salam alsamawimajed algarbawia"الحضارة الاسلامية قامت على العنف، والسيف وقطع الرؤوس، وقمع المعارضة، واقصائها. من يقرأ التاريخ يعجز عن احصاء عدد القتلى من المسلمين بسيوف المسلمين فضلا عن غيرهم. هذا هو الجانب المسكوت عنه في الحضارة الاسلامية، ونخشى مقاربته خوفا من الطعن بقداسته" .. ماجد الغرباوي

 

الاستاذ ماجد الغرباوي، كاتب وباحث، رئيس مؤسسة المثقف في سيدني استراليا، له مجموعة مؤلفات، يشغله همّ التجديد في الخطاب الديني، واصلاح مناهج التفكير لدى المسلمين. وقد اشتغل على موضوعات التسامح، والعنف، والحركات الاسلامية، وغيرها. كان لنا هذا اللقاء، فاهلا وسهلا به:

 

س1: سلام السماوي: لأنك تعيش في ظل حضارة غربية بعد ان عشت متنقلا بين أكثر من بلد اسلامي وعربي بحكم ظرفك السياسي، كيف تجد الفارق بين الحضارتين الغربية والاسلامية؟

ج1: ماجد الغرباوي:الفارق بين الحضارتين هو: ان الاولى استطاعت ان تصنع انسانا يعي ذاته ومسؤولياته .. يقبل بتداول السلطة سلميا، ويتعايش مع الآخر رغم اختلاف الثقافات والديانات .. يجيد لغة التفاهم، ويتمتع بحرية واسعة، في ظلها تتفجر ابداعاته على جميع المستويات، ويمارس طقوسه في ظل حرية دينية، ويعبر عن قناعاته بشفافية ضمن حرية الرأي والاعتقاد. كما نجح الغرب في استبعاد سلطة الكنيسة، والتحرر من ثقل التراث والماضي والعادات والتقاليد القبلية المكبلة، وارتكز الى العلم والتجربة.

اما نحن (في الشرق) فما زلنا نرفض الآخر ونصفه بالكافر و(النجس)، بما في ذلك الآخر الداخلي، اعني المسلم، الذي نختلف معه مذهبيا، فيجيز لنفسه ذبح اخيه، لا لشي سوى هذا الاختلاف البسيط. وحتى لو اعترفنا بالآخر نعترف به منّة وتفضلا، بينما الغرب يعتقد ان الآخر شريك في الحقيقة، فالاعتراف به حقيقي، كما هو الاعتراف بالذات.

الفرد هنا - وانت ايضا تعيش هذه الاجواء - يشعر بكينوننته، انه انسان له كامل الحقوق، ويمارس كل طقوسه وعاداته وتقاليده، ويصرح بكل قناعاته، ويفعل ما يشاء (حدوده القانون وحرية الآخرين). بينما يعاني الفرد هناك من القهر والكبت والحرمان.

الفرد هنا يتفجر ابداعا، بينما يُقمع هناك رغم كل ما لديه من قابليات، ربما لسبب بسيط هو الاختلاف سياسيا او دينيا او مذهبيا.

 

س2: سلام السماوي: في رأيك، هل تعتبر الحضارة الاسلامية الان ندا للحضارة الغربية، ولو في بعض جوانبها؟ ولماذا؟

ج2: ماجد الغرباوي: النديّة سيدي الكريم تحتاج الى تكافؤ بين الطرفين. او يكون الفارق الحضاري من الضآلة ما يسمح بالتناد بينهما. فهل تعتقد استاذ سلام ان واقع المسلمين الان يصلح ان يكون ندا للحضارة الغربية؟؟ لا احد يرى ذلك حتى المسلمين انفسهم. فمنذ الصدمة الحضارية وما زلنا عيال على الحضارة الغربية في كل شي. ونحن بدون الغرب كما يقول ادونيس صحراء وجمل. وعندما اقول لا ندية بينهما اعي جيدا ما اقول. نحن نحتاجهم في كل شي، ونفتقر لمنجزاتهم حتى النظريات في مجال العلوم الانسانية، بل وحياتنا الان تتوقف على تلك المنجزات خاصة العلمية منها، والغرب راهنا يستعمر الدول الاسلامية الا القليل من خلال حاجتها وافتقارها له. ولو قطع الغرب امداداته العلمية لتوقفت الحياة في كثير من الدول الاسلامية. الغرب هو المركز ونحن الهامش والاطراف ندور من حوله،وهذا ليس انسحاقا او شعورا بالدونية، انما هو واقع نعيشه كل يوم، فنحن لم نحقق نهضتنا ولم نتقدم ما فيه الكفاية بحيث نتخلص من تبعيتنا للحضارة الغربية، ونكون ندا لها. تصور حتى في المجال الأدبي نحن نقلدهم في تطورهم على مستوى الأداء والنظريات النقدية. غاية الأمر ان بعضا يحاول ان يجد جذورا اسلامية لها، كما بالنسبة لقصيدة النثر، وهذه احد عُقدنا لا نعترف بالخطأ ونجيد التبرير والبكاء على الاطلال. اذاً نحن مدعوون لاستكمال نهضتنا اولا ثم نطرح انفسنا للتناد مع الحضارات الاخرى.

 

التفاعل الحضاري

س3: سلام السماوي: انفتح المسلمون على العالم الخارجي، فحصل تفاعل حضاري بينهم. متى بدأ التفاعل الحضاري بين المسلمين وغيرهم، وما هي الطرق التي مهدت لذلك؟

ج3: ماجد الغرباوي: انفتاح المسلمين على غيرهم من الحضارات كان عن طريقين:

الأول: الترجمة: حيث ظهرت البوادر الاولى للترجمة في العصر الأموي على يد خالد بن يزيد الذي تخلى عن السلطة متفرغا للعلم والترجمة ورعايتهما، ثم تطورت في العصر العباسي، وكان عصرها الذهبي في زمن المأمون الذي أولى الترجمة عناية خاصة وأسس دار الحكمة، حيث تم نقل شطر كبير من تراث اليونان وبلاد فارس والهند. وكان اداته عدد من المترجمين ممن يجيد لغة ثانية الى جانب اللغة العربية، او بالواسطة عبر لغة ثالثة، كما حصل لقسم من التراث اليوناني. والترجمة تعد انفتاحا فكريا وثقافيا وادبيا على تراث وحضارة الشعوب الاخرى. بل اكثر من انفتاح حيث تفاعل المسملون مع ذلك التراث بشكل ما.

الطريق الثاني: الفتوحات الاسلامية، السلمية والحربية، حيث اطلع المسلمون على الواقع الحضاري والفكري لتلك الشعوب، التي تختلف عن العرب لغة وثقافة. فتأثروا به وأثروا فيه. فكان هناك تفاعل، انعكس على المنجزات الفكرية الاسلامية. سواء العلماء الذين دخلوا مع الفتوحات، او علماء تلك الشعوب ممن آمن بالرسالة الاسلامية، لكن ظلت ترسبات حضارته وتراثه الفكري تؤثر في رؤيته وتفاعله.

 

س4: سلام السماوي: هناك من يرى ان الخط البياني للحضارة الاسلامية لم يتراجع او يتوقف في اي زمن من الازمان، ولكن غيرها من الحضارات استغلت علماءها ومجدديها ومفكريها فتقدمت، بينما لم تفعل الدول الاسلامية ذلك فتخلفت؟ ماهي وجهة نظركم؟

ج4: ماجد الغرباوي: الواقع استاذ سلام يكذّب هذا القول، ولديك متسع من الوقت لتجرد كل ما يدور حولك، فهل تجد سوى منجزات غربية اصالة او تقليدا لها؟؟.

وحتى اذا كان هذا البعض يقصد الجانب الفكري والعلمي وليس المنجز العملي، فايضا الغرب ومنذ دشن نهضته، هو مصدر النظريات العلمية والفكرية وعلى جميع المستويات. انظر الى مناهج الجامعات والأكاديميات عندنا، كل ما لديها علم غربي، سواء العلوم الانسانية او التجريبة. بل حتى مناهج تفكيرنا غربية، وبات واضحا من لم يرتكز للنظريات الغربية في بحوثه ودرساته تبقى ناقصة، ومن لم يستفد من منجزهم التجريبي لا يمكن انجاز اي شي، لان الغرب يمسك بالتكنلوجيا، ثم جاءت ثورة المعلومات والتطور التكنلوجي، فجعلنا في اقصى الهامش.

لا انكر ان بعض الدول الاسلامية حققت نهضتها بالاستفادة من المنجز الغربي، ثم بناء حاضرة تفاعلية، كما بالنسبة الى ماليزيا، حيث تعد من الدول المتقدمة الان.

اذاً، من يدعي شيئا نطالبه بالدلليل لان الواقع يكذّبه .. الهوة سيدي الكريم من العمق عندما تطلع عليها الاجيال القادمة ستلعننا. لاننا تخلينا عن حضارتنا، وبتنا عيالا مستعمَرين من حيث نشعر او لانشعر، للغرب وحضارته.

 

س5: سلام السماوي: خلال العصور الأربعة الأولى لعب علماء المسلمين ومفكروهم دورا بارزا ومهما في تشييد حضارة اسلامية. وبعبارة أدق انتاج حضارة جديدة نافست الحضارات التي سبقتها وتفوقت عليها، امثال، الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن رشد، وغيرهم الكثير من المتكلمين والمفسرين والفقهاء والعلماء، فلماذا لم تظهر اسماء قوية في الوقت الحاضر؟ وإن وجدوا، فمن هم، وما مدى تأثيرهم؟

ج5: ماجد الغرباوي: لا شك ان علماء المسلمين في العصور الاربعة الاولى شييدوا حضارة اسلامية، وتقدموا في مجال العلوم النظرية والتجريببة، ولو كانت بشكلها الاولي البسيط، خاصة في مجال علوم الرياضيات، والطب، والكيمياء، والفلك، اضافة الى تخصصهم في مجال الفقة الذي هو صناعة اسلامية، غير مسبوقة، وبناء معالم فلسفة اسلامية، وكان وراء هذه الجهود شخصيات تركت اثرا واضحا في التاريخ. وقد ساعد على تراكم هذه المنجزات عدة عوامل، منها هامش الحرية، وتشيجع الحكومات، والدافع الذاتي، والحث الديني والقرآني. ثم في عصر النكوص تلاشت اغلب هذه الدوافع والمشجعات، فعاش المسلمون عصر السبات والتخلف. وبعد الصدمة الحضارية، واكتشاف العالم الغربي وما حققه في نهضته خاصة في المجالين العلمي والعسكري، افاق المسلمون من سباتهم، فطرحوا ما يسمى بسؤال النهضة: (لماذا تقدم الغرب وتخلف المسملون؟). ومنذ ذلك الحين وما زال المفكر والمثقف المسلم يعالج هذه المشكلة بحثا عن اسبابها. ورغم تشخيص الاساب عموما، لكن لم يحقق المسلمون نهضتهم المرتقبة.

اقصد بما تقدم، وجود حضارة ذات معالم اسلامية، يشار لها في مقابل الحضارات الآخرى، ولا اقصد الجهود الفردية، فبلا شك هناك جهود قيمة لعلمائنا ومفكرينا لكنها لم ترق لحد الان الى مستوى حضارة اسلامية ميزة. خاصة اذا اضفنا لها جهود المسلمين ممن يعيشون في الغرب وما اضافوا لتلك الحضارات من تراكمات علمية وانجازات تكنلوجية.

اذا هناك جهود لشخصيات اسلامية وعربية الا انها لم تشكل اساسا متماسكا لحضارة مستقلة في معالمها. اما لماذا لم نستكمل بناء حضارة ذات معالم اسلامية وعربية، فسنجيب عن ذلك من خلال تشخيص اسباب التخلف الحضاري في الاسئلة القادمة.

 

س6: سلام السماوي: فيما يخص الحضارتين الغربية والحضارة الاسلامية، مَن المتأثرة بالاخرى اولا، وما مدى هذا التأثير ثانيا؟

ج6: ماجد الغرباوي:الحضارة الاسلامية أقدم، ولها قدم السبق، وقد اقتاتت الحضارة الغربية على منجزاتها، من خلال ما ترجمه المستشرقون من علوم اسلامية، كانت الاساس لنهضتهم، وحضارتهم، اعترفوا او لم يعترفوا بذلك. بل ذهب بعض الباحثين ان الغرب بدأ بترجمة ونقل العلوم الاسلامية منذ القرن التاسع، عبر الاندلس. حيث كانت الرحلات من الغرب اليها متواصلة. وتؤكد الوثائق ان الغرب بنى حضارته ونهضته على علوم المسلمين. وظل كتاب القانون لابن سينا مثلا يدرس في جامعاتهم لا سيما الفرنسية الى وقت متأخر. لهذا كانت الصدمة هائلة عندما اكتشف المسلمون حجم التطور الغربي من خلال حملة نابليون بونابيرت على مصر. المستشرقون عادة ينكرون ذلك، ويعتبروا جذورهم ضاربة في الفكر اليوناني، وما دور المسملين الا الوسيط في الترجمة. وهذا خطأ باعتراف الموضوعيين منهم، حيث ان البصمات الاسلامية كانت واضحة على المنجزات العلمية والفكرية. ثم المنجز العلمي في مجال العلوم التجريبة هي منجزات اسلامية، كما في مجال الطب والفلك والكيمياء وغيرها. فالحضارة الغربية هي التي تأثرت بالحضارة الاسلامية، وارضيتها العلمية ابتُنيت في ضوء ما انجزه المسلمون ونقله المستشرقون لدولهم عن طريق الأندلس.

لكن ماذا ينفع هذا التفاخر والغرب الان يمسك بقبضة التقدم ويتحكم بنا من خلال افتقارنا لابسط منجزاته!!!!، يستفزنا ويستنزف قرواتنا ونحن لا حول لنا ولا قوة.

 

الفلسفة الاسلامية

س7: سلام السماوي: هناك من يرى ان الفكر الفلسفي الاسلامي نسخة من الفكر الفلسفي اليوناني، فماهو تعليقكم؟

ج7: ماجد الغرباوي: الفلسفة كما هو معروف تاريخيا يونانية النشأة، وهي ضاربة في قدم حضارتهم، وتعني في لغتهم: "محب الحكمة"، وقد انتقلت عبر الترجمة الى الحضارة الاسلامية، وتفاعل المسلمون مع مفهاهيمها ومقولاتها، وما زال المنطق الأرسطي يسود تفكير المسلمين، في مجال العلوم الدينية، رغم تخلي المدارس الفلسفية الحديثة عنه. لكن قبل انفتاح المسلمين على الحضارة اليونانية ومدرسة الاسكندرية والهند وفارس، سبقها تأسيس لعلم الكلام، على هامش جدل المسلمين حول مجموعة من المفاهيم والمقولات التي رافقت نشوء الفرق الكلامية على خلفية الصراع السياسي: كحقيقة الايمان، وصفات الله، والقضاء والقدر، وفاعل الكبيرة. فتمخض الجدل عن رؤى عقلية وكلامية .. ما اريد قوله ثمة ارضية واستعداد لتقبل الفكر العقلي والفلسفي والتفاعل معه لدى المسلمين حينما انفتحوا على الحضارة اليونانية، وهي أرضية مهدت لنشوء فلسفة ذات معالم اسلامية، بعد ان اعاد الفلاسفة المسلمون طرح ما يهمهم من قضايا عقائدية في ضوء المنطق ومقولات الفلسفة اليونانية، فاستفادوا من بعض الأدلة في مجال الإلهيات مثلا وطوروا اخرى. وبالتدرج تبلورت فلسفة اسلامية، هي خليط من الفلسفة اليونانية والفكر الاسلامي، وبهذا تم تشييد أسس فلسفة اسلامية على يد الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم. فالقول بان الفكر الفلسفي الاسلامي نسخة طبق الاصل من الفكر الفلسفي اليوناني فيه انكار لجهود الفلاسفة المسلمين، حيث طور هؤلاء مجموعة من المفاهيم والمقولات، خاصة في مجال الالهيات.

 

س8: سلام السماوي: اذاً هناك تاثير مباشر من العقل اليوناني في الحضارة الاسلامية، فما مدى هذا التاثير؟

ج8: ماجد الغرباوي: بلا شك هناك تأثير واضح للعقل اليوناني، ويكفي ان المنطق الأرسطي ما زال مؤثرا في العقل الاسلامي، خاصة الدراسات الاسلامية، بل وتأثر الفقه الاسلامي ايضا بالمنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية، كما بالنسبة للاشكال الاربعة المعتمدة في الاستدلال، حتى ارتكز لها الفقه الاسلامي باسراف.

وفي مجالا الإلهيات، كمسألة الخالق وصفاته التي تصدى لها افلاطون، والنفس وهل هي ازلية، وغير ذلك، حيث تبنى الفلاسفة المسلمون من حيث يشعرون او لا يشعرون تصورات الفلاسفة اليونانين، وأدلتهم. والبعض الآخر استفاد من تلك الامكانيات العقلية لكن طوّر أدواته وأدلته وبراهينه. ولا ننسى ان المسملين اطلعوا على التراث الفلسفي ما قبل ارسطو وافلاطون، وما بعده، وبقوا على تماس معه، حتى فترات متأخرة.

وايضا تأثر المتكلمون المسلمون، عندما تخندقوا بمقولات المنطق الأرسطي للدفاع عن عقائدهم، وطرق جدله في القياس والاشكال الأربعة. فحجم تأثر المسلمين لا ينكر الا انهم بمرور الايام شيدوا معالم مدرسة فلسفية اسلامية، من خلال شروحهم للفلسفة اليونانية، او من خلال ما تولّد من تصورات وافكار جديدة، حتى ان الفكر الاسلامي الفلسفي بدأ يغزو الغرب عن طريق الترجمة، وخاصة فكر ابن رشد. فاصبح تفاعل بين الفكرين، بوتيرة تصاعدية.

فتأثير الفكر اليوناني بالفكر الاسلامي يمكن ملاحظته في مجال: اللهيات، والمنطق، والرياضايات من خلال ترجمة كتب بطليموس وغيره. والتصوف، كما بالنسبة لنظرية الفيض، وفكرة العقول العشرة التي طورها المسلمون. وكذلك تأثيره في مجالي علم الكلام والفقه الاسلاميين.

لكن يجب ان نؤكد ان التأثير لا يعني الفكر الاسلامي نسخة طبق الاصل، كما بينا في جواب متقدم، وانما تفاعل بين الطرفين، فمثلا الرؤية الاسلامية تختلف عن الرؤية اليونانية حول الخالق وصفاته. وهذا لا ينفي وجود منظومة افكار ومفاهيم يونانية كاملة، كما بالنسبة للمنطق الأرسطي. كذلك فكرة العقول العشرة، تم صياغته وفقا للتصورات الاسلامية.

 

العلاقة مع الغرب

س9: سلام السماوي: في وقتنا الحالي؟ هل يوجد صراع بين الحضارتين الغربية والاسلامية ام حوار؟ ماهي الأدله على ذلك في الحالتين؟ او بشكل اوضح ما هي طبيعة العلاقة بين الحضارتين الغربية والاسلامية، صراع أم حوار؟

ج9: ماجد الغرباوي: برأيي كان بالامكان ان يكون هناك حوار حضاري بين الحضارتين في ظل ثورة الاتصالات الكبيرة، غير ان سلوك المتطرفين الاسلاميين قلب المعادلة فخلق حالة توجس وخوف من الاسلام والمسلمين. قد تتفاقم مع امتداد الحركات التكفيرية، لكن لو استعاد المسلمون وعيهم وطوقوا هذه الحركات، ربما تساعد الاجواء مستقبلا على استئناف الحوار من خلا وسائل الاتصال الحديث، ومن خلال سلوك مغاير يعكس سماحة الاسلام وحبه للآخر.

نعود للسؤال: ماذا يمكن ان نسمي العلاقة بين الطرفين؟ هل هو صراع أم حوار؟ اقول ان الغرب مسكون بنظرية هانتغنتون في صراع الحضارات، وان نقاط اللقاء بين الطرفين ستكون نقاطا حمراء، وصراعا ثقافيا دمويا؟ لكن انا شخصيا ضد هذا التنبؤ الا في حالة تمادي المتطرفين الاسلاميين. الشعوب الغربية باتت تعي حجم تداعيات الحروب والصدامات، وقرارات الدول الغربية رغم انها قرارات مؤسساتية لكن تراعي مشاعر شعوبها وتوجهاتها. والشعوب ترفض الصدام.

 

س10: سلام السماوي: وهل تقبل الشعوب الغربية بالآخر، الذي هو نحن العرب والمسلمين؟

ج10: ماجد الغرباوي: للاسف لحد الان الأرضية غير مؤهلة لاحتضان الآخر، لا بالنسبة لهم ولا لنا. فهم يعتبروننا (أقصد الشعوب وليس الحكومات) شعوبا متخلفة تقتات عليهم في كل ما يحتاجون، وهم ارقى جنسا. هذا الشعور موجود لدى شريحة واسع منهم. ونحن ايضا ما زلنا نعتبر الاخر كافرا، ونفتي بنجاسته. وما زلنا نتحدث بلغة ارض الكفر وارض الاسلام. فثقافتنا الاسلامية بالنسبة للآخر طاردة، بسبب افرازات الدراسات الفقهية المتأثرة اساسا بالصراعات الداخلية، والقائمة على التكفير، واستباحة الدماء. نحن نعيش ويلات داخلية بسب هذا اللون من الفكر، فكيف نقبل بالآخر المختلف الذي نصفه بالكافر والنجس، ونحرم ذبائحة وطعامه والزواج منه الى غير ذلك، وعندك فقه الأقليات وطالعه. وانظر الى الحركات المتطرفة التي تتشبث بهذه الفتاوى، وتخر عليها صما وعميانا، رغم تقاطعها مع مبادئ وقيم الدين الحنفيف. بل ما نشاهده اليوم من ممارسات على ايدي ما يسمون بالدولة الاسلامية او (داعش)، من سبي النساء غير المسلمات، وقطع الرؤوس بما فيها الرؤوس المسلمة خير شاهد على ما نقول.

 

التطرف الديني

س11: سلام السماوي: هل هناك جذور لهذا الفهم المتطرف؟ ولماذا اعتاد المسلم على اشهار السيف على معارضيه؟

ج11: ماجد الغرباوي:للاسف نحن دائما نتفاخر بما أُنجز في العصور الأربعة الاولى في مجال العلوم، لكن ننسى، او هكذا أرادوا لنا ان ننسى، ان الحضارة الاسلامية قامت على العنف، والسيف وقطع الرؤوس، وقمع المعارضة، واقصائها. من يقرأ التاريخ يعجز عن احصاء عدد القتلى من المسلمين بسيوف المسلمين فضلا عن غيرهم. هذا هو الجانب المسكوت عنه في الحضارة الاسلامية، ونخشى مقاربته خوفا من الطعن بقداسته. كيف كان خليفة المسلمين يقترف هذا لولا فقهاء السلطان، ممن يشرعن تصرفاته وسلوكه، ويقمع باسم الدين كل صوت معارض. لقد اقترف الفقهاء جريمة كبرى عندما حولوا الصراعات السياسية الى صراعات دينية وباسم الدين، فكان يقتل المعارض لانه خروج على الدين وسلطته الشرعية.

انا أشرت بكتبي صريحا اني اتحفظ على جميع الفتوحات والاعمال العسكرية التي جرت باسم الدين وتحت لواء خليفة المسلمين، وبعنوان الجهاد في سبيل الله. الجهاد سيدي الكريم لم يعد فعليا بعد انتصار الاسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا .. وما بعد الرسالة سوى دفاع عن النفس ورد العدوان وهذا لا يحتاج للقتال، لكن فقهاء السلطة عبأوا الناس للجهاد ارضاء لهوى الخليفة والسلطان.

 

س12: سلام السماوي: وهل هذا يصدق على الخفاء الاربعة؟

ج12: ماجد الغرباوي: ان اول خطأ ارتكبه الحاكم الاسلامي كان حروب الردة، بقيادة ابي بكر الصديق، حيث اعترض عليها عمر ابن الخطاب، وطالب بمعاقبة خالد بن الوليد. وشاح عنها وجه علي ابن ابي طالب. والقوم لم يرتدوا، وانما رفضوا خلافة ابي بكر التي لم تتم بطريقة سليمة، ولم يجمع عليها المسلمون، او كما قال عمر: انها فلتة، وخطأ حصل. فجمعوا زكاتهم ووزعوها على فقرائهم، ولم يسلموها للخليفة. فهم لم يرتدوا، ولم يتخلفوا عن اقامة الصلاة، وظلوا يشهدون ان لا اله الا الله حتى حينما قاتلهم جيش الخليفة. وهذا اول تأسيس للعدوان بعد رسول الله، واستمر الخلفاء ومن جاء بعدهم، ثم السلاطين، يستبيحون كل شي باسم الدين والاسلام. اما لماذا لم يفكر احدنا بحجم تداعيات ما يسمى بالفتوحات الاسلامية؟ ألم نفكر بحجم ما اقترف الخلفاء والولاة باسم الشرعية الدينية؟ الحجاج يقتل 120 الف من العراقيين. والعباسيون يقتلون 50 الف من الشاميين، وماذا عن معاوية، ويزيد الذي تجرأ على قتل ابن بنت رسول الله، الحسين بن علي. تاريخنا مأساة لا مثيل لها لانها جرت باسم العدالة والدين والتشريع. وما زال القتل يقطع رقابنا باسم الدين وتأسيا بسيرة الخلفاء والسلاطين للاسف الشديد.

 

القرآن والتطور الحضاري

س13: سلام السماوي: المعجز الالهي، القرآن الكريم، كتاب شامل وأساس الاسلام في تشريعاته ومبادئه وقيمه الأخلاقية. لو سألنا وقلنا ان هناك عوامل كثيرة ساهمت مساهمة فعالة في تطور الحضارة الاسلامية منها: وجود عقول نيرة تولت زمام الامور، والاحتكاك بالحضارات المجاورة، فما هو دور القرآن في تطور حضارة المسلمين؟

ج13: ماجد الغرباوي: هذا سؤال يحيلنا على تعريف الحضارة اولا. الحضارة في تصوري: (منجز بشري شيدته تفاعلات فكرية - مادية). وعندما نقول حضارة اسلامية نعني ما أنجزه المسملون من خلال تفاعلهم الفكري مع الجانب المادي. فالبعد الفكري أساس في أي حضارة، والحضارة تجسّد الفكر من خلال منجزها ومستوى تطورها على جميع أصعدة الحياة. والقرآن كما تعلم محور الفكر الاسلامي، ومرجعيته، فهو يدخل عنصرا أساسا في فكر المسلمين، من حيث وعيهم للحياة، ودورهم على الأرض. حيث قدم القرآن تصورات كافية، ورسم اهدافا مفتوحة، عززها بمحفزات مادية ومعنوية. فمثلا عندما يقول القرآن: (قل سيروا في الأرض فأنظروا ..). والمسير في الارض مع التفكر، يفتح افاقا واسعة لحركة العلم والمعرفة. وايضا الآيات المحفزة هي كثيرة: ألا يتفكرون، ألا يعقلون، ألا يتدبرون ..

او ما يعزز هذا المعنى حث الرسول على طلب العلم: (اطلب العلم من المهد الى اللحد) (اطلب العلم ولو كان في الصين).

او دور الانسان في الأرض كما يصفه القرآن، حينما يقول تعالى: (اني جاعل في الارض خليفة)، حيث تقدم الآية وعيا جديدا لدور الانسان، يرتكز على الاستخلاف والاعمار. او آيات العمل الصالح الملازم للايمان فانها كثيرة جدا، والعمل الصالح لا ينغلق على موضوع محدد، وانما ينفتح على كل عمل فيه صلاح للانسان، بهذا اندفع علماء المسلمين يطورون من ادواتهم، ويحققون منجزات كبيرة في مجال العلوم، منها تأسيسية، وفي أكثر من علم، حافزهم في ذلك طلب مرضاة الله تعالى، باعبتاره عملا صالحا، وهو هدف كبير بالنسبة للمؤمنين به. اذاً القرآن الكريم اوجد ارضية تدفع باتجاه بناء الحضارة وتطويرها، كما عمل القرآن على فتح آفاق نفسية وروحية تحفز على بناء الحضارة، من خلال نظريته ربط الدنيا بالآخرة.

 

س14: سلام السماوي: في حاضرنا تعتبر الامة الاسلامية ممزقة، ولا وجود للوحدة فيما بينهم كما هو معلوم، كذلك عدم وجود رموز اسلامية تعيد للامة الاسلامية وحدتها، هل القرآن الكريم برأيك قادر بمفرده على توحيد المسلمين، أم هناك شروط اخرى؟ وكيف؟

ج14: ماجد الغرباوي: السؤال عن قدرة القرآن في توحيد صفوف الأمة الاسلامية الممزقة، يعد سؤالا جوهريا ومهما. نكتفي بآيتين لنؤكد اهتمام القرآن بوحدة المسلمين حيث طرح مبدأ التمسك بحبل الله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).

وحذّر من تمزقهم وتنازعهم: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

اذاً وفقا للمنطق القرآني ان التمسك بحبل الله يضمن وحدة المسلمين، بينما التنازع يمزقهم. وهذا منطق لا يستقيم الا بشرطه، وشرطه هو التمسك وعدم التنازع. فالقرآن من حيث المبدأ قادر على تماسك الجماعة المسلمة، بمعنى انه قادر على تأسيس وعي كامل لمسألة وحدة المسلمين، من خلال حثه على الأخوة، والإيثار، والتسامح، والعطاء، الى آخره، وكلها عناصر تساهم في وحدتهم. وقوة هذا الطرح ما يقدمه القرآن من بديل: دنيوي – اخروي .. توفيق في الدنيا لمن يعمل صالحا ويعنى بجماعة المسلمين، وثواب آخروي، بدخولهم جنات عدن. اذا التمسك بحبل الله هو التمسك بقيم السماء ومبادئه الاخلاقية، وعندما يتخلى المسلمون عن ذلك يصيبهم الوهن.

وتمزق المسلمين دليل على عدم تمثلهم لخُلق القرآن وقيمه في العلاقة فيما بينهم، وبينهم وبين الآخر. المسلمون الآن لا يتمسكون بحبل القرآن بقدر تمسكهم بآهوائهم ومصالحهم الفئوية والطائفية والسياسية، حتى عمدوا الى تفسير النصوص لصالحها. فأفرغت من محتواها وفاعلياتها. وصارت تدعم هذا الطرف وتذم ذاك. وهذا حال المسلمين منذ وفاة الرسول والى يومنا هذا. والغريب ان الكل يُعلن انتماءه للدين، ويتلبس بلبوسه. والكل يتمسك بالقرآن، حتى وهو يذبح اخيه المسلم من الوريد الى الوريد، كما تفعل الحركات الاسلامية المتطرفة، التي شوّهت بسلوكها قيم الدين الحنيف، وقد اخطأت خطأ كبيرا عندما تأست بالخلفاء والسابقين بينما كان المفروض ان تعي القرآن وشروطه الموضوعية، ودور الزمان والمكان في الاحكام، فيكون رصيدها قرآني وليس سيرة الماضين.

اذاً لا بد من أمة تتمثل قيم السماء، ولا بد من مشروع عملي لوحدتهم، اذا كنت تقصد من السؤال الوحدة السياسية ايضا. وقد كان رمز الوحدة الاسلامية السيد جمال الدين الافغاني داعية بصدق لها، عندما طرح مشروع الوحدة الاسلامية، كأطار سياسي يمثل قوتهم. وجاء من بعده مصلحون آخرون دعوا للوحدة بين المسلمين ونبذ الخلافات، كما في مشروع التقريب بين المذاهب الاسلامية في القاهرة، وايضا في وقتنا الحاضر في ايران.

 

التخلف الحضاري واسبابه

س15: سلام السماوي: لكن ما الذي حصل فتمزقت وحدة المسلمين استاذ ماجد؟ ولماذا لم تثمر هذه الجهود عن وحدة حقيقية بينهم؟

ج15: ماجد الغرباوي: الذي حدث بنظري نتيجة طبيعية لسببين:

الاول: التنازع على السلطة بعد وفاة الرسول، مع عدم وجود مرجعية فكرية ودينية لتسوية النزاع، كان الشرارة الأولى لتمزقهم، فلا توجد آيات تحدد شكل السلطة وصفات الخليفة، بل لا توجد آيات تهتم بالشأن السياسي صراحة. ولا الرسول تحدث بما يسد هذه الثغرة، سوى روايات تروى قابلة للتأويل، ليس فيها صراحة كافية لحسم الخلاف السياسيي. فالخلافات السياسية ومن يتولى امامة المسلمين، وإن هدأت بين الخلفاء الأربعة، لكن في الظل بدأ يتبلور تيار معارضة، يمثل رؤية فكرية وعقائدية تختلف عن التيار السياسي الرسمي. ثم تحول الى ثورة في زمن عثمان، ليعلن عن نفسه صراحة من خلال موقف الامام الحسين وما تلته من ثورات وانتفاضات. وبالتالي ظهرت فرق ومذاهب متصارعة تعكس الصراع السياسي بلباس فكري وعقائدي. وصار الانقسام حول كل مفهوم يستمد روحه من ذلك النزاع السياسي. وهذا الوضع بلا شك يمزق الأمة.

والثاني: ان حبل الله الذي هو منظومة القيم والمفاهيم القرآنية، والذي حثنا الله ورسوله على التمسك بها، قد تأثر هو الآخر بالنزاعات السياسية واختلاف وجهات النظر التأويلية التي بدورها تراعي توجهات الجهات السياسية، اضافة الى مرونة النص التي تغري في تأويلات مختلفة، فساد الاستبداد السياسي، واختفى هامش الحرية، وصار قمع المعارضة سياسة تمسك بها كل الخلفاء في الدولتين الاموية والعباسية ومن جاء بعدهما. فتعمقت الخلافات، وزادت الهوة بين المسلمين.

 

س16: سلام السماوي: وهل هذه الاسباب كافية لتفسير تخلف المسملين عامة والعرب خاصة حتى في وقتنا الحاضر؟

ج16: ماجد الغرباوي: اذا اردنا التعرّف على الاسباب الحقيقية لتخلف المسلمين عامة والعرب خاصة الى يومنا هذا فيمكن الاشارة الى الأسباب التالية اضافة الى ما تقدم:

- الاستبداد السياسي، الذي يتصف باسلوبه القمعي من خلال مصادرة الحريات وقمع المعارض، وهما شرطا تطور اي بلد، حيث تتفجر العبقريات والابداعات في ظل الاجواء الحرة، وانت تعيش في الغرب وتشاهد مدى تأثير الحرية على تطور البلد في جميع الجوانب، خاصة السياسي. والمستبد كما تعلم يرفض المحاسبة، فيتصرف وكأنه المالك الحقيقي، وليس شخصا تنتهي صلاحياته بانتهاء مسؤولياته. كما ان المستبد يكافح لمنع وصول اي شخص منافس وكفوء للسلطة كي لا تفتضح اساليبه القمعية.

- الاستبداد الديني، حيث اصطف رجل الدين مع المستبد السياسي فراح يشرعن سياسته القمعية. ويمنحه شرعية في تصرفاته وسلوكه، فاصبح الظلم والاستبداد باسم الدين والتشريع، ولعل مثاله الواضح رجال الدين ممن اصطف مع خلفاء الدولة الأموية والعباسية، او سلاطين الدولة العثمانية وشاهات الدولة الصفوية، وتأثيرهم السلبي على حركة التحرر، حتى بقت الشعوب ما يقارب 1500عام تحت ربقة الاستبداد السياسي بفضل الاستبداد الديني. لهذا قالوا: ان الاستبداد الديني أخطر من السياسي، لانه باسم الدين والآله، والناس تصدّق ذلك بطيبتها وقلة وعيها. الاستبداد الديني يمنح قدسية للمستبد، ويحرّم الخروج على سلطته فيساهم في ترسيخها على حساب الشعب وتطلعاته.

- انعدام الوعي لدى الشعوب المسلمة عامة والعربية خاصة بفعل الاستبداد الديني، وانعدام فرص التعليم، الا لدى نخبة من المثقفين والمبدعين، ممن ساعدتهم الظروف الحياتية. وانعدام الوعي هو رهان الاستبدادين الديني والسياسي، ولولاه لما تمكن اي من الاستبدادين البقاء طويلا وما زال.

- الاستعمار: وما فعله في بلادنا، يعد عنصرا رابعا من اسباب تخلف المسلمين عامة والعرب خاصة، وللاسف لم نتحرر من سطوته الى يومنا هذا، حيث ما زال يمسك بقراراتنا السياسية والاقتصادية، لاننا لم نتحرر حقيقة، وبقينا نحتاجه في كل شي. فالاستعمار يستغل افتقارنا له، فكيف اذا كانت حاجاتنا له في كل شي؟؟؟ لهذا هو يفرض هيمنته بصورة مباشرة وغير مباشرة .. الجيوش المستعمرة خرجت من الاراضي الاسلامي، لكن الشعوب الاسلامية ظلت تلهث واراءهم.

- عدم الاعتراف بالآخر (خاصة الآخر الداخلي المسلم)، قد مزّق وحدة المسملين الحقيقية، فالاختلافات المذهبية توغلت في عمق الايمان الشخصي، فصار الآخر كافرا ونجسا، وحذرنا من التعامل معه، وحرمانه من الجنة والنعيم ورحمة الله. وهذا أخطر الأسباب لانه يخلق ثقافة عدوانية تنابذية، تدين الآخر الذي هو شريك في الوطن والدين والشعور، فكيف لا تتمزق وحدة المسملين؟.

- التقديس، ابتلى المسلمون والعرب خاصة بنزعة تقديسية باعدت بينهم وبين الحقائق، حتى استغرقت القداسة أتفه القضايا، فبحجة القداسة احجمنا عن النقد، الذي هو أساس تطور الشعوب، وبقى كل شي على ماهو عليه تقديسا للماضي والتراث وعادات وتقاليد الاجداد. انا لست ضد كل هذه الاشياء لكن ضدها عندما تكون عائقا للوعي والتطور، حينئذ ارفضها، وابالغ في نقدها كي تفسح المجال للعقل يمارس دوره ويتفتق ابداعه.

- التقليد، صفة آخرى ابتلى بها المسلمون .. الحاضر يقلّد الماضي في كل شي، فخبا الابداع، وقُمعت القابليات. والتقليد وليد شرعي لثقافة التقديس .. تقديس الماضي، وتقديس السلف، فما زلنا بعد الف وخمسمئة سنة نقلد السالف الصالح، ونستفتيهم بشؤوننا وحاجاتنا، وكأن الواقع لم يتغير. انا لست ضد السلف الصالح، ولكن لهم حياتهم وحاجاتهم وتطلعاتهم، ولنا حاجاتنا وتطلعاتنا وظروفنا، وعلينا ان نجتهد من اجل بلورة اجوبة شافية لكل متجدد في حياتنا.

 

حاوره: سلام السماوي

نشر في صحيفة بانوراما، سيدني – استراليا، العدد السنوي: 18-12-2014

majeda gathban4majed algarbawiaخاص بالمثقف: القسم الثاني من حوارنا مع الاستاذ ماجد الغرباوي، وهو كاتب، وباحث مستنير، امتازت بحوثه بنهج الاعتدال والايمان بالتغيير الكامل الذي يشمل المنظور المتجدد للقضايا والمسائل الاسلامية، واعادة قراءة النصوص القرآنية ضمن الأطر الزمانية والمكانية المتغيرة.

كان لنا مع هذا العقل المنفتح الحوار التالي، شاكرين صبره وسعة صدره، فأهلا وسهلا بك في باب مرايا في صحيفة المثقف:

 

 

الزواج غصبا

س23: د. ماجدة غضبان: أليس في تزويج الفتاة من رجل ميسور طمعا في ماله دون موافقتها شيءء من الزنا والدعارة؟

 

ج23: ماجد الغرباوي: لا بل هو زنا ودعارة واضحة، لان شرط العقد رضا الزوجة، وما لم يتحقق الرضا يكون العقد باطلا، والمضاجعة مع العقد الباطل زنا صريح. بل هناك اشكال مع عدم التصريح بالرضا بارادتها، وليس جبرا، او حياء. حتى الحياء لا يشفع في هذه المسألة .. يجب ان يكون الرضا صريحا وواضحا. وهذه مشكلة كثير من الزيجات للاسف الشديد. بل كلنا نعلم ان المرأة احيانا تصرح بعدم الرضا، فينوب غيرها بالتصريح بالرضا.

المرأة في مجتمعاتنا ما زالت تعاني تحت نير عادات وتقاليد أعان عليها الفقيه بتحجره وفهمه المبتسر للشريعة واحكامها. فالمجتهد يجيز زواج البنت بتسع سنوات!!، بينما الروايات لم تشترط العمر وانما ذكرت مصاديق لبلوغ المرأة، وبلوغها كما تعلمين يختلف من بيئة الى اخرى، ومن زمان ومكان الى اخر، لكنهم للاسف الشديد اجازوا الزواج بسن التاسعة، لكن الانصاف ان بعضهم اشترط البلوغ، بل اشترطوا الرشد، وبرأي ما لم تكن المرأة راشدة لا يجوز اجبارها على الزواج، فحينما تكون راشدة تمييز، وتتخذ قرار صائبا بارادتها. فغالبا ما يقع الظلم على البنت الصغيرة، وهو ظلم عظيم وجناية كبيرة، خاصة عندما تغرى بالمال وبريق الذهب والفضة، عندما يكون الزوج ثريا. ولا اشك ان الاهل واولياء الامور سيحاسبون حسابا عسيرا يوم القيامة، وستكون مسؤولية الفقيه أعظم امام الله عز وجل.

 

س24: د. ماجدة غضبان: ما موقف النصوص القرآنية من ذلك؟

ج24: ماجد الغرباوي: الشريعة واضحة في هذا الامر، وجميع الفقهاء ينصون على ذلك. لان العقد طرفان، ايجاب وقبول، وشروط العقد معلومة، العقل والارادة والرضا والقصد والايجاب والقبول. وعقوبة الزنا ايضا معروفة قرآنية، وهي عقوبة صارمة ورادعة. فمن زوج ابنته بدون رضاها، يعد زواجا باطلا. ولا يجوز للرجل مقاربتها لبطلان العقد، بل ويصدق زنا اذا ارتكبه، وحد الزنا معروف في القرآن الكريم. (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ..).

 

س25: د. ماجدة غضبان: وهل استمد التشريع المدني عقوبات منه؟

ج25: ماجد الغرباوي: لا شك ان التشريعات المدنية استفادت من التشريعات الدينية، بالاخص القوانين والتشريعات التي اعتمدت القرآن الكريم مصدرا من مصادر التشريع. علما ان كل قوانين الاحوال المدنية في الدول الاسلامية اعتبرت القرآن مرجعا قانونيا، لا تحيد عنه. وحرصت على مطابقة الشريعة، الا اذا لم تعتمد القرآن مرجعا قانونيا، وتكتفي بالتشريعات واللوائح المدنية .. واللوائح المدنية مثلها مثل التشريعات الدينية، تشجب هذا الفعل وترفض تزويج المرأة من دون رضاها، بل وتعاقب بشدة على ذلك بعد الحكم ببطلان العقد المبرم بينهما غصبا، وبدون رضا الزوجة.

 

المرأة والثقافة الجنسية

س26: د. ماجدة غضبان: ألا تجد في تغييب شهوة المرأة وتواريها خلف ما يخاطب به الرجل قد جعل من الرجل جاهلا دوما فيما يخص رغبة المرأة وقدراتها الجنسية التي تفوق الرجل فسلجيا وهرمونيا، وهذا ما جعل الرجل يظلم المرأة في فهمه لها كإنسان يشبهه ظلما تأريخيا؟

ج26: ماجد الغرباوي: لا شك عندما يتجاهل الرجل شهوة المرأة وحاجاتها الجسدية، ينعكس على الرجل وفهمه لها، بينما العكس صحيح لو كانت هناك ثقافة جنسية ومصارحة لا يشوبها الخجل، سيكتشف الرجل حينئذٍ قدراتها الجنسية وحاجاتها التي تفوق حاجاته كما تدعين.

وهذا الفهم سببه الوضع الاجتماعي .. العادات والتقاليد، وقيم العفاف الصارمة، وغياب الثقافة الجنسية، رغم ولع الرجل بالجنس. وقد تسبب في ظلم المرأة عندما يتجاهل حاجاتها الجنسية.

التوجيهات الدينية لا تقتصر على القرآن فهناك احاديث ومرويات كثيرة تحث الرجل على مراعاة حاجات المرأة، وهناك ابواب في كتب الفقه والاحاديث مختصة بهذا الجانب، كابواب معاشرة النساء، وغيرها، وفيها تفصيلات كثيرة. لكن الثقافة العامة للمجتمع العربي للاسف الشديد قاسية مع المرأة. بل ما زالت تنظر للمرأة وحاجاتها باحتقار شديد.

 

س27: د. ماجدة غضبان: ما هي عقوبة اغتصاب المرأة على فراش الزوجية ضمن نصوص القرآن؟

ج27: ماجد الغرباوي: عقوبة من يرتكب جريمة اغتصاب المرأة تصل حد القتل في الاسلام خاصة اذا كان المغتصب متزوجا، وهي جريمة بشعة، واعتداء صارخ، تشجبه كل القيم الانسانية والدينية. وحتى الزوج لا يحق له اغتصاب زوجته، وقوانين الغرب تعاقب على ذلك صراحة. اما في الاسلام فيدخل في عناوين اخرى، كالنشوز. اقصد لا يحق للزوج اتيان زوجته كرها وغصبا، وبشكل عام العملية الجنسية تحتاج الى مقدمات تتوقف على رغبة الطرفين، لكن للاسف بعض الازواج يصدق عليه عنوان الاغتصاب بسبب سلوكه الهمجي وعدم مراعاته لمشاعر الزوجه.

 

س28: د. ماجدة غضبان: وماذا عن عقوبة التقصير العاطفي والجنسي تجاه الزوجة؟

ج28: ماجد الغرباوي: لا يحق للرجل اهمال زوجته او التقصير معها شرعا، ومن يفعل ذلك يكون آثما ويدخل في حكم الرجل الناشز الذي رتبت له الشريعة الاسلامية احكاما خاصة. لكن للاسف تجد الفقهاء ينطقون باحكام بعيدة عن العدل والإنصاف، فيعطي للرجل حق هجران الزوجة سنة او عدة اشهر، ولا يفكر بما ستؤولُ له الأمور في هذه الحالة، ولا يهتم لمشاعر المرأة وهي تعيش الحرمان العاطفي والجنسي، انها ثقافة ذكورية وليست دينا. بينما تجد الرسول يولي العلاقات الحميمة اهمية خاصة ويحذر من اهمال الزوجة وعدم مراعاة مشاعرها فضلا عن هجرانها: يقول: (عن أنس بن مالك: أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، فإذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها". انظري للفرق الهائل بين الرسول وفقهاء الدين ممن يفتون بجواز هجران المرأة!!!.

 

س29: د. ماجدة غضبان: ولِمَ تلعن الملائكة المرأة ان لم تمنح الرجل متعته ولا تلعن الرجل حين يهجرها مع مطالبة المجتمع لها بالالتزام بالعفة والشرف؟.

ج29: ماجد الغرباوي: قضية لعن الملائكة للمرأة دون الرجل، واضح فيها النفس الذكوري، من اجل ترويضها لعنجهية الرجل. والا فمقتضى العدل الالهي ان الرجل مدان ايضا في حالة قصّر مع زوجته بلا ادنى ريب، وهو مطالب بمعاشرتها بالمعروف والمتعارف في العلاقات الزوجية السليمة (وعاشروهن بالمعروف). بل هناك آيات تحثه وترغبه، وتصف له المرأة بانها سكن له .. تطمئن لها نفسه، وان العلاقة معها مودة ورحمة، وانها اساس التناسل بالتعبير القرآني "حرثكم". وهناك آيات كما في سورة النساء تحذر الرجل من التمادي في علاقته بالمرأة، وتضع له حدودا في حالات الخلاف، كلها تصب في صالح المرأة وحقوقها. وما موجود من روايات تعكس ثقافة ذلك الزمان ولا علاقة لها بالقرآن وقيمه ومبادئه، لان القرآن يتخذ من العدل أساسا في أحكامه.

 

س30: د. ماجدة غضبان: كلنا نعرف ان تقصير الزوج مع الزوجة جنسيا عادة ما يقابله صمت مطبق من قبل المرأة فلا قانون شرعي او مدني يجعلها تتجاوز حياءها وتصرح بانها تعاني من الحرمان الجنسي.

ج30: ماجدة الغرباوي: هنا تدان القيم والعادات والتقاليد، تدان الثقافة الضحلة التي تحرم المرأة حقها في الترافع امام القضاء في مثل هذه الحالات الانسانية. وعلى القضاء مدنيا او دينيا أدانة الرجل المقصّر في معاشرة زوجته، اضافة الى كونه آثما وعاصيا في تلبية حقوقها.

علينا جميعا السعي لترسيخ قيم وثقافة جديدة تحفظ للمرأة كامل حقوقها. وقلت في سؤال تقدم، هذه النظرة تختص بها الثقافة الشرق اوسطية، اما في الغرب المرأة لا تعاني مثل ذلك، وبامكانها مقاضاة الزوج فورا، او ربما هجرانه اذا لم تعاقبه.

 

المرأة وقوامة الرجل

س31: د. ماجدة غضبان: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ" .. فما هي القوامة؟ وما شروطها؟

ج31: ماجد الغرباوي: قبل البدء ببيان معنى القوامة وشروطها، أقول: وبكل صراحه ما عاد هذا المنطق، أي منطق القوامة حسب تفسيرهم، مستساغا في ظل تطور حضاري واجتماعي، تشارك فيه المرأة الرجل في كل مناحي الحياة بما فيها المناصب القيادية، بل واثبتت جدارة فائقة، والأمثلة كثيرة جدا. المرأة الان في قلب الحياة .. تمتلك مقومات وجودها، وبامكانها مشاركة الرجل بجدارة في اي قرار يتخذه لصالح الاسرة. وبهذا ستنتفي القوامة حتى بمعنى المسؤولية، لانها ستكون مشتركة. بل الحقيقة ان كثيرا من الرجال لا يقدم على شيء ما لم يستشر زوجته (وإن كابر)، خاصة فيما يهم العائلة، وثمة قليل ممن يستبد في قراراته وتصرفاته ومسؤولياته. وهذا القليل هو المعني بالآية لانقاذ المرأة من مخالب سلطته، وتحديد مسؤولياته ضمن شروط وضوابط. فاذن الآية تتحدث عن واقع كانت فيه السيادة للرجل، وعن مجتمع ذكوري لا مكانة للمرأة فيه. وكان الرجل متمردا لا يتحمل مسؤولياته كاملة تجاه عائلته، بينما يفرض سيطرته وولايته عليها. ففي الآية الزام له بالنفقة، وتحديد صلاحياته ضمن شروط. وايضا، الآية ناظرة للمرأة في ذلك الوقت، وقد اختلفت حاليا من حيث وعيها لذاتها وللحياة ولمسؤولياتها ولدورها، فما عادت المرأة مطلقا موضوعا للاحكام الواردة فيها الا في حدود ضيقة، لأنها امرأة أخرى. فيبقى البحث فيها تاريخيا بغية التعّرف على مدى تطور وعي المجتمع، وما دام البحث تاريخيا فلا شك ان واقع ما قبل نزول النص يؤثر في فهمه. اذاً نحن امام نص تاريخي، وواقع كان قد نزل النص لأجله، لذا يجب قراءته وفهمه ضمن هذا الواقع.

نعود للآية: قوّامون، صيغة مبالغة، تعني القائمين بالأمر. وبعضهم فسر القوامة بالقيمومة، والولاية، والتسلط، بشكل يسلب المرأة حرية الاختيار، وجعل زمام أمورها بيد الأب والزوج (مهما تدنى مستواهّ!!!). وهناك من يرى قيمومة الرجل مطلقا حتى خارج اطار الزوجية، فيختص بالحكم والقضاء والسلطة والتصدي لشؤون المجتمع دونها. وهو منطق اقصائي بعيد عن روح القرآن. والرجل هنا يقدّم على أساس الأفضلية الذاتية. ويَروون في أسباب نزول الآية المتقدمة قصة غريبة، تجعل النبي يتراجع عن قرار قصاص لصالح امرأة، بناء على قيمومة الرجل وحقه في جلدها وصفعها. وهذا تفسير تعسفي للآية، وعدم تدبر في قراءتها.

الرواية تتقاطع مع أكثر من مبدأ قرآني، لثبات القصاص على المعتدي أيا كان، وليس هناك استثناء للزوج وغيره. و"ما عارض القرآن فاضربوا به عرض الجدار"، كما في الحديث. وهذه ضابطة مهمة. واما الأفضلية الذاتية للرجل على المرأة المدعى هنا، فليست ظاهرة في الآية. والقرينة غير صارفة للمعنى، لوجود قرائن خارجية تفسّر معنى الأفضلية. اذاً فهناك فضل لكليهما كل حسب دوره في الحياة، فكما ان للرجل فضلا لقدرته على ادارة شوؤن العائلة خارج المنزل باعتبار خصائصه الجسدية، كذلك المرأة لها فضل في تدبير شؤون العائلة داخل المنزل باعتبار صفات الأمومة ورحابة الصدر وقدرة على مداراة الاطفال. فالآية تقول فضلّنا بعضهم على بعض، ولم تحدد .. فالمسؤولية بما فضله، لكن هذا التفضيل لا ينفي فضلها في موارد اخرى. ويعضّد هذا الرأي ان التقوى هي ميزان التفاضل بين الناس قرآنيا: (إن أكرمكم عند الله اتقاكم). وفي الحديث: (لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى).

ثم لماذا تكون للرجل أفضلية مطلقة كما يعتقدون والشريعة تساوي بينهما في جميع العبادات والتكاليف، وفي الثواب والعقاب؟ اذاً لازم المساواة في التكاليف عدم وجود أفضلية ذاتية.

القوامة: وفقا للتفسير الصحيح تعني صلاحيات محددة ضمن مسؤولياته في الانفاق على عائلته ما دام قادرا على العمل وكسب الرزق خارج المنزل وهذا ما يفسره سياق الآية. وهي صلاحيات تفرضها مسؤوليته في ادارة شؤون العائلة في ضوء دخله وميزانيته، كالتدبير الاقتصادي مثلا، او فرض بعض الضوابط للعائلة عامة والمرأة خاصة. فالقوامة اذا صلاحيات ضمن مسؤولياته. وهي أمر طبيعي لكل من يتولى شأنا ماليا، ويكون مسؤولا عن الانفاق، وحتى المرأة عندما تكون مسؤولة عن شأنها المالي تتخذ بعض القرارات لتقنين عملها.

اما شرطا القوامة كما جاء في السؤال، فبعض يرى ان كلا الأمرين (بما فضل الله وبما أنفقوا) شرط فيها، كي تبقى قيمومة الرجل، حتى لو لم يتمكن اقتصاديا، لان الرجل يبقى رجلا بخصائصه الجسدية (اي كونه رجلا وهي انثى)، هكذا يعتقدون بناء على الأفضلية الذاتية. لكن القوامة بمعنى المسؤولية كما بيناه تنتفي مع انتفاء أحد الشرطين او كلاهما. فالرجل العاجز جسديا يعجز اقتصاديا فتسقط مسؤوليته وتنتفي صلاحياته. او بعبارة اخرى تنتفي قيمومته كما في التعبير القرآني. وايضا تسقط اذا عجز عن النفقة، مع عدم القول بالأفضلية الذاتية.

وبشكل أوضح للرجل صلاحية ادارة شؤون المنزلما دام ينفق، وهذا هو الشرط الأول، وما دام انفاقه من كسبه وتعبه بما فضله الله بقدراته الجسدية، وهذا هو الشرط الثاني. فاذا كان يعمل ويكسب ولا ينفق، فلا قيمومة له. واذا كان ينفق لا من كسبه، كما بالنسبة لكثير من الرجال في الدول الغربية ذات الضمان الاجتماعي، فهل له قيمومة، اي صلاحيات خاصة به؟؟؟ ظاهر الآية تجعل كلا الامرين شرطا، اي ينفق ونفقته من كسبه وعمله، فتنتفي صلاحياته وقيمومته مع انتفاء احدهما او كلاهما. "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (وهي القدرة الجسدية للرجل كما يفسرها السياق). وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (أي من اموالهم التي اكتسبوها بجهدهم). اما الأموال من غير كسبه لا يصدق انها أمواله، حتى مع التملك، لان الجهة التي منحته المال قادرة على سحبه، على العكس من المال المكتسب بجهده، فلا يحق لأحد مصادرته. ولاشك ان هذه وجهة نظر أخرى، (ويبقى هذا الرأي في حدود إثارة أولية).

ثمة ملاحظة، ان جو الآية يشعرك بانها تلزم الرجل بمسؤولياته لما يتوفر عليه من خصائص، وتدعوه لعدم التخلي عنها، وتمنحه بعض الصلاحية بناء على هذه المسؤولية، وهذا أمر طبيعي ، لكل مسؤولية صلاحيات . تقول له "لا تتخلَ عن مسؤولياتك في الانفاق، وانت مسؤول وقيم على هذا الأمر"، لان بعض الرجال يتخلى عن مسؤولياته ويترك العائلة في وضع محرج. اذاً فمن يتشبث بهذه الآية لاثبات ولاية الرجل على المرأة عليه التدبر أكثر فيها ضمن السياقات القرآنية، وليتأكد من مدى التزام الرجل بواجباته تجاه زوجته بدلا من البحث عن حدود سلطته وولايته بمعنى التسلط التعسفي. واما الروايات فلا تثبت حجيتها عندما تتعارض مع القرآن الكريم.

لكن للاسف الشديد هذه الروايات وإن لم تكن صحيحة سندا او دلالة، الا انها تعكس ثقافة ذلك الزمن، ورؤيتهم للعلاقة بين الرجل والمرأة، انها ثقافة متدنية، متوحشة، عدوانية. تضطهد المرأة شريكة حياة الرجل في جميع المجالات. وكأن المرأة ند وخصم وليس شريكا وحبيبا .. وليست زوجة واختا وبنتا، وانها نصف المجتمع وجوهره. والفقيه للاسف الشديد لم يعِ متطلبات العصر والزمان، ومناسبات الحكم وموضوعه، فتلبّس بثقافة ذلك الزمان نفسها في تفسيره وفهمه للآية. بعد ان تشبّع عقله بثقافة ذكورية تسلطية، فكيف لا يفسّر الآية وفقا لهذا المنطق؟

 

س32: د. ماجدة غضبان: كلمة قَوَّامُ التى أنزلت فى الآيات: النساء 34 و135 والمائده 8 والفرقان 67، لا تخرج عن معنى القائمين بالحق والعدل، إذ لا يمكن أن يكون معنى قوامين لله بمنزلة تسلطهم عليه، ما هو رأيك مع ورود نفس الكلمة بمعناها الواضح ولا لبس فيه، فمن يفسرها قائما بالعدل هنا، لا يمكن أن ينقضها بفرضية إمتلاك السلطة لمن هو قوام بأفضليته وهي التقوى عند الله لا غيرها، أي أن يكون الرجل عادلا مع المرأة بما قسمه الله له من تقواه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء:135).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8)

وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴿٦٧) الفرقان

ج32: ماجد الغرباوي: القوامة لها أكثر من دلالة لغويا حسب موضعها في الآية. ففي الآية الأولى كما مر تعني: القيام بالأمر. وفي هاتين الآيتين تعني الرعاية والحفظ والتمسك. فتحثان على العدل والقسط بالقضاء والشهادة، كتجلٍ للتقوى.

نعم من حيث المبدأ اتفق معك في ما ذهبت اليه .. القوامة لا تعني الولاية والتسلط كما يقولون. انه فهم يتنافي مع العدل والمنطق القرآني. الله لا يحب الظلم، والاسلام يدعو للسلم والوئام، فكيف يعطي ولاية المرأة لرجل تعصف به الأهواء والرغبات؟ وهل هناك أشد من الانسان ظلما؟ ان الانسان "ظلوما جهولا".

القوامة صلاحيات تقتضيها مسؤولياته في الكسب وتوفير النفقة، من أجل تدبير ورعاية المنزل، وليس ظلما وسيادة. ومن باب أولى ان يكون عادلا ومنصفا، لا يظلم عياله وزوجته خاصة. فما دامت القوامة مسؤولية فهي تستبطن العدل. وبالتالي هل لغير العادل قيمومة على زوجته او على عياله من النساء؟. وربما هذا ما اردت قوله من خلال الاستشهاد بالآيات المتقدمة. والجواب: اذا قلنا ان القوامة مسؤولية وهي تستبطن العدالة، فغير العادل والظالم من الرجال تسقط قيمومتهم، ومن حق المرأة ان تتمرد على أوامره، ما دامت ظلما ضدها وضد عيالها .. القوامة قلنا صلاحيات للرجل ضمن مسؤولياته، ومعنى صلاحيات ان يتخذ قرارات من أجل تقنين موازنته المالية، ولصالح العائلة، وهذا يعني التزام المرأة بهذه القرارات ما دام صدورها ضمن صلاحياته وبحق، ومع عدم العدالة لا تبقى مصداقية لقراراته، لان شرطها صلاح الشأن العائلي، وهذا ينتفي مع الظلم وعدم العدل، اي تقويض لقيمومته. لا يحق للرجل ان يوظف صلاحياته وسلطته لاضطهاد الآخرين خاصة عياله وأهل بيته. الاسلام لم يفوضه بذلك اطلاقا. وأي تجاوز يحاسب عليه لو ارادت المرأة الترافع ضده للقضاء.

 

س33: د. ماجدة غضبان: بالنسبة لفضل الرجل على المرأة من ناحية التفوق العقلي فقد بطل، حيث أثبتت البحوث ان المرأة تفكر بطريقة الشبكة العنكبوتية، وتتمكن من إدارة أكثر من شأن في نفس الوقت، في حين يفكر الرجل بطريقة الصناديق، أي فصل الأفكار عن بعضها البعض، وبالتالي فهو معني بشأن واحد حتى ينجزه، وهذا طبيعي فالمرأة معدة فسيولوجيا للإعتناء بالآخرين كأم، حصيلة النتائج العلمية لنشاط المرأة الدماغي هو في تفوق بالغ على الرجل لأرتباط نشاطها العقلي بالعاطفة، هذا الإرتباط الذي يجعلها أكثر دقة بالإضافة الى إمتلاكها لذاكرة متقدة.

أما فيما يتعلق بالقوة الجسدية فلم تعد ذات شأن في عالم تحكمه الأزرار، ما هو رأيك بالمقارنة مع ما ذهب اليه الفقهاء في حساب أفضلية الرجل على أساس حمله للسلاح والمرأة تحمله وتقاتل، وقوته الجسدية التي لم يعد لها من مسوغ مع التقنيات، وقدراته العقلية التي دحضها التعليم وتفوق المرأة عمليا، وقيادته للأسرة التي باتت مشتركة لا يمكن له القيام بها وحده لجسامتها؟

ج33: ماجد الغرباوي: نعم، وهذا الكلام يعزز نفي الأفضلية الذاتية كما تقدم. وهو كلام صحيح، نعيشه حاليا بكل تجلياته، وامثلته باتت كثيرة خاصة في بلاد الغرب. لا اخفيك ان هذا الاشكال واجههم، فاضطروا للقول بان المقصود بالآية قيمومة جنس الرجال على جنس النساء، وليس كل رجل له قيمومة على كل امرأة، ونحن نشاهدها الان تتسلم ارفع المناصب والمسؤوليات. لكن هذا التعليل ايضا لا يستقيم ومعنى القوامة كما اتضح سلفا.

للاسف المنطق الذكوري يملي عليهم تفسيرات، تكون المرأة ضحيتها دائما، لذا مثلا قالوا كما تقدم ان قيمومة الرجل لا تسقط مع عدم قدرته على الانفاق، لانه سيكون قيما بما انه رجل فضله الله على المرأة!!!. وهذا لو صدق في زمن النزول، باعتباره مجتمعا ذكوريا فانه لا يصدق حاليا.

بتصوري ان الآية لها دلالات بليغة كثيرة منها اهتمام القرآن بالعائلة كأصغر وحدة في المجتمع، وفقا لرؤيته في بنائه. إذْ المعروف ان الاسلام يرى ان العائلة هي الوحدة الاساس في المجتمع وليس الفرد كما في الانظمة الاخرى، ولكنه ايضا لا يهمل الفرد وبناءه عقائديا ونفسيا من أجل نمو فرد صالح، باعتبار ان صلاح المجتمع من صلاح الفرد. لكن يركّز على العائلة ويتخوّف من انفراطها، وهذا المنطق جلي في عدد من الآيات التي أمرت الفرد باحترام الأبوين، بعد ان نظّمت علاقاته بجميع اقربائه. فآية: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) مثلا تمنح ركيزتي العائلة وأساس تماسكها (الأبوين) مكانة مميزة، كل ذلك من أجل بناء عائلة يتماسك بتماسكها المجتمع. ومن هذا المنطلق تأتي آية توزيع المسؤولية بين الرجل والمرأة.

المجتمع الصالح سيدتي لايبنى بالتسلط والاستبداد والظلم، وانما بالتسامح والتعاون والمحبة والتفاهم والانسجام، فالآية بعيدة عما ذكروا وفقا لمنطق القرآن. اذاً ما تفضلت به صحيح. واليوم تلعب المرأة دورا كبيرا في المجتمعات الراقية، ولعل مثالا بسيطا قرأت وشاهدت فلما وثائقيا قبل ايام عن الطيارات الايرانيات، وهي دولة دينية متشددة، شاهدتها وهي تستقل طائرتها الحربية بحجابها الاسلامي، وتصوّب على الهدف بدقة .. وفقا للمنطق الذكوري هذا لا يصح، لانه يمنح المرأة مسؤولية اتخاذ قرار خطير، وهذا ليس من مهمتها!!!. وهذا ان دل عل شيءء فانما يدل على انفتاح العقل الديني، وتراجعه عن بعض الرؤى والمفاهيم القديمة. ولا شك ان الواقع هو الذي أجبرهم عليه.

 

س34: د. ماجدة غضبان: بنظرك استاذ ماجد على مَن تقع مسؤولية الفهم الخاطئ للنصوص القرآنية، وانت تعلم جيدا مكانتها في وعي الفرد والمجتمع؟

ج34: ماجد الغرباوي: ملاحظة مهمة، هناك فهم لا ينسجم مع تطور الحياة، ففتاواهم ما زالت تراوح في القرن الأول الهجري، وما زالت مواضيع الاحكام في نظر الفقهاء ثابته كما هي، بينما الواقع ينفي ذلك. اعتقد ان الفقهاء بحاجة ماسة للخروج من نفق التاريخ، وعليهم أن يعيشوا الواقع كما هو كي تكون فتاواهم وآراؤهم منسجمة مع الحياة والتطور العام على جميع المستويات. يبقى املاً، لكن هل يتحقق؟؟. المرأة ليست مجرد كائن تصب عليه الأحكام، انما هي كيان بشري، يتطور، فالمرأة الان غير المرأة في ذلك الزمان، والمرأة التي كانت موضوعا للحكم الشرعي آنذاك، لا تنطبق عليها ذات الشروط راهنا في أغلب الأحوال. فكلامك يعزز ما نقول.

والنص الديني يوجّه وعي الفرد والمجتمع، وما لم تقدم تفسيرات وقراءات في ظل الواقع، سوف يعاني الفرد في تخلفه، او يتمرد ويرفض كل ما يمت للدين من صلة، اذا شعر انه سبب معاناته وتخلفه. وللانصاف اقول: هناك فارق بين النص الديني والفكر الديني، وما بأيدينا فكر ديني يمثل وجهات نظر، واجتهادات لمفسرين وفقهاء. ويبقى النص الديني مفتوحا، وبالامكان تقديم قراءات اكثر نضوجا وانسجاما مع الواقع.

لا يمكن للفقيه ان يقدم قراءة منتجة راهنا بسبب المنهج في استنباط الاحكام الشرعية، ومنظومة الاصول والمبادئ التي اعتمدها في عملية الاستنباط، والتي تحولت الى قيود كبلت عقله وابداعه. وكذلك طريقة فهمه للعلاقة ما بين الروايات والقرآن. فمثلا وفقا لمنهجهم يمكن للرواية ان تقيد او تخصص الآية، وقد اثبت في كتبي قرآنياعدم صحة ذلك، يجب ان يحافظ القرآن على قيمه ومبادئه كي تكون فاعلة، ويجب عدم التضحية بها لصالح فهم مبتسر ، أو عصر معين .

سيدتي، رجل الدين هو المسؤول الاول، لانه يتحكم بوعي الناس، وانت تلاحظين كيف ينصاع الفرد في مجتمعنا لآرائه واقواله، ولا يناقش فيها مطلقا. انا لست ضد الاختصاص، لكن ضد اللعب على وعي الناس باسم الدين والاسلام، وضد تزييف الوعي. رجل الدين للاسف الشديد ما زال ينعت في كتب الفقه قاطبة الناس بما فيهم من طاقات علمية واكاديمية ينعتهم بالـعوام. ويسمي من يتابعه ويسترشد برأيه في فتاواه: (مقلّد)، بكل ما يعني هذا المصطلح البائس من تعسف واهانة، وسلب لارادة وحرية الناس، لان التقليد يعني بصراحة (تقريد) الفرد، القرد فقط من يقلد الآخرين لا عن وعي. وهم يشبهون الناس بالقرد دون اي وازع، والفرد ينصاع بارادته، ولا يسمح لنفسه مناقشة حتى الواضحات، وفقا لمبادئ القرآن. فالمسؤولية تقع على رجال الدين من جهة وعلى الناس المقلدين لهم من جهة ثانية. نحن نعيش واقعا مزريا، وتخلفا مقيتا. فكيف لا تظلم المرأة في مجتمعنا. تصدى رجل الدين ووضع احكاما لكل تصرفاتنا، وكأننا كأئنات بلا عقل، لكننا قبلنا كل شيء. بل تدخل حتى بكيفية قضاء حوائجنا، يا للمهزلة، ونحن ننصاع له، هل ندخل الرجل اليمنى قبل اليسرى ام العكس، وهل نجلس وساقنا مفتوحة الى جهة اليمين ام الشمال. انا استغرب ما دخل الكراهية والحرمة في هذه المسائل؟ لكن رجل الدين يريد ان يتحكم بنا. والا فان عدد المحرمات في القرآن محدودة، فمن اين جاء بهذا الكم الهائل من الاحكام؟؟؟ هل يريد ان يقول لنا: هناك احكام شرعية لكل حركاتنا وسكناتنا؟ اذا ما دور العقل، وما دور التجربة والذوق والمزاج في حياتنا؟. ام نبقى ننتظر الفقيه في كل شؤون حياتنا؟؟ العالم يتطور، ونحن ما زلنا ننتظر!!!

الفقيه عندما يفسر القوامة بالتسلط، ويسمح للرجل حتى جلد وضرب زوجته بناء على بعض الروايات الضعيفة، فهو يؤسس لمنطق ذكوري، بل يؤسس لواقع بائس باسم الدين والقرآن والاسلام، وهنا تكمن الخطورة، وهنا المأساة التي لا يلتفت لها احد، او لا يريد ان ينتبه لها احد. وهنا يكمن ايضا سر اشغال الناس بطقوس وعادات بعيدة عن الدين.

 

قوامة الرسول على زوجاته

س35: د. ماجدة غضبان: نعود لموضوع القوامة، اذا كان الإنفاق أحد شروط القوامة، فهل كان الرسول قوامّا على زوجه خديجة الكبرى وهي ذات مال لا يملكه هو، أم ان الحكم بالآية بعد نزولها ولا يشمل ما سبق؟

ج35: ماجد الغرباوي: السيدة خديجة زوجة الرسول توفيت ثلاث سنوات قبل هجرته للمدينة، وقيل قبل فرض الصلاة كفريضة على المسلمين، وسورة النساء مدنية، فلم تدركها.

ولو فرضنا جدلا ان الرسول غير قادر على الانفاق، يفترض انطباق الحكم عليه، لكن من من نسائه تتخلى عن حكمته ورعايته، والقرآن يخاطبه وأنك لعلى خُلق عظيم؟؟؟ كما ان الرسول مفترض الطاعة من زاوية أخرى باعتباره نبيا وقائدا، (اطيعوا الله واطيعوا الرسول)، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). فهذه الآيات تتقدم على غيرها.

 

س36: د. ماجدة غضبان: هذا إنزلاق ماهر خارج شرك الجواب، وهل يمكن لزوجات الرسول الإعتراف انه لم يكن مُرضيا لرغباتهن؟، أو انه لم يعدل؟ أو كان مقصرا على نحو ما، وللرجل العادي سلطة توازي قول الرسول: (لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)؟.

ج36: ماجد الغرباوي: د. ماجدة، لو ان نبيا ظهر وكان غير عادل، متعسفا مع عياله وزوجاته، هل سيؤمن به احد؟ .. يوما صاح اعرابي في المسجد بالنبي "أعدل يا محمد"، فقال له الرسول: ويلك اذا انا لم اعدل فمن يعدل؟ .. والقرآن يصفه بانه على خلق عظيم .. ثم وهذا الأهم لم تتسرب عن نسائه اي شكوى، حتى بعد وفاته .. والقرآن يخاطبه في آية آخرى: "وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ". وكيف لا يثقن برعايته، وهو المصطفى من قبل الله تعالى لتبليغ رسالته، ورعاية دينه؟. ثم سيرته محمودة منذ طفولته وقد ثبت التاريخ ذلك، فلم يسجل عليه ملاحظات تخدش عدالته.

 

س37: د. ماجدة غضبان: الصحراء تمجد الظالم القوي صاحب السطوة، وما حكم بنو أمية الناس الا بهذا كله، هذا ليس دليلا على عدالة النبي. مثلما القرآن كله ليس دليلا على خُلق النبي لمن هو غير مسلم، فالإستشهاد بكتاب يعتبر عماد الإسلام ليس داحضا لما هو عكسه الا لدى من هو مؤمن به، كيف تقنع من لا يؤمن بالقرآن أساسا وليس من أهل القرآن؟

ج37: ماجد الغرباوي: صحيح ان الصحراء تمجد القوي وتهابه، لكن النبي ليس سلطانا، وانما نبي يدعو الى وحدانية الله والى دين جديد يخالف معتقداتهم، وكان فردا، ثم انتشر الاسلام وصار قوة. ليس هناك اي دليل يؤكد ان النبي سلطان او ملك او رئيس ولم يدع ذلك مطلقا. حتى (وهذا شاهد تاريخي) عندما اوقف العباس عم النبي ابا سفيان ليشاهد جموع المسلمين وهي تدخل مكة، قال ابو سفيان: لقد أصبح ملك ابن اخيك عظيما، فرد العباس عليه، قال: انها النبوة وليس ملكا.

فاذا كنت تقصدين ان عدم وجود اي شكوى من نساء النبي دليل عظمة سطوته وليس عظمة خلقه، اقول ان ما بأيدينا من نصوص اساسية تؤكد انه ذو خلق عظيم، كما في الآية الكريمة، وكما هو المعروف عن سلوكه. وانت تحتاجين الى دليل يعزز ما تذهبين له. وقد ذكرت شواهد من أقواله تحث على مراعاة الزوجة والاهتمام بها.

النقطة الثانية كما جاء في السؤال: ان القرآن ليس حجة الا على من يؤمن به. هذا الكلام ايضا صحيح. واما كيف نقنعهم، فهذه مسألة اخرى، تعتمد على مدى موضوعيتهم، وبامكانهم حينئذ القيام بمسح تاريخي عبر المدونات التاريخية، والتأكد من كل شيء. اما اذا كان الآخر عدوانيا او منحازا او ايديولوجيا ذا موقف مسبق من الرسول ودعوته فسوف لن يقنعه اي شيء، ومثل هذا الشخص مستعد لارتكاب مغالطات فظيعة على حساب الموضوعية. وهذا لا شأن للبحث العلمي به اطلاقا.

 

س38: د. ماجدة غضبان: قوله: (ويلك، إذا أنا لم أعدل فمن يعدل)، هل تجدها حجة بليغة، أم تلويحا بعقوبة ان لم يصدقه؟

ج38: ماجد الغرباوي: لا ليس تلويحا بالعقوبة، إنما أراد النبي بكلامه ان يلفت انتباه القائل الى انه نبي مرسل من السماء، وشرط النبوة ان يكون النبي عادلا صادقا، والا كيف يتحمل مسؤولية الرسالة؟ وكيف يصدقه الناس؟. لهذا قال اذا انا لم اعدل فمن يعدل، وحقا ما يقول.

اما ان قوله (ويلك) كان تلويحا بالقوة، باعتبار ان كلمة ويل تستبطن ذلك، كما تقولين، فهذا غير صحيح، لان للقوة اساليبها، فبامكانه ان يدعو اصحابه فيأخذونه بجريرته، وهذا لم يحصل. محمد سيدتي نبي مسؤوليته اقناع الناس بعقيدته ورسالته، لهذا القرآن يخاطبه: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك). فلا اجد اي تهديد في قول الرسول. بل في رواية خطبة الوداع انه سأل المسلمين اذا كان لاحد عليه حق، فقام رجل وقال انا يا رسول الله: لقد ضربتني يوما ما وانا اطالب بحقي، فقال له الرسول تعال، وهيأ له الاسباب كي يقتص منه، وبدلا من ضربه قبّل الرسول من بطنه وبكى ثم قال بأبي وامي انت يا رسول الله. وهذا الشيء لا يعمله سلطان او زعيم مطلقا كائنا من كان، الا اذا كان نبيا.

ثم كلمة (ويل) لا تعني هلكت دائما، بامكانك مراجعة المصادر اللغوية كالمفردات في غريب القرآن للراغب الصفهاني، حيث يقول: قد تستعمل (ويل) للتحسّر ، وقد تستعمل لمعانٍ أخرى حسب السياقات التي ترد فيها ..

 

القراءات الخاطئة للنص

س39: د. ماجدة غضبان: لي سؤال وانا اتابع معك نصوص القرآن الكريم: كيف يمكن التخلص من شراك القراءات الخاطئة، بل كيف يمكن التحرر من سطوة النص الديني ورجل الدين، ما دام هو المسؤول الاول عن تردي الوعي؟

ج39: ماجد الغرباوي: ايضا ملاحظة قيمة شكرا لك ولنباهتك. رغم انه موضوع مفصل ومعقد، لكن أوجز حسب مقتضى الحوار.

اولا: ان تتولى النخبة المثقفة اشاعة ثقافة النقد وبكل جرأة، وان لا تتهيب احدا، لكن بشرط ان يمتلك من يتصدى للنقد ادوات النقد، وان يكون ملما في الموضوع الذي يروم نقده.

ثانيا: تعرية الممارسات الخاطئة والمضللة، من اجل معرفة الحقيقة من قبل الناس جميعا، وان لا يكون التلبس بالدين حائلا دون ذلك.

ثالثا: توجيه الناس نحو الواعين والمنفتحين من العلماء والفقهاء والمفسرين، اذ لا تخلو الساحة منهم وفي كل زمان، ما دام الفرد في مجتمعاتنا مرتهنا في وعيه لرجل الدين، يوجهه ويوجه سلوكه.

رابعا: توجيه الناس لقراءة الكتابات النقدية، وهي كثيرة، وتعميق الثقة بها، من خلال ما تطرحه من ارقام وحقائق.

خامسا: تشجيع الناس على مناقشة رجل الدين فيما يطرحه على منابر المسلمين التصدي لآرائه وممارساته الخاطئة.

سادسا: اعتماد منهج نقدي في المناهج الدراسية على اختلاف مستوياتها العلمية ولا سيما فيما يتعلق بمادة الدين الاسلامي والتاريخ واعتماد تفسيرات تهتم بمتغيرات العصر، والتأكيد في هذه المناهج على إشاعة ثقافة السؤال والبحث عن أجوبة تعالج إشكاليات العصر ومصالح المسلمين بعيدا عن تحجر فكر الفقهاء وسكونية آرائهم .

majeda gathban4majed algarbawiaخاص بالمثقف (1): الاستاذ ماجد الغرباوي كاتب وباحث مستنير، امتازت بحوثه بنهج الاعتدال والايمان بالتغيير الكامل، الذي يشمل المنظور المتجدد للقضايا والمسائل الاسلامية، واعادة قراءة النصوص القرآنية ضمن الأطر الزمانية والمكانية المتغايرة.

كان لنا مع هذا العقل المتفتح الحوار التالي، شاكرين صبره وسعة صدره، فأهلا وسهلا بك في باب مرايا في صحيفة المثقف:

 المرأة في كتاب الله:

بين الذات الآلهية والتفسير البشري القاصر لآياته البينات.

 قبل الحوار

ماجد الغرباوي: ينبغي التنبيه في اول الحوار الى قضية مهمة، وهي: ثمة من يعتقد بمرجعية وقداسة القرآن مطلقا، في قبال من ينفي عنه ذلك. وبالتالي فزاوية النظر تؤثر في فهم النص بين التأويل والنقد. لكن الجميع يعتقد ان القرآن نص متعال في نسقه الكلي، بلاغيا او في بنائه النصي، او من خلال وسطيته وعقلائيته، او اخباراته التاريخية والعلمية، غرائبيته وتشريعاته، وأشيءاء اخرى كثيرة. وهذا ليس رأيا شخصيا. وعليه نحن نتعامل مع النص بما هو نص تاريخي، دون انحياز لأي من زاويتي النظر، سواء كان وحيا او تأليفا .. فهذا لا يهمنا حاليا، الا في سياق الأسئلة.

ثم ليست مهمتنا اقناع القارئ، لان الايمان شرط القناعة. انما يهمنا تحري الموضوعية في قراءة النص، ومدى صلاحية أحكامه في زمن الصدور، اما امتداداتها فهي خاضعة لشروطها التاريخية والموضوعية. وهذا منهج يتقاطع مع منهج من يعتقد ان الأحكام مطلقة في فعليتها، زمانا ومكانا، لانها أُخذت في نظره على نحو القضية الحقيقية. بينما فعلية الأحكام كما نعتقد تتوقف على فعلية موضوعاتها، ولا تكون كذلك الا بفعلية شروطها وقيودها كاملة. من هنا تأتي أهمية البحث التاريخي للنص، لانه يسلط الضوء على موضوع الحكم وخصوصياته. فكم من حكم شرعي بات لا موضوع له راهنا.

 

المرأة في كتاب الله

س1: د. ماجدة غضبان: هل خاطب الله سبحانه وتعالى المرأة كانثى في كتابه الحكيم؟ اين ذلك؟

ج1: ماجد الغرباوي: د. ماجدة، اسئلة طافحة بالمرارة، للاسف ما زالت المرأة تبحث عن انسانيتها وتأكيد ذاتها.. اسئلة تكشف قسوة المجتمعات .. وثقل الأغلال .. والمشكلة الأساس ليس في الأعراف والتقاليد فقط، وانما القراءات الخاطئة للنص الديني، المتمثلة بفتاوى الفقهاء وآرائهم القاصرة عن إدراك مقاصد الشريعة وغاياتها واهدافها. واحب ان انوه ان ما سأدلي به هنا يمثل رأيي الشخصي، وانا مسؤول عنه، سواء اتفق مع آراء الآخرين أم لا.

كما ان الأ جوبة جاءت وفقا للمنظور الديني بحكم الاسئلة المطروحة، للتعرّف على اشكاليات التشريع، في ظل تطور حضاري، تبدو فيه التشريعات الاسلامية متخلّفة قياسا بمكانة المرأة وحقوقها راهنا. وهذا يعني ان التفاعل مع الاجوبة يشترط ثقافة دينية اولا. اما الحديث عن التحرر الكامل، بعيدا عن التشريعات الدينية، أيا كانت، فمجاله غير هذا الحوار. لان الاجوبة هنا محكومة كما قلت بالاسئلة وطبيعة طرح د. ماجدة غضبان المشلب.

نعود للسؤال: هناك عدة مستويات لتعامل القرآن الكريم مع المرأة، منها، خطابه لها كانثى تشارك الرجل في تكوين المجتمع، انثى لم ينقص انسانيتها، ولم يعتد على شخصيتها، مثل:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). فالذكر والأنثى نواة النسيج الاجتماعي برمته. وجاء بلفظ الذكر والأنثى لأنهما الأساس في تكوين الشعوب والقبائل. وعندما رتّب الأحكام في نهاية الآية رتّبها على كليهما من غير تمايز: "التعارف" في الحياة الدنيا، و"الجزاء" في الآخرة على أساس التقوى. وهذا اللون من التعامل أوضح مصاديق المفهوم الانساني للذكر والأنثى. وتعضّد هذا المعنى مجموعة آخرى من الايات القرآنية:

(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ).

فبعضكم من بعض تعني ألا أفضلية في الخلق بدءاً ، وهذا هو الأساس في التكافؤ الإنساني التام.

وايضا قوله تعالى:

(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا.

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

اذاً لم يُنقص القرآن من انسانية المرأة، لا في بداية الخلق، ولا في اليوم الآخر مرورا بالحياة الدنيا. من هنا نكتشف كذب الأساطير والحكايات والمرويات التراثية التي تنتقص انسانية المرأة، استنادا الى نصوص دينية منحولة. او تنسب لله عزوجل ما لم يصرّح به. أما نظرة المجتمع للمرأة فشيءء آخر، قد تقترب من الرؤية القرآنية او تجافيها، حسب الظروف الاجتماعية، والعادات والتقاليد، فلماذا دائما تحسب على الدين وهو براء منها؟

 

س2: ماجدة غضبان: وهل خاطب المرأة كأنسان في كتابه الحكيم؟

ج2: ماجد الغرباوي: بلا شك خاطب القرآن المرأة كانسان في:

- جميع الآيات التي خاطبت الانسان بما هو انسان فتشمل باطلاقها الرجل والمرأة، ولا تخصيص له دونها، وهي الآيات التي تتحدث عن الانسان بما هو انسان.

- وكذلك الآيات التي تخاطب الناس، وليس الناس سوى الرجال والنساء، بدليل الآية المتقدمة، انا جعلناكم شعوبا وقبائل.

- وكل الآيات التي تنص عليها كمؤمنة.

فليس هناك آية تسلب المرأة انسانيتها. والتفاوت في بعض آيات التشريع لا يعني نقصا في انسانيتها اطلاقا، خاصة عندما تقرأ الآيات ضمن سياقها وخلفيتها التاريخية والاجتماعية، بل ربما تعد ميزة وانصافا وتكريما لها. ولا أقصد (بهذا الكلام) التبرير، ولكن هذا ما أفهمه من سياق الآيات ضمن خلفياتها وما اكتنفها من ظروف، وليس منقطعة عنها كما هو المنهج السائد لدى الفقهاء للاسف الشديد.

 

س3: د. ماجدة غضبان: وعندما خاطبها كأنثى، هل اعتبرها شريكا للذكر ام خاطبها بشكل مستقل؟

ج3: ماجد الغرباوي: خاطبها بالحالتين، خاطبها باعتبارها شريكا للذكر كما تقدم في تكوين النسيج الاجتماعي، عندما قال: يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى. والشراكة بين الذكر والانثى واضحة في هذا الخطاب القرآني.

وايضا خاطبها عندما نسب خلقهما له، ليؤكد استقلالية الخلق لكليهما : (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى) ، وليس كما يشاع بأن المرأة خُلقت من ضلع الرجل مثلا، وانما هي كيان انساني مثلها مثل الذكر خلقها الله تعالى.

واذا كان المقصود من (هل اعتبرها شريكا للذكر؟) هو سؤال عن المماثلة، اي: هل انها مثله في الانسانية والحقوق والواجبات؟ .. اقول نعم هي مثله تماما في انسانيتها، ولم ينقصها القرآن ذلك، ولها حقوق وعليها واجبات، ودليلنا الآيات الآمرة والناهية، فهي شاملة باطلاقها للذكر والانثى، للمرأة والرجل معا، كما ان العقاب والثواب في الآخرة شامل لهما.

وايضا خاطبها بشكل مستقل في الحالات التي تخصها دون الذكر، او لتأكيد وجودها واستقلاليتها، كما في الايات التي تشتمل على كلمة مؤمنات، او نساء، او امرأة.

 

س4: د. ماجدة غضبان: وفقا لما ذكرت من آيات فإن الله قد خاطب المرأة كما الرجل، فيما وقفت الأعراف والتقاليد حائلا بين المفسرين وبين القراءة الصحيحة؟

ج4: ماجد الغرباوي: بالتأكيد كما تقدم ان القرآن الكريم خاطب المرأة: كانسان .. كشريك في تكوين النسيج الاجتماعي .. كأم .. كأنثى .. كبنت .. كأخت وزوجة .. وخاطبها مباشرة بما يخصها من تشريعات، وهي خطابات ثابتة ومدونة وخالدة بخلود الكتاب الكريم، ولم يهملها او يتجاهلها اطلاقا، ولها ما للرجل من ثواب على اعمالها يوم القيامة، وعليها ما عليه من عقاب في حالات المخالفة، كما انهما متساويان في الآوامر والنواهي الالهية.

اما عن دخول الأعراف والتقاليد حائلا بين المفسرين وبين القراءة الصحيحة، فهذا كلام صحيح فهي تؤثر في فهم النص وتفسيره، لكنها لا تنفي الخطابات القرآنية. وهذا فرق كبير، لذا علينا ابتداء أن نميّز النص الديني عن غيره .. النص الديني هو القرآن الكريم، والصحيح من الروايات. وما عدا ذلك يعد فكرا دينيا، وهو خاضع لشروطه التاريخية، وقبليات قائله، ومنها الأعراف والتقاليد. أقصد ان التفسير يخضع لفهم المفسّر، وقبلياته وظرفه الاجتماعي والسياسي بل وأهوائه. وهو يختلف من زمان الى آخر، ومن مفسّر الى آخر. ونحن غير ملزمين بالاخذ به او التعبّد بهذه الاقوال، مهما كان قائله، لان كل مفسر لا شك يتأثر ببيئته وخلفيته عند قراءته لاي نص من النصوص، بما في ذلك القرآن الكريم. حتى بالنسبة للاجيال الاولى. قلت ذلك صريحا في كتابي: (اشكاليات التجديد) بأن الزمن يحدد فهمهم للنص، فليس هناك اطلاق في فهمه، ولكل عصر قراءته وفهمه. ولنا فهمنا وفقا لقبلياتنا وثقافاتنا وحاجاتنا.

اذا الحجة الشرعية هي الكتاب المبين والحديث الصحيح الذي يفسّر النص (في تفصيلاته التشريعية وبعض جوانبه). وما عدا ذلك يقبل النص الديني أي تفسير ضمن ظرفه وشروطه. ولا شك ان النفوس الذكورية والاعراف والتقاليد، لعبت دورا في تفسير النص لصالح الذكر ضد الانثى، وهي تفسيرات وليدة عاداتها وتقاليدها وفهمها، وليست بحجة علينا. ويجب ان يكون لنا تفسيرنا ضمن ظرفنا التاريخي. وهذا الكلام لا يعني الشمول ابدا، فهناك كثير من التفاسير الموضوعية، لكن قد نراها تجافي المرأة على خلفية فهم المفسّر، ومبناه في توثيق الروايات، ومدى قبوله لها. او مدى تأثّره بالتراث او بواقعه. او بسبب خلفيتنا نحن، واختلاف الزمان، ورؤية الرجل مطلقا للمرأة ودورها في المجتمع.

فالقياس هو القرآن وليس قول المفسر او الفقيه، ومتى ما انتابنا الشك في اقوالهم نعود للقرآن نستنطقه كي نتعرّف على الحقيقة.

 

س5: د. ماجدة غضبان: هل تظن ان الدين ظل سجينا في كتاب الله ولم يُفسر تفسيرا واقعيا، ولم يخرج للناس ابدا؟

ج5: ماجد الغرباوي: انا لا اقول ان الدين ظل سجينا في كتاب الله ولم يخرج للناس، ولكن اقول هناك قراءات خاطئة، قدّمت رؤية مبتسرة عن الدين، في ضوء تفسيرها للقرآن الكريم. قراءات لا تنتمي للواقع ولا للعصر، خاصة القضايا الفقهية. قراءات عكست اسقاطات نفسية واجتماعية كثيرة، ابعدت الدين عن روحه القرآنية، سيما التفاسير التي تعتمد الروايات في تفسيرها لنصوص الكتاب المجيد. فاذا كان هذا قصدك بالسؤال، فكلامك صحيح. وما يهون الخطب ان النص الديني نص مفتوح قابل للتأويل والقراءة، لهذا هو متجدد، وننتظر من يقدم قراءة واقعية تلائم العصر وحاجاته ومتطلباته، بعيدا عن التراث ومشكلاته، لان لكل عصر ظرفه ومشاكله، ومن الخطأ ان يتحكم بنا عقل تراثي لا يفهم عنا اي شيءء.

 

س6: د. ماجدة غضبان: هل هذا يعني ان ما ندين به اليوم ونطبق أحكامه هو مجرد تفاسير مغلوطة انطلقت من نفوس ذكورية دانت بولائها للاعراف ولتسلطها التأريخي، لا لكتاب الله مخلصة؟

ج6: ماجد الغرباوي: انا لا اقول مغلوطة مطلقا ولا أعمم، ولكن فهم الانسان يختلف من زمن الى آخر، وقبليات الانسان وثقافته تؤثر في فهم النص، فالجمود على حرفية النص مثلا يؤثر في تفسيره، والارتهان للتراث يؤثر ايضا، وعدم مراعاة الواقع وحاجاته يعكس صورة مشوهة للنص. ثم كما تقولين، هناك من يلوي عنق النص من أجل هدف محدد، كما بالنسبة للتفسيرات الذكورية على حساب المرأة وحقوقها الانسانية، والأوضح منها تفسيرات الفرق والمذاهب في ظل الصراعات المذهبية التي ضج بها التاريخ. وباختصار فان التفاسير الواعية نادرة، لان اكثرها ظل مرتهنا لقبلياته وعقيدته ورؤيته الكونية، وهي تختلف كما تعلمين من مفسر الى آخر.

فما ندين به الآن هي آراء اجتهادية، والناس تتبع المجتهد في فهمه للنص، وفي فتاواه، وما دامت القضايا اجتهادية فلا يقال انها خطأ الا ما ثبت بالدليل، لكن يقال ان هذا رأي المجتهد ووجهة نظر المفسّر، لذا هي تختلف من فقيه الى آخر، ومن مجتهد الى آخر.

 

كيد المرأة

س7: د. ماجدة غضبان: قد عظّم الله مع تعظيمه لنفسه كيد المرأة، أليس في هذا اعتراف ضمني بذكائها الخارق، وجعل قوته في أضعف خلقه اجتماعيا؟.

ج7: ماجد الغرباوي: د. ماجدة، تعظيم كيد المرأة الوارد في القرآن هو قول عزيز مصر، كما جاء في قصة النبي يوسف: .. "فَلَمَّا رَأَى (أي عزيز مصر) قَمِيصَهُ (اي قميص يوسف) قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ". وما ورد في آية اخرى لم يصفه بالعظيم: " قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ".

فتعظيم الكيد في الآية لم يُسند لله تعالى، وانما حكاية عن عزيز مصر، وفي الثانية قالها يوسف النبي. فالله عزوجل لم يصف النساء هنا بالكيد، وانما نقلت الآيات كلامهما.

واما كون المرأة ذكية فمسألة طبيعية، هي انسان قد تكون ذكية او قد لا تكون، مثلها مثل الرجل. ولا ننسى نظرة المجتمع وانطباعه السلبي عنها، بسبب ثقافته الذكورية. كما ان قمعها أضمر ابداعها. فهي لا يحق لها التحدّث مع الرجال عرفا، فكيف يحق لها التصريح بكلام جريء او مخالف للمألوف؟. وهذا سلوك مشيءن اضطر المرأة على مدى الزمن ان تلوذ بخجلها وخوفها، وتتذرع بجهلها للتخلص من سطوة الرجل وعنفه.

نعود للسؤال، فالله لا يحتاج لان يعبّر عن ذكاء المرأة من خلال الاشارة الى كيدها، بل ربما في ذلك ذم لها ولو من طرف خفي. ثم انها ليست مستثناة من مطلق الانسان كي تحتاج الى ما يدل على ذكائها. هي انسان شأنها شأن الرجل ذكاء وغباء، وفي كل الصفات التفضيلية الآخرى. والكيد لا يعني الذكاء دائما، وانما هو اسلوب يعتمده المرء، سواء كان رجلا او امرأة، لخداع المقابل والاستحواذ عليه.

والكيد ضرب من الاحتيال، وقد يراد به الاستدراج والمكر. وعندما ينسب الكيد لله تعالى يراد به الامهال لمؤدي الى العقاب او الهلكة (وأملي لهم ان كيدي متين). فالله هنا لا يتصف بالكيد بمعنى الاحتيال، بل بالمعنى الثاني، الامهال.

 

س8: د. ماجدة غضبان: استاذ ماجد، هل يعني هذا ان ما ورد على لسان الآخرين في القرآن الكريم لا يعتبر قولا الهيا ولا يمكن اعتباره ضمن أحكام القرآن؟

ج8: ماجد الغرباوي: ما ساقه القرآن حكاية عن الآخرين نتعامل معه كلا حسب موضوعه. وبالتالي، وهذا المهم، يجب ان ننسب كل قول لقائله. اي لا يعد قولا الهيا كما جاء في السؤال الا حينما ينسبه الله تعالى لنفسه. فـ "كيدكن عظيم" جاء على لسان الملك، وذكره القرآن ضمن القصة، فلا ننسب الكيد لله، لانه لم يصرح به. والقرآن يستشهد باقوال الآخرين ضمن سياقاته عادة، لكنها لا تنسب له.

اما ان هذه الأقوال تعد ضمن احكام الكتاب ام لا؟ فقد ذكرت مفصلا في كتبي التسامح وتحديات العنف كيف نتعامل مع خطابات الانبياء وما ورد بشأن الديانات الاخرى؟ وهناك بينت ان ما يخص الشرائع الاخرى غير ملزم لنا، الا ما كان موجهاً لنا صراحة، ومن باب اولى لا تكون الاستشهادات حجة علينا الا ضمن سياقاتها، فكل مفردة تقرأ ضمن سياقها. وهذا الأمر ينطبق على كلام الفقيه وتفسيراته، فمن حق كل فقيه او مفسّر ان يدلي برأيه، لكن لا يجوز نسبة ما يقوله الى الله مباشرة. نعم بامكانه ان يقول هذا ما افهمه من النص، او هذا فهمي واجتهادي في ضوء النص. والفهم والاجتهاد غير النص، كما تعلمين، وهذا هو الفارق الجوهري، الذي يخفى على الآخرين.

 

الفقيه والنص

س9: د. ماجدة غضبان: هل لي ان اسال: اساسا كيف يتعامل الفقيه مع النص القرآني؟ او كيف يقرأ النص القرآني؟

ج9: ماجد الغرباوي: الفقيه كأي انسان يقرأ النص وفقا لقبلياته، وقدرته على فقه وادراك معانيه، وعلاقاته بالنصوص الأخرى، وما يمتلكه من أدوات لها علاقة في تفسير النص كاللغة والبلاغة وغيرها من العلوم، ودراسة تاريخ النص، وفلسفته، ومقاصده. هذه هي القراءة المثالية للنص، لكنها تختلف في مستواها من فقيه الى آخر، لهذا وقع التفاوت بين العالم والأعلم.

ثم لا ننسى ان النص القرآني شأنه شأن أي نص، تارة يكون صريحا، واضحا، لا لبس فيه مطلقا، مثل الآيات التي تأمر بأداء فريضة الحج وغيرها، وهذا لا يحتاج لمجتهد لفهمه. وتارة يكون النص مجملا يتعذر فهمه، ملتبسا. وثالثا: يكون ظاهرا في احد المعاني دون غيره. وهنا تظهر فقاهة الفقيه، في ترجيح اي من المعاني، فيقول هذا ما افهمه من النص، وفي ضوئه يصدر فتواه. لكن هل يصح ان ينسبه لله كما جاء في السؤال السابق؟ لا يمكنه ذلك، لذا جاء في الحديث: المجتهد إن أخطأ له حسنة، وإن اصاب فله حسنتان. فالخطأ ممكن في الفتوى فكيف يجزم بنسبتها لله؟. نعم فتاواه ملزمة لمن يتبعه ويقلده من الناس، باعتبارها فتوى فقيه، مستندة الى فهم النصوص الدينية، او الى الاصول المتفق عليها عندهم، وتسمى الاصول العملية، التي تحدد وظيفة الانسان في حالات الشك بالحكم الشرعي. وهذه ايضا ليست حكم الله.

 

المرأة وكمال العقل

س10: د. ماجدة غضبان: أليس عند مخاطبة الذات الآلهية لها إسوة بالرجل هو اعتراف بذكائها، واعتراف بمساواتها ذهنيا؟

ج10: ماجد الغرباوي: هذا رأي الدين والقرآن بالمرأة وذكائها، وبلا شك ان وحدة الخطاب القرآني الموجه للرجل والمرأة اعتراف صريح بانسانيتها وذكائها ومساواتها ذهنيا.

أجد ان كل ما ورد من أمثلة تؤكد نظرة "الرجل والمرأة" للمرأة الشرق أوسطية، أما في المجتمعات الغربية لا توجد هكذا اشكالات، ولا تعاني المرأة من ضعف وشعور بالدونية اجتماعيا. لذا انا أقدر جميع ما تطرحينه من اشكالات.

 

س11: د. ماجدة غضبان: اذن من أين جاء مفهوم نقصان عقلها ودينها؟

ج11: ماجد الغرباوي: الأقول الشائعة عن المرأة ونقصانها لا يمكن نسبتها للدين اطلاقا. وما ينقل عن الامام علي بحق المرأة، اما موضوع عليه، او بسبب ما واجهه من أحداث جسيمة كانت بطلتها المرأة، أقصد السيدة عائشة ومعركة الجمل. وقد نسب اليه قوله: "شاوروهن وخالفوهن"، "كن من خيرهن على حذر"، "النساء ناقصات العقول". وغير ذلك في التراث الاسلامي كثير يعكس ثقافتهم ونظرتهم الدونية للمرأة، ولا علاقة للدين به، وانما هو فهم خاطئ وقراءات خاطئة للنصوص الدينية.

صفة نقصان عقل ودين المرأة ثقافة موروثة .. ثقافة صحراوية، تنظر للمرأة نظرة دونية، لا تثق بها، لهذا تعبّر عنها بناقصة العقل وناقصة الدين، وقديما كان الرجل يتوارى خجلا من المرأة، وقد عمد الى دفنها ودسها بالتراب كما يذكر القرآن الكريم: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون). ولا شك ان جملة من المرويات والفتاوى كرست هذا المفهوم للاسف الشديد، بل هناك احكام جائرة كرست هذا المفهوم مثل ولاية الرجل على المرأة مطلقا، وهي ولاية تعسفية لا ترتفع، فولاية الاب ترتفع عن الطفل بعد بلوغه، وولاية السيد ترتفع عن العبد بعد تحريره، الا المرأة، التي سحقها الخطاب الديني، وليس القرآن الكريم. وعندما تقرأين بعض الكتب الدينية وكتب الفتاوى والاحاديث المروية عن الرسول او عنه وعن الصحابة والائمة، تشعرين بالغثيان، لشدة حقد هؤلاء على المرأة، حتى تارة افكر انها عقدة جنسية تدفعهم لهذا التصرف اللا انساني.

 

س12: د. ماجدة غضبان: وهل تم حشر ذكورية الرجل بين الله وعباده من النساء؟

ج12: ماجد الغرباوي: بالنسبة للفقيه والمفسّر فلا اشكال ان الحس الذكوري هو بوصلة الفهم والتفسير لدى بعضهم، وليس مطلقا فهناك من هو موضوعي في آرائه وتصوراته، فالتعميم ظلم، انا لا اتبناه بحكم اطلاعي على مدوناتهم. لكن ايضا لا اجافي الحقيقة ان الحس الذكوري طافح لدى بعضهم، فكانت الذكورية حائلا بينهم وبين التفسير والقراءة الصحيحة، حتى ان بعض الآراء الفقهية ما زالت قاصرة وقد تصنف جائرة بحق المرأة، وسببها كما تقدم النظرة الذكورية، وروايات تفتقر لأدنى شروط القبول الا في ضوء مبان خاصة. فهي آراء تفضحها مبادئ الدين الحنيف، ولا يمكن اعتمادها لدى اغلب الفقهاء المعاصرين. ولا ننسى العرف والتقاليد والثقافة، والفقيه ابن هذا الوسط وليس غريبا عنه.

واما اذا كنت تقصدين بكلامك: (وهل تم حشر ذكورية الرجل بين الله وعباده من النساء؟) النبي محمد بالذات، فهذا انطباع غير صحيح، لان اهتمام الرسول بالمرأة من خلال ما ينقل عن سيرته وسنته، ينفي ذلك. نعم بالنسبة لغير الرسول، فكل شيء ممكن، لكن هذا الأخير تفسير وتأويل، لا يحسب على النص القرآني.

واما بالنسبة لأمانة النبي فان الباري عزوجل تعهد بحفظ كتابه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). وايضا لتأكيد ما تقدم، الآية الكريمة تقول: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ).

 

المرأة وظلم التفسير

س13: د. ماجدة غضبان: أتحسب استتار الاحكام القرآنية الخاصة بحقوق المرأة ظلما لها خاصة مع مبدأ الظاهرية المأخوذ به أحيانا وفقا لمشيءئة بشرية؟

ج13: ماجد الغرباوي: ليس هناك حكم قرآني يخص المرأة مستتر، ما دام القرآن بين ايدينا. لكن المشكلة في تفسير النص القرآني وتأويله، والمشكلة في خلفية الفقيه والمفسّر ومدى تأثره بالواقع الاجتماعي والثقافي. ومدى قبوله ما يوازي الايات القرآنية من روايات. المشكلة في الفتاوى والاحكام التي يصدرها الفقيه، لا اخفيك ان بعضها تعسفي، ضد المرأة، بحاجة الى جهد اجتهادي لتقديم احكام اخرى تتناسب مع مقام المرأة راهنا.

 

س14: د. ماجدة غضبان: ولِـمَ ساير الله المفاهيم البشرية الذكورية المستبدة بالمرأة دون نقضها؟.

ج14: ماجد الغرباوي: لم يساير الله المفاهيم الذكورية المستبدة بالمرأة، لكن عندما ظهر الاسلام وجد واقعا يمتهن المرأة، ويلغي وجودها، ولعل آية: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) ، تجسّد هذه الحقيقة. فأحكام الاسلام جاءت لتنتشل المرأة من هذا الواقع، فبدأت بالاعتراف ببشريتها وانسانيتها. يتضح ذلك من خلال الخطاب الشامل باطلاقه للذكر والأنثى في كافة المجالات الحياتية والاخروية والحقوقية الا ما يقتضيه الواقع البايلوجي والوظيفة والاجتماعية.

فالاسلام لم يساير المفاهيم البشرية المستبدة، كما تقولين، وانما تبدو الأحكام هكذا بسبب ابتعادنا عن الواقع العربي، ومقارنتها بمنظومات حقوق الانسان بعد تطور المجتمعات والعقل البشري بخمسة عشر قرنا، لكن لو قورنت بما قبل الرسالة ستكون منصفة جدا. بل وتعتبر قفزة نوعية بكل المقاييس.

لا أنكر ان بعض المرويات فيها ظلم للمرأة ومكانتها وانسانيتها، لكن في رأيي ليس لهذه المرويات أية حجة شرعية، الا عند البسطاء من الناس والسذّج من رجال الدين، باعتبار "ما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار"، و"ما خالف كتاب الله فهو زخرف"، كما جاء في الاحاديث. وهذه المرويات لا تكشف عن حكم شرعي بقدر ما تكشف عن رأي شخصي، وربما تكون موضوعة لتعبّر عن واقع اجتماعي او رغبة فردية. فهي بالتالي لا تمثل رأي الاسلام. لكن المؤسف ان بعض الفقهاء يعتمدها بناء على مبانيه الاصولية. وهذا أحد عيوب الفقه التجزيئي الذي يفصل بين المسائل والقضايا ولا يتعامل معها ككل، نسيج واحد، ذو هدف محدد، هو اقامة العدل بين الناس، ذكورا واناثا.

 

س15: د. ماجدة غضبان: عنيت بالاستتار هو اساءة التفسير البشري للنص الالهي، وبالتالي فهو لا يقع ضمن الحكم البين الواضح.

ج15: ماجد الغرباوي: هذا الكلام صحيح، والمشكلة ان الناس لا تقرأ النص الديني مباشرة، واذا قرأت القرآن لا تجرؤ على تفسيره وفهمه بمعزل عن كتب التفسير. اتذكر كتبت مقالا قبل اكثر من خمسة عشر عاما هاجمت فيه الاتجاه المتشدد في فهم النص خاصة آيات الكتاب، حيث يذهب بعضهم الى عدم جواز تفسير أية آية ما لم تعضدها رواية، او قول مفسّر، يعتمد التراث في تفسيره، كالاتجاهين السلفي والاخباري. وهذا كلام مرفوض، وسبق ان دخلت في جدال مع كبار الفقهاء حوله. انا ارفض هذا المبدأ، رغم ضرورة الرجوع للتراث في بعض الموارد، خاصة في فهم وتفسير آيات الاحكام. والكلام هنا طويل ومفصل يحتاج لفرصة أكبر. ما أؤمن به ان النص الديني نص مفتوح، يحق لكل شخص يمتلك أدوات فهمه ان يجازف في تفسيره وفهمه، لكن ضمن الضوابط العلمية وعدم مغادرة النص كلياً. والغريب ان بعض الفقهاء لا يحتج بآيات القرآن بمعزل عن الروايات، فتكون الرواية اصل، وهو منهج غريب لكنه منتشر جدا للاسف الشديد. الاصل هو القرآن وكل شيء يقاس عليه، شاء هذا البعض ام أبى. فالاساءة كما جاء في السؤال تأتي من هذا النمط من المناهج الفقهية. والا لو تعاملنا مع القرآن مباشرة كانت نظرتنا قد اختلفت لكثير من الاشيءاء.

 

المرأة والاسلام

س16: د. ماجدة غضبان: ألا تجد ان أعظم ما نقضه الاسلام هو تعدد الآلهة، وكل ما بعده كان يسيرا، أليس في ذلك موافقة على تصدّر الرجل وسحقه لقدر المرأة بالإيحاء ضمن آيات تفضله وترجح قيادته؟.

ج16: ماجد الغرباوي: بلا شك ان الاسلام نجح في تحطيم فكرة تعدد الألهة. واما القضايا الاجتماعية الراسخة فمن الصعب اجتثاثها فورا، خاصة عندما ترتبط بها حيثيات المجتمع ومقاماتهم العرفية والاجتماعية. اي بعكس الافكار والعقائد التي يمكن اجتثاثها من خلال الفكر والجدال الفكري، اما القضايا الاجتماعية فهي سلوك متأصل ومترابط فيحتاج الى تدرج، وهذا ما فعله الاسلام، فقد حاول معها بالتدرج كما بالنسبة الى نهيه عن شرب الخمر، وكذلك استعادة حقوق المرأة، وقبلها استعادة شخصيتها وانسانيتها. وفي هذا المجال حقق الاسلام الكثير. واذا لم يكن مثاليا قياسا على الحاضر فهو أكثر من مثالي قياسا على الماضي وواقع العرب آنذاك.

وبالتالي، فالاسلام انتشل المرأة من سطوة الرجل، الذي كان يلغي وجودها. فالرجل هو بالأساس صاحب السيادة والقيادة، وليس الاسلام هو الذي سيّده على المرأة. حتى في آية "الرجال قوامون على النساء". ليس هناك تسييد، وانما قوامة اقتصادية نسبية، تنتفي بانتفائها، فليس هناك تفضيل بهذا المعنى، لان التفضيل قرآنيا دائما على أساس التقوى، ذكرا وأنثى (ان أكرمكم عند الله أتقاكم).

المشكلة ليس في الرجل فقط ولكن بالمرأة ايضا التي ارتضت هذا الواقع، والمشكلة بالنظام السياسي الحاكم الذي لا ينصف المرأة ولا يعزز مكانتها الاقتصادية والاجتماعية كما هو معمول به في الانظمة الغربية حاليا.

ولنعترف ايضا ان الرجل لم يلتزم دينيا، وسرعان ما عاد بعد وفاة الرسول بدويا، وعاد الى عنجهيته، ثم بلا شك ان سلطة الرجل وسطوته عرقلت تقدم وتطور المرأة وقتلت قابلياتها، حتى طال أمد صراعها معه، ولم تنتزع حقوقها منه الا بعد قرون متطاولة. في الغرب ايضا كانت المرأة ملغاة ممتهنة، ليس لها وجود حقيقي، حتى تفجرت الثورات، وتحقق التحول المفاهيمي الى واقع، بهذا الوضع فقط استطاعت المرأة بعد كفاح مرير ان تنتزع حقوقها. فطبيعة الرجل واحدة، لا تختلف بين المسلمين وغيرهم.

وعَود للسؤال، هذا ليس سكوتا ولا امضاء ولا موافقة كما تعتقدين، وانما تكتيك مرحلي، لانها قيم وثقافة راسخة، فتحتاج الى وقت طويل الى حين استبدال تلك المقولات، الموجهة لوعي الفرد داخل المجتمع القبلي، وهذا غير العقيدة، ومع ذلك عانى الاسلام الى حين تقبل العرب عقيدة التوحيد، وقد تواصلت دعوته 23 عاما كما تعلمين. وبالتالي، ليس هناك صدارة للرجل على حساب المرأة، وليس في ذلك موافقة على (تصدّره، وسحقه للمرأة)، كما تتصورين.

 

س17: د. ماجدة غضبان: ألا تظن ان هذا الأمر قد حطم انجازات المرأة وتفوقها الذهني والبدني الثابت علميا، وهو من فضائل الله على المرأة غير المكشوف عنها منذ بدء الخليقة؟

ج17: ماجد الغرباوي: لا شك ان تسلط الرجل له دور سلبي على المرأة، حيث قمع ابداعاتها وقابلياتها، وحطّم وجودها، كانسان لها دور في الحياة والمجتمع من خلال انجازاتها لو مارست دورها بعيدا عن سلطة الرجل. ولكن كلامي اعلاه واضح، ان الاسلام كافح من أجل تحجيم سلطة الرجل، حتى حقق انجازات مهمه على صعيد حقوق المرأة، يكفي انها اصبحت كيانا انسانيا بعد ان كانت لا شيء، وامامك كل المصادر التاريخية، وكلها تؤكد هذه الحقيقة، لا فقط بالنسبة للعرب، حتى بالنسبة للغرب قبل مئتين عام، كان الرجل يسقط المرأة من حساباته، وليس لها أية مكانة اجتماعية.

الرجل من يومه فرعون متسلط، في كل وقت وزمان، والدين يأتي ليحد سلطته، ويحجم ارادته. ثم يتمرد على القيم والدين، ويعود لنظرته الدونية للمرأة. ولولا التحول الثقافي والحضاري في الغرب وقوة القانون لما حققت المرأة ما حققته الان.

ثم لا ننسى ان تشريعات الدين يحدها الزمان المكان، وعلى الفقيه ان يعي مقاصد الشريعة وغاياتها، ويدرك حقوق المرأة في ظل زمان ومكان مختلف عما قبل 1500 سنة. لذا بعض الاصوليين يعتبر معرفة الزمان والمكان ومقاصد الشريعة شرطا في ثبوت الاجتهاد. يعني ما لم يكن الفقيه خبيرا بمقاصد الشريعة وحاجات زمانه ومكانه لم يصدق عليه مجتهدا.

 

س18: د. ماجدة غضبان: لكن القرآن دستور لكل زمان، وثورته ثورة، وعلينا ان لا نقارن انجازه بما كان، بل بما يجب ان تكون عليه مكانة المرأة كإنسان.

ج18: ماجد الغرباوي: وانا ايضا أقول ذلك، لكن يجب ان نفرق بين المبادئ والتشريعات، فعلى الصعيد الانساني كما تقدم المرأة توأم الرجل في المنطوق الديني، ولا فرق بينهما وجودا وتكوينا .. المرأة انسان كامل، هذا ما قرره القرآن ورتب عليه أحكامه. فمن حيث المبادئ الانسانية نالت المرأة حقوقها كاملة، منذ فجر الرسالة وستبقى. فالمرأة في نظر الاسلام انسان كامل يتمتع بكافة الحقوق البشرية.

اما بالنسبة للتشريعات، فالأمر مرتبط بالفقيه وقابلياته الفقهية في فهم النص وفقا لظروفه. فيكون التشريع خالدا عندما يراعي الظروف الزما – مكانية، في ضوء مقاصد الشريعة وغاياتها. لذا عندما يجمد الفقيه على الفهم السائد (الذي هو تقليد حرفي لمن سبقه من الفقهاء)، يظهر جليا تخلف التشريع مع الاسف الشديد، قياسا بلوائح حقوق الانسان. لكن عندما يعي الفقيه ظرفه وحاجات الانسان، لا تبقى ثغرة للطعن في تشريعات الاسلام.

فما تفضلت به صحيح، واعتراضك في محله، ومشكلتنا مع وعي رجل الدين، وقدرته على فقه النص. عليه ان يفهم المراحل التاريخية، والضرورات الحياتية. وان المرأة المعاصرة، غير المرأة قبل 1500 عام. وحقوقها الان تقاس وفقا لدورها الحالي، اسوة بالرجل. ولا تقاس على دورها ما قبل الرسالة، حيث كان زمام الامور مطلقا بيده، وليس على المرأة اي مسؤوليات اجتماعية الا ما يخص العائلة وشؤونها. المرأة اليوم حاضرة في كل مناحي الحياة العملية والسياسية والفنية و .. و .. و.

 

العدالة وتعدد الزوجات

س19: د. ماجدة غضبان: معلوم ان السعادة مع امرأة واحدة يحبها الرجل، فلـِمَ الإماء وزواج الأربع وهو لن يحقق شرط الحب وما ينتج عنه من حبور انما يحقق شرط الامتلاك وما يتبعه من ظلم واستبداد؟

ج19: ماجد الغرباوي: اتفق معك ان السعادة تتحقق مع امرأة واحدة يحبها الرجل. واتفق معك ان المرأة لا تطيق أي شريك، سواء امرأة اخرى او أَمَـة. بل وجود الشريكة يفسد الود والحب وينغّص حياتها. غير ان نظرة الاسلام تمتد لتشمل المجتمع بكل تفاصيله، وما دام تصدى لتقديم نظام يعالج مشاكل الانسان وحاجته، فحري به ان يقدّم معالجة كاملة وللجميع.

الدين لم يفرض على الرجل زوجة اخرى. ومن شاء ان يعيش في كنف حب زوجته وسعادته فالامر متروك له. لكن الاسلام قدّم معالجات للحالات التي تعتري الرجل، من أجل مجتمع نظيف، عفيف، مثلا: لو لم يكتف الرجل جنسيا بزوجته، او ان زوجته لا تطيقه جنسيا، او انها مريضة مرضاً يعيق حياته الجنسية، او انها تشكو من علل جسدية، او يصيبها البرود الجنسي، او اليأس خاصة المبكر منه. كما هناك مشكلة العوانس، وقلة الرجال بسبب الحروب، او الأرامل في ريعان الشباب. وهناك جشع الرجل وعينه التي تمتد لكثيرات. كل هذه الامور تحتاج الى معالجة، والا يخرج سلوك الرجل عن نطاق الاخلاق، فلماذا نرتضى السبل المنحرفة، ونرفض الطرق السليمة لحل الازمات؟.

وفقا لشريعة الذكر وتمنياته ان تكون اباحية جنسية، يعاشر من يشاء ويهجر من يشاء من النساء .. بينما الاسلام يكافح من أجل مجتمع نظيف، مجتمع عفيف، مجتمع خالٍ من الفساد والاباحية لِما يترتب عليها من مفاسد اخلاقية واجتماعية وصحية جمة. اذا لابد من حل متوازن، يحفظ سلامة المجتمع، ويلبي حاجات الاضطرار، فتعدد الزوجات تفرضه الضرورة احيانا، لكن بشروط أشبه ما تكون تعجيزية. وعندما تدفع الضرورة الرجل لزواج اخر، لا شك ان زوجته الأولى تتفهم موقفه وحاجاته، فهي لا تحقد عليه، خاصة اذا كانت تحبه حقيقة.

اما في حالات الترف، وعدم الحاجة سوى الدافع الجسدي، فهذا اللون من الزواج يكون على حساب الزوجة الأولى ومشاعرها، ويتعذر معه شرط العدالة في التثنية. ولا نجازف اذا قلنا بحرمته في ضوء الآية الكريمة. ووفقا لمبادئ القرآن الكريم في العدل والاحسان.

ثمة قضية آخرى، صحيح ان الغرب لا يسمح بتعدد الزوجات لكن يسمح للرجل ريادة دور الدعارة، ولا يحق للزوجة في هذه الحالة اقامة دعوى قانونية ضده بعنوان الخيانة الزوجية. فتفشت الرذيلة بشكل رسمي، وتفككت العائلة، وعاشت المرأة حرمانا عاطفيا، يضطرها التلفت يمينا ويسارا، بينما الاسلام عندما رفض هذا السلوك وضع حلولا مقيّدة. ما اريد ان اقوله، ان التعدد موجود في كل العالم لكن بصور شتى. غير ان الاسلام قننه وضبطه في حالات الضرورة، وليس مطلقا.

 

س20: د. ماجدة غضبان: لِـمَ لم يعد الله الانسان بعشق ووصال وهو حلم كل انسان، واقتصر على ملذات الجسد دون النفس وما تهوى؟

ج20: ماجد الغرباوي: اذا كان المقصود لماذا يغيب الحب كشرط، قبل تعدد الزوجات، فلان مشاعر الحب والوصال مشاعر غريزية، تتفجر بشكل طبيعي من خلال علاقة الذكر بالانثى. فهي ليست شرطا في الزواج، واغلب الزيجات بالشرق الاوسط تتم بلا سابق معرفة بين الرجل والمرأة، لكن العائلة تعيش بسعادة وانسجام كبيرين.

واذا كنت تقصدين: ان الله لم يشرّع تشريعاته وفق انسانية التعامل مع الزوجة على انها حبيبة، بل هو جعل منها جسدا وبالتالي فان التعددية قائمة على تغيير الجسد، لان الحب غير معني به، لذلك كان تعدد الزوجات والاماء، فاقول: ان التعدد حالة اضطرارية كما مر في الجواب المتقدم، وقد اسرفت في بيان حيثياته، لذا كان شرط العدالة تعجيزيا، فكيف لم يرع الله عز وجل مشاعر الزوجة رغم كل الآيات التي تعزز مكانتها، وتحفظ حقوقها. فالقرآن كان بصدد حل مشاكل المجتمع مع تعدد الزوجات ووجود الاماء، وما قدمه حلولا لتلك المشاكل. والدين لم يتجاهل العلاقات الحميمة، بل أكد عليها وعلى الوصال الودود، وأكد أن المرأة سكن، ورحمة، وغشاء، وحث على مراعاتها، والاهتمام بها والاحاديث مفصّلة بهذا الشأن، فكيف ننكر كل ذلك؟.

 

تعدد الزوجات

س21: د. ماجدة غضبان: العدل هو صفة الله واسم من اسمائه، وامتلاك الانسان له مستحيل. أليس في وضعه شرطا للزواج باربعة هو اعلام واضح بتحريمه؟

ج21: ماجد الغرباوي: بعض يرى هذا، والآية واضحة "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً". وفي آية اخرى: "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا". فالعدل كما جاء في السؤال قد يكون شبه مستحيل، لهذا استفاد منه بعض الفقهاء وافتوا بعدم جواز الزواج باكثر من واحدة. ولعله حكم صائب لولا الآية التالية التي رتبت حكما آخر مع عدم تحقق العدل وهو ان لا تترك الأخرى كالمعلقة، فتهمل اهمالا كليا، لانه سلوك عدواني يخالف الانصاف. وتعود الآية لتحث على الصلح مما يوحي ان القرآن مع زوجة واحدة في كل الاحوال. وقد اوضحنا رأينا في السؤال المتقدم.

فالقرآن اذاً قنن سلوك الرجل بعدد من الزوجات، للحد من تماديه، إذ كان قبل الاسلام ينكح ويتزوج ما يشاء بلا اي رادع، فجاءت الاية: (َانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً) لكن بشرط صارم كما تقدم، ان تتحقق العدالة. وهي أمر صعب للغاية كما تعلمين: "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ .. ". وكلمة "ما طاب" هنا ليست للتعدد فلا يستفاد منها الحث على التعدد، وانما للنساء، اي ما طاب من النساء. فالمحصلة النهائية زوجة واحدة، وشرط التعدد تعجيزي.

واحب بهذا المناسب ان اشيءر الى قضية حساسة:

رغم ان الديانات الاخرى كالمسيحية لا تبيح تعدد الزوجات غير ان سلوك الرجل المسيحي مسكون بالخيانة والتعدد كما تقدم، بل ان نسبة الخيانة الزوجية بوتيرة تصاعدية خاصة بعد تطور وسائل الاتصال الحديث وسهولة الالتقاء عبر الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي، او التواصل عبر الهواتف النقالة، والمحادثات عبر الميسنجرات، ودور الدعارة، والعلاقات المنفتحه بالشارع والعمل والدراسة. لكن لا احد ينتقد هذا التعدد، ويعتبرونه حقا طبيعيا، بينما ينتقد الاسلام لانه اعترف بهذه الحالة وقننها، واعترف بضعف الرجل، وحاجته في بعض الظروف لامرأة ثانية، فبدلا ان يبيح له التمادي، وما يترتب عليه من مفاسد اجتماعية وصحية واقتصادية قنن علاقته بالمرأة. لكن للاسف المقاييس الاخلاقية تغيرت.

 

س22: د. ماجدة غضبان: لعل المتزوجين بأربع هم أكثر ميلا للفساد والخيانة، فالرجل الذي لا يعشق بقلبه، يعشق بجسده، وعشق الجسد لا نهاية له.

ج22: ماجد الغرباوي: شراهة الرجل لا حدود لها، والمتمادي لا تحده الحدود، ولا تؤثر به الاخلاق. لكن الامر يختلف من انسان الى اخر. والحلول لا تعني عدم الاستثناء. فما تفضلت به ممكن .

كلامك ينطوي على اشكال، هل القول بالتعدد يدفع نحو الفساد والخيانة؟ اعتقد نادرا، وليس مطلقا، اذا اخذنا بنظر الاعتبار الفترة بين واحدة واخرى، فاربع زوجات ينتهي متوسط العمر. لكن كما قلت ان الاستثناء ممكن، وليس قاعدة عامة.

 

salam kadomfarajsaleh altaeiخاص بالمثقف: لو تتبعنا مناهج البحث العلمي في دراسة ظاهرة التأليف في الشأن الاسلامي لوجدنا أن الآثار المكتوبة تعرضت تحت ضغط النزعة العلمانية إلى اعادة نظر في الموروث المعرفي وفق سياقات علمية تعتمد التحليل والإستقراء واستنباط آراء ورؤى وفق أنساق موضوعية تبتعد عن الاكتفاء بالإخبار السردي والتعاطف المسبق المستند على الانحياز العقائدي وجرت مراجعات جذرية في تقديم الفكر الاسلامي وفق سياقات الحداثة .. بعد ان استنفدت السياقات السلفية ما عندها من إطروحات وتحولت الى مجرد اجترار لإطروحات قيلت في وقتها خلال الالف والاربعمائة سنة التي قد خلت ..

القصد من كتابة هذه المقدمة .. إنارة مسألة على غاية من الأهمية .. وهي ان التصدي للبحث العلمي في الشأن الاسلامي بدون الاستجابة للظروف الموضوعية القاهرة والمتغيرة .. تجعل من أية دراسة ليست سوى تكرار لما سبقها من بحوث .. وثمة حقيقة أخرى .. هي ان البحث في الشأن الاسلامي يحمل من المشقة ما تفوق اية مشقة في أي بحث يتوخى العلمية والاقناع ..

وليس كما يشاع ان الكتابة في الامور الاسلامية أمر سهل ومتيسر لكل من يرغب في ركوب الموجة، ..

من خلال اطلاعي على بعض مؤلفات الباحث الاستاذ صالح الطائي. اكتشفت نزعة علمية تؤسس لدراسة (الموضوعات) الاسلامية من خلال ماهي عليه فعلا دون تزويق توفيقي يتوسل الحداثة لينافقها او يتوسل السلفية الموروثة ليؤبدها (يجعلها ابدية ..). فالاستاذ الطائي كما فهمته يرى ان الاسلام الحقيقي هو دين المستقبل ودين الحاضر .. وليس دين الماضي فقط ..

ورغم انتماء الاستاذ الطائي عقائديا لمدرسة عريقة في التأريخ والبحث .. هي مدرسة الإمام جعفر الصادق عليه السلام التي خرجت عشرات المدارس المتفرعة عنها .. نجده يأخذ بناصية الاقناع لا الاعتماد على ناصية الاتباع .. فلا يتعسف في محاججة الوقائع التاريخية .. ولا يصادر الأجوبة قبل طرح الاسئلة .. ولا يعلن مسبقا عن فكرته قبل إشباعها بحثا ودراسة معتمدا على مؤلفات تنتمي لأكثر من مدرسة ..

يغربل الاطروحات ويفند ما يراه قابلا للتفنيد ويرسخ ما يراه راسخا بدون تعصب مسبق. وهذا هو شأن المحقق العلمي. لا الداعية المتحمس. من أجل ذلك .. وجدت ان الدخول معه في حوار مكثف ومطول سيحقق فائدة ومتعة نحن بحاجة اليهما معا في هذه الايام المباركة من شهر رمضان ..

 

س1: سلام كاظم فرج: أهلا بكم استاذ صالح في رواق صحيفة المثقف. وفي باب مرآيا فكرية وثقافية .. . سأبدأ بداية غير تقليدية .. فأسأل جنابكم الكريم عن (الإسرائيليات في الفكر الاسلامي ..) ماهي قصتها؟؟ دورها في مسارت الفكر؟؟ جذورها؟ تاريخها؟ وهل ما زالت تؤثر على منهجية البحث في الفكر الاسلامي؟؟

ج1: صالح الطائي: عن المقدمة: أهلا بك أستاذ سلام، أهنئكم بداية بشهر الخير والمحبة وقبول الطاعات والغفران، شهر رمضان المبارك وأسأل الله أن يعيده عليكم وعلى المسلمين الصادقين كافة وانتم جميعا ترفلون بالعز والنعيم والأمن والأمان.

لقد شدتني مقدمتك العلمية الواقعية لأني اتفق مع مضمونها إذ لا ينكر أن التبدل العلمي وتبدل منهجيات البحث ترك بصمة على الدراسات الإسلامية حالها حال العلوم الأخرى وإن كان قد اقتصر على الدراسات الأكاديمية والقريبة منها،وفي محاولتنا الاستئناس بهذا النمط الكتابي وجدنا معارضة شديدة من بعض التقليديين من رجال الدين، وأنا ما حييت لن أنسى رد فعل أحد رجال الدين الكبار على واحد من كتبي (أخاف أن اذكر اسمه لأسباب معقولة جدا) لمجرد أني خرجت على المألوف الموروث وتكلمت عن الواقع وإفرازاته وتأثيراته، ومما قلته فيه: "إن خروج هذه المجاميع (الحركات المدعية للمهدوية) المدعومة بالمال الوفير والسلاح الكثير وتمكنها من كسب آلاف الشباب في أغلب المحافظات وضعنا جميعا أمام امتحان صعب، ولاسيما المؤسسة الدينية، والامتحان حبل لا ينجح في السير عليه إلا من يجيد فن التوازن، أما أولئك الذين لم يسبق لهم تجربة التوازن بما فيهم بعض رجال المؤسسة الدينية فإنهم سيعرضون أنفسهم لفضيحة كبيرة تجر خلفها ويلات على الجميع" حيث عد ذلك القول تطاولا على هيبة المؤسسة الدينية يجب حذفه وإلا!! جاء هذا مع أني كنت ولا زلت أكن للمؤسسة الدينية الصادقة كامل الاحترام والتقدير ولكن بدون تقديس زائف.

المؤسف أنه منذ بدء التأليف الإسلامي وحتى هذا التاريخ لا زال هناك أصناف كثيرة من الكتاب الإسلاميين، وأعداد التقليديين منهم ممن تقوم كتاباتهم على الموروث الأخباري النقلي المبني على النقل والتكرار مع تجربة استحلاب حالة حزن القارئ واستدرار دموعه؛ أكثر كثيرا من غيرهم مما يضع المؤلف الديني في حيز ضيق لا ينجو من ضغطه إلا من حاول أن يتحرر من ضغوطات الموروث.

الناس أنفسهم منقسمون في هذا الأمر؛ فهناك من يبحث عن الكتب التقليدية وهم الأغلبية، وهناك من يتفاعل مع الكتاب المبني على فكر تحليلي واستقراء منطقي.

التعامل مع الكتاب بات خاضعا لطريقة تناول الكاتب للبحث وهذا يعني تصدي النخبة للتفاعل مع المنجز الفكري بأسلوب جديد وآليات جديدة تستثير المتابع وتجره عنوة إلى متابعة البحث.

أما عن جوابي على سؤالكم الأول فأقول:

الإسرائيليات قصص، وتفسير قصص، وأحاديث، وتفسير أحاديث، اشتهرت من خلال ربطها بما جاء في الكتب القديمة، أغلب شخصياتها من العهد القديم تكرر ذكر قصصهم في القرآن غالبا بأسلوب آخر يختلف عن الأسلوب التوراتي ولاسيما في المضمون فلجأ بعض المسلمين إلى أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون بقربهم أو الذين أعلنوا إسلامهم يسألونهم عنها. والمدهش أن هذا النشاط كان فاعلا حتى في عصر البعثة ولا أدري لم أحجم المسلمون عن سؤال النبي (ص) بدل ركضهم خلف اليهود يبحثون عندهم عن تفسير.

والإسرائيليات قصص يهودية مسيحية، موضوعة غالبا بعضها مرتجل دون تخطيط وبعضها الآخر تمت صياغته بعناية كبيرة ومكر شديد، ولكنها تشترك جميعا بالكذب والوضع والمبالغة والتهويل. والغريب أن مصدر الإسرائيليات ليست التوراة التي هي كتاب سماوي مقدس معناه موجود في صلب بنيان القرآن الكريم وخطابه، بل كتبا أخرى وضعها أحبار اليهود مثل: المشنا والبسيقتا والمدرش وسفر زوهر وسفر يصيرا، وهي الكتب التي قال عنها القرآن الكريم: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون}.

وقد كثر دخول الإسرائيليات إلى المجتمع الإسلامي في عصر خلافة عمر (رض) إذ من الملاحظ أن أعداد اليهود الذين انتموا إلى الإسلام تكاثرت في عهده بشكل غريب فأسلم عمرو بن شعيب، وكعب بن باتع الحميري المعروف بكعب الأحبار وكان من كبار أحبار يهود اليمن، ووهب بن منبه وهو يهودي فارسي يمني صنعاني، تقول بعض المصادر: إنه ولد في عهد عثمان (رض) وتقول أخرى أنه أسلم في عهد النبي (ص) وتقول ثالثة أنه أسلم في عهد عمر. وقد حوله الذهبي وغيره إلى إمام للمسلمين، يكفي أن هناك من كتب عنه: "الإمام وهب بن منبه (34 هـ - 114 هـ) هو تابعي جليل، له معرفة بكتب الأوائل وإخباري قصصي يُعد أقدم من كتب في الإسلام. كان ممن قرأ الكُتب ولزم العبادة وواظب على العلم وتجرد للزهد. روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في التفسير". وعبد الله بن سلام يقال أنه أسلم في عصر البعثة قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: "الإمام الحَبْر، المشهود له بالجنة، حليف الأنصار، من خواصِّ أصحاب النبي ". وكان من يهود بني قينقاع، وتميم الداري صاحب إسرائيلية الجساسة والدجال، وعشرات غير هؤلاء بعضهم كان كبير الأثر خامل الذكر، وكان بعضهم يدعم بعضا ويعضده، ففي موطأ مالك أن أبا هريرة أخبر كعب الأحبار بأن رسول الله قال عن يوم الجمعة: "وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه". فقال كعب: ذلك في كل سنة يوم. فرد عليه أبو هريرة، وقال: بل في كل جمعة. وقال عبد الله بن سلام: كَذَبَ كعب. فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله. هي في كل جمعة. فقال عبد الله بن سلام: صدق كعب".

كما يلاحظ أن هؤلاء كانوا من خيرة رجال اليهود إيمانا وعلما ودراية بالعهد القديم وأحكامه وهذا يثير الشك أكثر لأن اليهود الذين كانوا يقيمون في مكة والمدينة كانوا يساوون العرب في التخلف الفكري كما يرى ابن خلدون في قوله: " وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من (حِمْيَر)، الذين أخذوا بدين اليهودية، فلمّا أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم، وأمثال ذلك" وقدوم تلك الأنموذجات المثقفة الواعية لتعلن إسلامها لابد وان يكون لغاية مدروسة.

المهم أن هؤلاء بعد أن أذن لهم الخليفة الراشد عمر (رض) بالجلوس في مسجد رسول الله ورواية القصص الإسرائيلية بكل ما تنطوي عليه من كذب ودجل وتهويل وخرافة هم الذين أدخلوا الإسرائيليات إلى كتب التفسير الإسلامية، أما تلامذتهم الذين استمعوا إلى قصصهم وحفظوها ثم أصبحوا فيما بعد من مفسري القرآن والحديث فقد استغنوا أحيانا عن آراء أساتذتهم وصاروا يعودون بأنفسهم إلى الكتب اليهودية للاقتباس منها لتفسـير القصص القرآنية، ثم نما فن الإسرائيليات ليشمل آيات بداية الخلق والظواهر الطبيعية وخلق الأكوان وربما يكون قد نجح في اختراق بعض قواعد الفقه وغيرها.

والملفت للنظر أن جميع المفسرين وأغلب المؤرخين ـ إلا من رحم ربي ـ وقعوا في فخ الإسرائيليات ابتداء من سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وصولا إلى ابن ماجه وابن جرير الطبري وابن الأثير والقرطبي وابن حبان والحاكم.

عزا ابن خلدون في مقدمته أسباب اعتماد المفسرين على الإسرائيليات إلى: "أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات،وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنها أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى".

وللمفسرين مواقف مختلفة من الإسرائيليات فمنهم قسم اعتمدها وأكثر منها مقرونة بأسانيدها باعتبار أنه متى ما ذكر سندها خرج من عهدتها،مثلما فعل الطبري، الذي ذكر الكثير منها دون أن يتعقبها بما ينبغي ولاسيما وأن غالبيتها موقوفة على اليهود الكبار الثلاثة الذين مر ذكرهم. ومنهم قسم اعتمدها وأكثروا منها، بعد أن حذف أسانيدها مثل البغوي الذي نقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع. ومنهم قسم أكثر منها ولكنه أنكر ما اعتقد أنه ضعيف، مثل ابن كثير. ومنهم قسم ادعى أنه ردها ولم يذكر منها شيئا في تفسيره ولكنها تسللت من بين يديه وتربعت وسط التفسير، ومن هؤلاء محمد رشيد رضا والشوكاني والآلوسي.

كما استغرب جدا من تقسيم العلماء لحكم رواية الإسرائيليات إلى أقسام ثلاثة، وكأنهم يتشبثون بها ولا يرغبون بالتخلص منها، فقالوا: منها قسم حكم بقبوله وهو ما علم صحته بالنقل الصحيح، أو ما كان له شاهد من الشرع يؤيده إذا ورد في البخاري ومسلم. ومنها قسم مسكوت عنه: وهو ما لم يعلم صحته ولا كذبه، وهذا القسم تجوز حكايته للعظة والعبرة، وعدم وجوب الإيمان بصدقه ولا كذبه. ومنها قسم مرفوض: وهو ما علم كذبه لتناقضه مع الإسلام أو لمخالفته للعقل، ولكنهم مع حكمهم هذا قالوا: "وإذا رواه المفسر في تفسيره وجب عليه بيانه". ولا أدري لماذا يرويه!!

كذلك جعلوا أهل الإسرائيليات على مراتب من حيث الإكثار، وهم:

أولا: المكثرون جداً: كعب الأحبار، ثم وَهَب بن منبه، وابن جريج، وابن إسحاق، والسدي الكبير.

ثانيا: دونهم في النقل وهم: قتادة، ومحمد بن كعب القرظي

ثالثا: المقلون نسبياً، وهم: مجاهد، وابن عباس.

رابعا: الكذابون المكثرون في النقل الذين يرجح كون الإسرائيليات من وضعهم.

وأشد الأمور غرابة أن علماء الجرح والتعديل تهاونوا كثيرا مع الإسرائيليات ومرروها بيسر مع علمهم بتهافتها وضعفها وخرافتها.

ومنه يتضح بما لا يقبل الشك أن تأثير الإسرائيليات على منهجيات البحث الإسلامي لا زال على أشده ولا زالت هناك مدارس إسلامية تقدس الإسرائيليات كأي مقدس آخر. والذي أراه أننا بحاجة اليوم إلى تنقية العقيدة من مؤثرات التحريف اليهودي القديم والجديد فالجزء الأكبر من مصائبنا سببه تلك القصص الخرافية.

 

س2: سلام كاظم فرج: قد يكون هذا السؤال محرجا لي ولكم .. لكن طرحه على باحث إسلامي وجدته من الممكنات .. بعد أن أعياني البحث عن إجابة شافية من باحث في الشأن الإسلامي.

قد تجد بعض الدارسين العلمانيين قد تطرقوا إليه. وقد تجده في أطروحات خصوم الإسلاميين .. ولكن حسب معلوماتي المتواضعة أن الإسلاميين يتجنبون الخوض فيه .. السؤال يتعلق بجوابكم عن السؤال الأول .. وهو:

ولكن في القرآن الكريم . ثمة إشارات لموضوعات إسرائيلية بحتة .. وإشارات لبني إسرائيل بعضها أتى على شكل مديح .. (وفضلناكم على العالمين ..) وبعضها أتى على شكل ذم .. سورة يوسف في القرآن الكريم .. تكاد ان تكون متقاربة مع ما جاء في واحد من أسفار العهد القديم .. كذلك قصة النبي يونس (يونان ..) وقصة أيوب عليه السلام .. وهكذا .. كيف نوفق بين رفض الإسرائيليات في السنة الشريفة وتسربها إلى الأحاديث النبوية وقبولها في القرآن الكريم؟؟

ج2: صالح الطائي: رائع سؤالك هذا وجريء، وفي جوابي أقول: هناك آية في القرآن تقول: {إن الدين عند الله الإسلام} ومع اختلاف المفسرين في معناها إلا أن ما جاءت به مدرسة أهل البيت يكاد يكون الأكثر قربا لمعناها إذا لم يكن المعنى الأوحد لها. تقول مدرستنا: إن الآية تعني أن جميع الأديان التي جاءت قبل الإسلام تلتقي مع الإسلام المحمدي بشرط الوحدانية الخالصة لله تعالى وبالتالي تشترك كلها بالتسليم بوحدانية الله، وبناء عليه، ولأن مصدرها واحد فمن المؤكد أنها تشترك في الكليات وتختلف في الجزئيات، ويعني هذا أن الخطوط العريضة لحقائقها لا تسقط بالتقادم فالحديث عن آدم ونوح وموسى يأتي في سياق الخطاب القرآني كحقيقة مكملا لخطاب الكتب التي سبقت الإسلام .. وهذا لا يعني قبول الإسرائيليات، وإنما قبول ما جاءت به الكتب المقدسة القديمة مما أشار إليه القرآن وذكره، أما ما لم يذكره فلا يجب الأخذ به. وغالبية الإسرائيليات ليست من الكتب المقدسة؛ بل هي تهويمات من صنع اليهود جاءوا بها لمحاربة الإسلام وتوهينه.

أما مدح القرآن لليهود والنصارى في مواطن معينة فصحيح جدا والمدح هنا يخص اليهود والنصارى الأوائل من الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وتحملوا العسف والأذى نتيجة موقفهم هذا، ولا يخص المحرفين والمنحرفين.

 

س3:  سلام كاظم فرج: لكم كتابات قيمة عن (الإمام المهدي عليه السلام) وأطروحات تقرب الفكرة إلى الأذهان بشكل شفيف ورائع .. وتطمح محاولاتكم الى المقاربة مع أطروحات المفكرين غير المنضوين تحت سقف الإمامية الأثنى عشرية .. / من خلال اطلاعي المتواضع على تاريخ الكتابات في هذا الموضوع. وجدت أن الفكرة تعود الى عهد الرسول الأعظم. إلا أنها مرت بتطورات ومنعرجات. حتى وصل الأمر إلى تقاطع بعض الرؤى الإسلامية في التعرف على شخصية الإمام عجل الله فرجه الشريف .. فهناك من وجد أن الإمام إنما هو محمد ابن الحنفية (محمد بن علي بن ابي طالب ..) بعد ان غيبه الأمويون .. وهناك مذهب الواقفية الذي رأى ان الإمام هو إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق. وهناك من يرى أن الإمام عليه السلام لم يولد بعد .. لكنه سيولد في آخر الزمان .. وثمة بدع في بلاد فارس بعد قتل المنصور الدوانيقي لأبي مسلم الخراساني.ترى ان أبا مسلم سيظهر في آخر الزمان ..

أطلت عليكم ولكني أطمح بإجابة مختصرة عن السؤال .. هل الخوض في شأن الإمام المهدي مع كل هذه التقاطعات تجدونه أمرا محببا؟ أم انه يحمل من الحرج بحيث تفضلون ترك قناعات كل فريق كما هي عليه وكما وصلت إليه عبر التاريخ وعبر توريث المعلومة بدون تمحيص؟؟

ج3: صالح الطائي: رائع هذا الإلمام بتفاصيل المهدوية، وهذه التفاصيل هي التي تزيدنا يقينا بوجوب الحديث عن المهدوية من منظور علمي منهجي بعيدا عن التشنجات والدوافع الفئوية، إن المهدوية فكر واعد يقول للمسلم المعاصر الضعيف المهزوم المهزوز أنك ستكون سيد الأكوان كلها مستقبلا فكن على قدر هذه المسؤولية وأبدأ ببناء نفسك ومجتمعك.

وأنا أعمل على تقريب فكرة المهدوية لدى المسلمين كافة وفق هذه الرؤى لأننا نشترك في المصدر حتى وإن اختلفت آراؤنا الفرعية، وهذا ما أكدت عليه بكتابي "عوالم الحومة المهدوية".

ثم لا تنسى أن في الإسلام الأول لم يكن هناك تقاطع، وقد جاء التقاطع بعد هيمنة الفكر السياسي الإسلامي على مقاليد الأمور وبعد ولادة المذاهب والشحن الذي حدث بينها، أما الآن فقد وصلنا إلى أبعد من التقاطع، وصلنا إلى الافتراق القطعي بعد أن ادعى بعض المسلمين أن مهديهم ليس هو مهدي الفئة الأخرى، أو أن مهدي الفئة الفلانية مجرد خرافة كما يقول طبيب التخدير طه حامد الدليمي.

إن المهدوية لا تتحمل الكثير من تقاطع الرؤى والأفكار والعقائد ولكن تمسُك كل طرف بما آل إليه أمر المهدوية في فكره وعدم استعداده للتخلي عن أي جزئية مهما كانت بسيطة فضلا عن عدم استعداده لتقبل فكرة ما من الطرف الآخر يجعل أمر احتفاظ كل طرف بقناعاته حلا فيه الكثير من المنطقية ولكن بشرط عدم الاستهانة بما في يد الطرف الآخر من قناعات، فنحن نتفق من حيث كلية الفكرة واختلافنا بالجزئيات لا يمكن أن يحولنا إلى أمتين، فتعالوا نتفق على الكليات ومنها وجوب ظهور المهدي ووجوب انتصاره على الأمم الأخرى كلها ووجوب تحول المسلمين إلى أسياد العالم وان المهدوية من مقدمات واشراط يوم القيامة ولنترك الحديث في الفرعيات والجزئيات البسيطة إلى عصر الظهور فهو وحده كفيل بترجيح هذه الكفة أو تلك على أرض الواقع. وأنا أرى المهدوية هوية جمعية لا بأس أن يتحد تحت لوائها المؤمنون بأطروحتها دون حاجة إلى وجوب تساوي الأهواء والأفكار والرؤى والتصورات وتطابق التفكير والتصور، إذ يكفي أن كلا منا يحمل في قوانينه التي يؤمن بها شيئا ولو بسيطا عن المهدوية.

 

س4: سلام كاظم فرج: لكم ادوار مشهودة في مؤتمرات فكرية للتقريب بين المذاهب الإسلامية. وكأنكم تكملون رسالة المؤسسات الدينية الشيعية والسنية في بدايات القرن العشرين. هلا حدثتنا عن فكرة التواصل بين المذاهب لدرء المؤامرة على الإسلام والمسلمين ودوركم في هذه المشاريع النبيلة؟؟

ج4: صالح الطائي: قد تختلف نظرتي عن نظرة الآخرين لموضوع التواصل والحوار بين المذاهب الإسلامية لأن العلاقة بينها خضعت عبر التاريخ إلى كثير من المؤثرات وتعرضت إلى كثير من الضغوطات الشديدة مما ترك آثارا لا يمكن محوها أو نسيانها، كما أن ما بينها خلاف حقيقي وليس مجرد اختلاف في الفروع كما يحلو للبعض أن يقول، لا. الخلاف بين المذاهب في الأصول قبل الفروع؛ ويكفي دليلا أن الخلاف في الإمامة التي هي الركن الرابع من أصول الدين عند الشيعة كان أول خلاف بين المسلمين وهو الخلاف الذي تحكم بأطروحات المذاهب التي ولدت عادة تبعا لرؤى مؤسسيها.

إن اعتماد الموروث الديني لخلق تقارب بين المذاهب ممكن أن ينجح ولكن بشكل محدود جدا ومع فئة تابعة لهذا المذهب أو ذاك أما أن يكون أساس الحوار للوصول إلى توافق فذلك من المستحيلات، ويكفي دليلا أن دار التقريب التي أنشئت في القاهرة وبرغم الجهود الجبارة باءت بالفشل وتلاشى ذكرها، ومركز التقريب بين المذاهب في لندن عقد لحد الآن ستة مؤتمرات دولية ولم يحقق خطوة واحدة إلى الأمام، كذلك مركز التقريب بين المذاهب وحوار الأديان في إيران بالرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها القائمون عليه لم يحقق لحد الآن نجاحا يذكر. ورافق الفشل دعوات حوار الأديان والمذاهب التي تبنتها المملكة السعودية ودولة الإمارات والمنظمات الدولية.

فضلا عن ذلك يؤثر الخلاف الفقهي في جدية الحوار فتقاطع القواعد الفقهية فيما بينها يخلق هوة تباعد بين المذاهب، فالتشيع يؤمن بمبدأ التقية العقلائي وفي كتاباتهم عن التقية وضعوا قواعد رائعة أقرب ما تكون لفطرة الإنسان السليم، ولكن بعض المذاهب الأخرى اتخذت التقية التي هي قبل كل شيء قاعدة فقهية إسلامية وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى:{إلا أن تتقوا منهم تقاة .. } حجة للتشكيك بمواقف الشيعة، فكل موقف تقريبي يتخذه الشيعة يفسره الآخرون على أنه تقية وان الشيعة يضمرون خلاف ما يعلنون وكأنهم يعلمون ما في قلوبهم او يعلمون الغيب!، ومع شك بهذه الدرجة والشدة لا يمكن للتقارب أن يتحقق حتى في أبسط صوره.

ربما للأسباب المتقدمة تجدني أهتم بمشاريع التقارب التي تدعو إليها العلوم والنظم العلمانية الغربية والمؤسسات العالمية المتخصصة التي تدعوا إلى الحوار لأسباب إنسانية أكثر من اهتمامي بالأسلوب التقليدي الإسلامي، لأن الآخرين وضعوا أسس وقواعد ونظريات وآليات تستند إلى معطيات العلوم الحديثة بكل مفاصلها المجتمعية مثل علم النفس وعلم الاجتماع ومهارات التفاوض والعلوم السياسية والأخلاقية وغيرها، أما نحن المسلمين فنستند إلى آيات وأحاديث نختلف في تفسيرها ونشكك في صحتها. معنى هذا أني أشجع على استعارة نتائج وآليات العلوم الغربية لتوظيفها في برامج حوارنا المذهبي بهدف خلق مشتركات تيسير عيشها معا ..

 

س5: سلام كاظم فرج: في كتابكم جزئيات في السيرة النبوية .. عرضتم بالتحليل العلمي مسألة التقاطع بين قدرات الرسول القيادية وعبقريته الفذة .. وبين عدم توفر الأرضية المتكاملة للتفاعل مع تلك القيادة .. مما قادنا الى الى مسألة على غاية من الأهمية والخطورة .. وهي مسألة تحديد معنى الصحبة والصحابي .. ليس من الباب اللغوي البحت . بل من باب تعميم تقديس الصحابة. بمعنى . كيف يمكننا فهم الحديث الشريف (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم .. اهتديتم؟؟)

ج5: صالح الطائي: بعد عصر الخلفاء الراشدين (رض) تمكنت السياسة من قيادة المجتمع الإسلامي ودخلت في مواجهات دموية مع السلطة الشرعية ممثلة بالإمامة المعصومة التي كان الحسن بن علي (ع) يمثلها. الناس من جانبهم كانوا على مذاهب، مذهب يؤيد الإمامة ويتبعها في فتواها، ومذهب عام يرى الإمامة والسياسة من صلب الإسلام، ومذهب يرى السلطة هدفا يستحق محاربة الإمامة ووحدة المسلمين. سطوع نجم الإمامة احتاج من الآخرين صناعة نجم بمستوى نور الإمامة يصبح معادلا موضوعا للخلاف الدائر فتم تقديم مشروع تقديس الصحابة وعصمتهم وكونهم "كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ليقف قبالة الشرعية، ثم وجد هذا المشروع من يتبناه لأنه يحقق له بعض مطالبه؛ فضخمه وضخم الحديث عنه ليتحول إلى قواعد فقهية يتعارض الكثير منها مع روح الإسلام، وإلا بربك هل من المعقول أن اهتدي بالصحابي عمران بن حطان الذي امتدح المجرم ابن ملجم الذي قتل سيد المسلمين وإمام المتقين علي بن أبي طالب (ع) الذي تصادف ذكرى استشهاده في هذه الأيام المباركة؟ أي عقل يتقبل مثل هذا الهراء؟ جاء في أضواء البيان للشنقيطي، قال: قال عمران بن حطان السدوسي يمدح ابن ملجم (قبحه اللـه) في قتلـه أمير المؤمنين علياً (رض):

يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيَ مَا أَرَادَ بِهَا * * * إلاَّ لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوَانا

إنِّي لأَذْكُرُهُ يَوْماً فَأَحْسَبُهُ * * * أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ الله مِيزَانا

أَكْرِمْ بِقَوْمٍ بُطُونُ الطَّيْرِ أَقْبُرُهُمْ * * * لَمْ يَخْلِطُوا دِينَهُمْ بَغياً وَعُدْوَانا

أم أقتدي بالمغيرة بن شعبة أم بالأشعث بن قيس الكندي أم بالضحاك بن قيس الفهري أم بحاطب بن أبي بلتعة؟

وبناء عليه أجد موضوع تقديس الصحابة بالشكل المعروف حاليا قد جاء بوقت متأخر جدا عن صدر الإسلام وعصر البعثة وعصر الخلفاء الراشدين بدوافع سياسية بحتة لا علاقة لها بالدين، ثم يجب أن لا ننسى أن جيل عصر البعثة مثل أي جيل بشري آخر باستثناء تلك الفرصة النادرة التي أتيحت لهم برؤية رسول الله (ص) فلماذا هذا الإفراط في التقديس؟ نعم لرؤية النبي (ص) حقها وحقوقها ولكنها ليست عاصمة من الخطأ والانحراف وإنما التقوى هي الميزان المعياري العاصم، فالآية تقول: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم ..} وليس أكثركم مشاهدة للنبي أتقاكم.

ولو كانت رؤية النبي لوحدها عاصمة لتحول كل من يرى النبي في عالم الرؤيا إلى صحابي حتى ولو حدثت الرؤية اليوم؛ وذلك لأن النبي (ص) قال: "من رآني في المنام فقد رآني لأن الشيطان لا يتمثل بي" فرؤية النبي في المنام كما هي رؤيته في الحقيقة وبالتالي يجب أن تنطبق شروط الصحبة على من يراه اليوم تماما مثل من رآه في عصر البعثة المشرفة.

أقول هذا وأنا أكن احتراما كبيرا لا تحده حدود للصحابة الكرام ذلك الجيل المثالي المجاهد البطل المضحي، ولكني أقف عند عصمتهم بمجموعهم وباقي الأغراض التي أضفتها السياسة عليهم

 

س6: سلام كاظم فرج: في كتابكم المهم (نظرية فارسية التشيع) عرضتم جملة من النظريات تفند مقولة ان أصل التشيع من فارس. وقررتم ان جذوره عربية قبل ان تكون أعجمية .. ولكن ماهو السر في اتهام الشيعة دائما بالصفوية ..؟؟ ألا يعتبر ذلك قصورا في فهم التاريخ ام هي محاولات متعمدة لإيذاء الفكر الإسلامي المحمدي العلوي؟؟ في رأيي المتواضع ان ازدهار الفكر الشيعي (نظرية الإمامة ..) على مستوى التنظير كان على يد هشام بن الحكم مولى جعفر الصادق في العصر العباسي الأول .. وكان متقدما وعلميا ومقنعا .. ثم كثرت الدراسات وتنوعت فكان منها الغث والسمين .. فتعرفنا على أطروحات المجلسي والشيخ المفيد في نهايات العصر العباسي .. اي في عهد البويهيين .. وليس الصفويين كما يشاع. فما هي وجهة نظركم؟؟

ج6: صالح الطائي: إن الحديث عن فارسية التشيع أو التشيع الرافضي الصفوي يؤلم قلبي كثيرا ليس لأني شيعي بل لأن من يتحدث عن هذا الأمر يثبت جهله بأصول الدين والمجتمع العربي ومنظومة القيم الإسلامية ودعوات القرآن للوحدة والجسد الواحد وأخيرا يثبت جهله بالتاريخ والأصول والأجناس وبالتالي يتحول إلى جاهل جهلا مركبا، ويحز في قلبي أن أرى مسلما جاهلا لهذه الدرجة المتدنية.

إن المماحكة والخلاف والحسد بين المذاهب الإسلامية هو الذي أوجد هذه النظرية الغبية، فالمعروف أن إيران كانت مغلقة على المذاهب السنية بشكل شبه كامل وليس من اليسير على أتباع هذه المذاهب أن يشاهدوا إيران تتفلت من بين أيديهم لتعتنق مذهبا منافسا، ولذا ما إن وجدوا التشيع ينجح في اقتناصها أو بالأحرى ما إن شاهدوها تقتنص التشيع حتى ثارت ثائرتهم وصدر منهم الكثير من الكلام الجارح القاسي ومنه القول بالفارسية أو (الشيعة الفرس الصفويين المجوس) وهو خلط لا يصدر عن عاقل عارف.

لقد تحولت إيران من التسنن إلى التشيع في القرن السادس عشر الميلادي وتحديدا في عام (1501) ميلادية القرن العاشر الهجري على يد الصفويين الأتراك الذي غزوها وأقاموا فيها إمبراطوريتهم، فهل من المعقول أن ينجح الصفويون أو غيرهم في وضع قواعد مذهب ولد قبل إسلامهم وقبل تشيعهم بعشرة قرون؟ نعم لا ينكر أثر التناقل الثقافي أو المثاقفة ولكن تأثيرها محدود عادة وهي تحدث في كل المجتمعات الإنسانية فما نقله الصفويون للتشيع يقابله ويزيد عليه ما نقله العثمانيون إلى التسنن، يكفي دليلا أن الشيعة لم يعترفوا بإمامة السلاطين الصفويين ولكن السنة عدوا سلاطين آل عثمان مكملين للخلافة الإسلامية وقال الدكتور الصلابي عن سقوط الإمبراطورية العثمانية: "بسقوطهم سقطت الخلافة الإسلامية".

ومن يتابع تواريخ ولادة المذاهب يجد ولادة التشيع تتقدم على جميع المذاهب الأخرى بقرون فالتشيع ولد باتفاق المؤرخين في المدة المحصورة بين عصر البعثة وسنة ست وثلاثين هجرية. نعم توجد أقوال شاذة تدفع تاريخ الولادة إلى سنة ستين هجرية ولكن لا يعول عليها بسبب ضعفها، كما أنها حتى لو كانت صحيحة فمعنى ذلك أن التشيع ولد قبل أول مذهب آخر بنحو مائة وسبعين عاما وكانت ولادته عربية قرشية هاشمية باتفاق المؤرخين أما باقي المذاهب فتشوبها الأعجمية قمة وقاعدة.

 

س7: سلام كاظم فرج: لم تصلني مؤلفاتكم التي صدرت مؤخرا .. هلا حدثتنا. أبا أيمن .. عنها .. علمت أن لكم إصدارات عن الإمام الكاظم عليه السلام. وعن الإمام الحسن عليه السلام .. هل حققتم في رأيكم الكريم ــ إضافة نوعية على ما نعرفه عن تاريخ الإمامين عليهما السلام والرؤية التأريخية العلمية لطبيعة تأثيرهما على الفكر الإسلامي؟؟

ج7: صالح الطائي: المهم في الكتابة أن لا تكون تقليدا لما سار عليه السلف، فالتجديد ولاسيما في الشأن الديني أكثر أهمية من غيره نظرا لمؤثراته على الوعي العام. والعالم اليوم يحاكم النصوص بعقليته لا بعقلية النص الديني ويفكك المناهج برؤاه لا برؤى الدين، ولا يمكن أن يحدث التواصل بين الجانبين إلا إذا ما تم الحديث بلغة مفهومة للطرفين.

في مؤلفاتي أحاول التناغم مع التجديد ورفض التقليد مع أن هناك من يعترض على هذا المنهج ولا يرضاه بل ويطعن فيه، فالفاشي بين المؤلفين أن يتحدثوا عن الظلامة المعادية التحريضية فقط وأنا أتحدث عن الظلم بأنواعه، بما فيه ظلم ذوي القربى، ومنه على سبيل المثال تلك التهمة السمجة التي نسبتها السياسة وأتباع الفصيل السياسي العربي إلى الإمام الحسن (ع) بأنه كان مزواجا مطلاقا مما دفع أحد المستشرقين للقول بأنه تزوج بين 300 إلى 900 زوجة، حيث وجدت في نقول مدرسة أهل البيت لأحد الكتاب المشهورين وله كتاب بعنوان (قصص الأنبياء) هو من الشهرة بمكان لدرجة أنك يصعب أن تجد بيتا خال منه، وجدت قولا جاء فيه: "كان الإمام الحسن مزواجا مطلاقا مذواقا" ولا أدري كيف اختار كلمة (مذواق) التي لم أجدها في أحاديث باقي المسلمين ربما لأنه أراد التأكيد على قوة ذكورية الإمام الحسن (ع) ولكنك حينما ترجع إلى النقول المعتبرة تجد أحاديث صحيحة لرسول الله (ص) تلعن الذواقين من الرجال والذواقات من النساء؛ ومنها قوله (ص): "لعن الله الذواقين من الرجال والذواقات من النساء" وعن أبي هريرة: "تزوجوا ولا تطلقوا فإن الله لا يحب الذواقين والذواقات" وفي مصنف ابن أبي شيبة قال: عن شهر بن حوشب قال : تزوج رجل وامرأة على عهد النبي (ص) فطلقها فقال له النبي: "طلقتها؟ قال: نعم! قال: من بأس؟ قال: لا يا رسول الله! ثم تزوج أخرى ثم طلقها فقال له رسول الله: طلقتها؟ قال: نعم! قال: من بأس؟ قال: لا يا رسول الله! ثم تزوج أخرى ثم طلقها فقال له رسول الله: أطلقتها؟ قال: نعم! قال: من بأس؟ قال: لا. فقال رسول الله في الثالثة: "إن الله لا يحب كل ذواق من الرجال ولا كل ذواقة من النساء". فكيف يستقيم هذا القول مع ما معروف عن الإمام الحسن؟ كيف يكون الحسن غافلا عن حديث جده؟

ولذا جاء كتابي عن الإمام الحسن بجزئين تحت عنوان (الحسن بن علي الإمامة المنسية) خصصت الجزء الأول منه للحديث عن دور السياسيين العرب في الحراك الذي دار في جزيرة العرب منذ الأيام الأولى للبعثة ولغاية قيام الدولة العباسية لأثبت من خلال ذلك أن العداء بين المذاهب الإسلامية سببه السياسة العربية وليس الاختلاف الديني.

أما كتابي عن الإمام الكاظم وهو بعنوان (خرافة كثرة زوجات الإمام الكاظم) فينح نفس المنحى في رد الروايات الضعيفة والمدسوسة سواء صدرت من مدرسة الخلفاء أو من مدرسة أهل البيت لا فرق في ذلك. وأما كتابي الذي قامت بإصداره ونشره شبكة الإعلام العراقي وهو بعنوان (نحن والآخر والهوية) فيتناول الدين من حيث هو بؤرة تجتمع عندها النفوس النقية دون حاجة لاستيراد مناهج تعليمية فالأمركة التي نجحت في توحيد أمريكا لا يمكن أن تنجح في توحيد العراقيين الذين لا يحتاجون إلى أمركة أو عرقنة لأنهم أصل واحد حتى وإن اختلفوا اثنيا فالسومريين والأكديين والأشوريين والبابليين والعرب المسلمين والأكراد كلهم من أصل عراقي جمعتهم العرقنة عبر التاريخ. وأنا في رأيي هذا لا أعارض رأيي السابق بضرورة الإفادة من الخبرة الغربية في الحوار بين المذاهب.

وسأنتهي قريبا إن شاء الله من تأليف كتاب بعنوان (سعيد بن جبير تابعي قتله تشيعه) أثبت من خلاله أن المجتمع الأول كان شيعيا وسنيا متحدا متآخيا يصعب عليك معرفة شيعيه من سنيه لأنهم على منهج واحد.

كما قاربت الانتهاء من كتاب بعنوان (أثر الطعام على السلوك البشري وعلاقته بالعمليات الإرهابية) اعتقد أنه سيثير ضجة كبيرة مع أني اعتمدت على كتب الفقه التي ألفتها المذاهب نفسها لاستقاء آراء البحث.

ما أريد قوله: إني إنسان صاحب مشروع بنائي أتمنى وارغب بإنجازه وهو يهدف إلى تصحيح بعض مواطن الاعوجاج في حياتنا وعلاقتنا وعيشنا وعقائدنا وطقوسنا، وأنا هنا لا أخاطب فئة بعينها وإنما أخاطب المسلم وغير المسلم مهما كان مذهبه، فالحياة لا يمكن أن تكون مريئة هنيئة إلا بالعيش المشترك.

 

س8: سلام كاظم فرج: إضافة الى الكتب البحثية. اعلم أنكم قد حصدتم جوائز في مسابقات في المقالة الاجتماعية .. هل حدثتنا عن نوعية تلك المسابقات والمشاركات؟

ج8: صالح الطائي: أنا لا زلت هاو لكتابة المقالات والنقد الأدبي، فحينما أشعر بوجود وقت فراغ أو حينما يستفزني خبر ما، أو حينما أتعب من البحث في بطون الكتب عن معلومة تخصني ألجأ إلى الكتابة في الشأن السياسي والتربوي والأدبي والحياتي.

وقد توافقت رؤاي مع موقع صحيفة المثقف الذي نشرت فيه الأعم الأغلب من مقالاتي مما دفع القائمين عليه بتكريمي بشهادة تقديرية مع درع المثقف وهو تكريم أعتز به كثيرا، كما قام موقع رابطة الكتاب العراقيين بتكريمي للسبب نفسه، وقد اتيحت لي فرصة الاشتراك بمسابقة كتاب بلا حدود الدولية في محور المقالة وشاء الله أن تفوز مقالتي بالجائزة الثانية من بين (27) دولة اشتركت بـ(475) موضوعا، اما المقالة فكانت بعنوان (الأشياء الصغيرة قد تغير حياتنا) كما تم تكريمي من معهد السلام الأمريكي بسبب مجموعة دراسات نشرتها عن صنع السلام في الإسلام وعن حوار الأديان، فضلا عن ذلك كرمت من قبل الكثير من المؤتمرات العلمية في داخل العراق وخارجه.

وقد فزت مؤخرا (خلال شهر رمضان الجاري) بالجائزة الأولى في مسابقة الكتابة عن الإمام الحسن بن علي (ع) عن كتابي الموسوم (الحسن بن علي الإمامة المنسية) وهو كتاب بجزئين، كان واحدا من أصل (25) كتابا لمؤلفين عراقيين وعرب اشتركوا في المسابقة التي أقامتها العتبة العباسية المشرفة؛ وهو تكريم لا يوصف نظرا لأهمية الموضوع. تكريم كبير آخر تحقق من خلال اعتماد كتابي الموسوم (جزئيات في السيرة النبوية) ككتاب منهجي يدرس لطلاب قسم التاريخ في جامعة واسط. وهناك جوائز كثيرة أخرى والحمد لله

 

س9: سلام كاظم فرج: تتميز كتبكم،  وهذه ظاهرة نادرة بسرعة نفاد النسخ المطبوعة .. سيما كتابكم القيم (نظرية فارسية التشيع ..) الصادر عن دار العارف .. وكتابكم القيم (جزئيات . الصادر عن دار ميزوبوتاميا .. كيف تعللون ذلك؟ في زمن شح فيه القراء .. وتعثر فيه تسويق المطبوعات على الورق. بعد انتشار المطبوع الالكتروني؟؟

ج9: صالح الطائي: ثبت لي بالتجربة أن شخصية الكاتب والموضوع الذي يكتب عنه وعنوان الكتاب وتصميم الغلاف وحجم الكتاب وسعره وتقارب موضوعة الكتاب مع حدث مجتمعي معين؛ كلها عوامل تتحكم بالطلب على الكتاب ولاسيما إذا كانت مادة البحث غير منشورة على مواقع الانترنيت أو لا توجد معلومات وافية عنها. وبتوفيق من الله ومنه اخترت تلك المواضيع الحساسة وحاولت جاهدا أن أتحكم بعوامل العرض والطلب وإذا ما كنت قد حققت النجاح فذلك بفضل الله تعالى.

 

س10: سلام كاظم فرج: لن أتعبكم أستاذنا العزيز ونحن في شهر الصوم الكريم . واترك لكم المساحة التي ترونها مناسبة لكم في التعريف بأسماء تركت تأثيرا كبيرا في تاريخ الفكر الاسلامي .. قد يكون هذا التأثير سلبيا. وقد يكون إيجابيا ..

1 / عبد الله بن سبأ .. (هل هي شخصية حقيقية ام وهمية؟)

2 / المغيرة بن شعبة

3/ ابو موسى الاشعري

4 زياد بن ابيه (ابن ابي سفيان ..)

5/ حجر بن عدي

6/ عمر بن عبد العزيز

7عبد الله بن بلتعة ..

8 أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ..

 

ج10: صالح الطائي: ربما تجد هذه الأسماء كلها قد مر ذكرها في كتبي بشكل موسع أو مختصر، ولا بأس أن نتحدث عنها قليلا.

1ـ عبد الله بن سبأ: شخصية وهمية بامتياز وأجد أن كل من يعتقد بصحة وجوده وصحة دوره في الأحداث يوجه إهانة عظيمة جدا للعقل العربي المسلم، ومن العار أن يدفعنا التنافس للنزول إلى هذه الدرجة المنحطة لنظهر بإرادتنا يهوديا لقيطا لا أصل ولا فصل له يستغفل عقول الصحابة والتابعين ويضحك على ذقونهم. من يتكلم عن هذا النكرة يسيء إلى الإسلام ونبيه وقرآنه وعقيدته وقد آن الأوان ليتخلى عنه الذين تعلقوا به عبر التاريخ فمجرد ذكره يعد خزيا كبير لا نرضى به لمسلم.

2ـ أما المغيرة بن شعبة: فهو رجل ذكوري ماكر خبيث بمعنى الكلمة طوع الدين لخدمة السياسة وطوع السياسة لخدمة المصلحة الشخصية، متلون بكل ما للكلمة من معنى، طلق في يوم ما أربع نساء دفعة واحدة لمجرد نزوة وتزوج غيرهن في اليوم ذاته مخالفة الشريعة، وهو بطل قصة الميل والمكحلة مع أم جميل التي أنقذه منها الخليفة عمر. كان يجيد الفارسية واليهودية ويتعامل مع الجانبين خدمة لمصالحه. توقف الآخرون عن الحديث عنه بسبب العصمة التي أضفتها السياسة على جيل الصحابة ولولا هذه العصمة لسمعت عنه هوائل تقرب من الخرافة.

3ـ أبو موسى الاشعري: أسلم هو والأشعريون وأبو هريرة بعد فتح خيبر وكان مثل باقي المسلمين ولكنه بسبب ضغوطات السياسيين وإغراءاتهم حاول تثبيط عزائم الناس عن نصرة علي بن أبي طالب (ع) في حربه مع أهل الجمل وهو ما دفع الإمام الحسن (ع) للتطاول عليه، وبسبب الضغوطات نفسها اختار أن يكون ممثلا لعلي في مفاوضات حرب صفين وتسبب في خلع الإمام وتثبيت معاوية مقابل الثمن الذي قبضه من السياسيين. من الصفات التي أضفوها عليه أن صوته في قراءة القرآن كان يشبه مزامير داود، وقد جاءته هذه الصفة من حديث رواه بنفسه قال فيه: " قال رسول الله (ص): لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود، فقلت يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرًا". ولا أدري كيف دمجوا بين صوت المزمار الآلة الموسيقية التي يقاس بها الصوت الجميل، وبين النص الديني الوارد في التوراة والذي يطلق عليه اسم مزمور وجمعها مزامير، وهي المعروفة بمزامير داود!

4ـ زياد بن أبيه يكفيه أنهم حينما يتحدثون عنه لا يكملون كلامهم؛ كما في قولهم المشهور: "ولد في السنة الهجرية الأولى، في الطائف، أمه سمية كانت جارية عند الحارث بن كلدة الثقفي الطبيب الشهير". ولا يكملون حديثهم عن أبيه. قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: " وهو زياد بن عبيد الثقفي، وهو زياد ابن سمية، وهي أمه، وهو زياد بن أبي سفيان الذي استلحقه معاوية بأنه أخوه". أخوه لأمه الصحابي أبو بكرة المنحرف عن علي (ع)

وقد بلغ الحسن بن علي (ع) أن زيادا يتتبع شيعة علي (ع) بالبصرة، فيقتلهم، فدعا عليه . ثم جمع أهل الكوفة ليعرضهم على البراءة من الإمام علي (ع)، فأصابه حينئذ طاعون في سنة ثلاث وخمسين ومات.

5ـ حجر بن عدي: يكفيه أنه كان يدعى حجر الخير وأنه وصف بالصلاح والتعبد، ومن قتله كان يدعى الطليق ابن الطليق، يكفيه أن كل المسلمين حزنوا على قتله، يكفيه أن أم المؤمنين عائشة غضبت على معاوية وأنكرت أن يكون حليما كما روج له أتباعه، يكفيه أنه استشهد لأنه رفض أن يسب أسد الإسلام وقديسه علي بن أبي طالب (ع). كان حجر بن عدي قائدا عسكريا معروفا بالشجاعة والشهامة والورع والتقوى والزهد والأمانة والصدق، وهو من أعظم قادة الفتوحات الإسلامية، وصفته كتب التراجم بأنه كثير العبادة حتى وصفه الحاكم في المستدرك براهب صحابة خاتم الأنبياء، و جاء في تفسير ابن كثير أن حجرا كان شجاعا تقيا ظهرت له كرامات في حروبه و شهادته في ما وصفه الطبري و ابن الأعثم.

حجر بن عدي أنموذج للشهيد الإسلامي على مر العصور، وسيبقى المثل الأعلى لقيم الشهادة والمروءة والثبات على المعتقد، رحم الله حجرا فقد كان صادق الإيمان.

6ـ عمر بن عبد العزيز: قد يكون شمعة البيت الأموي، ولكن أمره ضخم أكثر مما يحتمل، ونسب إليه من فضائل غيره الكثير، لعبت السياسة لعبتها في تجميل صورته حينما أطلقوا عليه لقب الخليفة الراشد الخامس متجاوزين الحسن بن علي (ع) الذي كانت مدة حكمه مكملة لحديث: "الخلافة ثلاثون عاما" على كل حال أعتقد أنه لو أتيح له أن يحكم كما حكم الأمويون الآخرون لصدر منه ما صدر منهم، وهذا مجرد رأي.

7ـ عبد الله بن بلتعة: لا أعرف عبد الله بن بلتعة هذا ولكني أعرف حاطب بن أبي بلتعة الذي أرسله النبي (ص) إلى المقوقس. قال المرزباني في معجم الشعراء: "كان أحد فرسان قريش في الجاهلية وشعرائها". وهو من المخضرمين، ولد قبل البعثة المشرفة، شهد مشاهد الرسول ومع ذلك ثبت أنه راسل قريش ليدلهم على نية النبي بغزوهم. وهو أحد الذين رووا حديث: "من رآني بعد موتي فكأنما رآني في حياتي ومن مات في أحد الحرمين بعث في الآمنين يوم القيامة". الذي ذكرناه آنفا، وبالرغم من انه مات سنة 30 للهجرة عن 65 عاما إلا انه لم يرو غير هذا الحديث. أعتقد انه هو الآخر ضخمت سيرته.

سلام كاظم فرج: نعم كنت اقصد حاطب بن أبي بلتعة . شكرا للتصويب

8ـ أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن المصطلق سباها الرسول (ص) يوم المريسيع أو ما يعرف بغزوة بني المصطلق سنة (5) للهجرة، كانت متزوجة بابن عمها مسافع بن صفوان الذي قتل في المعركة، يقولون في السيرة: إنه عندما قسمت الغنائم وقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة جميلة فأتت النبي (ص) تستعينه على كتابتها فرأتها السيدة عائشة فكرهتها لملاحتها وحلاوتها وعرفت أن رسول الله (ص) سيرى منها ما رأت، أي سيفطن إلى جمالها وكأنه كان يترصد الجميلات ليتزوجهن، فقالت: "يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك وقد كاتبت فأعني" فقال: "أو خير من ذلك؟ أؤدي عنك وأتزوجك؟" فقالت: "نعم"، فقال: "قد فعلت." فبلغ الناس، فقالوا: "أصهار رسول الله. فأرسلوا ما كان في أيديهم من الأسرى. كان عمرها يوم زواجها من رسول الله عشرين سنة. وقد تكلمت عن هذا الزواج في كتابي "جزئيات في السيرة النبوية" لما فيه من إساءة لرسول الله (ص) حيث يتضح من هذا النص أنه كان يزايد أصحابه على الجميلات فيأخذهن منهم عنوة.

وأخيرا أتوجه بالثناء الكبير والشكر الجزيل للأخ والصديق العزيز الأستاذ سلام كاظم فرج لتفضله بإجراء هذا الحوار في هذا الشهر المبارك الفضيل وأدعو له ولصحيفة ومؤسسة المثقف وأسرتها بكل خير، كما أدو الله سبحانه ان يجمع شملنا ويوحد كلمتنا وينصرنا على أعدائنا ويؤمنا في أوطاننا، وله الحمد أولا وأخرا

 

سلام كاظم: وفي الختام لا يسعني سوى تقديم الشكر الجزيل الى الباحث الأستاذ صالح الطائي على طيب تقبله لأسئلتنا وسماحة فكره، وأناته وصبره على أسئلة قد تكون شائكة .. تعمدنا طرحها لكي نثبت ان الفكر الإسلامي .. أكثر حرية وسماحة مما يتصور خصومه. وقد أثبت الأستاذ صالح الطائي هذه الحقيقة فشكرا له . ألف شكر ..

 

خاص بالمثقف

 

سلام كاظم فرج

صحيفة المثقف

29-7-2013

 

salam kadomfarajraed sodaniخاص بالمثقف: للمؤرخ الاستاذ رائد السوداني مؤلفات مهمة وجديرة بالقراءة والتأمل .. تحمل تحليلات وإرهاصات مستقبلية رغم انها تتناول حوادث تاريخية .. ميزة الاستاذ السوداني إنه لا يكتفي بسرد التاريخ . بل يبني على سرده نظرات لما سيكون عليه تأثير ذلك التاريخ على حركة الحاضر والمستقبل .. اختلفت معه في محطات . واتفقت معه في محطات .. تبعا لقناعاتي الفكرية وركام ما املكه قياسا لما يملكه الرجل من وعي بقراءة التاريخ وتراكم معرفي .. وتلك من بين اهم الاسباب التي تجعل التحاور معه لذيذا ومفيدا .. وبسبب ذلك .. اعددت هذه الحلقة من باب مرآيا ..

للأستاذ السوداني مؤلفات عديدة .. من اهمها واكثرها نفوذا في ذائقتي كتابه في التاريخ العراقي المعاصر (حكم الازمة ..) الذي اهداه إلى من امتلك قلبه (العراق ..). وله ايضا كتاب (الاستشراق والتبشير تأملات في دورهما السياسي) .. وله ايضا (الاحتلال الاميركي للعراق مقدمات وأسباب) .. سأبدأ كعادتي مشاكسا. وأرجو ان انتهي متصالحا مع الاستاذ رائد السوداني ..

 

س1: سلام كاظم فرج: رمضان كريم استاذ رائد .. تقبل الله صيامكم. واعاده عليكم وعلى أمة العرب والمسلمين باليمن والبركات.،  واهلا بكم في صحيفة المثقف،  مرايا حوارية: ثقافية - فكرية.

ج1: رائد السوداني: رمضان كريم عليك أستاذي سلام وعلى كل من يتصفح المثقف وغير المثقف ولاسيما أستاذنا ماجد الغرباوي والعاملين معه متمنيا للجميع في شهر التسامح والكرم هذا كل التقدم والعطاء وراجيا من الله العلي القدير أن يعم السلام في ربوع وطننا الجريح (العراق) وفي أرجاء المعمورة عموما .

 

س2: سلام كاظم فرج: (التعصب ليس خبثا .. ) .. هذه الجملة وردت في (حكم الازمة ) على لسان بيير دي فوميل وهو يتحدث عن مدحت باشا .. هل ترى استاذ رائد ان هذه الجملة صحيحة من ناحية عقيدتك الفكرية من جهة. ومن ناحية كونك كاتبا في علم مهم .. هو علم التاريخ؟؟

ج2: رائد السوداني: بعيدا عن توصيف هذه الجملة (التعصب ليس خبثا) أود أن أذكر ما أؤمن به من حقيقة مفادها، أن تحمل أنت أو شخص آخر أو أنا  فكراً أو عقيدة ما ويحاول كل منا  أن يروج لها ويدعو الناس لاعتناقها فهذا العمل مما لا أعده مثلبة، ولا خبثاً أيضاً إن أحببت أن أردد كلمة الرحالة الفرنسي المذكور أعلاه (بيير دي فوصيل) لكن أين هي مكامن الخلل أو المثلبة والذنب؟ من خلال التجارب التي مرت تكمن كل هذه التوصيفات عندما يصدق صاحب الفكرة والعقيدة (وهنا أتحدث عن النشاط الانساني) بأنه الأوحد في هذا العالم فكر واستقرأ ومن ثم  استنتج وبالتالي فإن فكرته الوحيدة التي تصلح لهذا العالم وحل مشاكله ومعضلاته، وعليه يجب أن لا يجرؤ أحد على التفكير وصياغة أفكار جديدة وإن حصل هذا فتلك جريمة يجب أن تستأصل فوراً بكل الأساليب .والحقيقة الاخرى التي أؤمن بها،  أن الأفكار لا تحبس ولا تسجن ولا تحاصر ولا تستأصل وهنا أحيلك أيها الأخ والاستاذ سلام كاظم فرج إلى واحدة من عيون الأدب الروائي العراقي وأنت الضليع في هذا المجال وهنا أسجل اعترافا بأنني فوجأت بالأدب الروائي العراقي إذ أخذت بقرائته متأخرا جدا، وهنا أعني برواية الأديب هشام توفيق الركابي (المبعدون) والتي تتناول قضية تحويل السلطات الملكية في العراق من بدرة النائية إلى منفى لمعارضيها وأغلبهم بطبيعة الحال في ذلك الوقت إن لم نؤكد جميعهم  من (الشيوعيين) وإن لم يذكر الروائي أن أبطاله ينتمون إلى هذا الحزب لكن مجريات الرواية تؤكد ذلك وتاريخ المدينة يؤكد هذا الشيء، والأمر المهم الذي أريد أن أبينه من هذه الرواية أنه وعلى الرغم من أن الحصار الذي ضرب على المبعدين فإنهم لم ينقطعوا عن انتمائهم الذين أبعدوا جرائه، ولا استطاع الحصار الذي ضرب عليهم في بدرة، فقد عاشوا حصارين، حصار المكان النائي، وحصار داخل هذا المكان أيضا لكن لم يحد الإجراء القاسي والتعسفي هذا دون وصول المنشورات إليهم ومن ثم إيصالها وتوزيعها إلى أبعد نقطة في بدرة ولم يمنعهم حتى قتل رفيقهم جراء التعذيب من مواصلة دربهم الذي اختطوه .وقد وجدنا أنا وأنت أستاذنا سلام كاظم فرج أن التفكير الواحد والحزب الواحد القائد كيف قادنا إلى المفكر الأوحد والحاكم الأوحد الذي رسم الحياة العراقية ودخل فيها وتدخل في دقائقها الدقيقة حتى قادنا إلى ما جرى يوم 9/4/2003، فلم ينظر هذا القائد الضرورة عند نفسه إلى ما حوله، إلى العالم الرحب وإلى التقدم الحاصل فيه وحسب نفسه أنه الوحيد فيه، الحقيقة المطلقة،  بل وصل إلى حقيقة أنه العالم بأسره، وبطبيعة الحال هذا ديدن كل المستبدين بأفكارهم الذين ينزعون عن أنفسهم كل حواس التفكير إلا حاسة الأنا .وتجدر الإشارة إلى هذا الأمر والتكرار أيضا إلى أن حاسة الأنا تكون كارثية عندما يكون حاملها قد تسلط فيتحول الحكم إلى فرداني أي حكم الفرد الواحد الذي لا شريك له، الذي يصل إلى عبادة الفرد الحاكم، أي بمعنى أن يصل الحاكم إلى تصور نفسه الأوحد على الأرض، فلا راد لأمره، هذا الفكر والتصور ليس فقط خبثا بل قل كفرا.

 

س3: سلام كاظم فرج: أًعتبر مدحت باشا في زمنه كرجل غريب الاطوار وشاذ. واتهم بالماسونية والعمالة للغرب كونه أدخل او حاول ان يدخل الحياة البرلمانية الى الدولة العثمانية .. محاولاته تلك انتهت بقتله على يد السلطان عبد الحميد؟ على المدى البعيد من انتصر من وجهة نظر الاستاذ رائد .. في تركيا على الاقل .. عبد الحميد ام مدحت؟؟

ج3: رائد السوداني: بالنسبة لمدحت باشا فقد اختلف عليه من تناول سيرته، فمنهم من جعله مصلحا كبيرا، ومنهم من جعله ابنا شرعيا للأجنبي وقبل أن أنقل رأيي في مدحت باشا وهو مستل من حكم الأزمة ج1أود أن أذكر ما توصلت إليه في من نجح سواء مدحت باشا أو عبد الحميد الثاني وأقول كلاهما لم ينجح لأنهما مستبدان برأيهما ولا يمتلكان نقطة التقاء بينهما ولا بين من يختلف معهما من الآخرين وهذا غير جائز بطبيعة الحال لا بالعمل السياسي ولا بالعلاقات الانسانية بطبيعة الحال وأما ما ذكرته عن مدحت باشا وتهمة العمالة والماسونية إذ جاء في هامش صفحة 122طبعة دار ضفاف امن حكم الأزمة الآتي "عندما يتحدث الباحث عن مدحت باشا يجب أن يعطي الصورة كاملة عن هذا الشخص صاحب الانجازات الإدارية (وحتى هذه الانجازات لم تكن من عندياته بل سياسة مركزية حتمت الظروف المحيطة بالدولة العثمانية أن تقوم ببعض ما سمي بالاصلاحات) لكنه كسياسي يعرف عنه أنه غير ملم بالقضايا الستراتيجية ولا بالعلاقات الدولية المبنية على المصالح فعندما طالب مدحت باشا بالتجديد فإن الصورة كانت أمامه ضبابية فتصور أن مجرد أن تعلن الحياة الدستورية في الدولة العثمانية ستكف بريطانيا وفرنسا والنمسا وبروسيا وروسيا عن تدخلاتها في شأن الدولة أو أن السلطان ذاته سيقتنع بأن الحياة الدستورية الحقيقية لا الصورية التي أعلنت في 1876ستكون مانعا لهذه التدخلات فقد جرت الوقائع أن الدول أو المجتمعات المتماسكة والتي تبني نظمها السياسية باتفاق أطياف المجتمع كافة تكون طرقها مسدودة أمام التدخلات ومن أي نوع، وحتى ارتباط مدحت باشا واتصاله بالسفير كاننغ ليلة عزل السلطان عبد العزيز لا يمكن أن يضعها المرء في خانة العمالة والماسونية كما ذكر السلطان عبد الحميد في مذكراته فهذا يحتاج إلى اثبات، فالسفير المذكور كانت له اليد الطولى على مصدر القرار في اسطنبول بدءا من السلطان وانتهاءا بالباب العالي أو الصدر الأعظم وكان نفوذه حد عزل وابقاء وإعادة الصدر الأعظم، فهل يستبعد السلطان عن العمالة وتلصق بمدحت باشا فقط لكن ومن الوقائع أن الدولة العثمانية بأجمعها كانت دون قانون ودستور ولا سياسة مبنية على أسس علمية يهتدي بموجبها الساسة الأتراك آنذاك" وهناك أمر جوهري يجب أن ندركه حول مفهوم العمالة فهذه المفردة لم تعد لها معان كالسابق وتغيرت معطياتها هذا إن وجدت لها معطيات في الوقت الحاضر، فعلى سبيل المثال لم تعد إسرائيل لدى الكثير من الباحثين هي العدو المركزي الأول أو التهديد الأول للأمة العربية وتحول اللقاء المسؤول العربي بالإسرائيلي شيئا مألوفا وتحول العداء إلى صورة أخرى، إذ تقوقع إلى الذات، أعني تحول العربي أو المسلم إلى أن يعد المسلم الآخر الذي يعتنق مذهبا إسلاميا مغايرا لما يعتنق هو إلى عدو وإلى تهديد على الوجود العربي ككل، وكي لا أغرق القاريء في التكهنات أتكلم بصراحة، لم يعد الاتصال بإسرائيل لا عمالة ولا خيانة بل إيران الشيعية هي الخطر المحدق بالأمة وعلى العرب التحالف مع أمريكا وإسرائيل لإزالته .أليس هذا الحاصل الآن؟ ألم يتحول سلاح المقاومة في لبنان إلى خطر  عليها نزعه وبكل الوسائل .فقد انقلب الحال رأسا على عقب ولم تعد إسرائيل هي العدو ياصديقي بنظر أكثر العرب والمسلمين.

 

س4: سلام كاظم فرج: لي وجهة نظر في حركة السيد محمد سعيد الحبوبي في مواجهة الانكليز في الشعيبة (البصرة ..) تختلف عن وجهة نظركم. وان كنت مخطئا ارجو التصويب .. الحبوبي رحمه الله .. هانت عليه سنين الاحتلال العثماني التي مزقت العراق وأذلت العراقيين لاربعة قرون من الزمن. فتعاون مع العثمانيين ضد الانكليز وهو بعد لم يجرب حكم الأنكليز .. والسبب ان هؤلاء مسلمون . والقادمون كفرة؟؟ اليس في ذلك فهما مبتسرا لمعنى الاسلام؟؟ وهل يبيح الاسلام إذلال شعب عريق مثل شعب العراق؟

ج4: رائد السوداني: لا لم أختلف معك في توصيف الوجود التركي في العراق بالاحتلال لا اليوم ولا بالأمس ولا غدا بل أعده من الاحتلالات المقيتة جدا إذا جاز لنا وصفها وهنا لابد لي من العودة إلى حكم الأزمة لأجتزء منه هذا النص والذي أجده ضروريا للإجابة على سؤالك هذا  والذي يؤكد  في صفحة (54) أن "الاحتلال التركي يبقى هو الأبرز في حقبة ما قبل الاحتلال البريطاني للأثر الذي تركه على الحياة الاجتماعية في البلد حيث مارست السلطة العثمانية السياسة الطائفية بكل أبعادها المعروفة، حتى أنها عدت مناهضة المذهب الجعفري نوعا من أنواع الجهاد وأحد عوامل النهوض بالنسبة للحكم العثماني حيث يصرح صاحب هذا النص (علي محمد الصلابي في الدولة العثمانية عوامل النهوض والسقوط) في توضيحه وتقديمه لكتابه بالقول بقوله (ويوضح للقاريء حقيقة الدولة العثمانية والأسس التي قامت عليها والأعمال الجليلة التي قدمتها للأمة كحماية الأماكن المقدسة الإسلامية من مخططات الصليبية البرتغالية، ومناصرة أهالي الشمال الإفريقي ضد الحملات الصليبية الأسبانية وغيرها، وإيجاد وحدة طبيعية بين الولايات العربية، وإبعاد الزحف الاستعماري عن ديار الشام ومصر، وغيرها من الأراضي الإسلامية، ومنع انتشار المذهب الاثنا عشري الشيعي الرافضي إلى الولايات الإسلامية التابعة للدولة العثمانية ومنع اليهود من استيطان فلسطين) وعلينا أن ننظر إلى الخطورة في الموضوع من خلال أن العراق يعد موطن التشيع الأول ويضم مراقد أئمة الشيعة كما يضم مراقد الإمام أبو حنيفة والشيخ الكيلاني وغيرهما، كيف يكون التعامل السياسي هنا داخل المجتمع الواحد ،  وهكذا فلسفة تحكم الحاكم، سوى عقلية إلغاء الآخر ، وكيف تكون العلاقة بين أبناء المجتمع، بطبيعة الحال ستكون النتائج سلبية على هذا المجتمع من خلال التراكم الزمني .أما عن موقف السيد محمد سعيد الحبوبي فالجواب عنه يكون على مستويين أو أكثر.

المستوى الأول: ينطلق من حقيقة مفادها، إذا كان البلد تحت احتلال تركي لا يعني أن أقبل أن يأتي غاز آخر مكانه وهذا مما لا يقبله العقل أو المنطق بأي حال من الأحوال لاسيما من رجال أمثال السيد الحبوبي وعبد الرزاق الحلو وغيرهما ولم يكن هذا حال السيد الحبوبي بطبيعة الحال بل أن الأمر ينطبق على العشائر العربية القاطنة على حوض دجلة أي من شيخ سعد وحتى المدائن فكانت هذه العشائر مصدر قلق كبير وكبدت القوات البريطانية خسائر كبيرة أثناء الحملة الأولى على بغداد التي وصلت فيها القوات البريطانية إلى المدائن ومن ثم تقهقرها وحصارها الشهير في الكوت، فكانت لإمارتي زبيد، وربيعة والعشائر  المكونة لهما صولات ضد الجيش البريطاني ولا ننسى عشائر بني لام بزعامة غضبان البنية على الرغم من أن هذه العشائر لها صولات وجولات ضد العثمانيين نتيجة السياسة الضرائبية والعسكرية في العراق، أي بمعنى كان السيد الحبوبي ينظر إلى أفق أبعد من وجود بني عثمان المتهالك تلك الأيام.

المستوى الثاني: هو الوازع الديني الذي يتحرك بموجبه السيد الحبوبي وصحبه والذي يجد في الغزو البريطاني عملا واجب التصدي له لكن هل موقف السيد الحبوبي كان الموقف الوحيد في المؤسسة الدينية، لم يكن هذا الموقف الوحيد فقد قابله موقف للسيد محمد الصدر المضاد للدولة التركية وقد بينه الأستاذ عباس علي في كتابه عن السيد الصدر بعنوان (زعيم الثورة العراقية) وبطبيعة الحال أن موقف السيد لم يكن مؤيداً للغزو البريطاني فقد كانت له القيادة البارزة إبان ثورة العشرين لكن ما وجده من الأتراك جعله لا يحرك ساكنا باتجاه الدفاع عنها وإن لم ينتقد الحركة التي قادها السيد الحبوبي.

المستوى الثالث : وحسب اعتقادي أن السيد الحبوبي وصحبه والمؤسسة التي ينتمي إليها لم ترد أن يتحدث التاريخ فيما بعد أن الحوزة لم تحرك ساكنا تجاه الغزو البريطاني الذي بدأ بعد يوم واحد من دخول العثمانيين للحرب العالمية الأولى وهنا وقعت المؤسسة الدينية أمام لحظة تاريخية بالفعل، فقد وقعت ردة الفعل البريطانية على الخطوة التركية بدءا من الفاو والبصرة وكان الهدف بغداد(يعني العراق لا غيره كان الهدف) فهل تقف الحوزة موقف المتفرج، لا أعتقد أن اللحظة التاريخية كانت تقف بصف القول بالانتظار .لاسيما أن المجتمع العراقي وعلى وجه التحديد الشيعة منه مرتبط ارتباطا وثيقا بالحوزة، وقد مرت بنا أحداث ثورة العشرين وكيف هو التلاحم بين العشائر والحوزة ) فلا يمكن والحال هذه أن تقف مكتوفة الأيدي مع تعرضها للسؤال عن موقفها من الغزو، وهو منكر ومرفوض في كل الأحوال.

 

س5: سلام كاظم فرج: تعقيبا على جوابكم على السؤال الرابع .. ولكن الانكليز بنوا في خمسين عاما . مالم يستطع العثمانيون تقديمه خلال خمسمائة عام؟؟!!. قدموا لنا حكما وطنيا. وبرلمانا عراقيا؟؟ وفتحوا مدارس. وانشأوا سكك حديد؟؟ جلبوا ساطع الحصري لتأسيس نظام تعليمي متطور ووضعوا عبد المهدي المنتفكي وزيرا للمعارف؟ العثمانيون لم يقدموا شيئا. بل دمروا كل شيء .. فكيف غاب ذلك عن السيد الحبوبي في إرهاصاته؟؟ ورؤيته للمستقبل؟؟

ج5: رائد السوداني: فأما مقولة حكومة وطنية فلها وعليها ردود كثيرة ولو راجعنا التاريخ قليلا والوثائق والمذكرات التي صدرت لتوصلنا إلى نتيجة تكون بالضد من  هذه المقولة فعلى سبيل المثال، لم يرفض الملك فيصل الأول طيلة عهده أي أمر أو رأي أراده الإنكليز بالمطلق وكان القرار أو الرأي أو أي مشروع لا يمرر إذا لم يوقع عليه بالموافقة من قبل المندوب السامي ولا يعين رئيس وزراء ولا يستقيل ولا تقبل استقالته إلا بموافقة دار الاعتماد البريطانية ويطول الحديث في هذا المجال، أما البرلمان فقد كانت مؤسسة عبارة عن ألعوبة بيد كل من الملك والمندوب السامي ورئيس الوزراء المعين، فكل رئيس وزراء يكلف بتشكيل الوزارة يعمد إلى حل البرلمان القائم ويأتي ببرلمان يفصل على مقاس المهمة التي جاء من أجلها وقد حدث هذا مع عبد المحسن السعدون ومع نوري السعيد الذي اشترط حل البرلمان في دورته الثانية ليصار إلى انتخاب البرلمان في الدورة الثالثة وقد كانت مهمته الرئيسة والوحيدة المصادقة على معاهدة 1930مما ولد العديد من التساؤلات حول أحقية البرلمان هذا في التصديق على باقي القوانين والتشريعان لأن الإرادة الملكية نصت على أن مهمته التصديق على هذه المعاهدة (أرجو أن يراجع من يريد المراجعة مذكرات توفيق السويدي وهو ركن من أركان الحقبة الملكية وسيجد موقفه من البرلمان العراقي).أما السكك الحديدية أتعرف أستاذ سلام أنها كانت تعد من طرق المواصلات (لحكومة جلالة الملك البريطاني) ومارسوا شتى الأساليب للمحافظة والاحتفاظ بهذا المرفق المهم لهم مع الموانيء والطرق الجوية .أما ساطع الحصري وعبد المهدي المنتفكي فهذه حكاية طويلة ومؤلمة من تاريخ العراق والأمر لا يتعلق بالسيد عبد المهدي وزملائه الآخرين من وزراء المعارف الذين في غالبيتهم يتم اختيارهم من الشيعة لكن لا صلاحيات لهم، فالصلاحيات عند مدير عام المعارف (ساطع الحصري) وليتك تدرس مذكراته في الجزء الأول وكيف يذكر هؤلاء الوزراء والذين من ضمنهم المجدد هبة الدين الشهرستاني ومحمد رضا الشبيبي، ومحمد أبو المحاسن وغيرهم بالهزء والسخرية منهم والحط من شأنهم الإداري والثقافي والسياسي، وأما عن مشروعه الذي ناقشناه في الجزء الأول من حكم الأزمة بشيء من التفصيل ففي  صفحة 409و410جاء فيها "أن مناهج التعليم التي وضعت في العراق بإشراف الإنكليز، وبقيادة ساطع الحصري لم تكن تركز على حب العراق كبلد وحضارة مثلما تؤكد على التمسك بحب البلدان العربية الأخرى، وقد كان ساطع الحصري المحرض على سياسة المكافحة الثقافية التي طالت الشيعة، بالتوازي مع سياسة الإبعاد السياسي والإداري في العراق، وقد كان ساطع الحصري جاهلا جهلا تاما بتشكيلات المجتمع العراقي عموما، كما أنه يجهل، أو يتجاهل متعمدا في حقيقة الأمر، العلاقة بين الشيعة في العراق والشيعة في إيران واعتبر ولاء الكل لإيران" والحقيقة وكما ذكرنا أعلاه أن موضوع ساطع الحصري موضوع له أهميته فقد تداخل فيه التربوي مع السياسي مع العقائدي فلا انفكاك بينها، ولا يستطيع الباحث تفكيك العلاقة في ساطع الحصري بين هذا الثالوث المهم إذا جاز لنا التعبير في ذلك (التربوي – السياسي – العقائدي) إلا بتفكيك شخصيته، وعلاقته بفيصل الأول وبرسي كوكس ليكونوا أيضا ثالوثا خطيرا له تأثيره الكبير على المجتمع العراقي على المساحة الزمنية بأكملها منذ تنصيب فيصل الأول وإلى يومنا هذا وفي صفحة 411من حكم الأزمة جاء عن ساطع الحصري أيضا "ولم يكن الحال مع ساطع الحصري عند الشيعة فقط بل تعداه إلى كل ما هو وطني، أو متعلق بالتراث، والحقيقة إذا أخضعنا موقف كل من كوكس، فيصل، وساطع الحصري إلى تفكيك بسيط، نجد أن الثلاثة كل مرتبط بالآخر، فكوكس هو عنوان الاحتلال، وفيصل صنيعة الاحتلال، أما ساطع الحصري فهو عثماني التوجه، والهوى، وفرنسي الثقافة، علماني دعا إلى إيجاد قومية عثمانية بدلا عن القومية العربية أو القومية التركية، وقد رفضهما بشدة، أن الحصري كان في رأيه أنه بالإمكان أن يتم الوصول إلى الوطنية بانصهار  جميع الأطياف الدينية والعرقية بالدولة، لكنه عندما أصبح مديرا للمعارف لم يستطع أن يروض نفسه بقبول الآخر كشريك في البلد (ويعامله بالمواطنة المنصهرة في بلد واحد)؛على أن الآخر هو من أبناء البلد ومنذ قرون؛ والحصري جديد جاء مع فيصل والمشروع البريطاني وأخذ يحدد الولاءات على الأشخاص لمجرد أنهم ينتمون إلى الطائفة المحكومة، ولا يختلف الحصري عن النقيب في تغيير الولاءات مثلا، فكلاهما عثماني التوجه ولكنهما غيرا وجهتهما لمجرد انتصار البريطانيين " وبهذا نخلص في صفحة 412إلى أن " من الطبيعي أن يبحث الثلاثة عن آلية فكرية تبعد ابن البلد عن جذوره سواء الدينية أو الوطنية، وكانت هذه الآلية هي فكرة القومية العربية، المنسلخة تماما عن كل جذر عربي، بل هي موتورة، وهنا تثير فقرة الدكتور فرهاد إبراهيم إشكالية ذكرناها آنفا، وهي أن العلماني في العراق على وجه الخصوص، هو من يمارس السياسة الطائفية، وهذا ما يمثله الحصري الذي ليس لديه أية معلومات دينية مسبقة حول الشيعة وموقفه من هذه الطائفة لأنه في الأصل طوال حياته علمانيا لكنه يعتقد أن شيعة العراق هم هوية وانتماءا خاصا من الواجب استئصاله والتغلب على هذا الانتماء لصالح القومية العربية " وفي صفحة 413جاء "وأما الإنكليز عندما وصلوا إلى العراق فهم حملوا معهم مشروع التعاون مع إيجاد أفراد يحملون الفكرة القومية اليمينية، وهؤلاء لا وجود للشيعة بينهم .إذاً ساطع الحصري أعطى مبايعته لهذين الاتجاهين، ولم تأت أفكاره وممارسته التعليمية من فراغ، أو عدم معرفة، يقول الدكتور أحمد جودة (نجد أن سياسة ساطع الحصري قد سارت على أسس سلجوقية وعثمانية فخلال الاحتلال التركي السلجوقي لبغداد والذي أخذ على عاتقه مهمة التمييز بين المذاهب الإسلامية وحرمان المسلمين من غير مذهب السلطة حق التعليم وهي السياسة التي سار عليها العثمانيون وعانى منها العراق الكثير) " علما أن ساطع الحصري يمثل إشكالية أخرى مع إشكالية إيمانه بالقومية العثمانية قبل أن يتحول إلى القومية العربية وتتمثل هذه الإشكالية بعد معرفته للغة العربية حتى بلوغه الأربعين عاما من عمره، ومع ذلك يصر على أن الشيعة ليسوا بعرب  حتى صدر في عام 1931وأثناء ولاية الحصري في وزارة المعارف كتاب لأحد الذين يعملون في هذه الوزارة بعنوان (العروبة في الميزان) أنكر فيه عروبة الشيعة بل عدهم سليلي المجوس وفي العراق هم بقايا الساسانيين وإن ولائهم لإيران .هذا يعني أن البريطانيين لم يقتصر عملهم بالمنهج الطائفي على النخبة السياسية بل امتد لخلق نشأ جديد مبني على القومية الطائفية الإقصائية في البلد وينكر وجود الآخر في البلد ويعتبره دخيلا. أما لماذا استبق السيد الحبوبي الأمر وقاوم الغزو البريطاني فأعتقد أنه بفكره الثاقب ومن خلال معايشته للاحتلال العثماني لم يرد أن ينتظر ماذا يفعل الغزاة حتى يبادر إما إلى حراك فيه مقاومة أو مهادنة .

 

س6: سلام كاظم فرج: العراق بلد عشائر .. وطوائف .. هل ترى ان الطائفية صنيعة الاحتلال الاميركي. ام انها صنيعتنا؟؟ في الستينات خفت وتيرة حديث الطائفية وكنا نخجل من الحديث فيها وعنها . على الاقل المثقف كان يخجل من حديث الطائفية وكان يجري التركيز على الخدمات ووعود التحرر الوطني.والاقتصادي والاجتماعي ..

الان حتى المثقف شمر ساعده ينافح عن طائفته. حتى ان شاعرا ماركسيا مثل سعدي يوسف. عز عليه تهميش طائفته فانبرى مهاجما مرجعيات الشيعة. هل ترى في ذلك نكوصا ام ارتقاء .. وهل ترى ان الخطاب الشيعي العالي النبرات صعد الخطاب السني؟ ام العكس هو الصحيح؟ وكيف يفسر الاستاذ رائد كمؤرخ إنزواء الخطاب الوطني البحت وتراجع مفردة عراق امام مفردة الطائفة والقومية .. حتى تقدمت العصبية الطائفية والقومية على العصبية لعراق مزدهر خدماتي؟؟

ج6: رائد السوداني: لا يوجد حدث سياسي ابن يومه ولا ظاهرة سواء اجتماعية أم سياسية بنت لحظتها، بل هما بفعل التراكمات الزمنية والتي تبقى كامنة تحت السطح إلى أن تأتي اللحظة المناسبة لإظهارها وهذا ما حدث بعد الاحتلال الأمريكي، الذي جاء وإحدى حججه طائفية الحكم، وعندما انقلب أو تحول الوضع أصبحت الطائفة الحاكمة والتي اكتسبت هذا الحق كما ترى هي بفعل عامل الزمن المتراكم من أيام الدولة العثمانية مرورا بتنصيب عبد الرحمن النقيب رجل الدين السني بهيئته المعروفة رئيسا لأول حكومة بعد الاحتلال البريطاني، وصولا إلى حكم البعث وصدام حسين، تشعر بأن حقا قد ضاع أو انتزع منها، و لا فرق هنا بين علماني (سني) أو إسلامي (سني) ولو أشارت الوقائع بأن طائفية العلماني أشد من طائفية الإسلامي  .هذا وقد بينا جانبا ضئيلا في هذا المجال في فلسفة الحكم العثماني، ومايسمى بالحكم الوطني بقيادة الملك فيصل الأول ومن ثم السياسات التي مارستها السلطات المتعاقبة على حكم العراق، وربما باستثناء عبد الكريم قاسم .ولو عدنا إلى ما قرره الإنكليز لحكم العراق وكيفيته لوجدنا ما حدث بعد 2003 شيء حتمي، وقد ابتدأت الحكاية من هنا من مراسلات المس بيل التي تذكر فيها صانعة عرش فيصل الأول في العراق عام 1921في رسالة بعثتها إلى ذويها بتاريخ 3/10/1920وتقول ما نصه في صفحة 291من جيرترود بيل من أوراقها الشخصية 1914-1926لإليزابيث بيرغوين وترجمة نمير عباس مظفر "تعتبر مسألة الشيعة على الأرجح المشكلة الأكثر جسامة في هذا القطر " وفي صفحة 292تؤكد"إذا ما أردنا إقامة كيانات تعتبر بحق نظائر للمؤسسات التمثيلية،  فإننا سنجد أن العناصر الشيعية تشكل أغلبية الأعضاء فيها .ولهذا السبب بالذات لا يمكن إقامة ثلاث مناطق تتمتع جميعها بالحكم الذاتي .ولابد من الاحتفاظ بمنطقة الموصل السنية لتشكل جزءا من دولة وادي الرافدين لغرض تعديل التوازن .وتعتبر هذه الحجة برأيي من بين الحجج الرئيسة باتجاه منح بلاد مابين النهرين حكومة مسؤولة .وباعتبارنا أشخاصا خارجيين،  فإننا غير قادرين على التمييز بين أبناء الشيعة والسنة،  ولابد من ترك هذا الجانب لهم لأنهم سيتمكنون بالنتيجة من تجاوزه،  تماما كما فعل الأتراك من قبلهم،  بطرق ملتوية معينة تعتبر في الوقت الحاضر السبيل الوحيد للتخلص من المشكلة .ولابد للسلطة أن تكون بيد أبناء السنة،  على الرغم من كونهم أقل عددا،  لتفادي قيام دولة يديرها المجتهدون تعتبر شرا ما بعده من شر" ولا بد من الإشارة إلى ما يؤكده  أيضا وعلى نفس الصعيد تشارلز تريب في كتابه المهم صفحات من تاريخ العراق وفي صفحة 68"أما بيل (ويقصد المس بيل)،  فقد صارت مقتنعة بأن القومية العربية كانت تتطور بزخم لا يمكن الوقوف بوجهه .وبالنسبة إليها،  كانت تلك إشارة إلى أنه على البريطانيين أن يعملوا مع القوميين الذين ينتمون بمعظمهم إلى الحضر والسنة لتحديث البلاد وإنهاء ما اعتبرته التأثير الرجعي لرجال الدين الشيعة وأتباعهم من القبائل" وفي صفحة 85يؤكد تريب هذه الحقائق الخطيرة قائلا" ومن الخصائص التي سرعان ما بدت واضحة في تركيبات الدولة الجديدة هي غياب الموظفين الشيعة عن المناصب الإدارية العليا في ما عدا العتبات .فالنظام القديم الذي كان سائدا في العهد العثماني والذي غلب السنة على تكوينه،  أعيد إحياؤه على ما يبدو .والحقيقة أن الوضع ما كان ليكون غير ذلك .فقد استبعد الشيعة عن الإدارة العثمانية بشكل واسع وقلة منهم تمتعوا بخبرة إدارية" وبطبيعة الحال لم تكن هذه حجة دامغة لاستبعاد شريحة واسعة من الشعب،  فاستدرك المؤلف القول ليؤكد حقيقة الأمر بقوله "أضف إلى أن موقف النقيب (يقصد عبد الرحمن النقيب) وغيره من أعيان بغداد تجاه الشيعة عموما والحذر الذي ساد بين الأوساط البريطانية نحوهم عقب الثورة شكلا أساسا مشتركا لاختيار موظفي الدولة الجديدة من فئات أخرى .ولم يكن عليهم ليبحثوا بعيدا .ذلك أن أعدادا كبيرة من الموظفين العثمانيين السابقين العرب السنة بمعظمهم،  والذين استبعدوا حتى الآن من قبل البريطانيين،  كانوا يتطلعون الآن إلى الحكومة الجديدة لتعيدهم إلى المكان الذي اعتبروه حقا من حقوقهم الشرعية " هذا على الجانب المدني أما على الجانب العسكري،  فيذكر تشارلز تريب "وكان هذا الأمر الأكثر وضوحا في تشكيل الجيش العراقي،  وهي واحدة من أولى الخطوات التي اتخذتها الحكومة الجديدة عام 1921.فقد احتل جعفر العسكري،  وهو ضابط عثماني سابق في بغداد انضم إلى قوات الشريف في مكة إبان الثورة العربية،  منصب وزير الدفاع .ونظم عودة حوالي 600 ضابط عثماني سابق من أصل عراقي،  ومن أولئك الرجال،  الذين تم اختيارهم على نحو حصري تقريبا من عائلات سنية عربية من الولايات الثلاث،  تشكل الجيش العراقي الجديد" وإليك ما تذكره الباحثة الأمريكية الدكتورة فيبي مار في كتابها تاريخ العراق المعاصر العهد الملكي وفي صفحة 59"في المراحل المبكرة للمعارضة كان البعض راغبا بالتعاون مع السنة الأكثر اعتدالا .وحتى في أواخر نيسان 1922،  فإن جعفر أبو التمن،   رجل أعمال شيعي وسياسي بغدادي معروف بآرائه الوطنية الجياشة،  كان راغبا بالمشاركة في وزارة يهيمن عليها السنة .آثر أبو التمن الاستقالة على توقيع المعاهدة،  وبعد استقالته،  توسعت شقة الخلاف بين المتشددين الشيعة والمعتدلين السنة،  الراغبين بالتعاون مع بريطانيا" (لاحظ من يرفض التعاون متشدد ومن يتعاون معتدل)، هذه بعض من فلسفة الإنكليز في طريقة وشكل الحكم في العراق، أما من نصبتهم من العراقيين فانظر كيف يفكرون، فهذا عبد الرحمن النقيب، فإليك هذا الموقف منه "تذكر المس بيل في كتابها فصول من تاريخ العراق في صفحة 478 والذي هو عبارة عن تقارير ترسلها لمراجعها في لندن بأنها قابلت النقيب في عام 1919إذ تقول أنه قال لها"لكنني أقول لك أن تكوني حذرة من الشيعة،  وإنني ليست لي خصومة مع الطائفة الشيعية .واستطرد قائلا إنهم يودونني ويحترموني،  وهم يعدونني شيخهم .لكنك إذا رجعت إلى صفحات التاريخ ستجد أن أبرز ميزة تميز الشيعة هي خفتهم .ألم يقتلوا هم أنفسهم الحسين بن علي الذي يعبدونه الآن كما يعبدون الله؟  فالتقلب والوثنية تجتمعان فيهم إياك أن تعتمدي عليهم" ولم يتغير موقف النقيب هذا بعد أن تولى رئاسة الحكومة المؤقتة بأمر بريطاني،  وينقله أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب في صفحة 857إذ ذكر النقيب للريحاني "في البلاد وطنيون كثيرون وكلهم رجال سياسة .ولكن ليس في رؤوسهم عيون تريهم ما هم فيه .أين هم من البلاد،  وأين البلاد منهم؟ كانوا أمس تحت الترك،  واليوم يبيعون البلاد إلى الترك بفلس لينتقموا ممن يظنونهم أعداءهم .نحن أخذنا الأمر على عاتقنا،  ولا نسأل التوفيق من غير الله،  ولا نتوكل إلا عليه سبحانه وتعالى  .. أما اجتمعت بالوطنيين ياأفندي وسمعتهم يتبجحون؟ غدا تجتمع بكبارهم في كربلاء والنجف ..نصف هذا الاجتهاد جهل،  ونصفه عناد ."ثم قال للريحاني "أما الوطنيون في البلاد فأي شيء عندهم؟ هل هم يحبون البلاد أكثر منا وهي بلادنا قبل أن تكون بلادهم؟ وأكثرهم لا يزالون من الأجانب "في إشارة أنهم ليس من العراقيين.هذا موقف الساسة الذين نصبتهم بريطانيا ولا يختلف موقف السعدون عن هذا الموقف ولا موقف الملك فيصل أيضا واستمر الحال حتى نهاية العهد الملكي من الحقبة البريطانية، إذ أنا في تقديري وأكررها دائما أن الحقبة البريطانية تنقسم إلى عهد ملكي وعهد جمهوري باستثناء عبد الكريم قاسم كشخص والحلقة الضيقة التي استشهدت معه يوم 8/2/1963، ومن أراد التفصيل أكثر عليه أن يراجع كتاب حنا بطاطو الأول، وفي تقديري أن ما ورد أعلاه كان ضروريا للوصول إلى مرحلة الستينيات التي تتحدث عنها أستاذنا الكريم سلام كاظم فرج، فالانقلابيون على عبد الكريم قاسم من نفس المدرسة التي تخرج منها ساسة العراق،  (الضباط الشريفيون)، أو تلامذتهم، المتأثرون بالمدرسة التركية والتي امتزجت فيما بعد بالفلسفة الطائفية السياسية للإنكليز بعد الغزو البريطاني  .وفي الستينيات من القرن العشرين سيطر على الساحة السياسية العراقية من 1963إلى1968كل من الأخوين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف بعد مقتل الأول الذي عرف عنه بالحكم الطائفي وقد تحرك السيد محسن الحكيم بهذا الاتجاه وأعرب عن امتعاضه وعدم رضاه في قضية التعيينات التي يحرم منها أبناء الشيعة عندما زاره طاهر يحيى رئيس الوزراء في عهد عبد الرحمن عارف مع عدد من وزرائه، والطائفية موجودة حتى في وبين أعضاء الأحزاب العلمانية لاسيما حزب البعث فقد كان ينظر إلى الأعضاء الشيعة على أنهم من العجم، ولو نظرنا إلى الحلقة الضيقة التي كانت تحيط بعبد الرحمن عارف لتوصلنا إلى نتيجة كباقي النتائج عن أخيه أو من تلاه في الحكم، فقد كان يحيط بالرئيس عبد الرحمن عارف كل من عبد الرزاق النايف، وإبراهيم الداوود، وسعدون غيدان، هؤلاء في القصر الجمهوري الذين ضربوا عليه الطوق، وبعد ذلك طاهر يحيى وعبد الرحمن البزاز وغيرهما كثير .وهناك أبيات من الشعر الشعبي ظهرت في تلك المرحلة تعبر عن الحالة الطائفية التي كانت في الستينيات لطالما رددها على مسامعي الاستاذ صالح الطائي، وهذه الأبيات تقول

مستاهل وحيل وياي ما عدلت جنسيتي

لو عندي ذرة من العقل جا سجلت تكريتي

لا وين ما ننطي الوجه نسمع بنغمة تكريت

عالعمل لو ردت أنسئل من عانة أصلك لو هيت

شجابني بديرة علي يا ناس آني شسويت

بالحق أجيت وجلبت وتمزكت حدريتي

لا ريت لا شفت النجف لا شفت وجهج كربلا

كلمن تسمى بهالاسم بأول على عمرة ابتلى

من راوة دبرلك نسب وأركض وحل المشكلة

لا تظل تلف طول العمر محد يعينك تيتي

واسمع بعد هذا الخبر أصل العرب عثماني

عدنان بلبل لو رطن يحسن التركستاني

دور وثيقة تأيدك تركي الأصل عثماني

تصبح من أقطاب العرب وتصيح يا قوميتي.

وبطبيعة الحال مع كامل الاحترام لأهل هذه المناطق الكرام لكن الواقع السياسي الطائفي فرض نفسه في هذه القصيدة التي اختزلت الواقع العراقي السياسي طيلة 82عاما وليست الستينيات فقط ، وليس هذا فقط، فالتأميمات التي حدثت إبان حكم عبد السلام عارف كانت وحسب بعض المصادر وفي مقدمتها كتاب طارق مجيد العقيلي في كتابه المهم (بريطانيا ولعبة السلطة في العراق، التيار القوموالطائفية السياسية) أنها حدثت لمصادرة أموال الشيعة، إذ كان التجار في غالبيتهم من الشيعة، علما أن التأميمات قادها الثلاثي عبد السلام عارف – طاهر يحيى – خيري الدين حسيب.كما أن البكر وأثناء التحضير لإنقلاب 17/تموز /1968وفي مناقشتهم لمن يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية أقترح اسم ناجي طالب فرفض رفضا قاطعا بزعم أنه شيعي ولا يريد أن تكون سابقة تصدر منهم تتمثل أن يتولى هذا المنصب شخص من الطائفة الشيعية .هذا هو الحال في الحقبة البريطانية .ولا ننسى أيام الحرب العراقية الإيرانية كيف كان التعامل مع الجندي على أساس الهوية بعد سؤاله عن منطقة سكناه، فإن كان من الجنوب فيرسل إلى الجبهات وإن كان من المناطق الأخرى يرسل إلى وحدات كالاستخبارات أو الأمن العسكري التي لا موت فيها، هذا كان الحال سواء في أوائل تأسيس ما يسمى بالحكم الوطني إلى 2003ليأتي الدور على أمريكا التي لعبت هي الأخرى على هذا الوتر وننقل عن الكاتب العبد الحميد سلوم هذا النص "في شباط 2011 نشر الكاتب الأمريكي / مايكل كولينز بايبر/ مقالاً في موقع / أمريكان فري برس  American Free Press/أشار فيه إلى بحث نشرته دورية المنظمة الصهيونية العالمية المعروفة/كيفونيم/بقلم الصحفي اليهودي/عوديد ينون/المرتبط بالخارجية العبرية،  ودعا فيه بوضوح  إلى نشر الفوضى في العالم العربي،  وإحداث انقسام في الدول العربية من الداخل إلى درجة تصل إلى/بلقنة/مختلف الجمهوريات العربية وتجزئتها إلى جيوب طائفية..! وهذا كان ترداد لذات الأجندة التي طرحها البروفسور اليهودي الراحل/ إسرائيل شاحاك/ وهدفها تحويل الكيان العبري إلى قوة عالمية من خلال نشر الفوضى في الدول العربية وبالتالي إعداد المسرح في الشرق الأوسط للهيمنة العبرية.

هذه الإستراتيجية سبق وتحدث عن شبيه لها الأكاديمي الأمريكي/زبغنيو بريجنسكي/ قبل أن يصبح فيما بعد مستشار الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي،  وذلك في كتابه/بين عصرين العصر التكنوتروني/الصادر في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي والذي دعا فيه للاعتماد على الأصوليات الدينية لمواجهة الخطر الماركسي،  ودعا لهيمنة رجال الدين وإشعال حروب الأديان والطوائف،  وتقوية التيارات الدينية التي لا ترى العالم إلا من زاوية الدين والخلافات الدينية ....! وفي إحدى تصريحاته يقول: إن منطقة الشرق الأوسط ستحتاج إلى تصحيح الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس - بيكو ومقررات مؤتمر فرساي.! وكان قد سبق لوزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر أن صرح أنه بهذه المنطقة تواجدت كل الأديان ولا يمكن التعامل معها إلا من خلال الدين!  أي أن اللعب على وتر الدين هو المدخل المناسب لتنفيذ المشاريع التي تصبو إليها الصهيونية العالمية!

وأعتقد أن كل منا قد قرأ مشروع المستشرق الصهيوني الأمريكي،  البريطاني الأصل/بيرنار لويس/ عن تقسيم الشرق الأوسط بكامله بحيث يشمل تركيا وإيران وأفغانستان،  وقد تمت الموافقة على هذا المشروع بالإجماع في الكونغرس الأمريكي عام 1983. وفي مقابلة لبرنار لويس في 20/5/2005  قال تماما ما يلي: " إن العرب والمسلمين قومٌ فاسدون ومفسدون فوضويون،  لا يمكن تحضرهم،  وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوّض المجتمعات،  ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم،  وفي حال قيام أمريكا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة،  لتجنب الأخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتان... وأنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية،  ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم،  ولذا يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها واستثمار التناقضات العرقية والعصبيات القبلية والطائفية فيها،  قبل أن تغزو أمريكا وأوروبا لتدمر الحضارة فيها". وفي البحث الذي كتبه الصحفي البريطاني جوناثان كوك في العام 2008 كشف عن الدور الذي لعبته اليهودية في إذكاء الصراع بين الحضارات ومحاولة جعل تلك المقولة أساسا لنظرة العالم إلى مكوناته الأساسية لا سيما البلدان الإسلامية!" فهل ياترى لمكونات مجتمعنا دور أو أثر فيما نحن فيه، أعتقد أنك تتفق معي في توصيف أنفسنا بالأدوات لا غير .أما عن المثقف العراقي، فإن أغلب المثقفين العراقيين مؤدلجين غير مجردين من انتمائهم، وإن تجردوا ففي زمن القوقعة الفكرية يحتمي بأبناء جلدته لو صح التعبير، ولم يظهر لحد الآن فيما بيننا من يلعب دور المصلح من المثقفين ويبدو لي من خلال الوقائع أن مجتمعنا العراقي غير مهيأ لأن يكون المثقف مصلحا، وأستطيع القول أن رجل الدين في العراق هو الأقدر على لعب هذا الدور .ومرة أخرى أؤكد أن التراكمات الزمنية للمارسات الطائفية على المستوى السياسي جعلها تتجلى وتظهر على السطح في أول سانحة لها .وهنا يجب أن نسجل حقيقة مهمة حول من السبب الخطاب السني أم الخطاب الشيعي وهي أن الطرفين يتحملان المسؤولية كاملة، فالسني الحزبي أو المثقف السني عد الأمر سلبا لحق شرعي اكتسب بمرور الزمن كما أكدنا سابقا ونؤكد حاليا وهي السلطة، فهو حاكم ولا يستطيع أن يكون محكوما، أما الشيعي المثقف أو الحزبي عاش على مظلومية الشيعة والمظلومية تتمثل في السلطة، هنا تكمن الإشكالية من يتنازل للآخر في وضع تؤججه الأيادي الخفية، هنا يأتي دور المصلح الديني من الطرفين لإيجاد نقاط مشتركة ويصار إلى عقد اجتماعي تلتئم بموجبه كافة الأطراف، وأفترض في قولي هذا أن الأطراف كلها تمتلك قرارها، وهذا مستبعد في الوقت الراهن.فالقرارات تتخذ عبر الحدود.

 

س7: سلام كاظم فرج: صدر الجزء الاول من حكم الازمة لكم. فمتى يصدر الجزء الثاني؟

ج7: رائد السوداني:  بالنسبة للجزء الثاني أن شاء الله سيكون في متناول القراء قبل عيد الفطر المبارك حسبما ذكر الناشر ويقع في تسعة فصول ويتناول حقبة الملك فيصل الأول في ظل المعاهدات، وهي معاهدة 1922و1926و1927و1930فضلا تناول قضية مهمة وهي قانون الجنسية العراقي رقم 42لسنة 1924وقد أبديت استغرابي بأن هذا القانون لم يتم تناوله من قبل أغلب من كتب في الشأن العراقي حتى من الأجانب مثل حنا بطاطو، فإذا كان مفهوما أن لا يتناول الموضوع كل من علي الوردي وعبد الرزاق الحسني لوجود الخطوط الحمر في هذا المجال، لكن من غير المفهوم أن يتم تجاهل الأمر من قبل الكتاب من غير العراقيين، ويبين الجزء الثاني كيف كان عبد المحسن السعدون مسيطرا على الساحة السياسية بتأييد وإرادة إنكليزية، كما يبين كيف تتعامل الجهات البريطانية مع الجانب العراقي عند التحضير لمعاهدة جديدة وتدخلات الملك فيصل في هذه التحضيرات .كما تناول النفط في حياة العراقيين وكيفية فرض الامتيازات لشركة النفط  التركية وإقراراها قبل صدور القانون الأساسي مما أثار استياء الفعاليات السياسية من رئيس الوزراء آنذاك صاحب المواقف المزدوجة على مدى حياته السياسية.

 

س8: سلام كاظم فرج: تتويج فيصل ملكا على العراق اليس فيه استهانة بقدرات العراقيين؟؟ اليس في العراقيين رجال أكفاء؟ طالب النقيب؟ عبد الرحمن النقيب؟ عبد الواحد الحاج سكر؟ علوان الياسري؟؟ كيف ارتضى أولئك الرجال ان يستورد لهم ملك من الحجاز؟

ج8: رائد السوداني: هذا فيه إجابة على عدة مستويات :المستوى الأول :- أن العراقيين وقبل سايكس بيكو والاحتلال البريطاني، حالهم كحال العرب الآخرين لم يعرفوا كيانا سياسيا مستقلا و لاحدود بينهم، فهم توارثوا دولة اسلامية لا حدود فيها و لاجنسيات، فالملك فيصل نفسه توج ملكا على سوريا، وأغلب الضباط الذين حاربوا معه أثناء ما سميت بالثورة العربية الكبرى بقيادة لورنس العرب عام 1916أصبحوا فيما بعد كبار الساسة العراقيين بعد تتويجه ملكا على العراق، ومنهم نوري السعيد على سبيل المثال، وهذا ليس استثناءا في التاريخ فملكة بريطانيا الحالية لا تنحدر من أصول بريطانية، بل من أصول جرمانية وحتى عام 1917كانت عائلة الوندسور وهو الاسم الحالي لعائلة الملكة البريطانية تحمل اسما جرمانيا .

المستوى الثاني :ويتعلق بالمستوى الأول بما أن العرب لا يعرفون آنذاك الحدود فيما بينهم فقد طالب الثوار العراقيين بحكومة عربية، إسلامية، وهنا إسلامية لا تعني تحكم بالشريعة الإسلامية، لكنهم يعنون حاكما مسلما حسب تفسيري واقترحوا أحد أنجال الشريف حسين الذي كان يحمل آنذاك وحسب ما صورته الأحداث بأنه يحمل راية الاستقلال العربية من الاحتلال التركي (ليضع يده بيد الاحتلال الإنكليزي) فوجدوا أنه الأجدر ليحكم العراق، لكن وكطلبات سياسية تنم عن عمق التفكير للمطالبين بحكومة عربية، أردوا ملكا دستوريا، وأرادوا حكومة منتخبة، لكن المشروع البريطاني وإن جاء بمجلس تأسيسي وبرلمان لكنها حسب الطلب .

المستوى الثالث: فيصل بن الحسين خيار بريطانيا الأوحد سواء رضي وقبل العراقيون أم لا وقد كان اختيارهم الأفضل وقد ذكر ونستون تشرتشل ذلك إلى رئيس الوزراء البريطاني يصف الأمير فيصل بأنه يقدم أحسن حل وبأقل ثمن .أما عن العراقيين فطالب النقيب طالب بالعرش لكنه قمع فيما بعد، وأما عن عبد الرحمن النقيب فإنه لا يود فيصلا لكنه خضع لأمر بريطانيا وأبرق إلى فيصل مرحبا ومهللا، أما عن العشائر في الفرات الأوسط فقد ورد أحد الأسماء كي يرشح لكن العشائر ومن ورائها المرجعيات لم تقف عندها طويلا .

 

س9: سلام كاظم فرج: هل ترى ان الاحتلال الاميركي للعراق مازال قائما .. ام اننا عبرنا صوب الاستقلال؟؟ واتفاقية الاطار المشترك .. مع الولايات المتحدة الا تساعد في الحصول على دعم اميركي في مواجهة الاخطار المحدقة بنا .. بمعنى . هل نحن قد تحررنا بما يكفي لكي نستغني عن دعم اية قوى دولية او اقليمية؟؟. وهل وصلنا كشعب ومؤسسات الى سن الرشد السياسي لكي نطالب بالتحرر التام. ام سنظل مكبلين بالحاجة الى دعم هذا الطرف او ذاك؟

ج9: رائد السوداني:  يجب علي أن أكرر مقولة لا يوجد حدث سياسي ابن يومه، فالحدث نتاج تراكمات، وهذه قد تطول إلى عقود أو سنين، ولا يشذ غزو العراق من قبل أمريكا عن هذه القاعدة، فهي تحضر وبشكل مباشر وعلني لغزو العراق منذ 1990، أي بمعنى أن الغزو ليس وليد 2003أو أواخر 2002.هذا جانب أما الجانب الآخر، لا يوجد في السياسة عبثية، فالعبثية تقتل صاحبها، والعبثية لا تصدر إلا من مستبد ليس لديه إلا الحدث الآني ليرقص ويغني على أمجاده كي يعبر به أياما أخر في الحكم والسلطة لكن في حالة دولة من طراز أمريكا يختلف الوضع تماما، فهي دولة ستراتيجيات كبرى وعظمى، ودولة مشاريع على المستوى العالمي لسنين طويلة، فهل من المنطقي ترسل 150000جندي ومثلهم شركات أمنية وتخسر آلاف القتلى وآلاف الجرحى، وتنفق مليارات الدولارات وتعرض اقتصادها لأكبر هزة ومن ثم تقول تعالوا ياعراقيين لقد حققت لكم ما تريدون، فأزحت لكم صدام حسين فتعالوا احكموا أنفسكم بأنفسكم، وأقيموا الحريات والعدالة والمساواة، وتصرفوا بثرواتكم كما شأتم، من يقرأ تعاليم الأب الروحي للمحافظين الجدد (ليو شتراوس) سيجد أن أحد أهم تعاليمه الاختباء وراء أهداف نبيلة لتحقيق أهداف غير مرئية إلا لأصحاب القرار، والحقيقة أن قرار احتلال العراق تداخلت فيها السياسة مع الدين وهو المحرك الرئيسي في السياسة الأمريكية، ولا فرق بين أن يحكم جمهوري أو ديمقراطي، ولو إن الجمهوريين يظهرون هذا المبدأ أكثر من الديمقراطيين، لكن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة يربطها الدين أكثر من السياسة وهذا ما صرح به باراك أوباما عندما خطب في جامعة القاهرة أكد أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل غير قابلة للإنكسار فهناك روابط ثقافية وتاريخية بينهما، ياترى أي تاريخ هذا الذي يحكم بلدين حديثين بكل المقاييس وأي ثقافة غير الدين، والعراق منطلق الأديان في العالم حتى الدين الإسلامي تبلورت مذاهبه فيه وعلى أرضه، لابد أن يكون منطلق الفوضى في العالم وقد ورد في إجابة سابقة بعض من أهداف الطائفية في العالم الإسلامي والعراق جزء فاعل فيه .أما هل انسحبت أم لا، فبقاء الجيوش من عدمه لا يعني الانسحاب فأمريكا لم تأت لتستوطن في العراق كي تبقي جنودها عرضة للقتل، فقد أبقت أدواتها وصاغت فلسفتها السياسية التي تريد وشكلت منظمات تأتمر بأمرها، فلماذا بقاء الجنود والتكنلوجيا سريعة جدا والتأثير الاقتصادي جاهز، وأتصور في حالة مثل حالة العراق أن الساسة أنفسهم لا يرغبون بترك أمريكا للعراق فبتركه يذهبون، وأما اتفاقية الإطار المشترك فأين ومن يعرف عنها شيء حتى أكثر الساسة نفوذا في العراق لا يعرفون ماهية هذه الاتفاقية، والمسألة ليست وصلنا إلى سن الرشد السياسي أم لا، إنما الأمر يتعلق بالأهداف الأمريكية، والسؤال يجب أن يكون من وجهة نظري ؛هل أمريكا استغنت عن العراق؟ وهل العراق قابل لأن يستغنى عنه، وتركه وهو منطقة الصراعات بين الحضارات منذ الأزل؟ والجواب على ذلك يكون كالآتي ؛لو لم يكن العراق الجغرافي يمثل  أقصر الطرق وأهمها وملتقى بين ثلاث قارات وحضارات، وزالت عنه أهميته التاريخية والعقائدية، عندها نقول أن أمريكا قد تستغني عن العراق .

 

س10: سلام كاظم فرج: ثمة ثوابت في العملية السياسية لا تستقيم والديمقراطية الحقة .. مثل ان رئاسة الجمهورية مخصصة للكرد فقط ورئاسة البرلمان للسنة؟ ورئاسة الحكومة للشيعة؟؟ بل وصل الامر الى الوزارات الاخرى كالخارجية والتجارة للكرد والثقافة والدفاع والكهرباء والمالية للسنة .. والداخلية والتخطيط للشيعة ..

متى في رأيكم يخرج العراق الى دائرة الكفاءة والمهنية بدلا من المحاصصة الطائفية؟؟

ج10: رائد السوداني: من الأمور المفرحة (بعيداً عن الاحتلال وارهاصاته) أن نرى نحن الجيل الذي زامن وعاش فترة عرفت بحرب الشمال أن يكون كرديا رئيسا للعراق، مما يعني أن العراق وشعبه قادران على تجاوز المحن بهذه الطريقة الحضارية، لكن الذي حصل أن هذه إرادة أمريكية وأعني بها المحاصصة والتوافقات، إذ جاؤوا بقوانين وأنظمة انتخابية لا يمكن لأي طرف من الأطراف أن يشكل حكومة بمفرده هذا فضلا عن غياب قانون الأحزاب واللجوء إلى الكيانات والقوائم المبنية على أسس مذهبية وقومية وعندها تتشكل الحكومة من كل الأطراف المتنافسة فيحصل الشلل في مؤسساتها لأنها تضم أطراف متنافسة ومتخاصمة، والتخاصم والتنافس ليس على مستوى النخب كما كان يحصل في ستينيات القرن العشرين أو مخفيا بفعل التسلط  والقمع، إنما حاضر في الشارع وفي معظم الأحيان يتأثر الساسة بالشارع وليس الشارع يتأثر بالساسة فتنتقل آثارها على العلاقة فيما بين الأطراف التي شكلت الحكومة والبرلمان وعندما أقول الشارع، أعني به الشارع المتحرك بفعل أياد تحركه كيفما أرادت وأنى شاءت. أما كيف ومتى نتخلص من هذه السياسة ونقترب من السياسة القائمة على المهنية والكفاءة، أعتقد عندما يكون العراق خارج الاهتمام الأمريكي، أو تقوم حركة تحرر جامعة لكل أطياف الشعب تستعيد العراق من براثن الأمريكان عندها يمكن أن يصار إلى انتخابات رئاسية مباشرة بحيث يجوب المرشح كل أرجاء العراق ليطرح برنامجه على الشعب ويكون اختياره لا اختيار القوائم، لكن هذا يتطلب وعيا شاملا وتضحيات كبيرة لابد منها.

 

س11: سلام كاظم فرج: اختلفت معكم في علاقة الديمقراطية بالاسلام السياسي .. هل يمكن لإسلامي ان يكون ديمقراطيا.؟ وكيف؟ الإسلامي بطبيعته يسعى لأسلمة المجتمع والقوانين والمؤسسات .. فأين حصة غير الاسلاميين ونسبتهم في كل مجتمع ليست أقل من الثلث في كل العهود .. في العصر العباسي. صلب الحلاج وهو المسلم . وقتل ابن الراوندي .. واعدم بابك الخرمي. وقتل محمد النفس الزكية .. وفي العصر الاموي .. قتل ايضا حجر بن عدي وابن جبير . بسبب اجتهادات فكرية للإسلام السياسي .. حسن البنا. نظم سلسلة اغتيالات ضد مخالفيه .. في عهد البعث ( المسلم) كان القتل بمئات الالوف . والمقابر الجماعية تشهد .. وهجر الكرد الفيلية بمئات الالوف لانهم يختلفون عقائديا بعض الشيء عن اسلام الحكومة .. تقول استاذي الكريم ان بعض العلمانيين ينشرون فكرة خاطئة ان ثمة اكثر من اسلام. بمعنى هناك اسلامين او ثلاثة او اربعة. انا اقول. ان ثمة الف إسلام سياسي .. فكيف نوفق عمليا بين تلك الاسلامات ..؟

ج11: رائد السوداني: بالنسبة لأسلمة المجتمع إذا كانت عند تسلم الحكم من قبل حزب إسلامي فهذا مما لا أقره، فهذا استحواذ على الحقوق، أما إذا كان الحزب أو الحركة يجعل هدفه أسلمة المجتمع من خلال الحجة بالحجة والرأي حاله كحال أي حزب وأي حركة، فهذا حق مشروع ومبدأ وحراك سليم لكن إذا كانت العملية كما قلت في باديء الأمر لا يعني إلا الاستبداد لاسيما في مجتمع غير مستعد لتقبل ذلك وفي ظل محيط إقليمي ينظر بريبة وتحفظ لهذا الاتجاه، أما هل يكون الإسلامي ديمقراطيا، الجواب يكون كالآتي، إذا كان الحزب أو الحركة واعيا لما حوله يكون ديمقراطيا وإذا كان الحزب الإسلامي خارج الزمن وكأنه يعيش في جزيرة معزولة بالطبع النتيجة تكون معكوسة، وهناك مثل من العراق قريب، من المعروف أن الدستور الحالي ليس إسلاميا وليس فيه ما يشير إلى أنه إسلامي بالمطلق إلا في حدود  إن الإسلام مصدر رئيسي من مصادر التشريع لكن من دعا لهذا الدستور الذي يؤكد على تداولية السلطة واستقلال القضاء والفصل بين السلطات هو السيد السيستاني وأن الأحزاب الإسلامية (السنة والشيعة) تشارك في حكومة رسم خطها هذا الدستور على الرغم من الالغام الموجودة فيه، وقد شارك في العملية السياسية التي يرسمها هذا الدستور كل الفعاليات الإسلامية على الرغم من انتمائهم لفلسفة تقول بالحاكمية لله لكن الواقعية هي التي جعلتهم يتحركون في هذا المضمار .أما بالنسبة لما شهده التاريخ من قتل للمخالفين أعتقد سنصل أنا وإياك إلى نقطة الاتفاق لكن قبل هذا أرجو أن نخرج البعث من دائرة الإسلام فهو حزب خارج عن دائرة الفعل الإنساني ذو مشاريع غريبة ومغتربة أراد تطبيقها على أرض العراق، أما نقطة المصالحة فكل الحوادث التي شهدها التاريخ الإسلامي هي عبارة عن صراع سياسي وبهذا أنا قلت وذكرت أن الدين جزء منه السياسة، وأسوق مثلين، الأول استشهاد الحسين نتيجة قيامه بثورة أراد منها الإصلاح في دين جده، فمن الذي أفسد في دين جده، أليس الحاكم، إذاً الثورة قام بها إمام لكن قام بحركة ضد حاكم .المثل الثاني، وكان من المفترض أن يكون الأول وهو صلح الإمام الحسن مع معاوية فهل هذا الصلح ديني أم سياسي .ومثال آخر ؛الدولة العباسية عندما أزاحت بني أمية، بم نسمي هذه العملية، سياسية أم اجتماعية أم دينية، نعم صورتها دينية لكن مصداقها سياسي وتطبيقها سياسي، ثم بمرور الزمن وضروراته تحول الحراك السياسي إلى أحزاب مؤدلجة، كانت في البدء أسر لها أنصارها ومبدئها كالبيت الهاشمي وأنصاره، يقابله بالضد البيت الأموي وبعد ذلك العباسي، بعد ذلك حدثت وتشكلت المذاهب في العصر العباسي وتشكيلها كان ضرورة سياسية إلى أن وصلنا إلى الوقت الحاضر زمن الأحزاب، حتى ذكرت أن ظهور الإمام المهدي عليه السلام مصداق عدله هو الحكم (يعني السياسة) إذاً لا تعارض بينها وبين الدين، أما جواب سؤالك عن كيف نوفق بين الإسلامات السياسية والتي أنا أدعوها بالأحزاب السياسية الإسلامية أعتقد ليس الواجب التوفيق بينها بقدر ما هو الفرز بين الطالح منها والصالح وهذا يعتمد على الوعي وفهم الخطاب .

 

س12: سلام كاظم فرج: هل العمامة وإطالة اللحى. وتقصير الملابس علامة فارقة في الاسلام السياسي؟؟ ام ان الاسلام في جوهره دين فكر؟ هناك من يشكل علينا في إرتداء ربطة العنق واستعمال موس الحلاقة العادي .. وهل يعرف الجيل الحالي. ان العمامة واللحى الطويلة لم تكن تقتصر على المسلمين .. بل ان المشركين كانوا كذلك .. كمؤرخ أسألكم هل نحتاج الى دراسات عن تاريخ العمامة؟؟ وأذكركم باقتباس الحجاج الثقفي (انا ابن جلا. وطلاع الثنايا .. متى اضع العمامة تعرفوني!!)

الجيل الجديد يظن ان القداسة تكمن في تلكم الاشياء .. من يطلعه على ان القداسة تكمن في عفة الضمير والصدق في القول والامانة في حفظ حقوق الناس والمال العام؟؟ من سوى المؤرخ؟؟

ج12: رائد السوداني: أبدا لم تكن المظاهر هي الحاكمة على الشخص سواء من جهة إيمانه أو ولائه ولم تكن العمامة وحجمها وشكلها معيارا لحجم رجل الدين بل المعيار العمل مع العلم والعمل يجب أن يكون ميدانيا مع الناس وفهم ومعايشة معاناتهم حتى تكون أحكام رجل الدين نابعة من الواقع وليس من كتب أكل عليها الدهر وشرب، أما أن العمامة لوحدها تعطي قداسة فهذا مما عد سببا في إشكاليات مجتمعنا لاسيما بين رجال الدين وأنصارهم فمن يقدس لمجرد التقديس لرجل الدين ومنهم وجد في رجل دين آخر مصلحا لأمور اجتماعية وسياسية وتعووية كبيرة قام بها من خلال نهضة فكرية، أما من يبين القداسة من عدمها فرجل نفسه يقوم بهذا الواجب، وإذا قام بها المؤرخ ستكون بلا تأثير بقدر ما تصدر من رجل الدين .

 

س13: سلام كاظم فرج: علاقة المثقف برجل الدولة او السياسي كيف تنظرون اليها؟؟ قرأت لكم مقالة تضامنية اثناء الانتخابات المحلية قبل اكثر من شهرين دعمتم  فيها الاستاذ علي دواي محافظ ميسان.. من خلال زيارة تفقدية للمحافظة وتبيان منجزات حكومة العمارة خلال الفترة السابقة. وانتم المفكر والمؤرخ / قد يعرف اهل ميسان ابن محافظتهم.. لكن المتابع لا يعرف مبررات دعم المفكر للسياسي.. وهنا يحضرني موقف قد يساعدك اكثر مما يساعدني في الاجابة ـــ ابتسم ـــ عن دعم اندريه مالرو الروائي الفرنسي الكبير للجنرال ديغول.. ولكن بالنسبة لي ومن أجل إثارة وإنارة الموضوع بشكل أعمق أرى ان التخصص يجعل  المسافة بين المؤرخ والاعلامي والمفكر والاعلامي ينبغي ان تبقى واضحة ولا تلغى.. فما هو ردكم؟

ج13: رائد السوداني:  في البدء لابد لي من القول أن حلقات الاستاذ علي دواي جاءت بعد الانتخابات مباشرة وليست قبلها، نعم الحلقات التي كانت تخص أعضاء مجلس المحافظة جاءت قبل الانتخابات، أما لماذا هذا التحرك على العمارة والتركيز على محافظها فذلك يعود لعدة أسباب، منها :-

1- تعد العمارة من المحافظات الأولى التي حازت على التدمير والتخريب الممنهج طيلة 35عاما على يد سلطة البعث .2- وعلى الرغم من هذا التخريب الممنهج بقت المدينة تحتفظ بإرثين فضلا عن الإرث الحضاري، فللعمارة إرث توالد الكفاءات الثقافية، وهناك إرث احتفاظها وإبقائها على بيوتات كبيرة ظلت محافظة على كل عادات وتقاليد أهل العمارة القديمة، لكن هذه البيوتات لم تكن خارج الزمن بل هي في صلب الحداثة والتطور لكن بقت الصورة على أهل العمارة هي الصورة التلفزيونية المعروفة .3- وارتباطا بأعلاه فإن العمارة تعد عاصمة (الشروك) وتفسير هذه المفردة بعيدا عن المعاني التي تطلق بأنه أصل سومري أريد أن أقترب من الواقع وأقول أنها تعني أبناء المناطق القاطنين جنوب بغداد (العمارة أولا، والناصرية، والبصرة، وقد تلحق بهم الكوت) أي بمعنى مناطقي ثم بمرور الزمن تطورت المفردة لتطلق على كل شيعي لا بل تحولت إلى سبة، فالشروكي شيعي، والشيعي عدو للسلطة يجب اسئصاله، والاستئصال بعدة طرق، منها القتل والتهجير والاعتقال وهذه معروفة، لكن أهم عمليات الاستئصال هو الثقافي من خلال إبراز ظاهرة معينة تفيد بأن الرجل المنحدر من هذه المدينة أو هذه المناطق (الشروكية) محل سخرية لأنه بالأساس خارج حدود الزمن، بدائي، تافه، ساذج، وقد ساهم العديد من كتاب الدراما المنحدرين من هذه المناطق وتماشيا مع ذوق السلطة الباطشة آنذاك في ترسيخ هذه الصورة، علما أن هذه المناطق والعمارة تحديدا كانت مصدر رئيسي للكفاءات إلى العاصمة .4- لم تكن العمارة عاصمة للشروك فقط بل صدرتهم للعاصمة وكانت في البدء منطقة الصرائف ثم بعد ذلك جاء عبد الكريم قاسم ومنحهم الأراضي (الساكنين) عليها لتتحول إلى بيوت فأصبحت لدينا (الثورة) ثم الشعلة بما فيها منطقة الرحمانية لكن تبقى  الثورة هي المنار التي تشير إلى فلسفة عبد الكريم قاسم السياسية في تكريم الفرد العراقي ولذلك سلطت الحكومات أجهزتها عليها لأنها تحولت كتوأمها (العمارة) إلى منجم للكفاءات وفي كل المجالات، الأدبية، والفنية، والرياضية، كما ظهر العديد من السياسيين من أرض الثورة، علما أن أهل الثورة لم يقطعوا الصلة بالعمارة مما جعل التأثير متواصل، ولذلك كان التركيز السلطوي عليها يتم بصورة شديدة حتى أن رأس الحكم البعثي زارها عدة مرات، وحول اسمها إلى مدينة صدام للإيحاء بأنه مهتم بإعمارها ولكن الحقيقة كانت اهتماما بالتركيز على مجريات الأحداث فيها .وهنا يجب أن تسلط الأضواء على هذه الظاهرة، فقبل ظهور الأحزاب الإسلامية الشيعية كانت العمارة متهمة بالشيوعية، وكذلك اتهمت الثورة وبعد الثورة الإيرانية وظهور الأحزاب الإسلامية وأسمائها على الساحة اتهمت المدينتان بأنهما يضمان العديد من قادة وقواعد هذه الأحزاب مما عرض أبنائهما للقتل والقمع والتشريد، بعد ذلك جاءت المرحلة الثالثة عند ظهور مرجعية السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر الميدانية فكانت كل من العمارة والثورة على موعد مع الحدث وتحولت كل منهما إلى معقل من معاقل مرجعية السيد الصدر مما عرضهما للكثير من قمع السلطات لاسيما بعد استشهاد المرجع في 1999وحادثة جامع المحسن في الثورة معروفة .5- لكل هذا وبعد بروز ظاهرة المحافظ علي دواي كعامل ميداني وجدت من الضروري بالنسبة لي كباحث في الشأن السياسي وكشخص تنحدر أسرته ومن الأبوين من هذه المحافظة أو المدينة أن أعاين الحدث بنفسي، فتحركت على هذا الأساس واستطلعت في باديء الأمر عن مشاعر الناس وتعمدت أن أسأل من هم خارج انتماء المحافظ فوجدت زهوا يحمله أهل العمارة بمدينتهم وحبا بها وبما حققت من انجازات ثم التقيت بالمحافظ ومادار بيننا مسجل في الحلقات التي نشرت عنه .6- اتفقت مع صاحب دار ضفاف السيد باسم الياسري المعجب بعمل علي دواي على إصدار كتاب في هذا المجال .

 

س14: سلام كاظم فرج: كيف تنظرون الى مسيرة الديمقراطية في ايران؟؟ الكاتب صائب خليل يقول انها تفوقت على الديمقراطية في الولايات المتحدة الاميركية .. ودليله ان ستين بالمائة او اكثر بقليل كانت نسبة المشاركة في الانتخابات الاخيرة .. قياسا الى اقل من خمسين بالمائة نسبة المشاركين في انتخابات الولايات المتحدة؟؟

ج14 أولا أن النسبة لا تعني هناك ديمقراطية وهنا لا توجد ديمقراطية، فالذين شاركوا مارسوا حقهم الديمقراطي والذين امتنعوا أيضا مارسوا حقهم الديمقراطي، أما إيران فأعتقد أنني لست من المطلعين على الشأن الإيراني بشكل دقيق، لكن من الملاحظ أن الانتخابات الإيرانية كانت موضع اهتمام الدوائر الغربية لاسيما كانوا يترقبون خسارة معسكر الإصلاحيين كي يتدخلوا تدخلا مباشرا في إيران .

 

سلام كاظم فرج: في الختام لا يسعني باسم صحيفة المثقف سوى تقديم الشكر والامتنان للمؤرخ الاستاذ رائد عبد الحسين السوداني على سعة صدره . وتقبله الاختلاف بحلمه المعهود ..

رائد السوداني- أشكرك أستاذنا سلام كاظم فرج وامتناني الكبير لك أخي العزيز

 

خاص بالمثقف

 

سلام كاظم فرج

صحيفة المثقف

 

salam kadomfarajsaieb khalilالمثقف تستضيف الكاتب والسياسي الاستاذ صائب خليل، ضمن مرايا ثقافية – فكرية لتحاوره حول مجموعة من القضايا الراهنة، ذات البعد الفكري والثقافي والسياسي، فاهلا ومرحبا به.

 

سلام كاظم فرج: ربما هو غرامشي الذي قال (إن على المثقف ان يكون متشائما، لكن إرادته ينبغي ان تكون متفائلة دائما). والمثقف في حقيقته هو مصدرإزعاج دائمي للسائد والمتعارف عليه، فكريا وسياسيا، لا يستكين ولا يهدأ لأن الحياة نفسها حبلى بالمتناقضات والمنغصات والاحباطات والتحديات وتبقى مهمة المثقف مهمة صعبة تكتنفها إشكالات عدة،، ولكن يبقى قبول نظرية الاختلاف واحترامها هو الطريق الاسلم لتلاقح الافكار للوصول الى الحد الادنى على الاقل من التفاهمات من اجل حياة اكثر سعادة وطمأنينة ورخاء ..

هذه المقدمة سقتها لتبرير ما أنا مقدم عليه من كشف اكثر المرآيا المقعرة والمحدبة إشكالا في الواقع العربي والعراقي والدولي مع رجل طالما اختلفت معه واختلف معي .. لكننا بقينا يحترم احدنا الآخر ما وسعنا الى ذلك سبيلا منطلقين من مقولة جميلة لفولتير (قد اختلف معك في الرأي لكني على استعداد للتضحية بحياتي في سبيل ممارسة حقك في قول ما تريد ..)

ويبقى صائب خليل كاتبا إشكاليا، يثير غضبي احيانا، ويثير رضاي احيانا، أجده مقنعا تارة ومستفزا تارة أخرى ..

 وجدت نفسي قبل يومين مضطرا لمشاكسته في رسالة خاصة بعد اعتذار نتانياهو لاوردغان وموافقته على السماح بدخول البضائع بمختلف انواعها الى غزة بعد حصار امتد لسنين طويلة،، ومشاكستي أتت بسبب مساهمة الاخ صائب مساهمة اعلامية فاعلة قبل اكثر من عام في دعم سفينة الحرية المحملة ببضائع متنوعة لغزة والتي تعرضت الى ردود قتالية من قبل حكومة اسرائيل ووقع بعض الناشطين الاتراك وغيرهم ضحايا الضربة الاسرائيلية .. وقتها اعتبرت ان حماس صديقي صائب ليس في محله، وقلت له ذلك لكنه استمر في اعتبار ان ازمة سفينة الحرية ستسفر عن انتصارات باهرة، قلت له بل ان دم الضحايا سيذهب هدرا،، وانها قد تكون لعبة لتلميع صورة اوردغان عربيا ولا ادري هل كسبت انا الرهان (وياليتني لا اكسبه ام صائب هو الذي كسب الرهان وياليته يكسبه) ..

 قبل يومين كتبت له: لا ادري هل يستوجب الامر تهنئتك ام لا،، فأنت احد الناشطين في هذا الامر.

س1: سلام كاظم فرج: هل تعتبر اعتذار نتنياهو مكسبا، ام هي لعبة جديدة تضاف لترويض العرب على الاقتراب اكثر من المصالحة مع اولاد يعقوب؟؟؟

 استاذ صائب هذا سيكون سؤالي الاول لك (والى القراء الكرام لابد من التنويه اني هنا العب دور الصحفي واسئلتي لا تعبر بالضرورة ولا تماما عن وجهات نظري الشخصية فما يهمني هنا آراء الاستاذ صائب، ودوري ينحصر في التعرف على افكاره ولا يتأتى ذلك الا من خلال الاختلاف، والاختلاف المر احيانا، ويمكن للأخوة كتاب الصحيفة وكاتباتها توجيه اية اسئلة موضوعية وكل ما يدور في خلدهم من اسئلة ..)

ج1: صائب خليل: نعم أخي أعترف لك بالنصر في قضية اردوغان، لكني معذور في الإنخداع بها يا صاحبي، فقد كانت لعبة كبيرة تفوقت على كل ألعابهم السابقة، وفيها تضحيات حقيقية من جانبهم، فقد رفعت الجانب المعنوي العربي بشكل كبير جداً، وهذا ليس أمراً هيناً. لم يكن من الممكن فهم اللعبة إلا ضمن رؤية الخطة الهائلة الحجم للربيع العربي، والتي لم تكن قد بانت بعد. إنني لا أشعر بالكثير من الخجل، إني وقعت في فخ بهذا الحجم، ولو عادوا ووضعوا فخاً مماثلاً له بالحجم والتضحيات، فسأقع فيه وبكل سرور (ههههه)

نعم اعتذار نتانياهو جزء من اللعبة وهذا الرجل، اردوغان إنسان وضيع حين قبل أن يلعب هذا الدور، وقد ناله من جرائه الكثير مما يستحق من إهانة في تركيا حيث لم تعد سياسته تنطلي على احد هناك، واعتذار نتانياهو ليس إلا محاولة لتعويضه لبيعه شرفه وإظهاره بأنه الرجل الوحيد الذي أجبر إسرائيل أن تعتذر.

 

س2: سلام كاظم فرج: ياسر عرفات له قول كنت اجده معقولا .. يقول انه يفضل التحاور مع الليكود اليميني جدا على التحاور مع بيريز اليساري وحزب الماباي (العمل). وقفازته الحرير،،

 كان عرفات رحمه الله يفضل الحوار مع صاحب القرار الفعلي والواضح .. فما هو رأي الاستاذ صائب في هذا؟ ام انك تفضل ان تضع البعوضة في حسائهم؟ حساء كل الاطراف؟

ج2: صائب خليل: هناك "فيل" في حساء كل الأطراف يغنيني عن وضع بعوضة فيه. أنا أفهم اليسار على أنه الرفض للظلم، من يبحث عن "فائض القيمة" ليعيده لأصحابه، ويحرص أن لا تبنى الأسواق والعمارات الفارهة من سرقة طعام الجياع، ويرفض التمييز العنصري بين بني البشر، لا يمكن أن يقبل بالعيش في وطن تمت سرقته بالكامل، ومؤسس على التمييز العنصري. اليسار الإسرائيلي الوحيد هو يسار أوري أفنري وأميره هاس، والناشطون الرائعون الذين تعتبرهم السلطات الإسرائيلية بيسارها ويمينها "أعداء رقم 1" للبلاد، وهم كذلك فعلاً.

 

غاندي

س3: سلام كاظم فرج: ماهي نظرة الاستاذ صائب الى المهاتما غاندي وفلسفته في اللاعنف؟؟؟

ج3: صائب خليل: هذا سؤال جميل. عندما يتهددك أمر، لكنك تشعر أنه تحت سيطرتك فإنك تبتعد عنه أو تكتفي بمراقبته أو رفض التجاوب معه. أما إذا كان خطراً فقد تلجأ إلى إخافته بالعنف أو ضربه قبل أن يضربك، أما إذا كان الخطر قد أرعبك فلا تجرؤ على محاولة إخافته فعندها تعود إلى محاولة إرضائه. إذن فأنت تلجأ إلى اللاعنف في حالتين: عندما لا تكون خائفاً، وعندما تكون مرعوباً. "لا عنف غاندي" هو من النوع الأول حصراً، إنه يدعوك أن تكون شجاعاً بما يكفي لتجنب العنف، ولا يمكنك أن تلجأ إلى لا عنف غاندي لأنك خائف.

لقد أوضح غاندي ذلك عندما قال إن كان الخيار الوحيد المتوفر هو بين الإستسلام للإضطهاد أو العنف في مواجهته، فإني أفضل العنف!

ما يميز لاعنف غاندي إذن أن يستطيع صاحبه أن يقف في مكانه يتلقى الضربات ولا يتزحزح إلى الخلف ولا يقدم تنازلاً. دعاة اللاعنف في المنطقة العربية، هم دعاة لاعنف الجبان المتنازل الذي لا يحترمه غاندي.

خذ أيضاً داعية السلام العالمي والحاصل على جائزة نوبل فيه نلسون مانديلا. لقد رفض أن يتعهد بعدم استعمال السلاح مقابل إطلاق سراحه وهو في السجن! كان من السهولة جداً أن يقنع نفسه بأنه لن يستخدم السلاح في السجن ايضاً، لذا فمن الأفضل الخروج منه والمحاربة بالكلمة فقط، لكنه، وهو رجل سلام شجاع بحق، أدرك أن هذا يعتبر تنازلاً أمام الظلم، فرفضه وفضل السجن الطويل. بمثل رجال السلام الشجعان هؤلاء من أمثال غاندي ومانديلا يفترض أن تقتدي البشرية، وليس بسلام محمود عباس مثلاً، الذي رضي في نهاية الأمر أن يتحول إلى رجل أمن لإسرائيل، وأن يمارس العنف ضد رفاقه، وبقي يوصف بأنه رجل سلام!

 

العراق قبل كل شي

س4: سلام كاظم فرج: لنتحول الى الشأن العراقي،، لم تترك كتلة او فصيلا عراقيا دون ان تناله سهام نقدك،، وبالمقابل هناك نصائح كثيرة كنت تسديها بقلب محب لنفس الكتل التي تنتقدها بقوة .. رأيتك ترثي كامل شياع بألم ثم تعود لكي تنتقد اليسار العراقي وبقوة،، ووجدتك قريبا جدا من دولة القانون في مقالات عدة .. وحتى ان مقالاتك تنشر في الموقع الرسمي لها،، لكنك بالامس كتبت مقالا عنيفا ضد فكرة ان نكون دولة مانحة ونعيت على الحكومة سعيها لمنح مصر مبلغا من المساعدات .. وكنت في الاصل ضد صولة الفرسان. في حين ان البصرة لولا صولة الفرسان لم تلق الى الاستقرار سبيلا؟ السؤال الا تجد في ذلك تناقضا وتحولا غير مفهوم في مواقفك؟؟

ج4: صائب خليل: لا أجد في الحقيقة أي تناقض في مواقفي، ومازلت مستعداً لمناقشة أي منها وأي تناقض يمكنك أن تأتيني به من ما يقارب 1000 مقالة لي على النت، وأغلبها الساحق من النوع الذي لا يتهرب من المواقف المحددة.

التناقض الذي تراه هو في الحقيقة، هو تناقض الجو الثقافي والسياسي العراقي وليس تناقض صائب خليل. لقد كتب لي أحد المعلقين يوماً منزعجاً: إننا لا نفهمك! مرة تكتب ضد هذا ومرة ضد ذاك، فما هو موقفك؟؟

هذا القارئ اعتاد أن "الموقف" هو الإنتماء إلى هذه الجهة أو تلك: هذا "موقفه" مع المالكي، وهذا "موقفه" مع أياد علاوي، الخ. وهذه ليست "مواقف"، هذه اصطفافات وتبعيات وربما عصابات. المواقف هي من "القضايا" وليس من الأشخاص، إلا بقدر ما تحكم القضايا عليهم. فالموقف اليساري مع مصالح الشعب مثلاً، يتوجب أن ينتقد المالكي وحكومته عندما تهدر أموال الشعب في بنايات لا حاجة لها ومؤتمرات لا فائدة منها في الوقت الذي يتضور الشعب فيه جوعاً ويحتاج المجتمع فيه إلى صرف أموال طائلة لإصلاحه. ونفس هذا الموقف يدافع بقوة عن المالكي وحكومته عندما تقاوم إقرار قانون النفط الهادف إلى تحطيم العراق وسرقة ثرواته، وعندما تتبنى عقود الخدمة بدلاً من شراكة الإنتاج وعندما تحاسب كردستان على لصوصية الـ 17%، فهل في هذا تناقض في الموقف؟ إنني كإنساني يساري، أجد أنه انسجام أكيد مع ما أشعر به، وأن التناقض حين تؤيد فريق المالكي مثلاً في مهاجمته (عن حق) للمفوضية العليا للإنتخابات وفضحه فضائحها، ثم تؤيده أيضاً حين يقف درعاً بين وزير الشباب اللص وبين القانون، لمجرد أن وزير الشباب منهم! لقد كان هناك أدلة على لصوصية وزير الشباب ما لا يقل عن أدلة فساد فرج الحيدري! فهل هذا البقاء في التأييد لدولة القانون، "ضالمة أو مضلومة" تناقض أم أنسجام في المواقف؟ إنه يعتمد على تعريفك لـ "الموقف"، إن كان المطلوب إنسجام الموقف من الحق والظلم، فسيكون الدفاع الدائم عن جهة ما، هو موقف متناقض، وإن كان الإنسجام يعرف بأنه الإصطفاف الثابت مع جهة ما، فهو موقف منسجم. أنا أسعى لموقف منسجم من الحق والباطل، فاجدني مضطراً لتغيير من أدافع عنهم حسب موقفهم، لكن المناخ الثقافي والسياسي العراقي اعتاد على القياس الآخر، وهذا ما يجعل مواقفي متناقضة في نظر الكثيرين. هذا المناخ لا يبني وطناً ومجتمعاً، وإنما يشكل مجموعات من العصابات يقرر توازن القوة بينها علاقاتها، ولا تجد في مثل هذا التجمع مكان لمفاهيم العدل أو الأخلاق أو الدين الحقيقي، بل يشيع جواً يعوّد المواطن تدريجياً على قبول الغش والسرقة والكذب واعتبارها علامات قوة، وهذا ما يجري فعلاً في العراق إلى حد بعيد كما أتصور.

 

الصدريون

س5: سلام كاظم فرج: الصدريون ايضا كنت تقدم لهم نصائح محب لا نصائح مختلف. ربما اياد علاوي وحده الذي لم ينل منك سوى النقد الحاد والجارح .. القادة الكورد ايضا لم يسمعوا منك مديحا وكأنهم لا يحملون اية ايجابية تذكر؟؟

ج5: صائب خليل: الصدريون كانوا في السنوات الأولى، على الأقل في البرلمان، الأروع بين كل الكتل السياسية العراقية، وكانت أصواتهم وحدها الوطنية التي لا تشوبها شائبة، وفي كل شيء أساسي أتذكره في تصويت البرلمان، وليس فقط في موقفهم المشرف من الإحتلال والمعاهدة، والعراقيون مدينون لهم أكثر من أية جهة أخرى بأننا لا نجد جنوداً أمريكان في شوارعنا اليوم. لكنهم تغيروا كثيراً، صاروا يجمعون الأموال ويدافعون بحماس مثير للريبة عن الخصخصة ويرشحون المقرب من أميركا، عادل عبد المهدي لرئاسة الحكومة رغم وعودهم لجماهيرهم بالإلتزام بخيارها الذي كان الجعفري، ويقفون ضد المالكي في كل شيء، حتى حينما يكون محقاً ..

بالنسبة لأياد علاوي، ربما يمثل الشخصية الأكثر تجسيداً لكل ما أكره أن يكونه الإنسان. فإضافة إلى عمالته الصريحة، فإني أجده متملقا وكذابا وأبله ووحشي ودكتاتور ولص. لو كان هناك خيار وحيد بينه وبين صدام لأخترت صدام، فهو لا يتميز عنه سوى بالبلاهة وشدة الإنبطاح. إنني أتمنى أن لا يحصل على مقعد واحد في الإنتخابات القادمة، وسيكون هذا من مقاييسي لمدى تحسن وعي الشعب العراقي.

بالنسبة للقادة الكرد،(وأركز على كلمة القادة) أنا لا تهمني التفاصيل الصغيرة، وإن فعلت لوجدت بعض الإيجابيات في محمود عثمان وكتلة التغيير مثلاً، لكن الموقف العام سيء للغاية. إنهم بشكل عام ينظرون إلى العراق كبيت محترق أو حتى ربما "يجب حرقه"، وأن أي مكسب منه هو "شعراية من جلد خنزير". مقاعدهم في البرلمان ولجانه، مقاعد للخندق الإسرائيلي الأمريكي في كل المواقف، من المعاهدة إلى النفط إلى تقسيم العراق. إني لا أذكر موقف واحد إيجابي لكتلة التحالف الكردستاني في البرلمان، في قياساتي لما هو إيجابي. الحزبان الكبيران لا يخفيان علاقتهما بإسرائيل، والتغيير خرج من معطفهم وله تاريخهم. وممثلهم في "اللوبي الكردي" في أميركا قال صراحة أنهم يطمحون إلى مكانة إسرئيل في أميركا، فكيف تحصل على تلك المكانة، ما لم تكن مستعداً لأن تلعب الدور نفسه الذي تلعبه إسرائيل في المنطقة، إن لم يكن أشد منه أذيةً؟

إضافة لذلك، فكردستان أستغلال لصوصي بشع ومستمر للعراق، وقد أصبح مهيناً أيضاً بعد أن كشف بشكل صريح وصار سطواً مسلحاً، خاصة فيما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها وقضية الـ 17% التي كتبت عنها كثيراً جداً، وهي من أنعام أميركا وأياد علاوي على العراق. لقد كادت هذه الفضيحة أن تنتهي قبل فترة لولا تظاهرات الأنبار. حينها كتب لي زميلي خبير النفط الأستاذ حمزة الجواهري مهنئاً وقال أن سياسياً متقدماً سأله: من الذي أثار قضية الـ 17%، فقلت له صائب خليل بلا شك، لأنه لاحقها طويلا. وقال الجواهري أن القضية ستحل بلا شك لأن ما كشفته عنها أصبح لا يمكن التستر عليه بعد الآن. وجاءت التظاهرات واستغلت من قبل كردستان المتربصة بأي خلل أو ضعف في العراق، لكي تفرض استمرار هذه السرقة، رغم أن إحصائية لبرلمان كردستان تبين وبشكل كلمات صريحة ومباشرة أن نسبة الكرد هي 12،6% ! علماً أنني قد حصلت على معلومات من داخل قيادات كردستان، بأن النسبة هي 11% فقط!

سياسيو كردستان لايكتفون بالسرقات والإبتزاز وعلاقتهم المباشرة بإسرائيل بل يفتحون أبواب إقليمهم لكل حثالات المنطقة، فيختارون من لبنان مثلاً أمثال القاتل المدان سمير جعجع والسنيورة، ولا يجد مثقفوا سلطتهم من يدعوه من رجال الدين غير القرضاوي، ذلك المتوحش للقتل في قطر، ألذي يتشفى اليوم باغتيال "صاحبه" الشيخ السوري من قبل عصابات الناتو. وفي قضايا الخصخصة ووحشية الرأسمالية وصراع الشركات مع الحكومة المركزية، فإنهم يلقون بكل ثقلهم في خندق الشركات ليس فقط في السماح لها بنهب ثروات كردستان بل أيضاً في مساعدتها على نهب نفط بقية العراق، وابتزاز الحكومة المركزية. لو وعى الشعب الكردي ما يجري، لنصب تمثالاً للشهرستاني، العراقي الوحيد الذي حاول أن يمنع اللصوص من سرقة نفطهم، لكنهم بدلاً من ذلك يكرهونه! أية تفاصيل يمكنها أن تمحوا كل هذا الكبائر وتترك مجالاً للمديح؟

 

س6: سلام كاظم فرج: ولكن يا صديقي صائب. ان كردستان توشك ان تكون دبي الثانية في المنطقة؟؟

ج6: صائب خليل: أنا يا صاحبي أحتقر من اللصوص أكثر، من يرتدون الأربطة، وهذا يعني بأني لا أحتفظ لدبي أو السعودية التي يباهي البعض بأننا سننافسها في تبديد النفط، إلا صورة سلبية جداً. لا أرى في عماراتهم الشاهقة إلا علامات تحطيم الإنسان ومص دمه، لصالح مجموعة من السمان الذين بقى حجم عقولهم كما كان، طفلاً يلهو ببناء أعلى بناية في العالم ويشتري مئات من أغلى السيارات التي قد لا يركب بعضها، فكيف يمكن أن أعجب بمثل هذا وأعتبره مثلاً؟ إنني أحترم المرحوم شافيز وأحمدي نجاد وموخيكا رئيس الأوروغواي، اليساري من منظمة التوباماروس التي مزقها الأمريكان وعملائهم وعذبوا افرادها في الثمانينات، والذي يتبرع بـ 90% من راتبه، لمثل هؤلاء يتوجه إعجابي واحترامي. أما بالنسبة لدبي وشيوخ الخليج ومن يقتدي بهم، فكيساري أحترم الإنسان لا أملك سوى ان احتقر هذا – وإلا كنت متناقضاً ..(!!!)

 

س7: سلام كاظم فرج: حسنا .. لك رأي متحفظ حول ضخامة حجم استخراج النفط في العراق عموما. الا ترى ان اعباء العراق المالية تستلزم تثوير الانتاج النفطي وتعويض سنين الحصار واستثمار العائدات الضخمة في بناء عراق جديد؟؟

ج7: صائب خليل: أنت تقول "وأستثمار العائدات الضخمة في بناء عراق جديد"، فأين هذا الإستثمار؟ وأين هي علامات بناء عراق جديد؟ دعني أرى هذا الإستثمار، وعندها سأدعو إلى رفع "الإنتاج" إلى أقصى طاقة (إنني أضع كلمة "الإنتاج" بين أقواس لأنه ليس إنتاجاً، بل سحب من مخزون واستهلاك، يتفوق به كل متخلف في المنطقة). إننا نسحبه لنقيم مؤتمر قمة عربي (لخدمة مشاريع أمريكية وإسرائيلية في التآمر على سوريا وإيران) أو لندعو إلى مؤتمر دولي ضد الإرهاب، الذي نتبنى التعريف الأمريكي الإسرائيلي له، أو لنبني عمارات بأسعار لم يسمع بمثلها حتى المجانين، ونترك البلاد تكاد تنهار من شدة تهالك بنيتها التحتية المادية والإجتماعية، فهل ترى أن هذا "استثمار في بناء العراق الجديد"؟

 

اقليم كردستان

س8: سلام كاظم فرج: الاخوة في اقليم كردستان اعتمدوا مبدأ المشاركة في انتاج النفط بتخصيص نسبة ما عن كل برميل منتج يباع للشركة المكتشفة، والاخوة في الحكومة الاتحادية يفضلون مبدأ عقود الخدمة . الا ترى ان عقود المشاركة ستحقق جذبا استثماريا افضل ؟؟ من عقود الخدمة .. التي قد تسبب عزوفا عن الاستثمار وكما تعرف ان الوقت كالسيف وعامل الوقت مهم في تفعيل الاستثمار؟؟

ج8: صائب خليل: "الإستثمار" من كلمات الخداع، وكلمات الخداع في الإقتصاد أكثر من أي علم آخر، ولو قلبت معاني أكثر تلك الكلمات في العبارات الإقتصادية، لربما زاد معناها قرباً من الواقع. فما يسمى الإستثمار، خاصة في الدول المتخلفة والفاسدة مثل العراق، ليس إلا الإسم الجميل للسرقات "الشرعية" كبيرة الحجم.

لا يكشف لك ذلك شيء خير من مقارنة مشروع "إستثماري" للقطاع الخاص، مع كلفته في القطاع العام، وقد أعطانا وزير الكهرباء السابق فرصة للنظر في حقيقة الإستثمار، وأتصور أن "جريمته" تلك كانت أحد عوامل التخلص منه.

وجد الوزير تعاقداً من الوزارة السابقة مع القطاع الخاص، لتجهيز كمية من الكهرباء، تتطلب أن تدفع لها الدولة 12،5 مليار دولار على مدى ربع قرن. وأكتشف بحسابات بسيطة كما أخبرني في لقاء في فينا، أنه يستطيع أن يحصل على نفس تلك الكمية من الكهرباء بـ 880 مليون دولار فقط، أي بحوالي 7% فقط من كلفة "الإستثمار"! ثم تبين له، قبل إبعاده مباشرة، أن 800 مليون تكفي، لكن لم يلحق أن ينفذها وأتصور أن المشروع قد تم الغاؤه. يعني، الإستثمار في هذه الحالة يقدم لنا نفس الخدمة بسعر يزيد عن سعرها الحقيقي بأكثر من 15 مرة! وهي ليست فقط نفس البضاعة بالضبط، بل ان لها مساوئ أخرى مثل عائدية الأجهزة إلى المستثمر التاجر، وهو ما يتيح تحكم التجار باسعار الكهرباء مستقبلاً! هل يمكن لأحد أن يقنعك أن تشتري بضاعة لنفسك بسعر أكثر 15 مرة، لمجرد أن يقول لك أن هذه تمثل "استثمار"، وأن هذه "حداثة"؟ ليس من بين هؤلاء المنافقين الذين يدعون لخصخصة الكهرباء وغيره شخص واحد يمكن أن يفعل ذلك بماله، لكنك تراه شديد الحماس لخصخصة ما للعراق. فهو في الجانب الآخر من المعادلة، جانب المستثمرين وليس جانب الشعب المنهوب.

الأمر لا يختلف فيما يتعلق بالجماعة في كردستان. عقودهم تعطي الشركات أرباحاً أربع مرات أكثر من العقود الحكومية المماثلة، كما اكد ذلك أكثر من خبير نفطي، ولم ترد عليهم كردستان ولا أعرف خبيراً واحداً قال بغير ذلك، وتجد التفاصيل في مقالاتي عن الموضوع. عقود مشاركة الإنتاج هي الأقرب إلى قوانين "تحرير السوق" (عبارة مخادعة أخرى) والإستثمار، وقادة الكرد من أشد المتحمسين لها، فأي استثمار هذا؟ هل يشتري قادة الكرد حاجاتهم الخاصة من تاجر يطلب أربعة أضعاف الربح الذي يطلبه جاره؟

من الطبيعي في هذه الحالة أن تسارع الشركات إليك، وأنت تبيعها ثروات بلادك بسعر أدنى مما تبيعه الحكومة المركزية، وتقدم لها السلطة على ثروتك النفطية ما لم تفعله الحكومة المركزية، لكن هذا ليس دليلاً على صحة العقود الكردستانية بل العكس. إنها مضاربة صريحة وحرب إقتصادية تشنها كردستان على الحكومة المركزية، وتستخدم نفط بلادها هراوة لتحطيم المركز وتحطيم الهراوة. تستطيع الحكومة المركزية أن تقلد كردستان و"تتبرع" بعقود باذخة مثل كردستان وتدفع للشركات أربعة مرات أكثر، وتستعيد شركاتها، لكن أما كان الأجدى بكردستان أن تقلد الحكومة وتعطي الشركات ربع ما تعطيه الآن من ثروات بلادها، وتحتفظ بالفارق لشعبها؟ من هو الصحيح هنا؟

 

س9: سلام كاظم فرج: ولكن الا تؤمن بحق تقرير المصير للشعوب؟؟ وانا ارى الكرد مصطفين بشكل جيد فيما بينهم بعكس الاخوة عرب العراق وهم الذين انتخبوا قادتهم بشكل ديمقراطي وبدون تدخل في حين الاخوة عرب العراق ووفق رأيك تعرضوا الى تدخل كومبويتري كما فهمت من عدة مقالات لك؟؟ سؤال متشعب . اطمح في سعة صدرك وردك الوافي على كل تشعباته ..

س9: صائب خليل: أخي العزيز، "حق تقرير المصير" اصبح نكتة بالنسبة لعلاقة كردستان بالعراق. أولاً لا احد ينكر هذا الحق، وثانياً لا أحد له القوة أن يمنع كردستان من هذا الحق لو ارادت ذلك، وثالثاً لم يعد هناك أحد يريد إنكار هذا الحق، بل العكس. كردستان هي التي تحتل العراق عملياً، ولو أجري إحصاء أو استفتاء بين عرب العراق، لوجدت أغلبية كبيرة تنادي باستقلال كردستان، أو بالأحرى باستقلالها عن كردستان. علاقة كردستان بالعراق علاقة ابتزاز قبيحة ومهينة وعلاقة ضحك على الذقون ورشاوي ومصالح متناقضة تماماً، مثل علاقة الأردن به. إنني من الناس، سوف اؤيد تقديم تنازلات لكردستان فوق حقها من أجل استقلال العراق عنها.

إنني أشير هنا إلى كردستان كحكومة فقط، كجماعة (!!) تحكم الإقليم، كنواب يمثلون الخندق الرأسمالي الأمريكي الإسرائيلي، وليس الشعب الكردي الذي أكن له كل الإحترام والمحبة، ولكن إن كان هذا الشعب راض بهذا الحال فلا أرى خير من أنفصال سلمي عادل بإشراف دولي يرضى الطرفان عنه.

 

القومية مفهوما

 س10: سلام كاظم فرج: ما هو رأيك بمفهوم العروبة والقومية وما الفرق بينهما وبين القومانية او القوموية؟؟ وهل يمكنني اعتبارك قوميا ام امميا؟؟. وهل يمكن للأممي ان يكون قوميا وبالعكس؟؟

ج10: صائب خليل: القومية كلمة حيادية تأخذ بعداً سلبياً في نظري عندما يكون الحديث عن أمة قوية ومتسلطة مثل المانيا وأميركا وبريطانيا (في الماضي)، فالشعور القومي هنا يدفع للإحتلال والإعتداء، لكنها بالعكس لدى الشعوب المضطهدة (بفتح الهاء)، تكون طريقة لإحقاق بعض العدالة، وللشعور ببعض المساواة، على أن تحذر الإندفاع والإنتفاخ على حساب الآخرين.

أنا لا أشعر أنني قومي، ولا أدافع عن العرب إلا كقومية يمارس ضدها الكثير من الظلم والقهر، لكني لا احب الشخص العربي أكثر من الكردي أو الأمريكي، لمجرد كونه عربي، ولا أشعر أنه يتفوق على غيره بشيء. مثل هذا الشعور "القومي" إن شئت، لا يتناقض مع الأممية، إنه ينحو إلى خدمة الإنسانية عموماً، من خلال خدمته لقوميته التي تحتاج إليه أكثر من غيرها، ويكون فيه تأثيره أكثر من غيرها. ويمكنك أن تميز هذا من خلال اهتمامه بالإنسان في نفس الوقت الذي يهتم فيه بالقومية، وبشكل أعمق منها. نعم أنا إنساني، أممي إن شئت، ولست قومياً حقاً.

الحقيقة لا أعرف الفرق بين العبارات التي ذكرتها عن القومانية او القوموية ولا أهتم به. أتصور أنها ليست سوى "حيل لفظية" لإعطاء صبغة سلبية لإسم محايد أو إيجابي، مثل كلمات أخرى أخترعت لهذا الغرض، مثل "العربان" و "الإسلامويون"، وهي عبارات في رأيي، وجدت لتتيح لمستعملها أن يكيل الشتائم للعرب والمسلمين مع ترك الباب مفتوحاً أمامه لإنكار مقاصده إن احتاج إلى ذلك.

 

س11: سلام كاظم فرج: هل ترى ان الافكار القومية في العالم وفي منطقتنا قد انتهت تماما ام انها ستعمر طويلا؟؟

س12: سلام كاظم فرج: العولمة .. ؟؟ هل ستكتسح العالم كله؟ وما هي بدائل العولمة برأيك؟؟

ج11و12: صائب خليل: سأجيبك على السؤالين معا ..: فمابينهما علاقة تتيح ذلك

لست ماهراً بفتح الفال لأتنبأ للأسف، لكني أستطيع أن أقول لك ما أتمنى.

لننظر قليلاً إلى التاريخ. الدولة القومية نشأت من الدولة الملكية، والتي نشأت في أوروبا من تحطيم أسوار الإقطاعيات، بعد تطور استعمال البارود في القرن الخامس عشر. وحينها كانت الدولة تعرف بحاكمها، والمساحة التي يسيطر عليها، بغض النظر عن القوميات التي تقع تحت حكمه في تلك المساحة وصفتها الأثنية. وقدمت التجارة التي تتطلب طرقاً طويلة، أفضلية ساعدت على تكوين تلك الدول، مثلما ساعدها البارود على تحطيم قلاع الإقطاعيات وضمها. وقد خاضت تلك الدول في أوروبا حروباً مدمرة منها حرب المئة عام، وحربالثلاثين عاماً، والتي كلفت المانيا ثلثي سكانها وثلاثة أخماس قراها، وانتهت باتفاقية "وستفاليا" في عام 1648 بعد ما رأت أوروبا ويلات تلك الحروب. كانت علامة في فصل الكنيسة عن الدولة على المستوى العالمي، ومن ثم كانت أساساً لفكرة "سيادة الدولة" وسلطتها المطلقة على رعاياها، وأطلقت عملية بناء الدولة الحديثة. وجاءت الثورة الفرنسية عام 1789 بفكرة المساواة بين المواطنين في الدولة، وكان من نتائجها الضمنية أن الدولة تعود للشعب وليس للحاكم! وهكذا تطورت فكرة حق الشعب بدولة إلى حق كل قومية بدولة وبـ "تقرير المصير". وكانت المشاعر القومية السبب المباشر في قيام الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، أو على الأقل استعملت كدافع قوي. وخلال هذه الفترة وبعدها انتشر الإحساس القومي وصار كل شعب يشعر بحقه بدولة قومية مستقلة.

القومية، او الدولة القومية إذن ليست شديدة القدم في تاريخ الإنسانية كما نتصور بل هي نتيجة تطور حديث، ويمكن أن تزول بالتالي. والسؤال المهم هو كيف ستزول، ولصالح أي نظام؟ العولمة باعتبارها تحطيماً لحدود إصطناعية بين البشر، هي تقدم إيجابي، لكن العولمة التي يجهد السوق لفرضها، ليست العولمة الوحيدة الممكنة، وليست الطريقة الوحيدة لتحطيم الحدود. لقد حاول الأمميون تحرير الإنسان من الحدود ففشلوا، والآن يحاول "السوق" أن يتحرر من نفس تلك الحدود، وقد حقق نجاحات ما، وإن كانت مشكوك بها وبقدرتها على الإستمرار، وأهم من ذلك شكوك "الإنسان" بفائدتها له في شكلها الحالي، رغم إصرار السوق عليها. والمستقبل يعتمد الآن على نتيجة هذا الصراع، وبضمن ذلك مصير القومية.

لا أستطيع التنبؤ بالنتيجة، فنحن في عالم مهدد حتى بالفناء تماماً، لكني أستطيع أن أتمنى كما قلت لك. وما أتمناه كيساري، أن لا تتم الوحدة البشرية على أساس مقاييس "السوق"، بل على اساس المقاييس الإنسانية.

 

عقود النفط

 س13: سلام كاظم فرج: ما هو تحليلك العلمي لاستحقاقات الشركات العاملة في كردستان،، ولو كنت في الوفد المفاوض كيف ستحل الاشكالية بين المركز والاقليم مع الأخذ بنظر الاعتبار مصلحة كل الاطراف وتحقيق السلم الاهلي بين الاخوة؟؟

ج13: صائب خليل: عندما تقول "السلم الأهلي بين الأخوة" فهل تتحدث عن السلم بين الشعبين العربي والكردي أم حكامهما؟

دعني أقول لك بصراحة وأتخذ موقفاً محدداً لا يجامل في الوسط، أن عقود الحكومة المركزية سليمة (على الأقل نسبة إلى عقود كردستان) وأي تراجع عنها نحو "الوسط" هو خسارة وإذعان للسرقة. أن عقود حكومة كردستان، هي في تقديري عقود لصوصية تمت بشكل سري مشبوه، وكان سلاح كردستان هو الإبتزاز وقوة الشركات التي وصف أحدها مسعود البرزاني مفتخراً بأنها تعادل عشرة فرق عسكرية.

لماذا هي لصوصية؟ ببساطة لأنها تعطي الشركات أضعاف الربح المعقول الذي يمكن ان تقبل به، وكانت قد قبلت به فعلاً في عقود بغداد، وما تراجعها إلا نتيجة رؤيتها إمكانية أفضل لها بالتعامل مع لصوص شعبهم، من قادة الكرد.

الوقوف مع قادة كردستان في هذه النقطة هو وقوف ضد الشعب الكردي بالدرجة الأولى. فالسماح بمثل تلك العقود يبدد ثروة الشعب الكردي، خاصة إن حصل على استقلاله في المستقبل.

الدستور العراقي يؤكد أن نفط العراق لكل الشعب العراقي، ولو كان قادة الكرد حريصين حقاً على شعبهم وثروته، لما تحمسوا بهذا الشكل لتوقيع العقود وسرعة استخراج نفطه، ولتركوا العرب يستهلكون نفطهم أولاً، ويحصلون منه على نسبتهم، ويحتفظون بنفطهم للمستقبل! لو كان هناك صراع حقيقي لحكومات تمثل شعوبها لرأينا الصراع معكوساً، ولرأينا حكومة كردستان تتملص وتماطل في حفر الآبار وتوقيع العقود وسحب النفط من أرض كردستان، لكنه صراع من يريدون أن يثروا، حتى ولو على حساب مستقبل شعبهم! إذن فلصالح الشعبين، وخاصة الكردي، أن تقبل شروط الحكومة المركزية كما هي، ولا يمكن لأي سياسي كردي أن يثبت العكس. إذن أنا أرى الصراع في هذه النقطة بالذات ليست بين كردستان والعراق، بل بين خندقين يمثل أحدهما الحكومة المركزية والشعب العربي والشعب الكردي، وفي الخندق الآخر حكام كردستان والشركات النفطية. أنا لا أريد أن افاوض بين خندق الشعب وخندق اللصوص والشركات، بل أتمنى أن ينتصر الأول كاملاً في هذه المعركة.

أما استحقاق شركات كردستان، فقد كتبت عنه عدة مقالات وعن الشكوك والتساؤلات التي تحوم حوله، خاصة في ظروف عدم الثقة الشديدة من قبل المركز بكردستان واتهامها بتهريب النفط. الحكومة المركزية تقول أنها لم تستلم المعطيات من كردستان التي تتيح لها التدقيق في الحسابات، وهي تقدم عادة لكردستان المبالغ مقدماً بشكل أقساط في انتظار الحسابات النهائية. وقد أثار العديد من الخبراء العديد من التساؤلات حول صحة ما قدمته كردستان من أرقام، وهي تساؤلات أساسية وخطيرة، ولم تجب عنها كردستان.

الأستاذ فؤاد الأمير كتب في الفترة الماضية كثيراً حول الموضوع وقد اقتبست منه بعض المعلومات في مقالاتي عن الموضوع، وهو بصدد كتابة جزء هام عنها في الجزء الأخير من كتابه الذي يعكف على إصداره حالياً بشكل اجزاء، والذي يرتكز على جهده الشخصي المضني في دراسة تقارير الشركات العاملة في كردستان واستنتاج الحقائق منها. لقد أخبرني الأستاذ الأمير قبل يومين أن الجزء الأخير الذي سيصدر في الأسبوع القادم، سيكون كبير الأهمية، وسأحاول الكتابة عن الموضوع أيضا.

والحقيقة لسنا بحاجة إلى شهادة الأستاذ الأمير لنعرف إن كان لنا أن نثق بأرقام كردستان في هذا الأمر، فقد اعلنت كتلة التغيير "كوران" قبل فترة أنها لا تعرف أي شيء عن عقود الشركات مع كردستان. وقد عبرت عن اعتراضها على ذلك بأن انفصلت عن التحالف الكردستاني في رفضه للميزانية، وقبلتها قائلة أنها ممتازة وأفضل من اية ميزانية سابقة، وفعلت ذلك رغم عدم الإتفاق على تسديد "مستحقات" الشركات. كتلة التغيير لا تقر بأن الـ 17% هي سرقة، وبالتالي فهي لا تحقق الأمل في كتلة تنظر بعدل إلى العلاقة العربية الكردية، ومع ذلك، فظلمها ربما يكون الأقل بين الجهات الكردية، وهي شاهد ممتاز على فساد وأبتزاز كردستان لبغداد.

 

س14: سلام كاظم فرج: ولكن النائب عن التحالف الكردستاني السيد فرهاد الاتروشي ذكر في تصريح له ان تكاليف عقود الخدمة لا تقل جسامة عن عقود المشاركة وتشوبها شبهة فساد. وحسب قوله ان سعر الحفارة يشترى بخمسة اضعاف سعرها الحقيقي .. ؟؟

ج14: صائب خليل: عظيم ...إذن تعالوا نكشف أمام الشعب كل الحقائق والتفاصيل عن كل العقود ولنر أي منها أفضل وأكثر عائداً للشعب، وعندها أما أن تتحول الحكومة إلى عقود المشاركة أو أن تتحول كردستان إلى عقود الخدمة، أو على الأقل أن تعتذر الجهة الخاسرة لشعبها عن تبديد أمواله، وأن يقتصر توقيع العقود مستقبلاً على النوع الفائز، على ان تكون المناقشات شفافة أمام كل الناس. إن كانت عقودهم ممتازة فلماذا يخفوها حتى تشتكي كتلة كوران بأنها لا تعلم أي شيء عنها؟

هذا كلام فارغ. الفساد يمكن أن يتم في أي نوع كان من العقود. وعقود الخدمة يمكن أن تكون أكثر تكلفة من عقود مشاركة الإنتاج إن تولاها فاسدون. إننا لا نعرف تفاصيل سعر كل حفارة ولم يقل لنا الأتروشي عن أي عقد من العقود يتحدث، ولماذا لم يكشف هذا الفساد إلا حين حاول الدفاع عن عقود الإنتاج. هناك محصلة عامة كتب عنها خبراء النفط العراقيون والأجانب أيضاً، وهي موثقة المصادر في مقالاتي تبين أن الشركات الأجنبية تحصل على أربعة أضعاف الأرباح في عقود كردستان مما تحصل عليه في عقود الحكومة ولم ترد كردستان على ذلك حسب علمي. دعني أسألك، إن كان كلام الأتروشي صحيح فلماذا صارت الشركات تهرب من عقود الحكومة لتذهب إلى عقود كردستان، ولماذا تضغط الشركات وأميركا وعملائها في لجنة الطاقة البرلمانية التي يسيطر على قيادتها الكرد وقائمة علاوي، على الشهرستاني والحكومة لإقرار قانون النفط بالشكل الذي يقبل فيه عقود المشاركة؟ لماذا لا تستفيد من هذا الفساد وتبيع الحفارات بخمسة أضعاف سعرها؟

كلام الأتروشي حول النفط لا يختلف عن كلامه ورفاقه عن الـ 17%. إنهم يتفننون في محاولة جعل الأبيض أسود وبالعكس، ولا يستنكفون أية وسيلة مهما كانت واطئة. ألم تسمع العديد من النواب الكرد يشيرون إلى أن كردستان لا تحصل إلا على 10.5%؟ فما هي قصة هذا الرقم؟ إنهم يقومون بحركة رياضيات بهلوانية، فيحسبون الرقم بدون حذف الكلفة السيادية للحكومة التي يشارك فيها وزرائهم ونوابهم برواتبهم وأماكن عملهم الخ، وهذا تلاعب بالأرقام من الغريب أن يلجأ إليه شخص يحترم نفسه، دع عنك أن يكون برلمانياً يمثل شعبه. بنفس الطريقة تجد من يهتف منهم: صحيح أننا كنا 11% لكن الشعب الكردي لم يبق على نفس العدد منذ ذلك الزمن! وهذا ايضاً احتيال على الأرقام يأمل صاحبها أن من يقف أمامه مغفل، لا يعرف أننا نتحدث عن نسبة وليس عدد سكان. فعدد العرب وبقية العراقيين تضاعف خلال السنين مثلما تضاعف عدد الكرد، لكن النسبة بينهما ستبقى ثابتة بدرجة كبيرة. ولكي نقبل الـ 17% فيجب أن نفترض أن سكان كردستان تناسلوا أسرع من غيرهم من العراقيين بمرة ونصف! لقد حسبت مرة الأرقام حسب ادعاءاتهم الملفقة فوجدت أن كردستان سوف تسبق الصين في عدد السكان خلال بضعة سنوات إن كان ما يقولونه صحيحاً، واعتمدت على أرقامهم الرسمية في ذلك الإستنتاج!

لا أدري كيف أصف ذلك، لكني أجد أن من يسمح لنفسه بالهبوط إلى مثل هذه المخادعات، شخص يصعب احترامه! أحياناً يبدو وكأن الأمر يتجاوز الطمع بالمزيد من المال، إلى الولع بالكذب و "الشطارة" والمخاتلة والبيع بالأسود. وقد أشرت في إحدى مقالاتي إلى أن خبير النفط حمزة الجواهري برهن مرة بالأرقام الصادرة من كردستان نفسها، أن الإقليم كان يخسر كما يبدو من تهريب النفط مقارنة ببيعه من خلال الأطر القانونية من خلال بغداد والحصول على 17% من سعره، ورغم ذلك فضلوا التهريب!."

 

ايران

س15: سلام كاظم فرج: ايران مواقفك منها طيبة دائما .. ما هو السر؟ هل هي الملاك الوحيد في العالم؟

ج15: صائب خليل: بالتأكيد لا، ولا حتى في المنطقة، لكنها مركز اهتمام تآمري لأعداء شعوب المنطقة، وتتعرض للكثير من الظلم والتزييف، وهذا سر اهتمامي الأول بها. لقد بحثت في كل الإتهامات التي وصلتني عنها فلم أجد منها الكثير من الحقيقة، ووجدت جبالاً من الأكاذيب، وقد خصصت لهذه الأكاذيب مقالة أو أثنتين ومايزال لدي الكثير، وهذا ما دفعني دائماً نحو المزيد من الثقة بها. فعندما يبذل خصومها كل هذا الجهد للكذب حولها، فهذا يعني أنهم لم يجدوا حقائق ضدها رغم جهودهم، وهذا مؤشر إيجابي قوي لصالحها. لقد أصبح الخوف من إيران مرضاً نفسياً حقيقياً، يصيب السنة بشكل خاص، لكن ليس كل الشيعة أبرياء منه. وعندما يصيبك الرهاب من شيء غير حقيقي فأن مواقفك تتعرض للخطر الشديد. فمثلاً إسرائيل تتحدث اليوم عن مصالح مشتركة مع السنة وأعداء مشتركين!

عدا السنة، فأن العلمانيين والكثير من اليساريين يفقدون صوابهم أيضاً عندما يبدأ الحديث عن إيران. إنهم يشعرون أنهم معفيون من أي برهان على كلامهم، وإن طالبتهم فسوف تواجه بالغضب ونظرات الشك. هذا مع العلم أن الكثير من هؤلاء كانوا ضحايا نفس أجهزة الإعلام الأمريكية التي صورت الشيوعيين كوحوش إباحيين، يؤمنون بمشاعية المرأة، وفي دول أخرى اقنعوهم بأن الشيوعيين يأكلون أطفالهم! ربما تضحك من هذا، لكن ما يقال عن إيران لا يختلف كثيراً في بعده عن المنطق وعدم وجود أدلة عليه. رغم ذلك فإيران ليست سوى دولة اخرى، لها مصالحها الخاصة وفيها عواملها السياسية والإجتماعية التي يناسبنا بعضها ولا يناسبنا بعضها الأخر، ومتى ما حصل هؤلاء الآخرين على الحكم فقد لا تعود إيران دولة صديقة. إنني أعتبر إيران أحمدي نجاد جارة مرشحة لتكون صديقة رائعة، ولم أجد من خطاياها ما يستحق أن يجعلنا ننفر منها أو نيأس من صداقتها، على العكس من إسرائيل وأميركا وكل ذيولها العربية. إيران دولة حرة القرار، وحكومتها تمثل شعبها بانتخابات أكثر سلامة من الكثير من الدول الديمقراطية، وبالتأكيد أفضل من انتخابات العراق، فلم يكن يديرها محتال يصرخ بأن الحاسبة لا يمكن أن تتحيز، وأن إعادة عد الأصوات أمر مستحيل. لديها حكومة تستطيع أن تقف مع مصالحها والتي تنسجم مصالح المنطقة إلى حد بعيد، وقد تكون، مثل فنزويلا شافيز، أهم نواة يلتف حولها الشرق الأوسط (اللا إسرائيلي) من اجل تقارب وتكامل إقتصادي وأمني وتكنولوجي وغذائي، وهي لنفس هذه الأسباب مركز الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، ومن يدور في فلكهما.

في مجموعة مقالات لي، كتبت عن كيفية الدفاع عن مصالح الدول الصغيرة أمام دولة عظمى، وكان من أهم تلك الطرق، إنشاء التحالفات الإقليمية، ولأن تلك الدولة العظمى تدرك ذلك بأفضل مما ندركه، فهي تسارع لقطع الطريق علينا دون إنجازه. إنه نفس السبب الذي جعل هذه الدولة تكره شافيز إلى تلك الدرجة وتحاول اغتياله، وقد اتهمها بنفسه بالتسبب له بالسرطان وكذلك فعل الرئيس الجديد المؤقت لفنزويلا. فأمثال شافيز ونجاد وموخيكا، أعداء الإمبراطورية الألداء.

 

الحرب في سوريا

 س16: سلام كاظم فرج: سوريا .. بركان قريب من العراق؟؟ هل ترى في رحيل الاسد خطوة الى امام؟؟ بالنسبة لكل من سوريا، العراق، البلدان العربية، العالم؟

ج16: صائب خليل: قبل أن نستطيع أن نقرر إن كان رحيل نظام ما، هو خطوة إلى الأمام أم الخلف، يجب أن نعرف النظام الذي سيحل محله. المؤشرات لا تبشر بخير أبداً، ويبدو أن البديل الذي يريده الأمريكان والفرنسيون في سوريا هو كارثة للعراق والمنطقة. ليس ذلك غريباً أو غير متوقع على كل حال. الغريب في الأمر أن الساسة العراقيين بشكل عام يعترفون بذلك لكنهم لا يجرؤون على اتخاذ موقف يتناسب مع هذا الخطر الذي يتوقعونه! إنهم يقولون أنه سيدمرنا، لكننا لن نتدخل في توجيه مسار الأمور! قارن هذا بموقف أميركا التي تتحجج أي سبب حقيقي أو وهمي قد يعرض بعض مصالحها للخطر، لتعتبره حجة كافية للتدخل المسلح وتدمير دولة كاملة!

 

س17: سلام كاظم فرج: ولكن اميركا تفعل ما بوسعها للمساعدة وهي فقط متخوفة من صعود القاعدة المتطرفة في سوريا .. ؟؟؟

ج17: صائب خليل: بريجنسكي شرح بعد 11 سبتمبر بافتخار عن صناعتهم لـ "القاعدة" وسخر من فكرة أن يكونوا نادمين على صناعتها، والوزيرة كلنتون ذكرت نفس الحقيقة قبل فترة قصيرة، فلا يمكن أن تخشى أميركا القاعدة. ما نراه من تردد في الإجهاز على النظام السوري له أسباب أخرى، أهمها المعارضة الروسية والتردد في الإصطدام بها، والثاني ربما الرغبة في إطالة الحرب السورية بهدف تحقيق أقصى تدمير ممكن قبل أن يحقق أي طرف "النصر". لقد قامت هيمنة أميركا على العالم على اساس حروب الآخرين فيما بينهم، خاصة في الحربين العالميتين، وهي تدرك ذلك جيداً، وتحاول أن تكرره في كل مناسبة ممكنة، ويمكنك ملاحظة أنها أدامت الحرب العراقية الإيرانية حتى أوقعت الطرفين بديون هائلة قبل إنهائها.

 

اليسار العراقي

س18: سلام كاظم فرج: هل انت متفائل بوحدة الفصائل اليسارية العراقية؟؟. كيساري نادرا ما اجدك تتناول ذلك؟؟

ج18: صائب خليل: اليسار العراقي يتحمل جزءاً كبيراً من المصيبة التي يجد العراق نفسه فيها. كل بلد يتعرض إلى الهجوم الشرس لدولة استعمارية، يجد درعاً ما، بدرجة أو بأخرى، من يسارييه الذين يحدون من التدمير الحاصل في بلادهم قدر الإمكان، من خلال التوعية والتهديد ببديل. اليسار العراقي لم يلعب دوره ولا يوجد إحساس بوجوده، لا من قبل الشعب ولا من قبل اعداءه. اليسار يمر بمرحلة لن يفخر بها، مع تفهمي للظروف التي اوصلته إليها. إنه تائه لا يعرف طريقه، لا يستطيع تمييز نفسه حتى عن الليبرالية النقيضة له تماماً. إنه يريد أن "يتطور"، ولكن لا يدري إلى أين. إنه يتهافت إلى "التغيير" دون أن يحدد أين الخطأ! إنه يتصرف كشخص متعب لم يعد قادراً على التفكير والحكم. لقد وصفته في مقالة ما بأنه "يسار تائب"، يتم اللعب به وتثبيت توبته من خلال أجهزة إعلامية مشبوهة قدمت نفسها على أنها يسارية مثل موقع "الحوار المتمدن" وغيره. ومع ذلك فهناك مقاومة ما، وهناك مواقع يسارية حقيقة وإن كانت ذات إمكانيات أبسط مثل طريق الشعب و"الناس" و "ينابيع العراق" و"صوت العمال". أما على المستوى السياسي فلا أثر لليسار على الساحة، ويجب تغيير هذا الوضع. هناك الكثير من الحديث عن "توحيد اليسار"، لكن يجب أن تؤمن كتلة يسارية كافية الحجم باليسارية أولاً، لكي تكون نواة لهذا التوحيد. لا توجد أسس للتوحيد حالياً. إن أقصى ما يفكرون به عندما يفكرون بالإتحاد هو الإتحاد ضد الكتل الدينية، بينما الليبرالية التي يتحدون معها، والتي تتفق غالباً مع الخندق الأمريكي الإسرائيلي وشركات النفط، هي خصمهم الحقيقي الذي لا يمكن الإجتماع معه. نعم أنا مقصر في الكتابة حول اليسار وما أراه من حلول، لأن الأحداث تضربنا بتسارع مدوخ!

 

س19: سلام كاظم فرج: والتيارات الديمقراطية العلمانية؟؟ ماهو واقعها،، حجمها؟؟ وماهي توقعاتك؟ ونصائحك؟؟ ..

ج19: صائب خليل: "الديمقراطية العلمانية" ليست شيئاً معرفاً. الجميع اليوم "ديمقراطيون"، حتى أياد علاوي! فالكلمة لا تعني شيئاً إذن. والعلمانية لا تعني سوى موقف مرن من الدين ورفض علاقته بالدولة (وحتى هذا غير واضح)، وهذا لا يكفي أبداً. إنها تشمل الشيوعيين مثلما تشمل علاوي و اياد جمال الدين ... فكيف تضع كل هؤلاء في خانة واحدة؟ نصيحتي الوحيدة أن لا يكتفي احد بوصف نفسه بأنه علماني ديمقراطي، بل عليه أيضاً أن يحدد موقفه من الإقتصاد ومن القضايا الأساسية في الساحة وشخوصها والعلاقات الخارجية وغيرها لكي يمكن تمييزه عن الأفاعي التي تتلوى تحت راية العلمانية والديمقراطية. نريد أن نعرف رأيه بالسفارة الأمريكية، وبالإستثمار وحرية السوق ووزير الشباب والمفوضية العليا للإنتخابات والـ 17% وعقود نفط كردستان وخصخصة الكهرباء والتظاهرات والعلاقات مع سوريا والأردن والسعودية وإيران وأميركا وإسرائيل وأوروبا والمرأة وغيرها. إن كان نائباً في الدورة السابقة فعلينا أن نعرف على أي شيء صوت بالقبول أو الرفض، وعندها فقط يمكننا أن نحدد شكل هذا "الديمقراطي العلماني".

 

الموقف من امريكا

س20: سلام كاظم فرج: جادلتك مرة حول اميركا . وكتبت عني مقالة قاسية .. ما زلت على رأيي في اميركا .. يعني انها تطورت (اعني ادارتها) .. والادارة الحالية افضل بكثير من ادارة ترومان مثلا او ايزنهاور. اما زلت على رأيك ان اميركا هي نفسها قبل ستين عاما؟؟ ولا تستطيع ان تكسب ثقة الشعوب الأخرى؟؟

س20: صائب خليل: الحقيقة لا أتذكر تلك المقالة. هناك إحصائية قدمت في عام 2001 وقبل أحداث سبتمبر، بينت أن جميع شعوب أوروبا الغربية أختارت أميركا كثاني أكبر خطر على السلام العالمي بعد إسرائيل (التي فازت بامتياز)، ولاحظ هنا أننا نتحدث عن شعوب أوروبا الغربية، الأقرب إلى أميركا وإسرائيل من أية شعوب أخرى! إنها الشعوب التي يفترض أنها أستفادت من اميركا أكثر من أية منطقة أخرى في العالم، بل ربما المنطقة الوحيدة في العالم. فأين ما كسبته أميركا من ثقة الشعوب الأخرى؟ ماذا تقول عنها إذن شعوب أميركا اللاتينية أو آسيا أو افريقيا التي رأت منها الأهوال؟ دعني أذكر لك قول رئيس سابق للمكسيك وهو ينعى بلاده بالقول: "مسكينة أنت أيتها المكسيك، ما أبعدك عن الله وما أقربك من أميركا"! لقد اصطبغت أميركا الجنوبية باليسار، وفقدت أميركا حلفائها من الأنظمة التي جاءت بها كما جاءت بالبعث للعراق في الستينات، وبنفس الطرق ونفس الوحشية. ونلاحظ مثلاً أننا أكتشفنا في فضيحة توزيع أميركا لمعتقليها على سجون سرية في مختلف أنحاء العالم من أجل تعذيبهم، أن المنطقة الوحيدة التي خلت من تلك السجون كانت أميركا اللاتينية، التي كانت تسميها أميركا، "حديقتها الخلفية"!

هل هي أفضل من أميركا ترومان أو ايزنهاور؟ نعم كان الرجلان وحشين، لكن بوش لم يكن أقل وحشية، ولا توجد أية علامة أنه كان يتردد في تدمير أي بلد أو أي شعب، إن سمحت له ظروفه. بوش الأب كان محتالاً مدمراً هو الآخر وكذلك كلنتون وريكان كان وحش الثمانينات على العالم وأميركا الجنوبية بالذات. يقول العاشق الولهان بأميركا الدكتور عبد الخالق حسين أن اميركا بلد مؤسسات ولا يغير مواقفها نوع الرئيس الذي يأتي إليها، وهو محق من ناحية، فنجد الكثير من المحللين يصفون أوباما الآن بأنه أسوأ من بوش ولديهم حججهم لذلك. إنما السبب ليس في أن أميركا بلد مؤسسات، بل هو بلد شركات وبزنز، ولا يؤثر في سياسته من ينتخبه الشعب، وهذا مؤشر فشل الديمقراطية الأمريكية وليس نجاحها. الفيلسوف الأمريكي جون ديوي يصف الوضع بأن السياسة هي ظل البزنز على المجتمع. ولا يمكنك أن تغير الواقع بتغيير الظل.

ما قد تلاحظه من تغير إيجابي في أميركا، هو نتيجة وعي الناس وسرعة الإتصال واتخاذ المواقف. وهنا يذكرنا جومسكي بأن حرب فيتنام احتاجت عدة سنوات قبل أن تستثير الرأي العام الأميركي، اما حرب العراق فكانت التظاهرات المناهضة تهز العالم قبل أن تبدأ الحرب. لذلك توجب على بوش وأوباما مراعاة ضغوط لم يكن على ترومان أو كندي أن يحسب لها ذلك الحساب.

ولجومسكي، وهو خير العارفين بأميركا وتاريخها الحديث، عبارة يقول فيها لو ان رؤساء الولايات المتحدة لما بعد الحرب العالمية الثانية حوكموا وفق محاكمة نورمبرغ (التي حكمت النازيين الكبار) لما نجا أحد منهم من حبل المشنقة.

 

س21: سلام كاظم فرج: انا ابتسم الان. خوفا من سلقي بمقالة نارية تتهمني فيها بالانحياز للأمبريالية.(وبالتأكيد انا لا اتفق معك بالنعوت القاسية التي توجهها لبعض الاسماء). ولكني أسأل هنا سؤالا دقيقا لكي اعرف .. الدكتور علي الوردي يقول لولا الاحتلال البريطاني للعراق لبقيت عطارا في دكان أبي .. ما رأيك في قول الوردي رحمه الله؟؟

ج21: صائب خليل: لاشك أن للإستعمار كان له بعض الفوائد، مثلما له مساوئ، لكنه لم يأت بقصد الفائدة. إنه مثل العاصفة التي تقتلع لنا شجرة كنا نريد قلعها. هذا لا يعني أن نتمنى العواصف. كذلك فأن اعطاء الإستعمار كل أفضليات التقدم، ابتزاز لبقية العوامل. الإستعمار من النوع الذي يقدمك مربعاً ثم يسعى بقية الحياة أن يبقيك في ذلك المربع، فعليك أن لا تستلم للشعور بالإمتنان له، وإلا فقد كان علينا أن نبقي العبودية أمتناناً لها لأنها كانت أكثر انتاجية من المشاعية، ثم على الإقطاع لأنه كان اكثر انتاجية من العبودية والآن على الرأسمالية لأنها أكثر إنتاجية من الإقطاعية. ولو كان البشر يفكر بهذه الطريقة لبقي عند الخطوة الأولى، العبودية، ولما وصلنا إلى هذه الرأسمالية "العظيمة" التي يوحي البعض بأن علينا الإمتنان لها.

إضافة إلى ذلك، وبعد توفر الإتصالات، فلم يعد للإحتلال أية فائدة، لأنه في الماضي لم يكن الناس يعلمون ما هو التقدم حتى يدخل بيوتهم. الآن الجميع يرى ويسمع كل ما يحدث في العالم ويستطيع شراءه من اي مكان. الإستعمار لا يزيد قدرتنا على الوصول إلى التقدم أو شراءه بل العكس، هو يشترط الكثير من القيود بشكل مباشر (شروط جي بي موركان على بنوكنا بعدم التعامل مع إيران فوق حد معين) أو بشكل خفي (تحويل صفقة الأسلحة الروسية إلى دراما).

كذلك أرجو الإنتباه إلى أن الإستعمار البريطاني لم يكن يمتلك أجندة تدميرية، عدا ما يتطلبه منه امتصاصه للإقتصاد، اما في حالة أميركا والعراق حالياً فهناك مشكلة إضافية هي خضوع أميركا للإملاءات الإسرائيلية حول المنطقة، وهذه أجندة تشترط التدمير حتى لو لم يكن منه فائدة لأميركا، بل حتى لو تسبب بالضرر لها في علاقتها بالعراق.

أخيراً أشير إلى مقولة مهمة لنهرو حول الإستعمار وفوائده المزعومة، فهو يؤكد أن النظر إلى خارطة الهند الإقتصادية تبين أن تخلف المناطق يتناسب طردياً مع قدم استعمارها من قبل بريطانيا!

 

كردستان ثانية

 س22: سلام كاظم فرج: كردستان العراق تحث الخطى لكي تكون دبي الثانية. هل تتفق معي في هذا؟ واذا اتفقت فما هي الاسباب؟ اليست صداقتها لاميركا و الغرب وعدم الدخول في عداء معهما اتاح لها تعاطفا واستقرارا اكسبها هذا التقدم؟؟ وهنا يبرز السؤال. الا ترى ان الجنوبيين. لو كسبوا صداقة اميركا على سلبياتها التي تظنها فيها وبعضها صحيح واتفق معك به. اما وفروا لانفسهم ما وفره الكورد لانفسهم من دعة واستقرار وبناء؟؟

ج22: صائب خليل: أعطيتك رأيي بدبي، أما بالنسبة للبقية فلدي اعتراضان على هذا المنطق. الأول أنه ليس من السهل أن تكسب صداقة أميركا، فلأميركا مصالحها التي قد لا تتلاءم مع "صداقتك". مع ذلك سيكون الذئب سعيداً لو لبس جلد الخروف وأفهم جميع الخراف أنهم مدعوون لصداقته. هذا يوفر ولائم سهلة.

 

هناك مفهوم خاطئ بأن هذه الشعوب هي التي "تعادي أميركا" وأن أميركا مستعدة للصداقة، وأن من "قبل صداقتها" حصل على الفوائد. لو راجعت التاريخ لدهشت تماماً. فعبد الناصر طلب القرض من اميركا أولاً من أجل السد العالي، فرفضت فذهب للسوفيت. كاسترو بادر بزيارة أميركا فور استلامه الحكم وطلب مساعدتها على بناء بلاده فغضب الرئيس الأمريكي منه وقال أنه يتكلم كشيوعي وإن لم يكن كذلك. الصين الشيوعية حاولت كثيراً مع أميركا وكان لها بها أمل كبير، وكذلك هوشي منه في فيتنام كتب عدداً كبيراً من الرسائل يرجو الرؤساء الأمريكان مساعدته عندما كان تحت الإستعمار الفرنسي والياباني، ولم يحصل على جواب واحد لأية رسالة! لم تجد أميركا أي من هؤلاء من تستفيد من "صداقته"، ولم يكن لجهودهم أي أثر في تغيير ذلك. أميركا اليوم ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هي "شقاوة" العالم، وما يحتاجه الشقاوة هو السركالية الذين يقومون بابتزاز الناس لحسابه ويكونون هراوات لخوض معاركه، ولصوصاً لثروات شعوبهم لحسابه. عندها يمكن أن يقدم لهم يده، ولو موقتاً. أقول مؤقتاً لأنه في اللحظة التي يجد فيها مصلحة تتطلب التخلي عنك فسيقفز إليها فوراً، وفي هذه الحالة ستكون صداقته أداة لضربك لأنك قد أدخلته بيتك وأتحت له الكثير من الحرية فيه وهو ماهر في استخدامها للتآمر عليك.

أنظر مثلاً كم كان الخليج "صديقاً" لأميركا، ولكن في اللحظة التي خطر ببالهم المخطط الشيطاني لإحتلال صدام للكويت، ووزنوا نتائجه، فوجدوها أنفع لهم من صداقتهم، قذفوا بأصدقائهم هؤلاء في النار. المشكلة في صداقة من هو أقوى منك أنها تفقدك القدرة على أن تقول لا مستقبلاً، لذلك كان أهلنا يمنعونا من صداقة من هم أكبر منا لأنهم يعلمون أنه لا توجد صداقة غير متوازنة. الأكبر له مصالح مختلفة تدفعه إلى العدوان على الأصغر، لذا على هذا الأصغر أن لا يخدع نفسه بكلمات لا تعبر عن الحقيقة. وهذا ليس إتهام أخلاقي للمستعمر، بل هي مسألة بقاءه على قيد الحياة كمستعمر. فلو صادق الذئب كل الخراف لمات جوعاً.

 

سلام كاظم فرج: شكرا للأستاذ صائب خليل على سعة صدره. هي محاولة للتعرف على بعض افكارك اخي الكريم فارجو عفوك ان وجدت في بعض اسئلتي استفزازا .. ومن جهة أخرى لا بد من التوضيح ان حق الرد مكفول من قبل من تناولتهم بالنقد وباب مرآيا مفتوح لأي رأي يصلنا متفقا او مختلفا مع جنابكم . اخي الاستاذ صائب. وأنا هنا لاالعب دور الداعية بل دور الصحفي كما ارجو ان أُفهم هكذا كما في كل حوارتي المنشورة السابقة .. واللاحقة ..

صائب خليل: وشكرا جزيلا استاذ سلام لأسئلتك التي أتاحت لي أن أوضح مواقفي بشكل مباشر، في المواضيع الأساسية في عالمنا اليوم.

 

خاص بصحيفة المثقف

سلام كاظم فرج

مرايا حوارية

 

salam kadomfarajmohsen ouniالمثقف تستضيف الاستاذ الباحث والاديب د. محسن العوني ضمن مرايا ثقافية – فكرية لتحاوره حول مجموعة من القضايا الراهنة، ذات البعد الفكري والثقافي والسياسي، فاهلا ومرحبا به.

 

 تونس الخضراء في ماضيها وحاضرها والآفاق التي تنتظرها..

سلام كاظم فرج: تونس الخضراء ترتبط في وجداني بالشاعر الشابي الذي سمعت باسمه وأنا بعد في مرحلة طفولتي..كنت أتأمل صورته على ديوانه المطبوع وأقارن بينها وبين صوت حليم الرومي الدافئ وهو يغني قصيدته المعروفة.(إذا الشعب يوما أراد الحياة..).. وحين انشغل جيلنا بشجون السياسة تعرفنا على فلسفة بورقيبة ورؤيته .. وموقفه المغرد خارج السرب الذي كان يقوده المرحوم عبد الناصر.. لكن تونس ظلت في خاطري عنوانا للجمال والهدوء والرقي.. قرينة البحر المتوسط.. والخضرة.. والطيبة. والتحضر..

 ومساحتها الصغيرة وشعبها القليل العدد والكثافة مقارنة بجيرانها المغاربة والجزائريين..

 وتونس في ذاكرتي كهلا.. تقترن بأعظم مفكر في علم الاجتماع بل هو مؤسسه وواضع لبناته الأولى وما سمي لاحقا بعلم الاجتماع السياسي تعود جذوره إلى شذرات وآراء تناثرت في مقدمة ابن خلدون والذي سبق كونت وماركس في قراءة التأريخ قراءة علمية وله يعود الفضل في فصل الخرافة عن علم التأريخ. وله يعود الفضل في تشخيص قيم البداوة وتفاعلها مع قيم التمدن في صناعة الحدث السياسي والاجتماعي...وما سمي بالتفسير المادي لحركة التأريخ تجد خطرات خلدونية منه في كتابه الفخم (المقدمة)..

 بعد لقائي بالمفكر الدكتور محسن العوني وتعرفي عليه من خلال صفحات المثقف الغراء وإطلاعي على شذرات من فكره النير وترجماته الرصينة لعيون الأدب العالمي. انتبهت إلى عمق مداخلاته على كتابات الأصدقاء وشخصت فيه تواضع الكبار ورقة الأديب الانسانوي .. وعمق المثقف العضوي الحريص على إرتقاء شعبه وأمته والانسانية جمعاء.

 وكانت لي مراسلات عميقة معه نتبادل فيها التهاني في المناسبات ونستغرق في أحاديث طويلة في شؤون الفكر والأدب والفن .. وكنت حذرا من الخوض في شؤون السياسة معه تجنبا لإحراج قد اسببه لصديقي لخوف كامن من تداعيات العيش في ظل نظام قمعي كنظام (بن علي) .. وعندما بدأت تباشير ثورة الشعب التونسي زاد قلقي على صديقي الدكتور حتى عاد للكتابة في صحيفة المثقف..

 

ارهاب السطلة

س1: سلام كاظم فرج:أستاذنا العوني. سأبدأ بسؤالكم سؤالا أتمنى أن لايكون محرجا.. هل ما زال الخوف الكامن..من تبعة إبداء الرأي.. وما كنا نسميه بسجناء الرأي يمتلك حضوره ام اننا قد تجاوزنا محنته؟؟

ج1: د. محسن العوني: الشاعر المفكر والمثقف الكبير والإنسانوي الرائع العزيز سلام كاظم فرج .. أيها المحاور السامق

كم كنت كبيرا وعميقا وأنت تموضع تونس في التاريخ والجغرافيا وفي قلبك ووجدانك ..لا غرابة في الأمر فأنت الشاعر المفكر الذي يرى بعين التاريخ وقد تبوّأت الحضارة والإنسانية لديه مكانا عليّا ..

ألف شكر ومحبة لنبلك وكرمك أستاذي الكريم ..

أسئلتك أثارت في الفكر والنفس أشياء وأشياء كانت ثاوية تنتظر محاورا بقامتك وعمقك.........

جمهورية الخوف تركت بصمتها وثقافة الانسحاب لا يمكن أن تختفي بسهولة والخوف من إبداء الرأي وخاصة الرأي الذي يصنّف ضمن خانة "التغريد خارج السرب".. ما يزال قائما والرقابة الذاتية ما تزال قوية نظرا لطول أمد الاستبداد وقسوة وتوحش النظام البوليسي الذي ظل حاكما بأمره لعقود.. الطاغية المستبد رحل غير أن إفرازات نظامه لم تضمحل وما يزال لها حضور ملحوظ وهي تتحرّك وفقا للمتغيّرات على الأرض.. والعقل الجمعي والنفسية الجماعية لم تتخلص بعد من شبح التسلط.. يحضرني مثل ذلك الطائر الذي تربّى وترعرع في القفص فأدمن المشي وفقد القدرة على الطيران والتحليق أو كاد بعد أن تعطلت فيه الأجنحة.. التربية والتنشئة والثقافة.. هنا مكمن الخطر.. الثقافة يمكن أن تشوّه الطبيعة وتحوّل وجهتها وتضعف نداء الأقاصي.. يحضرني مشهد المواطن التونسي أحمد الحفناوي الذي صار يعرف باسم أحمد هرمنا.. في لقطته التي تحوّلت إلى ما يشبه الطـغراء بعد أن رسّختها قناة الجزيرة وهو يقول : "هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية" الاستبداد والفساد سرق الأعمار كما سرق الفرح.. وشعوبنا لم تعد تعرف متى تفرح ومتى تحزن وهي تحتاج إلى علاج نفسي سيكولوجي طويل المدى.."الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم لهم الأمن وهم مهتدون"..

 

تونس والانتخابات

س2: سلام كاظم فرج:كيف تقرأ نتائج انتخابات المجلس التشريعي في تونس العزيزة...؟؟

ج2: د. محسن العوني: في هذا السياق لعله من المفيد الوقوف عند عبارة لافتة وردت في كتاب "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان" للمصلح التونسي المؤرخ أحمد بن أبي الضياف (1802 – 1874) "ومن المعلوم أن شدّة الملك القهري تفضي إلى نقص في بعض الملكات الإنسانية من الشجاعة وإباء الضيم والمدافعة عن المروءة وحبّ الوطن والغيرة عليه حتى صار بعض الجهات من المسلمين عبيد جباية ليس لهم من مسقط رؤوسهم وبلادهم ومنبت آبائهم وأجدادهم إلا إعطاء الدرهم والدينار على مذلة وصغار والرّبط على الخسف ربط الحمار حتى زهدوا في حبّ الوطن والدّار وانسلخوا من أخلاق الأحرار وهذه أعظم الأسباب في ضعف الممالك الإسلامية وخرابها" بعد مضيّ قرن ونصف على نصّ المؤرخ ابن أبي الضياف.. هل تغيّرت هذه الوضعية ؟.. لعلها لبست لبُوسا حديثا !؟.. ثنائية المواطنة (الوجه الآخر للحقوق المدنيّة والسياسيّة) و.. الحرّية تبدو متلازمة في فكر المصلحين.. خير الدين التونسي في كتابه "أقوم المسالك" يؤكد بدوره على أهمية الحرية وحيويتها في تحقيق التقدم الذي حققته أوروبا .. قائلا "الحرية هي منشأ سعة نطاق العرفان والتمدّن بالممالك الأوربّاوية".. وهاهو سلفهم العظيم عبد الرحمان بن خلدون يؤكد بعبارة واضحة يقولها بلسان التاريخ :"العدل أساس العمران والظلم مؤذن بخراب الأمصار".. ابن خلدون / ابن أبي الضياف / خير الدين التونسي.. ثالوث إصلاحي من نور في الحركة الإصلاحية العربية..

قبل الانتخابات استيقظ سكان حلق الوادي الضاحية الشمالية للعاصمة تونس غير بعيد عن قرطاج على صورة عملاقة لبن علي معلّقة على جدار معلم تاريخي هو الكرّاكة سجن قديم يشبه القلعة بناه الإسبان تحوّل إلى مسرح

وقد اجتمع الناس أمامها والذهول يملأ منهم العيون والأفواه فاغرة وهم يتساءلون بحيرة: هل هي الكاميرا الخفية أم مقلب للضحك والفكاهة أم.. تقدّمت فتاة تونسية شجاعة ومزقت الصورة العملاقة بمساعدة بعض الحاضرين وسط تصفيق المواطنين وبسقوط الصورة وجدوا تحتها العبارة التالية : " أَفـِقْ.. الديكتاتورية يمكن أن تعود.. سيعود بن علي إن أنت لم تصوّت يوم 23 أكتوبر !!!؟؟؟.. " واكتشف الناس أن جمعية تونسية قامت بهذا الأمر في إطار حثها التونسيين على الذهاب إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات بعد الثورة المجيدة.. طالما حوّل بن علي الإسلاميين في تونس إلى فزاعة وبهم وعن طريقهم وصل إلى السلطة وكان يقضي ليله في الشراب واللهو و..مع حلقة من رفاقه حتى مطلع الفجر وعند الصباح الباكر يضع بعض الأسلحة والعبوات والمتفجرات في سيارته ويذهب إلى بورقيبة في المنستير ويقول له : بتّ ليلتي أمس أطارد الإسلاميين في ضواحي منوبة والدندان وحي الزهور وقصر السعيد وباردو ...إنهم يسعون إلى إسقاط نظامك العلماني وإقامة النظام الإسلامي ومحاكمتك!!؟؟؟ فيصدّقه بورقيبة وهو في ضعف الشيخوخة وعجزها وكل قوّة إلى الضعف راجعة ..ويقول له: أنا بحاجتك واصل تتبّعهم وسنحاكمهم ونعدمهم؟؟؟ وها هو اليوم يتحوّل بدوره إلى فزّاعة وعلى الباغي تدور الدوائر؟؟؟.."ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون ".. التونسيون اختاروا مواطنتهم وأسقطوا رموز الطاغية وكل ما يذكرهم به وبعقوده بعد أن أسقطوه.. ومن خلال خروجهم للانتخابات منذ الصباح الباكر قالوا عبارة تأسيسية : "نحن مواطنون بحقوق كاملة وكرامة غير منقوصة .. لسنا رعايا ولا غبارا بشريا تذروه رياح الاستبداد والأهواء والجهالات".. أجمل ما في هذه الانتخابات.. تلك الروح وتلك الشعلة الزرقاء التي رأيتها في العيون.. روح المواطنة والمحبة والسلوك الحضاري.. وشعلة الإرادة والعزم على عدم الرجوع إلى الوراء.. رأيت يوم الانتخابات في عيون التونسيين والتونسيات وعلى وجوههم الفخر والاعتزاز والفرح والتأثر(émotion) .. أظهرت انتخابات المجلس التأسيسي نضجا سياسيا لدى المواطن التونسي وتقبلا لثقافة الديمقراطية.. كانت النكتة السياسية الذكية حاضرة والحوار الودي الباسم بين المواطنين والمواطنات وهم يقفون صفوفا أمام مكاتب التصويت ولو شاهدت جولدا مائير طوابير الاقتراع في تونس يوم 23 أكتوبر لأغمي عليها حزنا وأسفا وخوفا وهي القائلة : "يبدأ الخوف من العرب حينما يتعلمون الوقوف في الصف دون عراك".. رغم كثرة الأحزاب وقلة الخبرة السياسية لدى كثير منها فإنها تجاوبت مع استحقاقات المرحلة لكسب رهان الحوار الديمقراطي وهذا ما يخوّل للأحزاب أن تتعايش في ظل الاختلاف أو أن تختفي..رغم أن ظاهرة كثرة الأحزاب لم تكن بريئة وكان الغرض منها تعويم الساحة السياسية والتعمية على المواطنين وتعميق ظاهرة العزوف عن السياسة ومقاطعة الانتخابات.. فالأحزاب الحقيقية ذات الوزن لا تتعدّى (5-6) أحزاب.. الشعب التونسي بعث برسائله مضمونة الوصول من خلال الانتخابات وكان حاسما في ذلك :

- لا لبقايا التجمع وفلوله مهما أمعنوا في التخفي.. فالشعب يرفض أن يجد مجرّد رائحتهم.

- لا لمن يرغب في شراء الذمم بالمال السياسي..

- نعم للمحاسبة والمكاشفة والقطع مع ممارسات الماضي..

- نعم للدولة المدنية التي تحفظ حقوق المواطنين وحرياتهم الخاصة والعامة..

- الشعب يكتب تاريخه الكبير وديوان عبره وقد انخرط في كتابة المقدمة.. الدستور.

خروج الشعب التونسي من دائرة السلبية إلى مرحلة المشاركة السياسية الفاعلة أظهر حقيقة دامغة جاءت نتيجة للثورة وهي أن الشعب قد حقق سبقا على الأحزاب السياسية في استيعابه الديمقراطية واستحقاقات المرحلة..

بعد الانتخابات التونسية لن يكون الحاكم إلا محكوما بمواطنيه وتلك النكتة السياسية الجارحة الرائجة في أوساط المهاجرين "الفرق بين رئيس عربي ورئيس غير عربي أن الثاني يعتبر نفسه في خدمة شعبه ومواطنيه بينما الأول يعتبر الشعب في خدمته!!؟.." ستصبح نكتة تاريخية وتدخل متحف الثورة مثل نكتة ماري أنطوانيت..

 

س3: سلام كاظم فرج:حزب النهضة.. من أكثر الأحزاب التي لقيت عنتا من النظام السابق. وكان في طليعة المتصدين له. واعتقد أن سبب شعبيته المتنامية تعود إلى ذلك التصدي.. هل ترى إن قراءتي قريبة من الواقع. أم أن إسلاميته منحته تلك الشعبية؟؟..وهل ترى تناقضا بين (الإسلامية) والحداثة؟؟.

ج3: د. محسن العوني: حزب النهضة لا يقدم نفسه كحزب دينيّ وقد نفى ذلك في أكثر من مناسبة وعلى أكثر من منبر.. فهو حزب مدني أو حركة سياسية ذات خلفية إسلامية تجمع أطيافا من الرؤى والتصورات تجتمع على كلمة سواء تتمثل في: عدم التشكيك في الإسلام.. الإيمان بالمساواة بين المرأة والرّجل في القيمة الإنسانية والكرامة والحقوق والواجبات.. الإيمان بالخيار السلمي وعدم اللجوء إلى العنف.. الإيمان بحقوق الإنسان.. السجون والمنافي والتعذيب والملاحقة غيّرت رؤية حزب النهضة لنفسه ولغيره وطوّرت طروحاته.. ومن رحمة الله بالمجتمع التونسي أن حركة النهضة لم تتحوّل إلى حركة مسلحة كنتيجة حتمية للعنف والتوحش وسياسية تجفيف المنابع والذبح بغير دم كما نقول في تونس الذي قوبلت به على مدى عقود من زمن بورقيبة الذي أطلق عليه الأستاذ راشد الغنوشي ذات برنامج "المخلوع الأول" إلى عهد بن علي "المخلوع الثاني"..

الخطأ القاتل الذي ترتكبه أنظمة الاستبداد أنها تستغفل شعوبها وتتعامل معها بالمكر والخديعة ولا تحترمها وهو ما يجعل الشعوب لا تتوقف عن التعبير عن احتقارها وعدم اعترافها بهذه الأنظمة الساقطة أخلاقيا قبل سقوط شرعيتها بفعل التزوير والغش والفساد والاستبداد.. أذكر أني خلال العام 2002 كتبت مقالا حول واقع حقوق الإنسان في العالم العربي (أغلب المقالات التي كنت أكتبها حول موضوع حقوق الإنسان أو دعم سجناء الرأي أو أدب السجون.. كانت تمنع بحجة أو بأخرى وإن كانوا غير محتاجين إلى تبرير المنع فالمسألة واضحة ومفهومة ومن لا يرى من الغربال يسمى أعمى). وقد وردت في هذا المقال العبارة التالية :"حرمة الذات الإنسانية أكبر من تقرير تكتبه يد مرتجفة.. " فما كان من مدير مكتب الصحيفة في تونس المعيّن من قبل النظام وهو يعرفني جيدا ويعرف قناعاتي الفكرية.. إلا أن جمع بعض المحرّرين في مكتبه وقرأ عليهم المقال وسألهم: ماذا يقصد كاتب المقال بالعبارة.. هل يقصد الدفاع عن الإسلاميين!!؟.. فأجابه بعضهم.. إن دلالة العبارة واضحة في إدانة أخذ المواطنين بالشبهة والكيد للانتقام من الخصوم والمعارضين وتصفيتهم.. واتصلوا بي هاتفيا من مكتب الصحيفة ليسألني مدير المكتب سؤالا محدّدا.. من تقصد بالعبارة؟ فأجبت : أقصد جميع الناس بلا تخصيص.. الذات الإنسانية كما هو مذكور في المقال بلا ألوان سياسية ولا انتماءات.. يسار.. يمين.. وسط.. بلا انتماء.. قال : ولكن اليساريين كانوا يعذبون ويضيق عليهم في الستينات والسبعينات أما اليوم فعبارتك لا تصح إلا على الإسلاميين.. فهل تدافع عنهم!!؟.. (هكذا).. قلت: أليسوا بشرا.. ألا ينتمون إلى العائلة الإنسانية!!؟.. وكأن سلخ الإسلاميين قبل قتلهم وتصفيتهم أمر جائز أو بالعبارة التي يعلقها بعض الجزارين "كاشير" حلال..!!!. وكأن من يدافع عن إنسانيتهم يقترف جرما لا يغتفر أو يتطوع للدفاع عن الشيطان..!! هكذا هي طبائع الاستبداد..

إن معاناة حزب النهضة من القمع لعقود طويلة وصراعه المرير والعنيف مع نظام الاستبداد الوالغ في الدم وخروجه إلى المهاجر والآفاق.. أكسبه خبرة ومرونة جعلته يتأقلم مع واقع مجتمعه ويغلب السياسي/الآني/ اليومي على الديني الغيبي.. يلتقي الشعب التونسي مع حزب النهضة في أكثر من نقطة:

- كلاهما كان ضحية النظام..

- عدم الثقة في النظام..

- الخوف على الهوية والقيم الحافظة لكيان الأمة..

- السعي إلى انتهاج خطاب براغماتي يجمع بين العقلانية والبعد الروحي والأخلاقي القيمي..

حركة النهضة ليست حركة نخبة كما أنها ليست قالبا واحدا.. هي حركة شعبية واسعة متغلغلة في المجتمع وهي إطار واسع وأمزجة وتلوينات منسجمة وغير متنافرة.. وتراث الاعتدال والوسطية في تونس تراث أصيل وعريق والإسلام ليس جملة من الزواجر والممنوعات والحدود.. بقدر ما هو أفق ورؤية تتجلى في كل عقل بما يناسبه وذلك من دلالات ختم النبوّة "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا".. إن الإقامة في الحداثة لا تتأتى إلا لمن بنى حداثته بنفسه وتعب عليها.. "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها". الأصل الثابت أساس وشرط الفرع الذي في السماء.

 

س4: سلام كاظم فرج:أراه قريبا من الاردوغانية التركية في تبنيه الإسلام السياسي وقبول التفاعل مع الديمقراطية ؟؟

ج4: د. محسن العوني: رئيس الوزراء التركي السيد رجب طيب أردوغان كان أول المهنئين بفوز حزب النهضة في الانتخابات والنموذج التركي التنموي والديمقراطي ومنهج التحوّل من نظام عسكري إلى نظام مدني وبناء المصالحة مع الهوية والتاريخ وتجاوز أخطاء الماضي.. ماثل وحاضر في الأذهان وإن كانت النماذج لا تستنسخ.. وقد ذكر الأستاذ راشد الغنوشي ذات لقاء أن الأتراك يشهدون أن فكر النهضة كان حاضرا في تجربتهم الديمقراطية وهم يستفيدون من طروحاته.. كما ذكر أنه خلال كل زيارة له إلى تركيا يلاحظ أنهم ترجموا له كتابا جديدا إلى اللغة التركية..

التشابه بين حزب النهضة التونسي وحزب العدالة التركي يشبه التشابه بين العلم التونسي والعلم التركي.. كما نلاحظ تقاربا وتشابها ونقاط اتفاق بين التجربة التركية والتجربة التونسية (أتاتورك/ بورقيبة.. القرب من أوروبا، البراغماتية، ثقل التاريخ والتحديات).. حزب النهضة لا يتوقف عن ترديد مقولاته ونداءاته :" اسمعونا ولا تسمعوا عنا.." لا تناقض بين الدين والعقل والحداثة والديمقراطية" "لسنا حزبا دينيا" "الدولة ليست جهاز قمع أو قسْر وليس من مهمتها فرض نمط معين من العيش.. ليس من مهمة الدولة تفكيك المجتمع وإعادة تركيبته، بل تجسيم إرادة المواطنين وحماية الحريات الخاصة والعامة".

"نحن حركة ذات خلفية دينية بتصور حديث" "الثورة التونسية ليست صنيعة أحد .. هي صنيعة شعبها".

- "سنحترم حقوق الإنسان لأننا نؤمن بحقوق الإنسان لا من أجل فرنسا أو أوروبا أو الغرب ولا نقبل مساعدات مشروطة".

- نسأل الله أن نكون عند حسن ظن شعبنا وأن تتحول الدماء والتضحيات التي بذلها إلى سلم وعدالة وتنمية لجميع أبنائه".

- "الإسلام يشجع على الإبداع لأنه قطعة إبداعية وآية فنّية ومعجزته قطعة أدبيّة (القرآن الكريم) قبل أن تكون تشريعا.."

- "المؤسسة التشريعية هي التي تترجم التدافع بين قوى المجتمع.."

- "الهوية لا توكل للحكومة أو لحزب حاكم بل للمجتمع وقواه الحيّة.."

- "الإسلام فاعل أساسي في السياسة الدولية وهو بحالة صعود والعلمنة بحالة تقلّص وفي المستقبل سيأتي إلينا سفراء مسلمون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها.. ووزراء وعلينا أن نستوعب ذلك.."

- "الصخر لا يتطور أما الإنسان فيتطور.."

- "للمرة الأولى تجتمع مصلحة الداخل (المجتمعات) مع مصلحة الخارج في الديمقراطية وحقوق الإنسان ليتهم تمسّكوا بحقوق الإنسان وحكـّموها مع الأنظمة المتهاوية ولم يدعموها كما كانوا بفعلون.."

- "بين الجلاد والضحية ثمّة مشكلة والتعذيب طال أجيالا.. هذا الجرح المتعفن يجب أن ينظف ويخاط ونمضي إلى الأمام.."

- "ضحايا التعذيب بالآلاف ومن خضع للتعذيب يعرف جلاده وأحيانا يعرف داره ومسكنه ولكن لم نسمع عن حادثة واحدة للانتقام أو الثـأر، وهو ما يحيل على الالتزام.. (رسالة لها أكثر من معنى!!؟؟..)"

- "خبراء الظواهر الإسلامية لهم من المعرفة والخبرة ما يجعلهم يفرقون بين تيار وتيار".

- "لن نعطي شهادة وفاة لأحد وإن أعطونا طيلة ثلاثين سنة شهادات الوفاة.. وعلينا أن نستوعب حركات اليمين المتطرف.. وفي أوروبا تجد كتلة لأقصى اليمين وأخرى لأقصى اليسار.. هؤلاء كانوا خلال الستينات مسلحين ويشكلون خطرا على مجتمعاتهم".

- "من فضل الله أن الثورات اندلعت في وقت كانت فيه السياسات الغربية تتجه نحو التقشف والانحسار".

- "لم يبق أمام الغرب طريق للمحافظة على الاستقرار إلا بصناديق الاقتراع بعد أن استنفدت الطرق الأخرى أغراضها فضلا عن كونها لم تعد مضمونة."

- "تحقق الاستقرار والديمقراطية فيه مصلحة للشمال والجنوب".

- "تضخيم الدور الأمريكي وكأنه من عالم السحر غير موضوعي وكثير مما يحصل في العالم ليس بإدارة الولايات المتحدة ويتم رغما عنها.. كما أن تهوين دور الشعوب وما قدمت من الدماء والشهداء والمنافي والنضالات وكأنها لا شيء.. عيب واحتقار مرفوض."

- "الثورة التونسية صنعت شرعية وفتحت أفقا وشقت طريقا."

- "لا نحتقر ثوراتنا ولا نستكثر على أنفسنا هذا الشرف والفعل الحضاري."

- "40 سنة قمع 40.000 سجين سياسي هذا هو رصيد حركة النهضة التونسية."

معاناة حزب النهضة من الاستبداد والظلم ضمانة أخلاقية للشعب التونسي - أو يجدر بها أن تمنع حزب النهضة- من إعادة إنتاج ما لاقاه من عنت مع هؤلاء الذين صوّتوا لصالحة أو لم يصوّتوا له.

بعضهم يراهن على فشل حركة النهضة لأسباب وغايات وخلفيات إيديولوجية ونفسية ومصلحية ضيقة وحتى شخصية.. معتمدين في ذلك أسلوبا غير أخلاقي مثل التشويه والتخويف والدس وتضخيم الأمور واستعجال السيئة قبل الحسنة وهم يرددون :"دعه يفشل.. دعه يموت" وبعضهم يتهم النهضة بأنها استفادت من اضطراب التونسيين وقلقهم على المستقبل ويذهب إلى أن اليسار كان ضحية تشتته وتفككه ويطرح تساؤلا ماكرا كأنه يتمناه :"هل يكون عمل الغرب مع الإسلام السياسي من قِبيل دفع المتباهي بالشجاعة إلى مقدمة المعركة ليموت!؟.. ولكن ماذا إن أيده الله بنصره وكتب له الحياة والعزّة والتمكين؟..

ولا أحسب أن حركة النهضة غافلة عن ذلك بعد هذه الخبرة وهذا الرصيد.. وإن كان فشل حركة النهضة -لا قدر الله- ليس في مصلحة أحد .. ولله درّ الإمام علي عليه السلام وهو يضرب مثل "الطاعن نفسه ليقتل ردفه".

إن تصميم حزب حركة النهضة أن يكون مشاركا فاعلا في الحياة السياسية وإدراكه لخطورة وجدية الإسلاموفوبيا لدى الغرب وضرورة إسقاط أسبابها وتكذيبها ووعيه بأن نجاحه لا يمكن أن يكون خارج المعادلة الدولية والمعطيات الجيو سياسية.. مما يدفعه إلى انتهاج خطاب منفتح إلى الحدّ الذي يجعله غير مختلف عن كثير من الحركات السياسية.. قاسمة المشترك مع حزب العدالة التركي أن نجاحه سيكون في التركيز أكثر على الجانب الاقتصادي واعتماد خطاب ديني لين مرن منفتح يقبل التعايش مع الألوان السياسية والفكرية الأخرى.. يجدر بالأحزاب اليسارية والعلمانية أن تقف موقفا ناضجا ومسؤولا ومتعاونا.. فلا يوجد في الديمقراطية منتصر دائم ولا خاسر دائم.. وإذا كانت المحاذير والخطوط الحمراء هي حقوق الإنسان والمساواة بين جميع المواطنين وحرية الإعلام واستقلالية القضاء واحترام الحريات الشخصية وعدم فرض نمط عيش على المواطنين.. فإذا ضمنت جميع ذلك فلم ترفض حزب النهضة!؟.. هل هي حساسية مفرطة من صفتها الإسلامية؟ في جميع الأحوال ما يمكن قوله هو أن حزب النهضة لم يسرق فوزه وانتصاره.. وصناديق الاقتراع صارت قادرة على تغيير السلطة بعد خمسة عقود كاملة كان خلالها جهاز القمع شغـّالا وقد حكم على الناس أن يسمعوا بأذن واحدة؟ ثم إن على الأحزاب اليسارية والعلمانية أن تتعلم من براغماتية الغرب..

 

س5: سلام كاظم فرج:الكارزما السياسية للزعماء هل ما زالت مؤثرة؟ وهل تحتاج الشعوب الى كارزيما؟؟

ج5: د. محسن العوني: سؤال وجيه.. الكاريزما هي قوة الحضور وشدة التأثير وامتلاك الجاذبية الشخصية.. وهي في أصلها إيجابية غير أننا حمّلناها فوق ما تتحمل حتى غدت بعض المجتمعات ترزح تحت وطأة الزعيم الرّمز والزعيم الأوحد حامي الحمى والدين والقائد الملهم.. ومن هنا تبدأ الديكتاتورية وأحسب أننا في المرحلة القادمة نحتاج إلى كاريزما الشعب.. كاريزما الشباب.. كاريزما المثقفين.. كاريزما القوى الحيّة.. من أجل الخروج من دائرة المطلبيّة إلى دائرة المشاركة الفعليّة في أخذ القرار وتحديد الأولويات وهذا يتطلب مبادرة واستشرافا.. مفهوم الدولة التقليدية ولى وانقضى عهده.. علينا أن نعدّل الساعات على التوقيت العالمي..

فوق المربعات التي ألصقت عليها القوائم على جدار بعض المعاهد التونسية في الضاحية عمد أحدهم إلى كتابة العبارة التالية بالبند العريض :"صوّت لنفسك" إنها كاريزما الشعب.. والأوطان يبنيها ملايين من الرّجال والنساء الأحرار ولا يصنعها قائد مهما كان مُلهما وعبقريّا أو حفنة من المستفيدين والانتهازيين..

 

الثورة والانتماء الطبقي في تونس

س6: سلام كاظم فرج:الشريحة التي ينتمي إليها الشهيد بوعزيزي (الفقراء والمهمشين). هل وجدت او ستجد من يأخذ بيدها؟ وما هي السبل لتحقيق ذلك؟؟

ج6: د. محسن العوني: شريحة الفقراء والمهمشين الذين ينتمي إليهم الشهيد محمد البوعزيزي شريحة ضاغطة على الدولة وكان لها شرف إعلان الثورة المجيدة سواء في منطقة سيدي بوزيد أو القصرين أو غيرها من المناطق الداخلية المحرومة البعيدة عن الشريط الساحلي.. وهي شريحة يقرأ لها حساب.. أكثر حتى من الطبقة المثقفة.. ويظهر أن النية تتجه نحو تمتيع هذه المناطق بالأولوية في التنمية لتعويضها عن الحرمان الذي قاسته طويلا واعترافا بفضلها وما قدمته من شهداء وتضحيات..

إن مجرّد تشديد إجراءات مكافحة الفساد يزيد إيرادات الدولة وهو ما يسمح بالاستثمار في تلك الجهات لصالح الشرائح الأقل حظا كما أن برامج مؤسسات المجتمع المدني ستوجّه لفائدة الطبقة المتوسطة والمحرومة.. هذا ما يصرّح به أما من الناحية العملية فهو يتوقف على أداء الحكومات التي ستتعاقب على الحكم وعلى فاعلية مؤسسات المجتمع المدني.. وعلى كاريزما الشعب.. خاصة وأن عبارة "الشعب يريد إسقاط النظام" خرجت أول ما خرجت من تونس.. " إن أعداء المجتمع الحقيقيون ليسوا هؤلاء الذين يستغلهم أو يطغى عليهم.. إنهم هؤلاء الذين يهينهم ويذلهم.. لهذا تجد بين صفوف الأحزاب الثورية أعدادا كبيرة من حملة البكالوريا الذين يبحثون عن عمل" جورج برنانوس.

 

س7: سلام كاظم فرج:الاقتصاد التونسي يعتمد على السياحة والزراعة.. ما هي آفاق الاستثمار .. في تونس..؟؟

ج7: د. محسن العوني: آفاق الاستثمار في تونس واعدة جدا.. يوم 24 أكتوبر ا مؤشر البورصة في تونس بنقطة واحدة مما دفع إدارة البورصة إلى عقد جلسة عمل مع حزب النهضة وسمعوا منهم بخصوص البرنامج الاقتصادي الذي يرونه :

- تشجيع الاستثمار وتقديم ضمانات للمستثمرين لأنّ الاستثمار انكمش نظرا لهروب رؤوس الأموال بسبب الفساد.

- وضع تشريعات تحمي الاستثمار وتشجع عليه لأن نموذج الإسلام هو الغني لا الفقر.. "لو كان الفقر رجلا لقتلته" (الإمام علي عليه السلام).

- رجال الأعمال الجديون يقبلون على الاستثمار والمخاطرة.. لا على مجرّد الربح السريع.

- الدينار التونسي قابل للتحويل.

- الدولة توفر الضمانات والتسهيلات.

- تنويع المنتوج البنكي وكل يختار ما يساعده.

بعد جلسة العمل هذه وخلال اليوم الموالي ارتفع المؤشر بثلاث نقاط كاملة بالنظر إلى حساسية الوضع المالي وتأثره بالوضع السياسي في البلد.

إن موقع تونس في قلب المتوسط وتنوع مواردها الطبيعية وبنيتها التحتية الجيدة وانفتاح شعبها يجعل منها منطقة جذب للاستثمار كما أن السياحة والزراعة ليست القطاعات الوحيدة المرشحة.. فهناك قطاعات الصناعة والتقنيات والعقارات والبحث العلمي وربطه بالاقتصاد والصناعة من أجل صناعة قابلة للحياة وقادرة على المنافسة مع التركيز على الجودة..

 

اليسار في تونس

س8: سلام كاظم فرج:يسار الوسط فشل في الحصول على أصوات كنا نتوقعها.. واللبراليون العلمانيون كذلك؟؟ كيف تقرأ واقع اليسار العلماني وآفاقه؟.

ج8: د. محسن العوني: بعض الأحزاب دخلت انتخابات المجلس التأسيسي ببرنامج يمكن اختزاله في عبارة واحدة :"رفض حزب النهضة مناصبته العداء!!؟" وقد نسوا أو تناسوا أن ذلك ليس برنامجا فضلا عن كونه يكشف نقصا في النضج السياسي وكأنهم يطلبون من مواطنيهم أن يصوّتوا لهم لا لشيء أو لفضيله إلا لكونهم يناصبون ذاك الحزب أو التوجه ورموزه العداء..

رغم فاعلية اليسار بجميع أطيافه في المجال الفكري والثقافي إلا أن خطابهم يغلب عليه التشنّج وهو غير قادر على استقطاب الجماهير بالكثافة المطلوبة ولعل ذلك عائد إلى تبنيهم أفكارا جاهزة مستوردة لا تجد قبولا لدى عموم الشعب.. اليسار دفع ضريبة نخبويّته.. الليبرليون والعلمانيون لم يكونوا فاعلين .. الشعب التونسي منذ القديم منفتح على جميع الديانات والأفكار والثقافات غير أنه في جوهره يميل إلى نوع من المحافظة سقفها الأدنى المحافظة على الهوية لغة ودينا وثقافة وقيما وهو ما لم يستوعبه اليسار في تونس.. فاليسار إذا ما أراد أن يتقدم في المنظومة الانتخابية عليه ألا يحتقر البعد الأخلاقي وألا يتجنب البعد الديني وألا يخضع إلى المنهج المادي الذي يفسّر كل شيء بالعودة إلى المحدّدات الاقتصادية والمادية فالفكر يلعب دورا يكون أحيانا رئيسيا في اختيارات الأمة وللوجدان نصيب كبير في السياسة والفعل.. كذلك الشأن بالنسبة إلى الدين الذي ما يزال المحرك الرئيسي في مجتمعاتنا باعتباره الضامن لسلامة الأخلاق والتعامل نبذا للفساد والقهر والطغيان.. إلى هذا ذهب المفكر التونسي فتحي التريكي في تأملاته الأولية في الانتخابات التونسية.. لقد أفرزت الانتخابات التونسية تفوّق منظومة النجاعة على منظومة الحقيقة وهو ما سماه البعض انكسار أحزاب الإيديولوجيات التي تقوم على تدقيق حقائق النظريات وتحاول تطبيقها على الواقع.. فالأحزاب التي كانت ناجعة في ممارساتها ونظرياتها هي التي تحصلت على أصوات الناخبين.

والنجاعة تتطلب جرأة في أخذ قرارات أحيانا منافية للبناء الإيديولوجي المتعلق بالبنية الأساسية للحزب كأن يتخذ حزب ذو مرجعيات إسلامية قرارات تحرّرية في ميادين شخصية أو اجتماعية.. كما تتطلب النجاعة دراية دقيقة ببنية المجتمع وبمطالب شعبية وتكوينية وخصوصياته ومطامحه أمراضه.. وقد فازت الحركة بـ91 مقعدا في المجلس التأسيسي وشكلت بذلك الأغلبية، يليها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وهو حزب عانى بعض زعمائه ورموزه خلال العهد البائد مثل مؤسسه الدكتور المنصف المرزوقي والمحامي محمد عبّو.. وهو ينادي بالدولة المدنية التي تكفل الحريات للمجتمع ويحقق التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية.. وفاز بـ30 مقعدا يليه التكتل الذي فاز بـ21 مقعدا.. أما العريضة الشعبية فتنتظر حكم المحكمة.. ومن خلال قراءة أولية لهذه النتائج يظهر أن الناخبين كانوا حاسمين مع الأحزاب المشبوهة سواء من جهة فلول وبقاياة التجمع أو التمويل أو أحزاب الالتفاف على الثورة أو تلك الأحزاب التي ظهرت فجأة كالفقاقيع وليس لها تاريخ نضالي أو برامج مقنعة فضلا عن أن الناخبين كانوا ينظرون إليها بريبة بعد أن هاجمتها الأحزاب ذات التاريخ والوزن النضالي.

 في هذه المرحلة تتجه جميع شرائح الشعب إلى تأمين استحقاقاتها في التنمية العادلة بين الجهات وتوفير الشغل للجميع والتوزيع العادل للثروات وإثارة المسائل الحساسة التي تثير مخاوف الشعب على هويته وثقافته وعقيدته من المسائل التي أساءت إلى اليسار عموما وإلى العلمانيين على وجه الخصوص لازدواجية الخطاب.. ففي الوقت الذي ينادي فيه بفصل الدين عن السياسة تراهم يحاربون بلا هوادة تاريخ أمتهم وثقافتها ومقدساتها من خلال خطاب متشنج تكتنفه الريبة ولعل ذلك هو السبب الحاسم الذي جعل الشرائح العريضة للشعب تنتخب حركة النهضة ولا تتحمس لليسار لأنهم يرونها الأسلم.. وفي الأمثال التونسية "إذا اختلطت الأديان.. فعليك بدينك".

 

س9: سلام كاظم فرج:هل تؤمن استأذنا العزيز.. بمقولة اليسار الإسلامي؟؟

ج9: د. محسن العوني: مقولة اليسار الإسلامي تجاوزتها الأحداث وإن تشكلت لها ملامح مميّزة في التاريخ الإسلامي.. فالإسلام واحد يتجلى في كل ذهن بما يناسبه وأصالته عنوان حداثته.. العلم والإيمان يغذي ويفعّل أحدهما الآخر وأول كلمة من الوحي دعت إلى رفع المستوى والتأهيل الشامل لأن ذلك هو الذي يحدّد فاعلية الإيمان وإن كانت حضارتنا تحتاج إلى تصفية وتنقية من تاريخ طويل من الجهل والخرافة والاستبداد .. اليسار مرتبط بثقافة غربية كانت لها ذكريات أليمة ودمويّة مع مؤسستها الدينية التي تطرّفت في قمع العلم والعلماء.. مما أدى إلى تطرف خصومها في القول بالمادية الشيء الذين جعل الحداثة الغربية تنبني على التقابل النقضي بين العقل والإيمان.. وإنكار البعد الغيبي والمطلق والتعلق بالعبارة اللاتينية :"الآن وهنا".. إن فهم وإدراك هذا التماس والتمفصل بين العقلي والرّوحي والوجداني.. سرّ من أسرار الحضارة والفكر الإنساني.. وهي من مناجم الحياة التي يمكن أن تفتح الطريق أمام مستقبل أكثر إنسانية وتسامحا..

 

ابن خلدون عالم الاجتماع

س10: سلام كاظم فرج: هل كنت موفقا في قولي إن ابن خلدون سبق كونت في تأسيس علم الاجتماع؟؟. في الترجمات العربية نقرأ اسم مؤسس علم الاجتماع أوغست كونت.. أخبرني صديق فاضل ان قراءة اسمه. الصحيحة (كوميت)..؟؟ . ماهي إضافات كونت؟ وهل حقا إن الفهم المادي لحركة التأريخ بدأ من ابن خلدون.

ج10: د. محسن العوني: ريادة العلامة ابن خلدون لا شك فيها.. فقد ولد في وسط ثقافي إسلامي عريق واستوفى عدّته العلمية وارتحل وشغل الوظائف وتمرّس في السياسة واختلط بالملوك والأمراء واطلع على الخبايا وعرف التقلبات وحُبِسَ واختلى بنفسه للتأليف والتصنيف ودرّس الفقه وتولى القضاء وفاوض تيمورلنك على مصير دمشق ووجد فكره في تلك الحياة المضطربة مادة للتحليل وأراد أن يقدّم نقدا واقعيا يكون أشبه بالضوء المبدّد للظلمات في عالم الإسلام الوسيطي المأزوم.. وحدّد في المقدمة التي هي مدخل كبير لتاريخه الكوني "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" هدف بحثه ومنهجه "فالتاريخ في ظاهر لا يزيد عن الإخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى تنمق فيها الأقوال وتضرب الأمثال وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق.. فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق" ابن خلدون لم يقدم جردا بأحداث التاريخ كما فعل المتقدمون بل تبنى المبادئ المنهجية الواقعية للعلوم الدقيقة طلبا للموضوعية.. الحديث عن ابن خلدون يطول.. فهو فيلسوف عظيم وشخصية بالغة الثراء وباقياته الصالحات من الأصالة والكثرة بحيث لا يمكن تبسيطها واختزالها.. منها تأكيده على "قيمة العمل" مما جعل بعضهم يعدّه رائدا للمادية التاريخية.. ومنها تأكيده على الجمال بمعنى التناغم مما جعل بعضهم يعتبره من فلاسفة الجمال.. وحديثه عن ظاهرة تعاطي السلطان للتجارة ومنافسة أهلها واعتبار ذلك من مؤشرات الفساد.. مما جعل بعضهم يتحدث عنه كعالم اقتصاد.. بالإضافة إلى وضعه أسس "علم العمران البشري" وخصائص المجتمع البدوي والمجتمع الحضري والمعاش والكسب والمهن والعلوم وتطورها والسلطة وهرميّة الدولة و..العصبية.. الفهم المادي لحركة التاريخ لم يبدأ مع ابن خلدون ولا يمكن لأحد أن يقول ذلك.. إنما إضافة ابن خلدون أنه وضع نظرية متكاملة بصرامة تحليلية للظواهر الاجتماعية السياسية.. ابن خلدون (1332م – 1406م) سابق على كانط (1798 م – 1857م) بما يقرب من أربعة قرون.. وريادة كانط وإضافته لم تكن محل إجماع من الفلاسفة والمفكرين الغربيين وكان محل انتقاد شديد من رينان ورينوفييه ودوركهايم وجورج بوليتزر..

الفرق بين ابن خلدون وكانطA. Compte /Auguste Comte هو تماما الفرق بين "علم العمران البشري" الخلدوني و"علم الاجتماع" الكانطي.. فالأول ثمرة ناضجة لرسوخ قدم ابن خلدون في العلوم الإسلامية وعلم المنطق والثاني ثمرة للفلسفة الوضعية (Positivisme) القائمة على قانون الأدوار الثلاث(trois états) وتجاوز الإنسانية لثلاثة أزمنة : الزمن اللاهوتي، الزمن الميتافيزيقي والزمن الوضعي وفي الزمن الأخير (الوضعي) يدشن منهجا علميا يهدف إلى إحلال البحث عن القوانين محلّ تحديد الأسباب الذي لا يمكن تحقيقه (التحديد) وهو ما خلص به إلى وضع مبادئ علم جديد هو علم "الفيزياء الاجتماعية" أو "السوسيولوجيا" بما هي الزمن الوضعي وسوف تهتم بالواقع والإنسان بما هو مفيد له لتغيير ظروفه وفي نهاية حياته ابتكر كانط دينا وضعيا مكرّما الكائن الأعظم للبشرية لأن الإنسان يحتاج إلى حبّ ويكون أعلى منه يشده إلى فوق ويمنحه القوّة الروحية.. وكان الحل في نظره هو أن تحبّ الإنسانية ذاتها(la Religion de l’humanité) ويوجد في مدينة ريودي جانييرو البرازيلية معبد الإنسانية وعلى جبينه فوق أعمدته الشعار المشهور للكنيسة الوضعية.. بين ابن خلدون وكانط يتجلى الفرق بين الثقافة الإسلامية حيث يحتل العقل مركز المؤسسة.. والثقافة الغربية التي ترتبط بذكريات أليمة مع مؤسستها الدينية .

- إن ابن خلدون، الفيلسوف وعالم الاجتماع والمؤرخ الأول للعمران البشري، يحتل مكانة اليوم في مصاف كبار الرواد للعلم التاريخي الحديث (هيلين بروتون).

- إن أصالة ابن خلدون غير القابلة للاختزال في تاريخ الفكر الإسلامي تكمن في أنه استبدل سرد أحداث الماضي ببحث، تحليلي تارة وجدلي طورا، عن علة وجود الظاهرات الاجتماعية، وهو يمثل بنوع ما حالة مفردة بوصفه مكتشف منهج جديد يتطلب رؤية جديدة لتاريخ البشر المنضوين في مجتمع (لوي غارديه).

- أول من وضع بمثل هذه القوة وهذا الشموخ، منذ ثوقوديدس، مبادئ فلسفة في التاريخ (أندريه ميكيل)

 

س11: سلام كاظم فرج: هل هنالك صرح يخلد ابن خلدون في تونس. ضريح أو تمثال. أو مزار؟؟

ج11: د. محسن العوني: ينتصب تمثال العلامة عبد الرحمان بن خلدون شامخا في الشارع الرئيسي للعاصمة تونس بين الكاتدرائية والقنصلية العامة الفرنسية.. عمامة العلماء فوق رأسه المهيب وعلى كتفيه البرنس التونسي وهو يحمل سفر تاريخه وينظر باتجاه الشرق.. وهو من عمل الرسام والنحات التونسي الزبير التركي رحمه الله.. وقد رأيت في بداية التسعينات الفيلسوف الفرنسي روجيه رجاء غارودي وهو ينقل بصره بين تمثال ابن خلدون والكاتدرائية في لقطة مثيرة دالة.. وكان مرفوقا بزوجته الفلسطينية سلمى الفاروقي وهي تضع فولارا فوق رأسها على طريقة بينازير بوتو وكان يتقدّمها بخطوات.. كما يوجد وسط مدينة تونس العتيقة في منطقة تربة الباي البيت الذي ولد فيه العلامة وهو بيت تونسي جميل على الطراز الأندلسي عليه لوحة من رخام كتب عليها ما يفيد ذلك.. وقد تحوّل إلى مقر لجمعية صيانة مدينة تونس وعلى بعد مسافة منه توجد المدرسة القرآنية أو الكتاب الذي حفظ فيه القرآن الكريم تعلوه قبة وبه مصلى صغير.. كما أن الورقة النقدية التونسية من فئة العشرة دنانير (القديمة) تحمل صورة رأس العلامة ابن خلدون بتلك العيون الواسعة وتلك العمامة المهيبة وهي عمل الرسام حاتم المكي رحمه الله (الورقة النقدية الجديدة من فئة العشرة دنانير تحمل صورة نصفية لعليسة) كما يوجد في العاصمة حيّ يحمل اسمه.. أما المؤسسات التربويّة والثقافية والمحطات وقاعات العرض وقاعات المحاضرات والشوارع والجوائز التي تحمل اسمه فهي أكثر من أن تحصى..قرأت في مجلةLeaders التونسية الصادرة بالفرنسية.. أن أعضاء تجمّع التونسيين بالولايات المتحدة قرّروا تكريم مواطنهم المهندس محمد الصالح بالحاج قاسم الأستاذ بجامعة فرجينيا بإسناده جائزة العلامة ابن خلدون.. وزير الثقافة المغربي الحالي بن سالم حمّيش كتب رواية بديعة استلهمها من حياة ابن خلدون وسيرته عنوانها "العلامة".. من الطريف أنك تجد ملامح من البيئة التي عاش فيها العلامة في مؤلفاته.. من ذلك ميزان الذهب الذي كان يراه وهو يمرّ أمام دكاكين تجار الذهب والمجوهرات والمصوغ في سوق الصاغة أو البركة (بكسر الباء وسكون الراء وفتح الكاف) كما تعرف عند أهل الحضارة تونس قريبا من الجامع الأعظم جامع الزيتونة المعمور – عمّره الله بدوام ذكره – كما في هذه الفقرة من المقدّمة "العقل ميزان صحيح وأحكامه يقينية لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوّة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره فإن ذلك طمع في محال ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال.." فهو يؤكد قيمة العقل ودوره في المعرفة وكونه ميزانا صحيحا مع إيمانه بحدوده.. ويحتاط حتى لا يقع في خلف حينما يستخرج بالعقل قرائن وبراهين تؤكد محدودية العقل!!؟.. وكيف يقع في الخلف وهو يدرك أكثر من غيره شرف العقل ودوره!!؟. "إن عظمة الإنسان بالفكر" أندريه مالرو.

 

الكنيسة الكاثوليكية

س12: سلام كاظم فرج: لكم اهتمامات بحثية عن الكنيسة الكاثوليكية في تونس. وعن المسيحية في شمال افريقية.. . اطمح أن اعرف وقراء المثقف الغراء شيئا عن تلك الأبحاث..؟

ج12: د. محسن العوني: هتمامي بالكنسية الكاثوليكية في تونس والمسيحية في شمال إفريقيا نابع من إيماني بضرورة تحقيق المصالحة مع ذاكرتنا التاريخية وأهمية قراءة تاريخنا القراءة الصحيحة التي تعزّز إيماننا بقدرتنا على تقديم الإضافة حاضرا ومستقبلا كما كان شأننا في الماضي.. تونس وإن لم تكن تملك موارد طبيعية ومدخرات من البترول والغاز الطبيعي ذات عائدات ضخمة.. إلا أنها تملك ما هو أهم من ذلك إن أحسن شعبها استغلاله وتوظيفه.. فهي تملك حضارة بالغة الثراء.. أذكر كتابا قرأته منذ الثمانينات حول تاريخ تونس عنوانه "تونس كوكب صغير" ألفه بالفرنسية يوناني مولود في تونس "كاتزاراس".. بقيت في ذاكرتي منه العبارة التالية :"لا تكاد تقطع مائة متر في تونس من غير أن تعثر على موقع أو معلم أو آثار.. ثلج في الشمال.. صحراء في الجنوب.. بحر وجبال.. واجهة على الشرق وأخرى على الشمال.. زخم حضاري كبير.. إنها متحف حضاري وطبيعي مفتوح.. في كلمة إنها كوكب صغير" .. المنطقة الممتدة بين قرطاج وعنابة (كان لتونس منذ القديم امتداد في العمق الجزائري ) لعبت دورا أساسيا في تاريخ المسيحية اللاتينية حيث كانت الكنيسة الإفريقية هي الكنيسة الأم التي قدّمت أقدم ترجمات الكتاب المقدس إلى اللاتينية وكبار آباء الكنيسة ينتمون إلى هذه المنطقة : البابا فيكتور الأول.. الأسقف الشهيد سيبريانوس .. الأسقف تيرتيليانوس، القديس أوغسطين.. هذه الروح المبدعة الأصيلة لم تغادر منطقتنا وإنما تحولت إلى الإسلام وأبدعت من خلاله.. إنه منطق التاريخ الذي لا تتوقف دورته.. تونس كانت مهدا للمسيحية هذا الدين الجليل وقدمت قوافل من الشهداء والعلماء والرجال الأفذاذ الذين قدّموا أمثلة في الثبات والتضحية في سبيل المبدإ والقدرة على التأثير والإشعاع.. وذلك مما يعزّز ويؤكد دورها في الإسلام وبصمتها الخاصة في حضارته العظيمة.. القراءة الصحيحة لتاريخنا من شأنها أن تحوّله إلى تاريخ حافز بعبارة قسطنطين زريق.. فالحضارات والأمم تعطي وتضيف وتسهم بقدر إيمانها بقدرتها على ذلك.. تونس ودول المغرب العربي عموما مرشحة أن تقوم بالوساطة الحضارية بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي والإسلامي.. هذا الدور قامت به تونس منذ القديم.. يقول دومينيك دوكورسال في كتابه "أوغسطين أو عبقرية أوروبا" .. "لم يقابل نتاج كاتب مسيحي باللغة اللاتينية في أوروبا المسيحية مثل الإعجاب والإكبار والانشغال الذي قوبل به نتاج أوغسطين ولا عرف مجدا كمجده".. يعلق هنري تيسيي أسقف الجزائر على عبارة دومينيك دوكورسال في بحثه الذي قدّمه في ندوة نظمها معهد الدراسات الأوغسطية بباريس 2003 تحت عنوان "أوغسطين، المتوسط، أوروبا" قائلا "مع وعيه بأنه بصدد الحديث بعبارته الخاصة عن "بربري مسيحي" يطلق على عمله "أوغسطين أو نبوغ أوروبا" وهذا النبوغ كان نوميديا من الإمبراطورية الرومانية.. يا له من انتقال للحكمة من جنوب المتوسط إلى شماله!؟.." ويقول جون كلود أسلن في كتابه "القديس أوغسطين الرجل الغربي" :"من وجهة نظرنا عمل أوغسطين يرتكز على قدرته على أن يصنع من خلال نتاج يضم أكثر من 90 كتابا تمفصلا مستحدثا لم يسبق إليه بين عالم العصور القديمة والعالم المسيحي الذي يعطيه شكلا جديدا.. بهذا المعنى يمثل أوغسطين أول رجل غربي.. أول رجل حديث.. لأنه أول من جرّب وحاول ذلك التمفصل بعبارة معقولة فلسفيا وواضحة جلية، ولأنه فعلها قدّم لوجهة نظرنا وحساسيتنا نموذجا مجسما لقرون.. بالنسبة للإمبراطورية الرومانية كذلك بالنسبة لمسيحية الشرق وبالنسبة لاستقرار قيم هذا العالم وقيم الرجل القديم الواثق من نفسه في ظروف غير مستقرّة، إنه يسجل قطيعة.. إنه يمثل اللحظة التأسيسية في ما يشيده.. لحظة القلق الغربي.. أشاع حالة عدم استقرار بناءة في السياسة والحياة الخاصة.. دينامية لم تهدأ ولم تسكن بعد خمسة عشر قرنا.. أوغسطين هو قلق الفكر حتى وهو في عقر المرفأ الذي كان يبحث عنه" قامة بهذا الوزن والإشعاع من منطقتنا مولود في سوق أهراس/ طاغست مدينة حدودية بين تونس والجزائر.. درس في أكاديمية قرطاج .. لا يوجد متخصص واحد فيه من تونس أو المغرب العربي.. ما هذه الاستقالة.. ما هذا التفريط وهذه اللامبالاة !!؟.. لدى تونس أكبر مجموعة من الفسيفساء (الموزاييك) في العالم.. لوحات رائعة توحي بالعتاقة.. تموج بالشعر والجمال.. لوحة فرجيل وملهماته.. لوحة الرّبة أفريكا.. لوحة أوليس وعرائس البحر.. فصل من الأوديسا.. لوحة انتصار باخوس.. لوحة دينا آلهة الصيد.. لوحة المصارعون والوحوش.. لوحة ضيعة السيد جوليوس قرطاج..رقة تلك الرّسوم وثراء و دقة تلك الملامح والوجوه وفرادة وتميّز تلك الحركات وتقنية الضوء والظل وتلك الألوان الرائعة ..تجعل من تلك الرسوم واحدة من أجمل رسومات العالم القديم..وقد حدّثني الصديق الفنان صلاح الدين المقراني أن تونس قدّمت لوحة من الفسيفساء هدية للأمم المتحدة أيام كان المرحوم الأستاذ المنجي سليم ممثلا لتونس في المنتظم الأممي ..هدية غالية بلا شك ..أرجو أن تكون الجهة التي قدمت الهدية - وزارة الثقافة أو المعهد الوطني للآثار- قد احتفظت بنسخة من هذه اللوحة البديعة ..الآثار ملك الأجيال.. أرجو أن أكتب إن شاء الله عن هذا الفن العريق الفسيفساء مقالا يرفق بنماذج منها وينشر في المثقف..

 

الحركة الادبية في تونس

س13: سلام كاظم فرج: محمد ديب.. كاتب ياسين. الطاهر وطار. الطاهر بن جلون..عبد اللطيف اللعبي.. أسماء في وجداني. تحيلني دائما الى شمال افريقية.. الى م.. تحيل هذه الأسماء الأستاذ العوني؟؟

ج13: د. محسن العوني: أستاذي الرائع.. وأنت تسألني عن محمد ديب ومالك حداد ومولود فرعون والطاهر وطار والطاهر بن جلون وعبد اللطيف اللعبي وإدمون عمران المالح وألبير ممّي وعبد الحق سرحان وكاتب ياسين وعبد الكبير الخطيبي ومحمد خير الدين.. تعيدني إلى أوقات طافحة بمتعتها كنت أقضيها في قراءتهم ورفقتهم .. كلما اقتنيت بعض كتبهم ورواياتهم ومجموعاتهم الشعرية ودراساتهم.. جلست لساعات في الحدائق العامة لأقرأها ولم أكن أصبر حتى أعود إلى المنزل لأختلي بها .. كنت أقرأها بغاية التأثر.لأني أفهمهم وأفهم أجواءهم وأستوعب شرطهم الإنساني وجرحهم ومأزقهم وصدقهم الجارح.. أعرف عاشقا آخر لهؤلاء هو الراحل الكبير المرحوم الطاهر قيقة صاحب "نسور وضفادع " و"كاليبسو "و"الصخرة العالية" ..

دور النشر الفرنسية أدركت أصالة هذا الأدب وإنسانويته التي جاءت نتيجة بلوغه درجة عالية من الصدق والفنية فهو أدب صادق، بل طافح بصدقه وهو مقنع فنيا.. فتلقفته وتبنته وادعت نسبته إلى الأدب الفرنسي خاصة وإلى الأدب الغربي عامة.. وهو أدب عربي صميم روحا وأسلوبا والتزاما وإن كتب بلغة غير عربية لأسباب معلومة ومفهومة.. حتى أن مجلة "الأخبار الأدبية"(les nouvelles littéraires) قامت عام 1953 باستفتاء حول هذا السؤال "هل هناك مدرسة أدبية شمال إفريقية؟" واضع السؤال يتصوّر أن الأدب الذي يبدعه كتاب شمال إفريقيا باللغة الفرنسية إنما هو جزء من الأدب الفرنسي ولكن يتميز بطابع خاص يجعله خليقا بأن يُعدّ مدرسة قائمة بذاتها من مدارس الأدب الفرنسي..

وقد كتب ناقد فرنسي مقدمة لرواية من روايات كاتب ياسين قائلا :"يجب أن نعدّ هذا الكتاب رواية عربية مترجمة إلى اللغة الفرنسية، لا لأن أبطالها عرب، ولا لأن أحداثها تجري فوق أرض عربية، ولا لأنّ مدارها على الآلام التي يتحمّلها العرب في الجزائر وعلى الآمال التي تجيش بها صدورهم بل أولا وقبل كل شيء لأن العقل الذي أنجبها عقل عربي له أسلوبه الخاص في كل شيء، في النظر إلى الأمور، في الإحساس بالمشكلات، في معاناة الحياة، بل حتى في تصوّر الزمان والمكان" الحديث عن الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية يطول لأنه ظاهرة لغوية فنية إبداعية مركبة مثلما هو ظاهرة سوسيولوجية نفسية إنسانية بالغة الثراء والخصوصية..

منذ أيام وبينما كنت أبحث في مكتبتي عن كتاب وجدت بين يديّ رواية "الحريق"(l’incendie) وهي الرواية الثانية في ثلاثية "الدار الكبيرة" لمحمد ديب الصادرة عن منشورات لوسوي ضمن "مجموعة المتوسط" (1954Collection Méditerranée Aux éditions Du Seuil /) فكنت كمن عثر عن لؤلؤة في أعماق البحر.. يجمعني بهذا الأدب رابط وجداني خاص وحميم.. إنه أدب محبّة الإنسان والتعلق بالأرض والحرية والحلم وحق الإنسان أن يكون مختلفا.. أن يكون هو بلا عقد ولا دم مغشوش .. هل ثمّة أروع!!؟.. في هذا الأدب لوحات إنسانية رائعة طافحة بالشعر والجمال والمحبة فوق أرض جميع ما فيها يوحي بالشباب والنضارة.. أرض الشمس والسماء الزرقاء والبحر الزاخر.. فرنسا الاستعمارية حاولت دائما تحويل وجهة واقتطاع مكوّنات(composantes) من المجتمع والثقافة المغاربية إيمانا منها بقوّة وقدرة هذا الكيان وسعيا لإضعافه.. وهي لا تتوقف عن إحداث ذلك الشرخ وتعميقه بين العرب المسلمين والأمازيغ واليهود والفرنكوفونيين ذوي الثقافة الفرنسية.. وتلك بعض جرائمها الموصوفة الثابتة..

 

س14: سلام كاظم فرج:لك قراءات متقدمة وتراجم لمقالات المفكر انتونيو غرامشي.. مفهوم المثقف.. والكتلة التاريخية ..والعوامل المؤثرة في صناعة الكتلة.. لو تفضلتم بتقديم نبذة عن تلك القراءات.. وهل يمكن قراءة الواقع التونسي وفق معطيات غرامشي؟؟

ج14: د. محسن العوني: أنطونيو غرامشي سياسي وفيلسوف إيطالي ماركسي ولد في سردينيا (1891) في الجنوب الايطالي الفقير هاجر إلى تورينو حيث أتم دراسته الجامعية (فلسفة وتاريخ وفيلولوجيا) انتسب إلى الحزب الاشتراكي وأصبح من قادة الجناح اليساري.. يعتبر من ضمن قادة ومنظّري الدولية الثالثة وهو يحظى مكانة خاصة.. شغل منصب أمين عام الحزب الشيوعي الإيطالي وأسس صحيفة (يونيتا)(unita) انتخب نائبا عن مدينة تورينو (1924 – 1926) لكن الحكومة الفاشية جرّدته من هذا المنصب وحاكمته وبعد عامين حكمت بسجنه عشرين عاما تأثر في شبابه الأول بجيوفاني جنتيلي مؤلف كتاب "فلسفة ماركس" وشدّته معارضته للحتمية وفلسفة العمل والفعل (l’antidéterminisme et philosophie de l’action ) تحمّس ومجّد سلطة الإرادة الجماعية لدى البلشيفيين الروس وهو يعتمد عبارة مرجعية لانطونيو لا بريولا في تعريفه للماركسية بكونها "فلسفة البركسيس" « philosophie de la praxis » مطابقا بين الفكر والعمل وبين الفلسفة والتاريخ.. أخذ غرامشي كذلك عن جنتيلي التصوّرات التربويّة.. فإذا كانت الاشتراكية رؤية شاملة للحياة فإنها تتطلب عملا تربويا في الطبقة العمالية حيث لا مجال لطغيان المفكرين والمثقفين وإنما تتأسس مسيرة "سقراطية" « socratique » حيث العمال والمفكرون يكونون في نفس الوقت تلامذة وأساتذة.

استغرق في سجنه في تأمل عقلي عميق كشف عن فكر موسوعي.. وقع فريسة مرض خطير بسبب ظروف السجن فارتفعت صرخات الاستنكار في عدد من عواصم العالم الأمر الذي اضطر الحكومة الفاشية إلى إطلاق سراحه لا سيما وأنها كانت واثقة من دنو أجله ونقل إلى أحد مستشفيات فورميا ثم إلى روما حيث توفي (1937) استخلصت من الكتلة الهائلة من دفاترة في السجن (32 كراسا) كتب عدة صدرت بعد وفاته "دفاتر السجن" 1947 "المادية التاريخية وفلسفة بنديتو كروتشه" 1948 "المثقفون وتنظيم الثقافة" 1949 "الأدب والحياة القومية" 1950 "ملاحظات حول ميكيافلي والسياسة والدولة الحديثة" (1949) إلى جانب رسائل السجن (1947).

- كان معارضا للستالينية والتروتسكية ملاحظا أن الماركسية لم تدافع عن البروليتاريين ضد الفاشية.

- أولى أهمية لدور الإيديولوجيا التي كان منظرها الماركسي الأكثر تميزا

- الدولة بنظره "أداة ذات صفة قمعية غالبة"

- الكنيسة والأحزاب السياسية هي "أدوات ذات صفة إيديولوجية غالبة"

- ينبغي على المثقفين أن يلعبوا دورا عضويا في البركسيس.

- وظيفة البركسيس أو التطبيق العملي هي نسج الروابط الضرورية بين الاقتصادي والأخلاقي السياسي.. (البركسيس في الفلسفة الماركسية هي محاولات تغيير العالم وخاصة وسائل الإنتاج التي تقوم عليها البنية الاجتماعية).

- تناول من جديد العلاقة بين البنية التحتية الاقتصادية والبنية الفوقية الإيديولوجية وقد أعاد إليها القيمة التي كانت الآلية الستالينية قد أنكرتها عليها.

- ماركسية غرامشي تدخل من جديد الإنسان بكل تعقيداته داخل السيرورة الديالكتيكية وإذا كان بقي ماديا فقد عرف كيف يحفظ فعالية الفكرة شريطة أن تندمج في ظروف الناس الفعلية الذين يتصورونها ويستخدمونها.. كل هذا من الدقة والفطنة بحيث يعجز الستالينيون على فهمه.

"الغرامشيزم"((gramscisme المركب والمتناقض حل محل عمل الفيلسوف الايطالي مولـّدا ازدهارا معتبرا للبحث النظري التاريخي حول مسيرة هذا السرديني التي تجاوزت إيطاليا وشملت جميع أوروبا وأمريكا اللاتينية وحتى العالم العربي.. نادى غرامشي بنمط جديد من المثقفين يملكون تصورا إنسانيا للتاريخ تصوّر يظلون بدونه مجرد "أخصائيين" ويستحيل عليهم أن يصبحوا يوما "مرشدين".. كما رسم الخطوط العريضة لنظرية الحزب السياسي الطليعي وكتب نقدا عاما لجميع التشوهات والتحريفات التي فرضت على "فلسفة الممارسة" باعتبار هذه الفلسفة هي الشكل العصري والراهن للمذهب الإنساني.. كما اقترن نقده بتعميق المفهوم الليليني عن "الهيمنة" أي تطوير البنى الفوقية بقيادة الطبقة العاملة والعناصر التقدمية في المجتمع.. الجدير بالذكر أن غرامشي وخاصة بعد فشل الثورات العمالية في أوروبا الغربية خلال السنوات (1917 /1923) اقتنع بضرورة ملاءمة الإستراتيجية البلشيفية للواقع الايطالي مؤكدا على الدور المخصوص للبنى الفوقية الثقافية والسياسية.. المجتمع المدني يلعب دورا محدّدا بالنسبة للمجتمع السياسي والنضال من أجل قلب الكتلة الاجتماعية المهيمنة الذي يمر عبر "حرب مواقع" ... حيث يجب غزو مختلف "كازيمات" المجتمع..

إن ما يشدني في فكر غرامشي قبل كل شيء.. تلك المبدئية الثابتة وتلك الروح المتوهجة التي هي خاصية الجنوبيين الحالمين المثاليين.. كرّس فكره لدراسة مشكلات المادية التاريخية وشغف بعلم الجمال وعلم الاجتماع وتاريخ الفلسفة ولدراساته في تاريخ الثقافة الإيطالية ولنقده للكاثوليكية أهمية كبرى.. وقد تناول مسألة علاقة القاعدة بالبناء الفوقي والبروليتاريا بطبقة المثقفين كما تناول مسألتي الثورة الثقافية ودور الإيديولوجيا في التطور.. كما كافح ضد التيارات الاجتماعية والفلسفية المثالية.. كان يمكنه الاكتفاء بما وصل إليه عبر مهادنة الفاشية وقد أرسل إليه موسوليني من يقترح عليه أن يتخلى عن فكره المثالي ويتبنى الفاشية ويعده أن يتحوّل إلى فيلسوف محور روما برلين (الفاشية / النازية) فكان ردّه الساخر:" كان يمكن أن أنظر في عرضكم لو كان لحركتكم أمل حياة يتجاور العشر سنوات ؟؟؟.." من هنا كانت عبارة النائب العام الناطق باسم الفاشية "يجب منع هذا العقل عن الاشتغال عشرين سنة"..وقد تابعت على القناة الإيطالية خلال الثمانينات برنامجا وثائقيا عن حياة غرامشي وقد صوّروا الزنزانة التي قضى فيها سنوات والفراش البسيط الذي كان ينام عليه ولا ينام قلبه المفعم بالحلم والأمل والطاولة التي كان يكتب عليها .. بخصوص إمكان قراءة الواقع التونسي وفق معطيات غرامشي.. فإن أي واقع هو أكبر وأكثر تعقيدا وتركيبا من أن تستوعبه نظرية واحدة.. أو حتى نظريات.. أحيلك على عبارة غوته التي أوردتها أكثر من مرّة في تعاليقك الرائعة.. "النظرية رمادية، بينما شجرة الحياة خضراء" وإن كنت ألاحظ حضور وقوّة بعض طروحات غرامشي في الثورة التونسية تتجلى خاصة في أهمية توحّد جبهة المجتمع المدني وتحرّكه واحتضانه وتأطيره لحركة الشارع ووقوفه في وجه الفلول ومحاولاتهم اليائسة.. ودوره المحدّد الحاسم في القطع مع الاستبداد والفساد..

الواقع التونسي نتيجة معايشات ومعاناة على الأرض وقد مرّ بمراحل أساسية.. مرحلة البحث عن الذات وبناء الدولة.. ومرحلة التنمية ومرحلة التوفيق بين الحاجات الأساسية الداخلية والبحث عن منظومة تضمن الفاعلية على مستوى الشريك الحضاري واستحقاقات ذلك.. في هذا الإطار تتنزل خصوصية الثقافة المغاربية ذات الطابع العقلاني.. ولأن تونس في قلب المتوسط كان تاريخها قائما على الصراع الحضاري مع الوافد مما كوّن لديها حصانة في التعامل مع الآخر.. فالشخصية التونسية قابلة للتحوّل والتشكل الدائم في كنف الخصوصية التي تجعلها تتقبل الآخر وتتفاعل معه من غير أن تذوب فيه.. إنها أرض المزج والنار كما أطلق عليها بعض المؤرخين.. حارقة الأكباد كما قال بيرم التونسي..

"المجتمع المدني وليس الدولة هو الذي يمثل لدى كل من ماركس وغرامشي اللحظة الايجابية في التطور التاريخي إلا أن هذه اللحظة الايجابية بنيوية لدى ماركس، بينما هي بنيوية فوقية لدى غرامشي" (نوربرتو بوبيو).

"إنما في إبراز وظيفة المثقفين في قطاعات النشاط الإنساني قاطبة تكمن أصالة فكر غرامشي" (أ.ر.بوتزي)"

"يقصر ماركس دور المثقف على وضع إيديولوجيا الطبقة السائدة، لكن هذا المثقف يمارس في تقدير غرامشي وظائف الباحث وناشر المعرفة والمنظم على مستويات الاقتصاد والسياسة والثقافة. ويؤلف المثقفون من منظار ماركس جزءا من الطبقة البورجوازية (باستثناء المنشقين الملتحقين بصفوف البروليتاريا)، أما في منظار غرامشي فيؤلفون شرائح مرتبطة بمختلف الطبقات الاجتماعية ومستقلة عنها ذاتيا، وتعريف ماركس الضيق يقوده بطبيعة الحال إلى تعليق أهمية طفيفة على المثقف بالمقارنة مع تلك التي يعلقها على "الأعضاء الفعالين" في الطبقة السائدة أي الرأسماليين، وبالمقابل يتلبس المثقفون أهمية عظيمة في التصور الغرامشي" (جان مارك بيوتي)

"لقد أخذ غرامشي على عاتقه أن يؤوّل المضمار التاريخي بمفردات الأفكار – الإرادات، بحيث يكون الانتقال متصلا من تصوّر العالم إلى الأخلاق ومن المعاينة إلى العمل ومن الفلسفة إلى الفعل" (نيقولا بادالوني).

 

س9: سلام كاظم فرج: الفن والأدب . الشعر. المسرح. الكتاب المطبوع. الترجمة.. السينما..الموسيقى . التشكيل.. الصحافة.. (الماضي. الواقع.. التوقعات).. كيف تقرأون المشهد الثقافي لشعب تونس الخضراء؟؟

ج15: د. محسن العوني: الاستبداد ألقى بظله الثقيل على كل شيء والمشهد الثقافي عموما تأثر سلبا كغيره بسياسة الاستبداد ومركزية الحكم والفساد الذي عمّ جميع القطاعات مما أوجد لدى المثقفين رقابة ذاتية قويّة إلى جانب رقابة أذرع الاستبداد في القطاع الثقافي والإبداعي.. كما أوجد لدى البعض الآخر نوعا من الانتهازية واغتنام الفرصة للاستفادة من النظام الفاسد.. ظلت الثقافة والفنون مسيّستان لعقود طويلة حتى صار من الصعب تخليصهما من سلبيات هذا الداء العضال الذي يتنافى مع روح الإبداع.. كثير من الأحزاب السياسية سعت إلى استقطاب المثقفين ولم تستفد من ذلك لأن ذلك الاستقطاب كان بعقلية الاحتواء وضمان الولاء وهو نفس الخطأ الذي وقع فيه النظام السابق وحزبه التجمع.. تجمّع الانتهازيين والفاسدين.. خلافا لحركة النهضة التي سعت إلى استقطاب الشرائح الشعبية والطبقة الوسطى وكان لها نصيب من المثقفين والفنانين والأكاديميين والمفكرين.. الثورة التونسية ثورة حرّية وكرامة.. فلا يجوز أن تعود الأحزاب إلى ممارسات السابق عندما كان التجمع يعمل إلى تلك الممارسات المهينة للكرامة الإنسانية فيقدّم للمواطنين ضعفاء الحال في المواسم الدينية وعند اشتداد البرد والفيضانات.. مساعدات غذائية لا تكفيهم أسبوعا واحدا بل أياما.. ويحتفل بذلك على طريقته فيصوّرهم وهو يستلمون كرتون المؤن والأغطية والكاميرا تصوّر وتسجل التصريحات التي تنتهي دائما بالدعاء لصانع التغيير ولعلكم تعرفون بقية القصة.. نهب وفساد واستبداد وذراعك يا علاف.. متى أحسّ المثقفون والفنانون باستقلالية الرأي وتصالحوا مع واقعهم وثقافتهم وحققوا المعادلة الصعبة التي يتطلبها الظرف الراهن ويستوجبها العصر دون جمود ولا تبعية ومن غير أدلجة.. أمكنهم أن يكونوا طرفا فاعلا في القيام باستحقاقات الثورة التي لا تتحقق بمجرد التخلص من الدكتاتورية وممارساتها المتخلفة.. بعض الصحافيين لم يستوعبوا بعد دور الصحافة بعد الثورة.. من ذلك أنهم ظلوا على عدائهم للمعارضة لا يتوقفون عن مهاجمتها كما كانوا يفعلون قبل الثورة.. غير مدركين دورها.. بعد أن كانوا يسبّحون بحمد الاستبداد ورموزه.. والحال أن البلاد خرجت من انتصار ديمقراطي حقيقي.. تونس الآن ورشة حوار ونقاس وجدال بعرض الخارطة على القنوات والإذاعات والصحف والمجلات والمواقع والفيسبوك والمقاهي والمحطات والشارع.. وهذا بحدّ ذاته ظاهرة صحية.. لا ضمانة سوى :"الشعـــب يـُريــد.........." لا يوجد مجتمع ديمقراطي يحترم نفسه حيث لا نجد معارضة للنظام والحكم القائم.. لأنّ كل سلطة ذات طابع قمعيّ بالضرورة (عودة إلى غرامشي).. المعارضة موقع وموقف لا يقتصر على المعارضة السياسية بل يتجاوزها إلى المعارضة الفكرية والفلسفية والرؤية المغايرة للرؤية السائدة.. إنها فكر يفكر ويبحث وحالة قلق خلاق.. المتابع للشأن الثقافي في تونس بعد الثورة يلاحظ حركة نشر واسعة.. مذكرات ويوميات وذكريات وتجارب ومعاناة ومواقف من سنوات الجمر.. سنوات الفساد والاستبداد وتعطيل القانون والهيمنة على مقدرات الوطن وغياب الدولة في الفئة الفاسدة التي اختطفت البلد ولولا ألطاف الله لوقع المحظور وحصل حمّام الدم.. دواوين شعرية.. روايات.. مجموعات قصصية.. أفلام وثائقية وروائية ومسلسلات.. أغاني الراب التي أذكت الثورة وفضحت الفساد والظلم.. صحف ومجلات جديدة ناطقة بالعربية والفرنسية.. بعث إذاعات منها إذاعة "إبتسامة"Lol & Hits  (Le meilleur du rire et de la Musique) للإذاعي والإعلامي الصديق حامد السويّح صاحب التجربة الطويلة في إذاعة فرنسا الدولية والمراسل الإذاعي الذي ساهم في بعث أول برنامج إذاعي يومي فرنكوفونــي بعاصمة كمبوديــــا (Phnom Penh / Combodge) إذاعة تتوسل الهزل والموسيقى للوصول إلى المستمعين وتحرص على تقديم برمجة جديدة مغايرة لنوعية البرامج التي تبثها الإذاعات الأخرى "الضحك ميزة الإنسان وخاصته" و "الموسيقى لغة العالم وصوت الحقيقة" الكتب والإبداعات التي تشد الانتباه كثيرة.. لفت انتباهي كتاب الدكتور عبد السلام المسدي "تونس وجراح الذاكرة" الذي روى فيه قصته مع بن علي ونظامه حيث كان شاهدا على تركيز دعائم دولة القمع والفساد.. أفكر في إجراء مقابلة مع الدكتور المسدّي تنشر إن شاء الله على المثقف.. ظاهرة سوسيولوجية لافتة.. البعض ممن كانوا محسوبين على النظام في الإعلام والثقافة والجامعة والمحاماة والقضاء.. يمارسون مراسم البراءة من النظام الفاسد الذي دعّموه واستفادوا منه ونظـّروا له ودافعوا عنه حتى آخر لحظة.. معتمدين في ذلك فلسفة الحرباء الخالدة.. هذه التحولات الكبرى على أكثر من صعيد رصيد ذهبيّ لفعل إبداعي قد يستمر عقودا..

 

تونس والحرية

س16: سلام كاظم فرج:كنت اعرف ان خدمات الفيسبوك والانترنيت تخضع لرقابة صارمة في تونس قبل الثورة... التلفزيون والإذاعة.. هل ما زالت ترتبط بالإدارة الحكومية.. ام ان خصخصتها او دمقرطتها قد بدأت. ومتى؟؟

ج16: د. محسن العوني: ثقافة تلقى الأوامر من التشوهات التي خلّفها الاستبداد ويتطلب التخلص منها وقتا.. تمت مصادرة الإعلام من قبل الدولة/ السلطة / الحزب الحاكم / الفئة المستفيدة.. فلم يكن بالمرة إعلام الشعب.. عقلية انتظار الأوامر تجعل البعض ينتظر الحاكم الجديد والسلطة الجديدة حتى يأتمر بأمرها كما كانوا يفعلون مع سابقتها وتجعلهم بالتالي غير قادرين على المبادرة.. ثمة جدلية ثابتة :المجتمع المدني الضعيف يعطي دولة مدنية ضعيفة.. والعكس بالعكس.. الانتخابات آلية للديمقراطية وليست الديمقراطية.. من هنا ضرورة التربية على الديمقراطية باعتبارها أمرا أساسيا.. إن مثل هذه التحولات لا تأتي بين عشية وضحاها ولا يمكن لوسائل الإعلام أن تتخلص من عقدة الرقابة والرقابة الذاتية بعد أن كرّستا لأكثر من نصف قرن .. الثورة كما الولادة الروحية والعقلية .. تتمّ على دفعات ومراحل.. خروج نسبة كبيرة من المواطنين للانتخابات له معنى واحد.. وهو أن هذه النسبة إنما خرجت لتحمّل المسؤولية للمترشحين ويضعوا الأمانة في رقابهم قبل أن يحاسبوهم.. الفيسبوك والانترنت والمواقع.. تعني الديمقراطية التشاركية لأن وراءها ذهنية وعقلية تراقب وتلاحظ وتقيس الأداء وتحتج وتضغط قبل أن تحاسب.. في بعض دول أمريكا اللاتينية تعتبر مراقبة الانتخابات السلطة الخامسة فهي سلطة من بين السلط وتسمى البودار « El Podar ».. خوصصة القطاع الإعلامي سلاح ذو حدّين يمكن أن تتحوّل إلى خطر يهدّد هوية الشعب وثقافته واستقرار المجتمع إذا لم يتقيد بميثاق أخلاقي ومناقبية إعلامية عالية.. كما يمكن أن تساهم في ازدهار القطاع وتطويره.. المهم أن لا تقوم على مبدإ الربحية والكسب السريع..   

 

س17: سلام كاظم فرج:العلم. التكنولوجيا. الهندسة.. الاستثمار.. الطب والصحة. الطفل وحقوق الانسان. المرأة ودورها... هذه المفردات. كيف يقرأها الاستاذ الدكتور العوني في حاضر تونس ومستقبلها؟؟

ج17: د. محسن العوني: مفردات أساسية في معجم المستقبل.. كما كانت دائما في واقع المجتمعات ونوعيّة الحياة فيها.. مفردات عليها مدار التقدّم لأنها تصبّ في التأسيس لذاكرة الفجر لو استعرنا عبارة فريدريكو مايور.. تونس رائدة في إدراك حيوية هذه المفردات التي كانت حاضرة في فكر المصلحين والرواد على مدى تاريخها الحديث ولديها خبرة في التعاطي معها وقاعدة لا بأس بها غير أنها تحتاج إلى رؤية مستقبلية استشرافية وتخطيط مع مزيد التأسيس.. خاصة وأن الإنسان في تونس هو الغاية والوسيلة وهو الثروة ورأس المال.. كما تحتاج إلى تأهيل شامل حتى تكون بمستوى انتظارات شعبها المتطلع للغدي الأفضل المتعلق بالتقدم وجودة الحياة في عالم تسابق فيه الأمم عقارب الساعة وتقارن نفسها بمن هو أفضل .. تونس تستلهم شاعر النور والحياة والصباح الجديد.. الشابي الخالد :

 ألا انهض وسر في سبيل الحياة      فمن نام لم تنتظره الحياة

إلى النور فالنور عذب جميـــــل      إلى النور فالنور ظل الإله

أيها السامق.. بمناسبة استمتاعك بكلمات الشابي يؤديها صوت الفنان حليم الرومي.. رأيت مرة الولد الأكبر لأبي القاسم الشابي وهو شيخ مهيب تجاوز السبعين كان يعتمر شاشية حمراء ويلبس الجبة التونسية وكنت وأنا أراه استحضر صورة والده شاعرنا الكبير.. فيبدو لي أكثر شبابا وإشراقا ونضارة من ابنه الشيخ الوقور.. هكذا الشعر شباب دائم ونضارة وثورة وتجدّد .. لعل الشابي قضى في شرخ شبابه ليظل شابا إلى الأبد.. أليس هو القائل :

أنا من عشقت الحياة     وعمر الورود قصير (Hélas)

بقدر ما نؤجل التأدلج لدى الشباب بقدر ما يتواصل نموّه ويتحقق توازنه وتقل وتضعف معطوبيته ومجروحيّته وحساسيته، الإيديولوجيا توقف نمو الشباب وتضع له سقفا واطئا.. كل مربّ أومدرّس أوأستاذ في أي مستوى من مستويات التعليم.. يلقي بظله الإيديولوجي الثقيل على عقول طلابه وقلوبهم الغضة الطريّة الخضراء.. إنما يقترف في حقهم جريمة أخلاقة (كم من الجرائم الأخلاقية لا يعاقب عليها القانون!!!؟) فضلا عن سوء تقديره وقلة خبرته حين يحسبهم جمهورا سهلا ولا يحترم اختيارهم وقناعتهم ولا ينهض بدوره العلمي والمنهجي بتجرّد العلماء ونزاهتهم .. الطالب ضيف عندك أيها المربي الفاضل الكريم..فأكرمه واحتفل بعقله وبقلبه وأحبّه واصبر نفسك معه ولا تمنع عنه النور والهواء النقيّ قوت الأرواح الحية.. فهو نبات وهو بحالة نموّ وملكاته بمثابة حبّة تبحث عن الماء لتشق التربة وتصافح الشمس والنور.. "اتهموا أنفسكم بعدم الأهليّة !!!؟" هكذا كتب ستيفان هاسّلStéphane Hessel « Indignez-vous ! » بعد ذلك ابنوا ذواتكم وشيّدوها.. أذكر ذلك الأستاذ الذي كان يدعو طلابه إلى قراءة جميع الكتب السماوية وعدم الاقتصار على القرآن الكريم رغم أنها لا تملك بلاغته.. لأنّ تلك القراءة بحدّ ذاتها درس عملي في التسامح.. أذكر تلك المربية الفاضلة التي كانت توصي طلابها وتذكرهم: "لا وجود لتربية من غير ثقافة كما لا وجود لثقافة من غير تربية" " نسّبوا الأشياء والظواهر.. « Relativiser » كونوا متواضعين.. (être humble) احترموا الغيريّة والتنوّع والاختلاف.. (respecter l’altérité, la diversité) شاركوا وتقاسموا.. (Partager)

 

نظرية المؤامرة

س18: سلام كاظم فرج:في العراق وبسبب تسيد الدكتاتورية القاتمة لعقود طويلة وبسبب ملابسات التغييرات التي شهدناها.. تهيمن نظرية المؤامرة على عقول جمهرة من المثقفين ويجري تحليل المتغيرات وفقها؟؟

 ما هو تحليلكم لنظرية المؤامرة؟؟ اجتماعيا وسياسيا؟؟

ج18: د. محسن العوني: نظرية المؤامرة التي تهيمن على عقول قطاعات واسعة من المثقفين في العالم العربي وليس في العراق وحده.. والتي ترجع جميع عللنا إلى الآخر سواء كان مستبدا أو مستعمرا أو ظروفا أو مؤامرة تنبئ عن وجود أزمة تحوّلت إلى ما يشبه عقدة الضحية .. لا تخدم هؤلاء الذين يحملونها وإن أقررنا بوجود ما يبرّرها.. لأنها طريقة غير سليمة في التفكير..تصل إلى حد القول بأن الثورات العربية صنيعة غربية أخرجتها الولايات المتحدة بالتعاون (أو التواطؤ..) مع الإسلام السياسي وقناة الجزيرة و رجب طيب أردوغان ..فهي بعبارة بعضهم "طبخة حصى غربية تتحول إلى وجبة تحليلية تستقرّ في عقول أصحابها !!؟؟؟.. فهي تحيل على عقلية التابع الضعيف الذي لا يملك أمر نفسه.. ويصرّ على إدانة الآخر الذي لن يهبه ما يتصوّره حقه على وجه الصدقة والفضل!!؟.. وهو يقف أو يجلس مكتوف اليدين.. الواقع أن ما نحن فيه من ضعف هو الذي يغري بنا الآخر.. وأزمتنا كامنة في أننا نردّ الفعل بطريقة سيئة ولا نفعل.. رد الفعل انفعال غير مدروس ومتشنج.. أما الفعل فينهض ويتأسس على التخطيط والعقلانية والبناء.. وفي المثل الفرنسي " الثأرصحن (أكلة ) يؤكل باردا ".. وإن كنا لا نشجع على الثأر.. اللهم إلا من تخلفنا وضعفنا.. "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" في علم النفس التربوي.. الطالب الذي يرجع أسباب فشله إلى أسباب خارجية لا يتجاوز أسباب فشله.. أما ذاك الذي يرجعها إلى أسباب ذاتية كعدم اجتهاده وقلة انتظامه وإهماله فإن النجاح يكون حليفة في المرّة القادمة.. عبارة كان قسطنطين زريق يردّدها دائما على مسامع طلابه : "علينا دائما أن نستحق حقوقنا" التساؤل الذي نطرحه على أنفسنا :"هل نستحق حقوقنا..؟؟؟"

 

س19: سلام كاظم فرج:تفاعل الغرب مع الربيع العربي كان ايجابيا على العموم.. البعض يتخوف من علاقات وثيقة مع الغرب.. هنالك خوف كامن من عقود طويلة من الهيمنة الاستعمارية والخطاب الوطني التقليدي كان متقاطعا مع معطيات الغرب السياسية؟؟

ج19: د. محسن العوني: الثورات العربية أو الربيع العربي.. نتيجة موضوعية لواقع على الأرض سواء في ذلك واقع الاستبداد والفساد.. أم واقع "الثورات.. وهذه الثورات جاءت تدق ناقوس الخطر.. والعالم العربي في حاجة إلى مواكبة المتغيرات العالمية، القول بأن هذه الثورات صنيعة غربية أو جاءت بتوجيه خارجي.. إهانة للشعوب واستخفاف بتضحياتها.. فضلا عن كونه سفه وقلة عقل وانعدام حيلة .. لا يمكن إنكار وإغفال علاقة هذه الثورات بالغرب لأنه ركب القطار وهو يسير وسرّع وتيرة سيره ليوجهه نحو ما يخدم مصالحه.. الغرب ذرائعيّ إلى ابعد الحدود وهو استباقيّ واستشرافي وهو لا يعطي شيئا مقابل لا شيء.. وقد استعان على أمره بما مهّد له من أفكار تحرّرية تشبّع بها مثقفون عرب في الهجرة وجدت تفاعلا وترحيبا في الداخل.. وعلى أصحاب الثورة – أصحاب الشأن - أن يسيروا بها نحو ما يحقق آمالهم وتطلعاتهم وأن يجعلوها مثل ابن لبون لا ظهرا فيركب ولا ضرعا فيحلب ..إحالة على قول الإمام علي عليه السلام..

 

س20: سلام كاظم فرج:لديك تنظيرات رائعة حول مفهوم بدائل العولمة على صعيد الفكر والفن والأدب. . . العولمة.. ما تعريفها الدقيق؟؟ والبدائل . بدائل العولمة. كيف تقدمها للقراء؟؟

ج20: د. محسن العوني: العولمة نظام اقتصادي رأسمالي حقق توحيد العالم اقتصاديا بعد نهاية الحرب الباردة بثقافة استهلاكية على علاقة مباشرة مع إنتاج البضائع كل همّها إنتاج مستهلكين لبضائعها وأفكارها.. وهي ثمرة للإمبريالية الاستعمارية الساعية إلى الهيمنة على العالم لترويج بضائعها وتوفير المواد الخام.. هي إمبريالية جديدة.. العولمة وأمركة العالم بدأت قبل انهيار جدار برلين بخمس سنوات وتمتد جذورها إلى القرن 17.. والرجوع إلى التاريخ هام لفهمها واستيعاب خطرها .. ارتبطت بالشركات متعددة الجنسيات واشتغلت المخابر والمخترعات لصالحها وقامت بإحداث لبس ومغالطة للمشروع الإنساني من خلال إيديولوجيتها لإعطاء صبغة شرعية وغطاء أخلاقي لسعيها اللاهث من أجل توحيد العالم تحت راية الدولار واللغة الانجليزية والموضه ونمط العيش ..

العولمة تشي بالافتعال والتصنع وقد استغلت المجتمعات المدنية أبشع استغلال :

دعم أناس وتنصيب آخرين واستشعار وتحكم عن بعد واستباق وتدخل واستقطاب الحركات الوطنية أثناء المرحلة الاستعمارية.. تفريغ المجتمعات من رصيدها الثقافي باسم الموضة.. تآكل الهوية الثقافية عن طريق الفضائيات والبرامج والسينما.. قولبة الإنسان وتسليعه ومسح ملامحه المميّزة .. وراء كل ذلك فاعل ومخطط يعتمد أداة الثقافة الاستهلاكية لتجريد الإنسان من هويته وخصوصيته معقله الحصين قبل أن تصنع منه شيئاObjet .. المضمون الثقافي للعولمة خطير وأهدافه وغاياته تجعل منه مشروعا مضادا للمشروع الإنساني الكوني.

ما هو موقف الفكر العربي المعاصر من هذا الخطر الداهم الذي تحوّل إلى واقع يهدّد الثقافة المرجعية.. هل يوجد مشروع مضاد يحمي المجتمعات.. كيف يمكن أن تستغل الثقافة المرجعيّة لخدمة الثقافة الإنسانية؟..مشروع إنتاج المعرفة وتوظيف العلوم الإنسانية والدينية وحوار الأديان والثقافات في خدمة المشروع الإنساني المضاد للاستهلاك من أجل التأسيس لإنسانية الإنسان وإنسانية المجتمع وتحقيق النهضة والمعاصرة والعالمية والكونية.. وفي هذا الإطار تتنزل بدائل العولمة وهي جبهة معارضة للعولمة برزت مكان الأحزاب اليسارية الاشتراكية في العالم وجمعت كل الحساسيات التي لها مصلحة في الإنسانية وتشترك في قيم واحدة كونية وهذه الجبهة تبحث عن إيديولوجيا والأشكال الجديدة التي أخذها الصراع سيولد أشياء جديدة في مستقبل الأيام وخاصة في أمريكا اللاتينية ودول الجنوب..الأوار ما زال كامنا .. نرجو أن تكون التحوّلات نحو الأحسن لأن الضحايا دائما هم الضعفاء ولأنهم يموتون في صمت ومن غير أن يشعر بهم أحد لأنهم على هامش الظل.. بروز قوّة جديدة مناهضة لأمركة العالم تتشكل يوما بعد يوم لتحل محل المعارضة الاشتراكية التي كان يحتلها الاتحاد السوفياتي وهي معارضة مدنية سلمية ولها صمود ونضال بدأ في بلدان الجنوب ضد سياسة التجويع (البنك العالمي) عبر إغراق العالم الثالث في الديون "مظاهرات اكتسحت العالم ضد صندوق النقد العالمي وضد التداين" كما ظهرت حركات معارضة تضامنية في بلدان الشمال ضد العولمة والظلم الاقتصادي والحيف في عالم قدره أن يكون واحدا.. حركات الصمود ضد العولمة لها مستقبل واعد في التصدي للإقطاع الجديد المتمثل في العولمة.. مرجعيتها دينية وتراث الإنسانية وفلسفة الأنوار وحقوق الإنسان.. حركة الإنسان والبضائع والأفكار لم تتوقف عبر التاريخ.. والقواسم المشتركة : العلم والقيم والمهارات (الصواب).. الممانعة الثقافية وجه من وجوه العولمة المضادة (البدائل) مع الخوف من أن تتحوّل إلى انغلاق وتشرنق على الذات.. كما أن العالمية والكونية تغتذي مباشرة من الخصوصية.. العالم يبدأ من عتبة بيتنا.. بل من المكان الذي نحن فيه والعالمية هي المحلية تنقصها الجدران ومن يتنكر لبقعة من الأرض تتنكر له الأرض جميعا لأنها وفية لنفسها..

العولمة مناقضة للمشروع الانساني لأنها تؤسس لنظام إقطاعي جديد وتفصح عن نواياها وتظهر وجهها الحقيقي من خلال سياسة الولايات المتحدة.. كما أن التأسيس لإنسانية الإنسان وإنسانية المجتمع وتحقيق النهضة والمعاصرة والحداثة والانخراط في العالمية والكونية ..في العالم العربي أشبه بالورشات المفتوحة..يالها من ورشة ؟؟؟..

 

الجامعات في تونس

س21: سلام كاظم فرج: الجامعات التونسية ودورها في البناء. . هل هي مواكبة للتطور المتسارع في العلوم والفكر؟؟

ج21: د. محسن العوني: مرّت الجامعة التونسية بمرحلتين أساسيتين.. مرحلة بناء المؤسسات حيث كانت الإنسانيات والاجتماعيات والأدبيات غالبة.. ثم مرحلة تحويل التوجه من الإنسانيات إلى العلوم الصحيحة.. الجامعة التونسية في أمس الحاجة إلى المراجعة والإصلاح رغم مواكبتها للتطور المتسارع في بعض التخصّصات العلمية وخاصة الطب وعلوم الحياة والتطبيقات.. تحتاج الجامعة التونسية إلى منظومة بحث علمي تستشرف الآفاق التي فتحتها الثورة المجيدة و تستفيد من خبرة تتجاوز نصف قرن .. وهي في حاجة إلى عمل تصحيحي وإعادة بناء المناهج من أجل مزيد رفع كفاءة الخرّيجين واستقطاب الكفاءات التونسية المهاجرة التي يمكن أن تقوم بدور هام في هذا الاتجاه.. الدور المنتظر للجامعة هو أن تتحوّل إلى قاطرة للتقدّم من خلال ربط مخابر البحث العلمي ووحدات البحث ومراكز الأبحاث بالمؤسسات الصناعية والاقتصادية ومراكز القرار.. البحث العلمي يمكن أن يحوّل تونس إلى قطب استشفائي متوسطي ومركز إقليمي للتقنيات الدقيقة وعلوم الاتصال وهو ما يتطلب وقف نزيف حقيقي يتمثل في الكفاءات التونسية العالية سواء في العلوم والتقنيات أو الإنسانيات التي تستقطبها الجامعات الكبرى في العالم..

 

س22: سلام كاظم فرج:رؤيتك لمستقبل الإنسان. مستقبل الأرض؟؟ مستقبل الكون؟؟ والإنسان العربي والتونسي؟؟

ج22: د. محسن العوني: نقرأ في كتاب "كيف أصبح الإنسان إنسانيا" "Comment l’homme devint humain" لروجيه غارودي .. في فصل "ولادة الإنسان" العبارة التالية :"وأنت تراها من هنا.. تبدو الأرض جميلة، مضيئة، إنها واحدة ومسالمة.. كان رائد الفضاء الذي يقول هذا الكلام..وهو يمشي فوق سطح القمر أول إنسان يلمح الأرض في كليتها في الفضاء، بلا حدود في وحدتها" خصّص غارودي في كتابه المذكور ست صفحات لميزوبوتاميا "La Mésopotamie" طرّزها بصور بديعة ووضع حضارة العراق في صدارة ما أسماه "المهود والشبكات الأولى للحضارة" Les premiers berceaux et les premiers réseaux de civilisation" منها صورة لزاقورة أور وصورة وجه رجل بحالة صلاة بعيون ذات نظرة فوق طبيعية "vision surnaturelle" تعود إلى نحو 2600 – 2700 قبل الميلاد / تل أسمر.

 مستقبل الإنسانية في المنابع الصافية الكفيلة بشفاء غلتها وعطشها الشديد إلى المعرفة والعدل والمساواة والتواصل والتعارف والمحبة والأخوّة الإنسانية.. وأن يكون الدين لله وحده والحبّ والخير للجميع.. شدّني مشهد العازفين وهم يعزفون ويحتفلون بسقوط جدار برلين.. الجدران المرشحة للسقوط كثيرة وفي مقدمتها الجدران الداخلية.. جدران الخوف والخنوع والرضا بالدون والعقد .. التفاؤل العقلاني مطلوب والمثل الأعلى الذي تكدح نحوه الإنسانية لا يتحقق إلا في المستقبل.. العائلة الإنسانية تكدح نحو وحدتها وتحلم بغدها المنشود الذي تعدل فيه بين أبنائها وفلذاتها.."فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون" السجدة 17.

 "خذ من غدك زادا ليومك" ميخائيل نعيمة .. "الله ليس هو الماضي.. الله هو الآتي" أندريه جيد..

فطوبى لهؤلاء الذين يبشرون بالصباح الجديد ولا يتوقفون عن الغناء لأيامنا الآتية.. مستقبل الإنسان العربي والتونسي في التعلق بالقيم الإنسانية الكونية والدفاع عنها وإيمانه بقيمة العطاء وشرفه ونبله وكدحه من أجل أن يكون مستحقا لحقوقه.. "ما تأخذ فذلك ما به تعيش.. أما ما تعطي فذلك هو الحياة" إيليا كازان ..

أذكر إني كتبت في المقال الذي قدّمت به لبحث نشر خلال العام 1990 على صفحات مجلة الفن السابع تحت عنوان "القضية الاجتماعية في السينما العربية" عن حاجة المجتمعات العربية الحيويّة الملحة إلى عقد اجتماعي وأخلاقي يوقف حالة الهدر التي تعيشها هذه المجتمعات.. هدر للطاقات.. هدر للمقدرات.. هدر للمجهودات.. وكأن هناك من يراهن على عجزها وضعفها بل يريد لها ذلك ويسعى إليه .. لا غنى عن التربية الجديدة ولا يوجد مجتمع محكوم عليه بالعجز الفكري.. إذا طمحت للحياة النفوس..

 

س23: سلام كاظم فرج:ما شدني إليك أستاذي العزيز. تلك التوليفة الرائعة بين قبول كل معطيات الحضارة العالمية والاطلاع على معظم النظريات والحركات الفكرية. ورؤيتك المتسامحة في قرائتها.. وبين إيمانك العميق بوجود خالق حكيم مدبر لهذا الكون. ما شدني اليك ذلك التفاعل الذي افتقده في تبني منظومة افكار متحررة وعلمانية ويسارية وبين الاحتفاظ بالإيمان الديني . وعدم تخليك عن الارتباط بالمطلق الذي هو اقرب اليك من حبل الوريد.

 هل ان إنشدادي كان في محله في تشخيص جوهر فكر الأستاذ العوني. ام انني قد بالغت في قدرتي على قراءة مواقفه فكريا؟؟

ج23: د. محسن العوني: نور قلبك وبصيرتك وإنسانويتك وفكرك النير أجمل الجسور إليك وهي لا تخطئ أبدا ولا تبالغ لأنها قسطاس ذاتها.. والقلوب سواقي كما في اللهجة العراقية الجميلة.. أشكرك على هذا السؤال / اللوحة الذي يجمع بين العمق والجمال والذوق الرفيع .. لا يطرحه إلا شاعر مفكر ومثقف كبير وإنسانوي فذ.. صديقك أيها السامق.. إنسانوي يتوسّم الخير في الإنسان.. يحسن الظنّ بالله تعالى ويبتغي إليه الوسيلة بما يراه نافعا لخلقه ويرجو منه التوفيق والقبول.. أذكر دائما عبارة الفخر الرازي في تفسيره وهو يعرّف معنى العبادة في قوله تعالى :"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".. "العبادة تعظيم أمر الله والشفقة على الخلق.." كما أذكر أنّ أول يوم ذهبت فيه إلى المدرسة درست حصّة لغة عربية وحصّة لغة فرنسية.. ولا أذكر أي الحصّتين كانت الأسبق.. كنت أتردّد على المركز الثقافي الفرنسي والمركز الثقافي الرّوسي كما أتردّد على مكتبة العطارين ومكتبة الديوان.. أقتفي أثر عبقرية الفكر الإنساني.. التونسيون يشاهدون القناة الإيطالية الرّاي أونو وبرامج القنوات الفرنسية حتى قبل بعث التلفزة الوطنية التونسية ولديهم برامجهم المفضلة التي يحرصون على مشاهدتها.. منوعات.. برامج وثائقية.. حوارات سياسية.. رياضة..مسلسلات واستطلاعات.. سينما وفنون.. أدب وثقافة وفكر ومنشورات ومقابلات وحتى برامج دينيّة.. علما بأن التلفزة الإيطالية من أثرى تلفزات العالم بطاقم مراسلين من كافة أنحاء العالم.. هذا التعدّد والتنوع الكبير عامل ثراء واعتدال وانفتاح.. وهو لا يصطدم ولا يتنافى مع الثوابت والخصوصيات بقدر ما يقوّيها ويعزّزها.. فالهوية والخصوصية لا تتأسس على إلغاء الآخر ونفيه بقدر ما تتأسس على معرفته بما له وما عليه في تاريخيّته وحاضره وآفاقه.. وإذا أردت أن تكون أنت فعليك أن تكون الآخر.. هكذا كان جاك بارك يردّد.. قراءاتي متنوعة إلى أبعد الحدود خاصة في مجال الإنسانيات والحضارة.. المرء حين يستوفي عدّته الفكرية والنفسيّة والعقلية وأدواته.. تنتفي لديه أسباب التوتر والتحفز والخوف من الآخر.. بخصوص الأفكار العلمانية واليسارية.. فإني أفهمها وأتفهّم دواعيها وأسبابها وسياقاتها وظروفها .. ولا أتبناها بالضرورة.. والإيمان الدّيني عامل توازن ونقطة ارتكاز لا بدّ منها وأحمد الله أن إيماني لم يتأثر سلبا بقراءاتي ومعايشاتي ومعاناتي.. بل لعله وجد فيها تثبيتا ومددا كما أعتقد أن للتنشئة دورا في ذلك.. أو بعبارة الصديق الدكتور محمود الذوادي.."المناعة الثقافية واللغوية".. كما أني أجد في الارتباط بالمطلق انشدادا وتعلقا بالجوهر وارتفاعا وتساميا فوق الأعراض.. أذكر أني كنت من وقت لآخر أتفرّغ لقراءة كتب الصّوفية وأشعارهم أتفيّأ تلك الظلال و أجد متعة تلك الأوقات.. ابن عربي.. ابن الفارض.. النفري .. الحلاج .. سهل التستري.. الغزالي.. الإمام القشيري.. أبو الحسن الشاذلي.. السهروردي.. ابن عطاء الله.. جلال الدين الرومي.. عبد الحليم محمود... إنها من التجارب التي تعاش ولا توصف.. العقلانية والحداثة لا تعني بالضرورة المادية ويحضرني بيت المعري "أثبت لي خالقا حكيما ولست من معشر نفاة..".. يذكر الغزالي في كتابه الذي يعتبر من أجمل السير الذاتية "المنقذ من الضلال" أنه في رحلته نحو الله.. تلك الرحلة الشيقة الفريدة الحافلة بالعذاب والعذوبة.. كان لا يرى يهوديا إلا أراد أن يقف على سرّ يهوديته.. ولا نصرانيا إلا أراد أن يقف على سرّ نصرانيته.. ولا معطلا إلا أراد أن يقف على سرّ تعطيله.. ولا زنديقا إلا أراد أن يقف على سرّ زندقته وهكذا.. وهو أمر يصحّ مع كلّ روح متوهج وفكر حيّ.. غير أن الغالبية لا تملك من الصبر والدأب والقوّة ما يجعلها تواصل البحث فتتوقف ويتوقف نموّها.. والحمد لله الذي لا يكلف نفسا إلا ما آتاها .. الإيمان أنقذني من مآزق عقلية ونفسية وحالات لا يعلمها إلا الله.. فلله الحمد والمنّة.. ما أروع الدعاء القرآني ينساب في الداخل كالسلسبيل "رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين" 15 الأحقاف.

 

س24: سلام كاظم فرج: آخر كتاب قرأته؟؟ آخر فلم شاهدته؟ آخر مسرحية؟. آخر نص ترجمته؟؟ آخر نص كتبته. آخر درس درسته؟؟

ج24: د. محسن العوني: من عادتي أن أقرأ بالتوازي أكثر من كتاب وأحرص على أن أحتفظ في ذهني بفكرتها المحرّكة وعناصر الجدّة والإضافة فيها وأثبّــتها بكتابة ملاحظات وشواهد.. بعض الكتب تدعوني أصالتها وإضافتها إلى الكتابة عنها.. فأسجل بعض الخطوط العريضة وأكتب مخططا أوليا وقد أعود لقراءتها .. آخر ما قرأت كتاب المؤرخ التونسي الأستاذ محمد الطالبي الذي كتبه بالفرنسية "Goulag et démocratie" "غولاك والديمقراطية" وكتاب تيري ماك لوهن المترجم إلى الفرنسية عن الأنجليزية "Cathédrales de l’esprit.. l’appel des sites sacrés" "كاتدرائيات الروح ..نداء المواقع المقدسة " وكتاب "علم الأديان ..مساهمة في التأسيس" لميشال مسلان ترجمة الدكتور عزالدين عناية.. آخر فيلم شاهدته.. فيلم وثائقي عن حياة نلسن مانديلا .. آخر مسرحية.. مسرحية مفتوحة انطلقت مع الربيع العربي في جميع البلاد العربية.. عنوانها :"فهمتكم!!".. من يقرأ بين سطورها ودلالاتها البعيدة يدرك أن ما لم يقل فيها أهم بكثير مما قيل.. وهناك مكمن سرّها.. آخر نصّ ترجمته.. نصّ لفيكتور هوجو "كلمات فوق الكثبان".. آخر نص كتبته .. نص "الجبل المزهر" أو "مونفلوري".. أجمل اللحظات في كل درس.. تلك التي يستغرقها التأمل.. وهو جزء لا يتجزأ من الدرس.. بل هو روح الدرس ومداه الفكري والنفسي والعرفاني.. ارتباط العلم بالقيم سرّ من أسرار عظمة الإسلام.. حتى لا يتحوّل العلم إلى أداة ابتزاز وفساد في الأرض.. ويشدني دائما انحياز العلماء للعلم "كونوا ربّانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون".. تحضرني عبارة لأبي الأسود الدؤلي :" ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكـّام على الناس والعلماء حكـّام على الملوك" قول ينطوي على شجاعة نادرة.. العلم قيمة ثابتة.. بهذه القيم والمعاني فتح الإسلام العقول والقلوب قبل أن يفتح الأمصار والبلدان.. ويوم القيامة تقوم الموازنة بين دماء الشهداء ومداد العلماء.. إنها بورصة القيم الحقيقية.. فطوبى للصادقين ..

 

شكرا استاذنا الفاضل المفكر الدكتور محسن العوني. في الختام اجد من المناسب ان اذكر اني كتبت اسئلتي هذه وانا استمتع بصوت حليم الرومي وهو يشدو (كذلك قالت لي الكائنات وحدثني روحها المستتر..). ودمدمت الريح بين الفجاج وفوق الجبال وتحت الشجر: إذا ما طمحت إلى غاية ركبت المنى ونسيت الحذر

 

خاص بالمثقف

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1944الجمعة 18 / 11 / 2011)

 

 

salam kadomfarajshaker faredhasan

المثقفتستضيف الاستاذ الكاتب والناقد الفلسطيني شاكر فريد حسن ضمن مرايا ثقافية – فكرية لتحاوره حول مجموعة من القضايا الراهنة، ذات البعد الفكري والثقافي والسياسي، فاهلا ومرحبا به.


 

سلام كاظم فرج:الباحث الفلسطيني الاعلامي والاديب الاستاذ شاكر فريد حسن غني عن التعريف .. واستطيع أن أزعم انني متابع جيد لكتاباتهوإنني أنحاز لمعظم الرؤى والافكار التي تطرحها كتاباته .. ودعواته .. وإن إطروحته الفكرية تجد صدى طيبا عندي. لكنني سأجازف .. لكي اتخذ ما تتخذه المرآة المحدبة من وظيفة.. لكي ا جمع ما يمكنني من شعاع هذا الرجل المثابر. فسأختلف معه. وسأسأله اسئلة صعبة.. ربما . لكن ثقتي به وبحسن تفهمه. . يتيحان لي المغامرة بتنوع مرايانا. رغم اننا نتنمي لمنظومة فكرية واحدة.. اعني المنظومة التي تتبنى هموم الشعب الفلسطيني. وشرائحه الاكثر معاناة.. .

 ومحور باب مرآيا لهذا الشهر سيكون القضية الفلسطينية. ما ضيها. حاضرها والافاق. التي تنتظرها.. الواقع والتوقعات. حسب رؤية الاستاذ الفاضل شاكر فريد حسن.. فاهلا بك في صحيفة المثقف ومرايا ثقافية - فكرية.

 

صفقة شاليط

س1: سلام كاظم فرج:سأبدأ من الحدث الساخن.. صفقة شاليط. مقابل الف اسير فلسطيني.. رأيتم فيها ما ترونه في الانجاز التأريخي. واحتفلت حماس. وباقي الفصائل. بحماس منقطع النظير.. من جهة اخرى. نتنياهو اعتبر الصفقة انتصارا اسرائيليا باهرا؟؟ افكر بالمدرسة السوفسطائية استاذي العزيز. عن إثبات الشيء ونقيضه في آن؟؟. ماهو تعليقكم؟؟

شاكر فريد حسن: بدءا، اتقدم بالشكر الجزيل لصحيفة المثقف التي اتاحت هذه الفرصة للحوار كما اشكر الاستاذ سلام كاظم فرج، وبرنامج مرايا ثقافية – فكرية.

موافقة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو على صفقة شاليط تتناقض مع توجهاته ومواقفه السياسية المعروفة وتنازلاً عن شروطه . وقراره بالموافقة اثار العديد من الاسئلة حول الدوافع والاسباب والعوامل التي جعلته يمضي قدماً في اتمام وتنفيذ صفقة التبادل . ومن هذه العوامل موقف المؤسسة الامنية والعسكرية الاسرائيلية، رغم انها رأت في تنفيذ الصفقة بانه انجاز وانتصار لحماس .كذلك مرونة حماس وتنازلها عن بعض المطالب والشروط، التي احدثت اختراقاً في جدار المفاوضات، كتنازلها بخصوص اطلاق سراح عدد من القيادات الفلسطينية مثل مروان البرغوثي واحمد سعدات، وموافقتها على ابعاد عدد من الاسرى المحررين خارج الوطن المحتل .

هذا بالاضافة الى توجه السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس الى الامم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومصلحة نتنياهو توجيه ضربة للرئيس الفلسطيني والانتقام منه على ادائه الاخير في الساحة الدولية، عدا عن التطورات والتغيرات التي يشهدها العالم العربي بما يسمى "الربيع العربي" وخاصة ما يحدث بمصر وسوريا، وتراجع شعبية ومكانة نتنياهو السياسية على اثر موجة الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية التي اجتاحت اسرائيل، واضراب الاطباء واستقالة المختصين والخبراء في المستشفيات .

ولذلك فان انجاز الصفقة بهذا الشكل هو انتصار سياسي وانجاز للشعب الفلسطيني ولخيار المقاومة، وليس لنتنياهو الذي رضخ في نهاية المطاف للشروط والمطالب الفلسطينية، وتنازل عن الخطوط الحمراء وكسر الكثير من المحرمات، وقد بانت على وجهه تعابير الهزيمة والخسارة يوم الاعلان عن التوصل لاتفاق التبادل.

 

س2: سلام كاظم فرج:لكنني أقرأ حزنا لدى بعض الاعلاميين المحبين لشعب فلسطين.. في البون الشاسع بين. اسير واحد مقابل الف اسير. هناك من يرى في ذلك.. ضربة اسرائيلية واضحة لمشاعرنا كعرب..واللؤم واضح في بعض هذه الاطروحات؟ اود ان اتعرف على قراءة الاخ شاكر فريد؟؟

شاكر فريد حسن: اسير مقابل الف اسير لا يشكل ضربة واضحة لمشاعرنا كعرب . فهذه الصفقة لم تكن بالامر السهل، وقد جربت اسرائيل الحل العسكري لتحرير وفك اسر شاليط، وفشلت بذلك عندما شنت الحرب على غزة وضربت حصاراً على عنقها الحق اشد الضرر بالاقتصاد الفلسطيني والبنية التحتية . ولولا صمود الشعب الفلسطيني والارادة التي يتمتع بها والتمسك بصلابة بشروطه لاطلاق سراح شاليط لما تمت الصفقة ولما كانت تخرج الى النور . وهذا بلا شك يعتبر انجازاً كبيرا ًوانتصاراً على السجان وحكومة الاحتلال . ولا اعرف اذا كانت هنالك صفقة او معجزة اخرى كانت ستحرر هذا العدد من الاسرى والاسيرات من مختلف الفصائل الفلسطينية . وعليه فان الغمز واللمز واللؤم الواضح في بعض الطروحات هدفها استفزاز المشاعر العربية والفلسطينية والتقليل من شأن واهمية صفقة التبادل.

 

الكاتب اليساري والمحنة

س3: سلام كاظم فرج:سأطرح سؤالا غريبا. ارجو ان لا أرجم من خلاله من قبل البعض كما يفعلون معي احيانا حين اتبنى اسئلة تخطر في البال حين اضع نفسي في ضفة خارج الضفاف التقليدية

 استاذي العزيز.. من خلال متابعتي لكتاباتك اجد فيها تلك التلقائية الجميلة والروح الصافية والمبدأية والاخلاص لرؤيتك فاغبطك.. .. . هذه الروح أجدها ايضا عند توفيق زياد ومعين بسيسو واميل حبيبي.. اليساري الفلسطيني يتعرض لقمع سلطوي لكنه لم يفقد إنسانيته.. اليساري في البلدان العربية حين يخرج من السجن يخرج محطما كما وصفه عبد الرحمن منيف.( في شرق المتوسط) رؤيتي الغريبة تقول ان الفضل يعود للسجان!!!!؟؟

شاكر فريد حسن: ليس كل يساري يخرج من السجن محطماً، فهنالك من يخرج اكثر صلابة وعناداً وتفولذاً وتجربة وايماناً بالقضايا المقدسة التي يدافع عنها، واكثر التحاماً بطريق الكفاح والنضال، ويرى في السجن مدرسة للتحدي .وبالمقابل هناك من يقضي فترات في غياهب السجن ويخرج محطماً من الناحية النفسية نتيجة آلام التعذيب والتنكيل وكرباج السجان، وعدم تحمله واقع المعاناة وراء قضبان واغلال المعتقل . وفي هذا المقام يحضرني ما قاله الكاتب السوري الراحل محمد الماغوط :" حسيت انه بداخلي شيء تحطم بعد السجن، كل كتاباتي مسرح شعر سينما صحافة حتى ارمم هذا الكسر وما قدرت . السجن مثل الشجرة له شروش شروشه يتروح على القصيدة على المسرحية على الفيلم".

 

س4: سلام كاظم فرج:ما نديلا خرج بعد ثلاثين عاما من السجن وقاد أمة نحو الحرية.. لم اجد سجينا عربيا يفعل ذلك.. شهر واحد يكفي لتحطيمه تماما.. ويحتاج الى مراجعة عشرات العيادات في الطب النفسي.. هل الفضل هنا يعود للسجين ام السجان؟؟

شاكر فريد حسن: مانديلا اشهر سجين في العالم، ومن اعظم من انجبتهم البشرية وحركات التحرر . وهو رمز للنضال والمقاومة والكرامة والصمود والاباء والشموخ ورفض التمييز العنصري الابرتهايدي . قضى 30 عاماً وراء القضبان فلم يرضخ او يستسلم، ولم يساوم وفدى شعبه بحريتة، رافضاً عرضاً بتحريره من الاسر مقابل وقف المقاومة المسلحة .

والفضل هنا يعود لشخصية هذا السجين والمناضل الافريقي العنيد، الذي كان يقول دائماً "الانسان الحر كلما صعد جبلاً عظيماً وجد وراءه اجيالاً يصعدها". والسؤال كم مانديلاً في هذا العالم الرحب ..؟!

 

الربيع العربي وفلسطين

س5: سلام كاظم فرج: الاعلام يسلط الضوء بضجيج واضح على الربيع العربي.. لكني أجد ان الربيع الفلسطيني ... مهمش اعلاميا. وقرأت من خلالك ان ثمة ربيع واعد.. في فلسطين.. هنالك من وصل به القرف. من نزاع الاخوة في حماس وفتح الى مطالبتهما بالكف عن المهاترات. واجد ان هنالك تهديدا حقيقيا من شباب فلسطين لنبذ الطرفين والبحث عن بدائل سياسية. هذا الربيع. انا كمتابع ومحب لشعب فلسطين اجده. واعدا ويبشر بتغيير شامل. كيف ينظر اليه الاستاذ شاكر؟

شاكر فريد حسن: الربيع الفلسطيني الحقيقي مثله اي ربيع حرية في العالم لا يخرج الى الحياة والوجود الا عبر الحق والتشبث بالحقوق الوطنية والمشروع التحرري الاستقلالي الوطني، الذي يلبي احلام ومطالب شعبنا بالعودة وتقرير المصير واقامة الدولة الوطنية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني في حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ونسائم هذا الربيع هبت حين نزل الشباب الفلسطيني الى الشوارع والميادين في الخامس عشر من آذار مطالبين بانهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي المدمر، لما له من آثار ضارة على مسيرة النضال والتحرر والبناء . وهذا التحرك الشبابي اثمر عن التوصل لاتفاق المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس"، الذي للاسف لم ينفذ ولم يترجم على ارض الواقع حتى اليوم .

وكنا تلمسنا معالم طريق الربيع الفلسطيني في خطاب محمود عباس وتقديمه استحقاق ايلول في الامم المتحدة، حيث قال :" دقت ساعة الربيع الفلسطيني، دقت ساعة الاستقلال".

لا اريد ان اتفاءل كثيراً بل ساتشاءل على حد تعبير الروائي الفلسطيني الراحل اميل حبيبي، واقول لن تتفتح براعم حقيقية، ولن يبرعم الروض الفلسطيني دون الفرح الفلسطيني، باعتراف العالم كله بدولة فلسطين المستقلة.

 

س6: سلام كاظم فرج:كيف تنظر. للربيع الشعبي الاسرائيلي؟! هل عندهم ربيع ايضا.؟

شاكر فريد حسن: الربيع الشعبي الاسرائيلي بدأ مع انتفاضة الخيام واندلاع شرارة الاحتجاجات الشعبية على الاوضاع الاجتماعية وارتفاع اسعار السكن، وتجلى في المظاهرة الجبارة التي شارك فيها عشرات الآلاف من الاسرائيليين .

وهذه هي اول مرة تشهد فيها اسرائيل منذ قيامها مثل هذا الحراك الشعبي وحركة الاحتجاج الاجتماعي، مستلهمين ثورات الربيع العربي ونموذج ميدان التحرير بالقاهرة ـ رغم الفارق بينهما كالثرى والثريا.

وفي الحقيقة ان هذا الربيع انكفأ الى خريف وتراجع الى الخلف لان الحركة اغفلت الاسباب والعوامل السياسية للازمة الاجتماعية ونتائجها، وانتهى بدون مكاسب تذكر، وتم تفكيك الخيام المنصوبة في جادة روتشيلد بتل ابيب من قبل البلدية وبايعاز من الدوائر السلطوية العليا. كما تم تنفيس الغضب الشعبي المتراكم بالوعود المعسولة من جانب رئيس الحكومة نتنياهو بتحقيق مطالب حركة الاحتجاج للعدل الاجتماعي ..!

 

س7: سلام كاظم فرج:والربيع الاميركي؟؟ اعتقد ان بوادر حركة يسارية راكزة وعلمية بدأت من شوارع وول ستريت؟؟ كيف تنظر الى الحراك الشعبي الاميركي؟؟

شاكر فريد : الحراك في الشوارع الامريكية نعتبره انطلاقة مباركة ويجب ان يستمر لكي يحقق اهدافه وغاياته، ولا نتفاءل كثيراً به.

 

اليسار الفلسطيني

س8: سلام كاظم فرج:اليسار الفلسطيني في يومنا هذا.. ماهو واقعه. وما هي توقعاتكم. ؟؟.

شاكر فريد حسن: اليسار الفلسطيني آخذ بالتراجع والانحسار والتقوقع بعد ان كان فاعلاً في الشارع الجماهيري الفلسطيني،وفقد رونقه في المشهد السياسي الفلسطيني في اعقاب انهيار المنظومة الاشتراكية وغياب الاتحاد السوفييتي عن الساحة العالمية وتأثيره على مجرى الاحداث، ولم تعد افكاره ورؤاه تلبي طموحات واحلام الشباب الفلسطيني في عصر المادة والانترنت والفيسبوك والايفون، وهجرته الجماهير لانها ادركت بحسها العفوي عجزه عن تغيير واقعها البائس المرير وعدم طرح البديل الموضوعي وايجاد حلول لقضاياها ومشاكلها اليومية المعيشية .

في الماضي كان اليسار الفلسطيني صاحب رؤى وطنية ثابتة وقيم ثورية راسخة، وكان مشارك دائم في الحياة الاجتماعية والسياسية الفلسطينية، وبدلاً من مناهضته سلطة اوسلو والوقوف ضد القيادات البرجوازية الكبرادورية فانه يبحث عن فتات وقواسم مشتركة مع السلطة .

وباختصار يمكن القول،ان تراجع دور وحضور اليسار الفلسطيني هو من ابرز السمات العامة التي تطبع المشهد السياسي الفلسطيني وتفاعلاته اليومية، وغدا يعيش على هامش الخارطة السياسية، ويطالب الاعتراف به كمعارضة موالية ووسيط في الخلافات بين حركتي "فتح" و"حماس" . وتأسيساً على ذلك فان اليسار مطالب في هذا المرحلة العاصفة بمراجعة فكرية نقدية ذاتية شجاعة، وتنظيف ما علق به من شوائب وطحالب، والعودة الى الشارع بطرح جديد مختلف ونموذج نضالي وعلمي مرتبط وملتصق بالمصالح الوطنية والشعبية، وصياغة مشروع وطني تحرري يلبي طموحات ومصالح الجماهير الفلسطينية الكادحة . علاوة على تجميع كل القوى اليسارية بتشكيلاتها وتلويناتها المختلفة في بوتقة واحدة ووعاء واحد، واحياء التثقيف الحزبي اليساري الواسع والشامل، ووضع برامج تثقيفية وتنويرية، وتأسيس منظومة اعلامية قادرة على تأصيل وتعميق دور الثقافة والفكر والوعي في الحياة العملية والاجتماعية الفلسطينية . واذا لم يسارع اليسار الفلسطيني لملمة صفوفه والاستفادة من اخطاء الماضي واعادة النظر في ادائه وممارساته وسياساته فان الزمن سيتجاوزه بغير رجعة.

 

س9: سلام كاظم فرج:حزب راكاح.. كيف تقيم مسيرته؟؟

شاكر فريد حسن: راكاح حزب سياسي وشيوعي معارض ينشط في اسرائيل منذ النكبة، وهو قوة سياسية لها وزنها على خارطة قوى اليسار والمعارضة المناهضة لسياسة حكام اسرائيل العدوانية التوسعية . وقد لعب ولا يزال يلعب دوراً بارزاً ورئيسياً هاماً في معارك الجماهير العربية الفلسطينية، التي صمدت وبقيت في ارضها ووطنها، وطن الآباء والاجداد، من اجل المساواة والديمقراطية والسلام والعدالة الاجتماعية والتقدم الحضاري العصري.

ولراكح دور كبير في مواجهة الحكم العسكري البغيض الذي فرضته السلطات الاسرائيلية الحاكمة على تحرك وعمل هذه الجماهير، وفي صقل الوعي السياسي والفكري والحفاظ على لغتنا العربية وصيانة الهوية الوطنية لشعبنا . وقد ارسى فكراً نضالياً تقدمياً مقاوماً لسياسة القهر والتمييز العنصري وسلب الارض ومصادرتها، وسياسة الاقتلاع والتشريد والترحيل من الوطن، وسياسة التجهيل والعدمية القومية، التي انتهجتها ومارستها حكومات اسرائيل المتعاقبة بحق جماهيرنا . كما كان له مساهمة كبرى في بناء وتأسيس تيار ثقافي تقدمي تمثل بالادب الفلسطيني الاحتجاجي الرافض والمقاوم، ادب الالتزام بالقضايا الوطنية والطبقية والتحررية والمفصلية .

وقد أدت ادبيات وصحافة الحزب الشيوعي الاسرائيلي راكاح "الاتحاد، الجديد، الغد" دوراً تعبوياً وتحريضياً وثقافياً وسياسياً في الحراك الثقافي والنهضة الادبية والثقافية الفلسطينية، وعمقت ارتباطنا بالثقافة الوطنية والتقدمية والانسانية العالمية، وساهمت مساهمة عظيمة في احياء تراث وتاريخ وتقاليد شعبنا . كذلك شكلت مدرسة لتخريج ليس كوادر الكتاب التقدميين والوطنيين وانما تخريج كوادر من القراء المثقفين، بما قدمته ونشرته من دراسات وابحاث ونصوص شعرية ونثرية ومعالجات وتحليلات سياسية ومداخلات فكرية اغنت حركتنا الثقافية والفكرية الفلسطينية والعربية .

وقد علمتنا مكافحة الظلم والقهر والاستبداد والاضطهاد، وربتنا على القيم والاخلاق الثورية وحب الحياة وتقديسها .

وبالرغم من النكسات والتراجعات وظهور احزاب جديدة على ساحة النضال والكفاح بين جماهيرنا، الا ان راكاح يبقى الحزب النشيط الفاعل، وهو يحمل رسالة وطنية تقدمية وثورية وله مواقف ثابتة وراسخة من مجمل التغيرات والتطورات والاحداث السياسية في العالم العربي والساحة الشرق اوسطية والعالمي . ويشارله بالتقدير لتوجهاته ومواقفه السياسية وبرنامجه السياسي لحل المعضلة الفلسطينية على اساس "دولتين لشعبين"،وسيبقى حجارة الوادي في النهر الفلسطيني..

 

قراءات ثقافية

س10: سلام كاظم فرج:مجلة شؤون فلسطينية كانت احدى مصادرنا في التعرف على القضية الفلسطينية. وكان مدرس مادة فلسطين الدكتور غسان العطية ينصحنا بأقتنائها.. هل ما زالت على حيويتها وجدتها؟؟

شاكر فريد حسن: مجلة "شؤون فلسطينية " هي من اهم المجلات الثقافية والفكرية الفلسطينية النخبوية الرصينة، التي صدرت خارج حدود الوطن، في المنافي والمهاجر القسرية، وكان لها اسهام ريادي ودور ثقافي وسياسي تعبوي في المسيرة الثقافية والكفاحية للشعب الفلسطيني، وقد تميزت بجديتها واهتمت بنشر الدراسات والمداخلات ذات الافق السياسي الواضح، الذي يخدم القضية الوطنية الفلسطينية والشأن الفلسطيني .

وبخصوص سؤالك اذا كانت على حيويتها وجديتها، فانني منذ زمن بعيد لم يتسنى لي الاطلاع على اعدادها لتعذر وصولها الى الداخل الفلسطيني (مناطق العام 1948) ولذلك لا استطيع تقديم اجابة قاطعة عن هذا التساؤل.

 

س11: سلام كاظم فرج:بصراحة.. هل قرأت كتاب بروتوكولات حكماء صهيون؟ او هل قرأت عنه؟؟ . وكيف تقيمه؟.

شاكر فريد حسن: بروتوكولات حكماء صهيون هي مجموعة من النصوص تتحدث عن "مشروع" او "خطة" لسيطرة اليهود على العالم . نشرت لاول مرة سنة 1903 في صحيفة زناميا الصادرة في مدينة سانت بطرسبورغ بروسيا،وهي عبارة عن خدعة وتزوير للحقيقة . وكانت هذه الكتابات والنصوص قد اثارت الجدل الواسع وقام السويسري زاندر بنشر مقالات عدة اشار فيها الى ان هذه البروتوكولات حقيقة تاريخية، وجرّاء ذلك جرى تقديمه للمساءلة والمحاكمة.

اما عن مصداقية هذه النصوص فقد قامت صحيفة التايمز باجراء تحقيق صحفي خلصت فيه الى ان هذه الكتابات هي تزوير لكتاب ادبي فرنسي.

 

س12: سلام كاظم فرج:عفوا انا اجد فيه إحبولة حاكتها مخابرات روسيا القيصرية اكثر مما هو كتاب صهيوني حقا..

شاكر فريد حسن: انني اصدقك القول بان هذه الكتابات احبولة نسجتها روسيا القيصرية بهدف خلق بلبلة وفوضى اكثر مما هي كتابات صهيونية .

 

 س13: سلام كاظم فرج: ..توجد مقالة كانت من بين مقررات درسنا عن القضية الفلسطينية لكارل ماركس.. عنوانها المسألة اليهودية. هل ترى ان ماركس قد أجاد تشخيص جوهر المسألة اليهودية؟؟

شاكر فريد حسن: رغم تحفظي من بعض اقوال ماركس بخصوص المسألة اليهودية، لكني استطيع القول انه اجاد في تشخيص جوهر هذه المسألة انطلاقاً من المفهوم الجدلي الماركسي.

 

س14: سلام كاظم فرج:. كان المفكر ادوارد سعيد يشجع الفلسطينيين على القبول بنظرية الدولتين. بعد اتفاقات اوسلو.. تغيرت بعض مواقف المفكر الكبير وكان ينتقد القيادة الفلسطينية. حتى قال المرحوم عرفات بضجر. (هو الدكتور سعيد عايز ايه بالضبط؟؟)

 انا أسأل الباحث الاستاذ شاكر.. (هو الدكتور ادوارد سعيد كان عايز ايه بالضبط).. بقدر تعلق الامر بالشأن الفلسطيني؟؟

شاكر فريد حسن: المثقف الفلسطيني الكبير والاكاديمي الراحل ب. ادوار سعيد اختار حلاً للقضية الفلسطينية وفق منظوره الخاص ورؤيته الخاصة للصراع، وقد ارتضى حل الدولتين لكنه لم يوافق على اوسلو، معتبراً الوضع الراهن للفلسطينيين بمثابة اجحاف بحق الفلسطينيين اللاجئين في الخيام، واقترح دولة ثنائية القومية . وقد رأى ان الحل النهائي يكمن بقيام دولة علمانية ديمقراطية ثنائية القومية في فلسطين التاريخية يتمتع فيها جميع المواطنين بالحقوق المتساوية بصرف النظر عن اللون والجنس والدين، وهذا ما كان يطمح ويصبو اليه ويحلم به.

 

النكتة الشعبية

س15: سلام كاظم فرج:النكتة الشعبية في المجتمع الاسرائيلي ودورها السياسي. هل لديكم اطلاع بشأنها؟

 كنت قد قرأت مقالة في الثمانينات لصديقي الدكتور العراقي عامر حسن فياض عن النكتة الاسرائيلية. تناولها سياسيا.؟؟ وهل هنالك نكاتا سياسية فلسطينية؟؟ يهمني التعرف على دورها من خلال دراسة عميقة؟؟.

شاكر فريد حسن: المجتمع الاسرائيلي كغيره من المجتمعات له نكاته وطرائفه ونوادره السياسية . وهذه النكات بمثابة قناة للفضفضة والتعبير عن نبض الشعب وغضبه واستهزائه وسخريته من القيادة السياسية الحاكمة .

وتختلف النكتة الشعبية الاسرائيلية كثيراً عن التصريحات السياسية الصهيونية، وتتبدى فيها الورطة التاريخية والسياسية للقادة الاسرائيليين، وتكشف احابيلهم واكاذيبهم ومزاعمهم .

ومن النكات التي تحفل بها الصحافة الاسرائيلية والاعلام العبري نكتة تقول: "ليفي اخذ اجازة من شغله في تل ابيب، وسافر يستمتع بشمس فلوريدا الدافية . مراته قررت تلحقه بع يومين . اول ما وصل وارتاح قرر يبعث لها اميل يوصف جمال المكان وعبقريته. ليفي غلط في كتابة حرف من عنوان الاميل فوصلت الرسالة الى عنوان زوجة قسيس مات من يومين، الست كانت فاتحة الاميل تقرأ رسائل القراء . شافت الرسالة صرخت:وماتت في ساعتها . دخل اقاربها، شافوا الموقف وبدأوا يقرأوا الايميل: زوجتي العزيزة، وصلت من ساعة. المشوار كان طويل ومرهق، لكن الموضوع يستاهل: كل شيء هنا جميل، الشجر، الجناين، الاكل اللذيذ، انا حاسس وكانني في بيتناارتاح شوية. ودلوقتي اروح ارتاح شوية. بس عاوز اقولك انا كلمت الناس هنا وكلهم متوقعين انك تيجي بكره . انا متأكد ان المكان حيعجبك . زوجك حبيبك للابد..!

- اجل هناك نكات سياسية فلسطينية كثيرة تتناقلها الالسن والشفاه والمواقع الالكترونية ووسائل الاعلام المختلفة، ويشتهر بابداع هذه النكات الخلايلة (اهل الخليل).

والنكتة هي فن قائم بحد ذاته، ولون من الوان الادب الشعبي الساخر، وجزء من الثقافة الشفوية العامة، ومؤشر على نمو الوعي السياسي للشعب . وهي تتخذ طابع الهزل والنقد اللاذع، وتعتمد على التكثيف والايجاز، وكل نكتة لها خصوصيتها وميزتها ونكهتها .

والنكتة مرآة المجتمع وذلك لارتباطها المباشر بصيرورة هذا المجتمع وحركته السياسية والثقافية والاقتصادية،وهي اقرب ما تكون الى "انفجارات " تصعد من قهر التراكمات اليومية فتكشف عن مضامين واشكال النضال الجماهيري بادق التفاصيل المختلفة.

وفي الحالة الفلسطينية فان النكتة تصدر عن عمق الحدث والواقع الاجتماعي والسياسي المعاش والقائم، ولها دور سلبي وايجابي. فمن الناحية السلبية تأتي هذه النكتة تنفيساً عن غضب وكبت ازاء وضع اجتماعي وسياسي معين، بينما وظيفتها الايجابية فهي استيعاب وفهم الواقع السياسي والاجتماعي الراهن ونقده ومحاولة تغييره وتبديله، بالاضافة الى تعرية وفضح وكشف الظواهر السلبية في المجتمع التقليدي .

وبالتالي فان النكتة ليست خبراً مباشراً او نقداً مباشراً، وانما هي عبارة عن تلميحة لشيء خفي .

 

امريكا والقضية الفلسطينية

س16: سلام كاظم فرج:لاحظت ان هنالك تناقضا في الدور الاميركي في مجلس الامن. فهي من جهة تشجع الفلسطينيين على قبول نظرية الدولتين ومن جهة تقف حجر عثرة في طريق الاعتراف بدولة فلسطين . . كيف تنظرون للأمر؟؟

شاكر فريد حسن: الرؤيا الامريكية ازاء القضية الفلسطينية، والسياسات الامريكية لم تتبدل ولم تتغير، رغم تبدل الادارات، وستظل امريكا الداعم والمناصر والمؤيد للسياسة الرسمية الاسرائيلية، واعتماد الكيان الاسرائيلي كقاعدة متقدمة لضرب حركات التحرر الوطني وبسط النفوذ الامريكي والهيمنة الامبريالية على المنطقة برمتها، والسيطرة على الثروات الطبيعية والنفطية.

والادارة الامريكية الحالية كسابقاتها تمارس العهر السياسي واتباع سياسة ازدواجية المعايير عندما يتعلق الامر باسرائيل . ورغم قبولها بحل الدولتين الا انها تسعى الى اجهاض المسعى الفلسطيني في الامم المتحدة وتكريس سياسة الامر الواقع وابقاء الوضع السياسي في المنطقة على حاله.

 

س17: سلام كاظم فرج:خلافات حماس وفتح. تصيبنا بالاحباط نحن متابعي الشأن الفلسطيني.. اما لهذا الخلاف من نهاية؟ اليس بالامكان ان يكون الجهد تكامليا لا متقاطعا؟؟

شاكر فريد حسن: منذ الانتخابات التشريعية الفلسطينية يشهد الشارع الفلسطيني انقساماً في الصف الوطني، وصداماً عنيفاً بين حركتي "فتح" و"حماس"، وكل طرف يطعن بمواقف الطرف الآخر، مع انه من المفترض ان تكون القضية الوطنية المقدسة هي الجامع والقاسم الذي يوحدهم ولا يفرقهم. ومما يؤسف له ان الخلافات والصراعات بين الجانبين تحولت الى اقتتال دموي بالسلاح، سالت على اثره دماء فلسطينية ذكية .

والحقيقة ان طبيعة الخلاف بين الحركتين ليس صراعاً على السلطة فقط، وانما هو تناقض بين مشروعين ونهجين سياسيين مختلفين، هما مشروع المقاومة، ونهج التسوية والتفاوض.

ولا شك ان هذا الصراع احدث ضراً بالغاً للمسيرة التحررية الفلسطينية وللقضية الفلسطينية في الاجندات العالمية، وهو لا يخدم سوى اعداء الشعب والقضية .

وكانت جرت في السابق محاولات لرأب الصدع وانهاء التناقضات واعادة اللحمة للبيت الفلسطيني، لكن كل هذه المحاولات ذهبت ادراج الرياح ولم يكتب لها النجاح. وبعد انطلاق فعاليات الشباب الفلسطيني في الخامس عشر من آذار تكللت الجهود الوطنية بالاعلان عن اتفاق المصالحة في القاهرة وانهاء الخالة الانقسامية في الشارع السياسي الفلسطيني . لكن هذا الاتفاق لم يخرج الى حيز التنفيذ نتيجة بعض الصعاب والعثرات والعقبات، التي من الضروري تذليلها وانهاء ملف المصالحة . وهذا ما يحلم به ابناء الشعب الفلسطيني ومعهم كل الغيورين على المصلحة الوطنية الفلسطينية من القوى الوطنية والتقدمية والتحررية في الوطن العربي.

ولا جدال بان وحدة الفصائل الفلسطينية باكملها هي مصلحة وطنية من الدرجة الاولى وضرورة ملحة، ومن شأنها احراز المزيد من المكاسب السياسية لصالح القضية الفلسطينية...

 

س18: سلام كاظم فرج: مابين قصيدة الشاعر عبد الرحيم محمود (سأحمل روحي على راحتي والقي بها في مهاوي الردى..) وآخر قصيدة لمحمود درويش.. ثمة تطور كبير في الرؤية الفلسطينية لطبيعة العلاقة بين الفلسطيني صاحب الارض وبين الصهيوني القادم من الاماكن القصية..

 ام تراني مخطئأ في قرائتي؟؟..

شاكر فريد حسن: اتفق معك بان ثمة تطور كبير طرأ على الرؤية الفلسطينية لطبيعة العلاقة بين الفلسطيني صاحب الارض وبين الصهيوني القادم من اقاصي الدنيا، ما بين ولادة قصيدة عبد الرحيم محمود وآخر قصيدة لقمر فلسطين الراحل محمود درويش . وهذا الامر نابع من الرؤية الفلسطينية الانسانية والنظرة البعيدة عن الشوفينية، ونتيجة تغير الظروف والاوضاع السياسية، والتحول في الطرح الفلسطيني تجاه الصراع بين الشعبين خصوصاً بعد اوسلو.

 

س19: سلام كاظم فرج:أنا اتحدث عن قصيدة للشاعر محمود درويش يخاطب فيها رجلا اسرائيليا يحمل بندقية. يقول له .. (لو تأخرت الطلقة..). ربما كان سيولد من صلب الفتى الفلسطيني الذي قتلته الطلقة حفيدا للجندي . ويعني ايضا العكس اي لو تأخرت الطلقة عن قتل طفلة فلسطينية.. هذا التطور الهائل في الرؤية.. أراه يقدم الفلسطيني للعالم بصورة تختلف عما تضخه الدعاية الاسرائيلية.. ويرتقي بصورتنا امام العالم.. بعض الشكلانيين يرون في ذلك خيانة للقضية.... انتظر قراءة متقدمة لهذه الفكرة من الباحث الاستاذ شاكر فريد؟؟

شاكر فريد حسن: اجل، الشاعر الفلسطيني محمود درويش في هذه القصيدة يقدم رؤية انسانية وسياسية ذات بعد واضح في مواجهة الرواية الاسرائيلية، وهذا الامر لا اعتبره خيانة للقضية، وانما هو خدمة جلى للقضية التي كان يدافع ويذود عنها، والقصيدة تعري وتفضح زيف الدعاية الصهيونية بان الفلسطينيين يريدون رمي اليهود في البحر .

 

اليسار ثانية

س20: سلام كاظم فرج:فلسطينيا وعربيا وعالميا.. هل لليسار الماركسي مستقبل واعد؟؟ انا ارى انهم يحرثون في البحر!!!

شاكر فريد حسن: اليسار الماركسي كان وسيبقى رهين المحبسين ولم ينجح في خلق البدائل، وكما قال المفكر والايديولوجي اللبناني كريم مروة "اليسار فشل في انتاج ماركسية راهنة".

المطلوب اليوم هو فرز لقوى اليسار التي تسمي نفسها يسار او يسار ماركسي وتنتمي للعلمانية والماركسية، وما بين قوى اليسار المزيف الوهمي . وبنظري ان اليسار الماركسي يمكن ان يكون له مستقبل اذا اعاد النظر في الكثير من مسلماته ومواقفه وطروحاته، واجراء مراجعة نقدية لمسيرته واستخلاص العبر من الماضي، وان ينغمس بواقع وحياة الناس ويلتصق بالطبقات الشعبية المسحوقة الكادحة الفقيرة والمهمشة، وتقديم اجوبة وحلول جذرية للكثير من المشاكل الاجتماعية والسياسية والمسائل المطروحة العالقة، وان يكون صوتاً معبراً وصادقاً يرفع مطالب الشعب ويعمل على الرقي بالوعي الطبقي والايديولوجي لدى الجماهير المنسحقة، وتعزيز مواقفه كتيار فكري وسياسي اصيل في حركة التحرر العربية، وفي النضال الديمقراطي والاجتماعي والفكري والثقافي . وبدون ذلك فان اليسار كما قلت سيبقى يحرث في البحر او ارض بور.

 

س21: سلام كاظم فرج:ارجو منكم في ختام حوار مرآيا. اعطاء نبذة عن القضية الفلسطينية. الواقع والتوقعات. سياسيا فكريا. وعلى صعيد الادب في الشعر والسرد..

شاكر فريد حسن: القضية الفلسطينية لم تطرح على الاجندة والمحاور العالمية مثلما تطرح اليوم، خاصة بعد استحقاق ايلول، وباتت تتصدر واجهة الاحداث المحلية والاقليمية . فقد بدا العالم يعي جيداً، بفعل الصمود والمقاومة والنضال الفلسطيني الدؤوب والمثابر، اهمية ايجاد حل عادل لقضية الشعب الفلسطيني، لكي يتحرر ويقيم دولته الوطنية المستقلة، وان يعيش كبقية شعوب الدنيا، رغم المحاولات المحمومة التي تقوم بها الادرة الامريكة والمؤسسة الاحتلالية الصهيونية لافشال المسعى الفلسطيني للاعتراف بالدولة الفلسطينية العتيدة .

ولا ريب ان القضية الفلسطينية تقف اليوم امام منعطف تاريخي ولحظة فاصلة، وهذا يتطلب الاسراع في المصالحة الوطنية لمواجهة التحديات الراهنة التي تعصف بالشعب الفلسطيني، ولاجل وأد ودفن كل المخططات والمشاريع الامبريالية الرامية الى تكريس الاستيطان وتخليد الاحتلال الاسرائيلي.

اما عن القضية الفلسطينية في الادب، الشعر والسرد، فانها تظل في صيرورة النشيد وعلى امتداد الخاصرة والقصيدة المعبأة برائحة الجذور وعبق الوطن وشذى زعتره وبرتقاله، وتبقى الارض الزغرودة والصوت الذي لا ينام.

وقدر الشعر والادب ان يولد من رحم المعاناة والالم والوجع الفلسطيني ويترعرع في احضان القضية الفلسطينية . ومعادلة المقاومة لا تزال تفرض نفسها على المشهد الادبي الفلسطيني، رغم نكوصها في النصوص الشعرية والادبية والقصصية بفعل اوسلو وثقافة اوسلو الجديدة .

وغني عن القول، بانه لا ابداع بدون وطن وارض وهوية وانتماء، وما قيمة الادب الذي لا يلتزم هموم وقضايا الوطن والشعب ولا يلتصق بالهم والجرح وشقاء المخيمات، ولا ينتمي لفلسطين، تاريخاً وحضارة ومكاناً وزماناً وقضية وانساناً ..!!

 

س22: سلام كاظم فرج:بعد رحيل الكبار درويش وتوفيق زياد ومعين بسيسو واميل حبيبي. هل ترى في القامات الادبية الفلسطينية ما يمكن ان يناظر تلك القامات الشامخة وهل تأمل في جيل الشباب ان يعوض تلك الخسارات؟ انطلاقا من مقولة زياد.. ادفنوا امواتكم وانهضوا؟؟

شاكر فريد حسن: ثمة الكثير من القامات الشعرية والادبية الفلسطينية، التي غيبها الموت،وواريناها التراب، وظلت ذكراها عزيزة وغالية في قلوبنا ووعينا، وحبها اقوى ومكانتها اعظم . لكن لكل قامة من هذه القامات ميزات خاصة وروح خاصة ونفس مختلف عن الآخر . ولا يمكن تعويض الخسارة بفقدان هؤلاء الاعلام الكبار،الذين كانوا في الطليعة الادبية وساهموا في الشأن الادبي الفلسطيني وتركوا بصمات واضحة بالتزامهم الوطني والفكري والعقائدي.

وهذا الفراغ الذي تركوه لا ولن يملأه احد، بالرغم من بروز طاقات ابداعية وخلاقة من الاجيال الجديدة على ساحة الادب والابداع .

 

سلام كاظم فرج:الشكر الجزيل للباحث الفلسطيني الاستاذ شاكر فريد حسن على إستجابته لدعوة المثقف. والاعتذار له وللسادة القراء والسيدات عما بدا في اسئلتي من غرابة لا تستقيم والخطاب السائد. انما هي محاولة لتركيز الرؤى. والوصول الى البؤرة خارج قشرة السائد. وكانت اجوبة الاستاذ الباحث قد أجابت بوضوح. . فالذي يهمنا في باب مرآيا الاجوبة لا الاسئلة. التي تتوخى الاختلاف من اجل الوصول الى شعاع الحقيقة من خلال تجربة اديب ومفكر وباحث فلسطيني مهم..

 الف شكر استاذنا الباحث شاكر فريد حسن..

شاكر فريد حسن: ولكم الشكر ولصحيفة المثقف الغراء

 

خاص بالمثقف

  

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1919الأثنين 24 / 10 / 2011)

 

 

 

salam kadomfarajmustafa_almohajerمرايا ثقافية - فكرية: هذا الباب مفتاحه متاح لمن يرغب بولوج عوالم الفكر في الفلسفة والاقتصاد والاجتماع .. ولن يقتصر على محرر واحد بل سيتناوب عليه عدة محررين ..

 

 

وسيكون الرواق الذي سندخله فضاء رحبا لعدة متحاورين .. وشروط الدخول بسيطة أن يبدأ بين أثنين ولن ينتهي إلا بعد نفاد مبررات الاستمرار بالنقاش حوله .. بعيدا عن الانحيازات المسبقة الجامدة المنغلقة .. فنارنا البحث المشترك عن الحقيقة .. وعن النافع والمثمر لمسيرة الانسان العربي .. بل مسيرة الانسانية كلها .. وتفعيل الحراك الفكري. والإختلاف الجميل المتحضر. والاحترام المتبادل بين المختلفين ..

وإثارة الاسئلة بحثا عن الاجوبة .. وقد لاتكون هنالك اجوبة لبعض الاسئلة .. فالحكمة التي تقول لكل سؤال جواب. حكمة بالية .. وإلا لتوقف البحث منذ عدة قرون ولاستنفذت الاسئلة اجوبتها. ولاكتفينا بما أجابت عنه كتب الاقدمين.

 تظل الاسئلة تبحث عن اجوبتها. وما يظنه البعض بديهيا قد يراه اخر انه خاضع النقاش .. وكلاهما على حق .. ومن هنا إرتأت البشرية المتمدنة المتحضرة ان احترام الآخر المختلف إحدى إيقوناتها المقدسة .. وكلما تمكنت الأمة من إمتلاك زمام إدارة الحوارات الحضارية الطاردة للغة العنف والدم والتصفيات كلما امتلكت زمام التقدم والبناء والازدهار ..

وكم أراه مقيتا رفيقي وصاحبي الذي أشاركه الهم والافكار حين أراه كارها لخصمه وخصمي رافضا الحوار معه .. داعيا لوأده ووأد فكرته .. وكم أراه محترما خصمي حين يناديني أخي في الانسانية تعال لنتحاور. فأجيب .. نرجو ان تكون واضحة حقيقة ما نرمي إليه .. المحاور ستقتصر على شؤون الفكر والثقافة .. ونطمح ان نتجاوز لغة الاطراء إلى لغة البحث عن الفكرة والمشاركة الفاعلة في إضاءة الحوار او بعضا منه ..

من هنا. ومن خلال محاورة عابرة مع صديقي وأستاذي ماجد الغرباوي فكرنا برفد المثقف الغراء بمحاور جديدة .. تستقطب اهتمام المشتغلين بالسياسة والاجتماع والاقتصاد والفلسفة وهموم الفكر عموما ..

واليوم أبدأ محورنا الذي سيكون عن المقدس الديني ومبررات استخدامه في العمل السياسي من خلال رحلة حوارية شيقة وشاقة مع رجل أحب العراق وناضل في سبيل رفعته زمنا وتغرب وهاجر حتى لقب نفسه بالمهاجر إلى الابد . ربما مقتبسا فكرة لقبه من هجرة الرسول الاكرم وصحبه . إلى يثرب. التي سميت بالمدينة المنورة. او الفكرة الاسلامية حول ضرورة الهجرة حين تضيق بالاحرار البلدان.

 ذلك هو صديقي الشاعر والمناضل (المجاهد) . والمفكر مصطفى المهاجر .. والذي سأبدأ محورنا بسؤاله من حيث انتهيت

 

سلام كاظم: هل ترى أن هنالك فرقا في الدرجة او التوصيف بين مفردة مناضل ومفردة مجاهد؟؟

 مصطفى المهاجر: لا أملك من الغرور ما يكفي للفرح والاستمتاع بما أطلقته عليَّ من صفات يا صديقي .. فلستُ مفكراً ولا مناضلاً (مجاهداً) .. وفي الشعر .. لستُ سوى هاوٍ للشعر والأدب، أحاول أن أكون صادقاً مع نفسي في نقل مشاعرها عبر الكلمات الى الآخرين .. ربما تكون الصفة الأكثر صدقا في التوصيف هي (الضحية) .. نعم يا صديقي لا تستغرب، فنحن (أنا وأمثالي) ضحايا قمعٍ وطغيانٍ وهمجيةٍ وتخلف .. !!! وضحايا إهمالٍ ونسيانٍ وتجاهلٍ وإنكارٍ وقلة وفاءٍ أيضا .. !!!

ولكنني سأقبل المغامرة للدخول الى هذا الحوار الجاد جدا، مع أديبٍ جميلٍ ومفكرٍ كبيرٍ وناقدٍ مرموق .. وصديق أيضا .. وأعتبر ذلك شرفاً كبيراً وتقديراً ربما لا أستحقهُ من الأستاذين الكبيرين سلام كاظم فرج وماجد الغرباوي .. وربما يثير غباراً هما وأنا في غنى عنه .. !! فشكراً لهما .. .

لا ليس هناك فرق في المحتوى، الفرق في من يستخدم هذين المصطلحين فالعلمانيون يستخدمون المفردة الأولى، وذوو الاتجاه الديني يستخدمون المفردة الثانية، لما فيها من دلالات واستخدام ديني تاريخي.

 

سلام كاظم: شكرا جزيلا .. المهاجر الى الابد كيف تبررها لنفسك .. وكيف تبررها لنا؟؟

مصطفى المهاجر:  تلك قصة طويلة يا صديقي .. فقد كانت حساباتنا تقوم على أمل العودة الى ما كنا نسميه (وطن) بعد انتهاء أسباب الهجرة من قمع وطغيان ومصادرة للحريات، واعتقال للإخوة والأقارب والأصدقاء .. !! وبعد انتهاء تلك الآسباب وسقوط الجلاد وعصابته الفاشية المتخلفة .. بدأ ذلك الأمل وللأسف الشديد يتحول الى (سرابٍ بقيعة) .. !! ثم هاهو قد أصبح كابوساً مخيفا .. وأصدقك القول أنني أجد العراق الآن أبعدَ مما كان سابقا .. ومرة أخرى مع شديد الآسف .. !!! أما الى الأبد، أليس من المثير أن نرى في ذلك شبهاً بتجربة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ لم يعد الى مكة (الوطن) ليقيم فيها حتى بعد فتحها وانتصاره على مشركيها، بل بقي في المدينة ومات ودفن فيها ..

 

سلام كاظم: حزب الدعوة الاسلامية العراقي كيف كنت تراه بعين فتوتك وصباك؟ وكيف تراه الان بعين الكهولة؟؟

مصطفى المهاجر:  كنا نراه الأمل للوعي الحقيقي ولإنقاذ العراق من براثن السلطة الغاشمة والدكتاتورية الهمجية المتخلفة .. ولعلّ الكثير من ذلك الأمل لا يزال موجوداً .. بعيدا عن الانغمار الكامل في الممارسات السلطوية التي أبعدته، قليلاً أو كثيراً عن الأهداف الحقيقية الكبرى .. !! وثمة ما أشعر بالغصة منه تأريخياً وحاضراً، وهو عدم إيلاء الحركة الإسلامية في العراق عموماً للجانب الثقافي العام، فقد كان التركيز على الفكري والسياسي .. ربما بسبب طبيعة الصراع آنذاك، إذ لم تستطع خلق تيار ثقافي عام، وتحديداً في الجوانب الأدبية، كما فعلت الحركات العلمانية واليسارية، والحزب الشيوعي العراقي على وجه الخصوص.

 

سلام كاظم: هل ما زلت ترى إن اللفظة المقدسة صالحة كعلامة فارقة في العنوان السياسي لحزب ما او حركة سياسية او تيار؟؟

مصطفى المهاجر:  العلامات الفارقة الحقيقية على الأرض، هي المحتوى والمضمون وليست الألفاظ والشعارات، العمل والممارسة وليس الادعاءات المجردة عن مضامينها العملية النافعة .. !! هل ننسى أن أحزاب السلطة في معظم البلدان العربية خدعتنا طوال أكثر من نصف قرن، بشعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، وشعارات تحرير فلسطين .. !! ثم كانت النتيجة أننا أضعنا فلسطين، وبقية البلدان العربية في الطريق الى الضياع، اذا لم تكن قد ضاعت فعلاً .. !! فليست الكلمات والشعارات هي المعيار أبداً أبدا ..

 

سلام كاظم: في السودان استطاعت الحركة المهدية ان توظف المقدس وتستقطب المقاتلين ضد الاستعمار .. وفي ليبيا الحركة السنوسية ايضا .. هل ترى ان هذه التاكتيكات صالحة في عالم اليوم؟؟

مصطفى المهاجر: أظن أن الأمر لم يكن مجرد تكتيكات .. بل كان حرباً حقيقية استهدفت مقدرات الأمة وكيانها وعقيدتها ومواردها، من قبل قوى استعمارية واستكبارية تجاهر بأهدافها ولا تخفيها .. واليوم يتوقف مدى نجاح الاستخدام على الحاجة الحقيقية لها ومدى مصداقية من يستخدمها ومدى تجسيده لمضامينهاالعملية .. !!! وربما خالط ذلك كثير من الشوائب والاشكالات .. !!

 

سلام كاظم: هل ترى أن هنالك إمكانية لتعايش الملحدين مع المؤمنين في شرقنا العربي كما هو الحال في الغرب .. معنى التعايش .. الاحترام المتبادل . والمشاركة في بناء الاوطان والذب عنها ..؟؟

مصطفى المهاجر:  أعتقد أنهم متعايشون الآن عملياً في عدد من مناطق الشرق العربي .. وقد تقلصت مساحة التوترات الى حدٍّ بعيد.

 

سلام كاظم: تعدد الاحزاب الاسلامية في البلد الواحد .. هل تراه علامة عافية ام علامة وهن. وضعف؟؟

مصطفى المهاجر:  التعدد بحد ذاته علامة صحة وعافية فكرية وثقافية .. ليس للأحزاب الاسلامية فقط، بل لجميع التوجهات الفكرية والسياسية .. المشكلة حين يتحول هذا التعدد الى نزاع وتنازع واحتراب وتبادل للاتهامات بالتخوين والتآمر، ثم ينتقل الى محاولات التصفية السياسية والجسدية .. !!

 

سلام كاظم: في الغرب هنالك من يستدعي المقدس ايضا كالحزب الديمقراطي المسيحي على سبيل المثال .. هل ترى في ذلك بأسا؟؟ ام انهم احرار فيما يسمون فيه انفسهم؟؟؟؟

مصطفى المهاجر: كل شخص أو جهة أو حزب يختار ما يناسبه من تسميات يعتقد أنها تليق به وتتطابق مع أفكاره وأهدافه، أو هو يليق بها ويتطابق مع أفكارها وأهدافها .. وعليه أن يثبت عملياً أنه يجسد هذه التسميات على الأرض، سلوكاً ينسجم مع العنوان، وبرامج تجسد الشعار .. !!!

 

سلام كاظم: الإنشقاقات في الحزب الديني هل تضر الدين اكثر ام السياسة (الحزب) .. ام هي علامة عافية ..؟؟؟

مصطفى المهاجر: الانشقاق داخل الحركة أو الحزب، دينياً كان أو سياسياً، أحد مصاديق التعدد الفكري والسياسي، اذا لم يكن لأسباب مصلحية آنية أو بعيدة المدى، أو إرضاءً واستجابة لضغوط أو اغراءات خارجية، مادية أو سياسية غالبا .. ولا أحد يملك القدرة على الحد من ذلك أو منع حدوثه ..

 

سلام كاظم: رؤيتك للمستقبل العربي .. والمستقبل الانساني .. هل انت متفائل؟؟

مصطفى المهاجر: رغم عدم الوضوح والغبش الذي يخيّم على الواقع العربي .. فأنا متفائل بما يسمى بربيع الشعوب العربية .. وعندي أن فوضى ألف عام خيرٌ وأفضل من حكم طاغية متخلف كصدام، يوما واحدا ..

 

سلام كاظم: نظرية الدولتين في القضية الفلسطينية .. هل هي جدية .. أم خدعة تضاف الى الخدع القديمة؟؟؟؟

مصطفى المهاجر: لا أملك إجابة جاهزة على وجه الدقة يا صديقي، ولكن ألا ترى حجم خيبتنا وخسراننا ..؟؟!! فها نحن نتوسل العالم للحصول على ما رفضناه قبل أكثر من ستين عاما .. !!

 

سلام كاظم: الربيع العربي ماهي آفاقه؟؟؟؟

مصطفى المهاجر: يكفي أن المواطن العربي، صار له صوت يرفعه، وكلمة يقولها، ورأى يعبر عنه، دون أن تكون الطوامير بانتظاره، وحبل المشنقة معدا له، بتهمه التآمر على الذات الملكية، أو القائد الضرورة، أو الحزب القائد .. !!!

 

سلام كاظم: هل تنصح اولادك على السير في ذات الطريق الذي سلكه ابوهم؟؟!!

مصطفى المهاجر: إنهم عليه إن شاء الله، بالمعنى العام وليس الخاص، وعلينا ان لا ننسى مقولة أمير المؤمنين: (.. فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم ..).

 

سلام كاظم: أنا على العكس منك .. ربما بالمعنى العام .. نعم .. أن يكونوا طيبين محبين لوطنهم ولشعبهم .. وإنسانيين. لكن بالمعنى الخاص .. أفضل الحديث الشريف .. المؤمن لايلدغ من جحر مرتين .. رغم انني لدغت عشرات المرات ياصديقي .. من اجل ذلك أوصي أبنائي وبناتي ان لايقعوا فريسة المتاجرة بالشعارات .. مهما كانت تلك الشعارات براقة ونبيلة .. انا اشفق عليهم مما أصابني .. ولو انني حققت نتيجة ما .. ربما لكان الامر مغريا للمواصلة .. ولكن .. في السياسة .. كل شيء باطل وقبض ريح .. طبعا استاذي الكريم ملاحظتي الدخيلة على جوابك الكريم .. محاولة مني لتهيئة الذهن لفتح محور آخر بإذن الله في الايام القادمة .. ربما سيكون عنوانه .. هل تنصحوا اولادكم وبناتكم على خوض الغمار التي خاض فيها الاباء او الامهات؟؟

 

 

 شكرا .. .. سؤال آخر أخي العزيز .. هل ترى إن مجاهدي الامس قد أخلصوا فعلا لتراث الرسول عليه الصلاة والسلام وتراث علي بن ابي طالب عليه السلام؟؟؟؟

مصطفى المهاجر: إن اختبار السلطة وممارسة الحكم، اختبار عصيب وعسير .. وليس من العدل والانصاف أن يرفع الحاكم شعارات علي بن أبي طالب، ويسير في الناس بسيرة معاوية أو صدام .. !! وسوى ذلك، فطوابير الشهداء والمهاجرين والمهجرين، بذلوا الغالي والنفيس، وفاءً لدينهم وتراثهم العظيم ولوطنهم الغالي ..

 

سلام كاظم: هنا تكمن خطورة إقتباس المقدس في عالم السياسة .. وتوظيفه .. فالصراع المرير قد يتيح إختراق تلك المنظومات المبدأية .. ويحول المخلصين إلى شهداء وحسب .. والحياة تحتاج الى بناة حقيقيين .. لا الى شهداء ورموز نبيلة فقط .. والنكوص ومهما كانت التحديات كبيرة يحمل مخاطر تدمير الصورة النقية في الوجدان الجمعي .. ويخلف ردة مدمرة .. واحتمالات الفشل في السياسة اكبر من إحتمالات النجاح ..

 اعني ان البون الشاسع بين عنوان التنظيم وبين قدرات ممثليه يحمل خطورة مضاعفة .. ولنا في تجربة الشيوعيين مثلا قريبا .. فالعنوان كان يوحي بمجتمع خال من الطبقات واستغلال الانسان لاخيه الانسان .. وحين عجز الشيوعيون من الاقتراب من الخط النهائي لمشروعهم رغم مرور سبعين عاما على ثورة اكتوبر البلشفية. وخمسين عاما على ثورة الصين الماوية .. . نجد ان هنالك تباينا بين ما طرحه الدعاة وما انتجه الورثة .. فضمر الحماس للشيوعية رغم انها تنطوي على نظرية علمية راكزة ومبررة .. وجدية .. اخشى . على الاسلاميين ان يقعوا بذات المطب .. فاختيار المقدس رمزا .. قد يحشد ملايين الناس لكن ضعف الامكانية لتحقيق عشر ما يعنيه المقدس يحمل مخاطر جدية على المشروع وعلى المقدس نفسه. في حين ان العلماني واللبرالي والرأسمالي البراغماتي لا يخسر شيئا من هذا .. حين تسلمه سلطة ما. وخساراته دائما موقتة. لانه اعترف مسبقا انه يعمل ضمن شروط موضوعية حاكمة .. وعذره انه لم يوظف عقيدة ما .. سوى حراك الواقع الاقتصادي والاجتماعي .. ما أطرحه لا يمثل وجهة نظري .. لكنه قد يتيح مناظرة فكرية لاحقة حول هذه الموضوعة .. لعلنا نستنبط بديلا معقولا لمعضلة حقيقية تشكل تحديا للحركات العقيدية ..

من هنا يتبادر الى الذهن السؤال التالي ..

سلام كاظم: يتهم بعض المجاهدين والدعاة القدامى. أخوتهم مسؤولي اليوم بالمروق عن الجادة والإنغمار بالعلمانية او الوقوع في شراكها .. هل الاقتراب من العلمانيةسبة؟؟ ام هي مصدر قوة؟؟ سيما ان شروط اللعبة الديمقراطية تستوجب قبول الاخر والتفاعل معه سلبا وإيجابا؟؟ فمثلما يقبلك الاخر عليك بالقبول به والاعتراف بشرعية وجوده .. ما هو تعليقكم؟؟؟

مصطفى المهاجر: القضية ياصديقي، ليست اقترابا أو ابتعادا من هذه الجهة أو تلك، سياسيا أو فكريا، بل المسألة الأهم، هي مدى الاخلاص والوفاء للقيم والمبادىء، ومدى الوفاء للشعب ومصالحه الحياتية والوطنية، وأيضا مدى الوفاء للشهداء _شهداء الشعب بمختلف توجهاتهم_ ولعائلاتهم (أيتاما وأرامل)، ولاخوة الدرب والجهاد، وما قدمه كل أولئك من أعمارهم وطاقاتاتهم، كي يصل من وصلوا الى سدة الحكم، مع ملاحظة أن للسلطة متطلباتها وللحكم التزاماته .. والأهم من كل ذلك أن يرى الشعب أسلوبا مختلفا في الحكم، عما ثاروا عليه ورفضوه، وسلوكيات انسانية تعوضهم عن وحشية من سبقهم ..

 

سلام كاظم: التعايش مع الآخر المختلف هل تقتصر على إقامة شعائر مشتركة. كالصلاة المشتركة او الصوم في ذات اليوم او الاحتفاء بالعيد في ذات اليوم؟؟.

 مصطفى المهاجر: التعايش الحقيقي، هو الايمان الداخلي الصلب بحق الآخر في الاختلاف في كل شيىء .. وحقه في الحياة الكريمة مختلفا، دون منًّ ولا أذى، ودون أي انتقاص من مواطنته أو انسانيته .. وعدا ذلك مجرد شعارات ومظاهر، فيها شيىء من الايجابية، ولكنها ليست الهدف النهائي ..

 

سلام كاظم: تجربة غاندي ونظريته في اللاعنف .. هل تراها صالحة؟؟

مصطفى المهاجر: إيماني شديد بقول المتنبي العظيم .. ووضع الندى في موضع السيف بالعلا .. مضر كوضع السيف في موضع الندى.

 

سلام كاظم: نظرتك لنهازي الفرص والمتلونين الذين يغيرون جلودهم بسرعة .. كيف يمكن ان نتعايش معهم.؟؟ او ما هو السبيل للتخلص منهم؟؟!

مصطفى المهاجر: إنهم جزء كبير من المجتمع .. !! والانتهازية بمختلف أشكالها ودرجاتها، ثقافة متداولة في كل مجتمع وفي كل زمان، ولا يمكن التخلص منهم، ومسألة التعايش معهم بانتهازيتهم أمر شاق وعسير ومربك لمسيرة أي مجتمع .. ولكن من الضروري تشخيصهم ومعرفتهم بدقة وموضوعية، وحينها تكون لكل حالة، طريقة تعامل وتفاهم.

 

سلام كاظم: وهل الانتقال من حزب لآخر إنتهازية ..؟ أم تغير قناعات؟؟ ..

مصطفى المهاجر: ذلك يحتمل الأمرين في الظروف الطبيعية، أما الانتقال والتحول دائما من مركب الخاسر الى صف الرابح والحاكم، تكبر علامة الاستفهام .. !!ماذا تسمي انتقال عدد من قيادات أجهزة القمع الصدامي، الى صفوف بعض الحركات الاسلامية المشاركة بالحكم، وتسنمهم مناصب لا تقل عما كانوا عليه سابقا ..؟؟!

 

سلام كاظم: كيف يمكن ان نميز بين الانتهازي وبين من تتغير قناعاته بسبب البحث الجدي عن الحقيقة؟؟

مصطفى المهاجر: ببساطة، حين لا يكون باحثاً عن منصب أو موقع سياسي أو رسمي .. !! وأن لا يتحول الى بوق دعاية مجانية بمناسبة وبدون مناسبة .. !!

 

سلام كاظم: من الحكم الذي يضع الميزان لكي نحكم وفقه على هذا او ذاك .. او هذه او تلك. بالوطنية او اللاوطنية؟؟

مصطفى المهاجر: من المؤسف أن العلماء الأميركان والأوروبيين أو اليابانيين وحتى الصينيين، لم يستطيعوا التوصل الى صنع جهاز دقيق أو مقياس يوضع في الفم أو الأذن أو الدبر لقياس مقدار الوطنية لدى الانسان، كما تفعل مقاييس الحرارة .. !! لا حكم سوى السلوك والتطبيق العملي والمسيرة الناصعة، قبل وبعد السلطة والحكم .. !

 

سلام كاظم: ألا تراها عملية شاقة محفوفة بالاهواء؟؟

مصطفى المهاجر: بل إنها شبه مستحيلة، ما دامت الأذواق والأهواء الشخصية والولاءات الخارجية هي الحاكمة .. وليست المبادىء وتطبيقاتها الناصعة .. !

 

سلام كاظم: إجتثاث البعث الفاشي .. هل تقتصر آليته على إجراءات قانونية بحتة .. أم إن الامر يتطلب جهدا أكبر من قبل القائمين على هذه المهمة؟؟؟

مصطفى المهاجر: إنها مهمة الشعب، والضحايا منهم على وجه الخصوص .. وكذلك مهمة الطلائع المثقفة من أبناء الشعب .. بعيدا عن المصالح الذاتية والعلاقات الشخصية، والتاريخ الملوث بالانتهازية والنفاق وكتابة التقارير .. أما حكاية (الذين لم تتلطخ أياديهم بدماء الشعب)، فهي عبارة مخادعة وجبانة .. !! وماذا عن الذين غرقت ضمائرهم وأقلامهم بدمائنا ..؟؟!! وهل هناك أحد منهم ليس كذلك ..؟؟!!

 

سلام كاظم: الشاعر و.. الشعر .. هل تبحث عن جمالية النص في إسلوبه وتقنيته العالية فقط .. أم بعده الاخلاقي والانساني؟؟

مصطفى المهاجر: كلا الأمرين مطلوبان .. ولا ينفصلان إطلاقا .. إن تمجيد الطغيان وتآليه الطاغية ليس فنا ولا أدبا حتى لو بلغ الذرى .. !! والشاعر إنسان قبل كل شيىء، فإذا فقد انسانيته أو سفحها تحت نعال السلطان (الجلاد) مختارا أو مضطرا، فقد كل شي ..

 

سلام كاظم: .. . لكن لوكاتش الناقد الماركسي يقول كل أدب عظيم وخالد هو ملك الانسانية بغض النظر عن وظيفته النضالية .. هذا المحور سنتركه لحوارات مقبلة . ولابد من القول ان من يغني تحت مظلة قاتل ونذل .. فلا ينتمي الا للنذالة .. والشعر منه براء وتلك بديهية في عالم اليوم . والغريب ان هنالك من يجادل فيها .. على اية حال الجدل متاح حتى في البديهيات ما دمنا قد اتفقنا على قبول الآخر .. . بقي سؤال أخي وصديقي ..

 الوردة .. هل تفسر؟؟؟.

مصطفى المهاجر:لا يا سيدي .. الجمال لا يفسر ولا يشرح .. بل يُتذوق ويكون مصدرا للابهار وراحة النفس .. وسعادة الحياة ..

 

سلام كاظم: أراك قد تعبت. أنا ايضا .. بدأت علي مظاهر التعب .. لكن الحديث معك شيق .. وسأشاكسك بسؤال مهم .. العمامة .. كان يلبسها الحجاج ايضا .. وكان يلبسها. ابن جبير .. هل نستطيع ان نميز بين عمامة الحجاج وعمامة ابن جبير؟؟ وكيف؟؟!

مصطفى المهاجر: .. واللحية أيضاً .. !! مرة أخرى نعود الى ثنائية المظهر أم المخبر ..؟؟!! الزي أم الفعل والسلوك ..؟؟!! الشعار اللفظي أم التجسيد العملي والتطبيق ..؟؟!! وتلك هي المسألة أولاً وآخراً .. .

 

سلام كاظم:.. أتعبتك ياصديقي!!

 ألم أقل لك .. إنها ستكون رحلة شاقة .. وشيقة؟؟!

مصطفى المهاجر: إنه التعب اللذيذ يا صاحبي .. ونعم إنها رحلة شاقةٌ وشيّقة .. فشكرا لك مبدعا ومحاورا وصديقا أفتخر بصداقته .. وشكرا لراعي الثقافة والمثقفين وصديقهم الأستاذ المفكر والأديب ماجد الغرباوي .. واعذراني إذا خيّبتٌ آمالكما بضحالتي .. !!

 

سلام كاظم: عفوا .. بل كنت عميقا .. صادقا .. توخيت الدقة .. وكانت لنا فرصة للتعرف على جانب مهم ومضيء من مسيرتك وأفكارك والتي تمثل مسيرة وأفكار كتلة تاريخية مهمة في تأريخ العراق المعاصر ..

نرجو ان تكون الحلقة الاولى من (مرايا) . قد أرتقت فاستحقت اسمها بالفعل .

 

 

سلام كاظم فرج

صحيفة المثقف / مرايا ثقافية فكرية

 

 

خاص بالمثقف

............................

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1905الاثنين 10 / 10 / 2011)