة "الأقذر"، وإقراره أن البعث لم يكن سوى "أداة منفذة" حسب تعبيره! ولأن العراق "الحديث" يعتبر "إنجازاً أمريكياً" من وجهة نظر الدكتور عبد الخالق فإنه يدافع عنه بشكل يثير الحيرة حيث يصل في المغالطة إلى حد إعطاء قرائه الإحساس بالإهانة للإستخفاف بعقولهم، بتعابير شمولية إعلانية لا تجرؤ حتى الحكومة نفسها على ادعائها، ولا حتى الأمريكان، فيقول مثلاً:

"منذ إصدار هذا الدستور ولحد الآن تم الالتزام به نصاً"

و"أجريت ثلاثة انتخابات برلمانية ومثلها انتخابات مجالس محلية، نزيهة وعادلة بشهادة آلاف المراقبين الدوليين"

وأنه "تم بناء جميع مؤسسات الدولة، الخدمية (المستشفيات، والمدارس والمعاهد والجامعات)، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية وغيرها، وفق المبادئ الديمقراطية".

و"إرسال آلاف البعثات الدراسية إلى أرقى الجامعات الغربية بدون تحيز للانتماء الحزبي أو عشيرة الحاكم".

وهذا المديح غير المحدود يثير المواطن العراقي الذي يتألم من حقيقة الوضع في بلاده، ولا يقره لا المعارضة ولا حتى الحكومة، واللذان طالما أشتكيا من تفشي التزوير في الإنتخابات وعدم الإلتزام بالدستور والفساد والواسطة في كل شيء، ولقد أزلت الأدلة المفصلة هنا اختصاراً لهذه المقالة.

ثم يعود حسين ليمتدح "العمل" لإيصال إنتاج النفط "الى 12 مليون برميل يوميا"، التي يؤكد بلا تردد بأن "هذه الواردات هي للشعب ولإعادة إعمار العراق ورفع المستوى المعيشي للشعب" ويتحدث عن "تنمية" تجاوزت الصين، فيعطي انطباعاً مشوها خادعاً عن وضع العراق ويوحي بأن في العراق "تنمية" حقيقية مثلما يفهمها الناس من زيادة في التعليم أو التصنيع أو الكفاءة في العمل، وليس في التسابق في ضخ النفط وانتظار الحظ فيما يتعلق بأسعاره.

ثم يمتدح "تبنى العهد الجديد نظام اقتصاد السوق والإنفتاح الإقتصادي" كأحد الإنجازات وكذلك توقيع معاهدة التعاون الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، علماً أن هذه الإتفاقية و"الإنجازات" فرضت على العراق فرضاً، وحفر الإلتزام باقتصاد السوق في دستوره لكي لا يستطيع منه فكاكاً حتى لو أكتشف لاحقاً أنه لا يناسبه.

ويتحدث حسين عن مشاريع لرعاية مئات الألوف من الأرامل واليتامي، ويؤكد إعادة تأهيل معظم المصانع وبناء المستشفيات الحديثة وأفضل الأجهزة الطبية والأدوية، بل وإرسال من يصعب علاجه إلى الخارج، وهي جميعا النقاط الساخنة التي تلام الحكومة يومياً على التقصير فيها في حقيقة الأمر، فكأن الدكتور حسين أخذ كل النقد الموجه للحكومة وكتبه معكوساً، مناقضاً للحقائق. فمقابل هذه الصورة الوردية عن العراق وإنجازات مابعد "التحرير" نقرأ تقريراً دولياً حديثاُ بخصوص الدول الفاشلة في العالم والذي تصدره مجلة "فورن بوليسي" يضع العراق كتاسع أفشل دولة في العالم، "ليس في السياسة فقط وإنما في الإقتصاد أيضاً"، مشيراً إلى دولة تصل ميزانيتها 117 مليار دولار تعاني عجزاً شديداً في البنية التحتية والصحة والتعليم والبطالة وغياب التخطيط الإقتصادي! (2)

ولا يتحدث الدكتور حسين عن آلاف الكفاءات التي تم اغتيالها من قبل الموساد كما يخمن العراقيون (وينكر حسين ذلك في مقالة سابقة مبرئاً الموساد بالذات من الجريمة) بل يركز على عودة "أكثر من 300 عالم وأكاديمي" خلال عام!

اليوم قرأت تقريراً عن صحيفة بريطانية تؤكد مقتل 5500 عالم عراقي، وتلقي اللوم في ذلك على الموساد بالذات، وتتحدث عن خطة متكاملة لإفراغ العراق من علمائه تقوم بها أميركا! (3)

وكان قد سبق لعبد الخالق أن كتب مدافعاً عن براءة الموساد من دم العلماء العراقيين فكتب "من وراء قتل العلماء والأكاديميين العراقيين؟"(6)  و التي سنعود للإشارة إليها بعد قليل، يلقي اللوم فيها كله على البعث، ويبعده عن أية مسؤولية إسرائيلية أو أمريكية، كما فعل مع تاريخ العراق أعلاه.

يستمر الدكتور حسين في قلبه للحقائق المرة إلى وردية، فبدل الحديث عن البيئة المدمرة والمسممة باليورانيوم المنضب التي أثارت شفقة العالم على بلاده وغضبهم على محتليها، فأن حسين يحدثنا عن "حملة تقوم بها وزارة الزراعة لمكافحة التصحر" وأنها "نجحت في عدد من المناطق التي تمت مكافحتها."، هذا في الوقت الذي يؤكد فيه بان كي مون قبل أقل من شهر في تقرير للأمم المتحدة أن العراق أصبح مصدرا رئيسا للعواصف الترابية في العالم بسبب بيئته المتدهورة(4)

و"ان تدهور البيئة فيه بدأت تؤثر سلبا على القطاعين الاقتصادي والصحي فيه، مؤكدا ان العراق سيكون عرضة لما لايقل عن 300 عاصفة ترابية سنويا خلال السنوات العشر المقبلة.!!"

إن محاولات الدكتور عبد الخالق المستميتة لتبرئة الإحتلال، وبإصرار مثير للدهشة وبتجاوز متهور للوقائع يمثل الجانب المتطرف من سياسة "إلقاء اللوم على أنفسنا"، والتي رغم صحة منطلقها، فإنها تستخدم لتبرئة مجرمين "أمسكوا متلبسين" بجرائمهم، وبشكل لا يجرؤ على إنكاره إلا القليل النادر.

رغم أنها لا تقنع أحداً، فأن الخطابات "الوقحة" في تطرفها في الكذب، أثر نفسي في ما سأسميه "تزحيف الوسط" وإعطاء بعض المصداقية للكذبات الأقل صلافة حيث ستبدو تلك وكأنها معقولة بالنسبة للخطاب الأكثر تطرفاً.

لنأخذ هذا البرنامج الجدلي بين فريقين حول نفس الموضوع: عشرة سنوات بعد الإحتلال، هل كان الأمر يستحق التضحيات؟(5): الفريق الأول يقول أن النتائج إيجابية "تستحق التضحية"، بينما يؤكد الفريق الآخر أنها لا تستحقها وأن الخسائر كبيرة جداً. أعضاء الفريق الأول يتحدثون عن تحقيق بعض التقدم هنا وهناك ويعترفون بالكثير من الفشل، ويرددون أن "المستقبل سيكون في صالح الشعب" رغم الحاضر الصعب الذي لا ينكرونه، ويركزون على أن أميركا "أخطأت" كثيراً و"فشلت" كثيراً (يعني ذلك ضمناً أنها كانت تقصد الخير) لكن هناك نجاحات وأن علينا ان نتفاءل .. الخ.

الطرف الثاني يقف بالعكس ويؤكد أن الحرب كانت لها نتائج كارثية على العراق، ويتوقع أن الرأي العام سيكون في مكان ما في الوسط بين "الطرفين". لكن لو أضفنا إلى مثل هذا النقاش، جهة تمثل خطاباً مثل خطاب عبد الخالق حسين، فسوف تبدو الجماعة التي تقول بأن "أميركا أخطأت ولكنها طيبة" وأن الإحتلال "حقق بعض المكاسب" الخ،  بأنها تمثل "الوسط" ويزداد الإقتناع بها! أي أن دور "المتطرف" غير المعقول هو "تزحيف الوسط" وجعله يقترب من ما يريد بثه من رأي. 

إضافة إلى ذلك، يلعب مثل هذا الخطاب غير المعقول دوراً في إبقاء النقاش حيث هو، وتأخير انتقاله إلى المرحلة التالية، أي مناقشة كيفية التخلص من قيود الإحتلال مثل بنك جي بي موركان والسفارة العملاقة وغيرها.

 

النقطة الثانية التي أود لفت الإنتباه إليها هنا هي معاني الكلمات المستعملة وسلامة المنطق ومعقولية الأسئلة في النقاش الجاري.

خذ مثلاً الحديث عن "فشل" الولايات المتحدة و "اخطاءها" في العراق. فلكي يكون تقدير الفشل (أو النجاح) تقديراً منطقياً، فإننا يجب أن نعرف أولاً "هدف" من يقوم به، وعلينا أن نبرهن أنه كان يهدف إلى شيء آخر غير الذي تحقق، فهل نحن متأكدون من ذلك لنحكم بـ "فشل" أميركا في العراق؟ هل نتصور أن الإدارة الأمريكية في عهدي كل من بوش وأوباما، والمغرقة بالأجندة الإسرائيلية للمنطقة، كانت تريد بناء بلد ديمقراطي حديث وقوي في دولة مثل العراق العربي؟ هل يناسبها أن تنشر الديمقراطية فيسيطر على مقدرات البلد شعب يهتف هادراً " أنعل أبو اسرائيل لابو أمريكا" بالملايين، وتؤكد الإحصاءات الأمريكية كرهه الشديد المتزايد لأميركا؟ إنه وهم غير معقول، لكنه مناسب لكل من الإحتلال والحكومة العراقية التي عليها أن تتظاهر بأن العلاقة مع أميركا علاقة "صداقة" لا تنتقص السيادة، وهي أبعد ما تكون عن ذلك. إن عبارة "فشل" الأمريكان في العراق لا تستند إلى أي واقع وهي تغطي كلمة "جرائمهم" وأهدافهم التخريبية، وأن استعمال تلك الكلمة (الفشل) من قبل الكتاب بلا حذر، يسهم في تلك التغطية وتشويش الحقيقة اما الشعب.

خذ أيضاً كلمة "تستحق" في عبارة "هل تستحق التضحية": هل هي كلمة في مكانها؟ إننا عندما نريد أن نعرف إن كانت مكاسب ما تستحق الثمن الذي دفع من أجلها، فيجب أن يكون من دفع الثمن والمستفيد منه، نفس الجهة، وإلا فلا معنى للسؤال!

فقبل سنوات عندما سؤلت سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة حينها، مادلين أولبرايت في برنامج 60 دقيقة، فيما إذا كانت تعتقد أن أهداف سياسة أميركا تجاه العراق "تستحق" التضحية بنصف مليون طفل، فأن هذا لم يكن سؤالاً منطقياً. فمن يحقق المكاسب (السياسية وغيرها) ليس نفسه من يدفع الثمن. لذلك لم يكن غريباً أن تجيب بـ "نعم"! فالولايات المتحدة لم تكن هي من يقدم الثمن، بل العراق. ولو كان هذا الثمن نصف مليون طفل أمريكي، لكان من المستحيل على أولبرايت أن تتجرأ على قول "نعم"!

ها نحن نعيد نفس السؤال عن السنوات العشر والإحتلال، ونتساءل: هل ما حققه الإحتلال يستحق التضحيات؟ وعلينا أن ننتبه أن ليس هناك جواب عام. فالعراقي الذي اثرى أو خرج من السجن بفضل الإحتلال سوف يرى الأمر يستحق، ولكن إن سألنا أم فقدت طفلاً في عملية إرهابية فالأمر لا يستحق بالتأكيد. ولو سألنا ديك تشيني ( صاحب الحصة في هاليبرتون) أو بريمر أو سلسلة السفراء الذين اثروا من نفط كردستان أو نهب مليارات العراق التي "إختفت"، فأنها "تستحق"، لكنها ليست كذلك بالنسبة للجندي الأمريكي الذي فقد يده أو رأسه.

السؤال العام هنا سؤال فاسد، لكن السؤال الفاسد له فائدة كبيرة لمن يريد تضييع النقاش عن الأسئلة الصحيحة، وهي: هل كانت الحرب شرعية؟ هل ارتكبت فيها جرائم؟ كم؟ أيها؟ من يدفع ثمنها؟

المقارنة بين الوضع الحالي والوضع أثناء حكم صدام حسين مقارنة فاسدة ايضاً ولا تعني شيئاً في حقيقة الأمر، رغم إصرار كل من المدافعين عن أميركا وعن البعث، كل في جانب، على أهميتها في جدلهم وتأكيدهم أن سوء الآخر يبرهن إيجابيتهم. هذا المنطق يعني أنه إن كان الحكم السابق فاسداً جداً فيمكنك أن ترتكب الكثير من الجرائم والسرقات دون مشكلة ما دمت لا تصل حدود ما فعله، لأنك ستبقى "جيداً" مقارنة به! وبالعكس، فكلما كان الإحتلال دموياً، سيكون صدام جيداً وفق هذا المنطق لأنه ارتكب جرائم أقل، وفق مؤيديه!

في مثل هذا السعي كتب الدكتور عبد الخالق حسين  مقالتين للبرهنة بأن الموساد لم تكن وراء اغتيال العلماء العراقيين وإنما البعث! فيكتب في "من وراء قتل العلماء والأكاديميين العراقيين؟"(6) : "نحن نعرف قدرات البعثيين الهائلة في التضليل" بينما يرى أنه "قد تم تضخيم إمكانيات هذه المؤسسة (الموساد)" وأن "الإنسان العراقي بحكم حرصه على مصلحة شعبه، وعدائه للموساد والصهيونية، معرض لتصديق مثل هذه الإشاعات (عن الموساد)" و "البعثيون خبراء في ارتكاب الإرهاب وإلقاء التهمة على خصومهم" وأنهم "قرروا شل العقل العراقي وذلك بقتل علمائه وأطبائه ومثقفيه، وإلقاء التهمة على إسرائيل وأمريكا." وأن " الغرض الرئيسي من إلقاء تهمة قتل العلماء على الموساد وأمريكا هو لتبرئة القتلة الحقيقيين، البعثيون وحلفائهم من أتباع القاعدة من قتل العراقيين." الخ

إنه يقول إنه لا يجد سبباً معقولاً لإستهداف إسرائيل للعلماء العراقيين (!) لكنه يجد باعجوبة سبباً لكي تستهدف بقايا البعث الذي قال عنه أنه "أداة تنفيذ للسي آي أي"، لتخاطر بحياتها من أجل هدف عام شامل لا يعنيها بأي شكل، مثل قتل العلماء الذين كان أغلبهم قد عمل ضمن نظام حكم البعث بدون إشكال!

ويستمر الدكتور عبد الخالق في هذه المراوغات في مقالته الثانية في تبرئة الموساد(7)  وقد أزلت النصوص التي كتبتها حول ذلك إختصاراً لهذه المقالة.

الدكتور حسين سعيد بالقاء كل شيء على البعث، لأن هذا يخفف من وقع جرائم الخندق الأمريكي الإسرائيلي ويجعله (وفق منطق حسين) أكثر قبولاً. وبنفس الطريقة تنفرج أسارير المناقشين من بقايا مجرمي صدام، كلما أرتكب الإحتلال جريمة إضافية، ويصرخون هاتفين: أنظروا! ألم نقل لكم أننا "أفضل"؟ هكذا نصل إلى حالة عجيبة تكون جريمة اي طرف، تبرئة للطرف الآخر، وتبدأ محاسبته لا على ما ارتكبه من جريمة، بل على مستوى فضاعة تلك الجريمة مقارنة بجريمة الآخر!

الخطأ المنطقي والأخلاقي في هذه المقارنة أنها تفترض أن ما يستحقه هذا الشعب محصور بين حالتين إجراميتين، هما الإحتلال الأمريكي والدكتاتورية الصدامية، وعليه أن "يفرح" إن حصل على الأقل سوءاً من بينهما وأن يشكر الله على نعمته، وهذا إحساس شديد بالدونية من قبل من يتحدث هكذا، تجاه نفسه وتجاه شعبه. هذا المنطق يجعل "نقطة القياس" واطئة للغاية، تقف عند الإحتلال وصدام حسين، وكأنها ما يستحق هذا الشعب، ويجعلنا ننسى حقه بحياة كريمة كاملة الإنسانية. أن ننسى أن قسوة الحكم السابق عليه، لا تبرر قسوة الإحتلال أو تخفف لا اخلاقيتها، بل تزيدها جرماً. لو اخذنا نقطة القياس الإنسانية الصحيحة هذه فسوف يظهر جلياً أن كل من صدام حسين والإحتلال من أسوأ المجرمين بحق هذا الشعب، ويظهر لدينا واضحاً أن المقارنة بين جريمتيهما مقارنة ليس لها اي معنى وأنه لا يمكن أن يستنتج أي شيء عن أحدهما من خلال جرائم الآخر. إن القاضي يحكم على المجرمين كل بجريمته ولا يقارن بين فضاعة جريمتين ليطلق سراح الأقل إجراماً منهما. 

لكن هذا المنطق الأعوج هو ما يناسب الإحتلال (وبقايا الدكتانورية)، وهو يسيطر على الساحة الإعلامية في البلد والعالم! ولذا نجد هذا المنطق سائداً في المناقشات رغم خطله الواضح ولا أخلاقيته! فيكفي أن يقارن الإحتلال بجرائم دكتاتور وحشي، لتكون إدانة شديدة مخزية للاحتلال، ويكفي أن يقارن حكم حاكم لبلده بفضاعات الإحتلال لتكون إدانة شديدة الخزي للحاكم.

 

حقيقة أخيرة وخطيرة الأهمية وجديرة بالتذكر دائماً وهي أن كلا طرفي المقارنة الإجرامية، يقفان منذ البداية وحتى اليوم، في خندق واحد، خندق معادي للشعب العراقي ولكل الشعوب. الأول يخلق الثاني وأمثاله في كل مكان، والثاني يعتاش على دعم ومساندة الأول ويخدمه من الداخل ويتبع أساليبه ومشورته. إن اختلاف السيد مع العبد، الرأس مع أداة التنفيذ، ليس سوى اختلاف صوري مؤقت ومراجعة التاريخ القريب في المنطقة تبين ذلك. كان أوضح مثل على ذلك حرب الكويت، التي مهدت لها أميركا بمسرحية أبريل كلاسبي، ثم انقلبت في الفصل الثاني من المسرحية وتظاهرت بالغضب الشديد على "أداتها المنفذة"! لكن عندما أوشك صدام على السقوط عام 91 سارع "الرأس" إلى إنقاذه رغم الفضيحة! وكتبت نيويورك تايمز أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بدون وجود صدام يرهب العرب ستغرق في رمال الصحراء. وعندما قرر الرأس التخلي عن أداته نهائياً، والسيطرة على البلاد مباشرة بعد ذلك بأعوام، فأنه لم يكن يريد تبديل نظام دكتاتوري بديمقراطي، إلا بقدر الضرورة الشكلية. لذلك نراه يختار من جماعته "خبراء الإرهاب" وليس البناء والديمقراطية لإدارة البلد المحتل، ويختار لحكمه أقرب البدائل إلى صدام حسين. يختار صاحب صدام وشريكه في منظمات البعث الأمنية وقصر النهاية، الدكتور أياد علاوي لرئاسة أول حكومة عراقية!  ولقد منحه هذا الفرصة الكاملة لترتيب الساحة العراقية بالدماء والتآمر والإرهاب لتبقى تحت سيطرته بعد مغادرته. وحين حصل الجعفري على الأغلبية في أول انتخابات ديمقراطية سارعت الخارجية الأمريكية إلى إزاحته، فلم يكن "الأداة المناسبة". وعشية الإنتخابات السابقة بذلت سفارة الولايات المتحدة جهوداً مفضوحة وفاضحة للدفاع عن بقايا البعث و "حقهم" في السلطة والترشيح والإنتخاب حتى قامت الحكومة بالتهديد بطرد السفير! وحين شكل المالكي حكومته، قبلت أميركا به بدون حماس رغم كل ما قدمه هذا من تساهل للإحتلال، فقد كان علاوي "سافلهم" كما يسمونه، هو الصدام البديل الذي يريدونه أن يحكم، ولم يختلف أوباما في ذلك عن بوش كما كشف كتاب صدر مؤخراً وكتبنا عنه في مقالة سابقة. وحين لم يكن بد من المالكي أشترطوا أن يحصل علاويهم على منصب "عند القمة", ولما لم يحدث ذلك، عاد الإرهاب إلى البلاد.

هذه الحقيقة المرة من التعاون الكاثوليكي – الزواج بين الحثالات في اي شعب، والإحتلال، لها جانب واحد إيجابي، وهو أنها تعفينا كما يفترض من المقارنة بينهما. إنهما ليسا "خياران" للشعب، بل جانب واحد متعاون له جناحان يتبادلان الأدوار ويشتركان في اضطهاد الشعب وتدمير البلاد. إنهما يعيان وحدتهما جيداً ويفترض أن تعي الضحية، الشعب العراقي، هذه الحقيقة ايضاً بشكل واضح وأن ينتهي من هذا الجدل العقيم. فتخيير العراق بين أميركا والبعث، ليس سوى السؤال كيف تفضل أن نستعبدك؟ بعملائنا أم بنا مباشرة؟

http://www2.0zz0.com/2013/04/16/14/859233211.jpg

هل نحتفل إذن بزوال الدكتاتورية أم نحزن لسقوطنا تحت الإحتلال؟ لقد تحقق تقدم كبير بهزيمة الدكتاتورية وزوال الرعب منها، لكن علينا أن لا نبخس حجم التراجعات والخسائر. فهاهي الطائفية تصل حدوداً لم نكن نتخيلها أو تحلم إسرائيل بها، والإرهاب قوي واختراق الأمن غير معروف الحدود ومؤسساتنا المالية والإقتصادية مكبلة تماماً للكارتل المالي الأمريكي والفساد في أعلى صوره وقوته ويزداد انتعاشاُ وكردستان تتشكل كدولة عدوانية بقيادة معادية للعراق، وموالية بشكل غير معروف الحدود للشركات ولإسرائيل ولا تتورع عن اي ابتزاز أو تحطيم لبنية العراق. ولدينا "يسار" تائه تائب مشتت وعاجز، وفساد ديني ومذهبي وتخلف تعليمي وصحي وبيئي بدرجات مرعبة وانهيار أخلاقي عام في المجتمع وحكومة ومعارضة، لا يكاد الشعب يجد فيها شريفاً يأمل به!

إنها بالتأكيد ليست صورة تدعو للإحتفال، بل ربما هي أقرب إلى اليأس. ورغم ذلك، الآن بعد مضي عشرة سنوات على هذا الحال، علينا أن ننطلق من هذا الواقع المتردي الذي لا نملك غيره، لكي نبني أحلامنا مهما بدا ذلك غير واقعي. علينا أن نبدأ بأن لا نسمح للصورة أن تستمر مشوشة أمامنا، نرى فيها الواحد إثنان، كما يفعل المصاب بالدوار لنختار بينهما. يجب رفض تأخير الجدل الحقيقي حول خياراتنا الحقيقية وما يجب أن يكون وكيف نعمل من أجله. علينا أن نتذكر ونذكر أنفسنا ونحمي الحقيقة من التشويش أو النسيان: اهداف الإحتلال تدميرية، والحديث عن "فشله" تشويش للحقيقة، وأن الإحتلال والبعث حليفان أزليان، وأن المقارنة بينهما احتيال وأن الخيار بينهما لا أخلاقي وإننا لا يجب أن نقبل أن يفرض علينا أن نختار بين الذئب والأسد ليفترسنا، (وقد عقدا اتفاقاً على تقاسمنا في كل الأحوال) بل علينا أن نرى أن خيارنا هو بين الحلف الأمريكي الإسرائيلي البعثي، وبين جهة يجب أن نخلقها إن لم توجد، تعمل على بناء وطن كريم لهذا الشعب.

 

صائب خليل

16 نيسان 2013

........................

(1) http://almothaqaf.com/index.php/10-years/73437.html

(2) http://www.burathanews.com/news_article_169852.html

(3) http://www.al-offok.com/main/articles.aspx?selected_article_no=13614

(4)http://www.almadapress.com/ar/NewsDetails.aspx?NewsID=8527

(5) http://www.youtube.com/watch?v=7-KSykpPdZY&feature=share

(6) http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=533

(7) http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=535

 

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

raed sodaniقد يبدو عنوان المقال مستفزاً للذين يسوقون فكرة خروج الاحتلال الأمريكي من العراق بموجب المعاهدة التي أبرمها السيد نوري المالكي مع الأمريكان، وبموجبها غابت صورة الجندي الأمريكي، وعربات الهمر المصفحة عن الطرقات والشوارع العراقية .وهؤلاء الذين قد يستفزهم هذا العنوان، أنفسهم الذين كانوا يستفزون من مفردة (المحتل الأمريكي) وقوات (الاحتلال)، بل يحبذون مفردة (التحرير) والقوات (الصديقة)، لا بل وضعوا أنفسهم وكل ما يملكون من آلة إعلامية ضخمة وهائلة في حقيقة الأمر (زودها لهم الأمريكان) في محل من يشوه ويحارب، ويعزل من يقول هذا احتلال وليس تحرير، وهذه قوات محتلة وليست صديقة .وبعد أن باشرت القوات الأمريكية بالانسحاب وأكملته لضرورات أمريكية داخلية لا تمت للعراق بصلة، انبرت الأقلام ، والأصوات، والصور الكبيرة تشكر المفاوض العراقي على إخراج المحتل، بصورة يظهر منا استهجان واستغفال للعقل العراقي، وبكل المقاييس، ومن خلال السنوات التي عاشها العراق، وشعبه وهو يمر بمرحلة القتل اليومي التي تمارسه القوات الأمريكية بسبب وفي أغلب الأحيان دون سبب يذكر، وفي مناطق لا تسمى حينذاك ساخنة، لكنه القتل لأجل القتل لا غير .ناهيك عن دخول الأمريكي في كل مفاصل الحياة العراقية وليس السياسية فقط، ومنها ما تدخل في صميم الحياة اليومية، مثل خلق مجموعة من المقاولين لا صلة لهم بهذا المرفق المهم في شأن البناء والأعمار، فمنحوهم الأموال بدون أية ضوابط كسلف ويكلفوا بترميم وبناء بعض المشاريع من خلال دائرة يديرها ضباط أمريكيون، ومترجمون منهم من جاء مع الجيش الأمريكي، ومنهم تعاقدوا مع القوات المحتلة بعد 9/4/2003وكان يطلق على هذه الدائرة اسم (سيماك) ويكون مقرها في ديوان المحافظة، وبعد أن تسلمت مثلا القوات الأوكرانية المهام الرسمية بدلا عن الأمريكية في مدينة الكوت تحول اسم هذه الدائرة وباللغة الروسية حسبما اعتقد إلى اسم (سيموك) وتحول المترجمون الذين جاؤوا مع القوات الأوكرانية إلى سماسرة مقاولات وتحول المترجمون العراقيون الذين عينوا بعد مجيء هذه القوات إلى أثرياء نتيجة السمسرة أيضا، ولم يكن الحال أفضل مع القوات السلفادورية التي تولت الأمر بعد الأوكران، وقد استلموا هذه الدائرة التي كان يطلق عليها بلغتهم (سيميك) هذا فضلا عن مشاريع وأعمال ال c.p.a سلطة الائتلاف المؤقتة والتي هي أعلى سلطة في المحافظة مع قيادة القوات الأمريكية فهي التي تعزل وتعين وترفض وتقبل وهكذا، وبطبيعة الحال أعلى من المحافظ ومجلس المحافظة، وهناك شركة r.t.iوالتي تعنى بتدريب المجتمعات على أسس الديمقراطية في المجتمع العراقي ومسرح نشاطها الأبرز كانت المدارس، لاسيما مدارس البنات، و لا ننسى شركة (الميرسي كور) وقد عنيت ببناء مستوصفات وتزويد المراكز الطبية بالأجهزة وحتى الأدوية وغير ذلك، والذي أريد قوله أن هذه الدوائر خلقت طبقة ارتبطت بها وقبل رحيلها وزعتها أما على الدوائر، أو جعلت منهم طبقة غنية من تجار، ورجال أعمال، ومدرسين، أي بمعنى خلقوا، مجموعة قيمية لو صح التعبير تعبر عن المصالح والقيم التي أرادت أمريكا أن تبثها في العقل العراقي الجمعي كانت آثارها واضحة على الشأن الإداري في البلد، إذ الفوضى ضربت أغلب المفاصل الرسمية فيه، والفساد الإداري، وهدر المال العام وبصور متعددة أغلبها مقننة بقوانين وأنظمة وتعليمات أستأثر بها موظفين معينين دون آخرين، ومن صور الفساد التي شاهدتها في إحدى المدارس، فقد أخبرتني مديرتها بأن الأمريكان حضروا إلى هنا ومعهم بعض العراقيين وخلعوا أبواب الصفوف الدراسية (كان هذا في صيف 2003) بزعم أنهم سيبدلوها بأفضل، ولكن بعد مدة عادوا ومعهم نفس الأبواب، فلا تبديل، ولا تصليح .كما قامت القوات السلفادورية بتوزيع محركات للمولدات الكهربائية الأهلية وأسلاك، وأعمدة دون تنسيق مع الجهات الرسمية العراقية، ولا عملية استلام وتسليم، الأمر الذي فتح الباب أمام أصحابها للاستحواذ عليها وبيعها بعد خروج القوات من العراق دون تدخل من السلطات العراقية، إذ لا يتوفر لديها أي مستمسك يلزم هؤلاء بالإبقاء عليها وخدمة الناس، وغير هذه من الأعمال الشيء الكثير .وربما يسأل سائل، أو يعلق معلق، مال لهذه الأمثلة والسياسة والاحتلال ؟ وللإجابة على هذا السؤال، نجيب بسؤال مثله، فهل جاء الاحتلال ليحتل فقط ويغير سلطة بسلطة، أم جاء ومعه قيم وأنظمة يبغي تطبيقها على أرض الواقع، ومن صور هذه القيم التي طبقها في العراق كان هدر المال العام العراقي من خلال هذه الأساليب، وفي حقيقة الأمر شُكلت مافيات مركزية إن جاز لنا التعبير لا ترغب بنشوء النظام اللا مركزي للسيطرة على القرار الخدمي في البلد، فهذه المافيات لها ارتباطات ببلدان كثيرة ومنها مجاورة للعراق كتركيا التي تسيطر على الحياة التجارية وبشكل كبير في العراق، لكن دون أي إبراز إعلامي لهذه السيطرة التركية على السوق التجارية العراقية لارتباط تركيا بالمشروع الأمريكي في المنطقة، وأيضا السعودية فهناك سيطرة لمافيات إدارية في بعض الوزارات الخدمية ترفض التعاون مع أي منشأ مهما كانت جودة هذه المناشيء، وتفرض المنشأ السعودي خلافا للأنظمة والتعليمات التي تمنع فرض المناشيء على المقاولين في الكشوفات، ولا ننسى الأردن وهي المحطة الرئيسية للدورات والبعثات الإدارية المدنية، وعلى مدار الأيام إن لم نقل على مدار الساعات، والدورات العسكرية للشرطة العراقية، هذا وقد شكلت القوات الأمريكية بعض التشكيلات العسكرية وقد ارتبطت بها ولسنوات كانت سلطتها أعلى من سلطة المحافظ ورئيس مجلس المحافظة، وقد تطبعت هذه التشكيلات بتطبع القوات الأمريكية المحتلة العنيف إلى أعلى درجات العنف وقد وضعوا على إمرتها أفراداً لا يمتون للعلوم العسكرية بصلة، إلا أنهم منتسبي شرطة كأفراد ومنحوهم الرتب العالية ووصلوا إلى أمراء أفواج، وقد انتهكت هذه القوات كل القيم والأعراف، ووصل بها الأمر أن تسيطر على الجانب القضائي والسياسي في كل محافظة سيطرة تامة.

الأمر الآخر الذي أرادته الولايات المتحدة الأمريكية تطبيقه في العراق، وقد نجح وبنجاحه طبقته على باقي البلدان العربية التي شهدت ما أطلق عليه الربيع العربي ويتمثل بإفشال المشروع الإسلامي بشقيه السني والشيعي، فمجلس الحكم الذي شكله (بول بريمر) كانت المسحة الدينية المذهبية هي الطاغية على تشكيلته، فقسم إلى أعضاء شيعة وسنة، وأكراد، وإن كان فيه من الأعضاء العلمانيين من الطرفين لكنهم لم يدخلوا كعلمانيين، بل سنة وشيعة، أمثال عدنان الباجه جي ونصير الجادرجي من السنة، وحميد مجيد موسى رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، وعقيلة الهاشمي من الشيعة.وكانت هذه الخطوة الأولى لما نحن فيه الآن من تجذير وتكريس وترسيخ للحكم القائم على أسس مذهبية، تهيئة ومقدمة لما سيكون من انتخابات 2005والتي كرست عدة أمور في العراق من الصعب الخلاص منها إن لم يكن من المستحيل، أول هذه الأمور وكما ذكرنا سابقا تكريس الحكم الطائفي، والثاني كانت انتخابات 2005تجرى بنظام القائمة المغلقة وقد أوصلت أفراداً من (السياسيين) لا يصح إطلاق مفردة عليهم إلا مفردة أنهم بيادق،  سواء للأمريكان أو لزعمائهم المباشرين الذين يأتمرون بأمر القوات الأمريكية .أما الثالث فيرتبط بالأول، ويرتبط ارتباطا وثيقا بخلق حكم قائم على المذهبية التي تكون فيه الخصومة السياسية إلى حد إلغاء الآخر، وهذا الأمر الثالث يتمثل بوصول حزب ديني هدفه النهائي في فلسفته هي السلطة إلى الحكم، وشعاره الذي رفعه عندما كان في المهجر (المظلومية  الشيعية) والمظلومية هذه تمثلت فيما تمثلت هي السلطة، ويمتاز هذا الحزب أو معظم قادته المؤسسين بعدم الركون إلى العقيدة ومحرماتها في علاقاتهم السياسية، إذ صرح أحد قادته هؤلاء لقناة البغدادية قبل أيام بأنهم كانوا متضامنين مع الحركات القومية في العراق وفي مقدمتهم حزب البعث ضد المد الشيوعي وضد عبد الكريم قاسم، ومعروف عن الحركات القومية العربية أنها أسست وبشر بها في الجامعة الأمريكية في بيروت، أي صناعة تبشيرية بامتياز، وحزب البعث أحد مؤسسيه وفلاسفته (ميشيل عفلق) خريج المدارس الاستشراقية الفرنسية، لاسيما على يد المستشرق (لويس ماسينون).مقابل هذا كان الجانب الآخر الذي شعر أنه قد استلب منه حقه الذي تكرس منذ الفتح الإسلامي للعراق باستثناء سنوات عدة لكنها مضطربة إبان حكم الإمام علي (عليه السلام) وقد يلحق تاريخيا حكم المختار الثقفي للكوفة، وحكم عبد الكريم قاسم الذي عبر فيه المذهبيات والطائفيات فلم يرق للدوائر الإنكليزية ذلك إذ هي التي كرست الحكم الطائفي في القرن العشرين بتنصيب عبد الرحمن النقيب في 1921.وبما أن هؤلاء أخذوا حقا مستلب منهم من عدة قرون، وهؤلاء انتزع منهم حقهم التاريخي والشرعي، وبما أنهم أيضا تحاصصوا وتشاركوا بصنع صورة النظام الجديد بعد 9/4/2003وجلسوا تحت قبة واحدة تسمى البرلمان، نقلت عبرها كل هذه العقد التاريخية فتكرست من خلالها فجوة مجتمعية بين أبناء العراق تغذيها الدوائر الأمريكية، ودستور ملغوم مع كل فقرة ومادة من مواده التي يصعب تفسيرها أو الاتفاق عليها، أما كيف فشل المشروع الإسلامي بعد وصول هؤلاء إلى السلطة، فهي السلطة ذاتها، التي تمارس بقوانين وأنظمة ودستور غير إسلامي، لكنهم يدعون إنهم إسلاميين، تصاحبها هذه الخصومة (الإلغائية ) للآخر، فكانت نتيجتها شلل النظام الرسمي العراقي، وبالتالي الفوضى الإدارية، مما يصرح أكثر مما يوحي أو يلمح بأن هؤلاء لا يستطيعون الحكم وليسوا بأهل سلطة . ومع كل هذه الممارسات كان أغلب السياسيين والذين استلموا السلطة يجادلون بقولهم أن هذا ليس احتلالا بل تحريرا، لا بل وصل الحال بقواعدهم بأن يطلقوا عليها ثورة، ويضعون في برامجهم الانتخابية بأنهم من أخرج الاحتلال، مما ولّد ازدواجية المفاهيم أيضا في الشارع العراقي، ناتجة عن هذه الأساليب.

 

رائد عبد الحسين السوداني

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

amira-albaldawiبعد عشر سنوات .. او بالاحرى بعد دورتين تشريعيتين لمجلس النواب المنتخب حسب الدستور الذي صدر عام 2005 فأن حصاد القوانين المهمة ذات المساس بحاجات المجتمع والتأثير في تغيير اوضاعه الى الافضل قليلة جدا ففي الدورة الاولى لمجلس النواب 2006-2010 نبين في الجدول ادناه اعداد القوانين التي تم تشريعها في كل سنة من السنوات الاربع لتلك الدورة حسب ماجاء في الموقع الاليكتروني لمجلس النواب

السنة

عدد التشريعات

2006

13

2007

70

2008

60

2009

32

2010

22

المجموع

197

ومن اهم التشريعات التي انجزت في تلك المرحلة هي مجموعة من القوانين الاقتصادية التي لم يكتب لها التطبيق لحد الان فما فائدة تشريع قانون ووضعه على الرف! خاصة ان هذه القوانين لها اهمية في توفير ايرادات مالية مهمة تساهم في تنويع الاقتصاد وتغير من الاعتماد الكلي على الايرادات النفطية مثل قانون التعريفة الكمركية وقانون حماية المنتجات العراقية فضلا عن قانون حماية المستهلك .كما شرع عام 2008 قانون التعداد العام للسكان والمساكن وشكلت اللجان وصرفت مبالغ كبيرة لأنجاز التحضيرات لذلك الا ان تنفيذ القانون توقف تماما لأسباب سياسية بحته سببت حرمان العراق من الفوائد المرجوة من التعداد لأسباب تنموية وتوفير معلومات مهمة كانت ستساعد في وضع سياسات وايجاد الحلول للعديد من المشاكل .  تميزت الدورة الاولى بأنها دورة التشريع بصفقات يتم التوافق عليها وليس التشريع حسب الاولوية والاهمية ومتطلبات الاستقرار والتنمية، ففي عام 2008 تم تشريع اهم ثلاثة قوانين هي قانون الموازنة العامة الاتحادية لعام 2008، قانون العفو العام، قانون المحافظات غير المنتظمة في اقليم تلك القوانين التي ماكانت لتمر الا بأتفاق كافة الكتل السياسية وتلك الكتل ماكانت لتتفق لو كان المستهدف تشريع قانون واحد من تلك القوانين الثلاثة الا ان الذي حصل هو ان الائتلاف العراقي الموحد (الكتلة الشيعية آنذاك) كان من اولوياته قانون المحافظات، وجبهة التوافق (الكتلة السنية آنذاك) كان قانون العفو العام من اولوياتها اما الكرد فكان قانون الموازنة الذي يوفر 17% ورواتب البيشمركة كان مهما لهم آنذاك وعليه فقد تغاضى كل طرف عن بعض الامور لتمرير مايشكل اولوية له، وقد تكرر ذلك مرات عدة . واذا كانت الدورة الاولى للمجلس تمتاز اما بتشريع قوانين لاتنزل الى حيز التطبيق او تشريع قوانين بصفقة سياسية فأن الدورة الثانية لمجلس النواب تطور فيها الصراع بين الكتل السياسية وتحول التوافق السياسي الى تثبيط سياسي ومنع تمرير مشاريع قوانين عدة ونذكر منها القانون المثير للجدل اعمار البنى التحتية، ومنع تشريع قانون النفط والغاز وقانون شركة النفط الوطنية قبل ان يصل الى جدول اعمال المجلس، وفيما يلي نبين عدد القوانين التي انجزت الى يومنا هذا في الدورة الثانية لمجلس النواب

السنة

عدد التشريعات

2006

13

2007

70

2008

60

2009

32

2010

22

المجموع

197

وبالرغم من ان مانتوقع من التشريعات التي ستنجز في هذه الدورة سيكون اكثر عددا مما انجز في الدورة الاولى للمجلس الا ان غالبية القوانين المصادق عليها لحد الآن ( 61قانون) مايعادل (33 %) هي قوانين للمصادقة او الانضمام الى اتفاقيات او معاهدات دولية عادة لاتأخذ طريقها للتنفيذ الا بتشريع قانون وطني وان (22 قانون) مايعادل (12 %) من القوانين هي لألغاء قوانين النظام السابق التي لايمكن اعتبارها ذات اهمية لانه عمليا تم ايقاف العمل بأغلب تلك القوانين وان كانت سارية المفعول والباقي من القوانين (25قانون) مايعادل (14%)هي تعديلات لقوانين تم تشريعها سابقا، مجموع القوانين سابقة الذكر 108 قانون مايعادل 59% من مجموع القوانين المنجزة الى يومنا هذا . واذا استبعدنا قوانين الموازنة التي تشرع سنويا على اهميتها وقوانين الوزارات والهيئات المستقلة ودواوين الاوقاف وغيرها فأن مايمكن اعتباره مهما من القوانين التي شرعت لهذه الدورة التي لم يبق على انتهائها الا سنه واحدة هي قوانين (الخدمة والتقاعد لقوى الامن الداخلي، محو الامية، حقوق الصحفيين، دعم المشاريع الصغيرة المدرة للدخل). ان هذا الضعف في انجاز القوانين المهمة يعكس ضعف القدرات وعدم الانسجام وارتفاع صوت المكاسب الحزبية الضيقة على صوت الحاجات الماسة للمواطن والا مالذي يجعل قوانين (شبكة الحماية الاجتماعية، الضمان الاجتماعي، العمل، قانون العاصمة) يتعطل المجلس في تشريعها غير انها لاتعد ذات اولوية للمجلس، وحتى القوانين ذات الاهمية في اصلاح الوضع السياسي والممارسة الديمقراطية مثل قانون الاحزاب فأنه خضع لجدل واسع كان سببا في تعطيل تشريعه، وعليه فمن غير المتوقع لأداء بهذا المستوى ان ينتج قوانين ذات فائدة للمواطن وان تغييرا جذريا لابد ان يحصل في هيكلية المجلس وطريقة ادائه من اجل الاسراع في انجاز القوانين المهمة وربما يكون في الانتخابات القادمة الامل المنشود

 

الدكتورة عامرة البلداوي

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

saleh altaeiشراكة المحاصصة بدوافع دينية وانعكاساتها على الاستقرار السياسي

ليس مستغربا وجود أكثر من فئة أو إثنية أو عرق في مجتمع ما من المجتمعات الإنسانية قديمها وحديثها. ففي مجتمع بدائي قبلي متخلف مثل المجتمع العربي الجاهلي كانت هناك تحالفات بين العشائر، تنضوي من خلالها عشائر صغيرة في كنف قبائل كبيرة لتحمي نفسها من غائلة هجمات الكبار ووحشيتهم، حيث كانت القبائل الكبيرة نفسها ترحب بهذا التحالف بما يضيفه إلى رصيدها القتالي من رجال وإلى موجودها العددي من كثرة، وسواء ذابت المكونات مع بعضها أو بقي كل منها محتفظا بخصوصيته ضمن التكوين كانت الحياة تسير  خالية من التعقيد وبعيدا عن المصلحية. ولكن الشائع عن هذه التحالفات أنها أدت في النهاية إلى ذوبان الأقل في الأكثر وتكوين قبائل كبيرة جدا ليست من أب واحد، تعرف باسم أقواها وأكثرها عددا وعدة، وهو الموضوع الذي كتب عنه الباحثون عند تناولهم قضايا اختلاط الدماء.

فضلا عن ذلك نجد في المجتمعات الحديثة أنموذجات لا تبتعد كثيرا عن الأنموذج القديم إلا من حيث التنظيم والتقنين، فسويسرا هذا البلد الثابت المتطور الذي يضم عدة قوميات منها الفرنسية والإيطالية فضلا عن السويسرية؛ دخلته المحاصصة في ثلاثينات القرن الماضي، عندما دفعت التهديدات الفاشية والنازية والتوترات الدولية آنذاك القوى في البلاد إلى التقارب وتوحيد جهودها، بما يدل على أن تزاحم المكاسب رغم وجوده بشكل أو بآخر في أغلب النظم لا يظهر للعيان بشكل جالب للنظر إلا مع وجود خلافات عميقة وحادة وانعدام الثقة بين المكونات أو تهديد مباشر للبلاد، وهذه الخلافات أو المخاوف هي التي تلجئ الأطراف للاحتكام إلى المحاصصة لامتصاص تلك الشحنات وتذويبها..

وفي نيجيريا بعد دخول الديانتين الإسلامية والمسيحية إليها. دخلها الإسلام في القرن الثالث عشر الميلادي ويشكل اليوم نسبة 50.5 % من مجموع سكانها ، ودخلتها المسيحية في وقت مقارب مع دخول الاستعمار الغربي، وتشكل اليوم نسبة 48.2 %، ازداد التنوع بعد أن خلق كتلتين متميزتين ومختلفتين هما الأقوى في البلاد، تولد على مر التاريخ نوع من الصراع الديني ومع مرور الوقت وزيادة حدة الصراع تم اللجوء إلى نظام المحاصصة، وهناك نظام للمحاصصة في الحكم حيث يتوجب أن يكون الرئيس الذي ينتخبه الشعب لمدة أربع سنوات مسيحيا ورئيس الوزراء الذي ينتخبه الشعب أيضا من المسلمين. لكن لا سويسرا ولا نيجيريا تخلصتا من حالات التأزيم التي تسهم المحاصصة في خلقها أحيانا.

 

ونحن في العراق الجديد منذ عام 1921 تاريخ تأسيس الدولة العراقية ورثنا الخليط القديم بكل آلياته ونظمه ورؤاه دون أن نجري عليه تعديلا أو نسن له نظاما ثم جاءت الحكومات الدكتاتورية التي ورثت مجتمعا يُمثل السكان البدو والمزارعون فيه نسبة 80% من مجموع السكان؛ لترسخ القديم لأنها وجدت فيه ما يخدم منهجها في الحكم، فقامت بتقوية روح القطيع قبالة الروح الوطنية، وتنمية ثقافة القطيع مقابل ثقافة المجتمع مع استغفال للعقل العراقي واستغلال للجانب الديني (المذهبي غالبا)، وبالتالي وجدنا أنفسنا بعد التغيير في 2003 أمام تحد فرضه الواقع المتردي الموروث من جانب، والقوانين التي أراد المحتل تمريرها من جانب آخر ومنها قضية الديمقراطية والانتخابات واشتراك المكونات والكوتة الدينية والكوتة النسوية، ففرض على واقعنا أن تكون هناك شراكة محاصصة ليس لها وجود في تاريخنا كله لأننا تربينا على ثقافة الغالب والمغلوب بما ورثناه من طباع قاسية من بيئتنا التي نشأنا فيها.

وبدورها فرضت شراكة المحاصصة التمسك بأشخاص بعينهم دون سواهم ليكونوا ممثلين لفئاتهم في مجلس النواب والوزارات، فتم في الغالب اختيار الأكفأ من حيث اللسان السليط في الدفاع عن المكون وليس الأكفأ علميا أو صاحب التجربة الطويلة، وهذا الأكفأ كان غالبا من رجال الدين أتباع الإسلام السياسي أو المتطرفين الدينيين الذين يتاجرون من خلال العزف على الأوتار الحساسة لكسب المؤيدين من جانب وتمرير المشاريع الشخصية من جانب آخر، وقد تم تشخيص هذه الحالة مع بداية تأسيس مجلس الحكم وتكرر حدوثها في دورتي مجلس النواب، حيث كان رجال الدين أو الإسلاميين السياسيين من الشيعة والسنة هم الأعلى صوتا والأكثر تأثيرا وشحنا وشحذا وإثارة للأزمات. فجاء حرمان المؤسسات القيادية ولاسيما المتخصصة منها من الكفاءات العلمية ليسهم في تنمية ثقافة القطيعة والتسقيط من خلال المشاريع الطائفية التي مررت من هذا الجانب أو ذاك.

واليوم بعد عشر سنوات على التغيير أصبح من المؤكد أنه وفق آليات المحاصصة القائمة لا يمكن بناء دولة مدنية حقيقية ولاسيما في بلد ورث نظم الفساد المالي والإداري، فالمعروف أن الفساد لم يدخل إلى بلدنا مع دخول المحتل لأنه كان موجودا في الأساس في أغلب مؤسساتنا ومعامل تصنيعنا ودوائرنا المدنية والعسكرية بشكل أو بآخر، ولكن ممارسته كانت تتم بكثير من السرية خوفا من العقوبات القاسية، لكن مع دخول المحتل وممارسة بعض قياداته العسكرية والداعمة  (المقاولين المدنيين) أساليب متطورة وقاسية وذكية في النهب المليوني الفاضح، والفوضى الخلاقة التي استشرت في البلاد، وضعف وهزال الحكومات المتعاقبة، وعدم تناسب العقوبة مع الجرم (عقوبات بسيطة مقابل جرائم عظيمة)  والخبرتين القديمة والمكتسبة اللتين كان بعض الأفراد يتمتعون بهما ، وبقاء الكوادر الإدارية التابعة للنظام البائد ـ وهي خبيرة في الفساد ـ في أماكنها الإدارية والقيادية (مدراء عامون، أساتذة جامعيون، خبراء، ضباط كبار، رؤساء أجهزة مهنية، مدراء مدارس، مدراء مشاريع)؛ أسهمت كلها في وضع أسس قاعدة جديدة للفساد في العراق رشحته ليتربع بامتياز على قمة هرم الفساد في العالم.

إن رجال الدين الحقيقيين (شيعة وسنة) وهم قلة قليلة بالتأكيد كانوا ولا زالوا في قمة النزاهة والإخلاص والوطنية والحرص على العراق وأهله بكل فئاتهم، ولم تتلوث أيديهم في أي عمل مناف لقيم السماء التي يدافعون عنها والإنسانية التي يؤمنون بوجوب خدمتها، أما غالبية رجال الدين السياسيين (أيضا السنة والشيعة) فهم يسيرون في الاتجاه المقابل، وهم لا يلبسون الزي الديني عادة إلا ليمنحهم هوية دينية يوظفونها لتحقيق غاياتهم، وفيهم من تلوثت سمعته ليس من خلال عمله في العراق فحسب وإنما حتى من خلال إقامتهم في البلدان التي قضوا فيها غربتهم، وهؤلاء ينطبق عليهم كليا قول المرحوم علي شريعتي: "أشفق كثيرا على الفتاة حين تسوء سمعتها، فهي لا تقدر أن تربي لحيتها لتمحو ذلك".

لقد أسهمت الكثير من القوى في صعود التيارات الدينية إلى سدة الحكم في العراق بعد التغيير في 2003 كما أسهمت في صعودهم بعد هذا التاريخ في البلدان العربية التي مر بها الربيع العربي غريبا ولبث فيها خريفا مستوطنا وزمهريرا قاتلا بدأ من تونس إلى مصر إلى ليبيا وصولا إلى سوريا. والذي أراه أن هذا الصعود لم يكن طبيعيا بالمرة فقد تم التخطيط له في أوكار مظلمة ممنوع التقرب منها. وبلع الإسلامويون الطعم ليس لأنهم كانوا جهلة وإنما لأن وهم المعرفة كان مسيطرا عليهم بشكل كلي، وكما يرى (ستيفن هاوكنغ) فإن: "أعظم عدو للمعرفة ليس الجهل، بل وهم المعرفة"

ولم تأت هذه المعونة مجهولة المصدر حبا بهم أو حبا بالدين أو رغبة في نشر الفكر الديني في مجتمعات هي متدينة في الأصل، وإنما جاء لكي يضعهم في فوهة البركان، جاء لتسقيطهم وتسقيط الدين معهم.  ولقد كتبت أكثر من مرة عن الدور المؤثر للإسلامويين في السلطة وكررت القول أن تنامي الروح الدينية لدى الشباب وتوسع مدارك الوعي ووصول رجال دين مثقفين أو أكاديميين إلى قيادة بعض التنظيمات الدينية أسهم في تنمية قدرات التيار الديني على التيارات الأخرى وبالتالي جعله منافسا شديد المراس، فأصبحت التيارات الدينية أكثر خطرا على مشاريع الأوكار السرية المظلمة من كل التيارات الأخرى، في الأقل لأن الديني يعتقد أنه إذا لم يربح شيئا في الدنيا فإنه سوف يكافأ على جميل عمله في الآخرة، فهو في الحالين لن يخسر شيئا.

هذا النمو شبه السرطاني الذي وصفه البعض بـ(الصحوة الإسلامية) أخاف أصحاب القرار المسؤولين عن تطبيق خارطة الشرق الأوسط الجديد وأمثالها من الخرائط الأخرى؛ فاختاروا أن يزجوا المؤسسات الدينية ورجال الدين والأحزاب الدينية والمنظمات الدينية في أتون السياسة ثم يضعوا العصي في عجلاتها لتصاب بالكبوات المتلاحقة والانكسارات المتتالية والخيبات الكثيرة، نتيجة قلة خبرتها، وضعف تجربتها القيادية، ومن خلال فشلها تلحق الأذى بالبسطاء والسذج وهم الأغلبية عادة، فيملون من تكرار الفشل، ويرفضون تأييدهم، ويعمل بعضهم على عرقلة مسيرتهم بأي أسلوب متوفر بما فيه سرقة المال العام وتخريب المشاريع.

إن الجهات القائدة والمخططة لمشاريع التقسيم والاستحواذ كانت تدرك أن غالبية هؤلاء ملوثون بالأصل، والملوث ممكن أن ينخرط في أداء الأعمال المشبوهة أكثر من غيره، وما من نفس ملوثة إلا وهي بعيدة عن النزاهة، ولذا قال الإمام علي (عليه السلام): "النزاهة من شيم النفوس الطاهرة". وقد أدركت الجهات القائدة أن الزج بتيارات الإسلام السياسي في أتون العملية السياسية سوف يكون بؤرة لإثارة الأزمات المستمرة التي تجعل البلد قلقا، بينما يمثل بقاؤهم كمراقبين ومشرفين سوف يعرقل تحقيق الأهداف التي تسعى إليها تلك القوى.

الإسلاميون من جانبهم أدركوا أن خير طريقة لتمرير المشاريع هي دخول العملية السياسية من أوسع الأبواب، ثم توظيف المركز التي يحصلون عليه لخدمة الهدف، وتوظيف الهدف لتحقيق المكاسب الفئوية والشخصية، وخير طريقة لتحقيق ذلك كله هي اعتماد الفساد المالي والإداري طريقا للتحقيق، ومع اعتماد هذا الطريق ساءت أحوال البلد وتحول الشعب إلى كيانات متنافسة تضمر بعضها العداء للبعض الآخر، وانعكست تلك المستجدات على الاستقرار السياسي للبلد ولاسيما بعد أن انتهجت بعض التنظيمات الدينية (هيئات ومنظمات وطرق صوفية وتيارات وأحزاب) طريق القتل والتهجير على الهوية. أما القادة فإنهم انشغلوا بتجميع الملفات بعضهم ضد البعض الآخر.

إن ركاكة وضع العملية السياسية برمته جعل العراق قائما على مرجل يغلي لا يعرف متى ينفجر، ولذا تم اعتماد سياسة تجميع الملفات: الحكومة تجمع ملفات ضد مناوئيها، والمناوئون من جانبهم يجمعون ملفات عن الحكومة، الوزراء والنواب وكبار الموظفين يجمع كل منهم ملفات ضد الطرف الآخر يتم التلويح بها علنا مع تصاعد حدة الأزمات وبالتالي تكدست حالات الفساد واستعصى حلها

وإذا ما كان خوف الأطراف السياسية بعضها من البعض الآخر يمنعها من تسليم ملفات الفساد الموجودة لديها إلى السلطات القضائية والمعنية، فإن مجرد التلويح بوجودها يثبت أن أطرافا كثيرة من داخل العملية السياسية أسهمت في زعزعة الاستقرار في العراق. ولقد عايشنا موضوع العمليات الإرهابية لطارق الهاشمي وحماياته وكيف استخدمته بعض الأطراف للطعن بالقضاء العراقي واتخاذه ذريعة لزعزعة وضع الحكومة والبلد كله.

إن المحاصصة متى ما تحولت إلى حق دستوري واجب التطبيق بحرفية لا مرونة فيها تضع حواجز يصعب تجاوزها أمام العملية السياسية برمتها وتعيق تفعيل البرامج البنائية التي تحتاج إلى مواصفات تخصصية في القادة قد لا تتوفر بمن تأتي بهم ليتحملوا المسئولية. كما أنها عادة تعرقل فاعلية مبدأ تكافؤ الفرص. وهو ما يؤثر بشدة على الاستقرار وينمى قدرات المخربين ويمدهم بقوى إضافية تزيد الخراب خرابا.

 

صالح الطائي

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

salam kadomfarajمن المفارقات العصية على الفهم أن كل شيء في عراق ما بعد سقوط النظام الشمولي ملغوم .. الدستور والمؤسسات والحياة والشوارع و الموازنات السنوية والمشاريع والكهرباء والتعليم والدين والمذهب والقومية والنظرة الى المرأة وحقوقها وواجباتها ..

 الاقليات وحقوقها وواجباتها. الصحافة وحدود حرياتها، الفضائيات ورعونة ما يقال فيها، الرواتب والاجور، الفن (المسرح والتشكيل والكاركتير. والسينما والموسيقى والغناء ..).

 نسبة الاميين في المجتمع. نسبة المزورين، نسبة العاطلين، حتى كرة القدم ملغومة بالتنازع بين ضرورة استقدام مدرب اجوره تنافس اجور مدربي فرق دول الخليج المتخمة بالرفاه والثروات وبين الاكتفاء بمدرب عراقي .. حتى الدواء أثيرت حول استيراده تهم الفساد. يا الله!!! حتى الدواء والغذاء ..؟

لكن الصواعق المحرقة تكمن في فهم الفرقاء للدستور، فالجميع يقول سقفنا الدستور ويتهم زميله بالقفز على الدستور ومخالفته ..

 من حقائق التاريخ ان اول دستور عراقي كتب في عشرينات القرن المنصرم يعتبر من الدساتير المتقدمة التي اسست لنظام ديمقراطي حضاري .. ولم يهمل حقوق الاكراد باعتبارهم مواطنين من الدرجة الاولى ..

وإن اول وزارة عراقية تعتبر افضل الوزارات (اعني وزارة عبد الرحمن النقيب ..) والتي ضمت المسلم والمسيحي واليهودي ولم تسجل اية شبهات بالفساد على أي من وزراء تلك الحكومة .. وأن الانحدار بدأ فيما بعد .. وثمة خشية ان يكون برلمان محمود المشهداني الضعيف جدا هو افضل برلمانات ما بعد التغيير. واخشى ما نخشاه ان نتعرض للتتعير! من قبل ذيول النظام السابق.

لقد بدأ السيد اسامة النجيفي بداية سليمة ورائعة وحظي باحترام كل شرائح المجتمع في رصانة إدارته لجلسات البرلمان .. ولم تمض سنة واحدة حتى تبين الخيط الابيض من الاسود لنكتشف ان التعطيل لاهم القوانين سياسة مبرمجة وان تقديم قوانين مثل مكافحة التدخين والعطل الرسمية والتركيز عليها واهمال قوانين مثل النفط والغاز والاحزاب والضمان الاجتماعي والمحكمة الاتحادية سمة بارزة سيسجلها التاريخ للأسف الشديد على البرلمان الحالي ..

اما الحكومة فهي لا تشبه اية حكومة ديمقراطية في العالم .. فمن جهة يراد منها حزما في معالجة السلبيات وتركة النظام الشمولي السابق وتركة المحاصصة .. . ومن جهة تتهم بالتسلط والدكتاتورية .. وما بين ان تكون الحكومة حكومة فاعلة او حكومة (خيال مآتا) بقينا ننتظر ما ستسفر عنه نظرية صراع الارادات .. في الدستور هناك فقرة تخص الاستثمار في الاقاليم، والتي تركز على حرية الاقليم في عقد الاتفاقات التجارية والاستثمار في مجال النفط والطاقة. شرط التنسيق مع الحكومة الاتحادية .. جرى القفز على فقرة التنسيق. فلا الاقليم يستشير المركز ولا المركز يرضى بحرية الاقليم المطلقة .. ومن جراء هذا الفهم المزدوج اثيرت اشكالات كادت ان تطيح بمجمل العملية السياسية. اما صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة فمن اكثر الاشياء حساسية وتعقيدا وغموضا . فمن جهة يراد من القائد العام حزما وحسما لملف الارهاب والقاعدة . وأي اختراق امني تكال التهم وبعضها يحمل روح الشماتة في عجز الحكومة والقائد العام عن ضبط الامن والنظام. وحين تتحرك القوات في محاولة بسط الامن في مناطق معينة يتصاعد الصراخ عن دكتاتورية صاعدة وخرق الدستور وحقوق الانسان .. حتى المنظمات الدولية نسيت حقوق مئات الضحايا المقتولين بالتفجيرات اليومية وراحت تركز على عدد المحكومين بالاعدام. وفي معادلة رياضية بسيطة نكتشف حجم المفارقة المذهلة في فهم الامر .. في اقل تقدير تجري كل عام 300 عملية تفجير يذهب ضحيتها على اقل تقدير 3000 ضحية (وبعضهم اطفال ونساء وشيوخ )وضعف هذا العدد من الجرحى. ببساطة هذا يعني ان ثمة ثلاثمائة مجرم على الأقل نفذوا هذه الاعتداءات يستحقون عقوبة الاعدام ..

 (خصوم الحكومة وهم فيها!!!). ينددون بعقوبة الاعدام ويعتبرون ان اعدام 120 مذنبا خلال عام واحد رقما مهولا .. وتقارن المنظمات الدولية بين هذا الرقم وارقام دولة هادئة مثل النمسا !! بالطبع لن يكون الامر في صالح الحكومة .. ومن الغرائب المذهلة ان بعض المسؤولين المنتخبين ديمقراطيا تطاله تهم الارهاب .. فهناك قتل على الهوية وجرائم سرقة المال العام وتبديد الثروات . وهناك. وهناك.

(والوثائق تحكي عن ارتكابات جرمية مروعة لبعض رجال انتخبهم الشعب !!) .. .

 ومن الإشكالات موضوعة اجتثاث البعث والمساءلة والعدالة .. فقد اتخذ النظام الشمولي القمعي مجموعة من الممارسات بقيت آثارها الى اليوم .. حيث منع ولطيلة عشرين عاما سبقت سقوطه من الدخول الى الكليات العسكرية والشرطوية الا للمنتظم في صفوف حزبه وبدرجة عضو عامل فما فوق .. كذلك معاهد القضاء . والبعثات .. هذه التركة تجعل من معالجة الامر شبه مستحيلة . وإذا عرفنا ان الاحزاب التي استلمت السلطة بعد التغيير قد صفيت معظم كوادرها الفاعلة قتلا وسجنا تصبح مسألة التعامل مع الاجتثاث مسألة انتقائية شئنا ام ابينا .. فالبلد يحتاج الى الكادر العسكري والشرطوي والقضائي .. وكل ما يقال عن هذه الاشكالات تدخل في باب المزايدات لا الرؤية العلمية للمسألة .. وعلى سبيل المثال لا الحصر إثارة موضوع القاضي مدحت المحمود من قبل النائب صباح الساعدي .. لقد نسي النائب ان كل القضاة في العراق شأنهم شأن كل الضباط لا بد ان يكونوا قد انتموا بشكل او بآخر الى البعث. وتبقى مسألة البراءة منه هي المعيار الوحيد لا التنقيب في سجلات الحزب .. فسجلات الحزب تقول ان كل ضابط وكل قاضي قد انتمى. وتبقى مسألة هل انتمى إضطرارا ام ايمانا مسألة فيها نظر لا يستطيع تحديدها الا الرب الجليل وملائكة السماء ..

 ومن الإشكالات .. مشكلة تطبيق المادة 140 الخاصة بما سمي بالمناطق المتنازع عليها .. لقد حدد الدستور سقفا زمنيا لحلها وتحديد هوية كل منطقة .. ولأن انجاز هذه المهمة يتطلب احصاء سكانيا تعقبه استفتاءات .. فقد انتهت المدة ولا من احصاء ولا من استفتاء .. لتظهر نظريات قانونية تسطح المشكلة .. ومن بينها .. مادام السقف الزمني لانجاز تلك المهلة قد انتهى فقد سقطت المادة دستوريا .. في حين انها مشكلة متفجرة تحمل في كل يوم ارهاصات غير سارة ولا بد من حلها والتعجيل بإجراء الاحصاءات السكانية .. ومنها تحدد نسبة حقوق الاقليم المالية ..

 ومن الاشكالات السقوف العالية للمطاليب تلك السقوف التي انتجت وزارة تضم خمسة واربعين وزيرا .. بما يعادل ضعف وزراء حكومة الصين. ومن الاشكالات العلم العراقي الذي ينبغي ان يرفع في العراق .. ورغم اتفاق الفرقاء على الابقاء على .. شعار الله اكبر .. والالوان المعروفة ما زال هناك من يرفع علم النجمات الثلاث .. ومن الاشكالات النشيد الوطني .. ولغته ومضامينه ..

 ومن الاشكالات العلاقة بدول الجوار ..

 ومن الاشكالات التوفيق بين ثوابت الديمقراطية وثوابت الاسلام ..

وإذا رجعنا الى اللعب على وتر الطائفية في تحقيق الارباح في صناديق الاقتراع وزج المقدس في صراعات الدنيا نكون امام اكثر الحقائق التي تدعو الى الاحباط .. والنفور من الخوض في امور السياسة والدين معا .. لقد خرب خل السياسة عسل الدين والعكس صحيح .. فكما ان في السياسة تقاطعات جوهرية كذلك الدين الذي اتخم بتراكمات التاريخ وتعدد الروايات ..

 وليس لنا الا ان ننتظر المرحلة القادمة من الدورة التشريعية لعل العراق يدخل مرحلة اكثر تقدما اعني حكومة اغلبية منتخبة وفق ثقافة الخدمات لا ثقافة الشعارات والايديولوجيات ..

 ديمقراطية حقيقية. تنزع كل الالغام عن كل الاشياء ..

 

سلام كاظم فرج

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

hamid laftaلا نريد ان ندخل في اعماق التاريخ لنلقي الضوء على طبيعة مجريات الحياة في العراق ماقبل الاستقلال من هيمنة الاستعمار البريطاني، ولكن من يسائل التاريخ مابعد الاستقلال لتبين له دوام نزيف الدم العراقي، دوام مصادرة الحريات العامة والفردية، دوام حالة الفقر والجهل والحرمان بين الاغلبية من ابناء الشعب العراقي، توالي الحروب العبثية السلطوية في الداخل ومع الخارج، حالة الاغتراب الشديد حد الكراهية وعدم الثقة بين المواطن العراقي وبين مؤسسات الدولة، بين الشعب والحكومة، مما يؤشر بشكل واضخ عدم اكتمال بناء وقيام دولة الحداثة المدنية في العراق، وهذا ما نريد القاء الضوء الكاشف حول اسبابه ، لننتقل من حالة التوصيف للظاهرة الى حالة التعريف حسب اجتهادنا المتواضع عبر اثارتنا للسؤال التالي :-

 

ماهو السر الكامن وراء تعثر بناء دولة الحداثة في العراق؟

من كل ما تقدم نريد أن نقول إن أزمة السلطات الحاكمة في العراق هي أزمة هيمنة طبقية نابعة من عوامل خارجية وأخرى داخلية موضوعية وذاتية متداخلة مرتبط كل منها بالآخر في علاقة صيرورة ضمن بنية اجتماعية اقتصادية مولدة لمثل هذه الأزمات ومعيقة كل جهد لبناء دولة المؤسسات الديمقراطية الحديثة، دولة المواطن الحر وليس دولة الطائفة والزعيم والعشيرة لتكون دولة الطائفية التي (هي هذا الشكل التاريخي المحدد الذي تمارس فيه هذه البرجوازية عجزها الطبقي عن ممارسة سيطرتها الطبقية)[26].

 وقد كان عقل سلطة الرأسمال الأمريكي المسلح المحتل للعراق واعياً لمثل هذا الحال تماماً وأتى متوافقا ومنسجما تماما مع نظريته في الفوضى الخلاقة أو البناءة، فعمد إلى بناء ما اسمي بمجلس الحكم في العراق باعتباره الهيئة التشريعية لنواة الدولة العراقية ما بعد انهيار الدولة الديكتاتورية الصدامية على أساس عرقي طائفي سافر وليس مستترا واحدبا كما كان الأمر في عهد الديكتاتورية فجاء مجلس الحكم (شيعيا، سنيا، كرديا) لان هذا (التمثيل السياسي "الطائفي" يحقق للبرجوازية هدفها.. ويولد عند تلك الطبقات الكادحة الوهم الطبقي بأن لها قوة سياسية لأنها "طوائف" وبأن قوتها السياسية هي بقوة ممثليها السياسيين، والحقيقة هي أن تلك القوة السياسية التي يسميها الزعماء التقليديون من تمثيلهم "طوائفهم" ليست "طائفية" وليست "فردية" إنها تظهر هذا المظهر منها على أساس إخفاء طابعها الطبقي البرجوازي الفعلي)[27]. إن هذا الأمر يشير إلى مدى الأزمة الخانقة التي تمر بها الرأسمالية العالمية في عصر عولمتها المسلحة، حيث عمدت إلى استخدام أدوات القرون الوسطى في بناء دولة العراق في عصر الذرة والانترنيت وغزو الفضاء، فبعد أن رفعت غطاء القمع الديكتاتوري عن بوتقة الصراع في المجتمع العراقي الذي ظل مكبوتا وآسنا لفترة عشرات من السنين مما أدى إلى تغول أشناته وطحالبه وتضخم قشوره وبثوره وتفتت وتحطم جواهره، فسادت العرقية والطائفية والعشائرية على المضمون الاجتماعي للحراك باعتباره صراعا طبقيا بين طبقات وفئات اجتماعية فاعلة في عملية الإنتاج والبناء وليست طوائف وأعراق كمنتج لواقع الميوعة الطبقية والنزعة الاستهلاكية للطبقة القطوازية التابعة باعتبارها طبقة طفيلية غير منتجة. وهذا الحال وقف سدا منيعا مانعا ومعيقا لبناء دولة المؤسسات الديمقراطية المدنية الحديثة أو ما يسمونه بدولة (القانون) محولا كل الادعاءات إلى خطاب فارغ لا يرتكز إلى واقع مادي معقول. فكيف يمكن أن تبنى الدولة الحديثة بممثلي الطوائف والعشائر والأعراق التي بطبيعتها طاردة ونابذة ومقصية للآخر، وتسلك وفق(سوانيها) وأعرافها ونصوصها المقدسة وليس وفق دستور الدولة وقوانينها. إن تخبط الكثير من الأفراد وأحزاب الإسلام السياسي، هذا التخبط المرعي والمرحب به من قبل قوى الرأسمال الأمريكي إنما يثبت مدى قصور طبقة القطوازية في بناء دولة المؤسسات الديمقراطية الحديثة ودوام توالد أزماتها بشكل دوري، والمجيب على سؤال خليل احمد خليل (لماذا لم نصل حتى عصرنا إلى دولة مؤسسية حديثة، دولة الجمهور، لا دولة النبات الاذخر- ذلك الحشيش الأخضر الطيب الرائحة الذي يستعمل للقبور والبيوت معا- أو ذلك التدعدع - المشي التاريخي، مشية الشيخ الكبير أو السير ببطء والتواء)[28]. وقد وفرت الرحم والحاضنة التشريعية المولدة لهذه الأزمات في ما سمته بالدستور العراقي الدائم بالرغم من أنها وضعت له خاتمة ناسفة لكل بنائه في المادة (142)، لأنه جاء متناقضا يضع رجلاً في طريق الحداثة ويضع الأخرى في ما قبلها، فظل عالقا بينهما لا يعرف إلى أين يسير معبرا أفضل تعبير عن حقيقة الطبقة القطوازية وهجانتها وضياعها وهي تدور في حلقة مفرغة في فضائها الداخلي المشبع بروح النفعية والفساد واللا وطنية والتبعية، لا تريد أن تقطع حبلها السري المرتبط بالرأسمال العالمي وكما يؤشر ذلك جاريث ستانسفيلد (يمكن تصنيف الأحداث والتطورات في العراق، الآن، على أساس مثلث النزاع الذي خيم شبحه على الدولة العراقية من تأسيسها: دور الزعامة التقليدية المسند إلى تمرد سني بسبب الخوف من فقدان السلطة، والقومية الكردية تذكي اندفاعا إلى الحكم الذاتي مقرونا بإشارات إلى ميول انفصالية ممكنة، أما التهميش الشيعي السابق فإنه يدفع قادة الشيعة إلى فرض إرادتهم على مؤسسات العراق الجديد)[29]، ولكنها تعمل بجد لطرد وإقصاء وتهميش نقيضها الوطني والطبقي من عمال وفلاحين ومثقفين وبرجوازية وطنية منتجة، أي بالإجمال كل شغيلة اليد والفكر المؤهلين لحمل راية التحرر الوطني وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية ومؤسساتها الحديثة ودستورها الذي يعتمد الإنسان العراقي المواطن المنتج الحر بغض النظر عن الدين والطائفة والجنس والعرق، وكما عرفها الأستاذ حسين درويش العادلي (الدولة هي ذات جماعية مدنية تعتمد التكافؤ والتعاون والتضامن والولاء الوطني القافز على أُطر العِرق والطائفة والقبيلة والعائلة، وهي المؤسِّسة للمصالح العُليا على حساب مصالح الكانتونات الضيقة التي تُحاول اغتيال الدولة وابتلاعها لصالح عصبيات وعصبويات فئوية مصلحيه مقزّمة .)[30]. وكغيره من الكتاب والباحثين الذين يعطون تعاريف فضفاضة للدولة وأشكالها دون البحث والإشارة إلى طبيعة الطبقة الاجتماعية ذات المصلحة في بناء وديمومة الشكل المشار إليه من الدول، كان يثار سؤال من هي الطبقة الاجتماعية ذات المصلحة في بناء دولة الحداثة الدستورية الديمقراطية؟

هل معنى هذا أن لا خلاص للشعوب التابعة ومنها الشعب العراقي من هيمنة قوى الرأسمال الأجنبي وتوابعه (الوطنية) فتظل مسلوبة السيادة وفاقدة الإرادة والقيادة القادرة على بناء دولة المواطنة الحرة الديمقراطية؟ .. هل سيكون الخلاص بتحرر قوى الرأسمال من عقدة الاستعمار والاحتكار والاستغلال والاستعباد لتفك اسر الشعوب من هيمنتها واستغلالها، بمعنى هل هناك إمكانية أن تغير الرأسمالية العالمية الاحتكارية جوهرها الطبقي الاستغلالي وتعلن توبة (ابن آوى) عن أكل الدجاج؟ أو هل يتحول الأسد إلى أكل الحشائش حاله كحال الغزال أو الحمار؟! .. هل يمكن أن تنتخي الطبقة القطوازية لوطنيتها وتنتصر لحقوق وطموحات شعبها في التحرر والاستقلال والرفاه وتنتفض بوجه سيدتها ومرضعتها وحاضنتها الرأسمالية العالمية؟!..

من الملاحظ طبعا أن هذه الأسئلة تحمل في ثناياها استحالة الإجابة عليها بالإيجاب وإلا لاستطاع الإنسان أن يحول حلمه إلى واقع عبر تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفسية وبذلك سيختفي مفهوم الخسيس والنفيس حسب قانون الوفرة والندرة، وتنتهي كل أسباب الحيازة والاكتناز!!!

 

فما هو طريق الخــــــــــلاص إذن؟

باعتبارنا منحازين إلى منهج التفكير والتنظير الواقعي التاريخي، نفترق طبعاً هنا عن منهج المثالية الطوباوية الأخلاقية وكل ما يتعلق بمنهجها الميتافيزيقي السائد الآن فيما تذهب إليه من حلول القائد الضرورة المخلص، سواء بالبديل الظاهر أو المستتر ونرى أن الإنسان تسيره ظروف حياته اليومية المعاشة على الأرض وليست المعلقة في سماء الأوهام، وبذلك فهو مخير في إرادته وسعيه لبناء حاضره ومستقبله، ولكن المطلوب هنا أن يكون قادرا على وعي ذاته متحررا من أوهامه ممزقا لعصائب تضليله وتجهيله التي تقيده بها الطبقة القطوازية وأسيادها من قوى الرأسمال والاستغلال العالمي.

في واقعنا الحالي على الطبقة النقيض ونقصد بها الطبقة العاملة العراقية وحلفائها كل شغيلة اليد والفكر وكل أحرار العراق من البرجوازية الوطنية والكسبة والمثقفين أن ينزعوا عنهم عصائب التضليل الطائفي والعرقي باعتباره الغطاء الأخطر الذي يديم حالة الاستغلال والاحتلال وحالة الشرذمة والتشتت ويديم نار الصراعات الطائفية والعرقية التي هي بالأساس صراعات سياسية بالمقام الأول. وهذه العصائب السوداء ساعد على بقائها كما يذكر مهدي عامل محقا (ضعف الأحزاب التقدمية "وضعف الحزب الشيوعي منها بوجه خاص" في تمثيلها المصالح الطبقية الفعلية لأوسع الطبقات الكادحة، هو الذي كان يسمح للصراع الطبقي أن يتحرك في شكله الرئيسي كـ"تعايش طائفي" هو الشكل الملائم لسيطرة البرجوازية، لهذا كان سلاح الطائفية هو السلاح الأيديولوجي الرئيسي في ممارسة البرجوازية سيطرتها الطبقية، وكان الشكل "الطائفي" هو الأفضل لنظامها السياسي)[31]. فليست الطائفية قدرا عراقيا محتوما بل هي وليدة ظروف اقتصادية اجتماعية ثقافية معينة عجزت الذات (الفرد) والذات (الحزب) والذات (الطبقة) من تفكرها والتحرز من جراثيمها وإفرازاتها المحفزة لكوامن اللاوعي ودهاليزه المظلمة لبعث الحياة وتهيئة الظروف المناسبة للطائفية والعرقية والقبلية لتكون هي الطاغية على سطح الوعي والسلوك، وإخفاء جوهر الصراع الطبقي والوطني في ظلامه الدامس. هذا العجز الذي تحاول ماكنة أيديولوجية هائلة لقوى الاستغلال والاحتلال الرأسمالي المعولم وصنائعه من القطوازية إدامته وتأبيده، والعمل على حرفه عن طريقه عبر نشر (طناطل وسعالي ومسوخ) الإرهاب والطائفية والعرقية والقبلية لتكون الطبقات الشعبية المحرومة والمكلومة وقوداً يوفر الحياة المرفهة والأمان للطبقة القطرجوازية وأسيادها وإحكام سيطرتهم على مقاليد السلطة والدولة بعد أن تمكنت من زج هذه الطبقات في أوهام محاربة طناطلها وسعاليها ومسوخها. وإحكام سيطرتها على الجمهور وعزله عن ممثليه الحقيقيين (فالعالم العربي الذي يفترض أن يتوجه يسارا، أي انتقادا من تناول مشكلاته الحديثة والمعاصرة جرى القطع داخله بين نخبه العلمية وجمهوره، بحيث صار الجمهور العام متاحا ومباحا لآخرين، منهم السياسيون ومنهم الدينيون السياسيون)[32]. وقد برعت الطبقة السياسية المهيمنة على السلطة في العراق في محاولتها لتأطير الصراع في شكله الطائفي تحت ما يسمى بـ صراع المكونات الطوائف داخل قبة البرلمان أو المجلس النيابي، والذي سبق وأن قال عنه الشاعر الرصافي (عَلمٌ ودستور ومجلس أمة ... كل عن المعنى الصحيح محرف) فلا خوف من هذه الطبقات ضمن هذا الإطار ولكن: (مصدر الخوف الطبقي بالضبط قدرة هذه الطبقات على الانفلات من الضوابط "المؤسسية" أي من أجهزة البرجوازية، السياسية الأيديولوجية للطبقة المسيطرة وعلى التحرر منها في ممارسات صراعها الطبقي، ولعل أهم هذه الضوابط على الإطلاق هو المجلس النيابي)[33]

وإن من يرى حال وصورة ومهازل البرلمان العراقي منذ تأسيس الدولة العراقية ولحين التاريخ لابد أن يسلم بالمقولة أعلاه، إن العيب ليس في مؤسسة البرلمان ولكن العيب في الآليات والظروف وواقع الحراك الاجتماعي الذي أوصل (ممثلين) مزيفين أنانيين إلى قبة البرلمان مخفين حقيقة كونهم ممثلين للقطوازية تحت ستار تمثيل الطائفة والعرق والعشيرة. إن هناك عوامل عدة تساعد أن تجعل المستور منظورا واضحا أمام عيون هذه الجماهير المحرومة ومنها أن تتمكن طلائعها من وعي لاوعيها الذي يعكسه موضوعها الاجتماعي الفاسد المتعفن المتخم بثقافة الطبقة القطوازية وأسيادها ومنها الطائفية والعرقية، وأن لا تنجرف في التيار السائد فتتحول إلى طائفة من الطوائف أو قبيلة من القبائل وتعلق في سنارة السلطة لتتحول بذلك من كونها عامل تنوير وتغيير إلى عامل تخدير للجماهير المضطهدة تستغله الطبقة المهيمنة لإدامة سلطتها (ليس للعقل العلمي/ العلماني "النزيه" أن يخلط بين حقائق علمية، حادثة تاريخيا وحقائق اعتقاديه، سائدة اجتماعيا، بل عليه أن يدرسها في حقولها كما هي، من دون إسقاطات وادعاءات، كما يحلو للبعض من رجال سياسة أو دين، ممن يلحقون العلمي بالإعتقادي أو بالعكس بقصد الهيمنة)[34]. كما أننا نتفق تماما مع المفكر الماركسي الكبير سمير أمين الذي يحذر القوى اليسارية من أن تقع فريسة المنافسة على السلطة وكرسي الحكم في مثل ظروف بلدنا وسواه من البلدان التابعة والمهمشة (الخطأ الاستراتيجي هو اعتبار أن مرحلتنا هي مرحلة تدعو إلى المنافسة من اجل الاستيلاء على الحكم، بينما هذا الاستيلاء لا معنى له طالما لا توجد في الساحة قوة اجتماعية شعبية تستطيع أن تفرض نفسها على القوى الأخرى الداخلية -سواء كانت تتجلى في نظم الحكم أم في بديل الإسلام السياسي وهما وجهان للعملة نفسها- والخارجية)[35]. ينبغي أن يكون لهذه القوى برامج واضحة ومحددة تعمل من اجل إجبار السلطات على إعادة روح العمل المنتج في مفاصل المجتمع العراقي ومحاربة ثقافة الاستهلاك، فبالعمل والعلم المنتج تصقل معارف الإنسان ويتعمق وعيه الوطني والطبقي، مما يساعد على وضوح الاصطفاف الطبقي ويخلص المجتمع من الميوعة الطبقية واختلاط الألوان والأوراق باعتباره كتلة هائجة مائجة تقودها رياح السلطة حيث تشاء، قد تسكن وتصمت صمت الأموات أو تهتاج هيجان (تسونامي) المدمر والمخرب، وكليهما سلبي ومدمر ومعرقل لمساعي بناء دولة المؤسسات الديمقراطية، دولة المواطنة الحرة المستقلة، كما يجري على يد المنظمات الإسلامية السياسية أو ما يسمى بحركات الإسلام الجذري اليميني، وكما يقول سمير أمين واصفا تعاطفه مع الشباب الثائر الذي ينظم إلى الحركات الإسلامية (افهم تماما عواطف الشباب الثائر الذي ينظم إلى الحركات الإسلامية- الجذرية ظاهريا، فإن غضبه هو غضبي وغضب كل من لا يقبل الواقع الراهن المقبض، والمستقبل المسدود تماما، ولكن هذا الدافع السليم لا يكفي في حد ذاته ليكون أسلوب الثورة فعالاً بل رأيت أن هذا الأسلوب يخدم موضوعيا مشروعا آخر غير المشروع الذي يتصوره الشباب الثائر في ذهنه، يخدم مشروعا رجعيا حليفا للاستعمار هو أسلوب ناجح في إدارة الأزمة لا غير)[36].

ويتفق خليل احمد خليل تماما مع ما ذهب إليه سمير أمين في ضرورة وجود ركيزة أو موضوع فاعل للديمقراطية والعلمانية حيث يقول: (من الواضح سوسيولوجيا، أن لا معنى لأي كلام فوقي عن ديمقراطية وعلمانية، من دون جمهور قابل للعلم والعلمانية وللديمقراطية)[37]

العمل على تفعيل عمل المنظمات المهنية والنقابية ومؤسسات المجتمع المدني على أساس المصالح الاجتماعية وليس على أساس الولاءات الطائفية والعرقية والقبلية.

يجب النضال لحماية الثروة الوطنية العراقية وخصوصا النفط والغاز من استغلال وهيمنة الشركات الرأسمالية الاحتكارية، واستغلالها استغلالا وطنيا من حيث التنقيب والاستخراج والتصدير والتصنيع، ولتكون الثروة النفطية ومواردها عامل تمكين للإنسان العراقي ليكون مبدعا ومنتجا وليس عامل تسكين مؤقت ليكون مستهلكا معطلا إتكاليا غير منتج، والعمل لبناء اقتصاد زراعي صناعي ثقافي معرفي منتج وليس وسيلة للنهب والتبذير والبذخ الاستهلاكي غير المسئول كثقافة تتبارى فيها مختلف فئات وأطياف الطبقة القطوازية على حساب فقر ومعاناة أغلبية أبناء الشعب العراقي.

إن ما تقدم وحسب ما نرى ونزعم ونجتهد يفسر لنا سبب طغيان الظاهرة الطائفية في عراق اليوم وكذلك يوضح مدى اثر وارتباط سيادة هذه الظاهرة بالعوامل المعرقلة لبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة في العراق على مدى تاريخ تكوّن الدولة العراقية ولحين التاريخ. ينبغي للقوى الديمقراطية واليسارية العراقية أن تدرس طبيعة جمهورها بدقة وعناية وتفهم سيكولوجياته ومواطن قوته وضعفه والعمل على بث روح التفاؤل والفاعلية بين صفوفه ووضع البرامج الكفاحية لهذه القوى اعتمادا على النتائج والتوصيات الملموسة والعملية التي يوصي بها علماء النفس والاجتماع حيث (لم يدرس -الجمهور- بعد في ذاته، كموضوع سوسيولوجي، غير افتراضي ولا متخيل كموضوع تاريخي، تصاغ له أيديولوجيات لا تناسب حالته المعرفية، ولا ثقافته الشعبية، المترسبة في قاع اجتماعه وقيعان لاوعيه التاريخي أيضا)[38]. وهو ما يفسر لنا سبب الأزمة السياسية في عراق ما بعد الاحتلال والتي امتدادها مكشوف إلى ما قبل الاحتلال كما تأملها الملك فيصل الأول (وقد تأمل في موزائيك التنافر العراقي، ذات مرة وقال: ليس هناك بعد، شعب عراقي، بل كتل متنافرة من البشر مجردة من أية فكرة وطنية، غارقة في الخرافة والجهل، وتفتقر إلى أية رابطة مشتركة، وميالة إلى الفوضى ومستعدة أبدا للتمرد على أية حكومة مهما كانت .. كانت تأملات الملك فيصل هذه في ثلاثينات القرن العشرين، إلا أن الأسى الذي يميزها على غياب الوحدة الوطنية لا يزال صداه يتردد في أروقة "سلطة التحالف المؤقتة" بعد قرن تقريبا)[39] وكان كذلك في ظل الديكتاتورية الصدامية ولازال قائما في ظل الوضع الراهن، إنها وبشكل مكثف أزمة هيمنة طبقية مزمنة مرافقة لطبقة قطوازية عاجزة وطبقة عاملة معاقة ومضللة، هذه الأزمة التي تتمظهر بمظاهر مختلفة وتديم نفسها عبر الحروب الخارجية أو الداخلية تحت مختلف الذرائع القومانية والعرقية والطائفية والذي لا تريد رموز السلطة الملكية أو الجمهورية قبل وبعد الاحتلال الاعتراف بها، وبذلك يبقى مشروع إقامة دولة المؤسسات الديمقراطية الحديثة معاقا معطلا ومؤجلا، فهذه الظروف المحبطة والمجهضة لآمال وطموحات الأغلبية المهمشة و(هي المسئولة عن ظاهرة عامة نجدها في جميع أقطار "العالم" الرابع المهمش، وهي هجرة النضال من أرضية الواقع الاجتماعي الغائبة إلى سماوات البديل "المطلق" ذي الطابع الثقافوي أو الديني)[40]. وتحاول هذه القوى أن تؤطر نشاط وحراك جموع الكادحين والمهمشين عبر أقنعة تقنعت بتمثيلهم في البرلمان وعدم نزولهم للشارع للكفاح من اجل حقوقهم .. فكما يقول مهدي عامل: (الصراع السياسي بانتقاله من المجلس إلى "الشارع" ينتقل من إطاره الطائفي المؤسسي، الذي هو فيه بالفعل صراع سياسي بقدر ما هو لعبة سياسية – سميت حاضرا في العراق بـ"العملية السياسية" – بين أطراف الطبقة المسيطرة الواحدة، إلى إطار آخر يستحيل فيه بالفعل صراعا سياسيا طبقيا، بسبب دخول الجماهير الشعبية فيه طرفا رئيسيا، في تحددها بقوة سياسية مستقلة، وهذا ما تخشاه البرجوازية – القطوازية- لأنه خطر مباشر على سيطرتها الطبقية)[41].

 

- الموضوع جزء من دراسة مفصلة بعنوان (الطائفية واشكالية بناء الدولة المدنية في العراق)

 

.....................

المراجع

[26] خليل احمد خليل- سوسيولوجيا الجمهور-(ص129).

[27] نفس المصدر (ص90).

[28] خليل احمد خليل - سوسيولوجيا الجمهور السياسي الديني- ص120.

 [29] جاربث ستانسفليد – المجتمع العراقي –حفريات- مجموعة مؤلفين- ص345.

 [30] مهدي عامل – مدخل- ص(38).

[31] نفس المصدر السابق (ص113).

 [32] حسين درويش العادلي –نظرات في الدولة العراقية –موقع البرلمان العراقي الالكتروني.

 [33] مهدي عامل - مدخل- ص215.

 [34] خليل احمد خليل – سوسيولوجيا- (ص11).

[35] د.سمير أمين (في مواجهة أزمة عصرنا) (34).

[36] سمير أمين – في مواجهة أزمة عصرنا- سينا للنشر ص287

 [37] خليل احمد خليل –سوسيولوجيا- (ص179).

[38] نفس المصدر- (ص286).

[39] جاريث ستانسفيلد المجتمع العراقي –حفريات- ص349.

[40] سمير أمين- في مواجهة أزمة عصرنا – ص288

[41] مهدي عامل – مدخل - (ص115).

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

mustafa aladhamتعرف السيادة على أنها مبدأ القوة المطلقة غير المقيدة. من هنا فأن السيادة الوطنية ترتبط بالسيادة الخارجية لأي بلد وبوضع الدولة في النظام الدولي ومدى قدرتها على التصرف ككيان مستقل.

لا شك أن مفهوم السيادة الوطنية قد تغير بين الأمس واليوم.. خصوصا في عصر <القطب الواحد> - عصر القرية الواحدة - بفضل تقدم وسائل الإعلام والإتصال والتواصل. لكن هامش الحرية في استقلالية صنع القرار (يفترض أن يكون مبدأ) بما يوافق المصالح الوطنية يكاد يكون الوحيد مما تبقى من "مسطرة" قياس السيادة الوطنية.

سابقا كان مفهوم السيادة الوطنية خشبيا - أما أن يكسر (بفتح الباء) أو يكسر (بنصب الباء)، اليوم أضحى أكثر "مطاطية" أو بالأحرى مرونة يمتص "الصدمات" كما هو الحال مع الإسفنجة.. فالعديد من دول العالم المتقدم والمتخلف تتواجد فيها قواعد عسكرية أجنبية وسجون أجنبية - استخبارية سرية.. ناهيك عن التنسيق وان شئت التبعية في اتخاذ القرار السياسي لبعض هذه الدول وربطه بصانع القرار الحقيقي - القطب الواحد - وبحسب رأي رئيس مجلس وزراء قطر وزير خارجيتها، حمد جاسم جبر بـ "المعزب"، ( في مقابلة قديمة له مع أحمد منصور على الجزيرة).

 

ما يهمنا في هذه القراءة هو الشأن العراقي.

بعد العام 2003 "شرعنت" الولايات المتحدة وجودها في العراق بعد الإطاحة بنظام الطاغية صدام حسين بأحتلال البلد رسميا - وكان أغبى خطأ استراتيجي يمكن أن يرتكبه مدعي تحرير. وبلا شك فأن الإحتلال يعد النقيض لكل ما يمت بصلة إلى مفهوم السيادة الوطنية.

اليوم، السيادة الوطنية على الورق محفوظة.. لكن على أرض الواقع، أقل ما يقال فيها للأسف أنها مخدوشة. ولهذا أسبابه الموروثة والمستحدثة.. الداخلية والخارجية.

 

الأسباب المورثة:

من جملة الأسباب الموروثة المنتهكة للسيادة الوطنية  والتي ورثها العراق الجديد من حكم البعث الفاشي:

ـ بقاء العراق تحت طائل البند السابع  لميثاق الأمم المتحدة - وهو ما يعني بأختصار امكانية استخدام القوة العسكرية لإجبار العراق على تنفيذ شروط المجتمع الدولي. (1).

وهذا يعد بلا أدنى شك مصدر تهديد دائم يتربص بالسيادة الوطنية العراقية.. حيث يمكن استخدامه من قبل القوى الدولية لا سيما الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها في حال ما وصلت لقناعة أن العراق - أو بالأحرى مصالحه الوطنية لا تتوافق مع مصالحها.

ـ وجود قواعد عسكرية تركية في اقليم كوردستان العراق.. وهذا انتهاك للسيادة الوطنية العراقية وانتهاك لسيادة الإقليم التي هي جزء من السيادة الوطنية وتقع في نطاقها.

ـ وجود قوات عسكرية وشبه عسكرية معارضة لدول الجوار كانت تعمل بالتنسيق مع نظام الطاغية صدام حسين واخرى دونما تنسيق معه.. ما "أعطى" الذرية لتلك الدول لإستخدام القوة العسكرية المحدودة منتهكة السيادة الوطنية العراقية؛ سيادته على أرضه واجوائه.. ناهيك عن الخسائر البشرية والأضرار المادية التي تكبدها بسبب ذلك.

ـ مديونية خرافية بكل المقاييس لأغلب دول الإقليم والعالم.. أشبه بحالة فرهود للأموال العراقية.

 

الأسباب المستحدثة:

من جملة الأسباب المستحدثة المؤدية بشكل ما إلى خدش السيادة الوطنية

ـ وقوع البلد تحت الإحتلال المباشر والصريح.

ـ تأسيس صندوق حماية الأموال العراقية - صادرات النفط - من فرهدة توابع البند السابع. ويقع هذا الصندوق تحت الحماية المباشرة لسيد البيت الأبيض في واشنطن.. لكم أن تتصورا الباقي..!

ـ عدم سيطرة السلطة على كامل التراب الوطني.. بدليل وجود مجموعات ارهابية تعمل وتنشط في غرب وشمال غرب العراق وهو ما نبه اليه وزير الداخلي الأسبق، باقر صولاغ جبر الزبيدي، في أكثر من مقابلة تلفزيونية.

ـ اختراق أجهزة المخابرات لأغلب او ربما كل دول الجوار الإقليمي ناهيك عن القوى الدولية للجبهة الداخلية العراقية والعمل فيها بشكل أقرب إلى العلني.

ـ استضافة دول الجوار ورعايتهم لأعداء العلمية الديمقراطية السياسية في العراق الجديد - ما يشكل مصدر تهديد مستمر وورقة ابتزاز للمساومة على ما قد يتعارض مع المصالح الوطنية العراقية ما يعني انتهاكا لسيادته.

ـ بيانات جامعة الدول العربية ورابطة المؤتمر الإسلامي أغلبها يخدش حياء السيادة الوطنية العراقية لأنها تعد تدخلا في الشأن الداخلي العراقي من قبل أنظمة أغلبها دكتاتورية فيما نظام العراق الجديد لا يمكن مقارنته بها. مع ذلك تغض الطرف عما يجري في مصر ولا تتجرأ على النبس ببنت شفة وتسطر النصائح والتهديدات المبطنة للعراق.

 

عسكريا:

ـ عدم وجود سلاح جوي يحمي سيادة البلد على سمائه واجوائه من الإختراق والعداون.

ـ عدم وجود سلاح دفاع جوي يحمي البلد من خطر الخرق والعدوان الجوي.

ـ عدم وجود شبكة رادار حديثة ومتطورة تكشف لأهل العراق ما يجري في سماء العراق.

ـ عدم وجود سلاح بحري متطور يستطيع أن يحمي عمليا المياه الإقليمية العراقية تجاه أي خطر يهدد مصالحه - لا سيما صادراته من النفط ووارداته.

ـ ضعف مؤسف لأجهزة الإستخبارات في سبقاها مع الزمن والعدو للحصول على المعلومة أولا كي ننتقل من عملية رد الفعل على الفعل الإرهابي إلى عملية الفعل على نية أو خطة الإرهابي قبل دخولها حيز التنفيذ.

 

داخليا:

ـ من أهم الأسباب الداخلية التي تؤدي إلى خدش السيادة الوطنية العراقية هو الإستقواء بالخارج - الأجنبي. هذه العملية أصبحت تمارس بشكل علني وصريح من قبل بعض الكيانات والكتل والأحزاب والشخصيات السياسية في عراق اليوم. فتكتب وتراسل وتناشد المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن وجامعة الدول العربية ورابطة المؤتمر الإسلامي والإتحاد الأوروبي وبرلمانه والولايات المتحدة والمملكة المتحدة للتدخل المباشر في الشأن الداخلي العراقي لمصلحة فريق ضد أخر.. متكئين على سابق احتلال للولايات المتحدة والمملكة المتحدة للعراق وتواجد أموال العراق تحت حماية رئيس الأولى.. ناهيك عن المطالبة بتفعيل أحكام البند السابع ضد العراق؟.

ـ المقالة - أو رسالة العار التي كتبها ثلاثي القائمة "العراقية" برئاسة د. علاوي إلى الرئيس باراك اوباما ودعوته للتدخل المباشر في العراق بعد ادعاء سابق من قيادات العراقية بالمقاومة للأحتلال!. مثال. وفي مثال اخر؛ وها هو الهارب طارق الهاشمي يطالب بـ "تعريب الخلاف السياسي الداخلي العراقي ومن ثم تدويله". (2).

 

خارجيا:

ـ بقاء عادة وصول المسؤولين الإميركان إلى العراق بشكل مفاجأ رغم انسحاب قواتهم من العراق. وهذا مؤشر على أنتهاكهم للسيادة الوطنية وعلى عدم ايمانهم بتحسن الوضع الأمني وهذا المؤشر له دلالاته خارجيا، حيث تتعامل معه دول الاقليم والعالم بجدية أكثر من أدعاء العراق بتحسن الموضع الأمني.

رغم كل من سبق من جملة الأسباب الموروثة والمستحدثة والمتشابكة مع الشقين الداخلي والخارجي - الخادشة لمفهوم السيادة الوطنية حتى في نسخته المعولمة "الإسفنجية" - فأن العراق اليوم يحاول أن ينبي لنفسه موقعا مختلفا، وسياسية مختلفة عن السابق، والسائد من اصطفاف المحاور في الإقليم.. والحقائق المشار اليها في هذه القراءة ليست محاولة لبث اليأس بقدر ما هي محاولة لتوصيف الواقع كي يتم العمل على علاجه بالشكل الصحيح فالقفز على الحقائق المؤلمة أو تجاهلها لا يعني انتفائها.

 

النتيجة:

ومن كل ما سبق نصل إلى نتيجة مفادها أن مفهوم السيادة الوطنية في عراق اليوم يخدش بشكل يومي من قبل دول الجوار الإقليمية والعربية ناهيك عن القوى الكبرى.. واسباب ذلك موروثة من الحقبة الصدامية - البعثية الفاشية، ومن مخلفات حقبة الإحتلال المشرعن، يضاف لها الإستجداء الداخلي من قبل بعض القوى السياسية لدور خارجية اقليمي، عربية، دولي أو أممي لصالحها ضد خصمها.. ناهيك عن الضعف في تسليح وتجهيز وبناء جيش عراقي عصري قوي ومحترف.. كلها عوامل تزيد من ثقل اعباء التصدي لأي عداون خارجي لا سامح الله.

فبلد بلا سيطرة كاملة سمائه واجوائه، ولا سيطرة مطلقة على مياهه الإقليمية، ولا بسط سيطرة على كامل التراب الوطني، مع حدود طويلة عريضة يدخل ويخرج منها المال والسلاح والبشر، مع تواجد مناطق نفوذ للتنظيمات الإرهابية وقواعد عسكرية أجنبية ونشاط لأحزاب أجنبية.. ولا سلاح جو ولا سلاح دفاع جوي ولا منظومة صاروخية دفاعية أو هجومية بعيدة ومتوسطة المدى ولا شبكة رادارات، يعني أن البلد لا يمكنه بصراحة وأسف أن يدافع عن نفسه بنفسه في حال وقوعه تحت عدوان خارجي.. ما يضطره للأستعانة بـ "صديق".. ولك صديق مصالحه وشروطه التي قد لا تتوافق مع مصالح العراق الوطنية.

 

 الحل:

أول خطوة للخروج من هذه "الدوامة" - تتمثل بالتحرر من زنزانة البند السابع.. تليها حرية التصرف العراقي بالأموال العراقية. بالتوازي مع الشق الخارجي، يتم العمل داخليا على بناء جهاز استخبارات محترف ينقل العمل الأمني من صيغة رد الفعل إلى الفعل الإستباقي.. اضافة إلى بناء منظومة رادار، وسلاح جو، وسلاح دفاع جوي للدفاع عن السيادة الوطنية العراقية والمصالح العراقية تجاه أي أخطر أو عداون خارجي لا يمكن لأحد الجزم بعدم وقعه.. فالعراق بموقعه الجغرافي الإستراتيجي، وثرواته؛ يقع في نطاق اقليمي أقل ما يقل عنه أنه غير صديق بل عدواني لتضارب مصالحه، ومكانته، ودوره الإقليمي مع مكانة، ومصالح، ودور العراق في المنطقة - الدور المفترض أن يلعبه العراق. ناهيك عن حقيقة أن المنطقة ملتهبة وتقف عل كف عفريت.. كلها عوامل تزيد من وزن ثقل التحديات الخارجية التي يتوجب على العراق أن يواجهها ويستعد لأسوأ سيناريوهاتها، كي يتجنب أكبر الخسائر.

 

مصطفى الأدهــــم

13.04.2013

 

......................

المصادر:

(1): http://www.un.org/ar/documents/charter/chapter7.shtml

(2): http://aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12551&article=723918&search=%D8%C7%D1%DE%20%C7%E1%E5%C7%D4%E3%ED&state=true#.UWlfGrWpreQ

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

abdulkhaik husanلكي نحكم على العراق بعد عشر سنوات من الخلاص من حكم البعث علينا أن نتصور كيف كان حال العراق لو لم يتأسس فيه حزب البعث؟ وكيف كان حاله خلال حكم البعث، وكيف هو الآن بعد عشر سنوات من الخلاص من حكم البعث؟

 

العراق قبل مجيء البعث

قبل إنقلاب 8 شباط 1963 الدموي الأسود واغتصاب البعث للحكم كانت عندنا حكومة ثورة 14 تموز 1958 المجيدة، والتي باعتراف أكثر المثقفين والسياسيين العراقيين إخلاصاً للعراق، يرون أنها كانت أشرف حكومة وطنية تقدمية حكمت العراق بقيادة أنزه وأشرف وأخلص زعيم وطني عرفه الشعب العراقي ألا وهو شهيد الوطنية العراقية الزعيم عبدالكريم قاسم. هذه الحكومة حققت إنجازات للشعب خلال أربعة أعوام ونصف عام من عمرها القصير ضعف ما حققه الحكم الملكي خلال 40 سنة من عمره. ولو قدر لهذه الحكومة النزيهة البقاء والاستمرار في تنفيذ برنامج الثورة لكان العراق الآن من دول العالم الأول وليس من العالم الثالث، ولتخلص من جميع صراعاته الطائفية والأثنية التي كرسها و أججها حكم البعث الفاشي خلا 35 سنة من حكمه البغيض، والتي انفجرت على شكل براكين بعد سقوط البعث.

ثم جاء حزب البعث كأداة منفذة لأقذر مؤامرة دبرتها المخابرات الغربية وعلى رأسها الـ (CIA)( وذبح هذه الثورة الوطنية وقيادتها المخلصة في إنقلاب 8 شباط الأسود عام 1963، وأدخل البلاد والعباد في نفق مظلم ولحد الآن.

 

العراق خلال حكم البعث الصدامي

ثم اغتصب البعث الحكم ثانية عن طريق مؤامرة دبرتها الشركات النفطية الأمريكية والبريطانية بتدبير وكالة الـ (CIA) أيضاً عام 1968، بسبب الصراع بين هذه الشركات وبين الشركات الفرنسية.

وخلال حكمه الثاني للعراق الذي دام 35 سنة، توفرت لحزب البعث أفضل الفرص والظروف السياسة والاقتصادية والدولية ليطور العراق ويخرجه من دولة متخلفة إلى مستوى الدول المتقدمة في العالم الأول، ولكن بدلاً من ذلك، بدد البعث الثروات الهائلة على عسكرة المجتمع، وسباق التسلح، والحروب العبثية والخراب الشامل، وارتكب قائمة طويلة من الجرائم التي لا تعد ولا تحصى بحق الشعب العراقي وشعوب المنطقة وخاصة الشعبين الإيراني والكويتي.

لقد جلب حكم البعث على العراق خلال 35 سنة من حكمه الجائر، وباختصار شديد الكوارث التالية:

أولاً، قبل اغتصاب البعث للسلطة عام 1968 كان الدينار العراقي يعادل 3.5 دولار أمريكي، بدأ سعر الدينار بالهبوط منذ استلام صدام رئاسة الدولة عام 1979، إلى أن بلغ في الأيام الأخيرة من حكمه مستوى قيرب من الصفر حيث صار سعر الدولار يعادل 3500 دينار، أي صارت القوة الشرائية للدينار العراقي دون سعر الورق الذي يطبع عليه، أي إفلاس تام وانهيار كامل لاقتصاد بلد عائم على بحر من النفط. فهل هناك فساد وفشل أسوأ من ذلك؟

ثانياً، لقد بلغت واردات النفط أرقاماً عالية غير مسبوقة في عهد حكم البعث، فقبل أن يسيطر صدام على رئاسة الجمهورية، حيث بلغ رصيد العراق من احتياطي العملة الصعبة والذهب نحو 45 مليار دولار، ولكن نتيجة لسياساته الطائشة، عند سقوط حكمه بلغت الديون نحو 120 مليار دولار، إضافة إلى مئات المليارات من تعويضات الحروب، يعني دولة مفلسة.

ثالثاً، بلغ عدد قتلى العراقيين بسبب الحروب الداخلية والخارجية خلال حكم البعث نحو مليونين، إضافة إلى الهجرة القسرية والطوعية التي بلغت نحو 5 ملايين، بحيث صار العراقيون يغامرون بحياتهم في الغرق عبر البحار على البقاء في عراق يحكمه حزب البعث، والألوف منهم صاروا طعاماً للأسماك.

رابعاً، حقق حكم البعث قفزة خضارية كبرى ولكن إلى الوراء، حيث أعاد المجتمع العراقي إلى عهد القبلية والطائفية، وتفتيت النسيج الاجتماعي، والتجهيل المتعمد، وما حصل من ردة حضارية، وانهيار فكري وأخلاقي، وتدمير روح المواطنة والولاء للعراق...الخ الذي يدفع الشعب ثمنه الآن.

 

خامساً، كل ما ألحق بالعراق من خراب ودمار وأضرار وجرائم، منذ 8 شباط 1963 وإلى الآن، يتحمل مسؤوليته البعث الفاشي

لقد أثبت البعثيون خلال 35 سنة من حكمهم الجائر وهم في السلطة، وعشر سنوات من إرهابهم وهم خارج السلطة، أن البعث ليس حزباً سياسياً، بل عبارة عن مافيا إجرامية مسلحة أدعت بعض المبادئ السياسية، وتقمصت السياسة، وبغفلة من الزمن، وبمساعدة ظروف دولية شاذة، استطاعت أن تغتصب السلطة بانقلاب عسكري، وتحكم الشعب العراقي بالنار والحديد، وتنهب ثرواته وتقتل شعبه وتشريد الملايين من أبنائه. لذلك فنحن لا نتجاوز على الحقيقة إذا قلنا أن حكم البعث كان أبشع أنواع الاحتلال الداخي، وعليه، كان واجباً أخلاقياً على المجتمع الدولي بقيادة الدولة العظمى تحرير الشعب العراقي من أبشع احتلال فاشي جائر عرفه التاريخ.

بالله عليكم، إن حزباً هذا تاريخه البشع، وألحق بالشعب العراقي وشعوب المنطقة كل هذا الخراب والدمار الشامل، هل يستحق العطف والدفاع عنه والمطالبة بعودته أو حتى مشاركته في السلطة؟ غني عن القول إن من يدافع عن هكذا نظام جائر هو إما مازوخي (Masochistic) يستلذ بالتعذيب والعبودية والإهانة، أو هو واحد من المافيا البعثية. وفي جميع الأحوال نحن ضد هؤلاء، ولا بد من العمل لتوفير الظروف الطبيعية لشعبنا ليبدأ حياة طبيعية كريمة أسوة بالشعوب المتحضرة.

 

العراق بعد عشر سنوات .. حقائق وأرقام

والآن نأتي إلى بيت القصيد .. ماذا تحقق للشعب العراقي حتى يستحق كل هذه التضحيات؟ أي ما هي المنجزات؟

رغم الحملات الإعلامية الضخمة من الدس والتلفيق وكيل الأكاذيب في نفي الإيجابيات وتضخيم واختلاق السلبيات وتشويه الحقائق من قبل وسائل الإعلام العربية الرسمية، وغير الرسمية المناوئة للتغيير في العراق لأسباب طائفية وعنصرية وسياسية، ورغم الإرهاب البعثي- القاعدي المدعوم من قبل هذه الدول ومشايخ الوهابية، لقد تحقق ما يلي:

1-  تم إسقاط أشرس نظام دكتاتوري عشائري همجي جائر، كان سقوطه حلماً يراود أبناء الشعب العراقي، و فوق قدراتهم.

2-  تم إصدار دستور دائم يرقى إلى مستوى أرقى الدساتير في العالم المتحضر، رغم بعض الثغرات فيه، وأهم مادة في هذا الدستور هو: ((المادة (1): جمهورية العراق دولةٌ مستقلةٌ ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ اتحاديٌ). كما وجاء في المادة الثانية: (ب ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية. ج ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور).

ومنذ إصدار هذا الدستور ولحد الآن تم الالتزام به نصاً.

3-  هناك احترام التعددية بجميع أشكالها، القومية، والدينية والمذهبية، والسياسية... أما ما يحصل من صراعات طائفية فهي نتاج الإرث الثقيل من الماضي البغيض، وبسبب الدور التخريبي الذي تلعبه فلول البعث والقاعدة لإفشال العملية السياسية. ولكن مع ذلك، فمسيرة الديمقراطية تحث الخطى إلى الأمام.

4-  خلال السنوات العشر الماضية، أجريت ثلاثة انتخابات برلمانية ومثلها انتخابات مجالس محلية، نزيهة وعادلة بشهادة آلاف المراقبين الدوليين، لم يشهد العراق مثيلاً لها قبل 2003 في تاريخه.

5- تم بناء جميع مؤسسات الدولة، الخدمية (المستشفيات، والمدارس والمعاهد والجامعات)، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية وغيرها، وفق المبادئ الديمقراطية، فالجيش للدفاع عن حدود الوطن وليس للعدوان على الشعب وعلى دول الجوار، والشرطة في خدمة الشعب قولاً وعملاً ، وليس ادعاءً كما كان في السابق، والقوات المسلحة خاضعة لأوامر القائد السياسي المدني المنتخب من قبل الشعب، ووزير الدفاع مدني أيضاً.

6- إرسال آلاف البعثات الدراسية إلى أرقى الجامعات الغربية بدون تحيز للانتماء الحزبي أو عشيرة الحاكم، للحصول على الشهادات العليا، الماجستير والدكتوراه وغيرها.

7- إعادة صيانة وتأهيل المؤسسات النفطية، العمود الفقري للاقتصاد العراقي، وزيادة انتاج النفط وبلوغه أرقاماً قياسية، والعمل للوصول الى 12 مليون برميل يوميا. وقد بلغت واردات النفط أرقاماً قياسية، تجاوزت مائة مليار دولار هذا العام. والجدير بالذكر أن هذه الواردات هي للشعب ولإعادة إعمار العراق ورفع المستوى المعيشي للشعب، وليس ملكاً للأسرة الحاكمة والحزب الحاكم ومرتزقته دون أن يعرف عنها الشعب كما كان في عهد حكم البعث الصدامي المقبور إلى غير رجعة.

8- في الوقت الذي يعاني العالم من ركود وكساد اقتصادي، بلغت التنمية في العراق في العام الماضي نحو 11% ، وفي العام الحالي تجاوزت نسبة 9 % ، وحتى وتجاوزت الصين.

9- - تبنى العهد الجديد نظام اقتصاد السوق والإنفتاح الإقتصادي وتشجيع القطاع الخاص لبناء مؤسسات اقتصادية تنافس قطاع الدولة في جميع المجالات الانتاجية والخدمية والتجارية دون استثناء بما فيه التعليم.

10- زيادة الميزانية لتصل الى 130 مليار كأعلى ميزانية في تاريخ العراق لحد الآن. وتحويل هذه الميزانية الى مشاريع ورواتب وإعانات لأبناء الشعب وليس إلى هبات للأسرة الحاكمة وزبانيتهم، وكوبونات نفط للصحفيين المرتزقة كما كان في عهد البعث.

11- إقامة شبكة واسعة من الاعانة الاجتماعية، ورعاية مئات الألوف من الأرامل واليتامى والمعوقين من تركة حروب وجرائم البعث، وإرهابه بعد سقوطه.

12- رعاية ذوي الشهداء وإنصاف السجناء السياسيين السابقين.

13- الشروع بالعمل بمخطط واسع لمشاريع الإسكان، وقد تمت المباشرة في بناء عشرات الألوف من الوحدات السكنية وبيعها على المواطنين بسعر الكلفة.

14- إعادة تأهيل المصانع العراقية التي كانت متوقفة من زمن صدام، والتي حرمت من الصيانة والإدامة، وكانت بحاجة إلى مليارات الدولارات لصيانتها، والآن أعيد تأهيل معظمها.

15- بناء مستشفيات جديدة وتوفير افضل الأجهزة الطبية والأدوية والحفاظ على العلاج المجاني فيها، إضافة إلى إرسال مرضى إلى الخارج لمن يصعب علاجه في الداخل وعلى نفقة الدولة.

16- لا يوجد سجين سياسي واحد بسبب الرأي، وإذا كان هناك سجناء فبسبب الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب عندما كانوا في السلطة البعثية، أو لارتكابهم الأعمال الإرهابية بعد سقوط البعث.

17- حرفية الجيش وجعله تطوعياً مما ساعد اقتصاديا جميع افراده، وبذلك فقد أزاح العهد الجديد ثقلاً كبيراً عن كاهل الشباب الذين كانوا معرضين للخدمة الإجبارية، وفي عهد البعث هناك أجيال قضت زهرة شبابها في الحروب العبثية.

18- حرية الصحافة، وحرية التفكير والتعبير، وحرية الأحزاب والرأي والنقد، والتظاهر، والتنظيم، والمعتقد، وفتح محطات إذاعية وفضائيات تلفزيونية وانترنتية من قبل القطاع الخاص، أغلبها معارضة للسلطة، بل وحتى يدعو البعض منها لإسقاط الحكومة صراحة وبمنتهى الحرية.

19- زيادة دخل الفرد الى مئات المرات. فكان راتب الأستاذ الجامعي مثلاً لا يزيد على دولارين أو ثلاثة في الشهر، مما يضطر إلى أن يعمل سائق تاكسي خارج الدوام ليضمن الحد الأدنى من العيش. كذلك، اضطرت آلاف العوائل إلى بيع أبواب وشبابيك وأثاث بيوتها ومكتباتها من أجل الحصول على لقمة العيش أو توفير الدواء لمريض.

20- توأمة الجامعات العراقية مع كبريات الجامعات العالمية في الغرب. إضافة إلى دعوة وتشجيع الأساتذة العراقيين والأجانب في الخارج إلى زيارة الجامعات العراقية كمحاضرين وممتحنين فيها وتقديم المشورة والخبرات لتطويرها.

21- زيادة الطاقة الكهربائية بحيث سجلت ولأول مرة في تاريخ العراق فائضا قدر بـ 1000 ميغاواط

22- وضع خطة لربط العراق مع سوريا والأردن ومصر بشبكة انابيب نفطية ستساهم في نهضة اقتصادية في مجال البتروكيمياويات والمشتقات النفطية في هذه الدول، الأمر الذي يقوي العلاقة مع هذه الدول الشقيقة.

23- السعي لإقامة خط سكك الحديد مع الإتحاد الأوربي لاعتبار العراق ممرا للتجارة الأوربية مع الشرق وجنوب اسيا.

24- توقيع اتفاقيات التعاون في شتى المجالات مع الاتحاد الأوربي.

25- توقيع اتفاقية التعاون الإستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية.

26- محاربة المنظمات الإرهابية والفكر التكفيري والإقصائي.

27- نجاح العراق في المبادرة الزراعية مما زاد من الغلة الزراعية اضعاف ما كان عليه قبل 2003، بحيث سيكتفي العراق من الحنطة ذاتياً بعد خمس سنوات.

28- هناك حملة تقوم بها وزارة الزراعة لمكافحة التصحر، وقد نجحت في عدد من المناطق التي تمت مكافحتها.

29- عاد أكثر من 300 عالم وأكاديمي عراقي في العام الماضي بعد ان تم تولى مكتب وزير التعليم العالي متابعة معاملاتهم حيث لاقى هؤلاء الأكاديميين مشاكل كثيرة من دوائر الدولة والموظفين في انجاز معاملاتهم مما دفع وزير التعليم العالي الى تبنيها بنفسه، حيث يقوم الان من يود العودة للعمل في العراق رفع طلبه الى الوزير شخصياً، وان العائدين يتمتعون بإمتيازات تقابل امتيازاتهم في بلد المهجر كما يتم تخصيص دار سكن لائق على حساب الدولة لكل عائد منهم.

30- - لأول مرة في تاريخ العراق تهتم الدولة بالمتقاعدين بحيث تزيد رواتبهم مع التضخم، ووضع حد ادنى لضمان العيش اللائق، اضافة الى تخصيص مكافاءات (رواتب شهرية) لطلاب المدارس من الابتدائية الى الجامعات والدراسات العليا، ناهيك عن المباشرة بحملة محو الأمية ومنح الدارسين فيها مكافاءات ايضا والشروع ببناء أقسام داخلية وفق مواصفات معتمدة عالميا.

هذه الانجازات وعشرات غيرها هي أخبار مفرحة لمحبي العراق الديمقراطي، وسيئة ومحزنة لأعداء العراق الذين يعتبرون أي نجاح له بمثابة كابوس لهم، وعند قراءتهم لمثل هذه الأخبار سيسارعون لتدبيج التعليقات المسيئة والمقالات لإنكارها ووضع قائمة طويلة من السلبيات بديلاً لها، وعلى رأسها الإرهاب الذي يشنه البعثيون باسم القاعدة، ليثبتوا أن عهدهم كان عهد تقدم وازدهار وأمان، بينما في الواقع كان عهد خراب ودمار شامل. لم يكن عهد البعث عهد أمان، إذ يتذكر العراقيون زوار الفجر واختطاف الأبناء واختفائهم ليأتوا بهم مهشمين في أكياس ومطالبين بثمن الرصاص الذي تم إعدامهم به، وتحذيرهم من إقامة الفواتح على أرواح أحبائهم.  

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

salam kadomfarajفي مقالتنا هذه نريد أن ننظر في الحراك الثقافي في مدينة المسيب وضواحيها خلال العشرة اعوام التي اعقبت سقوط النظام الشمولي القمعي ..

 قبل عشرة اعوام لم يكن يخطر في بال اكثر المثقفين تفاؤلا إمكانية أن تشهد مدينة المسيب نهضة ادبية وصحافية او اية فعالية فكرية ذات شأن رغم انها انجبت عشرات الاسماء اللامعة على مر تاريخها الحافل بالنضال .. لكنها ولأسباب عديدة بقيت مدينة غافية متروكة لا يطبع فيها كتاب ولا تصدر فيها جريدة او مجلة .. وهي وكما  سماها الباحث المسيبي الاستاذ احمد زكي الانباري (مدينة بلا طموح ..) في إشارة الى ان كل من يبرز من الادباء والفنانين  او تتحسن ظروفه  يرحل عنها إلى بغداد وبعض المحافظات الحيوية. (المصدر مقالة للمسيبي الاستاذ الدكتور قيس الجنابي بعنوان فضاءات من جيل السبعينات نشرت في مجلة اوراق فراتية العدد الاول السنة الرابعة 2012).

 ومن بين اهم الاسماء من المثقفين الاوائل الذين برزوا قبل  عام 2003 الروائي برهان الخطيب والناقد الشهيد قاسم عبد الامير عجام والدكتور هادي حسن حمود والدكتور عبد الرزاق الانباري .. والاكاديمي المربي حسن الانباري والدكتور فاضل مسلم الجنابي ومن الفنانين الموسيقي  حسين قدوري  والموسيقي علي عبد الله .. ومن العلماء الدكتور في الفيزياء الذرية خضير الدجيلي.. ومن علماء الدين  سماحة الشيخ علي القسام

 ومن الاعلاميين البارزين صادق الجلاد الذي اشتغل اعلاميا في إذاعة موسكو ردحا من الزمن . والمذيع المعروف  عبد الهادي التميمي الذي اشتغل في إذاعة البي بي سي اللندنية .. ومن المقاليين المعروفين الاستاذ المحامي مهدي الانباري ومن المسرحيين الراحل عباس منهل  والمخرج عدنان عاشور. والمؤلف المسرحي عبد الحسن الحسناوي .. ومن الباحثين في التراث احمد زكي الانباري والشهيد  مهدي عبد الحسين النجم الربيعي وجواد عبد الكاظم محسن .. ومن المقاليين ايضا  الاستاذ علي جابر الفتلاوي ومن الروائيين برز الدكتور طه حامد الشبيب كاتبا مثابرا نشر العديد من الروايات المهمة التي نالت اهتماما ملحوظا من النقاد والقراء. ومن النقاد الدكتور قيس الجنابي ومن الشعراء توفيق المعموري  وصباح محسن الجاسم وعدي العبادي .. ومن المثقفين البارزين يعتبر فاضل منيف الشمري  مثالا على الزهد في الترويج لنفسه رغم  اهتماماته في الفلسفة وثقافته الواسعة التي تؤهله لكي يكون من ابرز المفكرين. لكن ظروفه وروحه المتواضعة الحيية  حجبت عن  القراء شخصية فذة كان يمكن ان تضيف الكثير للفكر الفلسفي فقد تعرض للاعتقال وحكم بالاعدام بسبب معارضته للنظام الشمولي السابق مما أثر على وضعه الاقتصادي .. والمفارقة إنه وإلى الان لم يحصل على حقوقه التقاعدية في الوظيفة..

ومن الاديبات  القاصة سنية عبد عون رشو والشاعرة سحر الجنابي..

 ومن الباحثين الاسلاميين المرموقين  المهندس الاستاذ عبد الرزاق النصراوي وسماحة الشيخ عبد الامير النجار الذي اصدر اكثر من خمسة كتب بحثية في علوم القرآن. ودراسات في الفكر الاسلامي..

 ومن الشعراء المهمين الراحل الفقيد هادي التميمي رحمه الله وشقيقه  الشاعر طه التميمي وكلاهما  كتب القصائد في العامية والفصحى..ولهادي التميمي قصائد عمودية أثارت جدلا في السبعينات والثمانينات  وتعرض للإضطهاد والتهميش  بسببها .. والشاعران التميمي من سدة الهندية احدى نواحي قضاء المسيب .. ومن سدة الهندية ايضا الشاعر الفقيد دخيل العرداوي ..

 وتعتبر ناحية الاسكندرية منجبة  للشعراء .. يقف في مقدمتهم خالد البابلي وعلي الاسكندري ورياض الغريب وهشام العيسى وحسين السلطاني وعلي ابو بكر وابراهيم الجنابي . ومن الإعلاميات زكية المزوري (ام سامان) ..

 قلت:  قبل عشرة اعوام لم يخطر في بال اكثر المثقفين تفاؤلا ان المسيب ستشهد نهضة بنفسها  وتشيد صرحا اعلاميا خاصا بها. لكنها اليوم وبجهود مباركة من قبل نخبة من مثقفيها البارزين يأتي في مقدمتهم كلا من الاساتذة جواد عبد الكاظم محسن وعبد الرضا عوض وعلي دخيل المرشدي وجواد اللامي  ظهرت صحف ومجلات عالية القيمة وتعتبر صحيفة عروس الفرات لمؤسسها جواد عبد الكاظم محسن اول صحيفة مسيبية رصينة استمرت في الظهور لاكثر من ثلاثة اعوام ثم توقفت بسبب ضعف الامكانيات المالية  وكانت منبرا ديمقراطيا  نشرت من خلاله عشرات المقالات والقصائد والقصص لكتاب وكاتبات من المسيب وضواحيها.. ثم اعقبتها بعد عامين مجلة اوراق فراتية وهي مجلة فصلية تعنى بالتراث والثقافة المعاصرة.. وتغطي في بحوثها ودراساتها  كل مدن وقصبات الفرات الاوسط.. وصدرت ايضا مجلة صدى الاسناد والتي يشرف عليها الاستاذ علي دخيل المرشدي ورئيس تحريرها جواد اللامي وهي مجلة شهرية تعنى بالشؤون المحلية والسياسية والاجتماعية والادبية والقانونية والرياضية..

 ويطيب لي ان اقدم قراءة سريعة للعدد الاخير من مجلة صدى الاسناد ...

 الافتتاحية كانت بعنوان جمعة المندسين عن حق التظاهر الذي كفله الدستور بشرط ان  لايخرج عن نطاق القانون والدستور أشادت بحكمة  شيوخ الانبار من عقلاء القوم الذين نبذوا الطائفية وحافظوا على وحدة الصف والكلمة  وانتقدت بعض المتصيدين في الماء العكر من المندسين المروجين للطائفية المقيتة. وفي باب برقيات الى:

كانت هناك دعوات سريعة للدوائر الخدمية بما يشبه البرقيات يستحثها على المزيد من الاهتمام مثل دائرة كهرباء المسيب ودائرة المشاريع وقاطع المرور ومديرية الشرطة والبلدية والمستشفى العام.. وكتب السيد مكي الحمداني مقالة بعنوان صوتك من ذهب يحث فيها المواطنين على المشاركة الفاعلة في الانتخابات المحلية وركز على ان تتوفر في المرشح الاخلاق الحسنة والثقافة وحسن المعاملة لشعبه والنزاهة والحرص على ابناء محافظته ومدينته وتلبية شؤونهم..

 وفي التحقيقات العلمية نشر مازن حسين مقالة بعنوان هل يحدث كسوف الشمس على الكواكب الاخرى؟؟ ونشر عبد العباس البكري مقالة عن فوائد الكركم وكتبت علاهن حميد عن الاهرامات واسرار القوة الخفية.. وكتب ضياء الشيخ حسن عن العراق باعتباره بلد الانبياء والرسل. ونشرت زينب الطائي قصيدة بعنوان (أبدا لن اكون حلما).. وكتبت ايمان غالب عن مسار النجاح في التأثير بالاخرين. ونشرت هيام المعموري قصة قصيرة بعنوان ( العبث..) وكتب الشيخ علي دخيل المرشدي مقالة عن النكل والمنكول في المصطلح العشائري..  انقل بعضا مما جاء فيها (المنكول هو بمعنى المنقول  او المكلف بقيادة المشية العشائرية او هو احد افراد تلك المشية لحل خلاف عشائري).. ومسك ختام الصحيفة كانت بقلم فاضل عبد عون رشو الشمري بعنوان انهض يا بلدي كتب في ختامها (ونحن على ابواب انتخابات مجالس المحافظات والنواب لا يسعني الا ان اقول مخلصا انتخبوا من ترونه اهلا لصوتكم الذهبي وانتخبوا الانسان الذي يشعر بمعاناتكم لانها امانة شرعية في اعناقكم فلا تضيعوا اصواتكم من بين ايديكم..).

 وفي الصحيفة صفحة للكاركتير  وللرياضة ولنشاطات الشباب وصفحة ترفيهية متنوعة..

 هذه نبذة عن واقع الثقافة المسيبية ارجو اني وفيت في تقديمها وارجو ان يعذرني من فاتني التنويه بمنجزه ..  وننتظر من يكمل ما بدأناه في التنويه بمنجز المبدعين والمبدعات من ادباء المسيب وصحفييها ومثقفيها..

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

ali albasriعملية تقييم الاعمال او تقييم اي تجربة عملية مهمة جدا وهي عملية منهجية منظمة، واذا ما قورنت هذه العملية – عملية التقييم -  وهذا المنهاج بما يقابلها فستكون العشوائية والارتجال والتخبط هي المقابل والبديل الطبيعي، وعملية تقييم الاعمال والوظائف عملية ظرورية ولايمكن الاستغناء عنها باي حال من الاحوال، سيما اذا اُريد الوصول الى الاهداف الموضوعة باسرع وقت ممكن وباقل التكاليف.

اهتم الانسان منذ قديم الزمان بتقييم اعماله من اجل معرفة النتائج التي تمخض عنها هذا العمل ومعرفة ادق التفاصيل كي يتم تحديد السلبيات والابتعاد عن هذه السلبيات والاخطاء في المستقبل، اما النواحي الايجابية فيتم التركيز عليها والاستزادة منها.

هناك اساليب مختلفة ومتعددة في اجراء عملية التقييم ولعل اهم هذه الطرق هي المقارنة والتي تعني مقارنة ما خُطط له مع ماتم انجازه فعلا، وبناء على ذلك يتم الحكم على العمل، فان تم تحقيق ما خطط له نقول ان هذا العمل قد حقق الاهداف والا فان النتائج تكون سلبية وعلينا تحديد الخلل ومن ثم معالجة هذا الخلل والاستفادة من هذه التجربة في المستقبل.

 الادارة الحديثة لاتكتفي بهذه الاجراءات بل تركز على الاساليب الوقائية وهي تصحيح الخلل قبل وقوعه من خلال استخدام اجراءات وقائية تقلل الخطأ الى اقل قدر ممكن، وبالمقابل فاذا ماحدث الخلل فانه يتم المبادرة وباسرع وقت لتصحيح هذا الخلل والخطأ، كما هو عليه الاجراءات المُتخذة في البنوك والمصارف، فالبنوك مثلا تتخذ اجراءات متعددة وصارمة عند صرف الشيكات من اجل تقليل وسائل الغش والاحتيال الى ابعد حد ممكن، ومن الاجراءات الاخرى التي تتخذها البنوك مثلا هو اجراء الجرد اليومي والشهري والسنوي من اجل تطويق اي خلل وتجاوز باسرع وقت ممكن، باعتبار ان البنوك تتعامل مع عصب الاقتصاد وهي الاموال، ومن الاساليب الاخرى في هذا المجال مثلا اختيار الموظفين الجيدين وذوي السمعة الحميدة، ووضع الموظف المناسب في المكان المناسب، الى العشرات من الاساليب والطرق المختلفة التي لايتسع المجال لذكرها الان.

من الاساليب الاخرى التي يتبعها المختصون في مجال تقييم الاعمال هي الادارة بالاهداف وهذه الطريقة تعتمد على تحديد الاهداف كمقايس للاداء، وبالتالي فان الاهداف التي وضعتها الادارة هي التي تكون محور تقييم الافراد او ادارة الدوائر والمنشات والمؤسسات. هنا يُنظر الى هذا الفرد او ذلك او هذه الادارة المحلية، المركزية او تلك، او الادارة الخاصة او العامة الى ماتم تحقيقه فعلا طبقا للاهداف التي تم تحديدها مسبقا.

لو اردنا ان نقيّم التجربة العراقية بعد مرور عشر سنوات، فاننا يمكن ان نسجل الكثير من الملاحظات لعل اهمها الاتي:

1- لا احد يُنكر ان العراق تعرّض ويتعرّض لضغوط داخلية وخارجية متمثلة بالضغوط الاقليمية والدولية والتي هي ضغوط كبيرة ويمكن القول ان هذه الضغوط ترقى الى مستوى الحرب، باعتبار ان فتاوى التكفير والمفخخات والارهاب هي حرب وحرب قذرة.

2- التجربة السابقة والمتمثلة بمرحلة البعثيين هي تجربة قاسية جدا وقد كلفت العراق خسائر بشرية ومادية كبيرة جدا، ولعل العراق بسبب هذه التجربة ورث الكثير من المشاكل سواء في الداخل او مع دول الجوار والاقليم، ففي الداخل ورث بلدا مهدّما وينقصه الكثير من البنى التحتية، فلا منشات كهربائية كافية تسد حاجة البلد، اما المنشات التي تعمل فهي منشات قديمة ومتهرئة، ولا توجد مجاري ولا هناك مدارس كافية ولامستشفيات تسد الحاجة ولاطرق حديثة وجيدة، الى الكثير الكثير من النواقص، ولعل الخلل الذي اصاب الانسان العراقي من امية وجهل ومرض ونقص في الخبراء هو الخسارة الاكبر التي تعرّض لها العراق.

3- بسبب الحروب والدكتاتورية ورث العراق نسبة كبيرة من عوائل الشهداء والسجناء والايتام والارامل والتي هي بحاجة الى رعاية خاصة وجهود كبيرة من اجل التخفيف من معاناة هؤلاء الضحايا.

4- نتيجة الحروب والحصار والعشوائية والارتجال ورث العراق نسبة عالية من الفقراء ولعل نسبة البطالة كانت في عام 2003 بحدود 50% وحاليا تبلغ نسبة البطالة بحدود 20% .

5- العراق ورث فسادا ماليا واداريا كبيرا نتيجة ما مرّ به من حصار في فترة التسعينيات، والذي كان هذا الحصار بمثابة حرب غير معلنة شُنت على العراقيين في تلك الفترة والتي خلّفت اكثر من مليون ضحية من اطفال العراق الى الكثير من التشوهات. هذا الحصار ادى الى انتشار الفساد الاداري والمالي في العراق.

6- هناك تلوث بيئي كبير اصاب العراق سواء نتيجة الحروب السابقة، حرب الخليج الاولى والثانية والتي اُستخدم فيها اليورانيوم المُنضّب، او التلوث البيئي الداخلي الناتج من المصانع او من سوء استخدام الفرد لبيئته، وهذا الموضوع موضوع مهم وخطير وهو بحاجة الى معالجة جادة وعاجلة نتيجة ارتفاع نسبة الامراض المختلفة، وايضا ارتفاع الاصابة بالامراض السرطانية في المدن العراقية المختلفة.

7- ورث العراقيون بلدا خاضعا للفصل السابع ضمن قوانين الامم المتحدة، وفوق هذا ورث العراقيون بلدا مهدما ومتهرءا على مستوى المؤسسات والمنظمات المهنية والمدنية، بل ورث العراق بلدا ومجتمعا ممزقا يعاني الكثير من المشاكل والاختلافات وكان على شفى حرب اهلية عام 2005 ومابعدها.

بناء على ما مر بنا قبل قليل من مشاكل تعرّض لها العراق، فاننا يمكننا القول ان العراق كان مثقلا بالكثير من المشاكل ومن ثم فان علاج هذه المشاكل بحاجة الى جهود جبارة ونوايا صادقة والى عزم كبير والى وحدة القوى السياسية العراقية من اجل النهوض بهذه الاعباء الكبيرة ومعالجة المشاكل المتعددة، الا ان ماشهدناه خلال الفترة الماضية يمكن ادراجه تحت النقاط التالية:

1- هناك اختلافات شديدة وكبيرة بين الاحزاب والقوى العراقية، وهذه الاختلافات كانت شديدة بحيث ان بعض هذه القوى السياسية التجأ الى الخارج وهذا ماادى الى ارتهان القرار العراقي بالخارج.

2- نسبة البطالة في العراق اصبحت اقل مما هي عليه عام 2003 وهي بحدود 20% الا انني ارى ان الطريقة التي عُولجت بها مشكلة البطالة عملية غير صحيحة لان الحكومة عالجت مشكلة البطالة عن طريق التعيين في مؤسسات الدولة دون مراعاة الحاجة الفعلية لهذه الدوائر، وهذه الطرق من العلاج هي طرق ترقيعية ان لم تكن هي تهرب من العلاج، لان الدوائر والمؤسسات العراقية تعاني من بطالة مقنعة واضحة تكلف ميزانية العراق نسبة كبيرة وبالتالي فان الدولة تكون مثقلة ولاتستطيع من توجيه الاموال نحو المشاريع الاستثمارية والبنى التحتية المهمة.

3- نسبة الفقر اصبحت اقل مما هي عليه [1] عام 2003 الا ان النسبة لازالت مرتفعة نسبة الى بعثة الامم المتحدة في العراق [2]، ايضا فان طرق المعالجة هي الاخرى تعاني من خلل واضح، فالخبراء يعتقدون ان طريقة معالجة الفقر ينبغي ان تكون باساليب ناجحة ومنتجة، فالدول التي سبقتنا في مجال علاج الفقر استخدمت طرق منتجة، اي ان الدولة او اي منظمة تضطلع بمسؤولية معالجة حالة الفقر تقوم بمعالجة اسباب الفقر عن طريق مثلا اعطاء الافراد مساعدات او قروض لتمكينهم من تعلم مهنة معينة او فتح مشروع ما يُخلّص الفرد الفقير من مشكلة فقره، وهذه هي الطريقة الناجحة التي ينبغي التركيز عليها.

4- مشكلة الايتام والارامل لم تعالج حتى اللحظة علاجا صحيحا ويتناسب مع خطورة هذه المشكلة، حيث تشير الكثير من التجارب ان الكثير من المنضمات الارهابية تلجأ الى الايتام والفقراء للقيام بمهامهم التخريبية والارهابية عن طريق استمالة هؤلاء الايتام بالاموال او بالضغط عليهم بشتى الاساليب، وبالتالي فان مشكلة الايتام اذا لم تعالج بصورة جذرية فانها تمثل عاملا خطرا للايتام وللمجتمع وللدولة.

5- هناك نقص ملحوظ في المستشفيات وفي الخدمات الطبية المُقدمة في هذا المجال وهذا القطاع بحاجة الى جهود كبيرة من اجل الوصول الى المستوى المطلوب والمقبول، وهذه الخدمات ظرورية ومهمة وتركز عليها منظمات المجتمع الدولي، بل وتضع الخدمات الطبية والصحية ضمن المؤشرات المهمة لقياس تطور المجتمعات ورفاهها.

6- لازال هناك نقص في المدارس العراقية حسب ما يُصرّح به المسؤولين العراقيين في المجال التربوي، وهذا القطاع بحاجة الى رصد مبالغ اكبر مما هو مرصود في الموازنة العراقية الحالية، لأن العملية التربوية لها اثر كبير في تطور المجتمعات والدول بل والمساهمة في استقرارها وتطورها، والتعليم هو الاخر من المؤشرات المهمة التي تعتمد عليها المنضمات الدولية في قياس تطور ورفاه المجتمعات.

7-  تم رصد اكثر من (538) مليار دولار خلال العشر سنوات الماضية [3] ومع ذلك هناك نقص في خدمة الكهرباء والماء الصالح للشرب وفي مشاريع المجاري والطرق والجسور والمدارس والمستشفيات.

8-  لم تتم معالجة مشكلة التلوث حتى اللحظة بصورة جادة وناجحة بالرغم من ان العراق يمتلك وزارة في هذا المجال، الا ان التلوث كبير وخطير والمدن العراقية تضج بالمخلفات والازبال. العراق البلد الوحيد الذي باستطاعة الفرد اي فرد ان يرمي مخلفاته في اي مكان يرغب به حتى وان كان في باب بناية المحافظة دون اي عقوبة.

9- حتى اللحظة هناك الكثير من عوائل الشهداء والسجناء السياسيين الذين لم يحصلوا على حقوقهم بالرغم من مرور عشر سنوات على عملية التغيير وبالرغم من مرور اكثر من ست سنوات على معاملات البعض [4]، وقسم من هؤلاء المضطهدين انتقل الى العالم الاخر دون حصوله او حصول ذويه على حقوقهم، ويكفي هنا مثلا ان يحصل الجناة على حقوقهم كما هو عليه في المظاهرات الاخيرة والتي حصل فيها منتسبي الاجهزة الامنية والاستخبارية في النظام السابق على حقوقهم ورواتبهم، في حين ان ضحايا النظام السابق – ضحايا هذه الاجهزة -  لم يحصلوا حتى اللحظة على بعض حقوقهم؟؟؟!! فهل هناك عدالة انتقالية افضل من هذه العدالة بفضل التحالف الوطني العتيد وقواه المؤمنة.

10- هناك سوء توزيع للثروة العراقية بين افراد المجتمع العراقي نتيجة الكثير من الاساليب والطرق المتبعة في المؤسسات العراقية، فهناك من يتحايل ويزور الوثائق الرسمية من اجل الحصول على اكثر من راتب ومساعدة، وهناك من يتولى مناصب عليا عن طريق تزوير شهادته، وحاليا هناك مشروع قانون للعفو عن هؤلاء المزورين من اجل مكافئتهم عن فعلتهم.

11- لازال الفساد في العراق كبير رغم وجود الكثير من مؤسسات الرقابة [5] كجهاز الرقابة المالي و مفوضية النزاهة ودائرة المفتش العام في كل وزارة ومجلس النواب وغيرها من مؤسسات رقابية والتي تستنزف المليارات من خزينة الدولة، الا ان هذه الاجهزة لم تمارس دورها ولازالت نسب الفساد مرتفعة حتى ان رئيس لجنة النزاهة في البرلمان العراقي سحب خمسين ملف فساد كبير من لجنة النزاهة قبل ايام؟؟!!

هناك الكثير من النقاط والملاحظات التي يمكن ادراجها في هذا المجال، ولكننا اثرنا الاقتصار على هذه الملاحظات، الا ان خلاصة القول يمكن ادراجها بالاتي:

1- عملية التقييم ينبغي ان تكون وفقا للموارد المتوفرة للحكومة لكي نكون منصفين وموضوعيين. صحيح ان الظروف صعبة وان العراق يعاني من نقص في البنى التحتية، الا انه صحيح ايضا ان موارد العراق اصبحت كبيرة في السنوات الاخيرة وان ما رُصد من موازنات في العشر سنوات الاخيرة اكثر من 538 مليار دولار وان مارُصد للاستثمار والبنى التحتية بحدود 150 مليار دولار، وان البنى التحتية العراقية بحاجة الى 300 مليار دولار [6] حسب ماتقول الحكومة، وبالتالي فان المبلغ المرصود يمثل نصف البنى التحتية اي انه ينبغي ان يكون قد تم انجاز وبناء 50% من البنى التحتية حتى الان، الا ان ما نلمسه على الارض لايوازي هذا المبلغ الكبير، وبالتالي فان تقييمنا للحكومة العراقية سيكون بادنى شك سلبيا.

2- لاتوجد نوايا صادقة عند القوى والاحزاب السياسية العراقية في بناء العراق ومؤسساته على اسس علمية وموضوعية، لان قوام بناء الدول هو بما يتم بناءه من مؤسسات حقيقية وليس ببناء مؤسسات وهمية كما هو عليه الحال من بناء المؤسسات على اساس المحاصصات والولاءات والعلاقات الحزبية والشخصية والقرابة وتزوير الشهادات، وبالتالي فان كل ماموجود في العراق لايبعث على الامل، وستستمر مشاكل العراق الى اجل غير مسمى طالما تحكمنا هذه العقلية.

3- لاتوجد دراسات موضوعية وعلمية لواقع العراق ومشاكله والتحديات التي تواجهه، ومن ثم المباشرة بوضع خطط وبرامج لحل مشاكل المجتمع العراقي بعد ان تم تحديد مشاكله بدقة، وهذا مايفاقم من مشاكل البلد سنة بعد اخرى، بدل ان يتم حلها والتخفيف من المعاناة سنة بعد اخرى.

4- حتى اللحظة لازالت اغلب الاحزاب والقوى السياسية لم تبلغ حالة النضج السياسي الذي يساعد على بناء الدولة، فبدلا من ذلك بقيت اغلب الاحزاب تمارس سياسة الضد والتكالب على السلطة والمصلحة الشخصية وما تجلبه من غنائم دون الالتفات ولو للحظة واحدة الى حالة مجتمعها وبلدها وما يمرُّ به من تحديات غير قليلة، وهذا ما لم يحدث في بلدان العالم الاخرى.

5-  بقي الجهاز الاداري العراقي على حاله ولم يتم تطوير هذا الجهاز، بل اصبح اكثر ترهلا وبيروقراطية، في حين ان قوام الديمقراطية والتطور الحاصل في بلدان العالم هو بسبب تطور هذه الاجهزة، سيما اذا عرفنا ان الجهاز الاداري هو الذي يقوم بتقديم الخدمات المختلفة للمجتمع، والحكومات في الدول الديمقراطية تتنافس وتتفنن في تقديم الخدمات الى جمهورها، لكن مايحدث في العراق هو العكس، فالمراجع يعاني اشد المعاناة اذا مااراد ان يُنجز معاملة ما او عملا ما.

6-  لايوجد لحد هذه اللحظة حدودا واضحة وفصلا تاما بين السلطات الثلاث الرئيسية في البلد وهي السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية، بل ان كل سلطة تشتكي من تعدي احداها على الاخرى وهذا الامر يفاقم من مشاكل العراق، لأن الفصل في السلطات يساهم في حل المشاكل سواء بين السلطات نفسها او بين الاحزاب والقوى السياسية او بين مؤسسات البلد. هل يُعقل حتى الان مثلا، لا يرضى المسؤول الفلاني او النائب العلاني على قرارات السلطة القضائية في قضية ما في حين انه يرضى عن هذه السلطة اذا ما كان الحكم او القرار في جانبه ولصالحه.

7- لم تتم عملية العدالة الانتقالية بصورة مهنية وواقعية وهذا ما فاقم من المشاكل بل وبروز تحديات جديدة مختلفة كان اخرها المظاهرات التي اجتاحت المناطق الغربية والشمالية، والسبب في هذا الامر من وجهة نظري [7] هو ان البعثيين والمجرمين من الامن والمخابرات والاستخبارات عندما رأوا هذا التهاون من قبل السلطة الجديدة بحق ضحايا النظام السابق تمادت في غيها وبالفعل حصلت هذه الشريحة من المجرمين على حقوقها قبل ان تحصل الضحايا على تعويض وهذا ما لم يحدث في اي بلد، فالنازية مثلا لازالت ممنوعة ويعاقب عليها القانون حتى بعد مرور خمس وستين عاما على النازية.

اين التحالف الوطني العراقي العتيد عن هذه الحقائق وعن التاريخ؟؟!! واذا كانوا عاجزين او غير قادرين على اعادة الحقوق الى اهلها فليتنحوا جانبا، لاننا لن نتنازل عن دمائنا ولو اعطونا اموال الدنيا كلها، فدمائنا عزيزة وهي غير قابلة للمساومة.

قوى التحالف اخذت في الايام الاخيرة وبعد توقيعها على اعادة البعث والبعثيين تتنصل من مسؤولياتها، والبعض الاخر حاول ان يمارس الخداع والتمويه والانسحاب التكتيكي سيما وهم لمسوا ان هناك امتعاضا شديدا من المجتمع والانتخابات على الابواب فحاولوا التملص، لكن انى لهم ذلك والعراقيون كما يُقال يقرأون"الممحي".

8- لم يتم حتى الان تشريع القوانين المهمة والتي تساعد على تمشية امور الدولة كما هو عليه في قانون النفط والمحكمة الاتحادية وقانون الاحزاب وغيرها من قوانين هامة جدا. عدم سن قانون ينظم الاحزاب مثلا ساهم في تردي الاحزاب والحياة السياسية بصورة عامة، لان عدم سن قوانين تنظم عمل الاحزاب ساهم في ان تعتمد بعض الاحزاب على التمويل من الخارج وهذا ما رهن قرارات هذه الاحزاب بالجهات الممولة والتي اغلبها جهات خارجية، ناهيك عن ان الاحزاب حتى العتيدة منها اصبحت عبارة عن جماعات بل وعصابات تبحث عن مصالح شخصية ضيقة، وهذا ما ساهم في سيطرة بعض الشخصيات الهزيلة على الاحزاب العراقية المهمة، والا بماذا نفسر مثلا انسياق احزاب تعتمد اسلوب تثقيف المجتمع واصلاحه ان تنساق وراء حراك شعبي بسيط لبعض السذج من الناس وهي التي كانت تملأ الدنيا صراخا وتباكيا على الناس والمجتمع من هذه الامراض التي تفتك به؟؟ اين ذهب هؤلاء؟؟!! انهم يتصدرون المشهد بل ويتبارون في تصدر المشهد، يالها من مفارقة ؟؟؟ او بالاحرى ياله من نفاق.

9- لاتوجد التفاته حقيقية الى اهم مورد من موارد البلد او بالاحرى اهم مقوم من مقومات التنمية في البلد الا وهو المورد البشري، فبلدان العالم المتقدم لم تتطور ولم تجنّ مواردها وتبني بلدانها الا بتطوير مواردها البشرية. الجهل هو عدو الشعوب والبلدان، والامية في العراق كبيرة وهناك معلومات تشير الى ان الامية في العراق لاتقل عن 40% في احسن الاحوال ان لم تكن النسبة اكبر من ذلك وهذا يعني ان العراق يعاني من مشكلة كبيرة بحاجة الى حل سريع، والا فلا نتوقع ان يتطور البلد او ان يُصبح اكثر ديمقراطية، لان التطور والديمقراكية تتناسب طرديا مع العلم وعكسيا مع الجهل. لاادري لماذا لم تسارع الحكومة في علاج هذه المشكلة، لان ماتم انجازه حتى اللحظة يُعدّ متواضعا، واعتقد ان بعض القوى تتعمد في ابقاء المجتمع على حاله لان ذلك يساعدها على البقاء في مراكزها الحالية، وهناك اخبار مؤكدة ان بعض السياسيين يقول لبعض الناس ان ماترى في الشارع ليسوا بشرا انما عبارة عن ..؟؟!!! اذا كانت هذه هي نظرة بعض السياسيين لمجتمعه ولابناء جلدته فماذا عسانا ان نتوقع من امثال هؤلاء.

10- لم تنزل الطبقة السياسية الى الشارع وتعايش الناس و تعرف ماتعاني من مشاكل. لازال الكبر والتجبر والتعالي هي صفة الطبقة السياسية العراقية حتى اصبحت الثقة مفقودة باقرب الناس. لم يكلف السياسي نفسه كي يطلع على رأي الناس به بعد مرور اربع سنوات من تجربته وهذا يعني فيما يعني ان السياسيين غير راضين عن ادائهم او ان ذلك لايهمهم كثيرا وهذه كارثة بكل المعايير.

خلاصة القول ان على كل القوى السياسية ان تعدّل من اداءها السياسي والاجتماعي والشعور بالمسؤولية من اجل ان نتجاوز الازمة باسرع وقت ممكن والا سيبقى المجتمع العراقي يعيش هذا الواقع المرير.

 

علي البصري

 .........................

 

[1].انظر الموقع التالي:

http://povertydata.worldbank.org/poverty/country/IRQ

[2] . انظر الموقع التالي:

http://www.aknews.com/ar/aknews/2/272858/

[3].انظر بحثي المنشور " قراءة تحليلية لموازنات العراق للفترة 2007- 2011 " على العنوان التالي:

http://almothaqaf.com/index.php/araaa/67727.html

[4].صرحت عضو مؤسسة الشهداء الموسوي الاسبوع الماضي على القناة العراقية ان عوائل الشهداء اكثر من ربع مليون شهيد، الا ان ما تم انجازه من معاملات حتى الان هو بحدود 50 الف معاملة، اي خلال عشر سنوات، في حين ان لجنة السيد الشهرستاني انجزت الالاف من معاملات منتسبي الاجهزة الامنية السابقة – قتلة الشعب العراقي -  خلال اقل من شهر، اي انها انجزت نصف عدد معاملات الشهداء خلال شهر، وهذا الشهرستاني نفسه لم يوقع على معاملات الكثير من منتسبي النفط من المضطهدين والمفصولين السياسيين عندما كان وزيرا للنفط؟؟؟!!!

[5] .انظر الى بحثي المنشور على الموقع التالي:

http://www.alnoor.se/article.asp?id=66455

[6].انظر الى بحثي المنشور " قراءة تحليلية لموازنات العراق للفترة 2007- 2011 " مصدر سابق ذكره.

[7]. انظر مقالتي المنشورة على جريدة المدى وعلى العنوان التالي:

http://www.almadapaper.net/ar/news/242510/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82- %D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%A9- %D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9- %D8%A3%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81

 

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

في دراسة اجرتها جامعة هارفرد توصلت الى ان كلفة الحرب على افغانستان والعراق قد بلغت 6 ترليون دولار او 75 الف دولاراً لكل عائلة في الولايات المتحدة الاميركية.

على الرغم من قرار الولايا ت المتحدة الانسحاب من العراق عام 2011 والانسحاب من افغانستان العام القادم، فإن تكلفة الحرب لن تتوقف بعد الانسحاب، فحسب تقرير من كيندي سكول اوف كوفرمنت، فإن المصاريف البعيدة المدى لمعالجة المحاربين في الحربين سوف تزداد حيث يعتقد ان نصف 1.56 مليون عسكري شاركوا في الحربين وتركوا الخدمة قد تلقوا عناية طبية ويحصلون على تقديمات مالية مدى الحياة، والكلفة الثانية تتأتى عن الفوائد على الديون التي حصلت عليها الادارة الاميركية لتمويل الحربين.

الى جانب الكلفة المادية للحربين فقد بلغت الخسائر البشرية من الجنود الاميركيين 4484 واكثر من 32000 الف جريح، ولا نستطيع ان نغفل الخسارة المعنوية لمصداقية الولايات المتحدة التي غزت دولة بذرائع واهية وأكاذيب مفبركة ترتكزعلى تطوير نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين اسلحة الدمار الشاملة والتي ثبت بالدليل القطعي وحسب وكالة الاستخبارات الاميركية س أي ايه ن فسها عدم وجودها.

اما بالنسبة للعراق، فبالإضافة الى عدد القتلى في العشر سنوات منذ الغزو عام 2003 والتي تجاوزت 162000 مواطناً عراقياً بالاضافة الى جيش من المعاقين والارامل واليتامى، نتيجة التفجيرات التي تطال المراكز الدينية والتجارية والتعليمية عدا عن عمليات الفرز الديمغرافي والتهجير الداخلي والهجرة الى الخارج نتيجة تفكيك الدولة العراقية وفقدان الامن وعدم بناء البنى التحتية وتقسيم العراق وان بشكل غير معلن الى ثلاث مناطق على اسس طائفية وعرقية .

استراليا والتي شاركت حكومتها الاحرارية في الحرب على العراق لنفس الاسباب والذرائع اي اسلحة الدمار الشامل كانت قد سحبت جنودها من العراق بعد انتخابات عام 2007 التي فاز فيها حزب العمال الذي وعد بسحب الجنود في حال فوزه بالانتخابات لأن الرأي العام الاسترالي بأكثريته الساحقة كان ضد المشاركة في غزو العراق.

الجدير ذكره ان زعيم حزب الاحرار ورئيس الوزراء السابق جان هاورد قد خسر تلك الانتخابات بالاضافة الى خسارته مقعده وذلك لأول مرة منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

بمناسبة الذكرى العاشرة لغزو العراق وتدميره واحتلاله، اطل علينا وزير الخارجية الاسترالي انذاك الاحراري الكسندر داونر بمقال في صحيفة (سيدني مورنيغ هيرالد 27 اذار ص 24) يدافع فيه عن غزو العراق، وكأن الحقائق التي ظهرت غير كافية لاقتناع السيد داونر بأن الغزو كان كارثة على العراق والعراقيين يقول داونز: ان الحرب لم تكن مثالية، وحصلت اخطاء، والنزاعات المذهبية كانت مرعبة، لكنه يعتقد ان هناك اسباباً تجعل العالم افضل بسبب الاطاحة بنظام صدام حسين اولها اسباب انسانية لأن نظام صدام كان قد قتل آلاف من ابناء العراق الكرد والشيعة واستخدم الاسلحة الكيماوية ضد ابناء شعبه و احتكار السلطة.

يقول داونر ان سيادة الدول مهمة ولكنها ليست اهم من حقوق الانسان!

يعتقد داونر ان القضاء على نظام صدام حسين ساعد على نشر الديمقراطية ويأتي على ذكر الانتخابات اللبنانية والاردنية والفلسطينية وصولاً الى ما يسمى الربيع العربي! ولم ينسى داونر ذكر الرئيس جمال عبد الناصر الذي يعتبره داونر اب الديكتاتورية العربية التي يرى دوانر انها انتهت.

ثانياً ينظر داونر الى مسألة اسلحة الدمار الشامل وحسب داونر فإن مفتشي الامم المتحدة لم يكونوا راضين عن عدم وجود اسلحة دمار شامل ولا وكالات الاستخبارات الغربية ولا الاسرائيلية.

ويصل داونر الى النقطة الثالثة وهي اطاحة صدام حسين من الحكم ويرى انه لو بقي صدام في الحكم لكان العراق يشكل خطراً اكبر على اسرائيل وجيرانها والمصالح الغربية، هنا نرى ان داونر يتصالح مع نفسه ويعلن الحقيقة التي ذهبت من اجلها ما عرف بدول (تحالف الراغبين) لغزو العراق، وينهي داونر مقالته بأن هذه هي الاشياء التي تصدت لها حكومة هاورد وواحدة من هذه القضايا مسألة الحرية.

 لاقت مقالة داونر التي ظهر فيها جلياً سيطرة الجانب العقائدي استنكاراً شديداً على صفحات الرأي وتعليقات القراء، وكان الانتقاد الأشد من الكاتب بول ماغو الذي قال ان داونر كان يعرف القليل عن الصفقات المشبوهة بين مكتب القمح الاسترالي ونظام صدام التي حصل بموجبها مكتب القمح الاسترالي على مبلغ 300 مليون دولار من ضمن ما يسمى برنامج النفط مقابل الغذاء، فلم نرى ان داونر يحرك ساكناً هل هذا الأمر جدير بالملاحظة! (صحيفة صن هيرالد 31/03/2013 ص 38).وقد شكلت هذه القضية وقتذاك فضيحة سياسية مدوية لحكومة هاورد.

نشير اخيراً الى ان حزب الخضر قد قدم مشروع قانون للبرلمان يطالب فيه بأن يناقش قرار الحرب في البرلمان حتى لا يتخذ القرار الحرب في المستقبل من جانب رئيس الوزراء لوحده.

وطالبت رئيسة الحزب كريستين ميلن بلجنة تحقيق حول مشاركة استراليا في الحرب كما فعلت بريطانيا، الولايات المتحدة والدانمارك، واضافت اعتقد اننا لم نتعلم اي شيء من تلك التجربة.

يبدو ان داونر لا يطالع الدراسات الصادرة من الجامعات ومراكز الابحاث وخاصة الامريكية عن تداعيات غزو العراق على الاقتصاد الامريكي وتراجع وضع الولايات العالمي وغيرها، لذلك عبر عن مكنونات صدره العقائدية وكأنه يقول :عنزة ولو طارت، لانه على استعداد للقيام بما قام به مجدداً .

 

عباس علي مراد

سدني استراليا 31/03/2013

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

firas amdaniأثار انتباهي عنوان احد الكتب السياسية المهمة للباحث الإسلامي عادل رؤوف وكان عنوانه المثير للانتباه (عراق بلا قيادة) قراءة في أزمة القيادة الإسلامية الشيعية في العراق الحديث.

 وإذ أقتبس هذا العنوان وأنا لست بصدد عرض مضمون هذا الكتاب على أهميته ولكنني اقتبسته كونه يعبر عما أريد أن أتحدث به عن العراق بعد 10 سنوات عجاف من سقوط النظام .

 هذه الأيام يستذكر الساسة وأصحاب الاختصاصات المختلفة ووسائل الإعلام وعامة الناس ما تحقق للعراقيين من مكاسب اقتصادية وديمقراطية واجتماعية منذ سقوط ما أطلقنا عليه الصنم في 9 نيسان 2003، فأن مشاعر الناس بل الإحصاءات والأرقام الرسمية الصادرة من الجهات العراقية والمنظمات الدولية تؤشر لحقائق مرعبة تؤكد أن الكثير من الناس تنازلت عن كل الأحلام والأمنيات والرغبات في الرخاء والحرية وأصبحت تأمل بالحد الأدنى من الحياة الطبيعية والاستقرار المتوفر في أقصى (الغابات الاستوائية والأفريقية).

 إن غياب الرخاء و سد الرمق عن ملايين العراقيين تعتبر كارثة عظمى لأنهم يعيشون في أغنى بلد نفطي ولكنهم ضمن التصنيف العالمي يعيشون تحت خط الفقر، ورغم أنهم أبناء حضارة عريقة الا أنهم الآن في أدنى مستويات التخلف والجهل والبطالة والتسرب من المدارس والجامعات والإيمان بالخرافات وشرب المخدرات .

  في الوقت الذي تحتضن أرض العراق كل المقدسات لكن شعبه يعاني من انتهاك لأغلب المحرمات والتي تمارسها قوى الإرهاب والمافيات التي تحتمي بالبرلمان والأحزاب وكأنها لا تعترف بالحكومة والقانون بل لا تخاف حتى من الله، وبعض الأحزاب ترفع الشعارات الوطنية طوال العام وترددها على مدى 24 ساعة وهي أول من ينتهكها ويدنسها .

  وهذا العراق بعد 10 سنوات أنفقت فيه المليارات من خزينة الشعب العراقي ومليارات أخرى من دافعي الضرائب الأمريكان والبلدان المتعددة الجنسيات كلها عجزت عن توفير الأمن وأعمار العراق وتدفق الكهرباء لأنها وبصراحة ذهبت جميعها إلى جيوب الفاسدين و المفسدين وهذا ليس سرا فبعضهم هم من كبار الشخصيات الدينية والعلمانية .

   وماذا بعد من منجزاتنا خلال هذه السنوات ملايين من الأرامل والأيتام مع غياب شبه كامل للمؤسسات الخدمية والإنسانية، وظهور الآلاف من منظمات المجتمع المدني الوهمية والشبحية والتي فاق عددها ما يوجد في أوربا وأمريكا .. لكنها لم تستطع إن تزرع كلمة طيبة واحدة في عقول المجرمين والمختلسين والمنافقين أو تنجح بإعادة طالب واحد إلى مدرسته أو تدفع البعض من المسلحين برمي السلاح والبدء بالحوار معهم بل العكس أصبح المنطق السائد الآن إن الإرهابيين حققوا ما يريدون بإرهاب الناس وإرهاب الحكومة نفسها .

   فصار على المفكرين والمثقفين والصحفيين إن يستسلموا للأمر الواقع بان الحكومة والبرلمان وحتى الأحزاب التي تدعي أنها جاءت لنشر الحرية و الديمقراطية والرفاهية إنما هي معاضل كبرى وغير قابلة للتنفيذ وإنها مجرد كلمات في مهب الريح .

 ولعل أخطر ما حصدناه في هذه السنوات إننا ما زلنا نخاف من أصحاب الكروش العفنة التي سرقت أموال العراق وأنشأت المليشيات التي تحميها بالمال السحت الحرام وأصبحنا نخاطر بأنفسنا ونحن نسلط الضوء والحقيقة على أشباه الرجال من (أبطال) الفساد السياسي والمالي والإداري.

 ترى كم سنة نحتاج من الوقت لتنتصر الحرية وتتلاشى المليشيات وتنتهي ظاهرة الصحوات والمحاصصات والقضاء على الفاسدين ويعم الأمن والأمان والجواب هو إن هذا الزمن يتحدد في ذات الوقت الذي يعترف فيه الناس بأن العراق قد وجد له قيادة ورجال دولة ينتمون للعراق وليس لامتيازات كرسي العراق، ويضربون بيد من حديد كل من تسول نفسه العبث بالقانون سواء كان زيد أو عمر . وبدون ذلك ستضيع السنين بل قل القرون وأنت لا تبالغ .

 

فراس الغضبان الحمداني

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

khadom almosawiمرت عشر سنوات على غزو العراق وشن الحرب عليه، غزو واحتلال وهزيمة .. هكذا كانت وقائع التأريخ ومراحله وشواهده، ولكل منها ملامحه وتداعياته وحفرياته. ومن ثم دروسه وعبره ونتائجه. كيف يكون المشهد بعدها؟ وهل الدراسات الامريكية صادقة مع اسمها؟. كيف تعبر عن حقائق الواقع وصخره الذي يكسر ناطحيه؟. لعل من بينها دراسة امريكية بعنوان: تكاليف الحرب، اعادت الانتباه الى كوارث الحرب ومآسيها وتداعياتها وأخطارها، التي حصلت فعلا والتي تتوالى اثارها في مختلف الاصعدة. وضعت الدراسة تقديرات عن مجموع كلفتها امريكيا والبلدان التي كابدت جرائم الحرب والعدوان عليها. وسجلت اشارات عن تكاليف البلدان التي دفعت الثمن الباهظ جراءها، ولم تشر الى ما حصلت عليه الادارة الامريكية سلفا من دول الجوار للبلدان الضحية وذوي القربى قبل وضع المشاريع الأخرى والمخططة للحرب ولما بعدها. وبذلك فان ما اشارت له وتناقلته وكالات الانباء والإعلام لم يكن منصفا ولا عادلا مع الحقيقة، الضحية الاخرى في كل الحروب. حملت الدراسة ارقام الخسائر الفادحة بدم بارد، وبعد عشر سنوات بالنسبة الى العراق وقبله افغانستان وباكستان. رغم انها دراسة من قبل معهد اكاديمي إلا ان الاهتمام بها وضعها امام اختبار قانوني وتاريخي وإنساني على السواء. ومعلوم ان همها الرئيس يتعلق بخسائر بلادها المعتدية ومشاريعها الاجرامية. وكل ما درسته وعبرت عنه مشاريع لها جدواها في اوراقها ولها ارقامها وما تجنيه في النهاية منها. لا ما تعرضت له الشعوب التي وقعت ضحيتها وفشل المشاريع عليها ونتائجها المدمرة لها ولثرواتها وأجيالها. ذكرت هذه الدراسة بالتعويضات وضرورة المطالبة بها قانونيا وحسب المواثيق الدولية والقانون الدولي في مثل هكذا ظروف وعدوان وخسائر بشرية ومادية.

قبل صدور الدراسة بمناسبة حلول الذكرى العاشرة للغزو والاحتلال اغتسلت العاصمة العراقية بشلالات دم، ومتفجرات ومفخخات وو... واستمرت كما هو الحال في توسع العنف الدموي الى مدن اخرى وبقيت سمته غالبة على خارطة العراق الجريح. وإذ قام بهذه الدراسة معهد واطسون للدراسات الدولية في جامعة براون، كما اعلن، ظل الحصاد الاخير لهذا المشروع الاجرامي غائبا عراقيا. رغم الارقام المنشورة فيها. حيث كشفت ان الحرب الامريكية على العراق كلفت الولايات المتحدة 1,7 تريليون دولار بالإضافة الى 490 مليار دولار مستحقات للجرحى الذين شاركوا في جريمة الحرب وأطلق عليهم اسم "المحاربين القدامى" مضيفة ان المصروفات قد تزيد إلى أكثر من 6 تريليونات دولار على مدى العقود الأربعة القادمة بحساب الفوائد. اما عن العراقيين، المدنيين الابرياء فأوردت الدراسة أن "الحرب أسفرت عن مقتل 134 ألف مدني عراقي على الأقل وربما ساهمت في مقتل أربعة أمثال هذا العدد"، مبينة انه "بإضافة أعداد القتلى بين قوات الأمن والمسلحين والصحافيين والعاملين في المجال الإنساني يرتفع العدد الإجمالي لقتلى الحرب في العراق إلى ما بين 176 ألفا و189 ألف شخص". فأين هي الموضوعية في التقديرات وأين المصداقية فيها؟ الم تصدر مؤسسة امريكية اخرى دراسة ميدانية حملت ارقاما اخرى قبل سنوات؟. ونشرتها وسائل الاعلام أيضا وذكرت ان ضحايا الحرب على العراق قبل الانسحاب العسكري الامريكي بلغت اكثر من مليون مدني بريء. وكيف تضع دراسة بحثية احتمال مضاعفات الخسائر العراقية دون توثيق لها وإقرار بها، وهي مدركة حقيقتها المرة؟. اذ تكشف بذلك دخولها غير المباشر ومصادرها في احابيل التضليل الاعلامي والخدمات التي تشرعها الادارة الامريكية وأجهزتها العدوانية.

اعتبرت الدراسة تحديثا لسابقة أصدرها المعهد عام 2011 قبل الذكرى العاشرة لهجمات 11 أيلول/ سبتمبر على الولايات المتحدة، قدرت الكلفة المالية والبشرية في حروب أفغانستان وباكستان والعراق، 3.7 تريليون دولار على الأقل، بناء على المصروفات الفعلية من وزارة الخزانة والالتزامات المستقبلية مثل المستحقات الطبية ومطالبات مرتبطة بالإعاقة "للمحاربين القدامى" الأميركيين. وارتفعت تلك التقديرات إلى قرابة أربعة تريليونات دولار (2013) كما زادت تقديرات الوفيات بسبب الحروب الثلاثة التي تراوحت في السابق بين 224 ألفا و258 ألفا إلى ما بين 272 ألفا و329 ألفا بعد عامين (!). وهي ارقام غير مؤكدة او هي ما تريد الادارة الامريكية نشرها.

رغم ذلك فاقت التقديرات الإجمالية تقديرات ادارة جورج دبليو بوش التي وضعت كلفة الحرب بين 50 مليارا إلى 60 مليار دولار. ووفقا للتقرير الاعلامي الذي نشر عن الدراسة  فإن أكثر من 70 في المائة من الذين لقوا حتفهم جراء اعمال العنف المباشرة للحرب أو ما يقدر بنحو 134 ألف شخص كانوا من المدنيين. وشكل الأمريكيون عددا قليلا من بين القتلى الـ190 ألفا من الضحايا وتمثلت الخسائر البشرية للأمريكيين في 4488 قتيلا من العسكريين وما لا يقل عن 3400 قتيل من المتعاقدين(!).

واستثنت هذه الأرقام حالات الوفاة التي حدثت بشكل غير مباشر بسبب أمور مثل الهجرة الجماعية للأطباء وتهالك البنية التحتية. كما لم تشمل الدراسة تريليونات الدولارات من الفائدة التي ستدفعها الولايات المتحدة خلال السنوات الأربعين المقبلة، والتي قد تصل إلى نحو أربعة تريليونات دولار.

توصلت دراسة عام 2011 إلى أن المستحقات الطبية والمطالبات الخاصة بالإعاقة بعد عشر سنوات من الحرب وصلت إلى 33 مليار دولار، وبعد ذلك بعامين ارتفع الرقم إلى 134.7 مليار دولار.

وانتهى التقرير إلى خلاصات لا تتناسب مع نتائجه وما حصل فعلا على الارض، وكأنه يسعى للتستر على الاهداف الحقيقية للجريمة كلها.. فهل قامت الحرب ومشروعها دون خطط ودراسات وحسابات امريكية؟!، ام انها ورطة "لم تكسب منها الولايات المتحدة شيئا يذكر من الحرب في حين أنها سببت صدمة للعراق"، مشيرا الى ان "الحرب نشطت الإسلاميين المتشددين في المنطقة وأصابت حقوق المرأة بانتكاسة وأضعفت نظام الرعاية الصحية الضعيف أصلا". (هكذا!)

ما نشر، بالرغم من كل شيء، وبقدر ما اثار من اسئلة، تضمن ارقاما ونتائج قاسية ودروسا لمن يعتبر..

 

كاظم الموسوي

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف

 

sofyan alkhazrzjiقبل أعوام وفي عهد صدام حسين كنت في أحد البنوك السويدية حين أستنجدت بي امرأة عراقية مُسنـّة، كانت تحاول عبثا تحويل مبلغ يسير من المال الى زوجها المُقعد في الاردن. لم تكن لغتها الانجليزية المتواضعة تسعفها في فهم موظفة البنك وهي تبلغها بأن قانون البنك لا يسمح لها بتحويل مبالغ نقدية الى خارج البلاد بسبب جنسيتها العراقية وذلك لوجود حصار دولي على العراق.

حاولنا إفهام الموظفة بأن المبلغ سيذهب الى بنك أردني ولن يدخل منه دولار واحد الى العراق، ولكن الموظفة أشارت إلى أن جنسية الذي يقوم بتحويل المبلغ هي التي تمنع التحويل بغض النظر عن الجهة المحوّل لها. إصطحبت العجوز الثائرة خارج البنك محاولا تهدئتها رغم أني نفسي كنت بحاجة الى تهدئة.. قفزت الى ذهني مقولة وزيرة الخارجية الاميركية السابقة مادلين اولبرايت عندما سألتها ليسلي ستال في برنامج 60 دقيقة بتاريخ 12 مايو 1996 عن رأيها في تسبب الحصار في موت أكثر من نصف مليون طفل عراقي، أجابت اولبرايت بكل برودة أعصاب "إننا نعتقد أن الحصار يستحق ذلك الثمن".

موت اكثر من نصف مليون طفل وتجويع الملايين لم يكن في نظر الادارة الاميركية ثمنا باهظا من اجل اسقاط صدام حسين.. والطامة الكبرى ان الزوج المُقعد في الاردن لم يحصل على مساعدة زوجته المُسنـّة ومات اكثر من نصف مليون طفل ولكن صدام حسين ظل يطلق النار في الهواء من شرفته المطلة على آلاف المتظاهرين. أخيرا وبعد تجربة قاسية دفع ثمنها الشعب العراقي تبين للادارة الاميركية أن السبيل الوحيد لإسقاط صدام حسين هو الغزو العسكري. كان عليهم أن يجدوا سببا مقنعا لهذا الغزو فكان امتلاك اسلحة الدمار الشامل وعلاقة النظام بالقاعدة هما السببان الوجيهان اللذان يقنعان الرأي العام العالمي بشرعية اسقاط صدام حسين عسكريا. ذهب كولن باول الى الامم المتحدة في 6 فبراير 2003 ونشر خرائطه وصوره على طاولته امام الملآ وعلى شاشات التلفزة ليبيـّن وبالدليل القاطع مناطق تواجد اسلحة الدمار الشامل المحمول منها على الشاحنات والمطمور منها تحت الارض:

 http://www.cnn.com/2003/US/02/05/sprj.irq.powell.un/

" • Recorded conversations, satellite images and information from spies inside Iraq" (مكالمات مسجلة، صور اقمار اصطناعية ومعلومات اجهزة المخابرات داخل العراق) جلس اعضاء مجلس الامن فاغري الافواه مشرئبي الاعناق مبهورين بقدرة الولايات المتحدة الاميركية على تقصي كل تلك الحقائق وكشفها بالصورة والصوت. أما توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الاسبق فذهب الى ابعد من ذلك بقوله بأن العراق يمكنه انتاج القنبلة النووية في غضون 45 دقيقة: http://www.guardian.co.uk/politics/2003/aug/16/davidkelly.iraq

 وفي خضم هذا التحشيد الاعلامي تجمع حلفاء 30 دولة وجهـّزوا عدتهم وعتادهم لينقضّوا على مراكز أسلحة الدمار الشامل قبل ان يمحو صدام حسين سكان الكرة الارضية من الوجود. فرّ صدام حسين من المعركة وترك لهم بغداد مشرعة ابوابها والعراق عاريا الا من جثث ابنائه. لم تعثر القوات الاميركية والبريطانية على اسلحة الدمار الشامل ولم تجد اثرا لعلاقة صدام حسين بتنظيم القاعدة!! فماذا عن المكالمات المسجلة و صور الاقمار الاصطناعية وعن تقارير اجهزة المخابرات؟ وماذا عن قدرة صدام حسين على انتاج القنبلة النووية في غضون 45 دقيقية؟ كانت تلك الحجج (الدامغة) مبررا لاجتياح العراق، اما وقد اصبح الاحتلال حقيقة واقعة فعلى قوات الاحتلال ايجاد مبررات جديدة لبقائها في العراق. أعلن الحلفاء وعلى رؤوس الاشهاد بأن وجودهم في العراق هو لتحرير الشعب العراقي من الدكتاتورية وتحويل العراق الى واحة للديمقراطية وقِبلة للحرية.

من المعروف أن العراق من اكثر البلدان العربية ـ ان لم اقل العالميةـ خبرة بالانقلابات العسكرية، وكانت قيادة اي انقلاب لا تتجاوز العشرات من الضباط المتواضعي المعرفة في الاستراتيجيات العسكرية والسياسية ولكن امرا واحدا لم يغب عن ذهنهم وهو ضرورة وجود طاقم من الوزراء جاهزا لاستلام زمام السلطة صبيحة يوم الانقلاب. أما ضرورة وجود مثل هذا الطاقم الوزاري لاستلام السلطة بعد سقوط صدام حسين مباشرة فلم يكن في حسبان دهاقنة السياسة الاميركية رغم تخطيطهم الدقيق والمسبق لاسقاط النظام، ورغم أن لجنة من االعراقيين (حوالي 300 شخص من الخبراء) قد اجتمعت في واشنطن قبل اشهر من سقوط صدام حسين وقدمت رؤيتها حول ادارة البلاد بعد السقوط. لكن توصيات تلك اللجنة ذهبت ادراج الرياح ولم تلتزم الادارة الاميركية بحرف واحد منها، وهذا ما يؤكده الكثيرون من اعضاء تلك اللجنة بما فيهم احمد الجلبي رئيس حزب المؤتمر الوطني العراقي.

 لم تكن الولايات المتحدة الاميركية على عجل من امرها في تنصيب حكومة للبلاد قبل ان يأخذ الشعب العراقي قسطه من الحرية والفوضى (الخلاقة) وقبل ان تستكمل الميليشيات تنظيم صفوفها وقبل أن يستدل الارهابيون على المعابر السليمة لدخول العراق. وانطلاقا من مبدأ الحرية للجميع بدون استثناء فقد قامت قوات الاحتلال بفتح ابواب السجون لكي يتنفس السجناء (بما فيهم اللصوص والقتلة) نسائم الحرية الاميركية. وقرر الحاكم المدني بريمر حل الجيش والشرطة لكي لا تنغص هذه القوات على الجماهير المتحررة نشوة حريتها، ولم يستثنٍ حرس الحدود من هذا القرار لكي يشارك الوافدون عبر الحدود نظراءهم العراقيين في عرس الدم.

 فماذا آل اليه الوضع في العراق؟ ارهابيون، ميليشيات، لصوص، قتل على الهوية، خطف، فساد اداري ومالي، مفخخات، جثث مجهولة الهوية وذبح بشري امام كاميرات الفيديو. بررت وزيرة الخارجية الاميركية السابقة كوندوليزا رايس هذا الوضع المأساوي بقولها: "لقد ارتكبنا آلاف الاخطاء التكتيكية في العراق لكننا حققنا الهدف الاستراتيجي وهو اسقاط صدام حسين". ولو وضعنا هذا التصريح الى جانب تصريح وزيرة الخارجية الاسبق اولبرايت: "موت اكثر من نصف مليون طفل عراقي ليس بالثمن الباهض من اجل اسقاط صدام حسين" لعرفنا ان الادارة الاميركية تنطلق من فكرٍ ميكافيليّ بحت في كون الغاية تبرر الوسيلة.

 لقد سخرنا من صدام حسين بعد هزيمته في الكويت وبعد تدمير الجيش العراقي حين قال بأن العراق خرج منتصرا من الحرب لأن أميركا فشلت في اسقاط صدام حسين، ولكن، بغض النظر عن نرجسية هذا الادعاء، فأن له ما يبرره في تصريحي الوزيرتين.

 

والان بعد عشر سنوات من الاحتلال، ما الجديد؟

ميزانية خرافية لا تحلم بها الدول المتقدمة والبلد اشبه بخرائب تربطها اكوام من الزبالة. وبغداد كما وصفها احدهم قرى تربطها شوارع، اما الحكومة فهي حكومة كليبتوقراطية كما جاء في مقال الكاتب دافيد كوكبورن في صحيفة الاندبندنت وعنوانه " كيف تحولت بغداد الى مدينة للفساد"

http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/iraq-10-years-on-how-baghdad-became-a-city-of-corruption-8520038.html

والسلطة موزعة بين المركز والاقاليم وبين العشائر والميليشيات، والسيارات المفخخة تمر في شوارع بغداد وكأنها خالية من أية سيطرة امنية، حتى ان ايام الاسبوع لم تعد تكفي لتسمية الايام الدامية.

انحلال في كافة الميادين: السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية وحتى الدينية منها وذلك بتفشي الطائفية وانتشار الخرافات والسحر والشعوذة.

وساختم مقالي بتقرير اعدته صحيفة الغارديان والـ بي بي سي القسم العربي بمناسبة مرور عشر سنوات على الاحتلال وهو تقرير محايد لم يقم به طرف من اطراف النزاع الداخلي او الدولي:

http://www.guardian.co.uk/world/video/2013/mar/06/james-steele-america-iraq-video

 

سفيان الخزرجي

 

ملف صحيفة المثقف

بعد عشر سنوات .. العراق حقائق وأرقام .. ملف صحيفة المثقف